Advertisement

دلائل الإعجاز ت شاكر 001



الكتاب: دلائل الإعجاز في علم المعاني
المؤلف: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (المتوفى: 471هـ)
المحقق: محمود محمد شاكر أبو فهر
الناشر: مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة
الطبعة: الثالثة 1413هـ - 1992م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] ـ[دلائل الإعجاز في علم المعاني]ـ
المؤلف: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (المتوفى: 471هـ)
المحقق: محمود محمد شاكر أبو فهر
الناشر: مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة
الطبعة: الثالثة 1413هـ - 1992م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
(/)

- أ -

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة
تبارَكَ الَّذِى نزَّل الفُرْقَانَ على عَبْدِه لِيكونَ للعالمينَ نَذِيرا، والحمدُ لله الذى هدانَا بِه وأخْرجَنا من الظلُماتِ إلى النُّورِ، وصلَّى الله على نبينا محمّد الذى نَزَل القرآنُ العظيمُ بلسانِه لسانا عربيًّا مُبِيناً، لا يأتِيه الباطِلُ من بَيْن يَدَيه ولا من خَلْفه، اللهمَّ صَلِّ على محمّدٍ وعلى أبَويْه إبرهيِمَ وإسماعيلَ وسلِّم تسليما كثيراً. اللهمَّ اغْفِرْ لنا وارحَمنا وأنتَ خيرُ الراحمين.
وبعدُ فمنذ دهر بعيد، حين شققتُ طريقى إلى تذوُّق الكلام المكتوب، منظومه ومنثوره، كان من أوائل الكتب التى عكفتُ على تذوُّقها كتاب " دلائل الإعجاز"، للشيخ الإمام " أبى بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانى "، الأديبِ النحوي، والفقيهِ الشافعى، والمُتكلِّمِ الأشعرىِّ [توفى سنة 471 هـ، أو سنة 474 هـ]، ويومئذٍ تنبَّهتُ لأربعة أمور:
الأوّل: أنه بدَا لىَ أن عبد القاهر كان يريدُ أن يؤسس بكتابه هذا علما جديداً استدرَكَهُ على من سبقه من الأئمة الذين كتبُوا فى " البلاغة " وفى " إعجاز القرآن "، ولكن كان غريباً عندى أشدَّ الغرابة، أنه لم يَسِرْ في بناءِ كتابه سيرةَ من من يؤسس علماً جديداً، كالذى فعله سيبويه فى كتابه العظيم، أو ما فعله أبو الفتح ابن جِنى فى كتابه " الخصائص "، أو كالذى فعله عبد القاهر نفسُه فى كتابه " أسرار البلاغة "، بل كانَ عملُه وهو يؤسس هذا العلمَ الجديد، مَشُوباً بحميَّة جارفةٍ لا تعرف الأناةَ فى التبويب والتقسيم والتصنيف، وكأنه كانَ في عَجَلةٍ من أمره، وكأنّ منازعا كان يُنازعُهُ عند كُلّ فكرةٍ يريدُ أن يُجَلّيَها ببراعته وذكائه وسُرعة لَمْحه، وبقوّةِ حُجَّته ومضاءِ رأيه.
(مقدمة/3)

-ب -

الثاني: أني وقفت في كتابه على أقوال كثيرة لم ينسبها بصريح البيان إلى أصحابها، حتى نتبين من يكون هؤلاء؟ وكان من أعظم ما حيرني قولان رددهما في مواضع كثيرة من كتابه؛ بل إن الكتاب كله يدور على رد هذين القولين وإبطال معناها؛ الأول قول القائل: "إنَّ المعاني لا تَتزايد، وإِنما تتزايدُ الألفاظُ"، [دلائل الإعجاز: 63، 395] = الثاني، قول القائل: "إنَ الفصاحةَ لا تَظْهرُ في أفرادِ الكلماتِ، ولكن تظهر بالضم على طريقة مخصوصة"، [دلائل الإعجاز: 394، 466، 467].
الثالث: أن عبد القاهر جمع هذين القولين في فصل واحد، [ص: 394، 395]، وجمع معهما قوله: "ثم إن هذه الشائعات التي تقدَّمَ ذِكْرُها، تَلزَمُ أصحابَ الصَّرْفة"، أيضاً" [ص: 390]، والقول بالصرفة من أقوال المعتزلة، فبدا لي يومئذ أن بين هذين القولين وأصحاب "الصرفة" من المعتزلة نسبًا، ولكني لم أقف على ما يرضيني إن ذهبت هذا المذهب.
الرابع: أن عبد القاهر في مواضع متناثرة كثيرة، قد دأب على التعريض بأصحاب "اللفظ"، وبالذين يقولون: "بالضم على طريقة مخصوصة"، وأوهموا أنه "النظم" الذي ذكره الجاحظ في صفة القرآن [دلائل الإعجاز: 251]، وهو أيضًا "النظم" الذي عليه مدار علم عبد القاهر الذي أسسه، فكان مما شغلني، أطول كلام من تعريضه بهم، وهو ما جاءني في أواخر كتابه "دلائل الإعجاز"، وهو قوله:
"واعلمْ أَن القولَ الفاسِدَ والرأيَ المدخولَ إِذا كان صَدَرَه عن قوم لهم نَباهةٌ وصيتٌ وعلوٌّ منزلةٍ في نوع من أنواع العلوم غير العمل الذي قالوا ذلك القولَ فيه، ثم وقَعَ في الأَلْسُن، فتداولتْه ونَشرَتْه، وفشَا وظَهَر، وكَثُرَ الناقلون له والمشيدون بذكره صار وترك النظر فيه سنة، والتقليد دينا ..... ,لربما -بل كلَّما- ظنوا أنه لم يَشِعْ ولم يتسع ولم يروه خلف عن سلف إلا لأنَّ له أصْلاً صحيحاً، وأنه أُخذَ من معْدِن صدقٍ، واشتُقَّ من نَبْعةٍ كريمةٍ، وأَنه لو كان
(مقدمة/4)

-جـ -

مَدْخولاً لظَهَر الدَّخَلُ الذي فيه على تَقادُم الزمان وكرورِ الأيام. وكمْ من خَطإٍ ظاهرٍ ورأْيٍ فاسدٍ حظيَ بهذا السبَبِ عندَ الناس ... ولَوْلاَ سلطانُ هذا الذي وصفتُ على الناس، وأَنَّ له أُخْذَةً تَمنَعُ القلوبَ عن التدبُّر، وتقطعُ عن دواعيَ التفكُّر لمَا كان لهذا الذي ذَهَب إليه القومُ في أمرِ "اللفظِ" هذا التمكُّنُ وهذه القوة وكيف لا يكونُ في إسارِ الأُخْذَةِ، ومَحُولاً بينهم وبين الفكرة، ومن يُسلِّمُ أنَّ الفصاحةَ لا تَكونُ في أفرادِ الكلمات، وإنما تَكُونُ فيها إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعْضٍ، ثم لا يَعْلَم أنَّ ذلك يَقْتضي أنْ تكونَ وصْفاً لها مِن أجْلِ معانيها، لا مِنْ أَجْل أَنفُسِها، ومِنْ حَيثُ هي ألفاظٌ ونطق لسان؟ " [دلائل الإعجاز: 464 - 467]. وقد اختصرت الكلام هنا، ولكن ينبغي أن تقرأه بطوله في المكان الذي أشرت إليه.
من يكون هؤلاء القوم الذين لهم نباهة صيت وعلو منزلة في نوع من أنواع العلوم، غير علم "الفصاحة" الذي قالوا ذلك القول فيه، وتداولته الألسن ونشرته حتى فشا وظهر، وتمكنت أقوالهم المدخولة هذا التمكن، ورسخت في النفوس هذا الرسوخ، وتشعبت عروقها هذا التشعب، مع ما فيها من التهافت والسقوط وفحش الغلط، والتي إذا نظرت فيها لم تر باطِلاً فيه شَوْبٌ من الحقِّ، وزَيْفاً فيه شيءٌ من الفِضَّة، ولكنْ تَرى الغشَّ بَحْتاً، والغيظ صرفًا؟، كما يقول عبد القاهر [دلائل الإعجاز: 465، 466] والأمران الثاني والرابع، كان موضع اهتمامي يومئذ، وينبغي أن يكونا موضع اهتمام كل أحد.
وفتشت ونقبت، فلم أظفر بجواب أطمئن إليه، وتناسيت الأمر كله إلا قليلًا، نحوًا من ثلاثين سنة.
حتى كانت سنة 1381 هـ "1961 م"، وطبع كتاب "المغني" للقاضي "أبي الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسداباذي"،
(مقدمة/5)

- د -

الفقيه الشافعي، المتكلم المعتزلي [توفي سنة 415]، وكان إمام أهل الاعتزال في زمانه، وعمر دهرًا طويلًا، وكثر أصحابه، وبعد صيته، ورحل إليه طلاب العلم.
في تلك السنة صدر الجزء السادس عشر من كتاب "المغني"، فإذا هو يتضمن فصولًا طويلة في الكلام على "ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي أعجاز القرآن، وسائر المعجزات الظاهرة عليه صلى الله عليه وسلم"، [المغني 16 - 143 - 433]، فلما قرأته ارتفع كل شك، وسقط النقاب عن كل مستتر، وإذا التعريض الذي ذكره عبد القاهر حين قال: "واعلمْ أَن القولَ الفاسِدَ والرأيَ المدخولَ، إِذا كان صدره عن قوم لهم نَباهةٌ وصيتٌ وعلوٌّ منزلةٍ في نوع من أنواع العلوم غيرِ العِلْم الذي قالوا ذلك القولَ فيه ... " [انظر ما مضى]، لا يعني بهذا التعريض وبهذه الصفة أحدًا سوى قاضي القضاة المعتزلي عبد الجبار، فهو المعتزلي النابه الذكر، البعيد الصيت، العالي المنزلة في علم الكلام والأصول، بيد أنه هو الخامل الذكر، الخالي الوفاض من علم "البلاغة" و "الفصاحة" و "البيان"، ولكنه بهذه البضاعة المزجاة من علم "الفصاحة"، جاء يتكلم في الوجوه التي يقع بها التفاضل في فصاحة الكلام، [المغني: 16: 197 - 199 وما بعدها]، وفي "إعجاز القرآن" عامة!!
والدليل الساطع، هو أن الأقوال التي ذكرتها آنفًا، وقلت: إن عبد القاهر لم يصرح بنسبتها إلى أحد، هي أقوال القاضي عبد الجبار في كتابه المغني بنصها ولفظها، فهو يقول:
"إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة ... "، ثم يقول بعد ذلك: "إن المعاني لا يقع فيها تزايد، وإذن فيجب أن يكون التزايد عنه الألفاظ كما ذكرناه ... "، [المغني16: 199، 200] وهذا القولان هما اللذان يدور كتاب "دلائل الإعجاز" على ردهما وإبطال معناهما. هذا فضلًا عن أقوالٍ أخر ذكرها عبد القاهر، ووجدتها مائلة بنصها
(مقدمة/6)

- هـ -

أيضًا في هذا الموضع الذي ذكر فيه القاضي المعتزلي "إعجاز القرآن"، كالقول في "جزالة اللفظ"، حيث يقول القاضي: "ولذلك لا يصح عندنا أن يكون اختصاص القرآن بطريقة في النظم دون الفصاحة، التي هي جزالة اللفظ وحسن المعنى" [المغني16: 198 وما قبله]، فيذكرها عبد القاهر في كتابه ثم يقول: "وأمَّا الأَخيرُ، فهو أَنَّا لم نَرَ العقلاءَ قد رضُوْا مِن أَنفُسِهم في شيءٍ من العلوم أن يحفظوا كلامًا للأولين ويتدارسونه، ويُكلِّمَ به بعضُهم بعضاً مِنْ غَير أن يعرِفوا له معنى، ويقفوا منه على غرَضٍ صحيحٍ، ويكونَ عندهم، إن يُسألوا عنه، بيانٌ وتفسير إلا "علم الفصاحة" .... فمِنْ أقْرَبِ ذلك أَنك تَراهم يقولون إذا هُمْ تكلَّموا في مزيَّةِ كلامٍ على كلامٍ: "إن ذلك يكون بجزالة اللفظ" وإذا هم تكلَّموا في زيادةِ نظمٍ على نظمٍ: "إنَّ ذلك يكونُ لوقُوعِهِ على طريقةٍ مخصوصةٍ، وعلى وجهٍ دونَ وجهٍ"، ثمّ لا تَجدُهَم يُفسِّرون "الجزالة" بشيء"، [دلائل الإعجاز: 456].
ولم أرد بهذا الاستقصاء، ولكني أردت أن أنبه إلى علاقة لا ينبغي إغفالها أو التهاون فيها، وهي هذه العلاقة بين كلام عبد القاهر، وكلام القاضي عبد الجبار، ذلك أن عبد القاهر منذ بدأ في شق طريقه إلى هذا العلم الجديد الذي أسسه، كان كل همه أن ينقض كلام القاضي في "الفصاحة"، وأن يكشف عن فساد أقواله في مسألة "اللفظ"، بالمعنى المؤقت المحدد في كلامه في كتابه "المغني"، دون المعنى المطلق لِلَّفْظِ من حيثُ هو لفظٌ ونطْقُ لسانٍ. وإغفال هذه العلاقة يؤدي -أو قد أدى- إلى غلط فاحش في فهم مسألة "اللفظ" و "المعنى" عند عبد القاهر في كتابه هذا. فلا "اللفظ" فهم على حقيقته عند عبد القاهر، ولا "المعنى" أيضًا عرف على حقيقته عنده.
وأنا أرجح أن عبد القاهر كتب كتابه هذا في أواخر حياته، بدليل ما هدتنا إليه النسخة المخطوطة من "الدلائل"، التي رمزت إليها بالحرف "ج"، كما سأبينه فيما بعد، وأنه كان يوشك أن يعيد النظر في كتابه؛ ليجعله تصنيفًا في
(مقدمة/7)

- و -

علم جديد اهتدى إليه، واستدركه على من سبقه، وشق له الطريق ومهده، ولكن اخترمته المنية قبل أن يحقق ما أراد. وأرجح أيضًا أن السر في العجلة التي صرفته عن التبويب والتقسيم والتصنيف، وأوجبت أن يبنى الكتاب هذا البناء العجيب، هو فيما أظن، أن طائفة من المعتزلة، من أهل العلم، في بلدته جرجان وفي زمانه، كان لهم شغف ولجاجة وشغب وجدال ومناظرة في مسألة "إعجاز القرآن"، واتكأوا في جدالهم على أقوال القاضي عبد الجبار التي جاءت في كتابه "المغني"، والتي ذكرت مواضعها آنفًا، وشققوا الكلام فيها، وكانوا كما وصفهم عبد القاهر بقوله: "فإِن أردتَ الصدقَ، فإِنَّك لا تَرى في الدنيا أَعْجبَ من شأنِ الناسِ مع "اللَّفظِ"، ولا فساد رأي مازج النفوس وخامرها واستحكم منها وصار كإحدى طبائعها، من رأيهم في "اللفظ". فقد بلغ من ملكيته لهم وقُوَّتهِ عليهم، أنْ تَرَكهم، وكأنَّهم إذا نُوظِروا فيه أخذَوا عن أنفُسِهم، وغيَّبوا عن عقولهم، وحِيلَ بينَهم وبينَ أنْ يكونَ لهم فيما يَسْمعونَه نَظَرٌ، ويُرى لهم إيرادُ في الإصغاء ولا صدر، فلستَ تَرَى إلاَّ نفوساً قد جَعلَتْ تَرْكَ النظرِ دأْبَها، ووَصَلَتْ بالهُوينا أَسبابَها، فهي تَغْتَرُّ بالأضاليلِ، وتَتباعَدُ عن التحصيلِ، وتُلْقي بأيديها إلى الشبه، وتسرع إلى القول المموه"، [دلائل الإعجاز: 458].
ومن الدليل أيضًا على العلاقة الوثيقة بين كتاب عبد القاهر، وأقوال القاضي عبد الجبار في كتابه "المغني"، أي بين كتابه وبين المعتزلة، أن كتابه خلا من ذكر "الصرفة"، وهي أشهر أقوال المعتزلة؛ لأنها من اختراع شيخهم القديم النظَّام، إلا في موضع واحد من الكتاب كله [دلائل الإعجاز: 390]؛ وذلك لأن القاضي عبد الجبار نفسه، وهو إمام المعتزلة في زمانه، رد مقالة "الصرفة" ونقضها في كتابه [المغني: 16: 323 - 328]، فأغفلها عبد القاهر أيضًا، وخصهم برسالته "الرسالة الشافية" الخارجة من كتاب دلائل الإعجاز، والتي نشرتها ملحقة بالكتاب.
(مقدمة/8)

- ز -

هذا ما أردت أنبه إليه؛ ليعيد الدارسون النظر في كتاب عبد القاهر، وفي قضية "اللفظ" و "المعنى" التي اختلط الأمر فيها اختلاطًا شديدًا أدى إلى فساد كبير في زماننا هذا، وبالله التوفيق.
والآن، أنصرف إلى القول في النسخ التي اعتمدت عليها في قراءة كتاب "دلائل الإعجاز"، وفي التعليق عليه تعليقًا مختصرًا، وجعلت همي أن يكون قارئ الكتاب ماضيًا في قراءته دون أن يتعثر أو يتلفت تلفتًا يعوقه عن المضي في قراءته، فأعنته بتقسيمه إلى فقر مرقمة، ودللته على سياق كلام عبد القاهر؛ فإن كلامه ربما شق على كثير من أهل زماننا، حين كتب عليهم أن يهجروا كتب أسلافهم من الفحول الأفذاذ.
• النسخة المخطوطة الأولى "ج": وهي من مكتبة "حسين جلبي معاني، بتركية، وعدد أوراقها: 203 ورقة"، ليس فيها اسم ناسخها، ولكن تمت كتابتها في أواسط شهر ربيع الأول سنة ثمانٍ وستين وخمسمائة (568 هـ)، أي بعد وفاة عبد القاهر بنحو سبع وتسعين سنة، [دلائل الإعجاز: 557]، ونص كاتبها في أحد الفصول الملحقة بالكتاب أن "هذا آخر ما وجد على سواد الشيخ من هذا الكتاب، كتب في شعبان المبارك سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة"، "572 هـ" [دلائل الإعجاز: 568]، ثم يذكر في صدر فصل آخر بعده: "هذا مما نقل من مسودته بخطه بعد وفاته رحمه الله"، [دلائل الإعجاز: 539]، فدلنا هذا على أنه نقل ما نقل من خط عبد القاهر.
ولكني بقي شيء آخر، هو أن علي هذه المخطوطة في هامشها تعليقات بخط كاتبها، استظهرت -وأنا أقرأ الكتاب عند الطبع- أنها من تعليق عبد القاهر نفسه، حتى جاءت مواضع تقطع قطعًا مبينًا أنها تعليقات عبد القاهر على
(مقدمة/9)

- حـ -

نسخته، فدل هذا، والذي قبله، على أن هذه النسخة منقولة من نسخة عبد القاهر التي كتبها بخطه في آخر حياته، وهذا بيان بأكثر المواضع التي جاءت فيها الحواشي مسلسلة، وفيها الدلالة على ذلك:
ص: 20، تعليق: 2/ 27، تعليق: 5/ 31، تعليق: 2/ 152: تعليق: 4، وفي صدره: "قال عبد القاهر، / 159، تعليق: 4 وهو أسلوب عبد القاهر/ 162، تعليق: 1/ 165، تعليق: 2/ 195، تعليق: 1/ 210، تعليق: 3/ 216، تعليق: 4، وهو أسلوب عبد القاهر/ 230، تعليق: 1/ 264، تعليق: 2، أسلوب عبد القاهر/ 276، تعليق: 1/ 288، 289، تعليق: 4، أسلوب عبد القاهر/ 290، تعليق: 1 أسلوب عبد القاهر/ 301، تعليق: 2/ 310، تعليق: 4/ 313، تعليق: 1/ 318 تعليق: 1/ 340 - 243 تعليق: 2، وكتب الناسخ، "حاشية"، ثم كتب فوقها: "هذه الحاشية مؤخرة في أماليه المدونة"، فهذا نص يقطع بأن جمع الحواشي منقولة من نسخة عبد القاهر، وأيضًا؛ فإن هذه الحاشية نفسها ستأتي في نص كلام عبد القاهر بعد قليل في رقم: 405/ 356، تعليق: 2/ 367، تعليق: 1/ 373، تعليق: 2/ 374، تعليق: 2/ 380، تعليق: 2/ 383، تعليق: 1، ونص الحاشية: "هذا تعليل لقولي: لم يلزم من إثبات الآلهة"، وهو نص قاطع بأن هذه الحواشي نسخة عبد القاهر/ 447، تعليق: 2/ 499، تعليق، 2، وهو بلا شبهة من كلام عبد القاهر: 502، تعليق: 1
وقد فاتتني حواش أخر كتبها عبد القاهر على هذه النسخة، ولكني لم أحسن قراءتها، فلم أثبت منها شيئًا. والذي ذكرته آنفًا قاطع كما ترى، بأن ناسخ "ج"، إنما نسخها من نسخة عبد القاهر نفسه، وزاد: فائدة خلت منها جميع النسخ، ولهذا جعلتها هي الأصل الأول الذي اعتمدت عليه.
أما ترتيب هذه النسخة "ج"، فهو كما يلي:
1 - من ص: 1، إلى ص: 307، نص كتاب "دلائل الإعجاز"، كما دلت على النسخة الأخرى "س"، كما سأبينه، ثم ترك بياضًا بين الكلامين وكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم"، وهذا القسم يقع في مطبوعتنا من ص: 1 إلى ص: 478.
(مقدمة/10)

- ط -

2 - من ص: 307 - 332، ويبدأ فصل آخر، وهو موجود بهذا الترتيب في مطبوعة رشيد رضا، وهو في مطبوعتنا من ص: 481 - 524.
3 - من ص: 333 - 343، فصل آخر، موجود في نسخة رشيد رضا، وهو في مطبوعتنا من ص: 525 - 538.
4 - من ص: 343 - 351، موجود في نسخة رشيد رضا. مؤخرُا عن موضعه في المخطوطة، وهو فيها من ص: 393، إلى آخر مطبوعته ص: 402، واتبعته في ذلك، فهو في مطبوعتنا مؤخر أيضًا، وهو فيها من ص: 546 إلى ص: 557.
5 - من ص: 352 - 356، موجود في نسخة رشيد رضا مقدمًا عن موضعه في المخطوطة، وهو فيها من ص: 389، إلى ص 393، واتبعته أيضًا فهو في مطبوعتنا من ص: 539 - إلى ص: 545.
6 - من أوسط ص: 356، إلى آخر ص: 360، فصول ومسائل ملحقة بالكتاب، ليست في نسخة رشيد رضا، وهي في مطبوعتنا من ص: 561، إلى ص: 569.
7 - من ص: 361 إلى ص: 366، وبعدها ص: 367، 368 ورقة بيضاء فاصلة: "المدخل في دلائل الإعجاز من إملائه"، وقد قدمها رشيد رضا في أول كتاب "دلائل الإعجاز" وأحسن، فاتبعته وقدمتها في اول هذه المطبوعة أيضًا.
8 - من ص: 369 - 405، "الرسالة الشافية في الإعجاز، هذه الرسالة خارجة من كتابه الموسوم بدلائل الإعجاز"، وقد نشرت من قبل كما سأذكر ذلك، ونشرتها أيضًا، وهي في مطبوعتنا من ص: 573 إلى ص: 628 فهذه هي النسخة التي جعلتها أصلًا أول؛ لنفاستها وعتقها، ولأنها
(مقدمة/11)

- ى -

منقولة من خطّ الشيخ رحمه الله، وعليها حواشيه بخَطّه، ولم تخلُ من بعض العيوب، أشرت إليها فى تعليقى على الكتاب.
• النسخة المخطوطة الثانية " س"، وهى من مكتبة أسعد أفندى 3004، بتركية، وليسَ فيها اسم ناسخها ولا تاريخ كتابتها، والأرجح أنها من خطوط القرن السادس أيضاً أو القرن السابع. وهى نسخة نفيسة دقيقة مضبوطة ضبطاً كاملاً، مع بعض العيوب التى تتخللها، والتى أشرت إليها فى تعليقى على الكتاب، وهى خالية من كُلّ حاشية، وهى التى دلَّتنى على آخرِ كتاب " دلائل الاعجاز "، وأن ما بعد ذلك فى نسخة " ج "، إنما هو " رسائل وتعليقات " نقلها كاتب "ج " من خَطّ عبد القاهر بعد وفاته رحمه الله، والموجودة أيضاً فى الأصول التى طبعت عنها نسخة رشيد رضا. وهى تقع فى مطبوعتنا من أول الكتاب ص: 1، إلى ص: 478، ونص كاتبها أنه بهذه النهاية تم كتاب " دلائل الاعجاز ".
فهاتان هما النسختان النفيستان اللتان جعلتُهمَا اصلاً لقراءتى وتعليقى.
• مطبوعة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله سنة 1321، وهى أولُ مطبوعة صدرت، من كتاب " دلائل الِإعجاز"، فكتب فى آخر الكتاب كلمةً ذكر فيها أنه نشر كتاب "أسرار البلاغة " لعبد القاهر فى أول سنة 1320، ثم قال: " لما هاجرت إلى مصرَ لإنشاء مجلة " المنار " الِإسلامى فى سنة 1315، وجدتُ الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده، رئيس جمعية إحياء العلوم العربية، ومفتى الديار المصرية، مُشتغِلاً بتصحيح كتاب " دلائل الِإعجاز، وقد استحضر نسخةً من المدينة المنورة، ومن بغداد، ليقابلها على النسخة التى عنده. وأزيدُ الآن، أنه قد عُنى بتصحيحه أتم عناية، وأشرك معه فيها إمامَ اللغة وآدابها فى هذا العصر، الشيخ محمد محمود التركزىَّ الشِّنْقِيطى، ونَاهيك بكتابٍ اجتمعَ على تصحيح أصله علاّمتا المعقول والمنقول".
(مقدمة/12)

- ك-

فهذه المطبوعة إذنْ، لها ثلاثة أصولٍ مخطوطةٍ لا أعرفُ عنْها شيئاً، ولكن لما لها من منزلة التقدم، ولأن الذين تولَّوْا نشرها ثلاثة من كبار علمائنا فى هذا العصر، فقد جعلتُها أصلاً ثالثاً، واتبعتُ ترتيبَها، حتى لا تَخْتَلَّ معرفة الناس بهذا الكتاب الجليل الذى بقى فى أيديهم على صورته هذه أكثر من ثمانين سنة. ولكن لابُدَّ من الاشارة هنا إلى أن الخطوطتين"ج " و "س" قد صححتَا خَلَلاً شديداً كان فى بضعة مواضع من الكتاب، وكان شَرها وأبشعها ما وقع فى هذه المطبوعة فى ص: 390، 391 وهو واقع فى مطبوعتنا ص: 540 تعليق: 4، فقد كان كلاماً لا يُعْقَل ولا يُهْتَدَى إلى صوابه، ولا أدرى كيف وقع هذا الخلل. وعندما بدأت قراءة الكتاب ونشره، كانت نيَّتى أن استبقى جميع تعليقات الشيخ رشيد رحمه الله، ففعلتُ ذلك فى أوائل الصفحات، ثم أضربتُ عنْ ذلك، لقلة فائدة هذه الحواشى، ولكيلا يختلطَ عملى بعمل غيرى، ولكنّى لم أخلِ تعليقاتى من الإشارة إلى تعليقاته رحمه الله.
فهذه المطبوعة، إذنْ، كأنها اعتمدت على خمس مخطوطات: مخطوطة " ج " و " س"، ثم مخطوطة المدينة، ومخطوطة بغداد، ومخطوطة الشيخ محمد عبده، وهى ثلاثة لا أعرف عنها شيئًا، إلا ثِقة منِّى بعمل الشيخ رشيد رضا رحمه الله، وغفر لنا وله.
بقى شىء واحد، وهو أنى وضعت فى هامش الكتاب أرقام صفحات المخطوطة " ج" برسم الأعداد العربية المألوف فى بلادنا، وأرقام صفحات الخطوطة " س " برسم الأعداد التى كتب بها الأعاجم أعدادهم، وأما صفحات مطبوعة الشيخ رشيد، فقد وضعت أرقام صفحاتها فى دائرة O هكذا، وهى فاصلة فى سياق الكلام، وآثرت ذلك، لأنّ هذه المطبوعة بقيت دهراً طويلاً فى أيدى العلماء، وأحالوا إلى صفحاتها فى حواشيهم، لأنها أجودُ نسخةٍ طبعت من كِناب " دلائل الاعجاز" حتى تم طبعُ نسختنا هذه.
(مقدمة/13)

- ل -

• أما " الرسالة الشافية" المثبتة فى آخر نسخة "ج "، فقد نص الناسخ على أنها " خارجة من كتابه الموسم بدلائل الإعجاز "، وقد نشرها من قبل الأستاذان " محمد خلف الله أحمد " و " محمد زغلول سلام "، فى مجموعة ذخائر العرب، ضمن كتاب بعنوان: " ثلاث رسائل فى إعجاز القرآن، للرُّمَّاني، والخَطَّابى، وعبد القاهر الجرجانى "، عن نسختنا "ج " نفسها. وقد آثرت أن أعيد نَشْرَها، لأنها قطعة من النسخة "ج " التى جعلتُها أصلاً معتمداً للنشر، ثم للسبب الذى ذكرته آنفاً من أن عبد القاهر، كان ينقضُ بكتابه قول الطائفة التى اتبعت القاضى عبد الجبار من المعتزلة، وقالت بقوله وردَّدته، ولم يذكر فيه القائلين من المعتزلة بقول شيخهم القديم النظام فى " الصرفة "، وأفرد لهم هذه " الرسالة الشافية "، ففيها الردّ على أهل " الصرفة " وغيرهم من المعتزلة. وكانت أيضاً هذه المطبوعة الأولى، غير مطابقة كل المطابقة لما فى المخطوطة، كما أشرت إليه فى التعليق عليها، وأرجو أن كون قد أحسنتُ.
والحمدُ لله أوَّلاً وآخراً على توفيقه وعظيم إنعامِه علىَّ، بٍأن أتولَّى قراءةَ هذا السفر الجليل والتعليقَ عليه، مُقِرًّا بالعَجْزِ والتقصير، ضارعا إليه أن يَغْفر لى ما أسأتُ فيه، وأسألهُ أن يُعيننى على مَا أُقْحِم نفسى فيه من عَمَل أريدُ به وجهَهُ سبحانه، ثُمَّ ما أضمرُهُ من خدمة هذه اللُّغة الشريفة النبيلة التى شرفَها الله وكرَّمها بتنزيل كتابه بلسانٍ عربىّ مبين، وصلَّى الله على النبىّ الأمِّىِّ صلاة تُزْلِفُنا عنده، صلَّى الله عليه وسلَّم، وصلَّى الله على أبويه الكريمين إبْراهيم وإسْماعيل وعلى سائر أنبيائه ورُسُله. اللهمَّ اغفر لنا وارحمنا ويسِّر لنا كُل عسِير.

الثلاثاء: 5 جمادى الأولى سنة 1404
7 فبراير سنة 1984
مصر الجديدة/ 3 شارع الشيخ حسين المرصفى

أبو فهر
محمود محمد شاكر
(مقدمة/14)

بسم الله الرحمن الرحيم

فاتحة المصنف في مكانة العلم:
حسبي ربي 1:
خطبة الكتاب:
الحمدُ للَّهِ ربَّ العالمين حمْدَ الشاكرين، نَحمدُه على عظيمِ نَعْمائه، وجميلِ بَلائه، ونَستكفيهِ نوائبَ الزَّمان، ونوازلَ الحدَثان، ونَرغبُ إليه في التَّوفيقِ والعِصْمة، ونَبْرأ إليه منَ الحَوْل والقوَّة، ونسألهُ يقيناً يملأُ الصدرَ، ويَعْمر القلبَ، ويَستولي على النَّفس، حتى يكُفَّها إذا نَزغت، وَيرُدَّها إذا تطلَّعتْ، وثقةً بأنه عزَّ وجل الوَزَر، والكالئ والرَّاعي والحافظُ، وأنَّ الخيرَ والشرَّ بيدهِ، وأنَّ النِّعَم كلَّها من عنِده، وأنْ لا سلطانَ لأحدٍ معَ سُلطانهِ، نُوجِّه رغباتِنا إليه2، ونُخْلص نيَّاتِنا في التوكلُّ عَليه، وأن يَجْعلنا مِمَّنْ هَمُّه الصدقُ، وبُغْيَتُه الحقُّ3، وغرَضُه الصَّواب، وما تُصححه العقولُ وتَقْبله الألبابُ، ونعوذُ به مَن أنْ ندَّعيَ العلمَ بشيءٍ لا نَعلمه4، وأَنْ نُسَدِّيَ قولاً لا نُلحمه، وأنْ نكونَ ممَّن يَغُرُّه الكاذبُ منَ الثَّناء5، ويَنْخدعَ للمتجوِّز في الإطراء، وأن يكونَ سبيلُنا سبيلَ مَنْ يُعْجبه أنْ يُجادل بالباطلِ6، ويُموِّه على السامع، ولا يبالي إذا
__________
1 في "س": "رب يسر وأعن".
2 في "س": "رغبتنا"، وفي الهامش "رغباتنا" عن نسخة أخرى.
3 في "س"، و "يقينه"، وفي الهامش: "وبغيته": عن نسخة أخرى.
4 "العلم"، سقطت في "ج".
5 في "س": "وأن يغرنا الكاذب من الثناء".
6 في س "وأن نكون ممن يعجبه ... ".
(1/3)

راجَ عنه القولُ أن يكونَ قد خلَط فيه، ولم يُسدَّدْ في معانيه، ونَستأنفُ الرغبةَ إليهِ عزَّ وجل في الصَّلاة على خَيْر خَلْقه، والمُصطفى مِن بَريَّته، محمّدٍ سيّدِ المُرسلينَ، وعلى أصحابهِ الخُلفاءِ الراشدين، وعلى آلهِ الأخيارِ من بعدهم أجمعين.
بيان فضل العلم:
1 - وبعدُ فإنَّا إذا تصفَّحْنا الفضائلَ لنَعرفَ منازلَها في الشَّرف، ونتبيَّنَ مواقِعَها مِن العِظَم؛ ونَعلم أيٌّ أحقٌّ منها بالتّقَديم، وأسبقُ في استيجابِ التعَّظيم، وجَدْنا العِلمَ أَولاها بذلك، وأوَّلُها هنالك؛ إذ لا شَرفَ إلاَّ وهو السّبيلُ إليه، ولا خيرَ إلاَّ وهو الدَّليلُ عليه، ولا مَنْقَبةَ إلاَّ وهو ذُروتها وسَنامها، ولا مَفْخرةَ إلاَّ وبهِ صحَّتُها وتمَامُها، ولا حسنةَ إلاَّ وهو مِفتاحُها؛ ولا مَحْمَدةَ إلا ومنه يَتَّقدُ مصباحُها، وهو الوفيُّ إذا خانَ كلُّ صاحبٍ، والثقةُ إذا لم يُوثَق بناصحٍ، لولاهُ لَما بانَ الإنسانُ من سائِرِ الحيوانِ إلا بتخطيط صُورتِه، وهيئةِ جسمِهِ وبُنيته، لا، ولا وجَدَ إلى اكتسابِ الفضلِ طريقاً، ولا وجَد بشيءٍ منَ المحاسنِ خليقاً. ذاكَ لأنَّا وإنْ كنَّا لا نصلُ إلى اكتسابِ فضيلةٍ إِلا بالفعلِ، وكانَ لا يكونُ فعْلٌ إلاَّ بالقُدرة، فإنَّا لم نَرَ فعلاً زانَ فاعِلَه وأوجبَ الفضلَ له، حتى يكونَ عنِ العلم صَدَرُهُ، وحتى يتتبين ميسمه عليه وأثره، ولم نر قدرةقط كَسبتْ صاحَبَها مَجْداً وأفادتْه حَمْداً، دونَ أن يكونَ العلمُ رائدَها فيما تَطْلُب، وقائدَها حيث يؤم ويذهب، ويكُونَ المُصرِّفَ لعِنَانها؛ والمقلِّبَ لها في مَيْدانِها. فهي إذاً مفتقِرة في أن تكونَ فضيلةٌ إليه، وعيالٌ في استحقاقِ هذا الاسم عليه، وإذا هيَ خلتْ منَ العِلم أو أبَتْ أن تمتثل أمره؛ وتقتفي أثره ورسمه1،
__________
1 في "ج" والمطبوعة: "وتقتفي رسمه".
(1/4)

آلتْ ولا شيءَ أحْشدُ للذَّمِّ على صاحبِها منها1. ولا شَيْنَ أشَيْنُ مِن إعمالِه لها2.
2 - فهذا من فضلِ العلم لا تَجد عاقلاً يُخالفك فيه، ولا تَرى أحداً يدَفعُه أو يَنْفيهِ، فأمَّا المفاضلةُ بينَ بعضِه وبعضٍ، وتقديمُ فنٍّ منهُ على فَنّ، فإنَّك تَرى الناسَ فيه على آراءٍ مُختلفة، وأهواءٍ مُتعادية، تَرى كُلاًّ منهم لِحُبِّه نفسَه، وإيثارهِ أن يَدْفعَ النقصَ عنها، يُقدِّم ما يُحْسِن من أنواعِ العلمِ على ما لا يُحْسِن، ويحاولُ الزِّرايةَ على الذي لم يَحْظَ به3 والطعنَ على أهلهِ والغَضَّ منهم. ثم تتفاوتُ أحوالهُم في ذلك، فمِن مغمورٍ قد استهلكَهُ هَواهُ، وبَعُدَ في الجَوْر مَداه، ومِنْ مُترجِّح فيه بينَ الإِنصافِ والظُّلمْ4، يجورُ تارة ويَعْدل أخرى في الحُكْم، فأمَّا مَن يَخلُص في هذا المعنى من الحَيْف حتى لا يقضيَ إلاّ بالعدلِ، وحتى يَصْدُر في كلَّ أمرِه عنِ العقلِ، فكالشّيءِ الممتنعِ وجودُه. ولم يكنْ ذلك كذلك، إلاَّ لِشَرفِ العِلم وجليلِ محلِّه، وأنَّ محبَّتَه مركوزةٌ في الطِّباع، ومُرَكَّبة في النُّفوس، وأن الغَيْرة عليه لازمةٌ للجِبِلَّة، وموضوعةٌ في الفِطرة، وأنه لا عيبَ أعيْبُ عندَ الجميعِ مِن عَدَمه، ولا ضَعةَ أوْضعُ من الخلُوِّ عنه، فلم يُعادَ إذن إلا من فَرْط المحبةَّ، ولم يُسمح به إلا لشدة الضن.
علم البيان:
3 - ثم إنك لا تَرى عِلْماً هو أرسَخُ أصلاً، وأَبْسَق فَرعاً، وأَحلى جَنىً، وأَعذبُ ورْداً، وأكرمُ نِتاجاً، وأنْورُ سراجاً، مِن عِلْم البَيان، الذي لولاه لم تر
__________
1 "أحشد" اسم تفضيل من "الحشد"، وهو الجمع.
2 في المطبوعة: "ولا شيء أشين"، و "الشين"، العيب.
3 "زرى عمله عليه يزريه زراية وزريًا"، عابه عليه.
4 "المترجح"، المتذبذب بميل مرة إلى هنا ثم إلى هنا.
(1/5)

لساناً يَحُوك الوشيَ، ويصَوغ الحَلْيَ، وَيلفِظ الدرَّ، وينفثُ السِّحرَ، ويَقْري الشَّهْدَ1، ويُريكَ بدائعَ منَ الزهر، ويحنيك الحلو اليانع من التمر، والذي لولا تحفيه بالعوم، وعنايتهِ بها، وتصويرهُ إياها، لبقيتْ كامنةً مستورة، ولمَا استبنْتَ لها يدَ الدهرِ صورةً2، ولاستمرَّ السِّرارُ بأهلَّتها3، واسْتَولى الخَفَاءُ على جُملتِها، إلى فوائدَ لا يُدركها الإحصاءُ، ومحاسنَ لا يَحْصرُها الاستقصاء.
ما لحق علم البيان من الضيم والخطأ:
إلاَّ أنك لن تَرى على ذلك نوعاً من العلم قد لقيَ من الضَّيْم ما لَقِيَهُ، ومُنيَ مِنَ الحَيْف بِما مُنِيَ به4، ودَخلَ على الناسِ منَ الغلَط في مَعْناهُ ما دخَلَ عليهم فيهِ، فقد سبقتْ إلى نُفوسهم اعتقاداتٌ فاسِدةٌ وظنونٌ رديَّةٌ، ورَكبهُم فيه جهلٌ عظيمٌ وخطأٌ فاحشٌ، تَرى كثيراً منهم لا يَرى له معنىً أكثرَ ممَّا يرَى للإشارةِ بالرأس والعين، وما يَجدُه لِلخط والعَقْد5، يقولُ: إنَّما هو خبرٌ واستخبارٌ، وأمْر ونهيٌ، ولكلِّ مِن ذلك لفظٌ قد وُضع له، وجُعل دليلاً عليه، فكلُّ مَنْ عَرفَ أوضاعَ لغةٍ منَ اللغات، عربيةً كانت أو فارسية، وعرَفَ المغْزى من كلَّ لفظةٍ، ثم ساعدَه اللسانُ على النُّطق بها، وعلى تَأديةِ أجراسِها وحُروفِها، فهو بيِّن في تلك اللّغةِ، كاملُ الأداةِ، بالغٌ منَ البيانِ المبلغَ الذي لا مزيدَ عليه، مُنْتَه إلى الغايةِ التي لا مذهبَ بعدها يسمع الفصاحة والبلاغة
__________
1 "يقريه"، يجمعه.
2 يقولون: "لا أفعله يد الدهر"، أي لا أفعله أبدًا.
3 "السرار" بالكسر، اختفاء القمر في آخر ليلة في الشهر.
4 "مني"، ابتلى وأصيب.
5 يريد بالعقد التفاهم بعقد الأصابع
(1/6)

والبراعةَ فلا يَعرف لها معنىً سوى الإِطْنابِ في القول، وأنْ يكونَ المتكلمُ في ذلك جهيرَ الصَّوْت، جاريَ اللسان، لا تَعترضه لُكْنه، ولا تقفُ بهِ حُبْسة1، وأنْ يَستعمل اللفظَ الغريبَ، والكلمةَ الوَحشيَّةَ، فإِنِ اسْتظهرَ للأَمر وبالغَ في النظر، فأَنْ لا يُلْحِنَ فيرفع في موضع النصب، أو يُخطئَ فيَجيء باللفظةِ على غيرِ ما هيَ عليه في الوَضْعِ اللُّغويِّ، وعلى خلافِ ما ثَبتتْ به الروايةُ عنِ العرب.
وجملةُ الأمر أنَّه لا يَرى النقصَ يَدْخلُ على صاحبهِ في ذلك2 إلا من جهةِ نقصِه في علم اللغة، لا يعلم أن ههنا دقائق وأسرار طريق العلم بها الروية والفكر، لطائف مُسْتقاها العَقلُ، وخصائصَ معانٍ ينفردُ بها قومٌ قد هُدُوا إليها، ودُلُّوا عليها، وكُشِف لهم عنها، ورُفعتِ الحُجُب بينَهُم وبينَها3، وأنها السَّببُ في أنْ عرضتِ المزيَّةُ في الكلامِ، ووجبَ أن يفضُلَ بعضُه بعضاُ، وأن يبعدَ الشأوُ في ذلك، وتمتدَّ الغايةُ، وَيعلوَ المُرتقَى، ويعزَّ المطلبُ، حتى ينتهيَ الأمرُ إلى الإعجازِ، وإلى أن يخرج من طوق البشر.
من ذم الشعر وعلم الإعراب:
4 - ولمَّا لم تعرفْ هذه الطائفةُ هذهِ الدقائقَ، وهذهِ الخواصَّ واللطائفَ، لم تَتعرضْ لها ولم تَطلبها، ثمَّ عَنَّ لها بسوء الاتفاقِ رأيٌ صارَ حجازاً بينَها وبينَ العلم بها4، وسَدّاً دونَ أن تصلَ إِليها وَهوَ أَنْ ساءَ اعتقادُها في الشَّعر الذي هو مَعْدنها، وعليه المعوَّلُ فيها، وفي علمِ الإِعرابِ الذي هو لها
__________
1 "الحبسة"، بالضم، اسم احتباس الكلام أي تعذره عنده إرادته. و "اللكنة"، العي والعجز عن القول.
2 في "س" "في ذلك الأمر".
3 في "ج" و "س": و "رفع الحجب".
4 في "س": "حجابًا" مكان "حجازًا".
(1/7)

كالنّاسِبِ الذي يَنْميها إِلى أُصولها، ويُبَيِّنُ فاضلَها من مَفضولِها، فجعَلتْ تُظهر الزهدَ في كلِّ واحدٍ منَ النَّوعين، وتطرحُ كلاً منَ الصِّنفين، وترى التشاغلَ عنهُما أولى منَ الاشتغالِ بهما، والإعراضَ عن تدبُّرهما أصوبَ منَ الإِقبالِ على تعلمهما.
ذمهم للشعر:
5 - أما الشعرُ فَخُيِّلَ إليها أنه ليسَ فيه كثيرُ طائلٍ1، وأنْ ليس إِلا مُلْحةً أو فكاهة، أو بكاءَ منزلٍ أو وصْفَ طلَلٍ، أو نعْتَ ناقةٍ أو جَمل، أو إسرافَ قولٍ في مدحٍ أو هجاءٍ، وأنه ليسَ بشيءٍ تَمسُّ الحاجةُ إِليه في صلاحِ دينٍ أو دنيا.
ذمهم للنحو:
6 - وأما النّحوُ، فَظَّنتْه ضرْباً منَ التكلُّف، وباباً من التعسُّفِ، وشيئاً لا يَستند إِلى أصلٍ، ولا يعتمد يه على عقلٍ، وأنَّ ما زادَ منه على معرفةِ الرَّفعِ والنَّصبِ وما يتصلُ بذلك مما تجده في المبادئ، فهو فضلٌ لا يُجْدي نفعاً، ولا تَحصل منه على فائدةٍ، وضَرَبُوا له المثَل بالمِلْح كما عرفت، إِلى أشباهٍ لهذه الظُّنونِ في القَبِيلَيْن، وآراءٍ لو عَلموا مَغبَّتَها وما تقودُ إِليه، لتعوَّذوا باللهِ منها، ولأنِفُوا لأنفُسهم منَ الرضا بها، وذاك لأنَّهم بإِيثارِهم الجهلَ بذلك على العِلم، في معنى الصادِّ عن سَبيلِ الله، والمُبتغي إطفاءَ نور الله تعالى.
منزلة الشعر والنحو من إعجاز القرآن:
7 - وذاك أنَّا إذا كنَّا نَعلم أنَّ الجهةَ التي منها قامَتِ الحجةُ بالقُرآنِ وظهرتْ، وبانَتْ وبَهرت، هيَ أنْ كانَ على حَدٍّ منَ الفَصاحةِ تقصرُ عنه قُوى البشرِ، ومُنْتهياً إِلى غايةٍ لا يُطمَح إِليها بالفِكر، وكان مُحالاً أن يَعرف كونَه كذلك، إِلا مَنْ عَرفَ الشعرَ الذي هو ديوانُ العَرب، وعنوانُ الأدب،
__________
1 في "س": "كبير طائلي".
(1/8)

والذي لا يُشك أنه كانَ ميدانَ القومِ إِذا تجارَوْا في الفَصاحة والبيان، وتنازَعوا فيهما قَصَبَ الرَّهان، ثم بَحث عنِ العِلل التي بها كانَ التباينُ في الفَضْل، وزادَ بعضُ الشعر على بعضٍ1 كان الصادُّ عن ذلك صادَّاً عن أَن تُعرَف حجةُ الله تعالى، وكان مَثلُه مَثلَ مَن يتصدَّى للنّاسِ فيمنعُهم عَن أنْ يحفظوا كتابَ الله تعالى ويقوموا به ويتلوه ويقرِئُوه، ويصنعُ في الجملةِ صَنيعاً يؤدِّي إِلى أَنْ يَقلَّ حفَّاظُه والقائمونَ به والمُقرئون له. ذاك لأنَّا لم نتعبَّدْ بتلاوتِه وحِفْظه، والقيامِ بأَداء لفظهِ على النَّحو الذي أُنزل عليه، وحراستِه من أن يُغَيَّر ويُبدَّل، إلاَّ لتكونَ الحِجةُ بهِ قائمةً على وجهِ الدَّهر، تُعرَف في كل زمانٍ، ويتوصَّلُ إِليها في كلَّ أَوان، ويكونُ سبيلُها سبيلَ سائرِ العلوم التي يَرويها الخلَفُ عن السَّلف، ويأَثُرُها الثاني عن الأول، فمَنْ حال بيننا وبين ما له كانَ حفْظُنا إيْاهُ، واجتهادُنا في أن نؤدِّيَه ونَرعاه، كَان كَمن رامَ أن يُنْسيناه جُملةً ويُذْهبه من قلوبنا دَفعةً، فسواءٌ مَنْ منَعكَ الشيءَ الذي تنتزع منه الشاهدُ والدَّليلُ، ومَنْ منعَكَ السبيلَ إِلى انتزاعِ تلك الدَّلالةِ، والاطَّلاعِ على تلك الشَّهادةِ، ولا فرقَ بينَ مَن أعدمَك الدواءَ الذي تَسْتَشفي به من دائَك، وتَسْتبقي به حشاشةَ نَفْسك، وبينَ مَن أعدمَكَ العلْمَ بأنَّ فيه شفاءً، وأن لك فيه استبقاء.
الرد على حجج المعتزلة في الإعجاز:
8 - فإِنْ قال منهُم قائلٌ: إِنّك قد أغْفلتَ فيما رتَّبْت، فإنَّ لنا طريقاً إِلى إِعجازِ القرآنِ غيرَ ما قلتَ، وهو عِلْمُنا بعَجْز العرَب عن أن يأتوا بمثلِه وتَرْكِهم أن يعارضُوه، مع تكرارِ التّحدَّي عليهم، وطولِ التقَّريع لهم
__________
1 سياق الكلام من أول الفقرة: "وذاك أبا إذاكنا نعلم .... كان الصاد عن ذلك ... ".
(1/9)

بالعجزِ عنه. ولأنَّ الأمرَ كذلكَ، ما قامتْ به الحجةُ على العَجم قيامَها على العرب1 واستوى الناسُ قاطبة، فلم يَخْرج الجاهلُ بلسانِ العرب من أن يكونَ مَحْجوجاً بالقرآن.
قيلَ له: خبِّرنا عما اتفقَ عليه المُسلمون منِ اختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم بأنْ كانتْ معجزتُه باقيةً على وجهِ الدَّهر، أتعرفُ له معنى غيرَ أنْ لا يزالُ البرهانُ منه لائحاً مُعرَّضاً لكلَّ من أرادَ العلمَ به، وطلبَ الوصولَ إِليه، والحجةُ فيه وبه ظاهرةً لمن أرادَها، والعلمُ بها ممكناً لمن التسمه؟ فإِذا كنتَ لا تشكُّ في أَنْ لا معنى لبقاءِ المُعجزة بالقرآن إلاَّ أنَّ الوصفَ الذي له كان معجزاً قائمٌ فيه أبداً، وأنَّ الطريقَ إِلى العلم به موجودٌ، والوصولَ إِليه ممكنٌ، فانظرْ أيَّ رجلٍ تكونُ إِذا أنتع زهدْتَ في أن تعرفَ حُجَّة الله تعالى، وآثرتَ فيه الجهلَ على العِلمِ، وعدمَ الاسْتبانةِ على وُجودِها، وكان التّقليدُ فيها أحبَّ إِليك، والتعويلُ على علمِ غيرِك آثرَ لديك، ونحِّ الهوى عنك، وراجح عقلك، واصدُقْ نفسك، يَبِنْ لك فُحشُ الغلطِ فيما رأيتَ، وقبْحُ الخطأ في الذي توهَّمتَ. وهل رأيتَ رأياً أعجزَ، واختياراً أقبحَ ممن كَرِهَ أَن تُعرفَ حجةُ الله تعالى منَ الجهةِ التي إِذا عُرفْت منها كانت أنْورَ وأبهرَ، وأقوى وأقهر، وآثرَ أَنْ لا يَقْوى سلطانُها على الشَّرْك كلَّ القوّة2، ولا تَعْلو على الكفر كلَّ العلو؟ والله المستعان.
__________
1 ما في قوله "ما قامت" مصدرية.
2 قوله "وآثر" معطوف على قوله "كره".
(1/10)

الكلام في الشعر:
فصل: في الكلام على من زَهد في رواية الشعر وحِفْظهِ، وذمَّ الاشتغال بعلمه وتتبُعه
الرد على من ذم الشعر:
9 - لا يخلو مَن كان هذا رأيَهُ مِن أمورٍ:
أحدُها: أنْ يكون رفضُه له وذَمُّه إِيّاه من أجلِ ما يَجده فيه من هَزْلٍ أو سُخْف، وهجاءٍ وسَبٍّ وكَذِبٍ وباطلٍ على الجُملة.
والثاني: أنَ يذمَّه؛ لأنه موزون مُقفَّى، ويرى هذا بمجرَّده عيباً يقتَضي الزهدَ فيه والتنزُّهَ عنه.
والثالثُ: أنْ يتعلَّقَ بأحوالِ الشُّعراءِ وأنها غيرُ جميلةٍ في الأكثرِ ويقول: قد ذُمُّوا في التنَّزيل.
وأيٌّ كان مِنْ هذه رأياً لهُ، فهو في ذلكَ على خطأ ظاهرٍ وغَلَط فاحش، وعلى خلافِ ما يُوجِبه القياسُ والنَّظرُ، وبالضدِّ مما جاءَ به الأَثرُ، وصَحَّ به الخبر.
10 - أما مَن زَعَم أنَّ ذمَّه لهُ من أجْل ما يَجدُ فيه من هزلٍ وسُخف وكذبٍ وباطلٍ، فينبغي أن يذمَّ الكلامَ كلَّه، وأن يُفَضِّل الخرَسَ على النُّطق، والعيَّ على البيان، فمنثور كلامِ النّاسِ على كلَّ حالٍ أكثرُ من منظومِه، والذي زعمَ أنه ذمَّ الشَّعرَ من أجلهِ وعاداهُ بسببه فيه أكثر1؛
__________
1 في المطبوعة: "والذي زعمَ أنه ذمَّ الشعرَ بسببه وعاداه بنسبته إليه أكثر"، وهي عبارة سيئة، وفي "ج": " .... ذم الشعر بسببه وعاداه بسببه فيه أكثر" وهو سهو من الناسخ، والصواب ما أثبته من "س"، والضمير في "فيه" يعود إلى "منثور الكلام"، أي هو في المنثور أكثر.
(1/11)

لأنَّ الشعراءَ في كلَّ عصرٍ وزمانٍ معدودون، والعامَّة ومَنْ لا يقولُ الشعرَ منَ الخاصَّةِ عديدة الرَّمل، ونحنُ نَعْلم أنْ لو كانَ منثورُ الكلام يُجمعُ كما يُجْمَع المنظومُ، ثم عمدَ عامدٌ فجمعَ ما قيلَ من جنْس الهَزْل والسُّخف نثراً في عصرٍ واحدٍ، لأَرْبى على جَميعِ ما قاله الشعراءُ نَظْماً في الأزمانِ الكثيرةِ1، ولغَمره حتى لا يظهرَ فيه.
ثم إِنك لو لم تَرْو من هذا الضربِ شيئاً قطُّ، ولم تَحْفَظْ إلاَّ الجِدَّ المحضَ، وإلاَّ ما لا مَعابَ عليكَ في روايته، وفي المحاضرةِ به، وفي نَسْخه وتَدوينهِ، لَكانَ في ذلك غِنًى ومندوحةٌ، ولوَجدْتَ طِلْبتَك ونِلْتَ مُرادك، وحصَل لك ما نحنُ ندعوكَ إِليه من عِلمِ الفصاحةِ، فاخترْ لنفسكَ، ودَعْ ما تَكْره إِلى ما تُحب.
11 - هذا، وراوي الشَّعر حاكٍ، وليس على الحاكي عَيبٌ، ولا عليه تَبعةٌ، إِذا هوَ لم يَقصدْ بحكايتهِ أن يَنْصر باطلاً، أو يَسُوء مسْلِماً، وقد حكى اللهُ تعالى كلامَ الكفار، فانظرْ إِلى الغرضِ الذي له رُويَ الشعرُ، ومِن أَجْلهِ أُريد، وله دُوِّن، تَعلمْ أنك قد زُغْت عن المنهج، وأنك مُسيءٌ في هذه العداوة، وهو العصبيّةِ منكَ على الشَّعر2. وقد استشهدَ العلماءُ لغريبِ القرآنِ وإِعرابهِ بالأبياتِ فيها الفحشُ، وفيها ذكْرُ الفعلِ القبيحِ، ثم لم يَعِبْهم ذلك، إذا كانوا لم يَقصدوا إِلى ذلك الفُحشِ ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله.
__________
1 "نظمًا" سقطت من ناسخ "ج".
2 في المطبوعة: "وهي العصبية".
(1/12)

الحسن البصري وتمثله بالشعر:
قالوا: وكان الحسَنُ البصريُّ رحمه الله يتمثَّلُ في مَواعظِه بالأبياتِ من الشّعرِ، وكان من أوجعها عنده:
اليومَ عندكَ دَلُّها وحديثُها ... وغَداً لِغيرك كَفُّها والمعصم1
تمثل عمر بن الخطاب بشعر:
13 - وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكره المرزباني، في كتابه بإِسنادٍ، عن عبد الملك بنِ عُميرٍ أنه قال: أتي عمر رضوان الله عليه يحلل منَ اليمنِ، فأتاهُ محمدُ بنُ جعفرِ بن أبي طالبٍ، ومحمدُ بنُ أبي بكر الصدَّيقُ، ومحمدُ بنُ طلحةَ بنِ عبيدِ الله، ومحمدُ بنُ حاطبٍ، فدخلَ عليه زيدُ بن ثابتٍ رضي الله عنه فقال: يا أميرَ المؤمنين، هؤلاء المحمودن بالبابِ يطلبون الكُسْوة. فقال: ائْذِنْ لهم يا غلام. فدعا بحلل، فأخذ زيد أجودها [حلة] 2 وقال: هذهِ لمحمّدِ بن حاطبٍ، وكانتْ أُمُّه عندَه، وهو من بني لؤيٍّ، فقال عمرُ رضي الله عنه: أيهاتَ أيهات! وتمثَّل بشعرِ عمارة بن الوليد:
أَسرَّكِ لما صُرِّع القومُ نشوةٌ ... خروجيَ منها سَالِماً غَيْرَ غارِمِ
بَرِيئاً كأنَّي قبلُ لم أكُ منهمُ ... وليسَ الخداعُ مرتَضًى في التَّنادُمِ
__________
1 من أبيات جياد في مذمته بعض النساء، يقول:
إن النساء وإن ذكرن بعفة ... فيما يظاهر في الأمور ويكتم
لحم أطاف به سباع جوع ... ما لا يذاد، فإنه يتقسم
لا تأمنن أنثى حياتك، واعلمن ... أن النساء ومالهن مقسم
اليومَ عندكَ دَلُّها وحديثُها ... وغَداً لِغيرك كَفُّها والمعصم
كالخان تسكنه وتصبح غاديًا ... ويحل بعدك فيه من لا تعلم
"أمالي الشريف 1/ 160/ شرح الحماسة للتبريزي 3: 119".
2 الزيادة بين القوسين من "س".
(1/13)

رُدَّها. ثم قالَ: ائْتني بثوبٍ فألقِهِ على هذهِ الحُلل. وقال: أدخلْ يدَكَ فخُذْ حُلَّة وأنتَ لا تَراها، فأَعْطِهمْ. قال عبدُ الملك: فلم أر قسمة أعدل منها1.
و"عمارة"، هذا هو "عمارةبن الوليد بنِ المُغيرةِ"، خطبَ امرأةً من قومه فقالت: لا أتزوجُك أو تترُكَ الشرابَ، فأبى، ثم اشتد وَجْدُه بها فحلَفَ لها أنْ لا يشرب، ثم مر بخمار عند شَرْبٌ يشربون، فدعَوْه فدخَلَ عليهم وقد أنْفَدوا ما عندهم، فنَحَر لهم ناقتَه وسَقاهم بِبُرْدَيْه، ومكَثوا أَياماً، ثم خرجَ فأتى أَهْلَه، فلمَّا رأتْه امرأتُه قالت: أَلم تَحْلِفْ أَنْ لا تَشْرب؟ فقال:
ولسنا بشَرْب أمَّ عمرو إِذا انْتَشَوْا ... ثيابُ الندامى عِنْدَهُمْ كالغَنائم
ولكنّنا يا أمَّ عمروٍ نَديمُنا ... بمنزلةٍ الريَّانِ ليسَ بعائمِ
أَسَّرك .... البيتين2
14 - فإذنْ رُبَّ هَزْلٍ صار أَداةً في جِدّ، وكلامٍ جَرى في باطلٍ ثم استُعينَ به على حَقّ، كما أنه رُبَّ شيءٍ خَسيس، تُوصِّلَ به إِلى شريفٍ، بأنْ ضُرِبَ مَثلاً فيه وجُعل مثالاً له، كما قال أبو تمام:
واللهُ قَدْ ضَربَ الأَقلَّ لنورِه ... مَثَلاً منَ المشكاة والنبراس3
__________
1 الخبر والشعر في الأغاني: 18: 125، بنحو هذه القصة.
2 الخبر والشعر في الأغاني 18 - 123، ومعجم الشعراء للمرزباني: 247. و "الشرب"، جمع "شارب"، و "العائم" من قولهم: "عام الرجل إلى اللبن يعام ويعيم عيمًا وعيمة"، اشتدت شهوته للبن حتى لا يصبر عنه.
3 في هامش المخطوطة "ج"، ما نصه: "هو القطن، "يعني النبراس"، وأراد به الفتيلة ذكره الجوهري في الصحاح أن النبراس هو المصباح، وكذا .... والله أعلم". والبيت في ديوان أبي تمام.
(1/14)

وعلى العكس، فربَّ كلمةِ حَقٍّ أُريدَ بها باطلٌ، فاسْتُحِقَّ عليها الذمُّ، كما عرفتَ من خبر الخارجي مع علي راضون الله عليه1. ورُبَّ قولٍ حَسَنٍ لم يَحْسُنْ من قائِلِه حينَ تَسبَّبَ به إِلى قبيحٍ، كالذي حكى الجاحظ قال: "رجع طاوس يوماً عن مجلسِ مُحمّدِ بنِ يوسُفَ2، وهوَ يومئذٍ والي اليمنِ فقال: ما ظَننتُ أنَّ قول: "سبحان الله" يكون معصية لله تعالى حتى كانَ اليومُ، سمعتُ رجلاً أَبلغَ ابنَ يوسُفَ عن رجلٍ كلاماً، فقالَ رجلٌ من أهلِ المَجلس: "سبحانَ الله"، كالمستعظمِ لذلك الكلامِ، ليُغضِبَ ابنَ يوسف"3.
فبهذا ونحوِه فاعتبرْ، واجْعلْهُ حكمًا بينك وبين الشعر.
الدفاع عن الشَّعر:
15 - وبعدُ، فكيفَ وَضعَ منَ الشعرِ عندكَ، وكسبَهُ المقتَ منك، أنَّك وجدتَ فيه الباطلَ والكذبَ وبعضَ ما لا يَحْسنُ، ولم يَرفعْه في نفسِك، ولم يُوجِب له المحبَّةَ من قبلك، أنْ كانَ فيه الحقُّ والصدقُ والحكمةُ وفصْلُ الخِطاب، وأنْ كانَ مَجْنى ثمرِ العقولِ والألبابِ، ومجتمَعَ فِرَقِ الآدابِ، والذي قيَّد على النّاسِ المعاني الشريفةَ، وأفادَهُم الفوائدَ الجليلة، وترسَّل بينَ الماضي والغابرِ، يَنقل مكارمَ الأخلاق إِلى الولدِ عن الوالد، ويؤدِّي ودائعَ الشَّرف عن الغائب إِلى الشَاهد، حتى تَرى به آثارَ الماضين مخلَّدةً في الباقين، وعقول الأَوَّلين مردودةً في الآخرين، وتَرى لكلَّ مَن رَام الأدبَ،
__________
1 وذلك حين قال البرج بن مسهر الطائي الشاعر الخارجي، لعلي رضي الله عنه: "لا حكم إلا الله"، وهي شعار الخوارج، فقال علي: "كلمة حق أريد بها باطل، وإنما مذهبهم أن لا يكون أمير، ولا بد من أمير، برًا كان أو فاجرًا".
2 في هامش "ج": "هو أخو الحجاج"، يعني "محمد بن يوسف".
3 في البيان والتبيين 1: 395.
(1/15)

وابتغَى الشرفَ، وطلبَ محاسنَ القولِ والفعْل، مناراً مرفوعاً، وعِلْماً مَنصوباً، وهادياً مُرْشداً، ومُعلماً مسدِّداً، وتجدُ فيه للنَّائي عن طَلبِ المآثر، والزّاهِدِ في اكتسابِ المحامدِ، داعياً، ومُحرَّضاً، وباعثاً ومحضَّضاً، ومذكرًا ومعرفًا، وواعظًا ومنفقًا. فلو كنت ممن يتصف كانَ في بعضِ ذَلك ما يُغيِّرُ هذا الرأيَ منك، وما يَحْدوكَ على روايةِ الشَّعر وطَلََبه، ويَمنعُكَ أنْ تَعيبَه أو تَعيبَ به، ولكنك أَبَيْتَ إلاَّ ظناً سبَقَ إِليكَ، وإِلاّ بادي رأيٍ عنَّ لك، فأقفلْتَ عليه قلْبَكَ، وسدَدْتَ عمَّا سِواهُ سَمْعَك، فَعيَّ الناصحُ بك1، وعَسُرَ على الصديق الخليط تنبيهك.
الأحاديث في ذم الشعر، ومدحه:
نعم، وكَيف رَويْتَ: "لأَنْ يمتلئَ جوفُ أَحدِكم قيحاً، فيَرِيَهُ، خيرٌ له من أَن يمتلئ شِعْراً" 2، ولهجتَ به، وترِكتَ قولَه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ مِن الشعر لَحِكْمةً، وإنَّ مِن البيانِ لَسِحْرا"؟ 3 وكيف نَسِيتَ أَمرَه صلى الله عليه وسلم بقول الشعر، ووعده
__________
1 "عي"، عجز، أصله "عيي"، فأدغم.
2 حديث رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن وغيرهم عن أبي هريرة وعن غيره والرواية المشهورة فيه: "حتى يريه" أي يفسده وفي رواية بحذف: "حتى يريه" وفي أخرى حذف: "حتى" وقرأها بعضهم حينئذ "يريه" بالفتح، وبعضهم بالضم، ولم أر من رواه بالفاء فيريه" كما في نسخة المصنف، وفي رواية ابن عدي عن جابر: "لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا أو دمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا مما هجيت به" "رشيد رضا"، قال أبو فهر: قد خرجته في تهذيب الآثار للطبري، في مسند عمر، فراجعه.
3 الحديث مشهور رواه أصحاب الصحاح وغيرهم، ورواية المصنف ملفقة من روايتين، فقد وردت كل جملة من طريق. وأما الجملتان معًا فقد جاءنا في حديث ابن عباس عند أحمد وابن ماجه هكذا: "إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حكمًا" وعند ابن عساكر من حديث علي باللام، وله تتمة وهي: "وإن من العلم لجهلًا، وإن من القول عيالًا"، "رشيد".
(1/16)

عليه الجنَّةَ، وقوله لحسَّان: "قُلْ وروحُ القُدُس معك" 1، وسماعَه له، واستنشادَهُ إياه، وعِلْمهُ صلى الله عليه وسلم به، واستحسانَه له، وارتياحَه عند سماعه؟
أَمرَه صلى الله عليه وسلم بقول الشعر وسماعه:
16 - أَمّا أَمرُهُ به، فمنَ المعلوم ضَرورةً، وكذلك سَماعُه إِيّاه، فقد كان حسانٌ وعبدُ الله بنُ رَواحَة وكعبُ بن زُهير يمدحونَهُ، ويَسْمعُ منهم، ويُصغي إِليهم، ويأمرهم بالردِّ على المُشركين2 فيقولون في ذلك ويَعْرِضون عليه، وكان عليه السلامُ يَذكرُ لهم بعضَ ذلك، كالذي رُوي من أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعبٍ: "ما نَسِيَ ربُّك، وما كان ربُّكَ نَسِيّاً، شعراً قلْتَه"، قال: وما هوَ يا رسولَ الله؟ قال: "أَنْشِدْه يا أبا بكر"، فأنشده أبو بكر رضوان الله عليه:
زعَمتْ سَخينةُ أنْ سَتَغلِبُ رَبَّها ... ولَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغلاب3
استنشاده الشعر:
17 - وأما استنشادُه إِيّاهُ فكثيرٌ، من ذلك الخبرُ المعروف استنشادهِ، حين اسْتَسقى فسُقيَ، قولَ أبي طالب:
__________
1 خرجته في تهذيب الآثار للطبري، وفي مسند عمر.
2 روى الخطيب وابن عساكر عن حسان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "اهج المشركين وجبرائيل معك، إذا حارب أصحابي بالسلاح، فحارب أنت باللسان". وفي حديث جابر عند ابن جرير أنه قال يوم الأحزاب: "من يحمي أعراض المؤمنين؟ " قال كعب: أنا يا رسول الله. قال: "نعم، اهجهم أنت، فسيعينك روح القدس" "رشيد".
3 خرجت خبر كعب بن مالك في تذهيب الآثار، مسند عمر. والبيت في ديوان كعب بن مالك: 178 - 182، وانظر طبقات فحول الشعراء: رقم 305. و "سخينة"، لقب كانت تعير به قريش. و "السخينة"، طعام يتخذ من الدقيق، دون العصيدة في رقته وفوق الحساء، وإنما كانت نؤكل في شدة الدهر، وغلاء الأسعار، وهزال الأنعام، فعيروا بأكلها.
(1/17)

وأبيضَ يُسْتَسْقى الغمامَ بوجههِ ... ثِمَالُ اليَتامى عصمةٌ للأراملِ
يُطِيفُ به الهُلاَّكُ مِن آلِ هاشمٍ ... فهمْ عندَهُ في نعمةٍ وفواضلِ1
الأبيات.
وعن الشّعبيَّ رضيَ الله عنه، عن مَسروقٍ، عن عبدِ الله قالَ: لمَّا نظرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى القَتْلى يومَ بدر مصرعين، فقال صلى الله عليه وسلم لأَبي بَكْر رضيَ الله عنه: "لو أَنَّ أبا طالبٍ حَيٌّ لَعِلمَ أنَّ أَسْيافَنا قد أخذتْ بالأنامِل". قال: وذلكَ لقولِ أبي طالب:
كَذَبتُمْ، وبيتِ اللهِ، إِنْ جَدَّ ما أَرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأنامل
وينهض قوم في الذروع إليهم ... نهوض الروايا في طريق حلاحل2
__________
1 من قصيدة أبي طالب الطويلة في سيرة ابن هشام: 1 - 291 - 299، وانظر طبقات فحول الشعراء رقم: 366، والتعليق عليه. "ثمال اليتامى" غياث لهم وعماد، يقوم بأمرهم ويطمعهم ويسقيهم. و "عصمة للأرامل"، يمنعهن ويحفظهن. و "الهلاك"، جمع "هالك" وهو الفقير. والبيت الثاني ليس في "س".
2 خبر الشعبي، ليس في "س"، و "عبد الله"، هو "عبد الله بن مسعود" رضي الله عنه. والبيتان ليسا على ترتيبهما القصيدة، ورواية الأول على الصواب:
وإنا لعمر اللهِ إِنْ جَدَّ ما أَرى ... لَتَلتبسَنْ أَسيافُنا بالأماثل
أي تخالط السيوف أعناق الأماثل والأشراف فتقتلهم.
ورواية الثاني:
وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
"الروايا" الإبل التي تحمل الماء في المزادات. و "ذات الصلاصل" هي المزادة، تسمع لها صلصلة إذا تحركت بها الإبل. ورواية الشيخ رحمه الله للبيتين مختلطة وانظر الأغاني 17: 28
(1/18)

ومن المحفوظِ في ذلك حديثُ محمدِ بنِ مَسلمةَ الأنصاريَّ؛ جمعَهُ وابنَ أبي حَدْرد الأسلميّ الطريقُ، قال: فتذاكَرْنا الشكرَ والمعروفَ، قال: فقال محمد: كنَّا يوماً عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لحسَّان بنِ ثابت: "أَنْشِدْني قصيدةً من شعرِ الجاهليّةِ؛ فإِنَّ اللهَ تعالى قد وَضعَ عنَا آثَامها في شعرِها وروايته"، فأنْشدَه قصيدةً للأعشى هجا بها علقمةَ بْنَ علاثة:
عَلْقَمَ ما أنتَ إِلى عامرٍ ... الناقضِ الأوتارَ والواترِ1
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم: "يا حَسّانُ، لا تَعُدْ تُنْشِدني هذه القصيدةَ بعدَ مجلِسِكَ هذا". فقال: يا رسولَ الله، تَنْهاني عن رَجُلٍ مُشْركٍ مقيمٍ عندَ قيصر؟ فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم: "يا حَسّان، أَشْكَرُ الناسِ للناسِ أَشكَرُهم للهِ تعالى، وإِنَّ قيصرَ سأل أبا سفيانَ بنَ حربٍ عنّي فتناولَ منِّي" وفي خبرٍ آخر: "فشَعَثَ منّي وإِنّهُ سألَ هذا عني فأَحْسَنَ القولَ". فشَكرَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وروي عن وجهٍ آخَرَ أَنَّ حسانَ قال: يا رسولَ الله، مَنْ نالَتْكَ يَدُه وَجَبَ علينا شُكْرُه2.
ومِن المعروفِ في ذلك خَبرُ عائشةَ رضوانُ الله عليها أَنَّها قالتْ: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول: "أبياتك". فأقول:
إِرفعْ ضَعيفَكَ لا يَحُر بكَ ضَعْفُهُ ... يَوْماً فتُدرِكَه العواقبُ قَدْ نَمى
يَجْزيك أو يُثْني عليكَ وإنَّ مَنْ ... أثْنَى عليكَ بِما فَعلْتَ فقد جزى
__________
1 ديوان الأعشى 1: 105
2 الحديث رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج وابن عساكر عن محمد بن مسلمة بلفظ: "يا حسان أنشدني من شعر الجاهلية؛ فإن الله قد وضع عنك آثامها في شعرها وروايتها"، وفيه أنه قال له بعد إنشاد القصيدة: "يا حَسّانُ لا تَعُدْ تُنْشِدني هذه القصيدةَ، إني ذكرت عند قيصر وعنده أبو سفيان وعلقمة بن علاثة، فأما أبو سفيان فتناول مني، وأما علقمة فحسن القول، وإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس" "رشيد".
(1/19)

قالتَ فيقولُ عليه السلام: "يقولُ اللهُ تَبارَكَ وتعالى لعَبْدٍ من عبيدهِ: صنَعَ إِليك عَبْدي معروفاً فهل شَكرْتَه عليه؟ فيقول: يا ربِّ، عَلمتُ أنّهُ منكَ فشكرتُكَ عليه. قال فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: لَمْ تَشْكرْني، إذْ لم تشكر من أجريته على يده" 1.
علمه بالشعر:
18 - وأمَّا عِلْمُه عليه السّلامُ بالشعرِ، فكَما رُويَ أنَّ سَوْدة أَنشدتْ:
عديٌّ وتيمٌ تَبْتغي مَن تحالفُ
فظنَّتْ عائشةُ وحَفْصةُ رضيَ اللهُ عنهما أنها عرضت بها، وجَرى بينهنَّ كلامٌ في هذا المعنى، فأُخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فدخلَ عليهنَّ وقال: "يا وَيْلَكنَّ، ليسَ في عَدِيِّكنَّ ولا َتَيْمِكنَّ قيلَ هذا، وإنَّما قيلَ هذا في عديَّ تميمٍ وتيم تميم".
وتمامُ هذا الشعر وهو لقيس بن معدان الكليبي، من بني يربوع:
فخالف ولا واللهِ تَهْبِطُ تَلْعةَ ... منَ الأرضِ إلاَّ أنت للذل عارف
ألا من رأى العيدين، أو ذكرا له ... عبد وتيم تتغي من تحالف2
__________
1 رواه الطبراني في المعجم الصغير 1: 163، والبيان من سبعة عشر بيتًا من البصائر والذخائر 2: 417 - 419 وانظر الوحشيات رقم: 178 والشعر ينسب لغريض، ولابنه سعية بن غريض اليهودي، ولورقة بن نوفل، ولغيرهم.
2 "سودة"، وهي سودة بنت زمعة"، أم المؤمنين رضي الله عنها. وفي هامش "ج"، عند البيت الثاني للتأنيث كان وجهه أن قوله: العبدين، [هما عدي] وتيم، عني بهما الأب الأكبر، وهم إذا ذكروا الأب [الأكبر، عنوا] به القبيلة، فحمل الكلام من بعد ذكرهما على [القبلتين ثم] استغنى برد الذكر إلى إحداهما عن ذكر [الأخرى: كقوله] تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا} استغنى بإعادة الضمير إلى الفضة، عن إعادته [إلى] الذهب".
والشعر في المطبوعة غير منسوب، وهو منسوب في المخطوطتين "ج" و "س". "تيم قريش" منهم أبو بكر الصديق، و "عدي قريش"، منهم عمر بن الخطاب، ولذلك ما غضبت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، وحفصة أم المؤمنين بنت عمر. و"التلعة"، هي مسيل في أعلى الوادي وأسفله تلعة، وأعلاه ثلعة أيضًا. وفي البيت يراد أسفل الوادي. وقوله: "عارف". من قولهم "عرف للأمر، واعترف"، صبر له وذل وإنقاذ.
(1/20)

وروَى الزبيرُ بنُ بكار قال: مرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنه برجلٍ يقول في بعض أزقة مكة:
يا أيُّها الرجلُ المُحوِّلُ رَحْلَهُ ... هلاّ نزلْتَ بآلِ عبد الدارِ
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكرٍ، أهكذا قالَ الشّاعرُ؟ " قال: لا، يا رسول الله، ولكنه قال:
يا أيُّها الرجلُ المحوِّلُ رَحلَهُ ... هلاَّ سألْتَ عنَ آلِ عَبْد منافِ
فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هكذا كنا نسمعها" 1.
ارتياحه للشعر:
19 - وأمَّا ارتياحُه صلى الله عليه وسلم للشَّعر واستحسانُه له، فقد جاءَ فيه الخبرُ من وجوهٍ. من ذلك حديثُ النّابغةِ الجَعْديِّ قال: أَنشدتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قولي:
بلَغْنا السماءَ، مَجْدُنَا وجدودُنا ... وإنَّا لنَرجو فوقَ ذلك مَظْهَرا
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَينَ المظهرُ يا أبا ليلى؟ " فقلتُ: الجنةُ، يا رسولَ الله، قال: "أَجَلْ إنْ شاء الله". ثم قال: أَنْشِدْني، فأنْشَدْتُه من قولي:
__________
1 الشعر لمطرود بن كعب الخزاعي، يبكي عبد المطلب وبني عبد مناف في سيرة ابن هشام 1: 188، والخبر في أمالي القالي 1: 241، وسمط اللآلي: 547، من غير طريق الزبير بن بكار.
(1/21)

ولا خيرَ في حِلْم، إذا لم تَكنْ لَهُ ... بَوادِرُ تَحْمي صفْوَه أنْ يُكَدَّرا
ولا خيرَ في جَهلٍ، إذا لمْ يَكنْ لَهُ ... حَليمٌ إذا ما أَوْردَ الأمرَ أَصْدَرا
فقال صلى الله عليه وسلم: "أَجَدْتَ، لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ". قال الراوي: فنظَرتُ إليه، فكأَنَّ فاهُ الْبَرَدُ المُنْهَلُّ، ما سَقطتْ له سِنٌّ ولا انفلَّت، تَرِفُّ غَروبُه1.
ومِنْ ذلك حديثُ كعبِ بنِ زهيرٍ رُويَ أنَّ كعباً وأخاه بحيرًا خرجا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلَغَا أَبْرَقَ العزَّاف، فقال كعب لبجير: الق هذا الرجل وأنا مقيم ههنا، فانظرْ ما يقولُ. وقَدم بُجَيرٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرَضَ عليه الإسلامَ فأَسْلمَ، وبلغَ ذلك كَعْباً، فقالَ في ذلك شعراً، فأهْدَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم دَمه، فكتبَ إليه بُجير يأمرُه أن يُسْلمِ ويُقْبلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولُ: إنَّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلاَّ اللهُ وأَنَّ محمداً رسولُ الله، قَبِلَ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسقطَ ما كانَ قبلَ ذلك، قال: فقَدِمَ كعبٌ وأنشد النبيَّ صلى الله عليه وسلم قصيدته المعروفة:
بانتْ سُعادُ فَقلبي اليومَ مَتْبولُ ... مُتَيَّمٌ إثْرَها، لمْ يُفْدَ، مغلولُ
وما سُعادُ غَداةَ البَيْنِ إذا رحَلَتْ ... إلاَّ أغَنُّ غَضيضُ الطَّرْفِ مَكْحولُ
تَجْلُو عوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسمَتْ ... كأنَّه مُنْهلٌ بالراح معلول2
__________
1 الشعر في ديوانه النابغة الجعدي، والخبر وتخريجه في تهذيب الآثار، مسند عمر، وانظر مجمع الزوائد للهيثمي 8: 126، و "البوادر" جمع "بادرة"، وهي ما يسبق به اللسان من الكلام عند الغضب. وقوله: "ولا انفلت" أي ولا انثلمت له سن. و "ترف غروبه" أي تبرق ثناياه، و "غروب الأسنان" هي منافع ريقها، وأطرافها وحدتها وماؤها وصفاؤها. و "البرد المنهل" والمتساقط.
2 "المتبول" من "تلبه الحب" إذا أضناه وأفسده أو ذهب بلبه وعقله. و "المتيم"، والمذلل المعبد. و "المغلول" من وضع الغل في عنقه. وفي رواية "مكبول"، وهو المقيد بالكبل أي القيد.
(1/22)

سحَّ السقاةُ عليها ماءَ مَحْنيةٍ ... من ماءِ أبطح أضحى وهو مشمول1
ويلمها خُلّةً لو أنها صَدقَتْ ... مَوْعودَها أوْ لوَ انَّ النُّصحَ مقبولُ2
حتى أتى على آخِرِها، فلمَّا بلغَ مديحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنَّ الرسولَ لَسيفٌ يُستَضاءُ بهِ ... مهنَّدٌ مِن سُيوفِ اللهِ مَسْلولُ3
في فتيةٍ مِنْ قُريشِ قالَ قائلُهم ... بِبَطْنِ مكَّةَ، لمَّا أسْلموا: زُولوا4
زالُوا، فما زالَ أنكاسٌ ولا كُشفٌ ... عندَ اللقاءِ، ولا مِيلٌ مَعازيلُ
لا يَقَعُ الطعنُ إلاَّ في نُحورِهمُ ... وما بِهمْ عن حِياضِ الموتِ تَهليلُ
شُمُّ العرانينِ أبطالٌ، لَبُوسُهُمُ ... مِن نسخ داودَ في الهَيجا، سَرابِيلُ
أشارَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلى الحِلَق أَنِ اسْمعوا. قال: وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يكونُ مِن أصحابهِ مكانَ المائدةِ منَ القوم، يتحلقون حلْقةً دونَ حلقةٍ، فيلتفِتُ إلى هؤلاءِ وإلى هؤلاء5.
والأخبارُ فيما يُشبه هذا كثيرةٌ، والأثر به مستفييض.
__________
1 وفي نسخة: "سح السقاة عليها"، أما الرواية المشهورة في البيت فهي:
شجت بذي شبم من ماء محنية ... صافٍ بأبطح، أضحى وهو مشمول
2 في المطبوعة: "أكرم بها خلة".
3 وفي رواية "لنور" بدل "لسيف".
4 في هامش المخطوطة: "يعني الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة".
5 خبر كعب بن زهير مشهور، وقصيدته مشروحة، وهي في ديوان كعب بن زهير، وانظر طبقات فحول الشعراء رقم: 117، 118.
(1/23)

من ذم الشعر لأنه موزون مقفى:
20 - وإن زعم أنه دم الشعرَ من حيثُ هو موزونٌ مقفَّى1، حتى كأنَّ الوزنَ عيْبٌ2، وحتى كأنَّ الكلامُ إذا نُظمَ نَظْمَ الشعرِ، اتَّضَعَ في نفسِه، وتَغيَّرتْ حالُه، فقد أبعدَ، وقال قَولاً لا يُعرفُ له مَعنى، وخالفَ العلماءَ في قولِهم "إنما لشعر كلامٌ فحَسَنُه حَسَنٌ، وقبيحُه قبيح"، وقد رُوي ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً أيضاً3.
فإنْ زعمَ أنه إنما كَرِهَ الوزنَ، لأنه سبب، لأن يتغنى في الشعر ويتلهى به، فإذا إذا كُنَّا لم نَدْعُه إلى الشعرِ من أجلِ ذلك، وإنما دَعوناه إلى اللفظ الجَزْل، والقولِ الفَصْل، والمنطقِ الحسَن، والكلام البيِّن، وإلى حسن التمثيل والاستعارة، وإلى التلويج والإِشارةِ، وإلى صَنعةٍ تَعْمَدُ إلى المَعنى الخسيسِ فشرفه، وإلى الضئيل فَتُفخِّمُه، وإلى النازل فترفَعُه، وإلى الخامل فَتُنوِّه به، وإلى العاطلِ فتُحَلِّيه4، وإلى المُشكِل فَتُجَلِّيَهُ فلا مُتَعلَّقَ لهُ علينا بما ذَكَر، ولا ضررَ علينا فيما أَنْكَر، فليَقُلْ في الوزنِ ما شاء، وليَضَعْهُ حيث أراد، فليس بعنينا أمرهُ، ولا هو مُرادُنا من هذا الَّذي راجعنا القول فيه.
علة منعه صلى الله عليه وسلم من الشعر:
21 - وهذا هو الجوابُ لمتُعلِّقٍ إنْ تَعَلَّق بقولِهِ تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَه} [سورة يس: 69] وأرادَ أن يَجْعله حُجةً في المَنْع منَ الشعر، ومن
__________
1 انظر الفقرة الماضية رقم: 9.
2 في المطبوعة: "كان الوزن عيبًا".
3 روى الدارقطني في الأفراد عن عائشة، والبخاري في الأدب المفرد رقم: 865، 866 والطبراني في الأوسط، وابن الجوزي في الواهيات عن عبد الله بن عمر، والشافعي والبيهقي عن عروة مرسلًا: "الشعر كلام بمنزلة الكلام، فحسنه حسن الكلام، وقبيحه قبيح الكلام".
4 "العاطل" من النساء التي لا حلى عليها.
(1/24)

حِفْظه وروايته. وذاك أنَّا نَعْلم أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يَمْنع الشعرَ من أجلِ أنْ كان قولاً فصلاً، وكلاماً جَزْلا، ومَنطقاً حَسناً، وبَياناً بيِّناً، كيفَ؟ وذلَكَ يقتضي أن يكونَ اللهُ تعالى قد مَنَعه البيانَ والبلاغةَ، وحماهُ الفصاحةَ والبراعةَ، وجَعلَه لا يَبْلُغ مَبْلغَ الشُّعراءِ في حُسْنِ العبارة وشَرَف اللَّفظ. وهذا جهلٌ عظيمٌ، وخلافٌ لِما عرفه البلغاء وأَجمعوا عليه من أنه صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب1، وإذا بطلأن يكونَ المَنْعُ من أجلِ هذه المعاني2، وكنَّا قد أعلمناه أنا ندعوه إلى الشعر من أجلها، ونحدوه بطلبه على طلبها، وكان الاعتراضُ بالآيةِ مُحالاً، والتعلُّق بها خَطلاً من الرأي وانحلالًا.
فإذا قال: إِذا قالَ اللهُ تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [سورة يس: 69] فقد كره النبي صلى الله عليه وسلم الشعرَ ونَزَّهَه عنهُ بلا شُبْهة، وهذه الكراهةُ وإنْ كانت لا تَتوجَّهُ إليه مِنْ حيثُ هو كلامٌ، ومن حيثُ إنه بليغٌ بَيِّنٌ وفصيحٌ حَسَنٌ ونحوُ ذلك، فإِنَّها تتوجَّه إلى الأمر لابد لك من التَّلَبُّس به في طَلبِ ما ذكرْتَ أنهُ مرادُك منَ الشَّعر، وذاك أنه لا سبيل لك إلى أن تمييز كونَه كلاماً عن كونهِ شعراً. حتى إذا روَيْتَه التبَسْتَ بهِ من حيثُ هو كلامٌ، ولم تَلْتبِسْ به من حيثُ هو شعرٌ، هذا محال، وإذا كان لابد من مُلاَبسة موضعِ الكراهةِ3، فقد لَزِمَ العيبُ برواية الشعر وإعمالِ اللَّسانِ فيه.
قيل له: هذا منكَ كلامٌ لا يتحصَّل. وذلك أنه لو كان الكلامُ إذا وُزِنَ حطَّ ذلكَ من قدرهِ، وأَزْرى به، وجلَبَ على المُفْرِغ له في ذلك القالب إثمًا،
__________
1 في المطبوعة، و "س"؛ "لما عرفه العلماء".
2 في "ج"، "إذا بطل أن يكون المعنى"، سهو من الناسخ.
3 في المطبوعة و "س": "لابد لك" والذي في "ج" أجود.
(1/25)

وكَسبه ذمَّا، لكان من حقَّ العيبِ فيه أن يكونَ على واضعِ الشعر أو مَنْ يُريدُه لمكانِ الوزنِ خُصوصاً، دونَ مَنْ يُريدُه لأمر خارج منه1، ويطلبه لشيء سواه.
تمام الدفاع عن الشعر:
فأما قولُك: إنَّك لا تستطيعُ أن تَطْلُبَ منَ الشعر ما لا يُكْرَه حتى تَلْتبِسَ مما يُكرهُ، فإِنّي إِذاً لَمْ أَقصدْه من أجلِ ذلك المكروهِ، ولم أُرِدْه له، وأردْتُه لأَعرف بهِ مكانَ بلاغةٍ، وأجعلَه مِثالاً في براعةٍ، أو أَحْتَجَّ به في تفسير كتابٍ وسُنَّة، وأَنظرَ إلى نَظْمه ونَظْم القُرآن، فأرى موضعَ الإِعجازِ، وأقفَ على الجهة التي منها كان، وأتبيَّنَ الفصْلَ والفُرقان2 فحقُّ هذا التلبسِ أن لا يُعتدَّ عليَّ ذنباً، وأَنْ لا أُؤَاخَذَ به؛ إذْ لا تكونُ مؤاخذةٌ حتى يكونَ عَمْدٌ إلى أن تُواقِعَ المكروهِ وقَصْدٌ إليه3، وقد تَتَّبعَ العلماءُ الشعوذةَ والسِّحْر، وعُنُوا بالتَّوقُّفِ على حِيَل المُموِّهين4؛ ليَعْرفوا فَرْقَ ما بينَ المُعجزة والحِيلة، فكان ذلك منهم مِنْ أعظمِ البِرِّ، إذْ كان الغرضُ كريماً والقَصْد شريفاً.
هذا، وإِذا نحنُ رجَعْنا إلى ما قدمنا منَ الأخبارِ، وما صحَّ من الآثارِ، وجَدْنا الأمرَ على خلافِ ما ظَنَّ هذا السّائلُ، ورأَيْنا السبيلَ في منع النبي صلى الله عليه وسلم الوزنَ، وأنْ يَنْطلق لسانُه بالكلامِ المَوْزونِ، غيرَ ما ذهبوا إليه. وذاك أنه لو كان مَنْعَ تنزيهٍ وكراهةٍ، لكانَ يَنبغي أن يُكْرَه له سماعُ الكلامِ موزوناً، وأن يُنَزَّهَ سَمْعُه عنه كما نُزِّه لسانُه5، ولكان صلى الله عليه وسلم لا يأمُرُ به ولا يَحثُّ عليه، وكان الشاعر لا يعان
__________
1 في المطبوعة: "خارج عنه".
2 سياق الكلام: "فإِنّي إِذاً لَمْ أقصدْه من أجلِ ذلك .... فحق هذا التلبس .... ".
3 "قصد" معطوفة على "عمد".
4 في "س": "الوقوف على".ط
5 في المطبوعة: "كما ينزه".
(1/26)

على وزنِ الكلامِ وصياغتِه شِعراً، ولا يُؤيَّد فيه بروح القُدُس.
وإِذا كانَ هذا كذلك، فينبغي أن يَعْلم أَنْ ليس المَنْعُ في ذلك منه تنزيهٍ وكراهةٍ، بل سبيلُ الوزنِ في منعه عليه السلام إياه سبيلُ الخَطِّ، حين جُعل عليه السلامُ لا يقرأُ ولا يَكُتب، في أَنْ لم يكن المَنْعُ منِ أجْل كراهةٍ كانت في الخط؛ بل لأنه تَكونَ الحُجةُ أَبهِرَ وأقهرَ1، والدلالةُ أقوى وأظهر، ولتكونَ أَكْعَمَ للجاحد2، وأَقْمَعَ للمُعَانِد، وأَرَدَّ لِطالب الشبهة، وأمنع من ارتفاع الريبة3.
تعلق الذام له بأحوال الشعراء:
22 - وأما التعلُّق بأحوالِ الشُّعراء بأنَّهم قد ذُمُّوا في كتابِ الله تعالى4، فما أرى عاقلاً يَرْضى به أنْ يَجْعله حُجةً في ذَمِّ الشعر وتهجينه، والمنع منحفظ وروايتِهِ، والعِلْم بما فيه مِن بَلاغةٍ، وما يختصبه من أَدب وحِكْمه5؛ ذاك لأَنه يَلْزمُ على قَوَد هذا القولِ أَن يَعيب العلماءَ في استشهادهم بشِعْر امْرئ القيسِ وأَشعار أهلِ الجاهليِة في تفسيرِ القرآن6، وفي غَريبهِ وغَريبِ الحديث، وكذلك يَلْزمه أنْ يَدْفع سائرَ ما تقدَّم ذكرُه من أَمْر النبي صلى الله عليه وسلم بالشَّعر، وإصغائه إليه، واستحسانِه له.
هذا ولو كان يَسُوغُ ذَمُّ القولِ من أَجْل قائله، وأنه يُحمَلَ ذَنْبُ الشَّاعرِ على الشَّعرِ1 لكانَ يَنبغي أن يُخَصَّ ولا يُعَمَّ، وأن يُسْتثنى، فقد قالَ اللهُ عَزَّ وجلَّ: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} ولولا أَنَّ القولَ يَجُرَّ بَعْضُهُ بَعضاً، وأنَّ الشيءَ يُذكَرُ لدخولِه في القِسْمة، لكان حقُّ هذا ونحوِهِ أَنْ لا يُتَشاغَلَ به، وأن لا يُعادَ ويُبدأ في ذِكره.
__________
1 في "ج": "بل بأن تكون".
2 "أكعم" من "كعم البعير"، إذا شد فاه بالكعام عند هياجه؛ لئلا يعض، أو لأجل منعه الأكل.
3 في المطبوعة: "في ارتفاع".
4 انظر الفقرة الماضية رقم: 9.
5 فيه هامش "ج" ما نصه: "أي قولنا: إن عاقلًا لا يرضى أن يجعله حجة؛ لأنه يلزم".
6 قوله: "على قود هذا القول"، أي على سياقه واطراد قياسه.
(1/27)

الكلام في النحو:
زهدهم في النحو واحتقارهم له:
23 - وأمَّا زهدُهم في النَّحو واحتقارُهم له2، وإصغارُهم أمرَهُ، وتهاونُهم به، فصنيعُهم في ذلك أشنعُ من صَنيعهم في الذي تَقدَّم، وأَشْبَهُ بأن يكونَ صَدّاً عن كتابِ الله، وعن معرفةِ معانيه؛ ذاكَ لأَنهم لا يَجدِون بُدًّا من أنْ يعترفوا بالحاجة إليه فيه، إذا كان قد علم أن الألفاظ معلقة على مَعانيها حتى يكونَ الإعرابُ هو الذي يَفتحها، وأنَّ الأغراضَ كامنةٌ فيها حتى يكونَ هو المستخرِجَ لها، وأنه المعيارُ الذي لا يتبيَّن نقصانُ كلامٍ ورجحانُه حتى يعرضَ عليه، والمقياسُ الذي لا يُعرفُ صحيحٌ من سَقيمٍ حتى يرجع إليه، لا يُنكِرُ ذلك إلاَّ من يُنكِر حِسَّه، وإلاَّ مَنْ غالطَ في الحقائقِ نَفْسَه، وإِذا كان الأَمرُ كذلك، فليتَ شِعري ما عُذْرُ مَن تَهاونَ به وزَهِدَ فيه، ولم يَرَ أنْ يستقيه من مصبه3، ويأخذه من معدنه، ورضى بالنَّقصِ والكمالُ لها معرضٌ، وآثرَ الغَبينةَ وهو يجد إلى الربح سبيلًا.
__________
1 في المطبوعة: "ذم الشاعر".
2 انظر: الفقرات السالفة رقم: 4 - 6.
3 في المطبوعة: ويستسقيه".
(1/28)

فإنْ قالوا: إنَّا لم نَأْبَ صِحّةَ هذا العِلم، ولم نُنكر مكانَ الحاجةِ إليه في معرفةِ كتابِ الله تعالى، وإنَّما أنكرْنا أشياءَ كَثَّرْتُمُوه بها، وفُضولَ قولٍ تكلَّفْتموها، ومسائلَ عويصةٌ تجشَّمْتُم الفِكْرَ فيها، ثم لم تَحْصلوا على شيء أكثر من أن تعربوا على السَّامعين، وتُعَايُوْا بها الحاضِرين.
قيلَ لهم: خَبِّرونا عَمَّا زَعْمتم أنَّه فُضُولُ قولٍ، وعَوِيصٌ لا يَعود بطائلٍ، ما هو؟ فإنْ بدأوا فذَكروا مسائلَ التَّصريفِ التي يَضَعُها النحويون للرياضةِ، ولِضَرْبٍ مِنْ تَمْكينِ المَقاييس في النفوسِ، كقولهم: كيف تَبْنِي مِنْ كذا كذا؟ وكقولهم: ما وَزْنُ كذا؟ وتَتَبُّعهم في ذلك الألفاظَ الوحشَّيةَ، كقولهم: ما وزن "عزويت"؟ وما "أَرْوَنَان"؟ وكقولهم في بابِ ما لا ينصرف: لو سمَّيْتَ رَجلاً بكذا، كيفَ يكونُ الحُكمُ؟ وأشباهُ ذلك، وقالوا: أَتَشُكُّون أنَّ ذلكَ لا يُجْدِي إلاَّ كَدَّ الفكرِ وإضاعةَ الوقتِ؟
قلنا لهمِ: أمَّا هذا الجنسُ، فلسنا نَعيبُكم إنْ لم تنظروا فيه ولم تُعنوا بهِ، وليس يهمُّنا أمرهُ، فقولوا فيه ما شئتُم، وضَعُوه حيثُ أَرَدْتُم. فإنْ تَرَكوا ذلك وتَجاوزوه إلى الكلام على أغراض واضع اللغة، على وَجْه الحكمةِ في الأوضاع، وتقريرِ المقاييسِ التي اطَّردَتْ عليها، وذكْرِ العِلل التي اقْتَضَتْ أن تَجريَ على ما أُجريت عليه، كالقولِ في المعتل، وفيما يلحق بالحروف الثّلاثةَ التي هيَ الواوُ والياءُ والألفُ مِن التغيير بالإِبدالِ والحَذْف والإِسكان1، أو ككَلامِنا مَثلاً على التَّثْنِية وجَمْع السَّلامة، لِمَ كان إعرابُهما على خلافِ إعراب الواحدِ، ولِمَ تَبعَ النصبُ فيهما الجَرَّ؟ وفي "النون" إنَّه عِوَضٌ عن الحركةِ
__________
1 في المطبوعة: "من التغير".
(1/29)

