Advertisement

تفسير البغوي إحياء التراث 016



الكتاب : معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي
المؤلف : محيي السنة ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى : 510هـ)
المحقق : عبد الرزاق المهدي
الناشر : دار إحياء التراث العربي -بيروت
الطبعة : الأولى ، 1420 هـ
عدد الأجزاء :5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، وهو مذيل بالحواشي، وضمن خدمة مقارنة التفاسير]
__________
الكتاب مرتبط بنسخة أخرى (ط : دار طيبة) للشاملة، ومصورة رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)
وَالْجِيَادُ الْخِيَارُ السِّرَاعُ، وَاحِدُهَا جَوَادٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا: يُرِيدُ الْخَيْلَ السَّوَابِقَ.
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ، أَيْ آثرت حُبَّ الْخَيْرِ [عَنْ ذِكْرِ رَبِّي] [1] وَأَرَادَ بِالْخَيْرِ: الْخَيْلَ، وَالْعَرَبُ تُعَاقِبُ بَيْنَ الرَّاءِ وَاللَّامِ، فَتَقُولُ: خَتَلْتُ الرَّجُلَ وَخَتَرْتُهُ، أَيْ: خَدَعْتُهُ، وَسُمِّيَتِ الْخَيْلُ خَيْرًا لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ، الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمَالَ فَهِيَ الْخَيْلُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِ. عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، يَعْنِي عَنِ الصَّلَاةِ وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ. حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ، أَيْ توارت الشمس بالحجاب أي اسْتَتَرَتْ بِمَا يَحْجُبُهَا عَنِ الْأَبْصَارِ، يقال: الحجاب جَبَلٌ دُونَ قَافٍ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ والشمس تغرب من ورائه.

[سورة ص (38) : الآيات 33 الى 34]
رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (34)
رُدُّوها عَلَيَّ، أَيْ رُدُّوا الْخَيْلَ [2] عَلَيَّ فَرَدُّوهَا، فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
طَفِقَ يَفْعَلُ مِثْلُ مَا زَالَ يَفْعَلُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْحِ الْقَطْعُ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِالسَّيْفِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَمُقَاتِلٍ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَهُ لِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَقْدَمُ عَلَى مُحَرَّمٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَتُوبُ عَنْ ذَنْبٍ بِذَنْبٍ آخَرَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمْ يُعَنِّفْهُ [3] اللَّهُ عَلَى عَقْرِ الخيل إذ كَانَ ذَلِكَ أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ فَرِيضَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ ذَبَحَهَا ذَبْحًا وَتَصَدَّقَ بِلُحُومِهَا، وَكَانَ الذَّبْحُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مُبَاحًا فِي شريعته.
وقال قومه: مَعْنَاهُ أَنَّهُ حَبَسَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكَوَى سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِكَيِّ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَابْنُ كَيْسَانَ: إِنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِيَدِهِ يَكْشِفُ الْغُبَارَ عَنْهَا حُبًّا لَهَا وَشَفَقَةً عَلَيْهَا، وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ.
وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: رُدُّوها عَلَيَّ يَقُولُ سُلَيْمَانُ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالشَّمْسِ رُدُّوها عَلَيَّ يَعْنِي الشَّمْسَ، فَرَدُّوهَا عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْخَيْلُ لِجِهَادِ عَدُوٍّ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ، اخْتَبَرْنَاهُ وَابْتَلَيْنَاهُ بِسَلْبِ مُلْكِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: سَمِعَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَدِينَةٍ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ يُقَالُ لَهَا صَيْدُونَ [4] بِهَا مَلِكٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ لم يكن للناس إليه سبيلا لِمَكَانِهِ [فِي الْبَحْرِ] [5] ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ آتَى سُلَيْمَانَ فِي مُلْكِهِ سُلْطَانًا لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ، إِنَّمَا يَرْكَبُ إِلَيْهِ الرِّيحَ، فَخَرَجَ إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَةِ تَحْمِلُهُ الرِّيحُ عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ. حَتَّى نَزَلَ بِهَا بِجُنُودِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، فَقَتَلَ
__________
- وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» 4/ 91 عن الحديث المذكور: ولم أجده هكذا، وفي غريب الحديث لأبي عبيد من حديث البراء رضي الله عنه «كنا إذا صلينا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، فرفع رأسه قمنا معه صفونا» .
قلت: هو في «الغريب» 1/ 379 بدون إسناد.
(1) زيادة عن المخطوط (أ) .
(2) في المطبوع «الجبل» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع «يعتقه» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4) في المخطوط «صفدون» .
(5) زيادة عن المخطوط (أ) . [.....]
(4/68)

ملكها وَسَبَى مَا فِيهَا وَأَصَابَ فِيمَا أَصَابَ بِنْتًا لِذَلِكَ الْمَلِكِ، يُقَالُ لَهَا جَرَادَةُ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ، وَدَعَاهَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَتْ عَلَى جَفَاءٍ مِنْهَا وَقِلَّةِ فِقْهٍ، وَأَحَبَّهَا حُبًّا لم يحبه شيء مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتْ عَلَى مَنْزِلَتِهَا عِنْدَهُ لَا يَذْهَبُ حُزْنُهَا وَلَا يَرْقَأُ دَمْعُهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا:
وَيْحَكِ مَا هَذَا الْحُزْنُ الَّذِي لَا يَذْهَبُ، وَالدَّمْعُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ؟ قَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَذْكُرُهُ وَأَذْكُرُ مُلْكَهُ وَمَا كَانَ فِيهِ وَمَا أَصَابَهُ فَيُحْزِنُنِي ذَلِكَ.
قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَدْ أَبْدَلَكِ اللَّهُ بِهِ مُلْكًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ مُلْكِهِ وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهِ، وَهَدَاكِ لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَتْ: إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَكِنِّي إِذَا ذَكَرْتُهُ أَصَابَنِي مَا تَرَى مِنَ الْحُزْنِ، فَلَوْ أَنَّكَ أَمَرْتَ الشياطين فصوروا لي صُورَتَهُ فِي دَارِي الَّتِي أَنَا فِيهَا أَرَاهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا لَرَجَوْتُ أَنْ يُذْهِبَ ذَلِكَ حُزْنِي، وَأَنْ يسليني عن بَعْضَ مَا أَجِدُ فِي نَفْسِي. فَأَمَرَ سُلَيْمَانُ الشَّيَاطِينَ، فَقَالَ: مَثِّلُوا لَهَا صُورَةَ أَبِيهَا فِي دَارِهَا حَتَّى لَا تُنْكِرَ مِنْهُ شَيْئًا فَمَثَّلُوهُ لَهَا حَتَّى نَظَرَتْ إِلَى أَبِيهَا بِعَيْنِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا رُوحَ فِيهِ، فَعَمَدَتْ إِلَيْهِ حِينَ صَنَعُوهُ فَأَزَّرَتْهُ وَقَمَّصَتْهُ وَعَمَّمَتْهُ وَرَدَّتْهُ بِمِثْلِ ثِيَابِهِ الَّتِي كَانَ يَلْبَسُ، ثم كانت إِذَا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنْ دَارِهَا تَغْدُو عَلَيْهِ فِي وَلَائِدِهَا حَتَّى تَسْجُدَ لَهُ وَيَسْجُدْنَ لَهُ كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ بِهِ فِي مُلْكِهِ، وَتَرُوحُ كُلَّ عَشِيَّةٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ وكان سليمان لَا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَبَلَغَ ذَلِكَ آصَفَ بْنَ بَرَخْيَا، وَكَانَ صِدِّيقًا وَكَانَ لَا يُرَدُّ عَنْ أَبْوَابِ سُلَيْمَانَ أَيَّ سَاعَةٍ أَرَادَ دُخُولَ شَيْءٍ من بيوته حَاضِرًا كَانَ سُلَيْمَانُ أَوْ غَائِبًا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَبُرَ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَنَفِدَ عُمْرِي وَقَدْ حَانَ مِنِّي الذَّهَابُ فَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَقُومَ مَقَامًا قَبْلَ الْمَوْتِ أَذْكُرُ فِيهِ مَنْ مَضَى مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأُثْنِي عَلَيْهِمْ بِعِلْمِي فِيهِمْ، وَأُعَلِّمُ النَّاسَ بَعْضَ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِمْ، فَقَالَ: افْعَلْ، فَجَمْعَ لَهُ سُلَيْمَانُ النَّاسَ فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَذَكَرَ مَنْ مَضَى مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَثْنَى على كل نبي ما فِيهِ فَذَكَرَ مَا فَضَّلَهُ اللَّهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: ما أحكمك فِي صِغَرِكَ وَأَوْرَعَكَ فِي صِغَرِكَ وَأَفْضَلَكَ فِي صِغَرِكَ وَأَحْكَمَ أَمْرِكَ فِي صِغَرِكَ وَأَبْعَدَكَ مِنْ كُلِّ مَا تَكْرَهُ فِي صِغَرِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَجَدَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى ملأه غضبا [وغيظا] [1] فَلَمَّا دَخَلَ سُلَيْمَانُ دَارَهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ.
فَقَالَ: يَا آصَفُ ذَكَرْتَ مَنْ مَضَى مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَأَثْنَيْتَ عَلَيْهِمْ خَيْرًا فِي كُلِّ زَمَانِهِمْ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا ذَكَرْتَنِي جَعَلْتَ تُثْنِي عَلَيَّ بِخَيْرٍ فِي صِغَرِي، وَسَكَتَّ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِي فِي كِبَرِي؟
فَمَا الَّذِي أَحْدَثْتُ فِي آخِرِ أَمْرِي؟ فَقَالَ: إِنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَيُعْبَدُ فِي دَارِكَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فِي هَوَى امْرَأَةٍ، فَقَالَ: فِي دَارِي؟ فَقَالَ: في دارك، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكَ مَا قلت الذي قلت ذلك إِلَّا عَنْ شَيْءٍ بَلَغَكَ، ثُمَّ رَجَعَ سُلَيْمَانُ إِلَى دَارِهِ وَكَسَرَ ذَلِكَ الصَّنَمَ، وَعَاقَبَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وولائدها.
ثم أمر بثياب الظهيرة فَأُتِيَ بِهَا وَهِيَ ثِيَابٌ لَا تغزلها إلّا الأبكار ولا تنسجها إلّا الأبكار ولا تغسلها إِلَّا الْأَبْكَارُ لَمْ تَمْسَسْهَا امْرَأَةٌ قَدْ رَأَتِ الدَّمَ، فَلَبِسَهَا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَحْدَهُ فَأَمَرَ بِرَمَادٍ فَفُرِشَ لَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى ذَلِكَ الرَّمَادِ وَتَمَعَّكَ فِيهِ بِثِيَابِهِ تَذَلُّلًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَتَضَرُّعًا إِلَيْهِ يَبْكِي وَيَدْعُو، وَيَسْتَغْفِرُ مِمَّا كَانَ فِي دَارِهِ.
فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ يَوْمَهُ حَتَّى أَمْسَى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى دَارِهِ، وَكَانَتْ لَهُ أَمْ ولد يقال لها الأمينة، وكان إِذَا دَخَلَ مَذْهَبَهُ أَوْ أَرَادَ إِصَابَةَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ وَضَعَ خَاتَمَهُ عِنْدَهَا حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَكَانَ لَا يَمَسُّ خَاتَمَهُ إِلَّا وَهُوَ
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(4/69)

طَاهِرٌ، وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ فَوَضَعَهُ يَوْمًا عِنْدَهَا، ثُمَّ دَخَلَ مَذْهَبَهُ فَأَتَاهَا الشَّيْطَانُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَاسْمُهُ صَخْرٌ عَلَى صُورَةِ سُلَيْمَانَ لَا تُنْكِرُ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ: خاتمي [يا] [1] أَمِينَةُ فَنَاوَلَتْهُ إِيَّاهُ، فَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى سَرِيرِ سُلَيْمَانَ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ، وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ فَأَتَى الْأَمِينَةَ وَقَدْ غُيِّرَتْ حَالُهُ [2] وَهَيْئَتُهُ عِنْدَ كُلِّ مَنْ رَآهُ.
فَقَالَ: يَا أَمِينَةُ خَاتَمِي، قَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَتْ: كَذَبْتَ فَقَدْ جَاءَ سُلَيْمَانُ فَأَخَذَ خَاتَمَهُ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ، فَعَرَفَ سُلَيْمَانُ أَنَّ خَطِيئَتَهُ قَدْ أَدْرَكَتْهُ، فَخَرَجَ فَجَعَلَ يَقِفُ عَلَى الدَّارِ مِنْ دُوْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَقُولُ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ فَيَحْثُونَ عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيَسُبُّونَهُ، وَيَقُولُونَ:
انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمَجْنُونِ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُ يَزْعُمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ، فَلَمَّا رَأَى سُلَيْمَانُ ذَلِكَ عَمَدَ إِلَى الْبَحْرِ، فَكَانَ يَنْقُلُ الْحِيتَانَ لِأَصْحَابِ الْبَحْرِ إِلَى السُّوقِ فَيُعْطُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَمَكَتَيْنِ فَإِذَا أَمْسَى بَاعَ إِحْدَى سَمَكَتَيْهِ بِأَرْغِفَةٍ وَشَوَى الْأُخْرَى فَأَكَلَهَا، فَمَكَثَ بِذَلِكَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا عِدَّةَ مَا كَانَ عُبِدَ الْوَثَنُ فِي دَارِهِ.
فَأَنْكَرَ آصَفُ وَعُظَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ حُكْمَ عَدُوِّ اللَّهِ الشَّيْطَانِ فِي تِلْكَ الْأَرْبَعِينَ، فَقَالَ آصَفُ: يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ هل رأيتم من اخْتِلَافَ حُكْمِ ابْنِ دَاوُدَ مَا رَأَيْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ فَأَسْأَلُهُنَّ فَهَلْ أَنْكَرْتُنَّ مِنْهُ فِي خَاصَّةِ أمره ما أنكرنا فِي عَامَّةِ أَمْرِ النَّاسِ وَعَلَانِيَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَقَالَ: وَيَحَكُنَّ هَلْ أَنْكَرْتُنَّ مِنْ أَمْرِ ابْنِ دَاوُدَ مَا أَنْكَرْنَا؟ فَقُلْنَ أَشَدُّهُ مَا يَدَعُ مِنَّا امْرَأَةً فِي دَمِهَا وَلَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: مَا فِي الْخَاصَّةِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي الْعَامَّةِ، فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُونَ صَبَاحًا طَارَ الشَّيْطَانُ عَنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَقَذَفَ الْخَاتَمَ فِيهِ فَبَلَعَتْهُ سَمَكَةٌ فَأَخَذَهَا بَعْضُ الصَّيَّادِينَ، وَقَدْ عَمِلَ لَهُ سُلَيْمَانُ صَدْرَ يَوْمِهِ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَشِيُّ أَعْطَاهُ سَمَكَتَيْهِ وَأَعْطَاهُ السَّمَكَةَ الَّتِي أَخَذَتِ الْخَاتَمَ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بِسَمَكَتَيْهِ، فَبَاعَ الَّتِي لَيْسَ فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ بِالْأَرْغِفَةِ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى السَّمَكَةِ الْأُخْرَى فَبَقَرَهَا لِيَشْوِيَهَا فَاسْتَقْبَلَهُ خَاتَمُهُ فِي جَوْفِهَا، فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ وَوَقَعَ سَاجِدًا، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَالْجِنُّ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَعَرَفَ الَّذِي كَانَ قَدْ دَخَلَ عليه لما كان قد أحدث فِي دَارِهِ، فَرَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَأَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَقَالَ: ائْتُونِي بِصَخْرٍ فَطَلَبَتْهُ الشَّيَاطِينُ حَتَّى أَخَذَتْهُ فَأُتِيَ بِهِ وجاؤوا لَهُ بِصَخْرَةٍ فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَهُ فِيهَا ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ بِأُخْرَى، ثُمَّ أوثقهما بِالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُذِفَ فِي الْبَحْرِ. هَذَا حَدِيثُ وَهْبٍ [3] .
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَ الشَّيْطَانَ عَلَى نِسَائِهِ.
وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: كَانَ سَبَبُ فِتْنَةِ [4] سُلَيْمَانَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِائَةُ امْرَأَةٍ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يُقَالُ لَهَا جَرَادَةُ هِيَ آثَرُ نِسَائِهِ وَآمَنُهُنَّ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَأْتَمِنُهَا عَلَى خَاتَمِهِ إِذَا أَتَى حَاجَتَهُ، فَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا: إِنَّ أَخِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ خُصُومَةٌ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَقْضِيَ لَهُ إِذَا جَاءَكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ يَفْعَلْ فابتلي بقوله لزوجته نعم.
فَأَعْطَاهَا خَاتَمَهُ وَدَخَلَ الْمَخْرَجَ فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَأَخَذَهُ وَجَلَسَ على مجلس سليمان، وخرج
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المخطوط «حالته» .
(3) هذا الأثر من إسرائيليات وهب بن منبه، فقد روى الكثير عن الإسرائيليين، وأنكر ما فيه إصابة الشيطان لنساء سليمان، فمثل هذا الباطل لا يحتمل، ولو لم يذكره المصنف رحمه الله لكان أولى.
(4) في المطبوع «قصة» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(4/70)

سليمان فَسَأَلَهَا خَاتَمَهُ فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ؟ قَالَ: لَا، وَخَرَجَ مَكَانَهُ وَمَكَثَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأَنْكَرَ النَّاسُ حُكْمَهُ، فَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَاؤُهُمْ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِ. فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَنْكَرْنَا هَذَا، فَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ، فَبَكَى النِّسَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَقْبَلُوا حَتَّى أحدقوا به ونشروا التوراة فقرؤوها فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى وَقَعَ عَلَى شُرْفَةٍ وَالْخَاتَمُ مَعَهُ ثُمَّ طَارَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ، فَوَقَعَ الْخَاتَمُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ، وَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَيَّادٍ مِنْ صَيَّادِي الْبَحْرِ وَهُوَ جَائِعٌ قَدِ اشْتَدَّ جُوعُهُ، فَاسْتَطْعَمَهُ مِنْ صَيْدِهِ، وَقَالَ: إِنِّي أَنَا سُلَيْمَانُ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ دَمَهُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهُ وَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ مِمَّا قَدْ مَذِرَ [1] عِنْدَهُمْ، فَشَقَّ بُطُونَهُمَا وَجَعَلَ يَغْسِلُهُمَا، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ إِحْدَاهُمَا، فَلَبِسَهُ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مُلْكَهُ وَبَهَاءَهُ، وَحَامَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ، فَقَامُوا يَعْتَذِرُونَ مِمَّا صَنَعُوا.
فَقَالَ: مَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، هَذَا أَمْرٌ كَائِنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، فلما أتى مملكته أمر جنيا أُتِيَ بِالشَّيْطَانِ الَّذِي أَخَذَ خَاتَمَهُ وَجَعَلَهُ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ ثم أطبق عليه وأقفل عَلَيْهِ بِقُفْلٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ، وَأَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ وهو حي كذلك حتى تقوم السَّاعَةِ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا افْتُتِنَ سَقَطَ الْخَاتَمُ مِنْ يَدِهِ وَكَانَ فِيهِ مُلْكُهُ فَأَعَادَهُ سُلَيْمَانُ إِلَى يَدِهِ فَسَقَطَ فَأَيْقَنَ سُلَيْمَانُ بِالْفِتْنَةِ، فَأَتَى آصَفُ فَقَالَ لِسُلَيْمَانَ إِنَّكَ مَفْتُونٌ بِذَنْبِكَ، وَالْخَاتَمُ لَا يَتَمَاسَكُ فِي يَدِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَفِرَّ إِلَى الله تائبا وإني أَقُومُ مَقَامَكَ وَأَسِيرُ بِسِيرَتِكَ إِلَى أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَفَرَّ سُلَيْمَانُ هَارِبًا إِلَى رَبِّهِ وَأَخَذَ آصَفُ الْخَاتَمَ، فَوَضَعَهُ فِي أُصْبُعِهِ فَثَبَتَ فَهُوَ الْجَسَدُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً فَأَقَامَ آصَفُ فِي مُلْكِهِ يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا إِلَى أَنْ رَدَّ اللَّهُ عَلَى سُلَيْمَانَ مُلْكَهُ، فَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَأَعَادَ الْخَاتَمَ فِي يَدِهِ فَثَبَتَ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: احْتَجَبَ سُلَيْمَانُ عَنِ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: احْتَجَبْتَ عَنِ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ فَلَمْ تَنْظُرْ فِي أُمُورِ عِبَادِي؟ فابتلاه الله عزّ وجلّ. وذكر حَدِيثَ الْخَاتَمِ وَأَخْذَ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ كَمَا رَوَيْنَا.
وَقِيلَ: قَالَ سُلَيْمَانُ يَوْمًا لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي كُلِّهِنَّ فَتَأْتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ بِابْنٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ فَجَامَعَهُنَّ فَمَا خَرَجَ لَهُ مِنْهُنَّ إِلَّا شِقُّ مَوْلُودٍ فَجَاءَتْ بِهِ الْقَابِلَةُ فَأَلْقَتْهُ عَلَى كُرْسِيِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً.
«1811» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا محمد بن يوسف ثنا
__________
1811- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو اليمان هو الحكم بن نافع، شعيب هو ابن دينار، أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان، الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز.
- وهو في «شرح السنة» 78 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 6639 عن أبي اليمان بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 3424 و6720 ومسلم 1654 ح 25 والنسائي 7/ 25 والحميدي 1174 وأبو يعلى 6347 والبيهقي 10/ 44 من طرق عن أبي الزناد به.
- وأخرجه البخاري 5242 و6720 ومسلم 1654 ح 23 و24 والنسائي 7/ 31 وأحمد 2/ 275 وأبو يعلى 6244 من
(1) في المطبوع «مما قدر عندهم» والمثبت عن «ط» والمخطوط (ب) وفي المخطوط (أ) «مما صدر عندهم» .
(4/71)

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا أَبُو اليمان أنا شعيب ثنا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«قَالَ سُلَيْمَانُ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقِلْ [إِنْ شَاءَ الله] [1] ونسي، فطاف عليهن [جميعا] [2] فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشَقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ» .
وَقَالَ طَاوُسٌ عَنْ أَبِي هريرة: [قال سليمان] [3] لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ. وَأَشْهَرُ الْأَقَاوِيلِ أَنَّ الْجَسَدَ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ هُوَ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ، أَيْ رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ بَعْدَ أربعين يوما فلما رجع.

[سورة ص (38) : آية 35]
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي (35) ، قَالَ مُقَاتِلٌ وَابْنُ كَيْسَانَ: لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: يُرِيدُ هَبْ لِي مُلْكًا لا تسلبنيه في باقي [4] عمري، وتعطيه غيري كما استلبته في ما مَضَى مِنْ عُمُرِي. إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، قِيلَ: سَأَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ آيَةً لِنُبُوَّتِهِ وَدَلَالَةً عَلَى رِسَالَتِهِ، وَمُعْجِزَةً، وَقِيلَ: سَأَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَمًا عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ حَيْثُ أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَرَدَّ إِلَيْهِ ملكه، وزاده فِيهِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ مُلْكًا وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بقوله: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي تَسْخِيرَ الرِّيَاحِ وَالطَّيْرِ وَالشَّيَاطِينِ، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
«1812» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [حدثنا مُحَمَّدُ] بْنُ بَشَّارٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ [5] حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ [6] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أخي سليمان: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فرددته خاسئا» .

[سورة ص (38) : الآيات 36 الى 42]
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (36) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (38) هَذَا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (42)
__________
طريقين عن طاووس عن أبي هريرة به.
- وأخرجه البخاري 7469 ومسلم 1654 من طريق أيوب عن محمد عن أبي هريرة به.
1812- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- وهو في «شرح السنة» 747 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 3423 عن محمد بن بشار بهذا الإسناد.
- وأخرجه النسائي في «التفسير» 460 عن محمد بن بشار به.
- وأخرجه البخاري 461 و1210 و3284 و4808 ومسلم 541 وأحمد 2/ 298 وابن حبان 6419 والبيهقي 2/ 219 من طرق عن شعبة به.
- وأخرجه ابن حبان 2349 من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سلمة عن أبي هريرة به.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المطبوع «آخر» والمثبت عن المخطوط.
(5) سقط من المطبوع. [.....]
(6) في المطبوع «زياد» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(4/72)

وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً، لَيِّنَةً لَيْسَتْ بِعَاصِفَةٍ، حَيْثُ أَصابَ، حَيْثُ أَرَادَ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَصَابَ الصَّوَابَ فَأَخْطَأَ الْجَوَابَ، تُرِيدُ أَرَادَ الصَّوَابَ.
وَالشَّياطِينَ، أي سخرنا لَهُ الشَّيَاطِينَ، كُلَّ بَنَّاءٍ، يَبْنُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ، وَغَوَّاصٍ، يَسْتَخْرِجُونَ لَهُ اللَّآلِئَ مِنَ الْبَحْرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَخْرَجَ اللُّؤْلُؤَ مِنَ الْبَحْرِ.
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (38) ، مَشْدُودِينَ فِي الْقُيُودِ، أَيْ وَسَخَّرْنَا لَهُ آخَرِينَ يَعْنِي مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ سُخِّرُوا لَهُ حَتَّى قَرَّنَهُمْ فِي الْأَصْفَادِ.
هَذَا عَطاؤُنا، أَيْ قُلْنَا لَهُ هَذَا عطاؤنا، فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ، الْمَنُّ هُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ تشيئه ومن لا تشيئه، مَعْنَاهُ: أَعْطِ مَنْ شِئْتَ وَأَمْسِكْ عَمَّنْ شِئْتَ، بِغَيْرِ حِسابٍ، لَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَفِيمَا أَمْسَكْتَ. قَالَ الْحَسَنُ: مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى أَحَدٍ نِعْمَةً إِلَّا عَلَيْهِ تَبِعَةٌ، إِلَّا سُلَيْمَانَ فَإِنَّهُ إِنْ أَعْطَى أُجَرُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هَذَا فِي أَمْرِ الشَّيَاطِينِ، يَعْنِي: خَلِّ مَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَمْسِكْ مَنْ شِئْتَ فِي وِثَاقِكَ لَا تَبِعَةَ عَلَيْكَ فِيمَا تَتَعَاطَاهُ.
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ، بِمَشَقَّةٍ وَضُرٍّ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِنُصْبٍ بِضَمِّ النُّونِ وَالصَّادِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِفَتْحِهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ، وَمَعْنَى الْكُلِّ وَاحِدٌ. قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: بِنُصْبٍ بِفَتْحِهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ، وَمَعْنَى الْكُلِّ وَاحِدٌ. قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: بِنُصْبٍ فِي الْجَسَدِ، وَعَذابٍ، فِي الْمَالِ وَقَدْ ذكرنا قصة أيوب ومدة ابتلائه فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
فَلَمَّا انْقَضَتْ مُدَّةُ بَلَائِهِ قِيلَ لَهُ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، اضْرِبْ بِرِجْلِكَ الْأَرْضَ فَفَعَلَ فَنَبَعَتْ عَيْنُ مَاءٍ، هَذَا مُغْتَسَلٌ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْهَا فَفَعَلَ فَذَهَبَ كُلُّ دَاءٍ كَانَ بِظَاهِرِهِ، ثُمَّ مَشَى أَرْبَعِينَ خُطْوَةً فَرَكَضَ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ الْأُخْرَى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرَى مَاءٌ عَذْبٌ بَارِدٌ، فَشَرِبَ مِنْهُ فَذَهَبَ كُلُّ دَاءٍ كَانَ بِبَاطِنِهِ، فَقَوْلُهُ:
هَذَا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ، يَعْنِي الَّذِي اغتسل منه بارد، وَشَرابٌ أَرَادَ الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ.

[سورة ص (38) : الآيات 43 الى 52]
وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47)
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52)
وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً (43) ، وَهُوَ مِلْءُ الْكَفِّ مِنَ الشَّجَرِ أَوِ الْحَشِيشِ، فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ، فِي يَمِينِكَ وَكَانَ قَدْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا يَشْتَمِلُ عَلَى مِائَةِ عُودٍ صِغَارٍ وَيَضْرِبَهَا بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ.
(4/73)

هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53)
وَاذْكُرْ عِبادَنا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ عَبْدَنَا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ عِبادَنا بِالْجَمْعِ، إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُولِي الْقُوَّةِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْأَبْصارِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ أَيِ الْبَصَائِرُ فِي الدِّينِ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: أُعْطَوْا قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وَبَصَرًا فِي الدِّينِ.
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ، اصطفيناهم، بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [و] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِخالِصَةٍ مُضَافًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّنْوِينِ، فَمَنْ أَضَافَ فَمَعْنَاهُ: أَخْلَصْنَاهُمْ بِذِكْرِ [1] الدَّارِ الْآخِرَةِ وَأَنْ يَعْمَلُوا لَهَا، وَالذِّكْرَى بِمَعْنَى الذِّكْرِ.
قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: نَزَعْنَا مِنْ قُلُوبِهِمْ حُبَّ الدُّنْيَا وَذِكْرَهَا، وَأَخْلَصْنَاهُمْ بِحُبِّ الْآخِرَةِ وَذِكْرِهَا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَدْعُونَ إِلَى الْآخِرَةِ وَإِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: أُخْلَصُوا بِخَوْفِ الْآخِرَةِ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَخْلَصْنَاهُمْ بِأَفْضَلِ مَا فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّنْوِينِ: فَمَعْنَاهُ بِخُلَّةٍ خَالِصَةٍ، وَهِيَ ذِكْرَى الدَّارِ، فَيَكُونُ ذِكْرَى الدَّارِ بَدَلًا عَنِ الْخَالِصَةِ. وَقِيلَ: أَخْلَصْنَاهُمْ جَعَلْنَاهُمْ مُخْلَصِينَ، بِمَا أَخْبَرْنَا عَنْهُمْ مِنْ ذِكْرِ الْآخِرَةِ.
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ هَذَا ذِكْرٌ (48) ، أي هذا الذي تلي [2] عليكم ذكر وقيل: ذِكْرٌ أَيْ: شَرَفٌ وَذِكْرٌ جَمِيلٌ تُذْكَرُونَ بِهِ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ.
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) ، أَيْ أَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةً لَهُمْ.
مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52) ، مستويات الأسنان، بنات ثلاث وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَاحِدُهَا تَرْبٌ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مُتَوَاخِيَاتٌ لَا يَتَبَاغَضْنَ ولا يتغايرن.

[سورة ص (38) : الآيات 53 الى 60]
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنا مَا لَهُ مِنْ نَفادٍ (54) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57)
وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (59) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60)
هَذَا مَا تُوعَدُونَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ يُوعَدُونَ بِالْيَاءِ هَاهُنَا وَفِي ق [32] أَيْ: مَا يُوعَدُ الْمُتَّقُونَ، وَافَقَ أَبُو عَمْرٍو هَاهُنَا وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا، أَيْ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَذَا مَا تُوعَدُونَ، لِيَوْمِ الْحِسابِ، أَيْ فِي يَوْمِ الْحِسَابِ.
إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنا مَا لَهُ مِنْ نَفادٍ (54) ، فَنَاءٍ وَانْقِطَاعٍ.
هَذَا أَيِ الْأَمْرُ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ، لِلْكَافِرِينَ، لَشَرَّ مَآبٍ، مَرْجِعٍ.
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها، يَدْخُلُونَهَا، فَبِئْسَ الْمِهادُ.
هَذَا أَيْ هَذَا الْعَذَابُ، فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ هَذَا حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ، وَالْحَمِيمُ الْمَاءُ الْحَارُّ الَّذِي انْتَهَى حَرُّهُ وَغَسَّاقٌ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَغَسَّاقٌ حيث كان
__________
(1) في المخطوط (ب) «بذكرى» والمثبت عن المطبوع والمخطوط (أ) .
(2) في المطبوع «يتلى» والمثبت عن المخطوط.
(4/74)

قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61)
بِالتَّشْدِيدِ، وَخَفَّفَهَا الْآخَرُونَ، فَمَنْ شَدَّدَ جَعَلَهُ اسْمًا عَلَى فَعَّالٍ نَحْوَ الْخَبَّازِ وَالطَّبَّاخِ، وَمَنْ خَفَّفَ جَعَلَهُ اسْمًا عَلَى فَعَالٍ نَحْوَ الْعَذَابِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْغَسَّاقِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الزَّمْهَرِيرُ يَحْرُقُهُمْ بِبَرْدِهِ، كَمَا تَحْرُقُهُمُ النَّارُ بَحَرِّهَا.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي انْتَهَى بَرْدُهُ. وَقِيلَ: هُوَ الْمُنْتِنُ بِلُغَةِ التُّرْكِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مَا يَغْسِقُ أَيْ مَا يَسِيلُ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ وَلُحُومِهِمْ وَفُرُوجِ الزُّنَاةِ، من قولهم غَسَقَتْ عَيْنُهُ إِذَا انْصَبَّتْ، وَالْغَسَقَانُ [1] الانصباب.
وَآخَرُ، قرأ أهل البصرة أخر بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى جَمْعِ أُخْرَى، مِثْلَ الْكُبْرَى وَالْكُبَرِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ لِأَنَّهُ نَعَتَهُ بِالْجَمْعِ، فَقَالَ: أَزْوَاجٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ [2] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مُشْبَعَةً عَلَى الْوَاحِدِ. مِنْ شَكْلِهِ. مِثْلِهِ أَيْ مِثْلُ الْحَمِيمِ وَالْغَسَّاقِ، أَزْواجٌ، أَيْ أَصْنَافٌ أُخَرُ مِنَ الْعَذَابِ.
هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا هُوَ أَنَّ الْقَادَةَ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَهُمُ الْأَتْبَاعُ قَالَتِ الْخَزَنَةُ لِلْقَادَةِ [3] : هَذَا يَعْنِي الْأَتْبَاعُ فَوْجٌ جَمَاعَةٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمُ النَّارَ، أَيْ دَاخِلُوهَا كَمَا أَنْتُمْ دَخَلْتُمُوهَا، وَالْفَوْجُ الْقَطِيعُ مِنَ النَّاسِ وَجَمْعُهُ أَفْوَاجٌ، وَالِاقْتِحَامُ الدُّخُولُ فِي الشَّيْءِ رَمْيًا بِنَفْسِهِ فِيهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّهُمْ يُضْرَبُونَ بِالْمَقَامِعِ حَتَّى يُوقِعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي النَّارِ خَوْفًا مِنْ تِلْكَ الْمَقَامِعِ، فَقَالَتِ الْقَادَةُ: لَا مَرْحَباً بِهِمْ، يَعْنِي بِالْأَتْبَاعِ، إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ، أَيْ دَاخِلُوهَا كَمَا صَلَيْنَا.
قالُوا، فَقَالَ الْأَتْبَاعُ لِلْقَادَةِ، بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ، وَالْمَرْحَبُ وَالرَّحْبُ السَّعَةُ، تَقُولُ الْعَرَبُ:
مَرْحَبًا وَأَهْلًا وَسَهْلًا أَيْ أَتَيْتَ رَحْبًا وَسِعَةً، وَتَقُولُ: لَا مَرْحَبًا بِكَ أَيْ لَا رَحُبَتْ عَلَيْكَ الْأَرْضُ. أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، يَقُولُ الْأَتْبَاعُ لِلْقَادَةِ: أَنْتُمْ بَدَأْتُمْ بِالْكُفْرِ قَبْلَنَا وَشَرَعْتُمْ وَسَنَنْتُمُوهُ لَنَا، وَقِيلَ: أَنْتُمْ قَدَّمْتُمْ هَذَا الْعَذَابَ لَنَا بِدُعَائِكُمْ إِيَّانَا إِلَى الْكُفْرِ، فَبِئْسَ الْقَرارُ، أَيْ فَبِئْسَ دَارُ الْقَرَارِ جهنم.

[سورة ص (38) : الآيات 61 الى 67]
قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هَذَا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (61) وَقالُوا مَا لَنا لَا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (62) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (63) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (65)
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67)
قالُوا، يَعْنِي الْأَتْبَاعُ، رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هَذَا، أَيْ شَرَعَهُ وَسَنَّهُ لَنَا، فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ، أَيْ ضَعِّفْ عَلَيْهِ الْعَذَابَ فِي النَّارِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي حَيَّاتٍ وَأَفَاعِي.
وَقالُوا، يَعْنِي صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ وَهُمْ فِي النَّارِ، مَا لَنا لَا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ، فِي الدُّنْيَا، مِنَ الْأَشْرارِ، يَعْنُونَ فُقَرَاءَ الْمُؤْمِنِينَ: عَمَّارًا وَخَبَّابًا وَصُهَيْبًا وَبِلَالًا وَسَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْخَرُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَقَالُوا:
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ وَصْلٌ، وَيَكْسِرُونَ الْأَلِفَ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَفَتْحِهَا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْقِرَاءَةُ الْأُولَى أُولَى لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُمُ اتَّخَذُوهُمْ سِخْرِيًّا فَلَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِفْهَامُ، وَتَكُونُ أَمْ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى بَلْ، وَمَنْ فَتَحَ الْأَلِفَ قَالَ هُوَ عَلَى اللَّفْظِ لَا عَلَى الْمَعْنَى لِيُعَادِلَ أَمْ فِي قَوْلِهِ: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ، قال الفراء:
__________
(1) في المخطوط (ب) «الغساق» والمثبت عن «ط» والمخطوط (أ) .
(2) في المخطوط «الباقون» والمعنى واحد.
(3) في المطبوع «للكفار» والمثبت عن المخطوط.
(4/75)

أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68)
هَذَا مِنَ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ وَالتَّعَجُّبُ، أَمْ زاغَتْ، أَيْ مَالَتْ، عَنْهُمُ الْأَبْصارُ، وَمَجَازُ الْآيَةِ: مَا لَنَا لَا نَرَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا لَمْ يَدْخُلُوا مَعَنَا النَّارَ؟ أَمْ دَخَلُوهَا فَزَاغَتْ عَنْهُمْ أَبْصَارُنَا فَلَمْ نَرَهُمْ حِينَ دخلوا؟ وَقِيلَ: أَمْ هُمْ فِي النَّارِ لكن احْتَجَبُوا عَنْ أَبْصَارِنَا؟ وَقَالَ ابْنُ كيسان: يعني أَمْ كَانُوا خَيْرًا مَنَّا وَلَكِنْ نحن لا نعلم، وكانت أَبْصَارُنَا تَزِيغُ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا فَلَا نَعُدُّهُمْ شَيْئًا.
إِنَّ ذلِكَ، الَّذِي ذَكَرْتُ، لَحَقٌّ ثُمَّ بَيَّنَ فَقَالَ، تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ، أَيْ تُخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ لَحَقٌّ.
قُلْ، يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ، مُخَوِّفٌ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) .
قوله: قُلْ، يَا مُحَمَّدُ، هُوَ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، نَبَأٌ عَظِيمٌ، قَالَهُ ابْنُ عباس ومجاهد وقتادة، وقيل: هو يَعْنِي الْقِيَامَةَ كَقَوْلِهِ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) [النبأ: 1- 2] .

[سورة ص (38) : الآيات 68 الى 75]
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72)
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (74) قالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (75)
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى (68) ، يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، إِذْ يَخْتَصِمُونَ يَعْنِي فِي شَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [الْبَقَرَةِ:
30] .
إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) ، قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ أَنَّما فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ أَيْ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا الْإِنْذَارُ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْمَعْنَى: مَا يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنِّي نَذِيرٌ مُبِينٌ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنَّمَا بِكَسْرِ الْأَلِفِ، لِأَنَّ الْوَحْيَ قَوْلٌ.
«1813» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ ثَنَا أبو جعفر الرَّيَّانِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ ثنا هشام بن عمار ثنا صدقة بن خالد ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ مَرَّ بِنَا خَالِدُ بن اللجلاج [1]
__________
1813- صحيح بمجموع طرقه وشواهده.
- رجاله ثقات معروفون، لكن عبد الرحمن بن عائش مختلف في صحبته، والراجح أنه تابعي، وقد نفى البخاري صحبته. ويدل عليه كونه رواه بواسطة عن معاذ كما سيأتي، فالإسناد ضعيف لإرساله، لكن ورد موصولا، وله شواهد.
- وهو في «شرح السنة» 919 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الدارمي 2/ 126 وابن خزيمة في «التوحيد» ص 215- 216 والحاكم 1/ 520- 521 والآجري في «الشريعة» 1055 من طرق عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بن جابر به.
- وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
- وأخرجه أحمد 4/ 66 من هذا الوجه عن عبد الرحمن بن عائش عن بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم.
(1) في المطبوع «الحلاج» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(4/76)

قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76)
فدعاه مكحول فقال: يا أبا إِبْرَاهِيمُ حَدِّثْنَا حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ أَيْ رَبِّ، مَرَّتَيْنِ، قَالَ فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ، قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) [الْأَنْعَامِ: 75] ، ثُمَّ قَالَ: «فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قُلْتُ: الْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ أَمَاكِنَهُ فِي الْمَكَارِهِ، قَالَ: وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ يَعِشْ بِخَيْرٍ وَيَمُتْ بِخَيْرٍ وَيَكُنْ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَمِنَ الدَّرَجَاتِ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَبَذْلُ السَّلَامِ وَأَنْ يَقُومَ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، [ثُمَّ] [1] قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الطَّيِّبَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَتَتُوبَ عَلَيَّ وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: تعلّموهن فو الذي نفسي بيده إنهن لحق» .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) ، يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَإِذا سَوَّيْتُهُ، أَتْمَمْتُ خَلْقَهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ قالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ (74) ، أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ الْوَصْلِ، أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ، الْمُتَكَبِّرِينَ اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ وَإِنْكَارٍ، يَقُولُ: أَسْتَكْبَرْتَ بِنَفْسِكَ حَتَّى أَبَيْتَ السُّجُودَ؟ أَمْ كُنْتَ من القوم الذين بتكبرون فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِنْهُمْ؟

[سورة ص (38) : الآيات 76 الى 88]
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (78) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80)
إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)
__________
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 7/ 176- 177 وقال: رجاله ثقات اهـ.
- وجهالة الصحابي لا تضر.
- وأخرجه الترمذي 3235 والحاكم 1/ 521 من حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ عن مالك بن يخامر عن معاذ مرفوعا.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: حسن صحيح.
- وورد من حديث ابن عباس.
- وأخرجه ابن خزيمة ص 217 الآجري في «الشريعة» 1054 عن طريق أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ خالد بن اللجلاج عن ابن عباس، ورجاله ثقات.
- وورد من حديث ثوبان أخرجه البزار 2129 وفيه أبو يحيى الراوي عن أبي أسماء الرحبي لا يعرف، قاله الهيثمي في «المجمع» 7/ 178 وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عمرو، وفيه سعيد بن سنان واه.
- وورد من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني كما في «المجمع» 7/ 178 وفيه ليث بن أبي سليم غير قوي.
وللحديث شواهد أخرى، وإن كانت ضعيفة إلّا أنها تتقوى بمجموعها، والله أعلم.
الخلاصة: هو حديث حسن صحيح كما قال البخاري، والله تعالى أعلم.
(1) زيادة عن المخطوط.
(4/77)

قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاخْرُجْ مِنْها (76) ، أَيْ مِنَ الجنة، وقيل: من السموات. وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: أَيْ مِنَ الْخِلْقَةِ الَّتِي أَنْتِ فِيهَا. قَالَ الْحُسَيْنُ [1] بْنُ الْفَضْلِ: هَذَا تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ إِبْلِيسَ تَجَبَّرَ وَافْتَخَرَ بِالْخِلْقَةِ، فَغَيَّرَ اللَّهُ خِلْقَتَهُ فَاسْوَدَّ وَقَبُحَ بَعْدَ حُسْنِهِ. فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، مَطْرُودٌ.
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (78) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) ، وَهُوَ النَّفْخَةُ الْأُولَى.
قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) ، قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ: فَالْحَقُّ بِرَفْعِ الْقَافِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَنَصْبُ الثَّانِيَةِ أَيْ: وَأَنَا أَقُولُ الْحَقَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِمَا، قيل: نصب الأول عَلَى الْإِغْرَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: الْزَمِ الْحَقَّ، وَالثَّانِي بِإِيقَاعِ الْقَوْلِ عَلَيْهِ أَيْ أَقُولُ الْحَقَّ. وَقِيلَ: الْأَوَّلُ قَسَمٌ أَيْ فَبِالْحَقِّ وَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَانْتُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَهُوَ حَرْفُ الصِّفَةِ، وَانْتِصَابُ الثَّانِي بِإِيقَاعِ الْقَوْلِ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: الثَّانِي تَكْرَارُ الْقَسَمِ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ.
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ (85) ، عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، مِنْ أَجْرٍ، جُعْلٍ، وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، الْمُتَقَوِّلِينَ الْقُرْآنَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَكُلُّ مَنْ قَالَ شَيْئًا من تلقاء نفسه فقد تكلّفه.
«1814» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا قُتَيْبَةُ ثنا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
(86) .
قَوْلُهُ: إِنْ هُوَ، مَا هُوَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، إِلَّا ذِكْرٌ، مَوْعِظَةٌ، لِلْعالَمِينَ، لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.
وَلَتَعْلَمُنَّ، أَنْتُمْ يَا كُفَّارَ مَكَّةَ، نَبَأَهُ، خَبَرَ صِدْقِهِ، بَعْدَ حِينٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَنْ بَقِيَ عَلِمَ ذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ أَمْرُهُ وَعَلَا، وَمَنْ مَاتَ عَلِمَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: ابْنَ آدَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ يَأْتِيكَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ.
__________
1814- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- قتيبة بن سعيد، جرير بن عبد الحميد، الأعمش سليمان بن مهران، أبو الضحى، مسلم بن صبيح، مسروق بن الأجدع.
- وهو في «صحيح البخاري» 4809 عن قتيبة بن سعيد بهذا الإسناد.
- وسيأتي في سورة الدخان عند آية: 10 إن شاء الله.
(1) في المطبوع «الحسن» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(4/78)

تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)
سُورَةُ الزُّمَرِ
مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلُهُ قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية، فمدنية، وهي خمس وسبعون آية

[سورة الزمر (39) : الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (4)
تَنْزِيلُ الْكِتابِ، أي هذا تنزيل الكتاب. وَقِيلَ: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ، مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، أَيْ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ.
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ ينزله بَاطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، الطَّاعَةَ.
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ، قَالَ قَتَادَةُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: لَا يَسْتَحِقُّ الدِّينَ الْخَالِصَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: الدِّينُ الْخَالِصُ مِنَ الشَّرَكِ هُوَ لِلَّهِ. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ، أَيْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَوْلِياءَ، يَعْنِي الْأَصْنَامَ، مَا نَعْبُدُهُمْ، أَيْ قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ، إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى، وَكَذَلِكَ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ قَتَادَةُ: وذلك إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَنْ رَبُّكُمْ وَمَنْ خَلَقَكُمْ وَمَنْ خلق السموات وَالْأَرْضَ؟ قَالُوا: اللَّهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَمَا مَعْنَى عِبَادَتِكُمُ الْأَوْثَانَ؟ قَالُوا: لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، أَيْ قُرْبَى، وَهُوَ اسْمٌ أُقِيمَ فِي مَقَامِ الْمَصْدَرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ تَقْرِيبًا وَيَشْفَعُوا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ، لَا يُرْشِدُ لِدِينِهِ مَنْ كَذَبَ، فقال: إن الآلهة لتشفع. وَكَفَى بِاتِّخَاذِ الْآلِهَةِ دُونَهُ كَذِبًا وَكُفْرًا.
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى، لَاخْتَارَ، مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشاءُ، يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، كَمَا قَالَ:
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا [الْأَنْبِيَاءِ: 17] ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ فَقَالَ: سُبْحانَهُ، تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ وَعَمَّا لَا يَلِيقُ بِطَهَارَتِهِ، هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.

[سورة الزمر (39) : الآيات 5 الى 7]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7)
(4/79)

وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ، قال قتادة:
[يعني] [1] يُغْشِي هَذَا هَذَا، كَمَا قَالَ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الأعراف: 54، الرعد: 3] ، وَقِيلَ: يُدْخِلُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا قَالَ: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [فاطر: 13] ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ: يُنْقِصُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَزِيدُ فِي النَّهَارِ، وَيُنْقِصُ مِنَ النَّهَارِ فَيَزِيدُ فِي اللَّيْلِ، فَمَا نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ دَخَلَ فِي النَّهَارِ وَمَا نَقَصَ مِنَ النَّهَارِ دَخَلَ فِي اللَّيْلِ، وَمُنْتَهَى النُّقْصَانِ تِسْعُ سَاعَاتٍ وَمُنْتَهَى الزِّيَادَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً، وَأَصْلُ التَّكْوِيرِ اللَّفُّ وَالْجَمْعُ، وَمِنْهُ كَوَّرَ الْعِمَامَةَ. وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ.
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، يَعْنِي آدَمَ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها، يَعْنِي حَوَّاءَ، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ، مَعْنَى الْإِنْزَالِ هَاهُنَا: الْإِحْدَاثُ وَالْإِنْشَاءُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ [الْأَعْرَافِ: 26] ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَنْزَلَ الْمَاءَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ نَبَاتِ الْقُطْنِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ اللِّبَاسُ، وَسَبَبُ النَّبَاتِ الَّذِي تَبْقَى بِهِ الْأَنْعَامُ. وَقِيلَ: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ جَعَلَهَا لَكُمْ نُزُلًا وَرِزْقًا. ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ، أصناف، مرّ تَفْسِيرُهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ. يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ، نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
(14) [نُوحٍ: 14] ، فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
ظُلْمَةُ الْبَطْنِ وَظُلْمَةُ الرَّحِمِ وظلمة المشيمة، ذلِكُمُ اللَّهُ، أي الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ، عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ.
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْكُفْرَ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الْحِجْرِ: 42، الإسراء: 65] ، فَيَكُونُ عَامًّا فِي اللَّفْظِ خَاصًّا فِي الْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [الْإِنْسَانِ: 6] ، يُرِيدُ بَعْضَ الْعِبَادِ، وَأَجْرَاهُ قَوْمٌ عَلَى الْعُمُومِ، وَقَالُوا: لَا يَرْضَى لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَمَعْنَى الآية: لا يرضى لعباده الكفر أن يكفروا به، ويروى ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ، وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ، قَالُوا: كُفْرُ الْكَافِرِ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنْ كَانَ بِإِرَادَتِهِ، وَإِنْ تَشْكُرُوا، تُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَتُطِيعُوهُ، يَرْضَهُ لَكُمْ، فَيُثِيبُكُمْ [2] عَلَيْهِ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو يَرْضَهُ لَكُمْ سَاكِنَةُ الْهَاءِ، وَيَخْتَلِسُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ، وَالْبَاقُونَ بِالْإِشْبَاعِ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.

[سورة الزمر (39) : الآيات 8 الى 10]
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (9) قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10)
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «فيثنيكم» والمثبت عن «ط» والمخطوط. [.....]
(4/80)

وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ رَاجِعًا إِلَيْهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ، ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ، أَعْطَاهُ نِعْمَةً مِنْهُ، نَسِيَ، ترك، ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، أَيْ نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كَانَ يَدْعُو اللَّهَ إِلَى كَشْفِهِ، وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً، يَعْنِي الْأَوْثَانَ، لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، ليرد [1] عَنْ دِينِ اللَّهِ، قُلْ، لِهَذَا الْكَافِرِ، تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا، فِي الدُّنْيَا إِلَى أَجَلِكَ، إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وَقِيلَ: عَامٌّ فِي كل كافر.
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَحَمْزَةُ أَمَّنْ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِهَا، فَمَنْ شَدَّدَ فَلَهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْمِيمُ فِي «أَمْ» صِلَةً، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ اسْتِفْهَامًا وَجَوَابُهُ مَحْذُوفًا، مَجَازُهُ: أَمَّنَ هُوَ قَانِتٌ كَمَنْ هُوَ غَيْرُ قَانِتٍ؟ كَقَوْلِهِ: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الزُّمَرِ: 22] ، يَعْنِي كَمَنْ لَمْ يَشْرَحْ صَدْرَهُ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّهُ عَطَفَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، مَجَازُهُ: الَّذِي جَعَلَ لِلَّهِ أندادا خير أم [من] هُوَ قَانِتٌ؟ وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ فَهُوَ أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى [مَنْ] [2] مَعْنَاهُ: أَهَذَا كَالَّذِي جَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا. وَقِيلَ: الْأَلِفُ فِي أَمَنْ بِمَعْنَى حَرْفِ النِّدَاءِ، تَقْدِيرُهُ: يَا مَنْ هُوَ قَانِتٌ، وَالْعَرَبُ تُنَادِي بِالْأَلِفِ كَمَا تُنَادِي بِالْيَاءِ، فَتَقُولُ: أَبَنِي فَلَانٍ وَيَا بَنِي فُلَانٍ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار، ويا مَنْ هُوَ قَانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ إِنَّكَ مِنْ أَهْلِ [3] الْجَنَّةِ.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ.
وَعَنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ وَسَلْمَانَ، وَالْقَانِتُ: الْمُقِيمُ عَلَى الطَّاعَةِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «الْقُنُوتُ» قِرَاءَةُ القرآن وطول القيام، «وآناء اللَّيْلِ» : سَاعَاتُهُ، ساجِداً وَقائِماً، يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، يَحْذَرُ الْآخِرَةَ، يَخَافُ الآخرة، وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ، يَعْنِي كَمَنْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، قِيلَ «الَّذِينَ يَعْلَمُونَ» عَمَّارٌ، «وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» أَبُو حذيفة المخزومي، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.
قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ، بِطَاعَتِهِ، واجتناب معاصيه، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا، أَيْ آمَنُوا وَأَحْسَنُوا الْعَمَلَ، حَسَنَةٌ يَعْنِي الْجَنَّةَ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ يَعْنِي الصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ، وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي ارْتَحِلُوا مِنْ مَكَّةَ. وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي تظهر فِيهِ الْمَعَاصِي. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جبير: من أمر بالمعاصي ببلد فليهرب منها إلى غيرها إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ، الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى دِينِهِمْ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ لِلْأَذَى. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ، حَيْثُ لَمْ يَتْرُكُوا دِينَهُمْ لَمَّا اشْتَدَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ، وَصَبَرُوا وهاجروا.
__________
(1) في المطبوع «ليزل» والمثبت عن المخطوط.
(2) سقط من الأصل.
(3) في المخطوط (ب) «أصحاب» والمثبت عن المخطوط (أ) و «ط» .
(4/81)

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11)
قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُلُّ مُطِيعٍ يُكَالُ لَهُ كَيْلًا ويوزن له وزنا إلّا الصابرين، فَإِنَّهُ يُحْثَى لَهُمْ حَثْيًا.
«1815» وَيُرْوَى: «يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلَاءِ فَلَا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ وَلَا يُنْشَرُ لَهُمْ دِيوَانٌ، وَيُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْأَجْرُ صَبًّا بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ، حَتَّى يَتَمَنَّى أَهْلُ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا أَنَّ أَجْسَادَهُمْ تُقْرَضُ بِالْمَقَارِيضِ مِمَّا يَذْهَبُ بِهِ أَهْلُ البلاء من الفضل» .

