Advertisement

تفسير البغوي إحياء التراث 013



الكتاب : معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي
المؤلف : محيي السنة ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى : 510هـ)
المحقق : عبد الرزاق المهدي
الناشر : دار إحياء التراث العربي -بيروت
الطبعة : الأولى ، 1420 هـ
عدد الأجزاء :5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، وهو مذيل بالحواشي، وضمن خدمة مقارنة التفاسير]
__________
الكتاب مرتبط بنسخة أخرى (ط : دار طيبة) للشاملة، ومصورة أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
الزَّجَّاجُ: هَذَا مِنْ صِفَةِ نَاصِرِيهِ ومعنى مكناهم نصرناهم على عدوهم حتى تمكنوا فِي الْبِلَادِ قَالَ [قَتَادَةُ] [1] هُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. قال الحسن: هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ
، يعني: آخَرُ أُمُورِ الْخَلْقِ وَمَصِيرُهُمْ إِلَيْهِ يَعْنِي يُبْطَلُ كُلُّ مُلْكٍ سِوَى ملكه فتصير الأمور [كلها] [2] إِلَيْهِ بِلَا مُنَازِعٍ وَلَا مُدَّعٍ.
قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ، يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ.
وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) .
وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ، يعني: أَمْهَلْتُهُمْ وَأَخَّرْتُ عُقُوبَتَهُمْ، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ، عاقبتهم، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ، يعني: إِنْكَارِي، أَيْ: كَيْفَ أَنْكَرْتُ عَلَيْهِمْ مَا فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ يُخَوِّفُ بِهِ مَنْ يُخَالِفُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُكَذِّبُهُ.
فَكَأَيِّنْ، فَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها، بِالتَّاءِ، هَكَذَا قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَيَعْقُوبُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «أَهْلَكْنَاهَا» بِالنُّونِ وَالْأَلِفِ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَهِيَ ظالِمَةٌ، يعني: وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَهِيَ خاوِيَةٌ سَاقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها، عَلَى سُقُوفِهَا، وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ: يعني وكم بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ مَتْرُوكَةٍ مُخْلَاةٍ عَنْ أَهْلِهَا وَقَصْرٍ مَشِيدٍ، قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: رَفِيعٌ طَوِيلٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ شَادَ بِنَاءَهُ إِذَا رَفَعَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: مُجَصَّصٌ مِنَ الشَّيْدِ [3] ، وَهُوَ الجهد. وَقِيلَ: إِنَّ الْبِئْرَ الْمُعَطَّلَةَ وَالْقَصْرَ الْمَشِيدَ بِالْيَمَنِ، أَمَّا الْقَصْرُ فَعَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ وَالْبِئْرُ فِي سَفْحِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَوْمٌ كَانُوا فِي نِعْمَةٍ فَكَفَرُوا فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَبَقِيَ الْبِئْرُ وَالْقَصْرُ خَالِيَيْنِ. وَرَوَى أَبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّ هَذِهِ الْبِئْرَ كَانَتْ بِحَضْرَمَوْتَ فِي بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا حَاضُورَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَرْبَعَةَ آلَافِ نَفَرٍ مِمَّنْ آمَنَ بِصَالِحٍ نَجَوْا مِنَ الْعَذَابِ أَتَوْا حَضْرَمَوْتَ وَمَعَهُمْ صَالِحٌ فَلَمَّا حَضَرُوهُ مَاتَ صَالِحٌ، فَسُمِّيَ حَضْرَمَوْتُ لأن صالحا لما حضره مات فبنوا [القرية وسميت] [4] حَاضُورَاءَ وَقَعَدُوا عَلَى هَذِهِ الْبِئْرِ وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا فَأَقَامُوا دَهْرًا وَتَنَاسَلُوا حَتَّى كَثُرُوا، ثُمَّ إِنَّهُمْ عبدوا الأصنام وكفروا [بخالق الأرض والسماوات] [5] فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ [6] نَبِيًّا يُقَالُ له حنظلة بن صفوان وكان حَمَّالًا فِيهِمْ فَقَتَلُوهُ فِي السُّوقِ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ وَعُطِّلَتْ بِئْرُهُمْ وَخُرِّبَتْ قصورهم.

[سورة الحج (22) : الآيات 46 الى 47]
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لَا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، يَعْنِي: كَفَّارَ مَكَّةَ فَيَنْظُرُوا إِلَى مَصَارِعِ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها، يَعْنِي: مَا يُذْكَرُ لَهُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، فَإِنَّها، الْهَاءُ عِمَادٌ، لَا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ، ذَكَرَ الَّتِي فِي الصدور تأكيدا
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «مشيد» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) في المطبوع «عليهم» .
(3/344)

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)
كَقَوْلِهِ: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الْأَنْعَامِ: 38] مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَمَى الضَّارَّ هُوَ عَمَى الْقَلْبِ، فَأَمَّا عَمَى الْبَصَرِ فَلَيْسَ بِضَارٍّ فِي أَمْرِ الدِّينِ، قَالَ قَتَادَةُ: الْبَصَرُ الظَّاهِرُ بُلْغةٌ وَمُتْعَةٌ وَبَصَرُ الْقَلْبِ هُوَ الْبَصَرُ النَّافِعُ.
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ، نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ حَيْثُ قَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ. وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ، فَأَنْجَزَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ. وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يَعُدُّونَ بِالْيَاءِ هَاهُنَا لقوله: (يستعجلونك) ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ ولأنه خِطَابٌ لِلْمُسْتَعْجِلِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَاتَّفَقُوا فِي تَنْزِيلِ السَّجْدَةِ [5] أَنَّهُ بِالتَّاءِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا:
«1466» رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ [1] صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بنصف يوم وذلك مقداره خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» .
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ هَذِهِ أَيَّامُ الْآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ: كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: 4] يَوْمَ الْقِيَامَةِ [2] . وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أنهم يستعجلون بالعذاب [في الدنيا] [3] ، وَإِنَّ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ عَذَابِهِمْ فِي الْآخِرَةِ أَلْفُ سَنَةٍ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَإِنَّ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْعَذَابِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ فِي الثِّقَلِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالشِّدَّةِ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، فَكَيْفَ تَسْتَعْجِلُونَهُ هَذَا؟ كَمَا يُقَالُ: أَيَّامُ الْهُمُومِ طِوَالٌ، وَأَيَّامُ السُّرُورِ قِصَارٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وَأَلْفَ سَنَةٍ فِي الْإِمْهَالِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ قَادِرٌ مَتَى شَاءَ أَخَذَهُمْ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ بِالتَّأْخِيرِ فَيَسْتَوِي فِي قُدْرَتِهِ وُقُوعُ مَا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَتَأَخُّرِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عباس في رواية عطاء.

[سورة الحج (22) : الآيات 48 الى 51]
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (51)
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها، يعني أَمْهَلْتُهَا، وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ.
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) ، الرِّزْقُ الْكَرِيمُ: الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا.
وَقِيلَ: هُوَ الْجَنَّةُ.
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا، يعني عَمِلُوا فِي إِبْطَالِ آيَاتِنَا، مُعاجِزِينَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «مُعَجِّزَيْنِ» بِالتَّشْدِيدِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ سبأ [5] يعني مُثَبِّطِينَ النَّاسَ عَنِ الْإِيمَانِ، وَقَرَأَ الآخرون «معاجزين» بألف أي يعني معاندين مشاقين.
__________
1466- تقدم في تفسير سورة الأنعام عند آية: 53.
(1) في المطبوع «معاشر» .
(2) زيد في النسخ «مما تعدون» وليس في المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/345)

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)
وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ ظَانِّينَ وَمُقَدِّرِينَ أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَنَا بِزَعْمِهِمْ أَنْ لَا بَعْثَ وَلَا نُشُورَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ، وَمَعْنَى يُعْجِزُونَنَا أَيْ يَفُوتُونَنَا فَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا [الْعَنْكَبُوتِ: 4] ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ، وَقِيلَ: مُعَاجِزِينَ مُغَالِبِينَ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يظهر عجز صاحبه.

[سورة الحج (22) : الآيات 52 الى 53]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، الْآيَةَ.
«1467» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: لَمَّا رَأَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَلِّي قَوْمِهِ عَنْهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَمَنَّى فِي نَفْسِهِ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ مَا يُقَارِبُ بَيْنَهُ
__________
1467- موضوع مفترى. ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 623 نقلا عن المفسرين.
- وورد عن ابن عباس أخرجه البزار 2263 «كشف» والطبراني 12450 ومداره على أمية بن خالد القيسي، وهو وإن وثقه الجمهور، فقد فعل الذهبي في «الميزان» 1029 عن أحمد أنه لم يحمده، وذكره العقيلي في «الضعفاء» وقد روى هذا الحديث غيره عن سعيد بن جبير مرسلا ليس فيه ذكر ابن عباس.
وللحديث علة أخرى وهي: قال البزار: لا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره إلّا بهذا الإسناد، وأمية بن خالد ثقة مشهور، وإنما يعرف هذا من حديث الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابن عباس اهـ.
- قلت: والكلبي متروك متهم، وأبو صالح لم يلق ابن عباس.
- وورد عن ابن عباس من وجه آخر أخرجه الطبري 25333 وفيه عطية العوفي منكر الحديث وعنه مجاهيل.
- وورد من مرسل سعيد بن جبير أخرجه الطبري 25331 و25332.
- وكرره 25329 من مرسل أبي العالية.
وبرقم 25334 من مرسل الضحاك.
وبرقم 25328 من مرسل محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس.
- وورد من مرسل عروة أخرجه الطبراني 5078 ومع إرساله فيه ابن لهيعة قال الهيثمي في «المجمع» 11186: فيه ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة اهـ- أي لنكارة المتن الذي ساقه، فإن فيه رجوع بعض من هاجر إلى الحبشة إلى المدينة بسبب هذا الخبر.
الخلاصة: هذه مراسيل واهية، المتصل منها لا يصح، وقد حكم ببطلان قصة الغرانيق القاضي أبو بكر بن العربي، وكذا الشوكاني والبيهقي وابن إسحاق صاحب «السيرة» حيث سئل عن هذه القصة فقال: هذا من وضع الزنادقة.
نقله أبو حيان في «البحر» وقال أبو منصور الماتريدي: هذا الخبر من إيحاء الشيطان إلى أوليائه الزنادقة، والرسالة بريئة من هذه الرواية.
وقال القاضي عياض: يكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل.
وقال العلامة الألوسي: ويكفي في ردها قول الله تعالى في وصف القرآن لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ.
وقال الحافظ ابن كثير: هي من طرق كلها مرسلة، ولم أرها من وجه صحيح. والله أعلم.
قلت: والمراسيل في هذا المقام مردودة لا يحتج بها، وهذا خبر قد اضطربوا في ألفاظه، وهو خبر موضوع مفترى.
انظر «تفسير ابن كثير» عند هذه الآية بتخريجي و «أحكام القرآن» 1517 و «الكشاف» 713 و «فتح القدير» 1681 وهي جميعا بتخريجي، ولله الحمد والمنة.
(3/346)

وَبَيْنَ قَوْمِهِ لِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِهِمْ، فكان يوما في مجلس لقريش فأنزل الله تعالى سورة والنجم فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ قَوْلَهُ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20) [النجم: 19- 20] أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ بِمَا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ وَيَتَمَنَّاهُ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لِتُرْتَجَى، فَلَمَّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ فَرِحُوا بِهِ وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا وَسَجَدَ فِي آخِرِ السُّورَةِ فَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ بِسُجُودِهِ وَسَجَدَ جَمِيعُ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ إِلَّا سَجَدَ إِلَّا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَأَبُو أُحَيْحَةَ سَعِيدُ بْنُ العاصِ فَإِنَّهُمَا أَخَذَا حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ وَرَفَعَاهَا إِلَى جَبْهَتَيْهِمَا وَسَجَدَا عَلَيْهَا لِأَنَّهُمَا كَانَا شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَلَمْ يَسْتَطِيعَا السُّجُودَ، وَتَفَرَّقَتْ قُرَيْشٌ وَقَدْ سَرَّهُمْ مَا سَمِعُوا مِنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ وَيَقُولُونَ قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، وَقَالُوا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَلَكِنَّ آلِهَتَنَا هذه تشفع لنا عنده، فإن جعل لها محمد نَصِيبًا فَنَحْنُ مَعَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَاذَا صَنَعْتَ لَقَدْ تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُزْنًا شَدِيدًا وَخَافَ من الله خوفا كبيرا [1] فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ يُعَزِّيهِ وَكَانَ بِهِ رَحِيمًا، وَسَمِعَ بِذَلِكَ مَنْ كَانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَلَغَهُمْ سُجُودُ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: [قد] [2] أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ وَأَهْلُ مَكَّةَ فَرَجَعَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى عَشَائِرِهِمْ، وَقَالُوا: هُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ مَكَّةَ بَلَغَهُمْ أَنَّ الَّذِي كَانُوا تُحَدَّثُوا بِهِ [3] مِنْ إِسْلَامِ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ بَاطِلًا فَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ إِلَّا بِجِوَارٍ أَوْ مُسْتَخْفِيًا فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَتْ قُرَيْشٌ: نَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ مَنْزِلَةِ آلِهَتِنَا عِنْدَ اللَّهِ فَغَيَّرَ ذَلِكَ وَكَانَ الْحَرْفَانِ اللَّذَانِ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَقَعَا فِي فَمِ كُلِّ مُشْرِكٍ فَازْدَادُوا شَرًّا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَشِدَّةً عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ عَيَانًا، وَلَا نَبِيٍّ، وَهُوَ الَّذِي تَكُونُ نُبُوَّتُهُ إِلْهَامًا أو مناما، فكل رَسُولٍ نَبِيٌّ، وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسُولًا. إِلَّا إِذَا تَمَنَّى، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ: أَحَبَّ شَيْئًا وَاشْتَهَاهُ وحدّث به نفسه مما لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ أَلْقَى الشَّيْطَانُ في أمنيته يعني مُرَادِهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حديثه ما وجد إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا تَمَنَّى أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ قومه ولم يتمنى ذَلِكَ نَبِيٌّ إِلَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ مَا يَرْضَى بِهِ قَوْمُهُ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ تَمَنَّى يعني تَلَا وَقَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى ألقى الشيطان في أمنيته يعني فِي تِلَاوَتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ فِي عُثْمَانَ حِينَ قُتِلَ:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ ... وَآخِرَهَا لَاقَى حِمَامَ الْمَقَادِرِ
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هل كَانَ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ يَقْرَأُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ الْغَلَطُ فِي التِّلَاوَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مَعْصُومًا مِنَ الْغَلَطِ فِي أَصْلِ الدِّينِ وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ: لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ يَعْنِي إِبْلِيسَ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لم يقرؤه [4] وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ ذَكَرَ ذَلِكَ بَيْنَ قِرَاءَتِهِ فَظَنَّ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ الرَّسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَهُ [5] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَغْفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِغْفَاءَةً
__________
(1) في المطبوع «كثيرا» .
(2) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3) في المطبوع «يحدثونه» .
(4) في المطبوع «يقرأ» .
(5) زيد في المطبوع «وقرّأه» .
(3/347)

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)
فَجَرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَبَرٌ، وَالْأَكْثَرُونَ قَالُوا: جَرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَبَّهَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّ شيطانا يقال له الأبيض [1] عَمِلَ هَذَا الْعَمَلَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً وَمِحْنَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى والله تَعَالَى يَمْتَحِنُ عِبَادَهُ بِمَا يَشَاءُ [2] . فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ، أَيْ: يُبْطِلُهُ وَيُذْهِبُهُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، فَيُثْبِتُهَا، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً، أي: محنة وبلية، لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، شَكٌّ وَنِفَاقٌ، وَالْقاسِيَةِ، يَعْنِي:
الْجَافِيَةَ، قُلُوبِهِمْ، عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ افْتُتِنُوا لَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ وَرُفِعَ فَازْدَادُوا عُتُوًّا، وَظَنُّوا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُهُ مِنْ عند [3] نَفْسِهِ ثُمَّ يَنْدَمُ فَيُبْطِلُ، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ، المشركين، لَفِي شِقاقٍ [أي] [4] ضلال، بَعِيدٍ أَيْ: فِي خِلَافٍ شَدِيدٍ.

[سورة الحج (22) : الآيات 54 الى 58]
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58)
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، التَّوْحِيدَ وَالْقُرْآنَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: التَّصْدِيقَ بِنَسْخِ الله تعالى، أَنَّهُ، يعني: الَّذِي أَحْكَمَ اللَّهُ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ، أَيْ: يَعْتَقِدُوا أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ، يعني: فتسكن [وتطمئن] [5] إِلَيْهِ قُلُوبُهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، أي: [إلى] [6] طَرِيقٍ قَوِيمٍ هُوَ الْإِسْلَامُ.
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ يعني فِي شَكٍّ مِمَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ: مَا باله [ذكر آلهتنا] [7] بِخَيْرٍ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْهَا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مِنْهُ [أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: مِنَ الدِّينِ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ] [8] . حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً، يعني: [يوم] [9] الْقِيَامَةَ. وَقِيلَ: الْمَوْتُ، أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ، قَالَ الضَّحَّاكُ وَعِكْرِمَةُ: عَذَابُ يَوْمٍ لَا لَيْلَةَ لَهُ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الْعَقِيمَ يَوْمُ بَدْرٍ لِأَنَّهُ ذَكَرَ السَّاعَةَ مِنْ قَبْلُ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَسُمِّيَ يَوْمَ بَدْرٍ عَقِيمًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلْكُفَّارِ خَيْرٌ، كَالرِّيحِ الْعَقِيمِ الَّتِي لَا تأتي بغير سَحَابٌ وَلَا مَطَرَ، [وَالْعُقْمُ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ إِذَا مُنِعَ مِنَ الْوَلَدِ] [10] ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فِي عظم أمره لقتال الملائكة
__________
(1) في المطبوع «أبيض» .
(2) في المخطوط «شاء» .
(3) في المطبوع «تلقاء» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) زيادة عن المخطوط.
(7) في المطبوع «ذكرها» .
(8) ما بين الحاصرتين في المخطوط عقب الآية مباشرة.
(9) زيادة عن المخطوط.
(10) ما بين الحاصرتين في المخطوط بعد كلام ابن جريج.
(3/348)

لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)
فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا فِيهِ إِلَى اللَّيْلِ حَتَّى قُتِلُوا قَبْلَ الْمَسَاءِ.
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِلَّهِ، مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ، يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ الْحُكْمَ، فَقَالَ تَعَالَى: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (57) .
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَارَقُوا أَوْطَانَهُمْ وَعَشَائِرَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَطَلَبِ رِضَاهُ، ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا، وَهُمْ كَذَلِكَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (قُتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا هُوَ رِزْقُ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قِيلَ: هُوَ قَوْلُهُ: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169] .

[سورة الحج (22) : الآيات 59 الى 65]
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)
لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65)
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ، لِأَنَّ لَهُمْ فيه مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ، بِنِيَّاتِهِمْ، حَلِيمٌ، عنهم.
ذلِكَ، يعني: الْأَمْرُ ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكُمْ، وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، جَازَى الظَّالِمَ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي قَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا قَاتَلُوهُ، ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ، يعني ظُلِمَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ يَعْنِي، مَا أَتَاهُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْبَغْيِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَحْوَجُوهُمْ إِلَى مُفَارَقَةِ أَوْطَانِهِمْ، نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَتَوْا قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنَ الْمُحَرَّمِ فَكَرِهَ الْمُسْلِمُونَ قِتَالَهُمْ وَسَأَلُوهُمْ أَنْ يكفوا عن القتال لأجل الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ وَقَاتَلُوهُمْ فَذَلِكَ بَغْيُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ فَنُصِرُوا عَلَيْهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ، وَالْعِقَابُ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ، عَفَا عَنْ مَسَاوِئِ الْمُؤْمِنِينَ وغفر لهم ذنوبهم.
ذلِكَ يعني ذلك النصر بِأَنَّ اللَّهَ [بأنه] [1] الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ فَمِنْ قدرته بأن [2] ، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُ
، العالي على كل شيء،
__________
(1) زيادة عن المخطوط. [.....]
(2) في المطبوع «أنه» .
(3/349)

وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66)
الْكَبِيرُ، الْعَظِيمُ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً، بِالنَّبَاتِ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ، بِأَرْزَاقِ عِبَادِهِ وَاسْتِخْرَاجِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ، خَبِيرٌ، بِمَا فِي قلوب العباد إِذَا تَأَخَّرَ الْمَطَرُ عَنْهُمْ.
لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، عَبِيدًا وَمُلْكًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ، عَنْ عِبَادِهِ، الْحَمِيدُ، فِي أَفْعَالِهِ.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ يعني وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفَلْكَ، تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَقِيلَ: مَا فِي الأرض الدواب التي تركب في البر، والفلك التي تُرْكَبُ فِي الْبَحْرِ، وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، لِكَيْلَا تَسْقُطَ عَلَى الْأَرْضِ، إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.

[سورة الحج (22) : الآيات 66 الى 71]
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70)
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71)
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ، يعني: أَنْشَأَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ، يَوْمَ الْبَعْثِ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ، لِنِعَمِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [1] .
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي شَرِيعَةً هُمْ عَامِلُونَ بِهَا. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: عِيدًا. قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: مَوْضِعَ قُرْبَانٍ يَذْبَحُونَ فِيهِ. وَقِيلَ: مَوْضِعَ عِبَادَةٍ. وَقِيلَ: مَأْلَفًا يَأْلَفُونَهُ. وَالْمَنْسَكُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْمَوْضِعُ الْمُعْتَادُ لِعَمَلِ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمِنْهُ مَنَاسِكُ الْحَجِّ لِتَرَدُّدِ النَّاسِ إِلَى أَمَاكِنِ أَعْمَالِ الْحَجِّ. فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ، يَعْنِي فِي أَمْرِ الذَّبَائِحِ. نَزَلَتْ فِي بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ وَبِشْرِ بْنِ سُفْيَانَ وَيَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ قَالُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكُمْ تَأْكُلُونَ مِمَّا تَقْتُلُونَ بِأَيْدِيكُمْ وَلَا تَأْكُلُونَ مِمَّا قَتَلَهُ اللَّهُ؟ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: فَلا يُنازِعُنَّكَ أَيْ: لَا تُنَازِعْهُمْ أَنْتَ، كَمَا يُقَالُ: لَا يُخَاصِمُكَ فُلَانٌ، أَيْ: لَا تُخَاصِمْهُ، وَهَذَا جَائِزٌ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَ الْاثْنَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لَا يَضْرِبَنَّكَ فُلَانٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ لَا تَضْرِبْهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَازَعَةَ وَالْمُخَاصَمَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِاثْنَيْنِ، فَإِذَا تُرِكَ أَحَدُهُمَا فَلَا مُخَاصَمَةَ هُنَاكَ. وَادْعُ إِلى رَبِّكَ، إِلَى الْإِيمَانِ بِرَبِّكَ، إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ.
وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (68) .
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) ، فَتَعْرِفُونَ حِينَئِذٍ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ.
وَالِاخْتِلَافُ ذَهَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ إِلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْآخَرُ.
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ، كُلَّهُ، فِي كِتابٍ، يَعْنِي اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ، إِنَّ ذلِكَ يَعْنِي: علمه بجميع [2] ذلك، عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «لجميع» .
(3/350)

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً، حُجَّةً وبرهانا، وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، يَعْنِي أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا عَنْ جَهْلٍ لَا عَنْ عِلْمٍ، وَما لِلظَّالِمِينَ، المشركين [1] ، مِنْ نَصِيرٍ، [ينصرهم ولا] [2] مَانِعٍ يَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.

[سورة الحج (22) : الآيات 72 الى 73]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ، يَعْنِي الْإِنْكَارَ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ مِنَ الكراهية والعبوس، يَكادُونَ يَسْطُونَ، يعني: يَقَعُونَ وَيَبْسُطُونَ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بِالسُّوءِ. وَقِيلَ: يَبْطِشُونَ، بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا، يعني: بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ شِدَّةِ الْغَيْظِ. يُقَالُ: سَطَا عَلَيْهِ وَسَطَا بِهِ إِذَا تَنَاوَلَهُ بِالْبَطْشِ وَالْعُنْفِ، وَأَصَّلُ السَّطْوِ الْقَهْرُ. قُلْ، يَا مُحَمَّدُ [لهم] [3] ، أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ، يعني بشرّ لكم أو أكره إِلَيْكُمْ مِنْ [هَذَا] [4] الْقُرْآنِ الَّذِي تستمعون، النَّارُ يعني: هِيَ النَّارُ، وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ، مَعْنَى: ضُرِبَ جُعِلَ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَ السُّلْطَانُ الْبَعْثَ عَلَى النَّاسِ وَضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَيْ جَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: جُعِلَ لِي شَبَهٌ وَشَبَّهَ بِيَ الْأَوْثَانَ، أَيْ:
جَعَلَ الْمُشْرِكُونَ الْأَصْنَامَ شُرَكَائِي فَعَبَدُوهَا ومعنى فَاسْتَمِعُوا لَهُ، يعني: فَاسْتَمِعُوا حَالَهَا وَصِفَتَهَا، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، قَرَأَ يَعْقُوبُ بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً، وَاحِدًا فِي صِغَرِهِ وَقِلَّتِهِ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَالذُّبَابُ وَاحِدٌ وَجَمْعُهُ الْقَلِيلُ أذبة والكثير ذباب مِثْلُ غُرَابٍ وَأَغْرِبَةٍ وَغِرْبَانٍ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، يعني خلقه، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانُوا يَطْلُونَ الْأَصْنَامَ بِالزَّعْفَرَانِ، فَإِذَا جَفَّ جَاءَ الذُّبَابُ فَاسْتَلَبَ مِنْهُ.
وَقَالَ [5] السُّدِّيُّ: كَانُوا يَضَعُونَ الطَّعَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْأَصْنَامِ فَتَقَعُ الذُّبَابُ عَلَيْهِ فَيَأْكُلْنَ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:
كَانُوا يُحَلُّونَ الْأَصْنَامَ بِالْيَوَاقِيتِ وَاللَّآلِئِ وَأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ، وَيُطَيِّبُونَهَا بِأَلْوَانِ الطيب فربما يسقط مِنْهَا وَاحِدَةٌ فَيَأْخُذُهَا طَائِرٌ أَوْ ذُبَابٌ فَلَا تَقْدِرُ الْآلِهَةُ عَلَى اسْتِرْدَادِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً أَيْ:
وَإِنْ يَسْلُبِ الذُّبَابُ الْأَصْنَامَ شَيْئًا مِمَّا عَلَيْهَا لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّالِبُ الذُّبَابُ يَطْلُبُ مَا يسلب من الطيب عن [6] الصنم، والمطلوب الصَّنَمُ يَطْلُبُ الذُّبَابَ مِنْهُ السَّلْبَ. وَقِيلَ: عَلَى الْعَكْسِ: الطَّالِبُ الصَّنَمُ والمطلوب الذُّبَابُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الطَّالِبُ الْعَابِدُ والمطلوب المعبود.
__________
(1) في المطبوع «للمشركين» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) في المخطوط «وعن» .
(6) في المطبوع «من» .
(3/351)

مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)
[سورة الحج (22) : الآيات 74 الى 77]
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ وَمَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا وَصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ إِنْ أَشْرَكُوا بِهِ مَا لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الذُّبَابِ وَلَا يَنْتَصِفُ مِنْهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.
اللَّهُ يَصْطَفِي، يَعْنِي يَخْتَارُ مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا، وَهُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعِزْرَائِيلُ وَغَيْرُهُمْ، وَمِنَ النَّاسِ، يعني: يَخْتَارُ مِنَ النَّاسِ رُسُلًا مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأنبياء [صلوات الله عليهم أجمعين] [1] ، نَزَلَتْ حِينَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص:
8] فأخبره أَنَّ الِاخْتِيَارَ إِلَيْهِ يَخْتَارُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلقِهِ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يعني: سَمِيعٌ لِقَوْلِهِمْ بَصِيرٌ بِمَنْ يَخْتَارُهُ لِرِسَالَتِهِ.
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا قَدَّمُوا، وَما خَلْفَهُمْ، مَا خَلَّفُوا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا عَمِلُوا وَمَا خَلْفَهُمْ مَا هُمْ عَامِلُونَ مِنْ بَعْدُ. وَقِيلَ: مَا بين أيدي ملائكته ورسله قبل أن يخلقهم وما خلفهم أي ويعلم مَا هُوَ كَائِنٌ بَعَدَ فَنَائِهِمْ. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا، يعني: صَلُّوا لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ، أي: وحدوه، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صِلَةُ الرَّحِمِ وَمَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، لِكَيْ تَسْعَدُوا وَتَفُوزُوا بِالْجَنَّةِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ عِنْدَ [2] قِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُسْجَدُ عندها وهو قول عمرو وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا:
«1468» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَنَا أبو
__________
1468- صدره حسن، وعجزه ضعيف. إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة، وشيخه مشرح بن هاعان لين الحديث.
- قتيبة هو ابن سعيد، ابن لهيعة هو عبد الله.
- وهو في «شرح السنة» 766 بهذا الإسناد.
- وهو في «سنن الترمذي» 578 عن قتيبة بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 1402 والدارقطني 1/ 408 والحاكم 1/ 221 وأحمد 4/ 151 والواحدي في «الوسيط» 3/ 281 والبيهقي 2/ 317 من طرق عن ابن لهيعة به.
- وإسناده ضعيف، وله علتان: ضعف ابن لهيعة، وشيخه مشرح بن هاعان قال عنه الحافظ في «التقريب» : مقبول.
- وقال الذهبي في «الميزان» 4/ 117: صدوق لينه ابن حبان، وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين: ثقة، وقال ابن حبان: يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها، فالصواب ترك ما انفرد به اهـ.
- وعجزه ضعيف، وهو قوله «فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما» بل هو منكر، وهو إما من مناكير ابن لهيعة حيث اختلط، أو من شيخه مشرح، وأيّا كان فعجز الحديث ضعيف منكر.
- وقد ضعفه الترمذي بقوله: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي.
(1) في المطبوع «عليهم السّلام» .
(2) في المطبوع «عقيب» .
(3/352)

الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا قتيبة أنا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ [1] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سجدتين؟ فقال: «نعم، من لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا» .
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ هَاهُنَا وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وأصحاب الرأي، [وعدد سجدات القرآن أربع عشرة سجدة عِنْدَ] [2] أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفْصَّلِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُفْصَّلِ سُجُودٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
«1469» وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي «اقْرَأْ» ، وَ «إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» .
وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْإِسْلَامِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي سُجُودِ (ص) فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ سُجُودُ شُكْرٍ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَسْجُدُ فيها، يروى ذَلِكَ عَنْ عُمْرَ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، فَعِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ وَأَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ سُجُودُ القرآن خمس
__________
- وعارضه أحمد شاكر رحمه الله فقال: بل هو حديث صحيح، فإن ابن لهيعة ومشرح ثقتان....؟!.
- وأما الألباني فذكر الحديث في «ضعيف سنن أبي داود» 303 وفي ذلك نظر، فإن لصدره شواهد منها:
- حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص: أخرجه أبو داود 1401 وابن ماجه 1057 والحاكم 1/ 223 والبيهقي 2/ 79 وإسناده ضعيف، فيه عبد الله بن منين مجهول، وعنه الحارث بن سعيد العتكي، لا يعرف.
وقال الحاكم عقبه: رواية مصريون، واحتج الشيخان بأكثر الرواة! وسكت الذهبي! وقال الزيلعي في «نصب الراية» 2/ 180: قال عبد الحق: ابن منين لا يحتج به، قال ابن القطان: وذلك الضعف حيث فيه الجهالة فقط، ومع ذلك فقد أدخله الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» 301؟!.
- وله شاهد مرسل، أخرجه أبو داود في «المراسيل» ص 113 عن خالد بن معدان، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي 2/ 317 ونقل عن أبي داود قوله: وقد أسند هذا الحديث، ولا يصح اهـ.
ومراده والله أعلم أن هناك من وصل مرسل ابن معدان، والصواب إرساله.
ومع ذلك يصلح شاهدا للموصول المتقدم، وما قبله.
- وقد ورد موقوفا عن جماعة من الصحابة، أسند ذلك كله الحاكم في «المستدرك» 2/ 390- 391 والبيهقي 2/ 317- 318 وكذا الدارقطني 1/ 408- 410 وقال الحاكم: قد صحت الرواية فيه من قول عمر وابنه وابن عباس وابن مسعود وأبي موسى وأبي الدرداء وعمار.
- فهذه الموقوفات مع المرسل مع الموصول المتقدم تشهد لصدر حديث عقبة دون عجزه وترقى به إلى درجة الحسن والله أعلم.
- وانظر «أحكام القرآن» 1519.
1469- صحيح. أخرجه مسلم 578 وأبو داود 1407 والترمذي 573 والنسائي 2/ 162 وابن ماجه 1058 وابن حبان 6767 وابن خزيمة 554 والدارمي 1/ 343 من طرق عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة.
- وأخرجه البخاري 1074 ومسلم 578 والنسائي 2/ 161 وابن حبان 2761 والدارمي 1/ 343 من طرق عن أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه. [.....]
(1) في المطبوع «عاهان» .
(2) ما بين الحاصرتين في المطبوع «وعدة سجود القرآن أربعة عشر» .
(3/353)

وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)
عَشْرَةَ سَجْدَةً فَعَدُّوا سَجْدَتَيِ الْحَجِّ سجدة [1] ص.
«1470» روي عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي القرآن.

[سورة الحج (22) : آية 78]
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)
قَوْلُهُ: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، قِيلَ: جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَعْدَاءَ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اسْتِفْرَاغُ الطَّاقَةِ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: لَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ فَهُوَ حَقُّ الْجِهَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المَائِدَةِ: 54] . قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: اعْمَلُوا لِلَّهِ حَقَّ عَمَلِهِ وَاعْبُدُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التَّغَابُنِ: 16] ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: حَقُّ الْجِهَادِ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ صادقة خالصة لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هُوَ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَهُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ وَهُوَ حَقُّ الْجِهَادِ.
«1471» وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكٍ قَالَ: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» .
وَأَرَادَ بِالْجِهَادِ الْأَصْغَرِ الجهاد مع الكفار والجهاد الْأَكْبَرِ الْجِهَادَ مَعَ النَّفْسِ. هُوَ اجْتَباكُمْ يعني:
اخْتَارَكُمْ لِدِينِهِ، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، ضِيقٍ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُبْتَلَى بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْهُ مَخْرَجًا بَعْضُهَا بِالتَّوْبَةِ وَبَعْضُهَا بِرَدِّ الْمَظَالِمِ وَالْقِصَاصِ، وَبَعْضُهَا بِأَنْوَاعِ الْكَفَّارَاتِ، فَلَيْسَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ ذَنْبٌ [2] لَا يَجِدُ الْعَبْدُ سَبِيلًا إِلَى الْخَلَاصِ مِنَ الْعِقَابِ فِيهِ. وَقِيلَ: مِنْ ضِيقٍ في أوقات
__________
1470- تقدم تخريجه في أثناء التعليق على حديث عقبة بن عامر المتقدم قبل حديث واحد.
1471- باطل. ذكره الثعلبي في «تفسيره» كما في «تخريج الكشاف» 3/ 173 بغير سند.
- وورد بنحوه من حديث جابر أخرجه البيهقي في «الزهد» 373 بلفظ «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قوم غزاة فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
قدمتم خير مقدم من جهاد الأصغر إلى جهاد الأكبر» فقيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال: «مجاهدة العبد هواه» .
قال الحافظ البيهقي عقبه: وهذا إسناد فيه ضعف.
- وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» 3/ 173: هو من رواية عيسى بن إبراهيم عن يحيى بن يعلى عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سَلِيمٍ، والثلاثة ضعفاء.
قلت: يحيى وليث كلاهما ضعيف فحسب، وأما عيسى بن إبراهيم، فهو متروك الحديث قاله أبو حاتم والنسائي، وقال يحيى: ليسى بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. أي لا تحل الرواية عنه كما هو معلوم من اصطلاح البخاري، والحمل عليه في هذا الحديث. وقد ورد هذا من كلام إبراهيم بن أبي عبلة أحد التابعين من أهل الشام كما قال الحافظ في «تخريج الكشاف» 3/ 173 وهو الصواب، فالمرفوع باطل، والصواب مقطوع أي هو من كلام التابعي.
- تنبيه: وقد استشهد الدكتور البوطي بهذا الحديث في عدة دروس، وعند ما روجع فيه، أجاب بأن ضعفه محتمل وغير شديد وأنه يعمل به في فضائل الأعمال، والصواب ما ذكرت، والله الموفق.
(1) في المطبوع «وسجدتي» .
(2) في المطبوع «ما» .
(3/354)

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)
فُرُوضِكُمْ مِثْلَ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالْفِطْرِ وَوَقْتِ الْحَجِّ إِذَا الْتَبَسَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ وَسَّعَ ذَلِكَ [1] عَلَيْكُمْ حَتَّى تَتَيَقَّنُوا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الرُّخَصَ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ كَقَصْرِ الصَّلَاةِ في السفر والتيمم عند فقد الماء وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْإِفْطَارِ بالسفر وبالمرض والصلاة قاعدا عند العجز عن القيام. وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَرَجُ مَا كَانَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ من الإصر [2] الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ وَضَعَهَا اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ، يعني كَلِمَةَ أَبِيكُمْ نُصِبَ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ وَقِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ، يعني اتَّبِعُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ قِيلَ: ما وَجْهُ قَوْلِهِ: مِلَّةَ أَبِيكُمْ وَلَيْسَ كل المسلمين يرجع نسبه [3] إِلَى إِبْرَاهِيمَ؟ قِيلَ: خَاطَبَ بِهِ الْعَرَبَ وَهُمْ كَانُوا مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: خَاطَبَ بِهِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَإِبْرَاهِيمُ أَبٌ لَهُمْ عَلَى مَعْنَى وُجُوبِ احْتِرَامِهِ وَحِفْظِ حَقِّهِ كَمَا يَجِبُ احْتِرَامُ الْأَبِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الْأَحْزَابِ: 6] .
«1472» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الوالد» ، هُوَ سَمَّاكُمُ، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ، يَعْنِي مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَفِي هَذَا يعني: فِي الْكِتَابِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ هُوَ يَرْجِعُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [أَيْ أَنَّ إبراهيم هو] [4] سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيَّامِهِ، مِنْ قَبْلِ هَذَا الْوَقْتِ وَفِي هَذَا الْوَقْتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البَقَرَةِ: 218] ، لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ قَدْ بَلَّغَكُمْ، وَتَكُونُوا، أَنْتُمْ، شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، أَنَّ رُسُلَهُمْ قَدْ بَلَّغَتْهُمْ، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ، ثِقُوا بِاللَّهِ وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ.
قَالَ الْحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ يَعْصِمَكُمْ مِنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ادْعُوهُ لِيُثَبِّتَكُمْ عَلَى دِينِهِ. وَقِيلَ: الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسَّنَةِ، هُوَ مَوْلاكُمْ، وَلِيُّكُمْ وَنَاصِرُكُمْ وَحَافِظُكُمْ، فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ، النَّاصِرُ لكم.

تفسير سورة المؤمنون
مكية وهي مائة وثماني عشرة آية

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2)
__________
1472- صحيح. أخرجه أبو داود (8) والنسائي 1/ 38 وابن ماجه 312 وأحمد 2/ 250 والدارمي 1/ 172 و173 وابن حبان 1431 وأبو عوانة 1/ 200 والطحاوي في «المعاني» 1/ 123 و4/ 233 والبيهقي في «السنن» 1/ 112 من طرق عن ابن
(1) في المطبوع «الله» .
(2) في المطبوع «الأعمال» .
(3) في المطبوع «نسبهم» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/355)

«1473» أَخْبَرَنَا [أَبُو حَامِدٍ] [1] أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [2] الصَّالِحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بن حماد أنا عبد الرزاق أنا يونس بن سليم [3] أَمْلَى عَلَيَّ يُونُسُ صَاحِبُ أَيْلَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عبد القاري قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَمَكَثْنَا سَاعَةً. وفي رواية: فنزل عليه يَوْمًا فَمَكَثْنَا سَاعَةً فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ورفع يديه فقال: «اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَكْرِمْنَا [وَلَا تُهِنَّا وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا] [4] وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَارْضَ عَنَّا» ، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، ثُمَّ قَرَأَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) إِلَى عَشْرِ آيَاتٍ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَالُوا: «وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) ، قَدْ حَرْفُ تأكيد، وقال المحققون (قد) يقرب الْمَاضِيَ مِنَ الْحَالِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَلَاحَ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ وَأَنَّهُمْ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ تَجْرِيدِ ذِكْرِ الْفِعْلِ، وَالْفَلَاحُ:
النَّجَاةُ وَالْبَقَاءُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَعِدَ الْمُصَدِّقُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَبَقُوا فِي الْجَنَّةِ.
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) ، اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْخُشُوعِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُخْبِتُونَ أَذِلَّاءُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: خَائِفُونَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مُتَوَاضِعُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ غَضُّ الْبَصَرِ وَخَفْضُ الصَّوْتِ، وَالْخُشُوعُ قَرِيبٌ مِنَ الْخُضُوعِ إِلَّا أَنَّ الْخُضُوعَ فِي الْبَدَنِ والخشوع في القلب [5] والبصر
__________
عجران عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعا بأتم منه. وإسناده حسن لأجل ابن عجلان، لكن له شواهد، ولعلها تأتي في الأحزاب، والله أعلم.
1473- إسناده ضعيف لجهالة يونس بن سليم شيخ عبد الرزاق.
- عبد الرزاق بن همام، يونس بن يزيد، ابن شهاب محمد بن مسلم.
- وهو في «شرح السنة» 1370 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي بإثر 3173 والنسائي في «الكبرى» 1439 وأحمد 1/ 34 والحاكم 2/ 392 والواحدي في «أسباب النزول» 625 من طرق عن عبد الرزاق به.
- وأخرجه عبد الرزاق 6038 والترمذي 3173 من طريق عبد الرزاق عن يونس بن سليم الصنعاني عن الزهري به.
وصححه الحاكم وقال الذهبي: سئل عبد الرزاق عن شيخه ذا، فقال: لا أظنه شيئا.
وقال الترمذي: هذا أصح من الحديث الأول، سمعت إسحاق بن منصور يقول: روى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلِيُّ بْنُ المديني وإسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن يونس بن سليم عن يونس بن يزيد عن الزهري هذا الحديث.
وقال الترمذي: ومن سمع عبد الرزاق قديما، فإنهم إنما يذكرون فيه عن يونس بن يزيد وبعضهم لا يذكر فيه عن يونس بن يزيد، ومن ذكر فيه يونس بن يزيد، فهو أصح، وكان عبد الرزاق ربما ذكر في هذا الحديث يونس بن يزيد، وربما لم يذكر فيه يونس فهو مرسل.
(1) زيد في المطبوع. [.....]
(2) في المطبوع «السلام» .
(3) تصحف في المطبوع «سليمان» .
(4) سقط من المطبوع.
(5) في المخطوط وسط «البدن» .
(3/356)

وَالصَّوْتِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ [طه: 108] ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ أَنْ لَا يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ أَنْ لَا يَعْرِفَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَلَا مَنْ عَلَى شماله [1] ، وَلَا يَلْتَفِتَ مِنَ الْخُشُوعِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
«1474» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بن إسماعيل حدثنا مسدد أنا أبو الأحوص أنا أَشْعَثُ بْنُ سَلِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشيطان من صلاة العبد» .
«1475» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أنا أَبُو الْحَسَنِ الْقَاسِمُ بْنُ بَكْرٍ الطيالسي
__________
- وقال النسائي: هذا حديث منكر، لا نعلم أحدا رواه غير يونس بن سليم، ويونس بن سليم لا نعرفه، والله أعلم.
- وانظر «أحكام القرآن» 1522 و «فتح القدير» 1690 بتخريجي.
1474- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم سوى مسدد، فإنه من رجال البخاري.
- مسدد بن مسرهد، أبو الأحوص هو سلّام بن سليم، سليم والد أشعث هو ابن الأسود.
- وهو في «شرح السنة» 733 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 751 عن مسدد بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 3291 وأبو داود 910 والترمذي 590 والنسائي 3/ 8 وأحمد 1076 وابن خزيمة 484 و931 وابن حبان 2287 والبيهقي 2/ 281 من طرق عن أشعث بن سليم به.
- وأخرجه النسائي 3/ 8 من طريق إسرائيل عن أشعث عن أبي عطية عن مسروق به.
- وأخرجه النسائي 3/ 8- 9 من وجه آخر عن عائشة موقوفا عليها.
لكن الصحيح رفعه، ولا يضره وقف من وقفه.
1475- حسن صحيح بشواهده. إسناده ضعيف، وله علتان: ضعف صالح بن أبي الأخضر، ولين أبي الأحوص، فإنه مقبول، وقد توبع صالح، تابعه غير واحد، وللحديث شواهد يتقوى بها إن شاء الله.
- وهو في «شرح السنة» 734 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 909 والبيهقي 2/ 281 والبغوي في «شرح السنة» 735 من طريق أحمد بن صالح عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أبي الأحوص يحدثنا في مجلس سعيد بن المسيب قال: قال أبو ذر.... فذكره.
- وأخرجه النسائي 3/ 8 وأحمد 5/ 172 من طريق ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن أبي الأحوص مولى بني ليث يحدثنا في مجلس سعيد بن المسيب أنه سمع أبا ذر يقول:.... فذكره.
- أخرجه ابن خزيمة 482 والبيهقي 2/ 282 من طريق الليث عن يونس عن الزهري قال: سمعت أبا الأحوص يحدث سعيد بن المسيب أن أبا ذر قال:.... فذكره.
- وأخرجه الحاكم 1/ 26 من طريق الزهري قال: سمعت أبا الأحوص يحدث عن سعيد بن المسيب أن أبا ذر قال: ...
فذكره.
وصححه ووافقه الذهبي! وليس بشيء، فالحديث عن أبي الأحوص عن أبي ذر.
وقال المصنف في «شرح السنة» صالح بن أبي الأخضر ضعيف. قلت: توبع كما تقدم.
- وله شاهد من حديث الحارث الأشعري، أخرجه الطيالسي 1161 وأحمد 4/ 202 وابن خزيمة 930 وإسناده حسن صحيح، وهو شاهد قوي لحديث أبي ذر.
- وله شاهد من حديث حذيفة أخرجه ابن ماجه 1023 وابن خزيمة في «صحيحه» 324.
- وقال البوصيري في «الزوائد» : رجال إسناده ثقات.
- الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بشاهديه، وقد أدرجه الألباني في «ضعيف أبي داود» 194 في حين ذكر حديث
(1) زيد في المطبوع والمخطوط- أ- وفي المخطوط- ب- وط «يساره» .
(3/357)

ببغداد أنا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطرسوسي أنا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الكريدي أنا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وهو فِي صِلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فإذا التفت انصرف عَنْهُ» .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: هُوَ السُّكُونُ وَحُسْنُ الْهَيْئَةِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُ: هُوَ أَنْ لَا تَرْفَعَ بَصَرَكَ عَنْ مَوْضِعِ سجودك.
قال أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا نَزَلَ:
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) رَمَوْا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى مَوَاضِعِ السُّجُودِ.
«1476» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَا ابن أبي عروبة أنا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ» ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» .
وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَنْ لَا تَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِكَ فِي الصَّلَاةِ.
«1477» وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْصَرَ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: «لَوْ خشع قلب هذا خشعت جَوَارِحُهُ» .
«1478» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَا أَبُو عيسى الترمذي
__________
حذيفة في «الصحيحة» 1596، ولم أدر وجه التفريق بين الحديثين، والذي يظهر لي أن حديث الحارث شاهد قوي، وأما حديث حذيفة فهو شاهد للمعنى.
1476- إسناده صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم غير علي بن عبد الله وهو المديني، فإنه من رجال البخاري.
- ابن أبي عروبة هو سعيد بن مهران، قتادة هو ابن دعامة.
- وهو في «شرح السنة» 740 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 750 عن علي بن عبد الله بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 913 والنسائي 3/ 7 وابن ماجه 1044 وأحمد 3/ 140 وابن خزيمة 475 و476 وابن حبان 2284 والبيهقي 2/ 282 من طرق عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ به.
- وأخرجه الطيالسي 2019 من طريق هشام الدستوائي عن قتادة به.
1477- باطل. أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» كما في «تخريج الكشاف» 3/ 175 من حديث أبي هريرة، بإسناد ساقط فيه أبو داود النخعي سليمان بن عمرو، وهو كذاب.
قال يحيى: كان أكذب الناس. انظر «الميزان» 2/ 216.
وكذا ذكر الحافظ في «تخريج الكشاف» بعد أن عزاه للحكيم الترمذي حيث قال: فيه سليمان بن عمرو، وهو أبو داود النخعي، أحد من اتهم بوضع الحديث اهـ.
- وبهذا يعلم تساهل العراقي- رحمه الله- إذ قال في «تخريج الإحياء» 1/ 151: أخرجه الحكيم من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، لكن ذكر فائدة بعد ذلك حيث قال: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» من قول سعيد بن المسيب، وفيه راو لم يسمّ.
- ومع ذلك الصواب موقوف على سعيد، والله أعلم.
- وانظر «الكشاف» 718 بتخريجي.
1478- إسناده ضعيف رجاله ثقات مشاهير غير أبي الأحوص، وهو مولى بني ليث، قال الذهبي في «الميزان» 4/ 478: أبو
(3/358)

وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)
أنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ» .
وَقِيلَ: الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ هُوَ جَمْعُ الْهِمَّةِ وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهَا، وَالتَّدَبُّرُ فِيمَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ من القراءة والذكر.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 3 الى 10]
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (7)
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (9) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10)
قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنِ الشِّرْكِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عَنِ الْمَعَاصِي. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: عَنْ كُلِّ باطل ولهو وما لا يحمد [1] مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ. وَقِيلَ: هُوَ مُعَارَضَةُ الْكَفَّارِ بِالشَّتْمِ وَالسَّبِّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفُرْقَانِ: 72] ، أَيْ: إِذَا سَمِعُوا الْكَلَامَ الْقَبِيحَ أَكْرَمُوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ.
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) ، أَيْ: لِلزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ مُؤَدُّونَ، فَعَبَّرَ عَنِ التَّأْدِيَةِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهَا [2] فِعْلٌ. وَقِيلَ: الزَّكَاةُ هَاهُنَا هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، أَيْ: وَالَّذِينَ هُمْ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ فَاعِلُونَ.
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) ، الْفَرْجُ اسْمٌ يَجْمَعُ سَوْأَةَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَحِفْظُ الْفَرْجِ التَّعَفُّفُ عَنِ الْحَرَامِ.
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ، أَيْ: مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، عَلَى بِمَعْنَى مِنْ. أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ، «ما» في محل خفض يعني أو مما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ، وَالْآيَةُ فِي الرِّجَالِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ وَالْمَرْأَةُ لَا يَجُوزُ [لها] [3] أَنْ تَسْتَمْتِعَ بِفَرْجِ مَمْلُوكِهَا. فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، يَعْنِي يَحْفَظُ فَرْجَهُ إِلَّا مِنَ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَا يُلَامُ فِيهِمَا إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ أَذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ دُونَ الْإِتْيَانِ فِي غَيْرِ الْمَأْتَى، وَفِي حَالِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَإِنَّهُ مَحْظُورٌ وَهُوَ عَلَى فِعْلِهِ ملوم.
__________
الأحوص عن أبي ذر ما حدث عنه غير الزهري، وثقه بعض الكبار، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم اهـ.
- وقال الحافظ في «التقريب» : مقبول، أي حيث يتابع، ولم يتابع على هذا الحديث، وهو غريب.
- وهو في «شرح السنة» 663 بهذا الإسناد.
- وهو في «سنن الترمذي» 379 سعيد بن عبد الرحمن بهذا الإسناد.
- أخرجه أبو داود 945 والنسائي 3/ 6 وابن ماجه 1027 وأحمد 5/ 150 وابن أبي شيبة 2/ 410- 411 والحميدي 128 وابن حبان 2273 وابن الجارود 219 والبيهقي 2/ 284 من طرق عن سفيان به.
وأخرجه أحمد 5/ 163 و179 والطيالسي 476 والمصنف في «شرح السنة» 664 من طرق عن الزهري به.
وقال الترمذي: حديث أبي ذر حديث حسن!.
- والصواب أنه ضعيف، ولم يتابع أبو الأحوص على هذا الحديث، وحسنه الشيخ شعيب في «الإحسان» وفيه نظر، فالرجل لم يرو عنه غير الزهري، فهو على القاعدة مجهول العين، ولم يرو سوى حديثين كما ذكر الذهبي في «الميزان»
(1) في المخطوط «يحل» وكذا في- ط- وفي المطبوع «يجمل» والمثبت عن «الوسيط» 3/ 284 للواحدي. [.....]
(2) في المخطوط «لأنه» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/359)

الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)
فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ، أَيِ: الْتَمَسَ وَطَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ، فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ، الظَّالِمُونَ المتجاوزون من الحلال والحرام، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِمْنَاءَ بِالْيَدِ حَرَامٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْهُ فَقَالَ: مَكْرُوهٌ، سَمِعْتُ أَنَّ قَوْمًا يُحْشَرُونَ وَأَيْدِيهُمْ حُبَالَى فَأَظُنُّ أَنَّهُمْ هَؤُلَاءِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَذَّبَ اللَّهُ أُمَّةً كَانُوا يَعْبَثُونَ بِمَذَاكِيرِهِمْ.
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «لِأَمَانَتِهِمْ» عَلَى التَّوْحِيدِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ [32] ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَهْدِهِمْ وَالْبَاقُونَ بِالْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النَّسَاءِ: 58] ، وَعَهْدِهِمْ راعُونَ، حَافِظُونَ، أَيْ يَحْفَظُونَ مَا ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ، وَالْعُقُودُ الَّتِي عَاقَدُوا النَّاسَ عَلَيْهَا، يَقُومُونَ بِالْوَفَاءِ بِهَا، وَالْأَمَانَاتُ تَخْتَلِفُ فَتَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ تعالى وبين العباد كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْعِبَادَاتِ الَّتِي أَوْجَبَهَا الله عليه، وتكون [بين العباد] [1] كَالْوَدَائِعِ وَالصَّنَائِعِ فَعَلَى الْعَبْدِ الْوَفَاءُ بِجَمِيعِهَا.
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: «صَلَاتِهِمْ» عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالْآخَرُونَ صَلَوَاتِهِمْ عَلَى الْجَمْعِ. يُحافِظُونَ، أَيْ: يُدَاوِمُونَ عَلَى حِفْظِهَا وَيُرَاعُونَ أَوْقَاتَهَا، كَرَّرَ ذِكْرَ الصَّلَاةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ كَمَا أَنَّ الْخُشُوعَ فِيهَا وَاجِبٌ.
أُولئِكَ، أَهْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ، هُمُ الْوارِثُونَ، يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ.
«1479» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ وِرْثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ» وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10) . وَقَالَ مجاهد: لكل واحد مَنْزِلَانِ [2] مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَبْنِي مَنْزِلَهُ الَّذِي لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَيَهْدِمُ مَنْزِلَهُ الَّذِي لَهُ فِي النَّارِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَهْدِمُ مَنْزِلَهُ الذي [له] [3] فِي الْجَنَّةِ وَيَبْنِي مَنْزِلَهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الوارثة هو أنه يؤول أَمْرُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَنَالُونَهَا كَمَا يؤول أمر الميراث إلى الوارث.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 11 الى 14]
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (11) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (14)
قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ، وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، هُمْ فِيها خالِدُونَ، لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَخْرُجُونَ.
«1480» وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بيده
__________
فالرجل غير مشهور بحمل العلم.
1479- تقدم في تفسير سورة الأعراف عند آية: 43.
1480- ضعيف جدا. أخرجه أبو الشيخ في «العظمة» 1032 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 692 وأبو نعيم في «صفة الجنة» 23 والواحدي في «الوسيط» 3/ 285 من طريق عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بن الحارث عن أبيه مرسلا فهذه علة.
(1) في المطبوع «من العبيد» .
(2) في المطبوع «منزلا» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/360)

ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15)
وَغَرَسَ الْفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَعِزَّتِي لَا يَدْخُلُهَا مُدْمِنُ خَمْرٍ ولا ديوث» .
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ، يعني: ولد آدم، والإنسان اسم جنس يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، مِنْ سُلالَةٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: السُّلَالَةُ صَفْوَةُ الْمَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنْ بَنِي آدَمَ.
وقال عكرمة: هو [الماء] [1] يُسِيلُ مِنَ الظَّهْرِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي النُّطْفَةَ سُلَالَةً وَالْوَلَدَ سَلِيلًا وَسُلَالَةً لِأَنَّهُمَا مَسْلُولَانِ مِنْهُ قَوْلُهُ: مِنْ طِينٍ، يعني: طينة آدَمَ. وَالسُّلَالَةُ: تَوَلَّدَتْ مِنْ طِينٍ خُلِقَ آدَمُ مِنْهُ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: مِنْ نُطْفَةٍ سُلَّتْ مِنْ طِينٍ وَالطِّينُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنَ الْإِنْسَانِ هُوَ آدَمُ. وَقَوْلُهُ: مِنْ سُلالَةٍ أَيْ: سُلَّ مِنْ كُلِّ تُرْبَةٍ.
ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً، يَعْنِي الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً، فِي قَرارٍ مَكِينٍ، حريز وهو الرحمن مكن وهبّئ لِاسْتِقْرَارِهَا فِيهِ إِلَى بُلُوغِ أَمَدِهَا.
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ «عظما» ، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ بسكون الظاء عَلَى التَّوْحِيدِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَمْعِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ ذُو عِظَامٍ كثيرة. وقيل: بين كل خلقتين أربعون عاما. فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً، أي ألبسناه ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ، اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: هُوَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَبَاتُ الْأَسْنَانِ وَالشَّعَرِ.
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ اسْتِوَاءُ الشَّبَابِ. وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ذَلِكَ تَصْرِيفُ أَحْوَالِهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ مِنَ الِاسْتِهْلَالِ إِلَى الِارْتِضَاعِ، إِلَى الْقُعُودِ إِلَى الْقِيَامِ، إِلَى الْمَشْيِ إِلَى الْفِطَامِ، إِلَى أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ، وَيَتَقَلَّبَ فِي الْبِلَادِ إِلَى مَا بَعْدَهَا. فَتَبارَكَ اللَّهُ، أَيْ:
اسْتَحَقَّ التَّعْظِيمَ وَالثَّنَاءَ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. أَحْسَنُ الْخالِقِينَ، الْمُصَوِّرِينَ والمقدرين. والخلق في اللغة الصنع [2] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ يَصْنَعُونَ وَيَصْنَعُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الصَّانِعِينَ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَالِقٌ أَيْ: صَانِعٌ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّمَا جَمَعَ الْخَالِقِينَ لِأَنَّ عيسى كان يخلق [الطير من الطين] [3] كَمَا قَالَ: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آلِ عِمْرَانَ: 49] فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نفسه بأنه أحسن الخالقين.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 15 الى 18]
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (17) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (18)
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) [المؤمنون: 15] ، وَالْمَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ، وَالمَائِتُ الَّذِي لَمْ يَمُتْ بَعْدُ وَسَيَمُوتُ، وَالْمَيِّتُ بِالتَّخْفِيفِ مَنْ مَاتَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزِ التخفيف هاهنا.
__________
- وفي إسناده أيضا أبي معشر، وهو ضعيف، فهذه علة ثانية.
- وقد أخرجه عبد الرزاق في «التفسر» 1952 والطبري 25410 عن قتادة عن كعب الأحبار قوله.
- وكرره الطبري 25413 عن عطاء عن ميسرة الفجر قوله، وهو أصبح من المرفوع.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «التقدير» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/361)

