Advertisement

تفسير البغوي إحياء التراث 015



الكتاب : معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي
المؤلف : محيي السنة ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى : 510هـ)
المحقق : عبد الرزاق المهدي
الناشر : دار إحياء التراث العربي -بيروت
الطبعة : الأولى ، 1420 هـ
عدد الأجزاء :5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، وهو مذيل بالحواشي، وضمن خدمة مقارنة التفاسير]
__________
الكتاب مرتبط بنسخة أخرى (ط : دار طيبة) للشاملة، ومصورة لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، قَرَأَ عَاصِمٌ: «أسوة» حيث كانت بضم الهمزة والباقون بكسرها، وهما لُغَتَانِ، أَيْ قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ، وَهِيَ فُعْلَةٌ مِنَ الِائْتِسَاءِ، كَالْقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِدَاءِ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، أَيْ بِهِ اقْتِدَاءٌ حَسَنٌ إِنْ تنصروا دين الله وتوازروا الرَّسُولَ وَلَا تَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَتَصْبِرُوا عَلَى مَا يُصِيبُكُمْ كَمَا فَعَلَ هُوَ إِذْ كُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ وَجُرِحَ وَجْهُهُ، وَقُتِلَ عَمُّهُ وَأُوذِيَ بِضُرُوبٍ مِنَ الْأَذَى فَوَاسَاكُمْ مَعَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَافْعَلُوا أَنْتُمْ كَذَلِكَ أَيْضًا واستنّوا بسنته، لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ، بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ لَكُمْ وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي أَنَّ الْأُسْوَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ. وَقَالَ مَقَاتِلٌ [1] : يَخْشَى اللَّهَ، وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، أَيْ يَخْشَى يَوْمَ الْبَعْثِ الَّذِي فِيهِ جَزَاءُ الْأَعْمَالِ، وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ عَلَى السراء والضراء، ثُمَّ وَصَفَ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ لقاء الأحزاب فقال:
وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا، تَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَتَصْدِيقًا لِوَعْدِهِ، هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَعْدُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [214] : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، إِلَى قَوْلِهِ: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ، فَالْآيَةُ تَتَضَمَّنُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَلْحَقُهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ الْبَلَاءِ، فَلَمَّا رَأَوُا الْأَحْزَابَ وَمَا أَصَابَهُمْ مِنَ الشِّدَّةِ قَالُوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً، [أَيْ تَصْدِيقًا لِلَّهِ وَتَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ] [2] . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، أَيْ قَامُوا بِمَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَوَفَّوْا بِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، أَيْ فَرَغَ مِنْ نَذْرِهِ وَوَفَّى بِعَهْدِهِ فَصَبْرَ عَلَى الْجِهَادِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ، وَالنَّحْبُ: النَّذْرُ، وَالنَّحْبُ:
الْمَوْتُ أَيْضًا، قَالَ مُقَاتِلٌ: قَضَى نَحْبَهُ يَعْنِي أَجْلَهُ فَقُتِلَ عَلَى الْوَفَاءِ يَعْنِي حَمْزَةَ وَأَصْحَابَهُ. وَقِيلَ: قَضَى نَحْبَهُ أَيْ بَذَلَ جُهْدَهُ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: نَحَبَ فُلَانٌ في سيره يومه وليله أجمع إِذَا مَدَّ فَلَمْ يَنْزِلْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ [يعني] [3] الشَّهَادَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ يَعْنِي مَنْ بَقِيَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَنْتَظِرُونَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا الشَّهَادَةَ أَوِ النَّصْرَ، وَما بَدَّلُوا، عَهْدَهُمْ تَبْدِيلًا.
«1691» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أنا محمد بن سعيد الخزاعي أنا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سألت أنسا:
__________
1691- إسناده صحيح على شرط البخاري.
- عبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى، حميد هو الطويل، زياد هو ابن عبد الله البكّائي.
- وهو في «صحيح البخاري» 2805 عن محمد بن سعيد الخزاعي بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4048 و4783 والترمذي 3201 والنسائي في «التفسير» 423 وعبد بن حميد في «المنتخب» 1396 والواحدي في «الوسيط» 3/ 465 والطبري 2828 من طرق عن حميد به.
- وأخرجه مسلم 1903 والترمذي 3200 والنسائي في «التفسير» 422 والواحدي في «الأسباب» 692 من طرق عن ثابت به.
(1) تصحف في المطبوع «مقال» .
(2) سقط من المخطوط.
(3) زيادة من المخطوط. [.....]
(3/624)

(ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أنا زِيَادٌ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ لَئِنْ أَشْهَدَنِيَ اللَّهُ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَّمَا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي أَصْحَابَهُ وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ:
يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدُ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ، قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَظُنُّ أَوْ نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
«1692» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَا [أَبُو] [1] مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ [2] عَنْ شَقِيقٍ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكَلْ مَنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يوجد [3] له شيء يكن فيه إلا ثمرة، فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ خرجت رجلاه، وإذا وضعناها عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ واجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر، قال و [منا] [4] من أينعت له ثمرته فهو يهدبها» .
«1693» أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد النعيمي أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي
__________
1692- صحيح. محمد بن حمّاد ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- أبو معاوية محمد بن خازم، الأعمش سليمان بن مهران، شقيق هو ابن سلمة أبو وائل.
- وهو في «شرح السنة» 1473 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 3897 و6448 ومسلم 940 وعبد الرزاق 6195 والحميد 155 وابن حبان 7019 والطبراني 3660 من طرق عن سفيان بن عيينة به.
- وأخرجه البخاري 1276 و3913 و3914 و4047 و6432 ومسلم 940 وأبو داود 3155 والترمذي 3853 والنسائي 4/ 38- 39 وابن الجارود 522 والطبراني 3657 و3658 وأحمد 5/ 109 و111 و112 و6/ 395 والبيهقي 3/ 401 من طريق عن الأعمش به.
1693- حديث حسن غريب.
- إسناده واه لأجل الصلت بن دينار، لكن للحديث شواهد.
- أبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قطعة.
- وهو في «شرح السنة» 3809 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 3739 وابن ماجه 125 والحاكم 3/ 376 من طرق عن الصلت بن دينار به.
- قال الحاكم: تفرد به الصلت، وليس من شرط هذا الكتاب.
وقال الذهبي: الصلت واه.
- وللحديث شواهد منها:
(1) سقط من المطبوع.
(2) زيد في المطبوع «عن سفيان» .
(3) في المطبوع «أجد» .
(4) سقط من المطبوع.
(3/625)

لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24)
نصر أنا خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيْدَرَةَ الأطرابلسي أنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجَوْهَرِيُّ بِأَنْطَاكِيَةَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَا الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي نضرة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عبيد [1] اللَّهِ فَقَالَ:
«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَقَدْ قَضَى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» .
«1694» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [2] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ الله بن أبي شيبة أنا وكيع عن إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ وَقَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 24 الى 26]
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (24) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26)
__________
- حديث معاوية بن أبي سفيان أخرجه الترمذي و3202 و3740 وابن سعد في «الطبقات» 3/ 164 وابن ماجه 126 و127 والطبري 28431 من طريقين عن إسحاق بن يحيى الطلحي عن موسى بن طلحة عن معاوية مرفوعا.
- وإسناده واه لأجل إسحاق بن يحيى، قال أحمد والنسائي: متروك.
وقال يحيى: لا يكتب حديثه.
- وحديث عائشة أخرجه ابن سعد 3/ 163- 164 وأبو يعلى 4898 وأبو نعيم 1/ 88 ومداره على صالح بن موسى، وهو متروك، وكذا قال الهيثمي في «المجمع» 9/ 148.
وحديث عائشة أخرجه الحاكم 3/ 376 من وجه آخر عنها وفيه إسحاق بن يحيى متروك ليس بشيء.
- وحديث طلحة بن عبيد الله أخرجه الترمذي 3203 و3742 وأبو يعلى 363 والطبري 2843 من طريق موسى وعيسى ابني طلحة عنه.
وقال الترمذي: حسن غريب، وسمعت البخاري يحدث بهذا الحديث عن أبي كريب ووضعه في كتاب «الفوائد» .
- ورجاله رجال مسلم، لكن طلحة بن يحيى، وإن روى له مسلم، ووثقه غير واحد فقد قال يحيى القطان: لم يكن بالقوي. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: صالح الحديث.
- وله شاهد مرسل أخرجه ابن سعد 3/ 164 من طريق حصين عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ.
- وهذا مرسل صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم، ليس له علة إلّا الإرسال فهذا شاهد لما تقدم.
- الخلاصة: هو حديث حسن بمجموع طرقه وشواهد، ومع ذلك في المتن غرابة.
وانظر «الكشاف» 878 و «أحكام القرآن» 1766 بتخريجي، وانظر «الصحيحة» 126.
1694- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو شيبة هو محمد، وكيع هو ابن الجراح، إسماعيل هو ابن أبي خالد، قيسى هو ابن أبي حازم.
- وهو في «شرح السنة» 3810 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4063 عن ابن أبي شيبة بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف ابن أبي شيبة» 12/ 90 عن وكيع به.
- وأخرجه ابن حبان 6981 والطبراني 193 عن ابن أبي شيبة به.
- وأخرجه أحمد 1/ 161 وابن ماجه 128 من طريقين عن وكيع به.
- وأخرجه البخاري 3724 وسعيد بن منصور 2850 من طريق خالد بن عبد الله الواسطي عن إسماعيل بن أبي خالد به.
(1) تصحف في المطبوع «عبد» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3/626)

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، أَيْ جَزَاءَ صِدْقِهِمْ، وَصِدْقُهُمْ هُوَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، فَيَهْدِيهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ، إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً.
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، بِغَيْظِهِمْ، لَمْ يَشْفِ صُدُورَهُمْ بِنَيْلِ مَا أَرَادُوا، لَمْ يَنالُوا خَيْراً، ظَفَرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، بِالْمَلَائِكَةِ وَالرِّيحِ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً، قَوِيًّا فِي مُلْكِهِ عَزِيزًا فِي انْتِقَامِهِ.
وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، أَيْ عَاوَنُوا الْأَحْزَابَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ وَهُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، مِنْ صَياصِيهِمْ، حُصُونِهِمْ وَمَعَاقِلِهِمْ، وَاحِدُهَا صِيصِيَةٌ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَرْنِ شوكة الدِّيكِ وَالْحَاكَّةِ صِيصِيَةٌ.
«1695» وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَصْبَحَ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْصَرَفَ الْأَحْزَابُ فِيهَا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ وَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ عَنِ الْخَنْدَقِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَوَضَعُوا السِّلَاحَ فَلَمَّا كَانَ الظُّهْرُ أَتَى جِبْرِيلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةٍ مِنِ اسْتَبْرَقٍ عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ وَعَلَيْهَا قَطِيفَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَهِيَ تَغْسِلُ رَأْسَهُ وَقَدْ غَسَلَتْ شِقَّهُ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَقَالَ جِبْرِيلُ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مَا وَضَعَتِ الْمَلَائِكَةُ السِّلَاحَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَمَا رَجَعْتُ الْآنَ إِلَّا مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ الْغُبَارُ عَلَى وَجْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَرَسِهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِهِ وَعَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ [جبريل] [1] : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالسَّيْرِ إِلَى بني قريظة وأنا عامد إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَانْهَدْ [2] إِلَيْهِمْ فَإِنِّي قَدْ قَطَعْتُ أَوْتَارَهُمْ وَفَتَحْتُ أَبْوَابَهُمْ وَتَرَكْتُهُمْ فِي زِلْزَالٍ وَبِلْبَالٍ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا فَأَذَّنَ أَنَّ مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلَا يُصَلِّينَ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِرَايَتِهِ إِلَيْهِمْ، وَابْتَدَرَهَا النَّاسُ فَسَارَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَى إِذَا دَنَا مِنَ الْحُصُونِ سَمِعَ مِنْهَا مَقَالَةً قَبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا عَلَيْكَ أَنْ لا تَدْنُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَخَابِثِ، قَالَ: لِمَ، أَظُنُّكَ سَمِعْتَ لِي مِنْهُمْ أَذَىً؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَوْ قَدْ رَأَوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُصُونِهِمْ قَالَ: يَا إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ هَلْ أَخْزَاكُمُ اللَّهُ وَأَنْزَلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ؟ قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْتَ جَهُولًا، وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أصحابه بالصور من قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ: هَلْ مَرَّ بِكُمْ أحد؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ بِنَا دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ عَلَيْهَا قَطِيفَةُ دِيبَاجٍ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ذَاكَ جِبْرِيلُ بُعِثَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي قُرَيْظَةَ نَزَلَ عَلَى بِئْرٍ مِنْ آبَارِهَا في ناحية من أموالهم [يقال لها بئر أناء] [3] ، فَتَلَاحَقَ بِهِ النَّاسُ فَأَتَاهُ رِجَالٌ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَلَمْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ، فَصَلُّوا الْعَصْرَ بِهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَمَا عَابَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وَلَا عَنَّفَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم.
__________
1695- أخرجه الطبري 28443 عن قتادة مرسلا، و28444 عن الزهري مرسلا، وفي الباب روايات تتأيد بمجموعها، والله أعلم.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «فانهز» .
(3) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3/627)

«1696» قَالَ: وَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ليلة حتى أجهدهم [1] الْحِصَارُ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وَكَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ دَخَلَ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فِي حِصْنِهِمْ حِينَ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتَّى يُنَاجِزَهُمْ، قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا فَخُذُوا أَيَّهَا شِئْتُمْ، قَالُوا: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: نُتَابِعُ هذا الرجل ونصدقه فو الله إنه لقد تبين لكم أنه مُرْسَلٌ وَأَنَّهُ الَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَتَأْمَنُوا عَلَى دِيَارِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ، قَالُوا: لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا وَلَا نَسْتَبْدِلُ به غيره، قال كعب: فَإِذَا أَبَيْتُمْ هَذِهِ فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ثُمَّ نَخْرُجْ إِلَى محمد [وأصحابه] [2] رِجَالًا مُصَلَتِينَ بِالسُّيُوفِ وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثِقَلًا يُهِمُّنَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ نهلك [نهلك] [3] ولن نترك وراءنا شيء نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لَنَتَّخِذَنَّ النِّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ، فَقَالُوا نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ فَمَا خَيْرٌ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ، قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ هَذِهِ فَإِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمِنُوا فِيهَا فَانْزِلُوا لَعَلَّنَا أَنَّ نَصِيبَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرَّةً، قَالُوا: أَنُفْسِدُ سَبْتَنَا وَنُحَدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَحْدَثَ فِيهِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إلا [4] مَنْ قَدْ عَلِمْتَ [5] فَأَصَابَهُمْ مِنَ الْمَسْخِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَقَالَ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً من الدَّهْرِ حَازِمًا؟ قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ نَسْتَشِيرُهُ فِي أَمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ وَهَشَّ إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ فَرَقَّ لَهُمْ، فَقَالُوا [له] [6] : يا أبا لبابة أترى لنا أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَاذَا يَفْعَلُ بِنَا إِذَا نَزَلْنَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَّبْحُ، قَالَ أبو لبابة فو الله مَا زَالَتْ قَدَمَايَ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى عَمُودٍ مِنْ عَمَدِهِ، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ من مَكَانِي حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ، وَعَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَطَأَ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا وَلَا يَرَانِي اللَّهُ فِي بَلَدٍ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيهِ أَبَدًا، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَهُ وَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، قَالَ: أَمَا لَوْ قد جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ فَأَمَّا إِذَا فَعَلَ مَا فَعَلَ فَمَا أَنَا بِالَّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ تَوْبَةَ أَبِي لُبَابَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ مم تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ؟ قَالَ: تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ، فَقُلْتُ: إِلَّا أُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: بَلَى إِنْ شِئْتِ، فَقَامَتْ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا لُبَابَةَ أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: فَثَارَ النَّاسُ عليه لِيُطْلِقُوهُ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ، فَلَمَّا مَرَّ عَلَيْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم خارجا إلى [صلاة] [7] الصبح أطلقه، قال: ثم إن ثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعية وَأُسَيْدَ بْنَ عُبَيْدٍ وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ لَيْسُوا مِنْ بني قُرَيْظَةَ وَلَا النَّضِيرِ نَسَبُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ هُمْ بَنُو عَمِّ الْقَوْمِ أسلموا تلك الليلة التي نزل فيها بنو قريظة
__________
1696- أخرجه الطبري 28446 من طريق مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري مرسلا، لكن لأصله شواهد.
(1) في المطبوع «جهدهم» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المخطوط «إما» وفي الطبري «أما» .
(5) تصحف في المطبوع «عملت» .
(6) زيادة عن المخطوط.
(7) زيادة عن المخطوط.
(3/628)

عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى [1] الْقُرَظِيُّ فَمَرَّ بِحَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ محمد بن سلمة الْأَنْصَارِيُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عَمْرُو بْنُ سُعْدَى، وَكَانَ عَمْرُو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِرَسُولِ [2] اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدٍ أَبَدًا، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حِينَ عَرَفَهُ: اللهم لا تحرمني من عَثَرَاتِ الْكِرَامِ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى بَاتَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ثُمَّ ذَهَبَ فَلَا يَدْرِي أَيْنَ ذَهَبَ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ، فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنُهُ، فَقَالَ: ذَاكَ رجل قد أنجاه اللَّهُ بِوَفَائِهِ. وَبَعْضُ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أُوْثِقَ بِرُمَّةٍ فِيمَنْ أُوْثِقَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَصْبَحَتْ رُمَّتُهُ مُلْقَاةً لَا يَدْرِي أين يذهب، فقال فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم تِلْكَ الْمَقَالَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتواثبت الأرس فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي الْخَزْرَجِ بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَسَأَلَهُمْ إِيَّاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، فوهبهم إيّاه فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْأَوْسُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَّا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيكُمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ» ؟
قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَذَاكَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَدْ جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَيْمَةِ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهَا رُفَيْدَةُ فِي مَسْجِدِهِ وَكَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَحْتَسِبُ بِنَفْسِهَا عَلَى خِدْمَةِ مَنْ كَانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أَصَابَهُ السَّهْمُ بِالْخَنْدَقِ اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتَّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا حَكَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَتَاهُ قَوْمُهُ فَاحْتَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ قَدْ وَطَّأُوا لَهُ بِوِسَادَةٍ مَنْ أَدَمٍ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا ثُمَّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَقُولُونَ يَا أَبَا عَمْرٍو أَحْسِنْ فِي مَوَالِيكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا وَلَّاكَ ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: قَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مَنْ قومه إلى دار بني عبد الْأَشْهَلِ فَنَعَى لَهُمْ رِجَالَ بَنِي قريظة من قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَنْ كَلِمَتِهِ الَّتِي سَمِعَ مِنْهُ، فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ، فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَلَّاكَ مَوَالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ، فَقَالَ سَعْدٌ:
عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا مَا حَكَمْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا فِي النَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِجْلَالًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ وَتُقَسَّمَ الْأَمْوَالُ وَتُسْبَى الذَّرَارِي وَالنِّسَاءُ.
«1697» [قَالَ] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» ، ثُمَّ اسْتُنْزِلُوا فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ سُوقُهَا الْيَوْمَ، فَخَنْدَقَ بِهَا خَنْدَقًا ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ، يَخْرُجُ بِهِمْ إِلَيْهِ أَرْسَالًا أَرْسَالًا وَفِيهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ رئيسا الْقَوْمِ، وَهُمْ سِتُّمِائَةٍ أَوْ سَبْعُمِائَةٍ، وَالْمُكْثِرُ لَهُمْ يَقُولُ كَانُوا بَيْنَ ثَمَانِمِائَةٍ إِلَى تِسْعِمِائَةٍ، وَقَدْ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ وَهُمْ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم
__________
1697- أخرجه الطبري 28447 من طريق ابن إسحاق عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، وهذا مرسل، لكن لعامته شواهد.
(1) في المخطوط «سعد» والمثبت عن المطبوع والطبري.
(2) في المخطوط «لرسول» .
(3/629)

أَرْسَالًا: يَا كَعْبُ مَا تَرَى [1] يَصْنَعُ بِنَا فَقَالَ كَعْبُ: أَفِي كل موطن لا تعقلون أما تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا يَنْزِعُ وَإِنَّ مَنْ يُذْهَبُ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ، هُوَ وَاللَّهِ الْقَتْلُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّأْبُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَتَى حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ عَدُوُّ اللَّهِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ تُفَّاحِيَّةٌ قَدْ شَقَّقَهَا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ كَمَوْضِعِ الْأُنْمُلَةِ أُنْمُلَةٍ أُنْمُلَةٍ لئلا يسلبها مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهَ يُخْذَلُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ [كِتَابٍ] [2] وقدره وَمَلْحَمَةٍ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
«1698» وَرَوَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً قَالَتْ وَاللَّهِ إنها عندي تَتَحَدَّثُ مَعِي وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم لم يزل يقتل رِجَالَهُمْ بِالسُّيُوفِ إِذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةُ قَالَتْ: أَنَا والله هي، قالت: قلت ويلك ما لك؟ قَالَتْ: أُقْتَلُ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: حَدَثٌ أَحْدَثْتُهُ، قَالَتْ: فَانْطَلَقَ بِهَا فضربت عُنُقُهَا، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: مَا أَنْسَى عَجَبًا مِنْهَا طِيبَ نَفْسٍ وَكَثْرَةَ ضَحِكٍ، وَقَدْ عَرَفَتْ إِنَّهَا تُقْتَلُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ اسْمُ تلك المرأة نباتة [3] امْرَأَةُ الْحَكَمِ الْقُرَظِيِّ وَكَانَتْ قَتَلَتْ خَلَّادَ بْنَ سُوِيدٍ، رَمَتْ عَلَيْهِ رَحًى فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم بها فضربت عُنُقُهَا بِخَلَّادِ بْنِ سُوِيدٍ، قَالَ: وَكَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَضْرِبَانِ أَعْنَاقَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم جالس هناك.
«1699» وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ بَاطَا الْقُرَظِيَّ وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَ قَدْ مَنَّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ بُعَاثٍ أَخَذَهُ فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ فَجَاءَهُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْزِيَكَ بِيَدِكَ عِنْدِي، قَالَ: إِنَّ الْكَرِيمَ يَجْزِي الْكَرِيمَ، قال: فَأَتَى ثَابِتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَتْ لِلزُّبَيْرِ عِنْدِي يَدٌ وَلَهُ عَلَيَّ مِنَّةٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَجْزِيَهُ بِهَا فَهَبْ لِي دَمَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ لَكَ» فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَهَبَ لِي دَمَكَ، قَالَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدَ فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ، فَأَتَى ثَابِتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلُهُ وَمَالُهُ؟ قَالَ: هُمْ لَكَ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي امْرَأَتَكَ وَوَلَدَكَ فَهُمْ لَكَ، قَالَ: أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لَا مَالَ لَهُمْ فَمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَأَتَى ثَابِتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَالُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُوَ لَكَ، قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْطَانِي مَالَكَ فَهُوَ لَكَ، فَقَالَ: أَيْ ثَابِتُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِمَنْ كَانَ وَجْهُهُ مِرْآةً مضيئة تَتَرَاءَى فِيهَا عَذَارَى الْحَيِّ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ، قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ سَيِّدُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ: قُتِلَ، قال: فما فعل مقدمتنا إِذَا شَدَدْنَا وَحَامِيْنَا إِذَا كَرَرْنَا عزال بن شموال؟ قَالَ قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ المجلسان يعني بني كعب بن قُرَيْظَةَ وَبَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ؟ قَالَ: ذَهَبُوا وَقُتِلُوا، قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِيَدِي عِنْدَكَ يَا ثَابِتُ إلا ما ألحقتني بالقوم، فو الله ما
__________
1698- أخرجه الطبري 28448 من طريق مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائشة، وإسناده ضعيف، فيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس.
1699- أخرجه البيهقي في «الدلائل» 4/ 23- 24 من طريق ابن إسحاق عن الزهري مرسلا، ولأكثره شواهد.
(1) زيد في المطبوع «ما» . [.....]
(2) زيد في المطبوع، وفي- ط- «شبابة» .
(3) كذا في المخطوطتين، وفي المطبوع «بنانة» .
(3/630)

فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ من خير، فما أنا بصابر حَتَّى أَلْقَى الْأَحِبَّةَ فَقَدَّمَهُ ثَابِتٌ فَضُرِبَ عُنُقُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ قَوْلُهُ أَلْقَى الْأَحِبَّةَ، قَالَ: يَلْقَاهُمْ وَاللَّهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا أَبَدًا. قَالُوا: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَسَّمَ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَنِسَاءَهُمْ وأبناءهم على المسلمين وأعزل فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَهْمَانِ الْخَيْلِ وسهمان الرجال وأخرج منهما الْخُمُسَ، فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ للفرس سهمان وللفارس سَهْمٌ وَلِلرَّاجِلِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ سَهْمٌ، وَكَانَتِ الْخَيْلُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَكَانَ أَوَّلَ فَيْءٍ وَقَعَ فِيهِ السَّهْمَانِ، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بِسَبَايَا مِنْ سَبَايَا بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَى نَجْدٍ فَابْتَاعَ لَهُمْ بِهِمْ خَيْلًا وَسِلَاحًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اصْطَفَى لِنَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِمْ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خَنَانَةَ [1] إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، فَكَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرِصُ عَلَيْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلْ تَتْرُكُنِي فِي ملك فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ. فَتَرَكَهَا وَقَدْ كَانَتْ حِينَ سَبَاهَا كَرِهَتِ الْإِسْلَامَ وَأَبَتْ إِلَّا الْيَهُودِيَّةَ، فَعَزَلَهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ووجد في نفسه من ذلك في أمرها، فبينما هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ سَمِعَ وَقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَثَعْلَبَةُ بْنُ شُعْبَةَ يُبَشِّرُنِي بِإِسْلَامِ رَيْحَانَةَ، فَجَاءَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَسْلَمَتْ رَيْحَانَةُ، فَسَّرَهُ ذَلِكَ.
«1700» فَلَمَّا انْقَضَى شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ جُرْحُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَعَا بَعْدَ أَنْ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ مَا حَكَمَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَوْمٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ أَنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِكَ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا وَإِنْ كُنْتَ قَدْ قَطَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ، فَانْفَجَرَ كَلْمُهُ فَرَجَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْمَتِهِ الَّتِي ضُرِبَتْ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَحَضَرَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وأبو بكر وعمر فو الذي نفسي بِيَدِهِ إِنِّي لِأَعْرِفُ بُكَاءَ عُمَرَ مِنْ بُكَاءِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنِّي لفي حجرتي، قالت [عائشة] [2] : وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الْفَتْحِ: 29] ، وَكَانَ فَتْحُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي آخِرِ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
«1701» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [3] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ أنا يحيى بن آدم أنا إِسْرَائِيلُ سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرْدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول حين أجلى الْأَحْزَابَ عَنْهُ: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يغزونا نحن نسير إليهم» .
__________
1700- أخرجه البخاري 4122 والبيهقي 4/ 27 من حديث عائشة دون عجزه «قَالَتْ عَائِشَةُ فَحَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم....» .
1701- إسناده صحيح على شرط البخاري.
- عبد الله بن محمد هو الجعفي، إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السّبيعي، أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله.
- وهو في «شرح السنة» 3688 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4110 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4109 وأحمد 4/ 262 والبيهقي في «الدلائل» 3/ 457 من طرق عن سفيان به.
- وأخرجه أحمد 4/ 662 من طريق شعبة والبيهقي 3/ 459 من طريق إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق به.
(1) في المخطوط «خنافة» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/631)

وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)
«1702» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [1] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا قُتَيْبَةُ أَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَعَزَّ جُنْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بَنِي قُرَيْظَةَ: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ، وَهْمُ الرِّجَالُ يُقَالُ كَانُوا سِتَّمِائَةٍ، وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً، وَهْمُ النِّسَاءُ وَالذَّرَارِي، يُقَالُ: كانوا سبعمائة وخمسين، ويقال: سبعمائة.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 27 الى 29]
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (27) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29)
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها، بَعْدُ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي خَيْبَرَ، قَالَ قَتَادَةُ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهَا مَكَّةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فَارِسُ وَالرُّومُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ كُلُّ أَرْضٍ تُفْتَحُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ، مُتْعَةَ الطَّلَاقِ، وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا.
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29) .
«1703» سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْنَهُ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا وَطَلَبْنَ مِنْهُ زِيَادَةً فِي النَّفَقَةِ وَآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ، فَهَجَرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلَى أَنْ لَا يَقَرَبَهُنَّ شَهْرًا وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ؟ وَكَانُوا يَقُولُونَ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لَأَعْلَمَنَّ لَكُمْ شَأْنَهُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ طَلَّقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شئت، قال: فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:
83] ، قال: فكنت أنا استنبطت ذلك [2] الْأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ.
__________
1702- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- قتيبة هو ابن سعيد، الليث هو ابن سعد، أبو سعيد والد سعيد هو المقبري.
- وهو في «شرح السنة» 3689 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4114 عن قتيبة بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2724 عن قتيبة به.
1703- صحيح. أخرجه مسلم 1479 وأبو يعلى 164 من طريق سماك بن حرب عن ابن عباس عن عمر مطوّلا مع اختلاف في ألفاظه.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «ذاك» .
(3/632)

«1704» وَكَانَتْ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نسوة خمس من قريش: عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَغَيْرُ الْقُرَشِيَّاتِ:
زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسَدِيَةُ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ الْخَيْبَرِيَةُ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيَّةُ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِنَّ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَائِشَةَ، وَكَانَتْ أَحَبَّهُنَّ إِلَيْهِ فَخَيَّرَهَا وَقَرَأَ عَلَيْهَا الْقُرْآنَ فَاخْتَارَتِ اللَّهَ ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الْفَرَحُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وتابعنها عَلَى ذَلِكَ. قَالَ قَتَادَةُ: فَلَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ شَكَرَهُنَّ اللَّهُ على ذلك فَقَالَ: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب: 52] .
«1705» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا روح بن عبادة أنا زكريا بن إسحاق أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ وَلَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، قَالَ: فَأَذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فاستأذن [فأذن] [1] لَهُ فَوَجَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا، فَقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أضحك بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةً سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: «هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ» ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ لَا تسألن [2] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وعشرين، ثم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ، حَتَّى بَلَغَ: لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً، قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ، قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بل أختار الله ورسوله وأختار الدار الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، قَالَ: «لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بعثني معلما مبشرا» .
«1706» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصفار أخبرنا
__________
- وانظر الحديث الآتي برقم: 1700.
- وأخرجه البخاري 89 و2468 ومسلم 1479 والترمذي 3315 وأحمد 1/ 33 والنسائي 4/ 137 من طرق عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثور عن ابن عباس عن عمر بنحوه.
1704- أخرجه الطبري 28461 عن قتادة مرسلا، وله شواهد.
1705- إسناده صحيح على شرط مسلم.
- أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس.
- وهو في «صحيح مُسْلِمٌ» 1478 عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو يعلى 2253 عن زهير بن حرب أبي خيثمة بهذا الإسناد.
- وأخرجه البيهقي 7/ 27 من طريقين عن روح به.
- وأخرجه أحمد 3/ 328 من طريقين عن زكريا بن إسحاق به. [.....]
1706- صحيح. أحمد بن منصور ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «لا تسألي» .
(3/633)

أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يدخل على نسائه شَهْرًا، قَالَ الزُّهْرِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ أَعُدُّهُنَّ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ حين بدأ بي: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَلَّا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا وَإِنَّكَ دَخَلْتَ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» .
واختلف العلماء في هذا التخيير [1] أَنَّهُ هَلْ كَانَ ذَلِكَ تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ إِلَيْهِنَّ حَتَّى يَقَعَ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا خَيَّرَهُنَّ عَلَى أَنَّهُنَّ إِذَا اخْتَرْنَ الدُّنْيَا فَارَقَهُنَّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَوَابُهُنَّ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: «لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ» ، وَفِي تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ يَكُونُ الْجَوَابُ عَلَى الْفَوْرِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ لَوِ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ كَانَ طَلَاقًا [2] .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حُكْمِ التَّخْيِيرِ، فَقَالَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا يَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، إِلَّا أن عِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ تَقَعُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ رَجْعِيَّةٌ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِذَا اخْتَارَتِ الزَّوْجَ تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا [أَنَّهَا] [3] إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَطَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ.
«1707» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [4] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا
__________
- وعبد الرزاق بن همّام، معمر بن راشد، الزهري محمد بن مسلم، عروة بن الزبير بن العوام.
- وهو في «شرح السنة» 2338 بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 1083 من طريق عبد بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ به.
- وأخرجه أحمد 6/ 185 و263- 264 من طريق جعفر عن الزهري به بنحوه.
- وفي الباب من حديث أم سلمة أخرجه البخاري 1910 و5202 ومسلم 1085 وابن ماجه 2061 وأبو يعلى 6987.
- ومن حديث جابر أخرجه مسلم 1084 ح 24 وأحمد 3/ 334 و439 وأبو يعلى 2250.
- ومن حديث أنس أخرجه البخاري 378 و1911 و5201 والترمذي 690 والنسائي 6/ 166- 167 وأحمد 3/ 200 وأبو يعلى 3728 والبيهقي 7/ 381.
1707- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- حفص والد عمر هو ابن غياث، الأعمش سليمان بن مهران، مسلم هو ابن صبيح أبو الضحى، مسروق هو ابن الأجدع.
- وهو في «شرح السنة» 2348 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 5262 عن عمر بن حفص بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 5263 ومسلم 1477 والترمذي 1079 والنسائي 6/ 56 و160- 161 وأحمد 6/ 202 و205 و240 والدارمي 2/ 162 والحميدي 234 وابن أبي شيبة 5/ 59 وابن حبان 5297 والبيهقي 7/ 38- 39 و345 من طرق عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عن الشعبي عن مسروق به.
(1) في المطبوع «الخيار» .
(2) في المطبوع «طلاقها» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/634)

يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)
عُمَرُ [1] بْنُ حَفْصٍ أَنَا أَبِي أنا الأعمش أنا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شيئا.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 30 الى 32]
يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (31) يَا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، بِمَعْصِيَةٍ ظَاهِرَةٍ، قِيلَ: هِيَ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] أن منهن من أتت فاحشة. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ بِالْفَاحِشَةِ النُّشُوزُ وَسُوءُ الْخُلُقِ. يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ: «نُضَعِّفُ» بِالنُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِهَا، «الْعَذَابَ» نَصْبٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَفَتَحِ الْعَيْنِ «الْعَذَابَ» رَفْعٌ وَيُشَدِّدُهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَشَدَّدَ أَبُو عَمْرٍو هَذِهِ وَحْدَهَا لِقَوْلِهِ: «ضِعْفَيْنِ» ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ:
«يُضَاعَفُ» بِالْأَلِفِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ، «الْعَذَابُ» رَفْعٌ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ بَعَّدَ وَبَاعَدَ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو عُبَيْدَةَ:
ضَعَّفْتَ الشَّيْءَ إِذَا جَعَلْتَهُ مثليه وضاعفته جَعَلْتَهُ أَمْثَالَهُ. وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً، قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ عَذَابُهَا عَلَى اللَّهِ هَيِّنًا [2] وَتَضْعِيفُ عُقُوبَتِهِنَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لِشَرَفِهِنَّ كَتَضْعِيفِ عُقُوبَةِ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ وَتَضْعِيفِ ثَوَابِهِنَّ لِرَفْعِ مَنْزِلَتِهِنَّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُنَّ أَشْرَفُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ.
وَمَنْ يَقْنُتْ، يُطِعْ، مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، قَرَأَ يَعْقُوبُ: «مَنْ تَأْتِ مِنْكُنَّ، وَتَقْنُتْ» بِالتَّاءِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِالْيَاءِ لِأَنَّ «مَنْ» أَدَاةٌ تَقُومُ مَقَامَ الِاسْمِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ، أَيْ مِثْلَيْ [3] أَجْرِ غَيْرِهَا، قَالَ مُقَاتِلٌ: مَكَانَ كُلِّ حَسَنَةٍ عِشْرِينَ حَسَنَةً. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: «يَعْمَلُ يُؤْتِهَا» بِالْيَاءِ فِيهِمَا نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ: «وَمَنْ يَأْتِ، وَيَقْنُتْ» وَقَرَأَ الآخرون «تعمل» بِالتَّاءِ، وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً، حَسَنًا، يَعْنِي الْجَنَّةَ.
يَا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ لَيْسَ قدركنّ عندي مثل قدر غير كنّ النِّسَاءِ الصَّالِحَاتِ أَنْتُنَّ أَكْرَمُ عَلِيَّ وَثَوَابُكُنَّ أَعْظَمُ لَدَيَّ وَلَمْ يَقُلْ كَوَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْأَحَدَ عَامٌّ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكِّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [الْبَقَرَةِ: 285] وَقَالَ:
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (47) [الْحَاقَّةِ: 47] ، إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، اللَّهَ فَأَطَعْتُنَّهُ، فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ، لَا تَلِنَّ بِالْقَوْلِ لِلرِّجَالِ وَلَا تُرَقِّقْنَ الْكَلَامَ، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، أَيْ فُجُورٌ وَشَهْوَةٌ، وَقِيلَ نِفَاقٌ، وَالْمَعْنَى لَا تَقُلْنَ قَوْلًا يَجِدُ مُنَافِقٌ أَوْ فَاجِرٌ بِهِ سَبِيلًا إِلَى الطَّمَعِ فِيكُنَّ، وَالْمَرْأَةُ مَنْدُوبَةٌ إِلَى الْغِلْظَةِ فِي الْمَقَالَةِ إِذَا خَاطَبَتِ الْأَجَانِبَ لِقَطْعِ الأطماع، وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً، يوجبه الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ بِتَصْرِيحٍ وَبَيَانٍ مِنْ غير خضوع.
__________
- وأخرجه النسائي 6/ 56 و161 وأحمد 6/ 173 وابن حبان 4267 من طريقين عن شعبة عن الأعمش به.
- وأخرجه مسلم 1477 ح 26 و27 والنسائي 6/ 161 من طرق عن عاصم الأحول عن الشعبي عن مسروق به.
- وأخرجه مسلم 1477 والبيهقي 7/ 345 من طريق الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عن عائشة.
(1) تصحف في المخطوط «عمرو» .
(2) تصحف في المطبوع «هاهنا» .
(3) في المطبوع «مثل» .
(3/635)

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 33 الى 34]
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34)
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ وَقَرْنَ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا فَمَنْ فَتْحَ الْقَافَ فَمَعْنَاهُ: اقْرَرْنَ أَيْ الْزَمْنَ بُيُوتَكُنَّ مِنْ قَوْلِهِمْ قَرَرْتُ بِالْمَكَانِ أقر قرأ ويقال قَرَرْتُ أَقَرُّ وَقَرَرْتُ أَقِرُّ وَهُمَا لُغَتَانِ، فَحُذِفَتِ الرَّاءُ الْأُولَى الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْقَافِ كَقَوْلِهِمْ: فِي ظَلَلْتُ ظَلْتُ، قَالَ اللَّهُ تعالى: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: 65] ، ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً [طَهَ:
97] ، وَمَنْ كَسَرَ الْقَافَ فَقَدْ قِيلَ هُوَ من قررت أقر معناه وأقررن بِكَسْرِ الرَّاءِ فَحُذِفَتِ الْأُولَى وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْقَافِ كَمَا ذَكَرْنَا، وقيل: هو الْأَصَحُّ أَنَّهُ أَمَرٌ مِنَ الْوَقَارِ كقولهم ن الْوَعْدِ عِدْنَ وَمِنَ الْوَصْلِ صِلْنَ أَيْ كُنَّ أَهْلَ وَقَارٍ وَسُكُونٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ وَقَرَ فُلَانٌ يَقِرُ وُقُورًا إِذَا سَكَنَ وَاطْمَأَنَّ، وَلا تَبَرَّجْنَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: التَّبَرُّجُ هُوَ التَّكَسُّرُ وَالتَّغَنُّجُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: هُوَ التَّبَخْتُرُ. وَقِيلَ: هُوَ إِظْهَارُ الزِّينَةِ وَإِبْرَازُ الْمَحَاسِنِ لِلرِّجَالِ، تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى، اخْتَلَفُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى. قَالَ الشَّعْبِيُّ: هِيَ مَا بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هِيَ فِي زَمَنِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْبَسُ قَمِيصًا مِنَ الدُّرِّ غَيْرَ مَخِيطٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَيُرَى خَلْقُهَا فِيهِ [1] . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ نَمْرُودِ الْجَبَّارِ، كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَتَّخِذُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَلْبَسُهُ وَتَمْشِي وَسَطَ الطَّرِيقِ وليس عَلَيْهَا شَيْءٌ غَيْرُهُ وَتَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَى الرِّجَالِ.
وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الجاهلية الأولى بَيْنَ نُوحٍ وَإِدْرِيسَ، وَكَانَتْ أَلْفَ سَنَةٍ وَأَنَّ بَطْنَيْنِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسْكُنُ السَّهْلَ وَالْآخَرُ يَسْكُنُ الْجَبَلَ، وَكَانَ رِجَالُ الْجَبَلِ صِبَاحًا وَفِي النِّسَاءِ دَمَامَةٌ، وَكَانَ نِسَاءُ السَّهْلِ صِبَاحًا وَفِي الرِّجَالِ دَمَامَةٌ، وَأَنَّ إِبْلِيسَ أَتَى رَجُلًا مِنْ أَهْلِ السَّهْلِ وَأَجَّرَ [2] نَفْسَهُ مِنْهُ، فَكَانَ يَخْدِمُهُ وَاتَّخَذَ شَيْئًا مِثْلَ الَّذِي يُزَمِّرُ بِهِ الرِّعَاءُ فَجَاءَ بِصَوْتٍ لَمْ يَسْمَعِ الناس بمثله، فبلغ ذلك من حولهم فأتوهم يستمعون إليه فاتخذوا عيدا يجتمعون إليه فيه فِي السَّنَةِ فَتَتَبَرَّجُ النِّسَاءُ لِلرِّجَالِ وَيَتَزَيَّنَّ الرِّجَالُ لَهُنَّ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ هَجَمَ عَلَيْهِمْ فِي عِيدِهِمْ ذَلِكَ فَرَأَى النِّسَاءَ وَصَبَاحَتَهُنَّ فَأَتَى أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَتَحَوَّلُوا إِلَيْهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ فَظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِيهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى مَا ذَكَرْنَا وَالْجَاهِلِيَّةُ الْأُخْرَى قَوْمٌ يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وقيل: قد تذكر الأولى إن لَمْ يَكُنْ لَهَا أُخْرَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولى (50) [النَّجْمِ: 50] ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أُخْرَى. قوله تعالى: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، أَرَادَ بِالرِّجْسِ الْإِثْمَ الَّذِي نَهَى اللَّهُ النِّسَاءَ عَنْهُ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
__________
(1) في المطبوع «حلقها» وفي المخطوط- ب- خلفها- وفي- ط- وأ- «خلقها» وهو الراجح. [.....]
(2) في المطبوع «وأجر» .
(3/636)

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي عَمَلَ الشَّيْطَانِ وَمَا لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ رضا، وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي السُّوءَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الرِّجْسُ الشَّكُّ، وَأَرَادَ بِأَهْلِ الْبَيْتِ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُنَّ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَلَا قَوْلَهُ: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ [وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَمُقَاتِلٍ] [1] ، وَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنَ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهُمْ عليّ وفاطمة والحسن والحسين.
«1708» ثَنَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ محمد الْحَنَفِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرحمن بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَا أَبُو [بكر] [2] محمد [بن] [3] يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ أنا أَبُو هَمَّامٍ الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ أَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ [أبي] [4] زائدة أنا أَبِي عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ الْحَجَبِيَّةِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مرط مرجّل مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ، فَجَلَسَ فَأَتَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا فِيهِ ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ فِيهِ، ثُمَّ جَاءَ الحسن فَأَدْخَلَهُ فِيهِ، ثُمَّ جَاءَ حُسَيْنٌ فَأَدْخَلَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.
«1709» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الحميدي أَنَا [أَبُو] [5] عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يعقوب [ثنا] [6] الحسن بن مكرم أَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: في بيتي نزلت: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، قَالَتْ: فَأَرْسَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فَاطِمَةَ وَعَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، فَقَالَ: «هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي» ، قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «بَلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .
__________
1708- حديث صحيح بشواهده.
- إسناده لين لأجل مصعب بن شيبة، فهو وإن روى له مسلم، فقد ضعفه غير واحد، ولينه الحافظ في «التقريب» لكن للحديث شواهد.
- أبو زائدة والد زكريا اسمه خالد، وقيل: هبيرة.
- وهو في «شرح السنة» 2804 بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 4224 والطبري 28488 من طريقين عن محمد بن بشر عن زكريا به.
- وأخرجه الحاكم 3/ 147 من طريق عبيد الله عن زكريا به! وصححه على شرطهما! ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، فقد تفرد.
- وللحديث شواهد منها:
- حديث واثلة بن الأسقع.
- أخرجه أحمد 4/ 107 وابن أبي شيبة 12/ 72- 73 وابن حبان 6976 والحاكم 3/ 147 والطحاوي في «المشكل» 773 والطبري 28494 من طرق عن الأوزاعي ثني شداد أبو عمار قال: سمعت واثلة ... فذكره بنحوه.
- وإسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه الحاكم على شرطهما! وتعقبه الذهبي بقوله: على شرط مسلم.
- وله شواهد منها الآتية.
1709- حديث صحيح بشواهده.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) زيادة عن المخطوط.
(3/637)

قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حَرُمَ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وآل جعفر وآل عباس.
__________
- إسناده لا بأس به لأجل عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فهو وإن روى له البخاري، فقد ضعفه غير واحد، لكن لحديثه شواهد، وقد توبع.
- وهو في «شرح السنة» 3805 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الحاكم 3/ 46 من طريق أبي العباس محمد بن يعقوب بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
- وأخرجه الترمذي 3871 والطبراني 23 (768) وأحمد 1/ 304 من طريق زبيد بن الحارث عن شهر بن حوشب عن أم سلمة.
- وإسناده لين لأجل شهر.
- وأخرجه الطحاوي في «المشكل» 766 من طريق الأجلح عن شهر بن حوشب عن أم سلمة، وعبد الملك عن عطاء عن أم سلمة.
- وإسناده حسن في الشواهد الأجلح هو ابن عبد الله، وثقه قوم، وضعفه آخرون، وقد تابعه عبد الملك بن أبي سليمان، وهو ثقة، لكن لم يسمع عطاء من أم سلمة.
- وأخرجه الطحاوي في «المشكل» 768 والطبري 28495 و28497 من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد عن أم سلمة.
- وإسناده واه، لأجل عطية العوفي.
- وأخرجه الطحاوي 765 و772 من طريق عمرة بنت أفعى عن أم سلمة.
- وإسناده ضعيف لجهالة عمرة.
- وأخرجه الطحاوي 763 والطبري 28498 من طريق عبد الله بن وهب بن زمعة عن أم سلمة.
- وإسناده ضعيف، فيه خالد بن مخلد القطواني، غير حجة، وموسى بن يعقوب سيىء الحفظ.
- وأخرجه الطحاوي 762 والطبري 28502 والطبراني 23 (750) .
- وإسناده ضعيف، فيه عنعنة الأعمش، وهو مدلس، وفيه جعفر بن عبد الرحمن البجلي، وهو شبه مجهول، حيث وثقه ابن حبان وحده.
- وأخرجه الطبري 28496 من طريق سعيد بن زربي عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن أم سلمة.
- وإسناده ضعيف، لضعف سعيد بن زربي.
- وللحديث شواهد منها:
1- حديث عائشة، وقد تقدم قبله.
2- وحديث وائلة بن الأسقع أخرجه أحمد 4/ 107 وابن أبي شيبة 12/ 72- 73 وابن حبان 6976 والحاكم 3/ 147 والطحاوي 773 والطبري 28494 من طرق عن الأوزاعي ثني شديد أبو عمار قال: سمعت واثلة ... فذكره بنحوه.
وليس فيه ذكر أم سلمة.
- وإسناده صحيح. شداد من رجال مسلم، وباقي الإسناد على شرط الشيخين، وقد صححه الحاكم على شرطهما، وتعقبه الذهبي بقوله: على شرط مسلم.
- وكرره الطبري 28493 من طريق كلثوم المحاربي عن شداد به، وإسناده حسن في الشواهد.
3- حديث سعد بن أبي وقاص:.
أخرجه مسلم 2404 ح 32 والترمذي 2999 و3724 وأحمد 1/ 185 والنسائي في «الخصائص» 11 والطحاوي في «المشكل» 761 من طرق عن حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن سعد قال: لما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، وفاطمة، وحسنا وحسينا فقال: «اللهم هؤلاء أهلي» .
- لفظ مسلم والترمذي، وغيرهما دون النسائي، والطحاوي حيث ذكر في الحديث الآية التي في الأحزاب.
- وكرره النسائي 54 والطبري 28501 والحاكم 3/ 108 من وجه آخر، وليس في ذكر الآية أصلا، بل فيه «حين نزل-
(3/638)

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)
قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ، أي الْقُرْآنَ، وَالْحِكْمَةِ، قَالَ قَتَادَةُ:
يَعْنِي السَّنَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَحْكَامُ الْقُرْآنِ وَمَوَاعِظُهُ. إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً، أَيْ لَطِيفًا بِأَوْلِيَائِهِ خَبِيرًا بجميع خلقه.

[سورة الأحزاب (33) : آية 35]
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (35)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ، الْآيَةَ. وَذَلِكَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلن: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ذكر الرِّجَالَ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ بِخَيْرٍ، فَمَا فِينَا خَيْرٌ نُذْكَرُ بِهِ، إِنَّا نَخَافُ أَنْ لَا يَقْبَلَ اللَّهُ مِنَّا طَاعَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبي أمية وأنيسة بِنْتُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَالُ رَبِّنَا يَذْكُرُ الرِّجَالَ وَلَا يَذْكُرُ النِّسَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ كِتَابِهِ [إنا] [1] نَخْشَى أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِنَّ خَيْرٌ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
«1710» وَرُوِيَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ رَجَعَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَدَخَلَتْ عَلَى نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: هَلْ نَزَلَ فِينَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قُلْنَ: لَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النِّسَاءَ لَفِي خَيْبَةٍ وَخَسَارٍ، قَالَ: وَمِمَّ ذَاكَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّهُنَّ لَا يُذْكَرْنَ بِخَيْرٍ كَمَا يُذْكَرُ الرِّجَالُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ، الْمُطِيعِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ، فِي إِيمَانِهِمْ وَفِيمَا سَاءَهُمْ وَسَرَّهُمْ، وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ، عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ به، وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ، المتواضعين،
__________
- الوحي» وإسناده صحيح.
4- وحديث عمر بن أبي سلمة:
أخرجه الترمذي 3787 والطبري 28499 والطحاوي في «المشكل» 771 من طريق يحيى بن عبيد المكي عن عطاء عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بنحوه.
- ورجاله ثقات معروفون غير يحيى بن عبيد حيث قال الحافظ في «التقريب» : يحيى بن عبيد عن عطاء، يحتمل أن يكون الذي قبله، وإلّا فمجهول.
- وقال عن الذي قبله: يحيى بن عبيد المكي، مولى بني مخزوم، ثقة من السادسة.
5- وحديث ابن عباس أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» 1351.
الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، وأصح متن وإسناد في هذا الباب حديث سعد، ثم حديث وائلة، ثم حديث أم سلمة لطرقه الكثيرة، وانظر «أحكام القرآن» 1788 بتخريجي.
1710- ذكره الواحدي في «الوسيط» 3/ 471 و «أسباب النزول» 700 عن مقاتل بن حبان بدون إسناد.
- وفي الباب من حديث أم سلمة أخرجه النسائي في «التفسير» 425 وأحمد 6/ 305 والطبري 28512 والطبراني 23.
(650) من طرق عن علي بن عبد العزيز عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عبد الرحمن بن شيبة قال سمعت أم سلمة فذكره بنحوه.
وهو حديث صحيح له طرق متعددة وشواهده راجع «فتح القدير» للشوكاني 1996- 1997 و «الكشاف» 887 بتخريجي.
(1) زيادة عن المخطوط.
(3/639)

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)
وَالْخاشِعاتِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْخُشُوعَ فِي الصَّلَاةِ وَمِنَ الْخُشُوعِ أَنْ لَا يَلْتَفِتَ، وَالْمُتَصَدِّقِينَ، مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ، عَمَّا لَا يَحِلُّ، وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الذاكرين لله كَثِيرًا حَتَّى يَذْكُرَ اللَّهَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا.
«1711» وَرُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ، قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
«الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ» .
قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ مَنْ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وَمُحَمَّدًا رَسُولُهُ وَلَمْ يُخَالِفْ قَلْبُهُ لِسَانَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ، وَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فِي الْفَرْضِ وَالرَّسُولَ فِي السُّنَّةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ، وَمَنْ صَانَ نفسه عَنِ الْكَذِبِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَنِ الْمَعْصِيَةِ وَعَلَى الرَّزِيَّةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ، ومن صلى فلم يعرف منعن يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ، وَمَنْ تَصَدَّقَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ بِدِرْهَمٍ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ، ومن صام من كل شهر الأيام [1] الْبِيضِ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ، وَمِنْ حَفِظَ فَرْجَهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ، وَمَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِحُقُوقِهَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ:
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 36 الى 37]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (36) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (37)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، الآية.
«1712» نزلت فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الْأَسَدِيَةِ وَأَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وأمها أمية بنت عبد المطلب
__________
1711- تقدم في تفسير سورة العنكبوت عند آية: 45. [.....]
1712- لم أره بهذا اللفظ. وأخرجه الدارقطني 3/ 301 من حديث زينب بأتم منه.
- وإسناده ضعيف، فيه كميت بن زيد عن مذكور مولى زينب، ولم أجد لها ترجمة.
- وله شاهد من حديث ابن عباس.
أخرجه الطبري 28513 وفيه عطية العوفي واه.
- وكرره الطبري 28516 من وجه آخر، وفيه ابن لهيعة ضعيف.
- وله شاهد من مرسل قتادة.
أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» 3345 والطبري 28515.
- وله شاهد من مرسل مجاهد:-
(1) في المطبوع «أيام» .
(3/640)

عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم زينب لِمَوْلَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى زَيْدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِعُكَاظٍ فَأَعْتَقَهُ وَتَبَنَّاهُ، فَلَمَّا خَطَبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ رَضِيَتْ وَظَنَّتْ أَنَّهُ يَخْطِبُهَا لِنَفْسِهِ فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ يَخْطِبُهَا لِزَيْدٍ أَبَتْ وَقَالَتْ: أَنَا ابْنَةُ عَمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَا أَرْضَاهُ لِنَفْسِي، وَكَانَتْ بَيْضَاءَ جَمِيلَةً فِيهَا حِدَّةٌ، وَكَذَلِكَ كَرِهَ أَخُوهَا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، وَلا مُؤْمِنَةٍ يَعْنِي أُخْتَهُ زَيْنَبَ، إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً، أَيْ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا وَهُوَ نِكَاحُ زَيْنَبَ لِزَيْدٍ، أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَنْ يَكُونَ بِالْيَاءِ لِلْحَائِلِ بَيْنَ التَّأْنِيثِ وَالْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَالْخِيَرَةُ الِاخْتِيَارُ، وَالْمَعْنَى أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ مَا أَرَادَ الله أو يمتنع مما أمرهم اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً، أي أَخْطَأَ خَطَأً ظَاهِرًا فَلَمَّا سَمِعَا ذَلِكَ رَضِيَا بِذَلِكَ وَسَلَّمَا، وَجَعَلَتْ أَمْرَهَا بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ أَخُوهَا، فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا فَدَخَلَ بِهَا وَسَاقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا وَخِمَارًا وَدِرْعًا وَإِزَارًا وَمِلْحَفَةً وَخَمْسِينَ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ وثلاثين صاعا من تمر.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، الْآيَةَ.
«1713» نَزَلَتْ في زينب [بنت جحش] [1] وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا زَوَّجَ زَيْنَبَ مِنْ زَيْدٍ مَكَثَتْ عِنْدَهُ حِينًا ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ زيدا ذات يوم الحاجة فَأَبْصَرَ زَيْنَبَ قَائِمَةً فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَكَانَتْ بَيْضَاءَ جَمِيلَةً ذَاتَ خَلْقٍ مِنْ أَتَمِّ نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ وَانْصَرَفَ، فَلَمَّا جَاءَ زَيْدٌ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَفَطِنَ زَيْدٌ فَأُلْقِيَ فِي نَفْسِ زَيْدٍ كَرَاهِيَتُهَا فِي الْوَقْتِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُفَارِقَ صَاحِبَتِي [2] » ، قَالَ: ما لك أرا بك مِنْهَا شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ منها إلا
__________
- أخرجه الطبري 28514 وإسناده صحيح.
الخلاصة: هو حديث صحيح الأصل بمجموع طرقه، وشواهده.
ويشهد له حديث أنس عند البخاري 4787.
- وانظر «أحكام القرآن» 1791 بتخريجي.
1713- باطل بهذا اللفظ.
أخرجه ابن سعد في «الطبقات» 8/ 80 ومن طريقه الحاكم 4/ 23 عن محمد بن عمر الواقدي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ الأسلمي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حبان مرسلا.
- وإسناده ساقط، وله ثلاث علل:
الأولى: الإرسال.
الثانية: عبد الله بن عامر ضعيف الحديث.
الثالثة: الواقدي متروك الحديث.
- والمتن باطل بهذا اللفظ، لا يليق بمقام النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل هذا، وسيأتي تعليق المصنف على المتن بإثر الحديث 1796.
- وورد نحوه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ:
- أخرجه الطبري 28519 وهذا معضل، وابن زيد متروك إذا وصل الحديث، فكيف إذا أرسله؟.
- وانظر «أحكام القرآن» 1795.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «صاحبي» .
(3/641)

خَيْرًا، وَلَكِنَّهَا تَتَعَظَّمُ عَلَيَّ لِشَرَفِهَا وَتُؤْذِينِي بِلِسَانِهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» [يَعْنِي زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ] [1] ، وَاتَّقِ اللَّهَ، فِي أَمْرِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا زَيْدٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، بِالْإِسْلَامِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالتربية والإعتاق وَهُوَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، يَعْنِي زَيْنَبَ بِنْتَ جحش، وَاتَّقِ اللَّهَ فِيهَا وَلَا تُفَارِقْهَا، وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، أَيْ تُسِرُّ فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُظْهِرُهُ، أَيْ كَانَ فِي قَلْبِهِ لَوْ فَارَقَهَا لَتَزَوَّجَهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حُبُّهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَدَّ أَنَّهُ طَلَّقَهَا. وَتَخْشَى النَّاسَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ:
تستحييهم. وقيل: تخشى لَائِمَةَ النَّاسِ أَنْ يَقُولُوا أَمَرَ رَجُلًا بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ نَكَحَهَا. وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ.
قَالَ [ابن] [2] عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةُ: مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةٌ هِيَ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ.
«1714» وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ:
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ.
«1715» وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ قَالَ: سَأَلَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ مَا يَقُولُ الْحَسَنُ [3] فِي قَوْلِهِ: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ؟ قُلْتُ:
يَقُولُ لَمَّا جَاءَ زَيْدٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُطَلِّقَ زَيْنَبَ فأعجبه ذلك، [ثم قال] [4] :
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: لَيْسَ كذلك بل كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا سَتَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِهِ وَأَنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُهَا، فَلَمَّا جَاءَ زَيْدٌ وَقَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُطْلِّقَهَا قَالَ لَهُ: أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ وَقَالَ لِمَ قُلْتَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَقَدْ أَعْلَمْتُكَ أنها ستكون من أزواجك.
__________
1714- صحيح. أخرجه مسلم 177 ح 288 والترمذي 3208 والنسائي في «التفسير» 428 وأحمد 6/ 241 والطبري 28522 من طريق الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ مختصرا.
- وأخرجه الترمذي 3207 من طريق داود بن الزبرقان عن داود بن أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عائشة به مطوّلا.
- وإسناده ضعيف جدا له علتان: الأولى داود بن الزبرقان متروك الحديث. والثانية: الشعبي، وهو عامر بن شراحيل عن عائشة منقطع.
- وضعفه الترمذي بقوله: غريب.
- وله شاهد من حديث أنس أخرجه البخاري 7420.
- وله شاهد من مرسل الحسن أخرجه الطبري 28518.
1715- ذكره عن ابن عيينة تعليقا، ومع ذلك فيه علي بن زيد ضعيف، لكن وصله الطبري.
- فقد أخرجه الطبري 28521 من طريق سفيان بن عيينة به مختصرا، وهو استنباط بديع، وفهم دقيق لعلي بن الحسن رضي الله عنهما.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيد في المطبوع.
(3) هو البصري شيخ ابن جدعان، وإمام التابعين.
(4) في المطبوع «فقال» .
(3/642)

وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَلْيَقُ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلتِّلَاوَةِ لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّهُ يُبْدِي وَيُظْهِرُ مَا أَخْفَاهُ وَلَمْ يُظْهِرْ غَيْرَ تَزْوِيجِهَا مِنْهُ فَقَالَ: زَوَّجْناكَها فَلَوْ كَانَ الَّذِي أَضْمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحَبَّتَهَا أو إرادة طلاقها [لكان] [1] أظهر ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يخبر أن يُظْهِرُهُ ثُمَّ يَكْتُمُهُ فَلَا يَظْهِرُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا عُوتِبَ عَلَى إِخْفَاءِ مَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا سَتَكُونُ زَوْجَةً لَهُ وَإِنَّمَا أَخْفَاهُ اسْتِحْيَاءً أَنْ يَقُولَ لِزَيْدٍ [إن] [2] الَّتِي تَحْتَكَ وَفِي نِكَاحِكَ سَتَكُونُ زوجتي، وهذا قول الحسن مرضي [3] ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ أنه أخفى محبتها ونكاحها لَوْ طَلَّقَهَا لَا يَقْدَحُ فِي حَالِ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مَلُومٍ عَلَى مَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَا لَمْ يَقْصِدْ فِيهِ الْمَآثِمَ، لِأَنَّ الْوُدَّ وَمَيْلَ النَّفْسِ مِنْ طَبْعِ الْبَشَرِ. وَقَوْلُهُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ، أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ خَشْيَةٌ [4] لَا إِثْمَ فِيهِ، قوله تَعَالَى: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ، لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْشَى اللَّهَ فِيمَا سَبَقَ.
«1716» فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ قَالَ: «أَنَا أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ [لَهُ] [5] » ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا [6] ذَكَرَ الْخَشْيَةَ مِنَ النَّاسِ ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَقُّ بِالْخَشْيَةِ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ وَفِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً، أَيْ حَاجَةً مِنْ نِكَاحِهَا، زَوَّجْناكَها، وَذَكَرَ قَضَاءَ الْوَطَرِ لِيُعْلَمَ أَنَّ زَوْجَةَ الْمُتَبَنَّى تَحِلُّ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا.
«1717» قَالَ أَنَسٌ: كَانَتْ زينب تفخر عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ.
«1718» وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَدْلُ عَلَيْكَ بِثَلَاثٍ: ما من نسائك امرأة تدلي بهنّ: جدي وجدك واحد، وإني أَنْكَحَنِيكَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ السَّفِيرَ لَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
«1719» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عبد الغافر [7] مُحَمَّدٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الجلودي أنا
__________
1716- تقدم في تفسير سورة النمل عند آية: 10 خرّجه الشيخان.
1717- صحيح. أخرجه البخاري 7421 والنسائي في «التفسير» 431 والواحدي في «الوسيط» 3/ 473 من حديث أنس. [.....]
1718- أخرجه الطبري 28526 والحاكم 4/ 25 عن الشعبي مرسلا، والمرسل من قسم الضعيف، وللفقرة الثانية منه شواهد كثيرة.
1719- إسناده صحيح على شرط مسلم.
- بهز هو ابن أسد، ثابت هو ابن أسلم البناني.
- وهو في «صحيح مسلم» 1428 عن محمد بن حاتم بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 1428 وأحمد 3/ 195- 196 و246 والنسائي 6/ 79 وأبو يعلى 3332 والبغوي في «شرح السنة» 2241 من طرق عن سليمان بن المغيرة.
- وأخرجه البخاري 5166 وأحمد 3/ 168 والبيهقي 7/ 87 من طريقين عن الليث بن سعد عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنس.
- وأخرجه البخاري 2791 و6239 ومسلم 1428 ح 92 والبيهقي 7/ 87 من طرق عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أبيه عن-
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) تصحف في المطبوع «مرض» .
(4) في المطبوع «حسن» .
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) في المخطوط «كما» .
(7) تصحف في المطبوع «الغفار» .
(3/643)

إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ أنا بهز أنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ: «فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ» ، قَالَ: فَانْطَلَقَ زَيْدٌ حَتَّى أَتَاهَا وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا، قَالَ فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ فِي صَدْرِي حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أنظر إليها أَنَّ [1] رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِبِي، فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم إليك يَذْكُرُكِ، قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، قال: ولقد رأيتنا وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْعَمَنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ [2] ، حَتَّى امْتَدَّ النَّهَارُ، فَخَرَجَ النَّاسُ وَبَقِيَ رِجَالٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ الطَّعَامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم واتبعته فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسَائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ، وَيَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ قَالَ: فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أَوْ أَخْبَرَنِي، قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ فَذَهَبْتُ أدخله مَعَهُ فَأَلْقَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَنَزَلَ الْحِجَابُ.
«1720» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [3] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قال: ما أو لم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ.
«1721» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ [4] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هشام بن ملاس النمري أنا مروان الفزاري أنا حميد عن أنس قال: أو لم رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ ابْتَنَى بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَأَشْبَعَ الْمُسْلِمِينَ خُبْزًا وَلَحْمًا.
__________
- أبي مجلز عن أنس.
- وأخرجه مسلم 1428 ح 94 والترمذي 3217 من طريق الجعد عن أنس به.
1720- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- حماد هو ابن زيد، ثابت هو ابن أسلم البناني.
- وهو في «شرح السنة» 2305 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 5168 عن سليمان بن حرب بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 5171 ومسلم 1428 ح 90 وأبو داود 3743 وابن ماجه 1908 وأحمد 3/ 227 وأبو يعلى 3349 والبيهقي 7/ 258 من طرق عن حمّاد بن زيد به.
1721- صحيح.
- إسناده حسن، محمد بن هشام حسن الحديث، ومن فوقه رجال الشيخين.
- مروان هو ابن معاوية، حميد هو ابن أبي حميد.
- وهو في «شرح السنة» 2306 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4794 و5154 وأحمد 3/ 98 و105 و200 و262 وابن سعد 8/ 106 و107 وابن حبان 4062 من طرق عن حميد به.
(1) في المطبوع «لأن» والمثبت موافق لما في مسلم.
(2) زيد في المطبوع «عليهنّ» . [.....]
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) تصحف في المخطوط «محمد» .
(3/644)

مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38)
قوله تعالى: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ، إِثْمٌ، فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً، والأدعياء جَمْعُ الدَّعِيِّ وَهُوَ الْمُتَبَنَّى، يَقُولُ: زَوَّجْنَاكَ زَيْنَبَ وَهِيَ امْرَأَةُ زَيْدٍ الذي تبنيته لتعلم أَنَّ زَوْجَةَ الْمُتَبَنَّى حَلَالٌ لِلْمُتَبَنِّي، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا الْمُتَبَنَّى بِخِلَافِ امْرَأَةِ ابْنِ الصُّلْبِ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَبِ. وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا، أَيْ كَانَ قَضَاءُ اللَّهِ مَاضِيًا وَحُكْمُهُ نَافِذًا وَقَدْ قَضَى فِي زَيْنَبَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 38 الى 40]
مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (39) مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (40)
قوله تعالى: مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ، أَيْ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، سُنَّةَ اللَّهِ، أَيْ كَسُنَّةِ اللَّهِ، نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَقِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيْ الْزَمُوا سُنَّةَ اللَّهِ، فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، أَيْ فِي الْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِينَ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُمْ بِمَا أَحَلَّ لَهُمْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: أَرَادَ دَاوُدَ حِينَ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المرأة التي هو هَوِيَهَا [1] فَكَذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ زَيْنَبَ.
وَقِيلَ: أَشَارَ [2] بِالسُّنَّةِ إِلَى النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقِيلَ: إِلَى كَثْرَةِ الْأَزْوَاجِ مِثْلَ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً، قَضَاءً مَقْضِيًا كَائِنًا مَاضِيًا.
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ، يَعْنِي سُنَّةَ اللَّهِ فِي الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ، وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ، أي لَا يَخْشَوْنَ قَالَةَ النَّاسِ وَلَائِمَتَهُمْ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ، وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً، حَافِظًا لِأَعْمَالِ خَلْقِهِ وَمُحَاسِبَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ قَالَ النَّاسُ: إِنْ مُحَمَّدًا تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ، يَعْنِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، أَيْ لَيْسَ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمُ الَّذِينَ لَمْ يَلِدْهُمْ فَيَحْرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ زَوْجَتِهِ بَعْدَ فِرَاقِهِ إِيَّاهَا، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَبْنَاءٌ الْقَاسِمُ وَالطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ وَإِبْرَاهِيمُ وَكَذَلِكَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ.
«1722» فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْحَسَنِ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ؟» .
قِيلَ: هَؤُلَاءِ كَانُوا صِغَارًا لَمْ يَكُونُوا رِجَالًا. وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا: إِنَّهُ أَرَادَ أبا أحد من رجالكم [الذي
__________
1722- صحيح. أخرجه البخاري 2704 و3629 و3746 و7109 والنسائي 3/ 17 وأحمد 5/ 37- 38 والطبراني 2590 من طريق إسرائيل بن موسى.
- وأخرجه أبو داود 4662 والترمذي 3773 والطبراني 2953 من طريق الأشعث.
- وأخرجه أبو داود 4662 والنسائي في «اليوم والليلة» 251 وأحمد 5/ 49 من طريق علي بن يزيد.
- وأخرجه الطبراني 2592 من طريق يونس ومنصور.
- وأخرجه أحمد 5/ 44 والطبراني 2591 وابن حبان 6964 من طريق مبارك بن فضالة.
- كلهم عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مرفوعا، وقد صرّح الحسن عند غير واحد بالسماع من أبي بكرة.
(1) تصحف في المطبوع «هو بها» .
(2) في المطبوع «أراد» .
(3/645)

لم يلده] [1] ، وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ، خَتَمَ اللَّهُ بِهِ النُّبُوَّةَ.
وَقَرَأَ ابن عامر وعاصم: «خَاتَمَ» بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الِاسْمِ، أَيْ آخِرَهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ التَّاءِ عَلَى الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ خَتَمَ بِهِ النَّبِيِّينَ فَهُوَ خَاتَمُهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ لَوْ لَمْ أَخْتِمْ بِهِ النَّبِيِّينَ لَجَعَلْتُ لَهُ ابْنًا يَكُونُ بَعْدَهُ نَبِيًّا. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَكَمَ أَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ لَمْ يُعْطِهِ وَلَدًا ذَكَرًا يَصِيرُ رَجُلًا، وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً.
«1723» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ الخداشاهي أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بن مسلم الْجُورَبَذِيُّ أَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «مثلي ومثل الأنبياء [قبلي] [2] كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ، تُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بُنْيَانِهِ إِلَّا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ لَا يَعِيبُونَ سِوَاهَا فَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ موضع اللَّبِنَةِ، خُتِمَ بِيَ الْبُنْيَانُ وَخُتِمَ بِيَ الرُّسُلُ» .
«1724» أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ أَنَا عَلِيُّ [3] بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ أَنَا الهيثم بن كليب الشاشي أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ وغير واحد قالوا أنا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بن جبر بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم يقول: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ، وَالْعَاقِبُ الَّذِي ليس بعده نبي» .
__________
1723- إسناده صحيح. يونس بن عبد الأعلى ثقة روى له مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- ابن وهب هو عبد الله، ابن شهاب هو محمد بن مسلم، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف.
- وهو في «شرح السنة» 3514 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الآجري في «الشريعة» 1006 وابن حبان 6406 من طريقين عن ابن وهب به.
- وأخرجه الآجري 1005 من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزهري به.
- وأخرجه البخاري 3535 ومسلم 2286 وأحمد 2/ 398 والآجري 1004 وابن حبان 6405 والبيهقي في «الدلائل» 1/ 366 من طرق عن إسماعيل بن جعفر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أبي هريرة به.
- وأخرجه مسلم 2286 وأحمد 2/ 312 والآجري 1005 وفي «شرح السنة» 3513 من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ همّام عن أبي هريرة به.
- وأخرجه مسلم 2286 ح 20 والآجري 1007 وابن حبان 6407 من طرق عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عن أبي هريرة بنحوه.
1724- صحيح. سعيد بن عبد الرحمن ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- سفيان هو ابن عيينة، الزهري هو محمد بن مسلم.
- وهو في «شرح السنة» 3523 بهذا الإسناد.
- وهو في «سنن الترمذي» 2840 عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2354 والآجري في «الشريعة» 1026 وأحمد 4/ 80 وابن سعد في «الطبقات» 1/ 84 من طرق عن سفيان به.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) تصحف في المطبوع «عدي» .
(3/646)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 41 الى 44]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (44)
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَفْرِضِ الله تعالى فريضة على عباده إِلَّا جَعَلَ لَهَا حَدًّا مَعْلُومًا أعذر أهلها في حال العذر غير الذِّكْرُ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يُنْتَهَى إِلَيْهِ، وَلَمْ يَعْذُرْ أَحَدًا فِي تَرْكِهِ إِلَّا مَغْلُوبًا على عقله فلذلك أمرهم بِهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، فَقَالَ:
فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ [النِّسَاءِ: 103] . وَقَالَ: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً أَيْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَفِي الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ، وَفِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الذِّكْرُ الْكَثِيرُ أَنْ لَا تنساه أبدا.
وَسَبِّحُوهُ، أَيْ صَلُّوا لَهُ، بُكْرَةً، يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَأَصِيلًا، يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: وَأَصِيلًا صَلَاةُ [1] الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءَيْنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي قُولُوا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ العظيم، فَعَبَّرَ بِالتَّسْبِيحِ عَنْ أَخَوَاتِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ذِكْراً كَثِيراً هَذِهِ الْكَلِمَاتُ يَقُولُهَا الطَّاهِرُ وَالْجُنُبُ وَالْمُحْدِثُ.
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ، فَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ السُّدِّيُّ قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: أَيُصَلِّي رَبُّنَا فَكَبُرَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى مُوسَى، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ قُلْ لَهُمْ إِنِّي أُصَلِّي وَإِنَّ صَلَاتِي رَحْمَتِي، وَقَدْ وَسِعَتْ رَحْمَتِي كُلَّ شَيْءٍ، وَقِيلَ: الصَّلَاةُ من الله [الرحمة وَقِيلَ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ] [2] عَلَى الْعَبْدِ هِيَ إِشَاعَةُ الذِّكْرِ الْجَمِيلِ لَهُ فِي عِبَادِهِ. وَقِيلَ: الثَّنَاءُ عَلَيْهِ.
«1725» قَالَ أَنَسٌ: لَمَّا نَزَلَتْ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: 56] ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا خَصَّكَ اللَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِشَرَفٍ إِلَّا وَقَدْ أَشْرَكَنَا فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَوْلُهُ: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، أَيْ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ، يَعْنِي أَنَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَهِدَايَتِهِ وَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ لَكُمْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى النُّورِ، وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً.
تَحِيَّتُهُمْ، أَيْ تَحِيَّةُ الْمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، أَيْ يَرَوْنَ اللَّهَ، سَلامٌ، أَيْ يُسَلِّمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَيُسَلِّمُهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ.
__________
- وأخرجه البخاري 3532 و4896 ومسلم 2354 والترمذي في «الشمائل» 359 وأحمد 4/ 84 والدارمي 2/ 317- 318 وابن سعد 1/ 84 والآجري 1025 وابن أبي شيبة 11/ 457 وعبد الرزاق 19657 والحميدي 555 وابن حبان 6313 والطبراني 1520- 1530 وأبو نعيم في «الدلائل» 19 والبيهقي في «الدلائل» 1/ 152 و153 و154 من طرق عن الزهري به.
- وأخرجه الطيالسي 924 وأحمد 14/ 81 و83 وابن سعد 1/ 83 وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» 3445 والطحاوي 2/ 50 والآجري 1027 والطبراني 1563 والبيهقي 1/ 155 و156 من طريقين عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ أبيه بنحوه، وفيه زيادة «وأنا الخاتم» .
1725- لم أره مسندا، وهو غريب جدا، وهو شبه موضوع حيث لم يذكره من أصل التفسير سوى المؤلف، وبدون إسناد، والله أعلم.
(1) في المخطوط «صلوا» .
(2) زيادة من المخطوط. [.....]
(3/647)

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45)
وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يُلْقَوْنَهُ» يَعْنِي يَلْقَوْنَ مَلَكَ الْمَوْتِ، لَا يَقْبِضُ رُوحَ مُؤْمِنٍ إِلَّا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا جاء [1] ملك الموت لقبض [2] روح المؤمن قال: إن رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ.
وَقِيلَ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ وَتُبَشِّرُهُمْ حِينَ يُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً، يعني الجنة.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 45 الى 49]
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (47) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (48) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (49)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) ، أَيْ شَاهِدًا لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ وَمُبَشِّرًا لِمَنْ آمَنَ بِالْجَنَّةِ وَنَذِيرًا لِمَنْ كَذَّبَ [بِآيَاتِنَا] [3] بِالنَّارِ.
وَداعِياً إِلَى اللَّهِ، إِلَى تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، بِإِذْنِهِ، بِأَمْرِهِ، وَسِراجاً مُنِيراً، سَمَّاهُ سِرَاجًا لِأَنَّهُ يُهْتَدَى بِهِ كَالسِّرَاجِ يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي الظُّلْمَةِ.
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (47) .
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ، ذَكَرْنَا تَفْسِيرَهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَدَعْ أَذاهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَا تُجَازِهِمْ عَلَيْهِ وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3) ، حَافِظًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ قبل النكاح غبر وَاقِعٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ الطَّلَاقَ عَلَى النِّكَاحِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ إِذَا نَكَحْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَنَكَحَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَمُعَاذٍ وَعَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ وَشُرَيْحٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْقَاسِمُ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ عَيَّنَ امْرَأَةً يَقَعُ، وَإِنْ عَمَّ فَلَا يَقَعُ.
وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَذَبُوا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، إِنْ كَانَ قَالَهَا فَزَلَّةٌ من عالم في [أن] [4] الرَّجُلِ يَقُولُ إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَ
، وَلَمْ يَقِلْ إِذَا طَلَّقْتُمُوهُنَّ ثُمَّ نكحتموهن.
__________
(1) في المطبوع «جاءك» .
(2) في المطبوع «ليقبض» .
(3) زيد في المطبوع.
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/648)

«1726» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أبو إسحاق الثعلبي أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ [1] أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ النهاوندي أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ النَّيْسَابُورِيُّ بِمَكَّةَ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا أيوب بن سويد أَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ عطاء عَنْ جَابِرٍ [قَالَ] [2] : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا طلاق قبل النكاح» .
__________
1726- صحيح بطرقه وشواهده.
- إسناده ضعيف، أيوب بن سويد ضعيف، وابن أبي ذئب لم يسمعه من عطاء، لكن للحديث طرق وشواهد يصح بها إن شاء الله.
- ابن أبي ذئب هو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ المغيرة، عطاء هو ابن أبي رباح.
- وأخرجه الحاكم 2/ 420 والبيهقي 7/ 319 من طريق وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عن عطاء ومحمد بن المنكدر عن جابر به.
- وأخرجه الطيالسي 1682 ومن طريقه البيهقي 7/ 319 من طريق صدقة بن عبد الله عن محمد بن المنكدر عن جابر به.
- وأخرجه البيهقي من طريق هرم بن عثمان عن ابني جابر- عبد الرحمن ومحمد- عن أبيهما، وأبي عتيق عن جابر به.
- وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن أبي عتيق، وأبي عبس عن جابر.
- وللحديث شواهد منها:
1- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
أخرجه أبو داود 2190 و2191 و2192 والترمذي 1181 وابن ماجه 2047 والطحاوي في «المشكل» 660 والدارقطني 4/ 14 و15 والحاكم 2/ 305 وأحمد 2/ 189 و190 و702 والطيالسي 2265 والبيهقي 7/ 318.
قال الترمذي: حسن صحيح، وهو أحسن شيء في هذا الباب، وهو قول أكثر أهل العلم اهـ.
قال ابن حجر في «التلخيص» 3/ 211: قال البيهقي في «الخلافيات» : قال البخاري: أصح شيء فيه، وأشهر حديث عمرو بن شعيب.
2- حديث علي:
أخرجه ابن ماجه 2049 وابن عدي 1/ 362 والبغوي في «شرح السنة» 2343.
قال البوصيري في «الزوائد» إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف جويبر بن سعيد.
- قلت: جويبر متروك الحديث، لكن توبع.
- فقد أخرجه الطحاوي في «المشكل» 658 والطبراني في «الصغير» 266، وإسناده حسن في الشواهد، وقال الهيثمي 4/ 334: رجاله ثقات.
3- وحديث ابن عمر:
أخرجه الدارقطني 4/ 16 وابن عدي 4/ 73 والحاكم 2/ 419 من طريقين عن ابن عمر وإسناده ضعيف.
- قال ابن عدي: وهذا الحديث حدثناه ابن صاعد، ولا يعرف إلّا به سرقه صالح من ابن صاعد حتى لا يفوته الحديث.
4- المسور بن مخرمة:
أخرجه ابن ماجه 2048 وابن عدي 7/ 109.
قال البوصيري في «الزوائد» : هذا إسناده حسن علي بن الحسين، وهشام بن سعد مختلف فيهما.
وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» 3/ 211: حسن الإسناد.
- قلت: هشام ضعفه غير واحد، لكن يصلح للاعتبار بحديثه.
5- حديث عائشة:
(1) تصحف في المطبوع «الديموري» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3/649)

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، تُجَامِعُوهُنَّ، فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها، تُحْصُونَهَا بِالْأَقْرَاءِ وَالْأَشْهُرِ، فَمَتِّعُوهُنَّ، أَيْ أَعْطُوهُنَّ مَا يَسْتَمْتِعْنَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا فَلَهَا الْمُتْعَةُ فَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَضَ لَهَا صَدَاقًا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَا مُتْعَةَ لَهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [الْبَقَرَةِ: 237] ، وَقِيلَ:
هَذَا أَمْرُ نَدَبٍ فَالْمُتْعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ لَهَا مَعَ نِصْفِ الْمَهْرِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى إِنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْمُتْعَةَ بِكُلِّ حَالٍ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا، خَلُّوا سَبِيلَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ ضرار.

[سورة الأحزاب (33) : آية 50]
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (50)
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ، أَيْ مُهُورَهُنَّ، وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ، رَدَّ عَلَيْكَ مِنَ الْكَفَّارِ بِأَنْ تَسْبِيَ فَتَمْلِكَ مِثْلَ صَفِيَّةَ وَجُوَيْرِيَةَ، وَقَدْ كَانَتْ مَارِيَةُ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَوَلَدَتْ لَهُ [إِبْرَاهِيمَ] [1] ، وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ، يَعْنِي نِسَاءَ قُرَيْشٍ، وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ، يَعْنِي نِسَاءَ بَنِي زُهْرَةَ، اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ، إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَنْ لَمْ تُهَاجِرْ مِنْهُنَّ مَعَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُهَا.
«1727» وَرَوَى أبو صالح عن أم هانىء أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ خَطَبَنِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فلم
__________
- أخرجه الحاكم 2/ 419 وسكت عليه وكذا الذهبي، وإسناده ضعيف، وأخرجه البيهقي 7/ 321 عن عائشة موقوفا، ومع ذلك له حكم الرفع.
6- وحديث أبي ثعلبة الخشني أخرجه الدارقطني 4/ 36.
قال الزيلعي في «نصب الراية» 3/ 233: قال صاحب التنقيح: وهذا أيضا باطل وعلي بن قرين كذبه يحيى بن معين، وغيره، وقال ابن عدي يسرق الحديث.
7- حديث ابن عباس:
أخرجه ابن عدي 4/ 57 و2/ 290 والحاكم 2/ 419 والبيهقي 7/ 320 بإسنادين، ورجال المستدرك وثقوا.
8- حديث معاذ بن جبل:
أخرجه الحاكم 2/ 419 والبيهقي 7/ 320 وإسناده ضعيف فيه عنعنة ابن جريج، وطاوس عن معاذ منقطع.
- وأخرجه ابن عدي 5/ 66 من طريق آخر، وأعله بعمر بن عمرو وأنه حديث بالبواطيل.
- الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده.
1727- صدره صحيح له شواهد، وعجزه ضعيف جدا.
- أخرجه الترمذي 3214 وابن سعد 8/ 121 والحاكم 2/ 185 و224 و4/ 53 والبيهقي 7/ 54 وابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» 3/ 613 من طرق عن إسرائيل عن السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ أم هانىء به.
- وإسناده ضعيف جدا، لأجل أبي صالح، واسمه باذام، ضعفه غير واحد، واتهمه بعضهم بالكذب.
- والحديث ضعفه ابن العربي جدا، وصححه الحاكم! ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح!!.-
(1) زيادة عن المخطوط.
(3/650)

تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51)
أَحِلُّ لَهُ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ وَكُنْتُ مِنَ الطُّلَقَاءِ.
ثُمَّ نُسِخَ شَرْطُ الْهِجْرَةِ فِي التَّحْلِيلِ، وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ أَحْلَلْنَا لَكَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِذَا وَهَبَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَحِلُّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِكَاحُ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ بِالْمَهْرِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً، وَأَوَّلَ بَعْضُهُمُ الْهِجْرَةَ فِي قَوْلِهِ: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَيْ أَسْلَمْنَ مَعَكَ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ غَيْرِ الْمُسْلِمَةِ وَكَانَ النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ فِي حَقِّهِ بِمَعْنَى الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَلَا مَهْرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ وَوُجُوبِ تَخْيِيرِ النِّسَاءِ كَانَ من خصائصه لا مُشَارَكَةَ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِيهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ أَوِ التزويج، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَمَنْ قَالَ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ اخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْعَقِدُ في حقه بِلَفْظِ الْهِبَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ كَمَا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها، وَكَانَ اخْتِصَاصُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَرْكِ الْمَهْرِ لَا فِي لَفْظِ النِّكَاحِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَلْ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ وَهَبَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ إِلَّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ.
وَقَوْلُهُ: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها عَلَى طَرِيقِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَوْهُوبَةً.
وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةُ، يُقَالُ لَهَا أُمُّ الْمَسَاكِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ:
هِيَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: هِيَ أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ جَابِرٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنْ بني سليم. قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ، أَيْ أَوْجَبْنَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فِي أَزْواجِهِمْ، مِنَ الْأَحْكَامِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجُوا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ وَلَا يَتَزَوَّجُوا إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ وَمَهْرٍ، وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ، أَيْ مَا أَوْجَبْنَا مِنَ الْأَحْكَامِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَوَّلِ الْآيَةِ أَيْ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَالْمَوْهُوبَةَ لَكَ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرِجٌ وَضِيقٌ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 51 الى 52]
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (51) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (52)
تُرْجِي، تُؤَخِّرُ، مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي، أَيْ تَضُمُّ، إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ، اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى
(3/651)

الْآيَةِ فَأَشْهَرُ الْأَقَاوِيلِ أَنَّهُ فِي الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ وَذَلِكَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بينهن في القسم [كان وَاجِبًا] [1] عَلَيْهِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ سَقَطَ عَنْهُ وَصَارَ الِاخْتِيَارُ إِلَيْهِ فِيهِنَّ.
«1728» قَالَ أَبُو رَزِينٍ وَابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حِينَ غَارَ بَعْضُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلَبَ بِعَضُهُنَّ زِيَادَةَ النَّفَقَةِ فَهَجَرَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وأن بخلي سَبِيلَ مَنِ اخْتَارَتِ الدُّنْيَا وَيُمْسِكَ مَنِ اخْتَارَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، عَلَى أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يُنْكَحْنَ أَبَدًا وَعَلَى أَنَّهُ يُؤْوِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ وَيُرْجِي مَنْ يَشَاءُ فَيَرْضَيْنَ بِهِ قَسَمَ لَهُنَّ أَوْ لَمْ يَقْسِمْ، أَوْ قَسَمَ لِبَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ أَوْ فَضَّلَ بِعَضَهُنَّ فِي النَّفَقَةِ وَالْقِسْمَةِ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ يَفْعَلُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ فَرَضَيْنَ بِذَلِكَ وَاخْتَرْنَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ أَخْرَجَ أَحَدًا منهن عَنِ الْقَسْمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُخْرِجْ أَحَدًا بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ إِلَّا سَوْدَةُ فَإِنَّهَا رَضِيَتْ بِتَرْكِ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ، وَجَعَلَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَقِيلَ: أَخْرَجَ بَعْضَهُنَّ.
«1729» رَوَى جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبي رزين قال: لما نزلت آية التَّخْيِيرُ أَشْفَقْنَ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ فَقُلْنَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا مِنْ مَالِكَ وَنَفْسِكَ مَا شِئْتَ وَدَعْنَا عَلَى حَالِنَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَأَرْجَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَهُنَّ وَآوَى إِلَيْهِ بَعْضَهُنَّ، وَكَانَ مِمَّنْ آوَى إِلَيْهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَزَيْنَبُ وَأُمُّ سَلَمَةَ، فَكَانَ يَقَسِمُ بَيْنَهُنَّ سَوَاءً، وَأَرْجَى مِنْهُنَّ خَمْسًا أُمَّ حَبِيبَةَ وَمَيْمُونَةَ وَسَوْدَةَ وَصَفِيَّةَ وَجُوَيْرِيَةَ، فَكَانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ مَا شَاءَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ يَعْنِي تَعْزِلُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَتَرُدُّ إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ بَعْدَ الْعَزْلِ بِلَا تَجْدِيدِ نكاح [2] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُطَلِّقُ [مَنْ تَشَاءُ] مِنْهُنَّ وَتُمْسِكُ مَنْ تَشَاءُ.
«1730» وَقَالَ الْحَسَنُ: تَتْرُكُ نِكَاحَ مَنْ شِئْتَ وَتَنْكِحُ مَنْ شِئْتَ مِنْ نساء أمتك، قال: وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
__________
- وصدر الحديث مخطوط، وهو كون النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبها، والوهن في كلام أم هانىء عقب الحديث حيث تفرد بذلك أبو صالح.
- وصدر الحديث محفوظ فقد أخرج مسلم 2527 وعبد الرزاق 20603 وأحمد 2/ 296 و275 وابن حبان 6268 من طريق مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم خطب أم هانىء بنت أبي طالب، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قد كبرت، ولي عيال، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: «خير نساء ركبن الإبل، صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» .
- وورد من مرسل الشعبي أخرجه ابن سعد 8/ 120 وكرره من مرسل أبي نوفل.
- الخلاصة: صدر الحديث صحيح، وأما عجزه وذكر الآية، فهو ضعيف جدا، وانظر «أحكام القرآن» 1813.
1728- أثر أبي رزين هو الآتي.
- وأثر ابن زيد، أخرجه الطبري 28575، وانظر ما بعده.
1729- ضعيف. أخرجه الطبري 28569 من طريق جرير، و28567 من طريق عمر وكلاهما عن منصور به، وهذا مرسل، فهو ضعيف.
- وانظر «أحكام القرآن» 1822.
1730- مرسل. أخرجه الطبري 28571 عن الحسن مرسلا. [.....]
(1) في المطبوع «كانت واجبة» .
(2) في المطبوع «عقد» .
(3/652)

إِذَا خَطَبَ امْرَأَةً لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ خِطْبَتُهَا حَتَّى يَتْرُكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: تَقْبَلُ مَنْ تَشَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ اللَّاتِي يَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لَكَ فَتُؤْوِيهَا إِلَيْكَ وَتَتْرُكُ مَنْ تَشَاءُ فَلَا تَقْبَلُهَا.
«1731» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [1] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سلام أنا ابن فضيل أنا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تستحي امرأة أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟ فَلَمَّا نَزَلَتْ: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هواك.
قوله تعالى: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ، أَيْ طَلَبْتَ وَأَرَدْتَ أَنْ تُؤْوِيَ إِلَيْكَ امْرَأَةً مِمَّنْ عَزَلْتَهُنَّ عَنِ الْقَسْمِ، فَلا جُناحَ عَلَيْكَ لَا إِثْمَ عَلَيْكَ فَأَبَاحَ اللَّهُ لَهُ تَرْكَ الْقَسْمِ لَهُنَّ حَتَّى إِنَّهُ لَيُؤَخِّرُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ فِي نَوْبَتِهَا وَيَطَأُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ فِي غَيْرِ نَوْبَتِهَا، وَيَرُدُّ إِلَى فِرَاشِهِ مَنْ عَزَلَهَا تَفْضِيلًا لَهُ عَلَى سَائِرِ الرِّجَالِ، ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ، أَيِ التَّخْيِيرُ الَّذِي خَيَّرْتُكَ فِي صُحْبَتِهِنَّ أَقْرَبُ إِلَى رِضَاهُنَّ وَأَطْيَبُ لِأَنْفُسِهِنَّ وَأَقَلُّ لِحُزْنِهِنَّ إِذَا عَلِمْنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ، أَعْطَيْتَهُنَّ، كُلُّهُنَّ، من تقريب [2] وَإِرْجَاءٍ وَعَزْلٍ وَإِيوَاءٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ وَالْمَيْلِ إِلَى بَعْضِهِنَّ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً.
قوله تعالى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ: «لَا تَحِلُّ» بِالتَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ مِنْ بَعْدُ يَعْنِي مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ التِّسْعِ اللَّاتِي خَيَّرْتَهُنَّ فَاخْتَرْنَكَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَيَّرَهُنَّ فَاخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ شَكَرَ اللَّهُ لَهُنَّ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ النِّسَاءَ سِوَاهُنَّ وَنَهَاهُ عَنْ تَطْلِيقِهِنَّ وَعَنِ الِاسْتِبْدَالِ بِهِنَّ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ أُبِيحَ لَهُ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ؟
«1732» قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا مَاتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ سواهن.
__________
1731- إسناده صحيح على شرط البخاري، فقد تفرد عن محمد بن سلام، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- ابن فضيل هو محمد.
- وهو في «صحيح البخاري» 5113 عن محمد بن سلام بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4788 ومسلم 1464 والنسائي 6/ 54 وابن ماجه 2000 وأحمد 6/ 158 والحاكم 2/ 436 وابن حبان 6367 والطبري 28574 والبغوي في «شرح السنة» 2262 من طرق عن هشام به.
1732- أثر عائشة، أخرجه الترمذي 3216 والنسائي 6/ 56 وأحمد 6/ 41 والحميدي 325 وابن سعد 8/ 140 والبيهقي 7/ 54 من طريق عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عن عائشة.
- ورجاله رجال الشيخين، فالإسناد صحيح إن كان عطاء سمعه من عائشة والظاهر أنه لم يسمعه منها كما سيأتي.
- وأخرجه الطبري 28594 من طريق ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ عائشة.
- وأخرجه أحمد 6/ 180 و201 والنسائي 6/ 56 وفي «التفسير» 435 وابن سعد 8/ 141 والطحاوي في «المشكل» 522 وابن حبان 6366 والطبري 28598 والبيهقي 7/ 54 من طريق ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ به.
- ورجاله رجال البخاري ومسلم، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.-
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «تقرير» .
(3/653)

وَقَالَ أَنَسٌ: مَاتَ عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ: مَعْنَى الْآيَةِ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ إِلَّا اللَّاتِي أَحْلَلْنَا لَكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ [الأحزاب: 50] الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ إِلَّا الَّتِي أَحْلَلْنَا لَكَ بِالصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. وَقِيلَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لَوْ مَاتَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَانَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ؟ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ؟ قِيلَ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ، قَالَ: إِنَّمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ ضَرْبًا من النساء [من بعد النِّسَاءِ] [1] ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ [الأحزاب: 50] ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أُمِرَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ أَعْرَابِيَّةً وَلَا عَرَبِيَّةً، وَيَتَزَوَّجَ مِنْ نِسَاءِ قَوْمِهِ مِنْ بَنَاتِ الْعَمِّ والعمة [والخال] [2] وَالْخَالَةِ إِنْ شَاءَ ثَلَاثَمِائَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ لَكَ الْيَهُودِيَّاتُ وَلَا النَّصْرَانِيَّاتُ بَعْدَ الْمُسْلِمَاتِ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ، يَقُولُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِالْمُسْلِمَاتِ غَيْرَهُنَّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَقُولُ لَا تَكُونُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ يَهُودِيَّةً وَلَا نَصْرَانِيَّةً، إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، أَحَلَّ لَهُ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ مِنَ الْكِتَابِيَّاتِ أَنْ يَتَسَرَّى بِهِنَّ.
وروي عن الضحاك: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ أي وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِأَزْوَاجِكَ اللَّاتِي هنّ في حبالتك [3] أَزْوَاجًا غَيْرَهُنَّ بِأَنْ تُطَلِّقَهُنَّ فَتَنْكِحَ غَيْرَهُنَّ فَحَرَّمَ عَلَيْهِ طَلَاقَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ عِنْدَهُ إِذْ جَعَلَهُنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَرَّمَهُنَّ عَلَى غَيْرِهِ حِينَ اخْتَرْنَهُ، فَأَمَّا نِكَاحُ غَيْرِهِنَّ فَلَمْ يُمْنَعْ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ، كَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَادَلُونَ بِأَزْوَاجِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: بَادِلْنِي بِامْرَأَتِكَ وَأُبَادِلُكَ بِامْرَأَتِي تَنْزِلُ لِي عَنِ امْرَأَتِكَ وَأَنْزِلُ لَكَ عَنِ امْرَأَتِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ، يَعْنِي لَا تُبَادِلُ بِأَزْوَاجِكَ غَيْرَكَ بِأَنْ تُعْطِيَهُ زَوْجَكَ وَتَأْخُذَ زَوْجَتَهُ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [أي] [4] لَا بَأْسَ أَنْ تُبَدِّلَ بِجَارِيَتِكَ مَا شِئْتَ، فَأَمَّا الْحَرَائِرُ فَلَا.
«1733» وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عُيَيْنَةُ فَأَيْنَ الِاسْتِئْذَانُ» ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا اسْتَأْذَنْتُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ مُضَرَ مُنْذُ أَدْرَكْتُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ هَذِهِ الْحُمَيْرَاءُ إِلَى جَنْبِكَ؟ فَقَالَ: هَذِهِ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: أفلا أنزل
__________
- وأخرجه ابن سعد 8/ 140 من طريق عطاء ومحمد بن علي عن عائشة، وفيه الواقدي متروك الحديث.
- وورد هذا الخبر عن أم سلمة أخرجه الطحاوي في «المشكل» 524.
- وإسناده ساقط، فيه عمر بن أبي بكر الموصلي، وهو متروك.
- وأخرجه ابن سعد 8/ 194 من وجه آخر، وفيه الواقدي متروك.
1733- ضعيف جدا. أخرجه الدارقطني 3/ 218 والبزار 2251 من حديث أبي هريرة.
- قال البزار: إسحاق بن أبي فروة لين الحديث جدا، ولا نحفظه إلّا عنه.
- ووافقه ابن كثير، وقال الهيثمي في «المجمع» 7/ 92: إسحاق متروك.
- وقال الحافظ في «الفتح» : هو حديث ضعيف جدا اهـ- نقله الآبادي في «التعليق المغني» 3/ 218.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع وط «حيالك» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/654)

لك عن أحسن الخلق [وتنزل لي عن هذه] [1] ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ» ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ هَذَا يَا رَسُولَ الله؟ فقال: «هذا أحمق مطاوع وَإِنَّهُ عَلَى مَا تَرَيْنَ لَسَيِّدُ قومه» .
قوله تعالى: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ، يَعْنِي لَيْسَ لَكَ أَنْ تُطَلِّقَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِكَ وَتَنْكِحَ بَدَلَهَا أُخْرَى وَلَوْ أَعْجَبَكَ جَمَالُهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةَ امْرَأَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا اسْتُشْهِدَ جَعْفَرُ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْطِبَهَا فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَلَكَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مَارِيَةَ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً، حَافِظًا. وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى مَنْ يُرِيدُ نِكَاحَهَا مِنَ النِّسَاءِ.
«1734» رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ» .
«1735» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن يوسف الجويني أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ علي بن شريك الشافعي أنا
__________
1734- صحيح بشواهده. أخرجه أبو داود 2082 وأحمد 3/ 334 من طريق ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن واقد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بن معاذ عن جابر به.
- قال الذهبي في «الميزان» 4/ 330: واقد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بن معاذ عن جابر، تفرد عنه داود بن حصين، فلا يدرى من ذا إلّا أن يكون واقد بن عمرو، فقد روى له مسلم.
- وأخرجه الحاكم 2/ 165 والطحاوي في «المعاني» 3/ 14 والبيهقي 7/ 85 من طريق ابن إسحاق عن داود عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ عن جابر به.
وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
- وقال الحافظ في «التلخيص» 3/ 147: وأعله ابن القطان بواقد بن عبد الرحمن.
وقال المعروف واقد بن عمرو.
وفي الباب من حديث أبي حميد «إذا خطب أحد امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما كان ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تعلم» .
أخرجه أحمد 5/ 424 والبزار 1418 والطبراني في «الأوسط» 915 والطحاوي في «المعاني» 3/ 14.
وقال الهيثمي في «المجمع» 4/ 276: ورجال أحمد رجال الصحيح.
- الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، وانظر ما بعده.
1735- صحيح. أحمد بن حرب صدوق، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- أبو معاوية محمد بن خازم.
- وهو في «شرح السنة» 2240 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 4/ 246 وسعيد بن منصور 517 والدارقطني 3/ 252 وابن الجارود 675 والطحاوي في «المعاني» 3/ 14 والبيهقي 7/ 84 من طرق عن أبي معاوية به.
- وأخرجه الترمذي 1087 والنسائي 6/ 69- 70 وسعيد بن منصور 516 و518 وأحمد 4/ 244- 245 والطحاوي 3/ 14 والدارمي 2/ 134 والبيهقي 4/ 285.
- من طرق عن عاصم به.
- وأخرجه ابن ماجه 1866 والدارقطني 3/ 253 من طريق ثابت عن بكر بن عبد الله المزني به.
- وأخرجه ابن ماجه 1865 وابن الجارود 676 وابن حبان 4043 والدارقطني 3/ 353 والحاكم 2/ 165 والبيهقي 7/-[.....]
(1) سقط من المخطوط.
(3/655)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مسلم الجوربذي قال: أنا أحمد بن حرب أنا أبو معاوية عن عاصم وهو ابْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا» ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» .
«1736» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن حامد أنا حامد بن محمد أنا بشر بن موسى أنا الحميدي أنا سفيان [1] أنا يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ يَعْنِي الصغر.

[سورة الأحزاب (33) : آية 53]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (53)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، الْآيَةَ. قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شَأْنِ وَلِيمَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ بَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
«1737» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [2] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أنا
__________
- 84 من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثابت عن أنس أن المغيرة بن شعبة خطب امرأة.... فذكره.
- وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وإسناده على شرط الشيخين.
1736- صحيح. بشر بن موسى قد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال الصحيح.
- الحميدي هو عبد الله بن الزبير، أبو حازم هو سلمة بن دينار.
- وهو في «مسند الحميدي» 1172 عن سفيان بهذا الإسناد.
- وأخرجه الطحاوي في «المعاني» 3/ 14 من طريق الحميدي به.
- وأخرجه مسلم 1424 والنسائي 6/ 77 وأحمد 2/ 299 وابن حبان 4041 و4044 والدارقطني 3/ 253 وسعيد بن منصور 3/ 253 والبيهقي 7/ 84 من طرق عن سفيان به.
- وأخرجه مسلم 1424 ح 75 والنسائي من طريقين عن يزيد بن كيسان به.
- وأخرجه الطحاوي في «المشكل» 5058 من طريق ابن عيينة عن أبي إسماعيل يزيد بن كيسان به.
1737- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- الليث هو ابن سعد، عقيل هو ابن خالد، ابن شهاب هو محمد بن مسلم.
- وهو في «صحيح البخاري» 5166 عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِهَذَا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 6238 ومسلم 1428 ح 93 وأحمد 3/ 168 و236 وابن سعد 8/ 106- 107 والطبري 28607 والطبراني 24/ (130) (131) والبيهقي 7/ 87 من طريق الزهري به.
وانظر حديث أنس المتقدم عند آية: 37 من هذه السورة.
(1) تصحف في المطبوع «سعيد» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3/656)

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أنس بن مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدِمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: وكانت أم هانىء تُوَاظِبُنِي عَلَى خِدْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الْحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ فَكَانَ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ فِي مُبْتَنَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، أَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا عَرُوسًا فَدَعَا الْقَوْمَ فَأَصَابُوا مِنَ الطَّعَامِ ثُمَّ خَرَجُوا، وَبَقِيَ رَهْطٌ مِنْهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطَالُوا الْمُكْثَ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ لِكَيْ يَخْرُجُوا، فَمَشَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ومشيت حتى جاء [عتبة] [1] حُجْرَةَ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ فإذا هم جلوس لم يقوموا، فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ السِّتْرَ، وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ.
«1738» وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ، وَاسْمُهُ الْجَعْدُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: فَدَخَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ وَأَرْخَى السِّتْرَ وَإِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّعَامِ إِلَى أَنْ يُدْرَكَ ثُمَّ يَأْكُلُونَ وَلَا يَخْرُجُونَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَذَّى بِهِمْ، فَنَزَلَتْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ يَقُولُ إِلَّا أَنْ تُدْعَوْا، إِلى طَعامٍ، فَيُؤْذَنُ لَكُمْ فَتَأْكُلُونَهُ، غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ، غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ إِدْرَاكَهُ وَوَقْتَ نُضْجِهِ، يُقَالُ أَنَى الْحَمِيمُ إِذَا انْتَهَى حَرُّهُ، وَإِنَى أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إِذَا حَانَ، إِنَى بكسر الهمزة مقصورة، فإذا فتحها مَدَدْتَ فَقُلْتَ الْإِنَاءَ، وَفِيهِ لُغَتَانِ إِنَى يَأْنَى وَآنَ يَئِينُ مِثْلَ حَانَ يَحِينُ، وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ، أَكَلْتُمُ الطَّعَامَ، فَانْتَشِرُوا، تَفَرَّقُوا وَاخْرُجُوا مِنْ مَنْزِلِهِ، وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ، وَلَا طَالِبِينَ الْأُنْسَ لِلْحَدِيثِ، وَكَانُوا يَجْلِسُونَ بَعْدَ الطَّعَامِ يَتَحَدَّثُونَ طَوِيلًا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، أَيْ لَا يَتْرُكُ تَأْدِيبَكُمْ وَبَيَانَ الْحَقِّ حَيَاءً، وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أَيْ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ، فَبَعْدَ آيَةِ الْحِجَابِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى امْرَأَةٍ [مِنْ نِسَاءِ] [2] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متنقبة كانت أو غير متنقبة، ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ مِنَ الرَّيْبِ، وَقَدْ صَحَّ فِي سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ مَا:
«1739» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [3] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عَقِيلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أزواج
__________
1738- ذكره البخاري في «صحيحه» 5163 معلقا عن إبراهيم عن أبي عثمان به مطوّلا، وفيه غرابة بهذا اللفظ، والصحيح الحديث المتقدم.
- إبراهيم هو ابن طهمان، وأبو عثمان هو الجعد بن دينار.
1739- إسناده صحيح على شرط الشيخين.
- الليث بن سعد، عقيل بن خالد، ابن شهاب محمد بن مسلم، عروة بن الزبير بن العوام.-
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/657)

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْجُبْ نِسَاءَكَ فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلْ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ حِرْصًا عَلَى أن ينزل الحجاب، فأنزل الْحِجَابِ.
«1740» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ محمد بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ [1] أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ أَنَا يَزِيدُ بن هارون أنا حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عمر: وافقني ربي في ثلاثة، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى] [2] ، وَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ، قَالَ:
وَبَلَغَنِي بَعْضُ مَا آذَى [3] بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاؤُهُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عليهنّ فجعلت اسْتَقْرِبُهُنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، قُلْتُ: وَاللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ، أَوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى زَيْنَبَ فَقَالَتْ: يَا عُمَرُ مَا كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [أي] [4] لَيْسَ لَكُمْ أَذَاهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً.
«1741» نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَئِنْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْكِحَنَّ عَائِشَةَ.
__________
- وهو في «صحيح البخاري» 146 عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِهَذَا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2170 ح 18 والطبري 28619 من طريقين عن الزهري به.
- وأخرجه البخاري 6240 من طريق صالح بن كيسان عن الزهري به.
- وأخرجه البخاري 4795 ومسلم 2170 والبيهقي 7/ 88 من طريق أبي أُسَامَةَ عَنْ هُشَامٍ عَنْ أَبِيهِ به.
- وأخرجه البخاري 5237 ومسلم 2170 من طريق علي بن مسهر عن هشام عن عروة به.
- وأخرجه مسلم 2170 وأحمد 6/ 56 من طريق ابن نمير عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيه به.
- وأخرجه أبو يعلى 4433 وابن حبان 1409 من طريق محمد بن عبد الرحمن الطغاوي عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيه به.
1740- صحيح. عبد الرحيم مجهول، لكن توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- حميد هو ابن أبي حميد الطويل.
- وهو في «شرح السنة» 3780 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4483 وأحمد 1/ 24 و36- 37 وابن حبان 6896 من طرق عن حميد به.
- وأخرجه البخاري 402 وأحمد 1/ 23- 24 من طريق هشيم عن حميد أنس بنحوه.
1741- أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» 2372 عن قتادة مرسلا «أن رجلا قال: لو قد قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الغد تزوجت فلانة يعني عائشة فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا ...
- وورد من مرسل عبد الرحمن بن زيد، أخرجه الطبري 28623 وابن زيد ليس بشيء.
- وورد من مرسل أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عمرو بن حزم قال: نزلت في طلحة بن عبيد الله لأنه قال: إذا توفي رسول الله تزوجت عائشة أخرجه ابن سعد 8/ 162 وفيه الواقدي ساقط الحديث متروك، فلا فائدة من هذا الشاهد.
- وورد عن ابن عباس موصولا أخرجه البيهقي 7/ 69 من طريق مهران بن أبي عمر عن الثوري عنه قال: قال رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم: لو قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة وأم سلمة فأنزل الله عزّ وجلّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا-[.....]
(1) تصحف في المطبوع «الجيري» .
(2) سقط من المطبوع.
(3) في المخطوط «آذين» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/658)

إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54)
قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: هُوَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَقَالَ: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً، أَيْ ذَنْبًا عَظِيمًا.
«1742» وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْعَالِيَةَ بِنْتَ ظَبْيَانَ الَّتِي طلقها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا وَوَلَدَتْ لَهُ وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 54 الى 56]
إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (54) لَا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (55) إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)
إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً، نَزَلَتْ فِيمَنْ أَضْمَرَ نِكَاحَ عَائِشَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا بَالُنَا نُمْنَعُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى بَنَاتِ أَعْمَامِنَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ قَالَ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ وَالْأَقَارِبُ: وَنَحْنُ أَيْضًا نُكَلِّمُهُنَّ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ، أَيْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِجَابِ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلا نِسائِهِنَّ، قِيلَ أَرَادَ بِهِ النِّسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِلْكِتَابِيَّاتِ الدُّخُولُ عَلَيْهِنَّ، وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي الْمُسْلِمَاتِ وَالْكِتَابِيَّاتِ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَلا نِسائِهِنَّ، لأنهنّ بين أَجْنَاسِهِنَّ، وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ عَبْدَ الْمَرْأَةِ هَلْ يَكُونُ مُحَرَّمًا لَهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ يَكُونُ مُحَرَّمًا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ كَالْأَجَانِبِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْإِمَاءُ دُونَ الْعَبِيدِ، وَاتَّقِينَ اللَّهَ أَنْ يَرَاكُنَّ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، مِنْ أعمال العباد شَهِيداً.
قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَرَادَ إِنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ النَّبِيَّ، وَالْمَلَائِكَةُ يَدْعُونَ لَهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: يُصَلُّونَ يَتَبَرَّكُونَ. وَقِيلَ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ، أَيِ ادْعُوَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، أَيْ حَيُّوهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: صَلَاةُ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ.
«1743» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ [1] أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُمَيْدِيُّ أَنَا [أَبُو] [2] عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن عبد الله
__________
- النَّبِيِّ ... » .
وإسناده ضعيف لضعف مهران في روايته عن الثوري خاصة.
- وهذه الروايات تتأيد بمجموعها، ويعلم أن له أصلا، فهو حسن أو يقرب الحسن، وانظر «أحكام القرآن» 1838.
1742- ضعيف جدا. أخرجه البيهقي 7/ 73 من طريق يونس عن الزهري مرسلا. ومراسيل الزهري واهية.
1743- إسناده صحيح على شرط البخاري.
- أبو فروة هو مسلم بن سالم الهمداني.
- وهو في «شرح السنة» 682 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 3370 عن قيس بن حفص، وموسى بن إسماعيل بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4797 و6357 ومسلم 406 وأبو داود 976 و977 و978 والترمذي 483 والنسائي 3/ 47 وابن-
(1) في المخطوط «سعد» .
(2) سقط من المطبوع.
(3/659)

الحافظ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سليمان [1] الفقيه ببغداد أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ زهير بن حرب أنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ أنا أَبُو فَرْوَةَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم؟ قلت:
بلى فاهدها لي، قال: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [2] ؟ قَالَ:
«قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» .
«1744» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزَمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بن سليم الزُّرَقِيُّ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حميد الساعدي [أنهم] [3] قَالَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» .
«1745» أَخْبَرَنَا ابن عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النسوي أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الحسن الحيري أنا محمد بن
__________
ماجه 904 وأحمد 4/ 241 و243 وعبد الرزاق 3105 والدارمي 1/ 309 وابن حبان 912 والطبري 28634 وابن أبي شيبة 2/ 507 من طرق عن الحكم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ليلى به.
- وأخرجه الحميدي 711 و712 وأحمد 4/ 244 وإسماعيل القاضي 56 و57 و58 والطيالسي 1061 والطبراني 19/ 116 و132 وابن الجارود 206 والشافعي 1/ 92 وأبو عوانة 2/ 231 و233 من طرق عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ليلى به.
- وللحديث شواهد منها: حديث أبي سعيد الخدري أخرجه البخاري 4798 و6358 والنسائي 3/ 49 وأبو يعلى 1364 وأحمد 3/ 47.
وحديث طلحة: أخرجه النسائي 3/ 48 وأبو يعلى 653 و654 وأحمد 1/ 162.
1744- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو مصعب هو أحمد بن أبي بكر، مالك بن أنس.
- وهو في «شرح السنة» 683 بهذا الإسناد.
- وهو في «الموطأ» 1/ 165 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بكر به.
- وأخرجه البخاري 3369 و6360 ومسلم 407 وأبو داود 979 والنسائي 3/ 49 وابن ماجه 905 وأحمد 5/ 424 من طرق عن مالك به.
1745- يشبه الحسن.
إسناده ضعيف، وله علتان: موسى بن يعقوب سيىء الحفظ، وعبد الله بن كيسان مجهول الحال، وقد توبع موسى فانحصرت العلة في ابن كيسان، ولحديثه شاهد ضعيف.
- وهو في «شرح السنة» بإثر 687 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 484 والبخاري في «التاريخ الكبير» 5/ 177 والبغوي في «شرح السنة» 687 من طريق محمد بن خالد بن عثمة عن موسى بن يعقوب به.
- وأخرجه ابن حبان 911 وابن عدي في «الكامل» 3/ 36 و6/ 342 والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» 63 وابن
(1) في «شرح السنة» «سلمان» .
(2) زيد في المطبوع «فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليك» . [.....]
(3) سقط من المطبوع.
(3/660)

يعقوب أنا العباس بن محمد الدوري [1] أنا خالد بن مخلد القطواني أنا موسى بن يعقوب الزمعي عن عبد الله بْنُ كَيْسَانَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» .
«1746» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [مُحَمَّدُ] [2] بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [بها] [3] عشرا» .
«1747» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ [مُحَمَّدُ] [4] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَا أَبُو
__________
أبي عاصم 24 والطبراني 9800 وأبو يعلى 5011 والبيهقي في «الشعب» 1463.
من طرق عن خالد بن مخلد بهذا الإسناد بزيادة «عن أبيه» بين عبد الله بن شداد، وابن مسعود.
- وله شاهد من حديث أبي أمامة أخرجه البيهقي 3/ 249 ولفظه «وصلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم عليّ صلاة، كان أقربهم مني منزلة» .
وذكره الحافظ في «الفتح» 11/ 167 وقال: لا بأس بسنده.
وذكره المنذري في «الترغيب» 3/ 303 وقال رواه البيهقي بإسناد حسن: إلّا أن مكحولا قيل: لم يسمع من أبي أمامة.
- قلت: مكحول مدلس، وقد عنعن فالإسناد ضعيف، لكن إذا انضم إلى المتقدم رقى به إلى درجة الحسن أو شبه الحسن، والله أعلم، ومع ذلك ذكره الألباني في «ضعيف الترمذي» 74، في حين لم يجزم الشيخ شعيب بدرجة الحديث والذي يظهر أنه يقرب من الحسن، والله أعلم.
1746- إسناده على شرط مسلم. عبد الرحمن والد العلاء هو ابن يعقوب.
- وهو في «شرح السنة» 685 بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 408 من طريق علي بن حجر بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 408 وأبو داود 1530 والترمذي 485 والنسائي 3/ 50 وأحمد 2/ 372 و375 والبخاري في «الأدب المفرد» 645 والدارمي 2/ 317 وابن حبان 906 من طرق عن إسماعيل بن جعفر به.
- وأخرجه أحمد 2/ 485 وإسماعيل القاضي 9 من طريق محمد بن جعفر عن العلاء به.
1747- حديث حسن صحيح بشواهده.
- إسناده ضعيف سليمان مولى الحسن مجهول الحال، لم يرو عنه سوى ثابت البناني، وقال النسائي: ليس بالمشهور، وقال الحافظ في «التقريب» : مجهول.
- لكن للحديث شواهد وطرق.
- وهو في «شرح السنة» 686 بهذا الإسناد.
- وهو في «الزهد» لابن المبارك 364 عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد.
- وأخرجه النسائي 3/ 50 وفي «عمل اليوم والليلة» 60 من طريق ابن المبارك به.
- وأخرجه أحمد 4/ 29- 30 وابن أبي شيبة 2/ 516 والدارمي 2/ 317 وابن حبان 915 والحاكم 2/ 240 من طرق حماد ابن سلمة به.
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
- وأخرجه ابن أبي عاصم في «الصلاة على النبي» 50 والطبراني 4718 من وجه آخر عن جسر بن فرقد عن ثابت عن-
(1) تصحف في المطبوع «الدورقي» .
(2) سقط من المطبوع.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) سقط من المطبوع.
(3/661)

الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ [بْنُ] [1] عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ [2] اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جاء ذات يوم والبشر [يرى] [3] فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ [إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ] [4] أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ، أَنْ لا يصلي عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا سَلَّمَتُ عَلَيْهِ عَشْرًا» .
«1748» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [5] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أنا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ هُوَ ابْنُ عُبَيْدِ [اللَّهِ] [6] قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ [بْنِ عَامِرِ] [7] بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا صَلَّى عَلَيَّ فليقلل الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرَ» .
__________
- أنس عن أبي طلحة به.
- وجسر بن فرقد ضعيف.
- وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه الحاكم 1/ 550 وصححه، ووافقه الذهبي وأخرجه ابن أبي عاصم في «الصلاة على النبي» 57 من وجه آخر عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
- وله شاهد آخر من حديث أنس أخرجه ابن أبي عاصم 49 والطبراني 4717 والبيهقي في «الشعب» 1461 وإسناده حسن في الشواهد.
1748- حديث حسن، إسناده ضعيف لضعف عاصم بن عبيد الله، لكن للحديث شواهد يحسن بها إن شاء الله، والله أعلم.
- وهو في «شرح السنة» 689 بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن ماجه 907 وأحمد 3/ 445 و446 وابن أبي عاصم في «الصلاة على النبي» 36 و37 من طرق عن شعبة به.
- قال البوصيري في «الزوائد» إسناده ضعيف، لأن عاصم بن عبيد الله، قال فيه البخاري، وغيره: منكر الحديث.
- وذكره السخاوي في «القول البديع» ص 109- 110 وقال: وفيه سنده عاصم بن عبيد الله، وهو إن كان واهي الحديث، فقد مشّاه بعضهم وصحح له الترمذي، وحديثه هذا حسن في المتابعات.
- وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه ابن أبي عاصم في «الصلاة على النبي» 48 وإسناده ضعيف، لضعف موسى بن عبيدة الربذي.
- وله شاهد آخر من حديث ابن عمر أخرجه ابن أبي عاصم 55 وإسناده ضعيف، لضعف عبد الله بن عمر العمري.
وأخرجه الطبراني 13269، وإسناده ضعيف جدا يحيى الحماني متروك، فلا يصلح للاعتبار بحديثه، ويغني عنه ما تقدم.
- الخلاصة: هو حديث حسن بشواهده.
(1) سقط من المطبوع.
(2) تصحف في «شرح السنة» «عبيد» .
(3) سقط من المطبوع.
(4) زيد في المطبوع. [.....]
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) سقط من المطبوع.
(7) سقط من المطبوع.
(3/662)

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)
«1749» حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أنا [جناح] [1] بن نذير [2] المحاربي بالكوفة أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ علي بن دحيم الشيباني [3] أنا أحمد بن حازم أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عبد اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي من أمتي السلام» .