[سورة الزمر (39) : الآيات 11 الى 21]
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (15)
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (18) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (20)
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (21)
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) ، مُخْلِصًا لَهُ التَّوْحِيدَ لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) ، مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي، وَعَبَدْتُ غَيْرَهُ، عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وَهَذَا حِينَ دُعِيَ إِلَى دِينِ آبَائِهِ.
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (15) ، أَمْرُ تَوْبِيخٍ وَتَهْدِيدٍ، كَقَوْلِهِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فُصِّلَتْ: 40] ، قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ، أزواجهم وخدمهم، يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ، قال ابن عباس:
__________
1815- ضعيف. أخرجه الثعلبي وابن مردويه كما في تخريج «الكشاف» 4/ 118 من حديث أنس، وقال الحافظ: وإسناده ضعيف جدا.
وأورده أبو نعيم في «الحلية» في ترجمة جابر بن يزيد عن الطبراني، وهو في «معجمه» بإسناده إلى جابر بن زيد عن ابن عباس مختصرا اهـ.
وحديث ابن عباس الذي أشار إليه الحافظ، وأخرجه الطبراني 12829 ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» 3/ 91 عن السري بن سهل قال: ثنا عبد الله بن رشيد قال: ثنا مجاعة بن الزبير عن قتادة عن جابر بن زيد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يؤتى بالشهيد يوم القيامة فينصب للحساب، ثم يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلَاءِ فَلَا يُنْصَبُ لهم الميزان، ولا ينشر لهم ديوان فيصب الأجر صبا، حتى أن أهل العافية ليتمنون في الموقف أن أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله عز وجل لهم» .
قال أبو نعيم عقبه: هذا حديث غريب من حديث جابر بن زيد وقتادة تفرد به مجاعة اهـ.
وسكت عليه الحافظ في «تخريج الكشاف» 4/ 118 مع أن فيه مجاعة بن الزبير، وهو ضعيف الحديث، والمتن غريب.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 2/ 305: وفيه مجّاعة، وثقه أحمد، وضعفه الدارقطني.
- وله شاهد ساقط، أخرجه الطبراني 2760 من حديث علي وفيه أصبغ بن نباتة، وهو متروك، فلا يصلح شاهدا.
الخلاصة: هو حديث ضعيف، لا يتقوى بشواهده بسبب شدة وهن حديث أنس وحديث علي.
(4/82)

وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلًا، فَمَنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ الْمَنْزِلُ وَالْأَهْلُ لَهُ، وَمَنْ عَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ دَخَلَ النَّارَ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَنْزِلُ وَالْأَهْلُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ: خُسْرَانُ النَّفْسِ بِدُخُولِ النَّارِ، وَخُسْرَانُ الْأَهْلِ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أهله، وذلك [1] هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ، أَطْبَاقُ سُرَادِقَاتٍ مِنَ النَّارِ وَدُخَّانِهَا، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فِرَاشٌ وَمِهَادٌ مِنْ نَارٍ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى القعر، سمي الْأَسْفَلَ ظُلَلًا لِأَنَّهَا ظُلَلٌ لِمَنْ تَحْتِهُمْ نَظِيرُهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [الْأَعْرَافِ: 41] ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ.
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ، الْأَوْثَانَ، أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ، رَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، لَهُمُ الْبُشْرى، في الدنيا [و] الجنة فِي الْعُقْبَى [2] ، فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ، الْقُرْآنَ، فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
قَالَ الْسُّدِّيُّ: أَحْسُنُ مَا يُؤْمَرُونَ به فيعملونه. وقيل: هو أن الله ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ الِانْتِصَارَ مِنَ الظَّالِمِ وَذَكَرَ الْعَفْوَ، وَالْعَفْوُ أَحْسَنُ الْأَمْرَيْنِ. وَقِيلَ: ذَكَرَ الْعَزَائِمَ وَالرُّخَصَ فيتبعون تا أحسن وَهُوَ الْعَزَائِمُ.
وَقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ وَغَيْرَ الْقُرْآنِ فَيَتَّبِعُونَ الْقُرْآنَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: آمَنَ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِإِيمَانِهِ فآمنوا، فنزلت فيهم: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَكُلُّهُ حَسَنٌ. أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ الْآيَتَانِ، فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وأبو ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. وَالْأَحْسَنُ: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الْعَذَابِ قَوْلُهُ: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [السجدة: 13] وقيل: كلمة العذاب قَوْلُهُ: «هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي» [3] . أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ، أَيْ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَبَا لَهَبٍ وَوَلَدَهُ.
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ، أَيْ مَنَازِلُ فِي الْجَنَّةِ رَفِيعَةٌ وَفَوْقَهَا مَنَازِلُ أَرْفَعُ مِنْهَا، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ، أَيْ وَعَدَهُمُ اللَّهُ تِلْكَ الْغُرَفَ وَالْمَنَازِلَ وَعْدًا لَا يُخْلِفُهُ.
«1816» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا محمد بن
__________
1816- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- عبد العزيز هو ابن الماجشون، مالك هو ابن أنس.
- وهو في «شرح السنة» 4274 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 3256 عن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2831 وابن حبان 7393 والبيهقي في «البعث» 248 من طرق عن مالك به.
(1) في المخطوط «ألا ذلك» .
(2) في المطبوع «في الدنيا بالجنة وفي العقبى بالمغفرة» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(3) ذكره المصنف تعليقا، وهو متن صحيح، وتقدم، ولا يصح كونه المراد بهذه الآية، وإنما الآية عامة.
(4/83)

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)
إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سَلِيمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أو المغرب لِتُفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بالله وصدقوا المرسلين» .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسَلَكَهُ، أَدْخَلَ ذَلِكَ الْمَاءَ، يَنابِيعَ، عُيُونًا وَرَكَايَا، فِي الْأَرْضِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: كُلُّ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ فَمِنَ السَّمَاءِ نَزَلَ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ، بِالْمَاءِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ، أَحْمَرُ وَأَصْفَرُ وَأَخْضَرُ، ثُمَّ يَهِيجُ، يَيْبَسُ، فَتَراهُ، بُعْدَ خُضْرَتِهِ وَنَضْرَتِهِ، مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً، فُتَاتًا مُتَكَسِّرًا، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ.

[سورة الزمر (39) : الآيات 22 الى 23]
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (23)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، وَسَّعَهُ لِقَبُولِ الْحَقِّ، فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، كَمَنْ أَقْسَى اللَّهُ قَلْبَهُ.
«1817» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيِّ أنا
__________
- وأخرجه البخاري 6556 ومسلم 2831 ح 10 وأحمد 5/ 340 والدارمي 2/ 336 والبيهقي في «البعث» 249 كلهم بإثر حديث سهل بن سعد من طريق أبي حازم عن النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري.
- وأخرجه أبو داود 3987 والترمذي 3658 وابن ماجه 96 وأبو يعلى 1130 و1299 وأحمد 3/ 27 و50 و72 و93 و98 والخطيب في «تاريخ بغداد» 3/ 195 و11/ 58 و12/ 124 والبيهقي في «البعث» 250 من طرق عن عطية الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بلفظ «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ من تحتهم كما ترون النجم الساطع في أفق السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ منهم وأنعما» .
وعطية العوفي ضعيف، ليس بشيء.
- وأخرجه أحمد 3/ 26 و61 وأبو يعلى من طريق مجالد عن أبي الوداك جبر بن نوف عن أبي سعيد الخدري، ومجالد غير قوي.
1817- متن منكر بأسانيد واهية.
- إسناده ضعيف جدا، محمد بن يزيد بن سنان وأبوه ضعيفان، وفي الإسناد مجاهيل.
- وأخرجه الحاكم 4/ 311 من طريق محمد بن بشر بن مطر، والبيهقي في «الشعب» 10552 من طريق ابن أبي الدنيا كلاهما عن محمد بن جعفر الوركاني عن عدي بن الفضل، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله المسعودي عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ به.
- وإسناده ضعيف، لضعف عدي بن الفضل، وقد سكت عليه الحاكم، وأعله الذهبي بوهن ابن الفضل هذا وله علة ثانية، المسعودي صدوق إلّا أنه اختلط.
- وأخرجه الطبري 13859 من وجه آخر عن أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود مرفوعا، وإسناده ضعيف، ففي الإسناد مجاهيل، وعلة ثانية: وهي الإرسال بين أبي عبيدة، وابن مسعود.
- وأخرجه الطبري أيضا 13861 من وجه آخر عن عبد الرحمن بن عتبة عن ابن مسعود به مرفوعا، وهذا إسناد ضعيف، عبد الرحمن عن ابن مسعود معضل.
- وقد ورد من مرسل أبي جعفر.
(4/84)

ابن فنجويه ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بن شيبة ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الحسن الموصلي ببغداد أنا أَبُو فَرْوَةَ وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ ثنا زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: تَلَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ انْشِرَاحُ صَدْرِهِ؟ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ» ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَالتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ» .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ قَلْبٍ، وَمَا غَضِبَ اللَّهُ عَزَّ وجلّ على قومه إلّا نزع منهم الرحمة.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً، يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْحُسْنِ، وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا لَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ. مَثانِيَ، يُثَنَّى فِيهِ ذِكْرُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ، تَقْشَعِرُّ، تَضْطَرِبُ وَتَشْمَئِزُّ، مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وَالِاقْشِعْرَارُ تَغَيُّرٌ فِي جَلْدِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ الْوَجَلِ وَالْخَوْفِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْجُلُودِ الْقُلُوبُ أَيْ قُلُوبُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ، أَيْ لِذِكْرِ اللَّهِ، أَيْ إِذَا ذُكِرَتْ آيَاتُ الْعَذَابِ اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الْخَائِفِينَ لِلَّهِ، وَإِذَا ذُكِرَتْ آيَاتُ الرَّحْمَةِ لَانَتْ وَسَكَنَتْ قُلُوبُهُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرَّعْدِ: 28] ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى أَنَّ قُلُوبَهُمْ تَقْشَعِرُّ مِنَ الْخَوْفِ وَتَلِينَ عِنْدَ الرَّجَاءِ.
«1818» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ محمد ثنا محمد بن مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبُدُوسِ بْنِ كَامِلٍ ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يزيد بْنِ الْهَادِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ الْعَبَّاسِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عبد المطلب قال:
__________
- أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» 852 ومن طريقه الطبري 13856 و1357 و13858.
- وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» 315 من وجه آخر عن أبي جعفر به.
- وهذا مرسل، ومع إرساله، أبو جعفر هذا متهم بالوضع.
قال أحمد: أحاديثه موضوعة. راجع «الميزان» 4608.
وأخرجه الطبري 13860 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 326 من وجه آخر عن عبد الله بن المسور.
- وعبد الله هذا هو أبو جعفر المدائني المتقدم ذكره، وهو متروك متهم، فالحديث ضعيف، ولا يصح عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، وحسبه أن يكون من كلام ابن مسعود والله أعلم.
- وأخرجه البيهقي 325 من وجه آخر عن أبي جعفر فجعله من قوله، ولم يرفعه وقال: وقد روي في هذا خبر مرفوع.
- وانظر الحديث المتقدم في سورة الأنعام عند آية: 125.
- الخلاصة: المتن منكر كونه مرفوعا، وحسبه أن يكون موقوفا، أو من كلام أبي جعفر المدني، فإنه لا يشبه كلام النبوة بل الأشبه أنه من كلام الصوفية والوعاظ، والله أعلم.
1818- ضعيف. إسناده ضعيف جدا، يحيى الحماني متروك، متهم بسرقة الحديث، وعبد العزيز هو الدراوردي روى مناكير، وأم كلثوم مجهولة لا تعرف، وقد توبع الحماني، وعلة الحديث جهالة أم كلثوم.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 3/ 578 والبيهقي في «الشعب» 803 عن طريق يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ بهذا الإسناد.
- وأخرجه البزار 4/ 74 «كشف» والبيهقي 803 من طريق عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ بهذا الإسناد.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 10/ 310: وفيه أم كلثوم بنت العباس، ولم أعرفها، وبقية رجاله ثقات.
قلت: الدراوردي، وإن وثقه غير واحد، فقد روى مناكير، راجع «الميزان» .
- وأخرجه أبو يعلى 6703 ومن طريقه البيهقي في «الشعب» 804 عن موسى بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عمر بن عَبْدُ اللَّهِ-
(4/85)

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا يَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ وَرَقُهَا» .
«1819» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حِمْدَانَ ثنا موسى بن إسحاق الأنصاري ثنا محمد بن معاوية ثنا الليث بن سعد ثنا يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «إِذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» .
قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا نَعْتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّ تَقَشْعُرَ جُلُودِهِمْ وَتَطَمْئُنَ قُلُوبِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْعَتْهُمْ بِذَهَابِ عُقُولِهِمْ وَالْغَشَيَانِ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ، وَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ.
«1820» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إسحاق الثعلبي أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَنْجُوَيْهِ ثنا ابن شيبة ثنا حمدان بن داود ثنا سلمة بن شبيب [1] ثنا خلف بن سالم [2] ثنا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُونَ إِذَا قُرِئَ [عَلَيْهِمُ] [3] الْقُرْآنُ؟ قَالَتْ: كَانُوا كَمَا نَعَتَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، قَالَ فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّ نَاسًا الْيَوْمَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ خَرَّ أَحَدُهُمْ مُغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشيطان الرجيم.
«1821» وبه عن سَلَمَةَ ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ثنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ أن ابْنُ عُمَرَ مَرَّ بِرَجُلٍ [4] مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَاقِطًا فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: إِنَّهُ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَوْ سَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ سَقَطَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ:
إِنَّا لِنَخْشَى اللَّهَ وَمَا نَسْقُطُ؟ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ الشيطان يدخل فِي جَوْفِ أَحَدِهِمْ مَا كَانَ هذا صنيع أصحاب
__________
- الرومي قال: حدثني جابر بن يزيد بن رفاعة عن هارون بن أبي الجوزاء عن العباس قال: كنّا جلوسا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ... فذكره بنحوه.
- وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى من رواية هارون بن أبي الجوزاء عن العباس، ولم أعرف هارون، وبقية رجاله وثقوا، على ضعف في محمد بن عمر، وثقه ابن حبان.
- وأورد الحافظ في «المطالب العالية» 3/ 218 و219 ونسبه إلى أبي يعلى، ونقل الشيخ حبيب الرحمن عن البوصيري قوله: رواه أبو يعلى والبيهقي بسند ضعيف اهـ. وكذا ضعفه العراقي في «تخريج الإحياء» 4/ 163، وانظر «الضعيفة» 2342.
1819- حديث ضعيف كما تقدم.
- إسناده ساقط، فيه محمد بن معاوية، قال عنه الذهبي في «الميزان» 4/ 44: قال ابن معين: كذاب، وقال مسلم والنسائي: متروك اهـ.
- لكن لم ينفرد به كما تقدم، فالخبر ضعيف فحسب، والله أعلم. [.....]
1820- موقوف. خلف بن سالم فمن فوقه رجال الصحيح، ومن دونه بعضهم معروف، وبعضهم لم أجد له ترجمة لكن توبعوا عند سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في «الدر المنثور» 5/ 610 فالخبر صحيح.
1821- موقوف. إسناده ضعيف، سعيد الجمحي لم يدرك ابن عمر.
(1) في المطبوع «شيب» وفي «ط» «شبيه» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «سلمة» والمثبت عن المخطوط وكتب التراجم.
(3) زيادة عن المخطوط و «ط» .
(4) في المطبوع «رجل» والمثبت عن المخطوط.
(4/86)

أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24)
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وذكر عند [1] ابن سيرين: الذين يصرعون إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ، فَقَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُهُمْ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ بَاسِطًا رِجْلَيْهِ ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَإِنْ رَمَى بِنَفْسِهِ فَهُوَ صَادِقٌ.
ذلِكَ، يَعْنِي أَحْسَنَ الْحَدِيثِ، هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ.

[سورة الزمر (39) : الآيات 24 الى 26]
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (25) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (26)
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ، أَيْ شِدَّتَهُ، يَوْمَ الْقِيامَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ مَنْكُوسًا فَأَوَّلُ شَيْءٍ مِنْهُ تَمَسُّهُ النَّارُ وَجْهُهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ أَنَّ الْكَافِرَ يُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ مَغْلُولَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، وَفِي عُنُقِهِ صَخْرَةٌ مِثْلُ جَبَلٍ عَظِيمٍ مِنَ الْكِبْرِيتِ فَتَشْتَعِلُ النَّارُ فِي الْحَجَرِ، وَهُوَ معلق في عنقه فحرها وَوَهَجُهَا عَلَى وَجْهِهِ لَا يَطِيقُ دَفْعَهَا عَنْ وَجْهِهِ، لِلْأَغْلَالِ الَّتِي فِي عُنُقِهِ وَيَدِهِ. وَمَجَازُ الْآيَةِ: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ كَمَنْ هُوَ آمِنٌ مِنَ الْعَذَابِ؟ وَقِيلَ، يَعْنِي تَقُولُ الْخَزَنَةُ، لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ، أَيْ وَبَالَهُ.
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، مِنْ قَبْلِ كُفَّارِ مَكَّةَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، يعني هم آمِنُونَ غَافِلُونَ مِنَ الْعَذَابِ.
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ، الْعَذَابَ وَالْهَوَانَ، فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.

[سورة الزمر (39) : الآيات 27 الى 31]
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) ، يَتَّعِظُونَ.
قُرْآناً عَرَبِيًّا، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ:
غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. قَالَ الْسُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَحُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ سَبْعِينَ مِنَ التَّابِعَيْنِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، الْكَفْرَ وَالتَّكْذِيبَ بِهِ.
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا، قَالَ الْكِسَائِيُّ نُصِبَ رَجُلًا لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ، مُتَنَازِعُونَ مُخْتَلِفُونَ سَيِّئَةٌ أَخْلَاقُهُمْ، يُقَالُ رَجُلٌ شَكِسٌ شَرِسٌ إِذَا كَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ مُخَالِفًا لِلنَّاسِ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ، وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ.
قَرَأَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ (سَالِمًا) بِالْأَلِفِ أَيْ خَالِصًا لَهُ لَا شَرِيكَ وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ سَلَماً بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُنَازَعُ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: هُوَ لَكَ سَلَمٌ، أَيْ مُسَلَّمٌ، لَا مُنَازِعَ لَكَ فِيهِ. هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا، هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْكَافِرِ الَّذِي يَعْبُدُ آلهة شتى، والمؤمن
__________
(1) في المطبوع «عن» والمثبت عن المخطوط.
(4/87)

الَّذِي لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ الواحد، وهذا استفهام إنكار لَا يَسْتَوِيَانِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَيْ لِلَّهِ الْحَمْدُ كُلُّهُ دُونَ غَيْرِهِ [1] مِنَ الْمَعْبُودِينَ. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِالْأَكْثَرِ الْكُلُّ.
إِنَّكَ مَيِّتٌ، أَيْ سَتَمُوتُ، وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. أَيْ سَيَمُوتُونَ [2] ، قَالَ الْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ: الْمَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَنْ لَمْ يَمُتْ وسيموت، والميت بِالتَّخْفِيفِ مَنْ فَارَقَهُ الرُّوحُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُخَفَّفْ هَاهُنَا.
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمُحِقَّ وَالْمُبْطِلَ وَالظَّالِمَ وَالْمَظْلُومَ.
«1822» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثعلبي أنا ابن فنجويه ثنا ابن مالك ثنا ابن حنبل حدثنا أبي ثنا ابن نمير ثنا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) قال الزبير: يا رَسُولَ اللَّهِ أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ؟ قَالَ: «نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُؤَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي حَقِّ حَقَّهِ» قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَمْرَ لَشَدِيدٌ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: عِشْنَا بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ وَكُنَّا نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِينَا وَفِي أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) ، قُلْنَا: كَيْفَ نَخْتَصِمُ وَدِينُنَا وَكِتَابُنَا وَاحِدٌ؟ حَتَّى رَأَيْتُ بَعْضَنَا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِينَا.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ رَبُّنَا وَاحِدٌ وَدِينُنَا وَاحِدٌ وَنَبِيُّنَا وَاحِدٌ فَمَا هَذِهِ الْخُصُومَةُ؟ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّينَ وَشَدَّ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ قُلْنَا: نَعَمْ هُوَ هَذَا.
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) قَالُوا: كَيْفَ نَخْتَصِمُ وَنَحْنُ إِخْوَانٌ؟ فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ قَالُوا [3] هَذِهِ [4] خُصُومَتُنَا؟
182»
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرحمن بن أبي شريح ثنا أبو القاسم عبد
__________
1822- حسن. إسناده حسن لأجل محمد بن عمرو، وباقي الإسناد ثقات.
- وهو في «مسند الإمام أحمد» 1/ 167 عن ابن نمير بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 3232 والحميدي 60 و62 وأبو يعلى 668 و687 والطبري وأبو نعيم في «الحلية» 1/ 91- 92 والحاكم 2/ 435 من طرق عن محمد بن عمرو به. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو حديث حسن.
- وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» 2631 بدون ذكر ابن الزبير، فهو منقطع، لكن رواه غير واحد موصولا كما تقدم.
1823- إسناده صحيح، أبو القاسم ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم خلا علي بن الجعد فقد تفرد عنه البخاري.
- وهو في «شرح السنة» 4058 بهذا الإسناد.
- وهو في «الجعديات» 2943 عن علي بن الجعد بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 2449 والطيالسي 2318 وأحمد 2/ 435 و506 وابن حبان 7361 والبيهقي 3/ 369 و6/ 83 من طرق عن ابن أبي ذئب به.
- وأخرجه البخاري 6534 والترمذي 2416 والطيالسي 2327 وابن حبان 7362 والبيهقي 6/ 56 من طرق عن-
(1) في المطبوع «غيري» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المخطوط «سيموتون» .
(3) في المطبوع «قال» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المطبوع «أهذه» والمثبت عن المخطوط.
(4/88)

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32)
اللَّهَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ثنا ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ مِنْ عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَتَحَلَّلَهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ يَوْمَ لَا دِينَارَ وَلَا دِرْهَمَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ فَجُعِلَتْ [1] عَلَيْهِ» .
«1824» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ [2] أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمر الجوهري ثنا أحمد بن علي الكشميهني ثنا علي بن حجر ثنا إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتُدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ» ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وصيام وزكاة، وقد كان شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيَقْضِي هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، قَالَ: فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح [3] في النار» .

[سورة الزمر (39) : الآيات 32 الى 36]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (32) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (35) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (36)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، فَزَعْمَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا وَشَرِيكًا، وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ، بِالْقُرْآنِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً، مَنْزِلٌ وَمَقَامٌ، لِلْكافِرِينَ، اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ.
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَصَدَّقَ بِهِ الرَّسُولُ أَيْضًا بَلَّغَهُ إِلَى الْخَلْقِ.
وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ جَاءَ بِالْقُرْآنِ، وَصَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم تلقاه بالقبول.
__________
- سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعا بنحوه. [.....]
1824- إسناده صحيح على شرط مسلم.
- العلاء هو ابن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة.
- وهو في «شرح السنة» 4059 بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2581 من طريق علي بن حجر بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2581 وأحمد 2/ 371- 372 والبيهقي 6/ 93 من طريق إسماعيل بن جعفر بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 3418 وابن حبان 4411 و7359 من طريق عبد العزيز بن محمد وأحمد 2/ 303 و334 من طريق زهير كلاهما عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ به.
(1) في المطبوع «فحملت» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(2) في المطبوع «الطبري» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(3) في المطبوع «طرب» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(4/89)

وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (37)
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وصدّق به وهم الْمُؤْمِنُونَ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:
أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ الْأَنْبِيَاءُ وَصَدَّقَ بِهِ الْأَتْبَاعُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الَّذِي بِمَعْنَى الَّذِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [الْبَقَرَةِ: 17] ، ثُمَّ قَالَ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [الْبَقْرَةِ: 17] .
قال الْحَسَنُ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ صَدَّقُوا بِهِ في الدنيا وجاؤوا بِهِ فِي الْآخِرَةِ. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: وَالَّذِينَ جاؤوا بالصدق وصدقوا به. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا، يَسْتُرُهَا عَلَيْهِمْ بِالْمَغْفِرَةِ، وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالْمَحَاسِنِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَلَا يَجْزِيهِمْ بِالْمَسَاوِئِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ؟ يعني مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، عِبَادَهُ بِالْجَمْعِ يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، قَصَدَهُمْ قَوْمُهُمْ بِالسُّوءِ كَمَا قَالَ: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ [غَافِرٍ: 5] ، فَكَفَاهُمُ [1] اللَّهُ شَرَّ مَنْ عَادَاهُمْ، وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَوَّفُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَرَّةَ معاداة الْأَوْثَانِ. وَقَالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا أَوْ لَيُصِيبَنَّكَ مِنْهُمْ خَبَلٌ أَوْ جُنُونٌ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ.

[سورة الزمر (39) : الآيات 37 الى 42]
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (37) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (40) إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41)
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42)
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (37) ، مَنِيعٌ فِي مُلْكِهِ مُنْتَقِمٌ مِنْ أَعْدَائِهِ.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ، بِشِدَّةٍ وَبَلَاءٍ، هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ، بِنِعْمَةٍ وَبَرَكَةٍ، هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ، قَرَأَ أهل البصرة كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ بالتنوين، من ضُرِّهِ ورَحْمَتِهِ بِنَصْبِ الرَّاءِ وَالتَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِلَا تَنْوِينٍ وَجَرِّ الرَّاءِ وَالتَّاءِ عَلَى الْإِضَافَةِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَسَكَتُوا، فقال الله تعالى لِرَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ، ثِقَتِي بِهِ وَاعْتِمَادِي عَلَيْهِ، عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ، يثق به الواثقون.
__________
(1) في المطبوع «فكفاه» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(4/90)

قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ، أَيْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ عَذَابٌ دَائِمٌ.
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، [أي] [1] وَبَالُ ضَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ، بحفيظ ورقيب [أي] لم نوكلك [2] بهم ولا تؤخذ بِهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ، أَيِ الْأَرْوَاحَ، حِينَ مَوْتِها، فَيَقْبِضُهَا عِنْدَ فَنَاءِ أَكْلِهَا وانقضاء آجالها، وَقَوْلُهُ: حِينَ مَوْتِها يُرِيدُ مَوْتَ أَجْسَادِهَا. وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ، يُرِيدُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ، فِي مَنامِها، وَالَّتِي تُتَوَفَّى عِنْدَ النَّوْمِ هِيَ النَّفْسُ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْعَقْلُ وَالتَّمْيِيزُ، وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ نفسان وَهِيَ الَّتِي تُفَارِقُهُ إِذَا نَامَ، وَهُوَ بَعْدَ النَّوْمِ يَتَنَفَّسُ. فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ، فَلَا يردها التَّمْيِيزِ وَهِيَ الَّتِي تُفَارِقُهُ إِذَا نَامَ، وَهُوَ بَعْدَ النَّوْمِ يَتَنَفَّسُ. فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ، فَلَا يَرُدُّهَا إِلَى الْجَسَدِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ قُضِيَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الضَّادِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، الْمَوْتَ رُفِعَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالضَّادِ، الْمَوْتَ نُصِبَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ.
وَيُرْسِلُ الْأُخْرى، وَيَرُدُّ الْأُخْرَى وَهِيَ الَّتِي لَمْ يَقْضِ عَلَيْهَا الْمَوْتَ إِلَى الْجَسَدِ، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، إِلَى أَنْ [3] يَأْتِيَ وَقْتُ مَوْتِهِ، وَيُقَالُ لِلْإِنْسَانِ نَفْسٌ وَرُوحٌ، فَعِنْدَ النَّوْمِ يخرج النفس ويبقي الرُّوحُ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: تَخْرُجُ الرُّوحُ عِنْدَ النَّوْمِ وَيَبْقَى شُعَاعُهُ فِي الْجَسَدِ، فَبِذَلِكَ يَرَى الرُّؤْيَا فَإِذَا انْتَبَهَ مِنَ النَّوْمِ عَادَ الرُّوحُ إِلَى جَسَدِهِ بِأَسْرَعَ مِنْ لَحْظَةٍ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ تَلْتَقِي فِي الْمَنَامِ فَتَتَعَارَفُ مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا أَرَادَتِ الرُّجُوعَ إِلَى أَجْسَادِهَا أَمْسَكَ اللَّهُ أَرْوَاحَ الْأَمْوَاتِ عِنْدَهُ وَأَرْسَلَ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى أَجْسَادِهَا إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ حَيَّاتِهَا.
«1825» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بن
__________
1825- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أحمد هو ابن عبد الله بن يونس، نسب لجده، زهير هو ابن معاوية.
- وهو في «شرح السنة» 1307 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 6320 عن أحمد بن يونس بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» 1217 و1210 ومسلم 2714 وأبو داود 5050 والنسائي في «عمل اليوم والليلة» 791 وابن حبان 5534 من طرق عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ به.
- وأخرجه النسائي في «اليوم والليلة» 792 وأحمد 2/ 422 وابن حبان 5535 من طريق يحيى بن سعيد القطان عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قال: حدثنا الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- وأخرجه عبد الرزاق 19830 وابن أبي شيبة 9/ 73 و10/ 248 والدارمي 2/ 288 والنسائي 793 وأحمد 2/ 283 و295 و432 من طرق عن عبيد بن عمر عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
- وأخرجه البخاري 7393 من طريق مالك والترمذي 3401 من طريق ابن عجلان كلاهما عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هريرة به.
- وأخرجه النسائي 794 من طريق ابن المبارك عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هريرة موقوفا.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «توكل» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع «أين» والمثبت عن المخطوط.
(4/91)

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43)
إسماعيل ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير [1] ثنا عبيد اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَّفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تُحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، لَدَلَالَاتٍ عَلَى قُدْرَتِهِ حَيْثُ لَمْ يَغْلَطْ فِي إِمْسَاكِ مَا يُمْسِكُ مِنَ الْأَرْوَاحِ وَإِرْسَالِ مَا يُرْسِلُ مِنْهَا. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَعَلَامَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فِي أَمْرِ الْبَعْثِ، يَعْنِي إِنَّ تَوَفِّيَ نَفْسِ النَّائِمِ وَإِرْسَالَهَا بَعْدَ التَّوَفِّي دليل على البعث.

[سورة الزمر (39) : الآيات 43 الى 45]
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ، يَا مُحَمَّدُ، أَوَلَوْ كانُوا، وَإِنْ كَانُوا يَعْنِي الْآلِهَةَ، لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً، مِنَ الشَّفَاعَةِ، وَلا يَعْقِلُونَ، أَنَّكُمْ تَعْبُدُونَهُمْ، وَجَوَابُ هَذَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَإِنْ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهُمْ.
قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً، قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ، نَفَرَتْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: انْقَبَضَتْ عَنِ التَّوْحِيدِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَكْبَرَتْ. وَأَصْلُ الِاشْمِئْزَازِ النُّفُورُ وَالِاسْتِكْبَارُ. قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يَعْنِي الْأَصْنَامَ، إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، يَفْرَحُونَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ وَذَلِكَ حِينَ قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ النجم فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، فَفَرِحَ بِهِ الْكُفَّارُ [2] .

[سورة الزمر (39) : الآيات 46 الى 53]
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي مَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (48) فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (50)
فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)
__________
(1) في المطبوع «زهيد» والمثبت عن «شرح السنة» و «صحيح البخاري» .
(2) هو خبر موضوع، وقد تقدم في سورة الحج.
(4/92)

قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي مَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) .
«1826» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْإِسْفَرَايِنِيُّ أَنَا أبو عوانة ثنا السلمي ثنا النصر بن محمد ثنا عكرمة بن عمار أَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ثنا أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِمَ كَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلفت فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مستقيم» .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) ، قَالَ مُقَاتِلٌ: ظَهَرَ لَهُمْ حِينَ بُعِثُوا مَا لَمْ يَحْتَسِبُوا فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ نَازِلٌ بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ الْسُّدِّيُّ: ظَنُّوا أَنَّهَا حَسَنَاتٌ فَبَدَتْ لَهُمْ سَيِّئَاتٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ فَلَمَّا عُوقِبُوا عَلَيْهَا بَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَحْتَسِبُوا.
وَرُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ جَزِعَ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ يَبْدُوَ لِي مَا لَمْ أَحْتَسِبْ.
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا، أَيْ مَسَاوِئُ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ. وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ، شِدَّةٌ، دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ، أَعْطَيْنَاهُ، نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، أَيْ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ أَنِّي لَهُ أَهْلٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي، وَذَكَرَ الْكِنَايَةَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النِّعْمَةِ الْإِنْعَامُ، بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ، يَعْنِي تِلْكَ النِّعْمَةُ فِتْنَةُ اسْتِدْرَاجٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وامتحان وبلية.
وقيل: بل الكلمة الَّتِي قَالَهَا فِتْنَةٌ. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَنَّهُ اسْتِدْرَاجٌ وَامْتِحَانٌ.
قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي قَارُونَ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [الْقَصَصِ: 78] فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمُ الْكُفْرُ مِنَ الْعَذَابِ شَيْئًا.
فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا، أَيْ جَزَاؤُهَا يَعْنِي الْعَذَابَ، ثُمَّ أَوْعَدَ كُفَّارَ مَكَّةَ فَقَالَ: وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ، بِفَائِتِينَ لِأَنَّ مَرْجِعَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أَيْ يُوسِعُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ أي يقتر على من
__________
1826- إسناده حسن على شرط مسلم، وفي رواية عكرمة عن يحيى لين فالإسناد حسن، لكن للحديث شواهد، وقد اختاره مسلم.
- السلمي هو أحمد بن يوسف.
أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، مشهور بكنيته.
- وهو في «شرح السنة» 947 بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 770 وأبو داود 767 و768 والترمذي 3420 والنسائي 3/ 212- 213 وابن ماجه 1357 وأحمد 6/ 156 وابن حبان 2600 وأبو عوانة 2/ 204 و305 من طرق عن عكرمة بن عمار به.
(4/93)

يَشَاءُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
«1827» رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا فَأَتَوُا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالوا: إن الذي تدعونا إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية.
«1828» م وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَحْشِيٍّ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: كَيْفَ تَدْعُونِي إِلَى دِينِكَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ قَتَلَ أَوْ أَشْرَكَ أَوْ زَنَى يَلْقَ أثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ، وَأَنَا قَدْ فعلت ذلك كله، فأنزل: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [مَرْيَمَ: 60] فَقَالَ وَحْشِيٌّ: هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ لَعَلِّي لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَهَلْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48 و116] ، فَقَالَ وَحْشِيٌّ أَرَانِي بَعْدُ فِي شُبْهَةٍ، فَلَا أَدْرِي يَغْفِرُ لِي أَمْ لَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَقَالَ وَحْشِيٌّ: نَعَمْ هَذَا، فَجَاءَ وَأَسْلَمَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَذَا لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ فَقَالَ: بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.
«1829» وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي عَيَّاشِ [1] بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَنَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا ثُمَّ فُتِنُوا وَعُذِّبُوا، فَافْتَتَنُوا فَكُنَّا نَقُولُ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا أَبَدًا، قَوْمٌ أَسْلَمُوا ثُمَّ تَرَكُوا دِينَهُمْ لِعَذَابٍ عُذِّبُوا فِيهِ، فأنزل الله هَذِهِ الْآيَاتِ، فَكَتَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِيَدِهِ ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى عَيَّاشِ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَإِلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ فَأَسْلَمُوا وَهَاجَرُوا.
«1830» وَرَوَى مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عمر قال: كنا معشر [2] أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَرَى أَوْ نَقُولُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ حَسَنَاتِنَا إِلَّا وَهِيَ مَقْبُولَةٌ حَتَّى نَزَلَتْ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [مُحَمَّدٍ: 33] ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قُلْنَا: مَا هَذَا الَّذِي يُبْطِلُ أَعْمَالَنَا فَقُلْنَا: الْكَبَائِرُ وَالْفَوَاحِشُ، قَالَ: فَكُنَّا إِذَا رَأَيْنَا مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْهَا قُلْنَا قَدْ هَلَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَكَفَفْنَا عن القول في ذلك، وكنا إِذَا رَأَيْنَا أَحَدًا أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا خِفْنَا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يصب منها شيئا رجونا.
وَأَرَادَ بِالْإِسْرَافِ ارْتِكَابَ الْكَبَائِرِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا قَاصٌّ يَقُصُّ وَهُوَ يَذْكُرُ النَّارَ وَالْأَغْلَالَ فَقَامَ عَلَى رأسه
__________
1827- صحيح. أخرجه البخاري 4810 ومسلم (193/ 122) وأبو داود (4274) .
1828- م ضعيف. أخرجه الطبراني في «الكبير» 11480 من طريق أبين بن سفيان والواحدي في «أسباب النزول» 660 من طريق ابن جريج كلاهما عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ به. وفي الإسناد الأول أبين، وهو ضعيف، وفي الثاني عنعنة ابن جريج.
قال الهيثمي في «المجمع» 7/ 101: رواه الطبراني، وفيه أبين بن سفيان، ضعفه الذهبي.
- وكذا ذكره السيوطي في «أسباب النزول» 957 وضعّف إسناده. [.....]
1829- ضعيف. أخرجه الطبري 30183 من طريق ابن إسحاق عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابن إسحاق مدلس، وقد عنعن.
1830- ضعيف. أخرجه الطبري 30188 من طريق مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ نَافِعٍ به، وإسناده ضعيف، فيه أبو معاذ واسمه خالد بن سليمان ضعفه ابن معين، ومشاه غيره، قاله الذهبي في «الميزان» 1/ 631 وفيه مقاتل، وقد روى مناكير.
(1) في المطبوع «عباس» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(2) في المطبوع «معاشر» والمثبت عن المخطوط.
(4/94)

فَقَالَ: يَا مُذَكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ الناس؟ ثم قرأ: يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
«1830» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي الهيثم التُّرَابِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الله بن أحمد الحموي أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خزيم الشاشي ثنا عبد الله بن حميد ثنا حَيَّانُ بْنُ هِلَالٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالُوا ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول:
«يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وَلَا يُبَالِي» .
«1831» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا مُحَمَّدُ بن بشار ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ، فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هَلْ [لِي مِنْ] [1] تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فقتله [فكمل به المائة] [2] [وجعل يسأل] فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَأَى بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنَّ تَقَرَّبِي وَأَوْحَى إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» .
«1832» وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى الْعَنْبَرِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إنه قتل تسعا وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ توبة؟ فقال: لَا فَقَتَلَهُ وَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فقال: إنه قتل مائة نفس فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ:
نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا كَانَ نِصْفُ الطَّرِيقِ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فيه ملائكة الرحمة
__________
1830- ضعيف. رجاله ثقات سوى شهر بن حوشب، فقد وثقه قوم، وضعفه آخرون، وهو كثير الأوهام والإرسال، فلا حجة بما ينفرد به، ولم يصرح بسماعه.
- ثابت هو ابن أسلم البناني.
- وهو في «شرح السنة» 4081 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 3237 عن عبد بن حميد بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 6/ 454- 459 والحاكم 2/ 249 من طرق عن حماد بن سلمة به.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
- وبكل حال هذه قراءة شاذة، لا يحتج بشهر في مثل هذه المواضع.
1831- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- ابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم، شعبة هو ابن الحجاج، قتادة هو ابن دعامة، أبو الصّدّيق هو بكر بن عمرو.
- وهو في «شرح السنة» 4080 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 3470 عن محمد بن بشار بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2766 ح 48 وابن حبان 615 من طريق محمد بن بشار به.
- وأخرجه مسلم 2766 ح 48 من طريق عبيد الله عن أبيه عن شعبة به.
- وأخرجه مسلم 4766 ح 46 من طريق محمد بن بشار ومحمد بن المثنى عن معاذ بن هشام بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن ماجه 2622 وابن حبان 611 وأحمد 3/ 20 و72 من طريقين عن قتادة به.
1832- هذه الرواية عند مسلم برقم 2766 ح 66 وانظر الحديث المتقدم.
(1) ما بين المعقوفتين زيد في المطبوع و «ط» وليس هو في المخطوط ولا في «صحيح البخاري» .
(2) ما بين المعقوفتين زيد في المطبوع و «ط» وليس هو في المخطوط ولا في رواية البخاري.
(4/95)

وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صورة آدمي فجعلوه بينهم حكما، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسَوْا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» .
«1833» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ [1] خَيْرًا قَطُّ لِأَهْلِهِ إذا مات فحرقوه ثم ذروا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي البحر فو الله لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ» .
«1834» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عكرمة بن عمار ثنا ضَمْضَمُ بْنُ جَوْسٍ [2] قَالَ: دَخَلْتُ [مَسْجِدَ] [3] الْمَدِينَةِ فَنَادَانِي شَيْخٌ، فَقَالَ [لي] [4] : يَا يَمَانِيُّ تَعَالَ [5] وَمَا أَعْرِفُهُ، فَقَالَ: لَا تَقُولَنَّ لِرَجُلٍ وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا وَلَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَمَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَقُولُهَا أَحَدُنَا لِبَعْضِ أَهْلِهِ إِذَا غَضِبَ أَوْ لِزَوْجَتِهِ أَوْ لِخَادِمِهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَحَابَّيْنِ أَحَدُهُمَا مجتهد في العبادة والآخر كأنه يقول: مذنب، فجعل يقول له: أَقْصِرْ [أَقْصِرْ] [6] عَمَّا أَنْتَ فِيهِ، قال فيقول خلني
__________
1833- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو مصعب هو أحمد بن أبي بكر، مالك بن أنس، أبو الزِّنَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، الأعرج عبد الرحمن بن هرمز.
- وهو في «شرح السنة» 4078 بهذا الإسناد.
- وهو في «الموطأ» 1/ 240 عن أبي الزناد به.
- وأخرجه البخاري 7506 ومسلم 2756 من طريقين عن مالك به.
- وأخرجه البخاري 3481 من طريق مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هريرة به.
وللحديث شواهد منها:
- حديث أبي سعيد الخدري.
أخرجه البخاري 3478 و6481 ومسلم 2757 وابن حبان 5649 و650 والطحاوي في «المشكل» 559.
- وحديث حذيفة.
أخرجه البخاري 3479 والنسائي 4/ 113 وأحمد 5/ 383 وابن حبان 651 وأبو نعيم في «الحلية» 8/ 124.
1834- إسناده صحيح، رجاله ثقات.
- وهو في «شرح السنة» 4082 بهذا الإسناد.
- وهو في «الزهد» 900 لابن الْمُبَارَكِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ به.
- وأخرجه أبو داود 4901 وأحمد 2/ 323 و363 وابن حبان 5712 والمزي في «تهذيب الكمال» في ترجمة ضمضم بن جوس من طرق عن عكرمة به.
(1) في المطبوع «يعلم» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «حوشب» والمثبت عن المخطوط و «ط» و «شرح السنة» .
(3) سقط من المطبوع. [.....]
(4) زيادة عن المخطوط (ب) .
(5) في المطبوع «تعالى» والمثبت عن «ط» والمخطوط، والعبارة في «الزهد» لابن المبارك «يا ابن أمّه تعاله» .
(6) زيادة عن المطبوع و «شرح السنة» .
(4/96)

وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)
وَرَبِّي، قَالَ: حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ، فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خِلْنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ:
وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا، وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ أَبَدًا، قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ فَقَالَ: لَا يَا رَبِّ، فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ» قَالَ أَبُو هريرة: والذي نفسي بيده لقد تكلم بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
«1835» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بكر القفال أَنَا أَبُو مَسْعُودٍ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد بن يونس الخطيب ثنا محمد بن يعقوب الأصم ثنا أبو قلابة ثنا أبو عاصم ثنا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَّا اللَّمَمَ [النَّجْمِ: 32] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا»

[سورة الزمر (39) : الآيات 54 الى 55]
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ، أَقْبِلُوا وَارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، وَأَسْلِمُوا لَهُ، وأخلصوا لَهُ التَّوْحِيدَ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ.
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ، وَمَعْنَى الْآيَةِ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ: الْتَزِمُوا طَاعَتَهُ وَاجْتَنِبُوا معصيته فإن في الْقُرْآنَ ذَكَرَ الْقَبِيحَ لِتَجْتَنِبَهُ وَذَكَرَ الأدون لئلا يرغب فِيهِ، وَذَكَرَ الْأَحْسَنَ لِتُؤْثِرَهُ. قَالَ الْسُّدِّيُّ: الْأَحْسَنُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْكِتَابِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ.

[سورة الزمر (39) : الآيات 56 الى 57]
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57)
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ، يَعْنِي لِئَلَّا تَقُولَ نَفْسٌ، كَقَوْلِهِ: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [لقمان: 10] يعني لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَيْ بَادِرُوا وَاحْذَرُوا أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: خَوْفَ أَنْ تَصِيرُوا إِلَى حَالٍ تَقُولُونَ هَذَا القول، يا حَسْرَتى يَا نَدَامَتَا، وَالتَّحَسُّرُ الِاغْتِمَامُ عَلَى مَا فَاتَ، وَأَرَادَ يَا حَسْرَتِي عَلَى الْإِضَافَةِ، لَكِنَّ الْعَرَبَ تُحَوِّلُ يَاءَ الْكِنَايَةِ أَلِفًا فِي الِاسْتِغَاثَةِ، فتقول: يا ويلتا [1] ويا ندامتا،
__________
1835- صحيح. أبو قلابة ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- أبو قلابة هو عبد الملك بن محمد، أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد.
- وهو في «شرح السنة» 4085 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 3284 من طريق أبي عاصم عن زكريا به.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حديث زكريا بن إسحاق.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 7/ 115 وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.
- وسيأتي في سورة النجم عند آية: 32.
(1) في المطبوع «ويلتى» والمثبت عن المخطوط.
(4/97)

أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58)
وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاءَ بَعْدَ الألف لتدل [1] عَلَى الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ يَا «حَسْرَتَايَ» ، وَقِيلَ:
مَعْنَى قوله «يا حسرتا» يَا أَيَّتُهَا الْحَسْرَةُ هَذَا وَقْتُكَ، عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، قَالَ الْحَسَنُ: قَصَّرْتُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي أَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فِي حَقِّ اللَّهِ. وَقِيلَ: ضَيَّعْتُ فِي ذَاتِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَصَّرْتُ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي [2] إِلَى رِضَاءِ اللَّهِ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجَنْبَ جَانِبًا. وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ، الْمُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، قَالَ قَتَادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أَنْ ضَيَّعَ طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى جَعَلَ يَسْخَرُ بِأَهْلِ طاعته.

[سورة الزمر (39) : الآيات 58 الى 66]
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (59) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ، عَيَانًا، لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً، رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا، فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، الْمُوَحِّدِينَ.
ثُمَّ يُقَالُ لِهَذَا الْقَائِلِ: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي، يَعْنِي الْقُرْآنَ، فَكَذَّبْتَ بِها، وَقُلْتَ إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، وَاسْتَكْبَرْتَ، تَكَبَّرْتَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا، وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ.
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، فَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ وَلَدًا وَشَرِيكًا، وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ، عَنِ الْإِيمَانِ.
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ بِمَفَازَاتِهِمْ بِالْأَلِفِ عَلَى الْجَمْعِ، أَيْ بِالطُّرُقِ الَّتِي تُؤَدِّيهِمْ إِلَى الْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِمَفازَتِهِمْ عَلَى الْوَاحِدِ لِأَنَّ الْمَفَازَةَ بِمَعْنَى الْفَوْزِ، أَيْ يُنَجِّيهِمْ بِفَوْزِهِمْ مِنَ النَّارِ بِأَعْمَالِهِمُ الْحَسَنَةِ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: الْمَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الْفَوْزِ، وَالْجَمْعُ حَسَنٌ كَالسَّعَادَةِ وَالسَّعَادَاتِ. لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ، لَا يُصِيبُهُمُ الْمَكْرُوهُ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) ، أَيِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَوْكُولَةٌ إِلَيْهِ فَهُوَ الْقَائِمُ بحفظها.
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أي مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ السموات وَالْأَرْضِ، وَاحِدُهَا مِقْلَادٌ، مِثْلُ مِفْتَاحٌ، وَمِقْلِيدٌ مِثْلُ مِنْدِيلٌ وَمَنَادِيلَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: مَفَاتِيحُ السموات وَالْأَرْضِ بِالرِّزْقِ وَالرَّحْمَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: خَزَائِنُ الْمَطَرِ وَخَزَائِنُ النَّبَاتِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (64) ؟ قَالَ مُقَاتِلٌ: وذلك أن كفار قريش
__________
(1) في المطبوع «ليدل» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «يردني» والمثبت عن ط والمخطوط.
(4/98)

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)
دَعَوْهُ إِلَى دِينِ آبَائِهِ. قَرَأَ أَهْلُ الشَّامِ تَأْمُرُونَنِي بِنُونَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ خَفِيفَةٍ عَلَى الْحَذْفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الْإِدْغَامِ.
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، أي الَّذِي عَمِلْتَهُ قَبْلَ الشِّرْكِ وَهَذَا خطاب مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ غَيْرُهُ. وَقِيلَ: هَذَا أَدَبٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ وَتَهْدِيدٌ لِغَيْرِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تعالى عَصَمَهُ مِنَ الشِّرْكِ. وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ.
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ، لإنعامه عليك.

[سورة الزمر (39) : الآيات 67 الى 68]
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (68)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ حِينَ أَشْرَكُوا بِهِ غَيْرَهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ عَظَمَتِهِ فَقَالَ: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
«1836» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثنا آدم ثنا شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السموات عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرْضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ» .
__________
1836- إسناده صحيح على شرط البخاري حيث تفرد عن آدم.
- آدم هو ابن أبي إياس، شيبان هو ابن عبد الرحمن، منصور هو ابن المعتمر، إبراهيم هو ابن يزيد النخعي، عبيدة هو ابن أبي عمرو السلماني.
- وهو في «شرح السنة» 4199 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4811 عن آدم بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 1/ 457 والآجري في «الشريعة» 751 والبيهقي في «الاعتقاد» ص 334 من طريق شيبان به.
- وأخرجه البخاري 7513 ومسلم 2786 ح 20 والنسائي في «التفسير» 470 وابن خزيمة في «التوحيد» ص 78 والآجري في «الشريعة» 750 وابن حبان 7326 وابن أبي عاصم في «السنة» 541.
والبيهقي ص 335 من طرق عن جرير به.
- وأخرجه البخاري 7414 ومسلم 2786 ح 19 والترمذي 3238 و3239 والنسائي في «التفسير» 471 والطبري 30217 وابن خزيمة ص 77، والآجري 753 وابن أبي عاصم 542 والبيهقي ص 335 من طرق عن منصور به.
- وأخرجه البخاري 7415 ومسلم 2786 ح 21 و22 والنسائي 472 من طريق الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ به.
(1) في المخطوط (ب) «فهذا خطاب للرسول» والمثبت عن المخطوط (أ) وط.
(4/99)

«1837» وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ وَقَالَ: «وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ عَلَى إِصْبَعٍ، وَقَالَ [ثُمَّ] [1] يَهُزُّهُنَّ هَزًّا، فَيَقُولُ (أَنَا الْمَلِكُ أَنَا اللَّهُ) » .
«1838» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بن فنجويه ثنا عمر بن الخطاب ثنا عبد الله بن الفضل ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيبة ثنا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَطْوِي اللَّهُ السموات يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ يَطْوِي الْأَرْضِينَ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ» .
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
«1839» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي توبة الكشميهني ثَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد بن الحارث ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ [2] أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزَّهْرِيِّ حَدَّثَنِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أين ملوك الأرض» .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، أي مَاتُوا مِنَ الْفَزَعِ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأَوْلَى، إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ، اخْتَلَفُوا فِي الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [87] ، قَالَ الْحَسَنُ: إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ يَعْنِي اللَّهَ وَحْدَهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ، أَيْ فِي الصُّوَرِ، أُخْرى، أَيْ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ، مِنْ قُبُورِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أَمْرَ اللَّهِ فيهم.
__________
1837- هذه الرواية عند مسلم برقم 2786 ح 19 وانظر ما تقدم.
وأخرجه الترمذي 3239 وابن خزيمة ص 77 من طريق فضيل بن عياض به.
1838- صحيح. إسناده ضعيف، عمر بن حمزة، وإن روى له مسلم، فقد ضعفه ابن معين والنسائي، وقال أحمد: أحاديثه مناكير. لكن توبع فالحديث صحيح، وله شواهد.
- أبو بكر هو عبد الله بن محمد، أبو أسامة، هو حماد بن أسامة.
- وأخرجه مسلم 2788 ح 24 وأبو داود 4732 وأبو يعلى 5558 وابن أبي عاصم في «السنة» 547 والطبري 30228 وأبو الشيخ في «العظمة» 139 من طرق عن أبي أسامة به.
- وذكره البخاري 7413 تعليقا عن عمر بن حمزة به.
- أخرجه مسلم 2788 وابن ماجه 198 و4275 والطبري 30223 والطبراني 13327 وأبو الشيخ في «العظمة» 131 وابن خزيمة في «التوحيد» ص 72- 73 وابن حبان 7324 من طرق عن أبي حازم عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عن ابن عمر به.
1839- صحيح. إبراهيم صدوق، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- يونس هو ابن يزيد، الزهري هو محمد بن مسلم.
- وهو في «شرح السنة» 4198 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 6519 ومسلم 2787 وأبو يعلى 5850 من طريق ابن المبارك بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 7382 والنسائي في «التفسير» 475 وابن ماجه 192 من طريق ابن وهب عن يونس به.
- وأخرجه البخاري 4812 والدارمي 2/ 325 من طريقين عن الزهري: سمعت أبا سلمة: سمعت أبا هريرة ...
(1) سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع «محمد» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» . [.....]
(4/100)

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69)
«1840» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا مُحَمَّدُ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ [عَنِ] [1] الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ» ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قال: «أبيت» ، قالوا: أربعون شهرًا؟ قال:
«أبيت» ، قالوا: أربعون سنة؟ قَالَ: «أَبَيْتُ» ، قَالَ: ثُمَّ يَنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ عَجْبُ الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة» .