والتنوين في حالٍ، وعن الحركةِ وحدَها في حالٍ1 والكلامِ على ما يَنْصرفُ وما لا يَنْصرف، ولم كان مَنْعُ الصَّرف؟ وبيانِ العلَّةِ فيه، والقولِ على الأسبابِ التسعة وأَنها كلَّها ثوانٍ لأُصول، وأَنه إذا حصَلَ منها اثنانِ في اسم، أو تكرَّرَ سَبَبٌ، صار بذلك ثانياً من جهتينِ، وإِذا صارَ كذلك أَشْبَهَ الفعلَ، لأنَّ الفعلَ ثانٍ للاسم، والاسمِ المقدَّم والأَوَّل، وكلِّ ما جرى هذا المَجرى؟
قلنا: إنَّا نسكتُ عنكم في هذا الضَّرب أيضاً، ونَعْذركم فيه ونُسامحَكُم، على علمٍ منَّا بأنْ قد أسأتُمُ الاختيار، ومنعْتُم أنفسَكُم ما فيه الحظُ لكم، ومنَعتموها الاطَّلاعَ على مدارجِ الحِكمةِ، وعلى العُلوم الجمة. فدعوا ذلك، وانظروا الذي اعترفْتُم بصحَّته وبالحاجةِ إليه، هل حَصَّلْتموه على وجهه؟ وهل أحطتم بحقائقه؟ إن أنتم خُضْتم في التَّفسير، وتعاطَيْتم عِلْم التأويل، وازنتم بينَ بَعْضِ الأقوال وبَعْض، وأردتُم أن تَعرفوا الصحيحَ منَ السقيم، وعُدْتُم في ذلك وبدأتُم، وزدتم ونقصتم؟
وهل رأيتم إذا قد عرفتم صورة المبتد أوالخبر، وأن إعرابَهُما الرفعُ، أن تَجَاوزوا ذلك إلى أن تَنْظروا في أَقسام خَبرهِ، فتَعْلموا أنه يكونُ مُفْرداً وجُملةً، وأَنَّ المفردَ يَنْقسم إلى ما يَحْتمِل ضميراً له، وإلى ما يَحْتمل الضميرَ، وأَنَّ الجملةَ على أربعةِ أَضْربٍ، وأنه لا بدَّ لكلِّ جُملةٍ وَقَعتْ خبراً لمبتدإ من أن يكون يما ذِكْرٌ يَعودُ إلى المبتدأ، وأنَّ هذا الذكْرَ ربما حُذِفَ لفظاً وأريدَ معنىً، وأنَّ ذلك لا يكون حتى يكونَ في الحالِ دليلٌ عليه، إلى سائرِ ما يتَّصل ببابِ الابتداءِ من المَسائل اللطيفة والفوائدِ الجليلة التي لا بُدَّ منها؟
وإِذا نظَرْتم في الصَّفة مثلاً، فعَرَفْتم أنها تَتْبع الموصوفَ، وأن مثالها
__________
1 في "ج"، سقط: "وحدها".
(1/30)

قولك: "جاءني رجل ظريف" و "مررت بزيدٍ الظريفِ"، هل ظَننتُم أنَّ وراءَ ذلك علمًا، وأن ههنا صِفةً تُخصِّص، وصفةً تُوضح وتُبين، وأن فائدةَ التخصيص غيرُ فائدةِ التَّوضيح، كما أن فائدةَ الشِّياع غيرُ فائّدةِ الإِبهام1، وأنَّ مِنَ الصفةِ صفة لا يكون يها تخصيص ولا توضيح، ولكن يوتي بها مؤكَّدةً كقولهم: "أَمسِ الدابرُ" وكقوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَة} [سورة الحاقة: 13]، وصفةً يُراد بها المدحُ والثناءُ2، كالصفاتِ الجاريةِ على اسْم الله تعالى جَدَّه؟ وهل عَرَفتم الفَرْقَ بينَ الصفة والخبر، وبينَ كلِّ واحدٍ منهما وبينَ الحال، وهل عرَفْتم أَنَّ هذه الثلاثةَ تَتَّفْقُ في أنَّ كافَّتَها لثُبوتِ المعنى لِلشيء، ثم تَخْتلفٌ في كيفيّةِ ذلك الثبوتِ؟
وهكذا ينبغي أن تُعْرَض عليهم الأبوابُ كلُّها واحداً واحداً، ويُسْألوا عنها باباً باباً، ثم يُقال لهم3: ليس إلاَّ أَحدَ أمرين.
إمَّا أن تَقْتحموا التي لا يَرْضاها العاقلُ، فتُنْكِروا أن يكونَ بكم حاجةٌ في كتاب الله تعالى، وفي خبير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي معرفة الكلامِ جملةً، إلى شيءٍ من ذلك، وتَزْعموا أنكم إِذا عَرفْتُم مَثلاً أنَّ الفاعل رَفْعٌ، لم يَبْقَ عليكم في بابِ الفاعل شيءُ تحتاجون إلى مَعْرفته4. وإِذا نظرتُم إلى قولنا: "زَيْدُ مُنْطلقٌ"، لم تُحْتاجوا مِنْ بَعده إلى شيءٍ تَعْلمونه في الابتداء والخبر، وحتى تَزْعموا مثَلاً أنكم لاَ تَحتاجون في أَنْ تَعرفوا وجه الرفع في {الصَّابِئُون} من سورة المائدة [سورة المائدة: 19] إلى ما قاله العلماءُ فيه، وإلى استشهادهم فيه بقول الشاعر5:
__________
1 "الشياع"، التفرق والانتشار حتى يكون لكل واحد منه نصيب.
2 في هامش "ج" ما نصه: "اعطف على صفة في قوله: وأن من الصفة صفة".
3 "لهم"، زيادة من "س".
4 في المطبوعة: "ما تحتاجون".
5 "فيه"، زيادة من "س".
(1/31)

وإلاَّ فاعْلَموا أَنَّا وأنتمْ ... بُغَاةٌ ما بَقينا فِي شِقاقِ1
وحتى كأنَّ المُشْكِلُ على الجَميع غيرَ مُشكلٍ عندكم، وحتى كأَنَّكم قد أُوتيتُمْ أن تستنبطوا من المسئلة الواحدة من كل باب مسألة كلَّها، فتخرجُوا إلى فَنِّ من التَّجاهُل لا يبقى مع كلامٌ.
وإمَّا أَنْ تَعْلموا أنكم قد أَخطأتم حينَ أَصْغَرْتم أمرَ هذا العلمِ، وظَننتُم ما ظَننتُمْ فيه، فتَرْجِعوا إلى الحقَّ وتُسَلِّموا الفضلَ لأهلِه، وتَدَعُوا الذي يُزري بكم، ويَفْتَحُ بابَ العيبِ عليكم، ويَطيلُ لسانَ القادحِ فيكم، وبالله التوفيق.
24 - هذا2، ولو أنَّ هؤلاءِ القومَ إذْ تَرَكوا هذا الشأْنَ تركوهُ جُملة، وإذْ زَعَموا أنَّ قَدْرَ المْفْتَقَر إلِيه القليلُ منه، اقْتَصروا على ذلك القليل، فلم يأخذوا أنفسهم بالفتوى فيه3، والتصرُّف فيما لم يتعلموا منه، ولم يَخُوضوا في التفسير، ولم يتعاطَوْا التأويلَ، لكانَ البلاءُ واحداً، ولكانوا إذْ لم يَبْنوا لم يَهْدِموا، وإذْ لم يصْلِحوا لمْ يَكونوا سَبباً للفَسادِ،4 ولكنهم لم يَفْعَلُوا، فجَلبُوا مِن الدّاءِ ما أَعيى الطبيبَ، وحَيَّر اللبيبَ، وانتهى التخليطُ بما أَتَوْه فيه، إلى حدٍّ يُئسَ مِن تَلافيه، فلم يَبْق للعارفِ الذي يَكْره الشَّغَب إلاَّ التعجبُ والسكوتُ. وما الآفةُ العُظمى إلاَّ واحدةٌ، وهي أن يجيءَ منَ الإنسان ويجري لفظه5، ويمشي له أن
__________
1 الشعر لبشر بن أبي خازم في ديوانه. وسيبويه 1: 290، ومعاني القرآن للفراء 1: 311، والخزانة 4: 315.
2 في الهامش حاشية تعسر قراءتها بتمامها.
3 في المطبوعة: "بالتقوى فيه"، خطأ ظاهر.
4 في الموضعين: "إذا". في المطبوعة.
5 في المطبوعة: "أن يجري لفظة"، وعلق عليه تعليقًا لا خير فيه.
(1/32)

يُكْثِر في غيرِ تَحصيل، وأن يُحسِّن البناءَ على غيرِ أساسٍ، وأن يقولَ الشَّيءَ لم يَقْتُلْه عِلْماً. ونَسْأل اللهَ الهدايةَ ونرغَبُ إليه في العصمة.
ذم عبد القاهر لأهل زمانه:
25 - ثم إنا وإِنْ كنا في زمانٍ هو على ما هو عليهِ مِنْ إحالةِ الأُمور عن جِهَاتها1، وتَحْويلِ الأشياءِ عن حالاتِها، ونَقْلِ النفوسِ عن طِبَاعها، وقَلْبِ الخَلائقِ المحمودةِ إلى أضدادها2، ودهر ليس لفضل وأهلهِ لديهِ إلا الشرُّ صِرْفاً والغَيْظُ بَحْتاً، وإلاَّ ما يُدهِشُ عقولَهم ويسْلُبُهم مَعْقولَهم، حتى صار أَعجزُ الناس رأياً عندَ الجميع، مَنْ كانت له هِمَّةٌ في أن يَسْتَفِيدَ عِلْماً، أو يَزْدادَ فَهْماً، أو يَكْتَسب فَضْلاً، أو يَجْعلَ له ذلك بحالٍ شُغْلاً، فإنَّ الإلْفَ من طِباع الكريم3. وإذا كانَ مِنْ حَقِّ الصديقِ عليكَ، ولا سيَّما إذا تقادمَتْ صُحْبتُه وصحَّتْ صداقَتُه، أن لا تَجْفُوَه بأن تَنْكُبَكَ الأيامُ، وتُضجِرَك النوائب، وتخرجك محن الزمان، فتتنا ساه جُملةً، وتَطْويَه طَيَّا، فالعِلْمُ الذي هوَ صديقٌ لا يَحُول عنِ العَهد، ولا يَدْغِلُ في الوُدِّ4، وصاحِبٌ لا يَصِحُّ عليه النكْثُ والغَدْر، ولا تظن به الخيانة والمكر أولى منك بذلك وأجدر5، وحقه عليك أكبر.
__________
1 إذا كان عبد القاهر في زمانه يقول ما يقول في هذه الفقرة، فماذا نقول نحن في زماننًا هذا؟
2 في "س": "الحقائق المحمودة"، سهو فيما أرجح. وقوله بعد: "دهر"، معطوف على قوله قيل: "في زمان".
3 في هذا السايق حذف، لوضوح المراد منه. والسياق: "ثم إنا، وإِنْ كنا في زمانٍ هو على ما هو عليه من الإحالة .... ودهر ليس للفضل وأهله إلا الشر .. "، "فإنا نلزم استفادة العلم واكتساب الفضل"، فإن الإلف من طباع الكريم.
4 "الدغل" الفساد والريبة، و"أدغل في الشيء"، أدخل فيه ما يفسده "رشيد".
5 في المطبوعة: "أولى منه".
(1/33)

تمهيد للكلام في الفصاحة والبلاغة:
النكث والعذر، ولا نظن به الخيانة والمكر أولى منك بذلك وأجدر1، وحقه عليك أكبر.
سبب تأليفه دلائل الإعجاز:
26 - ثم إن النوق إلى أَن تقَرَّ الأُمورُ قَرارَها2، وتُوضَعَ الأشياءُ مَواضِعَها، والنزاعَ إلى بَيانِ ما يُشْكل، وحلِّ ما يَنْعَقِد، والكَشْفِ عمَّا يَخْفَى، وتلخيصَ الصفةِ حتى يزدادَ السامعُ ثقةً بالحُجة3، واستظهاراً على الشبهة، واستبانة للدليل، وتبينًا للسَّبيلَ4، شيءٌ في سُوس العَقْل5، وفي طباعِ النَّفس إذا كانت نَفْساً.
27 - ولم أزلْ منذُ خَدمْتُ العِلْمَ أنظرُ فيما قاله العلماءُ في معنى "الفصاحة"، و "البلاغة" و "البيان" و "البراعة"، وفي بيانِ المَغْزى من هذه العباراتِ، وتفسيرِ المرادِ بها، فأَجِدُ بعضَ ذلك كالرَّمز والإيماءِ، والإِشارةِ في خفاءٍ، وبعضَه كالتنَّبيه على مكانِ الخبئ لِيُطْلَبَ، ومَوْضعِ الدفينِ ليُبحَثَ عنه فيُخْرَج، وكما يُفتَحُ لكَ الطريقُ إِلى المطلوبِ لتَسْلُكَه، وتُوضَعَ لك القاعدةُ لتَبْنيَ عليها. ووجدتُ المعوَّلَ عَلى أن ههنا نظم ًا وترتيباً، وتأليفاً وتركيباً، وصياغةً وتصويراً، ونَسْجاً وتَحْبيراً، وأن سبيل هذه المعاني في
__________
1 في المطبوعة: "أولى منه".
2 "النوق"، "ناق إليه بنوق"، نوقًا"، اشتاق إليه، ومثله "النزاع" فيا لجملة التالية.
3 "لخص الأمر تلخيصًا"، استقصى في تبيينه وشرحه وإزالة اللبس عنه.
4 في "ج"، والمطبوعة: "وتبيينًا".
5 "السوس"، الطبع والأصل.
(1/34)

الكلام الذي هيَ مَجازٌ فيه، سَبيلُها في الأَشياءِ التي هي حقيقةٌ فيها، وأنه كما يَفْضُلُ هناك النظْمُ النظمَ، والتأليفُ التأليفَ، والنسجُ النسجَ، والصياغةُ الصياغةَ، ثم يَعْظُمُ الفضلُ، وتَكثُر المَزِيَّةُ، حتى يَفوقَ الشيءُ نظيرَه والمجانِسَ له درجاتٍ كثيرة، وحتى تَتفاوتَ القِيمُ التَّفاوُتَ الشديدَ، كذلك يَفْضُلُ بَعْضُ الكلام بَعضاً، ويتَقدَّمُ منه الشيءُ الشيءَ، ثم يزداد فضله ذلك يوترقى منزلةً فوقَ مَنزلةٍ1، ويَعْلو مَرْقباً بعدَ مَرْقبٍ، ويَسْتأنِفُ له غايَةٌ بعدَ غايةٍ، حتى يَنتهيَ إلى حيثُ تَنْقطِعُ الأطماعُ، وتُحْسَرُ الظنونُ2، وتَسقُطُ القُوى، وتستوى الأقدام في العجز.
فاتحة القول في الفصاحة والبلاغة:
28 - وهذه جملةٌ قد يُرى في أوّلِ الأَمرِ وبادئ الظن، أنها تكفي وتعني، حتى إِذا نظَرْنا فيها، وعُدْنا وبدَأْنا، وجَدْنا الأمرَ على خِلاف ما حَسِبْناه، وصادَفْنَا الحالَ على غيرِ ما توهَّمْناه، وعلِمْنا أنَّهم لِئنْ أَقْصَروا اللّفظَ لقد أطالوا المعنى، وإنْ لم يعرقوا في النزاع3، لقد أبعدوا على ذلك في المرمى.
وذاك أنه يقال لنا4: ما زدتم على أن سقتم قِياساً5، فقُلْتم: نَظْمٌ ونَظْمٌ، وترتيبٌ وترتيبٌ، ونَسْجٌ ونَسْج، ثمَ بنَيْتم عليه أنه يَنبغي أن تظهر المزينة في هذه المعاني ها هنا، حسَب ظهورِها هناك، وأنْ يَعظُمَ الأمرُ في ذلك
__________
1 في المطبوعة: "من فضله ذلك".
2 "تحسر الظنون"، أي حتى تكل من التعب وتنقطع عن المضى.
3 في "س": "لئن اقتصروا على اللفظ ... ولئن لم يغرقوا ... ".
4 في المطبوعة: "وذاك لأنه".
5 ي المطبوعة: "قستم قياسًا".
(1/35)

كما عَظُمَ ثَمَّ، وهذا صحيحٌ كما قلْتم، ولكنْ بقيَ أنْ تُعْلِمونا مكانَ المزيَّة في الكلام، وتَصفوها لنا، وتَذْكُروها ذِكْراً كما يُنَصُّ الشيءُ ويُعَيَّنُ، ويُكْشَفُ عن وجههِ ويُبَيَّنُ، ولا يكفي أن تقولوا: "إنَّه خُصوصيةٌ في كيفيَّة النَّظْم، وطريقةٌ مَخْصوصةٌ في نَسَق الكَلِم بَعْضِها على بَعض"، حتى تَصِفوا تلكَ الخصوصيةَ وتُبَيِّنوها، وتذكروها لها أمثلةً، وتقولوا: "مثْلَ كيتٍ وكَيْتٍ"، كما يذكر مَنْ تَسْتوصِفُه عَمَلَ الدَّيباج المنقَّش ما تَعْلَم به وجْهَ دِقَّةِ الصنعة، أَوْ يَعْمَلهُ بينَ يديكَ، حتى تَرى عِياناً كيف تَذْهبُ تلك الخيوطُ وتَجيءُ؟ وماذا يَذْهَبُ منها طُولاً وماذا يَذهب منها عَرْضاً؟ وبِم يَبْدَأ وبم يُثَنِّي وبِمَ يُثَلِّثُ؟ 1 وتُبْصِرُ منَ الحِسَابِ الدَّقيق ومِنْ عجيب تصرف اليد، ما تعلم معه مكانَ الحِذْقِ ومَوضِعَ الأُستاذيَّة2.
ولو كانَ قولُ القائل لك في تَفْسير الفصاحةِ: "إنها خصوصيةٌ في نَظْم الكَلِم وضَمِّ بَعْضِها إلى بعضٍ على طريقٍ مخصوصةٍ، أو على وُجوهٍ تَظْهَرُ بها الفائدةُ، أو ما أشبَهَ ذلكَ منَ القولِ المُجْمَل، كافياً في مَعْرفتها، ومُغْنياً في العِلْم بها، لكفى مِثْلُه في معرِفة الصِّناعات كلِّها. فكان يَكْفي في معرفةِ نَسْج الدِّيباجِ الكثيرِ التَّصاويرِ أَنْ تَعْلم أنه تَرتيبٌ للغَزْل على وَجْهٍ مخصوصٍ، وضَمٌّ لطاقاتِ الأبريسَم بعضِها إلى بعضٍ على طُرُقٍ شَتّى. وذلك ما لا يقوله عاقل.
__________
1 "وتبصر" معطوف على قوله قبل: "حتى نرى عيانًا".
2 في المطبوعة: "ما تعلم منه".
(1/36)

الكلام في إعجاز القرآن من التمهيد:
29 - وجملةُ الأمر أنك لن تَعْلَم في شيءٍ منَ الصناعات عِلْماً تُمِرُّ فيه وتُحلْي، حتى تَكونَ ممن يَعْرفُ الخطأَ فيها مِن الصَّواب، ويَفْصِلُ بينَ الإِساءةِ والإِحسان، بل حتى تُفاضِلَ بينَ الإِحسان والإِحسان، وتَعْرِفَ طبقاتِ المُحْسنين.
وإِذا كان هذا هكذا، علمْتَ أنه لا يكفي في علمٍ "الفصاحةِ" أن تَنْصُبَ لها قياساً ما، وأن تَصِفها وصْفاً مُجْملاً، وتقولَ فيها قولاً مُرْسَلاً، بل لا تكونُ مِن مَعرفتها في شَيءٍ حتى تُفصِّل القولَ وتُحصِّلَ، وتضعَ اليدَ على الخصائصِ التي تَعْرِضُ في نَظْم الكَلِم وتَعُدُّها واحدةً واحدة، وتُسمّيها شيئاً شيئاً، وتكونُ معرفتك معرفة الصنع الحاذف الذي يعلم علم كل خيط من إلا بريسم الذي في الدِّيباج، وكلَّ قطعةٍ منَ القِطَع المنجورة في الباب المقطع، وكل جره منَ الآجرِّ الذي في البناء البديع.
وإِذا نظرتَ إلى "الفصاحة" هذا النظرَ، وطلَبْتَها هذا الطلبَ، احتجْتَ إلى صبرٍ على التأمُّل، ومواظَبةٍ على التدبُّر، وإِلى هِمَّة تَأْبى لكَ أن تَقْنَع إلاَّ بالتَّمام، وأنْ تَرْبَعَ إلاَّ بَعْد بلوغِ الغاية1، ومتى جَشَّمْتَ ذلك2 وأَبيْتَ إِلاَّ أن تكونَ هنالك، فقد أَمَمْتَ إلى غرضٍ كَريم3، وتعرَّضْتَ لأمرٍ جَسيم، وآثَرْتَ التي هي أتَمُّ لدِينِكَ وفَضْلِك، وأَنْبَلُ عندَ ذوي العقول الراجحة لك، وذلك أنْ تَعرِفَ حُجَّة الله تعالى منَ الوَجْه الذي هو أَضْوَأُ لها وأنوه لها4،
__________
1 "ربع يريع ربعًا"، كف وتوقف وانتظر وتحبس.
2 "جشم الأمر يجشمه جشمًا، وتجشمه تجشمًا"، تكلفه على مشقة يعانيها فيه، ويحمل نفسه عليها.
3 "أممت"، قصدت.
4 في "س": "وذلك أنك تعرف ... وأنوه بها".
(1/37)

وأَخْلَقُ بأن يَزْدادَ نُورُها سُطوعاً، وكوكبُها طُلوعاً1 وأن تَسْلُكَ إليها الطريقَ الذي هو آمَنُ لكَ منَ الشكِّ، وأَبعَدُ مِن الرَّيْبِ، وأَصَحُّ لليقينِ، وأَحرى بأن يُبلَّغَك قاصِيةَ التبيين.
30 - واعلمْ أنه لا سبيل إلى أن تعرض صحَّةَ هذه الجملةِ حتى يَبْلُغَ القولُ غايتَه، ويَنْتهيَ إلى آخِرِ ما أَردْتَ جَمْعَه لك، وتصويره في نفسك، وتقريره عندك.
دليل الإعجاز والرد على المعتزلة:
31 - إلا أن ههنا نكتة، إن أنت تأملتها تأمل المثبت، ونظَرْتَ فيها نَظَر المتأنِّي، رجَوْتَ أنْ يَحْسُنَ ظَنُّك، وأنْ تَنْشَطَ للإِصغاء إلى ما أُورِدَه عليك، وهي إنَّا إذا سُقْنا دليلَ الإِعجازِ فقُلْنا: لولا أَنهم حينَ سَمعوا القرآنَ، وحينَ تحدوا إلى معارضته، سمعوا كلامًا لم سمعوا قط مثله، وأنهم رازوا أنفسهم فأحسسوا بالعجزِ عن أنْ يأتوا بما يُوازيه أو يُدانيه أو يقَعُ قريباً منه2 لكان مُحالاً أن يَدَعُوا معارضته وقد تحدوا إليه، وفرعوا فيه، وطُولبوا به، وأن يتعرضُوا لِشَبا الأَسِنَّة3، ويقتحموا موارد الموت.
__________
1 "وأن تسلك"، معطوف على ما قبله: "وذلك أن تعرف".
2 في المطبوعة: "وأنهم قد رازوا"، وهذه الجملة معطوفة على "سمعوا كلامًا". و "راز ما عند فلان يروزه روزًا"، اختبره وامتحنه وجربه حتى يعرف ما يطيق مما لا يطيق، وما عنده مما ليس عنده.
3 "وأن يتعرضوا"، معطوف على قوله: "لكان مجالا أن يدعوا". و "شبا الأسنة"، حدها وطرفها الذي يصيب فيجرح أو يقتل.
(1/38)

1 فقيلَ لنا: قد سَمِعْنا ما قلْتُم، فخَبِّرونا عنهم، عما ذا عجزوا؟ أعن معان من دِقَّةِ مَعانيه وحُسْنهِا وصِحَّتها في العقول؟ أمْ عن ألفاظٍ مِثْلِ ألفاظه؟ فإِنْ قلْتُم: "عنِ الألفاظ"، فماذا أَعْجَزَهم منَ اللفظ، أمْ ما بهرهم منه؟
فقلنا: أعجزتم مزايا ظهرتْ لهم في نظمهِ، وخصائصُ صادفوها في سِياق لفظه، وبدائعُ راعَتْهم من مبادئ آيهِ ومقاطِعها2، ومجاري ألفاظِها ومواقعها، وفي مضربِ كلَّ مثلٍ، ومساقِ كلَّ خبرٍ3، وصورةِ كلَّ عِظَةٍ وتنبيهٍ، وإعلامٍ وتَذكيرٍ، وترغيبٍ وترهيبٍ، ومع كلَّ حُجةٍ وبُرهانٍ، وصفةٍ وتبيان4 وبَهرهُم أنَّهم تأمَّلوه سُورةً سورةً، وعَشْراً عَشراً، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة يَنْبو بها مكانُها، ولفظةً يُنكرُ شانُها، أو يُرى أنَّ غيَرها أصلحُ هناك أو أشْبَه، أو أحرى وأخْلَق، بل وجدُوا اتِّساقاً بَهرَ العُقولَ، وأعجزَ الجمهورَ، ونظاماً والتئاماً، وإتقاناً وإحكاماً، لم يَدعْ في نفسِ بليغٍ منهم، ولو حكَّ بيافوخِه السَّماء، موضعَ طمعٍ، حتى خرسَتِ الألسنُ عن أن تدعي وتقول، وخذيت القروم فلم تملك أن تصول5.
__________
1 الكلام معطوف بعضه على بعض، والسياق: "وهي إنَّا إذا سُقْنا دليلَ الإِعجازِ فقُلْنا .... فقيل لنا ... " وكذلك ما سيأتي بعده.
2 في "س": "في مبادئ".
3 في "س": "وسياق كل خبر".
4 "وبهرهم" معطوف على قوله: "أعجزتهم مزايا".
5 في المطبوعة: وخلدت القروم"، أرجع أنه مصحف. و "خذي يحذى، واستحذى"، خضع واسترخى. و "القروم" جمع "قرم"، وهو فحل الإبل الذي يترك من الركوب، والعمل، فلا يمسه حبل، بل يودع للفحلة. و "صال الفحل على الناقة"، وثب عليها وسطابها ليخضعها.
(1/39)

32 - نَعَمْ، فإذا كان هذا هو الذي يُذكَرُ في جوابِ السائل، فبنا أن نَنْظُر: أيٌّ أَشْبَهُ بالفتى في عَقْله ودِينه، وأَزْيَدُ له في علمه ويقينه1، أن يقلد في ذلك، ويحفظ من الدليلِ وظاهرَ لفظِه، ولا يَبْحثَ عن تفسيرِ المَزايا والخصائصِ ما هيَ؟ ومِنْ أيْنَ كَثُرَت الكثرةَ العظيمةَ، واتَّسَعتِ الاتِّساعَ المُجَاوِزَ لِوُسْعِ الخَلْق وطاقةِ البشر؟ وكيفَ يكونُ أنْ تَظْهَرَ في ألفاظ محصورة، وكلم معدودة معلومة، بأن يوتى ببعضِها في إِثْْر بَعْضٍ، لطائفُ لا يَحْصُرها العدَدُ، 2 ولا يَنتهي بها الأمَدُ؟ أَمْ أن يَبْحَث عن ذلك كلِّه، ويَسْتقصيَ النظرَ في جميعهِ، ويتتبعَهُ شيئاً فشيئاً، ويَسْتَقصِيَهُ باباً فباباً، حتى يَعْرِف كلا منه بشاهده ودليله، وتعلمه بتفسيره وتأويله، ويوثق بتصويره وتمثيله3، ولا يكون كمن قيل فيه:
يَقولونَ أقوالاً ولا يَعلْمونها ... ولو قِيلَ هاتُوا حقِّقوا لمْ يُحَقِّقوا4
قد قطعتُ عذْرَ المتهاونِ، ودَلَلَتْ على ما أضاعَ من حَظّه، وهَدَيْتُه لرشدِه، وصحَّ أنْ لا غنى بالعاقلِ عن معرفة هذه الأمور، والوقوف عليها،
__________
1 في "ج": و "أزيد له في يقينه بإسقاط "علمه"، وفي "س": "في عقله ودينه ويقينه، وأزيد له في علمه".
2 "لطائف"، فاعل "أن تظهر".
3 في المطبوعة: "يتصوره"، و "وثق يوثق وثاقة"، أي صار محكمًا وثيقًا، وضبطت في "ج": "يوثق".
4 بيت من أبيات لأنس بن أبي أياس أو: ابن أبي أينس الديلي، يقولها لحارثة بن بدر الغداني لما ولى إمارة سرق "موضع بالأهواز"، ويروى أن أبا الأسود الدؤلي كتب بها إليه، انظر الحيوان 3: 116، وامالي الشريف المرتضى 1: 383 - 385
(1/40)

والإِحاطةِ بها، وأنَّ الجهةَ التي منها يقفُ1، والسببَّ الذي به يَعْرفُ، استقراءَ كلامِ العربِ وتتبع أشعارهم والنظر فيها. وإذا قد ثَبتَ ذلك، فينبغي لنا أنْ نبتدئ في بيانِ ما أرَدْنا بيانَه، ونأخذَ في شرحه والكشف عنه.
استحسان الكلام كيف يكون:
33 - وجملةُ ما أردتُ أن أبينَه لك: أنَّه لا بدَّ لكلَّ كلامٍ تستحسنُه، ولفظٍ تستجيدهُ، من أن يكونَ لاستحسانِك ذلك جهةٌ معلومةٌ وعلَّةٌ معقولةٌ وأن يكونَ لنا إِلى العبارةِ عن ذاك سبيلٌ، وعلى صحةِ ما أدِّعيناه من ذلك دليلٌ.
وهو بابٌ منَ العلمِ إذا أنتَ فتحتَه اطَّلعْتَ منه على فوائدَ جليلةٍ، ومعانٍ شريفة، ورأيتَ له أثراً في الدين عظيماً وفائدة جسيمة، ووجدْتَهُ سبباً إلى حَسْم كثيرٍ منَ الفساد فِيما يَعودُ إِلى التنزيِل وإصلاحِ أنواعٍ منَ الخَلل فيما يتعلقُ بالتاويل، وإن ليومنك مِن أَنْ تُغَالَطَ في دَعواك، وتدافَع عن مَغْزاك2 ويرْبأ بك عن أن تستبينَ هُدًى ثم لا تهدي إليه3، وتُدِلَّ بعرفانٍ ثم لا تستطيعُ أن تَدُلَّ عليه4 وأنْ تكون عالِماً في ظاهرِ مُقَلِّدٍ5، ومُستبيناً في صورةِ شاكٍّ وأن يسألك السائلُ عن حُجة يَلْقى بها الخصمَ في آية من كتاب الله تعالى
__________
1 "وأن الجهة"، معطوف على قوله: "وصح أن لا غنى ... ".
2 في "ج": عن معناك".
3 في "س" والمطبوعة: "لا تهتدي"، والصواب ما في "ج".
4 "أذل بعلمه أو بشجاعته مثلًا، يدل إدلالًا"، فخربه وتبجح، وتباهى، و "العرفان"، المعرفة.
5 "وأن تكون عالمًا"، معطوفًا على قوله: "وإنه ليومنك من أن تغالط ... وأن تكون عالمًا"، وكذلك ما بعده في الأسطر الآتية: "وأن يسألك ... وأن يكون غاية ما لصاحبك".
(1/41)

أو غيرِ ذلك، فلا ينصرفُ عنك بِمقْنَع وأن يكون غاية ما لصاحبك منك تحيله على نفسه، وتقول: قط نظرتُ فرأيتُ فضلاً ومزيَّةً، وصادفتُ لذلك أَريحيَّة، فانظرْ لتعرِفَ كما عرفتُ، وراجعْ نفْسَك، واسْبُرْ وذُقْ، لتجدَ مثلَ الذي وجدْتُ"، فإنْ عَرفَ فذاك، وإلا فبينكما التناكر، تنبيه إلى سوءِ التأمُّل1، ويُنْسِبكَ إلى فسادٍ في التخيل.
وإنه على الجملة بحث يَنْتقي لكَ من علمِ الإِعراب خالصَه ولُبَّه2، ويأخذ لك منه أناسى العيون وحباب القلوب، وما لا يدَفْع الفضلُ فيه دافعٌ، ولا يُنْكِر رجحانَه في موازينِ العقولِ مُنْكِرٌ.
وليس يَتأتَّى لي أن أُعْلِمَك مِنْ أولِ الأمرِ في ذلك آخِرَه، وأَنْ أسمِّي لك الفُصُولَ التي في نيَّتي أن أُحرِّرها بمشيئةِ الله عزَّ وجلَّ، حتى تكونَ على علمٍ بها قبل مَوردِها عليك. فاعملْ على أنَّ ههنا فصولاً يَجيء بعضُها في إثرِ بعضٍ3، وهذا أَوَّلها.
__________
1 في "ج": "سورة التأويل".
2 في المطبوعة: "بحيث ينتفي".
3 في "س": "فاعمل أن ههنا"، وفي هامش المطبوعة: في نسخة: فاعلم أن ههنا إلخ"، ويعني فيما أظن، نسخة بغداد التي يذكرها رشيد رضا في تعليقاته.
(1/42)

تحقيق القول في البلاغة والفصاحة:
فصل- تحقيق القول في البلاغة والفصاحة:
34 - في تحقيق القول على "البلاغة" و "الفصاحة"، و "البيان" و "البراعة"1، وكل ما شاكر ذلك، مما يُعبَّر به عن فضلِ بعضِ القائلين على بعضٍ، من حيثُ نَطقوا وتكلَّموا، وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وواموا أنْ يُعْلِمُوهم ما في نفوسهم؛ ويَكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم2.
أول قضية "اللفظ" عند المعتزلة وبيان فسادها:
35 - ومنَ المعلوم أنْ لا معنى لهذه العباراتِ وسائرِ ما يَجْري مَجراها، مما يُفرد فيه اللفظُ بالنعتِ والصفةِ، وينسبُ فيه الفضلُ والمزيةُ إليه دونَ المعنى3، غيرُ وصْفِ الكلام بِحُسْنِ الدَّلالة وتمامِها فيما له كانت دَلالةٌ، ثم تَبرُّجهِا في صورةٍ هي أبهى وأزْيَنُ وآنَقُ وأَعْجَبُ وأَحقُّ بأنْ تستوليَ على هَوى النفس4، وتنالَ الحظَّ الأوفرَ من مَيْل القلوب، وأولى بأن تُطْلِقَ لسانَ الحامدِ، وتُطِيلَ رغْمَ الحاسد ولا جهةَ لاستعمال هذه الخصالِ غيرُ أنْ تأتي المعنى من الجهة هي أصح لتأديته5، وتختار له اللفظُ الذي هو أَخصُّ به، وأَكْشَفُ عنه وأَتمُّ له، وأَحرى بأن يَكسبه نُبلاً، ويظهر فيه مزية.
__________
1 انظر الفقرة: رقم: 27.
2 في هامش المطبوعة: "نسخة: ما في ضمائر".
3 السياق: "لا معنى لهذه العبارات .... غير وصف الكلام ... ".
4 في "س": "هوى النفوس".
5 في "ج": "تأتي من الجهة" بإسقاط "المعنى"، وفي المطبوعة: "يؤتى المعنى" بالبناء للمجهول.
(1/43)

وإِذا كان هذا كذلك، فينبغي أن يُنظَر إلى الكلمةِ قبلَ دخولها في التأليف، وقبلَ أنْ تصيرَ إلى الصورة التي بها يكونُ الكَلِمُ إخباراً وأمْراً ونَهياً واستخباراً وتعجباً، وتؤدِّيَ في الجملة معنًى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلاَّ بضَمِّ كلمةٍ إلى كلمةٍ، وبناءِ لفظةٍ على لفظةٍ1 هل يُتَصوَّر أن يكونَ بين اللفظتين تَفاضُلٌ في الدَّلالة حتى تكونَ هذه أدلَّ على معناها الذي وُضعتْ له من صاحبتها على ما هيَ موسومةٌ به2، حتى يقالَ إنَّ "رجلاً" أدلُّ على معناه مِنْ "فرسٍ" على ما سُمِّي به وحتى يتصور في الاسمين يوضعان لشيءٍ واحد3، أن يكونَ هذا أحْسَنَ نَبأً عنه وأَبْيَن كَشْفاً عن صورتِه مِنَ الآخر، فيكونُ "الليثُ" مثلاً أدلَّ على السَّبُع المعلوم مِنَ "الأَسد" وحتى إنَّا لو أردنا الموازنةَ بينَ لغتينِ كالعربيةِ والفارسيةِ، ساغَ لنا أَن نَجْعل لفظةَ "رجلٍ" أَدلَّ على الآدميَّ الذكَر من نظيرهِ في الفارسية؟
وهَلْ يقع في وَهْم وإنْ جُهِد، أن تتفاضلَ الكلمتانِ المُفردتان، مِنْ غيرِ أن يُنظَر إلى مكانٍ تقعانِ فيه منَ التأليِف والنظمِ، بأكثرَ من أن تكونَ هذهِ مألوفةً مستعملةً، وتلك غريبةً وحشية، أو أن تكونَ حروفُ هذهِ أَخَفَّ، وامتزاجُها أَحسنَ، ومما يَكُدُّ اللسانَ أَبْعَدَ؟
وهل تَجد أحداً يقولُ: "هذه اللفظةُ فصيحةٌ"، إلاَّ وهو يعتبرُ مكانَها منَ النظم، وحسنَ مُلائمةِ معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لخواتها؟
__________
1 السياق: "فينبغي أن يُنظَر إلى الكلمةِ قبلَ دخولها في التأليف ..... هل يتصور ... ".
2 في "س": "مرسومة".
3 في المطبوعة: الاسمين الموضوعين"، وفي الهامش أن في نسخة "يوضعان".
(1/44)

وهل قالوا: "لفظةٌ متمكَّنةٌ، ومقبولةٌ"، وفي خلافهِ: "قلقة، ونابية، ومستكرهة"، إلا وغضرهم أن يعبروا ببالتمكن عن حسنِ الاتفاقِ بينَ هذه وتلك مِن جهةِ معناهُما، وبالقَلَقِ والنُّبوِّ عن سوء التَلاؤم، وأنَّ الأولى لم تَلِقْ بالثانية في مَعناها، وأن السابقَةَ لم تصلُحْ أن تكونَ لِفْقاً للتالية في مؤادها؟ 1
36 - وهل تشكُّ إِذا فكَّرْت في قولهِ تعالى {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 44]، فتَجلَّى لك منها الإعجازُ، وبَهَركَ الذي تَرى وتَسْمَعُ2 أَنك لم تَجد ما وَجَدْتَ منَ المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة، إلا لمر يَرجعُ إلى ارتباطِ هذه الكَلِم بعضِها ببعضٍ، وأن لم يَعرِضْ لها الحُسْنُ والشرفُ إلاَّ مِنْ حيثُ لاقَتْ الأُولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا، إلى أن تستقريَها إلى آخِرها وأنَّ الفضلَ تَناتَجَ ما بينها، وحصَل من مجموعها؟
37 - إن شكَكْتَ، فتأملْ: هل ترى لفظة منها بحيثُ لو أُخِذَتْ من بين أَخواتها وأُفردتْ، لأَدَّت منَ الفصاحة ما تُؤدِّيه وهي في مكانها منَ الآية؟ قُل: "إبلَعي"، واعتبرْها وحْدَها من غيرِ أن تَنْظُرَ إلى ما قَبْلَها وما بعدَها، وكذلك فاعتبرْ سائرَ ما يليها.
وكيفَ بالشكَّ في ذلك، ومعلومٌ أنَّ مبْدَأ العظمةِ في أن نُوديت الأرضُ، ثم أُمرَتْ، ثم في أن كان النداء "بيا" دُوْنَ "أيّ"، نحوُ "يا أيتها الأرضُ"، ثم
__________
1 "اللفق" الشقة من شقتي الملاءة، وهما "لفقان"، ما داما متضأمين، فإذا فتقت خياطة الملاءة لا يسميان "لفقين"، ويطلق اسم "اللفقين"، على الصاحبين المتلازمين.
2 "أنك"، معفول "تشك".
(1/45)

إضافةِ "الماءِ" إلى "الكافِ"، دونَ أن يقالَ: "ابلعي ماءك"1، ثم أنْ أُتبعَ نداءُ الأرض وأمرُها بما هو من شأنها، نداءَ السماء وأمرَها كذلك، بما يَخصُّها، ثم أنْ قيل: و {وَغِيضَ الْمَاء}، فجاء الفعلُ على صيغة "فُعِل" الدالَّةِ على أنَّه لم يَغِضْ إلاَّ بأَمر آمرٍ وقُدرةِ قادرٍ، ثم تأكيدُ ذلك وتقريرُه بقولهِ تعالى: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ}، ثم ذكرُ ما هو فائدةُ هذه الأمور، وهو: {اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي}، ثم إضمارُ "السفينةِ" قَبْل الذكْر، كما هو شرطُ الفخامةِ والدلالةِ على عِظَم الشأن، ثم مقابلة "قيل" في الخاتمة "بقيل" في الفاتحة؟ أَفَتَرى لِشيءٍ من هذه الخصائصِ التي تملوك بالإِعجازِ روعةً2، وتحضُرُكَ عندَ تصورِها هيبةٌ تُحيطُ بالنفس من أقطارِها3 تعلُّقاً باللفظ من حيثُ هو صوتٌ مسموعٌ وحروفٌ تَتوالى في النُّطق؟ أم كلُّ ذلك لما بينَ معاني الألفاظِ مِنَ الاتِّساقِ العجيب؟
فقد اتَّضحَ إذن اتَّضاحاً لا يَدَعُ لِلشكِ مجالاً، أنَّ الألفاظَ لا تتفاضَلُ من حيث هي ألفاظٌ مجرَّدة، ولا من حيثُ هي كلمٌ مفردةٌ، وأن الفضيلة وخلاقها، في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها4، وما أشبهَ ذلك، مما لا تَعلُّقَ له بصريحِ اللفظ.
اللفظ الواحد يقع مقبولا، ومكروها:
38 - وممَّا يَشهد لذلك أَنَّك تَرى الكلمةَ تروقُك وتُؤنسك في موضعٍ، ثم تَراها بعينِها تَثْقُلُ عليكَ وتُوحِشُك في موضعٍ آخرَ، كلفظِ "الأَخدع" في بيت الحماسة:
__________
1 "دون أن يقال ابلعي" ساقط في "ج".
2 في "ج": "تملؤك روعة"، وفي "س": "الإعجاز"، بلا باء.
3 السياق: "افترى لشيء من هذه الخصائص ... تعلقًا".
4 في المطبوعة: "وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها"، وهو غير جيد.
(1/46)

تلفَّتُّ نَحْو الحَيَّ حَتّى وجدْتُني ... وجِعْتُ من الإصغاء ليتا وأخدعا1
وبيت البحترى:
وإني وإن بلغني شرَفَ الغِنى ... وأَعتقْتَ مِنْ رِقِّ المَطامع أَخْدَعي2
فإنَّ لها في هذين المكانَين ما لا يَخْفى مِن الحُسْن، ثم إنّكَ تتأَمُّلها في بيت أبي تمام:
يا دَهْرُ قوِّمْ مِن اخْدَعَيْكَ فقدْ ... أضْجَجْتَ هذا الأنامَ مِن خَرُقكْ3
فتَجدُ لها مِنَ الثقل على النفس، ومن التبغيص والتكْدير، أضعافَ ما وجدتَ هناك منَ الروْح والخفة، ومن الإيناس والبهجة.
ومِنْ أَعجبِ ذلك لفظةُ "الشيءِ"، فإنكَ تَراها مقبولة حسنةً في موضعٍ، وضعيفةً مستكْرَهة في موضع. وإنْ أردْتَ أن تَعْرف ذلك، فانظرْ إلى قولِ عمرَ بن أبي ربيعة المخزومي:
ومن مالئ عينيه مِنْ شيء غيرِهِ ... إذا راحَ نحو الجمرة البيض كالذمي4
وقوله أبي حية:
__________
1 البيت للصمة بن عبد الله القشيري، في شرح حماسة أبي تمام للتبريزي 3: 114، و "الليت"، صفحة العنق، و "الأخدع" عرق في العنق.
2 في ديوانه، فانظره.
3 في ديوانه، فانظره، و "الخرق"، الحمق، وضم الراء قياسًا مطردًا.
4 في ديوانه، فانظره، وقبله متصلًا به:
وكم من قتيل لا يباء له دم ... ومن غلق رهنًا، إذا ضمه مني
(1/47)

إذا ما تَقاضي المرءَ يومٌ ولَيلةٌ ... تَقاضاهُ شيءٌ لا يَملُّ التَّقَاضِيا1
فإِنك تَعرف حُسْنَها ومكانها من القبول، ثم انظر إليها فيبيت المتبني:
لَو الفَلَكُ الدوَّارُ أبغضْتَ سَعْيَهُ ... لعوَّقَهُ شيءٌ من الدوران2
فإنك تراها تقل وتضول، بحَسب نُبْلها وحُسْنها فيما تقَدَّم.
39 - وهذا بابٌ واسعٌ، فإِنك تَجدُ متى شئْتَ الرجلَيْن قد استعملا كَلِماً بأَعيانها، ثم تَرى هذا قد فَرعَ السِّماكَ3، وتَرى ذاكَ قد لَصِقَ بالحَضيض، فلو كانتِ الكلمةُ إِذا حَسُنتْ حَسُنتْ من حيث هي لفظٌ، وإذا اسْتَحقَّت المزيةَ والشرفَ استحقَّتْ ذلك في ذاتِها وعلى انفرادِها، دونَ أن يكونَ السببَ في ذلك حالٌ لها مع أَخَواتها المجاورةِ لها في النَّظْم، لما اختلفَ بها الحال، ولكانت غما أن تحسن أبدًا، ولا تحسن أبدًا.
ولا ترى قولاً يضطربُ عَلَى قائلهِ حتى لا يَدْري كيف يُعبِّر، وكيف يُورد ويُصْدر، كهَذا القول. بل إنْ أردتَ الحقَّ، فإنَّه من جِنسِ الشَّيءِ يُجْري به الرجلُ لسانَه ويُطْلِقُه، فإِذا فتَّش نفْسَه، وجدَها تَعْلَم بُطْلانَه، وتنطوي عَلَى خلافه، ذلك لأَنَهُ مِمَا لا يقومُ بالحقيقةِ في اعتقادٍ، ولا يكون له صورة في فؤاد.
__________
1 في ديوانه المجموع.
2 في ديوانه، فراجعه. والضمير في "أبغضت" لكافور، وهو من القصيدة التي قالها في سنة 348، والتي قال فيها أيضًا قصيدته الميمية حين ركبته الحمى، والتي عرض فيها بالرحيل عن كافور، وهي قصيدة مدح، ولكني أرى أنه كان ينفث في بعضها عما في صدره من الغيظ على كافور واستهانته به، ولذلك فأنا أعد لفظ "شيء" هنا مما يكشف عن هذه الاستهانة بكافور، ولو لحظ الشيخ عبد القاهر هذا الملحظ، لما عدها قليلة ضئيلة، بل كبيرة موجبة بما في نفسه.
3 "السماك" نجم، وهما "سماكان" والرامح والأعزل. و "فرغ السماك" غلاه وجاوزه في الارتفاع.
(1/48)

فصل- الفرق بين "حروف منظومة" و"كلم منظومة":
40 - ومما يجبُ إحكامهُ بِعَقب هَذا الفصلِ، الفَرْقُ بين قولنا: "حروف منظومة"، و "كلم منظومةٌ".
وذلكَ أنَّ "نظْمَ الحروفِ" هو تَواليها في النطق، وليس نظمُها بمقتضى عن معنى1، ولا الناظمُ لها بمُقْتَفٍ في ذلك رَسْماً منَ العقلِ اقتضَى أَنْ يَتَحرَّى في نظمِهِ لها ما تَحرَّاه. فلو أَنَّ واضع اللُّغة كان قد قال "ربضَ" مكان "ضرَبَ"، لما كَانَ في ذلك ما يؤدي إلى فَسَاد، وأما "نظمُ الكَلِم" فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تتفي في نظمِها آثارَ المعاني، وتُرتِّبها على حسبِ ترتب المعاني في النفس2. فهو إذن نظمٌ يعتبرُ فيه حالُ المنظوم بعضهُ معَ بعضٍ، وليسَ هو "النَّظم" الذي معناهُ ضمُّ الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق. ولذلك كان عندهم نظيرا للنسخ والتّأليفِ والصياغةِ والبناءِ والوَشْيِ والتحبير وما أَشبَه ذلك3، مما يُوجب اعتبارَ الأجزاءِ بَعْضِها معَ بعضٍ، حتى يكونَ لوضعِ كلِّ حيثُ وُضع، علةٌ تَقْتَضي كونَه هناك، وحتى لو وُضِع في مكان غيره لم يصلح.
41 - والفائدة ي معرفة هذا الفرقِ: أَنكَ إذا عرَفْتَه عرفْتَ أنْ ليس الغَرضُ بنَظْم الكَلِم، أَنْ توالَتْ ألفاظُها في النُّطق4 بل أَنْ تناسَقَتْ دلالتُها.
__________
1 أي ليس واجبًا لمعنى اقتضاه.
2 في المطبوعة: "على حسب ترتيبها" وفي الهامش: "في نسخة: وترتبها على حسب ترتب".
3 في "ج" والمطبوعة: "وكذلك كان عندهم".
4 في "س": في "التطويل"، وهي خطأ ظاهر.
(1/49)

وتلاقتْ مَعانيها، على الوجهِ الذي اقتضاهُ العقلُ. وكيف يُتَصَّور أنْ يُقصَد به إلى توالي في النُّطق، بعد أن ثَبَتَ أنّهُ نظْمٌ يعتبرُ فيه حالُ المنظوم بعضهُ معَ بعضٍ، وأنه نَظيرُ الصَّياغةِ والتَّحْبِير والتَّفْويفِ والنَّقشِ، 1 وكلِّ ما يُقصَد به التَّصويرُ، وبعْدَ أن كنَّا لا نَشكُّ في أنْ لا حال لِلفظةٍ معَ صاحبتها تُعْتَبر إذا أنتَ عزلْتَ دلالَتَهما جانباً؟ وأَيُّ مساغٍ للشكَّ في أنَّ الأَلفاظَ لا تستحقُّ من حيثُ هي ألفاظٌ، أن تنظم على وجه دون وجه؟
42 - وفو فرَضْنا أنْ تَنْخلِعَ مِن هذهِ الألفاظ، التي هيَ لغاتٌ، دلالَتُها2، لَمَا كان شيءٌ منها أحق بالتقديم من شيء، ولا تصور أنْ يَجِبَ فيها تَرتيبٌ ونَظْمٌ3.
ولو حفَّظْتَ ضبيبًا شطْرَ "كتابِ العين" أو "الجمهرة"، مِنْ غيرِ أن تُفَسِّر له شيئاً منه، وأخذْتَه بأن يَضْبِطَ صُوَرَ الألفاظِ وهيأَتَها4، ويؤدِّيها كما يؤدِّي أصنافَ أصواتِ الطيور5، لرأيتَهُ ولا يَخْطرُ له ببال أن من شانه أن يوخر لَفْظاً ويقدِّم آخرَ، بل كان حالُه حالَ من يرم ى الحصبى ويعد الجوز، اللهم إلا أنتسومه أنتَ أَنْ يأتيَ بها على حُروفِ المعجم ليحفظ نسق الكتاب.
__________
1 يقال: "برد مفوف"، رقيق فيه خطوط بياض على هيئة الوشي.
2 "دلالتها" فاعل "نتخلع".
3 في "س"، وفي نسخة بغداد وعند رشيد رضا: ولا تصور"، وفي المطبوعة: "ولا يتصور".
4 في المطبوعة: "وهيئتها" بالإفراد.
5 في "ج": "كما يؤدي أصوات الطيور"، وفي نسخة بغداد "كما أرجح" في هامش المخطوطة: كما يحكى أصوات الطيور".
(1/50)

43 - ودليلٌ آخرُ، وهو أنه لو كان القصْدُ بالنَّظم إلى اللفظِ نَفْسِه، دونَ أن يكونَ الغرضُ ترتيبَ المعاني في النَّفس1، ثم النطقَ بالألفاظ على حَذْوها، لَكانَ يَنْبغي أن لا يَخْتلف حالُ اثنين في العِلْم بحُسْن النظُم أو غير الحسن فيه، لأنهما يحسبان بِتَوالي الألفاظِ في النُّطق إحساساً واحداً، ولا يَعْرِفُ أحدُهما في ذلك شيئاً يَجْهلُهُ الآخرُ.
بيان معنى "النظم":
44 - وأوْضحُ من هذا كلِّه، وهو أنَّ هذا "النظْمَ" الذي يتواصَفُه البلغاءُ، وتَتَفاضَلُ مراتِبُ البلاغةِ من أجلهِ، صَنْعةٌ يُستعانُ عليها بالفكرةِ لا مَحالة. وإذا كانت مما يُستعانُ عليها بالفكرةِ2، ويُسْتخرَجُ بالرَّويَّة، فينبغي أن يُنْظَر في الفِكَر، بماذا تلبس؟ أبا المعاني أم بالأَلفاظ؟ فأَيُّ شيءٍ وجدْتَه الذي تلبِّس به فِكَركَ من بينِ المعاني والألفاظِ، فهو الذي تَحَدثُ فيه صَنْعتُك3، وتَقع فيه صياغتُك ونظمُك وتصويرُك. فَمُحالٌ أن تتفكَّرَ في شيءٍ وأَنت لا تَصنَعُ فيه شيئاً، وإنما تَصْنع في غيرِه. لو جازَ ذلك، لجازَ أن يُفكِّر البنَّاءُ في الغَزْل، ليَجْعل فكرَهُ فيه وُصلةً إلى أن يُصْنَعَ من الآجُرّ، وهو من الإِحالةِ المُفْرطة.
45 - فإِنْ قيلَ: "النظْمُ" موجودٌ في الألفاظِ على كلَّ حالٍ، ولا سبيلَ إلى أن يُعْقَل الترتيبُ الذي تزعُمُه في المعاني، ما لم تَنْظم الألفاظَ ولم ترتَّبْها على الوجه الخاص.
__________
1 في "ج" أسقط "في النفس".
2 في المطبوعة: "عليه بالفكرة".
3 في "ج": "صنيعتك"، وضبطها.
(1/51)

قيل: إنَّ هذا هو الذي يُعيد هذه الشبْهة جَذعة أبداً1، والذي يَحلُّها2: أن تَنْظر: أتتصوَّرُ أَن تكُون معْتَبِراً مفكِّراً في حالِ اللفظ مع اللفظ حتى تضَعَه بجنبهِ أو قبلَه، وأن تقولَ: "هذه اللفظية إنما صلت ههنا لكونِها على صفةِ كذا" أم لا يُعقل إلا أن تقول: "صلحت ههنا، لأن معناها كذا، ولدلالتها على كذا، ولن معنى الكلامِ والغرضِ فيه يُوجب كذا، ولأن معنى ما قبلها يَقْتضي معناها؟ ".
فإِن تصورتَ الأولَ، فقلْ ما شئْتَ، واعلمْ أنَّ كلَّ ما ذكرناهُ باطلٌ وإنْ لم تتصورْ إلا الثاني، فلا تخْدَعنَّ نفْسَك بالأَضاليل، ودعِ النظرَ إلى ظواهر الأمور3، ليس هو الذي طلبْتَه بالفكرِ، ولكنه شيءٌ يقعُ بسببِ الأَولِ ضرورةً، من حيثُ إِنَّ الألفاظَ إذا كانتْ أوعيةً للمعاني، فإِنَّها لا محالةَ تَتَبْع المعاني في مواقعها، فإِذا وجَبَ لِمعنًى أنْ يكونَ أولاً في النفسِ، وجَب للفظ لادال عليه أن يكونَ مثْلَه أوَّلاً في النُّطق، فأمَّا أَن تتصورَ في الألفاظِ أن تكونَ المقصودةَ قبلَ المعاني بالنَّظم والترتيبِ، وأن يكونَ الفكر في النظم الذي يتواصفه البغاء فكرًا نظْم الألفاظ، أو أن تحتاجَ بَعْد ترتيبِ المعاني إلى فكْرٍ تستأنفُه لأن تجيءَ بالألفاظِ على نَسَقها، فباطلٌ منَ الظنَّ، ووهْمٌ يُتخيَّل إلى من
__________
1 "أعاد الشيء جذعًا" أي جديدًا. وأصل "الجذع" ما قبل الثنى من البهائم، ويطلق على الشاب من الناس والأنثى "جذعة"، "رشيد".
2 في "ج": "الذي يحله"، وفي "س": "والذي يحله عنك" وفي هامش المطبوعة: "في نسخة: يحيله عنك".
3 في المطبوعة: "ترتيب الألفاظ".
(1/52)

لا يُوفي النظرَ حقَّه. وكيف تكونُ مفكِّراً في نظم الألفاظ، وأنت لا تعقل لها أوصافاً وأحوالاً إذا عرفتَها عرفتَ أنَّ حقها أَن تُنْظَم على وجه كذا؟
رد شبهة في شأن "النظم":
46 - ومما يلبِّس على الناظِر في هذا الموضع ويُغلِّطه، أنه يَستَبْعد أن يُقال: "هذا كلامٌ قد نُظِمتْ معانيهِ"، فالعُرْفُ كأنه لم يَجْرِ بذلك، إلاَّ أَنهم وإنْ كانوا لم يسَتعملوا "النظْمَ" في المعاني، قد استعملوا فيها ما هوَ بمعناهُ ونَظيرٌ له، وذلك قولُهم: "إنَّه يُرتِّبُ المعانيَ في نفسِه، ويُنْزِلها، ويَبْني بعضَها على بَعضٍ"، كما يقولون: "يُرتِّب الفروعَ على الأصول، ويُتْبع المعنَى المعنى، ويُلْحِق النظِير بالنظير".
وإذا كنت تعلم أنهم قد استعاروا النَّسْجَ والوشيَ والنقشَ والصياغَةَ لنفسِ ما استعاروا له "النظْم"، وكان لا يُشَكُّ في أنَّ ذلك كلَّه تشبيهٌ وتمثيلٌ يَرجع إلى أمورٍ وأوصافٍ تتعلقُ بالمعاني دونَ الألفاظِ، فمن حَقِّك أنْ تَعلم أنَّ سبيلَ "النظمِ" ذلكَ السبيلُ.
47 - واعلمْ أنَّ مِنْ سبيلك أن تَعتمِدَ هذا الفصْلَ حَدّاً، وتَجْعل النُّكَتَ التي ذكرتُها فيه على ذُكْرٍ منكَ أبداً، فإِنها عَمَدٌ وأُصولٌ في هذا الباب1، إذا أنت مكَّنْتَها في نَفْسك، وجدْتَ الشُّبَه تنزاحُ عنك، والشكوكَ تَنْتفي عن قَلبك، ولا سيَّما ما ذكرتُ من أنه لا يُتَصوَّر أنْ تَعرِفَ للفظ موضعًا
__________
1 "عمد"، جمع "عمدة"، وهو ما يعتمد عليه.
(1/53)

من غيرِ أن تَعْرف معناه، ولا أنْ تَتوخَّى في الألفاظِ من حيثُ هي ألفاظٌ ترتيباً ونظماً، وأنَّك تَتوخَّى الترتيبَ في المعاني وتُعْمِل الفكْرَ هناك، فإِذا تَمَّ لك ذلك أتْبَعْتَها الألفاظَ وقَفَوْتَ بها آثارَها، وأَنَّك إِذا فرَغْتَ من ترتيبِ المعاني في نفسِك، لم تحتجْ إلى أن تستأنفَ فكْراً في ترتيبِ الألفاظِ، بل تَجدُها تَترتَّب لك بحُكْم أنها خَدَمٌ للمعاني، وتابعةٌ لها، ولاحِقةٌ بها، وأن العِلْم بمواقعِ المعاني في النَّفُس، علمٌ بمواقعِ الألفاظ الدالة عليها في النطق.
(1/54)

فصل- النظم هو توخي معاني الإعراب:
48 - واعلمْ أَنك إِذا رجعتَ إلى نفسِك علمتَ علْماً لا يعترضُه الشكُّ، أنْ لا نَظْمَ في الكَلِم ولا ترتيبَ، حتى يُعلَّقَ بعضُها ببعضٍ، وَيْبني بعضُها على بَعض، وتُجعلَ هذه بسبب من تلك. هذا ما لا يَجهلُه عاقلٌ ولا يخْفَى على أحدٍ منَ الناس.
وإِذا كانَ كذلك، فبِنا أَنْ نَنْظر إلى التَّعليق فيها والبناءِ، وجعْلِ الواحدةِ منها بسببٍ من صاحِبَتِها، ما معناهُ وما مَحْصولُه؟ وإِذا نَظَرْنا في ذلك، عَلمْنا أنْ لا محصولَ لها غيرُ أنْ تَعْمدَ إلى اسمٍ فتَجْعلَه فاعلاً لفعلٍ أو مفعولاً، أو تَعْمَدَ إلى اسمَيْن فتَجْعلَ أحدَهما خبراً عنِ الآخر أو تُتْبعَ الاسمَ اسماً على أن يكونَ الثاني صفة للأول، أو تأكيد له، أو بدلاً منه أو تَجِيءَ باسمٍ بَعْد تمامِ كلامكَ على أن يكونَ الثاني صفةً أو حالاً أو تمييزاً1 أوْ تتوخَّى في كلامٍ هو لإِثباتِ معنى، أن يصَير نفْياً أو استفهاماً أو تمنياً، فتُدخِلَ عليه الحروفَ الموضوعةَ لذلك أَوْ تُريد في فعلينِ أن تَجعل أحدَهما شَرْطاً في الآخر، فتجيءَ بهما بعدَ الحرفِ الموضوع لهذا المعنى، أو بَعْد اسمٍ منَ الأسماءِ التي ضَمِنَتْ معنى ذلكَ الحرفِ، وعلى هذا القياس.
وإِذا كانَ لا يكونُ في الكِلِم نَظْمٌ ولا ترتيبٌ إلاَّ بأنْ يُصْنَع بها هذا الصنيعُ ونحوَهُ، وكان ذلك كلُّه مما لا يَرْجِعُ منه إلى الفظ شيءٌ، ومما لا يُتَصوَّر أن يكونَ فيه ومِنْ صفتهِ، بَانَ بذلك أنَّ الأَمرَ على ما قلناه، من أن اللفظ تبع
__________
1 في المطبوعة: "أن يكون الثاني صفة"، وليست في المخطوطتين، وأشار في هامش المطبوعة أنها محذوفة في نسخة أخرى.
(1/55)

للمعنى في النظْم، وأنَّ الكلمَ تَترتَّب في النُّطقِ بسببِ تَرتُّبِ معانيها في النَّفس، وأنها لَوْ خَلَتْ من مَعانيها حتى تَتجرَّد أصواتاً وأصداءَ حروفٍ، لما وقعَ في ضميرٍ ولا هَجَس في خاطرٍ، أن يَجب فيها ترتيبٌ ونَظْم، وأن يُجْعَل لها أمكنةٌ ومنازِلُ، وأنْ يجبَ النطقُ بهذه قَبْل النطقِ بتلك. واللهُ الموفق للصواب.
(1/56)

فصل- الرد على من يقول: الفصاحة للفظ وتلاؤم الحروف:
49 - وهذه شُبهةٌ أُخرى ضعيفةٌ، عسى أن يتعلَّقَ بها مُتعلِّقٌ ممَّن يُقْدم على القولِ من غيرِ رويّةٍ: وهي أنْ يَدَّعي أنْ لا معنى للفصاحة سِوى التلاؤمِ اللَّفظيّ، وتعديلِ مِزَاجِ الحُروفِ حتى لا يتلاقى في النُّطقِ حروفٌ تَثْقلُ على اللسَان، كالذي أنَشْدَه الجاحظ من قول الشاعر:
وقَبْرَ حَرْبٍ بمكانٍ قَفْرِ ... وليسَ قُرْبَ قبرِ حرب قبر1
وقول ابن يسير2:
لا أُذِيل الآمالَ بَعدك إنِّي ... بَعْدَها بالآمالِ جدُّ بخيلِ
كَمْ لَهَا موقفاً ببابِ صديقٍ ... رجَعتْ مِنْ نَداه بالتعطيلِ
لَمْ يَضِرْها والحمدُ للهِ شيءٌ ... وانثنتْ نحْوَ عَزْفِ نَفْسٍ ذَهُول3
قال الجاحظُ: فتفقَّدِ النِّصْفَ الأخيرَ من هذا البيت فإِنك ستجدُ بعضَ ألفاظه يتبرَّأ من بعضٍ"4 ويُزعمُ أنَّ الكلامَ في ذلك على الطبقات فمنه المُتناهي في الثِّقَل المفرطُ فيه، كالذي مَضَى، ومنه ما هو أَخَفُّ منه كقولِ أبي تمام:
__________
1 البيان والتبيين 1: 65.
2 في "س": "قول ابن سيرين"، وهو خطأ صرف، والشعر لمحمد بن يسير الرباشي، وهو في البيان والتبيين 1: 65، 66.
3 البيان والتبيين 1: 65، 66. "لا أذيل الآمال"، لا أهينها، و "التعطيل"، الإهدار والإبطال. و "عزف"، مصدر "عزفت نفسه عن الشيء عزفًا وعزوفًا"، زهدت فيه وانصرفت عنه. و "الذهول"، التي تناست الشيء وتغافلت عنه. وفي المطبوعة: "كم لها موقف".
4 "ويزعم"، معطوف على قوله: "وهي أن يدعي ... ".
(1/57)

كَرِيمٌ مَتَى أَمْدَحْهُ أَمْدَحْهُ والوَرى ... جَميعاً ومَهْما لمته لمته وحدي1
أي لا أمدحه بشيء إلا صدقني الناس فيه2.
ومنه ما يكونُ فيه بعضُ الكُلْفة على اللسان، إلاَّ أَنه لا يَبلغُ أن يُعابَ به صاحبه ويشهر أمره في ذلك ويفحظ عليه3 ويزعمُ أن الكلامَ إذا سَلمَ من ذلك وصفَا من شَوْبِه4، كان الفصيحَ المشادَ به والمُشارَ إليه5، وأنَّ الصفاءَ أيضاً يكونُ على مراتبَ يعلو بعضُها بعْضاً، وأنَّ له غايةً إذا انتهى إليها كانَ الإِعجاز.
والذي يبطل هذه المشبهة، إن ذَهب إليها ذاهبٌ، أنَّا إنْ قَصرْنا صِفةَ "الفصاحةِ" على كَوْن اللفظِ كذلك6، وجَعلْناه المراد بها، لزمنا أن نخرج "الفصاحةِ" على كَوْن اللفظِ كذلك، وجَعلْناه المرادَ بها، لَزِمَنَا أنْ نُخرج "الفصاحةَ" من حيِّز "البلاغةِ"، ومِنْ أنْ تكونَ نَظيرةً لها. وإِذا فعلنا ذلك، لم نحل من أجد أَمْرين: إمَا أنْ نَجْعَله العُمْدةَ في المفاضلةِ بينَ العبارتين ولا نُعرِّجَ على غيرِه، وإِمَّا أن نَجعلَه أَحدَ ما نُفاضل به، ووَجْهاً منَ الوجوه التي تَقْتضي تقديمَ كلامٍ على كلام7.
__________
1 البيت في ديوانه، وروايته عجزه: "معي، ومتى ما لمته"، وفي المطبوعة: "معي، وإذا ما لمته".
2 شرح البيت من "س"، وحدها.
3 "ويزعم" معطوف على ما قبله، انظر التعليق السالف ص: 57، رقم: 4.
4 "الشوب"، الخليط الذي يكدر الماء وغيره.
5 "أشاذ به"، أنثى عليه ورفع ذكره.
6 في "ج": "إن اقتصرنا" وأسقط أيضًا "كذلك"، ففسد الكلام.
7 في "ج": "تقدم كلام .... ".
(1/58)

فإنْ أَخَذْنا بالأولِ، لزِمَنا أنْ نُقْصِر الفَضيلةَ عليه حتى لا يكونَ الإعجازُ إلاَّ به وفيه1، وفي ذلك ما لا يخفى من الشناغة، لأنه يُؤدِّي إلى أنْ لا يكونَ للمعاني التي ذكرُوها في حدودِ البلاغة: مِنْ وُضوح الدَّلالة، وصوابِ الإشارةِ، وتَصحيحِ الأقسام، وحُسْن الترتيبِ والنظام، والإبداع في طريقة وتوفية الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطها2 مدخلٌ فيما له كان القرآنُ مُعْجزاً، حتى يدعي أنَّهُ لم يكن مُعْجزاً مِن حيثُ هو بليغٌ، ولا من حيثُ هو قولٌ فصْلٌ، وكلامٌ شريفُ النظم بديعُ التأليف، وذلك أنه لا تَعلُّقَ لشيءٍ من هذه المعاني بتلاؤمِ الحروف.
وإِنْ أخذنا بالثاني، وهو أن يكونَ تلاؤمُ الحروفِ وَجْهاً من وجوُهِ الفضيلةِ، وداخِلاً في عِداد ما يُفاضَلُ به بين كلامٍ وكلامٍ على الجُملة، لم يكن لهذا الخلافِ ضرر علينا، لأنه ليس باكثر أن نعمد إلى "الفصاحة" فتخرجها من حيَّز "البلاغةِ والبيانِ"، وأن تكونَ نظيرةً لها، وفي عداد ما هو شبههما من البراعية والجزالة وأشباه ذلك، ما يُنبئ عنْ شرفِ النظْمِ، وعنِ المزايا التي شرحتُ لك أَمْرَها، وأعملتك جنسها3 أو نجعلها اسماً مُشتركاً يقَعُ تارة لِمَا تَقعُ له تلكَ، وأخرى لِما يَرْجع إلى سلامةِ اللّفظِ مما يُثْقِل على اللَّسان. وليس واحدٌ منَ الأمرين بقادح فيما نحن بصدده.
__________
1 "وفيه"، ليست في المطبوعة.
2 السياق " .... أن لا يكون للمعاني ..... مدخل".
3 "أو نجعلها" معطوفة على قوله: "أن نعمد إلى الفصاحة"، والأفعال في هذا الجمل مبدؤه بالنون، أما في المطبوعة فهي مبدؤه بالياء، وهو غير مستقيم.
(1/59)

وإنْ تعَسَّفَ متعسفٌ في تلاؤُمِ الحروفِ، فبَلغَ به أن يكون الأصلَ في الإِعجازِ، وأَخرجَ سائرَ مَا ذكروه في أقسامِ البلاغة من أن يكونَ له مَدْخلٌ أو تأثيرٌ فيما له كان القرآنُ معجزاً، كان الوجهُ أن يُقالَ له: إنَّه يَلزمُكَ، على قياسِ قولِكَ، أن تجوز أن يكون ههنا نظمٌ للألفاظِ وترتيبٌ، لا على نَسَقِ المعاني، ولا على وجْهٍ يُقْصَد به الفائدةُ، ثم يكونَ مع ذلك مُعْجزاً، وكَفى به فساداً.
51 - فإنْ قالَ قائلٌ: إني لا أجعلُ تلاؤمَ الحروفِ مُعْجزاً حتى يكونَ اللفظُ مع ذلك دالا، وذاك أنه إنَّما تصعبُ مراعاةُ التعادلِ بينَ الحروفِ، إذا احتيجَ مع ذلك إلى مراعاةِ المعاني، كما أنه إنَّما تصْعبُ مراعاةُ السجعِ والوزنِ، ويصعبُ كذلك التجنيسُ والترصيعُ، إذا رُوعي معه المَعْنى.
قيلَ له: فأنتَ الآنَ، إنْ عقَلْتَ ما تَقولُ، قد خرجْتَ من مسئلتك، وتركْتَ أن يَسْتحِقَّ اللفظُ المزيةَ من حيثُ هو لفظ1، وجئت به تَطْلبُ لِصعوبةِ النظْمِ فيما بينَ المعاني طريقاً، وتَضَعُ له علَّةً غيرَ ما يعرفُه الناسُ، وتدَّعي أنَّ ترتَيبَ المعاني سهْل، وأنَّ تفاضُلَ النَّاس في ذَلك إلى حَدِّ، وأَنَّ الفضيلةَ تَزْداد وتَقْوى إذا تُوَخِّي في حُروفِ الألفاظِ التعادلُ والتلاؤمُ. وهذا مِنك وَهُمٌ.
وذلكَ أنَّا لا نَعلمُ لِتَعادُلِ الحروفِ معنًى سِوى أنْ تَسْلَم من نَحْوِ ما تَجدُهُ في بيتِ أبي تمامٍ:
كريمٌ متى أمدحْه أمْدَحْهُ والوَرى
__________
1 في "ج" كتب: "من حيث وجئت تطلب"، أفسد الكلام، وفي "س": "من حيث هو لفظ، وحيث تطلب"، أفسده أيضًا.
(1/60)

وبيتِ ابنِ يَسِير:
وانثنتْ نحوَ عَزْفِ نفسٍ ذهولِ1
وليس اللّفظُ السليمُ من ذلك بِمُعْوِزٍ، ولا بعزيزِ الوجودِ، ولا بالشّيءِ لا يَستطيعُه إلاَّ الشاعرُ المُفْلِق والخطيبُ البليغ، فيستقيمَ قياسُه على السجعِ والتَّجنيس ونحوِ ذلك، مما إذا رامَه المتكلمُ صَعُبَ عليه تصحيحُ المعاني وتأديةُ الأغراض. فقولُنا: "أطالَ اللهُ بقاءك، وأدامَ عزَّك، وأَتمَّ نِعمتَهُ عليك، وزادَ في إحسانه عندَكَ"، لفْظٌ سليمٌ مما يَكُدُّ اللسانَ، وليس في حُروفه استكراهُ، وهكذا حالُ كلامِ الناس في كُتُبهم ومُحاوراتِهم، لا تكادُ تَجد فيه هَذا الاستكراهَ، لأنه إنَّما هو شيءٌ يَعْرِضُ للشّاعرِ إذا تكلَّف وتَعمَّل2، فأمَّا المُرْسِلُ نفْسَه على سَجيَّتها، فلا يَعْرض له ذلك.
52 - هذا، والمتعلَّلُ بمثلِ ما ذكرتُ من أنه إنَّما يكونُ تلاؤمُ الحروفِ مُعْجزاً بعد أن يكوْنَ اللّفظُ دالاً، لأنَّ مراعاةَ التّعادلِ إنَّما تَصْعبُ إذا احتيجَ معَ ذلك إلى مُراعاةِ المعاني، إذا تأملَت3 يَذْهب إلى شيءٍ ظريفٍ، وهو أن يُصْعُبَ مَرامُ اللفظِ بسببِ المعنى، وذلك مُحالُ، لأن الذي يَعْرفُه العقلاءُ عكْسُ ذلك، وهو أَن يصْعُبَ مرامُ المعنى بسبب اللفظ، فصعوبةُ ما صَعُبَ من السَّجع، هي صعوبةٌ عرضَتْ في المعاني من أجلِ الألفاظ، وذاك أنَّهُ صعب.
__________
1 مضى الشعران في ص: 57، 58، وكتب هنا في "س": "ابن سيرين" أيضًا، انظر ص: 57، التعليق رقم: 2.
2 في: "س": "وتعمد".
3 السياق: "والمتعلل بما ذكرت، ........ يذهب"، وفي هامش "ج" عند "يذهب" قال: "أي المتعلل".
(1/61)

عليك أن تُوفِّقَ بين مَعاني تلكَ الأَلفاظِ المسجَّعة وبين مَعاني الفُصول التي جُعلتْ أردافاً لها، فلم تَسْتطعْ ذَلك إلاَّ بعد أن عَدلْتَ عن أسلوبٍ إلى أسلوبٍ، أوْ دخلْتَ في ضرْبٍ منَ المجازِ، أو أخذْتَ في نوعٍ منَ الاتِّساع، وبعد أن تَلطَّفْتَ على الجملةِ ضَرباً منَ التلطُّف. وكيف يُتَصوَّرُ أنْ يَصعُبَ مرامُ اللفظِ بسببِ المعنى، وأنتَ إن أردْتَ الحقَّ لا تَطْلبُ اللفظَ بحالٍ، وإنَّما تَطْلبُ المعنى، وإِذا ظفِرْتَ بالمَعنى، فاللفظُ معكَ وإزاءَ ناظرِك؟ وإِنما كان يُتَصوَّرُ أن يصْعُبَ مَرامُ اللفظِ من أجلِ المعنى، أنْ لو كنتَ إذا طلبْتَ المعنى فحصَّلْتَه، احتجْتَ إلى أن تَطْلبَ اللفظَ على حِدَة. وذلك مُحَال.
53 - هذا، وإِذا توهَّمَ متوهِّمٌ أَنَّا نحتاجُ إلى أنْ نَطْلبَ اللفظَ، وأنَّ مِن شأْن الطلبِ أنْ يكونَ هناك، فإنَّ الذي يتَوَّهم أنَّهُ يَحتاج إلى طَلَبه، هو ترتيبُ الألفاظ في النطق لا مَحالة,. وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أنْ نَرْجِع إلى نفوسِنا فنَنْظر: هل يُتَصوَّر أن نُرتِّب مَعاني أسماءٍ وأفعالٍ وحروفٍ في النفس، ثم يَخْفى علينا مواقِعُها في النطق، حتى نحتاج في ذلك إلى فكْرٍ ورويَّةٍ؟ وذلك ما لا يَشكُّ فيه عاقلٌ إِذا هو رَجَعَ إِلى نفسهِ.
وإِذا بطَلَ أنْ يكونَ ترتيبُ اللفظ مطلوبًا بحال، لم يكنِ المطلوبُ أبداً إلا ترتيبُ المعاني، وكان معوَّلُ هذا المخالفِ على ذلك، فقد اضمحلَّ كلامُه، وبانَ أنه ليس لِمنْ حامَ في حديثِ المزيةِ والإعجازِ حَوْل "اللفظِ"، ورامَ أنْ يجعلَه السببَ في هذه الفضيلةِ، إِلا التسكُّعُ في الحَيرة، والخروجُ عن فاسدٍ منَ القول إلى مثلهِ. واللهُ الموفِّق للصَّواب.
54 - فإنْ قيل: إذا كانَ اللفظُ بمَعْزِلٍ عنِ المزيَّةِ التي تنازعْنا فيها، وكانت
(1/62)

مقصورةً على المعنى، فكيف كانتِ "الفصاحةُ" من صفاتِ اللفظِ البتَّةَ؟ وكيف امْتَنَع أن يَوصفَ بها المعنى فيقالُ: "معنًى فَصِيحٌ، وكلامٌ فصيحُ المعنى"؟
قيل: إنَّما اختُصَّت الفصاحةُ باللفظِ وكانت مِنْ صِفته، من حيثُ كانت عبارةً عن كونِ اللفظِ على وَصْفٍ إذا كان عليه، دلَّ على المزيّةِ التي نحنُ في حديثها، وإِذا كانت لِكَوْن اللفظ دالآ، استحالَ أنْ يُوصفَ بها المعنى، كما يَسْتحيلُ أن يوصَف المعنى بأنه "دال" مثلًا، فاعرفه.
الرد على المعتزلي القاضي عبد الجبار في مسألة "اللفظ":
55 - فإنْ قيل: فماذا دَعا القدماءَ إلى أن قَسَموا الفضيلةَ بينَ المعنى واللفظِ فقالوا: "معنى لطيفٌ، ولفظٌ شريفٌ"، وفَخَّموا شأنَ اللَّفظِ وعظَّموه حتى تَبِعَهم في ذلك مَن بَعْدَهم1، وحتى قالَ أهلُ النَّظر: "إنَّ المعاني لا تَتزايد، وإِنما تتزايدُ الألفاظُ"2، فأَطلقوا كما ترى كلاماً يُوهِمُ كلَّ مَنْ يَسمعهُ أنَّ المزيَّةَ في حاق اللفظ؟ 3.
__________
1 في "ج" أسقط: "فقالوا معنى لطيفٌ ولفظٌ شريفٌ، وفَخَّموا شأنَ اللفظ"، سهوًا.
2 "أهل النظر"، هو المتكلمون، ويعني بهم هنا المعتزلة. وقولهم هذا هو نص كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني في الجزء 16: 199، بعنوان: "فصل في الوجه الذي له يقع التفاضل في فصاحة الكلام"، ونص كلام القاضي هو:
" .... علي أن نعلم أن المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر، التزايذ عند الألفاظ التي يعبر بها عنها، كما ذكرنا".
هذا، واعلم أن أكثر ردود عبد القاهر في كتاب دلائل الإعجاز، هو ردود على مقالة المعتزلة، وعلى عبد الجبار خاصة، فاعرفه، وسأذكر إشارة عبد القاهر إلى ذلك في مواضعه.
3 في هامش "ج" حاشية نصها: "يعني في اللفظ حقيقة، فذلك قوله: في حاقَّ اللفظ".
(1/63)

قيلَ له: لما كانتِ المعاني إنما تَتبيَّنُ بالألفاظِ، وكانَ لا سبيلَ للمرتِّب لها والجامعِ شَمْلَها، إلى أن يُعْلمكَ ما صنَعَ في ترتيبها بفِكْره، إلا بترتيبِ الألفاظِ في نُطْقه، تجوَّزوا فكنُّوا عن ترتيبِ المعاني بترتيبِ الألفاظِ، ثم بالأَلفاظ بحذْفِ "الترتيبِ"، ثم أَتْبَعوا ذلك منَ الوصفِ والنعْت ما أبانَ الغرضَ وكشفَ عن المُراد: كقولهم: "لفظٌ متمكّنٌ"، يُريدون أنه بموافقةِ معناهُ لمعنى ما يليهِ كالشَّيءِ الحاصلِ في مكانٍ صالحٍ يطمئنُّ فيه "ولفظٌ قلِقٌ نابٍ"، يُريدون أنه مِنْ أجْل أنَّ معناهُ غيرُ موافقٍ لِما يَليه، كالحاصل في مكانٍ لا يَصْلُح له، فهو لا يستطيعُ الطمأنينةَ فيه إلى سائرِ ما يجيءُ في صفةِ اللفظِ1، مما يُعْلَم أنه مستعارٌ له مِنْ معناه، وأنهم نَحَلوه إيّاهُ، بسببِ مضمونهِ ومؤدَّاه.
هذا، ومَنْ تَعلَّق بهذا وَشَبهِه واعترضَهُ الشكُّ فيه، بعدَ الذي مضَى منَ الحِجَج، فهو رجلٌ قد أَنِسَ بالتقليدِ، فهو يَدْعو الشبهة إلى نفسه من ههنا وثَمَّ. ومَنْ كان هذا سبيلَه، فليسَ له دواءٌ سِوى السكوتِ عنه، وتَرْكِهِ وما يَختارُه لنفسِه من سُوءِ النظرِ وقِلَّةِ التدبُّرْ.
56 - قد فرَغْنا الآنَ من الكلامِ على جنسِ المزيَّة، وأنها من حيِّز المعاني دونَ الألفاظ، وأنها ليستْ لك حيثُ تَسْمعُ بأُذَنك، بل حيثُ تَنْظرُ بقلِبك، وتَستعينُ بفكرك، وتُعْمل رَوِيَّتَك، وتَراجع عقْلَك، وتَسْتنجِدُ في الجملة فَهْمَك، وبلغَ القولُ في ذلك أقصاهُ، وانتهى إلى مَدَاه. وينبغي أن نأخذَ الآنَ في تفصيل أمرِ المزيَّةِ، وبيانِ الجهاتِ التي منها تَعْرِض. وإنَّه لَمَرامٌ صعْبٌ ومطْلَبٌ عسير2، ولولا أَنه على ذلك، لما وجَدْت الناسَ بين مُنْكِرٍ له من أصله،
__________
1 في المطبوعة: "ما يجيء صفة من صفة اللفظ".
2 في "ج": "مطلبه"، وفي "س": "عسر".
(1/64)

ومتحيل له على غيرِ وَجْههِ1، ومعتقِدٍ أَنه بابٌ لا تقوى عليه العبارة، ولا يملك فيه إلاَّ الإِشارةَ، وأنَّ طريقَ التعليم إليه مسدُودٌ، وبابَ التفهيم دَونَه مغْلقٌ، وأنَّ معانيَك فيه مَعانٍ تَأبى أنْ تَبْرُز مِن الضَّمير، وأنْ تَدِينَ للتبيينِ والتَّصوير2، وأن تُرى سافرةً لا نِقابَ عليها، وبادية لا حِجابَ دونها3، وأن ليسَ للواصِفِ لها إلاَّ أن يُلَوِّح ويُشيرَ، أَوْ يَضربَ مثَلاً يُنْبئُ عن حُسْنٍ قد عرَفَه على الجُملة، وفضيلةٍ قد أَحسَّها، من غيرِ أنْ يُتْبعَ ذلك بَياناً، ويُقيمَ عليه بُرهاناً، ويَذكُرَ له عِلَّةً، ويُورِدَ فيه حَجَّة. وأنا أُنْزِلُ لكَ القولَ في ذلك وأُدرِّجه شيئاً فشيئاً، واستعينُ الله تعالى عليه، وأسأله التوفيق.
__________
1 في المطبوعة: "ومتخيل"، بالخاء المعجمة.
2 في "ج": "التصور".
3 في المطبوعة: "نادية"، وفسرها في التعليق بوجه يستغرب!!
(1/65)

الكناية والاستعارة والتمثيل بالاستعارة:
فصل: في اللفظ يطلق والمراد به غيرُ ظاهره
بيان في الكناية والمجاز والاستعارة:
57 - إِعْلَم أنَّ لهذا الضرْبِ اتساعَا وتفنُّناً لا إلى غايةٍ، إلاَّ أنَّه على اتِّساعه يَدورُ في الأمر الأعم على شيئين: "الكناية" و"المجاز".
58 - والمراد بالكناية ههنا أن يُريد المتكلمُ إثباتَ معنًى من المَعاني، فلا يذكُرُه باللّفظِ الموضوعِ له في اللُّغة، ولكنْ يَجيءُ إلى معنى هو تاليهِ ورِدْفُه في الوجود1، فيومئ به إليهِ، ويجعلهُ دليلاً عليه، مثال ذلك قولُهم: "هو طَويلُ النَّجاد"، يريدونَ طويلَ القامة "وكثيرُ رمادِ القِدْر" يَعْنون كثيرَ القِرى وفي المرأة: "نَؤومُ الضُّحى"، والمرادُ أنها مُتْرفةٌ مخَدْومة، لها مَنْ يَكفيها أمْرَها2، فقد أرادوا في هذا كُله، كما تَرى، معنًى، ثمَّ لم يَذْكُروه بلفظِه الخاصِّ به، ولكنّهُم تَوصَّلوا إِليه بِذِكْر معنًى آخر مِنْ شأنِه أن يَرْدُفَه في الوجود، وأنْ يكونَ إذا كانَ. أَفلا تَرى أنَّ القامةَ إذا طالتْ طالَ النجادُ؟ وإِذا كثُرَ القِرى كثُرَ رَمادُ القِدْر؟ وإِذا كانتِ المرأةُ مُتْرفةً لها مَنْ يَكفيها أَمْرَها، رَدِف ذلك أَنْ تنامَ إلى الضُّحى.
59 - وأمَّا "الَمجاز"، فقد عوَّل الناسُ في حدِّه على حديثِ النَّقْل، وأنَّ كلَّ لفظٍ نُقِلَ عن موضوُعهِ فهو "مَجاز"، والكلامُ في ذلك يطولُ، وقد ذكرت
__________
1 في "س"، وفي نسخة أخرى عند رشيد رضا: "ورادفه"، وهما بمعنى التابع، "ردفه يردفه" تبعه.
2 "أمرها"، أسقطها في "س".
(1/66)

ما هو الصحيحُ من ذلك في موضعٍ آخر، وأنا أقتصر ههنا على ذِكْر ما هو أشهرُ منه وأظهَرُ. والاسم والشهرة فيه لشيئين: "الاستعارة" و "التمثيل". وإِنما يكونُ "التمثيلُ" مَجازاً إذا جاءَ على حَدِّ "الاستعارة".
60 - فالاستعارة: أن تُريدَ تشبيهَ الشيءِ بالشيءِ، فَتَدعَ أنْ تُفْصحَ بالتشبيهِ وتُظْهرَه، وتجيءَ إلى اسمِ المشبَّه بهِ فتعُيِرَه المِشبَّةَ وتُجْرِيَه عليه. تُريدُ أن تَقول: رأيتُ رجلاً هو كالأسدِ في شجاعتهِ وقوةِ بطشِه سَواء"، فتَدَعُ ذلك وتقولُ: "رأيتُ أسداً".
وضَرْبٌ آخرُ من "الاستعارة"، وهو ما كان نحو قوله:
إذْ أَصْبَحتْ بيدِ الشَّمال زِمامُها1
هذا الضربُ، وإِن كان الناسُ يَضمُّونه إِلى الأَوَّل حيث يذكرونَ الاستعارةَ، فليسا سَواءً. وذاكَ أنكَ في الأولِ تجعلُ الشيءَ الشيءَ ليس به، وفي الثاني للشّيءِ الشيءَ ليس له.
تفسيرُ هذا: أنك إذا قلتَ: "رأيتُ أسداً"، فقد ادَّعيت في إنسانٍ أنه أسدٌ، وجعْلته إياه، ولا يكون الإِنسان أَسَداً. وإذا قلت: "إذا أصبحَتْ بيدِ الشَّمال زمامُها"، فقد ادَّعيْتَ أن لِلشَّمال يداً، ومَعْلومٌ أنه لا يكونُ للريحِ يد.
__________
1 للبيد بن ربيعة، من معلقته، وصدره:
وغداة ريح قد كشفت وقرة
(1/67)

أصول في التشبيه والتمثيل:
61 - وههنا أصلٌ يجبُ ضبطُه وهو أنَّ جعْلَ المشبهِ المشبهَ به على ضرِبين:
أَحدُهما: أنْ تُنْزِلَه مَنزلةَ الشيءِ تَذكُرُه بأَمرٍ قد ثبتَ له، فأنتَ لا تحتاجُ إلى أَنْ تَعْمل في إثباتهِ وتَزْجِيَتَهِ1، وذلك حيثُ تُسْقِط ذكرَ المشبَّه من البين2، ولا تَذْكُرُه بوجهٍ منَ الوُجوهِ، كقولك "رأيتُ أسداً".
والثاني: أن تَجعلَ ذلكَ كالأمرِ الذي يَحتاجُ إلى أن تَعْمل في إثباتِه وتَزجيتهِ، وذلك حيث تجري اسم المشبه به خبرًا على المشبَّه3، فتقولُ: "زيدٌ أسَدٌ، وزيدٌ هو الأسدُ" أو تجيءُ بِه على وجهٍ يَرجعُ إلى هذا كقولك: "إنْ لقيتَه لقيتَ به أسداً، وإنْ لقيتَه لَيَلْقيَنَّكَ منهُ الأسدُ" فأنتَ من هذا كلِّه تَعملُ في إثبات كونهِ "أَسداً" أو "الأسدُ"، فأنتَ في هذا كلِّه تَعملُ في إثبات كونهِ "أَسداً" أو "الأَسَدَ"، وتَضعُ كلامَك له. وأمَّا في الأول فتُخرِجُه مَخرجَ ما لا يَحْتاجُ فيه إلى إثبات وتقرير. والقياسُ يقتضي أنْ يُقال في هذا الضربِ أَعْني ما أنتَ تَعْملُ في إِثباتِه وتَزْجِيتهِ: أنَّه تَشبيهٌ على حدَّ المُبالغة، ويقتصرُ على هذا القدرِ4، ولا يُسمَّى "استعارة".
62 - وأمَّا "التّمثيلُ" الذي يكونُ مجازاً لمجيئك بهِ على حَدِّ الاستعارة، فمِثالُه قولُك للرَّجل يَتردَّدُ في الشّيءِ بين فعله وتركه: "أراك تقدم رجلًا وتؤخر
__________
1 "التزجية" أصلها الدفع والسوق الرقيق، وأراد به هنا أن يترفق ويتلطف به كتى يلائم مكانه في المعنى.
2 في المخطوطات: "من البين"، وفي المطبوعة: "من الشيئين"، هوه لا خير فيه، ويعني:
من بين الكلام، ويكثر عبد القاهر من استعمال "البين" بهذا المعنى. وانظر ما سيأتي في الفقرة رقم: 70.
3 "خبرًا" في المخطوطات، وفي المطبوعة: "صراحة".
4 في "س": "على هذا الحد".
(1/68)

أُخرى" فالأصْل في هذا: أَراكَ في تَردُّدِك كَمَنْ يُقَدِّمُ رجْلاً ويؤخِّر أُخرى، ثم اخْتُصِرَ الكلامُ، وجُعِل كأنه يُقدِّم الرِّجْلَ ويُؤخِّرها على الحقيقة، كما كان الأصْلُ في قولك: "رأيتُ أَسَداً" رأَيتُ رجلاً كالأسد، ثم جُعِل كأنه الأَسَدُ على الحقيقة.
وكذلك تقولُ للرجل يَعْمَل في غيرَ مَعْمَل1: "أَراك تَنفُخُ في غير فحمٍ، وتَخُطُّ على الماء"، فَتجْعلُه في ظاهرِ الأمرِ كأنه ينفخ ويخط، والمعنى على ذلك أنك في فِعْلِك كمنْ يَفْعل ذلك، وتقولُ للرَّجلِ يُعمِلُ الحيلةَ حتى يُميلَ صاحبَه إلى الشَّيءِ قد كان يأباهُ ويَمْتنعُ منه: "ما زال يَفْتِل في الذِّروة والغارِب حتى بَلغَ منهُ ما أَراد"، فتَجْعلُه بظاهرِ اللّفظِ كأنه كان منهُ فَتْلٌ في ذِرْوَةٍ وغاربٍ، والمعنى على أنَّهُ لم يَزَلْ يَرْفِقُ بصاحبهِ رِفْقاً يُشبهُ حالُه فيه حالَ الرجل يَجيء إلى البعيرِ الصَّعْب فيَحكُّه ويفتلُ الشَّعرَ في ذروتِه وغاربِه، حتى يَسْكنَ ويَسْتأنسَ، وهو في المعنى نَظيرُ قولهم "فلان يقرد فلاناً" يعنى به أن يتطلف له فعلَ الرجلِ يَنْزَعُ القُرادَ منَ البعيرِ ليلذَّهُ ذلك، فيَسْكُن ويَثْبتُ في مكانه حتى يتمكَّن من أَخْذه، وهكذا كل كلامٍ رأيتَهم قد نحوا فيه نحو التّمثيلَ2، ثم لم يُفْصحوا بذلك، وأَخرجوا اللَّفظَ مخرَجَه إذا لم يريدوا تمثيلًا.
__________
1 في "ج" والمطبوعة، بإسقاط "في"، والمعنى: من غير فائدة ولا جدوى.
2 في المطبوعة: "نحوا فيه التمثيل" وفي "س": "به نحو التمثيل".
(1/69)

ترجيح الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة:
فصل في الكناية والاستعارة والتمثيل:
63 - قد أَجمعَ الجميعُ على أن "الكنايةَ" أَبْلَغُ منَ الإفصاحِ، والتعريضَ أَوْقَعُ من التَّصريح، وأنَّ للاستعارةِ مزيةً وفَضلاً، وأنَّ المجازَ أَبداً أبلَغُ منَ الحقيقة، إلا أَنَّ ذلك، وإِن كان معلوم ًا على الجُملة، فإِنّه لا تَطمئنُّ نفْسُ العاقلِ في كُلَّ ما يُطْلَبُ العلمُ بِه حتى يَبْلُغَ فيه غايتَه، وحتى يُغْلِغِلَ الفكْرَ إلى زواياهُ، وحتى لا يَبْقى عليه مَوضعُ شبهةٍ ومكان مسئلة. فنحن وإنْ كنَّا نَعْلم أَنك إذا قلْتَ: "هو طويلُ النِّجاد، وهو جَمُّ الرماد"، كان أَبْهى لِمَعْناك، وأَنْبلَ مِن أَن تَدَعَ الكنايةَ وتُصرِّح بالذي تُريدُ. وكَذا إذا قلتَ: "رأيتُ أسداً"، كان لِكلامِكَ مزيةٌ لا تكونُ إذا قلتَ: رأيتُ رجلاً هو والأسدُ سواءٌ، في معنى الشجاعةِ وفي قوةِ القلب وشدةِ البطش وأشباهِ ذلك. وإِذا قلتَ: "بَلَغني أنك تُقَدِّمُ رِجْلاً وتُؤخِّر أخرى"، كان أَوْقَعَ من صَريحه الذي هو قولُك: بَلغني أنك تَتردَّد في أَمرك، وأنك في ذلك كمَن يقولُ: أَخرجُ ولا أخرج، فتقدم رجلًا وتؤخر أُخرى1 ونَقْطعُ على ذلك حتى لا يُخالجُنا شكٌّ فيه2 فإنَّما تَسْكُنُ أَنفُسُنا تمامَ السكونِ، إذا عرَفْنا السببَ في ذلك والعلَّةَ، ولِمَ كان كذلك، وهيأْنا له عبارةً تُفْهمُ عنا مَن نُريد إفهامَه. وهذا هو قولٌ في ذلك3:
__________
1 السياق: "فنحن وإنْ كنَّا نَعْلم أَنك إذا قلْتَ .... كان أوقع من صريحه .... ونقطع على ذلك".
2 جواب الشرط، والسياق: "فنحن وإن كنا نعلم .... فإنما نسكن أنفنسا".
3 في المطبوعة وحدها: ", هذا هو القول ... ".
(1/70)

64 - إعْلَمْ أنَّ سبيلك أَولاً أَنْ تَعْلَم أنْ ليستِ المزيةُ التي تُثْبتها لهذه الأجناس عَلَى الكلام المتروكِ على ظاهرِه، والمبالغةُ التي تدَّعى لها1 في أنفسِ المعاني التي يَقْصِدُ المتكلمُ إليها بخَبَره، ولكنها في طريق إثباتهِ لها وتقريرِه إياها.
تفسيرُ هذا: أنْ ليس المعنى إذا قلنا: "إن الكنايَة أبْلغُ منَ التَّصريح"، أَنك لمَّا كنَّيْتَ عن المعنى زدْتَ في ذاته، بل المعنى أَنك زِدْتَ في إثباتهِ، فجَعلْتَه أبلغَ وآكَدَ وأَشَدَّ. فليستِ المزيةُ في قولهم: "جَمُّ الرماد"، أنّهُ دلَّ على قِرًى أكثرَ، بل المعنى إنك أَثبتَ له القِرى الكثيرَ من وجهٍ هو أَبلغُ، وأوجَبْتَه إيجاباً هو أَشدُّ، وادَّعيْتَه دَعْوى أنتَ بها أَنْطَقُ، وبِصِحَّتها أَوْثَقُ.
وكذلك ليستِ المزيةُ التي تَراها لقولك: "رأيتُ أسداً" على قولك: رأيتُ رجلاً لا يتميزُ عن الأَسد في شجاعته وجُرأته أنك قد أَفدْتَ بالأول زيادة في مساواته الأسد، بل أن أَفَدْتَ تأكيداً وتشديداً وقوةً في إثباتك له هذه المساواةَ، وفي تقريرِكَ لها2. فليس تأثيرُ الاستعارةِ إذن في ذاتِ المعنى وحَقيقَتِه، بل في إيجابهِ والحُكْم به.
65 - وهكذا قياسُ "التمثيل"، تَرى المزيةَ أبداً في ذلك تَقعُ في طريقِ إثباتِ المعنى دون المعنى نَفْسِه. فإِذا سمعْتَهُم يقولون: إنَّ مِنْ شأنِ هذه الأجناسِ أنْ تُكسِبَ المعاني نبلًا وفضل ًا، وتُوجِبَ لها شَرَفاً، وأن تُفخِّمها في نفوسِ السامعين، وتَرْفَع أَقْدارَها عند المخاطَبِين، فإِنّهم لا يُريدون الشَّجاعةَ والقِرى وأشباهَ ذلك مِنْ مَعاني الكَلِم المُفْردةِ، وإنما يَعْنون إثباتَ معاني هذه الكلم لمن ثبت له ويخبر بها عنه.
__________
1 السياق: "أن تعلم أن ليست المزية ... في أنفس المعاني.
2 في المطبوعة: "بل أنك أفدت ... ".
(1/71)

66 - هذا ما ينبغي للعاقلِ أن يَجْعلَه على ذكر منه أبدًا، وأن يعلم أنه ليسَ لنا إذا نحنُ تَكلِّمْنَا في البلاغةِ والفصاحةِ1 معَ معاني الكلِم المفردةِ شغلٌ، ولا هيَ منَّا بسبيل، وإِنَّما نَعْمَد إلى الأحكام التي تَحْدُثُ بالتأليف والتركيب. وإذْ قد عرَفْتَ مكانَ هذه المزيةِ والمبالغةَ التي لا تزالُ تَسْمع بها، وأَنها في الإثباتِ دونَ المُثْبَتِ، فإنَّ لها في كلَّ واحدٍ من هذه الأجناس سَبباً وعلَّة.
أما "الكنايةُ"، فإنَّ السببَ في أنْ كانَ للإثباتِ بها مزيةٌ لا تكونُ للتَّصريح2، أنَّ كلَّ عاقلٍ يَعْلمُ إذا رجعَ إلى نفسهِ، أَنَّ إثباتَ الصفةِ بإثباتِ دَليلِها، وإِيجابَها بما هُو شاهِدٌ في وجودِها، آكدُ وأبلغُ في الدعوى من أن تجيء إليها فثبتها هكذا ساذَجاً غُفْلاً. وذلك أنَّكَ لا تدَّعي شاهدَ الصفةِ ودليلهَا إلاَّ والأَمرُ ظاهرٌ معروفٌ، وبحيثُ لا يُشَكُّ فيه، ولاَ يُظَنُّ بالمُخْبر التجوُّزُ والغَلَطُ.
وأما "الاستعارةُ"، فسبَبُ ما تَرى لها من المزيّةِ والفخامةِ3، أَنَّك إذا قُلْتَ: "رأيتُ أسداً"، كنتَ قد تلطَّفْتَ لما أَردْتَ إثباتَه له من فَرْط الشَّجاعةِ، حتى جعلْتَها كالشَّيءِ الذي يَجبُ له الثبوتُ والحصولُ، وكالأمرُ الذي نُصِبَ له دليلٌ يَقطع بوجودهِ. وذلك أَنه إذا كان أَسداً، فواجبٌ أن تكونَ له تلك الشجاعةُ العظيمةُ، وكالمُستحيلِ أو الممتنعِ أنْ يَعْرى عنها. وإِذا صرَّحتَ بالتَّشبيه فقلتَ: "رأيتُ رجلاً كالأسد"، كنتَ قد أَثبتَّها إثباتَ.
__________
1 السياق: " .... أن ليس لنا ... مع معاني الكلم ... ".
2 في "ج" أسقط: "فأن السبب في" وكتب: "وإن كان للإثبات".
3 في "ج": "فبسبب".
(1/72)