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 57 الى 61]
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (59) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (61)
قوله تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكُونَ فَأَمَّا الْيَهُودُ فَقَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَيَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَقَالُوا الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَقَالُوا الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَالْأَصْنَامُ شُرَكَاؤُهُ.
«1750» وَرُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَتَمَنِي عَبْدِي يَقُولَ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأحد الصمد لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ» .
«1751» وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» .
وَقِيلَ: مَعْنَى يُؤْذُونَ الله أي يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَقَالَ عكرمة: هم أصحاب التصاوير.
__________
1749- إسناده حسن لأجل زاذان أبو عبد الله الكندي، فقد روى له مسلم ووثقه غير واحد، وفيه كلام لا يضر، لكن ينحط حديثه عن درجة الصحيح.
- أبو نعيم هو الفضل بن دكين، سفيان هو ابن سعيد الثوري.
- وهو في «شرح السنة» 688 بهذا الإسناد.
- وأخرجه النسائي 3/ 43 وعبد الرزاق 3116 وأحمد 1/ 44 و387 و452 وابن أبي شيبة 2/ 517 والدارمي 3/ 317 وابن حبان 914 وإسماعيل القاضي 21 والحاكم 2/ 421 والطبراني 10528 و10529 و10530 وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» 2/ 205 من طرق عن سفيان الثوري به.
- وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وكذا صححه ابن القيم في «جلاء الأفهام» 30 رقم 35 بتخريجي.
1750- تقدم في سورة البقرة عند آية: 116 وفي سورة النحل عند آية: 40.
1751- تقدم في سورة النور عند آية: 44.
(1) زيادة من المطبوع.
(2) تصحف في المطبوع «يزيد» .
(3) في المطبوع «الشستاني» .
(3/663)

«1752» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [1] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أبو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً» .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤْذُونَ اللَّهَ أَيْ يُؤْذُونَ أولياء الله، كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يُوسُفَ: 82] ، أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ.
«1753» وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ عَادَى لِي وَلْيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» ، وَقَالَ: «مَنْ أَهَانَ لِي وَلْيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ» .
وَمَعْنَى الْأَذَى هُوَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَارْتِكَابُ مَعَاصِيهِ، ذَكَرَهُ عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَلْحَقَهُ أَذَىً مِنْ أَحَدٍ، وَإِيذَاءُ الرَّسُولِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنَّهُ شُجَّ فِي وَجْهِهِ وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ. وَقِيلَ: شَاعِرٌ سَاحِرٌ مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، من غير أن عملوا مَا أَوْجَبَ أَذَاهُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَقَعُونَ فِيهِمْ وَيَرْمُونَهُمْ بِغَيْرِ جُرْمٍ، فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ: فِي عَلِيِّ بن أبي طالب كَانُوا يُؤْذُونَهُ وَيَشْتُمُونَهُ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ.
«1754» وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الزُّنَاةِ الَّذِينَ كانوا يمشون في طريق الْمَدِينَةِ يَتَّبِعُونَ النِّسَاءَ إِذَا بَرَزْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِنَّ، فَيَغْمِزُونَ الْمَرْأَةَ فَإِنْ سَكَتَتِ اتَّبَعُوهَا وَإِنْ زَجَرَتْهُمُ انْتَهَوْا عَنْهَا، وَلَمْ يَكُونُوا يَطْلُبُونَ إِلَّا الْإِمَاءَ، وَلَكِنْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْحُرَّةَ مِنَ الْأَمَةِ لِأَنَّ في الْكُلِّ كَانَ وَاحِدًا، يَخْرُجْنَ فِي درع وخمار، الحرة والأمة كذلك فَشَكَوْنَ ذَلِكَ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الْآيَةَ ثُمَّ نَهَى الْحَرَائِرَ أَنْ يَتَشَبَّهْنَ بِالْإِمَاءِ.
فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ، جَمْعُ الْجِلْبَابِ وَهُوَ الْمُلَاءَةُ التي تشتمل بها امرأة فَوْقَ الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ، وَقَالَ ابْنُ عباس و [2] عبيدة: أمر نساء
__________
1752- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- محمد بن العلاء هو أبو كريب، مشهور بكنيته، ابن فضيل هو محمد.
- وهو في «شرح السنة» 3110 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 5953 و7559 ومسلم 2111 وابن أبي شيبة 8/ 484 وابن حبان 5859 والبيهقي 7/ 26 والطحاوي 4/ 383 من طريقين عن عمارة بن القعقاع به.
- وأخرجه أحمد 2/ 259 و391 و451 و527 من طريق أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عن أبي هريرة.
1753- أخرجه البخاري 6502 وابن حبان 347 والبغوي في «شرح السنة» 1241 من حديث أبي هريرة، وتقدم الكلام عليه، وانظر حديث أنس الآتي في سورة الشورى آية: 27.
1754- ذكره المصنف هاهنا عن الضحاك والكلبي معلقا وسند إليهما في أول الكتاب، والضحاك صاحب مناكير، والكلبي كذاب، فالخبر لا شيء.
- وكذا ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 718 عن الضحاك والسدي والكلبي بدون إسناد.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيد في المطبوع «أبو» وهو خطأ من النساخ، وعبيدة هو السلماني أحد كبار التابعين. [.....]
(3/664)

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)
المؤمنين أن يغطين رؤوسهن وَوُجُوهَهُنَّ بِالْجَلَابِيبِ إِلَّا عَيْنًا وَاحِدَةً لِيُعْلَمَ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ، ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ، أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ، فَلا يُؤْذَيْنَ، فَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُنَّ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، قَالَ أَنَسٌ: مَرَّتْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ جَارِيَةٌ متقنعة فعلاها بالدرة، وقال: يا لكاع أتتشبهين بالحرائر، ألقي القناع.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ، عَنْ نِفَاقِهِمْ، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فُجُورٌ، يَعْنِي الزُّنَاةَ [1] ، وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ، بِالْكَذِبِ.
وَذَلِكَ أَنَّ نَاسًا مِنْهُمْ كَانُوا إِذَا خَرَجَتْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوقِعُونَ في الناس الرعب وإذا التحم القتال ولوا وانهزموا، وَيَقُولُونَ قَدْ أَتَاكُمُ الْعَدُوُّ وَنَحْوَهَا.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا وَيُفْشُونَ الْأَخْبَارَ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ، لَنُحَرِّشَنَّكَ بِهِمْ وَلَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها، لَا يُسَاكِنُوكَ فِي الْمَدِينَةِ إِلَّا قَلِيلًا، حَتَّى يُخْرَجُوا مِنْهَا، وَقِيلَ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَقْتُلَهُمْ وَتُخْلِي مِنْهُمُ الْمَدِينَةَ.
مَلْعُونِينَ، مطرودين، نصب على الحال، أَيْنَما ثُقِفُوا، وُجِدُوا وَأُدْرِكُوا، أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا، أَيِ الْحُكْمُ فِيهِمْ هَذَا على جهة الأمر به.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 62 الى 67]
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (62) يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (66)
وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (67)
سُنَّةَ اللَّهِ، أَيْ كَسُنَّةِ اللَّهِ، فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ فَعَلُوا مِثْلَ [ما فِعْلِ] [2] هَؤُلَاءِ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.
قوله تعالى: يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ أَمْرَ السَّاعَةِ، وَمَتَى يَكُونُ قِيَامُهَا أَيْ أَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ، لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً.
إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ، ظَهْرًا لِبَطْنٍ حِينَ يسحبون عليها، يَقُولُونَ يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا، فِي الدُّنْيَا.
وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا.
قرأ أبو عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ سَادَاتِنَا بِكَسْرِ التَّاءِ وألف قَبْلَهَا عَلَى جَمْعِ الْجَمْعِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ بِلَا أَلِفٍ قبلها، وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 68 الى 72]
رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)
__________
(1) في المطبوع «الزنا» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3/665)

رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ، أي ضعفي عذاب غيرهم. قوله تعالى: وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً، قَرَأَ عَاصِمٌ كَبِيراً بِالْبَاءِ قَالَ الْكَلْبِيُّ أَيْ عَذَابًا كَثِيرًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالثَّاءِ كقوله تَعَالَى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [الْبَقَرَةِ: 161] وَهَذَا يَشْهَدُ لِلْكَثْرَةِ أَيْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا، فَطَهَّرَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً، أي كَرِيمًا ذَا جَاهٍ، يُقَالُ: وَجُهَ الرَّجُلُ يُوجَهُ وَجَاهَةً فَهُوَ وَجِيهٌ، إِذَا كَانَ ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ حَظِيًّا عِنْدَ اللَّهِ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ. وَقِيلَ: كَانَ مُحَبَّبًا مَقْبُولًا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا أُوذِيَ بِهِ مُوسَى.
«1755» فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [1] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا محمد بن يوسف أنا
__________
1755- صح مرفوعا وموقوفا.
- إسناده فيه لين، روح بن عبادة، وإن روى له البخاري ومسلم، ووثقه الجمهور، فقد قال أبو حاتم لا يحتج به، وقال النسائي، ليس بالقوي، وقال يعقوب بن شيبة، كان عفان لا يرضى أمر روح.
- عوف هو ابن أبي جميلة، الحسن هو ابن يسار، محمد بن سيرين، خلاس بن عمرو.
- وهو في «صحيح البخاري» 3404 عن إسحاق بن إبراهيم بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 3221 من طريق روح بن عبادة به.
- والحسن لم يسمع من أبي هريرة يسرة، وخلاس أيضا لم يسمع من أبي هريرة، فيما قال أحمد نقله عنه أبو داود كما في «الفتح» 6/ 437.
- وأخرجه أحمد 2/ 514- 515 عن روح عن عوف عن الحسن عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، وخلاس ومحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَجَعَلَ رواية الحسن مرسلة.
- وهكذا أخرجه الطبري 28674 من طريق ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن مرسلا.
- وأخرجه الطبري 28673 والطحاوي في «المشكل» 67 عن روح عن عوف عن محمد ابن سيرين عن أبي هريرة.
- وأخرجه النسائي في «التفسير» 444 و «الكبرى» 11424 من طريق روح عن عوف عن خلاس عن أبي هريرة مرفوعا.
وخلاس لم يسمع من أبي هريرة.
- وكرره النسائي 11425 وفي «التفسير» 445 من طريق النضر عن عوف بمثله.
- وعلى هذا فقد توبع روح، لكن هذا الإسناد معلول بسبب الإرسال كما تقدم.
- وكرره البخاري 4799 من طريق روح عن عوف عن الحسن، ومحمد، وخلاس عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
إن موسى كان رجلا حييّا، وذلك قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى ... ،
- وللحديث طريق آخر:
- أخرجه البخاري 278 ومسلم 339 وص 1841 وابن حبان 6211 وأبو عوانة 1/ 281 والواحدي في «الوسيط» 3/ 483 من طرق عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة مرفوعا.
- وله علة، وهي الوقف.
- وأخرجه مسلم ص 1841 من وجه آخر عن خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة موقوفا عليه.
- وراويه عن خالد الحذاء، يزيد بن زريع، وهذا إسناد كالشمس.
- وأخرجه الطبري 26875 عن قتادة قال: حدّث الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث، وهذا منقطع.
- وورد من حديث أبي هريرة من وجه آخر.
(1) زيادة عن المخطوط.
(3/666)

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا إِسْحَاقُ بن إبراهيم أنا روح بن عبادة أنا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِّيًا سِتِّيرًا لَا يُرَى مَنْ جلده شيء استحياء فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إسرائيل، فقالوا ما تستر موسى هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بجلده، إمّا برص وإما أُدْرَةٌ [وَإِمَّا آفَةٌ] [1] ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا، فخلا يوما وحده ليغتسل فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ ثُوبِي حَجَرُ، ثُوبِي حَجَرُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ، وبرأه مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الْحَجَرُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بعصاه، فو الله إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدْبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا» . فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69) .
وَقَالَ قَوْمٌ: إِيذَاؤُهُمْ إِيَّاهُ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ هَارُونُ فِي التِّيهِ ادَّعَوْا عَلَى مُوسَى أَنَّهُ قَتَلَهُ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ حَتَّى مَرُّوا بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَعَرَفُوا أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُوَ أَنَّ قَارُونَ استأجر مومسة لتقذف موسى بنفسه عَلَى رَأْسِ الْمَلَإِ فَعَصَمَهَا اللَّهُ وَبَرَّأَ مُوسَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَهْلَكَ قَارُونَ.
«1756» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بن يوسف أنا
__________
أخرجه الطبري 28669 من طريق جابر الجعفي عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعا.
- وإسناده ساقط، جابر هو ابن يزيد، متروك الحديث.
- وله شاهد من حديث أنس:
- أخرجه البزار 2252 «كشف» وإسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 7/ 93- 94: ثقة سيىء الحفظ.
- قلت: جزم الحافظ في «التقريب» بضعفه.
- وورد عن ابن عباس موقوفا.
- أخرجه الطبري 28668 وإسناده صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم وكرره 28670، وإسناده ضعيف جدا، فيه مجاهيل، وعطية العوفي واه.
- وورد عن قتادة قوله:
أخرجه الطبري 28672.
- وورد عن الحسن وقتادة قولهما.
أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» 2382 عن معمر عن الحسن وقتادة.
- الخلاصة: روي مرفوعا بإسناده حسن، وآخر صحيح، وأخر ضعيفة.
وورد موقوفا بإسناد كالشمس عن أبي هريرة، ومثله عن ابن عباس بسند صحيح موقوف.
- وورد عن قتادة والحسن قولهما لم يرفعاه.
فالحديث كما ترى ورد مرفوعا، وموقوفا، وموقوفا على بعض التابعين، وفي المتن غرابة، لكن لا أقدم على ترجيح الوقف بسبب أن الحديث في «الصحيحين» ، ولم أجد من رجح الوقف، والله أعلم، وانظر «أحكام القرآن» 1853.
1756- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو الوليد هشام بن عبد الله الملك، شعبة بن الحجاج، الأعمش سليمان بن مهران، أَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ.
- وهو في «صحيح البخاري» 3405 عن أبي الوليد بهذا الإسناد.
(1) سقط من المطبوع.
(3/667)

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو الْوَلِيدِ أنا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ لِقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ [1] الله موسى لقد أوذي أكثر من هذا فصبر» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (70) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَوَابًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَدْلَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: صِدْقًا. وَقِيلَ: مُسْتَقِيمًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ هُوَ: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَقَبَّلُ حَسَنَاتِكُمْ. وَقَالَ مقاتل: يزكي أَعْمَالَكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً، أَيْ ظَفِرَ بِالْخَيْرِ كله.
قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ، الآية. وأراد بِالْأَمَانَةِ الطَّاعَةَ وَالْفَرَائِضَ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، عَرَضَهَا عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ عَلَى أَنَّهُمْ إِنْ أَدَّوْهَا أَثَابَهُمْ وَإِنْ ضَيَّعُوهَا عَذَّبَهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْأَمَانَةُ أَدَاءُ الصلاة وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَصِدْقُ الْحَدِيثِ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ وَالْعَدْلُ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَأَشَدُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ الْوَدَائِعُ. وَقَالَ مجاهد: الأمانة الفرائض.
وحدود الدَّيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُوَ الصَّوْمُ وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَمَا يَخْفَى مِنَ الشَّرَائِعِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْإِنْسَانِ فَرْجَهُ وَقَالَ هَذِهِ أَمَانَةٌ اسْتَوْدَعْتُكَهَا، فَالْفَرْجُ أَمَانَةٌ وَالْأُذُنُ أَمَانَةٌ وَالْعَيْنُ أَمَانَةٌ وَالْيَدُ أَمَانَةٌ وَالرِّجْلُ أَمَانَةٌ وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ أَمَانَاتُ الناس والوفاء بالعهد، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ لَا يَغِشَّ مُؤْمِنًا وَلَا مُعَاهَدًا فِي شَيْءٍ قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَعَرَضَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَمَانَةَ على أعيان السموات وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَكْثَرِ السَّلَفِ، فَقَالَ لَهُنَّ أَتَحْمِلْنَ هَذِهِ الْأَمَانَةَ بِمَا فِيهَا؟ قُلْنَ: وَمَا فِيهَا؟ قَالَ: إِنْ أَحْسَنْتُنَّ جُوزِيتُنَّ وَإِنْ عَصَيْتُنَّ عُوقِبْتُنَّ، فَقُلْنَ: لَا يا رب نَحْنُ مُسَخَّرَاتٌ لِأَمْرِكَ لَا نُرِيدُ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، وَقُلْنَ ذَلِكَ خَوْفًا وَخَشْيَةً وَتَعْظِيمًا لِدِينِ اللَّهِ أن لا يقيمن بِهَا لَا مَعْصِيَةً وَلَا مُخَالَفَةً، وَكَانَ الْعَرْضُ عَلَيْهِنَّ تَخْيِيرًا لَا إِلْزَامًا وَلَوْ أَلْزَمَهُنَّ لَمْ يَمْتَنِعْنَ مِنْ حَمْلِهَا، وَالْجَمَادَاتُ كُلُّهَا خَاضِعَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُطِيعَةٌ سَاجِدَةٌ لَهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ في السموات وَالْأَرْضِ: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فُصِّلَتْ: 11] ، وَقَالَ لِلْحِجَارَةِ: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الْبَقَرَةُ: 274] وَقَالَ تَعَالَى:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ [الْحَجِ: 18] الْآيَةَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: رَكَّبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِنَّ الْعَقْلَ وَالْفَهْمَ حِينَ عَرَضَ الْأَمَانَةَ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَقِلْنَ الْخِطَابَ وَأَجَبْنَ بِمَا أَجَبْنَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ من العرض على السموات والأرض هو العرض
__________
- وأخرجه البخاري 6336 وأحمد 1/ 411 و441 من طريقين عن شعبة به.
- وأخرجه البخاري 4335 و6009 و6100 ومسلم 1062 ج 141 وابن حبان 2917 وأحمد 1/ 235 والبغوي في «شرح السنة» 3565 من طرق عن الأعمش به.
(1) في المطبوع «رحم» .
(3/668)

لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)
عَلِيُّ أهل السموات وَالْأَرْضِ، عَرَضَهَا عَلَى مَنْ فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: عَلَى أَهْلِهَا كُلِّهَا دُونَ أَعْيَانِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يُوسُفَ: 82] أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها، أَيْ خِفْنَ مِنَ الْأَمَانَةِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَنَهَا فَيَلْحَقُهُنَّ [1] الْعِقَابُ، وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ، يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فقال الله: يا آدم إني عرضت الأمانة على السموات وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَلَمْ تُطِقْهَا فَهَلْ أَنْتَ آخِذُهَا بِمَا فِيهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا فِيهَا؟ قَالَ: إِنْ أَحْسَنْتَ جُوزِيتَ، وَإِنْ أَسَأْتَ عوقبت، فتحملها آدم، وقال [أحملها] [2] بَيْنَ أُذُنِي وَعَاتِقِي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَّا إِذَا تَحَمَّلْتَ فَسَأُعِينُكَ اجْعَلْ لِبَصَرِكَ حِجَابًا فَإِذَا خَشِيتَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكَ فَأَرْخِ عَلَيْهِ حِجَابَهُ، وأجعل للسانك لحيين وغلقا [3] فإذا خشيت [4] فَأَغْلِقْ، وَاجْعَلْ لِفَرَجِكَ لِبَاسًا فَلَا تَكْشِفْهُ عَلَى مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَمَا كَانَ بَيْنَ أَنْ تَحَمَّلَهَا وَبَيْنَ أَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
وَحَكَى النَّقَّاشُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مُثِّلَتِ الْأَمَانَةُ كَصَخْرَةٍ مُلْقَاةٍ، ودعيت السموات والأرض والجبال إلى [حملها] [5] فَلَمْ يَقْرُبُوا مِنْهَا، وَقَالُوا: لَا نُطِيقُ حَمْلَهَا، وَجَاءَ آدَمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْعَى، وَحَرَّكَ الصَّخْرَةَ، وَقَالَ: لَوْ أُمِرْتُ بِحَمْلِهَا لَحَمَلْتُهَا، فقيل لَهُ: احْمِلْهَا، فَحَمَلَهَا إِلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ وَضَعَهَا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أردت أن أزداد لزدت، فقيل لَهُ: احْمِلْهَا فَحَمَلَهَا إِلَى حِقْوِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أردت أن أزداد لزدت، قيل لَهُ: احْمِلْ فَحَمَلَهَا حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَضَعَهَا فَقَالَ اللَّهُ: مَكَانَكَ فَإِنَّهَا فِي عُنُقِكَ وَعُنُقِ ذَرِّيَّتِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظَلُومًا لِنَفْسِهِ جَهُولًا بِأَمْرِ اللَّهِ وَمَا احْتَمَلَ مِنَ الْأَمَانَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ظَلُومًا حِينَ عَصَى رَبَّهُ، جَهُولًا لَا يَدْرِي مَا الْعِقَابُ فِي تَرْكِ الْأَمَانَةِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: ظَلُومًا لِنَفْسِهِ جَهُولًا بِعَاقِبَةِ مَا تَحَمَّلَ. وَذَكَرَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعَانِي فِي قَوْلِهِ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ قَوْلَانِ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ ائْتَمَنَ آدَمَ وأولاده على شيء وائتمن السموات وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ عَلَى شَيْءٍ، فَالْأَمَانَةُ فِي حَقِّ بَنِي آدَمَ مَا ذكرنا من الطَّاعَةِ وَالْقِيَامِ بِالْفَرَائِضِ، وَالْأَمَانَةُ فِي حق السموات وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ هِيَ الْخُضُوعُ وَالطَّاعَةُ لما خلقن لَهُ. وَقِيلَ: قَوْلُهُ: فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها، أَيْ أَدَّيْنَ الْأَمَانَةَ، يُقَالُ: فلان لم يحتمل الْأَمَانَةَ أَيْ لَمْ يَخُنْ فِيهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ أَيْ خَانَ فِيهَا، يُقَالُ: فُلَانٌ حَمَلَ الْأَمَانَةَ أَيْ أَثِمَ فِيهَا بِالْخِيَانَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ [الْعَنْكَبُوتِ: 13] ، إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: أَنَّهُ قَالَ: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ يَعْنِي الْكَافِرَ وَالْمُنَافِقَ، حَمَلَا الْأَمَانَةَ أَيْ خَانَا.
وقول السلف ما ذكرنا.

[سورة الأحزاب (33) : آية 73]
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (73)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ قَالَ مُقَاتِلٌ لِيُعَذِّبَهُمْ بِمَا خَانُوا الْأَمَانَةَ وَنَقَضُوا الْمِيثَاقَ، وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، يَهْدِيهِمْ وَيَرْحَمُهُمْ بِمَا أَدَّوْا مِنَ الْأَمَانَةِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَيْ عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ لِيَظْهَرَ نِفَاقُ الْمُنَافِقِ وَشِرْكُ الْمُشْرِكِ فَيُعَذِّبُهُمَا اللَّهُ، وَيَظْهَرُ إِيمَانُ الْمُؤْمِنِ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَيْ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ إِنْ حَصَلَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ في بعض الطاعات.
__________
(1) في المطبوع «فيلحقن» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «وغلاقا» .
(4) في المطبوع «غشيت» .
(5) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3/669)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1)
تفسير سورة سبأ
مكية [وهي أربع وخمسون آية] [1]

[سورة سبإ (34) : الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، مِلْكًا وَخَلْقًا، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا هُوَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ النِّعَمَ فِي الدَّارَيْنِ كُلَّهَا مِنْهُ، وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فِي الْآخِرَةِ هُوَ حَمْدُ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] ، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ [الزُّمَرُ:
74] . وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ، أَيْ يَدْخُلُ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، وَما يَخْرُجُ مِنْها، مِنَ النَّبَاتِ وَالْأَمْوَاتِ إِذَا حُشِرُوا، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، مِنَ الْأَمْطَارِ، وَما يَعْرُجُ، يَصْعَدُ، فِيها، مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَأَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ، الساعة، عالِمِ الْغَيْبِ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: «عَالِمُ» بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَرِّ عَلَى نَعْتِ الرَّبِّ، أَيْ وَرَبِّي عَالَمِ الْغَيْبِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: «عَلَّامِ» عَلَى وزن فعال، وجر الْمِيمِ، لَا يَعْزُبُ، لَا يَغِيبُ، عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ، أَيْ مِنَ الذَّرَّةِ، وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ، يَعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، حَسَنٌ يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ.

[سورة سبإ (34) : الآيات 5 الى 9]
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9)
__________
(1) زيد في المطبوع وحده.
(3/670)

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا، في إبطال أدلتنا، مُعاجِزِينَ، يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يَفُوتُونَنَا، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ: «أَلِيمٌ» بِالرَّفْعِ هَاهُنَا وَفِي الْجَاثِيَةِ [11] عَلَى نَعْتِ الْعَذَابِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْخَفْضِ عَلَى نَعْتِ الرِّجْزِ، وَقَالَ قَتَادَةُ الرِّجْزُ سُوءُ الْعَذَابِ.
وَيَرَى الَّذِينَ، أي وليرى [1] الَّذِينَ، أُوتُوا الْعِلْمَ، يَعْنِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، هُوَ الْحَقَّ، يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَهْدِي، يَعْنِي الْقُرْآنَ، إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مُتَعَجِّبِينَ مِنْهُ، هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ، أي يخبركم يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، قُطِّعْتُمْ كُلَّ تَقْطِيعٍ وَفُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ وَصِرْتُمْ تُرَابًا إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، يَقُولُ لَكُمْ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.
أَفْتَرى، أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ الْوَصْلِ وَلِذَلِكَ نَصَبَتْ، عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ، يَقُولُونَ أَزَعَمَ كَذِبًا أَمْ بِهِ جُنُونٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ، مِنَ الْحَقِّ في الدنيا.
قوله تعالى: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، فَيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ حَيْثُ كَانُوا فَإِنَّ أَرْضِي وَسَمَائِي مُحِيطَةٌ بِهِمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ أَقْطَارِهَا وَأَنَا الْقَادِرُ عَلَيْهِمْ، إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ، قَرَأَ الْكِسَائِيُّ «نَخْسِفْ بِهِمْ» بِإِدْغَامِ الْفَاءِ فِي الْبَاءِ، أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: «إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ أَوْ يُسْقِطْ» ، بِالْيَاءِ فِيهِنَّ لِذِكْرِ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ فِيهِنَّ إِنَّ فِي ذلِكَ، أَيْ فِيمَا تَرَوْنَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَآيَةً، تَدُلُّ عَلَى قُدْرَتِنَا عَلَى الْبَعْثِ، لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، تَائِبٍ رَاجِعٍ إِلَى الله بقلبه.

[سورة سبإ (34) : الآيات 10 الى 12]
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (12)
قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا، يَعْنِي النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، وَقِيلَ: الْمُلْكُ. وَقِيلَ: جَمِيعُ مَا أُوتِيَ مِنْ حُسْنِ الصَّوْتِ وَتَلْيِينِ الْحَدِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا خُصَّ بِهِ، يَا جِبالُ، أَيْ وَقُلْنَا يَا جِبَالُ، أَوِّبِي، أَيْ سَبِّحِي، مَعَهُ، إِذَا سَبَحَ [وَقِيلَ هُوَ تَفْعِيلٌ مِنَ الإياب الرجوع، أي ارجعي مَعَهُ] [2] ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: أَصْلُهُ مِنَ التَّأْوِيبِ فِي السَّيْرِ وَهُوَ أَنْ يسير النهر كله فينزل لَيْلًا [كَأَنَّهُ قَالَ أَوِّبِي النَّهَارَ
__________
(1) في المطبوع «ويرى» .
(2) سقط من المطبوع.
(3/671)

كُلَّهُ] [1] بِالتَّسْبِيحِ مَعَهُ. وَقَالَ وَهْبٌ: نَوِّحِي مَعَهُ، وَالطَّيْرَ، عُطِفَ عَلَى مَوْضِعِ الْجِبَالِ، لِأَنَّ كُلَّ مُنَادَى فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَسَخَّرْنَا وَأَمَرْنَا الطَّيْرَ أَنْ تُسَبِّحَ مَعَهُ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: «وَالطَّيْرُ» بِالرَّفْعِ رَدًّا عَلَى الْجِبَالِ أَيْ أَوِّبِي أَنْتِ وَالطَّيْرُ. وَكَانَ دَاوُدُ إِذَا نادى بالنياحة [2] أَجَابَتْهُ الْجِبَالُ بِصَدَاهَا، وَعَكَفَتِ الطَّيْرُ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِهِ، فَصَدَى الْجِبَالِ الَّذِي يَسْمَعُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: كَانَ دَاوُدُ إِذَا تَخَلَّلَ الْجِبَالَ فَسَبَّحَ اللَّهَ جَعَلَتِ الْجِبَالُ تُجَاوِبُهُ بِالتَّسْبِيحِ نَحْوَ مَا يُسَبِّحُ. وَقِيلَ: كَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا لَحِقَهُ فُتُورٌ أَسْمَعُهُ اللَّهُ تَسْبِيحَ الْجِبَالِ تَنْشِيطًا لَهُ. وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، حَتَّى كَانَ الْحَدِيدُ فِي يَدِهِ كَالشَّمْعِ وَالْعَجِينِ يعمل فيه مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ نَارٍ وَلَا ضَرْبِ مِطْرَقَةٍ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ أَنْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا مَلَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَخْرُجَ لِلنَّاسِ مُتَنَكِّرًا فَإِذَا رَأَى رَجُلًا لَا يعرفه يقدم إليه ويسأله عن داود فيقول لَهُ: مَا تَقُولُ فِي دَاوُدَ وَالِيكُمْ هَذَا أَيُّ رَجُلٍ هُوَ فَيُثْنُونَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُونَ خَيْرًا فَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَلَكًا فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَلَمَّا رَآهُ دَاوُدُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ عَلَى عَادَتِهِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ الْمَلَكُ: نِعْمَ الرَّجُلُ هُوَ لَوْلَا خَصْلَةٌ فِيهِ، فَرَاعَ دَاوُدَ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا هِيَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّهُ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ عِيَالَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ فَتَنَبَّهَ لِذَلِكَ وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُسَبِّبَ لَهُ سَبَبًا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَيَتَقَوَّتُ مِنْهُ وَيُطْعِمُ عِيَالَهُ، فَأَلَانَ اللَّهُ تَعَالَى له الحديد وعلمه صنعة الدروع، وَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَهَا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَبِيعُ كُلَّ دِرْعٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَيَأْكُلُ وَيُطْعِمُ مِنْهَا عِيَالَهُ وَيَتَصَدَّقُ مِنْهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْعًا يَبِيعُهَا بِسِتَّةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَيُنْفِقُ أَلْفَيْنِ مِنْهَا عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ عَلَى فُقَرَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
«1757» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» .
أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ، دُرُوعًا كَوَامِلَ وَاسِعَاتٍ طِوَالًا تَسْحَبُ فِي الْأَرْضِ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ، وَالسَّرْدُ نَسْجُ الدُّرُوعِ، يُقَالُ لِصَانِعِهِ: السَّرَّادُ وَالزَّرَّادُ، يَقُولُ: قَدِّرِ الْمَسَامِيرَ فِي حَلَقِ الدِّرْعِ أَيْ لَا تَجْعَلِ الْمَسَامِيرَ دِقَاقًا فَتُفْلِتُ وَلَا غِلَاظًا فَتَكْسِرُ الْحَلَقَ، وَيُقَالُ السَّرْدُ [3] الْمِسْمَارُ فِي الْحَلْقَةِ، يُقَالُ: دِرْعٌ مَسْرُودَةٌ أَيْ مَسْمُورَةُ الْحَلَقِ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ اجْعَلْهُ عَلَى الْقَصْدِ وَقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَاعْمَلُوا صالِحاً، يُرِيدُ دَاوُدَ وَآلَهُ، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ، أَيْ وَسَخَّرْنَا لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ «الرِّيحُ» بِالرَّفْعِ أَيْ [لَهُ تسخيرا] [4] الرِّيحَ، غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ، أَيْ سَيْرُ غُدُوِّ تِلْكَ الرِّيحِ الْمُسَخَّرَةِ لَهُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَسَيْرُ رَوَاحِهَا مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَكَانَتْ تَسِيرُ بِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ يَغْدُو من دمشق فيقبل بإصطخر و [كان] [5] بينهما مَسِيرَةُ شَهْرٍ، ثُمَّ يَرُوحُ مِنْ اصْطَخْرَ فَيَبِيتُ بِكَابُلَ وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَتَغَدَّى بِالرَّيِّ وَيَتَعَشَّى بِسَمَرْقَنْدَ، وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ، أَيْ أذبنا له عين النحاس، والقطر النحاس.
__________
1757- تقدم في سورة البقرة عند آية: 267.
(1) سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع وط «بالناحية» والمثبت عن المخطوطتين.
(3) تصحف في المطبوع «السر» .
(4) في المطبوع «سخر له» وهو خطأ.
(5) زيادة عن المخطوط.
(3/672)

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أُجْرِيَتْ لَهُ عَيْنُ النُّحَاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ كَجَرْيِ الْمَاءِ، وَكَانَ بِأَرْضِ الْيَمَنِ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ النَّاسُ الْيَوْمَ بِمَا أَخْرَجَ اللَّهُ لِسُلَيْمَانَ، وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، بِأَمْرِ رَبِّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَخَّرَ اللَّهُ الْجِنَّ لِسُلَيْمَانَ وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، وَمَنْ يَزِغْ، أَيْ يَعْدِلْ، مِنْهُمْ، مِنَ الْجِنِّ، عَنْ أَمْرِنا، الَّذِي أَمَرْنَا بِهِ مِنْ طَاعَةِ سُلَيْمَانَ، نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ، فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِهِمْ مَلَكًا بِيَدِهِ سَوْطٌ مِنْ نَارٍ فَمَنْ زَاغَ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِ سُلَيْمَانَ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً أحرقته.

[سورة سبإ (34) : الآيات 13 الى 14]
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (13) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (14)
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ، أي مساجد وأبنية مرتفعة وَكَانَ مِمَّا عَمِلُوا [لَهُ] [1] بَيْتُ الْمَقْدِسِ ابْتَدَأَهُ دَاوُدُ وَرَفَعَهُ قَدْرَ قَامَةِ رَجُلٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنِّي لَمْ أَقَضْ ذَلِكَ عَلَى يَدِكَ وَلَكِنِ ابْنٌ لَكَ أُمَلِّكُهُ بَعْدَكَ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ أَقْضِي تَمَامَهُ عَلَى يَدِهِ، فَلَمَّا تَوَفَّاهُ اللَّهُ اسْتَخْلَفَ سُلَيْمَانَ فَأَحَبَّ إِتْمَامَ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَجَمَعَ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ وَقَسَّمَ عَلَيْهِمُ الْأَعْمَالَ فَخَصَّ كُلَّ طائفة منهم بعمل يستصلحه [2] لهم، فَأَرْسَلَ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ فِي تَحْصِيلِ الرخام والميها [3] الْأَبْيَضِ مِنْ مَعَادِنِهِ، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَدِينَةِ بِالرُّخَامِ وَالصُّفَّاحِ وَجَعَلَهَا اثْنَي عَشَرَ رَبَضًا وَأَنْزَلَ كُلَّ رَبَضٍ مِنْهَا سِبْطًا مِنَ الْأَسْبَاطِ، وَكَانُوا اثْنَي عَشَرَ سِبْطًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَدِينَةِ ابْتَدَأَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَوَجَّهَ [4] الشَّيَاطِينِ فِرَقًا فِرَقًا يَسْتَخْرِجُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالْيَاقُوتَ مِنْ مَعَادِنِهَا وَالدُّرَّ الصَّافِي مِنَ الْبَحْرِ، وَفِرَقًا يَقْلَعُونَ الْجَوَاهِرَ وَالْحِجَارَةَ مِنْ أَمَاكِنِهَا، وَفِرَقًا يَأْتُونَهُ بِالْمِسْكِ والعنبر وسائر الطيب من أماكنه، فَأَتَى مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ أَحْضَرَ الصَّنَاعِينِ وَأَمَرَهُمْ بِنَحْتِ تِلْكَ الْحِجَارَةِ الْمُرْتَفِعَةِ وَتَصْيِيرِهَا أَلْوَاحًا وَإِصْلَاحِ تِلْكَ الْجَوَاهِرِ وَثَقْبِ الْيَوَاقِيتِ واللآلئ، فَبَنَى الْمَسْجِدَ بِالرُّخَامِ الْأَبْيَضِ وَالْأَصْفَرِ والأخضر وعمده بأساطين المينا الصَّافِي وَسَقَّفَهُ بِأَلْوَاحِ الْجَوَاهِرِ الثَّمِينَةِ وفصص سقوفه وحيطانه باللئالئ وَالْيَوَاقِيتِ وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ، وَبَسَطَ أَرْضَهُ بألواح الفيروزج فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَرْضِ بَيْتٌ أَبْهَى وَلَا أَنْوَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ جَمَعَ إِلَيْهِ أَحْبَارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ بَنَاهُ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِ خَالِصٌ لِلَّهِ، وَاتَّخَذَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي فَرَغَ مِنْهُ عِيدًا.
«1758» وروى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ
__________
1758- صحيح، أخرجه أحمد 2/ 176 والحاكم 1/ 30- 31 و2/ 424 وابن حبان 1633 من طرق عن الأوزاعي عن ربيعة بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن الديلمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص به.
- وإسناده صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم غير ابن الديلمي، وهو ثقة.
- وأخرجه النسائي 2/ 34 من طريق رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إدريس الخولاني عن ابن الديلمي عن ابن عمرو به.
- وأخرجه ابن ماجه 1408 من طريق أيوب بن سويد، عن أبي زرعة عن ابن الديلمي عن ابن عمرو به.
(1) في المطبوع «في» .
(2) في المخطوط «يستخلصه» .
(3) في المخطوط- ب- «المهاء» .
(4) تصحف في المطبوع «فوجد» . [.....]
(3/673)

الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَيْنِ وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ أعطاه الثالثة، سأله حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ أَنْ لَا يَأْتِيَ هَذَا الْبَيْتَ أَحَدٌ يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْطَاهُ ذَلِكَ» .
قَالُوا: فَلَمْ يَزَلْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ عَلَى مَا بَنَاهُ سُلَيْمَانُ حَتَّى غَزَاهُ بُخْتَنَصَّرُ فَخَرَّبَ الْمَدِينَةَ وَهَدَمَهَا وَنَقَضَ الْمَسْجِدَ وَأَخَذَ مَا كَانَ فِي سُقُوفِهِ وَحِيطَانِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ فَحَمَلَهُ إِلَى دَارِ مَمْلَكَتِهِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَبَنَى الشَّيَاطِينُ لِسُلَيْمَانَ بِالْيَمَنِ حُصُونًا كَثِيرَةً عَجِيبَةً مِنَ الصَّخْرِ. قَوْلُهُ:
وَتَماثِيلَ أَيْ كَانُوا يَعْمَلُونَ لَهُ تَمَاثِيلَ أَيْ صُوَرًا مِنْ نُحَاسٍ وَصُفْرٍ وَشَبَّةٍ وَزُجَاجٍ وَرُخَامٍ. وَقِيلَ: كَانُوا يُصَوِّرُونَ السِّبَاعَ وَالطُّيُورَ. وَقِيلَ: كَانُوا يَتَّخِذُونَ صُوَرَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي الْمَسَاجِدِ [1] لِيَرَاهَا النَّاسُ فَيَزْدَادُوا عِبَادَةً، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي شَرِيعَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يَتَّخِذُ صُوَرًا مِنَ الطِّينِ فَيَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ. وَجِفانٍ، أَيْ قِصَاعٍ وَاحِدَتُهَا جَفْنَةٌ، كَالْجَوابِ، كَالْحِيَاضِ الَّتِي يُجْبَى فِيهَا الْمَاءُ أَيْ يُجْمَعُ وَاحِدَتُهَا جَابِيَةٌ، يُقَالُ: كَانَ يَقْعُدُ [2] عَلَى الْجَفْنَةِ الْوَاحِدَةِ أَلْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ [مِنْهَا وَقُدُورٍ راسِياتٍ] [3] ثَابِتَاتٍ لَهَا قوائم لا تحركن عن أماكنهن [4] لعظمهن ولا ينزلن ولا يقلعن [5] ، وكان يصعد عليها بالسلام، وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ، اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً، أَيْ وَقُلْنَا اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا، مَجَازُهُ:
اعْمَلُوا يَا آلَ دَاوُدَ بِطَاعَةِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ، أي العالم بِطَاعَتِي شُكْرًا لِنِعْمَتِي قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ آلِ دَاوُدَ هُوَ دَاوُدُ نَفْسُهُ. وَقِيلَ: دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا يَقُولُ: كَانَ دَاوُدُ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ جَزَّأَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمْ تَكُنْ تَأْتِي سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا وَإِنْسَانٌ مِنْ آلِ دَاوُدَ قَائِمٌ يُصَلِّي.
فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ، أَيْ عَلَى سُلَيْمَانَ، قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: كَانَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَتَجَرَّدُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، وَالشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ يُدْخِلُ فِيهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَأَدْخَلَهُ [6] فِي الْمَرَّةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا وَكَانَ بَدْءُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصْبِحُ يَوْمًا إِلَّا نَبَتَتْ فِي مِحْرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ شَجَرَةٌ، فَيَسْأَلُهَا: مَا اسْمُكِ؟ فَتَقُولُ: اسْمِي كَذَا، فَيَقُولُ لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: لِكَذَا وَكَذَا، فَيَأْمُرُ بِهَا فتقلع، فَإِنْ كَانَتْ نَبَتَتْ لِغَرْسٍ غَرَسَهَا وإن كانت لدواء تركت [7] ، حَتَّى نَبَتَتِ الْخَرُّوبَةُ، فَقَالَ لَهَا: مَا أَنْتِ؟ قَالَتِ: الْخَرُّوبَةُ، قَالَ: لِأَيِّ شَيْءٍ نَبَتِّ؟ قَالَتْ: لِخَرَابِ مَسْجِدِكَ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُخَرِّبَهُ وَأَنَا حَيٌّ أَنْتِ الَّتِي عَلَى وَجْهِكِ هَلَاكِي وَخَرَابُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَنَزَعَهَا وَغَرَسَهَا فِي حَائِطٍ لَهُ، ثُمَّ قَالَ:
اللَّهُمَّ عَمِّ عَلَى الْجِنِّ مَوْتِي حَتَّى يَعْلَمَ الْإِنْسُ أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، وَكَانَتِ الْجِنُّ تُخْبِرُ الإنس أنهم
__________
- وأيوب بن سويد، ضعفه الأئمة.
(1) في المطبوع «المسجد» .
(2) في المطبوع «يعقد» .
(3) سقط من المطبوع.
(4) في المطبوع «أماكنها» .
(5) في المخطوط. «يطلن» .
(6) كذا في المخطوطتين، وفي المطبوع وط «فأدخل» .
(7) تصحف في المطبوع «كتب» .
(3/674)

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)
يعملون مِنَ الْغَيْبِ أَشْيَاءَ وَيَعْلَمُونَ مَا فِي غَدٍ، ثُمَّ دَخَلَ الْمِحْرَابَ فَقَامَ يُصَلِّي مُتَّكِئًا عَلَى عَصَاهُ فَمَاتَ قَائِمًا وَكَانَ لِلْمِحْرَابِ كِوًى بين يديه وخلفه وكانت الْجِنُّ يَعْمَلُونَ تِلْكَ الْأَعْمَالَ الشَّاقَّةَ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي حَيَاتِهِ و [هم] [1] ينظرون إِلَيْهِ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ حَيٌّ وَلَا يُنْكِرُونَ احْتِبَاسَهُ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَى النَّاسِ لِطُولِ صَلَاتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَكَثُوا يَدْأَبُونَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ حَوْلًا كَامِلًا حَتَّى أَكَلَتِ الْأَرَضَةُ عَصَا سُلَيْمَانَ، فَخَرَّ مَيِّتًا فَعَلِمُوا بموته.
قال ابن عباس: فشرك الْجِنُّ الْأَرَضَةَ فَهُمْ يَأْتُونَهَا بِالْمَاءِ وَالطِّينِ فِي جَوْفِ الْخَشَبِ [2] .
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: مَا دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ، وَهِيَ الْأَرَضَةُ التي، تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ، يَعْنِي عَصَاهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو [3] «مِنْسَاتَهُ» بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ وَهُمَا لُغَتَانِ، وَيُسَكِّنُ ابْنُ عَامِرٍ الْهَمْزَ، وَأَصْلُهَا مِنْ نَسَأْتُ الْغَنَمَ أَيْ زَجَرْتُهَا وَسُقْتُهَا وَمِنْهُ نَسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِهِ أَيْ أَخَّرَهُ، فَلَمَّا خَرَّ، أَيْ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ، تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ، أَيْ عَلِمَتِ الْجِنُّ وَأَيْقَنَتْ، أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ، أَيْ فِي التَّعَبِ وَالشَّقَاءِ مُسَخَّرِينَ لِسُلَيْمَانَ وَهُوَ مَيِّتٌ يَظُنُّونَهُ حَيًّا، أَرَادَ اللَّهُ بِذَلِكَ أَنْ يُعْلِمَ الْجِنَّ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عليهم. وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ: أَنَّ مَعْنَى تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ، أَيْ ظَهَرَتْ وَانْكَشَفَتِ الْجِنُّ لِلْإِنْسِ، أَيْ ظَهَرَ أَمْرُهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الْغَيْبَ] [4] لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ شَبَّهُوا عَلَى الْإِنْسِ ذَلِكَ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ «تَبَيَّنَتِ الْإِنْسُ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ» أَيْ عَلِمَتِ الْإِنْسُ وَأَيْقَنَتْ ذَلِكَ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ:
«تبينت» بضم التاء [والباء] [5] وَكَسْرِ الْيَاءِ أَيْ أَعْلَمَتِ الْإِنْسُ الْجِنَّ، ذُكِرَ بِلَفْظِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَتُبَيِّنَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمُدَّةُ مُلْكِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَمَلَكَ يَوْمَ مَلَكَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عشر سَنَةً، وَابْتَدَأَ فِي بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِأَرْبَعِ سِنِينَ مَضَيْنَ مِنْ ملكه.

[سورة سبإ (34) : الآيات 15 الى 16]
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16)
قَوْلُهُ عَزَّ وجلّ: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ.
«1759» رَوَى أَبُو سَبْرَةَ النَّخَعِيُّ عَنْ فروة بن مسيك القطيعي، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أخبرني
__________
1759- جيد، أخرجه الترمذي 3222 والطبري 28782 و28783 28784 والحاكم 2/ 424 من حديث فروة بن مسيك.
- وحسنه الترمذي، وسكت عليه الحاكم، والذهبي.
- وورد من حديث ابن عباس أخرجه الحاكم 2/ 423 وصححه، ووافقه الذهبي.
- ومن حديث يزيد بن حصين أخرجه الطبراني 22/ 245.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 7/ 94- 95 رجاله رجال الصحيح، غير على بن الحسن شيخ الطبراني لم أعرفه اهـ.
قلت: ترجمه الخطيب في «تاريخه» 11/ 376 فلم يذكر فيه جرحا، فالحديث قوي بهذه الشواهد والطرق، وقد حسنه ابن كثير، وقوّاه في «تفسيره» 3/ 538- 539.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) هو بعض خبر مطول، وهو من الإسرائيليات.
(3) تصحف في المطبوع «عمر» .
(4) سقط من المطبوع.
(5) سقط من المطبوع. [.....]
(3/675)

عَنْ سَبَأٍ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَرْضًا؟ قَالَ: «كَانَ رجلا من العرب و [ولد] [1] له عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ تَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ تيامنوا فكندة والأشعريون، والأرض وَمُذْحِجٌ وَأَنْمَارٌ وَحِمْيَرٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: وما أنمار؟ [فقال الذين منهم خثعم وَأَمَّا] [2] الَّذِينَ تَشَاءَمُوا فَعَامِلَةُ وَجُذَامُ وَلَخْمٌ وَغَسَّانُ، وَسَبَأٌ هُوَ ابْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبِ بْنِ قَحْطَانَ» . فِي مَسْكَنِهِمْ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ «مَسْكَنِهِمْ» بِفَتْحِ الْكَافِ عَلَى الْوَاحِدِ وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْكَافِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «مَسَاكِنِهِمْ» عَلَى الْجَمْعِ وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمْ بِمَأْرِبَ مِنَ الْيَمَنِ، آيَةٌ، دَلَالَةٌ عَلَى وَحْدَانِيَّتِنَا وَقُدْرَتِنَا، ثُمَّ فَسَّرَ الْآيَةَ فَقَالَ: جَنَّتانِ، أَيْ هِيَ جَنَّتَانِ بُسْتَانَانِ، عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ، أَيْ عَنْ يَمِينِ الْوَادِي وَشِمَالِهِ. وَقِيلَ عَنْ يَمِينِ مَنْ أتاهما وشماله، وكان لهم واد قد أَحَاطَتِ الْجَنَّتَانِ بِذَلِكَ الْوَادِي كُلُوا، أي فيل لَهُمْ كُلُوا، مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، يَعْنِي مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّتَيْنِ، قَالَ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ:
كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَحْمِلُ مِكْتَلَهَا عَلَى رَأْسِهَا وَتَمُرُّ بِالْجَنَّتَيْنِ فَيَمْتَلِىءُ مِكْتَلُهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْفَوَاكِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّ شَيْئًا بِيَدِهَا، وَاشْكُرُوا لَهُ، أَيْ عَلَى مَا رَزَقَكُمْ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْمَعْنَى اعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، أَيْ أَرْضُ سَبَأٍ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ لَيْسَتْ بِسَبْخَةٍ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ لَمْ يَكُنْ يُرَى فِي بَلْدَتِهِمْ بَعُوضَةٌ وَلَا ذُبَابٌ وَلَا بُرْغُوثٌ وَلَا عَقْرَبٌ وَلَا حَيَّةٌ، وَكَانَ الرَّجُلُ يمرّ ببلدتهم وَفِي ثِيَابِهِ الْقَمْلُ فَيَمُوتُ الْقَمْلُ كُلُّهُ مِنْ طِيبِ الْهَوَاءِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، أَيْ طَيِّبَةُ الْهَوَاءِ، وَرَبٌّ غَفُورٌ، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَرَبُّكُمْ إِنْ شَكَرْتُمُوهُ فِيمَا رَزَقَكُمْ رَبٌّ غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ.
فَأَعْرَضُوا. قال وهب: أرسل اللَّهُ إِلَى سَبَأٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَدَعَوْهُمْ إِلَى اللَّهِ وَذَكَّرُوهُمْ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ وَأَنْذَرُوهُمْ عِقَابَهُ فَكَذَّبُوهُمْ، وَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا نِعْمَةً فَقُولُوا لِرَبِّكُمْ فَلْيَحْبِسْ هَذِهِ النِّعَمَ عَنَّا إِنِ اسْتَطَاعَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ، والعرم جَمْعُ عُرْمَةٍ وَهِيَ السِّكْرُ الَّذِي يُحْبَسُ بِهِ الْمَاءُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْعَرِمُ السَّيْلُ الَّذِي لَا يُطَاقُ.
وَقِيلَ: كَانَ مَاءً أَحْمَرَ أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ.
وَقِيلَ الْعَرِمُ: الْوَادِي وَأَصْلُهُ مِنَ الْعِرَامَةِ وَهِيَ الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ وَغَيْرُهُمَا: كَانَ ذَلِكَ السَّدُّ بَنَتْهُ بِلْقِيسُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى مَاءِ وَادِيهِمْ فَأَمَرَتْ بِوَادِيهِمْ فَسُدَّ بِالْعَرِمِ وَهُوَ الْمُسَنَّاةُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، فَسَدَّتْ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ بِالصَّخْرِ وَالْقَارِ وَجَعَلَتْ لَهُ أَبْوَابًا ثَلَاثَةً بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَبَنَتْ مِنْ دُونِهِ بِرْكَةً ضَخْمَةً وَجَعَلَتْ فِيهَا اثْنَيْ عَشَرَ مَخْرَجًا عَلَى عِدَّةِ أَنْهَارِهِمْ يَفْتَحُونَهَا إِذَا احْتَاجُوا إِلَى الْمَاءِ، وَإِذَا اسْتَغْنَوْا سَدُّوهَا، فَإِذَا جَاءَ الْمَطَرُ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَاءُ أَوْدِيَةِ الْيَمَنِ، فَاحْتَبَسَ السَّيْلُ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ فَأَمَرَتْ بِالْبَابِ الْأَعْلَى فَفُتِحَ فَجَرَى مَاؤُهُ فِي الْبِرْكَةِ، فَكَانُوا يَسْقُونَ مِنَ الْبَابِ الْأَعْلَى ثُمَّ من الثاني ثم من الباب [3] الأسفل فلا ينفد الْمَاءُ حَتَّى يَثُوبَ الْمَاءُ مِنَ السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ فَكَانَتْ تُقَسِّمُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَبَقُوا عَلَى ذَلِكَ بَعْدَهَا مُدَّةً فَلَمَّا طَغَوْا وَكَفَرُوا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُرَذًا يُسَمَّى الْخُلْدَ فَنَقَبَ السَّدَّ مِنْ أَسْفَلِهِ فَغَرَّقَ الْمَاءُ جَنَّاتِهِمْ وَخَرَّبَ أَرْضَهُمْ.
قَالَ وَهْبٌ: وَكَانَ مِمَّا يَزْعُمُونَ وَيَجِدُونَ فِي عِلْمِهِمْ وَكَهَانَتِهِمْ: أَنَّهُ يُخَرِّبُ سَدَّهُمْ فَأْرَةٌ فَلَمْ يَتْرُكُوا فُرْجَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ إِلَّا رَبَطُوا عِنْدَهَا هِرَّةً فَلَمَّا جَاءَ زَمَانُهُ وَمَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِمْ مِنَ التَّغْرِيقِ أَقْبَلَتْ فِيمَا يَذْكُرُونَ فَأْرَةٌ حَمْرَاءُ كَبِيرَةٌ إِلَى هِرَّةٍ مِنْ تِلْكَ الْهِرَرِ فَسَاوَرَتْهَا حتى استأخرت منها الهرة فدخلت في الفرجة
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) العبارة في المطبوع «فقال» .
(3) في المطبوع «الثالث» .
(3/676)

ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)
الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهَا فَتَغَلْغَلَتْ فِي السَّدِّ فَثَقَبَتْ وَحَفَرَتْ حَتَّى أَوْهَنَتْهُ لِلسَّيْلِ، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ بِذَلِكَ فَلَمَّا جَاءَ السَّيْلُ وَجَدَ خَلَلًا فَدَخَلَ فِيهِ حَتَّى قَطَّعَ السَّدَّ، وَفَاضَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَغَرَّقَهَا وَدَفَنَ بيوتهم الرمل، فتفرقوا [1] وَتَمَزَّقُوا حَتَّى صَارُوا مَثَلًا عِنْدَ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ صَارَ بَنُو فُلَانٍ أَيْدِي سَبَأٍ وَأَيَادِي سَبَأٍ أَيْ تَفَرَّقُوا وَتَبَدَّدُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ، وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ.
قَرَأَ الْعَامَّةُ بِالتَّنْوِينِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: «أُكُلِ خَمْطٍ» بِالْإِضَافَةِ، الْأُكُلُ الثَّمَرُ، وَالْخَمْطُ الْأَرَاكُ وَثَمَرُهُ يُقَالُ لَهُ الْبَرِيرُ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ: كُلُّ نَبْتٍ قَدْ أَخَذَ طَعْمًا مِنَ الْمَرَارَةِ حَتَّى لَا يُمْكِنَ أَكْلُهُ هو خَمْطٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْخَمْطُ ثَمَرُ شَجَرَةٍ يُقَالُ لَهُ فَسْوَةُ الضَّبْعِ، عَلَى صُورَةِ الْخَشْخَاشِ يَتَفَرَّكُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَمَنْ جَعَلَ الْخَمْطَ اسْمًا لِلْمَأْكُولِ فَالتَّنْوِينُ فِي أُكُلٍ حَسَنٌ، وَمَنْ جَعَلَهُ أَصْلًا وَجَعَلَ الْأُكُلَ ثَمَرَةً فَالْإِضَافَةُ فِيهِ ظَاهِرَةٌ، وَالتَّنْوِينُ [2] سَائِغٌ تَقُولُ الْعَرَبُ: فِي بُسْتَانِ فَلَانٍ أَعْنَابُ كَرْمٍ [وأعناب كرم] [3] ، يترجم عن الْأَعْنَابَ بِالْكَرْمِ لِأَنَّهَا مِنْهُ، وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، فَالْأَثْلُ هُوَ الطَّرْفَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ شَجَرٌ يُشْبِهُ الطَّرْفَاءَ إِلَّا أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَالسِّدْرُ [شَجَرٌ مَعْرُوفٌ وَهُوَ] [4] شَجَرُ النبق ينتفع بورقه لغسل اليد وَيُغْرَسُ فِي الْبَسَاتِينِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ سِدْرًا بَرِّيًّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يَصْلُحُ وَرَقُهُ لِشَيْءٍ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ شَجَرُ الْقَوْمِ مِنْ خَيْرِ الشَّجَرِ فَصَيَّرَهُ اللَّهُ مِنْ شر الشجر بأعمالهم.

[سورة سبإ (34) : الآيات 17 الى 20]
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (18) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20)
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا، أَيْ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْنَا بِهِمْ جَزَيْنَاهُمْ بِكُفْرِهِمْ، وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ «وهل نجزي» بِالنُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ، «الْكَفُورَ» نُصِبَ لِقَوْلِهِ: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ، «الْكَفُورُ» رُفِعَ أَيْ وَهَلْ يُجَازَى مِثْلَ هَذَا الْجَزَاءِ إِلَّا الْكَفُورُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُجَازَى أَيْ يُعَاقَبُ. وَيُقَالُ فِي الْعُقُوبَةِ: يُجَازِي، وَفِي الْمَثُوبَةِ يَجْزِي [5] ، قَالَ مُقَاتِلٌ: هَلْ يُكَافَأُ بِعَمَلِهِ السّيّئ إِلَّا الْكَفُورُ لِلَّهِ فِي نِعَمِهِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُؤْمِنُ يُجْزَى وَلَا يُجَازَى أَيْ يُجْزَى لِلثَّوَابِ بِعَمَلِهِ وَلَا يُكَافَأُ بِسَيِّئَاتِهِ.
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها بِالْمَاءِ وَالشَّجَرِ هِيَ قُرَى الشَّامِ، قُرًى ظَاهِرَةً، مُتَوَاصِلَةً تَظْهَرُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْأُولَى لِقُرْبِهَا مِنْهَا، وَكَانَ مَتْجَرُهُمْ مَنَ الْيَمَنِ إِلَى الشَّامِ فَكَانُوا يَبِيتُونَ بِقَرْيَةٍ وَيَقِيلُونَ بِأُخْرَى وَكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى حَمْلِ زَادٍ مِنْ سَبَأٍ إِلَى الشَّامِ.
__________
(1) في المخطوط «ففرقوا» .
(2) في المخطوط- ب- «فالتنويع» .
(3) سقط من المطبوع وط-.
(4) سقط من المطبوع.
(5) زيد في المطبوع وأ- وط، وفي المخطوط «يكافىء» .
(3/677)

وَقِيلَ: كَانَتْ قُرَاهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَسَبْعَمِائَةِ قَرْيَةٍ مُتَّصِلَةٍ مِنْ سَبَأٍ إِلَى الشَّامِ، وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ، أَيْ قَدَّرْنَا سَيْرَهُمْ بَيْنَ هَذِهِ القرى فكان مَسِيرُهُمْ فِي الْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ عَلَى قَدْرِ نِصْفِ يَوْمٍ، فَإِذَا سَارُوا نِصْفَ يَوْمٍ وَصَلُوا إِلَى قَرْيَةٍ ذَاتِ مِيَاهٍ وَأَشْجَارٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كانت امرأة تَخْرُجُ وَمَعَهَا مِغْزَلُهَا وَعَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلُهَا فَتَمْتَهِنُ بِمِغْزَلِهَا فَلَا تَأْتِي بَيْتَهَا حَتَّى يَمْتَلِىءَ مِكْتَلُهَا مِنَ الثِّمَارِ، وَكَانَ مَا بَيْنَ الْيَمَنِ وَالشَّامِ كَذَلِكَ، سِيرُوا فِيها، أَيْ وَقُلْنَا لَهُمْ سِيرُوا فِيهَا، وَقِيلَ: هُوَ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَيْ مَكَّنَّاهُمْ مِنَ السَّيْرِ فَكَانُوا يَسِيرُونَ فِيهَا، لَيالِيَ وَأَيَّاماً، أَيْ بِاللَّيَالِي والأيام أَيِّ وَقْتٍ شِئْتُمْ، آمِنِينَ، لَا تَخَافُونَ عَدُوًّا وَلَا جُوعًا، وَلَا عطشا، فبطروا وطغوا ولم يصبروا [1] عَلَى الْعَافِيَةِ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَتْ جَنَّاتُنَا أَبْعَدَ مِمَّا هِيَ كَانَ أجدر أن تشتهيه.
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا، فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّامِ فَلَوَاتٍ وَمَفَاوِزَ لِنَرْكَبَ فِيهَا الرَّوَاحِلَ وَنَتَزَوَّدَ الْأَزْوَادَ، فَعَجَّلَ اللَّهُ لَهُمُ الْإِجَابَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَطِرُوا النِّعْمَةَ وَسَئِمُوا الرَّاحَةَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عمرو بعد التشديد مِنَ التَّبْعِيدِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (بَاعِدَ) بِالْأَلِفِ وَكُلٌّ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ:
«رَبُّنَا» بِرَفْعِ الْبَاءِ، «بَاعَدَ» بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالدَّالِ عَلَى الْخَبَرِ كَأَنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا [2] أَسْفَارَهُمُ القريبة وبطروا وَأَشَّرُوا، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، بِالْبَطَرِ وَالطُّغْيَانِ. قوله تعالى: فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ، عِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ بِأَمْرِهِمْ وَشَأْنِهِمْ، وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، فَرَّقْنَاهُمْ فِي كُلِّ وَجْهٍ مِنَ الْبِلَادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمَّا غَرِقَتْ قُرَاهُمْ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، أَمَّا غَسَّانُ فَلَحِقُوا بِالشَّامِ وَمَرَّ الْأَزْدُ إِلَى عَمَّانَ، وَخُزَاعَةُ إِلَى تِهَامَةَ، وَمَرَّ آلُ خُزَيْمَةَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ إِلَى يَثْرِبَ، وَكَانَ الَّذِي قَدِمَ مِنْهُمُ الْمَدِينَةَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ وَهُوَ جَدُّ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ، لَعِبَرًا وَدَلَالَاتٍ، لِكُلِّ صَبَّارٍ، عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، شَكُورٍ، لِأَنْعُمِهِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمُؤْمِنَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ صَبُورٌ عَلَى الْبَلَاءِ شَاكِرٌ لِلنَّعْمَاءِ. قَالَ مُطَرِّفٌ: هُوَ الْمُؤْمِنُ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: «صَدَّقَ» بِالتَّشْدِيدِ أَيْ ظَنَّ فِيهِمْ ظَنًّا حَيْثُ قَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 82] وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [الْأَعْرَافِ: 17] فَصَدَّقَ ظَنَّهُ وَحَقَّقَهُ [3] بِفِعْلِهِ ذَلِكَ بِهِمْ وَاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ.
وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ فِي ظَنِّهِ بِهِمْ أَيْ عَلَى أَهْلِ سَبَأٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلَّا مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي أَصْلِ الدِّينِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الْحِجْرِ: 42] ، يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَلَا يَعْصُونَهُ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا سَأَلَ النَّظِرَةَ فَأَنْظَرَهُ اللَّهُ، قَالَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أجمعين وَلِأُضِلُّنَّهُمْ، لَمْ يَكُنْ مُسْتَيْقِنًا وَقْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنَّ مَا قَالَهُ فِيهِمْ يَتِمُّ وَإِنَّمَا قَالَهُ ظَنًّا فيهم، فَلَمَّا اتَّبَعُوهُ وَأَطَاعُوهُ صَدَقَ عَلَيْهِمْ مَا ظَنَّهُ [فِيهِمْ] [4] . قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ لَمْ يُسِلَّ عَلَيْهِمْ سَيْفًا وَلَا ضَرَبَهُمْ بِسَوْطٍ وَإِنَّمَا وَعَدَهُمْ ومناهم فاغتروا.
__________
(1) في المطبوع «يصيروا» .
(2) في المخطوط- ب- «استغربوا» .
(3) في المطبوع «حقه» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(3/678)

وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)
[سورة سبإ (34) : الآيات 21 الى 22]
وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22)
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ، أَيْ مَا كَانَ تَسْلِيطُنَا إِيَّاهُ عَلَيْهِمْ، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ، أي إلا لنعلمه أي لِنَرَى وَنُمَيِّزَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَأَرَادَ عِلْمَ الْوُقُوعِ وَالظُّهُورِ، وَقَدْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ بِالْغَيْبِ. وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ، رَقِيبٌ.
قُلِ، يَا مُحَمَّدُ لِكَفَّارِ مَكَّةَ، ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ، أَنَّهُمْ آلِهَةٌ، مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَفِي الْآيَةِ حَذْفٌ أَيِ ادْعُوهُمْ لِيَكْشِفُوا الضُّرَّ الَّذِي نَزَلَ بِكُمْ فِي سِنِيِّ الْجُوعِ، ثُمَّ وَصَفَهَا فَقَالَ: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَنَفْعٍ وَضُرٍّ وَما لَهُمْ، يعني الآلهة، فِيهِما، في السموات والأرض، مِنْ شِرْكٍ، من شَرِكَةٍ، وَما لَهُ، أَيْ وَمَا لِلَّهِ، مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، عَوْنٍ.