كَقَوْلِهِ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) [الزُّمَرِ: 30] .
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16) .
وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ، أَيْ: سَبْعَ سَمَوَاتٍ، سُمِّيَتْ طَرَائِقَ لِتَطَارُقِهَا وَهُوَ أَنَّ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ، يُقَالُ: طَارَقْتُ النَّعْلَ إِذَا جَعَلْتُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ طَرَائِقَ لِأَنَّهَا طَرَائِقُ الْمَلَائِكَةِ. وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ، أي [لم نغفل عن حرسهم بل] [1] كُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ فَتُهْلِكُهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحَجِّ: 65] .
وَقِيلَ: مَا تَرَكْنَاهُمْ سُدَىً بِغَيْرِ أَمْرٍ وَنَهْيٍ. وَقِيلَ: وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ أَيْ بَنَيْنَا فَوْقَهُمْ سَمَاءً أَطْلَعْنَا فِيهَا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ.
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ، يَعْلَمُهُ اللَّهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِمْ لِلْمَعِيشَةِ، فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ، يُرِيدُ مَا يَبْقَى فِي الْغُدْرَانِ وَالْمُسْتَنْقَعَاتِ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فِي الصَّيْفِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ. وَقِيلَ:
فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ أَخْرَجْنَا مِنْهَا يَنَابِيعَ، فَمَاءُ الْأَرْضِ كُلُّهُ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ، حَتَّى تَهْلَكُوا عَطَشًا وَتَهْلَكَ مَوَاشِيكُمْ وَتُخَرَّبَ أَرَاضِيكُمْ.
«1481» وَفِي الْخَبَرِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ مِنَ الْجَنَّةِ سَيْحَانُ، وَجَيْحَانُ وَدِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ.
148»
وَرَوَى مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ مِنَ الْجَنَّةِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ جَيْحُونَ وَسَيَحْوُنَ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ وَالنِّيلَ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ اسْتَوْدَعَهَا اللَّهُ الْجِبَالَ وَأَجْرَاهَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَرَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ الْقُرْآنَ، وَالْعِلْمَ كُلَّهُ وَالْحَجَرَ الْأَسْوَدِ مِنْ رُكْنِ الْبَيْتِ، وَمَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَتَابُوتَ مُوسَى بِمَا فِيهِ، وَهَذِهِ الْأَنْهَارَ اَلْخَمْسَةَ فَيَرْفَعُ كُلُّ ذَلِكَ إِلَى السَّمَاءِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ «فَإِذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنَ الْأَرْضِ فَقَدَ أَهْلُهَا خير الدين والدنيا» .
__________
1481- أخرجه مسلم 2839 وأحمد 2/ 289 و440 والخطيب 1/ 54- 55 من طرق عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سيحان وجيحان، والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة» .
- وأخرجه أحمد 1/ 262 وأبو يعلى 5921 والحميدي 1163 والخطيب 1/ 54 من طرق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظ «أربعة أنهار فجرت من الجنة: الفرات والنيل: نيل مصر. وسيحان وجيحان» .
تنبيه: وليس في كلا الطريقين ذكر نهر دجلة.
1482- باطل. أخرجه الخطيب 1/ 57 وابن حبان في «المجروحين» 3/ 34 والنحاس كما في «تفسير القرطبي» 12/ 112- 113 وابن عدي في «الكامل» 6/ 315 والواحدي في «الوسيط» 31/ 286- 287 من طريق مسلمة بن علي الخشني عن مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عباس به مرفوعا، والمتن باطل بهذا التمام.
- وإسناده ساقط، مسلمة متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وبه أعله ابن عدي وابن حبان، وقال: كان ممن يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم.
- ومقاتل بن حيان غير حجة، وقد روى مناكير كثيرة، وبخاصة في التفسير.
وانظر الحديث المتقدم، فهو الصحيح، وانظر «أحكام القرآن» 1528 بتخريجي. [.....]
(1) زيادة عن المخطوط.
(3/362)

فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)
وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ الْحَسَنُ [1] بن سفيان عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ بِالْإِجَازَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ عَنْ مُسْلِمَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مقاتل بن حيان.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 19 الى 24]
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (23)
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ، يعني بِالْمَاءِ، جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها، فِي الْجَنَّاتِ، فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ، شِتَاءً وَصَيْفًا، وَخُصَّ النَّخِيلُ وَالْأَعْنَابُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ فَوَاكِهِ الْعَرَبِ وَشَجَرَةً أَيْ وأنشأ لَكُمْ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ، وَهِيَ الزَّيْتُونُ، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَبُو عَمْرٍو «سِينَاءَ» بِكَسْرِ السِّينِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ وَفِي سِينِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَطُورِ سِينِينَ (2) [التَّينِ: 2] قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ الْبَرَكَةُ، أَيْ: مِنْ جَبَلٍ مُبَارَكٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ الْحُسْنُ، أَيْ مِنَ الْجَبَلِ الْحَسَنِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ بِالنَّبَطِيَّةِ، وَمَعْنَاهُ الْحُسْنُ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ هُوَ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ الشَّجَرُ، أَيْ: جَبَلٌ ذُو شَجَرٍ. وَقِيلَ: هُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ الْمُلْتَفَّةُ بِالْأَشْجَارِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ فَهُوَ سِينًا، وَسِينِينَ بِلُغَةِ النَّبَطِ. وَقِيلَ: هُوَ فَيْعَالُ مِنَ السناء وهو الارتفاع. وقال ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي نُودِيَ مِنْهُ مُوسَى بَيْنَ مِصْرَ وَأَيْلَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَيْنَا اسْمُ حِجَارَةٍ بِعَيْنِهَا أُضِيفَ الْجَبَلُ إِلَيْهَا لِوُجُودِهَا عِنْدَهُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ اسم للمكان [2] الَّذِي فِيهِ هَذَا الْجَبَلُ، تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَيَعْقُوبُ تُنْبِتُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ، فَمَنْ قَرَأَ [تنبت] [3] بِفَتْحِ التَّاءِ فَمَعْنَاهُ تَنْبُتُ تُثْمِرُ الدُّهْنَ وَهُوَ الزَّيْتُونُ. وَقِيلَ: تَنْبُتُ وَمَعَهَا الدُّهْنُ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ التَّاءِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ مَعْنَاهُ تُنْبِتُ الدُّهْنَ كَمَا يُقَالُ أَخَذْتُ ثَوْبَهُ وَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: نَبَتَ وَأَنْبَتَ لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ:
رَأَيْتُ ذَوِي الحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ ... قَطِينًا [4] لَهُمْ حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ البَقْلُ
أَيْ: نَبَتَ، وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ، الصِّبْغُ وَالصِّبَّاغُ الإدام الذي يلون الخبز إذ غُمِسَ فِيهِ وَيَنْصَبِغُ، وَالْإِدَامُ كُلُّ مَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ سَوَاءٌ يَنْصَبِغُ بِهِ الْخُبْزُ أَوْ لَا يَنْصَبِغُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: جَعَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ أُدْمًا وَدُهْنًا، فَالْأُدُمُ: الزَّيْتُونُ، وَالدُّهْنُ: الزَّيْتُ، وَقَالَ: خَصَّ الطَّوْرُ بِالزَّيْتُونِ لِأَنَّ أَوَّلَ الزيتون نبت بها.
ويقال: لأن الزَّيْتُونَ أَوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ فِي الدنيا بعد الطوفان.
قوله سبحانه وتعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً، يعني: آيَةً تَعْتَبِرُونَ بِهَا، نُسْقِيكُمْ، قَرَأَ العامة بالنون، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ هَاهُنَا بِالتَّاءِ وَفَتْحِهَا [5] ، مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ.
عَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
(22) ، يعني: عَلَى الْإِبِلِ فِي الْبَرِّ وَعَلَى الفلك في البحر.
__________
(1) تصحف في المخطوط «الحسين» .
(2) في المطبوع «المكان» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) تصحف في المخطوط «فطينا» .
(5) قرأ نافع وابن عامر وشعبة ويعقوب «نسقيكم» بفتح النون، وقرأ يعقوب «تسقيكم» وقرأ الباقون «نسقيكم» .
(3/363)

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وحدوده، مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، مَعْبُودٍ سِوَاهُ، أَفَلا تَتَّقُونَ، أَفَلَا تَخَافُونَ عُقُوبَتَهُ إِذَا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ.
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ، يعني: يَتَشَرَّفَ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْكُمْ فَيَصِيرَ مَتْبُوعًا وَأَنْتُمْ لَهُ تَبَعٌ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ، أَنْ لَا يُعْبَدَ سِوَاهُ، لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً، يَعْنِي بِإِبْلَاغِ الْوَحْيِ مَا سَمِعْنا بِهذا، الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ نُوحٌ فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ، وَقِيلَ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا أَيْ: بِإِرْسَالِ بَشَرٍ رسولا.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 25 الى 29]
إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29)
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ، يعني: جُنُونٌ، فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ، يعني إِلَى أَنْ يَمُوتَ فَتَسْتَرِيحُوا مِنْهُ.
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (26) ، يعني: أَعِنِّي بِإِهْلَاكِهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّايَ.
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها، أَدْخِلْ فِيهَا، يُقَالُ سَلَكْتُهُ فِي كَذَا وَأَسْلَكْتُهُ فِيهِ، مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ، يعني مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْهَلَاكِ.
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ.
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ، اعْتَدَلْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يعني الْكَافِرِينَ، وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً، قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ «مَنْزِلًا» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزاي، يُرِيدُ مَوْضِعَ النُّزُولِ، قِيلَ: هُوَ السَّفِينَةُ بَعْدَ الرُّكُوبِ، وَقِيلَ: هُوَ الْأَرْضُ بَعْدَ النُّزُولِ [وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي السَّفِينَةِ، وَيُحْتَمَلُ بَعْدَ الْخُرُوجِ] [1] . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مُنْزَلًا» بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ، أَيْ إِنْزَالًا مباركا، فَالْبَرَكَةُ فِي السَّفِينَةِ النَّجَاةُ وَفِي النُّزُولِ بَعْدَ الْخُرُوجِ كَثْرَةُ النَّسْلِ مِنْ أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 30 الى 36]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (32) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (34)
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (36)
إِنَّ فِي ذلِكَ، يَعْنِي الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ أَمْرِ نُوحٍ وَالسَّفِينَةِ وَإِهْلَاكِ أَعْدَاءِ الله، لَآياتٍ، دلالات عَلَى قُدْرَتِهِ، وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ، يعني: وَقَدْ كُنَّا. وَقِيلَ: وَمَا كُنَّا إِلَّا مُبْتَلِينَ أَيْ: مُخْتَبِرِينَ إِيَّاهُمْ بِإِرْسَالِ نُوحٍ وَوَعْظِهِ وَتَذْكِيرِهِ لِنَنْظُرَ مَا هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ نُزُولِ العذاب بهم.
__________
(1) ما بين الحاصرتين في المخطوط عقب «مباركا» .
(3/364)

إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ، مِنْ بَعْدِ إِهْلَاكِهِمْ، قَرْناً آخَرِينَ.
فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، يَعْنِي هُودًا وَقَوْمَهُ. وَقِيلَ: صَالِحًا وَقَوْمَهُ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ.
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ، أي بالمصير [1] إِلَى الْآخِرَةِ، وَأَتْرَفْناهُمْ، نَعَّمْنَاهُمْ وَوَسَّعْنَا عَلَيْهِمْ، فِي الْحَياةِ الدُّنْيا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ، يعني مِمَّا تَشْرَبُونَ مِنْهُ.
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (34) ، لَمَغْبُونُونَ. أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) ، مِنْ قُبُورِكُمْ أَحْيَاءً وَأَعَادَ أَنَّكُمْ لَمَّا طَالَ الْكَلَامُ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا مُخْرَجُونَ؟ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، نَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها [التَّوْبَةِ: 63] .
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (36) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ كَلِمَةُ بُعْدٍ، أَيْ: بَعِيدٌ مَا تُوعِدُونَ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ «هَيْهَاتِ هَيْهَاتِ» بِكَسْرِ التَّاءِ، وَقَرَأَ نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ بِالضَّمِّ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ فَمَنْ نَصَبَ جَعْلَهُ مِثْلَ أَيْنَ وَكَيْفَ، وَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ مِثْلَ مُنْذُ وَقَطُّ وَحَيْثُ، وَمَنْ كَسَرَ جَعَلَهُ مِثْلَ أَمْسِ وَهَؤُلَاءِ، وَوَقَفَ عَلَيْهَا أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ بِالتَّاءِ، وَيُرْوَى عَنِ الْكِسَائِيِّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا بِالْهَاءِ.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 37 الى 44]
إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (39) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41)
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ مَا جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)
إِنْ هِيَ، يَعْنُونَ الدُّنْيَا، إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا، قِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ: نَحْيَا وَنَمُوتُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: يَمُوتُ الْآبَاءُ وَيَحْيَا الْأَبْنَاءُ. وَقِيلَ: يَمُوتُ قَوْمٌ وَيَحْيَا قَوْمٌ. وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، بِمُنْشَرِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ.
إِنْ هُوَ، يعنون [2] الرَّسُولَ، إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ، بِمُصَدِّقِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (26) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ، أَيْ: عَنْ قليل «وما» صلة، لَيُصْبِحُنَّ، ليصيرون، نادِمِينَ، عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ.
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، يَعْنِي صَيْحَةَ الْعَذَابِ، بِالْحَقِّ، قِيلَ: أَرَادَ بِالصَّيْحَةِ الْهَلَاكَ. وَقِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَتَصَدَّعَتْ قُلُوبُهُمْ، فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً، وَهُوَ مَا يحمله السيل من الحشيش وعيدان الشجر، مَعْنَاهُ: صَيَّرْنَاهُمْ هَلْكَى فَيَبِسُوا يَبَسَ الْغُثَاءِ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (42) ، يعني: أقواما آخرين.
__________
(1) في المطبوع «المصير» .
(2) في المطبوع «يعني» .
(3/365)

ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45)
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها، يعني: ما تسبق أمة أجلها، «ومن» صلة أَيْ: وَقْتَ هَلَاكِهَا، وَما يَسْتَأْخِرُونَ، وَمَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْ وَقْتِ هَلَاكِهِمْ [1] .
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا، يعني: مُتَرَادِفِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا غَيْرَ مُتَوَاصِلِينَ، لِأَنَّ بَيْنَ كُلِّ نَبِيِّينَ زَمَانًا طَوِيلًا وَهِيَ فَعَلَى مَنَ الْمُوَاتَرَةِ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ وَاتَرْتُ الخبر إذا أَتْبَعْتُ بَعْضَهُ بَعْضًا وَبَيْنَ الْخَبْرَيْنِ هُنَيْهَةٌ [2] ، وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِيهِ، فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عمرو بالتنوين ويعقوب بِالْأَلْفِ، وَلَا يُمِيلُهُ أَبُو عَمْرٍو في الوقف [والألف] [3] فِيهَا كَالْأَلِفِ فِي قَوْلِهِمْ رَأَيْتُ زَيْدًا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِلَا تَنْوِينٍ، وَالْوَقْفُ عِنْدَهُمْ يَكُونُ بِالْيَاءِ وَيُمِيلُهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ غَضْبَى وَسَكْرَى، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ مِثْلُ شَتَّى، وَعَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ التَّاءُ الْأُولَى بَدْلٌ مِنَ الْوَاوِ وَأَصْلُهُ وَتْرَى مِنَ الْمُوَاتَرَةِ وَالتَّوَاتُرِ، فَجُعِلَتِ الْوَاوُ تَاءً مِثْلُ التَّقْوَى وَالتُّكْلَانِ، كُلَّ مَا جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً، بِالْهَلَاكِ، أَيْ: أَهْلَكْنَا بَعْضَهُمْ فِي إِثْرِ بعض، وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ، يعني سَمَرًا وَقَصَصًا يَتَحَدَّثُ مَنْ بَعْدَهُمْ بِأَمْرِهِمْ وَشَأْنِهِمْ وَهِيَ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ. وَقِيلَ:
جَمْعُ حَدِيثٍ. قَالَ الْأَخْفَشُ: إنما هذا [4] فِي الشَّرِّ وَأَمَّا فِي الْخَيْرِ فَلَا يُقَالُ جَعَلْتُهُمْ [5] أَحَادِيثَ وَأُحْدُوثَةً وإنما يُقَالُ صَارَ فُلَانٌ حَدِيثًا، فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 45 الى 52]
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (45) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (46) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (50) يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ، يعني بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ مِنَ الْيَدِ وَالْعَصَا. وغير هما.
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا، تَعَظَّمُوا عَنِ الْإِيمَانِ، وَكانُوا قَوْماً عالِينَ، مُتَكَبِّرِينَ قَاهِرِينَ [غَيْرَهُمْ] [6] بِالظُّلْمِ.
فَقالُوا، يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا، يعنون [7] : مُوسَى وَهَارُونَ، وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ، مُطِيعُونَ مُتَذَلِّلُونَ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ من دان الملك [8] عَابِدًا لَهُ.
فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) ، بِالْغَرَقِ.
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، التوراة، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ، لكي يهتدي به قومه.
__________
(1) في المخطوط «هلاكها» .
(2) في المطبوع «مهملة» والمثبت عن المخطوط وط و «الوسيط» 3/ 290 وتمام عبارة «الوسيط» : وهي كالدعوى والتقوى، وأكثر العرب على ترك تنوينها.
(3) سقط من المطبوع.
(4) في المطبوع وسط «هو» .
(5) في المخطوط «جعلناهم» . [.....]
(6) زيادة عن المخطوط.
(7) في المطبوع «يعني» .
(8) في المطبوع «للملك» .
(3/366)

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً، دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِنَا، وَلَمْ يَقُلْ آيتين، قيل: معناه [جعلنا] [1] شَأْنُهُمَا آيَةٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [الكَهْفِ: 33] . وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ، الرَّبْوَةُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَاخْتَلَفَتِ الأقوال فيها، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ دِمَشْقٌ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُقَاتِلٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: غُوطَةُ دِمَشْقَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هِيَ الرَّمَلَةُ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَكَعْبٍ. وَقَالَ كَعْبٌ: هِيَ أَقْرَبُ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ مِصْرُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَرْضُ فِلَسْطِينَ. ذاتِ قَرارٍ أَيْ:
مُسْتَوِيَةٍ مُنْبَسِطَةٍ وَاسِعَةٍ يَسْتَقِرُّ عليها ساكنوها. وَمَعِينٍ، المعين الْمَاءُ الْجَارِي الظَّاهِرُ الَّذِي تَرَاهُ الْعُيُونُ، مَفْعُولٌ مَنْ عَانَهُ يُعِينُهُ إذا أدركه البصر. قوله: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ، قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي مُخَاطَبَةِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهِ عِيسَى وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ، أَيِ الحَلَالَاتِ، وَاعْمَلُوا صالِحاً، الصَّلَاحُ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى مَا توجيه الشَّرِيعَةُ، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
وَإِنَّ هذِهِ قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَإِنَّ بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَخَفَّفَ ابْنُ عَامِرٍ النُّونَ وَجَعَلَ إِنَّ صِلَةً مَجَازُهُ وَهَذِهِ أُمَّتُكُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى مَعْنَى وَبِأَنَّ هَذَا تَقْدِيرُهُ بِأَنَّ هَذِهِ أَمَتُّكُمْ، أَيْ مِلَّتُكُمْ وَشَرِيعَتُكُمُ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا، أُمَّةً واحِدَةً، أَيْ مِلَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْإِسْلَامُ، وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، أَيْ: اتَّقُونِي لِهَذَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُ بِهِ الْمُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فَأَمْرُكُمْ واحد وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فاحذورن وَقِيلَ: هُوَ نَصْبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أي: واعلموا إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أَيْ مِلَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 53 الى 60]
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57)
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60)
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ، دِينَهُمْ، بَيْنَهُمْ، أَيْ: تَفَرَّقُوا فَصَارُوا فِرَقًا يَهُودًا وَنَصَارَى وَمَجُوسًا، زُبُراً أَيْ: فِرَقًا وَقِطَعًا مُخْتَلِفَةً، وَاحِدُهَا زَبُورٌ وَهُوَ الْفِرْقَةُ وَالطَّائِفَةُ، وَمِثْلُهُ الزُّبْرَةُ وَجَمْعُهَا زُبَرٌ، وَمِنْهُ: زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكَهْفِ: 96] أَيْ: صَارُوا فِرَقًا كَزُبَرِ الْحَدِيدِ. وَقَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ «زُبَرًا» بِفَتْحِ الْبَاءِ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ «زُبُرًا» أَيْ: كُتُبًا يَعْنِي دَانَ كُلُّ فَرِيقٍ بِكِتَابٍ غَيْرِ الْكِتَابِ الَّذِي دَانَ بِهِ الْآخَرُونَ. وَقِيلَ: جَعَلُوا كُتُبَهُمْ قِطَعًا مُخْتَلِفَةً آمَنُوا بِالْبَعْضِ وَكَفَرُوا بِالْبَعْضِ وَحَرَّفُوا الْبَعْضَ، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ، أي: بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الدِّينِ [2] ، فَرِحُونَ، مُعْجَبُونَ وَمَسْرُورُونَ.
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ، وَقِيلَ: عَمَايَتِهِمْ، وَقِيلَ:
غَفْلَتِهُمْ حَتَّى حِينٍ، إِلَى أَنْ يَمُوتُوا.
أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [أي] [3] مَا نُعْطِيهِمْ وَنَجْعَلُهُ مَدَدًا لَهُمْ مِنَ الْمَالِ وَالْبَنِينَ فِي الدُّنْيَا.
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «منهم الذين» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/367)

نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، أَيْ: نجعل لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ وَنُقَدِّمُهَا ثَوَابًا لِأَعْمَالِهِمْ لِمَرْضَاتِنَا عَنْهُمْ، بَلْ لَا يَشْعُرُونَ، أَنَّ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ لَهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُسَارِعِينَ فِي الْخَيْرَاتِ فَقَالَ:
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) ، أَيْ: خَائِفُونَ، وَالْإِشْفَاقُ: الْخَوْفُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ خَائِفُونَ مِنْ عِقَابِهِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْمُؤْمِنُ مَنْ جَمَعَ إِحْسَانًا وَخَشْيَةً، وَالْمُنَافِقُ مَنْ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا.
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، يُصَدِّقُونَ.
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) .
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا، أَيْ: يُعْطُونَ مَا أعطوا من الزكوات والصدقات، روي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ «وَالَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا» أَيْ: يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
، أَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَنَّ أَعْمَالَهُمْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، لِأَنَّهُمْ موقنون [1] أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجلّ. قال الحسن: عملوا والله [2] بِالطَّاعَاتِ وَاجْتَهَدُوا فِيهَا، وَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ.
«1483» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ [أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ] [3] الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ أنا عبد الله بن عمرو، أنا وَكِيعٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ [4] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَهْوَ الَّذِي يَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصَّدِيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ أن لا يقبل منه» .
__________
1483- حسن بطرقه. إسناده ضعيف، عبد الله بن عمرو ومن دونه توبعوا، ومن فوقه رجال الصحيح إلّا أنه منقطع، عبد الرحمن بن سعيد لم يدرك عائشة لكن توبع، فللحديث طرق.
- وكيع هو ابن الجراح.
- وأخرجه ابن ماجه 4198 والحاكم 1/ 394 وأحمد 6/ 205 والبيهقي في «الشعب» 762 من طرق عن وكيع به.
- وأخرجه الترمذي 3175 من طريق سفيان عن مالك من مغول به.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 3/ 293 من طريق عبد الله بن محمد الصوفي عن محمد بن أيوب عن جرير عن ليث عن عمرة عن عائشة به.
وإسناده ضعيف لأجل ليث بن أبي سليم.
- وأخرجه الطبري 25559 عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هريرة عن عائشة، وفيه عمر بن قيس، وهو ضعيف.
- وكرره الطبري 25561 من وجه آخر، وفيه راو لم يسم.
وكرره من وجه رابع 25563 وإسناده منقطع بين العوام بن حوشب وعائشة لكن الحديث بمجموع هذه الطرق يرقى إلى درجة الحسن والله أعلم.
وانظر «تفسير الشوكاني» 1706 و «الكشاف» 722 و «أحكام القرآن» 1534 وهي جميعا بتخريجي.
(1) في المطبوع «يوقنون» .
(2) في المطبوع «لله» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) تصحف في المطبوع «معون» .
(3/368)

أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 61 الى 66]
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (61) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (63) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65)
قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، يُبَادِرُونَ إِلَى الْأَعْمَالِ الصالحة [1] ، وَهُمْ لَها سابِقُونَ، أَيْ: إِلَيْهَا سَابِقُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِما نُهُوا [الأنعام: 28] أي: إلى ما نهوا، و «لما قالوا» ونحوها، قال ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ السَّعَادَةُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: سَبَقُوا الْأُمَمَ إِلَى الْخَيْرَاتِ.
قَوْلُهُ: وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، أَيْ: طَاقَتَهَا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْقِيَامَ فَلْيُصَلِّ قَاعِدًا وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّوْمَ فَلْيُفْطِرْ، وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ، وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ يُبَيِّنُ بِالصِّدْقِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا أَطَاقَتْ مِنَ الْعَمَلِ، وَقَدْ أَثْبَتْنَا علمه [2] فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَهُوَ يَنْطِقُ بِهِ وَيُبَيِّنُهُ.
وَقِيلَ: هُوَ كَتْبُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ الَّتِي تَكْتُبُهَا الْحَفَظَةُ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، لَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا يُزَادُ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْكُفَّارَ فَقَالَ: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ، أَيْ: فِي غَفْلَةٍ وَجَهَالَةٍ، مِنْ هَذَا، أَيْ: مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ، أَيْ: لِلْكُفَّارِ أَعْمَالٌ خَبِيثَةٌ مِنَ الْمَعَاصِي، وَالْخَطَايَا مَحْكُومَةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ، يَعْنِي مِنْ دُونِ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) [المؤمنون: 57] ، هُمْ لَها عامِلُونَ، لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا فَيَدْخُلُوا بِهَا النَّارَ لِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الشَّقَاوَةِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا يَنْصَرِفُ إلى [المؤمنين معناه]]
وَأَنَّ لَهُمْ أَعْمَالًا سِوَى مَا عَمِلُوا مِنَ الْخَيْرَاتِ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ، أَيْ: أَخَذْنَا أَغْنِيَاءَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ، بِالْعَذابِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ السَّيْفُ يَوْمَ بَدْرٍ.
«1484» وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْجُوعَ حِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطَأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِّيِّ يُوسُفَ» فَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَحْطِ حَتَّى أَكَلُوا الْكِلَابَ وَالْجِيَفَ. إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ [يضجون و] [4] يجزعون وَيَسْتَغِيثُونَ وَأَصْلُ الْجَأْرِ رَفَعُ الصَّوْتِ بالتضرع.
لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ، أَيْ لَا تَضِجُّوا، إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ، لَا تُمْنَعُونَ مَنَّا وَلَا يَنْفَعُكُمْ تَضَرُّعُكُمْ.
قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ تَرْجِعُونَ الْقَهْقَرَى تَتَأَخَّرُونَ عن الإيمان.
__________
1484- ساقه هاهنا عن الضحاك تعليقا، وإسناده إليه أول الكتاب، وهو مرسل بكل حال، وانظر ما بعده.
(1) في المطبوع «الصالحات» .
(2) في المطبوع «عمله» . [.....]
(3) في المطبوع «المسلمين» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/369)

مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 67 الى 71]
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ، اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ فَأَظْهَرُ الْأَقَاوِيلِ أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ كِنَايَةً عَنْ [1] غَيْرِ مَذْكُورٍ، أَيْ: مُسْتَكْبِرِينَ مُتَعَظِّمِينَ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ وَتَعَظُّمُهُمْ بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وَجِيرَانُ بَيْتِهِ فَلَا يَظْهَرُ عَلَيْنَا أَحَدٌ وَلَا نَخَافُ أَحَدًا فَيَأْمَنُونَ فِيهِ وَسَائِرُ النَّاسِ فِي الْخَوْفِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَجَمَاعَةٍ.
وَقِيلَ: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي بالقرآن فلا يؤمنون به. والأول أظهر [أن] [2] الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَرَمُ، سامِراً، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، أَيْ أَنَّهُمْ يَسْمَرُونَ بِاللَّيْلِ فِي مَجَالِسِهِمْ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَوَحَّدَ سَامِرًا وَهُوَ بِمَعْنَى السُّمَّارِ لِأَنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ الْوَقْتِ، أَرَادَ تهجرون ليلا. وقيل: وحّد سامر، وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ، كَقَوْلِهِ: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحَجِّ: 5] ، تَهْجُرُونَ، قَرَأَ نَافِعٌ «تُهْجِرُونَ» بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مِنَ الْإِهْجَارِ وَهُوَ الْإِفْحَاشُ فِي الْقَوْلِ، أَيْ تُفْحِشُونَ وَتَقُولُونَ الْخَنَا.
وَذَكَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسُبُّونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «تَهْجُرُونَ» بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ، أَيْ:
تُعْرِضُونَ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَتَرْفُضُونَهَا. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْهَجْرِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَبِيحُ، يُقَالُ هَجَرَ يَهْجُرُ هَجْرًا إِذَا قَالَ غَيْرَ الْحَقِّ. وَقِيلَ: تهزؤون وَتَقُولُونَ مَا لَا تَعْلَمُونَ، مِنْ قَوْلِهِمْ هَجَرَ الرَّجُلُ فِي مَنَامِهِ إذا هذى.
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا، يعني يَتَدَبَّرُوا، الْقَوْلَ، يَعْنِي: مَا جَاءَهُمْ مِنَ الْقَوْلِ وَهُوَ الْقُرْآنُ، فَيَعْرِفُوا مَا فِيهِ مِنَ الدَّلَالَاتِ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمْ جاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، فَأَنْكَرُوا، يُرِيدُ إِنَّا قَدْ بَعَثْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ كَذَلِكَ بَعَثْنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ. وَقِيلَ: أَمْ بِمَعْنَى بَلْ يَعْنِي جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ فَلِذَلِكَ أَنْكَرُوا.
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ، مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [3] : أَلَيْسَ قَدْ عَرَفُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَغِيرًا وَكَبِيرًا وَعَرَفُوا نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَوَفَاءَهُ بِالْعُهُودِ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهُمْ على الإعراض عنه بعد ما عَرَفُوهُ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ.
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ، جُنُونٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، يَعْنِي بِالصِّدْقِ والقول الذي لا يخفى صِحَّتُهُ وَحُسْنُهُ عَلَى عَاقِلٍ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ.
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ: الْحَقُّ هُوَ اللَّهُ أَيْ لَوِ اتَّبَعَ اللَّهُ مُرَادَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ، وَقِيلَ: لَوِ اتَّبَعَ مُرَادَهُمْ، فَسَمَّى لِنَفْسِهِ شَرِيكًا وَوَلَدًا كَمَا يَقُولُونَ: لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق والقرآن أَيْ لَوْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِمَا يُحِبُّونَ مِنْ جَعْلِ الشَّرِيكِ وَالْوَلَدِ عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ
__________
(1) في المخطوط «من» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيد في المخطوط وحده «يعني» .
(3/370)

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)
لَفَسَدَتا [الْأَنْبِيَاءِ: 22] . بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ، بِمَا يُذَكِّرُهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ بِمَا فِيهِ فَخْرُهُمْ وَشَرَفُهُمْ يَعْنِي الْقُرْآنَ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الْأَنْبِيَاءِ: 10] ، أَيْ: شَرَفُكُمْ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزُّخْرُفِ: 44] ، أَيْ: شَرَفٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ، يَعْنِي عَنْ شَرَفِهِمْ، مُعْرِضُونَ.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 72 الى 79]
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (74) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (76)
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79)
أَمْ تَسْأَلُهُمْ، عَلَى مَا جِئْتَهُمْ بِهِ، خَرْجاً، أَجْرًا وَجُعْلًا، فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ، يعني مَا يُعْطِيكَ اللَّهُ مِنْ رِزْقِهِ وَثَوَابِهِ خَيْرٌ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، قرأ حمزة والكسائي «خراجا» «فخرج» كِلَاهُمَا بِالْأَلِفِ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ كلاهما بغير ألف وقرأ الباقون [1] «خَرْجًا» بِغَيْرِ أَلِفٍ «فَخَرَاجُ» بِالْأَلِفِ.
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ.
وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ، أَيْ عَنْ دِينِ الْحَقِّ، لَناكِبُونَ، لَعَادِلُونَ مَائِلُونَ.
وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ، قَحْطٍ وَجُدُوبَةٍ لَلَجُّوا، تَمَادَوْا، فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَلَمْ يُنْزَعُوا عَنْهُ.
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ.
«1485» وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِّيِّ يُوسُفَ فَأَصَابَهُمُ الْقَحْطُ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: «بَلَى» ، فَقَالَ:
قَدْ قَتَلْتَ الْآبَاءَ بِالسَّيْفِ والأبناء بالجوع [فأين الرحمة] [2] فَادْعُ اللَّهَ أَنَّ يَكْشِفَ عَنَّا هَذَا الْقَحْطَ، فَدَعَا فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ، أَيْ: مَا خَضَعُوا وَمَا ذَلُّوا لِرَبِّهِمْ، وَأَصْلُهُ طَلَبُ السُّكُونِ، وَما يَتَضَرَّعُونَ، أَيْ: لَمْ يَتَضَرَّعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بَلْ مَضَوْا على تمردهم.
__________
1485- أخرجه الطبري 25633 عن ابن عباس به، وفيه يحيى بن واضح، وفيه كلام، وعبد المؤمن بن خالد غير قوي.
- وورد من وجه آخر بنحوه عن ابن عباس قال: «جاء أَبُو سُفْيَانَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا محمد أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز- يعني الوبر، والدم- فأنزل الله وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ....
أخرجه النسائي في «الكبرى» 11352 وفي «التفسير» 372 والطبري 25632 والواحدي 629 والطبراني 11/ 370 ح 12038 والحاكم 2/ 394 والبيهقي في «الدلائل» 2/ 90 من وجوه عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عباس به، وهو حديث حسن بطرقه.
- ويشهد لأصله ما أخرجه البخاري 4824 ومسلم 2798 والترمذي 3254 وأحمد 1/ 380 من حديث ابن مسعود وفيه «.... اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يوسف ... » .
(1) في المطبوع «الآخرون» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3/371)

وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80)
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْقَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَوْتُ. وَقِيلَ: هُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ، إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ، آيِسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ.
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ، أي: الْأَسْمَاعَ [1] وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، لِتَسْمَعُوا وَتُبْصِرُوا وَتَعْقِلُوا، قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، أَيْ: لَمْ تَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ.
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ، خَلَقَكُمْ، فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، تبعثون.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 80 الى 88]
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قالُوا مِثْلَ مَا قالَ الْأَوَّلُونَ (81) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88)
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أَيْ: تَدْبِيرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: جَعَلَهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ يَتَعَاقَبَانِ وَيَخْتَلِفَانِ فِي السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، أَفَلا تَعْقِلُونَ، مَا تَرَوْنَ مِنْ صَنْعَةٍ فَتُعْتَبَرُونَ.
بَلْ قالُوا مِثْلَ مَا قالَ الْأَوَّلُونَ (81) ، أَيْ: كَذَّبُوا كَمَا كذب الأولون.
قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) ، لمحشرون، قَالُوا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ.
لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هَذَا، الْوَعْدَ، مِنْ قَبْلُ، أَيْ: وَعَدَ آبَاءَنَا قَوْمٌ ذَكَرُوا [2] أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ فَلَمْ نَرَ لَهُ حَقِيقَةً، إِنْ هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أَكَاذِيبُ الْأَوَّلِينَ.
قُلْ، يَا مُحَمَّدُ مُجِيبًا لَهُمْ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها، مِنَ الْخَلْقِ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، خَالِقَهَا وَمَالِكَهَا.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ. قُلْ لَهُمْ إِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ، فَتَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ الْأَرْضِ وَمَنْ فِيهَا ابْتِدَاءً يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) .
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ، قَرَأَ الْعَامَّةُ «لِلَّهِ» وَمِثْلُهُ مَا بَعْدَهُ فَجَعَلُوا الْجَوَابَ عَلَى الْمَعْنَى كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ:
مَنْ مَوْلَاكَ؟ فيقول: فلان [3] ، أَيْ أَنَا لِفُلَانٍ وَهُوَ مَوْلَايَ، وقرأ أهل البصرة فيها «اللَّهُ» وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَفِي سَائِرِ الْمَصَاحِفِ مَكْتُوبٌ بِالْأَلِفِ كَالْأَوَّلِ، قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، تَحْذرُونَ.
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ والملكوت الْمُلْكُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ يُجِيرُ، أَيْ: يُؤَمِّنُ مَنْ يَشَاءُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ، أَيْ: لَا يُؤمَّنُ مَنْ أَخَافُهُ اللَّهُ أَوْ يَمْنَعُ هُوَ مِنَ السُّوءِ مَنْ يَشَاءُ وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، قِيلَ: مَعْنَاهُ أَجِيبُوا إِنْ كُنْتُمْ تعلمون.
__________
(1) زيد في المطبوع «أنشأ لكم» .
(2) في المطبوع «زعموا» .
(3) في المخطوط «فلان» .
(3/372)

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 89 الى 95]
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93)
رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (95)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) ، أَيْ: تُخْدَعُونَ وَتُصْرَفُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، وَالْمَعْنَى:
كَيْفَ يُخَيَّلُ لَكُمُ الْحَقُّ بَاطِلًا؟ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ بِالصِّدْقِ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فِيمَا يَدَّعُونَ من الشريك والولد.
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، أَيْ: مِنْ شَرِيكٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، أَيْ: تَفَرَّدَ بِمَا خَلَقَهُ فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يُضَافَ خَلْقُهُ وَإِنْعَامُهُ إِلَى غيره، ومنع الإله الآخر عن الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَا خَلَقَ. وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، أَيْ: طَلَبَ بَعْضُهُمْ مُغَالَبَةَ بَعْضٍ كَفِعْلِ مُلُوكِ الدُّنْيَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ فَقَالَ: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ.
عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ «عَالِمُ» بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَرِّهَا عَلَى نَعْتِ اللَّهِ فِي سُبْحَانَ اللَّهِ، فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَيْ: تَعَظَّمَ عَمَّا يُشْرِكُونَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ بِهَذَا الْوَصْفِ.
قَوْلُهُ: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي، أَيْ: إِنْ أَرَيْتَنِي، مَا يُوعَدُونَ، أَيْ: مَا أَوْعَدْتَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ.
رَبِّ، أَيْ: يَا رَبِّ، فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، أَيْ: لَا تُهْلِكْنِي بِهَلَاكِهِمْ.
وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ، مِنَ الْعَذَابِ لهم، لَقادِرُونَ.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 96 الى 101]
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (101)
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أَيْ: ادفع بالخصلة [1] التي هي أحسن وهي الصَّفْحُ وَالْإِعْرَاضُ وَالصَّبْرُ، السَّيِّئَةَ، يَعْنِي أَذَاهُمْ، أَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَالْكَفِّ عَنِ الْمُقَاتَلَةِ، نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ.
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ، يَكْذِبُونَ وَيَقُولُونَ مِنَ الشِّرْكِ.
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ، أَيْ: أَمْتَنِعُ وَأَعْتَصِمُ بِكَ، مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، قال ابن عباس: نزعاته.
وَقَالَ الْحَسَنُ: وَسَاوِسُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَفْخُهُمْ وَنَفْثُهُمْ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: دَفْعُهُمْ بِالْإِغْوَاءِ إِلَى الْمَعَاصِي، وَأَصْلُ الهمزة [2] شِدَّةُ الدَّفْعِ.
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) ، فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِي، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحُضُورَ لِأَنَّ الشيطان إذا حضره
__________
(1) في المطبوع «بالخلة» .
(2) في المطبوع «الهز» .
(3/373)

يُوَسْوِسُهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ. فَقَالَ:
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) ، وَلَمْ يَقِلِ ارْجِعْنِي وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ وَحْدَهُ الرَّجْعَةَ عَلَى عَادَةِ العرب فإنهم يخاطبون الواحد بلفظة [1] الْجَمْعِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحِجْرِ: 9] ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: هَذَا الْخِطَابُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ رَوْحَهُ ابْتِدَاءً بِخِطَابِ اللَّهِ لِأَنَّهُمُ استغاثوا أولا بالله ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَسْأَلَةِ الْمَلَائِكَةِ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ، أَيْ: ضَيَّعْتُ أَنْ أَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: أَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ. قَالَ قَتَادَةُ: مَا تَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَلَا لِيَجْمَعَ الدُّنْيَا وَيَقْضِيَ الشَّهَوَاتِ، وَلَكِنْ تَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امرأ عَمِلَ فِيمَا يَتَمَنَّاهُ الْكَافِرُ إِذَا رَأَى الْعَذَابَ، كَلَّا، كَلِمَةُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ، أَيْ: لَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا، إِنَّها يَعْنِي: سُؤَالَهُ الرَّجْعَةَ، كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها، وَلَا يَنَالُهَا، وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ، أَيْ أَمَامَهُمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَاجِزٌ، إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وَالْبَرْزَخُ الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا في معناه هاهنا، قال مُجَاهِدٌ: حِجَابٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّجُوعِ إِلَى الدُّنْيَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: بَقِيَّةُ الدُّنْيَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْبَرْزَخُ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إِلَى الْبَعْثِ. وَقِيلَ: هُوَ الْقَبْرُ وَهُمْ فِيهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ واختلفوا فِي هَذِهِ النَّفْخَةِ، فَرَوَى سَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا النَّفْخَةُ الْأُولَى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزُّمَرِ: 68] فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هم قيام ينظرون وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهَا النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، قَالَ: يُؤْخَذُ بِيَدِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنْصَبُ عَلَى رؤوس الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: هَذَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ فَمَنْ كَانَ لَهُ قَبْلَهُ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ فَيَفْرَحُ الْمَرْءُ أَنْ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عَلَى وَالِدِهِ وولده وزوجته أَوْ أَخِيهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ.
وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [2] : أَنَّهَا الثَّانِيَةُ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ أَيْ: لَا يَتَفَاخَرُونَ بِالْأَنْسَابِ يَوْمَئِذٍ كَمَا كَانُوا يَتَفَاخَرُونَ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَتَسَاءَلُونَ سُؤَالَ تَوَاصُلٍ كَمَا كَانُوا يَتَسَاءَلُونَ فِي الدُّنْيَا: مَنْ أَنْتَ وَمِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ أَنْتَ؟ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّ الْأَنْسَابَ تَنْقَطِعُ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ:
«1486» جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ ينقطع يوم القيامة إِلَّا نَسَبِي وَسَبَبِي» ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ ينقطع
__________
1486- صحيح. وورد عن جماعة من الصحابة منها:
1- حديث عمر:
- أخرجه الحاكم 3/ 142 وابن سعد 8/ 338 كلاهما عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبيه مرسلا.
- صححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: منقطع.
- ووصله الطبراني في «الكبير» 2635 بذكر جابر بينهما.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 9/ 173: رجاله رجال الصحيح غير الحسن بن سهل، وهو ثقة.
- وأخرجه الطبراني في «الكبير» 2633 من طريق زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عن عمر مرفوعا، وله قصة.
- وإسناده حسن في الشواهد لأجل عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ.
- وأخرجه الطبراني في «الأوسط» 6605 والبيهقي في «السنن» 7/ 114 وإسناده ضعيف له علتان:-[.....]
(1) في المخطوط «بخطاب» .
(2) في المطبوع «مسعود» .
(3/374)

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102)
يوم القيامة كل سبب ونسب إلا سببه ونسبه، وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالْقُرْآنُ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ هَاهُنَا وَلا يَتَساءَلُونَ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصَّافَّاتِ: 27] ؟ الْجَوَابُ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ القيامة [1] أحوال وَمُوَاطِنَ فَفِي مَوْطِنٍ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمُ الخوف فيسغلهم عِظَمُ الْأَمْرِ عَنِ التَّسَاؤُلِ فَلَا يَتَسَاءَلُونَ، وَفِي مَوْطِنٍ يَفِيقُونَ إِفَاقَةً فيتساءلون.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 102 الى 108]
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (105) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (106)
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (107) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (108)
قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) .
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (103) .
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ. أَيْ: تَسْفَعُ، وَقِيلَ: تُحْرِقُ، وَهُمْ فِيها كالِحُونَ، عَابِسُونَ.
«1487» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أحمد الْحَارِثِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ
__________
- الأولى: عنعنة ابن جريج.
- والثانية: ضعف سفيان بن وكيع.
- وأخرجه الطبراني في «الكبير» 2634 من وجه آخر، وإسناده ضعيف، فيه يونس بن أبي يعفور ضعفه أحمد، وابن معين وغيرهما، وقال أبو حاتم: صدوق.
2- حديث ابن عباس:
- أخرجه الطبراني في «الكبير» 11621 والخطيب 10/ 271 وإسناده لين لأجل الحكم بن أبان.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 9/ 173: رجاله ثقات.
3- حديث المسور بن مخرمة.
- أخرجه أحمد 4/ 323 والطبراني 20/ 25- 17 وقال الهيثمي في «المجمع» 9/ 203: فيه أم بكر بنت المسور، ولم يجرحها أحد، ولم يوثقها، وبقية رجاله وثقوا.
- وقال عنها الحافظ: مقبولة. أي حيث تتابع، وقد توبعت على هذا الحديث كما ترى.
- وورد عن عكرمة مرسلا:
- أخرجه عبد الرزاق 10354 وإسناده إلى عكرمة على شرط الشيخين، فهو مرسل صحيح.
- الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده.
1487- إسناده ضعيف لضعف أبي السمح في روايته عن أبي الهيثم.
أبو السمح هو درّاج بن سمعان، أبو الهيثم هو سليمان بن عمرو العتواري.
- وهو في «شرح السنة» 4312 بهذا الإسناد.
- وهو في «الزهد» لابن المبارك 291 «زيادات نعيم بن حماد» عن سعيد بن يزيد بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 2590 و3175 وأحمد 3/ 88 وأبو يعلى 1367 والحاكم 1/ 246 و395 من طرق عن ابن المبارك به.
- وصححه الحاكم! ووافقه الذهبي! وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب! والصواب أنه ضعيف.
(1) في المطبوع «للقيامة» .
(3/375)

إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109)
الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ، قَالَ: تَشْوِيهِ النَّارُ، فَتُقَلِّصُ شَفَتَهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ وَتَسْتَرْخِي شَفَتَهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ» .
«1488» وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَاجِبِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ [قَالَ: قَالَ أَبُو] [1] هُرَيْرَةَ: يَعْظُمُ الْكَافِرُ فِي النَّارِ مسيرة سبع ليال ويصير ضِرْسُهُ مِثْلَ أُحُدٍ وَشِفَاهُهُمْ عِنْدَ سررهم [2] ، سود زرق [حبن] [3] مقبوحون.
قوله تعالى: أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، يعني القرآن تخفون بِهَا، فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ.
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «شَقَاوَتُنَا» بِالْأَلِفِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْ:
غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْنَا فَلَمْ نَهْتَدِ. وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ، عَنِ الْهُدَى.
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها، أَيْ: مِنَ النَّارِ، فَإِنْ عُدْنا، لما تكره فَإِنَّا ظالِمُونَ [مستحقون العذاب] [4] .
قالَ اخْسَؤُا، أَبْعِدُوا، فِيها، كَمَا يُقَالُ لِلْكَلْبِ إِذَا طُرِدَ اخْسَأْ، وَلا تُكَلِّمُونِ، فِي رَفْعِ الْعَذَابِ فَإِنِّي لَا أرفعه عنكم [أبدا] [5] فَعِنْدَ ذَلِكَ أَيِسَ الْمَسَاكِينُ مِنَ الْفَرَجِ، قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ آخِرُ كَلَامٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ ثُمَّ لَا يَتَكَلَّمُونَ بَعْدَهَا إِلَّا الشَّهِيقَ وَالزَّفِيرَ، وَيَصِيرُ لَهُمْ عُوَاءٌ كَعُوَاءِ الْكِلَابِ لَا يَفْهَمُونَ وَلَا يُفْهَمُونَ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ أَهْلَ جَهَنَّمَ يَدْعُونَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ أَرْبَعِينَ عَامًا يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الزُّخْرُفِ: 77] ، فَلَا يُجِيبُهُمْ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [الزُّخْرُفِ: 77] ثُمَّ يُنَادُونَ رَبَّهُمْ:
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (107) فَيَدَعُهُمْ مِثْلَ عُمُرِ الدُّنْيَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يرد عليهم: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ، فَلَا يَنْبِسُ الْقَوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ إِنْ كَانَ إِلَّا الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ. وَقَالَ القرطبي: إذا قيل لهم اخسؤوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ انْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ يَنْبَحُ فِي وَجْهِ بعض وأطبقت عليهم [جهنم] [6] .

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 109 الى 114]
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (111) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (113)
قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)
إِنَّهُ الْهَاءُ فِي إِنَّهُ [7] عِمَادٌ وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمَجْهُولَةَ، كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي، وهم المؤمنون
__________
1488- موقوف صحيح. إسناده على شرط مسلم.
- الحكم هو ابن عبد الله بن إسحاق بن الأعرج، فالأعرج جد أبيه.
- وهو في «شرح السنة» 4313 بهذا الإسناد.
- وهو في «زيادات الزهد» 293 عن حاجب بن عمر به.
(1) العبارة في المطبوع «عن أبي هريرة قال» .
(2) تصحف في المطبوع «سرورهم» .
(3) سقط من المطبوع.
(4) سقط من المطبوع.
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) زيادة عن المخطوط.
(7) زيد في المطبوع «راجعة وهي» .
(3/376)

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)
يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «سُخْرِيًّا» بِضَمِّ السِّينِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ ص [63] ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهِمَا [1] وَاتَّفَقُوا عَلَى الضَّمِّ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ [32] . قَالَ الْخَلِيلُ: هُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: بَحْرٌ لُجِّيٌّ ولِجِّيٌّ بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، مِثْلَ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ وَدِرِّيٍّ، قَالَ الْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ: الْكَسْرُ بِمَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ بِالْقَوْلِ [2] ، وَالضَّمُّ بِمَعْنَى التَّسْخِيرِ وَالِاسْتِعْبَادِ بِالْفِعْلِ وَاتَّفَقُوا فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ بِأَنَّهُ [3] بِمَعْنَى التَّسْخِيرِ، حَتَّى أَنْسَوْكُمْ أَيْ: أَنْسَاكُمُ اشْتِغَالُكُمْ بِالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ وَتَسْخِيرِهِمْ، ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ نَظِيرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) [المُطَفِّفِينَ: 29] قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي بِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَابٍ وَصُهَيْبٍ وَسَلْمَانَ وَالْفُقَرَاءِ مِنَ [أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم] [4] ، كَانَ كَفَّارُ قُرَيْشٍ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا، عَلَى أَذَاكُمْ وَاسْتِهْزَائِكُمْ فِي الدُّنْيَا، أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «أَنَّهُمْ» بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِصَبْرِهِمُ الْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ.
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ، قَرَأَ حَمْزَةُ والكسائي «قل» عَلَى الْأَمْرِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ قُولُوا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْوَاحِدِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْجَمَاعَةَ إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ [5] مَفْهُومًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَّابُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَيْ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: «قُلْ كَمْ» على الأمر «قال أَنْ» عَلَى الْخَبَرِ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ جَوَابٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «قَالَ» فِيهِمَا جميعا أي قال الله تعالى لِلْكُفَّارِ يَوْمَ الْبَعْثِ كَمْ لَبِثْتُمْ، فِي الْأَرْضِ، أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَفِي الْقُبُورِ عَدَدَ سِنِينَ.
قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، نَسُوا مُدَّةَ لَبْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا لِعِظَمِ مَا هُمْ بِصَدَدِهِ مِنَ العذاب، فَسْئَلِ الْعادِّينَ [أي] [6] الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَيُحْصُونَهَا عَلَيْهِمْ.
قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ، أَيْ: مَا لَبِثْتُمْ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا قَلِيلًا، سَمَّاهُ قَلِيلًا لِأَنَّ الْوَاحِدَ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَكُونُ قَلِيلًا فِي جَنْبِ مَا يَلْبَثُ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ لُبْثَهُ فِي الدُّنْيَا والقبر مُتَنَاهٍ، لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، قدر لبثكم في الدنيا.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 115 الى 118]
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لَا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً [أي] [7] لَعِبًا وَبَاطِلًا لَا لِحِكْمَةٍ، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ:
عَابِثِينَ. وَقِيلَ: لِلْعَبَثِ، أَيْ: لِتَلْعَبُوا وَتَعْبَثُوا كَمَا خَلَقْتُ الْبَهَائِمَ لَا ثَوَابَ لَهَا وَلَا عِقَابَ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ:
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (36) [القِيَامَةِ: 36] وَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْعِبَادَةِ وإقامة أوامر الله تعالى، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا
__________
(1) في المخطوط «بكسرها» . [.....]
(2) في المخطوط «بالقوم» .
(3) في المخطوط «لأنه» .
(4) العبارة في المطبوع «الصحابة» .
(5) في المخطوط «معناها» .
(6) زيادة عن المخطوط.
(7) زيادة عن المخطوط.
(3/377)

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)
تُرْجَعُونَ، أَيْ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فِي الْآخِرَةِ لِلْجَزَاءِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ لَا تَرْجِعُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ.
«1489» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ أَنَا حميد [1] بن زنجويه أنا بشر بن عمر أنا عبد الله بن لهيعة أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ حَنَشٍ [2] أَنَّ رَجُلًا مُصَابًا مُرَّ بِهِ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَرَقَاهُ فِي أُذُنَيْهِ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ فَبَرِأَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: «بماذا رقيت [المصاب] [3] فِي أُذُنِهِ» ؟ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مُوقِنًا قَرَأَهَا عَلَى جَبَلٍ لزال» .
ثُمَّ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ. فَقَالَ جَلَّ ذِكْرِهِ: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) ، يَعْنِي السَّرِيرَ الْحَسَنَ. وَقِيلَ: الْمُرْتَفِعُ.
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لَا بُرْهانَ لَهُ بِهِ، أَيْ: لَا حُجَّةَ ولا بينة له به لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي دَعْوَى الشِّرْكِ [4] ، فَإِنَّما حِسابُهُ، جَزَاؤُهُ، عِنْدَ رَبِّهِ. يُجَازِيهِ بِعَمَلِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (26) [الغَاشَيَةِ: 26] ، إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ، لا يسعد من حجة وَكَذَّبَ.
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118) .

تفسير سورة النور
مدنية [وهي ثنتان أو أربع وستون آية] [5]

[سورة النور (24) : آيَةً 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)
__________
1489- إسناده ضعيف جدا، وله علتان: ضعف ابن لهيعة، والإرسال بين حنش وبين ابن مسعود، والظاهر أن الخبر مما رواه ابن لهيعة بعد اختلاطه، فليس هو من رواية أحد العبادلة عنه، ولعل الخبر موضوع.
- وأخرجه أبو يعلى 5045 وابن السني 631 وأبو نعيم في «الحلية» 1/ 7 من طريق داود بن رشيد عن الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة به.
وذكره الهيثمي في «المجمع» 5/ 115 وقال: رواه أبو يعلى، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعيف وحديثه حسن.
- كذا قال رحمه الله! والصواب أن حديث ابن لهيعة إن لم يكن من رواية أحد العبادلة ضعيف باتفاق، ثم في الإسناد انقطاع، والمتن منكر جدا، شبه موضوع.
(1) تصحف في المطبوع «حمد» .
(2) تصحف في المطبوع «خنش» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المخطوط «المشرك» .
(5) زيد في المطبوع وحده.
(3/378)

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)
سُورَةٌ، أَيْ: هَذِهِ سُورَةٌ، أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَفَرَضْناها بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ: أَوْجَبْنَا [1] مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَأَلْزَمْنَاكُمُ الْعَمَلَ بِهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَدَّرْنَا مَا فِيهَا مِنَ الْحُدُودِ وَالْفَرْضُ [2] التَّقْدِيرُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [الْبَقَرَةِ: 237] أَيْ: قَدَّرْتُمْ، ودليل التخفيف قوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [القصص: 85] ، وأما التشديد فمعناه فصلناه وَبَيَّنَّاهُ. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْفَرْضِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ أَيْضًا وَالتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ لِكَثْرَةٍ مَا فِيهَا مِنَ الْفَرَائِضِ، أَيْ: أَوْجَبْنَاهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ، واضحات، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، تتعظون.