الشيءِ يترجَّحُ بين أن يكونَ وبين أن لا يكونَ، ولم يكنْ مِنْ حديثِ الوجوبِ في شيء.
وحكْمُ "التمثيلِ"، حكْمُ "الاستعارةِ" سواءٌ، فإنَّك إذا قلتَ: "أَراكَ تُقدِّم رِجْلاً وتؤخَّر أخرى"، فأَوجَبْتَ له الصورةَ التي يُقْطَعُ معها بالتحيُّر والتردُّدِ1، كان أبلغَ لا محالةَ من أنْ تجريَ على الظاهر. فتقولُ: قد جَعْلتَ تتردَّدُ في أمرِك، فأنتَ كمَنْ يقولُ: أَخْرجُ ولا أخرج، فيقدم رجلًا ويؤخر أخرى.
__________
1 في "س": "يقع معها التحير".
(1/73)

تفاوت الكناية والاستعارة والتمثيل:
فصل: الاستعارة وبدائعها
67 - إِعْلم أنَّ مِنْ شأنِ هذه الأجناسِ أنْ تجرى يه الفضيلةُ، وأن تَتفاوَتَ التفاوتَ الشديدَ، أفَلا تَرى أنك تجدُ في الاستعارةِ العاميَّ المبتذَلَ1، كقولنا: "رأيتُ أسداً، ووردتُ بحراً، ولقيتُ بَدراً" والخاصيُّ النادرُ الذي لا تَجِدُه إلاَّ في كلامِ الفُحول، ولا يَقْوى عليه إِلا افرادُ الرَّجال، كقوله:
وسالتْ بأَعناقِ المَطِيِّ الأَباطِحُ2
أراد أنها سارتْ سيرًا حثيثًا في غابة السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة، حتى كأنها كانت سُيُولاً وقعَتْ في تِلك الأباطحِ فجرتْ بها3.
68 - ومثلُ هذه الاستعارةِ في الحُسْن واللطفِ وعُلوِّ الطبقةِ في هذهِ اللفظة بعينها قولُ الآخر:
سالتْ عليهِ شِعابُ الحيِّ حينَ دَعا ... أَنْصَارَهُ، بوجُوهٍ كالدنانيرِ4
__________
1 في المطبوعة: "أفلا ترى في الاستعارة".
2 صدر البيت:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وسيأتي الشعر بتمامه فيما بعد، وانظر ما سيأتي رقم: 70.
3 "حتى كأنها"، "حتى" زيادة من "س" وحدها.
4 هو لسبيع بن الخطيم التيمي، بقوله لزيد الفوارس الضبى، في أبيات، وينسب أيضًا لمحرز ابن المكععبر، ولدجاجة بن عبد قيس التيمي، وهو في الاختبارين، وفي الوحشيات رقم: 451، والمؤتلف والمختلف للآمدي: 112، وسيأتي برقم: 89، وفي هامش "ج": "أصحابه"، يعني مكان "أنصاره".
(1/74)

أرادَ أنه مُطاعٌ في الحيِّ، وأنهم يُسْرعون إِلى نُصْرته، وأنه لا يَدْعوهم لِحَرْبٍ أو نازلِ خَطْب، إِلا أَتَوْه وكَثرُوا عليه، وازْدَحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول تجيء من ههنا وههنا، وتنْصبُّ من هذا المسيلِ وذلك1، حتى يَغَصَّ بها الوادي ويطفَحَ منها.
69 - ومن بديعِ الاستعارةِ ونادرِها، إِلا أن جهةَ الغرابةِ فيهِ غيرُ جهتِها في هذا، قولُ يزيدَ بنِ مَسلمة بنِ عبدِ الملكِ يصفُ فَرساً له، وأَنَّه مُؤدَّبٌ، وأنه إِذا نزَلَ عنه وألقَى عِنانَه في قَرَبوس سَرْجه، وقفَ مكانَه إِلى أن يعودَ إليه:
عوَّدْتُهُ فيما أَزورُ حَبَائبي ... إهمالَه، وكذاكَ كلَّ مَخاطِر
وإِذا احْتَبى قَرَبوسُهُ بعِنانِهِ ... عَلَك الشَّكيمَ إلى انصراف الزائر2
فالغرابة ههنا في الشَّبَه نَفْسِه، وفي أَنْ اسْتَدركَ أَنَّ هيئةَ العِنان في موقعهِ من قَربوس السِّرِج، كالهيئةِ في موضعِ الثَّوب مِنْ رُكْبة المُحْتبي.
70 - وليسِت الغَرابةُ في قوله:
وسالتْ بأعناقِ المطيَّ الأباطحُ3
على هذه الجملةِ4، وذلك أنه لم يُغْرِبْ لأنْ جَعَلَ المطيَّ في سُرعةِ
__________
1 في المطبوعة: أسقط "المسيل" وهي في المخطوطتين.
2 نسبة ليزيد بن مسلمة، وفي حاشية على الكامل للمبرد (1: 351" أنه "لمحمد بن يزيد، من ولد مسلمة بن عبد الملك". و "القربوس" وهو حنو سرج الفرس. و "الشكيم" في لجام الفرس، هو الحديدة المعترضة في فم الفرس.
3 انظر الفقرة السالفة رقم: 67.
4 يكثر عبد القاهر من استعمال "على هذه الجملة"، ويعني بها الوجه والمعنى والنمط.
(1/75)

سيرِها وسهولتهِ كالماءِ يجري في الأَبْطُحِ، فإنَّ هذا شَبَهٌ معروفٌ ظاهر، ولكنَّ الدِّقةَ واللطفَ في خصوصيةٍ أفادَها1، بأنْ جعَلَ "سال" فعلاً للأباطحِ، ثم عدَّاه بالباءِ، ثم بأَن أدخلَ الأعناقَ في البين2، فقال: "بأعناقِ المطيِّ"، ولم يَقُلْ: "بالمطيِّ"، ولو قالَ: "سالتِ المطيُّ في الأَباطح"، لم يَكُنْ شيئاً.
وكذلك الغرابةُ في البيتِ الآخر، ليسَ في مُطْلق معنى "سال"، ولكنْ في تَعْديته بعلى والباء، وبأنْ جعَلَه فِعْلاً لقولِه "شعابُ الحَيِّ" ولولا هذه الأمورُ كلُّها لم يكنْ هذا الحُسْنُ. وهذا مَوضعٌ يَدِقُّ الكلامُ فيه.
71 - وهذِه أشياءُ من هذا الفن:
اليومُ يومانِ مُذْ غَيِّبْتَ عن بَصَري ... نفْسي فداؤك، ماذنبي فأَعْتَذِرُ
أُمسي وأُصِبحُ لا ألقاكَ، وَاحَزَنَاً ... لقدْ تأَنَّق في مكرُوهِيَ القَدَر3
سَوَّارُ بن المضَرَّب، وهو لطيف جدًا:
بِعَرْض تَنُوفةٍ للريحِ فيها ... نَسيمٌ لا يرُوعُ الترب وإن4
بعض الأعراب:
ولرب خصم جاهدين ذوي شذا ... تقذى صدورهم بهتر هاتر
__________
1 في "س" وأشار إليها رشيد رضا في نسخة: "الرقة" يدل على "الدقة".
2 في المطبوعة: "في البيت"، وأشار إلى نسخة فيها "البين"، أيضًا، وقد سلف بيان مثلها في الفقرة: 61.
3 في هامش "ج" حاشية لم أحسن قراءتها.
4 من قصيدة له من الأصمعيات رقم: 91، وروايته: "بكل تنزفة ... خفيف لا يروع".
(1/76)

لُدِّ ظأَرْتُهُم على ما ساءَهُمْ ... وَخسَأْتُ باطِلَهم بحق ظاهر1
المقصود لفظ: "خسأت"2.
ابن المعتز:
حتى إِذا ما عَرَف الصَّيْدَ الضّارْ ... وأَذِن الصُّبْحُ لَنا في الإبصارْ3
المعنى: حتى إِذا تَهيَّأ لنا أن نُبصر شيئاً لمَّا كانَ تعذُّرُ الإبصارِ مَنْعاً مِنَ الليل، جَعَل إمكانَهُ عند ظُهور الصبُّحِ إذْناً من الصبُّح.
وله:
بخيلٌ قدُ بُليتُ بهِ ... يَكُدُّ الوعدَ بالحُجَجِ4
وله:
يُناجِينيَ الإِخلافُ من تحتِ مَطْلِهِ ... فَتَخْتَصِمُ الآمالُ واليأس في صدري5
__________
1 الشعر لثعلبة بن صغير المازني، في المفضليات رقم: 24. وكان في المطبوعة والمخطوطتين "نقذى عيونهم"، وهو سهو يفسد الشعر، فرددته إلى صوابه، و "الشاذا"، حدة الأذى. و "الهتر الهاتر" الكلام القبيح. و "تقدى"، تقذف القذى. و "لد" شديدي الخصومة جمع "ألد". و "ظأرتهم"، عطفتهم، كما نظار الناقة على فصيلها. و "خسأت"، دفعت وامطت.
2 هذا السطر غير موجود في المطبوعة.
3 ديوان ابن المعتز "استنابول" 4: 21. و "الضار" يعني "الضارى"، وهو الكلب، وفي المطبوعة: أنصار"، وشرحها بما لا غناء فيه.
4 ليس في المطبوع من شعره.
5 ليس في المطبوع من شعره.
(1/77)

ومما هو في غايةِ الحُسن، وهو من الفَنَّ الأوّلِ، قولُ الشاعر أنشده الجاحظ1:
لَقد كنتَ في قومٍ عليكَ أشحَّةٍ ... بنَفْسِكَ إِلاّ أنَّ ما طاحَ طائحُ
يَوَدُّونَ لو خاطُوا عليكَ جلودَهُمْ ... ولا تَدفعُ الموتَ النفوسُ الشحائحُ
قال: وإِليه ذهبَ بشارٌ في قوله:
وصاحبِ كالدُّمَّلِ الْمُمِدِّ ... حملْتُهُ في رُقعةٍ من جلدي2
72 - ومن سرِّ هذا البابِ، أنك تَرى اللفظَة المستعارةَ قد استُعيرتْ في عدَّةِ مواضعَ، ثم تَرى لها في بعضِ ذلك مَلاحةً لا تَجِدُها في الباقي. مثالُ ذلك أنك تَنْظر إلى لفظةِ "الجِسر" في قولِ أبي تمام:
لا يَطْمعُ المرءُ أن يجْتابَ لُجَّتَهُ ... بالقولِ ما لمْ يَكُنْ جِسْراً له العَمَلُ3
وقوله:
بَصْرْتَ بالرَّاحةِ العُظمى فلَمْ تَرَها ... تُنَال إِلاّ عَلَى جسرٍ منَ التعَبِ4
فتَرى لها في الثاني حُسْناً لا تَراه في الأَول، ثم تنظر إليها في قول ربيعة الرقى:
__________
1 في البيان والتبيين 1: 50، وقال: "ذهب إلى قول الأغر الشاعر"، وأنشد البيتين، وشعره هذا نقله أيضًا السهيلي في الروض الأنف 1: 175.
2 في البيان 1: 50، وفي ديوان بشار المطبوع.
3 في ديوانه، وروايته: "أن يجتاب غمرته"، ويروى: "ويختاز غمرته"، و "اجتباب الأرض وجابها"، قطعها واختراقها ونفذ منها.
4 في ديوانه، وروايته "بالراحة الكبرى"، وهي كذلك في "س".
(1/78)

قُولي نَعمْ ونَعمْ إِنْ قُلتِ واجبةٌ ... قالتْ عَسى وعسى جِسْرٌ إِلى نَعَمِ1
فتَرى لها لُطْفاً وخَلابةً وحُسْناً ليس الفَضْلُ فيه بقليل2.
73 - ومما هو أَصْلٌ في شرَف الاستعارة، أنْ تَرى الشاعرَ قد نجمع بين عدةِ استعاراتٍ، قَصْداً إِلى أَنْ يُلحقَ الشكلَ بالشَّكْلِ، وأن يُتِمَّ المعنى والشَّبهَ فيما يريد، مثاله قول امرئ القيس:
فقلتُ لهُ لما تَمطَّى بصُلْبه ... وأَرْدَف أَعجازاً وناءَ بكَلْكَلِ3
لمَّا جعلَ لِلَّيل صُلْباً قد تمطَّى به، ثَنَّى ذلك فجعَلَ لَهُ أَعجازاً قد أردفَ بها الصُّلْبَ، وثلََّثَ فجعَل له كَلْكَلاً قد ناءَ به، فاسْتَوفى له جملةُ أركانِ الشَّخصِ، وراعَى ما يرَاه الناظرُ من سَواده، إِذا نظرَ قُدَّامه، وإِذا نَظَر إِلى خَلْفِه، وإذا رفَعَ البصرَ ومدَّه في عُرْض الجو.
__________
1 في شعر ربيعة الرقى "مجموع": 92، نقلًا عن طبقات ابن المعتز: 166 - 169، وهو فيها: قولي: نعم، إنها إن قلت نافعة، ليست عسى، وعسى صبر إلى نعم
وهو كلام فاسد لا معنى له، والصواب ما ههنا. وفي هامش المخطوطة أمام هذا البيت: "ومثله قوله أبي العتاهية:
أتيتم غداة النـ .... ... لجمته جسر
الكلام منقطع، ولم أقف على شيء من ذلك في شعر أبي العتاهية
2 "الجلابة"، أن تخلب المرأة قلب الرجل بألطف القول وأخلبه، فتأخذه وتسلبه وتذهب به، وهو هنا مجاز.
3 من معلقته الغالية.
(1/79)

القول في نظم الكلام ومكان النحو منه:
[القول في "النظم" وبتفسيره] 1:
تفسير "النظم" وأسراره ودقائقه:
74 - واعلم أن ههنا: أسراراً ودقائقَ، لا يُمكن بَيانُها إلاَّ بَعْد أن تقدم جملةً منَ القول في "النَّظم" وفي تفسيرهِ والمُراد منه2، وأيِّ شيءٍ هو؟ وما محصولُه ومحصولُ الفضيلةِ فيه؟ فينبغي لنا أن نأْخُذَ من ذِكْرِه، وبَيان أَمره، وبيانِ المزيَّةِ التي تُدَّعى له مِنْ أينَ تَأْتيه؟ وكيفَ تَعْرِضُ فيه؟ وما أَسبابُ ذلك وعِلَلُه؟ وما المُوجِبُ له؟.
وقد عَلمْتَ إطباقَ العُلماءِ على تعظيمِ شأنِ "النظم" وتخيم قَدْره، والتنويهِ بذكرهِ، وإجماعَهم أنْ لا فضْلَ معَ عَدَمِه، ولا قَدْر لكلامٍ إِذا هو لم يَستقمْ لَهُ، ولو بلغَ في غَرابةِ معناهُ ما بَلغَ3 وبَتَّهُمُ الحُكْمَ بأنه الذي لا تَمامَ دونَه، ولا قِوام إلاَّ بهِ، وأَنه القطُبُ الذي عليه المَدارُ، والعَمودُ الذي به الاستقلال. وما كانَ بهذا المحلَّ من الشَرَفِ، وفي هذِه المنزلةِ من الفضلِ، وموضوعاً هذا المَوْضعَ منَ المزية، وبالغاً هذا المبلغَ منَ الفضيلةِ كان حَرىّ بأن توقَظَ له الهِمَمُ، وتُوكَلَ به النفوسُ، وتُحرَّكَ له الأفكارُ، وتُستخدَمَ فيه الخواطرُ4 وكان العاقَلُ جَديراً أَن لا يَرْضى من نَفْسه بأن يَجد فيهِ سبيلاً إِلى مزيَّة عِلْم، وفَضْلِ استبانةٍ، وتلخيصٍ حُجَّةٍ5، وتحرير دليل، ثم يعرض
__________
1 هذا عنوان زدته، لأنه عليه مدار هذا الكتاب.
2 في المطبوعة وجدها: "أن تعد جملة".
3 "وبتهم الحكم"، معطوف على: "إطباق العلماء"، و "بت الحكم"، قطعه.
4 "وكان العاقل"، معطوف عليه قوله: "كان حرى".
5 "تلخيص الحجة"، شرحها وتفسيرها وبيانها، وانظر مثله في الفقرة رقم: 26.
(1/80)

عن ذلك صَفْحاً، ويَطْوي دونهُ كَشْحاً1 وأن يَرْبأ بنفسِه، وتَدْخلَ عليه الأَنفَةُ من أن يكونَ في سبيلِ المُقلِّدِ الذي لا يَبُتُّ حكْماً2، ولا يَقْتُل الشيءَ عِلْماً، ولا يجدُ ما يُبْرئُ من الشُّبهة3، ويَشفي غليلَ الشاكِّ، وهو يَستطيعُ أن يَرْتفعَ عن هذه المنزلةِ، ويُباينَ مَن هو بهذِه الصَّفة، فإنَ ذلك دليلُ ضَعْفِ الرأي وقِصرِ الهمّةِ ممَّن يختارُه ويعملُ عليه.
"النظم" هو توخي معاني النحو، وبيان ذلك:
75 - إعلم أنْ ليسَ "النظمُ" إِلا أن تضعَ كلامكَ الوضعَ الذي يَقتضيهِ "علمُ النحو"، وتعملَ على قوانينهِ وأُصولِه، وتعرفَ مناهجَه التي نُهِجتْ فلا تزيغَ عنها، وتحفَظُ الرُّسومَ التي رُسمتْ لك4، فلا تُخِلَّ بشيءٍ منها.
وذلك أنَّا لا نَعلم شيئاً يبتغيهِ الناظمُ بنَظْمه غيرَ أنَ ينظرَ في وُجوهِ كلَّ بابٍ وفُروقهِ، فينظرَ في "الخبرِ" إِلى الوجوهِ التي تَراها في قولك: "زيدٌ منطلقٌ" و "زيدٌ يَنطلِقُ"، و "ينطلِقُ زيدٌ" و "منطلِقٌ زيدٌ"، و "زيدٌ المُنطلِقُ" و "المنطلِقُ زيدٌ" و "زيدٌ هوَ المنطلقُ"، وزيدٌ هو منطلِقٌ".
وفي "الشرطِ والجزاء" إِلى الوجوه التي تَراها في قولك: "إنْ تَخْرُجْ أَخرجْ" و "إنْ خرجْتَ خرجْتُ" و "إن تخرجْ فأنا خارجٌ" و "أنا خارجٌ إن خرجتَ" و "أنا إنْ خرجْتَ خارجٌ".
__________
1 وأن يربأ بنفسه"، معطوف على قوله: "أن لا يرضى من نفسه".
2 في "س": "يثبت حكمًا".
3 في "س": "من الشبه".
4 في المطبوعة: "الذي رسمته".
(1/81)

وفي "الحالِ" إِلى الوجوهِ التي تَراها في قولك: "جاءني زيد مسرعًا"، وجاءني يسرع"، و "جاءني وهو مسرع أو وهو يُسرع" و "جاءني قد أَسرَع" و "جاءني وقد أَسْرعَ".
فيَعرفُ لكلِّ من ذلك موضِعَه، ويجيءُ به حيثُ ينبغي له.
وينظرَ1 في "الحروف" التي تَشْتركُ في معنىً، ثم يَنفردُ كلُّ واحدٍ منها بخصوصيةٍ في ذلك المعنى، فيضع كلًا من ذلك ي خاصِّ معناهُ، نحْوَ أن يجيءَ بـ "ما" في نفي الحال، بـ "لا" إذا أراد نفي الاستقبال , بـ "إنْ" فيما يترجَّحُ بينَ أن يكونَ وأنْ لا يكون، وبـ "إِذا" فيما عُلمَ أنه كائنٌ.
وينظرَ في "الجملِ" التي تُسْرَدُ، فيعرفَ موْضعَ الفصلِ فيها مِن موضعِ الوَصْل، ثم يعرفَ فيما حقُّه الوصْلُ موضعَ "الواو" من موْضعِ "الفاء"، وموضعَ "الفاء" ومن موضعِ "ثُمَّ"، وموضعَ "أو" من موضعِ "أم"، وموضَعَ "لكنْ" من موضعِ "بل".
ويتصرَّفَ في التّعريفِ، والتَّنكيرِ، والتّقديمِ والتأخير، في الكلام كلِّه2، وفي الحذف، والتكرار والإضمار، والإظهار، فيصيب بكل من ذلك مكانَه3، ويستعملَه على الصِّحة وعَلَى ما ينبغي له.
76 - هذا هو السَّبيل، فلستَ بواجدٍ شيئاً يَرجِعُ صوابهُ إِنْ كان صواباً وخَطؤهُ إِن كانَ خطأ، إِلى "النَّظْم"، ويَدخلُ تحت هذا الاسم، إلا وهو
__________
1 "وينظر" معطوف على قوله في أول الفقرة: " .... أن ينظر في وجوه كل باب"، وكذلك ما سيأتي بعده.
2 في نسخة عنه رشيد رضا: وينظر: بدل "يتصرف".
3 في المطبوعة: "فيضع كلًا مكـ"، وعند رشيد رضا في نسخ، كما في المخطوطتين.
(1/82)

معنىً من معاني النحوِ قد أُصيب به موضِعُه، وَوُضِعَ في حقه أو عُومِلَ بخلافِ هذه المعاملة، فأزيلَ عن موضعهِ، واستُعمِل في غيرِ ما ينبغي له، فلا ترى كلاماً قد وُصف بصحّةِ نظمٍ أو فسادِه، أو وُصف بمزيةٍ وفضلٍ فيه، إلاَّ وأنت تجدُ مرجعَ تلك الصحَّةِ وذلك الفسادِ وتلكَ المزيةِ وذلك الفضلِ، إِلى معاني النَّحو وأَحكامه، ووَجْدتَه يَدْخل في أصلٍ من أصولهِ، ويتَّصلُ ببابٍ من أبوابه.
شواهد على فساد "النظم":
77 - هذه جملةٌ لا تَزْدادُ فيها نظَراً، إِلا ازدَدْتُ لها تَصوُّراً، وازدادتْ عندكَ صحَّةً، وازدَدْتَ بها ثقةً. وليس من أَحدٍ تُحرِّكُه لأَنْ يقولَ في أمرِ "النظمِ" شيئاً، إِلا وجدْتَهُ قد اعترفَ لكَ بها أو ببعضِها، ووافقَ فيها دَرى ذَلك أو لم يَدْرَ. ويكفيكَ أَنهم قد كشَفوا عن وَجْه ما أَردناه حيثُ ذكَروا فسادَ "النظمِ"، فليسَ من أَحدٍ يُخالِفُ في نحو قولِ الفرزدق:
وما مثلُه في الناسِ إِلا مُملَّكاً ... أبُو أمه حي أبوه يقاربه1
وقول المتبني:
ولذا اسْمُ أغطيةِ العُيونِ جفونُها ... منْ أنها عَمَلَ السيُّوفِ عَوامِلُ2
وقوله:
الطيبُ أنتَ إِذا أصابَكَ طِيبُه، ... والماءَ أنتَ إِذا اغْتَسلتَ الغاسِلُ
وقوله:
وفَاؤكُما كالرَّبعِ أَشْجَاهُ طاسِمُهْ ... بأن تُسعِدا، والدمعُ أشفاه ساجمه
__________
1 في دويانه.
2 الشعر الآتي كله في ديوانه.
(1/83)

وقوله أبي تمام:
ثانيهِ في كبدِ السماءِ، ولم يكُنْ ... كاثْنَيْنِ ثان إذا هما في الغار1
وقوله:
يَدي لِمَنْ شَاءَ رَهْنٌ لم يَذُقُ جُرَعاً ... مِنْ راحَتيْكَ دَرى ما الصَّابُ والعَسَلُ
2 وفي نظائِر ذلكَ ممَّا وَصفوه بفَساد النظْم، وعابوُه من جهةِ سوءِ التأليف، أَنَّ الفسادَ والخللَ كانا من أن تعاطى الشعر ما تَعاطاهُ من هذا الشأنِ على غيرِ الصَّواب، وصنَعَ في تقديم أو تأخيرٍ، أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يَصْنعَه، وما لا يَسوغُ ولا يصحُّ على أُصولِ هذا العلم. وإِذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله، وأن لا يُعملَ بقوانينِ هذا الشأنِ، ثبَتَ أنَّ سببَ صِحَّتِهِ أنْ يَعملَ عليها ثم إِذا ثبَتَ أنَّ مستَنْبَطَ صِحَّتِهِ وفسادِه من هذا العلمِ، ثبَتَ أنَّ الحكْم كذلك في مزيَّتِه والفضيلةِ التي تعرضُ فيه، وإِذا ثبتَ جميعُ ذلك، ثبتَ أنْ ليس هو شَيئاً غيرَ تَوخِّي معاني هذا العِلْمِ وأحكامِه فيما بينَ الكلم"3 والله الموفق للصواب.
شواهد على محاسن "النظم":
78 - وإذا قد عرفْتَ ذلك، فاعمَدْ إِلى ما تَواصَفُوه بالحسن4،
__________
1 الشعر كله في ديوانه.
2 سياق الكلام: "فليسَ من أَحدٍ يُخالِفُ في نحوِ قولِ الفرزدق ... وي نظائر ذلك مما وصفوه .... أن الفساد والخلل".
3 من أول قوله: "وإذا ثبت جميع ذلك .... " إلى هنا، ساقط من "س".
4 في "ج": "تواصفه"، سهو ناسخ.
(1/84)

وتَشاهَدوا له بالفضْل، ثم جَعلوه كذلك من أجلِ "النظْم" خصوصاً، دونَ غيرهِ مما يُستحسَنُ له الشعرُ أو غيرُ الشعر، من معنى لطيفٍ أو حكمةٍ أو ادبٍ أو استعارةٍ أو تجنيسٍ أو غيرِ ذَلك مما لا يَدخلُ في النَّظم، وتأَمَّلهْ1، فإِذا رأيتَكَ قدِ ارتحْتَ واهتززْتَ واستحسنْتَ، فانظرْ إِلى حرَكات الأريحيَّةِ ممَّ كانتْ؟ وعندَ ماذا ظهرَتْ؟ فإِنك تَرى عِياناً أَنَّ الذي قلتُ لك كما قلتُ. اعمد إلى قول البحتري:
بَلَوْنا ضَرائبَ مَنْ قد نَرى ... فَما إنْ رأَينا لِفتح ضَريبا
هُوَ المرءُ أَبْدتْ له الحادِثاتُ ... عَزْما وَشِيكا ورأيا صَليبا
تنقَّلَ في خْلُقَيْ سُؤْدُدٍ ... سَماحاً مُرجَّى وبَأساً مَهيبا
فكالسَّيفِ إنْ جئتَه صارِخاً ... وكالبَحْر إِن جئتَه مُسْتثيباً2
فإِذا رأيتَها قد راقَتْك وكثرتْ عندك، ووَجدْتَ لها اهتزازاً في نفسك، فعُدْ فانظرْ في السَّببِ واستقْصِ في النَّظر، فإِنك تَعلمُ ضرورةً أنْ ليس إلاَّ أَنه قدَّم وأخَّر، وعرَّف ونَكَّر، وحذفَ وأضمرَ، وأعادَ وكرَّر، وتوخَّى على الجُملةِ وجْهاً منَ الوُجوهِ التي يَقْتضيها "علْمُ النحو"، فأصاب في ذلك كلِّه، ثم لَطُفَ مَوضعُ صَوابه، وأتى مأتًى يُوجِبُ الفضيلةَ.
أفلا تَرى أنَّ أولَ شيءٍ يَروقُك منها قولُه: "هو المرء أبدت لها الحادثات" ثم قولُه: "تنقَّل في خُلْقَيْ سؤددِ" بتنكير "السؤدد" وإضافة "الخُلُقين".
__________
1 - السياق: "فاعمد إلى ما تواصفوه .... وتأمله".
2 في ديوانه، في الفتح بن خاقان، "الضرائب" جمع "ضريبة"، وهي الطيبعة والخلق.
و"الضريب"، المثيل والشبيه. و "المستثيب" طالب الثواب.
(1/85)

إِليه ثم قولُه: "فكالسَّيف" وعطفُه بالفاء مع حَذفهِ المبتدأَ، لأنَّ المعنى لا محالةَ: فهو كالسَّيف ثم تكريرُهُ "الكاف" في قولِه: "وكالبحر" ثم أنْ قرَنَ إِلى كلَّ واحدٍ منَ التَّشبيهين شرطاً جوابُه فيه ثم أَنْ أخرجَ من كلَّ واحدٍ منَ الشَّرطين حالاً على مثالِ ما أخرَجَ مِن الآخرِ، وذلك قولهُ "صارخًا" هناك "ومستثيبًا" ههنا؟ لا تَرى حُسْناً تَنسِبُه إِلى النَّظمِ ليس سَببُهَ ما عددتُ، أو ما هو في حُكْم ما عددتُ، فاعْرفْ ذلك.
79 - وإِن أردتَ أَظْهرَ أمراً في هذا المعنى، فانظره إِلى قولِ إِبراهيمَ بنِ العَبّاس:
فلَوْ إذْ نَبَا دَهرٌ، وأَنْكَرَ صاحبٌ، ... وسُلِّطَ أعداءٌ، وغابَ نَصيرُ
تكونُ عنِ الأهوازِ داري بنَجْوةٍ، ... ولكنْ مَقَاديرٌ جَرَتْ وأُمورُ
وإِنّي لأَرْجو بَعْدَ هذا محمَّداً ... لأِفضَلِ ما يُرجى أخٌ ووَزيرُ1
فإِنك تَرى ما ترى من الرَّوْنَقِ والطَّلاوة، ومن الحسن والحلاوة، ثم "إذْ نَبَا" على عاملهِ الذي هو "تكونُ"، وأَنْ لم يَقُلْ: فلو تكونُ عن الأهوازِ داري بنجوةِ إِذْ نبا دهرٌ ثم أَنْ قال: "تكونُ"، ولم يقُلْ "كان" ثم أَنْ أنكر الدهر ولم يقل: "إِذ نبا الدَّهرُ" = ثمَّ أنْ ساقَ هذا التنكيرَ في جميعِ ما أَتى به مِن بَعْد ثم أَنْ قال وأَنْكَرَ صاحبٌ ولم يقل وأنكرتُ صاحباً لا تَرى في البيتين الأَولين شيئاً غيرَ الذي عدَدْتُه لك تجعلُه حَسْناً في "النَّظم"، وكلُّه من معاني النَّحو كما ترى. وهكذا السبيلُ أبداً في كل حُسْنٍ ومَزيَّة رأيتَهما قد نُسبا إِلى "النظمِ"، وفَضْلٍ وشَرفٍ أُحِيلَ فيهما عليه.
__________
1 في ديوانه "الطرائف الأدبية": 132، بقوله للوزير محمد بن عبد الملك الزيات.
(1/86)

مزايا النظم بحسب المعاني والأغراض:
فصل: [في أن هذه المزايا في النظم، بحسب المعاني والأغراض التي تؤم] 1
بيان محاسن النظم:
80 - وإِذ قد عرفْتَ أنَّ مدارَ أمرِ "النظْم" على مَعاني النحو، وعلى الوجُوهِ والفُروق التي من شأْنها أَنْ تكونَ فيه، فاعلمْ أنَّ الفروقَ والوجوهَ كثيرةٌ ليسَ لها غايةٌ تقفُ عندها، ونهاية لا تجد لهال ازدياداً بَعْدها ثم اعْلَمْ أنْ ليستِ المزيةُ بواجبةٍ لها في أنْفُسِها، ومِنْ حيثُ هي على الإِطلاق، ولكنْ تعرضُ بسببِ المعاني والأغراضِ التي يُوضعُ لها الكلامُ، ثم بحَسَبِ موقعِ بعضِها من بعضٍ، واستعمالِ بعضِها معَ بعضٍ.
تفسيرُ هذا: أنَّه ليسَ إِذا راقَكَ التنكيرُ في "سؤددٍ" من قولِه: "تنقَّلَ في خلقَيْ سؤددِ"2 وفي "دهرٌ" من قوله: "فلو إذْ نَبا دهرٌ"3، فإِنه يَجبُ أنْ يروقَكَ أبداً وفي كلَّ شيء ولا إِذا استحسنْتَ لفظَ ما لم يُسمَّ فاعلُه في قوله "وأنكرَ صاحبٌ"3، فإِنه ينبغي أَن لا تراهُ في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا بل ليسَ مِنْ فضلٍ ومزيةٍ إلاَّ بحسَبِ الموضع، وبحَسبِ المعنى الذي تُريدُ والغرض الذي تؤُمُّ. وإِنّما سبيلُ هذه المعاني سبيلُ الأَصباغِ التي تُعملُ منها الصورُ والنقوشُ، فكما أَنك ترَى الرجلَ قد تَهدَّى في الأصباغ التي عَمِلَ منها الصورةَ والنّقشَ في ثوبِه الذي نسج، إلى ضرب من التخير
__________
1 هذا السطر كله، ليس في "ج"، ولا "س".
2 انظر الفقرة رقم: 78.
3 انظر الفقرة رقم: 79.
(1/87)

والتدبُّر في أَنفس الأَصباغِ وفي مواقِعها ومقاديرِها وكيفيّةِ مَزْجه لها وتَرتيبه إِياها، إِلى ما لم يتَهدَّ إِليه صاحبُه1، فجاء نَقشُه من أجْل ذلك أَعجَبَ، وصورتُه أغرَبَ، كذلك حالُ الشاعرِ والشاعرِ في توخِّيهما مَعاني النَّحو ووجوهِه التي علمت أنها محصول "النظم".
صفة "النظْم":
81 - واعلمْ أنَّ مِن الكلام ما أنتَ تَرى المزيَّةَ في نَظْمه والحُسْنَ، كالآجزاءِ من الصِّبْغ تَتلاَحقُ وينْضَمُّ بعضُها إِلى بعض حتى تَكْثُرَ في العين، فأنتَ لذلك لا تُكْبِرُ شأْنَ صاحبهِ، ولا تَقْضِي له بالحِذْق والاستاذيَّة وسَعَةِ الذَّرْع وشدَّةِ المُنَّة2، حتى تَستوفي القطعةَ وتأتيَ على عدّةِ أبياتٍ. وذلك ما كانَ مِن الشعر في طبقةِ ما أنشدْتُكَ من أبياتِ البُحتريَّ3 ومنْهُ ما أَنْتَ تَرى الحُسْنَ يَهجُمُ عليك منه دفعةً، ويأتيكَ منه ما يملأُ العينَ ضَرْبَةً4 حتى تعرفَ منَ البيت الواحد مكانَ الرَّجُلِ منَ الفضْل، وموضعَه منَ الحذْق، وتشْهَدَ له بفضلِ المُنَّة وطولِ الباع، وحتى تَعْلَم، إنْ لم تَعْلَم القائلَ، أنَّه مِنْ قِبَل شاعرٍ فحلٍ5، وأنه خرجَ من تحتِ يَدٍ صَنَاعٍ، وذلك ما إذا أنْشَدْتَهُ وضعتَ فيه اليدَ على شيءٍ فقلتَ: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشعر
__________
1 في "س"، وفي نسخة عند رشيد رضا: "إلى ما لم يكن يهتدي إليه".
2 "المنة"، القوة والضبط.
3 انظر رقم: 78.
4 في المطبوعة: "غرابة"، وفي المخطوطتين، ونسخة أخرى عند رشيد رضا، كما أثبت و "ضربة"، دفعة واحدة.
5 في المطبوعة: "من قبل".
(1/88)

الشاعرُ1، والكلامُ الفاخر، والنمطُ العالي الشريفُ والذي لا تَجده إلاَّ في شعْر الفحولِ البُزْلِ2، ثم المطبوعين الذين يلهمون القول إلهامًا.
شواهد من محاسن النظم:
82 - ثم إِنّك تحتاجُ إِلى أن تستقريَ عدَّة قصائدَ، بل أن تَفْليَ ديواناً من الشعر3، حتى تَجْمعَ منه عدَّةَ أبياتٍ. وذلك ما كانَ مثْلَ قولِ الأَوّلِ، وتَمثَّل به أبو بكرِ الصّديقُ رضوانُ اللهِ عليه حين أَتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم:
تَمنَّانا ليَلْقانا بقومٍ ... تخالُ بياضَ لأْمِهمُ السَرَابا4
فقد لاقيْتَنا فرأيْتَ حَرْباً ... عَواناً تمنعُ الشيخَ الشَرَابا5
أُنظرْ إِلى موضعِ "الفاء" في قولهِ:
فقد لاقيتنا فرأيت حربًا
__________
1 في المطبوعة: "فهو شعر الشاعر"، وليس لشيء.
2 "البزل" جمع "بازل"، وهو البعير بنشق نابه ويبزل عند دخوله في السنة التاسعة، وتستحكم قوته.
3 مستعار للتفتيش والتنقيب، من "فلي الشعر"، بحثًا عن القمل الدقيق وصئبانه.
4 هذا من شعر الصحابي زياد بن حنظلة التميمي الذي بعثه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر ليتاونا على مسيلمة وطليحة والأسود، وشهد مع أبي بكر حرب مانعي الزكاة يوم الأبرق، فقال زياد:
ويوم بالأبارق قد شهدنا ... على ذبيان يلتهب التهابًا
أتيناهم بداهية نسوف ... مع الصديق إذا ترك العتابا
والخبر كله في تاريخ الطبري 3: 222 - 225، وفيه البيتان اللذان ذكرتهما آنفًا. أما الذي أنشده عبد القاهر فقد أنسيت مكانه ومكان أبيات زياد بن حنظلة.
5 "اللأم"، جمع "لأمة"، وهي أداة الحرب من درع وبيضة وسلاح.
(1/89)

ومثل قول العباس بن الأحنف:
قَالُوا خراسانُ أَقصى ما يُرادُ بِنا، ... ثُمَّ القفولُ، فقد جئْنا خُراسانا1
أنظرْ إِلى موضعِ "الفاء" و "ثم" قبلها.
ومثلُ قولِ ابنِ الدمينة2:
أبينى أفي يمنى يديك جعلتني ... فأقرح، أمْ صَيِّرْتِني في شِمالِكِ
أَبِيتُ كأَنّي بين شِقَّيْنِ من عَصَا ... حِذارَ الرَّدى، أو خيفة من زيالِكِ
تَعَالَلْتِ كيْ أشْجى، وما بكِ علَّةٌ ... تُريدينَ قَتْلِي قد ظفْرتِ بذلكِ3
انظر إِلى الفصْل والاستئنافِ في قوله:
تُريدين قتلي، قد ظفرتِ بذلك
ومثلُ قولِ أبي حَفْصٍ الشَّطرنجيَّ، وقاله على لسانِ عُلَيَّةَ أُختِ الرَّشيد، وقد كان الرَّشيدُ عتبَ عليها:
لو كانَ يمنَعُ حسْنُ الفعْلِ صاحبَهُ ... مِنْ أنْ يكونَ له ذنبٌ إِلى أَحَدِ
كانتْ عليه أبرى الناس كلهم ... من أن نكافا بسوء آخر الأبد
ما أعجب الشيء نرجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني ملأت يدي4
__________
1 في ديوانه: حين خرج مع الرشيد إلى خراسان، وفي هامش "ج" حاشية خفية الخط لم أحسن قراءتها.
2 في "ج"، "ابن دمينة"، غير معرف.
3 في ديوانه، و "الزيال"، الفراق، "زايله مزايلة وزيالا"، فارقه.
4 أبو حفص الشطرنجي، شاعر علية بنت المهدي، والشعر في الأغاني "الهيئة" 22: 48، وأسقط الشيخ رحمه الله بيتًا يقوم عليه معنى البيت الرابع، وهو:
مالي إذا غبت لم أذكر بواحدة ... وإن سقمت فطال السقم لم أعد
(1/90)

انظرْ إِلى قولهِ: "قد كنتُ أَحسبُ" وإِلى مكان هذا الاستئناف.
ومثل قول أبي داود:
ولقَدْ أَغْتَدِي يُدافِعُ رُكْني ... أَحْوَذِيٌّ ذُو مَيْعَةٍ إضْريجُ
سَلهبٌ شَرْجبٌ كأنَّ رِماحاً ... حَمَلتْهُ وَفِي السَّراةِ دُموجُ1
انظرْ إلى التنكيرِ في قولِه "كأن رماحًا".
ومثل قول ابن البواب:
أَتيتُكَ عائذاً بكَ مِنْـ ... ـكَ لمَّا ضاقَتِ الحِيَلُ
وصَيَّرني هواكَ وبي ... لَحَيْني يُضْرَبُ المَثَلُ
فإنْ سَلِمتْ لكُمْ نَفْسي ... فَما لاقَيْتُهُ جَلَلُ
وإنْ قَتل الهوى رجُلاً ... فإِني ذلك الرَّجُلُ2
أُنُظرْ إِلى الإِشارةِ والتعريفِ في قولهِ: "فإِني ذلك الرَّجُل".
ومثل قولِ عبدِ الصمد:
مكْتَئِبٌ ذُو كَبدٍ حَرَّى ... تَبْكي عليهِ مُقلَةٌ عَبْرى
يَرْفعُ يُمنْاهُ إِلى رَبِّه ... يَدْعو وفوقَ الكبد اليسرى3
__________
1 في ديوانه "دراسات في الأدب العربي": 299، يصف فرسًا، "أحوذي"، خفيف سريع العدو، "ذو ميعة"، ذو نشاط في حضره وعدوه، "إضريج"، جواد كثير العرق، وهو مما يحمد في الخيل. "سلهب"، طويل على وجه الأرض. و "شرجب"، طويل القوائم عاري أعالي العظام. و "السراة"، الظهر. و "دموج" ملاسة واجتماع وإحكام.
2 نسبه هنا لابن البواب، ونسبه في الأغاني 6: 168، 169 "الدار". لسليم بن سلام الكوفي المغني صاحب إبراهيم الموصلي، ونسبه المرزباني في نور القبس: 87 إلى اليزيدي "عبد الله بن يحيىبن المبارك".
3 هو "عبد الصمد بن المعذل"، والشعر في ديوانه المجموع، وهي في الزهرة 1: 24، منسوبًا إلى ماني، أربعة أبيات، هذان ثم بعدهما:
(1/91)

انظر إلى لفظة: "يدعو" وإِلى موقعها.
ومثلُ قولِ جرير:
لِمَن الديارُ ببُرقة الرَّوَحانِ ... إِذ لا نَبيعُ زمانَنا بزمانِ
صَدعَ الغَواني إِذْ رَمَيْنَ، فؤادَهُ ... صَدْعَ الزجاجة مالذاك تَدانِ1
أُنظرْ إِلى قوله: "ما لذاك تدانِ"، وتأَمَّلْ حالَ هذا الاستئناف.
ليس من بصيرٍ عارفٍ بجوهر الكلام، حسَّاس مُتفهِّم لسرِّ هذا الشأنِ، يُنْشِدُ أو يَقرأ هذه الأبياتَ، إلاَّ لم يلبثْ أَنْ يضَعَ يدَه في كلَّ بيتٍ منها على الموضِع الذي أشرتُ إليه، يَعْجَبُ ويُعَجِّب ويُكْبِر شأنَ المزيةِ فيه والفضْلَ.
__________
يبقى إذا كلمته باهتًا ... ونفسه مما به سكرى
تحسبه مستمعًا ناصتًا ... وقلبه في أمة أخرى
1 في ديوانه.
(1/92)

في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع:
فصل: "في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع" 1
شواهد أخرى على دقة النظم:
83 - واعلمْ أنَّ ممَّا هو أَصلٌ في أنَ يدِقَّ النظرُ، ويَغْمُضَ المَسْلكُ، في توخِّي المعاني التي عرفتَ: أنْ تتَّحِدَ أجزاءُ الكلامِ ويَدخلَ بعضُها في بعضٍ، ويشتدَّ ارتباطُ ثانٍ منها بأول، وأن تحتاج في الجِملة إِلى أن تضَعَها في النفس وضعًا واحد ًا، وأن يكونَ حالُكَ فيها حالَ الباني يَضعُ بيمينه ههنا في حالِ ما يَضَعُ بيَسارِه هناك. نَعم، وفي حالِ ما يُبْصر مكانَ ثالثٍ ورابعٍ يَضعُهما بَعْدَ الأَوَّلَيْن. وليس لِما شأْنهُ أن يجيءَ على هذا الوصفِ حَدٌّ يَحْصرُه، وقانونٌ يُحيطُ به، فإِنه يجيءُ على وجوهٍ شتَّى، وأنحاءَ مختلفةٍ.
فمن ذلك أن تُزاوِجَ بينَ معنيينِ في الشرط والجزاء معاً، كقول البحتري:
إِذا ما نَهى النّاهِي فلجَّ بيَ الهوى، ... أصاختْ إِلى الوَاشِي فلجَّ بها الهجرُ2
وقوله:
إذا احتريت يومًا ففاضت دماؤها، ... تذكره القرى ففاضتْ دموعُها
فهذا نوعٌ.
ونوعٌ منه آخرُ، قول سليمان بن داود القضاعي:
__________
1 هذا السطر ليس في المخطوطتين "ج"، و "س".
2 الشعر والذي بعده في ديوانه.
(1/93)

فبينا المرءُ في علياءَ أَهْوى ... ومُنْحطِّ أُتيحَ له اعتلاء
وبينا نعمة إذا حال بوس ... وبوس إذا تَعقَّبَه ثَراءُ1
ونوعُ ثالثٌ وهو ما كانَ كقول كثير:
وإِنّي وتَهيامي بعَزّة بعدما ... تخلَّيْتُ مما بَيْنَنا وتخلَّتِ
لَكالْمُرْتَجي ظلَّ الغمامةِ كلمَّا ... تَبَوَّأَ مِنها لِلْمَقيلِ اضْمَحلَّتِ2
وكقول البحتري:
لعَمرُكَ إنَّا والزمانُ كما جَنَتْ ... على الأَضْعفِ الموهون عاديةُ الأَقْوى3
ومنه "التقسيمُ"، وخُصوصاً إِذا قسمت ثم جمعت، كقول حسان:
قَومٌ إِذا حارَبوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ... أوْ حاوَلوا النفْعَ في أَشياعِهمْ نَفْعوا
سَجِيَّةٌ تلك منهمْ غيرُ مُحْدَثةٍ ... إنَّ الخلائقَ، فاعْلمْ، شرُّها البِدَعُ4
ومن ذلك، وهو شيءٌ في غايةِ الحُسْن، قول القائل:
لو أنَّ ما أنتمُ فيهِ يدَومُ لكُمْ ... ظنَنْتُ ما أنا فيهِ دائِماً أَبدا
لكنْ رأيتُ اللَّيالي غيرَ تاركةٍ ... ما سَرَّ مِنْ حادثٍ أوْ ساءَ مُطَّرِدا
فقد سكَنْتُ إِلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا5
__________
1 لا أعرف الشاعر.
2 في ديوانه.
3 في ديوانه. في المطبوعة، وفي المخطوطتين "حنت"، وتحت الحاء حاء صغيرة دلالة على الإهمال، والصواب ما في الديوان.
4 في ديوانه، وفي "س": "تلك فيهم".
5 لم أعرف بعد قائله "على شهرة الشعر".
(1/94)

قوله: "سنستجد خلاف الحالتين غدًا"، جميع فيما قسَمَ لطيفٌ، وقد ازدادَ لُطفاً بحُسنِ ما بَناه عليه، ولُطْفِ ما توصَّل به إِليه من قولِه: "فقد سكنتُ إِلى أنَّي وأنكم".
84 - وإذْ قد عرفتَ هذا النمطَ منَ الكلام، وهو ما تتَّحِدُ أَجزاؤه حتى يُوضَعَ وَضْعاً واحداً، فاعلمْ أَنه النمطُ العالي والبابُ الأَعْظم، والذي لا تَرى سلطانَ المزيةِ يَعْظُم في شيءٍ كَعِظَمه فيه.
وممَّا نَدرَ منه ولطُفَ مأْخذُه، ودقَّ نظرُ واضعِه، وجلَّى لكَ عن شأوٍ قد تحسر دونه العِتاقُ، وغايةٍ يعيى من قبلها المذاكي الفرح1 الأبيات المشهورة في تشبيه شيئين بشيئين، كبيت امرئ القيس:
كأنَّ قُلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابساً ... لَدى وَكْرِها العناب والحشف البالي2
وبيت الفرزدق:
والشيبُ يَنْهضُ في الشَّبابِ كأنَّهُ ... ليَلٌ يَصِيحُ بجانبيه نهار3
__________
1 "العتاق" يعني الخيل العتاق، و "المذاكي" جمع "المذكى"، وهي من الخيل الجياد التي بغلت الذكاء، وهي سن القروح، و "القرح"، جمع "قارح"، وهو من الخيل ما بلغ خمس سنين، وتم تمامه.
2 في ديوانه، وفي المطبوعة: "بيت امرئ القيس" وفي "س": "كقول امرئ القيس"، والذي أثبته أرجح وأمضى في السياق.
3 في ديوانه، وفي هامش المخطوطة "ج"، "يصبح، أي يطرده من كلا جانبين [كقوله]:
فدع عنك نهبًا صيح في حجراته
"على هذا المعنى نفسه، فقال .... فلافت بصحراء ... " الكلام متآكل.
(1/95)

وبيت بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنَا، لَيْلٌ تَهَاوى كواكِبُهْ1
ومِمّا أَتى في هذا الباب مأْتىً أَعْجَبَ مِمّا مَضَى كله، قوله زياد الأعجم:
وإِنّا وما تُلقِي لَنا إنْ هجَوْتَنا ... لَكالبحر مَهْما يُلْقَ في البَحْرِ يَغْرقِ2
وإِنَّما كان أعجبَ، لأنَّ عمله أدقُّ، وطريقَه أغمضُ، ووجهَ المُشابكةِ فيه أغربُ3.
85 - واعلمْ أنَّ مِن الكلام ما أنتَ تَعلمُ إِذا تدبَّرْتَهُ أنْ لم يحتجْ واضعُه إِلى فكْرٍ ورويّةٍ حتى انتظَمَ، بل ترى سبيلَه في ضمِّ بعضِه إِلى بعضٍ، سبيلَ مَنْ عمدَ إِلى لآلٍ فخرَطَها في سلك، لا يبغي أكثر من يَمْنعَها التفرُّقَ5، وكمَنْ نَضَدَ أشياءَ بعضُها على بعضٍ، لا يُريد في نَضَده ذلكَ أن تجيء له منه
__________
1 في ديوانه.
2 الأغاني 15: 392 "الدار"، وذلك حين أخبره الفرزدق أنه هم أن يهجو قومع عبد القيس، فاسمهله زياد وقال له: كما أنت، حتى أسمعك شيئًا، فقال:
وما تركالهاجون لي إن هجوته ... مصحًا أراه في أديم الفرزدق
وإنا وما تهدي لنا إن هجوتنا ... .......................
فقال له الفرزدق: حسبك، هلم نتتارك. قال زياد: ذاك إليك!
3 في المطبوعة، "ووجه المشابهة"، وليست بشيء.
4 "له" ساقطة في المطبوعة.
5 في المطبوعة: "لا ينبغي"، وهو خطأ ظاهر.
(1/96)

هيئةٌ أو صورةٌ، بل ليس إلاَّ أنْ تكونَ مجموعةً في رأْي العينِ. وذلك إِذا كان معناك، معنى لا تحتاج أن تَصْنَعَ فيه شيئاً غيرَ أنْ تَعْطِفَ لفَظاً عَلَى مثلهِ، كقولِ الجاحظ:
"جنّبَكَ اللهُ الشبهةَ، وعصَمَكَ منَ الحَيْرة، وجعَلَ بينكَ وبينَ المعرفةِ نَسَباً، وبينَ الصِّدْق سَبَباً، وحبَّبَ إِليك التثبُّتَ، وزَيَّن في عينكَ الإنصافَ، وأذاقَكَ حلاوةَ التَّقوى، وأشْعَرَ قلبَكَ عزَّ الحقِ، وأوْدَعَ صدْرَكَ برْد اليقينِ، وطردَ عنك ذُلَّ اليأسِ، وعرَّفَكَ ما في الباطلِ منَ الذَّلَّة، وما في الجهل من القِلَّة"1.
وكقولِ بعضِهم: "للهِ دَرُّ خطيبٍ قامَ عندكَ، يا أميرَ المؤمنين، ما أفصحَ لسانَه، وأحسَنَ بيانَه، وأَمضى جَنانَه، وأَبلَّ ريقَه، وأسهلَ طريقَة".
ومثلِ قولِ النابغةِ في الثّناءِ المسجوع: "أيفاخِرُك الملكُ اللخميُّ، فواللهِ لقَفاكَ خيرٌ من وجَهْهِ، ولَشِمالُكَ خيرٌ من يَمينه، ولأَخْمَصُكَ خيرٌ من رأْسه، ولَخَطَؤكَ خيرٌ من صَوابه، ولَعِيُّك خيرٌ من كلامه، ولَخَدَمُكَ خيرٌ من قَوْمه".
وكقولِ بعضِ البلغاء في وصف اللسانِ: "اللسانُ أداةٌ يظَهر بها حُسْنُ البيان، وظاهرٌ يُخْبِر عنِ الضمير، وشاهدٌ يُنبئكَ عن غائبٍ، وحاكِم يُفْصَل بهِ الخِطابُ، وواعظٌ يَنْهى عن القَبيحِ، ومُزَيِّنٌ يَدعو إِلى الحُسْن، وزارعٌ يَحْرثُ المودَّة، وحاصدٌ يحصِدُ الضَّغينة، ومُلْهٍ يُونِق الأسماع".
__________
1 مقدمة كتاب الحيوان للجاحظ 1: 3.
(1/97)

فما كانَ من هذا وشَبَهه لم يَجِبْ به فضْلٌ إِذا وجَبَ، إلاَّ بمعناهُ أو بمُتون أَلفاظِه، دونَ نَظْمه وتأليفه، وذلك لأنه لا فضيلةَ حتى تَرى في الأمرِ مَصْنعاً، وحتى تَجدَ إِلى التخيُّر سبيلاً، وحتى تكونَ قد استدركْتَ صَواباً.
86 - فإِن قلْتَ: أفلَيْسَ هو كلاماً قد اطَّرد على الصَّواب، وسَلِم من العَيْب؟ أَفَما يكونُ في كثرةِ الصوابِ فضيلةٌ؟
قيلَ: أَمّا والصوابُ كما تَرى فَلاَ. لأنَّا لَسْنا في ذكْر تقويمِ الِلسان، والتحرُّز منَ اللحن وزيغ الإعراب، فتعتد بمثلِ هذا الصَّواب. وإِنما نحن في أمورٍ تُدرَك بالفِكَر اللطيفةِ، ودقائقَ يُوصلُ إِليها بثاقِب الفهم، فليس درك صواب دركًا يما نحنُ فيه حتى يَشْرُفَ موضعُه، ويَصعُبَ الوصولُ إِليه وكذلك لا يكونُ تَرْكُ خطأٍ تَرْكاً حتى يُحتاجَ في التحفُّظِ منه إِلى لُطْف نظَرٍ، وفَضْل رويةٍ، وقوةِ ذهنٍ، وشدةِ تيقظٍ. وهذا بابٌ يَنبغي أَن تُراعِيَه وأن تُعْنى به، حتى إِذا وازنْتَ بينَ كلامٍ وكلامٍ ودريتَ كيفَ تَصْنعُ، فضمَمْتَ إِلى كلَّ شَكْلٍ شكْلَه، وقابلْته بما هو نظيرٌ له، وميَّزْتَ ما الصَّنعةُ منه لفي لفظه، مما هو منه في نظمه.
المزية في اللفظ والمزية في النظم كيف تشتبه:
87 - واعلمْ أنَّ هذا أعني الفرقَ بينَ أن تكونَ المزيةُ في اللفظِ، وبينَ أن تكونَ في النظم بابٌ يَكْثُر فيه الغَلطُ، فلا تزَالُ تَرى مُستحسِناً قد أخطأَ بالاستحسانِ موضعَه، فينَحَلُ اللفظَ ما ليسَ له، ولا تزالُ تَرى الشُّبهةَ قد دخلتْ عليك في الكلامِ قد حَسُنَ من لفظِه ونظمهِ، فظننْتَ أنَّ حُسْنه ذلك كلَّه لِلَّفظِ منه دونَ النظْم.
88 - مثالُ ذلك، أن تنظرَ إِلى قولِ ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العِدى ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق1
__________
1 في ديوانه، "باب الغزل".
(1/98)

فترى أنَّ هذه الطُلاَوةَ وهذا الظَّرْفَ، إِنَّما هو لأنْ جعلَ النظرَ "يجمحُ" وليس هو لذلك، بل لأَنْ قالَ في أول البيت "وإنِّي" حتى دخلَ اللامُ في قولِه "لتجمحُ" ثم قولُه: "مني" ثم لأنْ قالَ "نظرةٌ" ولم يقل "النَّظرُ" مثلاً ثم لمكانِ "ثمَّ" في قولِه: "ثم أُطرق" وللطيفةِ أخرى نصرتْ هذه اللطائفَ، وهي اعتراضُهُ بينَ اسم "إنَّ" وخبرها بقوله: "على إشفاق عيني من العدي".
89 - وإِنْ أردتَ أعجبَ من ذلك فيما ذكرتُ لك، فانظرْ إِلى قولِه وقد تقدَّم إِنشادُه قَبْلُ:
سالتْ عَلَيْهِ شِعابُ الحيِّ حينَ دَعا ... أَنْصَارَهُ بوجوهٍ كالدنانيرِ1
فإنَّكَ تَرى هذه الاستعارة، على لُطْفها وغَرابتها، إِنَّما تَمَّ لها الحسْنُ وانتهى إِلى حيثُ انتهى، بما تُوخِّيَ في وضْع الكلامِ من التقديمِ والتأخيرِ، وتَجدُها قد مَلُحَتْ ولَطُفتْ بمعاونةِ ذلك ومؤازرتِه لها. وإن شكَكْتَ فاعمدْ إِلى الجارَّيْن والظَّرْف، فأَزِلْ كلآ منها عن مكانِه الذي وضَعَه الشاعرُ فيه، فقلْ: "سالتْ شعابُ الحيَّ بوجوهٍ كالدَّنانير عليه حين دعا أنصارَهُ"، ثم انظرْ كيفَ يكونُ الحالُ، وكيف يَذهبُ الحسْنُ والحلاوةُ؟ وكيف تَعْدَم أرْيَحِيَّتَكَ التي كانت؟ وكيف تَذْهب النشوةُ التي كُنتَ تجدُها؟
90 - وجُملُة الأمر أن ههنا كلاماً حُسْنُه لِلَّفظ دونَ النظمِ، وآخرَ حُسْنُه للنَّظمِ دونَ اللفظِ، وثالثاً قد أتاهُ الحسنُ من الجهتين2، ووجبت له
__________
1 مضى في رقم: 68، والذي هنا يوهم أن الشعر لابن المعتز.
2 في المطبوعة "قرى الحسن" جمعه، والذي أثبته هو من "س"، ونسخة عند رشيد رضا، وفي "ج": "قد الحسن" أسقط "أتاه".
(1/99)

المزيةُ بكلا الأمرينِ. والإِشكالُ في هذا الثالثِ، وهو الذي لا تَزالُ تَرى الغلَطَ قد عارضَك فيه، وتَراكَ قَد حِفْتَ فيه على النَّظم1، فتركْتَه وطمحْتَ ببصرِكَ إِلى اللفظِ، وقدَّرْتَ في حُسْنٍ كان به وباللفظِ، أَنه لِلَّفظِ خاصَّة. وهذا هوَ الذي أردتُ حين قلتُ لك: "إنَّ في الاستعارةِ ما لا يُمكنُ بَيانُه إلاَّ مِنْ بَعد العلمِ بالنظْم والوقوفِ على حقيقته".
مثال على ما تقع الشبهة فيه بين اللفظ والنظم:
91 - ومن دقيقِ ذلك وخَفِيِّه، أنكَ ترى الناسَ إِذا ذَكَروا قولَه تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، لم يَزيدوا فيه على ذِكْرِ الاستعارةِ، ولم ينسبوا الشرف لا إِليها، ولم يَرَوا لِلمزيَّة مُوجِباً سِواها، هكذا ترى الأمر في ظ اهر كلامِهمْ. وليس الأَمرُ على ذلك، ولا هذا الشَّرفُ العظيمُ، ولا هذه المزيةُ الجليلةُ، وهذه الرَّوعةُ التي تدخلُ على النُّفوس عند هذا الكلامِ لمجرَّدِ الاستعارة، ولكن لأنْ سُلِك بالكلام طريقُ ما يسندُ الفعْلُ فيه إِلى الشيءِ2، وهو لِما هو من سَبَبِهِ، فيُرفعُ به ما يُسند إِليه، ويُؤتى بالذي الفعلُ له في المعنى منصوباً بَعده، مبيناً أنَّ ذلك الإِسنادَ وتلك النسبةَ إِلى ذلك الأولِ، إِنَّما كانا من أجلِ هذا الثاني، ولما بينَه وبينَه منَ الاتَّصالِ والملابسةِ، كقولهم: "طابَ زيدٌ نفساً"، و "قر عمرو عينًا"، و "تصبب عرقًا"، و "كرم أصلًا"، و "حسن وجْهاً" وأشباهِ ذلك مما تَجِد الفعلَ فيه منقولاً عن الشيء إِلى ما ذلك الشيءُ من سببهِ.
وذلك أَنَّا نَعلم أَنَّ "اشتعل" للشيبِ في المعنى، وإنْ كانَ هو للرأسِ في اللفظ، كما أنَّ "طاب" للنفس، و "قر" للعين، و "تصبب" للعرق، وإن
__________
1 "حاف عليه"، جار عليه وظلمه.
2 في المطبوعة: "لأن يسلك"، وهي لا شيء.
(1/100)

أُسِند إِلى ما أُسنِد إِليه. يُبَيِّنُ أنَّ الشرَفَ كان لأَن سُلِكَ فيه هَذا المسلكُ، وتُوُخَّيَ به هذا المذهبُ أنْ تَدَع هذا الطريقَ فيه1، وتأخذَ اللفظَ فتُسنِده إِلى الشَّيب صريحاً فتقول: "اشتعلَ شَيبُ الرأسِ"، أو "الشيبُ في الرأس"، ثم تنظر هل تَجدُ ذلك الحُسْنَ وتلك الفخامَة؟ وهل تَرى الروعةَ التي كنتَ تَراها؟
92 - فإِن قلْتَ: فما السببُ في أَنْ كان "اشتعلَ" إِذا استُعيرَ للشَّيْب على هَذا الوجهِ، كان لهُ الفضْلُ؟ ولمَ بانَ بالمزيَّةِ منَ الوَجهِ الآخرِ هذه البَيْنُونَة؟
فإنَّ السببَ أَنَّه يُفيدُ، معَ لمَعانِ الشيبِ في الرأسِ الذي هو أَصْلُ المعنى، الشُّمولَ2، وأَنَّه قد شاعَ فيه، وأَخذَه من نواحيهِ، وأنه قد استغرقه وعمَّ جُمْلَتَه3، حتى لم يَبْقَ من السَّوادِ شيءٌ، أوْ لم يبْقَ منه إلاَّ ما لا يُعْتَدُّ به. وهذا ما لا يكونُ إِذا قيلَ: "اشتعلَ شَيبُ الرأسِ، أو الشيبُ في الرأس"، بل لا يُوجِبُ اللفظُ حينئذٍ أكثرَ مِنْ ظهورهِ فيه على الجُملة. وَوِزانُ هذا أنك تقولُ: "اشتعلَ البيْتُ ناراً"، فيكونُ المعنى: أنَّ النارَ قد وقَعَتْ فيه وُقوع الشُّمولِ، وأنَّها قد استولَتْ عليه وأخذَتْ في طرفَيْه ووَسَطِه. وتقولُ: "اشتعلتِ النارُ في البيت"، فلا يُفيد ذلك، بل لا يُقْتضَى أكثرُ من وقوعِها فيه، وإِصابتها جانباً منه. فأمَّا الشُّمول. وأنْ تكونَ قد استولتَ على البيت وابتزته، فلا يعقل من اللفظ البتة.
__________
1 "أن تدع" فاعل "يبين" أي يبين ذلك أن تترك هذا الطريق.
2 السياق: ..... أنه يفيد .... الشمول".
3 في المطبوعة: "استقر به"، وفي نسخة عند رشيد رضا: "استعر فهي"، وكلاهما لا شيء.
(1/101)

93 - ونَظيرُ هذا في التَّنزيلِ قولُه عزَّ وجَلَّ: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} [القمر: 12]، "التفجيرُ" للعيون في المعنى، وأَوْقَعُ على الأرضِ في اللفظ، كما أُسنِد هناك الاشتعالُ إِلى الرأس، وقد حصَلَ بذلك منْ معنى الشُّمول ههنا، مثْلُ الذي حصلَ هناك. وذلك أَنَّه قد أَفادَ أنَّ الأرضَ قد كانت صارتْ عُيوناً كلُّها، وأنَّ الماءَ قد كان يَفُور مِنْ كلَّ مكانٍ منها. ولو أُجريَ اللفظُ على ظاهرهِ فقيلَ: "وفجَّرْنا عيونَ الأرضِ، أو العيونَ في الأرض"، لم يُفِد ذلك ولم يَدُلَّ عليه، ولَكانَ المفهومُ منه أنَّ الماءَ قد كان فارَ من عيونٍ متفرقةٍ في الأرض، وَتَبجَّس مِن أماكنَ منها.
واعلمْ أَنَّ في الآيةِ الأُولى شيئاً آخرَ من جنْس "النظّم"، وهو تَعريفُ الرأسِ" بالأَلِف واللاَّم، وإفادةُ معنى الإضافةِ من غَيْر إضافةٍ، وهو أَحدُ ما أوجبَ المزيَّةَ. ولو قيل: "واشتعلَ رأسي"، فصُرَّحَ بالإضافة، لذهب بعض الحسن، فاعرفه.
مثال آخر لذلك في الاستعارة:
94 - وأنا أكتبُ لك شيئاً مما سَبيلُ "الاستعارةِ" فِيه هذا السبيلُ، ليَستحْكِمَ هذا البابُ في نفسِك، ولِتأْنَسَ به.
فمِن عجيبِ ذلك قولُ بعض الأعراب:
اللَّيْلُ داجٍ كَنَفا جِلْبابِهِ ... والبَيْنُ مَحْجورٌ على غُرَابهْ1
ليس كلُّ ما تَرى منَ الملاحَةِ لأنْ جعلَ لِلَّيل جلباباً، وحَجَر على الغرابِ، ولكنْ في أنْ وضعَ الكلامَ الذي تَرى، فَجعلَ "الليلَ" مبتدأ، وجعل "داجٍ" خبراً له وفعلاً لما بعده وهو "الكنفانُ"، وأضافَ "الجلبابَ" إلى
__________
1 في "ج"، "والليل محجور"، كأنه سهور من الناسخ.
(1/102)

ضميرِ "الليل"، ولأنْ جعلَ كذلك "البينُ" مبتدأ، وأجرى محْجوراً خبراً عنه1، وأنْ أخرجَ اللفظَ عَلَى "مفعولٍ". يُبيِّنُ ذلك أَنَّكَ لو قلْتَ:
"وغرابُ البينِ محجورٌ عليه، أو: قد حُجرَ على غُرابِ البين"، لم تجد لههذه المَلاحة. وكذلك لو قلتَ: "قد دَجا كَنَفَا جلبابِ اللَّيل"، لم يكنْ شيئاً.
95 - ومن النَّادِر فيه قول المتنبي:
غَصَبَ الدهرَ والملوكَ عَلَيْها ... فَبنَاها في وَجْنة الدَّهرِ خَالا2
قد تَرى في أَول الأمرِ أنَّ حُسْنه أَجْمَع في أنْ جَعلَ للدَّهرِ "وَجْنةً"، وجَعَلَ البُنيَّة "خالاً" في الوجنة3، وليسَ الأَمرُ على ذلك، فإنَّ مَوْضعَ الأُعجوبةِ في أنْ أَخْرج الكلام مخْرجَهُ الذي تَرى، وأَنْ أَتَى "بالخالِ" منصوباً على الحال من قوله "فَبنَاها". أفَلاَ ترى أَنك لو قُلْتَ: "وهي خالٌ في وَجْنة الدَّهر"، لوجدْتَ الصورة غيرَ ما تَرى؟ وشبيهٌ بذلك أنَّ ابنَ المعتزَّ قال:
يا مِسْكةَ العطَّارِ ... وخالَ وَجْهِ النهارِ4
وكانت المَلاحَةُ في الإِضافةِ بعد الإضافة، لا في استعارةِ لفظةِ "الخالِ" إذْ معلومٌ أَنه لو قالَ: "يا خالا في وجهِ النهار" أو "يا مَنْ هو خالٌ في وجْه النهار"، لم يكن شيئًا.
__________
1 في "ج": "خبرًا عليه".
2 في ديوانه.
3 "البنية"، البناء، يعني قلعة الحدث التي بناها سيف الدولة، وهو يقاتل الروم في سنة 344 هـ.
4 في ديوانه، "باب الأوصاف والذم والملح"، بقوله لجارية سوداء.
(1/103)

ما يقال في تتابع الإضافات:
96 - ومِنْ شأنِ هذا الضربِ أن يَدْخلَه الاستكراهُ، قال الصاحبُ: "إياكَ والإضافاتِ المُتَداخلةَ1، فإنَّ ذلك لا يَحْسُن"، وذكَر أَنَّه يُستعملُ في الهجاء كقول القائل:
يا عليُّ بنُ حمزةَ بنِ عمارَةْ ... أنتَ والله ثلجة في خياره2
ولا شبهة فيثقل ذلك في الأَكثر، ولكنه إِذا سَلِمَ منَ الاستكراهِ لطُفَ ومْلحَ.
ومما حَسُنَ فيه قولُ ابن المعتز أيضًا؟
وظَلَّتْ تُديرُ الراحَ أَيْدي جآذرٍ ... عتاقِ دَنانيرِ الوجوهِ مِلاحِ3
ومما جاءَ منه حَسَناً جميلاً قول الخالدي في صفة غلام له:
ويَعرِفُ الشِّعْرَ مثْلَ مَعْرِفَتي ... وهْو عَلَى أنْ يزيد مجتهد
وصيرفي القريض، وزان دينار المـ ... ـعاني الدقاق، منتقد4
ومنه قول أبي تمام:
خُذْها ابْنَةَ الفكْرِ المهذَّب في الدُّجى ... والليلُ أَسْوَدُ رُقْعَةِ الجِلْبابِ5
97 - ومما أكثرُ الحُسْنِ فيه بسبب النظم، قول المتنبى:
__________
1 في المطبوعة وحدها: "المتداخلة".
2 "علي بن حمزة بن عمارة الأصفهاني"، له ترجمة في معجم الأدباء لياقوت.
3 في ديوانه، "باب الشراب"، وفي "ج": "يدير الكأس".
4 ديوان: الخالدين: 122، من شعر له في غلامه "رشأ"، و "الخالدي" هو أحد الأخوين: "أبو عثمان سعيد بن هاشم الخالدي".
5 في ديوانه.
(1/104)

وقَيَّدتُ نَفْسي في ذَرَاك مَحَبةً ... ومَنْ وَجَدَ الإِحسانَ قَيْداً تَقيَّدا1
الاستعارةُ في أصْلها مُبْتذلة معروفةٌ، فإنَّك ترَى العاميَّ يقولُ للرجل يَكْثُر إحسانُه إِليه وَبرُّهُ له، حتى يألَفَه ويختارَ المقامَ عنده: "قد قيَّدني بكثرةِ إِحسانِه إليَّ، وجميلِ فِعْله معي، حتى صارتْ نَفسي لا تُطاوِعُني على الخروجِ من عنْدِه"، وإِنّما كان ما تَرى منَ الحُسْن، بالمَسْلك الذي سلَكَ في النظم والتأليف.
(1/105)

التقديم والتأخير:
فصل 1: "القول في التقديم والتأخير"
98 - هو بابٌ كثيرُ الفوائد، جَمُّ المَحاسن، واسعُ التصرُّف، بعيدُ الغاية، لا يَزالُ يَفْتَرُّ لك عن بديعةٍ، ويُفْضي بكَ إِلى لَطيفة، ولا تَزال تَرى شِعراً يروقُك مسْمَعُه، ويَلْطُف لديك موقعُه، ثم تنظرُ فتجدُ سببَ أَنْ راقكَ ولطفَ عندك، أن قُدِّم فيه شيءٌ، وحُوِّل اللفظُ عن مكانٍ إلى مكان.
99 - واعلمْ أَنَّ تقديمَ الشيء على وجهينِ2:
تقديمٌ يُقال إِنه على نيَّةِ التأخير، وذلك في كلَّ شيءٍ أًَقرَرْتَه معَ التقديمِ على حُكْمِه الذي كان عليه، وفي جنسهِ الذي كانَ فيه، كخبرِ المبتدأ إِذا قدَّمْتَه على المبتدأ، والمفعولِ إِذا قدَّمتَه على الفاعل كقولك: "منطلق زيد" و "ضرب عمرًا زيد"، معلوم أن "منطلق" و "عمرًا" لم يَخْرجا بالتقديم عمَّا كانا عليه، من كونِ هذا خبرَ مبتدأ ومرفوعاً بذلك، وكونَ ذلك مفعولاً ومنْصوباً من أجله كما يكونُ إِذا أَخَّرْتَ.
وتقديمٌ لا على نيَّةِ التأخيرِ، ولكنْ على أنْ تَنقُلَ الشيءَ عن حُكْمٍ إِلى حكمٍ، وتجعلَ له بابا غيرَ بابهِ3، وإِعراباً غيرَ إِعرابهِ، وذلك أَن تجيءَ إلى اسمين
__________
1 "فصل"، ليس من المخطوطتين.
2 في "س": "تقديم الشيء على الشيء".
3 في المطبوعة: "وتجعله بابًا".
(1/106)

يُحتملُ كلُّ واحدٍ منهما أَنْ يكونَ مبتدأً ويكونُ الآخرُ خبراً له، فتُقَدِّمُ تارةً هذا على ذاك، وأخرى ذاكَ على هذا. ومثالُه ما تَصْنعه بزيدٍ والمنطلقِ، حيث تقولُ مرة: "زيدٌ المنطلقُ"، وأُخرى، "المنطلقُ زيدٌ"، فأنتَ في هذا لم تُقدِّمْ "المنطلقَ" على أن يكونَ مَتروكاً على حُكْمه الذي كان عليه معَ التأخير، فيكونَ خبرَ مبتدأ كما كانَ، بل على أَنْ تَنْقلَه عن كَونه خبراً إِلى كونهِ مبتدأً، وكذلك لم تؤخِّر "زيداً" على أن يكون مُبتدأ كما كان، بل على أن تُخرجَه عن كونِه مبتدأً إلى كونِه خبراً.
وأَظهرُ من هذا قولُنا: "ضَربتُ زيداً" و "زيد ضربتُه"، لم تُقدِّم "زيداً" على أن يكون مفعولاً منصوباً بالفعل كما كان، ولكن على أن تَرْفَعه بالابتداءِ، وتشغلَ الفعلَ بضميرِه، وتجعلَه في موضع الخبر له. وإذا قد عرفتَ هذا التقسيمَ، فإِني أُتبعه بجملةٍ من الشرح.
التقديم للعناية والاهتمام:
100 - واعلمْ أَنَّا لم نَجدْهُم اعْتَمدوا فيه شيئاً يَجري مَجرى الأَصْل، غيرَ العنايةِ والاهتمامِ. قال صاحبُ الكتاب، وهو يَذكُر الفاعلَ والمفعولَ1: "كأنَّهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أَعْنى، وإِن كانا جميعاً يُهمَّانِهم ويَعْنيانِهم" ولم يَذْكر في ذلك مثالاً.
وقال النحويون: إنَّ معنى ذلك أَنه قد يكونُ من أغراضُ الناس في فعلٍ ما أنْ يَقَع بإنسانٍ بعينهِ، ولا يُبالون مَنْ أَوْقَعَه، كَمِثل ما يُعلمُ مِنْ حالِهم في حالِ الخارجيَّ يَخْرُج فيعيثُ ويُفْسِد، ويَكْثُرُ به الأذى، أَنهم يُريدون قتله،
__________
1 فيه هامش "ج": "يعني به شيخ النحو سيبويه"، والنص في الكتاب 1: 14، 15، وفي المطبوعة و "ج"، "بشأنه أعني"، وأثبت ما في سيبويه، وفي "س".
(1/107)

ولا يُبالون مَنْ كانَ القتلُ منه، ولا يَعْنيهم منه شيءٌ. فإِذا قُتل، وأرادَ مُريدٌ الإِخبارَ بذلك، فإِنه يُقدَّم ذكرَ الخارجيَّ فيقول: "قَتَلَ الخارجيَّ زيدٌ"، ولا يقولْ: "قتلَ زيدٌ الخارجيَّ"، لأنه يعلم أنْ ليس للناسِ في أنْ يعلموا أنَّ القاتلَ له "زيدٌ" جَدْوى وفائدةٌ، فيَعْنيهم ذكْرُه ويهمُّهُمْ ويتَّصلُ بمسَّرتِهم ويَعْلم مِن حالِهم أَنَّ الذي هم متوقِّعون له ومُتَطلّعون إِليه متى يكونُ، وقوعُ القتلِ بِالخارجي المُفْسِد، وأَنهم قد كفُّوا شرَّه وتخلَّصوا منه.
ثم قالوا: فإِن كان رجلٌ ليس له بأسٌ ولا يقَدَّرُ فيه أنه يَقتُلُ، فقَتلَ رجلاً، وأراد المخبر أن يخبر بذلك، فإن يُقدِّم ذكرَ القاتلِ فيقول: "قتلَ زيدٌ رجلاً"، ذاك لأَنَّ الذي يَعْنيه ويَعْني الناسَ مِن شأنِ هذا القتلِ، طرافَتُه وموضعُ الندْرةِ فيه، وبُعدُه كان منَ الظنِّ. ومعلومٌ أَنه لم يكنْ نادراً وبعيداً من حيثُ كان واقعاً بالذي وَقَع به، ولكنْ من حيثُ كان واقعاً مِنَ الذي وقعَ منه.
فهذا جيِّد بالغٌ، إِلاّ أن الشأنَ في أَنه يَنبغي أن يُعرَفَ في كلَّ شيءٍ قُدِّمَ في موضعٍ من الكلامِ مثلُ هذا المعنى، ويُفسَّر وجهُ العنايةِ فيه هذا التفسير.
لا يكفي أن يقال قدم للعناية:
101 - وقد وَقعَ في ظنونِ الناسِ أَنَّه يكفي أنْ يقالَ: "إِنه قُدِّم للعناية، ولأنَّ ذكْرَه أَهمُّ"، مِنْ غير أن يُذْكَر، مِنْ أين كانت تلك العنايةُ؟ وبمَ كانَ أهمَّ؟ 1 ولِتخيُّلهِم ذلك، قد صَغُر أمرُ "التقديمِ والتأخيرِ" في نفوسهم، وهَوَّنوا الخَطْبَ فيه، حتى إِنك لتَرى أكثرَهم يَرى تَتبُّعَه والنظرَ فيه ضرباً من التكلُّف. ولم ترَ ظنّاً أَزرى على صاحبهِ من هذا وشبهه2.
__________
1 في "س" والمطبوعة: "ولم كان".
2 في "س": "أردى على صاحبه".
(1/108)

مواضع التقديم والتأخير:
102 - وكذلك صَنعوا في سائرِ الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في "الحذف والتكرار" و "الإظهار والإضمار"، و "الفصل والوصلِ"، ولا في نَوْع من أنواعِ الفُروق والوجوه إِلا نَظَرُك فيما غيرُه أهمُّ لك، بل فيما إِنْ لم تعلَمْه لم يَضُرَّك.
لا جَرَمَ أَنَّ ذلك قد ذَهَبَ بهم عن معرفةِ البلاغةِ، ومنَعَهم أن يَعرفوا مقاديَرها، وصد بأوجههم عن الجهةِ التي هي فيها1، والشِّقِّ الذي يَحْويها. والمَداخِلُ التي تَدخُلُ منها الآفةُ على الناس في شأنِ العلم، ويَبْلُغ الشيطانُ مُرادهَ منهم في الصدِّ عن طَلبهِ وإِحراز فضيلتهِ كثيرة، وهذه من أعجبها، وإن وجَدْتَ متعجِّباً.
وليتَ شِعْري، إِن كانت هذه أموراً هيِّنة، وكان المدى فيها قريباً والجَدى يسيراً2، من أينَ كانَ نَظْمٌ أشرَفَ من نَظمٍ؟ وبِمَ عَظُمَ التفاوتُ، واشتدَّ التباينُ، وتَرقَّى الأمرُ إِلى الإِعجازِ، وإِلى أن يَقْهر أعناقَ الجبابرة؟ أو ههنا أمورٌ أُخَرٌ نُحيلُ في المزيّةِ عليها، ونَجْعلُ الإعجازُ كان بها، فتكونَ تلكَ الحوالةُ لنا عذْراً في تركِ النَّظرِ في هذهِ التي معنا، والإعراضِ عنها، وقلَّة المبالاةِ بها؟ أَوَ ليس هذا التهاونُ، إنْ نَظَر العاقلُ، خِيانةً منه لِعقله ودينهِ، ودخُولاً فيما يُزري بذي الخَطَر، ويغضُّ من قَدْر ذَوي القَدر؟ وهل يكون أضعفُ رأياً، وأبعدُ من حُسْن التدبُّر، منك إِذا أهمَّك أن تعرفَ الوجوهَ في "أأنذرتهم"3، والإِمالة في "رأى القمر" وتعرفَ "الصَّرَاطَ"
__________
1 في المطبوعة: "وصد أو جههم".
2 "الجدى"، النفع.
3 في المطبوعة: "إذا همك"، وفي "س": "إذا أهمك".
(1/109)

و "الزراط"1، وأشباهَ ذلك مما لا يَعْدُو عِلْمُك فيه اللفظَ وجَرْسَ الصوت، ولا يَمنعُكَ إنْ لم تَعلمْه بلاغةً2، ولا يَدْفعُكَ عن بيانٍ، ولا يُدخِلُ عليك شَكّاً، ولا يُغْلق دونَكَ بابَ معرفةٍ، ولا يُفْضى بك إِلى تحريفٍ وتبديلٍ، وإِلى الخطإ في تأويلٍ، وإِلى ما يَعظُمُ فيه المَعابُ عليكَ، ويُطيلُ لسانَ القادحِ فيك3 ولا يَعْنيكَ ولا يَهُمُّك أنْ تَعرف ما إِذا جهلْتَه عرَّضْتَ نفسَك لكلَّ ذلك، وحصلْتَ فيما هنالك، وكان أكثرُ كلامِك في التفسيرِ، وحيثُ تخوضُ في التأويل، كلامَ مَنْ لا يينى الشيءَ على أصلِه، ولا يأخذُهُ من مَأْخذه، ومَنْ ربَّما وَقَعَ في الفَاحش من الخطإ الذي يَبقى عارُه، وتَشنُع آثارُه. ونَسأل اللهَ العِصْمةَ من الزلَلِ، والتوفيقَ لما هو أقربُ إلى رضاه من القول والعمل.
الخطأ في تقسيم التقديم والتأخير، إلى مفيد وغير مفيد:
103 - واعلمْ أَنَّ مِن الخطإ أَنْ يُقْسَم الأَمرُ في تقديمِ الشيءِ وتأخيرهِ قسميْن، فيُجْعَلَ مفيداً في بعضِ الكلامِ، وغيرَ مفيدٍ في بعضٍ وأَنْ يُعلَّل تَارةً بالعناية، وأخرى بأنه تَوْسِعةٌ على الشاعرِ، والكاتب، حتى تَطَّردَ لهذا قَوافيهِ ولِذاكَ سجعُهُ. ذاك لأنَّ منَ البعيد أَنْ يكونَ في جملةِ النظْم ما يدلُّ تارةً ولا يَدلُّ أُخْرى. فمتى ثبتَ في تقديمِ المفعولِ مَثلاً على الفِعل في كثيرٍ من الكلامِ، أَنَّه قد اخْتُصَّ بفائدةٍ لا تكونُ تلك الفائدةُ معَ التأخيرِ، فقد وَجَب أن تكونَ تلك قضيةً في كلَّ شيءٍ وكلِّ حالٍ. ومِنْ سبيلِ مَنْ يجعلُ التقديمَ وتركَ التقديم سواء،
__________
1 هذه الأحرف إشارة إلى القراءات في الآيات التي فيها هذه الألفاظ.
2 في "ج": "لم تمنعه"، سهو من الناسخ.
3 معطوف على قوله قبل: "إذا أهمك أن تعرف الوجوه ... ".
(1/110)

أنْ يدَّعي أنه كذلك في عمومِ الأحوال، فأما أن يجعله شريجين1، فيزعُمُ أنه للفائدةِ في بعضِها، وللتصرُف في اللفظِ مِنْ غيرِ معنًى في بعض، فمما ينبغي أن يَرْغَبَ عن القولِ به.
104 - وهذه مسائلُ لا يَستطِيع أحدٌ أن يَمتنِعَ من التَّفرقةِ بينَ تقديمِ ما قُدِّمَ فيها وتَرْكِ تقديمه.
مسائل الاستفهام بالهمزة والفعل ماض:
ومِنْ أَبْيَن شيءٍ في ذلك "الاستفهامُ بالهمزةِ"، فإنَّ موضعَ الكلام على أَنك إِّذا قلتَ: "أَفَعلْتَ؟ "، فبدأتَ بالفعل، كان الشكُّ في الفِعل نَفْسِه، وكان غَرضُكَ مِن استفهامِك أنْ تَعْلم وُجودَه.
وإِذا قلتَ: "أأَنْتَ فعلتَ؟ "، فبدأْتَ بالاسمِ، كان الشكُّ في الفاعِل مَنْ هوَ، وكان التردُّدُ فيه. ومثالُ ذلك أَنَّك تقولُ: "أَبَنَيْتَ الدارَ التي كنتَ على أنْ تَبْنِيهَا؟ "، "أَقُلْتَ الشِّعرَ الذي كان في نفسكَ أنْ تقولَهُ؟ "، "أفرغت من الكتائب الذي كنتَ تَكتُبُه؟ "، تبدأ في هذا ونحْوهِ بالفعل، لأنَّ السؤالَ عنِ الفعلِ نفْسهِ والشكَّ فيه، لأنَّك في جميع ذلك متردِّدٌّ في وجودِ الفعل وانتفائه، مُجوِّزٌ أَنْ يكونَ. قد كانَ، وأنْ يكونَ لم يَكُنْ.
وتقولُ: "أأَنْتَ بَنَيْتَ هذهِ الدارَ؟ "، "أأنْتَ قلتَ هذا الشعرَ؟ "، "أأَنتَ كتبْتَ هذا الكتابَ؟ "، فتَبْدأ في ذلك كله بالاسم، ذاك لأنك لم تَشُكَّ في الفعل أنه كانَ. كيفَ؟ وقد أشرْتَ إلى الدارِ مَبْنية، والشِّعر مَقُولاً، والكتابِ مكتوباً، وإِنما شكَكْتَ في الفاعل مَن هو؟
__________
1 في المطبوعة "أن يجعله بين بين"، و "شريحان"، لونان مختلفان في كل شيء، يعني قسمين متساويين.
(1/111)

فهذا منَ الفَرْق لا يَدْفعُه دافعٌ، ولا يَشكُّ فيه شاكٌّ، ولا يَخْفى فسادُ أحدِهما في موضع الآخر.
فلو قلتَ: "أأَنْتَ بَنيتَ الدارَ التي كنتَ على أنْ تَبنيها؟ "، "أَأَنْتَ قلتَ الشعرَ الذي كان في نفسِك أن تَقولَه؟ "، "أأَنْتَ فرغْتَ منَ الكِتاب الذي كنتَ تكْتُبه؟ "، خرَجْتَ منِ كلام الناس. وكذلك لو قلْتَ: "أبَنَيْتَ هذه الدارَ؟ "، "أَقلت هذا الشعرَ؟ "، "أَكتبتَ هذا الكتابَ؟ "، قلْتَ ما ليس بقولِ. ذاكَ لِفَساد أنْ تقولَ في الشيء المُشَاهَدِ الذي هو نُصْبُ عينيكَ أَموجودٌ أم لا؟
ومما يُعلَمُ به ضرورةً أنه لا تكونُ البدايةُ بالفعل كالبداية بِالاسم أَنك تقولُ: "أقلتَ شعراً قط؟ "، "أرأيتَ اليومَ إِنساناً؟ "، فيكونُ كلاماً مستقيماً. ولَو قلتَ: "أأنتَ قلت شعرًا قط؟ "، "أأنت رأيت إنسانًا"، أحلت1، وذاك أَنه لا مَعْنى للسؤالِ عن الفاعلِ مَنْ هو في مثلِ هذا، لأنَّ ذلك إِنما يُتَصوَّر إِذا كانتِ الإشارةُ إِلى فعلٍ مخصوصٍ نَحْوَ أَنْ تقولُ: "مَنْ قال هذا الشعر؟ "، و "من بنى هذا الدار؟ " و "من أتاك اليوم؟ "، و "من أذن لك من الذي فعلتَ؟ "، وما أشبَه ذلك مما يُمكنُ أن يُنَصَّ فيه على مُعَيَّنٍ. فأمَّا قيلُ شعرٍ على الجملة، ورؤيةُ إنسانٍ على الإِطلاق، فمُحَالٌ ذلك فيه، لأَنه ليس مما يُخْتصُّ بهذا دون ذاكَ حتى يُسْأَلَ عن عينِ فاعلهِ.
ولو كان تقديمُ الاسم لا يُوجب ما ذكَرْنا، من أنْ يكونَ السؤالُ عن
__________
1 في المطبوعة: "أخطأت"، وقال إنها أثبتها مكان "أحلت"، وهو خطأ منه. و "أحلت"، أتيت بالمحال.
(1/112)

الفاعل مَنْ هو؟ وكان يَصِحُّ أن يكونَ سؤالاً عن الفعلِ أكانَ أمْ لم يكُنْ؟ لكانَ ينبغي أَنْ يستقيمَ ذلك1.
105 - واعلمْ أَنَّ هذا الذي ذكرتُ لك في "الهمزة وهي للاستفهام" قائمٌ فيها إِذا هيَ كانت للتقرير. فإِذا قلتَ: "أَأَنْتَ فعلتَ ذاك؟ "، كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل.
الاستفهام للتقرير:
يُبَيِّنُ ذلكَ قولُه تعالى، حكايةً عن قَوْل نمروذ2: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيم} [الأنبياء: 62] لا شبْهةَ في أنَّهم لم يقولوا ذلك له عليه السلامُ وهم يُريدون أنْ يُقِرَّ لهم بأَنَّ كَسْرَ الأصنام قد كانَ، ولكنْ أن يقر بأنه منه كان، وكيف؟ 3 وقد أشاروا له إِلى الفِعل في قولهم: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا}، وقال هو عليه السلام في الجواب4: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، ولو كان التقريرُ بالفعلِ لَكانَ الجوابُ: "فَعلْتُ، أوْ: لم أَفْعَل".
فإِن قلتَ: أوَ ليسَ إِذا قال "أَفَعَلْتَ؟ " فهو يريدُ أيضاً أن يُقرِّره بأَنَّ الفعلَ كان منه5، لا بأنه كان على الجملة، فأيُّ فَرْقٍ بينَ الحالَيْنِ؟
__________
1 أسقط كاتب "س" فكتب: "أن يكون السؤال عن الفاعل أكان أم لم يكن".
2 "حكاية عن قول نمرود"، ليس في "س".
3 "كيف"، ليس في المطبوعة، ولا في "ج"، وهي من "س"، وأسقط "ج": "كان" التي قبلها.
4 في "س": قال عليه السلام، بل فعله".
5 في "ج": "أن يقرره بالفعل".
(1/113)

فإِنَّه إِذا قال1: "أَفَعَلْتَ؟ " فهو يقرره بالفعلِ مِنْ غيرِ أن يُردِّدَه بينَه وبينَ غيرهِ2، وكان كلامُه كلامَ مَنْ يُوهِمُ أنه لا يَدْري أنَّ ذلك الفعلَ كان على الحقيقةِ وإِذا قال: "أأنت فعلتَ؟ "، كان قد ردَّدَ الفعلَ بينهُ وبين غيره، ولم يكُنْ منهُ في نفيِ الفعلِ تردُّدٌ3، ولم يكنْ كلامُه كلامَ مَنْ يُوهم أنه لا يَدْري أَكانَ الفعلُ أمْ لم يَكُنْ، بدلالةِ أَنك تقولُ لك والفعلُ ظاهرٌ موجودٌ مشارٌ إِليهِ، كما رأيْتَ في الآية.
106 - واعلمْ أنَّ "الهمزةَ" فيما ذكرنا تَقريرٌ بفعلٍ قد كان، وإنكارٌ له لِمَ كان، وتوبيخٌ لفاعِلِه عليه.
ولها مذهبٌ آخَرُ، وهو أن يكون الإنكار أَنْ يكونَ الفعلُ قد كانَ مِنْ أَصْله. ومثالُه قولُه تعالى {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا} [الإسراء: 40]، وقولُه: عزَّ وجلَّ: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 153، 154]، فهذا رَدٌّ على المشركينَ وتكذيبٌ لهم في قولِهم ما يُؤَدِّي إِلى هذا الجهلِ العظيم، وإذا قدم الاسم فيهذا صارَ الإنكارُ في الفاعل. ومثالُه قولُكَ للرجل قد انْتَحلَ شِعراً: "أأَنْتَ قلتَ هذا الشعرَ؟ كذبتَ، لسْتَ ممنْ يُحْسِن مِثلَه"، أَنْكَرْتَ أنْ يكون القائل ولم تنكر الشعر.
__________
1 "فإنه"، جواب قوله: "فإن قلت".
2 في "ج" فوق: "يردده" ما نصه: "أي الفعل"، يعني أن الضمير يعود إلى، "الفعل" لا إلى المسئول.
3 في "ج" أسقط جملة: "ولم يكن ..... تردد".
(1/114)

وقد يكون أن يُرادُ إنكارُ الفعلِ من أَصْله1، ثم يُخرَجُ اللفظُ مخرجَه إِذا كان الإِنكار في الفاعل. مثالُ ذلك قولُه تعالى: {قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} [يونس: 59]، "الإذْنُ" راجعٌ إِلى قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا} [يونس: 59]، ومعلومٌ أَنَّ المعنى على إِنكارِ أنْ يكونَ قد كانَ منَ الله تعالى إذْنٌ فيما قالوه، من غيرِ أن يكونَ هذا الإذْنُ قد كانَ من غيرِ الله، فأضافوه إِلى الله، إلاَّ أَنَّ اللفظَ أُخرجَ مخرَجَهُ إِذا كانَ الأمرُ كذلك، لأنْ يُجعَلوا في صورةٍ مَنْ غَلِطَ فأضافَ إِلى الله تعالى إذْناً كان من غير الله، فإذا حقق عليها ارتدع.
ومثال ذاك قولُكَ للرجلِ يَدَّعي أنَّ قولاً كان ممَّن تَعْلَم أنه لا يقولُه: "أهوَ قالَ ذاك بالحقيقةِ أم أنتَ تَغْلَطُ؟ "، تضَعُ الكلامَ وضْعهَ إِذا كنتَ علمتَ أنَّ ذلك القولَ قد كان مِنْ قائلٍ، لينصرِفَ الإنكارُ إِلى الفاعل، فيكونَ أَشَدَّ لنفيِ ذلك وإِبطالِه.
ونظيرُ هذا قولُه تعالى: {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} [الأنعام: 143]، أُخرجَ اللفظُ مَخْرجَه إِذا كان قد ثبتَ تحريمٌ في أحدِ أشياءَ، ثم أُريدَ معرفةُ عينِ المحرَّم، معَ أنَّ المُرادَ إنكارُ التَّحريم مِنْ أصلهِ، ونَفْيُ أنْ يكونَ قد حُرم شيءٌ مما ذكروا أنه محرَّم. وذلك أنْ الكلامُ وُضعَ على أن يُجعلَ التحريمُ كأنه قد كانَ2، ثم يُقال لهم: "أَخْبِرونا عن هذا التَّحريم الذي زعمتُمْ، فيمَ هو؟ أفي هذا أم ذاك أم في الثالث؟ " ليتبيَّنَ بُطْلانُ قولِهمْ، ويَظْهَرَ مكانُ الفِرْية مِنهم على الله تعالى.
__________
1 في المطبوعة وحدها: "إذ يراد"، فاضطربت الجملة.
2 في المطبوعة: "وذلك أن كلام الكلام"، وفي "س": "وذلك لأن الكلام".
(1/115)

ومثلُ ذلك قولُكَ للرجلِ يدَّعي أمراً وأنتَ تُنْكِره1: "متى كان هذا؟ أفي ليلٍ أم نهار؟ " وتضع الكلامَ وضْعَ مَنْ سَلَّم أنَّ ذلك قد كانَ، ثم تُطالبه ببيانِ وقتهِ، لكي يَتَبيَّنَ كذبَهُ إِذا لم يَقْدر أن يَذكُرَ له وقتاً ويُفتضَح. ومثلُهُ قولُكَ: "مَنْ أَمرَكَ بهذا مِنَّا؟ وأَيُّنا أَذِنَ لكَ فيه؟ "، وأنتَ لا تَعني أنَّ أَمْراً قد كانَ بذلك مِنْ واحدٍ منكمِ، إِلاّ أنَّكَ تَضَعُ الكلامَ هذا الوضْعَ لكي تُضيِّقَ عليه، ولِيَظْهَر كَذِبُه حينَ لا يَستطيعُ أنْ يقولُ: "فلانٌ"، وأَنْ يُحيلَ على واحد2.
تقديم الفعل وتقديم الاسم والفعل مضارع في الاستفهام:
107 - وإِذ قد بينَّا الفَرْقَ بينَ تَقديمِ الفعلِ وتقديم الاسم، والفعلُ ماضٍ، فينبغي أن تنظر فيه والفعلُ مضارعٌ.
والقولُ في ذلك أَنك إِذا قلت: "أَتفَعلُ؟ " و "أَأَنْتَ تَفعل؟ " لم يَخْلُ من أن تُريدَ الحالَ أوِ الاستقبالَ. فإِنْ أردتَ الحالَ كان المعنى شَبيهاً بما مَضى في الماضي، فإِذا قلتَ: "أتفعلُ؟ " كان المعنى على أنكَ أردتَ أن تُقرِّره بفعلٍ هو يفعلُه، وكنتَ كمَن يُوهِمِ أنه لا يَعلمُ بالحقيقةِ أنَّ الفعلَ كائنٌ وإِذا قلتَ: "أأَنتَ تَفْعل؟ "، كان المعنى على أنك تريدُ أن تُقرِّره بأنه الفاعلُ، وكانَ أمْرُ الفعلِ في وجودِه ظاهراً، وبحيثُ لا يُحتاج إِلى الإِقرارِ بأنه كائن وإِن أردتَ بـ "تَفْعلُ" المستقبلَ، كان المعنى إِذا بدأْتَ بالفعلِ على أنك تَعْمد بالإِنكارِ إِلى الفعل نفسه، وتَزعم أنه لا يكونُ، أو أنَّه لا ينبغي أن يكون، فمثال الأول:
__________
1 في "ج": "قول الرجل"، سهو منه.
2 في "س": "على أحد".
(1/116)

أَيقتُلُني والمَشْرَفيُّ مُضَاجِعي ... وَمَسْنونةٌ زُرْقٌ كأَنيابِ أغوالِ؟ 1
فهذا تكذيبٌ منه لإنسانٍ تهَدَّدَهُ بالقتل2، وإنكارٌ أن يَقْدر على ذلك ويَستطيعَه. ومثْلُه أن يَطمعَ طامعٌ في أمرٍ لا يكونُ مثْلَهُ، فتُجهِّلَه في طمعهِ فتقولَ: "أيرضِى عنكَ فلانٌ وأنتَ مقيمٌ على ما يَكرهُ؟ أتَجِدُ عندَه ما تُحبُّ وقد فَعلتَ وصنَعْت؟ "، وعلى ذلك قولُه تعالى: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 28].
ومثال الثاني، قولك لرجل يركَب الخطرَ: "أتَخرجُ في هذا الوقتِ؟ أتذْهَبُ في غير الطريق؟ أتغرر بنفسك" وقولك لرجل يُضيعُ الحقَّ: "أَتنسى قديمَ إحسانِ فلانٍ؟ أتترْكُ صُحبتَه وتَتغيرُ عن حالك معَهُ لأنْ تغيَّر الزمان؟ " كما قال:
أأتركُ أنْ قلَّتْ دراهمُ خالدٍ ... زيارتَه إِنّي إذا للئيم3
تفسير تقديم الفعل المضارع:
108 - وجملةُ الأمر أَنك تَنْحو بالإِنكارِ نَحْوَ الفعلِ، فإنْ بدأتَ بالاسمِ فقلتَ: "أأنتَ تَفعلِ؟ " أو قلتَ" "أهوَ يفعلُ؟ "، كنتَ وجَّهْتَ الإنكارَ إِلى نفسِ المذكورِ، وأبيْتَ أن تكونَ بموضعِ أَنْ يجيءَ منه الفعلُ وممن يجيءُ منه، وأن يكونَ بتلك المثابة.
__________
1 شعر امرئ القيس، في ديوانه.
2 في "س": "يهدده".
3 كامل المبرد1: 183، وفي مجموع شعر عمارة بن عقيل: 75، بقوله في خالد بن يزيد ابن مزيد الشيباني.
(1/117)

