Advertisement

دلائل الإعجاز ت شاكر 002



الكتاب: دلائل الإعجاز في علم المعاني
المؤلف: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (المتوفى: 471هـ)
المحقق: محمود محمد شاكر أبو فهر
الناشر: مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة
الطبعة: الثالثة 1413هـ - 1992م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] باب اللفظ والنظم: بيان في "إنما":
فصل: هذا بيان آخر في "إنما"
"إنما" تفيد إيجاب الفعل لشيء، ونفيه عن غيره:
395 - اعْلَمْ أنها تفيدُ في الكلام بَعْدَها إيجابَ الفعلِ لشيءٍ، ونَفْيَه عن غيرِه، فإذا قلْتَ: "إنما جاءني زيدٌ"، عُقِلَ منه أنكَ أرَدْتَ أن تنفي أن يكون الجاني غيرَه. فمعنى الكلامِ معَها شبيهٌ بالمعنى في قولك: "جاءني زيدٌ لا عمرو"، إلا أنَّ لَهَا مزيَّةً، وهي أنَّك تَعْقِلُ معها إيجابَ الفعلِ لشيءٍ ونفْيَه عن غيرِه دفعةً واحدةً في حالٍ واحدةٍ. وليس كذلك الأمرُ في: "جاءني زيد لا عمرو"، فإنَّك تَعْقلُهما في حالين ومزيةً ثانية، وهي أنها تَجْعلُ الأمرَ ظاهراً في أن الجاني "زيدٌ"، ولا يكونُ هذا الظهورُ إذا جعلتَ الكلامَ "بلا" فقلتَ: "جاءني زيدٌ لا عمرُو".
تفسير أن "لا" العاطفة، تنفي عن الثاني ما وجب للأول:
396 - ثم اعلمْ أنَّ قولَنا في "لا" العاطفةِ: "إنها تنفي عن الاثني ما وَجَب للأولِ"، ليس المرادُ به أنها تنفي عن الثاني أنْ يكون قد شاركَ الأوَّلَ في الفعل، بل أنها تنفي أن يكونَ الفعلُ الذي قلتَ إنه كانَ من الأول، قد كان مِن الثاني دونَ الأولِ. ألاَ تَرى أنْ ليس المعنى في قولك: "جاءني زيدٌ لا عمروٌ"، أنه لم يكُنْ مِن عمرو مجيءٌ إليك مثلُ ما كانَ من "زيدٍ"، حتى كأنه عكسُ قولك: "جاءني زيدٌ وعمرو"، بل المعنى أنَّ الجائي هو زيدٌ لا عمرو، فهو كلامٌ تقولُه مع مَن يَغْلط في الفعل قد كانَ مِنْ هذا، فيتوَهَّم أنه كان من ذلك.
(1/335)

والنكتةُ أنه لا شُبْهةَ في أنْ ليس ههنا جائيان، وأنه ليس إلا جاءٍ واحدٌ، وإنما الشبهةُ في أنَّ ذلك الجائي زيدٌ أم عمرو، فأنتَ تُحقِّقُ على المخاطَب بقولِك: "جاءني زيدٌ لا عمرو"، أنه "زيدٌ" وليس بعمروٍ.
ونكتةٌ أخرى: وهي أنك لا تقول: "جاءني زيدٌ لا عمرو"، حتى يكونَ قد بلغَ المخاطَبَ أنه كان مجيءٌ إليك من جاءٍ، إلاَّ أنه ظنَّ أنه كان مِنْ "عمروٍ"، فأعلَمْتَه أنه لم يكْن مِنْ "عمروٍ" ولكنْ من "زيد".
معاني "لا" العاطفة، قائمة في الكلام "بإنما":
397 - وإذ عرفت هذه المعاني في الكلام "بلا" العاطفةِ، فاعلمْ أنها بجُملتها قائمةٌ لك في الكلام "بإنما". فإذا قلتَ: "إنما جاءَني زيدٌ"، لم يكن عرضك أنْ تنفيَ أن يكونَ قد جاءَ مع "زيدٍ" غيرُه، ولكنْ أن تنفيَ أن يكونَ المجيءُ الذي قلتَ إنه كانَ منه، كان من "عمرو". وكذلك تكونُ الشبهةُ مرتفعةً في أنْ ليس ههنا جائيان، وأنْ ليسَ إلا جاءٍ واحدٌ، وإنما تكونُ الشبهةُ في أنَّ ذلك الجائي "زيدٌ". وكذلك لا تقول: "إنما جاءني زيدٌ"، حتى يكونَ قد بلَغَ المخاطَب أنْ قدْ جاءَك جاءٍ، ولكنَّه ظنَّ أنه "عمرُو" مثلاً، فأعلَمْتَه أنه "زيدٌ".
فإنْ قلتَ: فإنه قد يصحُّ أنْ تقولَ: "إنَما جاءَني مِنْ بين القومِ زيدٌ وحدَه، وإنما أتاني مِنْ جملتهم عمروٌ فقط"، فإنَّ ذلك شيءٌ كالتَكلُّفِ، والكلامُ هُوَ الأولُ، ثم الاعتبارُ به إذا أُطْلِقَ فَلَمْ يقيد "بوحده" وما في معناه. ومعلومٌ أنكَ إذا قلتَ: "إنتما جاءني زيد"، ولم نرد على ذلك، أنه لا يسبق إىل القلبِ مِن المعنى إلاَّ ما قدَّمْنا شرْحَه، مِنْ أنك أردْتَ النصَّ على "زَيْدٍ" أنه الجائي، وان
(1/336)

باب القصر والاختصاص:
فصل في "ما" و"إلا":
تُبْطِلَ ظنَّ المخاطَبِ أنَّ المجيءَ لم يَكُنْ منه، ولكنْ كان مِن "عمرو" حَسَبَ ما يكونُ إذا قلتَ: "جاءني زيدٌ لا عمرو"، فاعرفه.
بيان وأمثلة فيما فيه "ما" و"إلا":
398 - وإذْ قَدْ عرفْتَ هذه الجملةَ، فإنَّا نَذْكُر جملةً من القولِ في "ما" و "إلاَّ" وما يكونُ مِنْ حُكْمهما.
إِعلمْ أنك إذا قلتَ: "ما جاءني إلاَّ زيدٌ": احتَمَلَ أمرين:
أحدُهما: أنْ تُريدَ اختصاصَ "زيدٍ" بالمجيءِ وأن تنفيه عمن غداه، وأنْ يكونَ كلاماً تقولهُ، لا لأنَّ بالمخاطَب حاجةً إلى أن يعْلمَ أنَّ "زيداً" قد جاءَك، ولكنْ لأنَّ به حاجةً إلى أن يعلم أنه لم يجىء إليكَ غيرُه.
والثاني: أن تُريد الذي ذكَرْناه في "إنما"، ويكونُ كلاماً تقولُه ليُعْلَم أنَّ الجائي "زيدٌ" لا غيرُه. فمن ذلك قولُكَ للرجل يدعي قلتَ قولاً ثم قلتَ خلافَهُ: "ما قلتُ اليومَ إلاَّ ما قلتُه أمسِ بعينِه" ويقولُ: "لم تَر زيداً، وإنما رأيتَ فلاناً"، فتقولُ: "بلْ لم أرَ إلا زيداً". وعلى ذلك قولُه تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 117]، لأنه ليس المعنى: أني لم أَزِدْ على ما أمَرْتني به شيئاً، ولكنَّ المعنى: أني لم أدَّع ما أمَرْتَني به أن أقولَه لهم وقلتُ خِلافَه.
ومثالُ ما جاءَ في الشعر من ذلك قوله:
قَدْ عَلِمَتْ سَلْمى وجاراتُها ... ما قطَّر الفارسَ إلا أنا1
__________
1 هو لعمرو بن معد يكرب، في ديوانه، وفي سيبويه 1: 379، وفي فرحه الأديب: 135، وقال الغندجاني: قال ابن السيرافي: "قطر الفارس" ألقاه على أحد قطر به، وهما جانباه "ثم قال: "قل غناء على المستفيد هذا القدر، وذلك أنه لا يكاد يعرف حقيقة معناه إلا بمعرفة القصة المتعلق بها، وذلك أن عمرو بن معد يكرب حمل يوم القادسية على مرزبان، وهو يرى أنه رستم، فقتله، فقال في ذلك:
ألمم بسلمى قبل أن تظعنا ... إن لليلى عندنا ديدنا
قَدْ عَلِمَتْ سَلْمى وجاراتُها ... ما قطَّر الفارسَ إلا أن
شككت بالرمح حيازيمه ... والخيل تعدو زيما بيننا
(1/337)

المعنى: أن الذي قَطَّر الفارسَ، وليسَ المعنى على أنَّه يريد أن يزعم أنه انفرد بأنقطره، وأنه لم يشركه فيه غيره.
بيان في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} وتقديم اسمه سبحانه:
399 - وههنا كلام ينبغي أن تغلمه، إلاَّ أنِّي أكتُبُ لكَ مِنْ قبلِه مسألةً، لأنّ فيها عوناً عليه. قولُه تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، في تقديم اسمِ الله عزَّ وجلَّ معنى خلافُ ما يكونُ لو أُخِّرَ. وإنما يَبِينُ لكَ ذلكَ إذا اعتبرتَ الحكمَ في "ما" و "إلا"، وحصلْتَ الفرْقَ بينَ أن تقولَ: "ما ضَرَبَ زيداً إلاَّ عمرو"، وبينَ قولِك: "ما ضرَبَ عمروٌ إلا زيداً".
والفرقُ بينهما أنك إذا قلتَ: "ما ضرَبَ زيداً إلا عمرو"، فقدَّمْتَ المنصوبَ، كان الغرَضُ بيانَ الضاربِ مَنْ هُو، والإخبارُ بأنَّه عمرو خاصةً دون غيره وإذا قلتَ: "ما ضرَب عمرو إلاَّ زيداً"، فقدَّمتَ المرفوعَ، كان الغرضُ بيانَ المضروبِ مَنْ هو، والإخبار بأنه "زيدٌ" خاصَّةً دونَ غيرِه.
400 - وإذْ قد عرفْتَ ذلكَ فاعتبرْ بهِ الآيةَ، وإذا اعتبرْتَها بهِ علمتَ أنَّ تقديمَ اسمِ الله تعالى إنما كانَ لأجْلِ أنَّ الغرضَ أن يبيَّن الخاشونَ مَنْ هُمْ، ويُخْبَر بأنهم العلماءُ خاصَّةً دونَ غيرهم. ولو أُخِّر ذكْرُ اسمِ الله وقدَّم
(1/338)

"العلماءُ" فقيلَ: "إنَّما يخشَى العلماءُ اللهَ"، لصارَ المعنى على ضدِّ ما هو عليه الآن، ولصارَ الغرَضُ بيانَ المَخْشيِّ مَنْ هو، والإخبارُ بأنه اللهُ تعالى دونَ غيرِه، ولم يَجِبْ حينئذٍ أن تكونَ الخَشْيَةُ مِنَ الله تعالى مقصورةً على العلماءِ، وأن يكونوا مَخْصوصين بها كما هو الغرضُ في الآية، بل كان يكونُ المعنى أنَّ غيرَ العلماء يَخشَوْن اللهَ تعالى أيضاً، إلاَّ أَنَّهم مع خَشْيتهم اللهَ تعالى يخشَوْنَ معه غيرَه، والعلماءُ لا يَخْشَونَ غيرَ الله تعالى.
وهذا المعنى وإنْ كانَ قد جاءَ في التنزيلِ في غيرِ هذه الآية كقولهِ تعالى: {وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 29]، فليس هو الغرضَ في الآية، ولا اللفظُ بمُحْتملِ له البتَّة. ومَنْ أجازَ حَمْلَها عليه، كان قد أبطَلَ فائدةَ التقديمِ، وسوَّى بينَ قولِه تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وبينَ أنْ يُقالَ: "إنما يخشَى العلماءُ اللهَ"، وإذا سوَّى بينهُما، لَزمَه أن يسوِّيَ بين قولِنا: "ما ضَرَبَ زيداً إلا عمرو" وبينَ: "ما ضرَب عمرو إلاَّ زيداً"، وذلك ما لا شُبْهَةَ في آمتناعه.
"ما" و"إلا" وتقديم المفعول في الجملة وتأخيره، وأن الاختصاصَ مع "إلاَّ" يقعُ في الذي تؤخِّرُهُ:
401 - فهذه هي المسئلة، وإذ قد عرفتها فالأمر فيما بين: أن الكلام "بما" و "إلا" قد يكونُ في معنى الكلامِ "بإنما"، ألا تَرى إلى وضوحِ الصورةِ في قولك: "ما ضرب زيدًا إلا عمرو" و "ما ضرب عمرو إلا زيداً"، أنه في الأولِ لبيانِ مَن الضارب، وفي الثاني لبيان منالمضروب، وإن كانا تكلُّفاً أن تَحْمِله على نفْي الشركةِ، فتريدُ "بما ضرَب زيداً إلاَّ عمرو" أَنه لم يضرِبْهُ اثنان، و "بما ضرَب عمرو إلاَّ زيداً"، أنه لم يَضْرِب اثنين.
402 - ثم اعلمْ أنَّ السببَ في أنْ لم يكنْ تقديمُ المفعولِ في هذا
(1/339)

كتأخيرِه، ولم يكنْ "ما ضَربَ زيداً إلاَّ عمرو" و "ما ضرَبَ عمرو إلا زيداً"، سواءٌ في المعنى أنَّ الاختصاصَ يَقعُ في واحدٍ من الفاعلِ والمفعولِ، ولا يقعُ فيهما جميعاً. ثم إنَّه يقعُ في الذي يكونُ بعد "إلاَّ" منهما دونَ الذي قبلَها، لاستحالةِ أن يحدُثَ معنى الحرفِ في الكلمة من قبْلَ أن يَجيء الحرفُ. وإذا كان الأمرُ كذلكَ، وجَبَ أن يَفْترقَ الحالُ بينَ أَن تقدم المعفول على "إلاَّ" فتقولَ: "ما ضرَب زيداً إلاَّ عمرو"، وبين أن تقدِّم الفاعلَ فتقولَ: "ما ضربَ عمرو إلاَّ زيداً"، لأنَّا إنْ زعَمْنا أنَّ الحالَ لا يَفترِقُ، جعَلْنا المتقدِّمَ كالمتأخِّرِ في جوازِ حدوثِه فيه. وذلك يقتضي المحالَ الذي هو أن يَحْدُثَ معنى "إلاَّ" في الاسمِ مِنْ قببل أن تجيء بها، فآعرفه.
403 - وإذا قد عَرفْتَ أنَّ الاختصاصَ مع "إلاَّ" يقعُ في ذلك تؤخِّرُهُ من الفاعل والمفعولِ، فكذلك يَقعُ مع "إنما" في المؤخَّر منهما دونَ المقدَّمِ. فإذا قلت: "إنما ضرَب زيداً عمرو"، كان الاختصاصُ في الضاربِ، وإذا قلتَ: "إنما ضربَ عمرو زيداً"، كان الاختصاصُ في المضروبِ، وكما لا يَجوزُ أنْ يستويَ الحالُ بينَ التقديم والتأخيرِ معَ "إلاَّ"، كذلكَ لا يجوزُ مع "إنما".
العود إلى القول في "إنما" وما يقع فيه الاختصاص بعدها:
404 - وإذا استبَنْتَ هذهِ الجملةَ1، عرفْتَ منها أنَّ الذي صنعهُ
الفرزدقُ في قولِه:
وإنَّما يُدافعُ عن أحسابهم أنا أو مثلي2
__________
1 في "س": "وإذا استثبت هذه الجملة".
2 انظر رقم: 388، ثم في هذا الموضع من "ج" حاشية بخط الكاتب هذا نصها: "قوله: "إنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي"، إنما امتنع فيه إذا قال: "إنما أدافع عن أحسابهم"، أن يكون المعنى مثله الآن، من أجل أن =
(1/340)

شيءٌ لو لم يصنَعْه لم يصِحَّ له المعنى. ذاك لأن غرضه أن يخص
__________
= الاختصاص إنما انصرف في قوله: "إنما يدافع عن أحسابهم أنا" إليه دون الأحساب، من حيث أن المقصود بالاختصاص يكون لهذا الثاني دون الأول، كما قد بينا من أنك إذا قلت: "إنما ضرب زيدًا عمرو"، كان المعنى على اختصاص الفاعل، وإذا قلت: "إنما ضرب عمرو زيدًا"، كان الاختصاص في المفعول فإنما كان الاختصاص في بيت الفرزدق لقوله: "أنا" بأن قدم "الأحساب" عليه. وهو إذا قال: "أدافع"، آستكن ضميره في الفعل فلم يتصور تقديم "الأحساب" عليه، ولم يقع "الأحساب" إلا مؤخرًا عن ضمير الفرزدق، وإذا تأخر انصرف الاختصاص إليه لا محالة.
فإن قلت: إنه يمكنه أن يقول: "فإنما أدافع عن أحسابهم أنا"، فتقدم "الأحساب" على "أنا".
قيل: إنه إذا قال: "أدافع" كان الفاعل الضمير المستكن في الفعل، وكان "أنا" الظاهر تأكيدًا له، والحكم يتعلق بالمؤكد دون التأكيد. لأن التأكيد كالتكرير، فهو يجيء من بعد نفوذ الحلكم، فلا يكون تقديم الجار مع المجرور الذي هو قوله: "عن أحسابهم" على الضمير الذي هو تأكيد، تقديمًا على الفاعل.
وجملة الأمر أن تقديم المفعول على الفاعل إنما يكون إذا ذكرت المفعول قبل أن تذكر الفاعل، ولا سبيل لك إذا قلت: "إنما أدافع عن أحسابهم" إلى أن تذكر المفعول قبل ذكر الفاعل، لأن ذكر الفاعل ههنا هو ذكر الفعل، من حيث أنه [استكن] مستكن في الفعل، فكيف يتصور تقديم شيء عليه".
ثم قال كاتب النسخة فوق لفظ "حاشية"، ما يأتي:
(1/341)

المدافع لا المدافع عنه. ولو قال: "إنما أدافع عن أحسابهم"، لصار المعنى أنه يخص المدافع عنه1، وأنه يَزعمُ أنَّ المدافعةَ منه تكونُ عن أحسابِهم لا عَن أحسابِ غيرِهم، كما يكونُ إذا قال: "وما أُدافِعُ إلاَّ عن أحسابِهم"، وليس ذلك معناه، إنَّما معناه أنْ يَزعُمَ أنَّ المُدافِعَ هُوَ لا غيرُه، فاعرِفْ ذلك، فإنَّ الغلَطَ كما أظَنُّ يدْخُلُ على كثيرٍ ممَّن تَسمعُهم يقولونَ: "إنه فَصلَ الضميرَ للحَمْل على المعنى"، فيَرى أنه لوْ لم يَفْصِلْه، لكان يكونُ معناه مثْلَه الآن.
هذا ولا يجوزُ أن يُنْسَب فيه إلى الضرورةِ، فيُجْعَلَ مثَلاً نظير قول الآخر:
كأنَّا يَوْمَ قُرَّى إنْما نَقْتُل إيَّانا2
لأنَّه ليس به ضرورةٌ إِلى ذلك، من حيث أن "أدافع" و "يدافع" واحد في الوزن، فاعرف هذا أيضًا.
__________
= "هذه الحاشية مؤخرة في أماليه المدونة".
يقول أبو فهر: هذا نص يقطع، كما قطعت آنفًا قبل أن أصل إلى هذا الموضع، بأن جميع الحواشي التي كتبها كانت النسخة، وهي من كلام عبد القاهر: والحمد لله أولًا وآخرًا. هذا، وقد أثبت هذه الحاشية هنا، كما في المخطوطة، لأن فيها بعض التوضيح لما قاله هنا، ولأني أظن أن الشيخ عبد القاهر هو الذي كتبها على نسخته في هذا الموضع فوضعها الكاتب في موضعها من الحاشية مع أنها ستأتي في متن الكاب بنصها في رقم: 405، مع قليل من الاختلاف. ثم انظر التعليق على رقم: 405 هناك، ثم ما سيأتي رقم: 456.
1 من أول قوله: "ولو قال: إنما أدافع ... " إلى هذا الموضع ساقط من المطبوعة، ومن "ج"، وبسقطوه فسد الكلام.
2 هو من شواهد سيبويه 1: 271، 383، وهو في منسوب في "1: 383" لبعض النصوص، وكذلك في ابن يعيش 3: 101، وهو منسوب في الخصائص 2: 194 لأبي بحيلة "؟ "، وأما في أمالي ابن الشجري 1: 39، وتهذيب الألفاظ: 201، والخزانة 2: 406، فهو منسوب لذي الإصبع العدواني، وهي خمسة أبيات:
(1/342)

405 - وجملةُ الأمْر أنَّ الواجبَ أنْ يكونَ اللفظُ على وجهٍ يَجعلُ الاختصاصَ فيه للفرزدق. وذلك لا يكونُ إلاَّ بأنْ يُقدِّم "الأحسابَ" على ضميرِه، وهو لو قال: "وإِنما أُدافِع عن أَحسابهم"، استكنَّ ضميرُه في الفعل، فلم يتصوَّر تقديمُ "الأحسابِ" عليه، ولم يقعِ "الأحساب" إلاَّ مؤخَّراً عن ضَمير الفرزدق، وإِذا تأخرتْ انصرفَ الاختصاصُ إِليها لا مَحالة.
فإنْ قلتَ: إِنَّه كان يمكنه أنْ يقولَ1: "وإِنما أُدافِعُ عن أحسابهم أَنا"، فيقدِّمَ "الأحسابَ" على "أنا".
قيل: إِذا قال: "أُدافِع" كان الفاعلُ الضميرَ المستكنَّ في الفعلِ، وكان "أنا" الظاهرُ تأكيداً له، أعني للمستكن، والحكم يتعلق باملؤكد دون التأكيد، لأنَّ التأكيدَ كالتكريرِ، فهو يجيءُ من بَعْد نفوذِ الحكْم، ولا يكونُ تقديمُ الجارِّ مع المَجْرور، الذي هو قولُه "عن أحسابهم" على الضمير الذي هو تأكيدٌ، تقديماً له على الفاعلَ، ولا يكونُ لكَ إِذا قلتَ: "وإِنَّما أُدافعُ عن أحسابِهم"، سبيلٌ إِلى أن تَذْكُر المفعولَ قبل أن تذكُرَ الفاعلَ، لأنَّ ذكْرَ الفاعل
__________
= لقينا منهم جمعا ... فأوفى الجمع ما كانا
كَأنَّا يومَ قُرَّى إنَّـ ... ما نَقْتُل إيَّانا
قتلنا منهم كل ... فتى أبيض حسانا
يرى يرفل في بردين ... من أبراد نجرانا
إذايسرح ضأنًا مـ ... ـئة أتبعها ضانًا
1 في المطبوعة: "كان عليه"، خطأ بلا ريب.
(1/343)

ههنا هو ذكْرُ الفعلِ، من حيثُ إنَّ الفاعلَ مستكِنَّ في الفِعْلِ، فكيف يُتَصوَّرُ تقديمُ شيءٍ عليه، فاعرفه1.
الاختصاص يقع في الذي بعد "إلا" من فاعل أو مفعول، أو جار ومجرور يكون بدل أحد المفعولين:
406 - واعلمْ أَنك إنْ عمَدْت إِلى الفاعلِ والمفعولِ فأخَّرْتَهما جميعاً إلى ما بَعْد "إلاَّ"، فإنَّ الاختصاصَ يقَعُ حينئذٍ في الذي يلي "إِلاّ" منهما. فإذا قلتَ: "ما ضرَبَ إلاَّ عمرو زيداً"، كان الاختصاصُ في الفاعلِ، وكان المعنى أنك قلت: "إنَّ الضاربَ عمرو لا غيرُه" وإِن قلْتَ: "ما ضربَ إِلا زيداً عمرو"، كان الاختصاصُ في المفعول، وكان المعنى أنك قلتَ: "إِنَّ المضروبَ زيدٌ لا مَنْ سِواه"2
وحُكْم المفعولَيْنِ حكْمُ الفاعلِ والمفعولِ فيما ذكرتُ لك. تقولُ: "لم يكْسُ إلاَّ زيداً جُبَّةً"، فيكونُ المعنى أنه خَصَّ "زِيداً" من بين الناس بكُسوةِ الجُبَّة فإن قلْتَ: "لم يَكْسُ إلا جبة زيدًا"، كان المغنى: أنه خَصَّ الجبَّةَ من أصنافِ الكُسْوة.
وكذلك الحكُم حيثُ يكونُ بدلَ أحدِ المفعولين جارٌّ ومجرور، كقول السيد الحميري:
لَوْ خُيِّر المِنْبرُ فرْسانَه ... ما اخْتَارَ إلاَّ منكم فارسًا3
__________
1 هذه الفقرة: 405 بتمامها غير موجودة في "س"، والكلام فيها متصل، من آخر الفقرة: 404، بأول الفقرة: 406، وهذا يوضح بعض ما قلته في التعليق الطويل في رقم: 404.
2 انظر ما سيأتي في رقم: 406، 417.
3 هو في شعره المجموع، والأغاني 7: 240، "الدار" قالها لأبي العباس السفاح، لما استقر له الأمر، وقام إليه السيد الحميري حين نزل عن المنبر، فأنشده أبياتًا منها هذا.
(1/344)

الاختصاصُ في "منكُم" دونَ "فارساً" ولو قلتَ: "ما اختارَ إلاَّ فارساً منكم"، صار الاختصاصُ في "فارسًا"1.
حكم المبتدأ والخبر إذا جاء بعد "إثما":
407 - واعلمْ أَنَّ الأمرَ في المبتدأ والخَبر، إنْ كانا بَعْدَ "إِنّما" عَلَى العبرةِ التي ذكرتُ لك فيالفاعل والمفعولِ، إِذا أنتَ قدَّمْتَ أَحدَهما على الآخَرِ.
معنى ذلك: أنك إنْ تركتَ الخبرَ في موضِعهِ فلَمْ تُقدِّمه على المبتدأ، كان الاختصاصُ فيه وإِن قدَّمْتَه على المبتدأ، صار الاختصاصُ الذي كان فيه في المبتدأ.
تفسيرُ هذا، أَنك تقولُ: "إِنما هذا لك"، فيكونُ الاختصاصُ في "لك" بدلالةِ أَنك تقولُ: "إِنَّما هذا لكَ لا لِغيرك" وتقولُ: "إِنما لكَ هذا"، فيكونُ الاختصاصُ في "هذا"، بدلالةِ أنك تقول: "إما لكَ هذا لا ذاكَ"، والاختصاصُ يكونُ أبداً في الذي إِذا جئتَ "بلا" العاطفة كان العطف عليه.
وإذا أردْتَ أن يزدادَ ذلك عندَكَ وضوحاً، فانظرْ إِلى قولِه تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40]، وقوله عزَّ وعَلاَ: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} [التوبة: 92]، فإنَّك تَرَى الأمرَ ظاهراً أنَّ الاختصاصَ في الآية الأولى في المبتدأ الذي هو "البلاغُ" و "الحساب"، دون الخبر الذي هو "عليك" و "علينا" وأنَّه في الآيةِ الثانيةِ في الخَبر الذي هو "عَلَى الذين"، دونَ المبتدأ الذي هو "السبيل".
__________
1 من أول قوله هنا: "في فارسًا" إلى آخر قوله بعد قليل: "وإن قدمته على المبتدإ صار الاختصاص"، سقط من كاتب "ج" سهوًا.
(1/345)

عود إلى الاختصاص إذا كان "بما" و"إلا":
408 - واعلم أنه إذا كان الكلام "بما" و "إلا" كان الذي ذكرتُه مِنْ أنَّ الاختصاصَ يكونُ في الخبر إنْ لم تقدِّمْه، وفي المبتدأ إنْ قدَّمْتَ الخبرَ أوضحَ وأَبْيَنَ1، تقولُ: "ما زيدٌ إلاَّ قائمٌ"، فيكون المعنى أنَّكَ اختَصَصْتَ "القيامَ" من بينِ الأوصافِ التي يُتوهَّم كونُ زيدٍ عليها بجَعْله صفةً له. وتقول: "ما قائم إلا زيد"، يكون المعنى أنك اختصصت زيدًا بكونه موصوفاً بالقيام. فقد قَصْرتَ في الأول الصفةَ على الموصوفِ، وفي الثاني الموصوف على الصفة.
409 - واعلمْ أَنَّ قولَنا في الخبرِ إذا أُخِّر نحو: "ما زيدٌ إلاَّ قائم"، أَنك اختصصْتَ القيامَ من بينِ الأوصافِ التي يُتوهَّم كونُ زيدٍ عليها، ونفَيْتَ ما عدا القيامَ عنه، فإنما تعني أنك نفَيْتَ عنه الأوصافَ التي تُنَافي القيامَ، نحو أنْ يكونَ "جالساً" أو "مضطجعاً" أو "متكئًا" أو ما شاكل ذلك ولم ترد أنك نفَيْتَ ما ليس مِنَ القيامِ بسبيلٍ، إذا لسنا نَنْفي عنه بقَوْلِنا: "ما هوَ إِلاّ قائم" أن يكونَ "أسودَ" أو "أبيضَ" أو طويلاً" أو "قصيراً" أو "عالِماً" أو "جاهِلاً"، كما أنا إأذا قلنا: "ما قائم إلا زيد"، لم يرد أنه ليس في الدنيا قائمٌ سِواهُ، وإِنَّما نَعْني ما قائمٌ حيثُ نحن، وَبِحَضْرَتِنا، وما أشبه ذلك.
410 - واعلم أن الأمرين في قولِنا: "ما زيدٌ إلاَّ قائم"، أنْ ليس المعنى على نفْي الشركةِ، ولكنْ على نفي أن لا يكون المذكور، ويكون بذله شيءٌ آخر. أَلا ترى أنْ ليس المَعنى أنه ليس له معَ "القيامِ" صفةٌ أخرى، بلِ المعنى أَنْ ليس له بدَلَ القيام صفةٌ ليستْ بالقيام، وأنْ ليس القيامُ، منفياً عنه، وكائنًا مكانه فيه "القعود" أو "لاضطجاع" أو نحوهما.
__________
1 السياق: "كان الذي ذكره له .... أوضح وأبين".
(1/346)

فإن قلت: قصورة المعنى إذن صورته إذا وضعت الكلام "بإنما" فقتلت: "إِنما هو قائمٌ"، ونحنُ نَرى أنَّه يجوزُ في هذا أن تَعْطِفَ "بلا" فتقول: "إنما هو قائمٌ لا قاعدٌ"، ولا نرى ذلك جائزًا مع "ما" و "إلا" إذْ ليس من كلام الناس أَن يقولوا1: "ما زيدٌ إِلاّ قائمٌ لا قاعدٌ".
2فإنَّ ذلك إِنما لم يَجُزْ مِن حيثُ إنَّكَ إِذا قلتَ: "ما زيدٌ إلاَّ قائمٌ"، فقد نفيتَ عنه كلَّ صفةٍ تُنَافي "القيامَ"، وصرتَ كأنك قلتَ: "ليس هو بقاعدٍ ولا مضطجِعٍ ولا متكئٍ"، وهكذا حتى لا تدَعَ صفةً يخرجُ بها من "القيامِ". فإِذا قلتَ مِن بَعْد ذلك "لا قاعد"، كنتَ قد نفيْت "بلا" العاطفةِ شيئاً قد بدأْتَ فنفَيْتَه، وهي موضوعةٌ لأنْ تنفي بها ما بدأت فأوجبته، لالأن تُفيدَ بها النفيَ في شيءٍ قد نَفيتَه. ومن ثَمَّ لم يَجُزْ أنْ تقولَ: "ما جاءني أحدٌ لا زيدٌ"، على أنْ تعْمَد إلى عبض ما دَخل في النفيِ بعمومِ "أحدٍ" فتنفيَه على الخُصوص، بل كان الواجِبُ إِذا أردتَ ذلك أنْ تقولَ: "ما جاءني أحدٌ ولا زيد"، فتجيء "البواو" من قبل "لا"، حتى تخرج بذلك على أن تكونَ عاطفةً، فاعرفْ ذلك.
411 - وإذْ قد عرفْتَ فسادَ أن تقولَ: "ما زيدٌ إلاَّ قائمٌ لا قاعدٌ"، فإِنَّك تَعْرِفُ بذلك امتناعَ أن تقولَ: "ما جاءني إِلا زيدٌ لا عمرو" و "ما ضربتُ إِلا زيداً لا عمراً" وما شاكَلَ ذلك. وذلك أَنك إِذا قلْتَ: "ما جاءني إلاَّ زيدٌ"، فقد نفَيْتَ أنْ يكونَ قد جاءك أَحدٌ غيرُه، فإذا قلت:
__________
1 في "س"، ونسخة عند رشيد رضا: "في الكلام".
2 "فإن ذلك" هو جواب من قال: "فصورة المعنى إذن ... ".
(1/347)

"لا عمرو"، كنتَ قد طلبتَ أن تنفيَ "بلا" العاطفةِ شيئاً قد تقدَّمْتَ فنفيتَه، وذلك، كما عرَّفْتُكَ، خروجٌ بها عن المعنى الذي وُضِعَتْ له إلى خلافه.
بيان آخر في معنى "إنما" في الجملة، في "ما" و"إلا"، وأن حكم "غير" حكم "إلا":
412 - فإِنْ قيلَ: فإِنَّك إِذا قلتَ: "إِنما جاءني زيد"، فقد نفَيْتَ فيه أيضاً أن يكونَ المجيءُ قد كانَ من غيرهِ، فكانَ ينبغي أن لا يجوزَ فيه أيضاً أن تعطِفَ بلا فتقول: "إنما جاءني زيد لا عمرو".
قيل: إنَّ الذي قلْتَه من أنك إِذا قلتَ: "إِنما جاءني زيد" فقد نفَيْتَ فيه أيضاً المجيءُ قد كانَ من غيرهِ، فكانَ ينبغي أن لا يجوزَ فيه أيضاً أن تعطِفَ بلا فتقول: "إنما جاءني زيد لا عمرو".
قيل: إنَّ الذي قلْتَه من أنك إِذا قلتَ: "إِنما جاءني زيد" فقد نفَيْتَ فيه أيضاً المجيءَ عن غيرهِ غيرُ مُسلَّمٍ لك على حقيقته. وذلك أنه ليس معكط إلاَّ قولُكَ: "جاءني زيد"، وهو كلامٌ كما تَراه مُثْبَتٌ ليس فيه نَفْيٌ البتةَ، كما كانَ في قولِك: "ما جاءني إلاَّ زيدٌ"، وإِنما فيه أَنَّك وضعْتَ يدَك عَلَى "زيدٍ" فجعلتَه "الجائي"، وذلك وإِن أوجبَ انتفاءَ المجيء عن غيرِه، فليس يُوجِبُه مِن أجْل أنْ كان ذلك إعمالَ نفْي في شيءٍ، وإِنما أوجبَه من حيثُ كان "المجيءُ" الذي أخبرْتَ بهِ مَجيئاً مخصوصاً، إذ كانَ لزيدٍ لم يكنْ لغيره. والذي أَبَيْناهُ أن تنفي "بلا" العاطفةِ الفعلَ عن شيءٍ وقد نفَيْتَه عنه لفظاً.
413 - ونظيرُ هذا أنَّا نعْقِل من قولنا: "زيدٌ هو الجائي"، أنَّ هذا المجيءَ لم يَكنْ مِن غيرهِ، ثم لا يمنعُ ذلك مِن أن تجيءَ فيه "بلا" العاطفةِ فتقولَ: "زيدٌ هو الجائي لا عمرو"، لأنَّا لم نعقلْ ما عَقَلْناه من انتفاءِ المجيءِ عن غيرِه، بنَفْي أوقعناهُ على شيءٍ، ولكنْ بأنَّه لما كانَ المجيءُ المقصودُ مجيئاً واحداً، كان النصُّ على "زيدٍ" بأَنه فاعلُه وإثباته له، نفياً له من غيرِه، ولكنْ مِن طريقِ المعقولِ، لا من طريقِ أَنْ كانَ في الكلامِ نَفيٌ، كما كان ثَمَّ، فاعرفْه.
(1/348)

414 - فإِنْ قيل: فإِنَّك إِذا قلتَ: "ما جاءني إِلاّ زيدٌ"، ولم يكن غرَضُك أنْ تنفيَ أَنْ يكونَ قد جاءَ معهُ واحدٌ آخرُ، كان المجيء أيضًا مجيئًا واحدًا.
قيل: وإِنْ كانَ واحداً، فإِنَّك إِنما تُثْبِتُ أنَّ "زيداً" الفاعلُ له، بأنْ نَفَيْتَ المجيءَ عن كلِّ مَنْ سِوى زيدٍ1، كما تصنعُ إِذا أردتَ أن تنفيَ أن يكون قد جاءَ معه جاءٍ آخرُ. وإِذا كان كذلك، كانَ ما قلناهُ مِن أَنك إنْ جئتَ "بلا" العاطفةِ فقلتَ: "ما جاءني إلاَّ زيدٌ لا عمرُو"، كنتَ قد نفَيْتَ الفعلَ عن شيءٍ قد نَفيتَه عنه مرةً صحيحاً ثابتاً، كما قلناه، فاعرفْه.
415 - واعلمْ أنَّ حكْم "غير" في جميعِ ما ذكرْنا، حُكْمُ "إلاَّ". فإذا قلتَ: "ما جاءني غيرُ زيدٍ"، احتملَ أنْ تريدَ نفيَ أنْ يكونَ قد جاءَ معه إنسانٌ آخرُ، وأنْ تُريدَ نفيَ أنْ لا يكونَ قد جاءَ، وجاءَ مكانَه واحدٌ آخرُ2 ولا يصحُّ أن تقولَ: "ما جاءني غيرُ زيدٍ لاعمرو"، كما لم يَجُزْ: "ما جاءني إِلاّ زيدٌ لا عمرو".
__________
1 في المطبوعة: "فإنك إنما بينت".
2 في "س"، ونسخة عند رشيد رضا: "ففي أن يكون قد جاء مكانه واحد آخر".
(1/349)

فصل: في نكتة تتصل بالكلام الذي تضعه "بما" و "إلا"
بيان آخر في "ما" و"إلا":
416 - إعلمْ أنَّ الذي ذكَرْناه من أنَّك تقولُ: "ما ضرَبَ إلا عمروٌ زيداً"، فتُوقِعُ الفاعلَ والمفعولَ جميعاً بعْد "إِلاّ"1، ليس بأكثَرِ الكلام، وإِنَّما الأكثرُ أنْ تُقدِّم المفعولَ على "إِلاَّ"، نحوُ: "ما ضرَبَ زيداً إلاَّ عمرو"، حتى إنَّهم ذهَبوا فيه أعني في قولكَ: "ما ضرَبَ إلاّ عمرو زيداً" إِلى أنَّه على كلامَيْن، وأنَّ "زيداً" منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ، حتى كأن المتكلِّمَ بذلكَ أيهم في أوَّلِ أمرِهِ فقال: ما ضرَبَ إلاَّ عمروٌ" ثم قيلَ له: "مَنْ ضَرَبَ؟ " فقال: "ضرَبَ زيداً".
417 - وههنا، إِذا تأملْتَ، معنىً لطيفٌ يُوجِبُ ذلكَ، وهو أَنَّك إذا قلتَ: "ما ضَرَبَ زيداً إلاّ عمرو"، كان غرضُك أن تَختَصَّ "عَمْراً" "بضربِ" "زَيْدٍ"، لا بالطرب على الإِطلاق. وإذا كانَ كذلِكَ، وجَبَ أَن تُعَدِّيَ الفعلَ إِلى المفعولِ مِن قَبْل أنْ تذكُر "عَمراً" الذي هو الفاعلُ، لأنَّ السامعَ لا يَعْقِلُ عنكَ أَنَّكَ اختصصْتَه بالفعلِ معدًّى حتى تكونَ قد بدأتَ فعدَّيْتَه أعني لا يَفهم عنكَ أنك أردتَ أَنْ تختصَّ "عَمراً" بضربِ "زيدٍ"، حتى تذكرَه له مُعَدًّى إِلى "زيدٍ"، فأمَّا إِذا ذكَرْتَه غيرَ معدى فقلتَ: "ما ضَرَبَ إلا عمروٌ"، فإنَّ الذي يَقعُ في نفسِه أنَّك أردتَ أنْ تزعُمَ أنه لم يَكُنْ مِن أحدٍ غير "عمرو" ضرب، وأنه ليس ههنا مضْروبٌ إلاَّ وضارِبُه عمرو، فاعرفه أصلاً في شأن التقديم والتأخير.
__________
1 انظر ما سلف رقم: 406.
(1/350)

فصل في العود إلى مباحث "إنما":
فصل
زيادة بيان في "إنما"، وهو فصل طويل متشعب، فيه غموض:
418 - إن قيل: قد مَضيْتَ في كلامِك كلِّه على أنَّ "إِنما" للخبرلا يجهلُه المخاطَبُ، ولا يكونُ ذكْرُك له لأنْ تُفيدَه إياهُ1، وإنَّا لنراها في كثيرٍ من الكلامِ، والقصدُ بالخبر بعْدَها أن تُعْلم السامعَ أمراً قد غلِطَ فيه بالحقيقة، واحتاجَ إِلى معرفتِه، كمِثْلِ ما ذكرتَ في أوّلِ الفَصْل الثاني مِنْ قولك2:
"إِنّما جاءني زيدٌ لا عمروٌ"، وتراها كذلك تَدورُ في الكُتب للكَشْف عن معانٍ غيرِ معلومةٍ، ودلالةِ المتعلِّمِ منها عَلَى ما لا يَعْلم.
قيل: أمَّا ما يجيءُ في الكلامِ مِنْ نحْوِ: "إِنما جاءَ زيدٌ لا عمرو"، فإِنه وإنْ كانَ يكونُ إِعلاماً لأمرٍ لا يَعْلمهُ السامعُ، فإِنه لا بدَّ معَ ذلك مِنْ أنْ يُدَّعى هناك فضْلُ انكشافٍ وظهورٍ في أنَّ الأمَر كالذي ذكَرَ. وقد قسمتُ في أولِ ما افتتحتُ القولَ فيها فقلتُ: "إِنها تجيءُ للخبر لا يَجهلُه السامعُ ولا ينكر صحته، أو لما ينزل هذه المنزلةَ"3. وأمَّا ما ذكرتُ مِنْ أَنَّها تَجيء في الكتبِ لدلالةِ المتعلِّم على ما لم يَعلمْه، فإنَّك إِذا تأملْتَ مواقعَها وجدْتَها في الأمر الأَكْثرِ قَدْ جاءتْ لأمرٍ قد وقع العلم بموجبه وبشيء يدل عليه.
"إذا قلتَ: كان زيدٌ، فقد ابتدأَتَ بما هو معروفٌ عندَه مثلهُ عندَكَ،
__________
1 انظر ما سلف رقم: 390، وما بعده.
2 "الفصل الثاني"، يعني رقم: 395 وما بعده.
3 هو ما جاء في صدر الفقرة رقم: 390.
(1/351)

وإِنما يَنتظرُ الخَبَر. فإِذا قلتَ: "حليماً"، فقد أعلمتَه مثلَ ما علِمْتَ. وإِذا قلتَ: "كان حليماً"، فإِنما يَنتظِرُ أنْ تعرِّفَه صاحِبَ الصفة"1.
وذاكَ أنه إِذا كان معْلوماً أنه لا يكون متبدأ من غيرِ خبرٍ، ولا خَبرٌ مِن غيرِ مبتدإٍ، كانَ معلوماً أنك إِذا قلتَ: "كان زيدٌ" فالمخاطَبُ يَنتظِرُ الخبرَ، وإِذا قلتَ: "كان حليماً"، أنه يَنتظِرُ الاسْمَ، فلم يقع إذن بعْد "إِنما" إلاَّ شيءٌ كانَ معلوماً للسَّامِعِ مِن قَبْل أنْ ينتهيَ إِليه.
419 - وممَّا الأمرُ فيه بيِّنٌ، قولُه في باب "ظننْتُ"2:
"وإِنما تَحْكي بعْد "قلتُ" ما كان كلاماً لا قولا"3.
وذلك أنَّه معلومٌ أنكَ لا تحكي بعد "قلتُ"، إِذا كنتَ تَنْحوِ نحْوَ المعنى، إلاَّ ما كَانَ جملةً مُفيدةً، فلا تقولُ: "قال فلانٌ زيدٌ" وتَسْكتُ، أَللهمَّ إلاَّ أنْ تُريدَ أَنَّه نطَقَ بالاسمِ على هذهِ الهيئةِ، كأنَّكَ تُريد أَنه ذكَرَهُ مرفوعاً.
ومثلُ ذلك قولُهم: "إِنّما يحذَفُ الشيءُ إِذا كانَ في الكلامِ دليلٌ عليه"، إِلى أشباه ذلك مما لا يُحصى، فإِنْ رأيتَها قد دخلتْ على كلامٍ هو ابتداءُ إعلامٍ بشيءٍ لم يَعلَمْهُ السامعُ، فلأَن الدليلَ عليه حاضِرٌ معه، والشيءَ بحيث
__________
1 هذا نص سيبويه في الكتاب 1: 22.
2 "قوله"، يعني قوله سيبويه.
3 هو في الكتاب 1: 62، ونص كلام سيبويه:
"واعلم أن "قلت" في كلام العرب إنما وقعت ليحكي بها. وإنما يحكي بعد "القول" ما كان كلامًا لا قولًا، نحو: قلت زيد منطلق ... ".
(1/352)

يَقعُ العِلمُ به عن كَثَبٍ. واعلمْ أنه ليس يكادُ يَنتهي ما يُعَرض بسببِ هذا الحرف من الدقائق1.
ما لا يحسن فيه العطف بلا:
420 - ومما يَجبُ أن يُعْلَم: أنه إِذا كانَ الفعلُ بَعْدها فعلاً لا يصِحُّ إلاَّ مِن المذكورِ ولا يكونُ مِنْ غيرِه، كالتذكُّر الذي يُعْلَم أنه لا يكونُ إِلاّ مِن أُولي الألبابِ2 لم يحسُنِ العطفُ "بلا" فيه، كما يَحْسنُ فيما لا يُختصُّ بالمذكور وتصح مِن غَيره.
تفسيرُ هذا: أنه لا يَحْسنُ أن تقولَ: "إِنما يتذكَّرُ أُولو الألبابِ لا الجهالُ"، كما يَحْسن أن تقولَ: "إِنما يجيءُ زيدٌ لا عمروٌ".
ثُمَّ إنَّ النفيَ فيما نحن فيه3، النفيُ يتقدَّم تارةً وَيتأخَّرُ أخرى، فمثالُ التأخير ما تراه في قولك: "إنما [جاءني] زيدٌ لا عمرو"4، وكقَولِهِ تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21، 22]، وكقول لبيد:
إنما يجزى الفتى ليس الجمل5
__________
1 "الحرف" يعني "إنما".
2 من أول قوله هنا "لم يحسن العطف"، إلى آخر قوله بعد سطرين: {أُولُو الْأَلْبَابِ}، سقط من كاتب "ج" سهوًا.
3 في المطبوعة، وفي "س": "ثُمَّ إنَّ النفيَ فيما يجيءُ فيه النفيُ"، وهي سيئة، والذي في "ج" هو الصواب المحض.
4 في النسخ جميعًا "إنما يجيء زيد لا عمرو"، وليس صوابًا، بدليل السياق بعده، فغيرته ووضعته بين القوسين.
5 هو في ديوانه، في طولته اللامية الساكنة، وصدره:
فإذا جوزيت قرضًا فاجزره
العرب تقول "الفتى"، وتعني به اللبيب الفطن، وتقول: "الجمل"، وتعني به الجاهل يقول: إنما يجزى اللبيب لا الجاهل.
(1/353)

ومثالُ التقديم قولُك: "ما جاءني زيدٌ، وإِنما جاءني عمرو"، وهذا مما أنتَ تعلَمُ به مكانَ الفائدةِ فيها، وذلك أنك تعلم ضرورةأنك لو لم تُدْخِلْها وقلتَ: "ما جاءني زيدٌ وجاءني عمرو"، لكان الكلامُ مع مَنْ ظنَّ أنهما جاءك جميعاً، وأنَّ المعنى الآن مع دخولِها، أَنَّ الكلامَ معَ مَن غَلِطَ في عينِ الجائي، فظن أنه كان زيدًا لا عمرًا.
بيان في انضمام "ما" إلى "إن" في "إنما" وقول النحاة هي "كافة":
421 - وأمرٌ آخرُ، وهو ليس ببعيدٍ: أنْ يَظُنَّ الظَّانُّ أنَّه ليس في انضمام "ما" إِلى "إِنّ" فائدةٌ أكثرُ من أنها تُبْطِل عملَها، حتى تَرى النحويِّينَ لا يَزيدون في أكثرِ كلامهم على أنها "كافَّة"، ومكانُها ههنا يُزيل هذا الظنَّ ويُبْطِلُه. وذلك أنك تَرى أنك لو قلت: "ما جاءني زيدٌ، وإنَّ عمراً جاءني"، لم يُعقل منه أنك أردتَ أنَّ الجائي "عمروٌ" لا "زيدٌ" بل يكونُ دخولُ "إنَّ" كالشيءِ الذي لا يُحتاجُ إِليه، ووجدتَ المعنى يَنْبو عنه.
"إنما" إذا جاءت للتعريض بأمر هو مقتضى الكلام، ومثاله في الشعر:
422 - ثم اعلمْ أَنك إِذا استقريْتَ وجدْتَها أقوى ما تكونُ وأعْلَقَ ما ترى بالقلب، إِذا كان لا يُراد بالكلامِ بعدَها نفْسُ معناه، ولكنَّ التعريضَ بأمرٍ هو مُقْتضاه، نحوُ أنَّا نعلمُ أَنْ ليس الغَرضُ مِن قولِه تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19] [الزمر: 9]، أنْ يَعلَم السَّامِعُون ظاهرَ معناه، ولكنْ أن يُذَمَّ الكفَّارُ، وأنْ يُقالَ إِنهم مِنْ فرطِ العِنادِ ومِنْ غلبةِ الهوى عليهم، في حُكْم مَنْ ليس بذي عقْلٍ، وإِنكم إنْ طمِعْتُم منهم في أنْ يَنْظروا ويَتذكَّروا، كنتُم كمَنْ طمِعَ في ذلك مِنْ غيرِ أُولي الألباب. وكذلك قولُه: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45]، وقولُه عَزَّ اسْمُه: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
(1/354)

بِالْغَيْبِ} [فاطر: 18]، المعنى على أنَّ مَن لم تكنْ له هذه الخَشْيةُ، فهو كأنهُ ليس له أُذُنٌ تَسمَعُ وقلْبٌ يَعْقِلُ، فالإنذارُ معه كَلاَ إِنذارٌ.
423 - ومثال ذلك في الشعر قوله:
أَنا لَمْ أُرْزَقْ محبَّتَها ... إِنَّما لِلْعبدِ ما رُزقا1
الغرضُ أن يُفْهِمَك مِن طريقِ التعريضِ أنه قد صار يَنْصَحُ نفسَه، ويَعلَمُ أنه يَنْبغي له أن يقْطَع الطمَعَ من وصلِها2، ويَيْأَسَ من أن يكونَ منها إسعافٌ.
ومن ذلك قوله:
وإِنَّما يَعْذِرُ العشَّاقَ مَنْ عَشِقا
يقولُ: إِنَّه ليس يَنْبغي للعاشقِ أن يلومَ من يَلُومُهُ في عِشْقه، وأنه ينبغي أنْ لا يُنْكَر ذلك منه، فإِنه لا يَعْلَمُ كنْهَ البلوَى في العِشْقِ، ولو كان ابْتُليَ به لعرَفَ ما هو فيه فعذره.
وقوله:
ما أنتَ بالسَّبَبِ الضعيفِ وإنَّما ... نُجْحُ الأُمورِ بقوَّةِ الأَسْبابِ
فاليومَ حاجتُنا إليكَ ... وإِنما يُدْعى الطبيبُ لساعةِ الأوَصابِ3
يقولُ في البيتِ الأول: إِنه ينبغي أن أَنجحَ في أمري حِينَ جعلتك السبب
__________
1 هو للعباس من الأحنف في ديوانه، وروايته: "لم أرزق مودتكم".
2 "ويعلم أنه"، هكذا في النسخ جميعًا، والأجود أن يقول: "ويعلمها".
3 عند رشيد رضا: "في نسخة المدينة: هذا الشعر للباخرزي".
(1/355)

إِليه. ويقولُ في الثاني: إنَّا قد وضَعْنا الشيءَ في موضِعِه، وطلَبْنا الأمرَ من جهَتهِ، حينَ استعنَّا بك فيما عَرضَ من الحاجةِ1، وعوَّلْنا على فضْلِكَ، كما أَنَّ مَنْ عوَّل عَلَى الطبيبِ فيما يَعْرِضُ له من السُّقْم، كان قد أصاب التعويل مَوْضِعَه، وطلَبَ الشيءَ مِنْ معدنِه.
424 - ثم إنَّ العجَبَ في أنَّ هذا التعريضَ الذي ذكرتُ لكَ، لا يَحصُلُ من دُونِ "إِنما". فلو قلتَ: "يتذكَّرُ أُولو الألباب"، لم يدل ما دَلَّ عليه في الآية، وإنْ كان الكلامُ لم يتغيرْ في نفسِه، وليس إلاَّ أنهن ليس فيه "إِنما"2.
والسببُ في ذلك أنَّ هذا التعريضَ، إِنما وقعَ بأنْ كان مِنْ شأنِ "إِنَّما" أنْ تُضَمِّنَ الكلامَ معنى النفْي مِنْ بَعْد الإثباتِ، والتصريحِ بامتناعِ التذكُّر ممَّن لا يَعْقِل. وإِذا أُسِقطتْ من الكلامِ فقيلَ: "يتذكر أولوا الألباب"، كان مجرد
__________
1 في "ج" و "س": "حتى استعنا".
2 عند هذا الموضع في "ج"، حاشية بخط الكاتب، وهي بلا شك من كلام عبد القاهر، كما أسلفت في التعليق على رقم: 404، فيما سلف. ونص الحاشية هو:
"إذا نلت": "العاقل يتذكر"، فأنت في ذكر من لا تنفى عنه العقل، ولا تمنعه أن يفعل ما يفعله العقلاء وإذا قلت: "إنما يتذكر العاقل"، فأنت في ذكر من تنفي عنه القعل، وتمنعه من أن يجيء منه ما يجيء من العقلاء.
ويبينه أنك إذا قلت: "الكريم يعفو"، فأنت في ذكر من تجعله أهلًا لأن يفعل ما يفعله الكريم وإذا قلت: "إنما يعفو الكريم"، فأنت في ذكر من تباعده من ذلك".
(1/356)

وصفٍ لأُولي الألبابِ بأنهم يتذكَّرونَ، ولم يكنْ فيه معنى نفْي للتذكُّر عمَّنْ ليس منهم. ومُحالٌ أن يقَعَ تعريضٌ لشيءٍ ليس له في الكلام ذِكْرٌ1، ولا فيه دليلٌ عليه. فالتعريضُ بمثلُ هذا أعني بأن تقول: "يتذكَّر أولو الألباب" بإسقاط "إنما"، يقع إذنْ إنْ وَقَعَ، بمَدْح إنسانٍ بالتيقُّظ، وبأنه فعلَ ما فعلَ، وتنبَّه لِمَا تنبَّه له، لعَقْله وحلسن تمييزه، كما يقال: "كذلك يفعل العاقل"، و "هكذا يفعل الكريم".
وهذا موعض فيه دقةٌ وغموضٌ، وهو ممَّا لا يكادُ يقع في نفسه أحد أنه ينبغي أن يتعرض سبببه، ويَبْحثَ عن حقيقة الأمرِ فيه.
425 - وممَّا يجبُ لك أن تَجعلَه على ذكْرٍ منكَ مِنْ معاني "إِنما"، ما عرَّفْتُكَ أولاً مِنْ أنها قد تَدْخُلُ في الشيء على أنْ يُخَيِّلَ فيه المتكلمُ أَنه معلومٌ، ويدَّعي أَنَّه مِن الصحة بحيث لا يدفع دافعٌ، كقوله:
إنَّما مُصْعَبٌ شِهابٌ مِن الله2
ومنَ اللطيفِ في ذلك قولُ قَتبَ بن حصن3:
ألا أيها الناهي فزارة بعد ما ... أجدت لغزو، إنما أنت حالم4
__________
1 في "س": "تعريض بشيء".
2 هو ابن قيس الرقيات، ومضى الشعر في رقم: 391.
3 في المطبوعة: "قس بن حصن" وهو خطأ، وضبطته بفتحتين، وضبط في "س": "قنب" بضم فسكون، والله أعلم.
4 الشعر منسوب في معجم الشعراء: 339، 340 في ترجمة قنب بن حصن: من بني شمخ بن فزارة، وقال: "رويت لغيره"، ورواها في الأمالي 1: 258 في خبر، غير منسوبة، وقال
(1/357)

ومن ذلك قولُه تعالى حكايةً عن اليَهُود: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون} [البقرة: 11]، دخلتْ "إِنّما" لتدلَّ على أنَّهم حين ادَّعَوا لأنفهسم أنَّهمْ مُصْلِحون، أَظهروا أنهم يدَّعون مِن ذلك أمرًا ظاهرًا معلومًا، ولذلك أكيد الأمرَ في تكذيبِهم والردِّ عليهم، فجمَعَ بين "أَلاَ" الذي هو للتَّنبيه، وبين "إنَّ" الذي هو للتأكيد، فقيل: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُون} [البقرة: 12].
__________
البكري في اللآلي: 576: "الشعر لبعض بني فزارة"، وغير منسوبة في مجموعة المعاني: 40، ونسبها أبو الفرج في مقاتل الطالبين: 376 لعويف القوافي، وذكرها أيضًا في ترجمته في الأغاني 19: 192، ونسبها أبو تمام في الوحشيات رقم: 156 لأبي حرجة الفزاري، وبعد البيت:
أبي كل حر أن يبيت بوتره ... ويمنع منه النوم، إذا أنت نائم
أقول لفتيان العشى تروحوا ... على الجرد في أواهن الشكائم
وقلت لفتيان مصاليت إنكم ... قدامي، وإن العيش لا هو دائم
قفوا وقفة، من يحيى لا يخز بعدها ... ومن يحترم لا تتبعه اللوائم
وهل أنت، إن باعدت نفسك عنهم ... لتسلم، فيما بعد ذلك سالم
(1/358)

باب اللفظ والنظم:
فصل: إزالة شبهة في شأن "النظم والترتيب"
426 - اعلم أنه لا يصحل تقدير الحكاية في "النظم والتتريب"، بل لن تعدُوَ الحكايةُ الألفاظَ وأجراسَ الحروفِ، وذلك أنَّ الحاكي هو مَنْ يأتي بمثْلِ ما أتى به المحكي عنه، ولابد من أن تكونَ حكايتُه فعلاً لَهُ، وأَنْ يكونَ بها عاملًا عملًا مثل عمل المحي عنهُ، نحو أَن يصوغَ إنسانٌ خاتَماً فيُبْدعَ فيه صنعة، ويأتي في صناعته بخاصة تستعرب، فيعمد واحد آخر فيعل خاتماً على تلك الصُّورةِ والهيئةِ، ويجيءَ بمِثْلِ صنْعَتهِ فيه، ويُؤدِّيها كما هي، فيقالُ عند ذلك: "إنه قد حكى عمل فلان، وصنة فلان".
427 - و "النظم والترتيبُ" في الكلامِ كما بيَّنَّا، عَملٌ يَعْمَلُه مؤلف الكلام في معاني الكلام لا في ألفاظِها، وهو بما يَصْنعُ في سبيلِ مَنْ يأخذُ الأصباغَ المختلفةَ فيتوخَّى فيها ترتيبًا يحدث عنه ضروب من النقشِ والوَشْي. وإذا كانَ الأمرُ كذلك، فإنَّا إنْ تعدَّينا بالحكايةِ الألفاظَ إلى النظمْ والترتيبِ، أدَّى ذلك إلى المُحال، وهو أنْ يكونَ المُنْشِدُ شعرَ أمرئ القيس، قد عَمِلَ في المعاني وترتيبها واستخراج النتائجِ والفوائدِ، مثْلَ عملِ امرئ القيس، وأنْ يكونَ حالُه إذا أَنشدَ قولَه:
فقلتُ لهُ: لما تَمطَّى بصُلْبه ... وأَرْدَف أَعجازاً وناءَ بِكَلْكَلِ1
حالَ الصائغِ يَنْظُر إلى صورةٍ قد عَمِلها صائغٌ مِنْ ذهبٍ لهُ أو فضة، فيجيء بمثلها من ذبه وفضَّتهِ. وذلك يخْرجُ بمُرتكِبٍ، إنْ ارْتَكَبَه، إلى أن يكون
__________
1 هو شعر امرئ القيس، كما هو معروف.
الراوي مستحقًا لأن يوصف بأنه: "استعار" و "شبه"، وأن يُجْعَل كالشّاعرِ في كل ما يكونُ به ناظماً، فيُقال: إنه جعَلَ هذا فاعلاً، وذاك مفعولاً، وهذا مبتدأ، وذاك خبراً، وجعلَ هذا حالاً، وذاكَ صفةً، وأنْ يُقالَ: "نَفَى كذا" و "أثبت كذا"، و "أبدل كذا من كذا". و "أضاف كذا إلى كذا"، وعلى هذا السبيل، كا يقال ذاك في الشاعر. وإذا قيل ذلك، لزمه منه أنْ يُقال فيه: "صدَقَ، وكَذَبَ"، كما قال في المحْكيِّ عنه، وكفَى بهذا بُعْداً وإحالةً. ويجمع هذا كله، أنه يلزم مننه أن يُقال: "إنه قال شعراً"، كما يقال فيمنْ حَكَى صَنعةَ الصّائغِ في خاتَمٍ قد عَمِلَه: "إنه قد صاغ خاتماً".
(1/359)

الراوي مستحقًا لأن يوصف بأنه: "استعار" و "شبه"، وأن يُجْعَل كالشّاعرِ في كل ما يكونُ به ناظماً، فيُقال: إنه جعَلَ هذا فاعلاً، وذاك مفعولاً، وهذا مبتدأ، وذاك خبراً، وجعلَ هذا حالاً، وذاكَ صفةً، وأنْ يُقالَ: "نَفَى كذا" و "أثبت كذا"، و "أبدل كذا من كذا". و "أضاف كذا إلى كذا"، وعلى هذا السبيل، كا يقال ذاك في الشاعر. وإذا قيل ذلك، لزمه منه أنْ يُقال فيه: "صدَقَ، وكَذَبَ"، كما قال في المحْكيِّ عنه، وكفَى بهذا بُعْداً وإحالةً. ويجمع هذا كله، أنه يلزم مننه أن يُقال: "إنه قال شعراً"، كما يقال فيمنْ حَكَى صَنعةَ الصّائغِ في خاتَمٍ قد عَمِلَه: "إنه قد صاغَ خاتماً".
وجُملةُ الحديثِ أن نَعْلَمُ ضرورةَ أنه لا يتأتَّى لنا أن تنظم كلاماً من غير رَويَّةٍ وفكْرٍ، فإِنْ كانَ راوي الشعرِ ومُنْشِدُه يَحْكي نَظْم الشاعرِ على حقيقته، فَيْنبغي أنْ لا يتأتَّى له روايةُ شعرِهِ إلا برويَّةٍ، وإلاَّ بأنْ يَنْظُرَ في جميعِ ما نَظَرَ فيه الشاعرُ مِنْ أَمْرِ "النظْم". وهذا ما لا يَبقى معه موضعُ عذر للشاك.
إزالة شبهة في حكاية ألفاظ الشعر:
429 - هذا، وسببُ دخولِ الشُّبهَةِ على من دَخَلَتْ عليه، أنه لمَّا رأى المعانيَ لا تَتَجلَّى للسامعِ إلاَّ مِنَ الألفاظِ، وكان لا يوقَفُ على الأمورِ التي بِتَوخِّيها يكونُ "النظْمُ"، إلاَّ بأنْ يَنْظُر إلى الألفاظ مرتَّبةً على الأنحاء التي يوجب ترتيبُ المعاني في النفسِ1 وجرتِ العادةُ بأن تكونَ المعاملةُ مع الألفاظِ فيقالُ: "قد نَظَم ألفاظاً فأحْسَنَ نظْمَها، وألَّفَ كَلِماً فأجادَ تأليفَها"2 جعل الألفاظَ الأصْلَ في "النظمِ"، وجعلَه يُتوخَّى فيها أنفسها، وترك
__________
1 "وجرت العادة"، معطوف على قوله في أول الكلام: "أنه لما رأى المعاني لا تتجلى ... ".
2 السياق: "أنه لما رأى المعاني لا تتجلى ..... وجرت العادة .... جعل الألفاظ".
(1/360)

أنْ يُفكَّر في الذي بيَّنَّاهُ من أنَّ "النظْمَ" هو توخِّي معاني النحوِ في معاني الكلم، وأنَّ توخِّيها في متونِ الألفاظِ مُحال. فلما جعلَ هذا في نفسِه، ونشِبَ هذا الاعتقادُ به، خَرَجَ له من ذلك أنَّ الحاكي إذا أدَّى ألفاظَ الشعرِ على النَّسق الذي سَمِعَها عليه، كان قد حكَى نظْمَ الشاعرِ كما حكَى لفظَه.
وهذه شُبْهةٌ قد مَلَكَتْ قلوبَ الناس، وعشَّشَتْ في صُدورِهم، وتَشَرَّبَتْها نفوسُهم، حتى إنكَ لَتَرى كثيراً منهم وهو من حلوها عندَهم محلِّ العلمِ الضروري، بحيثُ إنْ أومأتْ له إلى شيءٍ مما ذَكَرْناه أشمازَّ لك، وسَكَّ سَمْعَهُ دَونك، وأظهرَ التعجُّبَ منك. وتلك جريرةُ تَرْكِ النظرِ، وأخْذِ الشيءِ من غيرِ معدنه، ومن الله التوفيق.
(1/361)

فصل: النظم والترتيب وتوخي معاني النحو
430 - إعْلَمْ أنَّا إذا أضفْنَا الشعرَ أو غيرَ الشعرِ من ضروب الكلامِ إلى قائلِهِ، لم تكنْ إضافتُنا له من حيثُ هو كَلِمٌ وأوضاعُ لغةٍ، ولكنْ من حيثُ تُوُخِّيَ فيها "النظمُ" الذي بيَّنا أنه عبارةٌ عن تَوخِّي معاني النحو في معاني الكلم. وذلك أنَّ مِنْ شأنِ الإضافةِ الاختصاصَ، فهي تتناولُ الشيءَ من الجهةِ التي تُختصُّ منها بالمضافِ إليه، فإذا قلتَ: "غلامُ زيدٍ"، تناولتِ الإضافةُ التي تُختصُّ منها بالمضافِ إليه، فإذا قلتَ: "غلامُ زيدٍ"، تناولتِ الإضافةُ "الغلامَ" من الجهة التي تختص منها بزيد، وهي كونه مملوكًا.
بيان الجهة التي يختصُّ منها الشعرُ بقائلهِ:
431 - وإِذا كان الأمرُ كذلِك، فينبغي لنا أن نَنْظرَ في الجهة التي يختصُّ منها الشعرُ بقائلهِ.
وإِذا نَظَرْنا وجَدْناه يختصُّ به من جهةِ تَوخِّيه في معاني الكَلمِ التي ألَّفه منها، ما توخَّاه من معاني النحو، ورأيْنا أنفُسَ الكلمِ بمعزَلٍ عن الاختصاص، ورأيْنا حالَها معه حالَ الإبريسَم مع الذي يَنسِجُ منه الديَباجَ، وحالُ الفضةِ والذهبِ معَ مَنْ يصوغُ منهما الحُليَّ. فكما لا يشْتبِهُ الأمرُ في أنَّ الديباجَ لا يُخْتَصُّ بناسجهِ من حيثُ الإِبْرِيسَمُ، والحليَّ بصائِغها من حيثُ الفضةُ والذهبُ، ولكنْ من جهة العمل والصنعة، وكذلك يَنْبغي أنْ لا يَشْتَبِهَ أنَّ الشعرَ لا يختص بقائله من جهة أنفس الكلم وأضواع اللغة.
432 - وتزداد تبينًا لذلك بأن تنظر في القائل إذا أضفْتَه إلى الشعر فقلتَ: "امرؤُ القَيْس قائلُ هذا الشعر"، مِنْ أينَ جعلْتَه قائلاً له؟ أمِنْ حيثُ
(1/362)

نَطَق بالكَلِم وسمعْتَ ألفاظَها مِن فيهِ، أمْ من حيث صنع في معانيها ما نصع، وتوخَّى فيها ما توخَّى؟ فإنْ زعمتَ أنكَ جعلْتَه قائلاً له من حيثُ إنه نَطَقَ بالكَلِم وسمعْتَ ألفاظَها مِنْ فيهِ على النَّسقِ المخصوص، فاجعلْ راويَ الشعرِ قائلاً له، فإِنه يَنطِقُ بها ويُخْرِجُها مِنْ فيهِ على الهيئة والصورةِ التي نطقَ بها الشاعرُ. وذلك ما لا سبيلَ لك إليه.
433 - فإِن قلتَ: إنَّ الراويَ وإنْ كان قد نطقَ بألفاظِ الشعرِ على الهيئةِ والصورةِ التي نطقَ بها الشاعرُ، فإنَّه هو لم يبتدئْ فيها النَّسَقَ والترتيبَ، وإنما ذلك شيءٌ ابتدأَهُ الشاعرُ، فلذلك جعلْتَه القائلَ له دونَ الراوي.
قيل لكَ: خَبِّرْنا عنك، أَترى أنه يتصوَّر أن يجبُ لألفاظ الكلم التي تراها في قولهِ:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حبيبٍ ومَنْزِل1
هذا الترتيبُ، من غيرِ أنْ يتوخَّى في معانيها ما تَعْلم أنَّ امرأ القيس توخَّاه مِنْ كونِ "نَبْكِ" جواباً للأمرِ، وكونِ "مِنْ" مُعدِّيةً له إلى "ذكرى"، وكونِ "ذكرى" مضافةً إلى "حبيبٍ"، وكونِ "منزلِ" معطوفاً على "حبيبٍ"، أم ذلك محالٌ؟
فإِن شكَكْتَ في استحالتِه لم تُكلَّم2.
وإن قلتَ: نعَمْ، هو محال.
__________
1 هو شعر امرئ القيس، كما تعلم.
2 "لم تكلم"، لأنك فقدت العقل والتمييز، وهذا كثير في زماننا!!
(1/363)

قيل لك: فإِذا كان مُحالاً أن يَجِبَ في الألفاظ ترتِيبٌ مِنْ غيرِ أنْ يتوخَّى في معانيها معانيَ النحو، كان قولُكَ: "إنْ الشاعرَ ابتدأ فيها ترتيباً"، قولاً بما لا يتحصل.
لا يكون ترتيب حتى يكون قصد إلى صورة وصفة:
434 - وجملةُ الأمرِ أنَّه لا يكونُ ترتيبٌ في شيءٍ حتَّى يكونَ هناكَ قصْدٌ إلى صورةٍ وصنْعةٍ إنْ لم يُقدَّم فيه ما قُدِّم، ولم يُؤخَّر ما أُخِّر، وبُدئَ بالذي ثُنيَ به، أو ثنِّي بالذي ثُلِّث به، لم تحْصلْ لكَ تلكَ الصورةُ وتلك الصفة، وإذا كان كذلك، فينبغي أن تنظر إلى الذي يَقْصِدُ واضعُ الكلامِ أنْ يحصُلَ له من الصورةِ والصَّنعةِ: أفي الألفاظِ يَحصُلُ له ذلك، أم في معاني الأَلفاظِ؟ وليس في الإمكان أنت يَشُكَّ عاقلٌ إِذا نَظَر، أنْ ليس ذلك في الألفاظِ، وإنَّما الذي يُتصوَّرُ أنْ يكونَ مقصوداً في الألفاظِ هو "الوزنُ"، وليس هو مِنْ كلامِنا في شيءٍ، لأنَّا نحنُ فيما لا يكونُ الكلامُ كلاماً إلاَّ به، وليس لِلْوزنِ مدخلٌ في ذلك.
(1/364)

فصل: عود إلى مسألة "اللفظ" و"المعنى" وما يعرض فيه من الفساد
435 - واعلمْ أني على طول ما أعدتُ وأبدأتُ، وقلتُ وشرحتُ، في هذا الذي قامَ في أوهام الناس من حديثِ "اللفظِ"، لربما ظننتَ أني لم أصنع شيئًا، وذاك أنى ترى الناسَ كأنه قد قُضِيَ عليهم أنْ يكونوا في هذا الذي نحنُ بصَدَدِه، على التقليدِ البحْت، وعلى التوهُّم والتخيُّلِ، وإطلاقُ اللفظِ منْ غيرِ معرفةٍ بالمعنى، قد صارَ ذاكَ الدأبَ والدَّيْدَنَ، واستحْكَمَ الداءُ منهُ الاستحكامَ الشديدَ، وهذا الذي بيِّناه وأوْضحْناه، كأنك ترى أبداً حجازًا بينهم بين أن يعرفوه1، وكأنك تسمعهم من شيئاً تَلفِظُه أسماعُهم، وتُنكره نفوسُهم2، وحتى كأَنه كلما كان الأمرُ أَبْينَ، كانوا عن العلم به، وفي توهُّم خلافهِ أَقعد، وذاك لأَنَّ الاعتقادَ الأوّلَ قد نَشِب في قلوبهم، وتأشَّب فيها، ودخَلَ بعروقهِ في نواحيها، وصارَ كالنبات السوءِ الذي كلَّما قلعْتَه عادَ فنبَتَ3.
436 - والذي له صاروا كذلك، أنهم حينَ رأوْهُمُ يُفْرِدون "اللفظَ" عن "المعنى"، ويَجْعلون له حُسْناً على حدة، ورأوْهم قد قَسَموا الشِّعرَ فقالوا: "إنَّ منه ما حَسُنَ لفظُه ومعناه، ومنه ما حَسُن لفظُه دونَ معناهُ، ومنه ما حَسُن معناهُ دونَ لفظِه"، ورأوهم يَصِفون "اللفظَ" بأوصافٍ لا يصفونَ بها "المعنى"، ظنوا أنَّ للفظ، مِنْ حيثُ هو لفظٌ حُسْناً ومزيَّةً ونُبْلاً.
__________
1 في المطبوعة وحدها: "حجابًا بينهم"
2 في المطبوعة وحدها: "وتنكره"
3 ماذا كان يقول عبد القاهر لو أدرك زماننا هذا؟
(1/365)

وشَرَفاً، وأنَّ الأوصافَ التي نَحلُوه إياها هي أوصافهُ على الصحَّة، وذهَبوا عمَّا قدَّمْنا شرْحَه مِنْ أنَّ لهم في ذلك رأياً وتدبيراً، وهو أنْ يَفْصِلوا بينَ المعنى الذي هو الغرضُ، وبين الصورةِ التي يَخْرجُ فيها، فنَسَبوا ما كانَ منَ الحُسْن والمزيَّةِ في صورةِ المعنى إلى "اللفظِ"، ووصفوه في ذلك بأوصافٍ هي تُخْبِرُ عن أنفُسها أنَّها ليستْ له، كقولهم: "إنه حَلْيُ المعنى، وإنه كالوشيْ عليه، وإنه قد كسب المعنى ذلًا وشَكْلاً1، وإنه رشيقٌ أنيقٌ، وإنه متمكِّنٌ، وإنَّه على قَدْرِ المعنى لا فاضلٌ ولا مقصِّرٌ"، إلى أشباهِ ذلك ممَّا لا يُشَكُّ أنه لا يَكونُ وصْفاً له من حيثُ هو لفظٌ وصَدَى صوتٍ، إلاَّ أنهم كأنَّهم رأوْا بَسْلا حراماً أنْ يكونَ لهم في ذلك فِكْرٌ ورويةٌ2، وأن يميِّزوا فيه قَبيلاً من دبير.
437 - وممَّا الصفةُ فيه للمعنى، وإنْ جرى في ظاهرِ المعاملةِ على "اللفظِ"، إلاَّ أنه يَبْعُد عند الناسِ كلَّ البعدِ أن يكونَ الأمرُ فيه كذلك، وأنْ لا يكونَ من صفةِ "اللفظِ" بالصحةِ والحقيقةِ3 وصْفُنا اللفظَ بأنه "مَجازٌ".
وذاك أنَّ العادةَ قد جرتْ بأنْ يُقال في الفرق بين "الحقيقة" و "المجاز": إنَّ "الحقيقةَ"، أَنْ يُقَرَّ اللفظُ على أصْلِهِ في اللغة، و "المجاز"، أنْ يُزالَ عن موضعِه، ويُسْتعملَ في غيرِ ما وُضِع له، فيقالُ: "أسدٌ" ويرادَ "شُجاع"، و "بحر" ويراد جواد.
__________
1 "الشكل" بكسر الشين وسكون الكاف، هو عنج المراة، وغزلها، وحسن دلها.
2 "البسل"، الحرام الكريه، وفي "س"، كتب "بتلًا" بالتاء وضبطها، وهو خطأ، وسيأتي في "س" مثله في رقم: 53.
3 السياق: ومما الصفة فيه للمعنى ... وصفنا اللفظ".
(1/366)

وهو وإنْ كانَ شيئاً قد استَحْكمَ في النفوسِ حتَّى إنك تَرى الخاصَّةَ فيه كالعامَّة، فإن الأمر بعد على خلافهِ. وذاك أنَّا إذا حقَّقْنا، لم نجدْ لفظَ "أسدٍ" قد استُعمِل على القطْع والبتِّ في غيرِ ما وُضِع له. ذاك لأنه لم يُجْعَل في معنى "شجاعٍ" على الإِطلاقِ، ولكنْ جُعِل الرجلُ بشجاعته أسداً، فالتجوُّزُ في أنِ ادَّعَيْتَ للرجل أنه في معنى الأسدِ1، وأنه كأنَّه هو في قوة قَلْبه وشدَّةِ بطْشِه، وفي أنَّ الخوفَ لا يخامِرُهُ، والذُّعْرَ لا يَعْرِضُ له. وهذا إن أنتَ حصَّلْتَ، تجوُّزٌ منك في معنى اللفظِ لا اللفظِ، وإنما يكونُ اللفظُ مُزالاً بالحقيقةِ عن موضِعِهِ، ومنقولاً عما وُضِعَ له. أنْ لو كنتَ تَجد عاقلاً يقول: "هو أسَد"، وهو لا يُضمِر في نفسِه تشبيهاً له بالأسدِ، ولا يُريد إلاَّ ما يريدُه إذا قال: "هو شجاعٌ". وذلك ما لا يُشَكُّ في بطلانه.
التجوز في ذكر "اللفظ"، وأنه المراد به "المعنى":
438 - وليس العجبُ إلاَّ أنهم لا يَذْكُرون شيئاً من "المجازِ" إلاَّ قالوا: "إنَّه أبلغُ من الحقيقة". فليتَ شعري، إنْ كان لفظُ "أسد" قد نُقِل عما وُضِعَ له في اللغة، وأزيلَ عنه، وجُعِل يرادُ به "الشجاعُ" هكذا غُفْلاً ساذجاً، فمن أين يجبُ أنْ يكونَ قولنا: "أسد"، أبلغ من قولنا "شجاع"؟
إزالة شبهة في شأن "المجاز":
وهكذا الحُكْم في "الاستعارة"، هي، وإنْ كانت في ظاهرِ المعاملة من صفةِ "اللفظِ"، وكنَّا نقول: "هذه لفظة مستعارة" و "قد استُعِيرَ له اسمُ الأسد" فإنَّ مآلَ الأمرِ إلى أنَّ القصدَ بها إلى المعنى.
__________
1 في "ج"، حاشية بخط كاتب النسخة هذا نصها:
"تجوزه أنه ادعى لما ليس بأسد أنه أسد".
(1/367)

بيان مهم في معنى "جعلته أسدا" ونحو ذلك:
439 - يدلك على ذلك أن تقول: "جعله أسدًا" و "جعله بدرًا" و "جعله بحْرا"، فلو لم يكنِ القصْد بها إلى المعنى، لم يكنْ لهذا الكلام وَجْهٌ، لأنَّ "جعَل" لا تصْلح إلاَّ حيثُ يُراد إثباتُ صفة للشيء، كقولنا: "جعلته أميرًا" و "جعلته واحدَ دهره"، تُريد أثبتُّ له ذلك. وحكْمُ "جعَل" إذا تعدَّى إلى مفعولين حكْمُ "صَيَّر"، فكما لا تقول: "صيَّرْته أميراً"، إلا على معنى أنك أثبَتَّ له صفةَ الإِمارة، كذلك لا يَصِحُّ أن تقولَ: "جعلته أسداً"، إلا على معنى أنك جعلتَه في معنى الأسد ولا يقال: "جعلتُه زيداً"، بمعنى "سمَّيْتُه زيداً"، ولا يقال للرجل: "إجْعَل ابنَك زيداً" بمعنى: "سمِّه زَيْدا" و "وُلِدَ لفلانٍ ابنٌ فَجَعله زيداً"، وإنما يَدخُل الغَلطُ في ذلك على من لا يحصل1.
بيان في قوله: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا}
440 - فأما قولُه تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف: 19]، فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها، وذلك أنَّ المعنى على أنهم أثْبَتوا للملائكةِ صفةَ "الإِناث"، واعتقدوا وُجودَها فيهم. وعن هذا الاعتقادِ صدرَ عنهم ما صدَر من الاسْم، أعني إطلاقَ اسْمِ "البنات"، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظَ "الإناثِ" أو لفظَ "البناتِ" اسْماً من غير اعتقاد معنى وإثبات صفة. وهذا محال لا يقوله له عاقلٌ. أَما تَسْمَعُ قولَ الله تعالى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلون} [الزخرف: 19] فإنْ كانوا لم يزيدوا على أنْ أجرَوْا الاسْم على الملائكةِ ولم يَعْتقدوا إثباتَ صفةٍ ومعنىً بإجرائه عليهم، فأيُّ معنىً لأنْ يقال: "أشْهدوا خَلْقَهم"؟ هذا، ولو كانوا
__________
1 انظر ما سيقوله في معاني "جعل" فيما سيأتي رقم: 507، 508.
(1/368)

لم يَقْصِدوا إثباتَ صفةٍ، ولمْ يزيدوا على أنْ وضَعوا اسْماً1، لما استحقُّوا إلاَّ اليسيرَ من الذَّم، ولما كان هذا القولُ منهم كفْراً. والأمرُ في ذلك أظْهَرُ مِنْ أن يَخْفى2.
441 - وجملةُ الأمر أنه إنْ قيل: "إنَّه ليس في الدنيا علم قد عرض الناس فيه مِن فحشِ الغلط، ومن قبيح التورُّطِ، ومِنَ الذهاب معَ الظنونِ الفاسدةِ3 ما عرَضَ لهم في هذا الشأن"4، ظننْتَ أنْ لا يُخْشَى على من يقوله الكَذِبُ. وهل عجَبٌ أعْجَبُ من قومٍ عُقَلاء يتْلون قولَ الله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإِسراء: 88] ويؤمنون به، ويدينون بأن القرآن معجزٌ، ثُمَّ يَصدُّون بأوجُهِهم عن برهانِ الإِعجازِ ودليلهِ، وَيَسْلكونَ غيرَ سبيلِه؟ ولقَدْ جَنوْا، لو دَرَوْا ذاك، عظيمًا.
__________
1 في المطبوعة وحدها: "ووضعوه اسمًا"، وليس بشيء.
2 سيأتي مثل هذه الفقرة في رقم: 508، 509.
3 السياق: " ... علم قد عرض للناس فيه ... ما عرض لهم ... ".
4 والسياق: " ... أنه إن قيل: .... ظننت ... ".
(1/369)