[سورة النور (24) : الآيات 2 الى 3]
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، أَرَادَ إذا كانا حرين عاقلين بالغين بِكْرَيْنِ غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ، فَاجْلِدُوا فَاضْرِبُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ، يُقَالُ جَلَدَهُ إِذَا ضَرَبَ جِلْدَهُ، كَمَا يُقَالُ رَأَسَهُ وَبَطَنَهُ، إِذَا ضَرَبَ رَأْسَهُ وَبَطْنَهُ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَلْدِ لِئَلَّا يُبَرَّحَ وَلَا يُضْرَبُ بِحَيْثُ يَبْلُغُ اللَّحْمَ، وَقَدْ وَرَدَتِ السنة أنه يجلد مائة [جلدة] [3] وَيُغَرَّبُ عَامًا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ الزَّانِي مُحْصَنًا فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ، ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ، أي: رحمة ورقة، قرأ ابْنُ كَثِيرٍ «رَأَفَةٌ» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ أَنَّهَا سَاكِنَةٌ لِمُجَاوِرَةِ قَوْلِهِ وَرَحْمَةً، والرأفة معنى يكون فِي الْقَلْبِ، لَا يُنْهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِاخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فَتُعَطِّلُوا الْحُدُودَ وَلَا تُقِيمُوهَا، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَعْنَاهَا وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رأفة فتخففوا الضرب ولكن أو جعوهما ضَرْبًا وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: يُجْتَهَدُ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالْفِرْيَةِ وَيُخَفَّفُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُجْتَهَدُ فِي حَدِّ الزِّنَا وَيُخَفَّفُ فِي الشُّرْبِ وَالْفِرْيَةِ. فِي دِينِ اللَّهِ، أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ [رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ جَلَدَ جَارِيَةً لَهُ زَنَتْ، فَقَالَ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْ ظَهْرَهَا وَرِجْلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ، فَقَالَ:
يَا بُنَيَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَأْمُرْنِي بِقَتْلِهَا وقد ضربت فأوجعت] [4] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا تَأْخُذُهُ الرَّأْفَةُ إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيَشْهَدْ، وَلْيَحْضُرْ، عَذابَهُما حَدَّهُمَا إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِمَا طائِفَةٌ، نَفَرٌ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ: أَقَلُّهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَمَا فَوْقَهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ: رَجُلَانِ فَصَاعِدًا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا. وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ زَيْدٍ: أربعة بعدد شهود الزنا.
قوله: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) ،
__________
(1) في المخطوط «وأوصينا» .
(2) في المخطوط «والفرائض» . [.....]
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) ما بين المعقوفتين وقع في المطبوع قبل «واختلفوا في معنى الآية» .
(3/379)

واختلف الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَحُكْمِهَا.
«1490» فَقَالَ قَوْمٌ: قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ وَفِيهِمْ فُقَرَاءُ لَا مَالَ لَهُمْ وَلَا عَشَائِرَ، وَبِالْمَدِينَةِ نِسَاءٌ بَغَايَا يُكْرِينَ أَنْفُسَهُنَّ وَهُنَّ يَوْمَئِذٍ أَخْصَبُ أهل المدينة فرغب ناس مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي نِكَاحِهِنَّ لِيُنْفِقْنَ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا تِلْكَ الْبَغَايَا لِأَنَّهُنَّ كُنَّ مُشْرِكَاتٍ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَقَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ، وَرِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
«1491» وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي نِسَاءٍ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، مِنْهُنَّ تِسْعٌ لَهُنَّ رَايَاتٌ كَرَايَاتِ الْبِيطَارِ يُعْرَفْنَ بِهَا، مِنْهُنَّ أُمُّ مَهْزُولٍ جَارِيَةُ السَّائِبِ بْنِ أَبِي السائب المخزومي، فكان الرَّجُلُ يَنْكِحُ الزَّانِيَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يتخذها مالكة، فَأَرَادَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نِكَاحَهُنَّ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِكَاحِ أُمِّ مَهْزُولٍ وَاشْتَرَطَتْ لَهُ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
«1492» وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ كَانَ يَحْمِلُ الْأَسَارَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يأتي بهم المدينة وكان بِمَكَّةَ بَغِيٌّ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ، وَكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا أَتَى مَكَّةَ دَعَتْهُ عَنَاقُ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَ مَرْثَدٌ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَا، قَالَتْ: فَانْكِحْنِي، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أنكح عناقا؟ فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ: وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ فدعاني النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهَا عَلَيَّ وَقَالَ لِي: «لَا تَنْكِحْهَا» .
فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ كَانَ التَّحْرِيمُ خَاصًّا فِي حَقِّ أُولَئِكَ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ مِنَ النِّكَاحِ هُوَ الْجِمَاعُ، ومعناه أن الزَّانِي لَا يَزْنِي إِلَّا بِزَانِيَةٍ أَوْ مُشْرِكَةٍ وَالزَّانِيَةُ لَا تَزْنِي إِلَّا بِزَانٍ أَوْ مُشْرِكٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ بن مزاحم. ورواه الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: إِنْ جَامَعَهَا وَهُوَ مُسْتَحِلٌّ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ جَامَعَهَا وَهُوَ مُسْتَحِلٌّ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ جَامَعَهَا وَهُوَ مُحَرِّمٌ فَهُوَ زَانٍ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُحَرِّمُ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ وَيَقُولُ: إِذَا تَزَوَّجَ الزَّانِي بِالزَّانِيَةِ فَهُمَا زَانِيَانِ أَبَدًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: الزَّانِي الْمَجْلُودُ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً مَجْلُودَةً وَالزَّانِيَةُ الْمَجْلُودَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ مجلود، وقال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ حكم الآية منسوخ، كان نِكَاحُ الزَّانِيَةِ حَرَامًا بِهَذِهِ الْآيَةِ فنسخها قوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ
__________
1490- ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 630 وفي «الوسيط» 3/ 304 نقلا عن المفسرين بدون إسناد.
- وأخرجه ابن حاتم كما في «الدر» 5/ 38 عن مقاتل وهذا مرسل، ولا يصح، وانظر ما بعده.
1491- ذكره المصنف هاهنا تعليقا عن عكرمة وسنده إليه في أول الكتاب.
- وذكره الواحدي في «أسباب النزول» 631 عن عكرمة بدون إسناد.
- وانظر ما بعده.
1492- حسن. أخرجه أبو داود 2051 والترمذي 3177 والنسائي 3228 والحاكم 2/ 166 والبيهقي 7/ 153 من حديثه عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عن جده، وإسناده إلى عمرو صحيح، فالحديث حسن للاختلاف المعروف في عمرو عن آبائه.
- وأخرجه الطبري 25747 من طريق رجل عن عمرو بن شعيب مرسلا، وهذا ضعيف، فهو لا يعلل الموصول، وقد صحيح الموصول الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الترمذي.
ولهذه الأحاديث روايات كثيرة مرسلة عند الطبري لكن من دون ذكر لأسماء معينة، وانظر «أحكام القرآن» 1549 و1550.
(3/380)

[النور: 32] فَدَخَلَتِ الزَّانِيَةُ فِي أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ. وَاحْتَجَّ مَنْ جَوَّزَ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ بِمَا:
«1493» أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ أَنَا الْحَسَنُ بن الفرج أنا عمرو بن خالد الحراني أنا عُبِيْدُ اللَّهِ عَنْ [1] عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي لا تمنع [2] يَدَ لَامِسٍ؟
قَالَ: «طَلِّقْهَا» ، قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّهَا وَهِيَ جَمِيلَةٌ، قَالَ: «اسْتَمْتِعْ بِهَا» . وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ «فَأَمْسِكْهَا إِذًا» .
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَرَبَ رَجُلًا وَامْرَأَةً في زنا وَحَرِصَ [3] أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَأَبَى الغلام.
__________
1493- حسن صحيح. الحسن بن الفرج فمن دونه توبعوا، ومن فوقه رجال مسلم، وفيه عنعنة أبي الزبير، لكن صرح في بعض الروايات بالحديث، وللحديث شواهد.
- وهو في «شرح السنة» 2376 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الطبراني في «الأوسط» 4704 والبيهقي 7/ 155 من طريقين عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم به.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 4/ 335 وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
- وأخرجه ابن عبدي 6/ 451- 452 والبيهقي 7/ 155 من طريق حفص بن غياث عن معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير به.
وأعله ابن عدي بمعقل بن عبيد الله.
- وأخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» 2/ 272 من وجه آخر عن عبيد الله به، وقال الحافظ في «تلخيص الحبير» 3/ 225: أورده في الموضوعات مع أنه أورده بإسناد صحيح.
- وله شاهد أخرجه أبو داود 2049 والنسائي 169- 170 عن حسين بن حريث عن الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عن ابن عباس قال «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس قال: «غرّبها» . قال: أخاف أن تتبعها نفسي. قال: «فاستمتع بها» .
- وإسناده قوي على شرط الصحيح.
- وأخرجه النسائي 6/ 170 من وجه آخر عن هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس.
وقال النسائي: هذا خطأ، والصواب مرسل.
- وأخرجه الشافعي 2/ 15 والنسائي 6/ 67- 68 والمصنف في «شرح السنة» 2375 عن عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلا.
وقال النسائي: هذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون بن رئاب أثبت منه، وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم.
تنبيه: ولا يفهم من ظاهر الحديث أن ذلك واقع من تلك المرأة، وإنما الذي يفهم من لغة العرب الكناية عن أنها غير عفيفة، أي لو تهيأ لها أمر الحرام ربما استجابت، لكن لم يحصل ذلك، والله أعلم.
- وذكره ابن حجر في «التلخيص» 3/ 225 وقال: واختلف في إسناده وإرساله، قال النسائي: المرسل أولى بالصواب، وقال في الموصول: إنه ليس بثابت، لكن رواه هو أيضا وأبو داود من رواية عكرمة عن ابن عباس نحوه، وإسناده أصح، وأطلق النووي عليه الصحة، ولكن نقل ابن الجوزي عن أحمد بن حنبل أنه قال: لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء، وليس له أصل، وتمسك بهذا ابن الجوزي، فأورد الحديث في الموضوعات، مع أنه أورده بإسناد صحيح....
- الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بمجموع طرقه وشواهده، وانظر «صحيح أبي داود» 1804.
(1) تصحف في المخطوط «بن» .
(2) في المخطوط «ترد» .
(3) في المخطوط «حرض» .
(3/381)

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)
[سورة النور (24) : الآيات 4 الى 7]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (4) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (7)
قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً، أَرَادَ بِالرَّمْيِ الْقَذْفَ بِالزِّنَا وَكُلُّ مَنْ رَمَى مُحْصَنًا أَوْ مُحْصَنَةً بِالزِّنَا، فَقَالَ لَهُ: زَنَيْتَ أَوْ يَا زَانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ جلد ثمانين، إِنْ كَانَ حُرًّا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَيُجْلَدُ [1] أَرْبَعِينَ وَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ غَيْرَ مُحْصَنٍ، فَعَلَى الْقَاذِفِ التَّعْزِيرُ وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ خَمْسَةٌ:
الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعِفَّةُ مِنَ الزاني حَتَّى أَنَّ مَنْ زَنَى مَرَّةً فِي أَوَّلِ بُلُوغِهِ ثُمَّ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ وَامْتَدَّ عُمْرُهُ فَقَذَفَهُ قَاذِفٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَقَرَّ الْمَقْذُوفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا أَوْ أَقَامَ الْقَاذِفُ أَرْبَعَةً مِنَ الشُّهُودِ عَلَى زِنَاهُ سَقَطَ الْحَدُّ على الْقَاذِفِ لِأَنَّ الْحَدَّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْفِرْيَةِ وَقَدْ ثَبَتَ صِدْقُهُ، وَقَوْلُهُ:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أَيْ: يَقْذِفُونَ بِالزِّنَا الْمُحْصَنَاتِ يَعْنِي الْمُسْلِمَاتِ الْحَرَائِرَ الْعَفَائِفَ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلَى زناهم فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً، أَيْ: اضْرِبُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً. وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قُبُولِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَفِي حُكْمِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْقَاذِفَ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِنَفْسِ الْقَذْفِ وَإِذَا تَابَ وَنَدِمَ على ما قال وحسنت توبته [2] قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، سَوَاءً تَابَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ أَوْ قَبْلَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وقالوا: الاستثناء يرجع إلى ردّ الشَّهَادَةِ وَإِلَى الْفِسْقِ فَبَعْدَ التَّوْبَةِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَيَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْفِسْقِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عباس وعمر، وَهُوَ [3] قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ لَا تُقْبَلُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ، وَقَالُوا: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَشُرَيْحٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالُوا: بِنَفْسِ الْقَذْفِ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يُحَدَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ قَبْلُ أَنْ يُحَدَّ شَرٌّ مِنْهُ حِينَ يُحَدُّ لِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ فَكَيْفَ يَرُدُّونَهَا فِي أَحْسَنِ حَالَيْهِ وَيَقْبَلُونَهَا فِي شَرِّ حَالَيْهِ، وَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إِلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَقَالَ: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْكُلِّ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ الْمَقْذُوفُ فَيَسْقُطَ كَالْقَصَّاصِ يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ، وَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. فَإِنْ قِيلَ إِذَا قَبِلْتُمْ شَهَادَتَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ أَبَداً قِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُقْبَلُ شهادته أبدا ما دام هو مُصِرًّا عَلَى قَذْفِهِ لِأَنَّ أَبَدَ كُلِّ إِنْسَانٍ مُدَّتُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ، كَمَا يُقَالُ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْكَافِرِ أَبَدًا:
يُرَادُ ما دام كافرا.
قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ، يَقْذِفُونَ نِسَاءَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ، يَشْهَدُونَ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالُوا، إِلَّا أَنْفُسُهُمْ [أَيْ] [4] غَيْرَ أَنْفُسُهُمْ، فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، قَرَأَ حمزة والكسائي
__________
(1) في المخطوط «فجلد» .
(2) في المطبوع «حالته» .
(3) في المطبوع «وهذا» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/382)

وَحَفْصٌ [1] أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ» بِرَفْعِ الْعَيْنِ عَلَى خَبَرِ الِابْتِدَاءِ، أَيْ: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمُ الَّتِي تَدْرَأُ الْحَدَّ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ أَيْ: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (7) ، قَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ «أَنْ» خَفِيفَةٌ وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ لَعْنَةُ اللَّهِ رَفْعٌ، ثُمَّ يَعْقُوبُ قَرَأَ «غَضَبُ» بالرفع، وَقَرَأَ نَافِعٌ «غَضِبَ» بِكَسْرِ الضَّادِ وفتح الباء على الفعل الْمَاضِي «اللَّهُ» رَفَعٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «أَنَّ» بِالتَّشْدِيدِ فِيهِمَا، «لَعْنَةَ» نَصْبٌ، و «غضب» بِفَتْحِ الضَّادِ عَلَى الِاسْمِ، «اللَّهِ» جَرٌّ، وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «وَالْخَامِسَةَ» الثَّانِيَةُ نَصْبٌ، أَيْ وَيَشْهَدُ الشَّهَادَةَ الْخَامِسَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ فِي أَنْ كَالْأُولَى، وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا:
«1494» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أخبره أن عويمر الْعِجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصِمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وعليها حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَجَعَ عاصم إلى أهله جاء عُوَيْمِرٌ فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ، لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ، وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا» ، فَقَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا فَرَغَا من تلاعنهما قال عومير: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ.
«1495» وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل أنا إسحاق أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا الأوزاعي أنا الزهري بهذا الإسناد
__________
1494- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
أَبُو مُصْعَبٍ، أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بكر، مالك بن أنس، ابن شهاب محمد بن مسلم.
- وهو في «شرح السنة» 2359 بهذا الإسناد.
- وهو في «الموطأ» 2/ 556- 567 عن الزهري به.
- وأخرجه البخاري 5259 و5308 ومسلم 1492 وأبو داود 2245 والنسائي 6/ 143- 144 وأحمد 5/ 336- 337 والشافعي 2/ 44 وابن حبان 4284 والطبراني 5676 والبيهقي 7/ 398 و399 من طرق عن مالك به. [.....]
1495- صحيح. أخرجه البخاري 4745 والدارمي 2/ 150 وابن الجارود 756 وابن حبان 4285 والطبراني 5677 والبيهقي 7/ 400 من طرق عن محمد بن يوسف به.
- وأخرجه أبو داود 2249 من طريق محمد بن يوسف مختصرا.
- وأخرجه البخاري 423 و5309 و7165 ومسلم 1492 وأبو داود 2247 و2248 و2251 وابن ماجه 2066 والطبراني 5674 والطحاوي 3/ 102 والبيهقي 7/ 399 و400 من طرق عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سعد بألفاظ متقاربة.
(1) زيد في المطبوع «ويعقوب» وفي كتاب القراءات «خلف» بدل «يعقوب» .
(3/383)

بِمِثْلِ مَعْنَاهُ وَزَادَ ثُمَّ قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ [1] أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ [2] الْإِلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جاءت به أحيمر كأنه وحرة فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذِبَ عَلَيْهَا» ، فَجَاءَتْ [بِهِ] [3] عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمُرٍ. فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ.
«1496» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بن أحمد] [4] المليحي أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ [5] بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا محمد بن بشار أَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ هشام بن حسان أنا عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
«الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» ، فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ ما يبرىء ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَفُوهَا وَقَالُوا إِنَّهَا مُوجِبَةٌ [6] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ ثُمَّ قَالَتْ لَا أَفْضَحُ قَوْمِيَ سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبْصِرُوهَا [7] فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْإِلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ» ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» .
«1497» وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْآيَةَ. قَالَ سَعْدُ بْنُ
__________
1496- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
ابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم، عكرمة هو أبو عبد الله مولى ابن عباس.
- وهو في «شرح السنة» 2363 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4747 و5307 عن محمد بن بشار به.
- وأخرجه أبو داود 2254 والترمذي 3179 وابن ماجه 2067 والطحاوي في «المشكل» 2962 والبيهقي 7/ 393- 394 من طرق عن محمد بن بشار به.
1497- أخرجه أحمد 1/ 238 و239 وأبو يعلى 2740 والطبري 25828 والبيهقي 7/ 394- 395 والواحدي في «أسباب النزول» 633 من طرق عن عباد بن منصور عن عكرمة به.
- وأخرجه أبو داود 2256 من طريق عباد بن منصور مختصرا، وليس فيه قول سعد بن عبادة، وعباد هذا قال عنه الذهبي في «الكشاف» ! ضعيف.
- ولم يسمع هذا الخبر من عكرمة، قال الذهبي في «الميزان» 2/ 377: قال يحيى بن سعيد: قلت لعباد: ممن سمعت حديث اللعان؟ قال: حدثني إبراهيم بن أبي يحيى بن داود بن حصين عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اهـ.
(1) تصحف في المخطوط «أشحم» .
(2) تصحف في المطبوع «عظم» .
(3) سقط من المطبوع.
(4) زيادة من المخطوط.
(5) تصحف في المطبوع «أحمد» .
(6) زيد في المخطوط «التي توجب عليك العذاب» وليس في «شرح السنة» والظاهر أنه تفسير من بعض النساخ.
(7) في المطبوع «انظروها» والمثبت عن المطبوع و «شرح السنة» .
(3/384)

عُبَادَةَ: لَوْ أَتَيْتُ لَكَاعَ وَقَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي [أن] [1] أُهَيِّجُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فو الله مَا كُنْتُ لَآتِي بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ وَيَذْهَبَ، وَإِنْ قُلْتُ مَا رَأَيْتُ إِنَّ فِي ظَهْرِي لَثَمَانِينَ جَلْدَةً، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَّا تسمعون ما يقول [2] سَيِّدُكُمْ» ؟ قَالُوا: لَا تَلُمْهُ فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إِلَّا بِكْرًا وَلَا طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّيِّ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ وَأَنَّهَا حَقٌّ وَلَكِنْ عَجِبْتُ مِنْ ذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرْتُكَ [3] ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«فَإِنَّ اللَّهَ يَأْبَى إِلَّا ذَلِكَ» ، فقال صدق الله ورسوله [إنها حق] [4] ، قَالَ: فَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ حَدِيقَةٍ لَهُ فَرَأَى رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِهِ يَزْنِي بِهَا، فَأَمْسَكَ حَتَّى أَصْبَحَ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى [5] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي عِشَاءً فَوَجَدْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي، رَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ وَسَمِعْتُ بِأُذُنَيَّ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَتَاهُ بِهِ وَثَقُلَ عَلَيْهِ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ هِلَالٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرَى الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِكَ مِمَّا أَتَيْتُكَ بِهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ وَمَا قُلْتُ إِلَّا حَقًّا وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي فَرَجًا، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بضربه [الحد] [6] فَقَالَ:
وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ فَقَالُوا ابْتُلِينَا بِمَا قَالَ سَعْدٌ يُجْلَدُ هِلَالٌ وَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنَّهُمْ لَكَذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريد أن يأمر بضربه [الحد] [7] إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَأَمْسَكَ أَصْحَابُهُ عَنْ كَلَامِهِ حِينَ عَرَفُوا أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ، حتى فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم فأمسكوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ، إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبْشِرْ يَا هِلَالُ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ فرجا، فقال: لقد كنت أرجوا ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْسِلُوا إِلَيْهَا» فَجَاءَتْ فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قيل لها [زوجك يرميك بالزنا] [8] فَكَذَّبَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» ؟ فَقَالَ هِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّيِّ قَدْ صَدَقْتُ وَمَا قُلْتُ إِلَّا حَقًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم «لا عنوا بَيْنَهُمَا» ، فَقِيلَ لِهِلَالٍ: اشْهَدْ فَشَهِدَ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين، فقيل لَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ: يَا هِلَالُ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ عَذَابَ اللَّهِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ النَّاسِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْخَامِسَةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكَ الْعَذَابَ، فَقَالَ هِلَالٌ: وَاللَّهِ لَا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا كَمَا لَمْ يُجْلِدْنِي [9] عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَشَهِدَ الْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: اشْهَدِي فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، فَقَالَ لَهَا عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَوَقَفَهَا: اتَّقِي اللَّهَ فإن الخامسة موجبة [العذاب الله] [10] وَإِنَّ عَذَابَ اللَّهِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ النَّاسِ فَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً وَهَمَّتْ بِالِاعْتِرَافِ ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي فَشَهِدَتِ الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا
__________
- قلت: وداود ضعيف الرواية عن عباد.
- وأخرجه عبد الرزاق 12444 من طريق مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ مرسلا، مع اختلاف فيه، لكن لأكثر الحديث شواهد، وبعضه منكر. والله أعلم.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «ما قال» . [.....]
(3) في المطبوع «أخبرك الله» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) في المطبوع «على» .
6 زيادة من المخطوط.
7 زيادة من المخطوط.
(8) سقط من المطبوع.
(9) في المطبوع «يحدني» .
(10) زيادة من المخطوط.
(3/385)

وَقَضَى بِأَنَّ الْوَلَدَ لَهَا وَلَا يُدْعَى لِأَبٍ وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِزَوْجِهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلَّذِي قِيلَ فِيهِ» ، فَجَاءَتْ بِهِ غُلَامًا كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ [1] عَلَى الشَّبَهِ الْمَكْرُوهِ، وَكَانَ بَعْدُ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ، لَا يَدْرِي مَنْ أَبُوهُ.
«1498» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ وَمُقَاتِلٌ: لَمَّا نَزَلَتْ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْآيَةَ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ إِنْ رَأَى رَجُلٌ مِنَّا مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَأَخْبَرَ بِمَا رَأَى جلد ثمانين جلدة وسماء الْمُسْلِمُونَ فَاسِقًا وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا فَكَيْفَ لَنَا بِالشُّهَدَاءِ وَنَحْنُ إِذَا الْتَمَسْنَا الشُّهَدَاءَ كَانَ الرَّجُلُ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهُ وَمَرَّ؟ وَكَانَ لِعَاصِمٍ هَذَا ابْنُ عَمٍّ يُقَالُ لَهُ عُوَيْمِرٌ وَلَهُ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ مِحْصَنٍ فَأَتَى عُوَيْمِرٌ عَاصِمًا وَقَالَ: لقد رأيت شريك بن السحماء عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِي خَوْلَةَ فَاسْتَرْجَعَ عَاصِمٌ وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَسْرَعَ مَا ابْتُلِيتُ بِالسُّؤَالِ الَّذِي سَأَلْتُ فِي الْجُمُعَةِ الْمَاضِيَةِ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَأَخْبَرَهُ وَكَانَ عُوَيْمِرٌ وَخَوْلَةُ وَشَرِيكٌ كُلُّهُمْ بَنِي عَمِّ عَاصِمٍ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعًا، وَقَالَ لِعُوَيْمِرٍ: «اتَّقِ اللَّهَ في زوجتك وابنة عمك فلا تَقْذِفْهَا بِالْبُهْتَانِ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ شَرِيكًا عَلَى بَطْنِهَا وَإِنِّي مَا قَرَبْتُهَا مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنَّهَا حُبْلَى مِنْ غَيْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَةِ: «اتَّقِي اللَّهَ وَلَا تُخْبِرِي إِلَّا بِمَا صَنَعْتِ» فَقَالَتْ: يَا رسول الله إن عويمرا رجلا غيورا وإنه رآني وشريكا نطيل [2] السَّمَرَ وَنَتَحَدَّثُ فَحَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ عَلَى مَا قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشَرِيكٍ: «مَا تَقُولُ» ؟ فَقَالَ: مَا تَقُولُهُ الْمَرْأَةُ كَذِبٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الْآيَةَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نُودِيَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ قَالَ لعويمر: قم فقال اشهد بالله أن خَوْلَةَ لَزَانِيَةٌ وَإِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ شَرِيكًا عَلَى بَطْنِهَا، وَإِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ غَيْرِي وَإِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي مَا قَرَبْتُهَا مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَإِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ قَالَ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى عُوَيْمِرٍ يَعْنِي نَفْسَهُ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، فِيمَا قَالَ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْقُعُودِ وَقَالَ لِخَوْلَةَ قُومِي فَقَامَتْ، فَقَالَتْ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا أَنَا بِزَانِيَةٍ وَإِنَّ عُوَيْمِرًا لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ قَالَتْ فِي الثَّانِيَةِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا رَأَى شَرِيكًا عَلَى بَطْنِي وَإِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ قَالَتْ فِي الثَّالِثَةِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي حُبْلَى مِنْهُ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ قَالَتْ فِي الرَّابِعَةِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ مَا رَآنِي قَطُّ عَلَى فَاحِشَةٍ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ قَالَتْ فِي الْخَامِسَةِ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى خَوْلَةَ تَعْنِي نَفْسَهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ لَوْلَا هَذِهِ الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي فِي أَمْرِهِمَا رَأْيٌ، ثُمَّ قَالَ: «تَحَيَّنُوا بِهَا الْوِلَادَةَ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُثَيْبِجَ يَضْرِبُ إِلَى السواد فهو لعويمر [3] ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جماليا خدلج الساقين فهو للذي رُمِيَتْ بِهِ» . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَجَاءَتْ بِأَشْبَهِ خَلْقِ اللَّهِ بِشَرِيكٍ.
__________
1498- أما خبر ابن عباس، فلم أره مسندا بهذا اللفظ، وأما خبر مقاتل، فقد أخرجه البيهقي 7/ 407- 408، وهو مختلف عن سياق المصنف.
- وقال البيهقي: والذي فيما روينا من الأحاديث أن الذي رمى امرأته بشريك بن سحماء هلال بن أمية الواقفي، ولا أعلم أحدا سمى في قصة عويمر العجلاني رميه امرأته بشريك إلّا من جهة الواقدي بإسناده له قد ذكرناه فيما مضى.
- قلت: والواقدي متروك، والصحيح ما خرجه الشيخان في هذا الشأن، وقد تقدم، والله أعلم.
(1) في المخطوط «أزرق» .
(2) في المطبوع «يطيل» .
(3) في المخطوط «لشريك بن السحماء» .
(3/386)

وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8)
وَالْكَلَامُ فِي حُكْمِ الْآيَةِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَمُوجِبُهُ مُوجِبُ قَذْفَ الْأَجْنَبِيِّ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ إِنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً أَوِ التَّعْزِيرُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً، غَيْرَ أَنَّ الْمَخْرَجَ مِنْهُمَا مختلف فإن قَذَفَ أَجْنَبِيًّا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ أَرْبَعَةً مِنَ الشهود على زناها، أَوْ يُقِرَّ بِهِ الْمَقْذُوفُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ، وَفِي الزَّوْجَةِ إِذَا وَجَدَ أَحَدَ هَذَيْنِ أَوْ لَاعَنَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، فَاللِّعَانُ فِي قَذْفِ الزَّوْجَةِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا رُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَى الْعَارِ، فَجَعَلَ اللَّهُ اللِّعَانَ حُجَّةً لَهُ عَلَى صِدْقِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَإِذَا أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى زِنَاهَا أَوِ اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ وَاللِّعَانُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ، وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُلَاعِنَ بَيْنَهُمَا يَبْدَأُ فَيُقِيمُ الرَّجُلَ وَيُلَقِّنُهُ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ، فَيَقُولُ: قُلْ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ فُلَانٌةً بِالزِّنَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَمَاهَا بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ سَمَّاهُ بِاللِّعَانِ، وَإِنْ رَمَاهَا بِجَمَاعَةٍ سَمَّاهُمْ وَيَقُولُ الزَّوْجُ كَمَا يُلَقِّنُهُ الْإِمَامُ وَإِنْ كَانَ وَلَدٌ أَوْ حَمْلٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ يَقُولُ وَإِنَّ هَذَا الْوَلَدَ أَوِ الْحَمْلَ لَمِنَ الزِّنَا وما هُوَ مِنِّي، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ فُلَانٌةً، وَإِذَا أَتَى بِكَلِمَةٍ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَلْقِينِ الْحَاكِمِ لَا تَكُونُ مَحْسُوبَةً، فَإِذَا فَرَغَ الرَّجُلُ مِنَ اللِّعَانِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَانْتَفَى عَنْهُ النَّسَبُ وَسَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ، وَوَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ حَدُّ الزِّنَا، إِنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً تُرْجَمُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ تُجْلَدُ وَتُغَرَّبُ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ كُلُّهَا بِلِعَانِ الزَّوْجِ.

[سورة النور (24) : الآيات 8 الى 9]
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (8) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)
قَوْلُهُ: وَيَدْرَؤُا، يَدْفَعُ، عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ.
وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) . وَأَرَادَ بِالْعَذَابِ الْحَدَّ كَمَا قَالَ [1] فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: حدها [2] ومعنى الآية أن الزوج إذ لَاعَنَ وَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ حَدُّ الزِّنَا، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا بِلِعَانِهِ فَأَرَادَتْ إِسْقَاطَهُ عَنْ نَفْسِهَا فَإِنَّهَا تُلَاعِنَ فَتَقُومُ وَتَشْهَدُ بعد تلقين الحاكم [لها] [3] أربع شهادت بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ، وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ عَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كَانَ زَوْجِي مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهَا إِلَّا حَكَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهَا وَلَوْ أَقَامَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً عَلَى زِنَاهَا فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهَا بِاللِّعَانِ، وَعِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بَلْ مُوجِبُهُ اللِّعَانُ، فَإِنْ لم تلاعن تحبس حتى تلاعن فإذا لا عن الزوج وامتنعت المرأة من [4] اللِّعَانِ حُبِسَتْ حَتَّى تُلَاعِنَ، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ اللِّعَانُ حُجَّةٌ عَلَى صِدْقِهِ وَالْقَاذِفُ إِذَا قَعَدَ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى صِدْقِهِ لَا يُحْبَسُ بل يجلد كَقَاذِفُ الْأَجْنَبِيِّ إِذَا قَعَدَ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُوجَبُ اللِّعَانِ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ وَنُفِيُ النَّسَبِ، وَهُمَا لَا يَحْصُلَانِ إِلَّا بِلِعَانِ الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا، وَقَضَاءِ الْقَاضِي وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ فُرْقَةُ فَسْخٍ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَتِلْكَ الْفُرْقَةُ مُتَأَبِّدَةٌ حتى [5] لو أكذب الزَّوْجُ نَفْسَهُ يُقْبَلُ ذَلِكَ فِيمَا عليه دون
__________
(1) في المخطوط «ذكره» .
(2) في المطبوع «أحدهما» . [.....]
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المطبوع «عن» .
(5) في المطبوع «حق» .
(3/387)

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)
مَا لَهُ فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَيَلْحَقُهُ الولد ولكن لا يرتفع تأييد التَّحْرِيمِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فُرْقَةُ اللعان فرقة طلاق فإذا أكذب الزَّوْجُ نَفْسَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَإِذَا أَتَى بِبَعْضِ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا أَتَى بِأَكْثَرِ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ قَامَ مَقَامَ الْكُلِّ فِي تَعَلُّقِ [1] الْحُكْمِ بِهِ، فكل مَنْ صَحَّ يَمِينُهُ صَحَّ لِعَانُهُ حرا [كان] [2] أو عبدا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالْحَسَنِ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا يَجْرِي اللِّعَانُ إِلَّا بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ غَيْرِ مَحْدُودَيْنِ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ يَجْرِي اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ [النور: 6] ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ والمحدود وغيره كما قال: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ [الْمُجَادَلَةِ: 3] ، ثُمَّ يَسْتَوِي الْحُرُّ وَالْعَبْدُ هُنَا فِي الظِّهَارِ، وَلَا يَصِحُّ اللِّعَانُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ خَلِيفَتِهِ، وَيُغَلَّظُ اللِّعَانُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءٍ بِعَدَدِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَأَنْ يَكُونَ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ، أَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمُسْتَحَقَّةُ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهَا، وَأَمَّا الْمَكَانُ فَهُوَ أَنْ يُلَاعِنَ فِي أَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ إِنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَعِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَفِي سَائِرِ الْبِلَادِ فَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَالزَّمَانِ هُوَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ فَأَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ وَالتَّغْلِيظُ بِالْجَمْعِ مُسْتَحَبٌّ، حتى لولا عن الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا وَحْدَهُ جَازَ وَهَلِ التغليظ بالمكان وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ فِيهِ قَوْلَانِ.

[سورة النور (24) : الآيات 10 الى 11]
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (11)
قوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) ، جَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ يَعْنِي لَعَاجَلَكُمْ بِالْعُقُوبَةِ وَلَكِنَّهُ ستر عليكم ورفع عَنْكُمُ الْحَدَّ بِاللِّعَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ يَعُودُ عَلَى مَنْ يَرْجِعُ عَنِ الْمَعَاصِي بِالرَّحْمَةِ حَكِيمٌ فِيمَا فرض من الحدود.
قوله: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الْآيَاتِ، سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا:
«1499» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَاصٍّ وَعُبِيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةٌ من حديثها وبعضهم
__________
1499- إسناده صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم غير عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فإنه من رجال البخاري.
- صالح هو ابن كيسان، ابن شهاب هو محمد بن مسلم.
- وهو في «صحيح البخاري» 4141 عن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4661 و4750 ومسلم 2770 والنسائي في «التفسير» 380 وأبو يعلى 4927 وأحمد 6/ 197 وعبد الرزاق 9748 وابن حبان 4212 والطبراني 23 (134) - (148) والطبري 25854 والواحدي في «الوسيط» 3/ 307- 310 والبيهقي 7/ 302 من طرق عن الزهري به.
(1) في المطبوع «خلق» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3/388)

كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصًا وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حديثهم يصدّق بعضا [وإن كان بعضهم أوعى له من بعض] [1] ، قَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ وَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ما أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ، وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلَيْ فَلَمَسَتْ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظِفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ، فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ [2] مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا وَوَجَدْتُ عِقْدِي بعد ما اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فتيممت منزلي الذي كنت فيه وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فبينا أنا جالسة في منزلة غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا [3] فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرَيْنَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَهُمْ نُزُولٌ، قَالَتْ: فَهَلَكَ مَنْ هلك في شأني وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الْإِفْكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، قَالَ عُرْوَةُ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ، وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا: لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الإفك إِلَّا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي نَاسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ [4] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سلول، قال عروة: وكانت عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
فإن أبي ووالده [5] وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي [وجعا] ، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ» ؟ ثُمَّ ينصرف، فذلك الذي يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ في التنزه قِبَلَ الْغَائِطِ وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا [عِنْدَ] [6] بُيُوتِنَا، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ، أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بكر الصديق،
__________
(1) سقط من المخطوط.
(2) تصحف في المخطوط «المعلقة» .
(3) في المخطوط «يديهآ» والمثبت عن «صحيح البخاري» .
(4) في المخطوط بدل الآية «وإن كبر ذلك إلى» .
(5) في المطبوع «ووالدتي» .
(6) سقط من المطبوع.
(3/389)

وابنها مسطح بن أتاثة بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بدرا؟ فقالت:
أي هنتاه أو لم تستمعي ما قال؟ قالت فقلت: وما قَالَ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، قَالَتْ فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ تِيكُمْ» ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوِيَّ؟ قَالَتْ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسَتَيْقَنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لِأُمِّي:
يَا أُمَّتَاهُ مَاذَا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوّني عليك فو الله لَقَلَّ مَا كَانَتِ امْرَأَةً قَطُّ وضيئة عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ فَقُلْتُ: سبحان الله أو لقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ استلبث الوحي يسألهما ويستشير هما في فراق أهله، قالت: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ:
أَهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلَيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقِ [الله] [1] عليك [في أمر النساء] [2] وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلِ الْجَارِيَةَ تصدقك الخبر، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: أَيْ بِرَيْرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يُرِيبُكِ؟ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ عليها أمرا قط أغمضه غير أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ [قَالَتْ] [3] فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يومه فاستعذر مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ في أهلي وو الله مَا عَلِمَتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي» ، قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْذُرُكَ فَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: وَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتُ عَمِّهِ مِنْ فَخْذِهِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، [قَالَتْ عائشة] : وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ [بن معاذ] [4] كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتُ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حضير وهو ابن عم لسعد بن عبادة فقال: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلُنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، قَالَتْ: فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْفِضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عندي، قالت: وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ حَتَّى إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَذِنَتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي [قَالَتْ] [5] فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فسلم علينا ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عندي منذ قيل فيّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بعد يا عائشة إنه بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كنت
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(3/390)

بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ قلص دَمْعِي حَتَّى مَا أَحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ، فَقَالَ أَبِي: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ أُمِّي: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرًا إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ علمت ولقد سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ في أنفسكم وصدقتم به، لئن قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ والله يعلم إني بريئة لتصدقني، فو الله لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إلا أبا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ [يُوسُفَ: 18] ، ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فراشي [وأنا] [1] والله أعلم أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي الله بها، فو الله مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حتى أنزل عليه فَأَخْذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرَ مِنْهُ الْعَرَقُ مِثْلَ الْجُمَّانِ وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الذي أنزل عليه [فيّ] [2] ، قَالَتْ: فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك» ، قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إِلَيْهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقْوَمُ إِلَيْهِ فَإِنِّي لَا أَحْمِدُ إِلَّا اللَّهَ قَالَتْ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الْعَشْرَ الْآيَاتِ ثم أَنْزَلَ اللَّهُ فِي بَرَاءَتِي؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، فأنزل الله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إِلَى قَوْلِهِ: غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 22] ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَّعَ إِلَى مِسْطَحٍ النفقة التي كان ينفقها عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْزَعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ:
وَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي فَقَالَ لِزَيْنَبَ: مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمَتُ إِلَّا خَيْرًا، قالت عائشة، وهي التي كانت تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، قَالَتْ: وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثٍ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ الذي قيل فيه [3] مَا قِيلَ لَيَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سبيل اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] .
«1500» وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَحْيَى بْنِ بكير أنا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادٍ مِثْلِهِ، وَقَالَ: وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِلَى قَوْلِهِ: فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِفْكِ.
«1501» وَرَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيتي
__________
1500- صحيح. أخرجه البخاري 4750 عن يحيى بن بكير به.
1501- صحيح. أخرجه أحمد 6/ 59 والطبري 25757 من طرق أبي أسامة بهذا الإسناد.
وعلقه البخاري 4757 عن أبي أسامة عن هشام به.
(1) زيادة من «الوسيط» 3/ 310.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «له» .
(3/391)

فَسَأَلَ عَنِّي خَادِمَتِي، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ مَا عَلِمَتُ عَلَيْهَا عَيْبًا إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلُ خَمِيرَهَا أَوْ عَجِينَهَا، فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَسْقَطُوا [لها به] [1] ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا علمت عليها إلا كما يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ.
وَفِيهِ قَالَتْ: وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُفِعَ عَنْهُ وَإِنِّي لَأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ، وَيَقُولُ: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ، فَقَالَ لِي أَبَوَايَ: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُهُ وَلَا أَحْمَدُ أَحَدًا ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلَا غير تموه.
أَمَّا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بِالْكَذِبِ وَالْإِفْكُ [2] أَسْوَأُ الْكَذِبِ سُمِّيَ إِفْكًا لِكَوْنِهِ مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَفَكَ الشَّيْءَ إِذَا قَلَبَهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَسْتَحِقُّ الثَّنَاءَ لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَصَانَةِ وَالشَّرَفِ فَمَنْ رَمَاهَا بِالسُّوءِ قَلَبَ الْأَمْرَ عَنْ وَجْهِهِ، عُصْبَةٌ مِنْكُمْ أي جماعة منكم [3] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ زَوْجَةُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُمْ، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، يَا عَائِشَةُ وَيَا صَفْوَانُ، وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِعَائِشَةَ وَلِأَبَوَيْهَا وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِصَفْوَانَ، يَعْنِي: لَا تَحْسَبُوا الْإِفْكَ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ يَأْجُرُكُمْ عَلَى ذَلِكَ ويظهر براءتكم، وسمي الإفك إِفْكًا لِكَوْنِهِ مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ، مِنْ قَوْلِهِمْ أَفَكَ الشَّيْءَ إِذَا قَلَبَهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ عائشة كانت تستحق الثناء بما كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَصَانَةِ وَالشَّرَفِ فَمَنْ رَمَاهَا بِالسُّوءِ قَلَبَ الْأَمْرَ عن وجهه.
قوله تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ، يَعْنِي مِنَ الْعُصْبَةِ الْكَاذِبَةِ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، أَيْ: جَزَاءُ مَا اجْتَرَحَ مِنَ الذَّنْبِ عَلَى قَدْرِ مَا خَاضَ فِيهِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، أَيْ: تَحَمَّلَ مُعْظَمَهُ فَبَدَأَ بِالْخَوْضِ فِيهِ، قَرَأَ يَعْقُوبُ «كُبْرَهُ» بِضَمِّ الْكَافِ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِالْكَسْرِ، قَالَ الكسائي: هما لغتان وقال الضَّحَّاكُ: قَامَ بِإِشَاعَةِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ قَالَتْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبيّ ابن سلول، والعذاب العظيم هُوَ النَّارُ فِي الْآخِرَةِ.
«1502» وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ قَالَتْ: ثُمَّ رَكِبْتُ وَأَخَذَ صَفْوَانُ بِالزِّمَامِ فَمَرَرْنَا بِمَلَأٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا مُنْتَبَذِينِ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَئِيسُهُمْ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: عَائِشَةُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا نَجَتْ مِنْهُ وَمَا نَجَا مِنْهَا، وَقَالَ امْرَأَةُ نَبِيِّكُمْ بَاتَتْ مَعَ رَجُلٍ حَتَّى أَصْبَحَتْ ثُمَّ جَاءَ يَقُودُ بِهَا. وَشَرَعَ فِي ذلك أيضا حسان بن ثابت ومسطح وحمنة [فهو الذي تولى كبره] [4] .
__________
1502- لم أقف عليه. ولا يصح، فهو معارض بما في «الصحيحين» في خبر الإفك المتقدم وفيه «حتى أناخ- صفوان- راحلته، فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك ... » فهذا دليل على أن عائشة لم تسمع شيئا من الكلام.
(1) تصحف في المطبوع «المهابة» .
(2) في المطبوع «وهو» .
(3) في المطبوع «منهم» .
(4) في المخطوط «فَهَمَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا كِبْرَهُ» .
(3/392)

لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ حَسَّانُ بْنُ ثابت.
«1503» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أنا بشر بن خالد أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُ شِعْرًا يُشَبِّبُ [1] بِأَبْيَاتٍ لَهُ وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قَالَ مَسْرُوقٌ فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟ قَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى، وَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
«1504» وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالَّذِينِ رَمَوْا عَائِشَةَ فَجُلِدُوا الحدّ جميعا ثمانين ثمانين.

[سورة النور (24) : الآيات 12 الى 18]
لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (13) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (16)
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)
قَوْلُهُ: لَوْلا، هَلَّا، إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ، بإخوانهم، خَيْراً وقال الْحَسَنُ: بِأَهْلِ دِينِهِمْ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29] ،
__________
1503- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- شعبة هو ابن الحجاج سليمان هو ابن طرخان، أبو الضحى، وهو مسلم بن صبيح.
- وهو في «صحيح البخاري» 4146 عن بشر بن خالد بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4755 و456 ومسلم 2488 والطبري 25845 من طريق مسروق به. [.....]
1504- لم يثبت أن ابن سلول قد حدّ البتة، وأصح شيء ورد في ذلك هو ما أخرجه أبو داود 4474 والترمذي 3181 وابن ماجه 2567 وأحمد 6/ 35 والطحاوي في «المشكل» 2963 والبيهقي في «الدلائل» 4/ 74 وفي «السنن» 8/ 250 من طرق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لما نزل عذري قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم على المنبر فذكر ذاك، وتلا- تعني القرآن- فلما نزل المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم» .
وفي رواية الطحاوي «فأمر برجلين وامرأة، فضربوا حدهم ثمانين ثمانين» .
- وفي إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، لكن صرّح بالتحديث في رواية الطحاوي والبيهقي.
- وأخرجه أبو يعلى 4932 عن عروة مرسلا.
- وأخرجه عبد الرزاق 9750 عن الزهري مرسلا.
- وأخرجه أبو داود 4475 عن محمد بن إسحاق مرسلا.
- وأخرجه عبد الرزاق 9749 من طريق ابن أبي يحيى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بكر عن عمرة عن عائشة.
وإسناده ضعيف جدا، فيه ابن أبي يحيى، وهو إبراهيم بن محمد، وهو متروك.
(1) تصحف في المطبوع «يسيب» .
(3/393)

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)
فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النُّورِ: 61] . وَقالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، أَيْ: كَذِبٌ بيّن.
لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [أَيْ] [1] عَلَى مَا زَعَمُوا، فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِيرُونَ عِنْدَ اللَّهِ كَاذِبِينَ إِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ وَمَنْ كَذَبَ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ كَاذِبٌ سَوَاءٌ أَتَى بِالشُّهَدَاءِ أَوْ لَمْ يَأْتِ؟ قِيلَ: عِنْدَ اللَّهِ أَيْ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَذِّبُوهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَقِيلَ: هَذَا فِي حَقِّ عَائِشَةَ وَمَعْنَاهُ أُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ في غيبي وعلمي.
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ، خُضْتُمْ، فِيهِ، مِنَ الْإِفْكِ، عَذابٌ عَظِيمٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْ: عَذَابٌ لَا انْقِطَاعَ لَهُ يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَذَابَ الدُّنْيَا مِنْ قَبْلُ، فَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ [النور: 11] ، وقد أصابه [2] فإنه قد جلد وحدّ.
«1505» وقد روت عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حَدَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ وَمِسْطَحَ بْنَ أثاثة وحمنة بنت جحش.
قوله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: يَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ:
وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَلْقَى الرجل فيقول [له] [3] بَلَغَنِي كَذَا وَكَذَا يَتَلَقَّوْنَهُ تَلَقِّيًا، [وكذا قرأه أبيّ بن كعب] [4] وَقَالَ الزُّجَاجُ: يُلْقِيهِ بَعْضُكُمْ إِلَى بعض، قرأت عَائِشَةُ «تَلِقَوْنَهُ» بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفُ الْقَافِ مِنَ الْوَلَقِ وَهُوَ الْكَذِبُ، وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً، تَظُنُّونَ أَنَّهُ سَهْلٌ لَا إِثْمَ فِيهِ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، فِي الوزر.
وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ، اللفظ هاهنا بمعنى التعجب، هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، يعني كَذِبٌ عَظِيمٌ يَبْهَتُ وَيَتَحَيَّرُ مِنْ عَظَمَتِهِ. وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ أُمَّ أَيُّوبَ قَالَتْ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ: أَمَا بَلَغَكَ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ عَلَى وِفْقِ قَوْلِهِ.
يَعِظُكُمُ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُحَرِّمُ اللَّهُ عَلَيْكُمُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَنْهَاكُمُ اللَّهُ. أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ، بالأمر وَالنَّهْيِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِأَمْرِ عَائِشَةَ وصفوان بن المعطل، حَكِيمٌ، حكم ببراءتهما.

[سورة النور (24) : الآيات 19 الى 21]
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (20) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)
__________
1505- ضعيف. أخرجه البيهقي في «الدلائل» 4/ 74 من طريق أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أسعد بن زرارة عن عائشة به، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، لكن أحمد بن عبد الجبار ضعيف، وشيخه فيه ضعف، والوهن فقط بذكر ابن سلول، فإنه لم يحدّ، فهو الذي تولى كبره، حيث كان له منعة من قومه.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «أصابهم» .
(3) زيد في المطبوع.
(4) زيد في المطبوع.
(3/394)

وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ، يعني يظهر وَيَذِيعَ الزِّنَا، فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ الْمُنَافِقِينَ، وَالْعَذَابُ فِي الدُّنْيَا الْحَدُّ وَفِي الْآخِرَةِ النَّارُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ، كَذِبَهُمْ وَبَرَاءَةَ عَائِشَةَ وَمَا خَاضُوا فِيهِ مِنْ سُخْطِ الله، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، جواب وَلَوْلا محذوف يعني: لَعَاجَلَكُمْ بِالْعُقُوبَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يريد مسطحا وحسان بن ثابت وحمنة.
قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ، يعني بالقبائح من الأفعال، وَالْمُنْكَرِ، كل ما يكرهه الله، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكى، قَالَ مُقَاتِلٌ:
مَا صَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَا طَهُرَ، مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، وَالْآيَةُ عَلَى الْعُمُومِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، قَالُوا:
أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَوْلَا فَضْلُهُ وَرَحْمَتُهُ بِالْعِصْمَةِ مَا صَلَحَ مِنْكُمْ أَحَدٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا الْخِطَابُ لِلَّذِينِ خَاضُوا فِي الْإِفْكِ، وَمَعْنَاهُ: مَا طَهُرَ مِنْ هَذَا الذَّنْبِ وَلَا صَلُحَ أَمْرُهُ بَعْدَ الَّذِي فَعَلَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، قَالَ: مَا قَبِلُ تَوْبَةَ أَحَدٍ مِنْكُمْ، أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي، يُطَهِّرُ، مَنْ يَشاءُ، مِنَ الذَّنْبِ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

[سورة النور (24) : الآيات 22 الى 23]
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (23)
قوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ، يعني ولا يحلف، وهو يفعل [1] من الألية وهي القسم، قرأ أَبُو جَعْفَرٍ يَتَأَلَّ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ وَتَأْخِيرِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ يَتَفَعَّلُ مِنَ الألية وهي القسم. أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ، يعني أولو الغنى وَالسَّعَةِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي مِسْطَحًا وَكَانَ مِسْكِينًا مُهَاجِرًا بَدْرِيًّا ابْنَ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ.
«1506» حَلِفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يُنْفِقَ عليه [حين قال ما قال في عائشة عند نزول براءتها] [2] وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا، عَنْهُمْ خَوْضَهُمْ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ، أَلا تُحِبُّونَ، يُخَاطِبُ أَبَا بَكْرٍ، أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَلَمَّا قَرَأَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ قَالَ: بَلَى أَنَا أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَرَجَّعَ إِلَى مِسْطَحٍ نفقته التي
__________
1506- هو عجر حديث أخرجه الطبراني في «الكبير» 23/ 150- 151 عن سعيد بن جبير مرسلا.
وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف كما في «المجمع» 7/ 79.
- وأصل الخبر عند أحمد 6/ 59 والطبري 25857 من حديث عائشة، وإسناد أحمد صحيح، وعلّقه البخاري 4757 في «صحيحه» .
(1) في المخطوط «مفتعل» .
(2) سقط من المطبوع.
(3/395)

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)
كان ينفقها عَلَيْهِ، وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزَعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: أَقْسَمَ نَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يتصدقون على رجل [ولا امرأة] [1] تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِفْكِ وَلَا يَنْفَعُوهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، الْعَفَائِفَ، الْغافِلاتِ، عَنِ الْفَوَاحِشِ، الْمُؤْمِناتِ، وَالْغَافِلَةُ عن الفاحشة التي لَا يَقَعُ فِي قَلْبِهَا فِعْلُ الْفَاحِشَةِ وَكَانَتْ عَائِشَةُ كَذَلِكَ، قَوْلُهُ تعالى: لُعِنُوا، عذبوا، فِي الدُّنْيا، بالحدّ، وَالْآخِرَةِ، بِالنَّارِ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، قَالَ مقاتل: هذا خاص فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المنافق.
وروي عَنْ خَصِيفٍ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَنْ قَذْفَ مُؤْمِنَةً يَلْعَنُهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ خَاصَّةً. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ لِعَائِشَةَ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْمُؤْمِنَاتِ.
رُوِيَ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كَاهِلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: هَذِهِ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ وَأَزْوَاجِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً لَيْسَ فِيهَا تَوْبَةٌ. وَمِنْ قَذَفَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ تَوْبَةً ثُمَّ قَرَأَ:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا [النور: 4- 5] فَجَعَلَ لِهَؤُلَاءِ تَوْبَةً، وَلَمْ يَجْعَلْ لِأُولَئِكَ تَوْبَةً. وَقَالَ الْآخَرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ذلك حتى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إِلَى قَوْلِهِ: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 4- 5] فأنزل [الله] [2] الجلد والتوبة.

[سورة النور (24) : الآيات 24 الى 26]
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، قرأ حمزة والكسائي بالياء لتقدم [3] الفعل وقرأ الآخرون بالتاء، أَلْسِنَتُهُمْ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يَخْتِمَ على أفواههم، وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [تنطق] [4] ، يروى أنه يختم على الْأَفْوَاهُ فَتَتَكَلَّمُ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا عَمِلَتْ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَشْهَدُ أَلْسِنَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ، جَزَاءَهُمُ الْوَاجِبَ. وَقِيلَ: حِسَابَهُمُ الْعَدْلَ. وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، يُبَيِّنُ لَهُمْ حَقِيقَةَ مَا كَانَ يَعِدُهُمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَذَلِكَ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ كَانَ يَشُكُّ فِي الدِّينِ فَيَعْلَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ.
قوله سبحانه وتعالى: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ، قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الْخَبِيثَاتُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ لِلْخَبِيثَيْنِ مِنَ النَّاسِ. وَالْخَبِيثُونَ، مِنَ النَّاسِ، لِلْخَبِيثاتِ، من القول، وَالطَّيِّباتُ، مِنَ الْقَوْلِ، لِلطَّيِّبِينَ، مِنَ النَّاسِ، وَالطَّيِّبُونَ، مِنَ النَّاسِ، لِلطَّيِّباتِ، مِنَ الْقَوْلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْخَبِيثَ من
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «لتقديم» .
(4) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3/396)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)
الْقَوْلِ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْخَبِيثِ مِنَ النَّاسِ وَالطِّيبَ لَا يَلِيقُ إلا بالطيب، فَعَائِشَةُ لَا يَلِيقُ بِهَا الْخَبِيثَاتُ من القول لأنها طيبة فَيُضَافُ إِلَيْهَا طَيِّبَاتُ الْكَلَامِ مِنَ المدح والثناء الْحَسَنِ وَمَا يَلِيقُ بِهَا. وَقَالَ الزُّجَاجُ: مَعْنَاهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِالْخَبِيثَاتِ إِلَّا الْخَبِيثَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِالطَّيِّبَاتِ إِلَّا الطَّيِّبَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهَذَا ذَمٌّ لِلَّذِينِ قَذَفُوا عَائِشَةَ، وَمَدْحٌ لِلَّذِينَ بَرَّؤُوهَا بِالطَّهَارَةِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنَاهُ الْخَبِيثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْخِبِّيثُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ النِّسَاءِ أَمْثَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَالشَّاكِّينَ فِي الدِّينِ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ للطيبات من النساء. ويريد عَائِشَةَ طَيَّبَهَا اللَّهُ لِرَسُولِهِ الطَّيِّبِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ، يَعْنِي: عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ ذَكَرَهُمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النِّسَاءِ: 11] أَيْ إِخْوَانٌ. وَقِيلَ: أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ يَعْنِي الطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبَاتِ مُنَزَّهُونَ، مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، فَالْمَغْفِرَةُ هِيَ الْعَفْوُ عَنِ الذُّنُوبِ وَالرِّزْقِ الْكَرِيمِ الْجَنَّةُ. وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْتَخِرُ بِأَشْيَاءَ أُعْطِيَتْهَا لَمْ تُعْطَهَا امْرَأَةٌ غَيْرَهَا، مِنْهَا:
«1507» أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى بِصُورَتِهَا فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، وَقَالَ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ.
«1508» وَرُوِيَ أَنَّهُ أَتَى بِصُورَتِهَا فِي رَاحَتِهِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَسَهُ فِي حِجْرِهَا، وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا، وَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ مَعَهَا فِي لحاف [1] ، وَنَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَأَنَّهَا ابْنَةُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدِيقِهِ، وَخُلِقَتْ طَيِّبَةً، وَوُعِدَتْ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيمًا.
وَكَانَ مَسْرُوقٌ إِذَا رَوَى عَنْ عائشة قال: حدثني الصِّدِيقَةُ بِنْتُ الصَّدِيقِ حَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المبرأة من السماء.