تفسير ذلك، أنك إذا قلت: "أأنت تمنعي؟ "، "أأنتَ تأخذُ على يدي؟ "، صرتَ كأنك قلتَ: إنَّ غيرَك الذي يستطيعُ منْعي والأخْذَ على يدي، ولستَ بذاك، ولقد وضعتَ نفسَك في غيرِ موضعِك هذا، إِذا جعلْتَه لا يكونُ منه الفعلُ للعَجْز، ولأنه ليس في وُسْعه.
وقد يكونُ أن تجعلَه لا يجيءُ منه، لأنه لا يَختارُه ولا يَرْتضيه، وأنَّ نفْسَه نفسٌ تَأْبى مثلَه وتَكْرَهُه. ومثالُهُ أن تَقول: "أَهو يسأَل فلاناً؟ هو أَرفعُ همَّةً من ذلك"، "أَهو يمَنعُ الناسَ حقوقَهم؟ هو أكرمُ من ذاك".
وقد يكونُ أن تَجعله لا يَفْعله لصِغَر قدْره وقِصَر همَّته، وأَنَّ نفْسَه نَفسٌ لا تَسمو. وذلك قولُك: "أهوَ يَسْمح بمثلِ هذا؟ أهوَ يرتاحُ للجميل؟ هو أقصرهمة من ذلك1، وأَقلُّ رغبةً في الخيرِ مما تظن".
__________
1 "من ذلك"، ساقطة من "س".
(1/118)

مواضع التقديم والتأخير: الاستفهام
تفسير تقديم الاسم والفعل مضارع:
109 - وجملةُ الأَمرِ أنَ تقديَم الاسمِ يَقْتضي أنَّك عَمَدتَ بالإِنكارِ إِلى ذاتِ مَنْ قيلَ "إِنَّه يَفْعل" أو قالَ هو "إني أفعلُ"، وأردتَ ما تُريدُه إِذا قلتَ: "ليسَ هوَ بالذي يفعلُ، وليس مثلُه يَفعل" ولا يكونُ هذا المعنى إِذا بدأتَ بالفعل فقلتَ: "أَتفعل؟ ". أَلا ترى أن من المُحالَ أنْ تَزعم أنَّ المعنى في قولِ الرجلِ لصاحبهِ: "أتَخْرجُ في هذا الوقتِ؟ أتغرِّرُ بنفسكَ؟ أتمضي في غيرِ الطريق؟ "، أنَّه أَنكَرَ أنْ يكونَ بمثابةِ مَن يفعلُ ذلك، وبموْضعِ من يجيء منه ذاكَ؛ لأنَّ العِلمَ مُحيطٌ بأنَّ الناسَ لا يُريدونه، وأنَّه لا يَليقُ بالحالِ التي يُستعملُ فيها هذا الكلامُ. وكذلك مُحالٌ أن يكونَ المعنى في قولِهِ جلَّ وعلاَ: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا
(1/118)

كَارِهُونَ} [هود: 28]، أنَّا لسْنا بمثابةِ مَنْ يجيءُ منه هذا الإلزامُ، وأَنَّ غيرَنا مَنْ يَفعله، جلَّ الله تعالى.
وقد يَتوهَّمُ المتوهمُ في الشيءِ مِن ذلك أنه يحتملُ، فإِذا نَظَر لم يَحْتمل، فمِنْ ذلك قولُه:
أيقتلُني والمشرفيُّ مُضاجِعي1
وقد يَظنُّ الظانُّ أنه يَجوز أن يكونَ في معنى أنه ليس بالذي يَجيء منه أن يَقْتلَ مثْلي، ويَتعلَّق بأنه قالَ قَبْلُ:
يَغِطُّ غَطيطَ البَكر شُدَّ خِنَاقُهُ ... لِيَقْتُلَنِي والمرءُ ليسَ بقتَّالِ
ولكنهُ إِذا نظَر عَلِمَ أنَّه لا يَجوز، وذاكَ لأنه قالَ: "والمشرفيُّ مضاجِعي" فذكَرَ ما يكونُ مَنْعاً منَ الفعل، ومحالٌ أن يقولَ: "هو ممَّنْ لا يَجيءُ منه الفعلُ"، ثم يقولُ: "إِني أَمنعُهُ"، لأنَّ المَنْعَ يُتَصَوَّر فيمن يَجيءُ منه الفعلُ، ومَع مَنْ يَصِحُّ منه، لا مَنْ هو منه مُحالٌ، ومَن هو نفسه عنه عاجز، فاعرفه.
تفسير الاستفهام الدال على الإنكار:
110 - واعلمْ أَنَّا وإِنّ كنَّا نُفَسِّر "الاستفهامَ" في مثلِ هذا بالإِنكار فإنَّ الذي هو مَحْضُ المعنى: أَنه لِيَتَنَبَّه السامعُ حتى يَرجعَ إِلى نفسِه فيخجلَ ويرتدعَ ويعيي بالجواب2، إمَّا لأنه قدِ ادَّعَى القدرةَ عَلَى فِعْلٍ لا يَقدرُ عليه، فإِذا ثبتَ على دَعْواه قيل له: "فافْعَلْ"، فيَفْضحُه ذلك3 وإمَّا لأنه هم
__________
1 انظر البيت في رقم: 107.
2 في "س": "لقيته السامع"، وأسقط "ليرتدع".
3 في "ج": "ففضحه".
(1/119)

بأنْ يفعلَ ما لا يَسْتصوِبُ فِعْلَه، فإِذا رُوجع فيه تنبَّه وعرَفَ الخطأَ وإِمّا لأَنه جوَّزَ وجودَ أمرٍ لا يُوجَدُ مثلُه، فإِذا ثبت على تجويزه قبح على نفسه1، وقيلَ له: "فأَرِناهُ في موضعٍ وفي حالٍ، وأقِمْ شاهداً على أنَّه كان في وقْت".
ولو كانَ يكونُ للإِنكار، وكان المعنى فيه مِنْ بَدْء الأمر2، لكان يَنْبغي أَنْ لا يَجيءَ فيما لا يَقولُ عاقلٌ إنه يكونُ، حتى يُنْكَرَ عليه، كَقَولهم: "أَتصعدُ إِلى السماء؟ "، "أتستطيعُ أن تَنْقلَ الجبالَ؟ "، "أَإِلى رَدِّ ما مضَى سبيلٌ؟ ".
111 - وإذْ قد عرفْتَ ذلك، فإِنَّه لا يُقرِّر بالمُحال، وبما لا يقولُ أَحدٌ إِنه يكونُ، إلاَّ على سبيلِ التمثيلِ، وعلى أنْ يُقالَ له: "إنَّكَ في دَعْواك ما ادَّعَيْتَ بمنزلةِ مَنْ يَدَّعي هذا المُحال، وإنكَ في طَمَعك في الذي طمعْتَ فيه بمنزلةِ مَنْ يَطْمعُ في الممتنع".
112 - وإِذ قد عَرَفْتَ هذا، فَمِمَّا هو مِنْ هذا الضربِ قولُه تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ} [الزخرف: 40]، ليس سماع الصُّم مما يدَّعيه أَحدٌ فيكون ذلك للإِنكار3، وإِنَّما المعنى فيه التمثيلُ والتَّشبيهُ، وأَنْ يُنْزَّل الذي يُظَنُّ بهم أنهم يَسْمعون، أو أنه يستطيعُ إسماعِهم، مَنْزلةَ مَنْ يَرى أنه يُسْمِعُ الصمَّ ويَهدي العُمْيَ ثمَّ المعنى في تَقديم الاسمِ وأَنْ لم يُقَلْ: "أَتُسمع الصمَّ"، هو أن يُقال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: "أأنت خصوصًا قد أوتيت
__________
1 في المطبوعة: "وبخ على تعنته"، وأثبت ما في المخطوطتين.
2 في هامش "ج" ما نصه: أي: وكان الإنكار المعنى، بمعنى أنه في "كان"، ضمير الإنكار".
3 في "س": "ليس إسماعهم مما يدعيه".
(1/120)

أنْ تُسمِعَ الصمَّ؟ " وأن يُجْعَل في ظَنَّه أنَّه يستطيعُ إِسماعَهم، بمثابةِ مَنْ يَظُنُّ أنَّه قد أُوتيَ قدرةً على إِسماعِ الصُّمَّ.
ومن لطيف ذلك قول ابن أبي عيينة1:
فدَع الوعيدَ فَما وعيدُكَ ضائري ... أَطنِينُ أجنحةِ الذُّبَابِ يَضيرُ2؟
جعلَه كَأنه قد ظَنَّ أنَّ طنينَ أجنحةِ الذبابِ بمثابةِ ما يَضيرُ، حتى ظن أن وعيده يضير.
تفسير تقديم المفعول على المضارع، وهو فعل لم يكن:
113 - واعلمْ أنَّ حالَ المفعولِ فيما ذكرنا كحالِ الفاعلِ، أعني تقديمَ إسمِ المفعول يَقتضي أنْ يكونَ الإنكارُ في طريق الإِحالة والمنعِ مِنْ أن يكونَ3، بمثابةِ أَنَّ يُوقَع به مثلُ ذلك الفعلُ، فإِذا قلْتَ: "أزيداً تضربُ؟ "، كنتَ قد أَنكرْتَ أن يكونَ "زيدٌ" بمثابة أن يُضرَبَ، أَو بموضعٍ أن يُجْترأَ عليه ويُسْتَجازَ ذلك فيه، ومِن أَجْل ذلك قُدِّمَ "غير" في قولهِ تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} [الأنعام: 14] وقولهِ عزَّ وَجَلَ: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} [الأنعام: 40]، وكان له من الحُسْن والمزيَّة والفخامة، ما تَعلمُ أنه لا يكونُ لو أُخِّرَ فقيلَ: "قلْ أأتخذ غير الله وليًا".
__________
1 في "س": "ابن عيينة": وهو خطأ، هو: "عبد اللهبن محمد بن أبي عيينة".
2 من شعره، في كامل المبرد 1: 248. يقوله لعلي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان دعاه إلى نصرته حين ظهرت المبيضة، فلم يجبه، فتوعده علي بن محمد، فقال له هذا الشعر:
أعلى إنك جاهل مغرور ... لا ظلمة لك ولا لك نور
3 في المطبوعة: "أعني تقدم الاسم المفعول".
(1/121)

و "أتدعون غيرَ الله؟ "1 وذلك لأنه قد حصَل بالتقديم معنى قولك: "أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ ولياً؟ وأَيرْضى عاقلٌ مِنْ نفسهِ أنْ يفعلَ ذلك؟ وأيكونُ جهلٌ أجهلَ وعمّى أعمى من ذلك؟ "، ولا يكونُ شيءٌ مِن ذلك إِذا قيلَ: "أأتَّخِذُ غيرَ الله ولياً". وذلك لأنَّه حينئذٍ يَتَناولُ الفعلَ أن يكونَ فقط، ولا يَزيد على ذلك، فاعرفْه.
114 - وكذلك الحكْمُ في قولِهِ تَعالى: {فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ} [القمر: 24] 2، وذلك لأنهم كُفْرَهم على أَنَّ مَنْ كان مثْلَهم بَشَراً، لم يكُن بمثابةِ أنْ يُتَّبع ويُطاع، ويُنْتَهَى إِلى ما يَأْمر، ويُصدَّقَ أَنه مبعوثٌ منَ الله تعالى، وأنهم مأمورون بطاعتهِ، كما جاء في الأُخرى: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا} [إبراهيم: 10]، وكقوله عزَّ وجلَّ {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً} [المؤنون: 24].
فهذا هو القولُ في الضَّربِ الأَول، وهو أن يكونَ "يَفْعلُ" بَعد الهمزة لِفعلٍ لم يكن.
معنى التقديم والفعل موجود:
115 - وأما الضربُ الثاني، وهو أن يكونَ "يَفْعَل" لفعلٍ موجودٍ، فإنَّ تقديمَ الاسم يَقتضي شَبَهاً بما اقتضاهُ في "الماضي"3، منَ الأخذ بأن يُقرَّ أنه الفاعلُ، أو الإِنكارُ أنَ يكونَ الفاعل.
__________
1 في هامش "ج" هنا حاشية لم أستطع أن أقرأها.
2 في المطبوعة و "ج": {قالوا أبشرًا}، وفي "س": "وقالوا"، والتلاوة ما أثبت.
3 في المطبوعة: "شبهًا"، وكذلك في نسخة عند "س".
(1/122)

فمثالُ الأوَّلِ قولُك للرجل يَبْغي ويَظْلِمُ: "أَأنت تجيءُ إلى الضَّعيف فتغضبُ مالَه؟ "، "أأنتَ تَزْعُم أنَّ الأمرَ كَيْتَ وكَيتَ؟ " وعلى ذلك قولُه تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين} [يونس: 99].
ومثال الثاني: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} [الزخرف: 32].
(1/123)

مواضع التقديم والتأخير: النفي
فصل- التقديم والتأخير في النفي:
116 - وإذا قد عرَفْتَ هذه المسائلَ في "الاستفهام"، فهذهِ مسائلِ في "النَّفي".
إذا قلْتَ: "ما فعلتُ"، كنْتَ نَفَيْتَ عنك فِعْلاً لم يَثْبتْ أَنه مفعولٌ وإِذا قلتَ: "ما أنا فعلْتُ"، كنتَ نفيت عنك فعلا يثبت أَنه مفْعُولٌ1.
تفسيرُ ذلك: أَنك إذا قلتَ: "ما قلتُ هذا"، كنتَ نَفيتَ أن تكونَ قد قلْتَ ذاك، وكنتَ نُوظرْتَ في شيءٍ لم يَثْبُتْ أنه مَقُولٌ؟
وإِذا قلتَ: "ما أنا قلتُ هذا"، كنتَ نفَيْتَ أن تكون القائلَ له، وكانتِ المناظرةُ في شيءٍ ثَبَتَ أنه مقُولٌ. وكذلك إذا قلتَ: "ما ضربتُ زيداً"، كنتَ نفيتَ عنكَ ضَرْبَه، ولم يَجِبْ أن يكونَ قد ضُرِبَ، بل يَجوزُ أن يكون ضَرَبَه غَيرُك، وأنْ لا يكونَ قد ضُرِبَ أصْلاً. وإِذا قلتَ: "ما أنا ضربْتُ زيداً"، لم تَقلْه إلاَّ وزَيدٌ مضروبٌ، وكان القصْدُ أن تَنْفي أنْ تكونَ أنتَ الضاربَ.
ومن أَجْل ذلك صَلُحَ في الوجهِ الأولِ أن يكونَ المَنْفيُّ عامّاً كقولك: "ما قلتُ شعراً قط"، و "ما أكلت اليوم شيئًا" و "ما أنا قلت شعرًا قط", "ما أنا أكلت اليوم شيئًا" و "ما أنا رأيت أحدًا من الناس"، وذلك أنه يقتضي المحال، وهو أن يكون ههنا إنسانٌ قد قالَ كلَّ شعرٍ في الدُّنيا، وأكلَ كلَّ شيءٍ يؤكلُ، ورأى كلَّ أحدٍ من الناس، فنفيت أن تكونه.
__________
1 في المطبوعة: "ثبت أنه"، وفي "س": "نثبت" مشكولة.
(1/124)

117 - ومما هو مثالٌ بيِّن في أنَّ تقديمَ الاسم يقتضي وجود الفعل قوله:
ومَا أنا أَسقَمْتُ جِسْمي بهِ ... وَلا أنا أَضرمتُ في القلبِ ناراً1
المَعنى، كما لا يَخفي، على أن السُّقمَ ثابتٌ موجودٌ، وليس القصدُ بالنفي إليه، ولكنْ إلى أن يكونَ هو الجالبَ له، ويكونَ قد جرَّه إلى نفسه.
ومثله في الوضوح قوله:
وما أنا وَحدي قلتُ ذا الشعرَ كلَّهُ2
"الشعرُ" مَقولٌ على القَطْع، والنفَّي لأنْ يكونَ هو وحده القائل له.
118 - وههنا أَمران يَرتفعُ معهُما الشكُّ في وجوبِ هذا الفَرْق، ويَصيرُ العِلمُ به كالضَّرورة.
أحَدُهما: أنه يَصِحُّ لكَ أن تقولَ: "ما قلتُ هذا، ولا قاله أحد من الناس"، و "ما ضربتُ زيداً، ولا ضَرَبَه أحدٌ سوِاي"، ولا يصحُّ ذلك في الوجهِ الآخر. فلو قلتَ: "نما أنا قلتُ هذا، ولا قالَه أحدٌ من الناس" و "ما أنا ضَربتُ زيداً، ولا ضرَبَهُ أَحدٌ سواي"، كان خلفًا من القول3، وكان من التَّناقضِ بمنزلةِ أن تقولَ: "لستُ الضاربَ زيداً أمس"، فتثبت أنه قد ضرب،
__________
1 هو شعر المتنبي في ديوانه.
2 هو من شعر المتنبي، في ديوانه، وتتمة البيت:
ولكن لشعري فيك من نفسه شعر
3 "الخلف"، بفتح الخاء وسكون اللام، الردئ من القول، يقال في المثل: "سكت ألفًا، وتطلق خلفًا".
(1/125)

ثم يقول مِنْ بَعدهِ: "وما ضَرَبَه أحدٌ مِن الناس"، و "لست القائلَ ذلك"، فتُثبِتَ أنه قد قيلَ، ثم تجيء فتقول و "ما قالَه أَحدٌ من الناس".
والثاني منَ الأمرين أَنك تقولُ: "ما ضربتُ إلاَّ زيداً"، فيكونُ كلاماً مسْتقيماً، ولو قلتَ: "ما أنا ضربتُ إلا زيدًا"، كان لغو من القول، وذلك لأن نقض النفي بـ "إلا" يَقْتضي أن تكونَ ضربْتَ زيداً وتقديمُكَ ضميرَك وإيِلاؤه حَرْفَ النفْي، يقتضي نَفْي أن تكونَ ضربته، فهما يتدافعان1.فاعرفه.
تقديم المفعول وتأخيره في النفي:
119 - ويجيءُ لك هذا الفرقُ على وَجْهه في تقديمِ المفعولِ وتأخيرِه.
فإِذا قلتَ: "ما ضربتُ زيداً"، فقدَّمْتَ الفعلَ، كان المعنى أَنك قد نَفيْتَ أن يكونَ قد وقَع ضَرْبٌ منك على زيدٍ، ولم تَعرِضْ في أَمرٍ غَيرهِ لنفيٍ ولا إثباتٍ، وتركْتَه مُبْهَماً محتمَلاً.
وإذِا قلتَ: "ما زيداً ضربتُ"، فقدَّمْتَ المفعولَ، كان المعنى على أنَّ ضرْباً وقعَ منكَ على إنسانٍ، وظُنَّ أنَّ ذلك الإنسانَ زيدٌ، فنفيتَ أَن يكون إيَّاه.
فلكَ أن تقولَ في الوجهِ الأول: "ما ضربتُ زيداً ولا أحداً من الناس"، وليس لك [ذلك] في الوجه الثاني2. فلو قلتَ: "ما زيداً ضربتُ ولا أحداً من الناس"، كان فاسداً على ما مضى في الفاعل.
__________
1 "يتدافعان"، أي يدفع أحدهما الآخر ويبعده، وينفيه.
2 "ذلك"، زيادة من "س".
(1/126)

120 - ومما ينبغي أن تَعلمه1، أنه يَصحُّ لك أن تقولَ: "ما ضربتُ زيداً، ولكني أكْرمتُه"، فُتعْقِبَ الفعلَ المنفيَّ بإثباتِ فعلٍ هو ضدُّه ولا يصحُّ أن تقولَ: "ما زيداً ضربتُ، ولكني أكرمتُه"2 وذاك أنكَ لم تُرِد أن تقولَ: لم يكن الفعلُ هذا ولكنْ ذاك، ولكنَّك أردتَ أنه لم يكن المفعولُ هذا، ولكنْ ذاك. فالواجب إذن أن تقولَ: "ما زيداً ضربتُ ولكنْ عمراً".
وحكْمُ الجارِّ مع المجرور في جميع ما ذَكرنا حكْم المنصوبِ، فإِذا قلتَ: "ما أمَرْتُك بهذا"، كان المعنى على نفْيِ أن تكونَ قد أمرتَه بذلك، ولم يَجبْ أن تكونَ قد أمرتَه بشيءٍ آخرَ وإِذا قلتَ: "ما بهذا أمرْتُك"، كنتَ قد أمرتَه بشيءٍ غيرِه.
__________
1 في "ج": "أن تعلمه إياه"، "إياه" زيادة مفسدة للكلام.
2 سقط من "س" هذه الجملة: "فتعقب الفعل .... ولكني أكرمته".
(1/127)

مواضع التقديم والتأخير: الخبر
فصل 1: التقديم والتأخير في الخبر المثبت وهو قسمان:
121 - واعلم أن الذي بان لك في "الاستفهام" و "النفي" منَ المعنى في التقديمِ، قائمٌ مثْلُه في "الخَبَر المُثْبَت".
فإِذا عمدْتَ إلى الذي أردتَ أن تحدث عنه فعل فقدَّمْتَ ذِكرَه، ثُمَّ بنيتَ الفعلَ عليه فقلتَ: "زيد قد فعل" و "أنا فعلت"، و "أنت فعلْتَ"، اقتضى ذلك أن يكونَ القصدُ إلى الفاعلِ، إلاَّ أنَّ المعنى في هذا القصدِ ينقسم قسمين:
القسم الجلي:
أَحدُهما جليٌّ لا يُشْكِلُ: وهو أن يكون الفعلُ فِعْلاً قد أردتَ أن تَنُصَّ فيه على واحدٍ فتجعلَه له، وتزعمُ أنه فاعلُه دونَ واحدٍ آخرَ، أو دونَ كلِّ أحدٍ.
ومثالُ ذلك أن تقولَ "أنا كتبتُ في معنى فلانٍ وأنا شفعتُ في بابه"2، تُريد أن تَدَّعِيَ الانفرادَ بذلك والاستبدادَ به، وتُزيلَ الاشتباهَ فيه، وتردَّ على من زَعم أنَّ ذلك كان مِنْ غيرِك، أو أَنَّ غيرَكَ قد كتَب فيه كما كتبتَ. ومن البيِّن في ذلك قولُهم في المثَل "أَتُعْلِمُنِي بِضَبٍّ أنا حرشته"3.
القسم الثاني وتفسيره:
والقسمُ الثاني: أن لا يكونَ القصْدُ إلى الفاعلِ على هذا المعنى، ولكنْ على أنك أردتَ أن تُحقِّق على السامع أَنه قد فعل، وتمنعه من الشك، فأنت
__________
1 "فصل"، في "ج" و "س"، وليس في المطبوعة.
2 معنى "معنى فلان"، "باب فلان"، أي: في شأنه وأمره.
3 المثل مشهور، في الميداني 1: 109، وجمهرة الأمثال 1: 76، و "حرش الضباب"، صديها، بأن يحرك يده عند جحر الضب حتى يظنه الضب حية فيخرج ذنبه ليضربها فيأخذه الحارش. وقوله: "أتعلمن"، أي أتخبرني.
(1/128)

لذلك تبدأ بذِكْره، وتَوَقُّعِه أوّلاً ومِنْ قَبْلِ أن تَذكر الفعلَ في نفسه1، لكي تُباعِدَه بذلك من الشُّبْهة، وتَمْنعَه من الإِنكار، أَوْ مِنْ أن يُظَنَّ بك الغَلطُ أو التزيُّدُ. ومثالُه قولُك: "هو يعطي الجزيل"، و "هو يُحبُّ الثناءَ"، لا تُريد أن تَزعم أنه ليس هنا مَنْ يُعطي الجزيلَ ويُحِبُّ الثناءَ غيرَهُ، ولا أن تُعرِّض بإنسانٍ وتحطَّه عنه، وتجعلَه لا يُعطي كما يُعْطي، ولا يَرْغَبُ كما يَرغب2، ولكنكَ تريدُ أن تُحقِّق على السامعِ أنَّ إعطاءَ الجزيل وحُبَّ الثناءِ دأْبُهُ، وأن تُمكِّن ذلك في نفسه.
121 - ومثاله في الشعر:
همُ يفْرِشُونَ اللِّبدَ كلَّ طمِرَّةٍ ... وأَجْردَ سَبَّاحٍ يَبُذُّ المُغَالِبَا3
لم يُرِدْ أنْ يدَّعي لهم هذه الصفةَ دَعْوى مَنْ يُفرِدُهم بها، ويَنصُّ عليهم فيها، حتى كأنهُ يَعرِّضُ بقومٍ آخرين، فينْفي أن يكونوا أصحابَها. هذا مُحال. وإِنَّما أرادَ أن يصِفَهم بأنهم فرسانٌ يَمتهِدون صَهَواتِ الخيلِ، وأنهم يَقْتعدون الجِيادَ منها4، وأنَّ ذلك دأبُهُم، من غير أن يَعْرض لِنفْيه عن غَيرهم، إلاَّ أنه بدأَ بذكرِهم لِيُنبِّه السامعَ لهم، ويُعْلِمَ بَدِيّاً قصْدَه إليهم بما في نفسهِ من الصفة5،
__________
1 السياق: "وتوقعه أولًا .... في نفسه".
2 يعني: يرغب في الثناء.
3 "اللبد" الصوف أو الشعر المتلبد وقد جرت العادة بوضع قطعة منه على ظهر الفرس تحت السرج للينه. و "الطمرة" أنثى الطمر وهو الفرس الجواد أو المتجمع المتداخل الخلق كأنه متهيئ للوئب دائمًا. و "الأجرد" الفرس القصير الشعر. و "السباح" الذي يشبه عدوه السباحة. و "يبذ" يغلب "رشيد".
4 عند رشيد رضا في نسخة: "يعتقدون"، أي يملكونها.
5 "بديًا"، أي ابتداء من أول الأمر.
(1/129)

ليمنَعَه بذلك من الشكَّ، ومِنْ توهُّم أن يكونَ قد وصفَهم بصفةٍ ليستْ هي لهم، أو أن يكونَ قد أرادَ غيرَهم فغَلِط إليه.
123 - وعلى ذلك قول الآخر:
هُمُ يَضْرِبونَ الكَبْشَ يَبْرُقُ بَيْضُه، ... عَلى وَجْهِهِ مِنَ الدِّماءِ سَبَائِبُ1
لم يُرد أن يدَّعيَ لهم الانفرادَ، ويَجْعلَ هذا الضربَ لا يكونُ إلاَّ منهم، ولكنْ أراد الذي ذكرتُ لك، مِنْ تَنبيهِ السَّامع لِقَصْدهم بالحديثِ من قَبْل ذِكْر الحديثِ، ليُحقِّق الأَمرَ ويؤكِّدَه.
124 - ومن البَيِّنِ فيه قولُ عروةَ بنِ أذينة:
سليمى أزمعت بينا ... فأين نقولها أَينا2
وذلك أنه ظاهرٌ معلومٌ أَنه لم يُرد أن يجعلَ هذا الإزْماعَ لها خاصة، ويجعلَها من جماعةٍ لم يُزْمِع البينَ منهُم أحدٌ سِواها. هذا محالٌ، ولكنه أرادَ أنْ
__________
1 الشعر للأخنس بن شهاب التغلبي، الجاهل القديم، من قصيدته في المفضليات رقم: 41، "الكبش"، قائد القوم. و "سبائب" جمع "سببية"، يعني على وجهه طرائق من الدم. وفي "ج": "هم يترقون الكبش"، سهو وخطأ.
2 في ديوان شعره: 397 - 400، وفي هامش المخطوطة، ما نصه: "وبعده:
وقد قالت لأتراب ... لها زهر تلافينا
تعالين، فقد طاب ... لنا العيش تعالينا
وغاب البرم الليـ ... ـلة، والعين فلا عينا
إلى مثل مهاة الرمـ ... ـل تكسو المجلس الزنيا
تمنين مناهن ... فكنا ما تمنينا
(1/130)

يُحقِّق الأمرَ ويؤكدَه. فأَوقَعَ ذِكرَها في سَمْعِ الذي كلم ابتداء من أَول الأمر.
ليعلَم قَبْل هذا الحديث أنه أرادَها بالحديث، فيكون ذلك أبعدَ له من الشك.
125 - ومثله في الوضوح قوله:
هُمَا يلْبسان المجْدَ أَحْسَن لِبْسةٍ ... شَحيحانِ ما اسْطاعا عليهِ كلاهُما1
لا شُبْهة في أنه لم يُرد أن يَقْصُر هذه الصفةَ عليهما، ولكن نَبَّه لهما قبْلَ الحديثِ عنهما.
126 - وأَبْيَنُ من الجميع قولُه تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الفرقان: 3]، وقوله عز وجل: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة: 61].
تقديم المحدث عنه يفيد التنبيه والتحقيق:
127 - وهذا الذي قد ذكرتُ من أنَّ تقديمَ ذكرِ المحدِّث عنه يفيدُ التنبيهَ له، قد ذكَرَه صاحبُ الكتاب في المفعولِ إذا قُدِّم فرُفِع بالابتداءِ، وبُنيَ الفعلُ الناصبُ كانَ له عليه2 وعُدِّيَ إِلى ضميرهِ فشُغِلَ به. كقولنا في "ضربت عبد الله": "عبد الله ضربته"، فقال: و "إنما" قلتُ: "عبدُ اللَّه"، فنبَّهْتُه له، ثم بَنيتُ عليه الفعل، ورفعته بالابتداء"3.
__________
1 الشعر لعمرة الخثعمية، ترثى ابنها، وقال أبو رياش: هو لدرماء بنت سيار بن عبعبة الخثعمية، شرح الحماسة للتبريزي 3: 60 - 64.
2 معنى العبارة: وبنى الفعل الذي كان له ناصبًا، عليه.
3 ما بين القوسين نص كلام سيبويه في الكتاب 1: 41، وسيأتي أيضًا بعد قليل، في آخر رقم: 141.
(1/131)

128 - فإِن قلتَ: فمِن أينَ وجَبَ أن يكونَ تقديمُ ذِكْر المحدِّثِ عنه بالفعلِ، آكَدَ لإِثباتِ ذلك الفعلِ له، وأن يكونَ قولُه: "هما يَلبسان المجْدَ"1، أبلغَ فى جعلِهما يلبسانهِ من أن يقال: "يلبسانِ المجد"؟
فإنِّ2 ذلك من أَجْل أنه لا يُؤتى بالاسم مُعَرَّى منَ العوامل إلاَّ لحديثٍ قد نُويَ إسنادُه إليه، وإِذا كان كذلك، فإن قلت: "عبد الله"، فقد أشعرت قبله بذلك أنك قد أردتَ الحديثَ عنه، فإِذا جئتَ بالحديث فقلت مثلاً: "قامَ" أو قلتَ: "خرجَ"، أو قلتَ: "قَدِمَ" فقد عُلم ما جئتَ به وقد وطَّأْتَ له وقدَّمتَ الإِعلام فيه، فدخلَ على القلب دُخولَ المأنوسِ به، وقلبه قبول المهيأ له المطمئن إليه، ولك لا محالة أشد لثبوته، وأتقى للشُّبهة، وأَمنعُ للشكَّ، وأدخلُ في التَّحقيق.
129 - وجملةُ الأمر أنه ليس إعلامُك الشيءَ بغتةً غفلًا، مثْلَ إعلامِك له بعْدَ التنبيهِ عليه والتقدمةِ له، لأنَّ ذلك يَجْري مَجْرى تكريرِ الإِعلام في التأكيد والإحكام. ومن ههنا قالوا: إنَّ الشيءَ إذا أُضْمِر ثمَّ فُسِّر، كان ذلك أفخمَ له مِنْ أن يُذكَر من غير تقدمة إضمار3.
ويدل على صحة ما قالوه أننعلم ضرورةً في قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ} [الحج: 46] فخامةً وشرفاً وروعةً، لا نَجد منها شيئاً في قولنا: "فإن
__________
1 انظر الفقرة رقم: 125
2 "فإن ذلك" جواب قوله آنفًا: "فمن أين وجب". وفي نسخة عند رشيد رضا: "قلت: ذلك من أجل ... ".
3 في المطبوعة وحدها: "تقدم إضمار".
(1/132)

الأبصارَ لا تَعْمى"، وكذلك السبيلُ أبداً في كلَّ كلامٍ كان فيه ضميرُ قصة. فقولُه تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117]، يُفيد من القوةً في نفيِ الفَلاحِ عنِ الكافرين، ما لو قيل: "إنَّ الكافرين لا يفلحون"، لم يستفد ذلك. ولم يكن ذلك كذلك إلا أنك تُعلمه إياهُ مِنْ بعدِ تقدمةٍ وتنبيهٍ، أنتَ به في حكْم مَنْ بدأَ وأعادَ ووطَّد، ثم بنى ولوَّح ثم صرَّح1. ولا يَخفى مكانُ المزيةِ فيما طريقه هذا الطريق.
تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر:
130 - ويَشْهد لِما قلنا مِنْ أنَّ تقديمَ المحدَّثِ عنه يَقْتضي تأكيدَ الخبرِ وتحقيقَه له، أنَّا إذا تأَملْنا وجَدْنا هذا الضَّرْبَ منَ الكلام يجيءُ فيما سبقَ فيه إنكارٌ من مُنْكِرٍ، نحوُ أنْ يقولَ الرجلُ: "ليس لي علمٌ بالذي تقول" فتقولُ له: "أنتَ تَعْلم أنَّ الأمرَ على ما أَقولُ، ولكنك تَميل إلى خصمي" وكقول الناس: "هو يَعلمُ ذاك وإنْ أَنْكَرَ، وهو يَعلمُ الكَذِبَ فيما قالَ وإنْ حلفَ عليه" وكقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75، 78]، فهذا من أَبْيَنِ شيءٍ. وذاكَ أنَّ الكاذبَ، لا سيَّما في الدِّين، لا يَعْترف بأنه كاذبٌ، وإِذا لم يعترفْ بأنه كاذبٌ، كان أبْعَدَ مِن ذلك أنْ يعترِفَ بالعِلْم بأنه كاذبٌ.
أوْ يَجيء فيما اعترضَ فيه شكٌّ، نحوُ أَنْ يقولَ الرجلُ: "كأنَّك لا تعلمُ ما صَنعَ فلانٌ ولم يُبْلِغْك"، فيقولُ: "أنا أعلمُ، ولكني أداريه".
__________
1 في المطبوعة وحدها "ثم بين"، ويريد أنه يبنى على الاسم ثم يأتي بالخبر.
2 عطف على قوله في أول الفقرة: " .... وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء .... ".
(1/133)

أوْ في تكذيبِ مُدَّعٍ كقولهِ عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة: 61]، وذلك أنَّ قولَهم: "آمنَّا"، دعْوى منهم أَنَّهم لم يَخْرجوا بالكُفْر كما دَخلوا به، فالمَوضعُ موضعُ تكذيب.
أو1 فيما القياسُ في مِثْله أنْ لا يكونَ، كقولهِ تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الفرقان: 3]، وذلك أنَّ عبادتَهم لها تَقْتضي أنْ لا تكونَ مخلوقة.
وكذلك في كلَّ شيءٍ كان خبَراً على خلافِ العادةِ، وعما يُسْتَغرب من الأمر نحو أن تقول: "ألا تَعْجَبُ من فلان؟ يَدَّعي العظيمَ، وهو يَعْيى باليسيرِ، ويَزْعمُ انّهُ شُجاعٌ، وهو يَفْزَع من أدنى شيء".
وجوه تقديم المحدث عنه، ومعانيها:
131 - ومِمّا يَحْسنُ ذلك فيه ويَكْثُر، الوعدُ والضمانُ، كقولِ الرجل: "أنا أُعطيك، أنا أَكفيك، أنا أَقومُ بهذا الأمر"، وذلك أنَّ مِن شأنِ مَنْ تَعِدُهُ وتَضْمَنُ له، أن يَعْترضَه الشكُّ في تمامِ الوعدِ وفي الوفاءِ به، فهو مِنْ أَحْوج شيءٍ إلى التَّأكيد.
وكذلك يَكْثُر في المدحِ، كقولك: "أنت تُعطي الجزيلَ، أنتَ تَقْري في المَحْلِ، أنتَ تَجودُ حينَ لا يجود أحد"، وكما قال:
ولأنت تقري ما خلَقْتَ وبَعْـ ... ـضُ القَومِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يفري2
__________
1 معطوف على أول الفقرة السابقة.
2 هو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه. وهذا البيت ليس في "س".
(1/134)

وكقول الآخر:
نَحْنُ في المَشْتاةِ نَدْعُو الجفَلى1
وذلك أنَّ مِن شأنِ المادِح أنْ يَمْنعَ السَّامعينَ منَ الشَكَّ فيما يَمدح به، ويباعدَهُم مِن الشُّبهة، وكذلك المفتخر.
تقديم المحدث عنه بعد واو الحال:
132 - ويَزيدُكَ بَياناً أَنه إذا كان الفعلُ مما لا يُشَكُّ فيه ولا يُنْكَر بحالٍ، لم يَكَدْ يجيءُ على هذا الوجه، ولكنْ يُؤتى به غيرَ مبنيٍّ على اسمٍ، فإِذا أَخبرْتَ بالخروج مثلاً عن رَجلٍ من عادته أَنْ يَخْرج في كلَّ غداةٍ قلتَ: "قد خرجَ"، ولم تَحتَجْ إلى أن تقولَ: "هو قد خرَجَ"، ذاك لأنه ليسَ بشيءٍ يَشُكُّ فيه السامعُ2، فتحتاجُ أن تُحقِّقه، وإلى أن تُقدِّم فيه ذكْرَ المحدَّثِ عنه. وكذلك إذا علمَ السامعُ من حالِ رجلٍ أنه على نيَّة الركوبِ والمضيِّ إلى موضعٍ، ولم يكن شَكٌّ وتردُّدٌ أنه يَرْكَب أو لا يَركَبُ، كان خَبَّركَ فيه أن تقولَ: "قد رَكِبَ"، ولا تقولُ3: "هو قد ركبَ". فإِن جئتَ بمثلِ هذا في صلةِ كلامٍ، ووضعْتَه بَعْدَ واوِ الحال، حسُنَ حينئذٍ، وذلك قولُك: "جئتُه وهو قد ركبَ"، وذاك أنَّ الحكْم يتغيرُ إذا صارتِ الجملةُ فيمثل هذا الموضع، ويصير الأمر بمعرض
__________
1 هو من شعر طرفة، في ديوانه، وتمامه:
لا ترى الآدب فينا ينتقر
و"المشتاة"، زمن الشتاء والجدب، و "الجفلي"، الدعوة العامة، و "التقري"، الدعوة الخاصة، يختار من يدعوهم وينتقرهم.
2 من أول قوله هنا: "فتحتاج"، إلى قوله بعد قليل "علم" ساقط في "ج" سهوًا.
3 في "س": "ولم تقل".
(1/135)

الشكِّ، وذاك أنه إِنما يَقولُ هذا مَنْ ظَنَّ أنه يصادفه في منزله، وأنه يَصل إليه مِنْ قَبْل أنْ يَرْكَب1.
فإِن قُلْتَ: فإنكَ قد تقولُ: "جئتُه وقد رَكبَ" بهذا المعنى، ومع هذا الشكِّ.
2 فإنَّ الشكَّ لا يَقْوى حينئذٍ قوَّتَه في الوجهِ الأول، أَفلا تَرى أَنكَ إِذا استبطأْتَ إنساناً فقلْتَ: "أتانا والشمسُ قد طلعَتْ"، كان ذلك أبلغَ في استبطائكَ له من أن تقولَ: "أتانا وقد طلعتِ الشمسُ؟ " وعكسُ هذا أَنكَ إذا قلتَ: "أتَى والشمسُ لم تَطْلعْ"، كان أقوى في وصفك له بالعَجَلة والمَجيء قَبْل الوقتِ الذي ظُنَّ أنه يَجيءُ فيه، من أن تقول: "أَتى ولم تَطْلع الشمسُ بعدُ".
هذا، وهو كلامٌ لا يكادُ يَجيءُ إلاَّ نابياً، وإنَّما الكلامُ البليغُ هو أنْ تبدأَ بالاسم وتَبني الفعلَ عليه كقوله:
قد أغتدي والطيرُ لم تَكَلَّمِ3
فإِذا كانَ الفعلُ فيما بعْدَ هذهِ الواوِ التي يُراد بها الحالُ، مضارِعاً، لم يَصْلحُ إلا مبنياً على اسم كقولك: "رأيتُه وهو يكْتُبُ"، و "دخلْتُ عليه وهو يملي الحديث"4، وكقوله:
__________
1 في المطبوعة: "أن يصادفه .... وأن يصل".
2 "فإن الشك" جواب قوله قبل: "فإن قلت ..... ".
3 لم أقف عليه بهذا اللفظ.
4 في المطبوعة: "وهو على الحديث".
(1/136)

تمزرنها والدين يَدعو صَبَاحَهُ ... إذا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا1
ليس يَصلحُ شيءٌ من ذلك إلاَّ على ما تراهُ، لو قلتَ: "رأيتُه ويكتبُ" و "دخلت عليه ويملي الحديث"، و "تمززتها ويدْعو الديكُ صباحَه"، لم يكن شيئاً.
133 - ومما هو بهذهِ المنزلةِ في أنك تَجِدُ المعنى لا يستقيمُ إلاَّ على ما جاءَ عليه من بناءِ الفعلِ على الاسم قولُه تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196]، وقولُه تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5]، وقولُه تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17]، فإِنَّه لا يَخْفى على مَنْ له ذوقٌ أَنه لاو جيءَ في ذلك بالفِعْل غيْرَ مَبْنيِّ على الاسم فقيلَ: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}، و {اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ}، و {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}، لوَجِدَ اللفظُ قد نَبَا عنِ المعنى، والمعنى قد زالَ عن صورتِه والحالِ التي يَنْبغي أن يكون عليها.
__________
1 النابغة الجعدي في ديوانه، والضمير في "تمززتها" في البيت قبله: وهو:
وصهباء لا تخفي القذى وهي دونه ... تصفق في راووقها ثم تقطب
و"صفق الخمر" حولها من إناء إلى إناء لتصفو. و "الراووق"، الذي يصفي به الشرابو "تقطب" تمزج بالماء. و "تمززتها"، تمصصتها شيئًا بعد شيء. و "بنو نعش" يريد "بنات نعش" كواكب في منازل القمر الثمانية والعشرين. و "تصوبوا"، مالوا إلى الغروب عند الأفق.
(1/137)

تقديم المحدث عنه في الخبر المنفي:
134 - واعلمْ أَنَّ هذا الصنيعَ يقتضي في الفعل المنفيِّ ما اقتضاهُ في المُثْبَت، فإِذا قلتَ: "أنتَ لا تُحْسِن هذا"، كان أشَدَّ لنَفْي إحسانِ ذلك عنه من أن تقول: "لا تحسن هذا"، ويكون الكلام في الأول مَن هو أَشدُّ إعجاباً بنفسهِ، وأَعرَضُ دَعْوى في أنه يُحْسنُ، حتى إنك لو أتيتَ بـ "أنْتَ" فيما بعدَ "تُحسِن" فقلتَ: "لا تُحسِنُ أنتَ"، لم يكن له تلك القوة.
وكذلك قولُه تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59]، يفيدُ مِنَ التأكيد في نَفْي الإِشراك عنهم، ما لو قيل: "والذين لا يُشْركون بربَّهم، أو: بربَّهم لا يشركون" لم يُفِدْ ذلك. وكذا قولُه تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [يس: 7] وقولُه تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُون} [القصص: 66]، و {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55].
(1/138)

مواضع التقديم والتأخير: مثل وغير
تقديم "مثل" و"غير" كالأمر اللازم:
135 - ومما يُرى تقديمُ الاسم فيه كاللازم: "مثْل"، و "غير"، في نحو قوله:
مثلك يثني الحزن عن صَوْبِه ... ويَسْتَرِدُّ الدَّمعَ عَنْ غَرْبِهِ1
وقولِ النَّاسِ: "مِثْلُكَ رَعى الحقَّ والحُرْمَةَ"، وكقولِ الذي قال لهُ الحَجَّاجُ: "لأَحْمِلَنَّكَ على الأَدْهمِ"، يريد القَيْد، فقال على سبيلِ المغالَطةِ: "ومِثْلُ الأميرِ يَحْمِلُ على الأَدهم والأشْهب"2، وما أشبهَ ذلك مما لا يقصد فيه
__________
1 المتنبي، في ديوانه، وفي المطبوعة: "يثني المزن"، وهو خطأ صرف.
2 يعني الأدهم والأشهب من جياد الخيل.
(1/138)

بـ "مثْل" إلى إنسانٍ سِوَى الذي أُضيفَ إِليه، ولكنَّهم يَعْنون أَنَّ كلَّ مَنْ كان مِثْلَه في الحالِ والصفةِ، كانَ مِن مُقْتَضى القياس ومُوجِب العُرْفِ والعادة أنْ يَفْعلَ ما ذكرَ، أوْ أن يلا يفعل. ومن أجل أن كان المعنى كذلك قال1:
ولَمْ أَقُلْ مثْلُكَ، أَعني به ... سِوَاك، يا فَرْداً بلا مُشْبِهِ2
136 - وكذلك حكمُ "غَيْر" إذا سُلِكَ به هذا المسْلَكَ فقيل: "غَيْري يفعل ذلك"، على معنى أني لا أفعلُه، لا أن يومئ بـ "غير" إلى إنسانٍ فيُخبر عنه بأن يفعلَ، كما قال:
غَيْرِي بأَكْثَرِ هذا الناسِ يَنْخَدِعُ3
وذاك أنَّه معلومٌ أنَّه لم يُرد أن يُعرِّضَ بواحدٍ كان هناك فيستنقصُه ويصفُه بأنَّه مَضعوفٌ يُغَرُّ ويُخْدَع، بل لم يُردْ إلاَّ أن يقول: إني لَستُ ممن يَنْخَدِعُ وَيَغْتَرُّ. وكذلك لم يرد أبو تمام بقوله:
وغَيُري يَأكُلُ المَعْرُوفَ سُحْتاً ... وتَشْحُبُ عِنْدَه بِيضُ الأَيادي4
أَنْ يُعَرِّضَ مثلاً بشاعرٍ سِواه، فَيزعُم أنَّ الذي قرِفَ به عندَ الممدوح من أنه هجاهُ، كان من ذلك الشاعرُ لا منه. هذَا محالٌ، بل ليس إلاَّ أَنه نَفى عن نفسهِ أن يكونَ ممَّن يَكْفُر النعمة ويلؤم.
__________
1 في المطبوعة: "أن المعنى كذلك".
2 هو آخر قصيدة المتني التي سلف بيتها قبل قليل.
3 هو المتبني، في ديوانه، والمصراع الثاني:
إن قاتلوا جبنوا، أو حدثوا شجعوا
4 في ديوانه.
(1/139)

واستعمال "مثل" و "غير" على هذا السببيل شيءٌ مركوزٌ في الطباع، وهو جارٍ في عادةِ كلِّ قومٍ. فأنتَ الآن إذا تصفَّحْتَ الكلامَ وجدْتَ هذين الاسمين يُقدِّمان أبداً على الفعل إذا نُحِيَ بهما هذا النحوُ الذي ذكرتُ لك، وترى هذا المعنى لا يَسْتقيم فيهما إذا لم يُقدَّما. أفلا تَرى أَنك لو قلت: "يثني الحزن عن صوبه مثلك"1 و "رعى الحق والحرمة مثلك"، و "يحمل على الأدهم والأشهب مثل الأمير"، و "ينخدع غيري بأكثر هذا الناس"، و "يأكل غيري المعروفَ سُحْتاً"، رأيتَ كلاماً مقلوباً عن جهتهِ، ومُغيَّراً عن صورتِه، ورأيتَ اللفظَ قد نَبَا عن معناهُ، ورأيتَ الطبْعَ يأبى أن يرضاه.
__________
1 في المطبوعة: "يثني المزن".
(1/140)

مواضع التقديم والتأخير: قاعدة عامة
دستور في التقديم والتأخير في الاستفهام والخبر:
137 - واعلمْ أنَّ معَكَ دُستوراً لك فيه، إنْ تأملت، غني عن كل سِواهُ1، وهو أَنه لا يَجوز أن يكونَ لِنَظْم الكلامِ وتَرتيبِ أَجزائه في "الاستفهام" معنًى لا يكونُ لهُ ذلكَ المعنى في "الخبر". وذاكَ أنَّ "الاستفهامَ" استخبارٌ، والاستخبارَ هوُ طَلبٌ منَ المُخاطَب أن يُخْبرك. فإِذا كان كذلك، كان مُحالاً أن يَفْترِقَ الحالُ بينَ تقديمِ الاسمِ وتأخيرهِ في "الاستفهامِ"، فيكونُ المعنى إذا قلتَ: "أزيدٌ قام؟ " غيرَهُ إذا قلتَ: "أقامَ زيدٌ؟ "، ثم لا يكونُ هذا الافتراقُ في الخَبر، ويكونُ قولُك: "زيدٌ قام" و "قامَ زيدٌ" سواءً، ذاكَ لأنه يؤدِّي إلى أَنْ تستعملَه أمراً لا سبيلَ فيه إلى جوابٍ، وأن تَسْتَثْبِتَه المعنى على وجهٍ ليس عنده عبارةٌ يثبتُه لكَ بها على ذلك الوجه.
__________
1 في هامش "ج" حاشية جار التصوير على أواخر أسطرها، فلا تستبين قراءتها.
(1/140)

وجملةُ الأَمر، أنَّ المعنى في إدخالِكَ "حرْفَ الاستفهام" على الجملة من الكلام، وهو أنك تطلبأن يَقِفَكَ في معنى تلك الجملة ومَؤَدَّاها على إثباتِ أو نَفْي. فإِذا قلتَ: "أزيدٌ منطلقٌ؟ "، فأنتَ تطلب أنْ يقولَ لك: "نَعمْ، هو مُنطلِقٌ" أو يقولَ: "لا، ما هو مُنْطَلِقٌ". وإذا كان ذلك كذلك، كان مُحالاً أن تكونَ الجملةُ إذا دخلَتْها همزةُ الاستفهام استخباراً عنِ المعنى على وجهٍ، لا تكونُ هي إذا نُزِعَتْ منها الهمزةُ إخباراً به على ذلك الوجه، فاعرفه1.
__________
1 السياق: "لا تكون هي ..... إخبارًا به على ذلك الوجه".
(1/141)

تقديم النكرة على الفعل وعكسه:
فصل: "هذا كلام في النَّكِرة إذا قُدِّمتْ على الفعل، أو قدم الفعل عليها"
النكرة وتقديمها على الفعل في الاستفهام:
138 - إِذا قلتَ: "أجاءَك رجلٌ؟ "، فأنتَ تُريد أن تسأله هل كان مجيء من واحد من الرجالِ إليه1، فإنْ قدّمتَ الاسمَ فقلتَ: "أرجلٌ جاءك؟ "، فأنتَ تسألُه عن جنسِ مَنْ جاءه، أرجلٌ هو أم امرأةٌ؟ ويكونُ هذا منكَ إِذا كنتَ عَلمتَ أنه قد أتاه آتٍ، ولكنَّكَ لم تعلمْ جنْسَ ذلك الآتي، فسَبيلُكَ في ذلك سَبيلُك إذا أردتَ أن تَعْرفَ عينَ الآتي فقلتَ: "أزيدٌ جاءك أم عمرو؟ ".
ولا يجوز تقديم الاسم في المسئلة الأولى2، لأنَّ تقديمَ الاسمِ يكون إِذا كان السؤالُ عن الفاعل، والسؤالُ عَنِ الفاعل يكونُ إمَّا عن عَيْنه أو عَن جِنْسه، ولا ثالثَ. وإِذا كان كذلك، كان مُحالاً أن تُقَدِّم الاسمَ النكرةَ وأنتَ لا تُريد السؤالَ عن الجنس، لأَنَّه لا يكونُ لسؤالك حينئذٍ مُتَعلَّقٌ، من حيثُ لا يَبقى بَعْد الجنسِ إلا العَيْنُ. والنكرةُ لا تدلُّ على عينِ شيءٍ فيُسْأَل بها عنه.
فإنْ قلتَ: "أَرجلٌ طويلٌ جاءَكَ أم قصيرٌ؟ "، كان السؤالُ عن أن الجائي كان3، مِنْ جنسِ طِوالِ الرجالِ أم قِصارِهم؟ فإِن وصفْتَ النكرةَ بالجملة فقلتَ: "أرجلٌ كنتَ عرفتَه من قَبْلُ أعطاكَ هذا أم رجلٌ لم تعرفه"،
__________
1 في المطبوعة وحدها: "أحد من الرجال".
2 يعني قولك: "أجاءك رجل"، أن تقدم وأنت تريد المعنى الذي ذكره لها.
3 "كان"، زيادة من "س".
(1/142)

كان السؤالُ عن المُعْطي، أكان ممن عرَفَه قبلُ، أم كان إنساناً لم تتقدَّمْ منه معرفة له1.
تقديم النكرة في الخبر ومعناه:
139 - وإذْ قد عرفتَ الحكْم في الابتداءِ بالنَكرةِ في "الاستفهام" فأين "الخَبرَ" عليه. فإِذا قلتَ: "رجلٌ جاءَني": لم يَصْلُح حتى تُريدَ أَن تُعلِمَه أنَّ الذي جاءك رجلٌ لا امرأة، ويكونُ كلامُكَ مع مَن قد عَرَف أنْ قد أتاكَ آتٍ. فإِن لم تُرد ذاك، كان الواجبُ أن تقولَ: "جاءَني رجلٌ"، فَتقَدِّمَ الفعلَ.
وكذلك إنْ قلتَ: "رجلٌ طويلٌ جاءَني" لم يستَقِمْ حتى يكونَ السامعُ قد ظَنَّ أنه قد أتاك قصيرٌ، أو نزَّلْتَه منزلة من ظن ذلك.
تفسير قولهم: "شر أهر ذاناب":
140 - وقولههم "شراهر ذَا نابٍ"2، إنَّما قُدِّمَ فيه "شرٌّ"، لأنَّ المرادَ أن يُعلم أنَّ الذي أهرَّ ذا النابِ هو مِن جِنْسِ الشرِّ لا جِنْسِ الخير، فَجَرى مَجْرى أن تقولَ: "رجلٌ جاءني" تريدُ أنه رجلٌ لا امرأة، وقولُ العلماءِ إنه إنَّما يصلحُ،3 لأَنَّه بمعنى "ما أهَرَّ ذا نابٍ إلاَّ شرٌّ".
بَيانٌ لذلك: ألا تَرى أنَّك لا تَقول: "ما أتاني إلا رجلٌ"، إلا حيثُ يَتَوهَّمُ السامعُ أنه قد أتتك امرأة، ذاك لأن الخبر ينقض النفي يكون حيث يراد
__________
1 "له"، ليست في المطبوعة.
2 أمثال الميداني 1: 326، وهو مثل يضرب عند ظهور أمارات الشر ومخايله، و "أهر" حمله على "الهرير"، وهو أن يكثر السبع عن أنيابه ويصوت إذا رأى ما يفزعه. و "ذو الناب"، السبع.
3 يعني: إنما يصلح في الابتداء بالنكرة.
(1/143)

أن يُقْصَر الفعلُ على شيءٍ1، ويُنْفى عمَّا عدَاهُ. فإِذا قلتَ: "ما جاءني إلاَّ زيدٌ"، كان المعنى أنكَ قد قَصَرْتَ المجيءَ على زيدٍ، ونفَيْتَه عن كُلِّ مَنْ عَدَاهُ. وإنَّما يُتَصَّورُ قَصْرُ الفعلِ على معلومِ، ومتى لم يُرَدْ بالنكرةِ الجنسُ، لم يَقفْ منها السامعُ على معلوم، حتى تزعم أَنِّي أقصُر له الفعلَ عليه، وأُخبِرُه أنه كان منه دونَ غيرهِ.
141 - واعلمْ أنَّا لم نُرِدْ بما قلناهُ2، من أنه إنَّما حَسُنَ الابتداءُ بالنكرةِ في قولهم: "شَرٌّ أهرَّ ذا ناب"، لأنه أُريد به الجنسُ، أَنَّ معنى "شرٌّ" و "الشرُّ" سواءٌ3، وإنَّما أردنا أَنَّ الغرضَ من الكلام أن نُبيِّنَ أنَّ الذي أَهرَّ ذا النابِ هو مِن جِنْسِ الشرِّ لا جنسِ الخير، كما أنَّا إذا قلنا فِي قولهم: "أرجلٌ أتاك أم المرأةُ أتاكَ" ولكنَّا نعني أنَّ المعنى عَلَى أنك سألْتَ عن الآتي أهو مِنْ جنس الرجال أم جنس النساء؟ فالنكرةُ إذنْ على أصلها منكونها لواحدٍ من الجنسِ، إلاَّ أنَّ القصْدَ منكَ لم يقعْ إلى كونهِ واحداً، وإنَّما وقعَ إلى كونهِ من جنسِ الرجالِ.
وعكْسُ هذا أنك إذا قلتَ: "أرَجلُ أتاك أم رجلان؟ "، كان القصدُ منك إلى كونِه واحداً، دونَ كونِه رجلاً، فاعرِفْ ذلك أصْلاً، وهو أنه قد يكون في
__________
1 في المطبوعة: "بنقض النفي".
2 في المطبوعة: "واعلم أن لم نرد"، والصواب ما في المخطوطتين.
3 يعني "شر" نكرة، و "الشر" معرفة.
(1/144)

اللفظ دليلٌ على أمرينِ، ثم يَقعُ القصْدُ إلى أَحدِهما دُون الآخرِ، فيصيرُ ذلك الآخَرُ بأنْ لم يَدْخلْ في القصدِ كأنَّه لم يَدْخُل في دلالةِ اللفظ.
وإذا اعتبرتَ ما قدمته من قول صاحب الكتاب: "إنما قلتُ: "عبدُ اللَّه" فنبَّهْتُه له، ثم بَنيتُ عليه الفعل"1، وجدْتَه يطابقُ هذا. وذاكَ أَنَّ التنبيهَ لا يكونُ إلاَّ على معلومٍ، كما أنَّ قَصْرَ الفعل لا يكونُ إلاَّ على معلوم، فإِذا بدأتَ بالنكرة فقلتَ: "رجلٌ"، وأنت لا تقَصدُ بها الجنسَ، وأن تُعْلم السامعَ أنَّ الذي أردتَ بالحديثِ رَجلٌ لا امرأةٌ، كان مُحالاً أن تقول: "إني قدَّمتُه لأُنَبِّهَ المخاطَبَ له"، لأنه يَخرجُ بك إلى أن تقول: إني أردتُ أن أُنبه السامعَ لِشيءٍ لا يَعْلمه في جملةٍ ولا تفصيلٍ. وذلك ما لا يُشَكُّ في استحالته، فاعرفه.
__________
1 يعني قول سيبويه، الذي رواه فيما سلف رقم: 127.
(1/145)

القول في الحذف:
142 - هو بابٌ دقيقُ المَسْلك، لطيفُ المأخذ، عجيبُ الأَمر، شبيهٌ بالسِّحْر، فإنكَ ترى به تَرْكَ الذِكْر، أَفْصَحَ من الذكْرِ، والصمتَ عن الإفادةِ، أَزْيَدَ للإِفادة، وتَجدُكَ أَنْطَقَ ما تكونُ إِذا لم تَنْطِقْ، وأَتمَّ ما تكونُ بياناً إذا لم تبن1.
__________
1 في "س": لم تبين".
(1/146)

القول في حذف المبتدأ:
143 - وهذه جملةٌ قد تُنْكِرُها حتى تَخْبُرَ، وتَدْفعهُا حتى تَنْظُرَ، وأنا أَكتبُ لك بَديئاً أمثلةً ممَّا عَرَضَ فيه الحذفُ، ثم أُنبهُكَ على صحةِ ما أشرتُ إليه، وأُقيمُ الحجَّةَ من ذلك عليه. أنشد صاحب الكتاب1:
اعْتَادَ قلبَكَ مِنْ لَيلى عَوائدُه ... وهاجَ أهواءَكَ المكنونةَ الطَّللُ
رَبْعٌ قَواءٌ أذاعَ المُعْصِراتُ بِهِ ... وكلُّ حيرانَ سارٍ ماؤهُ خَضِلُ2
قال: أرادَ، "ذاكَ رَبْعُ قَواء أو هوَ رَبْعٌ". قال: ومثلُه قولُ الآخر:
هل تَعرفُ اليومَ رسْمَ الدارِ والطَّلَلا ... كَما عرفت بحقن الصَّيْقَل الخِلَلاِ
دارٌ لِمَرْوةَ إذْ أَهْلي وأَهلُهُمُ ... بالكانسيةِ نرعى اللهو والغزلا3
__________
1 "أنشد"، ليست في المطبوعة وحدها.
2 سيبويه 1: 142، ونسبهما البغدادي في شرح شواهد المغني لعمر بن أبي ربيعة، وليسا في ديوانه. و "القواء" المكان القفر. "أذاع المعصرات به"، وهي الرياح العاصفات ذوات الغبار والرهج: "وأذاعابه"، ذهبت به وطمست معالمه. و "حيران"، صفة لمحذوف هو السحاب المتردد، و "سار" يسير ليلًا. و "ماؤه خضل"، يحمل ماء غزيرًا.
3 سيبويه 1: 142، وينسبان لعمر بن أبي ربعية، وهما في ملحقات الديوان. و "الصيقل"، الذي يصقل السيوف ويجلوها. و "الخلل" جمع "خلة"، وهي جفن السيف المنقوش بالذهب.
وفي المخطوطات والمطبوعة: "بالكامسية"، بامليم، وفي البلدان موضع يقال له: "كامس"، ولكن الذي في سيبويه فهو كما أثبت، وهو موضع أيضًا.
(1/146)

كأنه قال: تلك دارٌ. قال شيخُنا رحمه الله1: ولم يَحمل البيتُ الأولُ على أنَّ "الرَّبعَ" بَدَلٌ منَ الطلل"، لأنَّ الرَّبْع أكثرُ من الطَّلل، والشيءُ يُبدَلُ مما هو مِثلُه أو أكثرُ منه، فأما الشيءُ مِنْ أَقلَّ منه ففاسدٌ لا يُتَصور2 وهذه طريقةٌ مستمرَّةٌ لهم إذا ذكروا الديار والمنازل.
حذف الفعل وإضماره:
114 - وكما يضمرون المبتدأ فيرفعون، قد يضمرون الفعل فينصبون، كبيت الكتاب أيضًا:
ديارَ ميَّة إذْ ميٌّ تُسَاعِفُنَا ... ولا يَرى مثْلَها عُجْمٌ ولا عَرَبُ3
أَنْشَدهُ بنَصْبِ "ديارَ" على إضمارِ فعلٍ، كأنه قالَ: أذكرُ ديارَ مية.
المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ وأمثلته:
145 - ومن المواضع التي يطَّردُ فيها حذفُ المبتدأ، "القطع الأولَ، ويَستأنفون كلاماً آخرَ، وإِذا فعَلوا ذلك، أتوْا في أكثرِ الأمرِ بخبَرٍ من غَير مبتدإ مثال ذلك قوله:
__________
1 في هامش المخطوطة "ج": "يعني الشيخ أبا الحسن الفارسي، ابن أخت الشيخ أبي علي الفارسي".
2 في هامش المخطوطة بخط محدث: "الشيء لا يبدل من أقل منه"، كأنه تذكرة لقارئ. وفي "س": "فأما يدل الشيء من أقل منه"، بزيادة "بدل".
3 هو لذى الرمة في ديوانه، وهو في سيبويه 1: 140، 333.
(1/147)

وعلمتُ أني يوم ذا ... كَ مُنازلٌ كعباً ونهدا
قَومٌ إذا لبسوا الحديـ ... ـدَ تَنمَّرُوا حلقًا وقدًا1
وقوله:
همُ حَلُّوا مِنَ الشَّرفِ المُعَلَّى ... ومِنْ حَسَب العشيرة حيث شاءوا
بُناةُ مكارمٍ وأُسَاةُ كلْمٍ ... دماؤهُمُ مِنَ الكَلَبِ الشفاء2
وقوله:
رَآني عَلَى ما بي عُمَيْلةُ فاشْتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
ثم قال بعد3:
غلامٌ رَماهُ اللهُ بالخَيْرِ مُقْبِلاً ... لهُ سيمياءٌ لا تشق على البصر4
وقوله:
إِذا ذُكِرَ ابْنا العَنْبريَّةِ لم تَضِقْ ... ذِراعِي، وألقى باسته من أفاخر
__________
1 هو عمرو بن معد يكرب، في ديوانه المجموع، وشرح الحماسة للتبريزي 1: 91، و "الحديد" يعني الدروع، والحلق: الدروع. و "القد" ترس من القد وهو الجلد. و "تنمروا"، كانوا كالنمور في أفعالهم في الحرب.
2 هو أبو البرج، القاسم بن حنبل المرى، شرح الحماسة 4: 96. و "أساة" جمع "آس"، وهو الطبيب المداوي. و "الكلم" الجرح، وكانوا يزعمون أن شفاء الذي عضعه الكلب أن يسقي من دم ملك.
3 هذا السطر زيادة في "س".
4 هو لابن عتقاء الفزاري، الكامل 1: 15، والأمالي 1: 237، وكان عميلة الفزاري، قد وصله بنصف ماله، لما رأى من رثا ثة حاله، وكان عميلة جميلًا. وروايتهم "بالخير يافعًا"، و "مقبل"، يريد به في إقبال شبابه.
(1/148)

هِلالانِ، حمّالانِ في كلِّ شَتْوةٍ ... مِنَ الثِّقْلِ ما لا تَسْتطيعُ الأباعِرُ1
"حَمّالانِ"، خبرٌ ثانٍ، وليس بصفةٍ، كما يكون لو قلتَ مثلاً:
"رجلان حَمّالان".
146 - ومما اعْتِيدَ فيه أن يَجيءَ خَبراً قد بُني على مُبتدأ محذوفٍ، قولُهم بعد أن يَذْكُروا الرجلَ: "فَتًى من صفته كذا"، و "أغر من صفته كيت وكيت" كقوله:
ألا لا فَتًى بعْدَ ابنِ ناشرةَ الفَتى ... ولا عرْف إلاَّ قد تَوَلَّى وأَدْبَرا
فَتًى حنظليٌّ ما تَزالُ ركابُه ... تجودُ بمعروفٍ وتُنْكِرُ منكرًا2
وقوله:
سأَشْكُرُ عَمْراً إنْ تراخَتْ منيَّتي ... أياديَ لم تُمْنَنْ، وإنْ هيَ جلَّتِ
فتىً غيرُ محجوبِ الغِنى عن صديقِهِ ... ولا مُظْهِرُ الشَّكوى إذا النعل زلت3
ومن ذلك قول جميل:
__________
1 هو موسى بن جابر الحنفي، شرح الحماسة للتبريزي 1: 191، و "ألقى باسته من أفاخر"، سقط على عجزته من العجز، وما يجد من الذلة والقلة، و "هلالان"، كالهلال في الشهرة والارتفاع. و "الشتوة"، زمن الجدب في الشتاء.
2 هو أبو حزابة، الوليد بن حنيفة، يقوله في رثاء عبد الله بن ناشرة، أحد بني عامر بن زيد مناة بن تميم "ديوان الفرزدق: 267، 817 مدحه الفرذدق ورثاه". والشعر في البيان والتبيين3: 329، وليسفيه البيت الثاني، وهو في شرح الحماسة للتبريزي 3: 22.
3 هو محمد بن سعد الكاتب التميمي البغدادي، وينسب لأبي الأسود الدؤلي، ولعبد الله بن الزبير الأسدي، ولإبراهيم الصولي، انظر شرح حماسة أبي تمام 4: 69، ومعجم الشعراء للمرزباني: 421، وسمط اللآلي: 166، وديوان الصولي "الطرائف": 130.
(1/149)

وَهَلْ بُثَيْنَةُ، يا لَلْنّاسِ، قاضِيَتي ... دَيْني؟ وفاعِلةٌ خَيْراً فأَجزِيها؟
تَرْنُو بعينيْ مهاةٍ أَقْصَدتْ بِهما ... قلْبي عشيةَ تَرْميني وأَرْميها
هَيْفاءُ مُقْبِلةً، عَجْزاءُ مُدْبِرةً، ... رَياَّ العِظام، بلا عَيْبٍ يُرى فيها
منَ الأَوانسِ مِكْسالٌ، مُبَتَّلةٌ ... خَوْدٌ، غَذاها بِلينِ العيش غاديها1
وقوله أيضًا:
إِني عشيةَ رحْتُ وَهْيَ حزينةٌ ... تَشْكُو إليَّ صبابة لصبور
وتقول: بنت عِنْدِي، فديتُكَ، لَيْلَةً ... أَشْكو إليكَ، فإنَّ ذاكَ يسيرُ
غرَّاءُ مبْسَامٌ، كأنَّ حديثَها ... دُرٍّ تحدَّرَ نظمه منثور
مخطوطة المَتْنَيْنِ، مُضْمَرةُ الحَشا، ... رَياَّ الرَّوادِفِ، خَلْقُها ممكُورُ2
وقولِ الأُقيْشر في ابْنِ عَمِّ له موسرٍ، سألَهُ فمنعَه وقال: كَمْ أعطيكَ مالي وأنتَ تنفقه فيما لا يغنيك؟ والله لا أعطيتك3. فتكره حتى اجتمعَ القومُ في ناديهم وَهوَ فيهم، فشَكاهُ إلى القوم وذمَّه، فوثَبَ إليه ابنُ عمه فلطمه، فأنشأ يقول:
سَريعٌ إلى ابْنِ العَمِّ يلْطِمُ وَجهَهُ، ... وليسَ إلى داعي النَّدى بِسَريعِ
حَريصٌ على الدُّنيا، مُضِيعٌ لدِينِهِ، ... ولَيْسَ لِمَا في بَيْتِهِ بمُضِيعِ4
__________
1ليس في ديوانه جميل المجموع، وهو في التبيان لابن الزملكاني: 112، وجعله في المطبوعة ثلاث أبات، فقال في الثالث: "ريا العظام بلين العيش غاذيها"، وهو خطأ. "أقصدت قلبه"، رمته بسهم عينها فقتلته.
2 في مجموع شعره المطبوع. وهو في الأغاني "الدار" 8: 148، "محطوطة المتبين"، ليس في جانبي ظهرها ارتفاع، بل هو ممتلئ مستو مطمئن ممدود. و "ممكور"، مدمج غير مسترخ.
3 في المطبوعة: "لا أعطيك".
4 هو له في الخزانة 2: 281، ومعاهد التصيص 3: 242
(1/150)

147 - فتأمَّل الآنَ هذه الأبياتَ كلَّها، واسْتَقْرِها واحداً واحداً، وانظرْ إلى مَوقِعها في نفسِك، وإلى ما تَجدُه مِنَ اللطفِ والظَّرْفِ إذا أنتَ مررت بموضع الحذف منها، ثم فليت النفسَ عما تَجدُ1، وأَلْطفْتَ النظَرَ فيما تُحِسُّ به. ثُمَّ تَكلَّفْ أَن تَرُدَّ ما حذَفَ الشاعرُ، وأن تُخرجَه إلى لفظِك، وتُوقِعَه في سمعكَ، فإِنك تَعلمُ أنَّ الذي قلتُ كما قلتُ، وأنْ رُبَّ حَذْفٍ هو قِلادَةُ الجِيد، وقاعدةُ التَّجويد، وإنْ أردتَ ما هو أَصْدقُ من ذلك شهادةً، وأدلُّ دلالةً، فانظرْ إلى قولِ عبدِ الله بنِ الزَّبير يذكُر غريماً له قد ألح عليه:
عرَضْتُ على زيدٍ ليأخذَ بعضَ ما ... يُحاوِلُه قَبْلَ اعتراضِ الشَّواغِلِ
فدَبَّ دبيبَ البغْلِ يأْلَمُ ظَهْرُهُ ... وقالَ: تَعلَّمْ، أَنني غيرُ فاعلِ
تثاءَبَ حتى قلْتُ: داسِعُ نفْسِه ... وأَخْرَجَ أَنياباً لهُ كالمَعَاوِلِ2
الأَصلُ: حتى قلتُ: "هو داسِعُ نفْسِه"، أي حسبْتُه من شدِّة التَّثاؤب، وممَّا به من الجهْدِ، يقذِفُ نفْسَه من جوفه، ويُخرجُها من صدره، كما يدْسَعُ البعيرُ جِرَّته. ثم إنَّك تَرى نصْبةَ الكلام وهيئتَه تَرومُ منك أنْ تَنْسى هذا المبتدأ، وتباعدَه عن وَهْمك، وتَجتهدُ أن لا يدورَ في خَلَدِكَ، ولا يَعْرِضَ لخاطرك، وتَراكَ كأنَّك تَتوقَّاه تَوَقِّيَ الشِّيءِ تكره مكانه، والثقيل تخشى هجومه.
أمثلة من لطيف حذف المبتدأ:
148 - ومن لَطِيفِ الحَذْف قولُ بكْر بن النَّطَّاح:
__________
1 في المطبوعة: "ثم قلبت"، و "فليت"، فنشت.
2 في مجموع شعره: 115، عن الأغاني 14: 240، 241، وغريم عبد الله يقال له: "ذئب"، كما ذكر صاحب الأغاني، ولكنه جاء فيا لشعر ناك وهنا "عرضت على زيد". و "دسع البعير بجرته"، دفع الطعام فأخرجه من جوفه، ومضغه مرة أخرى.
(1/151)

العين تبدي الحب والغضا ... وتُظْهِرُ الإبرامَ والنَّقْضا
دُرَّةُ، ما أَنصفْتِنِي في الهَوَى ... ولا رَحِمْتَ الجَسَدَ المُنْضَى
غَضْبَى، ولا واللهِ يا أَهلَها ... لا أَطْعمُ البارِدَ أوْ ترضى1
يقوله في جاريةٍ كان يُحبُّها2، وسُعِيَ به إلى أهلِها فمنعوها منه.
والمقصودُ قولهُ: "غَضْبَى"، وذلك أنَّ التقديرَ "هي غضبى" أو "غضبى هي" لا محالة، أَلا تَرى أَنك تَرى النفسَ كيف تَتفادى من إظهارِ هذا المحذوفِ3، وكيف تأنَسُ إلى إضمارهِ؟ وتَرى الملاحةَ كيف تَذهبُ إن أنتَ رُمْتَ التكلم به؟
149 - ومن جيِّد الأمثلةِ في هذا الباب قولُ الآخرِ، يخاطبُ امرأتَه وقد لامَتْه على الجود:
قالَتْ سُمَيَّةُ: قَدْ غَوَيْتَ بأنْ رأَتْ ... حَقاًّ تناوب مالنا ووفود
غَيٌّ لعَمْرِكِ لا أزالُ أَعودُه ... ما دامَ مال عندنا موجود4
المعنى: "ذاك غيٌّ لا أزالُ أعودُ إليه، فدعي عنك لومي".
خلاصة في شأن ما يحذف:
150 - وإذ عرفْتَ هذه الجملةَ من حالِ الحذْفِ في المبتدأ، فاعلمْ أنَّ ذلك سبيلُه في كلِّ شيء، فما مِن اسْمٍ أو فعلٍ تَجدُه قد حُذِفَ، ثم أُصيبَ به موضعُه، وحُذِفَ في الحال يَنْبغي أن يُحذَفَ فيها5، إلاَّ وأنت تَجدُ حذْفَه هناك أَحْسَنَ من ذكرهِ، وترة إضمارَهُ في النفس أَوْلى وآنسَ مِنَ النُّطْقِ به.
__________
1 "أو" في "س": "بمعنى حتى".
2 في المطبوعة و "ج"، "يقول"، وأثبت ما في "س".
3 في المطبوعة و "ج": "إلا أنك ترى النفس"، وأثبت ما في "س".
4 في المطبوعة: "ووفودًا" و "موجودًا"، وأثبت ما في "ج" و "س" وفي هامش "ج" ما نصه": "قال عبد القاهر: "ووفود" معطوفة على الضمير في "تناوب" التقدير: بأن رأت حقًا تناوب هو "والوفود ما لنا".
5 من قوله: "ثم أإصيب" إلى قوله: "يحذف فيها"، سقط من "س"، وستسقط منه هنا كلمات أترك الإشارة إليها.
(1/152)

القول في حذف المفعول به:
151 - وإذْ قد بدأْنا في الحذفِ بذكرِ المبتدأ، وهو حذف اسم، إذا لا يكون المبتدأ إلا اسمًا، فإن أُتْبعُ ذلكَ ذكْرَ المفعولِ بهِ إذا حُذِفَ خُصوصاً، فإِنَّ الحاجَةَ إليه أمسُّ، وهو بما نحنُ بصدده أَخصُّ، واللطائفُ كأنها فيه أَكثرُ، ومما يَظْهر بسببهِ مِنَ الحُسْن والرَّوْنَقِ أَعجبُ وأَظْهَرُ1.
قاعدة ضابطة في معنى حذف الفاعل والمفعول:
152 - وههنا أصل يجب ضبطه، وهو أنم حالَ الفعلِ معَ المفعولِ، الذي يَتعدَّى إليه، حاله مع الفاعل. فكما أَنك إِذا قلتَ2: "ضربَ زيدٌ، فأَسندْتَ الفعلَ إلى الفاعل، كان غرَضُكَ من ذلك أَنْ نثبت الضرب فعلًا له، لا أن تفيد وجوب الضرب في نفسه وعلى الإطلاق. كذلك إذا عدَّيْتَ الفعلَ إلى المفعولِ فقلتَ: "ضربَ زيدٌ عَمرا"، كان غرَضُكَ أن تُفيد التباسَ الضربِ الواقعِ مِنَ الأول بالثاني ووقوعَه عليه، فقد اجتمعَ الفاعلُ والمفعولُ في أنَّ عمَلَ الفعلَ فيهما إنَّما كان مِنْ أَجْل أن يُعْلَم التباسُ المعنى الذي اشتُقَّ منه بِهما فعَمِلَ الرفعُ في الفاعل، ليُعلَم التباسُ الضربِ به من جهةِ وقوعهِ منه والنصْبُ في المفعول، ليُعْلَم التباسُه به من جهة وقوعه عليه. ولم يكن ذلك
__________
1 في المطبوعة: "وما يظهر".
2 في المطبوعة وحدها: "وكما".
(1/153)

ليُعلم وقوعُ الضربِ في نفسه، بل إذا أُريد الإخبارُ بوقوعِ الضرْبِ ووجودِه في الجملة من غير أن يُنْسَب إلى فاعلٍ أو مفعولٍ، أو يتعرَّضَ لبيان ذلك، فالعبارةُ فيه أن يقالَ: "كانَ ضربٌ" أو "وَقَع ضربٌ" أو "وُجد ضربٌ" وما شاكلَ ذلك مِنْ ألفاظٍ تفيدُ الوجودَ المجرَّدَ في الشيء.
الأغراض في ذكر الأفعال المتعدية وأقسامها:
153 - وإذْ قد عرفتَ هذه الجملةَ، فاعلمْ أَنَّ أغراضَ الناس تختلفُ في ذكْر الأفعالِ المتعدِّية، فَهُمْ يذكرونها تارةً ومرادُهم أنْ يَقْتصِروا على إثبات المعاني التي اشتُقَّتْ منها للفاعلين، من غير أنْ يتعرَّضوا لذكْر المفعولين. فإِذا كان الأمرُ كذلك، كان الفعلُ المتعدي كغَير المتعدي مثلاً، في أنك لا تَرى له مفعولاً لا لفظًا ولا تقديرًا.
القسم الأول: حذف المفعول، لإثبات معنى الفعل، لا غير:
154 - ومثالُ ذلك قولُ الناس: "فلانٌ يحُلُّ ويَعْقِدُ، ويأمر وينهى، ويضر وينفع"، وكقولهم: "هي يُعْطي ويُجْزِلُ، ويَقْري ويُضيفُ"، المعنى في جميع ذلك على إثباتِ المعنى في نفسهِ للشيء على الإطلاقِ وعلى الجملة، من غير أن يتعرَّضَ لحديثِ المفعولِ، حتى كأنك قلتَ: "صار إليه الحَلُّ والعَقْدُ، وصار بحيثُ يكون مِنه حَلٌّ وعقْدٌ، وأمرٌ ونَهْيٌ، وضَرٌّ ونَفْعٌ"، وعلى هذا القياس.
155 - وعلى ذلك قولُه تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، المعنى: هل يَسْتَوي مَنْ له عِلْم ومَنْ لا علمَ له؟ من غَيْرِ أن يقصدَ النصُ على معلوم. وكذلك قولُه تعالى {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [غافر: 68]، وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} [القمر: 43، 44] وقوله {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى}، [القمر: 48]، المعنى
(1/154)

هو الذي منه الإحياء والإماتة والغناء والإقناءُ. وهكذا كلُّ موضعٍ كان القصدُ فيه أن تثبت المعنى في نفسه فعلًا للشيء، وأن تخبر بأنَّ مِن شأنِه أن يكونَ منه، أوْ لا يكونُ إلاَّ منه، أوْ لا يكونَ منه، فإنَّ الفعلَ لا يُعدَّى هناك، لأَنَّ تعديته تَنْقُضُ الغرضَ وتُغيِّر المعنى. ألا ترى أنكَ إذا قلتَ: "هو يُعطي الدنانيرَ"، كان المعنى على أنك قصدْتَ أن تُعْلمَ السامعَ أنَّ الدنانيرَ تَدْخلُ في عطائِه، أو أنه يُعْطيها خصوصاً دونَ غيرها، وكان غرَضُك على الجملة بيانَ جنسِ ما تناولَه الإعطاءُ، لا الإعطاءُ في نفسِه، ولم يكن كلامُك معَ مَنْ نَفَى أن يكونَ كان منه إعطاءٌ بوجهٍ من الوجوه، بل مع مَن أَثْبَتَ له إعطاءً، إلا لم يُثبت إعطاءَ الدنانير. فاعرفْ ذلك، فإنه أصْلٌ كبيرٌ عظيمُ النفعِ.
فهذا قسمٌ من خُلوِّ الفعلِ عن المفعولِ، وهو أنْ لا يكون له مفعول يمكن النص عليه.
القسم الثاني: حذف مفعول مقصود، لدلالة الحال عليه، وهو قسمان، أولهما الجلي
156 - وقسمٌ ثانٍ: وهُوَ أن يكونَ له مفعولٌ مقصودًا قَصْدُه معلومٌ، إلا أنه يُحْذَفُ من اللفظ لدليلِ الحالِ عليه. وينقَسِم إلى جَليٍ لا صنعةَ فيه، وخَفِيٍّ تَدخلُه الصنعةُ.
فمثالُ الجليِّ قولُهم: "أصغَيْتُ إليه"، وهم يُريدون "أذني"، و "أغضيت عليه"، والمعنى "جفني".
القسم الثاني: الخفي الذي تدخله الصنعة ومثاله الأول
157 - وأما الخَفيُّ الذي تدخلُه الصنعةُ فيتفنَّنُ ويتنوَّعُ.
فنوعٌ منه، أنْ تَذكُر الفعلَ وفي نفسِك له مفعولٌ مخصوصٌ قد عُلمَ مكانُه، إما بجري ذكر1، أو دليل حال، إلا أنك تنسبه نفسك وتخفيه،
__________
1 في المطبوعة وحدها "لجري ذكر".
(1/155)

وتُوهِمُ أنك لم تَذْكُر ذلكَ الفعلَ، إلاَّ لأنْ تُثْبِتَ نفْسَ معناه، مِنْ غيرِ أن تُعدِّيَهُ إلى شيءٍ، أو تَعْرضَ فيه لمفعولٍ.
158 - ومثاله قول البحتري:
شَجْوُ حسَّادِهِ وغَيْظُ عِداهُ ... أن يَرى مُبْصِرٌ ويسْمَعَ واعِ1
المعنى، لا محالةَ: أن يَرى مُبصرٌ مَحاسِنَه، ويَسْمعَ واعٍ أخبارَه وأوصافَه، ولكنك تعلمُ على ذلك أنه كأنه يَسْرِقُ علْمَ ذلك مِنْ نفْسِه، ويدْفَع صورتَه عن وَهْمه، ليَحْصُل له معنى شريفٌ وغرَضٌ خاصٌّ. وذاك أنه يمدحُ خليفة2، وهو المعتزُّ، ويُعرِّضُ بخليفةٍ وهو المستعينُ، فأرادَ أن يقولَ: إنَّ محاسنَ المعتزِّ وفضائلَه، المحاسنُ والفضائلُ يَكفي فيها أنْ يَقع عليها بَصرٌ ويَعيَها سمْعٌ حتى يَعْلَم أنه المُستحِقُّ للخلافة، والفردُ الوحيدُ الذي ليس لأحدٍ أن يُنازِعَه مَرْتبتَها، فأنتَ ترَى حسَّادَه وليس شيءٌ أشْجى لهم وأغيظ، من علمهم بأن ههنا مُبْصراً يرَى وسامعاً يَعي، حتى لَيتَمنَّوْنَ أنْ لا يكونَ في الدنيا مَنْ له عينٌ يُبصر بها، وأُذُنٌ يَعي معها، كي يَخْفى مكانُ استحقاقِه لِشَرف الإمامةِ، فيجدوا بذلك سَبيلاً إلى منازعته إياها.
مثال ثان من الخفي:
159 وهذا نوعٌ آخر منه، وهو أن يكونَ معك مفعولٌ معلومٌ مقصودٌ قَصْدُهُ، قد عُلِمَ أنه ليس للفعلِ الذي ذكرتَ مفعولٌ سِواهُ، بدَليلِ الحالِ أو ما سَبَق منَ الكلام، إلاَّ أنك تَطْرحُه وتَتَناساهُ وتدَعُه يَلزَمُ ضميرَ النفسِ، لِغَرضٍ غيرِ الذي مَضى. وذلك الغرضُ أن تتوفرَ العنايةُ على إثباتِ الفعلِ للفاعلِ، وتخلصَ له، وتَنصرف بجُملتها وكما هي إليه.
__________
1 في ديوانه.
2 في المطبوعة و "ج": "وقال إنه يمدح"، والصواب مافي "س".
(1/156)

160 - ومثاله قول عمرو بن معدي كرب:
فلوْ أنَّ قَوْمي أَنطَقَتْني رماحُهُمْ ... نَطَقْتُ ولكنَ الرماحَ أَجرَّتِ1
"أَجرَّتْ" فعلٌ مُتَعدِّ، ومعلومٌ أنه لو عدَّاه لَمَا عدَّاهُ إلاَّ إلى ضميِر المتكلم نحوُ: "ولكنَّ الرماحَ أجرًّتْني" وأنه لا يتصور أن يكون ههنا شيءٌ آخرُ يَتعدَّى إليه، لاستحالة أنْ يقول:
فلو أنَّ قومي أنطقتني رماحُهم
ثم يقول: "ولكنَّ الرماحَ أجرَّتْ غَيري"، إلا أنك تَجدُ المعنى يُلزمُك أنْ لا تنطقَ بهذا المفعولِ ولا تُخرِجَه إلى لفظك. والسببُ في ذلك أَنَّ تَعْديتَكَ له تُوهِمُ ما هو خِلافُ الغَرَضِ، وذلك أنَّ الغرَضَ هو أن يثْبتَ أنه كان منَ الرماح إجْرارٌ وحبْسُ الألسنِ عن النطق2، وأن يصحَّح وجودُ ذلك. ولو قال: "أجرَّتْني"، جازَ أن يُتوهَّم أنه لم يَعْن بأن يُثبِتَ للرماح إجراراً، بل الذي عنَاه أن يَبيِّنَ أنها أجرَّتْه3. فقد يُذَكرُ الفعلُ كثيراً والغرَضُ منه ذكْرُ المفعول، مثالُه أنك تقولُ: "أضَربْتَ زيداً؟ " وأنتَ لا تُنكِرُ أن يكون كان منَ المخاطب أو يستطيعَه. فلمَّا كان في تعديةِ "أجرَّت" ما يُوهِمُ ذلك، وقَفَ فلم يُعدِّ البتَّةَ، ولم ينطق بالمفعول، لخلص العنايةُ لإثباتِ الإجرارِ للرماحِ وتصحيحِ أنه كان منها، وتسلم بكليتها لذلك.
__________
1 هو في ديوانه المطبوع، وهو في شرح الحماسة 1: 84. و "أجر الفصيل"، شق لسانه ووضع فيه عودًا لئلا يرضع أمه، ويعني عمرو أن قومه لم يبلوا بلاء حسنًا في حربهم، ولو أحسنوا البلاء لنطق بمدحهم، ولكنهم أساءوا، فكانت إساءتهم قاطعة للسانه، فبقى لا ينطق.
2 في المطبوعة: "حبس الألسن".
3 في المطبوعة: "يتبين".
(1/157)

161 - ومثله قول جرير:
أمنَّيْتِ المُنى وخَلَبْتِ حتَّى ... تركْتِ ضميرَ قَلْبِي مُسْتهاما
الغرضُ أن يُثبت أنه كان منها تَمْنِيَةٌ وخَلاَبة، وأن يقول لها: أهكذا تَصْنعين؟ وهذه حيلتُك في فِتنِة الناس؟
مثال من بارع الحذف الخفي:
162 - ومِنْ بارعِ ذلك ونادِرِه، ما تجدُه في هذه الأبيات. روَى المرزُباني في "كتاب الشعر" بإسنادٍ، قال: لما تشاغَلَ أبو بكرٍ الصدِّيق رضَي الله عنه بأهل الرِّدَّةِ، استبطأتْه الأَنصارُ [فكلموه] 1، فقال: إما كلَّفْتموني أخلاقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم2، فوَاللهِ ما ذاكَ عندي ولا عِنْد أحدٍ من الناس، ولكنِّي واللهِ ما أُوتيِ مِنْ مودَّةٍ لكُمْ ولا حسْنِ رأْي فيكم3، وكيف لا نُحِبُّكم؟ فواللهِ ما وجدْتُ مثَلاً لنا ولَكُم إلا ما قال طفيلٌ الغَنَويُّ لبني جعفر بن كلاب:
جِزَى الله عَنّا جَعْفَراً حين أُزِلقَتْ ... بِنا نَعْلُنا في الواطِئين فزَلَّتِ
أَبَوْا أنْ يَمَلُّونا، ولَوْ أنَّ أُمَّنا ... تُلاقي الذي لاَقوْهُ منَّا لملت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت4
__________
1 الزيادة بين القوسين من مجالس ثعلب، وإسقاطها مخل.
2 أي: أن كلتموني، و "ما" زائدة.
3 أي لا أتهم في مودتي لكم وحسن رأيي فيكم.
4 هو بلفظه تقريبًا في مجالس ثعلب: 461، وبإسناده، وهو: "حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي المعروف بثعلب، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا ابن عائشة قال: سمعت أصحابنا يذكرون أن أبا بكر لما تشاغل .... "، وكأنه هو إسناد المرزباني نفسه. والشعر في زيادته ديوانه: 57: وهو في الأغاني "الدار" 15: 368، والوحشيات رقم: 415. هذا ورواية ثعلب، وأبي تمام في الوحشيات، وأبي الفرج في الأغاني في صدر البيت الخير:
فذو المال موفور وكل معصب إلى حجرات
(1/158)

فيها حَذْفُ مفعولٍ مقصودٍ قصْدُه في أربعةِ مواضع قوله: "لملت"، و "ألجئوا" و "أدفأت" و "أظلت"، لأن الأصل: "لملتنا" و "ألجئونا إلى حجرات أدفأَتْنا وأظلَّتْنا"، إلاَّ أنَّ الحالَ على ما ذكرتُ لكَ، من أَنه في حَدِّ المُتناسي1، حتى كأَنْ لا قَصْدَ إلى مفعولٍ، وكأَنَّ الفعل قد أُبهِمَ أَمرُه فلم يُقْصَدْ به قصْدُ شيءٍ يقع عليه، كما يكونُ إذا قلتَ: "قد ملَّ فلانٌ"، تريدُ أن تقولَ: قد دَخَلَهُ المَلالُ، من غيرِ أن تَخُصَّ شيئاً2، بل لا تَزيد على أن تَجْعلَ المَلالَ مِنْ صفتهِ، وكما تقولُ: "هذا بيتٌ يُدفئ ويظلُّ"، تُريد أنه بهذه الصفة.
163 - واعلمْ أنَّ لك في قوله: "أجرت"، و "لملت"، فائدةَ أُخرى زائدةً على ما ذكْرتُ من توفير العناية على إثبات الفعلِ، وهي أن تقولَ: كانَ مِن سُوءِ بَلاءِ القوم ومِنْ تَكْذيبهم عن القتالِ ما يُجِرُّ مثْلَه3، وما القضيةُ فيه أنه لا يُتَّفَق على قومٍ إلا خَرَس شاعرُهم فلم يَسْتطعْ نطْقاً وتَعْديتُك الفعلَ تَمنُع مِن هذا المعنى، لأنكَ إذا قلتَ: "ولكنَّ الرماحَ أَجرَّتْني"، لم يُمكن أن يتأَوَّل على معنى أَنه كان منها ما شأنُ مِثْلِه أن يُجِرَّ، قضيةً مستمرةً في كلِّ شاعرِ قومٍ4، بل قد يجوزُ أن يُوجَدَ مثلُه في قومٍ آخرين فلا يُجَرُّ شاعرهم. ونظيره
__________
1 في المطبوعة: "في حد المتناهي"، خطأ محض.
2 في "س"، ونسخة عند رشيد رضا: "من غير أن تقصد".
3 "التكذيب"، يقال: "أراد شيئًا ثم كذب عنه"، أي أحجم، ولم يصدق الجملة.
4 في هامش "ج"، أما هذا الموضع، حاشية أقطع فإنها من كلام عبد القاهر، في نسخته التي نقل عنها كاتب "ج"، وهذا نصها:
[فإن قيل: تقدير العموم مع إضافته لا يتصور، وإنما يتصور ذلك أن لو قال: "لو أن أما تلاقي الذي لاقوه منا لملت" فالجواب: إنه لو كان الغرض من الكلام التمثيل، فإن الخاص فيه يجري مجرى العام. يقول الرجل لصاحبه: "أنت تشكر من لم يحسن إليك"، يريد أن ذلك حكم الجملة، ومثله قوله:
إنك إن كلفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرك مني من خلق
لم يرد أن يخص نفسه بذلك، ويجعله خلقًا هو فيه، بل أراد أن ذلك ما عليه [تمشي] الطباع، فاعرفه].
(1/159)

أَنك تقولُ: "قد كان منكَ ما يُؤلم"، تُريد ما الشرْطُ في مثله أنْ يُؤلم كلَّ أحدٍ وكلَّ إنسانٍ. ولو قلتَ: "ما يؤلمني" لم يُفد ذلك، لأنه قد يجوزُ أن يؤلمكَ الشيءُ لا يؤلِمُ غيرَكَ.
وهكذا قوله: "ولو أنَّ أُمَّنا تُلاقي الذي لاقَوْهُ منَّا لَمَلَّتِ"، يتضمَّنُ أَنَّ مَنْ حُكمَ مثلُه في كل أُمِّ أنْ تملَّ وتسْأَمَ، وأنَّ المشقةَ في ذلك إلى حدٍ يُعلم أنَّ الأُمَّ تملُّ له الابْنَ وتتَبرَّمُ به، مع ما في طباعِ الأمهاتِ منَ الصبرِ على المكارهٍِ في مَصالح الأولادِ. وذلك أنه وإن قال: "أمُّنا"، فإن المعنى على أنَّ ذلك حُكْمُ كلِّ أمّ مع أولادها1 ولو قلتَ: "لَمَلَّتْنا"، لم يحتملْ ذلك، لأنه يَجري مجْرى أن تقولُ: "لو لَقيتْ أُمُّنا ذلك لَدَخلَها ما يُملُّها منَّا"، وإذا قلتَ "ما يُمِلُّها منَّا" فقيَّدْتَ، لم يَصْلح لأَن يُرادَ به معنى العموم وأنه بحيثُ يَمَلُّ كلَّ أم من كلِّ ابنٍ.
وكذلك قولُه:
إلى حُجُراتٍ أدفأتْ وأظلتِ
لأنَّ فيه معنى قولِك: "حُجُراتٍ من شأنِ مثْلها أن تُدَفئَ وتُظِلَّ"، أي هيَ بالصفةِ التي إذا كان البيت
__________
1 من أول قوله: "وذلك أنه" إلى هنا، ساقط في "س".
(1/160)

عليها أَدْفأَ وأَظَلَّ. ولا يجَيءُ هذا المعنى مع إظهار المفعول، إذْ لا تقول: "حجراتٍ من شَأْنِ مِثْلِها أن تُدفئنا وتُظلَّنا"، هذا لغوٌ من الكلام.
فاعرِفْ هذه النكْتَةَ، فإنَّك تَجدُها في كثير من هذا الفَنِّ مضمومةً إلى المعنى الآخر، الذي هو توفيرُ العناية على إثباتِ الفعلِ، والدلالةِ على أنَّ القصدَ من كر الفعلِ أن تُثْبتَه لفاعلهِ، لا أن تُعلِمَ التباسه بمفعوله.
زيادة بيان في الحذف الخفي:
164 - وإن أردتَ أنْ تزدادَ تَبييناً لهذا الأصل1، أعني وُجوبَ أنْ تُسْقِط المفعولَ لتتوفَّر العنايةُ على إثباتِ الفعل لفاعلِه ولا يَدخلَها شَوْبٌ، فانظرْ إلى قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} [القصص: 23، 24]، فيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذا المعنى: "وجدَ عليه أمةَ منَ الناس يَسْقون" أغنامهم أو مواشيهم و "امرأتين تذودان" غنمهما و "قالتا لا نَسْقِي" غنمَنَا "فسقى لهما" غنمَهَما.
ثم إنَّه لا يَخْفى على ذي بَصَرٍ أنه ليس في ذلك كلِّه إلاَّ أن يُتْرَكَ ذِكْرُه ويُؤْتى بالفعل مطْلقاً، وما ذاك إلاَّ أنَّ الغرضَ في أن يُعلَم أَنه كان منَ الناس في تلك الحال سَقْيٌ، ومن المرأتينِ ذَوْدٌ، وأنهما قالتا: لا يكونُ منَّا سقْيٌ حتى يُصْدِرَ الرعاءُ، وأنه كان مِنْ موسى عليه السلام من عبد ذلك سَقْي، فأمَّا ما كان المَسْقيُّ؟ أغَنماً أم إبلاً أم غيرَ ذلك، فخارجٌ عن الغرَض، ومُوْهِمٌ خِلافَه. وذاكَ أنه لو قيل: "وجَد مِنْ دونِهمْ امرأتينِ تَذُودانِ غنَمَهما"، جاز
__________
1 في المطبوعة: "تبيينًا"، وفي "س": "لهذا الأمر".
(1/161)

أن يكونَ لم يُنْكر الذودَ من حَيْثُ هو ذَوْدٌ، بل مِنْ حيثُ هو ذَوْدُ غَنم، حتى لو كان مكانَ الغنمِ إبلٌ لم يُنكر الذودَ كما أنك إذا قلتَ:"ما لك تمنعُ أخاك؟ "، كُنْتَ مُنْكِراً المنعَ، لا من حيثُ هوَ مَنعٌ، بل مِنْ حيثُ هو منعُ أخٍ، فاعرْفه تَعْلمْ أَنكَ لم تَجِدْ لِحَذْف المفعولِ في هذا النحوِ مِن الرَّوعة والحُسْن ما وجَدْتَ، إلاَّ لأنَّ في حَذْفه وتَرْكِ ذِكْرِه فائدةً جليلةً، وأَنَّ الغرَضَ لا يصح إلا على تركه.
مثال آخر للحذف الخفي:
165 - وممَّا هو كأنَه نَوعٌ آخرُ غيرُ ما مضى، قول البحتري:
إذا بَعُدَتْ أَبلَتْ، وإن قَرُبَتْ شَفَتْ ... فهِجْرانُها يُبْلي، ولُقيانُها يَشْفي1
قد عُلِمَ أنَّ المعنى: إذا بَعُدَتْ عني أَبْلَتني، وإنْ قَرُبَتْ مني شفَتْني إلاَّ أَنك تَجِدُ الشعرَ يأبى ذِكْرَ ذلك، ويُوجِبُ أطِّراحَه. وذاك لأَنَّه أرادَ أن يَجْعلَ البِلى كأنه واجِبٌ في بِعادها أن يُوجِبَه ويَجْلبه، وكأَنَّه كالطَّبيعة فِيه، وكذلك حالُ الشفاءِ معَ القُرب، حتى كأنه قال: أتدري ما بِعادُها؟ هو الداءُ المُضْني وما قُرْبُها؟ هو الشفاءُ والبُرْءُ مِنْ كلِّ داءٍ. ولا سبيلَ لك إلى هذه اللطيفةِ وهذه النكْتة، إلا بحذف المفعول البتة، فاعرفه.
__________
1 في ديوانه، وأمام البيت حاشية أخرى، كأنها أيضًا منقولة من حواشي نسخة عبد القاهر التي نسخ عنها كاتب "ج"، وهذا نص الحاشية.
[هذا مبنى على أن هذه المرأة من الحسن والجمال بحيث لا يراها أحد إلا عشقها، وكان حالة معها هذه الحالة. وهذا المعنى هو ما [افتتح] به المتبني:
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي
(1/162)