تمام القول في النظم وأنه توخى معاني النحو
442 - واعلمْ أنه وإنْ كانت الصورةُ في الذي أعَدْنا وأبْدأْنا فيه من أنَّه لا معنى للنظم غيرُ توخِّي معاني النحوِ فيما بينَ الكَلم، قد بلغَتْ في الوضوح والظهورِ والانكشافِ إلى أقصى الغايةِ، وإلى أنْ تكونَ الزيادَةُ عليه كالتكلُّف لِمَا لا يُحْتاجُ إليه، فإِنَّ النفْسَ تنازعُ إلى تتبُّعِ كلِّ ضربٍ منَ الشبْهَةِ يُرَى أنه يعرضُ للمُسلمِ نفسِه عند اعتراض الشكِّ.
443 - وإنَّا لنرَى أنَّ في الناس من إذا رأى أن يَجري في القياس وضربِ المثَل أن تشبِّه الكلمَ في ضمِّ بعضِها إلى بعضٍ، بضَمِّ غَزَل الإبْرَيْسم بعضِه إلى بعضٍ ورأى أنَّ الذي يَنْسِجُ الديباجَ ويَعمَلُ النقْشَ والوشْيَ لا يَصْنَعُ بالإِبريسم الذي يَنْسِجُ منه1، شيئاً غيرَ أنْ يَضُمَّ بعضَه إلى بعضٍ، ويتخيَّر للأَصباغِ المختلفةِ المواقعَ التي يعلمُ أنه إِذا أوْقَعَها يها حدثَ له في نَسْجه ما يُريد منَ النَقْش والصورةِ2 جرى في ظنَّه أنَّ حالَ الكلمِ في ضَمِّ بعضِها إلى بعضٍ، وفي تخيُّر المواقع لها3، حالُ خيوطِ الإِبريسم سواءٌ، ورأيَتَ كلامَه كلامَ مَنْ لا يعَلم أنه لا يَكونُ الضمُّ فيها ضمّاً، ولا المَوْقِعُ مَوْقعاً، حتى يكونَ قد توخَّى فيها معانيَ النحو4 وأنك إن عمدت إلى الألفاظ فجعلتَ تُتْبعُ بعضَها بعضاً من غيرْ أنْ تتوخَّى فيها معانيَ النحوِ، لم تكن صنَعْتَ شيئًا تدعي به.
__________
1 السياق: " ... لا يصنع بالإبريسم ... شيئًا غير أن يضم".
2 السياق: "وإنا لنرى في الناس مَنْ إِذا رأى أنَّه يَجري في القياس ... ورأى أن الذي ينسج الديباج ... جرى في ظنه".
3 السياق: "أن حال الكلم ... حال خيوط".
4 السياق: "أنه لا يكون الضم ضمًا. وأنك إن عمدت".
(1/370)

مؤلِّفاً، وتُشَبَّهُ معه بِمَنْ عَمِلَ نَسْجاً أو صنَعَ على الجملةِ صَنيعاً، ولم يُتصوَّر أنْ تكون قد تخيرت لها المواقع.
استدلال على أن "النظم" هو توخي معاني النحو، وهو مهم:
444 - وفساد هذا وشبهه من الظنِّ، وإنْ كان معلوماً ظاهراً، فإنَّ ههنا استدلالًا لطيفًا تكثر بسببه الفائدة. وهو أن يُتصَوَّر أنْ يعمَدَ عامِدٌ إلى نظْم كلامٍ بعينهِ فيُزيلَه عنِ الصورةِ التي أرادَها الناظمُ له ويُفْسِدَها عليه، من غير أَن يُحَوِّلَ منه لفظاً عن موضِعه، أَو يُبَدِّلَه بغيره، أو يُغيِّر شيئاً من ظاهر أمرهِ على حالٍ.
مثالُ ذلك: أنَّكَ إنْ قدَّرْتَ في بيت أبي تمام:
لعاب الأفاعي القاتلات لغابه ... وأَرْيُ الجَنى اشتارَتْه أيْدٍ عواسِلُ1
أنَّ "لعابَ الأفاعي" مبتدأٌ و "لعابُه" خبرٌ، كما يُوهِمُه الظاهر، أفسدْتَ عليه كلامَه، وأبطلْتَ الصورةَ التي أرادها فيه. وذلك أنَّ الغرضَ أنْ يُشَبِّه مداد قلمهِ بلعاب الأفاعي، على معنى أنه إذا كتب في إقامة السياسات أتلف به النفوس، وكذلك الغرضَ أنْ يُشَبِّه مِدادَهُ بأرْي الجنَي2، على معنى أنه إِذا كتَبَ في العطايا والصِلاتِ أوصَلَ به إلى النفوس ما تَحْلو مذاقَتُه عندها، وأدْخَل السرورَ واللذةَ عليها. وهذا المعنى إنما يكونُ إِذا كان "لعابُه" مبتدأ، و "لعاب الأفاعي" خبرًا، فأما تقديرك أنت يكون "لعاب الأفاعي" مبتدأ
__________
1 في ديوانه، وهو من جيد شعره في وصف القلم. و "الأرى"، العسل، و "اشتارته"، جنته من الخلايا. و "العواسل" التي تطلب العسل.
2 من أول قوله: "مداد قلمه بلعاب الأفاعي" إلى أول قوله: "مداده بلعاب الأفاعي"، ساقط في "ج" سهوًا من الناسخ، وكذلك سقط من المطبوعة سهوًا عن صحة المعنى.
(1/371)

و "لعابُه"، خبراً فيُبْطِل ذلك ويَمْنَع منه البتَّةَ، ويَخْرجُ بالكلام إلى ما لا يجوزُ أن يكونَ مُراداً في مثل غَرَض أبي تمام، وهو أنْ يكون أرادَ أنْ يُشَبِّه "لعابَ الأفاعي" بالمِداد، ويشبِّه كذلك "الأرْيَ" به.
فلو كان حالُ الكلم في ضمِّ بعضِها إلى بعضٍ كحالِ غَزْل الإبرَيْسَم، لكانَ ينْبغي أن لا تتغيَّر الصورةُ الحاصلةُ من نَظْمِ كَلِمٍ، حتى تُزال عن مواضِعها، كما لا تتغيرُ الصورةُ الحادِثةُ عن ضَمِّ غزلِ الإِبريسم بعضه إلى بعض، حتى نزال الخيوط مواضِعها.
445 - واعلمْ أنَّه لا يَجوزُ أن يكونَ سبيلُ قولِه: "لعابُ الأفاعي القاتلاتِ لعابُه"، سبيلَ قولِهم: "عتابُك السيفُ". وذلك أن المعنى في بيت أبي تمام على أنك مشبه شيئًا بشيء، وجامع بينهما في وصفٍ1، وليس المعنى في: "عتابُكَ السيفُ"، على أنك تُشَبِّه عتابَه بالسيفِ، ولكنْ على أنْ تَزْعُم أنه يَجْعَلُ "السيفَ" بدلاً من "العتاب". أفلا تَرَى أنه يصحُّ أنْ تقولَ: مدادُ قلمِه قاتلٌ كسمِّ الأفاعي"، ولا يَصِحُّ أن تقولَ: "عتابك كالسيفِ"، اللَّهمَّ إلاَّ أنْ تَخْرجَ إلى بابٍ آخرَ، وشيءٍ ليس هو غرضَهم بهذا الكلام، فتُريد أنه قد عاتَب عتاباً خَشِناً مؤلماً. ثم إنك إنْ قلتَ: "السيفُ عتابُك"، خرجْتَ به إلى معنى ثالثٍ، وهو أن تزْعُم أنَّ عتابَه قد بلغَ في إيلامهِ وشدةِ تأثيرهِ مبلغاً صارَ له السيفُ كأنه ليس بسيفٍ.
446 - واعلمْ أنَّهُ إنْ نظَر ناظرٌ في شأن المعاني والألفاظ إلى حال
__________
1 في المطبوعة: تشبه شيئًا بشيء لجامع .. ".
(1/372)

السامع، نفإذا رأي المعانيَ تقعُ في نفْسِه من بَعْد وقوعِ الألفاظِ في سَمْعِه. ظنَّ لذلك أنَّ المعانيَ تِبْعٌ للألفاظِ في ترتيبها. فإنَّ هذا الذي بيَّنَّاهُ يُريه فسادَ هذا الظنِّ. وذلك أنه لو كانتْ المعاني تكونُ تِبْعاً للألفاظ في ترتيبها، لكان مُحالاً أنْ تتغيَّر المعاني والألفاظُ بحالها لم تَزُلْ عن تَرْتيبها. فلمَّا رأينا المعانيَ قد جازَ فيها التغيُّر مِن غَيْر أنْ تتغيَّرَ الألفاظُ وتزولَ عن أماكِنِها، عَلِمْنا أنَّ الألفاظَ هي التابعةُ، والمعاني هي المتبوعة.
الإشكال في معرفتين، هما مبتدأ وخبر، وفصل الإشكال بالمعنى:
447 - واعلمْ أنه ليس مِن كلام يعمدُ واضِعُه فيه إلى معرِفَتَيْنِ فيجعلُهما مبتدأً وخبراً، ثم يقدِّمُ الذي هو الخبرُ، إلاَّ أشكلَ الأمرُ عليكَ فيه، فلَمْ تَعْلَمْ أنَّ المقدَّمَ خبرٌ، حتى ترجِعَ إلى المعنى وتُحْسِن التدبُّرَ.
أنشدَ الشيخ أبو علي في "التذكرة"1:
نَمْ وإنْ لم أنَمْ كرايَ كَراكا2
ثم قال: "ينبغي أن يكونَ "كرايَ" خبراً مقدَّماً، ويكونَ الأصلُ: "كراكَ كرايَ"، أي نَم، وإن لم أَنَمْ فنومُكَ نومي، كما تقول: "قُمْ، وإن
__________
1 "أبو علي" هو الفارسي.
2 في هامش المخطوطة هنا ما نصه:
"أوله:
شاهدى الدمع أن ذاك كذا كا
لأبي تمام الطائي".
وهي في ديوانه، وروايته"
شاهد منك أن ذاك كذا كذا
(1/373)

جلسَتَ، فقيامُكَ قيامي، هذا هو عُرْفُ الاستعمال في نحوِه" ثم قال: "وإِذا كان كذلك، فقد قُدِّم الخبرُ وهو معرفةٌ، وهو يُنْوى به التأخيرُ من حيث كان خَبَراً" قال: "فهو كبيت الحماسة:
بَنُونا بَنُو أبنائِنا وبَنَاتُنا ... بَنوهُنَّ أبناءُ الرجالِ الأَباعدِ1
فقدَّمَ خبرَ المبتدأ وهو معرفةٌ، وإنما دلَّ على أنه ينوي التأخيرَ المعنى2، ولولا ذلك لكانتِ المعرفةُ، إذا قُدّمتْ، هي المبتدأ لتقدمها، فافهم ذلك". هذا كله لفظه.
بيان السبب في تعدد أوجه تفسير الكلام:
448 - واعلمْ أنَّ الفائدةَ تَعْظُم في هذا الضربِ من الكلامِ، إذا أنتَ أحسنْتَ النظَرَ فيما ذكرتُ لك، من أنكَ تستَطيعُ أنْ تَنقُلَ الكلامَ في معناه عن صورةٍ إلى صورةٍ، من غير أن تغير من لظفه شيئاً، أو تحوّلَ كلمةً عن مكانها إلى مكانٍ آخرَ، وهو الذي وَسَّعَ مجالَ التأويلِ والتفسيرِ، حتى صاروا يتأولون ي الكلام الواحدِ تأويلَيْنِ أوْ أكثر، ويُفَسِّرون البيتَ الواحدَ عدَّةَ تفاسيرَ. وهو، على ذاك3، الطريقُ المزلَّةُ الذي ورَّط كثيراً من الناس في الهَلَكة، وهو مما يَعْلم به العاقلُ شدَّةَ الحاجةِ إلى هذا العِلْم، وينْكشِفُ معه عُوَارُ الجاهلِ به، ويُفتضَحُ عنده المُظْهِرُ الغِنى عنه. ذاك لأنه قد يَدْفع إلى الشيءِ لا يصح
__________
1 هذا البيت في شرح التبريزي للحماسة 2: 41، في آخر شرح بيتي غسان بن وعلة، وهو في الحماسة، طبعة عبد الله عسيلان في متن الحماسة برقم: 175، ويؤيد ذلك ما جاء ههنا. وذكر صاحب الخزانة: 213 أنه ينسب للفرزدق.
2 في هامش "ج" ما نصه: "أي: دل المعنى على أنه".
3 أي: وهو الطريق المزلة، مع ذلك ...
(1/374)

إلاَّ بتقديرِ غَير ما يُريه الظاهرُ، ثم لا يكونُ له سبيلٌ إلى معرفةِ ذلك التقديرِ إذا كان جاهلاً بهذا العلم، فيتسكَّع عند ذلك في العَمَى، ويقع في الضَّلال.
مثال في تفسير قوله: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}
449 - مثالُ ذلك أنَّ مَنْ نظَر إلى قوله تعالى {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإِسراء: 110] ثم لم يَعْلمْ أنْ ليسَ المعنى في "ادعوا" الدعاءَ، ولكنِ الذكْرَ بالاسمِ، كقولك: "هو يدعي زيدًا" و "يدعي الأميرَ"، وأنَّ في الكلام محذوفاً، وأنَّ التقديرَ: قُل ادعوهُ اللهَ، أو ادعوهُ الرحمنَ، أيَّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى1 كان بغرض أنْ يقعَ في الشركِ، من حيثُ إنه إنْ جرى في خاطره أنَّ الكلامَ على ظاهره، خرج ذلك به، والعياد باللهِ تعالى، إلى إثبات مَدْعُوَّيْنَ، تعالى اللهُ عن أنْ يكونَ له شريكٌ. وذلك مِن حيثُ كان مُحالاً أن تَعْمِدَ إلى اسمَيْن كلاهما اسمُ شيءٍ واحدٍ، فتعطِفَ أحدَهما على الآخَر، فتقولَ مثلاً: "اُدْعُ لي زيداً أو الأمير"، و "الأمير" هو زيد. وكذلك محال أن تقول: "أياما ندعوا" وليس هناك إلاَّ مَدْعوٌّ واحدٌ، لأن مِنْ شأن "أي" أنْ تكونَ أبداً واحداً من اثنين أو جماعةٍ، ومِن ثَمَّ لم يكن له بدٌّ من الإضافةِ، إما لفظاً وإما تقديرًا.
مثال في قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ} بغيرِ تنوينٍ "عزير"
450 - وهذا بابٌ واسعٌ2. ومِن المُشْكِلِ فيه قراءةُ مَن قرأ3: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، بغيرِ تنوينٍ. وذلك أنَّهم قد حَملوها على وجهين:
__________
1 السياق: ... " أن من نظر ... ثم لم يعلم ... كان بغرض ... ".
2 في المطبوعة وحدها: "وهناك باب".
3 قرأه بتنوين "عزيز" بعض المكيين والكوفيين، عاصم والكسائي ويعقوب، وقرأه الباقون بغير تنوين، ضمة واحدة.
(1/375)

أحدُهما: أنْ يكون القارئ له أرادَ التنوينَ ثم حذفَه لالْتقاءِ الساكنَيْن، ولم يحرِّكْهُ، كقراءةِ مَنْ قرأ1: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1، 2] بتركِ التَنوين مِنْ "أحَد:، وكما حُكيَ عن عمارةَ بنِ عَقيل أنه قرأ2: {وَلا اللَّيْل سَابِق النَّهَار} [يس: 40]، بالنْصب، فقيلَ له: ما تُريد؟ فقال: أريدُ سابقٌ النهارَ. قيل: فهلاَّ قلْتَه؟ فقال: فلو قلْتُه لكان أوزَنَ وكما جاءَ في الشعر من قوله:
فأَلْفَيْتُهُ غيرَ مستعتِبٍ ... ولاَ ذاكِرَ اللهَ إلاَّ قليلا3
إلى نظائرِ ذلك، فيكونُ المعنى في هذه القراءةِ مثْلَه في القراءة الأُخرى، سَواء.
والوجهُ الثاني: أنْ يكونَ الابنُ صفةً، ويكونَ التنوينُ قد سقَط على حدِّ سقوطِهِ في قولنا: "جاءَني زيدُ بنُ عمروٍ"، ويكونَ في الكلام محذوفٌ. ثم اختَلَفوا في المحذوف، فمنهم من جعله مبتدأً فقدَّرَ: "وقالتِ اليهودُ هو عزير بن الله" ومنهم من جَعَلَه خبراً فقدَّر؟ "وقالتِ اليهودُ عزيرُ ابنُ اللهِ معبودُنا".
وفي هذا أمرٌ عظيم، وذلك أنك إِذا حكَيْتَ عن قائلٍ كلاماً أنتَ تُريد أن تُكَذِّبه فيه، فإنَّ التكذيبَ ينصرفُ إلى ما كان فيه خبرصا، دون ما كان صفةً.
تفسيرُ هذا: أَنَّك إِذا حكيتَ عن إنسانٍ أنَّه قال: "زيدُ بن عمرو
__________
1 ذكر أبو حيان في البحر المحيط 8: 528، من قرأ بهذه القراءة.
2 انظر شواذ القراءات لابن خالويه: 125.
3 هو لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه، والأغاني 11: 17، والبيت في سيبويه 1: 58، وتفسير الطبري 3: 306.
(1/376)

سيِّدٌ"، ثم كذَّبْتَه فيه، لم تكُنْ قد أنكرتَ بذلك أن يكون زيدَ ابن عمروٍ، ولكنْ أنْ يكونَ سيِّداً وكذلك إذا قال: "زيدٌ الفقيهُ قد قَدِم"، فقلتَ له: "كَذَبْتَ" أو "غَلِطْتَ". لم تَكُن قد أنكرْتَ أن يكونَ زيدٌ فقيهاً، ولكنْ أن يكون قد قَدِم1. هذا ما لا شُبهةَ فيه، وذلك أنك إذا كذَّبْتَ قائلاًَ في كلامٍ أو صدَّقْته، فإِنما يَنْصرِف التكذيبُ منك والتصديقُ إلى إثباته ونفيه، والإثبات والنفي يتناولات الخبرَ دونَ الصفةِ. يدلُّكَ على ذلك أنَّكَ تَجِدُ الصفةَ ثابتةً في حالِ النفي، كثُبوتها في حالِ الإِثبات. فإِذا قلتَ: "ما جاءني زيدٌ الظريفُ"، كانَ "الظَّرْفُ" ثابتاً لزيدٍ كثبوته إذا قلتَ: "جاءني زيدٌ الظريفُ" وذلك أنْ ليس ثُبوتُ الصفةِ لِلذي هي صفةٌ له، بالمتكلِّم وبإِثباته لها فتنتفي بنَفْيه، وإنما ثُبوتُها بنفسها، ويتقرَّرُ الوجودُ فيها عندَ المخاطَب، مثلَه عند المتكلِّم، لأنه إذا وقعتِ الحاجةُ في العلم إلى الصفةِ، كان الاحتياجُ إليها من أجْل خِيفةِ اللَّبْس على المخاطَبِ.
تفسيرُ ذلك: أنكَ إذا قلتَ: "جاءني زيدٌ الظريفُ"، فإنك إنما تحتج إلى أنْ تصِفَه بالظريفِ، إذا كان فيمن يجيءُ إليكَ واحدٌ آخرُ يُسمَّى "زيداً"، فأنتَ تَخْشى إنْ قلْتَ: "جاءني زيدٌ" ولم تَقُل: "الظريفُ"، أنْ يَلْتَبِس على المخاطَبِ فلا يَدْرِي أهذا عنيتَ أم ذاك؟ وإذا كان الغرضُ من ذكْرِ الصفة إزالةَ اللَّبس والتبيين، كان مُحالاً أن تكونَ غيرَ معلومةٍ عند المخاطَب، وغير ثابتة، لأنه يؤدي إلى أن ترم تبيينَ الشيءِ للمخاطَب بوصفٍ هو لا يَعلَمُه في ذلك الشيء. وذلكَ ما لا غايةَ وراءه في الفساد.
__________
1 من أول قوله: "فقلت له: كذبت" إلى هنا، ساقط من كاتب "ج" سهوًا.
(1/377)

وإذا كان الأمر كذلك، كان جل "الابنِ" صفةً في الآية، مُؤديًا إلى الأمْرِ العظيم، وهو إخراجُه عن موضعِ النفي والإنكارِ، إلى موضع الثبوتِ والاستقرارِ، جلَّ الله تعالى عن شَبَهِ المخلوقين، وعن جَميع ما يقولُ الظالمونَ، علوّاً كبيراً.
451 - فإِن قيلَ: إنَّ هذه قراءةٌ معروفةٌ، والقولُ بجواز الوصفيَّةِ في "الابن" كذلك معروفٌ ومدوَّنٌ في الكتبِ، وذلك يَقْتضي أن يكونوا قد عرَفوا في الآيةِ تأويلاً يَدخُل به "الابْن" في الإِنكار مع تقديرِ الوصفيَّة فيه.
قيل: إنَّ القراءةَ كما ذكرتُ معروفةٌ، والقولُ بجَواز أن يكونَ "الابْنُ" صفةً مثْبَتٌ مسطورٌ في الكتبِ كما قلتُ، ولكنَّ الأصلَ الذي قدَّمناه منْ أنَّ الإِنكارَ إِذا لَحِقَ لَحِقَ الخبرَ دونَ الصفة1 ليس بالشيءِ الذي يعترضُ فيه شكٌّ أو تتسلطُ عليه شبْهَةٌ. فليس يَتَّجه أن يكونَ "الابنُ" صفةً ثم يَلْحقُهُ الإنكارُ مع ذلك، إلاَّ على تأويلٍ غامضٍ، وهو أن يقالَ: إنَّ الغرضَ الدلالةُ على أنَّ اليهودَ قد كان بلغَ من جَهْلهم ورُسوخِهم في هذا الشِّرْكِ، أنهم كانوا يَذْكُرون "عُزيراً" هذا الذكْرَ، كما تقولُ في قومٍ تريدُ أن تصفَهم بأنهم قد استُهلِكوا في أمرِ صاحبِهم وغَلَوْا في تعظيمه: "إني أراهُمْ قد اعتقَدوا أمْراً عظيماً، فهم يقولون أبداً: زيدٌ الأميرُ"، تريدُ أنه كذلك يكون ذكْرُهُم إذا ذكَروهُ، إلاَّ أنَّه إنما يستقيمُ هذا التأويلُ فيه، إذا أنتَ لم تقدِّر له خبَراً معيناً، ولكنْ تريدُ أنهم كانوا لا يخبرون عنه بخببر إلا كان ذكرهم له هكذا.
__________
1 السياق: "ولكن الأصل الذي قدمناه .... ليس بالشيء ... ".
(1/378)

مثال آخر في بيان قوله: {وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ}
452 - ومما هو من هذا الذي نحنُ فيه قولُه تعالى: {وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 171]. وذلك أنَّهم قد ذَهبوا في رفْع "ثلاثةٍ" إلى أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وقالوا: إنَّ التقديرَ: "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ". وليس ذلك بمستقيمٍ. وذلك أنَّا إذا قلْنا: "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثة"، كان ذلك، والعياذُ بالله، شبيه الإثباتِ أنَّ ههنا آلهةً، من حيثُ إنَّكَ إذا نفيْتَ، فإنما تَنفي المعنى المستفادَ من الخَبر عن المبتدأ، ولا تنفي معنى المبتدأ، فإِذا قلتَ: "ما زيدٌ منطلقاً" كنتَ نفيْتَ الانطلاقَ الذي هو معنى الخبرِ عن زيدٍ، ولم تَنْفِ معنى زيد ولم تُوجِبْ عدَمَه. وغذاكان ذلك كذلك، فإِذا قُلْنَا: "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ"، كنَّا قد نفَيْنا أن تكونَ عِدَّةُ الآلهة ثلاثةً، ولم تنف أن تكونَ آلهةً، جلَّ الله تعالى عن الشريكِ والنظيرِ كما أنك إِذا قلتَ: "ليس أُمراؤنا ثلاثةً"، كنتَ قد نفَيْتَ أن تكونَ عِدَّةُ الأمراءِ ثلاثةً، ولم تَنْفِ أن يكون لكُمْ أمراءُ. هذا ما لا شبْهةَ فيه. وغذا أدَّى هذا التقديرُ إلى هذا الفسادِ، وَجَبَ أنْ يَعْدِل عنه إلى غيره.
والوجهُ، واللهُ أعلمُ، أن تكونَ "ثلاثة" صفةَ مبتدأ لا خبرَ مبتدإٍ، ويكونَ التقديرُ: "ولا تقولوا لنا آلهةٌ ثلاثة أو: في الوجود آلهة ثلاثة"، ثم حُذِفَ الخبرُ الذي هو "لنا" أو "في الوجود" كما حُذِفَ من: "لا إله إلاَّ الله" و {مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّه} [آل عمران: 62]، فبقي "ولا تقولوا آلهةٌ ثلاثةٌ"، ثم حُذِف الموصوفُ الذي هو "آلهة"، فبقي: "ولا تقولوا ثلاثةٌ". وليس في حذْف ما قدَّرْنا حذْفَه ما يتوقّفُ في صحَّته. أما حذفُ الخبر الذي قلْنا إنه "لنا" أو "في الوجود"، فمطَّردٌ في كلِّ ما معناهُ التوحيدُ، ونفيُ أن يكون معَ الله، تعالى عن ذلك، إلهٌ.
(1/379)

حذف الموصوف بالعدد شائع:
453 - وأما حذْفُ الموصوفِ بالعدد، فكذلك شائعٌ، وذلك أَنه كما يَسوغُ أن تقولَ: "عندي ثلاثة"، وأنتَ تريدُ "ثلاثةَ أثوابٍ"، ثم تَحذفُ، لعِلْمكَ أنَّ السامعَ يَعْلمُ ما تُريد، كذلك يسَوغُ أنْ تَقولَ: "عندي ثلاثةٌ"، وأنت تُريد "أثوابٌ ثلاثة"، لأنه لا فَصْلَ بين أن تَجْعَل المقصودَ بالعددِ مميَّزاً، وبين أنْ تَجعلَهُ موصوفاً بالعدد، في أَنه يَحْسُنُ حذْفُه إِذا عُلِمَ المراد.
يبين ذلك أنكَ تَرى المقصودَ بالعددِ قد تُرِكَ ذكرُهُ، ثم لا تستطيعُ أن تُقدِّرَه إِلا موصوفًا، وذلك في قولك: "عندي اثنان"، و "عندي واحد"، يكونُ المحذوفُ ههنا موصوفاً لا محالةَ، نحو: "عندي رجلانِ اثنانِ" و "عندي درهمٌ واحدٌ"، 1 ولا يكونُ مميَّزاً البتةَ2، من حيث كانوا قد رفضوا إضافة "الواحد" و "الاثنين" إلى الجِنْس، فتركوا أن يقولوا: "واحدُ رجالٍ" و "آثنا رجالٌ" على حدِّ "ثلاثةُ رجالٍ"، ولذلك كان قولُ الشاعر:
ظَرْفُ عجوزٍ فيه ثِنْتَا حَنْظَلِ3
شاذًا
__________
1 من أول قوله: "يكون المحذوف ... " إلى هذا الموضع، ساقط من كاتب "ج"، سهوًا.
2 في هامش "ج"، ما نصه:
"أي: ولا يكون المحذوف مميزًا".
3 الرجز لخطام الريح المجاشعي، وفي شرح الحماسة للتبريزي 4: 166 غير منسوب، وقبله:
كأن خصييه من التذلدل
ولكن أورده أبو تمام برواية:
سحق جراب فيه ثنتا حنظل
وذكر أبو محمد الغندجاني الرجز كله لخطام في "إصلاح ما غلط فيه النمري".
(1/380)

هذا، ولا يمتنع أن يجعل المحذوفَ من الآية في موضعِ التمييز دونَ موضع الموصوف، فيجعل التقديرَ، "ولا تقولوا ثلاثة آلهة"، ثم يكونُ الحكْمُ في الخَبرِ على ما مضى، ويكونَ المعنى، والله أعلم، ولا تقولوا لنا ثلاثة آلهة، أو في الوجود ثلاثةُ آلهة"1.
454 - فإنْ قلتَ: فلِمَ صار لا يَلْزمُ على هذا التقديرِ ما لَزِمَ عَلَى قولِ مَنْ قدَّر: "ولا تَقولوا آلهتنا ثلاثةٌ"؟
2 فذاكَ لأنَّا إذا جعَلْنا التقديرَ3: ولا تقولوا لنا، أو: في الوجود، آلهةٌ ثلاثةٌ، أو ثلاثةُ آلهةٍ"، كنَّا قد نفينا الوجود على الآلهةِ، كما نفَيْناه في "لا إله إلا الله"، و {مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّه} [آل عمران: 62].
وإِذا زعَموا أنَّ التقديرَ "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ"، كانوا قد نَفَوْا أَنْ تكونَ عِدَّةُ الآلهةِ ثلاثةً، ولم يَنْفُوا وُجودَ الآلهة.
فإنْ قيل: فإنَّه يَلزَمُ على تقديركَ الفسادُ من وجْهٍ آخرَ، وذاكَ أنَّه يَجوزُ إذا قلتَ: "ليس لنا أمراءُ ثلاثةٌ"، أنْ يكونَ المعنى: ليس لنا أمراءُ ثلاثةٌ4، ولكنْ لنا أميرانِ اثنانِ، وإذا كان كذلكَ: كان تقديرُكَ وتقديرُهُمْ جميعاً خطأً.
__________
1 في "ج"، من أول قوله: "ثم يكون الحكم ... " إلى أول قوله: "ثلاثة آلهة"، سقط سهوًا من كاتبها.
2 "فذاك" جواب السؤال.
3 أسقط كاتب "ج" فكتب "لَزِمَ عَلَى قولِ مَنْ قدَّر، ولا تَقولوا آلهتنا ثلاثة، فذاك لأنا". سها سهوًا أخل بالكلام.
4 "أنْ يكونَ المعنى: ليس لنا أمراءُ ثلاثةٌ"، سقط من كاتب "ج" سهوًا.
(1/381)

قيل: إنَّ ههنا أمراً قد أغْفَلْتَه، وهو أن قولهم {أَآلِهَتُنَا}، يُوجِبُ ثُبوتَ آلهةٍ، جلَّ اللهُ وتعالى عَمَّا يقولُ الظالمونَ عُلوًّا كبيراً. وقولُنا: "ليس لنا آلهةٌ ثلاثةٌ"، لا يُوجبُ ثبوتَ اثنينِ البتةَ.
فإنْ قلتَ: إن كانَ لا يُوجبُه، فإنَّه لا يَنْفِيه.
قيل: يَنْفيهِ ما بَعْدَهُ مِنْ قولِه تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: 171].
فإنْ قيلَ: فإنَّه كما يَنْفي الإلهَيْن، كذلك ينفي الآلهةَ. وإِذا كان كذلك، وجَبَ أنْ يكونَ تقديرُهم صحيحاً كتقديركَ.
قيل: هو كما قلتَ ينفي الآلهةَ، ولكنَّهم إذا زعَموا أنَّ التقديرَ: "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ"، وكان ذلك والعياذُ باللهِ من الشِّرْك يَقْتضي إثباتَ آلهةٍ، كانوا قد دفَعوا هذا النفيَ وخالفوه وأخرجوا إلى المناقَضَة. فإِذا كان كذلك، كان مُحالاً أن يكون للصحة سبيل إلى ما قالوا. وليس كذلك الحالُ فيما قدَّرْناه، لأنَّا لم تقدر شيئاً يقتضي إثباتَ إلهيَنْ، تعالَى اللهُ، حتى يكونَ حالُنا حالَ مَنْ يَدفَعُ ما يُوجِبُه هذا الكلامُ من نَفْيهِما.
يُبيِّنُ لك ذلِكَ: أَنه يَصِحُّ لنا أَنْ نَتَّبعَ ما قدَّرناه نفْي الاثنينِ، ولا يَصِحُّ لهم.
تفسيرُ ذلك: أنَّه يصِحُّ أن تقولَ: "ولا تَقولوا لنا آلهةٌ ثلاثةٌ ولا إلهان"، لأنَّ ذلك يَجْري مَجرْى أَنْ تقولَ: "ليس لنا آلهةٌ ثلاثةٌ ولا إلهان"، وهذا صَحيحٌ ولا يصِحُّ لهم أَنْ يقولوا: "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ ولا إلهانِ"1، لأنَّ ذلك يجري
__________
1 كتب كاتب "ج": "ليس لنا آله ولا إلهان، لأن ذلك يجري مجرى ... "، فأسقط وأفسد الكلام.
(1/382)

مَجْرى أنّ يقولوا: "ولا تقولوا آلهتُنا إلهَانِ". وذلك فاسدٌ، فاعرفْه وأَحْسِنْ تأمُّلَهُ.
455 - ثم إنَّ ههنا طريقاً آخَرَ، وهو أَنْ تُقَدِّر: "ولا تقولوا الله والمسيح وأمه ثلاثة"، أي نبعدهما كما نَعبدُ اللهَ.
يُبيِّنُ ذلك قولُه تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة: 73]، وقد استقرَّ في العُرْفِ أنَّهم إذا أرادوا إلحاقَ اثنينِ بواحدٍ في وصفٍ منَ الأوصافِ، وأن يجعلوها شَبيهَيْن له، قالوا: "هُمْ ثلاثةٌ"، كما يقولونَ إذا أرادوا إلحاقَ واحدٍ بآخرَ وجَعْلَه في معناه، "هما اثنانِ"، وعلى هذا السبيل كأنَّهم يقولون: "هُم يُعَدُّونَ معَداً واحداً" ويُوجِبُ لهم التساويَ والتشارُكَ في الصفةِ والرتبةِ، وما شاكَل ذلكَ.
456 - واعلمْ أنه لا معنى لأن يقالَ: إنَّ القولَ حكايةٌ، وإنَّه إِذا كان حكايةً لم يلزَمْ منه إثباتُ الآلهةِ، لأنه يَجْري مَجْرى أنْ تقولَ: "إنَّ مِنْ دين الكفَّارِ أنْ يقولوا: الآلهةُ ثلاثةٌ"1، وذلك لأنَّ الخطابَ في الاية للنصارى أنسهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى
__________
1 في هامش "ج" بخط كاتبها ما نصه:
"هذا تعليل لقولي: لم يلزم من إثبات الآلهة".
وهذا نص قاطع على أن جميع حواشي "ج"، من كلام عبد القاهر، كما استظهرت قبل أن أقرأ هذا، وانظر التعليق السالف على رقم: 404.
(1/383)

مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 171]. وإِذا كان الخطابُ للنصارى، كان تقديرُ الحكايةِ مُحالاً، فـ "ـلا تَقولوا" إذنْ في معنى: "لا تعْتَقِدوا"، وإِذا كانَ في معنى الاعتقادِ، لَزِمَ إذا قدَّرَ "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ"، ما قُلْنا إنَّه يَلْزمُ مِن إثباتِ الآلهةِ. وذلك لأن الاعتقادَ يَتعلَّق بالخبر لا بالمُخْبَرِ عَنْه. فإِذا قلتَ: "لا تعتقدْ أنَّ الأمراءَ ثلاثةٌ"، كنتَ نهَيْتَه عن أنْ يعتقدَ كونَ الأُمراءِ على هذه العِدَّة، لا عنْ أَنْ يَعْتَقِدَ أنَّ ههنا أُمراءَ. هذا ما لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ. وإنَّما يكونُ النهْيُ عن ذلك إذا قلتَ: "لا تَعْتقِدْ أَنَّ ههنا أُمراءَ"، لأنَّك حينئذٍ تَصيرُ كأنَّك قلَْتَ: لا تعتقِدْ وجودَ أمراءَ.
هذا، ولو كان الخطابُ معَ المؤمنينَ، لكانَ تَقديرُ الحكايةِ لا يَصِحُّ أيضاً. ذلك لأنه لا يجوزُ أنْ يُقالَ: "إنَّ المؤمنينَ نهوا عن أن يحكموا عن النصارى مقالَتَهم، ويُخْبروا عنْهم بأنَّهم يقولونَ كَيْتَ وكيْتَ"، كيفَ؟ وقد قال اللهُ تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] ومِنْ أينَ يَصِحُّ النهْيُ عَنْ حكايةِ قولِ المُبْطِل، وفي تَرْك حكايتهِ تركٌ له وكفره، وامتناعٌ من النعْي عليه، والإنكارِ لِقَوْلِه، والاحتجاجِ عليه، وإقامةِ الدليل على بُطْلانه، لأنه لا سبيلَ إلى شيءٍ من ذلك إلاَّ مِنْ بَعْدِ حكايةِ القولِ والإِفصاحِ به، فاعرِفْه.
(1/384)

بسم الله الرحمن الرحيم

تحرير القول في الإعجاز والفصاحة والبلاغة:
457 - قد أردنا أن نستأنِفَ تقريراً نزيدٌ به الناسَ تَبصيراً أنَّهم في عمياءَ من أمرِهم حتَّى يسلكوا المسلَكَ الذي سلكناه، ويُفْرِغوا خواطِرَهُم لتأمُّلِ ما استخرجناه وأنَّهم، ما لم يأخذوا أنفسَهم بذلك، ولم يُجرِّدوا عناياتِهم له1 في غرورٍ، كمن يَعِدُ نفسه الريَّ من السَّرابِ اللامع، ويخادعها بأكاذيب المطامع.
بيان في معنى "التحدي"، وأي شيء طولبوا أن يأتوا به؟ وهو مهم:
458 - يقال لهم: إنكم تتْلون قولَ اللهِ تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [هود: 13]، وقوله: {بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه} [البقرة: 23]، فقولوا الآن: أيجوزُ أنْ يكونَ تعالى قد أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بأنْ يتحدَّى العربَ إلى أن يُعارضوا القرآنَ بمثلِهِ، من غيرِ أن يكونوا قد عَرَفوا الوصفَ الذي إذا أتَوا بكلامٍ على ذلك الوصفِ، كانوا قد أَتَوا بمثلِه؟
ولا بُدَّ من "لا"، لأنَّهم إنْ قالوا: "يجوزُ"، أبطلوا التحدِّي، من حيث إنَّ التحدي -كما لا يخفى- مطالبةٌ بأن يأتوا بكلامٍ على وصفٍ، ولا تصحُّ المطالبةُ بالإِتيان به على وصفٍ من غيرِ أن يكونَ ذلك الوصفُ معلوماً للمطالَبِ2 ويبطلُ بذلك دعوى الإِعجاز أيضاً؛ وذلك لأنه لا يتصور أن
__________
1 السياق: "وأنهم ... في غرور".
2 السياق: " ... إن قالوا: يجوز، أبطلوا التحدي ... ويبطل بذلك".
(1/385)

يقالَ: إنه كانَ عَجْزٌ، حتى يثبتَ معجوزٌ عنه معلوم؛ فلا يقومُ في عَقْل عاقلٍ أن يقول لخصمٍ له: "قد أعجزَك أن تفعل مثل فعلي"، وهو لا يشير له إلى وصفٍ يَعلَمُه في فعله، ويراهُ قد وقعَ عليه؛ أفلا تَرى أنَه لو قالَ رَجلٌ لآخرَ: "إني قد أحدثتُ في خاتَمٍ عملتهُ صنعة أنتَ لا تستطيعُ مثلَها"، لم تَتَّجه له عليه حجةٌ، ولم يثبُتْ به أنه قد أتى بما يعجزُه، إلا من بعدِ أن يرِيَهُ الخاتمَ، ويشيرَ له إلى ما زعمَ أنه أبدعَه فيه منَ الصَّنعة، لأنه لا يصحُّ وصفُ الإِنسانِ بأنه قد عَجزَ عن شيءٍ، حتى يريدَ ذلك الشيءَ ويقصدَ إليه، ثم لا يتأتَّى له. وليس يتصوَّرُ أن يقصِدَ إلى شيءٍ لا يعلَمُه. وأن تكونَ منه إرادةٌ لأمرٍ لم يعلمْه في جملةٍ ولا تفصيلٍ.
459 - ثم إنَّ هذا الوصفَ ينبغي أنْ يكونَ وصْفاً قد تجدَّد بالقرآن، وأمر لم يُوجَدْ في غيرهِ، ولم يُعْرف قَبْلَ نزولِه. وإِذا كان كذلك؛ فقد وَجَب أنْ يُعْلَم أَنه لا يجوزُ أن يكونَ في "الكَلم المفردةِ"، لأَن تقديرَ كونِه فيها يؤدِّي إلى المُحال، وهو أن تكونَ الألفاظُ المفردةُ التي هي أوضاعُ اللُّغة، قد حدَثَ في مذاقة حروفِها وأصدائها أوصافٌ لم تكُنْ1، لتكونَ تلك الأوصاف فيها أقبل السامعون عليها إِذا كانتَ متلوَّة في القرآن، لا يَجدونَ لها تلكَ الهيئاتِ والصفاتِ خارِجَ القرآنِ2. ولا يجوزُ أن تكونَ في "معاني الكلم المفردة"، التي هي لها بوضع
__________
1 في المطبوعة وحدها: "حذاقة حروفها"، خطأ صرف.
2 معطوف على قوله في أول البقرة: " .... لا يجوزُ أن يكونَ في الكَلم المفردةِ ... ".
(1/386)

اللغة؛ لأنه يؤدي إلى أن يكونَ قد تجدد في معنى "الحمد" و"الرب"، ومعنى "العالمين" و"الملك" و"اليوم" و"الذين"، وهكذا، وصْفُ لم يكُنْ قَبْل نزولِ القرآن. وهذا ما لَوْ كان ههنا شيءٌ أَبَعدُ من الحال وأشنعُ لكان إيَّاه1.
ولا يجوزُ أَن يكون هَذا الوصفُ في "ترتيب الحَركاتِ والسَّكَناتِ"، حتى كأَنهم تُحُدُّوا إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليه في زِنَةِ كلماتِ القرآنِ، وحتى كأنَّ الذي بانَ به: القرآنُ مِن الوَصْف في سبيلِ بَيْنُونَة بِحُور الشِّعْر بعضِها مِنْ بَعضٍ، لأنه يخرج إلى ما تعاطه مُسيلِمَةُ من الحماقة في: "إنا أعطيناكَ الجَماهر، فَصَل لِربِّك وجاهِرْ"، "والطَّاحناتِ طحناً".
وكذلك الحكْمُ إنْ زَعم زِاعمٌ "أنَّ الوصْفَ الذي تُحُدُّوا إليه هو أَن يَأْتوا بكلامٍ يَجعلونَ له مَقاطعَ، وفواصلَ، كالذي تَراهُ في القرآن"؛ لأنه أيضاً ليس بأكثرَ مِن التَّعويلِ على مراعاةِ وزْنٍ. وإنَّما الفواصلُ في الآيِ كالقوافي في الشِّعر، وقد عَلِمْنا اقتدارَهم على القوافي كيف هوَ، فلَوْ لم يكنِ التحدِّي إلا إلى فُصولٍ منَ الكلامِ يكونُ لها أواخرُ أشباهِ القوافي، لم يُعْوِزْهُم ذلك، ولم يتعذَّرْ عليهم. وقد خُيِّل إلى بعضهم إن كان الحكاية صححية شيءٌ من هذا، حتى وَضعَ على ما زَعموا فصولَ كلام أواخرُها كأواخرِ الآيِ2، مثْلَ "يعلمون" و "يؤمنون" وأشباه ذلك3.
__________
1 أيضًا، معطوف آخر على أول البقرة.
2 في المطبوعة وحدها: فصول الكلام، خطأ.
3 معطوف على ما أشرت إليه في الفقرة السالفة. وهذه العبارة الآتية كلها ليست في "س".
(1/387)

ولا يَجوزُ أَن يكونَ الإِعجازُ بأن لم يُلْتَقَ في حُروفه ما يَثْقُلُ على اللسانِ.
أي شيء بهر العقول من القرآن، وكلام الوليد بن المغيرة، وابن مسعود، والجاحظ:
460 - وجملةُ الأمرِ أَنه لَن يَعرِضَ هذا وشَبهُهُ من الظنونِ لِمَنْ يَعرِضُ لهُ إلاَّ مِن سوءِ المعرفةِ بهذا الشأنِ، أوْ للخذلانِ، أو لِشهوةِ الإِغرابِ في القولِ. ومَنْ هذا الذي يَرْضى مِنْ نَفْسه أنْ يَزعمَ أنَّ البرهانَ الذي بان لهم، والأمر الذي بهرهم، والهيبة التي ملأتْ صدُورَهم1، والروعةَ التي دخلتْ عليهم فأزعَجَتْهم حتَّى قالوا: "إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطولاة، وأن أسفله لمعذق، وإنَّ أعلاه لَمْثْمِرٌ2، إنما كان لِشيءٍ راعَهُم من مَواقعِ حركاتِه، ومِن تَرتيبٍ بيْنَها وبَيْنَ سكناته؟ أم لِفَواصلَ في أواخرِ آياته؟ مِنْ أَيْنَ تَليقُ هذه الصفةُ وهذا التشبيهُ بذلك؟
أم ترَى ابنَ مَسْعود حين قال في صفةِ القرآن: "لا يَتْفَه ولا يَتَشَانُّ"3، وقال: "إِذا وقعتُ في آلِ حم، وقعتُ في روضاتٍ دَمِثاتٍ
__________
1 في المطبوعة وحدها: "والهيئة"، خطأ.
2 هذه رواية مشهورة، والذي في كتب السير "سيرة ابن هشام" وأن الوليد بن املغيرة قال: "إن لقوله حلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة"، هذه رواية ابن إسحاق، وروى ابن هشام "إن أصله لغذق". و "الغذق"، النخلة التي ثبت أصلها، وطاب فرعها إذا جنى، و "الغذق"، الروي المخصب، وكذلك تفسير "المغذقط الذي ثبتت أصوله، و "المغذق"، المخصب. وكان في المطبوعة "لمغذق" بالغين المعجمة والدال المهملة، والذي في "ج" و "س": "لمغذق" بالغين المهملة والذال المعجمة.
3 الخبر بهذا اللفظ في غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام 3: 153/ 4: 55، بغير إسناد، وهو في مسند أحمد بن حنبل رقم: 3845 من حديث طويل: "إن هذا القرآ لا يختلف، ولا يستشن، ولا ينفه لكثرة الرد" و "ينشان" لا يخلق، وهو مأخوذ من "الشن" وهو الجلد الخلق البالي، و "يستشن"، يصير شنًا باليًا. و "يتفه"، من الشيء "التافه"، أي لا يبتذل حتى يلحق بالخسيس.
(1/388)

أتأنَّق فيهنَّ"1، أي أَتتبَّع محاسنَهنَّ قال ذلك من أجْل أوزانِ الكلماتِ، ومن أجْل الفواصِلِ في أواخرِ الآيات؟
أم تَرى أنَّهم لذلك قالوا: "لا تَفْنى عجائِبُه، ولا يَخْلُقُ على كثرة الردِّ"2.
أم تَرى الجاحظَ حينَ قال في كتابِ النبوَّة: "ولو أَنَّ رجلاً قرأَ على رجُل مِن خطبائِهم وبُلغائهم سورةً واحدةً، لَتبيَّنَ له في نظامِها ومَخْرجها، منْ لفظِها وطابَعِها أنه عاجز عن مثلها، لو تَحدَّى بها أبلَغَ العربِ لأَظْهَر عجْزَه عنها"3 لغا ولغط4.
فليسَ5 كلامُه هذا مما ذهَبوا إليه في شيء.
461 - وَينبغي أن تكونَ موازَنَتُهم بيْنَ بعضِ الآي وبين ما قاله الناس في
__________
1 خبر عبد الله بن مسعود هذا في تفسير ابن كثير في أول سورة غافر (7: 275) غير مسند. و "ذمثاث"، جمع "ذمثة"، وهي المخصبة اللينة السهلة المعيشة.
2 انظر ما سلف في التعليق رقم: 3، ص: 388 وهو في خبر علي رضي الله عنه في صحيح الترمذي، كتاب "ثواب القرآن"، "باب ما جاء في فضل القرآن، بإسناد فيه كلام".
3 مضى كلام الجاحظ هذا آنفًا برقم: 290.
4 "لغا يلغو" أتى باللغو من الكلام، وهو ما لا يمتد به، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع.
و"لفظ يلغط لغطًا"، أتى بأصوات مبهمة وألفاظ ذات جلبة لا يفهم لها معنى. وكان في المطبوعة وحدها: "لغًا ولفظًا"، وهو سيء جدًا، لأن السياق: "أم ترى الجاحظ حين قال ... لغا ولغط".
5 الصرف في "لامه" مرودد إلى الجاحظ.
(1/389)

معناها، كموازنَتِهِمْ بيْن: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، وبَيْن: "قَتْلُ البعضِ إحياءٌ للجميع"1 خطأً مهم2؛ لأنَّا لا نَعْلم لحديثِ التحريكِ والتسْكينِ وحديثِ الفاصلةِ مذهباً في هذه الموازنة، ولا نَعْلمهُم أرادوا غيرَ ما يُريده الناسُ إذا وازَنُوا بين كلامٍ وكلامٍ في الفصاحةِ والبلاغةِ ودقَّةِ النظم وزيادة الفائدة. ولولا أن الشطيان قد استحوذَ على كثيرٍ من الناس في هذا الشأنَ، وأنهم -بِتَرْك النظرِ، وإهمالِ التدبُّر وَضعفِ النيَّةِ، وقِصَر الهِمَّة- قد طرَّقوا له حتى جعَل يُلْقي في نفوسِهم كلَّ محالٍ وكلَّ باطلٍ3، وجَعَلوا هُمْ يُعطون الذي يُلْقيه حَظَّا من قبولهم، ويبوؤونه مكاناً مِن قلوبهم، لمَا بلغَ من قَدْر هذه الأقوالِ الفاسدةِ أنْ تدخُلَ في تصنيفٍ، ويعادَ ويُبْدأَ في تبيينٍ لوجهِ الفسادِ فيها وتعريف.
الحجة على إبطال "الصرفة" وهي مقالة المعتزلة:
462 - ثُم إنَّ هذه الشناعاتِ التي تقدَّمَ ذِكْرُها، تَلزَمُ أصحابَ "الصَّرْفة" أيضاً؛ وذاكَ أَنه لو لم يكنْ عجْزُهم عن مُعَارضةِ القرآن وعن أنْ يأتوا بمثلِه، لأنه مُعْجِزٌ في نفسه؛ لكنْ لأن أُدخِلَ عليهمُ العَجزُ عنه، وصُرفَتْ هِمَمهُمُ وخَواطرُهم عن تأليفِ كلامٍ مثْلهِ، وكان حالُهم على الجملةِ حالَ مَن أُعْدِمَ العلمَ بشيءٍ قد كان يَعلَمُه، وحيل بينَه وبينَ أمرٍ قد كانَ يَتَّسِعُ له4، لكانَ ينبغي أنْ لا يتعاظَمَهُمْ، ولا يكون منهم ما يدل على إكبارهم امره،
__________
1 مضى ذلك في رقم: 303.
2 السياق: "وينبغي أن تكون موازنتهم ... خطأ منهم".
3 "طرفوا له"، جعلوا له طريقًا يسلكه إلى ما يسوله لهم من الفساد.
4 السياق: "وذاك أنه لو لم يكن عجزهم ... لكان ينبغي".
(1/390)

وتعجُّبهم منه، وعلى أَنه قد بَهَرَهُم، وعظُمَ كل العظم عندهم؛ بل كان ينبغي أن يكون الإكبار منهم والتعجب للذي دخل من العجز عليهم1، ورأوه مِن تَغيُّرِ حالِهم، ومِنْ أَن حِيلَ بينَهم وبينَ شيءٍ قد كانَ عليهِمْ سَهْلاً، وأنْ سُدَّ دونَه بابٌ كانَ لهُم مفتوحا، أرأيتَ لو أنَّ نبياً قال لقومِهِ: "إنَّ آيتي أنْ أَضعَ يدي على رأسي هذه الساعةَ، وتُمْنَعون كلُّكُم من أَن تستطيعوا وَضْعَ أَيديكُمْ على رؤسكم"، وكان الأمرُ كما قال، مِمَّ يكونُ تعجُّبُ القومِ، أَمِنْ وضعِه يدَه على رأسهِ، أمْ من غجزهم أن يضعوا أيديهم على رؤسهم؟
"النظم" و"الاستعارة" هما موضع الإعجاز:
463 - ونعودُ إلى النَّسَق فنقولُ: فإِذا بطَلَ أن يكونَ الوصْفُ الذي أعجزَهم من القرآنِ في شيءٍ ممَّا عدَدَناه، لم يَبْقَ إلاَّ أن يكون في "النظم"؛ لأنه ليس مِنْ بَعْدِ ما أَبطَلْنا أن يكون فيه إلا "النظم" و"الاستعارة". ولا يمكنُ أنْ تُجْعَلَ "الاستعارةُ" الأَصْلَ في الإعجاز وأن يُقْصَرَ عليها؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى أَن يكونَ الإِعجازُ في آيٍ معدودةٍ في مواضعَ مِن السورِ الطوالِ مخصوصةٍ، وإذا امتنع ذلك فيها، ثبت أن "النظم" مكانه الذي ينبغي أن يكون فهي. وإذا ثبت أنه في "النظم"، و"التأليف"2، وكنَّا قد عَلِمْنا أنْ ليسَ "النظمُ" شيئاً غير
__________
1 في "ج": "وعظم كل العظم عندهم، ورواه من تغير حالهم"، أسقط فأفسد الكلام. وفي المطبوعة: "وعظم كل العظم عندهم، والتعجب للذي دخل عليهم من العجز، ولما رأوه"، وهو فاسد أيضًا.
2 كان في المطبوعة مختلًا، وغير مطابق لما في "س"، وهو الذي أثبتناه هنا، أما كاتب "ج"، فقدسها فأسقط جملًا كثيرة، وهذا نص سياق "ج": "فإذا بطل أن يكون الوصوف الذي أعجزَهم من القرآنِ في شيءٍ ممَّا عددناه؛ إلاَّ أَن يكونَ في النظْمِ والتأليفِ، لأنه ليس مِنْ بَعْدِ ما أَبطَلْنا أن يكونَ فيه إلاَّ النظْمُ، وإذا ثبتَ أنَّه في النظم والتأليف ... " = وأما المطبوعة، فكان كما يلي، فمرا على مواضعه: "لم يبق إلا أن تكون في الاستعارة ولا يمكن الاستعارة"؛ فأسقط ما بين الكلامين عند موضع العلامة، ثم أتى به بعد قوله: "من السور الطوال مخصوصة، على هذا السياق: "وإِذا امتنعَ ذلكَ فيها لم يبْقَ إلاَّ أَن يكونَ في النظْمِ والتأليفِ، لأنه ليس مِنْ بَعْدِ ما أَبطَلْنا أن يكونَ فيه إلا النظم". ولم يرد في المطبوعة ما ههنا: "وإذا امتنع ذلك فيها ثبت أن النظم مكانه .. ". وأيضًا كتب مكان "يقصر عليها" "يقصد إليها"؛ فكان ما في المطبوعة كلامًا ملفقًا سيئًا.
(1/391)

توخي معاني النحو وأحكامِه فيما بينَ الكلمِ، وأنا إن يقينا الدهر تجهد أفكارَنا حتى نَعْلَم، للكلِمِ المفردةِ سِلْكاً يَنْظِمُها، وجامعاً يَجْمعُ شمْلَها ويؤلِّفها، ويَجْعل بعضَها بسبَبٍ مِنْ بعضٍ، غيرَ توخِّي معاني النحو وأحكامهِ فيها1، طَلَبنا ما كلُّ محالٍ دُونَه2؛ فقد بانَ وظهَرَ أنَّ المتعاطيَ القَوْلَ في "النظم"، والزاعمَ أنه يحاولُ بيانَ المزيةِ فيه، وهو لا يَعْرِض فيما يُعيدُه ويُبديهِ للقوانين والأصول التي قدَّمْنا ذِكْرَها، ولا يَسْلك إليه المَسالِكَ التي نَهَجْناها3، في عمياءَ مِنْ أمره، وفي غرورٍ من نفسه، وفي خِداعٍ من الأماني والأضاليلِ4؛ ذاك لأنَّه إذا كان لا يكونُ "النظمُ" شيئاً غيرَ توخِّي معاني النحو وأَحكامهِ فيما بينَ الكَلِمِ، كان مِن أَعجْب العَجَبِ أَنْ يزَعُمَ زاعم أنه يطلب المزية في
__________
1 السياق هنا: "وأنا إن بقيا الدهر، نجهد أفكارنا .... طلبنا ما كل محال دونه".
2 والسياق هنا: "وإذا ثبت أنه في النظم، وكنا قد علمنا ... فقد بان وظهر"، وهو جواب "إذا" في صدر الجملة.
3 السياق: "بان وظهر أن المتعاطي ... في عمياء من أمره".
4 يعني بقوله "المتعاطي القول في النظم" و"الزاعم أنه يحاول بيان المزية .... وهو لا يعرض فيما يعيده ويبديه للقوايين والأصول التي قدمنا ذكرها ... في عمياء من أمره، ومن غرور في نفسه"، يعني بهذا كله المعتزلي الكبير القاضي عبد الجبار، وما كتبه في "المغني" 16: 197، وما بعدها؛ لأنه هو الذي استخدام لفظ "النظم"، فأكثر، ولم يخرج بطائل، وقد أشرت إلى ذلك فيما سلف في رقم: 55، التعليق رقم: 2.
(1/392)

"النَّظْم"، ثم لا يَطْلبُها في معاني النحو وأحكامِه التي "النظْمُ" عبارةٌ عن توخِّيها فيما بين الكلم.
"الاستعارة" و"الكناية" و"التمثيل" من مقتضيات "النظم":
464 - فإنْ قيل: قولُكَ "إلاَّ النظم"1، يقتضي إخراجَ ما في القرآنِ مِن الاستعارةِ وضروبِ المجازِ من جملةِ ما هوَ به مُعْجِزٌ؛ وذلك ما لا مَساغَ له.
قيلَ: ليس الأمرُ كما ظننْتَ؛ بل ذلك يقتضي دُخولَ الاستعارةِ ونَظائرِها فيما هو بهِ مُعْجزٌ؛ وذلك لأنَّ هذه المعاني التي هي "الاستعارة"، و"الكناية" و"التمثيل"، وسائرُ ضُروبِ "المجاز" مِن بَعْدِها من مُقْتَضياتِ "النظم"، وعنه يحدث وبه يكونُ2؛ لأنه لا يُتصوَّر أن يَدخُلَ شيءٌ منها في الكَلِم وهي أفرادٌ لم يُتَوخَّ فيما بينَها حكْمٌ من أحكام النحو؛ فلا يُتَصَّورُ أن يكونَ ههنا "فعلٌ" أو "اسمٌ" قد دَخلَتْهُ الاستعارةُ، مِن دونِ أنْ يكونَ قد أُلِّفَ مع غيره؛ أفلا تَرى أَنه إنْ قدَّر في "اشتعلَ" من قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، أنْ لا يكونَ "الرأسُ"، فاعلاً له، ويكونَ "شيباً" منصوباً عنه عَلَى التمييز، لم يُتصوَّرْ أن يكونَ مستعاراً؟ وهكذا السبيلُ في نظائرِ "الاستعارةِ"، فاعرفْ ذلك3.
خطأ المعتزلة في ظنهم أن المزية في "اللفظ"، واضطرابهم في ذلك:
465 - واعلمْ أَن السببَ في أنْ لم يقع النظر منهم موقعه، أنهم
__________
1 يعني قوله في أول الفقرة السالفة: "لأنه ليس مِنْ بَعْدِ ما أَبطَلْنا أن يكون فيه إلا النظم والاستعارة".
2 في المطبوعة: "وعنها يحدث، وبها يكون".
3 هذه الفقرة "464" كلها ساقطة من "س".
(1/393)

حين قالوا: "تطلب المزية"1، ظنوا أن موضعَها "اللفظُ" بناءً على أنَّ "النظْمَ" نظْمُ الألفاظِ، وأنه يَلْحقُها دونَ المعاني وحِينَ ظَنُّوا أنَّ موضِعَها ذلك واعتقدُوه، وقَفوا على "اللفظِ"، وجعَلوا لا يَرْمون بأَوهامِهم إلى شيءٍ سِواهُ؛ إلاَّ أَنهمْ، على ذاكَ، لم يَسْتطيعوا أن ينطِقوا في تصحيح هذا الذي ظَنّوه بحَرْف؛ بل لم يتكلَّموا بشيءٍ إلاَّ كان ذلك نَقْضاً وإبِطالاً لأنْ يكونَ "اللفظُ" -مِنْ حيَثُ هو لفظٌ- مَوْضعاً للمزيَّةِ وإلا رأيتَهم قدِ اعتَرفُوا، من حيثُ لم يذروا، بِأنْ ليسَ لِلْمزيةِ التي طلَبوها موضِعٌ ومكانٌ تكونُ فيه، إلاَّ معاني النحوِ وأحكامِه.
وذلك أنهم قالوا: "إنَ الفصاحةَ لا تَظْهرُ في أفرادِ الكلماتِ. وإنما تَظْهرُ بالضمِّ على طريقةٍ مخصوصةٍ"2، فقولُهم "بالضم"، لا يَصِحُّ أن يُرادَ به النطقُ باللفظةِ بعْدَ اللفظةِ، مِنْ غيرِ اتصالٍ يكونُ بين مغعنييهما؛ لأنه لو جازَ أنْ يكونَ لِمجرَّدِ ضَم اللفظِ إلى اللفظِ تأثيرٌ في الفصاحةِ، لكانَ يَنبغي إذا قيلَ: "ضَحِكَ، خَرَجَ" أنْ يَحْدُثَ في ضَمِّ "خرجَ" إلى "ضحكَ" فصاحةٌ! وإِذا بطَل ذلك، لم يَبْقَ إلا أنْ يكونَ المعنى في ضمِّ الكلمةِ إلى الكلمةِ توَخِّيَ معنًى من معاني النحو فيما بينَهُما.
وقولُهم: "على طريقةٍ مخصوصةٍ"، يُوجِبُ ذلك أيضاً؛ وذلك أَنه لا يكونُ للطريقةِ إذا أنتَ أردْتَ مجرَّدَ اللفظ معنى.
__________
1 إنما يعني بهذا كله القاضي عبد الجبار المعتزلي، كما أشرت إليه في ص: 392، تعليق: 4.
2 هذا لفظ القاضي عبد الجبار بنصه في المغني 16: 199، "فصل في الوجه الذي له يقع التفاضل في فصاحة الكلام".
(1/394)

وهذا سبيلُ كلِّ ما قالوه، إِذا أنتَ تأمَّلتَهُ تَراهُمْ في الجميعِ قد دفَعوا إلى جَعْل المزية في معاني النحو وأحكامِه مِنْ حيثُ لم يَشْعروا؛ ذلك لأنه أَمرٌ ضروريٌّ لا يمكن الخروج منه.
رد قول عبد الجبار المعتزلي: "إنَّ المعاني لا تَتزايد؛ وإِنما تتزايدُ الألفاظُ"
466 - ومما تَجِدُهم يَعْتمِدونَه ويرجعِونَ إليه قولُهم: "إنَّ المعاني لا تتزايدُ؛ وإنَّما تَتزايدُ الألفاظُ"1، وهذا كلامٌ إذا تأملْتَه لم تَجِدْ له معنًى يَصِحُّ عليه؛ غيرَ أنْ تَجْعلَ "تزايُدَ الألفاظِ" عبارة على المزايا التي تَحْدُثُ مِن توخِّي معاني النحوِ وأَحكامهِ فيما بينَ الكَلِم؛ لأنَّ التزايُدَ في الألفاظِ من حيثُ هي ألفاظٌ ونُطْقُ لسانٍ، مُحالٌ.
467 - ثم إنَّا نَعْلمُ أَنَّ المزيةَ المطلوبةَ في هذا البابِ، مزيةٌ فيما طريقُهُ الفكْرُ والنظَرُ مِن غَيرِ شُبْهة. ومحالٌ أَنْ يكونَ اللفظُ له صفةٌ تُسْتَنْبَطُ بالفِكْرِ، ويُسْتعانُ عليها بالرويَّة، أللهمَّ إلاَّ أنْ تُريد تأليفَ النغَمِ. وليس ذلك ممَّا نحنُ فيه بسبيلٍ.
ومِنْ ههنا لم يَجُزْ، إذا عُدَّ الوجوهُ التي تَظهر بها المزيةُ، أنْ يُعَدَّ فيها الإعرابُ؛ وذلك أنَّ العِلْم بالإِعرابِ مشترَكٌ بينَ العَربِ كلِّهم، وليس هو مما يُسْتنبَط بالفكْرِ، ويُسْتعانُ عليه بالرويَّة؛ فليسَ أحدُهم، بأنَّ إعرابَ الفاعل الرفعُ أو المفعولِ النصبُ، والمضاف إليه الجرُّ، بأعلم من غيره ولا ذاك مما يَحتاجون فيه إلى حِدَّةِ ذهنٍ وقوةِ خاطرِ2، إنما الذي تقَعُ الحاجةُ فيه إلى ذلك،
__________
1 هذا أيضًا قول القاضي عبد الجبار المعتزلي في المغني: 16: 199، وقد مضى آنفًا رقم: 55، تعليق: 2، وص: 392، تعليق: 4، وص 394، تعليق: 2.
2 في المطبوعة: "ولا ذاك المفعولُ به مما يَحتاجون فيه" زيادة لإفساد الكلام لا غير.
(1/395)

العلمِ بما يُوجِبُ الفاعليةَ للشيءِ إذا كان إيجابُها من طريقِ المجازِ، كقولهِ تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم} [البقرة: 16]، وكقولِ الفرزْدق:
سقْتها خروقٌ في المسامِعِ1
وأشباهِ ذلِكَ، مما يَجعلُ الشيءَ فيه فاعلاً على تأويلٍ يَدقُّ، ومن طريقٍ تَلْطُفُ، وليس يكونُ هذا علماً بالإِعراب، ولكن بالوصْفِ الموجبِ للإِعراب.
ومن ثَمَّ لا يجوزُ لنا أنْ نَعْتدَّ في شأنِنا هذا بأنْ يكونَ المتكلِّمُ قد اسْتَعملَ من اللغتين في الشيءِ ما يقالُ: "إنه أفصحهما"، أو بأن يكونَ قد تَحفَّظ مما تخطئ فيه العامَّة، ولا بأن يكونَ قد استعْمَلَ الغريبَ؛ لأنَّ العلمَ بجميع ذلك لا يعدو أن يكونَ عِلْماً باللغةِ، وبأَنْفُس الكَلِمِ المفردة، وبما طريقُهُ طريقُ الحِفْظِ، دونَ ما يُستَعانُ عليه بالنظَرِ، ويُوصَلُ إليه بإعمالِ الفِكْر، ولئن كانتِ العامَّةُ وأشباهُ العامَّةِ لا يكادونَ يعرِفونَ الفصاحةَ غيرَ ذلك؛ فإنَّ مِن ضَعْف النَّحيزَة إِخطارَ مثْلِه في الفكْرِ2، وإجراءَه في الذكْرِ، وأنتَ تزعمُ أَنكَ ناظرٌ في دلائلِ الإعجازِ. أترَى أنَّ العَرب تُحُدُّوا أن يَختاروا الفَتْحَ في الميمِ من "الشَّمَع"، والهاءِ منَ "النهْر" على الإسْكان وأنْ يتحفَّظوا مِن تخليطِ العامَّة في مثْلِ: "هذا يَسْوَى أَلفا"3 أو إلى أنْ يأْتوا بالغريبِ الوحشيِّ في كلام يعارِضون به القرآنَ؟ 4 كيفَ؟ وأنتَ تقرَأُ السورةَ من السور الطوال فلا
__________
1 مضى في الفقرة رقم: 347، بتمامه.
2 "النحيزة"، الطبيعة المغروزة في الإنسان.
3 لأن صوابه "هذا يساوي ألفًا".
4 في "ج" والمطبوعة: "في الكلام" بالتعريف.
(1/396)

تجد فيها من الغريب شيئًا، وتتأمل ما جَمَعهُ العلماءُ في غَريب القرآن؛ فترى الغريبَ منه إلا في القليلِ، إنما كان غريباً من أَجْل استعارةٍ هي فيهِ، كمِثْل {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93]، ومثْل: {خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: 80]، ومثْلِ {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94]، دون أن تكون اللفظةُ غريبةً في نفسها؛ إنما ترى ذلك في كلماتٍ معدودةٍ كَمِثلِ: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا} [ص: 16] و {ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر} [القمر: 13]، و {جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم: 24].
غريب اللغة، ليس له مكان في الإعجاز:
468 - ثم إنَّه لو كان أَكْثَرُ ألفاظِ القرآنِ غريباً، لكانَ محالاً أن يَدْخُلَ ذلك في الإِعجازِ، وأنْ يَصِحَّ التحدِّي به. ذاك لأنه لا يَخْلو إذا وقَعَ التحدِّي به من أن يُتحدَّى مَنْ له علْمٌ بأمثالهِ منَ الغريبِ، أو مَنْ لا عِلْمَ له بذلك.
فلو تُحدِّي بهِ مَن يَعْلَمُ أمثالَه، لم يتَعذَّر عليه أن يعارِضَه بمثله.
ألا تَرى أنه لا يتعذَّرُ عليكَ إذا أنتَ عرفْتَ ما جاء منَ الغريبِ في معنى "الطويل" أَنْ تعارِض مَنْ يقولُ: "الشوقَبُ"، بأن تقولَ أنتَ "الشوذَبُ"، وإِذا قال: "الأمَقُّ" أن تقول "الأَشقُّ"؟ 1 وعلى هذا السبيل.
ولو تُحُدِّي به مَنْ لا عِلْمَ له بأمثالِ ما فيه من الغريبِ، كان ذلك بمنزلةِ أن يُتَحدَّى العربُ إلى أن يتكلموا بلسانِ التركِ.
469 - هذا، وكيفَ بأنْ يدْخلَ الغريبُ في بابِ الفضيلة، وقد ثَبتَ عنهم أَنهم كانوا يَروْنَ الفضيلةَ في تَرْك استعمالِه وتجنُّبهِ؟ أفلاَ تَرى إلى قول عمر
__________
1 هذه الألفاظ بمعنى الطويل مع فروق فيها.
(1/397)

رضي اللهُ عنه في زهيرٍ: "إنه كان لا يُعاظِل بَيْنَ القَوْل، ولا يَتَتَبَّعُ حُوشيِّ الكلام"؟ فقرنَ تَتَبُّعَ "الحُوشيِّ" وهو الغريبُ مِنْ غيرِ شُبْهة إلى "المُعاظلةِ" التي هيَ التعقيد1.
وقال الجاحظُ في "كتاب البيان والتبيين"2: "ورأيتُ الناس يتداولون رسالة يحيى بن يعمر على لسانِ يزيدَ بنِ المهلَّب إلى الحجَّاج3: "إنَّا لقينا العدو فقتلنا طائفة [وأسرنا طائفةً، ولحقتْ طائفةٌ] بعراعرِ الأَودية وأهضامِ الغِيطان، وبتْنا بعُرْعُرَةِ الجبلِ، وباتَ العدوُّ بحضيضِه"؛ فقال الحجَّاج: ما يزيدُ بأبي عُذْرِ هذا الكلامِ! [فقيل له: إن يحيى بن يعمر معه! فأمر بأن يحمل إليه؛ فلما "أتاه] قال: أينَ ولدتَ؟ فقال: بالأهواز؛ فقال: فأنى لك هذه الفصاحةُ؟ قال: أخذتُها عن أبي"4.
قال: "ورأيتُهم يُديرون في كتُبِهم: أنَّ امرأةً خاصمتْ زوجَها إلى يحيى بنِ يَعْمر؛ فانْتَهَرها مراراً، فقال له يحيى: إنْ سألتُكَ ثَمَنَ شَكْرها وشَبْرِك، أنشأتَ تطلها وتضهلها"5.
__________
1 انظر طبقات فحول الشعراء رقم: 79، ص: 63.
2 في هذا الموضع كتب "كتاب البيان والتبيين"، مضبوطة في "ج" و "س" معًا. وهو خلاف مشهور، ومع ذلك سيأتي في النسختين أيضًا "البيان والتبيين"، كما سأشير إليه في التعليق.
3 في المطبوعة: "عن لسان .. ".
4 هو في البيان والتبيين: 1: 377، 378، وشرح الجاحظ ألفاظه فقال: "عراعر الأودية" أسافلها. و "عراعر الجبال" أعاليها. و "أهضام الغيطان"، مداخلها. و "الغيطان" جمع "غائط"، وهو الحائط ذو الشجر".
وقوله: "ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام"، أي ليس هو قائله، والمبتدئ به.
5 هو في كتاب البيان 1: 378، وفسره الجاحظ فقال: "قالوا: "الضهل"، التقليل و "الشكر"، الفرج، و "الشبر"، "النكاح. و "تطلها"، تذهب بحقها يقال: دم مطول. ويقال: "بئر ضهول"، أي قليلة الماء".
(1/398)

ثم قال: "وإن كانوا إنما قَدْ روَوْا هذا الكلامَ لكي يَدلَّ على فصاحةٍ وبلاغةٍ؛ فقد باعدَه اللهُ من صفةِ البلاغة والفصاحة"1.
أصل فساد مقالة المعتزلة في ظنهم أن أوصاف "اللفظ" أوصاف له في نفسه:
470 - واعلمْ أنك كلَّما نظرتَ وجدْتَ سببَ الفسادِ واحداً، وهو ظنُّهم الذي ظنُّوه في "اللفظِ"، وجعلهم الأوصاف التي تجري عليها كلَّها أوصافاً له في نفسِه، ومن حيثُ هو لفظٌ، وترْكُهم أن يُميِّزوا بينَ ما كان وصْفاً لهُ في نفسِه، وبيْنَ ما كانوا قد كسبوه إياه من أجْلِ أمرٍ عَرَضَ في معناه2. ولمَّا كان هذا دأْبَهم، ثم رأَوْا الناسَ وأظهرُ شيءٍ عندَهم في معنى "الفصاحةِ"، تقويمُ الإِعرابِ، والتحفظُ منَ اللَّحْن، لم يَشُكُّوا أنه ينبغي أن يُعتَدَّ به في جملةِ المزايا التي يفاضَلُ بها بينَ كلامٍ وكلامٍ في الفصاحةِ، وذهبَ عنهم أنْ ليس هُو من "الفصاحةِ" التي يَعْنينا أمرُها في شيء، وأنَّ كلاَمنا في فصاحةٍ تجبُ للَّفظِ لا من أجْلِ شيءٍ يدْخُلُ في النطقِ؛ ولكنْ من أجْل لطائفَ تُدْرَكُ بالفَهم، وإنَّا نعْتبرُ في شأنِنا هذا فضيلةً تَجبُ لأَحَدِ الكلامَيْنِ على الآخَر، مِن بَعْد أن يكونا قَد برِئا من اللَّحْن، وسَلِمَا في ألفاظِهما من الخَطَأ.
471 - ومن العَجَب أنَّا إذا نظَرْنا في الإعرابِ، وجَدْنَا التفاضُل فيه مُحالاً؛ لأنه لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ للرَّفْع والنصْبِ في كلامٍ، مزيةٌ عليهما في كلامٍ آخَر؛ وإنما الذي يُتَصَوَّرُ أنْ يكون ههنا: كلامانِ قد وقعَ في إعرابهما خللٌ، ثم كان أحَدُهما أكْثَر صواباً من الآخر، وكلامانِ قد استمرَّ أحدُهما على.
__________
1 هو في البيان 1: 378، وفي نسخ الدلائل زيادة "وبلاغة"، وقوله: "والفصاحة"، زيادة ألحقتها من البيان.
2 في المطبوعة وحدها: "أكسبوه إياه".
(1/399)

الصَّوابِ ولم يَسْتمرَّ الآخَرُ، ولا يكونُ هذا تفاضُلاً في الإِعراب، ولكن تركاً له في شيء، واستعمالًا في آخَرَ، فاعرفْ ذلك.
472 - وجملةُ الأمرِ أنك لا تَرى ظنَّاً هو أَنْأَى بصاحبِه عن أن يصِحَّ له كلامٌ، أو يستمِرَّ له نظامٌ، أو تَثْبُتَ له قدَمٌ، أو يَنْطِقَ منه إلاَّ بالمُحال فمٌ1، مِنْ ظَنِّهم هذا الذي حامَ بهم حَوْلَ "اللفظِ"، وجعلهم لا يعدونه، ولا يرون للمزية مكانًا دونه.
قوله: "إن الفصاحة تكون في المعنى" ورد شبهة المعتزلة وغيرهم في فهم ذلك
473 - واعلمْ أنه قد يَجْري في العبارة منَّا شيءٌ، هو يُعيدُ الشُّبهةَ جَذَعة عليهم، وهو أنَّه يقَعُ في كلامِنا أنَّ "الفصاحةَ" تكونُ في المعنى دون اللفظ، فإذا سَمِعوا ذلك قالوا: كيف يكونُ هذا، ونَحْنُ نَراها لا تَصْلُح صفةً إلاَّ لِلَّفظِ، ونراها لا تَدخلُ في صفةِ المعنى البتَّةَ، لأنَّا نرى الناسَ قاطبةً يقولون: "هذا لفظٌ فصيحٌ، وهذه ألفاظٌ فصيحةٌ"، ولا نَرى عاقِلاً يقولُ: "هذا معنى فصيحٌ، وهذهِ معانٍ فِصاحٌ". ولو كانتِ "الفصاحةُ" تكونُ في المعنى، لكانَ ينبغي أن يقال ذلك، كما أنا لمَّا كان الحُسْنُ يكونُ فيهِ قيل: "هذا معنى حَسَنٌ، وهذه معانٍ حَسَنَةٌ".
وهذا شيء يَأخُذُ من الغِرِّ مأخذاً: والجوابُ عنه أنْ يُقالَ: إنَّ غَرَضَنا مِن قولنا: "إنَّ الفصاحةَ تكونُ في المعنى"، أنَّ المزيَّةَ التي مِنْ أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه "فصيح"، هي في المعنى دون اللفظ، لأنه لو كانت بها المزية التي
__________
1 السياق "لا ترى ظنًا هو أنأى بصاحبه .... من ظنهم هذا ... ".
(1/400)

من أجلها يستحق اللفظ الوصف بأنه فصيح، تكونُ فيه دونَ معناهُ1، لكان ينبغي إِذا قلنا في اللفظةِ: "إِنها فصيحةٌ"، أن تكونَ تلك الفصاحة واجبة لها بكل حالي. ومعلومٌ أنَّ الأمْرَ بخلافِ ذلك، فإنَّا نَرى اللفظةَ تكونُ في غايةِ الفصاحةِ في موضعٍ، ونَراها بِعَيْنِها فيما لا يُحْصى من المواضِع وليس فيها مِن الفصاحةِ قليلٌ ولا كثيرٌ2. وإِنما كان كذلك، لأنَّ المزيَّةَ التي مِنْ أجْلها نَصِفُ اللفظَ في شأننا هذا بأنه فصيحٌ، مزيةٌ تحدث من عبد أنْ لا تكونَ، وتظهرُ في الكَلِم من بَعْدِ أنْ يَدخُلَها النظْمُ. وهذا شيءٌ إِن أنتَ طلَبْتَه فيها وقد جئْتَ بها أفراداً لم تَرُمْ فيها نَظْماً، ولم تُحْدِث لها تأليفاً، طلبْتَ مُحالاً. وإِذا كان كذلك، وَجَبَ أن يعلم قطعًا وضورة أنَّ تلك المزيةَ في المعنى دونَ اللفظِ.
474 - وعبارةٌ أُخرى في هذا بعينِه، وهي أن يُقال: قد علِمْنا عِلْماً لا تَعْترِضُ معَه شُبْهةٌ: أنَّ "الفصاحةَ" فيما نحنُ فيه، عبارةٌ عن مزيَّةٍ هي بالمتكلِّم دونَ واضِع اللغةِ. وغذا كان كذلك، فينبغي لنا أنْ ننظُرَ إِلى المتكلم، هل يستطيعُ أن يَزيد مِنْ عنْدِ نفْسِه في اللفظِ شيئاً ليس هو له في اللغة، حتى يَجعَلَ ذلك من صَنيعِه مزيةً يُعبَّر عنها بالفصاحة؟ وإِذا نظَرْنا وجَدْناه لا يستطيعُ أن يصْنَعَ باللفظِ شيئاً أصْلاً، ولا أن يحدث فيها وصفًا. كيف؟ وهو إن فعل.
__________
1 الذي كان في المطبوعة: " ... التي من أجلها استحق اللفظ بأنه فصيحٌ، عائدةٌ في الحقيقةِ إِلى معناه، ولو قيل إِنها تكونُ فيه دونَ معناهُ، لكان ينبغي". أسقط ما بين الكلامين كما ترى، والذي أثبتناه هو الصواب المحض، كما هو في "ج" و "س" وفي نسخة بغداد التي أشار إليها رشيد رضا، ونقل نصها مطابقًا لما في مخطوطتينا.
2 سها كاتب "ج" فأسقط بعض اللفظ فساق الكلام هكذا: "تكون في غاية الفصاحة قليل ولا كثير".
(1/401)

ذلك أفسَدَ على نفسِه، وأبطلَ أن يكونَ متكلِّماً، لأنه لا يكون متكلِّماً حتى يَسْتَعمِل أوضاعَ لغةٍ على ما وضعت عليه1.
وإذا ثبت في حالِه أنه لا يستطيعُ أن يَصْنع بالألفاظِ شيئاً ليس هو لها في اللغة، وكنَّا قد اجتمعْنا على أنَّ "الفصاحةَ" فيما نحن فيه، عبارةٌ عن مزيةٍ هي بالمتكلِّم البتَّةَ وجب أن تعلم قطعًا وضورة أنَّهم وإِن كانوا قد جَعَلوا "الفصاحةَ" في ظاهرِ الاستعمالِ مِنْ صفةِ اللفظِ، فإِنَهم لم يَجْعلوها وصْفاً له في نفسه، ومِن حيثُ هو صدى صوتٍ ونطقُ لسانٍ، ولكنهم جَعلُوها عبارة عن مزية أفادها المتكلم في المعنى، لأنه إذا كان اتفاقًا أنها عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ولم نره أفاد في اللفظِ شيئاً، لم يَبْقَ إِلا أنْ تكون عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ولم نره أفاد في اللفظِ شيئاً، لم يَبْقَ إِلا أنْ تكون عبارة عن مزية أفادها في المعن2.
"فصاحة اللفظ"، لا تكون مقطوعة بل موصولة بغيرها مما يليها:
475 - وجملةُ الأمْرِ أنَّا لا نُوجِبُ "الفصاحَة" لِلْفَظةٍ مقطوعةٍ مرفوعةٍ من الكلامِ الذي هي فيه، ولكنا نوجبها لفها موصولةً بغيرها، ومعلَّقاً معناها بمعنى ما يَليها. فإِذا قلنا في لفظةِ "اشتعل" مِنْ قولِه تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، إنها في أعلى رتبة من الفصاحة3، لم توجب تلك
__________
1 في المطبوعة: "على ما وضعت هي عليه"، زيادة بلا طائل.
2 في "ج"، أسقط الكاتب سهوًا ما ترى هنا فاختل المعنى. كتب: "ولكنهم جعلوها عبارة عن مزية أفادها في المعنى. وجملة الأمر" وأما في المطبوعة فقد أسقط أيضًا وكتب: "ولكنهم جَعلُوها عبارةً عن مزيةٍ أفادَها المتكلِّمُ، ولمَّا لم تَزِدْ إفادتُه في اللفظِ شيئاً لم يَبْقَ إِلا أنْ تَكونَ عبارة عن مزية في المعنى"، وهذا لا شيء.
3 في المطبوعة وحدها "أعلى المرتبة".
(1/402)