[سورة الزمر (39) : الآيات 69 الى 73]
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (73)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ، أَضَاءَتْ، بِنُورِ رَبِّها بِنُورِ خَالِقِهَا، وَذَلِكَ حِينَ يَتَجَلَّى الرَّبُّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ فَمَا يَتَضَارُّونَ فِي نُورِهِ كَمَا لَا يَتَضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الصَّحْوِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: بِعَدْلِ رَبِّهَا، وَأَرَادَ بِالْأَرْضِ عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، وَوُضِعَ الْكِتابُ، أي كتاب الأعمال، وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَعْنِي الْحَفَظَةَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) [ق: 21] ، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، أَيْ بِالْعَدْلِ، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، أَيْ لَا يُزَادُ فِي سَيِّئَاتِهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ.
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ، أَيْ ثَوَابَ مَا عَمِلَتْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ، قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ أَنِّي عَالِمٌ بِأَفْعَالِهِمْ لَا أَحْتَاجُ إِلَى كَاتِبٍ وَلَا إِلَى شَاهِدٍ.
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ، سَوْقًا عَنِيفًا، زُمَراً، أَفْوَاجًا بَعْضُهَا عَلَى إِثْرِ بَعْضٍ، كُلُّ أُمَّةٍ عَلَى حِدَةٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ: زُمُرًا أَيْ جَمَاعَاتٍ فِي تَفْرِقَةٍ، وَاحِدَتُهَا زُمْرَةٌ. حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها، السَّبْعَةُ وَكَانَتْ مُغْلَقَةً قَبْلَ ذَلِكَ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فُتِحَتْ، وفُتِحَتْ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها، تَوْبِيخًا وَتَقْرِيعًا لَهُمْ، أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ، من
__________
1840- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- محمد هو ابن العلاء، أبو معاوية هو محمد بن خازم، الأعمش هو سليمان بن مهران، أبو صالح اسمه ذكوان، مشهور بكنيته.
- وهو في «شرح السنة» 4195 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4935 عن محمد بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2955 والنسائي في «التفسير» 478 والطبري 30241 من طرق عن أبي معاوية به.
(1) سقط من المطبوع.
(4/101)

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)
أَنْفُسِكُمْ، يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ، وَجَبَتْ، كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13] .
قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها، قَالَ الْكُوفِيُّونَ: هَذِهِ الْوَاوُ زَائِدَةٌ حَتَّى تَكُونَ جَوَابًا لقوله: حَتَّى إِذا جاؤُها كَمَا [1] فِي سَوْقِ الْكُفَّارِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً [الْأَنْبِيَاءِ: 48] أَيْ ضِيَاءً، وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ، وقيل: الواو واو والحال، مَجَازُهُ: وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا، فَأَدْخَلَ الْوَاوَ لِبَيَانِ أَنَّهَا كَانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ وَحَذْفُهَا فِي الْآيَةِ الأولى أَنَّهَا كَانَتْ مُغْلَقَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، فَإِذَا لَمْ تُجْعَلِ الْوَاوُ زَائِدَةً في قوله: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها.
اختلفوا في جواب قوله: حَتَّى إِذا، قيل: جوابه قوله: جاؤُها، ووَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها، وَالْوَاوُ فِيهِ مُلْغَاةٌ تقديره: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها قال لَهُمْ خَزَنَتُهَا.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْقَوْلُ عِنْدِي أَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: حتى إذا جاؤوها وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا. وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ، دَخَلُوهَا فَحَذَفَ دَخَلُوهَا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ، يُرِيدُ أَنَّ خَزَنَةَ الْجَنَّةِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُونَ طِبْتُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَابَ لَكُمُ الْمَقَامُ. قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ إِذَا قَطَعُوا النَّارَ حُبِسُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَقْتَصُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَطُيِّبُوا أُدْخِلُوا [2] الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُمْ رِضْوَانُ وَأَصْحَابُهُ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: سِيقُوا إِلَى الْجَنَّةِ فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَيْهَا وَجَدُوا عِنْدَ بَابِهَا شَجَرَةً يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ سَاقِهَا عَيْنَانِ فَيَغْتَسِلُ الْمُؤْمِنُ مِنْ إِحْدَاهُمَا فَيَطْهُرُ ظَاهِرُهُ، وَيَشْرَبُ من الأخرى فيطهر باطنه، وتلقته الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ.

[سورة الزمر (39) : الآيات 74 الى 75]
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (75)
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ، أَيْ أَرْضَ الْجَنَّةِ. وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (105) [الْأَنْبِيَاءِ: 105] . نَتَبَوَّأُ، نَنْزِلُ، مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ، ثَوَابُ [3] الْمُطِيعِينَ.
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ، أَيْ مُحْدِقِينَ مُحِيطِينَ بِالْعَرْشِ، مُطِيفِينَ بِحَوَافِيهِ أَيْ بِجَوَانِبِهِ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، قِيلَ: هَذَا تَسْبِيحُ تَلَذُّذٍ لَا تَسْبِيحُ تَعَبُّدٍ لِأَنَّ التكليف متروك فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، أَيْ قُضِيَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بِالْعَدْلِ، وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يَقُولُ أَهْلُ الجنة: شكرا حِينَ تَمَّ وَعْدُ اللَّهِ لَهُمْ.
__________
(1) في المخطوط «كما قال في» .
(2) في المخطوط «دخلوا» .
(3) في المطبوع «ثوب» والمثبت عن المخطوط.
(4/102)

حم (1)
سورة غافر
مكية وهي خمس وثمانون آية

[سورة غافر (40) : الآيات 1 الى 7]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (4)
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (5) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (6) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (7)
«1841» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ ثَنَا حميد بن زنجويه ثنا عبيد الله [1] بن موسى ثنا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ انْطَلَقَ يَرْتَادُ لِأَهْلِهِ مَنْزِلًا فَمَرَّ بِأَثَرِ غَيْثٍ فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ فِيهِ وَيَتَعَجَّبُ مِنْهُ إِذْ هَبَطَ عَلَى رَوْضَاتٍ دَمِثَاتٍ [2] ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِنَ الْغَيْثِ الْأَوَّلِ فَهَذَا أَعْجَبُ مِنْهُ وَأَعْجَبُ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ مَثَلَ الْغَيْثِ الْأَوَّلِ مَثَلُ عِظَمِ الْقُرْآنِ وَإِنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ الرَّوْضَاتِ الدَّمِثَاتِ [3] مَثَلُ الْ حم فِي الْقُرْآنِ.
«1842» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أنا أبو محمد الرومي ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ أَنَا قُتَيْبَةُ ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ الْجَرَّاحَ بْنَ [أَبِي] [4]
الْجَرَّاحِ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابٌ وَلُبَابُ الْقُرْآنِ الْحَوَامِيمُ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا وَقَعْتُ فِي آلِ حم وَقَعْتُ فِي رَوْضَاتٍ دَمِثَاتٍ أَتَأَنَّقُ فِيهِنَّ. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: كُنَّ آلَ حم يُسَمَّيْنَ العرائس.
__________
1841- موقوف صحيح. إسناده صحيح، رجاله ثقات.
1842- إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة.
(1) في المطبوع «عبد الله» والمثبت عن المخطوط وكتب التراجم.
(2) في المطبوع «دمثال» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع «الدمثال» والمثبت عن المخطوط.
(4) سقط من المطبوع.
(4/103)

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: حم، قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي حُرُوفِ التَّهَجِّي.
قَالَ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حم اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْهُ قَالَ: الر وَحم وَنون، حُرُوفُ الرَّحْمَنِ مُقَطَّعَةً. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: الْحَاءُ افْتِتَاحُ أَسْمَائِهِ حَكِيمٌ حَمِيدٌ حَيٌّ حَلِيمٌ حَنَّانٌ، وَالْمِيمُ افْتِتَاحُ أسمائه ملك مَجِيدٌ مَنَّانٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ قَضَى مَا هُوَ كَائِنٌ كَأَنَّهُمَا أَشَارَا إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ حُمَّ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ حِم بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا.
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غافِرِ الذَّنْبِ، سَاتِرِ الذَّنْبِ، وَقابِلِ التَّوْبِ، يَعْنِي التَّوْبَةَ مَصْدَرُ تَابَ يَتُوبُ تَوْبًا. وَقِيلَ: التَّوْبُ جَمْعُ تَوْبَةٍ مِثْلُ دَوْمَةٍ وَدَوْمٍ وعومة وعوم [1] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَافِرُ الذَّنْبِ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَابِلُ التَّوْبِ مِمَّنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رسول اللَّهُ. شَدِيدِ الْعِقابِ، لِمَنْ لَا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ذِي الطَّوْلِ، ذِي الْغِنَى عَمَّنْ لَا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ذِي الطَّوْلِ ذِي السَّعَةِ وَالْغِنَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: ذُو الْفَضْلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُو النِّعَمِ. وَقِيلَ: ذُو الْقُدْرَةِ وَأَصْلُ الطَّوْلِ الْإِنْعَامُ الَّذِي تَطُولُ مُدَّتُهُ عَلَى صَاحِبِهِ. لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ، فِي دَفْعِ آيَاتِ اللَّهِ بِالتَّكْذِيبِ وَالْإِنْكَارِ، إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: آيَتَانِ مَا أَشَدَّهُمَا عَلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي الْقُرْآنِ: مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، ووَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [الْبَقَرَةِ: 176] .
«1843» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامد [2] ثنا محمد بن خالد أنا
__________
1843- صحيح. إسناده ضعيف لضعف ليث، لكن توبع وللحديث طرق وشواهد، فهو صحيح إن شاء الله.
- زائدة هو ابن قدامة، ليث هو ابن أبي سليم، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن.
- وأخرجه أحمد 2/ 258 وابن أبي شيبة 15/ 529 من طريقين عن سعد بن إبراهيم بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 2/ 478 و494 والحاكم 2/ 223 من طريق أبي عاصم عن سعيد عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أبيه به.
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وإسناده حسن لأجل عمر بن أبي سلمة.
- وأخرجه أبو داود 4603 وأحمد 2/ 286 و424 و475 و503 و528 والحاكم 2/ 223 وابن حبان 1464 وأبو نعيم في «الحلية» 8/ 212- 213 وفي «أخبار أصبهان» 2/ 123 من طرق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أبي سلمة به.
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وللحديث شواهد منها:
- حديث عبد الله بن عمرو «لا تجادلوا في القرآن، فإن جدالا فيه كفر» .
أخرجه الطيالسي 2286 وأحمد 4/ 170 و204- 205 وإسناده حسن رجاله رجال البخاري مسلم، لكن فليح بن سليمان كثير الخطأ.
- وورد من وجه آخر، أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» 6/ 54 ص 212 وإسناده ضعيف، لضعف عبد الله بن صالح كاتب الليث.
- وحديث زيد بن ثابت.
أخرجه الطبراني كما في «المجمع» 710 وقال الهيثمي: رجاله موثقون.
- وحديث أبي جهيم الأنصاري.
(1) في المطبوع «حومة وحوم» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «أحمد» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(4/104)

داود بن سليمان أنا عبد الله [1] بن حميد ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ جِدَالًا [2] فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» .
«1844» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ:
سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا يتدارؤون [3] فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ [4] مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا ضَرَبُوا كتاب الله بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَلِمْتُمْ منه فقولوه، وما جهلتم فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ، تَصَرُّفُهُمْ فِي الْبِلَادِ لِلتِّجَارَاتِ [5] وَسَلَامَتُهُمْ فِيهَا مَعَ كُفْرِهِمْ، فَإِنَّ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمُ الْعَذَابُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) [آلِ عِمْرَانَ: 196] .
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهُمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِيَقْتُلُوهُ وَيُهْلِكُوهُ. وَقِيلَ:
لِيَأْسِرُوهُ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْأَسِيرَ أَخِيذًا، وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا، لِيُبْطِلُوا، بِهِ الْحَقَّ، الَّذِي جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ وَمُجَادَلَتُهُمْ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [إبراهيم: 10] ، ولَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [الْفَرْقَانِ: 21] وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ.
وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، يَعْنِي كَمَا حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ حَقَّتْ، عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
__________
أخرجه أبو عبيد 7/ 54 وفي إسناده ضعف.
لكن هذه الأحاديث تتقوى بمجموعها والله أعلم.
1844- صحيح. إسناده حسن للاختلاف المعروف في عمرو عن آبائه، ومن دونه ثقات توبعوا، وللحديث شواهد وطرق.
- وهو في «شرح السنة» 121 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20367 عن معمر بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 2/ 185 والآجري في «الشريعة» 134 من طريق عبد الرزاق به.
- وأخرجه ابن ماجه 85 وأحمد 2/ 195- 196 من طريق داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب به.
- وقال البوصيري في «الزوائد» : هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات وللحديث شواهد منها:
- حديث أبي هريرة أخرجه النسائي في «فضائل القرآن» 118 وأحمد 2/ 300 والطبري 7 وابن حبان 74 ولفظه «أنزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» .
وإسناده صحيح على شرطهما.
- وحديث أبي أمامة أخرجه الآجري 136 ولفظه «يا هؤلاء لا تضربوا كتاب الله تعالى بعضه ببعض، فإنه لم تضل أمة إلّا أوتو الجدل» .
وإسناده ضعيف لضعف القاسم بن عبد الرحمن.
(1) كذا في المطبوع. وفي المخطوط (ب) «حميد بن حميد» وفي المخطوط (أ) «عبد بن حميد» .
(2) في المطبوع «دجالا» والمثبت عن ط والمخطوط.
(3) في المخطوط (ب) يتدارؤن وفي «شرح السنة» :
«يتدارؤن- قال الرمادي: يتمارون-» .
(4) في المطبوع «ملك» والمثبت عن ط والمخطوط و «شرح السنة» .
(5) في المخطوط (ب) «بالتجارات» والمثبت عن ط والمخطوط (أ) .
(4/105)

، مِنْ قَوْمِكَ، أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ، قَالَ الْأَخْفَشُ: لِأَنَّهُمْ أَوْ بِأَنَّهُمْ أصحاب النار.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ، حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالطَّائِفُونَ بِهِ وَهُمُ الْكَرُوبِيُّونَ، وَهُمْ سَادَةُ الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ مَا بَيْنَ كَعْبِ أَحَدِهِمْ إِلَى أَسْفَلِ قَدَمَيْهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ.
وَيُرْوَى أَنَّ أَقْدَامَهُمْ في تخوم الأرضين والأرضون والسموات إِلَى حُجُزِهِمْ [1] ، وَهُمْ يَقُولُونَ:
سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، سَبُوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ.
وَقَالَ مَيْسَرَةُ بْنُ عبد ربه [2] : أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم خَرَقَتِ [3] الْعَرْشَ، وَهُمْ خُشُوعٌ لَا يَرْفَعُونَ طَرْفَهُمْ، وَهُمْ أَشَدُّ خَوْفًا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَأَهْلُ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ أَشَدُّ خَوْفًا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، وَالَّتِي تَلِيهَا أَشَدُّ خَوْفًا مِنَ الَّتِي تَلِيهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْعَرْشِ سَبْعُونَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ.
«1845» وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ إلى عاتقيه مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ» .
وَرَوَى جَعْفَرُ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَا بَيْنَ الْقَائِمَةِ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ وَالْقَائِمَةِ الثَّانِيَةِ خَفَقَانَ الطَّيْرِ الْمُسْرِعِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ عَامٍ، وَالْعَرْشُ يُكْسَى كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ لَوْنٍ مِنَ النُّورِ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا فِي الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْعَرْشِ سبعون ألف حجاب [حِجَابٍ] [4] مِنْ نُورٍ وَحِجَابٍ مِنْ ظُلْمَةٍ وَحِجَابُ نُورٍ وَحِجَابُ ظُلْمَةٍ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ حول العرش سبعون أَلْفَ صَفٍّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، صَفٌّ خَلْفَ صَفٍّ يَطُوفُونَ بِالْعَرْشِ، يُقْبِلُ هؤلاء يدبر [5] هَؤُلَاءِ فَإِذَا اسْتَقْبَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا هَلَّلَ هَؤُلَاءِ وَكَبَّرَ هَؤُلَاءِ، وَمِنْ وَرَائِهِمْ سَبْعُونَ أَلْفَ صَفٍّ قِيَامٌ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ قَدْ وَضَعُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، فَإِذَا سَمِعُوا تَكْبِيرَ أُولَئِكَ وَتَهْلِيلَهُمْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، فَقَالُوا: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ مَا أَعْظَمَكَ وَأَجَلَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، أَنْتَ الْأَكْبَرُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ لَكَ رَاجِعُونَ، وَمِنْ وَرَاءِ هَؤُلَاءِ مِائَةُ أَلْفِ صَفٍّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَدْ وَضَعُوا الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ بِتَحْمِيدٍ لَا يُسَبِّحُهُ الْآخَرُ، مَا بَيْنَ جَنَاحَيْ أَحَدِهِمْ مَسِيرَةُ ثَلَاثِمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ أَرْبَعُمِائَةِ عَامٍ، وَاحْتَجَبَ اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ بِسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نَارٍ،
__________
1845- صحيح. أخرجه ابن طهمان في «مشيخته» 21 وأبو داود 4727 والخطيب في «تاريخ بغداد» 10/ 195 من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر به.
وصححه السيوطي في «الدر المنثور» 5/ 647 وهو كما قال.
- وفي الباب من حديث أبي هريرة أخرجه أبو يعلى 6619 وابن مردويه كما في «الدر» 5/ 647 وإسناده صحيح، صححه السيوطي في الدر وكذا ابن حجر في «المطالب العالية» 3/ 267 وقال الهيثمي في «المجمع» 8/ 135: رجاله رجال الصحيح.
(1) في المطبوع «حجزتهم» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المخطوط (ب) «عزوبة» وفي المخطوط (أ) «غزوية» .
(3) في المطبوع «تحت» والمثبت عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) في المطبوع «يقبل» والمثبت عن المخطوط.
(4/106)

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8)
وَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ ظُلْمَةٍ، وَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ، وَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ دُرٍّ أَبْيَضَ، وَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ، وَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ يَاقُوتٍ أَصْفَرَ، وَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ زَبَرْجَدٍ أَخْضَرَ، وَسَبْعِينَ حِجَابًا مَنْ ثَلْجٍ، وَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ مَاءٍ، وَسَبْعِينَ حِجَابًا مَنْ بَرَدٍ، وَمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَمَنْ حَوْلَهُ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ، وَجْهُ ثَوْرٍ وَوَجْهُ أَسَدٍ وَوَجْهُ نِسْرٍ وَوَجْهُ إِنْسَانٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ، أَمَّا جَنَاحَانِ فَعَلَى وَجْهِهِ مَخَافَةَ أَنْ لا يَنْظُرَ إِلَى الْعَرْشِ فَيُصْعَقَ، وَأَمَّا جناحان فيهفو بهما [1] كما يهفو هذا الطائر بجناحيه إذا حركه لَيْسَ لَهُمْ كَلَامٌ إِلَّا التَّسْبِيحُ [والتسليم والتمجيد والتكبير] [2] والتحميد. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، يُصَدِّقُونَ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ.
«1846» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَّاشِيُّ ثنا جعفر بن سليمان ثنا هارون بن رئاب ثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، فَأَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، قَالَ: وَكَأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ ذُنُوبَ بَنِي آدَمَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا، يَعْنِي يَقُولُونَ رَبَّنَا، وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، قِيلَ: نُصِبَ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ: عَلَى النَّقْلِ، أَيْ وَسِعَتْ رَحْمَتُكَ وَعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، دِينَكَ. وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ، قَالَ مُطَرِّفٌ: أَنْصَحُ عِبَادِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ هُمُ الْمَلَائِكَةُ وَأَغَشُّ الْخَلْقِ لِلْمُؤْمِنِينَ هم الشياطين.

[سورة غافر (40) : الآيات 8 الى 12]
رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)
رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ، آمن، مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَدْخُلُ الْمُؤْمِنُ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَيْنَ أَبِي أَيْنَ أُمِّي أين ولدي أين زوجتي؟ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِكَ، فَيَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ أَعْمَلُ لِي وَلَهُمْ، فَيُقَالُ: أَدْخِلُوهُمُ [الْجَنَّةَ] [3] .
وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ، الْعُقُوبَاتِ، وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ، أَيْ وَمَنْ تَقِهِ السَّيِّئَاتِ يَعْنِي الْعُقُوبَاتِ، وَقِيلَ: جَزَاءَ السَّيِّئَاتِ، يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُمْ فِي النَّارِ وَقَدْ مقتوا أنفسهم حين
__________
1846- مقطوع. إسناده إلى شهر حسن، رجاله ثقات، وهو مقطوع لأنه قول التابعي، والظاهر أنه متلقى عن أهل الكتاب. [.....]
(1) في المطبوع «بها» والمثبت عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4/107)

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13)
عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ، وَعَايَنُوا الْعَذَابَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ، يَعْنِي لَمَقْتُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ فِي الدُّنْيَا إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمُ الْيَوْمَ أَنْفُسَكُمْ عِنْدَ حُلُولِ الْعَذَابِ بِكُمْ.
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ:
كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أَمَاتَهُمُ الْمَوْتَةَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهُمَا مَوْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الْبَقَرَةِ: 28] ، وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: أُمِيتُوا فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أُحْيَوْا فِي قُبُورِهِمْ لِلسُّؤَالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا فِي قُبُورِهِمْ ثُمَّ أُحْيَوْا فِي الْآخِرَةِ. فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ، أَيْ مِنْ خُرُوجٍ مِنَ النَّارِ إِلَى الدُّنْيَا فَنُصْلِحَ أَعْمَالَنَا وَنَعْمَلَ بِطَاعَتِكَ، نَظِيرُهُ: هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: 44] .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ، فيه مَتْرُوكٌ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ لِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ، مَجَازُهُ: فَأُجِيبُوا أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، وَهَذَا الْعَذَابُ وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ بِأَنَّكُمْ إِذَا دعي الله وحده كفرتم، أي إِذَا قِيلَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله أنكرتم، وَقُلْتُمْ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ص: 5] ، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ، غَيْرُهُ تُؤْمِنُوا، تُصَدِّقُوا ذَلِكَ الشِّرْكَ، فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ. الَّذِي لَا أعلى منه ولا أكبر.

[سورة غافر (40) : الآيات 13 الى 19]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لَا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (17)
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (18) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (19)
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً، يَعْنِي الْمَطَرَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْأَرْزَاقِ، وَما يَتَذَكَّرُ، وَمَا يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ، إِلَّا مَنْ يُنِيبُ، يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ.
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ. وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ.
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، رَافِعُ دَرَجَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ، ذُو الْعَرْشِ، خَالِقُهُ وَمَالِكُهُ، يُلْقِي الرُّوحَ، يُنَزِّلُ الْوَحْيَ، سَمَّاهُ رُوحًا لِأَنَّهُ تَحْيَا بِهِ الْقُلُوبُ كَمَا تَحْيَا به الْأَبْدَانُ بِالْأَرْوَاحِ، مِنْ أَمْرِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قَضَائِهِ. وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بِأَمْرِهِ. عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ، أَيْ لِيُنْذِرَ النَّبِيُّ بِالْوَحْيِ، يَوْمَ التَّلاقِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِالتَّاءِ أَيْ لِتُنْذِرَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ يَوْمَ التَّلَاقِ، يَوْمَ يَلْتَقِي أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ. قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: يَلْتَقِي فِيهِ الْخَلْقُ وَالْخَالِقُ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَتَلَاقَى الْعِبَادُ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: يَلْتَقِي الظَّالِمُ وَالْمَظْلُومُ وَالْخُصُومُ. وَقِيلَ: يَلْتَقِي الْعَابِدُونَ وَالْمَعْبُودُونَ.
وَقِيلَ: يَلْتَقِي فِيهِ الْمَرْءُ مَعَ عَمَلِهِ.
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ، خَارِجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ ظَاهِرُونَ لَا يَسْتُرُهُمْ شَيْءٌ، لَا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ، مِنْ أَعْمَالِهِمْ وأحوالهم، شَيْءٌ، ويقول اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، فُلَا أَحَدٌ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ بنفسه فَيَقُولُ، لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ، الَّذِي قَهَرَ الْخَلْقَ بِالْمَوْتِ.
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، يُجْزَى الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ،
(4/108)

وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20)
لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ.
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ إِذْ كَلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) [النَّجْمِ: 57] ، أَيْ قَرُبَتِ الْقِيَامَةُ. إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَزُولُ عَنْ أَمَاكِنِهَا مِنَ الْخَوْفِ حَتَّى تصير إلى الحناجر، فهي لا تعود إلى أماكنها وهي لا تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فَيَمُوتُوا وَيَسْتَرِيحُوا. كاظِمِينَ، مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وَحُزْنًا، وَالْكَظْمُ تَرَدُّدُ الْغَيْظِ وَالْخَوْفِ وَالْحُزْنِ فِي الْقَلْبِ حَتَّى يَضِيقَ بِهِ. مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ، قَرِيبٌ يَنْفَعُهُمْ، وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ، فَيَشْفَعُ فِيهِمْ.
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ، أَيْ خِيَانَتَهَا وَهِيَ مُسَارَقَةُ النَّظَرِ إِلَى ما يحل. قال مجاهد: [هو] [1] نَظَرُ الْأَعْيُنِ إِلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَما تُخْفِي الصُّدُورُ.

[سورة غافر (40) : الآيات 20 الى 26]
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (21) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (23) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (24)
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (25) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (26)
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ، يَعْنِي الْأَوْثَانَ، لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهَا لَا تَعْلَمُ شَيْئًا وَلَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ.
قَرَأَ نَافِعٌ [2] تَدْعُونَ، بِالتَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ مِنْكُمْ بِالْكَافِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ، وَآثاراً فِي الْأَرْضِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ، يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ.
ذلِكَ أَيْ ذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ قال عَزَّ وَجَلَّ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (23) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا، يَعْنِي فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.
قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا غَيْرُ الْقَتْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ قَدْ أَمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ، فَلَمَّا بُعِثَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعَادَ الْقَتْلَ عَلَيْهِمْ، فَمَعْنَاهُ أَعِيدُوا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ. وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ، لِيَصُدُّوهُمْ بِذَلِكَ عَنْ مُتَابَعَةِ مُوسَى وَمُظَاهَرَتِهِ، وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ، وَمَا مَكَرُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ واحتيالهم،
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيد في المطبوع «وابن عامر» .
(4/109)

وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)
إِلَّا فِي ضَلالٍ، أَيْ يَذْهَبُ كَيْدُهُمْ بَاطِلًا، وَيَحِيقُ بِهِمْ مَا يُرِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقالَ فِرْعَوْنُ، لِمَلَئِهِ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ فِي خَاصَّةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ قَتْلِهِ خَوْفًا مِنَ الْهَلَاكِ، وَلْيَدْعُ رَبَّهُ، أَيْ وَلْيَدْعُ مُوسَى رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا فَيَمْنَعَهُ مِنَّا، إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ، أن يُغَيِّرَ، دِينَكُمْ، الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ، قَرَأَ يَعْقُوبُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ وَأَنْ يَظْهَرَ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ عَلَى التَّعْدِيَةِ، الْفَسادَ نُصِبَ لِقَوْلِهِ: أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ، حَتَّى يَكُونَ الْفِعْلَانِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْهَاءِ عَلَى اللُّزُومِ، الْفَسادَ، رُفِعَ وَأَرَادَ بِالْفَسَادِ تَبْدِيلَ الدِّينِ وَعِبَادَةَ غيره.

[سورة غافر (40) : الآيات 27 الى 29]
وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (27) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (29)
وَقالَ مُوسى، لَمَّا تَوَعَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالْقَتْلِ، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْمُؤْمِنِ قَالَ مُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ:
كَانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ وَهُوَ الَّذِي حَكَى اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى [الْقِصَصِ: 20] ، وَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا، وَمَجَازُ الْآيَةِ: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَكَانَ اسمه حزبيل عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ اسْمُهُ جُبْرَانَ. وَقِيلَ: كَانَ اسْمُ الرَّجُلِ الَّذِي آمَنَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ حَبِيبًا.
أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، لِأَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ، أَيْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، لَا يَضُرُّكُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ يَكُ صادِقاً، فكذبتموه وهو صادق، يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الْكُلُّ، أَيْ إِنْ قَتَلْتُمُوهُ وَهُوَ صَادِقٌ أَصَابَكُمْ مَا يَتَوَعَّدُكُمْ بِهِ [1] مِنَ العذاب. قال الليث: بعض هاهنا صِلَةٌ يُرِيدُ يُصِبُكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ.
وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: هَذَا عَلَى الظَّاهِرِ فِي الْحِجَاجِ كَأَنَّهُ قَالَ أَقَلُّ مَا فِي صِدْقِهِ أَنْ يُصِيبَكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلَاكُكُمْ، فَذَكَرَ الْبَعْضَ لِيُوجِبَ الْكُلَّ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي، إِلَى دِينِهِ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ، مُشْرِكٌ، كَذَّابٌ، عَلَى اللَّهِ.
«1847» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف ثنا
__________
1847- إسناده صحيح على شرط البخاري، حيث تفرد عن علي بن عبد الله وهو المديني، ومن فوقه رجال الشيخين.
(1) في المطبوع «ما وعدكم من العذاب» والمثبت عن المخطوط.
(4/110)

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30)
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ حَدَّثَنِي عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِفَنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ.
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ، غَالِبِينَ فِي أَرْضِ مِصْرَ، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ، مَنْ يَمْنَعُنَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، إِنْ جاءَنا، وَالْمَعْنَى لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فَلَا تَتَعَرَّضُوا لِعَذَابِ اللَّهِ بِالتَّكْذِيبِ، وَقَتْلِ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِنْ حَلَّ بِكُمْ، قالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ، مِنَ الرَّأْيِ وَالنَّصِيحَةِ، إِلَّا مَا أَرى، لِنَفْسِي. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا أُعْلِمُكُمْ إِلَّا مَا أَعْلَمُ، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ، مَا أَدْعُوكُمْ إِلَّا إِلَى طَرِيقِ الهدى.

[سورة غافر (40) : الآيات 30 الى 40]
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (31) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (34)
الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (37) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (38) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (39)
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (40)
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، أَيْ مِثْلَ عَادَتِهِمْ فِي الْإِقَامَةِ عَلَى التَّكْذِيبِ حَتَّى أَتَاهُمُ الْعَذَابُ، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ، أي
__________
- الأوزاعي هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو.
- وهو في «شرح السنة» 3640 و «الأنوار» 30 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4815 عن علي بن عبد الله بهذا الإسناد.
وأخرجه البخاري 3678 و3856 وأحمد 2/ 204 والبيهقي في «دلائل النبوة» 2/ 274 من طرق عن الوليد بن مسلم به.
- وأخرجه أحمد 2/ 218 وابن حبان 6567 والبيهقي 2/ 275- 276 من وجه آخر عن محمد بن إسحاق حدثني يحيى بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عبد الله بن عمرو بنحوه مطوّلا.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 6/ 15- 16 وقال: في الصحيح طرف منه، رواه أحمد، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.
(4/111)

لَا يُهْلِكُهُمْ قَبْلَ اتِّخَاذِ [1] الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (32) ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُدْعَى كُلُّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ وَيُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيُنَادِي أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أصحاب النار و [ينادي] [2] أصحاب النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ، وَيُنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ، وَيُنَادَى بِالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، أَلَا إن فلان ابن فُلَانٍ قَدْ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يشقى بعدها أبدا، وفلان ابن فُلَانٍ قَدْ شَقِيَ شَقَاوَةً لَا يَسْعَدُ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَيُنَادَى حِينَ يُذْبَحُ الْمَوْتُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ [3] ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ [4] .
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: «يَوْمَ التَّنَادِّ» بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ أَيْ يَوْمَ التَّنَافُرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ هَرَبُوا فَنَدَّوْا فِي الْأَرْضِ كَمَا تَنِدُّ الْإِبِلُ إِذَا شردت عن أربابها.
وقال الضَّحَّاكُ: وَكَذَلِكَ إِذَا سَمِعُوا زَفِيرَ النَّارِ نَدَّوْا هَرَبًا فَلَا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الْأَقْطَارِ إِلَّا وَجَدُوا الْمَلَائِكَةَ صُفُوفًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها [الْحَاقَّةِ:
17] ، وقوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا [الرَّحْمَنِ: 33] .
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ، مُنْصَرِفِينَ عَنْ مَوْقِفِ الْحِسَابِ إِلَى النَّارِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَارِّينَ غَيْرَ مُعْجِزِينَ، مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ، يَعْصِمُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33) وَلَقَدْ جاءَكُمْ، يَعْنِي يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ مِنْ قَبْلُ، أَيْ مِنْ قَبْلِ مُوسَى، بِالْبَيِّناتِ، يَعْنِي قَوْلَهُ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، حَتَّى إِذا هَلَكَ، مَاتَ، قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا، أَيْ أَقَمْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ وَظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُجَدِّدُ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ، مُشْرِكٌ، مُرْتابٌ، شَاكٌّ.
الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْمُسْرِفِ الْمُرْتَابِ يَعْنِي الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَيْ فِي إِبْطَالِهَا بِالتَّكْذِيبِ، بِغَيْرِ سُلْطانٍ، حُجَّةٍ، أَتاهُمْ، مِنَ اللَّهِ، كَبُرَ مَقْتاً، أَيْ كَبُرَ ذَلِكَ الجدال [عند الله] [5] مَقْتًا، عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ قَلْبِ بِالتَّنْوِينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْإِضَافَةِ، دَلِيلُهُ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «عَلَى قَلْبِ [6] كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» .
وَقالَ فِرْعَوْنُ، لوزيره، يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً، وَالصَّرْحُ الْبِنَاءُ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ وَإِنْ بَعُدَ وَأَصْلُهُ مِنَ التَّصْرِيحِ وَهُوَ الْإِظْهَارُ، لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36) أَسْبابَ السَّماواتِ، يَعْنِي طُرُقَهَا وَأَبْوَابَهَا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى، قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِرَفْعِ الْعَيْنِ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ: أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِنَصْبِ الْعَيْنِ وَهِيَ قِرَاءَةُ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَلَى جَوَابِ لعلى بِالْفَاءِ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ، يَعْنِي مُوسَى كاذِباً، فِيمَا يَقُولُ: إِنَّ لَهُ رِبًّا غَيْرِي، وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ، وقرأ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَيَعْقُوبُ وَصُدَّ بِضَمِّ الصَّادِ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ: زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَدَّهُ اللَّهُ عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ أَيْ صَدَّ فِرْعَوْنُ الناس عن السبيل.
__________
(1) في المطبوع «إيجاب» وفي المخطوط (ب) «إيجاد» والمثبت عن المخطوط (أ) وط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المخطوط (أ) «بلا» والمثبت عن المخطوط (ب) وط.
(4) في المخطوط (أ) «بلا» .
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) في المطبوع «على كل قلب» والمثبت عن ط. [.....]
(4/112)

وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41)
وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ، يَعْنِي وَمَا كَيْدُهُ فِي إبطال آيات الله وآيات مُوسَى إِلَّا فِي خَسَارٍ وَهَلَاكٍ.
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (38) ، طَرِيقَ الهدى.
يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ، مُتْعَةٌ تَنْتَفِعُونَ بِهَا مُدَّةً ثُمَّ تَنْقَطِعُ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ، الَّتِي لَا تَزُولُ. مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يُعْطَوْنَ فِي الجنة من الخير.

[سورة غافر (40) : الآيات 41 الى 46]
وَيا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (44) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (45)
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (46)
وَيا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ، يَعْنِي مَا لَكُمْ كما تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا لِي أَرَاكَ حَزِينًا؟ أَيْ مَا لَكَ يَقُولُ أَخْبِرُونِي عَنْكُمْ كَيْفَ هَذِهِ الْحَالُ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ مِنَ النَّارِ والإيمان بِاللَّهِ، وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، إِلَى الشِّرْكِ الَّذِي يُوجِبُ النَّارَ، ثُمَّ فَسَّرَ فَقَالَ:
تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) ، العزيز فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ، الْغَفَّارُ لِذُنُوبِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ.
لَا جَرَمَ، حَقًّا، أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، أَيْ إِلَى الْوَثَنِ، لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ، قَالَ الْسُّدِّيُّ: لَا يَسْتَجِيبُ لِأَحَدٍ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، يَعْنِي لَيْسَتْ لَهُ اسْتِجَابَةُ دَعْوَةٍ. وَقِيلَ: لَيْسَتْ لَهُ دَعْوَةٌ إِلَى عِبَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ الْأَوْثَانَ لَا تَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ، وَلَا تَدْعُو إِلَى عِبَادَتِهَا، وَفِي الْآخِرَةِ تَتَبَرَّأُ مِنْ عَابِدِيهَا. وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ، مَرْجِعُنَا إِلَى اللَّهِ فَيُجَازِي كُلًّا بِمَا يَسْتَحِقُّ، وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ، الْمُشْرِكِينَ، هُمْ أَصْحابُ النَّارِ.
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ، إِذَا عَايَنْتُمُ الْعَذَابَ حِينَ لَا يَنْفَعُكُمُ الذِّكْرُ، وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَوَعَّدُوهُ لِمُخَالَفَتِهِ دِينَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ، يَعْلَمُ الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِلِ ثُمَّ خَرَجَ الْمُؤْمِنُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا، مَا أَرَادُوا بِهِ مِنَ الشَّرِّ، قَالَ قَتَادَةُ: نَجَا مَعَ مُوسَى وَكَانَ قِبْطِيًّا، وَحاقَ، نَزَلَ، بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ، الْغَرَقُ فِي الدُّنْيَا وَالنَّارُ فِي الْآخِرَةِ.
وَذَلِكَ قوله تعالى: النَّارُ، هِيَ رَفْعٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ السُّوءِ، يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا، صَبَاحًا وَمَسَاءً، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ سُودٍ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ تَغْدُو وَتَرُوحُ إِلَى النَّارِ، وَيُقَالُ: يَا آلَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ [1] حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: تُعْرَضُ رُوحُ كُلِّ كَافِرٍ عَلَى النَّارِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ما دامت الدنيا.
__________
(1) في المطبوع «مأواكم» والمثبت عن المخطوط.
(4/113)

وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47)
«1848» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ مُسْتَقَرِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ: السَّاعَةُ، أَدْخِلُوا، بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَالْوَصْلِ وَبِضَمِّهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ مِنَ الدُّخُولِ، أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ادْخُلُوا يَا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: «أَدْخِلُوا» بِقَطْعِ الْأَلْفِ وَكَسْرِ الْخَاءِ مِنَ الْإِدْخَالِ، أَيْ يُقَالُ لِلْمَلَائِكَةِ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَلْوَانَ الْعَذَابِ غَيْرَ الَّذِي كَانُوا يعذبون به منذ غرقوا [1] .

[سورة غافر (40) : الآيات 47 الى 52]
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (47) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (48) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (49) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (50) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (51)
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ، أَيْ اذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إِذْ يَخْتَصِمُونَ يَعْنِي أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ، فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً، فِي الدُّنْيَا، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ، وَالتَّبَعُ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا فِي قَوْلِ أَهْلِ البصرة، واحده تَابِعٌ، وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: هُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ وَجَمْعُهُ أَتْبَاعٌ.
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (48) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ، حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ، لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ.
__________
1848- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو مصعب هو أحمد بن أبي بكر، مالك هو ابن أنس، نافع هو أبو عبد الله مولى ابن عمر.
- وهو في «شرح السنة» 1518 بهذا الإسناد.
- وهو في «الموطأ» 1/ 239 عن نافع به.
- وأخرجه البخاري 1379 ومسلم 2866 ح 65 والنسائي 4/ 107- 108 وأحمد 2/ 113 وابن حبان 3130 والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» 48 من طرق عن مالك به.
- وأخرجه البخاري 3240 و6515 والترمذي 1072 والنسائي 4/ 107 وابن ماجه 4270 وأحمد 2/ 16 و51 و123 والطيالسي 1832 من طرق عن نافع به.
- وأخرجه مسلم 2866 ح 66 والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» 49 من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عمر به.
(1) في المطبوع «أغرقوا» والمثبت عن المخطوط.
(4/114)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53)
قالُوا، يَعْنِي خَزَنَةُ جَهَنَّمَ لَهُمْ، أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا، أَنْتُمْ إذا ربكم، أي إِنَّا لَا نَدْعُو لَكُمْ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ، أَيْ يُبْطِلُ وَيُضِلُّ وَلَا يَنْفَعُهُمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِالْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِالْحُجَّةِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالْعُذْرِ. وَقِيلَ: بِالِانْتِقَامِ مِنَ الْأَعْدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَهُمْ مَنْصُورُونَ بِالْحُجَّةِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، وَقَدْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ بِالْقَهْرِ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِمْ وَنَصَرَهُمْ بَعْدَ أَنْ قُتِلُوا بِالِانْتِقَامِ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، كَمَا نَصَرَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا لَمَّا قُتِلَ قُتِلَ بِهِ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَهُمْ مَنْصُورُونَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُومُ الْحَفَظَةُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ وَعَلَى الْكَفَّارِ بِالتَّكْذِيبِ.
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، إِنِ اعْتَذَرُوا عَنْ كُفْرِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَابُوا لَمْ يَنْفَعْهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ، الْبُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ، يَعْنِي جَهَنَّمَ.

[سورة غافر (40) : الآيات 53 الى 57]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (53) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (57)
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى، قَالَ مُقَاتِلٌ: الْهُدَى مِنَ الضَّلَالَةِ، يَعْنِي التَّوْرَاةَ، وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ، التَّوْرَاةَ.
هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (54) .
فَاصْبِرْ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى أَذَاهُمْ، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ، فِي إِظْهَارِ [دِينِكَ] [1] وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِكَ، حَقٌّ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَسَخَتْ آيَةُ الْقِتَالِ آيَةَ الصَّبْرِ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، هَذَا تَعَبُّدٌ مِنَ اللَّهِ لِيَزِيدَهُ بِهِ دَرَجَةً وَلِيَصِيرَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، صلي شَاكِرًا لِرَبِّكَ، بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ، قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَاةَ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ، مَا فِي قُلُوبِهِمْ وَالصَّدْرُ مَوْضِعُ الْقَلْبِ، فَكَنَّى بِهِ عَنِ الْقَلْبِ لِقُرْبِ الْجِوَارِ، إِلَّا كِبْرٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى تَكْذِيبِكَ إِلَّا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْكِبَرِ وَالْعَظَمَةِ، مَا هُمْ بِبالِغِيهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا هُمْ بِبَالِغِي مُقْتَضَى ذَلِكَ الْكِبَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُذِلُّهُمْ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا تَكَبُّرٌ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَمَعٌ فِي أَنْ يَغْلِبُوهُ وَمَا هُمْ بِبَالِغِي ذَلِكَ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ صَاحِبَنَا الْمَسِيحَ بْنَ دَاوُدَ يَعْنُونَ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَبْلُغُ سلطانه الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَيَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَيْنَا،
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(4/115)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، مَعَ عِظَمِهِمَا، أَكْبَرُ، أَعْظَمُ فِي الصُّدُورِ، مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، أَيْ مِنْ إِعَادَتِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ، يَعْنِي الْكُفَّارَ، لَا يَعْلَمُونَ، حَيْثُ لَا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلَى تَوْحِيدِ خَالِقِهَا. وَقَالَ قَوْمٌ: أَكْبَرُ أَيْ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ الدَّجَّالِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يعني اليهود الذي يُخَاصِمُونَ فِي أَمْرِ الدَّجَّالِ.
«1849» وَرُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خلق أكبر فتنة من الدَّجَّالِ» .
«1850» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ أَنَا جَدِّي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبراهيم الدَّبْرِيُّ [1] ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي فَذَكَرَ الدَّجَّالَ.
فَقَالَ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ سِنِينَ [سنة] [2] تمسك السماء فيها صنف [3] ثلث قطرها والأرض ثلث
__________
1849- جيد. أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» ص 316 من حديث هشام بن عامر، وإسناده ضعيف، فيه من لم يسم.
- وله شاهد من حديث جابر، أخرجه نعيم ص 316 وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة.
- وله شاهد من حديث أبي أمامة، أخرجه نعيم ص 315 وفيه عمرو بن عبد الله الحمصي، وهو مقبول، وللحديث شواهد.
- وكرره من مرسل عبد الرحمن بن جبير وعبد الرحمن بن ميسرة وشريح بن عبيد.
الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بمجموع طرقه وشواهده.
1850- إسناده غير قوي، شهر بن حوشب مختلف فيه. فقد وثقه قوم، وضعفه آخرون، وخلاصة القول: لا يحتج بما ينفرد به، وقد تفرد بصدر هذا الحديث وعجزه.
- معمر بن راشد، قتادة بن دعامة.
- وهو في «شرح السنة» 4158 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20821 عن معمر بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 6/ 455- 456 ونعيم بن حماد في «الفتن» ص 326 من طريق عبد الرزاق به.
- وأخرجه أحمد 6/ 456 من طريق عبد الحميد عن شهر به.
- وأخرجه الطبراني 24/ (405) و (406) من طريقين عن قتادة به.
- وأخرجه الطبراني 24/ (430) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر به.
- وذكره الهيثمي في «المجمع» 7/ 345 وقال: رواه كله أحمد والطبراني من طرق، وفيه شهر بن حوشب، وفيه ضعف وقد وثق.
- وقوله «يأتي الأعرابي....» له شاهد من حديث أبي أمامة، أخرجه نعيم بن حماد ص 326- 327 وإسناده حسن في الشواهد لأجل عمرو بن عبد الله الحضرمي.
الخلاصة: صدر الحديث إلى قوله «إلا هلك» وكذا عجزه «فقلت يا رسول الله إنا لنعجن ... » تفرد به شهر، وهو غير حجة فهو إلى الضعف أقرب، وأما أثناؤه، فله شاهد، وفي الباب أحاديث، والله أعلم.
(1) في المطبوع «الديري» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(2) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» .
(3) العبارة في المطبوع «إن بين يديه ثلاث سنين تمسك السماء فيها أول سنة ثلث» والمثبت عن المخطوط، و «شرح السنة» .
(4/116)

نَبَاتِهَا، وَالثَّانِيَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ ثُلُثَيْ قَطْرِهَا وَالْأَرْضُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، وَالثَّالِثَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا كُلَّهُ وَالْأَرْضُ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلَا يَبْقَى ذَاتَ ظِلْفٍ وَلَا ذَاتَ ضِرْسٍ مِنَ الْبَهَائِمِ إِلَّا هَلَكَ، وَإِنَّ مِنْ أَشَدِّ فِتْنَتِهِ أَنَّهُ يَأْتِي الْأَعْرَابِيَّ فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ إِبِلَكَ أَلَيْسَ تَعْلَمُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَتَمَثَّلُ لَهُ الشَّيْطَانُ نَحْوُ إِبِلِهِ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ ضُرُوعًا وَأَعْظَمِهِ أَسْنِمَةً، قَالَ: وَيَأْتِي الرَّجُلَ قَدْ مَاتَ أَخُوهُ وَمَاتَ أَبُوهُ فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأَخَاكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَتَمَثَّلُ لَهُ الشَّيْطَانُ نَحْوَ أَبِيهِ وَنَحْوَ أَخِيهِ» .
قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاجته، ثم رجع القوم فِي اهْتِمَامٍ وَغَمٍّ مِمَّا حَدَّثَهُمْ، قَالَتْ: فَأَخَذَ بِلُحْمَتَيِ الْبَابِ فَقَالَ: مَهْيَمْ أَسْمَاءُ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ خَلَعْتَ أَفْئِدَتَنَا بِذِكْرِ الدَّجَّالِ، قَالَ: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا حَيٌّ فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِلَّا فَإِنَّ رَبِّي خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ» ، قَالَتْ أَسْمَاءُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنَّا لَنَعْجِنُ عَجِينًا فَمَا نَخْبِزُهُ حَتَّى نَجُوعَ فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «يُجْزِيهِمْ مَا يُجْزِئُ أَهْلَ السَّمَاءِ مِنَ التَّسْبِيحِ والتقديس» .
«1851» وبهذا الإسناد أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَمْكُثُ الدَّجَّالُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ كَاضْطِرَامِ السَّعَفَةِ فِي النَّارِ» .
«1852» أَخْبَرَنَا أَبُو سعيد الطَّاهِرِيُّ أَنَا جَدِّي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ أَنَا إِسْحَاقُ الدَّبْرِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: «إِنِّي لَأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أنذر
__________
1851- صحيح. إسناده غير قوي لأجل شهر بن حوشب، لكن للحديث شواهد.
- ابن خثيم هو عبد الله بن عثمان.
- وهو في «شرح السنة» 4159 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20822 عن معمر به.
- وأخرجه أحمد 6/ 454 من طريق عبد الرزاق به.
- وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» ص 337 من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم به.
- وفي الباب من حديث أبي أمامة أخرجه نعيم بن حماد ص 337 وإسناده حسن في الشواهد لأجل عبد الله بن عمر الحضرمي فإنه مقبول.
- وله شاهد من حديث جابر عند أحمد 3/ 367 وذكره الهيثمي في «المجمع» 70/ 343- 344 وقال: رواه أحمد بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح.
- وفي الصحيح من حديث النواس بن سمعان «.... قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أيامه كأيامكم ... » وقد تقدم في سورة الكهف عند آية: 98.
1852- صحيح. إسحق الدبري، ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- عبد الرزاق بن همام، معمر بن راشد، الزهري محمد بن مسلم، سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر.
- وهو في «شرح السنة» 4150 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20820 عن معمر به.
- وأخرجه أحمد 2/ 149 من طريق عبد الرزاق به.
- وأخرجه البخاري 3057 و6157 ومسلم 2930 ح 97 من طريق معمر به.
- وأخرجه أبو داود 4757 والترمذي 2236 وأحمد 2/ 149 من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن حبان 6780 من طريق هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن ابن عمر بأتم منه.
(4/117)

قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ، تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بأعور» .
«1853» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [حدثنا موسى بن إسماعيل] [1] ثنا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ، وَإِنَّ المسيح الدجال أعور عين [2] الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» .
«1854» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ثَنَا مُسْلِمُ بن الحجاج ثنا علي بن حجر ثنا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيٍّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عمرو أبي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فَقَالَ لَهُ عُقْبَةُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدَّجَّالِ؟ قَالَ: «إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تَحْرِقُ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَارًا فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ» فَقَالَ عُقْبَةُ: وَأَنَا قَدْ سَمِعْتُهُ تَصْدِيقًا لِحُذَيْفَةَ.
«1855» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا محمد بن يوسف ثنا
__________
1853- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- جويرية هو ابن أسماء بن عبيد، نافع هو أبو عبد الله مولى ابن عمر.
- وهو في «شرح السنة» 4151 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 7407 عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد.
وأخرجه مسلم 4/ 2247 (100) من طريق عبيد الله عن نافع به.
وانظر الحديث المتقدم.
1854- صحيح. رجاله رجال مسلم لكن شعيب بن صفوان قال عنه الحافظ في «التقريب» : مقبول، أي حيث يتابع، وقد توبع، فالحديث صحيح.
- وهو في «شرح السنة» 4154 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح مُسْلِمٌ» 2934 عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 3450 و7130 ومسلم 2934 والطبراني 17/ (642 و643 و644) من طرق عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ به.
- وأخرجه أبو داود ومسلم 2935 ح 108 وأبو داود 4315 وابن حبان 6799 من طريقين عن ربعي بن حراش به.
1855- إسناده صحيح، إبراهيم بن المنذر روى له البخاري، ومن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- الوليد هو ابن مسلم، أبو عمرو وهو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، إسحق هو ابن عبد الله.
- وهو في «شرح السنة» 2015 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 1881 عن إبراهيم بن المنذر بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 4943 وابن حبان 6803 من طريقين عن الوليد بن مسلم به.
- وأخرجه النسائي في «الكبرى» 4274 من طريق عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي به.
- وأخرجه أحمد 3/ 191 ومسلم 2943 وابن أبي شيبة 12/ 181 و15/ 143 من طرق عن حماد بن سلمة عن-[.....]
(1) سقط من المطبوع والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(2) في المطبوع «العين» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(4/118)

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بن المنذر ثنا الوليد حدثنا أبو عمرو [1] ثنا إِسْحَاقُ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إلّا سيطأه الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ من نقابها نقب إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ [2] كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ» .
«1856» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن عمر الجوهري ثنا أحمد بن علي الكشميهني ثنا علي بن حجر ثنا إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَأْتِي الْمَسِيحُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَهِمَّتُهُ الْمَدِينَةُ حَتَّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَصْرِفُ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وَهُنَاكَ يَهْلِكُ» .
«1857» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الطَّاهِرِيُّ أَنَا جَدِّي عَبْدُ الصَّمَدِ الْبَزَّازُ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ أَنَا إِسْحَاقُ الدَّبْرِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ [أَبِي] [3] هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجَانُ» [4] .
«1858» وَيَرْوِيهِ أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَعَ الدَّجَّالِ يَوْمَئِذٍ سبعون ألف يهودي
__________
- إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي طلحة به.
- وأخرجه البخاري 7124 وأحمد 3/ 238 من طريقين عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أبي كثير عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي طلحة به مختصرا.
1856- إسناده صحيح على شرط مسلم.
- العلاء هو ابن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة.
- وهو في «شرح السنة» 2016 بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 1380 عن يحيى بن أيوب وقتيبة وابن جحر بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 2/ 397 من طريق سليمان بن داود وابن حبان 6810 من طريق موسى بن إسماعيل كلاهما عن إسماعيل بن جعفر به.
- وأخرجه أحمد 2/ 407- 408 من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم القاصّ و2/ 457 من طريق شعبة كلاهما عن العلاء به مطوّلا.
1857- باطل. إسناده ضعيف جدا لأجل أبي هارون فإنه متروك الحديث، وهو معارض بما في الصحيح.
- إسحق هو ابن إبراهيم الدّبري، عبد الرزاق هو ابن همام، معمر هو ابن راشد، أبو هارون هو عمارة بن جوين.
- وهو في «شرح السنة» 4160 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20825 عن معمر به.
- وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» ص 335 عن عبد الرزاق به.
- قال البغوي في «شرح السنة» 7/ 443: السيجان: جمع الساج، وهو طيلسان أخضر.
- الخلاصة: الإسناد ضعيف جدا، والمتن باطل، فإن هذا العدد يكون من اليهود لا من هذه الأمة، وانظر ما بعده.
1858- هو قطعة من حديث طويل أخرجه ابن ماجه 4077 ونعيم بن حماد ص 346 عن أبي أمامة مرفوعا مطولا، وإسناده لين لأجل عمرو بن عبد الله الحضرمي، فإنه مقبول، والحديث صحيح بشواهده دون لفظ «وسيف محلى» والصحيح في هذا المتن ما أخرجه مسلم 2944 وابن حبان 6798 «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة» .
(1) في المطبوع «ثنا ابن الوليد حدثنا ابن عمر» والمثبت عن المخطوط، و «شرح السنة» و «صحيح البخاري» .
(2) في «صحيح البخاري» : «فيخرج الله» .
(3) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» .
(4) في المطبوع «السجان» والمثبت عن ط و «شرح السنة» والمخطوط.
.
(4/119)

وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58)
كلهم ذو ساج [1] وسيف محلى» .