وليس لِنَتائجِ هذا الحذفِ، أعني حَذْفَ المفعولِ، نهايةٌ، فإنه طريقٌ إلى ضروبٍ من الصَّنْعة، وإلى لطائف لا تحصى.
نوع آخر، وهو: "الإضمار على شريطة التفسير" ومثاله
166 - وهذا نوع منه آخر: اعلم أن ههنا باباً منَ الإضمار والحذفِ يُسمَّى "الإضمار على شريطةِ التفسير"، وذلك مثْلُ قولِهم: "أكْرَمني وأَكْرَمْتُ عبدَ اللهِ"1، أردتُ: "أكرَمني عبدُ الله، وأكرمتُ عبدَ الله"، ثم تركتُ ذِكْرَه في الأولِ استغناءً بذِكْرهِ في الثاني. فهذا طريقٌ معروفٌ ومذْهَبٌ ظاهرٌ، وشيءٌ لا يُعْبَأُ به، ويُظَنُّ أنه ليس فيه أَكثرُ مما تُريكَ الأمثلةُ المذكورةُ منه وفيه إذا أنتَ طلبتَ الشيءَ من مَعْدِنِه منْ دقَيقِ الصنعةِ ومن جَليلِ الفائدةِ، ما لا تَجدُه إلاَّ في كلامِ الفحول.
167 - فمِنْ لطيفِ ذلك ونادرِهِ قولُ البحتري:
لوْ شِئْتَ لم تُفْسِدْ سَماحَة حاتِمٍ ... كَرَماً ولمْ تَهْدِمْ مآثِرَ خالدِ2
الأصلُ لا محالةَ: لو شئْتَ أن لا تُفْسِدَ سماحةَ حاتمٍ لم تُفْسِدْها، ثم حُذِفَ ذلك مَن الأول استغناءً بدلالته في الثاني عليه، ثم هو على ما تراهُ وتَعلَمُه منَ الحُسْن والغَرابة، وهو على ما ذكرتُ لك من أنَّ الواجبَ في حُكْم البلاغة أن لا يُنْطَقَ بالمحذوف ولا يَظَهَرَ إلى اللفظُ. فليس يَخفى أنك لو رَجَعْتَ فيه إلى ما هو أصْلُه فقلتَ: "لو شئتَ أن لا تُفسِدَ سماحةَ حاتمٍ لم تُفْسِدْها"، صِرْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ، وإلى شيءٍ يَمجُّهُ السمْعُ، وتَعافُهُ النفْسُ. وذلك أنَّ في البيانِ،
__________
1 انظر التعقيب على هذا المثل فيما يأتي، الفقرة رقم: 172.
2 البيت في ديوانه.
(1/163)

إذا ورَدَ بعدَ الإبهامِ وبعدَ التَّحريك له، أبداً لطفاً ونبلاً لا يكونُ إذا لم يتقدَّمْ ما يُحرِّكُ.
وأنتَ إذا قلتَ: "لو شئتَ"، علمَ السامعُ أنكَ قد علَّقْتَ هذه المشيئةَ في المعنى بشيءٍ، فهو يَضَعُ في نفسه أن ههنا شيئاً تَقْتضي مَشيئتُه له أن يكونَ أو أن لا يكونَ. فإذا قلتَ: "لم تُفسِد سماحةَ حاتم"، عرَفَ ذلك الشيءَ ومَجيءُ "المشيئةِ" بعد "لو" وبعْدَ حروفِ الجزاءِ هكذا موقوفةٌ غيرُ مُعدَّاةٍ إلى شيءٍ، كثيرٍ شائعٍ، كقوله تعالى {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل: 9]، والتقديرُ في ذلك كلِّه على ما ذكرتُ. فالأَصْلُ: لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى ولو شاءَ أنْ يَهدِيَكم أجمعينَ لهَداكم إلاَّ أَنَّ البلاغةَ في أن يُجاءَ به كذلك محذوفاً.
متى يكون إظهار المفعول أحسن من حذفه:
168 - وقد يتَّفقُ في بعضِه أن يكونَ إظهارُ المفعولِ هو الأَحْسَنَ وذلك نَحْو قولِ الشاعر:
ولَوْ شِئتُ أَنْ أبْكي دماً لبَكَيْتُهُ ... عليهِ ولكنْ ساحةُ الصبرِ أوْسَعُ1
فقياسُ هذا لو كان على حدِّ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: 35] أن يقولَ: "لو شئتُ بكيتُ دماً"، ولكنه كأنه تركَ تلك الطريقةَ وعدَلَ إلى هذهِ، لأنها أحسن من هذا الكلامِ خُصوصاً. وسببُ حسْنِه أنَّه كأنهُ بِدْعٌ عجيبٌ أنْ يشاءَ الإِنسانُ أن يَبْكي دَماً2. فلمَّا كان كذلك، كان الأَوْلى أن يُصرِّحَ بذِكْره ليقرِّرَهُ في نفسِ السِّامع ويُؤنِسَه به.
__________
1 للخريمي، وهو إسحاق بن حسان السعدي، يرثى عثمان بن عامر بن عمارة بن خريم الذبياني، أحد قواد الرشيد، الكامل 1: 251.
2 "بدع" مبتدع لا يؤلف.
(1/164)

169 - وإذا استقرَيْتَ وجدْتَ الأمرَ كذلك أبدا متى كان مفعولُ "المشيئةِ" أمراً عظيماً، أو بديعاً غريباً، كان الأَحْسَنَ أنْ يُذكَرَ ولا يُضْمَر.
يقول الرجل يخبر عن عزة1: "لو شئتُ أَن أَردَّ على الأميِر ردَدْتُ" و "لو شئتُ أنْ أَلْقى الخليفَةَ كلَّ يومٍ لَقِيتُ". فإذا لم يكن مما يُكْبِرُهُ السامعُ، فالحذفُ كقولك: "لو شئت خرجت" و "لو شئت قمت" و "لو شئت أنصفت"، و "لو شئتُ لقلت"، وفي التنزيلِ: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} [الأنفال: 31]، وكذلك تقول: "لو شئت كنت كزيد"، قال:
لَوْ شئتُ كنتُ كَكُرْزٍ في عبادتِه ... أو كابْنِ طارِق حَوْلَ البَيْتِ والحَرَمِ2
وكذلِكَ الحكُمُ في غيرهِ مِنْ حُروفِ المُجَازاة أن تقولَ3:: "إن شئت
__________
1 في المطبوعة وحدها: "عن عزة نفسه"، زيادة فاسدة.
2 من شعر عبد الله بن شبرمة القاضي، يقوله لابن هبيرة، ويذكر فيه: "كرزبن وبرة الحارثي الجرجاني العابد"، و "محمد بن طارق". قال ابن شبرمة لما سمع ابن هبيرة الشعر قال له: من كرز؟ ومن ابن طارق؟ قال فقلت له: أما كرز فكان إذا كان في سفر واتخذ الناس منزلًا، اتخذ هو منزلًا للصلاة، وأما ابن طارق: فلو اكتفى أحد بالتراب كفاه كف من تراب". وكان كرز يختم القرآن في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وكان محمد بن طارق في كل يوم وليلة سبعين أسبوعًا، كان يقدر طوافه في اليوم عشر فراسخ.
وفي هامش المخطوطة "ج"، البيت الثاني، وهو:
قد حال دون لذيذ العيش جدهما ... وشمرا في طلاب الفوز والكرم
والبيتان في الحيوان 3: 492، وحلية الأولياء لأبي نعيم 5: 81، 82، مع اختلاف في بعض ألفاظهما. وكان في المطبوعة: "ابن طارف". وفي نسخة عند رشيد رضا على الصواب.
3 "عن غيره من حروف المجازاة"، يعني غير "لو" التي مضى ذكرها قبل. وفي المطبعة وحدهما: "وكذا الحكم".
(1/165)

قلت" و "إن أَردتُ دفعتُ"، قال الله تعالى: {فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى: 24]، وقال عزَّ اسْمُه {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39]، ونظاهر ذلك من الآي، ترَى الحذْفَ فيها المستمرَّ.
أمثلة ما يعلم أنه ليس فيه لغير الحذف وجه:
170 - وممَّا يُعْلَمُ أَنْ ليس فيه لغيرِ الحذْفِ وجه قول طرفة:
وإنْ شئتُ لم تُرْقِلْ، وإنْ شئتُ أرْقَلَتْ ... مخافَةَ مَلْوِيٍّ مِنْ القِدِّ مُحْصَدِ1
وقولُ حميد:
إن شئتُ غنَتْني بأجزاعِ بِيشَةٍ ... أو الزُّرْقِ من تَثليثَ أَوْ بيَلَمْلما
مُطَوَّقةٌ ورقاءُ تَسْجَعُ كَلَّما ... دَنا الصيفُ وانجابَ الربيعُ فأَنجَما2
وقولُ البحتري:
إذا شاءَ غادى صِرمةً أو غدا على ... عقائل سرب أو تقنص ربربا3
وقوله:
لو شئتَ عُدْتَ بلادَ نَجْدٍ عَوْدةً ... فحَللْتَ بين عقيقهِ وزَرْودِهِ4
معلوم أنكَ لو قلْتَ: "وإن شئتَ أنْ لا تُرْقِلَ لم تُرْقل"، أو قلتَ: "إذا شئتُ أن تُغنِّيني بأجزاعِ بيشةَ غَنَّتْني"، "إذا شاء أن يغادي صرمة غادي"،
__________
1 في ديوانه، من معلقته. و "الإرقال" ضرب السير السريع، و "القد"، الجلد، ويعني السوط. و "المحصد"، المحكم القتل.
2 في يدوانه. و "بيشة" و "الزرق" و "تثليث" و "يلملم" مواضع. و "إنجاب"، ذهب وانكشف. و "أنجم، أقلع.
3 "الصرمة"، قطعة من الإبل. و "عقائل السرب" كرائمة، و "السرب"، من الظباء قطيعه. و "الربرب" قطيع يقر الوحش.
4 في ديوانه. "و "العقيق"، و "زرود"، موضعان بنجد.
(1/166)

و "لو شئتَ أن تَعودَ بلادَ نجدٍ عودةً عُدْتَها" أذهب الماءَ والرونقَ، وخرجْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ، ولفظٍ رث.
171 - وأما قول الجوهري:
فَلمْ يُبْقِ منِّي الشوقُ غيرَ تَفكُّري ... فَلَوْ شئتُ أن أَبْكِي بكَيْتُ تَفَكُّرا1
فقد نَحَا به نَحْو قولهِ:
وَلَو شئتُ أن أبكي دماً لبكيتُه2
فأظْهَر مفعولَ "شئتُ"، ولم يَقُلْ: "فلو شئتُ بكيتُ تفكُّراً"، لأجل أَنَّ له غرَضاً لا يَتمُّ إلاَّ بذكِر المَفْعولِ، وذلك أنه لم يُردِ أَن يقولَ: "ولَو شئتُ أن أبكي تفكُّراً بكيتُ كذلك"، ولكنه أرادَ أن يقولَ: قد أَفناني النحولُ، فلم يَبْقَ مني وفيَّ غيرُ خواطِرَ تَجولُ، حتى لو شئتُ بكاء فَمَريْتُ شُؤوني3، وعصَرْت عيني ليسيلَ منها دمعٌ لم أَجدْه، ولخَرجَ بدلَ الدمع التفكُّرُ4. فالبكاءُ الذي أرادَ إيقاعَ المشيئِة عليه مُطْلَقٌ مُبْهم غيرُ مُعَدَّى إلى "التفكُّر" البتَّةَ، و "البكاء" الثاني مقيَّد معدَّى إلى التفكُّر. وإذا كان الأمرُ كذلك، صارَ الثاني كأنه شيءٌ غيرُ الأول، وجرَى مَجْرَى أن تقولَ: "لو شئتَ أن تُعطي درهماً أعطيتَ درهَمين" في أنَّ الثاني لا يَصْلح أن يكونَ تفسيراً للأول.
__________
1 "الجوهري" هو "أبو الحسن، علي بن أحمد الجوهري الجرجاني"، قال الثعالبي في صفته "تجم جرجان"، وذكر أنه ورد نيسابور سنة 377هـ، وكان شاعرًا، وذكر من شعره قصيدة على الراء، كأن هذا البيت منها. "يتيمة الدهر 3: 259 - 274" وانظر معاهد التنصيص 1: 254.
2 الشعر في الفقرة السالفة رقم: 168.
3 في "س": "مريت جفوني" و "الشؤون"، مجاري الدمع في العين. و "مرى ضرع الناقة"، حلبها.
4 في المطبوعة: "ويخرج بدل".
(1/167)

مثال آخر نادر لطيف في الخدمة:
172 - واعلمْ أنَّ هذا الذي ذكَرْنا ليس بصريحٍ: "أكرمت وأكرمني عبد الله"1 لكنه شبيهٌ به في أنه إنَّما حُذِفَ الذي حذف من مفعول "المشيئة" و "الإرادة"، لن الذي يأتي في جوابِ "لو" وأخَواتها يدلُّ عليه.
173 - وإذا أردتَ ما هو صريحٌ في ذلك، ثم هو نادرٌ لطيفٌ يَنْطوي على معنى دقيقٍ وفائدةٍ جليلةٍ، فانظُرْ إلى بيتِ البحتري:
قد طَلَبْنا فلم نَجدْ لكَ في السُّؤْ ... دُدِ والمَجْد والمَكَارِم مِثْلا2
المعنى: قد طَلَبْنا لك مِثْلاً، ثم حذَفَ، لأنَّ ذكْرَه في الثاني يدلُّ عليه، ثم إنَّ للمجيءِ به كذلك مِن الحُسْن والمَزيَّة والرَّوعة ما لا يَخْفَى3. ولو أنه قال: "قد طلبَنْا لكَ في السؤددِ والمجدِ والمكارمِ مَثَلاً فلم نَجِدْه"، لم تَرَ مِنْ هذا الحُسْن الذي تَراه شيئاً4. وسببُ ذلك أَنَّ الذي هو الأصْلُ في المدح والغرض بالحقيقة، هو نَفْي الوجودِ عنِ "المثل"، فأَمَّا "الطلبُ"، فكالشيءِ يُذكر ليُبنى عليه الغَرَضُ ويُؤَكَّد به أَمْرُه. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قالَ: "قد طلبَنْا لكَ في السؤددِ والمجدِ والمكارمِ مِثْلاً فلم نَجدْه"، لكان يكونُ قد تركَ أن يُوقِعَ نفْيَ الوجودِ على صريحِ لفظِ "المِثْل"، وأوْقَعَه على ضميرِه. ولن تبلغَ الكنايةُ مبلغَ التصريح أبدًا5.
__________
1 انظر أول الفقرة رقم: 166.
2 في ديوانه.
3 في المطبوعة وحدها: "في المجيء به".
4 من أول قوله هنا: "لم تر من هذا الحسن" إلى قوله بعد أسطر: "مثلًا فلم نجده"، ساقط في "س".
5 في المطبوعة وحدها: "مبلغ الصريح".
(1/168)

مثال آخر، من خطبة قيس بن خارجة بن سنان:
174 - ويُبيِّن هذا، كلامٌ ذكَرَه أبو عثمانَ الجاحظُ في كتاب البيان والتبيين1، وأنا أكتبُ لك الفصل حتى تستبين الذي هو المُرادُ، قال: "والسنَّةُ في خُطبِة النِّكاحِ أنْ يُطيلَ الخاطِبُ ويُقصِّرَ المجِيبُ، ألا ترى أن قيس بن خارجة [بن سنان] لمَّا ضرَبَ بسيفِه مُؤخَّرةَ راحلةِ الحاملَين في شأن حمالة داحس [والغبراء] 2 وقال: مالي فيها أيُّها العَشَمتَانِ؟ 3 قالا: بل ما عندَك؟ قال: عندي قِرى كلِّ نازلٍ، ورضِى كلِّ ساخِطٍ، وخُطبةٌ مِنْ لَدُنْ تطْلُعُ الشمسُ إلى أن تَغْرُبَ، آمرُ فيها بالتَّواصُل، وأَنْهى فيها عنِ التَّقاطُع قالوا: فخطَبَ يوماً إلى اللَّيل، فما أعاد كلمةً ولا معْنى4. فقيلَ لأبي يعقوب5: هلاَّ اكْتَفى بالأمِر بالتواصلِ، عنِ النَّهْي عن التقاطع؟ أو ليس الأمرُ بالصلةِ هو النهْيُ عن القطيعة؟ قال: أو ما علمْتَ أنَّ الكنايةَ والتعريضَ لا يَعْملان في العقولِ عَمَلَ الإِيضاح والتَّكشيفِ"6.انتهى الفصْلُ الذي أَردتُ أن أَكْتبَه. فقد بصَّرك هذا أنْ لن يكونَ إيقاعُ نَفْي الوجودِ على صَريحِ لفظِ المِثل، كإيقاعهِ على ضَمِيره.
__________
1 هو في البيان والتبيين 1: 166، وكتاب "البرصان والعرجان" للجاحظ ص: 89 وما بين الأقواس منه، وانظر جمهرة نسب قريش رقم: 41.
2 اللذان حملا الحمالة، وهي الدية، "والحارث بن عوف بن أبي حارثة"، و "هرم بن سنان ابن أبي حارثة"، ويقال هما: "خارجة بن سنان" و "الحارث بن عوف"، وانظر جمهرة نسب قريش رقم: 38، والتعليق عليه.
3 يقال: "رجل غثمة، وعجوز غشمة"، كبير هرم يابس من العزال.
4"فما أعاد كلمة ولا معنى"، ليست في البيان.
5 "أبو يعقوب"، هو "إسحق بن حسان بن قوهى الخريمي".
6 في المطبوعة: "عمل الإيضاح"، وفي البيان: "الكشف".
(1/169)

أمثلة أخرى للحذف:
175 - وإذْ قد عرَفْتَ هذا، فإنَّ هذا المعنى بعينِه قد أَوْجَبَ في بيتِ ذي الرُّمة أنْ يَضعَ اللفظَ على عكسِ ما وضَعه البحتريُّ1، فيُعملَ الأوَّلَ من الفعلين، وذلك قولُهُ:
ولم أَمدَحْ لأرضيهِ بِشعري ... لَئِيماً، أَنْ يكونَ أصابَ مالا2
أعْمَلَ "لم أمدحْ"، الذي هو الأول، في صريح لفظ "اللئيم"، و "أرْضى"، الذي هو الثاني، في ضميِرهِ. وذلك لأنَّ إيقاعَ نَفْي المدحِ على اللئيم صريحاً، والمجيءَ به مكشوفًا ظاهرصا، هو الواجبُ من حيثُ كان أصْلُ الغرضِ، وكان الإرضاءُ تعليلاً له. ولو أنه قال: "ولم أمدح لأُرْضِيَ بشعري لئيماً"، لكانَ يكونُ قد أَبْهمَ الأمرَ فيما هو الأصْلُ، وأبانَهُ فيما ليس بالأَصْل، فاعرفْه.
176 - ولهذا الذي ذكَرْنا من أنَّ للتَّصريح عَمَلاً لا يكونُ مثلُ ذلك العمل للكناية، كان فعادة اللفظِ في مِثْلِ قولهِ تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] وقولهِ تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1، 2] من الحُسْنِ والبَهْجة، ومنَ الفَخَامة والنُّبل، ما لا يَخْفى موضِعُه على بصيرٍ. وكان لو تُرِكَ فيه الإظهارُ إلى الإضمار فقيل: "وبالحقِّ أنزلناه وبه نزل": و "قلْ هُوَ الله أَحدٌ هو الصَّمَدُ" لعدِمْتَ الذي أنت واجده الآن.
__________
1 يعني البيت السالف في رقم: 172.
2 في ديوان ذي الرمة.
(1/170)

القول في الحذف: نتيجة
فصل: مثال آخر للحذف:
177 - قد بانَ الآنَ واتَّضحَ لِمَنْ نَظَر نظَرَ المتثبِّتِ الحصيفِ الراغبِ في اقتداحِ زِنادِ العَقْل، والازْديادِ من الفضْلِ، وَمْن شأْنُه التوقُ إلى أن يَعْرفَ الأشياءَ على حَقائقها، ويَتغلغَلَ إلى دقائقها، ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذبي يَجري معَ الظاهِر، ولا يَعْدو الذي يَقَعُ في أولِ الخاطرِ1 أَنَّ الذي قلتُ في شأنِ "الحَذْف" وفي تفخيم أمرِه، والتَّنويهِ بذِكْره، وأنَّ مأْخَذَه مَأْخذٌ يُشْبِهُ السِّحْر، ويَبْهَرُ الفِكْر، كالذي قلتُ2.
178 - وهذا فَنٌّ آخرُ من معانِيه عجيبٌ، وأنا ذاكرُه لك3. قال البحتري في قصيدته التي أولها:
أعَنْ سَفَهٍ يومَ الأُبَيْرَقِ أم حِلْمِ4
وهو يذكر مُحاماةَ الممدوحِ عليه، وصيانَتَه له، ودفْعهَ نوائب الزمان عنه:
وكَمْ ذُدْتَ عَنِّي مِنْ تَحامُل حادِثٍ ... وسَوْرةِ أَيام حَزَزْنَ إلى العَظْم
الأَصْلُ لا محالةَ: حززْنَ اللَّحْمَ إلى العظم، إلاَّ أنَّ في مجيئهِ به محذوفاً، وإسقاطِه له مِنْ النُّطْق، وتَرْكهِ في الضميرِ، مزَّيةً عجيبةً وفائدةً جليلةً.
__________
1 السياق: "قد بان الآن ...... أن الذي قلت".
2 السياق: "أن الذي قلت ...... كالذي قلت".
3 في "ج": "وما أذكره لك"، وفي نسخة عند رشيد رضا: وهو ما أذكره لك"، كما في "س".
4 في ديوانه.
(1/171)

وذاك أنَّ مِنْ حِذْق الشاعرِ أَنْ يُوقِعَ المعنى في نَفْس السامعِ إيقاعاً يَمنعُه به مِنْ أنْ يتوَهَّم في بدءِ الأمر شيئاً غيرَ المرادِ، ثم ينصرفُ إلى المرادِ، ومعلومٌ أنه لو أظْهَر المفعولَ فقال: "وسَوْرة أيامٍ حززنَ اللَّحَم إلى العظم"، لجاز أن يقعَ في وَهْم السامع إلى أنْ يجيءَ إلى قولِه: "إلى العظم"، أنَّ، هذا الحزَّ كان في بعضِ اللحم دُونَ كلِّه، وأنه قطَعَ ما يَلي الجِلْدَ ولم يَنْتَهِ إلى ما يلي العظم. فلما كان كذلك، وترك ذِكْر "اللحم" وأَسْقَطَه من اللفظ، ليُبْرِئَ السامعَ من هذا الوهمِ، ويَجعلَهُ بحيثُ يَقعُ المعنى منه في أَنْفِ الفَهْمِ1، ويَتصوَّرُ في نفسه من أولِ الأمْر أنَّ الحزَّ مضى في اللحمِ حتى لم يَردَّه إلاَّ العْظمُ.
أفيكونُ دليلٌ أوضحَ من هذا وأَبْيَنَ وأجْلى في صحة ما ذكرتُ لك، مِنْ أنك قد ترى ترك أفْصَحَ من الذكْرِ، والامتناعَ من أن يَبْرزَ اللفظ من الضمير، أحسن للتصوير؟
__________
1 "ألف كل شيء"، أوله.
(1/172)

الفروق في الخبر "تقسيمه":
فصل 1: القول على فروق في الخبر
الخبر الذي هو جزء من الجملة والخبر الذي ليس بجزء منها:
179 - أَولُ2 ما ينبغي أن يُعْلَم منه أنَّه يَنقسمُ إلى خَبرٍ هو جُزءٌ من الجملةِ لا تَتمُّ الفائدةُ دونَه3، وخَبرٍ ليس بجزءٍ منَ الجملة، ولكنه زيادةٌ في خَبرٍ آخرَ سابقٍ له. فالأولُ خبرُ المبتدأ، كمُنْطَلِقٌ في قولك: "زيدٌ مُنْطلقٌ"، والفعلُ كقولك: "خرجَ زيدٌ"، فكلُّ واحدٍ من هذين جزءٌ منَ الجملة، وهو الأَصْل في الفائدة والثاني هو الحالُ: كقولك: "جاءني زيدٌ راكباً"، وذاكَ لأنَّ الحالَ خبرٌ في الحقيقة، مِنْ حيثُ إنك تُثْبتُ بها المعنى لذي الحالِ، كما تثبتُ بخبرِ المبتدأ للمبتدأ، وبالفِعْل للفاعل4. ألاَ تَراكَ قد أَثبتَّ "الركوبَ" في قولَك: "جاءني زيدٌ راكباً" لزيدٍ؟ إلاَّ أنَّ الفَرْقَ أنك جئْتَ به لتزيدَ معنًى في إخباركَ عنه بالمجيءِ، وهو أن تَجْعلَه بهذه الهيئة في مجيئهِ، ولم تُجرِّدْ إثباتَكَ للركوب ولم تُباشِرْه، به، بل ابتدأَتَ فأَثبتَّ المجيءَ، ثمَّ وصلْتَ به الركوبَ فالتبسَ به الإثباتُ على سبيل التَّبَع للمجيءِ، وبشَرْط أنْ يكونَ في صِلَته. وأمَّا في الخبر المطلق نحو: "زيد منطلق" و "خرج عمرو"، فإنك مُثْبِتٌ للمعنى إثباتاً جرَّدْتَه له، وجعلْتَه يُباشِرُه من غيرِ واسطةٍ، ومن غيرِ أَن تتسبب بغيره إليه، فأعرفه.
__________
1 "فصل"، ليست في "ج" ولا "س".
2 هذه الفقرة رقم: 179، سيأتي بنصها في الفقرة رقم: 241.
3 في المطبوعة وحدها: "أنه يقسم .... ".
4 في المطبوعة وحدها: "كما ثبته".
(1/173)

الفروق في الخبر: الاسم والفعل في الإثبات
180 - وإذْ قد عرَفْتَ هذا الفرْقَ، فالذي يَليه من فُروق الخَبَر، وهو الفرْقُ بينَ الإثباتِ إذا كان بالاسم، وبيْنَه إذا كانَ بالفعلِ. وهو فرقٌ لطيفٌ تَمسُّ الحاجة في علم البلاغة إليه.
الفرق بين الخبر إذا كان بالاسم، وإذا كان بالفعل، وأمثلتها:
181 - وبيانُه، أنَّ موضوعَ الاسم على أن يُثْبَتَ به المعنى للشيءِ من غيرِ أن يَقتَضي تجدُّده شيئاً بعْدَ شيء.
182 - وأما الفعلُ فموضوعُه على أنه يقتضي تَجدُّدَ المعنى المُثْبَت به شيئاً بعْدَ شيء"1.
فإذا قلتَ: "زيدٌ منطلقٌ"، فقد أَثبتَّ الانطلاقَ فعْلاً له، من غيرِ أن تجعلَه يَتجدَّد ويَحْدُثُ منه شيئاً فشيئاً، بل يكونُ المعنى فيه كالمعنى في قولك: "زيد طويل"، و "عمرو قصير": فكما لا تقصد ههنا إلى أن تَجعل الطولَ أو القِصَر يتجدَّد ويَحدثُ، بل تَوجِبُهما وتُثْبِتُهما فقط، وتَقْضي بوجوِدهما على الإطلاقِ، كذلك لا تتعرَّضُ في قولك: "زيدٌ منطلقٌ" لأكْثَرَ مِن إثباتِهِ لِزَيد.
183 - وأمَّا الفعلُ، فإنهُ يُقْصَدُ فيه إلى ذلك، فإذا قلتَ: "زيدٌ ها هو ذا يَنْطلقُ"، فقد زَعمْتَ أنَّ الانطلاقَ يقعُ منه جُزءاً فجزءاً، وجعلْتَهُ يُزاوله ويُزَجِّيه.
184 - وإنْ شئتَ أن تُحِسَّ الفرْقَ بينهما مِنْ حيثُ يَلْطُفُ، فتأملْ هذا البيت:
لا يأْلَفُ الدِّرْهَمُ المَضْرُوبُ خِرقَتَنا، ... لكِنْ يَمُرُّ عليها وهو منطلق2
__________
1 هذه الفقرة ساقطة من "س".
2 قائلة النضر بن جؤبة، في معاهد التنصيص 1: 207، وشرح الواحدي على ديوان المتنبي: 157، وفي المطبوعة وحدها "صرتنا".
(1/174)

هذا هو الحُسْنُ اللائقُ بالمعنى، ولو قلتَه بالفعل: "لكنْ يَمُرُّ عليها وهو ينطلقُ"، لم يحسن.
الفرق بين الخبر صفة مشبهة، والخبر إذا كان فعلا:
185 - وإذا أردت أن تعتبره حيث لا يَخْفى أَنَّ أحدَهما لا يَصْلُح في موضعِ صاحبهِ1، فانظرْ إلى قولِه تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف: 18]، فإنَّ أَحداً لا يَشكُّ في امتناعِ الفعلِ ههنا، وأنَّ قولَنا: "كَلبُهم يبسُطُ ذراعَيه"، لا يؤدِّي الغرضَ، وليس ذلك إلاَ لأنَّ الفعلَ يقتضي مزاولةَ وتجدُّدَ الصفةِ في الوقتِ، ويَقْتضي الاسمُ ثُبوتَ الصفةِ وحُصولها من غيرِ أن يكونَ هناك مُزاولةٌ وتَزْجيةُ فعلٍ، ومعنىً يَحْدُث شيئاً فشيئاً. ولا فرْقَ بينَ "وكلبهم باسِطٌ"، وبينَ أن يقولَ: "وكلْبُهم واحدٌ" مثلاً، في أنك لا تُثْبِتُ مُزاولةً، ولا تَجعل الكَلْبَ يفعل شيئاً، بل تُثْبتِهُ بصفةٍ هو عليها. فالغرضُ إذن تَأديةُ هيئةِ الكلبِ.
ومتى اعتبرْتَ الحالَ في الصِّفاتِ المشبَّهةِ وجَدْتَ الفرْقَ ظاهراً بيِّناً، ولم يَعترضْك الشكُّ في أنَّ أحدَهما لا يَصْلُح في موضعِ صاحبه. فإذا قلتَ: "زيدٌ طويلٌ"، و "عمرو قصير": لم يصلح مكانه "يطول" و "يقصر"، وإنما تقول: "يطول" و "يقصر"، إذا كان الحديثُ عن شيءٍ يَزيد ويَنمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك، ومما يتجدَّدُ فيه الطولُ أو يَحْدثُ فيه القِصَر. فأمَّا وأنتَ تُحدِّثُ عن هيئةٍ ثابتةٍ، وعن شيءٍ قد استقرَّ طولُه، ولم يكن ثمَّ تَزايدٌ وتجدُّدٌ، فلا يَصْلُح فيه إلاَّ الاسْمُ.
__________
1 في المطبوعة: "بحيث لا يخفى".
(1/175)

أمثلة الفرق بين الخبر إذا كان فعلا، وبينه إذا كان اسما:
186 - وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضعَ كثيرةٍ1، وظهرَ الأمرُ، بأَنْ تَرى أحدَهما لا يصْلُح في موضعِ صاحبهِ، وجَبَ أنْ تقضيَ بثُبوتِ الفرقِ حيثُ تَرى أَحدَهما قد صلُحَ في مكانِ الآخَرِ، وتَعْلَم أنَّ المعنى مع أحدِهما غَيرُهُ مع الآخرِ، كما هو العبرةُ في حَمْل الخَفيِّ على الجليِّ. وينعكسُ لك هذا الحكمُ أَعني أنك كما وجدْتَ الاسمَ يقَعُ حيثُ لا يَصلُح الفعلُ مكانه، كذلك نجد الفِعْلَ يَقَعُ ثُم لا يَصلُحُ الاسمُ مكانَه، ولا يؤدِّي ما كانَ يؤديه.
187 - فمن البَيِّنِ في ذلك قول الأعشى:
لعَمْري لقدْ لاحتْ عيونٌ كثيرةٌ ... إلى ضوءِ نارٍ في يَفاع تَحَرَّقُ
تُشَبُّ لِمَقْرورَين يَصْطَليانِها ... وبات على النار الندى والمحلق2
معلوم أن لو قيل: "إلى ضوء نارٍ مُتَحَرِّقة"3، لَنَبا عنه الطبْعُ وأنكرَتْه النفسُ، ثم لا يكونُ ذاك النبوُّ وذاك الإنكارُ من أجل القافية وأنها تُفْسَد به، بل من جهةِ أنه لا يُشْبِهُ الغرَضَ ولا يليقُ بالحال.
188 - وكذلك قوله:
أوَ كُلّما وَرَدَتْ عُكاظَ قبيلةُ ... بَعثُوا إلىَّ عَريفَهُم يَتَوَسَّمَ4
وذاك لأنَّ المعنى في بيتِ الأعشى على أنَّ هناك مُوقِداً يتجدَّدُ منه الإلهابُ والإشعالُ حالاً فحالاً، وإذا قيل: "متحرِّقة"، كان المعنى أن هناك نارًا قد
__________
1 في المطبوعة وحدها: "بين الشيئين".
2 في ديوان الأعشى. و "المحلق" بتشديد اللام وكسرها وبفتحها أيضًا، واسمه "عبد العزى ابن خثم بن شداد بن ربيعة المجنون بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب"، وسمى "المخلق". لأن فرسًا عضه في خده عضة كالحلقة.
3 في "ج" و "س": "محرقة".
4 الشعر لطريف بن تميم العنبري، في "الأصمعيات" رقم: 39.
(1/176)

ثَبُتتْ لها وفيها هذه الصفةُ، وجرَى مَجْرى أن يقالَ: "إلى ضوءِ نارٍ عظيمةٍ" في أنه لا يفيدُ فعلاً يُفْعل وكذلك الحالُ في قوله:
بعثوا إليَّ عريفهم بتوسم
وذلك لأنَّ المعنى على توسُّم وتأملٍ ونظرٍ يتجدَّد من العَريف هناك حالاً فحالاً، وتصفُّحٌ منه للوجوه واحداً بعدَ واحدٍ. ولو قِيل: "بَعثوا إليَّ عريفَهم متوسِّماً"، لم يُفد ذلك حقَّ الإفادة.
189 - ومن ذلك قولُه تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 2]، لو قيلَ: "هل من خالقٍ غيرُ اللهِ رازقٌ لكم"، لكان المعنى غيرَ ما أُريدَ.
190 - ولا ينبغي أن يَغُرَّكَ أنَّا إذا تكلَّمْنا في مسائل المبتدأ والخبر قدَّرْنا الفعلَ في هذا النحو تقدير الاسم، كما تقول، في "زيدٌ يقومُ"، إنه في موضعِ "زيدٌ قائمٌ"، فإنَّ ذلك لا يَقْتضي أن يستويَ المعنى فيهما استواءً لا يكون من بَعْدِهِ افتراقٌ، فإنهما لوِ اسْتويا هذا الاستواءَ، لم يكن أحدُهما فِعْلاً والآخرُ اسماً، بل كان يَنْبغي أن يكون جميعًا فعلين، أو يكونا اسمين.
(1/177)

الفروق في الخبر: التعريف والتنكير في الإثبات
من فروق الخبر في الإثبات، وأمثلته:
191 - ومِنْ فروقِ الإثباتِ أنَّك تقولُ: "زيدٌ منْطَلِقٌ" و "زيدٌ المنطلقُ" و "المنطلقُ زيدٌ"، فيكون لك في كلِّ واحدٍ من هذه الأَحْوال غَرضٌ خاصٌّ وفائدةٌ لا تكونُ في الباقي. وأَنا أفسِّر لك ذلك.
192 - إعلمْ أنك إذا قلتَ: "زيدٌ منطلقٌ"، كانَ كلامُك مع مَنْ لم يعلَمْ أنَّ انطلاقاً كان، لا مِنْ زَيْد ولا مِنْ عَمْرو، فأنتَ تُفيدُه ذلك ابتداءً.
وإذا قلتَ: "زيدٌ المنطلقُ" كان كلامُك مع مَنْ عَرَفَ أنَّ انطلاقاً كان، إا من زَيْد وإمّا من عَمرو، فأنتَ تُعْلِمه أنه كان من زيدٍ دون غيره.
(1/177)

والنُكتةُ أنك تُثْبِتُ في الأول الذي هو قولك: "زيدٌ منطلقٌ" فِعْلاً لم يَعْلم السامعُ من أصْله أنه كان، وتُثبتُ في الثاني الذي هو "زيدٌ المنطلقُ" فعْلاً قد عَلِمَ السامعُ أنَّه كان، ولكنه لم يَعْلَمهُ لِزَيْدٍ، فأَفَدْتَهُ ذلك. فقد وافقَ الأولَ في المعنى الذي له كانَ الخبرُ خبراً، وهو إثباتُ المعنى للشيء. وليس يَقْدَح في ذلك أنكَ كنْتَ قد علمْتَ أنَّ انطلاقاً كان من أحَدِ الرجلين، لأنك إذا لم تَصِلْ إلى القَطْع على أنه كان من زيدٍ دون عمرو، وكان حالُك في الحاجةِ إلى من يُثْبته لزيدٍ1، كحالك إذا لم تَعْلم أنه كانَ من أَصْله.
193 - وتمامُ التحقيق أنَّ هذا كلامٌ يكونُ معك إذا كنتَ قد بُلِّغْتَ أنه كانَ مِن إنسانٍ انطلاقٌ مِنْ مَوْضعِ كذا في وَقْتِ كذا لغرضِ كذا، فجوَّزْتَ أنْ يكونَ ذلك كان مِنْ زيدٍ. فإذا قيلَ لك: "زيدٌ المنطلقُ"، صار الذي كان معلوماً على جهِة الجواز، معلوماً على جهةِ الوجوبِ. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيدَ هذا الوجوبِ أدْخلوا الضميرَ المسمَّى "فصْلاً" بين الجزءين فقالوا: "زيدٌ هو المنطلق".
إذا كان الخبر نكرة، جاز أن تعطف على المبتدأ مبتدأ آخر، وتفصيل ذلك:
194 - ومن الفرق بين المسئلتين، وهو مما تَمسُّ الحاجةُ إلى معرفتهِ، أنك إذا نكَّرْتَ الخبرَ جازَ أن تأتيَ بمبتدأ ثانٍ، على أنْ تُشركه بحرفِ العطفِ في المعنى الذي أخبرْتَ به عن الأوَّل، وإذا عرَّفتَ لم يَجُزْ ذلك.
تفسيرُ هذا أنك تقول: "زيدٌ منطلق وعمرو"، تريدُ "وعمروٌ منطلقٌ أيضاً"، ولا تقولُ: "زيدٌ المنطلق وعمرو"، ذلك لأنَّ المعنى مع التعريفِ على أنك أردْتَ أن تُثبت انطلاقاً مخصوصاً قد كان من واحدٍ، فإذا أَثْبتَّه لزيدٍ لم يَصِحَّ إثباتُه لعمرو.
__________
1 في المطبوعة وحدها، " ..... من كان يثبته"، وهي زيادة لا خير فيها.
(1/178)

ثم إنْ كان قد كان ذلك الانطلاقُ من اثنينٍ، فإنه ينبغي أن تَجْمَع بينهما في الخبر فتقول: "زيد وعمرو هما المنطلقان"، لا أن تُفرِّق فتُثْبِتَه أولاً لزيد، ثم تجيء فتُثْبتَه لعمرو.
ومِنَ الواضح في تمثيلِ هذا النحوِ قولُنا: "هو القائلُ بيتَ كذا"، كقولك: "جريرٌ هو القائل:
ولَيْسَ لِسَيْفي في العِظَامِ بقيّةٌ1
فأنتَ لو حاولتَ أن تُشْرك في هذا الخبرِ غيرَه، فتقولُ: "جريرٌ هو القائلُ هذا البيتَ وفلانٌ"، حاولت محالًا، لأنه قول بعينِه2، فلا يُتصوَّر أن يُشرَكَ جريراً فيه غيره.
__________
1 في ديوان جرير، وتمامه:
وللسيف أشوى وقعة من لسانيا
2 في المطبوعة وحدها: "قوله بعينه".
(1/179)

الفروق في الخبر: القصر في التعريف
الخبر معرفا بالألف واللام، نحو "زيد هو الشجاع"، وتفصيل فروق الوجه الأول:
195 - وعلم أنكَ تَجد "الأَلف واللامَ" في الخبرِ على معنى الجنسِ، ثم تَرى له في ذلك وجوهاً:
أحدهما: أن تَقْصُرَ جنْسَ المعنَى على المُخْبَر عنه لقَصْدِك المبالغةَ، وذلك قولُك: "زيدٌ هو الجوادُ" و"عمرو هو الشجاعُ"، تريدُ أنه الكاملُ إلاَّ أنكَ تُخْرجُ الكلامَ في صورةٍ تُوهم أنَّ الجُودَ أو الشجاعةَ لم تُوجَدْ إلا فيه، وذلك لأنك لم تَعْتَدَّ بما كان مِنْ غَيْره، لقُصوره عن أن يَبْلغَ الكمالَ. فهذا.
(1/179)

كالأولِ في امتناع العَطْف عليه للإشراك، فلو قلت: "زيد هو الجواد وعمرو"، كان خَلْفاً من القول.
معنى الوجه الثاني:
196 - والوجُه الثاني: أن تَقْصُرَ جِنسَ المعنى الذي تُفيدُه بالخبرِ على المُخْبرَ عنه، لا على معنى المبالغة وتَرْك الاعتدادِ بوجودهِ في غير المخْبَر عنه، بل على دَعوى أنه لا يُوجَدُ إلا منه. ولا يكونُ ذلك إلاَّ إذا قيَّدت المعنى بشيءٍ يُخصِّصُه ويجعلُه في حكمِ نوعٍ برأسهِ، وذلك كنحوِ أن يُقيَّد بالحالِ والوقْتِ كقولك: "هو الوَفِيُّ حينَ لا تَظُنَّ نفسٌ بنفسٍ خيراً". وهكذا إذا كان الخبرُ بمعنًى يتعدَّى، ثمَّ اشترطْتَ له مفعولاً مخصوصًا، كقول الأعشى:
هُوَ الواهِبُ المِئَةَ المُصْطفاةَ، ... إمَّا مِخاضاً وإمَّا عِشَاراً1
فأنتَ تَجْعلُ الوفاءَ في الوقِت الذي لا يَفي فيهِ أحَدٌ، نوعاً خاصاً مِنَ الوفاء، وكذلك تجعلُ هِبَة المئة من الإبل نوعاً خاصاً، وكذا الباقي. ثم إنك تَجعلُ كلَّ هذا خبراً على معنى الاختصاص، وأنَّه للمذكورِ دونَ مَن عَداهُ.
ألا تَرى أنَّ المعنى في بيتِ الأعشى: أنه لا يَهَبُ هذه الهبةَ إلا الممدوحُ؟ وربما ظنَّ الظانُّ أنَّ "اللام" في "هُوَ الواهبُ المِئَة المُصْطفاةَ" بمنزلِتها في نحوِ "زيدٌ هو المنطلقُ"، من حديث كان القَصْد إلى هبةٍ مخصوصةٍ2، كما كان القصدُ إلى انطلاقٍ مخصوصٍ. وليس الأمْرُ كذلك، لأنَّ القصدَ ههنا إلى جنسٍ منَ الهِبة مخصوصٍ، لا إلى هبةٍ مخصوصةٍ بعينها. يَدُلُّكَ على ذلك أن المعنى على أنه يتكرَّر منه، وعلى أن يجعلُهُ يهبُ المئةَ مرةً بعدَ أُخرى3، وأما
__________
1 - في ديوانه.
2 في "ج" "إلى مئة مخصوصة"، خطأ.
3 في المطبوعة: "وعلى أنه يجعله".
(1/180)

المعنى في قولك: "زيدٌ هو المنطلقُ"، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة وادة، لا إلى جنسٍ من الانطلاقِ. فالتكرُّر هناك غيرُ مُتصوَّر، كيفَ؟ وأنتَ تقولُ: "جريرٌ هو القائل وَليْسَ لِسَيفي في العِظَامِ بقيةٌ"1، تُريد أن تُثبتَ له قِيلَ هذا البيتِ وتأليفَه.
فأفْصِلْ بينَ أن تقصِدَ إلى نوعِ فعلٍ، وبينَ أن تقصدَ إلى فعلٍ واحدٍ متعيَّنٍ، حالهُ في المعاني حال زيد في الجرال، في أنه ذات بعينها.
الوجه الثالث:
197 - والوجه الثالث: أن لا يَقصد قصْرَ المعنى في جنسِه على المذكورِ، لا كما كان في "زيدٌ هو الشجاعُ"ـ تُريد أن لا تعتدَّ بشجاعةِ غيرهِ ولا كما تَرى في قولِه: "هُو الواهبُ المئةَ المصطفاةَ"، ولكن على وجهٍ ثالثٍ، وهو الذي عليه قولُ الخنساء:
إذا قَبُحَ البكاءُ على قتيلٍ ... رأَيْتُ بكاءَكَ الحسَنَ الجَميلا2
لم تُرِدْ أنَّ ما عدا البكاءَ عليه فليس بحَسَنٍ ولا جَميل، ولم تُقّيِّدِ الحَسَن بشيءٍ فيتُصوَّر أن يُقْصَرَ على البقاء، كما قَصَرَ الأعشى هبةَ المئةِ على الممدوح، ولكنها أرادتْ أن تُقِره في جنسِ ما حُسْنُهُ الحُسْنُ الظاهرُ الذي لا يُنْكرهُ أحدٌ، ولا يَشكُّ فيه شاكُّ.
198 - ومثُله قولُ حسان:
وإنَّ سَنام المَجْدِ مِنْ آلِ هاشمٍ ... بَنُو بنت مخزوم ووالدك العبد3
__________
1 انظر الفقرة السالفة: 194.
2 في ديوانها.
3 في ديوانه.
(1/181)

الفروق في الخبر: نكت أخرى للتعريف
الوجه الرابع في الخبر المعرف بالألف واللام وهو مسلك دقيق، وأمثلته، وهو "الموهوم":
199 - واعلمْ أنَّ للخبر المعُرَّف "بالألفِ واللام" معنًى غيرَ ما ذكرتُ لك، ولهُ مَسْلكٌ ثَمَّ دقيقٌ ولَمَحَةٌ كالخَلْسِ، يكونُ المتأمِّلُ عنده كما يقالُ: "يُعرَّفُ وينكَّرُ"، وذلك قولُك: "هو البطلُ المحامي" و "هو المتقي المرنجي"، وأنتَ لا تقصدُ شيئاً مما تقَدَّم، فلستَ تشيرُ إلى معنى قد عَلمَ المخاطَبُ أنه كان، ولم يَعْلَمْ أنه ممَّن كان كما مضى في قولك: "زيدٌ هو المنطلقُ" ولا تريدُ أن تقصُرَ معنى عليه على معنى أنه لم يَحصُلْ لغيرهِ على الكَمال، كما كان في قولك: "زيد هو الشجاعُ" ولا أن تقول: ظاهر أنه بهذهِ الصفة2، كما كان في قوله: "ووالدُكَ العبْدُ" ولكنَّك تُريد أن تقولَ لصاحبك: هل سمعتَ بالبطل المحامي؟ وهل خصلت معنى هذه الصفةِ؟ وكيفَ يَنْبغي أن يكونَ الرجلُ حتى يَستحِقَّ أن يُقالَ ذلك له وفيه؟ فإنْ كنتَ قتلتَه عِلماً، وتصوَّرْتَه حقَّ تصورهِ، فعليكَ صاحبَك واشدُدْ به يدَك، فهو ضالَّتُكَ وعندَه بُغْيتُكَ، وطريقُه طريق قولكِ3: "هل سمعتَ بالأَسَد؟ وهل تعرفُ ما هو؟ فإِن كنتَ تَعرفُه، فَزيدٌ هو هو بعينه".
__________
1 لم أقف على بعد.
2 في المطبوعة: "إنه ظاهر بهذه الصفة"، وفي "س": "ظاهره أنه .... ".
3 في المطبوعة وحدها "كطريق قولك".
(1/182)

200 - ويزدادُ هذا المعنى ظهوراً بأن تكونَ الصفةُ التي تريدُ الإخبارَ بها عن المبتدأ مُجْراةً على موصوف، كقوله ابن الرومي:
هُوَ الرجُلُ المَشْرُوكُ في جُلِّ مالِهِ ... ولكنَّه بالمَجْد والحَمْد مُفْرَدُ1
تقديرُه، كأنه يقولُ للسامع: فكِّرْ في رجلِ لا يتميزُ عفاتُه وجيرانُه ومعارِفُه عنْهُ في مالِه وأَخْذ ما شاؤوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، فأعلك أنه ذلكَ الرجلُ.
201 - وهذا فنٌّ عجيبُ الشأنِ، وله مكانٌ من الفَخامةِ والنُبْل، وهو مِنْ سِحْر البيانِ الذي تَقْصُرُ العبارةُ عن تأديةِ حقِّه. والمُعَوَّلُ فيه على مراجعةِ النفسِ واستقصاءِ التأمُّلِ، فإذا علمتَ أنه لا يريدُ بقوله: "الرجلُ المشروكُ في جُلِّ مالهِ" أن يقول: "هو الذي بلغت حديثه، وعرفت من حاله وقصته أن يُشرَكُ في جُلِّ ماله، على حدِّ قولِكَ: "هو الرجلُ الذي بلغَكَ أنه أنفقَ كذا، والذي وهبَ المئة المصطفاةَ من الإبل" ولا أنْ يقولَ إنه على معنى: "هو الكاملُ في هذه الصفةِ"، حتى كأنَّ ههنا أقواماً يُشركون في جلِّ أموالهم، إلا أنه في ذلك أكملُ وأتَمُّ، لأنَّ ذلك لا يُتَصوَّر. وذاك أنَّ كوْنَ الرجل بحيث يُشْرَكُ في جلِّ ماله، ليس بمعنى يَقعُ فيه تَفاضُلٌ2، كما أن بَذْلَ الرجلِ كَلَّ ما يَملكُ كذلك ولو قيلَ: "الذي يُشْرَكُ في ماله"، جازَ أن يَتفاوَتَ. وإذا كان كذلك، علمتَ أنه معنًى ثالثٌ. وليس إلا ما أشرْتَ إليه من أنه يقولُ
__________
1 ديوانه: 589، وفيه: "ولكنه باخلبر والحمد".
2 في المطبوعة: "ليس معنى"، وفي "س" "وذاك أن إشراك الرجل في جل ماله، معنى لا يقع فيه تفاضل".
(1/183)

للمخاطب: "ضع في نسك معنى قولك: رجل متشروك في جُلِّ مالهِ، ثم تأمْل فلاناً، فإنك تَسْتملي هذه الصورةَ منه، وتَجدهُ يؤدِّيها لك نَصّاً، ويأتيكَ بها كَمَلاً".
202 - وإن أردْتَ أن تسمعَ في هذا المعنى ما تَسْكُن النفسُ إليه سكونَ الصَّادي إلى بَرْد الماءِ، فاسمعْ قوله:
أن الرجل المدعو عاق فقرِهِ ... إذا لَمْ تُكارِمْني صروفُ زَمَاني1
وإنْ أردت أعجب من ذلك فقوله:
أهدَى إليَّ أبو الحُسين يَدا ... أَرْجو الثوابَ بها لديه غدا
وكذلك عاداتُ الكَريم إذا ... أَوْلَى يَداً حُسِبَتْ علَيْهِ يدا
إن كان يحسد نفسه أحد، ... فلأزعمك ذلك الأحد2
فهذا كلُّه على معنى الوْهم والتقدير، وأن يُصَوِّر في خاطرِه شيئاً لم يَره ولم يَعْلمه، ثم يُجْريه مُجْرى ما عَهِد وعَلِم.
"الذي" ومجيئها في الخبر الموهوم:
203 - وليس شيءٌ أغلبَ على هذا الضرْبِ المَوْهوم من "الذي"، فإنه يجيء كثيرًا من أنك تُقدِّر شيئاً في وَهْمك، ثم تُعبِّر عنه "بالذي"، ومثال ذلك قوله:
أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب3
__________
1 لم أقف عليه بعد.
2 هو لابن الرومي في دويانه: 786.
3 هو لأبي حوط، حجية بن المضرب الكسوني، والشعر في شرح حماية التبريزي 3: 98، والمؤتلف والمختلف للآمدي: 183.
(1/184)

وقول الآخر:
أخوك الذي إن ريته قال إنما ... أريت وإن غاتبته لانَ جانِبُهْ1
فهذا ونحْوُه على أنكَ قدَّرْتَ إنساناً هذه صفتُه وهذا شأْنُه، وأَحلْتَ السامعَ على من يَعِنُّ في الوهم2، دون أن يكونَ قد عرفَ جرلًا بهذه الصفةِ فأعلمتَه أن المستحِقَّ لاسمِ الأُخوَّة هو ذلك الذي عَرَفه، حتى كأنك قلتَ: "أخوك زيدٌ الذي عرفتَ أنكَ إنْ تدعُه لملمة يحبك".
204 - ولكَوْن هذا الجنسِ معهوداً من طريقِ الوَهم والتخيُّل، جَرىَ على ما يُوصفُ بالاستحالةِ، كقولكَ للرجل وقد تَمنَّى: "هذا هو الذي لا يكون"، و "هذا ما لا يدخل في الوجود"، وكقوله:
مالا يَكونُ فلاَ يَكونُ بحيلَةٍ ... أبداً وَمَا هُوَ كائنٌ سَيُكُونُ3
وَمِنْ لطيفِ هذا الباب قولُه:
وإنِّي لمشتاقٌ إلى ظلِّ صاحبِ ... يَروقُ ويَصْفو إنْ كَدِرْتُ عليهِ4
قَدْ قدَّر كما تَرى ما لَمْ يعلمْه موجوداً، ولذلك قال المأمونُ: "خذْ منِّي الخِلافةَ وأعطني هذا الصاحب". فهذا التعريفُ الذي تَراه في الصاحب لا يَعْرِضُ فيه شك أنه موهوم.
__________
1 هو لشار من يرد في ديوانه.
2 في المطبوعة: "يتعين في الوهم"، خطأ.
3 هو لعبد الله بن محمد بن أبي عيينة، بقوله لذى اليمينين، الكامل للمبرد 1: 23.
4 هو لأبي العتاهية. ديوانه "بيروت"، الأغاني 11: 346 "الدار"، كتاب بغداد لطيفور: 332.
(1/185)

الفرق بين: "المنطلق زيد" و"زيد المنطلق" والمبتدأ والخبر معرفتان
205 - وأمَّا قولُنا: "المنطلقُ زيدٌ"، والفرْقُ بينَه وبينَ أن تقول: "زيدٌ المنطلقُ"1، فالقولُ في ذلك أنك وإنْ كنتَ تَرى في الظاهر أنهما سواءٌ من حيثُ كانَ الغرضِ في الحَالَيْن إثباتَ انطلاقٍ قد سَبَق العلمُ به لزيدٍ2، فليسَ الأمرُ كذلك، بل بينَ الكلامَيْن فصْلٌ ظاهرٌ.
وبيانُه: أنك إذا قلتَ: "زيدٌ المنطلقِ"، فأنتَ في حديِث انطلاقٍ قد كان، وعرَفَ السامعُ كونَه، إلاَّ أنه لم يَعْلم أَمِنْ زيدٍ كان أمْ مِن عَمرو؟ فإذا قلت: "زيدٌ المنطلقُ"، أزلتَ عنه الشكَّ وجعلْتَه يَقْطعُ بأنه كان مِنْ زيدٍ، بعد أن كان يَرى ذلك على سَبيل الجَواز.
وليس كذلك إذا قدمت "المنطلقُ" فقلت: "المنطلق زيد"، بلى يكون المعنى حيئذ على أنك رأَيْتَ إنساناً ينطِلق بالبُعْد منك، فلم تثبته3، ولم تعلَمْ أزيدٌ هو أمْ عمروٌ، فقال لك صاحبُك: "المنطلقُ زيدٌ"، أي هذا الشخصُ الذي تراه من بُعْد هو زيدٌ.
وقد تَرى الرجلَ قائِماً بين يديكَ وعليه ثوبُ ديباجٍ، والرجلُ ممن عرفْتَه قديماً ثم بَعُدَ عَهْدُك به فتناسَيْتَه، فيقالُ لك: "اللابسُ الديباجَ صاحبُك الذي كان يكونُ عندَك في وقتِ كذا، أمَا تعرِفُه؟ لَشَدَّ ما نَسِيتَ"، ولا يكون الغرض أن يثبت له ليس الديباجِ، لاستحالةِ ذلك، من حيثُ إنَّ رؤيتَك الديباجَ عليه تُغْنيك عن إخبارِ مُخْبر وإثباتِ مثبت لبسه له.
__________
1 في المطبوعة: "بينه وبين زيد المنطلق".
2 في المطبوعة: "من حيث كون الغرض ... ".
3 في المطبوعة وحدها: "فلم تثبت".
(1/186)

فمتى رأيتَ اسمَ فاعلٍ أو صفة منَ الصفات قد بُدىءَ به، فجُعل مبتدأً، وجُعل الذي هو صاحبُ الصِّفة في المعنى خبراً، فاعلَمْ أنَّ الغرضَ هناك، غيرُ الغرض إذا كان اسمُ الفاعل أو الصفةُ خبراً، كقولك: "زيد المنطق".
اختلاف معنى التقديم والتأخير في المعرفتين إذا كانتا مبتدأ وخبرا:
206 - واعلمْ أنه ربَّما اشتَبهتْ الصورةُ في بعضِ المسائل من هذا البابِ، حتى يُظنَّ أنَّ المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبراً، لم يختلفِ المعنى فيهما بتقديمٍ وتأخير. ومما يُوهم ذلك قولُ النحويين في "باب كان": "إذا اجتمعَ معرفتانِ كنتَ بالخِيار في جعْلِ أيِّهما شئتَ اسماً، والآخر خَبراً، كقولك: "كان زيدٌ أخاط" و "كان أخوك زيداً"، فيُظَنُّ مِنْ ههنا أنَّ تكافؤَ الاسمين ي التعريف يقتضي أن لا يَختلِف المعنى بأن نبدأ بهذا وثنتنى بذاك، وحتى كان الترتيبُ الذي يُدَّعى بينَ المبتدأ والخبر وما يُوضع لهما من المنزلِة في التقدم والتأخر، يَسْقطُ ويرتَفِعُ إذا كان الجزآن معاً معرفتين.
207 - ومما يُوهم ذلك أنك تقول: "الأمير زيد"، و "جئتك والخليفةُ عبدُ الملك"، فيكون المعنى على إثباتِ الإمارة لزيدٍ، والخلافةِ لعبدِ الملك، كما يكونُ إذا قلت: "زيد الأمير" و "عبد الملك الخليفةُ"، وتقولهُ لمن لا يُشاهِد1، ومَنْ هو غائبٌ عن حضرةِ الإمارة ومعْدِن الخلافة.
وهكذا من يتوهم في نحو قوله:
__________
1 في المطبوعة: "تقوله لمن يشاهد"، أسقط "لا"، ففسد الكلام.
(1/187)

أَبُوكِ حُبابٌ سارقُ الضَّيفِ بُرْدَهُ ... وجَدِّيَ يا حَجَّاجُ فارسُ شَمَّرا1
أنه لا فَصْلَ بينه وبينَ أن يقالَ: حبابٌ أبوكَ، وفارسُ شمَّر جَدِّي". وهو موضِعُ غامض.
والذي يُبيِّن وجهَ الصَّوابِ، ويدلُّ على وجوبِ الفرق بين المسئلتين: أنك إذا تأملت الكلام وجدت الا يَحْتَمِلُ التَّسويةَ، وما تجدُ الفرْقَ قائماً فيه قياماً لا سبيلَ إلى دَفْعه، هو الأَعَمَّ الأكثَر2.
208 - وإن أردتَ أَنْ تعرفَ ذلك، فانظرْ إلى ما قدَّمتُ لك من قولك: "اللابسُ الديباجَ زيدُ"3، وأنتَ تُشير له إلى رجلٍ بينَ يديه، ثم انظرْ إلى قولِ العَرب: "ليسَ الطِّيبُ إلاَّ المِسْك"4، وقولِ جرير:
ألستُمْ خيرَ مَنْ رَكبَ المَطايا5
ونحوِ قولِ المتنبي:
ألست ابن الألى سعدوا وسادوا6
__________
1 هو لجميل في مجموع شعره، وهو في شرح الحماسة للتبريزي 1: 165، واللسان "شمر"، وغيرهما.
2 السياق: "وما تجد الفرق .... هو الأعمم الأكثر".
3 مضى في الفقرة رقم: 205.
4 مشهور عند النحاة، انظر سيبويه 1: 147.
5 في ديوانه: وتمامه:
وأندي العالمين بطون راح
6 في ديوانه، وتمامه:
ولم يلدوا امرءًا إلا نجيبا
(1/188)

وأشباهِ ذلك مما لا يُحصى ولا يُعَدُّ وأرد المعن على أن يَسْلَمَ لك مع قَلْبِ طَرَفَيْ الجملة1، وقُلْ: "ليس المسكُ إلا الطيبَ"، و "أليس خيرُ مَنْ ركبَ المطايا إياكم؟ "، و "أليس ابنُ الألى سعِدوا وسادوا إِيَّاكَ"؟ 2 تعلمْ أنَّ الأمرَ على ما عرَّفْتُك من وجوبِ اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير.
المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه والخبر خبر لأنه مسند تثبت به وبيان ذلك:
209 - وههنا نكتة جيب القطعُ معها بوجوبِ هذا الفرقِ أبداً، وهي أنَّ المبتدأَ لم يكُنْ مبتدأً لأنه منطوقٌ به أولًا، ولا كان الخبر خبرًا لنه مذكورٌ بَعْد المبتدأ، بل كان المبتدأُ مبتدأً لنه مُسْندٌ إليه ومُثْبَتٌ له المعنى، والخبَرُ خبراً لأنه مسنَدٌ ومثْبَتٌ به المعنى.
تفْسير ذلك: أنَّك إذا قلتَ: "زيدٌ منطلقٌ" فقد أثبتَّ الانطلاقَ لزيدٍ وأَسندْتَه إليه، فَزَيدٌ مثبَتٌ له، ومنطلق مثْبَتٌ به، وأمَّا تقديمُ المبتدأ على الخبرِ لفظاً، فحكْمٌ واجبٌ من هذِه الجهة، أي من جهِة أنْ كان المبتدأُ هو الذي يُثْبَتُ له المعنى ويسند إليه، والخبَرُ هو الذي يُثْبَتُ به المعنى ويُسنَد. ولو كان المبتدأ مبتدأ لنه في اللفظ مقدَّمٌ مبدوءٌ به، لكان يَنبغي أن يَخْرج عن كونِه مبتدأ بأن يقالَ: "منطلقٌ زيدٌ"، ولوجَبَ أن يكونَ قولُهم: "إن الخبرَ مقدَّمٌ في اللفظِ والنيَّةُ به التأخيرُ"، مُحالاً. وإذا كان هذا كذلك ثم جئتَ بمعرفتين فجعلتهما متبدأ وخبراً فقد وجَبَ وجوباً أن تكونَ مثبِتاً بالثاني معنى للأول. فإذا قلت: "زيدًا أخوك"، كنتَ قد أثبتَّ بأخوك معنى لزيدٍ، وإذا قدمت وأخرت فقلت:
__________
1 "وأرد المعنى"، سياقه في اول الفقرة: وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر ... وأراد المعنى".
2 السياق: "فانظر .... وأرد المعنى ... تعلم".
(1/189)

"أخوك زيد"1، وجب أن تكون مثبتًا يزيد معنى لأخوك، وإلا كان تسميتك له الآن متبدأ وإذا ذاك خبراً، تغييراً للاسم عليه مِنْ غيرِ معنى، ولأذى إلى أن لا يكون لقولهم "المبتدأ والخير" فائدةٌ غيرَ أن يتقدمَ اسمٌ في اللفظ على اسم، من غير أن ينفدر كل واحد منما بحكْمٍ لا يكون لصاحبهِ. وذلك مما لا يُشكُّ في سقوطه.
210 - ومما يدلُّ دلالةً واضحةً على اختلافِ المعنى إذا جئتَ بمعرفتَيْن، ثم جعلتَ هذا مبتدأ وذاك خبراً تارة، وتارة بالعكس قولهم: "الحبيب أنت"، و "أنت الحبيبُ"، وذاك أنَّ معنى "الحبيبُ أنتَ"، أنه لا فصْل بينك وبينَ مَنْ تُحبُّه إذا صدَقَت المحبةُ، وأنَّ مثَل المتحابَّيْنِ مثَلُ نفْسٍ يقتسمُها شخصان، كما جاء عن بعض الحكماءِ أنه قال: "الحبيبُ أنتَ إلا أنه غيرُكَ". فهذا كما ترى فوق لطيف وكنكتة شريفةٌ، ولو حاولتَ أن تُفيدها بقولك: "أنت الحبيبُ"، حاولتَ ما لا يَصِحُّ، لأنَّ الذي يُعْقَل من قولك "أنتَ الحبيبُ" هو ما عناه المتنبي في قوله:
أنتَ الحبيبُ ولكنِّي أعوذُ بهِ ... مِنْ أنْ أكون محبصا غيرَ مَحْبوبِ2
ولا يَخفى بُعْدُ ما بينَ الغرضَيْن. فالمعنى في قولك: "أنتَ الحبيبُ" أنَّكَ الذي أخْتَصُّه بالمحبة مِنْ بين الناس، وإذا كان كذلك، عرفتَ أنَّ الفرْقَ واجبٌ، أبداً، وأنه لا يجوزُ أن يَكون "أخوك زيدٌ" و "زيد اخوك" بمعنى واحد.
__________
1 من أول قوله: "كنت قد أثبت بأخوك" إلى هنا، ساقط في "ج"، سهوًا من الكاتب.
2 في ديوانه.
(1/190)

211 - وههنا شيءٌ يجبُ النظرُ فيه، وهو أنَّ قولك: "أنتَ الحبيبُ"، كقولِنا "أنتَ الشجاعُ"، تُريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة أم كقولنا1: "زيدٌ المنطلقُ"، تريد أنه الذي كان منهُ الانطلاقُ الذي سمِعَ المخاطَبُ به؟ وإذا نظرْنا وجدناه لا يَحْتمِل أن يكونَ كقولنا: "أنتَ الشجاعُ"، لأنه يقتضي أن يكونَ المعنى أنَّه لا مَحبَّة في الدنيا إلا ما هو بهِ حبيبٌ، كما أنَّ المعنى في "هوَ الشجاعُ" أنه لا شجاعَة في الدنيا إلاَّ ما تَجِِدُه عندَه وما هو شجاعٌ به. وذلك مُحال.
212 - وأمرٌ آخرُ وهو أنَّ الحبيب "فعيل" فمعنى" "مفعول"، فالمحبة إذن ليست هل له بالحقيقة، وإِنما هي صفةٌ لغيرِه قد لابَسَتْه وتعلَّقَتْ به تعلُّقَ الفعلِ بالمفعول. والصفةُ إذا وُصِفَتْ بكمالٍ وُصِفتْ به على أَنْ يَرجِعَ ذلك الكمالُ إلى مَنْ هي صفةٌ له، دونَ مَن تُلابِسُه ملابسةَ المفعول. وإذا كان كذلك، يعد أن تَقولَ: "أنتَ المحبوبُ"، على معنى أنتَ الكاملُ في كونك مَحبوباً، كما أنَّ بعيداً أن يقالَ: "هو المضروبُ"، على معنى أَنه الكاملُ في كونِه مضروباً.
وإنْ جاء شيءٌ من ذلك جاء على تعسُّفٍ فيهِ وتأويلٍ لا يُتصوَّر ههنا، وذلك أنْ يقالَ مثلاً: "زيدٌ هو المظلومُ"، على معنى أنه لم يُصِبْ أحداً ظلمٌ يَبلغُ في الشِّدَةِ والشَّناعة الظلمَ الذي لَحِقَه، فصار كلُّ ظلمٍ سِواهُ عَدْلاً في جَنْبهِ ولا يجيءُ هذا التأويلُ في قولنا: "أنتَ الحبيبُ"، لأنَّا نَعْلم أَّنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا: إنَّ أحداً لم يُحبَّ أحدًا مجتبى لك، وأن ذلك قد أبطل
__________
1 في المطبوعة: "أو كقولنا".
(1/191)

المحبات كلها حتى صبرت الذي لا يُعْقَلُ للمحبةِ معنًى إلاَّ فيه. وإنما الذي يريدون أنَّ المحبةَ مني بجملتها مقصورةٌ عليكَ، وأنه لَيْسَ لأحدٍ غيرَكَ حظٌّ في محبةٍ منِّي.
213 - وإذا كان كذلك بانَ أَنه لا يكونُ بمنزلةِ "أنتَ الشجاعُ"، تريدُ الذي يتكامل الوصفُ فيه1، إلا أنه يَنْبغي من بَعْدُ أن تعْلم أَنَّ بينَ "أنتَ الحبيبُ" وبينَ "زيدٌ المنطلقٌ" فرقاً، وهو أنَّ لكَ في المحبة التي أَثْبَتَّها طرفاً من الجنسية، من حيثُ كان المعنى أنَّ المحبَّةَ مني بجملتها مقصورةٌ عليك، ولم تَعمدْ إلى محبةٍ واحدةٍ من مَحَبَّاتك. ألا تَرى أنَّك قد أَعطَيْتَ بقولكَ: "أنتَ الحبيبُ" أنك لا تُحِبُّ غيرَه، وأنْ لا محبةَ لأحدٍ سِواه عندَك؟ ولا يتصور هذا في "زيد المنطلق"، لأنه وجْهَ هناك للجنسيةِ، إذْ ليس ثَمَّ إلا انلاطق واحدٌ قد عَرفَ المخاطبُ أنه كان، واحتاجَ أن يُعيَّن له الذي كان منه ويُنَصَّ له عليه. فإن قلتَ: "زيدٌ المنطلقُ في حاجتك"، تريدُ الذي من شأنه أن يَسْعى في حاجَتك، عرَضَ فيه معنى الجنسيةِ حينئذٍ على حدها في "أنت الحبيب".
أسماء الأجناس والمصادر تتنوع إذا وصفت:
214 - وههنا أصْلٌ يجب أن تُحْكِمَهُ: وهو أنَّ من شأنِ أسماءِ الأجناسِ كلِّها إذا وُصِفَتْ، أن تَتنوَّعَ بالصفةِ، فيصيرَ "الرجلُ" الذي هو جنسٌ واحدٌ إذا وصفْتَه فقلتَ: "رجلٌ ظريفٌ"، و "رجل طويل"، و "رجل قصير"، و "رجل شاعر"، و "رجل كاتبٌ"، أنواعاً مختلفةً يُعَدُّ كلُّ نوعٍ منها شيئًا على حدة، وتستأنف في اسم "الرجل" بكلِّ صفةٍ تَقْرِنها إليه جنسية2.
__________
1 في المطبوعة وحدها: "الذي تكامل".
2 "جنسية"، مرفوع بقوله "وتستأنف"، أي: تستأنف بكل صفة جنسية.
(1/192)

215 - وهكذا القول في "المصادر"، تقول: "العلم" و "الجهل" و "الضرب" و "القتل" و "السير" و "القيام" و "القعود"، فتجدُ كلَ واحدٍ من هذه المعاني جنساً كالرجل والفرس والحمارِ. فإذا وصفتَ فقلتَ: "عِلمُ كذا" و "علم كذا" كقولك: "علم ضروري" و "علم مكتسب"، و "علم جلي" و "علم خفي" و "ضرب شديد" و "ضرب خفيف" و "سير سريع" و "سير بطيء" وما شاكل ذلك، آتقسم الجنس منها أقاسامًا، وصار أنواعًا، وكان مثلها مثل الشيء والمجموع المؤلفِ تَفْرُقُه فِرَقاً وتَشْعَبُه شُعبَا. وهذا مذهبٌ معروف عندهم، وأصل متعارف فيكل جيل وأمة.
المصادر تتفرق بالصلة، كما تتفرق بالصفة:
216 - ثم إن ههنا أصلاً هو كالمتفرِّع على هذا الأصل أو كالنظيرِ له، وهو أن مِنْ شأنِ "المصدر" أن يفرَّقَ بالصَّلات كما يُفرَّقُ بالصِّفات.
ومعنى هذا الكلامِ أنَّك تقولُ "الضربُ"، فتراه جنساً واحداً، فإذا قلتَ: "الضربُ بالسيف"، صار بتعديتك له إلى السيف1، نوعاً مَخصوصاً. ألا تراكَ تَقولُ: "الضربُ بالسيف غيرُ الضربِ بالعصا"، تُريدُ أنهما نوعانِ مختلفانِ، وأنَّ اجتماعَهما في اسم "الضَّرْب" لا يُوجب اتفاقَهما، لأن الصِّلةَ قد فصلَتْ بينُهما وفرَّقَتْهما. ومن المثالَ البيِّن في ذلك قول المتنبي:
وتوهَّمُوا اللعِبَ الوَغى، والطعنُ في الـ ... ـهيجاءِ غير الطعن في الميدان2
__________
1 في المطبوعة: "تعيتك"، بغير باء.
2 في ديوانه، و "الوغي" و "الهيجاء" الحرب، و "الميدان"، يريد به ميدان التدريب على استعمال السلاح، وهو أشبه باللعب.
(1/193)

لولا أن اختلاف صلة المصدر تقضي اختلافه في نفسِه، وأن يَحْدُثَ فيه انقسامٌ وتَنوُّعٌ، لَمَا كان لهذا الكلامِ معنًى، ولَكانَ في الاستحالة كقولك: و "الطعن غير الطعن". فقد بان إذْن أنه إنَّما كانَ كلُّ واحدٍ من الطَّعْنَيْن جِنْساً بَرأْسِهِ غيرَ الآخَر، بأَنْ كان هذا في الهيجاءِ، وذاك في الميدانِ.
وهكذا الحُكْم في كلِّ شيء تعدَّى إليه "المصْدَرُ" وتعلَّقَ به. فاختلافُ مفعولَيْ المصدر يقتضي اختلافَه، وأن يكونَ المتعدِّي إلى هذا المفعولِ غيرَ المتعدِّي إلى ذاك. وعلى ذلك تقولُ: "ليسَ إعطاؤكَ الكثير كإعطائك القليل"، وهكذا إذا عذبته إلى الحال كقولك: "ليس إعطاؤه مُعْسِراً كإعطائك مُوسِراً" و "ليس بذْلُكَ وأنتَ مقل، كبذلك وأنت مكثر".
الاسم المشتق أيضا يتفرق بالصلة:
217 - وإذا قد عرفْتَ هذا مِن حُكْم "المصدِر" فاعتبرْ به حكْمَ الاسمِ المشتقِّ منه.
وإذا اعتبرْت ذلك علمْتَ أَنَّ قولك: "هو الوفيُّ حين لا يفي أحد"، و "هو الواهب المئة المصطفاة"، وقوله1:
وهو الضارب الكتيبة، والطعـ ... ـنة تعلو، والضَّربُ أَغْلى وَأَغْلَى2
واشباهُ ذلك كلُّها أخبارٌ فيها معنى الجنسية، وأنها في نوعِها الخاصِّ بمنزلِة الجنسِ المُطْلَق إذا جعلْتَه خبَراً فقلتَ: "أنتَ الشجاعُ".
وكما أنكَ لا تَقْصِد بقولك: "أنتَ الشجاعُ" إلى شجاعة بعينها قد
__________
1 انظر الفقرة رقم: 196.
2 في ديوان المتنبي، وفي المطبوعة: "أغلى وأغلى"، و "أغلى" من "الغلاء"، أي الضرب أعز وجودًا من الطعن وأغلى.
(1/194)

كانتْ وعُرِفَتْ من إنسانٍ، وأَردْتَ أن تَعرفَ ممَّنْ كانت بل تُريد أن تَقْصُرَ جنْسَ الشجاعةِ عليه، ولا تَجعلُ لأحدٍ غيرهِ فيه حظَّاً، كذلك لا تَقصدُ بقولك: "أنتَ الوفيُّ حين لا يَفي أحدٌ" إلى وفاءٍ واحدٍ. كيفَ؟ وأنتَ تقول: "حينَ لا يفي أحدٌ".
وهكذا محال أن تقصد في قولِه: "هُوَ الواهبُ المئةَ المصطفاةَ"، إلى هبةٍ واحدةٍ، لأنه يَقْتضي أَن يقصِدَ إلى مِئةٍ منَ الإبلَ قد وَهَبها مرةً، ثم لم يعد لمثلها. ومعلوم أن خلافُ الغرضِ، لأنَّ المعنى أنه الذي مِنْ شأنِه أن يَهَبَ المئةَ أبداً، والذي يبلغُ عطاره هذا المبلغَ، كما تقول: "هو الذي يُعطي مادحة الألف والألفين"، وكقوله:
وحاتمُ الطائيُّ وهَّابُ المِئي1
وذلك أوضَحُ من أن يخفى.
الألف واللام الدالة على الجنسية لها مذهب في الخبر، غيره في المبتدأ ووجوه هذا المعنى:
218 - وأصْلٌ آخرُ: وهو أن مِنْ حَقِّنا أن نعْلم أنَّ مَذْهَب الجنسية في الاسم وهو خبر، غير مذهبها وهو مبتدأ.
__________
1 لامرأة من بني عقيل، تفخر بأخوالها من اليمن، وقبله.
حيدة خالي ولقيط وعلي
نوادر أبي زيد: 91، واللساني "مأى" وغيرهاوهو مشهور. وفي هامش المخطوطة ما نصه:
"مئة تجمع على مئى، ويكون الأصل: مووى ..... ثم تقلب الواو باء كما يقال مضى في مضى يمضي: والأصل مضوى، كقعود، والمعروف الجمع بالواو، كقولك: مئة ومئون، مثل رئة ورئون، وثبة وثبون".
(1/195)

تفسيرُ هذا: أنَّا وإنْ قلْنا إنَّ "اللامَ" في قولك: "أنت الشجاعُ" للجنس، كما هُوَ له في قولهم: "السجاع موقي، والجبان ملقي"1، فإن الفرق ينهما عظيمٌ. وذلك أنَّ المعنى في قولك: "الشجاعُ مُوَقَّى"، أنك تُثْبِتُ الوقايةَ لكلِّ ذاتٍ مِنْ صفتها الشجاعةُ، فهو في معنى قولِك: الشجعانُ كلُّهم مُوَقَّوْنَ. ولستُ أقولُ إن الشجاعَ كالشجعان على الإطلاق، وإنْ كان ذلك ظنَّ كثيرٍ من الناس، ولكني أريدُ أنك تَجعلُ الوقايةَ تستغرق الجنس وتشتمله وتَشِيعُ فيه. وأمَّا في قولك: "أنت الشجاعُ"، فلا مَعنى فيهِ للاستغراقِ، إذْ لسْتَ تُريد أن تَقولَ: "أنتَ الشجعانُ كلُّهم" حتى كأنكَ تَذْهَبُ به مذْهَب قولِهِمْ: "أنتَ الخَلْقُ كلُّهم" و "أنت العالم"، كما قال:
وليس الله بِمُسْتَنْكَرٍ ... أنْ يَجْمَع العالَمَ في واحدِ2
219 - ولكن لحديث "الجنسية" ههنا مأخذ آخرَ غيرَ ذلك، وهو أنك تَعْمدُ بها إلى المصدِر المشتقِّ منه الصفةُ وتُوجِّهُها إليه، لا إلى نفسِ الصِّفَة. ثُم لكَ في تَوْجيهها إليه مَسْلَكٌ دقيقٌ. وذلك أنَّه ليس القصْدُ أَنْ تأتيَ إلى شَجاعاتٍ كثيرةٍ فَتجمَعَها له وتُوجِدَها فيه، ولا أنْ تَقول: إنَّ الشجاعاتِ التي يُتوهَّمُ وجودُها في الموصوفينَ بالشجاعة هي موجودةٌ فيه لا فيهم هذا كلُّه محالٌ، بل المعنى على أنك تقولُ: كنَّا عقَلْنا الشجاعةَ وعرَفْنا حقِيقَتَها، وما هي؟ وكيف يَنبغي أن يكون الإنسانُ في إقدامِه وبَطْشه حتى يعلم أنه شجاع على
__________
1 مثل، انظر كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام: 116 رقم: 297. وقائله حنين ابن خشرم السعدي.
2 هو لأبي نواس، في ديوانه. وصدر البيت مكتوب في هامش "ج"، وليس في "س"، وفي المطبوعة "ليس على الله ... ".
(1/196)

الكمال: واستَقْرَيْنا الناسَ فلم نجدْ في واحدٍ منهم حقيقةَ ما عرَفْناه، حتى إِذا صِرْنا إلى المخاطَبِ، وَجدْناه قِد استكمَلَ هذه الصفةَ، واستجمعَ شرائِطَها، وأخلصَ جوهرَهَا، ورسَخَ فيهِ سِنخُها1. ويُبيِّن لك أنَّ الأمرَ كذلك اتفاقُ الجميعِ على تفسيِرهم له بمعنى الكامِل، ولو كان المعنى على أنهُ اسْتغْرق الشجاعاتِ التي يُتوهَّمُ كونها في الوصوفين بالشجاعة، لَمَا قالوا إنَّه بمعنى الكامل في الشجاعِة، لأنَّ الكمالَ هو أن تكونَ الصِّفة على ما يَنْبغي أَن تكونَ عليه، وأنْ لا يخالِطَها ما يَقْدحُ فيها، وليس الكمالُ أن تجتمعَ آحادُ الجنسِ وينضمَّ بعضُها إلى بعض. فالغرض إذان بقولنا: "أنتَ الشجاعُ"، هو الغرَضُ بقولهم: "هذه هيَ الشجاعةُ على الحقيقة، وما عَداها جُبْنٌ" و "هكذا يكون العلم، وما عداه تخيل"2، و "هذا هو الشعرُ" وما سواهُ فليس بشيءٍ". وذلك أَظَهرُ من أَنْ يَخفى.
220 - وضربٌ آخرُ منَ الاستدلال في إبطالِ أن يكونَ "أنتَ الشجاعُ" بمعنى أنكَ كأنكَ جميعُ الشجعانِ، على حَدِّ "أنتَ الخلْقُ كلُّهم"3، وهو أنك في قولك: "أنت الخلق" و "أنت الناس كلهم" و "قد جميع العالَم مِنْكَ في واحدٍ"، تدَّعي له جميعَ المعاني الشريفةِ المتفرقةِ في الناسِ، من غيرِ أن تُبْطِل تلك المعاني وتَنْفيها عن الناس، بل على أن تَدَّعي له أمْثالَها. ألا تَرى أنك إذا قلتَ في الرجلِ: "إنه معدود بألف رجل"، فلست
__________
1 "سنخها"، أصلها وجذرها.
2 في "س"، وفي نسخة عهند رشيد رضا: "وهذا هو العلم، وما عداه جهل".
3 انظر الفقرة رقم: 218.
(1/197)

تعني أنه معدود بألف لا مَعْنى فيهم ولا فضيلةَ لهم بوجْهٍ1، بل تريدُ أنَّه يُعْطِيكَ من معاني الشجاعةِ أو العِلْمِ أو كذا أو كذا مجموعاً2، مَّا لا تَجِدُ مقدارَه مفرَّقاً إلا في ألفِ رجلٍ. وأمَّا في نحوِ "أنتَ الشجاعُ"، فإنك تدعي له مقدارَه مفرَّقاً إلا في ألفِ رجلٍ. وأمَّا في نحوِ "أنتَ الشجاعُ"، فإنك تدَّعي له أن قد انفردَ بحقيقةِ الشجاعةِ، وأنه قد أُوتي فيها مزيَّةً وخاصيَّةً لم يُؤْتَها أَحدٌ، حتى صار الذي كان يَعدُّه الناسُ شجاعةً غيرَ شجاعةٍ، وحتى كأَنَّ كلَّ إقدامٍ إحجامٌ، وكلَّ قوةٍ عُرِفَتْ في الحرب ضَعْفٌ. وعلى ذلك قالوا: "جادَ حتى بَخَلَ كلَّ جوادٍ، وحتى منَعَ أن يَسْتحِقَّ اسمَ الجوادِ أحَدٌ"، كما قال:
وإنَّكَ لا تَجود عَلَى جوادٍ ... هِباتُكَ أنْ يُلَقَّبَ بالجوادِ3
وكما يقالُ: "جادَ حتى كَأَنْ لم يُعْرَف لأحدٍ جودٌ، وحتى كَأَنْ قد كذب الواصفون الغيث بالجود"، كما قال:
أعطيتَ حتى تَركْتَ الريحَ حاسِرةً ... وَجُدْتَ حتّى كأن الغيث لم يجد4
__________
1 في نسخة عند رشيد رضا: "ويألف رجل لا غناء فيهم".
2 في المطبوعة: "بل تريد أن تعطيه"، وفي "س": " .... أن يعطيك".
3 هو للمتنبي في ديوانه، وقبله بيت متصل معناه بمعناه، وهو:
نلومك يا علي لغير ذنب ... لأنك قد زريت على العباد
ومعنى البيت: هباتك لا تجود على أحد باسم الجواد: لأنه لا يستحق هذا الاسم، مع ما يرى من جودك، وزيادتك عليه، "شرح الواحدي".
4 هو للبحتري في ديوانه. و "حاشرة" قد أعيت وكلت فضعف هبوبها.
(1/198)

الفروق في الخبر: التعريف بالذي
هذا فصل في "الذي" خصوصًا:
"الذي"، ومجيئه لوصف المعارف بالجمل، وما تحتها من الأسرار:
211 - إعْلَمْ أنَّ لك في "الذي" عِلماً كثيراً، وأسرار جمَّةً، وخفايا إذا بحثْتَ عنها وتصوَّرْتَها أطَّلَعْتَ على فوائدَ تُؤنِسُ النفسَ، وتُثلِجُ الصدرَ، بما يُفْضي بكَ إليه منَ اليقين، ويُؤدِّيه إليكَ من حُسْن التَّبيين.
والوجْهُ في ذلك أنْ تتأملَ عباراتٍ لهمْ فيه لِمَ وُضِعَ، ولأيِّ غرَضٍ اجْتُلِبَ، وأشياءَ وصَفُوه بها. فمن ذلك قولهم: "إن "الذي" اجْتُلِبَ ليكونَ وصْلَةً إلى وصْفِ المعارفِ بالجُمل، كما اجتُلِب "ذو" ليُتَوصَّل به إلى الوصْف بأسماءِ الأجناس"، يعنون بذلك أنك تقولُ: "مررتُ بزيدٍ الذي أبوه منطلِقٌ" و "الرجل الذي كان عندنا أمسي"، فتجدك قد توصلت بـ "الذي" إلى أن أَبَنْتَ زيداً مِنْ غَيره، بالجملة التي هو قولُك: "أبوه منطلِقٌ"، ولولا "الذي" لم تَصِلْ إلى ذلك كما أنك تقولُ: "مررتُ برجلٍ ذي مال" فتتوصل بـ "ذي" إلى أن تبين الرجلُ من غيرهِ بالمال، ولولا "ذو" لم يتأتَّ لكَ ذلكَ، إذ لا تستطيعُ أن تقول: "برجل مالي".
222 - فهذه جملةٌ مفهومةٌ؟ إلا أنَّ تحتَهَا خبايا تحتاجُ إلى الكشفِ عنها. فمِنْ ذلك أنْ تَعلم مِنْ أينَ امتنَعَ أن توصَفَ المعرفةُ بالجملة، ولِمَ لمْ يكُن حالُها في ذلك حالَ النكرةِ التي تَصِفُها بها في قولكَ: "مررتُ برجل أبوه منطلق": و "رأيت إنسانًا تقاد الجنائب بين يديه"1.
__________
1 "الخبائب" جمع "جنيبة"، وهي الدابة تقاد، ويعني أنه أمير أو سلطان.
(1/199)

وقالوا: إنَّ السببَ في امتناعِ ذلكَ: أنَّ الجملَ نكراتٌ كلُّها، بدَلالةِ أنها تُستفادُ، وإنما يستفادُ المجهولُ دونَ المعلوم. قالوا: فلمَّا كانت كذلك، كانت وفق النكرة1، فجازَ وصْفُها بها، ولم يَجُزْ أن توصَفَ بها المعرفة، إذا لم تكن وفقًا لها.
"الذي" توصل بجملة سبق من السامع العلم بها:
223 - والقول البين في ذلك أن يقالَ2: إنَّه إنَّما اجتُلِبَ حتى إذا كان قد عُرِفَ رَجلٌ بقصةٍ وأمْرٍ جَرى له، فتخصَّص بتلك القِصة وبذلك الأمِر عندَ السَّامعِ، ثم أُريدَ القصْدُ إليه، ذُكِرَ "الذي".
تفسيرُ هذا أنك لا تَصِلُ "الذي" إلاَّ بجملةٍ من الكلام قد سَبق مِن السامعِ عِلمٌ بها، وأَمرٌ قد عرَفَه له، نحْوَ أَنْ تَرى عندَه رجلاً يُنشِدُه شعراً فتقولُ له مِنْ غَدٍ: "ما فعلَ الرجلُ الذي كانَ عندَك بالأمسِ يُنْشِدُك الشِّعرَ؟ ".
هذا حُكْم الجملةِ بَعْدَ "الذي"، إذا أنتَ وصفْتَ به شيئاً. فكانَ معنى قولهم: "إنه اجتُلب ليتوَصَّل به إلى وصْف المعارف بالجمل"، أنه جيءَ به لِيَفْصل بين أن يُراد ذِكْرُ الشيءِ بجملةٍ قد عرَفها السامعُ له، وبين أن لا يكون الأمر كذلك.
"الذي" تأتي بعدها أيضا جملة غير معلومة للسامع:
224 - فإنْ قلتَ: قد يُؤتى بَعْد "الذي" بالجملة غيرِ المعلومة للسامع، وذلك حيثُ يكون "الذي" خبراً"، كقولك: "هذا الذي كان عندَك بالأمسِ" و "هذا الذي قَدِمَ رسولاً من الحَضْرة، أنتَ في هذا وشَبَهه تُعْلِم المخاطَبَ أمراً لم يَسْبق له بِه علْمٌ. وتفيدُه في المشارِ إليه شيئاً لم يكنْ عندَه. ولو لم يَكُنْ كذلكَ، لم يكنِ "الذي" خبراً، إذ كان لا يكونُ الشيءُ خبراً حتى يُفَادَ به.
__________
1 في المطبوعة: "وفقًا للنكرة".
2 في المطبوعة وحدها: "والقول المبين".
(1/200)

فالقولُ في ذلك: إنَّ الجملةَ في هذا النحوِ، وإن كان المخاطَبُ لا يَعْلَمها لعينِ مَنْ أشرتَ إليه، فإنه لا بدَّ مِن أن يكونَ قد عَلِمها على الجملة وحُدِّثَ بها. فإنك على كلِّ حالٍ لا تقولُ: "هذا الذي قدِمَ رسولاً"، لمن لم يَعْلم أنَّ رسولاً قَدِم ولم يبلغْه ذلك في جملةٍ ولا تفصيل وكذا لا تقولُ: "هذا الذي كان عندك أمسِ"، لمن قد نسيَ أنه كان عندَه إنسانٌ وذهَبَ عن وَهْمه، وإِنما تَقولُه لمن ذاك على ذكرٍ منه، إلاَّ أنه رأى رجلاً يُقْبل مِن بعيدٍ، فلا يعلم أنه ذاك، ويظنه إنسانًا عيره.
225 - وعلى الجملة، فكلُّ عاقلٍ يَعلم بَوْنَ ما بينَ الخبرِ بالجملة مع "الذي" وبينَها معَ غيرِ "الذي"، فليس مِنْ أَحَدٍ به طِرْقٌ إلاَّ وهو لا يَشكُّ أنْ ليس المعنى في قولك1: "هذا الذي قدم رسولًا"2، كالمعنى إذا قلتَ: "هذا قدِمَ رسولا مِن الحضرة" ولا "الذي يَسْكُن في محلَّةِ كذا"، كقولك: "هذا يَسكنُ محلةَ كذا"، وليس ذاك إلاَّ أنك في قولك: "هذا قَدِم رسولاً من الحضرة" مبتدئ خبَراً بأَمرٍ لم يَبْلْغِ السامعَ ولم يبلَّغْهُ ولم يَعلَمْه أصلاً وفي قولكَ: "هذا الذي قدِم رسولا"، مُعْلِمٌ في أمرٍ قد بلَغَه أن هذا صاحبه3، فلم يحل إذن منَ الذي بدأنا به في أمْر الجملة مع "الذي"، من أن ينبغي أن تكونَ جملةً قد سبَقَ مِن السامعِ عِلْمٌ بها فاعرْفه، فإِنَّه من المسائلِ التي مَن جَهلهَا جَهِلَ كثيراً من المعاني، ودخلَ عليه الغلطُ في كثيرٍ منَ الأمور، والله الموفِّق للصواب.
__________
1 "به طرق"، بكسر فسكون: أي قوة، وأصل "الطرق"، السمن والشحم.
2 في المطبوعة و "س" هنا: " ..... رسولًا من الحضرة"، و "الحضرة يعني حضرة الخلافة.
3 "معلم في امر"، أي مخبر.
(1/201)

الفروق في الحال:
فروق في الحال لها فضلُ تعلّقٍ بالبلاغة:
الحال، ومجيئها جملة مع الواو تارة، وبغير الواو تارة:
226 - إِعْلَمْ أنَّ أوَّل فرْقٍ في الحال أّنَّها تَجيءُ مفرداً وجملةً، والقصْدُ ههنا إلى الجملة.
وأوَّلُ ما ينبغي أنْ يُضْبَطَ مِن أمِرها أَنَّها تجيءُ تارةً معَ "الواو" وأُخْرى بغيرِ "الواو"، فمثالُ مَجيئها معَ الواو قولك: "أتاني وعليه ثوب ديباج"، و "رأيته وعلى كتفه سيف"، و "لقيت الأمير والجند حواليه"1، و "جاءني زيدٌ وهو متقلِّدٌ سيفَه" ومثالُ مَجيئها بغيرِ "واو": "جاءني زيدٌ يَسعى غلامُه بين يَدَيْه" و "أتاني عمرو يَقودُ فَرَسه"، وفي تمييزِ ما يقتضي "الواوَ" ممَّا لا يَقْتضيه صعوبةٌ.
227 - والقولُ في ذلك أنَّ الجملةَ إذا كانت من مُبتدإ وخبَرٍ، فالغالبُ عليها أنْ تَجيءَ مع "الواو" كقولكَ: "جاءني زيد وعمرو أمامه" و "أتاني وسيفُه على كَتِفه"، فإنْ كان المبتدأ من الجملةِ ضميرَ ذي الحال، لم يَصْلح بغيرِ "الواو" البتَّةَ، وذلك كقولكَ: "جاءني زيدٌ وهو راكب" و "رأيت زيدًا وهو جالس"، و "دخلت عليه وهو يملي الحديث" و "انتهيت إلى الأمير وهو يعبئ الجيشَ"، فلو تركتَ "الواوَ" في شيءٍ من ذلك لم يصْلُح. فلو قلتَ: "جاءني زيدٌ هو راكب"، و "دخلت عليه هو يُملي الحديثَ"، لم يكنْ كلاماً.
228 - فإنْ كان الخبرُ في الجملة من المبتدإ والخبر ظرفًا، ثم كان
__________
1 في هامش "ج" بخطه: "والجيش"، يعني مكان "الجند".
(1/202)

قد قُدِّم على المبتدإ كقولنا: "عليه سيفٌ" و "في يده سوط"، كَثُر فيها أن تجيءَ بغَيرِ "واوٍ". فمِمَّا جاء منه كذلك قولُ بشَّار:
إذَا أنْكَرَتْني بَلدةٌ أوْ نَكِرْتُها ... خرجْتُ مَعَ البازي عليَّ سَوادُ1
يَعْني عليَّ بقيةٌ من الليل، وقول أمية:
فاشْرَبْ هنيئاً عليكَ التاجُ مُرْتَفِقاً ... في رَأْسِ غمدان دارًا منك محلالا2
قول الآخر:
لَقَدْ صَبَرَتْ لِلذُّلِّ أعوادُ مِنْبَرٍ ... تقوُم عَلَيها في يديكَ قضيبُ3
كلُّ ذلك في مَوْضعِ الحالِ، وليس فيه "واوٌ" كما ترى، ولا هُوَ محتمِل لها إذا نظرتَ.
229 - وقد يجيءُ تَرْك "الواو" فيما ليس الخبرُ فيه كذلكَ، ولكنه لا يَكثُر، فمن ذلك قولهمُ: "كلَّمتُهُ فوهُ إلى فيَّ" و "رجَع عَوْدُهُ على بَدْئهِ"، في قولِ من رفعَ ومنه بيتُ "الإصلاح".
نَصَفَ النهارُ، الماءُ غامِرُهُ ... ورَفيقُه بالغَيْبِ لا يدري4
__________
1 في ديوانه، يعني حروجه في سواد الليل. و "البازي"، الصقر.
2 في ديوان أمية بن أبي الصلت.
3 هو شعر واثلة بن خليفة السدوسي، يهجو عبد الملك بن المهلب بن أبي صفرة، وهو في البيان والتبيين 1: 291، 292/ 2: 313، وضبطه في "س": لقد صبرت".
4 هو للمسيب بن علس، خال الأعشى، وهو مجموع شعر الأعشين: 352، وهو في إصلاح المنطق لابن السكيت: 269، وفيه: "وشريكه بالغيب" قال فقبله: "نصف النهار ينصف، إذا انتصف"، وقال بعده: "أراد: أنتصف النهار والماء غامره ولم يخرج. وقال: وذكر غائصًا أنه غاص، فانتصف النهار، فلم يخرج من الماء"، وهي من جياد القصائد النوارد. وفي هامش المخطوطة "ج": "أي: والمءا غامره". وضبطت أنا أبو فهر "النهار" بالنصب أيضًا، لأنه يقال: نصف الشيء الشيء"، بلغ نصفه، ويقال: "نصفت القرآن، بلغت منه النصف، و "نصف عمره"، أي بلغ نصفه.
(1/203)

ومن ذلك ما أنشدَه الشيخُ أبو علي في "الإغفال"1:
ولَوْلا جَنَانُ الليلِ ما آبَ عامرٌ ... إلى جَعْفرٍ، سِرْبالُه لم يُمَزَّقِ2
230 - وَمِمّا ظاهرُه أنَّه منه قوله:
إذا أتيت أبا مروان نسأله ... وجَدْتَه حاضِراهُ الجودُ والكَرمُ3
فقولُه: "حاضِراهُ الجودُ"، جملةٌ من المبتدأ والخبر كما تَرى، وليس فيها "وَاوٌ"، والمَوضِعُ موضعُ حالٍ، ألا تراكَ تقولُ: "أتيتُه فوجدتُه جالساً"، فيكونُ "جالساً" حالاً، ذاك لأنَّ "وجدتُ" في مثلِ هذا مِن الكلام لا تكونُ المتعديةَ إلى مفعولينِ، ولكنْ المتعديةَ إلى مفعولٍ واحدٍ كقولكَ: "وجدْتُ الضالَّة" إلاَّ أنه ينبغي أن تَعْلم أنَّ لتقديمهِ الخبرَ الذي هو "حاضراه" تأثيراً في معنى الغِنى عن "الواوِ"، وأنه لو قالَ: "وجدتُه، الجودُ والكرَمُ حاضراهُ" لم يَحسُنْ حسْنَه الآنَ، وكان السببُ في حسْنه معَ التقديم، أنَّه يَقْرُبُ في المعنى مِنْ قولكَ: "وجدتُه حاضرُه الجودُ والكرمُ" أو "حاضراً عندَه الجوُد والكرمُ".
جملة الحال، والفعل مضارع مثت غير منفي لا تكاد تجيء بالواو:
231 - وإن كانِت الجملةُ من فِعْلٍ وفاعلٍ، والفعلُ مضارعٌ مُثْبَتٌ غيرُ منفيِّ، لم يكَد يَجيء بالواوِ، بل تَرى الكلامَ على مَجيئها عاريةً منَ "الواو"، كقولك: "جاءني زيدٌ يَسْعى غلامُه بين يديه"، وكقوله:
__________
1 "أبو على الفارسي"، وكتابه "الإغفال".
2 الشعر لسلامة بن جندل في ديوانه، وفي الآصمعيات رقم: 42، واللسان "جنن"، وروايته كما هنا، وأجود الروايتين ما في الديوان والأصمعيات: "سر بالله لم يحرق"، أي لم تخرقه الرماح والسهام. و "جنان الليل"، ما يسترك من ظلمته.
3 ينسب للأخطل، وليس في ديوانه.
(1/204)