"الفصاحةَ" لها وحَدْها، ولكِنْ موصولاً بها "الرأسُ" معرَّفاً بالألف واللام، ومَقْروناً إليهما "الشيبُ" منكَّراً منصوباً.
476 - هذا، وإِنما يقعُ ذلك في الوَهْم لِمَنْ يَقَعُ له أعني أن يوجب الفصاحةُ للَّفظةِ وحدَها1 فيما كان "استعارةً"، فأمَّا ما خَلاَ منَ الاستعارةِ من الكلامِ الفصيح البليغِ، فلا يَعْرِض توهُّمُ ذلك فيه لعاقلٍ أصْلاً.
أفلا تَرَى أنه لا يقَعُ في نفسِ مَن يَعْقِلُ أدنى شيءٍ، إِذا هو نظَرَ إِلى قولهِ عزَّ وجلَّ: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4]، وإلى إِكبارِ الناس شأنَ هذه الآيةِ في الفصاحة، أن يضَعَ يدَهُ على كلمةٍ كلمةٍ منها فيقولَ: "إِنها فصيحة؟ " كيفَ؟ وسبَبُ الفصاحةِ فيها أمور لا شك عاقلٌ في أنها معنويَّةٌ:
أوَّلُها: أنْ كانت "على" فيها متعلقةً بمحذوفٍ في موضِع المفعولِ الثاني.
والثاني: أنْ كانت الجملةُ التي هي "هُم العدوُّ" بعْدَها عاريةً من حرفِ عطفٍ.
والثالث: التعريفُ في "العدوِّ" وأنْ لم يقل: "هُمْ عدوٌّ".
ولو أنك علَّقْتَ "على" بظاهرٍ، وأدخلْتَ على الجملة التي هيَ "هم العدوُّ" حرف عطف، وأسقطت "الألف والألام" من "العدو" فَقُلْتَ: "يحسَبُون كلَّ صيحةٍ واقعة عليهم، وهُمْ عدوٌّ"، لرأيتَ الفصاحةَ قد ذهبتْ
__________
1 السياق: "إنما يقعُ ذلك في الوَهْم لِمَنْ يَقَعُ له ... فيما كان استعارة".
(1/403)

عنها بأسْرها، ولو أنك أخْطَرْتَ ببالِكَ أنْ يكونَ "عليهم" متعلِّقاً بنَفْس "الصَّيحة"، ويكونَ حالُه معها كحالِه إِذا قلتَ: "صحْتُ عليه". لأخرجْتَه على أنْ يكونَ كلاماً، فضْلاً عن أن يكونَ فصيحًا. وهذا هو الفيصل لمن عقل.
القول في "مات حتف أنفه":
477 - ومِنَ العجيبِ في هذا، ما رُويَ عن أمير المؤمنين عليِّ رضوانُ اللهُ عليه أنه قال: "ما سَمِعتُ كلمةً عربيةً مِن العَربِ إلاَّ وسمعْتُها من رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وسمِعْتُه يقول: "مات حتْفَ أنفِهِ"، وما سمعتُها من عَربيٍّ قبله"1 لا شُبْهَةَ في أنَّ وصْفَ اللفظِ "بالعربيّ" في مثْلِ هذا يكون في
__________
1 هذا خبر مشهور نسبته إلى علي رضي الله عنه، ولكن لم أقف عليه منسوبًا إلى على في غير كتب الأدب، وإنما هو من حديث عبد الله بن عتيك رضي الله عنه، وهو في مسند أحمد: 4: 36 من زيادات ابنه عبد الله قال:
"حدثنا عبد الله، حدثي أبي، حدثنا يزيد بن هرون قال: أنبأنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن محمد بن عبد الله بن عتيك، أحد بني سلمة، عن أبيه عبد الله بن عتيك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من خرج من بيته مجاهدًا في سبيل الله عز وجل ثم قال بأصابعه هؤلاء، الثلاث، الوسطى والسبابة والإبهام، فجمعهن، وقال: وأين المجاهدون فخر عن دابته ومات، فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله عز وجل والله" إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم "فمات فقد وقع أجره على الله، ومن مات قعصًا فقد استوجب المآب".
وانظر أيضًا ترجمة "عبد الله بن عتيك" رضي الله عنه في أسد الغابة، وانظر أيضًا غريب، الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام 2: 67، 68.
(1/404)

معنى الوصْف بأنه فصيحٌ. وإِذا كانَ الأمرُ كذلك، فانظُرْ هل يَقَعُ في وهْم مُتوهِّم أنْ يكونَ رضيَ اللهُ عنه قد جعَلَها "عربيةً" مِنْ أجْل ألفاظِها؟ وإِذا نظرْتَ لم تشك في ذلك.
بيان آخر في "النظم" وتوخي معاني النحو:
478 - واعلمْ أنكَ تَجِدُ هؤلاءِ الذين يَشكُّون فيما قلناه، تجري على ألسنتهم ألفاظٌ وعباراتٌ لا يَصِحُّ لها معنى سِوى توخِّي معاني النحو وأحكامِه فيما بَيْن معاني الكَلِم، ثم تَراهُمْ لا يَعْلَمون ذلك.
فمِن ذلك ما يقولُه الناسُ قاطبةً من أنَّ العاقلَ يُرتِّبُ في نفسِه ما يُريد أن يَتكلَّم به. وغذا رجَعْنا إِلى أنفُسِنا لم نَجِدْ لذلك معنىً سوى أنه يَقْصِدُ إِلى قولِكَ "ضَرَبَ" فيجعلُه خبراً عن "زيدٍ"، ويجعلُ "الضرْبَ" الذي أخْبَرَ بوقوعِه منه واقعاً على "عمروٍ" ويجعلُ "يومَ الجمعةِ" زمانَه الذي وقَعَ فيه، ويجعَلُ "التأديبَ" غرَضَه الذي فعَل "الضَرْبَ" من أجْله، فيقولُ: "ضَرَبَ زيدٌ عَمراً يومَ الجمعةِ تأديباً له". وهذا كما تَرى هُو تَوخِّي معاني النحو فيما بين معاني هذه الكَلِم.
ولو أنك فرضْتَ أنْ لا تتوخَّى في "ضرَب" أن تَجْعَلَه خبراً عن "زيدٍ" وفي "عمرو" أن تجعله مفعولاً به الضرب، وفي "يومِ الجمعة" أن تَجْعله زماناً لهذا الضرْب، وفي "التأديبِ"، أنْ تَجعله غَرَض زيدٍ من فعلٍ الضرب ما تصوِّرَ في عقلٍ، ولا وَقَع في وَهْم، أن تكونَ مرتِّباً لهذه الكَلِم، وإذْ قد عرفْتَ ذلك، فهو العِبْرةُ في الكلام كلِّه، فمَنْ ظَنَّ ظناً يؤدِّي إِلى خِلافِه، ظَنَّ ما يخرُج به عن المعقول.
ومِنْ ذلك إثباتُهم التعلُّقَ والاتِّصالَ فيما بينَ الكلم وصواحِبها تارة،
(1/405)

ونفيهم لهما أُخْرى. ومعلومٌ علْمَ الضرورةِ أنْ لن يُتصوَّرَ أن يكونَ لِلَّفظِةِ تعلُّقٌ بلفظةٍ أُخرى من غير أن يعتبر حال معنى هذا مع معنى تِلكَ، ويُراعى هناك أمرٌ يصلُ إحداهما بالأُخرى، كمراعاةِ كون: "نَبْكِ"، جواباً للأمر في قوله: "قفانبك"، وكيف بالشك في ذلك؟ ولو كنت الألفاظُ يتَعلَّقُ بعضُها ببعضٍ من حيثُ هي ألفاظٌ، ومع اطِّراح النظرِ في معانيها، لأدَّى ذلك إلى أنْ يكونَ الناسُ حينَ ضَحِكوا مَّما يصنَعُه المجان من قراءة أنصافِ الكتب، ضَحِكوا عن جهالةٍ، وأن يكونَ أبو تمام قد أخطأ حين قال:
عَذَلاً شَبيهاً بالجنونِ كأَنَّما ... قرأتْ بِهِ الوَرْهاءُ شَطْرَ كتابِ1
لأنَّهم لم يَضْحكوا إلاَّ من عَدمِ التعلُّقِ، ولم يجعلْهُ أبو تمام جُنوناً إلاَّ لذلك. فانظرْ إِلى ما يلزَمُ هؤلاءِ القوم من طرائف الأمور.
__________
1 هو في ديوانه.
(1/406)

فصل في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني:
فصل:
دليل آخر على بطلان أن تكون "الفصاحة" صفحة للفظ من حيث هو لفظ:
479 - وهذا فنٌّ من الاستدْلال لطيفٌ على بُطْلانِ أن تكون "الفصاحةُ" صفةً لِلَّفْظِ من حيثُ هو لفظ.
لا تخلو "الفصاحةُ" من أن تكونَ صفة في اللفظ محسوسة تُدرك بالسَّمْع، أو تكونَ صفة فيه معقولةً تُعرف بالقلب. فمحال أن تكون صفةً في اللفظ محسوسة، لأنها لو كانت كذلك، لكان ينبغي أن يستويَ السامعون للَّفظ الفصيح في العلم بكونه فصيحًا. وإِذا وجبَ الحكمُ بكونِها صفةً معقولة، فإِنا لا نَعرِفُ لِلَّفْظِ صفةً يكونُ طريقُ معرفَتِها العقل دون الحس، إلا دلالته على معنى1 وإِذا كان كذلك، لَزِم منه العلمُ بأنَّ وصْفَنا اللفظَ بالفصاحةِ، وصفٌ له من جِهَة معناه، لا من جهةِ نفسه، وهذا ما لا يَبْقى لِعاقلٍ معه عُذْرٌ في الشَّكِّ، والله الموفق للصواب.
بيان آخر في بطلان أن تكون الفصاحة للفظ من حيث هو لفظ:
480 - وبيانٌ آخرُ، وهو أنَّ القارئ إِذا قرأ قولَه تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، فإِنه لا يَجِدُ الفصاحةَ التي يَجِدُها إلاَّ مِنْ بعدِ أن ينتهيَ الكلام إِلى آخرهِ. فلو كانت "الفصاحة" "صفة للفظ" "اشتعل"، لكطان ينبغي أن يحسبها القارئ فيه حالَ نطقه به. فمحالٌ أن تكونَ للشيء صفةٌ، ثم لا يصحُّ العلمُ بتلك الصفةِ إلا من بعد عذمه. ومَنْ ذا رأى صفةً يَعْرى موصوفُها عنها
__________
1 في المطبوعة: "على معناه".
(1/407)

في حالِ وجودهِ، حتى إِذا عُدِمَ صارت موجودةٌ فيه؟ وهل سَمِع السامعون، في قديم الدهر وحديثه، بصفةٍ شرطُ حصولِها لمَوْصوفِها أَنْ يُعْدَمَ الموصوفُ؟
فإنْ قالوا: إنَّ الفصاحةَ التي ادَّعيناها لِلَفْظِ "اشتعَل" تكونُ فيه في حالِ نُطْقنا به، إلاَّ أنَّا لا نَعْلم في تلك الحال أنَّها فيه، فإِذا بلَغْنا آخِرَ الكلام علِمْنا حينئذٍ أنها كانت فيه حين نُطْقِنا به.
قبل: هذا فنٌّ آخرُ من العَجَب، وهو أن تكون ههنا صفةٌ موجودةٌ في شيءٍ، ثمَّ لا يكونُ في الإمكانِ ولا يَسَعُ في الجوازِ، أنْ يعلم وجودَ تلكَ الصفةِ في ذلك الشيءِ إلاَّ من بعْدَ أن يُعْدَم، ويكونَ العلمُ بها وبكوْنِها فيه محجوبًا عنها حتى يُعْدَم، فإذا عُدِم عَلِمْنا حينئذٍ أنها كانتْ فيهِ حينَ كانَ.
481 - ثم إِنه لا شُبْهةَ في أنَّ هذه الفصاحةَ التي يَدَّعونها لِلَّفْظِ هي مُدَّعاةٌ لمجموعِ الكلمةِ دون آحادِ حروفِها، إذْ ليس يَبْلغُ بهم تهافُتُ الرأي إِلى أَن يَدَّعوا لِكلِّ واحدٍ من حروفِ "اشتعلَ" فَصَاحةً، فَيَجْعَلُوا "الشِّين" على حِدَتهِ فَصيحاً، وكذلك "التاء" و "العين" و "اللام". وإِذا كانتِ الفصاحةُ مدَّعاةً لِمَجموعِ الكلمةِ، لم يُتصوَّرْ حصولُها لها إلاَّ من بعْدِ أن تعدم كلها وينقضي أمر النطق بها. ذاك لأنه لا يُتصوَّر أن تدخُلَ الحروفُ بجملتها في النطقِ دفعةً واحدةً، حتى تُجعلَ "الفصاحةُ" موجودةً فيها في حالِ وجودها. وما بعْد هذا إلاَّ أن نسألَ اللهَ تَعالى العصمةَ والتوفيق، فقد بلغَ الأمرُ في الشناعةِ إِلى حد، إذ تنبه العاقلُ لَفَّ رأسَهُ حياءً من العقلِ1، حين يراه قد قال قولًا هذا مؤداه، وسك مسلكًا إلى هذا مفضاه.
__________
1 في المطبوعة: "انتبه"، وفي "س": "تبينه".
(1/408)

وما مَثَلُ مَنْ يَزعُمُ أنَّ "الفصاحةَ" صفةٌ للفظ من حيث هو لفظ ونطق ليسان، ثم يَزْعُم أنَّه يَدِّعيها لمجموعِ حُروفِه دونَ آحادِها، إلاَّ مثَلُ مَنْ يزعُمُ أنَّ ههنا غَزْلاً إذا نسيج منه ثوبٌ كان أحْمَر، وإِذا فُرِّقَ ونُظر إليه خَيْطاً خيطاً، لم تكنْ فيه حُمْرةٌ أصلًا!
482 - ومن طريق أمْرهِم، أنَّك تَرى كافَّتَهم لا يُنكِرون أنَّ اللفظ المستعار إذا كان فصيحًا، كان فصاحتُه تلك من أجْل استعارتهِ، ومن أجْل لطفٍ وغرابةٍ كانا فيها، وتَراهم مع ذلك لا يَشُكُّون في أن الاستعارةَ لا تُحْدِثُ في حروفِ اللفظِ صفةً ولا تُغيِّرُ أجْراسَها عمَّا تكونُ عليه إِذا لم يكن مستعاراً، وكان متروكاً على حقيقته، وأنَّ التأثيرَ من الاستعارةِ إنَّما يكونُ في المعنى. كيفَ؟ وهُمْ يعتَقِدونَ أنَّ اللفظَ إِذا استُعيرَ لِشيءٍ، نُقِلَ عن معناه الذي وُضع له بالكُلِّية. وإِذا كان الأمرُ كذلك، فلولا إهمالُهُمْ أنفُسَهم وتركُهُم النظر، لقد كان يكون فيه ذا ما يُوقِظُهم من غَفْلتِهم، ويَكْشِف الغِطاء عن أعينهم1.
__________
1 انظر أيضًا ما سيأتي في رقم: 550.
(1/409)

تحرير القول في الإعجاز والفصاحة والبلاغة:
فصل: بيان أن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم مجردة من معاني النحو
483 - ومما ينبغي أنْ يَعْلَمهُ الإِنسانُ ويجعلَه على ذكرٍ، أنه لا يُتصوَّرُ أنْ يتعلَّقَ الفكْرُ بمعاني الكَلِم أفراداً ومجرَّدةً من معاني النحو، فلا يقومُ في وهْمٍ ولا يصِحُّ في عقْلٍ، أنْ يتَفَكَّرَ مُتفكِّرٌ في معنى "فعلٍ" مِنْ غيرِ أن يُريدَ إعمالَه في "اسْمٍ"، ولا أن يتفكَّر في معنى "اسْم" من غَيْرِ أنْ يُريدَ إِعمال "فعلٍ" فيه، وجَعْلَه فاعلاً له أو مفَعولاً، أو يريدَ فيه حكْماً سوى ذلك من الأحكام1، مثْلَ أن يُريدَ جَعْلَه مبتدأً، أو خبراً، أو صفةً أو حالاً، أو ما شَاكَلَ ذلك.
وإنْ أردْتَ أن تَرى ذلك عِياناً فاعْمَدْ إِلى أيِّ كلامٍ شئْتَ، وأزِلْ أجزاءَهُ عن مواضِعها، وضْعاً يَمْتَنِعُ معه دخولُ شيءٍ من معاني النحو يها، فقل في:
قِفَا نَبْك مِنْ ذِكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ
"مِنْ نَبْك قِفَا حبيبٍ ذكرى منزِلِ"، ثم انظرْ هل يتعلَّقُ منكَ فكْرٌ بمعنى كلمة منها؟
484 - واعلم أني لست أقول إلى الفكْرَ لا يتعلَّق بمعاني الكَلِمِ المفردَةِ أصْلاً، ولكن أقولُ إِنه لا يتعلَّقُ بها مجرَّدَةً من معاني النحْو، ومنْطوقاً بها على وجهٍ لا يتأتَّى معه تقديرُ معاني النحو وتوخِّيها فيها، كالذي أريتك، وإلا فإنك
__________
1 في المطبوعة: "ويريد منه".
(1/410)

إِذا فكَّرْتَ في الفعلَيْنِ أو الاسْمَيْن، تُريد أن تخبر أحدهما عن الشيء أيُّهما أوْلى أن تُخْبَر به عنه وأشْبَهُ بغَرَضِك، مثلَ أن تَنْظُر: أيُّهما أمْدَحُ وأذمُّ، أو فكّرتَ في الشيئينِ تُريد أن تُشَبِّه الشيءَ بأحَدِهما أيُّهما أشْبَهُ به1 كنتَ قد فكَّرْت في معاني أَنفُسِ الكَلِم، إلاَّ أنَّ فكْرَكَ ذلك لم يكنْ إِلاّ مِن بَعْد أنْ توخَّيْتَ يها معنىً من معاني النحوِ، وهو إن أردْتَ جَعْلَ الاسمِ الذي فكَّرْتَ فيه خبراً عن شيءٍ أردتَ فيه مَدْحاً أو ذمّاً أو تشبيهاً، أو غيرَ ذلك منَ الأغراضِ2 ولم تَجىءْ إلى فعل أو اسم ففكرت ففيه فرْداً، ومِنْ غَيْر أنْ كان لكَ قَصْدٌ أن تجعله خيرًا أو غير خبر. فاعرف ذلك.
شرح مثال على مقالته الأنفة في بيت بشار، وأدلة ذلَك:
485 - وإنْ أردْتَ مثالاً فخُذْ بيتَ بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تَهاوى كَواكِبُهْ3
وانظُرْ هلْ يُتصوَّرُ أنْ يكونَ بشَّار قد أخْطَرَ معاني هذهِ الكَلمِ ببالِه أفرادا عاريةً من معاني النحوِ التشبيهِ منه على شيءٍ وأنْ يَكون فكَّرَ في "مثال النقعِ"، مِنْ غَيْر أنْ يكونَ أرادَ إضافةَ الأول إلى الثاني وفكر في "فوق رؤسنا"، مِن غَيْر أنْ يكونَ قد أرادَ أن يُضيفَ "فوقَ" إِلى "الرؤوس" وفي "الأسيافِ" من دونِ أنْ يكونَ أرادَ عطفَها بالواو على "مثار" وفي "الواو".
__________
1 السياق: "فإنك إذا فكرت في الفعلين .... كنتَ قد فكَّرْت في معاني أَنفُسِ الكَلِم".
2 السياق: "كنتَ قد فكَّرْت في معاني أَنفُسِ الكَلِم ... ولم تَجِئ إلى فعلٍ أو اسم ففَكَّرْتَ .. ".
3 سلف البيت برقم: 84، ص: 96.
(1/411)

من دونِ أن يكونَ أرادَ العطْفَ بها وأن يكون كذلك فكَّرَ في "اللَّيل"، مِنْ دونِ أن يكونَ أرادَ أنْ يَجعلَهُ خبراً "لكأن" وفي تَهاوى كَواكِبُه"، من دونِ أن يكون أرادَ أن يَجْعَلَ "تهاوى" فعلاً للكواكبِ1، ثم يَجْعَلَ الجملةَ صفةً لِلَّيلِ، لِيَتِمَّ الذي أراد من التشبيه؟ 2 أم لم يخطر هذه الأشياءُ ببالِه إلاَّ مُراداً فيها هذهِ الأحكام والمعاني التي نراها فيها؟
486 - وليت شِعْري، كيفَ يُتصوَّر وُقوعُ قصدٍ منكَ إِلى معنى كلمةٍ مِنْ دُونِ أن تريدَ تَعْليقها بمعنى كلمة أخرى؟ ومعْنى "القَصدِ إِلى معاني الكَلِم"، أنْ تُعْلِمَ السامِعَ بها شيئاً لا يَعْلَمُه. ومعلومٌ أنَّكَ، أيها المتكلمُ، لستَ تقصدُ أن تُعلمَ السامع الكَلِم المفردةِ التي تكلُمُه بها، فلا تقولُ: "خرجَ زيدٌ"، لِتُعْلِمَه معنى "خرَج" في اللغةَ، ومعنى "زيدٌ". كيفَ؟ ومُحالٌ أن تُكَلِّمَه بألفاظٍ لا يعرفُ هو معانيها كما تعرف. ولهذا لم يكنْ الفِعْلُ وحدَهُ مِن دون الاسم، ولا الاسمُ وحدَه من دون اسمٍ آخَرَ أو فعلٍ، كلاماً. وكنتَ لو قلتَ: "خرَج"، ولم تأتِ باسمٍ، ولا قدَّرْتَ فيه ضميرَ الشيء، أو قلْتَ: "زيد"، ولم تَأْتِ بفعلٍ ولا اسْمٍ آخَرَ ولم تُضْمِرْهُ في نفسك، كان ذلك وصوتًا تصوته سواء، فاعرفه.
"نظم الكلام"، وتوخي النحو يسبك الكلام سبكا واحدا:
487 - واعلمْ أنَّ مَثلَ واضِعِ الكلام مثَلُ مَنْ يأخذ قطعًا من الذهب
__________
1 أسقط كاتب "ج" كلامًا، فكتب: " ... فكَّرَ في اللَّيل مِنْ دونِ أن يكونَ أراد أن يجعل تهاوى فعلًا للكواكب".
2 السياق من أول الفقرة: " ... هلْ يُتصوَّرُ أنْ يكونَ بشَّار قد أخْطَرَ معاني فيه هذ الكلم بباله ... أم لم يخطر هذه الأشياء بباله".
(1/412)

أو الفضةِ فيُذيبُ بعضَها في بعضٍ حتى تَصير قطعةً واحدةً. وذلك أنك إِذا قلتَ: "ضربَ زيدٌ عمراً يومَ الجمعةِ ضَرْباً شديداً تأديباً له"، فإنكَ تَحصُل من مجموعِ هذهِ الكَلِم كلِّها على مفهومٍ، هو معنًى واحدٌ لا عدَّةُ معانٍ، كما يتوهَّمُه الناسُ. وذلَك لأنك لم تَأْتِ بهذه الكَلِمِ لِتُفيدَهُ أنْفُسَ معانيها، وإِنما جئتَ بها لتُفيدَه وجوهَ التعلُّق التي بينَ الفعلِ الذي هو "ضرَب"، وبينَ ما عُمِلَ فيه، والأحكامُ التي هي محصولُ التعلُق.
وإِذا كان الأمرُ كذلك، فيَنبغي لنا أن ننظرَ في المفعولية من "عَمروٍ"، وكونٍ "يوم الجمعة" زماناً للضرب، وكونِ "الضرْب" ضرْباً شديداً، وكونِ "التأديبِ" علَّةً للضرْب، أيتصوَّر يها أن تُفرَدَ عن المعنى الأول الذي هو أصلُ الفائدةٍ، وهو إسنادُ "ضرَب" إِلى "زيد"، وإثباتُ "الضرْب" به له، حتى يُعْقَل كونُ "عمرو" مفعولًا به، وكون "يوم الجمعة" مفعلولًا فيه، وكونُ "ضرْباً شديداً" مصدراً، وكونُ "التأديب مفعولاً له"1 من غيرِ أن يَخْطُرَ ببالِكَ كونُ "زيدٍ" فاعلاً للضَّرْبِ؟
وإِذا نَظَرْنا وجَدْنا ذلك لا يتصوَّر، لأن "عمراً" مفعولٌ لضرب وقعَ مِن "زيد" عليه، و "يومَ الجمعة" زمانٌ لضرْبٍ وقَع من زيد، و "ضرباً شديداً" بيانٌ لذلك الضرْبِ كيف هُو وما صفته، و "التأديب" علة له وبيانُ أنه كان الغرَضُ منه. وإِذا كان ذلك كذلك، بانَ منه وثَبَتَ، أنَّ المفهومَ من مجموع الكَلِم معنىً واحدٌ لا عِدَّةُ معانٍ، وهو إثباتُك زيداً فاعلاً ضَرْباً لعمروٍ في وقت
__________
1 السياق من وسط الفقرة: "أيُتصوَّر فيها أن تُفرَدَ عن المعنى الأول ... من غفير أن يخطر ببالك".
(1/413)

كذا، وعلَى صِفَةِ كذا، ولغرضِ كذا. ولهذا المعنى تقول إنه كلام واحد.
عود إلى بيان ما في بيت بشار وأنه سبيكة واحدة:
488 - وأإذا قد عرَفْتَ هذا، فهو العِبْرَةُ أبداً. فبيتُ بشار إِذا تأَملْتَه وجدْتَهُ كالحَلْقةِ المفْرَغَةِ التي لا تَقْبَلُ التقسيمَ، ورأيتَه قد صنعَ في الكَلِم التي فيه ما يَصْنَعُه الصانعُ حين يأخُذُ كِسَراً من الذَّهب فيُذِيبُها ثمَّ يَصبُّها في قالبٍ، ويُخرِجُها لكَ سِواراً أو خلْخالاً. وإنْ أنتَ حاوَلْتَ قَطْعَ بعضِ ألفاظِ البيتِ من بعضٍ، كنْتَ كمَنْ يَكْسِرُ الحَلْقة ويَفْصِمُ السِّوارَ1. وذلك أنه لم يُرِدْ أن يُشَبِّهَ "النقْعَ" بالليل على حدة، و "الأسياف" بالكَواكِب عَلى حدَة، ولكنهُ أرادَ أن يُشَبِّه النقْعَ والأسيافُ تَجُولُ فيه بالليل في حالِ ما تَنْكَدِرُ الكواكِبُ وتتهاوى فيه2. فالمفهومُ من الجميع مفهومٌ واحد، والبيتُ مِن أوله إِلى آخرِه كلامٌ واحدٌ.
فانظُرِ الآنَ ما تقولُ في اتحادِ هذه الكَلِم التي هي أجزاءُ البيتِ؟ أتقولُ: إنَّ ألفاظَها اتَّحدتْ فصارتْ لفظةً واحدةً؟ أمْ تقولُ: إنَّ معانيَها اتَّحَدتْ فصارتْ الألفاظُ مِن أجْل ذلك كأنَّها لفظةٌ واحدةٌ؟ فإِن كنت لا تشك أن الاتحاج الذي تراه هو في المعاني، وإذا كان مِن فسادِ العقلِ، ومِن الذَّهابِ في الخَبَل، أنْ يتوهَّمَ مُتَوهِّمٌ أنَّ الألفاظَ يَندمِجُ بعضها في بعض حتى تصير لظفة واحدة.
__________
1 "فصم السوار وغيره" أن يكسره أو يصدعه من غير أن يبين بعضه من بعض. وانظر بيد بشار فيما سلف رقم: 482.
2 "انكدرت النجوم"، انقضت وتناثرت.
(1/414)

فقد أراك ذلك، إِن لم تُكابِرْ عقْلَكَ، أَنَّ "النظْمَ" يكون في معاني الكَلِم دونَ ألفاظِها، وأنَّ نظْمَها هو تَوخِّي معاني النحوِ فيها. وذلك أنه إِذا ثَبَتَ الاتحادُ، وثَبَت أنَّهُ في المعاني، فَيَنْبغي أن تَنْظُرَ إِلى الذي به انحدت المعاني في بيتِ بشار. وإِذا نظَرْنا لم نجدْها اتَّحَدَتْ إلاَّ بأنْ جُعِلَ "مثارُ النقعِ" اسمَ "كأَنَّ"، وجُعلَ الظرفُ الذي هو "فوقَ رءوسنا" معمولًا "لمثار" ومعلقًا به، وأشرك "أالأسياف" في "كأنَّ" بعطفِه لها على "مثارِ"، ثم بأن قال: "ليلٌ تهاوى كواكِبُهْ"، فأتَى بالليلِ نكرة، وجعل جملة قوله: "تهاوى كواكبُه"، خبراً "لكان".
فانظرْ هلْ ترى شيئاً كان الاتحادُ به غيرَ ما عدَّدْناه؟ وهل تَعرِفُ له مُوجِباً سِواه؟ فلولا الإِخلادُ إِلى الهُوَيْنا، وتركُ النظرِ وغطاءٌ أُلقي على عيونِ أقوامٍ، لكانَ يَنبغي أنْ يكونَ في هذا وحدَهُ الكفايةَ وما فوق الكفايةِ. ونسألُ الله تعالى التوفيق.
آفة الذين لهجوا بأمر "اللفظ" من المعتزلة وبيان فساد أقوالهم:
489 - واعلمْ أنَّ الذي هو آفة هؤلاءِ الذين لَهَجُوا بالأباطيلِ في أمرِ "اللفظِ" أنَّهم قومٌ قد أسلموا أنفسهم إلى التخيل، وألقوا مفادتهم إلى الأوْهام، حتى عدلتْ بِهم عن الصوابِ كلَّ معدلٍ، ودخلَتْ بِهم مِنْ فُحْشِ الغلَطِ في كلِّ مدْخَلٍ، وتعسَّفَتْ بهم في كلِّ مَجْهلٍ، وجعلَتْهم يرتَكِبونَ في نُصْرةِ رأيِهم الفاسِد القولَ بكلِّ مُحال، ويقتحمون في كلِّ جَهالة، حتى إِنك لو قلتَ لهم: "إِنه لا يتأتَّى للناظم نَظْمُه إِلا بالفكر والروية، فإِذا جعلتم "النظْمَ" في الألفاظِ، لَزِمَكُمْ من ذلك أن تجعلوا فكْرَ الإِنسان إِذا هو فكَّر في نظم الكلام، فكْرا في الألفاظ التي تريد أنْ يَنطِقَ بها دُونَ المعاني1 لم يُبالوا أن
__________
1 السياق: "حتى إِنك لو قلتَ لهم: إِنه لا يتأتى للناظم ... لم يبالوا".
(1/415)

يَرتَكِبوا ذلك، وأن يتعلقوا فيه، بما في العادة ومَجْرى الجِبِلَّة منْ أنَّ الإِنسانَ يخيل إليه إذا هو فكر، أنه كأنه ينطِقُ في نفسه بالألفاظ التي يفكر في معانيها، حتى يرى أنه يسمعُها سماعَه لها حين يُخرِجُها مِنْ فيهِ، وحين يَجري بها اللسانُ.
وهذا تجاهلٌ، لأنَّ سبيلَ ذلك سبيلُ إنسانٍ يتخيَّل دائماً في الشيء قد رآه وشاهدَه أنه كأنَّه يرَاه وينظُرُ إليه، وأنَّ مِثالَهُ نُصْبُ عَيْنه، فكَما لا يوجِبُ هذا أنْ يكونَ رائياً له، وأنْ يكُون الشيءُ موجوداً في نفسه، كذلك لا يكون تخيله أنه كأنه ينطق بالألفاظ، موجبًا أن كون ناطقاً بها، وأنْ تكونَ موجودةً في نفسه، حتى يَجْعلَ ذلك سببًَا إِلى جعل الفِكْرِ فيها.
فكر الإنسان، هل هو فكر في الألفاظ وحدها؟ أم هو فكر في الألفاظ والمعاني معا؟:
490 - ثم إنا نَعْمل على أنه يَنْطِق بالألفاظِ في نفْسِه، وأنه يَجِدُها فيها على الحقيقة، فَمِنْ أينَ لنا أنه إذا فكَّر كان الفكر منه فيها؟ أماذا يَرومُ، ليتَ شِعْري، بذلك الفِكْرِ؟ ومعْلومٌ أنَّ الفِكْرَ من الإنسانِ يكونُ في أنْ يُخْبِرَ عن شيءٍ بشيءٍ، أو يَصِفَ شيئاً بشيءٍ، أو يُضيف شيئاً إلى شيءٍ، أو يُشْرِكَ شيئاً في حكْم شيءٍ، أو يُخْرِجَ شيئاً من حكْمٍ قد سبَق منه لشيء، أو يَجْعلَ وجُودَ شيءٍ شرطاً في وجودِ شيء، وعَلَى هذا السبيلُ؟ وهذا كلُّه فِكْرٌ في امور معقولةٍ زائدة على اللفظ1.
491 - وإِذا كان هذا كذلك، لم يحل هذا الذي يجعل في الألفاظ فكر مِنْ أحَدِ أمرَيْن: إمَّا أن يُخرجَ هذهِ المعانيَ مِنْ أنْ يكونَ لواضعِ الكلامِ فيها فكْرٌ ويجعلَ الفِكْرَ كلَّه في الألفاظِ وإمَّا أن يجعل فكْرا في اللفظِ مفرداً عن الفكرْة في هذه المعاني. فإنْ ذَهب إِلى الأوَّل لم يكلم، وإن ذهب إلى الثاني لزمه
__________
1 في المطبوعة: "أمور معلومة معقولة"، زاد ما لا خير فيه.
(1/416)

أن يُجوِّزَ وقوعَ فكْرٍ من الأعجميِّ الذي لا يعرِفُ معانيَ ألفاظِ العربية أصْلاً1، في الألفاظِ. وذلك مما لا يَخْفى مكانُ الشنعةِ والفضيحة فيه.
كشف وهم في مسألة ترتب الألفاظ في النفس، والسمع:
492 - وشبيهٌ بهذا التوهُّم منهم، إنك قد تَرى أحدَهم يَعْتَبِر حالَ السامع، فإِذا رأى المعانيَ لا تترتب في نسه إلاَّ بترتُّب الألفاظِ في سمعه، ظنَّ عندَ ذلك أن المعاني تبع للألفاظ، وأن الترتيب يها مكتَسبٌ مِن الألفاظِ، ومن ترتُّبها في نُطْق المتكلِّم.
وهذا ظنٌّ فاسدٌ ممَّنْ يظنُّه، فإنَّ الاعتبارَ يَنبغي أن يكونَ بحالِ الواضعِ للكلامِ والمؤلِّف له، والواجِبُ أن يُنظرَ إِلى حالِ المعاني معه لا مَعَ السامِع، وإِذا نظَرْنا عَلمْنا ضرورةَ أنه محالٌ أنْ يكونَ الترتُّبُ فيها تِبعاً لترتُّب الألفاظِ ومكُتَسباً عنه، لأنَّ ذلك يقتضي أنْ تكونَ الألفاظُ سابقةً للمعاني، وأن تَقَع في نفْسِ الإِنسان أولاً، ثمَّ تقعُ المعاني مِنْ بَعْدها وتاليةً لها، بالعكْسِ ممَّا يَعْلَمُه كلُّ عاقلٍ إِذا هو لم يُؤخذ عن نَفْسه، ولم يُضْرَبْ حِجابٌ بينه وبينَ عَقْلِه. وليتَ شعري، هل كانتِ الألفاظُ إلاَّ مِن أجْل المعاني؟ وهل هي إلاَّ خَدمٌ لها، ومُصرَّفَةٌ على حكمها؟ أوَ ليستْ هي سمات لها، وأوضاعًا قد وضعت لتذل عليها؟ فكيفَ يُتصوَّرُ أن تَسْبِقَ المعانيَ وأن تتقَدَّمَها في تَصَوُّرِ النفسِ؟ إنْ جازَ ذلك، جازَ أن تكون أسامي الأشياءِ قد وُضِعَتْ قبْل أن عرفتْ الأشياء، وقيلَ أنْ كانتْ. وما أدري ما أقولُ في شيءٍ يجرُّ الذاهبينَ إليه إِلى أشباهِ هذا من فنونِ المحال، وردئ الأقوال2.
__________
1 السياق: "أن يجوز وقوع فكر من الأعجمي ... في الألفاظ".
2 في المطبوعة: "وروئ الأحوال" وهو لا شيء.
(1/417)

493 - وهذا سؤالٌ لهم من جِنْسٍ آخرَ في "النظم". قالوا: لو كان "النظم" يكون معاني النحو، لكانَ البدويُّ الذي لم يسمعْ بالنحوِ قطُّ، ولم يَعرفِ المبتدأَ والخبرَ وشيئاً مما يذكُرونه، لا يتأتَّى له نظْمُ كلامٍ. وإنَّا لَنرَاه يأتي في كلامِهِ بِنَظْمٍ لا يحسنه المتقدم في علم النحو.
رد شبهة للمعتزلة في "النظم"، وأن البدوي، لم يسمع بالنحو قط، والصحابة لا يعرفون ألفاظ المتكلمين:
قيلَ: هذه شبهةٌ من جنس ما عرَضَ للذين عابوا المتكلمين فقالوا: "إِنَّا نعلم أن الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهم والعلماءَ في الصدْرِ الأول، لم يكونوا يعرفون "الجوهر" و "العرض" و "صفة النفس" و "صفة المعنى" وسائرَ العباراتِ التي وضعْتُموها، فإنْ كان لا تَتِمُّ الدلالةُ على حدوثِ العالَم والعِلْمِ بوحدانية الله1، إلا بمعرفة هذه اأشياء التي ابتدأتُموها، فينَبغي لكم أنْ تدَّعوا أَنكم قد علِمتُم في ذلك ما لم يعْلَموه، وأنَّ منزلَتَكم في العِلْم أعلى من منازِلِهم".
وجوابُنا هو مثْلُ جوابِ المتكلِّمينَ، وهو أَنّ الاعتبارَ بمعرفةِ مدْلولِ العباراتِ، لا بمعرفة العباراتِ، فإِذا عرَفَ البدويُّ الفرْقَ بين أنْ يقولَ: "جاءني زيدٌ راكباً"، وبين قولهِ: "جاءني زيدٌ الراكبُ"، لم يَضُرَّهُ أنْ لا يعرفَ أَنه إِذا قال: "راكباً"، كانتْ عبارةُ النحويينَ فيهِ أن يقولوا في "راكب": "إنَّه حالٌ"، وإِذا قال: "الراكبُ"، إِنه صفةٌ جاريةٌ على "زيد" وإِذا عرَف في قوله: "زيدٌ منطلقٌ" أَنَّ "زيداً" مُخْبَرٌ عنه، و "منطلق" خَبرٌ، لم يضره أن لا يعلم أن نسمى "مجدًا" مبتدأ وغذاعرف في قولِنا: "ضربْتُه تأديباً له"، أنَّ المعنى فيالتأديب أنه غرضه من الضرب، وأنه ضرْبَه ليتأدَّبَ، لم يضرَّه أنْ لا يَعْلَم أن نسمى "التأديب" مفعولًا له.
__________
1 في "س" و "ج": "حدث العالم"، مضبطوطة في المخطوطتين، وهو مصدر غريب، والله أعلم.
(1/418)

ولو كان عدمه العلم بهذه العبارات1، بمنعه العلمَ بما وضعْناها له وأردناه بها لكانَ ينبغي أن لا تكون له سبيلٌ إلى بيانِ أَغراضِه، وأنْ لا يَفْصِلَ فيما يَتكلَّم به بين نفي وإثباتٍ، وبين "ما" إِذا كان استفهاماً، وبينَه إِذا كان بِمعنى "الذي"، وإِذا كان بمعنى المجازاة، لأنه لم يسمع عبارتنا في الفرْقِ بين هذه المعاني.
أَترى الأعرابيَّ حين سمِعَ المؤذِّن يقولُ: "أَشْهدُ أنَّ محمداً رسول الله" بالنصب، فاأنكر وقال: صنَعَ ماذا؟ أَنْكَر عن غَيْر علمٍ أن النصب يخرجه عن أن يكون خيرًا ويجعلُه والأوَّلَ في حكْم اسمٍ واحد، وأنه إِذا صارَ والأوَّلَ في حكْم اسمٍ واحدٍ، احتيجَ إِلى اسْمٍ آخر أو فعْلٍ، حتى يكونَ كلاماً، وحتى يكون قد ذَكَرَ ما لهُ فائدةٌ؟ إنْ كان لم يَعلَمْ ذلك، فلماذا قال: "صَنَع ماذا؟ "، فطلب ما يجعلُه خيرًا؟
بيان في رد شبهة المعتزلة:
494 - ويكفيك أنه يلزم على ما قالوه أنت يكونَ امرؤ القيس حينَ قال:
قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ وَمنزلٍ
قاله وهو لا يَعْلم ما نعنيه بقولِنا: إنَّ "قفا" أمُرٌ، و "نَبكِ" جوابُ الأَمر، و "ذكرى" مضافٌ إلى "حبيب"، و "منزل" معطوفٌ على الحبيب وأنْ تكونَ هذه الألفاظُ قد ترتبت له من غيرِ قَصْدٍ منه إِلى هذه المعاني2. وذلكَ يُوجِبُ أن يكونَ قال: "نبْكِ" بالجزم من غيرِ أن يكونَ عرَفَ معنىً يوجب الجزم وأني به مؤخراً عن "قفا"، من غير أن عرف لتأخيره موجبًا سوى طلب الوزن.
__________
1 في المطبوعة، وفي نسخة عند "س": عدم العلم".
2 في المطبوعة وحدها: "قد رتبت له".
(1/419)

ومَنْ أفْضَتْ به الحالُ إِلى أمثالِ هذه الشناعاتِ، ثم لم يَرْتدِعْ، ولم يتبيَّنْ أنه على خَطأٍ، فليس إِلاّ ترْكُهُ والإعراضُ عنه.
495 - ولولا أنا نحنب أن ينبس أحد في معنى السؤال والاعتراض بحروف إلاَّ أَريناه الذي استَهْواه، لكان تَرْكُ التشاغلُ بإيرادِ هذا وشبَههِ أَوْلى.
ذاك لأنَّا قد علِمْنا علْمَ ضرورةٍ أنَّا لو بَقينا الدهرَ الأطول تصعد ونُصوِّبُ1، ونبحثُ وننقّب، نبْتغي كلمةً قد اتصلتْ بصاحبةٍ لها، ولفظةٍ قد انتظمت مع أختها، من غير أن توخي فيما بينهما معنىً من معاني النحو2، طَلبْنا ممتنعًا، وثنينا مطايا الفكر ظلمًا. فإن كان ههنا مَنْ يَشُكُّ في ذلك، ويزعُم أنه قد علِمَ لاتصالِ الكَلِم بعضِها ببعض، وانتظامِ الألفاظِ بعضِها مع بعضٍ، معانيَ غيرَ معاني النحو، فإنا نقول له: هاتِ، فبَيِّنْ لنا تلكَ المعاني، وأَرِنا مكانَها، واهْدِنا لَها، فلعلَّكَ قد أُوتيتَ عِلْماً قد حُجِبَ عنَّا، وفُتِحَ لك بابٌ قد أُغلقَ دوننا:
وذاكَ لَهُ إِذا العنقاءُ صارتْ ... مُرَبَّبَةً وَشَبَّ ابن الخصى3
__________
1 "الدهر" في المطبوعة و "س"، اما "ج" فكتب كلمة لم أحسن قراءتها.
2 في المطبوعة وحدها: "نتوخى".
3 الشعر لأبي تمام في ديوانه "العنقاء" طائر ضخم لا يكاد يرى إلا في الدهور، هكذا زعموا. ويعني بقوله: "مريبة"، أن يربيها الناس كما يربي الحمام، وهذا محال. وكذلك الحصى لا ولد له، فأتى يكون له ولد يشب!
(1/420)

فصل آخر في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني:
فصل: آفة وشبهة في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين أحدها فصيح، والآخر غير فصيح
496 - قد أردتُ أنْ أُعيدَ القولَ في شيءٍ هو أصل الفساد ومعظم الآفة، والذيصار حجازاً بين القوم وبَيْنَ التأمُّل، وأخذَ بهم عن طريق النظرِ، وحالَ بينهُم وبينَ أنْ يُصْغُوا إِلى ما يقاَلُ لهم، وأنْ يفتحوا للذي تُبيَّنُ أعينُهم، وذلك قولهُم: "إنَّ العقلاءَ قدِ اتَّفقوا على أنَّه يصِحُّ أنْ يُعبَّر عن المعنى الواحدِ بلفظَينْ، ثم يكونُ أحدُهما فصيحاً، والآخرُ غيرَ فصيحٍ. وذلك، قالوا، يقتضي أن يكونَ لِلَّفظِ نصيبٌ في المزيَّة، لأنها لو كانت مقصورةً على المعنى، لَكان مُحالاً أَنْ يُجعَلَ لأحدِ اللفظَيْنِ فضْلٌ على الآخَر، مع أَنَّ المعبَّرَ عنه واحد".
وهذا شيءٌ تراهُم يُعْجَبون به ويكثروت تردداه، مع أَنهم يؤكَّدونه فيقولون: "لولا أَنَّ الأمرَ كذلك، لكانَ يَنْبغي أنْ لا يكونَ للبيتِ من الشِّعْر فَضْلٌ على تفسيرِ المفسِّر له، لأنه إِن كان اللفظُ إنما يَشْرُفُ مِن أجل منعناه، فإنَّ لفظَ المفسِّر يأتي على المعنى ويؤديه لا محالة، إِذ لو كان لا يؤدِّيه، لكان لا يكونُ تفسيراً له".
ثم يقولون: "وإِذا لزِمَ ذلكَ في تفسيرِ البيتِ من الشِّعْر، لَزمَ مثْلُه في الآيةِ مِنَ القرآنِ" وهُم إِذا انتَهَوْا في الحِجَاج إِلى هذا الموضِع، ظَنُّوا أنهم قد أَتَوْا بما لا يجوزُ أن يُسْمَعَ عليهم معه كلامٌ1، وأنَه نقض ليس بعده إبراهيم، وربما
__________
1 "معه" ليست في "ج"، وفي هامش "س" كتب: "معه"، وكتب فوقها: "لعله"، يريد أن يقول: إن العبارة أجود استقامة إذا زاد "معه"، فكتبها رشيد رضا: "أن يسمع معه لعلة كلام"، فأتى بشيء غريب طريف جدًا.
(1/421)

أَخْرجَهُمُ الإعجابُ به إِلى الضَّحكِ والتعجُّبِ ممَّنْ يرى أن إلى الكلام عليه سبيلًا، وأنه يَسْتطيعَ أنْ يُقيمَ على بُطْلانِ ما قالوه دليلاً.
497 - والجوابُ، وبالله التوفيق، أنْ يُقالَ للمحتجِّ بذلك: قولُك إِنه يَصِحُّ أنْ يُعبَّر عن المعنى الواحدِ بلفظَيْن، يَحْتمِلُ أمرَيْن:
أحدهما: أَن تُريدَ باللفظَيْن كَلِمتَيْنِ مَعْناهُما واحِدٌ في اللغة، مثل "الليث" و "الأسد"، ومثل "شحط" و "بعد"، وأشباهٍ ذلك ممَّا وُضِع اللفظان فيه لِمعْنى.
والثاني: أن تُريد كلامَيْن.
فإنْ أردْتَ الأَوَّلَ خرجْتَ من المسأَلة، لأنَّ كلامَنا نحْنُ في فصاحةٍ تَحْدُثُ مِن بَعْد التأليفِ، دونَ الفصاحة التي تُوصَفُ بها اللفظةُ مفردةً، ومن غير أن يُعْتَبر حالُها مع غيرها.
وإنْ أردْتَ الثاني، ولابد لك مِنْ أَنْ تُريده، فإنَّ ههنا أصْلاً، مَنْ عَرَفَهُ عَرَف سقوطَ هذا الاعتراض. وهو أنْ يَعْلَم أنَّ سبيلَ المعاني سَبيلُ أَشكالِ الحُليِّ، كالخاتَم والشَّنْفِ والسِّوار، فكما أَنَّ مِنْ شأْنِ هذه الأشكالِ أن يكونَ الواحدُ منها غُفْلاً ساذجاً، لم يعمل صانعُه فيه شيئًا أكثر من أن أتى بما يَقْعُ عليه اسْمُ الخاتَمِ إِن كان خاتماً1، والشَّنْفِ إِن كان شَنْفاً، وأن يكونَ مصنوعاً بديعاً قد أَغْرَب صانعُه فيه. كذلك سبيلُ المعاني، أن تَرى الواحدَ منها غُفْلاً ساذجاً عامياً موجوداً في كلام الناس كُلِّهمِ، ثم تَراه نفْسَه وقد عَمَد إِليه البَصيرُ بشأنِ البلاغةِ وإِحداثِ الصُّوَرِ في المعاني، فيَصْنَعُ فيه ما يصنع الصنع الحاذق،
__________
1 في المطبوعة وحدها: "أن يأتي بما يقع ... ".
(1/422)

حتى يُغْرِبَ في الصنعةِ، ويُدِقَّ في العمل، ويُبْدِعَ في الصياغَة. وشواهدُ ذلك حاضِرةٌ لك كيف شئت، وأمثلته نصب عينك من أينَ نظَرْتَ.
تنظرُ إِلى قول الناس: "الطبع لا يتغير"، و "لست تَسْتطيعُ أَنّ تُخْرِجَ الإنسانَ عمَّا جُبِلَ عليه"، فترَى معنى غُفَلاً عامياً معروفاً في كل جيلٍ وأمه، ثم تنظرُ إِليه في قولِ المتنبي:
يُرادُ مِنَ القلبِ نِسْيانُكُمْ ... وتَأْبى الطباعُ عَلَى الناقِلِ1
فتَجدُه قد خَرجَ في أحْسَنِ صورة، وترَاه قد تَحوَّلَ جوهرةً بعد أنْ كانَ خَرْزةً، وصارَ أعجبَ شيءٍ بعد أنْ لم يكن شيئًا.
رد شبهة المعتزلة هذه وفساد قولهم، وهو فصل جيد:
498 - وإذْ قد عرَفْتَ ذلك، فإِن العقلاءَ إِلى هذا قصَدُوا حين قالوا: "إِنه يَصِحُّ أنْ يُعبَّر عن المعنى الواحدِ بلفظَينْ، ثم يكونُ أحدُهُما فصيحاً والآخرُ غيرَ فَصيح"، كأنَّهم قالوا: إنه يصح أن تكون ههنا عبارتان أَصْلُ المعنى فيهما واحدٌ، ثم يكونُ إحداهما في تحسين ذلك المعنى وتزينه، وإِحداثِ خصوصيةٍ فيه تأثيرٌ لا يكونُ للأُِخْرى.
499 - واعلمْ أَن المخالِفَ لا يَخْلو مِنْ أنْ ينكر أن يكون للمعنى إحدى العبارتَيْن حسْنٌ ومزيةٌ لا يكونان له في الأخرى، وأنْ تَحْدُثَ فيه على الجملةِ صورةٌ لم تكُن2 أو يُعْرف ذلك.
فإنْ أَنكرَ لم يُكلم، لأنه يؤديه إِلى أن لا يجعلَ لِلمعنى في قوله:
__________
1 هو في ديوانه.
2 السياق: " .... أَن المخالِفَ لا يَخْلو مِنْ أنْ يُنْكِر .... أو يعرف".
(1/423)

وتأتي الطباعُ على النَّاقلِ
مزيةٌ على الذي يُعقَل من قولهم: "الطبع لا يتغير"، و "لا يَستطيعُ أنْ يُخرجَ الإنسانَ عما جُبِل عليه" وأن لا يرى لقول أبي نواس:
وليس الله بِمُسْتَنْكَرٍ ... أنْ يَجْمَع العالَمَ في واحدِ1
مزيةٌ على أنْ يُقال: "غيرُ بديع في قدرةِ اللهِ تَعالى أن يَجْمعَ فضائِلَ الخَلْقِ كلَّهم في رجُلٍ واحدٍ" ومَن أَدَّاهُ قولٌ يقوله إِلى مثل هذا، كان الكلامُ معه مُحالاً، وكنتَ إِذا كلَّفْتَه أَنْ يعرفَ، كَمَنْ يكلَّفُ أن يميز بحوز الشعرِ بعضِها من بعضٍ، فيَعْرفَ المديدَ من الطويلِ، والبسيطَ من السريع2 مَنْ ليس له ذوقٌ يُقيمُ به الشِّعْرَ مِن أَصْلِه.
وإِنْ اعترفَ بأَنَّ ذلك يكون، قلنا له: أَخْبِرْنا عنكَ، أَتقولُ في قوله:
وتَأْبى الطباعُ على الناقلِ
إنَّهُ غايةٌ في الفصاحة؟ فإِذا قالَ: نعم. قيلَ له: أفكانَ كذلك عندكَ من أجْلِ حروفِه، أمْ من أجْلِ حُسْنٍ ومزيةٍ حَصَلا في المعنى؟ فإِن قال: مِنْ أَجْل حُروفه: دخلَ في الهذيان وإِنْ قال: من أجل حُسْنٍ ومزيّةٍ حصَلا في المعنى، قيل له: فذاكَ ما أَردْناكَ عليه حين قلْنا: إِن اللفظَ يكونُ فَصيحاً من أجْل مزيةٍ تقعُ في معناه، لا مِنْ أجْل جَرْسِه وصداه.
"التشبيه"، يكشف شبهة المعتزلة:
500 - واعلمْ أنه ليس شيءٌ أبْيَن وأوْضَحَ وأَحْرى أن يكشف الشبهة
__________
1 هو في ديوانه، وكتبه في المطبوعة هنا وفيما بعد: "ليس على الله بمستنكر".
2 السياق: "كمن يكلف. من ليس له ذوق ... ".
(1/424)

عن متأمِّلهِ في صحَّةِ ما قلناه1، مِن "التشبيهِ". فإنكَ تقولُ: "زيدٌ كالأسَدِ" أو "مثلَ الأسدِ" أَوْ "شبيهٌ بالأسدِ"، فتجدُ ذلكَ كلَّه تشبيهاً غُفْلاً ساذَجاً ثم تقولُ: "كأنَّ زيداً الأَسَدُ"، فيكونُ تشبيهاً أيضاً، إلاَّ أَنك تَرى بَيْنَه وبينَ الأولِ بَوْناً بعيداً، لأنك تَرى له صورةً خاصةً، وتَجِدُكَ قد فخَّمْتَ المعنى وزدْتَ فيه، بإنْ أفدْتَ أَنه مِن الشجاعةِ وشدةِ البطْشِ، وأَنَّ قلْبَه قلبٌ لا يُخامِرُه الذعْرُ ولا يَدخلُه الروْعُ، بحيثُ يتوهَّم أَنه الأَسَدُ بعينه ثم تقول: "لَئنْ لقِيتَهُ لَيَلْقَينَّكَ منه الأَسَدُ"، فتَجدُه قد أفادَ هذه المبالغةَ، لكنْ في صورةٍ أحْسَنَ، وصِفَةٍ أخَصَّ، وذلك أَنك تَجْعَلهُ في "كأن"، يتوهَّم أَنه الأسَدُ، وتَجعلُه ههنا يُرى منه الأسدُ على القطع، فيَخرُجُ الأَمرُ عن حدِّ التوهُّم إِلى حدِ اليقينِ ثم إِن نظرت إلى قوله:
أَإِن أُرعِشَتْ كفَّا أبيكَ وأصْبَحَتْ ... يداكَ يدَيْ لَيْثٍ فإنَّكَ غالِبُهْ2
وجدَتهُ قد بَدا لكَ في صورةٍ أنقَ وأحْسَنَ ثم إِن نظرْتَ إلى قول أرطاة ابن سهية:
إن تلقني لا ترى غير بِنَاظرةٍ ... تنسَ السِّلاحَ وتعْرِفْ جبهةَ الأَسدِ3
وجدْتَه قد فضَلَ الجميعَ، ورأيتَه قد أُخْرِجَ في صورة غير تلك الصور كلها.
__________
1 السياق: "ليس شيء أبين وأوضح ... من التشبيه ... ".
2 الشعر للفرزدق في ديوانه، وفي الأغاني 21: 327، "الهيئة"، وروايته: "فإنك جاذبه".
3 مطلع شعر له في الأغاني، وقد مضى رقم: 235.
(1/425)

شبهة المعتزلة في قولهم "اللفظ" واستدلالهم بأن تفسير الشعر يجب أن يكون كالمفسر. ورد الشبهة:
501 - واعلمْ أَنَّ من الباطلِ والمُحالِ ما يَعْلمُ الإنسانُ بُطلانَه واستحالتَه بالرجوعِ إِلى النفْس حتى لا يَشُكّ. ثم إِنه إِذا أرادَ بيانَ ما يجِدُ في نفْسِه والدلالةِ عليه، رأَى المَسْلكَ إِليه يَغْمُضُ ويَدِقُّ. وهذه الشبهةُ أعني قولَهم: "إِنه لو كان يجُوزُ أنْ يكونَ الأمرُ على خلافِ ما قالوه مِن أَنَّ الفصاحةَ وصْفٌ لِلَّفظِ مِنْ حيثُ هو لفظٌ، لكانَ يَنْبغي أنْ لا يكونَ للبيتِ من الشعرِ فضْلٌ على تَفسير المفسِّر"1، إِلى آخره2 من ذاك. وقد علقتْ لذلك بالنفوس وقَويتْ فيها، حتى إنَّكَ لا تلقى إِلى أَحدٍ من المتعلِّقين بأمرِ "اللفظ" كلمةً مما نحنُ فيه، إلاَّ كان هذا أوَّلَ كلامهِ، وإِلاَّ عَجِبَ وقال: "إِنَّ التفسيرَ بيانٌ للمفسَّر، فلا يجوز أنْ يبَقى مِنْ معنى المفسَّر شيءٌ لا يؤدِّيه التفسيرُ، ولا يأتي عليه، لأنَّ في تجويزِ ذلك القولِ بالمُحالِ، وهو أن لا يزالَ يَبْقى مِن معنى المفسَّرِ شيءٌ لا يَكونُ إِلى العلم به سبيلٌ. وإِذا كان الأمرُ كذلك. ثبَتَ أنَّ الصحيحَ ما قلْناه، من أنه لا يجوزُ أن يكونَ لِلَّفظِ المفسَّر فضْلٌ من حيثُ المعنى على لفظِ التفسير. وإذا لم يجز أن يكونه الفضلُ من حيثُ المعنى، لم يَبْقَ إلاَّ أنْ يكونَ من حيثُ اللفَظُ نفسُه".
فهذا جملةُ ما يمكِنهُم أنْ يقولوه في نُصْرة هذه الشبهةِ، قد استقصيْتُه لكَ. وإِذ قد عرفْتَه فاسمَعِ الجوابَ. وإِلى اللهِ تعالى الرغبةُ في التوفيق للصواب.
502 - إعلمْ أنَّ قولَهم: "إنَّ التفسيرَ يجبُ أنْ يكونَ كالمفسَّر"، دعوى لا تَصِحُّ لَهم إلاَّ مِن بعْدِ أنْ يُنْكِروا الذي بيَّناه، مِنْ أنَّ مِن شأْن المعاني أن تختلف.
__________
1 انظر قولهم فيما سلف: رقم: 496.
2 السياق: وهذه الشبهة ... من ذاك".
(1/426)

بها الصور، ويدفعوه أصلًا، وحتى يدعوا أنه لا فرق بين "الكناية" و "التصريح"، وأنَّ حالَ المعنى مع "الاستعارةِ" كحالهِ مع تَرْك الاستعارة، وحتى يُبْطلوا ما أَطْبَقَ عليه العقلاءُ مِن أنَّ "المجازَ" يكونُ أبداً أبلغَ من الحقيقة، فَيْزعموا أنَّ قولنا: "طويل النجاد" و "طويل القامةِ" واحدٌ، وأنَّ حال المعنى في بيت ابن هرمة.
وَلا أبتاعُ إلا قريبةَ الأجَلِ1
كحالهِ في قولك: أنا مضيافٌ وأَنَّك إِذا قلتَ: "رأيتُ أسداً"، لم يكنِ الأمرُ أقوى من أَنْ تقولَ: "رأيتُ رجلاً هو مِنَ الشجاعةِ بحيثُ لا ينقصُ عن الأَسد"، ولم تكنْ قد زدتَ في المعنى بأنِ ادَّعيتَ له أنَّه أسَدٌ بالحقيقة ولا بالغْت فيه2 وحتَّى يَزْعمُوا أنه لا فضلَ ولا مزيةَ لقولهم: "أَلقيتُ حَبْلَه على غارِبِه"، على قولك في تفسيره: "خلَّيتُهُ وما يريدُ، وتركْتُه يفَعلُ ما يشاءُ" وحتَّى لا يَجعلوا لِلمعنى في قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93]، مزيةً على أن يقال: "اشتدَّتْ محبتُهم للعجْلِ وغلَبَتْ على قلوبهم"، وأن تكونَ صورةُ المعنى في قولِه عزَّ وجل: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، صورتَه في قولِ من يقولُ: "وشابَ رأسي كله" و "أبيض رأْسي كلُّه" وحتى لا يَرَوْا فرْقاً بين قولِه تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16]، وبينَ: "فما رَبِحوا في تجارَتِهم" وحتى يَرْتكبوا جميعَ ما أرَيْناك الشَّناعةَ فيه، من أنْ لا يكون فرق بين قول المتنبي:
__________
1 سلف بيت ابن هرمة برقم: 311، 365، 369.
2 في "ج" والمطبوعة: "ولم تكن قدرت في المعنى"، وهو سيء.
(1/427)

وتَأْبى الطباعُ على الناقلِ1
وبينَ قولهم: "إِنك لا تَقدِرُ أن تغيِّر طبَاعَ الإِنسان" ويَجْعلوا حالَ المعنى في قولِ أبي نواس:
ولَيْسَ للهِ بمستنكَرٍ ... أنْ يَجْمَع العالَمَ في واحدِ2
كحالهِ في قولِنا: "إِنه ليس ببديعٍ في قُدْرة الله أن يجع فضائلَ الخَلْقِ كلِّهم في واحد" ويرتكبوا ذلك في الكلام كلِّه، حتى يَزْعموا أنَّا إِذا قلْنا في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} إنَّ المعنى فيها: "أنه لمَّا كان الإنسانُ إِذا هَمَّ بقَتْلِ آخَر لِشيءٍ غاظَهُ منه، فذَكَر أَنَّه إنْ قَتَله قُتِلَ ارتَدَعَ، صار المهمومُ بِقَتْله كأنه قد استفادَ حياةً فيما يستقبل بالقصاص3 كنا قد أدينا المعنى في تسيرنا هذا على صورتِه التي هو عليها في الآية، حتى لا نَعرفَ فضْلاً، وحتى يكونَ حال الآية والتفسير حال اللفظين إِحداهما غريبةٌ والأخرى مشهورة، فتفسَّرُ الغريبةُ بالمشهورةِ، مثلَ أن تقول مثلاً في "الشَّرجب" إِنه الطويلُ4، وفي "القطَّ" إِنه الكِتاب، وفي "الدُسُّرِ" إِنه المَسامير. ومَنْ صارَ الأمرُ به إِلى هذا، كان الكلامُ معه مُحالاً.
503 - واعلمْ أَنه ليس عجب أعجب من حال من يرى كلامين5،
__________
1 سلف برقم: 497.
2 سلف برقم: 499.
3 السياق: "حتى يَزْعموا أنَّا إِذا قلْنا في قوله تعالى ... كا قد أدينا".
4 في المطبوعة وحدها: "الشوقب".
5 في المطبوعة وحدها: "ليس عجيب".
(1/428)

أجزاءُ أحَدِهما مخالِفةٌ في معانيها لأجزاءِ الآخَر، ثم يَرى أنَّه يَسَعُ في العقْلِ أن يكونَ معنى أحَدِ الكلامَيْن مثْلَ معنى الآخر، سواء حتى يقعد فيقولُ1: "إِنه لو كانَ يكونُ الكلامُ فَصيحاً مِن أجْل مزيَّةٍ تكونُ في معناه، لكانَ يَنبغي أَن تُوجَد تلكَ المزيةُ في تفسيرهِ". ومثْلُه في العَجَب أنه يَنظُرُ إِلى قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم} [البقرة: 16]، فيرَى إعرابَ الاسْم الذي هو "التجارةُ"، قد تغيَّر فصارَ مرفوعاً بعد أن كان مجروراً، ويرى أنهن قد حُذِفَ من اللفظ بعضُ ما كان فيهِ، وهو "الواوُ" في "ربحوا"، و "في" من قولنا: "في تجارتهم"، ثم لا يَعْلَم أنَّ ذلك يَقْتضي أنْ يكونَ المعنى قد تَغيَّر كما تغيَّر اللفظُ.
الكلام الفصيح قسمان: مزية اللفظ ومزية النظم
504 - واعلمْ أَنه ليسَ للحِجَجِ والدلائل في صحَّةِ ما نحنُ عليه حَدٍّ ونهايةٌ، وكلَّما انتهى منه بابٌ انفتَحَ فيه بابٌ آخر، وقد أردتُ أن آخذَ في نوعٍ آخرَ من الحِجَاج، ومن البَسْط والشرحِ، فتأملْ ما أكْتبُه لك.
505 - إعلمْ أَنَّ الكلامَ الفصيحَ ينقسمُ قسمين: قسمٌ تُعزى المزيةُ والحسْنُ فيه إِلى اللفظِ وقسمٌ يعزى ذلك فيه إلى النظم2.
__________
1 في المطبوعة وحدها: "حى يتصدى فيقول"، وفي هامش "س" عن نسخة: "يقصد".
2 يستمر الإمام عبد القاهر في كلامه، عن القسم الأول حتى ينتهي إلى رقم: 532، ثم يبدأ الكلام عن البقسم الثاني.
(1/429)

القسم الأول: "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل على حد الاستعارة"
فالقسم الأول: "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل الكائن على حَدِّ الاستعارة"، وكلُّ ما كان فيه، على الجملةِ، مَجازٌ واتساعٌ وعُدُولٌ باللفظ عن الظاهر، فما مِنْ ضَرْبٍ من هذه الضُّروب إلاَّ وهو إِذا وقَعَ على الصواب وعلى ما يَنْبغي، أوْجَبَ الفضْلَ والمزيَّةَ.
فإِذا قلتَ: "هو كثيرُ رمادِ القدْر"، كان له موقِعٌ وحظٌّ من القَبول لا يكون إِذا قلتَ: "هو كثيرُ القِرى والضِّيافة".
وكذا إِذا قلتَ: "هو طويلُ النِّجاد"، كان له تأثيرٌ في النفس لا يكون إِذا قلتَ: "هو طويلُ القامة".
وكذا إِذا قلتَ: "رأيتُ أسداً"، كان له مزيةٌ لا تكونُ إِذا قلتَ: "رأيتُ رجلاً يُشبهُ الأسدَ ويُساويه في الشجاعة".
وكذلك إِذا قلتَ: "أَراكَ تُقَدِّمُ رِجْلاً وتؤخِّرُ أخرى"، كان له موقعٌ لا يكون إِذا قلت: "أراد تتردَّدُ في الذي دعوتُكَ إِليه، كمَنْ يقولُ: أَخرجُ ولا أخرجُ، فيُقدِّم رِجْلاً ويؤُخِّر أُخرى".
وكذلك إِذا قلتَ: "أَلقى حبْلَه على غاربه"، كان له مأخَذٌ من القَلْب لا يكونُ إِذا قلتَ: "هو كالبعيرِ الذي يُلْقَى حَبْلُه على غاربة حتى يَرْعى كيْفَ يشاءُ ويذهَبَ حيثُ يُريد".
لا يَجْهَلُ المزيةَ فيه إلاَّ عديمُ الحِسِّ ميِّتُ النَّفْس، وإلاَّ مَنْ لا يكلم، لأنه من مبادئ المعرفةِ التي مَن عَدِمَها لم يَكنْ للكلام معه معنى.
(1/430)

النظر في "الكناية":
506 - وإذْ قد عرفْتَ هذه الجملةَ، فينبغي أنْ تنظر إلى هذ هالمعاني واحداً واحداً، وتعْرِفَ مَحْصولَها وحقائقَها، وأنْ تَنظُرَ أولاً إِلى "الكنايةِ"، وإِذا نظرْتَ إِليها وجدْتَ حقيقتهَا ومحْصولَ أمرِها أَنها إثباتٌ لِمعنىً، أنتَ تَعْرِفُ ذلك المعنى مِنْ طريقِ المعقولِ دونَ طَريق اللفظ. ألاَ ترى أَنكَ لَمَّا نظرْتَ إلى قولهم: "هو كثيرُ رَمادِ القِدْر"، وعرفْتَ منه أنَّهم أرادوا أَنه كثيرُ القِرى والضِّيافة، لم تعرِفْ ذلك مِنَ اللفظِ، ولكنَّك عرفْتَه بأن رجَعْتَ إِلى نَفْسك فقلتَ: إِنه كلامٌ قد جاء عنهم في المدح، ولا معنى للمدح بكثرة الرمادِ، فليس إِلا أَنَّهم أرادوا أن يَدلُّوا بكَثرْة الرماد على أَنه تُنْصَبُ له القدورُ الكثيرةُ، ويُطْبخ فيها للقِرى والضيافةِ، وذلك لأَنه إِذا كَثُرَ الطبخُ في القدورِ كثُرَ إحراقُ الحطَبِ تَحتَها، وإِذا كثُرَ إِحراقُ الحطَبِ كَثُرَ الرمادُ لا محالة. وهكذا السبيلُ في كلِّ ما كانَ "كنايةً" فليسَ مِنْ لَفْظِ الشعر عرفتَ أنَّ ابنَ هَرْمة أرادَ بقوله:
ولا أبتاعُ إِلاَّ قريبةَ الأجَلِ1
التمدُّحَ بأنه مضيافٌ، ولكنك عرفْتَه بالنَّظرِ اللطيفِ، وبأنْ علِمْتَ أنه لا معنى للتمدُّح بِظاهرِ ما يَدُلُّ عليه اللفظُ من قُرْبِ أجَلِ ما يَشْتريهِ، فطلبْتَ له تأويلاً، فعلمْتَ أَنه أرادَ أنه يَشْتري ما يَشْتريهِ للأَضياف، فإِذا أشترى شاةً أو بعيراً، كان قد اشترى ما قد دَنا أجلهُ، لأنه يُذْبحُ ويُنْحرُ عن قَريبٍ.
النظر في "الاستعارة":
507 - وإذا قد عرفْتَ هذا في "الكناية"، "فالاستعارةُ" في هذه القضية2. وذاكَ أنَّ موضوعَها على أنك تثبت بها معنى لا يعرف السامع ذاك المعنى من اللفظِ، ولكنَّه يَعرفُه من معنى اللفظ.
__________
1 مضى الشعر برقم: 502، ص: 426، تعليق: 1
2 "في هذه القضية"، يعني أنه القول في "الاستعارة" مشابه للقول في "الكناية".
(1/431)

بَيانُ هذا، أَنَّا نَعْلم أَنَّك لا تقولُ، "رأيتُ أسداً"، إِلاَّ وغَرضُكَ أَن تُثْبِتَ للرجُل أَنه مساوٍ للأَسد في شجاعته وجُرْأته، وشدَّة بطْشه وإقدامه، وفي أنَّ الذعْرَ لا يُخامرُه، والخوف لا يعرف له. ثم تَعْلم أَنَّ السامعَ إِذا عَقَل هذا المعنى لم يَعقِلْه من لفظِ "أسَد"، ولكنَّه يَعقِلُه من معناه، وهو أنه يَعْلم أَنه لا معنى لجعله "أسداً"، مع العلم بأنه "رجُل" إلاَّ أنك أردْتَ أنه بلغَ من شدة مشابهته للأسد وماواته إِياه، مبْلغاً يُتَوهَّم معه أَنه أَسدٌ بالحقيقة، فاعرفْ هذه الجملة وأحسن تأملها.
الاستعارة، يراد بها المبالغة لا نقل اللفظ عما وضع له في اللغة:
508 - واعلمْ أَنكَ تَرى الناسَ وكأنهم يرَوْن أَنك إِذا قلتَ: "رأيتُ أسَداً"، وأنتَ تُريد التشبيهَ، كنتَ نقلْتَ لفْظَ "أسدٍ" عما وُضع له في اللغة، واستعملْتَه في معنى غيرِ معناه، حتى كأنْ ليس "الاستعارةُ" إلاَّ أن تَعْمدَ إِلى اسْم الشيءِ فتجعلَه اسماً لشبيههِ، وحتى كأن لا فصل بين "الاستعارة"، وبين تسمة المطرِ "سماءً"، والنَّبتِ "غيثاً"، والمزادةِ "راوية"، وأشباهِ ذلك مما يوقع فيه اسم الشء على ما هو منه بسبَبٍ، ويَذْهبون عمَّا هو مركوزٌ في الطِّباع من أنَّ المعنى فيه المبالَغةُ1، وأَنْ يُدَّعى في الرجُل أَنه ليسَ برجُل، ولكنه أَسدٌ بالحقيقة، وأَنه إِنما يُعار اللفظُ مِنْ بَعْد أنْ يعارَ المعنى، وأَنه لا يُشْرَكُ في اسم "الأسدِ"، إلاَّ مِنْ بَعْد أن يُدْخَل في جنس الأَسدِ. لا تَرى أحداً يَعْقِل إِلاَّ وهُو يَعْرفِ ذَلك إِذا رجعَ إِلى نفسه أدنى رُجوعٍ.
ومِن أجْل أَنْ كانَ الأمرُ كذلك، رأيتَ العقلاءَ كلَّهم يُثْبِتون القولَ بأنَّ مِن شأْنِ "الاستعارةِ" أن تكونَ أبداً أَبلغَ من الحقيقة، وإِلا فإن كان ليس
__________
1 في المطبوعة وحدها: "المعنى فيها".
(1/432)

ههنا إِلا نقْلُ اسْم من شيءٍ إِلى شيءٍ، فمِنْ أينَ يَجبُ، ليتَ شعري، أَن تكونَ الاستعارةُ أبلغَ من الحقيقة، ويكونَ لِقَوْلنا: "رأيتُ أَسداً"، مزيةٌ على قولنا: "رأيتُ شبيهاً بالأسد"؟ وقد علمنا أنه محال أن يتغر الشيء في نسه، بأن يُنْقَل إِليه اسْمٌ قد وُضِع لِغيره1، من بَعْد أنْ لا يُرادَ مِن معنى ذلك الاسْم فيه شيءٌ بوجْهٍ من الوجوهِ2، بل يُجعلَ كأنه لم يُوضَعْ لذلك المعنى الأصليِّ أصْلاً. وفي أيِّ عَقْلٍ يُتَصوَّر أَنْ يتغيرَ معنى "شبيهاً بالأسد"، بأنْ يُوضَع لفظُ "أسدٍ" عليه، ويُنْقَلَ إِليه؟
509 - واعلمْ أنَّ العقلاءَ بنوا كلامهم، إذا قاسموا وشبَّهوا، على أنَّ الأشياءَ تستحِقُّ الأَسامي لِخَواصِّ معانٍ هي فيها دونَ ما عَداها، فإِذا أثبتوا خاصة شيء لشيء، أثبتوا له أسم، فإِذا جعَلوا "الرجُلَ" بحيثُ لا تَنقصُ شجاعتُه عن شجاعةِ الأَسد ولا يَعدمُ منها شيئاً، قالوا: "هو أَسد" وإِذا وصَفوه بالتَّناهي في الخيرِ والخصالِ الشريفة، أو بالحُسْن الذي يَبْهَرُ قالوا: "هو مَلَكٌ" وإِذا وصَفُوا الشيءَ بغاية الطِّيبِ قالوا: "هو مِسْك". وكذلك الحُكْم أبداً.
ثم إنَّهم إِذا استقْصَوْا في ذلك نفَوْا عن المشبَّه اسْمَ جنسِه فقالوا: "ليس هو بإنسانٍ، وإنما هو أسد"، و "ليس هو آدميّاً، وإِنما هو مَلكٌ"، كما قال الله تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم} [يوسف: 31].
__________
1 "من بعد أن يراد" فبعد "يراد" أسقط كاتب "س" كلامًا كثيرًا جدًا حتى تنتهي إلى أواخر رقم: 530، فكتب: "من بعد أن يراد إذا جئت به صريحًا فقلت"، كلامًا متصلًا كما ترى.
2 أسقط كاتب "ج" لفظ "شيء".
(1/433)

ثم إنْ لم يُريدوا أَنْ يُخرجُوه عن جنسِه جملةً قالوا: "هو أسَدٌ في صورةِ إنسان" و "هو ملَكٌ في صورةِ آدميٍّ" وقد خرَجَ هذا للمتنبي في أحْسَنِ عبارةٍ، وذلك في قوله:
نحنُ ركبٌ مِلْجِنّ في زِيّ ناسٍ ... فَوْقَ طَيْرٍ لها شُخُوصُ الجِمَالِ1
510 - ففي هذه الجملة بيانٌ لمن عَقَل أنْ ليستِ "الاستعارةُ" نْقْلَ اسْم عن شيءٍ إِلى شيءٍ، ولكنَّها ادِّعاءُ معنى الاسْمِ لشيءٍ، إِذ لو كانتْ نَقْلَ اسْمٍ وكان قولُنا: "رأيتُ أسداً"، بمعنى: رأيتُ شبيهاً بالأسد، ولم يكن ادِّعاءَ أَنه أسدٌ بالحقيقة لكانَ مُحالاً أنْ يُقال: "ليس هو بإنسانٍ، ولكنَّه أسدٌ" أو "هو أسدٌ في صورةِ إِنسان"، كما أنه محالٌ أن يقالَ: "ليس هو بإنسانٍ، ولكنَّه شبيهٌ بأَسد" أو يقالَ: "هو شَبيهٌ بأسَدٍ في صورة إِنسان".
511 - واعلمْ أَنه قد كثُرَ في كلامِ الناسِ استعمالُ لفظِ "النَّقْلِ" في "الاستعارة"، فمِنْ ذلك قولُهم: "إنَّ الاستعارةَ تعْليقُ العبارةِ على غير ما وُضِعَت له في أصْل اللغةِ على سبيل النَّقْل"2: وقال القاضي أبو الحسن3: "الاستعارةُ ما اكتُفيَ فيه بالاسْمِ المُستعار عن الأصليِّ، ونُقِلت العبارة فجعلت في مكان غيرها"4.
__________
1 هو في ديوانه: "ملجن"، الأجود أن تكتب "م الجن"، أي "من الجن"، وهو حذف في الحرف مشهور.
2 هذا هو نص لفظ الزماني في كتابه "النكت" في إعجاز القرآن"، ثلاث رسائل في إعجاز القرآن": 79.
3 هو القاضي الجرجاني، "أبو الحسن علي بن عبد العزيز"، صاحب "كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه".
4 هو نص كلام القاضي الجرجاني في الوساطة: 40 "طبعة صيدا"، وتما كلامه هو: "وملاكها: تقريب الشبه، ومناسبة المستعار له للمستعار منه، وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر".
وانظر ما سيأتي رقم: 514.
(1/434)

ومن شأْنِ ماَ غَمُضَ من المعاني ولَطُف، أن يصْعُبَ تصويرُه على الوجْه الذي هو عليه لعامَّةِ الناس، فيقَعَ لِذلكَ في العبارات التي يُعبَّر بها عنه، ما يُوهمُ الخطَأ، وإطلاقُهم في "الاستعارةِ" أنها "نقلٌ للعبارَةِ عمَّا وُضِعت له"، من ذلك1، فلا يَصِحُّ الأَخذُ به. وذلك أَنك إذا كنتَ لا تُطْلِقُ اسْمَ "الأَسد" على "الرجُلِ"، إلاَّ مِنْ بَعْد أن تُدْخِلَه في جنسِ الأُسود من الجهة التي بيَّنَّا، لم تَكنْ نقلْتَ الاسمَ عما وُضِعَ له بالحقيقةِ، لأنكَ إنما تكونُ ناقِلاً، إِذا أنْتَ أَخرجْتَ معناهُ الأَصْليَّ من أنْ يكونَ مقصودَكَ، ونفَضْتَ به يدَك. فأَمَّا أنْ تكون اقلًا له عن معناه، مع إرادةِ معناهُ، فمحالٌ متناقض.
أمثلة على أن "النقل"، لا يتصور في بعض "الاستعارة":
512 - واعلمْ أنَّ في "الاستعارةِ" ما لا يُتصوْر تقديرُ النقلِ فيه البتَّةَ، وذلك مثلُ قولِ لبيد:
وغداة ربح قد كشفت وقرة ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها2
__________
1 السياق: "وإطلاقهم في الاستعارة ... من ذلك".
2 هو في ديوانه، وقد سلف برقم: 60.
(1/435)

"اليد" قد نُقِلِ عن شيءٍ إلى شيءٍ. وذلك أَنه ليس المعنى على أَنَّه شبَّه شيئاً باليد، فيمُكِنُكَ أن تزعُمَ أنه نقَل لفظ "اليد" إليه، وإنما لامعنى على أَنه أَراد أنْ يُثْبتَ للشَّمال في تصريفِها "الغداةَ" على طبيعتِها، شَبَهَ الإِنسان قد أَخذَ الشيءَ بيدِهِ يُقَلِّبهُ ويُصرِّفُه كيفَ يُريد. فلما أَثبتَ لها مثْلَ فعلِ الإنسانِ باليدِ، استعارَ لها "اليدَ". وكما لا يُمكِنُكَ تقديرُ "النقلِ" في لفظِ "اليَدِ"، كذلك لا يمكنْكَ أنْ تَجْعل الاستعارةَ فيه من صفةِ اللفظِ، ألا تَرى أَنه محالٌ أن تقول: إنه استعارَ لفظَ "اليد" للشَّمال؟ وكذلك سبيلُ نَظائرِه، مما تَجدُهم قد أَثبتُوا فيه للشيءِ عُضْواً مِن أعضاءِ الإِنسان، من أجْل إثباتهم له المعنى الذي يكونُ في ذلك العضو من الإنسان كبيت الحماسة:
إِذا هزَّهُ في عظْم قرنٍ تهلَّلتْ ... نواجذُ أفواهِ المنَايا الضواحِكِ1
فإنَّه لمَّا جعَل "المنايا" تضحَكُ، جعَل لها "الأَفواهَ والنواجِذَ" التي يكونُ الضحك فيها وكبيت المتنبي:
خَميسٌ بِشَرْقِ الأرضِ والغَرْبِ زَحْفُهُ ... وفي أُذُنِ الجَوْزاءِ منهُ زَمَازِمُ2
لمَّا جعَل "الجوزاءَ" تَسْمعُ على عادتِهم في جعْل النجومِ تَعْقِلُ، ووصْفِهم لها بما يوصف به الأناسيُّ أثْبَتَ لها "الأُذُنَ" التي بها يكونُ السمع من الأناسي.
__________
1 الشعر لتأبط شرًا، وهو في شرح الحماسة للتبريزي 1: 49، والضمير في "هزه" للسيف في البيت قبله.
2 هو في ديوانه.
(1/436)