[سورة غافر (40) : الآيات 58 الى 60]
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ (58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (60)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58) ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ تَتَذَكَّرُونَ بِالتَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ لِأَنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ وَآخِرَهَا خَبَرٌ عَنْ قَوْمٍ.
إِنَّ السَّاعَةَ، أَيْ الْقِيَامَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ.
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، أَيِ اعْبُدُونِي دُونَ غَيْرِي أُجِبْكُمْ وَأُثِبْكُمْ وَأَغْفِرْ لَكُمْ، فَلَمَّا عَبَّرَ عَنِ الْعِبَادَةِ بِالدُّعَاءِ جَعَلَ الإثابة استجابة.
«1859» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [2] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ [مُحَمَّدِ بْنِ] سَمْعَانَ ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ ثَنَا مُحَمَّدُ بن يوسف ثنا سفيان عن منصور عن ذَرٍّ عَنْ يُسَيْعٍ [3] الْكِنْدِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» ، ثُمَّ قَرَأَ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ.
__________
- وأخرجه أحمد 3/ 224 وأبو يعلى 3639 من وجه آخر عن أنس بلفظ «يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه سبعون ألفا من اليهود عليهم السيجان» وإسناده ضعيف.
- وحديث عثمان بن أبي العاص عند أحمد 4/ 216.
1859- إسناده قوي. رجاله رجال البخاري ومسلم سوى يسيع، وهو ثقة.
- سفيان هو ابن سعيد الثوري، منصور هو ابن المعتمر، ذر هو ابن عبد الله المرهبي، يسيع هو ابن معدان الحضرمي.
- وهو في «شرح السنة» 1378 بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 3247 وأحمد 4/ 267 والحاكم 1/ 490 و491 والطبري 30382 من طرق عن سفيان به.
- وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
- وأخرجه أبو داود 1479 والنسائي في «التفسير» 484 والبخاري في «الأدب المفرد» 714 والطيالسي 801 من طريق شعبة عن منصور به.
- وأخرجه الترمذي 3372 والنسائي 484 وابن ماجه 3828 وابن أبي شيبة 10/ 200 وأحمد 4/ 267 و271 و276 والطبري 30381 وأبو نعيم في «الحلية» 8/ 120 من طرق عن الأعمش عن ذر به.
- وأخرجه ابن حبان 890 من طريق جرير عن منصور به.
- وهو حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وكذا صححه النووي في «الأذكار» 1/ 994، وانظر «تفسير الكشاف» 983 و «فتح القدير» 2199 بتخريجي، والله الموفق.
(1) في المطبوع وط والمخطوط (ب) : «تاج» والمثبت عن المخطوط (أ) و «سنن ابن ماجه» .
(2) زيادة عن المخطوط. [.....]
(3) في المطبوع «عن أب ذر عن بسبيع» والمثبت عن ط والمخطوط و «شرح السنة» .
(4/120)

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61)
186»
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد بن علي الزرقي [1] ثنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الشيرازي أَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْقُرَشِيُّ بِبَغْدَادَ ثنا مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدِ [اللَّهِ] [2] بْنِ العلاء ثنا أحمد بن بديل ثنا وكيع ثنا أَبُو الْمَلِيحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَذْكُرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .
وَقِيلَ: الدُّعَاءُ: هُوَ الذِّكْرُ وَالسُّؤَالُ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو بَكْرٍ: سَيَدْخُلُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ، ومعنى داخرين صاغرين ذليلين.

[سورة غافر (40) : الآيات 61 الى 78]
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (65)
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (66) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70)
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (74) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75)
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (77) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)
__________
1860- إسناده ضعيف. رجاله ثقات غير أبي صالح، وهو الخوزي، فإنه ضعيف، ضعفه ابن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال الحاكم: مجهول، ووافقه الذهبي، ولم يرو عنه سوى أبي المليح، فالقول قول الحاكم وابن معين.
- وهو في «شرح السنة» 1383 بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن ماجه 3827 وأحمد 2/ 477 من طريق وكيع به.
- وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» 658 والحاكم 1/ 491 وأبو يعلى 6655 من طريق مروان.
- وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» بإثر 658 والترمذي 3370 من طريق حاتم بن إسماعيل.
- وأخرجه الحاكم 1/ 491 والمزي في «تهذيب الكمال» 3/ 1615 من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد.
- رووه كلهم عن أبي المليح به.
- وصححه الحاكم! مع أنه عقب ذلك بقوله: أبو صالح الخوزي وأبو المليح الفارسي لم يذكرا بجرح، إنما هما في عداد المجهولين لقلة الحديث، وسكت الذهبي.
الخلاصة: إسناد الحديث ضعيف، ومع ذلك ذكره الألباني في «الصحيحة» 2654 وحسنه، فإن ذكر له شاهدا فهو كما قال، وإلّا فالإسناد ضعيف.
(1) في المطبوع و «ط» والمخطوط (أ) : «الزرقي» وفي المخطوط (ب) : «الدروقي» وفي «شرح السنة» : «الدّر» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(4/121)

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذلِكَ، يَعْنِي كَمَا أُفِكْتُمْ عَنِ الْحَقِّ مَعَ قِيَامِ الدَّلَائِلِ كَذَلِكَ، يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً، فِرَاشًا، وَالسَّماءَ بِناءً، سَقْفًا كَالْقُبَّةِ، وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، قَالَ مُقَاتِلٌ: خَلَقَكُمْ فَأَحْسَنَ خَلْقَكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ قَائِمًا مُعْتَدِلًا يَأْكُلُ وَيَتَنَاوَلُ بِيَدِهِ، وَغَيْرُ ابْنِ آدَمَ يَتَنَاوَلُ بِفِيهِ. وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، قيل: هو مِنْ غَيْرِ رِزْقِ الدَّوَابِّ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (65) ، قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ خَبَرٌ وَفِيهِ إِضْمَارُ الْأَمْرِ، مَجَازُهُ: فَادْعُوهُ وَاحْمَدُوهُ. وَرَوَى عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَلْيَقُلْ عَلَى إِثْرِهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (66) ، وَذَلِكَ حِينَ دُعِيَ إِلَى الْكُفْرِ.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا، أَيْ أَطْفَالًا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ، أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَصِيرَ شَيْخًا، وَلِتَبْلُغُوا، جَمِيعًا، أَجَلًا مُسَمًّى، وَقْتًا معلوما محدودا لا تجاوزنه، يُرِيدُ أَجَلَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَوْتِ، وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، أَيْ لِكَيْ تَعْقِلُوا تَوْحِيدَ رَبِّكُمْ وَقُدْرَتَهُ.
هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ، يَعْنِي الْقُرْآنَ يَقُولُونَ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَنَّى يُصْرَفُونَ، كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ دِينِ الْحَقِّ. قِيلَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَجَمَاعَةٍ: إنها نزلت في القدرية.
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) ، يُجَرُّونَ.
فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ، قَالَ مُقَاتِلٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَصِيرُونَ وَقُودًا لِلنَّارِ.
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ يَعْنِي الْأَصْنَامَ، قالُوا ضَلُّوا عَنَّا، فَقَدْنَاهُمْ فَلَا نَرَاهُمْ، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً، قِيلَ: أَنْكَرُوا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا
(4/122)

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79)
يَنْفَعُ وَيَضُرُّ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: أَيْ لَمْ نَكُنْ نَصْنَعُ مِنْ قَبْلُ شَيْئًا أَيْ ضَاعَتْ عِبَادَتُنَا لَهَا، كَمَا يَقُولُ مَنْ ضَاعَ عَمَلُهُ: مَا كُنْتُ أَعْمَلُ شَيْئًا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذلِكَ أَيْ كَمَا أَضَلَّ هَؤُلَاءِ، يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ.
ذلِكُمْ الْعَذَابُ الَّذِي نَزَلَ بِكُمْ، بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ، فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ تَفْرَحُونَ وَتَخْتَالُونَ.
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ، بِنَصْرِكَ، حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ، مِنَ الْعَذَابِ فِي حَيَاتِكَ، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ ذَلِكَ بِهِمْ، فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ، خَبَرَهُمْ فِي الْقُرْآنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، بِأَمْرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ، قَضَاؤُهُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ.

[سورة غافر (40) : الآيات 79 الى 85]
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83)
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (85)
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها [أي] [1] ، بَعْضَهَا، وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ، فِي أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَلْبَانِهَا. وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ، تَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَاتِكُمْ، وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ، أَيْ عَلَى الْإِبِلِ فِي الْبَرِّ وَعَلَى السُّفُنِ فِي الْبَحْرِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الإسراء: 70] .
يُرِيكُمْ آياتِهِ
، دلائل قدرته، أَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ.
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ، يَعْنِي مَصَانِعَهُمْ وَقُصُورَهُمْ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ، لَمْ يَنْفَعْهُمْ، مَا كانُوا يَكْسِبُونَ وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَمَجَازُهُ: أَيُّ شَيْءٍ أَغْنَى عَنْهُمْ كَسْبُهُمْ.
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا، رَضُوا، بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، قَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ قَوْلُهُمْ نَحْنُ أَعْلَمُ لَنْ نُبْعَثَ وَلَنْ نُعَذَّبَ، سَمَّى ذَلِكَ علما أعلى ما يدعونه وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جَهْلٌ. وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) ، يَعْنِي تَبَرَّأْنَا مِمَّا كنا نعدل بالله.
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(4/123)

حم (1)
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا، عَذَابَنَا، سُنَّتَ اللَّهِ، قِيلَ [1] نَصْبُهَا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ كَسُنَّةِ اللَّهِ. وَقِيلَ: عَلَى الْمَصْدَرِ. وَقِيلَ: عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيِ احْذَرُوا سُنَّةَ اللَّهِ، الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ، وَتِلْكَ السُّنَّةُ أَنَّهُمْ إِذَا عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ آمَنُوا، وَلَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ. وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ، بِذَهَابِ الدَّارَيْنِ [2] ، قَالَ الزَّجَّاجُ: الْكَافِرُ خَاسِرٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَكِنَّهُمْ يَتَبَيَّنُ لَهُمْ خُسْرَانُهُمْ إِذَا رَأَوُا الْعَذَابَ.

سورة فصلت
مكية وهي أربع وخمسون آية

[سورة فصلت (41) : الآيات 1 الى 7]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4)
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (7)
حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) ، قَالَ الْأَخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ.
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ بُيِّنَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ لِسَانِهِمْ مَا عَلِمُوهُ، وَنُصِبَ [3] قُرْآنًا بِوُقُوعِ الْبَيَانِ عَلَيْهِ أَيْ فَصَّلْنَاهُ قُرْآنًا.
بَشِيراً وَنَذِيراً، نَعْتَانِ لِلْقُرْآنِ أَيْ بَشِيرًا لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَنَذِيرًا لِأَعْدَائِهِ، فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، أي لَا يَصْغُونَ إِلَيْهِ تَكَبُّرًا.
وَقالُوا، يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ، فِي أَغْطِيَةٍ، مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، فَلَا نَفْقَهُ مَا تَقُولُ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، صَمَمٌ فَلَا نَسْمَعُ مَا تَقُولُ، وَالْمَعْنَى: إِنَّا في ترك القبول عنك [4] بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَفْهَمُ وَلَا يَسْمَعُ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ، خِلَافٌ فِي الدِّينِ [5] وَحَاجِزٌ فِي النحلة [6] فَلَا نُوَافِقُكَ عَلَى مَا تَقُولُ، فَاعْمَلْ، أَنْتَ عَلَى دِينِكَ، إِنَّنا عامِلُونَ، عَلَى دِينِنَا.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، يَعْنِي كَوَاحِدٍ مِنْكُمْ وَلَوْلَا الْوَحْيُ مَا دَعَوْتُكُمْ، وهو قوله:
__________
(1) في المطبوع «قال» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «بذهاب نعيم الدارين» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(3) في المطبوع «نصيب» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المطبوع «عندك» والمثبت عن المخطوط.
(5) في المخطوط (ب) : «فى الدنيا» والمثبت عن ط والمخطوط (أ) .
(6) في المطبوع «الملة» والمثبت عن المخطوط.
(4/124)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)
يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، قَالَ الْحَسَنُ: عَلَّمَهُ اللَّهُ التَّوَاضُعَ، فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ، تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ [1] وَلَا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ، وَاسْتَغْفِرُوهُ، مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الَّذِينَ [لَا] [2] يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهِيَ زَكَاةُ الْأَنْفُسِ، وَالْمَعْنَى: لَا يُطَهِّرُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَا يُقِرُّونَ بِالزَّكَاةِ ولا ترون إيتاءها «في» [3] وَاجِبًا، وَكَانَ يُقَالُ [4] : الزَّكَاةُ قَنْطَرَةُ الْإِسْلَامِ فَمَنْ قَطَعَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: لَا يُنْفِقُونَ فِي الطَّاعَةِ وَلَا يَتَصَدَّقُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا بزكون أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ.

[سورة فصلت (41) : الآيات 8 الى 11]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ. وَقَالَ مقاتل: غير منقوص، ومنه [كأس] [5] الْمَنُونُ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ مُنَّةَ الْإِنْسَانِ وَقُوَّتَهُ [6] ، وَقِيلَ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْهِمْ بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: غَيْرُ مَحْسُوبٍ.
وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى وَالْهَرْمَى، إِذَا عَجَزُوا عَنِ الطَّاعَةِ يُكْتَبُ لَهُمُ [الأجر] [7] كأصح ما كانوا يعلمون فِيهِ.
«1861» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ محمد الصفار ثنا
__________
1861- صحيح. إسناده حسن لأجل عاصم بن أبي النجود، لكن توبع وللحديث شواهد.
- عبد الرزاق بن همام، معمر بن راشد.
- وهو في «شرح السنة» 1423 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20308 عن معمر به.
- وأخرجه أحمد 2/ 203 من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد.
وذكره الهيثمي في «المجمع» 2/ 303 وقال: وإسناده حسن.
- وورد من وجه آخر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مرفوعا بنحوه ولفظه «ما من أحد من الناس يصاب ببلاء في جسده إلّا أمر الله عز وجل الملائكة الذين يحفظونه قال: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة ما كان يعمل من خير ما كان في وثاقي» .
أخرجه أحمد 2/ 159 والحاكم 1/ 348 وصححه، ووافقه الذهبي وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار والطبراني في «الكبير» ، ورجال أحمد رجال الصحيح.
- وللحديث شواهد منها:
- حديث أبي موسى «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا» .
- أخرجه البخاري 2996 وأبو داود 3091 وأحمد 4/ 410 والحاكم 1/ 341 ابن حبان 2929 والبيهقي 3/ 374.
(1) في المطبوع «الطاعة» والمثبت عن المخطوط (أ) .
(2) سقط من المطبوع. [.....]
(3) في المخطوط (ب) «إتيانها» والمعنى واحد.
(4) في المطبوع «قال» والمثبت عن ط والمخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) كذا في المطبوع وط والمخطوط (ب) ، وفي المخطوط (أ) : «لأنه ينقص من الإنسان قوته» .
(7) زيادة عن المخطوط.
(4/125)

أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ [1] ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ ثُمَّ مَرِضَ قِيلَ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيقًا حَتَّى أطلقه أو أكفته إليّ» .
قوله عزّ وجلّ: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، يَوْمُ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ.
وَجَعَلَ فِيها أَيْ فِي الْأَرْضِ، رَواسِيَ جِبَالًا ثَوَابِتَ، مِنْ فَوْقِها، مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ، وَبارَكَ فِيها، أَيْ فِي الْأَرْضِ بِمَا خَلَقَ فِيهَا مِنَ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها.
قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: قَسَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْزَاقَ الْعِبَادِ وَالْبَهَائِمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ: قَدَّرَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ فِي [البلدة] الْأُخْرَى لِيَعِيشَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ بِالتِّجَارَةِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ. قَالَ الْكَلْبِيُّ قَدَّرَ الْخُبْزَ لِأَهْلِ قُطْرٍ [وَالتَّمْرَ لِأَهْلِ قُطْرٍ] [2] وَالذُّرَةَ لِأَهْلِ قُطْرٍ وَالسَّمَكَ لِأَهْلِ قُطْرٍ وَكَذَلِكَ أَقْوَاتُهَا. فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، يُرِيدُ خَلَقَ مَا فِي الْأَرْضِ وَقَدَّرَ الْأَقْوَاتَ فِي يَوْمَيْنِ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ فَهُمَا مَعَ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، رَدَّ الْآخِرَ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الذِّكْرِ، كَمَا تَقُولُ: تَزَوَّجْتُ أَمْسِ امْرَأَةً وَالْيَوْمَ ثنتين وإحداهما هي التي تزوجها بِالْأَمْسِ.
سَواءً لِلسَّائِلِينَ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ سَواءً رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ، أَيْ هِيَ سَوَاءٌ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِالْجَرِّ عَلَى نَعْتِ قَوْلِهِ: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ سَواءً نصب على المصدر استوت [سواء و] [3] اسْتِوَاءً، وَمَعْنَاهُ: سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: مَنْ سَأَلَ عَنْهُ فَهَكَذَا الْأَمْرُ سَوَاءٌ لَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَ فِي كَمْ خُلِقَتِ الْأَرْضُ وَالْأَقْوَاتُ.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، أَيْ: عَمَدَ إِلَى خَلْقِ السَّمَاءِ، وَهِيَ دُخانٌ، وَكَانَ ذَلِكَ الدُّخَانُ بُخَارَ الْمَاءِ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، أَيِ ائْتِيَا مَا آمُرُكُمَا أَيِ افعلاه، كما يقال: ائت من هذا الْأَحْسَنُ أَيِ افْعَلْهُ.
وَقَالَ طَاوُسٌ عن ابن عباس: «ائتيا [طائعين] [4] أعطيا [قالتا أتينا طائعين] [5] يَعْنِي أَخْرِجَا [6] مَا خَلَقْتُ فِيكُمَا مِنَ الْمَنَافِعِ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَمَّا أَنْتِ يَا سَمَاءُ فَأَطْلِعِي شَمْسَكِ وَقَمَرَكِ وَنُجُومَكِ، وَأَنْتِ يَا أَرْضُ فَشُقِّي أَنْهَارَكِ وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ وَنَبَاتَكِ، وَقَالَ لَهُمَا: افْعَلَا مَا آمُرُكُمَا طَوْعًا وَإِلَّا أَلْجَأْتُكُمَا إلى ذلك
__________
- وحديث أنس «إذا ابتلى الله عز وجل العبد المسلم ببلاء في جسده قال الله عز وجل للملك: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل به ... » .
- أخرجه أحمد 3/ 258 وأبو يعلى 4233 و4235 ورجاله ثقات كما في «المجمع» 2/ 204.
(1) في المخطوط (ب) «الزيادي» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط (ب) .
(5) زيادة عن المخطوط (ب) والمخطوط (أ) .
(6) في المطبوع «أخرجاه» والمثبت عن المخطوط.
(4/126)

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)
حَتَّى تَفْعَلَاهُ كَرْهًا فَأَجَابَتَا بِالطَّوْعِ، وقالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، وَلَمْ يَقُلْ طَائِعَتَيْنِ لأنه ذهب به إلى السموات وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، مَجَازُهُ: أَتَيْنَا بِمَا فِينَا طَائِعِينَ، فَلَمَّا وَصَفَهُمَا بِالْقَوْلِ أَجْرَاهُمَا فِي الْجَمْعِ مُجْرَى من يعقل.

[سورة فصلت (41) : الآيات 12 الى 17]
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (14) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (17)
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، أَيْ أَتَمَّهُنُ وَفَرَغَ مِنْ خَلْقِهِنَّ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: خَلَقَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ خَلْقَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْبِحَارِ وَجِبَالِ الْبَرَدِ وَمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي خَلَقَ فِيهَا شَمْسَهَا وَقَمَرَهَا وَنُجُومَهَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَأَوْحَى إِلَى كُلِّ سَمَاءٍ مَا أَرَادَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمْعَةِ. وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ، وكواكب، وَحِفْظاً، لَهَا وَنَصَبَ حِفْظًا عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ حَفِظْنَاهَا بِالْكَوَاكِبِ حِفْظًا مِنَ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُّونَ السَّمْعَ، ذلِكَ، الَّذِي ذُكِرَ مِنْ صُنْعِهِ، تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ، فِي مِلْكِهِ، الْعَلِيمِ، بخلقه.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَإِنْ أَعْرَضُوا، يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْإِيمَانِ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ، فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ، خَوَّفْتُكُمْ، صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ، أَيْ هَلَاكًا مِثْلَ هَلَاكِهِمْ، وَالصَّاعِقَةُ الْمُهْلِكَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
إِذْ جاءَتْهُمُ، يعني عادا وثمودا، الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الرُّسُلَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَى آبَائِهِمْ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني من بَعْدِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَى آبَائِهِمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ هُودٌ وَصَالِحٌ، فَالْكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ رَاجِعَةٌ إِلَى عَادٍ وَثَمُودَ وَفِي قَوْلِهِ وَمِنْ خَلْفِهِمْ راجعة إلى الرسل، أَلَّا، بِأَنْ لَا، تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ، بَدَلَ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ، مَلائِكَةً، أَيْ لَوْ شَاءَ رَبُّنَا دَعْوَةَ الْخَلْقِ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً، فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ.
«1862» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ [1] الْأَصْفَهَانِيُّ ثنا أحمد بن
__________
1862- حديث حسن بشواهده. إسناده ضعيف لضعف الحماني، وهو يحيى بن عبد الحميد، لكن توبع عند أبي يعلى وغيره، وفيه الأجلح وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره، قاله الهيثمي في «المجمع» 6/ 20.
- ابن فضيل هو محمد، الأجلح هو ابن عبد الله.
- وأخرجه البيهقي في «الدلائل» 2/ 202- 204 من طريق يحيى بن معين عن محمد بن فضيل بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو يعلى 1818 من وجه آخر عن علي بن مسهر به.
- وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» 14/ 295 ومن طريقه عبد بن حميد في «المنتخب» 1123 وأبو نعيم 182، عن علي بن مسهر عن الأجلح بهذا الإسناد.
- وأخرجه الحاكم 2/ 253 من وجه آخر عن جعفر بن عون عن الأجلح به، وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن كثير 4/ 107- 108: سياق البغوي أشبه من سياق البزار وأبي يعلى، وانظر ما بعده.
(1) في المخطوط (ب) «خالد» والمثبت عن «ط» والمخطوط (أ) . [.....]
(4/127)

محمد بن يحيى العبدي [1] أنا أَحْمَدُ بْنُ مَجْدَةَ بْنِ الْعُرْيَانِ ثنا الحماني ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ [2] عَنِ الْأَجْلَحِ عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمَلَأ: مِنْ قُرَيْشٍ وَأَبُو جَهْلٍ: قَدِ الْتَبَسَ عَلَيْنَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ فَلَوِ الْتَمَسْتُمْ رَجُلًا عَالِمًا بِالشِّعْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالسِّحْرِ، فَأَتَاهُ فَكَلَّمَهُ ثُمَّ أَتَانَا بِبَيَانٍ مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ وَالْكِهَانَةَ وَالسِّحْرِ وَعَلِمْتُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا وَمَا يَخْفَى عَلَيَّ أَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَوْ لَا، فَأَتَاهُ فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِ قال: فقال أنت يا محمد خَيْرٌ [3] أَمْ هَاشِمٌ؟ أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ؟ أَنْتَ خَيْرٌ أم عبد الله؟ فيم تَشْتُمُ آلِهَتَنَا؟ وَتُضَلِّلُ آبَاءَنَا فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ [4] الرِّيَاسَةَ عَقَدْنَا لَكَ أَلْوِيَتَنَا فَكُنْتَ رَأْسًا مَا بَقِيتَ، وَإِنْ كَانَ بِكَ الْبَاءَةُ زَوَّجْنَاكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتَارُ مِنْ أَيِّ بَنَاتِ قُرَيْشٍ؟ وَإِنْ كَانَ بِكَ الْمَالُ جَمَعْنَا لَكَ مَا تَسْتَغْنِي أَنْتَ وَعَقِبُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟
وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ، إِلَى قَوْلِهِ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13) ، الْآيَةَ فَأَمْسَكَ عُتْبَةُ عَلَى فِيهِ وَنَاشَدَهُ بِالرَّحِمِ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى قُرَيْشٍ فَاحْتَبَسَ عَنْهُمْ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ مَا نَرَى عُتْبَةَ إِلَّا قَدْ صَبَأَ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَعْجَبَهُ طَعَامُهُ وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ أَصَابَتْهُ، فَانْطَلِقُوا بِنَا إِلَيْهِ، فَانْطَلَقُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ يَا عُتْبَةُ مَا حَبَسَكَ عَنَّا إِلَّا أَنَّكَ صَبَوْتَ إِلَى دِينِ محمد وأعجبك طعامه، فَإِنْ كَانَتْ بِكَ حَاجَةٌ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا يُغْنِيكَ عَنْ طَعَامِ مُحَمَّدٍ، فَغَضِبَ عُتْبَةُ وَأَقْسَمَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ مُحَمَّدًا أَبَدًا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا وَلَكِنِّي أَتَيْتُهُ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَأَجَابَنِي بِشَيْءٍ، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا كِهَانَةٍ وَلَا سِحْرٍ، وَقَرَأَ السُّورَةَ إِلَى قَوْلِهِ:
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13) الْآيَةَ فَأَمْسَكْتُ بِفِيهِ وَنَاشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ أَنْ يَكُفَّ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا إِذَا قَالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ، فَخِفْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْعَذَابُ.
«1863» وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: حُدِّثْتُ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ كَانَ سَيِّدًا حَلِيمًا، قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَحْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَلَا أَقُومُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأُكَلِّمُهُ وَأُعْرِضُ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّهُ يَقْبَلُ مِنَّا بَعْضَهَا، فَنُعْطِيَهُ وَيَكُفَّ عَنَّا، وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ وَرَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُونَ وَيَكْثُرُونَ، فَقَالُوا: بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ فَقُمْ إِلَيْهِ فَكَلِّمْهُ، فَقَامَ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ عَلِمْتَ مِنَ الْبَسْطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ، وَإِنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ قَوْمَكَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَرَّقْتَ جَمَاعَتَهُمْ وَسَفَّهْتَ أَحْلَامَهُمْ، وَعِبْتَ آلِهَتَهُمْ وَكَفَّرْتَ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنِّي أَعْرِضْ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أموالنا حتى تكون [من] [5] أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ شرفا سوّدناك علينا،
__________
1863- حسن. أخرجه البيهقي في «الدلائل» 2/ 204- 205 عن محمد بن كعب مرسلا، والمرسل من قسم الضعيف، لكن يشهد لأصله ما قبله، وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أبو نعيم 185 والبيهقي 2/ 205 كلاهما في «الدلائل» ، وفيه داود بن زرعة، لين الحديث، لكن يصلح للاعتبار بحديثه، فالحديث حسن إن شاء الله مع خلاف في بعض ألفاظه حيث ورد بألفاظ متقاربة، وانظر «الكشاف» 985 و «فتح القدير» 2203 وكلاهما بتخريجي.
(1) في المطبوع «العبيدي» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المخطوط (ب) «ثنا فضيل» .
(3) في المخطوط «فقال: أنت يا محمد خير» والمعنى واحد.
(4) في المخطوط (أ) «تتمنّى» وفي المخطوط (ب) «إنما بك» والمثبت عن المطبوع و «ط» .
(5) زيادة عن المخطوط.
(4/128)

وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18)
وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي بِكَ رِئْيًا [1] تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ طَلَبْنَا لَكَ الطِّبَّ، وَلَعَلَّ هَذَا شِعْرٌ جَاشَ بِهِ صَدْرُكَ، فَإِنَّكُمْ لعمري بني عبد المطلب تقدرون من ذلك عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غيركم [2] ، حتى إذا فرغ ما عنده من سائر الأمور التي يزعم أنها تردّه عمّا يقول فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَقَدْ [3] فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
فَاسْتَمِعْ مِنِّي، قَالَ: أَفْعَلُ [4] ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، ثُمَّ مَضَى فِيهَا يَقْرَأُ فَلَمَّا سَمِعَهَا عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهُ وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا يَسْتَمِعُ مِنْهُ حَتَّى انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّجْدَةِ فَسَجَدَ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ فَأَنْتَ وَذَاكَ، فَقَامَ عُتْبَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ، فَلَمَّا جلس إليهم قالوا: وما وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ فَقَالَ: وَرَائِي أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ، مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلَا السِّحْرِ وَلَا الْكِهَانَةِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَطِيعُونِي خَلُّوا مَا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ واعتزلوه، فو الله لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ نَبَأٌ [عظيم] [5] فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيْتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ وَعِزُّهُ عِزُّكُمْ، فَأَنْتُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالُوا:
سَحَرَكَ وَاللَّهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ، قال [والله ما سحرني] [6] : هَذَا رَأْيِي لَكُمْ، فَاصْنَعُوا مَا بدا لكم.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، وذلك أن هودا هَدَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ، فَقَالُوا: مَنْ أَشَدُّ منّا قوة، ونحن نَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْعَذَابِ عَنَّا بِفَضْلِ قُوَّتِنَا، وَكَانُوا ذَوِي أَجْسَامٍ [7] طِوَالٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ.
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً، عاصفا [8] شَدِيدَةَ الصَّوْتِ، مِنَ الصِّرَّةِ وَهِيَ الصَّيْحَةُ. وَقِيلَ: هِيَ الْبَارِدَةُ مِنَ الصِّرِّ وَهُوَ الْبَرْدُ، فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ نَحِساتٍ بِسُكُونِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا أَيْ نكدات مشؤومات [9] ذَاتِ نُحُوسٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمَطَرَ ثَلَاثَ سِنِينَ دأبت [10] الرياح عليهم [عسرات] [11] مِنْ غَيْرِ مَطَرٍ، لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ، أَيْ عَذَابَ الْهُونِ وَالذُّلِّ، فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى، أَشَدُّ إِهَانَةً وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ.
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ، دَعَوْنَاهُمْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيَّنَّا لَهُمْ سَبِيلَ الْهُدَى. وَقِيلَ:
دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَقَوْلِهِ هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [الْإِنْسَانِ: 3] ، فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى، فَاخْتَارُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ، فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ، أَيْ مهلكة الْعَذَابِ، الْهُونِ، أَيْ ذِي الْهُونِ [12] أَيِ الْهَوَانِ وَهُوَ الَّذِي يُهِينُهُمْ ويجزيهم، بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.

[سورة فصلت (41) : الآيات 18 الى 24]
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22)
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)
__________
(1) في المخطوط (ب) «رءيّ» وفي المخطوط (أ) «رايا» .
(2) في المخطوط (ب) «تقدرون على ذلك ما لم يقدر عليه غيركم» وفي المخطوط (أ) «تقدرون من ذلك عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ حتى إذا فرغ» .
(3) في المخطوط (ب) «لقد» وفي المخطوط (أ) «قد» .
(4) في المطبوع «فافعل» والمثبت عن المخطوط.
(5) زيادة عن المخطوط.
(6) زيادة عن المخطوط (ب) .
(7) في المخطوط (ب) «أجساد» والمثبت عن «ط» والمخطوط (أ) .
(8) في المطبوع «عاصفة» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(9) في المطبوع والمخطوط (ب) «مشومات» وفي المخطوط (أ) «مستويات» والمثبت عن «ط» .
(10) في المطبوع «دامت» والمثبت عن المخطوط.
(11) زيادة عن المخطوط (ب) .
(12) في المخطوط (ب) «الهوان» .
(4/129)

وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، قَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ: نَحْشُرُ بِالنُّونِ، أَعْداءُ نَصْبٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَرَفْعِهَا وَفَتَحَ الشِّينَ أَعْداءُ رَفْعٌ أَيْ يُجْمَعُ إِلَى النَّارِ، فَهُمْ يُوزَعُونَ، يُسَاقُونَ وَيُدْفَعُونَ إِلَى النَّارِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: يُحْبَسُ أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ لِيَتَلَاحَقُوا.
حَتَّى إِذا ما جاؤُها، جاؤوا النَّارَ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ، أَيْ بَشْرَاتُهُمْ، بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، وقال الْسُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ بِالْجُلُودِ الْفُرُوجُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: تَنْطِقُ جَوَارِحُهُمْ بِمَا كَتَمَتِ الْأَلْسُنُ مِنْ عَمَلِهِمْ.
وَقالُوا، يَعْنِي الْكُفَّارُ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ، لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، تَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ جَوَابِ الْجُلُودِ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ، أَيْ تَسْتَخْفُونَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَتَّقُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ تَظُنُّونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ [1] .
«1864» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثنا الحميدي أنا سفيان أنا مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ:
أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الْآخَرُ: إن كان يسمع
__________
1864- إسناده صحيح على شرط البخاري.
- الحميدي عبد الله بن الزبير، سفيان بن عيينة، منصور بن المعتمر، مجاهد بن جبر، أبو معمر، هو عبد الله بن سخيرة.
- وهو في «صحيح البخاري» 4817 عن الحميدي بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4816 و7521 ومسلم 2775 والترمذي 3245 والطيالسي 1972 والنسائي في «التفسير» 488 والطبري 30496 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 177 والواحدي في «أسباب النزول» 732 من طرق عن منصور به.
- وأخرجه مسلم 2775 وأحمد 1/ 381 و426 و442 و444، وأبو يعلى 5204 والطبري 30497 والواحدي في «أسباب النزول» 733 من طريق الأعمش عن عمارة عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عن ابن مسعود به.
- وأخرجه الحميدي 87 من طريق سفيان عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مجاهد به.
(1) تصحّف في المطبوع إلى «تعلمون» .
(4/130)

وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)
إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [1] تَعَالَى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) [2] .
قِيلَ: الثقفي وعبديا ليل وَخَتْنَاهُ الْقُرَشِيَّانِ رَبِيعَةُ وَصَفْوَانُ بْنُ أمية.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ، أَهْلَكَكُمْ، أَيْ ظَنُّكُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ [3] ، أَرْداكُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَرَحَكُمْ فِي النَّارِ، فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ فَقَالَ:
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ، مَسْكَنٌ لَهُمْ، وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا، يَسْتَرْضُوا وَيَطْلُبُوا الْعُتْبَى، فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ، الْمَرْضِيْنَ، وَالْمُعْتَبُ الَّذِي قُبِلَ عِتَابُهُ وَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ، يُقَالُ: أَعْتَبَنِي فَلَانٌ أَيْ أَرْضَانِي بَعْدَ إِسْخَاطِهِ إياي، واستعتبه طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يَعْتِبَ أَيْ يرضى.

[سورة فصلت (41) : الآيات 25 الى 29]
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (25) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (28) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)
وَقَيَّضْنا لَهُمْ، أَيْ بَعَثْنَا وَوَكَّلْنَا، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هَيَّأْنَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: سَبَّبْنَا لَهُمْ. قُرَناءَ، نُظَرَاءَ مِنَ الشَّيَاطِينِ حَتَّى أَضَلُّوهُمْ، فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا حَتَّى آثَرُوهُ عَلَى الْآخِرَةِ، وَما خَلْفَهُمْ، مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَدَعَوْهُمْ إِلَى التَّكْذِيبِ بِهِ وَإِنْكَارِ الْبَعْثِ، وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ، مَعَ أُمَمٍ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
يَعْنِي: الْغَطُوا فِيهِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُوصِي إِلَى بَعْضٍ إِذَا رَأَيْتُمْ [4] مُحَمَّدًا يَقْرَأُ فَعَارِضُوهُ بِالرَّجَزِ وَالشِّعْرِ وَاللَّغْوِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَالْغَوْا فِيهِ بِالْمُكَاءِ وَالصَّفِيرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَكْثِرُوا الْكَلَامَ فَيَخْتَلِطُ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ، وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: صِيحُوا فِي وَجْهِهِ. لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ، مُحَمَّدًا عَلَى قِرَاءَتِهِ.
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي، يَعْنِي بِأَسْوَأِ الَّذِي، أَيْ بِأَقْبَحِ الَّذِي، كانُوا يَعْمَلُونَ، فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ.
ذلِكَ، الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْجَزَاءَ فَقَالَ:
النَّارُ، أَيْ هُوَ النَّارُ، لَهُمْ فِيها، أَيْ فِي النَّارِ، دارُ الْخُلْدِ، دَارُ الإقامة لا انتقال منها، لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ، رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، يَعْنُونَ إبليس
__________
(1) تصحّف في المطبوع إلى «أو تعالى» .
(2) تصحفت في المطبوع إلى «تعلمون» .
(3) في المطبوع «تعلمون» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المخطوط (أ) «سمعتم» والمثبت عن المخطوط (ب) وط.
(4/131)

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)
وَقَابِيلَ بْنَ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ لِأَنَّهُمَا سَنَّا الْمَعْصِيَةَ، نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا، فِي النَّارِ، لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ، لِيَكُونَا فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِيَكُونَا أَشَدَّ عَذَابًا مِنَّا.

[سورة فصلت (41) : الآيات 30 الى 33]
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا، سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ فَقَالَ: أَنْ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِقَامَةُ أَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلَا تَرُوغَ رَوَغَانَ الثَّعْلَبِ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَخْلَصُوا الْعَمَلَ لِلَّهِ.
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَدَّوُا الْفَرَائِضَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْتَقَامُوا عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: اسْتَقَامُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَمِلُوا بِطَاعَتِهِ وَاجْتَنَبُوا مَعْصِيَتَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ اسْتَقَامُوا عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى لَحِقُوا بِاللَّهِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: اسْتَقَامُوا عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يَرْتَدُّوا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْحَسَنُ إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّنَا فَارْزُقْنَا الِاسْتِقَامَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِنْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ. قَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجِرَاحِ: الْبُشْرَى تَكُونُ فِي ثَلَاثِ مَوَاطِنَ: عِنْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْقَبْرِ وَعِنْدَ الْبَعْثِ أَلَّا تَخافُوا، مِنَ الْمَوْتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَخَافُوا عَلَى مَا تَقْدَمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ. وَلا تَحْزَنُوا، عَلَى مَا خَلَّفْتُمْ مِنْ أَهْلٍ وَوَلَدٍ، فَإِنَّا نَخْلُفُكُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: لَا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا عَلَى ذُنُوبِكُمْ فَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكُمْ، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ
، تقول لهم الملائكة الذين تتنزل [1] عَلَيْهِمْ بِالْبِشَارَةِ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ أَنْصَارُكُمْ وَأَحِبَّاؤُكُمْ، فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
، أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ نَحْنُ الْحَفَظَةُ الَّذِينَ كُنَّا مَعَكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَنَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْآخِرَةِ يَقُولُونَ لَا نُفَارِقُكُمْ حَتَّى تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ.
وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
، مِنَ الْكَرَامَاتِ وَاللَّذَّاتِ، وَلَكُمْ فِيها
، فِي الْجَنَّةِ مَا تَدَّعُونَ
، تَتَمَنَّوْنَ.
نُزُلًا، رِزْقًا، مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ، إلى طاعة اللَّهِ [2] ، وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ [والسدي] [3] وابن عباس: هو
__________
(1) في المطبوع «تنزل» والمثبت عن المخطوط (ب) .
(2) في المطبوع «طاعته» والمثبت عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4/132)

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي أَجَابَ اللَّهَ فِي دَعْوَتِهِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى مَا أَجَابَ إِلَيْهِ، وَعَمِلَ صَالِحًا فِي إِجَابَتِهِ، وَقَالَ: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَرَى هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُؤَذِّنِينَ. وقال عكرمة: هو المؤذن [وقال] [1] أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ: وَعَمِلَ صَالِحًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ: هُوَ الصَّلَاةُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.
«1865» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ محمد بن العباس الحميدي [2] أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن عبد الله الحافظ ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الحسن بن أيوب الطوسي ثنا أبو يحيى بن أبي مسرّة [3] ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ [4] الْمُقْرِي ثنا كَهَمْسُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ الله بن المغفل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ» .
«1866» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ ثنا أبو جعفر الرَّيَّانِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ عَنْ أَبِي إِيَاسٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا وَقَدْ رَفَعَهُ [إِلَى] [5] النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُرَدُّ الدعاء بين الأذان والإقامة» .

[سورة فصلت (41) : الآيات 34 الى 38]
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (38)
__________
1865- صحيح، عبد الله المقري فمن فوقه رجال البخاري، ومسلم، ومن دونه توبعوا.
- وهو في «شرح السنة» 431 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 627 والبيهقي 2/ 472 من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ كهمس.
- وأخرجه مسلم 838 والترمذي 185 وابن ماجه 1162 وابن أبي شيبة 2/ 356 وأحمد 5/ 54 من طريق وكيع عن كهمس به.
- وأخرجه مسلم 838 والدارقطني 1/ 266 من طريق أبي أسامة وابن حبان 1559 من طريق ابن المبارك كلاهما عن كهمس به.
- وأخرجه النسائي 1/ 28 وأحمد 4/ 86 من طريق يحيى بن سعيد عن كهمس به.
- وأخرجه أحمد 5/ 54 و56 و57 وأبو عوانة 2/ 32 و265 والدارقطني 1/ 266 من طرق عن كهمس به. [.....]
1866- صحيح. إسناده ضعيف لضعف زيد العمّيّ، لكن توبع وللحديث شواهد، فهو صحيح.
- سفيان هو ابن سعيد الثوري زيد هو ابن الحواري، أبو الحواري.
- وهو في «شرح السنة» 426 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 521 والترمذي 212 و3594 و3595 والنسائي في «عمل اليوم والليلة» 68 و69 وعبد الرزاق 1909 وابن أبي شيبة 10/ 225 وأحمد 3/ 119 والبيهقي 1/ 410 من طرق عن سفيان به.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
- وأخرجه النسائي في «اليوم والليلة» 67 وابن أبي شيبة 10/ 226 وأحمد 3/ 155 و254 وابن خزيمة 425 و427 وابن حبان 1696 من طرق عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عن بريد بن أبي مريم السلولي عن أنس مرفوعا. وإسناده صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم غير بريد، وهو ثقة.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) تصحف في المطبوع إلى «الحيدي» .
(3) في المطبوع «ميسرة» والمثبت عن «شرح السنة» وكتب التراجم.
(4) في المطبوع «زيد» وفي المخطوط (ب) «بن أبي يزيد» والمثبت عن «شرح السنة» والمخطوط (أ) .
(5) زيادة عن المخطوط.
(4/133)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: لَا هَاهُنَا صِلَةٌ، مَعْنَاهُ: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ، يَعْنِي الصَّبْرُ وَالْغَضَبُ، وَالْحِلْمُ وَالْجَهْلُ، وَالْعَفْوُ وَالْإِسَاءَةُ. ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَرَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِالْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ، وَبِالْعَفْوِ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ. فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ يَعْنِي إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ خَضَعَ لَكَ عَدُوُّكَ وَصَارَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ، كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، كالصديق القريب [1] .
قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَانَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِ بِالْمُصَاهَرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَصَارَ وَلِيًّا بِالْإِسْلَامِ، حَمِيمًا بِالْقَرَابَةِ.
وَما يُلَقَّاها، مَا يُلَقَّى هَذِهِ الْخَصْلَةَ وَهِيَ دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ، إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، عَلَى كَظْمِ الْغَيْظِ وَاحْتِمَالِ الْمَكْرُوهِ، وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، فِي الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْحَظُّ الْعَظِيمُ الْجَنَّةُ، أَيْ مَا يُلَقَّاهَا إِلَّا مَنْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ.
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ، لِاسْتِعَاذَتِكَ وَأَقْوَالِكَ الْعَلِيمُ، بِأَفْعَالِكَ وَأَحْوَالِكَ.
قَوْلُهُ: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ، إِنَّمَا قَالَ خَلَقَهُنَّ بِالتَّأْنِيثِ لِأَنَّهُ أَجْرَاهَا عَلَى طَرِيقِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، وَلَمْ يُجْرِهَا عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِلْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ، إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا، عَنِ السُّجُودِ، فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ، يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ، لَا يَمَلُّونَ ولا يفترون.

[سورة فصلت (41) : الآيات 39 الى 43]
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (43)
وَمِنْ آياتِهِ، دَلَائِلِ قُدْرَتِهِ، أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً، يَابِسَةً غَبْرَاءَ لا إنبات فِيهَا، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا، يَمِيلُونَ عَنِ الْحَقِّ فِي أَدِلَّتِنَا، قَالَ مُجَاهِدٌ: يُلْحِدُونَ فِي آياتنا بالمكاء
__________
(1) زيد في المطبوع «و» بين «الصديق» و «القريب» وليس هو في المخطوطتين.
(4/134)

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)
وَالتَّصْدِيَةِ وَاللَّغْوِ وَاللَّغَطِ. قَالَ قَتَادَةُ: يَكْذِبُونَ فِي آيَاتِنَا. قَالَ الْسُّدِّيُّ: يعاندون ويشاقون [لا تخفون علينا] [1] . قَالَ مُقَاتِلٌ. نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ، وَهُوَ أَبُو جَهْلٍ، خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ، قِيلَ: هُوَ حَمْزَةُ. وَقِيلَ: عُثْمَانُ. وَقِيلَ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ. اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، أَمْرُ تَهْدِيدٍ وَوَعِيدٍ، إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، عَالَمٌ فَيُجَازِيكُمْ بِهِ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ، بِالْقُرْآنِ، لَمَّا جاءَهُمْ، ثُمَّ أَخَذَ فِي وَصْفِ الذِّكْرِ وَتَرَكَ جَوَابَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، عَلَى تَقْدِيرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ يُجَازَوْنَ بِكُفْرِهِمْ. وَقِيلَ: خَبَرُهُ قَوْلُهُ مِنْ بَعْدِ: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44] . وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ: قَالَ قَتَادَةُ: أَعَزَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَجِدُ الْبَاطِلُ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: الْبَاطِلُ هُوَ الشَّيْطَانُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ أَوْ يَزِيدَ فِيهِ أَوْ يَنْقُصَ مِنْهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنْ أَنْ يُنْقَصَ مِنْهُ، فَيَأْتِيَهُ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَوْ يُزَادَ فِيهِ فَيَأْتِيَهُ الْبَاطِلُ مَنْ خَلْفِهِ، وَعَلَى هَذَا مَعْنَى [2] «الْبَاطِلُ» : الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَا يَأْتِيهِ التَّكْذِيبُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَلَا يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِ كِتَابٌ فَيُبْطِلُهُ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، ثُمَّ عَزَّى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ.
فَقَالَ: مَا يُقالُ لَكَ، مِنَ الْأَذَى، إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ، يَقُولُ إِنَّهُ قَدْ قِيلَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ قَبْلَكَ سَاحِرٌ، كَمَا يُقَالُ لَكَ وَكُذِّبُوا كَمَا كُذِّبْتَ، إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ، لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ بِكَ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ، لمن أصر على التكذيب.

[سورة فصلت (41) : الآيات 44 الى 47]
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (44) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (46) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47)
وَلَوْ جَعَلْناهُ، أَيْ جَعَلَنَا هَذَا الكتاب الذي تقرأه عَلَى النَّاسِ، قُرْآناً أَعْجَمِيًّا، بِغَيْرِ لغة العرب، لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ، هَلَّا بُيِّنَتْ آيَاتُهُ بالعربية حتى نفهمها، أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ، يَعْنِي: أَكِتَابٌ أَعْجَمِيٌّ وَرَسُولٌ عَرَبِيٌّ؟ وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ، أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ عَرَبِيٌّ وَالْمُنَزَّلُ أَعْجَمِيٌّ.
«1867» قَالَ مُقَاتِلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى يَسَارٍ غُلَامِ عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَكَانَ يَهُودِيًّا أَعْجَمِيًّا، يُكْنَى [3] أَبَا فَكِيهَةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ يَسَارٌ فَضَرَبَهُ سَيِّدُهُ، وَقَالَ: إِنَّكَ تُعَلِّمُ مُحَمَّدًا،
__________
1867- ذكره المصنف هاهنا عن مقاتل تعليقا، وسنده إليه أول الكتاب، وهو ضعيف لإرساله، وتقدم في أواخر سورة النحل نحو هذا، والله أعلم.
(1) زيادة عن المخطوطتين.
(2) في المخطوط (ب) «هذا يعني» والمثبت عن المطبوع والمخطوط (أ) وط.
(3) في المطبوع «يعنى» والمثبت عن المخطوطتين.
(4/135)

وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48)
فَقَالَ يَسَارٌ: هُوَ يُعَلِّمُنِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قُلْ، يَا مُحَمَّدُ، هُوَ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ هُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ، وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الْقُلُوبِ، وَقِيلَ: شِفَاءٌ مِنَ الْأَوْجَاعِ، وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، قَالَ قَتَادَةُ: عَمُوا عَنِ الْقُرْآنِ وَصُمُّوا عَنْهُ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أَيْ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَفْهَمُونَ كَمَا أَنَّ مَنْ دُعِيَ [مِنْ] [1] مَكَانٍ بَعِيدٍ لَمْ يَسْمَعْ وَلَمْ يَفْهَمْ، وَهَذَا مَثَلٌ لِقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِمَا يُوعَظُونَ بِهِ كَأَنَّهُمْ يُنَادَوْنَ مِنْ حَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ.
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَمُصَدِّقٌ وَمُكَذِّبٌ كَمَا اخْتَلَفَ قَوْمُكَ في كتابك، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ، فِي تَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقُرْآنِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ، لَفَرَغَ مِنْ عَذَابِهِمْ وَعَجَّلَ إِهْلَاكَهُمْ، وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ، مِنْ صِدْقِكَ، مُرِيبٍ، مُوْقِعٍ لَهُمُ الرِّيبَةَ.
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) .
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ، أَيْ عِلْمُهَا إِذَا سُئِلَ عَنْهَا مَرْدُودٌ إِلَيْهِ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَحَفْصٌ: ثَمَراتٍ، عَلَى الْجَمْعِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ ثَمَرَةٍ عَلَى التَّوْحِيدِ، مِنْ أَكْمامِها أَوْعِيَتِهَا وَاحِدُهَا: كِمٌّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي الْكُفَرَّى قَبْلَ أَنْ تَنْشَقَّ. وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَقُولُ: يُرَدُّ إِلَيْهِ عِلْمُ السَّاعَةِ كَمَا يُرَدُّ إِلَيْهِ عِلْمُ الثِّمَارِ وَالنِّتَاجَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ، يُنَادِي اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ، أَيْنَ شُرَكائِي، الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهَا آلِهَةٌ، قالُوا، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، آذَنَّاكَ، أَعْلَمْنَاكَ، مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ، أَيْ مِنْ شَاهِدٍ بِأَنَّ لَكَ شَرِيكًا لما عاينوا العذاب تبرأوا من الأصنام.