[سورة النور (24) : الآيات 27 الى 30]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (29) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (30)
__________
1507- صحيح. أخرجه الترمذي 3880 وابن حبان 7094 من حديث عائشة «أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: إن هذه زوجتك في الدنيا والآخرة» .
وإسناده صحيح.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
- وأخرجه البخاري 3795 و5078 و7011 ومسلم 2438 وأبو يعلى 4498 و4600 وأحمد 6/ 41 و161 و128 وابن حبان 7093 والخطيب 5/ 428 والبيهقي 7/ 85 من حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أريتك في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشف عن وجهك، فإذا أنت هي. فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه» .
1508- أخرجه أبو يعلى 4626 وابن سعد 8/ 43- 44 والواحدي في «الوسيط» 3/ 314 عن عائشة وإسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد، لكن عامة ألفاظه لها شواهد وبعض ألفاظه يطابق واقع حال عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
(1) فِي المطبوع «لحافه» .
(3/397)

قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) ، قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أَيْ: حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ حَتَّى «تَسْتَأْذِنُوا» وَيَقُولُ: «تَسْتَأْنِسُوا» خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ [1] .
وَكَذَلِكَ كان يقرأ أبيّ بن كَعْبٍ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ «تَسْتَأْنِسُوا» وَهُوَ بِمَعْنَى [2] الِاسْتِئْذَانِ. وَقِيلَ:
الِاسْتِئْنَاسُ طَلَبُ الْأُنْسِ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ في البيت ناس فَيُؤْذِنَهُمْ إِنِّي دَاخِلٌ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الِاسْتِئْنَاسُ الِاسْتِبْصَارُ مِنْ قَوْلِهِ آنَسْتُ ناراً [طه: 10] أَيْ: أَبْصَرَتْ [3] . وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِتَسْبِيحَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ أَوْ يَتَنَحْنَحَ، يُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ. وَجُمْلَةُ حُكْمِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْتَ الْغَيْرِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذَانَ أَمِ السَّلَامَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذَانَ فَيَقُولُ: أَأَدْخُلُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ السَّلَامَ فَيَقُولُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ. وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهَا: حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَتَسْتَأْذِنُوا. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
«1509» وَرُوِيَ عَنْ كَلَدَةَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم فلم أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
أَرْجِعُ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا، فَأَمَرَ بَعْضُهُمُ الرَّجُلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَسَلَّمَ فَأَذِنَ لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى إِنْسَانٍ قَدَّمَ السَّلَامَ، وَإِلَّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذَانَ، ثُمَّ سَلَّمَ.
وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَحُذَيْفَةُ: يَسْتَأْذِنُ عَلَى ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَمِثْلُهُ عن الحسن، فإن كَانُوا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ يَتَنَحْنَحُ وَيَتَحَرَّكُ أَدْنَى حَرَكَةٍ.
«1510» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ أنا
__________
1509- صحيح. أخرجه أبو داود 5176 والترمذي 2710 والبخاري في «الأدب المفرد» 1081 وأحمد 3/ 4 من حديث كلدة بن حنبل.
وإسناده صحيح.
- وله شاهد من حديث رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ رَجُلٍ من بني عامر أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» 1084 وأبو داود 5177 وأحمد 5/ 369.
ورجاله إلى ربعي على شرطهما، وربعي ثقة من رجال البخاري، ومسلم، وجهالة الصحابي لا تضر.
وفي الباب من مرسل ابن سيرين وعمرو بن سعيد الثقفي عند الطبري 25917.
وانظر «أحكام القرآن» 1576 و «الكشاف» 743 بتخريجي.
1510- صحيح. أحمد بن منصور ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
(1) موقوف منكر. أخرجه الطبري 25908 عن ابن عباس، وإسناده على شرط البخاري ومسلم، وكرره 25915 و25909 و25910 ورجاله ثقات رجال الشيخين.
- فهو صحيح إلى ابن عباس، إلّا أنه رأي له وقول تفرد به، والصواب ما عليه الجمهور، وهو الذي اجتمعت الأمة عليه، وانظر «أحكام القرآن» بتخريجي، عقب الحديث 1574.
(2) في المخطوط «معنى» .
(3) في المطبوع «أبصرتها» .
(3/398)

إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ سَعِيدٍ الْجَرِيرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ فَأَرْسَلَ عُمَرُ فِي أَثَرِهِ فَقَالَ لِمَ رَجَعْتَ قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُجَبْ فَلْيَرْجِعْ» . قَالَ عمر لنأتين على ما تقول ببينة أو [1] لأفعلن بك كذا [2] غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ أَوْعَدَهُ، قَالَ: فجاء أبو موسى منتقعا [3] لَوْنُهُ وَأَنَا فِي حَلْقَةٍ جَالِسٌ، فَقُلْنَا: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: سَلَّمْتُ عَلَى عُمَرَ، فَأَخْبَرَنَا خَبَرَهُ، فَهَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالُوا: نَعَمْ كُلُّنَا قَدْ سَمِعَهُ، قَالَ فَأَرْسَلُوا مَعَهُ رَجُلًا مِنْهُمْ حَتَّى أَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ.
«1511» وَرَوَاهُ بُسْرُ [4] بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَفِيهِ: قَالَ أبو [5] موسى: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» .
قَالَ الْحَسَنُ: الْأَوَّلُ إِعْلَامٌ وَالثَّانِي مؤامرة، والثالث استئذان بالرجوع.
قوله: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها، أَيْ إِنْ لَمْ تَجِدُوا فِي الْبُيُوتِ أَحَدًا يَأْذَنُ لَكُمْ فِي دُخُولِهَا فَلَا تَدْخُلُوهَا، حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا، يعني إن كَانَ فِي الْبَيْتِ قَوْمٌ فَقَالُوا ارْجِعْ فَلْيَرْجِعْ وَلَا يَقِفْ [6] عَلَى الْبَابِ مُلَازِمًا، هُوَ أَزْكى لَكُمْ، يَعْنِي الرُّجُوعُ أَطْهَرُ وَأَصْلَحُ لَكُمْ، قَالَ قَتَادَةُ: إِذَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلَا يَقْعُدْ عَلَى الْبَابِ فَإِنَّ لِلنَّاسِ حَاجَاتٍ، وَإِذَا حَضَرَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ وَقَعَدَ عَلَى الْبَابِ مُنْتَظَرًا جَازَ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يأتي باب الأنصار يطلب الْحَدِيثِ فَيَقْعُدُ عَلَى الْبَابِ حَتَّى يَخْرُجَ وَلَا يَسْتَأْذِنُ، فَيَخْرُجَ الرَّجُلُ وَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ لَوْ أَخْبَرَتْنِي، فَيَقُولُ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَطْلُبَ الْعِلْمَ. وَإِذَا
__________
عبد الرزاق بن همام، معمر بن راشد، سعيد هو ابن إياس، أبو نضرة هو المنذر بن مالك.
- وهو في «شرح السنة» 3211 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 19423 عن معمر به.
- وأخرجه مسلم 2153 ح 35 والترمذي 2691 من طريقين عن الجريري به.
- وأخرجه ابن ماجه 3706 وأحمد 3/ 19 والدارمي 2/ 274 من طريق يزيد بن هارون عن داود بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي نضرة به.
- وأخرجه مسلم 2154 وأبو داود 5181 وأحمد 4/ 398 وأبو يعلى 7257 من طرق عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى به.
- وأخرجه أبو داود 5183 ومن طريق حميد بن هلال عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي موسى به.
- وأخرجه البخاري 2063 و7353 ومسلم 2153 ح 36 وأبو داود 5182 وأحمد 4/ 400 وابن حبان 5806 من طرق عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ عن عبيد بن عمير أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثا.... فذكره.
- وأخرجه ابن حبان 5806 من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أن أبا موسى.... فذكره.
وانظر الحديث الآتي.
1511- صحيح. أخرجه البخاري 6245 ومسلم 2153 ح 33 وأبو داود 5180 والحميد 734 وأحمد 3/ 6 وابن حبان 5810 والبيهقي 8/ 339 من طريق يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد به.
(1) في المطبوع «وإلا» .
(2) زيد في المطبوع «وكذا» .
(3) تصحف في المطبوع «ممتعقا» .
(4) تصحف في المطبوع «بشر» . [.....]
(5) زيد في المطبوع «الأشعري» .
(6) في المطبوع «يقعد» .
(3/399)

وَقَفَ فَلَا يَنْظُرْ مِنْ شَقِّ الْبَابِ إِذَا كَانَ الْبَابُ مَرْدُودًا.
«1512» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سِتْرِ الْحُجْرَةِ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى، فَقَالَ: «لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا يَنْظُرُنِي حَتَّى آتِيَهُ لَطَعَنْتُ بِالْمِدْرَى فِي عَيْنَيْهِ، وَهَلْ جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ إِلَّا مِنْ أَجْلِ البصر» .
«1513» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [1] بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أنا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذَنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عليك جناح» .
__________
1512- إسناده صحيح. أحمد بن منصور ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- عبد الرزاق بن همّام، معمر بن راشد، الزهري محمد بن مسلم.
- وهو في «شرح السنة» 2561 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 19431 عن معمر به.
- وأخرجه أحمد 5/ 334- 335 من طريق عبد الرزاق به.
- وأخرجه البخاري 6241 ومسلم 2156 ح 40 والترمذي 2709 وأحمد 5/ 330 وابن أبي شيبة 8/ 756 وابن حبان 6001 والطحاوي في «المشكل» 933 والطبراني 5663 و5668 والبيهقي 8/ 338 من طرق عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزهري به.
- وأخرجه البخاري 6901 ومسلم 2156 والنسائي 8/ 60- 61 وابن حبان 6001 والطبراني 5662 من طرق عن الليث عن الزهري به.
- وأخرجه البخاري 5924 ومسلم 2156 والشافعي 2/ 101 والطحاوي في «المشكل» 932 و935 والبيهقي 8/ 338 من طرق عن الزهري به.
1513- إسناده صحيح، الشافعي ثقة وكذا الربيع، وقد توبع الشافعي فمن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- الربيع هو ابن سليمان المرادي، الشافعي هو محمد بن إدريس، سفيان هو ابن عيينة، أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان، الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز.
- وهو في «شرح السنة» 2562 بهذا الإسناد.
- وهو في «مسند الشافعي» 2/ 101 عن سفيان به.
- وأخرجه البخاري 6902 ومسلم 2158 ح 44 والنسائي 8/ 61 وأحم 2/ 243 وابن الجارود 789 وابن حبان 6002 والبيهقي 8/ 338 من طرق عن سفيان بن عيينة به.
- وأخرجه البخاري 6888 وفي «الأدب المفرد» 1068 وابن حبان 6003 من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد به.
- وأخرجه النسائي 8/ 61 وأحمد 2/ 385 وابن الجارود 790 والطحاوي في «المشكل» 939 وابن حبان 6004 والبيهقي 8/ 338 من طرق عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة بنحوه.
- وأخرجه مسلم 2158 وأبو داود 5172 والنسائي 8/ 61 وعبد الرزاق 19433 وأحمد 2/ 266 و414 و527 وابن أبي شيبة 8/ 758 والطحاوي في «المشكل» 936 والبيهقي 8/ 338 من طرق عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به.
- وفي الباب من حديث أنس عند النسائي 8/ 60 والطحاوي في «المشكل» 937 وإسناده صحيح.
(1) في المطبوع «الوهاب» .
(3/400)

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، مِنَ الدُّخُولِ بِالْإِذْنِ وَغَيْرِ الْإِذْنِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الِاسْتِئْذَانِ قَالُوا: كَيْفَ بِالْبُيُوتِ الَّتِي بَيْنَ مكة والمدينة والشام على ظَهْرِ الطَّرِيقِ، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ، أَيْ: بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، فِيها مَتاعٌ لَكُمْ، يَعْنِي مَنْفَعَةً لَكُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْبُيُوتِ، فَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْخَانَاتُ وَالْبُيُوتُ وَالْمَنَازِلُ الْمَبْنِيَّةُ لِلسَّابِلَةِ لِيَأْوُوا إِلَيْهَا ويؤووا أمتعتهم إليها فيجوز [1] دُخُولُهَا بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِ وَالْمَنْفَعَةُ فِيهَا بِالْنُزُولِ وَإِيوَاءِ الْمَتَاعِ وَالِاتِّقَاءِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ بُيُوتُ التُّجَّارِ وَحَوَانِيتُهُمُ الَّتِي بِالْأَسْوَاقِ يَدْخُلُونَهَا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَهُوَ المنفعة. قال إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَيْسَ عَلَى حَوَانِيتِ السُّوقِ إِذْنٌ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا جَاءَ إِلَى حَانُوتِ السُّوقِ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ثُمَّ يَلِجُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ الْبُيُوتُ الْخَرِبَةُ، وَالْمَتَاعُ هُوَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهَا مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ.
وَقِيلَ: هِيَ جَمِيعُ الْبُيُوتِ الَّتِي لَا سَاكِنَ لَهَا لِأَنَّ الِاسْتِئْذَانَ إِنَّمَا جَاءَ لِئَلَّا يُطَّلَعَ عَلَى عَوْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يُخَفْ ذَلِكَ فَلَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ، أَيْ: عَنْ النَّظَرِ إِلَى مَا [لَا] [2] يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ.
وقيل: «من» صلة يعني يَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ ثَابِتٌ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِغَضِّ الْبَصَرِ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغَضُّ عَمَّا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِأَنْ يَغُضُّوا عَمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، عَمَّا لَا يَحِلُّ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ عَنِ الزِّنَا وَالْحَرَامِ، إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِتَارَ حَتَّى لَا يَقَعَ بَصَرُ الغير عليه، ذلِكَ يعني غَضُّ الْبَصَرِ وَحِفْظُ الْفَرْجِ، أَزْكى لَهُمْ، يعني خَيْرٌ لَهُمْ وَأَطْهَرُ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ، يعني عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ.
«1514» رُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: «يَا عَلَيُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لك الآخرة» .
__________
1514- حسن. أخرجه أبو داود 2149 والترمذي 2777 وأحمد 5/ 351 و353 و357 والطحاوي في «المعاني» 3/ 15 وفي «المشكل» 1867 والحاكم 2/ 194 والبيهقي 7/ 90 من حديث بريدة.
وفي إسناده شريك بن عبد الله، وهو سيىء الحفظ، وقد روى له مسلم متابعة.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلى من حديث شريك.
وصححه الحاكم على شرطهما! ووافقه الذهبي! مع أن فيه أيضا أبو ربيعة الإيادي، ولم يرويا له شيئا، والصواب أنه حسن في الشواهد.
- وأخرجه الطحاوي في «المشكل» 1866 من طريق شريك فجعله من مسند علي.
- وورد من وجه آخر عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ابن إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التيمي عن سلمة بن أبي الطفيل عن علي مرفوعا بلفظ «يا علي إن لك كنزا، وإنك ذو قرينها، فلا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأولى، وليست لك الآخرة» .
وإسناده ضعيف، له علتان: ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن، وسلمة مجهول، ومع ذلك صححه الحاكم! ووافقه الذهبي! في حين ذكر الذهبي سلمة في «الميزان» 2/ 191 فقال: قال ابن خراش مجهول.
- الخلاصة: هو حديث حسن بشاهده، وانظر «أحكام القرآن» 1583.
(1) في المخطوط «جاز» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3/401)

وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)
«1515» وَرُوِيَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ» .
«1516» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ حدثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَنْظُرِ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ في الثوب الواحد، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ في الثوب الواحد» .

[سورة النور (24) : آية 31]
وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ، عَمَّا لَا يَحِلُّ، وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، عمّا لَا يَحِلُّ. وَقِيلَ أَيْضًا: يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ يَعْنِي يَسْتُرْنَهَا حَتَّى لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.
«1517» وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَيْمُونَةَ إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مكتوم فدخل عليه،
__________
1515- صحيح. أخرجه مسلم 2159 وأبو داود 2148 والدارمي 2/ 278 والحاكم 2/ 396 والطبراني 2404 وابن حبان 5571 والبيهقي 7/ 89- 90 وفي «الآداب» 887 من طرق عن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عن جرير به.
- وأخرجه مسلم 2159 والترمذي 2776 وأحمد 4/ 358 و361 والطيالسي 672 والطحاوي في «المعاني» 3/ 15 وفي «المشكل» 1868 والطبراني 2405- 2408 من طرق عن يونس بن عبيد بالإسناد السابق.
1516- إسناده صحيح على شرط مسلم.
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ هو محمد بن عبد الله. أبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك.
- وهو في «شرح السنة» 2243 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح مُسْلِمٌ» 338 عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 3793 وابن ماجه 661 وابن أبي شيبة 1/ 106 من طريق زيد بن الحباب به.
- وأخرجه مسلم 338 وأبو داود 4018 وأحمد 3/ 63 وابن حبان 5574 وأبو عوانة 1/ 283 وأبو يعلى 1136 والطبراني 5438 والبيهقي 7/ 98 من طرق عن ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان به.
1517- ضعيف. أخرجه أبو داود 4112 والترمذي 2778 وأحمد 6/ 296 وابن حبان 5575 والخطيب في «التاريخ» 8/ 339 والبيهقي 7/ 91 من حديث أم سلمة.
- وإسناده ضعيف، مداره على نبهان مولى أم سلمة، وهو مجهول. قال الترمذي: حديث حسن صحيح!.
- وقال الحافظ في «الفتح» 1/ 550: هو حديث مختلف في صحته. قال أبو داود: هو خاص بأزواج النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستدل بحديث فاطمة بنت قيس.
وفيه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لها: «اعتدي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حللت فآذنيني» .
- وأخرجه مسلم 1480 وأبو داود 2284 وغيرهما.
- وقال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» 6/ 563 بعد توجيه هذا الحديث: قال ابن عبد البر: نبهان مجهول، وقال أحمد-
(3/402)

وذلك بعد ما أُمِرْنَا بِالْحِجَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «احتجابا مِنْهُ» ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: «أفعمياوان أنتما ألستنا تُبْصِرَانِهِ» ؟
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ، يعني لَا يُظْهِرْنَ زِينَتَهُنَّ لِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَأَرَادَ بِهَا [1] الزِّينَةَ الْخَفِيَّةَ وَهُمَا زِينَتَانِ خَفِيَّةٌ وَظَاهِرَةٌ، فَالْخَفِيَّةُ مِثْلُ الْخَلْخَالِ وَالْخِضَابِ فِي الرِّجْلِ وَالسُّوَارِ فِي الْمِعْصَمِ وَالْقُرْطِ وَالْقَلَائِدِ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا إِظْهَارُهَا، وَلَا لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَالْمُرَادُ مِنَ الزِّينَةِ مَوْضِعُ الزِّينَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى:
إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها، أَرَادَ بِهِ الزينة الظاهرة، اختلف أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ وَالْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ الثِّيَابُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الْأَعْرَافِ: 31] ، وَأَرَادَ بِهَا الثِّيَابَ [وَقَالَ الْحَسَنُ: الْوَجْهُ وَالثِّيَابُ] [2] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ وَالْخِضَابُ فِي الْكَفِّ، فَمَا كَانَ مِنَ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ جَازَ لِلرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَشَهْوَةً، فَإِنْ خَافَ شَيْئًا مِنْهَا غَضَّ الْبَصَرَ وَإِنَّمَا رُخِّصَ فِي هَذَا الْقَدْرِ أَنْ تُبْدِيَهُ الْمَرْأَةُ مِنْ بَدَنِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَتُؤْمَرُ بِكَشْفِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَسَائِرُ بَدَنِهَا عَوْرَةٌ يَلْزَمُهَا سَتْرُهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ، يعني: لِيُلْقِينَ بِمَقَانِعِهِنَّ، عَلى جُيُوبِهِنَّ، وَصُدُورِهِنَّ لِيَسْتُرْنَ بِذَلِكَ شُعُورَهُنَّ وَصُدُورَهُنَّ وَأَعْنَاقَهُنَّ وقراطهن. قَالَتْ عَائِشَةُ: رَحِمَ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ يَعْنِي: الزِّينَةَ الخفيفة الَّتِي لَمْ يُبَحْ لَهُنَّ كَشْفُهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا لِلْأَجَانِبِ وَهُوَ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي لَا يَضَعْنَ الْجِلْبَابَ وَلَا الخمار إِلَّا [3] لِأَزْوَاجِهِنَّ، أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ، فَيَجُوزُ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى الزينة الباطنة [من المرأة] [4] وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ النَّظَرُ إِلَى فَرْجِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ نِسائِهِنَّ أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى بَدَنِ الْمَرْأَةِ إِلَّا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَالرَّجُلِ الْمَحْرَمِ، هَذَا إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً، فَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَنْكَشِفَ لَهَا. اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَنْكَشِفَ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ النِّسَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: أَوْ نِسائِهِنَّ وَالْكَافِرَةُ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِنَا وَلِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فِي الدِّينِ، كانت أبعد من الرجل الأجنبي، وكتب عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنْ يَمْنَعَ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: عَبْدُ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ لَهَا، فَيَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ عَلَيْهَا إِذَا كَانَ عَفِيفًا وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى بَدَنِ مَوْلَاتِهِ إِلَّا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، كَالْمَحَارِمِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عن عائشة وأم سلمة.
__________
- وأبو داود: هو خاص.
وانظر «الكشاف» 747 و «أحكام القرآن» 1586 لابن العربي، وكلاهما بتخريجي.
(1) في المخطوط «به» .
(2) زيد في المطبوع. [.....]
(3) زيد في المطبوع «لبعولتهن أي إلا» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/403)

«1518» وَرَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ إذا أقنعت بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا وَإِذَا غَطَّتْ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَلْقَى قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ» .
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مَعَهَا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْإِمَاءُ دُونَ الْعَبِيدِ، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ [أَنَّهُ] [1] قَالَ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ لأنه لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَنْ تَتَجَرَّدَ بَيْنَ يَدَيِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ المشركة أمة لها. قوله: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ غَيْرَ بِنَصْبِ الرَّاءِ عَلَى الْقَطْعِ لِأَنَّ التَّابِعِينَ معرفة وغَيْرِ نكرة. وقيل: [إنّ «غير» ] [2] بِمَعْنَى «إِلَّا» فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مَعْنَاهُ: يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِلتَّابِعِينَ إِلَّا ذَا الْإِرْبَةِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُنَّ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ ذَا إِرْبَةٍ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَرِّ عَلَى نَعْتِ التَّابِعِينَ وَالْإِرْبَةِ وَالْأَرَبِ الْحَاجَةُ، والمراد التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ وهم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْقَوْمَ لِيُصِيبُوا مِنْ فَضْلِ طَعَامِهِمْ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَّا ذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ لَهُمْ فِي النِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْأَحْمَقُ الْعِنِّينُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الَّذِي لَا يَنْتَشِرُ وَلَا يَسْتَطِيعُ غِشْيَانَ النِّسَاءِ وَلَا يَشْتَهِيهِنَّ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الْمَعْتُوهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمَجْبُوبُ. وَقِيلَ هو المخنث. وقال مقاتل: هو الشَّيْخُ الْهَرِمُ وَالْعِنِّينُ وَالْخَصِيُّ وَالْمَجْبُوبُ وَنَحْوُهُ.
«1519» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ [3] الْحِيرِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَيْدَانِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ [بْنُ] [4] يَحْيَى أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم مخنث فكانوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ، فدخل
__________
1518- أخرجه أبو داود 4106 من حديث أنس وإسناده لين فيه سالم بن دينار قال في «التقريب» : مقبول.
وتابعه سلام بن أبي الصهباء عند البيهقي 7/ 95 وسلام هذا ضعيف، وذكره الألباني في «الإرواء» 1799 وحكم بصحته على أن سالم بن دينار وثقه ابن معين وغيره، وتابعه سلام بن أبي الصهباء. قلت: سالم وإن وثقه يحيى وابن حبان، فقد قال أحمد: أرجوا أن لا يكون به بأس، ولينه أبو زرعة، وقال أبو داود شيخ، فالإسناد لا بأس به ويحسن بمتابعة سلام وأما الصحة فلا، والله أعلم.
1519- إسناده صحيح. محمد بن يحيى ثقة روى له البخاري، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- عبد الرزاق بن همام، معمر بن راشد، الزهري محمد بن مسلم، عروة بن الزبير بن العوّام.
- وهو في «شرح السنة» 3102 بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2181 وأبو داود 4107 و4108 والنسائي في «عشرة النساء» 365 وأحمد 6/ 152 والبيهقي 7/ 96 من طرق عن معمر به.
- وأخرجه أبو داود 4109 وابن حبان 4488 والواحدي في «الوسيط» 3/ 317 من طريق يونس عن الزهري به.
- وورد بنحوه من حديث أم سلمة.
- أخرجه البخاري 4324 و5235 و5887 ومسلم 2180 وأبو داود 4929 وابن ماجه 1902 وأحمد 6/ 290.
(1) زيد في المطبوع.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) تصحف في المطبوع «الحسين» .
(4) سقط من المطبوع.
(3/404)

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ وَهُوَ يَنْعِتُ امْرَأَةً فَقَالَ: إِنَّهَا إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَاهُنَا لا يدخل عَلَيْكُنَّ هَذَا» فَحَجَبُوهُ.
أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ، أَرَادَ بِالطِّفْلِ الْأَطْفَالَ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا، أَيْ: لَمْ يَكْشِفُوا عَنْ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ لِلْجِمَاعِ فَيَطَّلِعُوا عَلَيْهَا. وَقِيلَ: لَمْ يَعْرِفُوا الْعَوْرَةَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الصِّغَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَقِيلَ: لَمْ يُطِيقُوا أَمْرَ النِّسَاءِ. وَقِيلَ: لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ الشَّهْوَةِ. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ، كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا مَشَتْ ضَرَبَتْ برجلها [الأرض] [1] لِيُسْمَعَ صَوْتُ خَلْخَالِهَا أَوْ يُتَبَيَّنَ [2] خَلْخَالُهَا، فَنُهِيَتْ عَنْ ذَلِكَ. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً، مِنَ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَقِيلَ: رَاجِعُوا طَاعَةَ اللَّهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ مِنَ الْآدَابِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «أَيُّهُ الْمُؤْمِنُونَ» وَ «يَا أَيُّهُ السَّاحِرُ» وَ «أَيُّهُ الثَّقَلَانِ» بِضَمِّ الْهَاءِ فِيهِنَّ وَيَقِفُ بِلَا أَلْفٍ عَلَى الْخَطِّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بفتح الهاءات الثلاث على الأصل [ويقف أبو عمرو والكسائي على الوصل ويقف الباقون بغير ألف على الرسم] [3] .
«1520» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [4] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ [مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ] أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ أَنَا حميد بن زنجويه أنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الْأَغَرَّ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا الناس توبوا إلى الله فَإِنِّي أَتُوبُ [إِلَى رَبِّي كُلَّ يَوْمٍ] [5] مِائَةَ مَرَّةٍ» .
«1521» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ [مُحَمَّدٍ] [6] الداودي أنا [أبو] [7] مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حمويه
__________
1520- إسناده صحيح، محمد بن يحيى روى له البخاري، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم سوى الأغرّ، فإنه من رجال مسلم، فهو على رسم الصحيح.
- محمد بن يحيى هو الذهلي، شعبة بن الحجاج، أبو بردة بن أبي موسى، قيل: اسمه الحارث، وقيل: عامر، الأغر هو ابن يسار المزني.
- وهو في «شرح السنة» 1281 بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2702 ح 42 والبخاري في «الأدب المفرد» 621 والنسائي في «اليوم والليلة» 446 و447 وابن أبي شيبة 10/ 298 وأحمد 4/ 260 وابن حبان 929 والطبراني 882 من طرق عن شعبة به.
- وأخرجه النسائي 445 والطبراني 883 و884 من طريقين عن عمرو بن مرة به.
- وأخرجه الطبراني 887 من طريق حميد بن هلال عن أبي بردة به.
- وأخرجه النسائي 444 وابن أبي شيبة 10/ 299 والطبراني 885 و886 من طريقين عن حميد بن هلال عن أبي بردة عن رجل من المهاجرين.
1521- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- ابن أبي شيبة محمد بن عبد الله، نافع هو أبو عبد الله مولى ابن عمر.
- وهو في «شرح السنة» 1282 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» 618 وأحمد 2/ 21 وابن أبي شيبة 10/ 297 من طرق عن ابن نمير به.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المخطوط «يبين» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط. [.....]
(5) في المطبوع «إليه في اليوم» .
(6) سقط من المطبوع.
(7) زيادة عن المخطوط.
(3/405)

السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بن خريم الشَّاشِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الله بْنُ حُمَيْدٍ الْكَشِّيُّ حَدَّثَنِي ابْنُ أبي شيبة أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ يَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» ، مِائَةَ مَرَّةٍ.
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي بَيَانِ العورات أنه لا يجوز للرجل [1] أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَعَوْرَتُهُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مَعَ الْمَرْأَةِ وَلَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إِلَى سَائِرِ الْبَدَنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ خَوْفُ فِتْنَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: الْفَخِذُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ.
«1522» لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَجْرَى نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ.
«1523» لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنِ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيَسْفُونِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن عمر الجوهري ثنا أحمد بن علي الكشمهيني أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عن [2] أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جحش، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْمَرٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ، قَالَ: «يَا مَعْمَرُ غَطِّ فَخِذَيْكَ فَإِنَّ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةٌ» .
«1524» وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدِ [3] أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «الفخذ عورة» .
__________
- وأخرجه أبو داود 1516 والترمذي 3434 وابن ماجه 3814 والنسائي في «عمل اليوم والليلة» 458 من طرق عن مالك بن مغول به.
- وأخرجه ابن حبان 927 من طريق سفيان عن محمد بن سوقة به.
- وأخرجه أحمد 72 والنسائي 459 من طريق مجاهد عن ابن عمر به.
- وأخرجه النسائي 460 من طريق أبي الفضل عن ابن عمر به.
1522- سيأتي في سورة الفتح عند آية 20 إن شاء الله، أخرجه البخاري وغيره.
1523- حسن صحيح بشواهده. إسناده لين لأجل أبي كثير مولى بني جحش، فقد وثقه ابن حبان والحافظ في «التقريب» لكن قال في «الفتح» 1/ 479: رجال الإسناد رجال الصحيح غير أبي كثير، روى عنه جماعة، ولم أجد فيه تصريحا بتعديل، وقال الذهبي عنه: شيخ: لكن له شواهد كما ترى.
- وهو في «شرح السنة» 2244 بهذا الإسناد.
- أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» 1/ 13 وعلقه في «صحيحه» 1/ 478 وأحمد 5/ 290 والحاكم 4/ 180 والطبراني 19/ (551) من طرق عن إسماعيل بن جعفر به.
- وأخرجه الحاكم 3/ 637 والطحاوي في «المشكل» 1699 وفي «المعاني» 1/ 474 والطبراني 19/ (550) و (553) و (554) و (555) والبيهقي 2/ 228 من طرق عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ به.
- قال الحافظ في «الفتح» 1/ 479: رجاله رجال الصحيح، غير أبي كثير، فقد روى عنه جماعة، لكن لم أجد فيه تصريحا بتعديل.
- وقال الزيلعي في «نصب الراية» 4/ 245 بعد أن ذكره من طريق أحمد: وهذا سند صالح، وصححه الطحاوي.
1524- حديث ابن عباس أخرجه الترمذي 2796 وأحمد 1/ 275 وابن أبي شيبة 9/ 116 والطبراني 11119 والحاكم 4/
(1) في المطبوع «للناظر» .
(2) في المطبوع «بن» وهو تصحيف.
(3) تصحف في المطبوع «جوهر» وزيد بعده «بن خويلد كان من أصحاب الصفة» .
(3/406)

وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)
قال محمد بن إسماعيل: حديث أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ، أَمَّا الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً حُرَّةً فَجَمِيعُ بَدَنِهَا في حق الأجنبي عورة لا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَوْرَتُهَا مِثْلُ عَوْرَةِ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَحَارِمُ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، وَالْمَرْأَةُ فِي النَّظَرِ إِلَى الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ كَهُوَ مَعَهَا. وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ، وَكَذَلِكَ هِيَ مِنْهُ إِلَّا نَفْسَ الْفَرَجِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَتِهَا كَالْأَمَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ.
«1525» وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا زَوَّجَ أحدكم أمته عبده فلا ينظر إِلَى مَا دُونُ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الركبة» .

[سورة النور (24) : آية 32]
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (32)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، الْأَيَامَى جَمْعُ أَيِّمٍ وَهُوَ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، يُقَالُ رَجُلٌ أَيِّمٌ وَامْرَأَةٌ أَيِّمَةٌ وَأَيِّمٌ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: زَوِّجُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ] [1] مِنْ أَحْرَارِ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ، وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ، وَهَذَا الْأَمْرُ أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ فيستحب لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى النِّكَاحِ وَوَجَدَ أُهْبَةَ النِّكَاحِ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أُهْبَةَ النِّكَاحِ يَكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ، لِمَا:
«1526» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ [مُحَمَّدِ بْنِ] عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ محمد بن
__________
181 والطحاوي في «المشكل» 1698 والبيهقي 2/ 228 من طرق عن إسرائيل عن أبي يحيى عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا.
وقال الترمذي: حسن غريب.
وفي إسناده أبو يحيى القتات، وهو ضعيف. لكن يصلح شاهدا لما قبله.
- وحديث جرهد أخرجه الترمذي 2798 وعبد الرزاق 1115 و19808 وأحمد 3/ 178 من طرق عن أبي الزناد عن ابن جرهد عن أبيه وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
- وأخرجه الترمذي 2797 وأحمد 3/ 478 والطحاوي في «المعاني» 1/ 475 من طريقين عن محمد بن عقيل عن عبد الله بن جرهد عن أبيه.
- وأخرجه الطحاوي في «المشكل» 4704 وابن حبان 1710 من طريق أبي الزناد عن عمه زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن جدّه جرهد.
الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بطرقه وشواهده، وانظر «أحكام القرآن» 895.
- تنبيه: وقع في الأصل «وجوهر بن خويلد» بدل «جرهد» والتصويب من المخطوط، و «شرح السنة» 5/ 18.
1525- حسن. أخرجه أبو داود 496 وأحمد 2/ 187 والبيهقي 2/ 228- 229 من حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عن جده، وإسناده حسن في الشواهد، وفي الباب أحاديث، راجع «أحكام القرآن» 895 بتخريجي، والله أعلم.
1526- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- محمد بن كثير هو العبدي، سفيان هو ابن عيينة، الأعمش هو سليمان بن مهران.
- وهو في «شرح السنة» 2229 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 5066 ومسلم 1400 ح 3 و4 والترمذي 1081 والنسائي 4/ 169 و270 و6/ 57 و58 وأحمد 1/ 424 و425 و432 والدارمي 2/ 132 والبيهقي 7/ 77 من طرق عن الأعمش به.
- وأخرجه البخاري 1905 و5065 ومسلم 1400 وأبو داود 2046 وابن ماجه 1845 والنسائي 4/ 171 و6/ 57 و58
(1) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3/407)

إبراهيم الإسفرايني أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يزداد [1] بن مسعود أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن أيوب البجلي أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغُضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» .
«1527» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: «تناكحوا تكثروا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ حَتَّى بالسقط [يوم القيامة] [2] » .
__________
وأحمد 1/ 378 و447 والطيالسي 1905 وأبو يعلى 5110 و5192 والبيهقي 7/ 77 من طرق عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ علقمة عن ابن مسعود به.
- وورد من حديث أبي هريرة عند الواحدي في «الوسيط» 3/ 318.
1527- صدره صحيح، شواهده كثيرة، دون لفظ «تناكحوا» وعجزه له شواهد لكنها ضعيفة.
ذكره العراقي «تخريج الإحياء» 2/ 22 وقال: أخرجه أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث ابن عمر دون قوله «حتى بالسقط» وإسناده ضعيف.
- وذكره بهذه الزيادة البيهقي في «المعرفة» عن الشافعي أنه بلغه ...
- ولقوله «تناكحو تكثروا فإني أباهي بكم الأمم» شواهد كثيرة منها:
- حديث معقل بن يسار وفيه «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم» .
- أخرجه أبو داود 2050 والنسائي 6/ 65- 66 والحاكم 2/ 162 وابن حبان 4056 و4057 والبيهقي 7/ 81 وإسناده جيد.
- وحديث أنس «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر الأنبياء يوم القيامة» .
أخرجه أحمد 3/ 158 و245 وابن حبان 4028 وسعيد بن منصور 490 والبيهقي 7/ 81- 82 وحديث عبد الله بن عمرو «أنكحوا أمهات الأولاد، فإني أباهي بهم يوم القيامة» أخرجه أحمد 2/ 171- 172.
- وحديث عبد الله بن مسعود عند ابن عدي في «الكامل» 2/ 372 وإسناده ضعيف، لضعف حسان بن سياه.
- وحديث عائشة وفيه « ... وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم....» أخرجه ابن ماجه 1846 وقال البوصبري في «الزوائد» إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف عيسى بن ميمون المديني، لكن له شاهد صحيح.
- وحديث أبي أمامة أخرجه البيهقي 7/ 78 وقال: وفي هذا أخبار كثيرة، في أسانيدها ضعف، وفيما ذكرناه غنية.
- ولقوله «حتى بالسقط» شواهد منها:
- حديث سهل بن ضعيف «تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، وإن السقط ليرى محبنطئا بباب الجنة يقال له ادخل، يقول:
حتى يدخل أبوي» .
المحبنطئ: المغضب المستبطئ للشيء.
- أخرجه الطبراني في «الأوسط» 5742 وذكره الهيثمي في «المجمع» 3/ 10- 11 وقال: وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.
- وحديث ابن مسعود «ذروا الحسناء العقيم، وعليكم بالسوداء الولود، فإني مكاثر بكم الأمم حتى بالقسط حنبطيا على باب الجنة....» .
أخرجه ابن عدي في «الكامل» 2/ 371- 372 وأعله بحسان بن سياه. وهو ضعيف.
- وحديث علي «إن السقط ليراغم ربه إن أدخل أبويه النار حتى يقال له: أيها السقط المراغم ربه ارجع، فإني قد أدخلت أبويك الجنة ... » .
أخرجه ابن ماجه 1608 وأبو يعلى 468 وإسناده ضعيف، لاتفاقهم على ضعف مندل.
(1) تصحف في المطبوع «مرواد» .
(2) زيادة من المخطوط.
(3/408)

«1528» وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي، وَمِنْ سُنَّتِي النِّكَاحُ» .
أَمَّا مَنْ لَا تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَى النِّكَاحِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ النِّكَاحِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَعِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ النِّكَاحُ أَفْضَلُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا كَرَّمَهُ فَقَالَ:
وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 39] ، وَالْحَصُورُ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْقَوَاعِدَ مِنَ النِّسَاءِ وَلَمْ يَنْدُبْهُنَّ إِلَى النِّكَاحِ في الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَزْوِيجَ النِّسَاءِ الْأَيَامَى إِلَى الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَهُمْ بِهِ.
كَمَا أَنَّ تَزْوِيجَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ إِلَى السادات، لقوله تعالى: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ دنيئة جاز لَهَا تَزْوِيجُ نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَرِيفَةً فَلَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ شَرْطٌ مِنْ جِهَةِ الْأَخْبَارِ مَا:
«1529» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا [أَبُو] [1] مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ أَنَا أبو العباس
__________
1528- حسن بشواهده. أخرجه عبد الرزاق 10378 وسعيد بن منصور 487 وأبو يعلى 2748 والبيهقي 7/ 78 والواحدي في «الوسيط» 3/ 318 عن عبيد بن سعد مرسلا ورجاله ثقات.
- وذكره الحافظ في «المطالب العالية» 1586 ونقل الشيخ الأعظمي قول البوصيري: رواه أبو يعلى والبيهقي مرسلا بسند صحيح اهـ.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 4/ 252: رجاله ثقات إن كان عبيد بن سعد صحابي، وإلا فهو مرسل اهـ.
- وله شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ «من أحب فطرتي فليتبين سنتي، وإن من سنتي النكاح» أخرجه ابن عدي في «الكامل» 7/ 87 وفي إسناده واصل بن عبد الرحمن أبو حرّة.
وثقه أحمد وابن معين، وذكره ابن حبان في «الثقات» . وضعفه النسائي وابن سعد وقال البخاري: يتكلمون فيه اهـ.
«التهذيب» .
- الخلاصة: للحديث شواهد كثيرة تعضده، فهو حسن إن شاء الله، والله أعلم.
1529- إسناده صحيح، أبو العباس السراج ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- أبو عوانة هو وضاح اليشكري، أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السّبيعي- وهو في «شرح السنة» 2254 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 1101 عن قتيبة بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن ماجه 1881 والطيالسي 523 والحاكم 2/ 171 والطحاوي في «المعاني» 3/ 9 والبيهقي 7/ 107 من طرق عن أبي عوانة به.
- وأخرجه أبو داود 2085 والترمذي 1101 وابن الجارود 701 والحاكم 2/ 171 والبيهقي 7/ 109 من طريق يونس بن أبي إسحاق عن أبيه به.
- وأخرجه ابن حبان 4077 والحاكم 2/ 171 وابن الجارود 703 والبيهقي 7/ 107 من طريق زهير بن معاوية.
- وأخرجه ابن الجارود 704 والطحاوي 3/ 9 والحاكم 2/ 169 والبيهقي 7/ 109 من طريق سفيان الثوري.
- وأخرجه الطحاوي 3/ 9 والبيهقي 7/ 108 من طريق قيس بن الربيع.
(1) سقط من المطبوع.
(3/409)

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» .
«1530» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشافعي أنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذَنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ- ثَلَاثًا- فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ له» .
قوله تَعَالَى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، قِيلَ: الْغِنَى هَاهُنَا الْقَنَاعَةُ.
وَقِيلَ: اجْتِمَاعُ الرِّزْقَيْنِ رِزْقُ الزَّوْجِ وَرِزْقُ الزَّوْجَةِ.
وَقَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ لِمَنِ ابْتَغَى الْغِنَى بِغَيْرِ النِّكَاحِ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
__________
كلهم عن أبي إسحاق السبيعي به.
- وأخرجه الحاكم 2/ 172 من طريق أبي حصين عن أبي بردة به.
- وأخرجه عبد الرزاق 10475 والطحاوي 3/ 9 والبيهقي 7/ 108 من طريق الثوري عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بردة مرسلا. ومع ذلك هو لا يعلل الموصول فقد أمره غير واحد من الثقات عن أبي إسحاق موصولا.
وللحديث شواهد كثيرة منها:
- حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه 1880 والدارقطني 3/ 221- 222 وأحمد 1/ 250 والطبراني 11/ 11298 و11343 و11944 والبيهقي 7/ 109 و110.
- وحديث أبي هريرة أخرجه ابن حبان 4076 والبيهقي 7/ 125 و143. وإسناده ضعيف، لضعف أبو عامر الخزاز.
- وحديث ابن عمر أخرجه الدارقطني 3/ 225 وفي إسناده ثابت بن زهير، وهو منكر الحديث.
- وحديث علي أخرجه البيهقي 7/ 111 وفي إسناده الحارث الأعور، وهو ضعيف.
- وحديث ابن مسعود أخرجه الدارقطني 3/ 225 وفي إسناده عبد الله بن محرز، وهو متروك.
- الخلاصة: هو حديث صحيح.
1530- إسناده حسن، رجاله ثقات سوى سليمان بن موسى، فيه كلام وهو صدوق، وقد توبع على صدر حديثه هذا.
- ابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز، ابن شهاب محمد بن مسلم، عروة بن الزبير.
- وهو في «شرح السنة» 2255 بهذا الإسناد.
- وهو في «مسند الشافعي» 2/ 11 عن سعيد بن سالم بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 2083 والترمذي 1102 وابن ماجه 1879 وأحمد 6/ 47 و165 وعبد الرزاق 472 والطيالسي 1463 وابن أبي شيبة 4/ 128 وابن الجارود 700 والدارقطني 3/ 221 و225- 226 والطحاوي 3/ 7 و8 والحاكم 2/ 168 وابن حبان 4074 والبيهقي 7/ 105 و113 و124 و125 و138 من طرق عن ابن جريج وصححه الحاكم عن شرطهما، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
- وذكره الحافظ في «التلخيص» 3/ 157 وقال: وأعل بالإرسال، قال الترمذي: حديث حسن، وقد تكلم فيه بعضهم من جهة أن ابن جريج قال: كم لقيت الزهري فسألته عنه فأنكره، قال: فضعف الحديث من أجل هذا، لكن ذكر عن يحيى بن معين أنه قال: لم يذكر هذا عن ابن جريج غير ابن علية، وضعف ابن معين روآية ابن علية، وحكاية ابن جريج هذه وصلها الطحاوي، وأعل ابن حبان وابن عدي وابن عبد البر والحاكم وغيرهم حكاية ابن جريج، وقد تكلم عليه الدارقطني في جزء من حديث ثم نسي اهـ ملخصا. وانظر «إرواء الغليل» 1840 وقد حكم بصحته؟!. وحسبه أن يكون حسنا لهذا الاختلاف، والله أعلم.
(3/410)

وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)
وعن بَعْضِهِمْ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الْغِنَيَّ بِالنِّكَاحِ وَبِالتَّفَرُّقِ [1] فَقَالَ تَعَالَى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء: 130] .

[سورة النور (24) : آية 33]
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكاحاً أَيْ: لِيَطْلُبِ الْعِفَّةَ عَنِ الْحَرَامِ وَالزِّنَا الَّذِينَ لَا يجدون مالا يَنْكِحُونَ بِهِ لِلصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ، حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، أَيْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِزْقِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ، أَيْ: يَطْلُبُونَ الْمُكَاتَبَةَ، مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ، سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ غُلَامًا لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى [2] سَأَلَ مَوْلَاهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَكَاتَبَهُ حُوَيْطِبٌ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَوَهَبَ لَهُ مِنْهَا عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَدَّاهَا، وَقُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فِي الْحَرْبِ، وَالْكِتَابَةُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِمَمْلُوكِهِ كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا مِنَ الْمَالِ وَيُسَمِّيَ مَالًا مَعْلُومًا يُؤَدَّى ذَلِكَ فِي نَجْمَيْنِ أَوْ نُجُومٍ مَعْلُومَةٍ فِي كُلِّ نَجْمٍ كَذَا، فَإِذَا أَدَّيْتَ [ذلك] [3] فأنت حر، ويقبل العبد ذَلِكَ، فَإِذَا أَدَّى الْمَالَ عَتَقَ وَيَصِيرُ الْعَبْدُ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ بَعْدَ أداء المال [4] ، وَإِذَا أُعْتِقَ بَعْدَ أَدَاءِ الْمَالِ فَمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ مِنَ الْمَالِ يَكُونُ لَهُ وَيَتْبَعُهُ أَوْلَادُهُ الَّذِينَ حَصَلُوا فِي حَالِ الْكِتَابَةِ فِي الْعِتْقِ، وَإِذَا عَجْزَ عَنْ أَدَاءِ الْمَالِ كَانَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَفْسِخَ كِتَابَتَهُ وَيَرُدَّهُ إِلَى الرِّقِّ، وَمَا فِي يَدِهِ مِنَ الْمَالِ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ، لِمَا:
«1531» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عن نافع أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ.
«1532» وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كتابته درهم» .
__________
1531- موقوف صحيح. إسناده على شرط البخاري ومسلم.
- أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بكر، مالك بن أنس، نافع أبو عبد الله.
- وهو في «شرح السنة» 2422 بهذا الإسناد.
- وهو في «الموطأ» 2/ 787 عن نافع به.
الخلاصة: هو موقوف صحيح الإسناد، وله حكم الرفع، فمثله لا يقال بالرأي، وقد جاء مرفوعا، وهو الآتي.
1532- حسن. أخرجه أبو داود 3926 والبيهقي 10/ 324 من طريق أبي عتبة إسماعيل بن عياش عن سليمان بن سليم عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبيه عن جده وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات، وهو حسن للاختلاف في عمرو عن آبائه.
- وورد بنحوه من وجه آخر بلفظ «أيما عبد كوتب على مائة أو قية فأداها إلا عشر أوقيات، فهو رقيق» .
أخرجه ابن ماجه 2519 والبيهقي 10/ 324 وأحمد 2/ 178 و206 و209 من طريق حجاج بن أرطاة وهذا إسناد ضعيف، ويصلح للمتابعة.
(1) في المخطوط «بالتفريق» .
(2) تصحف في المطبوع «العزيز» .
(3) زيادة عن المخطوط. [.....]
(4) في المخطوط «الكتابة» .
(3/411)

وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَكاتِبُوهُمْ أمر [وإيجاب] [1] فيجب عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ الَّذِي عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا إِذَا سَأَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ، عَلَى قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ سَأَلَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَلَا يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ.
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَنْ يكاتبه فتلكأ عنه فشكاه إِلَى عُمَرَ، فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ وَأَمَرَهُ بِالْكِتَابَةِ فَكَاتَبَهُ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ، وَلَا تَجُوزُ الْكِتَابَةُ عَلَى أَقَلِّ مِنْ نَجْمَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جُوِّزَ إِرْفَاقًا بِالْعَبْدِ، وَمِنْ تَتِمَّةِ الْإِرْفَاقِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَالُ عَلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ عَلَى مَهَلٍ فَيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ كَالدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ فَكَانَتْ عَلَيْهِمْ مُؤَجَّلَةً مُنَجَّمَةً، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الْكِتَابَةَ عَلَى نجم واحد حالّة. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً، اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْخَيْرِ، قال ابْنُ عُمَرَ: قُوَّةً عَلَى الْكَسْبِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ:
مَالًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [الْبَقَرَةِ: 180] أَيْ: مَالًا.
وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدًا لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ لَهُ كَاتِبْنِي، قَالَ: أَلَكَ مَالٌ؟ قَالَ: لَا قَالَ: تُرِيدُ أَنْ تُطْعِمَنِي مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ، وَلَمْ يُكَاتِبْهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لَوْ أَرَادَ بِهِ الْمَالَ لَقَالَ إِنْ عَلِمْتُمْ لَهُمْ خَيْرًا، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَابْنُ زَيْدٍ وَعُبَيْدَةُ: صدقا وأمانة. قال طاوس وعمر وابن دِينَارٍ: مَالًا وَأَمَانَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَظْهَرُ مَعَانِي الْخَيْرِ فِي الْعَبْدِ الِاكْتِسَابُ مَعَ الْأَمَانَةِ، فَأُحِبُّ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْ كِتَابَتِهِ إِذَا كَانَ هَكَذَا.
«1533» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ أَنَا أبو [محمد] [2] الْحَسَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَرِيكٍ الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْجُورَبَذِيُّ [3] أَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أخبرني الليث
__________
- وأخرجه أبو داود 3927 والبيهقي 10/ 324 وأحمد 2/ 184 من طريق الجريري.
- وأخرجه الترمذي 1260 من طريق يحيى بن أبي أنيسة ثلاثتهم عن عمرو بن شعيب به وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم اهـ.
فهذا الحديث يتقوى بهذه الروايات، وإن كان فيها مقال، وحديث عمرو بن شعيب من سلسلة الحسن عند الجمهور، فالحديث حسن إن شاء الله، والله أعلم.
1533- حسن، إسناده حسن لأجل محمد بن عجلان، فهو صدوق، وحديثه ينحط عن الصحيح، ابن وهب هو عبد الله، الليث هو ابن سعد، ابن عجلان هو محمد.
- وهو في «شرح السنة» 2232 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 1655 والنسائي 6/ 61 عن قتيبة عن الليث بهذا الإسناد.
- وأخرجه النسائي 6/ 15- 16 وابن ماجه 2518 وأحمد 2/ 251 و237 والحاكم 2/ 2160 وابن حبان 4030 والبيهقي 7/ 78 من طرق عن ابن عجلان به.
- وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي! وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وهو كما قال، ولم يرو مسلم لابن عجلان في الأصول، وإنما روى له متابعة، وقد ذكر ذلك الذهبي في «الميزان» في ترجمة ابن عجلان، واضطرب الحافظ، فقال في «التقريب» / م عو. أي روى له مسلم وأصحاب السنن، في حين قال في «التهذيب» روى له مسلم في الشواهد.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) تصحف في المطبوع «الجورمندي» .
(3/412)

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً أَيْ: أَقَامُوا الصَّلَاةَ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بَالِغًا عَاقِلًا، أما الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا تَصْحُ كِتَابَتُهُمَا لِأَنَّ الِابْتِغَاءَ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ كِتَابَةَ الصَّبِيِّ المراهق. قوله سبحانه وتعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ، اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمَوَالِي يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَحُطَّ عَنْ مُكَاتَبِهِ مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ شَيْئًا، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَجَمَاعَةٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ فَقَالَ قَوْمٌ: «يَحُطُّ عَنْهُ رُبُعَ مَالِ الْكِتَابَةِ» [1] ، وَهُوَ قَوْلُ عَلَيٍّ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَلَيٍّ مَرْفُوعًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَحُطُّ عَنْهُ الثُّلُثَ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: لَيْسَ لَهُ حَدٌّ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ مَا شَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ نَافِعٌ: كَاتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ غُلَامًا لَهُ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَوَضَعَ عَنْهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَاتَبَ مُكَاتَبَهُ لَمْ يَضَعْ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ أَوَّلِ نجومه مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته، ويضع مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ مَا أَحَبَّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، وَالْوُجُوبُ أَظْهَرُ [وَقَالَ] [2] قَوْمٌ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ أَيْ سَهْمَهُمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لهم من الصدقات المفروضة]
، بقوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ [البقرة: 177] وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ:
هُوَ حَثٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ عَلَى مَعُونَتِهِمْ، وَلَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَدَاءِ النُّجُومِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَمُوتُ رَقِيقًا وَتَرْتَفِعُ الْكِتَابَةُ سَوَاءٌ تَرَكَ مَالًا أَوْ لَمْ يَتْرُكْ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ يَرْتَفِعُ الْبَيْعُ [4] ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ تَرَكَ وَفَاءً بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ فَالزِّيَادَةُ لِأَوْلَادِهِ الْأَحْرَارِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً يَعْتِقُ بِأَدَاءِ الْمَالِ لِأَنَّ عِتْقَهُ مُعَلَّقٌ بِالْأَدَاءِ، وقد وجد ويتبعه [5] الْأَوْلَادُ وَالِاكْتِسَابُ كَمَا فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَهِيَ أَنَّ الْكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى فَسْخَهَا مَا لَمْ يَعْجِزِ الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ النُّجُومِ، وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى، وَيَعْتِقُ بِالْإِبْرَاءِ عَنِ النُّجُومِ، وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ يَمْلِكُ الْمَوْلَى فَسْخَهَا قَبْلَ أَدَاءِ الْمَالِ، حَتَّى لَوْ أَدَّى الْمَالَ بَعْدَ الْفَسْخِ لَا يَعْتِقُ وَيَبْطُلُ بموت
__________
(1) ورد عَنْ عَلَيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قال: «ربع المكاتبة» . وفي رواية «يترك للمكاتب الربع» .
أخرجه النسائي في «الكبرى» 5034 و5035 والحاكم 2/ 397 والبيهقي 10/ 329.
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي! مع أن في إسناده عطاء بن السائب، وقد اختلط.
- وذكره الحافظ في «التلخيص» 4/ 217 ونقل عن عبد الحق قوله: رواه ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السائب عن السلمي مرفوعا، وابن جريج إنما سمع من عطاء بعد الاختلاط، ورواية الوقف أصح.
الخلاصة: الصحيح موقوف، والمرفوع ضعيف.
(2) سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع «المفروضات» .
(4) في المخطوط «المبيع» .
(5) في المطبوع «وتبعه» .
(3/413)

الْمَوْلَى، وَلَا يَعْتِقُ بِالْإِبْرَاءِ عَنِ النُّجُومِ، وَإِذَا عَتَقَ الْمُكَاتَبُ بِأَدَاءِ الْمَالِ لَا يَثْبُتُ التَّرَاجُعُ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ وَيَثْبُتُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ فَيَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِقِيمَةِ رَقَبَتِهِ، وَهُوَ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مالا.
قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً الْآيَةُ.
«1534» نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ الْمُنَافِقِ كَانَتْ لَهُ جاريتان معادة وَمُسَيْكَةُ، وَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَا بِالضَّرِيبَةِ يَأْخُذُهَا مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُؤَجِّرُونَ إِمَاءَهُمْ، فلما جاء الإسلام قالت معادة لِمُسَيْكَةَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ فَإِنْ يَكُ خَيْرًا فَقَدِ اسْتَكْثَرْنَا مِنْهُ وَإِنْ يَكُ شَرًّا فَقَدْ آنَ لَنَا أَنْ نَدَعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
«1535» وَرَوَى أَنَّهُ جَاءَتْ إِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ يَوْمًا بِبُرْدٍ وَجَاءَتِ الْأُخْرَى بِدِينَارٍ، فَقَالَ لَهُمَا: ارْجِعَا فَازْنِيَا، قَالَتَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ قَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَحَرَّمَ الزِّنَا فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَكَتَا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ إِمَاءَكُمْ عَلَى الْبِغاءِ أي [على] [1] الزِّنَا إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً أَيْ إِذَا أَرَدْنَ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِكْرَاهُهُنَّ عَلَى الزنا إن لَمْ يُرِدْنَ تَحَصُّنًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 39] أَيْ إِذَا كُنْتُمْ مؤمنين. وقيل: [إنما] [2] شَرَطَ إِرَادَةَ التَّحَصُّنِ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ، فَإِذَا لَمْ تُرِدِ التَّحَصُّنَ بَغَتْ طوعا، والتحصن التعفف، وقال الحسين [3] بْنُ الْفَضْلِ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وتأخير تقديره: وَأَنْكَحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ. لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا، أَيْ: لِتَطْلُبُوا مِنْ أَمْوَالِ الدُّنْيَا يُرِيدُ مِنْ كَسْبِهِنَّ وَبَيْعِ أَوْلَادِهِنَّ، وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَعْنِي لِلْمُكْرَهَاتِ، وَالْوِزْرُ عَلَى الْمُكْرِهِ. وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: لَهُنَّ والله لهن والله.
__________
1534- ذكره الواحدي في «أسباب النزول» ص 336 نقلا عن المفسرين بدون إسناد.
- وورد بنحوه موصولا من وجوه فقد:
أخرجه مسلم 3029 وأبو داود 2311 والنسائي في «التفسير» 385 والطبري 26072 و26073.
والواحدي في «أسباب النزول» 640 والحاكم، 2/ 397 من حديث جابر «أن جارية لعبد اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ يقال لها مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة فكان يكرههما على الزنا، فشكتا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، فأنزل الله وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ- إلى قوله- غَفُورٌ رَحِيمٌ» .
- وأخرج الطبري 26075 حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال ثني حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قال: «أمة لعبد الله بن أبيّ أمرها فزنت، فجاءت ببرد، فقال لها ارجعي فازني، قالت: والله لا أفعل، إن يك هذا خيرا، فقد استكثرت مِنْهُ، وَإِنْ يَكُ شَرًّا فَقَدْ آن لي أن أدعه» .
وإسناده ضعيف لإرساله، وإلا فرجاله ثقات، والصحيح ما قبله.
- وأخرج الطبري 26076 عن الزهري «أن رجلا من قريش أسر يوم بدر، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أسرة، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذه، فكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان ابن أبي كرهها على ذلك رجاء أن تحمل للقرشي، فيطلب فداء ولده فقال الله وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ....
مراسيل الزهري واهية لأنه حافظ ثبت لا يرسل إلا لعلة، والصحيح في هذا الباب ما ورد عن جابر.
1535- انظر ما تقدم.
(1) زيادة عن المخطوط. [.....]
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «الحسن» .
(3/414)