513 - فأنت الآن لاتستطيع أن تزعُمَ في بيت الحماسة أنه استعارَ لفظَ "النواجذ" ولفظَ "الأفواه"، لأَن ذلك يُوجب المُحالَ، وهو أنْ يكونَ في المنايا شيءٌ قد شبَّهة بالنواجِذ، وشيء قد شبَّهه بالأفواه، فليس إلاَّ أن تقولَ: إنه لمَّا ادَّعى أن المنايا تُسَرُّ وتَسْتبشر إِذا هو هزَّ السيف، وجعلهخا لسرورها بذلك تضحُكُ1 أرادَ أن يبالغَ في الأمر، فجعلها في صورةِ مَنْ يضحك حتى تَبدوَ نواجذُهُ من شدَّة السرورِ.
وكذلك لا تستطيعُ أنْ تَزعُمَ أَنَّ المتنبي قد استعارَ لفظَ "الأُذُن"، لأَنه يُوجبُ أن يكونَ في "الجوزاءِ" شيءٌ قد أرادَ تشبيهَهُ بالأذن. وذلك من شنيع المحال.
تحقيق في معنى "الاستعارة":
514 - فقد تبيَّن من غيرِ وجهٍ أنَّ "الاستعارةَ" إنما هي ادَّعاءُ معنى الاسم للشيء، لا تقل الاسم عن الشيء. وإذا ثبتَ أنها ادِّعاءُ معنى الاسم للشيء، علمتَ أنَّ الذي قالوه من "أنها تعليقٌ للعبارة على غير ما وضعت له في اللغة، وقل لها عمَّا وضعتْ له"2 كلامٌ قد تسامحوا فيه، لأَنه إذا كانتِ "الاستعارةُ" ادعاءَ معنى الاسم، لم يكن الاسمُ مُزالاً عمَّا وُضع له، بل مقرًا عليه.
تفسير معنى "جعل" في الكلام وفي القرآن:
515 - واعلمْ أنك تراهُمْ لا يمتنعونَ إذا تكلَّموا في "الاستعارةِ" من أنْ يَقولوا: "إنه أرادَ المبالغةَ فجعلَه أسداً"، بل هُمْ يلجأون إلى القول به. وذلك صريحٌ في أنَّ الأصْل فيها المعنى، وأنه المستعارُ في الحقيقة، وأن قولَنا: "استعيرَ له اسمُ الأسَدَ"، إشارةٌ إلى أنه استُعير له معْناه، وأنه جُعِل إياهُ.
__________
1 السياق: "إنه لما ادعى ... أراد أنه يبالغ".
2 انظر الفقرة السالفة رقم: 511.
(1/437)

وذلك أنا لو لم نَقْلْ ذلك، لم يَكُنْ "لجُعِلَ" ههنا معنى، لأنَّ "جعل" لا يَصْلُحُ إلاَّ حيثُ يُراد إثباتُ صفةٍ للشيء، كقولِنا: "جعلْتُه أميراً" و "جلعته لِصّاً" تريدُ أنَّك أثبَتَّ له الإِمارة، ونسبْتَه إلى اللصوصيَّة وادَّعَيْتَها عليه ورمَيْتَه بها.
وحكْمُ "جعَل"1، إذا تعدَّى إلى مفعولين، حكْمُ "صَيَّر"، فكما لا تقول" صيَّرْته أميراً"، إلا على معنى أنك أثبَتَّ له صفةَ الإِمارة، كذلك لا يَصِحُّ أن تقولَ: "جعلته أسداً"، إلا على معنى أنك أثبت له المعنى الأسد2. وأمَّا ما تَجدُه في بعضِ كلامِهم من أن "جَعَل" يكونُ بمعنى "سَمَى"، فمما تَسامحوا فيه أيضاً، لأنَّ المعنى معلومٌ، وهو مثْلُ أن تَجِدَ الرجُلَ يقولُ: "أنا لا أسَمِّيه إنساناً"، وغرضُه أن يقولَ: إني لا أُثْبِتُ له المعانيَ التي بها كان الإِنسان إنساناً، فأما أن يكون "جعل" في معنى "سمَّى"، هكذا غُفلاً، فمما لا يخفى فسادُه. ألاَ تَرى أنك لا تَجِدُ عاقِلاً يقول: "جعلتُه زيداً"، بمعنى: سمَّيْتُه زيداً ولا يقال للرجل: "إجْعَل ابنَك زيداً"، بمعنى: سمِّه زَيْدا و "وُلِدَ لفلانٍ ابنٌ فجعَلَه عبدَ الله"، أي: سمَّاه عبدَ الله3. هذا مَا لا يَشُكُّ فيه ذو عقلٍ إذا نَظَر.
516 - وأكثَرُ ما يكون منهم هذا التسامحُ، أعني قولَهم إنَّ "جعَل" يكون بمعنى "سمَّى" في قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ
__________
1 قد سلف كلامه في "جعل" في رقم: 438 - 440.
2 أسقط كاتب "ج" من أول "صفة الإمارة" إلى قوله هنا: "أثبت له" سهوًا، ففسد الكلام.
3 قد مضى الكلام في معاني "جعل"، فيما سلف رقم: 438 - 440.
(1/438)

إِنَاثًا} [الزخرف: 19]، فقد تَرى في التفسيرِ أنَّ "جعلَ" يكون بمعنى "سمَّى"، وعلى ذاك فلا شبْهةَ في أنْ ليس المعنى على مجرَّدِ التسمية، ولكنْ على الحقيقة التي وصفْتُها لكَ. وذاكَ أنَّهم اثْبَتوا للملائكةِ صفةَ الإناثِ واعتقدوا وُجودَها فيهم، وعن هذا الاعتقادِ صدرَ عنهم ما صدَر من الاسْم أعني إطلاقَ اسْمِ "البنات" وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظَ "الإناثِ" ولفظَ "البناتِ"، من غير اعتقادِ معنى وإثباتِ صفةٍ. هذا محالٌ.
517 - أوَ لا تَرى إلى قولهِ تعالى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلون} [الزخرف: 19]، فلو كانوا لم يَزيدوا على إجراءِ الاسْمِ على الملائكة، ولم يَعتِقدوا إثباتَ صفةٍ لما قال الله تعالى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ}. هذا ولو كانوا لم يَقْصِدوا إثباتَ صفةٍ، ولم يكنْ غيرَ أن وَضَعوا اسْماً لا يُريدونَ به معنىً، لَمَا استحقُّوا إلاَّ اليسيرَ من الذَّم، ولما كان هذا القولُ منهم كُفْراً. والتفسيرُ الصحيحُ والعبارةُ المستقيمةُ، ما قاله أبو إسحاقٍ الزجَّاج رحِمَه الله، فإِنه قال: إن "الجعلَ" ههنا في معغنى القَوْلِ والحُكْمِ على الشيء، تقول: "قد جَعَلْتُ زيداً أعلمَ الناسِ"، أي وصفْتَه بذلك وحكمْتَ به1.
تعرف "الاستعارة" من طريق المعقول دون اللفظ، وكذلك "الكناية":
518 - ونَرجع إلى الغرَض فنقولُ: فإِذا ثَبَتَ أنْ ليستِ "الاستعارةُ" نَقْلَ الاسْمِ، ولكنْ ادعاءَ معنى الاسْم وكنَّا إذا عقَلْنا من قولِ الرجُلِ: "رأيتُ أسداً"، أنه أرادَ به المبالَغَةَ في وصْفِه بالشجاعة، وأنْ يقولَ: إنَّه مِنْ قُوَّةِ القلب، ومن فَرْط البَسالةِ وشدَّة البطْشِ، وفي أنَّ الخوفَ لا يخامِرُهُ، والذُّعْرَ لا يَعْرِضُ
__________
1 انظر الفقرة السالفة: 440، وما قبلها.
(1/439)

له، بحيثُ لا يَنْقصُ عن الأسَد1 لم نعقل ذلك من لفظ "أسد"، لكن مِنَ ادِّعائه معنَى الأسد الذي رآه2 ثبت بذلك أنَّ "الاستعارةَ" كالكِنَاية، في أنَّك تَعْرِفُ المعنى فيها من طريف المعقول دون طريق اللفظ3.
519 - وإذا قد عرفت أن طريف العلم بالمعنى في "الاستعارة" و "الكناية" معاً، المعقولُ4، فاعلمْ أنَّ حكْمَ "التمثيلِ" في ذلك حكمهما، بل الأمرُ في "التمثيلِ" أظْهَرُ.
وذلك أنه ليس مِن عاقلٍ يَشُكُّ إذا نظَر في كتابِ يزيدَ بنِ الوليد إلى مروان بن محمدٍ، حينَ بلغه أنه يتلكَّأ في بَيْعَته:
"أما بَعْدُ، فإِني أراك تقدِّم رجْلاً وتؤخرُ أُخرى، فإِذا أتاكَ كتابِي هذا فاعْتمِدْ على أَيَّتِهما شئْتَ، والسلامُ".
يعلم5 أنَّ المعنى أنه يقولُ له: بلَغني أنك في أمْرِ البَيْعة بين رأْيَيْن مختلفين، تَرى تارة أن نبايع، وأخرى أنْ تَمْتنع من البيعة، فإذا أتاك كتابي هذا فاعل على أيِّ الرأيين شئْتَ وإنه لم يَعْرف ذلك من لفْظِ "التقديمِ والتأخيرِ"، أوْ من لفظِ "الرِّجل"، ولكنْ بأنْ علمَ أنه لا معنى لتقديم الرجل
__________
1 السياق: "وكنا إذا عقلنا ... لم تعقل".
2 السياق من عند أول الفقرة: "فإذا ثبت أن ليست الاستعارة .... ثبت بذلك أن الاستعارة".
3 انظر ما قاله في الكناية من الفقرة رقم: 506 إلى آخر الفقرة: 511.
4 "المعقول" خبر "أن طريق العلم".
5 السياق: "إذا نظر يعلم، وهذا الخبر سلف في رقم: 63.
(1/440)

وتأخيرها في رَجُلٍ يُدْعى إلى البيعة، وإنَّ المعنى على أنه أرادَ أن يقولَ: إنَّ مثَلَكَ في تردُّدكَ بين أنْ تُبَايع، وبين أن تَمْتنعَ، مثَلُ رَجُلٍ قائمٍ ليذهَبَ في أمرٍ، فجَعَلَتْ نَفسُه تُريهِ تارةً أنَّ الصوابَ أنْ يذْهَبَ وأُخرى أنه في أنْ لا يَذْهَبَ فجعلَ يُقدّم رِجْلاً تارةً، ويُؤخِّر أُخْرى.
520 - وهكذا كلُّ كلامٍ كان ضرْبَ مثَلٍ، لا يَخْفى على مَنْ له أدنى تمييزٍ أنَّ الأغراضَ التي تكونُ للناس في ذلك لا تُعْرَف من الألفاظِ، ولكنْ تكونُ المعاني الحاصلةٌ من مجموعِ الكلام أدلَّةً على الأغراضِ والمقاصدِ. ولو كان الذي يكونُ غَرَضَ المتكلِّم يُعْلَم من اللفظِ، ما كان لِقولهم: "ضَرَبَ كذا مثلاً لكذا"، معنى، فما اللفظُ "يُضْرَبُ مَثَلاً" ولكنْ المعنى. فإِذا قلْنا في قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إيَّاكم وخضراءَ الدِّمن" 1، إنَّه ضَرَبَ عليه السلامُ "خضراءَ الدِّمن" مثلاً للمرأة الحَسّناء في مَنْبت السوء، لم يكن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم ضرَب لَفْظَ "خضراءِ الدِّمن" مثلاً. لها. هذا ما لا يَظُنُّه مَنْ بهِ مَسٌّ، فضلاً عن العاقل.
521 - فقد زالَ الشكُّ وارتفعَ في أنَّ طريقَ العلْمِ بما يُراد إثباتُه والخُبر به في هذه الأجناس الثلاثةِ، التي هي "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل" المعقولُ دونَ اللفظِ2، من حيثُ يكونُ القصْدُ بالإثبات فيها إلى معنى ليس
__________
1 هذا خبر مشهور، ولم يرد في شيء من دواوين السنة، ورواه الزامهرمزى بإسناده في "كتاب امثال الحديث" 126، من طريق: "أبي وجزة السعدي الشاعر "يزيد بن عبيد"، عن عطاء ابن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري".
2 "المعقول" خير قوله: "أن طريق العلم".
(1/441)

هو معنى اللفظِ، ولكنَّه معنىَ يُستَدلُّ بمعنى اللفظِ عليه، ويُسْتنبَطُ منه، كنحْوِ ما تَرى من أنَّ القصْد في قولهم: "هو كثيرُ رمادِ القِدْر"، إلى كَثْرة القِرى، وأنتَ لا تعرف ذلكَ من هذا اللفظِ الذي تَسْمَعُهُ، ولكنك تعرفه بأن تستبدل عليه بمعناه، على ما مَضَى الشرحُ فيه1.
الفصاحة وصف للكلام بمعناه لا بلفظه مجردا:
522 - وإذْ قد عرفت ذلك، فينبغي أن يقالَ لهؤلاء الذين اعترضوا علينا في قولنا: "إنَّ الفصاحةَ وصفٌ يجب للكلام من أجل مزيةٍ تكونُ في معناه، وأنها لا تكونُ وصْفاً له من حيثُ اللفظُ مجرداً عن المعنى"، واحتجُّوا بأن قالوا: "إنَّه لو كان الكلامُ إِذا وُصِف بأنه فصيحُ، كان ذلك من أجل مزيةٍ تَكونُ في معناه، لوجَب أن يكونَ تفسيرُه فصيحاً مثله"2 أخبرونا عنكم3، أترونَ أنَّ مِن شأنِ هذه الأجناسِ، إذا كانت في الكلام، أن تكونَ له بها مزيةُ تُوجبُ له الفصاحةَ، أم لا ترون ذلك؟
فإِنْ قالوا: لا ترى ذلك لم يكلَّموا.
وإن قالوا: نَرى للكلام، إذا كانتْ فيه، مزيةٌ تُوجِبُ له الفصاحةَ، قيل لهم: فأخبرونا عن تلك المزية، أتكونُ في اللفظ أم في المعنى؟
فإِن قالوا: في اللفظِ دخَلُوا في الجَهالة، من حيث يَلْزَمُ من ذلك أن تكونَ "الكنايةُ" و "الاستعارة" و "التمثيل" أوصافًا للفظ، لأنه لا يتصور أن
__________
1 انظر رقم: 505، 506.
2 انظر ما سلف رقم: 499، 504 وغيرها.
3 السياق: "فينبغي أن يقال لهؤلاء ..... أخبرونا عنكم".
(1/442)

تكون مزيتُها في اللفظِ حتى تكونَ أوصافاً له. وذلك مُحالٌ، من حيثُ يَعْلَمُ كلُّ عاقل أنه لا يُكنَّى باللفظ عن اللفظ، وأنه إنما يُكَنَّى بالمعنى عن المعنى. وكذلَك يَعْلَمُ أنه لا يُستعار اللفظُ مجرداً عن المعنى، ولكنْ يُستعار المعنى، ثُمّ اللفظُ يكون تِبْعَ المعنىـ على ما قدَّمْنا الشرحَ فيه1. ويَعلمُ كذلك أنه محالٌ أنْ يُضرَبَ "المثَلُ" باللفظ، وأنْ يكونَ قد ضُرِبَ لفظُ: "أراك تُقدِّم رِجْلاً وتؤخْر أخرى" مَثَلاً لتردُّده في أمر البَيْعة.
وإن قالوا: هي في المعنى.
قيل لهم: فهو ما أردْناكُم عليه، فدَعُوا الشكَّ عنكم، وانتبهوا من رقْدَتِكُمْ، فإِنه علْمٌ ضروريٍّ قد أدَّى التقسيمُ إليه، وكلُّ علْم كان كذلك، فإِنه يَجِبُ القَطْعُ على كلِّ سؤالٍ يُسْألُ فيه بأنه خطأ، وأن السائلُ ملّبوسٌ عليه.
كشف الغلط في فصاحة الكلام:
523 - ثم إنَّ الذي يَعرف به وجْهَ دخولِ الغلطِ عليهم في قولِهم: "إنه لو كان الكلامُ يكونُ فصيحاً من أجْل مزيةٍ تكونُ في معناه، لوجَب أن يكونَ تفسيرُه فصيحاً مثْلَه"، هو أنك إذا نظرتَ إلى كلامهم هذا وجدْتَهم كأنَّهم قالوا: "إنه لو كانَ الكلامُ إذا كان فيه كنايةٌ أو استعارةٌ أو تمثيلٌ، كان لذلك فصيحاً، لوَجَب أن يكونَ إذا لمْ توجَدْ فيه هذه المعاني فصيحاً أيضاً". ذاك لأنَّ تفسيرَ "الكنايةِ" أن تتركها ونصرِّحَ بالمُكنَّى عنه فنقولَ: إنَّ المعنى في قولهم: "هو كثيرُ رمادِ القِدْر"، أنه كثيرُ القِرى وكذلك الحكْمُ في "الاستعارة"، فإِنَّ تفسيرها أن تتركها، ونصرِّحَ بالتشبيه فنقولَ في "رأيتُ أسداً": إنَّ المعنى: رأيتُ رجلاً يُساوي الأسدَ في الشجاعة وكذلك الأمر في "التمثيل"، لأن
__________
1 انظر ما سلف رقم: 519 وما بعده.
(1/443)

تفسيرَه أنْ نَذْكر المتمثَّل له فنقول في قوله: "أراكَ تقدِّم رجْلاً وتؤخِّر أُخرى": إنَّ المعنى أنه قال: أراكَ تتردَّد في أمر البَيْعة فتقولُ تارةً أفعلُ، وتارةً لا أفعلُ، كمن يُريدُ الذهابَ في وجْهٍ، فَتُرِيهِ نفسُه تارةً أنَّ الصوابَ في أنْ يذْهَبَ، وأُخرى أنه في أن لا يذهب، فهو يقدم رجلاً ويؤخِّر أُخرى1. وهذا خروجٌ عن المعقول، لأنه بمنزلةِ أن تقول لرجل قد نُصبَ لوصفِ علَّةً: "إنْ كان هذا الوصفُ يَجب لهذه العلةِ، فينبغي أن يجبَ مع عدمها".
524 - ثم إنَّ الذي استهواهُم، هو أنهم نظَروا إلى تفسيرِ ألفاظِ اللغة بعضِها ببعض، فلما رأَوْا اللفظَ إذا فُسِّرَ بلفظٍ، مثْلِ أنْ يقالَ في "الشَّرجب" إنه الطويلُ، لم يَجُزْ أن يكونَ في المفسَّر من حيثُ المعنى، مزيةٌ لا تكونُ في التفسير2 ظَنَّوا أنَّ سبيلَ ما نحن فيه ذلكَ السبيلُ، وذلك غَلَطٌ منهم، لأنه إنما كان للمفسَّر، فيما نحن فيه، الفضلُ والمزيَّةُ على التفسير، من حيث كانت الدلالةُ في المفسَّر دلالةَ معنى على معنى، وفي التفسير دلالة لفظٍ على معنى. وكان من المركوزِ في الطباعِ، والراسخِ في غرائِزِ العقولِ، أنه متى أُريد الدلالةُ على معْنى، فتُرك أنْ يُصرَّحَ به ويُذْكَر باللفظ الذي هو له في اللغة، وعُمد إلى معنى آخر فأُشير به إليه، وجُعل دَليلاً عليه3 كان للكلام بذلك حسْنٌ ومزيَّة لا يكونان إذا لم يُصنَع ذلك، وذكر بلفظه صريحًا.
__________
1 في المطبوعة: "فيقدم رجلًا".
2 السياق من أول الفقرة: "فلما رأوا اللفظ ذا فسر .. ظنوا".
3 السياق: "متى أُريد الدلالةُ على معْنى فتُرك أنْ يصرح به ... كان للكلام".
(1/444)

ولا يكونُ هذا الذي ذكرتُ أنه سببُ فضلِ المفسَّر على التفسير، من كونِ الدلالة في المفسَّر دلالةَ معنى على معنى، وفي التفسير دلالةَ لفظ على معنى1، حتى يكون لِلَّفظِ المفسَّر معنىً معلومٌ يَعرِفُه السامعُ، وهو غيرُ معنى لفظِ التفسير في نفسِه وحقيقتِه، كما تَرى من أنَّ الذي هو معنى اللفظ في قولهم: "هو كثيرُ رمادِ القدر"، غيرُ الذي هو معنى اللفظ في قولهم: "هو كثيرُ القِرى"، ولو لم يكن كذلك، لم يُتصوَّر أن يكون ههنا دلالة معنى على معنى.
525 - وإذا قد عرَفْتَ هذه الجملة، فقد حصَل لنا منها أنَّ المفسَّر يكون له دلالتانِ: دلالةُ اللفظِ على المعنى، ودلالةُ المعنى الذي دلَّ اللفظُ عليه على معنى لَفْظٍ آخَرَ ولا يكونُ للتفسيرِ إلاَّ دلالةٌ واحدةٌ، وهي دلالةُ اللفظِ، وهذا الفرقُ هو سببُ أنْ كان للمفسَّر الفضلُ والمزيةُ على التفسير.
ومحالٌ أن يكونَ هذا قضيةَ المفسَّر والتفسير في ألفاظِ اللغة، ذاكَ لأنَّ معنى المفسَّر يكون دالًا مجهولاً عند السامع، ومحالٌ أن يكونَ للمجهول دلالةٌ.
526 - ثم إنَّ معنى المفسَّر يكون هو معنى التفسيرِ بعينه، ومحالٌ إذا كان المعنى واحداً أن يكون للمفسَّر فضلٌ على التفسيرِ، لأن الفضْلَ كان في مسألتنا بأنْ دلَّ لفظُ المفسَّر على معنىً، ثم دلَّ معناهُ على معنى آخرَ. وذلك لا يكونُ مع كونِ المعنى واحداً ولا يتصوَّر.
بيانُ هذا: أنه محالٌ أنْ يقالَ إنَّ معنى "الشرجب" الذي هو المفسَّر، يكون دليلاً على معنى تفسيره الذي هو "الطويلُ" على وِزان قولِنا
__________
1 السياق: "لا يكون هذا الذي ذكرت ... حتى يكون ... ".
(1/445)

إنَّ معنى: "كثيرُ رمادِ القِدْرِ"، يدلُّ على معنى تفسيرِه الذي هو "كثيرُ القِرى"، لأمرَيْن:
أحدهما: أنك لا تفسر طالشرجب" حتى يكونَ معناهُ مجهولاً عند السامعِ، ومحالٌ أن يكونَ للمجهول دلالةٌ.
والثاني: أن المعنى في تفسيرنا "الشرجب" بالطويل، أن تعلم السامعَ أن معناه هو معنى الطويلِ بعينه. وإِذا كان كذلك، كان محالاً أن يُقال: إن معناه يدل على معنى الطويل، بل الذي يُعقَل أنْ يقالَ: إنَّ معناه هو معنى الطويلِ. فاعرفْ ذلك.
527 - وانظُرْ إلى لَعِب الغَفْلة بالقوم، وإلى ما رأَوا في مَنامهم من الأحلامِ الكاذبةِ! ولو أنهم ترَكُوا الاستنامةَ إلى التقليدِ، والأخذ بالهُوينا، وترْكِ النظر، وأشعروا قلوبهَم أنَّ ههنا كلاماً ينبغي أن يُصْغى إليه1 لَعلِموا، ولَعادَ إعجابُهم بأنفسِهم في سؤالِهم هذا وفي سائر أقوالهم، عجبا منها ومن تطويج الظنون بها.
الوجوه التي تكون للكلام مزية:
528 - وإذا قد بَانَ سقوطُ ما اعتَرَضَ به القومُ وفُحْشُ غلَطِهم، فينبغي أن تَعلَم أنْ ليستِ المزايا التي تَجدها لهذهِ الأجناسِ على الكلامِ المتروكِ على ظاهرِهِ، والمبالغةُ التي تُحِسُّها2 في أنفُس المعاني التي يَقصِدُ المتكلِّم بخَبره إليها، ولكنها في طريق إثباتِه لها، وتقريرِه إياها، وأنَّك إذا سمعتهم يقولون: "إن من
__________
1 السياق: " ...... ولو أنهم تركوا الاستنامة .... لعلموا".
2 السياق: "فينبغي أن تعلم أن ليست المزايا .... في أنفس المعاني ... ".
(1/446)

شأنِ هذهِ الأجناسِ أن تُكْسِبَ المعانيَ مزيةً وفضلًا، وتوجب لها شرفًا ونبلًا، وأن تفحمها في نفوس السامعين"1 فإنهم لا يَعْنون أنفُسَ المعاني، كالتي يَقصِد المتكلِّمُ بخَبره إليها، كالقِرى والشجاعةِ والتردُّدِ في الرأي، وإنما يَعْنون إثْباتَها لما تُثْبَتُ له ويخبر بها عنه. فغّا جَعلوا للكنايةِ مزيةً على التَّصريحِ، لم يَجْعلوا تلكَ المزيةَ في المعنى المكنَّى عنه، ولكنْ في إثباته للذي يثبت له، وذلك أنَّا نَعْلَم أنَّ المعاني التي يُقْصَدُ الخَبرُ بها لا تتَغيَّر في أنفسِها بأن يُكنَّى عنها بمعانٍ سواها، ويُتْرَك أن تذكر بالألفاظ التي هي لها في اللغة. ومَنْ هذا الذي يَشُكُّ أنَّ معنى طولِ القامة وكثرةِ القِرى لا يتغيَّران بأن يُكنَّى عنهما بطولِ النجاد وكثرة رماد القدر، وتقدير التغير فيهما يُؤدي إلى أنْ لا تكونَ الكنايةُ عنهما، ولكنْ عن غيرِهما؟ 2.
529 - وقد ذكرتُ هذا في صدْرِ الكتاب3، وذكرتُ أنَّ السببَ في أنْ كان يكون للإِثبات إذا كان من طريقِ "الكنايةِ" مزيَّة لا تكونُ إذا كان من طريقِ التصريح4، أنك إذا كنَّيْتَ عن كثرةِ القِرى بكثرةِ رمادِ القدر، كنتَ قد أثبتَّ كثرةَ القِرى بإِثباتِ شاهدِها ودليلِها، وما هو علم على وجودها، وذلك
__________
1 السياق: "وأنك إذا سمعتهم يقولون ... فإنهم لا يعنون".
2 في هامش "ج"، بخطه كاتبها ما سأحاول أن أقرأه، لجور التصوير على الهامش، وهذا نصه:
"إنما يكون الكلام كناية، إذا كان [دليلًا على] معنى له لفظ في اللغة موضوع [فلا يدل بهذا] اللفظ عليه، ولكن يدل بمعنى لفظ آخر عليه".
هكذا قرأته على الجور الذي أدركه، فإن أحسنت فبحمد الله، وإبلا فإني استغفره واتوب إليه.
3 مضى في أول الكتاب من الفقرات رقم: 63 - 66.
4 السياق: " ... أن السبب في أن يكون للإثبات .... مزية .... أنك إذا كنيت".
(1/447)

لا مَحالةَ يكون أبلغَ من إثباتِها بنفسِها، وذلك لأَنه يكونُ سبيلُها حينئذٍ سبيلَ الدعوى تكونْ مع شاهدٍ.
وذكرتُ أنَّ السببَ في أَنْ كانت "الاستعارةُ" أبلغَ من الحقيقةِ1، أنك إذا ادَّعيْتَ للرجُل أنه أسدٌ بالحقيقة، كان ذلك ,اشد في تسويته بالأسد في الشجاعة. ذاك لأنه محال أن يكون منَ الأُسود، ثم لا تكونُ له شجاعةُ الأُسودِ. وكذلك الحكْمُ في "التمثيل" فإِذا قلتَ: "أراكَ تُقدَّم رجْلاً وتؤخِّر أخرى"، كان أبلغَ في إثباتِ الترددِ له من أن تقول: "أنتَ كمن يقَدِّم رجلا ويؤخِّر أخرى".
530 - واعلمْ أنه قد يَهْجُسُ في نفسِ الإِنسان شيءٌ يظنُّ مِن أجْله أنه يَنبغي أنْ يكونَ الحُكْمُ في المزيَّة التي تحدُثُ بالاستعارةِ، أنها تَحْدُثُ في المُثْبَت دون الإثباتِ. وذلك أن تقول: إنَّا إِذا نظَرْنا إلى "الاستعارةِ" وجدناها إنما كانت أبلغَ من أجلِ أنها تدلُّ على قوَّةِ الشَّبه، وأنه قد تَناهَى إلى أنْ صارَ المشبَّه لا يتميَّزُ عن المشبَّهِ بهِ في المعنى الذي من أجلهِ شُبِّهَ به. وإذا كان كذلكَ، كانت المزيةُ الحادِثةُ بها حادثةً في الشَّبه. وإِذا كانتْ حادِثَةً في الشَبَه، كانت في المُثْبَت دونَ الإثباتِ.
والجوابُ عن ذلك أنْ يقالَ: إن الاستعارةَ، لعَمْري، تقْتضي قوَّةَ الشَبهِ، وكونَه بحيثُ لا يَتميزُ المشبَّهُ عن المشبَّه به، ولكنْ ليس ذاك سببَ المزيةِ، وذلك لأنه لو كان ذاك سببَ المزيةِ، لكان ينبغي إذا جئت به صريحًا.
__________
1 هي في أول الكتاب رقم: 75 - 70.
(1/448)

فقلتَ1: "رأيتُ رجُلاً مساوياً للأسد في الشجاعةِ، وبحيثُ لولا صورتُه لظنْنتَ أنكَ رأيتَ أسداً"، وما شاكلَ ذلك من ضروبِ المبالغة أنْ تَجِد لكلامِكَ المزيةَ التي تَجدُها لقولك: "رأيتُ أسداً". وليس يَخْفى على عاقلٍ أنَّ ذلكَ لا يكونُ.
531 - فإنْ قال قائلٌ: إنَّ المزيَّة من أجْلِ أَنَّ المساواةَ تُعْلَم في "رأيتُ أسداً" من طريقِ المعنى، وفي "رأيتُ رجلاً مساوياً للأسد" من طريقِ اللفظِ.
قيلَ: قد قلنا فيما تَقدَّم2، إنه محالٌ أن يتغيَّر حالُ المعنى في نفسه، بأنْ يكَنَّى عنه بمعنىً آخر، وأنه لا يُتصوَّر أنْ يتغيَّر معنى طولِ القامة بأن يكنى عنه بطول النِجاد، ومعنى كثرةِ القِرى بأنْ يكنَّى عنه بكثرةِ الرماد. وكما أنَّ ذلك لا يُتصوَّر، فكذلكَ لا يُتصوَّر أن يتغيَّر معنى مساواةٍ الرجلِ الأسدَ في الشجاعةِ، بأن يُكنَّى عن ذلك ويُدَلَّ عليه بأن تَجْعَله "أسداً". فأنتَ الآن إذا نظرت إلى قوله:
فأسبلت لولؤا من نرجس وسقت ... وردًا وغضت على العُنَّابِ بالبَرَدِ3
فرأيته قد أفادَكَ أنَّ "الدمع" كان لا يحرم من شبه الؤلؤ،
__________
1 عند أول قوله: "إذا جئت به صريحًا" ينتهى ما أسقط كاتب "س"، حيث وصل الكلام في أواخر الفقرة رقم: 508، فكتب: "من بعد أن لا يرد إذا جئت به صريحًا، وانظر التعليق هناك.
2 انظر ما سلف رقم: 528.
3 هو للوأواء الدمشقي، في دويانه.
(1/449)

و "العين" من شبَه النرجس1 شيئاً، فلا تَحْسَبنَّ أنَّ سبب الحسن الذي تراه فيه، والأربحية التي تجدها عنده، أنه أفاذك ذلك فحسْبُ. وذاكَ أنك تستطيعُ أنْ تجيءَ به صريحاً فتقول: "فأسبَلَت دمعاً كأنه اللؤلُؤ بعينه، من عينِ كأنها النرجسُ حقيقة"، ثم لا تَرى من ذلك الحسْن شيئاً. ولكن اعلمْ أنَّ سبَب أنْ راقَك، وأَدْخَلَ الأريحيةَ عليك، أنه أفادكَ في إثباتِ شدَّة الشبةِ مزيَّة، وأوْجَدَك فيه خاصةً قد غُرِزَ في طبْع الإنسانِ أن يَرتاحَ لها2، ويَجِدَ في نفسِه هِزَّةً عندها، وهكذا حكْم نظائِرِه كقولِ أبي نواس:
تَبْكي فتُذري الدرَّ عن نرجسٍ ... وتَلْطِمْ الوردَ بعناب3
وقول المتبني:
بدَتْ قَمراً ومالتْ خُوطَ بانٍ ... وفاحَتْ عَنْبَراً ورنت عغزالًا4
إذا ظهر التشبيه في "الاستعارة" فبحت:
532 - واعلمْ أنَّ مِن شأنِ "الاستعارةِ" أنك كلما زدْتَ إرادتَكَ التشبيهَ إخفاءَ، ازدادتِ الاستعارةُ حُسْناً، حتى إنَّك تَراها أغْرَبَ ما تكونُ إذا كان الكلامُ قد أُلِّف تأليفاً إن أردتَ أن تُفْصح فيه بالتشبيه، خرجْتَ إلى شيءٍ تعافه النفس ويلفظه المسع، ومثال ذلك قول ابن المعتز:
__________
1 السياق: "أفادك أن الدمع كأن لا يحرم .... شيئًا"، وكان في المطبوعة وحدها "يحرم"، وقوله "لا يحرم" أي لا يسقط ولا ينقص منه شيئًا.
2 في "س": "قد عرف".
3 هو في ديوانه.
4 هو في ديوانه، وقد مضى برقم: 359.
(1/450)

أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحُسْنِ عُنَّابا1
ألا تَرى أنك لو حملتَ نفسَك على أن تُظهرَ التشبيهَ وتُفصِحَ به، احتجَتْ إلى أن تقول: "أثمرتْ أصابعُ يدِه التي هيَ كالأغصانِ لطالبي الحُسْن، شبيهَ العُنَّاب من أطرافها المخضوبة"، وهذا ما لا تَخْفى غثاثَتُه. مِنْ أجْل ذلك كان موقِعُ "العنَّاب" في هذا البيتِ أحسَنَ منه في قوله:
وعضَّتْ على العُنابِ بالبَرَد
وذاك لأنَّ إظهارَ التشبيهِ فيه لا يقبح هذا القبح المفرد، لأنك لو قلْتَ: "وعضَّتْ على أطرافِ أصابعَ كالعنابِ بثغرٍ كالبَرَد"، كان شيئاً يُتكلَّم بمثلِه وإنْ كانَ مَرْذولاً. وهذا موضعٌ لا يَتبيَّنُ سره إلا من كان مهلب الطَّبْعِ حادَّ القريحةِ2. وفي الاستعارةِ علْمٌ كثيرٌ، ولطائِفُ معانٍ، ودقائقُ فروقٍ، وسنقولُ فيها إن شاء الله في موضع آخر.
القسم الثاني: وهو الذي تكون فصاحته في النظم
533 - واعلمْ أنَّا حينَ أخذْنا في الجوابِ عن قولِهم: "إنَّه لو كان الكلامُ يكونُ فصيحاً مِن أجْل مزيَّةٍ تكونُ في معناه، لكانَ ينبغي أن يكونَ تفسيرُه فصيحاً مثلَه"3، قلْنا: "أَنَّ الكلامَ الفصيحَ ينقسمُ قسمين، قسمٌ تُعزى المزيةُ فيه إلى اللفظِ، وقسمٌ تُعْزى فيه إلى النظم"4، وقد ذكرنا في
__________
1 في ديوانه، في باب الفخر، وفي المطبوعة: "بجنان الحسن"، خطأ، وفي "ج": "لجناة الحب"، وهو لا شيء.
2 في "س" والمطبوعة: "ملتهب".
3 انظر رقم: 499، 504، 522.
4 انظر ما سلف رقم 508، وهذا موضع القسم الثاني.
(1/451)

القسمِ الأول من الحِجَج ما لا يَبْقى معه لعاقلٍ، إذا هو تأمَّلَها، شَكٌّ في بُطْلانِ ما تعَلَّقوا به، مِنْ أنه يَلْزَمُنا في قولِنا: "إنَّ الكلام يكونُ فَصيحاً مِن أجْل مزيةٍ تكونُ في معناه"1، أن يكونَ تفسيرُ الكلامِ الفصيحِ فصيحاً مثلَه، وأنَّه تَهُّوسٌ منهم، وتفحم في المحالات2.
وأما القسمُ الذي تُعزى فيه المزيةُ إلى "النظْم"، فإِنَّهم إنْ ظنُّوا أنَّ سؤالَهم الذي اغترُّوا به يتجهُ لهم فيه، كان أمرُهم أعجَبَ، وكان جهلُهم في ذلك أغْرَبَ. وذلك أن "النظم"، كما بينا، إنما هو توخّي معاني النحو وأحكامِه وفروقِه ووُجوهه، والعملُ بقوانينه وأُصولِه، وليستْ معاني النحو معانيَ ألفاظ3، فيتصوَّر أن يكونَ لها تفسيرٌ.
534 - وجملةُ الأمر، أنَّ "النظْمَ" إنما هو أنَّ "الحمدَ" من قولِه تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} مبتدأ، و "لله" خبره، و "ربِّ" صفةٌ لاسم الله تعالى ومضافٌ إلى "العالمين" و "العالمينِ" مضافٌ إليه، و "الرحْمنِ الرحَيم" صفتانِ كالرَّبِ، و "مالكِ" من قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} صفة صفةٌ أيضاً، ومضافٌ إلى يوم. و "يومِ" مضافٌ إلى "الدين"، و "إياك" ضميرُ اسم الله تعالى، وهو ضميرٌ يقَعُ موقِعَ الاسمِ إذا كان الاسمُ منصوباً، معنى ذلك أنكَ لو ذكَرْت اسْمَ الله مكانه لقلت: "الله تعبد"، ثم إنَّ "نعْبدُ" هو المقتضي معنى النصْبِ فيه، وكذلك حكم {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} معطوف بالواو على جملة {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، و {الصِّرَاطَ}
__________
1 انظر ما سلف رقم: 506.
2 في المطبوعة وحدها: "في المجادلات".
3 في "س": "معاني لفظ"، وفي المطبوعة: "معاني الألفاظ".
(1/452)

مفعولٌ، و {الْمُسْتَقِيمَ} صفةٌ للصِراط، و {صِرَاطَ الَّذِينَ} بدل من {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، و {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} صلة الذين، {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} صفة {الَّذِينَ}، و {الضَّالِّينَ} معطوفٌ على {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}.
فانظرِ الآنَ هَلْ يتصوَّر في شيءٍ مِن هذه المعاني أن يكونَ معنى اللفظِ؟ وهل يكونُ كونُ "الحمدُ" مبتدأ معنى لفظِ "الحمد"؟ أم يكون كونُ "ربِّ" صفة وكونُه مضافاً إلى "العالمين" معنى لفظ "الرب"؟
535 - فإِنْ قيلَ: إنه إنْ لم تكنْ هذه المعاني معانيَ أنفُسِ الألفاظِ، فإِنها تُعْلَمُ على كلِّ حال من ترتب الألفاظ، ومن الإعراب، فالبرقعة في "الدال" من "الحمد" يُعْلَم أنه مبتدأٌ، وبالجرِّ في "الباء" من "ربِ" يُعْلَم أنه صفة، وبالياء في "العالمينَ" يُعْلم أنه مضافٌ إليه، وعلى هذا قياسُ الكُلِّ.
قيل: ترتيبُ اللفظ لا يكونُ لفظاً، والإعرابُ وإنْ كان يَكونُ لفْظاً، فإِنه لا يُتصوَّر أن يكونَ ههنا لفظانِ كلاهما علامةُ إعرابٍ، ثم يكونُ أحدُهُما تفسيراً للآخَر. وزيادةُ القولُ في هذا من خطَل الرأي، فإنه مما يعلمه العقال ببَديهةِ النظرِ، ومَنْ لَمْ يتنبَّهْ له في أوَّل ما يَسْمَع، لم يَكُنْ أهلاً لأنْ يكلم. ونعوذ إلى رأسِ الحديث فنقول.
536 - قد بطَلَ الآنَ من كلِّ وجهٍ وكلِّ طريقٍ، أنْ تكونَ "الفصاحةُ" وصْفاً لِلَّفظ من حيثُ هو لفظٌ ونطقُ لسانٍ، وإذا كان هذه صورةَ الحالِ وجملةَ الأمرِ، ثم لم تَرَ القومَ تفكَّروا في شيءٍ ممَّا شرحْناه بحالٍ، ولا أخطَرُوه لهم ببالٍ، بانَ وظهَر أنَهم لم يأتوا الأمرَ مِن بابِه، ولم يَطْلبُوه من مَعْدِنه، ولم يسلُكُوا إليه طريقَه، وأنهمْ لم يزيدوا على أنْ أوْهَموا أنفُسَهم وهماً كاذباً أنَّهم قد أبانوا
(1/453)

الوجْه الذي به كان القرآنُ معجِزاً، والوصفَ الذي به بانَ مِن كلام المخلوقينَ، مِنْ غيرِ أنْ يكونوا قد قالوا فيه قولاً يَشْفي من شَاكٍّ غليلاً، ويكونُ علَى عِلْمٍ دليلاً، وإلى معرفة ما قَصدوا إليه سبيلاً1.
الردة على المعتزلة في مسألة "اللفظ":
537 - واعلمْ أنَّه إذا نظرَ العاقِلُ إلى هذه الأدلة فرأى ظهروها، استبعدَ أنْ يكونَ قد ظنَّ ظانٌّ في "الفصاحةِ" أنَّها مِن صفةِ اللفظِ صريحاً، ولعمري إنه لكذلك ينبغي، إلا أنا إنما تنظر إلى جِدِّهم وتَشدُّدِهم وبتِّهمُ الحُكْمَ "بأنَّ المعانيَ لا تتزايدُ، وإنما تتزايدُ الألفاظُ"2، فلئِنْ كانوا قد قالوا "الألفاظُ" وهم لا يُريدونها أنفُسَها، وإنما يريدون لطائفَ معانٍ تُفْهم مِنْها، لقد كان ينبغي أنْ يتَّبعوا ذلك مِن قولِهم ما ينبئ عن غرضهم، وأن يذكروا أنهم عتوا بالألفاظ ضرْباً من المعنى، وأن غرَضَهم مفهومٌ خاصٌّ.
538 - هذا، وأمرُ "النظم" في أنه ليس شيئاً غيرَ توخِّي معاني النحوِ فيما بينَ الكَلم، وأن ترتب المعاني في أنه ليس شيئاً غيرَ توخِّي معاني النحوِ فيما بين الكَلِم، وأنَّك تُرتِّبُ المعاني، أولاً في نفسِك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظَ في نُطْقك، وأنَّا لو فَرَضْنا أن تخلوا الألفاُظُ منَ المعاني، لم يُتصوَّر أنْ يَجبَ فيها نَظْمٌ وترتيبٌ3 في غاية القوَّة والظهورِ، ثم ترَى الذين لَهَجُوا بأمرِ "اللفظِ" قد أبَوْا إلا أن يجعلوا "النظم" في الألفاظ. ترى الرجُلَ منهم يَرى ويَعْلم أنَّ الإنسانَ لا يسَتطيعُ أن يجيءَ بالألفاظ مرتَّبةً إلاَّ من بعد أن يفكر في
__________
1 يعني بهذا القاضي عند الجبار المعتزلي وما كتبه في كتابه "المغني".
2 هذا نص مقالة القاضي عبد الجار المعتزلي، وقد مضى برقم: 55، ورقم: 466.
3 السياق: هذا، وأمر النظم ... في غاية القوة ... ".
(1/454)

المعاني ويرتِّبها في نفسه على ما أعلَمْناكَ، ثم تُفتِّشه فتَراهُ لا يَعرِفُ الأمرَ بحقيقتِه، وتَراه يَنظُر إلى حالِ السامعِ، فإِذا رأى المعانيَ لا تقَعُ مرتَّبةً في نفسِه إلاَّ من بعْدِ أن تقَعَ الألفاظُ مرتَّبة في سَمعِه، نسيَ حالَ نفسِه، واعتَبَر حالَ مَنْ يمسع منه1. وسبَبُ ذلك قِصَرُ الهمةِ، وضَعْفُ العنايةِ، وتركُ النظرِ، والأنسُ بالتقليد. وما يُغْني وضوحُ الدلالةِ مَعَ مَنْ لا ينظر فيها، وإن الصبح لملأ الأفقَ، ثم لا يَراه النائمُ ومَنْ قد أطْبَقَ جفْنَه؟
كلام العلماء في الفصاحة أكثره كالرمز والتعريض دون التصريح:
539 - واعلمْ أنكَ لا تَرى في الدنيا عِلْماً قد جرى الأمرُ فيه بَديئاً وأخيراً على ما جرى عليه في "علمٍ الفصاحةِ والبيانِ".
اما البدئ، فهو أنَّك لا تَرى نوعاً من أنواع العلوم إلا وإذا تأملت كلام الأولين الذي عَلَّموا الناسَ، وجدْتَ العبارةَ فيه أكثرَ من الإِشارة، والتصريحَ أغلبَ من التلويج. والأمرُ في "علمِ الفصاحةِ" بالضِّدِّ مِن هذا.
فإِنك إِذا قرأتَ ما قالَه العلماءُ فيه، وجدْتَ جُلَّه أو كُلَّهَ رمزاً ووَحْياً، وكنايةً وتعريضاً، وإيماءً إلى الغرض من وجْهٍ لا يَفْطِنُ له إلاَّ مَنْ غلغَلَ الفكْرَ وأدَّقَ النظَرَ، ومَنْ يَرجعُ من طَبْعه إلى ألْمَعيَّةِ يَقْوى معها على الغامِض، ويصلُ بها إلى الخفيِّ، حتى كان بَسْلاً حَراماً أن تتجلَّى معانيهم سافرةَ الأوجُهِ لا نِقابَ لها2، وباديةَ الصَّفحةِ لا حجابَ دونَها، وحتى كأنَّ الإفصاحَ بها حَرامٌ، وذكرَها إلاَّ على سبيل الكناية والتعريض غير سائغ.
__________
1 انظر ما سلف رقم: 492.
2 في "س": "بتلًا حرامًا" بالتاء، وقد مضى مثل ذلك في آخر رقم: 441.
(1/455)

وأمَّا الأَخيرُ، فهو أَنَّا لم نَرَ العقلاءَ قد رضُوْا مِن أَنفُسِهم في شيءٍ من العلوم أنْ يحفَظوا كلاماً للأَوَّلينَ ويتدارَسُوه، ويُكلِّمَ به بعضُهم بعضاً، مِنْ غَير أن يعرِفوا له معنى، ويقفوا منه على غرَضٍ صحيحٍ، ويكونَ عندهم، إن يسألوا عنه، بيانٌ له وتفسيرٌ1 إلاَّ "علمَ الفصاحةِ"، فإِنك تَرى طبقاتٍ منَ الناس يتداولونَ فيما بينهم أَلفاظاً للقدماء وعباراتِ، مِنْ غَير أنْ يعرِفوا لها معنًى أَصْلا، أَوْ يستطيعوا إن يسألوا عنها أن يذكروا لها تفسير يصح.
بيان معان في وصف "اللفظ"، كقولهم "لفظ متمكن غير قلق":
540 - فمِنْ أقْرَبِ ذلك، أَنك تَراهم يقولون إذا هُمْ تكلَّموا في مزيَّةِ كلامٍ على كلامٍ: "إنَّ ذلك يكونُ بجزالةِ اللفظِ"2 وإِذا تكلَّموا في زيادةِ نظمٍ على نظمٍ: "إنَّ ذلك يكون لوقوعه على طريقة مخصوصة وعلى وجوه دونَ وجهٍ"3، ثمّ لا تَجدُهَم يُفسِّرون الجزالَةَ بشيء، ويقوون في المراد "بالطريقة" و "الوجه" ما يَحْلَى منه السامعُ بطائل. ويقرؤون في كُتب البلغاءِ ضُروبَ كلامٍ قد وَصفُوا "اللفظَ" فيها بأوصاف يعلم ضرورةً أَنها لا تَرْجعُ إليه من حيثُ هو لفظٌ ونُطْقٌ لسانٍ وصدى حرفٍ، كقولهم: "لفظٌ متمكِّنٌ غيرُ قَلقٍ ولا نابٍ به، مَوْضِعُه، وأَنَّه جيِّدُ السبْكِ صحيحُ الطابعِ، وأنَّه ليس فيه فضْلٌ عن معناهُ" وكقولهم: "إنَّ مِنْ حقِّ اللفظِ أنْ يكونَ طِبْقاً للمعنى، لا يَزيد عليه ولا يَنقُصُ عنه" وكقول بعْضِ مَنْ وصَفَ رجُلاً مِن البُلغاء: "كانت أَلفاظُه قوالبَ لِمعانيه"، هذا إذا مدَحوه وقَولِهم إذا ذَمُّوه: "هو لفظٌ معقَّدٌ، وإنَّه بتعقيده قد استَهْلكَ المعنى" وأشباهٌ لهذا4، ثم لا يخطر ببالهم أنه يجب أن
__________
1 السباق: "لم نر العقلاء رضوا عن أنفسهم في شيء من العلوم .... إلا علم الفصاحة".
2 هذا قول القاضي عبد الجبار المعتزلي في المغني 16: 198.
3 هذا أيضًا من كلام القاضي عبد الجبار.
4 السياق: "ويقرؤون في كتب البلغاء ... ثم لا يخطر".
(1/456)

يُطْلَب لِمَا قالوه معنًى، وتُعْلَمَ له فائدةٌ، ويَجْشَمَ فيه فكْرٌ، وأن يُعتقدَ على الجملة أقلُّ ما في الباب، أَنه كلامٌ لا يصِحُّ حَمْلُه على ظاهِره، وأن يكونَ المرادُ "باللفظِ" فيه نطْقَ اللسانِ.
فالوصفُ بالتمكُّن والقَلَق في "اللفظ" محالٌ، فإنما يتمكَّنُ الشيءُ ويقْلَقُ إذا كان شيئًا يثبت في مكان، و "الألفاظ" حروف لا يجود مِنها حرفٌ حتى يعدَمَ الذي كان قبلَه. وقولُهم: "متمكِّنٌ" أو "قَلِقٌ" وصْفٌ للكلمةِ بأَسرها، لا حرفٍ حرْفٍ منها1.
ثم إنه لو كان يَصِحُّ في حروفِ الكلمةِ أن تكونَ باقيةً بمجموعها، لكانَ ذلك فيها مُحالاً أيضاً، من حيثُ إنَّ الشيءَ إنما يتمكَّنُ وَيقْلقُ في مكانه الذي يُوجَد فيه، ومكانُ الحروفِ إنما هو الحَلْقُ والفمُ واللسانُ والشفتانِ، فلو كان يَصِحُّ عليها أنْ تُوصَف بأنها تتمكَّن وتقْلَقُ، لكانَ يكون ذلك التمكين وذلك القَلَقُ منها في أَماكنها مِنْ الحَلْق والفَم واللسانِ والشفتين.
وكذلك قولُهم: "لفظٌ ليس فيه فضلٌ عن معناه"، محالٌ أنْ يكونَ المرادُ به "اللفظَ"، لأنه ليس ههنا اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ يَزيد على معناهُ أو ينقُصُ عنه. كيف؟ وليس بالذَّرْع وضعت الألفاظ على المعاني2.
وإذا اعتبْرنا المعانيَ المستفادةَ من الجمل، فكذلك. وذلك أنه ليس ههنا جملةٌ مِنْ مبتدإ وخَبرٍ أو فِعْل وفاعلٍ، يحصل بها الإثبات أو النفي، أثم أو أنقص مما يحصل باخرىز وإنما فضل اللفظ عن المعنى: أن تزيد الدلالةَ بمعنى على معنى، فتُدْخِلَ في أثناءِ ذلك شيئًا لا حاجة باملعنى المدلول عليه إليه.
__________
1 في المطبوعة: "لا حرف منها".
2 "الذرع" يعني به القياس بالذراع.
(1/457)

وكذلك السبيل في "السبك والطابَع" وأشباهِهما، لا يحُتَملُ شيءٌ من ذلك أن يكونَ المُرادُ به "اللفظَ" من حيثُ هو لفظٌ.
مسألة "اللفظ" وغلبتها على المعتزلة وغيرهم:
541 - فإِن أردتَ الصدقَ، فإِنَّك لا تَرى في الدنيا شأناً أَعْجبَ من شأنِ الناسِ مع "اللفظ"، ولا فساد رأى مازج النفوس وخارمها واستحكم يها وصار كإحدى طبائعها، من رأيهم في "اللَّفظ". فقد بلَغَ من مَلَكتهِ لهم وقُوَّتهِ عليهم، أنْ تَرَكهم وكأنَّهم إذا نُوظِروا فيه أخذَوا عن أنفُسِهم، وغيَّبوا عن عقولهم، وحِيلَ بينَهم وبينَ أنْ يكونَ لهم فيما يَسْمعونَه نَظَرٌ، ويُرى لهم إيرادُ في الإِصغاء وصَدَرُ، فلستَ تَرَى إلاَّ نفوساً قد جَعلَتْ تَرْكَ النظرِ دأْبَها، ووَصَلَتْ بالهُوينا أَسبابَها، فهي تعتر بالأضاليلِ وتَتباعَدُ عن التحصيلِ، وتُلْقي بأيديها إلى الشَّبَه، وتُسْرعُ إلى القولِ المموَّه.
542 - ولقد بلغَ مِن قلَّة نظَرِهم أنَّ قوماً منهم لمَّا رَأَوْا الكُتُبَ المصنَّفةَ في اللُّغةِ قد شاعَ فيها أنْ تُوصفَ الألفاظُ المفردةُ بالفصاحةِ، ورأوا أبا العباس ثعلباً قد سمَّى كتاقبه "الفصيح"، ـ مع أنه لم يذكر فيه اللُّغةَ والألفاظَ المفردةَ، وكان مُحالاً إذا قيلَ: إنَّ "الشمَع" بفتح الميم، أفصحُ من "الشمْع" بإِسكانه، أن يكونَ ذلك من أجلِ المعنى، إذا ليس تُفيد الفتحةُ في الميم شيئاً في الذي سُمِّي به1 سبَقَ إلى قلوبهم أنَّ حُكْمَ الوصفِ بالفَصَاحة أَينما كان وفي أي شيءٍ كان، أن لا يكونَ له مرجِعٌ إلى المعنى البتةَ، وأَن يكونَ وصْفاً لِلفَّظِ في نفسه، ومِن حيثُ هو لفظٌ ونطقُ لسانٍ، ولم يعلموا أنَّ المعنى في وصْف الألفاظِ المفردةِ بالفصاحة، أنها في اللغة أثْبَتُ، وفي استعمال الفصحاء أكثر.
__________
1 السياق: "أنَّ قوماً منهم لمَّا رَأَوْا الكُتُبَ المصنَّفةَ .... سبق إلى قلوبهم".
(1/458)

أوْ أنها أَجْرى على مقاييس اللغةِ والقوانينِ التي وَضعوها. وانَّ الذي هو معنى "الفصاحةِ" في أصل اللغة، هو الإنابة عن المعنى، بدلالة قولهم: "فصيح" و "أعجم"، وقولهم: "أفصح الأعجمي"، و "فصح اللحان" و "أفصح الرجُلُ بكذا"، إذا صرَّحَ به وأَنه لو كان وصفهم الكلمات المفردة بالفصاحةِ من أجْل وصْفٍ هُوَ لَها من حيثُ هي ألفاظٌ ونطقُ لسان، لوجب إذا وجت كلمةٌ يقال إنها كلمةٌ فصيحةٌ على صفةٍ في اللفظِ، أن لا تُوجَد كلمةٌ على تلك الصفةِ، إلا وَجَبَ لها أن تكونَ فصيحةً1، وحتى يَجِبَ إذا كانت "فقهتُ الحديثَ" بالكسر أفصحَ منه بالفتح، أن يكونَ سبيلُ كلَّ فعلٍ مثْلِه في الزِّنَةِ أَنْ يكونَ الكَسرُ فيه أفْصَحَ من الفتح.
ثم إنَّ فيما أودَعهُ ثعلبُ كتابَه، ما هو أفصَحُ، مِن أجْل أنْ لم يكُنْ فيه حرفٌ كان فيما جعلَهُ أفصَحَ منه2، مثْلُ إن "وقفت" أفصلح من "أَوْقَفْتُ"، أفتَرى أَنه حدَث في "الواو" و "القاف" و "الفاء" بأنْ لم يكن معها الهمزةُ، فضيلةٌ وجَبَ لها أن تكونَ أفصَحَ؟ وكفى برأيٍ هذا مؤدَّاهُ تَهافتاً وخَطلاً!
وجملةُ الأمر أَنه لا بدَّ لقولِنا "الفصاحةُ" مِنْ معنًى يُعْرَفُ، فإنْ كان ذلك المعنى وصْفاً في ألفاظٍِ الكلمات المفردةِ، فينبغي أنْ يُشارَ لنا إليه، وتوضَعَ اليد عليه.
__________
1 أسقط كاتب "ج" من أول قوله: "على صفة في اللفظ"، إلى هنا.
2 عبارة الشيخ هنا كزة جدًا. يعني أن ثعلبًا أورد كلمات في كتابه، فقال: هذا أفصح من هذه، وفي أفصح الكلمتين، حرف ليس في الأخرى.
(1/459)

"الاستعارة"، تكون في معنى "اللفظ":
543 - ومن أَبْيَن ما يَدلُّ على قلةِ نَظَرِهم، أَنه لا شبْهةَ على مَن نَظَر في كتابٍ تُذْكَر فيه "الفصاحةُ"، أنَّ "الاستعارةَ" عنوانُ ما يُجْعَلُ به "اللفظُ" فصيحاً، وأن "المجازَ" جملته، و "الإيجاز" مِن مُعْظم ما يُوجِبُ لِلََّفظِ الفصاحةَ. وأنتَ تراهم يذكرون ذلك يعتمدونه، ثم يَذْهَبُ عنهم أنَّ إيجابَهم "الفصاحةَ" لِلَّفْظِ بهذه المعاني، اعترافٌ بصحةِ ما نحن نَدْعوهم إلى القولِ به، من أَنه يكونَ فصيحاً لمعناه.
أمَّا "الاستعارةُ"، فإِنهم إنْ أَغْفَلوا فيها الذي قلنا، من أَنَّ المستعارَ بالحقيقةِ يكونُ معنى "اللفظِ"، واللفظُ تِبْعٌ، مِنْ حيثُ إنَّا لا نَقول: "رأيتُ أَسداً"، ونحنُ نَعْني رَجُلاً، إلاَّ على أنَّا ندَّعي أَنَّا رأينا أَسداً بالحقيقة، من حيثُ نَجْعلُه لا يتميزُ عن الأَسد في بأسه وبطشه وجزأه قلْبه فإِنهم على كلِّ حال لا يستطيعون أنْ يَجعلوا "الاستعارةَ" وصْفاً لِلَّفظِ مِن حيثُ هو لفظٌ، مع أَّنَّ اعتقادَهم أَنك إذا قلتَ: "رأيتُ أسداً"، كنتَ نقلْتَ اسْمَ "الأسدِ" إلى "الرجُلِ" أوْ جعلْتَه هكذا غُفْلاً ساذَجاً في معنى شجاعٍ. افتَرى أنَّ لفظَ "الأسدِ" لمَّا نُقِل عن السَّبُع إلى "الرجُلِ" المشبَّه به، أحدثَ هذا النقلُ في أجراسِ حروفهِ ومذاقَتِها وصْفاً صارَ بذلك الوصْفِ فصيحاً؟
544 - ثم إنَّ من "الاستعارَة" قَبيلاً لا يَصِحُّ أنْ يكونَ المستعارُ فيه "اللفظَ" البتَّةَ، ولا يصِحُّ أن تَقعَ الاستعارةُ فيه إلاَّ على المعنى، وذلك ما كان مثْلَ "اليد" في قول لبيد:
وغداة ربح قد كشفت وقرة ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها1
__________
1 قد سلف في الفقرة رقم: 512.
(1/460)

ذاك أنه ليس ههنا شيءٌ يَزْعمُ أَنَّه شبَّهَهُ باليد، حتى يكونَ لفظُ "اليد" مستعاراً له، وكذلك ليس فيه شيءٌ يُتَوهَّمُ أن يكونَ قد شبَّهه بالزِّمام، وإنما المعنى على أنه شبَّه "الشَّمالَ" في تصريفها "الغداةَ" على طبيعتها، بالإنسانِ يكون زمامُ البعيرِ في يَدِه، فهو يُصَرِّفُه على إرادته، ولمَّا أرادَ ذلك جَعَل للشَّمالِ يداً، وعلى الغداة زماماً. وقد شرحْتُ هذا قبْلُ شرْحاً شافياً1.
545 - وليس هذا الضربُ من الاستعارة بدُون الضربِ الأولِ في إيجابِ وصْفِ "الفصاحةِ" للكلام، لا بَلْ هو أَقوى منه فيِ اقتضائها. والمَحاسِنُ التي تَظهرُ به، والصورُ التي تَحْدثُ للمعاني بسببه، آنقُ وأعجبُ. وإنْ أردتَ أن تَزْداد عِلماً بالذي ذكرتُ لكَ من أمرِهِ، فانظرْ إلى قوله:
سقته كف الليل أكواس الكَرى2
وذلك أنَه ليس يَخْفى على عاقلٍ أنه لم يُرد أن يُشبِّه شيئاً بالكفِّ، ولا أراد ذلك في "الأكواس" ولكن لما كان يقال: "سكر الكرى" و "سكر النوم"، استعار للكرى "الأكواس"، كما استعار الآخَرُ "الكأْسَ" في قوله:
وقد سَقَى القومَ كأسَ النعسةِ السَّهَرُ3
ثم إنه لمَّا كان الكَرى يكونُ في الليل، جعلَ الليلَ ساقياً، ولمَّا جَعلَه ساقياً جعلَ له كفًا، إذا كان الساقي يناول الكأس بالكف.
__________
1 انظر ما سلف، الفقرة رقم: 512.
2 لم أعرف قائله. وهكذا هو "ج" و "س"، والمطبوعة هنا، وفيما سيأتي، وهو بلا شك جمع "كأس"، وكأنه سهل الهمزة ثم جمع "كاسًا" على "أكواس".
3 الشعر لأبي دهبل الجمحي، وهو في ديوانه، وروايته: "كأس النشوة"، وصدر البيت:
أقول والركب قد مالت عمائمهم
(1/461)

546 - ومن اللطيفِ النادِرِ في ذلَك، ما تراهُ في آخِرِ هذه الأبياتِ، وهي للحَكَم بْنِ قنبر:
ولَوْلا اعْتِصامي بالمُنَى كلَّما بَدا ... ليَ اليأسُ منها، لم يَقُمْ بالهَوى صَبْري
ولَوْلا انْتِظاري كل يوم جدي غدٍ، ... لراحَ بِنَعْشِي الدّافِنونَ إلى قَبْري
وقَدْ رايني وَهْنُ المُنى وانِقباضُها ... وبَسْطُ جديدِ اليأسِ كَفَّيْهِ في صدْري
ليس المعنى على أَنه استعارَ لفظَ "الكفينِ" لشيءٍ، ولكنْ على أنه أرادَ أنْ يَصِفَ اليأسَ بأنَّه قد غلَب على نفسِه، وتمكَّن في صدْرِه، ولمَّا أرادَ ذلك وصفه بما يصفون فيه الرجل بفضل القدرة على الشيء1، وبأنه ممكن منه، وأن يَفْعلُ فيه كلَّ ما يريدُ2، كقولهم: "قد بَسطَ يديهِ في المال يُنفِقُه ويصنَعُ فيه ما يشاء"، و "قد بَسطَ العامِلُ يدَه في الناحية وفي ظُلْم الناس"، فليس لك إلا أن تقول: "إنما لما أراد ذلك، جعل الليأس "كفَّيْنِ"، واستعارَهما له، فأَمَّا أَنْ تُوقِعَ الاستعارةَ فيه على "اللفظ"، فما لا تخفى استحالتهُ على عاقل3.
"المجاز"، كالاستعارة، إلا أنه أعم:
547 - والقولُ في "المجازِ" هو القولُ في "الاستعارة"، لأنه ليس هو بشيء غيرها، وغنما الفَرْقُ أَنَّ "المجازَ" أعمُّ من حيثُ إنَّ كلَّ استعارةِ مجازٌ، وليس كلُّ مجازٍ استعارةً.
وإذا نظرنا من "المجاز" يما لا يطلق عليه أن "استعارة" ازداد خطأ القوم
__________
1 في المطبوعة "يصفون به"، وفي نسخة عند رشيد رضا "فيه" أيضًا.
2 في المطبوعة: "متمكن عنه وأنه يفعل"، وفي "س": "ومن أن يفعل".
3 في المطبوعة: "فمما".
(1/462)

قبحًا وشناعة. وذلك أن يَلزَمُ على قياس قولهم أنْ يكونَ إنما كان قولُه تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67]، أَفصَحَ مِن أَصْله الذي هو قَوْلُنا: "والنهارَ لِتُبْصِروا أنتُمْ فيه، أو مبصراً أنتم فيه"، من أجْلِ أنه حدَثَ في حروفِ "مُبْصر" بأن جَعَل الفِعْل للنهارِ على سعَةِ الكلامِ1 وصفٌ لم يكن وكذلك يَلزمُ أن يكونَ السببُ في أنْ كان قول الشاعر:
فنام لَيْلي وتجلَّى همِّي2
أفصحَ من قولنا: فنمت في ليل3 أنْ كسبَ هذا المجازُ لفظَ "نام" ولفظ "الليل" مذاقَةً لم تكُنْ لهما. وهذا مما يَنْبغي للعاقل أنْ يستَحيَ منه، وأَنْ يأنفَ من أن يهمل النظر إهمالًا يوديه إلى مثله، وتسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.
القول في "الإيجاز":
548 - وإذْ قد عرفْتَ ما لَزِمَهم في "الاستعارةِ" و "المجاز"، فالذي يَلزَمُهم في "الإِيجاز" أَعجبُ. وذلكَ أنه يلزَمُهم إنْ كانَ "اللفظُ" فصيحاً لأَمرٍ يَرْجِعُ إليه نسه دون معناه أن يكون كذلك موجزًا لمر يرجع إلى نفسه، وذلك في المُحَال الذي يُضْحَك منه، لأنه لا معنى للإِيجاز إلاَّ أنْ يَدُلَّ بالقليل منَ اللفظِ على الكَثير من المعنى، وإذا لم تَجعلْهُ وصْفاً لِلَّفظِ من أجْلِ معناه، أبطَلْتَ معناهُ، أعني أبطلت معنى الإيجاز.
__________
1 السياق: "أنه حدث في حروف مبصر .... وصف".
2 الرجز لرؤية، وقد سلف برقم: 348.
3 السياق: "يلزم أن يكون السبب .... أن كسب"، وموقعها خير "يكون".
(1/463)

549 - ثم إنَّ ههنا معنىً شريفاً قد كان ينبغي أن تكون قد ذكرناه في أثناءِ ما مَضَى من كلامِنا، وهو أَنَّ العاقلَ إذا نَظَر عَلِمَ علْم ضرورةٍ أنه لا سبيلَ له إلى أنْ يُكثِرَ معانيَ الألفاظِ أو يُقلِّلَها، لأنَّ المعانيَ المُودَعةً في الألفاظِ لا تتغيَّر على الجملةِ عمَّا أرادَهُ واضعُ اللغةِ، وإِذا ثبَتَ ذلك، ظَهَر منه أَنه لا معنى لقولِنا: "كثرةُ المعنى مع قِلَّة اللفظِ"، غيرَ أنَّ المتكلَّم يتَوصَّل بدلالةِ المعنى على المعنى إلى فوائدَ، لَوْ أَنه أرادَ الدلالةَ عليها باللفظ لاحتاجَ إلى لفظ كثير.
الرأي الفاسد وخطره إذا قاله عالم له صيت ومنزلة:
550 - واعلمْ أَن القولَ الفاسِدَ والرأيَ المدخولَ، إِذا كان صدره عن قوم لهم نَباهةٌ وصيتٌ وعلوٌّ منزلةٍ في أنواعٍ من العلوم غيرِ العِلْم الذي قالوا ذلك القولَ فيه1، ثم وقَعَ في الأَلْسُن فتداولتْه ونَشرَتْه، وفشَا وظَهَر، وكَثُرَ الناقلون له والمُشِيدُون بِذكْره2 صار تَرْكُ النَّظرِ فيه سنَّةً، والتقليدُ ديناً، ورأيتَ الذين همْ أهلُ ذلك العِلْم وخاصَّتُه والممارِسون له، والذينَ هُمْ خُلَقاءُ أنْ يَعرِفوا وجْهَ الغلطِ والخطأ فيه لو أنَّهم نظَروا فيه3 كالأجانب الذين ليسوا من أهله، في قبول والعمل به والركون إليه، ووجدتهم قد أععطوه مقادتهم، وألا نوا له جانِبَهم، وأَوْهَمَهمْ النظَرُ إلى مُنْتَماه ومنْتَسَبهِ، ثم اشتهارِه وانتشارِه وإطباقِ الجمع بعدَ الجمع عليه4 أَنَّ الضَّنَّ به أصوب، والمحامة عليه أَوْلى. ولربما بل كلَّما ظنوا أنه لم يَشِعْ ولم يَتَّسعْ، ولم يَرْوِهِ خلفٌ عن
__________
1 في المطبوعة وحدها: "إذا كان صدوره عن قوم".
2 السياق: "إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة ... صار ترك النظر" ..
3 السياق: "ورأيت الذين هم أهل ذلك العلم ... كالأجانب" ..
4 السياق: "وأوهمهم النظر إلى منتماه ... أن الضن به".
(1/464)

سَلَف، وأخِرُ عن أول، إلا لأنَّ له أصْلاً صحيحاً، وأنه أُخذَ من معْدِن صدقٍ، واشتُقَّ من نَبْعةٍ كريمةٍ، وأَنه لو كان مَدْخولاً لظَهَر الدَّخَلُ الذي فيه على تقادُم الزمان وكرورِ الأيام. وكمْ من خَطإٍ ظاهرٍ ورأْيٍ فاسدٍ حظيَ بهذا السبَبِ عندَ الناس، حتى بَوَّأُوه في أَخَصِّ موضعٍ من قلوبهم، ومنحوه المحبَّة الصادقةَ من نفوسهم، وعطفوا عليه عطْفَ الأُمِّ على واحدِها. وكم من داءٍ دَويٍّ قد استحْكَم بهذه العِلَّة، حتى أعْيَا علاجُه، وحتى بَعِلَ به الطبيبُ1.
ولَوْلاَ سلطانُ هذا الذي وصفتُ على الناس، وأَنَّ له أخذه تمنع القلوب على التدبر2، وتقطع عنها ذواعي التفكُّر لمَا كان لهذا الذي ذَهَب إليه القومُ في أمرِ "اللفظِ" هذا التمكُّنُ وهذه القوَّةُ، ولا كان يَرْسُخُ في النفوسِ هذا الرسوخ، وتنشعب عروقه هذا الشعب3، مع الذي بانَ مِن تهافُتهِ وسقُوطهِ4 وفُحْشِ الغلط يه، وأنَّكَ لا تَرى في أَديمهِ مِنْ أَين نظَرْتَ، وكيفَ صرَّفْتَ وقلَّبْتَ مَصَحّاً5، وَلا تَراه باطِلاً فيه شَوْبٌ من الحقِّ، وزَيفاً فيه
__________
1 في هامش "ج": "بعل" أي تحبر"، وأزيد: وبرم به ولم يدر كيف يصنع فيه.
2 "الأخذة" أصلها ضرب من التمائم، نوخذا المرأة به زوجها عن السناء غيرها، وهو من السحر.
3 في المطبوعة: وتشعب عروفه هذا التشعب"، وهي جيدة. و "الشعب"، و "التشعب"، التفرق.
4 أسقط كاتب "س" كلامًا، فكتب: "لما كانلهذا الذي ذَهَب إليه القومُ في أمرِ اللفظِ على تهافته وسقوطه" ثم كتب ما أسقطه هنا بعد قوله فيما سيأتي بعد أسطر، أي بعد قوله: "والغيظ صرفًا"، وهو سهور شديد.
5 السياق: "لا ترى في أديمه ... مصحًا"، و "الأديم" بشرة الجلد وظاهره، يريد لا ترى فيه موضعا صحيحًا لم يتخرق.
(1/465)

شيءٌ من الفِضَّة، ولكنْ تَرى الغِشَّ بَحْتاً والغيظ صرفًا، ونسأل الله التوفيق.
الرد على المعتزلة في مسألة "اللفظ" وبيان تقصيرهم:
551 - وكيف لا يكونُ في إسارِ الأُخْذَةِ1، ومَحُولاً بينه وبين الفِكْرة مَنْ يُسلِّمُ أنَّ الفصاحةَ لا تَكونُ في أفرادِ الكلماتِ، وأنها إنما تَكُونُ فيها إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعْضٍ2، ثم لا يَعْلَم أنَّ ذلك يَقْتضي أنْ تكونَ وصْفاً لها، مِن أجْلِ معانيها، لا مِنْ أَجْل أَنفُسِها، ومِنْ حَيثُ هي ألفاظٌ ونُطْقُ لسانٍ؟
ذاكَ لأنه ليس مِنْ عاقلٍ يَفْتَح عينَ قلبهِ، إلاَّ وهو يَعْلَمُ ضرورةَ أنَّ المعنى في "ضَمِّ بعضِها" إلى بعْضٍ"، تعليقُ بعضِها ببعضٍ، وجَعْلُ بعْضِها بسَببٍ من بعض، لا أن ينطق بعضها في أَثر بعضٍ، مِنْ غير أنْ يكونَ فيما بينها تَعلُّقٌ3 ويعْلمُ كذلك ضرورةً إِذا فكرَّ، أنَّ التعلُّقَ يكونُ فيما بين معانيها، لا فيها بينها أَنفُسِها. ألا تَرى أَنَّا لوْ جَهِدْنا كلَّ الجَهْدِ أَنْ نَتصَّورَ تعلُّقاً فيما بينَ لفظين لا معنى تحتهما، لم نتصوَّر؟ ومن أَجْلِ ذلك انقسَمتْ الكَلِمُ قسمَيْنِ:
"مؤتلفٌ" وهو الاسْمُ مع الاسْم، والفعلُ مع الاسْمِ و "غير موتلف" وهو ما عدا ذَلك كالفِعْل معَ الفْعلِ، والحَرْفِ مع الحرفِ. ولو كان التعلُّقُ يكونُ بين الألفاظِ، لكانَ ينبغِي أنْ لا يَختلِفَ حالُها في الائتلافِ، وأنْ لا يكونَ في الدنيا كلمتانِ إلاَّ ويصِحُّ أنْ يأْتلِفا، لأنه تنافي بينهما من حيث هي ألفاظ.
__________
1 سلف تفسيرها في التعليق قريبًا: ص: 465، تعليق: 2.
2 هذا نص القاضي عبد الجبار المعتزلي، وقد سلف برقم: 465، وسيأتي في ىخر هذه الفقرة أيضًا، وانظر ما سيأتي أيضًا في رقم: 554 وما بعدها، بيانه عن "الاحتذاء" عند الشعراء وأهل العلم بالشعر، وهو فصل مهم في الرد على القاضي المعتزلي.
3 في المطبوعة: "فيما بينهما".
(1/466)

وإذا كان كلُّ واحدٍ منهم قد أَعطى يدَه بأنَّ الفصاحةَ لا تكونُ في الكَلِم أَفراداً، وأنها إنما تكونُ إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعض، وكان يكون المراد بضم بضعها إلى بعضٍ، تعليقَ معانيها بعضِها ببعضٍ، لا كَوْنَ بعضِها في النُّطقِ على أثرِ بعضٍ1 كان واجباً، إذا عُلِم ذلكَ، أن يُعْلَم أنَّ الفصاحةَ تَجِبُ لها من أجْل معانيها، لا من أجْل أنْفُسها، لأنه محالٌ أن يكونَ سبب ظهور الفصاحة يها، تعلُّقُ معانيها بعضِها ببعضٍ، ثم تكون الفصاحةُ وصفًا تجب لها لأنفسها لا لماعنيها. وغذا كان العلم بهذه ضرورةً، ثم رأيتَهم لا يَعْلمونَه، فليس إلاَّ أن اعتزامَهم على التقليد قد حالَ بينهم وبين الفكرة، وعرض لهم منه شبه الأخذة2.
تعويل المعتزلة على "نسق الألفاظ" في شأن الفصاحة:
552 - وأعلمْ أنكَ إِذا نظرتَ وجدْتَ مَثلَهم مثَلَ مَنْ يرَى خيَالَ الشيءِ فَيحْسبُهُ الشيءَ، وذاك أَنهم قد اعتمدُوا في كلِّ أمرِهم على النسق الذي يرونه في الألفاظ، وجعل لا يحَفِلون بِغيره، ولا يُعَوِّلون في الفصاحةِ وباللاغة على شيء سواء، حتى انتهوا إلى أن زعموا مَن عَمَد إلى شعرٍ فصيح فقرأه ونطقَ بألفاظهِ على النسَقِ الذي وضعَها الشاعرُ عليه، كان قد أتى بمثْلِ ما أتى به الشاعرُ في فصاحَته وبلاغَته، إلاَّ أَنهم زعَموا أنه يكونُ في إتْيانه بهِ مُحْتذياً لا مبتدئًا3.
__________
1 في المخطوطتين والمطبوعة: "وكان واجبًا"، وهو خطأ ظاهر، والصواب إسقاط الواو، لأن السياق: "إذا كان كل واحد قد أعطى بيده .... كان واجبًا".
2 "الأخذة"، سلف منذ قليل تفسيرها ص: 465، تعليق: 2.
3 هذا صريح مقالة القاضي عبد الجبار المعتزلي، وتجدها في المغني 16: 222.
(1/467)

553 - ونحن إذا تأَملْنا وجَدْنا الذي يكونُ في الألفاظِ من تقديمِ شيءٍ منها على شيءٍ، إنما يقَعُ في النفس أَنَه "نَسَقٌ"، إذا اعتبَرْنا ما تُوخِّي من معاني النَّحو في معانيها، فأمَّا مَع تَرْكِ اعتبارِ ذلك، فلا يَقَعُ ولا يُتصوَّرُ بحالٍ، أفلا تَرى أَنَّكَ لو فرَضْتَ في قولهِ:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حبيبٍ ومنزلِ
أنْ لا يكونَ "نبْكِ" جواباً للأمْر، ولا يكونَ مُعدًّى "بِمنْ" إلى "ذِكْرى" ولا يكونَ "ذكرى" مضافةً إلى "حبيب"، ولا يكونَ "منزل" معطوفاً بالواو على "حبيب"1 لخَرَجَ ما تَرى فيه مِنَ التقديم والتأخيرِ عن أن يكونَ "نَسَقاً"؟ ذاك لأنَّه إنما يكونُ تقديمُ الشيءِ على الشيءِ نَسَقاً وتَرتيباً، إذا كان ذلكَ التقديمُ قد كان لِمُوجِبٍ أوْجَبَ أنْ يقدَّم هذا ويؤخَّر ذاك، فأَمَّا أنْ يكونَ مع عدم الموجِبِ نسَقاً، فَمحال، لأنه لو كان يكونُ تقديمُ اللفظِ على اللفظِ مِنْ غَيْر أنْ يكونَ لهُ مُوْجِبٌ "نَسقاً"، لكان يَنبغي أن يكونَ تَوالي الألفاظِ في النُّطق على أَيِّ وجْهٍ كان "نَسَقاً"، حتى إنك لو قلْتَ: "نبْك قِفا حبيبِ ذكرى من"، لم تَكنْ قد أعدَمْتَه النسَقَ والنظْم وإنما أعدَمْتَه الوزْنَ فقط. وقد تقدَم هذا فيما مضى2، ولكنَّا أعَدْناه ههنا، لأنَّ الذي أَخَذْنا فيه من إسلامِ القوم أنفسهم إلى التقليد، اقتضى إعادته.
"الاحتذاء"، و"الأسلوب":
554 - واعلمْ أنَّ "الاحتذاءَ" عندَ الشعراءِ وأهلِ العلمِ بالشعر وتقديره وتمييزه3، أن يبتدئ الشاعر في معنى له وغرض أسلوبًا و "الأسلوب"
__________
1 السياق: "أفلا ترى لو فرضت في قوله ... لخرج ما ترى".
2 انظر ما سلف رقم: 493.
3 انظر التعليق السالف على آخر الفقرة رقم: 552.
(1/468)

الضْربُ مِنَ النْظم والطريقةُ فيه فيعمَدَ شاعرٌ آخرُ إلى ذلك "الأسلوبِ" فيجيءَ بهِ في شِعره، فيُشبَّه بِمَنْ يقْطَع مِن أَديمه نعْلاً على مثال نعْلٍ قد قطَعها صاحبُها، فيقال: "قدِ احْتذى على مثالِه"، وذلك مثلُ أَنَّ الفرزدق قال:
أنرجو ربيع أن تجديء صِغارُها ... بِخَيرٍ، وَقدْ أَعْيَا رُبَيْعاً كِبارُها1
واحْتَذاه البعيث فقال:
أَترجُو كُلَيْبٌ أنْ يَجيء حديثُها ... بَخير، وقد أَعْيَا كُلَيْباً قَدِيمُها2
وقالوا: إنَّ الفرزدقَ لمَّا سمع هذا البيت قال:
إِذا ما قلتُ قافيةً شَروداً ... تَنَحَّلهَا ابنُ حمراءِ العِجَانِ3
ومثلُ ذلك أَنَّ البعيثَ قال في هذه القصيدة:
كليب لئام الناس قد تعلمونه ... وأنتَ إذا عُدَّت كُلَيبٌ لَئيِمُها4
وقال البحتريُّ:
بنو هاشم في كل مشرق ومغرب ... كرام بنى الدنيا وأنت كريمها5
__________
1 هو في ديوانه، يهجو بني ربيع بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة، وانظر لهذا وما بعده النقائض: 124، 125.
2 هو في قصيدة البعث في النقائض: 109، 125.
3 هو في ديوانه، والنقائض: 125، وقال: "تنخلها"أي أخذ خيارها. و "تنحلها" "يعني بالمهملة"، "انتحلها"، و "ابن حمراء العجان"، يعني البعيث، لأن أمه أعجمية غير عربية.
4 هو في قصيدته في النقائض: 109
5 هو في ديوانه.
(1/469)

وحكى العسكريُّ في "صنعة الشَّعر"1 أنَّ ابنَ الروميِّ قال: قال لي البحتريُ: قولُ أبي نواس:
ولم أَدْرِ مَنْ هُمْ غيرَ ما شهِدَتْ لهم ... بشرفي ساباطَ الديارُ البَسَابِسُ2
مأخوذٌ من قول أبي خراش الهذلي:
وَلَمْ أَدْرِ مَنْ أَلْقى عليه رداءَهُ ... سِوى أَنه قَدْ سُلَّ مِنْ ماجدٍ مَحْضِ3
قال فقلتُ: قد اختلفَ المعنى! فقال: أَمَا تَرى حَذْوَ الكلامِ حَذْواً واحداً؟
وهذا الذي كتبتُ من جلى الأخذ في "الحذو"4، ومما هو ي د الخفي قول البحتري:
ولن يَنْقُلَ الحسَّادُ مجْدَكَ بعْدَما ... تمكَّنَ رَضوى وآطمأن متالع5
وقول أبي تمام:
ولقد جهدتهم أَنْ تُزِيلوا عِزَّهُ ... فإِذا أَبانٌ قدْ رَسَا ويلملم6
__________
1 كأنه كتاب آخر غير "ديوان المعاني"، لأبي هلال العسكري.
2 هو في ديوانه، و "ساباط" هو ساباط كسرى بالمدائن، و "البسابس"، القفار.
3 في شرح أشعار الهذلين: 1230، وشرح الحماسة للتبريزي 2: 145.
4 في المطبوعة: "حلى الأخذ"، وشرحه بما لا يحسن أن يقال.
5 هو في ديوانه، و "رضوى" و "متالع" جبلان.
6 هو في ديوانه، و "أبان" و "يلملم" بجلان، وفي "س": "ولقد أرادوا أن يزيلوا"، على غير رواية الديوان.
(1/470)