[سورة فصلت (41) : الآيات 48 الى 54]
وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (52)
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)
وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَدْعُونَ، يَعْبُدُونَ، مِنْ قَبْلُ، فِي الدُّنْيَا وَظَنُّوا، أَيْقَنُوا، مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ، مَهْرَبٍ.
لَا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ، لَا يَمَلُّ الْكَافِرُ، مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ، أَيْ لَا يَزَالُ يَسْأَلُ رَبَّهُ الْخَيْرَ، يَعْنِي الْمَالَ وَالْغِنَى وَالصِّحَّةَ، وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ، الشِّدَّةُ والفقر، فَيَؤُسٌ، مِنْ رُوحِ اللَّهِ، قَنُوطٌ، مِنْ رَحْمَتِهِ.
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا، آتَيْنَاهُ خَيْرًا وَعَافِيَةً وَغِنًى، مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ، مِنْ بَعْدِ شدة وبلاء
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(4/136)

حم (1)
أَصَابَتْهُ، لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي، أَيْ بِعَمَلِي وَأَنَا مَحْقُوقٌ [1] بِهَذَا، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، يقول هذا الكافر ليست عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْبَعْثِ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، وَرُدِدْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى، أَيِ الْجَنَّةُ أَيْ كَمَا أَعْطَانِي فِي الدُّنْيَا سَيُعْطِينِي فِي الْآخِرَةِ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَنُقِفَنَّهُمْ [2] عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهِمْ، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ.
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (51) ، كَثِيرٍ وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الطُّولَ وَالْعَرْضَ فِي الْكَثْرَةِ، يقال: أَطَالَ فَلَانٌ الْكَلَامَ وَالدُّعَاءَ وَأَعْرَضَ، أَيْ أَكْثَرَ.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ، هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، خِلَافٍ لِلْحَقِّ بَعِيدٍ عَنْهُ أَيْ فَلَا أَحَدَ [3] أَضَلُّ مِنْكُمْ.
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي مَنَازِلَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. وَفِي أَنْفُسِهِمْ، بِالْبَلَاءِ وَالْأَمْرَاضِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الْآفَاقِ يَعْنِي وَقَائِعَ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ والكلبي: فِي الْآفَاقِ مَا يُفْتَحُ مِنَ الْقُرَى عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، يَعْنِي دِينَ الْإِسْلَامِ.
وَقِيلَ: الْقُرْآنُ يَتَبَيَّنُ لَهُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَيَّنُ لَهُمْ أَنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ زَيْدٍ: فِي الْآفَاقِ يَعْنِي أَقْطَارَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ لَطِيفِ الصَّنْعَةِ وَبَدِيعِ الْحِكْمَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، قَالَ مقاتل: أو لم يَكْفِ بِرَبِّكَ [شَاهِدًا أَنَّ الْقُرْآنَ من الله. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى الْكِفَايَةِ هَاهُنَا أن الله تعالى قَدْ بَيَّنَ مِنَ الدَّلَائِلِ مَا فيه كفاية يعني أو لم يَكْفِ بِرَبِّكَ] [4] لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ شَاهِدٌ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ.
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ، فِي شَكٍّ مِنَ الْبَعْثِ، أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

سُورَةُ الشُّورَى
مَكِّيَّةٌ وهي ثلاث وخمسون آية

[سورة الشورى (42) : الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) عسق (2) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)
__________
(1) في المطبوع «محبوب» وفي المخطوط (ب) «إنا محقون» والمثبت عن «ط» والمخطوط (أ) .
(2) في المخطوط (أ) «لنوقفتهم» وفي ط «لنفقّهنّهم» والمثبت عن المخطوط (ب) والمطبوع. [.....]
(3) في المخطوط (ب) «أجد» والمثبت عن ط والمخطوط (أ) .
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع واستدرك من ط والمخطوط.
(4/137)

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4)
حم (1) عسق، سُئِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ الفضل [1] لم تقطع [2] حم عسق وَلَمْ يُقَطَّعْ كهيعص؟ فقال:
لأنها سور [3] أَوَائِلُهَا [4] حم فَجَرَتْ مَجْرَى نَظَائِرِهَا فَكَانَ حم مُبْتَدَأً وَعسق خَبَرَهُ وَلِأَنَّهُمَا عُدَّا آيَتَيْنِ وَأَخَوَاتُهَا مِثْلُ كهيعص وَالمص وَالمر عُدَّتْ آيَةً وَاحِدَةً.
وَقِيلَ: لِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي كهيعص وَأَخَوَاتِهَا أَنَّهَا حُرُوفُ التَّهَجِّي لَا غَيْرَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حم فَأَخْرَجَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ حَيِّزِ الْحُرُوفِ وَجَعَلَهَا فِعْلًا، وَقَالَ: مَعْنَاهَا حَمَّ أَيْ قَضَى ما هو كائن، رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: ح حِلْمُهُ، م مَجْدُهُ، ع علمه، من سَنَاؤُهُ، ق قُدْرَتُهُ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا.
وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: ح حَرْبٌ يَعِزُّ فِيهَا الذَّلِيلُ وَيَذِلُّ فِيهَا الْعَزِيزَ مِنْ [5] قُرَيْشٍ، م مالك يَتَحَوَّلُ مِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ، ع عَدُوٌّ لِقُرَيْشٍ يَقْصِدُهُمْ، س سيء يَكُونُ فِيهِمْ، ق قُدْرَةُ اللَّهِ النَّافِذَةُ فِي خَلْقِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ صَاحِبِ كِتَابٍ إِلَّا وَقَدْ أُوحِيَتْ إِلَيْهِ حم عسق.
فَلِذَلِكَ قَالَ: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ، وقرأ ابْنُ كَثِيرٍ يُوحِي بِفَتْحِ الْحَاءِ وحجته قوله: أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [النساء: 163، الشورى: 7] ، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ، وعلى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَوْلُهُ، اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، تبين لِلْفَاعِلِ كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ يُوحِي فَقِيلَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ يُوحِي بِكَسْرِ الْحَاءِ، إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يريد أخبار الغيب.

[سورة الشورى (42) : الآيات 4 الى 7]
لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)
لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ، أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَتَفَطَّرُ فَوْقَ الَّتِي تَلِيهَا مِنْ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [88] :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ. وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ، يَحْفَظُ أَعْمَالَهُمْ وَيُحْصِيهَا عَلَيْهِمْ لِيُجَازِيَهُمْ بِهَا، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ، لَمْ يوكلك الله عليهم حَتَّى تُؤْخَذَ بِهِمْ.
وَكَذلِكَ، مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا، أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى، مَكَّةَ يَعْنِي أَهْلَهَا، وَمَنْ حَوْلَها، يَعْنِي قُرَى الْأَرْضِ كُلَّهَا، وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ، أَيْ تُنْذِرُهُمْ بِيَوْمِ الْجَمْعِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَجْمَعُ اللَّهُ
__________
(1) في المخطوط (ب) «أبي الفضل» .
(2) في المطبوع «يقطع» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع «سورا» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المخطوط (ب) «أولها» والمثبت عن المخطوط (أ) وط.
(5) في المخطوط (أ) «في» .
(4/138)

الأولين والآخرين وأهل السموات والأرضين، لَا رَيْبَ فِيهِ، لَا شَكَّ فِي الْجَمْعِ أَنَّهُ كَائِنٌ ثُمَّ بَعْدَ الْجَمْعِ يَتَفَرَّقُونَ. فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
«1868» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ ثنا أبو منصور الحمشاوي [1] ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ التنوخي ثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بن عثمان عن أبي الزاهرية حدير [2] بْنُ كُرَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بن فنجويه الدينوري ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حنبل حدثني أبي [ثنا] [3] هاشم [4] بن القاسم ثنا لَيْثٌ حَدَّثَنِي أَبُو قُبَيْلٍ الْمُعَافِرِيُّ عَنْ شُفَيٍّ الْأَصْبَحِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ قَابِضًا عَلَى كَفَّيْهِ وَمَعَهُ كِتَابَانِ،.
فَقَالَ: «أَتُدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟» قُلْنَا: لا يا رسول الله [إلا أن تخبرنا] [5] ، فَقَالَ «لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى:
هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ وَعِدَّتُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرُّوا نُطَفًا فِي الْأَصْلَابِ [6] ، [وَقَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرُّوا نُطَفًا فِي الْأَرْحَامِ] [7] إِذْ هُمْ فِي الطِّينَةِ مُنْجَدِلُونَ فَلَيْسَ بِزَائِدٍ فِيهِمْ وَلَا نَاقِصٍ مِنْهُمْ إِجْمَالٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي يَسَارِهِ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ وَعِدَّتُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرُّوا نُطَفًا فِي الْأَصْلَابِ، وَقَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرُّوا نُطَفًا فِي الْأَرْحَامِ إِذْ هُمْ فِي الطِّينَةِ مُنْجَدِلُونَ فَلَيْسَ بِزَائِدٍ فِيهِمْ وَلَا بِنَاقِصٍ مِنْهُمْ، إِجْمَالٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القيامة» ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو: فَفِيمَ الْعَمَلُ إذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وإن
__________
1868- صحيح. ساقه المصنف بإسنادين، أما الأول فرجاله ثقات معروفون سوى سعيد بن عثمان شيخ بشر، فلم أجد له ترجمة، وبكل حال توبع، وأما الإسناد الثاني فهو على شرط الصحيح سوى شفي وهو ثقة وللحديث شواهد.
- ليث هو ابن سعد، أبو قبيل هو حييّ بن هانىء شفيّ هو ابن ماتع.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 4/ 44 من طريق بكر بن مضر عن الليث بن سعد، وابن لهيعة عن أبي قبيل بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 2141 والنسائي في «التفسير» 493 وأحمد 2/ 167 وابن أبي عاصم في «السنة» 348 وأبو نعيم في «الحلية» 5/ 168- 169 من طرق عن أبي قبيل به.
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
- وأخرجه الطبري 30618 من طريق عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي قبيل عن شفي الأصبحي عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ... فذكره.
- وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر، وللحديث شواهد كثيرة تقدم بعضها، فهو صحيح إن شاء الله، والله الموفق.
(1) في المطبوع «أبو منظور الشامي» وفي «ط» : «أبو منصور الخشماذي» والمثبت عن المخطوط (أ) والمخطوط (ب) .
(2) في المطبوع «أبي الراهوية ثنا جرير» والمثبت عن المخطوط (أ) .
(3) سقط من الأصل.
(4) في المطبوع «هشام» والمثبت عن ط والمخطوط.
(5) ما بين المعقوفتين زيد في المطبوع وليس في «ط» ولا في المخطوط.
(6) في المخطوط (ب) «الأرحام» . [.....]
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط (ب) .
(4/139)

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)
عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، ثُمَّ قَالَ: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ عَدْلٌ من الله عزّ وجلّ» .

[سورة الشورى (42) : الآيات 8 الى 11]
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (8) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى ملة الإسلام لقوله [1] تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [الْأَنْعَامِ: 35] ، وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ، فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالظَّالِمُونَ، الْكَافِرُونَ، مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ، يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، وَلا نَصِيرٍ، يَمْنَعُهُمْ مِنَ النار.
أَمِ اتَّخَذُوا، بَلِ اتَّخَذُوا أَيْ الْكَافِرُونَ، مِنْ دُونِهِ، أَيْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَلِيُّكَ يَا مُحَمَّدُ وولي من اتّبعك، وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ، يَقْضِي فِيهِ وَيَحْكُمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْفَصْلِ الَّذِي يُزِيلُ الرَّيْبَ، ذلِكُمُ اللَّهُ، الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ هُوَ، رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً، مِنْ مِثْلِ خَلْقِكُمْ حَلَائِلَ، قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ لِأَنَّهُ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ. وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً، أَصْنَافًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، يَذْرَؤُكُمْ، يَخْلُقُكُمْ، فِيهِ، أَيْ فِي الرَّحِمِ. وَقِيلَ: فِي البطن. وقيل: في [2] هَذَا الْوَجْهِ مِنَ الْخِلْقَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ:
نَسَلًا بَعْدَ نَسْلٍ مِنَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ. وَقِيلَ: فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ أَيْ يَذْرَؤُكُمْ بِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُكَثِّرُكُمْ بِالتَّزْوِيجِ. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، المثل صِلَةٌ أَيْ لَيْسَ هُوَ كَشَيْءٍ فَأَدْخَلَ الْمِثْلَ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ [الْبَقَرَةِ: 137] ، وَقِيلَ: الْكَافُ صِلَةٌ، مَجَازُهُ لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

[سورة الشورى (42) : الآيات 12 الى 18]
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (16)
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (18)
__________
(1) في المطبوع «كقوله» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «على» والمثبت عن المخطوط.
(4/140)

لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، مَفَاتِيحُ الرِّزْقِ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمَطَرُ وَالنَّبَاتُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ لِأَنَّ مَفَاتِيحَ الرِّزْقِ بِيَدِهِ، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ، بيّن لكم وسنّ لَكُمْ [مِنَ الدِّينِ] [1] مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً، وَهُوَ أَوَّلُ أَنْبِيَاءِ الشَّرِيعَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: أَوْصَيْنَاكَ وَإِيَّاهُ يَا مُحَمَّدُ دِينًا وَاحِدًا. وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، مِنْ الْقُرْآنِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَتَادَةُ:
تَحْلِيلُ الْحَلَالِ وَتَحْرِيمُ الْحَرَامِ. وَقَالَ الْحَكَمُ: تَحْرِيمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أوصاه بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْإِقْرَارِ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ لَهُ [2] ، فَذَلِكَ دِينُهُ الَّذِي شَرَعَ لَهُمْ. وَقِيلَ:
هُوَ التَّوْحِيدُ وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ. وَقِيلَ: هُوَ مَا ذَكَرَ مِنْ بَعْدِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، بَعَثَ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ بِإِقَامَةِ الدِّينِ وَالْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَتَرْكِ الْفُرْقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، مِنَ التَّوْحِيدِ وَرَفْضِ الْأَوْثَانِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ، يصطفي لدينه مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ، يُقْبِلُ إِلَى طاعته.
وَما تَفَرَّقُوا، يَعْنِي أَهْلَ الْأَدْيَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ كَمَا ذَكَرَ فِي سُورَةِ الْمُنْفَكِّينَ: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [البينة: 4] ، الآية. إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ، بِأَنَّ الْفُرْقَةَ ضَلَالَةٌ وَلَكِنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ، بَغْياً بَيْنَهُمْ، أَيْ لِلْبَغْيِ، قَالَ عَطَاءٌ: يَعْنِي بَغْيًا بَيْنَهُمْ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ، فِي تَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ، بَيْنَ مَنْ آمَنَ وَكَفَرَ، يَعْنِي أَنْزَلَ الْعَذَابَ بِالْمُكَذِّبِينَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ، يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، مِنْ بَعْدِهِمْ، أي مِنْ بَعْدِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَقِيلَ: مِنْ بَعْدِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ مِنْ قَبْلِ مُشْرِكِي مَكَّةَ. لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ، أَيْ مَنَّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلِذلِكَ فَادْعُ، أَيْ فَإِلَى ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ دَعَوْتُ إِلَى فُلَانٍ وَلِفُلَانٍ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَصَّى بِهِ الْأَنْبِيَاءَ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ، أي اثْبُتْ عَلَى الدِّينِ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ، أَيْ آمَنْتُ بِكُتُبِ اللَّهِ كُلِّهَا، وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، أَنْ أَعْدِلَ بَيْنَكُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أُمِرْتُ أَنْ لَا أَحِيفَ عَلَيْكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَحْكَامِ وَقِيلَ: لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْيَاءِ، اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، يَعْنِي إِلَهُنَا وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَعْمَالُنَا فَكَلٌّ يُجَازَى بِعَمَلِهِ، لَا حُجَّةَ، لَا خُصُومَةَ، بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ، نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ، فَإِذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْقِتَالِ وَأُمِرَ بِالدَّعْوَةِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَا يُجِيبُ خُصُومَةٌ، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا، فِي الْمَعَادِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ، يُخَاصِمُونَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ قتادة: هم اليهود قالوا:
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(4/141)

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)
كِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ وَنَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ، فَهَذِهِ خُصُومَتُهُمْ، مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ، أَيْ اسْتَجَابَ لَهُ النَّاسُ فَأَسْلَمُوا وَدَخَلُوا فِي دِينِهِ لِظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ، حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ، خُصُومَتُهُمْ بَاطِلَةٌ، عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ، فِي الْآخِرَةِ.
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ، قال قتادة ومجاهد ومقاتل: العدل، وسمي الْعَدْلُ مِيزَانًا لِأَنَّ الْمِيزَانَ آلَةُ الْإِنْصَافِ وَالتَّسْوِيَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ، وَنَهَى عَنِ الْبَخْسِ. وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ، وَلَمْ يَقُلْ قَرِيبَةً لِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غير حقيقي، ومجازه: الوقت قريب.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: إِتْيَانُهَا قَرِيبٌ.
«1869» قَالَ مُقَاتِلٌ: ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم الساعة ذات يوم وعنده قوم من المشركين، فقالوا تَكْذِيبًا: مَتَى تَكُونُ السَّاعَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِها، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا غَيْرُ آتِيَةٍ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ، أَيْ خَائِفُونَ، مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ، أَنَّهَا آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ، يُخَاصِمُونَ وَقِيلَ تَدْخُلُهُمُ الْمِرْيَةُ وَالشَّكُّ، فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ.

[سورة الشورى (42) : الآيات 19 الى 23]
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [أي حفيّ بهم] [1] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: [حَفِيٌّ] بِهِمْ. قَالَ عِكْرِمَةُ: بَارٌّ بِهِمْ. قَالَ الْسُّدِّيُّ: رَفِيقٌ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ حَيْثُ لَمْ يُهْلِكْهُمْ جُوعًا بِمَعَاصِيهِمْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ، فكل مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَذِي رُوحٍ فَهُوَ مِمَّنْ يَشَاءُ اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ. قَالَ جعفر بن محمد الصَّادِقُ: اللُّطْفُ فِي الرِّزْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ جَعَلَ رِزْقَكَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يدفعه إليك مرة وَاحِدَةٍ. وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ.
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ، الْحَرْثُ فِي اللُّغَةِ: الْكَسْبُ، يَعْنِي مَنْ كَانَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الْآخِرَةَ، نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، بِالتَّضْعِيفِ بِالْوَاحِدِ عشرة إلى ما شاء مِنَ الزِّيَادَةِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا، يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا، نُؤْتِهِ مِنْها، قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ نُؤْتِهِ بِقَدْرِ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، كَمَا قَالَ: عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الْإِسْرَاءِ: 18] . وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ للآخرة.
__________
1869- واه. ذكره المصنف هاهنا عن مقاتل تعليقا وسنده إليه في أول الكتاب وهذا مرسل، ومع إرساله مقاتل ذو مناكير.
- وكذا ذكره الواحدي في «الوسيط» 4/ 48 عن مقاتل بدون إسناد.
(1) زيادة عن المخطوط.
(4/142)

«1870» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو طاهر الزيادي أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلَالٍ ثنا أَبُو الْأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ [الْأَزْهَرِ بن] [1] منيع العبدي [2] ثنا محمد بن يوسف الفريابي ثنا سفيان عن المغيرة [عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ] [3] [عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ] [4] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
«بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصرة وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ» .
قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ، يقول ألهم آلِهَةٌ سَنُّوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: شَرَعُوا لَهُمْ دِينًا غَيْرَ دين الإسلام، وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِي كَلِمَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَيْثُ قَالَ: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ [الْقَمَرِ: 46] ، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ، لَفَرَغَ مِنْ عَذَابِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ، الْمُشْرِكِينَ، لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، فِي الْآخِرَةِ.
تَرَى الظَّالِمِينَ، الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مُشْفِقِينَ، وَجِلِينَ، مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ، جَزَاءُ كَسْبِهِمْ وَاقِعٌ بِهِمْ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ.
ذلِكَ الَّذِي، ذَكَرْتُ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، بأنهم أهله، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
«1871» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بن يوسف ثنا
__________
1870- صحيح. إسناده حسن، رجاله ثقات غير الربيع بن أنس، وهو صدوق، وقد توبع.
- سفيان هو ابن سعيد الثوري، مغيرة هو ابن مسلم القسملي، أبو العالية هو رفيع بن مهران.
- وهو في «شرح السنة» 4040 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 5/ 134 والحاكم 4/ 311 و318 من طرق عن سفيان الثوري عن مغيرة بن مسلم أخي عبد العزيز الخراساني عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أبي العالية به.
- وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
- وأخرجه أحمد 5/ 134 وفي «الزهد» ص 41- 42 وابن حبان 405 والبغوي في «شرح السنة» 4039 من طرق عن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي العالية به.
- وأخرجه أحمد 5/ 134 من طريق سفيان عن أيوب عن أبي العالية به. وإسناده قوي، وقد توبع الربيع في هذا الإسناد، فالحديث صحيح إن شاء الله، والله الموفق.
1871- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- شعبة هو ابن الحجاج، طاوس هو ابن كيسان اليماني.
- وهو في «صحيح البخاري» 4818 عن محمد بن بشار بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 3497 والترمذي 3251 والنسائي في «التفسير» 494 وأحمد 1/ 229 و286 والطبري 30663 وابن حبان 6262 من طرق عن شعبة به.
- وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(1) زيادة عن المخطوط وكتب التراجم.
(2) في المطبوع «البغدادي» والمثبت عن كتب التراجم.
(3) زيادة عن كتب التراجم.
(4) زيادة عن المخطوط وكتب التراجم.
(4/143)

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر ثنا شُعْبَةُ [عَنْ] [1] عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَجِلْتَ، إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ.
وَكَذَلِكَ رَوَى الشَّعْبِيُّ وَطَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى يَعْنِي أَنْ تَحْفَظُوا قَرَابَتِي وَتَوَدُّونِي وَتَصِلُوا رَحِمِي. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ والضحاك [2] ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا أَنْ تَحْفَظُونِي فِي قَرَابَتِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ الْكَذَّابُونَ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: إِلَّا أَنْ تَوَدُّوا اللَّهَ وَتَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، قَالَ: هُوَ الْقُرْبَى إِلَى اللَّهِ، يَقُولُ إِلَّا التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ وَالتَّوَدُّدَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ إِلَّا أَنْ تَوَدُّوا قَرَابَتِي وَعِتْرَتِي وَتَحْفَظُونِي فِيهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَرَابَتِهِ [قِيلَ هُمْ] [3] فاطمة الزهراء وعلي وابناهما وَفِيهِمْ نَزَلَ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الْأَحْزَابِ: 33] .
«1872» وَرُوِّينَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَأَهْلَ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، قِيلَ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ.
«1873» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثَنَا خَالِدُ ثنا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: ارْقُبُوا مُحَمَّدًا فِي أَهْلِ بَيْتِهِ.
وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ مِنْ أَقَارِبِهِ وَيُقَسَّمُ فِيهِمُ الْخُمْسُ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ الَّذِينَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا فِي إِسْلَامٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَأَمَرَهُمْ فِيهَا بِمَوَدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِلَةِ رَحِمِهِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَآوَاهُ الأنصار ونصروه
__________
1872- تقدم في سورة آل عمران عند آية: 101. [.....]
1873- موقوف صحيح. إسناده صحيح على شرط البخاري فقد تفرد عن عبد الله، ومن فوقه رجال الشيخين.
- خالد هو ابن الحارث، شعبة هو ابن الحجاج بن الورد، واقد هو ابن محمد بن زيد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
(1) سقط من المطبوع.
(2) في المخطوط (ب) «والصحابة رضي الله عنهم» بدل «والضحاك» وفي المطبوع وط «والضحاك رضي الله عنهم» والتصويب عن المخطوط (أ) .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4/144)

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)
أَحَبَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُلْحِقَهُ بِإِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السلام حيث قال: وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (109) [الشُّعَرَاءِ: 109] ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
[سبأ: 47] ، فَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبِقَوْلِهِ: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) [ص: 86] ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ، وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِأَنَّ مَوَدَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَفَّ الْأَذَى عَنْهُ وَمَوَدَّةَ أَقَارِبِهِ، وَالتَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِالطَّاعَةِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ فَرَائِضِ الدِّينِ، وَهَذِهِ أَقَاوِيلُ السَّلَفِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إِلَى نَسْخِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
وَقَوْلُهُ: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى، لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ مُتَّصِلٍ بِالْأَوَّلِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَجْرًا فِي مُقَابَلَةِ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، بَلْ هو منقطع، ومعناه: لكني [1] أُذَكِّرُكُمُ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَأُذَكِّرُكُمْ قَرَابَتِي مِنْكُمْ.
«1874» كَمَا رُوِّينَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» . قَوْلُهُ تعالى: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً، أَيْ: مَنْ يَزِدْ طَاعَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا بِالتَّضْعِيفِ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، لِلذُّنُوبِ، شَكُورٌ، للقليل [من الحسنات] [2] حتى يضاعفها.

[سورة الشورى (42) : الآيات 24 الى 25]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (24) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)
أَمْ يَقُولُونَ، بَلْ يَقُولُونَ يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ، افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ، قال مجاهد: نربط عَلَى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ حَتَّى لَا يَشُقَّ عَلَيْكَ أَذَاهُمْ، وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ مُفْتَرٍ، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي يَطْبَعُ عَلَى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ الْقُرْآنَ وَمَا أَتَاكَ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَوِ افْتَرَى على الله كذبا لَفَعَلَ بِهِ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَجَازُهُ: والله يمحو الباطل. فهو فِي مَحَلِّ رَفْعٍ وَلَكِنَّهُ حَذَفَ [3] مِنْهُ الْوَاوَ فِي الْمُصْحَفِ عَلَى اللَّفْظِ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ [الْإِسْرَاءِ: 11] وسَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18) [العلق: 17] أخبر أن ما يقولون بَاطِلٌ يَمْحُوهُ اللَّهُ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، أَيِ الْإِسْلَامَ بِمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فَمَحَا بَاطِلَهُمْ وَأَعْلَى كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى، وَقَعَ فِي قُلُوبِ قَوْمٍ مِنْهَا شَيْءٌ وَقَالُوا يُرِيدُ أَنْ يَحُثَّنَا عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ وَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ الْقَوْمُ الذين اتهموه: يَا رَسُولَ اللَّهِ [فَإِنَّا] [4] نَشْهَدُ أَنَّكَ صَادِقٌ.
فَنَزَلَ: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، قَالَ ابن عباس: يُرِيدُ أَوْلِيَاءَهُ وَأَهْلَ طَاعَتِهِ، قِيلَ: التَّوْبَةُ تَرْكُ الْمَعَاصِيَ نِيَّةً وَفِعْلًا، وَالْإِقْبَالُ عَلَى الطَّاعَةِ نِيَّةً وَفِعْلًا، قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: التَّوْبَةُ الِانْتِقَالُ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمَذْمُومَةِ إلى الأحوال المحمودة. وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ، إذا تابوا فلا يؤاخذهم بِهَا.
«1875» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ ثنا أبو جعفر
__________
1874- تقدم في سورة آل عمران آية: 101.
1875- إسناده صحيح، حميد ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- أبو عوانة، اسمه وضّاح مشهور بكنيته، الأعمش هو سليمان بن مهران.
(1) في المطبوع «لكي» والمثبت عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «حذفت» والمثبت عن ط والمخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط و «ط» .
(4/145)

وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ [1] أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زنجويه ثنا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ثَنَا أَبُو عوانة عن سليمان الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوِيدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَعُودُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ، أظنه قال: في بدويّة [2] مُهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَزَلَ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ هلكت [3] رَاحِلَتُهُ، فَطَافَ عَلَيْهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، فَقَالَ أَرْجِعُ إِلَى حَيْثُ كَانَتْ رَاحِلَتِي فَأَمُوتُ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ فأغفى فاستيقظ فإذا هُوَ بِهَا عِنْدَهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ» .
«1876» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الحجاج ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ وَزُهَيْرُ بْنُ حرب قالا: ثنا عمر [4] بن يونس ثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ عَمُّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: «الله أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، وَقَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أخطأ من شدة الفرح» .
وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ فَيَمْحُوهَا إِذَا تَابُوا. وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ، وقرأ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ تَفْعَلُونَ بِالتَّاءِ، وَقَالُوا: هُوَ خِطَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ لِأَنَّهُ بَيْنَ خَبَرَيْنِ عن قوم، فقال:
قبله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَبَعْدَهُ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.

[سورة الشورى (42) : الآيات 26 الى 28]
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (26) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)
__________
وهو في «شرح السنة» 1294 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 6308 ومسلم 2744 ح 3 و4 والترمذي 2498 وأبو نعيم في «الحلية» 4/ 129 من طرق عن الأعمش به.
- وأخرجه أحمد 1/ 383 من طريق أبي معاوية عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عمير عن الأسود بن يزيد النخعي عن ابن مسعود، وعلقه البخاري 6308 من هذا الوجه.
- وأخرجه ابن حبان 618 وأبو نعيم في «الحلية» 4/ 129 من طريق الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْتَيْمِيِّ عَنْ الحارث بن سويد عن ابن مسعود به.
1876- إسناده صحيح على شرط مسلم.
- أبو طلحة اسمه عبد الله.
- وهو في «شرح السنة» 1296 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح مسلم» 2747 عن مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ وَزُهَيْرُ بْنُ حرب بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 6309 ومسلم 2747 ح 8 وابن حبان 617 من طريق همام عن قتادة عن أنس به.
- وأخرجه أحمد 3/ 213 من طريق عمر بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنس به.
(1) في المخطوط (أ) «الروياني» والمثبت عن «شرح السنة» و «ط» والمخطوط (ب) .
(2) في المطبوع «بريّة» والمثبت عن «شرح السنة» والمخطوط (ب) والدّويّة والدّاوية: اسم للمفازة الملساء التي يسمع فيها الدّوي أي الصوب. [.....]
(3) في المطبوع «ضلت» والمثبت عن «شرح السنة» والمخطوط (ب) .
(4) تصحف في المخطوط (ب) إلى «عمير» .
(4/146)

وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا، أَيْ وَيُجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، إِذَا دَعَوْهُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عباس [1] : ويثيب [2] الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، سِوَى ثَوَابِ أَعْمَالِهِمْ تفضلا منه. وقال أَبُو صَالِحٍ عَنْهُ: يُشَفِّعُهُمْ فِي إِخْوَانِهِمْ، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. قَالَ فِي إِخْوَانِ إِخْوَانِهِمْ. وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ.
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ، قَالَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ: فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَذَلِكَ أَنَّا نَظَرْنَا إِلَى أَمْوَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ فَتَمَنَّيْنَاهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ وَسَّعَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ، لَبَغَوْا، لَطَغَوْا وَعَتَوْا، فِي الْأَرْضِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَغْيُهُمْ طَلَبُهُمْ مَنْزِلَةً بَعْدَ مَنْزِلَةٍ وَمَرْكَبًا بَعْدَ مركب وملبس بَعْدَ مَلْبَسٍ. وَلكِنْ يُنَزِّلُ، أَرْزَاقَهُمْ، بِقَدَرٍ مَا يَشاءُ، كَمَا يَشَاءُ نظرا منه لعباده ولحكمة اقتضتها قدرته، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.
«1877» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو عُمَرَ بَكْرُ بْنُ محمد المزني ثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله
__________
1877- بعضه صحيح، وبعضه ضعيف، وبعضه ضعيف جدا.
إسناده ضعيف جدا، عمر بن سعيد ضعيف، وشيخه صدقة ضعيف جدا، وشيخه هشام لم أر له ترجمة وبكل حال الإسناد ساقط.
- وهو في «شرح السنة» 1242 بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن أبي الدنيا في «الأولياء» (1) وأبو نعيم في «الحلية» 8/ 318- 319 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 231 من طرق عن صدقة بن عبد الله به.
- وأخرجه القضاعي 1456 من طريق هشام بن عمار عن صدقة به مختصرا.
وقال أبو نعيم: غريب من حديث أنس، لم يروه عنه بهذا السياق إلّا هشام الكناني، وعنه صدقة بن عبد الله أبو معاوية الدمشقي. تفرد به الحسن بن يحيى الخشني اهـ.
- وأخرج الطبراني في «الأوسط» 613 منه قوله فقط «مَنْ أَهَانَ لِي وَلْيًّا فَقَدْ بارزني بالمحاربة» وفي إسناده عمر بن سعيد أبو حفص الدمشقي، وهو ضعيف كما في «المجمع» 10/ 270.
- ولصدره شواهد دون لفظ «وإني لأغضب ... الحرد» منها:
- حديث أبي أمامة.
- أخرجه الطبراني في «الكبير» 7880 وفي إسناده علي بن يزيد، وهو ضعيف كما في «المجمع» 2/ 248.
- وحديث عائشة:
أخرجه ابن أبي الدنيا في «الأولياء» 45 وأحمد 6/ 256 وإسناده لا بأس به في الشواهد.
- وحديث ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم:
أخرجه أبو يعلى 7087 وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب كما في «المجمع» 10/ 270.
- فهذا شاهد لا يفرح به.
ولصدره مع عجزه شاهد من حديث ابن عباس- دون ما سأنبه عليه.
- أخرجه الطبراني 12719 وقال الهيثمي في «المجمع» 10/ 270: وفيه جماعة لم أعرفهم.
الخلاصة: صدره الحديث إلى قوله «وأنا أكره مساءته» محفوظ له شواهد كما تقدم، ومنها حديث أبي هريرة عند
(1) تصحف في المخطوط (ب) مولى «ابن عون» .
(2) في المطبوع «يثبت» والمثبت عن المطبوع وط.
(4/147)

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29)
حَفِيدُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ ثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ الدمشقي ثنا صدقة بن [1] عبد الله ثنا هِشَامٌ الْكِنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَإِنِّي لَأَغْضَبُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَغْضَبُ اللَّيْثُ الْحَرْدُ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي الْمُؤْمِنُ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي الْمُؤْمِنُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَلِسَانًا وَيَدًا وَمُؤَيِّدًا، إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ يَسْأَلُنِي الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَأَكُفُّهُ عَنْهُ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ عَجَبٌ فَيُفْسِدُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لِأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الصِّحَّةُ وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، إِنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ إِنِّي عليم خبير» .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ، الْمَطَرَ، مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا، يَعْنِي مِنْ بَعْدِ مَا يَئِسَ النَّاسُ مِنْهُ وَذَلِكَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الشُّكْرِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: حَبَسَ اللَّهُ الْمَطَرَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ حَتَّى قَنِطُوا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَطَرَ فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ، وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، يَبْسُطُ مَطَرَهُ، كَمَا قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الفرقان: 48] . وَهُوَ الْوَلِيُّ، لِأَهْلِ طَاعَتِهِ، الْحَمِيدُ، عند خلقه.

[سورة الشورى (42) : الآيات 29 الى 33]
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (29) وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (30) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (31) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33)
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (29) ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ فَبِما كَسَبَتْ، بِغَيْرِ فَاءٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ، فَمَنْ حَذَفَ الْفَاءَ جَعَلَ مَا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ بِمَعْنَى الَّذِي أَصَابَكُمْ بِمَا كَسَبَتْ
__________
- البخاري، وتقدم في الأحزاب، آية: 57 دون لفظ «وَإِنِّي لَأَغْضَبُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَغْضَبُ الليث الحرد» .
- فهذا اللفظ ضعيف جدا، لم يرد إلّا بهذا الإسناد.
- وكذا لفظ «وإن من عبادي لمن يسألني.. فيفسده ذلك» .
- ضعيف جدا أيضا لم يرد إلّا بهذا الإسناد.
- وأما عجزه، فله شاهد ضعيف عن ابن عباس، وقد تقدم، فهو ضعيف فحسب، والله أعلم.
أخرجه الترمذي 3252 وإسناده ضعيف فيه راو لم يسمّ.
- الخلاصة: هذه روايات ضعيفة، وفي المتن نكارة، فإن المؤمن يصاب بسبب ذنب، وبغير ذنب، وذلك ابتلاء وامتحانا من الله عز وجل.
(1) في المطبوع «عن» والتصويب عن المخطوط و «شرح السنة» .
(4/148)

أيديكم. وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ.
«1878» قَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ خَدْشِ عُودٍ وَلَا عَثْرَةِ قَدَمٍ، وَلَا اخْتِلَاجِ عِرْقٍ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ» .
«1879» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ فَنَجْوَيْهِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ ثنا بشر بن موسى الأسدي ثنا خلف بن الوليد ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنِي الْأَزْهَرُ بْنُ رَاشِدٍ الْبَاهِلِيُّ عَنِ الْخَضِرِ بْنِ الْقَوَّاسِ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَبِي سُخَيْلَةَ قَالَ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَدَّثَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ، قَالَ: وَسَأُفَسِّرُهَا لَكَ يَا عَلِيُّ: «مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَضٍ أَوْ عُقُوبَةٍ أَوْ بَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَيْهِمُ الْعُقُوبَةَ فِي الآخرة، وما عفا الله عنه [1] فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَحْلَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» .
قَالَ عِكْرِمَةُ: مَا مِنْ نَكْبَةٍ أَصَابَتْ عَبْدًا فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا بِذَنْبٍ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُ إِلَّا بِهَا أَوْ دَرَجَةٍ لَمْ يكن الله ليبلغه إِلَّا بِهَا.
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، بِفَائِتِينَ، فِي الْأَرْضِ، هَرَبًا يَعْنِي لا تعجزونني حيث ما كنتم ولا
__________
1878، 1879- إسناده ضعيف، أزهر وشيخه أبو سخيلة كلاهما مجهول. وورد موقوفا، وهو الصحيح.
- وأخرجه أحمد 1/ 85 وأبو يعلى 453 من طريق مروان بن معاوية الفزاري بهذا الإسناد.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 4/ 55 من طريق عطاء بن مسلم عن أزهر بن راشد به.
وورد من وجه آخر عن حجاج بن محمد عن يونس بن أبي إسحاق عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جحيفة عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مرفوعا بنحوه.
- أخرجه الترمذي 2628 وابن ماجه 4604 وأحمد 1/ 99 و159 والحاكم 2/ 445 وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي.
- والصواب أنه على شرط مسلم، يونس بن أبي إسحاق، ما روى له البخاري، وفيه عنعنة أبي إسحق، وهو مدلس.
- والحديث معلول بالوقف حيث أخرجه ابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» 4/ 137 عن أبي جحيفة عن علي من قوله، وهو أرجح من المرفوع.
- والصحيح في هذا هو أن من أصاب حدا فأقيم عليه الحد فذلك كفارة له، وهذا أمر مجمع عليه، وقد صح ذلك في حديث مرفوع، وهو من حديث البراء بن عازب ... وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ له، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وإن شاء عاقبه» .
- وهذا حديث في غاية الصحة أخرجه البخاري 18 و3892 و3893 و7055 و7468 ومسلم 1709 وأحمد 5/ 314 والحميدي 387 والشافعي 2/ 187 والترمذي 1439 وابن ماجه 2603 وابن حبان 4405 فهذا الحديث الصحيح، يوهن حديث علي، حيث فيه «من عفي عنه في الدنيا عفي عنه في الآخرة» .
بينما في الحديث الصحيح: « ... فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه» والله أعلم، فهذا هو الصحيح، وأما سياق المصنف فضعيف، وحسب الوقف، والله أعلم.
تنبيه: والمراد بالآية الكريمة وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ ... المصائب الكبيرة، مثل إمساك المطر، وتسليط العدو، وتسليط سلطان ظالم ونحو ذلك فهذا الذي يكون بذنوب كثير من الناس، فالمراد البلاء الواسع أو العام. لا الذنوب الصغار المتفرقة، والله أعلم.
(1) في المطبوع «عنكم» والمثبت عن المخطوط و «مسند أحمد» .
(4/149)

أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34)
تَسْبِقُونَنِي، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ، يَعْنِي السُّفُنَ، وَاحِدَتُهَا جَارِيَةٌ وَهِيَ السَّائِرَةُ، فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ، أَيِ الْجِبَالِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقُصُورُ وَاحِدُهَا عَلَمٌ، وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٌ عِنْدَ الْعَرَبِ فَهُوَ عَلَمٌ.
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، الَّتِي تُجْرِيهَا، فَيَظْلَلْنَ، يَعْنِي الْجَوَارِيَ، رَواكِدَ، ثَوَابِتَ، عَلى ظَهْرِهِ، عَلَى ظَهْرِ الْبَحْرِ لَا تَجْرِي، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، أَيْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ لِأَنَّ صِفَةَ الْمُؤْمِنِ الصَّبْرُ فِي الشدة والشكر في الرخاء.

[سورة الشورى (42) : الآيات 34 الى 39]
أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (38)
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)
أَوْ يُوبِقْهُنَّ، يُهْلِكْهُنَّ وَيُغْرِقْهُنَّ، بِما كَسَبُوا، أَيْ بِمَا كَسَبَتْ رُكْبَانُهَا [1] مِنَ الذُّنُوبِ، وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ، مِنْ ذُنُوبِهِمْ فَلَا يُعَاقِبُ عَلَيْهَا.
وَيَعْلَمَ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: «وَيَعْلَمُ» بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ [15] [2] وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى الصَّرْفِ وَالْجَزْمُ إِذَا صُرِفَ عَنْهُ مَعْطُوفُهُ [3] نُصِبَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 142] ، صُرِفَ مَنْ حَالِ الْجَزْمِ إِلَى النَّصْبِ اسْتِخْفَافًا وَكَرَاهِيَةً لِتَوَالِي الْجَزْمِ. الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ، أَيْ يَعْلَمُ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ إِذَا صَارُوا إِلَى اللَّهِ بَعْدَ الْبَعْثِ أَنْ لَا مَهْرَبَ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ، مِنْ رِيَاشِ الدُّنْيَا، فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، لَيْسَ مِنْ زَادِ الْمَعَادِ، وَما عِنْدَ اللَّهِ، مِنَ الثَّوَابِ، خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ يَسْتَوِيَانِ فِي أَنَّ الدُّنْيَا مَتَاعٌ لَهُمَا يَتَمَتَّعَانِ بِهَا فَإِذَا صَارَا [4] إِلَى الْآخِرَةِ كَانَ مَا عِنْدَ الله خيرا لِلْمُؤْمِنِ.
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: كَبِيرَ الْإِثْمِ عَلَى الْوَاحِدِ هَاهُنَا، وَفِي سُورَةِ النَّجْمِ [32] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: كَبائِرَ بِالْجَمْعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الْكَبَائِرِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
وَالْفَواحِشَ، قَالَ الْسُّدِّيُّ: يَعْنِي الزِّنَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: مَا يُوجِبُ الْحَدَّ. وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، يَحْلُمُونَ [5] وَيَكْظِمُونَ الْغَيْظَ وَيَتَجَاوَزُونَ.
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ، أَجَابُوهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ، يتشاورون فيما يبدوا لَهُمْ وَلَا يَعْجَلُونَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ، الظُّلْمُ وَالْعُدْوَانُ، هُمْ يَنْتَصِرُونَ، يَنْتَقِمُونَ مِنْ ظَالِمِيهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ
__________
(1) في المخطوط (ب) «ركّابها» .
(2) في المخطوط (ب) «التوبة» والمعنى واحد.
(3) في المخطوط (ب) «معطوف» .
(4) في المطبوع «صار» والمثبت عن المخطوط.
(5) في المطبوع «يحملون» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(4/150)

وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)
يَعْتَدُوا. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ. جَعَلَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ صِنْفٌ يَعْفُونَ عَنْ ظَالِمِيهِمْ فَبَدَأَ بِذِكْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَصِنْفٌ يَنْتَصِرُونَ [1] مِنْ ظَالِمِيهِمْ وَهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَذِلُّوا فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا. قَالَ عَطَاءٌ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ الْكُفَّارُ من مكة وبغوا عليهم مَكَّنَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى انتصروا ممن ظلمهم، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ الِانْتِصَارَ فَقَالَ:

[سورة الشورى (42) : الآيات 40 الى 44]
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44)
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، سَمَّى الجزاء سيئة وإن لم يكن سَيِّئَةً لِتَشَابُهِهِمَا فِي الصُّورَةِ. قَالَ مُقَاتِلٌ:
يَعْنِي الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالدِّمَاءِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيٌّ: هُوَ جواب القبيح إذا قال له أحد أَخْزَاكَ اللَّهُ تَقُولُ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، وَإِذَا شَتَمَكَ فَاشْتُمْهُ بِمِثْلِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْتَدِيَ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؟ قَالَ: أَنْ يشتمك رجل فتشتمه أو أن يَفْعَلَ بِكَ فَتَفْعَلَ بِهِ، فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا فَسَأَلَتْ هِشَامَ بْنَ حُجَيْرَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: الْجَارِحُ إِذَا جَرَحَ يُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَيْسَ هُوَ أَنْ يَشْتُمَكَ فَتَشْتُمَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْعَفْوَ فَقَالَ: فَمَنْ عَفا، عن ظَلَمَهُ، وَأَصْلَحَ، بِالْعَفْوِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ظَالِمِهِ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، قَالَ الْحَسَنُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَجْرٌ فَلْيَقُمْ فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الذين يبدأون بِالظُّلْمِ.
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ أَيْ بَعْدَ ظُلْمِ الظَّالِمِ إِيَّاهُ، فَأُولئِكَ، يَعْنِي الْمُنْتَصِرِينَ، مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، بِعُقُوبَةٍ وَمُؤَاخَذَةٍ.
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ، يبدأون بِالظُّلْمِ، وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، يَعْمَلُونَ فِيهَا بِالْمَعَاصِي، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ، فَلَمْ يَنْتَصِرْ، إِنَّ ذلِكَ، الصَّبْرَ وَالتَّجَاوُزَ، لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، حقها وحزمها. قَالَ مُقَاتِلٌ: مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: الصَّابِرُ يُؤْتَى بِصَبْرِهِ الثَّوَابَ فَالرَّغْبَةُ فِي الثَّوَابِ أَتَمُّ عَزْمًا.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ، فماله مِنْ أَحَدٍ يَلِي هِدَايَتَهُ بَعْدَ إضلال الله إياه أو يمنعه مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ، يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ فِي الدُّنْيَا.

[سورة الشورى (42) : الآيات 45 الى 49]
وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (45) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (48) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (49)
__________
(1) كذا في المطبوع وط والمخطوط (ب) وفي المخطوط (أ) «ينتصفون» .
(4/151)

أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)
وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها، أَيْ عَلَى النَّارِ، خاشِعِينَ، خَاضِعِينَ مُتَوَاضِعِينَ، مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ، خَفِيِّ النَّظَرِ لِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّلِّ يُسَارِقُونَ النَّظَرَ إِلَى النَّارِ خَوْفًا مِنْهَا وَذِلَّةً فِي أَنْفُسِهِمْ.
وَقِيلَ: مِنَ بِمَعْنَى الْبَاءِ أَيْ بِطَرْفٍ خَفِيٍّ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ: مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَحُ عَيْنَهُ إِنَّمَا يَنْظُرُ بِبَعْضِهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَنْظُرُونَ إِلَى النَّارِ بِقُلُوبِهِمْ لِأَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ عُمْيًا وَالنَّظَرُ بِالْقَلْبِ خَفِيٌّ. وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، قِيلَ: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَنْ صَارُوا إِلَى النَّارِ وَأَهْلِيهِمْ بِأَنْ صَارُوا لِغَيْرِهِمْ فِي الْجَنَّةِ. أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ.
وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) ، طَرِيقٍ إِلَى الصَّوَابِ وَإِلَى الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ فِي الدُّنْيَا وَالْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى قَدِ انْسَدَّ [1] عَلَيْهِمْ طَرِيقُ [2] الْخَيْرِ.
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ، أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى دَفْعِهِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ تلجأون إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ مِنْ مُنْكِرٍ يُغَيِّرُ مَا بكم.
فَإِنْ أَعْرَضُوا، عَنِ الْإِجَابَةِ، فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ، مَا عَلَيْكَ، إِلَّا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْغِنَى وَالصِّحَّةَ. فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ، قَحْطٌ، بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ، أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ يَنْسَى وَيَجْحَدُ بِأَوَّلِ شِدَّةٍ جَمِيعَ مَا سَلَفَ مِنَ النِّعَمِ.
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا بِمَا يُرِيدُ، يَخْلُقُ مَا يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً، فَلَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ، قِيلَ: مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَبْكِيرُهَا بِالْأُنْثَى قَبْلَ الذَّكَرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْإِنَاثِ، وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أنثى.

[سورة الشورى (42) : الآيات 50 الى 53]
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً، يَجْمَعُ لَهُ بَيْنَهُمَا فَيُولَدُ لَهُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً، فَلَا يَلِدُ وَلَا يُولَدُ لَهُ. قِيلَ: هَذَا فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً يَعْنِي لُوطًا لَمْ يُولَدْ لَهُ ذَكَرٌ إِنَّمَا وُلِدَ لَهُ ابْنَتَانِ، وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ، يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُولَدْ له أنثى،
__________
(1) في المطبوع «استبدت» والمثبت عن المخطوط وط.
(2) في المطبوع «طرق» والمثبت عن المخطوط وط.
(4/152)

حم (1)
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً يَعْنِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً [يَحْيَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَمْ يُولَدْ لَهُمَا، وَهَذَا عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ] ، وَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي حَقِّ كَافَّةِ النَّاسِ. إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تُكَلِّمُ اللَّهَ وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَمَا كَلَّمَهُ مُوسَى وَنَظَرَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَمْ يَنْظُرْ مُوسَى إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً يُوحِي إِلَيْهِ فِي الْمَنَامِ أَوْ بِالْإِلْهَامِ، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، يُسْمِعُهُ كَلَامَهُ وَلَا يَرَاهُ كَمَا كَلَّمَهُ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا، إِمَّا جِبْرِيلَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ، أَيْ يُوحِيَ ذَلِكَ الرَّسُولُ إِلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ بِإِذْنِ اللَّهِ مَا يَشَاءُ، قَرَأَ نَافِعٌ: أَوْ يُرْسِلَ بِرَفْعِ اللَّامِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، فَيُوحِيَ سَاكِنَةَ الْيَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنَصْبِ اللَّامِ وَالْيَاءِ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ الْوَحْيِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُوحِيَ إِلَيْهِ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ.
وَكَذلِكَ، أَيْ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى سَائِرِ رُسُلِنَا، أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نُبُوَّةً.
وَقَالَ الْحَسَنُ: رَحْمَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ: وَحْيًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كِتَابًا، وَقَالَ الرَّبِيعُ: جِبْرِيلَ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: يَعْنِي الْقُرْآنَ. مَا كُنْتَ تَدْرِي، قَبْلَ الْوَحْيِ، مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، يَعْنِي شَرَائِعَ الْإِيمَانِ وَمَعَالِمَهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ: الْإِيمَانُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الصَّلَاةُ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [الْبَقَرَةِ: 143] وَأَهْلُ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ الْوَحْيِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْبُدُ اللَّهَ قَبْلَ الْوَحْيِ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَرَائِعُ دِينِهِ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْإِيمَانَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي الْقُرْآنَ. نَهْدِي بِهِ، نُرْشِدُ بِهِ، مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي، أَيْ لَتَدْعُو، إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يَعْنِي الْإِسْلَامَ.
صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) ، أَيْ أُمُورُ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا فِي الْآخِرَةِ.