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)
[سورة النور (24) : الآيات 34 الى 35]
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34) اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)
قوله تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ، مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، أَيْ شَبَهًا مِنْ حَالِكُمْ بِحَالِهِمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ، وَهَذَا تَخْوِيفٌ لَهُمْ أَنْ يَلْحَقَهُمْ مَا لَحِقَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ، وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَالْكَبَائِرَ.
قَوْلُهُ تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قَالَ ابن عباس: هادي أهل السموات وَالْأَرْضِ، فَهُمْ بِنُورِهِ إِلَى الْحَقِّ يَهْتَدُونَ وَبِهُدَاهُ مِنَ الضَّلَالَةِ يَنْجُونَ. وقال الضحاك: منوّر السموات وَالْأَرْضِ، يُقَالُ: نَوَّرَ السَّمَاءَ بِالْمَلَائِكَةِ وَنَوَّرَ الْأَرْضَ بِالْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مدبر الأمور في السموات وَالْأَرْضِ. وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والحسن وأبو العالية: مزّين السموات والأرض، زيّن السماء الشمس وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَزَيَّنَ الْأَرْضَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ. وَيُقَالُ: بِالنَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْأَنْوَارُ كُلُّهَا مِنْهُ، كَمَا يُقَالُ: فَلَانٌ رَحْمَةٌ أَيْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، وَقَدْ يُذْكَرُ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى طَرِيقِ الْمَدْحِ كما قال القائل: «شعر» :
إذا سار عبد الله عن مَرْوَ لَيْلَةً ... فَقَدْ سَارَ مِنْهَا نُورُهَا وَجَمَالُهَا
قَوْلُهُ تَعَالَى: مَثَلُ نُورِهِ أَيْ مَثَلَ نُورِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ وَهُوَ النُّورُ الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ كَمَا قَالَ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ ربه، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ. وَقَالَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَثَلُ نُورِهِ الَّذِي أَعْطَى الْمُؤْمِنَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْكِنَايَةُ عَائِدَةٌ إِلَى الْمُؤْمِنِ، أَيْ: مَثَلُ نُورِ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَكَانَ أُبَيٌّ يَقْرَأُ: «مَثَلُ نُورِ مَنْ آمَنَ بِهِ» وَهُوَ عَبْدٌ جُعِلَ الْإِيمَانُ وَالْقُرْآنُ فِي صَدْرِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَرَادَ بِالنُّورِ الْقُرْآنَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: أَرَادَ بِالنُّورِ الطَّاعَةَ، سَمَّى طَاعَةَ اللَّهِ نُورًا وَأَضَافَ هَذِهِ الْأَنْوَارَ إِلَى نَفْسِهِ تَفْضِيلًا، كَمِشْكاةٍ، وَهِيَ الْكُوَّةُ الَّتِي لَا مَنْفَذَ لَهَا فَإِنْ كَانَ لَهَا مَنْفَذٌ فَهِيَ كُوَّةٌ. وَقِيلَ: الْمِشْكَاةُ حَبَشِيَّةٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْقِنْدِيلُ فِيها مِصْباحٌ أي: سراج وأصله مِنَ الضَّوْءِ، وَمِنْهُ الصُّبْحُ، وَمَعْنَاهُ: كَمِصْبَاحٍ فِي مِشْكَاةٍ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، يَعْنِي الْقِنْدِيلَ، قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّمَا ذَكَرَ الزُّجَاجَةَ لِأَنَّ النُّورَ وَضَوْءَ النَّارِ فِيهَا أَبْيَنُ مِنْ كل شيء، وضوء يَزِيدُ فِي الزُّجَاجِ، ثُمَّ وَصَفَ الزُّجَاجَةَ، فَقَالَ: الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ.
قرأ أبو عمر والكسائي «درىء» بكسر الدال والهمز، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الدال والهمز، فَمَنْ كَسَرَ الدَّالَ فَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ الدَّرْءِ وَهُوَ الدَّفْعُ لِأَنَّ الكوكب يدفع الشيطان [1] مِنَ السَّمَاءِ، وَشَبَّهَهُ بِحَالَةِ الدَّفْعِ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أضوأ وأنور، وقيل: دري مكرر أَيْ طَالِعٍ، يُقَالُ دَرَأَ النَّجْمُ إذا طلع وارتفع، وَيُقَالُ: هُوَ مِنْ دَرَأَ الْكَوْكَبَ إذا اندفع منقبضا فيتضاعف ضوؤه في ذلك الوقت. وَيُقَالُ: دَرَأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ أَيْ طَلَعَ وَظَهَرَ، فَأَمَّا رَفْعُ الدَّالِ مَعَ الْهَمْزَةِ كَمَا قَرَأَ حَمْزَةُ قَالَ أَكْثَرُ النُّحَاةِ: هُوَ لَحْنٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فُعِّيلٌ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ.
__________
(1) في المطبوع «الشياطين» .
(3/415)

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَأَنَا أَرَى لَهَا وَجْهًا وَذَلِكَ أَنَّهَا دُرُّوءٌ على وزن فعول مِثْلُ سُبُّوحٍ وَقُدُّوسٍ، وَقَدِ اسْتَثْقَلُوا كَثْرَةَ الضَّمَّاتِ فَرَدُّوا بَعْضَهَا إِلَى الكسر، كما قالوا: عتيا [1] مِنْ عَتَوْتُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «دُرِّيُّ» بِضَمِّ الدَّالِّ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِلَا همز، أي: شديد الإنارة نسبت إِلَى الدُّرِ فِي صَفَائِهِ وَحُسْنِهِ، وإن كان الكوكب أكثر ضوء مِنَ الدُّرِّ لَكِنَّهُ يَفْضُلُ الْكَوَاكِبَ بِضِيَائِهِ [2] ، كَمَا يَفْضُلُ الدُّرُّ سَائِرَ الْحَبِّ. وَقِيلَ:
الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ وَاحِدٌ مِنَ الْكَوَاكِبِ الْخَمْسَةِ الْعِظَامِ، وَهِيَ زُحَلُ وَالْمِرِّيخُ وَالْمُشْتَرِي وَالزُّهَرَةُ وَعُطَارِدُ.
وقيل: شبهه بالكواكب، وَلَمْ يُشَبِّهْهُ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَلْحَقُهُمَا الْخُسُوفُ وَالْكَوَاكِبَ لَا يَلْحَقُهَا الْخُسُوفُ. يُوقَدُ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ «تَوَقَّدَ» بِالتَّاءِ وَفَتِحِهَا وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ عَلَى الْمَاضِي يَعْنِي الْمِصْبَاحَ، أَيْ: اتقد يقال توقدت النار إذا اتَّقَدَتْ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ تُوقَدُ بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الْقَافِ خَفِيفًا، يَعْنِي الزُّجَاجَةَ أَيْ: نَارَ الزُّجَاجَةِ لِأَنَّ الزُّجَاجَةَ لَا تُوقَدُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا خَفِيفًا يَعْنِي الْمِصْبَاحَ، مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ، أَيْ مِنْ زَيْتِ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ بِدَلِيلِ قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ، وَأَرَادَ بِالشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ الزَّيْتُونَةَ [3] وَهِيَ كَثِيرَةُ الْبَرَكَةِ، وَفِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ لِأَنَّ الزَّيْتَ يُسْرَجُ بِهِ وَهُوَ أَضْوَأُ وَأَصْفَى الْأَدْهَانِ، وَهُوَ إِدَامٌ وَفَاكِهَةٌ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي اسْتِخْرَاجِهِ إِلَى إِعْصَارٍ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يَسْتَخْرِجُهُ.
«1536» وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ مَصَحَّةٌ مِنَ الْبَاسُورِ» .
وَهِيَ شَجَرَةٌ تُورِقُ مِنْ أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلِهَا.
«1537» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَاسِمُ بْنُ بَكْرٍ الطَّيَالِسِيُّ أنا أبو
__________
1536- باطل. له علل متعددة، منها، عثمان بن صالح، فقد قال الذهبي في «الميزان» 3/ 39 صدوق لينه أحمد بن صالح المصري، وقال أبو زرعة: لم يكن عندي ممن يكذب ولكن كان يكتب مع خالد بن نجيح، فبلوا به، كان يملي عليهم ما لم يسمعوا من الشيخ، وحكم أبو حاتم بأنه حديث كذب، ووافقه الذهبي في «الميزان» وأخرجه الطبراني في «الكبير» 17/ 281 وابن أبي حاتم في «علل الحديث» 2/ 279 كلاهما من طريق عثمان بن صالح من حديث عقبة بن عامر.
- وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث كذب.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 5/ 100 وقال: وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح كذا قال رحمه الله؟ والصواب أنه خبر باطل.
- وله علة ثانية: يزيد بن أبي حبيب مدلس وقد عنعن وسقط من رواية ابن أبي حاتم وعلة ثالثة: ابن لهيعة ضعيف.
1537- جيد، إسناده ضعيف لجهالة عطاء شيخ عبد الله بن عيسى، لكن للحديث شواهد، فهو حسن أو صحيح.
- سفيان هو ابن سعيد.
- وهو في «شرح السنة» 2864 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 3/ 497 والدارمي 2/ 102 والبخاري في «التاريخ الكبير» في «الكنى» ص 6 والترمذي 1852 والنسائي في «الكبرى» 6702 والحاكم 2/ 397 والدولابي في «الكنى» 1/ 15 من طريق عن الثوري به.
- وله شاهد من حديث عمر، أخرجه الترمذي 1851 وابن ماجه 3319 والحاكم 4/ 122 والطحاوي في «المشكل» 4450 من طرق عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أبيه عن عمر مرفوعا، وهذا إسناد على شرط البخاري ومسلم. لكن أعل بالإرسال، فقد أخرجه عبد الرزاق في «جامع معمر» الملحق بمصنفه 19568 عن زيد عن أبيه
(1) زيد في المطبوع «وهو فعول» .
(2) في المخطوط «لصفائه» .
(3) في المخطوط «الزيتون» .
(3/416)

أمية الطرسوسي [1] أَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَطَاءٍ الَّذِي كَانَ بِالشَّامِ، وَلَيْسَ بِابْنِ أَبِي رباح عن أسيد بن ثابت أو أبي أسيد [2] الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، أَيْ: لَيْسَتْ شَرْقِيَّةً وَحْدَهَا حَتَّى لَا تُصِيبَهَا الشمس إذا غريب وَلَا غَرْبِيَّةً وَحْدَهَا فَلَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ بِالْغَدَاةِ إِذَا طَلَعَتْ، بَلْ هِيَ ضَاحِيَةُ الشَّمْسِ طُولَ النَّهَارِ تُصِيبُهَا الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَعِنْدَ غُرُوبِهَا فَتَكُونُ شَرْقِيَّةً وَغَرْبِيَّةً تَأْخُذُ حظها من الأمرين، فتكون زَيْتُهَا أَضْوَأَ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَيْسَ بِأَسْوَدَ وَلَا بِأَبْيَضَ يُرِيدُ لَيْسَ بِأَسْوَدَ خَالِصٍ وَلَا بِأَبْيَضَ خَالِصٍ، بَلِ اجْتَمَعَ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهَذَا الرُّمَّانُ لَيْسَ بِحُلْوٍ وَلَا حَامِضٍ أَيِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْحَلَاوَةُ وَالْحُمُوضَةُ، هَذَا قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ وَالْكَلْبِيِّ، وَالْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مقتاة لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ وَلَا فِي مَضْحَاةٍ لَا يُصِيبُهَا الظِّلُّ، فَهِيَ لَا تَضُرُّهَا شَمْسٌ وَلَا ظِلٌّ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا مُعْتَدِلَةٌ لَيْسَتْ فِي شَرْقٍ يَضُرُّهَا الْحَرُّ، وَلَا فِي غَرْبٍ يَضُرُّهَا الْبَرْدُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هِيَ شَامِيَّةٌ لِأَنَّ الشَّامَ لَا شَرْقِيٌّ وَلَا غَرْبِيٌّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ أَشْجَارِ الدُّنْيَا وَلَوْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا لَكَانَتْ شَرْقِيَّةً أَوْ غَرْبِيَّةً وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِنُورِهِ. يَكادُ زَيْتُها، دهنها، يُضِيءُ، مِنْ صَفَائِهُ، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، أَيْ: قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ، نُورٌ عَلى نُورٍ، يَعْنِي نُورُ الْمِصْبَاحِ عَلَى نُورِ الزُّجَاجَةِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى هَذَا التَّمْثِيلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَعَ هَذَا التَّمْثِيلُ لِنُورِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ قال كَعْبٌ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالْمِشْكَاةُ صَدْرُهُ وَالزُّجَاجَةُ قَلْبُهُ وَالْمِصْبَاحُ فِيهِ النُّبُوَّةُ تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ هِيَ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، يَكَادُ نُورُ مُحَمَّدٍ وَأَمْرُهُ يَتَبَيَّنُ لِلنَّاسِ وَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ كَمَا يَكَادُ ذَلِكَ الزَّيْتُ يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ.
وَرَوَى سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: الْمِشْكَاةُ جَوْفُ مُحَمَّدٍ وَالزُّجَاجَةُ قَلْبُهُ وَالْمِصْبَاحُ النُّورُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهِ، لَا شرقية ولا غربية، لا يهودي ولا نصراني، تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ إِبْرَاهِيمُ نُورٌ عَلَى نُورٍ قَلْبُ إِبْرَاهِيمَ وَنُورٌ قَلَبُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كعب القرظي: المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل والمصباح مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ سَمَّاهُ اللَّهُ مِصْبَاحًا كَمَا سَمَّاهُ سِرَاجًا، فَقَالَ تَعَالَى: وَسِراجاً مُنِيراً [الْأَحْزَابِ: 46] تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ وهي إبراهيم وسماه مباركا [3] لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ صُلْبِهِ، لَا شَرْقِيَّةً وَلَا غَرْبِيَّةً يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، لِأَنَّ الْيَهُودَ تُصَلِّي قِبَلَ الْمَغْرِبِ وَالنَّصَارَى تُصَلِّي قِبَلَ الْمَشْرِقِ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، تَكَادُ مَحَاسِنُ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وسلم تظهر
__________
مرسلا، وأشار الترمذي إلى أن عبد الرزاق اضطرب في وصله وإرساله.
- وتوبع عبد الرزاق على وصله تابعه زمعة بن صالح عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زيد به، وزمعة ضعيف، لكن يصلح للاعتبار بحديثه.
- الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بمجموع طرحه.
(1) تصحف في المطبوع «الطوسي» .
(2) تصحف في المطبوع «أسلم» .
(3) في المطبوع «مباركة» .
(3/417)

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)
لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ نُورٌ عَلَى نُورٍ، نَبِيٌّ مِنْ نَسْلِ نَبِيٍّ، نُورُ مُحَمَّدٍ عَلَى نُورِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
وَقَعَ هَذَا التَّمْثِيلُ لِنُورِ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.
رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: هَذَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ، فَالْمِشْكَاةُ نَفْسُهُ وَالزُّجَاجَةُ صَدْرُهُ، وَالْمِصْبَاحُ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْقُرْآنِ فِي قَلْبِهِ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ وَهِيَ الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي الْتَفَّ بِهَا الشَّجَرُ [فهي] [1] خَضْرَاءُ نَاعِمَةٌ لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ إِذَا طَلَعَتْ وَلَا إِذَا غَرَبَتْ فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ، قَدِ احْتَرَسَ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الْفِتَنِ فَهُوَ بَيْنُ أَرْبَعِ خِلَالٍ إِنْ أُعْطِيَ شَكَرَ وَإِنِ ابْتُلِيَ صَبْرَ، وَإِنْ حَكَمَ عَدَلَ، وَإِنْ قَالَ صَدَقَ، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ أَيْ يَكَادُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ يَعْرِفُ الْحَقَّ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ لِمُوَافَقَتِهِ إِيَّاهُ نُورٌ عَلَى نُورٍ.
قَالَ أُبَيٌّ فَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسَةِ أَنْوَارٍ. قَوْلُهُ: «نُورٌ» وَعَمَلُهُ نُورٌ وَمَدْخَلُهُ نُورٌ وَمَخْرَجُهُ نُورٌ وَمَصِيرُهُ إِلَى النُّورِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا مَثَلُ نُورِ اللَّهِ وَهُدَاهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ كَمَا يَكَادُ الزَّيْتُ الصَّافِي يُضِيءُ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ، فَإِذَا مَسَّتْهُ النَّارُ ازْدَادَ ضَوْءًا عَلَى ضَوْئِهِ، كَذَلِكَ يَكَادُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ يَعْمَلُ بِالْهُدَى قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْعِلْمُ، فَإِذَا جَاءَهُ الْعِلْمُ ازْدَادَ هُدًى عَلَى هُدًى وَنُورًا عَلَى نُورٍ [قَالَ الْكَلْبِيُّ قَوْلُهُ: نُورٌ عَلَى نُورٍ] [2] ، يَعْنِي إِيمَانَ الْمُؤْمِنِ وَعَمَلَهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: نُورُ الْإِيمَانِ وَنُورُ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زيد: هذا مثل للقرآن، فَالْمِصْبَاحُ هُوَ الْقُرْآنُ فَكَمَا يُسْتَضَاءُ بِالْمِصْبَاحِ يُهْتَدَى بِالْقُرْآنِ، وَالزُّجَاجَةُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَالْمِشْكَاةُ فَمُهُ وَلِسَانُهُ وَالشَّجَرَةُ الْمُبَارَكَةُ شَجَرَةُ الْوَحْيِ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ تَكَادُ حُجَّةُ الْقُرْآنِ تَتَّضِحُ وَإِنْ لَمْ يُقْرَأْ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَعْنِي الْقُرْآنُ نُورٌ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ مَعَ مَا أَقَامَ لَهُمْ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ قَبِلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، فَازْدَادَ بِذَلِكَ نُورًا عَلَى نور قوله تعالى: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ نُورُ الْبَصِيرَةِ وَقِيلَ الْقُرْآنُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ، يُبَيِّنُ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ للناس تقريبا للأفهام، وتسهيلا لسبيل الْإِدْرَاكِ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

[سورة النور (24) : آية 36]
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (36)
قَوْلُهُ: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ، أَيْ ذَلِكَ الْمِصْبَاحُ فِي بُيُوتٍ. وَقِيلَ: توقد فِي بُيُوتٍ، وَالْبُيُوتُ: هِيَ الْمَسَاجِدُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ تُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تُضِيءُ النُّجُومُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ.
وَرَوَى صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ، قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ مَسَاجِدَ لَمْ يَبْنِهَا إِلَّا نَبِيٌّ: الْكَعْبَةُ بَنَاهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ فَجَعَلَاهَا قِبْلَةً، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ بَنَاهُ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ، وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ بَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدُ قُبَاءٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى بَنَاهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ: أَنْ تُرْفَعَ، قَالَ مُجَاهِدٌ أَنْ تُبْنَى نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة: 127] وقال الحسن: تعظم يعني لا يذكر فيها [3] الْخَنَا مِنَ الْقَوْلِ. وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُتْلَى فِيهَا كِتَابُهُ، يُسَبِّحُ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ «يُسَبَّحُ» بِفَتْحِ الْبَاءِ عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ وَالْوَقْفُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَالْآصالِ [النور: 36] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْبَاءِ جَعَلُوا [4] التسبيح
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3) في المطبوع «فيه» .
(4) في المخطوط «جعل» .
(3/418)

رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)
فِعْلًا لِلرِّجَالِ، يُسَبِّحُ لَهُ أَيْ: يُصَلِّي، لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ، أَيْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَرَادَ بِهِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ. فَالَّتِي تُؤَدَّى بِالْغَدَاةِ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالَّتِي تُؤَدَّى بِالْآصَالِ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّ اسْمَ الْأَصِيلِ يَجْمَعُهُمَا. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ.
«1538» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الحسين [1] الحيري أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ ثَنَا محمد بن يحيى أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ أنا همام عن أبي جمرة [2] أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ التَّسْبِيحُ بِالْغُدُوِّ صَلَاةُ الضُّحَى.
«1539» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [3] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بن محمد بن السمعان أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ [مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ]]
الرَّيَّانِيُّ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [عَنْ] [5] أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَشَى إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ مَشَى إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عليين» .

[سورة النور (24) : الآيات 37 الى 38]
رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (38)
__________
1538- إسناده صحيح، محمد بن يحيى هو الذهلي خرج له البخاري، عبد الله بن رجاء خرج له مسلم، وكلاهما قد توبع، وباقي الإسناد على شرطهما.
- همام بن يحيى، أبو جمرة نصر بن عمران، أبو بكر هو ابن أبي موسى الأشعري، اسمه عمرو أو عامر.
- وهو في «شرح السنة» 382 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 574 ومسلم 635 وأحمد 4/ 80 والدارمي 1/ 331 و332، والبيهقي 1/ 466 من طرق عن همام بن يحيى به.
1539- إسناده ضعيف، القاسم بن عبد الرحمن وثقه ابن معين والجوزجاني والترمذي، وضعفه أحمد وابن حبان والفلاس وغيرهم، والجمهور على أنه روي عنه مناكير، لكن بعضهم جعل العهدة على من روى عنه، وآخرون جعلوا العهدة عليه، ومن هؤلاء أحمد حيث قال: روى عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ أعاجيب ولا أراها إلا من قبل القاسم.
- وهو في «شرح السنة» 473 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 558 من الهيثم بن حميد بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 5/ 268 من طريق يحيى بن خالد الذماري عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ به كذا وقع في «المسند» ولعله تصحيف من النساخ، والصواب «يحيى بن الحارث» .
- الخلاصة: الإسناد إلى الضعف أقرب، والمتن منكر لما فيه من مبالغة، والقاسم لا يحتج بما ينفرد به، ومع ذلك حسنه الألباني في «سنن أبي داود» 558 من دون ذكر شواهد أو طرق، وليس كما قال.
(1) في المخطوط «الحسن» .
(2) تصحف في المطبوع «حمزة» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) سقط من المطبوع.
(3/419)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)
قوله: رِجالٌ، قِيلَ: خَصَّ الرِّجَالَ بِالذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ جُمُعَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، لَا تُلْهِيهِمْ، لَا تُشْغِلُهُمْ، تِجارَةٌ، قِيلَ خَصَّ التِّجَارَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مَا يَشْتَغِلُ به الإنسان عن الصلوات [1] وَالطَّاعَاتِ، وَأَرَادَ بِالتِّجَارَةِ الشِّرَاءَ [وَإِنْ كَانَ اسْمُ التِّجَارَةِ يَقَعُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْبَيْعَ بَعْدَ هَذَا] [2] ، كَقَوْلِهِ: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً [الْجُمُعَةِ: 11] يَعْنِي الشِّرَاءَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ:
التِّجَارَةُ لِأَهْلِ الْجَلْبِ وَالْبَيْعِ مَا بَاعَهُ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ. قَوْلُهُ: وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي: عن حضور المساجد لإقامة الصلوات وَإِقامِ، أي: إقامة الصَّلاةِ، حَذَفَ الْهَاءَ وَأَرَادَ أَدَاءَهَا فِي وَقْتِهَا لِأَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا لَا يَكُونُ مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ وَأَعَادَ ذِكْرَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ حِفْظَ الْمَوَاقِيتِ.
رَوَى سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقَامَ النَّاسُ وَأَغْلَقُوا حَوَانِيتَهُمْ فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ. وَإِيتاءِ الزَّكاةِ أي: الْمَفْرُوضَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا حَضَرَ وَقْتُ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لَمْ يَحْبِسُوهَا. وَقِيلَ: هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ، قِيلَ: تَتَقَلَّبُ الْقُلُوبُ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَتَنْفَتِحُ الْأَبْصَارُ مِنَ الْأَغْطِيَةِ. وَقِيلَ: تَتَقَلَّبُ الْقُلُوبُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ تَخْشَى الْهَلَاكَ وَتَطْمَعُ فِي النَّجَاةِ، وَتَقَلُّبُ الْأَبْصَارِ مِنْ هَوْلِهِ أَيْ: نَاحِيَةَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ أَمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَمِنْ أَيْنَ يُؤْتُونَ الْكُتُبَ مِنْ قِبَلِ الْأَيْمَانِ أَمْ مِنْ قِبَلِ الشَّمَائِلِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: تَتَقَلَّبُ [3] الْقُلُوبُ فِي الْجَوْفِ [4] فَتَرْتَفِعُ إِلَى الْحَنْجَرَةِ فَلَا تَنْزِلُ وَلَا تَخْرُجُ، وَتَقَلُّبُ الْبَصَرِ شُخُوصُهُ مِنْ هَوْلِ الْأَمْرِ وَشِدَّتِهِ.
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا، يعني [5] أَنَّهُمُ اشْتَغَلُوا بِذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحسن مَا عَمِلُوا، يُرِيدُ يَجْزِيهِمْ بِحَسَنَاتِهِمْ، وَمَا كَانَ مِنْ مَسَاوِئِ أَعْمَالِهِمْ لَا يَجْزِيهِمْ بِهَا، وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، مَا لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِأَعْمَالِهِمْ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثم ضرب [الله] [6] لأعمال الكفار مثلا.

[سورة النور (24) : الآيات 39 الى 40]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (39) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (40)
فَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ، السَّرَابُ الشُّعَاعُ الَّذِي يُرَى نِصْفَ النَّهَارِ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي الْبَرَارِيِّ، يُشْبِهُ الْمَاءَ الْجَارِيَ عَلَى الْأَرْضِ يَظُنُّهُ مَنْ رَآهُ مَاءً، فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ انفشّ فلم ير شيئا، والأول [7] مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ شُعَاعٌ يُرَى بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بالغدوات شبه الملاءة [لأنه] [8] يرفع
__________
(1) في المطبوع «الصّلاة» .
(2) ما بين الحاصرتين في المخطوط «وإن كان البيع تجارة أيضا لأن التجارة تقع عليها جَمِيعًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْبَيْعَ بَعْدَ ذلك» .
(3) في المطبوع «فتقلب» .
(4) في المخطوط «الخوف» .
(5) في المطبوع «يريد» . [.....]
(6) زيادة عن المخطوط.
(7) في المطبوع «والأول» .
(8) زيادة عن المخطوط.
(3/420)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41)
فِيهِ الشُّخُوصُ يُرَى فِيهِ الصَّغِيرُ كبيرا والقصير طويلا، والرقراق يَكُونُ بِالْعَشَايَا وَهُوَ مَا تَرَقْرَقَ مِنَ السَّرَابِ، أَيْ جَاءَ وَذَهَبَ. والقيعة: جَمْعُ الْقَاعِ وَهُوَ الْمُنْبَسِطُ الْوَاسِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِيهِ يَكُونُ السَّرَابُ، يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ، أَيْ يَتَوَهَّمُهُ الْعَطْشَانُ، مَاءً حَتَّى إِذا جاءَهُ أَيْ: جاء ما قدر أَنَّهُ مَاءٌ. وَقِيلَ: جَاءَ مَوْضِعَ السَّرَابِ، لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَحَسِبَهُ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ يَحْسَبُ أَنَّ عَمَلَهُ نَافِعُهُ فَإِذَا أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَاحْتَاجَ إِلَى عَمَلِهِ لَمْ يَجِدْ عَمَلَهُ أَغْنَى عنه شَيْئًا وَلَا نَفَعَهُ. وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ، أَيْ عِنْدَ عَمَلِهِ، أَيْ وَجَدَ اللَّهَ بِالْمِرْصَادِ. وَقِيلَ: قَدِمَ عَلَى اللَّهِ، فَوَفَّاهُ حِسابَهُ، أَيْ جَزَاءَ عَمَلِهِ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ.
أَوْ كَظُلُماتٍ، وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ، يَقُولُ مثل أعمالهم من فسادهم وجهالتهم [وضلالهم] [1] فِيهَا كَظُلُمَاتٍ، فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ، وَهُوَ الْعَمِيقُ الْكَثِيرُ الْمَاءِ، وَلُجَّةُ الْبَحْرِ مُعْظَمُهُ، يَغْشاهُ، يَعْلُوهُ، مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ، مُتَرَاكِمٌ، مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوَايَةِ الْقَوَّاسِ «سَحَابٌ» بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، «ظُلُمَاتٍ» ، بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: أَوْ كَظُلُماتٍ.
وَرَوَى أَبُو الحسن البزي [2] عَنْهُ: سَحابٌ ظُلُماتٌ بِالْإِضَافَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ» كِلَاهُمَا بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، فَيَكُونُ تَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ سَحابٌ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ ظُلُماتٌ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ظُلْمَةُ السَّحَابِ وَظُلْمَةُ الْمَوْجِ وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، أَيْ: ظُلْمَةُ الْمَوْجِ عَلَى ظُلْمَةِ الْبَحْرِ وَظُلْمَةُ الْمَوْجِ فَوْقَ الْمَوْجِ، وَظُلْمَةُ السَّحَابِ على ظلمة الموج، أراد بِالظُّلُمَاتِ أَعْمَالَ الْكَافِرِ وَبِالْبَحْرِ اللُّجِّيِّ قَلْبَهُ، وَبِالْمَوْجِ مَا يَغْشَى قَلْبَهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ، وَبِالسَّحَابِ الختم والطبع على قلبه.
وقال أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: فِي هَذِهِ الآية الكافر ينقلب في خمس [3] مِنَ الظُّلَمِ: فَكَلَامُهُ ظُلْمَةٌ: وَعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَصِيرُهُ إِلَى الظُّلُمَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى النَّارِ. إِذا أَخْرَجَ، يَعْنِي النَّاظِرَ، يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها، يَعْنِي لَمْ يَقْرُبْ مِنْ أَنْ يَرَاهَا مِنْ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ «يَكَدْ» صِلَةٌ أَيْ لَمْ يَرَهَا، قَالَ الْمُبَرِّدُ: يَعْنِي لَمْ يَرَهَا إِلَّا بَعْدَ الْجُهْدِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: مَا كِدْتُ أَرَاكَ مِنَ الظُّلْمَةِ وَقَدْ رَآهُ، وَلَكِنْ بعد بأس وَشِدَّةٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَرُبَ مِنْ رُؤْيَتِهَا وَلَمْ يَرَهَا، كَمَا يُقَالُ: كَادَ النَّعَامُ يَطِيرُ. وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ دِينًا وَإِيمَانًا فَلَا دِينَ له. وقيل: من لم يهد اللَّهُ فَلَا إِيمَانَ لَهُ وَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ كَانَ يَلْتَمِسُ الدِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَلْبَسُ الْمُسُوحَ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَفْرَ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الكفار.

[سورة النور (24) : الآيات 41 الى 43]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (43)
قوله تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ، بَاسِطَاتٍ أَجْنِحَتَهُنَّ في الهواء. قِيلَ خَصَّ الطَّيْرَ بِالذِّكْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَيَوَانِ لِأَنَّهَا تَكُونُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَتَكُونُ خَارِجَةً عَنْ حكم
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) تصحف في المطبوع «البري» .
(3) في المطبوع «خمسة» .
(3/421)

يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44)
مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّلَاةُ لِبَنِي آدَمَ، وَالتَّسْبِيحُ لِسَائِرِ الْخَلْقِ. وَقِيلَ إِنَّ ضَرْبَ الْأَجْنِحَةِ صَلَاةُ الطَّيْرِ وَصَوْتَهُ تَسْبِيحُهُ. قَوْلُهُ: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ أَيْ: كُلُّ مُصَلٍّ وَمُسَبِّحٍ عَلِمَ اللَّهُ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُلُّ مُصَلٍّ وَمُسَبِّحٍ مِنْهُمْ قَدْ عَلِمَ صَلَاةَ نَفْسِهِ وَتَسْبِيحَهُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ.
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي، يَعْنِي يَسُوقُ بِأَمْرِهِ، سَحاباً، إِلَى حَيْثُ يريد، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، يعني يَجْمَعُ [1] بَيْنَ قِطَعِ السَّحَابِ الْمُتَفَرِّقَةِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً، مُتَرَاكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، فَتَرَى الْوَدْقَ، يَعْنِي الْمَطَرَ، يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ، وَسَطِهِ وَهُوَ جَمْعُ الْخَلَلِ، كَالْجِبَالِ جَمْعِ الْجَبَلِ. وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، يَعْنِي: يُنَزِّلُ الْبَرَدَ، وَ «مِنْ» صِلَةٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ أَيْ مِقْدَارَ جِبَالٍ فِي الْكَثْرَةِ مِنَ الْبَرَدِ، وَ «مِنْ» فِي قَوْلِهِ مِنْ جِبالٍ صِلَةٌ أَيْ: ينزل مِنَ السَّمَاءِ جِبَالًا مِنْ بَرَدٍ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَيُنَزِّلُ مِنْ جِبَالٍ فِي [2] السَّمَاءِ تِلْكَ الْجِبَالُ مِنْ بَرَدٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:
أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ فِي السَّمَاءِ جِبَالًا مِنْ بَرَدٍ، وَمَفْعُولُ الْإِنْزَالِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ من جبال فيها بردا [3] ، فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ. قَالَ أَهْلُ النَّحْوِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى «مِنْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَوْلُهُ مِنَ السَّماءِ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْإِنْزَالِ مِنَ السَّمَاءِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ جِبالٍ لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ مَا يُنْزِلُهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضُ تِلْكَ الْجِبَالِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ، وَقَوْلُهُ تعالى: مِنْ بَرَدٍ للجنس [4] لِأَنَّ تِلْكَ الْجِبَالَ مَنْ جِنْسِ الْبَرَدِ. فَيُصِيبُ بِهِ، يَعْنِي بِالْبَرَدِ مَنْ يَشاءُ، [فَيُهْلِكُ زُرُوعَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ] [5] ، فَلَا يَضُرُّهُ، يَكادُ سَنا بَرْقِهِ، يَعْنِي ضَوْءَ بَرْقِ السَّحَابِ، يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ، من شِدَّةُ ضَوْئِهِ وَبَرِيقِهِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ يُذْهِبُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الهاء.

[سورة النور (24) : الآيات 44 الى 45]
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (44) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، يُصَرِّفُهُمَا فِي اخْتِلَافِهِمَا وَتَعَاقُبِهِمَا يَأْتِي بِاللَّيْلِ وَيَذْهَبُ بِالنَّهَارِ [وَيَأْتِي بِالنَّهَارِ] [6] وَيَذْهَبُ بالليل.
«1540» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف أنا
__________
1540- إسناد صحيح على شرط البخاري لتفرده عن الحميدي.
- الحميدي هو عبد الله بن الزبير، سفيان بن عيينة، الزهري محمد بن مسلم.
- وهو في «شرح السنة» 3282 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4826 عن الحميدي بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 7491 ومسلم 2246 ح 2 وأبو داود 5274 وأحمد 2/ 238 والحميدي 1096 وابن حبان 5715 والبيهقي 3/ 365 من طريق عن سفيان به.
- وأخرجه مسلم 2246 وأحمد 2/ 275 من طريق عن الزهري به.
(1) في المطبوع «بجمع» .
(2) في المطبوع «من» .
(3) تصحف في المطبوع «برد» .
(4) في المطبوع «للتجنيس» .
(5) سقط من المخطوط.
(6) سقط من المطبوع.
(3/422)

لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)
محمد بن إسماعيل أنا الحميدي أنا سفيان أنا الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِيَ الْأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذلِكَ، يَعْنِي فِي ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ، يعني دلالة لذوي الْعُقُولِ وَالْبَصَائِرِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تعالى وتوحيده.
قوله تَعَالَى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «خَالِقُ كُلِّ» بِالْإِضَافَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «خَلَقَ كُلَّ» عَلَى الْفِعْلِ، مِنْ ماءٍ، يَعْنِي مِنْ نُطْفَةٍ وَأَرَادَ بِهِ كُلَّ حَيَوَانٍ يُشَاهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ وَلَا الْجِنُّ، لِأَنَّا لَا نُشَاهِدُهُمْ. وَقِيلَ: أَصْلُ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ الْمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَاءً ثُمَّ جَعَلَ بَعْضَهُ رِيحًا فَخَلَقَ مِنْهَا الْمَلَائِكَةَ، وَبَعْضَهُ نَارًا فَخَلَقَ مِنْهَا الْجِنَّ، وَبَعْضَهَا طِينًا فَخَلَقَ مِنْهَا آدَمَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، كَالْحَيَّاتِ وَالْحِيتَانِ وَالدِّيدَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، مِثْلُ بَنِي آدَمَ وَالطَّيْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ، كَالْبَهَائِمِ وَالسِّبَاعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ مِثْلَ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا فِي الصُّورَةِ كَالَّتِي يَمْشِي عَلَى الْأَرْبَعِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مَنْ يَمْشِي، وَ «مَنْ» إِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ يَعْقِلُ دُونَ مَنْ لَا يَعْقِلُ مِنَ الْحَيَّاتِ وَالْبَهَائِمِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ كُلَّ دَابَّةٍ، فَدَخْلَ فِيهِ النَّاسُ وَغَيْرُهُمْ، وَإِذَا جَمَعَ اللَّفْظُ مَنْ يَعْقِلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ تُجْعَلُ الْغَلَبَةُ لِمَنْ يَعْقِلُ. يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

[سورة النور (24) : الآيات 46 الى 52]
لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (52)
لَقَدْ أَنْزَلْنا، إِلَيْكَ، آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا. يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ. يَقُولُونَهُ، ثُمَّ يَتَوَلَّى، يُعْرِضُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، أَيْ مِنْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ آمَنَّا، وَيَدْعُو إِلَى غَيْرِ حكم اللَّهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ.
«1541» نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ في بشر المنافق كان [1] بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ نَتَحَاكَمُ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، الرَّسُولُ يحكم [2] بِحُكْمِ اللَّهِ، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، يعني عَنِ الْحُكْمِ. وَقِيلَ: عَنِ الْإِجَابَةِ.
__________
1541- ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 645 بدون إسناد، وتقدم في سورة النساء، عند نحو هذه الآية، فانظره. [.....]
(1) في المطبوع «كانت» .
(2) زيد في المطبوع «بحكم» .
(3/423)

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)
وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) ، مُطِيعِينَ مُنْقَادِينَ لِحُكْمِهِ، يعني إِذَا كَانَ الْحَقُّ لَهُمْ عَلَى غيرهم أسرعوا إلى حكمه لتيقنهم [1] بِأَنَّهُ كَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ يَحْكُمُ لَهُمْ أَيْضًا بِالْحَقِّ.
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا، يعني شَكُّوا، هَذَا اسْتِفْهَامُ ذَمٍّ وَتَوْبِيخٍ، يعني هُمْ كَذَلِكَ، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ، يعني [أي يظلمهم] [2] ، بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْحَقِّ.
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، هَذَا لَيْسَ على طريق الخبر ولكنه تَعْلِيمُ أَدَبِ الشَّرْعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا، وَنَصْبُ الْقَوْلِ عَلَى الْخَبَرِ وَاسْمُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا، يعني سَمِعْنَا الدُّعَاءَ وَأَطَعْنَا بِالْإِجَابَةِ. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فِيمَا سَاءَهُ وَسَرَّهُ ويخشى اللَّهَ عَلَى مَا عَمِلَ مِنَ الذُّنُوبِ. وَيَتَّقْهِ، فِيمَا بَعْدَهُ، فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ، النَّاجُونَ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ «يَتَّقِهْ» سَاكِنَةَ الْهَاءِ، وَيَخْتَلِسُهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالُونُ ويعقوب، كَمَا فِي نَظَائِرِهَا وَيُشْبِعُهَا الْبَاقُونَ كَسْرًا، وَقَرَأَ حَفْصٌ «يَتَّقْهِ» بِسُكُونِ الْقَافِ وَاخْتِلَاسِ الْهَاءِ، وَهَذِهِ اللُّغَةُ [3] إِذَا سَقَطَتِ الْيَاءُ لِلْجَزْمِ يُسَكِّنُونَ مَا قَبْلَهَا يَقُولُونَ لَمْ أَشْتَرْ طعاما بسكون الراء.

[سورة النور (24) : الآيات 53 الى 55]
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (53) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (55)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
وجهد الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ وَلَا حَلِفَ فَوْقَ الْحَلِفِ بِاللَّهِ، لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَ
، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَمَا كُنْتَ نَكُنْ مَعَكَ، لَئِنْ خَرَجْتَ خَرَجْنَا وَإِنْ أَقَمْتَ أَقَمْنَا وَإِنْ أَمَرْتَنَا بِالْجِهَادِ جَاهَدْنَا، فَقَالَ تَعَالَى: قُلْ
، لَهُمْ، لَا تُقْسِمُوا
، لَا تَحْلِفُوا، وَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ، ثُمَّ قَالَ: طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ
، يعني هذه طاعة بالقول باللسان دون الاعتقاد، وهي معروفة يعني أَمْرٌ عُرِفَ مِنْكُمْ أَنَّكُمْ تَكْذِبُونَ وَتَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ أَفْضَلُ وَأَمْثَلُ مِنْ يَمِينٍ بِاللِّسَانِ لَا يُوَافِقُهَا الْفِعْلُ. وقال مقاتل بن سليمان لكن مِنْكُمْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ. إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا، يعني تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّما عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ، يَعْنِي عَلَى الرَّسُولِ مَا كُلِّفَ وَأُمِرَ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ، مِنَ الْإِجَابَةِ وَالطَّاعَةِ،
__________
(1) في المطبوع «لثقتهم» .
(2) في المطبوع «يعني بظلم» .
(3) في المخطوط «لغة» .
(3/424)

وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ، أَيْ التبليغ البين.
قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ.
«1542» قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بعد الوحي بمكة عَشْرَ سِنِينَ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَأُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْكَفَّارِ، وَكَانُوا يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ خَائِفِينَ ثُمَّ أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأُمِرُوا بِالْقِتَالِ وَهُمْ عَلَى خَوْفِهِمْ لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنْهُمْ سِلَاحَهُ فَقَالَ رَجُلٌ منهم: أما يأتي علينا يوم نؤمن فِيهِ وَنَضَعُ السِّلَاحَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَدْخَلَ اللَّامَ لِجَوَابِ الْيَمِينِ الْمُضْمَرَةِ، يَعْنِي وَاللَّهِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ أَيْ لَيُوَرِّثَنَّهُمْ أَرْضَ الْكُفَّارِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَيَجْعَلُهُمْ مُلُوكَهَا وَسَاسَتَهَا وَسُكَّانَهَا، كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ «كَمَا اسْتُخْلِفَ» بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَدَ اللَّهُ قَالَ قَتَادَةُ: «كَمَا اسْتَخْلَفَ» دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَقِيلَ: كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَيْثُ أَهْلَكَ الْجَبَابِرَةَ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، أَيْ اخْتَارَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُوَسِّعُ لَهُمْ فِي الْبِلَادِ حَتَّى يُمَلَّكُوهَا وَيُظْهِرَ دِينَهُمْ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِبْدَالِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّبْدِيلِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَقَالَ بعضهم: التبديل تغير حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالْإِبْدَالُ رَفْعُ الشَّيْءِ وَجَعْلُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ، مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي، آمِنِينَ، لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، فَأَنْجَزَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَأَظْهَرَ دِينَهُ وَنَصَرَ أَوْلِيَاءَهُ وَأَبْدَلَهُمْ بَعْدَ الْخَوْفِ أَمْنًا وَبَسْطًا فِي الْأَرْضِ.
«1543» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بن الحكم أنا النضر أنا إسرائيل أنا سعد الطائي [1] أنا محل [2] بن خليفة عن
__________
1542- أخرجه الطبري 2679 عن أبي العالية مرسلا بأتم منه.
ووصله الحاكم 2/ 401 والواحدي 647 والبيهقي في «الدلائل» 3/ 6- 7 عن أبي بن كعب به، وإسناده لا بأس به.
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 7/ 83 باختصار شديد، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات اهـ.
- وانظر «الكشاف» 764 و «أحكام القرآن» 1610 بتخريجي.
1543- إسناده صحيح على شرط البخاري.
- النضر هو ابن شميل، إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، سعد الطائي هو أبو مجاهد.
- وهو في «شرح السنة» 4133 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 3595 عن محمد بن الحكم بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 4/ 377- 378 وابن حبان 6679 والبيهقي في «الدلائل» 5/ 342 من طريق حماد بن يزيد عن أيوب عن محمد عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عدي بن حاتم بنحوه.
- وأخرجه أحمد 4/ 257 والبيهقي 5/ 343 من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي عبيدة عن رجل عن عدي بنحوه.
(1) تصحف في المطبوع «سعيد الطاهري» .
(2) تصحف في المطبوع «محمد» .
(3/425)

عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَى إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَى إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ: فَإِنْ طَالَتْ بك حياة فلترينّ الظعينة ترحل [1] مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيْءٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى، قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ:
كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، لَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كفه من ذهب أو فضة يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يجد أحدا يقبله منه، وليقينّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ [الْقِيَامَةِ] [2] وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ، فَلَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ» ، قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اتَّقَوُا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» ، قَالَ عَدِيٌّ فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ مِمَّنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيَّ أَبُو الْقَاسِم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخرج [الرجل] [3] مَلْءَ كَفِّهِ.
وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى خِلَافَةِ الصَّدِيقِ وَإِمَامَةِ الْخُلَفَاءِ الراشدين.
«1544» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [4] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أبو القاسم
__________
1544- إسناده على شرط الصحيح.
- سفينة هو مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، يكنى أبا عبد الرحمن يقال كان اسمه مهران، لقب سفينة لكونه حمل شيئا كثيرا في السفر.
- وهو في «شرح السنة» 3758 بهذا الإسناد.
- وهو في «مسند علي بن الجعد» 3446 عن حماد بن سلمة به.
- وأخرجه ابن حبان 6943 من طريق أبي يعلى عن علي بن الجعد به.
- وأخرجه أحمد 5/ 220 و221 والحاكم 3/ 71 وابن أبي عاصم في «السنة» 1181 والطبراني في «الكبير» 13 و136 و6442 والطحاوي في «المشكل» 3349 من طرق عن حماد بن سلمة به.
- وأخرجه أبو داود 4646 والحاكم 3/ 145 وابن حبان 6657 والطبراني 644 والبيهقي في «الدلائل» 6/ 341 من طريقين عن عبد الوارث بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جمهان به.
- وأخرجه الترمذي 2226 وأحمد 5/ 221 والطيالسي 1107 والطبراني في «الكبير» 6442 والبيهقي في «الدلائل» 6/ 342 من طريق حشرج بن نباتة عن سعيد بن جمهان به.
- وأخرجه أبي داود 4647 والنسائي في «الكبرى» 8155 والطبراني 136 و6443 من طريق العوام بن حوشب عن سعيد بن جمهان به.
- قال الترمذي: وهذا حديث حسن، قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان.
- وللحديث شاهد.
من حديث أبي بكرة «خلافة نبوة ثلاثون عاما ثم يؤتي الله الملك من يشاء» أخرجه أبو داود 4635 وأحمد 5/ 44 و50 وابن أبي شيبة 12/ 18 وابن أبي عاصم 1335 والبيهقي في «الدلائل» 6/ 342 و348.
وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
- ومن حديث أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل «إنه بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة ثم كائن» .
(1) في المطبوع «ترتحل» .
(2) في المخطوط «تلقاه» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3/426)

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)
الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أخبرني حماد هو ابن سلمة بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ [1] [بْنِ] [2] جُمْهَانَ عَنْ سَفِينَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا» . ثُمَّ قَالَ: أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وخلافة عمر عشرا و [خلافة] [3] عثمان اثنتي عشرة، و [خلافة] [4] علي ستا قَالَ عَلَيٌّ: قُلْتُ لِحَمَّادٍ سَفِينَةُ الْقَائِلُ لِسَعِيدٍ أَمْسِكْ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ، أَرَادَ بِهِ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ، وَلَمْ يُرِدِ الْكُفْرَ بِاللَّهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، الْعَاصُونَ لِلَّهِ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَجَحَدَ حَقَّهَا الَّذِينَ قَتَلُوا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ غَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الْخَوْفَ حَتَّى صَارُوا يَقْتَتِلُونَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا إِخْوَانًا.
«1545» أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ النعيمي أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ الْمَعْرُوفُ بابن [أبي] [5] نصر أنا أَبُو الْحَسَنِ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ بن [6] حيدرة المعروف بالطرابلسي أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ [7] عَبَّادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فِي عُثْمَانَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَزَلْ مُحِيطَةً بِمَدِينَتِكُمْ هَذِهِ مُنْذُ قَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اليوم، فو الله لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَيَذْهَبُونَ ثُمَّ لَا يعودون أبدا، فو الله لَا يَقْتُلُهُ رَجُلٌ مِنْكُمْ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ أَجْذَمَ لَا يَدَ لَهُ، وَإِنَّ سَيْفَ اللَّهِ لَمْ يَزَلْ مَغْمُودًا عَنْكُمْ، وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَيَسُلَّنَّهُ اللَّهُ ثُمَّ لَا يَغْمِدُهُ عَنْكُمْ، إِمَّا قَالَ أَبَدًا وَإِمَّا قَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَا قُتِلَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا قُتِلَ بِهِ سَبْعُونَ أَلْفًا وَلَا خَلِيفَةٌ إِلَّا قُتِلَ بِهِ خَمْسَةٌ وثلاثون ألفا.

[سورة النور (24) : الآيات 56 الى 58]
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)
قَوْلُهُ تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) ، أَيْ افْعَلُوهَا عَلَى رَجَاءِ الرَّحْمَةِ. لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، قرأ [ابن] [8] عَامِرٌ وَحَمْزَةُ «لَا يَحْسَبَنَّ» بِالْيَاءِ أَيْ لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْفُسَهُمْ، مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ يَقُولُ لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَّرُوا مُعْجِزِينِ
__________
1545- إسناده ضعيف، إسحاق بن إبراهيم قد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم إلا أنه منقطع بين حميد وابن سلام فهذه علة الحديث.
- ورواه المصنف من طريق عبد الرزاق، وهو في «مصنفه» 20963 عن معمر بهذا الإسناد.
(1) تصحف في المطبوع «سيد» .
(2) سقط من المطبوع.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) في المخطوط «عن» .
(7) في المخطوط «عن» .
(8) سقط من المطبوع.
(3/427)

فَائِتِينَ عَنَّا، وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، الْآيَةَ.
«1546» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَامًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ مُدْلِجُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ لِيَدْعُوَهُ، فَدَخَلَ فَرَأَى عُمَرَ بِحَالَةٍ [كَرِهَ عُمَرُ] [1] رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
«1547» وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ [أبي] [2] مَرْثَدٍ كَانَ لَهَا غُلَامٌ كَبِيرٌ فَدَخَلَ عَلَيْهَا فِي وَقْتٍ كَرِهَتْهُ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ خَدَمَنَا وَغِلْمَانَنَا يَدْخُلُونَ عَلَيْنَا فِي حَالٍ نَكْرَهُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ.
اللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يَعْنِي الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ، وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ، مِنَ الْأَحْرَارِ وليس الْمُرَادُ مِنْهُمُ الْأَطْفَالَ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ، بَلِ الَّذِينَ عَرَفُوا أَمْرَ النِّسَاءِ، وَلَكِنْ لَمْ يَبْلُغُوا. ثَلاثَ مَرَّاتٍ، أَيْ لِيَسْتَأْذِنُوا فِي ثَلَاثِ أَوْقَاتٍ، مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ، يريد المقبل، وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّهَا سَاعَاتُ الْخَلْوَةِ وَوَضْعِ الثِّيَابِ فَرُبَّمَا يَبْدُو مِنَ الْإِنْسَانِ مَا لَا يُحِبُّ أن يراه أحد، من العبيد والصبيان [فأمرهم] [3] بِالِاسْتِئْذَانِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلْيَسْتَأْذِنُوا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ [وَأَبُو بَكْرٍ] [4] «ثَلَاثَ» بِنَصْبِ التاء بدلا من قَوْلِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ، سُمِّيَتْ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ عَوْرَاتٍ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَضَعُ فِيهَا ثِيَابَهُ فَتَبْدُو عَوْرَتَهُ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ، جناح، وَلا عَلَيْهِمْ، يعني [5] الْعَبِيدِ وَالْخَدَمِ وَالصِّبْيَانِ، جُناحٌ، فِي الدُّخُولِ عَلَيْكُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، بَعْدَهُنَّ، أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ، أَيْ: الْعَبِيدُ وَالْخَدَمُ يَطُوفُونَ عَلَيْكُمْ فَيَتَرَدَّدُونَ وَيَدْخُلُونَ ويخرجون في أشغالكم [6] بِغَيْرِ إِذْنٍ، بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ أَيْ يَطُوفُ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قوم: [هو] [7] مَنْسُوخٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ ستور ولا حجاب، فكان الولائد والخدم يَدْخُلُونَ فَرُبَّمَا يَرَوْنَ مِنْهُمْ مَا لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، فقد بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ وَاتَّخَذَ النَّاسُ السُّتُورَ فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ أَغْنَى عَنِ الِاسْتِئْذَانِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أنها غير منسوخة.
__________
1546- لم أقف له على إسناد.
ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 648 عن ابن عباس بدون إسناد.
- وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» 3/ 253: هكذا نقله الثعلبي والواحدي والبغوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما بغير سند.
قلت: فهو لا شيء، لخلوه عن الإسناد.
1547- كذا ذكره الواحدي في «الأسباب» 649 عن مقاتل معلقا، وإسناده إليه أول الكتاب.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) سقط من المطبوع.
(3) سقط من المطبوع. [.....]
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) في المطبوع «على» .
(6) في المطبوع وحده «أشغالهم» .
(7) زيادة عن المخطوط.
(3/428)

وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)
رَوَى سُفْيَانُ عَنْ مُوسَى بْنِ [أبي] [1] عائشة قال [2] : سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أَمَنْسُوخَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ لَا يَعْمَلُونَ بِهَا، قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ نُسِخَتْ، وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ به الناس.