قد احتذى كل واحد مننهما على قول الفرزدق:
فادْفَعْ بِكفْكَ، إنْ أردُتَ بِناءَنا ... ثهلانَ ذا الهضَباتِ هَل يتحْلَحَلُ1
وجملةُ الأمر أَنهم لا يَجْعلون الشاعرَ "مُحْتذِياً" إلاَّ بما يَجْعلونه بهِ آخذًا ومسترقًا، قال ذو الرمة:
وشعرٍ قَدْ أَرِقْتُ له غريبٍ ... أُجَنّبُهُ المُسانَد والمُحَالا
فبتُّ أُقِيمُهُ وأَقَدُ مِنْهُ ... قَوافِيَ لا أُريد لها مِثَالا2
قال يقول: لا أَحْذوها على شيءٍ سمِعْتُه.
فأَمَّا أنْ يُجْعَل إنشادُ وقراءتُه "احتذاءً" فَما لا يعْلَمونَه كيف؟ وإذا عَمَد عامِدٌ إلى بيتِ شعرٍ فوضَعَ مكانَ كل لفظة لفظًا في معناه، كثل أنْ يقولَ في قولِه:
دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيتهِا ... واقْعُدْ فإِنَّك أنتَ الطاعِمُ الكاسي3
ذَرِ المآثِرَ لا تَذْهَبْ لِمَطْلَبِها ... واجْلِسْ فإنكَ أنتَ الآكلُ اللابسُ4
لم يجعلوا ذلك "احتذاء" ولم يوهلوا صاحِبَه لأن يُسَمُّوه "مُحْتذِياً"، ولكنْ يُسمُّونَ هذا الصنيع "سلخًا"، ويرذلونه ويسحقون المتعاطيَ له. فمِنْ أينَ يجوزُ لنا أن نقول في صبي يقرأ قصيدة أمرئ القيس: إنه احتذاه في قوله:
__________
1 هو في ديوانه.
2 هو في ديوانه.
3 هو شعر الخطيئة في ديواهه.
4 كتب في "س": "الآكل الشارب"، وهو ليس بشيء، وسيأتي البيتان في رقم: 567.
(1/471)

فقلتُ لهُ لما تَمطَّى بصُلْبه ... وأَرْدَف أَعجازاً وناءَ بِكَلْكَلِ1
والعَجَبُ مِن أنَّهم لم يَنْظروا فيَعْلَموا أَنه لو كان مُنْشِد الشعرِ "مُحْتذياً"2، لكانَ يكونُ قائلُ شعرٍ، كما أنَّ الذي يحذو النْعلَ بالنعلِ يكون قاطِعَ نِعْلِ.
وهذا تقريرٌ يصلح لأن يحفظ للمناظرة
مناقشة "الاحتذاء" و"النسق" في إعجاز القرآن:
556 - ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشدإذا أنشد شعر آمرئ القيس، كان قد أَتى بِمثْلهِ على سبيلِ "الاحْتِذاء": أخبرْنا عنكَ؟ لماذا زعَمْتَ أنَّ المنشِدَ قد أتى بمثل ما قاله امرئ القيس؟ ألأنه نطقَ بأنفُسِ الألفاظِ التي نطقَ بها، أَمْ لأَنه راعى "النَسَق" الذي راعاه في النطقِ بها؟
فإِنْ قلتَ: "إنَّ ذلكَ لأَنه نطَق بأَنفُسِ الألفاظِ التي نطَقَ بها"، أَحَلْتَ، لأنه إنما يَصِحُّ أنْ يقالَ في الثاين إنه أتى بِمثْلِ ما أتى به الأوَّلُ، إذا كان الأوَّلُ قد سَبقَ إلى شيءٍ فأحدثه ابتداء، وذلك في الألفاظ محجال، إذْ ليس يُمكِنُ أنْ يُقال: إنه لم يَنْطِقْ بهذه الألفاظِ التي هي في قوله:
قفا نبكِ مِنْ ذِكرى حبيبٍ ومنزلِ
قبْل امرئ القيس أحد.
__________
1 امرؤ القيس في معلقته.
2 في "س": "يكون محتذيًا".
(1/472)

وإن قلتَ: إنَّ ذلك لأنه قد راعى في نُطْقه بهذه الألفاظِ "النسَقَ" الذي راعاه امرؤ القس.
قيل: إنْ كنتَ لهذا قضَيْتَ في المُنْشِد أنه قد أَتَى بِمْثل شِعْره، فأخْبِرْنا عنكَ؟ إِذا قلتَ: "إن التحدِّيَ وقَع في القرآن إلى أن يُؤتى بمثله على جهةِ الابتداءِ"1، ما تَعْني به؟ أَتَعْني أَنه يأتي في ألفاظٍ غيرِ أَلفاظ القرآن، بمثل التّرتيبِ والنَّسَقِ الذي تَراه في ألفاظ القرآنِ.
فإِن قال: ذلك أَعْني.
قيل له: أَعلِمْتَ أَنه لا يكونُ الإتيانُ بالأشياءِ بَعْضِها في أَثرِ بعضٍ على التَّوالي نَسَقاً وتَرتيباً، حتى تكونَ الأشياءُ مختلفةً في أَنْفُسها، ثم يكونَ للَّذي يَجيءُ بها مَضموماً بعضُها إلى بعضٍ، غرضٌ فيها ومقصودٌ، لا يَتمُّ ذلك الغرَضُ وذاك المقصود إبلا بأَنْ يتَخيَّر لَها مواضِعَ، فيَجعلَ هذا أولاً، وذاك ثانيصا؟ فإِنَّ هذا ما لا شُبهة فيه على عاقل. وإِذا كان الأمرُ كذلك، لزِمَك أن تُبَيِّنَ الغرضَ الذي اقتضَى أنْ تكونَ ألفاظُ القرآنِ منْسوقةً النَّسَقَ الذي تَراه.
ولا مَخْلَصَ له من هذه المُطالبة، لأنه إذا أبى أن يكون المقتصى والموجِبُ للَّذي تَراه من النَّسق، المعانيَ2 وجَعلَه قد وجب لأمر يرجع
__________
1 هذا كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي في المغني 16: 222، يقول بعد كلام: " ... فيجب في القرآن أن يكون التحدي واقعًا بهم على المعتاد، فيكون ما يورده المتحدي في حكم المتبدأ، ويكون مشاركًا للمتحدي في أن يكون ما يورده مبتدئًا، وخارجًا عن أن يكون محتذيًا، لأن الاحتذاء أو الحكاية، لا معتبر لها في هذا الباب".
2 "المعاني" اسم "يكون".
(1/473)

إلى اللفظ، لم تجد شيئًا يحيل في وجوبه عليه البتةَ1، اللهُمَّ إلاَّ أَنَّ يَجْعل الإعجازَ في الوزن، ويَزْعُمَ أنَّ "النَسقَ" الذي تراه في ألفاظ القرآنِ إنما كان معْجِزاً، من أجْل أنْ كان قد حَدث عنه ضربٌ من الوزن يُعجِز الخلقَ عن أنْ يأْتوا بمثله.
وإذا قال ذلك، لم يُمْكِنْه أنْ يقولَ: "إنَّ التحدِّيَ، وقَع إلى أن يأْتوا بمثلِهِ في فصاحَتِه وبلاغَتِه"، لأن الوزن ليس هو في الفصاحة والبلاغة في شيء، إذا لو كان له مَدْخَلٌ فيهما، لكانَ يَجبُ في كل قصيدتين افتقتا في الوزن أن تنفقا في الفصاحة والبلاغةِ.
فإن دعا بعضُ الناس طوال الإِلْفِ لِمَا سَمعَ من أَنَّ الإعجازَ في اللفظ إلى أَنْ يَجْعلَه في مجرَّدِ الوزْنِ، كان قد دَخَل في أمرٍ شنيعٍٍ، وهو أنَه يكونُ قد جَعلَ القرآنَ مُعجِزاً، لا مِن حيثُ هو كلامٌ، ولا بما به كان لِكَلامٍ فضْلٌ على كلامٍ فليسَ بالوزْنِ ما كان الكَلامُ كلاماً، ولا به كان كلامٌ خَيراً من كلام.
سهولة "اللفظ" وخفته في شأن إعجاز القرآن:
557 - وهكذا السبيلُ إنْ زعَم زاعِمٌ أنَّ الوصفَ المعجزَ هو "الجَرَيانُ والسهولَةُ"، ثم يعني بذلك سلامَتَهُ من أن تلتقيَ فيه حروفٌ تَثْقُل على اللسان، لأنه ليس بذلك كان الكلامُ كلاماً، ولا هو بالذي يتنَاهى أَمرُه إنْ عُدَّ في الفضيلةِ إلى أن يكونَ الأَصْلَ، وإلى أن يكونَ المعَّولَ عليه في المفاضَلةِ بين كلامٍ وكلامٍ، فما به كان الشاعرُ مفلقًا، والخطيب مصقعًا، والكاتب بليغًا.
__________
1 في المطبوعة وحدها، كتب "يحيل الإعجاز في وجوبه"، زاد ما أفسد الكلام.
(1/474)

558 - ورأينا العقلاءَ1، حيثُ ذكَروا عجْزَ العربِ عن مُعارَضَةِ القرآن، قالوا: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تحدَّاهم وفيهم الشعراءُ والخطباءُ والذين يُدِلُّونَ بفصاحةِ اللسان، والبراعةِ والبَيان، وقوةِ القرائحِ والأَذْهان، والذين أُوتوا الحِكْمةَ وفصْلَ الخِطابِ2 ولم نَرهم قالوا: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَحدَّاهم وهم العارِفُون بما يَنبغي أن يُصْنَع3، حتى يَسْلَم الكلامُ من أن تلتقيَ فيه حروف تنقل على اللسان.
ولَمَّا ذكَروا معجزاتِ الأنبياءِ عليهم السلام وقالوا: إنَّ اللهَ تعالى قد جَعَل معجزةَ كلِّ نَبيّ فيما كان أغْلَبَ على الذين بُعِثَ فيهم، وفيما كانوا يتباهَوْنَ به، وكانت عوامهم تعظم به خواصهم4 قالوا: إنما لمَّا كان السِّحْرُ الغالِبَ على قومِ فِرْعونَ، ولم يكُنْ قد استَحكَم في زمانِ استحكامَه في زمانِه، جَعَل تعالى معجِزَةَ موسى عليه السلام في إبطاله وتوهينه ولما كان الغلب على زمانِ عيسى عليه السلام الطِّبُ، جعلَ الله تعالى معجزته في إبراه الكمه والأَبْرصِ وإحياءِ الموتى ولما انتَهَوْا إلى ذكْر نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم وذكْرِ ما كان الغالبَ على زمانهِ، لم يذكوا البلاغَة والبيانَ والتصرُّفَ في ضروب النظْم.
وقد ذكرت في الذي تقدم غير ما ذكرته ههنا5، مما يدل على سقوط
__________
1 في "ج"، و "رأيت العقلاء"، والسياق يأباها.
2 في العبارة تقصير.
3 العبارة غير جيدة، وسياقها: "إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تحدَّاهم ... حتى يسلم الكلام".
4 السياق: "ولما ذكروه معجزات الأنبياء ... قالوا".
5 في "س" "غير ما ذكرته ههنا" وهو الصواب بلا ريب، وفي "ج" والمطبوعة: "عين ما ذكرته، وهذا ليس صحيحًا، لم يذكر ما قاله ههنا بعينه فيما مضى من الكتاب، والذي أشار إليه هو في رد القول بالحروف تثقل على اللسا، وقد مضى ذلك برقم: 49 - 52.
(1/475)

هذا القولِ، وما دعاني إلى إعادةِ ذِكْره إلا أنه ليس لتهالك الناسِ في حديث "اللفظ" والمحاماةُ على الاعتقاد الذي اعتقدوه فيه وضن أنسهم به1 حدٍّ، فأحْبَبْتُ لذلك أن لا أَدعَ شيئاً مما يجوزُ أن يَتعلَّق به متعلِّقٌ، ويلجأَ إليه لاجئ، ويقعَ منه في نفْس سامعٍ شَكًّ، إلا استقصيت في الكشف عن بطلانه.
559 - وههنا أمرٌ عجيبٌ، وهو أنَه معلومٌ لكلٍّ مَنْ نَظَر، أنَّ الألفاظَ من حَيْثُ هي ألفاظٌ وكَلِمٌ ونُطْقُ لسانِ، لا تخْتصُّ بواحدٍ دونَ آخر، وأنها إنما تختص إذا توخي يها النظْمُ2. وإِذا كان كذلك، كان مَنْ رفَعَ "النظْمَ" مِن البين3، وجعَلَ الإعجازَ بجُملته في سهولةِ الحُروف وجَرَيانها4، جاعلاً له فيما لا يصِحُّ إضافتُه إلى الله تعالى. وكَفَى بهذا دليلاً على عَدمِ التوفيق، وشدَّةِ الضلالِ عن الطريق.
__________
1 سياق العبارة: "ليس لتهالك القوم في حديث اللفظ ..... حد"، وهو إشارة لتهالك المعتزلة وشيخهم القاضي عبد الجبار المعتزلي في "حديث اللفظ"، والمحاماة دونه ... ". وقد أشار عبد القاهر إلى ذلك مرارًا قبل ذلك. وكانت هذه العبارة في المطبوعة، وفي "س" و "ج" هكذا: "وما دعاني إلى إعادةِ ذِكْره، إلاَّ أنه ليس "تهالك" الناس فيحديث اللفظ، والمحاماة على الاعتقاد الذي اعتقده فيه، "وظن" أنفسهم به "إلى حد"، وفي "جد"، وحدها "إلى أحد". وهذا الذي وضعته بين الأقواس هو الذي غيرته، لأن هذا نص فاسد جدًا لا معنى له، ولا يستقيم. والذي غيرته هو الصواب إن شاء الله، وهو الذي دل عليه كل كلام عبد القاهر في شأن اللفظ فيما مضى. وقوله "الناس"، هنا يعني المعتزلة، كما سيكون جليًا في رقم: 562.
2 في "س": "وأنها لا تختص إذا توخى فيه النظم"، وهو فساد محض. وفي نسخة عند رشيد رضا: "أنها لا تختص إلا إذا توخى فيها النظم"، وهو الصواب أيضًا.
3 "من البين" يعني من بين ما يجعلها تختص بقائل. وقد سلفت قبل هذه العبارة مرارًا، وسأذكر مواضعها في الفهارس.
4 السياق: "كان من رفع النظم ... جاعلًا له ... ".
(1/476)

خاتمة كتاب دلائل الإعجاز
560 - قد1 بلغنا في مداواة الناسِ مِنْ دائهم، وعلاجِ الفسادِ الذي عرضَ في آرائِهم كلَّ مبلغَ، وانتهينا إلى كلِّ غاية، وأخذنا بهم عَنِ المجاهل التي كانوا يتعسَّفون فيها إلى السَّنن اللاَّحِب2، ونقلْنَاهم عَنِ الآجنِ المطروقِ إلى النَّمير الذي يَشْفي غليلَ الشارِب3، ولم ندعْ لباطِلِهم عِرْقاً ينبضُ إلاَّ كويناهُ، ولا للخلافِ لساناً ينطقُ إلاَّ أخرَسْناه، ولم نتركْ غِطاءً كان على بصَرِ ذي عَقْلٍ إلا حَسرْناهُ، فيا أيُّها السامعُ لِمَا قلناهُ، والناظرُ فيما كتبناهُ، والمتصفِّحُ لما دوَّنَّاهُ، إنْ كنتَ سمعتَ سماعَ صادقِ الرغبةِ في أن تكونَ في أَمركَ على بصيرةٍ، ونظرتَ نظَرَ تامِّ العنايةِ في أن يُورِدَ ويَصْدُرَ عن معرفةٍ، وتصفَّحْتَ تصفُّحَ مَن إذا مارَسَ باباً من العلم لم يقنعْه إلا أن يكونَ على ذِروة السَّنام، ويضرب بالمعن من السَّهام، فقد هُديتَ لضالَّتك، وفتح لك الطريقُ إلى بُغْيتك، وهُيِّئ لك الأداةُ التي بها تبلغُ، وأُوتيت الآلةَ التي معها تصل. فخذْ لنفسكَ بالتي هي أملًا ليديك، وأعوذ بالحظِّ عليكَ، ووازنْ بين حالِك الآن وقد تنبَّهْتَ من رَقْدتك، وأفقْتَ من غفْلتك، وصرتَ تعلمُ إِذا أنتَ خُضتَ في أمر "اللفظ" و "النظم" معنى ما تذكر، وتعلم كيف نورد
__________
1 في المطبوعة عنوان لهذا، وكتب في وسط السطر: "فصل"، وهذا ليس في المخطوطتين.
2 "السنن" الطريق المسلوك، و "اللاحب" الواضح الواسع المنقاد.
3 "الآجن"، الماء المتغير الطعم. "المطروق" الذي تطرقه الأنعام والوحش، و "النمير"، الماء الزاكي الناجع في الري.
(1/477)

وتصْدر1، وبينها وأنتَ من أمرها في عمياءَ، وخابطٌ خَبْطَ عشواءَ، قُصاراكَ أنْ تكرِّرَ ألفاظاً لا تعرفُ لشيءٍ منها تفسيراً وضروبَ كلامٍ للبلغاء إذا سئلت على أغراضهم فيها لم تستطيع لها تَبْيينا، فإنكَ تراكَ تُطيل التعجُّبَ من غفلتك، وتكثرُ الاعتذارَ إِلى عقلك من الذي كنتَ عليه طولَ مُدَّتك. ونسأَلُ اللهَ تعالى أن يجعل كل ما نأتيه، ونقصده ننتحيه، لوجههِ خالصاً، وإلى رضاه عزَّ وجَلَّ مؤدِّياً، ولِثَوابهِ مقْتَضِياً، وللزُّلْفى عنده مُوْجِبا، بمَّنه وفضلهِ ورحمته2.
__________
1 السياق: "ووازن بين حالك ... وينها وأنت من أمرها في عمياء".
2 هذه الفقرة الأخيرة رقم: 560، صريحة الدلالة على أن هذا هو آخر كتاب "دلائل الإعجاز"، ولكنه في المطبوعة لم يذكر شيئًا، ولكنه كتب بعدها "بسم الله الرحمن الرحيم"، دون فاصل واضح. أما في المخطوطة "ج" فإنه ترك بياضًا كبيرًا بين الكلامين، ثم بدأ بالبسملة، فكان دلالة على انقضاء كتاب "دلائل الإعجاز"، وأما "س" فهي التي جاءت بالأمر صريحًا فقد كتب.
"تم الكتاب
والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل"
وبهذا انتهت نسخة "س"، وليس فيها شيء مما سيأتي بعد هذا في "ج"، وفي المطبوعة فمن أجل ذلك، فصلت ما بعد هذا عن "كتاب دلائل الإعجاز"، ووضعت له عنوان:
"رسائل وتعليقات"
كتبها عبد القاهر الجرجاني
وهذه الرسائل متصلة الأواصر بكتاب ""دلائل الإعجاز" اتصالًا واضحًا، كتبها عبد القااهر بعد الفراغ من كتابه الدلائل. سترى ذلك واضحًا. وقد رتبتها متسلسلة كما هي في المخطوطة "ج".
(1/478)

"رسائل وتعليقات"
كتبها عبد القاهر الجرجاني
(1/479)

بسم الله الرحمن الرحيم

إزالة الشبهة في جعل الفصاحة والبلاغة للألفاظ:
بيان مهم في مسألة "اللفظ" و"المعنى":
561 - إعلمْ أَنه لمَّا كان الغلَطُ الذي دخَل على الناس في حديثِ "اللفظِ" كالداءِ الذي يَسْري في العروقِ، ويُفْسِد مِزاجَ البدنِ، وجَبَ أن يُتوخَّى دائباً فيهم ما يتوخَّاه الطبيبُ في النَّاقِه، من تعهُّدهِ بما يزَيد في مُنَّته1، ويُبَقِّيه على صحَّتِه، ويؤمّنُهُ النُّكْسَ في علَّتهِ2.
وقد علِمْنا أنَّ أصْل الفسادِ وسبَبَ الآفةِ، هو ذَهابهُم عن أنَّ مِن شأنِ المعاني أن تَختلِفَ عليها الصورُ، وتَحدُثَ فيها خواص وموايا من بعد أن لا تكون. وإنك ترَى الشاعرَ قد عَمدَ إلى معنىً مبتذَلٍ، فصنَعَ فيه ما يَصْنَعُ الصانِعُ الحاذِقُ إذا هو أغرب ي صَنْعة خاتمٍ وعَمَلِ شَنْفٍ وغيرهما من أصناف الحِلى. فإنَّ جهْلَهم بذلك من حالِها، هو الذي أغواهم واستهواهم، وورطهم يما توَرَّطوا فيه من الجهَالات، وأَدَّاهُم إلى التعلُّق بالمُحالات. وذلك أَنهم لمَّا جَهِلوا شأنَ الصورةِ، وضَعُوا لأَنفُسِهم أساساً، وبنَوْا على قاعدة فقالوا: إنه ليسَ إِلاّ المعنى واللفظُ، ولا ثالثَ وإنه إذا كان كذلكَ، وجَبَ إذا كان لأحدِ الكلامَيْنِ فضيلةٌ لا تَكون للآخَر، ثم كان الغرَضُ مِنْ أحدِهما هوَ الغَرَضَ من صاحبه3 أن يكون مرجع
__________
1 "المنة" بضم الميم، القوة.
2 "النكس" بضم النون وفتحها، العود في المرضى بعد قرب الشفاء.
3 السياق: "وجب ..... أن يكون".
(1/481)

تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصة، وأن لا يكونَ لها مرجعٌ إلى المعنى، من حيثُ إنْ ذلك، زَعموا، يُؤدِّي إلى التناقضِ، وأنْ يكونَ معناهُما مُتَغايِراً وغيرَ متغايرٍ معاً.
ولمَّا أَقَرُّوا هذا في نُفوسِهِم، حَمَلوا كلامَ العلماءِ في كلِّ ما نَسَبوا فيه الفضيلةَ إلى "اللفظِ" على ظاهرِه، وأَبَوْا أن ينظُروا في الأوصافِ التي أَتْبعوها نسبتَهم الفضيلةَ إلى "اللفظِ"، مثلَ قولهم: "لفظٌ متمكِّنٌ غيرُ قَلقٍ ولا نابٍ به موضِعُه"، إلى سائر ما ذكرْناه قبْلُ1، فيَعْلمَوا أَنهم لم يُوجِبوا لِلَّفظ ما أوجَبُوه من الفضيلةِ، وهُمْ يَعْنُونَ نُطْقَ اللسانِ وأجراسَ الحرُوف، ولكنْ جعَلوا كالمواضَعَة فيما بَيْنَهم أَنْ يقولوا "اللفظَ"، وهُم يُريدون الصورةَ التي تَحْدُثُ في المعنى، والخاصَّة التي حَدثَتْ فيه، ويَعْنونَ الذي عَناه الجاحظُ حيث قال.
"وذهبَ الشيخُ إلى استحسانِ المعاني، والمعاني مطروحةٌ وسطَ الطريقِ، يَعْرِفُها العربيُّ ولاعجمي، والحضريُّ والبدويُّ، وإنَّما الشعرُ صياغةٌ وضرْبٌ من التَّصوير"2.
وما يعَنونه إذا قالوا: "إنه يأخُذُ الحديث فيشنفه ويقرطه، ويأخذ المعنىخرزة فيردُّه جَوهرةً، وعباءةً فيجعلُه ديباجَةً، ويأخذُه عاطِلاً فيرده حاليصا". وليس كون هذا مرادهم، بحيث كان بنيغي أن يخفى هذا الخفاء ويشتبه هذا الاشتباء، ولكنْ إذا تعاطَى الشيءَ غيرُ أهلِه، وتولَّى الأمرَ غيرُ البصير به، أَعْضَلَ الداءُ، واشتدَّ البلاءُ. ولو لم يكن مِنَ الدليلِ على أنَّهم لم يَنْحَلُوا "اللفظَ" الفضيلةَ وهم يُريدونه نَفْسَه وعلى الحقيقةِ إلاَّ واحدٌ، وهو وصْفُهم له بأنه يزين المعنى، وأنه حلى
__________
1 انظر ما سلف رقم: 540، وهذا دليل على أن عبد القاهر هذا الرسائل والتقبيدات، تعقيبًا على كتابه الذي فرغ منه، وهو "دلائل الإعجاز".
2 مضى قول الجاحظ وتجريحه فيما سلف الفقرة رقم: 298، ورقم: 577.
(1/482)

له1 لكان فيه الكفايةُ. وذاك أنَّ الألفاظَ أدلَّةٌ على المعاني، وليس للدليل إلاَّ أنْ يُعْلِمَكَ الشيءَ على ما يكونُ عليه، فأَما أن يصيرَ الشيء بالدليل، على صفةٍ لم يكُنْ عليها2، فما لا يقومُ في عقلٍ، ولا يُتَصوَّر في وهم.
562 - وممَّا إذا تفكَّرَ فيه العاقلُ أطالَ التعجُّبَ من أمرِ الناس3، ومن شدَّةِ غَفْلتهم قولُ العلماء حيث ذكروا "الأخذ" و "السرقة": "إنَّ مَنْ أخذَ معنًى عارياً، فكَساه لفظاً مِنْ عندِه كانَ أحقَّ به"4، وهو كلامٌ مشهورٌ متداولٌ يقرأُه الصبيانُ في أوَّلِ كتابِ "عبد الرَّحمن"، ثم لا ترى أحداً من هؤلاء الذين لهَجُوا بجعلِ الفضيلةِ في "اللفظ"، يفكِّرُ في ذلك فيقول: من أَين يُتصوَّر أن يكون ههنا معنىً عارٍ من لفظٍ يَدلُّ عليه؟ ثم من أين يعقل أن يجئ الواحدُ منا لِمعنىً من المعانيِ بلفظٍ مِنْ عنده، إنْ كان المرادُ باللفظ نُطْقَ اللسان؟
ثم هبْ أنَه يصِحُّ له أن يَفْعلَ ذلك، فمن أَينَ يَجِبُ إذا وَضَع لفظاً على معنىً، أن يصيرَ أَحقَّ به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كانوا هو لا يَصْنَع بالمعنى شيئاً، ولا يُحْدِثُ فيه صفةً، ولا يَكْسِبُه فضيلةً؟ وإذا كان كذلك، فَهَلْ يكون
__________
1 السياق: "ولو لم يكن من الدليل ... إلا واحدً، وهو وصفهم ... لكان فيه الكفاية".
2 السياق: "أن يصير الشيء" على صفة لم يكن عليها"، يعني أن يصير المعنى بواسطة اللفظ على صفة لم يكن عليها.
3 قوله "الناس" هنا، يعني المعتزلة وأصحابه، وانظر ما سلف في آخر رقم: 528، والتعليق عليه.
4 هو في مقدمة كتاب "الألفاظ الكتابية" لعبد الرحمن بن يعسى الهمذاني، وتوفي سنة 324.
(1/483)

لكلامهِم هذا وجهٌ سِوى أنْ يكونَ "اللفظُ" في قولهم: "فكسناه لفظاً من عنده"1، عبارةً عن صورةٍ يُحْدِثها الشاعرُ أو غيرُ الشاعر للمعنى؟
فإِن قالوا: بل يكونُ، وهو أنْ يستعيرَ لِلمعنى لفظاً.
قيلَ: الشأنُ في أنَّهم قالوا: "إذا أَخذ معنىً عاريا فسكاه لفظًا من عنده، كان أحق به"1، و "الاستعارة" عندكم مقصورةٌ على مجرَّد اللفظِ، ولا ترَوْنَ المستعيرَ يَصْنَع بالمعنى شيئاً، وتَرونَ أنَّه لا يحدثُ فيه مزيَّةٌ على وجهٍ من الوجوه، وإذا كان كذلك، فمِنْ أَين، ليتَ شِعْري، يكون أحق به، فاعرفه.
أمثلة على ما تفعله صنعة الشاعر في الصورة، والمعنى واحد:
563 - ثُمَّ إنْ أردْتَ مثالاً في ذلك، فإنَّ من أحسن شيء فيه، ما صمع أبو تمام في بيتِ أَبي نُخَيْلة، وذلك أن أَبا نُخيلةَ قال في مسلمَةَ بنِ عبد الملك:
أمسلم إني يا ابن كلِّ خَليفةٍ ... ويا جَبَل الدُّنيا ويا واحِدَ الأرضِ
شكرتُكَ إنَّ الشكْرَ حبْلٌ مِنَ التُّقى ... وما كلُّ مَنْ أولَيْتَهُ صالحاً يَقْضي
وأَنْبَهْتَ لي ذِكرى وما كانَ خامِلاً ... ولكنَّ بعضَ الذكْرِ أَنبهُ مِنْ بَعْضِ2
فعَمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال:
لقد زِدْتَ أوْضاحي امْتِداداً، ولمْ أَكُنْ ... بَهيماً ولا أَرْضي مِنَ الأَرْضِ مَجهلا
ولكنْ أيادٍ صادفَتْني جِسَامُها ... أغرَّ فأَوفَتْ بي أغرَّ مُحجَّلا3
__________
1 هو في كلام عبد الرحمن في كتابه "الألفاظ الكتابية"، والذي نقله عنه آنفًا في اول هذه الفقرة.
2 هو لأبي نخيلة الراجز، وشعره في الأمالي 1: 30.
3 في ديوانه، و "الأوضاح" جمع "وضح" بياض محمودًا في الفرس، و "البهيم" من الخيل، ما ليس به وضح، و "أرضى"، يعني دياره وديارة قومه، ليست بمجهل من الأرض، يعني شهرتهم. ومن ضبط "أرضى" فعلًا مضارعًا فقد أخطأ المعنى.
(1/484)

564 - وفي "كتاب الشّعرِ والشُّعراء" للمرزُباني فصلٌ في هذا المعنى حسَنٌ. قال. ومن الأَمثال القديمة قولهُم: "حَرًّا أخافُ على جاني كَمأَةٍ لا قُرّاً"1، يُضرَب مثَلاً للذي يَخافُ مِن شيءٍ فيَسْلمُ منهُ ويُصِيبهُ غيرهُ مما لم يَخَفْهُ، فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
وحَذِرْتُ مِنْ أَمْرٍ فمرَّ بِجانبي ... لم يُنْكِني ولقيت ما لم أحذر2
وقال لبيد:
أخشى على أربد الحتوف لا ... أرْهَبُ نَوْءَ السّماكِ والأَسدِ3
قال: وأخذَه البحتريُّ فاحسن وطغى اقتدارًا على العبارة، واستاعًا في المعنى، فقال:
لو أَنَّني أُوفي التجاربَ حَقَّها ... فيما أرَتْ لرجوت ما أخاشه4
__________
1 هو في جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري 1: 373، وليس فيه "لاقرأ"، و "القر" البرد، يضرب مثلًا للرجل يخاف أمرًا وغيره أخوف منه. ومن هذا الموضع في مخطوطة "ج" المصورة عندي، مطموس في التصوير أكثره من أول ص: 310 إلى ص: 320، فأنا أقرأ منها ما استطعت أن أقرأ.
2 هو سهم بن حنظلة بن حلوان، أحد بني غنى بن أعصر، والشعر في المؤتلف، والمختلف للآمدي: 136، وقبله:
كم من عدو قد رماني كاشح ... ونجوت من أمر أغر مشهر
يقال "نكيت في العدو أنكى كناية، ونكيت العدو أنكي"، إذا كثرت فيه الجراح والقتل، فوهن أمره. وقال الآمدي: "وقوله في البيت الأخير: "ما لم أحذر" البحتري فقال:
ينال الفتى ما لم يؤمل وربما ... أتاحت له الأقدار ما لم يحاذبر
3 الشعر في ديوان لبيد.
4 هو في ديوانه.
(1/485)

565 - وشبيه بهذا الفصل فصل آخر في هذا الكتاب أيضًا1، أنشد إبراهيم بن المهدي:
يا مَنْ لِقَلْبِ صِيغَ من صَخْرةٍ ... في جسد من لولوء رطْبِ
جرحتُ خدَّيْه بلحْظي فَمَا ... بَرِحْتُ حتى اقتصى مِنْ قلبي2
ثم قال: قالَ عليُّ بنُ هارون: أخذه أحمد بن أبي فَنَن معنىً ولفظًا فقال:
أَدْمَيْتُ باللحظاتِ وجْنَتَهُ ... فاقتصَّ ناظرُهُ مِنَ القَلْبِ3
قال: ولكنَّه بنقاءِ عبارتِه وحُسْنِ مأخذهِ، قد صارَ أَوْلى به.
566 - ففي هذا دليلٌ لِمن عقَلَ أَنهم لا يَعْنونَ بحُسْنِ العبارةِ مجَّردَ اللفظِ، ولكن صورة وصفة وخصوصية تحدُثُ في المعنى، وشيئاً طريقُ معرفتِه على الجملة العقلُ دون السمْع، فإِنه على كلِّ حالٍ لم يَقُلْ في البحتريِّ إنه "أحْسَن فطغى اقتداراً على العبارةِ"4، من أَجْلِ حروفٍ.
لو أنني أوفي التجاربَ حقَّها
وكذلك لم يصِفْ ابنَ أبي فَنن بنقاءِ العبارةِ، من أجْل حروف.
أدميت باللحظات وجنته
567 - واعلم أنك إذا سيرت أحوالَ هؤلاءِ الذين زَعَموا أنه إذا كان المعبَّرُ عَنهُ واحداً، والعبارةُ اثنتَيْن، ثم كانتْ إحدى العبارتَيْن أَفْصَحَ من الأخرى وأحسن،
__________
1 يعني "كتاب العشر والشعراء" للمرزباني، المذكور آنفًا.
2 لم أقف بعد على هذا الشعر.
3 البيت في ديوان المعاني 1: 284.
4 يعني قول المرزباني.
(1/486)

فإِنه يَنبغي أن يكونَ السببُ في كونها أَفْصَحَ وأحسَنَ، اللفظَ نفسَه1 وجدتَهم قد قالوا ذلك من حيثُ قاسوا الكلامَيْن على الكلمتَيْن، فلما رأَوْا أَنه إذا قيل في "الكلمتين" إنَّ معناهُما واحدٌ، لم يكنْ بينهُما تفاوتٌ، ولم يكن للمعنى في إِحداهما حالٌ لا يكون له في الأخرى2 ظَنُّوا أن سبيلَ الكلامين هذا السبيلُ ولقد غَلِطوا فأَفْحَشوا، لأنه لا يُتصوَّرُ أنْ تكونَ صورةُ المعنى في أَحدِ الكلامَينِ أو البيتين، ثمل صورتِه في الآخَر البتَّةَ، اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يَعْمدَ عامِدٌ إلى بيتٍ فيضَعَ مكانَ كلِّ لفظة منه لفظةً في معناها، ولا يَعْرِضُ لنظْمهِ وتأليفه، كمثلِ أن يقولَ في بيت خطيئة3:
دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيتهِا ... واقْعُدْ فإِنَّك أنتَ الطاعمُ الكاسي
ذَرِ المفاخرَ لا تَذْهَبْ لِمَطْلَبِها ... واجْلِسْ فإنكَ أنتَ الآكِلُ اللابسْ
وما كان هذا سبيله، كان بمعزلي من أنْ يكونَ به اعتدادٌ، وأنْ يَدخُلَ في قبيلِ ما يفاضَلُ فيه بين عبارتين، بل لا يصِحُّ أنْ يُجعلَ ذلك عبارةً ثانية، ولا أن يجعل الذي تعاطاه بِمَحَلِّ، مَنْ يوصَف بأنه أخذَ معنىً. ذلك لأنه لا يكونُ بذلك صانِعاً شيئاً يَستحقُّ أنْ يُدْعى من أجْلهِ واضعَ كلامٍ، ومستأنِفَ عبارة واقئل شعر. ذاك لأن بيت خطيئة لم يكُن كلاماً وشعراً مِن أجْل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه، مجرَّدةً معرَّاةً من معاني النظْمِ والتأليفِ، بل منها مُتَوخىًّ فيها ما ترَى من كَوْن "المكارِم" مفعولاً "لدع"، وكونِ قوله: "لا ترحلْ لبغيتها" جملةً أكَّدتْ
__________
1 السياق: "واعلم أنك إذا سبرت أحوال هؤلاء .... وجدتهم".
2 السياق: "فلما رأَوْا أَنه إذا قيل في الكلمتين .... ظنوا".
3 كتبه بغير لام التعريف، هنا وفيما بعد، والبيت الذي بعده قد مضيا في رقم: 525.
(1/487)

الجملةُ قبلها، وكون "اقعدْ" معطوفاً بالواو على مجموعِ ما مضى، وكون جملةِ "أنتَ الطاعِمُ الكاسي"، معطوفة بالفاء على "اقعد"، فالذي يَجيء فلا يُغيِّر شيئاً من هذا الذي به كان كلاماً وشعراً، لا يكونُ قد أتى بكلامٍ ثانٍ وعبارةٍ ثانية، بل لا يكونُ قد قالَ من عندِ نفْسِه شيئاً البتةَ.
568 - وجملةُ الأمر أَنه كما لا تكون الفِضّةُ أو الذَهَب خاتماً أو سِواراً أو غيرَهُما من أصناف الحِلَى بأنفُسِهما، ولكنْ بما يحدُثُ فيهما من الصُّورة، كذلك لا تكونُ الكَلِمُ المفردةُ التي هي أسماءٌ وأفعالٌ وحروفٌ، كلاماً وشعراً، من غير أن يحدُثَ فيها النظْمُ الذي حقيقَتُه توَخِّي معاني النحو وأَحكامِه.
فإذنْ ليس لمن يتصدَّى لمَا ذكَرْنا، مِن أَنْ يَعْمَد إلى بيتٍ فيضَعُ مكانَ كلِّ لفظةٍ منها لفظة في معناها، إلاأن يُسْتَرَكَّ عقلُه1، ويُسْتَخفَّ، ويُعدَّ معدَّ الذي حُكي أنه قال: "إني قلتُ بيتاً هو أَشعَرُ من بيت حسان، قال حسان:
يغشون حتى ما نهر كلابُهُمْ، ... لا يَسْأَلون عَنِ السوادِ المُقْبِلِ2
وقلتُ:
يغشون حتى ما نهر كِلابُهُمْ ... أَبَداً ولا يَسَلُونَ مَنْ ذا المُقبِلُ3
فقيلَ: هو بيتُ حَسّان، ولكنَّك قد أفسدتَه.
__________
1 "يسترك"، أي يعد ركيكًا متهالكًا.
2 هو في ديوانه، و "السواد"، الشخص الذي يرى كأنه سواد من بعيد، لا تتبين العين معارفه،.
3 في المطبوعة: "ولا يسألون"، واختل وزن الكلام.
(1/488)

الموازنة بين المعنى المتحد واللفظ المتعدد
569 - واعلمْ أنه إنما أُتِيَ القومُ مِنْ قِلَّة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء اختلافِ العبارتَين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أَخْذ الشاعرِ مِنَ الشاعرِ، وفي أنْ يقولَ الشاعرانِ على الجملةِ في معنى واحدٍ، وفي الأَشعارِ التي دوَّنوها في هذا المعنى. ولو أنهم كانوا أخَذُوا أنفُسَهم بالنظرِ في تلك الكتبِ، وتدبَّروا ما فيها حقَّ التدَبُّر، لكان يكونُ ذلك قد أيقظَهم مِن غفْلَتهم، وكشف الغطاء عن أعينهم.
الشاعران يقولان في معنى واحد وهو قسمان:
570 - وقد أردتُ أن أكتبَ جملةً من الشِّعْر الذي أنتَ ترى الشاعرَيْن فيه قدْ قالا في معنىً واحدٍ، وهو يَنقَسِمُ قسمين:
قَسمٌ أنتَ ترَى أحدَ الشاعرَين فيه قد أتى بالمعنى غُفْلاً ساذَجاً، وترى الآخَرَ قد أخرجَه في صورةٍ تَروقُ وتُعْجِبُ.
وقسمٌ أنتَ ترى كلَّ واحدٍ من الشاعرَين قد صَنعَ في المعنى وصور.
القسم الأول: أحدهما غفل، والآخر مصور
571 - وأبدأُ بالقسمِ الأول الذي يكونُ المعنى في أحد البيتين غفلًا، وفي القسم الأول: الآخَرِ مصوَّراً مَصْنوعاً، ويكونُ ذلك إمَّا لأنَّ متأَخِّراً قصَّر عن مُتقدِّم، وإمَّا لأنْ هُدى متأخرٍ لشيءٍ لم يَهْتدِ إليه المتقدِّمُ.
ومثالُ ذلك قول المتنبي1:
بسئ اللَّيالي سَهِدْتُ مِنْ طَرَبي ... شَوْقاً إِلى مَنْ يَبيتُ يَرْقُدُها2
__________
1 أكثر اختيار عبد القاهر هنا عن أبي تمام والبحترى والمتبني وغيرهم من أصحاب الدواوين المطجبوعة، فسأترك الإشارة إلى دواوينهم في التعليق إلا عند وجود اختلاف.
2 هو في ديوانه، وكان في المطبوعة: "سهرت".
(1/489)

مع قول البحتري:
لَيلٌ يُصَادِفُنِي ومَرْهَفَةَ الحَشَا ... ضِدَّيْنِ أَسْهَرُهُ لَهَا وتنامه1
وقول البحتري:
وَلو ملَكتُ زَماعاً ظَلَّ يَجْذِبُني ... قَوْداً لَكَانَ نَدَى كَفَّيكَ من عقلي2
مع قول المتبني:
وقَيَّدتُ نَفْسي في ذَرَاك مَحَبةً ... ومَنْ وَجَدَ الإحسان قيدًا تقيدا
وقول المتنبي:
إذا اعتل سيف الدولة اغتلت الأَرضُ ... وَمَنْ فَوْقَهَا وَالْبَأسُ وَالْكَرَمُ الْمَحْضُ
مع قول البحتري:
ظَلِلْنا نَعودُ الجودَ من وَعْكِكَ الذي ... وجَدْتَ وقلنا اغتل عضو من المجد
وقول المتنبي:
يعطيك مبتدرًا فَإِنْ أَعْجَلْتَهُ ... أَعْطَاكَ مُعْتَذِراً كَمَنْ قَدْ أَجْرَما3
مع قول أبي تمام:
أخو عَزماتٍ فِعْلُهُ فِعلُ مُحْسِنٍ ... إلَيْنَا وَلكنْ عذره عذر مذنب4
__________
1 هو في مطبوعة الصيرفي "المعارف"، وليس في غيرها.
2 "الزماع"، العزم على الرحيل، و "العقل" جمع "عقال"، وهو ما يعقل به البعير لحبسه.
3 في المطبوعة: "يعطيط مبتدئًا".
4 هذه رواية أشير إليها، ورواية الديوان، وهي أجود:
أخو أزمات بذله بذل محسن
(1/490)

وقول المتنبي:
كريم مني اسْتُوهِبْتَ ما أَنتَ رَاكِبٌ ... وَقَدْ لقِحَتْ حَرْبٌ فإنك نازل
مع قول البحتري:
مَاضٍ عَلَى عَزْمِهِ في الْجُودِ لَوْ وَهَبَ الشـ ... ـبَابَ يَوْمَ لِقَاءِ الْبِيضِ مَا نَدِمَا
وقولُ المتنبي:
وَالَّذِي يَشْهَدُ الوَغَى سَاكِنُ الْقَلْـ ... ـبِ كَأَنَّ القتال فيها ذمام
مع قول البتحري:
لَقَدْ كَانَ ذَاكَ الجَأْشُ جَأْشَ مُسَالمٍ ... عَلَى أَنَّ ذَاكَ الزّيَّ زِيُّ مُحَارِبِ
وقولُ أبي تمام:
الصُّبْحُ مَشْهُورٌ بِغَيْرِ دَلاَئِلِ ... مِنْ غَيْرِهِ ابتْغِيَتْ ولا أعلام
مع قول المتبني:
وليس يصح في الأفهام شَيْءٌ ... إذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ
وقولُ أبي تمام:
وَفِي شَرَفِ الْحَدِيثِ دَلِيلُ صِدْق ... لِمُخْتَبِرٍ عَلَى الشرف القديم1
مع قول المتنبي:
أَفْعَالُه نَسَبٌ لوْ لمْ يقُلْ مَعَهَا ... جَدِّي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
وقول البحتري:
وأَحَبُّ آفاقِ البلادِ إِلى الفَتى ... أرضٌ يَنالُ بها كريم المطلب2
__________
1 كان في المطبوعة: "على شرف".
2 في المطبوعة: "إلى فتى".
(1/491)

مع قول المتنبي:
وكل امرئ يُولِي الْجَمِيلَ مُحَبَّبٌ ... وَكلُّ مكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طيب
وقول المتنبي:
يُقِرُّ لَهُ بالْفَضْلِ مَنْ لاَ يَوَدُّهُ ... وَيقْضِي لَهُ بِالسَّعْدِ مَنْ لاَ يُنَجِّمُ
مع قولِ البحتري:
لا أدَّعي لأبي العلاءِ فَضيلَةً ... حتَّى يُسَلِّمَها إليه عداه
وقول خالد الكاتب:
رَقَدْتَ وَلَمْ تَرْثِ للِسَّاهِرِ ... وَلَيلُ الْمُحِبِّ بِلاَ آخر1
مع قول بشار:
لخدك مِنْ كَفَّيكَ فِي كُلِّ لَيلةٍ ... إِلى أنْ تَرَى ضَوْءَ الصبَّاحِ وِسادُ
تبِيتُ تُرَاعي اللَّيلَ تَرْجُو نفَادَهُ ... وَليْسَ لِلَيلِ العَاشِقينَ نفَادُ2
وقولُ أبي تمام:
ثوى بالمشرقين لها ضَجَاجٌ ... أطارَ قُلوبَ أَهْلِ المَغْرِبَيْنِ3
وقولُ البحتري:
تَناذَرَ أهلُ الشَّرقِ منه وقائعاً ... أطاعَ لها العاصفون في بلد العرب
__________
1 أمالي القالي 1: 100، ومعه بيت آخر:
ولم تدر بعد ذهاب الرقا ... د ما صنع الدمع من ناظري
ولما سمعهما دعبل بن علي الشاعر قال: "لقد أدمن الرمية، حتى أصاب الثغرة".
2 في ديوانه، وكان في المطبوعة: "لخديك"، وهو خطأ، وفي الديوان: "ترى وجه الصباح".
3 في المطبوعة: "لهم ضجاج"، و "لها" ضمير "الوقائع" مما في البيت الذي قبله.
(1/492)

مع قول مسلم:
لمَّا نزلتُ على أَدْنى ديارِهم ... أَلْقَى إليكَ الأقاصي بالمقاليد1
وقول محمد بن بشير:
أُفْرُغْ لحاجَتِنا ما دمتَ مشغولاً ... فلو فَرَغْتَ لكنتَ الدهرَ مَبْذولا2
مع قول أبي عليٍّ البصير:
فقُلْ لسعيدٍ أسعدَ اللهُ جَدَّه ... لقد رَثَّ حتى كادَ ينصرمُ الحبْلُ
فلا تعتذرْ بالشُّغْلِ عنا فإِنما ... تُناطُ بك الآمالُ ما اتَّصل الشغل3
وقول البحتري:
مِنْ غادةٍ مُنِعَتْ وتَمْنَعُ وَصْلَها ... فَلَوَ أنْها بُذِلَتْ لنا لم تَبْذُلِ4
مع قولِ ابنِ الرومي:
ومِنَ البَليَّة أَنَّني ... عُلّقتُ ممنوعاً مَنوعا5
وقولُ أبي تمام:
لئنْ كانَ ذنبي أنَّ أحْسَنَ مَطْلبي ... أساءَ ففي سوء القضاء لي العذر
__________
1 في ديوانه.
2 لم أقف عليه.
3 أبو علي البصير، الفضل بن جعفر بن الفضل بن يونس النخعي الكاتب، وبين البيتين بيت متصل معناه بالثاني، وهو في معجم الشعراء للمرزباني، 314:
فكن عند اأملت فيك فإننا ... جميعًا لما أوليت من حسن أهل
4 في الديوان: "وتمنع نيلها".
5 ديوانه: 1462.
(1/493)

مع قول البحتري:
إذا محاسني آلاتي أُدِلُّ بها ... كانتْ ذُنوبي فقلْ لي كيف أعتذر
وقول أبي تمام:
قد يقدم العير من ذغر على الأسد1
مع قول البحتري:
فجاءَ مجيءَ العَيْرِ قادتْه حَيْرةٌ ... إِلى أهْرَتِ الشِّدْقَينِ تَدْمَى أظافِرُهُ
وقولُ معنِ بن أوس:
إِذا انصرَفَتْ نفسي عَنِ الشيءِ لم تَكَدْ ... إليه بوجهِ آخِرَ الدهرِ تُقْبِلُ
مع قولِ العباس بن الأحنف:
نَقْلُ الجبالِ الرواسيِ مِنْ أَماكِنها ... أَخَفُّ من ردِّ قلبٍ حينَ يَنْصرِفُ2
وقولُ أمية بن أبي الصلت:
عطاؤك زين لامرئ إِنْ أصبتَهُ ... بخيرٍ وما كلُّ العطاءِ يزينُ3
مع قول أبي تمام:
تُدْعى عطاياه وَفراً وهْيَ إنْ شُهرتْ ... كانتْ فخارا لمن يعفوه موتنفا
ما زلتُ منتظراً أعجوبة عَنَناً ... حَتى رأيتُ سؤالًا يجتنى شرفًا
__________
1 صدر البيت في ديوانه:
أطلبت ردعك حتى صرت لي غرضًا
2 في ديوانه، وفيه: "أخف من نقل قلب"، وهذه أجود.
3 في ديوانه، وفيه: "إن حبوته بخير"، وهي أجود.
(1/494)

وقول جرير:
بعَثْنَ الهوَى ثمَّ ارتَمَيْنَ قلوبنَا ... بأَسْهُمِ أعداءِ وهن صديق1
مع قول أبي نواس:
إِذا امتَحَنَ الدُّنيا لبيبٌ تكَشَّفَتْ ... لهُ عنْ عدو في ثياب صديق
وقول كثير:
إِذا ما أرَادتْ خُلَّةٌ أنْ تُزيلَنا ... أَبَيْنا وقُلْنا الحاجِبيَّةُ أَوَّلُ2
مع قولِ أبي تمام:
نَقّلْ فؤادَك حيثُ شِئْتَ مِنَ الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
وقول المتنبي:
وعندَ مَنِ اليومَ الوفاءُ لصاحبٍ ... شَبيبٌ وأَوْفى مَنْ تَرى أخَوانِ
مع قولِ أَبي تمام:
فلا تَحْسبَا هِنداً لها الغَدْرُ وحدَها ... سَجيَّةُ نفس كل غانية هند
وقول البحتري:
فلم أر في زنق الصَّرى ليَ مَوْرِداً ... فحاولتُ وِرْدَ النيلِ عندَ احتفاله3
__________
1 في ديوانه، وفيه: "دعون الهوى".
2 في ديوانه.
3 في ديوانه، وروايته: "ولم أرض في رنق الصرى"، و "الرنق"، الماء القليل الكدر، و "الصرى"، الماء الذي طال استنقاعه فتغير. و "النيل" نهر من أنهار الرقة، حفره الرشيد، وسمى باسم نيل مصر.
(1/495)

مع قول المتنبي:
قَواصِدُ كافورٍ تَوارِكُ غَيْرِهِ ... ومَنْ قَصَدَ البحرَ استقل السواقيا
وقول المتنبي:
كأنما يولد الندى معهم ... لا عاذر ولا هرم
مع قول البحتري:
عريقون في الإفضال يونتف الندى ... لناشئهم من حيث يونتف العمر
وقول البحتري:
فلا تعلين بالسيفِ كلَّ غَلائِهِ ... لِيمضي فإنَّ الكَفَّ لا السيف تقطع
مع قول المتنبي:
إذا الهند سوت بين سيفي كريهة ... فسيفكط في كف تزيل التساويا
وقول البحتري:
سامَوْكَ من حَسَدٍ فأفضلَ منهمُ ... غيرُ الجَوادِ وجاد غير المفضل
فبذلك فينا ما بذَلْتَ سَماحةً ... وتَكَرُّماً وبذَلْتَ ما لم تبذل
مع قول أبي تمام:
أَرى الناسَ مِنهاجَ الندى بعدَ ما عَفَتْ ... مهايعه المثلى ومحت لواجبه1
ففي كلِّ نَجَدِ في البلادِ وغائرٍ ... مواهبُ ليست منه وهي مواهبه
وقول المتنبي:
بيضاءُ تُطمِعُ فيما تَحْتَ حُلَّتِها ... وعزَّ ذلكَ مطلوبًا إذا طلبا
__________
1 "المهايع"، جمع "مهيع"، وهو الطريف الواسع المنبسط. و "اللواحب" جمع "لاحب"، وهو الطريق المستوى الواضح. و "محت"، بليت ودرست.
(1/496)

مع قول البحتري:
تبدو بعطفة مطمع حتى إذا ... شغل الحلى ثنت بصدقة موبس
وقول المتنبي:
إذْكارُ مِثْلِكَ تَرْكُ إِذكاري لهُ ... إذْ لا تُريدُ لِمَا أُريدُ مُتَرجِما
مع قولِ أبي تمام:
وإذا المَجْدُ كان عَوْني على المَرْ ... ءِ تقاضيته بترك التقاضي
وقول أبي تمام:
فنَعِمْتِ مِن شمسِ إِذا حُجبت بَدتْ ... مِنْ خِدرِها فكأَنها لم تُحْجَبِ
مع قولِ قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها الـ ... ـخالق أن لا يكنها سدف1
وقول المتنبي:
رامياتٍ بأسْهُمِ ريشُها الهُدْ ... بُ تشُقُّ القُلوبَ قبلَ الجلودِ
مع قولِ كُثيرِّ:
رمتني بسهمٍ ريشُهُ الكُحْلُ لم يجُزْ ... ظواهرَ جِلدي وهْوُ في القلبِ جارحُ2
وقولُ بعضِ شعراء الجاهلية، ويُعْزَى إِلى لبيد:
__________
1 رواية ديوانه: "حين يخلقها الخالق"، و "السدف"، ظلمة الليل، يريد أن وجهها يضيء في ظلمة الليل.
2 هو ي ديوانه "إحسان عباس"، وفيه: "لم يصب ظواهر جلدي".
(1/497)

ودَعوتُ رَبي بالسلامةِ جاهِداً ... ليُصِحَّني فإِذا السَّلامةُ داء1
مع قول أبي العتاهية:
أسرع في نقص امرئ تمامه ... تدبر في إقبالها أيامه2
وقوله:
أقلل زيارتك الحبيـ ... ـب تكون كالثوب استجده
إن الصديق بمله ... أنْ لا يزالَ يَراكَ عندَهْ
مع قولِ أبي تمام:
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلقٌ ... لديباجَتيْهِ فاغترب تتجدد
وقول الحريمي:
زادَ مَعْروفَك عندي عِظَما ... أَنَّه عندَك محقورُ صَغيرُ
تَتناساهُ كأَنْ لم تَأتِهِ ... وهُوَ عِنْدَ الناس مشهور كبير3
مع قول المتبني:
تَظْنُّ مِن فقْدِكَ اعتدادَهَمُ ... أَنَّهُم أَنْعَموا وما علموا
__________
1 في الكامل للمبرد 1: 128، ولم يذكر فيما نسب إلى لبيد، في ديوانه "إحسان عباس"، وقبله متصلًا به:
كانت قناتي لا تلين لغامز
فألانها الإصباح والإمساء
2 في تكملة الديوان، وكأنه من أرجوزته "ذات الأمثال".
3 الخريمي هو "أبو يعقوب": إسحق بن حسان بن قوهي الأعور"، والبيتان في الشعر والشعراء لابن قتيبة: 833، وشرح ديوان المتنبي للواحدي: 152، مع خلاف في الرواية.
(1/498)

وقول البحتري:
ألمْ تَرَ للنوائبِ كيفَ تَسْمُو ... إِلى أهْلِ النوافل والفضول
مع قول المتنبي:
أَفاضلُ الناسِ أَغراضٌ لِذا الزَّمنِ ... يخْلُو مِن الهم أخلاهم من الفطن
وقول المتنبي:
تَذَلَّلْ لها واخضَعْ على القربِ والنَّوَى ... فما عاشِقٌ مَنْ لا يَذِلُّ ويَخْضَعُ
مع قولِِ بعض المحدثين:
كنْ إِذا أحببتَ عَبْداً ... للذي تَهوى مُطِيعا
لن تَنالَ الوصْلَ حتى ... تُلْزِمَ النفسَ الخُضوعا
وقولُ مضرِّس بن ربعي:
لَعمرُكَ إِنِّي بالخليلِ الذي لَهُ ... عليَّ دلالٌ واجبٌ لمُفَجَّعُ
وإنيَ بالمَولى الذي ليسَ نافعي ... ولا ضَائري فُقدانُهُ لمُمَتَّعُ1
مع قولِ المتنبي:
أَمَا تَغْلَطُ الأَيامُ فيَّ بأَنْ أَرى ... بَغيضاً ثنائي أو حبيبًا تقرب
وقول المتنبي:
مظلومةُ القَدّ في تشبيهِهِ غُصُناً ... مظلومةُ الريقِ في تشبيه ضربا2
__________
1 هكذا نسب الشعر لمضرس بن ربعي، وهو خطأ وسهو يما أرجع، إنما هو للبراء بن ربعي الفقعسى، يرثى أخاه سليمًا، وهو في شرح الحماسة للتبريزي 2: 167، 168، وفي مقطعات مراث لابن الأعرابي رقم: 43.
2 أمام هذا البيت حاشية بخط كاتبها، وهي كما سلف، من كلام عبد القاهر هذا نصها:
"سبب ما ترى فيه من القصور: أن الواجب أن تجعل هي نفسها مظلومة من أحل تشبيه قدها بالغصن، وريقها بالضرب، لا أن يجعل القد والريق مظلومين. ألا ترى أن اللائق أن يقول: إن شبهت قدها بالغصن ظلمتها، ولا يحسن أن يقول: إن شبهت قدها بالغصن ظلمته".
و"الضرب"، العسل.
(1/499)

القسم الثاني: من الموازنة بين الشعرين، والإجادة فيهما من الجانبين
مع قوله:
إذا نحن شبهناك بالبدر طالعًا ... بخسانك حَظّاً أنتَ أَبْهى وأَجمَلُ
ونَظْلِمُ إنْ قِسْناك بالليثِ في الوغَى ... لأَِنكَ أحْمى للحريمِ وأَبسَلُ
572 - ذكرُ ما أنتَ ترى فيه في كلِّ واحدٍ من البيتين صنعةً وتصويراً واستاذيةً على الجملة، فمن ذلك، وهو في النادر، قول لبيد:
واكذِبِ النفسَ إِذا حدَّثْتَها ... إنَّ صدْقَ النفسِ يُزري بالأَمَلْ1
مع قولِ نافعِ بنِ لَقيط2:
وإِذا صدقتَ النفسَ لم تَتركْ لها ... أَملاَ ويأمُلُ ما اشْتَهى المكذوبُ3
وقولُ رجلٍ من الخوارج أُتِيَ به الحجاج في جماعةٍ من أصحاب قَطَرِيٍّ فقتلَهم، ومنَّ عليه لِيَدٍ كانت عنده، وعاد إلى قطري، فقال له قطرىك عاود قتال عدو الله الحججاج. فأبى وقال:
__________
1 هو في ديوانه.
2 نافع بن لقيط الفقعسى، ويقال له أيضًا "نويفع"، ويقال: "نافع بن نفيع الفقعسى"، طبقات فحول الشعراء: 367.
3 هو من قصيدته نافع الطويلة، رواها الزجاجي في اماليه: 126 - 128، عن الأخفش، عن ثعلب، وهي أيضًا في لسان العرب بتمامها "مرط"، وهذا البيت ليس فيها، ولكنه منها بلا ريب.
(1/500)

أَأُقاتِل الحجَّاجَ عَنْ سُلْطانه ... بِيدٍ تُقِرُّ بأَنها مَولاتُهُ
ماذا أقولُ إذا وقفتُ إزاءَهُ ... في الصفِّ واحتجَّتْ لَهُ فَعَلاتُهُ
وتحدَّثَ الأَقوامُ أنَّ صَنائعاً ... غُرِسَتْ لَدَيَّ فَحَنْظَلَتْ نَخلاتُهُ1
مع قول أبي تمام:
أُسَرْبِل هُجْرَ القولِ مَنْ لو هَجَوْتُهُ ... إذَنْ لهجانى عنه معروفه عندي
وقول النابغة:
إذا ما غزا بالجيشِ حلَّقَ فَوْقَهُ ... عَصائِبُ طيرٍ تَهْتَدي بعَصَائبِ
جوانحَ قَدْ أيقنَّ أن قَبِيلَهُ ... إِذا ما التَقى الصفَّانِ أولُ غالِبِ2
مع قولِ أَبي نواس:
وإِذا مَجَّ القَنا عَلَقَا ... وتراءَى الموتُ في صُوَرِهُ
راحَ في ثِنْيَيْ مُفاضَتِهِ ... أَسَدٌ يَدمى شَبا ظفُرهْ
تتأيى الطيرُ غُدْوَته ... ثِقةً بالشِبْع من جَزَرِهُ3
المقصودُ البيت الأخير.
__________
1 هذه الأبيات وقصتها لعامر بن حطان الخارجي، وهو أخو عمران بن حطان، وخرجها إحسان عباس في "ديوان شعر الخوارج": 217، وفاته أنها في الموازنة للآمدي، وفي "إعتاب الكتاب": 61، 62، وفي كتاب "العفو والاعتدار" لرقام البصرى: 559، وهي عنده ثلاثة عشر بيتًا، وعند الآخرين ستة أبيات، وقبل البيت الثاني، بيت متصل به:
إني أذن لأخو الدناءة والذي ... عفت على عرفانه جهلاته
2 كان في المطبوعة: "إذا ما غدا"، وكأنه تصحيف، ويرى: "أبصرت فوقهم عصائب طير، كما في ديوانه, وفيه أيضًا: "إذا ما التقى الجمعان".
3 في ديوانه. "العلق"، الدم، و "المفاضة" الدرع، و "تتأيي" تتحرى وتتوخى وتتعمد. "جزره"، يعني القتلى الذين جزرتهم سيوفه، وانظر الفقرة التالية، وفي الديوان: "تتأيي الطير غزوته".
(1/501)

573 - وحكى المرزباني قال: "حدثني عمرو الوراق قال: رأيتُ أبا نواس يُنْشد قصيدتَه التي أولها:
أيها المنتاب عن عفره1
فسحدته، فلما بلغ إلى قوله:
تتأيى الطيرُ غدوتَهُ ... ثِقةً بالشِّبْع مِن جَزَرِهُ
قلتُ له: ما تركتَ للنابغة شيئاً حيثُ يقولُ: "إِذا ما غدَا بالجيش"، البيتين، فقال: اسكُتْ، فلئن كان سَبَقَ فما أسأْتُ الاتِّباعَ".
وهذا الكلام من أبينواس دليلٌ بيِّنٌ في أنَّ المعنى يُنْقَل من صورةٍ إِلى صورة. ذاك لأنه لو كان لا يكونُ قد صنَعَ بالمعنى شيئاً، لكانَ قوله: "فما أسأتُ الاتِّباع" مُحالاً، لأنه على كل حالٍ لم يَتْبَعْه في اللفظ. ثم إنَّ الأَمر ظاهرٌ لِمَن نظَر في أنه قد نَقَل المعنى عن صورته التي هو عليها في شِعْر النابغَة إِلى صورةٍ أُخرى. وذلك أن ههنا معنيَيْنِ:
أحدُهما: أصْلٌ، وهو: عِلْمُ الطَّير بأنَّ الممدوحَ إِذا غزا عَدُوّاً كان الظفَرُ له، وكان هو الغالبَ.
والآخرُ فرْعٌ، وهو: طمَعُ الطيرِ في أن تتَّسع عليها المطاعِمُ من لحوم القتلى.
__________
1 في هامش المخطوطة، بخط كاتبها، ما نصه:
"يقال: لقيته عن عفر: أي بعد شهر ونحوه".
وكان في المطبوعة: "من عفر"، وهو في الديوان على الصواب.
(1/502)

وقد عَمَد النابغةُ إِلى "الأَصْل"، الذي هو علْمُ الطير بِأنَّ الممدوحَ يكونُ الغالبَ، فذَكَره صريحاً، وكَشَفَ عن وجهه، واعتمَدَ في "الفرع" الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى، وأَنها لذلك تُحَلِّقُ فوقه على دلالةِ الفَحْوى.
وعكَسَ أبو نواس القصَّة، فذكَر "الفرْعَ"الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى صريحاً، فقال كما ترى:
ثقة بالشِّبْعِ مِنْ جزرهُ
وعوَّلَ في "الأَصْل"، الذي هو علمُها بأنَّ الظفرَ يكونُ للمدوح، على الفحوى. ودلالةُ الفحوى على عِلْمِها أنَّ الظفر يكون للمدوح، هي في أَنْ قال: "من جَزَرِه"، وهي لا تثق بأن شبعها يكون في جَزَر الممدوح، حتى تعلمَ أَنَّ الظَّفر يكونُ له.
أفيكونُ شيءٌ أظهرَ من هذا في النقلِ عن صورةٍ إِلى صورة؟
574 - أرجِعُ إِلى النَّسق ومن ذلك قول أبي العتاهية:
شِيمٌ فَتَّحَتْ من المدْحِ ما قَدْ ... كانَ مُسْتَغلَقاً على المُدَّاحِ1
مع قولِ أبي تمام:
نظمتْ له خرَز المديحِ مَواهِبٌ ... يَنْفُثْنَ في عقد اللسان المفحم
وقول أبي وجزة:
أتاكَ المَجْدُ منْ هَنَّا وهَنَّا ... وكنتَ له بمجتمع السيول2
__________
1 في ملحقات ديوانه: 515، عن "الصبح المبى"، و "الإبانة" للعبيدي، هو عند الواحي في شرح ديوانه المتنبي ص: 100.
2 هو لأبي وجزة السعدي، يزيد بن عبيد، في ديوانه المعاني للعسركي 1: 59، وكان في المطبوعة: "مجتمع"، وهو خطأ.
(1/503)

مع قول منصور النمرى:
إنَّ المكارِمَ والمعروفَ أَوديةٌ ... أَحلَّكَ اللهُ منها حيث تجتمع1
وقول بشار:
الشّيبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أنْ يُفارِقَني ... أَعْجِبْ بشيءٍ على البغضاء مودود2
مع قول البحتري:
تعيب العانيات عليَّ شَيبي ... ومَنْ لي أن أمتَّعَ بالمَعيبِ
وقول أبيتمام:
يشتاقُهُ مِنْ كمَالِهِ غدُهُ ... ويُكْثِرُ الوَجْدَ نحوهُ الأمس
مع قول ابن الرومي:
إمامٌ يَظَلُّ الأمسُ يُعمِلُ نَحْوهُ ... تَلَفُّتَ ملْهوفٍ ويَشْتاقُهُ الغَدُ3
لا تنظرْ إِلى أنه قال: "يشتاقُه الغَدُ"، فأعادَ لفظَ أبي تمام، ولكنَّ انْظُرْ إِلى قوله: يُعملُ نحوَهُ تلفتَ ملهوفٍ.
وقولُ أبي تمام:
__________
1 هو من قصيدته المشهورة في الرشيد، الأغاني 13: 145 "الدار"، والقصيدة منشورة في أحد أعداد مجلة المجتمع بدمشق.
2 هذا البيت ينسب لبشار، ولمسلم بن الوليد، وليس في ديوانهما، وهو لبشار في أمالي المرتضى 1: 607، وفي مجموعة المغاني: 124، وهو لمسلم في ديوانه المعاني 2: 158، وسمط اللآلئ: 334، وهو له في تاريخ بغداد 13: 97، 98 ثلاثة أبيات أولها، عن أبي تمام:
نام العواذل واستكفين لائمتي ... وقد كفاهن نهض البيض والسود
أما الشباب فمفقود له خلف ... والشيب يذهب مفقودًا بمفقود
3 هو في ديوانه: 787، وفيه: "كريم يظل الأمس".
(1/504)

لئن ذمت الأعداء سوء صباحها ... فليس يودى شكرها الذئب والنسر
مع قول المتبني:
وأنْبتَّ مِنْهُمْ ربيعَ السِّباعِ ... فأَثْنَتْ بإحسانِكَ الشاملِ
وقولُ أبي تمام:
ورُبَّ نائي المَغاني رُوحُهُ أبداً ... لَصِيقُ رُوحي ودان ليس بالدانى
مع قول المتنبي:
لنا ولأَهْلِهِ أبَداً قُلوبٌ ... تلاَقى في جسومٍ ما تلاقى
وقول أبي هفان:
أصبحَ الدهرُ مُسيئاً كلُّهُ ... مالَهُ إلاَّ ابنَ يَحْيى حَسَنهْ
مع قولِ المتنبي:
أزالتْ بِكَ الأيامُ عَتْبي كأنما ... بَنُوها لَها ذَنْبٌ وأنتَ لَها عذْرُ
وقولُ علي بنِ جبلة:
وأَرى الليالي ما طوَتْ مِنْ قُوَّتي ... رَدَّته في عِظتي وفي إِفهامي1
مع قولِ ابن المعتز:
وما يُنتقَصْ من شَبابِ الرِّجال ... يَزِدْ في نهاها وألبابها2
__________
1 هو في مجموع شعره مخرجًا، وبعده:
وعلمت أن المرء من سنن الردى ... حيث الرمية من سهام الرامي
2 هو في ديوانه، في باب الفخر.
(1/505)

وقول بكر بن النطاح:
ولوْ لم يكنْ في كفِّهِ غيرُ روحِهِ ... لجَاد بِها فلْيتَّقِ اللهَ سائِلُهْ1
مع قول المتنبي:
إِنكَ مِنْ مَعْشَرٍ إِذا وَهَبوا ... ما دُونَ أعمارهم فقد بخلوا
وقول البحتري:
ومن ذاا يلومُ البحرَ أَنْ باتَ زاخراً ... يفيضُ وصوبَ المزْنِ أَنْ راحَ يَهْطِلُ
مع قولِ المتنبي:
وما ثَناكَ كلامُ الناسِ عَنْ كَرَمٍ ... ومَنْ يسد طريق العارض الهطل
وقول الكندي:
عَزُّوا وعَزَّ بِعزِّهمْ مَنْ جَاوَرُوا ... فهُمُ الذُّرى وجماجم الهامات
إن يطلبوا بتتراتهم يُعطَوا بها ... أو يُطلَبوا لا يُدْرَكوا بتِراتِ2
مع قول المتنبي:
تُفيتُ الليالي كلَّ شيءٍ أخذْتَه ... وهنَّ لِمَا يأخذن منك غوارم
وقول أبي تمام:
إذا سيفه أضحى على اللهام حاكِماً ... غَدا العَفْوُ منهُ وهْوَ في السيفِ حاكم
مع قول المتنبي:
لهُ مِنْ كَريمِ الطَّبْع في الحرْبِ مُنْتَضٍ ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد
__________
1 هذا بيت يقحم في شعر أبي تمام، وهو في ديوانه.
2 أعياني أن أجدهما، وهما موجودان.
(1/506)

575 - فانظُرِ الآنَ نظرَ مَنْ نَفَى الغفْلةَ عن نفسِه، فإنكَ ترَى عِياناً أنَّ لِلْمعنى في كل واجد من البيتِ الآخَر وأنَّ العلماءَ لم يُريدوا حيثُ قالوا: "إنَّ المعنى في هذا هو المعنى في ذاك"، أن الذي يعقل من هذا لا يخالف الذي يعقل مِن ذاك وأنَّ المعنى عائدٌ عليكَ في البيتِ الثاني على هيئَتهِ وصِفَتهِ التي كانَ عليها في البيتِ الأول وأنْ لا فرْقَ ولا فصل ولا تباني بوجهٍ من الوجوه وإنَّ حكْم البيتينِ مثَلاً حكْمُ الاسمينِ قد وُضِعا في اللغة لشيءٍ واحدٍ، كالليثِ والأَسد1 ولكنْ قالوا ذلك على حَسَبِ ما يقولُه العُقَلاء في الشيئينِ يَجْمَعهما جنسٌ واحدٌ، ثم يفترقانِ بخواصَّ ومَزايا وصفاتٍ، كالخاتم والخاتَم، والشَّنْف والشَّنْف، والسِّوارِ والسوار، وسائرِ أصنافِ الحِلَى التي يَجْمعها جنسٌ واحدٌ، ثم يكونُ بينهما الاختلافُ الشديدُ في الصَّنْعة والعَمَل.
576 - ومَنْ هذا الذي يَنظُر إِلى بيتِ الخارجِي وبيتِ أبي تمام2، فلا يَعْلَمُ أنَّ صورةَ المعنى في ذلك غيرُ صورتِه في هذا؟ كيفَ، والخارجيُّ يقول:
"واحتجَّتْ له فَعْلاتُه"
ويقولُ أبو تمام:
إذن لَهجاني عنْه مَعْروفُه عندي
ومتى كان "احتجَّ" و "هجا" واحدًا في المعنى؟
__________
1 السياق: "وأن العلماء لم يريدوا حيث قالوا ... ولكن قالوا ذلك".
2 هو فيما سلف قريبًا ص: 501.
(1/507)

وكذلك الحكْمُ في جميع ما ذكرْناه، فليسَ يُتَصوَّرُ في نفسِ عاقلِ أنْ يكونَ قولُ البحتري:
وأَحَبُّ آفاقِ البلادِ إِلى الفَتى ... أرضٌ يَنالُ بها كَريمَ المَطْلَبِ
وقولُ المتنبي:
وكلُّ مكانٍ يُنبِتُ العزَّ طيِّبُ1
سواءً
577 - واعلمْ أنَّ قولَنا "الصورةُ"، إِنما هو تمثيلٌ وقياسٌ لما نَعْلَمه بعقولنا على الذي نرَاه بأبصارنا، فلما رأَينْا البَيْنونة بين آحادِ الأجناسِ تكونُ مِنْ جِهةَ الصورةِ، فكان تبين إنسانٍ مِنْ أنسانٍ وفرَسٍ من فرسٍ2، بخصوصيةٍ تكونُ في صورةِ هذا لا تكونُ في صورةِ ذاك، وكذلك كان الأمرُ في المصنوعاتِ، فكانَ تَبَيُّنُ خاتَمٍ من خاتمٍ وسِوَارٍ من سِوَارٍ بذلك، ثم وجَدْنا بينَ المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونةً في عقولِنا وفَرْقاً3، عَبَّرْنا عن ذلك الفرقِ وتلكَ البينونةِ بأَنْ قلْنا: "لِلمعنى فيِ هذا صورةٌ غيرُ صورتهِ في ذلك". وليس العبارة من ذلك بالصورةِ شيئاً نحن ابتدأناه فيُنْكِرَهُ مُنْكِرٌ، بل هو مُستعمَلُ مشهورٌ في كلام العلماءِ، ويكفيك قول الجاحظ: "وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير"4.
__________
1 هو فيما سلف قريبًا ص: 491.
2 في المطبوعة: "بين إنسان"، وبعده بقليل "بين خاتم".
3 السياق: "فلما رأينا البينونة .... عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة".
4 سلف فيما مضى في الفقرة رقم: 298، وفي المطبوعة: "صناعة".
(1/508)

578 - واعلمْ أنه لو كانَ المعنى في أَحدِ البيتين يكونُ على هيئتِه وصِفَته في البيتِ الآخَر، وكانَ التالي من الشاعِرَيْن يَجيئُك به مُعَاداً على وجهه لم يُحدِثْ فيه شيئاً، ولم يُغيِّر له صِفةً، لكان قولُ العلماءِ في شاعرٍ: "إِنه أَخَذَ المعنى مِنْ صاحِبِه فأحْسَنَ وأجادَ"، وفي آخَرَ "إِنه أسَاءَ وقصَّر"، لغوْاً من القولِ، من حيثُ كان مُحالاً يُحْسِنَ أو يسيءَ في شيءٍ لا يَصْنع به شيئاً.
وكذلك كانَ يكونُ جَعْلُهم البيتَ نظيراً للبيتِ ومناسِباً له، خطأً منهم، لأنه مُحال أن يُناسِبَ الشيءُ نفسَه، وأن يكونَ نَظيراً لنفسِه.
وأمرٌ ثالث: وهو أنهم يقولون في واحد: "إنه أخذ المعنى فظر أَخْذُه"، وفي آخر: "إِنه أَخذَه فأخفَى أخْذَه"، ولو كان المعنى يكونُ مُعاداً على صورتِه وهيئتِه، وكانَ الأَخْذ له مِنْ صاحِبه لا يَصْنع شيئاً غيرَ أن يُبدِّل لفظاً مكانِ لفظٍ، لكان الإخفاءُ فيه مُحالاً، لأن اللفظ لا يُخْفى المعنى، وإنما يُخْفيه إخراجُه في صورةٍ غيرِ التي كانَ عليها.
579 - مثالُ ذلك إن القاضي أبا الحَسَن1، ذكَر فيما ذكرَ فيه "تناسب المعاني"، بيت أبي نواس:
خُلِّيَتْ والحُسْنَ تَأخذُهُ ... تَنْتقي منهُ وتَنْتخِبُ2
وبيتَ عبدِ الله بن مصعب:
كأنَّك جئتَ محتكِماً عليهمْ ... تَخيَّرُ في الأبوَّةِ ما تشاء
__________
1 يعني القاضي الجرجاني أبا الحسن علي بن عبد العزيز في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه، وهذا كلها في "الوساطة": 160، وشعر أبي نواس وبشار وأبي تمام في دواوينهم.
2 هو في ديوانه، وذكر القاضي بعده:
فاكتست منه طرائفه ... واستزادت فضل ما تهب
(1/509)

وذكر أنهما معًا من بيت بشار:
خُلِقتُ على ما فيَّ غيرَ مُخَيَّرٍ ... هوايَ، ولو خُيِّرْتُ كنتُ المهذَّبا
والأمرُ في تناسب هذه الثلاثةِ ظاهرٌ. ثم إنه ذكَرَ أنَّ أبا تمام قد تناوله فأخفاه وقال:
فلَوْ صوَّرْتَ نفسَك لم تَزِدْها ... على ما فيكَ من كَرمِ الطِّباعِ
580 - ومن العجَب في ذلك ما تراه إِذا أنتَ تأملْتَ قولَ أبي العتاهية:
جزى البخيل على صالحة ... غنى بخفته على ظَهْري
أَعلى وأَكْرمَ عن يَدَيْهِ يَدي ... فَعلَتْ، ونزَّه قدْرُه قدْري
وُرزِقتُ مِن جَدْواهُ عافيةً ... أنْ لا يَضيقَ بشكْرهِ صَدْري
وغَنِيتُ خلوًا من تفضله ... أحنوا عليه بأحسن العذر
ما فاتني خير امرئ وَضَعتْ ... عَنّي يَداهُ مؤونةَ الشكْرِ1
ثم نظرتَ إلى قول الذي يقول:
أعتقني سوء ما صنعت من الرق ... فيا برْدَها على كَبِدي
فصرتُ عَبْداً للسُّوءِ منك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد2
__________
1 الشعر في ديوانه "بيروت": 345، وأسرار البلاغة: 143.
2 الشعر في أسرار البلاغة: 143، وحماسة ابن الشحرى 1: 291 "الملوحى" وفيها التخريج، غير معزو إلى أحد، وكان من الأسرار والمطبوعة: "للسوء فيك". وبعد هذا في المخطوطة سقط ورقتين: من ص: 324، إلى ص: 327، وسأشير إلى ذلك بعد قليل.
(1/510)

وصف الشعر والإدلال به
581 - وممَّا هو في غاية النُّدرة من هذا الباب، ما صنعه الجاحظ بقول نصيب:
ولو سَكتوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ
حين نثرَه فقال، وكتبَ به إِلى ابن الزيات:
"نحنُ، أَعزك اللهُ، نَسْحَرُ بالبيان، ونُموِّه بالقول، والناسُ ينظرون إِلى الحالِ، ويقْضُونَ بالعِيان، فأَثِّرْ في أَمرنا أَثراً ينطِقُ إِذا سكَتْنا، فإنَّ المدَّعي بغير بينة متعرض للتكذيب".
قول الشعراء في وصف الشعر:
582 - وهذه جملة منْ وَصْفهم الشعرَ وعملِه، وإدلالهِمْ به.
1أبو حية النميري:
إنَّ القصائدَ قد عَلِمْنَ بأنَّني ... صنَعُ اللسانِ بهنَّ، لا أَتَنحَّلُ
وإِذا ابتدأتُ عروضَ نَسْجٍ ربض ... جعلت تذل لما أريد وتسهل
__________
1 من حر الشعر ونفيسه ما قاله أبو يعقوب الخريمي في صفة شعره، رواه الخالديان في الأشباه والنظائر1: 226.
من كل غائرة إذا وجههتها ... طلعت بها الركبان كل نجاد
طورًا تمثلها الملوك، وتارة ... بين الثدى تراض والأكباد
يعني بالغائرة، قصيدة يقولها في الغور، ثم يوجهها، فتسير به الركبان مصعدة في كل نجد، ويناشهدها ملوك الناس وملوك البيان، ويتمثلون بها، ويفتن بها أهل الغناء، فيروضونها بالتلحين، فهي تلحن على العيدان المحتضنة بين الثدى والأكباد، شغفًا بها. وهذا شعر فاخر كان يقال مثله يوم كان ملوك الناس ملوكًا، ويوم كان شعر الناس شعرًا، وكان غناء الناس غناء!
(1/511)

حتى تُطاوِعَني، ولو يَرْتاضُها ... غَيْري لحاوَلَ صَعْبةً لا تقبل1
583 - تميم بن مقبل:
إِذا مُتُّ عن ذكْر القوافي فلَنْ تَرى ... لها قائلاً بَعْدي أَطبَّ وأشْعَرا
وأكثرَ بَيْتاً سائراً ضُرِبَتْ له ... حُزونُ جبالِ الشعرِ حتَّى تَيَسَّرا
أغرَّ غريباً يَمْسَحُ الناسُ وجْهَهُ ... كما تمسح الأيدي الأغز المشهرا2
584 - عدى بن الرقاع:
وقصيدةِ قد بِتُّ أجْمَعُ بَينها ... حَتَّى أُقوِّمَ ميلَها وسِنادَها
نظرَ المُثَقِّفُ في كعوبِ قنَاتِهِ ... حتَّى يُقيمَ ثِقَافهُ مُنْآدَها3
585 - كَعْبُ بن زهير
فَمَنْ للقوافي، شَانَها مَن يَحُوكُها ... إِذا ما توى كعب وفوز جزول
يُقَوِّمُها حَتَّى تَلِينَ مُتُونُها ... فَيقْصُرُ عَنْهَا كلُّ ما يتمثل4
586 - بشار
عَمِيتُ جَنِيناً، والذكاءُ مِنَ العَمَى، ... فجئتُ عجيبَ الظن للعلم موئلا
__________
1 في شعره المجموع، عن دلائل الإعجاز: وقوله: "أتنحل"، أي لا أغير على شعر غيري، فأسترق معانيه وأدعيها لنفسي، , "العروض" ناقة صعبة لم تذلل، ولم تقبل الرياضة بعد. وأراد بالنسخ نسخ الشعر، و "الربض" من الدواب وغيرها، الذي لا يقبل الرياضة، ولم تذل لراكبها بعد. و "تذل"، تلين وتسهل بعد صعوبة.
2 الشعر في ديوانه، وهو فيه "لها تاليًا بعدي"، و "بيتًا ماردًا"، وهو أجود وأدق. و "الأغر المهشر"، الفرس، يعني جاء سابًا فمسح الناس وجهه إكرامًا له، وحبا له.
3 في قصيدته، نشرها الأستاذ الميمنى في الطرائف الأدبية، "الثقاف" آلة تسوى بها قناة الرمح. و "المنآد" الذي فيه عوج.
4 في ديوانه. و "جرول" هو الخطيئة. و "توى" و "فوز" هلك.
(1/512)