سُورَةُ الزُّخْرُفِ
مكية وهي تسع وثمانون آية

[سورة الزخرف (43) : الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (5)
(4/153)

وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6)
حم (1) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (2) ، أَقْسَمَ بِالْكِتَابِ الَّذِي أَبَانَ طَرِيقَ [1] الْهُدَى مِنْ طَرِيقِ [2] الضَّلَالَةِ وَأَبَانَ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنَ الشَّرِيعَةِ.
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) ، قَوْلُهُ جَعَلْنَاهُ أَيْ صَيَّرْنَا [قِرَاءَةَ] هَذَا الْكِتَابَ عَرَبِيًّا.
وَقِيلَ: بَيَّنَّاهُ. وَقِيلَ: سَمَّيْنَاهُ. وَقِيلَ: وَصَفْنَاهُ، يُقَالُ جَعَلَ فُلَانٌ زَيْدًا أَعْلَمَ النَّاسِ، أي وصفه بهذا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزُّخْرُفِ: 19] وَقَوْلُهُ: جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الْحِجْرِ:
91] ، وَقَالَ: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ [التَّوْبَةِ: 19] ، كُلُّهَا بِمَعْنَى الْوَصْفِ وَالتَّسْمِيَةِ.
وَإِنَّهُ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، فِي أُمِّ الْكِتابِ، فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَالَ قَتَادَةُ: أُمُّ الْكِتَابِ أَصْلُ الْكِتَابِ، وَأُمُّ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ، فَالْكِتَابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ. لَدَيْنا، فَالْقُرْآنُ مُثَبَّتٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَمَا قَالَ: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) [الْبُرُوجِ: 21- 22] . لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ، قَالَ قَتَادَةُ: يُخْبِرُ عَنْ مَنْزِلَتِهِ وَشَرَفِهِ، أَيْ إِنْ [3] كَذَّبْتُمْ بِالْقُرْآنِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا لَعَلِيٌّ رَفِيعٌ شَرِيفٌ مُحْكَمٌ مِنَ الْبَاطِلِ.
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً، يُقَالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وَأَضْرَبْتُ عَنْهُ إِذَا تَرَكْتُهُ وَأَمْسَكْتُ عَنْهُ وَالصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ صَفَحْتَ عَنْهُ إِذَا أَعْرَضْتَ عَنْهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ [4] تُوَلِّيَهُ صَفْحَةَ وَجْهِكَ وَعُنُقِكَ وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الْقُرْآنُ، وَمَعْنَاهُ: أَفَنَتْرُكُ عَنْكُمُ الْوَحْيَ وَنُمْسِكُ عَنْ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ فَلَا نَأْمُرُكُمْ وَلَا نَنْهَاكُمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ أَسْرَفْتُمْ فِي كُفْرِكُمْ وَتَرَكْتُمُ الْإِيمَانَ؟ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ، أَيْ لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَجَمَاعَةٍ، قَالَ قَتَادَةُ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ رُفِعَ [5] حِينَ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَهَلَكُوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَادَ عَلَيْهِمْ بِعَائِدَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَكَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَفَنُضْرِبُ عَنْكُمْ بذكرنا إِيَّاكُمْ صَافِحِينَ مُعْرِضِينَ.
قَالَ الْكِسَائِيُّ والسدي: أَفَنَطْوِي عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلَا تُدْعَوْنَ وَلَا تُوعَظُونَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ:
أَفَنَتْرُكُكُمْ سُدًى لَا نَأْمُرُكُمْ وَلَا ننهاكم. قال مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: أَفَنُعْرِضُ عَنْكُمْ وَنَتْرُكُكُمْ فَلَا نُعَاقِبَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ. أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ، قَرَأَ أَهْلُ المدينة وحمزة والكسائي بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى مَعْنَى إِذْ كُنْتُمْ كَقَوْلِهِ: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 139] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ عَلَى مَعْنَى لِأَنْ كنتم [قوما] [6] مسرفين مشركين.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 6 الى 12]
وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (7) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10)
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ مَا تَرْكَبُونَ (12)
__________
(1) فِي المطبوع «طرق» والمثبت عن ط والمخطوط (أ) وط.
(2) في المطبوع والمخطوط (ب) «طرق» والمثبت عن المخطوط (أ) وط.
(3) في المطبوع «أو» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المطبوع «حين توليه وصفحة ... » والمثبت عن المخطوط (ب) .
(5) في المخطوط (ب) «دفع» والمثبت عن ط والمخطوط (أ) .
(6) زيادة عن المخطوط (ب) وط.
(4/154)

لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)
وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَما يَأْتِيهِمْ، أَيْ وَمَا كَانَ يَأْتِيهِمْ، مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ، كَاسْتِهْزَاءِ قَوْمِكَ بِكَ، يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً، أَيْ أَقْوَى مِنْ قَوْمِكَ يَعْنِي الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ، أَيْ صِفَتُهُمْ وَسُنَّتُهُمْ وَعُقُوبَتُهُمْ، فَعَاقِبَةُ هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ فِي الْإِهْلَاكِ.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ، أَيْ سَأَلْتَ قَوْمَكَ، مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، وأقروا بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا، وَأَقَرُّوا بِعِزِّهِ وَعِلْمِهِ ثُمَّ عَبَدُوا غَيْرَهُ وَأَنْكَرُوا قُدْرَتَهُ عَلَى الْبَعْثِ لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ. إِلَى هَاهُنَا تَمَّ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ ثُمَّ ابْتَدَأَ دَالًّا عَلَى نَفْسِهِ بِصُنْعِهِ فَقَالَ:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) . إِلَى مَقَاصِدِكُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ.
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ، أَيْ بِقَدْرِ حَاجَتِكُمْ إِلَيْهِ لَا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ بِغَيْرِ قَدْرٍ حتى أهلكهم. فَأَنْشَرْنا، أحيينا، بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ، أَيْ كَمَا أَحْيَيْنَا هَذِهِ الْبَلْدَةَ الْمَيْتَةَ بِالْمَطَرِ كَذَلِكَ، تُخْرَجُونَ، مِنْ قُبُورِكُمْ أحياء.
وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها، أَيِ الْأَصْنَافَ كُلَّهَا. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ مَا تَرْكَبُونَ، فِي الْبَرِّ والبحر.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 13 الى 18]
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (14) وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17)
أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ، ذَكَرَ الْكِنَايَةِ لِأَنَّهُ رَدَّهَا إِلَى (مَا) . ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ، بِتَسْخِيرِ الْمَرَاكِبِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا، ذلك لَنَا هَذَا، وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، مُطِيقِينَ، وَقِيلَ: ضَابِطِينَ.
(4/155)

وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (14) ، لَمُنْصَرِفُونَ فِي الْمَعَادِ.
«1880» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ [مُحَمَّدٍ] [1] الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّهُ شَهِدَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [حِينَ] [2] رَكِبَ فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، ثُمَّ حَمِدَ ثَلَاثًا وَكَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لي [3] ، فإنه لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، ثم ضحك، فقيل [4] : مَا يُضْحِكُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم فعل مثل مَا فَعَلْتُ، وَقَالَ مِثْلَ مَا قُلْتُ: ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْنَا: مَا يُضْحِكُكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعَبْدُ» ، أَوْ قَالَ: «عَجِبْتُ لِلْعَبْدِ إِذَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا أنت [5] ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا هو» .
قوله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً، أَيْ نَصِيبًا وَبَعْضًا وَهُوَ قَوْلُهُمْ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَمَعْنَى الْجَعْلِ هَاهُنَا الْحُكْمُ بِالشَّيْءِ، وَالْقَوْلُ كَمَا تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أَفْضَلَ النَّاسِ، أَيْ وَصَفْتُهُ وَحَكَمْتُ بِهِ، إِنَّ الْإِنْسانَ، يَعْنِي الْكَافِرَ، لَكَفُورٌ، جَحُودٌ لِنِعَمِ اللَّهِ، مُبِينٌ، ظَاهِرُ الْكُفْرَانِ.
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ، هذا استفهام توبيخ وإنكار، اتَّخَذَ رَبُّكُمْ لِنَفْسِهِ الْبَنَاتِ، وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ، كَقَوْلِهِ: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً [الْإِسْرَاءِ: 40] .
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا، بِمَا جَعَلَ الله شَبَهًا وَذَلِكَ أَنَّ وَلَدَ كُلِّ شَيْءٍ يُشْبِهُهُ، يَعْنِي إِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْبَنَاتِ كَمَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ [58] : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، من الغيظ والحزن.
أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: يُنَشَّأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ، أَيْ يُرَبَّى، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الشِّينِ، أَيْ يَنْبُتُ وَيَكْبُرُ، فِي الْحِلْيَةِ، فِي الزِّينَةِ يَعْنِي النِّسَاءَ، وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ، فِي الْمُخَاصَمَةِ غَيْرُ مُبِينٍ لِلْحُجَّةِ مِنْ ضَعْفِهِنَّ وَسَفَهِهِنَّ، قَالَ قَتَادَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَلَّمَا تَتَكَلَّمُ امرأة تريد أَنْ تَتَكَلَّمَ بِحُجَّتِهَا إِلَّا تَكَلَّمَتْ بالحجة عليها، أَوَمَنْ في مَحَلِّ مَنْ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْإِضْمَارِ، مجازه: أو من ينشؤ في الحلية يجعلونه
__________
1880- إسناده صحيح، أحمد الرمادي ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- عبد الرزاق بن همام، معمر بن راشد، أبو إسحق هو عمرو بن عبد الله السّبيعي.
- وهو في «شرح السنة» 1336 بهذا الإسناد.
- وهو في «المصنف» لعبد الرزاق عن معمر بهذا الإسناد.
- وأخرجه الطبراني في «الوعاء» 782 والبيهقي 5/ 252 من طريق عبد الرزاق به.
- وأخرجه النسائي في «اليوم والليلة» 502 والحاكم 2/ 99 والطبراني 785 من طريق منصور بن المعتمر عن أبي إسحاق به.
- وأخرجه أبو داود 2602 والترمذي 3446 وابن حبان 2698 والطبراني في «الدعاء» 784 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 981 من طرق عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إسحاق به.
- وأخرجه أحمد 1/ 97 و128 والطبراني 781 و783 و786 والدارمي في «الرد على بشر المريسي» ص 202 برقم 138- بترقيمي- وابن حبان 2697 من طرق عن أبي إسحاق السبيعي به.
- وأخرجه الحاكم 2/ 98- 99 والطبراني في «الدعاء» 778 من طريقين عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ عَنْ ميسرة بن حبيب عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ علي بن ربيعة به.
وصححه الحاكم على شرط مسلم، مع أن ميسرة والمنهال لم يرو لهما مسلم.
- وأخرجه الطبراني في «الأوسط» 177 و «الدعاء» 779 من طريق ابن لهيعة قال حدثني عبد ربه بن سعيد عن يونس ابن خباب عن شقيق الأزدي عن علي بن ربيعة به.
- وابن لهيعة ضعيف، وكذا يونس بن خباب قال فيه البخاري: منكر الحديث.
- وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه مسلم 1342 وأبو داود 2599 وغيرهما.
- وانظر «الكشاف» 1002 و «أحكام القرآن» 1943 بتخريجي. والله الموفق.
(1) سقط من المطبوع.
(2) سقط من المطبوع.
(3) زيد في المطبوع «ذنوبي» .
(4) في المطبوع «فقال» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» . [.....]
(5) في المطبوع «إلا الله» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(4/156)

وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)
بَنَاتِ اللَّهِ، وَالْخَفْضُ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: مِمَّا يَخْلُقُ، وَقَوْلِهِ: بِما ضَرَبَ.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 19 الى 23]
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (19) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ مَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَبُو عَمْرٍو عِبادُ الرَّحْمنِ بِالْبَاءِ وَالْأَلِفِ بَعْدَهَا وَرَفْعِ الدَّالِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، [الْأَنْبِيَاءِ: 26] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: عِنْدَ الرَّحْمَنِ بِالنُّونِ وَنَصْبِ الدَّالِ عَلَى الظَّرْفِ وَتَصْدِيقُهُ كقوله عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [الْأَعْرَافِ:
206] الْآيَةَ: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا لم يسم فاعله، وليّنوا الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، أَيْ أَحَضَرُوا خَلْقَهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الشِّينِ أَيْ أَحَضَرُوا خَلْقَهُمْ حِينَ خُلِقُوا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (150) [الصَّافَّاتِ: 150] ، سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ، عَلَى الْمَلَائِكَةِ أنهم بنات الله، وَيُسْئَلُونَ، عَنْهَا.
«1881» قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: لَمَّا قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا يُدْرِيكُمْ أَنَّهُمْ إِنَاثٌ [1] ؟
قَالُوا: سَمِعْنَا مِنْ آبَائِنَا وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْذِبُوا فَقَالَ اللَّهُ تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ، عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ، يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ، وقال مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْأَوْثَانَ وَإِنَّمَا لَمْ يُعَجِّلْ عُقُوبَتَنَا عَلَى عِبَادَتِنَا إِيَّاهَا لِرِضَاهُ مِنَّا [2] بِعِبَادَتِهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ، فِيمَا يَقُولُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ مَا هُمْ إِلَّا كَاذِبُونَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ مِنَّا بِعِبَادَتِهَا، وَقِيلَ: إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ، فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ إِنَاثٌ وَإِنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ.
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ، أَيْ مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ بِأَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ، فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ.
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، عَلَى دِينٍ وَمِلَّةٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَى إِمَامٍ. وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ، جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِاتِّبَاعِ آبَائِهِمْ الأولين مُهْتَدِينَ.
وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها، أَغْنِيَاؤُهَا وَرُؤَسَاؤُهَا، إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ، بِهِمْ.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 24 الى 31]
قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)
__________
1881- واه بمرة، ذكره المصنف هاهنا معلقا عن الكلبي ومقاتل وسنده إليهما مذكور في أول الكتاب، ولا يصح هذا الخبر، فالكلبي متروك متهم، ومقاتل إن كان ابن سليمان، فهو كذاب، وإن كان ابن حيان، فقد روى مناكير. وذكره الواحدي في «الوسيط» 4/ 68 عن الكلبي ومقاتل معلقا بدون إسناد.
(1) في المطبوع «بنات الله» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(2) في المطبوع «منها» والمثبت عن ط والمخطوط.
(4/157)

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)
قالَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ: قالَ عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ قُلْ عَلَى الْأَمْرِ، أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: «جِئْنَاكُمْ» عَلَى الْجَمْعِ، وَالْآخَرُونَ [جِئْتُكُمْ] [1] عَلَى الْوَاحِدِ، بِأَهْدى، بِدِينٍ أَصْوَبَ، مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ، قال الزجاج: قال لَهُمْ [يَا مُحَمَّدُ] [2] أَتَتَّبِعُونَ مَا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ وَإِنْ جِئْتُكُمْ بأهدى منه؟ فأبوا أن يقبلوه. قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ.
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ، أَيْ بَرِيءٌ، وَلَا يُثَنَّى «الْبَرَاءُ» وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنَّثُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ النَّعْتِ. مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [خَلَقَنِي] فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) ، يُرْشِدُنِي لِدِينِهِ.
وَجَعَلَها، يَعْنِي هَذِهِ الْكَلِمَةَ، كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [في ذريته] [3] ، قَالَ مُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ: يَعْنِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وَهِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ أي فِي ذُرِّيَّتِهِ قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَيُوَحِّدُهُ وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: يَعْنِي جعل وَصِيَّةَ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي أَوْصَى بِهَا بَنِيهِ بَاقِيَةً فِي نَسْلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
[الْبَقَرَةِ: 132] .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي قَوْلَهُ: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الْبَقَرَةِ: 131] ، وَقَرَأَ: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ [الْحَجِّ: 78] ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، لَعَلَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَتَّبِعُونَ هَذَا الدِّينَ وَيَرْجِعُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ إِلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ أُعَاجِلْهُمْ بالعقوبة على كفرهم، حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ، يَعْنِي الْقُرْآنُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْإِسْلَامُ. وَرَسُولٌ مُبِينٌ، يُبَيِّنُ لَهُمُ الْأَحْكَامَ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ هَذَا الْإِنْعَامِ [4] أَنْ يُطِيعُوهُ فَلَمْ يَفْعَلُوا وَعَصَوْا.
وَهُوَ قوله: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ، يَعْنِي الْقُرْآنُ، قالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) ، يَعْنُونَ الْوَلِيدَ بن مغيرة مِنْ مَكَّةَ، وَعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ بِالطَّائِفِ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِنْ مَكَّةَ، وَابْنُ عَبْدِ يَالَيْلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطَّائِفِ. وَقِيلَ:
الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنَ الطَّائِفِ حَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ. وَيُرْوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 32 الى 35]
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (34) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)
__________
(1) زيادة عن المخطوط (ب) .
2 زيادة عن المخطوط (ب) .
3 زيادة عن المخطوط (ب) .
(4) في المطبوع «هذه الأحكام» والمثبت عن ط والمخطوط.
(4/158)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ، يَعْنِي النُّبُوَّةَ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يقولو بأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعوها [1] حيث شاؤوا؟ ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، فَجَعَلْنَا هَذَا غَنِيًّا وَهَذَا فَقَيرًا وَهَذَا مالكا [2] وَهَذَا مَمْلُوكًا فَكَمَا فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ كَمَا شِئْنَا، كَذَلِكَ اصْطَفَيْنَا بِالرِّسَالَةِ مَنْ شِئْنَا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، بِالْغِنَى وَالْمَالِ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا، لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيُسَخِّرُ الْأَغْنِيَاءُ بِأَمْوَالِهِمُ الْأُجَرَاءَ الْفُقَرَاءَ بِالْعَمَلِ، فَيَكُونُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَبَبَ الْمَعَاشِ هَذَا بِمَالِهِ، وَهَذَا بِأَعْمَالِهِ، فَيَلْتَئِمُ قِوَامُ أَمْرِ الْعَالَمِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: يَمْلِكُ بَعْضُهُمْ بِمَالِهِمْ بعضا بالعبودية والملك. وَرَحْمَتُ رَبِّكَ، يَعْنِي الْجَنَّةَ، خَيْرٌ، لِلْمُؤْمِنِينَ، مِمَّا يَجْمَعُونَ، مِمَّا يَجْمَعُ الْكُفَّارُ من الأموال.
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أَيْ لَوْلَا أَنْ يَصِيرُوا كُلُّهُمْ كُفَّارًا فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الْكُفْرِ، لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: سُقُفاً بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: 26] ، وقرأ الآخرون بِضَمِّ السِّينِ وَالْقَافِ عَلَى الْجَمْعِ، وَهِيَ جَمْعُ سَقْفٍ مِثْلُ رَهْنٍ وَرُهُنٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ سَقِيفٍ. وَقِيلَ: جَمْعُ سُقُوفٍ جَمْعُ الْجَمْعِ. وَمَعارِجَ، مَصَاعِدَ وَدَرَجًا مِنْ فِضَّةٍ، عَلَيْها يَظْهَرُونَ، يَعْلُونَ وَيَرْتَقُونَ، يُقَالُ: ظَهَرْتُ عَلَى السَّطْحِ إِذَا عَلَوْتُهُ.
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً، مِنْ فِضَّةٍ، وَسُرُراً أَيْ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سُرُرًا من فضة، عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ.
وَزُخْرُفاً، أَيْ وَجَعَلْنَا مَعَ ذَلِكَ لَهُمْ زُخْرُفًا وَهُوَ الذَّهَبُ، نَظِيرُهُ: أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ [الْإِسْرَاءِ: 93] ، وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، قَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ لَمَّا بِالتَّشْدِيدِ عَلَى مَعْنَى: وَمَا كُلُّ ذَلِكَ إِلَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. فَكَانَ: لَمَّا بِمَعْنَى إِلَّا، وَخَفَّفَهُ الْآخَرُونَ عَلَى مَعْنَى وَكُلُّ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَيَكُونُ: إِنْ لِلِابْتِدَاءِ، وَمَا صلة، يريدان هَذَا كُلَّهُ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَزُولُ وَيَذْهَبُ، وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ، خَاصَّةً يَعْنِي الْجَنَّةَ.
«1882» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الطَّيْسَفُونِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ التُّرَابِيُّ أَنَا أبو بكر أحمد [3] بْنِ عُمَرَ بْنِ بِسْطَامٍ أَنَا أحمد بن سيار القرشي
__________
1882- جيد. إسناده ضعيف لضعف زكريا بن منظور، لكن توبع وللحديث شواهد يتقوى بها، والله أعلم.
- أبو حازم هو سلمة بن دينار.
- وهو في «شرح السنة» 3922 بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن ماجه 4110 والحاكم 4/ 306 من طريق عن ابن منظور به.
- وأخرجه الترمذي 2320 من طريق عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم به.
- قال الترمذي: صحيح غريب.
- وقال الحاكم: صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: زكريا بن منظور ضعفوه.
- وقال البوصيري في «الزوائد» زكريا ضعيف، وأصل المتن صحيح.
(1) في المطبوع «فيصنعونها» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «ملكا» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع «حمد» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(4/159)

ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ أَبُو مسلم ثنا [1] زكريا بْنُ مَنْظُورٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةَ مَاءٍ» .
«1883» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ [2] الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُجَالِدِ [3] بْنِ سَعِيدٍ عَنْ قَيْسُ بْنُ [أَبِي] [4] حَازِمٍ عَنْ المستورد بن شداد أحد [5] بَنِي فِهْرٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الرَّكْبِ الَّذِينَ وَقَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّخْلَةِ الْمَيِّتَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا حِينَ أَلْقَوْهَا» [قَالُوا] : مِنْ هَوَانِهَا أَلْقَوْهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَالدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أهلها» .
__________
- قلت: ابن منظور تابعه عبد الحميد بن سليمان في رواية الترمذي، لكنه ضعيف كما في «الضعفاء» للذهبي.
- وللحديث شواهد منها:
- حديث أبي هريرة.
- أخرجه البزار كما في «المجمع» 10/ 288 وقال الهيثمي: فيه صالح مولى التوأمة ثقة، لكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات.
- وحديث ابن عباس:
أخرجه أبو نعيم في «الحلية» 3/ 304 وإسناده ضعيف.
- وحديث ابن عمر:
أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» 2/ 92 وإسناده ضعيف.
- وحديث عثمان بن عبيد الله عن رجال مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم.
- أخرجه ابن المبارك في «الزهد» 509.
فالحديث بمجموع طرقه يرقى إلى درجة الحسن الصحيح، والله أعلم.
- وانظر «الكشاف» 1003 بتخريجي، والله الموفق.
1883- صحيح. إسناده لين لأجل مجالد بن سعيد، لكن للحديث شواهد.
- وهو في «شرح السنة» 2920 بهذا الإسناد.
- وهو في «الزهد» 508 عن مجالد بن سعيد به.
- وأخرجه الترمذي 2321 من طريق ابن المبارك به.
- وأخرجه ابن ماجه 4111 من طريق مجالد بن سعيد به.
- وللحديث شواهد كثيرة منها:
- حديث جابر: عند مسلم 2957 وأبي داود 186.
- وحديث ابن عباس: عند أحمد 1/ 329 وأبو يعلى 2593 وقال الهيثمي في «المجمع» 10/ 286- 287: وفيه محمد بن مصعب، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجالهم رجال الصحيح.
- وحديث أبي هريرة: عند أحمد 2/ 338 وفيه أبو المهزم، ضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح.
- وحديث ابن عمر: عند الطبراني كما في «المجمع» 10/ 288 وفيه يحيى بن عبد الله البابلي، وهو ضعيف، قاله الهيثمي.
- وحديث أبي الدرداء: عند البزار 3690 ورجاله ثقات كما في «المجمع» 10/ 278. [.....]
(1) في المطبوع «أبو بكر بن ممعلور» والمثبت عن «شرح السنة» وكتب التراجم.
ووقع في المخطوط (أ) «زكريا بن ممطور» وفي المخطوط (ب) «زكريا بن منصور» .
(2) تصحف في المخطوط (ب) إلى «يوسف» .
(3) في المطبوع «خالد» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم.
(4) سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع «أخو» والتصويب عن «شرح السنة» والمخطوط.
(4/160)

وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)
[سورة الزخرف (43) : الآيات 36 الى 39]
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (39)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ، أَيْ يُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يَخَفْ عِقَابَهُ، وَلَمْ يَرْجُ ثَوَابَهُ، يُقَالُ: عشوت إلى النار أعشوا عَشْوًا، إِذَا قَصَدْتُهَا مُهْتَدِيًا بِهَا، وَعَشَوْتُ عَنْهَا أَعْرَضْتُ عَنْهَا، كَمَا يَقُولُ: عَدَلْتُ إِلَى فُلَانٍ وَعَدَلْتُ عَنْهُ وَمِلْتُ إِلَيْهِ وَمِلْتُ عَنْهُ.
قال القرظي: يول ظَهْرَهُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ الْقُرْآنُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ: يَظْلِمُ بِصَرْفِ بَصَرِهِ عَنْهُ. قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: أَصْلُ الْعَشْوِ النَّظَرُ بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَنْ يَعْشُ بِفَتْحِ الشِّينِ أَيْ يَعْمَ، يُقَالُ عَشَى يَعْشَى عشيا إِذَا عَمِيَ فَهُوَ أَعْشَى، وَامْرَأَةٌ عَشْوَاءُ. نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً، قَرَأَ يَعْقُوبُ: يُقَيِّضْ بِالْيَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالنُّونِ، نُسَبِّبُ لَهُ شَيْطَانًا وَنَضُمُّهُ إِلَيْهِ وَنُسَلِّطُهُ عَلَيْهِ. فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، لَا يُفَارِقُهُ يُزَيِّنُ لَهُ الْعَمَى وَيُخَيِّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ عَلَى الْهُدَى.
وَإِنَّهُمْ، يَعْنِي الشَّيَاطِينَ، لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ، أَيْ لَيَمْنَعُونَهُمْ عَنِ الْهُدَى وجمع الكنانة لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فِي مَذْهَبٍ جَمْعٌ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ، وَيَحْسَبُ كُفَّارُ بَنِي آدَمَ أنهم على هدى.
حَتَّى إِذا جاءَنا، قَرَأَ أَهْلُ الْعِرَاقِ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ: جاءَنا عَلَى الْوَاحِدِ يَعْنُونَ الْكَافِرَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: جَاءَانَا، عَلَى التَّثْنِيَةِ يَعْنُونَ الكافر وقرينه قد جُعِلَا فِي سِلْسِلَةٍ وَاحِدَةٍ. قالَ، الْكَافِرُ لِقَرِينِهِ الشَّيْطَانِ، يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ، أَيْ بُعْدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَغَلَبَ اسْمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا يُقَالُ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ: الْقَمَرَانِ، وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: الْعُمَرَانِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمَشْرِقَيْنِ مَشْرِقَ الصَّيْفِ وَمَشْرِقَ الشِّتَاءِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَبِئْسَ الْقَرِينُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: إِذَا بُعِثَ الْكَافِرُ زُوِّجَ بِقَرِينِهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ [1] فَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى النَّارِ.
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ، فِي الْآخِرَةِ، إِذْ ظَلَمْتُمْ، أَشْرَكْتُمْ فِي الدُّنْيَا، أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ، يَعْنِي لَا يَنْفَعُكُمُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْعَذَابِ وَلَا يُخَفِّفُ الِاشْتِرَاكُ عنكم الْعَذَابِ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكُفَّارِ وَالشَّيَاطِينِ الْحَظَّ الْأَوْفَرَ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الِاعْتِذَارُ وَالنَّدَمُ الْيَوْمَ فَأَنْتُمْ وَقُرَنَاؤُكُمُ الْيَوْمَ مُشْتَرِكُونَ فِي الْعَذَابِ كَمَا كُنْتُمْ مُشْتَرِكِينَ فِي الدُّنْيَا فِي الكفر.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 40 الى 44]
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (44)
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40) ، يَعْنِي الْكَافِرِينَ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ لَا يُؤْمِنُونَ.
__________
(1) في المطبوع «الشيطان» والمثبت عن ط والمخطوط.
(4/161)

فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ، بِأَنْ نُمِيتَكَ قَبْلَ أَنْ نُعَذِّبَهُمْ، فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ، بِالْقَتْلِ بَعْدَكَ.
أَوْ نُرِيَنَّكَ، فِي حَيَاتِكَ، الَّذِي وَعَدْناهُمْ، مِنَ الْعَذَابِ، فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ، قَادِرُونَ مَتَى شِئْنَا عَذَّبْنَاهُمْ وَأَرَادَ بِهِ مُشْرِكِي مَكَّةَ انْتَقَمَ مِنْهُمْ يَوْمَ بدر، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ:
عَنَى بِهِ أَهْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ كَانَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم نقمة شديدة [عليهم] [1] فِي أُمَّتِهِ، فَأَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَذَهَبَ بِهِ وَلَمْ يُرِهْ فِي أُمَّتِهِ إِلَّا الَّذِي يَقَرُّ عَيْنَهُ، وَأَبْقَى النِّقْمَةَ بَعْدَهُ.
«1884» وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ مَا يُصِيبُ أُمَّتَهُ بَعْدَهُ فما رؤي ضَاحِكًا مُنْبَسِطًا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ لنفسه.
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) .
وَإِنَّهُ، يَعْنِي القرآن، لَذِكْرٌ لَكَ، أي لَشَرَفٌ لَكَ، وَلِقَوْمِكَ، مِنْ قُرَيْشٍ، نَظِيرُهُ: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الْأَنْبِيَاءِ: 10] ، أَيْ شَرَفُكُمْ، وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ، عَنْ حَقِّهِ وَأَدَاءِ شُكْرِهِ.
«1885» رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سُئِلَ لِمَنْ هَذَا الْأَمْرُ بَعْدَكَ لَمْ يُخْبِرْ [2] بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ لِمَنْ هَذَا؟ قَالَ: لِقُرَيْشٍ.
«1886» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ [أَبِي] [3] شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا علي بن الجعد أنا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ اثْنَانِ» .
«1887» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا محمد بن يوسف ثنا
__________
1884- ضعيف. أخرجه الطبري 30872 عن قتادة مرسلا، فهو ضعيف.
1885- لا أصل له. ذكره المصنف تعليقا، وراوية الضحاك هو جويبر بن سعيد ذاك المتروك، حيث روى تفسيرا كاملا عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وهو مصنوع، والضحاك لم يلق ابن عباس.
1886- إسناده صحيح على شرط البخاري.
زيد هو ابن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
- وَهُوَ في «شرح السنة» 3741 بهذا الإسناد.
- وهو في «الجعديات» 2195 عن عاصم بن محمد به.
- أخرجه البخاري 2195 و7140 ومسلم 1820 وأحمد 2/ 29 و93 و128 وأبو يعلى 5589 وابن حبان 6266 و6655 والبيهقي في «السنن» 8/ 141 وفي «الدلائل» 6/ 520- 521 من طرق عن عاصم بن محمد به.
1887- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- أبو اليمان هو الحكم بن نافع، شعيب هو ابن دينار.
- وهو في «صحيح البخاري» 3500 و7139 عن أبي اليمان بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 4/ 94 وابن أبي عاصم في «السنة» 1112 من طريق بشر بن شعيب عن أبيه به.
- وأخرجه ابن أبي عاصم 1113 من طريق نعيم بن حماد عن ابن الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ به.
- ونعيم بن حماد، ضعيف لكنه توبع.
- وفي الباب من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري 3495 ومسلم 1818 وأحمد 2/ 161 و242 وابن حبان 6264 والبغوي في «شرح السنة» 3738 و3739.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المطبوع «يجب» والمثبت عن المخطوط.
(3) زيادة عن «شرح السنة» والمخطوط (أ) .
(4/162)

وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ» .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقَوْمُ هُمُ الْعَرَبُ، فَالْقُرْآنُ لَهُمْ شَرَفٌ إِذْ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، ثُمَّ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الشَّرَفِ الْأَخَصَّ فَالْأَخَصَّ مِنَ الْعَرَبِ، حَتَّى يَكُونَ الْأَكْثَرُ لِقُرَيْشٍ وَلِبَنِي هَاشِمٍ.
وقيل: (ذكر لك) شَرَفٌ لَكَ بِمَا أَعْطَاكَ مِنَ الْحِكْمَةِ (وَلِقَوْمِكَ) الْمُؤْمِنِينَ بِمَا هُدَاهُمُ اللَّهُ بِهِ، (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) عَنِ الْقُرْآنِ وَعَمَّا يَلْزَمُكُمْ مِنَ الْقِيَامِ بحقه.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 45 الى 50]
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (46) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (47) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (49)
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)
قوله عزّ وجل: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) ، اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولِينَ [1] .
«1888» قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ آدَمَ وَوَلَدَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَأَذَّنَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أَقَامَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِهِمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ له جبريل [2] : يا محمد وَسْئَلْ [3] مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أَسْأَلُ فَقَدِ اكْتَفَيْتُ» .
وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ زَيْدٍ، قَالُوا: جَمَعَ اللَّهُ لَهُ الرسل [4] لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَهُمْ فَلَمْ يَشُكَّ وَلَمْ يَسْأَلْ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: سَلْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَرْسَلْتُ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ هَلْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ؟ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ والضحاك والسدي والحسن [5] [والقائلين بذلك] استدلوا عليه بقراءة [6] عبد الله وأبي: «واسئل الَّذِينَ أَرْسَلَنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنَا» ، ومعنى
__________
- وحديث جابر عند البخاري 4818 والترمذي 3251 وأحمد 1/ 229 و286 وابن حبان 6263 والبغوي في «شرح السنة» 3740. [.....]
1888- ضعيف جدا بهذا اللفظ. ذكره المصنف تعليقا، فهو واه. ولم أره عند غير المصنف، حتى السيوطي لم يذكره في «الدر» ولابن كثير في تفسيره، وورد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ قوله، أخرجه الطبري 30887 وهذا مرسل وابن زيد متروك، فالخبر واه بمرة.
- وكونه صلى عليه السلام بالأنبياء ليلة الإسراء صحيح، وتقدم.
(1) تصحف في المخطوط (ب) إلى «المشركين» .
(2) في المطبوع والمخطوط (أ) «سل يا محمد» والمثبت عن المخطوط (ب) .
(3) زيادة عن المخطوط (ب) .
(4) في المطبوع «المرسلين» والمثبت عن المخطوط.
(5) زيد في المطبوع «ومقاتل» .
(6) في المطبوع والمخطوط (أ) «يدل عليه قراءة» والمثبت عن المخطوط (ب) .
(4/163)

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)
الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ التَّقْرِيرُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ رَسُولٌ وَلَا كِتَابٌ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجلّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (46) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (47) ، اسْتِهْزَاءٌ.
وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها، قَرِينَتِهَا وَصَاحِبَتِهَا الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا، وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، بِالسِّنِينَ وَالطُّوفَانُ وَالْجَرَادُ وَالْقُمَّلُ وَالضَّفَادِعُ وَالدَّمُ وَالطَّمْسِ، فَكَانَتْ هَذِهِ دَلَالَاتٍ لِمُوسَى، وَعَذَابًا لَهُمْ، فَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَكْبَرَ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، عَنْ كُفْرِهِمْ.
وَقالُوا، لِمُوسَى لَمَّا عَايَنُوا الْعَذَابَ، يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ، يَا أَيُّهَا الْعَالِمُ الْكَامِلُ الْحَاذِقُ، وَإِنَّمَا قَالُوا هَذَا تَوْقِيرًا وَتَعْظِيمًا لَهُ لِأَنَّ السِّحْرَ عِنْدَهُمْ كَانَ عِلْمًا عَظِيمًا وَصِفَةً مَمْدُوحَةً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَا أَيُّهَا الَّذِي غَلَبَنَا بِسِحْرِهِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: خَاطَبُوهُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ عِنْدَهُمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالسَّاحِرِ. ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، أَيْ بِمَا أَخْبَرْتَنَا مِنْ عَهْدِهِ إِلَيْكَ إِنْ آمَنَّا كَشَفَ عَنَّا الْعَذَابَ فَاسْأَلْهُ يَكْشِفُ عَنَّا الْعَذَابَ، إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ، مؤمنون فدعى مُوسَى فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) ، يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ وَيُصِرُّونَ عَلَى كفرهم.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 51 الى 57]
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (55)
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (56) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57)
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ، أَنْهَارُ النِّيلِ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِي، مِنْ تَحْتِ قصوري، وقال قتادة: يجري بَيْنَ يَدِي فِي جِنَانِي وَبَسَاتِينِي. وَقَالَ الْحَسَنُ: بِأَمْرِي.
أَفَلا تُبْصِرُونَ، عَظَمَتِي وَشِدَّةَ مُلْكِي.
أَمْ أَنَا خَيْرٌ، بَلْ أَنَا خَيْرٌ، (أَمْ) بِمَعْنَى بَلْ وَلَيْسَ بِحَرْفِ عَطْفٍ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ (أَمْ) ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ مَجَازُهُ أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ تُبْصِرُونَ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ أَنَا خَيْرٌ، مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ، ضَعِيفٌ حَقِيرٌ يَعْنِي مُوسَى، قَوْلُهُ: وَلا يَكادُ يُبِينُ يُفْصِحُ بِكَلَامِهِ لِلُثْغَتِهِ الَّتِي فِي لسانه.
فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ صَادِقًا، أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَرَأَ حَفْصٌ وَيَعْقُوبُ أَسْوِرَةٌ جَمَعَ سِوَارٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ أَسَاوِرَةٌ عَلَى جَمْعِ الْأَسْوِرَةِ، وَهِيَ جَمْعُ الْجَمْعِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا إِذَا سَوَّدُوا رَجُلًا سَوَّرُوهُ بِسِوَارٍ وَطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِنْ ذَهَبٍ يَكُونُ ذَلِكَ دَلَالَةً لِسِيَادَتِهِ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: هَلَّا أَلْقَى رَبُّ مُوسَى عَلَيْهِ أَسْوِرَةً مِنْ ذَهَبٍ إِنْ كَانَ سَيِّدًا تَجِبُ عَلَيْنَا طَاعَتُهُ. أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ، متتابعين يجب أن يقارن [1] بعضها [2] بَعْضًا يَشْهَدُونَ لَهُ بِصِدْقِهِ وَيُعِينُونَهُ على أمره.
__________
(1) في المطبوع «يتابع» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «بعضهم» والمثبت عن المخطوط.
(4/164)

وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، أَيِ اسْتَخَفَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ الْقِبْطَ، أَيْ وَجَدَهُمْ جُهَّالًا، وَقِيلَ:
حَمَلَهُمْ عَلَى الْخِفَّةِ وَالْجَهْلِ. يُقَالُ: اسْتَخَفَّهُ عَنْ رَأْيِهِ إِذَا حَمَلَهُ عَلَى الْجَهْلِ وَأَزَالَهُ عَنِ الصَّوَابِ، فَأَطاعُوهُ، عَلَى تَكْذِيبِ مُوسَى، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ.
فَلَمَّا آسَفُونا، أَغْضَبُونَا، انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ سَلَفاً بِضَمِّ السِّينِ وَاللَّامِ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ جَمْعُ سَلِيفٍ مِنْ سَلُفَ بِضَمِّ اللَّامِ يُسْلِفُ، أَيْ تَقَدَّمَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ عَلَى جَمْعِ السَّالِفِ مِثْلُ حَارِسٍ وَحَرَسٍ وَخَادِمٍ وَخَدَمٍ وَرَاصِدٍ وَرَصَدٍ، وَهُمَا جَمِيعًا الْمَاضُونَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الْأُمَمِ، يُقَالُ: سَلُفَ يُسْلِفُ إِذَا تَقَدَّمَ وَالسَّلَفُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْآبَاءِ فَجَعَلْنَاهُمْ مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الْآخَرُونَ. وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ، عِبْرَةً وَعِظَةً لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ. وَقِيلَ: سَلَفًا لِكُفَّارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى النَّارِ وَمَثَلًا لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ.
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا.
«1889» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مُجَادَلَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزَّبْعَرِيِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ:
98] ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْكِسَائِيُّ يَصِدُّونَ بِضَمِّ الصَّادِ، أَيْ يُعْرِضُونَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً [النِّسَاءِ:
61] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الصَّادِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ.
قَالَ الْكِسَائِيُّ: هُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ يَعْرُشُونَ وَيَعْرِشُونَ، وَشَدَّ عَلَيْهِ يَشُدُّ وَيَشِدُّ، وَنَمَّ بِالْحَدِيثِ يَنُمُّ وَيَنِمُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ يَضِجُّونَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: يَصِيحُونَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعُجُّونَّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَجْزَعُونَ. وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: يَضْجَرُونَ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ يَقُولُونَ مَا يريد منّا محمد إِلَّا أَنْ نَعْبُدَهُ وَنَتَّخِذَهُ إِلَهًا كما اتخذت النصارى عيسى.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 58 الى 61]
وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)
وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ، قَالَ قَتَادَةُ: أَمْ هُوَ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا فَنَعْبُدُهُ وَنُطِيعُهُ وَنَتْرُكُ آلِهَتَنَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ أَمْ هُوَ يعنون عِيسَى، قَالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي النَّارِ فَنَحْنُ نَرْضَى أَنْ تَكُونَ آلِهَتُنَا مَعَ عِيسَى وَعُزَيْرٍ وَالْمَلَائِكَةِ فِي النَّارِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا ضَرَبُوهُ، يَعْنِي هَذَا الْمَثَلَ، لَكَ إِلَّا جَدَلًا، خُصُومَةً بِالْبَاطِلِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ: 98] هَؤُلَاءِ الْأَصْنَامُ. بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ.
«1890» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عبد الله
__________
1889- تقدم في سورة الأنبياء، آية: 98.
1890- حسن. إسناده غير قوي لأجل أبي غالب، فقد وثقه قوم وضعفه آخرون، لكن توبع، فالحديث حسن.
- أبو غالب اسمه حزور، وقيل: سعيد بن الحزور، وقيل: نافع، وهو مولى خالد بن عبد الله القسري.
(4/165)

الحمشاوي [1] أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حِمْدَانَ القطيعي ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حنبل حدثني أبي ثنا عبد الله بن نمير ثنا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ الْوَاسِطِيُّ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ» ، ثُمَّ قَرَأَ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ.
ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى فَقَالَ: إِنْ هُوَ، مَا هُوَ يَعْنِي عِيسَى السَّلَامُ، إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ، بِالنُّبُوَّةِ، وَجَعَلْناهُ مَثَلًا آيَةً وَعِبْرَةً، لِبَنِي إِسْرائِيلَ، يَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا يَشَاءُ حَيْثُ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ.
وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً، أَيْ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَهْلَكْنَاكُمْ وَجَعَلْنَا بَدَلًا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً، فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ، يكونون خلفاء مِنْكُمْ يُعَمِّرُونَ الْأَرْضَ وَيَعْبُدُونَنِي وَيُطِيعُونَنِي. وَقِيلَ: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَإِنَّهُ، يَعْنِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ، يَعْنِي نُزُولَهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ يُعْلَمُ بِهِ قُرْبُهَا، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَقَتَادَةُ: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ، بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْعَيْنِ أَيْ أَمَارَةٌ وَعَلَامَةٌ.
«1891» وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أنه قال: «لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَتَهْلِكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ» .
«1892» وَيُرْوَى: «أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى ثَنِيَّةٍ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَعَلَيْهِ مُمَصَّرَتَانِ [2] ، وَشَعْرُ رَأْسِهِ دَهِينٌ، وَبِيَدِهِ حَرْبَةٌ وَهِيَ الَّتِي يَقْتُلُ بِهَا الدَّجَّالَ، فيأتي بيت المقدسي وَالنَّاسُ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَيَتَأَخَّرُ الْإِمَامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسَى وَيُصَلِّي خَلْفَهُ عَلَى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَقْتُلُ الْخَنَازِيرَ وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيُخَرِّبُ الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسَ، وَيَقْتُلُ النَّصَارَى إِلَّا مَنْ آمَنَ به» .
__________
- وهو في «مسند أحمد» 5/ 256 عن عبد الله بن نمير بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 3253 وابن ماجه 48 وأحمد 5/ 252 والحاكم 2/ 448 والطبري 30938 و30939 من طرق عن الحجاج بن دينار به.
وتصحّف «أبو غالب» إلى «أبو طالب» في «سنن ابن ماجه» .
- وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
- وأخرجه الطبري 30940 من طريق الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبي أمامة به. والقاسم لين الحديث، وضعفه بعضهم، لكن يصلح للاعتبار بحديثه، وفي الباب أحاديث.
- فهو حسن إن شاء الله، وانظر «فتح القدير» 2239 بتخريجي.
1891- متفق عليه، وتقدم في سورة النساء عند آية: 159.
1892- لم أقف له على إسناد، وقال الحافظ ابن حجر في «تخريج الكشاف» 4/ 260: أخرجه الثعلبي بغير سند، وهو موجود في أحاديث متفرقة اهـ.
- قلت: صدره منكر وهو قوله «يَنْزِلُ عَلَى ثَنِيَّةٍ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ» فإنه معارض بما في الصحيح عند مسلم «ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق» وفي رواية «عند مسجدها» ، انظر صحيح مسلم 2937.
- ولباقيه شاهد بنحوه من حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد 2/ 406 وإسناده على شرط مسلم. [.....]
(1) في المطبوع «الجمشاوي» والمثبت عن المخطوط (أ) ووقع في المخطوط (ب) «الجمشاذى» وفي «ط» : «الحمشاوي» .
(2) في المطبوع «وعليه ثوبان مصرتان» والمثبت عن المخطوط (أ) والمخطوط (ب) .
(4/166)

وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62)
«1893» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثنا ابن بكير ثنا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ» ؟
وَقَالَ الْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ: وَإِنَّهُ يَعْنِي وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يُعْلِمُكُمْ قِيَامَهَا. وَيُخْبِرُكُمْ بِأَحْوَالِهَا وَأَهْوَالِهَا، فَلا تَمْتَرُنَّ بِها، فَلَا تَشُكَّنَّ فِيهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُكَذِّبُوا بِهَا، وَاتَّبِعُونِ، عَلَى التَّوْحِيدِ، هَذَا، الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ، صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 62 الى 66]
وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66)
وَلا يَصُدَّنَّكُمُ، لَا يَصْرِفَنَّكُمُ، الشَّيْطانُ، عَنْ دِينِ اللَّهِ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ، بِالنُّبُوَّةِ، وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ، مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي اخْتِلَافَ الْفِرَقِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى أَمْرِ عِيسَى. قَالَ الزَّجَّاجُ: الَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى فِي الْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هُوَ بَعْضُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ فِي غَيْرِ الْإِنْجِيلِ مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ، هل ينتظرون، إِلَّا السَّاعَةَ، يَعْنِي أَنَّهَا تَأْتِيهِمْ لَا مَحَالَةَ فَكَأَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهَا، أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً، فَجْأَةً، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 67 الى 71]
الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (71)
__________
1893- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- ابن بكير هو يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بكير، الليث هو ابن سعد، يونس هو ابن يزيد، ابن شهاب هو الزهري محمد بن مسلم، نافع هو ابن عباس.
- وهو في «شرح السنة» 4172 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 3449 عن الليث بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 155 ح 244 وابن مندة في «الإيمان» 414 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 895 من طريق يونس بهذا الإسناد.
- أخرجه مسلم 155 ح 245 وعبد الرزاق 20841 وأحمد 2/ 336 وابن حبان 6802 وابن مندة 415 و416 من طرق عن الزهري به.
- وفي الباب أحاديث.
(4/167)

الْأَخِلَّاءُ، عَلَى الْمَعْصِيَةِ فِي الدُّنْيَا، يَوْمَئِذٍ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ، إِلَّا الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
«1894» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّ أَبَا الْفَرَجِ الْبَغْدَادِيَّ الْقَاضِيَ أَخْبَرَهُمْ عن محمد بن جرير ثنا ابن عبد الأعلى ثنا ابن [1] ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: خَلِيلَانِ مُؤْمِنَانِ وَخَلِيلَانِ كَافِرَانِ، فَمَاتَ أَحَدُ الْمُؤْمِنَيْنِ فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ فُلَانًا كَانَ يَأْمُرُنِي بِطَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ، وَيَأْمُرُنِي بِالْخَيْرِ وَيَنْهَانِي عَنِ الشَّرِّ، وَيُخْبِرُنِي أَنِّي [2] مُلَاقِيكَ، يَا رَبِّ فَلَا تُضِلَّهُ بَعْدِي وَاهْدِهِ كَمَا هَدَيْتَنِي وَأَكْرِمْهُ كَمَا أَكْرَمْتَنِي، فَإِذَا مَاتَ خَلِيلُهُ الْمُؤْمِنُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَيَقُولُ: لِيُثْنِ أَحَدُكُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَيَقُولُ: نِعْمَ الْأَخُ، وَنِعْمَ الْخَلِيلُ، وَنِعْمَ الصَّاحِبُ، قَالَ: وَيَمُوتُ أَحَدُ الْكَافِرَيْنِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ فُلَانًا كَانَ يَنْهَانِي عَنْ طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ، وَيَأْمُرُنِي بِالشَّرِّ وَيَنْهَانِي عَنِ الْخَيْرِ، وَيُخْبِرُنِي أَنِّي غَيْرُ مُلَاقِيكَ، فَيَقُولُ بِئْسَ الْأَخُ، وَبِئْسَ الْخَلِيلُ، وَبِئْسَ الصَّاحِبُ.
يَا عِبادِ، أَيْ فَيُقَالُ لَهُمْ يَا عِبَادِي، لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.
روي عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ النَّاسَ حِينَ يُبْعَثُونَ لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا فزع، فينادي مناديا: يَا عِبادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) ، فَيَرْجُوهَا النَّاسُ كُلُّهُمْ فَيُتْبِعُهَا.
الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (69) ، فَيَيْأَسُ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ.
فَيُقَالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) ، تُسَرُّونَ وَتُنَعَّمُونَ.
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ، جَمْعُ صَحْفَةٍ وَهِيَ الْقَصْعَةُ الْوَاسِعَةُ، مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ، جَمْعُ كُوبٍ وَهُوَ إِنَاءٌ مُسْتَدِيرٌ مُدَوَّرُ الرَّأْسِ لَا عُرَى لَهَا، وَفِيها، أَيْ فِي الْجَنَّةِ، مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَحَفْصٌ «تَشْتَهِيهِ» ، وَكَذَلِكَ فِي مَصَاحِفِهِمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِحَذْفِ الْهَاءِ. وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ.
«1895» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الحارث أنا
__________
1894- موقوف ضعيف. إسناده ضعيف، وعلته الإرسال، أبو إسحاق لم يسمع من علي.
- وأخرجه الطبري 30973 من طريق ابن عبد الأعلى به لكن ليس فيه ذكر قتادة، فهو إما سقط من مطبوع الطبري أو زيد في إسناد الثعلبي، فالله أعلم.
- ووصله عبد الرزاق في «التفسير» 2783 من وجه آخر عن أبي إسحق عن الحارث الأعور عن علي، والحارث ضعيف الحديث.
1895- إسناده ضعيف لأجل إرساله، ورجاله ثقات، وورد من وجوه لا تقوم بها حجة.
- سفيان هو ابن سعيد الثوري.
- وهو في «شرح السنة» 4281 بهذا الإسناد.
- وهو في «الزهد» 271 «زيادات نعيم بن حماد» عن سفيان بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي بإثر 2543 من طريق ابن المبارك به.
قال الترمذي: وهذا أصح من حديث المسعودي.
(1) في المطبوع «عن قتادة ثنا أبو ثور» والمثبت عن «تفسير الطبري» .
(2) في المخطوط (ب) «بأنني» .
(4/168)

وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي الْجَنَّةِ خَيْلٌ؟ فَإِنِّي أَحَبُّ الْخَيْلَ، فَقَالَ: «إِنْ يدخلك الله الجنة فلا تَشَاءُ أَنْ تَرْكَبَ فَرَسًا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ فَتَطِيرُ بِكَ فِي أَيِّ الْجَنَّةِ شِئْتَ، إِلَّا فَعَلَتْ» ، وقال أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي الجنة إبل؟ فإني أحب الإبل، فَقَالَ: «يَا أَعْرَابِيُّ إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ أَصَبْتَ فِيهَا مَا اشتهت نفسك ولذت عينك» .