وَقَدْ عَلَوْتُ قُتُودَ الرحْل يَسْفَعُني ... يومٌ قُدَيَدِيمَة الجوزاء مسموم1
وقوله:
ولقَدْ أَغْتَدِي يُدافِعُ رُكْني ... أَحْوَذِيٌّ ذُو مَيْعَةٍ إضريجُ2
وكذلك قولُك: "جاءني زيدٌ يُسْرعُ"، لا فصل بين أن يكون الفعل ذي الحالِ، وبينَ أن يكونَ لمن هو مِنْ سَبَبِه، فإنَّ ذلك كلَّه يستمرُّ على الغَنى عن "الواوِ"، وعليه التنزيلُ والكلامُ. ومثالهُ في التنزيل قولُه عزَّ وجلَّ: {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] وقولُه تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [النمل: 17، 18]، وكقوله عزَّ اسمُه {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأعراف: 186].
مجيء جملة الحال فعلا مضارعا ومعه الواو:
232 - فأما قول ابن همام السلولي:
فلما خشيت أظافيره ... نجوت، وأرهنهم مالكًا3
__________
1 هو شعر علقمة بن عبدة، في ديوانه: و "المفضليات: 120، وسيأتي أيضًا رقم: 243 و "قنود الرجل"، خشب الرجل وأدواته. و "يسفعني" يحرقني ويغير لوني من همسة وحره، و "الجوزاء" برج من أبراج الشمس، يشتد الحر بنزولها فيه. و "مسموم"، شديد السموم، وهي الريح الحارة. و "قديديمة" تصغير "قدام"، وروايته في الديوان والمفضليات: "يوم تجيء به الجوزاء".
2 هو لأبي داود، وقد مضى في الفقرة رقم: 82.
3 هو عبد اللهبن همام السلولي، في أنساب الأشراف (القسم الرابع، الجزء الأول من إحسان عباس": 293، 294، ومعاهد التنصيص 1: 285، يقوله ليزيد بن معاوية، حين أمر ابن زياد، أن يأخذه، فآخذه، فسأله أن يكلفه عريفه، وكان اسم العريف "مالكًا" ففعل. ثم هرب ابن همام وأخذ عريفه ولحق بيزيد بن معاوية فاستجار به فآمنه، فقال له هذا الشعر لما رجع إلى دياره. وفي المطبوعة: "أظافرهم"، وهو خطأ، والضمير يعود إلى الأسد في البيت قبله، وهو:
وكرهني أرضكم أنني ... رأيت بها أسدًا شابكًا
و"شابك" مشتبك الأنياب، فهو أشد لفرسه.
(1/205)

في روايةِ مَنْ رَوى "وأرهُنُهم"1، وما شبَّهوه به من قولهم: "فقمت وأَصُكُّ وجْهَهُ" فليستَ الواو فيها للحال، وليس المعنى "نجوت راهنًا مالكًا" و "قمت صاكًا وجهه"، ولكن "أرهن" و "أصك" حكاية حال، مثل قوله:
وَلَقد أَمرُّ عَلَى اللئيمِ يَسُبُّني ... فَمضَيْتُ، ثُمَّتَ قلْتُ لا يَعْنيني2
فكما أن "أمُرُّ" ههنا في معنى "مررت"، كذلك يكون "أرهن" و "أصك" هناك في معنى "رهنت" و "صككت".
ويُبيِّن ذلك أنك ترَى "الفاءَ" تَجيء مكانَ "الواوِ" في مثلِ هذا، وذلك كنَحْو ما في الخَبرَ في حديثِ عبدِ الله بنِ عَتيك حينَ دخَلَ على أبي رافعٍ اليهوديِّ حصْنَه قال: "فانتهيتُ إليه، فإذا هو في بَيْتٍ مظلمٍ لا أدري أينَ هوَ منَ البيتَ، فقلتُ: أبا رافعٍ! فقالَ: منْ هذا؟ فأهويتُ نحوَ الصَّوْتِ، فأضربُه بالسَّيف وأنا دَهِشٌ"3 فكما أنَّ "أَضرِبُه" مضارعٌ قد عطَفه بالفاء على ماضٍ، لأنه في المعنى ماضٍ، كذلك يكون "أرهنُهم" معطوفاً على الماضي قبلَه وكما لا يُشَكُّ في أنَّ المعنى في الخبر: "فأهويت فضربت"،
__________
1 وذلك لأن الرواية الأخرى: "وأرهنتهم مالكًا".
2 هو من شعر شيمر بن عمرو الحنفي، وقيل: لرجل من بني سلول، والشعر في الأصمعيات رقم: 38. رواه سيبويه في الكتاب 1: 416، والخزانة 1: 173، وتفسير الطبري 2: 351، وبعده:
غضبان، ممتلئًا على إهابه ... إني وربك سخطه يرضيني
3 لم أقف عليه بهذا اللفظ من حديث عبد الله بن عتيك رضي الله عنه.
(1/206)

كذلك يكونُ المعنى في البيت: "نجوتُ ورهَنْتُ"، إلا أنَّ الغرضَ في أخراجهِ على لفظِ الحالِ، أن يَحكيَ الحالَ في أحدِ الخبرَيْن، ويدَعَ الآخر على ظاهره، كما كان ذلك في "ولقد أمرُّ عَلَى اللئيمِ يَسبُّني، فمضيتُ"، إلاَّ أن الماضي في هذا البيت مؤخَّر معطوفٌ، وفي بيتِ ابن همَّام وما ذكرناه معه، مقدم معطوف عليه. فاعرفه.
مجيء الحال مضارعا منفيا، يجيء بالواو، كثير:
233 - فإنْ دخَلَ حرفُ نَفْي على المضارع تغيَّر الحكْمُ، فجاءَ بالواوِ وبِتَرْكِها كثيراً، وذلك مثلُ قولِهم: "كنتُ ولا أُخَشَّى بالذئبِ"1، وقولِ مسكين الدارمي:
أكْسَبَتْه الوَرِقُ البيضُ أباً ... ولقدْ كانَ ولا يُدعَى لأَِبْ2
وقولِ مالِك بن رُفَيعٍ، وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير:
يغاني مصعب وبنو أبيه ... فأين أحيد عنهم؟ لا أحيد
__________
1 مثل، وقليلًا ما يرد في كتب الأمثال، وهو في اللسان مادة "خشى"، و "أخشى"، أخوف.
2 هو في المجموع من شعره، والأغاني 20: 211 "الهيئة"، وغيرها، يقوله في امرأته، بقول قبله:
من رأى ظبيًا عليه لولؤ ... واضح الخدين مقرونًا بضب
ويقول في آخرها:
لا تلمها، إنها من نسوة ... ملحها موضوعة فوق الركب
"ملحها فوق الركب"، كناية عن سوء خلقها وقلة وفائها. و "الورق"، الفضة، والضمير في "أكسبته" للظبي، ويعني به امرأته.
(1/207)

أقادُوا مِنْ دَمِي وتَوَعَّدوني ... وكنتُ وما يُنَهْنِهُنِي الوعيد1
"كان" في هذا كله تامة والجلة الداخلُ عليها "الواوُ" في موضِعِ الحالِ. ألا ترى أنَّ المعنى: "وُجدْتُ غيرَ خاشٍ للذئبِ"، و "لقد وجد غير مدعو لأب" و "وجدت غيرَ منَهْنَه بالوعيد وغيرَ مبالٍ به"، ولا معنى لجعلها ناقصة، وجَعْلٍ "الواوِ" مزيدة.
234 - وليس مجيءُ الفعل المضارعِ حالاً، على هذا الوجه، بعزيزٍ في الكلام، ألا تَراك تقولُ: "جعلتُ أمشي وما أدري أين أضع رجلي" و "جعل يقول ولا يَدري"، وقال أبو الأسود: "يصيب وما يدري"2، وهو شائع كثير.
مجيء المضارع منفيا حالا، بغير الواو كثيرٌ:
235 - فأمَّا مجيءُ المضارعِ مَنْفياً حالاً مِنْ غَير "الواو" فيَكْثُر أيضاً ويَحْسُن، فمن ذلك قوله:
ثووا لا يُريدون الرواحَ وغالَهُمْ ... منَ الدَّهرِ أسبابٌ جرين على قدر3
__________
1 هكذا هنا، وفي الأمالي 3: 127، "مالك بن أبي رفيع الأسدي .... وكان صعلوكًا، فطلبه مصعب بن الزبير فهرب منه وقال هذا الشعر، وروايته كما في "س" بغاني مصعب"، وهي أجود الروايتين فأثبتها. وكان في "ج" والمطبوعة: "أتاني مصعب".
2 هو في صدر بيت لأبي الأسود، بقوله لعبد الله بن فروخ ويقال قالها للحصين بن أبي الحر العنبري. وأيضًا في صدر البيت نفسه منسوبًا إلى فرات بن حيان، ويقال إنه أيضًا لأبي سفيان بن الحارث، والبيت:
يصيب وما يدري، ويخطى وما درى
وكيف يكون النوك إلا كذلك
وفي شعر فرات "إلا كذلكا"، و "النوك"، الحمق. وانظر معجم الشعراء للمرزباني: 317.
3 هو لعكرشة العبسي، أبي الشغب، يرثي بنيه، وهو في شرح الحماسة للتبريزي 3: 49، 50، ومجالس ثعلب: 242، والشعر بتمامه في مقطعات مراث لابن الأعرابي، رقم: 4، ورواية البيت على الصواب كما أثبته، وفي المطبوعة والمخطوطتين: "مضوا لا يريدون الرواح".
(1/208)

وقال أرطاةُ بنُ سُهَيَّةَ، وهو لطيفٌ جداً:
إنْ تَلقَني، لا تَرى غَيري بناظِرةٍ ... تنْسَ السِّلاحَ وتعْرِفْ جَبْهةَ الأَسدِ1
فقولُه: "لا ترى" في موضعٍ حالٍ. ومثلُه في اللُّطفِ والحُسْن قولُ أعشى هَمْدان، وصَحِبَ عبَّاد بنَ ورقاءَ إلى أصبهانَ فلم يَحْمَدْه فقال:
أتَيْنَا أصبهانَ فهزَّلَتْنا ... وكنَّا قَبْل ذلك في نَعيم
وكانَ سَفاهةً منِّي وَجهلاً ... مَسِيري، لا أَسِيرُ إلى حَميمِ2
قولُه: "لا أسيرُ إلى حَميمٍ"، حالٌ من ضميرِ المتكلمِ الذي هو "الياء" في "مسير"، وَهُوَ فاعلٌ في المعنى، فكأنه قال: وكان سَفاهةً مني وجهلاً أَنْ سرتُ غيرَ سائرٍ إلى حَميمٍ، وأنْ ذهبتُ غيرَ متوجِّهٍ إلى قريب، وقال خالد بن يزويد بن معاوية:
لَو أَنَّ قَوْماً لاِرتفاعِ قَبيلةٍ ... دَخَلُوا السماءَ دخلتُهَا لا أُحْجَبُ3
وهو كثيرٌ إلا أنه لا يَهْتَدي إلى وضْعِه بالموضع المَرْضِيِّ إلاَّ من كان صحيح الطبع.
الماضي يجيء حالا بالواو وغير الواو مقرونا مع "قد":
236 - ومما يجيءُ بالواوِ وغيرِ "الواوِ"، الماضي، وهو لا يقعُ حالاً إلا مع "قد" مُظْهَرةً أو مقدَّرَةً. أما مجيئُها بالواوِ فالكثيرُ الشائعُ، كقولِكَ: "أتاني وَقَدْ جَهِدَهُ السيرُ" وأّمَّا بغيرِ "الواو" فكقوله:
__________
1 أبياته في الأغاني 13: 34 "الدار" بقوله لشبيب بن البرصاء، وكان قال: "وددت أنى جمعني وأين الأمة أرطأة بن سهية يوم قتالي فأشفي منه غيظي". فبلغ ذلك أرطأة، فقال: "إن تلفني"، الشعر.
2 في مجموع شعر الأعشين: 341، والصحيح أن الأعشى صحب أبا سليمان خالد بن عتاب بن ورقاء البراحي، انظر الأغاني: 6: 43 "الدار".
3 غير منسوب، في شرح شواهد العيني "الخزانة 13: 191".
(1/209)

مَتَى أَرى الصبْحَ قَدْ لاحَتْ مَخَايلُه ... والليلَ قد مزقت عنه السرابيل1
وقول الآخر:
فآبُوا بالرماحِ مُكَسَّراتٍ ... وأُبْنَا بالسيوفِ قَدِ انْحِنْينا2
وقال آخر، وهو لطيف جدًا:
يمْشُون قدْ كَسَروا الجُفُونَ إلى الوغَى ... مُتَبَسِّمينَ وفيهمِ اسْتِبْشارُ3
237 - وممِّا يجيءُ بالواو في الأكثرِ الأَشْيع، ثم يَأتي في مواضعَ بغيرِ "الواو" فَيْلطُفُ مكانُه ويَدلُّ على البلاغة، الجملةُ قد دَخلَها "ليس" تقول: "أتاني وليس عليه ثوبٌ" و "رأيته وليس معه غيرُه"، فهذا هوَ المعروفُ المُسْتعمَل، ثم جاءَ بغيرِ "الواو" فكانَ من الحُسْن على ما ترى، وهو قول الأعرابي:
لَنا فتى وحبَّذَا الافْتَاءُ ... تَعْرِفُهُ الأَرسانُ والدِّلاءُ
إذا جَرىَ في كفِّه الرِّشاءُ ... خُلَّى القَلِيبَ ليس فيه ماء4
__________
1 الشعر لحندج بن حندج المري، شرح الحماسة للتبريزي 4: 160، وسيأتي في رقم: 243.
2 هو من النصفة، قصيدة ععبد الشارق بن عبد العزى الجهني، شرح الحماسة للتبريزي2:
229 - 234
3 في هامش المخطوطة "ج" حاشية نصها: "كسروا الجفون" من قوله:
ومن قبل ما أعييت كاسر عينه ... زيادًا ولم تقدر على حبائله
وهو وصف بدل على ثبات الجاش، وعلى الثقة بالله. قال أبو فهر: أظن أن كثر الجفون، هو كير جفون السيوف، حتى لا تغمد، وتكون أبدًا مصلته في الحرب.
4 لم أقف عليه بعد.
(1/210)

مجيء جملة الحال بغير واو:
هذا الباب: أنَّكَ ترَى الجملةَ قد جاءتْ حالاً بغير "واو" ويَحْسُن ذلك1، ثم تَنظرُ فترَى ذلك إنما حَسُنَ من أجْلِ حرفٍ دخلَ عليها. مثالُهُ قول الفرزدق:
فَقُلْتُ عَسى أنْ تُبْصريني كأنَّما ... بنِيَّ حَواليَّ الأسودُ الْحَوَارِدُ2
قولُه: "كأنما بَنيَّ" إلى آخرهِ، في موضعِ الحال من غَيْرِ شُبْهة، ولو أنك تَرَكْتَ "كأن" فقلتَ: "عسى أن تُبصريني بَنِيَّ حَواليَّ كالأَسود"، رأيْتَهُ لا يَحْسُنُ حُسْنَه الآن3، ورأيتَ الكلامَ يقتضي "الواو" كقولكَ: "عسى أن تُبْصريني وبنيَّ حواليَّ كالأسود الحوارِد".
239 - وشَبيهٌ بهذا أنك تَرى الجملةَ قد جاءتْ حالاً بِعَقِب مفردٍ، فلَطُفَ مكانُها، ولو أنك أَردْتَ أن تَجْعلها حالاً من غيرِ أنْ يَتقدَّمها ذلك المفردُ لم يحْسُن، مثالُ ذلك قولُ ابنِ الرومي:
__________
1 في "س"، "فحسن ذلك"، وفي نسخة عند رشيد رضا: "فيحسن ذلك".
2 في ديوانه، وروايته "الأسود اللوايد"، وهي أصح الرواتين، وأولاها بهذا الشعر.
ورواية أكثر كتب البلاغة كما هنا، وأيضًا رواية الديوان: "فإني عسى"، وهي أبيات ثلاثة يقولها الفرزدق لأمرأته طيبة بنت العجاج المجاشعي، وقالت له: ليس لك ولد، وإن مت ورثك قومك! فقال لها:
تقول: أراه واحدًا طاح أهله ... يومله في الوارثين الأباعد
فإن عسى .................. ... ...................
فإن تميمًا قبل أن يلد الحصى ... أقام زمانًا وهو في الناس واحد
و"الحوارد"، الغضاب. و "اللوابد" جمع "لابد"، وهو الأسد. و "اللبدة"، وهو الشعر اللابد على زبرته. و "تميم" هو أبو القبيلة التي منها الفرزدق، و "الحصى"، العدد الكثير، شبه في الكبير بالحصى.
وفي هامش المخطوطة "ج"، ذكر البيت الثالث: "فإن تميمًا .... ".
3 في المطبوعة وحدها: "حسنه في الأول".
(1/211)

واللهُ يُبْقيكَ لنا سَالِماً ... بُرْدَاكَ تَبْجِيلٌ وتعظيمُ1
فقوله: "برادك تبجيلٌ"، في مَوْضِع حالٍ ثانية، ولوْ أَنك أسقَطْتَ "سالماً" من البيت فقلتَ: "واللهُ يُبقيكَ بُرْداك تبجيل"، لم يكن شيئاً.
اختلاف الجمل الواقعة حالا، في مجيئها بالواو وبغيرها:
240 - وإذْ قد رأيتَ الجملَ الواقعةَ حالاً قد اختلفَ بها الحالُ هذا الاختلافَ الظاهرَ، فلا بُدْ من أن يكونَ ذلك إنَّما كان من أجل علل توجيه وأسبابٍ تقْتضيه، فمُحالٌ أن يكون ههنا جملةٌ لا تَصْلحُ إلاَّ مع "الواوِ"، وأخرى لا تَصْلحُ فيها "الواوُ"، وثالثةٌ تَصْلُحُ أن تجيءَ فيهأ "بالواو" وأنْ تَدَعَها فلا تجيءُ بها، ثم لا يكونُ لذلك سبَبٌ وعلَّة، وفي الوقوفِ على العلَّة في ذلك إشكالٌ وغُموضٌ، ذلك لأنَّ الطريقَ إليه غيرُ مسْلوكٍ، والجهةَ التي منها تعرف غير معروفة، وأن أكتبُ لك أصْلاً في "الخبرِ" إذا عرَفْتَه انفتح لك وجه العلة في ذلك.
"الخبر" نوعان، جزء من الجملة وخبر ليس بجزء من الجملة:
241 - اعلم2 أنَّ "الخبرَ" يَنقسمُ إلى خَبرٍ هو جُزءٌ من الجملةِ لا تَتمُّ الفائدةُ دونَه، وخَبرٍ ليس بجزءٍ منَ الجملة، ولكنه زيادةٌ في خبر آخر، سابق له. فالول خبر المبتدأن كمُنْطَلِقٌ في قولك: "زيدٌ مُنْطلقٌ"، والفعلُ كقولك: "خرجَ زيدٌ"، وكلُّ واحدٍ من هذين جزءٌ منَ الجملة، وهو الأَصْل في الفائدة والثاني هو الحالُ كقولك: "جاءني زيدٌ راكباً"، وذاكَ لأنَّ الحالَ خبرٌ في الحقيقة، مِنْ حيثُ إنك تُثْبتُ بها المعنى لذي الحالِ كما ثبت بخبر المبتدأ
__________
1 في ديوانه: 2315.
2 هذه الفقرة رقم: 241، قد سلف بنصها في الفقرة: 179.
(1/212)

للمبتدأ1، وبالفِعْل للفاعل. ألاَ تَراكَ قد أَثبتَّ الركوبَ في قولَك: "جاءني زيدٌ راكباً" لزيدٍ؟ إلاَّ أنَّ الفَرْقَ أنك جئْتَ به لتزيدَ معنًى في إخباركَ عنه بالمجيءِ، وهو أن تَجْعلَه بهذه الهيئة في مجيئهِ، ولم تُجرِّدْ إثباتَك للركوب ولم تُبْاشِرْه به ابتداءً2، بل بدأْتَ فأَثبتَّ المجيءَ، ثم وَصلْت به الركوبَ، فالتبسَ به الإثباتُ على سَبيل التَّبَعِ لغيِره، وبشَرْط أنْ يكونَ في صِلَته, وأمَّا في الخبر المطلق نحو: "زيد منطلق" و "خرج عمرو"، فإنَّك أثبتَّ المعنى إثباتاً جرَّدْتَه له، وجعلْتَه يُباشِرُه من غيرِ واسطةٍ3، ومن غيرِ أَن يتسبب بغيره إليه.
جملة الحال وامتناعها من الواو، وتفسير ذلك:
242 - وإذْ قَدْ عَرفْتَ هذا، فاعلمْ أنَّ كلَّ جملةٍ وقعَتْ حالاً ثم امتنعَتْ منَ "الواو"، فذاك لأَجْل أنَّك عمَدْتَ إلى الفعل الواقعِ في صدرِها فضَمَمْتَه إلى الفعلِ الأَول في إثباتٍ واحدٍ، وكلُّ جملةٍ جاءتْ حالاً، ثم اقتضتْ "الواو"، فذاكَ لأنكَ مستأنِفٌ بها خَبَراً، وغيرُ قاصدٍ إلى أنْ تَضُمَّها إلى الفعلِ الأولِ في الإثبات.
243 - تفسيرُ هذا: أَنك إذا قلْتَ: "جاءني زيدٌ يُسْرعُ"، كانَ بمنزلة قَوْلِك: "جاءني زيدٌ مُسرعاً"، في أنك تُثْبِتُ مَجيئاً فيه إسْراعٌ، وتَصِلُ أَحَد المعنَييْنِ بالآخَرِ، وتجعلُ الكلامَ خبراً واحداً، وتريدُ أن تقولَ: "جاءني كذلك، وجاءني بهذه الهيئة"، وهكذا قوله:
__________
1 في المطبوعة: "كما تثبته بالخبر للمبتدأ"، وفينسخة عند رشيد رضا، كالذي أثبت هنا.
2 "ابتداء" زئادة في هذا الموضع، ولم تكن في رقم: 179.
3 في المطبوعة "مباشرة"، وقال رشيد رضا: "في نسخة: يباشره".
(1/213)

وَقَدْ عَلَوْتُ قُتُودَ الرحْل يَسْفَعُني ... يومٌ قُدَيَدِيمَة الجوزاءِ مسْمُومُ1
كأنه قال: "وقَدْ عَلَوْتُ قُتُودَ الرجل بارزاً للشمس ضاحياً"، وكذلك قولُه:
مَتَى أَرى الصبحَ قَدْ لاحَتْ مَخايِلهُ2
لأنه في معنى: "متى أرى الصبح باديًا متجلِّياً" وعلى هذا القياس أبداً. وإذا قلتَ: "جاءني وغلامه يسعى بين يديه" و "رأيت زيداً وسَيفُه على كتفه"3، كان المعنى على أنك بدأَتَ فأثبتَّ المجيءَ والرؤْيةَ، ثم استأنَفْتَ خبراً، وابتدأتَ إثباتاً ثانياً لسعيِ الغلام بِين يديه، ولكونِ السيفِ على كَتِفه، ولمَّا كان المعنى على استئنافِ الإثباتِ، احْتِيجَ إلى ما يَربِطُ الجملةَ الثانيةَ بالأُولى، فجيءَ بالواو كما جيء بها في قولك: "زيدٌ منطلقٌ وعمرو ذاهب" و "العلم حَسَنٌ والجهلُ قَبيحٌ". وتَسْميتُنا لها" واو حال"، لا يُخْرجها عن أنْ تكونَ مجْتَلَبةً لِضَمِّ جملةٍ إلى جملةٍ.
ونَظيرُها في هذا "الفاءُ" في جوابِ الشرطِ نحوُ: "إنْ تأتِني فأَنْتَ مُكْرَم"، فإنها وإنْ لم تكن عاطفةً، فإِن ذلك لا يُخْرجُها مِنْ أن تكونَ بمنزلة العاطفةِ في أنها جاءتْ لتَرْبِطَ جملة ليس مِنْ شأنِها أن ترتبِطَ بنفسِها4، فاعرفْ ذلك ونزَّل الجملةَ في نحوِ: "جاءني زيدٌ يسرعُ" و "قد علوت قتود
__________
1مضى البيت في رقم: 231، وهو لعلقمة بن عبدة.
2 مضى في رقم: 236، وتمامه:
والليل قد مزقت عنه السرابيل
3 انظر الفقرة رقم: 226.
4 في المطبوعة وحدها: "أن تربط بنفسها".
(1/214)

الرجل يسفعني يومٌ"، مَنْزِلةَ الجزاءِ الذي يَسْتغني عنِ "الفاء"، لأنَّ مِن شأنِه أن يرتبطَ بالشَّرط من غير رابط، وهو قولك: "إن تعطيني أَشكُرْك" ونزَّل الجملةَ في "جاءني زيدٌ وهو راكبٌ"، منزلةَ الجزاءِ الذي ليس من شأنِه أنْ يَرتَبطَ بنفسهِ، ويحتاجُ إلى "الفاء"، كالجملة في نحوِ: "إنْ تأتني فأنتَ مُكْرَمٌ"، قياساً سويًا وموازنة صحيحة1.
بيان دخول الواو على الجملة:
244 - فإنْ قلتَ قد عَلِمْنا أنَّ علَّة دخولِ "الواو" على الجملة أن تَسْتأنِفَ الإثباتَ، ولا تَصلَ المعنى الثاني بالأول في إثباتٍ واحدٍ، ولا تُنَزِّلَ الجملةَ منزلةَ المفردِ ولكنْ بقِيَ أنْ تعلَمَ لِمَ كان بعضُ الجمل، بأنْ يكون تَقديرُها تقديرَ المفرد في أَنْ لا يُستأْنَفَ بها الإثباتُ، أوْلى مِنْ بعض؟ 2 وما الذي منَعَ في قولكَ: "جاءني زيدٌ وهو يسرعُ، أو: وهو مسرع" من أن يَدخُلَ الإسراعُ في صلةِ المجيءِ ويُضَامَّه في الإثبات، كما كان ذلك حِينَ قلتَ: "جاءني زَيْدٌ يُسرع"؟
فالجوابُ أن السببَ في ذلك أَنَّ المعنى في قولك: "جاءني زيدٌ وهو يُسرعُ"، على استئنافِ إثباتٍ للسرعة، ولم يكنْ ذلك في "جاءني زيدٌ يُسْرعُ". وذلك أنكَ إذا أَعدْتَ ذكْر "زَيدٍ" فجئْتَ بضميرِه المنفصلِ المرفوع، كانَ بمنزِلِة أنْ تُعيدَ اسْمَه صريحاً فتقولُ: "جاءني زيدٌ وزَيدٌ يسرعُ" في أّنَّك لا تَجد سبيلاً إلى أّنْ تُدخِلَ "يسرعُ" في صلةِ المَجيء، وتَضُمَّه إليه في الإثبات. وذلك أنَّ إعادتَكَ ذكْرَ "زيدٍ" لا يكون حتى تقصد استئناف الخبر.
__________
1 السياق: "ونزل الجملة .... قياسًا سويًا ... ".
2 السياق: "لم كان بعض الجمل ... أولى من بعض" خبر "كان".
(1/215)

عنه بأنه يُسرعُ، وحتى تَبتدئَ إثباتاً للسُّرعَة، لأنك إنْ لم تَفْعلْ ذلك، تركْتَ المبتدأ، الذي هو ضميرُ "زيدٍ" أو اسْمُه الظاهرُ، بمَضِيعةٍ، 1 وجعَلْتَه لَغُواً في البَيْن2، وجرى مجْرى أن تقول: "جاءني زيدٌ وعمرو يُسرع أمامه"، ثم تزعُمُ أنك لم تستأنِفْ كلاماً ولم تبتدئ للسرعة إثباتاً، وأنَّ حالَ "يُسْرعُ" ههنا، حالُه إذا قلتَ: "جاءني زيدٌ يسرعُ، فجعلْتَ السرعةَ له، ولم تذكُرْ "عَمراً"، وذلك مُحال.
245 - فإن قلتَ: إنَّما استحالَ في قولك: "جاءني زيدٌ وعمرو يُسرعُ أمامَه" أَن تَرُدَّ "يُسرع" إلى "زيدٍ" وتُنْزِله منزلةَ قولكَ: "جاءني زيدٌ يُسرع"، من حيث كان في "يُسرع" ضميرٌ لعمرو، وَتَضَمُّنُهُ ضميرَ عمرو يَمْنع أن يكونَ لزيدٍ، وأن يقدَّرَ حالاً له. وليس كذلك: "جاءني زيدٌ وهو يسرعُ"، لأنَّ السرعةَ هناك لزيدٍ لا محالةَ، فكيفَ ساغ أن تَقيس إحدى المسئلتين على الأُخرى؟
قيل: ليس المانعُ أن يكون "يُسرع" في قولك: "جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه"؟ حالاً من زيدٍ أنَّه فعلٌ لعمرو، فإنك لو أخَّرْتَ "عَمراً" فرفَعْتَه "بيُسرع"، وأولَيْتَ "يسرع" زيدًا فقلت: "جاءني زيد يسرع عمرو أَمامَه" وجدتَه قد صلُح حالاً لزيدٍ، مع أنه فعْلٌ لعمرو وإنما المانعُ ما عرَّفْتُكَ، مِنْ أنكَ تدَعُ "عَمراً" بمَضِيعةٍ3، وتجيءُ به مبتدأً، ثم لا تعطيه خبرًا4.
__________
1 السياق: "تركت المبتدأ ... " بمضيعة".
2 "في البين"، أي بينهما، وقد فسرته آنفًا.
3 انظر الفقرة السالفة: 244.
4 عند هذا الموضع حاشية في "ج"، هي بلا شك من كلام عبد القاهر: هذا نصها:
(1/216)

ومما يدل على فساد ذلك أن يؤدِّي إلى أن يكونَ "يُسرع" قد اجتمعَ في موضعِه النصْبُ والرفعُ، وذلك أنَّ جعْلَه حالاً من "زيدٍ" يَقتضي أن يكونَ في موضع نصب وجعله خبرًا عن "‘مرو" المرفوعِ بالابتداءِ يَقتضي أَنْ يكونَ في موضعِ رفعٍ. وذلك بيِّنُ التدافعِ. ولا يَجِبُ هذا التدافعُ إذا أخَّرْتَ "عمراً" فقلْتَ: "جاءني زيدٌ يسرع عمرو أمامه"، لأنك ترفعه حينئذ بيسرعُ1، على أنه فاعلٌ له، وإذا ارتفعَ به لم يوجب في موضعه إعرابًا2،
__________
= "مما يزيد في بيان هذا المسئلة أنك لو قلت: "جاءني زيد وعمرو مسرع بين يديه"، لم تستطيع أن تنصب "مسرعًا" على أن تجعله داخلًا في إثبات المجيء، لأن نصبه يخرجه من أن يكون خبرًا عن "عمرو"، فيبقى "عمرو" مبتدأ لا خبر له. وإذا عرفت هذا في "مسرع" الذي هو اسم، فقس "يُسرع" في قولك: "جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه" عليه وإذا قلت: "جاءني زيد يسرع عمرو أمامه"، أمكنك أن تضع الاسم موضع الفعل فتقول: "جاءني زيد مسرعًا عمرو أمامه"، ويكون لعمرو عامل يعمل فيه ولا يبقى ضائعًا، لأن اسم الفاعل إذا تقدم، صح أن يرتفع "عمرو" به وإذا تأخر لم يصح، لأنه إذا تأخر صار "عمرو" مبتدأ، وإذا صار مبتدأ احتاج إلى خبر، والاسم [لا يكون خبرًا وينصب].
وهذا الذي بين القوسين جاز عليه التصوير، فلم يبق منه إلا حروف، فهكذا قرأته، والله أعلم.
1 "حينئذ"، ليست في المطبوعة، وأشار رشيد رضا أنها عنده في نسخة.
2 في المطبوعة بين قوله: "لم يوجب في موضعه إعرابًا"، وقوله: "فيبقى مفرغًا"، كلام ليس في شيء من الأصول، وقد نبه الشيخ رشيد رضا في الاستدراك على أنها حاشية، وليست في الأصل وهذا نصها:
(1/217)

فيبقى مُفْرَغاً لأن يُقدَّرَ فيه النصْبُ على أَنه حالٌ من "زيدٍ" وجَرَى مجْرى أن تقول "جاءني زيد مسرعًا عمرو أمامه".
القياس أن لا تَجيءَ جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ إلا مع الواو، وعلة ترك ذلك:
246 - فإن قلتَ: فقد يَنبغي على هذا الأصلِ أن لا نجيء جملةٌ مِن مبتدأٍ وخبرٍ حالاً إلاَّ معِ "الواو"، وقد ذكرتُ قبْلُ أنَّ ذلك قد جاءَ في مواضعَ من كلامهم1.
فالجوابُ أنَّ القياسَ والأصْلَ أن لا تَجيءَ جملةٌ مِن مبتدأٍ وخبرٍ حالاً إلاَّ مع "الواو"، وأمَّا الذي جاءَ من ذلك فَسَبيلهُ سبيلُ الشيءِ يَخرجُ عن أَصْله وقياسِه والظاهرِ فيه، بضربٍ منَ التَّأويل ونوعٍ منَ التشبيه، فقَولُهم: "كلَّمتُهُ فوهُ إلى فيَّ"2، إنما حَسُن بغيرِ "واو" من أجْل أنَّ المعنى: كلَّمْتُهُ مشافِهاً له وكذلك قولُهم: "رجعَ عَوْدُه على بَدْئه"، 2 إنما جاءَ الرفعُ فيه والابتداءُ من غيرِ "واو"، لأن المعنى: رجَعَ ذاهباً في طريقه الذي جاءَ فيه وأما قولُه: "وجدتُه حاضراهُ الجودُ والكرمُ"3 فلأَنَّ تقديمَ الخَبر الذي هو "حاضراهُ"، يجعله.
__________
"أي إن "عمرو" إذا ارتفع بيسرع، فلا يمكن أن يكون عاملًا في موضع "يسرع" بشيء من الإعراب، فإنه لا يتأتي أن يكون عاملًا معمولًا لشيء واحد، فيبقى موضع "يسرع" مفرغًا لأن يقدر فيه النصب على الحالية، بخلاف ما لو كان "يسرع" مؤخرًا عن "عمرو امامه"، فإنه إن اتصل "يسرغ" بزيد كان محله النصب، مع أن "عمرو" المبتدأ، عمل في موضعه الرفع، فيأتي التدافع كما سبق".
وبلا ريب البتة، ليس هذا من كلام عبد القاهر.
1 انظر ما سلف من عند الفقرة رقم: 226 وما بعدها.
2 انظر الفقرة: 229.
3 انظر الفقرة: 230.
(1/218)

كأنه قال: "وجدتُه حاضراً عندَهُ الجودُ والكرمُ".
وليس الحَمْلُ على المعنى، وتَنزيلُ الشيءِ منزلةَ غيرِه، بعَزيزٍ في كلامِهم، وقَدْ قالوا: "زيدٌ أضرِبْه"، فأجازوا أن يكونَ مثالُ الأمر في موضعِ الخَبر، لأنَّ المعنى على النَّصب نحوُ: "اضرب زيد" ووضَعوا الجملةَ، من المبتدأ والخبر موضعِ الفعل والفاعل في نحوِ قولِهِ تعالى1: {أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193]، لأنَّ الأصْلَ في المعادلة أن تكونَ الثانيةُ كالأُولى نحو: "أدعَوْتموهم أم صَمَتُّمْ".
ويدلُّ على أنْ ليس مجيءُ الجملةِ من المبتدإ والخبر حالاً بغيرِ "الواو" أصلاً، قلَّتُهُ2، وأنه لا يَجيءُ إلاَّ في الشيءِ بَعْدَ الشيءِ.
هذا، ويجوزُ أنْ يكونَ ما جاءَ مِن ذلك إنما جاءَ على إرادةِ "الواو"، كما جاءَ الماضي على إرادة "قد".
247 - واعلمْ أنَّ الوجْهَ فيما كان مثلَ قولِ بشار:
خرجْتُ مَعَ البازي عَلَيَّ سوادُ3
أنْ يُؤخذَ فيه بمذهبِ أبي الحَسنِ الأَخْفش4، فيُرفَعَ ِ"سواد" بالظرف دون الابتداء، ويجري الظرفُ ههنا مجرْاه إذا جرَتِ الجملةُ صفةً على النكرة
__________
1 في "س"، وفي نسخة عند رشيد رضا: "ووضح الجملة من المبتدإ والخبر".
2 "قلته"، فاعل "ويدل".
3 انظر الفقرة السالفة رقم: 228.
4 "الأخفش"، ليس في "ج" ولا "س".
(1/219)

نحوُ: "مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً"1، وذلك أنَّ صاحبَ الكتاب يُوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع "صقرًا" بما في "معه" من معنى الفعلِ، فلذلكَ يجوزُ أن يُجْرِيَ الحالَ مَجْرى الصفةِ، فيَرفعَ الظاهرَ بالظْرف إذا هو جاءَ حالاً، فيكونَ ارتفاعُ "سَوادُ" بما في "عَلَيَّ" من معنى الفعل، لا بالإبتداءِ.
ثم ينبغي أن يُقدَّر ههنا خصوصاً أن الظرفَ في تقديرِ اسم فاعلٍ لا فعل، أعني أنْ يكونَ المعنى: "خرجتُ كائناً عَلَيَّ سوادٌ، وباقياً عَلَيَّ سواد، ولا يقدر: "يكون علي سواد"، و "يبقى عَلَيَّ سَوادُ"، اللهمَّ إلاَّ أنْ تُقدِّر فيه فعْلاً ماضياً مع "قد" كقولك: "خرجتُ مع البازي قدْ بقيَ عَلَيَّ سوادُ"، والأولُ أظهرُ.
248 - وإذا تأملتَ الكلامَ وجدتَ الظرفَ وقَدْ وقَعَ مواقِعَ لا يستقيمُ فيها إلا أنْ يُقدَّر تقديرَ اسم فاعلٍ، ولذلك قال أبو بكرِ من السرَّاج في قولِنا2: "زيدٌ في الدار"، إنك مُخيَّرٌ بَيْنَ أنْ تُقدِّرَ فيه فعلاً فتقولَ: "استقرَّ في الدارِ"، وبينَ أَن تقدِّرَ اسمَ فاعلٍ فتقولَ: "مستقرٌّ في الدار"، وإذا عاد الأمرُ إلى هذا، كان الحالُ في تركِ "الواو" ظاهرة3، وكان "سواد" ي قوله "خرجتُ مع البازي عَلَيَّ سوادُ"، بمنزلة "قضاء الله" في قوله:
سأَغْسِلُ عَنّي العارَ بالسيفِ جالِباً ... عَلَيَّ قضاءَ الله ما كان جالبًا4
__________
1 هذا مثال سيبويه في الكتاب 1: 241، ولكن ليس فيه، غدًا"، فيحقق.
2 "ابن السراج"، ليست "ج" ولا "س".
3 في نسخة عند رشيد رضا: "على ظاهره"؟
4 شعر سعد بن ناشب المازني، شرح الحماسة للتبريزي 1: 35. وفي "س" أسقط البيت، وساق الكلام هذا: "بمنزلة قضاء الله في كونه اسمًا ظاهرًا".
(1/220)

في كونِهِ اسماً ظاهراً قد ارتفعَ باسمِ فاعلٍ قد اعتمَدَ على ذي حالٍ، فعَمِلَ عَملَ الفِعْل.
ويدلُّكَ على أن التقديرَ فيه ما ذكرتُ، وأنه من أجْل ذلك حَسُنَ1، أنَّكَ تَقول: "جاءني زيدٌ والسيفُ على كَتِفه" و "خرج والتاجُ عليه"، فتَجِدُه لا يَحْسُن إلا بالواوِ، وتعَلم أنَّكَ لو قلتَ: "جاءني زيدٌ السيفُ على كتفه" و "خرج التاجُ عليه"، كان كلاماً نافراً لا يكادُ يقعُ في الاستعمال، وذلك لأنه بمنزلةِ قولِك: "جاءني وهو متقلد سيفه" و"خرج وهو لابسٌ التاجَ"، في أنَّ المعنى على أنك استأنفْتَ كلاماً وابتدأْتَ إثباتاً وأنك لم تُرِدْ: "جاءني كذلكَ" ولكن "جاءني وهُوَ كذلكَ"، فاعرفه.
__________
1 السياق: "ويدلُّكَ على أن التقديرَ فيه ما ذكرتُ ..... أنك تقول: "جاءني زيد".
(1/221)

باب الفصل والوصل:
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في الفصل والوصل:
248م- اعلمْ أنَّ العلمَ بما ينبغي أن يُصْنَعَ في الجملِ من عطفِ بعضها على بعضٍ، أو تركِ العطفِ فيها والمجيءَ بها منثورة، تُسْتَأْنَفُ واحدةٌ منها بعد أخرى1 من أسرارِ البلاغة، ومما لا يتأتَّى لتمامِ الصَّوابِ فيه إلاَّ الأعرابُ الخُلَّص2، والإَّ قَوْمٌ طُبِعُوا على البلاغة3، وأوتوا فنَّاً مِنَ المعرفة في ذوقِ الكلامِ هم بها أفرادٌ. وقد بلغَ من قوة الأمر في ذلك أنَّهم جعلوهُ حَدّاً للبلاغة، فقد جاء عَنْ بعضهم أنه سُئِل عنها فقال: "مَعْرِفَةُ الفَصلِ منَ الوصلِ"4، ذاك لغموضِه ودقِة مَسْلكِه، وأّنَّه لا يَكْمُلُ لإِحرازِ الفضيلة فيه أحدٌ، إلاَّ كَمَلَ لسائِر معاني البلاغة.
249 - واعلم أنَّ سبيلَنا أن ننظَر إلى فائدةِ العطف في المُفْرد، ثم نَعودَ إلى الجملة فننظرَ فيها ونتعرفَ حالَها.
ومعلومٌ أن فائدَةَ العطف في المُفردِ أن يُشْرِكَ الثاني في إِعراب الأول، وأنه إذا أَشْرَكَه في إِعرابه فقد أَشْرَكَه في حُكْمِ ذلك الإِعرابِ، نحو أن المعطوف على
__________
1 السياق: "اعلم أن العلم بما ينبغي .... من أسرار البلاغة".
2 في المطبوعة وحدها: "ما لا يأتي".
3 في المطبوعة وحدها" "والأقوام طبعوا ... ".
4 في هامش "ج" هنا حاشية: إنما سئل عن ذلك أبو تمام الطائي، وفي البيان والتبيين14: 87: "قيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل".
(1/222)

المرفوع بأنه فاعلٌ مثلُه، والمعطوفَ على المنصوبِ بأنَّه مفعولٌ به أو فيه أوْ لُه شريكٌ له في ذلك.
وإذا كان هذا أصلَه في المفرد، فإِنَّ الجملَ المعطوفَ بعضُها على بعضٍ على ضربين:
أحدُهما: أن يكونَ للمعطوفِ عليها موضعٌ من الإِعراب، وإذا كانت كذلك، كان حكمها حكم المفرد، إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكونَ واقعة موقعَ المفرد، وإذا كانت الجملةُ الأولى واقعة موقعَ المُفْرَدِ، كان عطفُ الثانية عليها جارياً مجرى عطف المفرد على المفرد1، وكان وجهُ الحاجة إلى "الواو" ظاهراً، والإِشراكُ بها في الحُكْمِ موجوداً، فإذا قلتَ: "مررتُ برجلٍ خُلُقهُ حَسَنٌ وخَلْقه قبيحٌ" كنتَ قد أشركتَ الجملَة الثانيةَ في حُكمِ الأُولى، وذلك الحكمُ كونُها في موضع جرٍّ بأَنَّها صفةٌ للنكرة. ونظائرُ ذلك تَكْثُر، والأمرُ فيها يَسْهُلُ.
والذي يشكلُ أمُره هو الضربُ الثاني، وذلك أن تَعطِفَ على الجملةِ العاريةِ الموضعِ من الإِعرابِ جملة أخرى، كقولك: "زيد قائم، وعمرو قاعد" و "العلم حسنٌ، والجهلُ قبيحٌ"، لا سبيلَ لنا إلى أن ندَّعيَ أن "الواوَ" أشركتِ الثانيةَ في إعراب قد وجب للأولى بوجه من الوجه. وإذا كان كذلك، فينبغي أنْ تعلمَ المطلوبَ مِنْ هذا العطفِ والمغْزى منه، ولمَ لَمْ يَسْتَوِ الحالُ بينَ أن تعطِفَ وبَيْنَ أن تَدَعَ العطفَ فتقولَ: "زيدٌ قائمٌ، عمروٌ قاعدٌ"، بعد أن لا يكونَ هنا أمرٌ معقولٌ يؤتَى بالعاطفِ ليُشْرِكَ بين الأولى والثانيةِ فيه؟
__________
1 في "ج": " .... واقعة موقوع المفرد، وكان وجه الحاجة ... "، وأسقط كلمات، وفي المطبوعة: " .... مجرى عطف المفرد، وكان وجه الحاجة"، أسقط "على المفرد".
(1/223)

معاني العطف بالواو والفاء وثم:
250 - واعلمْ أنه إنما يَعْرِضُ الإِشكالُ في "الوِاو" دونَ غيرِها مِنْ حروفِ العطفِ، وذاك لأَن تلكَ تفيدُ مع الإِشراكِ معانَي، مثلَ أنَّ "الفاء" توجب الترتيب من غير تراخ، و "ثم" توجيه مَع تراخٍ، و "أوْ" تردِّدُ الفعلَ بينَ شيئين وتجعلُهُ لأّحِدهما لا بِعَيْنِه، فإِذا عطفتَ بواحدة منها الجملةَ على الجملةَ، ظهرتِ الفائدةُ، فإذا قلت: "أعطاني فشكرته"، ظهرَ بالفاءِ أنَّ الشكرَ كان مُعْقَباً على العطاءِ ومسبَّباً عنه وإذا قلتَ: "خرجتُ ثم خرجَ زيدٌ"، أفادتْ "ثم" أن خروجَه كان بَعْدَ خروجِكَ، وأن مُهْلَةً وقعتْ بينهما وإذا قلتَ: "يعطيكَ أو يكسوكَ"، دلَّتْ "أو" على أنه يفعلُ واحداً منهما لا بِعَيْنِه.
وليس "للواو" معنى سوى الإشراكِ في الحكمِ الذي يَقْتَضيهِ الإعرابُ الذي أتبعتَ فيه الثانيَ الأولَ. فإذا قلت: "جاءني زيد وعمرو" لم تقد بالواو شيئاً أكثر من إشراك عمرو في المجيء الذي أثبتَّه لزيدٍ، والجمْعِ بينُه وبينَه، ولا يُتَصوَّرُ إشراكٌ بينَ شيئين حتَّى يكونَ هناك معنى يقعُ ذلك الإِشراكُ فيه. وإذا كانَ ذلك كذلكَ، ولم يكن مَعَنا في قولنا: "زيد قائم وعمرو قاعدٌ" معنى تزعمُ أن "الواو" أشركتْ بَينَ هاتين الجملتين فيه، ثبت إشكال المسئلة.
251 - ثم إن الذي يوجِبُه النظرُ والتأملُ أّنْ يقال في ذلك: إن اوإن كنا إذا قلنا: "زيد قائم وعمرو قاعد"، فإنا لا نرى ههنا حكماً نزعمُ أنَّ "الواو" جاءتْ للجمعِ بين الجملتين فيه، فإنا نرى أمراً آخرَ نحصُلُ معه على معنى الجمعِ. وذلك أَنّا لا نقول: "زيد قائم وعمرو قاعد"، حتى يكون عمرو بسبب من زيدٍ، وحتى يكونا كالنَّظيرينِ والشريكَيْنِ، وبحيث إذا عرفَ السامُع حالَ الأّوَّل عناه أن يعرفَ حالَ الثاني. يدلُّكَ على ذلكَ أنَّكَ إنْ جئتَ فعطفتَ على الأَوَّل شيئاً ليس منه بسببٍ، ولا هُوَ مما يُذْكَرُ بذكرِه ويتَّصِلُ حديثُه.
(1/224)

بحديِثه، لم يستقْم. فلو قلتَ: "خرجتُ اليومَ من داري"، ثم قلتَ: "وأحسنُ الذي يقولُ بيتَ كذا"، قلتَ ما يُضْحَكُ منه. ومن ههنا عابوا أبا تمام في قوله:
لا والذي هُوَ عالِمٌ أنَّ النَّوَى ... صَبِرٌ وأنَّ أبا الحُسَيْنِ كريمُ1
وذلك لأنه لا مناسبةَ بينَ كَرَمِ أبي الحسين ومرارِة النَّوى، ولا تعلُّقَ لأَحِدهما بالآخرِ، وليس يقتضي الحديثُ بهذا الحديثُ بذاك.
252 - واعلمْ أنه كما يجبُ أن يكونَ المحدَّثُ عنه في إحدى الجملتين بسببٍ من المحدَّثِ عنه في الأخرى، كذلكَ ينبغي أنْ يكونَ الخبرُ عن الثاني مما يَجْرِي مَجْرى الشبيهِ والنظيرِ أو النَّقيضِ للخبر عن الأولِ. فلو قلتَ: "زيدٌ طويلُ القامة وعمرو شاعرٌ"، كان خُلْقاً، لأنه لا مُشاكلَةَ ولا تعلُّق بينَ طولِ القامةِ وبين الشعرِ، وإنما الواجب أن يقال: "زيد كاتب وعمرو شاعر"، و "زيد طويل القامة وعمرو قصيرٌ".
وجملةُ الأمِر أنها لا تجيءُ حتى يكونَ المَعْنى في هذِهِ الجملة لَفْقاً للمعنى في الأخرى ومُضَامَّاً له، مثل أن "زيداً" و"عمرًا" إذا كانا أخوَيْن أو نظيرين أو مُشتبكَيِ الأحوالِ على الجملة، كانتِ الحالُ التي يكونُ عليها أحدُهما، من قيامٍ أو قعودٍ أو ما شاكَلَ ذَلكَ، مضمومة في النَّفسِ إلى الحالِ التي عليها الآخَرُ من غَير شَكٍ2. وكذا السبيل أبدًا.
__________
1 في ديوانه.
2 في "ج": "كانت الحال التي كون عليها الآخر من غير شك"، أسقط ما بين الكلامين سهوًا.
(1/225)

والمعاني في ذلك كالأَشخاصِ، فإنما قلتَ مثلاً: "العلمُ حسنُ والجهلُ قبيحٌ"، لأنَّ كونَ العلم حَسَناً مضمومٌ في العقولِ إلى كونِ الجهلِ قبيحًا.
عطف الجمل بالواو:
253 - واعلمْ أنَّه إذا كان المخَبرُ عنه في الجملتين واحداً كقولنا: "هو يقولُ ويفعلُ، ويَضُرُّ ويَنْفَعَ، ويُسيءُ ويُحْسِنُ، ويأمُرُ ويَنْهى، ويَحُلُّ ويْعقِد، ويأخُذُ ويُعْطي، ويَبيعُ ويَشْتَري، ويأكُلُ ويشرَبُ" وأشباه ذلك، ازدادَ معنى الجمعِ في "الواو" قوة وظهوراً، وكان الأمْرُ حينئذٍ صريحاً.
وذلكَ أنَّك إذا قلتَ: "هو يَضُرُّ وينفعُ"، كنتَ قد أفدتَ "بالواو" أنكَ أوجبتَ له الفعلينِ جميعاً، وجعلَته يفعلُهما معاً، ولو قلتَ: "يَضرُّ ينفعُ": من غير "واو" لم يجبْ ذلك، بل قد يجوزُ أن يكونَ قولُكَ "ينفعُ"، رجوعاً من قولك "يضرٌّ" وإبطالاً له.
254 - وإذا وقعَ الفعلانِ في مثل هذه في الصِّلة، ازدادَ الاشتباكُ والاقترانُ حتى لا يتصوَّرُ تقديرُ إفرادٍ في أحدِهما عن الآخِر، وذلك في مثلِ قولَك: "العَجَبُ من أني أحسنت وأسأت" و "يكفيك ما قلت وسمعت" و"أيحسن أن تنهَى عن شيءٍ وتأتَي مثلَه؟ "، وذلك أنه لا يشتبه على عاقلٍ أنَّ المعنى على جعلِ الفِعْلَين في حكمِ فعلٍ واحد. ومِنَ البيِّن في ذلك قولُه:
لا تَطْمَعُوا أَنْ تُهِينُونَا ونُكْرِمَكُمْ ... وأن نَكُفَّ الأّذَى عَنْكُمْ وتُؤْذُونا1
المعنى: لا تطمعوا أن تروا إكرامنا قد وجد مع إهانتكم، وجامعها في الحصول.
__________
1 شعر الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، شرح الحماسة للتبريزي 1: 121.
(1/226)

وممَّا له مأخذٌ لطيفٌ في هذا البابِ قول أبي تمام:
لَهانَ عَلَيْنا أنْ نقولَ وتَفْعلا ... ونَذْكُرَ بَعْضَ الفضل منك وتفضلا1
الصفة والتأكيد لا تحتاج إلى شيء يصلها بالموصوف أو المؤكد:
255 - واعلم أنه كماكان من الأسماءِ ما يَصِلهُ معناهُ بالاسم قبلَه، فيستغني بصلة له عن واصلٍ يصلُه ورابطٍ يربِطُه وذلك كالصِّفِة التي لا تحتاجُ في اتِّصالِها بالموصوفِ إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد الذي لا يَفتقِرُ كذلك إلى ما يِصلُه بالمؤكَّد2 كذلك يكونُ في الجملِ ما تتصلُ من ذاتِ نفسها بالتي قَبلها، وتَستغني بربطِ معناها لها عن حَرْفِ عطفٍ يربُطها، وهي كلُّ جملةٍ كانت مؤكِّدةً للتي قبلها ومبينِّةً لها، وكانت إذا حُصِّلتْ لم تكن شيئاً سِواها، كما لا تكونُ الصفةُ غيرَ الموصوفِ، والتأكيدُ غيرَ المؤكد. فإذا قلت: "جاءني زيد الظريف"، و "جاءني القوم كلهم"، لم يكن "الظريف" و "كلهم" غير زيد وغير القوم.
الجملة المؤكدة لا تحتاج إلى عاطف وأمثلة ذلك:
256 - ومثالُ ما هو من الجمل كذلك قوله تعالى: {آلم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 1، 2] قوله: "لا ريب فيه"، بيان وتوكيد وتحقيق لقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ}، وزيادةُ تَثْبيتٍ له، وبمنزلِة أنْ تقولَ: "هو ذلك الكتابُ، هو ذلك الكتابُ"، فتعيدُه مرة ثانية لتثبته، وليس يثبت الخبرِ غيرَ الخبرِ، ولا شَيءَ يتميّزُ به عنه فيحتاجُ إلى ضامٍّ يَضُمُّه إليه، وعاطفٍ يعطفه عليه.
__________
1 في ديوانه، والرواية فيه "بعض الفضل عنك".
2 السياق: "وأعلمْ أنه كما كان في الأسماءِ ما يصله .... كذلك يكون في الجمل".
(1/227)

257 - ومثلُ ذلك قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 6، 7] قولُه تعالى: {لا يُؤْمِنُونَ}، تأكيدٌ لقولِه: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ}، وقولُه: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}، تأكيدٌ ثانِ أبلغُ من الأول، لأنَّ مَن كان حالُه إذا أنذر مثل حاله إذا لم يندر، كانَ في غايِة الجَهْل، وكان مطبوعاً على قَلْبِه لا محالةَ.
258 - وكذلكَ قولُهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ} [البقرة: 8، 9] إنما قال "يخادعون" ولم يقل: "ويخادعون" لأنه هذه المخادعةَ ليست شيئاً غيرَ قولِهم: "آمنا"، من غير أن يكونوا مؤمنين، فهو إذن كلامٌ أَكَّدَ به كلامٌ آخرُ هو في معناه، وليس شيئاً سواه.
259 - وهكذا قولُه عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]، وذلك لن معنى قولهم: "إنّا معكُم": أّنا لم نؤمنْ بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم نترك اليهودية. وقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} خبرٌ بهذا المعنى بعينه، لأنَّه لا فَرْقَ بين أن يقولوا: "إن لم نَقُل ما قُلْناه من أنَّا آمنا إلا استهزاء"، وبين أن يقولوا: "إن لم نَخْرُجْ من دينكِم وإنَّا معكم"، بل هما في حُكْم الشيءِ الواحد، فصار كأنهم قالوا: "إن معكم لم تفارقكم" فكما لا يكون "إنا لم نفارقْكم" شيئاً غيرَ {إِنَّا مَعَكُمْ}، كذلك لا يكون {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} غيرَه، فاعرِفْه.
260 - ومن الواضحِ البَيِّنِ في هذا المعنى قولُه تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا} [لقمان: 7]، لم يأت معطوفًا.
(1/228)

نحو: {كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا} لأنَّ المقصودَ من التشبيه بِمَنْ في أذنيه وقْرٌ، هُوَ بعينه المقصودُ من التشيبه بمن في أذنيه وقر، وهو بعينه المقصودُ مِنَ التشبيه بِمَنْ لم يسمع، إلاَّ أنَّ الثاني أبلغُ وأكَدُ في الذي أُرِيدَ.
وذلك أنَّ المعنى في التشبيهين جميعاً أنْ يَنْفِيَ أن يكونَ لتلاوةِ ما تُلِيَ عليه من الآياتِ فائدَةٌ معه، ويكونَ لها تأثيرٌ فيه، وأنْ يجعلَ حالَه إذا تُلِيتْ عليه كحالِه إذا لم تُتْلَ. ولا شبهةَ في أن التشبيه بِمَنْ في أذنيه وقرٌ ابلغُ وآكَدُ في جعلِه كذلكَ، مِنْ حيثُ كان مَنْ لا يصحُّ منه السَّمْعُ وإن ارادَ ذلكَ، أبعدَ مِنْ أنْ يكونَ لتلاوةِ ما يُتْلَى عليه فائدةٌ، مِنَ الذي يصحُّ منه السَّمْعُ إلا أنه لا يسمعُ، إما اتفاقاً وإما قصداً إلى أنْ لا يسمعَ. فاعرفْه وأحسِنْ تدبُّره.
261 - ومنَ اللطيف في ذلك قولُه تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 21]، وذلك أن قوله: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}، مشابِكٌ لقولِهِ: {مَا هَذَا بَشَرًا} ومُداخلٌ في ضِمْنه من ثلاثة أوجهٍ1: وجهان هو فيهما شبيهٌ بالتأكيدِ، ووجهٌ هو فيه شبيهٌ بالصفةِ.
فأحدُ وجهَيْ كونِه شبيهاً بالتأكيدِ، هو أنه إذا كان مَلكاً لم يكن بشراً، وإذا كان كذلك كان، إثباتُ كونِهِ ملكاً تحقيقاً لا محالَة، وتأكيداً لنفي أنْ يكونَ بشراً.
والوجهُ الثاني أن الجاريَ في العرِف والعادةِ أنه إذا قيلَ: ما هذا بشراً وما هذا بآدميٍّ" والحال حالُ تعظيمٍ وتعجُّبٍ مما يُشَاهَدُ في الإِنسانُ مِنْ حُسْنِ خلْقٍ أو خُلُق2 أن يكونَ الغرضُ والمرادُ من الكلام أن يقال إنه ملك،
__________
1 في "س"، ونسخة عند رشيد رضا: "وداخل في ضمنه".
2 السياق: " ..... أنه إذا قيل .... أن يكون الغرض .... ".
(1/229)

وأنه يُكْنَى به عن ذلك، حتى إنَّه يكون مفهومَ اللفظ1، وإذا كان مفهوماً مِنَ اللفظ قَبْلَ أن يُذْكَر، كان ذكرهُ إذا ذُكِرَ تأكيداً لا محالَة، لأنَّ حَدَّ "التأكيدِ" أنْ تحقِّقَ باللفظِ مَعْنًى قَد فُهِمَ مِنَ لَفْظٍ آخرَ قَدْ سَبَقَ منَكَ. أفلا ترى: أنه إنما كان "كلُّهم" في قولَك: "جاءني القوم كلُّهم" تأكيداً من حَيْثُ كانَ الذي فُهِمَ منه، وَهُوَ الشُّمولُ، قد فُهم بديئاً من ظاهِرِ لفظِ "القومِ"، ولو أنَّه لم يكن فُهِم الشمولُ من لفظِ "القومِ"، ولا كانَ هو مِنْ موجبه، لم يكن "كلٌّ" تأكيداً، ولكان المشمول مُستفاداً من "كلِّ" ابتداء.
وأما الوجه الثالث الذي هو فيه شبيهٌ بالصِّفة، فهو أنه إذا نُفَيَ أن يكونَ بَشراً، فقد أثبتَّ له جنسَ سِواه، إذْ منَ المُحالِ أن يخرُجَ من جنسِ البشرِ، ثم لا يدخُلُ في جنسٍ آخرَ. وإذا كانَ الأمُر كذلكَ، كان إثباتُه "مَلَكاً" تبييناً وتعييناً لذلك الجنسِ الذي أريدَ إدخالُه فيه، وإغناء عن أن تحتاجَ إلى أن تسألَ فتقولَ: "فإنْ لم يكنْ بشراً، فما هُوَ؟ وما جنسُه؟ " كما أنك إذا قلتَ: "مررتُ بزيدٍ الظريفِ" كان "الظريفُ" تَبييناً وتعييناً للذي اردتَ مِنْ بينَ مَنْ له هذا الاسمُ، وكنتَ قد أغنيتَ المخاطَبَ عن الحاجةِ إلى أن يقول: "أيَّ الزيدين أردت؟ ".
الإثبات والتأكيد بإن وإلا:
262 - ومما جاءَ فيه الإِثباتُ "بإنْ وإلا" على هذا الحد قوله عز وجل: {مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} [يس: 69] وقولُه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] أفلا ترى أنَ الإِثباتَ في الآيتين جميعاً تأكيدٌ وتثبيتٌ لنَفي ما نُفِيَ؟ فإِثباتُ ما عُلِّمَه
__________
1 عند هذا الموضع حاشية في "ج" نصها: "معناه أنه إذا كان الحال حال تعظيم، لم يحتمل قولك: "ما هو بآدمي"، و "ما هو بشرًا"، إلا أن تقول: إنه ملك".
(1/230)

النبي صلى الله عليه وسلم إليه ذِكراً وقرآناً، تأكيدٌ وتثبيتٌ لنَفي أن يكونَ قد عُلِّم الشعرَ وكذلك إثباتُ ما يتلوهُ عليهم وحياً مِنَ الله تعالى1، تأكيدٌ وتقريرٌ لنفيِ أن يكون نُطِق به عَنْ هوى2.
263 - وأعلمْ أنَّه ما من عِلْمٍ من علوم البلاغة أنت تقول فيه: "إنه خَفيٌّ غامضٌ، ودقيقُ صَعْبٌ" إلاّ وعِلْمُ هذا البابِ أغمضُ وأخفى وأدقُّ وأصعبُ. وقد قِنَعَ الناسُ فيه بأنْ يقولوا إذا رأوا جملة قد تُرِكَ فيها العطفُ: "إنَّ الكلامَ قد استؤنفَ وقُطِعَ عما قبله"، لا تطلبُ أنفسُهم منه زيادة على ذلك. ولقد غَفِلوا غَفْلةً شديدة.
الجملة يظهر فيها وجوب العطف، ثم يترك العطف لعارض:
264 - وممَا هو أصلٌ في هذا الباب أنَّك قد ترى الجملةَ وحالُها معَ التي قبلها حالُ ما يُعْطَفُ ويُقْرَنُ إلى ما قبلَه، ثم ثراها قَدْ وجبَ فيها تركُ العطفِ، لأمرٍ عرضَ فيها صارت به أجنبية مما قبلها.
مثال ذلك قولهُ تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 14]، وذلك أنه ليس بأجنبي مِنْه، بل هو نظيرُ ما جاءَ معطوفاً من قولهِ تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] وقوله: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه} [آل عمران: 54]، وما أشبهَ ذلك مما يُرَدُّ فيه العَجُزُ على الصَّدر، ثم إنك تجدهُ قد جاءَ غير معطوف، وذلك لأمر أوجب أن
__________
1 تحت قوله "وحيًا" في هامش "ج" ما نصه: "نصب على الحال".
2 في "س" والمطبوعة: "تقرير لنفي"، ولم يذكر "تأكيد".
(1/231)

لا يُعطَفَ، وهو أنَّ قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}، حكاية عنهم أنهم قالوا، وليس يخبر من الله تعالى وقولُه تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}، خبرٌ منَ الله تعالى أنه يجازيهم على كُفْرِهم واستهزائِهم. وإذا كان كذلك، كانَ العطفُ مُمتنعاً، لاستحالةِ أن يكونَ الذي هو خَبَرٌ منَ الله تعالى، معطوفاً على ما هو حكاية عنهم، ولإيجاب ذلك أنْ يخرجَ من كونِه خبراً مِنَ الله تعالى، إلى كونِه حكاية عنهم، وإلى أنْ يكونوا قد شَهِدوا على أنفسهِم بأنَّهم مؤاخدون، وأن الله تعالى معاقبهم عليه1.
وليس كذلك الحالُ في قولهِ تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}، و {مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه}، لأن الأوَّلَ من الكلامَيْنِ فيهما كالثاني، في أنه خَبَرٌ مِنَ الله تعالى ولَيْسَ بحكايةٍ. وهذا هُوَ العِّلةُ في قولِه تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11، 12] إنما جاء {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} مُستأنفاً مُفتتحاً "بأَلا"، لأنَّه خبرٌ من الله تعالى بأنهم كذلك والذي قبله من قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، حكاية عنهم. فلو عطف لَلَزِم عليه مثلُ الذي قدَّمتُ ذكرَه منَ الدخولِ في الحكايةِ، ولصارَ خبراً مِنَ اليهودِ ووصفاً مِنْهم لأنفسهم بأنه مُفْسِدون، ولصار كأنه قِيلَ: قالوا: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، وقالوا إنهم المفسِدون، وذلك ما لا يُشَكُّ في فسادِه.
وكذلك قولهُ تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] ولو
__________
1 في المطبوعة: و "من": "يعاقبهم عليه".
(1/232)

عطف: {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} على ما قَبْلَه، لكان يَكونُ قد أُدْخِلَ في الحكايةِ، ولصار حديثاً مِنهم عن أنفسهم بأنهم هُمُ السفهاءُ، من بَعْدِ أن زَعموا أنهم إنَما تُركوا أن يؤمِنوا لئلا يكونوا من السفهاء.
لا يعطف الخبر على الاستفهام:
265 - على أن في هذا أمر آخر، وهو أن قوله: {أَنُؤْمنُ} استفهام، لا يُعْطَفُ الخبرُ على الاستفهام.
فإِن قلت: هَلْ كان يجوزُ أن يُعْطَف قولُه تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على "قالوا" من قولِه: {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} لا على ما بعد، وكذلك كان يعفل في {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ}، و {إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ}، وكان يكونُ نظيرَ قولِه تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} [الأنعام: 8] وذلك أن قوله: {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا} معطوف، من غير شك، على "قالوا" دون ما بعده؟
قيل: إن حكم العطف على "قالوا" فيما نحنُ فيه1، مخالفٌ لحكمه في الآية التي كذرت. وذلك أن "قالوا" ههنا جوابُ شرطٍ، فلو عُطِف قولُه: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} عليه، لَلزِمَ إدخالُه في حُكْمِه مِنْ كونه جوابًا، وذلك لا يصح.
بيان العطف على جواب الشرط:
وذاك أنه متى عُطِف على جوابِ الشرطِ شيءٌ "بالواو" كان ذلك على ضربينِ: أحدُهما: أن يكونا شيئين يتصوَّرُ وجودُ كلِّ واحدٍ منهما دُونَ الآخر، ومثالُه قولكَ "إن تأتِني أكرمك أعطك وأكسك"2 والثاني: أن يكون
__________
1 في المطبوعة: "إن حكم المعطوف على قالوا"، وفي "ج": "إن حكم" قالوا "فيما نحن فيه".
2 "أكرمك"، ليست في "ج".
(1/233)

المعطوفُ شيئاً لا يكونُ حتى يكونَ المعطوفُ عليه، ويكونَ الشرطُ لذلك سبباً فيه بوساطةِ كونه سبباً للأول1، ومثالُه قولُك: "إذا رجَع الأَميرُ إلى الدار استأذنتهُ وخرجتُ"، فالخروجُ لا يكونُ حتى يكون الاستئذانُ، وقد صارَ "الرجوعُ" سَبباً في الخروج، من أجلِ كونِه سبباً في الاستئذان، فيكونُ المعنى في مثلِ هذا على كلامين، نحوُ: "إذا رجَع الأميرُ استأذنتُ، وإذا استأذنت خرجتُ".
وإذا قد عرفْتُ ذلك، فإِنه لو عُطِفَ قولُه تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على "قالوا" كما زعمتَ، كان الذي يتصوَّرُ فيه أن يكونَ من هذا الضربِ الثاني، وأن يكونَ المعنى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}، فإِذا قالوا ذلك استهزأَ اللهُ بهم ومدَّهم في طُغْيانِهم يَعْمَهون.
وهذا وإن كان يُرَى أنه يَسْتَقيمُ، فليس هو بمستقيمٍ. وذلك أنَّ الجزاءَ إنَّما هو على نَفْس الاستهزاءِ وفِعْلِهم له وإرادتهم إياه في قولهم: "آمنا"، لا على أنهم حدثوا على أنفسهم بأنه مستهزؤون والعَطْفُ على "قالوا" يَقْتضي أَنْ يكونَ الجزاءُ على حديثهم عَنْ أنفسِهم بالاستهزاء، لا عليه نفسِه.
ويبيِّنُ ما ذكرناه مِنْ أنَّ الجزاءَ يَنْبغي أن يكونَ على قَصْدِهم الاستهزاءَ وفِعلهم له، لا على حديثهم عن أنفسهم بأن مستهزؤون2 أنَّهم لو كانوا قالوا لكُبرائهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} وهُم يريدونَ بذلكَ دَفْعَهم عَن أنفسِهم بهذا الكلام3، وأنت يَسْلَموا من شَرِّهم، وأنْ يوهموهُم أَنَّهم مِنْهم وإن
__________
1 في المطبوعة وحدها: "بواسطة".
2 السياق: "وبين ما ذكرناه .... أنهم لو كانوا .. ".
3 في "ج": "دفعًا عن أنفسهم".
(1/234)

لم يكونوا كذلك1 لكان لا يكونُ عليهم مؤاخذةٌ فيما قالوه، من حَيْثُ كانت المؤاخذةُ تكونُ على اعتقادِ الاستهزاءِ والخديعةِ في إظهار الإيمان، لا في قول: "إنا استهزأنا" من غير أن يقتر بذلك القول اعتقاد ونية.
ما يوجب الاستئناف وترك العطف وأمثلته:
هذا، وههنا أمرٌ سِوَى ما مضَىَ يوجِبُ الاستئنافَ وتركَ العطفِ، وهو أنَّ الحكايةَ عنهم بأنهم قالوا كيتَ وكيتَ، تحرِّكُ السامعين لأن يعلموا مصيرَ أمرهم وما يصنع بهم، وأننزل بِهِمُ النِّقْمةُ عاجلاً أم لا تنزلُ ويُمْهلَونَ2 وتوقع في أنفسهم التمني لأنْ يتبيَّنَ لهم ذلك. وإِذا كان كذلك، كانَ هذا الكلامُ الذي هو قولُه: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}، فيم عنى ما صدر جوابًا عن هذا المقدر مبتدأ غيرَ معطوف، ليكونَ في صورتِهِ إذا قيل: "فإِنْ سألتم قِيلَ لكم": {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون}.
266 - وإذا استقريتَ وجدتَ هذا الذي ذكرتُ لك، من تنزيلِهم الكلام إذا جاء يعقب ما يقتضي سؤالًا3، منزلته إذا صريح بذلك السؤالِ4 كثيراً، فمن لطيفِ ذلك قولهُ:
زعم العوال أَنَّنِي في غَمْرَةٍ، ... صَدَقُوا، ولكِنْ غَمْرَتِي لا تنجلي5
__________
1 السياق: "أنهم لو كانوا قالوا لكبرائهم ... لكان لا يكون عليهم".
2 السياق: "تحرك السامعين لأن يعلموا ... وتوقع في أنفسهم التمني".
3 السياق: "من تنزيلهم الكلام ... منزلته ... ".
4 السياق: وإذا استقريت وجدت هذا .... كثيرًا".
5 هو في المغني، باب الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وفي شرح شواهد للسيوطي: 270، ومعاهد التنصيص 1: 280.
(1/235)

لمَّا حَكَى عن العواذِلِ أنَّهم قالوا: "هُوَ في غَمْرَةٍ"، وكان ذلك مما يحرِّك السامعَ لأنَّ يسألهَ فيقولَ: "فما قولُكَ في ذلكَ، وما جوابُك عَنْه؟ "، أَخْرَجَ الكلامَ مُخْرَجَهُ إِذا كان ذلكَ قَدْ قِيل له، وصارَ كأنَّه قال: "أقول: صَدَقُوا، أنَّا كما قالوا، ولكنْ لا مَطْمَعَ لهم في فلاحِي"، ولو قالَ: "زعمَ العواذلُ أنني في غَمْرةٍ وصَدَقُوا"، لكانَ يكون لم يصنع في نفسه أنه مسئول1، وأن كلامَه كلامُ مجيبٍ.
267 - ومثْلُه قولُ الآخَرِ في الحماسة:
زَعَمَ العَواذِل أنَّ ناقَةَ جُنْدَبٍ ... بجَنوبِ خَبْتٍ عُرّيَتْ وأُجِمَّتِ
كَذَبَ العَواذِلُ لو رأَيْنَ مُنَاخَنا ... بالقادسية فلن لج نووذلت2
وقد زادَ هذا أمرَ القطعِ والاستئنافِ وتقديرَ الجواب، تأكيد بأنْ وضَعَ الظاهِرَ موضعَ المُضْمر، فقال: "كذَب العواذلُ": ولم يَقُلْ "كَذَبْنَ"، وذلك أنَّه لمَا أعادَ ذِكْرَ "العواذلِ" ظاهراً، كان ذلك أَبْيَنَ وأقوىَ، لكونِه كلاماً مستأَنفاً مِنْ حَيْثُ وَضَعَه وضعًا لا يحتاج فيه إل ىما قبله، وأتى به مأتَى ما لَيْس قبلَه كلامٌ.
268 - وممَّا هُوَ على ذلك قول الآخر:
زعمتم إن إخوانكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف3
__________
1 في المطبوعة وحدها: "لم يصح في نفسه".
2 هو في شرح الحماسة للتبريزي 1: 162، ـ و "جندب"، هو الشاعر، ونسبه في معاهد التنصيص 1: 392، وقال "جندب بن عمار". و "خبت" ماء لكلب. و "عريت" الناقة من رحلها. و "أجمت"، أريحت من الركوب والسير. و "لج" جندب في السير والتابعد، و "ذلت" الناقة من طول السفر.
3 شعر مساور بن هند بن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي، يهجو بني أسد شرح الحماسة للتبريزي 4: 12، وكان مساور يهاجي المرار بن سعيد الفقعسي الأسدي، "أسد" هو "أسد بن خزيمة ابن مدركة"، وقريش من ولد أخيه كنانة بن خزيمة بن مدكة، فمن هنا وغيره قالت بنو أسد: نحو إخوةى قريش، فكذبهم مساور بن هند، وقال: لقريش رحلة الشتاء والصيف، وهي "الإلاف"، وليس لكم مثله، وبعد البيت:
أولئك أومنوا جوعًا وخوفًا ... وقد جاعت بنو أسد وخافوا
(1/236)

وذلك أن قولَه: "لهم إلفٌ" تكذيبٌ لدعواهُم أنهم من قريش، فهو إذن بمنزلةِ أن يقولَ: "كذبتُم، لهم إلفٌ، وليس لكم ذلك": ولو قال: "زعمتم أن إخوانكم قريشٌ ولهم إلفٌ وليس لكم إلافٌ"، لصارَ ممنزلة أن يقول: "زعمتم أن إخواتكم قريش وكذبتم"، في أنه كان خيرج عن أن يكون موضوعاً على أنه جوابُ سائلٍ يقولُ له: "فماذا تقولُ في زعمتم ذلك في دعواهم؟ " فاعرِفْه.
واعلمْ أنه لو أظهرَ "كذَبتْمُ"، لكان يجوزُ له أن يَعْطِفَ هذا الكلامِ الذي هو قولُه: "لهم إلفٌ" عليه بالفاء، فيقول: "كَذَبْتُم فلهم إلفٌ، وليس لكم ذلك" فأما الآنَ فلا مَسَاغَ لدخولِ الفاءِ البتَّةَ، لأنَّه يصيرُ حينئذٍ معطوفاً بالفاء على قولِه: "زَعَمْتُم أن إخوانكم قريش"، وذلك يخرج إلى المجال، مِنْ حيثُ يصير كأَنه يستشهدُ بقوله: "لهم إلفٌ"، على أنَّ هذا الزعمَ كان منهم، كما أنك إذا قلت: "كذبتم فهلم إلفٌ"، كنتَ قد استشهدتَ بذلكَ على أنهمْ كذبوا، فاعرِفْ ذلك.
269 - ومن اللطيفِ في الاستئناف، على معنى جعلِ الكلامِ جواباً في التقديرِ، قول اليزيدي:
مَلَّكْتُهُ حَبْلي ولكنَّهُ ... أَلْقَاهُ من زُهْدٍ عَلى غارِبي
وقالَ إِنّي في الهَوى كاذِبٌ ... انْتَقَمَ الله من الكاذب1
__________
1 "اليزيدي"، هو "أبو محمد"، "يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي"، والبيتان غير منسوبين في الأغاني 22: 168 "الهيئة".
(1/237)

استأنفَ قولَه: "انتقمَ اللهُ من الكاذبِ"، لأَنه جعلَ نفسَه كأنه يجيبُ سائلاً قالَ له: "فما تقولُ فيما اتَّهمكَ به مِن أنَّك كاذبٌ؟ " فقال أقولُ: "انتقمَ اللهُ منَ الكاذبِ".
270 - ومن النادرِ أيضاً في ذلك قولُ الآخَرِ:
قالَ لي كيْفَ أَنْتَ قُلْتُ عَليلٌ ... سَهَرٌ دائمٌ وحُزْنٌ طَوِيْلُ1
لِما كانَ في العادةِ إذا قيلَ للرجلِ: "كيفَ أنتَ؟ " فقالَ: "عليلٌ"، أن يسألَ ثانياً فيقالَ: "ما بكَ؟ وما علَّتُك؟ "، قَدَّر كأنه قد قيلَ له ذلكَ، فأَتَى بقولِه: "سهرٌ دائمٌ" جواباً عَنْ هذا السؤالِ المفهوم مِن فحوى الحالِ، فاعرفهْ:
271 - ومن الحسن البين في ذلك قول المتنبي:
وما عقب الرياح له محلًا، ... عفاه من دا بِهِمُ وَساقا2
لمَّا نَفَى أن يكونَ الذي يُرى به منَ الدُّروسِ والعَفاءِ منَ الرياحِ، وأن تكونَ التي فعلتْ ذلك، وكان في العادةِ إذا نُفِيَ الفعلُ الموجودُ الحاصلُ عن واحدٍ فقيلَ: "لم يفعلْه فلانٌ"، أن يقالَ: "فمَنْ فعلَه؟ " قدَّر كأنَّ قائلاً قال: "قد زعمتَ أنَّ الرياحَ لم تَعْفُ له مَحلاً، فما عفاه إذن؟ "، فقالَ مجيباً له: "عفاهُ مَنْ حَدا بِهم وساقا".
272 - ومثله قوله الوليد بن يزيد:
عَرفْتُ المَنْزلَ الخالي ... عَفا مِنَ بَعْدِ أحَوْالِ
__________
1 مشهور غير منسوب.
2 في دويانه.
(1/238)

عفاه كل حنان ... عسوف الويل هَطّالِ1
لما قالَ: "عفا من بعدِ أحوالِ"، قَدَّرَ كأنه قيلَ له: "فما عفاهُ؟ " فقالَ: "عفاه كلُّ حنَّان".
273 - واعلمْ أن السؤالَ إِذا كانَ ظاهراً مذكوراً في مثلِ هذا، كان الأكثرُ أنْ لا يُذكرَ الفعلُ في الجوابِ، ويُقْتَصرَ على الاسمِ وحدهَ. فأما مع الإِضمار فلا يجوزُ إلاَّ أن يُذْكرَ الفعلُ
تفسيرُ هذا: أنه يجوز لك إِذا قيلَ: "إنْ كانتِ الرياحُ لم تَعْفُه فما عفاهُ؟ " أن تقول: "من حدابهم وسَاقا" ولا تقولَ: "عفاهُ مَن حدا"، كما تقولُ في جوابِ من يقولُ: "مَنْ فعلَ هذا؟ ": زيدٌ ولا يجبُ أن تقولَ: "فعلَه زيدٌ".
وأما إذا لم يكنِ السُّؤالُ مذكوراً كالذي عليه البيتُ، فإِنَّه لا يجوزُ أن يُتْرَكَ ذكرُ الفعلِ. فلو قلتَ مثلا: "وما عفت الرياح له محلًا، من حدابهم وساقًا" تزعم أنك أردت "عفاه من حدابهم"، ثم ترك ذكرَ الفعلِ، أَحَلْتَ2، لأنه إنَّما يجوزُ تركُه حيثُ يكونُ السؤالُ مذكوراً، لأَن ذكرَه فيه يدلُّ على إرادتِه في الجوابِ، فإِذا لم يوت بالسُّؤالِ لم يكن إلى العلم بهِ سبيلٌ، فاعرف ذلك.
__________
1 في شعره المجموع، والأغاني: 32، "الدار"، و "الحنان" من صفة السحاب الذي يسمع رعده كحنين الإبل. و "عسوف"، مطره شديد العسف، و "الويل" المطر الشديد، و "هطال" متتابع الودق.
2 السياق: "فلو قت مثلًا .... تزعم أنك أردت .... أحلت"، أي جئت بالمحال.
(1/239)

ما جاء في التنزيل "قال" غير معطوف وأمثلته:
274 - واعلم أنَّ الذى تراهُ في التنزيلِ من لفظِ "قال" مَفصولاً غيرَ معطوف، هذا هو التقديرُ فيه، واللهُ أعلم. أعني مثلَ قولِه تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ، فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ} [الذاريات: 24 - 28]، جاء على ما يقعُ في أنفسِ المخلوقين منَ السُّؤال. فلما كان في العُرفِ والعادةِ فيما بينَ المخلوقينَ إذا قيل لهم: "دخلَ قوم على فلان فقالوا كذا"، أخرجَ الكلامَ ذلك المُخْرجَ1، لأنَ الناسَ خوطبوا بما يتعارفونه، وسلك باللظف معهم المَسْلكُ الذي يَسْلُكُونه.
وكذلك قولُه: {قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ}، وذلك أن قولَه: {فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ}، يقتضي أن يُتْبعَ هذا الفعلُ بقولٍ: فكأنه قِيل واللهُ أعلمُ: "فما قال حينَ وَضَعَ الطعامَ بين أيديهم؟ "، فأتى قولُه: {قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} جواباً عن ذلك.
وكذا: {قَالُوا لا تَخَفْ}، لأنَّ قولَه: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}، يقتضي أن يكونَ من الملائكةِ كلامٌ في تأنيسِه وتَسكينه مما خامَره، فكأنه قيلَ: "فما قالوا حينَ رأوه وقد تغيَّرَ ودخلتْه الخيفةُ؟ " فقيل: "قالوا لا تَخفْ".
275 - وذلك، واللهُ أعلم، المعنى في جميع ما يجيءُ منه على كثرتِه، كالذي يجيءُ في قِصَّةِ فرعونَ عليه اللعنةُ، وفي رَدِّ موسى عليه السلام عليه كقولِه: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ
__________
1 السياق: "فلما كان في العرف والعادة .... أخرج الكلام".
(1/240)

كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء: 23 - 31]، جاء ذلك كلُّه، واللهُ أعلمُ، على تقديرِ السؤال والجوابِ كالذي جرتْ به العادةُ فيما بين المخلوقين، فلما كان السامع منا إِذا سَمِع الخبرَ عن فرعونَ بأنه قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}، وقعَ في نفسه أن يقول: "فما قال موسى له؟ " أتى قوله: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، مأتى الجوابِ مبتدأ مفصولاً غيرَ معطوف. وهكذا التقديرُ والتفسيرُ أبداً في كل ما جاءَ فيه لفظُ "قال" هذا المجيء، وقد يكونُ الأمرُ في بعضِ ذلك اشدَّ وضوحاً.
276 - فمما هَوَ في غاية الوضوح قولُهُ تعالى {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} [الحجر: 57، 58]، وذلك أنَّه لا يَخْفى على عاقلٍ أنه جاء على معنى الجواب، وعلى أن نزل السامعون كأنهم قالوا: "فما قالَ له الملائكةُ؟ "، فقيل: {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ}.
277 - وكذلك قولُه عزَّ وجلَّ في سورة يس {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ، وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ، قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ
(1/241)

مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ، وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [يس: 13 - 21]، التقدير الذي قدرناه من معنى السؤل والجواب بين ظاهر في ذلكَ كلِّه، ونسألُ الله التوفيقَ للصَّواب، والعصمة من الزلل.
(1/242)

فصل:
278 - وإذْ قد عَرْفت هذه الأصولَ والقوانينَ في شأنِ فَصْل الجُملِ ووَصْلها، فاعلمْ أنَّا قد حصَلْنا من ذلك على أنَّ الجُمَل على ثلاث أضربِ:
جملةٌ حالُها مع التي قبلَها حالُ الصفةِ معَ الموصوفِ والتأكيدِ مع المؤكَّدِ، فلا يكونُ فيها العطفُ البتَّةَ، لِشبْهِ العَطْفِ فيها، لو عُطِفَتْ، بعَطْفِ الشيءِ على نَفْسِه.
وجملةٌ حالها مع التي قبْلها حالُ الاسمِ يكونُ غيرَ الذي قَبْله، إلاَّ أَنه يُشارِكُهُ في حكْم، ويدخلُ معه في معنًى، مثْلَ أن يكونِ كِلا الاسْمَيْن فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليه، فيكون حقُّها العطفَ.
وجملةٌ ليستْ في شيء مِنَ الحالين، بل سبيلُها مع التي قبْلَها سبيلُ الاسم مع الاسم لا يكونُ منه في شيءٍ، فلا يكونُ إيَّاه ولا مشارِكاً له في معنى، بل هو شيء إذا ذُكِرَ لم يُذْكَر إلا بأمرٍ يَنفردُ به، ويكونُ ذكْرُ الذي قبلَه وتَرْكُ الذكْر سواءٌ في حالِه، لعدم التعلُّق بينَهُ وبينَهُ رأساً. وحقُّ هذا تَرْكُ العطفِ البتَّةَ.
فَتْركُ العطفِ يكونُ إمَّا للاتصالِ إلى الغاية أوِ الانفصال إلى الغايةِ والعطفُ لما هو واسطةٌ بينَ الأمرينِ، وكانَ له حالٌ بينَ حاليَنْ، فاعرفْه.
(1/243)

فصل: بيان دقيق في شأن عطف الجمل:
279 - هَذا فنٌّ من القَول خاصُّ دقيقٌ. إعلَمْ أنَّ مما يَقِلُّ نظَرُ الناسِ فيه من أَمْر "العطفِ" أنَّه قد يُؤْتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها، لوكن تُعْطَفُ على جملةٍ بينها وبينَ هذه التي تُعْطفُ جملةٌ أو جملتانِ، مثالُ ذلك قولُ المتنبي:
تَولَّوْا بغْتَةً فكأَنَّ بيْناً ... تَهَيَّبني فَفاجَأَني اغْتيالا
فكانَ مَسِيرُ عِيسِهِمُ ذَميلاً ... وسيرُ الدمعِ إثْرَهُمُ انْهِمالا1
قولُه: "فكان مَسيرُ عيسهِم"، معطوفٌ على "تولَّوا بَغتةً"، دونَ ما يليهِ من قولِه: "ففاجأني"، لأنَّا إنْ عطفناه على هذا الذي يليه أفسَدْنا المعنى، من حيثُ إنه يدخلُ في معنى "كأَنَّ"، وذلك يؤدِّي إلى أن لا يكونَ مسيرُ عيسهِم حقيقةً، ويكونَ مُتَوهَّماً، كما كان تهيُّبُ البينِ كذلك.
280 - وهذا أصْلٌ كبيرٌ. والسببُ في ذلك أن الجملةَ المتوسِّطةَ بين هذه المعطوفةِ أخيراً، وبين المعطوفِ عليها الأولى، تَرتبطُ في معناها بتلك الأولى، كالذي ترى أن قوله: "فكأن بيننا تهيَّبني"، مرتبطٌ بقوله: "تَولَّوا بَغتة"، وذلك أنَّ الثانية مسبَّبٌ والأُولى سبَبٌ. ألا ترَى أنَّ المعنى: "تولوا بغتة فتوهمت أن بيتًا تهيبني؟ " ولا شكَّ أنَّ هذا التوهُّم كان بسببِ أنْ كان التوليِّ بغتةً. وإِذا كان كذلك، كانتْ مع الأولى كالشيءِ الواحدِ، وكان منزلتُها منها منزلة المعفعول والظرفِ وسائرِ ما يجيءُ بعدَ تمام الجملةِ من مَعْمولاتِ الفعل، مما لا يمكنُ إفرادُه عن الجملة2، وأن يعتد كلامًا على جدته.
__________
1 في ديوانه.
2 في المطبوعة و "ج": "على الجملة".
(1/244)

281 - وههنا شيء ىخر دقيقٌ، وهو أنَّك إذا نظرْتَ إلى قوله: "فكان مسير عسهم ذميلا"، وجدْتَه لم يُعْطَف هو وحدَه على ما عُطِفَ عليه، ولكنْ تجدُ العطْفَ قد تناولَ جملةَ البيتِ مربوطاً آخرُه بأَوَّلِهِ. ألا تَرى أنَّ الغرضَ من هذا الكلام أن يَجْعل تولِّيهم بغتةً، وعلى الوجه الذي توهَّم من أجلِه أنَّ البينَ تهيَّبه، مُسْتدعياً بكاءه1، وموجباً أنْ يَنْهملَ دمعُه، فلم يَعْنهِ أنْ يذكر ذملان العيس إلا لليذكر هَمَلانَ الدمعِ، وأن يوفِّق بينهما.
وكذلكَ الحكْمُ في الأول، فنحن وإن كنَّا قلْنا إنَّ العطْفَ على "تَولوا بغتة"، فإنَّا لا نَعْني أن العطُفَ عليه وحَده مقطوعاً عمَّا بَعْدَه، بل العطفُ عليه مَضموماً إليه ما بَعْدَه إلى أخرهِ، وإِنما أردْنا بقولنا "إِنَّ العطفَ عليه"، أن تعلمك أنه الأصْلُ والقاعدةُ، وأن نَصْرفَك عن أن تَطْرَحَه، وتَجْعلَ العطْفَ على ما يَلي هذا الذي تعْطِفُه، فتزعُمَ أنَّ قولَه: "فكانَ مَسِيرُ عيسِهم" معطوفٌ على "فاجأني"، فتَقعُ في الخطأَ كالذي أريناك.
فامر العطف إذ، موضوعٌ على أنَّك تَعْطِفُ تارةً جملةً على جملةٍ، وتَعْمِد أخرى إلى جُملتين أو جملٍ بعضاً على بعضٍ، ثم تعْطفُ مجموعَ هذي على مجموع تلك.
بيان في العطف في الشرط والجزاء:
282 - ويَنْبغي أنْ يُجْعَل ما يُصْنَعُ في الشرطِ والجزاءِ من هذا المعنى أصلاً يُعْتَبرُ به.
وذلك أَنَّك تَرى، متى شئتَ، جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى،
__________
1 السياق: "أن يجعل توليهم بغتة .... مستدعيا بكاءه".
(1/245)

ثم جَعلنا بمجموعِهِما شرْطاً1، ومثالُ ذلك قولُه تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 112]، الشرطُ كما لا يخفَى في مجموعِ الجملتين لا في كلِّ واحدةٍ منهما على الانفراد، ولا في واحدةٍ دونَ الأخرى، لأنَّا إنْ قلنا إنه في كل واحدة منهما على الانفرادِ، جعلناهُما شَرْطين، وإذا جعلناهُما شرطينِ اقتضَتا جَزَاءَيْن، وليس منه إشراكُ ما ليس بشرطٍ في الجزم بالشرط، وذلك ما لا يخفى فسَادُه.
ثم إنا نعلم من طريق المعنى أن الجزء الذي هو احتمالُ البهتانِ والإِثمِ المبينِ، أمرٌ يتعلَّقُ إيجابُه لمجموعِ ما حصلَ منَ الجملتين، فليس هو لاكتساب الخطيئةِ على الانفرادِ، ولا لرمي البرئ بالخَطيئةِ أو الإِثم على الإِطلاق، بل لِرمْي الإنسان البرئ بخطيئةٍ أو إثمٍ كانَ مِنَ الرامي، وكذلك الحكْمُ أبداً. فقولُه تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100] لم يُعلَّقِ الحكْمُ فيه بالهجرةِ على الانفراد، بل بها مَقْروناً إليها أنْ يُدرِكَهُ الموتُ عليها.
283 - واعلمْ أنَّ سبيلَ الجُملتين في هذا، وجعْلَهما بمجموعهما بمنزلةِ الجملةِ الواحدةِ، سبيلُ الجزءينِ تُعْقَدُ منهما الجملةُ، ثم يُجْعَلُ المجموعَ خبراً أو صفةً أو حالاً، كقولك: "زيد قام غلامه" و "يزيد أبوه كريم" و "مررت برجل أبوه كريم" و "جاءني زيدٌ يَعدو به فرسُه". فكما يكونُ الخبرُ والصفةُ والحالُ لا محالةَ في مجموعِ الجزْءَيْنِ لا في أحَدهما، كذلك يكونُ الشرْطُ في
__________
1 في المطبوعة وحدها: "ثم جعلنا مجموعهما ... "، وهو خطأ.
2 في المطبوعة: "وإن قلنا إن في واحدة".
(1/246)

مجموعِ الجملتين لا في إحداهُما، وإِذا علمتَ ذلك في الشرطِ، فاحْتذِه في العطفِ، فإِنكَ تجدُه مثلَه سواءً.
284 - ومما لا يكونُ العطْفُ فيه إلا على هذا الحَدِّ قولُه تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص: 44، 45]، لو جرَيْتَ على الظاهرِ فجعَلْتَ كلَّ جملةٍ معطوفةً على ما يَليها، منعَ منه المعنى. وذلك أنه يلزَمُ منهُ أن يكونَ قولُه: {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ}، وذلك ما لا يَخْفى فسادُه.
وإِذا كانَ كذلك، بانَ منه أنه ينبغي أن يكون قد عُطِفَ مجموعُ "وما كنتَ ثاوياً في أهل مدين" إلى "مرسلين"، على مجموعِ قولهِ: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} إلى قوله "العُمُر".
285 - فإِن قلت: فهَلاَّ قدَّرْتَ أن يكونَ: {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} معطوفاً على: {وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ}، دونَ أن تزعمَ أنه معطوفٌ عليه مضموماً إليه ما بعدَهُ إلى قولهِ: "العمرُ"؟
قيل: لأنَّا إنْ قدَّرْنا ذلك، وجبَ أن يُنوى به التقديمُ على قوله: {وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا} وأن يكونَ الترتيبُ "وما كنتَ بجانبِ الغربيِّ إذا قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين، وما كنتَ ثاوياً في أهل مَدْيَنَ تتلوا عليهم آياتنا
(1/247)

ولكنا أنشأْنا قروناً فتطاولَ عليهم العمرُ ولكنَّا كنا مُرسِلين" وفي ذلك إزالةُ "لكنَّ" عن موضِعِها الذي ينبغي أن تكونَ فيه. ذاك لأنَّ سبيلَ "لكنَّ" سبيلُ "إلاَّ"، فكَما لا يجوز أن تقولَ: "جاءني القومُ وخرَجَ أصحابُكَ إلا زيدًا وإلا عمرصا" يجعل "إلا زيدًا" استثناء من جانءي القوم" و "إلا عمراً" من "خرج أصحابُك"، كذلك لا يجوز أن تصنعَ مثلَ ذلك "بلكن" فتقول: "ما جاءني زيدٌ، وما خرجَ عمرُو ولكنَّ بكراً حاضرٌ، ولكنَّ أخاكَ خارجٌ"، فإِذا لم يَجُزْ ذلك، وكان تقديُركَ الذي زعمتَ يؤدِّي إليه، وجَبَ أن تَحْكُم بامتناعه. فاعرفْه.
هذا، وإنما تَجوزُ نيَّةُ التأخيرِ في شيءٍ معناه يَقْتضي لهُ ذلكَ التأخيرَ، مثلَ أَنَّ كونَ الاسم مفعولاً، يَقتضي له أنْ يكونَ بعْدَ الفاعلِ، فإِذا قُدِّمَ على الفاعل نُويَ به التأخَيرُ، ومعنى "لكنَّ" في الآية، يقتضي أنْ تكونَ في مَوضِعها الذي هيَ فيه، فكيفَ يجوزُ أن يُنْوى بها التأخيرُ عَنْه إلى موضِعٍ آخرَ؟
(1/248)

باب اللفظ والنظم:
هذه فصول شتى في أمر "اللفظ" و "النظم" فيها فضل شحذ للبصيرة، وزيادة كشف عما فيها من السريرة
فصل:
غلط منكر في شأن البلاغة، والرد عليه:
286 - وغلَطُ الناسِ في هذا البابِ كثيرٌ. فمِنْ ذلك أَنك تَجدُ كثيراً ممَّن يتكلَّمُ في شأن البلاغة، إذا ذكَر أنَّ للعربِ الفضلَ والمزيةَ في حسْنِ النظمِ والتأليفِ، وأنَّ لها في ذلك شأْواً لا يبلُغُه الدخلاءُ في كلامِهم والمولَّدونَ، جعَلَ يُعلِّل ذلك بأنْ يقولَ: "لا غرْوَ، فإنَّ اللغَةَ لها بالطَّبعِ ولنا بالتكلف، ولن يبلغ الدخيل في اللغات والأنسة مبْلَغَ مَنْ نشأَ عليها، وبُدئ مِن أولِ خَلْقهِ بها"، وأشباهِ هذا مما يُوهِمُ أنَّ المزيَّةَ أَتتْها من جانبِ العِلْم باللغة. وهو خَطأٌ عظيمٌ وغلَطٌ منْكَرٌ يُفْضِي بقائله إلى رفْع الإعجازِ مِنْ حيثُ لا يَعْلَم1. وذَلكَ أنه لا يَثْبتُ إعجازٌ حتى تَثْبُتَ مَزايا تَفُوقُ علومَ البشرِ، وتَقْصُرُ قِوى نَظَرِهم عنها، ومعلومات ليس في متن أفكارهم وخواطرهم أن تقضي بهم إليا، وأنْ تُطْلِعهَم عليها، وذلك محالٌ فيما كان علْماً باللغة، لأنَّه يؤدِّي إلى أن يحدُثَ في دلائلِ اللغةِ ما لم يتواضَعْ عليه أهلُ اللغةِ. وذلك ما لا يَخْفى امتناعُه على عاقلٍ.
287 - واعلمْ أَنَّا لم نُوجِبْ المزيَّةَ من أجلِ العِلْم بأنفُسِ الفروقِ والوجوهِ فتستند إلى اللغة، ولكنَّا أوجبْناها للعلم بمواضِعها، وما ينبغي أن يصنع فيها،
__________
1 في "س": "دفع الإعجاز"، وهي جيدة جدًا، بمعنى: إنكار الإعجاز، كما سيأتي في رقم: 299.
(1/249)