وغاص ضياءُ العينِ لِِلْعِلْم رافداً ... لِقَلْبٍ إِذا ما ضَيِّع الناسُ حَصِّلا
وشِعرٍ كنَورِ الروْضِ لاءمْتُ بَيْنَهُ ... بقولٍ إِذا ما أحزنَ الشعرُ أَسْهَلا1
587 - وله
زَوْرُ ملوكٍ عليه أُبَّهةٌ ... يُغرَفُ مِن شِعْره ومن خُطَبِهُ
للهِ ما راحَ في جوانحِهِ ... من لولؤ لا يُنَامُ عَنْ طَلَبهْ
يَخرجُ مِن فيهِ للندى، كما ... يخرج ضوء السراج من لهبه2
588 - أبو شريح العمير
فإنْ أَهلِكْ فقد أَبقَيْتُ بَعْدي ... قوافيَ تُعْجِبُ المتمثِّلينا
لَذِيذاتِ المَقَاطعِ محْكَماتٍ ... لوَ أنَّ الشِّعْرَ يلبس لارتدينا3
589 - الفرزدق
بلغنا لشمس حين تكونُ شَرْقا ... ومسقَطَ قَرنِها من حيثُ غابا
__________
1 في زيادات ديوانه.
2 في ديوانه. و "الزور"، الزائر، يستوى فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع.
3 لم أعرف "أبا شريح العمير"، وهو مجموعة المعاني: 178 لشاعر جاهلي، وفي البيان والتبيين 1: 222، وديوان المعاني: 1: 8 غير منسوب، وانفرد صاحب حماسة الشجرى بنسبته إلى ابن ميادة، وهذا خطأ أو سهو، لأنه فيما أرجع أخذه من البيان والتبيين، لأن الجاحظ عقد بابًا فقال: "ووصفوا كلامهم في أعشارهم، فجعلوها كبرود العصب، وكالحلل والمعاطف، والديباج والوشى، وأشباه ذلك. وأنشدني أبو الجماهر جندب بن مدرك الهلالي" وذكر أبياتًا ثم قال: "وأنشدني لابن ميادة:
نعم إنني مهد ثناء ومدحة ... كبرد اليماني يربح البيع تاجره
وأنشد" ثم ذكر البيتين، فاختلط الأمر على الشجرى في نقله إلى حماسته، فنسبه لابن ميادة.
وهذا شعر فاخر.
(1/513)

بِكلِّ ثنِيَّةٍ وبكلِّ ثَغرٍ ... غرائبهُنَّ تَنتَسِبُ انْتِسابا1
590 - ابن ميادة
فَجَرْنا ينابيعَ الكَلامِ وبَحْرَهُ ... فأصْبَحَ فيهِ ذو الروايةِ يَسْبَحُ
وما الشعرُ إِلاّ شعرُ قيسٍ وخِنْدِفٍ ... وشِعْرُ سواهُمْ كُلْفَةٌ وتَملُّحُ2
591 - وقال عقالُ بن هشام القيني يرد عليه:
ألا أبلغ الرَّمَّاحَ نقْضَ مقالةٍ ... بها خَطِلَ الرَّمَّاحُ أو كان يَمزَحُ
لئن كان في قيسٍ وخِنْدِفَ ألسُنٌ ... طِوالٌ، وشِعرٌ سائرٌ ليس يُقْدَحُ
لقد خَرَّقَ الحيُّ اليمانون قَبْلَهم ... بُحورَ الكلام تُسْتقَى وهْيَ طفَّحُ
وهُمْ عَلَّموا مَنْ بَعْدَهُمْ فتعلَّموا ... وهمْ أَعْرَبوا هذا الكَلامَ وأَوْضَحوا
فلِلسَّابقينَ الفَضْلُ لا يجحدونه ... وليس لمسبوق عليهم تبجح3
592 - أبو تمام
كَشَفْتُ قِناعَ الشّعرِ عن حُرِّ وجْهِهِ ... وطيَّرتُه عن وكره وهو واقع
بغر يراها ن يراها بسمعه ... ويدنوا إليها ذو الججى وهو شاسع
__________
1 في ديوانه، بقوله لجرير، وقبله، يعني شعره وقصائده:
وغر قد نسقت مشهرات ... طوالع، لا تطيق لها جوابا
"غر"، كالفرس الأغر يعرف من بين الخيل، "مشهرات"، يردن كل بلد فتطلع على أهله فيتناشدونها، ونسجها يدل على نسبها، يعني أن يقال: هذا الفرزدق يقول. "والتثنية" الطريق في الجبل يسكله الناس، و "الثغر" فرجة في بطن واد أو في جبل، أو في طريق مسلوك.
2 هو في الأغاني 2: 309 (الدار).
3 هو في الأغاني 2: 309 "الدار"، وسماه عقال بن هاشم"، و "الرماح" هو "ابن ميادة".
(1/514)

يَودُّ وِداداً أنَّ أَعضاءَ جِسْمِهِ ... إِذا أُنشِدَتْ شوقًا إليها مسامع1
593 - وله
حذّاءَ تَملأُ كلَّ أُذْنٍ حكْمةً ... وبَلاغةً، وتُدِرُّ كل وريد
كالرد والمرجانِ أُلّف نَظْمُهُ ... بالشَّذْر في عُنُقِ الفتاةِ الرُّودِ
كَشقيقةِ البُرْدِ المُنَمنَمِ وشيُهُ ... في أرضِ مَهرةَ أو بلادِ تَزِيد
يُعطَى بها البشرىالكريم ويَرْتدي ... بردِائها في المحفِلِ المَشْهودِ
بُشْرَى الغَنيِّ أبي البنات تتابعت ... بشراوه بالفارس المولود2
594 - وله:
جاءتْكَ مِنْ نَظْمِ اللسانِ قِلاَدَةٌ ... سِمْطانِ، فيها اللؤلؤُ المَكْنونُ
أحْذَاكَها صَنَعُ الضَّميرِ يَمُدُّه ... جَفْرٌ إِذا نَضَبَ الكلامُ مَعِين3
595 - أخذ لفْظَ "الصَّنَع" من قوله أبي حَيّة:
بأنني صنَعُ اللسانِ بهنَّ لا أتنحَّلُ
ونقله إِلى الضمير، وقد جعل حسَّانُ أيضاً اللسانَ "صنعًا"، وذلك في قوله:
أهدى لهم مدحًا قلب موازره ... فيمنا أحب لسان حائك صنع4
__________
1 شعر أبي تمام هذا، والآتي بعده في ديوانه. و "شاسع"، هو البعيد.
2 "حذاء" خفيفة السير في البلاد، و "تدر كل وريد"، تذبح من يحسده أو يحاول ما حاوله. و "الشذر"، ما يصاغ من ذهب أو فضة على هيئة الؤلؤة. و "الفتاة الرود"، الناعمة المتمايلة دلًا. و "الشقيقة"، ما يشق من البرود، و "المنمنم" المنقوش نقشًا دقيقًا. و "مهرة" من بلاد اليمن، و "بنو تزيد" من قضاعة، تنسب إليها البرود النفيسة.
3 يقال: "أحذاه من الغنيمة"، أي أعطاه. و "الجفر"، البئر الواسعة المستديرة التي لم تطو بعد. و "معين" يجري على وجه الأرض ماؤها.
4 هو في ديوانه.
(1/515)

596 - ولأبي تمام:
إليك أرحنا عازب الشعر بعد ما ... تمهَّل في روضِ المعاني العجَائِبِ
غرائبُ لاقتْ في فنائكَ أُنسَها ... مِن المَجْدِ فَهْيَ الآنَ غيرُ غَرائبِ
ولو كان يفنَى الشعرُ أفناهُ ما قَرَتْ ... حياضُكَ منهُ في السنين الذَّواهِبِ
ولكنّهُ صَوْبُ العقولِ، إِذا انْجَلَتْ ... سحائبُ منه أعقبت بسحائب1
597 - البحترى
ألستُ المُوالِي فيكَ نَظْمَ قصائدٍ ... هي الأنجُم اقْتَادَتْ معَ الليلِ أَنْجُمَا
ثناءٌ كأَنَّ الروضَ منهُ مُنوِّرا ... ضُحَى، وكأَنَّ الوشْيَ منهُ منَمْنما2
598 - وله:
أحسن أبا حسن بالشعر، إذا جعلت ... عليك أنجمه بالمدح تنتثر
فقد أئتك القوافي غب فائدة ... كمكا تفتح غب الوابل الزهر3
599 - وله
إليك القوافي نازعات قواصدًا ... يُسَيَّرُ ضاحِي وَشْيها ويُنَمْنَمُ
ومُشْرِقَةٌ في النظْمِ غر يزينها ... بهاء وحسنًا أنها فيك تنظم4
__________
1 "العازب" من الإبل، التي خرج يرعى بها راعيها كلًا بعيدًا عن ديار الحي. و "أراح الإبل"، إذا ردها إلى مراحها بعد غروب الشمس، حيث تأوى إلى مراحها ليلًا لتبيت فيه. و "قرت حياضك"، "قرى الماء في الحوض" جمعه، ورواية الديوان "في العصور الذواهب"، و "الصواب"، المطر.
2 في ديوانه، "فيه مسهمًا"، أي منقوشًا على هيئة السهام.
3 في المطبوعة: "تنتشر"، وهو خطأ.
4 "يسير"، أي ينسج على هيئة الحلة السيراء، ذات الخطوط. وفي المطبوعة: "أنها لك".
(1/516)

600 - وله
بمنقوشة نقش الدنانير ينتفي ... لها اللفظُ مُختاراً كما يُنْتقى التِّبْرُ
601 - وله
أيذهَبُ هذا الدهرُ لم يُرَ مَوْضِعي ... ولم يُدْرَ ما مِقدارُ حَلّي ولا عَقْدِي
ويَكْسِدُ مثلى وهو تاجر سودد ... يَبيعُ ثميناتِ المكارِمِ والمَجْدِ
سوائرُ شِعرٍ جامعٍ بِدَدَ العُلى ... تعلَّقنَ مَنْ قَبلي وأتعبْنَ مَن بَعْدي
يقدِّرُ فيها صانعٌ مُتعمِّلٌ لأحكامِها تقديرَ داود في السرد1
602 - وله
تاله يَسهرُ في مديحِكَ ليلَهُ ... مُتَمَلْمِلاً وتَنامُ دونَ ثوابه
يقظان ينتخل الكلامَ كأنهُ ... جيشٌ لديهِ يُريدُ أَنْ يَلْقَى بِهِ
فأتَى بهِ كالسيفِ رَقَرَقَ صَيْقَلٌ ... ما بَيْنَ قائمٍ سِنْخِهِ وذُبابِهِ2
603 - ومن نادر وصفه للبلاغة قوله:
في نظام من البلاغة ما شك ... أمْرُؤٌ أنَّه نظامُ فَريدِ
وبَديعٍ كأنَّه الزَّهَرُ الضاحك ... في رونق الربيع الجديد
__________
1 "البدد"، المتفرق. و "تعلقن"، يعني أنها فتنت الشعراء قبلهم، فتعلقنها حب علاقة. و "السرد" حلق الدروع، وإلى داود عليه السلام تنسب صنعة الدروع. لقوله تعالى له: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 11].
2 في المطبوعة: "لله"، وهو خطأ لا شك فيه. وفي الديوان "ينتخب الكلام"، وكان في المطبوعة: "ينتحل الكلام"، بالحاء المهملة وهو تصحيف وفساد .... و "نحل الشيء وتنحله وانتخله"، بالخاء المعجمة، صفاه واختاره، وعزل عنه ما يكدره أو يفسده. و "الصيقل" الذي يجلو السيوف حتى يترقرق ماؤها من حدتها. و "السنخ" مغرز السيف في مقبضه، و "الذباب" طرف السيف.
(1/517)

عود إلى الاحتجاج على بطلان مذهب اللفظ
مشرق في جوانب السمع ما ... يحلقه عَوْدُهُ على المُسْتَعيدِ
حُجَجٌ تُخْرِسُ الألدَّ بألفا ... ظِ فُرادى كالجوهرِ المعْدودِ
ومَعانٍ لو فصَّلَتْها القَوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد
جزن مُستعمَلَ الكلامِ اخْتياراً ... وتجنَّبْنَ ظُلمَةَ التَّعقيدِ
ورَكبْنَ اللّفظَ القريبَ فأدركْنَ ... بهِ غايةَ المرادِ البَعيدِ
كالعَذارَى غَدَوْنَ في الحُلَلِ الصُّفْـ ... ـرِ إِذا رُحْنَ في الخطوط السود1
عرضه من ذكر وصف الشعراء الشعر، وأنه يدرك بالعقل، لا بمذاقة الحروف:
604 - الغرضُ من كَتْبِ هذه الأبياتِ، الاستظهارُ، حتى إنْ حَمَل حاملٌ نَفْسَه على الغَرَرِ والتقحُّم على غيرِ بصيرةٍ، فَزَعَمَ أنَّ الإعجازَ في مذاقةِ الحروفِ، وفي سلامَتِها مما يَثقُل على اللسانِ علِمَ بالنظرِ فيها فَسادَ ظنِّه وقبْحَ غَلَطِه، من حيثُ يَرى عياناً أنْ ليس كلامهم كلام من خطر ذلك منه يبالي، ولا صفاتُهم صفاتٍ تَصْلُحُ له على حالٍ. إذْ لا يَخْفَى على عاقلٍ أنْ لم يكن ضرب
__________
1 في ديوانه، يقوله في بلاغة محمد بن عبد الملك الزيات الكاتب الوزير، وذكر قبل البيت الأول "عبد الحميد الكاتب" فقال لابن الزيات:
لتفننت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميد
و"الفريد"، اللؤلؤ. و "جرول"، الحطيئة، و "لبيد بن ربيعة" الفحل، وفي الديوان والمطبوعة قوله: "حزن مستعمل الكلام" بالحاء المهملة، وهكذا يجري في الكتب، وهو عندي خطأ لا شك فيه، وتصحيف مفسد للكلام والشعر معًا، وإنما هو "جزن" بالجيم المعجمة، من "جاز المكان" إذا تعداه وتركه خلفه. يقول: إن معانيه تعدين مبتذل اللفظ والكلام وتركته، "وتجنبن ظلمة التعقيد، وركبن اللفظ القريب"، وهو اللفظ المختار الجيد الذي لا ابتذال فيه ولا تعقيد. وهو في بعض نسخ الديوان "جزن" بالجيم، وهو الصواب المحض، وأما "حزن" فهو تصحيف يتقي، وكلام يرغب عن مثله. وفي بعض نسخ الديوان: "كالعذارى غدون في الحلل البيض"، وهي جيدة.
(1/518)

"تميمٍ" لحُزونِ جبالِ الشعر، لأنْ تسْلَم ألفاظُه من حروفٍ تثقُل على اللسان ولا كان تقويم "عدى" لشعره وتشبيهه نظرَه فيه بنَظَر المثقِّفِ في كُعوبِ قناتِهِ لذلك وأَنه مُحالٌ أنْ يكونَ له جعلَ "بشار" نورَ العينِ قد غاضَ فصار إلى قلبه1، وأن يكون الؤلؤ الذي كان لا ينامُ عن طلبهِ وأنْ ليس هو صَوْبَ العقولِ الذي إِذا انجلَتْ سحائبُ منه أعقبتْ بسحائب وأنْ ليس هو الدرَّ والمرجانَ مؤلَّفاً بالشذْرِ في العَقْد ولا الذي له كان "البحتريُّ" مقدِّراً "تقديرَ داودَ في السَّرد". كيف؟ وهذه كلُّها عباراتٌ عما يدرك بالعقل ويتسنبط بالفكر، وليس الفكرُ الطريقَ إِلى تمييزِ ما يَثْقُلُ على اللسان مما لا يَثْقُل، إِنَّما الطريقُ إِلى ذلك الحسُّ.
605 - ولولا أنَّ البلوى قد عظُمَتْ بهذا الرأي الفاسدِ، وأنَّ الذين قد استهلكوا قفيه قد صاروا من فرط شعفهم به يصغون إلى كل شيء سمعونه، حتى لو أنا إنسانًا قال: "باقلي حار"، يريهم أن يريد نصرة مذهبهم، لأقبلوا بأوجههم عليه وألقوا أسماعَهم إِليه2 لكان اطَّراحُه وترْكُ الاشتغالِ بهِ أصْوبَ، لأنه قولٌ لا يتصلُ منه جانبٌ بالصواب البتة. ذاك لأنَّه أولُ شيءٍ يؤدِّي إِلى أن يكونَ القرآنُ مُعْجِزاً، لا بما بهِ كان قرآناً وكلامَ اللهِ عزَّ وجَلَّ، لأنه على كلِّ حال إِنما كان قُرآناً وكلامَ اللهِ عزَّ وجلَّ بالنظْمِ الذي هو عَليه. ومعلومٌ أن ليس "النظْمُ" مِن مذاقةِ الحروفِ وسلامَتِها مما يثقل على اللسان في شيء.
__________
1 في المطبوعة: "قد غاص"، وهو تصحيف.
2 في المطبوعة: "فألقوا".
(1/519)

ثم إِنه اتفاقٌ منَ العقلاء أنَّ الوصْفَ الذي به تَنَاهى القرآنُ إِلى حدٍّ عجزَ عنه المَخلُوقونَ، هو الفصاحةُ والبلاغةُ. وما رأيْنا عاقلاً جعلَ القرآن فصيحاً أو بليغاً، بأنْ لا يكونَ في حروفِه ما يَثْقُل على اللسان، لأنه لو كان يَصِحُّ ذلك، لكان يَجبُ أن يكونَ السوقيُّ الساقِطُ من الكلامِ، والسفساف الردئ من الشعرِ، فصيحاً إِذا خفَّت حروفُه.
606 - وأعْجَبُ من هذا، أنه يلزم منه أن لو عَمَد عامِدٌ إلى حرَكاتِ الإِعراب فجعَل مكانَ كلِّ ضَمَّةٍ وكَسْرةٍ فتحةً فقال: "الحمدَ للهَ"، بفتح الدالِ واللام والهاءِ، وجرَى على هذا في القرآنِ كلِّه، أنْ لا يَسْلُبَه ذلك الوصفَ الذي هو معْجِزٌ به، بل كان يَنْبغي أن يزيدَ فيه، لأنَّ الفتحةَ كما لا يَخْفَى أخفُّ من كلِّ واحدةٍ من الضَّمةِ والكَسْرة.
فإِنْ قال: إنَّ ذلك يُحيل المعنى.
قيلَ له: إِذا كان المعنى والعلةُ في كونهِ معجزاً خفةَ اللفظِ وسهولَتَه، فينبغي أنْ يكونَ مع إحالةِ المعنى مُعْجِزاً، لأنه إذا كان معجزًا لوصف يخصُّ لفظَه دون معناهُ، كانَ مُحالاً أن يَخْرجَ عن كونهِ معجِزاً، مع قيام ذلك الوصف فيه.
بيان أن قولهم في اللفظ، يسقط "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل" و"المجاز" و"الإيجاز":
607 - ودعْ هذا، وهَبْ أنه لا يَلزَمُ شيءٌ منه، فإِنه يكْفي في الدلالةِ على سقوطهِ وقلَّةِ تمييز القائل به، أنه يَقْتضي إسقاطُ "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل" و "المجاز" و "الإيجاز" جملةٌ، واطِّراحُ جميعها رأساً، مع أنها الأقطابُ التي تَدورُ البلاغةُ عليها، والأعضادُ التي تَسْتَنِدُ الفصاحةُ إِليها، والطَّلِبةُ التي يتنازَعُها المُحْسِنونَ، والرِّهانُ الذي تُجرَّبُ فيه الجيادُ، والنضالُ الذي تُعْرَفُ به الأيدي الشِّدَادُ، وهي التي نَوَّهَ بذكْرِها البلغاءُ، ورفَعَ من أقدارِها العلماءُ،
(1/520)

وصنفوا فيها الكتب، ووكلوا بها الهم، وصرَفوا إِليها الخواطِرَ، حتى صارَ الكلامُ فيها نوعاً من العِلْم مفْرَداً، وصناعةً على حِدَة، ولم يَتَعاطَ أحَدٌ من الناس القولَ في الإعجازِ إلاَّ ذكَرَها وجعَلَها العُمُدَ والأركانَ فيما يوجب الفضل والمزية، وخصوصًا "الاستعارة" و "الإيجاز"1، فإِنكَ تَراهُمْ يجعلونَهُما عنوانَ ما يَذكُرونَ، وأولَ ما يُورِدون.
وتَراهُم يَذْكرون من "الاستعارةِ" قولَه عز وجل: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، وقولَه: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93]، وقولَه عزَّ وجَلَّ: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [يس: 37]، وقوله عزَّ وجلَّ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر} [الحجر: 94]، وقولَه: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: 80]، وقولَه تعالى: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4]، وقولَه: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم} [البقرة: 16].
ومن "الإيجازِ" قولَه تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58]، وقولَه تعالى: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير} [فاطر: 14]، وقوله {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال: 57]، وتراهم على لسانٍ واحدٍ في أنَّ "المجازَ" و "الإيجاز" من الأركانِ في أمْر الإِعجاز.
608 - وإِذا كان الأمرُ كذلك عندَ كافَّةِ العلماءِ الذينَ تكلَّموا في المزيا التي للقُرآن، فَيَنْبغي أن يُنْظَر في أمْر الذي يُسَلَّمُ نفسَه إِلى الغرورِ، فَيزعُم أنَّ الوصوف الذي كانَ له القرآنُ مُعجزاً، هو سَلامةُ حروفه مما يثقل على اللسان،
__________
1 في المطبوعة: "والمجاز"، ومثل الذي هنا في نسخة عند رشيد رضا. وهو الصواب، يدل عليه ما يأتي.
(1/521)

أيصِحُّ له القولُ بذلك إلاَّ مِنْ بَعْد أنْ يدَّعي الغَلطَ على العقلاءِ قاطبةً فيما قالوه، والخطأَ فيما أجْمعوا عليه؟ وإِذا نظَرْنا وجْدَناه لا يَصِحُّ له ذلك إلاَّ بأنْ يَقْتَحِمَ هذه الجهالةَ، اللهُمَّ إلاَّ أنْ يَخْرُجَ إِلى الضُّحْكَةِ فيزعمَ مَثلاً أنَّ من شأنِ "الاستعارة" و "الإيجاز" إِذا دَخلا الكَلامَ، أنْ يَحْدُثَ بهما في حروفه خفة، وتتجدد فيها سهولةٌ، ونسألُ اللهَ تعالى العِصْمَةَ والتوفيقَ.
609 - واعلم أنا لا نأتي أَنْ تكونَ مذاقةُ الحروفِ وسلامتُها مما يَثْقُل على اللِّسانِ داخِلاً فيما يُوجِبُ الفضيلةَ، وأنْ تكونَ مما يُؤكِّدُ أمرَ الإِعجازِ، وإِنما الذي نُنْكِرُه ونُفَيِّلُ رأيَ مَنْ يَذْهَبُ إِليه1، أن يَجْعَلَه معجِزاً به وَحْدَه، ويَجعلَه الأصْلَ والعُمْدةَ، فيَخرجَ إلى ما ذكرنا من الشناعات.
بيان آخر في شأن "اللفظ"، وفساد القول به:
610 - ثم إنَّ العجَبَ كلَّ العجَبِ ممَّنْ يَجعَلُ كلَّ الفضيلةِ في شيءٍ هو إِذا انْفَرَد لم يَجِبْ به فضْلٌ البتَّةَ، ولم يَدْخُل في اعتداد بحال. وذاك أنه لا يَخْفى على عاقلٍ أنه لا يكونُ بسهولةِ الألفاظِ وسلامَتِها مما يثْقُل على اللسان، اعتداد، حتى يكون قد ألف منهنا كلامٌ، ثم كان ذلك الكلامُ صحيحاً في نَظْمه والغرضِ الذي أُريدَ به، وأنه لو عَمد عامدٌ إِلى ألفاظٍ فجَمعها مِن غيرَ أن يُراعيَ فيها معنىً، ويُؤلِّف منها كلاماً، لم تَرَ عاقلاً يعتدُّ السهولةَ فيها فضيلةً، لأنَّ الألفاظَ لا تُرادُ لأنفسِها، وإِنما تُرادُ لتُجعَلَ أدلَّةَ على المعاني. فإِذا عَدِمَتِ الذي لهُ تُرادُ، أو اختَلَّ أمرُها فيه، لم يعتد بالوصاف التي تكون في أنفُسها عليها، وكانتِ السهولةُ وغير السهولة فيها واحدًا.
__________
1 "قيل رأيه"، قبحه وخطأه لفساده.
(1/522)

ومن ههنا رأيتُ العلماءَ يذمُّون مَنْ يحمِلُه تطلُّبُ السَّجَعِ والتجنيس على أن يضيم لها المعنى1، ويدخل الخلل عليه من أجلها، وعلى أَنْ يتعسَّف في الاستعارةِ بسَبَبهما، ويَرْكَبَ الوعورةَ، ويسلُكُ المسالِكَ المجهولةَ، كالذي صنَع أبو تمام في قوله:
سيف الإمام الذي سمته هييته ... لمَّا تَخَرَّم أهلَ الأرضِ مخْترِما
قَرَّت بِقُرَّانَ عينُ الدينِ وانتشرتْ ... بالأشترينِ عيونُ الشِّرْكِ فاصطُلِما2
وقوله:
ذهبَتْ بمَذْهَبهِ السماحةُ والْتَوَتْ ... فيه الظنونُ أمَذهَبُ أم مُذْهَبُ3
ويَصْنعه المتكلفونَ في الأسجاعِ. وذلك أنه لا يُتصوَّر أن يَجِبَ بهما، ومِنْ حيثُ هما، فضلٌ، ويقعَ بهما مع الخُلوِّ منَ المعنى اعتدادٌ. وإِذا نظرتَ إِلى تجنيسِ أبي تمام: "أمَذهَبٌ أم مُذهَبُ" فاستضعفتَه، وإِلى تجنيس القائل:
حتَّى نجا من خَوفِهِ وما نَجا4
وقولِ المحدث:
ناظراها فيما جَنَى ناظِراهُ ... أو دَعَاني أمُتْ بما أودعاني5
__________
1 في المطبوعة: "بضم"، وفسرها تفسير من لا ينظر. و "يضيم" بظلمه ويبخسه.
2 في ديوانه. و "تخرم"، استأصل.
3 في ديوانه.
4 البيت في أسرار البلاغة: 70، وهو في البيان والتبيين 1: 150/ 3: 72، والحيوان 3: 75، وروى: "من شخصه" و "من جوفه" وقال: "ومن الإيجاز المحذوف قول الراجز، ووصف سهمه حين رمى غيرًا، كيف نفذ سهمه، وكيف صرعه"، وهكذا الكلام عندي من أوهام الجاحظ، وإنما الصواب: "من خوفه" بالخاء المعجمة من فوق، , "نجا" الأولى من "النجو" وهو ما يخرج من البطن من الغائط، يريد أنه من خوفه أحدث، ثم لم نج. أما الذي قاله الجاحظ، فهو لا شيء.
5 خرجه في أسرار البلاغة، وهو لشمسويه البصري، وينسب لغيره فراجعه هناك.
(1/523)

فاستحسنْتَه، لم تَشُكَّ بحالِ أنَّ ذلك لم يَكُنْ لأمرٍ يرجعُ إِلى اللفظِ، ولكنْ لأنَّكَ رأيت الفائدة ضعفت في الول، وقويَتْ في الثاني. وذلك أنكَ رأيتَ أبا تمام لم يَزِدْكَ بمذهب ومذهب، على أنْ أسْمَعَكَ حُروفاً مكرَّرة لا تجدُ لها فائدة إِن وُجدتْ، إِلاّ متكلَّفة متمحَّلة، ورأيتَ الآخَر قد أعادَ عليك اللفظةَ كأنَّه يَخدَعُكَ عَنِ الفائدة وقد أعطاها، ويُوهِمُكَ أنه لم يَزِدْك وقد أحْسَن الزيادةَ ووفَّاها. ولهذهِ النكتةِ كانَ التجنيسُ، وخصوصاً المستوفَى منه، مثلَ "نجا" و "نجا"، من حِلى الشعر. والقولُ فيما يَحْسنُ وفيما لا يَحْسُنُ من التجنيسِ والسجعِ يَطولُ، ولم يكنْ غَرضُنا من ذكْرِهما شَرْحَ أمرهما1، ولكنْ توكيدَ ما انتهى بنا القولُ إِليه مِن استحالةِ أن يكونَ الإعجازُ في مجرَّد السهولةِ وسلامةِ الألفاظِ مما يَثقُلُ على السان.
611 - وجملة المر، أنَّا ما رأينا في الدنيا عاقلاً اطَّرَحَ النظْمَ والمحاسِنَ التي هو السببُ فيها من "الاستعارة" و "الكناية" و "التمثيل"، وضروب "المجاز" و "الإيجاز"، وصدَّ بوجهه عنْ جَميعِها، وجعلَ الفَضْلَ كلَّه والمزيةَ أجمَعها في سلامَةِ الحروفِ مما يَثْقُلُ. كيفَ؟ وهو يؤدِّي إِلى السُّخْفِ والخُروجِ من العقْلِ كما بيَّنَّا.
612 - واعلمْ أنه قد آنَ لنا نعودَ إِلى ما هو الأمْرُ الأعظَمُ والغَرضُ الأهَمُ، والذي كأنه هو الطَّلِبة، وكلُّ ما عَداهُ ذرائعُ إِليه. وهو المَرامُ، وما سواهُ أسبابٌ للتسلُّق عليه، وهو بيانُ العِلل التي لها وَجَبَ أن يكونَ لِنظْمٍ مزيةٌ على نظم، وأن يعظم أمر التفاضل فيه وتيناهى إِلى الغاياتِ البعيدةِ2. ونحنُ نسألُ الله تعالى العون على ذلك، والتوفيق له والهداية له.
__________
1 في "ج" "ولكن غرضنا"، وهو لا يستقيم.
2 في المطبوعة: "وإن يعم امر التفاضل"، وهو خطأ.
(1/524)

بسم الله الرحمن الرحيم

الخبر وما يتحقق به الإسناد:
"النظم"، هو توخي معاني النحو، وهو معدن البلاغة:
613 - ما أظن بك أيها القارئ لكتابِنا، إِن كنتَ وفَّيته حقَّه من النظرِ، وتدبَّرتَه حقَّ التدبرِ، إِلاّ أنكَ قد علمتَ علماً أَبى أن يكون للشكِّ فيه نصيبٌ، وللوقف نحوكَ مذهبٌ، أنْ ليس "النظمُ" شيئاً إلاَّ توخِّي معاني النحو وأحكامِه ووجوهِه وفروقه فيما بَيْنَ معاني الكلم1 وأنك قد تبيَّنت أنه إِذا رُفعَ معاني النَّحو وأحكامُه مما بينَ الكَلم حتى لا تُرادَ فيها في جملةٍ ولا تفصيلٍ، خرجت الكلم المنطوقُ ببعضِها في أثرِ بعضٍ في البيتِ من الشعرِ والفصلِ من النَثْر2، عن أنْ يكونَ لكونِها في مواضِعِها التي وُضِعَتْ فيها مُوجبٌ ومُقتضٍ3، وعنْ أن يُتصوَّر أن يقالَ في كلمة منها إِنها مرتبطةٌ بصاحبةٍ لها، ومتعلِّقةٍ بها، وكائنةٌ بسببٍ منها4 وإنْ حَسُنَ تصوُّرك لذلك، قد ثبت فيك قَدَمَكَ، وملأ مِنَ الثقةِ نفسَك، وباعَدَك من أن تَحنَّ إِلى الذي كنتَ عليه، وأن يَجُرَّك الإلفُ والاعتيادُ إِليه وأنك جعلتَ ما قلناه نَقْشاً في صدركَ، وأثبتَّه في سويداءِ قلبكَ، وصادقتَ بينَه وبينَ نفسِك. فإِنْ كانَ الأمرُ كما ظنناه. رجونا أن يصادفَ الذي نريدُ أن نستأنفَه بعونِ الله تعالى منكَ نية حسنة تقيكَ المللَ5، ورغبة صادقة تدفعُ
__________
1 معطوف على قوله: "إلا أنك علمت علمًا".
2 السياق: "خرجت الكلم. عن أن يكون".
3 السياق: يعني: وخرجت عن أيتصور.
4 السياق: "إلا أنك قد علمت علمًا وأنك قد بيينت وأن حسن تصورك، قد ثبت".
5 السياق: "أن يصادف نية حسنة".
(1/525)

عنكَ السأمَ، وأَرْيحيةً يخفُّ معها عليك تعبُ الفِكْر وكدُّ النظر، واللهُ تعالى وليُّ توفيقك وتوفيقنا بمنّهِ وفضلهِ. ونبدأ فنقول:
614 - فإِذا ثبتَ الآن أنْ لا شَكَّ ولا مِرْيَةَ في أنْ ليسَ "النظمُ" شيئاً غيرَ توخِّي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثبتَ من ذلك أنَّ طالبَ دليلِ الإِعجازِ مِنْ نَظْمِ القرآنِ، إِذا هو لم يطلبْهُ في معاني النحو وأحكامه ووجوه وفروقِه، ولم يَعْلمْ أنها مَعْدنِه ومَعانُه1، وموضعه ومكانُه، وأنه لا مُستنبَط له سِواها، وأنْ لا وجْهَ لطلبهِ فيما عداها2، غارٌّ نفْسَه بالكاذِب من الطَمَع، ومُسْلمٌ لها إِلى الخُدَع، وأنهُ إِنْ أبى أن يكونَ فيها، كان قد أبى أنْ يكون القرآنُ معجزاً بنظمه، ولزمه أن يُثبت شيئاً آخر يكون معجزًابه، وأنْ يلحقَ بأصحابِ "الصَّرفة" فيدفعَ الإِعجازَ من أصلِه3، وهذا تقريرٌ لا يدفعه إِلا مُعانِدٌ يَعُدّ الرجوعَ عن باطلٍ قد اعتقدَه عجزاً، والثَّباتَ عليه مِنْ بَعْدِ لزوم الحجَّةِ جلداً4، ومن وضعه نفسَه في هذه المنزلةِ، كان قد باعَدَها من الإِنسانية. ونسألُ الله تَعالى العصمةَ والتوفيقَ.
"الخبر"، أصل في معاني الكلام، في النفي والإثبات:
615 - وهذه أصولٌ يحتاجُ إِلى معرفَتِها قبل الذي عمدنا له.
اعلمْ أن معاني الكلام كلَّها معانٍ لا تتصور إلا فيما بين شيئين، والأصل
__________
1 "المعان" المباءة والمنزل، ويعد بعضهم ميمه أصلية، وبعضهم أنه على وزن "مفعل".
2 السياق: "أن طالب دليل الإعجاز إذا هو لم يطلبه ولم يعلم أنها معدنه غار نفسه"، فهو خير "أن".
3 "أصحاب الصرفة"، هم المعتزلة.
4 "جلدًا"، ساقطة من "ج"، و "الجلد"، القوة والشدة.
(1/526)

والأولُ هو "الخبر". وإِذا أحكمتَ العلم بهذا المعنى فيه، عرفتَه في الجميع. ومن الثابتِ في العقولِ والقائمِ في النفوسِ، أنه لا يكونُ خبرٌ حتى يكونَ مخبَرٌ به وَمُخبرٌ عنه، لأنه، ينقسم إلى "إثبات" و "نفي". و "الإثبات"، يقتضي مثبتًا ومثبتًاله، و "النفي" يقتضي مَنفياً ومنفياً عنه. فلو حاولتَ أنْ تتصور إثبات معنى أو نَفْيُهُ مِنْ دون أن يكونَ هناكَ مُثبتٌ له ومنفيٌّ عنه، حاولتَ ما لا يَصِحُّ في عَقْلِ، ولا يقعُ في وهم. ومن أجل ذلك امتنع أنت يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء مظهر او مقدر1، وكان لفظُكَ به، إِذا أنتَ لم تُرِدْ ذلك، وصوتًا توصته سواء2.
616 - وإِن أُردتَ أن تستحكم معرفةُ ذلكَ في نفسك، فانظرإليك إذا قبل لك: "ما فعلَ زيدٌ؟ " فقلتَ: "خرجَ"، هَلْ يتصوَّرُ أن يقعَ في خَلَدِك من "خرج" معنى من دون أن ينوي فيه ضميرَ "زيد"؟ وهل تكونُ، إِن أنتَ زعمتَ أنك لم تنوِ ذلك، إِلا مُخْرِجاً نفسك إلى الهَذَيان؟
وكذلكِ فانظر إِذا قيلَ لك: "كيفَ زيدٌ؟ "، فقلتَ: "صالحٌ"، هل يكونُ لقولِكَ "صالح" أثرٌ في نفسِك، من دون أن تريدَ "هو صالح"؟ أم هل يَعْقِلُ السامعُ منه شيئاً إِن هو لم يعتقد ذلك؟ فإِنه مما لا يبقَى معه لعاقل شَكٌّ أن "الخبرَ" معنى لا يتصوَّر إِلا بين شيئينِ، يكونُ أَحدُهما مثْبَتاً، والآخَرُ مثبَتاً له، أو يكونُ أحدُهما منْفِيّاً، والآخَرُ منفيّاً عنه وأنه لا يُتصوَّر مثُبَتٌ من غَيْر مثبَتٍ له، ومنفي من دون منفي عنه.
__________
1 في المطبوعة: "أو مقدر مضمر".
2 في هامش "ج" بخطه ما نصه: "أي مع صوت". ثم انظر الفقرة التالية رقم: 636 مكررة.
(1/527)

ولما كان الأمرُ كذلكَ، أَوجَبَ ذلك أنْ لا يُعْقَلَ إلاَّ من مجموع جملةِ فعْلٍ واسمٍ كقولِنا: "خرجَ زيدٌ"، أو اسمٍ واسْمٍ، كقولنا: "زيد منطلق"، فليس في الدنيا خير يعرف من غير هذا السبيل، ويبغير هذا الدليلِ. وهو شيء يعرفُه العقلاء في كل جبل وأمة، وحكمٌ يجري عليه الأمرُ في كلِّ لسان ولغة.
لابد للخبر من مخبر به، يوصف هو بالصدق والكذب:
617 - وإِذْ قَدْ عَرَفْتَ أنه لا يُتصوَّر الخبرُ إِلاّ فيما بينَ شيئين: مخبرٍ به ومخبرٍ عنه، فينبغي أن تعلم أنهُ يحتاجُ مِنْ بَعد هذين إِلى ثالثٍ. وذلك أنه كما لا يتصوَّر أن يكونَ ههنا خبرٌ حتى يكونَ مخبَرٌ به وَمُخبرٌ عنه، كذلك لا يُتصوّر أن يكونَ خبرٌ حتى يكونَ له "مُخبِرٌ" يصدرُ عنه ويحصلُ من جهته، ويكونَ له نِسبةٌ إِليه، وتعودُ التَّبعةُ فيه عليه، فيكونَ هو الموصوفَ بالصدق إِن كان صدقاً، وبالكَذِب إِن كان كَذباً. أفلا تَرى أن من المعلوم أنه لا يكون إِثباتٌ ونفيٌ حتى يكونَ مثبتٌ ونافٍ يكون مصدرُهما من جهته، ويكون هو المُزْجِيَ لهما، والمبرم والنقاض فيهما، ويكونَ بهما مُوافقاً ومُخالفاً، ومصيباً ومخطئاً، ومحسناً ومسيئاً1.
618 - وجملةُ الأمرِ، إنَّ "الخبرَ" وجميعَ الكلامِ، معانٍ ينشِئُها الإِنسانُ في نفسهِ، ويُصرِّفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويارجع فيها عقلَه، وتوصَفُ بأنَّها مقاصدُ وأغراضٌ، وأعظمُها شأناً "الخَبرُ"، فهو الذي يُتصوَّر بالصُوَرِ الكثيرة، وتقعُ فيه الصناعاتُ العجيبةُ، وفيه يكونُ، في الأمرِ الأعمِّ، المزايا التي بها يقعُ التفاضلُ في الفصاحَةِ، كما شرحنا فيما تقدَّم، ونشرحُه فيما تقول من بعد إن شاء الله تعالى2.
__________
1 انظر الفقرة التالية رقم: 638.
2 انظر الفقرة التالية رقم: 639، والفقرة: 641.
(1/528)

619 - واعلمْ أنك إِذا فتشتَ أصحابَ "اللفظِ" عما في نفوسهم، وجدتهم قد تهوهموا في "الخبر" أنه صِفَةٌ للفظ، وأن المعنى في كونِه إِثباتاً، أنه لفظ يدلُّ على وجود المعنى من الشيء أو فيه وفي كونه نفياً، أنه لفظ يدل على عدمه وانتفائه عن الشيء. وهو شيءٌ قد لَزمَهم، وسَرَى في عروقِهم، وامتزجَ بطباعِهم، حتى صارَ الظَنُّ بأكثرهم أن القولَ لا ينجعُ فيهم.
بطلان دعوى أصحاب "اللفظ" في توهمهم أن "الخبر" صفة "للفظ":
620 - والدليلُ على بطلانِ ما اعتقدوه، أنه محالٌ أن يكون "اللفظُ" قد نُصِبَ دليلاً على شيءٍ، ثم لا يحْصُل منه العِلْمُ بذلك الشيء، إِذ لا معنى لكونِ الشيء دليلاً إِلا إِفادته، إِياكَ العلمَ بما هو دليلٌ عليه. وإِذا كان هذا كذلك، عُلِم منه أنْ ليسَ الأمرُ على ما قالوه، من أن المعنى في وصفنا "اللفظَ" بأنَّه خبرٌ، أنه قد وُضِعَ لأن يدلَّ على وجودِ المعنى أو عدمه، لنه لو كانَ كذلكَ، لكانَ ينبغي أن لا يقع في سامِعٍ شكٌّ في خبرٍ يَسْمَعُه، وأن لا تسمعَ الرجلَ يثبتُ وينفي إِلا علمتَ وجودَ ما أثبتَ وانتفاء ما نفى، وذلكَ مما لا يشك في بطلانه. فإذا لم يكنْ ذلك مما يُشَكُّ في بطلانِهِ، وَجَبَ أن يُعْلَمَ أنَّ مدلولَ "اللفظ" ليس هو وجودَ المعنى أو عدمَه، ولكنِ الحكمُ بوجود المعنى أو عَدمِه، وأن ذلك، أي الحكمُ بوجود المعنى أو عدمِه، حقيقةُ الخبر، إِلاّ أنه إِذا كان بوجودِ المعنى منَ الشيء أو فيه يسمى "إِثباتاً"، وإِذا كان بِعَدَم المعنى وانتفائهِ عن الشيء يسمَّى "نفياً".
ومن الدليل على فسادِ ما زعموه، أنه لوكان معنى "الإثبات"، الدلالةَ على وجود المعنى وإِعلامَه السامع أيضًا، وكان معنى طالنفي" الدلالة على عدمه وإِعلامَه السامعَ أيضاً، لكان ينبغي إِذا قال واحدٌ: "زيد عالم"، وقال أخر: "زيدٌ ليس بعالمٍ"، أن يكونَ قد دلَّ هذا على وجودِ العلم وهذا على عدمه، وإِذا قال الموحِّدُ: العالَمُ مُحْدَثٌ، وقال المُلْحِدُ: "هو قديمٌ"، أن يكونَ قد دَلَّ الموحِّدُ على حدوثِه، والملحِدُ على قِدَمِه، وذلك ما لا يقوله عاقل.
(1/529)

621 - تقريرٌ لذلك بعبارة أخرى:
لا يتصوَّر أن تَفْتَقِرَ المعاني المدلولُ عليها بالجمل المؤلَّفة إلى دليلٍ يدُلُّ عليها زائدٍ على اللفظ. كيف؟ وقد أجمعَ العقلاءُ على أن العِلْمَ بمقاصِد الناس في محاوراتِهم علمُ ضرورةٍ، ومن ذَهَب مذهباً يقتضي أن لا يكونَ "الخبرُ" معنى في نفسِ المتكلِّمِ، ولكن يكونُ وصفاً للفظ من أجلِ دلالتِه على وجودِ المعنى من الشيءِ أو فيه، أو انتفاءِ وجودِه عنه، كان قد نقضَ منه الأصْلَ الذي قَدَّمناه، من حيثُ يكونُ قد جعلَ المعنى، المدلول عليه باللفظ، لا يعرفُ إِلا بدليلٍ سوى اللفظِ. ذاك لأنَّا لا نعرفُ وجودَ المعنى المُثْبَتِ وانتفاءَ المنفيِّ باللفظ، ولكنا نَعْلَمُه بدليلٍ يقومُ لنا زائدٍ على اللفظِ. وما منْ عاقلٍ إِلاّ وهو يعلمُ ببديهةِ النظر أن المعلومَ بغيرِ اللفظ، لا يكونُ مدلولَ اللفظ.
622 - طريقة أخرى: الدلالةُ على الشيء هي لا محالة إِعلامُك السامعَ إِياه، وليس بدليلٍ ما أنتَ لا تعلمُ به مدلولاً عليه. وإِذا كان كذلك، وكان مما يُعْلم ببدائه المعقولِ أن الناسَ إِنما يكلِّم بعضُهم بعضاً ليعرفَ السامع غرض المتكلم ومقصوده، فينبغي أن يَنْظُرَ إِلى مقصودِ المُخْبر من خببره، ما هو؟ أهو أن يعلم السامع المخبر به والمخبر عنه، أم أن يعلمَه إثبات المعنى المخبرَ به للمخبَرِ عنه؟
فإِنْ قيلَ: إِن المقصودَ إِعلامُه السامعَ وجودَ المعنى من المخبر عنه، فإِذا قال: "ضربَ زيدٌ" كان مقصودُه أن يُعلمَ السامعَ وجودَ الضرب من زيدٍ، وليس الإثبات لا إِعلامَه السامعَ وجودَ المعنى.
قيل له: فالكافرُ إِذا أثبتَ مع الله، تعالى عما يقول الظالمون، إلهاً آخر،
(1/530)

يكونُ قاصداً أن يَعْلَم، نعوذ بالله تعالى، أن مع الله تعالى إلهاً آخر؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً1، وكفى بهذا فضيحة.
623 - وجملةُ الأمرِ، أنه ينبغي أنْ يقالَ لهم: أتشكُّونَ في أنه لا بُدَّ منْ أَن يكونَ لخبر المخبر معنى يعلمُه السامعُ علماً لا يكونُ معه شكٌّ، ويكون ذلكَ معنى اللفظِ وحقيقته؟
فإِذا قالوا: لا نشكُّ.
قيل لهم: فما ذلك المعنى؟
فإِن قالوا: هو وجودُ المعنى المخبرَ به مَن المخبر عنه أو فيه، إِذا كان الخبرُ إِثباتاً، وانتفاؤه عنه إِذا كان نفياً لم يمكنهم أن يقولوا ذلك إِلاّ من بعد أن يكابروا فيدعوا أنهم إذا مسعوا الرجلَ يقولُ: "خرجَ زيدٌ"، علموا علماً لا شَكَّ معه، وجودَ الخروج من زيد. وكيف يدَّعون ذلكَ، وهو يقتضي أن يكونَ الخبرُ على وفق المخبر عنه أبدًا، وأنه لا يجوزَ فيه أن يقع على خلافِ المخبر عنه، وأن يكونَ العقلاءُ قد غَلِطوا حين جعلوا من خاص وصفه أن يحتملُ الصدقَ والكذبَ، وأن يكونَ الذي قالوه في أخبارِ الآحادِ وأخبارِ التَّواترِ2 من أنَّ العلم يقع بالتواتر دون دونَ الآحادِ سَهواً منهم، ويقتضي الغنى عن المعجزة، لأنه إنما احتيج إليها لي حصل العلم يكون الخبر على وِفْق المخبَرِ عنه، فإِذا كان لا يكون إِلاّ على وفقِ المخبر عنه، لم تقع الحاجة إلى دليل بدل على كونه كذلك، فاعرفه.
__________
1 قوله: "آخر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"، ليس في "ج".
2 هذا إشارة إلى مقالة المعتزلة في شأن أخبار الآحاد.
(1/531)

624 - واعلمْ أنه إِنما لزمهُمْ ما قُلناه، من أن يكونَ الخبرُ على وفقِِ المخبَرِ عنه أبداً، من حيثُ إِنه إِذا كان معنى الخبر عندهم، إِذا كان إِثباتاً، أنه لفظٌ موضوعٌ ليدلَّ على وجود المعنى المخَبر به من المخبر عنه أو فيه، وجبَ أن يكون كذلك أبداً، وأن لا يصحَّ أن يقالَ: "ضرب زيد"، إِلاّ إِذا كانَ الضربُ قد وُجِد من زيد. وكذلك يجبُ في النفي أن لا يصحَّ أن يقالَ: "ما ضربَ زيد"، إِلاّ إِذا كان الضربُ لم يوجد منه، لأن تجويزَ أنْ يقالَ: "ضربَ زيدٌ"، من غير أن يكون قد كان منه ضرب، وأنه يُقال: "ما ضربَ زيدٌ، وقد كانَ منه ضربٌ، يوجبُ على أصلهم إِخلاءَ اللفظ من معناه الذي وُضِعَ ليدلَّ عليه. وذلك ما لا يشك في فساده.
ولا يلزمنا ذلك على أصلِنا، لأن معنى "اللفظ" عندنا هو الحكمُ بوجودِ المخبر به من المخبر عنه أو فيه، إِذا كان الخبر إِثباتاً، والحكم بعدمِه إِذا كان نفياً، واللفظ عندنا لا ينفك من ذلك لاو يخلو منه. وذلك لأن قولنا: "ضرب" و "ما ضربَ"، يدلُّ من قولِ الكاذب على نفس ما يدل عليه من قولِ الصادق، لأنَّا إِن لم نقل ذلك، لم يخلُ من أن يزعمَ أن الكاذبَ يُخلي اللفظ من المعنى، أو يزعم أنه يجعل للفظ معنًى غيرَ ما وضع له، وكلاهما باطلٌ.
625 - ومعلومٌ أنه لا يزالُ يدورُ في كلامِ العقلاء في وصفِ الكاذبِ: "أنّه يثبتُ ما ليس بثابتٍ، وينفي ما ليس بمنتفٍ"، والقولُ بما قالوه يؤدي إِلى أن يكونَ العُقَلاءُ قد قالوا المحالَ، من حيثُ يجب على أصلِهم أن يكونوا قد قالوا: إِن الكاذبَ يدل على وجودِ ما ليس بموجودٍ، وعلى عدمِ ما ليس بمعدومٍ. وكفى بهذا تهافُتاً وخَطَلاً، ودخولاً في اللغو من القول.
(1/532)

وإِذا اعتبرنا أصلنا كان تفسيرهُ: أن الكاذبَ يحكمُ بالوجود فيما ليس بموجودٍ، وبالعدم فيما ليس بمعدوم، وهو أسدُّ كلام وأحسنه.
626 - والدليلُ على أن اللفظَ من قولِ الكاذب يدلُّ على نفس ما يدل عليه من قولِ الصادق، إنهم جعلوا خاصَّ وصفِ الخبر أنه يحتَمِل الصدقَ والكَذِبَ، فلولا أنَّ حقيقتَهُ فيهما حقيقةٌ واحدةُ، لما كانَ لحدِّهم هذا معنى، ولا يجوزُ أن يقالَ: إِن الكاذبَ يأتي بالعبارةِ على خلافِ المعبَّر عنه لأن ذلك إِنما يقال فيمن أرادَ شيئاً، ثم أتى بلفظ لا يصح للذي أراد، ولا يمكننا أن نزعمَ في الكاذب أنه أرادَ أمراً، ثم أتى بعبارةٍ لا تصلح لما أراد.
توهمهم أن "المفعول"، زيادة في الفائدة والاحتجاج لبطلانه:
627 - ومما ينبغي أن يحصل في هذا الباب، أنهم قد أصَّلوا في "المفعولِ" وكلِّ ما زاد على جزئي الجملة، أنه يكون زيادة في الفائدة. وقد يتخيل إلى من ينظر إلى ظاهرِ هذا من كلامهم، أنهم أرادوا بذلك أنك تضمُّ بما تزيده على جزئي الجملة فائدة أخرى، وينبني عليه أن ينقطعَ على الجملة، حتى يتصوَّر أن يكون فائدة على حدة، وهو ما لا يعقل، إذا لا يتصوَّر في "زيدٍ" من قولك: "ضربتُ زيدًا"، أن يكون شيئًا برأسه، حتى تكون بتعديتك "ضربت" إليه قد ضممتَ فائدة إلى أخرى. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يعلمَ أن الحقيقة في هذا: أن الكلامَ يخرج بذكرِ "المفعول" إلى معنى غيرِ الذي كان، وأن وِزانَ الفعل قد عُدِّي إلى مفعولٍ معهُ، وقد أطلق فلم يقصدْ به إلى مفعولٍ دونَ مفعول، وزانُ الاسم المخصَّص بالصفةِ مع الاسم المتروك على شَياعه، كقولك: "جاءَني رجلٌ ظريفٌ"، مع قولك: "جاءني رجلٌ"، في أنك لستَ في ذلك كمن يضمُّ معنى إلى معنى وفائدة إلى فائدة، ولكن كمن يريد ههنا شيئاً وهناك شيئاً آخر. فإِذا قلتَ: "ضربتُ زيداً"، كان المعنى غيره إذا قلت: "ضربت" ولم تزد "زيداً".
(1/533)

وهكذا يكون الأمرُ أبداً، كلَما زدتَ شيئاً، وجدتَ المعنى قد صارَ غير الذي كان. ومن أجلِ ذلكَ صَلُح المجازاةُ بالفعل الواحد، إذا أتى به مطلقًا في الشطر، ومعدى إلى شيء في الجزاء، كقوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء: 7]، وقولِه عزَّ وجل: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِين} [الشعراء: 130]، مع العلم بأن الشرطَ ينبغي أن يكونَ غيرَ الجزاء، من حيثُ كان الشرطُ سبباً والجزاءُ مسبِّباً، وأنه محال أن يكونَ الشيء سبباً لنفسِه. فلولا أن المعنى في "أحسنتُم" الثانية، غيرُ المعنى في الأولى، وأَنها في حكيم فعلٍ ثانٍ، لما سَاغ ذلك، كما لا يسوغ أن تقول: "إنْ قمتُ قمتَ، وإن خرجتُ خرجتَ"، ومثلُه من الكلام قولُه: "المرءُ بأصغريه، أن قال قال بيان، وإن صالَ صالَ بجَنانٍ"1، ويجري ذلك في الفعلين قد عُدِّيا جميعاً، إلا أن الثاني منهما قد تعدى إلى شيء زاد على ما تعدَّى إليه الأول، ومثالهُ قولُك: "إن أتاك زيدٌ أتاك لحاجة"، وهو أصلٌ كبير. والأدلةُ على ذلك كثيرة، ومن أولاها بأن يحفظ: أنك ترى البيتَ قد استحسنه الناسُ وقَضَوا لقائله بالفضلِ فيه، وبأنَه الذي غاصَ على معناه بفكره، وأنه أبو عُذْره، ثم لا ترى ذلك الحسنَ وتلك الغرابة كانا، إلا لِما بناهُ على الجملةِ دونَ نفسِ الجملةِ. ومثالُ ذلك قول الفرزدق:
وما حملت أم أمرئ في ضُلوعها ... أعقَّ منَ الجاني عَليها هِجائيا2
فلولا أن معنى الجملة يصيرُ بالبناءِ عليها شيئاً غيرَ الذي كان، ويتغيَّر في ذاتِه، لكان محالاً أن يكونَ البيتُ بحيثُ تراه من الحسن والمزية، وأن يكون معناه
__________
1 من كلام ضمرة بن ضمرة، لما دخل على النعمان بن المنذر، البيان والتبيين 1: 171.
2 في ديوانه، ثم انظر الفقرة التالية رقم: 640، ولهذا البيت، ولما قبله من هذه الفقرة، ورقم: 632، أيضًا.
(1/534)

خاصاً بالفرزدقِ، وأن يقضيَ له بالسبق إليه، إذ ليس في الجملة التي بُني عليها ما يوجب شيئاً من ذلك، فاعرفه.
628 - والنكتة التي يجب أن تُراعَى في هذا، أنه لا تتبينُ لك صورةُ المعنى الذي هو معنى الفرزدق، إلا عند آخر حروف من البيت، حتى إن قطعتَ عنه قولَه "هجائيا" بل "الياء" التي هيَ ضمير الفرزدق، لم يكن الذي تعقلُه منه ممَّا أراده الفرزدق بسبيل، لأن غرضه تهويلُ أمر هجائه، والتحذيرُ منه، وأن من عرَّض أمَه له، كان قد عرَّضَها لأعظم ما يكونُ من الشرِّ.
629 - وكذلك حكمُ نظائِرهِ من الشِّعْرِ، فإِذا نظرت إلى قول القطامي:
فهنَّ يَنْبُذنَ من قولٍ يُصبْنَ بهِ ... مَواقعَ الماء من ذي الغلة الصادي1
وجدتك لاتحصل على معنى يصحُّ أن يقالَ إنه غرضُ الشاعرِ ومعناه، إلا عند قولهِ "ذي الغلة".
630 - ويزيدك استبصاراً فيما قلناه، أن تنظرَ فيما كانَ من الشِّعْرِ جُملاً قد عُطِفَ بعضُها على بعض بالواو، كقوله:
النشر مسك، والوجوه دنا ... نير وأطراف الاكف عنم2
وذلك أنه ترى الذي تعقِلُه من قولِه: "النَشرُ مسكٌ"، لا يصيرُ بانضمام قوله: "والوجوهُ دنانيرُ"، إليه شيئاً غير الذي كان، بل تراه باقياً على حاله.
كذلك ترى ما تعقلِ من قوله: "والوجوه دنانير"، لا يلحقه تغيير بانضمام قوله: و "أطراف الأكف غنم"، إليه.
__________
1 هو في ديوانه.
2 هو للمرقش من قصيدته الجليلة، في المفضليات.
(1/535)

631 - وإِذ قد عرفتَ ما قررناه من أنَّ من شأنِ الجملة أن يصير معناها بالبناء عليها شيئاً غيرَ الذي كان، وأنه يتغيِّر في ذاته، فاعلم أن ما كان من الشعر مثل بيت بشار:
كأن مثار النقع فوق روسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه1
وقول امرئ القيس:
كأنَّ قُلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابساً ... لَدى وَكْرِها العناب والحشف البالي2
وقول زياد:
وإِنّا وما تُلقِي لَنا إنْ هجَوْتَنا ... لَكالبحر مَهْما يُلْقَ في البحرِ يَغْرَقِ3
كان له مزيةٌ على قول الفرزدق فيما ذكرنا، لأنك تجدُ في صدرِ بيتِ الفرزدق جملة تؤدي معنى، وإِن لم يكن معنى يصحُّ أن يقال إنه معنى فلان، ولا تجدُ في صدر هذه الأبيات ما يصح أن بعد جملة تؤدي معنى، فضلاً عن أن تؤدي معنى يقال إنه معنى فلان. ذاك لأن قولَه: "كأَنَّ مُثارَ النقع" إلى: "وأسيافنا"، جزءٌ واحدٌ و "ليل تهاوى كواكبه" بجملته الجزء الذي ما لم تأتِ به لم تكن قد أتيت بكلام.
وهكذا سبيل البيتين الآخرين. فقولهُ: "كأنَّ قُلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابساً لدى وَكْرِها" جزءٌ وقولهُ: "العنابُ والحَشفُ البالي" الجزء الثاني وقوله: "وإنَّا وما تُلْقي لنا إِنْ هَجَوتَنا" جزء، وقوله: "لكالبحرِ، الجزء الثاني، وقولُه: "مهما تلقِ في البحر يغرقِ"، وإن كان جملة مستأنفة ليس لها في الظاهر تعلق بقوله: "لكالبحر"، فإِنها لما كانت مبيِّنة لحال هذه التشبيه، صارتْ كأنَّها متعلَّقة بهذا التشبيه، وجرى مجرى أن تقول: "كالبحر في أنَّه لا يُلقى فيه شيء إلا غرق".
__________
1 سلف في رقم: 84، 485.
2 سلف في رقم: 84.
3 سلف في رقم: 84.
(1/536)

الخبر وما يتحقق به الإسناد: فصل منه
فصل:
"الإثبات" معنى تكون به المزية في الكلام:
632 - وإِذا ثبَتَ أنَّ الجملةَ إذا بُنيَ عليها حصَلَ منها ومِن الذي بُنِيَ عليها في الكثير، معنىً يَجب فيه أن يُنْسَب إلى واحدٍ مخصوصٍ، فإنَّ ذلك يقتضي لا محالَة أن يكونَ "الخبرُ" في نفسه معنىً هو غيرُ المخبَر به والمخبَر عنه. ذاك لِعِلْمنا باستحالة أنْ يكونَ لِلمعنى المخبَر به نسبةٌ إلى المخبِر، وأن يكون المستنبَط والمستخرَجَ والمستعانَ على تصويره بالفِكْر.
فليس يَشُكُّ عاقلٌ أنه مُحالٌ أن يكونُ لِلْحَمْل في قوله: "وما حمَلتْ أم امرئ في ضلوعها"، نسبةٌ إلى الفرزدق، وأن يكونَ الفكْرُ منه كانَ فيه نفْسَه، وأن يكونَ معناهُ الذي قيل إنَّه استَنْبَطه واستخرجه وغاصَ عليه. وهكذا السبيلُ أبداً، لا يُتصوَّر أنْ يكونَ لِلمعنى المخبَر به نسبةٌ إلى الشعر، وأن يَبلُغَ من أمره أن يَصير خاصاً به، فاعرفْه.
633 - ومن الدليل القاطع فيه، ما بيَّنَّاهُ في "الكناية"، و "الاستعارة" و "التمثيل" وشرحناه، من أَنْ من شأن هذه الأجناسِ أن توجِبَ الحسْنَ والمزيَّةَ، وأنَّ المعاني تُتصوَّرُ مِنْ أجْلها بالصوَرِ المختلفة، وأن العلمَ بإيجابها ذلك ثابتٌ في العقولِ، ومركوزٌ في غَرائز النفوسِ1. وبيَّنَّا كذلك أنه محالٌ أنْ تكونَ المزايا التي تَحدُثُ بها، حادثة في المعنى المْخبَرِ به، المثْبَت أو المَنْفيِّ، لِعلْمنا باستحالة أَنْ تكونَ المزيةُ التي تجدها لقولنا: "هو طويلُ النجاد" على قولنا "طويل القامة" في الطول، والتي تَجدها لقولنا: "هو كثيرُ رمادِ القدر" على قولنا: "هو كثير القرى
__________
1 انظر رقم: 50، 524، وآخر: 531.
(1/537)

والضيافة في كَثْرةِ القِرى1. وإذا كان ذلك مُحالاً، ثبَتَ أنَّ المزيةَ والحسْنَ يكونان في إثبات ما يُراد أن يُوصفَ به المذكورُ، والإِخبارُ به عنه. وإذا ثبَت ذلك، ثبَتَ أنَّ "الإِثبات" معنىً، لأنَّ حصولَ المزيةِ والحُسْن فيما ليس بمعنى، محال2.
__________
1 انظر ما سلف من رقك/ 505، 506.
2 الفصل التالي في المخطوطة وص: 343 من "ج" تتضمن آخر هذا الفصل، عند قوله: "محال"، ثم يبدأ بعدها ما سيأتي برقم: 642، موصولًا به. واقرأ التعليق التالي.
(1/538)

هذا مما نقل مسودته بخطه بعد وفاته رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي وعيه اعتمادي1
"ألفاظ اللغة" لم توضع إلا لضم بعضها إلى بعض، ويضمها تكون الفائدة. وهذا موضع "الخبر" و"الإسناد":
634 - آعلم أن ههنا أصْلاً أنتَ ترى الناسَ فيه في صورةِ مَنْ يَعرِفُ مِن جانبٍ ويُنْكِر مِن آخَر، وهو أن الألفاظ المفردة التي هو أوضاع اللغة، لم توضح لِتُعْرفَ معانيها في أنفسها، ولكن لأن يُضَمَّ بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينهما فوائدُ. وهذا علِمٌ شريفٌ، وأَصْلٌ عظيم.
والدليلُ على ذلك، أن إنْ زعمنا أنَّ الألفاظَ، التي هي أوضاعُ اللغة، وإنما وُضِعتْ ليُعرَفَ بها معانيها في أَنفُسها، لأَدَّى ذلك إلى ما لا يَشُكَّ عاقِلٌ في استحالته2، وهو أن يكونوا قد وضَعُوا لِلأجناسِ الأسماءَ التي وضَعُوها لها لتَعرِفَها بها، حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا: "رجل" و "فرس" و "دار"، لما كان يكون
__________
1 هذا الفصل من رقم: 634، إلى رقم: 641 هو في المخطوطة "ج"، يأتي بعد رقم: 652، ويبدأ في المخطوطة من ص: 352، إلى أوسط ص: 356. وقد أبقيته في موضعه هذا من مطبوعة رشيد رضا، وأثبته كما هو في موضعه منها، إذ لا ضير في ذلك، لأن هذه كلها فصول ملحقة بأصل كتاب "دلائل الإعجاز"، وأكثر هذا الفصل مكرر بعض ما مضى، كما سأشير إليه في تعليقاتي. وهو دليل على أن الشيخ رحمه الله كان يكتب هذه الفصول في أوراق منفصلة، ليلحقها في مواضعها في كتابه "دلائل الإعجاز". فلما توفي رحمه الله، وجمعوا أوراقه، نقلها الناقلون كما هي، دون نظر إلى التكرار الذي فيه. ومع ذلك في إثباته كما هو فائدة، نعرف منها طريقة شيخنا عبد القاهر في عمله وتأليفه. ومثل هذا نادر في شأن المؤلفين. وأيضًا فربما كان هذا دليلًا على أن "دلائل الإعجاز"، كان آخر ما ألفه عبد القاهر، وأنه لو طال به العمر، لنفي وأثبت، وأنزل كل فصل منها في منزله من كتابه.
2 في "ج": "أدى ذلك" بغير لام.
(1/539)

لنا علم بهذه الأجناس ولو لم يكونوا وضعوا أمثلة الأفعال لما كان لنا علم بمعانيها1 حتى لو لم يكونوا قالوا: "فعل" و "يفعل"، لمَا كنَّا نَعْرِفُ الخبرَ في نفسه ومن أصلِه ولو لم يكونوا قَدْ قالوا: "إفْعَل"، لمَا كنَّا نَعرِفُ الأمرَ مِنْ أَصْله، ولا نَجده في نفوسِنا وحتى لو لم يكونوا قد وَضَعوا الحروفَ، لكنَّا نَجْهلُ معانيهَا، فلا نعقلُ نَفْياً ولا نَهْياً ولا استفهاماً ولا استثناء. كيف؟ والمواضَعةُ لا تكونُ ولا تُتصوَّرُ إلاَّ على مَعْلوم، فمحالٌ أن يُوضَع اسْمٌ أو غيرُ اسم لغير معلوم، أن المواضَعةَ كالإِشارة، فكما أنكَ إذا قلتَ: "خذْ ذاك"، لم تكُنْ هذه الإشارةُ لتَعرِّفِ السامعَ المشارَ إليه في نفسِه، ولكن ليعلمَ أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي نراها ونبصرها. كذلك حكْمُ "اللفظِ" مع ما وُضِعَ له. ومَن هذا الذي يَشُكُّ أَنَّا لم نَعْرِف "الرجل~" و "الفرس" و "الضرب" و "القتل" إلاَّ مِن أَساميها؟ 2 لو كان لذلكَ مَساغٌ في العقل، لكان ينبغي إِذا قيل: "زيد" أن تَعْرِفَ المسمَّى بهذا الاسمِ من غَير أن تكونَ قد شاهدْتَه أو ذُكِرَ لك بصفة.
635 - وإذا قلنا في العلم باللغات من متبدأ الأمر أنه كان إلهامًا3، فإن الإلهام لا يَرجِعُ إلى معاني اللغات4، ولكنْ إلى كون ألفاظ اللغات سمات
__________
1 في المطبوعة "لمَا كان يكونُ لنا عِلمٌ بمعانيها، وحتى لو لم يكونوا قالوا".
2 في "ج" "من أساميها" بحذف "إلا".
3 في المطبوعة: " ... في العلم واللغات"، وهو خطأ.
4 كان في المطبوعة هنا ما يأتي: "فإِنَّ الإِلهامَ في ذلك إنما يكونُ بين شيئينِ، يكونُ أَحدُهما مثْبَتاً والآخَرُ مثبَتاً له، أو يكون أحدها منْفِيّاً، والآخَرُ منفيّاً عنه، وأنه لا يُتصوَّر مثُبَتٌ من غَيْر مُثبَتٍ له، ومنفيٍّ من غير مَنْفيٍّ عنه. فلما كان الأمرُ كذلك، أَوجَبَ ذلك أنْ لا يُعْقَلَ إلاَّ من مجموع جملةِ فعْلٍ واسمٍ، كقولِنا: "خرجَ زيدٌ"، فما عقلناه منه، وهو نسبةٌ الخُروج إلى "زيد" لا يرجع إلى معاني اللغات"، وهو إقحام مفسد للكلام بلا ريب. فإن أول الكلام في "الإلهام"، والذي بعده كلام في الخبر" والذي أثبته هو ما في "ج" على الصواب والاستقامة. وسأشير بعد إلى موقع هذا الكلام في "ج"، في الفقرة: 637.
(1/540)

لتلك المعاني1، وكونِها مُرادةً بها. أفلاَ تَرى إلى قولهِ تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31]، أَفتَرى أَنَّه قيلَ لهم: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ}، وهم لا يعرفون المشار إليهم بهؤلاء؟
636 - وإذْ قد عرفتَ هذه الجملةَ، فاعلمْ أَنَّ معاني الكلام كلَّها معانٍ لا تُتصوَّر إِلا فيما بين شيئين، والأصل والأولُ هو "الخبر"، وإِذا أحكمتَ العلم بهذا المعنى فيه عرفتَه في الجميع. ومن الثابتِ في العقولِ والقائمِ في النفوسِ، أنه لا يكونُ خبرٌ حتى يكونَ مخبَرٌ به وَمُخبرٌ عنه، لأنه ينقَسِم إلى "إثبات" و "نفي"، و "الإثبات" يقتضي مثبتًا ومثبتًا له، و "النفي" يقتضي مَنفياً ومنفياً عنه. فلو حاولتَ أنْ تتصور إثبات معنى او نفيه، من غير أن يكونَ هناكَ مُثبتٌ له ومنفيٌّ عنه، حاولتَ ما لا يَصِحُّ في عَقْلِ، ولا يقع في وهم. من أجل ذلك امته أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء2، وكنت إذا قلت: "ضرب"، لم تستطيع أن تريد منه معنى في نفسك، من غير أن تريد الخبر به عن شيء مظهر أو مقدر، وكان لفظُكَ به، إِذا أنتَ لم تُرِدْ ذلك، وصوتًا تصوته، سواء3.
367 - وإن أردت أن يستحكم معرفةُ ذلكَ في نفسِكَ، فانظرْ إِليك إِذا قيلَ لك: "ما فعلَ زيدٌ"؟ فقلتَ: "خرجَ"، هَلْ يتصوَّرُ أن يقعَ في خَلَدِك من
__________
1 في المطبوعة: "لذلك المعنى"، وهو كلام فاسد.
2 في المطبوعة: "ومن ذلك امتنع"، وهو لا شيء.
3 الفقرة: 636، هي مكرر الفقرة السالفة: 615.
(1/541)

"خرج" معنى مِنْ دون أن تَنويَ فيه ضميرَ "زيد"؟ 1 وهل تكونُ إِن أنتَ زعمتَ أنك لم تنوِ ذلك إِلا مُخْرِجاً نفسَك إلى الهَذَيان؟ 2 وكذلكِ فانظر إِذا قيلَ لك: "كيفَ زيدٌ"؟، فقلتَ: "صالحٌ": هل يكونُ لقولِكَ: "صالح" أثرٌ في نفسِك من دون أن تريدَ "هو صالح"3؟ أم هل يعقل السامع شيئًا إن هو لم يعتقد ذلك؟ 4.
إذا ثبت ذلك5، فإنه مالًا يبقَى معه لعاقل شَكٌّ6، أن الخبرَ معنى لا يتصوَّر إِلا بين شيئينِ يكونُ أَحدُهما مثْبَتاً، والآخَرُ مثبَتاً له، أو يكونُ أحدُهما منفييًا، والآخَرُ منفيّاً عنه وأنه لا يُتصوَّر مثُبَتٌ من غيرِ مثبَتٍ له، ومنفيٌّ من دونِ مَنْفيٍّ عنه. فلما كان الأمرُ كذلك، أَوجَبَ ذلك أنْ لا يُعْقَلَ إلاَّ من مجموع جملةِ فعْلٍ واسمٍ7، كقولِنا: "خرجَ زيدٌ"، أو اسمٍ واسمٍ، كقولنا: "زيدٌ منطلقٌ". فليس في الدنيا خبرٌ يعرفُ من غيرِ هذا السبيلِ، وبغيرِ هذا الدليلِ، وهو شيء يعرفُه العقلاء في كل جبل وأمة، وحكمٌ يجري عليه الأمرُ في كلِّ لسان ولغة8.
__________
1 في المطبوعة: "أن يقع في خلدك معنى من دون"، وأسقط فاختل الكلام.
2 في المطبوعة: "وهل تكون وأنت زعمت أنك"، وهو كلام فاسد.
3 في المطبوعة: "أثر فيك"، وهو كلام سقيم.
4 في المطبوعة: "وهو لم يعتقد ذلك"، سيء.
5 "إذا ثبت ذلك" سقط من كاتب "ج" سهوًا.
6 في المطبوعة: "فإنه لا ينبغي لعاقل"، كلام سقيم.
7 كان في المطبوعة هنا: "أن الخبر لا يتصور إلا من فعل واسم، كقولنا "زيد خارج"، فليس في الدنيا خير"، أسقط هنا ما أثبته في أول الفقرة: 635، فأفسد بالإثبات والإسقاط الكلامين جميعًا.
8 الفقرة: 637، هي مكرر الفقرة السالفة: 616.
(1/542)

638 - وإذا قَدْ عَرَفْتَ أنه لا يُتصوَّر الخبرُ إِلاّ فيما بينَ شيئين: مخبرٍ به ومخبرٍ عنه، فينبغي أن تعلم أنهُ يحتاجُ مِنْ بَعد هذين إِلى ثالثٍ، وذلك أنه كما لا يتصوَّر أن يكونَ ههنا خبرٌ حتى يكونَ مخبَرٌ به وَمُخبرٌ عنه، كذلك لا يتصور حتى يكونَ له مُخبِرٌ يصدرُ عنه ويحصلُ من جهته، وتعودُ التَّبعةُ فيه عليه، فيكونَ هو الموصوفَ بالصدق إِن كان صدقاً، وبالكَذِب إِن كان كذبًا. أفلا ترى أن من المعلوم ضرورة أنه لا يكون إِثباتٌ ونفيٌ، حتى يكونَ مثبتٌ ونافٍ يكون مصدرُهما من جهته، ويكون هو المُزْجِيَ لهما، والمبرِمَ والناقِضَ فيهما، ويكونَ بهما موافقًا ومخالفًا، ومصيبًا ومخطئًا، ومسيئًا ومحسنًا1.
"الخبر" وجميع معاني الكلام، معانٍ يُنْشئُها الإنسانُ في نفسِه:
639 - وجملة الأمر أن الخبر وجميع معماني الكلامِ معانٍ ينشِئُها الإِنسانُ في نفسهِ، ويُصرِّفها في فكره2، ويناجي بها قلبه، ويارجع فيها عقلَه، وتوصَفُ بأنَّها مقاصدُ وأغراضٌ. وأعظمُها شأناً الخَبرُ، فهو الذي يُتصوَّر بالصُوَرِ الكثيرة، وتقع فيه الصناعات العجيبة، وفيه تكون المزايا التي بها يقعُ التفاضلُ في الفصاحَةِ على ما شرحنا3.
640 - ثم إنا نظرنا في المعنى التي يَصفُها العقلاءُ بأنها معانٍ مستنْبَطة، ولطائفْ مستخْرَجةٌ، ويجعلون لها اخْتِصاصاً بقائلٍ دونَ قائلٍ، كمثل قولهم في معاني أبيات من الشعر4: "إنه معنىً لم يُسْبَق إليه فلان، وأنه الذي فطن له.
__________
1 الفقرة: 638 هي مكرر الفقرة السالفة: 617.
2 في المطبوعة: "وجمع معاني الكلام ينشئها"، وهو لا شيء.
3 الفقرة: 639، هي الفقرة فيها سلف رقم: 618، ولم يكن في المطبوعة هنا قوله: "على ما شرحنا".
4 في المطبوعة: "في معان من الشعر"، وهو لا شيء.
(1/543)

واستخْرَجَه، وإنه الذي غاصَ عليه بفِكْرِهِ، وإنه أبو عُذْرِه، لم تَجدْ تلك المعانيَ في الأمر الأَعمِّ شيئاً غيرَ الخَبر الذي هو إثبات المعنى للشيء ونفيه عنه. ويدلك على ذلك أنك لا تنظر إلى شيءٍ من المعاني الغريبةِ التي تخْتَصُّ بقائلٍ دونَ قائل1، إلاَّ وجدتَ الأَصْل فيه والأَساسَ الإثباتَ والنَّفْيَ. وإن أردْتَ في ذلك مثالاً فانظرْ إلى بيتِ الفرزدق:
وما حملَتْ أم أمرئ في ضُلوعها ... أعقَّ منَ الجاني عَليها هِجائيا
فإنَّك إذا نظَرْتَ لم تَشُكَّ في أنَّ الأصْل والأساسَ هو قولُه: "وما حملتْ أُمُّ امرئ"، وأنَّ ما جاوزَ ذلك مِنَ الكلمات إلى آخر البيتِ، مستَنِدٌ إليه ومبنيٍّ عليه2، وأنك إنْ رفعتَهُ لم تجِدْ لشيءٍ منها بَياناً، ولا رأيتَ لذِكْرها مَعنى، بل تَرى ذِكْرك لها إن ذكَرْتَها هَذَياناً. والسبَبُ الذي مِنْ أجْله كان كذلك، أنَّ مِنْ حُكْم كل ما عدا جزئي الجملة "الفعل والفاعل" و "المبتدأ والخبر"، أن يكون تخصيصًا للمعنى المثبت أو المنفي3، فقولُه: "في ضلوعِها"، يُفيدُ أولاً أنه لم يُرِدْ نفْيَ الحَمْلَ على الإِطلاق، ولكنِ الحَمْلَ في الضلوع، وقولهُ: "أعقَّ"، يُفيد أنه لم يُرِد هذا الحَمْلَ الذي هو حَملٌ في الضلوع أيضاً على الإِطلاق، ولكنْ حمْلاً في الضلوع محمولهُ أعقُّ من الجاني عليها هجاءه. وإِذا كان ذلك كلُّه تخصيصاً للحَمْل، لم يُتصوَّر أن يُعْقَل من دون أن يُعْقَلَ نفي الحمل، لأنه لا يتصور
__________
1 في المطبوعة: "أنا لا تنظر".
2 في المطبوعة: "مستند ومبنى عليه" أسقط "إليه".
3 في المطبوعة: "تحقيقًا للمعنى المثبت والمنفي" وهو خطأ يتضح صوابه مما يلي، وهو على الصواب في "ج".
(1/544)

تخصيصُ شيءٍ لم يدخلْ في نفيٍ ولا إثبات، ولا ما كان في سبيلهما من الأمر به، والنهي عنه, والاستخبار عنه1.
641 - وإذْ قد ثبَتَ أَن الخَبر وسائرَ معاني الكلام، معانٍ ينشِئُها الإِنسانُ في نفسهِ، ويُصرِّفها في فِكْره، ويناجي بها قلبَه، ويراجعُ فيها لُبَّهُ2، فاعلمْ أَنَّ الفائدةَ في العلم بها واقعةٌ من المنشئ لها، وصادرة عن القاصد إليها. وإذا قلنا في الفعل: "إنه موضوعٌ للخَبَرِ"3 لم يكنِ المعنى فيه أنه موضوع لن يُعْلَم به الخبَرُ في نفسِه وجنسِه، ومن أَصْلهِ، وما هو؟ ولكنَّ المعنى أنه موضوعٌ، حتى إذا ضممته إلى اسم، عقل به ومن ذلك الاسم، الخبر4، بالمعنى الذي اشتق ذلك الفعل منه من مسمى ذلك الاسم5، واقعًا منك أيها المتكلم، فاعرفه6.
__________
1 هذه الفقرة: 640، ليست مكررة يتفاصليها، ولكنها إعادة كتابة لما تضمنته أواخر الفقرة السالفة رقم: 627، قبيل ذكره بيت الفرزدق، ثم الفقرة: 632، وهذا الاختلاف موضع نظر مهم، في طريقة عبد القاهر في تأليفه، وفي مراجعته لما كتب، وفي شأن ما يجيء بعد انتهاء "كتاب دلائل الإعجاز"، كما كتبه، أو سوده، والذي انتهى عند آخر الفقرة رقم: 560، كما أشرت إليه هناك.
2 في المطبوعة: "ويرجع فيها إليه"، تصحيف لا ريب فيه.
3 في المطبوعة: وإذا قلت"، لا شيء.
4 السياق: "عقل به ... الخبر"، "الخبر" نائب فاعل.
5 كان في المطبوعة هكذا: "عُقِلَ منه ومن الاسمِ أنَّ الحكْمَ بالمعنى الذي اشتقَّ ذلك الفِعلُ منه على مسمّى ذلك الاسم واقع منك" وهو كلام لا يستقيم، وفيه تغيير ظاهر. و "واقعًا" حال.
6 الفقرة: 641، انظر لهذه الفقرة ما سلف رقم: 618، ورقم: 639.
(1/545)

إدراك البلاغة بالذوق وإحساس النفس
بسم الله الرحمن الرحيم

بيان في "النظم"، ودخول الشبهة في أمره، وأن مرده إلى "الذوق" 1:
642 - أعلمْ أنك لن تَرى عجَباً أعْجبَ من الذي عليه الناسُ فِي أمرِ النَّظْم"، وذلك أنه ما مِن أَحدٍ لهُ أدنى معرفةٍ إِلاَّ وهو يَعلمُ أن ههنا نظْماً أحْسَنَ من نظْمٍ، ثم تراهُمْ إذا أنتَ أردْتَ أن تُبَصْرَهم ذلك تَسْدَرُ أعينُهُم2، وتضلُّ عنهم أفهامُهم. وسببُ ذلك أنهم أولُ شيء عَدِموا العِلْمَ به نفسَه، من حيث حَسِبوه شيئاً غيرَ تَوخِّي معاني النحو، وجعلوه يَكونُ في الألفاظِ دونَ المعاني. فأنتَ تَلْقى الجَهْد حتى تُمِيلَهم عن رأيهم، لأنكَ تُعالِجُ مرَضاً مُزْمناً، وداءً متمكِّناً. ثم إِذا أنتَ قُدْتَهم بالخَزَائم إلى الاعترافِ بأنْ لا معنى له غيرُ توخِّي معاني النحو3، عَرَض لهم من بَعْد خاطِرَ يَدهَشُهُمْ، حتى يكادوا يَعودون إلى رأسِ أمرهم. وذلك أنَّهم يَرَوْنَنا ندَّعي المزيةَ والحُسْن لِنَظْم كلامٍ من غير أن يكونَ فيه من معاني النحو شيءٌ يُتَصوَّرُ أنْ يتفاضَلَ الناسُ في العلمِ به، ويرونَنا لا نَستطيعُ أن نضَع اليَدَ من معاني النحو ووجوه على شيء تزعم أنَّ مِنْ شأنِ هذا أنْ يُوجِبَ المزيَّةَ لكلِّ كلامٍ يكونُ فيه، بل يَرَوْننا ندَّعي المزيةَ لكلِّ ما ندَّعيها له مِن معاني النحو ووجوه وفُروقهِ في موضعٍ دونَ مَوْضِعٍ، وفي كلامٍ دون كلامٍ، وفي الأقلِّ دونَ الأَكثرِ، وفي الواحدِ من الأَلْف. فإِذا رأَوْا الأمرَ كذلكَ، دخلَتْهم الشُّبْهَةُ وقالوا: كيف يصَيرُ المعروفُ مَجهولاً؟ ومِنْ أَين يُتصوَّر أن يكونَ للشيءِ في كلام مزيةٌ عليه في كلامٍ آخَر، بعْدَ أن تكون حقيقته فيهما حقيقة واحدة.
__________
1 هذا الفصل يأتي في "ج"، في ص: 343 منها، بعد آخر الفقرة: 633 مباشرة، وما بينهما زيادة في المطبوعة ليست في "ج".
2 "سدر بصره يسدر سدرًا"، تحير فلم يكد يبصر.
3 "الخزائم" جمع "خزامة"، وهي حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير، يشد بها الزمام.
(1/546)