[سورة الزخرف (43) : الآيات 72 الى 81]
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (73) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76)
وَنادَوْا يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (81)
__________
- وأخرجه أبو نعيم في «صفة الجنة» 424 والبيهقي في «البعث» 439 من طريق حنش بن الحارث عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ عبد الرحمن بن ساعدة قال: كنت أحب الخيل.... فذكره وإسناده ضعيف.
- ووثق رواته الهيثمي في «المجمع» 10/ 413 والمنذري في «الترغيب» 5522.
مع أن عبد الرحمن بن ساعدة قال عنه أبو حاتم في «العلل» 2/ 215: لا يعرف.
وقال ابن حجر في «الإصابة» 3/ 48- 149: إن المحفوظ إنما هو عبد الرحمن بن سابط.
- وأخرجه أبو نعيم بإثر 424 من طريق حنش بن الحارث عن علقمة قال: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ له عمير بن ساءة: يا رسول الله إني يعجبني الخيل ... فذكره.
- وأخرجه الترمذي 2543 وأبو نعيم في «صفة الجنة» 425 والبيهقي في «البعث» 436 من طرق عن المسعودي عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنْ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.... فذكره.
وإسناده ضعيف، المسعودي صدوق، لكنه اختلط.
- وورد مختصرا من حديث أبي أيوب، عند الترمذي 2544 وأبي نعيم في «صفة الجنة» 423 والطبراني في «الكبير» 4075 من طريق أبي معاوية عن واصل بن سائب عن أبي سورة عنه وإسناده ضعيف جدا.
- قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، ولا نعرفه من حديث أبي أيوب إلّا من هذا الوجه، وأبو سورة هو ابن أخي أبي أيوب يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن معين جدا.
- وقال: سمعت البخاري يقول: أبو سورة هذا منكر الحديث يروي مناكير عن أبي أيوب لا يتابع عليها.
- وفي إسناده واصل بن السائب، وهو ضعيف، كذا إسناده منقطع بين أبي سورة وبين أبي أيوب.
- وورد أيضا من حديث أبي هريرة مختصرا أخرجه أبو نعيم 526 من طريق علقمة عن أبي صالح عنه. وإسناده ضعيف، فيه أبو طيبة عيسى بن سليمان ضعفه ابن معين.
- وأخرجه هناد في «الزهد» 84 من طريق ليث عن علقمة مفضلا، والليث قد اختلط.
- قال ابن القيم في «حادي الأرواح» ص 178: إن علقمة بن مرثد اضطرب في إسناد هذا الحديث. فمرة يقول: عن سليمان بن بريدة، عن أبيه. ومرة يقول: عن عبد الرحمن بن سابط عن عمير بن ساعدة. ومرة يقول: عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم، والترمذي جعل هذا أصح من حديث المسعودي، لأن سفيان أحفظ منه وأثبت.
وقد رواه أبو نعيم عن حديث علقمة هذا فقال: عن أبي صالح عن أبي هريرة فذكره اهـ.
الخلاصة: هو حديث ضعيف مضطرب الإسناد، غريب المتن، وانظر: «الضعيفة» 1980 وقد صوب الإرسال الترمذي وابن حجر.
(4/169)

تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ «1896» وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يَنْزِعُ رَجُلٌ مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ ثمرها إِلَّا نَبَتَ مَكَانَهَا مِثْلَاهَا» .
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ، الْمُشْرِكِينَ، فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنادَوْا يَا مالِكُ، يَدْعُونَ خَازِنَ النَّارِ، لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فَنَسْتَرِيحَ فَيُجِيبُهُمْ مَالِكٌ بَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ، قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ، مُقِيمُونَ فِي الْعَذَابِ.
«1897» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ] [1] أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ يَذْكُرُهُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَدْعُونَ مَالِكًا فَلَا يُجِيبُهُمْ أَرْبَعِينَ عَامًا، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ، قَالَ: هَانَتْ وَاللَّهِ دَعْوَتُهُمْ عَلَى مَالِكٍ وَعَلَى رَبِّ مَالِكٍ، ثُمَّ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ، قَالَ: فَيَسْكُتُ عَنْهُمْ قَدْرَ الدُّنْيَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ اخسأوا فيها ولا تكلمون، قال: فو الله مَا نَبَسَ الْقَوْمُ بَعْدَهَا بِكَلِمَةٍ وَمَا هُوَ إِلَّا الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ في نار جهنم تشبه أَصْوَاتَهُمْ بِأَصْوَاتِ الْحَمِيرِ أَوَّلُهَا زَفِيرٌ وَآخِرُهَا شَهِيقٌ.
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ، يَقُولُ أَرْسَلَنَا إِلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَسُولَنَا بِالْحَقِّ، وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ.
أَمْ أَبْرَمُوا، أَمْ أَحْكَمُوا، أَمْراً، فِي الْمَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّا مُبْرِمُونَ، مُحْكِمُونَ أَمْرًا فِي مُجَازَاتِهِمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ كَادُوا شَرًّا كِدْتُهُمْ مِثْلَهُ.
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ، مَا يُسِرُّونَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَيَتَنَاجَوْنَ بِهِ بَيْنَهُمْ، بَلى، نَسْمَعُ ذَلِكَ ونعلمه، وَرُسُلُنا، أَيْضًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَعْنِي الْحَفَظَةَ، لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (81) ، يَعْنِي إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فِي قَوْلِكُمْ وَعَلَى زَعْمِكُمْ، فأنا أول من عبده بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا وَلَدَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ كانَ أَيْ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ الشَّاهِدِينَ لَهُ بِذَلِكَ، جَعَلَ: إِنْ بِمَعْنَى الْجَحْدِ: وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فأنا أول من أعبده
__________
1896- ضعيف. أخرجه البزار 3530 والطبراني في «الكبير» 1449 وأبو نعيم في «صفة الجنة» 345 من طريق ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثوبان مرفوعا.
- ومداره على ريحان بن سعيد، وهو لين، وشيخه عباد ضعفه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن الجنيد والساجي، ثم هو مدلس.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 10/ 414: رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني، وأحد إسنادي البزار ثقات!؟
1897- موقوف. رجاله ثقات مشاهير، وهو صحيح إن كان قتادة سمعه من أبي أيوب، فإن قتادة مدلس، وساقه بصيغة تدل على عدم سماعه، وبكل حال هو أثر.
- قتادة هو ابن دعامة، أبو أيوب هو يحيى بن مالك، وقيل: حبيب بن مالك.
- وهو في «الزهد» 319 «زيادات نعيم بن حماد» عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بهذا الإسناد.
- الخلاصة: هو موقوف، والأشبه أنه متلقى عن أهل الكتاب، فقد وقع لعبد الله زاملتان عن أهل الكتاب يوم اليرموك، فكان يحدث بهما.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع واستدرك من المخطوط.
(4/170)

سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82)
بِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا وَلَدَ لَهُ. وقيل: العابدين بمعنى الآنفين، يعني أَوَّلُ الْجَاحِدِينَ وَالْمُنْكِرِينَ لِمَا قُلْتُمْ. وَيُقَالُ:
مَعْنَاهُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ غَضِبَ لِلرَّحْمَنِ أَنْ يُقَالَ لَهُ وَلَدٌ، يُقَالُ: عَبَدَ يَعْبُدُ إِذَا أنف أو غضب عبدا. وَقَالَ قَوْمٌ:
قُلْ مَا يُقَالُ: عَبَدَ فَهُوَ عَابِدٌ، إِنَّمَا يُقَالُ: عبد فهو عبد.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 82 الى 89]
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ فَقَالَ: سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) عَمَّا يَقُولُونَ مِنَ الْكَذِبِ.
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا، فِي بَاطِلِهِمْ، وَيَلْعَبُوا، فِي دُنْيَاهُمْ، حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ، قَالَ قَتَادَةُ: يُعْبَدُ فِي السَّمَاءِ وَفِي الْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَهُوَ الْحَكِيمُ، فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ، الْعَلِيمُ، بِمَصَالِحِهِمْ.
وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «يَرْجِعُونَ» بِالْيَاءِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّاءِ.
وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، وَهُمْ عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ فَإِنَّهُمْ عُبِدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَهُمُ الشَّفَاعَةُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، وَقِيلَ: مِنْ فِي مَحَلِّ الْخَفْضِ، وَأَرَادَ بِالَّذِينِ يدعون عيسى وعزير وَالْمَلَائِكَةَ، يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الشفاعة إلّا لمن شَهِدَ بِالْحَقِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَأَرَادَ بشهادة الحق قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ، بِقُلُوبِهِمْ مَا شَهِدُوا بِهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) ، يُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ.
وَقِيلِهِ يَا رَبِّ، يَعْنِي قَوْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاكِيًا إِلَى رَبِّهِ يَا رَبِّ، إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ، قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَقِيلِهِ بِجَرِّ اللَّامِ وَالْهَاءِ عَلَى مَعْنَى وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَعِلْمُ قِيلِهِ يَا رَبِّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ، وَلَهُ وجهان: أحدهما معناه: أما يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ، وَالثَّانِي:
وَقَالَ قِيلَهُ.
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ، أَعْرِضْ عَنْهُمْ، وَقُلْ سَلامٌ، مَعْنَاهُ: الْمُتَارَكَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [الْقَصَصِ: 55] ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ بِالتَّاءِ، وقرأ وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ.
(4/171)

حم (1)
سورة الدخان
مكية وهي تسع وخمسون آية

[سورة الدخان (44) : الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)
أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)
حم (1) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جبريل عَلَى [1] النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُجُومًا فِي عِشْرِينَ سَنَةً. وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ من شعبان.
«1898» أخبرنا عبد الوحد [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرياني ثنا حميد بن
__________
1898- صحيح بشواهده. إسناده ضعيف، عبد الملك ومصعب كلاهما مجهول، لكن للحديث شواهد.
- ابن وهب هو عبد الله، محمد هو ابن أبي بكر الصديق.
- وهو في «شرح السنة 988.
- وتصحّف في «شرح السنة» : «أو عمه» إلى «عن أمه» .
- وأخرجه البزار 2045 وابن خزيمة في «التوحيد» ص 90 وابن أبي عاصم في «السنة» 509 والبيهقي في «الشعب» 3827 من طرق عن عبد الملك بهذا الإسناد.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 8/ 65: وعبد الملك بن عبد الملك، ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ، ولم يضعفه وبقية رجاله ثقات اهـ.
- وللحديث شواهد منها:
1- حديث معاذ بن جبل:
أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» 512 وابن حبان 5665 والطبراني 20 (215) وأبو نعيم في «الحلية» 5/ 191.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 8/ 65: رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ورجالهما ثقات.
2- حديث أبي موسى الأشعري:
- أخرجه ابن ماجه 1390 وابن أبي عاصم 510 واللالكائي في «السنة» 763.
- وإسناد ضعيف، لضعف ابن لهيعة، وجهالة ابن عرزب.
3- حديث أبي ثعلبة:
- أخرجه ابن أبي عاصم 511 واللالكائي 760 والطبراني في «الكبير» 22/ 223.
- وقال الهيثمي: وفيه الأحوص بن حكيم ضعيف.
4- حديث عبد الله بن عمرو:
(1) في المطبوع «عن» وهو تصحيف.
(4/172)

زنجويه ثنا الْأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ [وَاسْمُهُ مُصْعَبٌ] [1] حَدَّثَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أو عمه [2] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«يَنْزِلُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لِكُلِّ نَفْسٍ إِلَّا إِنْسَانًا فِي قَلْبِهِ شَحْنَاءُ أَوْ مُشْرِكًا بِاللَّهِ» .
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ.
فِيها، أَيْ في الليلة المباركة، يُفْرَقُ، أي يُفْصَلُ، كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، مُحْكَمٍ، وقال ابن عباس: يكتب في أُمِّ الْكِتَابِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا هُوَ كَائِنٌ فِي السَّنَةِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ حَتَّى الْحُجَّاجِ، يُقَالُ: يَحُجُّ فُلَانٌ وَيَحُجُّ فُلَانٌ، قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يُبْرَمُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كُلُّ أَجَلٍ وَعَمَلٍ وَخَلْقٍ وَرِزْقٍ، وَمَا يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ يُبْرَمُ فِيهَا أَمْرُ السَّنَةِ وَتُنْسَخُ الْأَحْيَاءُ مِنَ الْأَمْوَاتِ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ أَحَدٌ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أحد.
«1899» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ ثنا أبو جعفر الرَّيَّانِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عَقِيلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ محمد بن المغيرة بن
__________
- أخرجه أحمد 2/ 176.
- وقال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة لين الحديث، وبقية رجاله وثقوا.
وقال المنذري في «الترغيب» 4080: رواه أحمد بإسناد ليّن.
5- حديث أبي هريرة:
- أخرجه البزار 2046.
- وقال الهيثمي: وفيه هشام بن عبد الرحمن لم أعرفه، وبقية رجله ثقات.
6- حديث عوف بن مالك:
- أخرجه البزار 2048 وقال: إسناده ضعيف.
- قال الهيثمي: وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وثقه أحمد بن صالح، وضعفه جمهور الأئمة، وابن لهيعة لين، وبقية رجاله ثقات.
7- وحديث عائشة «إن الله تعالى ينزل لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب» .
- أخرجه الترمذي 739 وابن ماجه 1389 وأحمد 6/ 238 واللالكائي 764.
- وفي إسناده حجاج بن أرطأة مدلس وقد عنعن.
وقال الترمذي: سمعت البخاري يضعف هذا الحديث.
- قلت: هو ضعيف بهذا اللفظ، لكن لمعناه شواهد كما ترى.
- الخلاصة: حديث الباب صحيح بمجموع شواهده، والله أعلم. [.....]
1899- إسناده ضعيف جدا، فهو مرسل، ومع إرساله عثمان عنده مناكير، وقد روي من قوله غير مرفوع، وهو الصحيح، وفيه عبد الله بن صالح ضعيف الحديث لكن توبع، وليس هو علة الحديث.
- الليث هو ابن سعد، عقيل هو ابن خالد، ابن شهاب هو الزهري محمد بن مسلم.
- وأخرجه الطبري 31040 من طريق آدم بن أبي إياس عن الليث بهذا الإسناد.
- وأخرجه البيهقي في «الشعب» 3839 عن عثمان بن محمد بن الأخنس موقوفا عليه، وهو أصح من المرفوع- الخلاصة: المرفوع ضعيف جدا، والصواب مقطوع، أي من قول التابعي.
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) تصحف في «شرح السنة» إلى «عن أمه» .
(4/173)

رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)
الْأَخْنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُقْطَعُ الْآجَالُ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى شَعْبَانَ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ أُخْرِجَ اسْمُهُ فِي الْمَوْتَى» .
وَرَوَى أَبُو الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: أَنَّ اللَّهَ يَقْضِي الْأَقْضِيَةَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى أَرْبَابِهَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
أَمْراً، أَيْ أَنْزَلْنَا أَمْرًا، مِنْ عِنْدِنا، قَالَ الْفَرَّاءُ: نَصَبَ عَلَى مَعْنَى فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حكيم فرقا وأمرا، أي نأمر أمرا ببيان ذلك. إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ قَبْلَهُ من الأنبياء.

[سورة الدخان (44) : الآيات 6 الى 16]
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (10)
يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (15)
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَأْفَةً مِنِّي بِخَلْقِي وَنِعْمَتِي عَلَيْهِمْ بِمَا بَعَثَنَا إِلَيْهِمْ مِنَ الرُّسُلِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ لِلرَّحْمَةِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: رَبِّ جَرًّا رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: مِنْ رَبِّكَ، وَرَفَعَهُ الْآخَرُونَ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَقِيلَ: عَلَى الِابْتِدَاءِ، إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، أن الله رب السموات وَالْأَرْضِ.
لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ، من هذا القرآن، يَلْعَبُونَ يهزؤون بِهِ لَاهُونَ عَنْهُ.
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (11) ، تقديره: هو عذاب إلهي، ويجوز: أن يكون حكاية لكلامهم بما بعده، أي: يقولون هذا عذاب أليم.
اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الدُّخَانِ.
«1900» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثنا
__________
1900- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- سفيان هو ابن سعيد الثوري، منصور هو ابن المعتمر، الأعمش هو سليمان بن مهران، أبو الضحى هو مسلم بن صبيح، مسروق هو ابن الأجدع.
- وهو في «صحيح البخاري» 4774 عن محمد بن كثير بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن حبان 6585 والطبراني 9048 وأبو نعيم في «الدلائل» 369 من طريق محمد بن كثير بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4693 والحميدي 116 من طريق سفيان بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4824 والترمذي 3254 وأحمد 1/ 441 من طريق شعبة عن الأعمش ومنصور به.
- وأخرجه البخاري 1007 و4821 و4822 و4823 ومسلم 2798 ح 40 والطبري 31043 والطبراني 9046 و9047 وأحمد 1/ 380 و431 والبيهقي في «الدلائل» 2/ 324 و325 و326 من طرق عن الأعمش به.
- وأخرجه مسلم 2798 والطبري 31045 والبيهقي 2/ 326 من طرق عن جرير عن منصور به.
- الخلاصة: إسناده إلى ابن مسعود صحيح كالشمس، لكنه رأي رآه ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(4/174)

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا مُحَمَّدُ بن كثير عن سفيان ثنا مَنْصُورٌ وَالْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ، فَقَالَ: يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ [1] كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَفَزِعْنَا فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ وكان متكئا [فأخبرته فَغَضِبَ] [2] فَجَلَسَ؟ فَقَالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ لَا أَعْلَمُ]
، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) [ص: 86] ، وَإِنَّ قُرَيْشًا أبطؤوا عَنِ الْإِسْلَامِ فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ» فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فقال: يا محمد جئت تأمرنا [4] بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ، فَقَرَأَ: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (10) إِلَى قَوْلِهِ إِنَّكُمْ عائِدُونَ، أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابَ الْآخِرَةِ إِذَا جَاءَ؟ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى، يعني يوم بدر، ولزاما يَوْمَ بَدْرٍ، الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) ، إلى [قوله] [5] سَيَغْلِبُونَ [الروم: 3] ، والروم قَدْ مَضَى» . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَحْيَى عَنْ وَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ قَالُوا: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) ، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (10) إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّا مُنْتَقِمُونَ.
«1901» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثنا يحيى ثنا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ اللِّزَامُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَالْقَمَرُ وَالدُّخَانُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ دُخَانٌ يَجِيءُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ وَلَمْ يَأْتِ بَعْدُ، فَيَدْخُلُ فِي أَسْمَاعِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ حَتَّى يَكُونَ كَالرَّأْسِ الْحَنِيذِ، وَيَعْتَرِي الْمُؤْمِنَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ وَتَكُونُ الْأَرْضُ كُلُّهَا كَبَيْتٍ أُوقِدَ فِيهِ النَّارُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ.
«1902» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنَا عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجرجاني ثنا أبو الفرج
__________
- قال الحافظ ابن كثير في «التفسير» 4/ 165 بعد أن ساق أحاديث مرفوعة في أن الدخان هو عند قيام الساعة وعقب ذلك بآثار موقوفة ومنها أثرا عن ابن عباس، فقال: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان التي أوردناها مما فيه دلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ أي بيّن واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسره ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع، وهكذا قوله يَغْشَى النَّاسَ أي يتغشاهم ويعمهم، ولو كان أمرا خياليا يخص أهل مكة المشركين لما قيل: يَغْشَى النَّاسَ اهـ.
1901- تقدم في سورة الفرقان عند آية: 77.
1902- إسناده ضعيف جدا، لأجل روّاد بن الجراح، فإنه ضعيف متروك، وقد أقرّ أنه لم يسمع هذا الحديث من الثوري، وإنما
(1) في المطبوع «المؤمنين» والمثبت عن «صحيح البخاري» والمخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «الله ورسول أعلم» والمثبت عن «صحيح البخاري» والمخطوط.
(4) في المطبوع «تأمر» والمثبت عن المخطوط و «صحيح البخاري» .
(5) زيادة عن المخطوط.
(4/175)

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17)
المعافى بن زكريا البغدادي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ حَدَّثَنِي عِصَامُ بْنُ رَوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ ثنا أبي أنا سفيان بن سعيد [1] ثنا مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَوَّلُ الْآيَاتِ الدُّخَانُ [2] ، وَنُزُولُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ، تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا» [3] ، قَالَ حُذَيْفَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الدُّخَانُ؟ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، يَمْلَأُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَكَمَنْزِلَةِ السَّكْرَانِ يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ» .
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى، مِنْ أَيْنَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ [4] وَالِاتِّعَاظُ؟ يَقُولُ: كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وَيَتَّعِظُونَ؟ وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ظَاهِرُ الصِّدْقِ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ، أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقالُوا مُعَلَّمٌ، أَيْ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، مَجْنُونٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ، أَيْ عَذَابِ الْجُوعِ، قَلِيلًا، أَيْ زَمَانًا يَسِيرًا، قَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَى يَوْمِ بَدْرٍ. إِنَّكُمْ عائِدُونَ، إِلَى كُفْرِكُمْ.
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى، وَهُوَ يَوْمُ بَدْرٍ، إِنَّا مُنْتَقِمُونَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَرَوَى عِكْرِمَةُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عباس.

[سورة الدخان (44) : الآيات 17 الى 27]
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21)
فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (26)
وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (27)
__________
سمعه من قوم مجاهيل كما ذكر الطبري 11/ 228.
- وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» 4/ 272: رواد متروك، وقد أقر أنه لم يسمع هذا الحديث.
- وهو في «تفسير الطبري» 31061 عن عصام بن روّاد بهذا الإسناد.
- وأخرجه الثعلبي كما في «تفسير القرطبي» 1610/ 131 من حديث حذيفة، وهو بهذا اللفظ ضعيف جدا.
- وأصل الحديث عند مسلم 2901 والحميدي 827 والطيالسي 1067 وابن أبي شيبة 15/ 163 وأحمد 4/ 6 وأبي داود 4311 والترمذي 2183 وابن ماجه 4041 وابن حبان 6791 من حديث حذيفة بن أسيد.
قَالَ: «اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: مَا تَذْكُرُونَ؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ.
قَالَ: إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمشرق، وخسف بالمغرب، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ الناس إلى محشرهم» لفظ مسلم. وقد تقدم في سورة الأنبياء عند آية:
96.
الخلاصة: السياق المتقدم هو الصحيح، وأما سياق المصنف فضعيف جدا، وفي ألفاظه نكارة، والله أعلم، وانظر «الكشاف» 1014 بتخريجي.
(1) في المطبوع «أبو سفيان ابن سعيد» والمثبت عن «تفسير الطبري» وكتب التراجم. [.....]
(2) في المخطوط (ب) و «تفسير الطبري» : «الدجال» وهو تصحيف.
(3) زيد في المخطوط (ب) «وتبيت معهم إذا باتوا» .
(4) في المخطوط (ب) «التذكرة» .
(4/176)

كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28)
وَلَقَدْ فَتَنَّا، بَلَوْنَا، قَبْلَهُمْ، قَبْلَ هَؤُلَاءِ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ، عَلَى اللَّهِ وَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ.
أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، يعن بَنِي إِسْرَائِيلَ أَطْلِقْهُمْ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، عَلَى الْوَحْيِ.
وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ، أي لَا تَتَجَبَّرُوا عَلَيْهِ بِتَرْكِ طَاعَتِهِ، إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ، بِبُرْهَانٍ بَيِّنٍ عَلَى صِدْقِ قَوْلِي، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ تَوَعَّدُوهُ بِالْقَتْلِ.
فَقَالَ: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) ، أن تقتلون، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَشْتُمُونِي [1] وَتَقُولُوا هُوَ سَاحِرٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَرْجُمُونِي بِالْحِجَارَةِ.
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) ، فَاتْرُكُونِي لَا مَعِيَ وَلَا عَلَيَّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاعْتَزِلُوا أَذَايَ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا.
فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) ، مُشْرِكُونَ فَأَجَابَهُ اللَّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْرِيَ.
فَقَالَ: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا، أَيْ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ، يَتْبَعُكُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ.
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ، إِذَا قَطَعْتَهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، رَهْواً، سَاكِنًا عَلَى حَالَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، بَعْدَ أَنْ ضَرَبْتَهُ وَدَخَلْتَهُ، مَعْنَاهُ لَا تَأْمُرْهُ أَنْ يَرْجِعَ اتْرُكْهُ حَتَّى يَدْخُلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ، وَأَصْلُ الرَّهْوِ: السُّكُونُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ:
مَعْنَاهُ اترك البحر رَاهِيًا أَيْ سَاكِنًا، فَسُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ، أَيْ ذَا رَهْوٍ، وَقَالَ كَعْبٌ: اتْرُكْهُ طَرِيقًا. قَالَ قَتَادَةُ:
طَرِيقًا يَابِسًا. قَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا قَطَعَ موسى البحر [وخرج بمن معه من بني إسرائيل فنظر إلى البحر فإذا هو على حاله لم يلتئم] [2] فعطف لِيَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ لِيَلْتَئِمَ وَخَافَ أَنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، فَقِيلَ لَهُ: اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا كَمَا هُوَ، إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ، أَخْبَرَ [الله] [3] مُوسَى أَنَّهُ يُغْرِقُهُمْ لِيُطَمْئِنَ قَلْبَهُ فِي تَرْكِهِ [الْبَحْرَ] [4] كَمَا جَاوَزَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَرَكُوا بِمِصْرَ.
فَقَالَ: كَمْ تَرَكُوا، يَعْنِي بَعْدَ الْغَرَقِ، مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (26) ، مَجْلِسٍ شَرِيفٍ، قَالَ قَتَادَةُ: الْكَرِيمُ الْحَسَنُ.
وَنَعْمَةٍ، وَمُتْعَةٍ [5] وَعَيْشٍ لَيِّنٍ، كانُوا فِيها فاكِهِينَ، ناعمين وفاكهين أشرين بطرين.

[سورة الدخان (44) : الآيات 28 الى 46]
كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (28) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (32)
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ مَا فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (33) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (37)
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42)
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46)
__________
(1) في المطبوع «تشتمون» والمثبت عن المخطوط (ب) .
(2) ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيد في المخطوط (ب) «ومنّة» .
(4/177)

كَذلِكَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَذَلِكَ أَفْعَلُ بِمَنْ عَصَانِي، وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ، يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ تَبْكِي عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ يَصْعَدُ لَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ فَتَبْكِي السَّمَاءُ عَلَى فَقْدِهِ، ولا لهم على الأرض عمل صَالِحٌ فَتَبْكِي الْأَرْضُ عَلَيْهِ.
«1903» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ الله الفنجوي ثنا أبو علي المقري ثنا أبو يعلى الموصلي ثنا أحمد بن إسحاق البصري ثنا مكي بن إبراهيم ثنا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرِّبْذِيُّ [1] أَخْبَرَنِي يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا لَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَانِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِزْقُهُ وَبَابٌ يَدْخُلُ فِيهِ عَمَلُهُ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدَاهُ وَبَكَيَا عَلَيْهِ» ، ثم تلا: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ.
قال عطاء: بكاء السماء حمزة أَطْرَافِهَا. قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَبُكَاؤُهَا حُمْرَتُهَا. وَما كانُوا مُنْظَرِينَ، لَمْ يَنْظُرُوا حِينَ أَخَذَهُمُ الْعَذَابُ لِتَوْبَةٍ وَلَا لِغَيْرِهَا.
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (30) ، قَتْلِ الْأَبْنَاءِ وَاسْتِحْيَاءِ النِّسَاءِ وَالتَّعَبِ فِي الْعَمَلِ.
مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ، يَعْنِي مُؤْمِنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلى عِلْمٍ، بِهِمْ، عَلَى الْعالَمِينَ، عَلَى عَالِمِي زَمَانِهِمْ.
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (33) ، قَالَ قَتَادَةُ: نِعْمَةٌ بَيِّنَةٌ مَنْ فَلْقِ الْبَحْرِ وَتَظْلِيلِ الْغَمَامِ وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَالنِّعَمِ الَّتِي أنعمها عليهم. قال ابْنُ زَيْدٍ: ابْتَلَاهُمْ بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَقَرَأَ:
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الْأَنْبِيَاءِ: 35] .
إِنَّ هؤُلاءِ، يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى، أَيْ لَا مَوْتَةَ إلا هذه التي
__________
1903- إسناده ضعيف جدا، موسى بن عبيدة ضعيف ليس بشيء، وشيخه يزيد ضعيف روى مناكير كثيرة عن أنس، وهذا منها.
- وضعفه الترمذي بقوله: موسى ويزيد يضعّفان، وكذا ضعفه الهيثمي في «المجمع» 7/ 104 وابن حجر في «المطالب العالية» 3/ 369.
- يزيد هو ابن أبان الرقاشي.
- وهو في «مسند أبي يعلى» 4133 عن أحمد بن إسحاق البصري بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 3252 من طريق وكيع عن موسى بن عبيدة بهذا الإسناد.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 7/ 105: وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف اهـ.
- وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» 3/ 53 من طريق صفوان بن سليم عن يزيد بن أبان به والراوي عن صفوان هو إبراهيم ابن مهاجر بن مسمار، وهو ضعيف اهـ.
- ولعجزه شاهد مرسل، أخرجه الطبري 31129 ومع ذلك المتن منكر، وحسبه الوقف، وانظر «الكشاف» 1016 و «تفسير القرطبي» 5469 بتخريجي.
(1) في المطبوع «الزيدي» وفي المخطوط (ب) «الزيدي» والمثبت عن «كتب التخريج وكتب التراجم» .
(4/178)

نَمُوتُهَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَا بَعْثَ بَعْدَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ، بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ مَوْتَتِنَا.
فَأْتُوا بِآبائِنا، الَّذِينَ مَاتُوا، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أَنَّا نُبْعَثُ أَحْيَاءً بَعْدَ الْمَوْتِ، ثُمَّ خَوَّفَهُمْ مِثْلَ عَذَابِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ فَقَالَ: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ، أَيْ لَيْسُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، يَعْنِي أَقْوَى وَأَشَدَّ وَأَكْثَرَ مِنْ قَوْمٍ تُبَّعٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ تُبَّعٌ الْحِمْيَرِيُّ، وَكَانَ سَارَ بِالْجُيُوشِ حَتَّى حَيَّرَ الْحِيرَةَ، وَبَنَى سَمَرْقَنْدَ وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، سُمِّيَ تُبَّعًا لِكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ، وَكَانَ هذا الملك يَعْبُدُ النَّارَ فَأَسْلَمَ وَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَهُمْ حِمْيَرُ، فَكَذَّبُوهُ.
وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالُوا: كان تبع الآخر وهو أبو كرب أسعد بن مليك [يكرب] [1] حِينَ أَقْبَلَ مِنَ الْمَشْرِقِ وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ كَانَ حِينَ مَرَّ بِهَا خَلَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمِ ابْنًا لَهُ فُقِتَلَ غَيْلَةً، فقدمها وهو مجمع على خرابها وَاسْتِئْصَالِ أَهْلِهَا، فَجَمْعَ لَهُ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، فَخَرَجُوا لِقِتَالِهِ وَكَانَ الْأَنْصَارُ يُقَاتِلُونَهُ بِالنَّهَارِ وَيُقِرُّونَهُ بِاللَّيْلِ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ هؤلاء لكرام فبينما هو كذلك إِذْ جَاءَهُ حَبْرَانِ اسْمُهُمَا: كَعْبٌ وَأَسَدٌ مِنْ أَحْبَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ، عَالِمَانِ وَكَانَا ابْنَيْ عَمٍّ، حِينَ سَمِعَا مَا يُرِيدُ مِنْ إِهْلَاكِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا، فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا مَا تُرِيدُ حِيلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا وَلَمْ نَأْمَنْ عَلَيْكَ عَاجِلَ الْعُقُوبَةِ. فَإِنَّهَا مَهَاجِرُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ مَوْلِدُهُ مَكَّةُ، وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ وَمَنْزِلُكَ الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ بِهِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ أَمْرٌ كَبِيرٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَفِي عَدُوِّهِمْ.
قَالَ تُبَّعٌ: مَنْ يُقَاتِلُهُ وَهُوَ نَبِيٌّ؟ قَالَا: يَسِيرُ إِلَيْهِ قَوْمُهُ فَيُقْتَلُونَ [2] هَاهُنَا، فَتَنَاهَى لِقَوْلِهِمَا عَمَّا كَانَ يُرِيدُ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا دَعَوَاهُ إِلَى دِينِهِمَا فَأَجَابَهُمَا وَاتَّبَعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا وَأَكْرَمَهُمَا وَانْصَرَفَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ بِهِمَا وَنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ عَامِدِينَ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَتَاهُ فِي الطَّرِيقِ نَفَرٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَقَالُوا إِنَّا نَدُلُّكَ عَلَى بَيْتٍ فِيهِ كَنْزٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَفِضَّةٍ، قَالَ: أَيُّ بَيْتٍ؟ قَالُوا: بَيْتٌ بِمَكَّةَ وَإِنَّمَا تُرِيدُ هُذَيْلٌ هَلَاكَهُ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ أَحَدٌ قَطُّ بِسُوءٍ إِلَّا هَلَكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْأَحْبَارِ، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ لله في الأرض بيت غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ، فَاتَّخِذْهُ مَسْجِدًا وَانْسُكْ عِنْدَهُ وَانْحَرْ وَاحْلِقْ رَأْسَكَ، وَمَا أَرَادَ الْقَوْمُ إِلَّا هَلَاكَكَ لِأَنَّهُ مَا نَاوَأَهُمْ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا هَلَكَ، فَأَكْرِمْهُ وَاصْنَعْ عِنْدَهُ مَا يَصْنَعُ أَهْلُهُ، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ أَخَذَ النَّفَرَ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ صَلَبَهُمْ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ نَزَلَ الشِّعْبَ شِعْبَ الْبَطَائِحِ، وَكَسَا الْبَيْتَ الْوَصَائِلَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ، وَنَحَرَ بِالشِّعْبِ سِتَّةَ آلَافِ بَدَنَةً، وَأَقَامَ بِهِ [سِتَّةَ] [3] أَيَّامٍ وَطَافَ بِهِ وَحَلَقَ وَانْصَرَفَ.
فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْيَمَنِ لِيَدْخُلَهَا حَالَتْ حِمْيَرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَهُ، قَالُوا: لَا تَدْخُلْ عَلَيْنَا وَقَدْ فَارَقْتَ دِينَنَا، فَدَعَاهُمْ إِلَى دِينِهِ وَقَالَ إِنَّهُ دِينٌ خَيْرٌ مِنْ دِينِكُمْ، قَالُوا: فَحَاكِمْنَا إِلَى النَّارِ.
وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ نَارٌ فِي أَسْفَلِ جَبَلٍ يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَتَأْكُلُ الظَّالِمَ وَلَا تَضُرُّ الْمَظْلُومَ، فَقَالَ تُبَّعٌ: أَنْصَفْتُمْ، فَخَرَجَ الْقَوْمُ بِأَوْثَانِهِمْ وَمَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ فِي دِينِهِمْ وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا حَتَّى قَعَدُوا لِلنَّارِ عِنْدَ مَخْرَجِهَا الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ، فَخَرَجَتِ النَّارُ فَأَقْبَلَتْ حَتَّى غَشِيَتْهُمْ، فَأَكَلَتِ الْأَوْثَانَ وَمَا قَرَّبُوا مَعَهَا، وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ مِنْ رِجَالِ حِمْيَرَ.
وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا، يَتْلُوَانِ التَّوْرَاةَ تَعْرَقُ جِبَاهُهُمَا لَمْ تَضُرَّهُمَا، وَنَكَصَتِ النَّارُ
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المخطوط (ب) «فيقتتلون» .
(3) زيادة عن المخطوط (ب) .
(4/179)

حَتَّى رَجَعَتْ إِلَى مَخْرَجِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ فَأَصْفَقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ حِمْيَرُ عَلَى دِينِهِمَا، فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَ أَصْلُ الْيَهُودِيَّةِ فِي الْيَمَنِ.
وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ عَنِ الرَّقَاشِيِّ [1] قَالَ: كَانَ أَبُو كَرِبٍ أَسْعَدُ الْحِمْيَرِيُّ مِنَ التَّبَابِعَةِ آمِنَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ بِسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ.
وَذُكِرَ [لَنَا] [2] أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَهُ وَلَمْ يَذُمَّهُ.
وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الَّذِي كَسَا الْبَيْتَ.
«1904» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ الله بن فنجويه الدينوري ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حنبل ثنا أبي ثنا حسن [3] بن موسى ثنا ابن [حدثنا] لهيعة [حدثنا] أبو زرعة ابن عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ [4] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ» .
«1905» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أخبرني ابن فنجويه ثنا ابن شيبة ثنا محمد بن
__________
1904- صدره حسن. وعجزه ضعيف.
- إسناده ضعيف جدا، ابن لهيعة ضعيف، وعمرو متروك، ولصدره شواهد يحسن بها، والله أعلم.
- ابن لهيعة هو عبد الله.
- وهو في «مسند أحمد» 5/ 340 عن حسن بن موسى بهذا الإسناد.
- وأخرجه الطبراني 6013 من طريق سعيد بن أبي مريم وعبد الله بن يوسف عن ابن لهيعة به.
- وقال الهيثمي في «المجمع» 13028: فيه عمرو بن جابر، وهو كذاب اهـ.
- وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» 4/ 279: فيه ابن لهيعة عن عمرو بن جابر، وهما ضعيفان؟! والصواب أن عمرو ابن جابر متروك، وقال أحمد: بلغني أنه كان يكذب، راجع «الميزان» 3/ 250.
- وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في «الكبير» 11790 وفي «الأوسط» 1441 وإسناده ضعيف، فيه مؤمل بن إسماعيل، وثقه قوم، وضعفه آخرون، وقال البخاري: منكر الحديث.
وفيه أيضا سماك بن حرب عن عكرمة، وسماك ضعيف بخاصة في روايته عن عكرمة.
- وورد عند الطبري 31143 عن قتادة قال: ذكر لنا أن تبعا....» ولم يرفعه.
- وورد النهي عن سبه دون لفظ «فإنه أسلم» .
أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» 2822 عن عطاء مرسلا.
- وورد من مرسل وهب بن منبه أخرجه عبد الرزاق 2821.
- فالنهي عن سبه لعله يتأيد بطرقه وشواهده، ومنها الآتي. لكن لفظ «قد أسلم» لا يصح، والله أعلم، ومع ذلك أورده الألباني كله في «صحيح الجامع» 7319 و «الصحيحة» 2423؟! وانظر «الكشاف» 1017. [.....]
1905- صحيح. أزهر صدوق، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- عبد الرزاق بن همام، معمر بن راشد، ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن، المقبري هو سعيد بن أبي سعيد.
وأخرجه أبو داود 4674 من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد. لكن بلفظ: «ما أدري أتبع لعين هو أم لا، وما أدري أعزير نبي هو أم لا؟» .-
(1) في المخطوط (أ) والمخطوط (ب) : (الرياشي) .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «حسين» وهو تصحيف والتصويب عن المخطوط و «شرح السنة» .
(4) في المطبوع «عمر بن جرير» والمثبت عن «شرح السنة» وكتب التراجم.
(4/180)

علي بن سالم الهمداني ثنا أَبُو الْأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ النيسابوري ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَدْرِي تُبَّعٌ نَبِيًّا كَانَ [1] أَوْ غَيْرَ نَبِيٍّ» .
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ، أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ.
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ، قِيلَ: يَعْنِي لِلْحَقِّ وَهُوَ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِقَابِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ، يَوْمَ يَفْصِلُ الرَّحْمَنُ بَيْنَ الْعِبَادِ، مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ، يُوَافِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.
يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً، لَا يَنْفَعُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، لَا يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، يُرِيدُ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يَشْفَعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ، فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، الرَّحِيمُ، بِالْمُؤْمِنِينَ.
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعامُ الْأَثِيمِ (44) ، أَيْ ذِي الْإِثْمِ، وهو أبو جهل.
كَالْمُهْلِ، هو دردي الزيت أسود [2] ، يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، قَرَأَ ابْنُ كثير وحفص يَغْلِي بالياء، جعلا الْفِعْلَ لِلْمُهْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الشَّجَرَةِ، فِي الْبُطُونِ، أَيْ بُطُونِ الْكُفَّارِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) ، كَالْمَاءِ الْحَارِّ إِذَا اشْتَدَّ غَلَيَانُهُ.
«1906» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أنا أبو بكر العبدوسي أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حمدون بن خالد بن بريدة [3] ثنا سليمان بن يوسف ثنا وهب بن جرير ثنا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عن عبد الله بن
__________
- وأخرجه الحاكم 1/ 36 من طرق عن عبد الرزاق به، وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي.
- وأخرجه الحاكم 2/ 450 من طريق آخر عن ابن أبي ذئب به، بلفظ أبي داود، لكن عنده «ذو القرنين» بدل «عزير» .
- وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي، وكذا الألباني في «الصحيحة» 2217 والصواب على شرط البخاري فقط، فإن في إسناده آدم بن أبي إياس لم يرو له مسلم.
1906- إسناده ضعيف، وعلته عنعنة الأعمش عند الجميع، وهو مدلس، ولم يسمعه من مجاهد.
- قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» 4/ 197: قال يعقوب بن شيبة: قلت لعلي المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟
قال لا يثبت منها إلّا ما قال سمعت، هي نحو عشرة أحاديث، وإنما أحاديث مجاهد عنده عن أبي يحيى القتات، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه في أحاديث الأعمش عن مجاهد، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عنه: حدثنيه ليث عن مجاهد.
- قلت: وليث هو ابن أبي سليم، وهو ضعيف.
- شعبة هو ابن الحجاج، الأعمش هو سليمان بن مهران.
وصححه الحاكم على شرطهما! ووافقه الذهبي! - وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 161 وأحمد 1/ 338 والبيهقي 544 من طريق الأعمش عن أبي يحيى عن مجاهد به موقوفا، وهو الصحيح.
- أبو يحيى هذا لين الحديث، ومع ذلك حديثه أصح من المرفوع.
- الخلاصة: المرفوع ضعيف، والصحيح موقوف.
(1) في المطبوع «أكان نبيا» والمثبت عن ط والمخطوط.
(2) في المطبوع «الأسود» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع والمخطوط (أ) «يزيد» وفي المخطوط (ب) «زيد» والمثبت عن «شرح السنة» .
(4/181)

خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47)
عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، فَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ عَلَى الْأَرْضِ لَأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَكُونُ طَعَامَهُ وَلَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ غيره» .

[سورة الدخان (44) : الآيات 47 الى 56]
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (51)
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (53) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (56)
قَوْلُهُ تَعَالَى: خُذُوهُ، أَيْ يُقَالُ لِلزَّبَانِيَةِ خُذُوهُ يَعْنِي الْأَثِيمَ، فَاعْتِلُوهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ التَّاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، أَيِ ادْفَعُوهُ وَسُوقُوهُ، يُقَالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ عَتْلًا إِذَا سَاقَهُ بِالْعُنْفِ وَالدَّفْعِ وَالْجَذْبِ، إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ، وَسَطِهِ.
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (48) ، قَالَ مُقَاتِلٌ: إِنْ خَازِنَ النَّارِ يَضْرِبُهُ عَلَى رَأْسِهِ فَيَنْقُبُ [1] رَأْسَهُ عَنْ دِمَاغِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ فِيهِ مَاءً حَمِيمًا قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: ذُقْ، هَذَا الْعَذَابَ، إِنَّكَ، قَرَأَ الْكِسَائِيُّ أَنَّكَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، أَيْ لِأَنَّكَ كُنْتَ تَقُولُ أَنَا الْعَزِيزُ الكريم، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا عَلَى الِابْتِدَاءِ، أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، عِنْدَ قَوْمِكَ بِزَعْمِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ كَانَ يَقُولُ: أَنَا أَعَزُّ أَهْلِ الوادي وأكرمهم، فتقول له هذا اللفظ خزنة النار على طريق الاستخفاف [2] وَالتَّوْبِيخِ.
إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) ، تَشُكُّونَ فِيهِ وَلَا تُؤْمِنُونَ بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مُسْتَقَرَّ الْمُتَّقِينَ، فَقَالَ:
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (51) ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: فِي مَقامٍ بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ فِي إِقَامَةٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ فِي مَجْلِسٍ أَمِينٍ، أَمِنُوا فِيهِ مِنَ الْغَيْرِ أَيْ مِنَ الْمَوْتِ وَمِنَ الْخُرُوجِ مِنْهُ.
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (53) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ، أَيْ كَمَا أَكْرَمْنَاهُمْ بِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ وَاللِّبَاسِ كَذَلِكَ أَكْرَمْنَاهُمْ بِأَنْ زَوَّجْنَاهُمْ، بِحُورٍ عِينٍ، أَيْ قَرَنَّاهُمْ بِهِنَّ لَيْسَ مَنْ عَقْدِ التَّزْوِيجِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأَةٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جَعَلْنَاهُمْ أَزْوَاجًا لهن كما يزوّج النعل بالنعل [3] ، أي جعلناهم اثنين اثنين، والحور هُنَّ النِّسَاءُ النَّقِيَّاتُ الْبَيَاضِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَحَارُ فِيهِنَّ الطَّرْفُ مِنْ بَيَاضِهِنَّ وَصَفَاءِ لَوْنِهِنَّ.
وَقَالَ أَبُو عبيدة: الخور هُنَّ شَدِيدَاتُ بَيَاضِ الْأَعْيُنِ الشَّدِيدَاتُ سوادها، واحدها حور، والمرأة حوراء، والعين جَمْعُ الْعَيْنَاءِ وَهِيَ عَظِيمَةُ الْعَيْنَيْنِ.
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ، اشْتَهَوْهَا، آمِنِينَ، من نفارها وَمِنْ مَضَرَّتِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: آمَنِينَ
__________
(1) في المخطوط (ب) «فيثقب» والمثبت عن ط والمطبوع والمخطوط (أ) .
(2) في المطبوع «الاستهزاء» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المخطوط (ب) «البعل بالبعل» والمثبت عن المخطوط (أ) وط.
(4/182)

فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)
مِنَ الْمَوْتِ وَالْأَوْصَابِ وَالشَّيَاطِينِ.
لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى، أي سوى الموتة الأولى الَّتِي ذَاقُوهَا فِي الدُّنْيَا، وَبَعْدَهَا وضع: إِلَّا موضع سوى بعد، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النِّسَاءِ: 22] ، أَيْ سِوَى مَا قَدْ سَلَفَ، وَبَعْدَ مَا قَدْ سَلَفَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا اسْتَثْنَى الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَهِيَ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَوْتٍ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّ السُّعَدَاءَ حِينَ يَمُوتُونَ يصيرون بلطف [الله تعالى] [1] إِلَى أَسْبَابِ الْجَنَّةِ، يَلْقَوْنَ الرُّوحَ وَالرَّيْحَانَ وَيَرَوْنَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، فَكَانَ مَوْتُهُمْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُمْ في الجنة لاتصالهم بأسبابهم ومشاهدتهم إيّاهم. وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ.

[سورة الدخان (44) : الآيات 57 الى 59]
فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)
فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ، أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ فَضْلًا مِنْهُ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ، سَهَّلْنَا الْقُرْآنَ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مذكور، بِلِسانِكَ، عَلَى لِسَانِكَ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، يَتَّعِظُونَ.
فَارْتَقِبْ، فَانْتَظِرِ النَّصْرَ مِنْ رَبِّكَ. وَقِيلَ: فَانْتَظِرْ لَهُمُ الْعَذَابَ. إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ، مُنْتَظِرُونَ قَهْرَكَ بِزَعْمِهِمْ.
«1907» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ فنجويه ثنا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ثنا أَبُو عِيسَى مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ الختلي ثنا أبو هاشم [2] الرفاعي ثنا زيد بن الحباب ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي خَثْعَمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حم الدُّخَانِ فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سبعون ألف ملك» .
__________
1907- باطل. إسناده ضعيف جدا، مداره على عمر بن عبد الله متروك الحديث، وضعفه الترمذي جدا بقوله: قال البخاري:
منكر الحديث. واتهمه ابن حبان بوضع الحديث.
- أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف.
- وأخرجه الترمذي 2888 والبيهقي في «الشعب» 2475 وابن الجوزي في «الموضوعات» 1/ 248 من طرق عن زيد بن الحباب بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن عدي 5/ 65 من طريق عمر بن يونس عن عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي خثعم به.
- قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلّا من هذا الوجه، وعمر بن أبي خثعم يضعّف. قال البخاري: وهو منكر الحديث.
- وقال ابن حبان، يصنع الحديث.
- وحكم ابن الجوزي وبوضع الحديث وهو كما قال لما فيه من مبالغة، وانظر «الكشاف» 1019 و «تفسير القرطبي» 5459 بتخريجي. [.....]
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) في المخطوط (ب) «هشام» .
(4/183)

حم (1)
سورة الجاثية
مكية إلّا آية 14 فمدنية وهي سبع وثلاثون آية نزلت بعد الدخان

[سورة الجاثية (45) : الآيات 1 الى 11]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4)
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (9)
مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ آيَاتٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ بِكَسْرِ التَّاءِ فِيهِمَا رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: لَآياتٍ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِهِمَا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ إِنَّ لِي عَلَيْكَ مَالًا وَعَلَى أَخِيكَ مَالٌ، يَنْصِبُونَ الثَّانِي وَيَرْفَعُونَهُ، لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ.
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ، يَعْنِي الْغَيْثَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، يُرِيدُ هَذَا الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ نَقُصُّهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ، بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ، وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ: تُؤْمِنُونَ بِالتَّاءِ عَلَى مَعْنَى قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ تُؤْمِنُونَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ.
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) ، كَذَّابٍ صَاحِبِ إِثْمٍ يَعْنِي النَّضِرَ بْنَ الْحَارِثِ.
يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً [لقمان: 7] فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا: قَالَ مُقَاتِلٌ: مِنَ الْقُرْآنِ، شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ رَدًّا إِلَى كُلِّ فِي قَوْلِهِ: لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ.
مِنْ وَرائِهِمْ، أَمَامَهُمْ، جَهَنَّمُ، يَعْنِي أَنَّهُمْ في الدنيا يمتعون [1] بِأَمْوَالِهِمْ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ النَّارُ يَدْخُلُونَهَا، وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا، مِنَ الْأَمْوَالِ، شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ، وَلَا مَا عَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
__________
(1) في المطبوع «ممتعون» والمثبت عن المخطوط (ب) .
(4/184)

اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)
هَذَا، يَعْنِي هَذَا الْقُرْآنَ، هُدىً، بَيَانٌ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ.

[سورة الجاثية (45) : الآيات 12 الى 17]
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (16)
وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17)
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَمَعْنَى تَسْخِيرِهَا أَنَّهُ خَلَقَهَا لِمَنَافِعِنَا فَهُوَ مُسَخَّرٌ لَنَا مِنْ حَيْثُ إِنَّا نَنْتَفِعُ بِهِ، جَمِيعاً مِنْهُ، فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَمِيعًا مِنْهُ كُلُّ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنْهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ وَإِحْسَانٌ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ، أَيْ لَا يَخَافُونَ من وَقَائِعَ اللَّهِ وَلَا يُبَالُونَ نِقْمَتَهُ.
«1908» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ شَتْمَهُ بِمَكَّةَ فَهَمَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
وَقَالَ الْقُرَظِيُّ وَالسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ [1] فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانُوا فِي أَذًى شَدِيدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْمَرُوا بِالْقِتَالِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ.
لِيَجْزِيَ قَوْماً، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ لِنَجْزِيَ بِالنُّونِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ لِيَجْزِيَ اللَّهُ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ لِيَجْزِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ الْأُولَى جزم [2] الثَّانِيَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ، قَالَ أَبُو عمرو: وهو
__________
1908- أثر ابن عباس ذكره المصنف هاهنا تعليقا، وله في أول الكتاب أسانيد متعددة عن ابن عباس، وأكثرها واه بمرة، وتفرد المصنف به دليل وهنه أو بطلانه حيث لم أجده عند غيره، ولا ذكره السيوطي في «الدر» ولا ابن كثير في «التفسير» .
- وأثر مقاتل، إسناده إليه أول الكتاب، وهو مرسل، ومقاتل إن كان ابن حبان فقد روى مناكير، وإن كان ابن سليمان، فهو كذاب.
- وأثر القرظي، فسنده إليه أول الكتاب، ومع إرساله هو من طريق أبي معشر وهو ضعيف.
- وأثر السدي ساقه هاهنا تعليقا كسابقه، وإسناده إليه أول الكتاب.
وأخرج الطبري 31185 بسند فيه مجاهيل عن ابن عباس نحوه.
- الخلاصة: كون السورة نزلت في عمر، واه بمرة، والقول الثاني أقرب للصواب، وإن لم يصح بوجه من الوجوه، والله أعلم.
(1) في المطبوع «نزل» والمثبت عن ط والمخطوط.
(2) في المطبوع «سكون» والمثبت عن المخطوط.
(4/185)

ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)
لَحْنٌ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ لِيَجْزِيَ الْجَزَاءَ قَوْمًا، بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ، التَّوْرَاةُ، وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، الْحَلَالَاتِ يَعْنِي الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ، أَيْ عَالَمِي زَمَانِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ فِي زَمَانِهِمْ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ وَلَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُمْ.
وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ، يَعْنِي الْعِلْمَ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا بَيَّنَ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِ، فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.

[سورة الجاثية (45) : الآيات 18 الى 22]
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22)
ثُمَّ جَعَلْناكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلى شَرِيعَةٍ، سُنَّةٍ وَطَرِيقَةٍ بَعْدَ مُوسَى، مِنَ الْأَمْرِ، مِنَ الدِّينِ، فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْنِي مُرَادَ الْكَافِرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ ارْجِعْ إِلَى دِينِ آبَائِكِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَفْضَلَ مِنْكَ.
فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، لَنْ يَدْفَعُوا عَنْكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا إِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ.
هذا، يعني القرآن، بَصائِرُ، مَعَالِمُ، لِلنَّاسِ، فِي الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ يُبْصِرُونَ بِهَا، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
أَمْ حَسِبَ
، بَلْ حَسِبَ، الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
، اكْتَسَبُوا الْمَعَاصِيَ وَالْكُفْرَ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ، قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: لَئِنْ كَانَ مَا تَقُولُونَ حَقًّا لَنُفَضَّلَنَّ عَلَيْكُمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا فُضِّلْنَا عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا.
سَواءً مَحْياهُمْ
قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ سَواءً
بِالنَّصْبِ أَيْ نَجْعَلُهُمْ سَوَاءً، يَعْنِي أَحَسِبُوا أَنَّ حَيَاةَ الْكَافِرِينَ وَمَماتُهُمْ
كَحَيَاةِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَوْتِهِمْ سَوَاءً كَلَّا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ أَيْ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَوَاءٌ فَالضَّمِيرُ فِيهِمَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ جَمِيعًا، مَعْنَاهُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنٌ مَحْيَاهُ وَمَمَاتَهُ أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْكَافِرُ كَافِرٌ محياه ومماته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ساءَ مَا يَحْكُمُونَ
، بِئْسَ مَا يَقْضُونَ، قَالَ مَسْرُوقٌ: قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: هَذَا مَقَامُ أَخِيكَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ أَوْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كتاب الله يرددها يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ وَيَبْكِي: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
الآية.

[سورة الجاثية (45) : آية 23]
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23)
(4/186)

وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: معناه ذَلِكَ الْكَافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ مَا يَهْوَاهُ، فَلَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا رَكِبَهُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَلَا يَخَافُهُ، وَلَا يُحَرِّمُ مَا حرم الله. وقال الآخرون: مَعْنَاهُ اتَّخَذَ مَعْبُودَهُ هَوَاهُ فَيَعْبُدُ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتِ الْعَرَبُ يَعْبُدُونَ الْحِجَارَةَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَإِذَا وَجَدُوا شَيْئًا أَحْسَنَ مِنَ الْأَوَّلِ رَمَوْهُ وكسروه، وَعَبَدُوا الْآخَرَ. قَالَ الشِّعْبِيُّ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْهَوَى لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ. وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ، مِنْهُ بِعَاقِبَةِ أَمْرِهِ وَقِيلَ عَلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ ضَالٌّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَخَتَمَ، طَبَعَ، عَلى سَمْعِهِ فَلَمْ يَسْمَعِ الْهُدَى، وَقَلْبِهِ، فَلَمْ يَعْقِلِ الْهُدَى، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ غَشْوَةً بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الشِّينِ، وَالْبَاقُونَ غِشَاوَةً ظُلْمَةً فَهُوَ لَا يُبْصِرُ الْهُدَى، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ، أَيْ فَمَنْ يَهْدِيهِ بَعْدَ أَنْ أضله الله، أَفَلا تَذَكَّرُونَ.

[سورة الجاثية (45) : الآيات 24 الى 27]
وَقالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (24) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ مَا كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)
وَقالُوا، يَعْنِي مُنْكِرِي الْبَعْثِ، مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا، أَيْ مَا الْحَيَاةُ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا، نَمُوتُ وَنَحْيا، أَيْ يَمُوتُ الْآبَاءُ وَيَحْيَا الْأَبْنَاءُ، وَقَالَ الزُّجَاجُ: يَعْنِي نَمُوتُ وَنَحْيَا، فَالْوَاوُ لِلِاجْتِمَاعِ، وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ، أَيْ وَمَا يُفْنِينَا إِلَّا مَرُّ الزَّمَانِ وَطُولُ الْعُمْرِ وَاخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَما لَهُمْ بِذلِكَ، أي الَّذِي قَالُوهُ، مِنْ عِلْمٍ، أَيْ لم يقولوه عن عِلْمٍ، إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ.
«1909» أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّشٌ الزِّيَادِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الحسين القطان ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَقُلِ ابْنُ آدَمَ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ، أُرْسِلُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، فَإِذَا شِئْتُ قَبْضَتُهُمَا» .
«1910» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحمد الطاهري ثنا جَدِّي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرحمن البزاز أنا
__________
1909- إسناده صحيح، أحمد السلمي خرج له مسلم، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- عبد الرزاق بن همام، معمر بن راشد.
- وهو في «شرح السنة» 3281 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد 2/ 318 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 305 من طريق عبد الرزاق به.
- وأخرجه البخاري 4826 و7491 ومسلم 2246 ح 1 وأبو داود 5274 والحميدي 1096 وأحمد 2/ 238 والطبري 31207 وابن حبان 5715 والبيهقي 3/ 365 والبغوي 3282 من طرق عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عن أبي هريرة به.
- وأخرجه مسلم 2246 ح 3 وعبد الرزاق 20938 وأحمد 2/ 2075 من طريق مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ المسيب عن أبي هريرة به.
- وأخرجه الطبري 31211 من طريق معمر عن قتادة عن الزهري عن أبي هريرة به.
1910- صحيح. إسحق ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- عبد الرزاق بن همام، معمر بن راشد، أيوب هو ابن أبي تميمة، ابن سيرين هو محمد.
(4/187)

وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)
مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ أَنَا إسحاق بن إبراهيم الدَّبْرِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ [عَنْ] [1] ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ، وَلَا يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الْكَرْمُ، فَإِنَّ الْكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ» .
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ ذَمُّ الدَّهْرِ، وَسَبِّهِ عِنْدَ النَّوَازِلِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْسُبُونَ إِلَيْهِ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْمَصَائِبِ وَالْمَكَارِهِ، فَيَقُولُونَ: أَصَابَتْهُمْ قَوَارِعُ الدَّهْرِ، وَأَبَادَهُمُ الدَّهْرِ.
كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ فَإِذَا أَضَافُوا إِلَى الدَّهْرِ مَا نَالَهُمْ مِنَ الشدائد سبو فاعلها، وكان مَرْجِعُ سَبِّهِمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِذْ هُوَ الْفَاعِلُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْأُمُورِ الَّتِي يُضِيفُونَهَا إِلَى الدَّهْرِ، فَنُهُوا عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ مَا كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، أَيْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) ، يَعْنِي الْكَافِرِينَ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ الْأَبَاطِيلِ، يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خُسْرَانُهُمْ بِأَنْ يَصِيرُوا إلى النار.