[سورة سبإ (34) : الآيات 23 الى 28]
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)
وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (28)
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، اللَّهُ فِي الشَّفَاعَةِ، قَالَهُ تَكْذِيبًا لَهُمْ حَيْثُ قَالُوا: هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إِلَّا لمن أذن الله له أَنْ يُشْفَعَ لَهُ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ:
«أُذِنَ» بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالزَّايِ [وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ] [1] أَيْ كشف الفزع وأخرجه عن قلوبهم، فالتفزيع إِزَالَةُ الْفَزَعِ كَالتَّمْرِيضِ وَالتَّفْرِيدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ السَّبَبِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يُفَزِّعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ مِنْ غَشْيَةٍ تُصِيبُهُمْ عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
«1760» وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ: قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» .
«1761» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ أَنْبَأَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الفضل بن محمد أنا أبو
__________
1760- تقدم في سورة الحجر عن آية: 18.
1761- حسن صحيح بشواهده.
- إسناده ضعيف، وفيه عنعنة الوليد بن مسلم وهو مدلس، ونعيم بن حماد، صدوق لكنه سيئ الحفظ، لذا ضعفه غير [.....]
(1) سقط من المطبوع.
(3/679)

بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خزيمة أنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانَ المصري أنا نعيم بن حماد أنا الْوَلِيدِ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عن ابن أَبِي زَكَرِيَّا عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ بِالْأَمْرِ تَكَلَّمَ بالوحي أخذت السموات مِنْهُ رَجْفَةٌ أَوْ قَالَ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صُعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، قَالَ فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ» .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يَفْزَعُونَ حَذَرًا مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ.
قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: كَانَتِ الْفَتْرَةُ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، خَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَقِيلَ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ تَسْمَعِ الْمَلَائِكَةُ فِيهَا وَحْيًا فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ جبريل عليه السلام بالرسالة إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ ظَنُّوا أَنَّهَا السَّاعَةُ لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم عند أهل السموات بعثته مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَصُعِقُوا مِمَّا سَمِعُوا خَوْفًا مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ فَلَمَّا انْحَدَرَ جِبْرِيلُ جَعَلَ يَمُرُّ بِأَهْلِ كُلِّ سَمَاءٍ فَيَكْشِفُ عَنْهُمْ فَيَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا: قَالَ الْحَقَّ يَعْنِي الْوَحْيَ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: الْمَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ المشركون. وقال الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ: حَتَّى إِذَا كُشِفَ الْفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ نُزُولِ الْمَوْتِ بِهِمْ إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ قَالَتْ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فِي الدُّنْيَا قَالُوا الْحَقَّ فَأَقَرُّوا بِهِ حِينَ لا ينفعهم الإقرار.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، فَالرِّزْقُ مِنَ السموات الْمَطَرُ وَمِنَ الْأَرْضِ النَّبَاتُ، قُلِ اللَّهُ، أَيْ إِنْ لَمْ يَقُولُوا رَازِقُنَا اللَّهُ فَقُلْ أَنْتَ إِنَّ رَازِقَكُمْ هُوَ اللَّهُ، وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، لَيْسَ هَذَا عَلَى طَرِيقِ الشَّكِّ وَلَكِنْ عَلَى جِهَةِ الْإِنْصَافِ فِي الْحُجَاجِ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِلْآخَرِ أَحَدُنَا كَاذِبٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ وَصَاحِبَهُ كَاذِبٌ، وَالْمَعْنَى مَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى أمر واحد بل أحد
__________
واحد وزكريا الوقار ضعيف لكن توبع.
- لكن للحديث شواهد.
- وهو في «التوحيد» لابن خزيمة ص 144 عن زكريا بن أبان المصري بهذا الإسناد.
- وأخرجه الطبري 28849 عن زكريا بن أبان المصري به.
- وأخرجه محمد بن نصر المهروزي في «تعظيم قدر الصلاة» 1/ 236 وابن أبي عاصم في «السنة» 515 والآجري في «الشريعة» 679 وأبو الشيخ في «العظمة» 165 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 435 من طرق عن نعيم بن حماد به.
- وأخرجه أبو الشيخ 164 من طريق عمرو بن مالك الراسبي عن الوليد بن مسلم قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بن جابر به.
- وإسناده ضعيف لضعف عمرو بن مالك.
وللحديث شواهد منها:
- حديث أبي هريرة، وتقدم في سورة الحجر عند آية: 18.
- وحديث ابن مسعود أخرجه أبو داود 4738 وابن خزيمة في «التوحيد» ص 145 وابن حبان 37 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 434، ورجاله ثقات معروفون.
- الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بشواهده.
(3/680)

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29)
الْفَرِيقَيْنِ مُهْتَدٍ وَالْآخَرُ ضَالٌّ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ خَالَفَهُ فِي ضَلَالٍ، فَكَذَّبَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَرِّحَ بِالتَّكْذِيبِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَالْأَلِفُ فِيهِ صِلَةٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ يَعْنِي نَحْنُ عَلَى الْهُدَى وَأَنْتُمْ فِي الضَّلَالِ.
قُلْ لَا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) .
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَفْتَحُ، يَقْضِي، بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ.
قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ، أَيْ أَعْلِمُونِيَ الذين ألحقتموهم به [شركاء] [1] أي فِي الْعِبَادَةِ مَعَهُ هَلْ يَخْلُقُونَ وَهَلْ يَرْزُقُونَ، كَلَّا، لَا يَخْلُقُونَ وَلَا يَرْزُقُونَ، بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ، الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ، الْحَكِيمُ، فِي تَدْبِيرِهِ لِخَلْقِهِ فَأَنَّى يَكُونُ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ، يَعْنِي لِلنَّاسِ [عَامَّةً] [2] أحمرهم وَأَسْوَدِهِمْ، بَشِيراً وَنَذِيراً، أَيْ مُبَشِّرًا وَمُنْذِرًا، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
«1762» وَرُوِّينَا عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
وَقِيلَ: كَافَّةً أَيْ كَافًّا يَكُفُّهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكفر، والهاء للمبالغة.

[سورة سبإ (34) : الآيات 29 الى 31]
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (30) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31)
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (29) ، يعني [يوم] [3] الْقِيَامَةَ.
قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (30) ، أَيْ لَا تَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَوْمُ الْمَوْتِ لَا تَتَأَخَّرُونَ عَنْهُ وَلَا تَتَقَدَّمُونَ بِأَنْ يُزَادَ فِي أَجَلِكُمْ أَوْ يُنْقَصَ مِنْهُ.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، يَعْنِي التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَلَوْ تَرى، يَا مُحَمَّدُ، إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ، مَحْبُوسُونَ، عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ، يَرُدُّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ فِي الْجِدَالِ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا، اسْتُحْقِرُوا وَهُمُ الْأَتْبَاعُ، لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وَهْمُ الْقَادَةُ والأشراف، لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، أَيْ أَنْتُمْ مَنَعْتُمُونَا عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.

[سورة سبإ (34) : الآيات 32 الى 35]
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (33) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (34) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35)
__________
1762- تقدم في سورة البقرة عند آية: 253.
(1) زيد في المطبوع «بالله شركاء» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/681)

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36)
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، أَجَابَهُمُ الْمَتْبُوعُونَ فِي الْكُفْرِ، لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، بِتَرْكِ الْإِيمَانِ.
وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أَيْ مَكْرُكُمْ بِنَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْعَرَبُ تُضِيفُ الْفِعْلَ إِلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى تَوَسُّعِ الْكَلَامِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَنِمْتُ وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمٍ وَقِيلَ: مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ هُوَ طُولُ السَّلَامَةِ وَطُولُ الْأَمَلِ فِيهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الْحَدِيدِ: 16] . إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا، وأظهروا النَّدامَةَ، وَقِيلَ: أَخْفَوْا، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فِي النَّارِ الْأَتْبَاعِ وَالْمَتْبُوعِينَ جَمِيعًا. هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي فِي الدُّنْيَا.
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها، رُؤَسَاؤُهَا وَأَغْنِيَاؤُهَا، إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ.
وَقالُوا، يَعْنِي قَالَ الْمُتْرَفُونَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا، نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ رَاضِيًا بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ وَالْعَمَلِ لَمْ يُخَوِّلْنَا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، أَيْ إِنَّ اللَّهَ أَحْسَنَ إِلَيْنَا فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ فلا يعذبنا.

[سورة سبإ (34) : الآيات 36 الى 39]
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (36) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ وَيَقْدِرُ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا لَا يَدُلُّ الْبَسْطُ عَلَى رِضَا اللَّهِ عَنْهُ وَلَا التَّضْيِيقُ عَلَى سَخَطِهِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، أَنَّهَا كَذَلِكَ.
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى، أَيْ قُرْبَى، قَالَ الأخفش: زلفى [1] اسْمُ مَصْدَرٍ كَأَنَّهُ قَالَ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا تَقْرِيبًا، إِلَّا مَنْ آمَنَ، يعني مَنْ آمَنَ، وَعَمِلَ صالِحاً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
يُرِيدُ إِيمَانَهُ وَعَمَلَهُ يُقَرِّبُهُ مِنِّي، فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا، أَيْ يُضَعِّفُ اللَّهُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ فَيَجْزِي بِالْحَسَنَةِ الواحدة عشرا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ قَرَأَ يَعْقُوبُ: «جَزَاءً» منصوبا منونا و «الضعف» رفع تقديره [2] لَهُمُ الضِّعْفُ جَزَاءً وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِالْإِضَافَةِ، وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ، قَرَأَ حَمْزَةُ: «فِي الْغُرْفَةِ» عَلَى وَاحِدِهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَمْعِ لِقَوْلِهِ: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً [الْعَنْكَبُوتِ: 58] .
وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ، يَعْمَلُونَ، فِي آياتِنا، فِي إِبْطَالِ حُجَّتِنَا، مُعاجِزِينَ، مُعَانِدِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَنَا وَيَفُوتُونَنَا، أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ.
__________
(1) في المطبوع «قربى» .
(2) زيد في المخطوط «وأولئك» .
(3/682)

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، يُعْطِي خُلْفَهُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ [1] : مَا كَانَ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ. وقال الكلبي: ما تصدقتم [به] [2] مِنْ صَدَقَةٍ وَأَنْفَقْتُمْ فِي الْخَيْرِ مِنْ نَفَقَةٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ عَلَى الْمُنْفِقِ، إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، خَيْرُ مَنْ يُعْطِي وَيَرْزُقُ.
«1763» وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «قال الله تعالى أنفق يا ابن آدم أُنْفِقْ عَلَيْكَ» .
«1764» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [3] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بن إسماعيل ثنا إسماعيل ثني أخي عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ [4] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» .
«1765» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [5] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَنَا ابْنُ أبي أويس أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» .
«1766» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [6] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرياني أنا
__________
1763- تقدم في سورة البقرة عند آية: 268.
1764- إسناده صحيح على شرط البخاري.
- إسماعيل هو ابن أبي أويس، وأبو أويس هو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأويسي، أخو إسماعيل هو أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأويسي، أبو الحباب هو سعيد بن يسار.
- وهو في «شرح السنة» 1651 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 1442 عن إسماعيل بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 1010 من طرق خالد بن مخلد والنسائي في «الكبرى» 9178 من طريق أبي بكر كلاهما عن سليمان بهذا الإسناد.
- وورد من وجه آخر عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي طلحة عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عمرة عن أبي هريرة بنحوه أخرجه أحمد 2/ 305- 306 وابن حبان 3333.
1765- صحيح. حميد بن زنجويه ثقة، وقد توبع ومن دونه، وباقي الإسناد على شرط مسلم.
- ابن أبي أويس، هو إسماعيل بن عبد الله.
- وهو في «شرح السنة» 1627 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 2029 عن قتيبة عن عبد العزيز بن محمد بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2588 والدارمي 1/ 396 وابن خزيمة 2438 وابن حبان 3248 والبيهقي 4/ 187 و8/ 162 و10/ 235 والبغوي في «شرح السنة» 1627 من طرق عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ به.
- وأخرجه أحمد 2/ 235 و386 و438 من طريقين عن العلاء به.
1766- إسناده ضعيف لضعف عبد الحميد بن الحسن، وباقي الإسناد ثقات.
(1) تصحف المخطوط «المسيب» .
(2) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) تصحف في المطبوع «الحبحاب» .
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) زيادة عن المخطوط.
(3/683)

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40)
حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَنَا أَبُو الربيع أنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ الْحَسَنِ الْهِلَالِيُّ أنا مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ مَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ كُتِبَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا وفى به الرجل عِرْضَهُ كُتِبَ لَهُ بِهَا صَدَقَةٌ» ، قلت [1] : ما يعني [ما] [2] وفي به عِرْضَهُ؟ قَالَ: «مَا أَعْطَى الشَّاعِرَ وَذَا اللِّسَانِ الْمُتَّقَى، وَمَا أَنْفَقَ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفَقَةٍ فَعَلَى اللَّهِ خلقها ضَامِنًا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نَفَقَةٍ فِي بُنْيَانٍ أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» .
قَوْلُهُ: «قُلْتُ مَا يَعْنِي» يَقُولُ عَبْدُ الْحَمِيدِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا كَانَ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ شَيْءٌ فَلْيَقْتَصِدْ، وَلَا يَتَأَوَّلْ هَذِهِ الْآيَةَ. وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: 39] ، فَإِنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ لَعَلَّ رِزْقَهُ قَلِيلٌ، وَهُوَ يُنْفِقُ نَفَقَةَ الْمُوَسَّعِ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَمَا كَانَ من خلف فهو منه.

[سورة سبإ (34) : الآيات 40 الى 44]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (42) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ، قرأ يعقوب وحفص «يحشرهم» ، ويقول بالياء فيهما، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ، جَمِيعاً يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ، فِي الدُّنْيَا، قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِعِيسَى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:
116] ، فَتَتَبَرَّأُ مِنْهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
قالُوا سُبْحانَكَ، تَنْزِيهًا لَكَ، أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، أَيْ نَحْنُ نَتَوَلَّاكَ وَلَا نَتَوَلَّاهُمْ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ، يعني الشياطين، فإن قيل هم [3] كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ فَكَيْفَ وَجْهُ قَوْلِهِ: يَعْبُدُونَ الْجِنَّ، قِيلَ: أَرَادَ الشَّيَاطِينَ زَيَّنُوا لَهُمْ عِبَادَةَ الْمَلَائِكَةِ، [فَهُمْ كَانُوا يُطِيعُونَ الشَّيَاطِينَ فِي عِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ] [4] ، فَقَوْلُهُ: يَعْبُدُونَ أَيْ يُطِيعُونَ الْجِنَّ، أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ، يعني مصدقون للشياطين.
__________
- أبو الربيع هو سليمان بن داود الزهراني.
- وهو في «شرح السنة» 1640 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الطيالسي 2045 والدارقطني 3/ 28 والحاكم 2/ 50 من طريق عبد الحميد به، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: عبد الحميد ضعفوه.
- وأخرجه أبو يعلى 2040 من طريق آخر عن المسور بن الصلت عن ابن المنكدر به وإسناده واه لأجل المسور، ولأكثر هذا الحديث شواهد، والفقرة الأولى منه عند البخاري 6021.
(1) القائل هو عبد الحميد يسأل محمد بن المنكدر.
(2) سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع «لهم» .
(4) زيد في المطبوع.
(3/684)

وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45)
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً، بِالشَّفَاعَةِ، وَلا ضَرًّا بِالْعَذَابِ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ عَاجِزُونَ لَا نَفْعَ عِنْدَهُمْ وَلَا ضُرَّ، وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا مَا هَذَا، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً، يَعْنُونَ الْقُرْآنَ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ، أَيْ بَيِّنٌ.
وَما آتَيْناهُمْ، يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها، يَقْرَؤُونَهَا، وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ، أَيْ لَمْ يَأْتِ الْعَرَبَ قَبْلَكَ نَبِيٌّ وَلَا نُزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابٌ.

[سورة سبإ (34) : الآيات 45 الى 49]
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ مَا آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (49)
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، مِنَ الْأُمَمِ رُسُلَنَا وَهُمْ عَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَغَيْرُهُمْ، وَما بَلَغُوا، يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، مِعْشارَ، أي عشر، وَما آتَيْناهُمْ، أَيْ أَعْطَيْنَا الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ مِنَ الْقُوَّةِ وَالنِّعْمَةِ وَطُولِ الْعُمُرِ، فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ، أَيْ إِنْكَارِي وَتَغْيِيرِي عَلَيْهِمْ، يُحَذِّرُ كُفَّارَ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَذَابَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ.
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ، أَيْ بِخَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ بَيْنَ تِلْكَ الْخَصْلَةَ فَقَالَ: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ، أي لِأَجْلِ اللَّهِ، مَثْنى، أَيْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَفُرادى، أَيْ وَاحِدًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، جَمِيعًا أَيْ تَجْتَمِعُونَ فَتَنْظُرُونَ وَتَتَحَاوَرُونَ وَتَنْفَرِدُونَ، فَتُفَكِّرُونَ فِي حَالِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَعْلَمُوا، مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ، أي جُنُونٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْقِيَامِ الْقِيَامَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْجُلُوسِ وإنما هو قيامه بِالْأَمْرِ الَّذِي هُوَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ، كَقَوْلِهِ: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ [النِّسَاءِ: 127] . إِنْ هُوَ، مَا هُوَ، إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، قَالَ مُقَاتِلٌ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، أي في خلق السموات وَالْأَرْضِ فَتَعْلَمُوا أَنَّ خَالِقَهَا وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ.
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ، عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، مِنْ أَجْرٍ، جُعْلٍ فَهُوَ لَكُمْ، يَقُولُ: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَجْرًا فَتَتَّهِمُونِي [1] ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَهُوَ لَكُمْ أَيْ لَمْ أَسْأَلْكُمْ شَيْئًا كَقَوْلِ الْقَائِلِ: مَا لِي مِنْ هَذَا فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَكَ يُرِيدُ لَيْسَ لِي فِيهِ شَيْءٌ، إِنْ أَجْرِيَ، مَا ثَوَابِي، إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ، وَالْقَذْفُ الرَّمْيُ بِالسَّهْمِ وَالْحَصَى، وَالْكَلَامِ، وَمَعْنَاهُ يَأْتِي [2] بِالْحَقِّ وَبِالْوَحْيِ يُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ فَيَقْذِفُهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، عَلَّامُ الْغُيُوبِ، رُفِعُ بِخَبَرِ إِنَّ أَيْ وَهُوَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.
قُلْ جاءَ الْحَقُّ، يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ، وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ، أَيْ ذَهَبَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ فلم يبق منه بقية يبدىء شَيْئًا أَوْ يُعِيدُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ [الأنبياء: 18] ، وقال:
__________
(1) في المطبوع «فتفهموني» .
(2) في المطبوع «أتى» .
(3/685)

قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)
قتادة: الباطل هو إبليس [أي ما يخلق إبليس أحدا ابتداء ولا يبعث] [1] . وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ، وَقِيلَ:
الباطل الأصنام.

[سورة سبإ (34) : الآيات 50 الى 54]
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (51) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي، وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ [كَانُوا] [2] يَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ قَدْ ضَلَلْتَ حِينَ تَرَكْتَ دِينَ آبائك، قال اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي أَيْ، إِثْمُ ضَلَالَتِي عَلَى نَفْسِي، وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي، مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحِكْمَةِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا، قَالَ قَتَادَةُ عِنْدَ الْبَعْثِ حِينَ يُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، فَلا فَوْتَ، أَيْ فَلَا يَفُوتُونَنِي كَمَا قَالَ: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ص: 3] ، وَقِيلَ: إذ فزعوا [عند الموت] [3] فَلَا فَوْتَ وَلَا نَجَاةَ، وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ، قَالَ الْكَلْبِيُّ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ، وَقِيلَ: أُخِذُوا مِنْ بَطْنِ الْأَرْضِ إِلَى ظَهْرِهَا، وَحَيْثُمَا كَانُوا فَهُمْ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ، لَا يَفُوتُونَهُ. وَقِيلَ: مِنْ مَكَانٍ [4] قَرِيبٍ يَعْنِي عَذَابَ الدُّنْيَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ ابن أبزى [5] خسف بِالْبَيْدَاءِ، وَفِي الْآيَةِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا لَرَأَيْتَ أَمْرًا تَعْتَبِرُ بِهِ.
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ، حين عاينوا العذاب، وقيل: عِنْدَ الْيَأْسِ. وَقِيلَ: عِنْدَ الْبَعْثِ. وَأَنَّى، مِنْ أَيْنَ، لَهُمُ التَّناوُشُ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وأبو بكر: التناوش بالمد والهمز، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِوَاوٍ صَافِيَةٍ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ وَلَا هَمْزٍ، وَمَعْنَاهُ التَّنَاوُلُ أَيْ كَيْفَ لَهُمْ تَنَاوُلُ مَا بَعُدَ عَنْهُمْ، وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالتَّوْبَةُ، وَقَدْ كَانَ قَرِيبًا فِي الدُّنْيَا فَضَيَّعُوهُ، وَمَنْ هَمَزَ قِيلَ: مَعْنَاهُ هَذَا أَيْضًا.
وَقِيلَ: التَّنَاوُشُ بالهمز مِنَ النَّبْشِ وَهُوَ حَرَكَةٌ فِي إِبْطَاءٍ، يُقَالُ: جَاءَ نَبْشًا أَيْ مُبْطِئًا مُتَأَخِّرًا، وَالْمَعْنَى مِنْ أَيْنَ لَهُمُ الْحَرَكَةُ فِيمَا لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِيهِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَسْأَلُونَ الرَّدَّ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقَالُ وَأَنَّى لَهُمُ الرَّدُّ إِلَى الدُّنْيَا، مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أَيْ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا.
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ، أَيْ بِالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُعَايِنُوا الْعَذَابَ وَأَهْوَالَ الْقِيَامَةِ، وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَرْمُونَ مُحَمَّدًا بِالظَّنِّ لَا بِالْيَقِينِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ سَاحِرٌ وَشَاعِرٌ وَكَاهِنٌ، وَمَعْنَى الْغَيْبِ: هُوَ الظَّنُّ لِأَنَّهُ غَابَ عِلْمُهُ عَنْهُمْ، وَالْمَكَانُ الْبَعِيدُ بُعْدُهُمْ عَنْ عِلْمِ مَا يَقُولُونَ، وَالْمَعْنَى يَرْمُونَ مُحَمَّدًا بِمَا لَا يَعْلَمُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَرْجُمُونَ بِالظَّنِّ يَقُولُونَ لَا بَعْثَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ.
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ، أَيِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الدُّنْيَا. وَقِيلَ: نَعِيمُ الدُّنْيَا وَزَهْرَتُهَا، كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ، يعني بِنُظَرَائِهِمْ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، مِنْ قَبْلُ، أي لم يقبل منهم
__________
(1) زيادة عن المخطوط والطبري 28885.
(2) سقط من المطبوع.
(3) زيادة عن المخطوط. [.....]
(4) تصحف في المطبوع «كان» .
(5) في المطبوع «بزي» .
(3/686)

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)
الْإِيمَانُ وَالتَّوْبَةُ فِي وَقْتِ الْيَأْسِ، إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ، مِنَ الْبَعْثِ وَنُزُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ، مُرِيبٍ، موقع لهم الريبة والتهمة.

تفسير سورة فاطر
مكية [وهي خمس وأربعون آية] [1]

[سورة فاطر (35) : الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، خالقهما ومبدعهما عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ، ذَوِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ.
قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: بَعْضُهُمْ لَهُ جَنَاحَانِ وَبَعْضُهُمْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَجْنِحَةٍ وَبَعْضُهُمْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ، وَيَزِيدُ فِيهَا مَا يَشَاءُ وَهُوَ قَوْلُهُ: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشاءُ، وَقَالَ [عَبْدُ اللَّهِ] [2] بْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18) [النَّجْمِ: 18] ، قَالَ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي قَوْلِهِ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ قَالَ: حُسْنُ الصَّوْتِ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هُوَ الْمَلَاحَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ. وَقِيلَ: هُوَ الْعَقْلُ وَالتَّمْيِيزُ. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ، قِيلَ: مِنْ مَطَرٍ وَرِزْقٍ، فَلا مُمْسِكَ لَها، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ [عَلَى] [3] حَبْسِهَا، وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ، فِيمَا أَمْسَكَ الْحَكِيمُ، فِيمَا أَرْسَلَ من مطر ورزق.
«1767» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّاوُدِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصمد الهاشمي أنا عبيد بن أسباط أنا أبي [قال] [4] : أنا عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَرَّادٍ [5] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دبر كل صلاة مكتوبة:
__________
1767- صحيح. عبيد بن أسباط صدوق، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- أسباط والد عبيد هو ابن محمد القرشي، ورّاد، هو أبو سعيد أو أبو الورد كاتب المغيرة.
- وهو في «شرح السنة» 716 بهذا الإسناد، وإسناد آخر.
- وأخرجه البخاري 844 و6473 و7292 ومسلم 593 ح 138 وأحمد 4/ 215 والحميد 762 والدارمي 1/ 311 وابن خزيمة 742 وأبو عوانة 2/ 242 و244 وابن حبان 2007 والطبراني 10/ (908) و (919) والبيهقي 2/ 185 من طرق
(1) زيد في المطبوع.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) تصحف في المطبوع «وارد» .
(3/687)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)
«لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ منك الجد» .

[سورة فاطر (35) : الآيات 3 الى 7]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «غَيْرِ» بِجَرِّ الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِهَا عَلَى مَعْنَى هَلْ خَالِقٌ غير الله، لأن «من» زائدة، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ عَلَى طَرِيقِ التَّقْرِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ لَا خَالِقَ غَيْرُ اللَّهِ، يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أَيْ مِنَ السَّمَاءِ الْمَطَرَ وَمِنَ الْأَرْضِ النَّبَاتَ، لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، يعني وعد الْقِيَامَةِ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ.
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، أَيْ عَادُوهُ بِطَاعَةِ الله ولا تطيعوه، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ، أَيْ أَشْيَاعَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ، لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ، أَيْ لِيَكُونُوا فِي السَّعِيرِ، ثُمَّ بَيَّنَ حَالَ مُوَافِقِيهِ وَمُخَالِفِيهِ فَقَالَ:
الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) .

[سورة فاطر (35) : الآيات 8 الى 10]
أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8) وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (9) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ وَمُشْرِكِي مَكَّةَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مِنْهُمْ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَمَّا أَهْلُ الْكَبَائِرِ فَلَيْسُوا مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِلُّونَ الْكَبَائِرَ، أَفَمَنْ زُيِّنَ، شبّه وموّه عليه
__________
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ به.
- وأخرجه البخاري 6473 والنسائي 3/ 71 وابن خزيمة 742 وأحمد 4/ 250 وابن حبان 2006 من طرق عن الشعبي عن ورّاد به.
- وأخرجه البخاري 6330 ومسلم 593 والنسائي 3/ 71 وأحمد 4/ 250 وابن حبان 2005 من طرق عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ ورّاد به.
(3/688)

وَحُسِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ أَيْ قَبِيحُ [1] عَمَلِهِ، فَرَآهُ حَسَناً، زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ بِالْوَسْوَاسِ، وَفِي الْآيَةِ حَذْفٌ مَجَازُهُ: أَفَمَنْ زُيِّنَ له سوءا عَمَلِهِ فَرَأَى الْبَاطِلَ حَقًّا كَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ فَرَأَى الْحَقَّ حَقًّا وَالْبَاطِلَ بَاطِلًا، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَقِيلَ: جَوَابُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَفَمَنَّ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَأَضَلَّهُ اللَّهُ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِ حَسْرَةً، أَيْ تَتَحَسَّرُ عَلَيْهِ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ.
وَقَالَ الْحُسَيْنُ [2] بْنُ الْفَضْلِ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَجَازُهُ: أَفَمَنَّ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَالْحَسْرَةُ شِدَّةُ الْحُزْنِ عَلَى مَا فَاتَ مِنَ الأمر، ومعنى الآية: لا تهتم بِكُفْرِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ فَلَا تُذْهِبْ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ نَفْسَكَ نُصِبَ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ.
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (9) مِنَ الْقُبُورِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً، قَالَ الْفَرَّاءُ مَعْنَى الْآيَةِ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ لِمَنِ الْعِزَّةُ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلْيَتَعَزَّزْ بِطَاعَةِ اللَّهِ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ إِلَى طَاعَةِ مِنْ لَهُ الْعِزَّةُ، أَيْ فَلْيَطْلُبِ الْعِزَّةَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِطَاعَتِهِ، كَمَا يُقَالُ: مَنْ كان يريد المال لِفُلَانٍ، أَيْ فَلْيَطْلُبْهُ مِنْ عِنْدِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ وطلبوا بها التعزز كَمَا قَالَ اللَّهُ: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا [مَرْيَمَ: 81] ، وَقَالَ: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [النِّسَاءِ: 139] إِلَيْهِ، أَيْ إِلَى اللَّهِ، يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَهُوَ قَوْلُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أكبر.
«1768» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [3] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ أَنَا حميد بن زنجويه أنا الحجاج بن نصر أنا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخَارِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ حَدِيثًا أَنْبَأَتْكُمْ بِمِصْدَاقِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ خَمْسَ كَلِمَاتٍ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَتَبَارَكَ اللَّهُ إِلَّا أَخَذَهُنَّ مَلَكٌ فَجَعَلَهُنَّ تحت جناحه حتى صَعِدَ بِهِنَّ فَلَا يَمُرُّ بِهِنَّ عَلَى جَمْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ حَتَّى يُحَيِّي بِهَا وجه رب العالمين، ومصداق ذلك مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلُهُ: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، ذَكَرُهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقِيلَ: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ذِكْرُ اللَّهِ. وَعَنْ قَتَادَةَ:
__________
1768- ورد موقوفا ومرفوعا، وكلاهما ضعيف.
- إسناده ضعيف، فيه المسعودي، وهو صدوق لكن اختلط.
وشيخه وثقه ابن حبان على قاعدته.
- مخارق والد عبد الله هو ابن سليم.
- وأخرجه الحاكم 2/ 425 والطبري 28937 من طريق عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المسعودي بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم! ووافقه الذهبي!، وليس كما قالا، وورد مرفوعا.
(1) في المخطوط «قبح» .
(2) في المطبوع «الحسن» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(3/689)

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أَيْ يَقْبَلُ اللَّهُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ. قَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ، أَيْ يَرْفَعُ العمل الصالح الكلام الطَّيِّبَ، فَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ يَرْفَعُهُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْكَلِمِ الطَّيِّبِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ذِكْرُ اللَّهِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ أَدَاءُ فَرَائِضِهِ، فَمِنْ ذَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يُؤَدِّ فَرَائِضَهُ رُدَّ كَلَامُهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَلَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقُلُوبِ وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ، فَمَنْ قَالَ حَسَنًا وَعَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، وَمَنْ قَالَ حَسَنًا وَعَمِلَ صَالِحًا يَرْفَعُهُ الْعَمَلُ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.
«1769» وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ قَوْلًا إِلَّا بِعَمَلٍ وَلَا قَوْلًا وَلَا عَمَلًا إِلَّا بِنِيَّةٍ» .
وَقَالَ قَوْمٌ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ يَرْفَعُهُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَيْ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ يَرْفَعُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنِ التَّوْحِيدِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ: وَقِيلَ: الرَّفْعُ مِنْ صِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعْنَاهُ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ [هُوَ] [1] الْخَالِصُ يَعْنِي أَنَّ الْإِخْلَاصَ سَبَبُ قَبُولِ الْخَيْرَاتِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الْكَهْفِ: 110] ، فَجَعَلَ نَقِيضَ الصَّالِحِ الشِّرْكَ وَالرِّيَاءَ، وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَيِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الشِّرْكَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَعْنِي الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [الْأَنْفَالِ: 30] ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ الرِّيَاءِ، لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ، يُبْطَلُ ويهلك في الآخرة.

[سورة فاطر (35) : الآيات 11 الى 13]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هَذَا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)
__________
- قال الحافظ في «تخريج الكشاف» 3/ 603: أخرجه الثعلبي وابن مردويه من رواية علي بن عاصم عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي هريرة مرفوعا، سكت عليه الحافظ؟!.
وهذا إسناد ضعيف، لأجل علي بن عاصم، وفيه سهيل بن أبي صالح غير قوي.
- وانظر «الكشاف» 921 بتخريجي. [.....]
1769- باطل. أخرجه ابن حبان في «الضعفاء» 1/ 280 وابن عدي في «الكامل» 3/ 44 من حديث أبي هريرة بأتم منه، وصدره: «قرآن في صلاة خير....» .
- وفي إسناده خالد بن عبد الدائم، وهو ضعيف، وعنه زكريا بن يحيى الوقار، وهو متروك كذاب.
- وقال ابن حبان: خالد يروي عن نافع بن يزيد المناكير التي لا تشبه حديث الثقات اهـ.
- قلت: ينبغي أن يعله بزكريا فإنه أسوء حالا من خالد.
- وأخرجه ابن حبان 1/ 150 من حديث ابن مسعود، وفي إسناده أحمد بن الحسن بن أبان المصري، وهو كذاب.
- الخلاصة: هو حديث باطل لا أصل له عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وإنما هو من كلام بعض السلف.
(1) زيادة عن المخطوط.
(3/690)

إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ، أَيْ آدَمَ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، يَعْنِي نَسْلَهُ، ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً، ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا، وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ، لَا يَطُولُ عُمُرُهُ، وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، يَعْنِي مِنْ عُمُرِ آخَرَ، كَمَا يُقَالُ لِفُلَانٍ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ أَيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، إِلَّا فِي كِتابٍ، وَقِيلَ قَوْلُهُ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ مُنْصَرِفٌ إِلَى الْأَوَّلِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَكْتُوبٌ فِي أُمِّ الْكِتَابِ عُمُرُ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا سَنَةً ثُمَّ يُكْتَبُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ يَوْمَانِ ذَهَبَ ثَلَاثَةُ أيام حتى يَنْقَطِعُ عُمُرُهُ.
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ حِينَ حَضَرَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْوَفَاةُ: وَاللَّهِ لَوْ دَعَا عُمَرُ رَبَّهُ أَنْ يُؤَخِّرَ أَجَلَهُ لَأُخِّرَ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل: 61] فقال: هذا إذا أحضر الْأَجَلُ فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنَّ يُزَادَ وَيُنْقَصَ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، أي كتابة الآجال والأعمار [1] على الله هين.
قوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ، يَعْنِي الْعَذْبَ وَالْمَالِحَ ثُمَّ ذَكَرَهُمَا فَقَالَ، هَذَا عَذْبٌ فُراتٌ، طَيِّبٌ، سائِغٌ شَرابُهُ، أَيْ جَائِزٌ فِي الْحَلْقِ هَنِيءٌ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ، شَدِيدُ الْمُلُوحَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ:
هُوَ الْمُرُّ. وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا، يَعْنِي الْحِيتَانَ مِنَ الْعَذْبِ وَالْمَالِحِ جَمِيعًا، وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً، أَيْ مِنَ الْمَالِحِ دُونَ الْعَذْبِ تَلْبَسُونَها، يَعْنِي اللُّؤْلُؤَ. وَقِيلَ: نُسِبَ اللُّؤْلُؤُ إِلَيْهِمَا [لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ الْأُجَاجِ] [2] ، عُيُونٌ عَذْبَةٌ تَمْتَزِجُ بِالْمِلْحِ فَيَكُونُ اللُّؤْلُؤُ مِنْ [بَيْنِ] [3] ذَلِكَ، وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ، جَوَارِي مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً بِرِيحٍ وَاحِدَةٍ، لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، بِالتِّجَارَةِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ.
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ، يَعْنِي الْأَصْنَامَ، مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، وَهُوَ لِفَافَةُ النَّوَاةِ، وَهِيَ الْقِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى النواة.

[سورة فاطر (35) : الآيات 14 الى 19]
إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (19)
إِنْ تَدْعُوهُمْ، يعني إن تدعوا الْأَصْنَامَ، لَا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ، مَا
__________
(1) في المخطوط «والأعمال» .
(2) سقط من المطبوع.
(3) سقط من المطبوع.
(3/691)

وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20)
أَجَابُوكُمْ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [أي] [1] يَتَبَرَّؤُونَ مِنْكُمْ وَمِنْ عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهَا، ويقولون: مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ. وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ، يَعْنِي نَفْسَهُ أَيْ لَا يُنَبِّئُكَ أَحَدٌ مِثْلِي خَبِيرٌ عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ، إِلَى فَضْلِ اللَّهِ وَالْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، الْغَنِيُّ عن خلفه الْمَحْمُودُ فِي إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ.
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) ، شَدِيدٍ.
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ، أَيْ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِذُنُوبِهَا غَيْرَهَا، إِلى حِمْلِها، أي حمل ما عليها مِنَ الذُّنُوبِ، لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى، أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَدْعُوُّ ذَا قَرَابَةٍ لَهُ ابْنَهُ أَوْ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ أَوْ أَخَاهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَلْقَى الْأَبُ وَالْأُمُّ ابْنَهُ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ احْمِلْ عَنِّي بَعْضَ ذُنُوبِي، فَيَقُولُ: لَا أستطيع [حمل شيء] [2] حَسْبِي مَا عَلَيَّ. إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ، يَخَافُونَ، رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ، وَلَمْ يَرَوْهُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: تَأْوِيلُهُ أَيْ إِنْذَارُكَ إِنَّمَا يَنْفَعُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى، صَلَحَ [3] وَعَمِلَ خَيْرًا، فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ، لَهَا ثَوَابُهُ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (19) ، يَعْنِي الْجَاهِلَ وَالْعَالِمَ. وَقِيلَ: الْأَعْمَى عَنِ الْهُدَى وَالْبَصِيرُ بالهدى، أي المؤمن والمشرك.

[سورة فاطر (35) : الآيات 20 الى 27]
وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (20) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (21) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (24)
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (26) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (27)
وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ (20) ، يَعْنِي الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ.
وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) ، يَعْنِي الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَرُورُ الرِّيحُ الْحَارَّةُ بالليل والسموم بِالنَّهَارِ. وَقِيلَ: الْحَرُورُ يَكُونُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ.
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ، يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارَ. وَقِيلَ: الْعُلَمَاءُ وَالْجُهَّالُ. إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ، حَتَّى يَتَّعِظَ وَيُجِيبَ، وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، يَعْنِي الْكَفَّارَ شَبَّهَهُمْ بِالْأَمْوَاتِ فِي الْقُبُورِ حِينَ لَمَّ يُجِيبُوا.
إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) ، مَا أَنْتَ إِلَّا مُنْذِرٌ تَخَوِّفُهُمْ بِالنَّارِ.
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ، مَا مِنْ أُمَّةٍ فِيمَا مَضَى إِلَّا خَلا، سَلَفَ، فِيها نَذِيرٌ، نَبِيٌّ مُنْذِرٌ.
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ، بالكتب وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ، والواضح كَرَّرَ ذَلِكَ الْكِتَابَ بَعْدَ ذِكْرِ الزبر على طريق التأكيد.
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «أصلح» .
(3/692)

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)
ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (26) ، أي إنكاري.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ، طُرُقٌ وَخُطَطٌ وَاحِدَتُهَا جُدَّةٌ مِثْلَ مُدَّةٍ وَمُدَدٍ، بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ
، يَعْنِي سُودٌ غَرَابِيبُ عَلَى التَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ، يُقَالُ أَسْوَدُ غِرْبِيبٌ أَيْ شَدِيدُ السَّوَادِ تَشْبِيهًا بِلَوْنِ الْغُرَابِ، أَيْ طرائق سود.

[سورة فاطر (35) : الآيات 28 الى 32]
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ، ذَكَرَ الْكِنَايَةَ لِأَجْلِ «مِنْ» ، وَقِيلَ: رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى مَا فِي الْإِضْمَارِ، مَجَازُهُ: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مَا هُوَ مُخْتَلِفُ أَلْوَانُهُ، كَذلِكَ، يَعْنِي كَمَا اخْتَلَفَ أَلْوَانُ الثِّمَارِ وَالْجِبَالِ، وَتَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ إِنَّمَا يَخَافُنِي مِنْ خَلْقِي مَنْ عَلِمَ جَبَرُوتِي وَعِزَّتِي وَسُلْطَانِي.
«1770» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [1] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُمَرُ بن حفص أنا أبي [ثنا] [2] الأعمش أنا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها [قالت] [3] : صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ [4] فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشيء أصنعه فو الله إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» .
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا وَكَفَى بِالِاغْتِرَارِ بِاللَّهِ جَهْلًا.
وَقَالَ رَجُلٌ لِلشَّعْبِيِّ: أَفْتِنِي أَيُّهَا الْعَالِمُ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ، أَيْ عَزِيزٌ فِي مُلْكِهِ غَفُورٌ لِذُنُوبِ عباده.
__________
1770- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- حفص والد عمر هو ابن غياث، الأعمش سليمان بن مهران، مسلم بن صبيح، مسروق بن الأجدع.
- وهو في «شرح السنة» 99 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 6101 و7301 عن عمر بن حفص بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2356 والبخاري في «الأدب المفرد» 426 من طريق حفص بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2356 ح 128 وأحمد 6/ 45 و181 وأبو يعلى 4910 من طرق عن الأعمش به.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيد في المخطوط «خطبة بليغة» وليست في «صحيح البخاري» و «شرح السنة» .
(3/693)

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ، يَعْنِي قَرَأُوا الْقُرْآنَ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ، لَنْ تَفْسَدَ وَلَنْ تَهْلَكَ، والمرادة مِنَ التِّجَارَةِ مَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوَابِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ يَرْجُونَ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ.
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ، جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ بِالثَّوَابِ، وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي سِوَى الثَّوَابِ مِمَّا لَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْفِرُ الْعَظِيمَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَيَشْكُرُ الْيَسِيرَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ.
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، مِنَ الْكُتُبِ، إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ.
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ، يعني الكتاب الذي أنزلنا إِلَيْكَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَهُوَ الْقُرْآنُ جَعَلْنَاهُ يَنْتَهِي إِلَى، الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، ويجوز أن تكون «ثُمَّ» بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ وَأَوْرَثَنَا، كَقَوْلِهِ: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَلَدِ: 17] ، أَيْ وَكَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَمَعْنَى أَوْرَثْنَا أَعْطَيْنَا لِأَنَّ الْمِيرَاثَ عَطَاءٌ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وقيل: «أورثنا» أي أخزنا، وَمِنْهُ الْمِيرَاثُ لِأَنَّهُ أُخَّرَ عَنِ الْمَيِّتِ، وَمَعْنَاهُ أَخَّرْنَا الْقُرْآنَ عَنِ الأمم السالفة وأعطيناكموه، وأهلنا لَهُ [الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَسَّمَهُمْ وَرَتَّبَهُمْ فَقَالَ] [1] : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ.
«1771» رُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، الْآيَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» .
«1772» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي [أبو] [2] الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَنْجُوَيْهِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحسين بن القاضي أنا بكر بن محمد المروزي أنا أبو قلابة [ثنا] [3] عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ مَيْمُونٍ الْكُرْدِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، الْآيَةَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَابِقُنَا سَابِقٌ، وَمُقْتَصِدُنَا نَاجٍ، وَظَالِمُنَا مَغْفُورٌ لَهُ» ، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ مِنْهُ.
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى الظالم والمقتصد والسابق.
__________
1771- أخرجه الواحدي في «الوسيط» 3/ 505 والبيهقي في «البعث» 64 والطبراني في «الكبير» 410 من حديث أسامة بن زيد، وإسناده ضعيف، لضعف مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي ليلى، لكن يصلح للاعتبار بحديثه، وانظر ما بعده. [.....]
1772- إسناده ضعيف جدا، عمرو بن الحصين متروك الحديث، وتوبع من وجه آخر عند البيهقي لكنه منقطع، ولأصل الحديث شواهد منها حديث أبي الدرداء الآتي.
- أبو قلابة هو عبد الملك بن محمد.
- وأخرجه العقيلي في «الضعفاء» 1491 من طريق محمد بن أيوب عن عمرو بن الحصين بهذا الإسناد.
- وأخرجه البيهقي في «البعث» 65 من طريق حفص بن خالد عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ عَنْ عمر به.
وقال البيهقي: فيه إرسال بين ميمون، وعمر.
(1) سقط من المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) سقط من المطبوع.
(3/694)

«1773» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى [1] الصَّيْرَفِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ [2] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ غُرْبَتِي وآنس وحشتي وسق لي جَلِيسًا صَالِحًا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَأَنَا أَسْعَدُ بِكَ مِنْكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ فَقَالَ:
«أَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وأمّا الظالم لنفسه فيحبسه [الله] [3] فِي الْمَقَامِ حَتَّى يَدْخُلَهُ الْهَمُّ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) .
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ صُهْبَانَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا الْآيَةَ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَمَنْ مَضَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ، وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَمَنِ اتَّبَعَ أَثَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى لَحِقَ بِهِ، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَمِثْلِي وَمِثْلُكُمْ، فَجَعَلَتْ نَفْسَهَا مَعَنَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وهم أصحاب المشأمة، ومنهم مقتصدهم أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ هُمُ السَّابِقُونَ الْمُقَرَّبُونَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السَّابِقُ الْمُؤْمِنُ الْمُخْلِصُ، وَالْمُقْتَصِدُ الْمُرَائِي، وَالظَّالِمُ الْكَافِرُ نِعْمَةَ اللَّهِ غَيْرَ الْجَاحِدِ [4] لَهَا، لِأَنَّهُ حَكَمَ لِلثَّلَاثَةِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [فاطر: 33] ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: السَّابِقُ مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، وَالْمُقْتَصِدُ مَنِ استوت حسناته
__________
1773- حديث حسن أو شبه الحسن بطرقه وشواهده.
- إسناده ضعيف، فيه من لم يسمّ، لكن سمي في بعض الروايات، وللحديث شواهد.
- وأخرجه أحمد 5/ 194 و6/ 444 من طريق وكيع عن سفيان به.
- أخرجه الحاكم 2/ 426 ومن طريقه البيهقي في «البعث» 62 من طريق جرير عن الأعمش به.
- وأخرجه أحمد 5/ 198 من طريق أنس بن عياض الليثي عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ علي بن عبد الله الأزدي عن أبي الدرداء به.
وقال الهيثمي في «المجمع» 7/ 95/ 11289: رواه أحمد بأسانيد، رجال أحدها رجال الصحيح، وهي هذه إن كان علي بن عبد الله الأزدي سمع من أبي الدرداء، فإنه تابعي.
- وأخرجه أحمد 5/ 194/ 21190 من طريق سفيان عن الأعمش عن ثابت أو عَنْ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ رَجُلًا دخل مسجد دمشق ... فذكره بنحوه.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 7/ 95/ 11290 رواه الطبراني، وأحمد باختصار إلّا أنه قال عن ثابت أو عن أبي ثابت ... وثابت بن عبيد، ومن قبله من رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني رجل غير مسمى.
- وقد فصّل الحاكم في اختلاف طرق هذا الحديث، وقال: إذا كثرت الروايات في حديث ظهر أن للحديث أصلا.
- وللحديث شواهد عامتها ضعيف، وانظر «فتح القدير» 7066 و7067.
(1) في المخطوط «موسى» .
(2) في المطبوع «البرقي» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) تصحف في المطبوع «الجاهد» .
(3/695)

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)
وَسَيِّئَاتُهُ، وَالظَّالِمُ مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ. وَقِيلَ: الظَّالِمُ مَنْ كَانَ ظَاهِرُهُ خَيْرًا مِنْ بَاطِنِهِ، والمقتصد الذي استوى ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ، وَالسَّابِقُ الَّذِي بَاطِنُهُ خَيْرٌ مِنْ ظَاهِرِهِ. وَقِيلَ: الظَّالِمُ مَنْ وَحَّدَ اللَّهِ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُوَافِقْ فِعْلُهُ قَوْلَهُ، وَالْمُقْتَصِدُ مَنْ وَحَّدَ اللَّهِ بِلِسَانِهِ وَأَطَاعَهُ بِجَوَارِحِهِ. وَالسَّابِقُ مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ بِلِسَانِهِ وَأَطَاعَهُ بِجَوَارِحِهِ وَأَخْلَصَ لَهُ عَمَلَهُ.
وَقِيلَ: الظَّالِمُ التَّالِي لِلْقُرْآنِ، وَالْمُقْتَصِدُ الْقَارِئُ لَهُ الْعَالِمُ بِهِ، وَالسَّابِقُ الْقَارِئُ لَهُ الْعَالِمُ بِهِ الْعَامِلُ بِمَا فِيهِ. وَقِيلَ: الظَّالِمُ أَصْحَابُ الْكَبَائِرِ وَالْمُقْتَصِدُ أَصْحَابُ الصَّغَائِرِ، وَالسَّابِقُ الَّذِي لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً وَلَا صَغِيرَةً، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: السَّابِقُ الْعَالِمُ، وَالْمُقْتَصِدُ الْمُتَعَلِّمُ، وَالظَّالِمُ الْجَاهِلُ. قَالَ جَعْفَرُ الصَّادِقُ:
بَدَأَ بِالظَّالِمِينَ إِخْبَارًا بِأَنَّهُ لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ إِلَّا بِكَرَمِهِ، وَأَنَّ الظُّلْمَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاصْطِفَاءِ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمُقْتَصِدِينَ لِأَنَّهُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، ثُمَّ خَتَمَ بِالسَّابِقِينَ لِئَلَّا يَأْمَنَ أَحَدٌ مَكْرَهُ، وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: رَتَّبَهُمْ هَذَا التَّرْتِيبَ عَلَى مَقَامَاتِ النَّاسِ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْعَبْدِ ثَلَاثَةٌ مَعْصِيَةٌ وَغَفْلَةٌ ثُمَّ تَوْبَةٌ ثم قربة، فإن عَصَى دَخَلَ فِي حَيِّزِ الظَّالِمِينَ، فإذا تَابَ دَخْلَ فِي جُمْلَةِ الْمُقْتَصِدِينَ، فإذا صَحَّتِ التَّوْبَةُ وَكَثُرَتِ الْعِبَادَةُ وَالْمُجَاهَدَةُ دَخَلَ فِي عِدَادِ السَّابِقَيْنِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِالظَّالِمِ الْكَافِرُ ذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُنَافِقُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ الظَّالِمُ فِي قَوْلِهِ: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [فاطر: 33] وَحَمَلَ هَذَا الْقَائِلُ الِاصْطِفَاءَ عَلَى الِاصْطِفَاءِ فِي الْخِلْقَةِ وَإِرْسَالِ الرَّسُولِ إليهم وإنزال الكتب. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ جَمِيعِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ أَيْ: سَابِقٌ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ [1] إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ بِالْخَيْراتِ أَيْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، بِإِذْنِ اللَّهِ، بأمر اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، يعني إيراثهم الكتاب.

[سورة فاطر (35) : الآيات 33 الى 35]
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (33) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (35)
ثُمَّ أَخْبَرَ بِثَوَابِهِمْ فَقَالَ: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، يَعْنِي الْأَصْنَافَ الثَّلَاثَةَ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو «يُدْخَلُونَهَا» بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ، يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ.
وَقالُوا، أَيْ وَيَقُولُونَ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، وَالْحُزْنُ وَاحِدٌ كَالْبَخَلِ وَالْبُخْلِ. قَالَ ابن عباس: حَزَنَ النَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: حَزَنَ الْمَوْتِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: حَزِنُوا لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُ اللَّهُ بِهِمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَزَنُ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ وَخَوْفُ رَدِّ الطَّاعَاتِ. وَقَالَ الْقَاسِمُ:
حَزَنُ زَوَالِ النِّعَمِ وَتَقْلِيبِ الْقَلْبِ، وَخَوْفِ الْعَاقِبَةِ، وَقِيلَ: حَزَنُ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَا كَانَ يُحْزِنُهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ الْخُبْزِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: هَمُّ الْمَعِيشَةِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كُلَّ الْأَحْزَانِ مَا كَانَ مِنْهَا لِمَعَاشٍ أَوْ معاد.
__________
(1) في المطبوع «و» بدل «أو» .
(3/696)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)
«1774» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ محمد بْنُ [مُحَمَّدِ بْنِ] [1] الضَّحَّاكِ الْخَطِيبُ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ [2] الْإِسْفَرَايِنِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ محمد الترابي ثنا يحيى بن عبد الحميد ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ وَلَا فِي مَنْشَرِهِمْ، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ، وَيَقُولُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ.
الَّذِي أَحَلَّنا، أَنْزَلَنَا، دارَ الْمُقامَةِ، أَيِ الْإِقَامَةِ، مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ، أَيْ لَا يصيبنا فيها عناء [3] ولا مشقة، وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ، عياء [4] من التعب.

[سورة فاطر (35) : الآيات 36 الى 39]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (39)
__________
1774- ضعيف جدا. إسناده ضعيف جدا، وله علتان: يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ متروك الحديث، وعبد الرحمن بن زيد واه، وتابعهما بعض الضعفاء.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 3/ 506 عن أبي إسحاق الإسفرايني بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن أبي الدنيا في «حسن الظن» 77 والطبراني في «الأوسط» 9474 وابن عدي في «الكامل» 4/ 271 والخطيب في «تاريخه» 1/ 266 والسهمي في «تاريخ جرجان» ص 325 من طرق عن يحيى بن عبد الحميد به.
- وأخرجه الخطيب 10/ 265 من طريق أبي مسلم الواقدي عبد الرحمن بن واقد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ به.
- وأخرجه الأصبهاني في «الترغيب» 2510 من طريق يحيى الحمّاني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بن أسلم عن أبيه به.
- وفيه الحماني، وهو متروك كما تقدم، وعبد الله بن زيد ضعيف أيضا.
- وأخرجه الطبراني في «الأوسط» 9441 من طريق مجاشع بن عمرو عن داود بن أبي هند والبيهقي في «البعث» 89 من طريق بهلول عن سلمة بن كهيل كلاهما عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ به.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 10/ 82 وقال: وفي الرواية الأولى يحيى الحماني، وفي الأخرى مجاشع بن عمرو، وكلاهما ضعيف اهـ.
- قلت: بهلول متروك الحديث، ومجاشع متهم فالإسناد واه بمرة.
- وأخرجه ابن عدي في «الكامل» 2/ 65 والبيهقي في «البعث» 88 من طريق بهلول بن عبيد عن سلمة بن كهيل عن ابن عمر به.
وقال البيهقي: هذا مرسل عن سلمة بن كهيل وابن عمر وبهلول بن عبيد تفرد به، وليس بالقوي؟!.
- وتقدم أنه متروك الحديث.
- الخلاصة: هو حديث ضعيف جدا، فقد تفرد به المتروكون، فلا فائدة من تعدد طرقه.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) تصحف في المطبوع «أحمد» .
(3) في المطبوع «عياء» . [.....]
(4) في المخطوط «إعياء» .
(3/697)

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا، أَيْ لَا يُهْلَكُونَ فَيَسْتَرِيحُوا كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [القصص: 15] ، أَيْ قَتَلَهُ. وَقِيلَ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِمُ الْمَوْتُ فَيَمُوتُوا، كَقَوْلِهِ: وَنادَوْا يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الزُّخْرُفِ: 77] أَيْ لَيَقْضِ عَلَيْنَا الْمَوْتَ فَنَسْتَرِيحَ، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها، مِنْ عَذَابِ النَّارِ، كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ، كَافِرٍ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو «يُجْزَى» بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الزَّايِ «كُلُّ» رُفِعَ عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِ الزَّايِ، «كُلَّ» نُصِبَ.
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ، يَسْتَغِيثُونَ وَيَصِيحُونَ، فِيها وهم يفتعلون [1] ومن الصُّرَاخِ وَهُوَ الصِّيَاحُ يَقُولُونَ، رَبَّنا أَخْرِجْنا، مِنْهَا مِنَ النَّارِ، نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّرَكِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ تَوْبِيخًا أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ، قِيلَ: هُوَ الْبُلُوغُ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: ثَمَانِ عَشَرَةَ سَنَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سِتُّونَ سَنَةً، يَرْوِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى ابْنِ آدَمَ.
«1775» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [2] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مَعْنِ [3] بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَعْذَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً» .
«1776» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ محمد بن فنجويه حدثنا
__________
1775- إسناده صحيح على شرط البخاري.
- وهو في «شرح السنة» 3927 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 6419 عن عبد السّلام بن مطهر بهذا الإسناد.
- وأخرجه البيهقي 3/ 370 من طريق معن بن محمد بهذا الإسناد.
- أخرجه أحمد 2/ 320 والبيهقي 3/ 370 والخطيب في «تاريخه» 1/ 290 من طريق محمد بن عجلان.
- وأخرجه أحمد 2/ 405 من طريق أبي معشر.
- وأخرجه الحاكم 2/ 427 من طريق الليث.
- وأخرجه أحمد 2/ 275 والحاكم 2/ 427- 428 من طريق رجل من بني غفار.
- وأخرجه ابن حبان 2979 وأحمد 2/ 417 والرامهرمزي في «الأمثال» ص 64 والقضاعي 424 والبيهقي 3/ 370 من طريق أبي حازم.
- كلهم عن سعيد المقبري به.
- وأخرجه الحاكم 2/ 427 من طريق محمد بن عبد الرحمن الغفاري عن أبي هريرة به.
1776- إسناده حسن لأجل محمد بن عمرو فقد روى له الشيخان متابعة وهو حسن الحديث، وصدره صحيح له شواهد.
- المحاربي هو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زياد، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف.
- وأخرجه الترمذي 3550 وابن ماجه 4236 والحاكم 2/ 427 وابن حبان 2980 والخطيب في «تاريخ بغداد» 6/ 397
(1) في المطبوع وحده «افتعال» وكذا في «الوسيط» 3/ 506، والمثبت عن المخطوطتين والطبري.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) تصحف في المطبوع «معز» .
(3/698)

قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40)
أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حِمْدَانَ حدثنا إبراهيم بن شهلويه [1] حدثنا الحسن بن عرفة أنا الْمُحَارِبِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ من يجوز ذلك» .
قوله: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ، يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقِيلَ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعٌ: هو الشيب. معناه: أولم نُعَمِّرْكُمْ حَتَّى شِبْتُمْ. وَيُقَالُ: الشَّيْبُ نَذِيرُ الْمَوْتِ. وَفِي الْأَثَرِ: مَا مِنْ شَعَرَةٍ تَبْيَضُّ إِلَّا قَالَتْ لِأُخْتِهَا اسْتَعِدِّي فَقَدْ قَرُبَ الْمَوْتُ. قوله: فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ.
إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
(38) .
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ، أَيْ يَخْلُفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَقِيلَ: جَعَلَكُمْ أُمَّةً خَلَفَتْ مَنْ قَبْلَهَا. وَرَأَتْ فِيمَنْ قَبْلَهَا، مَا يَنْبَغِي أَنْ تَعْتَبِرَ بِهِ. فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، أَيْ عَلَيْهِ وَبَالُ كُفْرِهِ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً، غَضَبًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً.

[سورة فاطر (35) : الآيات 40 الى 43]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (40) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (41) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (42) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَيْ جَعَلْتُمُوهُمْ شُرَكَائِي بِزَعْمِكُمْ يَعْنِي الْأَصْنَامَ، أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً، قَالَ مُقَاتِلٌ: هَلْ أَعْطَيْنَا كُفَّارَ مَكَّةَ كِتَابًا، فَهُمْ عَلى بيّنات مِنْهُ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ «بَيِّنَةٍ» عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «بَيِّنَاتٍ» عَلَى الْجَمْعِ، يَعْنِي دَلَائِلَ وَاضِحَةً مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ مِنْ ضُرُوبِ الْبَيَانِ. بَلْ إِنْ يَعِدُ، أَيْ مَا يَعِدُ، الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً، وَالْغُرُورُ مَا يَغُرُّ الْإِنْسَانَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي مَا يَعِدُ الشَّيْطَانُ كَفَّارَ بَنِي آدَمَ مِنْ شَفَاعَةِ الْآلِهَةِ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ غرور وباطل.
__________
والقضاعي 252 والبيهقي 3/ 370 من طرق عن الحسن بن عرفة بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم على شرط مسلم! وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وحسنه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» 11/ 240 وهو كما قال لأجل محمد بن عمرو فإنه حسن الحديث.
- وأخرجه الترمذي 2331 من طريق أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
- قلت: وليس فيه: «وأقلهم من يجوز ذلك» ، وأخشى أن يكون مدرجا، فاللحديث شواهد ليس فيها هذه الزيادة، والله تعالى أعلم.
تمّ بحمد الله ومنّه وكرمه تخريج أحاديث الجزء الثالث من تفسير البغوي.
(1) كذا في المخطوطتين، وفي المطبوع «سهويه» وفي- ط- «سهاويه» .
(3/699)

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44)
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا، أَيْ كَيْلَا تَزُولَا، وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، أَيْ مَا يُمْسِكُهُمَا أَحَدٌ مِنْ بَعْدِهِ، أَيْ أَحَدٌ سِوَاهُ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى ذِكْرِ الْحِلْمِ هَاهُنَا؟ قيل: لأن السموات وَالْأَرْضَ هَمَّتْ بِمَا هَمَّتْ بِهِ مِنْ عُقُوبَةِ الْكُفَّارِ فَأَمْسَكَهُمَا اللَّهُ تعالى عن الزوال لحلمه وَغُفْرَانِهِ أَنْ يُعَاجِلَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ.
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ قَالُوا: لَعَنَ الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم [1] فَكَذَّبُوهُمْ، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ وَقَالُوا لَوْ أتى رسول الله لَنَكُونُنَّ أَهْدَى دِينًا مِنْهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ كَذَّبُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ، رَسُولٌ، لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، يَعْنِي مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ، مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً، أَيْ مَا زَادَهُمْ مَجِيئُهُ إِلَّا تَبَاعُدًا عَنِ الْهُدَى.
اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ، نُصِبَ اسْتِكْباراً عَلَى الْبَدَلِ مِنَ النُّفُورِ، وَمَكْرَ السَّيِّئِ، يَعْنِي الْعَمَلَ الْقَبِيحَ، أُضِيفَ الْمَكْرُ إِلَى صِفَتِهِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الشِّرْكِ وَقَتْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ «مَكْرَ السيّء» بسكون [2] الْهَمْزَةِ تَخْفِيفًا وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ، أَيْ لَا يَحِلُّ وَلَا يُحِيطُ الْمَكْرُ السيّء، إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَاقِبَةُ الشِّرْكِ لَا تَحِلُّ إِلَّا بِمَنْ أَشْرَكَ. والمعنى: إن وبال مكرهم راجع عليهم، فَهَلْ يَنْظُرُونَ، ينتظرون، إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِهِمُ الْعَذَابُ كَمَا نَزَلَ بِمَنْ مَضَى من الكفار، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.

[سورة فاطر (35) : الآيات 44 الى 45]
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (44) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (45)
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ، يَعْنِي لِيَفُوتَ عَنْهُ، مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً.
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا، مِنَ الْجَرَائِمِ، مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها، يَعْنِي عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، مِنْ دَابَّةٍ، كَمَا كَانَ فِي زَمَانِ نُوحٍ أَهْلَكَ اللَّهُ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي سَفِينَةِ نُوحٍ، وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً.
[قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ أَهْلَ طَاعَتِهِ وَأَهْلَ معصيته] [3] .
بعونه تعالى تم الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع، وأوله سورة يس
__________
(1) في المطبوع «الرسل» .
(2) في المطبوع «ساكنة» .
(3) زيد في المطبوع وط.
(3/700)

يس (1)
[المجلد الرابع]

سورة يس
مكيّة وهي ثلاث وثمانون آية

[سورة يس (36) : الآيات 1 الى 6]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6)
يس (1) ، ون [القلم: 1] ، قَرَأَ بِإِخْفَاءِ النُّونِ فِيهِمَا ابْنُ عامر والكسائي وأبو بكر [وقالون يخفي النون من «يس» ويظهرها من نون] [1] ، وَالْبَاقُونَ يُظْهِرُونَ فِيهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ يس (1) حَسْبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي حُرُوفِ التَّهَجِّي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: [هُوَ] [2] قَسَمٌ، [و] يروى عَنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ: يَا إِنْسَانُ بِلُغَةِ طَيْءٍ، يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٍ. وقال أبو العالية: [معناه] [3] يَا رَجُلُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: يَا سَيِّدَ الْبَشَرِ.
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) .
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) ، أَقْسَمَ الله بِالْقُرْآنِ أَنَّ [4] مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْكُفَّارِ حَيْثُ قَالُوا:
لَسْتَ مُرْسَلًا [الْرَّعْدِ: 43] .
عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَهُوَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أي إنه [5] لمن الْمُرْسَلِينَ وَأَنَّهُ [6] عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ تَنْزِيلَ بِنَصْبِ اللَّامِ كَأَنَّهُ قَالَ نُزِّلَ تَنْزِيلًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ هُوَ تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ.
لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، قِيلَ: [7] مَا لِلنَّفْيِ أَيْ لَمْ يُنْذَرْ [8] آبَاؤُهُمْ، لِأَنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَأْتِهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا بِالَّذِي أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ، فَهُمْ غافِلُونَ، عَنِ الإيمان والرشد.