فإذا رأوا التنكير يكون فيما لا يصحى منَ المواضِعِ ثم لا يَقْتضي فَضْلاً، ولا يُوجِبُ مزيةً، اتَّهمونا في دَعْوانا ما ادَّعيناه لتنكير الحياة في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، من أنَّ له حُسْناً ومزيةً، وأنَّ فيه بلاغة عَجيبة، وظَنُّوه وهْماً منَّا وتخيُّلاً.
ولسنا نَستطيعُ في كشْفِ الشُبهة في هذا عنهم، وتصويرِ الذي هو الحقُّ عندهم، ما استطعناهُ في نَفْس النظْم، لأنَّا ملَكْنا في ذلك أن نَضْطرَّهم إلى أن يَعْلموا صحَّةَ ما نقولُ. وليس الأمرُ في هذا كذلك، فليس الداءُ فيه بالهيِّن، ولا هو بحيثُ إذا رُمْتَ العلاجَ منه وجدتَ الإمكانَ فيه مع كلِّ أحدٍ مُسْعِفاً، والسعيَ مُنْجِحاً، لأنَّ المزايا التي تحتاجُ أن تُعْلِمَهم مكانَها وتصورَ لهم شأنها، أمور خفيفة، ومعان روحاية، أنتَ لا تستطيعُ أن تُنَبِّه السامِعَ لها، وتحدث له علمًا بها، حتى يكون مهيئًا لإدراكها، وتكونَ فيه طبيعةٌ قابلةٌ لها، ويكونَ له ذوق وقريجة يَجِدُ لهما في نفسه إحساساً بأنَّ مِن شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيه المزية على الجملة ومن إذا تصفَّح الكلامَ وتدبَّر الشعرَ، فرَّقَ بين موقع شيء منها وشيء، ومن إذا أنشدته قوله:
لي منْكَ ما للنَّاس كلِّهِمُ ... نَظَرٌ وتَسليمٌ على الطرق1
__________
1 لشمروخ، وهو "أبو عمارة" "محمد بن أحمد بن أبي مرة المكي"، وهي أبيات في معجم الشعراء: 438، والزهرة: 10، ومصارع العشاق ص: 174، غير منسوب. وأبياته هي:
يا من بدائع حسن صورته ... تثنى إليه أعنه الحدق
لي منْكَ ما للنَّاس كلِّهِمُ ... نَظَرٌ وتَسليمٌ على الطرق
لكنهم سعدوا بأمنهم ... وشقيت حين أراك بالفرق
سلموا من البلوى ولي كبد ... حرى ودمعة هائم ملق
(1/547)

وقول البحتري:
وسَأَسْتَقِلُّ لكَ الدموعَ صبابَةً ... وَلَو أنَّ دِجْلةَ لي عليك دموع1
وقوله:
رأت فلتات الشَّيبِ فابتسمتْ لها ... وقالتْ نجومٌ لو طَلَعْنَ بأسعد2
وقول أبي نواس:
ركبٌ تَساقَوا على الأكْوارِ بَينَهُمُ ... كأسَ الكرَى، فانتشَى المَسْقيُّ والساقي
كأنَّ أعناقَهُمْ، والنومُ واضِعُها ... على المناكب لم تعمد بأعناق3
وقوله:
يا صاحبي عصيت مصطبحًا ... وغدوت للذات مطروحًا
فتزُّودوا منِّي مُحادَثةً ... حَذرُ العَصَا لم يُبقِ لي مرحا4
وقول إسمعيل بن يسار:
حتى إذا الصبح بدا ضوءه ... وغبت الجوزاءُ والمِرْزمُ
خرجتُ والوطءُ خفيٌّ كما ... يَنْسابُ من مكمنه الأرقم5
__________
1 في ديوانه، في وداع إبراهيم بن الحسن بن سهل.
2 في ديوانه، وفي المطبوعة: "مكنات الشيب" وشرحها شرحًا غير لائق. و "فلتات الشيب".
أول ما أسرع إليه من الشيب فلتة.
3 في ديوانه، آخر باب المدائح، وانظر التشبيهات لابن أبي عون: 189، والحيوان 7: 258، والبرصان: 531، وفي رواية البيت الثاني "لم تعمد". في هامش المخطوطة: "لم تعدل"، وفي الديوان: "لم تدعم"، وكل جيد في معنى واحد.
4 في ديوانه، في الخمريات.
5 شعره في الأغاني 4: 417، "الدار"، و "الجوزاء" يعني نظم الجوزاء، وهو أحد المبرزمين، وهما من النجوم التي تغيب عند دنو الصبح. و "الأرقم"، الحية.
(1/548)

أنق لها، وأخذته الأربحية عندها، وعرف لطف موقع "الحذف" و "التنكير" في قوله:
نظرٌ وتسليمٌ على الطرقِ
وما في قولِ البحتري: "لي عليكَ دموعُ" مِنْ شبْه السِّحر، وأنَّ ذلك من أجْل تقديم "لي" على "عليك"، ثم تنكيرِ "الدموع" وعرَفَ كذلك شرَفَ قولِه:
وقالتْ نجومٌ لو طلعْن بأسعد
وغلو طبقتِه، ودقةَ صنعتِه.
643 - والبلاءَ1، والداءَ العياء، إنَّ هذا الإِحساسَ قليلٌ في الناس، حتى إنه ليكونُ أن يقعَ للرجل الشيءُ من هذه الفروقِ والوجوهِ في شِعْرٍ يقوله: أو رسالةٍ يكتُبها، الموقعَ الحسَن. ثم لا يعلمُ أنه قد أحْسَنَ. فأمَّا الجهلُ بمكانِ الإِساءة فلا تَعْدمُه، فلستَ تملكُ إذاً من أمرِكَ شيئاً حتى تظفرَ بمَنْ له طبعٌ إذا قدحْتَه وَرَى، وقلبٌ إذا أرْيتَهُ رأى، فأمَّا وصاحبُك مَنْ لا يرى ما تُريه، ولا يهتدي للذي تَهديه، فأنتَ رام في غيرِ مَرْمًى، ومُعَنٍّ نفسَك في غيرِ جَدْوى، وكما لا تُقيم الشعرَ في نفسِ مَن لا ذوقَ له، كذلك لا تُفهِمُ هذا الشأنَ مَنْ لم يؤْتَ الآلة التي بها يَفْهم، إلاَّ أنه إنما يكونُ البلاءُ إذا ظنَّ العادِمُ لها أنه أُوتيَها، وأنه ممَّنْ يكملُ للحكْم، ويصحُّ منه القضاءُ، فجعَل يقول القولَ لو علِمَ غبه لاستحى منه. فاما الذي يحسن بالنقص من نفسه، ويعلم أنه قد عدم علمًا قد أوتيته مِنْ سِواه، فأنتَ منه في راحة، وهو رجلٌ عاقلٌ قد حماهُ عقلُه أنْ يعْدُو طورَهُ، وأن يتكلَّف ما ليس بأهلٍ لَهُ.
__________
1 هذه الفقرة كلها: 643، هي ختام الرسالة الشافية رقم: 50 كما سيأتي ورحم الله الشيخ الكبير عبد القاهر، فكأنه يتكلم في هذا كله عن زماننا نحن، لا عن زمانه.
(1/549)

وإِذا كانَتِ العلومُ التي لها أصولُ معروفةٌ، وقوانينُ مضبوطةٌ قد اشتركَ الناسُ في العِلْم بها، واتَّفقوا على أنَّ البناءَ عليها، إذا أخطأ فيها المخطئ ثم أعجب برأيه، لم تستطع رَدُّه عن هواه، وصَرْفُه عن الرأي الذي رآه، إلاَّ بَعْدَ الجهْدِ، وإلاَّ بعد أن يكونَ حَصيفاً عاقِلاً ثَبْتاً إذا نُبِّهَ انْتَبَهَ، وإِذا قيلَ: إنَّ عليكَ بقيةً مِنَ النَّظَرِ، وقفَ وأصْغى، وخَشِيَ أن يكونَ قد غُرَّ، فاحتاطَ باستماعِ ما يُقال له، وأنِفَ من أن يلجَّ من غير بيِّنة، ويستطيلَ بغيرِ حُجَّة، وكان مَنْ هذا وصْفُه يَعزُّ ويقِلُّ1 فكيف بأنْ تَرُدَّ الناسَ عن رأيهم في هذا الشأنِ، وأصلُك الذي تردُّهم إليه، وتعقول في محاجَّتهم عليه، استشهادُ القرائحِ، وسَبْرُ النفوسِ وقلبها، وما يعرض فيها من الأريحية عندما تمسع، وكانَ ذلك الذي يَفتحُ لك سمعَهم، ويكشِفُ الغِطاءَ عن أعيُنهمْ، ويَصْرِفُ إليكَ أوجُهَهُم، وهم لا يَضعُون أنفُسَهم موضِعَ منَ يرى الرأيَ ويُفتي ويَقْضي، إلاَّ وعندَهم أنهم ممَّن صفتْ قريحَتُه، وصحَّ ذوقُه، وتمَّتْ أداتُه. فإِذا قلتَ لهم: "إنكم قد أُتيتُمْ مِن أنفْسِكم"، رَدُّوا عليكَ مثلَه وقالوا: "لا، بل قرائِحُنا أصحُّ، ونظرُنا أصْدَقُ، وحِسُّنا أَذْكى، وإنما الآفةُ فيكُم لأنكم خيلتم إلى أنفسكم أُموراً لا حاصِل لها، وأوهَمَكُم الهوى والميلُ أنْ تُوجِبوا لأحدِ النظْمَيْنِ المتساويَيْن فضْلاً على الآخَرِ، مِن غيرِ أن يكونَ ذلك الفضْلُ معقولاً" فتبقى في أيدهم حَسِيراً لا تَملكُ غيرَ التعجُّب. فليس الكلامُ إذن بمعن عنك، ولا القولُ بنافعٍ، ولا الحُجَّةُ مسموعةً، حتى تجدَ مَنْ فيه عونٌ لكَ على نفسه، ومن إذا أبى عليكَ، أبى ذَاك طبعُه فردَّه إليكَ، وفتَحَ سمعه لك، ورفع الحجاب بينك
__________
1 السياق آت من أول الفقرة: "وإِذا كانَتِ العلومُ التي لها أصولُ معروفةٌ .... فكيف بأن ترده".
(1/550)

وبينَه، وأخذَ به إلى حيثُ أنتَ، وصرَفَ ناظِرَه إلى الجهة التي إليها أوْمأتَ، فاستبدَلَ بالنِّفار أُنْساً، وأراكَ مِنْ بَعْد الإِباء قَبُولاً.
644 - ولم يكنِ الأمرُ على هذه الجملةِ إلاَّ لأنه ليس في أصنافِ العلومِ الخفيَّةِ، والأُمور الغامضةِ الدقيقةِ، أعجبُ طريقاً في الخفاء من هذا. وإنَّكَ لَتُتْعِبُ في الشيء نفْسَك، وتُكِدُّ فيه فكْرَك، وتَجْهَدُ فيه كلَّ جَهْدِك، حتى إِذا قلتَ قد قتَلْتُه عِلْماً، وأحكَمْتُه فَهْماً، كنت بالذيلا يزال يتراءى لك فيه من شبهة، ويعرض فيه من شك1، كما قال أبو نواس:
أَلاَ لا أَرى مثْلَ امترائيَ في رَسْمِ ... تغص به عيني ويلظفه وهمي
أنت صُوَرُ الأشياءِ بَيني وبينَهُ ... فظَنِّي كَلاَ ظَنِّ، وعِلْمي كَلاَ عِلْمِ2
645 - وإنكَ لتنظرُ في البيتِ دهراً طويلاً وتفسره، ولا ترى أنه فيه شيئاً لم تَعلَمْه، ثم يبدو لكَ فيه أمرٌ خفيٌّ لم تكنْ قد علِمْتَه، مثال ذلك بيت المتنبي:
خطأ خفي في "النظم":
عَجَباً لهُ! حِفْظُ العِنَانِ بأنْمُلٍ ... ما حِفْظُها الأشياءَ مِنْ عاداتِها3
مضى الدهرُ الطويلُ ونحن نقرؤه فلا نُنْكِرُ منه شيئاً، ولا يَقَعُ لنا أنَّ فيه خطأَ، ثم بانَ بأَخِرةٍ أنه قد أخطأ. وذلك أنه كان ينبغي أن يقولَ: "ما حفظُ الأشياءِ من عادتها"، فيضيفُ المصدرَ إلى المفعولِ، فلا يَذكُر الفاعلَ، ذاك لأن المعنى على
__________
1 يقول: كنت بهذا الذي يتراءى لك، كما قال أبو نواس.
2 في ديوانه، "في باب الخمريات"، وفيه: "فجهل كلا جهل".
3 في ديوانه، وفي "ج"، "حفظ البنان"، خطأ صرف.
(1/551)

أنه ينفي الحفْظَ عن أنامله جُملةً، وأنه يزْعُم أنه لا يكونُ منها أصْلاً، وإضافَتُه الحفظَ إلى ضميرِها في قوله: "ما حفظُها الأشياءَ"، يقتضي أن يكون قد أثبْتَ لها حِفْظاً1. ونظيرُ هذا أنك تقول: "ليس الخروجُ في مثل هذا الوقت من عادي"، ولا تقولُ: "ليس خُروجي في مثلِ هذا الوقت من عادتي"، وكذلك تقولُ: "ليس ذمُّ الناسِ مِنْ شأني"، ولا تقولُ: "ليس ذمِّي الناسَ مِنْ شأني"، لأن ذلك يُوجِبُ إثباتَ الذمِّ ووجودَه منك. ولا يصِحُّ قياسُ المصْدَرِ في هذا على الفعل، أعني أنه لا ينبغي أن يُظَنَّ أنه كما يجوز أن يُقال: "ما مِن عادتها أن تَحْفظَ الأشياءَ"، كذلك ينبغي أن يجوزَ: "ما مِنْ عادتها حفظها الأشياء"، ذاك أن إضافة المضدر إلى الفاعل يقتضي وجودَه، وأنه قد كان منه، يُبيِّنُ ذلك أنك تقولُ: "أمرْتُ زيداً بأن يَخْرج غداً"، ولا تقول: "أمرتُه بخروجهِ غداً".
646 - ومما فيه خطأ هو في غاية الخفاء قوله:
ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الخريج إلى الغِربانٍ والرَّخَمِ2
وذلك أنك إِذا قلتَ: "لا تضجر ضجر زيد"، كانت قد جعلْتَ زيداً يضجرُ ضَرْباً من الضجر، مثْلَ أن تجعله يُفرِّطُ فيه أو يُسْرعُ إليه. هذا هو مُوجِبُ العُرْفِ. ثم إنْ لم تعتبر خصوصًا وصْفٍ، فلا أقلَّ من أن تَجعلَ الضجَرَ على الجملةِ من عادتِهِ، وأنْ تَجعلَه قد كان منه. وإذا كان كذلك، اقتضَى قولُه:
__________
1 في هامش "ج" بخط كاتبها ما نصه:
"فيكون المعنى أن حفظ الأشياء ليس عادة له، فالمنفي حينئذ كون الحفظ عادة له، والمراد عدم ثبوت الحفظ له أبدًا".
2 هو في ديوانه.
(1/552)

شكوى الجريحِ إلى الغربانِ والرخَمِ
أنْ يكونَ ههنا "جريح"، قد عرف من حاله أنه يكون له "شكوى إلى الغربان والرخم"، وذاك مُحال. وإنما العبارةُ الصحيحةُ في هذا أن يقال: "لا تَشَكَّ إلى خَلْقٍ، فإنَّكَ إنْ فعلتَ كان مثَلُ ذلكَ مثَلَ أنْ تُصوِّرَ في وهْمِك أنَّ بَعيراً دَبِراً كشَفَ عن جرحه1، ثم شكاه إلى الغربان والرخم".
خطأ آخر في اتباع تأويل لبعض العلماء:
647 - ومن ذلك تَرى من العلماءِ مَن قد تأوَّلَ في الشيء تأويلاً وقَضى فيه بأمرٍ، فتَعْتَقِدُه اتِّباعاً له، ولا تَرتابُ أنه على ما قَضى وتأوَّلَ، وتَبْقى على ذلك الاعتقادِ الزمانَ الطويلَ، ثم يلوحُ لك ما تعلَم به أنَّ الأمرَ على خِلاف ما قَدَّرَ. ومثالُ ذلك أنَّ أبا القاسم الآمديَّ، ذكَر بيتَ البحتريِّ:
فصاغَ ما صاغَ مِنْ تِبْرٍ ومِنْ وَرِقٍ ... وحاكَ ما حاكَ من وَشْي وديباجِ2
ثم قال: "صَوْغُ الغيث وحَوكُه للنبات ليس باستعارةِ، بلْ هو حقيقةٌ، ولذلك لا يقالُ: "هو صائغٌ" ولا "كأنه صائغ" وكذلك لا يقال: "هو حائك" و "كأنه حائك"، قال: "على أنَّ لفظَ "حائك" في غايةِ الركاكة إذا أُخرج على ما أخرجَهُ أبو تمام في قوله:
إِذا الغيثُ غادى نَسْجَهُ خِلْتَ أنه ... خَلَتْ حُقُبٌ حَرْسٌ له وهْوَ حائكُ3
قال: وهذا قبيح جدًا"4.
__________
1 "دبر البعير"، إذا تقرح ظهره من الحمل أو القتب، فهو "دبر".
2 هو في ديوانه، و "الورق"، الفضة.
3 هو في ديوانه، و "الحرس"، الدهر الطويل.
4 هذا الذي نقله عن الآمدي هو في الموازنة 1: 497، 498، "دار المعارف".
(1/553)

فقلتُ: لمَ ترَكَ الأستاذُ هذا البيتَ؟ فقال: لعلَّ القلمَ تجاوَزَهُ؟ قال: "ثم رآني من بَعْدُ فاعتذرَ بعُذرٍ كان شَرّاً مِنْ تَرْكه. قال: إنما تركْتُه لأنه أعادَ السيفَ أربعَ مرّاتٍ. قال الصاحِبُ: لَوْ لم يُعِدْه أربعَ مراتٍ فقال:"بجهلٍ كجهلِ السيف وهو مُنْتَضى، حلم كحِلم السيفِ وهو مغمدُ"، لفسَدَ البيْتُ".
والأمرُ كما قال الصاحبُ، والسببُ في ذلك أنك إذا حدَّثْتَ عن اسمٍ مُضافٍ، ثم أردْتَ أن تَذْكُر المضافَ إليهِ، فإِن البلاغَة تقتضي أن تذكره باسمه الظاهر ولا تضمره.
649 - تفسير هذا أنَّ الذي هوَ الحسَنُ الجميلُ أن تقولَ: "جاءني غلامُ زيدٍ وزيدٌ"، ويقبُحُ أن تقول: "جاءني غلامُ زيدٍ وهُو"، ومن الشاهِد في ذلك قول دعيل:
أضيافُ عِمران في خِصْبٍ وفي سَعةٍ ... وفي حِبَاءِ وخَيرٍ غيرِ ممنوعِ
وضيفُ عمرٍو وعمرٌو يَسْهرانِ معاً ... عمرو لبِطْنَتِه والضيفُ للجُوعِ1
وقولُ لآخر:
وإنْ طُرَّةٌ راقَتْكَ فانْظُرْ فرُبَّما ... أَمَرَّ مذاقُ العود والعود أخضر2
__________
1 هو في مجموع ديوانه، وفي الكامل للبمرد 2: 104، وروايته:
أضياف سالم في خفض وفي دعة ... وفي شراب ولحم غير ممنوع
2 هو في أسرار البلاغة: 104، و "الطرة" في الأصل حاشية الثوب، وموع هدبه. و "طرة الجارية"، أن يقطع لها في مقدم ناصيتها كالعلم أو كالطرة تحت التاج، تتجمل بذلك.
(1/555)

وقول المنتبى:
بمن نضرب الأمثال أم من نفيسه ... إليكَ وأهْلُ الدهرِ دونكَ والدهرُ1
ليس بخفيٍّ على مَنْ لَهُ ذوقٌ أنه لو أتى موضعُ الظاهرِ في ذلك كله بالضمير فقيل: "وضيفُ عمروِ وهو يسهران معاً"، و "ربما أمرَّ مذاقُ العودِ وهو أخضر"، و "أهلُ الدهر دونَكَ وهو"، لعُدِمَ حُسْنٌ ومزيةٌ لا خفاءَ بأمرِهما، ليس لأنَّ الشعرَ يَنكَسِرُ، ولكنْ تنكره النفس.
650 - وقد يرى في بادئ الرأي أنَّ ذلك من أجْل اللَّبْسِ، وأنكَ إذا قلتَ: "جاءني غلامُ زيدٍ وهو"، كان الذي يقَعُ في نفسِ السامعِ أنَّ الضميرَ للغلام، وأنكَ على أنْ تجيءَ له بخَبر، إلا أنَّه لا يستمرُّ، من حيثُ إنَّا نقول: "جاءني غلمانُ زيدٍ وهو"، فتَجِدُ الاستنكارَ ونبُوَّ النفسِ، مع أنْ لا لَبْسَ مثْلَ الذي وجدْناه. وإذا كان كذلك، وجَب أن يكونَ السببُ غيرَ ذلك.
651 - والذي يوجُبِه التأمُّلُ أن يُردَّ إلى الأصْل الذي ذَكَره الجاحِظُ: من أنَّ سائلاً سألَ عن قولِ قيسِ بنِ خارجة: "عندي قِرى كلِّ نازلٍ، ورضَى كلِّ ساخِطٍ، وخُطبةٌ مِنْ لَدُنْ تطْلُعُ الشمسُ إلى أن تَغْرُبَ، آمرُ فيها بالتَّواصُل، وأَنْهى فيها عن التقاطُع"، فقال: أليسَ الأمرُ بالصِّلة هو النهيُ عن التقاطعِ؟ قال فقال أبو يعقوب: أما علمتَ أنَّ الكنايةَ والتعريضَ لا يَعملان في العقولِ عملَ الإِفصاحِ والتكشيف"، 2 وذكرتُ هناك أن هذا الذي ذُكِر، من أنَّ للتصريحِ عملاً لا يكون
__________
1 هو في ديوانه.
2 هو فيما سلف رقم: 174، وفيه في البيان: "فقيلَ لأبي يعقوب: هلاَّ اكْتَفى بالأمِر بالتواصلِ والنهي علن التقاطع، أو ليس الأمرُ بالصلةِ هو النهْيُ عن التقاطعِ؟ قال: أو ما علمت أن الكناية ... ".
(1/556)

مثلُ ذلك العملِ للكنايةِ، كان لإعادةِ اللفظِ في قولهِ تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105]، وقولِه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1، 2]، عملٌ لولاها لم يَكنْ. وإِذا كان هذا ثابتاً معلوماً، فهو حكْم مسألتنا.
652 - ومن البيِّنِ الجليِّ في هذا المعنى، وهو كبيتِ ابن الرومي سواءٌ، لأنه تشبيهٌ مثْلُه بيتُ الحماسة:
شَدَدْنا شَدَّةَ الليثِ ... غدا والليثُ غضبانُ1
ومن الباب قول النابغة:
نفْسُ عصامٍ سوَّدتْ عِصاما ... وعلَّمَتْهُ الكرَّ والإِقداما2
لا يخفَى على مَنْ له ذوقٌ حسَنٌ هذا الإظهارَ، وأنَّ له موقعاً في النفس، وباعثًا للأربحية، لا يكون إِذا قيل: "نفسُ عصامٍ سَوَّدته"، شيء منه البتة.
"تم الكتاب"
"في أواسط شهر ربيع الول سنة ثمان وستين وخمسئة. غفر الله لكاتبه ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات برحمته إنه أرحم الراحمين وخير الغافرين".
__________
1 الشعر للفند الزماني، شرح حماسة أبي تمام للتبريزي 1: 13، وروايته: "مشينا مشية الليث"، رواية أخرى.
2 للنابغة، يقول لبواب النعمام بن المنذر: "عصام بن شهبرة الجرمي"، الفاخر للمفضل بن سلمة: 145 وغيره.
(1/557)

فصول ملحقة بالكتاب:
مسئلة يرجع فيها الكلام إلى "الإثبات":
653 - العلم بالإثبات والنفي وسائر معاني الكلام في غرائز النفوس، ولم توضع أمثلة الأفعال لتعلم المعاني في أنفسها، بل لتعلم، واقعة من المتكلم توضع أمثلة الأفعال لتعلم هذه المعاني في أنفسها، بل لتعلم، واقعة من المتكلم وكائنة في نفسه1. فواضع اللغة لما [قال]: "ضرب"، كأنه قال إنه موضوع [للضرب] 2، حتى إذا أردت إثبات "الضرب" لشيء، ضممته إلى اسم ذلك الشيء فعلم بذلك [أن] إثبات الضرب له واقعًا منك وكائنًا في نفسك، محصول قولنا في "ضرب"، إنه خبر، وانه موضوع ليعرف به. وإذا ضم إلى اسم إثبات "الضرب" لمسمى ذلك الاسم، فهو. موضوع ليدل على وضوع إثبات منك ووجوده في نفسك، وليس في أن "الإثبات" لا يقع إلا متعلقًا بشيئين، ما يمنع أن يكون "الإثبات" معنى مستقلًا بنفسه معلومًا ومثله أنه لا يصح وجود صفة من غير موصوف، ثم لا يمنع ذلك أن تكون "الصفة" في نفسها معلومة.
تفسير ذلك: أنه لا يصح وجود سواد وحركة في غير محل، ثم لم يمنع ذلك أن يكونا معلومين في أنفسهما.
وجملة الأمر أن حاجة الشيء في وجوده إلى شيء آخر، لا يمنع أن يكون شيئًا مستقلًا بنفسه معلومًا، وليس ههنا شيء أكثر من أن هذا يقتضي ذاك،
__________
1 انظر ما سلف في اوائل الفقرة رقم: 634.
2 ما بين القوسين زيادة لا يستقيم الكلام إلا بها، وكذلك ما سيأتي بعده.
(1/561)

و "الاقتضاء" وصف في المقتضى لا في المقتضى، فاقتضاء "العلم" معلومًا، وصف في "العلم" وكائن في حقيقته، وليس بوصف في المعلوم. وإذا كان كذلك، كان محالًا أن يظن أنه لا يصح أن يكون "العلم" في نفسه وعلى الانفراد معلومًا.
فإن قيل: لو جاز أن يكون "العلم" على الانفراد معلومًا، جاز أن يكون على الانفراد موجودًا.
قيل: إنا [لا] نعني بقولنا: "إنه يصح أن يكون "العلم" على الانفراد معلومًا، "العلم" مطلقًا من غير نص على معلوم. ووجود "العلم" مطلقًا مبهمًا ومن غير معلوم منصوص عليه، محال.
(1/562)

فصل:
654 - يصح توهم وجود "السواد" في محل هو في حال التوهم أبيض وتكون حقيقة هذا أنه يتوهم في هذا المحل الأبيض، وجود مثل اللون الذي يراه في المحل الأسود، ولو فرضنا أن لا يكون رأى محلًا أسود قط، لم يتصور منه هذا التوهم. وإذا ثبت هذا، فإنه ما من فاعل إلا وهو يجد في نفسه إثبات معنى لشيء، فنحن إذا قلنا في "ضرب" أنه موضع لإثبات المعنى لشيء، كنا أشرنا له إلى هذا المعنى الذي عرفه في نفسه، كما أنا إذا قلنا إن لفظ "رجل" موضوع للآدمي الذكر، كنا أشرنا له إلى ما عرفه بعينه، إلا أن الشأن أنا نشير له في الاسم إلى شيء قد عرفه موجودًا. فيجب أن ينظر إذا قلنا: "إن الفعل موضوع لإثبات المعنى للشيء"، أنكون أشرنا إلى معنى قد علمه موجودًا، أم إلى شيء يعلم صحة وجوده1.
__________
1 هنا حاشية في هامش "ج" بخط كاتبها: "أول ما يولد المعنى يعلم الشيء، وإنما [يكون قد] علمه من قبل موجودًا"، هكذا قرأته، مع تآكل في الهامش.
(1/563)

فصل:
655 - إن كان أبو الفتح بن جني قال: ما قال في قول المتنبي:
وفيها قيت يوم للقراد1
حتى تكون فضيلة يكون بيت المتنبي بها أشعر من بيت الحطيئة2، فمحال أن يكون البيت بزيادة تقع في مجرد الإغراق من دون صنعة تكون في تلك الزيادة3 أشعر من البيت ذي الصنعة، ولا سيما مثل صنعة الخطيئة، التي لا يبلغ المتأمل لها غاية في الاستحسان، إلا رأى أن يزيد. ومن سلك في الموازنة.
__________
1 هو في ديوانه، وصدر البتي، في صفة ناقته:
فلم تلق ابن إبراهيم عنسى
ورواية الديوان: "قوت يوم"، وهما سواء، و "القوت" و "القيت" ما يمسك الرمق.
2 كأنه يعني بيت الخطيئة، والله أعلم، قوله:
قروا جارك العيمان، لما تركته ... وقلص عن برد الشراب مشافره
سنامًا ومحضًا أنبت اللحم واكتست ... عظام امرئ ما كان يشبع طائره
"قروا"، أضافوه وأطعموه. و "العيمان". الشديد الشهوة إلى شرب اللبن. و "قلص عن برد الشراب مشافره"، أي لم يزل في زمن الشتاء والجدب يشرب الماء البارد حتى قلصت شفتاه. و "المحض" اللبن الذي لم يخالده ماء. والشاهد فيه قوله: "ما كان يشبع طائره، يعني أنه قد بلغ من هزاله ما لو وقع عليه طائر، لما شبع، لأنه لا يجد مما يأكله منه إلا القليل التافه. وهذا موضع المقارنة بينه وبين قول المتنبي في هزال ناقته، حيث يقول: إنه لم يبلغ أرض ممدوحة، وفي ناقته ما يقوت القراد على ضآلته يومًا واحدًا.
3 السياق: "فمحال أن يكون البيت من غير صنعة أشعر من البيت ذي الصنعة".
(1/564)

بين الشعرين هذا المسلك، أداه ذلك إلى ما سخف من الرأى، وهو أن يجعل المتنبي في قوله:
وصدرك في الدنيا ولو دخلت بنا ... وبالجن فيه، ما درت كيف ترجع1
أشعر من البحترى في قوله:
مفازة صدر لو تطرق لم يكن ... ليسلكها فردًا سليك المقانب2
__________
1 هو في ديوانه، وروايته: "وقلبك في الدنيا"، وهذا هو الصواب، لأنه متعلق. ببيت قبله ذكر فيه "الصدر" في الثوب، ثم جعل هنا "القلب" في الصدر.
2 هو في ديوانه، "سليك المقانب" هو سليك بن السكة الصعلوك العداء، و "المقانب"، وهي جمع "مقنب"، وهي جماعة الخيل عليها فرسانها، و "تطرق"، أي يصير فيها طرق تسلك.
(1/565)

فصل:
565 - إذا قلت: "هذا ينحت من صخر، وذاك يعرف من بحر"، لم تكن شبهت قيل الشعر بالنحت والغرف، لكن تكون قد شبهت هذا في صعوبة قول الشعر عليه، وفي آحتياجه إلى أن يكد نفسه بمن ينحت من الصخر وشبهت الآخر في سهولة قوله عليه، وفي أنه يناله عفوًا، بمن يعرف من بحر.
يبين ذلك: أن ليس الشبه بوصف يرجع إلى "النحت" و "الغرف" على ذاك. وإذا كان كذلك، كان المعنى على تشبيه الذي يحتاج إلى أن يكد النفس بالذي ينحت الصخر، والذي يسهل عليه ويأتيه عفوًا بالذي يعرف من بحر، لا على تشبيه قول الشعر في نفسه من حيث هو قول شعر وتأليف كلام وإقامة وزن وقافية، بالنحت والغرف، هذا محال.
ثم إن المزية التي تجدها لترك التصريح بالتشبيه، وأنك لم تقل: "هو كمن ينحت من صخر"، ليست لأنك لما قلت: "هو ينحت من صخر" جعلته أشبه بالناحت من الصخر، ولكن بأنك جعلت شبه الناحت من الصخر له أثبت، فاعرفه.
(1/566)

"مسئلة":
657 - قال النمرى في قوله في الحماسة1:
لنا إبل لم تهن ربها ... كرامتها والفتى ذاهب
"يقول: لم يكرمها فتهينه كرامتها، قال: وهذا كقولك: "لم تبدلني صيانة مالي"، أي لم أصنه فأبتدل، لا أنه أكرمها فلم يهنه ذاك. قال ومثله قول النابغة:
مثل الزجاجة، لم تكحل من الرمد2
أي: لم ترمد فتكحل منه3.
قال الشيخ الإمام: الأولى أن يكون المعنى: لم تمنعنا كرامتها أن تنحرها للأضياف ونسخو بها. ونظر هو إلى ما جرت به العادة من أن يقال في وصف الجواد: إنه لا خطر للمال عنده. وذلك وإن كان معروفًا من كلام الناس، فإنهم يقولونه على معنى أنه كأنه من حيث الحمد والذكر والذكر الجميل، لا يكون النفيس من المال عنده نفيسًا، وأنه يبذله بذل الشيء الذي لا يكون له قيمة. وإنهم ليخرجون
__________
1 من شعر حزاز بن عمرو، في الحماسة.
2 في ديوانه، في ذكر ابنة الخس، أو عنز اليمامة، وهي زرقاء اليمامة، ويذكر حدة بصرها، وصدره:
يحفه جانبًا نيق وتتبعه
3 هذا هو نص كلام أبي عبد الله النمرى في كتابه "معاني أبيات الحماسة"، الذي نشره أخيرًا ولدنا الدكتور عبد الله بن عبد الرحيم العسيلان، وهو فيه التعليق على الحماسية: 741، ص: 225.
(1/567)

لطلب المبالغة في ذلك إلى أن يزعموا أنه يبغض المال ويريد هلاكه، وأنه يطلبه بترة، وأنه حنق عليه كما قال:
حنقعلى بدرا للجين1
وكل ذلك على تقدير "كأن". وإلا فلو كان الأمر على الظاهر، لكان ذلك يخرج به إلى أن لا يستحق على بذله الحمد، ولكان يكون ذلك للجهالة بنفاسة النفيس. ومن كان إعطاؤه المال على هذا السبيل، كان مؤوفًا. ولهذا قال الفضل بن يحيى: "أيظن الناس أنا لا نجد بأموالنا ما يجد البخلاء؟ ". ولو كان لا يكون النفيس من المال نفيسًا عند جواد، لكان قولهم: "إنه يشتري الحمد بالغلاء"، محالًا، لأنه لا يكون المشترى الشيء غاليًا حتى يبذل فيه من المال ما يكون له خطر عظيم عنده. هذا ويجوز أن يكون المعنى في قوله: "كرامتها"، نفاستها في أنفسها، وأن لا تقدر فيه التعدية، وأن يقال: "كرامتها علينا أو عليه، أي على ربها" كما يقولون: يهينون كرائم أموالهم لأضيافهم، ولا تهينهم بأن تدعوهم إلى الضن بها، فتورثهم الهون والسقوط في أقدارهم، فاعرفه.
هذا آخر ما وجد على سواد الشيخ من هذا الكتاب.
كتب في شعبان المبارك سنة ثنتين وسبعين وخمسمئة
__________
1 هو قول المتنبي في ديوانه:
حنق على بدر اللجين وما أتت ... بإساءة، وعن المسيء صفوح
(1/568)

"مسئلة":
658 - إذا قلنا في الفعل: "إنه يدل على الزمان"، لم يكن المعنى أنه يدل على الزمان في نفسه، ولكن أنه يدل على كون الزمان الماضي زمانًا للمعنى الذي أخبرت به عن "زيد". وإذا كان ذلك كذلك في الحقيقي من الأفعال، فهو كذلك في "كان". فإذا قلنا: إنه عبارة عن الزمان فقط، كان الغرض فيه أنا نستفيد من "كان" أن زمان وقوع الانطلاق من "زيد" هو الزمان الماضي، فاعرفه.
(1/569)

بسم الله الرحمن الرحيم

الرسالة الشافية في وجوه الإعجاز:
قال الشيخ عبد القاهر بن عبد الرحمن رضي الله عنه: الحمدُ لله ربِّ العالمينَ حمدَ الشاكرينَ، وصلَواتُه على النبي محمد وآله أجمعين.
1 - آعلم أن لكل نوع من المعنى نوعًا من اللفظ هو به أخص وأولى، وضروبًا من العبارة هو بتأديته أقوم، وهو فيه أجلى، ومأخذًا إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب، وبالقبول أخلق، وكان السمع له أوعى، والنفس إليه أميل. وإذا كان الشيء متعلقًا بغيره، ومقيسًا على ما سواه، كان من خير ما يستعان به على تقريبه من الأفهام، وتقريره في النفوس، أن يوضع له مثال يكشف عن جهة ويؤنس به، ويكون زمامًا عليه يمسكه على المتفهم له والطالب علمه.
2 - وهذه جمل من القول في بيان عجز العرب حين تحدوا إلى معارضة القرآن، وإذعانهم وعلمهم أن الذي سمعوه فائتٌ للقوى البشرية، ومتجاوزٌ للذي يتَّسع له ذرع المخلوقين وفيما يتصل بذلك مما له اختصاص بعلم أحوال الشعراء والبلغاء ومراتبهم، وبعلم الأدب جملة قد تحريت فيه االإيضاح والتبيين، وحذوت الكلام حذوًا هو بعرف علماء العربية أشبه، وفي طريقهم أذهب، وإلى الأفهام جملة أقرب. وأسأل الله التوفيق للصواب والعون عليه، والإرشاد إلى كل ما يزلف لديه، إنه على ما يشاء قدير.
3 - معلوم أن سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاضل، وأن للتفاضل فيه غايات ينأى بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها بعضًا، وأن علم ذلك علم يخص أهله، وأن الأصل والقدوة فيه العرب، ومن عداهم نبع لهم، وقاصر فيه عنهم،
(1/575)

وأنه لا يجوز أن يدعي للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي صلى الله عليه وسلم الذي نزل فيه الوحي، وكان فيه التحدي1، أنهم زادوا على أولئك الأولين، أو كملوا في علم البلاغة أو تعاطبها لما لم يكملوا له. كيف؟ ونحن نراهم يحملون عنهم أنفسهم2، ويبرأون من دعوى المداناة معهم، فضلًا عن الزيادة عليهم.
هذا خالد بن صفوان يقول: "كيف نجاريهم وإنما نحكيهم؟ أم كيف نسابقهم، وإنما نجرى على ما سبق إليينا من أعرافهم؟ ".
ونرى الجاحظ يدعي للعرب الفضل على الأمم كلها في الخطابة والبلاغة، ويناظر في ذلك الشعوبية، ويجهلهم ويسفه أحلامهم في إنكارهم ذلك، ويقضي عليهم بالشفوة وبالتهالك في العصبية، ويبطل ويطنب، مث يقول:
"ونحن أبقاك الله إذا ادعينا للعرب الفضل على الأمم كلها في أصناف البلاغة، من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا على أن ذلك لهم3 شاهد صادق، من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك، إلا في اليسير والشيء القليل". انتهى كلامه4.
__________
1 السياق: "وأنه لا يجوز أن يدعي للمتأخرين .... أنهم زادوا".
2 في المخطوطة "ج": "يجعلون عنهم"، وصححها ناشرو هذه الرسالة: "يجهلون عنه"، وكلاهما مقال فاسد. وقوله: "يخملون عنهم أنفسهم"، أن يضعون من أنفسهم ويخفضونها توفيرًا لهم، ومعرفة بفضلهم.
3 في البيان والتبيين: "فمعنا العلم أن ذلك لهم"، وحذف لفظ "العلم" ههنا أجود. والسياق: "فمعنا .... شاهد صادق".
4 البيان والتبيين 3: 29.
(1/576)

والأمرُ في ذلك أظْهَرُ مِنْ أن يَخْفى، أو أن ينكره إلا جاهل أو معاند.
4 - وإذا ثبت أنهم الأصل والقدوة، فإن علمهم العلم. فبنا أن ننظر في دلائل أحوالهم وأقوالهم حين تلى عليهم القرآن وتحدوا إليه، وملئت مسامعهم من المطالبة بأن يأتوا بمثله، ومن التقريع بالعجز عنه، وبت الحكم بأنهم لا يستطيعونه ولا يقدرون عليه.
وإذا نظرنا وجدناها تفصح بأنهم لم يشكوا في عجزهم عن معارضته والإتيان بمثله، ولم تحدثهم أنفسهم بأن لهم إلى ذلك سبيلًا على وجه من الوجوه.
5 - 1أما "الأحوال" فدلت من حيث كان المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف، وطبائعهم التي لا تتبدل، أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة وهم يجدون سبيلًا إلى دفعها، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم. كيف؟ وإن الشاعر أو الخطيب أو الكاتب يبلغه أن بأقصى الإقليم الذي هو فيه من يبأى بنفسه2، ويدل بشعر يقوله، أو خطبة يقوم بها، أو رسالة يعملها، فيدخله من الأنفة والحمية ما يدعوه إلى معارضته، وإلى أن يظهر ما عنده من الفضل، ويبذل ما لديه من المنة، حتى إنه ليتوصل إلى أن يكتب إليه، وأن يعرض كلامه عليه3، بعض العلل وبنوع من التمحل. هذا، وهو لم ير
__________
1 هذا أول الكلام في "الأحوال"، وسيأتي القول في "الأقوال"، من عند رقم: 7.
2 "بأى عليه يبأى بأوا"، فخر عليه وأظهر الكبر.
3 السياق: "ليتوصل بعض العلل".
(1/577)

ذلك الإنسان قط، ولم يكن منه إليه ما يهز ويحرك ويهيج على تلك المعارضة، ويدعو إلى ذلك التعرض.
وإن كان المدعي ذلك بمرأى منه ومسمع، كان ذلك أدعى له إلى مباراته، وإلى إظهار ما عنده، وإلى أن يعرف الناس أنه لا يقصر عنه، أو أنه منه أفضل.
فإن انضاف إلى ذلك أن يدعوه الرجل إلى مماتنته، ويحركه لمقاولته1، فذلك الذي يسهر ليله ويسلبه القرار، حتى يستفرغ مجهوده في جوابه، ويبلغ أقصى الحد في مناقضته.
وقد عرفت قصة جرير والفرزدق، وكل شاعرين جمعهما عصر، ثم عرض بينهما ما يهيج على المقاولة، ويدعو إلى المفاخرة والمنافرة، كيف جعل كل واحد منهما في مغالبة الآخر، وكيف جعل ذلك همه ووكده2، وقصر عليه دهره؟ هذا، وليس به، ولا يخشى، إلا أن يقضي لصاحبه بأنه أشعر منه، وأن خاطره أحد، وقوافيه أشرد، لا ينازعه ملكًا، ولا يفتات عليه بغلبته له حقًا، ولا يلزمه به إتاوة، ولا يضرب عليه ضريبة؟
6 - وإذا كان هذا واجبًا بين نفسين لا يروم أحدهما من مباهاة صاحبه إلا ما يجري على الألسن من ذكره بالفضل فقط، فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب، وفي مثل قريش ذوى الأنفس الأبية والهمم العلية، والأنفة والحمية من يدعي النبوة، ويخبر أنه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق كافة، وأنه بشير بالجنة
__________
1 "ماتن الرجل"، فعل به مثل ما يفعل به. و "ماتن فلان فلانًا"، إذا عارضه في شعر أو جدل أو خصومة، ليرى أيهما أمتن وأقوى. و "قاوله مقاولة"، فاوضه القول أي قول كان.
2 "وكده"، مراده وهمه ومقصده.
(1/578)

ونذير بالنار، وأنه قد نسخ به كل شريعة تقدمته، ودين دان به الناس شرقًا وغربًا، وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، إلى سائر ما صدع به صلى الله عليه وسلم1، ثم يقول: "وحجتي أن الله تعالى قد أنزل على كتابًا عربيًا مبينًا، تعرفون ألفاظه، وتفهومون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة، ولو جهدتم جهدكم، واجتمع معكم الجن والإنس" ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضه، ويبينوا سرفه في دعواه، مع إمكان ذلك، ومع أنهم لم يسمعوا إلا ما عندهم مثله أو قريب منه؟
هذا، وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته، ومن الذي ادعاه، حدًا تركوا معه أحلامهم الراجحة، وخرجوا له عن طاعة عقولهم الفاضلة، حتى واجهوه بكل قبيح، ولقوه بكل أذى ومكروه، ووقفوا له بكل طريق، وكادوه وكل من تبعه بضروب المكايدة، وأرادوهم بأنواع الشر.
وهو سمع قط بذي عقل ومسكة استطاع أن يخرس خصمًا له قد اشتط في دعواه بكلمة يجيبه بها، فترك ذلك إلى أمور يسفه فيها، وينسب معها إلى ضيق الذرع والعجز، وإلى أنه مغلوب قد أعوزته الحيلة، وعسر عليه المخلص؟ 2
أم هل عرف في مجرى العادات، وفي دعواعي النفوس ومبنى الطبائع، أن يدع الرجل ذو اللب حجته على خصمه، فلا يذكرها، ولا يفصح بها، ولا يجلى عن وجهها، ولا يريه الغلط فيما قال، والكذب فيما أدعى، لا، ولا يدعي أن ذلك
__________
1 في المطبوعة وحدها: "إلى آخر"، بلا فائدة في التغيير.
2 في المطبوعة: "وعر عليه المخلص"، تغيير بلا داع.
(1/579)

عنده1، وأنه مستطيع له، بل يجعل أول جوابه له ومعارضته إياه، التسرع إليه والسفه عليه، واٌدام على قطع رحمه، وعلى الإفراط في أذاه؟
أم هل يجوز أن يخرج خارج من الناس على قوم لهم رياسة، ولهم دين ونحلة، فيولب عليهم الناس، ويدبر في إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وفي قتل صناديدهم وكبارهم، وسبى ذرايهم وأولادهم، وعمدته التي يجد بها السبيل إلى تالف من يتألفه2، ودعاء من يدعوه، دعوى له، إذا هي أبطلت بطل أمره كله، وانتقض عليه تدبيره ثم لا يعرض له في تلك الدعوى، ولا يشتغل بإبطالها، مع إمكان ذلك، ومع أنه ليس بمتعذر ولا ممتنع؟
وهل مثل هذا إلا مثل رجل عرض له خصم من حيث لم يحتسبه، فادعى عليه دعوى إن هي سمعت كان منها على خطر في ماله ونفسه، فأحضر بينة على دعواه تلك، وعند هذا المدعي عليه ما يبطل تلك البينة أو يعارضها، وما يحول على الجملة بينه وبين تنفيذ دعواه، فيدع إظهار ذلك والاحتجاج به، ويضرب عنه جملة، ويدعه وما يريد من إحكام أمره وإتمامه، ثم يصير الحال بينهما إلى المحاربة، وإلى الإخطار بالمهج والنفوس، فيطاوله الحرب، ويقتل فيها أولاده وأعزته، وتنهج عشيرته، وتعنم أمواله، ولا يقع له في أثناء تلك الحال أن يرجع إلى القاضي الذي قضى لخصمه بديًا3، ولا إلى القوم الذين سمعوا منه وتصوروه بصورة المحق فيقول: "لقد كانت عندي حين أدعي ما أدعي بينه على فساد دعوه وعلى كذب شهوده، قد تركتها تهاونًا بأمره، أو أنسيتها، أو منع مانع دون
__________
1 أسقط الناشران: "لا" الأولى اقتحامًا.
2 غير الناشران فكتبا: "وعدته التي يجد بها السبيل".
3 "يديا" و "بديئًا" إي من أول الأمر.
(1/580)

عرضها، وها هي هذه قد جئتكم بها، فانظروا فيها لتعلموا أنكم قد غررتم؟ ".
ومعلوم بالضرورة أن هذا الرجل لو كان من المجانين، لما صح أن يفعل ذلك، فكيف بقوم هم أرجح أهل زمانهم عقولًا، وأكملهم معرفة، وأجزلهم رأيًا، وأثقبهم بصيرة؟ فهذه دلالة "الأحوال".
7 - 1وأما "الأقوال" فكثيرة:
منها حديث ابن المغيرة2، روى أنه جاء حتى أتى قريشًا فقال: إن الناس يجتمعون غدًا بالموسم، وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس، فهم سائلوكم عنه فماذا تردون عليهم3؟ فقالوا: مجمون يخنق. فقال: يأتونه فيكلمونه فيجدونه صحيحًا فصيحًا عاقلًا4، فيكذبونكم! قالوا نقول: هو شاعر. قال: هم العرب، وقد رووا الشعر، وفيهم الشعراء، وقوله ليس يشبه الشعر، فيكذبونكم! قالوا نقول: هو كاهن. قال: إنهم لقوا الكهان، فإذا سمعوا قوله لم يجدوه يشبه الكهنة، فيكذبونكم!
ثم انصرف إلى منزلة فقالوا: صبأ الوليد يعنون: أسلم، ولئن صبأ لا يبقى أحد إلا صبأ. فقال لهم ابن أخيه أبو جهل بن هشام بن المغيرة: أنا
__________
1 مضت دلالة "الأحوال" التي بدأت في رقم: 5، وتبدأ دلالة "الأقوال". وزاد الناشران هنا لفظ "دلالة" قبل الأقوال، ولا حاجة إليها، لأنه قال في رقم: 5 "وأما الأحوال"، فكذلك فعل هنا.
2 هو أبو المغيرة، الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان ذا سن ومهابة في قريش، وحديثه في سيرة ابن هشام 1: 288، 289 بغير هذا اللفظ، ولم أقف عليه بهذا اللفظ بعد.
3 في المخطوطة: "تردون عليه"، والصواب ما أثبته الناشران "عليهم".
4 غيرها الناشران فكتبا: "عادلًا"، وهو لا معنى له.
(1/581)

أكفيكموه. قال: فأتاه مخزونًا فقال: ما لك يا ابن أخ؟ قال: هذه قريش تجمع لك صدقة يتصدقون بها عليك، تستعين بها على كبرك وحاجتك. قال: أولست أكثر قريش مالًا؟! قال: بلى، ولكنهم يزعمون أنك صبأت لتصيب من فضل طعام محمد وأصحابه. قال: والله ما يشبعون من الطعام، فكيف يكون لهم فضول؟!
ثم أتى قريشًا فقال: أتزعمون أني صبأت؟ ولعمري ما صبأت، إنكم قلتم: محمد مجنون، وقد ولد بين أظهركم لم يغب عنكم ليلة ولا يومًا فهل رأيتموه يخنق قط؟ وقلتم: شاعر؟ وأنتم شعراء، فهل أحد منكم يقول ما يقول؟ وقلتم: كاهن، فهل حدثكم محمد في شيء يكون في غد إلا أن يقول إن شاء الله! قالوا: فكيف تقول يا أبا المغيرة؟ قال: أقول هو ساحر: فقالوا: وأي شيء السحر؟ قال: شيء يكون ببابل، من حذقه فرق بين الرجل وامرأته، والرجل وأخيه، إنا لله، أفما تعلمون أن محمدًا فرق بين فلان وفلانة زوجته1، وبين فلان وابنه، وبين فلان وأخيه، وبين فلان ومواليه، فلا ينفعهم ولا يلتفت إليهم ولا يأتيهم؟ قالوا: بلى. فاجتمع رأيهم على أن يقولوا إنه ساحر، وأن يردوا الناس عنه بهذا القول.
وانصرف، فمر بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منطلقًا إلى رحله، وهم جلوس في المسجد، فقالوا: هل لك يا أبا المغيرة إلى خير؟ فرجع إليهم فقال: ما ذلك الخير؟ فقال: التوحيد. قال: ما يقول صاحبكم إلا سحرًا. وما هو إلا قول البشر يرويه عن غيره. وعبس في وجوهم وبسر، ثم أدبر إلى أهله مكذبًا، واستكبر عن حديثهم الذي قالوا له وعن الإيمان، فأنزل الله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} [المدثر: 18، 19]، الآية.
__________
1 في المخطوطة "ج": "إنا لله فما تعلمون"، وغيرها في المطبوعة: "أليس مما تعلمون"، ولا حاجة إليه، إنها سها الكاتب فأسقط الألف.
(1/582)

8 - ومنه ما رواه محمد بن كعب القرظي قال1: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدًا حليمًا قال يومًا: ألا أقوم إلى محمد فأكلمه فأعرض عليه أمور لعله أن يقبل منها بعضها، فتعطيه أيها شياء؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه، وروا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكثرون قالوا: بلى يا أبا الوليد! فقام إليه، وهو صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده، فقال: يا ابن أخي! إنك منا حيث علمت من السطة في العشيرة2، والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت بين جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك أن تقبل منها بعضها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "قل". قال: إن كنت إنما تريد المال بما جئت به من هذا القول، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد شرفًا سودناك حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيًا لا تستطيع رده عن نفسك3، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوي منه، أو لعل هذا الشعر شعر جاش به صدرك، فإنك لعمري بني عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا نقدر عليه4. حتى إذا فرغ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوقد فرغت"؟ قال: نعم. قال: "فاسمع مني"، قال: قل. قال: "بسم الله الرحمن الرحيم {حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} " [فصلت: 1 - 4]، ثم
__________
1 حديث محمد بن كعب القرظي، هو في سيرة ابن هشام 1: 313، 314.
2 "السطة" في الحسب، هي الشرف والرفعة.
3 "الرئى"، التابع من الجن، يلازم المرء ويحدثه ويتحدث عنه.
4 من أول قوله: "أو لعل هذا شعر"، إلى هنا ليس في سيرة ابن هشام.
(1/583)

مضى فيها يقرؤها، فلما سمعها عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال له: "قد سمعت ما سمعت فأنت وذاك"!
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس قالوا: ما وراءك؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت بمثله قط، وما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، خلو بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن نصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهره على العرب به، فملكه ملككم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك بلسانه! قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم.
9 - ومنه ما جاء في حديث أبي ذر في سبب إسلامه1: روي أنه قال: قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة إلى مكة، فانطلق فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا [يقول] إن الله تعالى أرسله. فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، ساحر، كاهن. قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، قال: والله لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
__________
1 حديث إسلام أبي ذر، روي من طرق، وبألفاظ مختلفة، وبهذا اللفظ في صحيح مسلم، في كتاب فضائل الصحابة، "باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه"، من طريق "حميد بن هلال، عن عبد الله ابن الصامت، عن أبي ذر"، وهو أيضًا في طبقات ابن سعد 4: 1/ 161. و "راث على"، أبطأ. وروايتهما: "فلا يلتئم على لسان بعدي"، و "أقراء الشعر" يعني بخوره وطرائقه وأنواعه، جمع "قرى".
(1/584)

10 - ومن ذلك ما روي أن الوليد [بن عقبة] 1 أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ. فقرأ عليه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]، فقال: أعد فأعاد، فقال: "والله إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطُلاوةً، وإنَّ أسفله لمعرق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر".
11 - واعلم أنه لا يجوز أن يقال في هذا وشبهه إنه لا يكون دليلًا حتى يكون من قول المشركين بعضهم لبعض، حين خلوا بأنفسهم فتفاوضوا وتحاوروا وأفضى بعضهم بذات نفسه إلى بعض وإن كان منه من كلام المؤمنين، أو ممن قاله ثم آمن، فإنه لا يصح الاحتجاج به في حكم الجدل، من حيث يصير كأنك تحتج على الخصم برأي تراه أنت، وبقول أنت تقوله، وذلك أنه إنما يمتنع أن يدل إذا صدر القول مصدر الدعوى والشيء يدفعه الخصم وينكره، فأما ما كان مخرجه مخرج التنبيه على أمر يعرفه ذوو الخبرة، وأطلقه قائله إطلاق الواثق بأنه معلوم للجمع، وأنه ليس من بصير يعرف مقادير الفضل والنقص إلا وهو يحوج إلى تسليمه والاعتراف به شاء أم أبي فهو دليل بكل حال، ومن قول كل قائل، وحجة من غير مثنوية2، ومن غير أن ينظر إلى قائله أموافق أم مخالف، ذاك لأن
__________
1 هكذا في المخطوطة، وهو خطأ لا شك فيه، كأنه اختلط عليه اسمه "الوليد بن عتبة بن ربيعة"، وهذا الخبر إنما يروى في تحبر الوليد بن المغيرة، انظر ما سلف رقم: 7، والسيرة الشامية 2: 472 وغيرها، وسيأتي في رقم: 44 من هذه الرسالة.
2 "مثنوية"، استثناء.
(1/585)

الدلالة ليست من نفس القول وذاك الصفة، بل في مصدرهما، وفي أن أخرجها مخرج الإخبار عن أمر هو كالشيء البادي للعون، لا يعمل أحد بصره إلا رآه.
12 - وإذا رأينا "الأحوال" و "الأقوال" منهم قد شهدت1، كالذي بان، باستسلامهم للعجز وعلمهم بالعظيم من الفضل والبائن من المزية، الذي إذا قيس إلى ما يستطيعونه ويقدرون عليه في ضروب النظم وأنواع التصرف، فإنه الفوت الذي لا ينال2، وارتقى إلى حيث لا تطمع إلهي الآمال، فقد وجب القطع بأنه معجز.
ذلك لأنه ليس إلا أحد الأمرين3: فإما أن يكونوا قد علموا المزية التي ذكرنا أنهم علموها على الصحة وإما أن يكونوا قد توهموها في نظم القرآن، وليست هي فيه لغلط دخل عليهم. ودعوى الثاني من الأمرين سخف، فإن ذلك لو ظن بالواحد منهم لبعد، ذلك لأنه لا يتصور أن يتوهم العاقل في نظم كلام، جل مناه ومنى أصحابه أن يستطيع معارضته، وأن يقدر على إسكات خصمه المباهي به، أنه قد بلغ في المزية هذا المبلغ العظيم غلطًا وسهوًا4، فكيف بأن يشمل هذا الغلط كلهم5، ويدخل على كافتهم؟ وأي عقل يرضى من صاحبه
__________
1 في المخطوطة والمطبوعة: "فمنهم قد شهدت"، وهو لا يستقيم.
2 السياق: "الذي إذا قيس فاته الفوت فقد وجب".
3 في المخطوطة: "ليس أحد الأمرين"، وصححها في المطبوعة: "ليس إلا أحد أمرين".
4 السياق: "لا يتصور أن يتوهم العاقل .... أنه قد بلغ في المزية".
5 في المطبوعة: "يشتمل".
(1/586)

بأن يتوهم عليهم مثل هذا من الغلط، وهم من إذا ذاق الكلام عرف قائله من قبل أن يذكر، ويسمع أحدهم البيت قد استرفده الشاعر فأدخله في أثناء شعر له، فيعرف موضعه وبنيه عليه، كما قال الفرزدق لذي الرمة أهذا شعرك؟ هذا شعر لاكه أشد لحيين منك1 إلى ضروب من دقيق المعرفة يقل هذا في جنبها؟ وإذا لم يصح الغلط عليهم، ولم يجز أن يدعي أنه كان معهم في زمانهم من كان بالأمر أعلم2، وبالذي وقع التحدي إليه أقوم، فما زالت الشبهة في كونه معجزًا له.
13 - وإن قالوا: فإن ههنا أمرًا آخر، وهو ما علمنا من تقديمهم شعراء الجاهلية على أنفسهم، وإقرارهم لهم بالفضل، وإجماعهم في امرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى أنهم أشعر العرب. وإذا كان ذلك كذلك، فمن أين لنا أن نعلم أنهم لم يكونوا بحيث لو تحدوا إلى معارضة القرآن لقاموا بها واستطاعوها؟
قيل لهم: هذا الفصل على ما فيه لا يقدح في موضع الحجة، وذلك أنهم كانوا، كما لا يخفى، يروون أشعار الجاهليين وخطبهم، ويعرفون مقاديرهم في الفصاحة معرفة من لا تشكيل جهات الفضل عليه، فلو كانوا يرون فيما رووا وحفظوا مزية على القرآن3، أو رأوه قريبًا منه، أو بحيث يجوز أن يعارض بمثله، أو يقع لهم إذا قاسموا وازنوا أن هذا الذي تحدوا إلى معارضته لو تحدى إليه من قبلهم لاستطاعوا أن يأتوا بمثله، لكانوا يدعون ذلك ويذكرون، ولو ذكروه لذكر
__________
1 خبره في الأغاني 18: 21 "الهيئة"، وفي غيره.
2 في المطبوعة: "أنه كان في زمانهم"، أسقط "معهم".
3 في المخطوطة: "كانوا يرؤون كما رووا وحفظوا"، وهو كلام مضطرب، وصححه الناشران، وحذفا "وحفظوا" لم؟ لا أدري.
(1/587)

عنهم. ومحال إذا رجعنا إلى أنفسنا واستشففنا حال الناس فيما جبلوا عليه1 أن يكونوا قد عرفوا لما تحدوا إليه وفرعوا بالعجز عنه شبهًا ونظمًا، ثم يتلى عليهم: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، فلا يزيدون في جوابه على الصمت، ولا يقولون: "لقد روينا لمن تقدم ما علمت وعلمنا أنه لا يقصر [عما] أتيت به، فمن أين استجزت أن تدعي هذه الدعوى"؟
فإذا كان من المعلوم ضرورة أنهم لم يقولوا ذلك، ولا رأوا أن يقولوا، ولو على سبيل الدفع والتلبيس والتشعب بالباطل2، بل كانوا بين أمرين: إما أن يخبروا عن أنفسهم بالعجز والقصور، وذلك حين يخلو بعضهم ببعض، وكان الحال حال تصادق وإما أن يتعلقوا بما لا يتعلق به إلا من أعورته الحيلة، ومن فل بالحجة3، من نسبته إلى السحر تارة، وإلى أنه مأخوذ من فلان وفلان أخرى4، يسمون أقوامًا مجهولين لا يعرفون بعلم، ولا يظن بهم أن عندهم علمًا ليس عند غيرهم5 ثبت أنهم قد كانوا علموا أن صورة أولئك الأوائل صورتهم، وأن التقدير فيهم أنهم لو كانوا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تحدوا إلى معارضته، في مثل حال هؤلاء الكائنين في زمانه حالهم. وإذا كان هذا هكذا، فقد انتفى الشك، وحصل اليقين الذي تسكن معه النفس، ويطمئن
__________
1 في المطبوعة: "واستشفعنا" و "استشف الأمر"، تأمله لينظر ما وراءه.
2 غير ما في المخطوطة فكتب "الشغب"، كأنه ظنه خطأ!
3 في المخطوطة والمطبوعة: "فعل بالحجة"، وهو خطأ ظاهر. و "فله يفله"، كسره وهزمه.
4 في المخطوطة والمطبوعة: "وفلان آخر" كلام غير مستقيم.
5 السياق من أول الفقرة: "فإذا كان من المعلوم".
(1/588)

عنده القلب، أنه معجز ناقض للعادة، وأنه في معنى قلب العصا حية، وإحياء الموتى، في ظهور الحجة به على الخلق كافة، وبان أن قد سعد المؤمنون وتحسر المبطلون1. والحمد لله رب العالمين على أن هدانا لدينه، وأنار قلوبنا ببرهانه ودليله، وإباه جل وعز نسأل التثبيت على ما هدى له، وإتمام النعمة بإدامة ما خوله، بفضله ومنه.
__________
1 "السياق: "وإذا كان هذا، فقد انتفى الشك. وبان أن قد سعد".
(1/589)

فصل:
14 - واعلم أن ههنا بابًا من التلبيس أنت تجده يدور في أنس قوم من الأشقياء، وتراهم يومئون إليه، ويهمسون به، ويستهوون الغر الغبي بذكره، وهو قولهم: "قد جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى يسلموا له، وحتى لا يطمع أحد في مداناته، وحتى ليقع الإجماع منهم أنه الفرد الذي لا ينازع1. ثم يذكرون أمرأ القيس والشعراء الذين قدموا على من كان معهم من أعصارهم، ومما ذكروا الجاحظ وكل مذكور بأنه كان أفضل من كان في عصره، ولهم في هذا الباب خبط وتخليط لا إلى غاية. وهي نفثة نفثها الشيطان فيهم، وإنما أتوا من سوء تدبرهم لما يسمعون2، وتسرعهم إلى الاعتراض قبل تمام العلم بالدليل. وذلك أن الشرط في المزية الناقضة للعادة، أن يبلغ الأمر فيها إلى حيث المداناة، وحتى لا تحدث نفس صاحبها بأن يتصدى، ولا يجول في خلد أن الإتيان بمثله يمكن، وحتى يكون يأسهم منه وإحساسهم بالعجز عنه في بعضه، مثل ذلك في كله.
15 - وليت شعري، من هذا الذي سلم لهم أنه كان في وقت من الأوقات من بلغ أمره في المزية وفي العلو على أهل زمانه هذا المبلغ، وانتهى إلى هذا الحد؟ إن
__________
1 في المخطوطة: و "حتى لا يقع الإجماع منه"، وصححه الناشران: "حتى ليقع الإجماع فيه ... " والجيد ما أثبت.
2 في المخطوطة والمطبوعة: "سوء تدبيرهم"، وهو خطأ.
(1/590)

قيل: "امرؤ القيس"، فقد كان في وقته من يباريه ويماتنه، بل لا يتحاشى من أن يدعي الفضل عليه. فقد عرفنا حديث "علقمة الفحل"، وأنه لما قال امرؤ القيس، وقد تناشدا: "أينا أشعر؟ "، قال: "أنا"، غير مترث ولا مبال، حتى قال امرؤ القيس: "فقل وانعت فرسك وناقتك، وأقول وأنعت فرسي وناقتي" فقال علقمة: "إني فاعل، والحكم بيني وبينك المرأة من ورائك"، يعني أم جندب امرأة آمرئ القيس، فقال امرؤ القيس:
خليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب1
وقال علقمة:
ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقًا كل هذا التجنب2
وتحاكما إلى المراة، ففضلت علقمة3.
__________
1 في ديوانه.
2 في ديوانه.
3 في هامش "ج"، حاشية بخط كاتبها، هذا نصها:
"وإنما فضلت علقمة على امرئ القيس، لأنهما وصفا الفرس، فقال امرؤ القيس:
فللزجر ألهوب، وللساق درة ... وللسوط منها وقع أخرج مهذب
وقال علقمة:
إذا ما ركبنا لم تخاتل بجنة ... ولكن ننادي من بعيد ألا آركب
فقالت: قلت: "فللزجر ألهوب"، البيت، لو فعل هذا بأتان لعدت".
قال أبو فهر: في رواية بيت امرئ القيس اختلاف شديد، وبعض الاختلاف في بيت علقمة.
(1/591)

16 - وجرى بين امرئ القيس والحارث اليشكرى في تتميمه أنصاف الأبيات التي أولها:
أحار أريك برقًا هب وهنًا ... كنار مجوس تستعر استعارًا
ما هو مشهور، حتى قالوا امرؤ القيس: لا أماتنك بعد هذا1.
17 - ثم وجدنا الخبار تدل على خلاف لم يزم بين الناس فيه وفي غيره، أي أشعر؟ وعلى أي لم يستقر الأمر في تقديمه قرارًا برفع الشك. رووا أن أمير المؤمنين عليًا، رضوان الله عليه، كان يفطر الناس في شهر رمضان، فإذا فرغ من العشاء تكلم فأقل، وأوجز فأبلغ. قال: فاختصم الناس ليلة في أشعر الناس، حتى ارتفعت أصواتهم، فقال رضوان الله عليه لأبي الأسود الدؤلي: قل يا أبا الأسود. وكان يتعصب لأبي دؤاد، فقال: أشعرهم الذي يقول:
ولقد اعتدى يدافع ركنى ... أحوذى ذو ميعة إضريج
مخلط مزيل مكر مفر ... منفح مطرح سبوح خروج
سَلهبٌ شَرْجبٌ كأنَّ رِماحاً ... حَمَلتْهُ، وَفِي السَّراةِ دموج2
فأقبل أمير المؤمنين -رضوان الله عليه- على الناس فقال: كل شعرائكم محسن، ولو جمعهم، زمان واحد وغاية ومذب واحد في القول، لعلمنا أيهم
__________
1 الخبر في دوان امرئ القيس، وفي كثير من الكتب. وفي هامش "ج" بخط كاتبها ما نصه: "مماتنة الشاعرين: أن يقول هذا بيتًا وهذا بيتًا، كأنهما يمتدان إلى غاية".
2 سبق تخريج هذا الشعر في "دلائل الإعجاز" رقم: 231، وفي المطبوعة: "مخلط مزيد"، خطأ.
(1/592)

أسبق إلى ذلك، وكلهم قد أصاب الذي أراد وأحسن فيه، وإن يكن أحدهم أفضل، فالذي لم يقل رغبة ولا رهبة: امرؤ القيس بن حجر، كان أصحهم بادرة، وأجودهم نادرة.
18 - وعن ابن عباس أنه سأل الخطيئة: من أشعر الناس؟ قال: أمن الماضين أم من الباقين؟ فقال: إذن من الماضين، فهو الذي يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
وما الذي يقول:
ولست بمستبق أخًا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
بدون ذلك، ولكن الضراعة أفسدته كما أفسدت جرولًا يعني نفسه والله يا آبن عباس لولا الجشع والطمع لكنت أشعر الماضيين، فأما الباقون فلا أشك أني أشعرهم1.
19 - وقالوا: كان الأوائل لا يفضلون على زهير أحدًا في الشعر ويقولون: "قد ظلمه حقه من جعله كالنابغة". قالوا: "وعامة أهل الحجاز على ذلك". وعن ابن عباس أنه قال: سامرت عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- ذات ليلة فقال: أنشدني لشاعر الشعراء. فقلت: ومن شاعر الشعراء؟ قال: زهير. قلت:
__________
1 الخبر في الأغاني 2: 193، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "من أشعر الناس من الماضين والباقين"، وهو كلام فاسد. والشعر الأول لزهير في معلقته، والثاني للنابغة في ديوانه.
(1/593)

يا أمير المؤمنين، ولم كان شاعر الشعراء؟ قال: لأنه لا يتتبع وحشى الكلام في شعره، ولا يعاظل بين القول.
20 - وروى عن أبي عبيدة أنه قال: أشعر الناس ثلاثة: امرؤ القيس بن حجر، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، ثم اختلفوا فيهم: فزورت اليمانية تقديمًا لصاحبهم أخبارًا رفعوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى عن يحيى بن سليمان الكاتب أنه قال: بعثني المنصور إلى حماد الرواية أسأله عن أشعر الناس، فأتيته وقلت: إن أمير المؤمنين يسألك عن أشعر الناس. فقال: ذاك الأعشى صناجها.
21 - فقد علمنا أن امرأ القيس كان أشعرهم عندهم1، وأن تفضيلهم غيره عليه إنما كان على سبيل المبالغة، وعلى جهة الاستحسان للشيء يتمثل به في الوقت ويقع في النفس، وما أشبه ذلك م نالأسباب التي يعطي بها الشاعر أكثر مما يستحق. أليس فيه أنه مما لا يبعد في القياس، وأنه مما يتسع له الاحتمال، وأنه ليس بالقول الذي يعاب، والحكم الذي يزرى بصاحبه، وأنه فضله عليهم لم يكون بالفضل الذي يمنع أن يكونوا أكفاء له ونظراء، يسوغ للواحد منهم، ويسوغ هو لنفسه، دعوه مساواته والتصدي لمباراته؟
هذا، وفي حاجة المنصور إلى أن يسأل عن أشعر الشعراء، وقد مضى الدهر بعد الدهر، دليل [على] أن لم يكن الذي روى من تفضيله قولًا مجمعًا عليه من
__________
1 في المخطوطة: فقد علمنا على أن امرأ القيس"، وأنا أرجح أن الصواب: "وقد علمنا على أن امرأ القيس"، وكأن السياق يدل على صوابه.
(1/594)

أصله وفي أول ما قيل1، وأنه كان كالرأي يراه قوم وينكره آخرون، وأن الصورة كانت كالصورة مع جرير والفرزدق، وأبي تمام والبحتري. ذاك لأه لو كان القول بأنه أشعر الناس قولًا صدر مصدر الإجماع في أوله، وحكمًا أطبق عليه الكافة حين حكم به، حتى لم يوجد مخالف، ثم استمر كذلك إلى زمام المنصور، لكان يكون محالًا أن يخفى عليه حتى يحتاج فيه إلى سؤال حماد وكان يكون كذلك بعيدًا من حماد أن يبعث إليه مثل المنصور، في هيبته وسلطانه ودقة نظره وشدة مؤاخذته، يسأله فيجازف له في الجواب، ويقول قولًا لم يقله أحد، ثم يطلقه إطلاق الشيء الموثوق بصحته، المتقدم في شهرته، فتدبر ذلك.
22 - ويزيد الأمر بيانًا أن رأيناهم حين طبقوا الشعراء جعلوا امرأ القيس وزهيرًا والنابغة والأعشى في طبقة، فأعلموا بذلك أنهم أكفاء ونظراء، وأن فضلًا أن كان لواحد منهم، فليس بالذي يوئس الباقين من مداناته2، ومن أن يستطيعوا التعق به والجرى في ميدانه، ويمنعهم أن يدعوا لأنفسهم أو يدعي لهم أنهم ساووه في كثير مما قالوه أو دنوا منه، وأنهم جروا إلى غياته أو كادوا. وإذا كان هذه صورة الأمر، كان من العمى التعلق به، ومن الخسار الوقوع في الشبهة بسببه.
23 - وطريقة أخرى في ذلك، وتقرير له على ترتيب آخر، وهو أن الفضل يجب والتقديم، إما لمعنى غريب يسبق إليه الشاعر فيستخرجه، أو استعارة بعيدة.
__________
1 في المطبوعة: "الذي روى من تفضيله مجمعًا عليه"، أسقط "قولًا".
2 في المخطوطة: "معافاته"، وفي المطبوعة: "معاناته"، وكلتاهما عديمة المعنى، وإنما هو تصحيف لا أكثر.
(1/595)

يفطن لها، أو لطريقة في النظم يخرتعها. ومعلوم أن المعول في دليل الإعجاز على النظم، ومعلوم كذلك أن ليس الدليل في المجيء ينظم لم يوجد من قبل فقط، بل في ذلك مضمومًا إلى أن يبين ذلك "النظم" من سائر ما عرف ويعرف من ضروب "النظم"، وما يعرف أهل العصر من أنفسهم أنهم يستطيعونه1، البينونة التي لا يعرض معها شك لواحد منهم أنه لا يستطيعه، ولا يهتدي لكنه أمره، حتى يكونوا في استشعار اليأس من أن يقدروا على مثله، وما يجري مجرى المثل له، على صورة واحدة، وحتى كان قلوبهم في ذلك أفرغت في قالب واحد2. وإذا كان الأمر كذلك لم يصح لهم تعلق بشأن امرئ القيس حتى يدعوا أنه سبق إلى نظم بان من كل نظم عرف لمن قبله ولمن كان معه في زمانه، البينونة التي ذكرنا أمرها.
وهم إذا فعلوا ذلك، ورطوا أنفسهم في أعظم ما يكون من الجهالةن من حيث أن يفضي بهم إلى أن أن يدعوا على من كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من الشعراء والبلغاء قاطبة الجهل بمقادير البلاغة، والنقصان في علمها3، ولأنفسهم الزيادة عليهم، وأن يكونوا قد استدركوا في نظم امرئ القيس مزية لم تعلمها قريش والعرب قاطبة، ذلك لما مضى آنفًا من أن محالًا أن يكون معهم وبين أيديهم نظم يعرفون من حاله أنه مساو في الشرف نظم القرآن، ثم لا يذكرونه ولا يحتجون به على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يخبرهم أن الذي أتى به خارج عن طوق البشر ويتجاوز قواهم.
__________
1 السياق: "أن يبين ذلك النظم ... البينونة".
2 في المخطوطة والمطبوعة: "أفرغت في قلب واحد"، والذي أثبته أجود.
3 قوله: "ولأنفسهم" أي: وادعوا لأنفسهم، معطوفًا على ما قبله.
(1/596)

هذا، ومن يسلم بأن امرأ القيس زاد في البلاغة وشرف النظم على نظم من كان قبله، ما إذا اعتبر كان في مزية قدر القرآن على نظم من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أين لهم هذه الدعوى؟ ألشيء علموه هم في شعره، بان لهم عند قياسه إلى شعر من كان قبله كأبي دواد والأفوه الأودي وغيرهما؟ أم لخبر أتاهم؟ فليرونا مكانه، وليس لهم إلى ذلك سبيل، بل قد أتى الخبر بما يجهلهم في هذه الدعوى ويكذبهم، وهو الذي تقدم من قول أبي الأسود وتفضيله أبا دواد بحضرة أمير المؤمنين على رضوان الله عليه1، ويعد أن قال له: "قل يا أبا الأسود"، أفيكون أن يكونوا قد عرفوا لامرئ القيس المزية التي ذكروها، وكان فضله على من تقدمه الفضل الذي قالوه، ثم يقول أمير المؤمنين لأبي الأسود: "قل"، بحضرة العرب، وبعقب أن تشاجروا في أشعر الناس، فيؤخره ويقدم أبا دؤاد، ثم لا يسمع نكيرًا، كالذي يجب فيمن قال الشيء الظاهر بطلانه، وذهب مذهبًا لا مساغ له! وليست تذكر أمثال هذه الزيادة، ويتكلف الجواب عنها، أنها تأخذ موضعًا من قلب ذي لب، ولكن الاحتياط بذكر ما يتوهم أن يستروح إليه الغوى، ويغالط به الجاهل.
وإذا كانت الشبهة في أصل الدين، كانت كالداء الذي يخشى منه على الروح، ويخاف منه على النفس، فلا يستقل قليله، ولا يتهاون باليسير منه، ولا يتوهم مكان حركة له إلا استقصى النظر فيه، وأعيد الكي على نواحيه، وكالحيوان ذي السم يعاد الحجر على رأسه، ما دام يرى به حس وإن قل.
والله ولي العصمة، والمسئول أن يجعل كل ما نعيد ونبدئ فيه لوجهه، بفضله ومنه.
__________
1 انظر ما سلف رقم: 17.
(1/597)

24 - فاعلم أنهم إذا ذكروا في تعلقهم بلتوابع، ومحاولتهم أن يمنعوا من الاستدلال، مع تسليم عجز العرب عن معارضة القرآن من تراخي زمانه عن زمان النبي صلى الله عليه وسلم، كالجاحظ وأشباهه، كانوا في ذلك أجهل، وكان النقض عليهم أسهل. وذلك أن الشرط في نقض العادة أن يعم الأزمان كلها، وأن يظهر على مدعي النبوة ما لم يستطيعه مملوك قط.
وأما تقدم واحد من أهل العصر سائرهم، ففي معنى تقد واحد من أهل مصر من الأمصار غيره ممن يضمه وإياه ذلك المصر، لا فضل في ذلك بين الأمصار والأعصار إذا حققت النظر، إذ ليس بأكثر من أن واحدًا زاد على جماعة معدودين في نوع من الأنواع، فكان أعلمهم أو أكتبهم أو أشعرهم، أو أحذقهم في صنعة، وأبهرهم في عمل من الأعمال. وليس ذلك من الإعجاز في شيء، إنما المعجز ما علم أنه فوق قوى البشر وقدرهم، إن كان من جنس ما يقع التفاضل فيه من جهة القدر، أو فوق علومهم، إن كان من قبيل ما يتفاضل الناس فيه بالعلم والفهم. وإذا كنا نعلم أن استمداد الجاحظ وأشباه الجاحظ من كلام العرب والبلغاء الذين تقدموا في الأزمنة، وانهم فجروا لهم ينابيع القول فاستقوا، ومثلوا لهم مثلًا في البلاغة افحتذروا، إذن لم يبلغ شأو ما بلغ1، ولم يدر لهم من ضروع القول ما ذر، لو أن طباعًا لم تشرب من مائهم2، ولم تعذ بجناهم، ولم يكن حالهم في الاكتساب منهم، والاستمداد من ثمار قرائحهم، وتشمم الذي قاح من روائحهم3، حال النحل التي تغتذى بأريح الأنوار وطيب الأزهار، وتملأ
__________
1 غيروا ما في المخطوطة فجعلوه: "إذن لم يبلغوا شأو ما بلغوا"، والذي في المخطوطة صحيح كل الصحة، وأساء الناشر إن إذا لم يشير إلى ما في المخطوطة.
2 في المخطوطة والمطبوعة: "ولو أن طباعًا"، الواو مفسدة للكلام.
3 السياق: "ولم يكن حالهم حال النحل".
(1/598)

أجوافها من تلك اللطائف، ثم تمجها أربًا وتقذفها ماديًا1، إذن لكان الجاحظ وغير الجاحظ في عداد عامة زمانهم الذين لم يروا، ولم يحفظوا، ولم يتتبعوا كلام الأولين، من لدن ظهر الشعر وكان الخطابة إلى وقتهم الذي هم فيه2، ولم يعرفوا إلا ما يتكلم به آباؤهم وإخوانهم ومساكنوهم في الدار والمحلة، أو كانوا لا يزيدون عليهم إن زادوا بمقدار معلوم. فمن أعظم الجهل وأشد الغباوة، أن يجعل تقدم أحدهم لأهل زمانه من باب نقض العادة، وأن يعد معد المعجز3.
25 - فمثل هذه الطبقة إذن مع الصدر الأول، وقياس هؤلاء الخلف مع أولئك السلف، ما جرى بين ابن ميادة وعقال4، قال ابن ميادة:
فَجَرْنا ينابيعَ الكَلامِ وبَحْرَهُ ... فأصْبَحَ فيهِ ذو الروايةِ يَسْبَحُ
وما الشعرُ إِلاّ شعرُ قيسٍ وخندف ... وقول سواهم كلفة وتملح
فقال عقال بجيبه:
ألا أبلغ الرَّمَّاحَ نقْضَ مقالةٍ ... بها خَطِلَ الرَّمَّاحُ أو كان يَمْزَحُ5
لقد خَرَّقَ الحيُّ اليمانون قَبْلَهم ... بُحورَ الكلام تستقي وهي طفح
وقد عَلَّموا مَنْ بَعْدَهُمْ فتعلَّموا ... وهمْ أَعْرَبوا هذا الكلام وأوضحوا
فللسابقين الفضل لا تنكرونه ... وليس لملخوق عليهم تبجح
__________
1 في المطبوعة: "مذيا"، أساء فغير ما في المخطوطة، و"الأرى"، العسل. و"الماذي"، العسل الأبيض.
2 في المطبوعة: "وكانت الخطابة"، والذي في المخطوطة لا غبار عليه.
3 في المخطوطة: "معد العجز".
4 سلف شعر ابن ميادة وعقال في دلائل الإعجاز: 590، 591، مع بعض الاختلاف هنا في حروف منه.
5 في المخطوطة والمطبوعة: "أو كاد يمزح"، وهي تصحيف.
(1/599)