[سورة الجاثية (45) : الآيات 28 الى 32]
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (31) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً، بَارِكَةً عَلَى الرُّكَبِ وَهِيَ جِلْسَةُ الْمُخَاصِمِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ من الله.
قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: إِنَّ فِي الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ هِيَ عَشْرُ سِنِينَ يَخِرُّ النَّاسُ فِيهَا جُثَاةً عَلَى رُكَبِهِمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُنَادِي رَبَّهُ لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي. كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا
، الَّذِي فِيهِ أَعْمَالُهَا، وَقَرَأَ يعقوب كُلَّ أُمَّةٍ بالنصب، وَيُقَالُ لَهُمُ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
هَذَا كِتابُنا، يَعْنِي دِيوَانَ الْحَفَظَةِ، يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ، يَشْهَدُ عَلَيْكُمْ ببيان شاف، كأنه [2] يَنْطِقُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
هَذَا كِتابُنا، يَعْنِي دِيوَانَ الْحَفَظَةِ، يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ، يَشْهَدُ عَلَيْكُمْ ببيان شاف، كأنه يَنْطِقُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أَيْ نَأْمُرُ الْمَلَائِكَةَ بِنَسْخِ أَعْمَالِكُمْ، أَيْ بِكَتْبِهَا وَإِثْبَاتِهَا عليكم. وقيل: تستنسخ أَيْ نَأْخُذُ نُسْخَتَهُ [3] وَذَلِكَ أَنَّ الملكين يرفعان عمل
__________
- وهو في «شرح السنة» 3281 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20937 عن معمر به.
- وأخرجه مسلم 2247 وأحمد 2/ 272 من طريق عبد الرزاق به.
- وأخرجه مسلم 2246 ح 5 والبيهقي 3/ 365 من طريق هشام عن ابن سيرين به دون عجزه «ولا يقولن للعنب ... » .
(1) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» .
(2) في المطبوع «فكأنه» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع «نسخة» والمثبت عن المخطوط.
(4/188)

وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33)
الإنسان فبثبت اللَّهُ مِنْهُ مَا كَانَ لَهُ فِيهِ ثَوَابٌ أَوْ عِقَابٌ، وَيَطْرَحُ مِنْهُ اللَّغْوَ نَحْوَ قَوْلِهِمْ هَلُمَّ وَاذْهَبْ، وَقِيلَ:
الِاسْتِنْسَاخُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ تَنْسَخُ الْمَلَائِكَةُ كُلَّ عَامٍ مَا يَكُونُ [مِنْ] [1] أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ، وَالِاسْتِنْسَاخُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَصْلٍ، فَيُنْسَخُ كِتَابٌ مِنْ كتاب. وقال الضحاك: يستنسخ [2] أي يثبت. وقال السدي:
تكتب. وقال الحسن: تحفظ.
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) ، الظَّفْرُ الظَّاهِرُ.
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، يُقَالُ لَهُمْ، أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ، مُتَكَبِّرِينَ كَافِرِينَ.
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيها، قَرَأَ حَمْزَةُ: «وَالسَّاعَةَ» نَصَبَ عطفا [3] عَلَى الْوَعْدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا، أَيْ مَا نَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا حَدْسًا [4] وَتَوَهُّمًا. وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ، أنها كائنة.

[سورة الجاثية (45) : الآيات 33 الى 37]
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (34) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)
وَبَدا لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا، فِي الدُّنْيَا أَيْ جَزَاؤُهَا وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ، نَتْرُكُكُمْ فِي النَّارِ، كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا، تَرَكْتُمُ الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ لِلِقَاءِ هَذَا الْيَوْمِ، وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، حَتَّى قُلْتُمْ:
لَا بَعْثَ وَلَا حِسَابَ، فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْها، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ، لَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ الْيَوْمَ عُذْرًا وَلَا تَوْبَةَ.
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ، الْعَظْمَةُ، فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
«1911» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي حَدَّثَنَا السيد أبو الحسين]
محمد بن الحسين
__________
1911- صحيح. إسناده ضعيف، إبراهيم بن طهمان سمع من عطاء بعد الاختلاط، لكن تابعه غير واحد، ومنهم سفيان، وقد سمع من عطاء قبل الاختلاط، وللحديث طرق أخرى.
- وهو في «شرح السنة» 3486 بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 4090 والطيالسي 2387 وابن حبان 328 و5671 من طريق حماد بن سلمة.
- وأخرجه أبو داود 4090 وابن ماجه 4174 من طريق أبي الأحوص.
- وأخرجه الطيالسي 2387 وابن أبي شيبة 9/ 89 من طريق ابن فضيل.-
(1) في المطبوع «أعمال من» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(2) في المطبوع «تستنسخ» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع «عطفها» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المخطوط (ب) «حدثا» .
(5) في المطبوع «الحسن» والمثبت عن «شرح السنة» والمخطوط (ب) .
(4/189)

حم (1)
العلوي أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ محمد بن الحسن الشرقي ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَّاءُ وَقَطَنُ بْنُ إبراهيم قالوا أنا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظْمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِي [1] وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» [2] .

سورة الأحقاف
مكية وهي خمس وثلاثون آية

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى 8]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (4)
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (5) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (6) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى
__________
- وأخرجه الحميدي 1149 وأحمد 2/ 248 و376 من طريق سفيان.
كلهم عن عطاء بن السائب بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2620 والبخاري في «الأدب المفرد» 552 من طريق الأعمش عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْأَغَرِّ أبي مسلم أنه حدثه عن أبي سعيد وأبي هريرة ... فذكره مرفوعا.
- وأخرجه أحمد 2/ 414 من طريق حماد عن سهيل عن عطاء بن السائب به.
- وأخرجه الحاكم 1/ 61 من طريق حماد عن قتادة عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أبي هريرة به.
- وورد من حديث ابن عباس:
أخرجه ابن ماجه 4175 وابن حبان 5672.
قال البوصيري في «الزوائد» : هذا إسناد رجاله ثقات إلّا أن عطاء بن السائب اختلط بأخرة، ولم يعرف حال عبد الرحمن بن محمد المحاربي هل روى عنه قبل الاختلاط أو بعده.
- قلت: تقدم من طرق، وأن الثوري سمع منه، قبل الاختلاط، وقد توبع، فالحديث صحيح.
(1) قوله «في» ليس في «شرح السنة» ولا في المخطوط.
(2) في المخطوط (ب) «ناري» .
(4/190)

قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)
، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ الْأَجَلُ الَّذِي تَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى فَنَائِهِمَا [1] وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا، خُوِّفُوا بِهِ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ، مُعْرِضُونَ.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا، أَيْ بِكِتَابٍ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ قَبْلَ الْقُرْآنِ فِيهِ بَيَانُ مَا تَقُولُونَ، أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ، قَالَ الْكَلْبِيُّ:
أَيْ بَقِيَّةٍ مِنْ عِلْمٍ يُؤْثَرُ على الْأَوَّلِينَ، أَيْ يُسْنَدُ إِلَيْهِمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ: رِوَايَةٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: خَاصَّةٌ مِنْ عِلْمٍ. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنَ الْأَثَرِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ [2] ، يُقَالُ: أَثَرْتُ الْحَدِيثَ أَثَرًا وَأَثَارَةً، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْخَبَرِ: أَثَرٌ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ، يَعْنِي الْأَصْنَامَ لَا تُجِيبُ عَابِدِيهَا إِلَى شَيْءٍ يَسْأَلُونَهَا، إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، يعني أَبَدًا مَا دَامَتِ الدُّنْيَا، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ، لِأَنَّهَا جَمَادٌ لَا تَسْمَعُ وَلَا تَفْهَمُ.
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (6) جَاحِدِينَ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ: تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ مَا كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ [الْقَصَصِ: 63] .
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) ، يُسَمُّونَ الْقُرْآنَ سِحْرًا.
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، مُحَمَّدٌ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وجلّ: قُلْ، يا محمد، إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَرُدُّوا عَنِّي عَذَابَهُ إِنْ عَذَّبَنِي عَلَى افْتِرَائِي، فَكَيْفَ أَفْتَرِي عَلَى اللَّهِ مِنْ أَجْلِكُمْ، هُوَ أَعْلَمُ، [أي] الله أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ، تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْقُرْآنِ وَالْقَوْلِ فِيهِ إِنَّهُ سِحْرٌ. كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، أَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فِي تَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ، قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا دُعَاءٌ لَهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ، مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَفُورٌ لِمَنْ تَابَ منكم رحيم به.

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 9 الى 10]
قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)
قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ، أَيْ بَدِيعًا مِثْلُ نِصْفٍ ونصيف، وجمع البدع أبداع، [أي] [3] لَسْتُ بِأَوَّلِ مُرْسَلٍ، قَدْ بُعِثَ قَبْلِي كَثِيرٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ نُبُوَّتِي. وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَرِحَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالُوا: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى مَا أَمْرُنَا وَأَمْرُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا وَاحِدٌ، وَمَا لَهُ عَلَيْنَا مِنْ مَزِيَّةٍ وَفَضْلٍ، وَلَوْلَا أَنَّهُ ابْتَدَعَ مَا يَقُولُهُ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ لَأَخْبَرَهُ الَّذِي بَعَثَهُ بِمَا يُفْعَلُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الْفَتْحِ: 2] ، فَقَالَتِ الصَّحَابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا مَا يُفْعَلُ بِكَ، فَمَاذَا يُفْعَلُ بِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ [الفتح: 5] الآية، وَأَنْزَلَ: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (47) [الْأَحْزَابِ: 47] ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يُفْعَلُ بِهِ وَبِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ أَنَسٍ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ، قَالُوا: إِنَّمَا قَالَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُخْبَرَ بِغُفْرَانِ ذَنْبِهِ وَإِنَّمَا أُخْبِرَ بِغُفْرَانِ ذَنْبِهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ.
__________
(1) في المخطوط «فنائها» .
(2) في المخطوط (ب) «رواية» .
(3) زيادة عن المخطوط (ب) .
(4/191)

«1912» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بِشْرَانَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةُ تَقُولُ لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ: اقْتَرَعَتِ الْأَنْصَارُ على سكناهم، قَالَتْ: فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي السُّكْنَى، فَمَرِضَ فَمَرَّضْنَاهُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلَ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السائب فشهادتي أن قَدْ [1] أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ» ؟ فَقُلْتُ لَا وَاللَّهِ لَا أَدْرِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ أَتَاهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ وَإِنِّي لِأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بي ولا بكم» قالت: فو الله لَا أُزَكِّي بَعْدَهُ أَحَدًا أَبَدًا، قَالَتْ: ثُمَّ رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ بَعْدُ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «ذَاكَ عَمَلُهُ» .
وقالت جَمَاعَةٌ: قَوْلُهُ وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّ مَنْ كَذَّبَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ.
«1913» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَرْضًا ذَاتَ سِبَاخٍ وَنَخْلٍ رُفِعَتْ لَهُ يُهَاجِرُ إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مَتَى تُهَاجِرُ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أُرِيتَ فَسَكَتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ، أَأُتْرَكُ فِي مَكَانِي أَمْ أَخْرُجُ وَإِيَّاكُمْ [2] إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي رُفِعَتْ لِي.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بكم إلى ماذا يصير عاقبة أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ فِي الدُّنْيَا، بِأَنْ أُقِيمَ مَعَكُمْ فِي مَكَانِكُمْ أَمْ أخرج كما خرجت الأنبياء من قبلي، أما أُقْتَلَ كَمَا قُتِلَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِي، وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُصَدِّقُونَ لَا أَدْرِي تُخْرَجُونَ مَعِي أَمْ تُتْرَكُونَ، أما ماذا يفعل بكم [وما أدري ما يفعل بكم] [3] أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ، أَتُرْمَوْنَ بِالْحِجَارَةِ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ يُخْسَفُ بِكُمْ، أَمْ أي شيء يفعل بكم، كما [4] فُعِلَ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ؟
ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ
__________
1912- صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم سوى أحمد الرمادي لكن توبع، وللحديث طرق.
- عبد الرزاق بن همام، معمر بن راشد، الزهري محمد بن مسلم.
- وهو في «شرح السنة» 3188 بهذا الإسناد.
- وهو في «المصنف» لعبد الرزاق 20422 عن معمر بهذا الإسناد.
- ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد 6/ 436 والطبراني 25 (337) .
- وأخرجه البخاري 1243 و7003 و2687 و7004 و7018 وأحمد 6/ 436 وابن سعد 3/ 398 والطبراني 25/ 338 و339) من طرق عن الزهري به.
- وأخرجه أحمد 6/ 436 وابن حبان 643 من طريق أبي النضر عن خارجة بن زيد عن أمه أم العلاء به مختصرا.
- وأخرجه الطبراني 4879 من طريق ابن لهيعة عن أبي النضر عن خارجة بن زيد عن أبيه.
1913- واه بمرة. ذكره المصنف عن ابن عباس تعليقا، وله إلى ابن عباس أسانيد متعددة أول الكتاب، وعامتها واه.
- وذكره الواحدي في «أسباب النزول» 744 معلقا عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عن ابن عباس، وهذا ساقط، الكلبي متروك كذاب، والخبر واه بمرة ليس بشيء.
(1) في المطبوع «عليك لقد» والمثبت عن «شرح السنة» والمخطوط (ب) .
(2) في المطبوع «أنا وأنتم» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المخطوط «مما» .
(4/192)

عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: 33 والفتح: 28 والصف: 9] ، وَقَالَ فِي أُمَّتِهِ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) [الْأَنْفَالِ: 33] ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ مَا يُصْنَعُ بِهِ وَبِأُمَّتِهِ، هَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ، أَيْ مَا أَتْبَعُ إِلَّا الْقُرْآنَ، وَلَا أَبْتَدِعُ مِنْ عِنْدِي شَيْئًا، وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ، مَعْنَاهُ: أَخْبَرُونِي مَاذَا تَقُولُونَ، إِنْ كانَ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ، أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ، وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ، الْمِثْلُ: صِلَةٌ، يَعْنِي عَلَيْهِ، أَيْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَآمَنَ، يَعْنِي الشَّاهِدَ، وَاسْتَكْبَرْتُمْ، عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَجَوَابُ قَوْلِهِ: إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مَحْذُوفٌ عَلَى تَقْدِيرِ: أَلَيْسَ قَدْ ظَلَمْتُمْ [1] يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: جَوَابُهُ: فَمَنْ أَضَلُّ مِنْكُمْ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ [10] وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الشَّاهِدِ قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، شَهِدَ عَلَى نُبُوَّةِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنَ بِهِ، وَاسْتَكْبَرَ الْيَهُودُ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.
«1914» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بن بكر ثنا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِمَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ [2] فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا، قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ، [الْبَقَرَةِ: 97] ، فَأَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كبد حوت [3] ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نُزِعَ الْوَلَدُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي [4] قَبْلَ أن تسألهم عني يبهتونني، فجاءت اليهود فقال لهم: أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنَّ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنِ شَرِّنَا، فَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» .
«1915» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا محمد بن يوسف ثنا
__________
1914- إسناده صحيح على شرط البخاري حيث تفرد عن ابن منير، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- حميد هو ابن أبي حميد الطويل.
- وهو في «شرح السنة» 3663 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 4480 عن عبد الله بن منير بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 2938 و3329 والنسائي في «عشرة النساء» 189 وأحمد 3/ 108 وأبو يعلى 3856 وابن حبان 7161 والبيهقي في «الدلائل» 2/ 528- 529 من طرق عن حميد به.
- وأخرجه أحمد 3/ 271 وأبو يعلى 3414 وابن حبان 7423 وأبو نعيم في «الدلائل» 247 من طريق حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ وحميد عن أنس به.
1915- إسناده صحيح على شرط البخاري.-
(1) المطبوع «ظللتم» والمثبت عن المخطوط و «ط» .
(2) زيد في المطبوع «النخل» .
(3) في المطبوع «الخوت» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .
(4) زيد في المطبوع «من» .
(4/193)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11)
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي النَّضِرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ، قَالَ: لَا أَدْرِي قَالَ مَالِكٌ الْآيَةَ أَوْ في الحديث.
قال: الْآخَرُونَ الشَّاهِدُ هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ.
«1916» وَقَالَ الشَّعْبِيُّ قَالَ مَسْرُوقٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لِأَنَّ الْ حم نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِالْمَدِينَةِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُحَاجَّةٍ كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمِهِ، وَمِثْلُ الْقُرْآنِ التَّوْرَاةُ فَشَهِدَ مُوسَى عَلَى التَّوْرَاةِ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى القرآن [1] ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يُصَدِّقُ الْآخَرَ.
وَقِيلَ: هو نبي من نبي إِسْرَائِيلَ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ فَلَمْ تُؤْمِنُوا.

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 11 الى 15]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً مَا سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (14) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مِنَ الْيَهُودِ، لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ، دِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَيْراً مَا سَبَقُونا إِلَيْهِ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، قَالُوا: لَوْ كَانَ مَا يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا مَا سَبَقَنَا إِلَيْهِ فَلَانٌ وَفُلَانٌ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الَّذِينَ كَفَرُوا أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، قَالُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا يَعْنِي جُهَيْنَةَ وَمُزَيْنَةَ: لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا مَا سَبَقَنَا إليه رعاء إليهم: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، يَعْنِي بِالْقُرْآنِ كَمَا اهْتَدَى بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ، كَمَا قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
وَمِنْ قَبْلِهِ، أَيْ من قَبْلِ الْقُرْآنِ، كِتابُ مُوسى، يَعْنِي التوراة، إِماماً، يقتدى به،
__________
- أبو النضر هو سالم بن أبي أمية.
- وهو في «شرح السنة» 3885 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 3812 عن عبد الله بن يوسف بهذا الإسناد.
- وأخرجه الطبري 31249 وابن حبان 7163 من طريقين عن عبد الله بن يوسف به.
- وأخرجه مسلم 2483 والنسائي في «فضائل الصحابة» 148 وأحمد 1/ 169 من طريق مالك بهذا الإسناد.
تنبيه: ليس عند مسلم ذكر الآية، بل عند البخاري أيضا على الشك حيث قال شيخه عبد الله بن يوسف: لَا أَدْرِي قَالَ مَالِكٌ الْآيَةَ، أو في الحديث اهـ.
1916- مرسل صحيح. أخرجه الطبري 31246 من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي به وهذا مرسل، وإسناده إلى الشعبي صحيح.
- والصواب أن يقال: الآية عامة وابن سلام من هؤلاء، وهو الذي اختاره ابن كثير 4/ 185.
(1) في المخطوط (ب) «الفرقان» .
(4/194)

أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)
وَرَحْمَةً، مِنَ اللَّهِ لِمَنْ آمَنَ بِهِ، وَنُصِبَا عَلَى الْحَالِ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ جَعَلْنَاهُ إِمَامًا وَرَحْمَةً، وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وَتَقَدَّمَهُ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَلَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ، أَيِ الْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِلْكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ، لِساناً عَرَبِيًّا، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ، لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَيَعْقُوبُ: لِتُنْذِرَ بِالتَّاءِ عَلَى خِطَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ يَعْنِي الْكِتَابَ، وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ، وَبُشْرى فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، أَيْ هَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ وَبُشْرَى.
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (14) .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً. وقرأ أَهْلُ الْكُوفَةِ: إِحْساناً كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [البقرة: 83 والنساء: 36، الأنعام: 151 والإسراء: 23] ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً، يُرِيدُ شِدَّةَ الطَّلْقِ، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَبُو عَمْرٍو كَرْهًا بِفَتْحِ الْكَافِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهِمَا. وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ، فِطَامُهُ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: وَفَصْلُهُ بِغَيْرِ أَلْفٍ، ثَلاثُونَ شَهْراً، يُرِيدُ أَقَلَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَأَكْثَرَ مُدَّةِ الرِّضَاعِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا.
وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِذَا حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ أَرْضَعَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ شَهْرًا، وَإِذَا حَمَلَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَرْضَعَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَهْرًا. حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ، نِهَايَةَ قُوَّتِهِ، وَغَايَةَ شَبَابِهِ وَاسْتِوَائِهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَدْ مَضَتِ الْقِصَّةُ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصديق وأبيه وأبي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، وَأُمِّهِ أُمِّ الْخَيْرِ بِنْتِ صَخْرِ بْنِ عَمْرٍو.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ أَسْلَمَ أَبَوَاهُ جَمِيعًا وَلَمْ يجتمع لأحد من المهاجرين أسلم أَبَوَاهُ غَيْرُهُ أَوْصَاهُ اللَّهُ بِهِمَا، وَلَزِمَ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةٍ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَنُبِّئَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَ بِهِ وَدَعَا رَبَّهُ فَ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي، أَلْهِمْنِي، أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ، بِالْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ، وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَجَابَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ، وَلَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَدَعَا أَيْضًا فَقَالَ: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي، فَأَجَابَهُ اللَّهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إِلَّا آمَنُوا جَمِيعًا، فَاجْتَمَعَ لَهُ إِسْلَامُ أَبَوَيْهِ وَأَوْلَادِهِ جَمِيعًا فَأَدْرَكَ أَبُو قُحَافَةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُهُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عَتِيقٍ كُلُّهُمْ أَدْرَكُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. قَوْلُهُ: إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 16 الى 17]
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (16) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17)
(4/195)

أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18)
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا، يَعْنِي أَعْمَالَهُمُ الصَّالِحَةَ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا، وَكُلُّهَا حسن، والأحسن بمعنى الحسن، فيثيبهم عليها، وتتجاوز عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، فَلَا نُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهَا، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ نَتَقَبَّلُ وَنَتَجاوَزُ بِالنُّونِ، أَحْسَنَ نَصْبٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، وَضَمِّهَا أَحْسَنُ رَفْعٌ. فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ، مَعَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [التَّوْبَةِ: 72] .
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ، إِذْ دَعَوَاهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ، أُفٍّ لَكُما، وَهِيَ كَلِمَةُ كَرَاهِيَةٍ، أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ، مِنْ قَبْرِي حَيًّا، وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي، فَلَمْ يُبْعَثْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ، يَسْتَصْرِخَانِ وَيَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ عَلَيْهِ وَيَقُولَانِ لَهُ: وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا، مَا هَذَا الَّذِي تَدْعُوَانِي إِلَيْهِ، إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وَمُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ إِسْلَامِهِ كَانَ أَبَوَاهُ يَدْعُوَانِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ يَأْبَى، وَيَقُولُ:
أَحْيُوا لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانَ وَعَامِرَ بْنَ كَعْبٍ وَمَشَايِخَ قُرَيْشٍ حَتَّى أَسْأَلَهُمْ عَمَّا تَقُولُونَ، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كَافِرٍ عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ، قَالَهُ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ إسلامه يبطله قوله.

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 18 الى 20]
أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)
أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ، الْآيَةَ أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُؤْمِنٌ مِنْ أَفَاضِلِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكُونُ مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، وَمَعْنَى أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ، فِي أُمَمٍ، مَعَ أُمَمٍ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ.
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما: يُرِيدُ مَنْ سَبَقَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ ولو بساعة، قال مُقَاتِلٌ: وَلِكُلٍّ فَضَائِلُ بِأَعْمَالِهِمْ فَيُوَفِّيهِمُ اللَّهُ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ. وَقِيلَ: وَلِكُلٍّ يَعْنِي وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ المؤمنين والكافرين درجات، يعني مَنَازِلُ وَمَرَاتِبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ درج أهل النار تذهب سفالا، وَدَرَجُ أَهْلُ الْجَنَّةِ تَذْهَبُ عُلْوًا. وَلِيُوَفِّيَهُمْ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بالنون. أَعْمالَهُمْ، ليكتمل لهم ثواب أَعْمَالَهُمْ، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُمْ، أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ: أَأَذْهَبْتُمْ، بِالِاسْتِفْهَامِ، وَيَهْمِزُ ابْنُ عَامِرٍ هَمْزَتَيْنِ، وَالْآخَرُونَ بِلَا اسْتِفْهَامٍ عَلَى الخبر كلاهما فَصِيحَانِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَفْهِمُ بِالتَّوْبِيخِ، وتترك الِاسْتِفْهَامِ فَتَقُولُ: أَذَهَبْتَ فَفَعَلْتَ كَذَا؟
وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها، يَقُولُ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ يَعْنِي اللَّذَّاتِ وَتَمَتَّعْتُمْ بِهَا؟ فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ، أَيِ الْعَذَابَ الَّذِي فِيهِ ذُلٌّ وَخِزْيٌّ، بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ، تَتَكَبَّرُونَ، فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ، فَلَمَّا وَبَّخَ اللَّهُ الْكَافِرِينَ بِالتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ فِي الدُّنْيَا آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَالصَّالِحُونَ اجْتِنَابَ اللَّذَّاتِ فِي
(4/196)

الدُّنْيَا رَجَاءَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ.
«1917» وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فقال: «أولئك قوم قد عُجِّلُوا طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» .
«1918» أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ [1] أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بنا كليب [الشاشي] [2] ثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بشار قال ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
«1919» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ [عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] [3] بْنِ بِشْرَانَ أنا إسماعيل بن محمد بن الصَّفَّارُ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عنها أنها قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا وَمَا هُوَ [4] إِلَّا الْمَاءُ وَالتَّمْرُ، غير
__________
1917- تقدم في سورة آل عمران عند آية: 198 وفي سورة الأحزاب، أخرجه مسلم وغيره.
1918- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
- شعبة هو ابن الحجاج، أبو إسحق هو عمرو بن عبد الله.
- وهو في «شرح السنة» 3967 بهذا الإسناد.
- وهو في «الشمائل» للترمذي 145 عن مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بشار بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم 2970 ح 22 وأحمد 6/ 98 وابن ماجه 3346 من طريق محمد بن جعفر به.
- وأخرجه الطيالسي 2463 والترمذي 238 وأبو يعلى 4541 من طريق شعبة به.
وأخرجه أبو يعلى 4540 من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به.
- وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
- وأخرجه البخاري 5416 و6454 ومسلم 2974 وأحمد 6/ 156 و255 وابن حبان 6358 وابن سعد 1/ 402 و403 من طرق عن عائشة.
1919- إسناده صحيح، أحمد الرمادي ثقة روى له مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- عروة هو ابن الزبير.
- وهو في «شرح السنة» 3969 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20625 عن معمر به.
- وأخرجه البخاري 6456 و6458 ومسلم 2972 وأبو داود 4146 و4147 والترمذي 1761 و246 و2471 وابن ماجه 4144 و4151 وابن سعد 1/ 464 وأحمد 6/ 48 و50 و56 و108 و207 و212 وابن أبي شيبة 13/ 218- 219 وابن حبان 6361 وأبو الشيخ في «أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم» 853 من طرق عن هشام بن عروة به.
- وأخرجه البخاري 2567 و6459 ومسلم 2972 ح 28 وابن أبي شيبة 6348 وابن حبان 6348 من طريق أبي حازم عن يزيد بن رومان عن عروة به. [.....]
(1) في المخطوط (ب) «الجرجاني» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المطبوع «لنا» والمثبت عن «شرح السنة» والمخطوط (ب) .
(4/197)

أَنْ جَزَى اللَّهُ نِسَاءً مِنَ الْأَنْصَارِ خَيْرًا، كُنَّ رُبَّمَا أَهْدَيْنَ لَنَا شَيْئًا مِنَ اللَّبَنِ.
«1920» أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الجوزجاني [1] أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ [الشَّاشِيُّ] [2] ثَنَا أبو عيسى الترمذي ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ ثنا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا، وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ.
«1921» أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ [3] أَنَا أَبُو القاسم الخزاعي أنا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ ثَنَا أَبُو عيسى ثنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثنا روح بن أسلم أبو حاتم البصري ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيَتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ ليلة ويوم ومالي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ [4] يُوَارِيهِ إِبِطُ بِلَالٍ» .
«1922» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف ثنا
__________
1920- إسناده لين، رجاله ثقات مشاهير غير هلال بن خباب، فقد وثقه ابن معين وغيره، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد وقال العقيلي: في حديثه وهم، وقد تغير بأخرة.
- فالإسناد لين لكن لأصله ما يشهد له، إلا أن حديثه محمول على ما قبله.
- وهو في «شرح السنة» 3972 بهذا الإسناد.
- وهو في «سنن الترمذي» 2361 عن عبد الله بن معاوية بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن ماجه 3347 عن عبد الله بن معاوية به.
- وأخرجه أحمد 1/ 255 من طريق آخر عن ثابت به.
الخلاصة: الإسناد لين، لكن لأصله شواهد، وهو محمول على الذي قبله أي وجود التمر والماء، والمراد من الحديث عدم وجود الطعام والإدام، والله أعلم.
1921- حسن. إسناده ضعيف لضعف روح بن أسلم، لكن توبع ومن دونه، ومن فوقه ثقات.
- ثابت هو ابن أسلم البناني.
- وهو في «شرح السنة» 3975 بهذا الإسناد.
- وهو في «شرح السنة» 3975 بهذا الإسناد.
- وهو في «سنن الترمذي» 2472 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرحمن بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن ماجه 151 وأحمد 3/ 120 و286 والترمذي في «الشمائل» 137 وأبو يعلى 3423 وابن أبي شيبة 11/ 464 و14/ 300 وابن حبان 6560 وأبو نعيم في «الحلية» 1/ 150 من طرق عن حماد بن سلمة به.
1922- إسناده صحيح على شرط البخاري.
- ابن فضيل هو محمد بن فضيل بن غزوان، أبو حازم هو سلمة بن دينار.
- وهو في «شرح السنة» 3976 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 442 عن يوسف بن عيسى بهذا الإسناد.
- وأخرجه ابن حبان 682 والبيهقي 2/ 241 من طريق محمد بن فضيل به.
- وأخرجه أحمد في «الزهد» ص 13 من طريق وكيع عن الفضيل بن غزوان به.
(1) في المخطوط (ب) «الجرجاني» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المخطوط (ب) «الجرجاني» .
(4) زيد في المطبوع «من التمر» وليس هو في «شرح السنة» أو المخطوط.
(4/198)

وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا يُوسُفُ بن عيسى ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ.
«1923» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي توبة الكشميهني ثَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ [بْنُ أحمد] بن الحارث ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ الله بن المبارك عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي فَكُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ بِهَا رَأْسُهُ بدت بجلاه، وَإِنْ غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، قَالَ: وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي. [فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ] ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ، أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَحْمًا مُعَلَّقًا فِي يَدِي، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جَابِرُ؟ قُلْتُ:
اشْتَهَيْتُ لَحْمًا فَاشْتَرَيْتُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوْ كُلَّمَا اشْتَهَيْتَ شَيْئًا يَا جَابِرُ اشْتَرَيْتَ، أَمَا تَخَافُ هَذِهِ الْآيَةَ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا.

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 21 الى 25]
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لَا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ، يعني هودا، إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
الْأَحْقَافُ وَادٍ بَيْنَ عُمَانَ وَمَهْرَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَتْ منازل بِالْيَمَنِ فِي حَضْرَمَوْتَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ مَهْرَةُ، وَإِلَيْهَا تُنْسَبُ الْإِبِلُ الْمُهْرِيَّةُ، وَكَانُوا أَهْلَ عُمُدٍ سَيَّارَةٍ فِي الرَّبِيعِ فَإِذَا هَاجَ الْعُودُ رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَكَانُوا مِنْ قَبِيلَةِ إِرَمَ.
قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَادًا كَانُوا أَحْيَاءً بِالْيَمَنِ وَكَانُوا أَهْلَ رَمْلٍ مُشْرِفِينَ عَلَى الْبَحْرِ بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا
__________
1923- صحيح. إسناده حسن لأجل إبراهيم الخلال، فإنه صدوق، لكن توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- إبراهيم هو ابن عبد الرحمن بن عوف سمع أباه وعمر والكبار.
- وهو في «شرح السنة» 3979 بهذا الإسناد.
- وهو في «الزهد» لابن المبارك 521 عن شعبة بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 1275 و4045 من طريق ابن المبارك به.
- وأخرجه ابن حبان 7018 من طريق شعبة له.
- وأخرجه البخاري 1274 والبيهقي في «الدلائل» 3/ 299 من طريق إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سعد بن إبراهيم له.
(4/199)

الشّحر [1] والأحقاف جَمْعُ حِقْفٍ وَهِيَ الْمُسْتَطِيلُ الْمُعْوَجُّ مِنَ الرِّمَالِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ مَا اسْتَطَالَ مِنَ الرَّمْلِ كَهَيْئَةِ الْجَبَلِ وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ جَبَلًا، قَالَ الْكِسَائِيُّ: هِيَ ما استدار من الرمال، وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ، مَضَتِ الرُّسُلُ، مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، أَيْ مِنْ قَبْلِ هُودٍ، وَمِنْ خَلْفِهِ، إِلَى قَوْمِهِمْ، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا، لِتَصْرِفَنَا، عَنْ آلِهَتِنا، أَيْ عَنْ عِبَادَتِهَا، فَأْتِنا بِما تَعِدُنا، مِنَ الْعَذَابِ، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، أَنَّ العذاب نازل بنا.
قالَ، هُودٌ، إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِيكُمُ الْعَذَابُ، وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ، من الوحي إليكم، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ.
فَلَمَّا رَأَوْهُ، يَعْنِي مَا يُوعَدُونَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، عارِضاً، سَحَابًا يَعْرِضُ أَيْ يَبْدُو فِي نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ يُطَبِّقُ السَّمَاءَ، مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ مِنْ وَادٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ الْمُغِيثُ، وَكَانُوا قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ، فَلَمَّا رَأَوْهَا اسْتَبْشَرُوا، قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:
بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَحْمِلُ الْفُسْطَاطَ وَتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ حَتَّى تُرَى كَأَنَّهَا جَرَادَةٌ.
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، مَرَّتْ بِهِ مِنْ رِجَالِ عَادٍ وَأَمْوَالِهَا، بِأَمْرِ رَبِّها، فَأَوَّلُ مَا عَرَفُوا أَنَّهَا عَذَابٌ رَأَوْا مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ دِيَارِهِمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمَوَاشِي تَطِيرُ بِهِمُ الرِّيحُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَدَخَلُوا بُيُوتَهُمْ وَأَغْلَقُوا أَبْوَابَهُمْ فَجَاءَتِ الرِّيحُ فَقَلَعَتْ أَبْوَابَهُمْ وَصَرَعَتْهُمْ، وَأَمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَأَمَالَتْ عَلَيْهِمُ الرمال، وكانوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، لَهُمْ أَنِينٌ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرِّمَالَ فَاحْتَمَلَتْهُمْ فَرَمَتْ بِهِمْ فِي الْبَحْرِ.
«1924» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ [2] الإِسْفَرَاينِيُّ أَنَا أَبُو عُوَانَةَ يَعْقُوبُ بن إسحاق الحافظ أنا يونس أنا ابن وهب أنا عمرو بن الحارث [أن] [3] أبا النَّضْرُ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ بَيَاضَ لَهَوَاتِهِ، وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَإِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا، الآية» .
«1925» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الإسفرايني أنا
__________
1924- إسناده صحيح على شرط مسلم، حيث تفرد عن يونس، لكن توبع، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- يونس هو ابن عبد الأعلى، ابن وهب هو عبد الله، أبو النضر هو سالم بن أبي أمية.
- وهو في «شرح السنة» 1145 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 4828 و4829 ومسلم 899 ح 16 من طريق ابن وهب بهذا الإسناد.
- وتقدم في سورة النمل عند آية: 19.
1925- صحيح. يوسف ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.-[.....]
(1) في المخطوط (ب) «الشجر» وفي المخطوط (أ) «السحر» .
(2) في المخطوط (ب) «الحسين» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4/200)

وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)
أبو عوانة ثنا يوسف هو ابن [سعيد بن] [1] مسلّم ثنا حجاج عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ قال: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة تغير وجهه وتلون، ودخل وخرج وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت السماء سري عنه، قالت: وذكرت له الذي رأيت، قال: «وما يدريك لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا الْآيَةَ» .
فَأَصْبَحُوا لَا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ، قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ يُرَى، بِضَمِّ الْيَاءِ مَساكِنُهُمْ بِرَفْعِ النُّونِ يَعْنِي لَا يُرَى شَيْءٌ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ وَفَتْحِهَا، مَسَاكِنَهُمْ نَصْبٌ يَعْنِي لَا تَرَى أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا مَسَاكِنَهُمْ لِأَنَّ السُّكَّانَ وَالْأَنْعَامَ بَادَتْ بِالرِّيحِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا هُودٌ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ. كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ.

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 26 الى 28]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (28)
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ، يَعْنِي فِيمَا لَمْ نُمَكِّنْكُمْ فِيهِ مِنْ قُوَّةِ الْأَبْدَانِ وَطُولِ الْعُمْرِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: (مَا) فِي قَوْلِهِ فِيما بمنزلة الذي، وإِنْ بِمَنْزِلَةِ مَا، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الَّذِي مَا مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ. وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26) .
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ، يَا أَهْلَ مَكَّةَ، مِنَ الْقُرى، كَحِجْرٍ ثَمُودٍ وَأَرْضِ سَدُومَ وَنَحْوِهِمَا، وَصَرَّفْنَا الْآياتِ الْحُجَجَ وَالْبَيِّنَاتِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، عَنْ كُفْرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَأَهْلَكْنَاهُمْ يخوّف مشركي مكة.
فَلَوْلا، فَهَلَّا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً، يَعْنِي الأوثان التي اتَّخَذُوهَا آلِهَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، الْقُرْبَانُ كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَجَمْعُهُ قَرَابِينُ، كَالرُّهْبَانِ وَالرَّهَابِينِ: بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ، قَالَ مُقَاتِلٌ بَلْ ضَلَّتِ الْآلِهَةُ عَنْهُمْ فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ، أَيْ كَذِبُهُمُ الَّذِي كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَشْفَعُ لَهُمْ، وَما كانُوا يَفْتَرُونَ، يَكْذِبُونَ أنها آلهة.
__________
- حجاج هو ابن محمد، ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز، عطاء هو ابن أبي رباح.
- وهو في «شرح السنة» 1147 بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 3206 ومسلم 899 ح 15 والترمذي 3254 وأحمد 6/ 340- 341 وأبو يعلى 4713 من طرق عن ابن جريج به.
- وأخرجه مسلم 899 وابن حبان 658 والبيهقي 3/ 361 من طريق محمد بن جعفر عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ به.
(1) زيادة عن كتب التراجم.
(4/201)

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)
[سورة الأحقاف (46) : آية 29]
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، الْآيَةَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ إِلَى الطَّائِفِ يَلْتَمِسُ مِنَ ثَقِيفٍ النَّصْرَ وَالْمَنَعَةَ لَهُ مِنْ قَوْمِهِ.
«1926» فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعَّبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: لَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِفِ عمد [1] إِلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ، وَهُمْ إِخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ عَبْدُ يَالِيلَ وَمَسْعُودٌ وَحَبِيبٌ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَعِنْدَ أَحَدِهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَحَ [2] ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَكَلَّمَهُمْ بِمَا جاء [3] لَهُ مَنْ نُصْرَتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمْ هُوَ يَمْرُطُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ: إِنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ، وَقَالَ الْآخَرُ: مَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَكَ؟ وَقَالَ الثَّالِثُ: وَاللَّهِ مَا أكلمك أَبَدًا، لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ لَأَنَّتْ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ الْكَلَامَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ فَمَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَقَدْ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، وَقَالَ لَهُمْ:
إِذْ فَعَلْتُمْ مَا فعلتم فاكتموه علي، وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَلَّغَ قَوْمُهُ فَيَزِيدُهُمْ [4] عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَفْعَلُوا وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ [5] وَعَبِيدَهُمْ يَسُبُّونَهُ وَيَصِيحُونَ بِهِ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ [6] الناس، وألجئوه إِلَى حَائِطٍ لِعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَهُمَا فِيهِ فَرَجَعَ عَنْهُ سُفَهَاءُ ثَقِيفٍ وَمَنْ كَانَ تَبِعَهُ، فَعَمَدَ إِلَى ظِلِّ حَبْلَةٍ مِنْ عِنَبٍ، فَجَلَسَ فِيهِ وَابْنَا رَبِيعَةَ يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَرَيَانِ مَا لَقِيَ مِنْ سُفَهَاءِ ثَقِيفٍ، وَلَقَدْ لَقِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي مِنْ بَنِي جُمَحَ [7] ، فَقَالَ لَهَا: مَاذَا لَقِينَا مَنْ أَحِمَّائِكِ؟ فِلْمًا اطْمَأَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وهو اني عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي إِلَى بِعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي أَوْ إِلَى عَدُوٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلِيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» ، فَلَمَّا رَأَى ابْنَا رَبِيعَةَ مَا لَقِيَ تَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمُهُمَا فَدَعَوَا غُلَامًا لَهُمَا نَصْرَانِيًّا يُقَالُ لَهُ: عَدَّاسٌ، فَقَالَا [8] لَهُ: خُذْ قَطْفًا من هذا الْعِنَبِ وَضَعْهُ فِي ذَلِكَ الطَّبَقِ ثُمَّ اذْهَبْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقُلْ لَهُ يَأْكُلُ مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَدَّاسُ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ أَكَلَ، فَنَظَرَ عَدَّاسٌ إِلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبَلْدَةِ [في هذا الرجل إلّا حسدا] [9] ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْتَ يَا عَدَّاسٌ؟ وَمَا دينك؟ وَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: أَنَا نَصْرَانِيٌّ وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمِنَ قَرْيَةِ الرجل
__________
1926- ضعيف. رواه ابن هشام في «السيرة» 2/ 21- 23 من طريق ابن إسحاق. حدثني يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بن كعب القرطبي ... فذكره.
- وهذا مرسل فهو ضعيف، ويزيد غير قوي.
(1) زيادة عن المخطوط (ب) .
(2) تصحف في المخطوط (ب) إلى «جميع» .
(3) في المطبوع «جاءهم» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المطبوع «فيذئلهم» وفي المخطوط (ب) «فيديرهم عليّ» والمثبت عن ط والمخطوط (أ) .
(5) في المطبوع «سفاءهم» والمثبت عن المخطوط.
(6) في المخطوط (ب) «إليه» .
(7) في المخطوط (ب) «جميع» .
(8) في المطبوع «فقال» والمثبت عن المخطوط. [.....]
(9) زيادة عن المخطوط.
(4/202)

الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؟ قَالَ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاكَ أَخِي كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ، فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ، قَالَ: فَيَقُولُ ابْنَا رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:
أَمَّا غُلَامُكَ فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْكَ، فلما جاءهما عَدَّاسٌ قَالَا لَهُ: وَيْلَكَ يَا عداس مالك تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ؟ قَالَ: يَا سَيِّدِي مَا فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِأَمْرٍ مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، فَقَالَا: وَيْحَكَ يا عداس لا يصرفنك عَنْ دِينِكَ فَإِنَّ دِينَكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنَ الطَّائِفِ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ حِينَ يَئِسَ مَنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِنَخْلَةٍ قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي فَمَرَّ بِهِ نَفَرٌ مَنْ جِنِّ أهل نصيبين باليمن [1] ، فَاسْتَمَعُوا لَهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا لِمَا سَمِعُوا، فَقَصَّ اللَّهُ خَبَرَهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ.
«1927» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثنا مسدد ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظَ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ [2] بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظَ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمَّعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمِعُوا لَهُ، فَقَالُوا:
هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (2) [الْجِنِّ: 2] ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الْجِنِّ: 1] ، وَإِنَّمَا أَوْحَى إِلَيْهِ قَوْلَ الْجِنِّ.
وَرُوِيَ: أَنَّهُمْ لما رجموا بِالشُّهُبِ بَعَثَ إِبْلِيسُ سَرَايَاهُ لِتَعْرِفَ الْخَبَرَ، وَكَانَ أَوَّلُ بَعْثٍ بَعَثَ رَكْبًا مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ وَهْمُ أَشْرَافُ الْجِنِّ وَسَادَاتُهُمْ، فَبَعَثَهُمْ إِلَى تِهَامَةَ.
وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَّالِيُّ [3] : بلغنا أنهم من [بني] [4] الشَّيْصَبَانِ وَهُمْ أَكْثَرُ الْجِنِّ عَدَدًا، وَهُمْ عَامَّةُ جُنُودِ إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَجَعُوا قَالُوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [الجن: 2] .
«1928» وَقَالَ جَمَاعَةٌ: بَلْ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْذِرَ الْجِنَّ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَقْرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ،
__________
1927- إسناده صحيح على شرط البخاري حيث تفرد عن مسدّد.
- أبو عوانة هو وضاح اليشكري مشهور بكنيته، أبو بشر هو جعفر بن إياس.
- وهو في «صحيح البخاري» 773 عن مسدد بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 773 و3320 ومسلم 449 والترمذي 3320 وأحمد 1/ 252 و270 وأبو يعلى 2369 من طرق عن أبي عوانة به.
- وأخرجه أحمد 1/ 274 وأبو يعلى 5202 من طريق أبي إسحاق عن سعيد به.
1928- هذا الخبر هو عند الطبري منجما 31315 من طريق سعيد عن قتادة مرسلا. و31316 من طريق معمر عن قتادة و31317 من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غيلان عن ابن مسعود و31318 من طريق عن أبي عثمان بن شبة-
(1) في المطبوع «اليمن» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «خيل» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع «اليماني» والمثبت عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.
(4/203)

فَصَرَفَ إِلَيْهِ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى، وَجَمْعَهُمْ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَى الْجِنِّ اللَّيْلَةَ، فَأَيُّكُمْ يَتْبَعُنِي؟ فَأَطْرَقُوا ثُمَّ اسْتَتْبَعَهُمْ فَأَطْرَقُوا، ثُمَّ اسْتَتْبَعَهُمُ الثَّالِثَةَ فَأَطْرَقُوا، فَاتَّبَعَهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ أَحَدٌ غَيْرِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا كنا بأعلى [1] مَكَّةَ دَخَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِعْبًا يُقَالُ لَهُ:
شِعْبُ الْحَجُونِ [2] ، وَخَطَّ لِي خَطًّا ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أَجْلِسَ فِيهِ، وَقَالَ: لَا تَخْرُجْ مِنْهُ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَامَ فَافْتَتَحَ الْقُرْآنَ فَجَعَلْتُ أَرَى أَمْثَالَ النُّسُورِ تَهْوِي، وَسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتَّى خِفْتُ عَلَى نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَشِيَتْهُ أَسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، حَتَّى مَا أَسْمَعُ صَوْتَهُ ثُمَّ طَفِقُوا يَتَقَطَّعُونَ مِثْلَ قِطَعِ السَّحَابِ ذَاهِبِينَ، فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْفَجْرِ، فَانْطَلَقَ إِلَيَّ وَقَالَ لي: أَنِمْتَ؟ فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، وَقَدْ هَمَمْتُ مِرَارًا أَنْ أَسْتَغِيثَ بِالنَّاسِ حَتَّى سَمِعْتُكَ تَقْرَعُهُمْ بِعَصَاكَ تَقُولُ اجْلِسُوا، قَالَ: لَوْ خَرَجْتَ [والله] [3] لَمْ آمَنْ عَلَيْكَ أَنْ يَتَخَطَّفَكَ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ رِجَالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي [4] ثِيَابٍ بِيضٍ، قَالَ: أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ سَأَلُونِي الْمَتَاعَ، وَالْمَتَاعُ الزَّادُ، فَمَتَّعَتْهُمْ بِكُلِّ عَظْمٍ حَائِلٍ [5] وَرَوْثَةٍ وَبَعْرَةٍ. قَالَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله تقدرها الناس [علينا] [6] ، فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْتَنْجَى بِالْعَظْمِ وَالرَّوَثِ، قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِي ذَلِكَ عَنْهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ عَظْمًا إِلَّا وجدوا عليه لحمه يوم أكله، ولا روثة إلّا وجدوا فيهاحبها يَوْمَ أُكِلَتْ، قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا؟ فَقَالَ:
إِنَّ الْجِنَّ تَدَارَأَتْ فِي قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَهُمْ فَتَحَاكَمُوا إِلَيَّ فَقَضَيْتُ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، قَالَ: ثُمَّ تَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَتَانِي، فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَعِي إِدَاوَةٌ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ، فَاسْتَدْعَاهُ فَصَبَبْتُ عَلَى يَدِهِ فَتَوَضَّأَ وَقَالَ: «تمرة طيبة وماء طهور» .
«1929» وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا قَدِمَ الْكُوفَةَ رَأَى شُيُوخًا شُمْطًا مِنَ الزُّطِّ فَأَفْزَعُوهُ حِينَ رَآهُمْ، فَقَالَ: اظْهَرُوا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنَ الزُّطِّ، فَقَالَ: مَا أَشْبَهَهُمْ بالنفر الذي صَرَفُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُرِيدُ الْجِنَّ.
«1930» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثَنَا عبد الأعلى ثنا دَاوُدَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ
__________
- الخزاعي عن ابن مسعود فهذه الروايات تتأيد بمجموعها من جهة الإسناد، لكن هي معارضة بحديث صحيح موصول يأتي بعد حديث واحد.
1929- ضعيف. وأخرجه الطبري 21316 من طريق معمر عن قتادة مرسلا.
1930- إسناده صحيح. رجاله رجال البخاري ومسلم سوى داود، تفرد عنه مسلم.
- عبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى البصري السّامي، عامر هو ابن شراحيل الشعبي.
- وهو في «صحيح مُسْلِمٌ» 450 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 85 مختصرا والترمذي 18 و4258 وابن أبي شيبة 1/ 155 وابن خزيمة 82 وأبو عوانة 1/ 219 وابن حبان 1432 والبيهقي 1/ 108- 109 في «دلائل النبوة» 2/ 229 والبغوي في «شرح السنة» 178 مختصرا من طرق عن داود بن أبي هند به.
(1) في المطبوع «على» والمثبت عن المخطوط.
(2) تصحف في المخطوط (ب) إلى «الجحون» .
(3) زيادة عن المخطوط (ب) .
(4) في المخطوط (ب) «مستترين بثياب» . [.....]
(5) في المطبوع «حائك» .
(6) زيادة عن المخطوط.
(4/204)

قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)
عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ فَقَالَ عَلْقَمَةُ: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ، قَالَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، قَالَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَقَالَ: أَتَانِي دَاعِيَ الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأَتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، قَالَ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرُ مَا يَكُونُ [1] لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إخوانكم» .
وَرَوَاهُ مُسْلِمُ [بْنُ الْحَجَّاجِ] عَنْ علي بن حجر ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارُ نِيرَانِهِمْ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ وَكَانُوا مَنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ إِلَى آخَرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ مُفَصَّلًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ ذَلِكَ النَّفَرِ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا سَبْعَةً مِنْ جِنِّ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانُوا تِسْعَةً. وَرَوَى عَاصِمٌ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ: كَانَ زَوْبَعَةُ مِنَ التِّسْعَةِ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ. فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا، قَالُوا: صَهٍ.
«1931» وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ الْجِنَّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ بِهَا فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ، وَصِنْفٌ يَحُلُّونَ وَيَظْعَنُونَ» .
فَلَمَّا حَضَرُوهُ، قَالَ بعضهم لبعض أَنْصِتُوا واسكتوا [أي] [2] لِنَسْتَمِعَ إِلَى قِرَاءَتِهِ، فَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الِاسْتِمَاعِ شَيْءٌ، فَأَنْصَتُوا وَاسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ حَتَّى كَادَ يَقَعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِمْ، فَلَمَّا قُضِيَ، فَرَغَ مِنْ تِلَاوَتِهِ، وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ [3] ، انْصَرَفُوا إِلَيْهِمْ، مُنْذِرِينَ، مُخَوِّفِينَ دَاعِينَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم.

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 30 الى 33]
قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)
__________
1931- حسن. وأخرجه الحاكم 2/ 456 والطبراني في «الكبير» 22/ (573) والطحاوي في «المشكل» 2941 وابن حبان 6156 والبيهقي «الأسماء والصفات» 827 وأبو نعيم في «الحلية» 5/ 137 من طريق معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أبي ثعلبة الخشني مرفوعا.
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو حسن لأجل معاوية بن صالح فقد روى له مسلم، وفيه كلام.
- وله شاهد من حديث أبي الدرداء: أخرجه ابن أبي الدنيا في «مكائد الشيطان» (1) و «الهواتف» 156 وابن حبان في «المجروحين» 3/ 107 وأعله بيزيد بن سنان، وهو ضعيف.
(1) في المخطوط (ب) «كان» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) تصحف في المطبوع إلى «قولهم» .
(4/205)

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)
قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) ، قَالَ عَطَاءٌ: كَانَ دِينُهُمُ الْيَهُودِيَّةُ، لِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّا سَمِعَنَا كِتَابًا أَنْزِلُ مِنْ بَعْدِ مُوسَى.
يَا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ، يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، مِنْ صِلَةٌ أَيْ ذُنُوبِكُمْ، وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ.
قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ نَحْوٌ مَنْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْجِنِّ فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَافَقُوهُ فِي الْبَطْحَاءِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ جَمِيعًا.
قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ يُبْعَثْ قَبْلَهُ نَبِيٌّ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ جَمِيعًا.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لَهُمْ ثَوَابٌ إِلَّا نَجَاتُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَحَكَى سُفْيَانُ عَنْ لَيْثٍ قَالَ: الْجِنُّ ثَوَابُهُمْ أَنْ يُجَارُوا مِنَ النَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ كُونُوا تُرَابًا، وَهَذَا مِثْلُ الْبَهَائِمِ.
وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: إِذَا قُضِيَ بَيْنَ الناس قبل لِمُؤْمِنِي الْجِنِّ عُودُوا تُرَابًا فَيَعُودُونَ تُرَابًا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[النَّبَأِ: 40] ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: يَكُونُ لَهُمُ الثَّوَابُ فِي الْإِحْسَانِ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِمُ الْعِقَابُ فِي الْإِسَاءَةِ كَالْإِنْسِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وابن أبي ليلى.
وقال جويبر [1] عَنِ الضَّحَّاكِ: الْجِنُّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَذَكَرَ النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِهِ حَدِيثَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. فَقِيلَ: هَلْ يُصِيبُونَ مِنْ نَعِيمِهَا؟ قَالَ: يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ تَسْبِيحَهُ وَذِكْرَهُ، فَيُصِيبُونَ مِنْ لَذَّتِهِ مَا يُصِيبُهُ بَنُو آدَمَ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: سَأَلْتُ ضَمْرَةَ بْنَ حَبِيبٍ هَلْ لِلْجِنِّ ثَوَابٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَرَأَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن: 56 و74] ، قَالَ فَالْإِنْسِيَّاتُ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّيَّاتِ لِلْجِنِّ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ حَوْلَ الْجَنَّةِ فِي رَبَضٍ وَرِحَابٍ وَلَيْسُوا فِيهَا.
وَمَنْ لَا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ، لَا يُعْجِزُ اللَّهَ فَيَفُوتُهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ، أَنْصَارٌ يَمْنَعُونَهُ مِنَ اللَّهِ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، لَمْ يَعْجِزْ عَنْ إِبْدَاعِهِنَّ، بِقادِرٍ، هَكَذَا قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ دُخُولِ الْبَاءِ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: 20] ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تُدْخِلُ الْبَاءَ فِي الِاسْتِفْهَامِ مَعَ الْجَحْدِ، فَتَقُولُ: مَا أَظُنُّكَ بِقَائِمٍ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ «يَقْدِرُ» بِالْيَاءِ عَلَى الْفِعْلِ وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ قِرَاءَةَ الْعَامَّةِ لِأَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَادِرٌ بِغَيْرِ بَاءٍ، عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 34 الى 35]
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (35)
فاصبر كما صبر أولوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً من نهار بلغ
__________
(1) تصحف في المطبوع إلى «جرير» .
(4/206)