[سورة يس (36) : الآيات 7 الى 11]
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)
__________
(1) ما بين المعقوفتين عن المخطوط و «ط» . وفي المطبوع «وورش بخلف عنه في: نون والقلم» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط. [.....]
(4) في المطبوع «بأن» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(5) في المطبوع «إنك» والمثبت عن المخطوط.
(6) في المطبوع «إنك» والمثبت عن المخطوط.
(7) زيد في المخطوط «هو» .
(8) في المطبوع «تنذر» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(4/5)

لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ، وَجَبَ الْعَذَابُ، عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، هَذَا كَقَوْلِهِ: وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [الزُّمَرِ: 71] .
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا، نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ وَصَاحِبَيْهِ الْمَخْزُومِيَّيْنِ.
«1777» وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ كَانَ قَدْ حَلَفَ لَئِنْ رَأَى مُحَمَّدًا يصلي ليرضخنّ رأسه بالحجر وهو يصلي، فأتاه يوما وَهُوَ يُصَلِّي وَمَعَهُ حَجَرٌ لِيَدْمَغَهُ به، فَلَمَّا رَفَعَهُ أُثْبِتَتْ [1] يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ وَلَزِقَ الْحَجَرُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا عاد إلى أصحابه وأخبرهم بِمَا رَأَى سَقَطَ الْحَجَرُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَنَا أَقْتُلُهُ بِهَذَا الْحَجَرِ، فَأَتَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي لِيَرْمِيَهُ بِالْحَجَرِ، فَأَعْمَى اللَّهُ تَعَالَى بَصَرَهُ، فَجَعَلَ يَسْمَعُ صَوْتَهُ وَلَا يَرَاهُ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى نَادَوْهُ فَقَالُوا لَهُ: مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُهُ وَلَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَهَ وَحَالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ [2] كَهَيْئَةِ الْفَحْلِ يَخْطُرُ بِذَنَبِهِ، لَوْ دَنَوْتُ مِنْهُ لَأَكَلَنِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا.
قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْمَثَلِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غِلٌّ [بل] [3] أراد: ومنعناهم عَنِ الْإِيمَانِ بِمَوَانِعَ، فَجَعَلَ الْأَغْلَالَ مَثَلًا لِذَلِكَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ إِنَّا حَبَسْنَاهُمْ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [الْإِسْرَاءِ: 29] مَعْنَاهُ لَا تُمْسِكْهَا عَنِ النَّفَقَةِ. فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ، هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَيْدِي وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ لِأَنَّ الْغِلَّ يَجْمَعُ الْيَدَ إِلَى الْعُنُقِ، مَعْنَاهُ: إِنَّا جَعَلَنَا فِي أَيْدِيهِمْ وَأَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ، فَهُمْ مُقْمَحُونَ [و] المقمح الَّذِي رُفِعَ رَأْسُهُ وَغُضَّ بَصَرُهُ، يُقَالُ: بَعِيرٌ قَامِحٌ إِذَا رَوَى مِنَ الْمَاءِ فَأَقْمَحَ إِذَا رَفَعَ رَأَسَهُ وَغَضَّ بَصَرَهُ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَرَادَ أَنَّ أَيْدِيَهُمْ لَمَّا غُلَّتْ إِلَى [4] أَعْنَاقِهِمْ رَفَعَتِ الْأَغْلَالُ أَذْقَانَهُمْ ورؤوسهم، فَهُمْ مَرْفُوعُو الرُّؤُوسِ بِرَفْعِ الْأَغْلَالِ إِيَّاهَا.
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (سَدًّا) بِفَتْحِ السين،
__________
1777- لم أقف عليه بهذا اللفظ.
وأخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة» 156 من طريق ابن إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ عن ابن عباس مطوّلا بنحوه، وليس فيه ذكر رجل من بني مخزوم، ولا ذكر نزول الآية. وإسناده ضعيف، فيه من لم يسمّ.
- وأخرج أبو نعيم 152 من طريق الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ: أن رجلا من بني مخزوم قام إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وفي يده فهر، ليرمي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ... » .
- هذا مرسل.
وليس فيه أن الآية نزلت بسبب ذلك.
- وأخرج الطبري 29064 عن عكرمة مرسلا «قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا لأفعلن، ولأفعلن، فأنزلت إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا....
- وانظر «صحيح البخاري» 4958 من حديث ابن عباس وسيأتي في سورة العلق عند آية: 10.
(1) في المطبوع «انثنت» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(2) العبارة في المخطوط «وحال بيني وبينه كهيئة الفحل» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المخطوط «عند» .
(4/6)

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)
وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهَا، فَأَغْشَيْناهُمْ، فَأَعْمَيْنَاهُمْ مِنَ التَّغْشِيَةِ وَهِيَ التَّغْطِيَةُ، فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، سَبِيلَ الْهُدَى.
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) .
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، يَعْنِي إِنَّمَا يَنْفَعُ إِنْذَارُكُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ يَعْنِي الْقُرْآنَ فَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ، حسن وهو الجنة.

[سورة يس (36) : الآيات 12 الى 13]
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13)
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى، عِنْدَ الْبَعْثِ، وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا، مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَآثارَهُمْ، أَيْ مَا سَنُّوا مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ.
«1778» قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً [يُعْمَلُ بِهَا مِنْ بعده] [1] كان [2] له أجرها و [مثل] [3] أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ من أجورهم شيء، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سيئة [يُعْمَلُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ] [4] كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أن ينقص من أوزارهم شيء» .
وَقَالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ أَيْ: خُطَاهُمْ إِلَى المساجد.
«1779» رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: شَكَتْ بَنُو سَلَمَةَ بُعْدَ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى:
__________
1778- صحيح. أخرجه مسلم 1017 والترمذي 2675 وابن ماجه 203 والطحاوي في «المشكل» 245 والطبراني 2375 والبيهقي 4، 176 من طريق عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ المنذر بن جرير عن أبيه مرفوعا.
- وأخرجه مسلم 1017 والنسائي 5/ 75- 77 وأحمد 4/ 357 و358 و359 والطيالسي 670 وابن حبان 3308 والطحاوي 243 والطبراني 2372 والبيهقي 4/ 175- 176 والبغوي في «شرح السنة» 1655.
من طريق شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جحيفة قال: سمعت المنذر بن جرير عن أبيه مرفوعا، وله قصة.
1779- ذكر نزول الآية ضعيف.
- أخرجه الترمذي 3226 من طريق سفيان الثوري عن أبي سفيان عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سعيد الخدري، ومداره على طريف بن شهاب، وهو ضعيف.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري، وأبو سفيان هو طريف السعدي.
- وأخرجه الطبري 29073 وعبد الرزاق في «المصنف» 1982 من طريق سفيان الثوري عن طريف عن أبي نضرة به.
- وأخرجه الحاكم 2/ 428 والواحدي في «أسباب النزول» 720 وفي «الوسيط» 3/ 510- 511 من طريق الثوري عن سعد بن طريف عن أبي نضرة به، وفي الإسناد قلب والصواب طريف بن شهاب كما تقدم.
- وقال ابن كثير في «التفسير» عند هذه الآية: فيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فالله أعلم.
(1) ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط و «ط» و «شرح السنة» .
(2) في المطبوع «فله» والمثبت عن المخطوط، و «ط» و «شرح السنة» . [.....]
(3) ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط و «ط» و «شرح السنة» .
(4) ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» و «ط» .
(4/7)

وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ.
«1780» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى [1] الصَّيْرَفِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ مُلَاسٍ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَرَادَتْ [2] بَنُو سَلَمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ تُعَرَّى الْمَدِينَةُ، فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلَمَةَ أَلَا [3] تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ» ، فَأَقَامُوا.
«1781» وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أبو أسامة عن بريد [4] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ حَفِظْنَاهُ [5] وَعَدَدْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ، فِي إِمامٍ مُبِينٍ، وَهُوَ اللوح المحفوظ.
__________
- وورد من رواية سماك عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عند ابن ماجة 785 والطبري 29069 و2970 وقال البوصيري في «الزوائد» : هذا موقوف، فيه سماك، وهو ابن حرب، وإن وثقه ابن معين، وأبو حاتم، فقد قال أحمد: مضطرب الحديث، وقال يعقوب بن شيبة: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وروايته عن غيره صالحة.
- وأشار الحافظ في «الفتح» 2/ 140 إلى هذه الرواية وقال: وإسناده قوي. وفيه نظر، والصواب أن إسناده ضعيف لضعف سماك في عكرمة، فقد روى عنه مناكير. والسورة مكية كلها كما قال الحافظ ابن كثير. والصواب الحديث الآتي، وليس فيه نزول الآية، وانظر «تفسير القرطبي» 5160 بتخريجي.
1780- صحيح. محمد بن هشام صدوق، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- مروان هو ابن معاوية، حميد هو ابن أبي حميد.
- وهو في «شرح السنة» 470 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 1887 عن ابن سلام عن مروان الفزاري بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 655 و656 وابن ماجه 784 وأحمد 3، 106 و182 و263 والبيهقي 3/ 64 من طرق عن حميد به.
- وورد من حديث جابر أخرجه مسلم 665 وأحمد 3/ 332 و333 و371 و390 وابن حبان 2042 وأبو عوانة 1/ 387 والبيهقي 3/ 64 وأبو يعلى 2157.
1781- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو أسامة هو حماد بن أسامة، أبو بردة، هو ابن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث.
- وهو في «شرح السنة» 469 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 651 عن محمد بن العلاء بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 662 وأبو يعلى 7294 وابن خزيمة 1501 من طريق محمد بن العلاء به.
- وأخرجه مسلم 662 وأبو عوانة 1/ 388 و2/ 10 والبيهقي 3/ 64 من طرق عن أبي أسامة به.
(1) في المطبوع «عيسى» والمثبت عن «شرح السنة» والمخطوط.
(2) في المطبوع «أراد» والتصويب عن المخطوط و «شرح السنة» .
(3) في المطبوع «لا» .
(4) تصحف في المطبوع إلى «يزيد» .
(5) في المطبوع «لحفظناه» .
(4/8)

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ، يَعْنِي اذْكُرْ لَهُمْ شَبَهًا مِثْلَ حَالِهِمْ مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْقَرْيَةِ وَهِيَ أَنْطَاكِيَةُ، إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، يَعْنِي رُسُلُ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: بِأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ [عَلَيْهِمُ السَّلَامُ] بَعَثَ عِيسَى رَسُولَيْنِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى أَهْلِ مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَةَ، فَلَمَّا قَرُبَا مِنَ الْمَدِينَةِ رَأَيَا شَيْخًا يَرْعَى غُنَيْمَاتٍ لَهُ وَهُوَ حَبِيبٌ النَّجَّارُ، صَاحِبُ يس فَسَلَّمَا عَلَيْهِ، فَقَالَ الشَّيْخُ لَهُمَا: مَنْ أَنْتُمَا؟ فقالا: رسولا عيسى يدعوكم مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ:
أَمَعَكُمَا آيَةٌ؟ قَالَا: نَعَمْ نَحْنُ نَشْفِي الْمَرِيضَ وَنُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَالَ الشَّيْخُ: إِنَّ لِي ابْنًا مَرِيضًا مُنْذُ سِنِينَ، قَالَا: فَانْطَلِقْ بِنَا نَطَّلِعْ عَلَى حَالِهِ، فَأَتَى بِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ فَمَسَحَا ابْنَهُ، فَقَامَ فِي الْوَقْتِ بِإِذْنِ اللَّهِ صَحِيحًا ففشي الْخَبَرُ فِي الْمَدِينَةِ، وَشَفَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَيْدِيهِمَا كَثِيرًا مِنَ الْمَرْضَى، وَكَانَ لَهُمْ مَلِكٌ، قَالَ وهب: كان اسْمُهُ إِنْطِيخَسُ، وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، قَالُوا [1] : فَانْتَهَى [2] الْخَبَرُ إِلَيْهِ فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَا: رَسُولَا عِيسَى، قَالَ: وَفِيمَ جِئْتُمَا؟ قَالَا: نَدْعُوكَ مِنْ عِبَادَةِ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ إِلَى عِبَادَةِ مَنْ يَسْمَعُ ويبصر، فقال لهما: ألنا [3] إِلَهٌ دُونَ آلِهَتِنَا؟ قَالَا: نَعَمْ مَنْ أَوْجَدَكَ وَآلِهَتَكَ؟ قَالَ: قُومَا حتى أنظر في أمركما، فتتبعهما [4] النَّاسُ فَأَخَذُوهُمَا وَضَرَبُوهُمَا فِي السُّوقِ. قَالَ وَهْبٌ: بَعَثَ عِيسَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، فَأَتَيَاهَا فَلَمْ يَصِلَا إِلَى مَلِكِهَا، وَطَالَ مُدَّةُ مُقَامِهِمَا، فَخَرَجَ الْمَلِكُ ذَاتَ يَوْمٍ فَكَبَّرَا وَذَكَرَا [5] اللَّهَ، فَغَضِبَ الْمَلِكُ وَأَمَرَ بِهِمَا فَحُبِسَا وَجُلِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ [6] جَلْدَةٍ، قَالُوا: فَلَمَّا كُذِّبَ الرَّسُولَانِ وَضُرِبَا، بَعَثَ عِيسَى رَأْسَ الْحَوَارِيِّينَ شَمْعُونَ الصَّفَا عَلَى إِثْرِهِمَا لِيَنْصُرَهُمَا، فَدَخَلَ شَمْعُونُ الْبَلَدَ مُتَنَكِّرًا فَجَعَلَ يُعَاشِرُ حَاشِيَةَ الْمَلِكِ حَتَّى أَنِسُوا بِهِ، فَرَفَعُوا خَبَرَهُ إِلَى الْمَلِكِ فَدَعَاهُ فَرَضِيَ عِشْرَتَهُ وَأَنِسَ بِهِ وَأَكْرَمَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ: أَيُّهَا الْمَلِكُ بَلَغَنِي أَنَّكَ حَبَسْتَ رَجُلَيْنِ فِي السِّجْنِ وَضَرَبْتَهُمَا حِينَ دَعَوَاكَ إِلَى غَيْرِ دِينِكَ، فَهَلْ كَلَّمْتَهُمَا وَسَمِعْتَ قَوْلَهُمَا؟ فَقَالَ الْمَلِكُ: حَالَ الْغَضَبُ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنْ رَأَى الْمَلِكُ دَعَاهُمَا حَتَّى يطلع عَلَى مَا عِنْدَهُمَا، فَدَعَاهُمَا الْمَلِكُ، فَقَالَ لَهُمَا شَمْعُونُ: مَنْ أَرْسَلَكُمَا إِلَى هَاهُنَا؟ [7] قَالَا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، فَقَالَ لَهُمَا شَمْعُونُ: فَصِفَاهُ وَأَوْجِزَا، فَقَالَا [8] : إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، فَقَالَ شَمْعُونُ: وَمَا آيَتُكُمَا؟ قَالَا: مَا تتمناه، فأمر الملك حتى جاؤوا بِغُلَامٍ مَطْمُوسِ الْعَيْنَيْنِ وَمَوْضِعُ عَيْنَيْهِ كَالْجَبْهَةِ، فَمَا زَالَا يَدْعُوَانِ رَبَّهُمَا حَتَّى انْشَقَّ مَوْضِعُ الْبَصَرِ، فَأَخَذَا بُنْدُقَتَيْنِ مِنَ الطِّينِ فَوَضَعَاهُمَا فِي حَدَقَتَيْهِ فَصَارَتَا مُقْلَتَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا، فَتَعَجَّبَ الْمَلِكُ، فَقَالَ شَمْعُونُ لِلْمَلِكِ: إِنْ أَنْتَ سَأَلْتَ إِلَهَكَ حَتَّى يصنع صنيعا مِثْلَ هَذَا فَيَكُونُ لَكَ الشَّرَفُ وَلِإِلَهِكَ [9] ، فَقَالَ الْمَلِكُ: لَيْسَ لِي عنك سر [أسره إليك] [10] إِنَّ إِلَهَنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَكَانَ شَمْعُونُ إِذَا دَخَلَ الْمَلِكُ عَلَى الصَّنَمِ يَدْخُلُ بِدُخُولِهِ وَيُصَلِّي كَثِيرًا، وَيَتَضَرَّعُ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ عَلَى مِلَّتِهِمْ، فَقَالَ الملك للمرسلين:
إن قدر إلهكما [11] الَّذِي تَعْبُدَانِهِ عَلَى إِحْيَاءِ مَيِّتٍ آمنَّا بِهِ وَبِكُمَا، قَالَا: إِلَهُنَا قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ الْمَلِكُ: إِنَّ هَاهُنَا مَيِّتًا مَاتَ مُنْذُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ ابْنٌ لِدِهْقَانٍ [12] وَأَنَا أَخَّرْتُهُ فَلَمْ أَدْفِنْهُ حَتَّى يرجع أبوه
__________
(1) في المطبوع «وقالوا» .
(2) في المخطوط «فأنهي» .
(3) في المخطوط «أولنا» .
(4) في المخطوط «فتبعهما» . [.....]
(5) في المطبوع «فكبروا وذكروا» .
(6) في المطبوع «مائتي» والمثبت عن المخطوط.
(7) في المخطوط «يطلع» .
(8) في المطبوع «فقال» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(9) في المطبوع «ولآلهتك» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(10) زيادة عن المخطوط.
(11) في المطبوع «إلهكم» .
(12) في المطبوع «ابن دهقان» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4/9)

إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)
[وينظره] [1] ، وَكَانَ غَائِبًا فَجَاؤُوا بِالْمَيِّتِ وَقَدْ تَغَيَّرَ وَأَرْوَحَ فَجَعَلَا يَدْعُوَانِ رَبَّهُمَا عَلَانِيَةً، وَجَعَلَ شَمْعُونُ يَدْعُو رَبَّهُ سِرًّا، فَقَامَ الْمَيِّتُ، وَقَالَ: إِنِّي قدمت منذ سبعة أيام ووجدت مُشْرِكًا فَأُدْخِلْتُ فِي سَبْعَةِ أَوْدِيَةٍ مِنَ النَّارِ، وَأَنَا أُحَذِّرُكُمْ مَا أنتم فيه فآمنوا بالله [حتى تنجوا منها] [2] ، ثُمَّ قَالَ: فُتِحَتْ لِي أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُ شَابًّا حَسَنَ الْوَجْهِ يَشْفَعُ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، قَالَ الْمَلِكُ: وَمَنِ الثَّلَاثَةُ؟ قَالَ: شَمْعُونُ وَهَذَانِ وَأَشَارَ إِلَى صَاحِبَيْهِ، فَتَعَجَّبَ الملك لما علم، فَلَمَّا عَلِمَ شَمْعُونُ أَنَّ قَوْلَهُ [قد] أَثَّرَ فِي الْمَلِكِ أَخْبَرَهُ [3] بِالْحَالِ، ودعاه إلى الإسلام فآمن الملك وآمن قوم كثير، وكفر [قوم] [4] آخَرُونَ.
وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَةً لِلْمَلِكِ كَانَتْ قَدْ تُوُفِّيَتْ وَدُفِنَتْ، فَقَالَ شَمْعُونُ لِلْمَلِكِ: اطْلُبْ مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ أَنْ يُحْيِيَا ابْنَتَكَ، فَطَلَبَ مِنْهُمَا الْمَلِكُ ذَلِكَ فَقَامَا وَصَلَّيَا وَدَعَوَا وَشَمْعُونُ مَعَهُمَا فِي السِّرِّ، فَأَحْيَا اللَّهُ الْمَرْأَةَ وَانْشَقَّ الْقَبْرُ عَنْهَا فَخَرَجَتْ، وَقَالَتْ: أَسْلِمُوا فَإِنَّهُمَا صَادِقَانِ، قَالَتْ: وَلَا أَظُنُّكُمْ تُسْلِمُونَ ثُمَّ طَلَبَتْ مِنَ الرَّسُولَيْنِ أَنْ يَرُدَّاهَا إِلَى مَكَانِهَا فَذَرَّا تُرَابًا عَلَى رَأْسِهَا وَعَادَتْ إِلَى قَبْرِهَا كَمَا كَانَتْ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ كَعْبٍ وَوَهْبٍ: بَلْ كَفَرَ الْمَلِكُ، وَأَجْمَعَ هُوَ وَقَوْمُهُ عَلَى قَتْلِ الرُّسُلِ فَبَلَغَ ذَلِكَ حَبِيبًا، وَهُوَ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ الْأَقْصَى، فَجَاءَ يَسْعَى إِلَيْهِمْ يُذَكِّرُهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إلى طاعة المرسلين.

[سورة يس (36) : الآيات 14 الى 20]
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18)
قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)
فذلك قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ، وقال وَهْبٌ: اسْمُهُمَا يُوحَنَّا وَبُولِسُ [5] ، فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا، يَعْنِي فَقَوَّيْنَا بِثالِثٍ، بِرَسُولٍ ثَالِثٍ وَهُوَ شَمْعُونُ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ فَعَزَزْنَا بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ كَقَوْلِكَ: شَدَدْنَا وَشَدَّدْنَا، بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ.
وَقِيلَ: أَيْ فغلبناه مِنْ قَوْلِهِمْ [6] : مَنْ عَزَّ بَزَّ [7] . وَقَالَ كَعْبٌ: الرَّسُولَانِ صَادِقٌ وَصَدُوقٌ، وَالثَّالِثُ شَلُومُ، وَإِنَّمَا أَضَافَ اللَّهُ الإرسال إليه لأن عيسى إِنَّمَا بَعَثَهُمْ بِأَمْرِهِ تَعَالَى فَقالُوا، جَمِيعًا لِأَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ، إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ.
قالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا كَاذِبُونَ فِيمَا تَزْعُمُونَ.
قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ.
وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ.
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ، تَشَاءَمْنَا بِكُمْ وَذَلِكَ أن المطر حبس عنهم حين قدم الرسل عليهم، فقالوا:
[ما] أصابنا هذا [إلا] بِشُؤْمِكُمْ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ، لنقتلنكم، وقال قتادة: بالحجارة،
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «خبّره» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) في المخطوط «يحيى ويونس» والمعنى واحد.
(6) في المخطوط «كقوله» . [.....]
(7) في المطبوع «من عزيز» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4/10)

اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)
وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ.
قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ، يَعْنِي شُؤْمُكُمْ مَعَكُمْ بِكُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبِكُمْ يَعْنِي أَصَابَكُمِ الشُّؤْمُ مِنْ قِبَلِكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: حَظُّكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ، يَعْنِي وُعِظْتُمْ بِاللَّهِ وَهَذَا استفهام محذوف، الجواب [مجازه] [1] : أئن ذكرتم [و] [2] وعظتم بِاللَّهِ تَطَيَّرْتُمْ بِنَا وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ أَنْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْمَلِينَةِ ذُكِرْتُمْ بِالتَّخْفِيفِ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ، مُشْرِكُونَ مُجَاوِزُونَ الْحَدَّ.
قَوْلُهُ عزّ وجلّ: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وَهُوَ حَبِيبٌ النَّجَّارُ، وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: كَانَ قَصَّارًا. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ رَجُلًا يَعْمَلُ الْحَرِيرَ وَكَانَ سَقِيمًا قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ الْجُذَامُ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ عِنْدَ أَقْصَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مُؤْمِنًا ذَا صَدَقَةٍ يَجْمَعُ كَسْبَهُ إِذَا أَمْسَى فَيَقْسِمُهُ نِصْفَيْنِ، فيطعم نصفا لعياله ويتصدق بنصفه، فلما بلغه أن قومه قد قَصَدُوا قَتْلَ الرُّسُلِ جَاءَهُمْ، قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.

[سورة يس (36) : الآيات 21 الى 27]
اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَما لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)
اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ حَبِيبٌ فِي غَارٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ الرُّسُلِ أَتَاهُمْ فَأَظْهَرَ دِينَهُ، فَلَمَّا انْتَهَى حَبِيبٌ إِلَى الرُّسُلِ قَالَ لَهُمْ: أتسألون عَلَى [3] هَذَا أَجْرًا؟ قَالُوا:
لَا، فَأَقْبَلَ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) قال فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ قَالُوا لَهُ: وَأَنْتَ مُخَالِفٌ لِدِينِنَا وَمُتَابِعٌ [4] دِينَ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ وَمُؤْمِنٌ بِإِلَهِهِمْ؟
فَقَالَ: وَما لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) ، قَرَأَ حَمْزَةُ ويعقوب وَما لِيَ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ، وَالْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا. قِيلَ: أَضَافَ الْفِطْرَةَ إِلَى نَفْسِهِ وَالرُّجُوعَ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْفِطْرَةَ أَثَرُ النِّعْمَةِ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ أَظْهَرَ، وَفِي الرُّجُوعِ مَعْنَى الزَّجْرِ وَكَانَ بِهِمْ أَلْيَقَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ [5] لَمَّا قَالَ: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ أَخَذُوهُ فَرَفَعُوهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَفَأَنْتَ تتبعهم [على دينهم وتعبد آلهتهم] [6] ؟ فَقَالَ: وَما لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، يعني وَأَيُّ شَيْءٍ لِي إِذَا لَمْ أعبد خالقي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ تُرَدُّونَ عِنْدَ الْبَعْثِ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ.
أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ، أَيْ لَا أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ، بِسُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، لَا تُغْنِ عَنِّي، لَا تَدْفَعُ عَنِّي، شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً أَيْ لَا شَفَاعَةَ لَهَا أَصْلًا فَتُغْنِي وَلا يُنْقِذُونِ مِنْ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ وَقِيلَ لَا يُنْقِذُونِ مِنَ الْعَذَابِ لَوْ عَذَّبَنِي اللَّهُ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ.
إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) ، خَطَأٍ ظَاهِرٍ.
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) ، يَعْنِي فَاسْمَعُوا مِنِّي، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَثَبَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلُوهُ. قال ابن مسعود: وطؤوه بِأَرْجُلِهِمْ حَتَّى خَرَجَ قَصَبُهُ مِنْ دبره. وقال الْسُّدِّيُّ: كَانُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي حَتَّى قَطَّعُوهُ وَقَتَلُوهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: خَرَقُوا خرقا في حلقه
__________
(1) زيادة عن «ط» والمخطوط.
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3) في المطبوع «تسألون عن» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المطبوع «متبع» .
(5) في المطبوع «إنهم» والمثبت عن المخطوط.
(6) زيادة عن المخطوط.
(4/11)

وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28)
فَعَلَّقُوهُ بِسُورٍ مِنْ سُورِ الْمَدِينَةِ، وقبروه [1] بِأَنْطَاكِيَةَ فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَهُوَ حَيٌّ فِيهَا يُرْزَقُ.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ [عَزَّ وَجَلَّ] : قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا أَفْضَى إِلَى الْجَنَّةِ، قالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ.
بِما غَفَرَ لِي رَبِّي، أي بِغُفْرَانِ رَبِّي لِي، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ، تَمَنَّى أَنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ أَنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ وَأَكْرَمَهُ، لِيَرْغَبُوا فِي دِينِ الرُّسُلِ، فَلَمَّا قُتِلَ حَبِيبٌ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ وَعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ، فَأَمَرَ جِبْرِيلَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] فَصَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً واحدة فماتوا عن آخرهم.

[سورة يس (36) : الآيات 28 الى 32]
وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (32)
فذلك قوله: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ، يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ [أي] [2] وَمَا كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا بَلِ الْأَمْرُ فِي إِهْلَاكِهِمْ كَانَ أَيْسَرَ مِمَّا يَظُنُّونَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ أي على قوم حبيب مِنْ بَعْدِ قَتْلِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَمَا كُنَّا نُنْزِلُهُمْ [3] عَلَى الْأُمَمِ إِذَا أَهْلَكْنَاهُمْ، كَالطُّوفَانِ وَالصَّاعِقَةِ وَالرِّيحِ، ثُمَّ بَيَّنَ عُقُوبَتَهُمْ:
فَقَالَ تَعَالَى: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ، بِالرَّفْعِ جَعَلَ الْكَوْنَ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضَادَتَيْ بَابِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً، فَإِذا هُمْ خامِدُونَ، ميتون.
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي يَا حَسْرَتَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالْحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدَامَةِ.
وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا حَسْرَةً وَنَدَامَةً وَكَآبَةً عَلَى الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرُّسُلِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْهَالِكِينَ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَمَّا عَايَنُوا الْعَذَابَ قَالُوا: يَا حَسْرَةً أَيْ نَدَامَةً عَلَى الْعِبَادِ [4] . يَعْنِي [عَلَى] [5] الرُّسُلِ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، فَتَمَنَّوُا الْإِيمَانَ حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمْ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْحَسْرَةُ لَا تُدْعَى وَدُعَاؤُهَا تَنْبِيهُ الْمُخَاطَبِينَ.
وَقِيلَ: الْعَرَبُ تَقُولُ: يَا حَسْرَتَا [6] وَيَا عَجَبًا عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ وَالنِّدَاءُ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى التَّنْبِيهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيُّهَا الْعَجَبُ هَذَا وَقْتُكَ؟ وَأَيَّتُهَا الحسرة هذا أوانك؟ وحقيقة المعنى أن هذا أوانك؟ وحقيقة الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا زَمَانُ الْحَسْرَةِ وَالتَّعَجُّبِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ، فَقَالَ: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
أَلَمْ يَرَوْا، أَلَمْ يُخْبَرُوا يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ، وَالْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرَانِهِمْ فِي الْوُجُودِ، أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ، أَيْ لَا يَعُودُونَ إِلَى الدُّنْيَا أفلا يعتبرون بهم.
__________
(1) في المطبوع «وقبره» والمثبت عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «من جند، وما كنا منزلين، ننزلهم على الأمم» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4) زيد في المطبوع «يعني على العباد» .
(5) زيادة عن «ط» والمخطوط.
(6) في المطبوع «يا حسرتي» .
(4/12)

وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ، قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ لَمَّا بِالتَّشْدِيدِ هَاهُنَا وفي الزخرف [35] والطارق [4] ، وافق ابْنُ عَامِرٍ إِلَّا فِي الزُّخْرُفِ، وَوَافَقَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي الطَّارِقِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، فَمَنْ شَدَّدَ جَعَلَ إِنْ بِمَعْنَى الْجَحْدِ، ولَمَّا بِمَعْنَى إِلَّا، تَقْدِيرُهُ: وَمَا كَلٌّ إِلَّا جَمِيعٌ، وَمَنْ خَفَّفَ جَعَلَ إِنْ لِلتَّحْقِيقِ وَمَا صِلَةٌ، مَجَازُهُ. وكل يجمع [1] ، لَدَيْنا مُحْضَرُونَ.

[سورة يس (36) : الآيات 33 الى 42]
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (42)
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها، بِالْمَطَرِ، وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا، يَعْنِي الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، أَيْ مِنَ الْحَبِّ.
وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ بَسَاتِينَ، مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها، فِي الْأَرْضِ، مِنَ الْعُيُونِ.
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ، أَيْ مِنَ الثَّمَرِ الْحَاصِلِ بِالْمَاءِ، وَما عَمِلَتْهُ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَمِلَتْ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ عَمِلَتْهُ بِالْهَاءِ أَيْ يَأْكُلُونَ مِنَ الَّذِي عَمِلَتْهُ، أَيْدِيهِمْ، من الزرع والغرس والهاء [2] عائدة إلى ما التي هي بمعنى الذي. وقيل: وما للنفي في قوله وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أي وجدوها معمولة ولم تعمله أَيْدِيهِمْ، وَلَا صُنْعَ لَهُمْ فِيهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ، وَقِيلَ:
أَرَادَ الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ الَّتِي لَمْ تَعْمَلْهَا يَدُ خَلْقٍ مِثْلَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنِّيلِ وَنَحْوِهَا، أَفَلا يَشْكُرُونَ، نِعْمَةَ اللَّهِ.
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها، أَيِ الْأَصْنَافَ كلها، مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، من الثِّمَارَ وَالْحُبُوبَ، وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ، يَعْنِي الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ، مِمَّا خَلَقَ مِنَ الْأَشْيَاءِ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَآيَةٌ لَهُمُ، تَدَلُّ عَلَى قُدْرَتِنَا، اللَّيْلُ نَسْلَخُ، نَنْزِعُ وَنَكْشِطُ، مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ، دَاخِلُونَ فِي الظُّلْمَةِ، ومعناه نذهب بالنهار [3] وَنَجِيءُ بِاللَّيْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ هِيَ الظُّلْمَةُ وَالنَّهَارُ دَاخِلٌ عَلَيْهَا، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، أَيْ إِلَى مستقر لها. قيل: إِلَى انْتِهَاءِ سَيْرِهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّنْيَا وَقِيَامِ السَّاعَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا تَسِيرُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى أَبْعَدِ مَغَارِبِهَا، ثُمَّ تَرْجِعُ فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا لأنها لا تجاوزها.
وَقِيلَ: مُسْتَقَرُّهَا نِهَايَةُ ارْتِفَاعِهَا فِي السَّمَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَنِهَايَةُ هُبُوطِهَا فِي الشِّتَاءِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) في المطبوع و «ط» «كل جميع» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(2) في المخطوط «فالهاء» .
(3) في المطبوع «النهار» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4/13)

أَنَّهُ قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ» [1] .
«1782» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أنا الحميدي أَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْتَيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:
سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ» .
«1783» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا [مُحَمَّدُ بن يوسف] [2] ثنا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ [الْتَيْمِيِّ] [3] عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ» ؟ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، فَيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) » .
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْ لَا قَرَارَ لَهَا وَلَا وُقُوفَ فَهِيَ جَارِيَةٌ أَبَدًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ، أي قدرنا له، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ البصرة «والقمر» بِرَفْعِ الرَّاءِ لِقَوْلِهِ:
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ لِقَوْلِهِ: قَدَّرْناهُ أَيْ قَدَّرْنَا الْقَمَرَ، مَنازِلَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَامِي الْمَنَازِلِ فِي سُورَةِ يُونُسَ [5] فَإِذَا صَارَ الْقَمَرُ إِلَى آخر منازل [4] دَقَّ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، وَالْعُرْجُونُ عُودُ الْعِذْقِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّمَارِيخُ فَإِذَا قَدُمَ [و] عتق يبس وتقوس واصفر، فشبّه
__________
1782- إسناده صحيح على شرط البخاري.
الحميدي هو عبد الله بن الزبير، وكيع هو ابن الجراح، الأعمش هو سليمان بن مهران، إبراهيم هو ابن يزيد بن شريك.
- وهو في «شرح السنة» 4188 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4803 عن الحميدي بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 7433 ومسلم 159 ح 251 وأحمد 5/ 158 وابن حبان 6152 والواحدي في «الوسيط» 3/ 514 من طرق عن وكيع به.
- وأخرجه الطحاوي في «المشكل» 281 من طريق أبي معاوية عن الأعمش به.
1783- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- سفيان هو ابن سعيد الثوري.
- وهو في «صحيح البخاري» 3199 عن محمد بن يوسف بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4802 و7424 ومسلم 159 وأحمد 5/ 177 والترمذي 2186 و3227 والطيالسي 460 وابن حبان 6154 والطبري 29121 من طرق عن الأعمش به.
(1) هو الحديث الآتي.
(2) في المطبوع «أنا الحميدي أنا وكيع» بدل «محمد بن يوسف» والمثبت عن «شرح السنة» والمخطوط.
(3) زيادة عن «شرح السنة» والمخطوط.
(4) في المطبوع «المنازل» والمثبت عن المخطوط.
(4/14)

وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43)
الْقَمَرُ فِي دِقَّتِهِ وَصُفْرَتِهِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ بِهِ.
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، أَيْ لَا يَدْخُلُ النَّهَارُ عَلَى اللَّيْلِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ عَلَى النَّهَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ، أَيْ هُمَا يَتَعَاقَبَانِ بِحِسَابٍ مَعْلُومٍ لَا يَجِيءُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَقْتِهِ. وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي سُلْطَانِ الْآخَرِ، لَا تَطْلُعُ [1] الشَّمْسُ بِاللَّيْلِ وَلَا يَطْلُعُ الْقَمَرُ بِالنَّهَارِ وَلَهُ ضَوْءٌ، فَإِذَا اجْتَمَعَا وَأَدْرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ قَامَتِ الْقِيَامَةُ. وَقِيلَ: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ أَيْ لَا تَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي فَلَكٍ وَاحِدٍ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أَيْ لَا يَتَّصِلُ لَيْلٌ بِلَيْلٍ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا نَهَارٌ فَاصِلٌ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، يَجْرُونَ.
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ والشام ويعقوب ذرياتهم بجمع، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ ذُرِّيَّتَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ، فَمِنْ جَمَعَ كَسَرَ التَّاءَ وَمَنْ لَمْ يَجْمَعْ نَصَبَهَا وَالْمُرَادُ بِالذُّرِّيَّةِ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ وَاسْمُ الذُّرِّيَّةِ يَقَعُ عَلَى الْآبَاءِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْأَوْلَادِ، فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، أَيْ المملوء، وأراد سفينة نوح، وَهَؤُلَاءِ مِنْ نَسْلِ مَنْ حُمِلَ مَعَ نُوحٍ، وَكَانُوا فِي أَصْلَابِهِمْ.
وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) ، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ السُّفُنَ [الصِّغَارَ] [2] الَّتِي عُمِلَتْ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَى هَيْئَتِهَا. وَقِيلَ: أَرَادَ [به] السفن [الصغار] [3] الَّتِي تَجْرِي فِي الْأَنْهَارِ فَهِيَ فِي الْأَنْهَارِ كَالْفُلْكِ الْكِبَارِ فِي البحار، هذا قَوْلُ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمَا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) ، يَعْنِي الْإِبِلَ، فَالْإِبِلُ فِي البر كالسفن في البحر.

[سورة يس (36) : الآيات 43 الى 49]
وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (44) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47)
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49)
وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ، أَيْ لَا مُغِيثَ، لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ، يَنْجُونَ مِنَ الْغَرَقِ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحَدَ يُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِي.
إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (44) ، إِلَى انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ، يَعْنِي: إِلَّا أَنْ يَرْحَمَهُمْ [الله] [4] ويمتعهم إلى حين [انقضاء] [5] آجَالِهِمْ.
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ يَعْنِي الْآخِرَةَ، فَاعْمَلُوا لَهَا وَمَا خَلْفَكُمْ يَعْنِي الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا، وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَا. وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَقَائِعُ اللَّهِ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَما خَلْفَكُمْ عَذَابُ الْآخِرَةِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَمُقَاتِلٍ. لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إِذَا قِيلَ لَهُمْ هَذَا أَعْرَضُوا عَنْهُ، دَلِيلُهُ مَا بعده.
__________
(1) في المطبوع «يطلع» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(2) زيادة عن «ط» والمخطوط.
(3) في المطبوع «أراد بالسفن التي تجري» والمثبت عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(4/15)

فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ، أَيْ دَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، أَعْطَاكُمُ اللَّهُ، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ، أَنَرْزُقُ، مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا لِكُفَّارِ مَكَّةَ: أَنْفِقُوا عَلَى الْمَسَاكِينِ مِمَّا زَعَمْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنَّهُ لله، وهو ما جعلوه لِلَّهِ مِنْ حُرُوثِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ، قَالُوا: أَنُطْعِمُ أَنَرْزُقُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ الله أطعمه رَزَقَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرْزُقْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَنَحْنُ نُوَافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَلَا نُطْعِمُ مَنْ لَمْ يُطْعِمْهُ اللَّهُ، وَهَذَا مِمَّا يَتَمَسَّكُ بِهِ الْبُخَلَاءُ، يَقُولُونَ: لَا نُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ اللَّهُ، وَهَذَا الَّذِي يَزْعُمُونَ [بَاطِلٌ] [1] ، لِأَنَّ اللَّهَ أَغْنَى بَعْضَ الْخَلْقِ وَأَفْقَرَ بَعْضَهُمُ ابْتِلَاءً، فَمَنَعَ الدُّنْيَا مِنَ الْفَقِيرِ لَا بُخْلًا وَأَمَرَ الْغَنِيَّ بِالْإِنْفَاقِ لَا حَاجَةً إِلَى مَالِهِ، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ [2] الغني بالفقير فيما أمر وفرض لَهُ فِي مَالِ الْغَنِيِّ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ فِي خَلْقِهِ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، يَقُولُ الْكُفَّارُ لِلْمُؤْمِنِينَ: مَا أَنْتُمْ إِلَّا فِي خَطَأٍ بَيِّنٍ فِي اتِّبَاعِكُمْ محمدا وَتَرْكِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ.
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ، أَيِ الْقِيَامَةُ وَالْبَعْثُ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا يَنْظُرُونَ، أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ، إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الْأُولَى، تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، يَعْنِي [3] يَخْتَصِمُونَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَيَتَكَلَّمُونَ فِي الْمَجَالِسِ وَالْأَسْوَاقِ، قَرَأَ حَمْزَةُ يَخِصِّمُونَ بِسُكُونِ الْخَاءِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ، أَيْ يَغْلِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخِصَامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بتشديد الصاد، أي يختصمون، أدغموا التَّاءُ فِي الصَّادِ، ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ وَوِرَشٌ يَفْتَحُونَ الْخَاءَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ التَّاءِ الْمُدْغَمَةِ إِلَيْهَا، وَيَجْزِمُهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالُونَ، وَيَرُومُ فَتْحَةَ الْخَاءِ أَبُو عَمْرٍو، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْخَاءِ.
«1784» وَرُوِّينَا أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ رفع رجل أَكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا» .

[سورة يس (36) : الآيات 50 الى 55]
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قالُوا يَا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (55)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً، أَيْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الإيصاء. قال مقاتل: عجزوا [4] عَنِ الْوَصِيَّةِ فَمَاتُوا، وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ، يَنْقَلِبُونَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّاعَةَ لَا تُمْهِلُهُمْ لِشَيْءٍ.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، وَهِيَ [النَّفْخَةُ] [5] الْأَخِيرَةُ نَفْخَةُ الْبَعْثِ، وَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سنة، فَإِذا هُمْ
__________
1784- تقدم في سورة الأعراف عند آية: 187. [.....]
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) هذه العبارة «الْغَنِيَّ بِالْإِنْفَاقِ لَا حَاجَةً إِلَى ماله، ولكن ليبلو» تكررت في المطبوع.
(3) في المخطوط «أي» .
(4) في المطبوع «عجلوا» والمثبت عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(4/16)

هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56)
مِنَ الْأَجْداثِ، يَعْنِي الْقُبُورُ، وَاحِدُهَا: جَدَثٌ، إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ، يَخْرُجُونَ مِنَ الْقُبُورِ أَحْيَاءً وَمِنْهُ قِيلَ لِلْوَلَدِ: نَسْلٌ لِخُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ.
قالُوا يَا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا، قَالَ أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْفَعُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، فَيَرْقُدُونَ فَإِذَا بُعِثُوا بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ [1] وَعَايَنُوا الْقِيَامَةَ دَعَوْا بِالْوَيْلِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّ الْكُفَّارَ إِذَا عَايَنُوا جَهَنَّمَ وَأَنْوَاعَ عَذَابِهَا صَارَ عَذَابُ الْقَبْرِ فِي جَنْبِهَا كَالنَّوْمِ، فَقَالُوا: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا؟ ثُمَّ قَالُوا: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، أَقَرُّوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِقْرَارُ. وَقِيلَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُ الْكُفَّارُ: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.
إِنْ كانَتْ، مَا كَانَتْ، إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً، يَعْنِي النَّفْخَةَ الأخيرة، فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ.
فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54) .
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافع وأبو عمرو شُغُلٍ بِسُكُونِ الْغَيْنِ وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، مِثْلَ السُّحْتِ وَالسُّحُتِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الشُّغُلِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي افْتِضَاضِ الْأَبْكَارِ. وَقَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجِرَاحِ: فِي السَّمَاعِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فِي شُغُلٍ عَنْ أَهْلِ النَّارِ وَعَمَّا هُمْ فِيهِ لَا يُهِمُّهُمْ أَمْرُهُمْ وَلَا يَذْكُرُونَهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: شُغِلُوا بِمَا فِي الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: فِي زِيَارَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى: فاكِهُونَ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ فَكِهُونَ حَيْثُ كَانَ، وَافَقَهُ حَفْصٌ فِي الْمُطَفِّفِينَ [31] وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الْحَاذِرُ وَالْحَذِرُ، أَيْ نَاعِمُونَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مُعْجَبُونَ بِمَا هُمْ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: فرحون.

[سورة يس (36) : الآيات 56 الى 60]
هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (56) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60)
هُمْ وَأَزْواجُهُمْ، أَيْ حَلَائِلُهُمْ، فِي ظِلالٍ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ظُلَلٍ بِضَمِّ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، جَمْعُ ظُلَّةٍ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ فِي ظُلَلٍ بِالْأَلِفِ وَكَسْرِ الظَّاءِ عَلَى جَمْعِ ظِلٍّ، عَلَى الْأَرائِكِ، يَعْنِي السُّرَرَ فِي الْحِجَالِ وَاحِدَتُهَا أَرِيكَةٌ. قَالَ ثَعْلَبٌ: لَا تَكُونُ أَرِيكَةً حَتَّى يكون عليها حجلة. مُتَّكِؤُنَ، ذَوُو اتِّكَاءٍ [2] .
لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) ، يَتَمَنَّوْنَ وَيَشْتَهُونَ.
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ، أَيْ يُسَلِّمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلًا. أي يقوله [3] الله لهم قولا.
__________
(1) في المخطوط «الآخرة» .
(2) زيادة عن «ط» والمخطوط.
(3) في المطبوع «يقول» والمثبت عن المخطوط.
(4/17)

وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)
«1785» أخبرنا أبو سعيد بن إبراهيم الشريحي أنا إِسْحَاقَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبراهيم الثعلبي أنا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْمُؤَذِّنُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ موسى الملحمي الأصفهاني أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ أنا ابن أبي الشوارب أنا أبو عاصم العباداني أنا الْفَضْلُ الرَّقَاشِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سطح لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فَإِذَا الربّ تعالى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (59) ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ» .
وَقِيلَ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِمِ الْمَلَائِكَةُ من ربهم. وقال مُقَاتِلٌ: تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ كُلِّ بَابٍ يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ رَبِّكُمُ الرَّحِيمِ. وَقِيلَ: يُعْطِيهُمُ السَّلَامَةَ [1] يَقُولُ: اسْلَمُوا السَّلَامَةَ الْأَبَدِيَّةَ.
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ، (59) ، قَالَ مُقَاتِلٌ: اعْتَزِلُوا الْيَوْمَ مِنَ الصَّالِحِينَ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: تَمَيَّزُوا.
وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: كُونُوا عَلَى حِدَةٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: انْفَرَدُوا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ لِكُلِّ كَافِرٍ فِي النَّارِ بَيْتًا يُدْخَلُ ذَلِكَ الْبَيْتَ وَيُرْدَمُ بَابُهُ بِالنَّارِ فَيَكُونُ فِيهِ أَبَدَ الْآبِدِينَ، لَا يَرَى وَلَا يُرَى.
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ، أَلَمْ آمُرْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ، أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ، أَيْ لَا تُطِيعُوا الشَّيْطَانَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، ظاهر العداوة.

[سورة يس (36) : الآيات 61 الى 65]
وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (65)
وَأَنِ اعْبُدُونِي، أَطِيعُونِي وَوَحِّدُونِي، هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ جِبِلًّا بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْبَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ جِبِلًّا بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْبَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَقَرَأَ [ابْنُ] [2] عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الْجِيمِ سَاكِنَةَ الْبَاءِ خَفِيفَةً اللام، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ [3] بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْبَاءِ خفيفة اللام وكلها لغات صحيحة، ومعناها:
__________
1785- إسناده ضعيف جدا، أبو عاصم منكر الحديث، والفضل قال عنه الذهبي في «الميزان» : ساقط.
- ابن أبي الشوارب هو محمد بن عبد الملك، أبو عاصم هو عبد الله بن عبيد الله. الفضل هو ابن عيسى.
- وأخرجه ابن ماجه 184 والآجري في «الشريعة» 626 والواحدي في «الوسيط» 3/ 517 من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أبي الشوارب بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو نعيم في «صفة الجنة» 91 والبيهقي في «البعث» 493 من طريق العبّاداني به، وقال البوصيري في «الزوائد» : أبو عاصم العبّاداني منكر الحديث قاله العقيلي.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 7/ 98 وقال: رواه البزار، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو ضعيف.
- وانظر «تفسير القرطبي» 5172 بتخريجي.
(1) في المخطوط «السلام» .
(2) سقط من المطبوع.
(3) في المخطوط «الباقون» والمعنى واحد.
(4/18)

الْخَلْقُ وَالْجَمَاعَةُ أَيْ خَلْقًا كَثِيرًا، أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ. مَا أَتَاكُمْ مِنْ هَلَاكِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ [1] بِطَاعَةِ إِبْلِيسَ، وَيُقَالُ لَهُمْ لَمَّا دَنَوْا مِنَ النَّارِ:
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) ، بِهَا فِي الدُّنْيَا.
اصْلَوْهَا، ادْخُلُوهَا.
الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (65) ، هَذَا حِينَ يُنْكِرُ الكفار كفرهم وتكذيبهم الرسل بقولهم: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] ، فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جوارحهم.
الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
(65) ، هَذَا حِينَ يُنْكِرُ الْكُفَّارُ كُفْرَهُمْ وتكذيبهم الرسل بقولهم: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] ، فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ. «1786» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أحمد] المليحي أنا أبو الحسين مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَفْصَوَيْهِ السرخسي سنة خمس وثمانين [2] وثلاثمائة أنا أبو زيد حاتم بن محبوب أنا عبد الجبار [بن] [3] العلاء أنا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَالُوا [4] : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «هل تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ البدر ليس فِي سَحَابٍ؟» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ في رؤية الشمس عند الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابٍ؟» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، كَمَا لَا تُضَارُّونَ في رؤيتهما» قال: فيلقى العبد قال فيقول: أي فل أَلَمْ أُكْرِمْكَ؟ أَلَمْ أُسَوِّدْكَ؟ أَلَمْ أُزَوِّجْكَ؟ أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ والإبل وأتركك تَتَرَأَّسُ وَتَتَرَبَّعُ؟ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ:
فَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ قال: لَا يَا رَبِّ، قَالَ: فَالْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيْتَنِي قَالَ: فَيَلْقَى الثاني، فيقول: أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وأتركك تترأس وتتربّع؟ قَالَ: فَيَقُولُ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ قَالَ: لا يا رب لَا، قَالَ: فَالْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نسيتني، قال: ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ، فَيَقُولُ: مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَبْدُكَ آمَنْتُ بك، وبنبيّك وبكتابك، وصمت وصلّيت وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ، فيقال له: أفلا نبعث عليك شاهدنا؟
قال: فيفكّر في نفسه من الذي تشهد عليه فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخْذِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ فَخْذُهُ، وَلَحْمُهُ وعظامه بما كان يعمل، قال: وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ لِيُعْذَرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الَّذِي سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ» [5] .
«1787» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ أَنَا جَدِّي أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بن عبد الرحمن
__________
1786- إسناده على شرط مسلم.
- سفيان هو ابن عيينة، سهيل هو ابن ذكوان.
- وهو في «شرح السنة» 4224 بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن حبان 4642 من طريق عبد الجبار بن العلاء بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2968 وابن مندة في «الإيمان» 809 وابن حبان 7445 وابن خزيمة في «التوحيد» ص 154 من طريقين عن سفيان به مطوّلا.
- وله شاهد من حديث أنس أخرجه البخاري 2969، وأبو يعلى 3977 وابن حبان 7358.
1787- إسناده حسن للاختلاف المعروف في بهز عن آبائه.-[.....]
(1) في المخطوط «السابقة» والمعنى واحد.
(2) في المطبوع «ثلاثين» .
(3) سقط من المطبوع.
(4) في المطبوع «قال» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(5) سياق هذا الحديث في المطبوع فيه تقديم وتأخير، واختلاف في بعض الجمل والمثبت عن «شرح السنة» والمخطوط.
(4/19)

وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66)
الْبَزَّازُ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ فَيُفْدَمُ عَلَى أَفْوَاهِكُمْ بِالْفِدَامِ فَأَوَّلُ [مَا] [1] يُسْأَلُ عَنْ أَحَدِكُمْ فَخْذُهُ وَكَفُّهُ» .
«1788» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي النَّضِرِ حَدَّثَنِي هَاشِمُ بْنُ القاسم أنا عبيد اللَّهِ [2] الْأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ عَنْ فُضَيْلٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ» ؟ قَالَ: قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ» ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تجرني [3] من الظلم؟ قال: يقول بَلَى: قَالَ: فَيَقُولُ فَإِنِّي لَا أجيز عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكلام [وإلّا] [4] فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسَحْقًا فَعَنْكُنَّ كنت أناضل» .

[سورة يس (36) : الآيات 66 الى 69]
وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (67) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (68) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69)
وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ، أَيْ أَذْهَبْنَا أَعْيُنَهُمُ الظَّاهِرَةَ بِحَيْثُ لَا يَبْدُو لَهَا [5] جَفْنٌ وَلَا شق،
__________
- عبد الرزاق هو ابن همام، معمر هو ابن راشد، معاوية هو ابن حيدة.
- وهو في «شرح السنة» 4226 بهذا الإسناد.
- وهو في «تفسير عبد الرزاق» 2699 عن معمر به.
- وأخرجه النسائي في «الكبرى» 11469 وفي «التفسير» 489 والطبراني 19/ (969) من طريق عبد الرزاق به.
- وأخرجه أحمد 5/ 4- 5 وابن المبارك في «الزهد» 987 من طريقين عن بهز بن حكيم به.
- وأخرجه أحمد 4/ 446- 447 والنسائي في «الكبرى» 11431 وفي «التفسير» 451 من طريق شبل عن أبي قزعة عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ أنه جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ... فذكره مطوّلا.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 10/ 351 وقال: رواه أحمد في حديث طويل، ورجاله ثقات.
1788- إسناده صحيح على شرط مسلم.
- أبو بكر مشهور بكنيته، قيل: اسمه أحمد، وقيل: محمد وهو ابن النضر بن أبي النضر، وقد ينسب لجده كما وقع عند البغوي. الأشجعي هو ابن عبد الرحمن.
- سفيان هو ابن سعيد، عبيد هو ابن مهران، الشعبي هو عامر بن شراحيل.
- وهو في «صحيح مُسْلِمٌ» 2969 عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ النضر بهذا الاسناد.
وأخرجه أبو يعلى 3977 وابن حبان 7358 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 467 من طرق عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي النضر به.-
(1) سقط من المطبوع.
(2) في المخطوط «عبد الله» والمثبت عن «شرح السنة» وكتب التراجم.
(3) في المطبوع «تجزني» والمثبت عن «صحيح مسلم» و «ط» والمخطوط.
(4) سقط من المطبوع.
(5) في المخطوط «لهن» .
(4/20)

وَهُوَ مَعْنَى الطَّمْسِ كَمَا قَالَ الله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 20] يَقُولُ: كَمَا أَعْمَيْنَا قُلُوبَهُمْ لَوْ شِئْنَا أَعْمَيْنَا أَبْصَارَهُمُ الظَّاهِرَةَ، فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ، فَتَبَادَرُوا إِلَى الطَّرِيقِ، فَأَنَّى يُبْصِرُونَ، فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ وَقَدْ أَعْمَيْنَا أَعْيُنَهُمْ؟ يَعْنِي: لَوْ نَشَاءُ لَأَضْلَلْنَاهُمْ عَنِ الْهُدَى، وَتَرَكْنَاهُمْ عُمْيًا يَتَرَدَّدُونَ، فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ الطَّرِيقَ حِينَئِذٍ؟ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالسُّدِّيِّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ: مَعْنَاهُ لَوْ نَشَاءُ لَفَقَأْنَا أَعْيُنَ ضَلَالَتِهِمْ، فَأَعْمَيْنَاهُمْ عَنْ غَيِّهِمْ، وَحَوَّلْنَا أَبْصَارَهُمْ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى، فَأَبْصَرُوا رُشْدَهُمْ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَلَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ؟
وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ، يَعْنِي مَكَانَهُمْ، يُرِيدُ: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَقِيلَ: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُمْ حِجَارَةً، وَهُمْ قُعُودٌ فِي مَنَازِلِهِمْ لَا أَرْوَاحَ لَهُمْ. فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ، يعني إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَهَابٍ وَلَا رُجُوعٍ.
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ، قرأ عاصم وحمزة بِالتَّشْدِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى وَضَمِّ الْكَافِ مُخَفَّفًا، أَيْ نَرُدُّهُ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ شِبْهَ الصَّبِيِّ فِي أَوَّلِ الْخَلْقِ: وَقِيلَ: نُنَكِّسُهُ فِي الْخَلْقِ أَيْ نُضْعِفُ جَوَارِحَهُ بَعْدَ قُوَّتِهَا وَنَرُدُّهَا إِلَى نُقْصَانِهَا بَعْدَ زِيَادَتِهَا. أَفَلا يَعْقِلُونَ، فَيَعْتَبِرُوا وَيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى تَصْرِيفِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ يَقْدِرُ عَلَى الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا شَاعِرٌ، وَمَا يَقُولُهُ شِعْرٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهُمْ: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ أَيْ مَا يَتَسَهَّلُ لَهُ ذَلِكَ وَمَا كَانَ يَتَّزِنُ لَهُ بَيْتٌ مِنْ الشعر، حَتَّى إِذَا تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مُنْكَسِرًا.
«1789» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إسحاق الثعلبي أنا الحسين بن محمد الثقفي أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حِمْدَانَ [1] ثنا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ماهان أَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ [2] زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ:
كَفَى بِالْإِسْلَامِ وَالشَّيْبِ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [3] إِنَّمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
كَفَى الشَّيْبُ والإسلام لِلْمَرْءِ نَاهِيًا فَقَالَ [4] أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ.
«1790» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو القاسم
__________
1789- إسناده ضعيف جدا، وله علل ثلاث: الأولى: ضعف علي بن زيد، والثانية: الإرسال، والثالثة: مراسيل الحسن واهية كما هو مقرر في كتب علم الحديث.
- وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» 1/ 298- 290 من طريق حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بن زيد عن الحسن به.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 3/ 518 من طريق حماد عن علي بن زيد أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ... فذكره.
1790- صحيح. إسناده حسن في المتابعات لأجل شريك فإنه صدوق لكن تغير حفظه لما تولى القضاء، وقد توبع وللحديث شاهد، وباقي الإسناد على شرط الصحيح. [.....]
(1) في المطبوع «همدان» والمثبت عن المخطوط.
(2) زيد في المطبوع «علي بن همدان حدثنا يوسف بن أبي زيد» والتصويب عن «ط» والمخطوط.
(3) في المخطوط «نبي الله» والمعنى واحد.
(4) في المخطوط «ثم قال» والمعنى واحد.
(4/21)

لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)
الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أنا شَرِيكٌ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَتَمَثَّلُ مِنْ شِعْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، قَالَتْ: وَرُبَّمَا قَالَ:
وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ [1] «1791» وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَائِشَةَ سُئِلَتْ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ؟
قَالَتْ: كَانَ الشِّعْرُ أَبْغَضَ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ، قَالَتْ: وَلَمْ يَتَمَثَّلْ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ إِلَّا بِبَيْتِ أَخِي بَنِي قَيْسٍ طَرَفَةَ:
سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا ... وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
فَجَعَلَ يَقُولُ: «وَيَأْتِيكَ مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ بِالْأَخْبَارِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْسَ هَكَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنِّي لَسْتُ بِشَاعِرٍ وَلَا يَنْبَغِي لي» .
إِنْ هُوَ، يعني ما الْقُرْآنَ، إِلَّا ذِكْرٌ، مَوْعِظَةٌ، وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَالْأَحْكَامُ.

[سورة يس (36) : الآيات 70 الى 78]
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (70) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (71) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (73) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (76) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)
لِيُنْذِرَ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَيَعْقُوبُ لِتُنْذِرَ بِالتَّاءِ وَكَذَلِكَ فِي [سورة] [2] الْأَحْقَافِ، وَافَقَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْأَحْقَافِ [12] أَيْ: لِتُنْذِرَ يَا مُحَمَّدُ، وقرأ الآخرون بالياء لينظر الْقُرْآنُ، مَنْ كانَ حَيًّا، يَعْنِي مُؤْمِنًا حَيَّ [3] الْقَلْبِ لِأَنَّ الْكَافِرَ كَالْمَيِّتِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَدَبَّرُ وَلَا يَتَفَكَّرُ، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ، وَيَجِبُ
__________
- شريك هو ابن عبد الله، شريح هو ابن هانىء.
- وأخرجه الترمذي 2852 والبخاري في «الأدب المفرد» 867 وأحمد 6/ 156 والطحاوي في «المعاني» 4/ 297 والبغوي في «الأنوار» 349 من طرق عن شريك به.
- وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» 292 وابن سعد في «الطبقات» 1/ 290 من طريق الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ سماك عن عكرمة عن عائشة به.
- وإسناده ضعيف لضعف الوليد، وسماك ضعيف في عكرمة خاصة.
- وأخرجه أبو يعلى 2945 عن طريق الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ عكرمة عن عائشة.
- وإسناده ضعيف، لانقطاعه، ولضعف الوليد بن أبي ثور.
- وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه البزار 2106 والطبراني في «الكبير» 11763.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 13346: رجالهما رجال الصحيح.
1791- صحيح. أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» 2496 عن معمر عن قتادة به.
- وأخرجه الطبري 29229 من طريق سعيد عن قتادة به، وهذا مرسل، لكن المتن صحيح يتأيد بما قبله.
(1) في المطبوع تكرر بيت الشعر، وقول عائشة.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «حتى» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4/22)

قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)
حُجَّةُ الْعَذَابِ [1] عَلَى الْكافِرِينَ.
[قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:] [2] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا، تَوَلَّيْنَا خَلْقَهُ بِإِبْدَاعِنَا مِنْ غَيْرِ إِعَانَةِ أَحَدٍ، أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ، ضَابِطُونَ قَاهِرُونَ، أَيْ لَمْ يَخْلُقِ الْأَنْعَامَ وَحْشِيَّةً نَافِرَةً مَنْ بَنِي آدَمَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ضَبْطِهَا بَلْ هِيَ مُسَخَّرَةٌ لَهُمْ.
وَهِيَ قَوْلُهُ: وَذَلَّلْناها لَهُمْ، سَخَّرْنَاهَا [3] لَهُمْ، فَمِنْها رَكُوبُهُمْ، أَيْ مَا يَرْكَبُونَ وَهِيَ الْإِبِلُ، وَمِنْها يَأْكُلُونَ [أي] [4] : مِنْ لُحْمَانِهَا.
وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ، أي مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَنَسْلِهَا، وَمَشارِبُ، مِنْ أَلْبَانِهَا، أَفَلا يَشْكُرُونَ، رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ.
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) ، يَعْنِي: لِتَمْنَعَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَطُّ.
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَقْدِرُ الْأَصْنَامُ عَلَى نَصْرِهِمْ وَمَنْعِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ.
وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ، أَيْ الْكُفَّارُ جُنْدٌ الأصنام يَغْضَبُونَ لَهَا وَيُحْضِرُونَهَا فِي الدُّنْيَا وَهِيَ لَا تَسُوقُ إِلَيْهِمْ خَيْرًا وَلَا تَسْتَطِيعُ لَهُمْ نَصْرًا. وَقِيلَ: هَذَا فِي الْآخِرَةِ يُؤْتَى بِكُلِّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَهُ أَتْبَاعُهُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ كَأَنَّهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ فِي النَّارِ.
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، يَعْنِي قَوْلَ كُفَّارِ مَكَّةَ فِي تَكْذِيبِكَ، إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ، فِي ضَمَائِرِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ، وَما يُعْلِنُونَ، مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ [5] أَوْ مَا يُعْلِنُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنَ الْأَذَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ، جَدِلٌ بِالْبَاطِلِ، مُبِينٌ، بَيِّنُ الْخُصُومَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ يُخَاصِمُ، فَكَيْفَ لَا يَتَفَكَّرُ فِي بَدْءِ خَلْقِهِ حَتَّى يَدَعَ الْخُصُومَةَ.
«1792» نَزَلَتْ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ خَاصَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِنْكَارِ الْبَعْثِ، وَأَتَاهُ بِعَظْمٍ قَدْ بَلِيَ فَفَتَّتَهُ بيده، فقال: أترى يحيي الله هذا بعد ما رَمَّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ وَيَبْعَثُكَ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ.
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ، بدأ أمره ثم، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، بَالِيَةٌ، وَلَمْ يَقِلْ رَمِيمَةً لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ فَاعِلَةٍ وَكُلُّ مَا كَانَ مَعْدُولًا عَنْ وَجْهِهِ وَوَزْنِهِ كَانَ مَصْرُوفًا عن إعرابه [6] ، كَقَوْلِهِ:
وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مَرْيَمَ: 28] ، أَسْقَطَ الْهَاءَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مصروفة عن باغية.