[سورة النور (24) : الآيات 59 الى 60]
وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لَا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ أَيْ: الِاحْتِلَامَ يُرِيدُ الْأَحْرَارَ الَّذِينَ بلغوا، فَلْيَسْتَأْذِنُوا، أي يستأذنوا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْكُمْ، كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، مِنَ الْأَحْرَارِ وَالْكِبَارِ. وَقِيلَ: يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ، دَلَالَاتِهِ. وَقِيلَ: أَحْكَامُهُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ، بِأُمُورِ خَلْقِهِ، حَكِيمٌ، بِمَا دَبَّرَ لَهُمْ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى أُمِّهِ فَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ. وَسُئِلَ حُذَيْفَةُ أَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى وَالِدَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وإن لَمْ يَفْعَلْ رَأَى مِنْهَا مَا تكره.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ، يَعْنِي اللَّاتِي قَعَدْنَ عَنِ الْوَلَدِ والحيض [3] من الكبر فلا يَلِدْنَ وَلَا يَحِضْنَ، وَاحِدَتُهَا قَاعِدٌ بِلَا هَاءٍ. وَقِيلَ: قَعَدْنَ عَنِ الْأَزْوَاجِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكاحاً، أَيْ لَا يُرِدْنَ الرِّجَالَ لِكِبَرِهِنَّ.
قَالَ ابْنُ قتيبة: سميت المرأة قاعدة إِذَا كَبُرَتْ لِأَنَّهَا تُكْثِرُ الْقُعُودَ. وَقَالَ رَبِيعَةُ الرَّأْيُ: هُنَّ الْعُجَّزُ اللواتي إذا رأوهن الرِّجَالُ اسْتَقْذَرُوهُنَّ، فَأَمَّا مَنْ كَانَتْ فِيهَا بَقِيَّةٌ مِنْ جِمَالٍ وَهِيَ مَحَلُّ الشَّهْوَةِ فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ، عِنْدَ الرِّجَالِ، يَعْنِي يَضَعْنَ بَعْضَ ثِيَابِهِنَّ، وَهِيَ الْجِلْبَابُ وَالرِّدَاءُ الَّذِي فَوْقَ الثِّيَابِ، وَالْقِنَاعِ، الَّذِي فَوْقَ الْخِمَارِ، فَأَمَّا الْخِمَارُ فَلَا يَجُوزُ وَضْعُهُ.
وَفِي قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهِنَّ» ، غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ، أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرِدْنَ بِوَضْعِ الْجِلْبَابِ، وَالرِّدَاءُ إِظْهَارُ زِينَتِهِنَّ، وَالتَّبَرُّجُ هُوَ أَنْ تُظْهِرَ الْمَرْأَةُ مِنْ مَحَاسِنِهَا مَا يَنْبَغِي لها أن تستره [4] ، وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ، فَلَا يُلْقِينَ الْجِلْبَابَ وَالرِّدَاءَ، خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
__________
(1) سقط من المطبوع.
(2) تصحف في المطبوع «قالت» .
(3) في المخطوط «المحيض» .
(4) في المطبوع «تتنزه عنه» .
(3/429)

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)
[سورة النور (24) : آية 61]
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ الْآيَةَ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجلّ قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: 188] تحرّج المسلمون على مُؤَاكَلَةِ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى وَالْعُمْيِ [وَالْعُرْجِ] [1] ، وَقَالُوا الطَّعَامَ أَفْضَلُ الْأَمْوَالِ، وَقَدْ نَهَانَا اللَّهُ عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ. وَالْأَعْمَى لَا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعَامِ الطَّيِّبَ. وَالْأَعْرَجُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْجُلُوسِ وَلَا يَسْتَطِيعُ الْمُزَاحَمَةَ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْمَرِيضُ يَضْعُفُ عَنِ التَّنَاوُلِ فَلَا يَسْتَوْفِي الطَّعَامَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ «عَلَى» بِمَعْنَى فِي أَيْ لَيْسَ فِي الْأَعْمَى يَعْنِي لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مُؤَاكَلَةِ الْأَعْمَى والأعرج والمريض [حرج] [2] . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمَا كَانَ الْعُرْجَانُ وَالْعُمْيَانُ وَالْمَرْضَى يَتَنَزَّهُونَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْأَصِحَّاءِ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَقَذَّرُونَ مِنْهُمْ وَيَكْرَهُونَ مُؤَاكَلَتَهُمْ، وَيَقُولُ الْأَعْمَى رُبَّمَا أَكَلَ أَكْثَرَ، وَيَقُولُ الْأَعْرَجُ رُبَّمَا أَخَذَ مَكَانَ الِاثْنَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ نَزَلَتِ الْآيَةُ تَرْخِيصًا [3] لِهَؤُلَاءِ فِي الْأَكْلِ مِنْ بُيُوتِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَى الرَّجُلِ لِطَلَبِ الطَّعَامِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُطْعِمُهُمْ ذَهَبَ بِهِمْ إِلَى بُيُوتِ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ أَوْ بَعْضِ مَنْ سَمَّى الله في هذه الآية، كان أَهْلُ الزَّمَانَةِ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ الطعام ويقولون اذهب بِنَا إِلَى بَيْتِ غَيْرِهِ؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا غزوا خلفوا زمانهم وَيَدْفَعُونَ إِلَيْهِمْ مَفَاتِيحَ أَبْوَابِهِمْ وَيَقُولُونَ قَدْ أَحْلَلْنَا لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِمَّا فِي بُيُوتِنَا، فَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ لَا نَدْخُلُهَا وَهُمْ غُيَّبٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ رُخْصَةً لَهُمْ.
قَالَ الْحَسَنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رُخْصَةً لِهَؤُلَاءِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ. قَالَ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ:
وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ كَلَامٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ. وَقِيلَ: لَمَّا نَزَلَ قوله:
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ، قَالُوا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ، أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ. قِيلَ: أَرَادَ مِنْ أَمْوَالِ عِيَالِكُمْ وَأَزْوَاجِكُمُ، وَبَيْتُ الْمَرْأَةِ كَبَيْتِ الزَّوْجِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَرَادَ مِنْ بُيُوتِ أَوْلَادِكُمْ نَسَبُ [بُيُوتِ] [4] الْأَوْلَادِ إِلَى الْآبَاءِ.
«1548» كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
__________
1548- صحيح. أخرجه أبو داود، 3530 وابن ماجه 2292 وأحمد 2/ 179 وابن الجارود 995 والطحاوي في «المعاني» 4/ 158 مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو بن العاص، وإسناده حسن.
وللحديث شواهد منها:
- حديث جابر أخرجه ابن ماجه 2291 والطحاوي في «المشكل» 1598 وفي «المعاني» 4/ 158 وقال البوصيري في
(1) سقط من المطبوع.
(2) سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع «ترخصا» .
(4) زيادة من المخطوط و «الوسيط» 3/ 329.
(3/430)

إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَنَيَ بِذَلِكَ وَكِيلَ الرَّجُلِ وقيّمه في ضيعته وماشيته، ولا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِ ضَيْعَتِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَاشِيَتِهِ، وَلَا يَحْمِلُ وَلَا يَدَّخِرُ.
وقال الضحاك: يعني من [1] بُيُوتِ عَبِيدِكُمْ وَمَمَالِيكِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ مَنْزِلَ عَبْدِهِ وَالْمَفَاتِيحُ الْخَزَائِنُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الْأَنْعَامِ: 59] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الذي يفتح به وقال عِكْرِمَةُ:
إِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الْمِفْتَاحَ فَهُوَ خَازِنٌ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطْعَمَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الرَّجُلُ يُوَلِّي طَعَامَهُ غَيْرَهُ يَقُومُ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ منه. وقال قوم أو مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ مَا خَزَنْتُمُوهُ عِنْدَكُمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مِنْ بُيُوتِ أَنْفُسِكُمْ مِمَّا أَحْرَزْتُمْ [2] وَمَلَكْتُمْ، أَوْ صَدِيقِكُمْ، الصَّدِيقُ الَّذِي صَدَقَكَ فِي الْمَوَدَّةِ.
«1549» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ غَازِيًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلَّفَ مَالِكَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى أَهْلِهِ. فَلَمَّا رَجَعَ وَجَدَهُ مَجْهُودًا فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ تَحَرَّجْتُ أَنْ آكُلَ طَعَامَكَ بِغَيْرِ إِذْنِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ يَرَيَانِ دُخُولَ الرَّجُلِ بَيْتَ صَدِيقِهِ وَالتَّحَرُّمَ [3] بِطَعَامِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ مِنْهُ فِي الْأَكْلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا، مِنْ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ إِذَا دَخَلْتُمُوهَا وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَزَوَّدُوا وَتَحْمِلُوا. قَوْلُهُ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً.
نَزَلَتْ فِي بَنِي لَيْثِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُمْ حَيٌّ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ حَتَّى يَجِدَ ضَيْفًا يَأْكُلُ مَعَهُ، فَرُبَّمَا قَعَدَ الرَّجُلُ وَالطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الرَّوَاحِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ مَعَهُ الْإِبِلُ الْحُفَّلُ فَلَا يَشْرَبُ مِنْ أَلْبَانِهَا حَتَّى يَجِدَ مَنْ يُشَارِبُهُ، فَإِذَا أَمْسَى وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا أَكَلَ، هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَالضَّحَاكِ وَابْنِ جُرَيْجٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ الْغَنِيُّ يَدْخُلُ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ وَصَدَاقَتِهِ فَيَدْعُوهُ إِلَى طَعَامِهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأَجَّنَّحُ أَيْ أَتَحَرَّجُ أَنْ آكُلَ مَعَكَ وَأَنَا غَنِيٌّ وَأَنْتَ فَقِيرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو صَالِحٍ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كانوا لا يأكلون إذا نزلت بهم ضيف إلا مع
__________
- الزوائد» إسناده صحيح على شرط البخاري.
- وحديث عائشة أخرجه ابن حبان 410 وإسناده حسن في الشواهد وانظر «أحكام القرآن» 1162 لابن العربي بتخريجي. [.....]
1549- ذكره السيوطي في «أسباب النزول» 807 وقال: أخرجه الثعلبي في «تفسيره» عن ابن عباس.
(1) في المطبوع «في» .
(2) في المخطوط «ادخرتم» .
(3) كذا في النسخ والمخطوط و «الوسيط» 3/ 330 وفي نسخة للوسيط «والمحترم» وفي «القاموس» : الحريم:
الشريك..... ومن الدار: ما أضيف إلينا من حقوقها، والحرمة: ما لا يحل انتهاكه ... اهـ. وكأن المراد والله أعلم هذا الأخير والله أعلم.
(3/431)

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)
ضَيْفِهِمْ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا كيف شاؤوا «جميعا» [مجتمعين] [1] «أَوْ أَشْتَاتًا» مُتَفَرِّقِينَ، فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ، أَيْ ليسلم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، هَذَا فِي دُخُولِ الرَّجُلِ بَيْتَ نَفْسِهِ يُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَنْ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَاكِ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قال قَتَادَةُ: إِذَا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ عَلَى أَهْلِكَ فَهُوَ أَحَقُّ مَنْ سَلَّمْتَ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَخَلَتْ بَيْتًا لَا أَحَدَ فِيهِ فَقُلْ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. حُدِّثْنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ السَّلَامُ علينا [من ربنا السَّلَامُ عَلَيْنَا] [2] وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ فَقُلْ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
نُصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ تُحَيُّونَ [أَنْفُسَكُمْ] [3] تَحِيَّةً، مُبارَكَةً طَيِّبَةً، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ. وَقِيلَ: ذَكَرَ الْبَرَكَةَ وَالطِّيبَةَ هَاهُنَا لِمَا فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.

[سورة النور (24) : الآيات 62 الى 63]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (63)
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ، أَيْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلى أَمْرٍ جامِعٍ، يَجْمَعُهُمْ مِنْ حَرْبٍ حَضَرَتْ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ تَشَاوُرٍ فِي أمر نزل، لَمْ يَذْهَبُوا، لم يتفرقوا عنه [و] [4] لَمْ يَنْصَرِفُوا عَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ مِنَ الْأَمْرِ، حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ.
«1550» قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَعَدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِحَاجَةٍ أَوْ عُذْرٍ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَقُومَ بِحِيَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ يَرَاهُ فيعرف أنه إنما قام ليستأذن، فَيَأْذَنُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: وَإِذْنُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يُشِيرَ بِيَدِهِ. قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: وَكَذَلِكَ كُلُّ أَمْرٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مَعَ الْإِمَامِ لَا يُخَالِفُونَهُ وَلَا يَرْجِعُونَ عَنْهُ إِلَّا بإذن، وإذ استأذن فالإمام [بالخيار] [5] إن شاء أذن له
__________
1550- ذكره الواحدي في «الوسيط» 3/ 331 نقلا عن المفسرين ولم أقف على إسناده، فهو مما لا أصل له، والمراد في ذلك الجهاد، ويدخل في ذلك كل أمر جامع، لكن سياق الآيات يشير إلى الجهاد.
- وانظر تفسير الطبري 26257 و26258 و26259.
(1) سقط من المطبوع.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(3/432)

أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْذَنْ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ يمنعه من المقام، فإذا حَدَثَ سَبَبٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الْمَقَامِ بِأَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَحِيضُ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ أَوْ يَجْنُبُ رَجُلٌ أَوْ يَعْرِضُ لَهُ مَرَضٌ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ. إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ، أَيْ أَمَرَهُمْ، فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ، فِي الِانْصِرَافِ، مَعْنَاهُ إِنْ شِئْتَ فَأْذَنْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَأْذَنْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَقُولُ احْذَرُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكُمْ إِذَا أَسْخَطْتُمُوهُ فَإِنَّ دُعَاءَهُ مُوجَبٌ [لِنُزُولِ الْبَلَاءِ بِكُمْ] [1] لَيْسَ كَدُعَاءِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: لَا تَدْعُوهُ بِاسْمِهِ كَمَا يَدْعُو بَعْضُكُمْ بَعْضًا يَا مُحَمَّدُ يا [ابن] [2] عَبْدَ اللَّهِ وَلَكِنْ فَخِّمُوهُ وَشَرِّفُوهُ، فَقُولُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي لِينٍ وَتَوَاضُعٍ، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ، أي:
يخرجون مِنْكُمْ لِواذاً، [يستتر بعضكم ببعض ويزوغ خفية] [3] ، فَيَذْهَبُ، وَاللِّوَاذُ مَصْدَرُ لَاوَذَ يُلَاوِذُ ملاوذة، ولواذا، وقيل: كَانَ هَذَا فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ فَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَنْصَرِفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْتَفِينَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لِوَاذًا أَيْ يَلُوذُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِمُ الْمَقَامُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْتِمَاعُ خُطْبَةِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا يَلُوذُونَ بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ فِي اسْتِتَارٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ لِلتَّهْدِيدِ بِالْمُجَازَاةِ، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، أَيْ أَمْرَهُ، وَ «عَنْ» صِلَةٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُعْرِضُونَ عَنْ أَمْرِهِ وَيَنْصَرِفُونَ عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَيْ لِئَلَّا تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: بَلَاءٌ فِي الدُّنْيَا، أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، وَجِيعٌ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ:
عَذَابٌ أَلِيمٌ عَاجِلٌ فِي الدُّنْيَا. ثم عظّم نفسه:

[سورة النور (24) : آية 64]
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
فَقَالَ: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، مَلِكًا وَعَبِيدًا، قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، مِنَ الْإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ أَيْ يَعْلَمُ، وَ «قَدْ» صِلَةٌ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ، يَعْنِي يَوْمَ الْبَعْثِ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
«1551» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَنْجُوَيْهِ [4] حدثنا
__________
1551- موضوع، إسناده ساقط، فيه محمد بن إبراهيم الشامي، قال عنه الذهبي في «الميزان» 3/ 445- 446 قال الدارقطني: كذاب، وقال ابن حبان: يضع الحديث، ثم ذكر الذهبي أحاديث ومنها حديث الباب هذا، وقال صدق الدارقطني.
- وأخرجه الخطيب 13/ 224 وابن الجوزي في «الموضوعات» 2/ 269 والواحدي في «الوسيط» 3/ 302 من طريقين عن محمد بن إبراهيم الشامي بهذا الإسناد.
(1) زيد في المطبوع.
(2) سقط من المطبوع.
(3) العبارة في المطبوع «أي يستر بعضكم بعضا ويروغ في خيفة» . [.....]
(4) تصحف في المخطوط «نجويه» .
(3/433)

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)
عبيد [1] اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ [أَبِي] [2] شيبة حدثنا محمد بن أحمد [3] الْكَرَابِيسِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ تَوْبَةَ [4] أبو داود الأنصاري أنا محمد بن إبراهيم الشامي ثنا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [5] قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُنْزِلُوا النِّسَاءَ الْغُرَفَ، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ وَعَلِّمُوهُنَّ الغزل، وسورة النور» .

تفسير سورة الفرقان
مكية [وهي سبع وسبعون آية] [6]

[سورة الفرقان (25) : الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (2)
تَبارَكَ، تَفَاعَلَ، مِنَ البركة، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ جَاءَ بِكُلِّ بَرَكَةٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ: مَجِيءُ الْبَرَكَةِ مِنْ قِبَلِهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَعَظَّمَ، الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ، أَيْ الْقُرْآنَ، عَلى عَبْدِهِ، مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً، أَيْ: لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ. قِيلَ: النَّذِيرُ هُوَ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ، فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً، فَسَوَّاهُ وَهَيَّأَهُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ لَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا تَفَاوُتَ، وَقِيلَ: قَدَّرَ لِكُلِّ شَيْءٍ تَقْدِيرًا مِنَ الْأَجَلِ وَالرِّزْقِ، فَجَرَتِ الْمَقَادِيرُ عَلَى مَا خلق. قوله عزّ وجلّ:
__________
- وأخرجه الحاكم 2/ 396 والبيهقي في «الشعب» 2453 من طريق عبد الوهاب بن الضحاك عن شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة.
- وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع، وآفته عبد الوهّاب بن الضحاك قال أبو حاتم: كذاب.
- وورد من حديث ابن عباس أخرجه ابن عدي 2/ 153 ومن طريقه ابن الجوزي 2/ 268 وفيه جعفر بن نصر أعله ابن عدي به، وقال: حدّث عن الثقات بالبواطيل، وله أحاديث موضوعات عليهم.
(1) في المطبوع «عبد» .
(2) سقط من المطبوع.
(3) تصحف في المطبوع «إبراهيم» .
(4) زيد في المطبوع «حدثنا» .
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) زيد في المطبوع وحده، ويشبه أن يكون من عمل النساخ أو بعض من علق على الكتاب قديما، والله أعلم.
(3/434)

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)
[سورة الفرقان (25) : الآيات 3 الى 8]
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (3) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (4) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (6) وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7)
أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (8)
وَاتَّخَذُوا، يَعْنِي عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً، أَيْ دَفْعَ ضُرٍّ وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ، وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً، أَيْ إِمَاتَةً وَإِحْيَاءً، وَلا نُشُوراً، أَيْ بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَأَصْحَابَهُ، إِنْ هَذا، مَا هَذَا الْقُرْآنُ، إِلَّا إِفْكٌ، كَذِبٌ، افْتَراهُ، اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْيَهُودَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ عُبَيْدُ بْنُ الْخِضْرِ الْحَبَشِيُّ الْكَاهِنُ. وَقِيلَ: جَبْرٌ وَيَسَارٌ وَعَدَّاسُ بْنُ عُبَيْدٍ، كَانُوا بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَزَعَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، قَالَ الله تعالى: فَقَدْ جاؤُ، يَعْنِي قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ، ظُلْماً وَزُوراً، أَيْ بِظُلْمٍ وَزُورٍ. فَلَمَّا حَذَفَ الْبَاءَ انْتُصِبَ، يَعْنِي جَاؤُوا شِرْكًا وَكَذِبًا بِنِسْبَتِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْإِفْكِ وَالِافْتِرَاءِ.
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا سَطَّرَهُ الْأَوَّلُونَ مِثْلَ حَدِيثِ رُسْتُمَ وَإِسْفِنْدِيَارَ، اكْتَتَبَهَا انْتَسَخَهَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَبْرٍ وَيَسَارٍ وَعَدَّاسٍ، وَمَعْنَى اكْتَتَبَ يَعْنِي طَلَبَ أَنْ يُكْتَبَ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُبُ، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ، يَعْنِي تُقْرَأُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَهَا لَا لِيَكْتُبَهَا، بُكْرَةً وَأَصِيلًا، غُدْوَةً وَعَشِيًّا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ:
قُلْ أَنْزَلَهُ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ، يَعْنِي الْغَيْبَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً.
وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَأْكُلُ الطَّعامَ، كَمَا نَأْكُلُ نَحْنُ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، يَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَمْشِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَازَ عَنَّا بِالنُّبُوَّةِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ لَسْتَ أَنْتَ بملك [ولا يملك] [1] ، لِأَنَّكَ تَأْكُلُ وَالْمَلَكِ لَا يَأْكُلُ، وَلَسْتَ بِمَلِكٍ لِأَنَّ الْمَلِكَ لَا يَتَسَوَّقُ، وَأَنْتَ تَتَسَوَّقُ وَتَتَبَذَّلُ.
وَمَا قَالُوهُ فَاسِدٌ لِأَنَّ أَكْلَهُ الطَّعَامَ لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا وَمَشْيَهُ فِي الْأَسْوَاقِ لِتَوَاضُعِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ صِفَةٌ لَهُ وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يُنَافِي النبوة. لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيُصَدِّقُهُ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، دَاعِيًا.
أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَيْ: يُنْزَلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّمَاءِ يُنْفِقُهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّرَدُّدِ وَالتَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ [أي] [2] بُسْتَانٌ، يَأْكُلُ مِنْها، قَرَأَ حَمْزَةٌ وَالْكِسَائِيُّ «نَأْكُلُ» بِالنُّونِ أَيْ نَأْكُلُ نَحْنُ مِنْهَا، وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً، مَخْدُوعًا. وقيل: مصروفا عن الحق.
__________
(1) سقط من المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3/435)

انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9)
[سورة الفرقان (25) : الآيات 9 الى 14]
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (9) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (11) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (12) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (13)
لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (14)
انْظُرْ، يَا مُحَمَّدُ، كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ، يَعْنِي الْأَشْبَاهَ، فَقَالُوا: مَسْحُورٌ مُحْتَاجٌ وَغَيْرُهُ، فَضَلُّوا، عَنِ الْحَقِّ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا، إِلَى الْهُدَى وَمَخْرَجًا عَنِ الضَّلَالَةِ.
تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ، الَّذِي قَالُوا أَوْ أَفْضَلَ مِنَ الْكَنْزِ وَالْبُسْتَانِ الَّذِي ذَكَرُوا، وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالتَّمَاسِ الْمَعَاشِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْخَيْرَ فَقَالَ: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً، بُيُوتًا مُشَيَّدَةً، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ بَيْتٍ مُشَيَّدٍ قَصْرًا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَيَجْعَلُ بِرَفْعِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَزْمِهَا عَلَى مَحَلُّ الْجَزَاءِ في قوله: إن شاء الله جَعْلَ لَكَ.
«1552» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ [أَحْمَدَ] [1] بْنِ الْحَارِثِ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ [2] اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَرْضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أشبع يوما وأجوع يوما،- أو قال ثَلَاثًا- أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ» .
«1553» حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عبيد الله الفارسي أنا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصالحاني أنا
__________
1552- إسناده ضعيف جدا. عبيد الله بن زحر وثقه قوم وضعفه آخرون، وعلي بن يزيد متروك الحديث، القاسم بن عبد الرحمن ضعفه أحمد وغيره، وقد ورد بهذا الإسناد أحاديث كثيرة واهية.
- وهو في «شرح السنة» 3939 بهذا الإسناد.
- وهو في «الزهد ابن المبارك» بإثر 196 «زيادات نعيم بن حماد» عن يحيى بن أيوب بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 2347 وابن سعد 1/ 289 وأبو الشيخ في «أخلاق النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» 837 من طرق عن ابن المبارك به.
- وأخرجه أبو الشيخ 836 من طريق مُطَّرِحِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُبَيْدِ الله بن زحر به.
1553- صدره إلى «الكعبة» دون «جاءني مالك» ضعيف، وباقي الحديث له شواهد يصح بها إن شاء الله.
- إسناده ضعيف لضعف أبي معشر، واسمه نجيح السندي، وبخاصة في المقبري، وقال أبو حاتم الرازي لم يسمع سعيد من عائشة. سعيد المقبري هو ابن أبي سعيد.
- وهو في «شرح السنة» 3577 بهذا الإسناد.
- وهو في «مسند أبي يعلى» 4920 عن محمد بن بكار بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو الشيخ 610 عن أبي يعلى بهذا الإسناد.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 9/ 19 وقال: رواه أبو يعلى وإسناده حسن.
(1) زيادة من المخطوط.
(2) زيادة من المخطوط. [.....]
(3/436)

أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ المعروف بأبي الشيخ أنا أبو يعلى ثنا محمد بن بكار ثنا أَبُو مِعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ يَعْنِي الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «يا عائشة لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِيَ جِبَالُ الذَّهَبِ جَاءَنِي مَلَكٌ إِنَّ حُجْزَتَهُ لَتُسَاوِي الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ إِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ، [وفي رواية ابن عباس: فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له فأشار جبريل بيده أن تواضع] [1] ، فقلت: نبيا عبدا» قالت [2] : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا يَقُولُ: «آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ العبد» .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ، بِالْقِيَامَةِ، وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً، نَارًا مُسْتَعِرَةً.
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: مِنْ مَسِيرَةِ عَامٍ. وَقِيلَ: مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ سَنَةٍ.
وقيل: خمسمائة سنة.
«1554» روي [3] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا» .
قَالُوا: وَهَلْ لَهَا مِنْ عَيْنَيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ ألم تسمعوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» .
وَقِيلَ: إِذَا رَأَتْهُمْ زَبَانِيَتُهَا. سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً، غَلَيَانًا كَالْغَضْبَانِ إِذَا غَلَى صَدْرُهُ مِنَ الْغَضَبِ.
وَزَفِيراً صَوْتًا فَإِنْ قيل: كيف يستمع التَّغَيُّظَ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ رَأَوْا وَعَلِمُوا أَنَّ لَهَا تَغَيُّظًا وَسَمِعُوا لَهَا زفيرا، كما قال الشاعر:
__________
- كذا قال رحمه الله والصواب أن إسناده ضعيف. قال الذهبي في «الميزان» 4/ 246 قال ابن معين: ليس بقوي، وضعفه علي المديني، وقال: كان يحدث عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب بأحاديث صالحة، وكان يحدث عن المقبري ونافع بأحاديث منكرة، وضعفه النسائي والدارقطني، وقال البخاري وغيره: منكر الحديث.
1554- ضعيف جدا. أخرجه الطبري 26287 عن خالد بن دريك عن رجل من الصحابة، وإسناده ضعيف فيه أصبغ بن زيد ضعفه ابن سعد، ووثقه ابن معين، وله علة ثانية: خالد بن دريك روايته عن الصحابة، مرسلة، فالخبر واه، وتواتر لفظ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مقعده من النار» . والوهن في تمام الحديث مع لفظ «عينيّ جهنم» .
(1) تنبيه: ما بين المعقوفتين أي رواية ابن عباس هي عند المصنف في «شرح السنة» 3578 وأبي الشيخ في «أخلاق النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» 611 وإسناده لين من أجل مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله بن عباس، فإنه مقبول، لكن يصلح حديثه في الشواهد.
- وأخرجه النسائي في «الكبرى» 3578 من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس عن أبيه.
- وللحديث شواهد منها:
- وحديث أبي أمامة وهو الحديث المتقدم، إلا أنه شديد الضعف، فلا فائدة منه.
- وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد 2/ 231 وأبو يعلى 6105 والبزار 6462 وابن حبان 6365 وإسناده صحيح وذكره الهيثمي في «المجمع» 9/ 18 وقال: ورجاله رجال الصحيح.
- وحديث ابن عمر أخرجه الطبراني 13309 وإسناده ضعيف، لضعف يحيى بن عبد الله البابلتي كما في «المجمع» 8/ 332 لكن يصلح شاهدا.
- ومرسل الزهري أخرجه ابن سعد 1/ 288.
- ومرسل محمد بن عمير أخرجه المصنف في «شرح السنة» 3575.
- الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده دون صدره إلى قوله «لتساوي الكعبة» .
(2) في المطبوع «قال» .
(3) في المطبوع «ثبت» .
(3/437)

قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15)
وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
أَيْ وَحَامِلًا رُمْحًا. وَقِيلَ: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا أَيْ: صَوْتَ التَّغَيُّظِ مِنَ التَّلَهُّبِ وَالتَّوَقُّدِ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: تَزْفُرُ جَهَنَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَفْرَةً فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا خَرَّ لِوَجْهِهِ.
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً، قَالَ ابن عباس: يضيق عليهم الزُّجُّ فِي الرُّمْحِ، مُقَرَّنِينَ، مُصَفَّدِينَ قَدْ قُرِنَتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الْأَغْلَالِ. وَقِيلَ: مُقَرَّنِينَ مَعَ الشَّيَاطِينِ فِي السَّلَاسِلِ، دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْلًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هَلَاكًا.
«1555» وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ النَّارِ إِبْلِيسُ، فَيَضَعُهَا عَلَى حَاجِبَيْهِ وَيَسْحَبُهَا مِنْ خَلْفِهِ وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا ثُبُورَاهُ، وَهُمْ يُنَادُونَ يَا ثُبُورَهُمْ حتى يقفوا على النار فينادي [1] يا ثبوراه وينادون [2] يَا ثُبُورَهُمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (14) ، قِيلَ: أَيْ هَلَاكُكُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَدْعُوا مَرَّةً واحدة فادعوا أدعية كثيرة.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 15 الى 17]
قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (15) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (16) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ أَذلِكَ، يَعْنِي الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا، خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً، ثَوَابًا، وَمَصِيراً، مَرْجِعًا.
لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا (16) ، مطلوبا، ذلك أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلُوا رَبَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ قَالُوا رَبَّنَا وَآتِنَا ما وعدتنا على رسلك، يَقُولُ: كَانَ أَعْطَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ جَنَّةَ خُلْدٍ وَعْدًا وَعَدَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا وَمَسْأَلَتُهُمْ إياه ذلك. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الطَّلَبُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ [غَافِرِ: 8] .
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ «يَحْشُرُهُمْ» بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ، وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَعِيسَى وَعُزَيْرٍ. وقال
__________
1555- ضعيف، أخرجه أحمد 3/ 152 و154 و249 وابن أبي شيبة 13/ 168 والبزار 3495 «الكشف» والطبري 26294 والخطيب 11/ 253 والواحدي في «الوسيط» 3/ 336 وأبو نعيم 6/ 256 من حديث أنس.
وإسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد، وقد تفرد به.
وصححه السيوطي في «الدر» 5/ 117 فلم يصب.
وقال الهيثمي في «المجمع» 18611 رجاله رجال الصحيح، غير علي بن زيد، وقد وثق.
وفيما قاله نظر، إذ كان عليه أن يضعف علي بن زيد وقد ضعفه الجمهور، وهو الذي استقر عليه ابن حجر في «التقريب» حيث قال: ضعيف، وعبارة الهيثمي توهم أنه لم يضعف، وقد وثقه بعضهم.
(1) في المطبوع «فينادون» .
(2) في المطبوع «وينادي» .
(3/438)

قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)
عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْأَصْنَامَ ثُمَّ يُخَاطِبُهُمْ [1] ، فَيَقُولُ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالنُّونِ وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ، أخطأوا الطريق.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 18 الى 20]
قالُوا سُبْحانَكَ مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (19) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20)
قالُوا سُبْحانَكَ، نَزَّهُوا اللَّهَ مِنْ أن يكون معه آلهة، مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ، يَعْنِي مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُوَالِيَ أَعْدَاءَكَ بَلْ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ. وَقِيلَ: مَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِنَا وَنَحْنُ نَعْبُدُكَ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ «أَنْ نُتَّخَذَ» بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْخَاءِ فَتَكُونُ «مِنْ» الثَّانِي صِلَةٌ، وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ، فِي الدُّنْيَا بِطُولِ الْعُمْرِ وَالصِّحَّةِ وَالنِّعْمَةِ، حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ، تَرَكُوا الْمَوْعِظَةَ وَالْإِيمَانَ بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: تَرَكُوا ذِكْرَكَ وَغَفَلُوا عَنْهُ، وَكانُوا قَوْماً بُوراً، يَعْنِي هَلْكَى غَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ وَالْخِذْلَانُ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بَائِرٌ، وَقَوْمٌ بُورٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَوَارِ وَهُوَ الْكَسَادُ وَالْفَسَادُ، وَمِنْهُ بَوَارُ السِّلْعَةِ وَهُوَ كَسَادُهَا. وَقِيلَ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ كَالزُّورِ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكِّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ، هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ: كَذَّبَكُمُ الْمَعْبُودُونَ، بِما تَقُولُونَ، إِنَّهُمْ آلِهَةٌ، فَما تَسْتَطِيعُونَ، قَرَأَ حَفْصٌ بِالتَّاءِ يَعْنِي الْعَابِدِينَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ يَعْنِي: الْآلِهَةُ. صَرْفاً يعني صرف الْعَذَابِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلا نَصْراً يَعْنِي وَلَا نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ. وَقِيلَ: وَلَا نَصْرَكُمْ أَيُّهَا الْعَابِدُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ وَقِيلَ الصَّرْفُ الْحِيلَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: إِنَّهُ لِيَصْرِفَ أَيْ يَحْتَالُ، وَمَنْ يَظْلِمْ، يُشْرِكْ، مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، يَا مُحَمَّدُ، إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ.
«1556» رَوَى الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا عَيَّرَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ.
يَعْنِي مَا أَنَا إِلَّا رَسُولٌ وَمَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وَهُمْ كَانُوا بَشَرًا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا قِيلَ لَهُمْ مِثْلَ هَذَا أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ، وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً، أَيْ بَلِيَّةً فَالْغَنِيُّ فِتْنَةً لِلْفَقِيرِ، يَقُولُ الْفَقِيرَ مَا لِي لَمْ أَكُنْ مَثَلَهُ، وَالصَّحِيحُ فِتْنَةً لِلْمَرِيضِ، وَالشَّرِيفُ فِتْنَةً لِلْوَضِيعِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ جَعَلْتُ بَعْضَكُمْ بَلَاءً لِبَعْضٍ لِتَصْبِرُوا عَلَى مَا تَسْمَعُونَ مِنْهُمْ، وَتَرَوْنَ مِنْ خِلَافِهِمْ [2] ، وَتَتْبَعُوا الْهُدَى.
__________
1556- ضعيف جدا. أخرجه الواحدي في «أسباب النزول» 655 من طريق جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عباس مطوّلا.
وجويبر متروك، والضحاك لم يلق ابن عباس.
(1) في المخطوط «يخاطبها» .
(2) في المخطوط «أخلاقكم» .
(3/439)

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي ابْتِلَاءِ الشَّرِيفِ بِالْوَضِيعِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيفَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ فَرَأَى الْوَضِيعَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ أَنِفَ، وَقَالَ أُسْلِمُ بَعْدَهُ فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السَّابِقَةَ وَالْفَضْلَ، فَيُقِيمُ عَلَى كُفْرِهِ وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَذَلِكَ افْتِتَانُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَالْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَبَا ذَرٍّ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَعَمَّارًا وَبِلَالًا وَصُهَيْبًا وَعَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ وَذَوِيهِمْ قَالُوا نُسْلِمُ فَنَكُونُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ [1] .
وقال مقاتل: نَزَلَتْ فِي ابْتِلَاءِ فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُسْتَهْزِئِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا يَقُولُونَ انْظُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا مِنْ مَوَالِينَا وَأَرَاذِلِنَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ: أَتَصْبِرُونَ يعني على هذه الحال مِنَ الْفَقْرِ وَالشِّدَّةِ وَالْأَذَى، وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً، بِمَنْ صَبَرَ وَبِمَنْ جَزِعَ.
«1557» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ [الْحِيرِيُّ] [2] أَنَا أبو العباس الأصم ثنا زكريا بن يحيى المروزي ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُبَلِّغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْجِسْمِ فَلْيَنْظُرْ إلى من [هو] [3] دونه في المال والجسم» .

[سورة الفرقان (25) : الآيات 21 الى 23]
وَقالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لَا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (22) وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (23)
وَقالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا، أَيْ لَا يَخَافُونَ الْبَعْثَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ لُغَةُ تِهَامَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) [نُوحٍ: 13] أَيْ: لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عظمة. لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ، فيخبرونا [4] أَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، أَوْ نَرى رَبَّنا، فَيُخْبِرُنَا بِذَلِكَ، لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا، أَيْ تَعَظَّمُوا. فِي أَنْفُسِهِمْ، بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً. قَالَ مجاهد: عتوا طغوا [قال مقاتل: عتوا غلوا] [5] في القول والعتو أَشَدُّ الْكُفْرِ وَأَفْحَشُ الظُّلْمِ، وَعُتُوُّهُمْ طَلَبُهُمْ رُؤْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يُؤْمِنُوا به.
__________
1557- صحيح، إسناده حسن، زكريا بن يحيى صدوق حسن الحديث، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز.
- وهو في «شرح السنة» 3995 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 2/ 243 وابن حبان 714 من طريق سفيان بن عيينة بنحوه.
- وأخرجه البخاري 6490 ومسلم 2963 ج 8 يقين عن أبي الزناد به.
- وأخرجه مسلم 2963 وعبد الرزاق 714 وأحمد 2/ 314 وابن حبان 712 من طريق معمر عن همام عن أبي هريرة بلفظ: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فضل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضّل عليه» .
وانظر الحديث المتقدم في سورة الحجر عند آية: 88.
(1) عزاه المصنف لمقاتل، وإسناده إليه أول الكتاب، وهو معضل، ومقاتل إن كان ابن حبان ففيه ضعف، وإن كان ابن سليمان فهو كذاب، وبكل حال الخبر غير حجة.
(2) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المطبوع «فتخبرنا» .
(5) زيادة عن المخطوط.
(3/440)

أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: فِي الْقِيَامَةِ. لَا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ، لِلْكَافِرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُبَشِّرُونَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَقُولُونَ لِلْكُفَّارِ لَا بُشْرَى لَكُمْ، هَكَذَا قَالَ عَطِيَّةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُشْرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُجْرِمِينَ، أَيْ لَا بِشَارَةَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، كَمَا يُبَشَّرُ الْمُؤْمِنُونَ. وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً، قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ حَرَامًا مُحَرَّمًا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا خَرَجَ الْكُفَّارُ مِنْ قُبُورِهِمْ قَالَتْ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: حَرَامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ أن تكون لَكُمُ الْبُشْرَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا قَوْلُ الْكُفَّارِ لِلْمَلَائِكَةِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا نَزَلَتْ بهم شدة ورأوا مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا حِجْرًا مَحْجُورًا، فَهُمْ يَقُولُونَهُ إِذَا عَايَنُوا الْمَلَائِكَةَ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي عَوْذًا مُعَاذًا يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَدِمْنا، وَعَمَدْنَا، إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً، أَيْ باطلا لا ثواب له، لأنهم [1] لَمْ يَعْمَلُوهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْهَبَاءِ قَالَ عَلَيٌّ: هُوَ مَا يُرَى فِي الْكُوَّةِ إِذَا وَقَعَ ضَوْءُ الشَّمْسِ فِيهَا كالغبار [فلا] [2] يَمَسُّ بِالْأَيْدِي، وَلَا يْرَى فِي الظِّلِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ ومجاهد، والمنثور:
والمفرّق، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ مَا تَسَفِّيهِ الرِّيَاحُ وَتَذْرِيهِ مِنَ التُّرَابِ وَحُطَامِ الشَّجَرِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مَا يَسْطَعُ مِنْ حَوَافِرِ الدَّوَابِّ عِنْدَ السَّيْرِ. وَقِيلَ: الْهَبَاءُ الْمَنْثُورُ مَا يرى في الكوة والهباء الْمُنْبَثُّ هُوَ مَا تُطَيِّرُهُ الرِّيَاحُ من سنابك الخيل.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 24 الى 29]
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (24) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (28)
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (29)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا أَيْ: مِنْ هؤلاء المشركين المستكبرين وَأَحْسَنُ مَقِيلًا، مَوْضِعَ قَائِلَةٍ يَعْنِي [أن] [3] أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَمُرُّ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا قَدْرَ النَّهَارِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى وَقْتِ الْقَائِلَةِ حَتَّى يَسْكُنُوا مَسَاكِنَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقِيلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ، وَقَرَأَ «ثُمَّ إن مقيلهم لا إلى الْجَحِيمِ» [4] هَكَذَا كَانَ يَقْرَأُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْحِسَابُ ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي أَوَّلِهِ. وَقَالَ الْقَوْمُ: حِينَ قَالُوا فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: القيلولة والمقيل الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَأَحْسَنُ مَقِيلًا وَالْجَنَّةُ لَا نَوْمَ فِيهَا. وَيُرْوَى أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقْصَرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُونَ كَمَا بَيْنَ العصر إلى غروب الشمس.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ، أَيْ عَنِ الْغَمَامِ الْبَاءُ وَعَنْ يَتَعَاقَبَانِ كَمَا يُقَالُ رميت عن
__________
(1) في المطبوع «فهم» .
(2) سقط من المطبوع.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المخطوط «الجنة» .
(3/441)

القوس بالقوس وَتَشَقَّقُ بِمَعْنَى تَتَشَقَّقُ، أَدْغَمُوا إِحْدَى التاءين في الأخرى، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ هَاهُنَا، وَفِي سُورَةِ «ق» [44] بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَرَأَ الآخرون بالتشديد، أي تنشق بِالْغَمَامِ وَهُوَ غَمَامٌ أَبْيَضٌ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تِيهِهِمْ. وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «وننزل» بِنُونَيْنِ خَفِيفٌ وَرَفْعُ اللَّامِ، «الْمَلَائِكَةَ» نصب.
قال ابن عباس: تنشقق السَّمَاءُ الدُّنْيَا فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الجن والإنس، ثم تنشقق السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَمِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حتى تنشقق السَّمَاءُ السَّابِعَةُ وَأَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ يَزِيدُونَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ الَّتِي قبلها، ثم ينزل الكروبيون [سادة الملائكة وهم المقربون] [1] ثُمَّ حَمَلَةُ الْعَرْشِ.
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ أَيْ الْمُلْكُ الَّذِي هُوَ الْمُلْكُ الْحَقُّ حَقًّا مُلْكُ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا مُلْكَ يُقْضَى غَيْرُهُ. وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً، شَدِيدًا فَهَذَا الْخِطَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يكون على المؤمنين [2] عَسِيرًا.
«1558» وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ يُهَوِّنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِمْ أَخَفَّ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّوْهَا فِي الدُّنْيَا» .
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ أَرَادَ بِالظَّالِمِ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مَعِيطٍ.
«1559» وَذَلِكَ أَنَّ عُقْبَةَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا إِلَيْهِ أَشْرَافَ قَوْمِهِ، وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدِمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ سَفَرٍ فَصَنَعَ طعاما فدعا الناس [على عادته] [3] وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَرَّبَ الطَّعَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَنَا بِآكِلٍ طَعَامَكَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ عُقْبَةُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَعَامِهِ، وَكَانَ عُقْبَةُ صَدِيقًا لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ فَلَمَّا أَخْبَرَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ قَالَ لَهُ: يَا عُقْبَةُ صَبَأْتَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا صَبَأْتُ وَلَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ طَعَامِي إِلَّا أَنْ أَشْهَدَ لَهُ [أنه رسول الله] [4] فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي وَلَمْ يَطْعَمْ فَشَهِدَتُ لَهُ فَطَعَمَ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَرْضَى عَنْكَ أَبَدًا إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُ فتبرق فِي وَجْهِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عُقْبَةُ فقال عليه السلام:
__________
1558- يأتي في سورة المعارج عند آية: 4 إن شاء الله.
1559- أخرجه أبو نعيم في «الدلائل» 401 من طريق الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابن عباس.. فذكره مطوّلا.
والكلبي كذاب متهم وأبو صالح ضعيف.
- وأخرجه الطبري 26351 عن مجاهد في قوله تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ قال: دعا عقبة بن أبي معيط النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى طعام صنعه ... إلى قوله.. فشهدت له، والشهادة ليست في نفسي.
- وذكره الواحدي في «أسباب النزول» 657 و «الوسيط» 3/ 339 بدون إسناد.
الخلاصة: الخبر واه، وتخصيص الآية بواحد من بدع التأويل، بل «أل» في «الظالم» لاستغراق الجنس، فالآية تعم كل ظالم كافر، وعقبة داخل في العموم، ومثله أبي بن خلف، وغيرهما.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «المؤمن» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/442)

«لَا أَلْقَاكَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ إِلَّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَقَتْلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ بِيَدِهِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمَّا بَزَقَ عُقْبَةُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ بُزَاقُهُ فِي وَجْهِهِ فَاحْتَرَقَ خَدَّاهُ، وَكَانَ أَثَرُ ذَلِكَ فِيهِ حَتَّى الْمَوْتِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مَعِيطٍ خَلِيلَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَأَسْلَمَ عُقْبَةُ فَقَالَ أُمَيَّةُ وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ أَنْ بَايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وَارْتَدَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ يَعْنِي عُقْبَةَ بن أبي معيط بْنِ [أُمَيَّةَ بْنِ] [1] عَبْدِ شَمْسٍ بْنِ مَنَافٍ عَلَى يَدَيْهِ نَدَمًا وَأَسَفًا عَلَى مَا فَرَّطَ فِي جَنْبِ اللَّهِ، وَأَوْبَقَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ بِطَاعَةِ خَلِيلِهِ الَّذِي صَدَّهُ عَنْ سَبِيلِ رَبِّهِ.
قَالَ عَطَاءٌ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ حَتَّى تَبْلُغَ مرفقيه ثم تنبتان ثم يأكلهما [2] هكذا كلما نبتت يداه أكلهما [3] تَحَسُّرًا عَلَى مَا فَعَلَ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ، فِي الدُّنْيَا، مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، لَيْتَنِي اتَّبَعْتُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّخَذْتُ مَعَهُ سَبِيلًا إِلَى الْهُدَى، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو «يَا لَيْتَنِيَ اتَّخَذْتُ» بِفَتْحِ الياء، والآخرون بإسكانها.
يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (28) ، يَعْنِي أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ.
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ، عَنِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، بَعْدَ إِذْ جاءَنِي يَعْنِي الذَّكَرَ مَعَ الرَّسُولِ، وَكانَ الشَّيْطانُ، وَهُوَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ عَاتٍ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَكُلُّ مَنْ صَدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَيْطَانٌ.
لِلْإِنْسانِ خَذُولًا، أَيْ تَارِكًا يَتْرُكُهُ وَيَتَبَرَّأُ مِنْهُ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ والعذاب، وحكم هذه الآيات عَامٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُتَحَابِّينَ اجتمعا على معصية اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [4] .
«1560» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل ثنا محمد بن العلاء أنا أبو أسامة عن بريد [5] عن أبي برة عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا تجد منه ريحا خبيثة» .
__________
1560- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو أسامة حماد بن أسامة، بريد هو ابن عبد الله بن أبي بردة الأشعري، أبو بردة، قيل اسمه عامر، وقيل: الحارث.
- وهو في «شرح السنة» 3377 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 5534 عن محمد بن العلاء بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2628 وابن حبان 56 والقضاعي 1380 من طرق عن محمد بن العلاء به.
- وأخرجه البخاري 2101 من طريق عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ بريد به.
- وأخرجه مسلم 2628 وأحمد 4/ 404 و405، وابن حبان 579 والقضاعي 1380 من طرق عن سفيان بن عيينة به. [.....]
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «يأكل» .
(3) في المطبوع «يده أكلها» وكذا في «الوسيط» 3/ 339 والمثبت عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) تصحف في المطبوع «يزيد» .
(3/443)

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)
«1561» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ [أَنْبَأَنَا] [1] مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حيوة بْنِ شُرَيْحٍ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسٍ التُّجِيبِيَّ [2] أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ- قَالَ سَالِمٌ أَوْ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» .
«1562» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [3] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن أشكاب [4] النيسابوري أنا أبو العباس الأصم ثنا حميد بن عياش الرملي أنا مؤمل بن إسماعيل ثنا زهير بن محمد الخراساني ثنا مُوسَى بْنُ وَرْدَانٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» .

[سورة الفرقان (25) : الآيات 30 الى 36]
وَقالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (31) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (32) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (34)
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (35) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (36)
__________
1561- إسناده حسن لأجل الوليد بن قيس، فقد وثقه ابن حبان والعجلي، وقد روى عنه غير واحد.
- وهو «شرح السنة» 3378 بهذا الإسناد.
- وهو في «زهد ابن الْمُبَارَكِ» 124 عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 4832 والترمذي 2395 والطيالسي 2213 وأحمد 3/ 38 وابن حبان 554 و555 و560 من طرق عن ابن المبارك به.
- وأخرجه الدارمي 2/ 103 والحاكم 4/ 128 من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ عن حيوة بن شريح به.
- وأخرجه ابن حبان 560 عن طريق ابن وهب به.
1562- حسن، إسناده حسن في المتابعات، مؤمل بن إسماعيل صدوق كثير الخطأ، وقد ضعفه بعضهم، لكن تابعه غير واحد. وموسى بن وردان فيه لين وقد توبع بإسناد ضعيف.
- وهو في «شرح السنة» 3380 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 2/ 303 من طريق مؤمل بن إسماعيل بهذا الإسناد.
- أخرجه أبو داود 4833 والترمذي 2378 كلاهما عن محمد بن بشار عن أبي عامر، وأبو داود قالا: حدثنا زهير بن محمد بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 2/ 334 والطيالسي 2107 والقضاعي 187 والبيهقي في «الأدب» 285 من طريقين عن زهير بن محمد به.-
وأخرجه الحاكم 4/ 171 من طريق أبي عامر عن زهير عن موسى بن هارون أنه سمع أبا هريرة به مرفوعا سكت عليه الحاكم! والذهبي! والظاهر أنه إسناد مقلوب، موسى بن هارون لم أجد له ترجمة والأشبه أنه موسى بن وردان لكن انقلب اسم أبيه.
- وأخرجه الحاكم 4/ 171 من طريق آخر عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أبي هريرة به، وصححه ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، فيه صدقة بن عبد الله، وهو ضعيف وشيخه إبراهيم بن محمد الأنصاري قال عنه الذهبي في «الميزان» : ذو مناكير.
الخلاصة: هو حديث حسن بطريقه الأخير.
(1) في المطبوع «و» .
(2) تصحف في المطبوع «النجيبي» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) تصحف في المطبوع «كساب» .
(3/444)

وَقالَ الرَّسُولُ، يَعْنِي: وَيَقُولُ الرَّسُولُ في ذلك اليوم: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً، يعني مَتْرُوكًا فَأَعْرَضُوا عَنْهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَلَمْ يَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ.
وَقِيلَ: جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ الْهَجْرِ وَهُوَ الهذيان، والقول السيئ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ شِعْرٌ وَسِحْرٌ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: قَالَ الرَّسُولُ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم يشكو قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مهجورا فعزّاه الله تعالى [في الأمم السالفة] [1] فقال:
وَكَذلِكَ جَعَلْنا، يَعْنِي كَمَا جَعَلَنَا لَكَ أَعْدَاءً مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ كَذَلِكَ جَعْلَنَا، لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. قَالَ مقاتل: يقول لا يكبرون عَلَيْكَ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَكَ قَدْ لقوا هَذَا مِنْ قَوْمِهِمْ فَاصْبِرْ لِأَمْرِي كَمَا صَبَرُوا فَإِنِّي نَاصِرُكَ وَهَادِيكَ، وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى وَالْإِنْجِيلُ عَلَى عِيسَى وَالزَّبُورُ عَلَى داود، قال الله سبحانه وتعالى: كَذلِكَ، فعلنا، لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ، يعني أنزلناه مفرقا لِيَقْوَى بِهِ قَلْبُكَ فَتَعِيهِ وَتَحْفَظَهُ فَإِنَّ الْكُتُبَ أُنْزِلَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ يكتبون ويقرؤون، وَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ عَلَى نَبِيٍّ أُمِّيٍّ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ، وَلِأَنَّ مِنَ الْقُرْآنِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، ومنه ما هو جواب إن سَأَلَ عَنْ أُمُورٍ فَفَرَّقْنَاهُ لِيَكُونَ أَوْعَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَيْسَرَ عَلَى الْعَامِلِ بِهِ. وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَيَّنَّاهُ بَيَانًا، وَالتَّرْتِيلُ التَّبْيِينُ في ترتل وَتَثَبُّتٍ [2] . وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَعْضُهُ فِي إِثْرِ بَعْضٍ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْحُسْنُ [وَقَتَادَةُ] [3] فَرَّقْنَاهُ تَفْرِيقًا آيَةً بَعْدَ آيَةٍ.
وَلا يَأْتُونَكَ، يَا مُحَمَّدُ يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، بِمَثَلٍ، يَضْرِبُونَهُ فِي إِبْطَالِ أَمْرِكَ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ، يَعْنِي بِمَا تَرُدُّ بِهِ مَا جاؤوا به من المثل وتبطله [عليهم] [4] ، فسمي ما يردون مِنَ الشُّبَهِ مَثَلًا، وَسُمِّي مَا يَدْفَعُ بِهِ الشُّبَهَ حَقًّا، وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً، يعني بيانا وتفصيلا، والتفسير تَفْعِيلٌ مِنَ الْفَسْرِ وَهُوَ كَشْفُ مَا قَدْ غُطِّيَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما لهؤلاء الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ:
الَّذِينَ، أَيْ: هُمُ الَّذِينَ، يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، فَيُسَاقُونَ وَيُجَرُّونَ، إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً، أَيْ مَكَانَةً وَمَنْزِلَةً، وَيُقَالُ مَنْزِلًا وَمَصِيرًا، وَأَضَلُّ سَبِيلًا، أَخْطَأُ طَرِيقًا.
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (35) [أي] مُعِيَنًا وَظَهِيرًا.
فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، يَعْنِي الْقِبْطَ، فَدَمَّرْناهُمْ، فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ:
فكذبوهما فدمرناهم، تَدْمِيراً، [أي] أهلكناهم إهلاكا.
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المخطوط «ترتيل وتثبيت» .
(3) زيادة عن المخطوط. [.....]
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/445)

وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37)
[سورة الفرقان (25) : الآيات 37 الى 40]
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (37) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (38) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (40)
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ، أَيْ: الرَّسُولَ، وَمَنْ كَذَبَ رَسُولًا وَاحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً، أي لِمَنْ بَعْدَهُمْ عِبْرَةٌ، وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ، فِي الْآخِرَةِ، عَذاباً أَلِيماً، سِوَى ما حل بهم مِنْ عَاجِلِ الْعَذَابِ. وَعاداً وَثَمُودَ، أَيْ وَأَهْلَكْنَا عَادًا وَثَمُودَ، وَأَصْحابَ الرَّسِّ، اخْتَلَفُوا فِيهِمْ.
قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانُوا أَهْلَ بِئْرٍ قعودا عليها وأصحاب مواش يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَوَجَّهَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ شُعَيْبًا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَمَادَوْا في طغيانهم [وانكبابهم على عبادة الأوثان] وَفِي أَذَى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فبينما هم حوالي البئر في منازلهم فانهارت بهم البئر فخسف الله بِهِمْ وَبِدِيَارِهِمْ وَرِبَاعِهِمْ، فَهَلَكُوا جَمِيعًا، والرس: الْبِئْرُ وَكُلُّ رَكِيَّةٍ لَمْ تُطْوَ بِالْحِجَارَةِ وَالْآجُرِّ فَهُوَ رَسٌّ.
وَقَالَ قتادة والكلبي: الرس بئر بأرض الْيَمَامَةِ قَتَلُوا نَبِيَّهُمْ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
هُمْ بقية ثمود وقوم صَالِحٍ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْبِئْرِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الْحَجِّ: 45] . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ لَهُمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ فَقَتَلُوهُ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ كَعْبٌ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: الرس [اسم] بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النَّجَّارَ، وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي سُورَةِ يس.
وَقِيلَ: هُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، وَالرَّسُّ هُوَ الْأُخْدُودُ الذي حفروه [وأوقدوا فيه نارا وكانوا يلقون فيه من آمن بالله.] وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمْ قَوْمٌ رَسُّوا نبيهم في بئر [فمات فأهلكهم الله] . وَقِيلَ: الرَّسُّ الْمَعْدِنُ وَجَمْعُهُ رِسَاسٌ، وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً، أَيْ وَأَهْلَكْنَا قُرُونًا كَثِيرًا بَيْنَ عَادٍ وَأَصْحَابِ الرَّسِّ.
وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ، أَيْ الْأَشْبَاهُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ نُهْلِكْهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ، وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً، أَيْ أَهْلَكْنَا إِهْلَاكًا. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: كَسَّرْنَا تَكْسِيرًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَّرْتُهُ وَفَتَّتُّهُ فَقَدْ تَبَّرْتُهُ.
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ، يَعْنِي الْحِجَارَةَ وَهِيَ قَرْيَاتُ قَوْمِ لُوطٍ وَكَانَتْ خَمْسُ قُرًى فَأَهْلَكَ اللَّهُ أَرْبَعًا منها نجت [1] وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أَصْغَرُهَا وَكَانَ أَهْلُهَا لَا يَعْمَلُونَ الْعَمَلَ الْخَبِيثَ، أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها، إذا مَرُّوا بِهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ فَيَعْتَبِرُوا ويتفكروا [إنما فعل بهم] [2] لِأَنَّ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوطٍ كَانَتْ على طريقهم عن طريقهم مَمَرِّهِمْ إِلَى الشَّامِ، بَلْ كانُوا لَا يَرْجُونَ، لَا يَخَافُونَ، نُشُوراً بعثا.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 41 الى 45]
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45)
__________
(1) في المطبوع «بقيت» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3/446)

ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ، يَعْنِي: مَا يَتَّخِذُونَكَ، إِلَّا هُزُواً، يعني مَهْزُوءًا بِهِ، نَزَلَتْ فِي أَبِي جهل كان إذا مَرَّ بِأَصْحَابِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُسْتَهْزِئًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا.
إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا، يعني قَدْ قَارَبَ أَنْ يُضِلَّنَا، عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها، يعني لَوْ لَمْ نَصْبِرْ عَلَيْهَا لَصُرِفْنَا عَنْهَا، وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا، مَنْ أَخْطَأُ طَرِيقًا.
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ يَعْبُدُ الْحَجَرَ فَإِذَا رَأَى حَجَرًا أَحْسَنَ مِنْهُ طرح الأول وأخذ الآخر، فعبدوه.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ مَنْ تَرَكَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَخَالِقَهُ ثُمَّ هوى حجرا فعبدوه مَا حَالُهُ عِنْدِي، أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، يعني حَافِظًا يَقُولُ أَفَأَنْتَ عَلَيْهِ كَفِيلٌ تمنعه [1] من اتباع هواه وعبادة ما يَهْوَى مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَيْ لَسْتَ كَذَلِكَ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ.
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ مَا تَقُولُ سَمَاعَ طَالِبِ [2] الْإِفْهَامِ، أَوْ يَعْقِلُونَ، مَا يُعَايِنُونَ مِنَ الْحُجَجِ وَالْإِعْلَامِ، إِنْ هُمْ، مَا هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا، لِأَنَّ الْبَهَائِمَ تَهْتَدِي لِمَرَاعِيهَا وَمَشَارِبِهَا وَتَنْقَادُ لِأَرْبَابِهَا الَّذِينَ يَتَعَهَّدُونَهَا، وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ لَا يَعْرِفُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَلَا يُطِيعُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَرَزَقَهُمْ، وَلِأَنَّ الْأَنْعَامَ تَسْجُدُ وَتُسَبِّحُ لِلَّهِ وهؤلاء الكفار لا يفعلون [شيئا من ذلك بل يؤثرون السجود إلى ما ينحتونه من الأحجار على السجود لله الواحد القهار] [3] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ، مَعْنَاهُ أَلَمْ تَرَ إِلَى مَدِّ رَبِّكَ الظِّلَّ وَهُوَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، جَعَلَهُ مَمْدُودًا لِأَنَّهُ ظِلٌّ لَا شَمْسَ مَعَهُ، كَمَا قَالَ: «فِي ظِلِّ الْجَنَّةِ» ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) [الْوَاقِعَةِ: 30] لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَمْسٌ. وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً، أي: دَائِمًا ثَابِتًا لَا يَزُولُ وَلَا تُذْهِبُهُ الشَّمْسُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ مَا نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ. وَهُوَ بالغداة، والفيء مَا نَسَخَ الشَّمْسَ، وَهُوَ بَعْدُ الزَّوَالِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأَنَّهُ فَاءَ مِنْ جَانِبٍ الْمَشْرِقِ إِلَى جَانِبٍ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، يعني عَلَى الظِّلِّ وَمَعْنَى دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ لَمَا عُرِفَ الظِّلُّ وَلَوْلَا النُّورُ لَمَا عُرِفَتِ الظُّلْمَةُ، وَالْأَشْيَاءُ تُعَرَفُ بأضدادها.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 46 الى 48]
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (48)
ثُمَّ قَبَضْناهُ، يَعْنِي الظِّلَّ، إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً، بِالشَّمْسِ الَّتِي تَأْتِي عليه، والقبض جَمْعُ الْمُنْبَسِطِ مِنَ الشَّيْءِ مَعْنَاهُ أَنَّ الظِّلَّ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَرْضِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَبَضَ اللَّهُ الظِّلَّ جُزْءًا فَجُزْءًا قَبْضًا يَسِيرًا أَيْ خَفِيًّا.
__________
(1) في المطبوع «تحفظه» .
(2) في المخطوط «طلب» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/447)