فليس الفضْلُ للعلم بأنَّ "الواو" للجمع، و"الفاء" للتعقيب بغير تَراخٍ، و"ثم" له بشرطِ التَراخي، و"إنْ" لكذا و"إذا" لكذا، ولكنْ لأَنْ يتأتَّى لكَ إِذا نظَمْتَ شعراً وألَّفْتَ رسالةً أنْ تُحْسِنَ التخيُّرَ، وأن تَعْرِفَ لكلٍّ مِنْ ذلك مَوضِعَه.
288 - وأمرٌ آخرُ إذا تأمَّله الإِنسان1 أَنِفَ من حِكايةِ هذا القولِ، فضْلاً عن اعتقادِه، وهو أنَّ المزيَّةَ لو كانت تَجبُ من أجْلِ اللغةِ والعِلْم بأوضاعِها وما أرادَهُ الواضعُ فيها، لكانَ يَنَبْغي أنْ لا تَجِبَ إلا بِمْثل الفرْقِ بين "الفاء" و "ثم" و "إنْ" و "إذا" وما أشبَهَ ذلك، مما يعبِّرُ عنه وضعٌ لغوي، فكانت لا تَجِبُ بالفصْل وتَرْك العْطفِ، وبالحذْفِ والتكرارِ، والتقديمِ والتأخيرِ، وسائرِ ما هو هيئةٌ يُحْدِثُها لك التأليفُ، ويَقْتضيها الغَرضُ الذي تَؤُم، والمعنى الذي تَقْصِد، وكانَ ينبغي أن لا تَجب المزيةُ بما يَبْتدِئه الشاعرُ والخطيبُ في كلامِهِ منِ استعارةِ اللفظ لشيءِ لم يُسْتَعَر له، وأنْ لا تكونَ الفضيلةُ إلاَّ في استعارةٍ قد تُعورِفَتْ في كلامِ العربِ. وكفى بذلك جَهْلاً.
289 - ولم يكنْ هذا الاشتباهُ وهذا الغَلطُ إلاَّ لأنَّه ليس في جُملة الخفايا والمُشْكِلات أغربُ مَذْهباً في الغموض، ولا أَعْجَبُ شأناً، من هذه التي نحنُ بصَدَدِها، ولا أَكثرُ تفلُّتاًَ منَ الفَهْم وانْسلالاً منها وإنَّ الذي قاله العلماءُ والبلغاءُ في صفتِها والإِخبارِ عنها، رموزٌ لا يَفْهمُها إلاَّ مَنْ هُوَ في مثْلِ حالِهمْ مِنْ لُطْفِ الطَّبْع، ومَنْ هو مُهَيَّأٌ لِفَهْم تلكَ الإشاراتِ، حتى كأنَّ تلكَ الطباعَ اللطيفةَ وتلكَ القرائحَ والأذهانَ، قد تواضعَتْ فيما بينها على ما سَبيلُه سبيلُ الترجمةِ يِتَواطأُ عليها قومٌ فلا تَعْدُوْهم، ولا يعرفها من ليس منهم.
__________
1 في المطبوعة وحدها: "إنان" بلا تعريف.
(1/250)

كلام الجاحظ في شأن إعجاز القرآن:
290 - وليتَ شِعْري مِنْ أينَ لِمَنْ لَمْ يتْعَبْ في هذا الشأن، ولم يمارسْه، ولم يوفرْ عنايَتَه، عليه، أنْ يَنْظُرَ إلى قولِ الجاحظِ وهو يذكر عجاز القرآن:
"وَلو أَنَّ رجلاً قرأَ على رَجُلٍ منْ خُطبائهم وبُلَغائهم سورةً قصيرةً أو طويلةً، لَتبيَّنَ له في نظامِها ومَخْرجها منْ لفظِها وطابعها، أنه عاجز من مِثْلها، ولو تَحدَّى بها أبلَغَ العربِ لأَظْهَر عجْزَه عنها"1.
وقولِه وهو يَذكُر رواةَ الأَخبار:
"ورأيتَ عامتَهم، فقد طالَتْ مُشاهَدتي لَهُم وهُم لا يَقفونَ إلاَّ على الألفاظِ المتخيَّرةِ، والمعاني المنتخَبة، والمخَارِج السهلةِ، والديباجةِ الكريمةِ، وعلى الطبعِ المتمكِّن، وعلى السَّبْك الجيِّد، وعلى كلِّ كلامٍ له ماء ورونق".
وقوله في بت الحطيئة:
متَى تَأَتِهِ تَعْشُو إِلى ضَوْءِ نارِهِ ... تَجدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ مَوْقِدِ
"وما كانَ ينبغي أن يُمدَح بهذا البيتِ إلاَّ مَنْ هُوَ خيرُ أهلِ الأرضِ، على أَني لم أُعْجَب بمعناه أكثرَ من عَجَبي بلفظهِ، وطَبْعه، ونَحْته، وسَبْكه، فيَفْهَمُ منه شيئاً أو يقفُ للطابَع والنظامِ والنحْتِ والسَّبْكِ والمَخَارجِ السَّهْلةِ، على معنى، أو يَحْلى منه بشيءٍ، وكَيْفَ بأنْ يَعْرفه؟ ولربَّما خفيَ على كثيرٍ من أَهْله".
291 - واعلمْ أن الداءَ الدَّويَّ، والذي أعيا أمرُهُ في هذا الباب، غَلطُ منْ قدَّمَ الشعرَ بمعناه، وأقلَّ الاحتفالَ باللفظِ، وجعَلَ لا يُعطيهِ من المزية إن هو
__________
1 هو في كتابه "حجج النبوة"، انظر رسائل الجاحظ 3: 229، وفيها: "وفي لفظه وطبعه".
(1/251)

أَعطى إلاَّ ما فَضَل عن المعنى يقولُ: "ما في اللفظِ لولا المعنى؟ وهلِ الكلامُ إلا بمعناه؟ ". فأنتَ تراهُ لا يُقدِّم شعراً حتى يكونَ قد أَوْدَعَ حكمةً وأَدباً، واشتملَ على تشبيهٍ غريبٍ ومعنى نادرٍ، فإنْ مالَ إلى اللفظِ شيئاً، ورأى أنْ ينحلَه بعضَ الفضيلةِ، لم يَعِرفْ غيرَ "الاستعارةِ"، ثم لا يَنْظُر في حالِ تلك "الاستعارةِ" أَحَسُنَتْ بمجرَّدِ كونِها استعارةً، أَمْ مِن أجْل فَرْقٍ ووَجْهٍ أم للأمرَيْن؟ لا يحفلُ بهذا وشبههِ، قد قَنَعَ بظواهرِ الأمورِ، وبالجُمَل، وبأنْ يكونَ كَمَنْ يَجْلُبُ المتاعَ للبيعِ، إِنما همُّه أن يروِّجَ عنه. يرى أنَّه إِذا تكلمَ في الأخذ والسرقةِ، وأحْسَنَ أن يقولَ: "أخذَهُ من فلانٍ، وألمَّ فيه بقولِ كذا"، فقدِ استكمل الفضْلَ، وبلغَ أقصى ما يرادُ.
292 - واعلمْ أنَّا وإنْ كنَّا إذا اتَّبَعْنا العُرفَ والعادةَ وما يَهْجسُ في الضَّميرِ وما عليه العامَّةُ، أرَانا ذلكَ أنَّ الصوابَ معهم، وأنَّ التعويلَ ينبغي أن يكونَ على المعنى. وأنَّه الذي لا يَسوغُ القولَ بخلافِه1 فإنَّ الأمرَ بالضدِّ إذا جئْنا إلى الحقائقِ، وإلى ما عليه المحصِّلون، لأنَّا لا نَرى متقدِّماً في علمِ البلاغةِ، مبرِّزاً في شأوِها، إلاَّ وهو يُنْكِرُ هذا الرأيَ وَيعيبُه، ويُزْري على القائل به ويغض منه.
معرفة الشعر وتمييزه، والأخبار في ذلك:
293 - ومن ذلك ما رُويَ عن البحتَريِّ. رُويَ أنَّ عبيد الله بن عبد الله ابن طاهرٍ سألَه عن مُسْلم وأبي نُوَاس: أيُّهما أشعرُ؟ فقال: أبو نُوَاس. فقالَ: إنَّ أبا العباسِ ثَعْلباً لا يوافقُك على هذا. فقال: ليس هذا من شأن ثعلب
__________
1 السباق: "واعلمْ أنَّا وإنْ كنَّا إذا اتَّبَعْنا العُرفَ .... أرانا ذلك أن الصواب معهم .... فإنَّ الأمرَ بالضدِّ إذا جئْنا إلى الحقائقِ".
(1/252)

وذويهِ، مِن المُتعاطينَ لعلْمِ الشعرِ دُون عَمله، إنما يعلُم ذلك من دُفع في مَسْلك طريقِ الشعرِ إلى مُضَايِقه وانتهى إلى ضَروراته1.
294 - وعن بعضِهم أنه قال: رآني البحتري ومعي دفترُ شعرٍ فقال: ما هذا؟ فقلتُ: شعرَ الشَّنفرى. فقال: وإلى أينَ تَمْضي؟ فقلتُ: إلى أبي العباس أقرؤه عليه. فقال: قد رأيتُ أَبا عبَّاسِكم هذا منذُ أيامٍ عندَ ابنِ ثَوَابة فما رأيتُه ناقداً للشعرِ ولا مُميزاً للألفاظِ، ورأيتُه يَستجيد شيئاً ويُنشِدُه، وما هو بأَفضَلِ الشعر. فقلتُ له: أمَّا نَقْدُه وتَمييزُه فهذه صناعةٌ أُخرى، ولكنَّه أعرفُ الناس بإِعرابهِ وغَريبهِ، فما كان يُنْشِدُ؟ قالَ قولَ الحارثِ بنِ وَعْلَة:
قَومي هُمُ قَتلُوا أُمَيمَ أَخي ... فإِذا رَمَيْتُ يُصِيبني سَهْمي
فلِئنْ عفَوْتُ لأَعْفُوَنْ جَلَلاً ... ولئنْ سَطَوْتُ لأُوهِنَنْ عَظْمي2
فقلتُ: واللهِ ما أَنْشَد إلاَّ أحْسَن شعرٍ في أحسنِ معنًى ولفظٍ. وقال: أَين الشعرُ الذي فيهِ عُروقُ الذهبِ؟ فقلتُ: مثْلُ ماذا؟ فقالَ: مثلُ قولِ أبي ذؤَاب:
إن يَقْتُلوكَ فقَدْ ثَلَلْتَ عُروشَهُمْ ... بِعُتَيْبَةَ بنِ الحارثِ بِنِ شِهاب
بأَشَدِّهم كَلَباً عَلَى أَعْدائِهِ ... وأعزهم فقدًا على الأصحاب3
__________
1 ستأتي في الفقرة رقم: 314.
2 الشعر للحارث بن وعلة الذهلي، شرح الحماسة للتبريزي 1: 107، والمؤتلف والمختلف للآمي: 197، و "أميم"، متأذى "يا أميم"، مرخم، و "أوهنن"، من الوهن، وهو الضعف.
و"جللًا"، أي صفحت عن أمر جليل عظيم.
3 الشعر لأبي ذؤاب ربيعة بن عبيد الأسدي، في المؤتلف والمختلف للآمدي: 126، والأمالي: 2: 72، والسمط: 706، وفي روايته اختلاف. وكان في المطبوعة وحدها "على أعدائهم".
(1/253)

295 - وفي مثل هذا قال الشاعر:
زَوامِلُ للأشعارِ لا عِلْمَ عندهُمْ ... بجيِّدها إلاَّ كَعِلْم الأَباعِرِ
لعمرُكَ ما يَدْرِي البعَيرُ إذا غَدَا ... بأَوْسَاقِه أَوْ راحَ ما في الغرائرِ1
وقال الآخر:
يا أبا جعفر تَحَكَّمُ في الشعْـ ... ـرِ ومَا فيكَ ألةُ الحُكَّامِ
إنَّ نَقْدَ الدينارِ إلاَّ على الصَّيْـ ... ـرَف صَعْبٌ فكَيْفَ نَقْدُ الكَلامِ
قَدْ رأيناكَ لسْتَ تَفْرُق في الأشْـ ... ـعارِ بَيْنَ الأَرْواحِ والأَجْسَامِ
296 - واعلْمْ أَنَّهم لم يَعيبوا تقديمَ الكلام بمعناه من حيثُ جَهِلوا أنَّ المعنى إذا كان أدباً وحكْمةً وكان غَريباً نادراً، فَهو أَشَرَفُ مما ليس كذلكَ بل عابوه مِن حيثُ كان مِنْ حُكْمِ مَنْ قَضى في جنسٍ من الأجناسِ بفضلٍ أو نقصٍ، أنْ لا يَعْتبرَ في قَضِيَّتِهِ تلك إلى الأوصافَ التي تَخصُّ ذلك الجنسَ وتَرْجعُ إلى حقيقته، وأن لا ينظر يها إلى جنس آخر، وإن كان من الأولى بسبيلٍ، أو متصلاً به اتصالَ ما لا ينفك منه.
سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة:
297 - ومعلومٌ أنَّ سبيلَ الكلامِ سبيلُ التصويرِ والصياغةِ، وأنَّ سبيلَ المعنى الذي يُعَبَّرُ عنه سبيلُ الشيءِ الذي يقعُ التصويرُ والصَّوْغُ فيه، كالفضةِ والذهبِ يُصاغ منهما خاتَمٌ أو سوارٌ. فكما أنَّ مُحالاً إِذا أنتَ أردْتَ النظرَ في
__________
1 الشعر لمروان من أبي حفصة. و "الزوامل" جمع "زاملة"، وهو البعير يحمل عليه الرجل زاده ومناعه. و "الأوساق"، جمع "وسق"، الحمل. و "الغرائر" جمع "غرارة"، وهي الحوالق، الكامل للمبرد 2: 90، اللسان "زمل".
(1/254)

صَوْغَ الخاتَم، وفي جودةِ العملُ ورداءتهِ، أن تنظر إلى الفضةِ الحاملةِ تلك الصورةِ، أو الذهبِ الذي وقع فيه ذلك العملُ وتلكَ الصنعةُ1 2 كذلك مُحالٌ إِذا أردتَ أن تَعرف مكانَ الفضلِ والمزيةِ في الكلامِ، أن تَنظُرَ في مجرَّد معناهُ وكما أنَّا لو فضَّلْنا خاتَماً على خاتمٍ، بأنْ تكونَ فضة هذه أجودَ، أو فَصُّه أنفسَ، لم يكنْ ذلك تفضيلاً له من حيثُ هو خاتمَ كذلك ينبغي إذا فضَّلنا بيتاً على بيتٍ من أجلِ معناه، أن لا يكون ذلك تَفضيلاً له مِنْ حيثُ هو شِعرٌ وكلامِ. وهذا قاطع، فاعرفه.
مقالة الجاحظ في أن المعاني مطروحة في الطريق، وبيان ذلك:
298 - واعلمْ أَنك لستَ تنظرُ في كتابٍ صُنِّفَ في شأنِ البلاغةِ، وكلامٍ جاءَ عن القدماءِ، إلاَّ وجدْتَه يَدلُّ على فسادِ هذا المذهبِ، ورأيتَهُمْ يَتشدَّدُون في إنكارِه وَعْيبه والعَيْبِ به.
وإِذا نظرتَ في كتب الجاحظَ وجدتَه يبلغُ في ذلك كلَّ مَبلغٍ، ويتشدَّد غايةَ التشدُّد، وقد انتهى في ذلك إلى أنْ جعلَ العِلْم بالمعاني مشتركاً، وسوَّى فيه بينَ الخاصَّة والعامَّة فقالَ: "ورأيتُ ناساً يُبَهرِجونَ أشعارَ المولَّدينَ، ويَستَسْقطون مَنْ رَواها، ولم أرَ ذلكَ قطُّ إلاَّ في روايةِ غيرِ بَصيرٍ بجوهَر ما يُرْوَى، ولو كان له بَصرٌ لَعَرف موضِعَ الجيِّد ممَّن كانَ، وفي أيِّ زمانٍ كان. وأنا سمعتُ أبا عمرِو الشيبانيَّ، وقدْ بلغَ مِنِ استجادته لهذين البيتينِ ونحنُ في المسجد الجامعِ يومَ الجمعةِ، أن كلَّفَ رجلاً حتَّى أَحضرَهُ قِرطاساً ودواةً حتى كتَبَهما. قال الجاحظُ: وأنا أَزعمُ أنَّ صاحبَ هذين البيتين لا يقولُ شعراً أبدًا، ولولا أن
__________
1 "ذلك" ساقطة من المطبوعة.
2 السياق: "فكما أن محالًا ...... كذلك محال".
(1/255)

أَدخَلَ في الحكومةِ بعضَ الغَيْبِ1، لزعمتُ أنَّ ابنَه لا يقولُ الشعر أيضاً، وهما قولُه:
لا تحسبنَّ الموتَ موْتَ البِلَى ... وإنَّما الموتُ سؤالُ الرجالْ
كِلاَهُما موتٌ، ولكنَّ ذَا ... أَشَدُّ مِنْ ذاكَ عَلى كُلِّ حالْ
ثم قال: "وذهبَ الشيخُ إلى استحسانِ المعاني، والمعاني مطروحةٌ في الطريقِ يَعْرفُها العجميُّ والعربيُّ، والقرويُّ والبدويُّ، وإنما الشأنُ في إقامةِ الوزنِ وتَخيّر اللفظِ، وسهولَة المَخْرج، وصحَّةِ الطَّبْعِ، وكَثْرةِ الماءِ، وجودةِ السَّبْك، وإنما الشِّعرُ صياغةٌ وضربٌ من التصوير"2.
فقد تَراهُ كيفَ أَسْقَطَ أمرَ المعاني، وأبَى أن يجب لها فضل فقال: "هي مطروحةٌ في الطريقِ"، ثمَّ قال: "وأنا أزعمُ أن [ابن] صاحبَ هذين البيتين لا يقولُ شعراً أبداً" فأعْلَمَكَ أنَّ فَضْلَ الشعرِ بلفظِه لا بمعناهُ، وأنه إذا عَدِمَ الحُسْنَ في لفظِه ونَظْمه، لم يستحقَّ هذا الاسمَ بالحقيقة. وأعادَ طَرَفاً منْ هذا الحديثِ في "البيان" فقال:
"ولقد رأيتُ أبا عمرو الشيباني يكتبُ أشعاراً منْ أفواهِ جلسائهِ ليُدخِلَها في بابِ التحفُّظ والتذكُّر3، وربَّما خيِّل إليَّ أنَّ أبناءَ أولئكَ الشعراءِ لا يستطيعونَ أبداً أن يقولوا شعراً جيداً، لمكان أعراقهم من أولئك
__________
1 "بعض الغيب"، أي أن يقول رجمًا بالغيب، وفي الحيوان: "بعض الفتك"، وفي "س"، "بعض العيب"، وأولاها ما أثبت.
2 هذا الفصل كله في كتاب الحيوان 3: 130 - 132، وفيه: "فإنما الشعرصياغة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير"، والشعر فيه، وفي البيان والتبيين 2: 171.
3 في المطبوعة والبيان: "يكتب".
(1/256)

الآباءِ" ثم قال: "ولولا أنْ أكونَ عيَّاباً، ثُمَّ للعلماء خاصة، لصورتُ لكَ بعضَ ما سمعتُ من أبي عبيدَة، ومَن هو أبعدُ في وهْمك من أبي عبيدة"1.
299 - واعلمْ أَنهم لم يَبْلغوا في إِنكارِ هذا المذهبِ ما بلَغوه إلاَّ لأنَّ الخطأَ فيه عظيمٌ، وأنه يُفْضي بصاحبه إِلى أنْ يُنْكِر الإعجازَ ويُبْطِلَ التحدِّي من حيثُ لا يَشعر. وذلك أنه إنْ كان العملُ على ما يَذهبون إليه، من أنْ لا يَجِبَ فضلٌ ومزيةٌ إلاَّ من جانِبِ المعنى، وحتى يكونَ قد قالَ حكمةً أو أدباً، واستخرجَ معنًى غريباً أو تشبيهاً نادراً2، فقد وَجَب اطِّراحُ جميعِ ما قالَه الناسُ في الفصاحةِ والبلاغةِ، وفي شأنِ النظمِ والتأليفِ، وبَطَلَ أنْ يجِبَ بالنظم فضْلٌ، وأنْ تَدْخُلَه المزيةُ، وأن تتفاوتَ فيه المنازلُ. وإِذا بطَلَ ذلك، فقد بطَل أنْ يكَون في الكلامِ مُعْجِزٌ، وصارَ الأمرُ إلى ما يقولُه اليهودُ ومَنْ قالَ بمثْلِ مقَالِهم في هذا البابِ، ودخلَ في مثلِ تلك الجَهالات، ونَعُوذ بالله من العمى بعد الإبصار.
__________
1 هذا الفصل في كتاب البيان والتبيين 4: 24.
2 في المطبوعة وحدها: "أو شبيهًا نادرًا".
(1/257)

باب اللفظ والنظم: فصل منه
فصل: إرادة معنى بعبارتين، ما معناه:
300 - لا يكونُ لإِحدى العبارتين مزيةٌ عَلَى الأُخرى، حتى يكونَ لها في المعنى تأثيرٌ لا يكونُ لصاحبتها.
فإِنْ قلتَ: فإِذا أفادتْ هذه ما لا تُفيدُ تلكَ، فليسَتا عبارتَيْنِ عَنْ معنى واحدٍ، بل هما عبارتان عن معنَيَيْن اثنينِ.
قيل لكَ: إنَّ قولَنا "المعنى" في مثل هذا، يُرادُ به الغرضُ، والذي أرادَ المتكلمُ أن يُثْبته أو يَنْفِيَه، نَحْو إنْ تَقْصد تشبيهَ الرجلِ بالأسد فتقولَ "زيدٌ كالأسد"، ثم تريدُ هذا المعنى بعينهِ فتقولُ: "كأن زيداً الأسدُ"، فتُفيدُ تشبيهَهُ أيضاً بالأَسد، إلاَّ أنك تَزيدُ في معنى تشبيهِهِ به زيادةً لم تَكُنْ في الأولِ، وهي أنْ تَجعله من فَرْط شَجاعته وقوةِ قَلْبه، وأنه لا يَرُوعُه شيءٌ، بحيث لا يتَميَّزُ عن الأسدِ، ولا يُقَصِّر عنه، حتى يتوَّهم أنه أسدٌ في صورة آدميٍّ.
وإِذا كان هذا كذلك، فانظرْ هل كانت هذه الزيادةُ وهذا الفرقُ إلاَّ بما تُوَخِّيَ في نظمِ اللفظِ وترتيبهِ، حيثَ قُدِّم "الكافُ" إِلى صدرِ الكلامِ ورُكِّبتْ مع "أنَّ"؟ وإِذا لم يكنْ إِلى الشكِّ سبيلٌ أنَّ ذلكَ كانَ بالنظم، فاجعلْه العِبْرَة في الكلام كله، ورضى نَفْسَك على تفهُّم ذلكَ وتَتبُّعه، واجعلْ فيها أنك تزاولُ منه أمْراً عظيماً لاَ يُقادَرُ قَدْرُه، وتَدخُلُ في بحرٍ عميقٍ لا يُدْرَك قعرُه.
(1/258)

فصل: هو فَنٌّ آخره يرجع إلى هذا الكلام
تفصيل آخر، في العبارتين ترى أنهما يؤديان غرضا واحدا:
301 - قد عُلِمَ أنَّ المُعارِضَ للكلام معارِضٌ له من الجهة التي منها ويوصف بأنه فَصيحٌ وبَليغٌ، ومتخيَّر اللفظُ جيدُ السبْكِ، ونحوُ ذلك من الأوصافِ التي نَسَبُوها إلى اللفظِ. وإذا كان هذا هكذا، فبِنا أنْ نَنْظرَ فيما إِذا أُتيَ به كان مُعارضاً ما هوَ؟ أهو أنْ يجيءَ بلفظٍ فيضعَه مكانَ لفظٍ آخرَ، نحوُ أنْ يقولَ بدلَ "أسدٍ" "ليثٌ"، وبدلَ "بَعُدَ" "نأى"، ومكانَ "قرُبَ" "دنا"، أمْ ذلك ما لا يذهبُ إليه عاقلٌ ولا يقولُه مَنْ به طَرْقٌ؟ 1 كيفَ؟ ولَوْ كان ذلك معارَضةً لكان الناسُ لا يَفصلِون بين الترجمةِ والمعارَضَة، ولكان كلُّ مَنْ فَسَّرَ كلاماً معارِضاً له. وإِذا بطَل أن يكونَ جهةً للمعارَضَة، وأن يكونَ الواضِعُ نفسُه في هذِه المنزلةِ معارِضاً على وجهٍ منَ الوجوهِ، علمتَ أنَّ الفصاحةَ والبلاغةَ وسائرَ ما يَجري في طريقِهما أوصافٌ راجعةٌ إلى المعاني، وإلى ما يُدَلُّ عليه بالألفاظِ، دونَ الألفاظِ أنفُسِها، لأنه إذا لم يكنْ في القسمةِ إِلا المعاني والألفاظُ، وكانَ لا يُعْقَل تعارضٌ في الألفاظِ المجرَّدة2، إِلا ما ذكرتُ، لم يَبْقَ إلا أنْ تكونَ المعارضةُ معارضةً من جهةٍ تَرجعُ إِلى معاني الكلام المعقولةِ، دون ألفاظِه المسموعَةِ. وإِذا عادتِ المعارضةُ إِلى جهةِ المعنى، وكانَ الكلامُ يعارَض من حيثُ هو فَصيحٌ وبليغٌ ومُتخيَّرُ اللفظِ، حصَلَ من ذلك "الفصاحة" و"البلاغة" و"تخير اللفظ" عبارة عن خصائص ووجوه تكون
__________
1 "طرق"، بكسر الطاء، قوة، وأصله السمن والشحم.
2 في "س": "معارض"، وفي هامشها "تعارض"، نسخة أخرى.
(1/259)

معاني الكلامِ عليها، وعن زياداتٍ تَحْدثُ في أصولِ المعاني، كالذي أريتُكَ فيما بينَ "زيدٌ كالأسد" و "كأنَّ زيداً الأسدُ"، وبأنْ لا نَصيبَ للألفاظِ من حيثُ هي ألفاظٌ فيها بوجهٍ من الوُجوه.
302 - واعلمْ أنك لا تَشْفي الغُلَّة ولا تنْتهي إِلى ثلجِ اليقينِ، حتى تتجاوزَ حدَّ العلمِ بالشيء مجْملاً، إِلى العِلْم به مفصَّلاً، وحتَّى لا يُقْنِعَك إِلاّ النظرُ في زواياهُ، والتَّغلغلُ في مكامنه، وحتى تكون كمَنْ تتَبَّع الماءَ حتى عرَفَ منْبَعهَ، وانتهى في البحثِ عن جوهرِ العُود الذي يُصْنَع فيه إِلى أنْ يعْرِفَ منْبِتَه، ومَجرى عُروقِ الشجرِ، الذي هو منه، وإنَّا لنراهُم يقيسونَ الكلامَ في معنى المعارَضة على الأعمالِ الصناعيةِ، كنَسْج الديباجِ وصَوْغِ الشَّنْفِ والسِّوَار وأنواعِ ما يُصاغُ1، وكلِّ ما هو صَنْعةٌ وعملُ يَدٍِ، بعد أن يَبلُغَ مبلغاًً يقعُ التفاضُلُ فيه، ثم يَعظُم حتى يَزيدَ فيه الصانعُ على الصانِع زيادةً يكونُ له بها صيتٌ، ويدخُلُ في حدِّ ما يَعْجَزُ عنه الأكثرونَ.
وهذا القياسُ، وإِن كان قياساً ظاهِراً معلوماً، وكالشيءِ المركوزِ في الطباعِ، حتى ترَى العامَّةَ فيه كالخاصَّة فإنَّ فيه أمراً يجبُ العلمُ به: وهو أنه يُتصوَّر أنْ يَبْدأ هذا فيَعْمل ديباجاً ويُبْدِعَ في نقشِه وتصويره، فيجيءُ آخرُ ويَعْمل ديباجاً آخرَ مثْلَه في نقْشهِ وهيئتِه وجملةِ صفتِه، حتى لا يَفْصِلَ الرائي بينهما، ولا يقَعَ لمن لم يَعْرِفْ القصةَ ولم يَخْبُر الحالَ إلا أنهما صنعةُ رجلٍ واحدٍ، وخارجان من تحت يدٍ واحدةٍ. وهكذا الحكْم في سائرِ المصنوعاتِ، كالسِّوار يَصوغُه هذا، ويجيءُ ذاكَ فيعمل سوارًا مثله، ويؤدي صفته كما هي2، حتى لا يُغادِرَ منها شيئاً البتة.
__________
1 "الشنف"، القرط يلبس في أعلى الأذن، أو القرط عامة، والجمع "شنوف وأشناف".
2 في المطبوعة: "صنعته"، وعند رشيد رضا في نسخة أخرى كما هنا.
(1/260)

303 - وليس يُتَصوَّر مثلُ ذلك في الكلامِ، لأنه لا سبيلَ إِلى أن تجيء إلى معنى بيتٍ مِنَ الشعرٍ، أو فْصِلٍ منَ النثرِ، فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصفته بعبارةأخرى1، حتى يكونَ المفهومُ مِن هذهِ هو المفهومُ مِن تلكَ، لا يُخالِفُه في صِفَةٍ ولا وَجْهٍ ولا أمرٍ من الأُمور. ولا يَغُرَّنَّكَ قولُ الناسِ: "قد أتى بالمعنى بعينِه، وأخَذَ معنى كلامِهِ فأَدَّاهُ على وجههِ"، فإِنه تَسَامحٌ منهم، والمرادُ أنه أدَّى الغرَضَ، فأمَّا أن يؤدِّيَ المعنى بعينهِ على الوجْه الذي يكونُ عليه في كلامِ الأوَّلِ، حتى لا تَعْقِلَ ههنا إِلاّ ما عقَلْتَه هناك، وحتى يكونَ حالُهما في نفْسِك حالَ الصورَتَيْنِ المشتبهتَيْنِ في عينك كالسوارَيْن والشَّنْفَيْن، ففي غاية الإِحالةِ، وظنٌّ يُفضي بصاحبهِ إِلى جهالةٍ عظيمةٍ، وهي أنْ تكونَ الألفاظُ مختلفةَ المعاني إِذا فُرِّقتْ، ومتَّفِقَتهَا إِذا جُمِعَتْ وأُلِّفَ منها كلامٌ. وذلك أنْ ليسَ كلامُنا فيما يُفْهَمُ من لفظتينِ مفردَتْين نحوُ "قعد" و "جلس"، ولكنْ فيما فُهم من مجموعِ كلامٍ ومجموعِ كلامٍ آخرَ، نحوُ أنْ تنظر في قولِهِ تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، وقولِ الناسِ: "قتلُ البعضِ إحياءٌ للجميع"2، فإِنَّه وإنْ كان قد جرَتْ عادةُ الناسِ بأنْ يقولوا في مثل هذا: "إنهما عباراتان معبَّرُهما واحدٌ"، فليس هذا القولُ قولاً يمكنُ الأخذُ بظاهرِهِ، أوْ يَقَعُ لعاقلٍ شكٌّ أنْ لَيسَ المفهومُ مِن أحدِ الكلامَيْن المفهومَ من الآخر.
__________
1 في المطبوعة: "وصنعته"، وعند رشيد رضا في نسخة اخرى كما هنا.
2 انظر ما سيأتي رقم: 461.
(1/261)

فصل:
بيان في شأن الكناية والاستعارة والتمثيل:
304 - الكلامُ على ضَرْبين: ضربٌ أنتَ تَصِلُ منه إِلى الغَرضِ بدلالةِ اللفظِ وحدَه، وذلك إِذا قصَدْتَ أن تُخْبِر عن "زيدٍ" مثلاً بالخروجِ على الحقيقة، فقلتَ: "خرجَ زيدٌ"، وبالانطلاقِ عن "عمرو" فقلتَ: "عمروٌ منطلِقٌ"، وعلى هذا القياسِ. وضربٌ آخرُ أنتَ لا تصِلُ منه إِلى الغرضِ بدلالة اللفظِ وحدَه، ولكنْ يدلُّكَ اللفظُ على معناه الذي يَقْتضيه موضوعُهُ في اللغُّة، ثُمَّ تَجدُ لذلك المعنى دَلالةً ثانيةٌ تَصِلُ بها إلى الغَرَض. ومَدارُ هذا الأمر على "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل"، وقد مضتِ الأمثلةُ فيها مشروحة مُستقصاةً1. أوَ لا تَرى أنكَ إذا قلْتَ: "هو كثيرُ رمادِ القِدْر"، أو قلتَ: "طويلُ النجادِ"، أو قلتَ في المرأةِ: "نَؤُومُ الضحى"، فإنَّكَ في جميعِ ذلك لا تُفيدُ غرضَك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن نيدل اللفظُ على معناه الذي يُوجِبُهُ ظاهرهُ، ثم يَعْقِلُ السامعُ من ذلك المعنى، على سبيلِ الاستدلالِ، معنًى ثانياً هو غَرَضُك، كمعرفتِكَ مِنْ "كثيرِ رمادِ القدرِ" أنه مضيافٌ، ومن "طويلِ النِّجاد" أنه طويلُ القامة، ومن "نؤوم الضحى" في المرأة أنها مُتْرفَةٌ مخدومةٌ، لها مَنْ يَكفيها أَمْرَها.
وكذا إِذا قال: "رأيتُ أسداً"، ودلَّكَ الحالُ على أنه لم يُرِدِ السبعَ، علمتَ أنه أرادَ التشبيهَ، إِلا أنَّه بالغَ فجعلَ الذي رآه بحيث لا يتميِّزُ عن الأسد في شجاعته.
__________
1 انظر ما سلف من أول الفقرة: 57.
(1/262)

وكذلك تعلم من قولهِ: "بَلَغَني أنك تُقَدِّمُ رجلاً وتؤخر أَخرى"، أنَّه أراد التردُّدَ في أمرِ البَيْعة واختلافِ العَزْم في الفعلِ وتَرْكِه، على ما مضى الشرح فيه1.
بيان في شرح قوله: "المعنى"، و"معنى المعنى" وهو فصل جيد:
305 - وإذ قد عرفت هذه الجملة، فههنا عبارة مختصرة وهي أن تقول: "المعنى"، و "معنى المعنى"، تعني بالمعنى المفهومَ من ظاهرِ اللفظِ والذي تَصِلُ إليه بغير واسطة و"بمعنى المعنى"، أن تَعْقِل من اللفظِ معنًى، ثم يُفضي بكَ ذلكَ المعنى إِلى معنى آخرَ، كالذي فسَّرْتُ لك.
306 - وإذْ قد عرفتَ ذلك، فإِذا رأيتَهم يجعلونَ الألفاظَ زينةً للمعاني وحِلْيةً عليها أو يجعلونَ المعاني كالجواري، والألفاظَ كالمعارضِ لها2، وكالوشْيِ المحبَّر واللباس الفاخرِ والكُسْوة الرائقة، إِلى أشباهِ ذلك مما يُفخِّمون به أمرَ اللفظِ، ويجعلونَ المعنى يُنبل به ويشرُفُ3 فاعلمْ أنهم يضعون كلامًا قد أعطاكَ المتكلمُ أغراضَه فيهِ مِنْ طريقِ معنى المعنى4، فكنَّى وعرَّضَ، ومثَّل واستعارَ، ثم أحْسَنَ في ذلك كلِّه وأصابَ، ووضعَ كلَّ شيءٍ منه في موضعِهِ، وأصابَ به شاكلتَه، وعمَد فيما كنَّى به وشبَّهَ ومثَّلَ، لما حسُنَ مأخذُه، ودَقَّ مسلَكُه، ولطُفَتْ إشارتُه، وأن المِعْرَضَ وما في معناه، ليس في اللَفْظَ المنطوقَ به، ولكنْ معنى اللفظِ الذي دَلَلْتَ به على المعنى الثاني، كمعنى قولِه:
__________
1 انظر ما سلف من أول الفقرة: 57.
2 "المعارض" جمع "معرض"، بكسر الميم، وهو الثوب تعرض فيه الجارية وتجلي.
3 السياق: "فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ ... فاعلم".
4 في المطبوعة: "فاعلمْ أنهم يَضَعونَ كلاماً قد يُفخِّمون به أمر اللفظ، ويجعلون المعنى أعطاك المتكلم فيه أعراضه .... ". وليس هذا في "ج" ولا "س"، فأثبت ما فيهما، وهو الصواب.
(1/263)

.... ..... .......... ........ فإِنّي ... جبانُ الكَلْبِ مهزولُ الفصيلِ1
الذي هو دليلٌ على أنَّه مِضْيافٌ، فالمعاني الأُوَلُ المفهومةُ من أنْفُس الألفاظِ هي المَعارِضُ والوشْيُ والحَلْيُ وأشباهُ ذلكَ، والمعاني الثَّواني التي يُومَأُ إِليها بتلكَ المعاني، هي التي تُكْسَى تلك المعارضَ، وتزين بذلك الوشي والحلي2.
__________
1 بيت شعر، وسيأتي بتمامه في رقم: 364، وصدر:
وما يك في من عيب فإني
2 في هامش "ج" حاشية هي من كلام عبد القاهر، كما رجحت، هذا نصها:
"ههنا نكتة، وهي أن الوشي من الثياب يكون وشيًا كان على اللابس، أو كان قد خلع وترك ... دلوا بها على معان ثوان تكون وشيًا وحليًا ما دامت لباسًا لتلك المعاني، فإذا خلعت عنها ونظر إليها منزوعة منها، لم تكن وشيًا ولا حليًا. فلو قلت: "فصلان فلان [هزلي] "، وأنت لا تكنى بذلك عن نحره أمهاتها للضيافة، لم يكن من معنى الوشى والحلى في شيء. وكذلك يتغير الحال بأن تحول الشيء من ذلك عما كنوا به عنه، فلو جعلت قوله:
ولا ابتاع إلاقرينة الأجل
في صفة قصاب، لم يكن من الحسن الذي هو له الآن في شيء، فاعرفه".
يقول أبو فهر: مكان النقط مطموس في التصوير، وسيأتي البيت الذي أنشده بعد قليل، برقم: 311، وصدره:
لا أمتع لاعوذ بالفصال
وقوله آنفا: "فصلان فلان [هزلي] "، إشارة إلى البيت الذي سيأتي بعد قليل: "فإني جبان الكلب مهزول الفصيل".
(1/264)

307 - وكذلك إِذا جَعَلُوا المعنى يُتَصَوَّرُ من أجلِ اللفظِ بصورةٍ، ويبدو في هيئةٍ، ويتشكَّل بشكلٍ يُرجِع المعنى في ذلكَ كلِّه إِلى الدلالاتِ المعنوية، ولا يصلُح شيءٌ منه حيثُ الكلامُ على ظاهرهِ، وحيثُ لا يكون كناية ولا تمثل ولا استعارةٌ1، ولا استعانةٌ في الجملةِ بمعنىً على معنًى، وتكونُ الدلالةُ على الغَرض مِنْ مجرَّد اللفظِ، فلو أَنَّ قائلاً قال: "رأيتُ الأسَدَ"، وقال آخرُ: "لَقِيتُ الليثَ"، لم يَجُزْ أن يقال في الثاني انه صورالمعنى فيغير صورتِهِ الأُولى، ولا أنْ يُقال أبرزَهُ في معرضٍ سِوى معرضِه، ولا شيئاً من هذا الجنسِ.
وجملةُ الأمر أنَّ صُوَرَ المعاني لا تتغيَّر بِنَقْلها من لفظٍ إلى لفظٍ، حتى يكونَ هناك اتساعٌ ومجازٌ، وحتى لا يُرادَ منَ الألفاظِ ظواهرُ ما وُضِعَتْ له في اللغة، ولكنْ يُشارُ بمعانيها إِلى معانٍ أُخَرَ.
308 - واعلمْ أن هذا كذلكَ ما دامَ النظْمُ واحداً، فأمَّا إِذا تغيَّر النظْمُ فلا بدَّ حينئذٍ من أنْ يتغيَّر المعنى، على ما مضى منَ البيانِ في "مسائلِ التقديمِ والتأخيرِ"2، وعلى ما رأيت في المسئلة التي مضَت الآنَ3، أعني قولَك: "إنَّ زيداً كالأسد"، و "كأن زيداً الأسدُ"، ذاكَ لأَنَّه لم يتغيَّر من اللفظِ شيءٌ، وإِنَّما تغيَّرَ النظمُ فقط. وأما فتْحُكَ "أَنْ" عندَ تقديم الكاف وكانتْ مكسورةً فلا اعتدادَ بها، لأنَّ معنى الكَسْرِ باقٍ بحاله.
__________
1 في المطبوعة: "وحيثُ لا يكونُ كنايةٌ وتمثيلٌ به ولا استعارة"، وهو فاسد.
2 انظر ما سلف برقم: 98، وما بعده.
3 انظر ما سلف قريبًا رقم:
(1/265)

309 - واعلمْ أنَّ السببَ في أَنْ أَحالوا في أشباهِ هذِه المحاسنِ التي ذكرْتُها لكَ على اللفظِ، أنها ليستْ بأنفُس المعاني، بل هي زياداتٌ فيها وخصائصُ. ألا ترى أنْ ليستِ المزيةُ التي تجدُهَا لِقولك: "كأنَّ زيداً الأسدُ" على قولك: "زيد كالأسد"، لشيء خارجٍ عن التشبيه الذي هو أصْل المعنى1، وإِنما هو زيادةٌ فيه وفي حُكْم الخصوصيَّةِ في الشَّكْلِ، نحْو أن يُصاغَ خاتمٌ على وجهٍ، وآخرُ على وجهٍ آخرَ، تَجمعُهما صورةُ الخاتَمِ، ويفترقان بخاصَّةٍ وشيءٌ يُعْلَم، إلاَّ أنه لا يُعْلَم منفرداً.
ولمَّا كانَ الأمرُ كذلك، لَم يُمكِنْهم أنْ يُطلِقوا اسمَ المعاني على هذه الخصائص، إِذا كان لا يَفترِقُ الحالُ حينئذٍ بينَ أصْلِ المَعنى، وبين ما هو زيادةٌ في المعنى وكيفيةٌ له وخصوصيةٌ فيه، فلمَّا امتنعَ ذلكَ تَوصَّلوا إِلى الدَّلالة عليها بأنْ وَصفوا اللفْظَ في ذلك بأوصافٍ يُعْلمُ أنها لا تكونُ أوصافاً له من حيثُ هو لفظٌ، كنحْوِ وصْفِهم له بأنَّه لفظٌ شريفٌ، وأنه قد زانَ المعنى، وأنَّ له ديباجةً، وأنَّ عليه طُلاوة، وأنَّ المعنى منه في مثلِ الوشْي، وأنه عليه كالحَلْي، إِلى أشباهِ ذلك مما يُعْلَم ضرورةً أنه لا يُعنَى بمثلِه الصوتُ والحرفُ. ثمَّ إِنه لمَّا جرَت به العادةُ واستمرَّ عليه العُرفُ وصارَ الناسُ يقولون اللفظَ واللفظ لزم من ذلكَ بأنفُسِ أقوامٍ باباً منَ الفسادِ2، وخامَرهم منه شيء لست أحسن وصفه.
__________
1 في المطبوعة: "شيئًا خارجًا".
2 يقال: "لزه يلزه لزًا"، شده وألصقه وقرنه به، وأصله من "لزاز البيت"، وهو الخشبة التي يلز بها الباب. في "ج": "لز ذلك"، وفي المطبوعة: "لز ذلك .... بابًا"، وكلاهما خطأ والصواب في "س".
(1/266)

فصل: بيان في استعمال "اللفظ"، والمراد به دلالة المعنى على المعنى:
310 - ومِن الصفاتِ التي تجدهُم يُجْرُونها على "اللفظ"، ثمَّ لا تَعترضِكُ شُبهةٌ ولا يكونُ منكَ توقُّفٌ في أنها ليستْ له، ولكنْ لمعناه، قولُهم: "لا يكونُ الكلامُ يستحقُّ اسمَ البلاغةِ حتى يُسابِقَ معناهُ لفظَهُ، ولفظُه معناه، ولا يكونَ لفظُه أسبقَ إِلى سمعك من معناه إِلى قلبكَ" وقولُهم: "يدخلُ في الأُذن بلا إذْن"، فهذا مما لا يَشُكُّ العاقلُ في أنه يَرجِعُ إِلى دلالةِ المعنى على المعنى، وأنه لا يُتصوَّر أنْ يُرادَ به دلالةُ اللفظِ على معناه الذي وُضِع له في اللغةِ.
ذاك لأَنهُ لا يَخلو السامِعُ من أنْ يكونَ عالِماً باللغةِ وبمعاني الألفاظِ التي يَسمعُها، أو يكونَ جاهلاً بذلك. فإِن كانَ عالِماً لم يُتَصوَّرْ أنْ يَتفاوتَ حالُ الألفاظِ معه، فيكونَ معنى لفظٍ أسرعَ إِلى قلبِه من معنى لفظٍ آخرَ وإنْ كان جاهلاً كان ذلك في وصفهِ أبْعدَ.
وجملةُ الأمرِ أنَّه إِنما يُتصوَّر أن يكونَ لمعنى أسرعَ فهماً منه لِمعنىً آخرَ، إِذا كانَ ذلك مما يدرَكُ بالفكْر، وإِذا كان مما يتجدَّد له العلمُ به عند سَمْعِه للكلامِ. وذلك مُحالٌ في دلالاتِ الألفاظ اللغوية، لأن طريقَ معرفتها التوقيف، والتقديم بالتعريفِ.
311 - وإذا كان ذلك كذلك، عُلِمَ عِلْمَ الضرورةِ أنَّ مصْرِفَ ذلك إِلى دلالات المعاني على المعاني، وأنهم أرادوا أنَّ مِن شَرْط البلاغة أنيكون المعنى الأولُ الذي تجعلُه دليلاً على المعنى الثاني ووَسيطاً بينَكَ وبينَه، متمكِّناً في دلالتِه، مستقلاً بوسّاطَتهِ، يَسْفُرُ بينَكَ وبينَه أحْسَنَ سِفارة، ويُشيرُ لك إليهِ
(1/267)

أبْيَنَ إِشارةٍ، حتى يخيَّلَ إِليكَ أنَّك فهِمْتَه من حاقِّ اللفظِ، وذلك لقِلَّة الكُلفة فِيه عليكَ، وسرعةِ وصولهِ إِليكَ، فكانَ من "الكنايةِ" مثل قوله:
لا أُمتِعُ العُوذَ بالفِصَالِ، ولا ... أبتاعُ إِلاَّ قريبة الأجل1
ومن "الاستعارة" مثل قوله:
وصَدْرٍ أراحَ الليلُ عازِبَ هَمِّهِ ... تضاعَفَ فيه الحُزْنُ مِنْ كُلِّ جانِبِ2
ومن "التمثيلِ" مثلَ قوله:
لا أَذُودُ الطيرَ عَنْ شَجَرٍ ... قد بلَوْتُ المُرَّ مِنْ ثَمَرِهْ3
312 - وإِنْ أردتَ أنْ تعرِفَ ما حالُه بالضِّدِّ من هذا4، فكانَ منقوصَ القوَّة في تأديةِ ما أريدَ منه، لأَنَّهُ يعترِضُه ما يَمنعه أن يَقْضيَ حقَّ السِّفارةِ فيما بينكَ وبينَ معناكَ، ويُوضحَ تمامَ الإيضاحِ عن مَغْزاك، فانظرْ إِلى قولِ العباسِ بنِ الأحنف:
سأَطلبُ بُعْد الدارِ عنكُمْ لِتَقْربوا ... وتَسْكُبُ عينايَ الدموع لتجمدا5
__________
1 الشعر لإبراهيم بن هرمة في شعره "المجموع: 158. و "العوذ" جمع "عائذ"، وهي الناقة الحديثة النتاج، إذا ولدت من عشرة أيام إلى خمسة عشر يومًا، ثم هي "مطفل"، تعوذ بولد وتقيم معه، أو يعوذ بها ولدها ليرضعها. و "الفصال" جمع "فصيل"، وهو ولد الناقة، ويجمع على "فصلان" أيضًا، وسيأتي برقم: 365، ثم رقم: 369.
2 هو للنابغة الذبياني، في ديوانه.
3 هو لأبي نواس في دويانه.
4 في المطبوعة: "ما له بالضد".
5 في ديوانه.
(1/268)

بدأَ فدلَّ بسَكْبِ الدموعِ على ما يُوجِبه الفِرَاقُ منَ الحُزْن والكَمَد، فأحْسَنَ وأصابَ، لأنَّ مِن شأنِ البكاءِ أبداً أن يكونَ أمارةً للحُزنِ، وأنْ يُجْعَلَ دَلالةً عليه وكنايةً عنه، كقولِهم: "أبكاني وأضْحكَني"، على معنى "ساءني وسرَّني"، وكما قال:
أبكانيَ الدهرُ، ويا رُبّما ... أضْحَكني الدهْرُ بِما يُرْضي1
ثم ساقَ هذا القياسَ إِلى نقيضِه، فالتمسَ أن يَدُلَّ على ما يُوجبهُ دوامُ التَّلاقي من السرورِ بقولِه: "لتجمُدا"، وظنَّ أنَّ الجمودَ يَبْلغُ له في إفادةِ المسرَّة والسلامةِ من الحزنِ ونظرَ إِلى أن الجمودَ خُلُوُّ العينِ من البَكاء وانتفاءُ الدموعِ عنها، وأنه إِذا قالَ "لتجمدا"، فكأنَّه قال: "أحزنُ اليومَ لئلاَّ أحزنَ غداً، وتبكي عيناي جهدَهما لئلاَّ تبكيا أبداً" وغَلِطَ فيما ظنَّ، وذاك أنَّ الجمودَ هو أن لا تبكي العين، ويستراب في أنْ لا تَبْكي2، ولذلكَ لا ترَى أحداً يذكرُ عينَه بالجمودِ إلاَّ وهُوَ يشكوها ويذمُّها وينسبها إلى البخل، ويعدُّ امتناعها من البكاءِ تَرْكاَ لمعونةِ صاحِبها على ما بهِ من الهم، ألا ترى إلى قوله:
ألاَ إِنَّ عَيناً لم تَجُدْ يومَ واسِطٍ ... عليك بجاري دمعها لجمود3
__________
1 هو لحطان بن المعلي، والشعر في الحماسة شرح التبريزي 1: 152، والزهرة 2: 188.
2 في المطبوعة: "ويشتكي من أن لا تبكي"ن وفي "ج" و "س": "وتستراد في أن لا تبكي"، ورجحت ان الصواب: "يستراب"، أي يدخل على المرء فيها لاريبة والشك.
3 لشعر لأبي عطاء السندي، بقوله في ابن هبيرة، وقلته المنصور بواسط بعد أن آمنه، شرح الحماسة للتبريزي 2" 151.
(1/269)

فأتَى بالجمودِ تأكيداً لنفي الجُودِ، ومُحالٌ أن يَجْعَلها لا تَجودُ بالبكاءِ وليس هناك التماسُ بكاءٍ، لأنَّ الجودَ والبُخْل يَقْتضيانِ مطلوباً يُبْذَلُ أو يُمْنَعُ، ولو كان الجمودُ يَصْلُح لأنْ يُرادَ به السلامةُ منَ البكاء، ويصِحَّ أن يُدَلَّ به على أنَّ الحالَ حالُ مَسَّرةٍ وحُبورٍ، لجازَ أن يُدْعى به للرجلِ فيقالَ: "لا زالتْ عينُك جامدةً"، كما يقالُ: "لا أبكى اللهُ عينَكَ"، وذاك مما لا يُشَكُّ في بُطْلانه.
وعلى ذلك قولُ أهل اللغةِ: "عينٌ جَمُودٌ، لا ماءَ فيها، وسنةٌ جمادٌ، لا مطرَ فيها، وناقةٌ جمادٌ، لا لَبَن فيها"، وكما لا تُجْعَلُ السنةُ والناقةُ جماداً إلاَّ على مَعْنى أنَّ السنةَ بخيلةٌ بالقَطْر، والناقةُ لا تَسْخُو بالدُّرِّ، كذلك حُكْمُ العينِ لا تُجْعَل "جَمُوداً" إِلا وهناكَ ما يَقْتضي إرادةَ البكاءِ منها، وما يَجْعَلُها إِذا بكَتْ مُحْسِنةً موصوفَةً بأنْ قَدْ جادَتْ وسخَتْ وإِذا لم تَبْكِ، مسِيئةً موصوفةً بأنْ قد ضنَّتْ وبَخِلَتْ.
313 - فإنْ قيلَ: إِنه أرادَ أن يقولَ: "إِني اليومَ أَتجرَّعُ غُصَصَ الفِراقِ، وأحْمِلُ نَفْسي على مُرِّهِ، واحْتمِلُ ما يُؤدِّيني إِليه من حُزْنٍ يُفيضُ الدموعَ مِنْ عَيني ويَسْكُبُها، لكي أتسبَّب بذلك إلى وصْلٍ يدومُ، ومسَرَّةٍ تتَّصِلُ، حتى لا أعرِفَ بعدَ ذلك الحزنَ أصْلاً، ولا تعرِفَ عيني البكاءَ، وتصيرَ في أنْ لا تُرى باكيةُ أبداً، كالجَمودِ التي لا يَكُونُ لها دَمْعٌ".
1فإنَّ ذلكَ لا يَستقيمُ ولا يستتب، لأنه يُوقِعُه في التناقضِ، ويَجْعَلُه كأنه قال: "احْتَمِل البكاءَ لهذا الفراقِ عاجلاً، لأصيرَ في الآجِل بدَوَام الوصْلِ واتِّصالِ السُّرورِ في صُورةِ مَنْ يُريد مِنْ عَينِه أنْ تَبكي ثم لا تَبْكي، لأَنها خُلِقَتْ جامدةٌ لا ماءَ فيها"، وذلك مِن التهافُتِ والاضطرابِ بحيثُ لا تنجع الحيلة فيه.
__________
1 هو جواب قوله في اول الفقرة: "فإن قيل".
(1/270)

وجملةُ الأمرِ أَنَّا لا نعلمُ أحداً جعلَ جمود العين دليل سرورة وأمارةَ غِبْطةٍ، وكنايةٍ عن أنَّ الحالَ حالُ فرحٍ.
فهذا مثالٌ فيما هو بالضدِّ مما شرَطوا من أنْ لا يكونَ لفظُه أسبقَ إلى سَمعك، من معناهُ إِلى قلبكِ لأنَك ترى اللفظَ يصِلُ إِلى سمعِكَ، وتحتاجُ إِلى أن تحب وتُوضِعَ في طلبِ المعنى.
ويَجْري لكَ هذا الشرحُ والتفسيرُ في "النظْمِ" كما جرَى في "اللفظِ"، لأنه إِذا كان النظْمُ سَويّاً، والتأليفُ مستقيماً، كان وُصولَ المعنى إِلى قلبِك، تِلوَ وصولِ اللفظِ إِلى سَمْعك. وإِذا كان على خلافِ ما ينبغي، وصَلَ اللفظُ إلى السمعِ، وبقيت في المعنى تطلبه وتنعب فيه، وإِذا أفرطَ الأمرُ في ذلكَ صارَ إِلى التعقيدِ الذي قالوا: "إِنه يسْتَهِلكُ المعنى".
314 - واعلمْ أنْ لمْ تَضِقِ العبارةُ ولم يُقَصِّرِ اللفظُ ولم يَنْغَلقِ الكلامُ في هذا الباب1، إلاَّ لأنَّه قد تَناهى في الغُموض والخَفَاء إلى أقصى الغايات، وأنكَ لا ترى أغْربَ مَذْهباً، وأعجَبَ طريقاً، وأحْرى بأن تَضْطرِبَ فيه الأراءُ، منه. وما قولُك في شيءٍ قد بلَغ مِنْ أمرِه أن يُدَّعَى على كبار العلماء أنهم لم يَعْلَموه ولم يَفْطِنوا له؟ فقد ترى أنَّ البحتريَّ قال حينَ سُئِلَ عن مسلمٍ وأبي نُوَاس: أيُّهما أشعرُ؟ فقال: أبو نُوَاس. فقيل: فإنَّ أبا العباس ثَعلباً لا يوافقُك على هذا. فقال: ليس هذا من شأنَ ثَعْلَب وذويهِ مِن المُتعاطينَ لعلْمِ الشعرِ دُون
__________
1 في "ج": "يتعلق"، تحت العين "ع"، تثبيتًا لإهمالها، وليس بجيد.
(1/271)

عَمله، إنما يَعْلَمُ ذلك مَنْ دُفِع في مَسْلك طريقِ الشعر إِلى مضايقِه وانتهى إلى ضروراته1.
315 - ثم لم ينفَكَّ العالِمونَ به والذين هُمْ مِنْ أهلِه، من دُخولِ الشُّبهة فيه عليهم، ومن اعتراض السَّهْو والغلطِ لهم. رُويَ عن الأصمعي أنه قال: كنت أشدو من أبي عمرِو بنِ العلاء وخلفٍ الأَحمر2، وكانا يأتيان بشاراً فيُسلِّمانِ عليه بغايةِ الإعظامِ، ثم يقولانِ: يا أبا مُعاذٍ، ما أحدثْتَ؟ فيُخْبِرُهما ويُنْشِدُهما، ويَسْألانِه ويكتبانِ عنه متواضِعَيْن له، حتى يأتيَ وقتُ الزوالِ، ثم ينصرفان. وأتيَاه يوماً فقالا: ما هذه القصيدةُ التي أحدثْتَها في سَلمِ بنِ قُتَيْبَةَ؟ قالَ: هي التي بلَغَتْكُم. قالوا: بلَغَنا أنَّك أكْثَرتَ فيها مِنَ الغَريب. قال: نعَمْ، بلغني أنَّ سَلْم بْنَ قتيبةَ يَتباصَرُ بالغريب، فأحببْتُ أن أوردَ عليه ما لا يَعْرَفُ. قالوا: فانْشِدْناها يا أبا مُعاذ. فأنشدهما:
بكرًا صاحبي قبل الهجير ... إذا ذاكَ النجاحَ في التَّبْكيرِ
حتى فرَغ منها، فقال له خلفٌ: لو قلتَ يا أبا مُعاذٍ مكانَ "إن ذاك النجاحَ في التبكيرِ".
__________
1 انظر ما سلف رقم: 293.
2 في المطبوعة: "كنتُ أسيرُ مع أبي عمرِو بنِ العلاء"، وفي الأغاني: "كنت أشهد مع خلف بن أبي عمرو بن العلاء". وصاحب الأغاني ساق هذه القصة نفسها منسوبة إلى "خلف بن أبي عمرو بن العلاء"، كا يدل عليه سياقه، ولكن الذي هنا من نسبتها إلى أبيه "أبي عمرو بن العلاء"، أرجع عندي. وهذا يحتاج إلى تفصيل ليس هذا مكانه. وفي هامش المخطوطة "ج" ما نصه: "الشادي، الذي يشدو شيئًا في الأدب، أي يأخذ طرفًا منه كانه ساقه وجمعه، صحاح"، وهو نقل من صحاح الجوهري لكاتب غير كاتب هذه النسخة، وقصيدة بشار في ديوانه.
(1/272)

بكِّرا فالنَّجاحُ في التَّبْكيرِ
كان أحسَنَ. فقال بشارٌ: إِنما بنَيْتُها أعرابية وَحْشيَّة فقلتُ: إنَّ ذاكَ النجاح في التبكير، كما يَقولُ الأعرابُ البدويون، ولو قلتُ: "بكِّرا فالنجاحُ"، كانَ هذا من كلامِ المولَّدينَ، ولا يُشْبِهُ ذاكَ الكلامَ، ولا يَدْخُل في معنَى القصيدةِ. قالَ: فقامَ خلَفُ فقبَّلَ بَيْنَ عينيه"1، فهل كان هذا القولُ من خَلَف والنقدُ عَلَى بشارٍ، إِلاّ لِلُطفِ المعنى في ذلك وخفائه؟
"إن"، تغني غناء "الفاء"، في ربط الجملة بما قبلها:
316 - واعلمْ أنَّ مِنْ شأنِ "إنَّ" إِذا جاءتْ على هذا الوجهِ، أَن تُغْني غَناء "الفاءِ" العاطِفةِ مثلاً، وأنْ تُفيدَ من رَبْط الجملةِ بما قبلَها أمراً عجيباً. فأنتَ تَرى الكلامَ بها مستأنفًا غير مستأنف، ومقطوعًا موصولاً معاً. أفلا تَرى أنك لو أَسْقَطْتَ "إنَّ" من قولِهِ: "إنَّ ذاك النجاحَ في التبكيرِ"، لم تَرَ الكَلاَم يلتئِمُ، ولرأيتَ الجملةَ الثانيةَ لا تتَّصل بالأولى ولا تكونُ منها بسبيلي، حتى تجيءَ بالفاءِ فتقولُ: "بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجير، فذاك النجاح في التبكير" ومثله قوله بعضِ العرب:
فغَنِّهَا وهْي لكَ الفِداءُ ... إنَّ غِناءَ الإِبلِ الحُداءُ2
فانظرْ إِلى قولِه: "إنَّ غِناءَ الإبلِ الحداءُ"، وإِلى ملاءمَتِهِ الكلامَ قبلَه، وحسْنِ تشبثِه به، وإِلى حُسْن تعطُّفِ الكلامِ الأول عليه. ثم انظر إذا تركت
__________
1 هذه القصة بهذا اللفظ في الأغاني 3: 190، وفيها الخلاف الذي أشرت إليه في التعليق السابق. وستأتي الإشارة إليه في رقم: 372.
2 سيأتي أيضًا في رقم: 372.
(1/273)

"إنَّ" فقلتَ: "فغنِّها وهيَ لك الفداءُ، غناءُ الإِبلِ الحداءُ"، كيفَ تكونُ الصورةُ؟ وكيفَ يَنْبو أحَدُ الكلامَيْن عنِ الآخَرِ؟ وكيف يُشئِم هذا ويعرق ذلك؟ حتى لا تَجدَ حيلةً في ائتلافِهما حتى تَجْتَلِبَ لهما "الفاءَ" فتقول: "فغنِّها وهيَ لكَ الفداءُ، فغناءُ الإبلِ الحُداء"، ثم تعلَّمْ أنْ ليستِ الأُلفةُ بينهما مِنْ جنسِ ما كانَ، وأنْ قد ذَهبتِ الأنَسَة التي كنتَ تَجِدُ، والحسن الذي كنت ترى.
فصل في "كاد"، وتفسير قولهم: "لم يكد يفعل":
317 - ورويَ عن [عَنبسة] أنه قال: قدِمَ ذو الرمة الكوفةَ فوقفَ يُنشِدُ الناسَ بالكناسة قصيدته الحائية التي منها1:
هِيَ البُرْءُ، والأسقامُ، والهمُّ، والمُنى، ... وموتُ الهَوى في القَلْبِ مِنّي المبرِّحُ
وكانَ الهَوى بالنأْي يُمْحَى فيمَّحي، ... وحُبُّكِ عِنْدي يَستجِدُّ ويَرْبَحُ
إِذا غيَّرَ النّّأيُ المحبِّينَ لمْ يَكَدْ ... رسَيسُ الهَوى مِنْ حُبِّ ميَّةَ يَبْرَحُ
قال: فلما انتهى إِلى هذا البيتِ ناداه ابنُ شُبْرُمَة: يا غيلانُ، أراه قد بَرِحَ! قالَ: فشنَق ناقَتَه وجعَل يتأَخَّر بها ويفكر2، ثم قال:
إِذا غيَّر النأيُ المحبينَ لم أَجِدْ ... رسَيسَ الهوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
__________
1 هكذا هنا "عن عنبسة"، وأرجح أنه خطأ، ولذلك وضعته بين قوسين لأن راوي الخبر هو "عبد الصمد بن المعذل، عن جده غيلان بن الحكم بن البختري بن المختار"، كما في المراجع التالية، و "الكناسة"، محلة بالكوفة، كان الناس يجتمعون في سوقها. وشعر ذي الرمة في ديوانه، ورواية البيت الثاني: وبعض الهوى بالهجر ... "، وهي أجود. و "رسيس الهوى"، ما ثبت منه في سرارة قلبه.
2 "شنق البعير"، جذبه بزمامه حتى يرفع رأسه، وفي "س": "شنق بناقته"، وفي المطبوعة وحدها: ويتفكر".
(1/274)

قال: فلما انصرفتُ حدثتُ أبي1، قال: أخطأَ ابنُ شُبْرُمة حين أنكَرَ على ذي الرُّمة ما أنكر2، وأخطأ ذو الرُّمة حين غيَّر شِعْرَه لقولِ ابن شبرمة، إِنما هذا كقولِ اللهِ تعالى: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40]، وإِنما هُوَ: لم يَرَها ولم يَكَدْ3.
318 - واعلمْ أنَّ سبَبَ الشُّبهةِ في ذلكَ أَنَّه قد جَرَى في العُرفِ أن يقالَ: "ما كادَ يفعل" و "لم يكدْ يفعلُ" في فعلٍ قد فُعِلَ، على معنى أنَّهُ لم يَفْعل إلاَّ بعْدَ الجهدِ، وبعد أن كان بعيدًا الظنِّ أنْ يَفْعَله، كقولِه تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71]، فلمَّا كانَ مجيءُ النفيِ في "كادَ" على هذا السبيلِ، توهَّم ابنُ شُبْرُمةَ أنَّه إِذا قال: "لم يكَدْ رسيسُ الهوى مِن حبِّ ميَّةَ يبرحُ" فقد زَعم: أنَّ الهَوى قد بَرِح، ووقعَ لذي الرُّمة مثلُ هذا الظنِّ.
وليس الأمرُ كالذي ظنَّاهُ، فإنَّ الذي يقتضيهِ اللفظُ إذا قيل: "لم يكد يفعل" و "ما كادَ يَفعل"، أنْ يكونَ المرادُ أنَّ الفعلَ لم يكنْ من أصْله، ولا قارَبَ أن يكونَ، ولا ظُنَّ أنَّه يكونُ. وكيفَ بالشكِّ في ذلك؟ وقد عَلِمْنا أنَّ "كادَ" موضوعٌ لأنْ يَدُلَّ على شدَّةِ قُرْب الفِعلِ من الوقوعِ، وعلى أنه قد شارَفَ الوجودَ. وإِذا كان كذلك، كان مُحالا أن يوجِبَ نَفْيُه وجودَ الفعلِ، لأنه يؤدِّي إِلى أن يوجِبَ نفيُ مقاربةِ الفعلِ الوجودَ وجودَه4، وأن يكون قولك:
__________
1 "حدثت أبي" قائله "غيلان بن الحكم"، وأبوه هو "الحكم بن ابختري بن البختار"، و "ابن شبرمة"، هو "عبد الله بن شبرمة الضبي"، كان شاعرًا فقيهًا قاضيًا جوادًا ورعًا، من الرجال الكبار.
2 "ما أنكر" زيادة من "س"، وفي الأغاني: "ما أشند".
3 الخير بتمامه في الموشح: 179، 180، والأغاني 18: 34، "الهيئة".
4 "وجوده" منصوب مفعول "يوجب" أي يوجب هذا النفي وجوده.
(1/275)

"ما قاربَ أنْ يَفْعل"، مقْتضِياً على البتَّ أنه قد فعل1.
319 - وإذا قد ثبتَ ذلك، فمن سبيلكَ أن تَنْظُر. فمتى لم يكنِ المعنى على أنه قد كانت هناك صورةٌ تقتضي أنْ لا يكونَ الفعلُ، وحالٌ يَبعُدُ معَها أن يكونَ، ثُمَّ تغيَّرَ الأمرُ، كالذي تراهُ في قولِهِ تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71]، فليس إلاَّ أن تُلزِمَ الظاهرَ، وتجعلَ المعنى على أنك تَزْعمُ أنَّ الفعلَ لم يقارِبْ أن يكونَ، فضلاً عن أن يكون.
فالمعنى إذن في بيتِ ذي الرّمة على أنَّ الهوى مِنْ رسوخِه في القلبِ، وثُبوته فيه وغلَبَته على طِباعِه، بحيثُ لا يُتوَهَّم عليه البِراحُ، وأنَّ ذلك لا يقارِبُ أن يكونَ، فضلاً عن أن يكونَ، كما تقولُ: "إِذا سَلاَ المُحِبُّونَ وفَتَروا في محبتهم، لم يقع لي في وهم، ولم يجر متى على بالٍ: أنه يجوزُ عَلَيَّ ما يُشْبِه السلوة، وما بعد فترةً، فضلاً عن أنْ يُوجَدَ ذلك مني وأصبر إِليه.
وينبغي أنْ تعلمَ أنَّهُمْ إِنما قالوا في التفسير: "لم يَرها ولم يكد"، فبدأُوا فنقوا الرؤية، ثم عطفوا "لم يكد" عليه، ليعموك أنْ ليس سبيلُ "لم يكد" ههنا سبيلَ "ما كادوا" في قولهِ تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71]، في أنه نَفْيٌ معقِّبٌ على إثباتٍ، وأنْ ليس المعنى على أنَّ رؤيةً كانت مِنْ بعْدِ أن كادتْ لا تكون، ولكنَّ المعنى على أنَّ رؤيتَها لا تُقارِب أنْ تكونَ، فضلاً عن أن
__________
1 في هامش "ج" حاشية لعبد القاهر، هذا نصها:
"إذا لم يقع في جواب "إذا"، وجب أن يتقدمه نفي كقولك: "ما فعله ولا كاد يفعل، فاعرفه".
يقول أبو فهر: قوله: "إذا لم يقع، يعني نفي "كاد".
(1/276)

نكون، ولو كان "لَم يكَدْ" يُوجِب وجودَ الفعلِ، لكان هذا الكلام متهم مُحالاً جارياً مَجْرى أن تقولَ: "لم يَرَها ورآها"، فاعرفْه.
320 - وههنا نكتةٌ، وهي أنَّ "لم يكد" فيالآية والبيت واقع في جواب "إذا"، والمضاي إِذا وقَعَ في جوابِ الشرطِ على هذا السبيلِ، كان مستقبَلاً في المعنى فإِذا قلتَ: "إِذا خرجْتَ لمْ أخرُجْ"، كنتَ قد نفَيْتَ خروجًا فيما سيتقبل. وغّا كان الأَمر كذلكَ، استحالَ أن يكونَ المعنى في البيتِ أو الآيةِ على أنَّ الفعلَ قد كانَ، لأنه يؤدِّي إِلى أن يجيءَ "بلم أفعلْ" ماضياً صريحاً في جوابِ الشرطِ فتقول: "إِذا خرجتَ لم أخرجْ أمسِ"، وذلك محالٌ. ومما يتَّضِحُ فيه هذا المعنى قولُ الشاعر:
ديارٌ لجهمَةَ بالمُنْحَنى ... سَقاهُنَّ مرتجزٌ باكرُ
وراحَ عليهنَّ ذو هَيْدَبِ ... ضعيفُ القُوى، ماؤهُ زاخِرُ
إذا رامَ نَهْضاً بها لَمْ يَكَدْ ... كذِي الساقِ أَخْطأَها الجابِرُ1
321 - وأعودِ إِلى الغرضِ. فإِذا بلغَ من دقةِ هذه المعاني أنْ يَشْتَبهِ الأمرُ فيها على مثْل خَلَفٍ الأحمرِ وابنِ شُبرمة، وحتى يشْتبهِ على ذي الرُّمة في صواب قاله، فيرى أنه غير صواب، فمنا ظنك بغيرهم؟ وما يعجبك من أن يكثر التخليط فيه؟
__________
1 أذكر الشعر، ولكن لا أدري أين هو. يصف سحابًا، وهو "المرتجز الباكر"، و "المرتجز" السحاب المتتابع الرعد، يكون بطيء الحركة لكثرة مائة. و "الباكر"، السحاب الذي يأتي من أخر الليل عند السحر.
(1/277)

"كل"، وتفصيل القول فيها في النفي والإثبات، وأمثلة ذلك:
322 - ومِنَ العَجَب في هذا المعنى قولُ أبي النجم:
قدْ أصبَحَتْ أُمُّ الخيارِ تدَّعي ... عليَّ ذَنْباً كُلُّه لَمْ أصْنَعِ1
قد حمَلَهُ الجميعُ على أنَّه أَدْخَلَ نَفْسَه مِنْ رفع "كلُّ" في شيءٍ إِنما يجوزُ عندَ الضَّرورةِ، مِنْ غيرِ أن كانت به إليه ضرورةٌ. قالوا: لأَنَّه ليس في نَصْبِ "كلّ" ما يَكْسِرُ له وَزْناً، أو يَمنَعُهُ مِنْ معنى أَرادهُ. وإِذا تأمَّلتَ وجدْتَه لم يَرتكِبْه ولم يَحْمِل نفسَه عليه إلاَّ لحاجةٍ له إِلى ذلكَ، وإلاَّ لأنَّه رأى النَّصْبَ يَمنعُه ما يريدُ. وذاك أنه أرادَ أنها تدَّعي عليه ذَنباً لم يَصْنع منه شيئاً البتَّةَ لا قليلًا ولا كثيرًا ولابعضًا ولا كُلاًّ. والنصْب يَمنعُ من هذا المعنى، ويَقْتضي أن يكونَ قد أتى منَ الذنبِ الذي ادَّعته بعْضَه.
وذلك أنَّا إِذا تأملْنا وجَدْنا إِعمالَ الفِعلِ في "كل" والفعلُ منفيٌّ، لا يَصْلُحُ أن يكونَ إلاَّ حيثُ يُراد بعضاً كان وبعضاً لم يكن. تقولُ: "لم ألق كل القوم"، و "لم آخذْ كلَّ الدراهم"، فيكونُ المعنى أنك لقِيتَ بعضاً من القومِ ولم تَلْقَ الجميعَ، وأخذْتَ بعضَاً من الدراهمِ وتركْتَ الباقي ولا يكونُ أَنْ تريدَ أنك لم تَلْقَ واحداً من القوم، ولم تأخذ شيئًا من الدارهم.
وتعرَّفْ ذلك بأن تَنْظرَ إِلى "كل" في الإِثبات وتتعرفَ فائدتَه فيه.
وإِذا نظرتَ وجدتَهُ قد اجْتُلِبَ لأنْ يُفيدَ الشُّمولَ في الفعلِ الذي تُسْنِدُه إِلى الجملةِ أو تُوقِعُه بها.
تفسيرُ ذلك، أنكَ إِنما قلْتَ: "جاءني القومُ كلُّهم"، لأنكَ لو قُلْتَ: "جاءَني القومُ" وسكَتَّ، لكانَ يَجوزُ أن يَتوهَّم السامعُ أنه قد تخلَّفَ عنكَ
__________
1 في المجموع من شعره، وهو في سيبويه 1: 44، 69، وسائر كتب النحاة وكتب ضرورة الشعر.
(1/278)

بَعضُهم، إلاَّ أنكَ لم تعتدَّ بهم، أو أنَّكَ جَعَلْتَ الفعلَ إِذا وقَعَ مِن بَعْضِ القومِ فكأنَّما وَقَعَ منَ الجميع، لِكَوْنهم في حُكْمِ الشخصِ الواحدِ، كما يقالُ للقبيلة: "فعلْتُم وصنعْتُم"، يُرادُ فِعْل قد كانَ مِنْ بَعْضِهم أوْ واحدٍ منهم. وهكذا الحُكْم أبداً.
فإذا قلت: "رأيت القوم كلهم" و "مررت بالقومِ كلِّهم"، كُنْتَ قد جئتَ "بكلٍّ" لئلاَّ يُتَوهَّمَ أنه قد بَقِيَ عليكَ مَنْ لم تَرَهُ ولم تَمُرَّ به.
وينبغي أن يُعْلَم أنَّا لا نَعْني بقولنا "يفيدُ الشُّمولَ"، أنَّ سبيلَه في ذلك سبيلُ الشيءِ يُوجِبُ المعنى مِن أصْله، وأنه لولا مكانُ "كلّ" لَمَا عُقِلَ الشُّمولُ ولم يكنْ فيما سَبَق مِن اللفظِ دليلٌ عليه. كيفَ؟ ولو كانَ كذلكَ لم يكنْ يُسمَّى "تأكيداً". فالمعنى أنه يمنعُ أن يكونَ اللفظُ المقتضِي الشُّمولَ مستعمَلاً على خلافِ ظاهرِه ومتجوَّزاً فيه.
323 - وإِذ قد عرفت ذلك، فههنا أصْلٌ، وهو أَنَّه مِن حُكْم النفي إِذا دَخل على كلامٍ، ثُمَّ كان في ذلكَ الكلام تقييد على وجهه من الوجوهِ، أن يتوجَّه إِلى ذلكَ التقييدُ، وأن يقعَ له خصوصاً.
تفسيرُ ذلك: أنَّك إِذا قلتَ: "أتاني القومُ مجتمِعينَ"، فقالَ قائلٌ: "لم يأْتكِ القومُ مجتمعين"، كانَ نَفْيُه ذلك متوجِّهاً إِلى الاجتماعِ الذي هو تقييدٌ في الإِتيان دونَ الإِتيان نفْسِه، حتى إنَّه إنْ أرادَ أنْ ينفيَ الإِتيانَ مِنْ أصلهِ، كان مِنْ سَبيله أن يقولَ: "إنَّهم لم يأْتوكَ أصْلاً، فما مَعْنى قولِكَ: مجتمعين". هذا مما لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ.
(1/279)

وإِذا كانَ هذا حكْمُ النفي إِذا دَخَلَ على كلامٍ فيه تقييدٌ، فإنَّ التأكيدَ ضربٌ منَ التقييدِ. فَمتى نَفَيْتَ كلاماً فيهِ تأكيدٌ، فإنَّ نَفْيكَ ذلكَ يتوجَّه إلى التأكيدِ خصوصاً ويَقَعُ له. فإِذا قلتَ: "لم أرَ القومَ كلَّهم" أوْ "لَمْ يأتِني القومُ كلُّهم" أوْ "لم يأتِني كلُّ القومِ" أو "لَمْ أَرَ كلَّ القومِ"، كنتَ عمدْتَ بنَفْيِكَ إِلى معنى" كل" خاصة، وكانَ حكْمُه حُكْمَ "مجتمعين" في قولِكَ: "لم يأتِني القومُ مجتمعين" وإِذا كان النفيُ يَقَعُ "لكلِّ" خصوصاً، فواجبٌ إِذا قلتَ: "لم أتني القومُ كلُّهم" أوْ "لم يأتِني كلُّ القومِ"، أَنْ يكونَ قد أتاكَ بعضُهم كما يجبُ إِذا قلتَ: "لم يأتني القومُ مجتمعين"، أنْ يكونوا قد أتوك أشاتًا. وكما يستحيلُ أن تقولَ: "لم يأتني القومُ مجتمعينَ"، وأنتَ تُريد أنهم لم يأتوكَ أصْلاً لا مجتمعين ولا منفردين كذلك محالٌ أنْ تقول: "لا يأتِني القومُ كلُّهُمْ"، وأنتَ تريدُ أنَّهم لم يأتوك أصْلاً، فاعرفْه.
324 - واعلمْ أَنَّك إِذا نظرْتَ وجَدْتَ الإثباتَ كالنَفْي فيما ذكرتُ لكَ، ووجدتَ النفيَ قد احتذاهُ فيه وتَبِعَه، وذلك أنك إِذا قلتَ: "جاءني القومُ كلُّهم"، كان "كُلّ" فائدةَ خبرِك هذا، والذي يتوجَّه إِليه إثباتُك، بدلالةِ أنَّ المعنى على أنَّ الشكَّ لم يقَعْ في نفسِ المجيءِ أنه كانَ من القومِ على الجملةِ، وإِنَّما وَقعَ في شُموله "الكل"، وذلك الذي عناكَ أمرُه مِن كلامِكَ.
325 - وجملةُ الأَمْرِ أَنَّه ما مِنْ كلامٍ كانَ فيه أمرٌ زائدٌ على مجرَّدِ إثباتِ المعنى للشيء، إلاَّ كان الغرضَ الخاصَّ من الكلام، والذي يُقْصَد إِليه ويزْجى القولُ فيه. فإذا قلت: "جاءني زيد راكبًا"، و "ما جاءني زيدٌ راكباً" كنتَ قد وضعْتَ كلامَكَ لأن نثبت مجيئه راكبًا او ننفي ذلك، لا لأن تُثْبِتَ المجيءَ وتنْفِيَه مطلقاً. هذا ما لا سبيلَ إِلى الشَّكَّ فيه.
(1/280)

326 - واعلمْ أنَّه يَلزَمُ مَنْ شكَّ في هذا فتوهَّمَ أنَّه يجوزُ أن تقولَ: "لم أرَ القومَ كلَّهم"، على معنى أنك لم تَرَ واحداً منهم1 أن يُجْريَ النهيَ هذا المَجرى فتقولَ: "لا تَضْرب القومَ كلَّهم"، على معنى لا تضْربَ واحداً منهم وأن تقولَ: "لا تَضْربِ الرجلَيْن كليهما"، على معنى لا تَضْرِبْ واحد منهما. فإِذا قال ذلك لَزِمه أن يُحيلَ قولَ الناس2: لا تَضْرِبْهما معاً، ولكنِ اضْرِبْ أحدهما"، و "لا تأخذهما جميعًا، لكن واحداً منهما"، وكفى بذلك فساداً.
327 - وإذْ قد بانَ لَكَ من حالِ النَّصْب أنه يقتضي أن يكونَ المعنى على أنه قد صنَعَ منَ الذنبِ بعْضاً وتركَ بعضاً3، فاعلمْ أنَّ الرفعَ على خلافِ ذلك، وأنه يقتضي نفْيَ أن يكونَ قد صَنَع منه شيئاً، وأتى منه قليلاً أو كثيراً وأنك إِذا قلتَ: "كلُهم لا يأتيك"، و "كلُّ ذلك لا يكونُ"، و "كلُّ هذا لا يَحْسُن"، كنتَ نَفَيْتَ أن يأتِيَه واحدٌ منهم، وأبيْتَ أن يكونَ أو يَحْسُنَ شيءٌ مما أشرتَ إِليه.
328 - ومما يشهدُ لكَ بذلك من الشّعرِ قولُه:
فكيفَ؟ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمَامَه ... ولا لامرئٍ عما قضى الله مزحل4
__________
1 السياق: "واعلمْ أنَّه يَلزَمُ مَنْ شكَّ في هذا .... أن تجري النهي".
2 في المطبوعة وحدها: "أن يختل قول الناس"، ومعنى "يحيل"، أي يجعله محالًا.
3 رجع إلى القول في "علي دنبا كله لم أصنع"، رقم: 322، وما بعده.
4 هو شعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، شرح حماسة التبريزي 1: 136، وأمالي القالي 1: 170، وهي عند الهجري في النوادر والتعليقات منسوبًا لبكر بن النطاح. و "مزحل"، مصدر ميمي من "زخل"، إذا تباعد، يعني ليس منه مهرب.
(1/281)

المعنى عَلَى نفْي أن يَعْدُوَ أحدٌ منَ الناسِ حِمَامَه، بلا شُبْهة. ولو قلتَ: "فكيفَ وليس يعدو كلُّ حِمامَه": فأَخَّرْتَ "كلاّ"، لأفسدتَ المعنى، وصرْتَ كأنكَ تقولُ: "إنَّ منَ الناس من يسمل من الحمام ويبقى خالد ًا لا يموت".
329 - ومثله قول دعبل:
فواللهِ ما أَدري بأيِّ سِهامِهَا ... رَمَتني وكلٌّ عندنا ليس بالمكدي
أبا الجيد أمْ مَجْرى الوِشاحِ، وإنني ... لأُنْهِمُ عَينَيها مع الفاحِِمِ الجَعْدِ1
المَعْنى عَلَى نَفْي أن يكونَ في سِهامها مُكْدٍ على وجهٍ منَ الوجوهِ.
330 - ومن البَيِّنِ في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين حين قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: "أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيْتَ يا رسولَ الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "كلُّ ذلك لم يَكُنْ". فقال ذو اليدين: بَعْضُ ذلكَ قَدْ كان"2، المعنى لا محالَة على نفي
__________
1 هو في المجموع من شعره، و "المدي" الذي يخيب، ولا يصيب هدفه. وقوله: "لأنهم"، أي أنهم عينها، واعلم أن التاء في "التهمة" مبدلة من الواو، فقولهم: "تهمة" أصلها "وهمة"، ولكنهم في هذا الفعل أجروا التاء المبدلة مجرى الصل، فقالوا: "أتهمه إتهامًا"، ويقال أيضًا "أوهمه" بمعنى ابتهمه، على الأصل.
2 حديث ذي اليدين في السهور في الصلاة، مذكور في دواوين السنة من طريق "محمد بن سيرين عن أبي هريرة"، وليس فيه هذا اللفظ، ولكنه جاء في صحيح مسلم، في كتاب المساجد، "باب السهو في الصلاة والسجود"، من حديث أبي سفيان مولى بن أبي أحمد قال: سمعت أبا هريرة، ولفظه: "كلُّ ذلك لم يَكُنْ! " فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك"، وهو عند أحمد في المسند2: 460 "المطبوعة الأولى" وقال: "عن عبد الرحمن مولى ابن أبي أحمد، قال: سمعت أبا هريرة"، وفيه: "قال: "كل ذلك لم يكن"، فقال ذو اليدين: قد كان ذلك يا رسول الله"، وهو عند أبي داود في سننه، في كتاب الصلاة، "باب السهو في السجدتين" من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وفيه "قال: "كل ذلك لم أفعل". فقال الناس: قد فعلت".
يقول أبو فهر: قوله هنا "بعض ذلك قد كان"، وقولهم في حديث مسلم: "قد كان بعض ذلك"، يعني أنه قد كان السهو: لا قصر الصلاة. وكذلك ما جاءني في حديث أحمد قول ذي اليدين: "قد كان ذلك يا رسول الله"، وما جاء في حديث أبي داود: "فقال الناس: قد فعلت"، يعنون به السهو بلا شك، لا قصر الصلاة.
(1/282)

الأَمرين جميعاً، وعلى أنه عليه السلامُ أرادَ أنه لم يكنْ واحدٌ منهما، لا القِصَرُ ولا النِّسْيانُ. ولو قِيلَ: "لَمْ يكنْ كلُّ ذلك"، لكانَ المعنى أنه قد كانَ بعضُه.
331 - واعلمْ أنَّه لمَّا كانَ المعنى مع إِعمال الفعلِ المِنفيِّ في "كل" نحوُ: "لمْ يأتِني القوم كلهم" و "لم أرَ القومَ كلَّهم"، على أنَّ الفعلَ قد كانَ مِن البعضِ، ووَقَع على البعضِ، قلتَ: "لم يأتِني القومُ كلُّهم، ولكنْ أتاني بعضُهم" و "لم أرَ القومَ كلَّهم، ولكنْ رأيتُ بعضَهم" فأثبتَّ بعد ما نَفَيْتَ، ولا يكونُ ذلك معَ رَفْع "كلّ" بالابتداءِ. فلو قلتَ: "كلُّهم لم يأتني، ولكن أتاني بعضهم" و "كل ذلك لم يكُنْ، ولكنْ كان بعضُ ذلك"، لم يَجُزْ، لأنَّه يؤدِّي إلى التناقُضِ، وهو أنْ تقولَ: "لم يأتِني واحدٌ منهم، ولكنْ أتاني بعضُهم".
332 - واعْلمْ أنَّه ليس التأثيرُ لِما ذكَرْنا من إِعمالِ الفعلِ وتَرْك إِعمالِه على الحقيقةِ، وإِنَّما التأثيرُ لأَمرٍ آخَر، وهو دخولُ "كل" في حيِّز النَّفْي، وأن لا يَدْخُل فيه. وإِنما علَّقْنا الحكْم في البيتِ وسائرِ ما مَضى بإِعمالِ الفعلِ وتركَ إِعمالِه1، من حيثُ كان إعمالُه فيه يقتضي دخولَه في حيِّز النفي، وتَرْكُ إعمالهِ يُوجبُ خروجَه منه، من حيثُ كان الحرفُ النافي في البيتِ حرفاً لا ينفصِلُ عن الفعلِ، وهو "لم" لا أنَّ كَوْنَهُ مَعْمولاً للفعل وغير معمول،
__________
1 "البيت" يعني بيت أبي النجم: "كله لم أصنع".
(1/283)

بمقتضى ما رأيتَ من الفَرْق. أفَلاَ تَرى أنك لو جئتَ بحرْفِ نَفي يُتَصوَّر انفصالُه عن الفعلِ، لرأيتَ المعنى في "كل" مع تَرْكِ إِعمالِ الفعلِ، مِثْلَه مع إعمالِه، ومثالُ ذلكَ قوله:
ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يُدرِكُه1
وقولُ الآخر:
ما كلُّ رَأْي الفتى يَدْعو إِلى رَشَد2
"كلٌ" كما ترى غيرُ مُعْمَلٍ فيه الفعلُ، ومرفوعٌ، إِما بالابتداءِ، وإِما بأنه اسمُ "ما"، ثم إِنّ المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملْتَ فيه الفعلَ فقلتَ: "ما يُدرِكُ المرءُ كلَّ ما يتمناه"، و "ما يدعو كلُّ رأيِ الفتى إِلى رَشَد"، وذلك أن التأثيرَ لوقوعِه في حيِّز النفي، وذلك حاصلٌ في الحالين. ولو قدَّمْتَ "كلاّ" في هذا فقلت: "كلُّ ما يتمنى المرءُ لا يدركه" و "كل رأي الفتى لا يدعو إِلى رَشَد" لتغيَّرَ المعنى، ولصارَ بمنزلةِ أنْ يقالَ: "إنَّ المرءَ لا يدرك شيئًا مما يتمناه"، و "لا يكونُ في رأيِ الفتى ما يدعو إِلى رَشَدٍ بوجْهٍ من الوجوه".
333 - واعلمْ أنَّكَ إِذا أدخلْتَ "كلاّ" في حيِّز النفي، وذلك بأن تُقدِّم النفيَ عليه لفظاً أو تقديراً، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل
__________
1 هو شعر المتنبي في ديوانه، وعجزه:
تجرى الرياح بما لا تشتهي السفن
2 ذكره ابن هشام في مغني اللبيب في "باب كل"، وذكره غيره من النحاة، وكأنهم أخذوه، من عبد القاهر ولا يعرف تمامه.
(1/284)

والوصفِ نَفْسِه. وإذا أخرجتَ "كلاّ" من حيِّز النفي ولمْ تُدْخِلْه فيه، لا لفظاً ولا تقديراً، كان المعنى على أنَّك تتبَّعْتَ الجملةَ، فنَفَيْتَ الفعلَ والوصفَ عنها واحداً واحداً. والعلةُ في أنْ كانَ ذلك كذلكَ، أنكَ إِذا بدأتَ "بكلٍّ" كنتَ قد بنَيْتَ النفيَ عليه, وسلَّطْتَ الكلِّية على النفْي وأعملْتَها فيه، وإعمالُ معنى الكُلِّيةِ في النفي يَقْتضي أن لا يَشُذَّ شيءٌ عن النفي، فاعرفْه.
334 - واعلمْ أنَّ مِن شأنِ الوجوهِ والفُروقِ أنْ لا يزالَ يَحْدثُ بسببِها وعلى حَسبِ الأغراضِ والمعاني التي تَقَعُ فيها، دقائقُ وخفايا لا إِلى حدٍّ ونهايةٍ وأنَّها خفايا تكْتُم أنفُسَها جَهْدَها حتى لا يتنبه لأكثرِها، ولا يُعلَمُ أنها هي، وحتى لا تَزالُ تَرى العالِمَ يَعرِضُ له السهوُ فيه، وحتى إنه ليقصِدُ إلى الصواب فيقعُ في أثناء كلامه ما يوهم الخطأ، كل ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض.
(1/285)

فصل: القول في آية: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِن}
335 - واعلمْ أنه إِذا كان بيِّناً في الشيء أنه لا يَحتمِلُ إِلاّ الوجْهَ الذي هو عليه حتى لا يُشْكِلَ، وحتى لا يُحْتاج في العلم بأنَّ ذلك حقُّه وأنه الصوابُ، إِلى فكْرِ ورويةٍ1 فلا مَزِيَّةَ, وإِنما تكونُ المزيةُ ويجِبُ الفضلُ إِذا احتمَلَ في ظاهِر الحالِ غيرَ الوجه الذي جاءَ عليه وجهاً آخرَ، ثمَّ رأيتَ النفسَ تَنْبو عن ذلكَ الوجهِ الآخرِ، ورأيتَ للذي جاء عليه حُسْناً وقبولًا تعدمهما إِذا أنتَ تركْتَه إِلى الثاني.
336 - ومثالُ ذلكَ قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} [الأَنعام: 100]، ليس بخافَ أن لتقديمِ "الشركاءِ" حُسْناً وروعةً ومأخذاً من القلوبِ، أنتَ لا تجدُ شيئاً منه إِنْ أنتَ أخَّرْتَ فقلتَ: "وجعَلوا الجنَّ شركاء الله"، وأنك ترى حالَك حالَ مَنْ نُقِلَ عن الصورةِ المُبْهجة والمَنْظر الرائقِ والحُسْنِ الباهرِ، إِلى الشيءِ الغُفْل الذي لا تَحْلَى منهُ بكثيرِ طائلٍ، ولا تصيرُ النفسُ به إِلى حاصلٍ. والسببُ في أن كانَ ذلك كذلكَ، هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلاً لا سبيلَ إِليه مع التأخيرِ.
337 - بيانه، أنَّا وإنْ كنَّا نرى جملةَ المعنى ومحصولَه أنَّهم جعلوا الجنَّ شركاءَ وعبدوهُمْ مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يَحصُلَ مع التأخيرِ حصولَه مع التقديمِ، فإِنَّ تقديمَ "الشركاءِ" يفيدُ هذا المعنى، ويفيدُ معه معنى آخر، وهو أنه ما كانَ يَنبغي أن يكونَ لله شريكٌ، لا من الجن ولا غير الجن.
__________
1 السياق: "واعم أنه إذا كان بيتًا .... فلا مزية".
(1/286)

وإذا أخر فقيل: "جعلوا الجن شركاء الله"، لم يُفِدْ ذلكَ، ولم يكنْ فيه شيءٌ أكثرُ من الإِخبارِ عنهم بأنهم عبَدوا الجنَّ مع اللهِ تعالى، فأما إنكارُ أنْ يُعْبَد مَعَ الله غيرُه، وأنْ يكونَ له شريكٌ مِنَ الجنِّ وغيرِ الجنِّ، فلا يكونُ في اللفظِ مع تأخيرِ "الشركاءِ" دليلٌ عليه. وذلك أنَّ التقديرَ يكونُ مع التقديمِ: أنَّ "شركاءَ" مفعول أول لجعل، و"الله" في موضعِ المفعولِ الثاني، ويكونُ "الجنّ" على كلام ثانٍ، وعلى تقديرِ أنه كأنه قيل: "فمن جَعلوا شركاءَ لله تعالى؟ "، فقيل: "الجنَّ". وإِذا كان التقديرُ في "شركَاء" أنه مفعولٌ أوّلُ، و "لله" في موضعِ المفعولِ الثاني، وقَعَ الإِنكارُ على كونِ شركاء لله تعالى على الإطلاق، من غيرِ اختصاصِ شيءٍ دونَ شيءٍ. وحصَلَ مِن ذلك أنَّ اتخاذَ الشريكِ من غَيْرِ الجنِّ قد دخَلَ في الإِنكارِ دخولَ اتِّخاذِه من الجنِّ، لأَنَّ الصفةَ إِذا ذُكرت مُجَرَّدة غيرَ مُجْراة على شيءٍ، كانَ الذي تَعَلَّقَ بها من النَّفْي عامَّا في كلِّ ما يجوزُ أن تكونَ له تلك الصفةُ.
فإِذا قلتَ: "ما في الدار كريمٌ"، كنتَ نفَيْتَ الكينونَةَ في الدارِ عنْ كلِّ مَنْ يكون الكرَمُ صفةً له. وحكْمُ الإِنكارِ أبداً حكْمُ النفي. وإِذا أُخِّر فقيلَ: "وجعَلوا الجنَّ شركاءَ لله"، كان "الجنَّ" مفعولاً أولَ، و "الشركاء" مفعولاً ثانياً. وإِذا كان كذلك، كان "الشركَاء" مخصوصاً غيرَ مُطْلَق، من حيثُ كانَ مُحالاً أن يَجْريَ خبراً على الجنِّ، ثم يكونَ عامّاً فيهم وفي غيرهم. وإِذا كان كذلكَ، احْتَمَلَ أن يكونَ القصدُ بالإِنكار إِلى "الجنِّ" خصوصاً، أن يكونوا "شركاءَ" دون غيرهم، جل الله تعالى عن أن يكونَ له شريكٌ وشبيهٌ بحالٍ.
338 - فانظرْ الآنَ إِلى شرَفِ ما حصَل من المعنى بأن قُدِّم "الشركاءُ"، واعتبرْهُ فإنهُ يَنبِّهك لكثيرٍ منَ الأمورِ، ويدُلُّك على عِظَمِ شأنِ
(1/287)

"النظمِ"، وتعلمُ به كيف يكونُ الإيجازُ بهِ وما صُورَتُه؟ 1 وكيفَ يُزادُ في المعنى من غيرِ أن يُزاد في اللفظِ، إِذ قدْ ترَى أنْ ليس إِلاّ تقديمٌ وتأخيرٌ، وأنه قد حصَل لك بذلك من زيادةِ المعنى، ما إِنْ حاولتَ مع تَرْكِهِ لم يحصُلْ لك، واحتجْت إِلى أن تَسْتَأْنِفَ له كلاماً، نحو أن تقول: "وجعلوا الجن شركاء الله، وما يَنْبغي أن يكونَ للهِ شريكٌ لا مِنَ الجنِّ ولا مِنْ غَيْرهم"، ثم لا يكونُ له إِذا عَقَلَ من كلامَيْن من الشَّرَف والفخامةِ ومِن كَرَمِ الموقعِ في النفسِ، ما تَجِدُه له الآنَ وقد عَقلَ من هذا الكلام الواحد.
القول في: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة}:
339 - ومما يُنظرُ إِلى مثلِ ذلكَ2، قولُه تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96] إِذا أنتَ راجعتَ نفسَك وأذكيتَ حسَّك، وجدتَ لهذا التنكيرِ وأنْ قِيلَ: "على حياةٍ"، ولم يُقَلْ: "على الحياةِ"3، حُسْناً وروعةً ولطفَ موقعٍ لا يقادره قدرُه، وتَجِدُكَ تَعْدَمُ ذلكَ مع التعريفِ، وتخرجُ عن الأريحيةِ والأُنْس إِلى خلافِهما. والسببُ في ذلك أنَّ المعنى على الازدِياد منَ الحياةِ لا الحياة من أصلها، وذلك أنه لا يَحْرِصُ عليه إِلاّ الحيُّ، فأمَّا العادِمُ للحياة فلا يصحُّ منه الحرْصُ على الحياةِ ولا على غيرها3. وإِذا كانَ كذلكَ، صارَ كأنه قيلَ: "ولتجدنَّهُمْ أحْرَصَ الناسِ، ولو عاشوا ما عاشوا، على أن يزدادوا إِلى حياتِهم في ماضي الوقت وراهِنِه، حياةً في الذي يَستقْبِل"4. فكما
__________
1 في "س": كيف يكون الإعجاز وما صورته".
2 "ومما ينظر إلى مثل ذلك"، ليس في "ج" ولا "س".
3 من أول قوله: "حسنًا" إلى قوله هنا: " .... الحرص على الحياة، ساقط من "ج".
4 في هامش المخطوطة "ج"، بخط الناسخ، وهو من تعليقات عبد القاهر على الأرجح، ما نصه:
"أي: أن يزدادوا إلى حياتهم في راهن الحياة، بمنزلة أن تقول: يحبون أن يزدادوا إلى حياتهم في راهن الحال مثل الحياة من أصلها. وكلاهما غاية الحسن".
(1/288)

أنك لا تقول ههنا: "أن يزدادوا إِلى حياتِهم الحياةَ" بالتعريفِ، وإِنما تقولُ: "حياةً" إِذْ كانَ التعريفُ يَصْلحُ حيثُ تُراد الحياةُ على الإطلاق، كقولنا: "كلُّ أحدٍ يُحب الحياةَ، ويَكرهُ الموتَ"، كذلك الحكْمُ في الآية.
340 - والذي ينبغي أَنْ يُراعى: أنَّ المعنى الذي يُوصفُ الإنسانُ بالحرصِ عليهِ، إِذا كانَ موجوداً حالَ وصفِك له بالحرصِ عليه، لم يُتصوَّر أن تجعَلَه حريصاً عليه من أصلِه. كيف؟ ولا يُحْرَصُ على الراهن ولا الماضي، وإِنما يكونُ الحِرصُ على ما لم يُوجَدْ بعد.
تنكير "حياة" في: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}
341 - وشبيهٌ بتنكير الحياةِ في هذه الآية تنكيرُها في قوله عز وجل: [البقرة: 179]، وذلكَ أنَّ السببَ في حُسنِ التنكيرِ، وأنْ لم يَحْسُن التعريفُ، أنْ ليسَ المعنى على الحياةِ نفسِها، ولكنْ على أنه لمَّا كانَ الإنسانُ إِذا عَلمَ أنه إِذا قتلَ قُتِل، ارتدعَ بذلك عن القتل، فسلم صاحبُه، صار حياةُ هذا المَهْمومِ بقتلِه في مستأنفِ الوقتِ، مستفادَةً بالقِصَاصِ1، وصارَ كأنَّه قد حَييَ في باقي عمره به. وإِذا كان المعنى على حياةٍ في بعضِ أوقاتِه، وجَبَ التنكيرُ وامتنعَ التعريفُ، من حيثُ كان التعريفُ يَقْتضي أن تكونَ الحياةُ قد كانَتْ بالقِصاص من أصْلها، وأن يكونَ القِصاص قد كان سبباً في كونِها في كافَّة الأوقاتِ. وذلك خلافُ المعنى وغيرُ ما هو المقصود.
__________
1 أي صارت حياة الذي هم بقتله، مستفادة في مستأنف الوقت بالقصاص.
(1/289)