[سورة يس (36) : الآيات 79 الى 83]
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)
__________
1792- أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» 2498 والطبري 29242 من طريقين عن قتادة مرسلا، وأخرجه برقم 29241 عن الحسن، وأخرجه الواحدي 721 عن أبي مالك، فهذه المراسيل تتأيد بمجموعها.
(1) زيد في المطبوع «قوله» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «سخرنا» والمثبت عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط. [.....]
(5) في المخطوط «الأوثان» والمعنى واحد.
(6) في المطبوع و «ط» : «أخواته» والمثبت عن المخطوط.
(4/23)

قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها، خَلَقَهَا، أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا شَجَرَتَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمَرْخُ وَلِلْأُخْرَى الْعَفَارُ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْهُمُ النَّارَ قَطَعَ مِنْهُمَا غُصْنَيْنِ مِثْلَ السِّوَاكَيْنِ وَهُمَا خَضْرَاوَانِ يَقْطُرُ مِنْهُمَا الْمَاءُ، فَيُسْحَقُ الْمَرْخُ عَلَى العفار فيخرج منها النَّارُ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
تَقُولُ الْعَرَبُ: فِي كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ وَاسْتَمْجَدَ الْمَرْخُ وَالْعَفَارُ، وَقَالَ الْحُكَمَاءُ: فِي كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ إِلَّا الْعُنَّابَ. فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، تَقْدَحُونَ وَتُوقِدُونَ النَّارَ مِنْ ذَلِكَ الشَّجَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ:
فَقَالَ: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ، قَرَأَ يَعْقُوبُ يَقْدِرُ بِالْيَاءِ عَلَى الْفِعْلِ، عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى، أَيْ: قُلْ بَلَى هُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْخَلَّاقُ، يَخْلُقُ خَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ، الْعَلِيمُ بجميع ما خلق.
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) .
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ، أي ملك، كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
«1793» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ محمد القاضي أنا أبو الطاهر الزِّيَادِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن الحسين [1] الدارابجردي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عن
__________
1793- ضعيف. إسناده ضعيف لجهالة أبي عثمان، وبينه وبين معقل واسطة كما سيأتي.
- سليمان هو ابن طرخان، أبو عثمان، قيل: اسمه سعد.
- وهو في «شرح السنة» 1458 بهذا الإسناد.
- وأخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» 1074 من طريق ابن المبارك به.
- وأخرجه ابن حبان 3002 من طريق يحيى القطان عن سليمان التيمي به.
- وأخرجه أبو داود 3121 وابن ماجه 1448 وأحمد 5/ 26 و27 وابن أبي شيبة 3/ 237 وأبو عبيد في «فضائل القرآن» ص 136 والحاكم 1/ 565، والطبراني 20/ (510) والبيهقي 3/ 383 من طريق ابن الْمُبَارَكِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبي عثمان- غير النهدي- عن أبيه عن معقل.
- قال الحاكم: وقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك، إذ الزيادة من الثقة مقبولة.
- وأخرجه النسائي 1075 والطيالسي 931 والطبراني 20/ (511 و541) من طريق سليمان التيمي عن رجل عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يسار.
- قال الحافظ في «تلخيص الحبير» 2/ 104: وأعله ابن القطان بالاضطراب، وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان، وأبيه، ونقل أبو بكر عن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث.
الخلاصة: هو حديث ضعيف، ولم يتابع أبو عثمان على هذا الحديث ولا يعرف إلّا به.
(1) في المخطوط «الحسن» والمثبت عن «ط» و «شرح السنة» .
(4/24)

وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1)
سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ سُورَةَ يس» .
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَقَالَ: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ معقل بن يسار [والله تعالى أعلم] [1] .

سورة الصافات
مكية وهي مائة واثنتان وثمانون آية

[سورة الصافات (37) : الآيات 1 الى 6]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (3) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (4)
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6)
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ يَصُفُّونَ كَصُفُوفِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا لِلصَّلَاةِ.
«1794» أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقَاشَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ العلاء أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ [2] حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: سَأَلَتْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشَ عَنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فِي الصُّفُوفِ الْمُقَدِّمَةِ فَحَدَّثْنَا عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ [عَنْ تَمِيمِ] [3] بْنِ طَرَفَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ» .
قُلْنَا: وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْمُقَدَّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» .
وَقِيلَ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ تَصُفُّ أَجْنِحَتَهَا فِي الْهَوَاءِ وَاقِفَةً حَتَّى يَأْمُرَهَا اللَّهُ بِمَا يُرِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ الطُّيُورُ
__________
1794- صحيح. النفيلي روى له البخاري، وتميم روى له مسلم وباقي الإسناد على شرطهما.
- وهو في «شرح السنة» 810 بهذا الإسناد.
- زهير هو ابن معاوية، سليمان هو ابن مهران.
- وهو في «سنن أبي داود» 661 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ النفيلي بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن حبان 2162 من طريق عبد الرحمن بن عمرو البجلي عن زهير بن معاوية به.
- وأخرجه مسلم 430 والنسائي 2/ 92 وابن ماجه 992 وعبد الرزاق 2432، وأحمد 5/ 101 وابن خزيمة 1544 وابن أبي شيبة 1/ 353 وأبو عوانة 2/ 39 وأبو يعلى 7474 وابن حبان 2154 من طرق عن الأعمش به.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «النفتيلى» والمثبت عن «ط» و «شرح السنة» .
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع والمثبت عن «ط» و «شرح السنة» و «المخطوط» .
(4/25)

وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7)
دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ [النُّورِ: 41] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2) ، يَعْنِي [الْمَلَائِكَةُ] [1] تَزْجُرُ السَّحَابَ وَتَسُوقُهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ زَوَاجِرُ الْقُرْآنِ تَنْهَى وَتَزْجُرُ عَنِ الْقَبَائِحِ [2] .
فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (3) ، هُمُ الْمَلَائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: هُمْ جَمَاعَةُ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَهَذَا كُلُّهُ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَمَوْضِعُ [3] الْقِسْمِ:
قَوْلُهُ: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (4) ، وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ وَرَبِّ الصَّافَّاتِ وَالزَّاجِرَاتِ وَالتَّالِيَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ قَالُوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ص: 5] ؟ فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِهَؤُلَاءِ [إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ] [4] .
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (5) ، أَيْ مَطَالِعِ الشَّمْسِ [قِيلَ أَرَادَ بِهِ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ] [5] [الْمَعَارِجِ: 40] ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ: بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: 40] ، وقال في موضع [آخر] [6] رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) [الرَّحْمَنِ: 17] ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [الْمُزَّمِّلِ: 9] ، فَكَيْفَ وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ؟
قِيلَ: أَمَّا قوله: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [المزمل: 9] ، أراد به جهة المشرق وجهة المغرب. وَقَوْلُهُ: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) [الرحمن: 17] أَرَادَ مَشْرِقَ الشِّتَاءِ وَمَشْرِقَ الصَّيْفِ، وَأَرَادَ بِالْمَغْرِبَيْنِ: مَغْرِبَ الشِّتَاءِ وَمَغْرِبَ الصَّيْفِ. وَقَوْلُهُ: بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: 40] ، أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ لِلشَّمْسِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ كُوَّةً فِي الْمَشْرِقِ وَثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ كُوَّةً فِي الْمَغْرِبِ عَلَى عَدَدِ أَيَّامِ السَّنَةِ، تطلع الشمس منها من ذلك اليوم إلى العام المقبل، فهي وَتَغْرُبُ فِي كُوَّةٍ مِنْهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الْكُوَّةِ الَّتِي تَطْلُعُ الشمس منها من ذلك اليوم إلى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَهِيَ الْمَشَارِقُ وَالْمَغَارِبُ، وَقِيلَ: كُلُّ مَوْضِعٍ شَرَقَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهُوَ مَشْرِقٌ وَكُلُّ مَوْضِعٍ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهُوَ مَغْرِبٌ، كأنه أراد [به] [7] رب جميع ما شرقت عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ.
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6) ، قَرَأَ عاصم، وبرواية أَبِي بَكْرٍ بِزِينَةٍ مُنَوَّنَةً، الْكَوَاكِبَ نُصِبَ أَيْ بِتَزْيِينِنَا الْكَوَاكِبَ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ بِزِينَةٍ مُنَوَّنَةً الْكَوَاكِبِ خَفْضًا عَلَى الْبَدَلِ، أَيْ بِزِينَةٍ بِالْكَوَاكِبِ، أَيْ زَيَّنَّاهَا بِالْكَوَاكِبِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ، بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى الْإِضَافَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بضوء الكواكب.

[سورة الصافات (37) : الآيات 7 الى 11]
وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (8) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (9) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (10) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (11)
وَحِفْظاً. أي حفظناها حِفْظًا. مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ، مُتَمَرِّدٍ يُرْمَوْنَ بِهَا.
لَا يَسَّمَّعُونَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ يَسَّمَّعُونَ بِتَشْدِيدِ السِّينِ وَالْمِيمِ، أَيْ: لَا يتسمعون،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من «المطبوع» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(2) في المخطوط «القبيح» والمعنى واحد.
(3) في المطبوع «وجواب» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع واستدرك من «ط» والمخطوط.
(6) زيادة عن المخطوط. [.....]
(7) زيادة عن المخطوط.
(4/26)

بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12)
فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي السِّينِ، وَقَرَأَ الآخرون بسكون السين خفيف الْمِيمِ، إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى، أَيْ إِلَى الْكَتَبَةِ [1] مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَأُ الْأَعْلَى هُمُ الْمَلَائِكَةُ لِأَنَّهُمْ فِي السَّمَاءِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الِاسْتِمَاعَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَيُقْذَفُونَ، يُرْمَوْنَ، مِنْ كُلِّ جانِبٍ، مِنْ كل آفَاقِ السَّمَاءِ بِالشُّهُبِ.
دُحُوراً، يُبْعِدُونَهُمْ عَنْ مَجَالِسِ الْمَلَائِكَةِ، يُقَالُ: دَحَرَهُ دَحْرًا وَدُحُورًا إِذَا طَرَدَهُ وَأَبْعَدَهُ، وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ، دَائِمٌ، قَالَ مُقَاتِلٌ: دَائِمٌ إِلَى النَّفْخَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُمْ يُحْرَقُونَ [2] وَيَتَخَبَّلُونَ.
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ، اخْتَلَسَ الْكَلِمَةَ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ مُسَارَقَةً، فَأَتْبَعَهُ، لَحِقَهُ [وأدركه] [3] شِهابٌ ثاقِبٌ، كَوْكَبٌ مُضِيءٌ قَوِيٌّ لَا يُخْطِئُهُ يَقْتُلُهُ، أَوْ يَحْرِقُهُ أَوْ يُخْبِلُهُ، وَإِنَّمَا يَعُودُونَ إِلَى اسْتِرَاقِ السَّمْعِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ طَمَعًا فِي السَّلَامَةِ وَنَيْلِ الْمُرَادِ، كَرَاكِبِ الْبَحْرِ [4] ، قَالَ عَطَاءٌ: سُمِّيَ النَّجْمُ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الشَّيَاطِينُ ثَاقِبًا لِأَنَّهُ يثقبهم.
فَاسْتَفْتِهِمْ، يعني سَلْهُمْ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا، يعني من السموات وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ أَيْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَشَدُّ خَلْقًا كَمَا قَالَ: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غَافِرٍ: 57] ، وَقَالَ: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها [النَّازِعَاتِ: 27] ، وَقِيلَ:
أَمْ مَنْ خَلَقْنا يَعْنِي مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، لِأَنَّ مَنْ يُذْكَرُ فِيمَنْ يَعْقِلُ، يَقُولُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِأَحْكَمَ خَلْقًا مَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَقَدْ أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَمَا الَّذِي يُؤَمِّنُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْعَذَابِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ، فَقَالَ:
إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ، يعني جيدا حرا لا صق يعلق باليد، ومعناه: اللازم بدلت [5] الْمِيمُ بَاءً كَأَنَّهُ يَلْزَمُ الْيَدَ [إذا وضعت فيه فيصبغها ويتراكم عليها] [6] وقال مجاهد والضحاك: منتن.

[سورة الصافات (37) : الآيات 12 الى 18]
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16)
أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (18)
بَلْ عَجِبْتَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِضَمِّ التَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْعَجَبُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ كَالتَّعَجُّبِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، كَمَا قَالَ: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
[التَّوْبَةِ: 79] ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: 67] ، والعجب مِنَ الْآدَمِيِّينَ إِنْكَارُهُ وَتَعْظِيمُهُ، وَالْعَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ وَالذَّمِّ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ وَالرِّضَا.
«1795» كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ شاب ليست له صبوة» .
__________
1795- ضعيف. أخرجه أحمد 4/ 151 وأبو يعلى 1749 والطبراني 17/ 309 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 993 من طريق ابن لهيعة عن أبي عشانة عن عقبة بن عامر مرفوعا.
وإسناده ضعيف، لضعف ابن لهيعة.-
(1) في المطبوع «الكتيبة» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(2) في المخطوط «يخرجون» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المطبوع «السفينة» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(5) في المطبوع «إبدال» والمثبت عن المخطوط.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع واستدرك من المخطوط.
(4/27)

فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19)
«1796» وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «عَجِبَ رَبُّكُمْ من إلكم وَقُنُوطِكُمْ وَسُرْعَةِ إِجَابَتِهِ إِيَّاكُمْ» [1] وَسُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَافَقَ رَسُولَهُ لَمَّا عَجِبَ رَسُولُهُ فَقَالَ: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرَّعْدِ: 5] أَيْ هُوَ كَمَا تَقُولُهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى خِطَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْ عَجِبْتَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ، وَيَسْخَرُونَ، يعني وهم يسخرون مِنْ تَعَجُّبِكَ.
قَالَ قَتَادَةُ: عَجِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ حِينَ أُنْزِلَ وَضَلَالِ بَنِي آدَمَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْمَعُ الْقُرْآنَ يُؤْمِنُ بِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ الْقُرْآنَ سَخِرُوا مِنْهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) .
وَإِذا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) ، يعني [2] : إِذَا وُعِظُوا بِالْقُرْآنِ لَا يَتَّعِظُونَ.
وَإِذا رَأَوْا آيَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ يَعْنِي انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، يَسْتَسْخِرُونَ، يسخرون ويستهزئون، وَقِيلَ: يَسْتَدْعِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ السُّخْرِيَةَ.
وَقالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) ، يَعْنِي سِحْرٌ بَيِّنٌ.
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) .
أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) ، أَيْ وَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ.
قُلْ نَعَمْ، تُبْعَثُونَ، وَأَنْتُمْ داخِرُونَ، صَاغِرُونَ، وَالدُّخُورُ أَشَدُّ الصَّغَارِ.

[سورة الصافات (37) : الآيات 19 الى 26]
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقالُوا يا وَيْلَنا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (23)
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَناصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)
فَإِنَّما هِيَ أَيْ قِصَّةُ الْبَعْثِ أَوِ الْقِيَامَةِ، زَجْرَةٌ، أَيْ صَيْحَةٌ، واحِدَةٌ، يَعْنِي نَفْخَةُ الْبَعْثِ، فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ، أحياء.
وَقالُوا يا وَيْلَنا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) ، أَيْ يَوْمُ الحساب ويوم الجزاء.
__________
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 10/ 270 وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، وإسناده حسن! كذا قال رحمه الله، ومداره على، ابن لهيعة، وهو ضعيف، لا يحتج به، وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» 349 موقوفا، وهو أصح.
1796- ضعيف جدا. ذكره أبو عبيد في «غريب الحديث» 1/ 355 بقوله: «رواه عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنِ محمد بن عمرو يرفعه اهـ، وهذا معضل، محمد بن عمرو في عداد تابع التابعين، فالخبر ضعيف جدا.
- وأخرج ابن ماجه 281 من حديث أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «ضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره» وإسناده لين لأجل وكيع بن عدس، ولعله تقدم.
(1) ضعيف جدا. أخرجه الترمذي 3229 من طريق الوليد عن زهير به وأخرجه الطبري 29635 من طريق عمرو بن أبي سلمة قال: سمعت زهيرا عمن سمع أبا العالية قال: حدثني أبي بن كعب أنه سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم عن قوله وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال: يزيدون عشرين ألفا.
- وإسناده ضعيف جدا، وله علتان: فيه راو لم يسمّ، فهذه علة، والثانية: زهير روى عنه أهل الشام مناكير كثيرة، وهذا الحديث من رواية أهل الشام عنه، وحسبه الوقف، والله أعلم.
(2) في المخطوط «أي» .
(4/28)

هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ، يَوْمُ الْقَضَاءِ، وَقِيلَ: يَوْمُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ.
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيْ أَشْرَكُوا. اجْمَعُوهُمْ إِلَى الْمَوْقِفِ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، وَأَزْواجَهُمْ، أَشْبَاهَهُمْ [1] وَأَتْبَاعَهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ، قَالَ قتادة والكلبي: كل من عَمَلٍ مِثْلِ عَمَلِهِمْ فَأَهْلُ الْخَمْرِ مَعَ أَهْلِ الْخَمْرِ وَأَهْلُ الزِّنَا مَعَ أَهْلِ الزِّنَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: قُرَنَاءَهُمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ كُلُّ كَافِرٍ مَعَ شَيْطَانِهِ فِي سِلْسِلَةٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: وَأَزْوَاجُهُمُ الْمُشْرِكَاتُ. وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فِي الدُّنْيَا، يَعْنِي الْأَوْثَانَ وَالطَّوَاغِيتَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي إِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [يس: 60] ، فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دُلُّوهُمْ إِلَى طَرِيقِ النَّارِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: قَدِّمُوهُمْ.
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّابِقَ هاديا.
وَقِفُوهُمْ، واحبسوهم، يُقَالُ: وَقَفْتُهُ وَقْفًا فَوَقَفَ وُقُوفًا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا سِيقُوا إِلَى النَّارِ حُبِسُوا عِنْدَ الصِّرَاطِ لِأَنَّ السُّؤَالَ عِنْدَ الصِّرَاطِ، فَقِيلَ: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَنْ جَمِيعِ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. وَرُوِيَ عَنْهُ: عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
«1797» وَفِي الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعَةِ [2] أَشْيَاءَ: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، [وَعَنْ عِلْمِهِ] مَاذَا عَمِلَ [بِهِ] [3] » .
مَا لَكُمْ لَا تَناصَرُونَ (5) ، أَيْ لَا تَتَنَاصَرُونَ، يُقَالُ لَهُمْ تَوْبِيخًا: مَا لَكَمَ لَا يَنْصُرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، يَقُولُ لَهُمْ خزنة النار هذا جوابا لِأَبِي جَهْلٍ حِينَ [4] قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [الْقَمَرِ: 44] .
فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَاضِعُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مُنْقَادُونَ، يُقَالُ اسْتَسْلَمَ لِلشَّيْءِ إِذَا انْقَادَ لَهُ وَخَضَعَ لَهُ، وَالْمَعْنَى: هُمُ الْيَوْمَ أَذِلَّاءُ مُنْقَادُونَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ.
__________
1797- صحيح. أخرجه الترمذي 2416 وأبو يعلى 5271 والخطيب في «تاريخ بغداد» 12/ 440 والطبراني في «الصغير» 1/ 269 من طريق حميد بن مسعدة عن حصين بن نمير عن حسين بن قيس عن عطاء عن ابن عمر عن ابن مسعود مرفوعا، وإسناده ضعيف.
- قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ من حديث ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ حديث الحسين بن قيس وحسين بن قيس يضعّف في الحديث من قبل حفظه.
- لكن للحديث شاهد من حديث أبي برزة الأسلمي أخرجه الترمذي 2417 والدارمي 1/ 135 وأبو يعلى 7434 من طرق عن أسود بن عامر عن أبي بكر عن الأعمش عن سعيد بن عبد الله بن جريج عن أبي برزة مرفوعا، وإسناده حسن، رجاله ثقات.
- قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
- وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» 10/ 232 من وجه آخر عن ابن نمير عن الأعمش به.
- وله شاهد آخر من حديث معاذ أخرجه الخطيب 11/ 441 وإسناده ضعيف لضعف عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لكن يصلح للاعتبار بحديثه.
(1) في المطبوع «أشياعهم» والمثبت عن «ط» والمخطوط. [.....]
(2) في المطبوع «خمس» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(3) في المطبوع «وماذا عمل فيما علم» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4) في المطبوع «حيث» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4/29)

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27)
[سورة الصافات (37) : الآيات 27 الى 37]
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (28) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (31)
فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (36)
بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37)
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، أَيِ الرُّؤَسَاءُ وَالْأَتْبَاعُ يَتَساءَلُونَ، يَتَخَاصَمُونَ.
قالُوا، أَيِ الْأَتْبَاعُ لِلرُّؤَسَاءِ، إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ، أَيْ مِنْ قِبَلِ الدِّينِ فَتُضِلُّونَنَا عَنْهُ وَتُرُونَنَا أَنَّ الدِّينَ مَا تُضِلُّونَنَا بِهِ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَنِ الصِّرَاطِ الْحَقِّ، وَالْيَمِينُ عِبَارَةٌ عَنِ الدِّينِ وَالْحَقِّ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِبْلِيسَ: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الْأَعْرَافِ: 17] ، فَمَنْ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِ الْيَمِينِ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الدِّينِ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ الْحَقَّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الرُّؤَسَاءُ يَحْلِفُونَ لَهُمْ أَنَّ مَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أَيْ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَيْمَانِ الَّتِي كُنْتُمْ تَحْلِفُونَهَا فَوَثِقْنَا بِهَا. وَقِيلَ: عَنِ الْيَمِينِ أَيْ عَنِ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ، كَقَوْلِهِ: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) [الْحَاقَّةِ: 45] ، وَالْمُفَسِّرُونَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
قالُوا، يَعْنِي الرُّؤَسَاءَ لِلْأَتْبَاعِ، بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، لَمْ تَكُونُوا عَلَى الْحَقِّ فَنُضِلَّكُمْ عَنْهُ، أَيْ إِنَّمَا الْكُفْرُ مِنْ قِبَلِكُمْ.
وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ، مِنْ قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ فَنَقْهَرَكُمْ عَلَى مُتَابَعَتِنَا، بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ، ضَالِّينَ.
فَحَقَّ، وَجَبَ، عَلَيْنا، جَمِيعًا، قَوْلُ رَبِّنا، يَعْنِي كَلِمَةُ الْعَذَابِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السَّجْدَةِ: 13] . إِنَّا لَذائِقُونَ، الْعَذَابَ، أَيْ أَنَّ الضَّالَّ وَالْمُضِلَّ جَمِيعًا فِي النَّارِ.
فَأَغْوَيْناكُمْ، فَأَضْلَلْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى وَدَعَوْنَاكُمْ إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ، إِنَّا كُنَّا غاوِينَ، ضَالِّينَ.
قَالَ اللَّهُ: فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (33) [أي] [1] الرُّؤَسَاءُ وَالْأَتْبَاعُ.
إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [2] .
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) ، يَتَكَبَّرُونَ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَيَمْتَنِعُونَ مِنْهَا.
وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) يَعْنُونَ [3] النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ: بَلْ جاءَ، مُحَمَّدٌ، بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ، أَيْ أَنَّهُ أَتَى بِمَا أتى به المرسلون قبله.

[سورة الصافات (37) : الآيات 38 الى 49]
إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42)
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (44) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47)
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المخطوط «شريكا» والمعنى واحد.
(3) في المطبوع «يعني» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4/30)

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50)
إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38) وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) ، فِي الدُّنْيَا مِنَ الشِّرْكِ.
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) ، الْمُوَحِّدِينَ.
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) ، يَعْنِي بُكْرَةً وَعَشِيًّا كَمَا قَالَ: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:
62] .
فَواكِهُ جَمْعُ الْفَاكِهَةِ وَهِيَ الثِّمَارُ كُلُّهَا رَطْبُهَا وَيَابِسُهَا وَهِيَ كُلُّ طَعَامٍ يُؤْكَلُ لِلتَّلَذُّذِ لَا لِلْقُوتِ، وَهُمْ مُكْرَمُونَ، بِثَوَابِ اللَّهِ.
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (44) ، لَا يَرَى بَعْضُهُمْ قَفَا بَعْضٍ.
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ، إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ وَلَا يَكُونُ كَأْسًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ شَرَابٌ، وَإِلَّا فَهُوَ إِنَاءٌ، مِنْ مَعِينٍ، خَمْرٍ جَارِيَةٍ فِي الْأَنْهَارِ ظَاهِرَةٍ تَرَاهَا الْعُيُونُ.
بَيْضاءَ، قال الحسن: خمر أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، لَذَّةٍ، أَيْ لَذِيذَةٍ، لِلشَّارِبِينَ.
لَا فِيها غَوْلٌ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا تَغْتَالُ عُقُولَهُمْ فَتَذْهَبَ بِهَا. قَالَ الْكَلْبِيُّ [ليس فيها] [1] إِثْمٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَجِعُ الْبَطْنِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: صُدَاعٌ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْغَوْلُ فَسَادٌ يَلْحَقُ فِي خَفَاءٍ، يُقَالُ: اغْتَالَهُ اغْتِيَالًا إِذَا أَفْسَدَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ فِي خُفْيَةٍ، وَخَمْرَةُ الدُّنْيَا يَحْصُلُ مِنْهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْفَسَادِ، مِنْهَا السُّكْرُ وَذَهَابُ الْعَقْلِ وَوَجَعُ الْبَطْنِ وَالصُّدَاعُ وَالْقَيْءُ وَالْبَوْلُ، وَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي خَمْرِ الْجَنَّةِ. وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يُنْزَفُونَ بِكَسْرِ الزَّايِ وَافَقَهُمَا عَاصِمٌ فِي الْوَاقِعَةِ [19] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الزَّايِ فِيهِمَا فَمَنْ فَتَحَ الزَّايَ فَمَعْنَاهُ: لَا يَغْلِبُهُمْ عَلَى عُقُولِهِمْ وَلَا يَسْكَرُونَ، يُقَالُ: نَزَفَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَنْزُوفٌ وَنَزِيفٌ إِذَا سَكِرَ، وَمَنْ كَسَرَ الزَّايَ فَمَعْنَاهُ: لا ينفذ [2] شَرَابُهُمْ، يُقَالُ أَنْزَفَ الرَّجُلُ فَهُوَ منزف إذا فنيت خمرته.
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ، حَابِسَاتُ الْأَعْيُنِ غَاضَّاتُ الْجُفُونِ قَصَرْنَ [3] أَعْيُنَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِهِمْ، عِينٌ، أَيْ حَسَّانُ الْأَعْيُنِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَعْيَنُ وَامْرَأَةٌ عَيْنَاءُ وَنِسَاءٌ عِينٌ.
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ، جَمْعُ الْبَيْضَةِ، مَكْنُونٌ، مَصُونٌ [4] مَسْتُورٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ المكنون والبيض جمع لِأَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى اللَّفْظِ. قَالَ الحسن: [شبههنّ ببيض [النعام [5] لأن] النَّعَامَةِ تُكِنُّهَا بِالرِّيشِ مِنَ الرِّيحِ والغبار حين خروجها] ، فَلَوْنُهَا أَبْيَضُ فِي صُفْرَةٍ. وَيُقَالُ: هَذَا أَحْسَنُ أَلْوَانِ النِّسَاءِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ بَيْضَاءَ مُشْرَبَةً صُفْرَةً، والعرب تشبهها ببيضة النعامة.

[سورة الصافات (37) : الآيات 50 الى 62]
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54)
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (55) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59)
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61) أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62)
__________
(1) سقط من المطبوع، واستدرك من المخطوط.
(2) في المطبوع «ينزف» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(3) في المخطوط «قصرت» .
(4) في المطبوع «مضمون» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(4/31)

إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63)
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50) ، يَعْنِي أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنْ حَالِهِ فِي الدُّنْيَا.
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ، يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ، فِي الدُّنْيَا يُنْكِرُ الْبَعْثَ. قَالَ مُجَاهِدٌ:
كَانَ شَيْطَانًا. وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَانَ مِنَ الْإِنْسِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَا أَخَوَيْنِ. وَقَالَ الْبَاقُونَ: كَانَا شَرِيكَيْنِ أَحَدُهُمَا كَافِرٌ اسْمُهُ قَطْرُوسُ [1] وَالْآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذَا، وَهُمَا اللَّذَانِ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرَهُمَا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [32] .
يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) ، بالبعث.
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) ، مَجْزِيُّونَ وَمُحَاسَبُونَ وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ.
قالَ، اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ، إِلَى النَّارِ، وَقِيلَ: يَقُولُ الْمُؤْمِنُ لِإِخْوَانِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إِلَى النَّارِ لِنَنْظُرَ كَيْفَ مَنْزِلَةُ أَخِي فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: أَنْتَ أَعْرَفُ بِهِ مِنَّا.
فَاطَّلَعَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ كُوًى يَنْظُرُ أَهْلُهَا مِنْهَا إِلَى النَّارِ، فَاطَّلَعَ هَذَا الْمُؤْمِنُ، فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ، فَرَأَى قَرِينَهُ فِي وَسَطِ النَّارِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ وَسَطُ الشَّيْءِ سَوَاءً لِاسْتِوَاءِ الْجَوَانِبِ مِنْهُ.
قالَ، لَهُ، تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَاللَّهِ لَقَدْ كِدْتَ أَنْ تُهْلِكَنِي، قَالَ مُقَاتِلٌ: [معناه] [2] وَاللَّهِ لَقَدْ كِدْتَ أَنْ تُغْوِيَنِي، وَمَنْ أَغْوَى إِنْسَانًا فَقَدْ أَهْلَكَهُ.
وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي، رَحْمَتُهُ وَإِنْعَامُهُ عَلَيَّ بِالْإِسْلَامِ، لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ، مَعَكَ فِي النَّارِ.
أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى (58) ، فِي الدُّنْيَا، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقُولُ هَذَا أَهْلُ الْجَنَّةِ لِلْمَلَائِكَةِ حِينَ يُذْبَحُ الْمَوْتُ: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ؟ فَتَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: لَا.
فَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَقُولُونَهُ عَلَى جِهَةِ الْحَدِيثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يُعَذَّبُونَ. وَقِيلَ: يَقُولُهُ الْمُؤْمِنُ لِقَرِينِهِ عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ بِمَا كَانَ يُنْكِرُهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61) ، أَيْ لِمِثْلِ هَذَا الْمَنْزِلِ وَلِمِثْلِ هَذَا النَّعِيمِ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) ، إِلَى فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ.
أَذلِكَ. أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، الَّتِي هِيَ نُزُلُ أَهْلِ النَّارِ، وَالزَّقُّومُ: [ثَمَرَةُ] [3] شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ مُرَّةٍ كَرِيهَةِ الطَّعْمِ، يُكْرَهُ أَهْلُ النَّارِ عَلَى تَنَاوُلِهَا، فَهُمْ يَتَزَقَّمُونَهُ عَلَى أَشَدِّ كَرَاهِيَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تَزَقَّمَ الطَّعَامَ إِذَا تناوله على كره ومشقة.

[سورة الصافات (37) : الآيات 63 الى 74]
إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (67)
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (69) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72)
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74)
__________
(1) في المخطوط «قرطوس» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن «ط» والمخطوط. [.....]
(4/32)

وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75)
إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) ، للكافرين وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: كَيْفَ يَكُونُ فِي النَّارِ شَجَرَةٌ وَالنَّارُ تَحْرِقُ الشَّجَرَ؟ وَقَالَ ابْنُ الزَّبَعْرَى لِصَنَادِيدَ قُرَيْشٍ: إِنَّ مُحَمَّدًا يُخَوِّفُنَا بِالزَّقُّومِ، وَالزَّقُّومُ بِلِسَانِ بَرْبَرَ الزُّبْدُ وَالتَّمْرُ، فَأَدْخَلَهُمْ أَبُو جَهْلٍ بَيْتَهُ، وَقَالَ يَا جَارِيَةُ: زَقِّمِينَا فَأَتَتْهُمْ بِالزُّبْدِ وَالتَّمْرِ، فَقَالَ: تَزَقَّمُوا فَهَذَا مَا يُوعِدُكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ.
فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) ، قعر النار، وقال الْحَسَنُ: أَصْلُهَا فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ وَأَغْصَانُهَا تَرْتَفِعُ إِلَى دَرَكَاتِهَا.
طَلْعُها، ثَمَرُهَا سُمِّيَ طَلْعًا لِطُلُوعِهِ، كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمُ الشَّيَاطِينُ بِأَعْيَانِهِمْ شُبِّهَ بِهَا لِقُبْحِهَا، لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا وَصَفُوا شَيْئًا بِغَايَةِ الْقُبْحِ قَالُوا: كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّيَاطِينُ لَا تُرَى لِأَنَّ قُبْحَ صُورَتِهَا مُتَصَوَّرٌ فِي النَّفْسِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْقُرَظِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِالشَّيَاطِينِ الْحَيَّاتِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْحَيَّةَ الْقَبِيحَةَ الْمَنْظَرِ شَيْطَانًا. وَقِيلَ: هِيَ شَجَرَةٌ قَبِيحَةٌ مُرَّةٌ مُنْتِنَةٌ تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ تسميها العرب رؤوس الشياطين.
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ، وَالْمَلْءُ حَشْوُ الْوِعَاءِ بما لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً، خَلْطًا وَمِزَاجًا، مِنْ حَمِيمٍ، مِنْ مَاءٍ حار شديد الحرارة، يقال: إنهم إذا أكلوا الزقوم شربوا عَلَيْهِ الْحَمِيمَ فَيَشُوبُ الْحَمِيمُ فِي بطونهم الزقوم فيصير شوبا له.
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ، بَعْدَ شُرْبِ الْحَمِيمِ، لَإِلَى الْجَحِيمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُورَدُونَ الْحَمِيمَ لِشُرْبِهِ وَهُوَ خَارِجٌ من الجحيم كما يورد الْإِبِلُ الْمَاءَ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى الجحيم، يدل [1] عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) [الرَّحْمَنِ] ، وَقَرَأَ ابن مسعود: «ثم إن منقلبهم لَإِلَى الْجَحِيمِ» .
إِنَّهُمْ أَلْفَوْا وَجَدُوا، آباءَهُمْ ضالِّينَ. فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) ، يُسْرِعُونَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ:
يَعْمَلُونَ مِثْلَ أَعْمَالِهِمْ.
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) ، مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ، الْكَافِرِينَ أَيْ كَانَ عَاقِبَتُهُمُ الْعَذَابَ.
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) ، الْمُوَحِّدِينَ نَجَوْا من العذاب.

[سورة الصافات (37) : الآيات 75 الى 91]
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (77) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (79)
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (83) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (91)
__________
(1) في المطبوع «دل» والمثبت عن المخطوط.
(4/33)

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ، دَعَا رَبَّهُ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [الْقَمَرِ: 10] فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ، نَحْنُ يَعْنِي أَجَبْنَا دُعَاءَهُ وَأَهْلَكْنَا قَوْمَهُ.
وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) ، الْغَمِّ الْعَظِيمِ الَّذِي لَحِقَ قَوْمَهُ وَهُوَ الْغَرَقُ.
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (77) ، وَأَرَادَ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِنْ نَسْلِ نُوحٍ، رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ نُوحٌ مِنَ السَّفِينَةِ مَاتَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَلَدَهُ وَنِسَاءَهُمْ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ وَلَدُ نُوحٍ ثَلَاثَةً: سَامٌ وَحَامٌ ويَافِثُ، فَسَامٌ أَبُو الْعَرَبِ وَفَارِسَ وَالرُّومِ، وَحَامٌ أَبُو السُّودَانِ، وَيَافِثُ أَبُو التَّرْكِ وَالْخَزَرِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمَا هُنَالِكَ.
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) ، أَيْ أَبْقَيْنَا لَهُ ثَنَاءً حَسَنًا وَذِكْرًا جَمِيلًا فِيمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (79) ، أَيْ سَلَامٌ عَلَيْهِ مِنَّا فِي الْعَالَمِينَ. وَقِيلَ: أَيُّ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخَرِينَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) ، قَالَ مُقَاتِلٌ: جَزَاهُ اللَّهُ بِإِحْسَانِهِ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ فِي الْعَالَمِينَ.
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82) ، يَعْنِي الْكُفَّارَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ، أي من أهل دينه وملته وَسُنَّتِهِ، لَإِبْراهِيمَ. إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) ، مُخْلَصٍ مِنَ الشِّرْكِ وَالشَّكِّ.
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (85) ، استفهام توبيخ.
أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) ، يَعْنِي أَتَأْفِكُونَ إِفْكًا وَهُوَ أَسْوَأُ الْكَذِبِ، وَتَعْبُدُونَ آلِهَةً سِوَى اللَّهِ.
فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (87) ، إذا لَقَيْتُمُوهُ وَقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ أَنَّهُ يَصْنَعُ بِكُمْ.
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ قَوْمُهُ يَتَعَاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعَامَلَهُمْ مِنْ حَيْثُ كانوا [يتعاطون] [1] لِئَلَّا يُنْكِرُوا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُكَايِدَهُمْ فِي أَصْنَامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الْحُجَّةَ فِي أَنَّهَا غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وَكَانَ لَهُمْ مِنَ الْغَدِ عِيدٌ وَمَجْمَعٌ وَكَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَى أصنامهم ويقربون لهم القرابين، ويضعون [2] بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الطَّعَامَ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلى عيدهم، زعموا لتبرك [3] عَلَيْهِ فَإِذَا انْصَرَفُوا مِنْ عِيدِهِمْ أَكَلُوهُ، فَقَالُوا لِإِبْرَاهِيمَ: أَلَا تَخْرُجُ غَدًا مَعَنَا إِلَى عِيدِنَا، فَنَظَرَ إِلَى النُّجُومِ فَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَطْعُونٌ، وَكَانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الطَّاعُونِ فِرَارًا عَظِيمًا. قَالَ الْحَسَنُ: مَرِيضٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَجِعٌ.
وَقَالَ الضَّحَاكُ: سَأَسْقَمُ.
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) ، إِلَى عِيدِهِمْ فَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْأَصْنَامِ فَكَسَرَهَا.
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ، مَالَ إِلَيْهَا مَيْلَةً فِي خُفْيَةٍ، وَلَا يُقَالُ: (رَاغَ) حَتَّى يكون
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «ويفرشون لهم الفراش، ويضعون» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المخطوط: «التبارك» وفي «ط» : «للتبارك» .
(4/34)

مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92)
صَاحِبُهُ مُخْفِيًا [1] لِذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ، فَقالَ اسْتِهْزَاءً بِهَا. أَلا تَأْكُلُونَ، يَعْنِي الطعام الذي بين أيديكم.

[سورة الصافات (37) : الآيات 92 الى 99]
مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (96)
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)
مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَراغَ عَلَيْهِمْ (92) [مَالَ عَلَيْهِمْ] [2] ضَرْباً بِالْيَمِينِ، أَيْ كَانَ يَضْرِبُهُمْ بِيَدِهِ الْيُمْنَى لِأَنَّهَا أَقْوَى عَلَى الْعَمَلِ مِنَ الشِّمَالِ. وَقِيلَ: بِالْيَمِينِ أَيْ بِالْقُوَّةِ. وقيل: أراد به القسم أي الْقَسَمَ الَّذِي سَبَقَ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الْأَنْبِيَاءِ: 57] .
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ، يَعْنِي إِلَى إِبْرَاهِيمَ، يَزِفُّونَ، يُسْرِعُونَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أُخْبِرُوا بِصَنِيعِ إِبْرَاهِيمَ بِآلِهَتِهِمْ فَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ ليأخذوه، وقرأ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ يَزِفُّونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ وَقِيلَ بِضَمِّ الْيَاءِ: أَيْ يَحْمِلُونَ دَوَابَّهُمْ عَلَى الْجِدِّ وَالْإِسْرَاعِ.
قالَ، لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِ الْحِجَاجِ، أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، يَعْنِي مَا تنحتون بأيديكم [من الأصنام] [3] .
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (96) ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (79) ، مُعْظَمِ النَّارِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: بنوا له حائطا من الحجارة [4] طُولُهُ فِي السَّمَاءِ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وعرضه عشرون ذراعا، وملؤوه مِنَ الْحَطَبِ وَأَوْقَدُوا فِيهِ النَّارَ فطرحوه فِيهَا.
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً، شَرًّا وَهُوَ أَنْ يَحْرُقُوهُ، فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ، أَيْ الْمَقْهُورِينَ حَيْثُ سَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ وَرَدَّ كَيْدَهُمْ.
وَقالَ، يَعْنِي إِبْرَاهِيمُ، إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي، أَيْ مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي، وَالْمَعْنَى: أَهْجُرُ دَارَ الْكُفْرِ وَأَذْهَبُ إِلَى مَرْضَاةِ رَبِّي، قَالَهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ، كَمَا قَالَ: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [العَنْكَبُوتِ: 26] ، سَيَهْدِينِ، إِلَى حَيْثُ أَمَرَنِي بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ وَهُوَ الشَّامُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: فَلَمَّا قَدِمَ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ سَأَلَ ربه الولد.

[سورة الصافات (37) : الآيات 100 الى 103]
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)
فَقَالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) ، يَعْنِي هَبْ لِي وَلَدًا صَالِحًا مِنَ الصَّالِحِينَ.
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101) ، قيل بغلام فِي صِغَرِهِ حَلِيمٌ فِي كِبَرِهِ، ففيه بشارة أنه نبي وَأَنَّهُ يَعِيشُ فَيَنْتَهِي فِي السِّنِّ حتى يوصف بالحلم.
__________
(1) في المطبوع «مخيفا» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المطبوع «الحجر» والمثبت عن المخطوط.
(4/35)

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي الْمَشْيَ مَعَهُ إِلَى الْجَبَلِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا شَبَّ حَتَّى بَلَغَ سَعْيُهُ سَعْيَ إِبْرَاهِيمَ.
وَالْمَعْنَى: بَلَغَ أَنْ يَتَصَرَّفَ مَعَهُ وَيُعِينَهُ فِي عَمَلِهِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْعَمَلَ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ وَابْنِ زَيْدٍ، قَالُوا: هُوَ الْعِبَادَةُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَاخْتَلَفُوا فِي سِنِّهِ، قِيلَ: كَانَ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: كَانَ ابْنَ سَبْعِ سنين. قوله تعالى: قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِهِ بَعْدَ اتِّفَاقِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ عَلَى أَنَّهُ إِسْحَاقُ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ إِسْحَاقُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ من الصحابة عمرو وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنَ التَّابِعِيْنَ وَأَتْبَاعِهِمْ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمَسْرُوقٌ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَمُقَاتِلٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ، وَهِيَ رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالُوا: وكانت هَذِهِ الْقِصَّةُ بِالشَّامِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أُرِيَ إِبْرَاهِيمُ ذَبْحَ إِسْحَاقَ فِي الْمَنَامِ فَسَارَ بِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى أَتَى بِهِ الْمَنْحَرَ بِمِنًى، فَلَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَبْحِ الْكَبْشِ ذَبَحَهُ وَسَارَ بِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي رَوْحَةٍ واحدة وطوبت لَهُ الْأَوْدِيَةُ وَالْجِبَالُ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَالْكَلْبِيِّ وَهِيَ رِوَايَةُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَيُوسُفَ بْنِ مَاهِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْمُفَدَى إِسْمَاعِيلُ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ احْتَجَّ مِنَ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (101) أمر بذبح من بشّر بِهِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ بُشِّرَ بِوَلَدٍ سِوَى إِسْحَاقَ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ هُودٍ [71] فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ احْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْبِشَارَةَ بِإِسْحَاقَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قِصَّةِ الْمَذْبُوحِ فَقَالَ: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) [الصَّافَّاتِ: 112] ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَذْبُوحَ غَيْرُهُ، وَأَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ [71] : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ، فلما بَشَّرَهُ بِإِسْحَاقَ بَشَّرَهُ بِابْنِهِ يَعْقُوبَ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ بِذَبْحِ إِسْحَاقَ وَقَدْ وَعَدَهُ بِنَافِلَةٍ مِنْهُ. قَالَ الْقُرَظِيُّ: سَأَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَجُلًا كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ أَسْلَمَ وَحُسُنَ إِسْلَامُهُ: أَيُّ ابْنَيْ إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ؟ فَقَالَ:
إِسْمَاعِيلُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْيَهُودَ لَتَعْلَمَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَبَاكُمُ الَّذِي كَانَ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَبْحِهِ، وَيَزْعُمُونَ أنه إسحاق بن إبراهيم.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ: أَنَّ قَرْنَيِ الْكَبْشِ كَانَا مَنُوطَيْنِ بِالْكَعْبَةِ فِي أَيْدِي بَنِي إِسْمَاعِيلَ [1] إِلَى أَنِ احْتَرَقَ الْبَيْتُ وَاحْتَرَقَ الْقَرْنَانِ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَجَّاجِ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ مَنُوطَيْنِ بِالْكَعْبَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَ أَوَّلُ الْإِسْلَامِ وَإِنَّ رَأْسَ الْكَبْشِ لَمُعَلَّقٌ بِقَرْنَيْهِ فِي مِيزَابِ الْكَعْبَةِ، وقد وَحِشَ يَعْنِي يَبِسَ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَأَلَتْ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ عَنِ الذَّبِيحِ إِسْحَاقَ كَانَ أَوْ إسماعيل؟ فقال: يا أصمعي [2] أَيْنَ ذَهَبَ عَقْلُكَ مَتَى كَانَ إِسْحَاقُ بِمَكَّةَ؟ إِنَّمَا كَانَ إِسْمَاعِيلُ بِمَكَّةَ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْبَيْتَ مع أبيه.
__________
(1) تصحف في المخطوط إلى «إسحاق» .
(2) في المطبوع «أصيمع» والمثبت عن المخطوط.
(4/36)

وَأُمًّا قِصَّةُ الذَّبْحِ قَالَ الْسُّدِّيُّ: لَمَّا دَعَا إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ وَبُشِّرَ بِهِ، قَالَ: هُوَ إذًا لِلَّهِ ذَبِيحٌ، فَلَمَّا وُلِدَ وَبَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قِيلَ لَهُ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ، هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِذَبْحِ ابْنِهِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ لِإِسْحَاقَ: انْطَلِقْ فَقَرِّبْ قُرْبَانًا لِلَّهِ تَعَالَى فَأَخَذَ سكينا وحبلا فانطلق مَعَهُ حَتَّى ذَهَبَ بِهِ بَيْنَ الْجِبَالِ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: يَا أبت أين قربانك؟ فقال: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا زَارَ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاقِ فَيَغْدُو مِنَ الشام فيقبل بِمَكَّةَ وَيَرُوحُ مِنْ مَكَّةَ فَيَبِيتُ عِنْدَ أَهْلِهِ بِالشَّامِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ إِسْمَاعِيلُ مَعَهُ السَّعْيَ وَأَخَذَ بِنَفْسِهِ وَرَجَاهُ لِمَا كَانَ يَأْمُلُ فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَتَعْظِيمِ حُرُمَاتِهِ، أُمِرَ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَذْبَحَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَوِيَ فِي نَفْسِهِ أَيْ فَكَّرَ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الرَّوَاحِ أَمِنَ اللَّهِ هَذَا الْحُلْمُ [1] أَمْ مِنَ الشَّيْطَانِ؟ فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمَّا أَمْسَى رَأَى فِي الْمَنَامِ ثَانِيًا فَلَمَّا أَصْبَحَ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، قَالَ مُقَاتِلٌ: رَأَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ [2] ، فَلَمَّا تَيَقَّنَ ذَلِكَ أخبر به ابنه، فقال: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ تُرَى بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مَاذَا تُشِيرُ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ لِيَعْلَمَ صَبْرَهُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَزِيمَتَهُ عَلَى طَاعَتِهِ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالرَّاءِ إِلَّا أَبَا عَمْرٍو فَإِنَّهُ يُمِيلُ الرَّاءَ، قَالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: فَلَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِذَلِكَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ خُذِ الْحَبْلَ وَالْمُدْيَةَ نَنْطَلِقْ إِلَى هَذَا الشَّعْبِ نَحْتَطِبُ، فَلَمَّا خَلَا إِبْرَاهِيمُ بِابْنِهِ فِي شِعْبِ ثَبِيرٍ أَخْبَرَهُ بِمَا أُمِرَ، قالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
فَلَمَّا أَسْلَما، انْقَادَا وَخَضَعَا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ قَتَادَةُ: أَسْلَمَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ وَأَسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، أَيْ صَرَعَهُ عَلَى الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَضْجَعَهُ على [جنبه عَلَى] [3] الْأَرْضِ وَالْجَبْهَةُ بَيْنَ الْجَبِينَيْنِ، قَالُوا: فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الَّذِي أَرَادَ ذَبْحَهُ: يَا أَبَتِ اشْدُدْ رِبَاطِي حَتَّى لَا أضْطَرِبُ، وَاكْفُفْ عَنِّي ثِيَابَكَ حَتَّى لَا يَنْتَضِحَ عَلَيْهَا مَنْ دَمِيَ شَيْءٌ فَيَنْقُصُ أجري وتراه أمي فتحزن، واستحد شَفْرَتَكَ وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيَّ فَإِنَّ الْمَوْتَ شَدِيدٌ، وَإِذَا أَتَيْتَ أُمِّي فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنِّي وَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَرُدَّ قَمِيصِي عَلَى أُمِّي فَافْعَلْ، فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ أَسْلَى لَهَا عَنِّي، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: نِعْمَ الْعَوْنُ أَنْتَ يَا بُنَيَّ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَفَعَلَ إِبْرَاهِيمُ مَا أَمَرَ بِهِ ابْنُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَقَدْ رَبَطَهُ وَهُوَ يَبْكِي وَالِابْنُ أَيْضًا يَبْكِي، ثُمَّ إِنَّهُ وَضَعَ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ فَلَمْ تَحُكَّ السِّكِّينُ.
وَيُرْوَى: أَنَّهُ كَانَ يَجُرُّ الشَّفْرَةَ فِي حَلْقِهِ [4] فَلَا تَقْطَعُ [5] ، فَشَحَذَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثلاثا بالحجر، كل ذلك وهي لَا تَسْتَطِيعُ. قَالَ الْسُّدِّيُّ: ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى صَفْحَةً مِنْ نُحَاسٍ عَلَى حَلْقِهِ، قَالُوا: فَقَالَ الِابْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا أَبَتِ كُبَّنِي بوجهي [إلى الأرض] [6] عَلَى جَبِينِي فَإِنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ فِي وَجْهِي رَحِمْتَنِي وَأَدْرَكَتْكَ رِقَّةٌ
__________
(1) في المطبوع «والحكم» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(2) في المخطوط «متتابعات» والمعنى واحد.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المخطوط (أ) : «السكين على» والمعنى واحد. [.....]
(5) في المطبوع «يقطع» والمثبت عن المخطوط.
(6) زيادة عن المخطوط.
(4/37)

وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104)
تَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَمْرِ اللَّهِ تعالى، وأنا لَا أَنْظُرُ إِلَى الشَّفْرَةِ فَأَجْزَعُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ وَضَعَ الشَّفْرَةَ عَلَى قَفَاهُ فَانْقَلَبَتِ السِّكِّينُ: وَنادَيْناهُ أَنْ يَا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَابْنِ إِسْحَاقَ عن رجاله: لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ ذَبْحَ ابْنِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَئِنْ لَمْ أَفْتِنْ عِنْدَ هَذَا آلَ إِبْرَاهِيمَ لَا أَفْتِنُ مِنْهُمْ أَحَدًا أَبَدًا فَتَمَثَّلَ لَهُ الشَّيْطَانُ رَجُلًا وَأَتَى أَمَّ الْغُلَامِ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ تَدْرِينَ أَيْنَ ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ بِابْنِكِ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ بِهِ يَحْتَطِبَانِ مِنْ هَذَا الشِّعْبِ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا ذَهَبَ بِهِ إِلَّا لِيَذْبَحَهُ، قَالَتْ: كَلَّا هُوَ أَرْحَمُ بِهِ وَأَشَدُّ حُبًّا لَهُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَتْ: فَإِنْ كَانَ رَبُّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَقَدْ أَحْسَنَ أَنْ يُطِيعَ رَبَّهُ، فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ عِنْدِهَا حَتَّى أَدْرَكَ الِابْنَ وَهُوَ يَمْشِي عَلَى إِثْرِ أَبِيهِ، فقال: يَا غُلَامُ هَلْ تَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ بِكَ أَبُوكَ؟ قَالَ: نَحْتَطِبُ لِأَهْلِنَا مِنْ هَذَا الشِّعْبِ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يذبحك، قَالَ: وَاللَّهِ مَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَذْبَحَكَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، قل: فَلْيَفْعَلْ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ فَسَمْعًا وَطَاعَةً، فَلَمَّا امْتَنَعَ مِنْهُ الْغُلَامُ أَقْبَلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ أَيُّهَا الشَّيْخُ؟ قَالَ أُرِيدُ هَذَا الشِّعْبَ لِحَاجَةٍ لِي فِيهِ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى [1] الشَّيْطَانَ قَدْ جَاءَكَ فِي مَنَامِكَ فَأَمَرَكَ [2] بِذَبْحِ ابْنِكَ [3] هَذَا، فَعَرَفَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا عدو الله فو الله لَأَمْضِيَنَّ لِأَمْرِ رَبِّي، فَرَجَعَ إِبْلِيسَ بِغَيْظِهِ لَمْ يُصِبْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ شَيْئًا مِمَّا أَرَادَ، قَدِ امْتَنَعُوا مِنْهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَرَوَى أَبُو الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُمِرَ بِذَبْحِ ابْنِهِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ بِهَذَا الْمَشْعَرِ فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ مَضَى إِبْرَاهِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) .

[سورة الصافات (37) : الآيات 104 الى 106]
وَنادَيْناهُ أَنْ يَا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106)
وَنادَيْناهُ، الواو في وناديناه صلة مقحمة مَجَازُهُ نَادَيْنَاهُ كَقَوْلِهِ: وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ [يُوسُفِ: 15] أَيْ أوحينا فَنُودِيَ مِنَ الْجَبَلِ، أَنْ يَا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، تَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ:
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) ، وَالْمَعْنَى: إنا كما عفونا عن إبراهيم عند ذبح ولده [كذلك] [4] نَجْزِي مَنْ أَحْسَنَ فِي طَاعَتِنَا، قَالَ مُقَاتِلٌ: جَزَاهُ اللَّهُ بِإِحْسَانِهِ فِي طَاعَتِهِ الْعَفْوَ عَنْ ذَبْحِ ابْنِهِ.
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) ، الاختبار الظَّاهِرُ حَيْثُ اخْتَبَرَهُ بِذَبْحِ ابْنِهِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْبَلَاءُ هَاهُنَا النِّعْمَةُ، وَهِيَ أَنْ فُدِيَ ابْنُهُ بِالْكَبْشِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا وَكَانَ قَدْ رَأَى الذَّبْحَ وَلَمْ يَذْبَحْ؟ قِيلَ: جَعَلَهُ مُصَدِّقًا لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا أَمْكَنَهُ، وَالْمَطْلُوبُ إِسْلَامُهُمَا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ فَعَلَا.
وَقِيلَ: كَانَ [قَدْ] [5] رأى في النوم معاجلة الذَّبْحِ وَلَمْ يَرَ إِرَاقَةَ الدَّمِ، وَقَدْ فَعَلَ فِي الْيَقَظَةِ مَا رَأَى فِي النَّوْمِ، فَلِذَلِكَ قَالَ له: قد صدقت الرؤيا.
__________
(1) في المطبوع «لا أرى» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(2) في المخطوط «فأمر» .
(3) في المخطوط «بنيك» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(4/38)

وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)
[سورة الصافات (37) : الآيات 107 الى 116]
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (109) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (114) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (116)
قوله: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) ، فَنَظَرَ إِبْرَاهِيمُ فَإِذَا هُوَ بِجِبْرِيلَ وَمَعَهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ أَقْرَنُ، فَقَالَ:
هَذَا فِدَاءٌ لِابْنِكَ فَاذْبَحْهُ دُونَهُ، فَكَبَّرَ جِبْرِيلُ وكبّر الكبش وكبّر إبراهيم وَكَبَّرَ ابْنُهُ، فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ الْكَبْشَ فَأَتَى بِهِ الْمَنْحَرَ مِنْ مِنًى فَذَبَحَهُ.
قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ ذَلِكَ الْكَبْشُ [1] رَعَى فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكَبْشُ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ هُوَ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آدَمَ [هَابِيلُ] . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَقَّ لَهُ أَنْ يَكُونَ عَظِيمًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: سَمَّاهُ عَظِيمًا لِأَنَّهُ مُتَقَبَّلٌ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَقِيلَ: عَظِيمٌ فِي الشَّخْصِ. وَقِيلَ: فِي الثَّوَابِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا فُدِيَ إِسْمَاعِيلُ إِلَّا بِتَيْسٍ مِنَ الْأَرْوَى أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِيرٍ.
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) ، أَيْ تَرَكَنَا لَهُ فِي الْآخَرِينَ ثَنَاءً حَسَنًا.
سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (109) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) ، فَمَنْ جَعَلَ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: بَشَّرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا جَزَاءً لِطَاعَتِهِ، وَمَنْ جَعَلَ الذَّبِيحَ إِسْحَاقَ قَالَ: بُشِّرَ إِبْرَاهِيمُ بِنُبُوَّةِ إِسْحَاقَ، رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: بُشِّرَ بِهِ مَرَّتَيْنِ حِينَ وُلِدَ وَحِينَ نُبِّئَ.
وَبارَكْنا عَلَيْهِ، يَعْنِي عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي أَوْلَادِهِ، وَعَلى إِسْحاقَ، يكون أَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَسْلِهِ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ، أَيْ مُؤْمِنٌ، وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ، أي كافر، مُبِينٌ، أي ظاهر الكفر.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (114) ، أَنْعَمْنَا عَلَيْهِمَا بِالنُّبُوَّةِ.
وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما، بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، أَيِ الْغَمِّ الْعَظِيمِ وَهُوَ الَّذِي كَانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبَادِ فِرْعَوْنَ إِيَّاهُمْ. وَقِيلَ: مِنَ الْغَرَقِ.
وَنَصَرْناهُمْ، يَعْنِي مُوسَى وَهَارُونَ وَقَوْمَهُمَا، فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ، عَلَى القبط.