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً، أَيْ سِتْرًا تَسْتَتِرُونَ بِهِ، يُرِيدُ أَنَّ ظُلْمَتَهُ تَغْشَى كُلَّ شَيْءٍ، كَاللِّبَاسِ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَى لَابِسِهُ، وَالنَّوْمَ سُباتاً، رَاحَةً لِأَبْدَانِكُمْ وَقَطْعًا لِعَمَلِكُمْ، وَأَصْلُ السَّبْتِ الْقَطْعُ، وَالنَّائِمُ مَسْبُوتٌ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَحَرَكَتُهُ. وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً، أَيْ يَقِظَةً وَزَمَانًا تَنْتَشِرُونَ فِيهِ لِابْتِغَاءِ الرزق وتنشرون لِأَشْغَالِكُمْ.
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، يَعْنِي الْمَطَرَ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً طَهُوراً، والطّهور هو الطَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ كَالسَّحُورِ اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَالْفَطُورُ اسْمٌ لِمَا يُفْطَرُ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا:
«1563» رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
وَأَرَادَ بِهِ الْمُطَهِّرَ فَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ، كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى:
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ [الْأَنْفَالِ: 11] فَثَبَتَ بِهِ أَنَّ التَّطْهِيرَ يَخْتَصُّ بِالْمَاءِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الطَّاهِرُ حَتَّى جَوَّزُوا إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ الطاهرة، كالخل [1] وَمَاءِ الْوَرْدِ وَالْمَرَقِ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ جَازَ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهَا لَجَازَ إِزَالَةُ الْحَدَثِ بِهَا.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الطَّهُورَ مَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ التَّطْهِيرُ كَالصَّبُورِ اسْمٌ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصَّبْرُ وَالشَّكُورُ اسْمٌ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الشُّكْرُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ حَتَّى جَوَّزَ [2] الْوُضُوءَ بالماء الذي توضأ به مَرَّةً.
وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ شَيْءٌ غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ هَلْ تَزُولُ طَهُورِيَّتَهُ أم لا نَظَرٌ؟ إِنْ كَانَ الْوَاقِعُ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ كَالطِّينِ وَالتُّرَابِ وَأَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ لَا يزول فَيَجُوزُ الطِّهَارَةُ بِهِ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ لِطُولِ الْمُكْثِ فِي قَرَارِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ فِيهِ مَا لَا يُخَالِطُهُ كَالدُّهْنِ يَصُبُّ فِيهِ فَيَتَرَوَّحُ الْمَاءُ بِرَائِحَتِهِ يَجُوزُ الطِّهَارَةُ به، لأن تغيره للمجاوزة لَا لِلْمُخَالَطَةِ.
وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ مِنْهُ وَيُخَالِطُهُ كالخل والزعفران ونحوهما يزول طهوريته ولا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يتغير أحد أوصافه نظر [3] إِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِيهِ شَيْئًا طاهرا لا يزول طَهُورِيَّتُهُ فَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِيهِ شَيْئًا نجسا نظر [فيه] [4] فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَقَلَّ مِنَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ الْمَاءُ.
وَإِنْ كان قدر قلتين فأكثر [ولا تغير به] [5] فَهُوَ طَاهِرٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، والقلتان خمس قرب ووزنها [6] خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا:
__________
1563- تقدم في تفسير سورة المائدة عن آية: 96 وهو قوي.
(1) في المطبوع «مثل الخل» .
(2) في المخطوط. «جوزوا» .
(3) في المطبوع «ينظر» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) في المطبوع «ووزنه» .
(3/448)

«1564» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرحيم بن المنيب أنا جَرِيرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ فَقَالَ: «إِذَا كان الماء قلتين لم يَحْمِلُ الْخَبَثَ» .
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا بَلَغَ هذا الحدّ فلا يَنْجُسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ مَا لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ لَا يَنْجُسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ [وبه قال
__________
1564- حسن، إسناده ضعيف، ابن منيب مجهول، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس، لكن صرح بالتحديث عند الدارقطني، وقد توبع، وللحديث شواهد.
- وهو في «شرح السنة» 282 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 64 والترمذي 67 وابن ماجه 517 وأحمد 2/ 27 وابن أبي شيبة 1/ 144 والدارقطني 1/ 19 و21 وابن الجارود 45 والدارمي 1/ 186- 187 والطحاوي في «المعاني» 1/ 15 والحاكم 1/ 133 والبيهقي 1/ 261 من طرق عن محمد بن إسحاق به وصرّح ابن إسحاق بالتحديث عند الدارقطني فقط.
- وأخرجه أبو داود 63 والنسائي 1/ 46 وابن أبي شيبة 1/ 144 وابن الجارود 45 والدارقطني 1/ 14 و15 وابن حبان 1249 والحاكم 1/ 132 والبيهقي 1/ 260 و261 من طرق عن أبي أسامة حدثنا الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير أن عبد الله بن عبد الله حدثهم أن أباه عبد الله بن عمر حدثهم.... فذكره.
وهذا إسناد حسن.
- وأخرجه النسائي 1/ 175 وابن خزيمة 92 والدارمي 1/ 187 والطحاوي 1/ 15 من طرق عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، ورجاله ثقات.
رجاله ثقات.
- وأخرجه أبو داود 65 وابن ماجه 518 وأحمد 2/ 3 وابن الجارود 46 والحاكم 1/ 134 والبيهقي 1/ 262 من طرق عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عمر، وقال البوصيري في «الزوائد» إسناده صحيح رجاله ثقات.
- وأخرجه ابن الجارود 44 وابن حبان 1253 والحاكم 1/ 133 والبيهقي 1/ 262 من طريق أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عمر عن أبيه.
- وقال الحافظ في «تلخيص الحبير» 1/ 16- 19 ما ملخصه: صححه الحاكم على شرطهما، وقال ابن منده: على شرط مسلم، وقال ابن معين وقد سئل عن عاصم بن المنذر: إسناده جيد، قيل له، فابن علية لم يرفعه، قال: وإن لم يحفظه ابن علية، فالإسناد جيد.
- وقال ابن عبد البر في «التمهيد» : ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر، وقال في «الاستذكار» : حديث معلول.
- وقال الطحاوي: إنما لم نقل به لأن مقدار القلتين لم يثبت.
- وقال عبد الحق: قد صححه بعضهم اهـ.
- وأعله الزيلعي في «نصب الراية» 1/ 104 من جهة الإسناد والمتن.
- وأعلنه ابن القيم في «شرح سنن أبي داود» 1/ 62 ونقل عن ابن تيمية والمزي أنهما رجحا الوقف.
- الخلاصة: هو حديث حسن لاختلاف الأئمة فيه ما بين مصحح له ومضعف، حيث جاء بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن إلا أنه أعل من عامة طرقه، وانظر «أحكام القرآن» 1651 و «تفسير القرطبي» 4682 و «العدة شرح العمدة» ص 21 بتخريجي. [.....]
(3/449)

مالك] [1] وَاحْتَجُّوا بِمَا:
«1565» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ [2] أَنَا أَبُو الْحَارِثِ طَاهِرُ بْنُ محمد الطاهري ثنا أبو
__________
1565- صحيح، رجاله ثقات مشاهير سوى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن رافع، فقد وثقه ابن حبان، وقد روى عنه جمع من الثقات، وقال الحافظ: مستور، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، وقال ابن منده: مجهول.
- وهو في «شرح السنة» 283 بهذا الإسناد.
- وأخرجه النسائي 1/ 174 وأحمد 3/ 31 من طريقين عن أبي أسامة بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 66 والترمذي 66 وأحمد 3/ 31 والدارقطني 1/ 30 والبيهقي 1/ 5- 5 من طرق عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري به.
- قال الترمذي: حديث حسن، جود أبو أسامة هذا الحديث.
وقال أبو داود. وقال بعضهم عبد الرحمن بن رافع.
- قال البخاري كما في «التهذيب» هذا وهم أي الصواب عبيد الله بن عبد الرحمن.
- وأخرجه أبو داود 67 وأحمد 3/ 86 والبيهقي 1/ 257 من طريقين عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن أبي سعيد الخدري به.
- وأخرجه الدارقطني 1/ 30 من طريق محمد بن إسحاق عن سليط بن أيوب عن عبد الرحمن بن رافع عن أبي سعيد الخدري وسليط مجهول.
قال الدارقطني: خالفه إبراهيم بن سعد رواه عن أبي إسحاق عن سليط فقال: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع قاله يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه.
- وأخرجه النسائي 1/ 174 وأحمد 3/ 15- 16 من طريق مطرف عن خالد بن أبي نوف عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه به، وخالد هذا مجهول.
- وبكل حال مدار الطرق المتقدمة على عبيد الله بن عبد الرحمن، وتقدم أنه مجهول.
- وورد من وجه آخر عن طريق ابن سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا.
- وأخرجه الطيالسي 2155 وإسناده ضعيف لضعف طريف بن سفيان، وعنه قيس بن الربيع ضعيف أيضا، لكن يصلح هذا الطريق للاعتبار.
- وورد من طريق شريك عن طريف عن أبي نضرة عن أبي سعيد أو جابر، أخرجه الطحاوي 1/ 12، وأخرجه ابن ماجه 520 من هذا الوجه عن جابر، والصواب أنه عن أبي سعيد فالحديث حديثه.
- وقد توبع قيس في هذه الرواية فانحصرت العلة في طريف لكن يصلح للاعتبار بحديثه.
- فقد قال عنه ابن عدي، روى عنه الثقات، وإنما أنكر عليه في متون الأحاديث أشياء لم يأت بها غيره، وأما أسانيده فهي مستقيمة.
- قلت: وهذا مما لم ينفرد به.
- وفي الباب عن سهلة بن سعد، أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار» 1/ 12 وإسناده لا بأس به وأخرجه الدارقطني 1/ 29 بسياق آخر.
- وورد عن عمر موقوفا ما يشهد للأحاديث المتقدمة، أخرجه الدارقطني 1/ 32 وإسناده قوي.
الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، وحسنه الترمذي، وصححه أحمد وابن معين وابن حزم انظر «تلخيص الحبير» 1/ 12- 13.
فائدة: قال الخطابي في «معالم السنن» 61: قد يتوهم بعض الناس أنهم كانوا يغفلون هذا قصدا، والصواب أن بئر بضاعة كانت في منحدر الأرض، وكانت السيول تكسح هذه الأقذار من الطرق، وتحملها إليه، وكانت لكثرة مائها لا يؤثر فيها ذلك فلا تتغير اهـ بتصرف واختصار.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) تصحف في المطبوع «الحنفي» .
(3/450)

لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49)
محمد الحسين [1] بن محمد بن حليم [2] ثنا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو بن الموجه [3] ثنا صدقة بن الفضل أنا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القرظي عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ؟ وَهِيَ بِئْرٌ يلقى فيها الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنِ، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا ينجسه شيء» .

[سورة الفرقان (25) : الآيات 49 الى 54]
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (49) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (50) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (54)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لِنُحْيِيَ بِهِ، أَيْ: بِالْمَطَرِ، بَلْدَةً مَيْتاً، وَلَمْ يَقُلْ مَيِّتَةً لِأَنَّهُ رَجَعَ بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ وَالْمَكَانِ، وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً [أَيْ] نُسْقِي مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ أَنْعَامًا، وَأَناسِيَّ كَثِيراً، أَيْ بَشَرًا كَثِيرًا، وَالْأَنَاسِيُّ جَمْعُ أُنْسِيُّ، وَقِيلَ جَمَعُ إِنْسَانٍ، وَأَصْلُهُ أَنَاسِينُ مِثْلُ بُسْتَانٍ وَبَسَاتِينٍ، فَجَعَلَ الْيَاءَ عِوَضًا عَنِ النُّونِ.
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ، يَعْنِي الْمَطَرَ مَرَّةً بِبَلْدَةٍ وَمَرَّةً بِبَلَدٍ آخَرٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا مِنْ عَامٍ بِأَمْطَرَ مِنْ عَامٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِفُّهُ فِي الْأَرْضِ. وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَهَذَا:
«1566» كَمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أو نهار إلا والسماء تُمْطِرُ فِيهَا يُصَرِّفُهُ اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ» .
«1567» وَذِكْرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ جريج ومقاتل وبلغوا به، وابن مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ سَنَةٍ بِأَمْطَرَ مِنْ أُخْرَى وَلَكِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ هَذِهِ الْأَرْزَاقَ فَجَعَلَهَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي هَذَا الْقَطْرِ يَنْزِلُ مِنْهُ كُلُّ سَنَةٍ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، وَإِذَا عَمِلَ قَوْمٌ بِالْمَعَاصِي حَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِمْ، فَإِذَا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَى الْفَيَافِي وَالْبِحَارِ» . وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ تَصْرِيفِ الْمَطَرِ تَصْرِيفُهُ وَابِلًا وَطَلًّا وَرَذَاذًا وَنَحْوَهَا. وَقِيلَ: التَّصْرِيفُ رَاجِعٌ إِلَى الرِّيحِ. لِيَذَّكَّرُوا أَيْ لِيَتَذَكَّرُوا وَيَتَفَكَّرُوا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً، جُحُودًا، وَكُفْرَانُهُمْ هُوَ أَنَّهُمْ إِذَا مُطِرُوا قَالُوا مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وكذا [معتقدين أن النوء هو الفعال] [4] .
__________
1566- لم أقف عليه، وأمارة الوضع لائحة عليه، ففي فصل الصيف، ربما ينقطع القطر أياما فلا تمطر السماء.
1567- لا أصل له بهذا التمام، لم أره مسندا، وهو باطل وإن أهل الغرب يعصون الله كثيرا، ومع ذلك يعطون من الخيرات والنعيم والأمطار ما لا يؤتاه أهل الإسلام، فهو باطل بهذا التمام.
- وصدره أخرجه ابن الديلمي في «زهر الفردوس» 4/ 29 عن ابن مسعود مرفوعا وإسناده ضعيف فيه علي بن حميد وهو مجهول، واستغربه الذهبي في «الميزان» 3/ 126 جدا بعد أن أسنده من طريق ابن عساكر، وورد عن ابن عباس موقوفا، أخرجه الحاكم 2/ 403 وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي، وهو أصح من المرفوع.
(1) تصحف في المطبوع «الحسن» .
(2) تصحف في المطبوع «حكيم» .
(3) تصحف في المخطوط «المرجه» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/451)

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)
«1568» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أحمد أنا إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كِيسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ» ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ في مؤمن بالكواكب» .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51) ، رَسُولًا يُنْذِرُهُمْ، وَلَكِنْ بَعَثْنَاكَ إِلَى الْقُرَى كُلِّهَا وَحَمَّلْنَاكَ ثِقَلَ النِّذَارَةِ جميعها لتستوجب بصبرك على مَا أَعْدَدْنَا لَكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ.
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فِيمَا يَدْعُونَكَ إِلَيْهِ مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ وَمُدَاهَنَتِهِمْ، وَجاهِدْهُمْ بِهِ أَيْ: بِالْقُرْآنِ، جِهاداً كَبِيراً [أي] [1] شَدِيدًا.
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ، أي: خَلَطَهُمَا وَأَفَاضَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ، وَقِيلَ: أَرْسَلَهُمَا فِي مَجَارِيهِمَا وَخَلَاهُمَا [2] كَمَا يُرْسَلُ الْخَيْلُ فِي الْمَرَجِ، وَأَصْلُ الْمَرَجِ الْخَلْطُ وَالْإِرْسَالُ.
يُقَالُ: مَرَجْتُ الدَّابَّةَ وَأَمْرَجْتُهَا إِذَا أَرْسَلْتُهَا فِي الْمَرْعَى وَخَلَّيْتُهَا تَذْهَبُ حَيْثُ تَشَاءُ، هَذَا عَذْبٌ فُراتٌ، شَدِيدُ العذوبة والفرات أَعْذَبُ الْمِيَاهِ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ، شَدِيدُ الْمُلُوحَةِ.
وَقِيلَ: أُجَاجٌ أَيْ مُرٌّ، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً أَيْ: حَاجِزًا بِقُدْرَتِهِ لِئَلَّا يَخْتَلِطُ الْعَذْبُ بِالْمِلْحِ وَلَا الْمِلْحُ بِالْعَذْبِ، وَحِجْراً مَحْجُوراً أَيْ: سِتْرًا مَمْنُوعًا فَلَا يبغيان، فلا يُفْسِدُ الْمِلْحُ الْعَذْبَ.
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ، مِنَ النُّطْفَةِ، بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً أَيْ: جعله ذا نسب وذا صهر.
قِيلَ: النَّسَبُ مَا لَا يَحِلُّ نكاحه والصهر ما يحل نكاحه، فانسب مَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ وَالصِّهْرُ، مَا لا يوجبها.
وقيل: هو الصَّحِيحُ النَّسَبُ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالصِّهْرُ الْخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ الْقَرَابَةَ، وَهُوَ السبب المحرم للنكاح، وقد ذكرناه أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ بِالنَّسَبِ سَبْعًا وَبِالسَّبَبِ سَبْعًا فِي قَوْلِهِ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [النِّسَاءَ: 23] . وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 55 الى 57]
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (55) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (56) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)
__________
1568- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو مصعب هو أحمد بن أبي بكر.
- وهو في «شرح السنة» 1164 بهذا الإسناد.
- وهو في «الموطأ» 1/ 192 عن صالح بن كيسان بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 846 و1038 ومسلم 71 وأبو داود 3906 وأحمد 4/ 117 وأبو عوانة 1/ 26 وابن حبان 188 وابن مندة 503 من طرق عن مالك به.
- وأخرجه البخاري 4147 و7503 والنسائي 3/ 165 وعبد الرزاق 21003 والحميدي 813 وابن مندة 504 و505 و506 والطبراني 5213- 5216 وأبو عوانة 1/ 27 من طرق عن صالح بن كيسان به.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المخطوط «وجدرانهما» .
(3/452)

وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، مَا لَا يَنْفَعُهُمْ، إِنْ عَبَدُوهُ، وَلا يَضُرُّهُمْ، إِنْ تَرَكُوهُ، وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً، أَيْ: مُعِينًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى ربه بالمعاصي. وقال الزَّجَّاجُ: أَيْ يُعَاوِنُ الشَّيْطَانُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ لِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ مُعَاوَنَةٌ لِلشَّيْطَانِ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا أَيْ هينا ذليلا كما يقول [1] الرجل: جعلني بظهر [2] أي جعلني هينا.
ويقال: ظهر بِهِ إِذَا جَعَلَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ.
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (56) ، أَيْ: مُنْذِرًا.
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ، أي عَلَى تَبْلِيغِ الْوَحْيِ، مِنْ أَجْرٍ، فَتَقُولُوا إِنَّمَا يَطْلُبُ مُحَمَّدٌ أَمْوَالُنَا بِمَا يَدْعُونَا إِلَيْهِ فَلَا نَتَّبِعُهُ، إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا، هَذَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، مَجَازُهُ: لَكِنْ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سبيلا بإنفاق [3] مَالِهِ فِي سَبِيلِهِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى: لَا أَسْأَلُكُمْ لِنَفْسِي أَجْرًا وَلَكِنْ لَا أَمْنَعُ مِنْ إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي طَلَبِ مَرْضَاةِ اللَّهِ واتخاذ السبيل إلى جنته.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 58 الى 60]
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (58) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (59) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (60)
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ، أَيْ صَلِّ لَهُ شُكْرًا عَلَى نِعَمِهِ. وَقِيلَ: قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً، عالما بصغيرها وكبيرها فَيُجَازِيهِمْ بِهَا.
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (59) ، أي: الرحمن.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَقُولُ فَاسْأَلِ الْخَبِيرَ بذلك يعني بما ذكرنا [4] من خلق السموات وَالْأَرْضِ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلرَّسُولِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ كَانَ مُصَدِّقًا بِهِ، وَالْمَعْنَى: أَيُّهَا الْإِنْسَانُ لَا تَرْجِعُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِهَذَا إِلَى غَيْرِي. وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ: فَاسْأَلْ عَنْهُ خَبِيرًا وَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ:
جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ [أي] [5] مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا رَحِمْنَ الْيَمَامَةِ، يَعْنُونَ مُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابَ، كَانُوا يُسَمُّونَهُ رَحْمَنَ الْيَمَامَةِ. أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «يَأْمُرُنَا» بِالْيَاءِ أَيْ لِمَا يَأْمُرُنَا مُحَمَّدٌ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ أَيْ لِمَا تَأْمُرُنَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، وَزادَهُمْ يَعْنِي زَادَهُمْ قَوْلُ الْقَائِلِ لَهُمْ: اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ نُفُوراً، عن الدين والإيمان.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 61 الى 64]
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (62) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (64)
__________
(1) في المطبوع «يقال» .
(2) في المطبوع «بظهير» . [.....]
(3) في المطبوع «بالإنفاق من» .
(4) في المخطوط «ذكر» .
(5) زيادة عن المخطوط.
(3/453)

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً، قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: الْبُرُوجُ [1] هِيَ النُّجُومُ الْكِبَارُ سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِهَا.
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: بُرُوجًا أَيْ قُصُورًا فِيهَا الْحَرَسُ، كَمَا قَالَ: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النِّسَاءِ: 78] .
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الْبُرُوجُ الِاثْنَا عَشْرَ الَّتِي هِيَ مَنَازِلُ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ، وَهِيَ الْحَمَلُ وَالثَّوْرُ وَالْجَوْزَاءُ وَالسَّرَطَانُ وَالْأَسَدُ وَالسُّنْبُلَةُ وَالْمِيزَانُ وَالْعَقْرَبُ وَالْقَوْسُ وَالْجَدْيُ وَالدَّلْوُ وَالْحُوتُ، فَالْحَمَلُ وَالْعَقْرَبُ بَيْتَا الْمِرِّيخِ، وَالثَّوْرُ وَالْمِيزَانُ بَيْتَا الزُّهَرَةِ، وَالْجَوْزَاءُ وَالسُّنْبُلَةُ بَيْتًا عُطَارِدِ، وَالسَّرَطَانُ بَيْتُ الْقَمَرِ، وَالْأَسَدُ بَيْتُ الشَّمْسِ، وَالْقَوْسُ وَالْحُوتُ بَيْتَا الْمُشْتَرَى، وَالْجَدْيُ وَالدَّلْوُ بَيْتَا زُحَلَ. وَهَذِهِ الْبُرُوجُ مَقْسُومَةٌ عَلَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ فَيَكُونُ نَصِيبُ كَلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ بُرُوجٍ تُسَمَّى الْمُثَلَّثَاتُ، فَالْحَمَلُ وَالْأَسَدُ وَالْقَوْسُ مُثَلَّثَةٌ نَارِيَّةٌ، والثور والسنبلة والجدي مثلثة ترابية [2] وَالْجَوْزَاءُ وَالْمِيزَانُ وَالدَّلْوُ مُثَلَّثَةٌ هَوَائِيَّةٌ، وَالسَّرَطَانُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحُوتُ مُثَلَّثَةٌ مَائِيَّةٌ. وَجَعَلَ فِيها سِراجاً يَعْنِي الشَّمْسَ كَمَا قَالَ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [نُوحٍ: 16] وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «سُرُجًا» بِالْجَمْعِ يَعْنِي النُّجُومَ. وَقَمَراً مُنِيراً، وَالْقَمَرُ قَدْ دَخَلَ فِي السُّرُجِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالْجَمْعِ، غَيْرَ أَنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِنَوْعِ فَضِيلَةٍ، كَمَا قَالَ: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) [الرَّحْمَنِ: 68] ، خَصَّ النَّخْلَ وَالرُّمَّانَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمَا فِي الفاكهة [لنوع شرف] [3] .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً، اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي خَلَفًا وَعِوَضًا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ صَاحِبِهِ، فَمَنْ فَاتَهُ عَمَلُهُ فِي أَحَدِهِمَا قَضَاهُ فِي الْآخَرِ.
قَالَ شَقِيقٌ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فقال فَاتَتْنِي الصَّلَاةُ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ أَدْرِكْ مَا فَاتَكَ مِنْ لَيْلَتِكَ فِي نَهَارِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ: جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي جَعْلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفًا لِصَاحِبِهِ فَجَعَلَ هَذَا أَسْوَدُ وَهَذَا أَبْيَضُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ يَعْنِي يَخْلُفُ أَحَدَهُمَا صَاحِبَهُ إِذَا ذَهَبَ أَحَدُهُمَا جَاءَ الْآخَرُ فهما يتعاقبان في الضياء والظلام [4] وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ، قرأ حمزة بتخفيف الدال وَالْكَافِ وَضَمِّهَا مِنَ الذِّكْرِ، وَقَرَأَ الآخرون بتشديد هما أَيْ يَتَذَكَّرَ وَيَتَّعِظَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً، قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ شُكْرَ نعمة ربه عليه فيهما.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِبادُ الرَّحْمنِ، يعني أَفَاضِلُ الْعِبَادِ. وَقِيلَ: هَذِهِ الْإِضَافَةُ لِلتَّخْصِيصِ وَالتَّفْضِيلِ، وَإِلَّا فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِبَادُ اللَّهِ. الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً، يعني بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ مُتَوَاضِعِينَ غَيْرَ أَشِرِينَ وَلَا مَرِحِينَ، وَلَا مُتَكَبِّرِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عُلَمَاءٌ وَحُكَمَاءٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ:
أَصْحَابُ وَقَارٍ وَعِفَّةٍ لَا يُسَفِّهُونَ، وَإِنْ سُفِّهَ عَلَيْهِمْ حلموا، والهون فِي اللُّغَةِ الرِّفْقُ وَاللِّينُ، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ، يَعْنِي السُّفَهَاءُ بِمَا يَكْرَهُونَ، قالُوا سَلاماً، قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدَادًا مِنَ الْقَوْلِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بن حيان: قولان يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ جَهَلَ عَلَيْهِمْ جَاهِلٌ حَلُمُوا وَلَمْ يَجْهَلُوا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ منه السلام المعروف. وروي
__________
(1) في المطبوع «النجوم» .
(2) في المطبوع «أرضية» .
(3) زيادة من المخطوط.
(4) في المطبوع «الظلمة» .
(3/454)

وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)
عَنِ الْحَسَنِ: مَعْنَاهُ سَلَّمُوا عَلَيْهِمْ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الْقَصَصِ: 55] ، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَأَبُو العالية: هذا قبل أن يؤمروا [1] بِالْقِتَالِ، ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: هَذَا وَصْفُ نَهَارِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (64) ، قَالَ: هَذَا وَصْفُ لَيْلِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ، يُقَالُ لِمَنْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ: بَاتَ نَامَ أَوْ لَمْ يَنَمْ، يُقَالُ: بَاتَ فُلَانٌ قَلِقًا، وَالْمَعْنَى يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ بِاللَّيْلِ فِي الصَّلَاةِ، سُجَّداً، عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَقِياماً عَلَى أَقْدَامِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَقَدْ بَاتَ لِلَّهِ سَاجِدًا وقائما.
«1569» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [2] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ [مُحَمَّدِ بْنِ] [3] سَمْعَانَ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ ثَنَا أَبُو نعيم حدثنا سُفْيَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى الْعَشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ نصف ليلة، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ كان كقيام ليلة» [4] .

[سورة الفرقان (25) : الآيات 65 الى 70]
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (65) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (66) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (69)
إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (65) ، يعني
__________
1569- إسناده صحيح على شرط مسلم.
- أبو نعيم هو الفضل بن دكين، سفيان هو ابن سعيد الثوري.
- وهو في «شرح السنة» 386 بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن حبان 2059 من طريق حميد بن زنجويه بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن خزيمة 1473 وأبو عوانة 2/ 4 والبيهقي 1/ 464 و3/ 60 و61 من طرق عن أبي نعيم به.
- وأخرجه مسلم 656 وأبو داود 555 والترمذي 221 وأحمد 1/ 58 وعبد الرزاق 2008 وابن حبان 2058 وأبو عوانة 2/ 4 والبيهقي 3/ 60 و61 من طرق عن سفيان به.
- وأخرجه الطبراني 148 من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي عمرة عن أبيه عثمان.
- وأخرجه أحمد 1/ 58 من طريق محمد بن إبراهيم عن عثمان بن عفان.
- وأخرجه مسلم 656 وابن حبان 2060 وأبو عوانة 2/ 4 من طريق عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ عثمان بن عفان.
(1) في المطبوع «يؤمر» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) لفظ هذا الحديث مثبت من المخطوطتين، و «شرح السنة» ، ولفظ المطبوع و «صحيح مسلم» مختلف.
(3/455)

مُلِحًّا دَائِمًا لَازِمًا غَيْرَ مُفَارِقٍ مَنْ عُذِّبَ بِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَمِنْهُ سُمِّي الْغَرِيمُ لِطَلَبِهِ حَقَّهُ والحاجة عَلَى صَاحِبِهِ وَمُلَازَمَتِهِ إِيَّاهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: سَأَلَ اللَّهُ الْكُفَّارَ ثَمَنَ نِعَمِهِ فَلَمْ يُؤَدُّوا فَأَغْرَمَهُمْ فِيهِ، فَبَقُوا فِي النار، وقال الْحَسَنُ: كُلُّ غَرِيمٍ يُفَارِقُ غَرِيمَهُ إلا جهنّم. والغرام الشَّرُّ اللَّازِمُ، وَقِيلَ: غَرَامًا هَلَاكًا.
إِنَّها، يعني جهنم، ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً، يعني بِئْسَ مَوْضِعُ قَرَارٍ وَإِقَامَةٍ.
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ «يَقَتِّرُوا» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ التَّاءِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ. يُقَالُ: أُقَتِّرُ وَقَتَّرَ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَتَّرَ يُقَتِّرُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْإِسْرَافِ وَالْإِقْتَارِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
الْإِسْرَافُ النَّفَقَةُ فِي معصية الله وإن قلّت، والإقتار مَنَعُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يُنْفِقُوا فِي مَعَاصِي اللَّهِ وَلَمْ يُمْسِكُوا عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ. وَقَالَ قَوْمٌ:
الْإِسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْإِنْفَاقِ، حَتَّى يدخل في حد التبذير والإقتار التَّقْصِيرُ عَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، وهذا معنى قول إبراهيم [قال] [1] لَا يُجِيعُهُمْ وَلَا يُعَرِّيهِمْ وَلَا يُنْفِقُ نَفَقَةً يَقُولُ النَّاسُ قَدْ أَسْرَفَ، وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً، قَصْدًا وَسَطًا بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالْإِقْتَارِ، حسنة بين السيئتين.
وقال يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا [لَا] [2] يَأْكُلُونَ طَعَامًا لِلتَّنَعُّمِ وَاللَّذَّةِ وَلَا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا لِلْجَمَالِ، وَلَكِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ مِنَ الطَّعَامِ مَا يسد عنهم الجوع ويقوبهم عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ، وَمِنَ الثِّيَابِ مَا يَسْتُرُ عَوَرَاتِهِمْ وَيُكِنُّهُمْ مِنَ الحر والبرد [3] . قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَفَى سَرَفًا أَنْ لَا يَشْتَهِيَ الرَّجُلُ شيئا إلا اشتراه فأكله.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الْآيَةُ.
«1570» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أنا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ [أَنَّ] [4] ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: قَالَ يَعْلَى وهو ابن مُسْلِمٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا بأن لما علمناه [5] كفارة، فنزل: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ، ونزل: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ
__________
1570- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- إبراهيم بن موسى هو التميمي، ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز.
- وهو في «صحيح البخاري» 4810 عن إبراهيم بن موسى.
- وأخرجه مسلم 122 وأبو داود 4274 والنسائي في «التفسير» 469 والحاكم في «المستدرك» 2/ 403 والبيهقي 9/ 98 والواحدي في «أسباب النزول» 658 كلهم من طريق يعلى بن مسلم به.
- وأخرجه الطبري 26512 من طريق منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير به.
(1) زيادة عن المخطوط. [.....]
(2) سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع «القر» .
(4) سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع «بأن لنا عملنا» .
(3/456)

أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزُّمَرِ: 53] .
«1571» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا قتيبة بن سعيد ثنا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ [1] أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» ، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68) .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ، أَيْ شَيْئًا مِنْ هذه الأفعال، يَلْقَ أَثاماً، يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِنَّمَا يُرِيدُ جَزَاءَ الْإِثْمِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْآثَامُ الْعُقُوبَةُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْآثَامُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ.
«1572» وَيُرْوَى فِي الْحَدِيثِ: «الْغَيُّ وَالْآثَامُ بِئْرَانِ يَسِيلُ فِيهِمَا صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ» .
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (69) ، قرأ ابن عمر وَأَبُو بَكْرٍ «يُضَاعَفُ» وَ «يَخْلُدُ» بِرَفْعِ الْفَاءِ وَالدَّالِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَشَدَّدَ ابْنُ عَامِرٍ «يُضَعِّفُ» ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَزْمِ الْفَاءِ وَالدَّالِ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ.
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً، قَالَ قَتَادَةُ: إِلَّا مَنْ تَابَ [مِنْ ذَنْبِهِ] [2] وَآمَنَ بِرَبِّهِ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ.
«1573» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ثنا [محمد بن] [3] موسى بن محمد ثنا موسى بن هارون الحمال ثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ثنا عبد الله بن رجاء
__________
1571- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، وتقدم في تفسير سورة النساء عند آية: 31.
1572- ضعيف. أخرجه الطبري 23790 والبيهقي في «البعث» 522 والطبراني في «مسند الشاميين» 1589 وفي «الكبير» 7731 من حديث أبي أمامة بأتم منه، وإسناده ضعيف، فيه محمد بن زياد عن شرقي بن القطامي، وهما مجهولان.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 18591 وقال: فيه ضعفاء، وقد وثقهم ابن حبان، وقال يخطئوان اهـ.
- وقال ابن كثير 3/ 163: غريب، ورفعه منكر اهـ.
1573- إسناده ضعيف لضعف عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، فقد ضعفه الجمهور، وجزم الحافظ في «التقريب» بضعفه، وقد روى مناكير كثيرة.
- وشيخه يوسف بن مهران، وثقه أبو زرعة وابن حبان، وقال أحمد: لا يعرف.
- وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» 972 والطبراني في «الكبير» 12935 والواحدي 3/ 347 عن إبراهيم بن محمد الشافعي بهذا الإسناد.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 7/ 84 وقال: رواه الطبراني من رواية علي بن زيد عن يوسف بن مهران، وقد وثقا، وفيهما ضعف، وبقية رجاله ثقات.
- كذا قال رحمه الله، وما ذكره لعله يصدق على يوسف بن مهران، فقد قال عنه الحافظ: لين الحديث. وأما علي بن زيد فضعيف.
(1) في المخطوط «مخافة» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/457)

وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ [1] عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَرَأْنَاهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَتَيْنِ: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الْآيَةَ، ثُمَّ نَزَلَتْ: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً، فَمًا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ بِشَيْءٍ قَطُّ كَفَرَحِهِ بِهَا وَفَرَحِهِ بِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) [الْفَتْحِ:
1- 2] .
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا التَّبْدِيلَ فِي الدُّنْيَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَاكُ: يُبَدِّلُهُمُ اللَّهُ بِقَبَائِحِ أَعْمَالِهِمْ فِي الشِّرْكِ مَحَاسِنَ الْأَعْمَالِ فِي الْإِسْلَامِ، فَيُبَدِّلُهُمْ بِالشِّرْكِ إيمانا ويقتل الْمُؤْمِنِينَ قَتْلَ الْمُشْرِكِينَ، وَبِالزِّنَا عِفَّةً وَإِحْصَانًا. وَقَالَ قَوْمٌ: يُبَدِّلُ اللَّهُ سيآتهم الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الْإِسْلَامِ حَسَنَاتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمَكْحُولٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا:
«1574» أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أحمد الخزاعي أنا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ أَنَا أَبُو عيسى الترمذي ثنا أبو عمار الحسين بن حريث [2] ثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لِأَعْلَمُ آخِرَ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ:
اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَيُخَبَّأُ عَنْهُ كِبَارُهَا، فَيُقَالُ [لَهُ] [3] عَمِلْتَ يوم كذا كَذَا وَكَذَا وَهُوَ مُقِرٌّ لَا يُنْكِرُ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِهَا، فَيُقَالُ أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمَلِهَا حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ إِنَّ لِي ذُنُوبًا مَا أَرَاهَا هَاهُنَا» ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْحُو بِالنَّدَمِ جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ، ثُمَّ يُثْبِتُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حسنة.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 71 الى 77]
وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (72) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (74) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (75)
خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (76) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (77)
__________
1574- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- وكيع هو ابن الجراح، الأعمش هو سليمان بن مهران.
- وهو في «شرح السنة» 4256 بهذا الإسناد.
- وهو في «شمائل الترمذي» 229 عن أبي عمار بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 190 والترمذي 2596 وأحمد 5/ 170 وابن حبان 7375 وأبو عوانة 1/ 169- 170 وابن مندة في «الإيمان» 847- 849 من طرق عن الأعمش به.
(1) تصحف في المطبوع «يزيد» .
(2) تحرف في المطبوع «فريت» .
(3) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3/458)

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا فِي التَّوْبَةِ عَنْ غَيْرِ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِنَ الْقَتْلِ وَالزِّنَا، يَعْنِي مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ وَعَمِلَ صَالِحًا أَيْ: أَدَّى الْفَرَائِضَ مِمَّنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَزْنِ، فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، أَيْ يعود إليه بالموت مَتاباً، حَسَنًا يُفَضَّلُ بِهِ عَلَى غيره ممن قتل وزنا فَالتَّوْبَةُ الْأُولَى وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمَنْ تابَ رُجُوعٌ عَنِ الشِّرْكِ وَالثَّانِي رُجُوعٌ إِلَى اللَّهِ لِلْجَزَاءِ وَالْمُكَافَأَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا فِي التَّوْبَةِ عَنْ جَمِيعِ السَّيِّئَاتِ. وَمَعْنَاهُ: وَمَنْ أَرَادَ التَّوْبَةَ وَعَزَمَ عَلَيْهَا فَلْيَتُبْ لِوَجْهِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ: لِيَتُبْ [1] إِلَى اللَّهِ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ تَوْبَتَهُ وَمَصِيرَهُ إِلَى اللَّهِ.
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، قَالَ الضَّحَّاكُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: يَعْنِي الشِّرْكَ. وَقَالَ عَلِيُّ بن [أبي] [2] طَلْحَةَ: يَعْنِي شَهَادَةَ الزُّورِ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَجْلِدُ شَاهِدَ الزُّورِ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً وَيَسْخَمُ وَجْهَهُ وَيَطُوفُ بِهِ فِي السُّوقِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَعْنِي الْكَذِبَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي أَعْيَادَ الْمُشْرِكِينَ. وَقِيلَ النوح وقال قَتَادَةُ: لَا يُسَاعِدُونَ أَهْلَ الْبَاطِلِ عَلَى بَاطِلِهِمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحنفية لا يشهدون اللهو والغنا.
وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ. وَأَصْلُ الزُّورِ تَحْسِينُ الشَّيْءِ وَوَصْفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ، فَهُوَ تَمْوِيهُ الْبَاطِلِ بِمَا يُوهِمُ أَنَّهُ حَقٌّ، وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً، قَالَ مُقَاتِلٌ:
إِذَا سَمِعُوا مِنَ الْكُفَّارِ الشَّتْمَ وَالْأَذَى أَعْرَضُوا وَصَفَحُوا، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عن مجاهد. ونظيره قَوْلُهُ: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [الْقَصَصِ: 55] ، قَالَ السُّدِّيُّ: وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ. قَالَ الْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ: اللَّغْوُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا يَعْنِي إذا مروا بمجالس [3] اللَّهْوِ وَالْبَاطِلِ مَرُّوا كِرَامًا مُسْرِعِينَ مُعْرِضِينَ. يُقَالُ: تَكَّرَمَ فَلَانٌ عَمَّا يَشِينُهُ إِذَا تَنَزَّهَ وَأَكْرَمَ [4] نَفْسَهُ عَنْهُ.
وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا، لَمْ يَقَعُوا وَلَمْ يَسْقُطُوا، عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً، كَأَنَّهُمْ صُمٌّ عُمْيٌ بَلْ يَسْمَعُونَ مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ فَيَفْهَمُونَهُ وَيَرَوْنَ الْحَقَّ فِيهِ فَيَتَّبِعُونَهُ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: لَمْ يَتَغَافَلُوا عَنْهَا كَأَنَّهُمْ صُمٌّ لَمْ يَسْمَعُوهَا وَعُمْيٌ لَمْ يَرَوْهَا.
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا، قَرَأَ بِغَيْرِ ألف أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْأَلِفِ عَلَى الجمع، قُرَّةَ أَعْيُنٍ، يعني أَوْلَادًا أَبْرَارًا أَتْقِيَاءَ، يَقُولُونَ اجْعَلْهُمْ صَالِحِينَ فَتَقَرَّ أَعْيُنُنَا بِذَلِكَ.
قَالَ الْقُرَظِيُّ: لَيْسَ شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَرَى زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ مُطِيعِينَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَهُ [5] الْحَسَنُ، وَوَحَّدَ الْقُرَّةَ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ وَأَصْلُهَا مِنَ الْبَرْدِ [6] لِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَأَذَّى مِنَ الْحَرِّ وَتَسْتَرْوِحُ إِلَى الْبَرْدِ وَتُذْكَرُ قُرَّةُ الْعَيْنِ عِنْدَ السُّرُورِ وَسُخْنَةُ الْعَيْنِ عِنْدَ الْحُزْنِ، وَيُقَالُ: دَمْعُ الْعَيْنِ عِنْدَ السُّرُورِ بَارِدٌ، وَعِنْدَ الْحُزْنِ حَارٌّ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَعْنَى قُرَّةِ الْأَعْيُنِ أَنْ يُصَادِفَ قَلْبُهُ مَنْ يَرْضَاهُ فَتَقَرُّ عَيْنُهُ بِهِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِهِ.
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً، يعني أَئِمَّةً يَقْتَدُونَ فِي الْخَيْرِ بِنَا وَلَمْ يَقُلْ أَئِمَّةً. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
[الشُّعَرَاءِ: 16] ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَئِمَّةً كَقَوْلِهِ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء: 77] يعني أَعْدَاءٌ، وَيُقَالُ أَمِيرُنَا هَؤُلَاءِ أَيْ أُمَرَاؤُنَا وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ كَالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، يُقَالُ أَمَّ إِمَامًا كَمَا يُقَالُ قَامَ قِيَامًا وَصَامَ صِيَامًا. قال
__________
(1) في المخطوط «تب» .
(2) سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع «بمجلس» .
(4) في المطبوع «وأكره» .
(5) تصحف في المخطوط. «وقال» .
(6) في المطبوع «القر» .
(3/459)

الْحَسَنُ: نَقْتَدِي بِالْمُتَّقِينَ وَيَقْتَدِي بِنَا الْمُتَّقُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اجْعَلْنَا أَئِمَّةً هُدَاةً، كَمَا قَالَ: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: 73] ، وَلَا تَجْعَلْنَا أَئِمَّةَ ضَلَالَةٍ كَمَا قَالَ: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [الْقَصَصِ: 41] ، وَقِيلَ: هَذَا مِنَ الْمَقْلُوبِ [1] يَعْنِي وَاجْعَلِ الْمُتَّقِينَ لَنَا إِمَامًا وَاجْعَلْنَا مُؤْتَمِّينَ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ، يعني ينالون، الْغُرْفَةَ، يعني الدرجة الرفيعة في الجنة والغرفة كُلُّ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ عَالٍ وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ غُرَفَ الدُّرِّ وَالزَّبَرْجَدِ [وَالْيَاقُوتِ] [2] فِي الْجَنَّةِ، بِما صَبَرُوا، عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ. وَقِيلَ: عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ. وَقِيلَ: عَنِ الشَّهَوَاتِ وَيُلَقَّوْنَ فِيها، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ كَمَا قَالَ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مَرْيَمَ: 59] . وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ كَمَا قَالَ: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً [الْإِنْسَانِ: 11] ، وَقَوْلُهُ: تَحِيَّةً، أَيْ مُلْكًا وَقِيلَ بَقَاءً دَائِمًا، وَسَلاماً أَيْ: يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يُحَيِّي بَعْضُهُمْ [بَعْضًا] [3] بِالسَّلَامِ، وَيُرْسِلُ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ بِالسَّلَامِ. وَقِيلَ: سَلَامًا أَيْ سَلَامَةً مِنَ الْآفَاتِ.
خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (76) ، أَيْ: مَوْضِعَ قَرَارٍ وَإِقَامَةٍ.
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي، قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ: أَيْ مَا يَصْنَعُ وَمَا يَفْعَلُ بِكُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُقَالُ: مَا عَبَأْتُ بِهِ شَيْئًا أَيْ لَمْ أَعُدَّهُ، فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، مَجَازُهُ: أَيُّ وَزْنٍ وَأَيُّ مقدار لكم عنده، لَوْلا دُعاؤُكُمْ إِيَّاهُ، وَقِيلَ: لَوْلَا إِيمَانُكُمْ، وَقِيلَ: لَوْلَا عِبَادَتُكُمْ، وَقِيلَ: لَوْلَا دُعَاؤُهُ إِيَّاكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِذَا آمَنْتُمْ ظَهَرَ لَكُمْ قَدْرٌ. وَقَالَ قوم: معناه قُلْ مَا يَعْبَأُ بِخَلْقِكُمْ رَبِّي لَوْلَا عِبَادَتُكُمْ وَطَاعَتُكُمْ إِيَّاهُ يَعْنِي إِنَّهُ خَلَقَكُمْ لِعِبَادَتِهِ، كَمَا قَالَ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [الذَّارِيَاتِ: 56] . وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: قُلْ ما يعبأ [بكم ربي] [4] ما يبالي بمغفرتكم لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ مَعَهُ آلِهَةً، أَوْ مَا يَفْعَلُ بِعَذَابِكُمْ لَوْلَا شِرْكُكُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النِّسَاءِ: 147] وَقِيلَ: مَا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ إِيَّاهُ فِي الشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ [الْعَنْكَبُوتِ: 65] ، وَقَالَ: فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الْأَنْعَامِ: 42] . وَقِيلَ: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ، أيها يَقُولُ مَا خَلَقْتُكُمْ وَلِي إِلَيْكُمْ حَاجَةٌ إِلَّا أَنْ تَسْأَلُونِي فَأُعْطِيَكُمْ وَتَسْتَغْفِرُونِي فَأَغْفِرَ لَكُمْ. فَقَدْ كَذَّبْتُمْ، أَيُّهَا الْكَافِرُونَ يُخَاطِبُ أَهْلَ مَكَّةَ يَعْنِي إِنِ اللَّهَ دَعَاكُمْ بِالرَّسُولِ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ فَقَدْ كَذَّبْتُمُ الرَّسُولَ وَلَمْ تُجِيبُوهُ. فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً، هذا تهديد [5] لَهُمْ أَيْ يَكُونُ تَكْذِيبُكُمْ لِزَامًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَوْتًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هَلَاكًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قِتَالًا. وَالْمَعْنَى: يَكُونُ التَّكْذِيبُ لَازِمًا لِمَنْ كَذَّبَ فَلَا يُعْطَى التَّوْبَةَ حَتَّى يُجَازَى بِعَمَلِهِ. وَقَالَ ابن جريج [6] عذابا دائما وَهَلَاكًا مُقِيمًا يُلْحِقُ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ قَوْمٌ:
هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَأُسِرَ سَبْعُونَ. وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُجَاهِدٍ وَمُقَاتِلٍ، يَعْنِي أَنَّهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وَاتَّصَلَ بِهِمْ عذاب الآخرة لازما لهم.
__________
(1) في المطبوع «المقرب» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) في المطبوع «تهذيبه» .
(6) في المطبوع «جرير» .
(3/460)

طسم (1)
«1575» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [1] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ أَنَا أَبِي أَنَا الْأَعْمَشُ [حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ] [2] عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَمْسٌ قَدْ مضيق الدُّخَانُ وَالْقَمَرُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ، وقيل: الزام عذاب القبر [3] .

تفسير سُورَةُ الشُّعَرَاءِ
مَكِّيَّةٌ إِلَّا أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْ آخَرِ السُّورَةِ مِنْ قوله: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) [224- 227] [وهي مائتان وسبع وعشرون آية] [4] «1576» وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُعْطِيتُ طه وَالطَّوَاسِينَ مِنْ ألواح موسى عليه الصلاة والسلام» .

[سورة الشعراء (26) : الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2)
طسم (1) ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ طسم وطس [النمل: 1] وحم (1) [غافر: 1] ويس (1) [يس: 1] بِكَسْرِ الطَّاءِ وَالْيَاءِ وَالْحَاءِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَيْنَ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ عَلَى التفخيم، وأظهر النون من السين عِنْدَ الْمِيمِ فِي طسم أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ، وَأَخْفَاهَا الْآخَرُونَ.
وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طسم عَجَزَتِ الْعُلَمَاءُ عَنْ تفسيرها.
وروى علي بن طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَسَمٌ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْمٌ
__________
1575- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- الأعمش هو سليمان بن مهران، مسلم هو أبو الضحى واسمه صبيح، مسروق هو ابن الأجدع، عَبْدَ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
- وهو في «صحيح البخاري» 4767 عن عمر بن حفص بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4825 من طريق وكيع عن الأعمش به.
- وسيأتي في سورة الدخان.
1576- تقدم أول تفسير سورة طه برقم 1412، وهو ضعيف. [.....]
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع «الآخرة» .
(4) زيد في المطبوع.
(3/461)

لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)
مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اسْمٌ لِلسُّورَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وَسَنَائِهِ وَمُلْكِهِ.
تِلْكَ، أَيْ هَذِهِ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 3 الى 8]
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7)
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)
لَعَلَّكَ باخِعٌ، قَاتِلٌ، نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [أَيْ] [1] إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وَذَلِكَ حين كذب أهل مكة فشق عليه وَكَانَ يَحْرِصُ عَلَى إِيمَانِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4) ، قَالَ قَتَادَةُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً يَذِلُّونَ بِهَا فَلَا يَلْوِي أَحَدٌ مِنْهُمْ عُنُقَهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنَاهُ لَوْ شَاءَ اللَّهُ لِأَرَاهُمْ أَمْرًا مِنْ أَمْرِهِ لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَعْدَهُ مَعْصِيَةً. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: خاضِعِينَ وَلَمْ يَقُلْ خَاضِعَةً وَهِيَ صِفَةُ الْأَعْنَاقِ، وَفِيهِ أَقَاوِيلُ أَحُدُهَا أَرَادَ أَصْحَابَ الْأَعْنَاقِ فَحَذَفَ الْأَصْحَابَ وَأَقَامَ الْأَعْنَاقَ مَقَامَهُمْ، لِأَنَّ الْأَعْنَاقَ إِذَا خَضَعَتْ فَأَرْبَابُهَا خاضعون، جعل الْفِعْلَ أَوَّلًا لِلْأَعْنَاقِ ثُمَّ جَعَلَ خَاضِعِينَ لِلرِّجَالِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: رَدَّ الْخُضُوعَ عَلَى الْمُضْمَرِ الَّذِي أَضَافَ الْأَعْنَاقَ إِلَيْهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: ذَكَرَ الصِّفَةَ لِمُجَاوَرَتِهَا الْمُذَكَّرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَذْكِيرِ الْمُؤَنَّثِ إِذَا أَضَافُوهُ إِلَى مُذَكَّرٍ، وَتَأْنِيثِ الْمُذَكَّرِ إِذَا أَضَافُوهُ إِلَى مُؤَنَّثٍ. وَقِيلَ: أَرَادَ فَظَلُّوا خَاضِعِينَ فَعَبَّرَ [2] بِالْعُنُقِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، كَقَوْلِهِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ [الحج: 10] وأَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الْإِسْرَاءِ: 13] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ بِالْأَعْنَاقِ الرُّؤَسَاءَ وَالْكُبَرَاءَ، أي: فظلت [رؤساؤهم] [3] كبراؤهم [لها] خَاضِعِينَ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْأَعْنَاقِ الْجَمَاعَاتِ، يقال: جاء القوى عُنُقًا عُنُقًا أَيْ جَمَاعَاتٍ وَطَوَائِفَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ خَاضِعِينَ عَلَى وفاق رؤوس الْآَيِ لِيَكُونَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ.
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ، وَعْظٍ وَتَذْكِيرٍ، مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ، أَيْ مُحْدَثٍ إِنْزَالُهُ، فَهُوَ مُحْدَثٌ فِي التَّنْزِيلِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: كُلَّمَا نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ شَيْءٍ فَهُوَ أَحْدَثُ مِنَ الْأَوَّلِ، إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ، أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ.
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ، أي: فسوف يأتيهم، أنبأ، أَخْبَارُ وَعَوَاقِبُ، مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ، صِنْفٍ وَضَرْبٍ، كَرِيمٍ، حَسَنٍ مِنَ النَّبَاتِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ، يُقَالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ إِذَا طَابَ حَمْلُهَا، وَنَاقَةٌ كَرِيمَةٌ إِذَا كَثُرَ لَبَنُهَا. قَالَ الشَّعْبِيُّ: النَّاسُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ فَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَهُوَ كَرِيمٌ، وَمِنْ دَخَلَ النَّارَ فَهُوَ لَئِيمٌ.
إِنَّ فِي ذلِكَ، الَّذِي ذَكَرْتُ، لَآيَةً، دَلَالَةً عَلَى وُجُودِي وَتَوْحِيدِي وَكَمَالِ قُدْرَتِي، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، مُصَدِّقِينَ أَيْ سَبْقَ عِلْمِي فِيهِمْ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: كَانَ هَاهُنَا صِلَةٌ مَجَازُهُ: وَمَا أَكْثَرُهُمْ مؤمنين.
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) تصحف في المطبوع «فعبروا» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/462)

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)
[سورة الشعراء (26) : الآيات 9 الى 17]
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (13)
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (17)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ، الْعَزِيزُ بِالنِّقْمَةِ مِنْ أَعْدَائِهِ، الرَّحِيمُ، ذُو الرَّحْمَةِ بِأَوْلِيَائِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسى، وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى حِينَ رَأَى الشَّجَرَةَ وَالنَّارَ، أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يَعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَظَلَمُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِاسْتِعْبَادِهِمْ وَسَوْمِهِمْ سُوءَ الْعَذَابِ.
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) ، أَلَّا يَصْرِفُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطَاعَتِهِ.
قالَ، يَعْنِي مُوسَى، رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ.
وَيَضِيقُ صَدْرِي بتكذيبهم إِيَّايَ، وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي، قَالَ: هَذَا لِلْعُقْدَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى لِسَانِهِ، قَرَأَ يَعْقُوبُ «وَيَضِيقَ» ، «وَلَا يَنْطَلِقَ» بِنَصْبِ الْقَافَيْنِ عَلَى مَعْنَى وَأَنْ يَضِيقَ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِرَفْعِهِمَا رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ:
إِنِّي أَخافُ، فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ، ليوازرني وَيُظَاهِرَنِي عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ.
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ، أَيْ دَعْوَى ذَنْبٍ [1] ، وهو قتل [2] الْقِبْطِيَّ، فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ، أَيْ يَقْتُلُونَنِي بِهِ.
قالَ، اللَّهُ تَعَالَى، كَلَّا، أَيْ لَنْ يَقْتُلُوكَ، فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ، سَامِعُونَ مَا يَقُولُونَ، ذَكَرَ مَعَكُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَهُمَا اثْنَانِ أَجْرَاهُمَا مَجْرَى الْجَمَاعَةِ. وَقِيلَ: أَرَادَ مَعَكُمَا وَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَسْمَعُ مَا يُجِيبُكُمْ فرعون.
ْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
(16) ، وَلَمْ يَقُلْ رَسُولَا رَبِّ العالمين لأنه أراد بالرسالة أَنَا ذُو رِسَالَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا قَالَ كُثَيِّرٌ:
لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ [3] ولا أرسلتهم برسول
أي: برسالة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنَى الِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: هَذَا رَسُولِي وَوَكِيلِي وَهَذَانِ وَهَؤُلَاءِ رَسُولِي وَوَكِيلِي، كَمَا قال الله تعالى: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ [يس: 60] [وقيل إنه أراد الرسل] [4] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَنْ أَرْسِلْ، أَيْ بِأَنْ أَرْسِلْ، مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ، أي إلى فلسطين، ولا تستعبدهم، وقيل [5] استعبدهم فرعون أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانُوا فِي ذَلِكَ الوقت ستمائة ألف وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَانْطَلَقَ مُوسَى إِلَى مِصْرَ وَهَارُونُ بِهَا فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ.
__________
(1) زيد في المطبوع «أي دعوى ذنب» .
(2) في المطبوع «قتله» .
(3) في المخطوط «بشرّ» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) في المطبوع «وكان» .
(3/463)

قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)
وَفِي الْقِصَّةِ أَنْ مُوسَى رَجَعَ إِلَى مِصْرَ وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وفي يده العصى وَالْمِكْتَلُ مُعَلَّقٌ فِي رَأْسِ الْعَصَا، وَفِيهِ زَادُهُ فَدَخَلَ دَارَ نَفْسِهِ وَأَخْبَرَ هَارُونَ بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إلى فرعون وأرسلني إليك حتى تَدْعُو فِرْعَوْنَ إِلَى اللَّهِ، فَخَرَجَتْ أُمُّهُمَا وَصَاحَتْ وَقَالَتْ: إِنَّ فِرْعَوْنَ يَطْلُبُكَ لِيَقْتُلَكَ فَلَوْ ذَهَبْتُمَا إِلَيْهِ قتلكما فلم يمتنعا بقولها [1] ، وَذَهَبَا إِلَى بَابِ فِرْعَوْنَ لَيْلًا ودق الْبَابَ فَفَزِعَ الْبَوَّابُونَ وَقَالُوا مَنْ بِالْبَابِ؟ وَرُوِيَ أَنَّهُ اطَّلَعَ الْبَوَّابُ عَلَيْهِمَا فَقَالَ مَنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ مُوسَى: أَنَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَذَهَبَ الْبَوَّابُ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَالَ: إِنَّ مَجْنُونًا بِالْبَابِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ رسول رب العالمين، فنزل حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ دَعَاهُمَا.
وَرُوِيَ أَنَّهُمَا انْطَلَقَا جَمِيعًا إِلَى فِرْعَوْنَ فلم يؤذن لهم سَنَةً فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ، فَدَخْلَ البواب وقال لِفِرْعَوْنَ هَاهُنَا إِنْسَانٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنَا نَضْحَكُ مِنْهُ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ وَأَدَّيَا رِسَالَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَعَرَفَ فِرْعَوْنُ مُوسَى لأنه نشأ في بيته.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 18 الى 22]
قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22)
قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً، صَبِيًّا، وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَهُوَ ثَلَاثُونَ سَنَةً.
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ، يَعْنِي قَتْلَ الْقِبْطِيِّ، وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ، قَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ:
يَعْنِي وَأَنْتَ مِنَ الكافرين بإلهك، ومعناه: عَلَى دِينِنَا هَذَا الَّذِي تَعِيبُهُ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَى قَوْلِهِ وأنت من الكافرين يعني مِنَ الْجَاحِدِينَ لِنِعْمَتِي وَحَقِّ تَرْبِيَتِي، يَقُولُ رَبَّيْنَاكَ فِينَا فَكَافَأْتَنَا أَنْ قَتَلْتَ مِنَّا نَفْسًا وَكَفَرْتَ بِنِعْمَتِنَا. وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [وَقَالَ] [2] إِنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا الْكُفْرُ بِالرُّبُوبِيَّةِ.
قالَ، مُوسَى، فَعَلْتُها إِذاً، أَيْ فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ حِينَئِذٍ، وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ، أَيْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [أَيْ] لَمْ يَأْتِنِي [3] مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ. وَقِيلَ: مِنَ الْجَاهِلِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى قَتْلِهِ. وَقِيلَ: مِنَ الضَّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ. وَقِيلَ: مِنَ الْمُخْطِئِينَ.
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ، إِلَى مَدْيَنَ، فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً، يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْعِلْمَ وَالْفَهْمَ، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ، اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا فَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِقْرَارِ وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْإِنْكَارِ، فَمَنْ قَالَ هُوَ إِقْرَارٌ قَالَ عَدَّهَا مُوسَى نِعْمَةً مِنْهُ عَلَيْهِ حَيْثُ رَبَّاهُ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ كَمَا قَتَلَ سَائِرَ غِلْمَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَسْتَعْبِدْهُ كَمَا اسْتَعْبَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مجازه: بلى وتلك نعمة لك عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتَرَكْتَنِي فَلَمْ تَسْتَعْبِدْنِي. وَمَنْ قَالَ: هُوَ إِنْكَارٌ قَالَ قَوْلُهُ: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ وهو على طريق الاستفهام أي: أو تلك نِعْمَةٌ؟ حُذِفَ أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ، كَقَوْلِهِ: فَهُمُ الْخالِدُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 34] قَالَ الشَّاعِرُ:
تَرُوحُ من الحي، أم تتبكر ... وَمَاذَا يَضُرُّكَ لَوْ تَنْتَظِرْ
أَيْ: تروح من الحي، وقال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
لَمْ أَنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وِقْفَتَهَا ... وَطَرْفُهَا فِي دُمُوعِهَا غرق
__________
(1) في المطبوع «لقولها» .
(2) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3) في المطبوع «يأت» .
(3/464)

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23)
وَقَوْلُهَا وَالرِّكَابُ وَاقِفَةٌ ... تَتْرُكُنِي هَكَذَا وَتَنْطَلِقُ
أَيْ: أَتَتْرُكُنِي، يَقُولُ تَمُنُّ عَلَيَّ أَنْ رَبَّيْتَنِي وَتَنْسَى جِنَايَتَكَ على بني إسرائيل بالاستبعاد وَالْمُعَامَلَاتِ الْقَبِيحَةِ؟ أَوْ يُرِيدُ: كَيْفَ تمنّ عليّ بالتربية وقد استبعدت قَوْمِي، وَمَنْ أُهِينَ قَوْمُهُ ذُلَّ، فَتَعْبِيدُكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَحْبَطَ إِحْسَانَكَ إِلَيَّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَمُنُّ عَلَيَّ بِالتَّرْبِيَةِ. وَقَوْلُهُ: أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ أَيْ: بِاسْتِعْبَادِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَتْلِكَ أَوْلَادَهُمْ، دُفِعْتُ إِلَيْكَ حَتَّى رَبَّيْتَنِي وَكَفَلْتَنِي وَلَوْ لَمْ تَسْتَعْبِدْهُمْ وَتَقْتُلْهُمْ كَانَ لِي مِنْ أهل مَنْ يُرَبِّينِي وَلَمْ يُلْقُونِي فِي الْيَمِّ، فَأَيُّ نِعْمَةٍ لَكَ عَلَيَّ؟ قَوْلُهُ عَبَّدْتَ أَيْ اتَّخَذْتَهُمْ عَبِيدًا، يُقَالُ عَبَّدْتُ فُلَانًا وَأَعْبَدْتُهُ وَتَعَبَّدْتُهُ واستعبدته، أي اتخذته عبدا.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 23 الى 33]
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32)
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33)
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) ، يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُهُ إِلَيَّ يَسْتَوْصِفُهُ إلهه الذي أرسله إليه مما هو [وَهُوَ] [1] سُؤَالٌ عَنْ جِنْسِ الشَّيْءِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِنْسِيَّةِ، فَأَجَابَهُ موسى عليه السلام يذكر أفعاله التي يعجز [الخلق] [2] عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا:
قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) ، أنه خلقها [3] . قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: أَيْ كَمَا تُوقِنُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُعَايِنُونَهَا فَأَيْقِنُوا أَنَّ إِلَهَ الْخَلْقِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا قَالَ مُوسَى ذَلِكَ تَحَيَّرَ فِرْعَوْنُ فِي جَوَابِ مُوسَى.
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ، مِنْ أَشْرَافِ قَوْمِهِ. قَالَ ابْنُ عباس: كانوا خمس مائة رَجُلٍ عَلَيْهِمُ الْأَسْوِرَةُ، قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ اسْتِبْعَادًا لِقَوْلِ مُوسَى، أَلا تَسْتَمِعُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ آلِهَتَهُمْ مُلُوكُهُمْ، فَزَادَهُمْ مُوسَى فِي الْبَيَانِ.
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) .
قالَ، يَعْنِي فِرْعَوْنَ، إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَا نَعْقِلُهُ وَلَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ مَا يَعْتَقِدُونَ لَيْسَ بِعَاقِلٍ، فَزَادَ مُوسَى فِي الْبَيَانِ:
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) .
قالَ، فِرْعَوْنُ حِينَ لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ وَانْقَطَعَ عَنِ الْجَوَابِ تَكَبُّرًا عَنِ الْحَقِّ.
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، أي: الْمَحْبُوسِينَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ سِجْنُهُ أَشَدَّ مِنَ الْقَتْلِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الرَّجُلَ فَيَطْرَحُهُ فِي مَكَانٍ وَحْدَهُ فَرْدًا لَا يَسْمَعُ وَلَا يبصر فيه شيئا من عمقه، يهوي [به] [4] في الأرض.
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «إنه خلقهما» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/465)

قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34)
قالَ لَهُ مُوسَى حِينَ تَوَعَّدَهُ بِالسِّجْنِ أَوَلَوْ جِئْتُكَ أَيْ: وَإِنْ جئتك، بِشَيْءٍ مُبِينٍ، بِآيَةٍ مُبِينَةٍ، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَتَفْعَلُ ذَلِكَ وَإِنْ أَتَيْتُكَ بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُوسَى لِأَنَّ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ السُّكُونَ إِلَى الْإِنْصَافِ وَالْإِجَابَةَ إِلَى الْحَقِّ بعد البيان.
قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ، فَأْتِ بِهِ، فَإِنَّا لَنْ نَسْجُنَكَ حِينَئِذٍ، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32) ، فَقَالَ [له] [1] وهل [عندك من آية] [2] غَيَّرَهَا، وَنَزَعَ، مُوسَى، يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 34 الى 41]
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (35) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38)
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (40) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (41)
قالَ فِرْعَوْنُ. لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ.
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (35) .
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36) .
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) .
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) ، وَهُوَ يَوْمُ الزِّينَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَافَقَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ السَّبْتِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ [وكان يوم عيدهم] [3] وَهُوَ يَوْمُ النَّيْرُوزِ.
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) ، لِتَنْظُرُوا إِلَى مَا يَفْعَلُ الْفَرِيقَانِ وَلِمَنْ تَكُونُ الغلبة.
لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (40) ، لِمُوسَى، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ، وَأَرَادُوا بِالسَّحَرَةِ مُوسَى وَهَارُونَ وَقَوْمَهُمَا.
فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (41) .

[سورة الشعراء (26) : الآيات 42 الى 50]
قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (44) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46)
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (48) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (50)
قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) .
قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) .
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/466)

إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)
فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (44) .
فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) .
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47) .
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (48) .
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) .
قالُوا لَا ضَيْرَ، لَا ضَرَرَ، إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 51 الى 61]
إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (53) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (55)
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (58) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60)
فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)
إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا.
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) ، يَتْبَعُكُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ لِيَحُولُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى أَنِ اجْمَعْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كل أهل أربعة أَبْيَاتٍ فِي بَيْتٍ ثُمَّ اذْبَحُوا أَوْلَادَ الضَّأْنِ فَاضْرِبُوا بِدِمَائِهَا [1] عَلَى أَبْوَابِكُمْ، فَإِنِّي سَآمُرُ الْمَلَائِكَةَ فَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا عَلَى بَابِهِ دَمٌ، وَسَآمُرُهَا فَتَقْتُلُ أَبْكَارَ آلِ فِرْعَوْنَ من أنفسهم وأموالهم، ثم اختبزوا خُبْزًا فَطِيرًا فَإِنَّهُ أَسْرَعُ لَكُمْ ثُمَّ أَسْرِ بِعِبَادِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْبَحْرِ، فَيَأْتِيَكَ أَمْرِي فَفَعَلَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ فِرْعَوْنُ هَذَا عَمَلُ مُوسَى وَقَوْمِهِ قَتَلُوا أَبْكَارَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا وَأَخَذُوا أَمْوَالَنَا فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِ أَلْفَ أَلْفٍ وَخَمْسَمِائَةِ أَلْفِ مَلِكٍ مُسَوَّرٍ مَعَ كُلِّ مَلِكٍ أَلْفٌ [2] ، وَخَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي الْكُرْسِيِّ الْعَظِيمِ.
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (53) ، يَحْشُرُونَ النَّاسَ يَعْنِي الشُّرَطَ لِيَجْمَعُوا السَّحَرَةَ. وَقِيلَ: حَتَّى يَجْمَعُوا لَهُ الْجَيْشَ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَلْفُ مدينة واثنا عشر أَلْفَ قَرْيَةٍ. وَقَالَ لَهُمْ:
إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ، عِصَابَةٌ قَلِيلُونَ [3] ، وَالشِّرْذِمَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ النَّاسِ غَيْرِ الْكَثِيرِ، وجمعها شراذم.
وقال أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَتِ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهُمْ فِرْعَوْنُ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ [4] . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانُوا سِتَّمِائَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا وَلَا يُحْصَى عَدَدُ أصحاب فرعون [إلا الله] [5] .
__________
(1) في المخطوط «بدمائهم» .
(2) هذه أرقام خيالية من مجازفات الإسرائيليين.
(3) زيد في المخطوط.- ب- «قيل» .
(4) هذه أرقام خيالية، ولو كان مع رسول الله موسى مثل هذا العدد لما فرّ أمام فرعون.
(5) زيادة عن المخطوط.
(3/467)

قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)
وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (55) ، يُقَالُ غَاظَهُ وَأَغَاظَهُ وَغَيَّظَهُ إِذَا أَغْضَبَهُ، وَالْغَيْظُ وَالْغَضَبُ وَاحِدٌ، يَقُولُ:
أَغْضَبُونَا بِمُخَالَفَتِهِمْ دِينَنَا وَقَتْلِهِمْ أَبْكَارَنَا وَذَهَابِهِمْ بِأَمْوَالِنَا الَّتِي اسْتَعَارُوهَا، وَخُرُوجِهِمْ مِنْ أَرْضِنَا بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنَّا.
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (56) ، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ «حذرون» و «فرهين» [الشعراء: 149] بِغَيْرِ أَلِفٍ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «حَاذِرُونَ» و «فارهين» بألف فيهما، وهما لغتان. قال أَهْلُ التَّفْسِيرِ: حَاذِرُونَ، أَيْ مُؤْدُونَ ومقوون، أي: ذو أَدَاةٍ وَقُوَّةٍ مُسْتَعِدُّونَ شَاكُونَ فِي السلاح، ومعنى حذرون أَيْ خَائِفُونَ شَرَّهُمْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الحاذر المستعد، والحذر المستيقظ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْحَاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآن، والحذر الْمُخَوِّفُ.
وَكَذَلِكَ لَا تَلْقَاهُ إِلَّا حَذِرًا. وَالْحَذَرُ اجْتِنَابُ الشَّيْءِ خَوْفًا مِنْهُ.
فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ، وَفِي القصة [أن] [1] الْبَسَاتِينُ كَانَتْ مُمْتَدَّةً عَلَى حَافَّتَيِ النِّيلِ، وَعُيُونٍ، أَنْهَارٍ جَارِيَةٍ.
وَكُنُوزٍ، يَعْنِي الْأَمْوَالَ الظَّاهِرَةَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَالَ مُجَاهِدٌ سَمَّاهَا كُنُوزًا لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ حَقَّ اللَّهِ مِنْهَا وَمَا لَمْ يُعْطَ حَقُّ الله منها فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا قِيلَ كَانَ لِفِرْعَوْنَ ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ غُلَامٍ كُلُّ غُلَامٍ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي عُنُقِ كُلِّ فَرَسٍ طَوْقٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَقامٍ كَرِيمٍ، أَيْ مَجْلِسٍ حَسَنٍ.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَرَادَ مَجَالِسَ الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَحُفُّهَا الْأَتْبَاعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ الْمَنَابِرُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا قعد [فرعون] [2] عَلَى سَرِيرِهِ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَمِائَةِ كُرْسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ يَجْلِسُ عَلَيْهَا الْأَشْرَافُ عَلَيْهِمُ الْأَقْبِيَةُ مِنَ الديباج مخوصة بالذهب.
كَذلِكَ [أي] [3] كَمَا وَصَفْنَا، وَأَوْرَثْناها، بِهَلَاكِهِمْ، بَنِي إِسْرائِيلَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَدَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ مَا أَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فَأَعْطَاهُمْ جَمِيعَ مَا كَانَ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْمَسَاكِنِ.
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) ، يعني لَحِقُوهُمْ فِي وَقْتِ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، وَهُوَ إِضَاءَتُهَا أَيْ أَدْرَكَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ مُوسَى وَأَصْحَابَهُ وَقْتَ شُرُوقِ الشمس.
فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ، يعني تَقَابَلَا بِحَيْثُ يَرَى كُلُّ فَرِيقٍ صَاحِبَهُ، وَكَسَرَ حَمْزَةُ الرَّاءَ مِنْ تَرَاءَى وَفَتَحَهَا الْآخَرُونَ. قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، يعني سَيُدْرِكُنَا قَوْمُ فِرْعَوْنَ وَلَا طَاقَةَ لنا بهم.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 62 الى 70]
قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66)
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (69) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (70)
قالَ، مُوسَى ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ إِيَّاهُ كَلَّا لَنْ يُدْرِكُونَا، إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ، يَدُلُّنِي عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ.
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ، يعني فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ فَانْشَقَّ، فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ، قِطْعَةٌ مِنَ الْمَاءِ، كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، كَالْجَبَلِ الضَّخْمِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: لَمَّا انْتَهَى مُوسَى إلى البحر
__________
(1) زيادة عن المخطوط. [.....]
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/468)

قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71)
هَاجَتِ الرِّيحُ وَالْبَحْرُ يَرْمِي بِمَوْجٍ مِثْلِ الْجِبَالِ، فَقَالَ يُوشَعُ: يَا مُكَلِّمَ اللَّهِ أَيْنَ أُمِرْتَ فَقَدْ غَشِيَنَا فِرْعَوْنُ وَالْبَحْرُ أَمَامَنَا؟ قَالَ مُوسَى: هَاهُنَا فَخَاضَ يُوشَعُ الْمَاءَ وَجَازَ [1] الْبَحْرَ مَا يُوَارِي حَافِرَ دَابَّتِهِ الْمَاءُ وَقَالَ الَّذِي يَكْتُمُ إِيمَانَهُ يَا مُكَلِّمَ اللَّهِ أَيْنَ أُمِرْتَ؟ قَالَ: هَاهُنَا فَكَبَحَ فَرَسَهُ بِلِجَامِهِ حَتَّى طَارَ الزَّبَدُ مِنْ شِدْقَيْهِ، ثُمَّ أُقْحَمَهُ الْبَحْرُ فَارْتَسَبَ فِي الْمَاءِ وَذَهَبَ الْقَوْمُ يَصْنَعُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا فَجَعَلَ مُوسَى لَا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ فَإِذَا الرَّجُلُ وَاقِفٌ عَلَى فَرَسِهِ لَمْ يَبْتَلَّ سَرْجُهُ وَلَا لِبْدُهُ.
وَأَزْلَفْنا، يَعْنِي وَقَرَّبْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، يَعْنِي قَوْمَ فِرْعَوْنَ يَقُولُ قَدَّمْنَاهُمْ إِلَى الْبَحْرِ وَقَرَّبْنَاهُمْ إِلَى الْهَلَاكِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَأَزْلَفْنَا: جَمَعْنَا، وَمِنْهُ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ أَيْ لَيْلَةُ الْجَمْعِ. وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ بين بني إسرائيل وبين قوم فِرْعَوْنَ وَكَانَ يَسُوقُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَقُولُونَ مَا رَأَيْنَا أَحْسَنَ سِيَاقَةً مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَكَانَ يَزَعُ قَوْمَ فِرْعَوْنَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ مَا رَأَيْنَا أَحْسَنَ زَعَةً [2] مِنْ هَذَا.
وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) .
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) ، فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ الْبَحْرُ سَاكِنًا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا ضَرَبَهُ مُوسَى بِالْعَصَا اضْطَرَبَ فَجَعَلَ يَمُدُّ وَيَجْزُرُ [3] .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، أَيْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، قِيلَ: لَمْ يَكُنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وحزقيل المؤمن [الذي يكتم إيمانه] [4] ، ومريم بنت مأمويا الَّتِي دَلَّتْ عَلَى عِظَامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) ، الْعَزِيزُ فِي الِانْتِقَامِ من أدائه، الرحيم بالمؤمنين حين أنجاهم [من عدوهم] [5] .
قَوْلُهُ: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ.
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) ، أي: شيء تعبدون.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 71 الى 81]
قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75)
أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)
قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) ، يعني نُقِيمُ عَلَى عِبَادَتِهَا. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّمَا قَالَ:
فَنَظَلُّ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا بِالنَّهَارِ، دُونَ اللَّيْلِ، يُقَالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا إذا فعل بالنهار.
__________
(1) في المخطوط «وجاوز» .
(2) في المطبوع «رعة» .
(3) تصحف في المخطوط «وخور» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(3/469)

وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ، أَيْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعَاءَكُمْ، إِذْ تَدْعُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْمَعُونَ لَكُمْ.
أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ، قِيلَ بِالرِّزْقِ، أَوْ يَضُرُّونَ، إِنْ تَرَكْتُمْ عِبَادَتَهَا.
قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) ، مَعْنَاهُ إِنَّهَا لَا تَسْمَعُ قَوْلًا وَلَا تَجْلِبُ نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ ضَرًّا لَكِنِ اقْتَدَيْنَا بِآبَائِنَا، فِيهِ إِبْطَالُ التَّقْلِيدِ فِي الدِّينِ.
قالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) ، الْأَوَّلُونَ.
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي، يعني أعدائي وَوَحَّدَهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ لَكُمْ عَدُوٌّ لِي، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ وَصَفَ الْأَصْنَامَ بِالْعَدَاوَةِ وَهِيَ جَمَادَاتٌ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي لَوْ عَبَدْتُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مَرْيَمَ: 82] ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مِنَ الْمَقْلُوبِ أراد فإنهم عَدُوٌّ لَهُمْ [1] لِأَنَّ مَنْ عَادَيْتَهُ فَقَدْ عَادَاكَ. وَقِيلَ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي عَلَى مَعْنَى إِنِّي لَا أتوهم وَلَا أَطْلُبُ مِنْ جِهَتِهِمْ نَفْعًا كَمَا لَا يُتَوَلَّى الْعَدُوُّ وَلَا يُطْلَبُ مِنْ جِهَتِهِ النَّفْعُ، قَوْلُهُ: إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ، اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، قِيلَ:
هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي لَكِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَلِيِّي [وناصري] [2] . وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ مَعَ اللَّهِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كُلُّ مَنْ تَعْبُدُونَ أَعْدَائِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ غَيْرُ مَعْبُودٍ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَإِنِّي أَعْبُدُهُ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: مَعْنَاهُ إِلَّا مَنْ عَبَدَ [3] رَبَّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ وَصَفَ مَعْبُودَهُ فَقَالَ:
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، أَيْ يُرْشِدُنِي إِلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ.
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) ، أَيْ يَرْزُقُنِي ويغذني بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَهُوَ رَازِقِي وَمِنْ عنده رزقي.
وَإِذا مَرِضْتُ، أَضَافَ الْمَرَضَ إِلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ وَالشِّفَاءُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ، اسْتِعْمَالًا لِحُسْنِ الْأَدَبِ كَمَا قَالَ الْخَضِرُ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [الْكَهْفِ: 79] ، وَقَالَ: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما [الْكَهْفِ: 82] . فَهُوَ يَشْفِينِ، أَيْ يُبْرِئُنِي مِنَ الْمَرَضِ.
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) ، أَدْخَلَ ثُمَّ هَاهُنَا لِلتَّرَاخِي أَيْ يُمِيتُنِي فِي الدُّنْيَا وَيُحْيِينِي فِي الآخرة.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 82 الى 91]
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86)
وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91)
وَالَّذِي أَطْمَعُ، [أَيْ] [4] أَرْجُو، أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، أَيْ خَطَايَايَ يَوْمَ الْحِسَابِ. قَالَ
__________
(1) في المخطوط «لي» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «عند» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/470)

مُجَاهِدٌ: هُوَ قَوْلُهُ إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء: 63] ، وَقَوْلُهُ لِسَارَّةَ: هَذِهِ أُخْتِي، وَزَادَ الْحَسَنُ وَقَوْلُهُ لِلْكَوَاكِبِ: هَذَا رَبِّي [الأنعام: 77] .
«1577» وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شيبة ثنا حَفْصٌ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» [1] .
وَهَذَا كُلُّهُ احْتِجَاجٌ مَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ وَإِخْبَارٌ أَنَّهُ لا تصلح الإلهية إلا لمن يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ.
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْرِفَةُ حُدُودِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْفَهْمُ وَالْعِلْمُ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: النُّبُوَّةُ، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، بِمَنْ قَبْلِي مِنَ النَّبِيِّينَ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالدَّرَجَةِ.
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) ، أَيْ ثَنَاءً حَسَنًا وَذِكْرًا جَمِيلًا وَقَبُولًا عَامًّا فِي الْأُمَمِ الَّتِي تَجِيءُ بَعْدِي، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ فَجُعِلَ كُلُّ أَهْلِ الْأَدْيَانِ يتولونه ويثنون عليه [خيرا ويؤمنون به] [2] . قَالَ الْقُتَيْبِيُّ:
وُضِعَ اللِّسَانُ مَوْضِعَ الْقَوْلِ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ الْقَوْلَ يَكُونُ بِهِ.
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) ، أَيْ مِمَّنْ تُعْطِيهِ جَنَّةَ النَّعِيمِ.
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) ، قال هَذَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أنه عدو الله [3] ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ التوبة.
وَلا تُخْزِنِي [أي] [4] لَا تَفْضَحْنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ.
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ، أَيْ خَالِصٌ مِنَ الشِّرْكِ وَالشَّكِّ فَأَمَّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ المفسرين وقال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ قَلْبَ الْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ مَرِيضٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة:
10] قال أبو [5] عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ: هُوَ الْقَلْبُ الْخَالِي مِنَ الْبِدْعَةِ الْمُطْمَئِنُّ عَلَى السُّنَّةِ.
وَأُزْلِفَتِ قَرَّبَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ، أظهرت، الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، للكافرين.
__________
1577- إسناده صحيح على شرط البخاري، ومسلم.
- ابن أبي شيبة، هو محمد بن عبد الله، داود هو وابن أبي هند، واسمه دينار، الشعبي هو عامر بن شراحيل، مسروق هو ابن الأجدع.
- وهو في «صحيح مُسْلِمٌ» 214 عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة بهذا الإسناد.
- وكذا أخرجه ابن حبان 331 من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ به.
- وأخرجه مسلم 214 وأحمد 6/ 93 وأبو عوانة 1/ 100 من طريق داود بن أبي هند به.
- وأخرجه ابن حبان 330 وأبو عوانة 1/ 100 من طريق الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ به.
(1) وهذا الحديث يعارض قول من قال إن العرب قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كانوا أهل فترة، وأهل الفترة ناجون؟!!.
(2) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3) في المطبوع «الله» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) في المطبوع «ابن» .
(3/471)

وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92)
[سورة الشعراء (26) : الآيات 92 الى 102]
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96)
تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)
فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102)
وَقِيلَ لَهُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ، يَمْنَعُونَكُمْ مِنَ الْعَذَابِ، أَوْ يَنْتَصِرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ.
فَكُبْكِبُوا فِيها، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جُمِعُوا. وقال مجاهد: دهورا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قُذِفُوا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: طُرِحَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ القتيبي: ألقوا على رؤوسهم. هُمْ وَالْغاوُونَ، يَعْنِي الشَّيَاطِينَ، قَالَ قتادة ومقاتل والكلبي: كَفَرَةُ الْجِنِّ.
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) ، وَهُمْ أَتْبَاعُهُ وَمَنْ أَطَاعَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. وَيُقَالُ: ذُرِّيَّتُهُ.
قالُوا أَيْ: قَالَ الْغَاوُونَ لِلشَّيَاطِينِ وَالْمَعْبُودِينَ، وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ، مَعَ الْمَعْبُودِينَ وَيُجَادِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) .
إِذْ نُسَوِّيكُمْ، نَعْدِلُكُمْ، بِرَبِّ الْعالَمِينَ، فَنَعْبُدُكُمْ.
وَما أَضَلَّنا أَيْ: مَا دَعَانَا إِلَى الضَّلَالِ، إِلَّا الْمُجْرِمُونَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الشَّيَاطِينَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الأولون الَّذِينَ اقْتَدَيْنَا بِهِمْ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةُ. يَعْنِي إِبْلِيسَ وَابْنَ آدَمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ قَابِيلُ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ، وَأَنْوَاعَ الْمَعَاصِي.
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) ، أَيْ: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ.
وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) ، أَيْ قَرِيبٍ يَشْفَعُ لَنَا بقوله الْكُفَّارُ حِينَ تُشَفَّعُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَالصَّدِيقُ هُوَ الصَّادِقُ فِي الْمَوَدَّةِ بِشَرْطِ الدِّينِ.
«1578» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بن فنجويه ثنا محمد بن الحسن اليقطي [1] أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [بن] [2] يزيد العقيلي ثنا صفوان بن صالح ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثَنَا مَنْ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنِ الرَّجُلَ لَيَقُولُ فِي الْجَنَّةِ مَا فَعَلَ صَدِيقِي فَلَانٌ، وَصَدِيقُهُ فِي الْجَحِيمِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا لَهُ صَدِيقَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، فيقول من بقي [في النار] [3] : فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صديق حميم» .
__________
1578- إسناده ضعيف جدا الوليد بن مسلم يدلس عن كذابين، وهاهنا شيخه لم يسمّ، والمتن منكر، وباقي الإسناد ثقات.
- أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 3/ 357 من طريق محمد بن الحسن بهذا الإسناد.
(1) تصحف في المطبوع «اليقطيني» .
(2) سقط من المطبوع.
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/472)

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103)
قَالَ الْحَسَنُ: اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْأَصْدِقَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ لَهُمْ شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً، أَيْ: رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا، فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 103 الى 118]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107)
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (112)
إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117)
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118)
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُغَالَبُ، فَاللَّهُ عَزِيزٌ وَهُوَ فِي وَصْفِ عِزَّتِهِ رَحِيمٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) ، قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ:
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) وكَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) [الشعراء: 123] وكَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) [الشعراء: 141] ، وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ وَاحِدٌ؟ قَالَ: إِنِ الْآخَرَ جَاءَ بِمَا جاء به الْأَوَّلُ، فَإِذَا كَذَّبُوا وَاحِدًا فَقَدْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَجْمَعِينَ.
إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ. فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ. نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ.
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) ، عَلَى الْوَحْيِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ، بِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَطِيعُونِ، فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الإيمان والتوحيد.
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ، ثَوَابِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ بِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَأَطِيعُونِ.
قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) ، قَرَأَ يَعْقُوبُ: «وَأَتْبَاعُكَ الْأَرْذَلُونَ» السَّفَلَةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الصَّاغَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْحَاكَةُ وَالْأَسَاكِفَةُ.
قالَ، نُوحٌ، وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أَيْ مَا أَعْلَمُ أَعْمَالَهُمْ وَصَنَائِعَهُمْ، وَلَيْسَ عَلَيَّ مِنْ دَنَاءَةِ مَكَاسِبِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ شَيْءٌ إِنَّمَا كُلِّفْتُ أَنْ أَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ وَلِي مِنْهُمْ ظَاهِرُ أَمْرِهِمْ.
إِنْ حِسابُهُمْ، مَا حِسَابُهُمْ، إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ، لَوْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَا عِبْتُمُوهُمْ بِصَنَائِعِهِمْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الصِّنَاعَاتُ لَا تَضُرُّ فِي [1] الدِّيَانَاتِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَيْ لَمْ أَعْلَمْ أن الله يهديكم وَيُضِلُّكُمْ وَيُوَفِّقُهُمْ وَيَخْذُلُكُمْ.
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) .
قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ، عَمَّا تَقُولُ: لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ، قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: مِنَ الْمَقْتُولِينَ بِالْحِجَارَةِ. وَقَالَ الضحاك: من المشتومين.
__________
(1) في المخطوط. «ب» بدل «في» .
(3/473)

فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119)
قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ، فَاحْكُمْ، بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً، حُكْمًا، وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 119 الى 129]
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (120) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123)
إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128)
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ، الْمُوَقَّرِ الْمَمْلُوءِ مِنَ النَّاسِ والطير والحيوانات [1] كُلِّهَا.
ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (120) ، أَيْ أَغْرَقْنَا بَعْدَ إِنْجَاءِ نُوحٍ وَأَهْلِهِ مَنْ بَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) .
إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ، يَعْنِي فِي النَّسَبِ لَا فِي الدين، هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ.
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، عَلَى الرِّسَالَةِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَمِينٌ فِيكُمْ قَبْلَ الرِّسَالَةِ فكيف تتهموني الْيَوْمَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ.
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ، قَالَ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابن عباس: بِكُلِّ شَرَفٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ:
بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ الْفَجُّ بَيْنَ الجبلين. وعنه أيضا: أنه المنظر [2] آيَةً عَلَامَةً تَعْبَثُونَ، بِمَنْ مَرَّ بِالطَّرِيقِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْنُونَ الْمَوَاضِعَ الْمُرْتَفِعَةَ لِيُشْرِفُوا عَلَى الْمَارَّةِ وَالسَّابِلَةِ فَيَسْخَرُوا مِنْهُمْ وَيَعْبَثُوا بِهِمْ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ: هَذَا فِي بُرُوجِ الْحَمَامِ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ هود اتخاذها [واللعب بها] [3] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
تَعْبَثُونَ، أَيْ تَلْعَبُونَ، وَهُمْ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالْحَمَامِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ.
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبْنِيَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قُصُورًا مُشَيَّدَةً. وَعَنِ الْكَلْبِيِّ: أَنَّهَا الْحُصُونُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَآخِذُ الْمَاءِ يَعْنِي الْحِيَاضَ، وَاحِدَتُهَا مَصْنَعَةٌ، لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، أَيْ كأنكم تبقون فيها خالدين [لا تموتون] [4] ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَوْثِقُونَ الْمَصَانِعَ كأنهم لا يموتون.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 130 الى 140]
وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134)
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)
__________
(1) في المطبوع «الحيوان» .
(2) في المطبوع «المنظرة» والمثبت عن المخطوط، والطبري 26694.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/474)

كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141)
وَإِذا بَطَشْتُمْ، أَخَذْتُمْ وَسَطَوْتُمْ، بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، قَتْلًا بِالسَّيْفِ وَضَرْبًا بِالسَّوْطِ، وَالْجَبَّارُ الَّذِي يَقْتُلُ وَيَضْرِبُ عَلَى الْغَضَبِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132) ، أَيْ أَعْطَاكُمْ مِنَ الْخَيْرِ مَا تَعْلَمُونَ ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَعْطَاهُمْ فَقَالَ:
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) ، يعني بساتين وأنها.
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ، [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ عَصَيْتُمُونِي] [1] ، عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا، يعني مُسْتَوٍ عِنْدَنَا، أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ، الْوَعْظُ كَلَامٌ يُلِينُ الْقَلْبَ بِذِكْرِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَهَيْتَنَا أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ النَّاهِينَ لَنَا.
إِنْ هَذَا، مَا هَذَا، إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ «خَلْقُ» بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ اخْتِلَاقُ الْأَوَّلِينَ وَكَذِبُهُمْ، دَلِيلُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «خُلُقُ» بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ، أَيْ عَادَةُ الْأَوَّلِينَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأَمْرُهُمْ أَنَّهُمْ يَعِيشُونَ مَا عَاشُوا ثُمَّ يَمُوتُونَ وَلَا بَعْثَ وَلَا حِسَابَ.
وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) .
فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 141 الى 155]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (145)
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هاهُنا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150)
وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (152) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا، يعني فِي الدُّنْيَا آمِنِينَ، مِنَ الْعَذَابِ.
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها، ثَمَرُهَا يُرِيدُ مَا يَطْلُعُ مِنْهَا مِنَ الثَّمَرِ، هَضِيمٌ، قَالَ ابن عباس: لطيف، ومنه هضم الْكَشْحِ إِذَا كَانَ لَطِيفًا. وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنْهُ: يَانِعٌ نَضِيجٌ. وَقَالَ عكرمة:
اللين. وقال الحسن: الرخو. وقال مجاهد: متهشم يتفتت [2] إِذَا مُسَّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا دام رطبا فهو هضيم،
__________
(1) زيد في المطبوع.
(2) في المطبوع «متفتت» . [.....]
(3/475)

وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156)
فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ هَشِيمٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: قَدْ رَكِبَ بَعْضُهُ [فوق] [1] بعض حَتَّى هَضَمَ بَعْضُهُ بَعْضًا، أَيْ كَسَرَهُ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ الْمُنْضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ [فِي وِعَائِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ:
الْهَضِيمُ هُوَ الدَّاخِلُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ] [2] مِنَ النُّضْجِ وَالنُّعُومَةِ. وَقِيلَ: هَضِيمٌ أَيْ هَاضِمٌ يَهْضِمُ الطَّعَامَ.
وَكُلُّ هَذَا لِلَطَافَتِهِ.
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149) ، وقرىء: «فَرِهِينَ» ، قِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَقِيلَ: فَارِهِينَ أَيْ حَاذِقِينَ بِنَحْتِهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ فَرِهَ الرَّجُلُ فَرَاهَةً فَهُوَ فَارِهٌ، وَمَنْ قَرَأَ «فَرِهِينَ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشِرِينَ بَطِرِينَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَاعِمِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقال قتادة: معجبين بصنيعكم. وقال السُّدِّيُّ: مُتَجَبِّرِينَ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: فَرِحِينِ. وَالْعَرَبُ تُعَاقِبُ بَيْنَ الْهَاءِ وَالْحَاءِ مِثْلَ مدحته ومدهته.
وقال الضَّحَّاكُ: كَيِّسِينَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ وهم:
الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، بِالْمَعَاصِي، وَلا يُصْلِحُونَ، لَا يُطِيعُونَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ.
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مِنَ الْمَسْحُورِينَ الْمَخْدُوعِينَ، أَيْ ممن يسحر مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ الْمُعَلَّلِينَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، يُقَالُ: سَحَرَهُ أَيْ عَلَّلَهُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، يُرِيدُ إِنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَلَسْتَ بَمَلَكٍ، بَلْ:
مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ، عَلَى صِحَّةِ مَا تَقُولُ. إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْنَا.
قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ، حَظٌّ وَنَصِيبٌ مِنَ الْمَاءِ، وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 156 الى 175]
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160)
إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165)
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (166) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170)
إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، بِعَقْرٍ، فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ، عَلَى عَقْرِهَا حِينَ رَأَوُا الْعَذَابَ.
فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) .
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيد في المطبوع.
(3/476)

كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (195) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي جِمَاعَ الرِّجَالِ. مِنَ الْعالَمِينَ [يَعْنِي] [1] مِنْ بَنِي آدَمَ.
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: تَرَكْتُمْ أَقْبَالَ النِّسَاءِ إِلَى أَدْبَارِ الرِّجَالِ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ، مُعْتَدُونَ مُجَاوِزُونَ الْحَلَالَ إِلَى الْحَرَامِ.
قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) ، مِنْ قَرْيَتِنَا.
قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) ، الْمُبْغِضِينَ، ثُمَّ دَعَا فَقَالَ:
رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) ، مِنَ الْعَمَلِ الْخَبِيثِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (171) وَهِيَ امْرَأَةُ لُوطٍ بَقِيَتْ فِي الْعَذَابِ والهلاك.
ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) ، أي: أهلكناهم.
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) ، قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: الْكِبْرِيتُ وَالنَّارُ.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) .

[سورة الشعراء (26) : الآيات 176 الى 188]
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (180)
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185)
وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (188)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) ، وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَرَأَ الْعِرَاقِيُّونَ:
«الْآيْكَةِ» هَاهُنَا وَفِي ص [13] بِالْهَمْزَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: «لَيْكَةَ» بِفَتْحِ اللَّامِ وَالتَّاءِ غَيْرُ مهموز، جعلوها اسم البلدة، وَهُوَ لَا يَنْصَرِفُ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا في سورة الحجر [78] وق [14] أَنَّهُمَا مَهْمُوزَانِ مَكْسُورَانِ، وَالْأَيْكَةُ: الْغَيْضَةُ مِنَ الشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ.
إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ، وَلَمْ يَقُلْ أَخُوهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ فِي النَّسَبِ، فَلَمَّا [2] ذَكَرَ مَدْيَنَ قَالَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا لِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى بَعَثَهُ إِلَى قَوْمِهِ أَهْلِ مَدْيَنَ وَإِلَى أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ، أَلا تَتَّقُونَ.
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (180) ، وَإِنَّمَا كَانَتْ دَعْوَةُ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى صيغة واحدة لاتفاقهم على
__________
(1) زيد في المطبوع.
(2) في المطبوع «ولما» .
(3/477)

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189)
الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى الدَّعْوَةِ وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ.
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) ، النَّاقِصِينَ لِحُقُوقِ النَّاسِ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ.
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (188) . أَيْ مِنْ نُقْصَانِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَلَيْسَ الْعَذَابُ إِلَيَّ وما عليّ إلا الدعوة.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 189 الى 200]
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193)
عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198)
فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200)
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخَذَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ، فَكَانُوا يَدْخُلُونَ الْأَسْرَابَ فَإِذَا دَخَلُوهَا وَجَدُوهَا أَشَدَّ حَرًّا فَخَرَجُوا فَأَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ وَهِيَ الظُّلَّةُ فَاجْتَمَعُوا تَحْتَهَا [ليتقوا الحر] [1] فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نَارًا فَاحْتَرَقُوا، ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ هُودٍ. إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنَّهُ، يعني القرآن. لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) ، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ: «نَزَلَ» خَفِيفٌ الرُّوحُ الْأَمِينُ بِرَفْعِ الْحَاءِ وَالنُّونِ، أَيْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْقُرْآنِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْحَاءِ والنون أي: ونزّل اللَّهُ بِهِ جِبْرِيلَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) .
عَلى قَلْبِكَ، يَا مُحَمَّدُ حَتَّى وَعَيْتَهُ، لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، الْمُخَوِّفِينَ.
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) ، قَالَ ابْنُ عباس: لسان قُرَيْشٍ لِيَفْهَمُوا مَا فِيهِ.
وَإِنَّهُ، أَيْ: ذِكْرُ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: ذِكْرُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونعته، لَفِي زُبُرِ كتب الْأَوَّلِينَ.
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: «تَكُنْ» بِالتَّاءِ آيَةٌ بِالرَّفْعِ، جَعَلَ الْآيَةَ اسْمًا وَخَبَرُهُ: أَنْ يَعْلَمَهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، آيَةً نَصْبٌ، جَعَلُوا الْآيَةَ خبر يكن، معناه: أو لم يكن لهؤلاء المتكبرين على بَنِي إِسْرَائِيلَ آيَةً، أَيْ عَلَامَةً وَدَلَالَةً عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كانوا يخبرون بوجوده [2] فِي كُتُبِهِمْ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ إِلَى الْيَهُودِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَزَمَانُهُ وَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آيَةً عَلَى صِدْقِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ يَعْلَمَهُ، يَعْنِي يعلم مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ، قَالَ عَطِيَّةُ: كَانُوا خَمْسَةً عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَابْنُ يَامِينَ وَثَعْلَبَةُ وَأَسَدٌ وأسيد.
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «بوجود ذكره» .
(3/478)

لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201)
وَلَوْ نَزَّلْناهُ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، جَمْعُ الْأَعْجَمِيِّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُفْصِحُ وَلَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فِي النَّسَبِ، وَالْعَجَمِيُّ: مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَجَمِ، وَإِنْ كَانَ فَصِيحًا. وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ بِعَرَبِيِّ اللِّسَانِ.
فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ، بِغَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ، مَا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ، وَقَالُوا: مَا نَفْقَهُ قَوْلَكَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ [فُصِّلَتْ: 44] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ مِنَ الْعَرَبِ لَمَا آمَنُوا بِهِ أَنَفَةً مِنِ اتِّبَاعِهِ.
كَذلِكَ سَلَكْناهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ أدخلناه [1] [أي] [2] الشِّرْكَ وَالتَّكْذِيبَ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 201 الى 210]
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205)
ثُمَّ جاءَهُمْ مَا كانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210)
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، أَيْ بِالْقُرْآنِ، حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ، يَعْنِي عِنْدَ الْمَوْتِ.
فَيَأْتِيَهُمْ، يَعْنِي الْعَذَابَ، بَغْتَةً، فَجْأَةً، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، بِهِ فِي الدُّنْيَا.
فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) ، أَيْ لِنُؤْمِنَ وَنُصَدِّقَ، يَتَمَنَّوْنَ الرَّجْعَةَ وَالنَّظِرَةَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا أَوْعَدَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَذَابِ، قَالُوا: إِلَى متى توعدنا بالعذاب ومتى هَذَا الْعَذَابُ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ، كَثِيرَةً فِي الدُّنْيَا يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ وَلَمْ نُهْلِكْهُمْ.
ثُمَّ جاءَهُمْ مَا كانُوا يُوعَدُونَ (206) ، يَعْنِي بِالْعَذَابِ.
مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يُمَتَّعُونَ (207) ، بِهِ فِي تِلْكَ السِّنِينَ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ وَإِنْ طَالَ تَمَتُّعُهُمْ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا فَإِذَا أَتَاهُمُ الْعَذَابُ لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ طُولُ [المدة و] [3] التمتع شيئا، ويكونون [4] كأنّهم لم يكونوا في نعيمه قَطُّ.
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (208) ، رُسُلٌ يُنْذِرُونَهُمْ.
ذِكْرى، مَحَلُّهَا نَصْبٌ أَيْ يُنْذِرُونَهُمْ، تَذْكِرَةً، وَقِيلَ: رَفْعٌ أَيْ تِلْكَ ذِكْرَى، وَما كُنَّا ظالِمِينَ، فِي تَعْذِيبِهِمْ حَيْثُ قَدَّمْنَا الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَعْذَرْنَا إِلَيْهِمْ.
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ الشَّيَاطِينَ يُلْقُونَ الْقُرْآنَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ أَيْ بِالْقُرْآنِ الشياطين.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 211 الى 214]
وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)
وَما يَنْبَغِي لَهُمْ، أَنْ يُنَزَّلُوا بالقرآن، وَما يَسْتَطِيعُونَ، ذلك.
__________
(1) في المطبوع «أدخلنا» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المطبوع «ويكون» .
(3/479)

إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ أَيْ عَنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ مِنَ السَّمَاءِ، لَمَعْزُولُونَ، أَيْ مَحْجُوبُونَ بِالشُّهُبِ مَرْجُومُونَ.
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُحَذِّرُ بِهِ غَيْرَهُ، يَقُولُ: أَنْتَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَيَّ، وَلَوِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَعَذَّبْتُكَ.
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) .
«1579» رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: لَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ فَضِقْتُ بِذَلِكَ ذَرْعًا وَعَرَفْتُ أَنِّي مَتَى أُبَادِيهِمْ بِهَذَا الْأَمْرِ أَرَى مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ، فصمت عليها حتى جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ إِلَّا تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [به] [1] يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ فَاصْنَعْ لَنَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَاجْعَلْ عَلَيْهِ رِجْلَ شَاةٍ، وَامْلَأْ لَنَا عُسًّا مِنْ لَبَنٍ، ثُمَّ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ مَا أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ لَهُ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا يَزِيدُونَ رَجُلًا أَوْ ينقصونه، وفيهم أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِبٍ وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ رضي الله عنهما، وَأَبُو لَهَبٍ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ دَعَانِي بِالطَّعَامِ الَّذِي صَنَعْتُهُ فَجِئْتُ بِهِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَذْبَةً مِنَ اللَّحْمِ، فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ثم ألقاها في نواحي
__________
1579- باطل. أخرجه الطبري 26806 وأبو نعيم في «الدلائل» 331 من طريق محمد بن إسحاق بهذا الإسناد.
- وليس فيه قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم لعلي: «إِنَّ هَذَا أَخِي وَوَصِيِّيْ وَخَلِيفَتِي فيكم» .
- وإسناده ساقط، عبد الغفار بن القاسم رافضي كذاب.
- وأخرجه البيهقي في «الدلائل» 2/ 178- 180 من طريق محمد بن إسحاق قال: فحدثني من سمع عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابن عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب.
وليس فيه اللفظ المذكور آنفا.
- وإسناده ساقط، ففي الإسناد من لم يسم، وهو إما عبد الغفار المتقدم ذكره، وهو كذاب أو عبد الله بن عبد القدوس الآتي ذكره، وهو متروك متهم.
- وأخرجه ابن أبي حاتم كما في «سيرة ابن كثير» 1/ 459- 460 عن أبيه عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ القدوس عن الأعمش عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عبد الله بن الحارث قال: قال علي:....
وفيه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «أيكم يقضي عني ديني، ويكون خليفتي في أهلي؟» ...
... فيقول علي: أنا ...
- وإسناده ساقط، عبد الله بن عبد القدوس قال عنه الذهبي في «الميزان» 2/ 457: قال ابن معين: ليس بشيء، رافضي خبيث، وقال النسائي: ليس بثقة.
قلت: وهو منقطع بين عبد الله بن الحارث وعلي.
- وأخرجه أحمد 1/ 111 من طريق شريك عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله الأسدي عن علي مختصرا وفيه «فقال لهم: من يضمن عني ديني، ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي» ... فقال علي: أنا.
- وإسناده واه، شريك ساء حفظه لما تولى القضاء، والأعمش مدلس، وقد عنعن، والمنهال فيه ضعف، وعباد ضعفه علي المديني، وقد روى مناكير، والحمل عليه في هذا الحديث، وهو حديث باطل.
(1) زيادة عن المخطوط.
(3/480)

الصحفة، ثم قال: «كلوا [1] بِاسْمِ اللَّهِ» فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ حَاجَةٌ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مِثْلَ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ الْقَوْمَ» فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعُسِّ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا جَمِيعًا، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ. فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ يكلمهم [بما أوحى إليه ربه] [2] بَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ فَقَالَ: سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم [فلما كان الغد قال لعلي] «يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ من القول فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَهُمْ، فعدّ لنا من الطعام مثل ما صنعت [بالأمس] [3] ثم اجمعهم» ففعلت ثم جمعت فَدَعَانِي بِالطَّعَامِ فَقَرَّبْتُهُ فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَدْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُوازِرُنِي عَلَى أَمْرِي هَذَا؟ وَيَكُونُ أَخِي وَوَصِيِّيْ وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا» فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُونَ، وَيَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِعَلِيٍّ وَتُطِيعَ [فأحجم القوم عنها جميعا وسكتوا عن آخرهم فقلت وأنا أحدثهم: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُونُ وزيرك فأخذ يرقبني ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذَا أَخِي ووصيي وخليفتي فيكم] [4] .
«1580» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لِمَا نَزَلَتْ «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صعد الصفا، فهتف يا صباحاه [5] ، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خيلا تخرج من سفح هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ» ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٌ شَدِيدٌ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ. فَنَزَلَتْ «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [وَقَدْ] [6] تَبَّ» هَكَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ.
«1581» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثنا
__________
1580- إسناده صحيح، يوسف بن موسى ثقة روى له البخاري، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- أبو أسامة حماد بن أسامة، الأعمش وسليمان بن مهران.
- وهو في «شرح السنة» 3636 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4971 عن يوسف بن موسى بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 208 وابن حبان 6550 وابن مندة في «الإيمان» 949 و950 والطبري 26801 والبيهقي في «الدلائل» 2/ 181- 182 من طرق عن أبي أسامة به.
- وأخرجه البخاري 4770 و4972 والترمذي 3363 والطبري 6799 وابن مندة 950 و951 والبيهقي في «الدلائل» 2/ 182 والواحدي في «الوسيط» 3/ 364- 365 من طرق عن الأعمش به.
1581- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- الأعمش هو سليمان بن مهران.
- وهو في «صحيح البخاري» 4770 عن عمرو بن حفص بهذا الإسناد.
وانظر الحديث المتقدم. [.....]
(1) في المطبوع «خذوا» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) تصحف في المطبوع «صاحباه» .
(6) سقط من المطبوع.
(3/481)

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ثَنَا أبي الْأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) ، صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي:
«يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ، لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فجاء أبو لهب وقريش، وقال أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٌ شَدِيدٌ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (2) [المسد: 1- 2] .
«1582» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [1] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» .
«1583» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ أَنَا جَدِّي أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبْرِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا معمر عن قتادة عن
__________
1582- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو اليمان هو الحكم بن نافع، شعيب هو ابن أبي حمزة دينار، الزهري هو محمد بن مسلم.
- وهو في «شرح السنة» 3638 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4771 عن أبي اليمان به.
- وأخرجه البخاري 2753 ومسلم 206 ح 351 والنسائي 6/ 248 و249 وابن حبان 6546 والبيهقي 6/ 280 من طرق عن الزهري به.
- وأخرجه مسلم 204 والترمذي 3184 والنسائي 6/ 248 وأحمد 2/ 333 و361 وابن حبان 646 من طرق عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عن موسى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بنحوه.
1583- صحيح. إسحاق بن إبراهيم صدوق، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم غير صحابية، فقد تفرد عنه مسلم.
- عبد الرزاق بن همام، معمر بن راشد، قتادة بن دعامة.
- وهو في «شرح السنة» 4105 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20088 عن قتادة به.
- وأخرجه مسلم 2865 وأحمد 4/ 162 و266 والطيالسي 1079 والطبراني 17/ (987) و (994) والبيهقي 9/ 60 من طرق عن قتادة به.
- وأخرجه أحمد 4/ 266 والطبراني 17 (992) و (993) وابن حبان 653 من طرق عن همام بن يحيى قال: حدثني العلاء بن زياد قال: حدثني يزيد أخو مطرف- قال: وحدثني رجلان آخران أن مطرفا حدثهم أن عياض بن حمار....
- وأخرجه الطبراني 17/ (995) من طريق أبي قلابة عن أبي العلاء مطرف عن عياض به.
- وأخرجه الطبراني 17/ (997) من طريق ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن عياض به.
(1) زيادة عن المخطوط.
(3/482)

وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)
مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ [1] الْمُجَاشِعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا وَإِنَّهُ قَالَ إِنَّ كُلَّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عِبَادِي فَهُوَ لَهُمْ حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، فَأَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أُخَوِّفَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ إِنَّهُمْ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِيَ حَتَّى يَدَعُوهُ خُبْزَةً، فَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَقَدْ أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ، فَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ وَأَنْفِقْ نُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نُمْدِدْكَ بِخَمْسَةِ أَمْثَالِهِمْ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، ثُمَّ قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: إِمَامٌ مُقْسِطٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ بِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ غني عفيف [2] مُتَصَدِّقٌ، وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الذي لا زبر لَهُ [3] ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ لَا يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أَهْلًا وَلَا مالا، ورجل إن أَصْبَحَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكِ وَمَالِكَ، وَرَجُلٌ لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا ذَهَبَ بِهِ، والشنظير الفاحش» . وذكر البخل والكذب.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 215 الى 223]
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاخْفِضْ جَناحَكَ، يعني ألن جانبك، لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) ، مِنَ الْكُفْرِ وَعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.
وَتَوَكَّلْ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ فَتَوَكَّلْ بِالْفَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ [4] بِالْوَاوِ «وَتَوَكَّلْ» ، عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِيَكْفِيَكَ كَيْدَ الْأَعْدَاءِ.
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ
(218) ، إِلَى صَلَاتِكَ، عَنْ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الَّذِي يَرَاكَ أَيْنَمَا كُنْتَ.
وَقِيلَ: حِينَ تقوم [إلى دعائك] [5] .
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) ، يعني يَرَى تَقَلُّبَكَ فِي صَلَاتِكَ فِي حَالِ قِيَامِكَ وَرُكُوعِكَ وَسُجُودِكَ وَقُعُودِكَ. قَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي السَّاجِدِينَ أَيْ فِي الْمُصَلِّينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: أَيْ مَعَ الْمُصَلِّينَ فِي الْجَمَاعَةِ، يَقُولُ: يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَحْدَكَ لِلصَّلَاةِ وَيَرَاكَ إِذَا صَلَّيْتَ مَعَ الْمُصَلِّينَ فِي الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَرَى تَقَلُّبَ بَصَرِكَ فِي الْمُصَلِّينَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُبْصِرُ مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يبصر من أمامه.
__________
- وأخرجه أحمد 4/ 266 وابن حبان 654 والطبراني 17/ (996) من طرق عن عوف بن أبي جميلة عن حكيم بن الأثرم عن الحسن عن مطرف به.
(1) تصحف في المطبوع «جمان» .
(2) في المطبوع «متعفف» .
(3) في المطبوع «لا وزير» .
(4) في المخطوط «الآخرون» . [.....]
(5) في المطبوع «لدعائهم» .
(3/483)

وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224)
«1584» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قبلتي هاهنا فو الله مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» .
وَقَالَ الْحَسَنُ: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أَيْ تَصَرُّفَكَ وَذَهَابَكَ وَمَجِيئَكَ فِي أَصْحَابِكَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي وَتَصَرُّفَكَ فِي أحوالك كما كانت الأنبياء [عليهم السلام] [1] مِنْ قَبْلِكَ.
وَالسَّاجِدُونَ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَادَ تَقَلُّبَكَ فِي أَصْلَابِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ حَتَّى أَخْرَجَكَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) .
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ، [هل] [2] أُخْبِرُكُمْ، عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ، هذا جواب قولهم: «تتنزل عليه الشياطين» . ثُمَّ بَيَّنَ فَقَالَ:
تَنَزَّلُ، أَيْ تَتَنَزَّلُ، عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ، كَذَّابٍ، أَثِيمٍ، فَاجِرٍ، قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْكَهَنَةُ يَسْتَرِقُ الْجِنُّ السَّمْعَ ثُمَّ يُلْقُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ. وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
يُلْقُونَ السَّمْعَ، أَيْ يَسْتَمِعُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مستقرين فيلقونه [3] إِلَى الْكَهَنَةِ، وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ، لِأَنَّهُمْ يخلطون به كذبا كثيرا.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 224 الى 227]
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) . قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَرَادَ شُعَرَاءَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يَهْجُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ مُقَاتِلٌ أَسْمَاءَهُمْ، فَقَالَ: مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَمُشَافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَبُو عَزَّةَ [4] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ، وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ
__________
1584- إسناده صحيح على شرط الشيخين.
- أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بكر، مالك بن أنس.
- وهو في «شرح السنة» 3606 بهذا الإسناد.
- وهو في «الموطأ» 1/ 167 عن أبي الزناد بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 418 و741 ومسلم 424 وأحمد 2/ 303 و375 وابن حبان 6337 والبيهقي في «الدلائل» 6/ 73 من طرق عن مالك به.
- وأخرجه أحمد 3/ 365 من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد به.
- وأخرجه أحمد 2/ 234 و379 وعلي بن الجعد 2897 وابن حبان 6338 من طرق عن عجلان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إني لأنظر إلى ما ورائي كما أنظر إلى ما بين يدي، فأقيموا صفوفكم، وحسنوا ركوعكم وسجودكم» .
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «يلقون» .
(4) تصحف في المخطوط- ب- «مرة» وفي المطبوع «عز» والمثبت عن المخطوط- أ-.
(3/484)