ويُبَيِّنُ ذلك أنك تقولُ: "لكَ في هذا غِنًى"، فتنكِّرُ إِذا أردتَ أن تَجْعل ذَلك من بعضِ ما يُسْتَغْنى به، فإِنْ قلتَ: "لكَ فيه الغِنى"، كان الظاهرُ أنك جعلتَ كلَّ غِناه به.
342 - وأمرٌ آخرُ، وهو أنه لا يكون ارتداعٌ حتى يكونَ همٌّ وإرادةٌ وليس بواجبٍ أن لا يكونَ إنسانٌ في الدنيا إلاَّ وله عَدوٌّ يَهمُّ بقتله ثم يردَعُه خوفُ القِصاصِ. وإِذا لم يَجِبْ ذلك، فمَن لم يَهُمَّ إِنسانٌ بقتلِه، فكُفيَ ذلك الهَمَّ لخوفِ القصاصِ، فليس هو ممَّن حَيِيَ بالقصاص. وإِذا دخَلَ الخصوصُ، فقد وَجَبَ أن يقالَ "حياةٌ" ولا يقالَ "الحياةُ"، كما وَجَبَ أن يقالَ "شفاءٌ" ولا يقالُ "الشفاءُ" في قولِه تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69]، حيثُ لم يكن شفاءٌ للجميع.
343 - واعلمْ أنه لا يُتصوَّر أنْ يكونَ الذي هَمَّ بالقتلِ فلم يقْتُلْ خوفَ القِصاص داخلاً في الجملة1، وأن يكونَ القِصاصُ أفادَهُ حياةً كما أفادَ المقصودَ قتلُه. وذلك أنَّ هذه الحياةَ إِنَّما هي لمن كان يَقْتُل لولا القِصاصُ، وذلك محالٌ في صِفَةِ القاصِدِ للقتلِ، فإِنما يَصِحُّ في وصفِه ما هو كالضدِّ لهذا، وهو أن يقالَ: إِنه كان لا يُخافُ عليه القَتلُ لولا القصاصُ، وإِذا كانَ هذا كذلكَ، كان وجهاً ثالثًا في وجوب التنكير.
__________
1 في هامش "ج" بخط الناسخ، وهو من تعليقات عبد القاهر، ما نصه:
"جملة الأمر أن المعنى على أن الهلاك انتفى على العموم بقتله، من أجل خوف القصاص. ولا يتصور أن يقال: إن الهلاك انتفى عن الهام بقتل غيره من أجل خوف القصاص".
(1/290)

فصل:
الآفة العظمى في ترك البحث عن العلة التي توجب المزية في الكلام:
344 - واعلمْ أنه لا يصادِفُ القولَ في هذا البابِ موقعاً من السامِعِ، ولا يَجدُ لديه قَبولاً، حتى يكونَ من أهلِ الذوقِ والمعرفةِ، وحتى يكونَ ممن تُحدِّثهُ نفسُه بأنَّ لِمَا يُومئُ إِليه من الحُسْن واللطْف أصْلاً، وحتى يختلفَ الحالُ عليه عندَ تأمُّلِ الكلامِ، فيجَدَ الأريحيَّة تارةً، ويعْرى منها أخرى، وحتى إِذا عجَّبْتَه عَجِبَ، وإذا نَبَّهْتَه لَموضع المزيةِ انْتَبَه.
فأما من كان الحالانِ والوجهانِ عنده أبداً على سَواء، وكان لا يفقد من أمرِ "النظمِ" إِلا الصحَّةَ المُطلقةَ، وإلاَّ إِعراباً ظاهراً، فما أقَلَّ ما يُجدي الكلامُ معه. فَلْيَكُنْ مَنْ هذه صِفتُهُ عندكَ بمنزلةِ مَنْ عَدِمَ الإحساسَ بوزِن الشِّعر، والذوقِ الذي يُقيمه به، والطَّبعَ الذي يُميٍّزُ صحيحَه من مكسورِه، ومَزاحِفه من سالِمِه، وما خرجَ مِن البحرِ ممَا لم يَخْرُجُ منهُ1 في أنك لا تتصدَّى له، ولا تتكلَّفُ تعريفَه، لِعلْمِكَ أنه قد عدمَ الأداةَ التي معها يَعرفُ، والحاسَّةَ التي بها يَجدُ. فليكُنْ قَدْحُكَ في زنَدٍ وارٍ، والحكُّ في عُودٍ أنت تطمعُ منه في نار.
345 - واعلمْ أنّ هؤلاء، وإنْ كانوا همُ الآفةَ العظمى في هذا البابِ، فإنَّ مِن الآفَةِ أيضاً مَنْ زَعم أنه لا سبيلَ إِلى معرفةِ العِلَّةِ في قليلِ ما تعرف المزية
__________
1 السياق: "فَلْيَكُنْ مَنْ هذه صِفتُهُ عندكَ بمنزلةِ مَنْ عدم الإحساس ... في أنك لا تتصدى له".
(1/291)

فيه وكثيرِه، وأنْ ليس إلاَّ أنْ تَعلمَ أنَّ هذا التقديمَ وهذا التنكيرَ، أو هذا العطْفَ أو هذا الفصْلَ حسَنٌ، وأنَّ له موقعاً من النفسِ وحظَّا من القَبول، فأمَّا أنْ تَعلم لمَ كان كذلك؟ وما السَّبَبُ؟ فَمِمَّا لا سبيلَ إِليه، ولا مطمعَ في الاطِّلاعِ عليه، فهو بتوانِيهِ والكَسل فيه، في حُكْم مَنْ قالَ ذلك.
346 - واعلمْ أنه ليسَ إذا لم تمكن معرفةُ الكلِّ، وجَبَ تركُ النظرِ في الكلِّ. وأنْ تعرفَ العلَّةَ والسببَ فيما يُمْكِنك معرفةُ ذلك فيه وإِنْ قلَّ فتجعلَه شاهداً فيما لم تَعْرِفْ1، أحْرَى مِن أنْ تَسُدَّ بابَ المعرفة على نفسِك، وتأْخذَها عن الفهم والتفهُّم، وتعوِّدَها الكسَل والْهُوَيْنا. قال الجاحظُ:
"وكلامٌ كثيرٌ قد جَرى على ألسنةِ الناس، وله مَضَرّةٌ شديدةٌ وثمرةٌ مُرَّةٌ. فمِنْ أَضَرَّ ذلك قولُهم: "لم يَدَع الأولُ للآخِرِ شَيئاً"، قال: فلو أنَّ علماءَ كلِّ عصر مذجرت هذه الكلمةُ في أسمْاعهم، ترَكُوا الاستنباطَ لِمَا لَمْ يَنتهِ إِليهم عَمَّن قَبْلَهم، لرأيتَ العِلم مُختلاًّ. واعلمْ أنَّ العلمَ إِنما هو معدِنٌ2، فكما أنه لا يمنعك أن ترى ألوف وِقْرِ قد أُخرجَتْ من معدنِ تبْرٍ3، أنْ تطلُبَ فيه، وأن تأخُذَ ما تَجد ولو كَقَدْرِ تُومةٍ4، كذلكَ، ينبغي أن يكون رأيْكَ في طلبِ العلمِ"5. ومنَ الله تعالى نَسألُ التوفيق.
__________
1 "وأن تعرف العلة"، يعني "معرفتك العلة .... أحرى من النار تسد باب المعرفة".
2 المعدن" هو الموضع الذي تستخرج منه جواهر الأرض كالذهب والفضة، وهو الذي نسميه اليوم المنجم".
3 في المطبوعة وحدها: "ألف وقر" و "الوفر" بكسر فسكون، جمل ما يحمله البعير أو البغل. و "التبر"، الذهب.
4 "التومة"، حبة تعمل من الفضة كالدرة مستديرة.
5 نص الجاحظ هذا، أعيان أن أقف عليه في كتبه التي بين يدي الآن.
(1/292)

باب اللفظ والنظم: فصل في المجاز الحكمي
فصل: هذا فَنٌّ من المجازِ لم نذكره فيما تقدم
بين في المجاز الحكمي، وأمثلته وهو كنز من كنوز البلاغة:
347 - إِعلم أنَّ طريقَ المجازِ والاتِّساعِ في الذي ذكَرْناه قبلُ1، أنَّكَ ذكرتَ الكلمةَ وأنتَ لا تُريد معناها، ولكنْ تُريد معنىً ما هو رِدْفٌ له أو شبيهٌ، فتجوَّزْتَ بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه. وإذا قد عرفْتَ ذلكَ فاعلمْ أنَّ في الكلامِ مجازاً على غيرِ هذا السبيلِ، وهو أن يكونَ التجوُّزُ في حُكْم يَجْري على الكلمة فقط، وتكونَ الكلمةُ متروكةً على ظاهرِها، ويكونُ معناها مقصوداً في نفسهِ ومُراداً مِنْ غَير توريةٍ ولا تعريض.
348 - والمثالُ فيه قولُهم "نهارُك صائم وليلك قائم" و "نام ليلي وتجلَّى همي"، 2 وقولُه تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16]، وقول الفرزدق:
سَقَتْهَا خُروقٌ في المَسامِع، لَمْ تَكُنْ ... عِلاطاً، ولا مخبوطة في الملاغم3
__________
1 انظر ما سلف من رقم: 57، وما بعدها.
2 "نام ليلى وتجلي همي"، سيأتي برقم: 349، فانظره.
3 ليس في ديوان الفرزدق، وهو له في الكامل للمبرد 1: 45، وسيأتي رقم 467 وفي المطبوعة وحدها: "سقاها" هنا وفيما سيأتي. والضمير في "سقتها" للإبل. و "العلاط" وسم يكون في عتق البعير عرضًا، خطأ أو خطين أو خطوطًا في كل جانب. و "الخياط" سمه فوق الحد، والناقة. "مخبوطة" عليها هذه السمة. و "الملاغم"، ما حول الفم مما يبلغه اللسان ويصل إليه، من اللغام"، وهو زيد أفواه الإبل. ويقول: لم تكن هذه سمات إبله، بل سماتها خروق في آذانها، فلما رآها الذائدون عن الحوض سقوها، وإنما يسقونها لعرة أصحابها. فكان الحروق في المسامع هي التي أوردتها الماء وكفت الذائدين عنها.
(1/293)

أنت ترى مجازاً في هذا كلِّه، ولكنْ لا في ذَواتِ الكَلِم وأنْفُس الألفاظِ، ولكنْ في أحكامٍ أُجْرِيَتْ عليها. أفلاَ تَرى أنك لم تتجوَّز في قولك: "نهارُكَ صائمٌ وليلُك قائم" في نفس "صائم، و "قائم"، ولكنْ في أنْ أجْرَيْتَهما خَبَرَيْنِ على النَّهارِ والليلِ. وكذلك ليس المجازُ في الآية في لفظة "ربحتْ" نفسِها، ولكن في إِسنادها إِلى التجارة. وهكذا الحكمُ في قولهِ: "سقتها خروق" ليس التجوّزُ في نفس "سقتها"، ولكنْ في أن أسْنَدَها إِلى الخُروق. أفلا ترى أنك لا تَرى شيئاً منها إلاَّ وقد أريدَ به معناه الذي وُضِع له على وجهِه وحقيقتِه، فلم يُرِدْ بصائمٍ غيرَ الصَّوْمِ، ولا بقائمٍ غيرَ القيام، ولا بربحت غير الريح، ولا بسقت غير السقى، كما أريد "بسالت" في قوله:
وسالتْ بأعناقِ المطيِّ الأباطِحُ1
غيرَ السَّيْلِ.
349 - واعلمْ أنَّ الذي ذكرتُ لك في المجاز هناك2، مِنْ أنَّ مِنْ شأنِه أنْ يفْخُمَ عليه المعنى وتحدُثَ فيه النباهةُ، قائمٌ لك مثلُه ههنا، فليس يَشْتَبِه عَلى عاقلٍ أنْ ليس حالُ المعنى وموقعه في قوله:
فنامَ لَيْلي وتجلَّى همِّي3
كحالِه وموقِعِه إذا أنتَ تركتَ المجازَ وقلتَ: "فنمتُ في ليلي وتجلى
__________
1 سلف في رقم: 70.
2 يعني فيما سلف رقم: 57، وما بعده.
3 هو رجز رؤية في ديوانه، يقوله للحارث بن سليم، وقبله:
حارث، وقد فرجت عني غمي
(1/294)

همِّي"، كما لم يكنِ الحالُ في قولكُ: "رأيتُ أسداً"، كالحالِ في "رأيتُ رجلاً كالأسدِ". ومَنْ الذي يَخْفى عليه مكانُ العُلُوِّ وموضِعُ المزية وصورةُ الفُرقان بينَ قولِه تعالى {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ}، وبينَ أنْ يُقال: "فما رَبحوا في تجارتِهم؟ ".
350 - وإنْ أردتَ أَنْ تزدادَ للأمرِ تَبيُّناً، فانظر إلى بيت الفرزدق:
يَحْمي إذا اختُرِطَ السيوفُ نِساءَنا ... ضَرْبٌ تطيرُ لَه السواعدُ أرعَلُ1
وإلى رَونِقه ومائِه، وإلى ما عليه مِنَ الطَّلاوة. ثم ارْجِع إلى الذي هو الحقيقةُ وقُل: "نحمي إذا اخْتُرِطَ السيوفُ نساءَنا بضربٍ تطيرُ له السواعدُ أرعلِ"، ثم اسْبرْ حالَكَ؟ هل ترَى مما كنتَ تراه شيئاً؟
351 - وهذا الضربُ منَ المجاز على حدَّته كنزٌ من كنوزِ البلاغةِ، ومادَّةُ الشاعرِ المُفْلِق والكاتبِ البليغِ في الإِبداع والإحسانِ، والاتِّساع في طرقِ البيان، وأنْ يجيءَ بالكلام مَطبوعاً مصنوعاً، وأن يضَعه بَعيدَ المرامِ، قريباً منَ الأفهامِ. ولا يَغُرَّنَّكَ مِنْ أمرِه أنَّك تَرى الرجُلَ يقولُ: "أتى بيَ الشوقُ إلى لقائكَ، وسارَ بيَ الحنينُ إلى رؤيتك، وأقدَمني بلدَك حقٌّ لي على إنسان"، وأشباهُ ذلك مما تَجدُه لِسَعَته وشُهْرته يَجْري مَجْرى الحقيقةِ التي لا يُشْكِلُ أمرُها، فليس هو كذلك أبداً، بل يَدِقُّ ويَلْطُفُ حتى يَمْتِنعَ مثْلُه إلاَّ على الشاعرِ المُفْلِقِ، والكاتبِ البليغِ، وحتى يأتيَك بالبِدعةِ لم تَعرفْها، والنادرةِ تأنَقُ لها.
__________
1 البيت في ديوانه، و "اخترط السيف"، و "أرعل"، يريد ضرب أهوج لا يبالي ما أصاب، ومثله "أرعن".
(1/295)

352 - وجملةُ الأمرِ أنَّ سبيلَه سبيلُ الضرْبِ الأولِ الذي هو مجازٌ في نفسِ اللفظ وذاتِ الكلمة، فكما أنَّ مِن الاستعارة والتَّمثيل عاميَّا مثل: "رأيت أسدًا" و "وردت بحرًا"، و "شاهدت بدرًا"، و "سل من رأيه سيفاً ماضياً"1، وخاصّياً لا يكمُلُ له كل أحد، مثله قوله:
وسالتْ بأعْناقِ المطيِّ الأباطحُ2
كذلك الأمرُ في هذا المجازِ الحُكْميِّ.
353 - واعلمْ أنه ليس بواجبٍ في هذا أن يكونَ للفعل فاعلٌ في التقدير إذا أنتَ نَقَلْتَ الفعلَ إليه عدْتَ به إلى الحقيقة، مثلَ أنَّكَ تقول في: {رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16] 3 "ربحوا في تجارتهم"، وفي "يحمي نسائنا ضَرْبٌ"4، "نَحمي نساءنا بضرب" فإِنَّ ذلك لا يتأتَّى في كلِّ شيءٍ. ألا تَرَى أنه لا يُمكِنُكَ أن تُثْبِتَ للفعل في قولك: "أقدَمني بلدَك حقٌّ لي على إنسان"5، فاعلاً سوى الحقِّ، وكذلك لا تستطيعُ في قولهِ:
وصيَّرني هَواكِ وَبي ... لِحَيني يُضْرَبُ المَثَلُ6
وقوله:
يزيدُكَ وجْهُهُ حُسْناً ... إِذا ما زِدْتَه نَظَرا7
__________
1 "ماضيًا"، من "ج" و "س".
2 مضى برقم: 348.
3 انظر رقم: 347، 349.
4 انظر رقم: 349.
5 انظر رقم: 351.
6 انظر الشعر في الفقرة رقم: 82، لابن البواب، ولغيره.
7 لأبي نواس في ديوانه.
(1/296)

أنْ تزعُمَ أنَّ "لصيَّرني" فاعلاً قد نُقِلَ عنه الفعلُ، فجُعِلَ "للهوى" كما فُعِلَ ذلك في "ربحت تجارتهم" و "يحمي نساءنا ضرْبُ"، ولا تستطيعُ كذلك أن تُقدِّر "ليزيد" في قوله: "يزيدُك وجهُه" فاعلاً غيرَ "الوجهِ"، فالاعتبار إذنْ بأنْ يكونَ المعنى الذي يرجِعُ إليه الفعلُ موجوداً في الكلام على حقيقته.
معنى ذلك أن "القدوم" في قولك: "أقدمي بلدَك حقٌّ لي على إنسان"، موجودٌ على الحقيقة، وكذلك "الصيرورةُ" في قوله: "وصيَّرني هواك"، و "الزيادة" في قوله: "يزيدُك وجهُه" موجودتان على الحقيقة، وإذا كان معنى اللفظِ موجوداً على الحقيقةِ، لم يكُنِ المجازُ فيه نَفْسَه، وإِذا لم يكنِ المجازُ في نفسِ اللفظِ، كان لا مَحالة في الحُكْم. فاعرفْ هذه الجملةَ، وأَحْسِنْ ضبْطَها، حتى تكونَ على بصيرةٍ من الأمر.
354 - ومنَ اللطيف في ذلك قولُ حاجزِ بنِ عوف:
أَبي عَبَرَ الفوارسَ يومَ دَاجٍ ... وعمِّي مالكٌ وضع السهاما
فلو صاحبتنا لرضيت منا ... إذا لم تعبق المائة الغلاما1
__________
1 حاجز بن عوف بن الحارث الأردي، جاهلي صعلوك عداء، والشعر في الأغاني 13: 210، 211 ورواية صاحب الأغاني "أبي ربع الفواس ... "، أي أخذ ربع الغنائم. وأما "عبر الفرواس"، كما هنا، فهي بمعنى، استدل لهم حتى يعرف من أمرهم ما يعنيه، وذلك لأن أباه قال لأصحابه: "انزلوا حتى أعبتر لكم" و "يوم داج"، قال صاحب الأغاني، أغار عوف بن الحارث ... على بني هلال بن عامر بن صعصعة في يوم داج مظلم"، والذي يظهر أن "داج" اسم موضع، والله أعلم. وقوله "وعمي مالك"، فقال صاحب الأغاني هو "عم أبيه: مالك بن ذهل بن سلامان الأزدي" ثم فسر قوله: "وضع السهاما"، في قصة طويلة. وقوله: "لم تغبق المئة"، هو من "الغبوق"، وهو شرب اللبن آخر النهار. وشرحه الشيخ بعد. وفي المطبوعة وحدها "لرضيت عنا".
(1/297)

يُريد إذا كان العامُ عامَ جَدْب وجفَّت ضروعُ الإبل، وانقطع الدَّرُّ، حتى إن حلَبَ منها مئةٌ لم يَحْصل من لبنها ما يكونُ غَبُوقَ غلامٍ واحدٍ. فالفعلُ الذي هو "غبَق" مستعملٌ في نفسه على حقيقته، غيرَ مخرج من معناهُ وأصْلِه إلى معنى شيءٍ آخر، فيكونُ قد دخلَه مجازٌ في نفسِه، وإنما المجازُ في أن أُسنِد إلى الإِبلِ وجُعِل فِعْلاً لها، وإسنادُ الفعلِ إلى الشيءِ حُكْم في الفعلِ، وليس هو نفسَ معنى الفعلِ، فاعرفْه.
ليس كل شيء يصلح للمجاز الحكمي بسهولة، ومثال ذلك:
355 - واعلمْ أنَّ مِن سبَب اللطفِ في ذلك أنَّه ليس كلُّ شيء يَصْلُح لأن يُتعاطى فيه هذا المجازُ الحُكْمي بسهولةٍ، بل تَجدُك في كثيرٍ من الأمر، وأنتَ تحتاجُ إلى أن تُهيِّئَ الشيءَ وتصلِحَه لذلك، بشيءٍ تتوخاه في النظْم. وإنْ أرَدْت مثالاً في ذلك فانظْر إلى قوله:
تناسَ طِلابَ العامِريَّة إذْ نأتْ ... بأسْجَحَ مِرْقالِ الضُّحَى قَلقِ الضَّفْرِ
إذا ما أحسَّتْهُ الأفاعي تحيَّزتْ ... شواةُ الأفاعي مِنْ مُثَلَّمةٍ سُمْرِ
تجوبُ له الظَّلْماءَ عينٌ كأنَّها ... زجاجةُ شَرْبٍ غيرُ مَلأى ولا صِفْرِ1
يَصِفُ جَملاً، ويريد أنه يهتديَ بنورِ عينِه في الظلْماءِ، ويُمكنه بها أن يَخْرُقَها ويمضيَ فيها، ولولاها لكانتِ الظلماءُ كالسدِّ والحاجزِ الذي لا يجد شيئًا
__________
1 "أسجح"، يعني خده، قليل اللحم سهل طويل، يعني بعيرًا. و "مرقال الضحى"، كثيرة الإرقال. وهو سرعة السير، و "فلق الضفر"، وهو ما شددت به البعير من الشعر المضفور، وقلق لضمره من طول السير. و "تحيزت الأفعى، وتحوزت، وانحازت"، تلوت وتقبضت وتحرقت. و "شواة الأفعى" يعني جلدها. و "المثلمة" التي انسكر حرفها، يعني مناسم البعير.
(1/298)

يفرجه به، ويجعل لنفسه فيه سبيلًا. فأت الآن تعلم أن لولا أنه قال: "تجوبُ له": فعلَّق "له الحبوب، لَمَا صلحَتْ "العَينُ" لأن يُسْنَد "تجوب" إليها، ولكان لا تَتَبَيَّنُ جهةَ التجوُّز في جعْل "تجوب" فعَلاً للعين كما ينبغي. وكذلك تَعْلم أنه لو قال مثلاً: "تجوبُ له الظلماءَ عينُه"، لم يكنْ له هذا الموقعُ، ولاضطْرَبَ عليه معناهُ، وانقَطَع السِّلْكُ من حيثُ كان يَعيبه حينئذٍ أن يَصِفَ العينَ بما وصفَها به الآنَ1 فتأملْ هذا واعتَبِرْهُ. فهذه التهيئةُ وهذا الاستعدادُ في هذا المجاز الحُكْمي، نظيرُ أنك تَراك في الاستعارةِ التي هي مجازٌ في نفسِ الكلمةِ وأنتَ تحتاجُ في الأمر الأكثرِ إلى أنْ تُمهِّد لها وتُقدِّم أو تؤخِّر ما يُعْلَمُ به أَنكَ مستعيرٌ ومُشبِّهٌ، ويُفتَحُ طريقُ المجاز إلى الكلمة.
356 - ألا تَرى إلى قوله:
وصاعقةٍ من نَصْلِه يَنْكفي بها ... عَلى أَرْؤُسِ الأقرانِ خمسُ سحائبِ2
عنَى بخمسِ السحائبِ، أناملَه، ولكنه لم يأتِ بهذه الاستعارة دفعةَ، ولم يَرْمها إليك بغْتةً، بل ذكر ما يُنْبئ عنها، ويُسْتَدلُّ به عليها، فذكَر أن هناكَ صاعقةً، وقال: "مِنْ نصلِه"، فبيَّن أنَّ تلك الصاعقة من نصل سيفه ثم قال: "أروس الأقرانِ"، ثم قال: "خمسُ"، فذكر "الخمسَ" التي هي عدَدُ أناملِ اليدِ، فبانَ مِن مجموعِ هذه الأمور غرضه.
357 - وأنشدوا لبعض العرب:
فإنْ تعافُوا العدلَ والإيْمانا ... فإنَّ في أيْمَاننا نيرانا3
__________
1 في المطبوعة: "يعيبه"، وفي "س": "يعينه".
2 هو للبحتري في ديوانه.
3 الرجز في الخصائص 3: 176، ومعاهد التنصيص 2: 131 غير منسوب.
(1/299)

يريدُ أنَّ في أيماننا سيوفاً نَضْربكُم بها، ولولا قولُه أوَّلاً: "فإِنْ تعافوا العدلَ والإيمانَ"، وأنَّ في ذلك دلالةً على أنَّ جوابَه أنَّهم يُحَارَبُون ويُقْسَرُون على الطاعةِ بالسيفِ، ثم قولُه: "فإنَّ في أيماننا"، لمَا عُقِلَ مرادُه، ولما جازَ له أنْ يَستعيرَ النيرانَ للسيوفِ، لأنه كان لا يَعْقِل الذي يُريد، لأنَّا وإنْ كنَّا نقول: "وفي أيديهم سيوفٌ تلمع كأَنها شُعَلُ نارٍ"1 كما قال:
ناهضتَهُمْ والبارقاتُ كأنَّها ... شُعَلٌ على أيديهِمُ تَتَلهَّبُ2
فإنَّ هذا التشبيه لا يبلُغُ مَبْلَغَ ما يُعْرَفُ مَعَ الإِطلاق، كمعرفتنا إذا قال: "رأيتُ أسداً"، أنهُ يُريد الشجاعةَ، وإذا قال: "لقيتُ شمساً وبدراً"، أنه يُريدُ الحُسْنَ ولا يقوى تلك القوة، فاعرفه3.
ضرب مما طريق المجاز فيه، هو "الحكم"، ومثال وبيانه:
358 - وممَّا طريقُ المَجاز فيه الحكْمُ، قولُ الخنساء:
تَرْتَعُ ما رتعَتْ، حَتّى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنَّما هيَ إقْبالٌ وإِدبارُ4
وذاك أنها لم تُرِدْ بالإِقبال والإِدبارِ غيرَ معناهُما، فتكونَ قد تجوَّزت في نفسِ الكلمةِ، وإنما تجوَّزَتْ في أَنْ جعلَتْها لكثرةِ ما تُقبِلُ وتُدْبِرُ، ولِغَلَبة ذاكَ عليها واتصاله منها5، وإنه لم يكن لها حال غيرها، كأنها قد تجسمت من الإقبال
__________
1 في المطبوعة وحدها: "شغل النيران".
2 هو للبحتري في ديوانه.
3 السياق "فإن هذا التشبيه لا يلغ مبلغ ما يعرف ... ولا يقوى تلك القوة".
4 هو في ديوانها، تقوله في بقرة وحشية فقدت ولدها، وأدنوا إليها "بوا"، فحنت، وقبله:
فما عجول على بو تطيف به ... لها حنينان إصغار وإكبار
5 في "المطبوعة، و "س": "واتصاله بها".
(1/300)

والإِدبارِ. وإِنما كان يكونُ المجازُ في نفْس الكلمةِ، لو أنها كانت قد استعارتِ "الإقبالَ والإدبارَ" لمعنىً غيرِ معناهُما الذي وُضعا له في اللغة. ومعلومٌ أنْ ليس الاستعارةُ مما أرادته في شيء.
تنبيه على فساد من جعل هذا المجاز من باب ما حذف منه المضاف، وأقيم المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه:
359 - واعلمْ أنْ ليس بالوجهِ أنْ يُعَدَّ هذا على الإِطلاق مَعدَّ ما حُذِفَ منه المضافُ وأقيمَ المضافُ إليه مُقامه، مثلَ قولِه عزَّ وجل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَة} [يوسف: 82]، ومثل قول النابغة الجعدي:
وكيفَ تُواصِلُ مَنْ أصْبَحَتْ ... خُلاَلَتُهُ كأَبي مَرْحَبِ1
وقول الأعرابي:
حَسِبْتَ بُغَام راحلتي عنَاقا ... وما هيَ وَيْبَ غَيْرِك بالعَنَاقِ2
وإنْ كنَّا نراهُم يذكرونَه حيثُ يذكرون حذف المضاف3، ويقولون
__________
1 في مجموع شعره، و "الخلالة" الصداقة، و "أبو مرحب"، كنية الذئب. ويقال: "أبو مرحب" للرجل الحسن الوجه، يلقاك ببشره، وباطنه خلاف ما نرى، أكنه الذي يقول لك: "مرحبًا"، بلسانه، وقلبه غير مرحب. وكان في "ج": "من أبي مرحب" وذكر الأخرى في الهامش.
2 الشعر لذى الخرق الطهوى، يخاطب الذئب، في نوادر أبي زيد: 116، ومجالس ثعلب: 76، 185، وتفسير الطبري 3: 103، يقولها لذئب تبعه في طريقه، وقيل البيت:
ألم تعجب لذئب باتب يسرى ... ليؤذن صاحبًا له باللحاق
و"البغام"، صوت الظبية والناقة وحنينهما. و "العتاق": أنثى المعز, وفي هامش المطبوعة بخط الناسخ ما نصه:
"يخاطب ذئبًا، أي حسبت ناقتي عناقًا، وبغامها بغام عناق"
3 الضمير في "يذكرونه" لبيت الخنساء في الفقرة السالفة
(1/301)

إنه في تقدير: "فإِنما هي ذاتُ إقبالٍ وإدبارٍ"، ذاكَ لأنَّ المضافَ المحذوفَ مِن نحوِ الآية والبيتينِ، في سبيل ما يُحْذفُ من اللفظِ ويُرادُ في المعنى، كمثل أن يُحْذَفَ خبر المبتدإ والمبتدأ، إذا دَلَّ الدليلُ عليه إلى سائرِ ما إذا حُذِفَ كان في حكْم المنطوق به.
وليس الأمرُ كذلك في بيتِ الخنساء، لأنَّا إِذا جعلْنا المعنى فيه الآن كالمعنى إِذا نحنُ قلنا: "فإِنما هي ذاتُ إقبالٍ وإدبارٍ"، أفسَدْنا الشِّعرَ على أنفسِنا وخرَجْنا إلى شيءٍ معسول، وإلى كلامٍ عامِّيٍّ مرذولٍ، وكان سبيلُنا سبيلَ من يزعم مثلًا في بيت المتبني:
بدَتْ قَمراً، ومالتْ خُوطَ بانٍ، ... وفاحَتْ عَنْبَراً، ورنَتْ غَزالا1
أَنه في تقديرِ محذوفٍ، وأنَّ معناه الآن كالمعنى إذا قلتَ: "بدتْ مثلَ قمرٍ، ومالتْ مثلَ خوطِ بانٍ، وفاحَتْ مثلَ عنبرٍ، ورَنَتْ مثلَ غَزالٍ"، في أنَّا نَخْرجُ إلى الغَثاثة، وإلى شيءٍ يَعْزِلُ البلاغةَ عن سلطانها، ويخْفِضُ من شأنها، ويَصُدُّ أوجُهَنا عن محاسنها، ويسد باب المعرفة وبلطائفها علينا.
فالوجْهُ أن يكون تقديرُ المضافِ في هذا على المعنى أنه لو كان الكلامُ قد جيءَ بهِ على ظاهرهِ ولم يُقْصدْ إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتِّساع، وأنْ تُجْعَلَ الناقةُ كأَنها قد صارتْ بجملتها إقبالاً وإدباراً، حتى كأَنها قد تجسَّمَتْ منهما، لَكانَ حقُّه حينئذٍ أن يُجاء فيه بلفظِ "الذاتِ" فيُقال: "إنما هي ذاتُ إقبالٍ وإدبارٍ". فأَمَّا أن يكونَ الشعرُ الآن موضوعاً على إرادةِ ذلك وعلى تنزيلهِ منزلةَ المنطوقِ به حتى يكونَ الحالُ فيه كالحال في:
__________
1 هو في ديوانه.
(1/302)

حسبتَ بُغَامَ راحِلتي عَناقاً
حينَ كان المعنى والقصْدُ أن يقولَ: "حسبتَ بغامَ رَاحلتي بغامَ عناق"1، فمما لا مساغَ له عندَ مَنْ كان صحيحَ الذوق صحيح المعرفة نسابة للمعاني.
__________
1 السياق: "فأَمَّا أن يكونَ الشعرُ الآن موضوعاً على إرادة ذلك ... فمما لا مساغ له".
(1/303)

باب اللفظ والنظم: فصل منه
فصل:
مسألة في تفسير: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قلب"، ومعنى "القلب"
360 - هذه مسئلة قد كنتُ عمِلْتُها قديماً، وقد كتبتُها ههنا لن لها اتصالاً بهذا الذي صارَ بنا القولُ إليه. قولُه تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 27]، أي لِمَنْ أعْمَلَ قلْبَه فيما خُلِق القلبُ لهُ مِنَ التدبُّر والتفكُّر والنظرِ فيما ينبغي أن يُنْظَرَ فيه. فهذا على أن يُجْعلَ الذي لا يَعِي ولا يسَمعُ ولا يَنْظرُ ولا يتفكَّرُ، كأنه قد عَدِمَ القلبَ من حيثُ عَدِمَ الانتفاعَ به، وفاتَه الذي هو فائدةُ القلبِ والمطلوب منه كما يجعل الذي لا يَنْتفِعُ بِبصرِهِ وسَمْعه ولا يُفكِّر فيما يؤدِّيان إليه، ولا يَحْصُل من رؤية ما يُرَى وسَماعِ ما يُسْمَعُ على فائدةٍ، بمنزلةِ مَنْ لا سَمْعَ له ولا بَصَرَ.
فأمَّا تفسيرُ مَنْ يُفَسِّرهُ على أنه بمعنى "من كان له عقلٌ"، فإِنه إنما يَصحُّ على أن يكونَ قد أرادَ الدلالةَ على الغرضِ على الجملة، فأمَّا أن يؤخذَ به على هذا الظاهر حتى كأنَّ "القلبَ" اسمٌ "للعقل"، كما يتوهمه الحَشْوِ ومَنْ لا يَعرِفُ مخارِجَ الكلامِ1، فمحالٌ باطلٌ، لأنه يؤدي إلى إبطالِ الغرَضِ من الآيةِ، وإلى تَحْريفِ الكلامِ عن صورتِه، وإزالةِ المعنى عن جهته. وذاك أنَّ المرادَ به الحثُّ على النظرِ، والتقريعُ على تَرْكه، وذمُّ مَنْ يُخِلُّ به وَيغْفِل عنه. ولا يَحْصُل ذلك إلا بالطريقِ الذي قدَّمْتُه، وإلاَّ بأنْ يكونَ قد جُعِل من لا يَفْقَه بقلبهِ ولا يَنْظُر ولا يَتفكَّر، كأنه ليس بذي قلبٍ، كما يُجْعَل كأنه جمادٌ، وكأنه ميْتٌ لا يَشْعر ولا يُحِسّ. وليس سبيلُ مَنْ فسَّر "القلبَ" ههنا على "العقل"، إلا سبيلَ من
__________
1 في المطبوعة: "أهل الحشو"، وهو فساد. و "الحشو" من الكلام، الفضل الذي لا يعتمد عليه. و "الحشو" من الناس صغارهم وأراذلهم.
(1/304)

فسر عليه "العين" و "السمع" في قول الناس: "هذا بَيِّنٌ لمن كانت له عَينٌ، ولِمَنْ كان له سَمْع" وفسَّرَ "العمى" و "الصمم" و "الموت" في صفةِ من يُوصَفُ بالجهالة، على مُجرَّد الجهل، وأجْرى جميعَ ذلك على الظاهر، فاعرفْه.
361 - ومن عادةِ قومٍ ممَّن يتعاطى التفسيرَ بغير علمٍ، أن يتوهَّموا أبداً في الألفاظ الموضوعةِ على المجاز والتمثيلِ، أنها على ظواهرِها، فُيُفسدوا المعنى بذلك، ويُبطلوا الغرضَ، ويمنعوا أنفسَهم والسامعَ منهم العلمَ بموضع البلاغة، ومكان الشرف. وناهيكَ بهم إِذا هم أخذوا في ذكرِ الوجوه، وجعَلوا يُكثرون في غيرِ طائل، هناكَ تَرى ما شئتَ من بابِ جهلٍ قد فتَحُوه، وزنْدِ ضلالةٍ قد قَدَحوا به، ونسألُ الله تعالى العصمة والتوفيق.
(1/305)

فصل:
فصل دقيق في "الكناية"، وإثبات الصفة عن طريقها، وأمثلة ذلك:
362 - هذا فنٌّ من القول دقيق المسلك، لطيفُ المأخذ، وهو أَنَّا نراهم كما يصنعون في نفسِ الصفة بأن يذهبوا بها مذهب الكنايةِ والتعريضِ، كذلك يذهبون في إِثباتِ الصفة هذا المذهبَ. وإذا فعلوا ذلك، بدتْ هناك محاسنُ تملأ الطرْفَ. وَدقائقُ تُعجزُ الوصفَ، ورأيتَ هنالك شعراً شاعراً، وسحْراً ساحراً، وبلاغةً لا يكمل لها إلا الشاعرُ المُفْلِق، والخطيبُ المِصْقَع. وكما أنَّ الصفةَ إذا لم تأتِكَ مُصرَّحاً بذِكْرها، مكشوفاً عن وجهها، ولكن مدلولاً عليها بغيرها، كان ذلك أفخمَ لشأنها، وألطفَ لمكانِها، وكذلك إثباتك الصفة للشيء ثبتها له، إِذا لم تُلْقِه إلى السامع صريحاً، وجئتَ إليه من جانبِ التعريضِ والكنايةِ والرمزِ والإِشارة، كان له من الفضلَ والمزيَّة، ومن الحسْن والرونق، ما لا يقلُّ قليلُه، ولا يُجْهَلُ موضِعُ الفضيلةِ فيه.
363 - وتفسيرُ هذه الجملةِ وشرحُها: أنهم يرومون وصْفَ الرجل ومدْحَه، وإثباتَ معنًى من المعاني الشريفةِ له، فيَدَعونَ التصْريحَ بذلك، ويُكَنُّونَ عن جَعْلها فيه بِجَعْلها في شيءٍ يَشْتمِلُ عليه وَيتَلبَّس به، ويتوصَّلون في الجملة إلى ما أَرادوا من الإِثباتِ، لا من الجهةِ الظاهرةِ المعروفةِ، بل من طريقٍ يَخْفى، ومَسْلكٍ يَدِقُّ؟ ومثالُه قولُ زيادٍ الأعجمِ:
إنَّ السَّماحَةَ والمُروءةُ والنَّدَى ... في قُبَّةِ ضُرِبَتْ على ابْنِ الحَشْرجِ1
__________
1 الشعر في الأغاني 15: 386 "الدار"، وكان زياد الأعجم نزل على عبد الله بن الحشرج وهو باسبور، فأنزله وألطفه. وفي هامش المخطوطة "ج" ما نصه: وبعده.
ملكٌ أغَرُّ مُتَوَّجٌ ذُو نائِلٍ ... للمُعْتَفِيْنَ، يَمِيْنهُ لَم تَشْنَجِ
يا خَيْرَ من صَعِدَ المنابِرَ بالتُّقى ... بعدَ النَّبِيِّ المُصْطفى المُتَحَرِّجِ
لمَّا أَتَيْتُكَ رَاجِياً لِنَوالِكُمْ ... أَلفَيْتُ بَابَ نوالِكُمْ لَمْ يرتج
(1/306)

أرادَ، كما لا يخفى، أنْ يُثْبِتَ هذه المعاني والأوصافَ خلالاً للمدوح وضرائبَ فيه1، فتركَ أنْ يُصرَّحَ فيقولَ: "إنَّ السماحةَ والمروءةَ والندى لمجموعةٌ في ابنِ الحَشْرج، أو مقصورةٌ عليه، أو مختصَّة به"، وما شاكَلَ ذلك مما هو صريحٌ في إثباتِ الأوصافِ للمذكورين بها، وعدَلَ إِلى ما تَرى مَن الكناية والتَّلويح، فجعل كونَها في القُبَّة المضروبةِ عليه، عبارةً عن كونها فيه، وإِشارةً إِليه، فخرَجَ كلامُه بذلك إِلى ما خَرَجَ إِليه منَ الجَزالةِ، وظهرَ فيه ما أنت تَرى منَ الفخَامة، ولو أنه أَسْقَط هذه الواسِطَة من البَيْن، لما كان إِلاَّ كلاماً غُفْلاً، وحديثاً ساذَجاً.
364 - فهذه الصنعةُ في طريقِ الإثباتِ، هي نظيرُ الصنعةِ في المعاني، إِذا جاءتْ كناياتٍ عن معانٍ آخَر، نحو قوله:
وما يَكُ فيِّ مِنْ عيبٍ فإنِّي ... جبانُ الكلبِ مهزولُ الفَصيل2
فكما أَنَّه إِنَّما كان مِنْ فاخرِ الشِّعر، وممَّا يقَعُ في الاختيار3، لأجل أنه أَرادَ أنْ يذْكُرَ نفسَه بالقرى والضيافةِ، فكنَّى عن ذلك بجُبْنِ الكَلْب وهُزالِ الفصيلِ، وتَرَكَ أن يُصرِّحَ فيقولَ: "قد عُرِفَ أنَّ جَنابِي مألوف، وكلبي
__________
1 "الضرائب" جمع "ضريبة". وهي الخليقة والسجية والطبيعة.
2 غير منسوب، في شرح الحماسة للتبريزي 4: 93، والحيوان 1: 384، وهو بيت عائر، إلا ثاني له، وقد سلف شطره في رقم: 306.
3 يعني اختيار أبي تمام له في الحماسة.
(1/307)

مؤدَّبٌ لا يَهِرُّ في وجوهِ مَنْ يَغْشاني من الأضياف، وأني أنحر المتالي من إبل، وأَدَعُ فِصالَها هَزْلى"1 كذلك، إِنما راقَكَ بيتُ زياد، لأنه كنَّى عن إثباتِه السماحةَ والمروءةَ والندى كائنةً في الممدوحِ، بجعلها كائنةً في القبةِ المضروبةِ عليه.
365 - هذا، وكما أنَّ مِنْ شأنِ الكنايةِ الواقعةِ في نفسِ الصفةِ أن تجيءَ على صورٍ مختلفةٍ، كذلك مِنْ شأنها إذا وقعَتْ في طريقِ إثباتِ الصفةِ أنْ تجيءَ على هذا الحدِّ، ثم يكونُ في ذلك ما يتناسَبُ، كما كان ذلك في الكنايةِ عن الصفةِ نفسِها.
تفسيرُ هذا: أنك تَنظُرُ إِلى قولِ يزيد بن الحَكَم يمدح به يزيدَ بنَ المهلَّبِ، وهو في حَبْسِ الحَجّاجِ:
أَصْبَحَ في قَيْدِكَ السَّمَاحَةُ والمجدُ ... وفَضْلُ الصَّلاحِ والحسَبُ2
فتراه نظيراً لبيتِ "زياد"، وتَعْلم أنَّ مكان "القيد" ههنا هو مكانُ "القبَّة" هناك.
كما أنَّك تَنْظُر إلى قوله: "جبانُ الكلب"، فتعلمُ أنَّه نظيرٌ لقوله:
زجرت كلابي أن يهر عقورها3
__________
1 "المتالي" الأمهات من النوق تتلوها أولادها وتتبعها.
2 هو من شعره في الأغاني 12: 291، "الدار".
3 هو شعر شبيب بن البرصاء، في الأغاني 12: 275، "الدار" وتمامه:
ومستنبح يدعو وقد حال دونه ... من الليل سجفا ظلمة وستورها
رفعت له ناري، فلما اهتدى بها ... زجرتُ كلابي أَنْ يهِرَّ عَقُورها
(1/308)

مِنْ حَيثُ لم يكُنْ ذلك "الجبنُ" إلاَّ لأَنْ دامَ منهُ الزجْرُ واستمرَّ، حتى أخرجَ الكَلْبَ بذلك عمَّا هو عادتُه منَ الهَريرِ والنَّبْح في وجْه مَنْ يَدْنو مِنْ دارٍ هو مُرْصَدٌ لأن يَعُسَّ دونها.
وتنظُرُ إلى قولهِ: "مهزولُ الفصيل"، فتعلمُ أنه نظيرُ قولِ ابن هَرْمَةَ:
لا أُمْتِع العُوذَ بالفصال1
وتنظُر إلى قول نصيب:
لِعَبْدِ العَزيزِ على قَوْمِهِ ... وغيرهمُ منَنٌ ظاهِرَهْ
فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولةعامرة
وكلبك آنس بالزائين ... مِنَ الأُمّ بالإبْنَةِ الزائرَهْ2
فَتَعلمُ أنه من قول الآخر:
يكادُ إذا ما أبصرَ الضيفَ مَقْبلاً ... يَكلّمه مِنْ حُبِّهِ وهْوَ أَعْجَمُ3
وأنَّ بينهُما قرابةً شديدة ونسبًا لاصقًا، وأن صورتهما فيفرط التناسُب صورةُ بيتَي "زيادٍ" و"يزيدَ".
366 - ومما هو إثباتٌ للصفةِ على طريقِ الكنايةِ والتَّعريض، وقولهم "المجْدُ بَيْنَ ثَوْبَيْه، والكَرَمُ في بُرْدَيْه"، وذلك أن قائلَ هذا يتَوصَّلُ إلى إثباتِ المجدِ
__________
1 هو شعر إبراهيم قبن هرمة، وقد سلف برقم: 311، وسيأتي بعد قليل برقم: 369.
2 هو في شعره المجموع، والرواية الصحيحة: "أرأف بالزائرين"، كما سيأتي برقم: 368.
3 هو لإبراهيم بن هرمة في شعره المجموع، والبيان والتبيين 3: 205.
(1/309)

والكَرَم للممدوحِ، بأن يَجعلَهما في ثوبِه الذي يلْبَسُه، كما توصَّل "زيادٌ" إلى إثباتِ السماحةِ والمروءة والنَّدى لابنِ الحَشْرج، بأنْ جَعَلَها في القُبَّة التي هو جالسٌ فيها. ومن ذلك قوله:
وحيْثُما يكُ أمرٌ صالحٌ فَكُنِ1
وما جاءَ في معناه من قوله:
يَصيرُ أَبانٌ قَرينَ السَّماحِ ... والمَكْرُماتِ مَعاً حيثُ صارا2
وقولُ أبي نُواسَ:
فَما جازَهُ جُوْدٌ ولا حلَّ دُونَه ... ولكنْ يَصيرُ الجُودُ حَيْثُ يَصيرُ3
كلُّ ذلك تَوصُّلٌ إلى إثباتِ الصِّفة في الممدوح بإِثباتها في المكانِ الذي يكونُ فيه، وإلى لُزومها له بلُزومها الموضِعَ الذي يَحُلُّه. وهكذا إنِ اعتبرْتَ قولَ الشَّنفَرى يصف امرأة بالعفة:
يبيتُ بمنجاةٍ مِنَ اللَّوْم بيْتُها ... إِذا ما بُيوتٌ بالملامَةِ حُلَّتِ4
وجدْتَهُ يَدْخُل في معنى بيتِ "زيادٍ"، وذلك أنه توصَّلَ إلى نفي اللوم
__________
1 هو شعر زهير بن أبي سلمى، وكان في المطبوعة والمخطوطة، "تكن" بالتاء، وهو خطأ. والشعر يقوله لهرم بن سنان، وصدره:
هناك ربك ما أعطاك من حسن
2 هو للكميت في شعره المجموع
3 هو في ديوانه.
4 هي من المفضلية رقم: 20، وفي هامش المخطوطة بخط كاتبها فوق كلمة: "بمنجاة"، وكأنه قول عبد القاهر، ما نصه:
"الرواية الصحيحة: بمنحاة، بالحاء غير المعجمة".
(1/310)

عنها وإبعادِها عنه، بأن نَفَاه عن بيتها وباعَدَ بينَهُ وبَيْنَهُ، وكان مَذْهبُه في ذلك مذْهَبَ "زيادٍ" في التوصُّلِ إلى جَعْلِ "السماحةِ والمروءةِ والنَّدى" في ابنِ الحَشْرَجِ، بأن جعَلَها في القبَّة المضروبةِ عليه. وإنَّما الفرقُ أنَ هذا يَنْفي، وذاك يُثْبِتُ. وذلك فَرْقٌ لا في موضِعِ الجمعِ، فهو لا يَمْنَعُ أن يكونا من نصاب واحد.
367 - ومما هو حُكْم المناسِب لبيتِ "زيادٍ" وأمثالهِ التي ذكَرْتُ، وإنْ كانَ قد أُخْرِجَ في صورةٍ أغربَ وأبدع، قول حسان رضي الله عنه:
بَنَى الْمَجْدَ بَيْتاً فَاسْتَقَرَّتْ عِمَادُه ... عَليْنا، فأعْيى الناس أن يتحولا1
وقول البحتري:
أوما رأيتَ المجدَ أَلْقى رحْلَه ... في آلِ طلحةَ ثُمَّ لَمْ يَتحوَّلِ2
ذاكَ لأنَّ مدَارَ الأمرِ على أنَّه جَعَلَ المجْدَ والممدوحَ في مكانٍ، وجعَلَه يكونُ حيثُ يكونُ.
368 - واعلمْ أنه ليس كلُّ ما جاء كنايةً في إثباتِ الصفةِ يَصْلحُ أَنْ يُحْكَمَ عليه بالتناسُبِ.
معنى هذا: أنَّ جعْلَهمُ الجُودَ والكَرَمَ والمجْدَ يَمْرضُ بِمَرضِ الممدوح كما قال البحتري:
ظَلِلْنا نَعودُ الجودَ من وَعْكِكَ الذي ... وجَدْتَ وقلنا اعتل عضو من المجد3
__________
1 في ديوانه.
2 في ديوانه.
3 في ديوانه.
(1/311)

وإنْ كان يَكونُ القصْدُ منه إثباتَ الجودِ والمجدِ للممدوحِ، فإِنَّه لا يَصِحُّ أنْ يقالَ إِنه نظيرٌ لبيتَ "زيادٍ" كما قلنا ذاك في بيتِ أبي نواس:
ولكنْ يصَيرُ الجودُ حيثُ يصَيرُ
وغيرِه مما ذكَرْنا أنه نظيرٌ له كما أنه لا يجوزُ أن يُجْعَل قَولُه:
وكلبُكَ أرافُ بالزائرينَ1
مثلاً، نظيراً لقوله:
مهزولُ الفصيل2
وإنْ كان الغَرضُ منهما جميعاً الوصفَ بالقِرى والضيافةِ، وكانا جميعاً كنايتين عن معنى واحدٍ، لأنَّ تعاقُبَ الكناياتِ على المعنى الواحدِ لا يُوجِبُ تَناسُبَها، لأنه في عَرُوض أنْ تَتَّفِقَ الأشعارُ الكثيرةٌ في كونها مَدْحاً بالشجاعة مَثَلاً أو بالجودِ أو ما أشبه ذلك.
كيف تختلف "الكنايتان"، فلا تكون إحداهما نظيرا للأخرى:
369 - وقد يَجْتمِعُ في البيت الواحدِ كنَايتانِ، المغْزى منهما شيءٌ واحدٌ، ثم لا تكونُ إِحداهما في حكْم النظيرِ للأُخرى. مثالُ ذلك أنه لا يكون قوله: "جبان الكلب" نظير لقوله: "مهزولُ الفصيل"، بل كلُّ واحدةٍ من هاتينِ الكنايَتْينِ أَصْلٌ بنفسِه، وجنسٌ على حدة، وكذلك قولِ ابن هَرْمَةَ:
لا أُمْتِع العُوذَ بالفصال ولا ... أَبْتاعُ إلا قريبةَ الأَجَلِ3
ليس إحدى كنايتَيْه في حُكْمِ النظيرِ للأخرى، وإن كانَ المكنى بهما عنه واحدًا، فاعرفه.
__________
1 انظر رقم: 365، والتعليق عليك هناك.
2 انظر رقم: 364.
3 انظر ما سلف رقم: 311، 365.
(1/312)

370 - وليس لِشُعَبِ هذا الأصْلِ وفروعِه وأمثلتِه وصُورهِ وطُرُقِهِ ومسالِكِه حدٌّ ونهايةٌ. ومن لطيفِ ذلك ونادره قول أبي تمام:
أَبَيْنَ فمَا يَزُرْنَ سِوى كَريم ... وحسْبُكَ أَن يَزُرْنَ أبا سَعيدِ1
ومثلُه، وإنْ لم يَبلُغْ مبلغه، قول الآخر:
مَتى تَخْلُو تَميمٌ مِنْ كَريمٍ ... ومَسْلمَةُ بْنُ عَمْروٍ مِنْ تميمِ2
وكذلك قولُ بعضِ العربِ:
إذا لله لم يَسْقِ إلاَّ الكِرامَ ... فسقَى وجوهَ بني حَنْبَلِ
وسَقى ديارَهُمُ باكِراً ... مِنَ الغَيْثِ في الزمن الممحل3
__________
1 في ديوانه، وفي هامش "ج" بخط كاتبها، وكأنه تعليق لعبد القاهر.
" أي: وحسبك في الدلالة على أنهن لا يزرن سواه، أنهن يزرن أبا سعيد، والخطاب في مثل هذا لكل من سمع الشعر".
2 لم أقف عليه بعد.
3 هذا الشعر في الأغاني 22: 269 - 371 منسوبًا لزهير بن عروة بن جلهمة بن حجر بن خزاعي، التميمي المازني، ولقبه السكب" وهو في الأزمنة والأمكنة 2: 46، 247، لبعض بني مارن، ونسب المبرد بيتًا منه في الكامل 2: 68 للمازني مبهمًا، وذكر بعضه في اللسان (ربب"، وقال ابن بري: "ورأيت من نسبه لعروة بن جلهمة المازني"، وذلك لأن صاحب اللسان نسبه لعبد الرحمن بن حسان، إذا روى عن الأصمعي، أنه قال: "أحسن بيت قالته العرب في وصف الرباب "السحاب" يعني قوله:
كأن الرباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل
ونسبه لعبد الرحمن أيضًا أبو عبيد القاسم بن سلام (معجم الأدباء 6: 165"، ورواية البيت الثاني في الأغاني:
فنعم بنو العم والأقربون ... لدى حطمة الزمن الممحل
وأخشى أن يكون الشيخ جمع بين بيتين في بيت.
(1/313)

وفنٌّ منه غريبٌ، قَولُ بعضِهم في البرامكة:
سألت الندى والجود مالي أراكُما ... تَبدَّلتُما ذُلاَّ بِعِزٍّ مؤيَّدِ
وما بالُ ركْنِ المجْدِ أَمْسَى مُهَدَّما ... فَقالا: أُصِبْنا بابنِ يَحيى مُحمَّدِ
فقلتُ فهلاَّ مُتَّمَا عِنْدَ موتهِ ... فقَدْ كُنْتُما عبْدَيْه في كُلِّ مَشْهدِ
فقالا: أقمنا كي نعزى بفقده ... سافة يوم، ثم تتلوه في غد1
__________
1في البيت الأول "عز مؤيد"، من "أيده" إذا قواه وعزره، وكان في المطبوعة والمخطوطتين "مؤيد" بالباء الموحدة، وهو عندي ليس بشيء.
(1/314)

باب اللفظ والنظم: فصل في "إن" ومواقعها
فصل:
خبر الكندي الفيلسوف مع ثعلب وزعمه أن في كلام العرب حشوا:
371 - واعلمْ أَنّ ممَّا أَغمضَ الطريقَ إِلى معرفَةِ ما نحنُ بصدده، أَنَّ ههنا فروقاً خفيَّةً تَجهلُها العامَّةُ وكثيرٌ من الخاصة، ليس أَنَّهم يَجْهلونَها في موضعٍ ويَعْرفونها في آخرَ، بل لا يَدْرون أَنها هي، ولا يَعْلمونها في جملةٍ ولا تفْصيل.
رُويَ عن ابن الأنباريِّ أَنه قال: ركبَ الكنْديُّ المتفلسِف إلى أبي العبّاس وقال له: إني لأَجِدُ في كلامِ العَرب حَشْواً! فقال له أبو العباس: في أي وضع وجَدْتَ ذلك؟ فقال: أَجدُ العربَ يقولون: "عبدُ الله قائمٌ"، ثم يقولون "إنَّ عبدَ الله قائمٌ"، ثم يقولونَ: "إنَّ عبدَ اللهَ لقائمٌ"، فالألفاظُ متكررةٌ والمعنى واحدٌ. فقال أبو العباس: بل المعني مختلفةٌ لاختلافِ الألفاظِ، فقولُهم: "عبدُ الله قائمٌ"، إخبار عن قيامه وقولهم: "إن عبد عبدَ الله قائمٌ"، جوابٌ عن سؤالِ سائلٍ وقوله: "إنَّ عبدَ اللهِ لقائمٌ"، جوابٌ عن إنكارِ مُنْكِرٍ قيامَهُ، فقد تَكرَرَّت الألفاظُ لتكرُّرِ المعاني. قال فما أَحَارَ المتفلسِفُ جواباً1.
وإِذا كان الكنديُّ يذَهْبُ هذا عليهِ حتى يَرْكَبَ فيه ركُوبَ مستفهِمٍ أو معْترِضٍ، فما ظنُّكَ بالعامَّة، ومَنْ هو في عِدادِ العامَّة، ممَّنْ لا يَخْطُرُ شبْهُ هذا بباله؟
دخول "إن" في الكلام، وخصائصها:
372 - واعلمْ أنَّ ههنا دقائقَ لو أنَّ الكنديَّ استقرى وتصفَّحَ وتَتَبَّع مواقِعَ "إنَّ"، ثم ألْطَفَ النظرَ وأكثرَ التدبُّرَ، لعَلِمَ عِلْمَ ضرورةٍ أنْ ليس سواء دخولها وأن لا تدخل.
__________
1 ضل عني موضع هذا الخبر الآن.
(1/315)

فأوَّلُ ذلك وأعْجَبُه ما قدَّمتُ لك ذكْرَه في بيتِ بشارٍ:
بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهَجيرِ ... إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التبكيرِ1
وما أنشدتُه معه من قولِ بعضِ العرب:
فغَنِّهَا وهْي لكَ الفِداءُ ... إنَّ غناءَ الإِبِلِ الحُداءُ2
وذلك أنه هَلْ شيءٌ أَبْينُ في الفائدةِ، وأَدلّ على أنْ ليس سواءً دخولُها وأنْ لا تدخل، أنكَ ترى الجملةَ إذا هيَ دخلَتْ تَرتبِطُ بما قبْلَها وتأتلفُ معه وتَتَّحدُ به، حتى كأنَّ الكلامَيْنِ قد أُفرِغا إفراغاً واحداً، وكأَن أحدَهُما قد سُبِكَ في الآخَرِ؟
هذه هي الصورةُ، حتى إذا جئتَ إلى "إنَّ" فأسقطتَها، رأيتَ الثاني منهما قد نَبَا عن الأولِ، وتجافى معناه عن معناه، ورأيْتَه لا يتَّصلُ به ولا يكونُ منه بسبيلٍ، حتى تجيءَ "بالفاءِ" فتقولُ: "بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجيرِ، فذاكَ النجاحُ في التبكير"، و "غنِّها وهيَ لكَ الفداءُ، فغناءُ الإِبلِ الحُداءُ"، ثم لا ترَى "الفاء" تعيد الجملتين إل ما كانتا عليه مِنَ الألفة، ولا تردُّ عليك الذي كنت تجد "بإن" من المعنى.
373 - وهذا الضربُ كثيرٌ في التَّنزيلِ جدَّاً، من ذلك قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1]، وقولُه عزَّ اسمُه {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى
__________
1 مضى في رقم: 315.
2 مضى في رقم: 316.
(1/316)

مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]، وقولُه سبحانه {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]، ومن أبْيَن ذلك قولُه تعالى: {وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 27/ المؤمنون: 27] وقد يتكرَّرَ في الآيةِ الواحدةِ كقوله عزَّ اسمُه: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [يوسف: 53]، وهي عَلَى الجملةِ من الكَثْرة بحيثُ لا يدركها الإحصاء.
محاسن دخول "إن" على ضمير الشأن وأمثلته:
374 - ومِنْ خصائِصِها أَنك تَرى لِضميرِ الأمرِ والشأنِ معها منَ الحُسْنِ واللطفِ ما لا تَراه إذا هي لم تَدْخُل عليه، بل تراه لا يصلحُ حيثُ صَلَحَ إلاَّ بها، وذلك في مثْلِ قولهِ تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 9]، وقولِه {أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [التوبة: 63]، وقولِه: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ} [الأنعام: 54] وقوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117]، ومن ذلك قولُه: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَار} [بالحج: 46] وأجاز أبو الحَسنِ فيها وجْهاً آخرَ1 وهو أنْ يكونَ الضميرُ في "إنها" للأَبصار، أُضْمِرَتْ قبْلَ الذكْرِ على شَريطة التفسير. والحاجةُ في هذا الوجْه أيضاً إلى "أنَّ" قائمةٌ، كما كانت في الوجهِ الأولِ فإِنه لا يُقال: "هيَ لا تَعْمى الأَبصار" كما لا يُقالُ: "هوَ مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرُ فإنَّ الله لا يُضيع".
فإِن قلتَ: أوَ ليسَ قد جاء ضميرُ الأمرِ مبتدأً به مُعرًّى مِن العوامِلِ في قولِهِ تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}؟
__________
1 "أبو الحسن"، هو الأخفش.
(1/317)

قيل: هو وإنْ جاء ههنا، فإِنه لا يكادُ يُوجَدُ مع الجملة منَ الشَّرْط والجزاء، بل تراهُ لا يجيءُ إلاَّ "بإن" على أنهم قد أجازوا {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}، أنْ لا يكونَ الضميرُ للأَمر.
375 - ومن لطيفِ ما جاء في هذا الباب ونادرِهِ، ما تجدُه في آخِرِ هذه الأبيات، أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيين:
إذا طمع يومًا عراني قريته ... كتائب بأس كرَّها وطِرادَها
أَكُدُّ ثِمَادي والمياهُ كثيرةٌ ... أُعالِجُ مِنها حفْرَها واكْتِدادَها
وأَرْضى بها مِنْ بحرِ آخرَ، إنَّه ... هُوَ الرّيُّ أن تَرْضَى النفوسُ ثِمادَها1
المقصودُ قولُه: "إنه هو الرّيُّ"، وذلك أَن الهاءَ في "إنه" تحتَملُ أمرَيْن:
أحدُهما: أن تكونَ ضميرَ الأَمْرِ، ويكونَ قولُه: "هو" ضمير: "أن ترضى"، وقد أضمره قبل الذكْر على شريطةِ التفسير. الأصل: "إنَّ الأمرَ، أن ترضى النفوسُ ثِمادَها، الرِّيُّ"، ثم أُضمِر قبل الذكْرِ كما أُضمرِت "الأبصارُ" في "فإنها لا تَعْمَى الأبصار" على مذهب أبي الحسنِ، ثم أتى بالمضْمَرِ مصرَّحاً به في آخر الكلام2، فعُلِمَ بذلك أن الضميرَ السابقَ له، وأنَّه المراد به.
__________
1 هو في البيان والتبيين 3: 338، والبيتان الأخيران في مجالس ثعلب: 664، واللسان "كدد". "عراني"، غشيني ونزل على نزول الضيف. "وكذا الشيء يكده"، و "أكنده"، نزعه بيده، يكون ذلك في السائل الجامد. و "الثماد"، الماء القليل، يقول: أرضى القليل وأقنع به. وفي هامش "ج" بخطه، ما نصه:
" من بحر آخر، أي: بدلًا من بحر آخر".
2 في المطبوعة وحدها: "ثم أتى بالمفسر".
(1/318)

والثاني: أن تكون الهاء في "إنه" ضميرَ "أنى تَرْضى" قبلَ الذكْرِ، ويكونَ "هو" فَصْلاً، ويكونُ أصْلُ الكلام: "إنَّ أنْ تَرضى النفوسُ ثِمادها هو الرِّيُّ" ثُم أُضمِر على شريطةِ التفسير.
وأَيَّ الأمَرْينِ كان، فإِنه لا بدَّ فيه من "إِنَّ"، ولا سبيلَ إلى إِسقاطها، لأنَّكَ إنْ أسقطْتَها أَفْضَى ذلكَ بكَ إلى شيءٍ شنيعٍ، وهو أن تقولَ: "وأَرْضى بها من بحر آخر هو الرى أن ترضى النفوس ثمادها".
"إن" تربط الجملة بما قبلها:
376 - هذا، وفي "إنَّ" هذه شيءٌ آخرُ يُوجِبُ الحاجةَ إليها، وهو أَنها تَتولَّى من رَبْط الجملةِ بما قبْلَها نحواً مما ذكرتُ لك في بيتِ بشارٍ1. ألا ترى أَنك لو أَسقطْتَ "إنَّ" والضميرَيْنِ معاً، واقتصَرْتَ على ذكرِ ما يَبْقى من الكلامِ، لم تَقلْهُ إلا "بالفاء" كقولك: "وأرضَى بها من بحرِ آخرَ، فالريُّ أن ترضَى النفوسُ ثِمادها".
فلو أنَّ الفيلسوفَ قد كان تَتَبَّع هذه المواضعَ2، لَما ظَنَّ الذي ظنَّ. هذا، وإِذا كان خلَفُ الأحمرُ وهو القدوةُ، ومَنْ يُؤخذُ عنه، ومَن هُو بحيثُ يَقول الشعرَ فيَنْحَلُه الفحولَ الجاهليينَ فيخفَى ذلك له، ويجوزُ أَنْ يَشْتبه ما نحن فيه عليه حتى يقَعَ له أن يَنْتَقِد على بشَّار3، فلا غروَ أن تَدْخُلَ الشُّبهةُ في ذلك على الكندي.
__________
1 انظر رقم: 372.
2 انظر الخبر في رقم: 371.
3 انظر ما سلف رقم: 315.
(1/319)

"إن"، تهيء النكرة لأن يكون لها حكم المبتدأ في الحديث عنها:
377 - ومما تَصنعُه "إنَّ" في الكلام، أنَّك تَراها تهيئ النكِرةَ وتُصْلِحُها لأن يكونَ لها حكْمُ المبتدأ، أعنى أن تكونَ محدَّثاً عنها بحديثٍ من بعدها. ومثال ذلك قوله:
إنَّ شِواءَ ونَشْوَةً ... وخَبَب البازلِ الأمُونِ1
قد تَرى حسنَها وصحَّةَ المعنى معها، ثم إنَّك إنْ جئتَ بها من غيرِ "إنَّ" فقلتَ: "شواءٌ ونشوةٌ وخبَبُ البازلِ الأمونِ" لم يكنْ كلاماً.
378 - فإنْ كانتِ النكرةُ موصوفةً، وكانتْ لذلك تَصْلحُ أن يبتدأ بها، فإن تَراها مع "إِنَّ" أحْسَنَ، وترى المعنى حينئذٍ أَوْلى بالصِّحَّة وأمْكَنَ، أفلاَ تَرى إلى قوله:
إنَّ دَهْراً يلفُّ شَملي بسُعدى ... لَزَمانٌ يَهُمُّ بالإحسانِ
ليس بخفيٍّ وإنْ كانَ يستقيمُ أنْ تقولَ: "دهرٌ يلفُّ شملي بسُعدى دهرٌ صالحٌ"2 أنْ ليسَ الحالانِ على سواءٍ، وكذلك ليس بِخَفيِّ أَنَّك لو غمدت إلى قوله:
إن أمرًا فادحًا ... عن جوابي شغلك3
__________
1 الشعر لسلمى بن ربيعة التيمي، شرح الحماسة للتبريزي 3: 83، وخبر "إن" في البيت الخامس، وهو:
من لذة العيش، والفتى ... للدهر، والدهر ذو فنون
و"البازل" من الإبل الذي تناهت قوته في السنة التاسعة، و "المون"، الناقة الموثقة الخلق.
2 السياق: "ليس بخفي .... أن ليس الحالان على سواء".
3 الشعر لأم الليك بن السلكة، ترثى ولدها. وشعرها الجيد في شرح الحماسة للتبريزي 2: 191، 192
(1/320)

فأسقطتَ منه "إِن" لَعدِمْتَ منه الحسْنَ والطلاوةَ والتمكُّنَ الذي أنتَ واجِدُهُ الآنَ، ووجَدْتَ ضعفاً وفتورًا.
"إن"، أثرها في الجملة، أنها تغني عن الخبر، ومثال ذلك:
379 - ومن تأثير "إن" في الجملة، أنها ت غني إذا كانتْ فيها عن الخَبر، في بعضِ الكلامِ1. ووَضَعَ صاحبُ الكتاب في ذلك باباً فقال: "هذا بابُ ما يَحْسُنُ عليه السكوتُ في هذه الأحرُفِ الخمسةِ، لإضمارِكَ ما يكونُ مستقرًّا لها وموضعًا لو أظهرته. وليس هذا المضمطر بنفس المظهر، وذلك: "إن مالًا" و "إن ولدًا"، و "إن عدداً"، أي: "إنَّ لَهُمْ مالاً" فالذي أضمرتَ هو "لهم" ويقولُ الرجلُ للرَّجل: "هلْ لكُم أحدٌ؟ إنَّ الناسَ أَلْبٌ عليكمْ"، فَيَقول: "إنَّ زيداً وإِنَّ عَمراً" أَي: "لنا"، وقال [الأعشى]:
إنَّ مَحَلاًّ وإنَّ مُرْتحلا ... وإِنَّ في السَّفْرِ إذا مَضَوْا مَهَلا2
ويقول: "إنَّ غيرَها إبلاً وشاءَ" كأنه قال: "إنَّ لنا، أو: عندَنا، غيرَها"، قال: وانتصبَ "الإِبلُ" و "الشاء" كانتصابِ "الفارسِ" إذا قلتَ: "ما في الناسِ مثله فارسًا"، وقال: ومثل ذلك قوله:
يا لَيْتَ أيَّام الصِّبَا رَوَاجِعا3
قال: فهذا كقولِهم: "أَلاَ ماءً بارداً"، كأنه قال: "ألا ماءً لنا بارداً: وكأنه قال: يا ليتَ أيام الصبا أقبلت رواجع"4.
__________
1 في "س": " ... أنها إذا كانت فيها حذف الخبر"، ومثله في نسخة عند رشيد رضا.
2 الشعر في ديوان الأعشى، وفي المطبوعة: "وإن في النفس إن مضوا"، وهو خطأ، وفي "ج" "إن مضوا"، والذي في نص سيبويه "وإن في السفر ما مضىِ".
3 البيت للعجاج عند ابن سلام في طبقات فحول الشعراء رقم: 101، وهو في محلقات ديوانه طبع أوربة.
4 هذا النص كاملًا في كتاب سيبويه 1: 283، 284.
(1/321)

380 - فقد أراك في هذا كلِّه أنَّ الخبرَ محذوف، وقد نرى حُسْنَ الكلامِ وصحَّتَه مع حذفِه وترْكِ النطقِ به. ثم إنَّك إِنْ عمَدْتَ إلى "إِنَّ" فأسقطتَها، وجدْتَ الذي كان حسُنَ من حذفِ الخبرِ، لا يَحْسُنُ أو لا يَسوغُ. فلو قلت: "مال"، و "عدد" و "محل" و "مرتحل" و "غيرها إبلاً وشاءً" لم يكنْ شيئاً. وذلك أنَّ "إِنَّ" كانت السَّببَ في أنْ حَسُنَ حذفُ الذي حُذِفَ من الخَبر، وأنها حاضِنتُهُ، والمترجِمُ عنه، والمتكفل بشأنه.
بيان في شأن "إن"، و"الفاء" التي يحتاج إليها إذا أسقطت "إن":
381 - واعلمْ أنَّ الذي قلنا في "إنَّ" من أنَّها تدخلُ على الجُملة1، من شأنها إذا هي أُسقطتْ منها أن يُحتاجَ فيها إلى "الفاءِ"2 لا يَطِّردُ في كلِّ شيءٍ وكلِّ موضعٍ، بل يكونُ في موضعٍ دونَ موضعٍ، وفي حالٍ دونَ حالٍ، فإِنك قد تَراها قد دَخَلتْ على الجملةِ ليستْ هي مما يَقْتضي "الفاءَ"، وذلك فيما لا يُحصى كقولهِ تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}، وذاكَ أنَّ قبله {إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُون} [الدخان: 50 - 52]. ومعلومٌ أنَّك لو قلتَ: "إنَّ هذا ما كنتُم به تمترون، فالمتقون فيج ناب وعيونٍ"، لم يكنْ كلاماً وكذلك قولُه: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}، لأنَّك لو قلتَ: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ} [الأنبياءِ100 - 101] فالذين سبقت لهم من الحسنى، لم تَجِدْ لإِدخالِك "الفاء" فيه وجهاً وكذا قولُه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الحج: 87]، {الَّذِينَ آمَنُوا}
__________
1 في "ج": "تدخل على المبتدإ"، والسياق يأباه.
2 السياق: و "اعلم أن الذي قلنا في "إن" لا يطرد".
(1/322)

اسم "إنَّ"، وما بعدَه معطوفٌ عليه، وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} 1 جملةٌ في موضعِ الخبرِ، ودخولُ "الفاء" فيها محالٌ، لأنَّ الخَبر لا يُعطَف على المبتدأ، ومثلُه سواءٌ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30].
382 - فإذنْ، إنما يكونُ الذي ذكَرْنا في الجملة من حديثِ اقتضاءِ "الفاءِ"، إذا كان مصدرُها مصدرَ الكلام يُصحَّحُ به ما قبلَه، ويُحْتَجُ له، ويُبَيَّنُ وجهُ الفائدة. فيه. ألاَ ترى أنَّ الغرضَ من قوله:
إنَّ ذاكَ النجاحَ في التبكير2
جُلُّه أن يُبيِّن المعنى في قوله لصاحبيه: "بَكِّرا"، وأن يحْتجَّ لنفسه في الأَمرِ بالتبكير، ويُبيَّنَ وَجْهَ الفائدةِ فيه؟
وكذلكَ الحكْم في الآي التي تَلَوْناها فقولُه: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} 3، بيانٌ للمعنى في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ}، ولِمَ أُمروا بأَنْ يَتَّقُوا وكذلك قولُه: {إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} 3، بيانٌ للمعنى في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة، أي بالدعاء لهم. وهذا سبيلُ كلِّ ما أنتَ تَرى فيه الجملةَ يُحتاجُ فيها إلى "الفاء"، فاعرفْ ذلك.
383 - فأمَّا الذي ذُكر عن أبي العباس4، مِنْ جَعْله لها جواب
__________
1 من أول قوله: "إن الذي آمننوا: اسم إن ... "، إلى هنا من "س" وحدها.
2 انظر ما سلف رقم: 372.
3 انظر ما سلف رقم: 373.
4 انظر رقم: 371.
(1/323)

سائلٍ إذا كانتْ وحدَها، وجوابَ مُنْكِر إذا كان معها اللامُ، فالذي يدلُّ على أنَّ لها أصْلاً في الجوابِ، أنَّا رأيناهُمْ قد ألزمُوها الجملةَ من المبتدأ والخبر إذا كانت جواباً للقَسَم، نحو: "واللهِ إِنَّ زيداً مُنْطلِقٌ" وامتنعوا مِنْ أن يقولوا: "واللهِ زيدٌ منطِلقٌ".
مجيء "إن" في الجواب عن سؤال سائل، وأمثلته:
384 - ثم إنَّا إذا استقرَيْنا الكلامَ وجَدْنا الأمرَ بيِّناً في الكثير من مواقِعها، أنه يُقصَدُ بها إلى الجوابِ كقولهِ تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} [الكهف: 83، 84]، وكقولِه: عزَّ وجَلَّ في أَوَّلِ السورة: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ} [الكهف: 13]، وكقوله تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 216]، وقولِه تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنعام: 56]، [سورة غافر: 66]، وقوله: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} [الحجر: 89]، وأشباه ذلك مما يعلم قبه أنَّه كلامٌ أُمِرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بأن يُجيبَ به الكفارَ في بعضِ ما جادَلوا وناظَروا فيه. وعلى ذلكَ قولُه تعالى: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16]، وذاك أنَّه يَعْلم أنَّ المعنى: فأتياهُ، فإِذا قالَ لَكُما ما شأْنُكُما؟ وما جاءَ بكُما؟ وما تقولانِ؟ فقُولا: إنَّا رسولُ ربِّ العالمينَ. وكذا قولُه: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 14]، هذا سبيلُهُ.
ومَنِ البيِّن في ذلك قولُه تعالى في قِصَّةِ السَّحَرة: {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ} [الأعراف: 125]، وذلك لأنه عِيَانٌ أنه جوابُ فرعونَ عن قولِه: {آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} [الأعراف: 123]، فهذا هو وجْهُ القولِ في نُصْرةِ هذه الحكاية.
(1/324)

بيان في "إن" ومجيئها للتأكيد:
385 - ثم إنَّ الأصْلَ الذي ينبغي أنْ يكونَ عليه البناءُ، هو الذي دُوِّن في الكتبِ، من أنها للتأكيدِ، وإذا كانَ قد ثَبَت ذلكَ، فإِذا كان الخبرُ بأمْرٍ ليس للمخاطَبِ ظنٌّ في خِلافهِ البتَّةَ، ولا يكونُ قد عقد في نسه أنَّ الذي تزعُم أَنه كائنٌ غيرُ كائنٍ، وأنَّ الذي تزعُم أنه لم يكنْ كائنٌ فأنتَ لا تحتاجُ هناك إلى "إنَّ"، وإنما تحتاجُ إليها إذا كاَن له ظَنُّ في الخلاف، وعقد قلب على نفي ما ثبت أو إثبات ما ننفي. ولذلك تَراها تزدادُ حُسْناً إذا كان الخبرُ بأمرٍ يَبْعُدُ مثْلُه في الظنِّ، وبشيءٍ قد جرتْ عادةُ الناسِ بخلافِهِ، كقول أبي نُوَاس:
عليكَ باليأسِ منَ الناسِ ... إنَّ غِنى نَفْسِك في الياسِ1
فقد تَرى حُسْنَ موقعِها، وكيف قبولُ النفسِ لها، وليسَ ذلك إلاَّ لأنَّ الغالِبَ على الناس أنهم لا يَحمِلون أنفسَهم على اليأس، ولا يدَعُونَ الرجاءَ والطمَعَ، ولا يعترفُ كلُّ أحدٍ ولا يُسلِّمُ أنَّ الغِنى في اليأس. فلمَّا كان كذلك، كان الموضعُ مَوْضعَ فقرٍ إلى التأكيدِ، فلذلك كان من حُسْنها ما تَرى.
ومثلُه سواءٌ قولُ محمد بن وهب:
أجَارتَنا إنَّ التَّعَفُّفَ باليَاسِ ... وصَبْراً على اسْتِدْرارِ دُنْيا بإبْساسِ
حَرِيَّانِ أنْ لا يَقْذِفا بمذلَّةٍ ... كَريماً وأنْ لا يُحوِجاهُ إلى الناسِ
أجارَتنا إنَّ القِداحَ كواذبٌ ... وأكْثرُ أَسْبابِ النّجاحِ معَ الياس2
__________
1 في ديوانه، في باب العتاب، وروايته هنا: "إن الغني ويحك في اليأس".
2 هو في الأغاني 19: 75، "الهيئة"، في خبر يدل على أن عدة أبيات القصيدة اثنان وسبعون بيتًا، يقولها في الحسن بن رجاء حين تولى الجبل. و "الإبساس" أن يمسح ضرع الناقة وصوت بها، لتسكن له وتذر، يريد الترفق بالدنيا إذا ضنت، حتى يأتي ما شاء الله من الرزق. وخبر "إن" هو قوا "حريان" في البيت الثاني. فالسياق: إن التعفف باليأس وإن صبرا على استدرار دنيا بإساس ... حريان".
(1/325)

هو: كما لا يَخْفَى، كلامٌ معَ مَنْ لا يَرى أنَ الأمْرَ كما قال، بل يُنْكِرهُ ويَعْتقد خلافَه. ومعلومٌ أنه لم يقلْه إلاَّ والمرأةُ تَحْدوهُ وتبعثُه على التعرُّضِ للناس، وعلى الطلب.
"إن"، ومجيئها في التهكم، وشرطها إذا كانت في جواب سائل:
386 - ومن لطيفِ مواقعِها أنْ يُدَّعى على المخاطَب ظَنَّ لم يظنَّه، ولكنْ يُرادُ التهكُّم به، وأنْ يُقالَ: "إنَ حالَكَ والذي صنَعْتَ يَقْتضي أن تكونَ قد ظننْتَ ذلكَ". ومثالُ ذلكَ الأول:
جاء شقيق عارضًا محه، ... إنَّ بَني عَمِّكَ فيهمْ رِماحْ1
يقولُ: إنَّ مجيئَه هكذا مُدِلاً بنَفْسِه وبشجاعَتِهِ قد وضعَ رمْحَه عرضاً، دليلٌ على إعجابٍ شديدٍ، وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم لهأحد، حتى كأنْ ليس مع أحدٍ منَّا رمحٌ يدفَعَهُ به، وكأنَّا كلَّنا عُزْلٌ.
وإِذا كان كذِلكَ، وَجَبَ إذا قيلَ أنَّها جوابُ سائلٍ، أنْ يُشْتَرَطَ فيه أنْ يكونَ للسائلِ ظنٌّ في المسئول عنه على خلافِ ما أنتَ تُجيبُهُ به. فأمَّا أَنْ يُجْعل مجرَّدُ الجوابِ أصْلاً فيه فلا، لأنه يؤدي إلى أنْ لا يَسْتقيم لنا إذا قال الرجلُ: "كيفَ زيد؟ " أنْ تقولَ: "صالحٌ"، وإِذا قال: "أينَ هو؟ " أن تقول: "في الدار" وأنْ لا يصحَّ حتى تقولَ: "إنه صالحٌ"، "وإنه في الدار"، وذلك ما لا يقولُه أحَد.
__________
1 الشعر لخجل بن نضلة، أحد بني عمروبن عبد بن قتيبة بن معن بن أعصر، في البيان والتبيين 3: 340، والمؤتلف والمختلف: 82.
(1/326)

وأمَّا جعْلُها إذا جُمِعَ بينها وبين "اللام" نحو: "إنَّ عبدَ الله لقائم" للكلامِ مع المنكَّر، فجيِّدٌ، لأنَّه إذا كان الكلامُ مع المُنَكَّر، كانت الحاجةُ إلى التأكيدِ أشدَّ. وذلك أنَّك أحوجُ ما تكونُ إلى الزيادة في تثبيت خيرك، إذا كانَ هناك مَنْ يَدْفعُه ويُنْكِر صحَّتَه، إلاَّ أنه يَنبغي أن يُعْلَم أنه كما يكونُ للإنكارِ قد كانَ مِن السامعِ، فإِنه يكون للإنكار يعلم أو يرى أن يكون من السامعين. وجلمة الأمر أنك لا تقولُ: "إنَّه لكذلك"، حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يزغ فيه عن الإنكار1.
"إن" تدخل للدلالة على أن ظنك الذي ظننت مردود:
387 - واعْلَمْ أنها قد تَدْخلُ للدلالة على أنَّ الظنَّ قد كان منكَ أيُّها المتكلِّمُ في الذي كان أنَّه لا يكونُ. وذلك قولُكَ لِلشيءِ هو بمرأى من المُخاطَبِ ومَسْمع: "إنه كان من الأمْر ما تَرى، وكان منِّي إلى فلانٍ إحسانٌ ومعروفٌ، ثم إنه جَعلً جَزائي ما رأيْت"، فتجعلُكَ كأنك تَردُّ على نفْسِك ظَنَّكَ الذي ظنَنْتَ، وتُبيِّنُ الخطأ الذي توهَّمْتَ. وعلى ذلك، واللهُ أعلمُ، قولُه تعالى حكايةً عن أمِّ مريم رضي الله عنهما: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران: 36]، وكذلك قولُه عزَّ وجَلَّ حكايةً عن نوحٍ عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُون} [الشعراء: 117]، وليس الذي يَعْرِضُ بسببِ هذا الحرفِ من الدقائق والأُمور الخفيَّةِ، بالشيء يُدْرَك بالهُوَينا. ونحن نَقْتصِر الآن على ما ذكَرْنا، ونأخذُ في القولِ عليها إذا اتصلتْ بها "ما".
__________
1 "وزعه عن الأمر يزعه وزعًا"، كفه ورده، ودفعه عنه.
(1/327)

باب القصر والاختصاص: فصل في "إنما" ومواقعها
فصل: في مسائل "إنمًا"
قول الفارسي في "إنما" في كتابه "الشيرازيات":
388 - قال الشيخُ أبو علي في "الشيرازيَّات"1: "يقولُ ناسٌ من النَّحْويين في نحْو قولهِ تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33]، إنَّ المعنى: ما حَرَّمَ ربِّي إلاَّ الفواحشَ. قال: وأصبتُ ما يدل على صحته قولهم في هذا، وهو قول الفرزدق:
أَنَا الذائدُ الحامي الذِّمارَ، وإنَّما ... يُدافِعُ عَنْ أحسابِهِم أَنا أوْ مِثْلِي2
فليس يَخْلو هذا الكلامُ مِنْ أن يكونَ موجِباً أو مَنْفيّاً. فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقيم، ألاَ ترى أنَّك لا تقولُ: "يُدافعُ أنا" و "لا يقاتل أنا"، وإنما تقول: "أدافع" و "أقاتل" إلاَّ أنَّ المعنى لمَّا كانَ: "ما يُدافِعُ إلا أنا"، فصَلْتَ الضميرَ كما تفصِلهُ مَع النَّفي إذا ألحقتَ معه "إلاَّ"، حَمْلاً على المعنى، وقال أبو إسحاقَ الزجَّاجُ في قولِه تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} [البقرة: 173، سورة النحل: 115]، النصْبُ في "الميتة" هو القراءةُ، ويجوزُ: "إنما حُرِّمَ عليكم". قال أبو إسحاقَ: والذي اختارُه أن تكونَ "ما" هي التي تمنعُ "إنَّ" مِنَ العمل، ويكونُ المعنى: "ما حُرِّمَ عليكُم إلاَّ الميتةُ"، لأنَّ "إنما" تأتي إثباتاً لما يُذْكَرُ بعدَها، ونَفْياً لِمَا سواهُ، وقولِ/ الشاعر/.
وإنَّما يُدافِعُ عَنْ أحسابِهِم أَنا أوْ مِثْلِي
المعنى: ما يُدافِع عن أحسابِهم إلا أنا او مثلي". انتهى كلام أبي علي.
__________
1 هو الشيخ أبي على الفارسي.
2 هو في ديوانه، وانظر ما سيأتي في رقم: 404.
(1/328)

ليس كلُّ كلام يصلُحُ فيه "ما"، و"إلا" يصلح فيه "إنما":
389 - اعلمْ أنَّهم، وإنْ كانوا قَدْ قَالوا هذا الذي كتبته لك، فإنه لم يَعْنُوا بذلك أنَّ المعنى في هذا هُوَ المعنى في ذلكَ بعينِه، وأنَّ سبيلَهما سبيلُ اللفظَيْن يُوضَعان لمعنى واحدٍ. وفرقٌ بينَ أنْ يكونَ في الشيءِ معنَى الشيءِ، وبينَ أنْ يكونَ الشيءُ الشيءَ عَلَى الإطلاق.
يُبيِّنُ لكَ أنَّهما لا يكونان سواءً، أنه ليس كلُّ كلامٍ يصلُحُ فيه "ما" و "إلاَّ"، يصلحُ فيه "إنما". ألاَ تَرى أنها لا تَصْلُح في مثلِ قولِه تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّه} [آل عمران: 62]، ولا نحوِ قولِنا: "ما أحدٌ إلاَّ وهُو يقولُ ذك"، إذْ لوْ قلتَ: "إنَّما مِنْ إلهٍ اللهُ" و "إنما أحَدٌُ وهو يقولُ ذاك"، قلتَ ما لا يكون له معنى.
فإن قلت: إن ذلك أنَّ "أحداً" لا يقعُ إلاَّ في النفيِ وما يَجْري مَجْرى النفي من النَهْي والاستفهام، وأنَّ "مِنْ" المَزيدةَ في "ما مِنْ إلهٍ إلا اللهُ"، كذلكَ لا تكونُ إلاَّ في النفي.
قيل: ففي هذا كفايةٌ، فإنه اعترافٌ بأنْ ليسا سواءً، لأنهما لو كانا سواءً لكانَ ينبغي أن يكونَ في "إِنما" مِنَ النفي مثلُ ما يكونُ في "ما" و "إلاَّ" وكما وجدتَ "إنما" لا تصلحُ فيما ذكرْنا، كذلك تجد "ما" و "إلا" لا تصْلُح في ضَرْبٍ من الكلام قد صلحتْ فيه "إنما"، وذلكَ في مثلِ قولكَ:"إنما هو دِرهمٌ لا دينارٌ"، لو قلتَ: "ما هو إلاَّ درهمٌ لا دينارٌ"، لم يكنْ شيئاً. وإذْ قد بانَ بهذه الجملةِ أنَّهم حينَ جعلوا "إنما" في معنى "ما" و "إلا"، لم يَعْنوا أنَّ المعنى فيهما واحدٌ على الإطلاق، وأن يُسْقطوا الفرْقَ1 فإني أُبَيِّن لكَ أمرَهُما، وما هو أصْلٌ في كلِّ واحدٍ منهما، بعون الله وتوفيقه.
__________
1 السياق: "وإذ قد بان بهذه الجملة ..... فإني أبين لك ... ".
(1/329)

"إنما"، تجيء لخبر لا يجهله المخاطب، وتفسير ذلك:
390 - إِعْلم أنَّ موضوعَ "إنما" على أن تجيءَ لخَبرٍ لا يَجهلُهُ المخاطَبُ ولا يَدفعُ صِحَّتَه، أو لا يُنزَّلُ هذه المنزلةَ1.
تفسيرُ ذلك أَنكَ تقولُ للرجل: "إنما هو أخوك" و "إنما هُوَ صاحُبك القديمُ": لا تقولُه لِمَنْ يَجْهلُ ذلك ويدفَعُ صحَّتَه، ولكنْ لِمَن يَعْلَمُه ويُقِرُّ به، إلاَّ أنَّك تُريد أن تُنَبِّهَهُ للذي يجبُ عليه من حقِّ، الأخِ وحُرْمةِ الصاحبِ، ومثله قوله2:
إنما أنتَ والدٌ، والأبُ القا ... طِعُ أحْنى مِنْ واصلِ الأولادِ3
لم يُرد أن يُعْلِمَ كافوراً أنه والدٌ، ولا ذاكَ مما يحتاجُ كافورٌ فيه إلى الإِعلام، ولكنه أراد أنْ يُذكِّرَهُ منه بالأمر المعلوم ليبنى عليه استداء ما يُوجِبهُ كونُهُ بمنزلةِ الوالدِ4.
ومثلُ ذلك قولُهم: "إنَّما يَعْجَلُ مَنْ يَخْشَى الفَوْتَ"، وذلكَ أنَّ مِن المعلومِ الثابتِ في النفوسِ أنَّ من لم يخشى الفوتَ لَمْ يَعْجَل.
ومِثالُه مِنَ التنزيلِ قولُه تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الأَنعام: 36]، وقولُه عز وجل: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} [يس: 11]، وقولُه تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45]، كلُّ ذلكَ تذكيرٌ بأمرٍ ثابتٍ معلومٍ. وذلك أنَّ كلَّ عاقلٍ يَعْلَم أنَّه لا تكونُ استجابة إلا ممن
__________
1 انظر ما سيأتي أيضًا برقم: 418.
2 في المطبوعة و "ج" "قول الآخر"، كأنه سهو.
3 هو المتنبي، في ديوانه.
4 في المطبوعة: "لينبني".
(1/330)

يسمع ويعقل مايقال له ويُدْعى إليه، وأنَّ مَنْ لم يَسْمعْ ولم يعقِلْ لم يَسْتجبْ. وكذلك معلومٌ أنَّ الإنذارَ إنما يكونُ إنذاراً ويكونُ له تأثيرٌ، إذا كان معَ مَنْ يؤمِنُ بالله ويَخْشاهُ ويُصدِّقُ بالبعثِ والساعةِ، فأمَّا الكافرُ الجاهلُ، فالإنذارُ وتَرْكُ الإنذار معه واحدٌ. فهذا مثالُ ما الخبرُ فيهِ خبرٌ بأمرٍ يعلمُه المخاطَبُ ولا يُنْكِرُه بحالٍ.
391 - وأمَّا مثالٌ ما يُنَزَّل هذه المنزلةَ، 1 فكقولِه:
إنما مُصْعَبٌ شِهابٌ مِنَ ... الله تجلَّتْ عن وجْهِهِ الظلْماءُ2
ادَّعى في كونِ الممدوحِ بهذه الصفةِ، أنَّه أمرٌ ظاهرٌ معلومٌ للجميع، على عادةِ الشعراءِ إذا مَدَحوا أنْ يدَّعوا في الأوصاف التي يَذْكُرون بها الممدوحينَ أنها ثابتةٌ لهم، وأنَّهم قد شُهروا بها، وأنهم لم يَصِفوا إلاَّ بالمعلومِ الظاهرِ الذي لا يدفعُه أحد، كما قال:
وتعدلني أفناءُ سَعْدٍ عليهمُ ... وَمَا قلْتُ إلاَّ بالذَّي عَلِمَتْ سَعْدُ3
وكما قال البحتري:
لا أدَّعي لأبي العلاءِ فَضيلَةً ... حتَّى يُسَلِّمَها إلَيْهِ عِدَاه4
ومثلُه قولُهم: "إنما هو أسَدٌ"، و "إنما هو نار"، و "إنما هو سيف
__________
1 انظر أول الفقرة رقم: 398.
2 هو لابن قيس الرقيات في ديوانه.
3 هو للحطيئة في ديوانه.
4 هو في ديوانه.
(1/331)

صارمٌ"، إذا أدخلوا "إنما" جعلوا ذلك في حُكْم الظاهرِ المعلومِ الذي لا يُنْكَر ولا يدفع ولا يخفى.
392 - وأما الخبر بانلفي والإثبات نحو: "ما هذا إلا كذا"، و "إن هو إلا كذا"، فيكون للمر يُنْكِرهُ المخاطَبُ ويَشُكُّ فيه. فإذا قلتَ: "ما هو إلاَّ مُصيبٌ" أو: "ما هو إلا مخطئ"، قلتَه لمن يدفَعُ أن يكونَ الأمْرُ على ما قلت، وإذا رأيتَ شخصاً مِنْ بعيدٍ فقلتَ: "ما هو إلا زيدٌ"، لم تَقُلْه إلاَّ وصاحِبُك يَتوهَّم أنه ليس بزيدٍ، وأنه إنسانٌ آخرُ، ويجدُّ في الإنكارِ أن يكون "زيدًا".
وإأذا كان الأمرُ ظاهراً كالذي مضَى، لم تَقُلْه كذلك، فلا تقول للرجل ترقفه على أخيهِ وتُنَبِّهُهُ للذي يَجب عليه منْ صِلة الرَّحِم ومنْ حُسْن التحابِّ1: "ما هُوَ إلاَّ أخوك" وكذلك لا يَصْلُح في "إنما أنتَ والدٌ": "ما أنتَ إلاَّ والدٌ"، فأما نحوُ: "إنما مصعبٌ شهابٌ"، فيَصلُحُ فيه أن تقولَ: "ما مصعبٌ إلاَّ شهابٌ"، لأنَّه ليس من المعلومِ على الصحَّة، وإنما ادَّعى الشاعرُ فيه أنَّه كذلك، وإذا كانَ هذا هكذا، جاز أن تقول بالنفي والإثباتِ، إلاَّ أنك تُخْرِجُ المدحَ حينئذٍ عن أن يكونَ على حَدِّ المبالغةِ، من حيثُ لا تكونُ قد ادَّعيتَ فيه أنه معلوم، وأنهبحيث لا يُنْكِره مُنْكِرٌ، ولا يُخَالِفُ فيه مُخالِفٌ.
__________
1 في "ج"، "حسن التحافي" بالحاء، وفي "س": "التجافي" بالجيم وهي ليست بشيء. أما "التحافي"، كأنه من "الحفاوة"، يقال: "تحفي به، واحتفى" إذا بالغ في إكرامه. وهي حسنة إن شاء الله، وقد تركت ما في المطبوعة كما هو لظهوره، وإن كنت أخشى أن يكون رشيد رضا قد غيرها، وأن الأصل "التحافي"، كما في "ج".
(1/332)

"إن"، و"إلا" وبيان المراد فيهما، والفرق بينهما وبين "إنما":
393 - قولهُ تعالى: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [إبراهيم: 10] إنما جاء، والله أعلم، "بإن" و "إلاَّ" دونَ "إنَّما"، فلم يَقُلْ: "إنما أنتُم بشرٌ مثلُنا"، لأنهم جعلوا الرسلَ كأنهم بادِّعائهم النبوَّة قد أَخرجوا أنفُسَهم عن أن يكونوا بَشَراً مثلَهم، وادَّعوا أمْراً لا يجوزُ أنْ يكَون لِمَنْ هو بشرٌ. ولمَّا كان الأمرُ كذلك، أُخرجَ اللفظُ مُخرَجَهُ حيثُ يُرادُ إثباتُ أمرٍ يدفَعُه المخاطَبُ ويدَّعي خلافَه، ثم جاء الجوابُ منَ الرسُل الذي هو قولُه تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [إبراهيم: 11]، كذلك "بإن" و "إلا" دون "إنَّما"، لأنَّ مِنْ حُكْمِ مَنْ ادَّعى عليه خصْمُه الخلافَ في أمرٍ هو لا يُخالِفُ فيه، أن يُعيد كلامَ الخصْمِ على وجه، ويجيءَ به على هيئتِه ويَحْكيه كما هو. فإِذا قلتَ للرجلِ: "أنتَ مِنْ شأنِكَ كيتَ وكيتَ"، قال: "نَعَمْ، أنا مَنْ شأني كيتَ وكيتَ، ولكنْ لا ضَيْرَ عَلَيَّ، ولا يلزَمُني مِنْ أجْلِ ذلك ما ظنَنْتُ أنه يلزَمُ" فالرُّسُلُ صلواتُ اللهُ عليهم كأنهم قالوا: "إنَّ ما قُلْتُم مِنْ أَنَّا بشرٌ مثلُكم كما قلتم، لَسْنا نُنْكِر ذلك ولا نَجْهَلُه، ولكنَّ ذلك لا يَمْنعُنا مِنْ أن يكونَ اللهُ تعالى قَدْ منَّ علينا وأكْرَمنا بالرسالة.
وأمَّا قولُه تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110]، [فصلت: 6]، فجاء "بإنما"، لأنَّه ابتداءُ كلام قد أمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنْ يُبلِّغه إيَّاهُم ويقولَه معَهم، وليس هو جواباً لكلامٍ سابقٍ قد قِيلَ فيه: "إنْ أنْتَ إلاَّ بشرٌ مثلُنا"، فيجبُ أنْ يُؤْتى به على وفْقِ ذلك الكلامِ، ويُراعَى فيه حَذْوُه، كما كانَ ذلك في الآيةِ الأولى.
394 - وجملةُ الأمرِ أنك متى رأيتَ شيئاً هُوَ مِن المَعْلوم الذي لا يُشَكُّ
(1/333)

فيه قد جاء بالنَّفي، فذلك لتقديرِ معنًى صارَ به في حُكْم المشكوكِ فيه، فمِنْ ذلك قولُه تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِير} [فاطر: 22، 23] إنما جاء واللهُ أعلم، بالنفي والإِثبات، لأنه لمَّا قال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور}، وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي صلى الله عليه وسلم "إنك لن تستطيعَ أن تُحوِّل قلوبَهُم عمَّا هي عليه من الإِباء، ولا تملِكُ أن تُوقِعَ الإيمانَ في نفوسِهم، مع إصرارِهم على كُفرهم، واستمرارِهم على جَهْلِهم، وصدِّهم بأسْماعِهم عما تقوله لهم وتتوله عليه"1 كان اللائقُ بهذا أن يُجعَل حالُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حالَ مَنْ قد ظَنَّ أنه يملكُ ذلكَ، ومَنْ لا يَعْلَمُ يقينًا أنه ليس ي وُسْعه شيءٌ أكثرُ من أن يُنْذِر ويُحَذِّر، فأخْرَجَ اللفظَ مُخْرَجَه إذا كان الخطابُ مع مَنْ يَشُكُّ، فقيل: "إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ". ويُبيِّنُ ذلك أنَّك تقولُ للرجل يُطِيلُ مُناظَرةَ الجاهلِ ومقاولَتَهُ: "إنَّك لا تَستطيعُ أنْ تُسْمِعَ الميِّتَ، وأنْ تُفْهِمَ الجمادَ، وأن تحوِّلَ الأعمى بصيرًا، وليس بيدك إيلا تُبَيِّنَ وتحتجَّ، ولستَ تملكُ أكثرَ من ذلك" لا تقول ههنا: "فإنَّما الذي بيدِك أنْ تُبَيِّنَ وتحتجَّ"، ذلك لأنك لم تَقُلْ له "إنك لا تستطيع أنْ تُسْمِعَ الميتَ"، حتى جعلته بماثبة مَنْ يَظُنُّ أنه يملك وراءَ الاحتجاجِ والبيانِ شيئاً. وهذا واضحٌ، فاعرفْه.
ومثلُ هذا في أنَّ الذي تقدَّم منَ الكلام اقتضى أن يكونَ اللفظُ كالذي تَراه، من كَوْنه "بإنْ" و "إلا"، قولُه تعالى: {قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].
__________
1 السياق: "لأنه لما قال الله تعالى .... كان اللائق".
(1/334)