[سورة الصافات (37) : الآيات 117 الى 123]
وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (119) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (120) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121)
إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123)
وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (117) ، أَيْ الْمُسْتَنِيرَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ.
وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (119) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (120) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) .
__________
(1) في المخطوط «كان ذلك الذبيح كبشا» .
(4/39)

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِلْيَاسُ هُوَ إِدْرِيسُ. وَفِي مُصْحَفِهِ: وَإِنَّ إِدْرِيسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُوَ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ ابْنُ عَمِّ الْيَسَعَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ إلياس بن بشير [1] بْنِ فِنْحَاصَ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ.
وَقَالَ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَخْبَارِ [2] : لَمَّا قَبَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حِزْقِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَظَهَرَ فِيهِمُ الْفَسَادُ وَالشِّرْكُ وَنَصَبُوا الْأَوْثَانَ وَعَبَدُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ إِلْيَاسَ نَبِيًّا وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مُوسَى بِتَجْدِيدِ مَا نَسُوا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَرْضِ الشَّامِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنْ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ لَمَّا فَتَحَ الشَّامَ بَوَّأَهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ فَأَحَلَّ سِبْطًا مِنْهُمْ بِبَعْلَبَكَّ وَنَوَاحِيهَا، وَهُمُ السِّبْطُ الَّذِينَ كَانَ مِنْهُمْ إِلْيَاسُ فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ نَبِيًّا، وَعَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ: آجَبُ قَدْ أَضَلَّ قَوْمَهُ وَأَجْبَرَهُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَكَانَ يَعْبُدُ هُوَ وَقَوْمُهُ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ: بَعْلٌ، وَكَانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِرَاعًا وَلَهُ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ، فَجَعَلَ إلياس يدعوهم إلى [عبادة] [3] اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمَلِكِ، فَإِنَّهُ صَدَّقَهُ وَآمَنَ بِهِ فَكَانَ إِلْيَاسُ يُقَوِّمُ أَمْرَهُ وَيُسَدِّدُهُ وَيُرْشِدُهُ، وَكَانَ لِآجَبَ الْمَلِكِ هَذَا امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أَزْبِيلُ [4] وَكَانَ يَسْتَخْلِفُهَا عَلَى رَعِيَّتِهِ إِذَا غَابَ عَنْهُمْ فِي غَزَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَكَانَتْ تَبْرُزُ لِلنَّاسِ وَتَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ، وَكَانَتْ قتالة الأنبياء يُقَالُ هِيَ الَّتِي قَتَلَتْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَكَانَ لَهَا كَاتِبٌ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ حَكِيمٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ وَكَانَ قَدْ خَلَّصَ مِنْ يَدِهَا ثَلَاثَمِائَةِ نَبِيٍّ كَانَتْ تُرِيدُ قَتْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِذَا بُعِثَ سِوَى الَّذِينَ [5] قَتَلَتْهُمْ، وَكَانَتْ فِي نَفْسِهَا غَيْرَ مُحْصَنَةٍ وكانت قد تزوجت تسعة [6] من ملوك بني إسرائيل، قتلتهم [7] كُلَّهُمْ بِالِاغْتِيَالِ وَكَانَتْ مُعَمِّرَةً يُقَالُ: إِنَّهَا وَلَدَتْ سَبْعِينَ وَلَدًا، وَكَانَ لآجب هذا جار [وهو] رَجُلٌ صَالِحٌ يُقَالُ لَهُ مَزْدَكِيُّ [8] ، وَكَانَتْ لَهُ جُنَيْنَةٌ يَعِيشُ مِنْهَا وَيُقْبِلُ عَلَى عِمَارَتِهَا وَمَرَمَّتِهَا وَكَانَتِ الْجُنَيْنَةُ إِلَى جَانِبِ قَصْرِ الْمَلِكِ وَامْرَأَتِهِ، وَكَانَا يُشْرِفَانِ عَلَى تِلْكَ الْجُنَيْنَةِ يَتَنَزَّهَانِ فِيهَا وَيَأْكُلَانِ وَيَشْرَبَانِ وَيَقِيلَانِ فِيهَا، وَكَانَ آجَبُ الْمَلِكُ يُحْسِنُ جِوَارَ صَاحِبِهَا مَزْدَكِيَّ [9] وَيُحْسِنُ إِلَيْهِ وَامْرَأَتُهُ أَزْبِيلُ [10] تَحْسُدُهُ لِأَجْلِ تِلْكَ الْجُنَيْنَةِ، وَتَحْتَالُ أَنْ تَغْصِبَهَا مِنْهُ لِمَا تَسْمَعُ النَّاسَ يُكْثِرُونَ ذِكْرَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِهَا، وَتَحْتَالُ أَنْ تَقْتُلَهُ وَالْمَلِكُ يَنْهَاهَا عَنْ ذَلِكَ وَلَا تَجِدُ عَلَيْهِ سَبِيلًا، ثُمَّ إِنَّهُ اتَّفَقَ خُرُوجُ الْمَلِكِ إِلَى سَفَرٍ بَعِيدٍ وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ فاغتنمته امْرَأَتُهُ أَزْبِيلُ [11] ذَلِكَ فَجَمَعَتْ جَمْعًا مِنَ النَّاسِ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى مَزْدَكِيَّ [12] أَنَّهُ سَبَّ زَوْجَهَا آجَبَ فَأَجَابُوهَا إِلَيْهِ، وَكَانَ فِي حُكْمِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الْقَتْلُ عَلَى مَنْ سَبَّ الْمَلِكَ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَأَحْضَرَتْ مَزْدَكِيَّ وَقَالَتْ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ شَتَمْتَ الْمَلِكَ فَأَنْكَرَ مَزْدَكِيُّ فَأَحْضَرَتِ الشُّهُودَ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزُّورِ، فَأَمَرَتْ بِقَتْلِهِ، وَأَخَذَتْ جُنَيْنَتَهُ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ.
فَلَمَّا قَدِمَ الْمَلِكُ مِنْ سَفَرِهِ أَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهَا: مَا أَصَبْتِ وَلَا أَرَانَا نُفْلِحُ بَعْدَهُ، فَقَدْ جَاوَرَنَا مُنْذُ
__________
(1) في المطبوع وط «بشر» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «الأحبار» والمثبت عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المخطوط «أن بيل» .
(5) في المطبوع «الذي» والمثبت عن المخطوط.
(6) في المطبوع «سبعة» . [.....]
(7) في المطبوع «وقتلت» والمثبت عن المخطوط.
(8) في المخطوط «مردكي» .
(9) في المخطوط «مردكي» .
(10) في المخطوط «أن بيل» .
(11) في المخطوط «أن بيل» .
(12) في المخطوط «مردكي» .
(4/40)

زَمَانٍ فَأَحْسَنَّا جِوَارَهُ وَكَفَفْنَا عَنْهُ الْأَذَى لِوُجُوبِ حَقِّهِ عَلَيْنَا، فَخَتَمْتِ أَمْرَهُ بِأَسْوَأِ الْجِوَارِ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا غضبت [لك] [1] وحكمت [فيه] [2] بحكمك، فقال لها: أو ما كَانَ يَسَعُهُ حِلْمُكِ فَتَحْفَظِينَ لَهُ جِوَارَهُ؟
قَالَتْ: قَدْ كَانَ مَا كَانَ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلْيَاسَ إِلَى آجِبَ الْمَلِكِ وَقَوْمَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَضِبَ لِوَلِيِّهِ حِينَ قَتَلُوهُ ظُلْمًا، وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُمَا إن لم يتوبا على صَنِيعِهِمَا وَلَمْ يَرُدَّا الْجُنَيْنَةَ عَلَى وَرَثَةِ مَزْدَكِيَّ أَنْ يُهْلِكَهُمَا، يَعْنِي آجِبَ وَامْرَأَتَهُ فِي جَوْفِ الْجُنَيْنَةِ، ثُمَّ يَدَعُهُمَا جِيفَتَيْنِ مُلْقَاتَيْنِ فِيهَا حَتَّى تَتَعَرَّى عِظَامُهُمَا مِنْ لُحُومِهِمَا، وَلَا يَتَمَتَّعَانِ بِهَا إِلَّا قَلِيلًا.
قَالَ: فَجَاءَ إِلْيَاسُ وَأَخْبَرَهُ بِمَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ فِي أَمْرِهِ وَأَمْرِ امْرَأَتِهِ وَرَدِّ الْجُنَيْنَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ ذَلِكَ اشْتَدَّ [3] غَضَبُهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا إِلْيَاسُ وَاللَّهِ مَا أَرَى ما تدعونا [4] إِلَيْهِ إِلَّا بَاطِلًا وَمَا أَرَى فُلَانًا وَفُلَانًا- سَمَّى مُلُوكًا مِنْهُمْ قَدْ عَبَدُوا الْأَوْثَانَ- إِلَّا عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ يَأْكُلُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ مُمَلَّكِينَ مَا يُنْقِصُ مِنْ دُنْيَاهُمْ أَمْرُهُمُ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَمَا نَرَى لَنَا عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلٍ.
قَالَ: وَهَمَّ الْمَلِكُ بِتَعْذِيبِ إِلْيَاسَ وَقَتْلِهِ فَلَمَّا أَحَسَّ إِلْيَاسُ بِالشَّرِّ وَالْمَكْرِ بِهِ رَفَضَهُ وَخَرَجَ عَنْهُ، فَلَحِقَ بِشَوَاهِقِ الْجِبَالِ وَعَادَ الْمَلِكُ إِلَى عِبَادَةِ بَعْلٍ، وَارْتَقَى إِلْيَاسُ إِلَى أَصْعَبِ جَبَلٍ وَأَشْمَخِهِ فَدَخَلَ مَغَارَةً فِيهِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ بَقِيَ سَبْعَ سِنِينَ شَرِيدًا خَائِفًا يَأْوِي إِلَى الشِّعَابِ وَالْكُهُوفِ يَأْكُلُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَثِمَارِ الشَّجَرِ وَهُمْ فِي طَلَبِهِ قَدْ وَضَعُوا عَلَيْهِ الْعُيُونَ وَاللَّهُ يَسْتُرُهُ، فلما تم سَبْعَ سِنِينَ أَذِنَ اللَّهُ فِي إِظْهَارِهِ عَلَيْهِمْ وَشِفَاءِ غَيْظِهِ مِنْهُمْ، فَأَمْرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ابْنًا [كان] [5] لآجب وكان أحب ولد إِلَيْهِ وَأَشْبَهَهُمْ بِهِ، فَأَدْنَفَ حَتَّى يُئِسَ مِنْهُ فَدَعَا صَنَمَهُ بَعُلًا وَكَانُوا قَدْ فُتِنُوا بِبَعْلٍ وَعَظَّمُوهُ حَتَّى جَعَلُوا لَهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَادِنٍ، فَوَكَّلُوهُمْ بِهِ وَجَعَلُوهُمْ أَنْبِيَاءَهُ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ الصَّنَمِ فَيَتَكَلَّمُ، وَالْأَرْبَعُمِائَةِ يُصْغُونَ بِآذَانِهِمْ إِلَى مَا يَقُولُ الشَّيْطَانُ وَيُوَسْوِسُ إِلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ بِشَرِيعَةٍ مِنَ الضَّلَالِ فَيَبُثُّونَهَا [6] لِلنَّاسِ، فَيَعْمَلُونَ بِهَا وَيُسَمُّونَهُمْ أَنْبِيَاءَ.
[قال] [7] فَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُ ابْنِ الْمَلِكِ طَلَبَ إِلَيْهِمِ الْمَلِكُ أَنْ يَتَشَفَّعُوا إِلَى بَعْلٍ، وَيَطْلُبُوا لِابْنِهِ مِنْ قِبَلِهِ الشِّفَاءَ فَدَعَوْهُ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَمَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْوُلُوجَ فِي جَوْفِهِ وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي التَّضَرُّعِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ قَالُوا لِآجَبَ: إِنَّ فِي نَاحِيَةِ الشَّامِ آلِهَةً أُخْرَى فَابْعَثْ إِلَيْهَا أَنْبِيَاءَكَ فَلَعَلَّهَا تَشْفَعُ لَكَ إِلَى إِلَهِكَ بَعْلٍ، فَإِنَّهُ غَضْبَانُ عَلَيْكَ، وَلَوْلَا غَضَبُهُ عَلَيْكَ لَأَجَابَكَ.
قَالَ آجَبُ: وَمِنْ أَجْلِ مَاذَا غَضِبَ عَلَيَّ وَأَنَا أُطِيعُهُ؟ قَالُوا: مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ لَمْ تَقْتُلْ إِلْيَاسَ وَفَرَّطَتْ فِيهِ حَتَّى نَجَا سَلِيمًا [8] وَهُوَ كَافِرٌ بِإِلَهِكَ، قَالَ آجَبُ: وَكَيْفَ لِي أَنْ أَقْتُلَ إِلْيَاسَ وَأَنَا مَشْغُولٌ عَنْ طَلَبِهِ بِوَجَعِ ابْنِي، وَلَيْسَ لِإِلْيَاسَ مَطْلَبٌ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مَوْضِعٌ نقصده [9] ، فَلَوْ عُوفِيَ ابْنِي لَفَرَغْتُ لِطَلَبِهِ حَتَّى أَجِدَهُ فَأَقْتُلَهُ فَأُرْضِي إِلَهِي، ثُمَّ إِنَّهُ بَعَثَ أَنْبِيَاءَهُ الْأَرْبَعَمِائَةِ إِلَى الْآلِهَةِ الَّتِي بِالشَّامِ يَسْأَلُونَهَا أَنْ تَشْفَعَ إِلَى صَنَمِ الْمَلِكِ لِيَشْفِيَ ابْنَهُ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا [10] بِحِيَالِ الْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ إِلْيَاسُ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إلياس عليه
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «استشهد» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المطبوع «تدعو» والمثبت عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) في المطبوع «فيبينونها» والمثبت عن المخطوط.
(7) زيادة عن المخطوط.
(8) في المطبوع «سليمان» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(9) في المطبوع «فيقصد» والمثبت عن المخطوط.
(10) في المطبوع «كان» والمثبت عن المخطوط.
(4/41)

السَّلَامُ أَنْ يَهْبِطَ مِنَ الْجَبَلِ ويعارضهم ويكلمهم.
وقال الله: لَا تَخَفْ فَإِنِّي سَأَصْرِفُ عَنْكَ شَرَّهُمْ وَأُلْقِي الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَنَزَلَ إِلْيَاسُ مِنَ الْجَبَلِ فَلَمَّا لَقِيَهُمُ اسْتَوْقَفَهُمْ فَلَمَّا وَقَفُوا قَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَإِلَى مَنْ وَرَائِكُمْ فَاسْمَعُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ رِسَالَةَ رَبِّكُمْ لِتُبَلِّغُوا صَاحِبَكُمْ فَارْجِعُوا إِلَيْهِ، وَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ يَا آجَبُ أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا إِلَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَرَزَقَهُمْ وَأَحْيَاهُمْ وَأَمَاتَهُمْ، فَجَهْلُكَ وَقِلَّةُ عِلْمِكَ حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي وَتَطْلُبَ الشِّفَاءَ لِابْنِكَ مِنْ غَيْرِي مِمَّنْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا إِلَّا مَا شِئْتُ، إِنِّي حَلَفْتُ بِاسْمِي لِأَغِيظَنَّكَ [1] فِي ابْنِكَ وَلِأُمِيتَنَّهُ فِي فَوْرِهِ هَذَا [2] حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يملك له شيئا [من] دُونِي.
فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ هَذَا رجعوا وقد ملؤوا مِنْهُ رُعْبًا، فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الْمَلِكِ أَخْبَرُوهُ بِأَنَّ إِلْيَاسَ قَدِ انْحَطَّ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ رَجُلٌ نَحِيفٌ طَوَالٌ قَدْ نَحَلَ وَتَمَعَّطَ شَعْرُهُ وَتَقَشَّرَ جِلْدُهُ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ شَعْرٍ وَعَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّلَهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلَالٍ فَاسْتَوْقَفْنَا فَلَمَّا صَارَ مَعَنَا قُذِفَ لَهُ فِي قُلُوبِنَا الْهَيْبَةُ وَالرُّعْبُ، فَانْقَطَعَتْ أَلْسِنَتُنَا وَنَحْنُ فِي هَذَا الْعَدَدِ الْكَثِيرِ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى أَنْ نُكَلِّمَهُ وَنُرَاجِعَهُ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَيْكَ، وَقَصُّوا عَلَيْهِ كَلَامَ إِلْيَاسَ.
فَقَالَ آجَبُ: لَا نَنْتَفِعُ بِالْحَيَاةِ مَا كَانَ إِلْيَاسُ حَيًّا وَمَا يُطَاقُ إِلَّا بِالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ [3] ، فَقَيَّضَ لَهُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ ذَوِي الْقُوَّةِ وَالْبَأْسِ، وَعَهِدَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُ وَأَمَرَهُمْ بِالِاحْتِيَالِ لَهُ وَالِاغْتِيَالِ بِهِ وَأَنْ يُطَمِّعُوهُ فِي أَنَّهُمْ قَدْ آمَنُوا بِهِ هُمْ، وَمَنْ وَرَاءَهُمْ لِيَسْتَنْهِمَ إِلَيْهِمْ [4] [أي يسكن] [5] وَيَغْتَرَّ بِهِمْ فَيُمَكِّنَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ فَيَأْتُونَ بِهِ مَلِكَهُمْ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى ارْتَقَوْا ذَلِكَ الْجَبَلَ الَّذِي فِيهِ إِلْيَاسُ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِيهِ يُنَادُونَهُ بِأَعْلَى أَصْوَاتِهِمْ، وَيَقُولُونَ: يَا نَبِيَّ الله ابرز إلينا وَامْنُنْ عَلَيْنَا بِنَفْسِكَ. فَإِنَّا قَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَمَلِكُنَا آجَبُ وَجَمِيعُ قَوْمِنَا، وَأَنْتَ آمِنٌ عَلَى نفسك وجميع بني إسرائيل، يقرؤون إليك السَّلَامَ وَيَقُولُونَ: قَدْ بَلَغَتْنَا رِسَالَتُكَ وَعَرَفْنَا مَا قُلْتَ، فَآمَنَّا بِكَ وَأَجَبْنَاكَ إِلَى مَا دَعَوْتَنَا فَهَلُمَّ إِلَيْنَا وَأَقِمْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَاحْكُمْ فِينَا فَإِنَّا نَنْقَادُ لِمَا أَمَرْتَنَا، وَنَنْتَهِي عَمَّا نَهَيْتَنَا وَلَيْسَ يَسَعُكَ أَنْ تَتَخَلَّفَ عَنَّا مَعَ إِيمَانِنَا وطاعتنا، فارجع إلينا [قال] [6] ، وكل هذا منهم مما كرة وَخَدِيعَةٌ.
فَلَمَّا سَمِعَ إِلْيَاسُ مَقَالَتَهُمْ وَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ وَطَمِعَ فِي إيمانهم، وخاف [من] [7] اللَّهَ إِنْ هُوَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ، فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ التَّوَقُّفَ وَالدُّعَاءَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِيمَا يَقُولُونَ فَأْذَنْ لِي فِي الْبُرُوزِ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا كَاذِبِينَ فَاكْفِنِيهِمْ وَارْمِهِمْ بِنَارٍ تَحْرِقُهُمْ فَمَا اسْتَتَمَّ قَوْلَهُ حَتَّى حُصِبُوا بِالنَّارِ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَاحْتَرَقُوا أَجْمَعِينَ [8] ، قَالَ وبلغ آجب وقومه الْخَبَرُ فَلَمْ يَرْتَدِعْ مِنْ هَمِّهِ بِالسُّوءِ وَاحْتَالَ ثَانِيًا فِي أَمْرِ إِلْيَاسَ وَقَيَّضَ لَهُ فِئَةً أُخْرَى مِثْلَ عَدَدِ أُولَئِكَ أَقْوَى مِنْهُمْ وَأَمْكَنُ مِنَ الْحِيلَةِ وَالرَّأْيِ، فَأَقْبَلُوا حَتَّى تَوَقَّلُوا أَيْ صَعَدُوا قُلَلَ تِلْكَ الْجِبَالِ مُتَفَرِّقِينَ، وَجَعَلُوا يُنَادُونَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا نُعَوِّذُ بِاللَّهِ وَبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَسَطَوَاتِهِ، إِنَّا لَسْنَا كَالَّذِينِ أَتَوْكَ قَبْلَنَا وَإِنَّ أُولَئِكَ فِرْقَةٌ نَافَقُوا فصاروا إليك ليكيدوا بك [من غَيْرِ رَأْيِنَا] [9] ، وَلَوْ عَلِمْنَا بِهِمْ لَقَتَلْنَاهُمْ وَلَكَفَيْنَاكَ مُؤْنَتَهُمْ، فَالْآنَ قَدْ كَفَاكَ رَبُّكَ أَمْرَهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ وَانْتَقَمَ [لنا و] لك منهم [قال] ، فلما سمع إلياس
__________
(1) في المطبوع «لأغضبنك» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «غدا» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(3) في المخطوط «والحيلة» والمعنى واحد.
(4) في المخطوط (أ) «ليستقيم إليهم» والمخطوط (ب) «ليستيم إليهم» .
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) زيادة عن المخطوط.
(7) زيادة عن المخطوط.
(8) في المطبوع «أجمعون» والمثبت عن المخطوط.
(9) زيادة عن المخطوط.
(4/42)

مقالتهم دعا [إلى] الله بدعوته الأولى فأمطر [الله] عَلَيْهِمُ النَّارَ، فَاحْتَرَقُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ ابْنُ الْمَلِكِ فِي الْبَلَاءِ الشَّدِيدِ مِنْ وَجَعِهِ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ بِهَلَاكِ أَصْحَابِهِ ثَانِيًا ازْدَادَ غَضَبًا عَلَى غَضَبٍ وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فِي طَلَبِ إِلْيَاسَ بِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ شَغَلَهُ عَنْ ذَلِكَ مَرَضُ ابْنِهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ فَوَجَّهَ نَحْوَ إِلْيَاسَ الْمُؤْمِنَ الَّذِي هُوَ كَاتِبُ امْرَأَتِهِ رَجَاءَ أَنْ يَأْنَسَ بِهِ إِلْيَاسُ فَيَنْزِلُ مَعَهُ، وَأَظْهَرَ لِلْكَاتِبِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِإِلْيَاسَ سُوءًا وَإِنَّمَا أَظْهَرَ له [ذلك] لِمَا اطَّلَعَ [1] عَلَيْهِ مِنْ إِيمَانِهِ، وَكَانَ الْمَلِكُ مَعَ اطِّلَاعِهِ عَلَى إيمانه مغضيا عنه [2] لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْكِفَايَةِ وَالْأَمَانَةِ وَسَدَادِ الرَّأْيِ.
فَلَمَّا وَجَّهَهُ [3] نَحْوَهُ أَرْسَلَ مَعَهُ فِئَةً مِنْ أصحابه وأو عز إِلَى الْفِئَةِ دُونَ الْكَاتِبِ أَنْ يُوثِقُوا إِلْيَاسَ وَيَأْتُوا بِهِ إِنْ أَرَادَ التَّخَلُّفَ عَنْهُمْ، وَإِنْ جَاءَ مَعَ الْكَاتِبِ وَاثِقًا بِهِ لَمْ يُرَوِّعُوهُ، ثُمَّ أَظْهَرَ مَعَ الْكَاتِبِ الإنابة وقال له:
إنه قَدْ آنَ لِي أَنْ أَتُوبَ وَقَدْ أَصَابَتْنَا بَلَايَا مِنْ حَرِيقِ أَصْحَابِنَا وَالْبَلَاءِ الَّذِي فِيهِ ابْنِي، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ ذَلِكَ بِدَعْوَةِ إِلْيَاسَ، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ بَقِيَ مِنَّا فَنَهْلَكَ بِدَعْوَتِهِ، فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ وَأَخْبِرْهُ أَنَّا قَدْ تُبْنَا وَأَنَبْنَا وَأَنَّهُ لَا يُصْلِحُنَا فِي تَوْبَتِنَا وَمَا نريد من رضى [4] رَبِّنَا وَخَلْعِ أَصْنَامِنَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِلْيَاسُ بَيِّنَ أَظْهُرِنَا يَأْمُرُنَا وَيَنْهَانَا وَيُخْبِرُنَا بِمَا يُرْضِي رَبَّنَا.
وَأَمَرَ قَوْمَهُ فَاعْتَزَلُوا الْأَصْنَامَ، وَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْ إِلْيَاسَ أَنَّا قَدْ خَلَعْنَا آلِهَتَنَا الَّتِي كُنَّا نَعْبُدُ، وَأَرْجَيْنَا أَمْرَهَا حَتَّى يَنْزِلَ إِلْيَاسُ فَيَكُونُ هُوَ الَّذِي يَحْرِقُهَا وَيُهْلِكُهَا بيده [قال] ، وَكَانَ ذَلِكَ مَكْرًا مِنَ الْمَلِكِ، فانطلق الكاتب والفئة حتى [أتى] أعلى [5] الْجَبَلَ الَّذِي فِيهِ إِلْيَاسُ ثُمَّ نَادَاهُ فَعَرَفَ إِلْيَاسُ صَوْتَهُ.
فَتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ وَكَانَ مُشْتَاقًا إِلَى لِقَائِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِ ابْرُزْ إِلَى أَخِيكَ الصَّالِحِ فالقه، وجدد العهد فَبَرَزَ إِلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَصَافَحَهُ، وَقَالَ [لَهُ] : مَا الْخَبَرُ؟ فَقَالَ [له] الْمُؤْمِنُ: إِنَّهُ قَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكَ هذا الجبار الطاغي وقومه.
قَصَّ عَلَيْهِ مَا قَالُوا ثُمَّ قال: وَإِنِّي لِخَائِفٌ إِنْ رَجَعْتُ إِلَيْهِ وَلَسْتَ مَعِي أَنْ يَقْتُلَنِي [6] فَمُرْنِي بما شئت [فإني] أَفْعَلْهُ، إِنْ شِئْتَ انْقَطَعْتُ إِلَيْكَ وَكُنْتُ مَعَكَ وَتَرَكْتُهُ، وَإِنْ شِئْتَ جَاهَدْتُهُ مَعَكَ وَإِنْ شِئْتَ تُرْسِلُنِي إِلَيْهِ بِمَا تُحِبُّ فَأُبَلِّغُهُ رِسَالَتَكَ، وإن شئت دعوت ربك فجعل [7] لَنَا مِنْ أَمْرِنَا فَرَجًا وَمَخْرَجًا، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِلْيَاسَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جَاءَكَ مِنْهُمْ مَكْرٌ وَكَذِبٌ لِيَظْفَرُوا بِكَ، وَإِنَّ آجَبَ إِنْ أَخْبَرَتْهُ رُسُلُهُ أَنَّكَ قَدْ لَقِيتَ هَذَا الرَّجُلَ وَلَمْ يَأْتِ بِكَ اتَّهَمَهُ وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ دَاهَنَ فِي أَمْرِكَ، فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَانْطَلِقْ مَعَهُ فَإِنِّي سَأُشْغِلُ عَنْكُمَا آجَبَ فَأُضَاعِفُ عَلَى ابْنِهِ الْبَلَاءَ، حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ هَمٌّ غَيْرُهُ، ثُمَّ أُمِيتُهُ عَلَى شَرِّ حَالٍ، فَإِذَا مات هو فَارْجِعْ عَنْهُ.
قَالَ: فَانْطَلَقَ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى آجَبَ، فَلَمَّا قَدِمُوا شَدَّدَ اللَّهُ تَعَالَى الْوَجَعَ على ابنه وأخذ الموت بكظمه، فَشَغَلَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ آجَبَ وَأَصْحَابَهُ عَنْ إِلْيَاسَ، فَرَجَعَ إِلْيَاسُ سَالِمًا إِلَى مَكَانِهِ، فَلَمَّا مَاتَ ابْنُ آجَبَ وَفَرَغُوا مِنْ أَمْرِهِ وَقَلَّ جَزَعُهُ انْتَبَهَ لِإِلْيَاسَ، وَسَأَلَ عَنْهُ الْكَاتِبَ الَّذِي جَاءَ بِهِ، فقال له: ليس لي علم
__________
(1) في المطبوع «طلع» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «مثنيا عليه» والمثبت عن المخطوط (ب) وفي المخطوط (أ) «مع اطلاعه عليه معرضا عنه» .
(3) في المطبوع «وجه» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(4) في المطبوع «رضاء» والمثبت عن المخطوط.
(5) في المطبوع «علا» والمثبت عن المخطوط.
(6) في المطبوع «فيقتلني» والمثبت عن المخطوط.
(7) في المطبوع «يجعل» والمثبت عن المخطوط.
(4/43)

به شَغَلَنِي عَنْهُ مَوْتُ ابْنِكَ وَالْجَزَعُ عَلَيْهِ وَلَمْ أَكُنْ أَحْسَبُكَ إِلَّا قد استوثقت منه، فأعرض [1] عَنْهُ آجَبُ وَتَرَكَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ عَلَى ابْنِهِ، فِلْمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَى إِلْيَاسَ مَلَّ [2] السُّكُونَ فِي الْجِبَالِ وَاشْتَاقَ إِلَى النَّاسِ نَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ فَانْطَلَقَ حَتَّى نَزَلَ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهِيَ أُمُّ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ذِي النُّونِ، اسْتَخْفَى عِنْدَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَيُونُسُ بْنُ مَتَّى يَوْمَئِذٍ مَوْلُودٌ يَرْضَعُ، فَكَانَتْ أُمُّ يُونُسَ تَخْدِمُهُ [3] بِنَفْسِهَا وَتُوَاسِيهِ بِذَاتِ يَدِهَا، ثُمَّ إِنَّ إِلْيَاسَ سَئِمَ ضِيقَ الْبُيُوتِ بَعْدَ تَعَوُّدِهِ فُسْحَةَ الْجِبَالِ فَأَحَبَّ اللُّحُوقَ بِالْجِبَالِ فَخَرَجَ وَعَادَ إِلَى مَكَانِهِ، فَجَزِعَتْ أُمُّ يُونُسَ لِفِرَاقِهِ فَأَوْحَشَهَا فَقْدُهُ.
ثُمَّ لَمْ تَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ ابْنُهَا يُونُسُ حِينَ فَطَمَتْهُ، فَعَظُمَتْ مُصِيبَتُهَا فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِ إِلْيَاسَ، فَلَمْ تَزَلْ تَرْقَى الْجِبَالَ وَتَطُوفُ فِيهَا حَتَّى عَثَرَتْ عَلَيْهِ، فَوَجَدَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي قَدْ فُجِعْتُ بَعْدَكَ لِمَوْتِ ابْنِي فَعَظُمَتْ فِيهِ مُصِيبَتِي وَاشْتَدَّ لِفَقْدِهِ بَلَائِي، وَلَيْسَ لِي وَلَدٌ غَيْرُهُ فَارْحَمْنِي وَادْعُ لِي رَبَّكَ جَلَّ جَلَالُهُ لِيُحْيِيَ لِي ابْنِي وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُهُ مُسَجًّى لَمْ أَدْفِنْهُ، وَقَدْ أَخْفَيْتُ مَكَانَهُ.
فَقَالَ لَهَا إِلْيَاسُ: لَيْسَ هَذَا مِمَّا أُمِرْتُ بِهِ، وَإِنَّمَا أَنَا عَبَدٌ مَأْمُورٌ أَعْمَلُ بِمَا يَأْمُرُنِي رَبِّي، فَجَزِعَتِ الْمَرْأَةُ وَتَضَرَّعَتْ فَأَعْطَفَ اللَّهُ تَعَالَى قَلْبَ إِلْيَاسَ لَهَا.
فَقَالَ لَهَا: مَتَى مَاتَ ابْنُكِ؟ قَالَتْ: مُنْذُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَانْطَلَقَ إِلْيَاسُ مَعَهَا وَسَارَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخْرَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَنْزِلِهَا، فَوَجَدَ ابْنَهَا مَيِّتًا لَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَدَعَا، فَأَحْيَا اللَّهُ تَعَالَى يُونُسَ بْنَ مَتَّى.
فَلَمَّا عَاشَ وَجَلَسَ وَثَبَ إِلْيَاسُ وَتَرَكَهُ وَعَادَ إلى موضعه، فلما طال [عليه] عِصْيَانُ قَوْمِهِ ضَاقَ بِذَلِكَ إِلْيَاسُ ذَرْعًا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ وَهُوَ خَائِفٌ مَجْهُودٌ: يَا إِلْيَاسُ مَا هَذَا الْحُزْنُ وَالْجَزَعُ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ؟ أَلَسْتَ أَمِينِي عَلَى وَحْيِي وَحُجَّتِي فِي أَرْضِي وَصَفْوَتِي مِنْ خَلْقِي؟ فَسَلْنِي أُعْطِكَ فَإِنِّي ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ وَالْفَضْلِ الْعَظِيمِ [4] .
قَالَ: تُمِيتُنِي وَتُلْحِقُنِي بِآبَائِي فَإِنِّي قَدْ مَلِلْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَلُّونِي، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: يَا إِلْيَاسُ مَا هذا باليوم الذي أعري منك الْأَرْضَ وَأَهْلَهَا، وَإِنَّمَا قِوَامُهَا وَصَلَاحُهَا بِكَ وَبِأَشْبَاهِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ قَلِيلًا ولكن سلني فأعطك، قال إِلْيَاسُ: إِنْ لَمْ تُمِتْنِي فَأَعْطِنِي ثَأْرِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَيُّ شَيْءٍ تُرِيدُ أن أعطيك؟ قال تمكنى مِنْ خَزَائِنِ السَّمَاءِ سَبْعَ سِنِينَ فَلَا تَنْشُرُ [5] عَلَيْهِمْ سَحَابَةً إِلَّا بدعوتي ولا تمطر عليهم قطرة [سبع سنين] [6] إِلَّا بِشَفَاعَتِي، فَإِنَّهُمْ لَا يُذِلُّهُمْ [7] إِلَّا ذَلِكَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا إِلْيَاسُ أَنَا أَرْحَمُ بِخَلْقِي مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا ظَالِمِينَ، قَالَ: فَسِتُّ سِنِينَ، قَالَ: أَنَا أَرْحَمُ بِخَلْقِي مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَخَمْسُ سِنِينَ قَالَ: أَنَا أَرْحَمُ بخلقي من ذلك [قال فأربع سِنِينَ قَالَ أَنَا أَرْحَمُ بِخَلْقِي مِنْ ذَلِكَ] [8] وَلَكِنِّي أُعْطِيكَ ثَأْرَكَ ثَلَاثَ سِنِينَ، أَجْعَلُ خَزَائِنَ الْمَطَرِ بِيَدِكَ.
قَالَ إِلْيَاسُ فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَعِيشُ؟ قَالَ: أُسَخِّرُ لَكَ جَيْشًا مِنَ الطَّيْرِ يَنْقُلُ إِلَيْكَ طَعَامَكَ وشرابك من الريف و [من] الأرض التي لم تقحط، فقال إِلْيَاسُ: قَدْ رَضِيتُ، قَالَ: فَأَمْسَكَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمُ الْمَطَرَ حَتَّى
__________
(1) في المخطوط «فأضرب» والمعنى واحد.
(2) في المطبوع «من» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع «تخدم» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المخطوط «الكريم» .
(5) في المخطوط «تنشي» .
(6) زيادة عن المخطوط.
(7) في المخطوط «يذهبهم» .
(8) زيادة عن المخطوط.
(4/44)

هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ وَالدَّوَابُّ وَالْهَوَامُّ وَالشَّجَرُ وَجَهِدَ النَّاسُ جُهْدًا شَدِيدًا، وَإِلْيَاسُ عَلَى حَالَتِهِ مُسْتَخِفٌّ مِنْ قَوْمِهِ يوضع له الرزق حيث ما كَانَ، وَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ قَوْمُهُ وَكَانُوا إِذَا وَجَدُوا رِيحَ الْخُبْزِ فِي بَيْتٍ قَالُوا: لَقَدْ دَخَلَ إلياس هذا المكان، فطلبوه ولقي منهم أَهْلِ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ شَرًّا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَ سِنِينَ الْقَحْطُ، فَمَرَّ إِلْيَاسُ بِعَجُوزٍ فَقَالَ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ شَيْءٌ مِنْ دَقِيقٍ وَزَيْتٍ قَلِيلٍ.
قَالَ: فَدَعَا ربه وَدَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ وَمَسَّهُ حَتَّى مَلَأَ جِرَابَهَا دَقِيقًا وَمَلَأَ خَوَابِيَهَا زَيْتًا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ عِنْدَهَا قَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ: مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ حاله كذا وكذا، فوصفته [بصفته] [1] فَعَرِفُوهُ، فَقَالُوا ذَلِكَ إِلْيَاسُ، فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُ أَوَى إِلَى بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهَا ابْنٌ يُقَالُ لَهُ الْيَسَعُ بْنُ أَخُطُوبَ بِهِ ضُرٌّ فَآوَتْهُ وَأَخْفَتْ أَمْرَهُ، فَدَعَا لولدها [2] فَعُوفِيَ مِنَ الضُّرِّ الَّذِي كَانَ بِهِ، وَاتَّبَعَ الْيَسَعُ إِلْيَاسَ فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَلَزِمَهُ.
وَكَانَ يَذْهَبُ حيث ما ذَهَبَ وَكَانَ إِلْيَاسُ قَدْ أَسَنَّ فكبر واليسع غلام شَابٌّ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى إِلْيَاسَ: إِنَّكَ قَدْ أَهْلَكْتَ كَثِيرًا مِنَ الْخَلْقِ مِمَّنْ لَمْ يَعْصِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ وَالْهَوَامِّ بِحَبْسِ الْمَطَرِ، فَيَزْعُمُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ إِلْيَاسَ قَالَ: يَا رَبِّ دَعْنِي أَكُنْ أَنَا الَّذِي أَدْعُو لَهُمْ وَآتِيهِمْ بِالْفَرَجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، لَعَلَّهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا وَيَنْزِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِكَ، فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، فَجَاءَ إِلْيَاسُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ جُوعًا وَجُهْدًا وَهَلَكْتِ الْبَهَائِمُ وَالدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ وَالْهَوَامُّ وَالشَّجَرُ بِخَطَايَاكُمْ، وَإِنَّكُمْ عَلَى بَاطِلٍ فَإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تَعْلَمُوا ذَلِكَ فَاخْرُجُوا بِأَصْنَامِكُمْ فَإِنِ اسْتَجَابَتْ لَكُمْ فَذَلِكَ كَمَا تَقُولُونَ، وَإِنْ هِيَ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ عَلَى باطل، فنزعتم [3] ودعوت [لكم] اللَّهَ تَعَالَى فَفَرَّجَ عَنْكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، قَالُوا: أَنْصَفَتْ فَخَرَجُوا بِأَوْثَانِهِمْ فَدَعَوْهَا، فَلَمْ تُفَرِّجْ عَنْهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ.
ثُمَّ قَالُوا لِإِلْيَاسَ: إِنَّا قَدْ هَلَكْنَا فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى لَنَا، فَدَعَا لَهُمْ إِلْيَاسُ وَمَعَهُ الْيَسَعُ بِالْفَرَجِ، فَخَرَجَتْ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ عَلَى ظَهْرِ الْبَحْرِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، فَأَقْبَلَتْ نَحْوَهُمْ وَطَبَّقَتِ الْآفَاقَ ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ فَأَغَاثَهُمْ، وَأُحْيِيَتْ بِلَادُهُمْ فَلَمَّا كَشَفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمُ الضُّرَّ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَلَمْ يَنْزِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ، وَأَقَامُوا عَلَى أَخْبَثِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِلْيَاسُ دَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُرِيحَهُ مِنْهُمْ، فَقِيلَ لَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ: انْظُرْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَاخْرُجْ فِيهِ إِلَى موضع كذا وكذا فَمَا جَاءَكَ مِنْ شَيْءٍ فَارْكَبْهُ وَلَا تَهِبْهُ، فَخَرَجَ إِلْيَاسُ وَمَعَهُ الْيَسَعُ حَتَّى إِذَا كَانَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أُمِرَ أَقْبَلَ فَرَسٌ مِنْ نَارٍ وَقِيلَ: لَوْنُهُ كَلَوْنِ النَّارِ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ إِلْيَاسُ فَانْطَلَقَ بِهِ الْفَرَسُ فَنَادَاهُ الْيَسَعُ: يَا إِلْيَاسُ مَا تَأْمُرُنِي فَقَذَفَ إِلَيْهِ إِلْيَاسُ بِكِسَائِهِ مِنَ الْجَوِّ الْأَعْلَى، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ اسْتِخْلَافِهِ إِيَّاهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ، فَرَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى إِلْيَاسَ مِنْ بَيْنِ أَظْهَرِهِمْ وَقَطَعَ عَنْهُ لذة المطعم والمشرب، فكساه الرِّيشَ فَكَانَ إِنْسِيًّا مَلَكِيًّا [4] أَرْضِيًّا سَمَاوِيًّا، وَسَلَّطَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى آجَبَ الْمَلِكِ وَقَوْمِهِ عَدُوًّا لَهُمْ فَقَصَدَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ حَتَّى رَهِقَهُمْ، فَقَتَلَ آجَبَ وَامْرَأَتَهُ أَزْبِيلَ فِي بُسْتَانِ مَزْدِكِيَّ، فَلَمْ تَزَلْ جِيفَتَاهُمَا مُلْقَاتَيْنِ فِي تِلْكَ الْجُنَيْنَةِ حَتَّى بَلِيَتْ لُحُومُهُمَا وَرَمَّتْ عِظَامُهُمَا، وَنَبَّأَ اللَّهُ تَعَالَى الْيَسَعَ وَبَعْثَهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إسرائيل، وأوحى الله تعالى إلى
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «له» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(3) في المخطوط «فزعمتم» .
(4) في المخطوط «إنسا ملكا» .
(4/45)

إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124)
اليسع [1] وَأَيَّدَهُ، فَآمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ قَائِمٌ إِلَى أَنْ فَارَقَهُمُ الْيَسَعُ.
وَرَوَى السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: الْخَضِرُ وَإِلْيَاسُ يَصُومَانِ شَهْرَ رَمَضَانَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيُوَافِيَانِ الْمَوْسِمَ فِي كُلِّ عَامٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِلْيَاسَ مُوكَلٌ بِالْفَيَافِي، وَالْخَضِرَ مُوكَلٌ بِالْبِحَارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) .

[سورة الصافات (37) : الآيات 124 الى 143]
إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (130) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133)
إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138)
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)
إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ (124) ، أَتَعْبُدُونَ، بَعْلًا، وَهُوَ اسْمُ صَنَمٍ لَهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهُمْ بَعْلَبَكَّ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: الْبَعْلُ الرَّبُّ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ. وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ، فلا تعبدونه.
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ بِنَصْبِ الْهَاءِ وَالْبَاءَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِهِنَّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) ، فِي النَّارِ.
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) ، مِنْ قَوْمِهِ فَإِنَّهُمْ نَجَوْا مِنَ الْعَذَابِ.
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (130) ، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ «آلِ يَاسِينَ» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مُشْبَعَةً وَكَسْرِ اللَّامِ مَقْطُوعَةً لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ مَفْصُولَةً.
وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَوْصُولَةً، فَمَنْ قَرَأَ «آلِ يس» ، مَقْطُوعَةً قِيلَ أَرَادَ آلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا الْقَوْلُ بِعِيدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، وَقِيلَ: أراد آل ياسين، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْوَصْلِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَدْ قِيلَ: إِلْيَاسِينَ لُغَةٌ فِي إلياس مثل إسماعيل وإسماعين وميكال وميكاييل [2] .
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ جَمْعٌ أَرَادَ [به] إلياس وأصحابه وَأَتْبَاعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَشْعَرِينَ وَالْأَعْجَمِينَ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: سَلَامٌ عَلَى إِدْرَاسِيْنَ يَعْنِي إِدْرِيسَ وَأَتْبَاعَهُ، لِأَنَّهُ يَقْرَأُ: وَإِنَّ إِدْرِيسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ، أَيِ الْبَاقِينَ فِي الْعَذَابِ.
__________
(1) في المطبوع «إلياس» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المخطوط «ميكال وميكائيل» .
(4/46)

لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)
ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ
(136) ، وَالتَّدْمِيرُ الْإِهْلَاكُ.
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ
، عَلَى آثَارِهِمْ ومنازلهم، مُصْبِحِينَ
، [أي] وَقْتَ الصَّبَاحِ.
وَبِاللَّيْلِ
، يُرِيدُ تَمُرُّونَ بِالنَّهَارِ وَبِاللَّيْلِ [1] عَلَيْهِمْ إِذَا ذَهَبْتُمْ إِلَى أَسْفَارِكُمْ وَرَجَعْتُمْ، أَفَلا تَعْقِلُونَ
، فَتَعْتَبِرُونَ [بِهِمْ] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
(139) ، أي مِنْ جُمْلَةِ رُسُلِ اللَّهِ.
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
(140) ، يَعْنِي هَرَبَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَوَهْبٌ: كَانَ يُونُسُ وَعَدَ قَوْمَهُ الْعَذَابَ فَلَمَّا تَأَخَّرَ عنهم العذاب [خشي على نفسه القتل] [2] فخرج كالمنشور [3] مِنْهُمْ، فَقَصَدَ الْبَحْرَ فَرَكِبَ السَّفِينَةَ، فَاحْتَبَسَتِ السَّفِينَةُ فَقَالَ الْمَلَّاحُونَ هَاهُنَا عَبْدٌ آبِقٌ مِنْ سَيِّدِهِ، فَاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونُسَ، فَاقْتَرَعُوا ثَلَاثًا فَوَقَعَتْ عَلَى يُونُسَ، فَقَالَ يُونُسُ: أَنَا الْآبِقُ، وَزَجَّ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ.
وَرُوِيَ فِي الْقِصَّةِ: [أَنَّهُ] لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْبَحْرِ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ وَابْنَانِ لَهُ، فَجَاءَ مَرْكَبٌ فَأَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ مَعَهُمْ فَقَدَّمَ امْرَأَتَهُ لِيَرْكَبَ بَعْدَهَا فَحَالَ الْمَوْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْكَبِ، ثُمَّ جَاءَتْ مَوْجَةٌ أُخْرَى وَأَخَذَتِ ابْنَهُ الْأَكْبَرَ وَجَاءَ ذِئْبٌ فَأَخَذَ الِابْنَ الْأَصْغَرَ، فَبَقِيَ فَرِيدًا، فَجَاءَ مَرْكَبٌ آخَرُ فَرَكِبَهُ فَقَعَدَ نَاحِيَةً من القوم [حزينا كئيبا] [4] ، فَلَمَّا مَرَّتِ السَّفِينَةُ فِي الْبَحْرِ رَكَدَتْ، فَاقْتَرَعُوا وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقِصَّةَ فِي سُورَةِ يُونُسَ.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَساهَمَ
، فَقَارَعَ وَالْمُسَاهَمَةُ إِلْقَاءُ السِّهَامِ عَلَى جِهَةِ الْقُرْعَةِ، فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
، أي الْمَقْرُوعِينَ.
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ، ابْتَلَعَهُ، وَهُوَ مُلِيمٌ، أَيْ آتٍ بِمَا يُلَامُ عليه.
فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (134) ، مِنَ الذاكرين الله قبل ذلك وكان [عليه السلام] كَثِيرَ الذَّكَرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنَ الْمَصَلِّيْنَ. وَقَالَ وَهْبٌ: مِنَ الْعَابِدِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ فِي بَطْنِ الْحُوتِ وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ عَمَلًا صَالِحًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ طاعته القديمة. وقيل: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي قَوْلَهُ: لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 87] .

[سورة الصافات (37) : الآيات 144 الى 147]
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) ، لَصَارَ بَطْنُ الْحُوتِ لَهُ قَبْرًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَنَبَذْناهُ، طَرَحْنَاهُ، بِالْعَراءِ، يَعْنِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ الْسُّدِّيُّ: بِالسَّاحِلِ، وَالْعَرَاءُ الأرض الخالية من الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ. وَهُوَ سَقِيمٌ، عَلِيلٌ كَالْفَرْخِ الْمُمَعَّطِ.
وَقِيلَ: كَانَ قَدْ بَلِيَ لَحْمُهُ وَرَقَّ عَظْمُهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ لُبْثِهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: سَبْعَةُ أَيَّامٍ.
وقال الضحاك: عشرين يوما.
__________
(1) في المخطوط «والليل» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «كالمستور» و «المنشور» : الخجل.
(4) زيادة عن المخطوط.
(4/47)

فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)
وَقَالَ الْسُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: الْتَقَمَهُ ضُحًى وَلَفَظَهُ عَشِيَّةً.
وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ، أَيْ لَهُ، وَقِيلَ: عِنْدَهُ، شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، يَعْنِي الْقَرْعَ عَلَى قَوْلِ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: كُلُّ نَبْتٍ يَمْتَدُّ [1] وَيَنْبَسِطُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَيْسَ له ساق ولا يبقى في الشِّتَاءِ نَحْوَ الْقَرْعِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ فَهُوَ يَقْطِينٌ، قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: فَكَانَ يُونُسُ يَسْتَظِلُّ بِالشَّجَرَةِ وَكَانَتْ وَعْلَةٌ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَيَشْرَبُ [2] مِنْ لَبَنِهَا بُكْرَةً وَعَشِيَّةً حَتَّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ وَقَوِيَ، فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا وَأَصَابَهُ أَذَى الشَّمْسِ فَجَعَلَ يَبْكِي، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ جِبْرِيلَ وَقَالَ: أَتَحْزَنُ عَلَى شَجَرَةٍ وَلَا تَحْزَنُ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ أُمَّتِكَ وَقَدْ أَسْلَمُوا وَتَابُوا، فَإِنْ قِيلَ: قال هاهنا: فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ، وقال في موضع آخر: لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ [القلم: 49] فهذا [3] ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ، قيل: «لولا» هناك ترجع إِلَى الذَّمِّ، مَعْنَاهُ: لَوْلَا نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مذموم، ولكن تداركه بالنعمة فَنُبِذَ، وَهُوَ غَيْرُ [مَذْمُومٍ] [4] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ قَتَادَةُ: أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمُوصِلِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُ، وَقَوْلُهُ: وَأَرْسَلْناهُ أَيْ وَقَدْ أَرْسَلْنَاهُ مذموما، وَقِيلَ: كَانَ إِرْسَالُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ إِلَيْهِمْ، وَقِيلَ: إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ. أَوْ يَزِيدُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ «وَيَزِيدُونَ» أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ عُذْراً أَوْ نُذْراً [المرسلات: 6] [5] قال مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ بَلْ يَزِيدُونَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ:
أَوْ هَاهُنَا عَلَى أصلها، وَمَعْنَاهُ أَوْ يَزِيدُونَ عَلَى تَقْدِيرِكُمْ [6] وَظَنِّكُمْ، كَالرَّجُلِ يَرَى قَوْمًا فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ أَلْفٌ أَوْ يَزِيدُونَ فَالشَّكُّ عَلَى تَقْدِيرِ الْمَخْلُوقِينَ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ وَيَزِيدُونَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: كَانُوا عِشْرِينَ أَلْفًا.
وَرَوَاهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم [7] ، وقال الحسن: بضعة وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جبير: سبعين ألفا.

[سورة الصافات (37) : الآيات 148 الى 160]
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (148) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (150) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (152)
أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (157)
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160)
فَآمَنُوا، يَعْنِي الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يُونُسُ بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ، أي حين انقضاء آجالهم.
__________
(1) في المخطوط «امتد» .
(2) في المخطوط «تختلف إليه وعلة» .
(3) في المطبوع «فهل» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) سقط من المطبوع.
(6) في المطبوع «تدبركم» والمثبت عن «ط» والمخطوط. [.....]
(7) ضعيف. أخرجه الترمذي 3229 والطبري 29635 وإسناده ضعيف فيه راو لم يسمّ.
(4/48)

فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161)
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاسْتَفْتِهِمْ، فَاسْأَلْ يَا مُحَمَّدُ أَهْلَ مَكَّةَ وَهُوَ سُؤَالُ تَوْبِيخٍ، أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، وَذَلِكَ أَنْ جُهَيْنَةَ وَبَنِي سَلَمَةَ وبني [1] عَبْدِ الدَّارِ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بنات الله، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوا كبيرا، يَقُولُ: جَعَلُوا لِلَّهِ الْبَنَاتَ وَلِأَنْفُسِهِمِ الْبَنِينَ.
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً، مَعْنَاهُ: أَخَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا، وَهُمْ شاهِدُونَ، حَاضِرُونَ خَلْقَنَا إِيَّاهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزُّخْرُفِ: 19] .
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ، مِنْ كَذِبِهِمْ، لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (152) .
أَصْطَفَى، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ لَكَاذِبُونَ، أَصْطَفَى مَوْصُولًا عَلَى الْخَبَرِ عَنْ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَعِنْدَ الْوَقْفِ يَبْتَدِئُ [2] : اصْطَفَى بِكَسْرِ الْأَلِفِ، وَقِرَاءَةُ [الْعَامَّةِ] [3] بِقَطْعِ الْأَلِفِ لِأَنَّهَا أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ الْوَصْلِ، فَحُذِفَتْ أَلِفُ الْوَصْلِ وَبَقِيَتْ أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ مفتوحة مقطوعة، مثل (أستكبرت) وَنَحْوَهَا، [أَصْطَفَى] الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ.
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) ، لِلَّهِ بِالْبَنَاتِ وَلَكُمْ بِالْبَنِينَ.
أَفَلا تَذَكَّرُونَ (155) ، أَفَلَا تَتَّعِظُونَ.
أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (156) ، بُرْهَانٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ لله ولدا.
فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ
، الَّذِي لَكَمَ فِيهِ حُجَّةٌ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
، فِي قَوْلِكُمْ.
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً. قال مجاهد وقتادة: وأراد بِالْجِنَّةِ الْمَلَائِكَةَ سُمُّوا جِنَّةً لِاجْتِنَانِهِمْ عَنِ الْأَبْصَارِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: [هم] [4] حَيٍّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الجن، منهم إِبْلِيسُ، قَالُوا: هُمْ بَنَاتُ اللَّهِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: بَلْ تَزَوَّجَ [5] مِنَ الْجِنِّ فَخَرَجَ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذلك [علوا كبيرا] [6] ، وَقَدْ كَانَ زَعَمَ بَعْضُ قُرَيْشٍ أن الملائكة بنات اللَّهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ قَالُوا سَرَوَاتُ الْجِنِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَى النَّسَبِ أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا الشَّيَاطِينَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ، يَعْنِي قائلي هذا المقالة [7] ، لَمُحْضَرُونَ، فِي النَّارِ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمَّا قَالُوا فَقَالَ:
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) ، هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ المحضرين يعني أنهم لا يحضرون.

[سورة الصافات (37) : الآيات 161 الى 171]
فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (162) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (163) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165)
وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170)
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَإِنَّكُمْ، يَقُولُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَما تَعْبُدُونَ، مِنَ الْأَصْنَامِ.
مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، عَلَى مَا تَعْبُدُونَ، بِفاتِنِينَ، بِمُضِلِّينَ أَحَدًا.
إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (163) ، إِلَّا مَنْ قَدَّرَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ النَّارَ أَيْ سَبَقَ لَهُ في علم الله الشقاوة.
__________
(1) في المطبوع «بن» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «يبتديان» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) زيادة عن المخطوط.
(7) في المطبوع «القول» والمثبت عن المخطوط.
(4/49)

إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172)
قوله تَعَالَى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164) ، [يَقُولُ جِبْرَائِيلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا مِنَّا مَعْشَرَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ،] [1] أَيْ مَا مِنَّا مَلَكٌ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ في السموات يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ عباس: ما في السموات مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ يُصَلِّي أَوْ يَسَبِّحُ.
«1798» وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ» .
قَالَ الْسُّدِّيُّ: إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ فِي الْقُرْبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَيْهِ، كَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا.
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) ، قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ صَفُّوا أَقْدَامَهُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: صُفُوفُ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ لِلْعِبَادَةِ كَصُفُوفِ النَّاسِ فِي الْأَرْضِ.
وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) ، أَيْ الْمُصَلُّونَ الْمُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنِ السُّوءِ، يُخْبِرُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَعْبُودِينَ، كَمَا زَعَمَتِ الْكُفَّارُ، ثُمَّ أَعَادَ الْكَلَامَ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ:
وَإِنْ كانُوا، أي وَقَدْ كَانُوا يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، لَيَقُولُونَ، [هذه] [2] لَامُ التَّأْكِيدِ.
لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) ، أَيْ كِتَابًا مِثْلَ كِتَابِ الْأَوَّلِينَ.
لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ (169) ، أَيْ فَلَمَّا أَتَاهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابُ كَفَرُوا بِهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، هَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ.
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) ، وَهِيَ قَوْلُهُ: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:
21] .

[سورة الصافات (37) : الآيات 172 الى 182]
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (176)
فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181)
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182)
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173) ، أَيْ حِزْبُ اللَّهِ لَهُمُ الْغَلَبَةُ بِالْحُجَّةِ وَالنُّصْرَةِ فِي العاقبة.
فَتَوَلَّ، فأعرض [3] ، عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمَوْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: حَتَّى يأمرك بِالْقِتَالِ. وَقِيلَ: إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ اللَّهِ. قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ.
وَأَبْصِرْهُمْ، إِذَا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ، ذَلِكَ فَقَالُوا مَتَى هَذَا العذاب؟
فقال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذا نَزَلَ (176) ، يَعْنِي الْعَذَابَ، بِساحَتِهِمْ، قال مقاتل:
__________
1798- تقدم في سورة النحل عند آية: 50، وهو حديث قوي.
(1) زيادة عن «ط» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «أعرض» والمثبت عن المخطوط.
(4/50)

بِحَضْرَتِهِمْ. وَقِيلَ: بِفِنَائِهِمْ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَكْتَفِي بِذِكْرِ السَّاحَةِ عَنِ الْقَوْمِ، فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ، فَبِئْسَ صَبَاحُ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالْعَذَابِ.
«1799» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حَمِيدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ أَتَاهَا لَيْلًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يَغْزُ حَتَّى يُصْبِحَ، قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يهود خيبر بمساحبها وَمَكَاتِلِهَا، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ [1] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « [اللَّهُ أَكْبَرُ] [2] خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صبح الْمُنْذَرِينَ» ثُمَّ كَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا تَأْكِيدًا لِوَعِيدِ الْعَذَابِ.
فَقَالَ: وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ (178) ، الْعَذَابَ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ.
فَقَالَ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ، الْغَلَبَةِ وَالْقُوَّةِ، عَمَّا يَصِفُونَ، مِنِ اتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْأَوْلَادِ.
وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) ، الَّذِينَ بَلَّغُوا عَنِ اللَّهِ التَّوْحِيدَ وَالشَّرَائِعَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182) ، عَلَى هَلَاكِ الْأَعْدَاءِ وَنُصْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
«1800» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي ابْنُ فَنَجْوَيْهِ أخبرنا
__________
1799- إسناده على شرط البخاري ومسلم.
- أبو مصعب هو أحمد بن أبي بكر، حميد هو ابن أبي حميد.
- وهو في «الموطأ» 2/ 468- 469 عن حميد الطويل به.
- وأخرجه البخاري 1945 و4197 والترمذي 1550 وابن حبان 4746 من طرق عن مالك به.
- وأخرجه البخاري 2943 وأحمد 3/ 206 و263 وأبو يعلى 3804 والبيهقي 9/ 80 و108 من طرق عن حميد به.
- وأخرجه البخاري 947 و4200 ومسلم 3/ 1427 (121) وأحمد 3/ 186 و246 وابن أبي شيبة 14/ 461 وابن سعد 2/ 109 من طريق ثابت البناني عن أنس به.
- وأخرجه البخاري 371 و947 ومسلم 3/ 1427 (120) والنسائي 6/ 131- 132 وأحمد 3/ 101- 102 من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أنس به.
- وأخرجه مسلم 3/ (122) وأبو يعلى 2908 وأحمد 3/ 164- 186 من طريق قتادة عن أنس.
- وأخرجه البخاري 610 و2944 وابن حبان 4745 والبغوي في «شرح السنة» 2696 من طريق إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ به. وأخرجه أحمد 4/ 29 وابن سعد 2/ 109 من طريق سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طلحة.
- قال البغوي في «شرح السنة» 5/ 581 الخميس: الجيش، سمي خميسا، لأنه مقسوم على خمسة: المقدمة، والساقة والميمنة، والميسرة، والقلب.
1800- ضعيف. روى مرفوعا وموقوفا، وكلاهما ضعيف.
- إسناده ضعيف جدا، أصبغ بن نباتة متروك الحديث.
- وكيع هو ابن الجراح.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 3/ 536 من طريق هارون بن إسحاق عن وكيع به موقوفا.
- وورد مرفوعا مرسلا.
- أخرجه ابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» 4/ 32 عن الشعبي مرسلا، وهو ضعيف لعلة الإرسال.
- وله شاهد من حديث زيد بن أرقم أخرجه الطبراني في «الكبير» 5124 وأعله الهيثمي في «المجمع» 16926 بعبد-[.....]
(1) أي الجيش.
(2) سقط من المطبوع.
(4/51)

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1)
أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حِمْدَانَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صفية عن أصبغ [1] بن نباتة عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى مِنَ الْأَجْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلَامِهِ مِنْ مَجْلِسِهِ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين» .

سورة ص
مكية وهي ثمان وثمانون آية

[سورة ص (38) : الآيات 1 الى 8]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4)
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ (6) مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8)
ص، قِيلَ: هُوَ قَسَمٌ، وَقِيلَ: هو اسم للسورة كَمَا ذَكَرْنَا فِي سَائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: ص مِفْتَاحُ اسْمِ [2] الصَّمَدِ وَصَادِقِ الْوَعْدِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَعْنَاهُ صَدَقَ اللَّهُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: صَدَقَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، أي ذي البيان، قال ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ذِي الشَّرَفِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزُّخْرُفِ:
44] ، وَهُوَ قَسَمٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ الْقِسْمِ، قِيلَ: جَوَابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُ ص أَقْسَمَ اللَّهُ بِالْقُرْآنِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ صَدَقَ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: «ص» مَعْنَاهَا: وَجَبَ وحق فهي جَوَابُ قَوْلِهِ: وَالْقُرْآنِ، كَمَا تَقُولُ: نَزَلَ وَاللَّهِ، وَقِيلَ: جَوَابُ الْقِسْمِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ مَا الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ الْكُفَّارُ وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، قَالَ قَتَادَةُ: مَوْضِعُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، كما قال [ق] وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا [ق: 1 و2] . وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ، والقرآن ذي الذكر.
__________
المنعم بن بشير، وأنه ضعيف جدا.
- وله علة أخرى، وهي أحمد بن رشد بن شيخ الطبراني متهم متروك، فهذا شاهد لا يفرح به. وانظر «الكشاف» للزمخشري برقم 952 و «تفسير القرطبي» 5233 و «تفسير الشوكاني» 2133 وهي جميعا بتخريجي، ولله الحمد والمنة.
(1) في المخطوط «الأصبغ» .
(2) في المخطوط «اسمه» .
(4/52)

وَقَالَ الْأَخْفَشُ: جَوَابُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ [ص: 14] كَقَوْلِهِ: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا [الشعراء: 97] ، وقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (1) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ [الطَّارِقِ: 41] ، وَقِيلَ: جَوَابُهُ قَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنا [ص: 54] .
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ [1] : قَوْلُهُ: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) [ص: 64] . وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ هَذَا القسم وهذا الْجَوَابِ أَقَاصِيصُ وَأَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ.
وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: بَلْ لِتَدَارُكِ كَلَامٍ وَنَفْيِ آخَرَ، وَمَجَازُ الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي عِزَّةِ حَمِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ وَتَكَبُّرٍ عَنِ الْحَقِّ وَشِقَاقٍ [و] خلاف وَعَدَاوَةٍ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ مُجَاهِدُ: «فِي عِزَّةٍ» مُعَازِّينَ [2] .
كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ، يَعْنِي مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، فَنادَوْا، اسْتَغَاثُوا عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ وَحُلُولِ النِّقْمَةِ، وَلاتَ حِينَ مَناصٍ، أي ليس لهم حين نزول العذاب بهم نزو، [قُوَّةٍ] وَلَا فِرَارَ [3] ، وَالْمَنَاصُ مَصْدَرُ نَاصَ يَنُوصُ، وَهُوَ الْفَوْتُ [4] وَالتَّأَخُّرُ، يُقَالُ: نَاصَ يَنُوصُ إِذَا تَأَخَّرَ وَبَاصَ يَبُوصُ إِذَا تَقَدَّمَ، وَلَاتَ بِمَعْنَى لَيْسَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: هِيَ لَا، زِيدَتْ فِيهَا التَّاءُ، كَقَوْلِهِمْ: رُبَّ وَرُبَّتْ وَثَمَّ وَثَمَّتْ، وَأَصْلُهَا هَاءٌ وُصِلَتْ بِلَا، فَقَالُوا: «لَاهٍ» ، كَمَا قَالُوا ثَمَّةَ فَجَعَلُوهَا فِي الْوَصْلِ تَاءً والوقف عليه بِالتَّاءِ عِنْدَ الزَّجَّاجِ، وَعِنْدَ الْكِسَائِيِّ بالهاء لاه، وذهب جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّاءَ زِيدَتْ فِي حِينَ وَالْوَقْفُ عَلَى وَلَا، ثم يبتدئ «تحين» [5] وهو اختيار أبي عبيد، وَقَالَ: كَذَلِكَ وُجِدَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ، وَهَذَا كَقَوْلِ أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ:
«الْعَاطِفُونَ تَحِينَ [6] مَا مِنْ عاطف ... والمطعمون زَمَانَ [7] مَا مِنْ مُطْعِمٍ»
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ عُثْمَانَ، فَذَكَرَ مَنَاقِبَهُ ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ بِهَا تَلَانِ إِلَى أَصْحَابِكَ» ، يُرِيدُ الْآنَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ كُفَّارُ مَكَّةَ إِذَا قَاتَلُوا فَاضْطُرُّوا فِي الْحَرْبِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنَاصَ، أَيْ: اهْرَبُوا وَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمُ الْعَذَابَ بِبَدْرٍ قَالُوا: مَنَاصَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ أَيْ ليس هذا [8] حين هذا القول.
وَعَجِبُوا، يَعْنِي الْكُفَّارَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، يَعْنِي رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهُمْ، وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ.
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً.
«1801» وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْلَمَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَفَرِحَ به المؤمنون.
__________
1801- ذكره المصنف هاهنا، والثعلبي كما في «تخريج الكشاف» 4/ 72 بدون إسناد، ومن غير عزو لأحد.
(1) في المخطوط «السدي» .
(2) في المطبوع «تغابن» والمثبت عن «ط» و «تفسير الطبري» .
(3) في المطبوع «حتى فرار» والمخطوط (أ) «منجى ولا فرار» .
(4) في المطبوع «الفرار» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(5) في المخطوط (ب) «بحين» والمثبت عن ط والمخطوط (أ) والمطبوع.
(6) في المخطوط (ب) «بحين» والمثبت عن المخطوط (أ) والمطبوع و «ط» .
(7) في المخطوط (ب) «بحين» بدل «زمان» والمثبت عن المخطوط (أ) و «ط» .
(8) في المطبوع «الحين» بدل «هذا» والمثبت عن «ط» والمخطوط. [.....]
(4/53)

فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لِلْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمُ الصَّنَادِيدُ وَالْأَشْرَافُ وَكَانُوا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا أَكْبَرُهُمْ سنا الوليد بن المغيرة، فقال [1] لَهُمْ: امْشُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَأَتَوْا أَبَا طَالِبٍ، وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءُ، وَإِنَّا قَدْ أَتَيْنَاكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَأَرْسَلَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُ [2] ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ يَسْأَلُونَكَ السَّوَاءَ فَلَا تَمِلْ كُلَّ الْمَيْلِ عَلَى قَوْمِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: ماذا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنَا وَنَدَعْكَ وَإِلَهَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتُعْطُونِي كَلِمَةً وَاحِدَةً تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ؟ فَقَالَ أَبُو جهل: لله أبوك لنعطينكها وَعَشْرًا أَمْثَالَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَنَفَرُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَامُوا، وَقَالُوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا كَيْفَ يَسَعُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ، أَيْ عَجِيبٌ.
وَالْعَجَبُ وَالْعُجَابُ وَاحِدٌ، كَقَوْلِهِمْ رَجُلٌ كَرِيمٌ وَكُرَامٌ وَكَبِيرٌ وَكُبَارٌ وَطَوِيلٌ وَطُوَالٌ وَعَرِيضٌ وَعُرَاضٌ.
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، أَيِ انْطَلَقُوا مِنْ مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كَانُوا فيه عند أبي طالب، ويقول بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ أَيْ اثْبُتُوا عَلَى عِبَادَةِ آلهتكم، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ، أَيْ لَأَمْرٌ يُرَادُ بِنَا.
وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ [بْنَ الْخَطَّابِ] [3] لَمَّا أَسْلَمَ وَحَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ بِمَكَانِهِ [4] قَالُوا: إِنَّ هَذَا الَّذِي نَرَاهُ مِنْ زِيَادَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ لَشَيْءٌ يُرَادُ بِنَا، وَقِيلَ: يُرَادُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: يُرَادُ بِمُحَمَّدٍ أن يملك علينا.
وَما سَمِعْنا بِهذا، أَيْ بِهَذَا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ، فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ والكلبي ومقاتل: يعنون: في النَّصْرَانِيَّةَ لِأَنَّهَا آخِرُ الْمَلَلِ وَهُمْ لَا يُوَحِّدُونَ، بَلْ يَقُولُونَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ وَدِينَهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ، كذب وافتعال.
أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، الْقُرْآنُ، مِنْ بَيْنِنا، وَلَيْسَ بِأَكْبَرِنَا وَلَا أَشْرَفِنَا، يَقُولُهُ أَهْلُ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي، أَيْ وَحْيِي وَمَا أَنْزَلْتُ، بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ، أي لم يذوقوا عذابي، وَلَوْ ذَاقُوهُ لَمَا قَالُوا هَذَا القول.
__________
- وورد مسندا بدون ذكر عمر عند الترمذي 3232 والنسائي في «التفسير» 456 والحاكم 2/ 432 والطبري 29738 من حديث ابن عباس.
صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، مع أن فيه يحيى بن عمارة، وهو مقبول- أي لين الحديث- وتوبع في رواية ثانية عند النسائي 457 وأحمد 2/ 362 والطبري 29737 وفيه عباد بن جعفر، وهو مجهول.
- وورد من وجه ثالث أخرجه الحاكم 2/ 432، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو حسن فيه ابن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث.
- وورد من وجه رابع عند الطبري 29751، ولكن إسناده ضعيف جدا، فيه عطية العوفي، ضعيف، وعنه مجاهيل.
- وله شاهد معضل أخرجه الطبري 29750 عن السدي، وهذا معضل.
- فالحديث حسن بشواهده، وطرقه، والله أعلم.
- وانظر «تفسير الشوكاني» 2134 بتخريجي.
(1) في المطبوع «قال» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المخطوط «فدعا به» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المطبوع «لمكانه» والمثبت عن ط والمخطوط.
(4/54)

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9)
[سورة ص (38) : الآيات 9 الى 12]
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12)
أَمْ عِنْدَهُمْ أَعِنْدَهُمْ، خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، أَيْ نِعْمَةُ رَبِّكَ يَعْنِي: مَفَاتِيحَ النبوة يعطونها من شاؤوا، نظيره أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزُّخْرُفُ: 32] أَيْ نُبُوَّةَ رَبِّكَ، الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ، الْعَزِيزِ فِي مُلْكِهِ الْوَهَّابِ وَهَبَ النُّبُوَّةَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما، أَيْ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ، أَيْ إِنِ ادَّعَوْا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي تُوَصِّلُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فليأتوا مِنْهَا بِالْوَحْيِ إِلَى مَنْ يَخْتَارُونَ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أَرَادَ بِالْأَسْبَابِ أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَطُرُقَهَا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، وَكُلُّ مَا يُوَصِّلُكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَابٍ أَوْ طَرِيقٍ فَهُوَ سَبَبُهُ، وَهَذَا أَمْرُ تَوْبِيخٍ وَتَعْجِيزٍ.
جُنْدٌ مَا هُنالِكَ، أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القول جند ما هنالك، وما صِلَةٌ، مَهْزُومٌ مَغْلُوبٌ، مِنَ الْأَحْزابِ، أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْنَادِ يَعْنِي قُرَيْشًا، قَالَ قَتَادَةُ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْدَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [الْقَمَرُ: 45] ، فَجَاءَ تَأْوِيلُهَا يوم بدر، وهناك إِشَارَةٌ إِلَى بَدْرٍ وَمَصَارِعِهِمْ مِنَ الْأَحْزَابِ، أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْزَابِ أَيْ هُمْ مِنَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا وَتَجَمَّعُوا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِالتَّكْذِيبِ، فَقُهِرُوا وَأُهْلِكُوا.
ثُمَّ قَالَ مُعَزِّيًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ذُو الْبِنَاءِ الْمُحْكَمِ، وَقِيلَ: أَرَادَ ذُو الْمُلْكِ الشَّدِيدِ الثَّابِتِ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: تَقُولُ الْعَرَبُ هُمْ فِي عِزٍّ ثَابِتِ الْأَوْتَادِ يُرِيدُونَ أَنَّهُ دَائِمٌ شَدِيدٌ.
وَقَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ:
«وَلَقَدْ غَنَوْا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ ... فِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأوتاد»
وأصل هَذَا أَنَّ بُيُوتَهُمْ كَانَتْ تُثَبَّتُ بِالْأَوْتَادِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ذُو الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: ذُو الْجُنُودِ وَالْجُمُوعِ [1] الْكَثِيرَةِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَوُّونَ أَمْرَهُ، وَيَشُدُّونَ [2] مُلْكَهُ، كَمَا يُقَوِّي الْوَتَدُ الشَّيْءَ، وَسُمِّيَتِ الْأَجْنَادُ أَوْتَادًا لِكَثْرَةِ الْمَضَارِبِ الَّتِي كَانُوا يَضْرِبُونَهَا وَيُوَتِّدُونَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ، وَهُوَ رِوَايَةُ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: الْأَوْتَادُ جَمْعُ الْوَتَدِ وَكَانَتْ لَهُ أَوْتَادٌ يُعَذِّبُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَضِبَ عَلَى أَحَدٍ مَدَّهُ مُسْتَلْقِيًا بَيْنَ أربعة أوتاد يشد كُلَّ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْهُ إِلَى سَارِيَةٍ وَيَتْرُكُهُ كَذَلِكَ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى يَمُوتَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ يَمُدُّ الرَّجُلَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى الأرض ثم يَشُدُّ [3] يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَرَأْسَهُ عَلَى الْأَرْضِ بِالْأَوْتَادِ وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: كَانَ يمد الرجل ويشد بِالْأَوْتَادِ وَيُرْسِلُ عَلَيْهِ الْعَقَارِبَ وَالْحَيَّاتِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: كَانَتْ لَهُ أَوْتَادٌ وَأَرْسَانٌ وَمَلَاعِبُ يُلْعَبُ عَلَيْهَا بين يديه.
__________
(1) في المطبوع «الجوع» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(2) في المخطوط «يشددون» والمثبت عن المطبوع و «ط» والمخطوط (أ) .
(3) في المخطوط «يمد» .
(4/55)

وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13)
[سورة ص (38) : الآيات 13 الى 17]
وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (14) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (15) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16) اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)
وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) ، الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى الأنبياء، واعلم أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِزْبٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَحْزَابِ.
إِنْ كُلٌّ، مَا كُلٌّ، إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَنَزَلَ بِهِمْ عَذَابِي.
وَما يَنْظُرُ، يَنْتَظِرُ، هؤُلاءِ، يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ، إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً، وَهِيَ نَفْخَةُ الصُّورِ، مَا لَها مِنْ فَواقٍ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ فَواقٍ بِضَمِّ الْفَاءِ، وَقَرَأَ حمزة الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، فَالْفَتْحُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وَالضَّمُّ لُغَةُ تَمِيمٍ، قال ابن عباس وقتادة: [معناه] [1] مِنْ رُجُوعٍ، أَيْ مَا يُرَدُّ ذَلِكَ الصَّوْتُ فَيَكُونَ لَهُ رُجُوعٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَظْرَةٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَثْنَوِيَّةٌ، أَيْ صَرْفٌ وَرَدٌّ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ الَّتِي هِيَ مِيعَادُ عَذَابِهِمْ إِذَا جَاءَتْ لَمْ تُرَدَّ وَلَمْ تُصْرَفْ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْفَتْحِ وَالضَّمِّ.
فَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَتْحُ بِمَعْنَى الرَّاحَةِ وَالْإِفَاقَةِ، كَالْجَوَابِ مِنَ الْإِجَابَةِ ذَهَبَا بِهَا إِلَى إِفَاقَةِ الْمَرِيضِ مَنْ عِلَّتِهِ، وَالْفُوَاقُ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ وَهُوَ أَنْ تُحْلَبَ النَّاقَةُ ثُمَّ [2] تُتْرَكَ سَاعَةً حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ فَمَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ فُوَاقٌ، أَيْ أَنَّ الْعَذَابَ لَا يُمْهِلُهُمْ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَقِيلَ: هَمَا أَيْضًا مُسْتَعَارَتَانِ مِنَ الرُّجُوعِ، لِأَنَّ اللَّبَنَ يَعُودُ إِلَى الضِّرْعِ بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ، وَإِفَاقَةُ الْمَرِيضِ رُجُوعُهُ إِلَى الصِّحَّةِ.
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16) ، قَالَ سَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يعني كتابنا، والقط الصَّحِيفَةُ الَّتِي أَحْصَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا نَزَلَتْ فِي الحاقة [19 و25] : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ، قَالُوا اسْتِهْزَاءً عَجِّلْ لَنَا كِتَابَنَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنُونَ حَظَّنَا وَنَصِيبَنَا مِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي تَقُولُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي عُقُوبَتَنَا وَنَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَهُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الْأَنْفَالُ: 32] . وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «قِطَّنَا» حِسَابَنَا، وَيُقَالُ لِكِتَابِ الْحِسَابِ «قِطٌّ» [3] . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْكِسَائِيُّ: الْقِطُّ الْكِتَابُ بِالْجَوَائِزِ.
قَالَ الله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ، أَيْ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ مِنْ تَكْذِيبِكَ، وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيِ الْقُوَّةِ فِي الْعِبَادَةِ.
«1802» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أنا أبو جعفر الرَّيَّانِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ ثنا
__________
1802- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو نعيم هو الفضل بن دكين.
- وهو في «شرح السنة» 938 بهذا الإسناد.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المخطوط «و» .
(3) في المخطوط (أ) «يقال الكتاب والحساب: قط» وفي المخطوط (ب) «يقال لكتاب المحاسب: قطّ» والمثبت عن «ط» والمطبوع.
(4/56)

إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18)
أبو نعيم ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» .
وَقِيلَ: ذُو الْقُوَّةِ فِي الْمُلْكِ. إِنَّهُ أَوَّابٌ، رَجَّاعٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّوْبَةِ عَنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُطِيعٌ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مسبح بلغة الحبش.

[سورة ص (38) : الآيات 18 الى 20]
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (20)
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ، كَمَا قَالَ: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ [الْأَنْبِيَاءُ: 79] . يُسَبِّحْنَ، بِتَسْبِيحِهِ، بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وَعَشِيَّةً وَالْإِشْرَاقُ هُوَ أَنْ تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِصَلَاةِ الضُّحَى.
«1803» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي ابْنُ فنجويه ثنا ابن شيبة ثنا الحسين بن بختويه [1] ثنا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثنا الحجاج بن نصير أنا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ، قَالَ: كُنْتُ أَمُرُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ولا أَدْرِي مَا هِيَ حَتَّى حَدَّثَتْنِي أما هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الضُّحَى، فَقَالَ: «يَا أَمَّ هَانِئٍ هَذِهِ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ» .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالطَّيْرَ، أَيْ وَسَخَّرْنَا لَهُ الطَّيْرَ، مَحْشُورَةً، مَجْمُوعَةً إِلَيْهِ تُسَبِّحُ مَعَهُ، كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ، مُطِيعٌ رَجَّاعٌ إِلَى طَاعَتِهِ بِالتَّسْبِيحِ، وَقِيلَ: أَوَّابٌ مَعَهُ أي مسبح.
__________
- وأخرجه البخاري 1131 عن علي بن عبد الله ومسلم 1159 ح 189 عن زهير بن حرب كلاهما عن سفيان بن عيينة به.
- وأخرجه البخاري 1975 و5199 ومسلم 1159 ح 182 و183 وأحمد 2/ 198 وابن خزيمة 2110 والطحاوي 2/ 85 وابن حبان 3571 من طريق عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله بن عمرو بنحوه مطوّلا.
1803- اللفظ المرفوع ضعيف. وكونه عليه السلام صلى عند أم هانىء صلاة الضحى له شواهد.
- إسناده ضعيف لضعف أبي بكر الهذلي.
- أبو بكر هو سلمى بن عبد الله بن سلمى البصري.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 3/ 544 عن طريق عبيد اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ عن الحسين بن بختويه بهذا الإسناد.
- وأخرجه الطبراني في «الأوسط» 4258 من طريق محمد بن أبي يعقوب الكرماني عن حجاج بن نصير بهذا الإسناد.
- قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إلّا أبو بكر الهذلي، تفرد به حجاج بن نصير.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 7/ 99 وقال: وفيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف.
- وورد من وجه آخر عند الطبري 29804 والحاكم 4/ 53 من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نوفل عن ابن عباس مطولا، وآخره موقوف من كلام ابن عباس، وهو لفظ «هذه صلاة الإشراق» وليس فيه «يا أم هانىء» وهو الصواب.
- وسكت عليه الحاكم، والذهبي.
- وورد من وجه آخر أخرجه الطبري 29803 وكرره 29805.
الخلاصة: اللفظ المرفوع ضعيف، والصحيح موقوف وهو الذي رجحه الحافظ في «تخريج الكشاف» 4/ 78 وانظر «تفسير الشوكاني» 2136 بتخريجي. [.....]
(1) في المطبوع «الحسن بن حيوة» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(4/57)

وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)
وَشَدَدْنا مُلْكَهُ، أَيْ قَوَّيْنَاهُ بِالْحَرَسِ وَالْجُنُودِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَشَدَّ مُلُوكِ الْأَرْضِ سُلْطَانًا، كَانَ يَحْرُسُ مِحْرَابَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ.
«1804» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامد أنا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْحَسَنِ ثنا داود بن سليمان ثنا محمد بن حميد ثنا محمد بن الفضل ثنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ علباء بن أحمر [1] عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَعْدَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ عند داود عليه السلام [فقال] [2] أَنَّ هَذَا غَصَبَنِي بَقَرًا، فَسَأَلَهُ داود فجحد، فسأل الآخر [3] الْبَيِّنَةُ؟ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقَالَ لَهُمَا دَاوُدُ:
قُومَا حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ فِي مَنَامِهِ أَنْ يَقْتُلَ الَّذِي اسْتَعْدَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذِهِ رُؤْيَا وَلَسْتُ أَعْجَلُ حَتَّى أتثبت، فأوحى إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ تَأْتِيَهُ الْعُقُوبَةُ، فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَقَالَ تَقْتُلُنِي بِغَيْرٍ بَيِّنَةٍ؟ قَالَ دَاوُدُ: نَعَمْ وَاللَّهِ لِأُنْفِذَنَّ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَلَمَّا عَرَفَ الرَّجُلُ أَنَّهُ قاتله، قال له: لَا تَعْجَلْ حَتَّى أُخْبِرَكَ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أُخِذْتُ بِهَذَا الذَّنْبِ وَلَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ وَالِدَ هَذَا فَقَتَلْتُهُ، فَلِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ فَقُتِلَ، فَاشْتَدَّتْ هَيْبَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ لِدَاوُدَ، وَاشْتَدَّ بِهِ مُلْكُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ.
وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ، يَعْنِي النُّبُوَّةَ وَالْإِصَابَةَ فِي الْأُمُورِ، وَفَصْلَ الْخِطابِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيَانَ الْكَلَامِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: عُلِّمَ الْحُكْمَ وَالتَّبَصُّرَ فِي الْقَضَاءِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: هُوَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، لِأَنَّ كَلَامَ الْخُصُومِ يَنْقَطِعُ وَيَنْفَصِلُ بِهِ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: فَصْلُ الْخِطَابِ الشُّهُودُ وَالْأَيْمَانُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رياح.
وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ فَصْلَ الْخِطَابِ هُوَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ إِذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي كَلَامٍ آخَرَ، وَأَوَّلُ مَنْ قَالَهُ داود عليه السلام.

[سورة ص (38) : الآيات 21 الى 22]
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لَا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21) ، هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ [4] [قِصَّةِ] [5] امْتِحَانِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي سببه، فقال قوم: كان سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَمَنَّى يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ مَنْزِلَةَ آبائه إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَمْتَحِنَهُ كَمَا امْتَحَنَهُمْ وَيُعْطِيَهُ مِنَ الْفَضْلِ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُمْ.
فَرَوَى السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ عَنْ أشياخهم دَخْلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، قالوا: كان داود قد
__________
1804- موقوف. إسناده على شرط الصحيح.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 3/ 544- 545 من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ عن داود بن أبي الفرات بهذا الإسناد.
- وأخرجه الطبري 29811 من وجه آخر عن داود عن علباء بن أحمر عن عكرمة به. وهو موقوف صحيح، لكن مصدره كتب الأقدمين.
(1) في المطبوع «علي بن أحمد» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «فقال للآخر» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المطبوع «في» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(5) زيادة عن «ط» والمخطوط.
(4/58)

قَسَّمَ الدَّهْرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: يَوْمًا يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَوْمًا يَخْلُو فِيهِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَيَوْمًا لِنِسَائِهِ وَأَشْغَالِهِ، وَكَانَ يَجِدُ فِيمَا يَقْرَأُ مِنَ الْكُتُبِ فَضْلَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أرى الخير كله قد ذَهَبَ بِهِ آبَائِي الَّذِينَ كَانُوا قَبْلِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّهُمُ ابْتُلُوا بِبَلَايَا لَمْ تُبْتَلَ بِهَا فَصَبَرُوا عَلَيْهَا، ابْتُلِيَ إِبْرَاهِيمُ بِنُمْرُودَ ويذبح ابْنِهِ، وَابْتُلِيَ إِسْحَاقُ بِالذَّبْحِ وَبِذَهَابِ بَصَرِهِ، وَابْتُلِيَ يَعْقُوبُ بِالْحُزْنِ عَلَى يُوسُفَ، فَقَالَ: رَبِّ لَوِ ابْتَلَيْتَنِي بِمِثْلِ مَا ابْتَلَيْتَهُمْ صَبَرْتُ أَيْضًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّكَ مُبْتَلًى فِي شَهْرِ كَذَا وَفِي يَوْمِ كَذَا فَاحْتَرِسْ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ دَخَلَ دَاوُدُ مِحْرَابَهُ وَأَغْلَقَ بَابَهُ، وَجَعَلَ يُصَلِّي وَيَقْرَأُ الزَّبُورَ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ قَدْ تَمَثَّلَ فِي صُورَةِ حَمَامَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ حسن. وقيل: كان جناحاها لها مِنَ الدُّرِّ وَالزَّبَرْجَدِ فَوَقَعَتْ بَيْنَ رجلين فَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَمَدَّ يَدَهُ لِيَأْخُذَهَا وَيُرِيَهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَنْظُرُوا إِلَى قدرة الله، فَلَمَّا قَصَدَ أَخْذَهَا طَارَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُؤَيِّسَهُ مِنْ نَفْسِهَا فَامْتَدَّ إِلَيْهَا لِيَأْخُذَهَا فَتَنَحَّتْ فَتَبِعَهَا فَطَارَتْ حَتَّى وَقَعَتْ فِي كُوَّةٍ فَذَهَبَ لِيَأْخُذَهَا فَطَارَتْ مِنَ الْكُوَّةِ فَنَظَرَ دَاوُدُ أَيْنَ تَقَعُ فَيَبْعَثُ مَنْ يَصِيدُهَا، فَأَبْصَرَ امْرَأَةً فِي بُسْتَانٍ عَلَى شَطِّ بِرْكَةٍ لَهَا تَغْتَسِلُ. هَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: رَآهَا تَغْتَسِلُ عَلَى سَطْحٍ لَهَا فَرَأَى امْرَأَةً مَنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ خَلْقًا، فَعَجِبَ دَاوُدُ مِنْ حُسْنِهَا وَحَانَتْ مِنْهَا الْتِفَاتَةٌ فَأَبْصَرَتْ ظِلَّهُ فَنَقَضَتْ شَعْرَهَا فَغَطَّى [1] بَدَنَهَا، فَزَادَهُ ذَلِكَ إِعْجَابًا بِهَا فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ هِيَ [2] تشايع بِنْتُ شَايِعَ امْرَأَةُ أُورِيَّا بْنِ حَنَانَا، وَزَوْجُهَا فِي غَزَاةٍ بِالْبَلْقَاءِ مَعَ أَيُّوبَ بْنِ صُورِيَا ابْنِ أُخْتِ دَاوُدَ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَقْتُلَ أُورِيَّا وَيَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، فَكَانَ ذَنْبُهُ هَذَا الْقَدْرَ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَتَبَ دَاوُدُ إِلَى ابْنِ أُخْتِهِ أَيُّوبَ أَنِ ابْعَثْ أُورِيَّا إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، وَقَدِّمْهُ قِبَلَ التَّابُوتِ وَكَانَ مَنْ قُدِّمَ عَلَى التَّابُوتِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَرَاءَهُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ أَوْ يَسْتَشْهِدَ، فَبَعَثَهُ وَقَدَّمَهُ فَفُتِحَ لَهُ، فَكَتَبَ إِلَى دَاوُدَ بِذَلِكَ فَكَتَبَ إليه أيضا أن ابعثه إِلَى عَدُوِّ كَذَا وَكَذَا، فَبَعَثَهُ فَفُتِحَ لَهُ فَكَتَبَ إِلَى دَاوُدَ بِذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا أَنْ ابعثه إِلَى عَدُوِّ كَذَا وَكَذَا أَشَدَّ مِنْهُ بَأْسًا، فَبَعَثَهُ فَقُتِلَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ تَزَوَّجَهَا دَاوُدُ، فَهِيَ أُمُّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ [3] .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ ذَنْبَ دَاوُدَ أَنَّهُ الْتَمَسَ مِنَ الرَّجُلِ أَنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأَتِهِ.
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَهُمْ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ ذَا رَغْبَةٍ فِي الدنيا، وازديادا لِلنِّسَاءِ، وَقَدْ أَغْنَاهُ اللَّهُ عَنْهَا بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِهَا [4] .
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي سَبَبِ امْتِحَانِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّهُ كَانَ قَدْ جَزَّأَ الدَّهْرَ أَجْزَاءً يَوْمًا لِنِسَائِهِ وَيَوْمًا لِلْعِبَادَةِ وَيَوْمًا لِلْقَضَاءِ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَوْمًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ يُذَاكِرُهُمْ وَيُذَاكِرُونَهُ وَيُبْكِيهِمْ وَيُبْكُونَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَكَّرُوهُ فَقَالُوا: هَلْ يَأْتِي عَلَى الْإِنْسَانِ يَوْمٌ لَا يُصِيبُ فِيهِ ذَنْبًا، فَأَضْمَرَ دَاوُدُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ سَيُطِيقُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِتْنَةَ النِّسَاءِ فَأَضْمَرَ دَاوُدُ في نفسه أنه إذا ابْتُلِيَ اعْتَصَمَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عِبَادَتِهِ أَغْلَقَ أَبْوَابَهُ وَأَمَرَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَأَكَبَّ عَلَى التَّوْرَاةِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ إذ دخلت عليه
__________
(1) في المطبوع «فغطت» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «هو» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(3) هذه الآثار من الإسرائيليات.
(4) لا يصح عن ابن مسعود، وقد ذكره المصنف بصيغة التمريض، وهو متلقى عن أهل الكتاب.
(4/59)

إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)
حَمَامَةٌ مِنْ ذَهَبٍ كَمَا ذَكَرْنَا، قَالَ: وَكَانَ قَدْ بَعَثَ زَوْجَهَا عَلَى بَعْضِ جُيُوشِهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أن سر [1] إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا إِذَا سَارَ إِلَيْهِ قُتِلَ، فَفَعَلَ فَأُصِيبَ فَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ [2] ، قَالُوا: فَلَمَّا دَخَلَ دَاوُدُ بِامْرَأَةِ أُورِيَّا لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ فِي صُورَةِ رَجُلَيْنِ فِي يَوْمِ عِبَادَتِهِ، فَطَلَبَا أَنْ يَدْخُلَا عَلَيْهِ، فَمَنَعَهُمَا الْحَرَسُ فَتَسَوَّرَا الْمِحْرَابَ عَلَيْهِ، فَمَا شَعَرَ وَهُوَ يُصَلِّي إِلَّا وَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ جالسين، يقال: كانا جبريل وميكائل، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ، خَبَرُ الْخَصْمِ، إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ، صَعَدُوا وَعَلَوْا، يُقَالُ: تَسَوَّرْتُ الْحَائِطَ وَالسُّورَ إِذَا عَلَوْتَهُ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْفِعْلَ وَهُمَا اثْنَانِ لِأَنَّ الْخَصْمَ اسْمٌ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكِّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَمَعْنَى الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ مَوْجُودٌ، لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ ضَمُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ هَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التَّحْرِيمُ: 4] .
إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ، خَافَ مِنْهُمَا حِينَ هَجَمَا عَلَيْهِ فِي مِحْرَابِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَقَالَ: مَا أَدْخَلَكُمَا عَلَيَّ، قالُوا لَا تَخَفْ خَصْمانِ، أَيْ نَحْنُ خَصْمَانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ جِئْنَاكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَا: بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ وَهُمَا مَلَكَانِ لَا يبغيان؟ قيل: معناه رأيت خَصْمَيْنِ بَغَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَا عَلَى تَحْقِيقِ الْبَغْيِ مِنْ أَحَدِهِمَا [3] فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ، أَيْ لَا تَجُرْ، يُقَالُ: شَطَّ الرَّجُلُ شَطَطًا وَأَشَطَّ إِشْطَاطًا إِذَا جَارَ فِي حُكْمِهِ، وَمَعْنَاهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنْ شَطَّتِ الدَّارُ وَأَشَطَّتْ إِذَا بَعُدَتْ. وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ، أَرْشِدْنَا إِلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ وَالْعَدْلِ، فَقَالَ دَاوُدُ لهما: تكلّما.

[سورة ص (38) : الآيات 23 الى 26]
إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (23) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (24) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26)
فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا أَخِي، أَيْ عَلَى دِينِي وَطَرِيقَتِي، لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً، يَعْنِي امْرَأَةً، وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ، أَيِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْعَرَبُ تُكَنِّي بِالنَّعْجَةِ عَنِ الْمَرْأَةِ.
قَالَ الْحُسَيْنُ [4] بْنُ الْفَضْلِ: هَذَا تَعْرِيضٌ لِلتَّنْبِيهِ وَالتَّفْهِيمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نِعَاجٌ وَلَا بَغْيٌ فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا أَوِ اشْتَرَى بَكْرٌ دَارًا، وَلَا ضَرْبَ هُنَالِكَ وَلَا شِرَاءَ، فَقالَ أَكْفِلْنِيها، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعْطِنِيهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: انْزِلْ لِي عَنْهَا. وَحَقِيقَتُهُ ضُمَّهَا إِلَيَّ فَاجْعَلْنِي كَافِلَهَا، وَهُوَ الَّذِي يَعُولُهَا وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا، وَالْمَعْنَى: طَلِّقْهَا لِأَتَزَوَّجَهَا، وَعَزَّنِي، وَغَلَبَنِي، فِي الْخِطابِ، أَيْ فِي الْقَوْلِ. وَقِيلَ: قَهَرَنِي لِقُوَّةِ مُلْكِهِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: يَقُولُ إِنْ تَكَلَّمَ كَانَ أَفْصَحَ مِنِّي وَإِنْ حَارَبَ كَانَ أَبْطَشَ مِنِّي.
وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْغَلَبَةَ كَانَتْ لَهُ لِضَعْفِي فِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعِي وَهَذَا كُلُّهُ تَمْثِيلٌ لِأَمْرِ داود
__________
(1) في المطبوع «يسير» والمثبت عن المخطوط.
(2) لا يصح مثل هذا، ولا يليق بأنبياء الله، وإنما مصدره الإسرائيليات.
(3) في المخطوط «أحد» والمثبت عن «ط» والمطبوع. [.....]
(4) في المطبوع «الحين» والمثبت عن المخطوط.
(4/60)

مَعَ أُورِيَّا زَوْجِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا دَاوُدُ حَيْثُ كَانَ لِدَاوُدَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً وَلِأُورِيَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَضَمَّهَا إِلَى نِسَائِهِ [1] .
قالَ، أي قَالَ دَاوُدُ: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ، أَيْ بِسُؤَالِهِ نَعْجَتَكَ لِيَضُمَّهَا إِلَى نِعَاجِهِ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَ قَوْلَ صَاحِبِهِ؟ - قِيلَ مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ فَقَدْ ظَلَمَكَ، وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ اعْتِرَافِ صَاحِبِهِ بِمَا يَقُولُ. وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ، الشُّرَكَاءِ، لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، يَظْلِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَظْلِمُونَ أَحَدًا. وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، أَيْ قَلِيلٌ هُمْ و «ما» صِلَةٌ يَعْنِي الصَّالِحِينَ الَّذِينَ لَا يَظْلِمُونَ قَلِيلٌ، قَالُوا: فَلَمَّا قَضَى بَيْنَهُمَا دَاوُدُ نَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ فَضَحِكَ وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، فَعَلِمَ دَاوُدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَاهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَظَنَّ داوُدُ، أَيْقَنَ وَعَلِمَ، أَنَّما فَتَنَّاهُ، أَنَّمَا ابْتَلَيْنَاهُ.
وَقَالَ الْسُّدِّيُّ بِإِسْنَادِهِ: إن أحدهما لما قال: إِنَّ هَذَا أَخِي الْآيَةَ قَالَ دَاوُدُ لِلْآخَرِ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ:
إِنَّ لِي تِسْعًا وَتِسْعِينَ نَعْجَةً وَلِأَخِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ آخُذَهَا مِنْهُ فَأُكْمِلَ نِعَاجِي مِائَةً، قَالَ وَهُوَ كَارِهٌ: إذًا لَا نَدَعُكَ وَإِنْ رُمْتَ ذَلِكَ ضَرَبْتُ مِنْكَ هَذَا وَهَذَا، وَهَذَا يَعْنِي طَرَفَ الْأَنْفِ وَأَصْلَهُ وَالْجَبْهَةَ، فَقَالَ: يَا دَاوُدُ أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِأُورِيَّا إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً، فَلَمْ تَزَلْ تُعَرِّضُهُ لِلْقَتْلِ حَتَّى قُتِلَ وَتَزَوَّجْتَ امْرَأَتَهَ، فَنَظَرَ دَاوُدُ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا فَعَرَفَ مَا وَقَعَ فِيهِ [2] .
وَقَالَ الْقَائِلُونَ بِتَنْزِيهِ الْأَنْبِيَاءِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: إِنَّ ذَنْبَ دَاوُدَ إِنَّمَا كَانَ أَنَّهُ تَمَنَّى أَنْ تَكُونَ امْرَأَةُ أُورِيَّا حَلَالًا لَهُ، فَاتَّفَقَ غَزْوُ أُورِيَّا وَتَقَدُّمُهُ فِي الْحَرْبِ وَهَلَاكُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ قَتْلُهُ دَاوُدَ لَمْ يَجْزَعْ عَلَيْهِ كَمَا جَزِعَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ جُنْدِهِ إِذَا هَلَكَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ فَعَاتَبَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ ذُنُوبَ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنْ صَغُرَتْ فَهِيَ عَظِيمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: كَانَ ذَنْبُ دَاوُدَ أَنَّ أُورِيَّا كَانَ خَطَبَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا غَابَ فِي غَزَاتِهِ خَطَبَهَا دَاوُدُ فَتَزَوَّجَتْ مِنْهُ لِجَلَالَتِهِ، فَاغْتَمَّ [3] لِذَلِكَ أُورِيَّا فَعَاتَبَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ هَذِهِ الْوَاحِدَةَ لِخَاطِبِهَا وَعِنْدَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً.
«1805» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ: وَمِمَّا يُصَدِّقُ مَا ذَكَرْنَا عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ أَنَّ الْمُعَافَى بْنَ زَكَرِيَّا الْقَاضِيَ بِبَغْدَادَ أَخْبَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعلى الصيرفي أنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ الرقاشي
__________
1805- موضوع. إسناده ضعيف جدا، ابن لهيعة ضعيف الحديث، وشيخه أبو صخر فيه ضعف، ويزيد واه، روى مناكير كثيرة، وهذا أنكرها.
- ابن وهب هو عبد الله، ابن لهيعة هو عبد الله أيضا، أبو صخر هو حميد بن زياد.
- يزيد هو ابن أبان.
- وهو في «تفسير الطبري» 29859 عن يونس بهذا الإسناد.
- وهو حديث موضوع بلا ريب، بل هو من الإسرائيليات، وانظر «تفسير الشوكاني» 2137 بتخريجي.
(1) هو من الإسرائيليات.
(2) هو كسابقه.
(3) في المطبوع «فاغتنم» والمثبت عن المخطوط.
(4/61)

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ حين نظر إلى المرأة فاهتم فقطع [1] على بني إسرائيل فأوصى صَاحِبَ الْبَعْثِ، فَقَالَ: إِذَا حَضَرَ الْعَدُوُّ فَقَرِّبْ فُلَانًا بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ، وَكَانَ التَّابُوتُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يُسْتَنْصَرُ بِهِ وَبِمَنْ قُدِّمَ بين يدي التابوت، لم [2] يَرْجِعْ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَنْهَزِمَ عَنْهُ الْجَيْشُ فَقُتِلَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ، وَنَزَلَ الْمَلِكَانِ يَقُصَّانِ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ فَفَطِنَ دَاوُدُ فَسَجَدَ وَمَكَثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً سَاجِدًا حَتَّى نَبَتَ الزَّرْعُ مِنْ دُمُوعِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَأَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ جَبِينِهِ. وَهُوَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: رَبِّ زَلَّ دَاوُدُ زَلَّةً أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، رَبِّ إِنْ لَمْ تَرْحَمْ ضَعْفَ دَاوُدَ وَلَمْ تَغْفِرْ ذَنْبَهُ جَعَلْتَ ذَنْبَهُ حَدِيثًا فِي الْخَلْقِ مِنْ بَعْدِهِ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ مِنْ بَعْدِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَالَ: يَا دَاوُدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ الْهَمَّ الَّذِي هَمَمْتَ بِهِ، فَقَالَ دَاوُدُ: إِنَّ الرَّبَّ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَغْفِرَ لِي الْهَمَّ الَّذِي هَمَمْتُ بِهِ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ اللَّهَ عَدْلٌ لَا يَمِيلُ فَكَيْفَ بِفُلَانٍ إِذَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ دَمِي الَّذِي عِنْدَ دَاوُدَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: مَا سَأَلْتُ رَبَّكَ عَنْ ذَلِكَ وإن شئت لأفعلن، قال:
نَعَمْ فَعَرَجَ جِبْرِيلُ وَسَجَدَ دَاوُدُ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: سَأَلْتُ اللَّهَ يَا دَاوُدُ عَنِ الَّذِي أَرْسَلْتَنِي فِيهِ، فَقَالَ: قُلْ لِدَاوُدَ إِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُكُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ هَبْ لِي دَمَكَ الَّذِي عِنْدَ دَاوُدَ فَيَقُولُ: هُوَ لَكَ يا رب، فيقول: فإن لَكَ فِي الْجَنَّةِ مَا شِئْتَ وَمَا اشْتَهَيْتَ عِوَضًا عَنْهُ» .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالُوا جَمِيعًا: إِنَّ دَاوُدَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكَانِ فَقَضَى عَلَى نَفْسِهِ فَتَحَوَّلَا فِي صُورَتَيْهِمَا فَعَرَجَا وَهُمَا يَقُولَانِ قَضَى الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ، وعلم داود أنه إنما عنيا بِهِ فَخَرَّ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ وَلِوَقْتِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثُمَّ يَعُودُ سَاجِدًا تَمَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَهُوَ يَبْكِي حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ حَوْلَ رَأْسِهِ وَهُوَ يُنَادِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَسْأَلُهُ التَّوْبَةَ، وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ الَّذِي يَبْتَلِي الْخَلْقَ بِمَا يَشَاءُ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، سُبْحَانَ الْحَائِلِ بَيْنَ الْقُلُوبِ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، إِلَهِي أَنْتَ خَلَّيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَدُوِّي إِبْلِيسَ فَلَمْ أَقُمْ لِفِتْنَتِهِ إِذْ نَزَلَتْ بِي، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، إِلَهِي أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَكَانَ مِنْ سَابَقِ عِلْمِكَ مَا أَنَا إِلَيْهِ صَائِرٌ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، إِلَهِي الْوَيْلُ لِدَاوُدَ إِذَا كُشِفَ عَنْهُ الْغِطَاءُ، فَيُقَالُ هَذَا دَاوُدُ الْخَاطِئُ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ إِلَهِي بِأَيِّ عَيْنٍ أَنْظُرُ إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الظَّالِمُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ إلهي بأي قدم أقوم [3] أَمَامَكَ وَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْكَ [يَوْمَ القيامة] يوم تزل [4] أَقْدَامُ الْخَاطِئِينَ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ إِلَهِي مِنْ أَيْنَ يَطْلُبُ الْعَبْدُ الْمَغْفِرَةَ إِلَّا مِنْ عِنْدِ سَيِّدِهِ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ إِلَهِي أَنَا الَّذِي لَا أُطِيقُ حَرَّ شَمْسِكَ فَكَيْفَ أُطِيقُ حَرَّ نَارِكَ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ إِلَهِي أَنَا الَّذِي لَا أُطِيقُ صَوْتَ رَعْدِكَ فَكَيْفَ أُطِيقُ سَوْطَ جَهَنَّمَ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ إِلَهِي الْوَيْلُ لِدَاوُدَ مِنَ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَصَابَ، سُبْحَانَ خالق النور إلهي أنت [5] تَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي فَاقْبَلْ عُذْرِي، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ إِلَهِي بِرَحْمَتِكَ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَلَا تُبَاعِدْنِي مِنْ رَحْمَتِكَ لِهَوَايَ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ إِلَهِي أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الْكَرِيمِ مِنْ ذُنُوبِي الَّتِي أَوْبَقَتْنِي، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ إِلَهِي قَدْ فَرَرْتُ [6] إِلَيْكَ بِذُنُوبِي وَاعْتَرَفْتُ بِخَطِيئَتِي فَلَا تَجْعَلْنِي مِنَ الْقَانِطِينَ، وَلَا تخزني
__________
(1) في المطبوع «فهمّ أن يجمع» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(2) في المطبوع «فلم» والمثبت عن المخطوط و «تفسير الطبري» .
(3) في المطبوع «أمشي» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المخطوط (ب) «تزول» .
(5) في المطبوع «قد» والمثبت عن المخطوط.
(6) هذه الروايات مصدرها كتب الأقدمين.
(4/62)

يَوْمَ الدِّينِ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ.
قال مُجَاهِدٌ: مَكَثَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا سَاجِدًا لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى نَبَتَ المرعى من دموع عينيه وغطى رَأْسَهُ، فَنُودِيَ: يَا دَاوُدُ أَجَائِعٌ فتطعم؟ أم [1] ظَمْآنٌ فَتُسْقَى؟ أَوْ عَارٍ فَتُكْسَى؟ فَأُجِيبُ فِي غَيْرِ مَا طَلَبَ.
قَالَ: فَنَحَبَ نَحْبَةً هَاجَ لَهَا الْعُودُ فَاحْتَرَقَ مِنْ حَرِّ جَوْفِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ لَهُ التَّوْبَةَ وَالْمَغْفِرَةَ [2] .
قَالَ وَهْبٌ: إِنَّ دَاوُدَ أَتَاهُ نِدَاءٌ: إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ وَأَنْتَ لَا تَظْلِمُ أَحَدًا؟ قَالَ:
اذْهَبْ إِلَى قَبْرِ أُورِيَّا فَنَادِهِ، فَأَنَا أُسْمِعُهُ نِدَاءَكَ فَتَحَلَّلَ مِنْهُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ وَقَدْ لَبِسَ الْمُسُوحَ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَ قَبْرِهِ، ثُمَّ نَادَى يَا أُورِيَّا، فَقَالَ: لَبَّيْكَ مَنْ هَذَا الَّذِي قَطَعَ عَلَيَّ [3] لَذَّتِي وَأَيْقَظَنِي؟ قَالَ: أَنَا دَاوُدُ، قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا نبي الله؟ قال: [جئت] [4] أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَنِي فِي حَلٍّ مِمَّا كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ، قَالَ: وَمَا كَانَ مِنْكَ إِلَيَّ؟ قَالَ: عرضتك للقتل، قال: قد عَرَّضْتَنِي لِلْجَنَّةِ فَأَنْتَ فِي حَلٍّ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي حَكَمٌ عَدْلٌ لَا أَقْضِي بِالْعَنَتِ [5] أَلَا أَعْلَمْتَهُ أَنَّكَ قَدْ تَزَوَّجْتَ امْرَأَتَهُ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَنَادَاهُ فَأَجَابَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا الَّذِي قَطَعَ عَلَيَّ [6] لَذَّتِي؟ قَالَ: أَنَا دَاوُدُ، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ؟ قال: نَعَمْ وَلَكِنْ إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ لِمَكَانِ امْرَأَتِكَ وَقَدْ تَزَوَّجْتُهَا، قَالَ: فَسَكَتَ فلم يُجِبْهُ وَدَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ وَعَاوَدَهُ فلم يجبه، فقام [عند] [7] قبره وجعل يحثو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ نَادَى الويل لداود ثم الْوَيْلُ لِدَاوُدَ ثُمَّ الْوَيْلُ الطَّوِيلُ لِدَاوُدَ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، وَالْوَيْلُ لداود [ثم الويل له] [8] إذا نصب الميزان [9] بِالْقِسْطِ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ الْوَيْلُ لِدَاوُدَ ثُمَّ الْوَيْلُ الطَّوِيلُ لِدَاوُدَ [10] حِينَ يُؤْخَذُ بِذَقَنِهِ فَيُدْفَعُ إِلَى الْمَظْلُومِ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ الْوَيْلُ لِدَاوُدَ ثُمَّ الْوَيْلُ الطَّوِيلُ لَهُ [11] حين يسحب على وَجْهِهِ مَعَ الْخَاطِئِينَ إِلَى النَّارِ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، فَأَتَاهُ نِدَاءٌ مِنَ السَّمَاءِ: يَا دَاوُدُ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ذَنْبَكَ وَرَحِمْتُ بُكَاءَكَ وَاسْتَجَبْتُ دُعَاءَكَ وَأَقَلْتُ عَثْرَتَكَ، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ وَصَاحِبِي لَمْ يَعْفُ عَنِّي؟ قَالَ: يَا دَاوُدُ أُعْطِيهِ مِنَ الثَّوَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا لَمْ تَرَ عَيْنَاهُ وَلَمْ تسمع أذناه، فأقول له: رضيت عن عبدي داود؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مِنْ أَيْنَ لِي هَذَا وَلَمْ يَبْلُغْهُ عَمَلِي؟ فَأَقُولُ: هَذَا عِوَضٌ مِنْ عَبْدِي دَاوُدَ فَأَسْتَوْهِبُكَ مِنْهُ فَيَهَبُكَ لِي، قَالَ: يَا رَبِّ الْآنَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّكَ قَدْ غَفَرْتَ لِي [12] .
فذلك قوله: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً، أَيْ سَاجِدًا، عَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ لأن كل واحد منهما فِيهِ انْحِنَاءٌ، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: سَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: وَخَرَّ راكِعاً هَلْ يُقَالُ لِلرَّاكِعِ خَرَّ؟
قُلْتُ: لا ومعناه فخر [13] بعد ما كَانَ رَاكِعًا أَيْ: سَجَدَ [14] . وَأَنابَ، أَيْ رَجَعَ وَتَابَ.
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ، يَعْنِي ذَلِكَ الذَّنْبَ، وَإِنَّ لَهُ، بَعْدَ الْمَغْفِرَةِ، عِنْدَنا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَزُلْفى، لقربة ومكانة، وَحُسْنَ مَآبٍ، أَيْ حُسْنُ مَرْجِعٍ وَمُنْقَلَبٍ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ داود لما تاب الله
__________
(1) في المطبوع «أو» والمثبت عن المخطوط.
(2) هذه الآثار من الإسرائيليات.
(3) في المطبوع «عني» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) في المطبوع «بالغيب» والمثبت عن المخطوط، و «ط» .
(6) في المطبوع «عني» .
(7) في المطبوع «عن» والمثبت عن المخطوط.
(8) زيادة عن المخطوط.
(9) في المخطوط «نصبت الموازين» .
(10) في المخطوط «لداود» .
(11) في المطبوع «له» .
(12) لو لم يذكر المصنف هذه الآثار لكان أولى، وقد أطال في ذلك رحمه الله؟!
(13) في المطبوع «خر» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(14) في المطبوع «ساجدا» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4/63)

عَلَيْهِ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَرْقَأُ دَمْعُهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَكَانَ أَصَابَ الْخَطِيئَةَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً فَقَسَّمَ الدَّهْرَ بَعْدَ الْخَطِيئَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أيام: يوم للقضاء في [1] بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَوْمٌ لِنِسَائِهِ وَيَوْمٌ يَسْبَحُ فِي الْفَيَافِي وَالْجِبَالِ وَالسَّوَاحِلِ، وَيَوْمٌ يَخْلُو فِي دَارٍ لَهُ فِيهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ مِحْرَابٍ، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الرُّهْبَانُ فَيَنُوحُ مَعَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، فَيُسَاعِدُونَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ نِيَاحَتِهِ يَخْرُجُ فِي الْفَيَافِي فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْمَزَامِيرِ فَيَبْكِي وَيَبْكِي مَعَهُ الشَّجَرُ وَالرِّمَالُ وَالطَّيْرُ وَالْوُحُوشُ [2] حَتَّى يَسِيلَ مِنْ دُمُوعِهِمْ مِثْلَ الْأَنْهَارِ، ثُمَّ يَجِيءُ إِلَى الْجِبَالِ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْمَزَامِيرِ فَيَبْكِي وتبكي [3] مَعَهُ الْجِبَالُ وَالْحِجَارَةُ وَالدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ، حَتَّى تَسِيلَ مِنْ بُكَائِهِمُ الْأَوْدِيَةُ، ثم يجييء إِلَى السَّاحِلِ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْمَزَامِيرِ فَيَبْكِي وَتَبْكِي مَعَهُ الْحِيتَانُ وَدَوَابُّ الْبَحْرِ وَطَيْرُ الْمَاءِ وَالسِّبَاعُ، فَإِذَا أَمْسَى رَجَعَ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ نَوْحِهِ عَلَى نَفْسِهِ نَادَى مُنَادِيهِ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ نَوْحِ دَاوُدَ عَلَى نَفْسِهِ فَلْيَحْضُرْ مَنْ يُسَاعِدُهُ، فَيَدْخُلُ الدَّارَ الَّتِي فِيهَا الْمَحَارِيبُ فيبسط له ثلاث فُرُشٍ مُسُوحٍ حَشْوُهَا لِيفٌ فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا وَيَجِيءُ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَاهِبٍ عَلَيْهِمُ الْبَرَانِسُ وَفِي أَيْدِيهِمُ الْعِصِيُّ فَيَجْلِسُونَ [4] فِي تِلْكَ الْمَحَارِيبِ ثُمَّ يَرْفَعُ دَاوُدُ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَرْفَعُ الرُّهْبَانُ مَعَهُ [5] أَصْوَاتَهُمْ فَلَا يَزَالُ يَبْكِي حَتَّى تَغْرَقَ الْفُرُشُ مِنْ دُمُوعِهِ، وَيَقَعَ دَاوُدُ فِيهَا مِثْلَ الْفَرْخِ يَضْطَرِبُ، فَيَجِيءُ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ فَيَحْمِلُهُ فَيَأْخُذُ دَاوُدُ مِنْ تِلْكَ الدُّمُوعِ بِكَفَّيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: يَا رَبِّ اغْفِرْ لِي مَا تَرَى، فَلَوْ عُدِلَ بُكَاءُ دَاوُدَ ببكاء أهل الدنيا لعدله [6] .
قال وَهْبٌ: مَا رَفَعَ دَاوُدُ رَأْسَهُ حَتَّى قَالَ لَهُ الْمَلَكُ أَوَّلُ أمرك ذنب [7] وآخره مغفرة ارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَمَكَثَ حَيَاتَهُ لَا يَشْرَبُ مَاءً إِلَّا مَزَجَهُ بِدُمُوعِهِ، وَلَا يَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بَلَّهُ بِدُمُوعِهِ.
«1806» وَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مَثَلَ عَيْنَيْ دَاوُدَ كَقِرْبَتَيْنِ [8] تَنْطِفَانِ مَاءً، وَلَقَدْ خَدَّتِ الدُّمُوعُ فِي وَجْهِهِ كَخَدِيدِ الْمَاءِ فِي الْأَرْضِ» .
قَالَ وَهْبٌ: لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى دَاوُدَ قَالَ: يَا رَبِّ غَفَرْتَ لِي فَكَيْفَ لِي أَنْ لَا أَنْسَى خَطِيئَتِي فَأَسْتَغْفِرَ مِنْهَا وَلِلْخَاطِئِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: فَوَسَمَ اللَّهُ خَطِيئَتَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى فَمَا رَفَعَ فِيهَا طَعَامًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا بَكَى إِذَا رَآهَا، وَمَا قَامَ [9] خَطِيبًا فِي النَّاسِ إِلَّا بَسَطَ رَاحَتَهُ فَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ لِيَرَوْا وَسْمَ خَطِيئَتِهِ، وَكَانَ يَبْدَأُ إِذَا دَعَا فَاسْتَغْفَرَ لِلْخَاطِئِينَ قَبْلَ نَفْسِهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ: كَانَ دَاوُدُ بَعْدَ الْخَطِيئَةِ لَا يُجَالِسُ إِلَّا الْخَاطِئِينَ، يَقُولُ: تَعَالَوْا إِلَى دَاوُدَ الْخَاطِئِ فَلَا يَشْرَبُ شَرَابًا إِلَّا مَزَجَهُ بِدُمُوعِ عَيْنَيْهِ وَكَانَ يَجْعَلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ الْيَابِسِ فِي قَصْعَةٍ [10] فَلَا يَزَالُ يَبْكِي عَلَيْهِ حَتَّى يَبْتَلَّ بِدُمُوعِ عَيْنَيْهِ، وكان يذر عليه الملح [والتراب] [11] وَالرَّمَادَ فَيَأْكُلُ وَيَقُولُ هَذَا أَكْلُ
__________
1806- باطل. أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» 340 قال: حدثني إسحق، قال حدثني صاحب لنا، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم ... وهذا إسناد ساقط، وله علتان: فهو معضل، وفيه من لم يسم، والأشبه أنه من الإسرائيليات.
(1) في المطبوع «بين» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «الوحش» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(3) في المطبوع «يبكي» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المطبوع «فيجلس» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(5) في المطبوع «مع» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(6) هذا الأثر وأشباهه من ترّهات الإسرائيليين وأساطيرهم.
(7) في المطبوع «تب» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(8) في المخطوط «كعريش» .
(9) في المطبوع «كان» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(10) في المخطوط «قصعته» .
(11) زيادة عن المخطوط.
(4/64)

الْخَاطِئِينَ.
قَالَ: وَكَانَ دَاوُدُ قَبْلَ الْخَطِيئَةِ يَقُومُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ مَا كَانَ صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ وَقَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ.
وَقَالَ ثابت: كان داود إذا ذَكَرَ عِقَابَ اللَّهِ تَخَلَّعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَا يَشُدُّهَا إِلَّا الْأَسْرُ، وَإِذَا ذَكَرَ رَحْمَةَ اللَّهِ تَرَاجَعَتْ.
وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ الْوُحُوشَ وَالطَّيْرَ كَانَتْ تَسْتَمِعُ إِلَى قِرَاءَتِهِ فَلَمَّا فَعَلَ مَا فَعَلَ كَانَتْ لَا تُصْغِي إِلَى قِرَاءَتِهِ.
فَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا دَاوُدُ ذَهَبَتْ خَطِيئَتُكَ بِحَلَاوَةِ صَوْتِكَ [1] .
«1807» وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ قالا ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَجْدَةُ ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِيهَا.
«1808» وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا محمد بن عبد الله ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدٍ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ص فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟ قَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ، إِلَى:
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الْأَنْعَامِ: 84- 90] ، وَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَهَا دَاوُدُ، فَسَجَدَهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم.
__________
1807- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو النعمان هو محمد بن الفضل، أيوب هو ابن أبي تميمة، عكرمة هو أبو عبد الله مولى ابن عباس.
- وهو في «صحيح البخاري» 1069 عن سليمان بن حرب وأبي النعمان بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 577 والبغوي في «شرح السنة» 767 من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن أيوب به.
- وأخرجه ابن خزيمة 550 والطحاوي في «المشكل» 2804 من طريقين عن أيوب به.
1808- إسناده صحيح على شرط البخاري.
- مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ الكلاباذي وابن طاهر: هو الذهلي نسب إلى جده، وقال غيرهما: يحتمل أن يكون مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المبارك المخرمي فإنه من هذه الطبقة، قاله الحافظ في «فتح الباري» 8/ 544 فالله أعلم. العوام هو ابن حوشب، مجاهد هو ابن جبر.
- وهو في «صحيح البخاري» 4807 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 3421 و4806 وابن خزيمة 552 وابن حبان 2766 من طرق عن العوام بن حوشب به.
- وأخرجه البخاري 4632 من طريق سليمان الأحول عن مجاهد به مختصرا.
- وأخرجه النسائي 2/ 159 والدارقطني 1/ 407 من طريقين عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم سجد في «ص» وقال: سجدها داود توبة، وتسجدها شكرا» .
(1) في المخطوط «قراءتك» .
(4/65)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)
«1809» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد الْمَحْبُوبِيُّ [1] ثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ثنا قتيبة [ثنا] [2] محمد بن يزيد بن خنيس ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشجرة بسجودي، فَسَمِعْتُهَا [وَهِيَ] تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا وَضَعْ [3] عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ» .
قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ لِي جَدُّكَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ فَسَمِعْتُهُ وهو يقول مثل مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشجرة.
قوله عزّ وجلّ: يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ تُدَبِّرُ أُمُورَ الْعِبَادِ بِأَمْرِنَا، فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، بِالْعَدْلِ، وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ، أَيْ بِأَنْ تَرَكُوا الْإِيمَانَ بِيَوْمِ الْحِسَابِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: بِتَرْكِهِمُ الْعَمَلَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ الْحِسَابِ بِمَا نَسُوا، أَيْ تَرَكُوا القضاء بالعدل.

[سورة ص (38) : الآيات 27 الى 28]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا لِثَوَابٍ وَلَا لِعِقَابٍ. ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، يَعْنِي أَهْلَ مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا لِغَيْرِ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ لَا بَعْثَ وَلَا حِسَابَ. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ.
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: قَالَ كُفَّارُ قريش
__________
1809- إسناده ضعيف مداره على الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدِ الله، وهو مجهول، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلّا به، وقال الذهبي في «الميزان» : فيه جهالة، ما روى عنه سوى ابن خنيس، وقال في «المغني» غير معروف، وقال في «الكشاف» : غير حجة. وضعف الترمذي حديثه بقوله: غريب.
- وهو في «شرح السنة» 772 بهذا الإسناد.
- وهو في «سنن الترمذي» 579 و3424 عن قتيبة بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن ماجه 1053 والحاكم 1/ 219- 220 وابن حبان 2768 والعقيلي في «الضعفاء» 1/ 243 والمزي في «تهذيب الكمال» 6/ 314 وابن كثير في «التفسير» 4/ 39 من طريق محمد بن يزيد بن خنيس به.
- وصححه الحاكم! ووافقه الذهبي! وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلّا من هذا الوجه، وهذا توهين منه للحديث حيث استغربه، ولم يصححه، وهو كما قال، وضعفه أيضا شعيب الأرناؤوط في «الإحسان» 6/ 474 في حين أورده الألباني في «الصحيحة» 2710.
(1) في المطبوع «المحوبي» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» . [.....]
(2) سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع «وحط» والمثبت عن المخطوط، و «شرح السنة» .
(4/66)

كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)
لِلْمُؤْمِنِينَ: إِنَّا نُعْطَى فِي الْآخِرَةِ من الخير ما تعطون [1] ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ، أَيِ الْمُؤْمِنِينَ كَالْكُفَّارِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُتَّقِينَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ لا نجعل ذلك.

[سورة ص (38) : الآيات 29 الى 32]
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (31) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (32)
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ، أَيْ هَذَا الْكِتَابُ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ، مُبارَكٌ، كَثِيرٌ خَيْرُهُ وَنَفْعُهُ، لِيَدَّبَّرُوا، أَيْ لِيَتَدَبَّرُوا، آياتِهِ، وليتفكروا فيها، وقرأ أَبُو جَعْفَرٍ لِتَدَبَّرُوا بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ وَتَخْفِيفِ الدَّالِّ، قَالَ الْحَسَنُ:
تَدَبُّرُ آياته اتباعه، وَلِيَتَذَكَّرَ، ليتعظ، أُولُوا الْأَلْبابِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (31) .
قَالَ الْكَلْبِيُّ: غَزَا سُلَيْمَانُ أَهْلَ دِمَشْقَ وَنَصِيبِينَ، فَأَصَابَ مِنْهُمْ أَلْفَ فَرَسٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ دَاوُدَ أَلْفَ فَرَسٍ. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّهَا كَانَتْ خَيْلًا أُخْرِجَتْ [2] مِنَ الْبَحْرِ لَهَا أَجْنِحَةٌ.
قَالُوا: فَصَلَّى سُلَيْمَانُ الصَّلَاةَ الْأُولَى وَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَهِيَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ فَعُرِضَتْ عَلَيْهِ تِسْعُمِائَةٍ فَتَنَبَّهَ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِذَا الشَّمْسُ قَدْ غَرَبَتْ وَفَاتَتْهُ الصَّلَاةُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ [هيبة له] [3] فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ هَيْبَةً لِلَّهِ، فَقَالَ:
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَرَدُّوهَا عَلَيْهِ، فَأَقْبَلَ يَضْرِبُ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا [4] بِالسَّيْفِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ حَيْثُ اشْتَغَلَ بِهَا عَنْ طَاعَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَهُ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا عَلَيْنَا كَمَا أُبِيحَ لَنَا ذَبْحُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَبَقِيَ مِنْهَا مِائَةُ فَرَسٍ، فَمَا بَقِيَ فِي أَيْدِي النَّاسِ الْيَوْمَ مِنَ الْخَيْلِ يُقَالُ مِنْ نَسْلِ تِلْكَ الْمِائَةِ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَلَمَّا عقر الخيل أبدله الله خَيْرًا مِنْهَا وَأَسْرَعَ وَهِيَ الرِّيحُ تَجْرِي بِأَمْرِهِ كَيْفَ يَشَاءُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: كَانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: كَانَتْ عِشْرِينَ أَلْفَ فَرَسٍ، لَهَا أَجْنِحَةٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (31) ، وَالصَّافِنَاتُ هِيَ الْخَيْلُ الْقَائِمَةُ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ وَأَقَامَتْ وَاحِدَةً عَلَى طَرَفِ الْحَافِرِ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ، يُقَالُ: صَفَنَ الْفَرَسُ يَصْفِنُ صُفُونًا إِذَا قَامَ على ثلاث قَوَائِمَ، وَقَلَبَ أَحَدَ حَوَافِرِهِ.
وَقِيلَ: الصَّافِنُ فِي اللُّغَةِ الْقَائِمُ.
«1810» وَجَاءَ [5] فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجَالُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . أَيْ قِيَامًا،
__________
1810- لا أصل له بلفظ «صفونا» وإنما هو من تصرف بعض الرواة أو أهل اللغة. وهو عند أبي داود 5229، والترمذي 5756 وأحمد 4/ 91- 94 من حديث معاوية بن أبي سفيان بلفظ: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوّأ مقعده من النار» هذا هو الصحيح الوارد في هذا المتن.
- وإسناده جيد، وصححه المنذري في «الترغيب» 3/ 431.
- وفي الباب من حديث أبي أمامة أخرجه أبو داود 5230، وأحمد 5/ 253 وحسنه المنذري في «ترغيبه» 3/ 431.
(1) في المخطوط (أ) «ما لا تعطون» ، والمثبت عن «ط» والمخطوط (ب) .
(2) في المخطوط «خرجت» والمعنى واحد.
(3) زيادة عن المخطوط (أ) و (ب) .
(4) في المخطوط (ب) «أعقابها» .
(5) في المطبوع «وقال» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4/67)