26 - وفي الذي قدمت في أول الجزء مفتتح هذه الرسالة من قول خالد ابن صفوان: "كيف تجاريهم، وإنما نحكيهم"1 وما أتبعته من قول الجاحظ في شأن العرب، وفي أن الاقتداء بهم والأخذ منهم والتسليم لهم، وأنهم لا يستطيع أشعر الناس وأرفعهم في البيان أن يضاهيهم، ويقول مثلا لذي قالوه في جودة السبك والنحت، وكثرة الماء والرونق، إلا في اليسير2 غنى للعاقل وكفاية، اللهم إلا أن يتجاهل متجاهل فيدعي في الجاحظ وأمثاله فضلًا لم يدعوه لأنفسهم، أو يزعم أنهم ضاموا أنفسهم تعصبًا للعرب، فتشاهدوا لها بأكثر مما عرفوا، وتواصفوها بمزية [ومما] لم يعلموا3، فيفتح بذلك بابًا من الركاكة والسخف لا يجاب عن مثله، ولا يشتغل بالإصغاء إليه، فضلًا عن الكلام عليه.
27 - واعلم أنه إن خيل إلى قوم من جهال الملحدة4، أنه كان في المتأخرين من البلغاء كالجاحظ وأشباه الجاحظ، من استطاع معارضة القرآن فترك خوفًا، أو أنهم فعلوا ذلك ثم أخفوه، لم يتصور تخيلهم ذلك حتى يقتحموا هذه الجهالة التي ذكرتها، أعني أن يزعموا أنهم كانوا عند أنفسهم أفصح وأبلغ من بلغاء قريش وخطابئهم، وأن خطيبهم كان أخطب من قس وسحبان، وشاعرهم أشعر من امرئ القيس ومن كل شاعر كان في العرب، إلا أنهم صانعوا الناس،
__________
1 مضى كلام خالد، والجاحظ في الفقرة رقم: 3.
2 السياق: "وفي الذي قدمت غنى وكفاية".
3 جعلها الناشران: " ... بمزية لم يعلموها"، والذي أثبته بين القوسين يقيم الكلام على الدرب.
4 غيرها الناشران فكتبا: "الملاحدة" بلا علة.
(1/600)

فمنعوا أنفسهم الفضيلة ونحوها العرب. وذاك أن محالًا أن يعتقدوا فيهم، أعنى في العرب، ما اعتدقه الناس، وفي أنفسهم ما أفصحوا به من القصور عن مداناتهم، وشدة الانحطاط عنهم، ثم أن يستطيعوا ما لم يستطعه العرب1، ويكملوا ما لم يكملوا له.
ومن هذا الذي يشك في بطلان دعوى من بلغ بالمصلى غاية وقد انقطع السابق2، وزعم في الناقص الحذق أنه استقل بشيء عى به المشهود له بالحذق والتقدم؟ هذا ما لا يدور في خلد، ولا تنعقد له صورة في وهم، فاعرف ذلك.
__________
1 في المخطوطة: "ثم يستطيعوا"، بإسقاط "أن" سهوًا.
2 في المخطوطة: "من بلغ بالمصلى غاية قد انقطع السابق"، فزاد في المطبوعة فقال: "السابق [عليها] ". وليس موضع فساد الجملة في هاذ، بل في إسقاط الواو من "وقد انقطع"، وسياق ما يأتي يدل على صواب ما أثبت. و "المصلى" من الخيل هو الذي يجيئ بعد الفرس "السابق" عند السباق في الحلبة.
(1/601)

فصل: في فن آخر من السؤال 1
28 - وهو أن يقولوا: إنا قد علمنا من عادات الناس وطبائعهم أن الواحد منهم تواتيه العبارة، ويطيعه اللفظ في صنف من المعاني، ثم يمتنع عليه مثل تلك العبارة وذلك اللفظ في صنف آخر1.
فقد يكون الرجل، كما لا يخفى، في المديح أشعر منه في المرائي، وفي الغزل واللهو والصيد أنفذ منه في الحكم الآداب، ونراه يستطيع في الأوصاف والتشبيهات ما لا يستطيع مثله في سائر المعاني، وترى الكاتب وهو في الإخوانيات أبلغ منه في السلطانيات، وبالعكس. هذا أمر معروف ظاهر لا يشتبه. وإذا كان كذلك، فعلل العجز الذي ظهر فيهم عن معارضته القرآن، لم يظهر لأنهم لا يستطيعون مثل ذلك النظم، ولكن لأنهم لا يستطيعونه في مثل معاني القرآن.
واعلم أن هذا السؤال إذا وقع الجواب عنه وقع عن جملته، وكان الحسم في الداء كله. وذاك أن يقولوا: إنه لا تصح المطالبة إلا بما يتصوره وجوده، وما يدخل في حيز الممكن، وإنا لنعلم من حال المعاني أن الشاعر يسبق في الكثير منها إلى عبارة يعلم ضرورة أنها لا يجيء في ذلك المعنى إلا ما هو دونها ومنحط عنها، حتى يقضي له بأنه قد غلب عليه واستبد به، كما قضى الجاحظ لبشار في قوله:
كأنَّ مُثارَ النقعِ فَوقَ رؤوسِنا ... وأسيافنَا لَيْلٌ تهاوى كواكبه
__________
1 أسقط الناشران "ثم"، من قوله: "ثم يمتنع"؟ وغبرًا أيضًا ما في المخطوطة، وكتبا: "في جزء آخر"، ولا أدري لم.
(1/602)

فإنه أنشد هذا البيت نظائره ثم قال: وهذا المعنى قد غلب عليه بشار، كما غلب عنترة على قوله:
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
قال: فلو أن آمرأ القيس عرض لمذهب عنترة في هذا لافتضح"1.
وليس ذاك لأن بشارًا وعنترة قد أوتيا في علم النظم جملة ما لم يوت غيرهما، ولكن لأنه إذا كان في مكان خبئ فعثر عليه إنسان وأخذهِ، لم يبق لغيره مرام في ذلك المكان، وإذا لم يكن في الصدقة إلا جوهرة واحدة، فعمد إليها عامد فشقها عنها، استحال أن يستام هو او غيره إخراج جوهرة أخرى من تلك الصدفة. وما هذا سبيله في الشعر كثي لا يخفى على من مارس هذا الشأن. فمن البين في ذلك قول القطامي:
فهنَّ يَنْبُذنَ من قولٍ يُصبْنَ بهِ ... مَواقعَ الماء من ذي الغلة الصادي2
وقول آبن حازم:
كفاك بالشيب ذنبًا عند غانيه ... وبالشباب شفيعًا أيها الرجل3
__________
1 كلام الجاحظ في الحيوان 3: 127، وبيت بشار مضى في الدلائل، وبيتا عشرة في معلقته وديوانه.
2 البيت في ديوانه.
3 لمحمد بن حازم الباهلي، وكنيته أبو جعفر، وفي ديوانه المعاني 2: 152 "لأبي حازم الباهلي"، خطأ. وفي المخطوطة "أبي حازم"، خطأ أيضًا، صوابه "ابن حازم" كما كتبت، وهذا الشعر في الأغاني 14: 94، "الدار" ثلاثة عشر بيتًا، وانظر أيضًا أمالي الشريف المرتضى 1: 606، وسمط اللآلي: 336، وتخريجها، وقال ابن الأعرابي وذكر هذا الشعر كله: "أحسن ما قال المحدثون من شعراء هذا الزمان، في مديح الشباب وذم الشيب".
(1/603)

وقول عبد الرحمن بن حسان:
لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم1
وقول البحتري:
عريقون في الإضال يوتنف الندى ... لناشئهم من حيث يوتنف العمر2
لا ينظر في هذا وأشباهه عارف إلا علم أنه لا يوجد في المعنى الذي يرى مثله، وأن الأمر قد بلغ غايته، وأن لم يبق للطالب مطلب.
29 - وكذلك السبيل في المنثور من الكلام، فإنك تجد فيه متى شئت فصولًا تعلم أن لن يستطاع في معانيها مثلهان فمما لا يخفى أنه كذلك قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضيوان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، وقول الحسن رحمه الله عليه: "ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت". ولن تعدم ذلك إذا تأملت كلام البلغاء ونظرت في الرسائل.
ومن أخص شيء بأن يطلب ذلك فيه، الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة، فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من اللفظ والنظم، أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيه له، فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظوا تلك الفصول على وجوهها، ويودوا ألفاظهم فيها على نظامها وكما هي3. وذلك ما كان مثل قول سيبويه في اول الكتاب:
__________
1 ليس لعبد الرحمن بن حسان هو لأبيه حسان بن ثابت في ديوانه.
2 مضى في دلائل الإعجاز رقم: 571.
3 في المطبوعة: "ويرددوا ألفاظهم"، لا يدري لم غير النص.
(1/604)

"وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع"1.
لا نعلم أحدًا أتى في معنى هذا الكلام بما يوازنه أو يدانيه، أو يقع قريبًا منه، ولا يقع في الوهم أيضًا أن ذلك يستطاع، أفلا ترى أنه إنما جاء في معناه قولهم" والفعل ينقسم بأقسام الزمان، ماض وحاضر ومستقبل"، وليس يخفى ضعف هذا في جنبه وقصوره عنه. ومثله قوله2:
"كأنهم يقدمون الذي باينه أهم لهم، وهم بشأنه أغنى، وإن كانا جميعًا يهمانهم ويغنيانهم".
30 - وإذا كان الأمر كذلك، لم يمتنع أن يكون سبيل لفظ القرآن ونظمه هذا السبيل3، وأن يكون عجزهم عن أن يأتوا بمثله في طريق العجز عما ذكرنا ومثلنا، فهذا جملة ما يجئ لهم في هذا الضرب من التعلق قد استوفيته. وإذ قد عرفته، فاسمع الجواب عنه، فإنه يسقطه عنك دفعة، ويحسمه عنك حسمًا4.
__________
1 سيبويه 1: 2.
2 في المخطوطة والمطبوعة: "ومثله قولهم"، وهو سهو من الناسخ، وهذا القول هو قول سيبويه في الكتاب 1: 15، ونقله عبد القاهر قبل ذلك في دلائل الإعجاز. انظر الفقرة رقم: 100.
3 من أغرب تصحيف كتبه كاتب هذه النسخة أن كتب مكان "القرآن": "الفراق"، كيف فعل هذا؟ وسيأتي أغرب منه عبد قليل.
4 هذا جواب السؤال الذي بدأه في رقم: 28.
(1/605)

31 - واعلم أنهم في هذا كرام قد أضل الهدف، وبان قد زال عن القاعدة، وذاك أنه سؤال لا يتجه حتى يقدر أن التحدي كان إلى أن يعبروا عن معاني القرآن أنفسها وبأعيانها بلفظ يشبه لفظه، ونظم يوازي نظمه. وهذا تقدير باطل، فإن التحدي كان إلى أن يجيئوا في اي معنى شاءوا من المعاني بنظم يبلغ نظم القرآن في الشرف أو يقرب منه. بدل على ذلك قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13]، أي مثله في النظم، وليكن المعنى مفترى كما قلتم1، فلا إلى المعنى دعيتم، ولكن إىل النظم، وإذا كان كذلك، كان بينًا أنه بناء على غير أساس، ورمى من غير مرمى، لأنه قياس ما امتنعت فيه المعارضة من جهة وفي شيء مخصوص، على ما امتنعت معارضته من الجهات كلها وفي الأشياء أجمعها.
فلو كان إذ سبق الخليل وسيبويه في معاني النحو إلى ما سبقا إليه من اللفظ والنظم، لم يسبق الجاحظ في معانيه التي وضع كتبه لها إلى ما يوازي ذلك ويضاهيه، أو كان بشار إذا سبق في معناه إلى ما سبق إليه، لم يوجد مثل نظمه فيه لشاعر في شيء من المعاني لكان لهم في ذلك متعلق. فأما وليس من نظم يقال: "إنه لم يسبق إليه" في معنى، إلا ويوجد أمثاله أو خير منه في معان آخر، فمن أشد المحال وأبينه الاعتراض به.
واعلم أنا لو سلمان لهم الذي ظنوه على بطلانه من أن التحدي كان إلى أن يعبر عن أنفس معاني القرآن بما يشبه لفظه ونظمه، لم نعدم الحجاج معهم، وأن يكون لنا عليهم كلام في الذي تعلقوا به، ودفع لهم عنه. إلا أن العلماء آثروا أن يكون الجواب من الوجه الذي ذكرت، إذ وفق ما نص عليه في التنزيل، وكان
__________
1 في المخطوطة والمطبوعة: "لما قلتم".
(1/606)

فيه سد الباب وحسم الشبه جملة. ومن ضعف الرأي أن تسلك طريقًا يغمض، وقد وجدت السنن اللاجب، وأن تطاول المريض في علاجك، ومعك الدواء الذي يشفي من كثب، وأن ترخى من خناق الخصم، وفي قدرتك ألا يملك نفسًا، ولا يستطيع نطقًا.
32 - ثم إن أردت أن تكلمهم على تسليم ذلك، فالطريق فيه أن يقال لهم على أول كلامهم حيث قالوا: "إنا رأينا الرجل يكون في نوع أشعر، وعلى جودة اللفظ والنظم أقدر منه في غيره"1 2 إنه ينبغي أن تعلموا أول شيء أنكم حرفتم كلام الناس في هذا عن موضعه، فإنا إذا تأملنا الحال في تقديمهم الشاعر في فن من الفنون، وجدناهم قد فعلوا ذلك على معنى أنه قد خرج في معاني ذلك الفن ما لم يخرجه غيره، واتسع لما [لم] يتسع له من سواه. فإذا قالوا: "هو أنسب الناس"، فالمعنى أنه قد فطن في معاني الغزل [وما] يدل على شدة الوجد وفرط الحب والهيمان لما لم يفطن له غيره. وكذلك إذا قالوا: "أمدح، أو أهجى"، فالمعنى أنه قد اهتدى في معاني الزين والشين وفي التحسين والتهجين إلى ما لم يهتد إليه نظراؤه، ولو كانوا في اللفظ وانظم يذهبون، لكان محالًا أن يقولوا: "هو أنسب"، لأن ذلك في صفة اللفظ والنظم محال. ومن هذا الذي يشك أن لم يكن قول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح3
__________
1 في المطبوعة: "وعلى حوك اللفظ والنظم"، لا أدري لم غيروا ما في المخطوطة.
2 قوله: "إنه ينبغي"، هو بدء الرد على قولهم.
3 البيت في ديوانه.
(1/607)

أمدح بيت عند من قال ذلك، من أجل لفظه ونظمه، وأن ذلك كان من أجل معناه؟ هذا ما لا معنى لزيادة القول فيه.
33 - فإن قالوا: هم، وإن كانوا قد أرادوا المعنى في قولهم: "هذا أمدح، وذاك أهجى، وهذا أنسب، وذاك أوصف"، فإنه لن تتسع المعاني حتى تتسع الألفاظ، ولن تقع مواقعها المؤثرة حتى يحسن النظم. وإذا كان كذلك فموضعنا منه بحاله1. ثم ليس بمنكر ولا مجهول ولا مجهول أن يكون لفظ الشاعر ونظمه إذا تعاطي المدح، أحسن وأفضل منهما إذا هو هجا أو نسب.
قيل: إنا ندع النزاع في هذا ونسلمه لكم، فأخبرونا عن معاني القرآن2، أهي صنف واحد أم أصناف؟ فإن قلتم: "صنف واحد"، تجاهلتم، فقد علمنا الحجج والبراهين، والحكم والآداب، والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والوصف والتشبيه والأمثال، وذكر الأمم والقرون واقتصاص أحوالهم، والنبأ عما جرى بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام، وما لا يصحى ولا يعد.
وإن قلتم: "هي أصناف"، كما لا بد منه.
قيل لكم: فقد كان ينبغي لشعراء العرب وبلغئها أن يعمد كل منهم إلى الصنف الذي تنفذ قريحته فيه فيعارضه، وأن يجلعوا الأمر في ذلك قسمة بينهم. وفي هذا كفاية لمن عقل.
__________
1 في المطبوعة والمطبوعة:"موضعنا منه"، بغير فاء، سهو.
2 كتب في المخطوطة: "معاني الأقران"، مكان "القرآن"، وهذا عجب! وانظر التعليق السالف ص: 605، تعليق: 3.
(1/608)

وأما قولهم: "إنه قد يكون أن يسبق الشاعر في المعنى إلى ضرب من اللفظ والنظم، يعلم أنه لا يجيء في ذلك المعنى أبدًا إلى ما هو منحط عنه" فإنه ينبغي أن يقال لهم: قد سلمنا أن الأمر كما قلتم وعلمتم، أفعلمتم شاعرًا او غير اشعر عمد إلى ما لا يحصى كثرة من المعاني، فتأتى له في جيمعها لفظ أو نظم أعيا الناس أن يستطيعوا مثله، أو يجدوه لمن تقدمهم؟ أم ذلك شيء يتفق للشاعر، من كل مئة بيت يقولها، في بيت؟ ولعل [غير] الشاعر على قياس ذلك. وإذا كان لابد من الاعتراف بالثاني من الأمرين، وهو أن لا يكون إلا نادرًا وفي القليل، فقد ثبت إعجاز القرآن بنفس ما راموا به دفعه، من حيث كان النظم الذي لا يقدر على مثله قد جاء منه فيما لا يصحى كثرة من المعاني.
35 - وهكذا القول في الفصول التي ذكروا أنه لم يوجد أمثالها في معانيها1، لأنها لا تستمر ولا تكثر، ولكنك تجدها كالفصوص الثمينة والوسائط النفيسة وأفراد الجواهر2، تعد كثيرًا حتى ترى واحدًا. فهذا وشبهة من القول في دفعهم مع تسليم ما ظنوه من أن التحدي كان إلى أن يعبر عن معاني القرآن أنفسها ممكن غير متعذر، إلا أن الأولى أن يلزم الجدد الظاهر3، وأن لا يجابوا إلى ما قالوه من أن التحدي كان إلى أن يؤدي في أنفس معانيه بنظم وافظ
__________
1 في المخطوطة والمطبوعة: "لم يوجب أمثالها"، وهو تصحيف ظاهر.
2 "الوسائط" جمع "واسطة"، و "واسطة القلادة"، هي الجوهرة التي تكون في وسط الكرس المنظوم، و "الكرس"، نظم القلادة.
3 "الجدد"، الطريق المستوى الواضح.
(1/609)

يشابهه ويساويه، ويجزم لهم القول بأنهم تحذوا إلى أن يجيئوا في أي معنى أرادوا مطلقًا غير مقيد، وموسعًا عليهم غير مضيق، بما يشبه نظم القرآن أو يقرب من ذلك.
36 - ومما يحيل أن يكون التحدي قد كان إلى ما ذكروه ومع الشرط الذي توهموه، أن العرب قد كانت تعرف "المعارضة" ما هي وما شرطها، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عدل بهم في تحديه لهم إلى ما لا يطالب بمثله، لكان ينبغي أن يقولوا: "إنك قد ظلمتنا، وشرطت في معارضة الذي جئت به ما لا يشترط، أو ما ليس بواجب أن يشترك، وهو أن يكون النظم الذي تعارض به في انفس معاني هذا الذي تحديت إلى معارضته، فدع عنا هذا الشرط، ثم اطلب فإنا نريك حينئذ مما قاله الأولون وقلناه وما نقوله في المستأنف، ما يوازي نظم ما جئت به في الشرف والفضل ويضاهيه، ولا يقصر عنه". وفي هذه كفاية لمن كانت له أذن نعي، وقلب يعقل.
قد ثم الذي أردت في جواب سؤالهم، وبان بطلانه بيانًا لا يبقى معه إن شاء الله شك لناظر، وإذا هو نصح نفيه وأذكى حسه، ونظر نظر من يريد الدين، ويرجو مما عبد الله، ويريد فيما يقول ويعمل وجه تقدس أسمه~، وإليه تعالى ترغيب في أن يجعلنا ممن هذه صفته في كل ما ننتحيه وننظر فيه، بفضله ومنه ورحمته، إنه على ما يشاء قدير.
الحمد لله حق حمده، والصلاة على رسوله محمد وآله من بعده.
(1/610)

بسم الله الرحمن الرحيم

الرسالة الشافية في وجوه الإعجاز، والقول في الصرفة:
فصل:
في الذي يلزم القائلين بالصرفة:
37 - اعلم أن الذي يقع في الظن من حديث القول بالصرفة، أن يكون الذي ابتدأ القول بها ابتدأه على توهم أن التحدي كان إلى أن يعبر عن أنفس معاني القرآن بمثل لفظه ونظمه، دون أن يكون قد أطلق لهم وخيوا في المعاني كلها. ذاك لأن في القول بها على غير هذا الوجه أمورًا شنيعة، يبعد أن يرتكبها العاقل ويدخل فيها. وذاك أنه يلزم عليه أن تكون العرب قد تارجعت حالها في البلاغة والبيان، وفي جودة النظم وشرف اللفظ وأن يكونوا قد نقصوا في قرائحهم وأذهانهم، وعدموا الكثير مما كانوا يستطيعون وأن تكون أشعارهم التي قالوها، والخطب التي قاموا بها، وكل كلام احتفلوا فيه1، من بعد أن أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتحدوا إلى معارضه القرآن2 قاصرة عما سمع منهم من قبل ذلك القصور الشديد، وأن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال قد كان يتسع لهم، ونضبت عنهم نمواد قد كانت تعزر3. وخذلتهم قوى قد كانوا يصولون بها، وأن تكون أشعار شعار النبي صلى الله عليه وسلم التي قالوها في مدحه عليه السلام وفي الرد على المشركين ناقصة متقاصرة عن شعرهم في الجاهلية، وأن يشك في الذي روي في شأن حسان من نحو
__________
1 في المخطوطة والمطبوعة: "وكل كلام اختلفوا فيه"، وهو لا معنى له.
2 السياق: "وأن تكون أشعارهم التي قالوها. قاصرة عما سمع منهم".
3 غير ما في المخطوطة، وكتب "موارد قد كانت".
(1/611)

قوله عليه السلام1: "قل وروح القدس معك" 2، لأنه لا يكون معانًا مؤيدًا من عند الله، وهو يعدم مما كان يجده قبل كثيرًا، ويتقاصر أنف حاله عن السالف منها تاقصرًا شديدًا3.
38 - فإن قالوا: إنه نقصان حدث في فصاحتهم من غير أن يشعروا به.
قيل لهم: فإن كان الأمر كذلك، فلم تقم عليهم حجة، لأنه لا فرق بين أن لا يكونوا قد عدموا شيئا من الفصاحة التي كانوا يعرفونها لأنفسهم قبل التحدي بالقرآن والدعاء إلى معارضته، وبين أن يكونوا قد عدموا ذاك، ثم لم يعلموا أنهم قد عدموه. ذاك لأن الآية بزعمهم إنما كانت في المنع من نظم ولفظ قد كان لهم ممكنًا قبل أن تحدوا، ولا يكون منع حتى يرام الممنوع4، ولا يتصور أن يروم الإنسان الشيء ولا يعلمه، ويقصد في قوله له وفعل إلى أن يجيء به على وصف وهو لا يعرف ذلك الوصف ولا يتصوره بحال من الأحوال. وإذا جعلناهم لا يعلمون أن كلامهم الذي يتكلمون به اليوم قاصر عن الذي تكلموا به أمس، وأن قد امتنع عليهم في النظم شيء كان يواتيهم، وسلبوا منه معنى قد كان لهم حاصلًا5 استحال
__________
1 غير ما في المخطوطة وكتب "الذي روى عن شأن حسان".
2 هو أحد ألفاظ الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب دواوين السنة:
"اللهم أيده بروح القدس".
3 "أنف الشيء"، أوله وابتداؤه.
4 في المخطوطة: "حتى يراهم الممنوع"، وصححه في المطبوعة.
5 السياق: "إذا جعلناهم لا يعلمون ... استحال".
(1/612)

أن يعلموا أن لنظم القرآن فضلًا على كلامهم الذي يسمع منهم، وعلى النظم الواهن الباقي لهم1، ذاك لأن عذر القائل بالصرفة، أن كلامهم قبل أن تحدوا قد كان مثل نظم القرآن، وموازيًا له، وفي مبلغه من الفصاحة.
39 - وإذا كان كذلك، لم يتصور أن يعلموا أن للقرآن مزية على كلامهم، وعندهم أن كلامهم باق على ما كان عليه في القديم لم ينقص ولم يدخله خلل. وإذا لم يتصور أن يعلموا أن للقرآن مزية على ما يقولونه ويقدرون عليه في الوقت2، لم يتصور أن يحاولوا تلك المزية، وإذا لم يحاولوها لم يحسوا بالمنع منها والعجز عن نيلها، وإذا لم يحسوا بالعجز والمنع لم تقم عليهم حجة به. فالذي يعقل إذن مع هذه الحال، أن يعتقدوا أنهم قد عارضوا القرآن وتكلموا بما يوازيه ويجري مجرى المثل له، من حيث أنه إذا كان عندهم أن كلامهم باق على ما كان عليه في الأصل وقبل نزول القرآن، وكان كلامهم إذا ذاك في حد المثل والمساوى للقرآن، فواجب مع هذا الاعتقاد أن يعتقدوا أن في جملة ما يقولونه في الوقت ويقدرون عليه، ما يشبه القرآن ويوازيه.
40 - واعلم أنه يلزمهم أن يفضوا في النبي صلى الله عليه وسلم بما قضوا في العرب، من
__________
1 في المخطوطة والمطبوعة: "وعلى النظم الزاهر الباقي لهم"، وهو غير مستقيم، و "الواهن"، الذي أصابه الوهن، وهو الضعف.
2 غيره في المطبوعة، فكتب: "في الرتب" وهو فساد، وقوله: "في الوقت"، يعني: الآن وسيأتي مثله بعد أسطر على الصواب.
(1/613)

دخول النقص على فصاحتهم، وتراجع الحال بهم في البيان، وأن تكون النبوة قد أوجبت أن يمنع شطرًا من بيانه، وكثيرا مما عرف له قبلها من شرف اللفظ وحسن النظم. وذلك لأنهم ذا لم يقولوا ذلك، حصل منه أنيكون عليه السلام قد تلا عليهم: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] 1، في حال هو يستطيع يها أن يجيء بمثل القرآن ويقدر عليه، ويتكلم ببعض ما يوازيه في شرف اللفظ وعلو النظم. اللهم إلا أن يقتحموا جهالة أخرى، فيزعموا أنه عليه السلام قد كان من الأصل دونهم في الفصاحة، وأن الفضل والمزية التي بها كان كلامهم قبل نزول القرآن في مثل لظفه ونظمه، قد كان لبلغاء العرب دون النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا قالوا ذلك، كانوا قد خرجوا من قبيح القول إلى مثله، فلم يشك أحد أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن منقوصًا في الفصاحة، بل الذي أتت به الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم كان أفصحَ العرب.
41 - ومما يلزمهم على أصل المقالة أنه كان ينبغي لهم2 لو أن العرب كانت منعت منزلة من الفصاحة قد كانوا عليها أن يعرفوا ذلك من أنفسهم، كما قدمت، ولو عرفوا لكان يكون قد جاء عنهم ذكر ذلك، ولكانوا قد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: "إنا كنا نستطيع قبل هذا الذي جئتنا به، ولكنك قد سحرتنا، واحتلت
__________
1 السياق: أن عليه السلام قد تلا عليهم ... في حال هو يستطيع".
2 في المخطوطة: "أنه كان ينبغي له أن العرب كانت منعت"، وصححها الناشران: "أنه كان ينبغي، إن كانت العرب منعت، والذي أثبته هو الصواب إن شاء الله. والسياق: "أنه كان ينبغي لهم أن يعرفوا ذلك".
(1/614)

في شيء حال بيننا وبينه"، فقد نسبوه إلى السحر في كثير من الأمور، كما لا يخفى، وكان أقل ما يجب في ذلك أن يتذاكروه فيما بينهم، ويشكوه البعض إلى البعض، ويقولوا: "ما لنا قد نقصنا في قرائحنا، وقد حث كلول في أذهاننا" ففي أن لم يرو ولم يذكر أنه كان منهم قول في هذا المعنى، لا ما قل ولا ما كثر، دليل [على] أنه قول فاسد1، ورأى ليس من آراء ذوى التحصيل.
42 - هذا، وفي سياق آية التحدي ما يدل على فساد هذا القول، وذلك أنه لا يقال عن الشيء منعه الإنسان بعد القدرة عليه، وبعد أن كان يكثر مثله منه: "إني قد جئتكم بما لا تقدرون على مثله ولو احتشدتم له، ودعونهم الإنسان والجن إلى نصرتكم فيه"، وإنما يقال: "إني أعطيت أن أحول بينكم وبين كلام كنتم تستطيعون وأمنعكم إياه، وأن أقحمكم عن القول البليغ، وأعدمكم اللفظ الشريف"، ومما شاكل هذا. ونظيره أن يقال للأشداء وذوي الأيد: "إن الآية أن تعجزوا عن رفع ما كان يسهل عليكم رفعه، وما كان لا يتكاءدكم ولا يثقل عليكم"2.
ثم إنه ليس في العرف ولا في المعقول أن يقال: "لو تعاضدتم واجتمعتم جميعكم لم تقدروا عليه"3، ي شيء قد كان الواحد منهم يقدر على مثله،
__________
1 في المخطوطة والمطبوعة: "فبقى أن لم يرو"، والصواب ما أثبت. وسياق الكلام: ففي أن لم يرو. دليل على أنه قول فاسد".
2 كان في المخطوطة: "ولا يثقل عليكم عراته ليس في العرف"، وهو في المطبوعة أتوابه على الصواب.
3 في المخطوطة والمطبوعة: "واجتمعتم وجمعتم"، وهو خطأ ظاهر. والسياق: "أن يقال لو تعاضدتم ... ، في شيء قد كان ... ".
(1/615)

ويسهل عليه ويستقل به، ثم يمنعون منه وإنما يقال ذلك حيث يراد أن يقال: "إنكم لم تستطيعوا مثله قط، ولا تستطيعونه البتة وعلى وجه من الوجوه، حتى إنكم لو استضفتم إلى قواكم وقدركم التي لكم قوى وقدرًا، وقد استمددتم من غيركم، لم تستطيعوه أيضًا" من حيث إنه لا معنى للمعاضدة والمظافرة والمعاونة1، إلا أن تضم قدرتك إلى قدرة صاحبك حتى يحصل باجتماع قدرتكما ما لم يكن يحصل.
فقد بان إذن أن لا مساغ لحمل الآية على ما ذهبوا إليه، وأن لا محتمل فيها لذلك على وجه من الوجوه، وظهر به وسائر ما تقدم أن القول بالصرفة، ولا سيما على هذا الوجه، قول في غاية البعد والتهافت، وانه من جنس ما لا يعذرا لعاقل في اعتقاده. ولم أقل: "ولا سيما على هذا الوجه"2، وانا أعني أن للقول بها على الوجه الأول مساغًا في الصحة، ولكني أردت أن فساده كأنه أظهر، والشناعة عليه أكثر، وإلا فما هما، إن أردت البلاطن، إلا سواء.
43 - فإن قلت: فكيف الكلام عليهم، إذا ذهبوا في "الصرفة" إلى الوجه الآخر، فزعموا أن التحدي كان أن يأتوا في أنفس معاني القرآن بمثل نظمه ولفظه؟ وما الذي دل على فساده؟
__________
1 غيروا عمدًا ما في المخطوطة وكتبوا: "والمظاهرة"، بلا سبب معقول، و "التظافر، والتضافر، والتظاهر" بمعنى واحد، وهو التعاون والتألب على الأمر.
2 في المخطوطة: "ولم أقبل ولا سيما على هذا الوجه، وأنا أعني أن القول"، وصواب قراءته ما أثبت. وهذا استدراك منه على قوله قبل سطرين: "ولا سيما على هذا الوجه"، وغيروا في المطبوعة الكلام، فكتبوا مكان "مساغًا": "مساغ"، ومكان "كأنه أظهر": "كان أظهر"، ولم يشيروا إلى هذا التغيير المفسد للكلام.
(1/616)

فإن1 على فساد ذلك أدلة منها قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات} [هود: 13]، وذاك أنا نعلم أن المعنى2: فأتوا بعشر سور تفترونها أنتم وإذا كان المعنى على ذلك، فبنا أن ننظر في الافتراء إذا وصف المعنى، وإذا لم يرجع إلا إلى المعنى وجب أن يكون المراد3: إن كنتم تزعمون أني قد وضعت القرآن وافتريته، وجئت به من عند نفسي، ثم زعمت أنه وحي من الله، فعضوا أنتم أيضًا عشر سور وافتروا معانيها كما زعمتم أني افتريت معاني القرآن. فإذا كان المراد كذلك، كان تقديرهم أن التحدي كان أن يعمدوا إلى أنفس معاين القرآن فيعبروا عنها بلفظ ونظم يشبه نظمه ولفظه4، خروجًا عن نص التنزيل وتحريفًا له.
وذاك أن حق اللفظ إذا كان المعنى ما قالوه أن يقال: "إن زعمتم أني افتريته، فأتوا أنتم في معاني هذا المفتري بمثل ما ترون من اللفظ والنظم". يبين ذلك أنه لو قال رجل شعرًا فأحسن في لظفه ونظمه وأبلغ، وكان له خصم يعانده، فعلم الخصم أنه لا يجد عليه مغمزًا في النظم واللفظ، فترك ذلك جانبًا وتشاغل عنه، وجعل يقول: "إني رأيتك سرقت معاني شعرك وانتحلتها وأخذتها من هذا وذاك، فقال له الرجل في جواب هذا الكلام: "إن كنت قد سرقت معاني
__________
1 هذا جواب السؤال.
2 في المخطوطة والمطبوعة: "وذاك أنا لا نعلم"، وهو خطأ ظاهر.
3 في المطبوعة: "وإذا لم يرجع إلا إلى المعنى، كان المراد، لا أدري لم غيروا ما في المخطوطة دون دلالة على التغييرز.
4 في المطبوعة: "فيغيروا عنها بلفظ"، تصحيف.
(1/617)

شعري، فقل أنت شعرًا مثله مسروق المعاني" لم يعقل منه إلا أنه يقول: "فقل أنت شعرًا في معانٍ أخر تسرقها كما سرقت معاني بزعمك" ولم يحتمل أن يريد: "أعمد إلى معاني فقل فيها شعرًا مثل شعري", وإنما يعقل ذلك إذا هو قال: "إن كنت قد سرقت معاني شعري، فقل أنت في هذه المعاني المسروقة مثل الذي قلت، وأنظم فيه الكلام مثل نظمي لكلامي، وخبره تحبيري".
44 - هذه جملة لا تخفي على من عرف مخارج الكلام، وعلم حق المعنى من اللفظ، وما يحتمل مما لا يحتمل. ومنها ما تقدم1، من أنه لا يقال في الشيء قد كان يكثر مثله من الإنسان ثم منع منه: "ايت بمثله، وأجهد جهدك، واستعن عليه، فإنك لا تستطيع ولو أعانك الجن والإنس"2، وإنما يقال ذلك في البديع المتبدأ، أو الذي لم يسبق إليه، ولم يوجد مثله قط.
وهذا المعنى وإن كان يلزمهم في الوجهين، فإنه لهم في هذا الوجه الذي نحن فيه ألزم، وذاك أن قولك للرجل يقدر على مثل الشيء اليوم في كثير من الأحوال والأمور3، ويعوقه عنه عائق في حال واحدة وأمر واحد: "لو اجتمع الإنسن والجن فأعانوك لم تقدر على مثله"4 أبعد وأقبح من قولك ذلك. وقد كان يقدر عليه في سالف الأزمان، ثم منعه جملة، وجعل لايستطيعه البتة.
__________
1 انظر رقم: 42.
2 في المخطوطة والمطبوعة: "استعن عليك"، وهو لا شيء.
3 في المخطوطة: "وذاك أنك قولك للرجل"، وصححه في المطبوعة.
4 السياق: "أن قولك للرجل يقدر, ... أبعد وأقبح".
(1/618)

1 ومنها الأخبار التي جاءت عن العرب في تعظيم شأن القرآن وفي وصفه بما وصفوه به من نحو: "إن عليه لطلاوة، وإن له لحلاوة، وإن أسفله لمعذق، وإن أعلاه لمثمر"2، وذاك أن محالًا أن يعظموه، وأن يبهتوا عند سماعه، ويستكينوا له، وهم يرون فيما قالوه وقاله الأولون ما يوازيه، ويعلمون أنه لم يتعذر علثيهم لأنهم لا يستطيعون مثله، ولكن وجدوا في أنفسهم شبه الآفة والعارض يعرض للإنسان فيمنعه بعض ما كان سهلًا عليه بل الواجب في مثل هذه الحال أن يقولوا: "إن كنا لا يتهيأ لنا أن تقول في معاني ما جئت به ما يشبه، إنا لتأتيك في غيره من المعاني ما شئت وكيف شئت، بما لا يقصر عنه ولا يكون دونه".
45 - وجملة الأمر أن علم النبوة عندئذ والبرهان، إنما كان [يكون] في الصرف والمنع عن الإتيان بمثل نظم القرآن لا في نفس النظم3. وإذا كان كذلك، فينبغي إذا تعجب المتعجب وأكبر المكبر، أن يقصد بتعجبه وإكباره إلى المنع الذي فيه الآية والبرهان، لا إلى الممنوع منه. وهذا واضح لا يشكل.
__________
1 ههنا سقط من الناسخ كلام لا شك في سقوطه، فالخلل في الكلام ظاهر جدًا، وقد لا يتجاوز السقط مقدار سطر أو سطرين.
2 سلف هذا في رقم: 10، مع اختلاف يسير، وكان هنا في المخطوطة والمطبوعة: "وإن عليه لحلاوة"، وهي تصحيف وسهو.
3 كان في المخطوطة والمطبوعة: "وجملة الأمر أن علم النبوة عندهم والبرهان، إنما كان في الصرف والمنع"، وهو كلام ظاره الاختلال، صوابه إن شاء الله ما كتبت.
(1/619)

46 - فإن قالوا: إنه ليكون أن يستحسن الشاعر الشعر يقوله غيره ويكبر شأنه، ويرى فيه فضلًا ومزية على ما قاله هو من قبل، ثم هو لا ييأس من أن يقدر على مثله إذا هو جهد نفسه وتعمل له. فنحن نجعل لفظ القرآن ونظمه على هذا السبيل، وتقول: إنهم سمعوا منه ما بهرهم وعم في نفوسهم، وأنهم [كانوا على حال أنسوا من أنفسهم بأنهم يأتون بمثله إذا هم اجتهدوا1، فحيل بينهم وبين ذلك الاجتهاد، وأخذوا عن طريقه، ومنعوا فضل المنة التي طمعوا معها في أن يجروا إلى تلك الغاية ويبلغوا ذاك الذي أرادوا2 وإذا كنا نعلم أن الشعر المفلق ربما اعتاص القول عليه حتى عييا بقافية، وحتى تنسد عليه المذاهب، وأن الخطيب المصقع يرتج عليه حتى لا يجد مقالًا، وحتى لا يفيض بكلمة، لم يكن الذي قلناه وقدرناه بعيدًا أن يكون، وأن يسعة الجواز ويحتمله الإمكان.
قيل لهم: أنتم الآن كأنكم أردتم أن تسحنوا امركم3، وأن تغطوا على بعض العوار، وأن تتملصلوا من الذي تلزمون4، وليس لكم في ذلك كبير جدوى إذا حقق الأمر، وإنما هو خداع وضرب من التزيق.
وأول ما يدل على بطلان ما قلتم، وأن الذي عرفنا من حال الناس فيما سبيله ما ذكرتم، الضجر والشكوى، وأن يقولوا: "ما بالنا؟ 5 ومن أين دهينا؟ وكيف
__________
1 في المخطوطة والمطبوعة: ولكنهم على حال أنسوا ... " وهو غير مستقيم، والذي أثبت هو حق الكلام.
2 في المخطوطة: "طمعوا أن يجيروا إلى تلك الغاية، ويبلغوا ذلك المدى أرادوا" وصواب قراءته ما أثبت، وجعلها في المطبوعة: "ويبلغوا ذلك المدى [الذي] أرادوا"، ولا حاجة إلى هذا.
3 غير ما في المخطوطة وكتب مكان "أنتم": "إنكم" بلا فائدة.
4 في المطبوعة: وأن تتملسوا، لم يحسن قراءة المخطوطة.
5 في المخطوطة والمطبوعة: "ما لنا"، والأجود ما أثبت، سها الناسخ.
(1/620)

الصورة؟ إنا وإن كنا نسمع قولًا له فضل ومزية على ما قلناه، فإنه ليس بالذي ينبغي أن نعجز عنه هكذا حتى لا نستطيع في معارضته ما نرضى1، فلا ندري أسحرنا أماذا كان؟ " ففي أن لم يرو عنهم شيء من هذا الجنس على وجه من الوجوه، دليل أن لا أصل لما توهموه، وأنه تلفيق باطل.
ثم إنه ليس في العادة أن يدعن الرجل لخصمه، ويستكين له، ويلقى بيده، ويسكت على تقريعه له بالعجز وترديده لاقول في ذلك، وقدر ما ظهر من المزية قدر قد يطمع الإنسان في مثله2، ويرى أنه يناله إذا هو اجتهد وتعمد3 بل العادة في مثل هذا أن يدفع العجز عن نفسه، وأن يجحد الذي عرف لصاحبه من المزية ويتشدد، كما فعل حسان4، فيدعي في مساواته، وأنه إن كان جرى إلى غاية رأي لنفسه بها تقدما إنه ليجري إلى مثلها، وأن يقول: "لا تغل ولا تفرط ولا تشتط في دعواك، فلئن كنت قد نلت بعض السبق، إنك لم تبعد المدى بعد من لا يداني ولا يشك غباره، فرويدًا، وأكفف من غلوائك".
47 - واعلم أنهم يتمحلهم هذا قد وقعوا في امر يوهي قاعدتهم، ويقدح في أصل مقالتهم، فقد نظروا لأنفسهم من وجه وتركوا النظر لها من آخر. وذاك أن من حق المنع إذا جعل آية وبرهانًا، ولا سيما للنبوة، أن يكون في اظهر الأمور،
__________
1 كتب في المطبوعة: "إنه ليس بالذي ينبغي"، حذف الفاء من "فإنه"، كأنه ظنها خطأ.
2 في المخطوطة والمطبوعة: "وقدر اأظهر من المزنة ... "، وهو خطأ ظاهر.
3 السياق: "ثم إنه ليس في العادة ... بل العادة".
4 لم أقف عبد على أمر حسان.
(1/621)

وأكثرها وجودًا، وأسهلها على الناس، وأخلقها بأن تبين لكل راء وسامع أنه قد كان منع، لا أن يكون المنع من خفي لا يعرف إلا بالنظر، وإلا بعد الفكر، ومن شيء لم يوجد قط ولم يعهد، وإنما يظن ظنًال أنه يجوز أن يكون، وأن له مدخلًا ي الإمكان إذا آجتهد المجتهد، وهل سمع قط أن نبيًا أتى قومه فقال: "حجتي عليكم، والآية في أني نبي إليكم، أن تمنعوا من أمر لم يكن منكم قط، وليس يظهر في بادئ الرأي وظاهر الأمر أنكم تستطيعونه، ولكنه موهوم جوازه منكم، إذا أنتم كددتم أنفسكم، وجمعتم ما لكم، واستفرغتم مجهودكم، وعاودتم الاجتهاد فيه مرة بعد أخرى"؟ أم ذلك ما لا يقوله عاقل، ولا يقدم عليه إلا مجازف لا يدري ما يقول؟
وإذا كان كذلك، وكان الذي قالوه من أن المنع كان من نظم لم يوجد منهم قط، إلا أنهم أحسوا في أنفسهم انهم يستطيعونه إذا هم اجتهدوا واستفرغوا الوسع،1 بهذه المنزلة، وداخلًا في هذه القضية2 فقد بان أنهم بذلك قد أوهوا قاعدتهم، وقدحوا في أصل المقالة، من حيث جعلوا الآية والبرهان وعلم الرسالة والأمر المعجز للخلق، في المنع من شيء لم يوجد قط، ولم يعلم أنه كان في حال من الأحوال، وليس بأكثر من أن ظن ظنًا أنه مما يحتمله الجواز ويدخل في الإمكان، إذا أدمن الطلب، وكثر فيه التعب، واستنزفت قوى الاجتهاد، وأرسلت له الأفكار في كل طريق، وحشدت إليه الخواطر في كل جهة. وكفى بهذا ضعف راي وقلة تحصيل.
__________
1 السياق: " ... وكان الذي قالوه من أن المنع كان من نظم ... بهذه المنزلة".
2 السياق: "وإذا كان الذي قالوه ... فقد بان".
(1/622)

فصل:
48 - وهذا فصل أختم به:
ينبغي أن يقال: ما هذا الذي أخذتم به أنفسكم؟ وما هذا التأويل منكم في عجز العرب عن معارضة القرآن؟ وما دعاكم إليه؟ وما أردتم منه؟ أأن يكون لكم قول يحكي، وتكونوا أمة على حدة، أم قد أتاكم في هذا الباب علم لم يأت الناس؟
فإن قالوا: أتانا فيه علم.
قيل: أفمن نظر ذلك العلم أم خبر؟
فإن قالوا: من نظر.
قيل لهم: فكأنكم تعنون أنكم نظرتم في نظم القرآن ونظم كلام العرب ووازنتم فوجدتموه لا يزيد إلا بالقدر الذي لو خلوا والاجتهاد وإعمال الفكر، ولم تفرق عنهم خواطرهم عند القصد إليه، والمصد له لأتوا بمثله؟
فإن قالوا: كذلك نقول.
قيل لهم: فأنتم تدعون الآن أن نظركم في الصاحة نظر لا يغيب عنه شيء من أمرها، وأنكم قد أحطتم علمًا بأسرارها، وأصبحتم ولكم فيها فهم وعلم لم يكن للناس قبلكم.
وإن قالوا: عرفنا ذلك بخبر.
قيل: فهاتوا عرفونا ذلك، وأني لهم تعريف مالم يكن، وتثبيت ما لم يوجد!
(1/623)

ولو كان الناس إذا عن لهم القول نظروا في موداه، وتبينوا عاقبته، وتذكروا وصية الحكماء حين نهوا عن الورود حتى يعرف الصدر، وحذروا أن تجيء أعجاز الأمور بغير ما أوهمت الصدور إذا لكفوا البلاء، ولعدم هذا وأشباهه من فاسد الآراء، ولكن يأتي الذي في طباع الإنسان من التسرع، ثم من حسن الظن بنفسه، والشغف بأن يكون متبوعًا في رأيه، إلا أن يخدعه وينسبه أنه موصى بذلك، ومدعو إليه، ومحذر من سوء المغبة إذا هو تركه وقصر فيه. وهي الآفة لا يسلم منها ومن جنايتها إلا من عصم الله1. وإليه عز اسمه الرغبة في أن يوفق للتي هي أهدى، ويعصم من كل ما يوتع الدين2، ويثلم اليقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
__________
1 في المخطوطة والمطبوعة: "وهم الآفة"، وهو سهور ظاهر من الكاتب.
2 من "الونغ"، وهو الهلاك، و "أوتغه يوتغه"، أفسده وأهلكه.
(1/624)

بسم الله الرحمن الرحيم
49 - قول من قال: "إنه يجوز أن يقدر الواحد من الناس من بعد انقضاء زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومضى وقت التحدي، على أن يأتي بما يشبه القرآن ويكون مثله، لأن ذلك لا يخرج عن أن يكون قد كان معجزًا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم1، وحين تحدى العرب إليه"2 قول لا يصح إلا لمن لا يجعل القرآن معجزًا في نفسه3، ويذهب فيه إلى "الصرفة".
فأما الذي عليه العلماء من أنه معجز في نفسه، وأنه في نظمه وتأليفه على وصف لا يهتدي الخلق إلى الإتيان بكلام هو في نظمه وتأليفه على ذلك الوصف، فلا يصح البتة ذاك لا فرق بين أن يكون الفعل معجزًا في جنسه كإحياء الموتى، وبين أن يكون معجزًا لوقوعه على وصف، وإذا كان كذلك، فكما أنه محال أنه يكون ههنا إحياء ميت لا من فعل الله، كذلك محال أن يكون ههنا نظم مثل نظم القرآن لا من فعله تعالى. فهذا هو.
ثم إنه قول إذ نقر عنه انكشف عن أمر منكر، وهو إخراج أن يكون وحيًا من الله، وأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تلقاه عن جبريل عليه السلام والذهاب إلى أنت يكون قد كان على سبيل الإلهام، وكالشيء يلقى في نفس الإنسان ويهدى له من طريق الخاطر والهاجس الذي يهجس في القلب. وذلك مما يستعاذ بالله منه، فإنه تطرق للإحاد، والله ولي العصمة والتوفيق.
__________
1 في المخطوطة والمطبوعة: "إلا أن ذلك لا يخرج"، وهو خطأ من الناسخ لا شك فيه.
2 السياق: "قوله من قال .... قول لا يصح".
3 في المطبوعة: "إلا لمن يجعل القرآن"، سقطت "لا".
(1/625)

بسم الله الرحمن الرحيم
فصل:
50 - 1 اعلم أن البلاء والداء العياء، أن ليس علم الفصاحة وتمييز بعض الكلام من بعض بالذي تستطيع أن تفهمه من شئت ومتى شئت، وأن لست تملك من أمرِكَ شيئاً حتى تظفرَ بمَنْ له طبعٌ إذا قدحْتَه وَرَى2، وقلبٌ إذا أرْيتَهُ رأى فأمَّا وصاحبُك مَنْ لا يرى ما تريه، ولا يهتدي للذي تهديه، فأنت معه كالنافخ في الحم من غير نار، وكالملتمس الشم من أخشم3, وكما لا تُقيم الشعرَ في نفسِ مَن لا ذوق له، كذلك لا يفهم هذا الباب مَنْ لم يؤْتَ الآلة التي بها يَفْهم إلاَّ أنه إنما يكونُ البلاءُ إذا ظنَّ العادم لها أنه قد أويتها، وأنه ممَّنْ يكملُ للحكْم ويصحُّ منه القضاءُ، فجعل يخبط ويخلط، ويقول القول لو علم غبه لاستحي منه4.
وأما الذي يحس بالنقص في نفسه5، ويعلم أنه قد عدم علماً قد أُوتيَهُ مِنْ سِواه، فأنتَ منه في راحة، وهو رجلٌ عاقلٌ قد حماهُ عقلُه أنْ يعدُوَ طورَهُ6، وأن يتكلَّف ما ليس بأهل له.
__________
1 هذه الفقرة كلها مضت في دلائل الإعجاز في الفقرة: 643، مع اختلاف يسير.
2 في المخطوطة والمطبوعة: "بأن لست تملك ... إذا قدحته فيرى"، وقد سها الناسخ وأخطأ، والصواب ما أثبت. و "ورى الزند يرى وريًا"، إذا اتقد عند القدح.
3 "الأخشم"، الذي سقطت خياشيمه، فهو لا يجد ريح طيب ولا نتن.
4 قرأها "عيه"، بالياء في المطبوعة! و "الغب" العاقبة.
5 كتبها في المطبوعة: "الذي يحسن تأليفه في نفسه"!! كلام غريب، ولم يحسن قراءة المخطوطة.
6 أسقط في المطوعة: "قد" من "قد حماه".
(1/626)

وإِذا كانَتِ العلومُ التي لها أصولُ معروفةٌ، وقوانينُ مضبوطةٌ، قد اشتركَ الناسُ في العِلْم بها، واتفقوا على أن البناء عليها والرد إليها، إذا أخطأ فيها المخطئ ثم أعجب برأيه لم تستطيع رَدُّه عن هواه، وصَرْفُه عن الرأي الذي رأى، إلاَّ بَعْدَ الجهْدِ، وإلاَّ بعد أن يكونَ حَصيفاً عاقِلاً ثَبْتاً، إذا نُبِّهَ انْتَبَهَ، وإِذا قيلَ: "إنَّ عليكَ بقيةً مِنَ النَّظَرِ"، وقفَ وأصْغى، وخَشِيَ أن يكونَ قد غُرَّ، فاحتاطَ باستماعِ ما يُقال له، وأنِفَ من أن يلجَّ من غير بيِّنة، ويستطيلَ بغير حُجَّة. وكان من هذا وصفه بعز ويقِلُّ: فكيف بأنْ تَرُدَّ الناسَ عن رأيهم في أمر الفصاحة، وأصلك الذي تردهم إليه، وتعول ي محاجَّتهم عليه، استشهادُ القرائحِ1، وسَبْرُ النفوسِ وفلْيُها وما يعرِضُ فيها من الأريحية عندما تسمع2 وهم لا يَضعُون أنفُسَهم موضِعَ منَ يرى الرأي ويفي ويَقْضي، إلاَّ وعندَهم أنهم ممَّن صفتْ قريحَتُه، وصحَّ ذوقُه، وتمَّتْ أداتُه.
فإِذا قلتَ لهم: "إنكم أتيتم من أنفسكم، ومن أنكم لا تفطنون"، ردوا مثله عليك، وعابوك، ووقعوا فيك، وقالوا:
"لا، بل قرائِحُنا أصحُّ، ونظرُنا أصْدَقُ، وحسنا أذكى، وإنما الآفة فيكم، فإنكم جئتم فخيلتم إلى أنفسكم أُموراً لا حاصِل لها، وأوهَمَكُم الهوى والميلُ أن توجبوا لأحد النظمين المتساويين فضلًا عن الآخر، من غير ان يكون له ذلك الفضل"، فتبقى في أيدهم حسيرًا لا تملك غير التعجب3.
__________
1 في المطبوعة، لم يحسن القراءة، فكتب: "استشهاد القرآن"!!.
2 في المطبوعة، لم يحسن القراءة، فكتب: "وما يعرض فيها من الأدعية"، وهذا أغرب وأعجب.
3 وأيضًا في المطبوعة: "فبقى في أيديهم حيث لا يملك غير التعجب"، لم يحسن القراءة، وهذه أشد غرابة وأشنع.
(1/627)

فليس الكلام إذن بمعن عنك، ولا القولُ بنافعٍ، ولا الحُجَّةُ مسموعةً، حتى تجد من فيه عون لك، ومن إذا أبي عليكَ أبى ذَاك طبعُه فردَّه إليكَ، وفتَحَ سمعه لك، ورفع الحجاب بينه وبينك، وأخذَ به إلى حيثُ أنتَ، وصرَفَ ناظِرَه إلى الجهة التي إليها أوْمأتَ، فاستبدَلَ بالنِّفار أنسًا، وأراك من بعد الإباء قبولًا، وبالله التوفيق.
(1/628)

الفهارس
فهرس آيات القرآن العظيم:
سورة الفاتحة
2 - 7 السورة كلها، و "الصراط": 109، 452، 453
سورة البقرة
1، 2 "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه": 227
6، 7 "إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم": 109، 228
8، 9 "ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله": 228
11، 12 "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا في الأَرْضِ قالوا إنما نحن مصلحون إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون": 232، 358
13 "وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون": 232، 233
14 "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن": 228، 231، 232، 234
15 "الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون": 231، 232، 232، 234
15 "الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون": 231، 232، 233، 234، 235
16 "فما ربحت تجارتهم": 293 - 295، 296، 396، 427، 429، 521
23 "بسورة من مثله": 385
31 "وَعَلَّمَ آدم الأسمآء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة فَقَالَ أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين": 541
71 "فذبحوها وما كادوا يفعلون": 275، 276
93 "وأشربوا في قلوبهم العجل": 397، 427، 521
(1/631)

96 "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة": 288
173 "إنما حرم عليكم الميتة والدم": 328
179 "ولكم في القصاص حياة": 261، 289، 428، 547
سورة آل عمران
36 "قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بما وضعت": 327
54 "ومكروا ومكر الله": 231،
62 "وما من إله إلا الله": 329
75، 78 "ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون": 133
سورة النساء
100 "ومن يخرج من بيته مهاجر إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وقع أجره على الله": 246
112 "وَمَن يَكْسِبْ خطيئة أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احتمل بهتانًا وإثمًا عظيمًا": 246
124 - "يخادعون الله وهو خادعهم": 231، 232
171 "ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرًا لكم": 179، 383، 384
"يأهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله ولكمته أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خير لكم": 383، 384
"إنما الله إله واحد": 382
سورة المائدة
61 - "وإذا جاءؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا باكلفر وهم قد خرجوا به": 131، 134
73 "الصابئون": 31
73 "لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثلاثة": 383
117 "مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أن أعبدوا الله ربي وربكم": 337
(1/632)

8 "قالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضى الأمر": 233
14 "قل أغير الله أتخذ وليًا": 121
35 "ولو شاء الله لجمعهم على الهدى": 164
36 "إنما يستجيب الذين يسمعون": 330
39 "مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مستقيم": 166
40 "قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله وأتتكم الساعة أغير الله تدعون": 121
54 "أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب": 317
56 "قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ من دون الله": 324
77 "رأى القمر": 109
100 "وجعلوا لله شركاء الجن": 286
143 "قل الذكرين حرم أم الأنثيين أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين: 115
سورة الأعراف
33 "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ منها وما بطن": 328
104 "وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين": 324
123 "آمنتم به قبل أن آذن لكم": 324
125 "قالوا إنا إلى ربنا منقلبون": 324
186 "ويذرهم في طغيانهم يعمهون": 205
188 "قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مسني السوء إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ": 334
196 "إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يتولى الصالحين": 137
سورة الأنفال
31 "لو نشاء لقلنا مثل هذا": 165
55 "إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فهم لا يؤمنون": 138
57 "فشرد بهم من خلفهم": 521
58 "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سواء": 521
(1/633)

30 "وقالت اليهود عزير ابن الله": 375، 384
63 "أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نار جهنم": 317
93 "إنما السبيل على الذين يستأذنونك": 345
103 "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم": 317
سورة يونس
59 "قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رزق فجعلتم منه حلالًا وحرامًا" = "قل الله أذن لكم": 115
67 "هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مبصرًا": 463
99 "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين": 23
سورة هود
13 "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات": 385، 606، 617
28 "أنلزمكموها وأنتم لها كارهون": 118، 119
37 "وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ": 317
44 "وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوى على الجودي وقيل بعدًا للقوم الظالمين": 45
سورة يوسف
9 "إنه مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرُ فإنَّ الله لا يُضيع أجر المحسنين": 317
31 "ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم": 229، 433
53 "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رحيم": 317
80 "فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًا": 397، 521
82 "واسأل القرية": 301
سورة الرعد
19 "إنما يتذكر أولوا الألباب": 353، 354
(1/634)

40 "فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب": 345
سورة إبراهيم
10، 11 "إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا" "قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مثلكم"، الآيتان: 122، 333
سورة الحجر
57، 58 "قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين": 241
89 "وقل إني أنا النذير المبين": 324
94 "فاصدع بما تؤمر": 397، 521
سورة النحل
9 "ولو شاء لهداكم أجمعين": 164
69 "يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شفاء للناس": 290
90 "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإتياء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرونِ": 585
115 "إنما حرم عليكم الميتة": 328
سورة الإسراء
7 "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم": 534
40 "أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثاً إنكم لتقولون قولًا عظيمًا": 114
88 "قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يأتوا بمثل هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لبعض ظهيرًا" 369، 385، 588، 614
105 "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل": 170، 557
110 "قُلِ ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيَّاً ما تدعو فله الأسماء الحسنى": 375
سورة الكهف
13 "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمنوا بربهم": 324
(1/635)

18 "وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد": 175
30 "إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نضيع أجر من أحسن عملًا": 323
83، 84 "ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض": 324
110 "قل إنما أنا بشر مثلكم": 333
سورة مريم
4 "واشتعل الرأس شيبًا": 100، 393، 402، 407، 427، 521
24 "جعل ربك تحتك سريا": 397
سورة الأنبياء
62، 63 "أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم = "بل فعله كبيرهم هذا": 113
100، 101 "لهمْ فيها زَفِيرٌ وهم فيها لا يسمعون إن الذين سبقت لهم من الحسنى أولئك عنها مبعدون": 322
سورة الحج
1 "يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عظيم": 316، 323
17 "إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذيبن أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة": 322
46 "فإنها لا تعمى الأبصار": 132، ....
سورة المؤمنون
24 "إن هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لنزل ملائكة": 122
27 "وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ": 317
59 "والذين هم بربهم لا يشركون": 138
117 "إنه لا يفلح الكافرون": 133، 317
(1/636)

سورة النور
40 "ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لم يكد يراها": 275
سورة الفرقان
3 "واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وهم يخلقون": 131، 134
5 "وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بكرة وأصيلًا": 137
سورة الشعراء
16 "فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين": 324
23 - 31 "قال فرعون وما رب العالمين"، الآيات: 240، 241
117 "قال رب إن قومي كذبون": 327
130 "وإذا بطشتم بطشتم جبارين": 534
216 "فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون": 324
227 "إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كثيرًا": 28
سورة النمل
17 "وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس فهم يوزعون": 137
سورة القصص
23، 24 "وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً من الناس يسقون"، الآيتان: 161
44، 45 "وما كنت بجانب الغربي إذا قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين، ولكن أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر وَمَا كُنتَ ثَاوِياً في أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ولكنا كنا مرسلين": 247
66 "فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ": 138
سورة لقمان
7 ""وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يمسعها كأن في أذنيه وقرًا": 228
(1/637)

17 "يا بني أَقِمِ الصلاة وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر واصبر على مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عزم الأمور: "316، 317
سورة فاطر"
3 "هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السماء والأرض": 177
14 "ولا ينبئك مثل خبير": 521
18 "إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب": 354، 355
22، 23 "وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القبور إِنْ أنت إلا نذير: 334
28 "إنما يخشى الله من عباده العلماء": 338، 339
سورة يس
7 "لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يؤمنون": 138
11 "إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب": 330
13 - 21 "واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذا جاءها المرسلون"، الآيات: 241، 242
37 "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار": 521
40 "ولا الليل سابق النهار": 376
69 "وما علمناه الشعر وما بنبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين": 24، 25، 230
سورة الصافات
153، 154 "أَصْطَفَى البنات على البنين مَا لَكُمْ كَيْفَ تحكمون": 114
سورة ص
16 "عجل لنا قطنا": 397
سورة الزمر
9 "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يعلمون": 154
سورة غافر
66 "قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ من دون الله": 324
68 "هو الذي يحيى ويميت": 154
(1/638)

سورة فصلت
1 - 4 "حم تنزيل من الرحمن الرحيم"، الآيات: 583
6 "قل إنما أنا بشر مثلكم": 333
سورة الشورى
24 "فإن يشأ الله يختم على قلبه": 166
سورة الزخرف
19 "وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثاً" "أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون": 368، 438، 439
32 "أهم يقسمون رحمة ربك": 123
40 "أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي": 120
سورة الدخان
50 - 52 "إن هذا ما كنتم به تمترون، إن المتقين في جنات وعيون"، الآيات: 322
سورة محمد
4 "حتى تضع الحرب أوزارها": 521
سورة ق
37 "إن في ذلك لذكى لمن كان له قلب": 304
سورة الذاريات
24 - 28 "هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين"، الايات: 240
سورة النجم
3، 4 "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى": 230
(1/639)

سورة القمر
12 "وفجرنا الأرض عيونًا": 102
13 "ذات ألواح ودسر": 397
24 "فقالوا أبشر منا واحدًا نتبعه": 122
43، 44، 48 "وانه هو أضحك وأبكى وأنه أمات وأحيى" "وأنه هو أغنى وأقنى": 154
سورة المنافقون
4 "يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، هُمُ العدو فاحذرهم": 403
سورة الحاقة
13 "فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة": 31
سورة المدثر
6 "ولا تمنن تستكثر": 205
18، 19 "إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر": 582
سورة النازعات
45 "إنما أنت منذر من يخشاها": 330، 345
سورة الغاشية
21، 22 "إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر": 353
سورة الليل
17، 18 "وسيجنبها الأتقى. الذي يؤتي ماله يتزكى": 205
سورة الإخلاص
1، 2 "قل هو الله أحد الله الصمد"
(1/640)

فهرس الحديث:
"إنما الشعرُ كلامٌ، فحَسَنُه حَسَنٌ، وقبيحُه قبيح": 24
"أياكم وخضراء الدمن": 441
"لأَنْ يمتلئَ جوفُ أَحدِكم قيحاً، فيَرِيَهُ، خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا": 16
"إن من الشحر لحكمة، وإن من البيان لسحرًا": 16
"قل وروح القدس معك": 17، 612
"مانسى ربُّك، وما كان ربُّكَ نَسِيّاً، شعراً قلْتَه": 17
حديث عبد الله بن مسعود في القتلى يوم بدر: 18
حديث محمد بن سلمة الأنصاري، عن استشاده صلى الله عليه وسلم حسنًا شعر الأعشى في هجاء علقمة بن علاقة: 19
حديث عاءشة، واستشاده صلى الله عليه وسلم شعرًا لسعية بن غريض اليهودي: 19
حديث أم المؤمنين سودة، وإنشادها شعرًا، ظنت عائشة وحفصة أنها تعرض بهما، ومعرفته صلى الله عليه وسلم أنه ليس عدي وتيم من قريش: 20
حديث أبي بكر، وسؤاله صلى الله عليه وسلم عن صواب إنشاد شعر سمعه: 21
حديث النابغة الجعدي، وإنشاده، وقوله له: "لا يفضض الله فاك": 22
حديث كعب بن زهير، وخير قصيدته المشهورة: 22
حديث ذي اليدين حين قال: "أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيْتَ يا رسولَ الله؟ ": 282
حديث إسلام أبي ذر: 584
(1/641)

فهرس الشعر:
ومنحط أتيح له اعتلاء سليمان بن داود القضاعي "الوافر": 94
تخبر في الأبوة ما تشاء عبد الله بن مصعب "الوافر": 509
ومن حسب العشيرة حيث شاءوا أبو البرج قاسم بن حنبل "الوافر": 148
ليصحنى فإذا السلامة داء لبيد "كامل": 497، 498
تجلت عن وجهه الظلماء ابن قيس الرقيات "الخفيف": 331
ولقد كان ولا يدعي لأب مسكين الدارمي "الرمل": 207
وكل مكان ينبت العز طيب المتنبي "طويل": 492، 508
بغيضًا تنائى أو حبيبًا تقرب المتنبي "طويل": 499
على شعث أي الرجال المهذب النابغة "طويل": 593
إذا ما بنو نعش دنوا فتوبوا النابغة الجعدي "طويل": 137
على وجه من الدماء سبائب الأخنس بن شهاب "طويل": 130
ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب نصيب "طويل"511
تقوم عليها في يديك قضيب واثلة بن خليفة السدوسي "طويل": 203
تنتقي منه وتنتخب ابو نواس "المديد": 509
ولا يرى مثلها عجم ولا غرب ذو الرمة "بسيط": 147
شغل على أيمانهم تتهلب البحترى "الكامل": 300
قيد الظنون أمذهب أم مذهب أبو تمام "الكامل": 523
دخلوا السماء دخلتها لا أحجب خالد بن يزيد بن معاوية "الكامل": 209
أملآ ويأمل ما آشتهى المكذوب نافع بن لقيط "الكامل": 500
كرامتها والفتى ذاهب حزاز بن عمرو "متقارب": 567
عقائل سرب أو تقنص ربربا البحتري "الطويل": 166
هواى ولو خيرت كنت المهذبا بشار "الطويل": 510
وأجرت سباحًا بيذ المغالبا "الطويل": 129
على قضاء الله ما كان جالبًا سعد بن ناشب "الطويل": 220
لجناة الحسن عنابا ابن المعتز "المديد": 451
وعز ذلك مطلوبًا إذا طلبا المتبني "بسيط": 496
(1/642)

مظلومة الريق في تشبيها ضربا المتنبي "بسيط": 499
تحال بياض لأمهم السرابا زياد بن حنظلة التميمي "الوافر": 89
ومسقط قرنها من حيث غابًا الفرزدق "الوافر": 513
ولم يلدوا امرءًا إلا نجيبا المتنبي "الوافر": 188
فما إن رأينا لفتح ضريبا ألبحتري "المتقارب": 85
نقض لبانات الفؤاد المعذب امرؤ القيس "طويل": 591
إلينا ولكن عذره عذر مذنب أبو تمام "طويل": 490
بحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب حجية بن المضرب "طويل": 184
ولم يك حقًا كل هذا التجنب علقمة "طويل": 591
على أروس الأقران خمس سحائب البحتري "طويل": 299
على أن ذاك الزى زى محارب البحتري "طويل": 491
ليسلكها فردًا سليك المقانب البحتري "طويل": 565
تمهل في روض المعاني العجائب أبو تمام "طويل": 516
تضاعف فيه الحزن من كل جانب النابغة "طويل": 268
عصائب طير تهتدي بعصائب النابغة "طويل": 5014
أطاع لها العاصون في بدل الغرب البحتري "طويل": 492
تنال إلا على جسر من التعب أبو تمام "البسيط": 78
من أن أكون محبًا غير محبوب المتنبي "البسيط": 190
ومن لي أن أمتع بالمعيب البحتري "وافر": 504
أرض ينال بها كريم المطلب البحتري "الكامل": 491، 508
من خدرها فكأنها لم تحجب أبو تمام "الكامل": 104
قرأت الورهاء شطر كتاب أبو تمام "الكامل": 406
بعتيبة بن الحارث بن شهاب أبو ذؤاب ربيعة الأسدي "الكامل": 253
وليغلبن مغالب الغلاب كعب بن مالك "الكامل": 17
فاقتص ناظره من القلب أحمد بن أبي فنن "الكامل": 486
في جسد من لؤلؤ رطب إبراهيم بن المهدي "السريع": 486
مجد، وفضل الصلاح والحسب يزيد بن الحكم "المنسرح": 308
(1/643)

ألقاه من زهد على غاربي اليزيدي "يحيى بن المبارك" "السريع": 237
وتلطم الورد بعناب أبو نواس "السريع": 450
خلالته كأبي مرحب النابغة الجعدي "متقارب": 301
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه بشار "الطويل": 96، 411، 536، 602
أربت، وإن عاتبته لأن جانبه بشار "الطويل": 185
مهايعه المثلى ومحت لواحبه أبو تمام "الطويل": 496
أبو امه حتى أبوه يقاربه الفرزدق "الطويل": 83
يداك يدى ليث فإنك غالبه الفرزدق "الطويل": 425
يغرف من شعره ومن خطبه بشار "المنشرح": 513
ويسترط الدمع من غربه المتنبي "السريع": 138
متململًا وتنام دون ثوابه البحتري "الكامل": 517
يزد في نهاها وألبابها ابن المعتز "متقارب": 505
إذا ما بيوت بامللامة حلت الشنفرى "الطويل": 310
بنا نعلنا في الوطئين فزلت طفيل الغنوى "الطويل": 158
نطقت ولكن الرماح أجرت عمرو بن معد يكرب "الطويل": 157
تخليت مما بيننا وتخلت كثير "الطويل": 94
أيادي لم تمنن وإن هي جلت محمد بن سعد الكاتب "الطويل": 149
بجنوب خبت عريت وأجمعت جندب "الكامل": 236
فهم الذرى وجماجم الهامات الكندي "الكامل": 506
بيد تقر بأنها مولانه عامر بن حطان الخارجي "الكامل": 501، 507
ما حفظها الأشياء من عاداتها المتبني "الكامل": 551
أحوذى ذو ميعة إضريج أبو دؤاد الأيادي "الخفيف": 91، 205، 592
وحال ما حاك من وشى وديباج البحتري "بسيط": 553
(1/644)

يكد الوعد بالحجج ابن المعتز "الوافر": 77
في قبة ضربت على ابن الحشرج زياد الأعجمي "الكامل": 306، 307
إن بنى عمك رماح حجل بن نضلة "السريع": 328
وموت الهوى في القلب منى المبرح ذو الرمة "طويل": 274
بها خطل الرماح أو كان يمزح عقال بن هشام القينى "طويل": 514، 599
فأصبح فيه ذو الرواية يسبح ابن ميادة "طويل": 514، 599
وسألت بأغناق المطي الأباطح "طويل": 74، 75، 294، 296
بنفسك إلا أن ما طاح طائح الأغر الشاعر "طويل": 78
طواهر جلدي وهو في القلب جارح كثير "طويل": 497
عتاق دنانير الوجوه ملاح ابن المعتز "طويل": 104
بإساءة وعن المسيء صفوح المتبني "كامل": 568
وغدوت للذات مطرحًا أبو نواس "كامل": 548
وأندى العالمين بطون راح جرير "الوافر": 188، 607
كان مستعلقًا على المداج أبو العتاهية "الخفيف": 503
ولكنه بالمجد والحمد مفرد ابن الرومي "الطويل": 183
تلفت ملهوف ويشتاقه الغد ابن الرومي "طويل": 504
أتحت ضلوعي جمرة تتوقد ابن الرومي "طويل": 554
ومن عادة الإحسان والصفح غامد المتنبي "طويل": 506
بنى حوالي الأسود الحوارد الفرزدق "طويل": 211
سجية نفس كل غانية هند أبو تمام "طويل": 495
بنو بنت مخزوم ووالدك العبد حسان "طويل": 181
وما قلت إلا بالذي علمت سعد الحطيئة "طويل": 331
خرجت مع البازى على سواد بشار "طويل": 203، 219
إلى أن ترى ضوء الصباح وسا بشار" "طويل": 492
عليك بجاري دمعها لجمود أبو عطاء السندى "طويل": 269
(1/645)

فأين أحيد عنهم لا أحيد مالك بن رفيع "الوافر": 207
حقًا تناوب ما لنا ووفود "الكامل": 125
وهو على أن يزيد مجتهخد الخالدي "المنسرح": 104
وتسكب عيناى الذموع لتجمدا العباس بن الأحنف "الطويل": 268
ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدًا المتنبي "طويل": 105، 490
أرجو الثواب بها لديه غدا ابن الرومي "الكامل": 184
ك منازل كعبًا ونهدًا عمرو بن معد يكرب "الكامل": 148
ظننت ما أنا فيه دائم أبدًا "البسيط": 94
تبدلتما ذلًا بعز مؤيد "الطويل": 314
وقالت نجوم لو طلعن بأسعد البحتري "الطويل": 548، 549
لديباجتيه فاغترب تتجدد أبو تمام "الطويل": 498
تجد خير نار عندها خير موقد الحطيئة "الطويل": 251
مخافة ملوى من القد محصد طرقة "الطويل": 166
بنوهن أبناء الرجال الأباعد الفرزدق "الطويل": 374
وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد البحتري "الطويل": 311، 490
ولم يُدْرَ ما مِقدارُ حَلّي ولا عَقْدِي البحتري "الطويل": 517
جميعًا، ومهما لمته لمته وحدي أبو تمام "الطويل": 58، 60
إذا لهجاني عنه معروفة عندي أبو تمام "الطويل": 501، 507
رمتنى وكل عندنا ليس بالمكدي دعيل أبو تمام "الطويل": 282
ما كلُّ رَأْي الفتى يَدْعو إِلى رَشَد "بسيط": 284
تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد أرطأة بن سهية "بسيط": 209، 425
وجدت حتى كأن الغيث لم يجد البحتري "بسيط": 198
قد يقدم الغير من ذعر على الأسد أبو تمام "بسيط": 494
مِنْ أنْ يكونَ له ذنبٌ إِلى أَحَدِ أبو حفص الشطرنجي "بسيط": 90
مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد النابغة "بسيط": 567
وردًا وعضت على العتاب بالبرد الوأواء الدمشقي "بسيط": 449، 451
مواقع الماء من ذي الغلة الصادي القطامي "بسيط": 535، 603
أعجب بشيء على البغضاء مودود بشار "مسلم "بسيط": 504
ألقى إليه الأقاصي بالمقاليد مسلم بن الوليد "بسيط": 49
(1/646)

وتشحب عنده بيض الأيادي أبو تمام "الوافر": 139
هباتك أن تلقب بالجواد المتنبي "الوافر": 198
وفيها قيت يوم للقراد المتنبي "الوافر": 564
وحسبك أن يزرن أبا سعيد أبو تمام "الوافر": 313
كرمًا ولم تهدم مآثر خالد البحتري "الكامل": 163
طلعت بها الركبان كل نجاد الخريمي "الكامل": 511
وبلاغة وتدر كل وريد أبو تمام "الكامل": 515
أن يجمع العالم في واحد أبو نواس "السريع": 196، 424، 428
رق، فيابردها على كبدي "المنسرح": 510
أرهب نوء السماك والأسد لبيد "المنسرح": 485
ـك امرؤ أنه نظام فريد البحتري "خفيف": 517
ب تشق القلوب قبل الجلود المتنبي "خفيف": 497
طع أحنى من واصل الأولاد المتنبي "خفيف": 330
ب تكون كالثوب استجده أبو العتاهية "الكامل": 498
فحللت بين عقيقه وزروده البحتري "الكامل": 166
كتائب يأس، كرها وطرادها بعض الحجازيين "طويل": 318
حتى أقوم ميلها وستادها عدى بن الرقاع "الكامل": 512
شوقًا إلى من يبيت يرقدها المتنبي "المنسرح": 489
إلى ماله حالي أسر كما جهر ابن عنقاء الفزاري "الطويل": 148
لا ترى الآدب فينا ينتفر طرفة "الرمل": 135
أنه عندك محقور صغير الخريمي "الرمل": 498
أمر مذاق العود والعود أخضر "طويل": 555
وفي سائر الدهر الغيوث المواطر "طويل": 182
ذراعي، وألقى باسته من يفاخر موسى بن جابر الحنفي "طويل": 148، 149
أصاخت إلى الواشي فلج بن الهجر البحتري "طويل": 93
لناشئهم من حيث يؤتنف العمر البحتري "طويل": 496، 604
(1/647)

لها اللفظ مختارًا كما ينتقى التبر البحتري "طويل": 517
أساء ففي سوء القضاء لي العذر أبو تمام "طويل": 493
فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر أبو تمام "طويل": 504، 505
ولكن لشعري فيك من نفسه شعر المتنبي "طويل" 125
بنوها لها ذنب وأنت لها عذر المتنبي "طويل": 505
إليك، وأهل الدهر دونك والدهر المتنبي "طويل": 556
وسلط أعداء وغاب نصير إبراهيم بن العباس "طويل": 86
ولكن يصير الجود حيث يصير أبو نواس "طويل": 310، 312
نفسي فداؤك، ما ذئبي فأعتذر "بسيط": 76
كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر البحتري "بسيط": 494
عليك أنجمه بالمدح تنتثر البحتري "بسيط": 516
وقد سقى القوم كأس النومة السهر أبو دهبل "بسيط": 461
فإنما هي إقبال وإدبار الخنساء "بسيط": 300
متبسمين وفيهم استبشار "كامل": 210
ليل يصيح بجانبيه نهار الفرزدق "كامل": 95
تشكو إلى صبابة لصبور جميل "كامل": 150
أطنين أجنحة الذباب يضير ابن أبي عيينة "كامل": 121
سقاهن مرتجز باكر "متقارب": 277
لها قائلًا بعدي أطب وأشعرًا تميم بن أبي بن مقبل "طويل": 512
وجدي يا حجاج فارس شمرا جميل "طويل": 188
فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا الجوهري الجرجاني "طويل": 21، 22
ولا عرف إلا قد تولى وأدبرا أبو حزابة، الوليد بن حنيفة "طويل": 149
كنار مجوس تستعر استعارا امرؤ القيس، الحارث اليشكري "الوافر": 592
إذا ما زدته نظرا أبو نواس ": 296
تبكي علية مقلة عبرى عبد الصمد بن المعدل "السريع": 91
ولا أنا أضرمت في القلب نارًا المتنبي "المتقارب": 125
ة إما مخاضًا وإما عشارا الأعشى "المتقارب": 180
ج والمكرومات معًا حيث صارا الكميت "المتقارب": 310
(1/648)

أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر البحتري "طويل": 485 هـ
بجيدها إلا كعلم الأباعر مروان بن أبي حفصة "طويل": 254
بأسجح مرقال الضحى قلق الضفر "طويل": 298
لي اليأس منها، لم يقم للهوى صبرى الحكم بن قنبر "طويل": 462
من الدهر أسباب جرين على قدر عكرشة العبسي "طويل": 208
فتختصم الآمال واليأس في صدري ابن المعتز "طويل": 77
أنصاره بوجوه كالدنانير سبيع بن الخطيم "بسيط": 74، 99
لم ينكنى، ولقيت ما لم أحذر سهم بن حنظلة "الكامل": 485
تقذى صدورهم بهتر هاتر بعض الأعراب "الكامل": 76
إهماله، وكذاك كل مخاطر يزيد بن مسلمة "الكامل": 75
هلًا نزلت بآل عبد الدار "الكامل": 21
كاثنين ثان إذ هما في الغار أبو تمام "الكامل": 84
ـض القوم يحلق ثم لا يفرى زهير "الكامل": 134
عنى بخفته على ظهري أبو العتاهية "الكامل": 510
ورفيقه بالغيب لا يدري المسيب بن علس "الكامل": 203
ألناقض الأوتار والواتر الأعشى "السريع": 19
وخال وجه النهار ابن المعتز "المجتث": 103
إن ذاك النجاح في التبكير بشار "الخفيف": 272، 323، 316
وليل المحب بلا آخر خالد الكاتب "متقارب": 492
إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره البحتري "طويل": 494
وقلص عن برد الشراب مشافره الخطيئة "طويل": 564
زجرت كلابي أن يهر عقورها شبيب بن البرصاء "طويل": 308
بخير وقد أعيا ربيعًا كبارها الفرزدق "طويل": 469
قد بلوت المر ثمره أبو نواس "المديد": 268
وتراءى الموت في صوره أبو نواس "المديد": 501 - 503
أنت والله ثلجة في خياره أبو نواس "الخفيف": 104
وغيرهم نعم ظاهره نصيب "متقارب": 309، 312
(1/649)

واجلس فإنك أنت الآكل اللابس "بسيط": 471، 487
بشرقي ساباط الديار البسابس أبو نواس "طويل": 470
ويكثر الوجد نحوه الأمس أبو تمام "المنسرح": 504
ما اختار إلا منكم فارسًا السيد الحميري "السريع": 344
وصبرًا على استدرار دنيا بإبساس محمد بن وهيب "طويل": 325
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي الحطيئة "بسيط": 471، 487
شغل الخلى ثنت بصدفة مويس البحتري "كامل": 497
مثلًا من المشكاة والنبراس أبو تمام "كامل": 14
إن غنى نفسك في الياس أبو نواس "السريع": 325
ومن فوقها واليأس والكرم المحض المتنبي "الطويل": 490
وتظهر الإبراهم والنقضا بكر بن النطاح "السريع": 152
ويا جبل الدنيا ويا واحد الأرض أبو نخيلة "طويل": 484
سوى أنه قد سل عن ماجد محض أبو خراش الهذلي ": 470
أضحكنى الدهر بما يرضى حطان بن المعلى "السريع": 269
وتقاضيته بترك التقاضي أبو تمام "خفيف": 497
يمضي فإن الكف لا السيف يقطع البحتري "طويل": 496
عليه ولكن ساحة الصبر أوسع الخريمي "طويل": 164
فما عاشق من لا يذل ويخضع المتبني "طويل": 499
وبالجن فيها، ما درت كيف ترجع المتنبي "طويل": 565
على دلال واجب لمفجع مضرس بن ربعي "طويل": 499
تمكن رضوى واطمأن متالع البحتري "طويل": 470
وطيرته عن وكره وهو واقع أبو تمام "طويل": 514
(1/650)

فيما أحب لسان حائك صنع أبو تمام "بسيط": 515
أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا حسان "بسيط": 94
غيرى بأكثر هذا الناس ينخدع المتنبي "بسيط": 139
أحلك الله منها حيث تجتمع منصور النمري "بسيط": 504
ولو أن دجلة لي عليك دموع البحتري "كامل": 548
وجعت من الإصغاء ليتًا وأخدعا الصمة القشيري "طويل": 47
علقت ممنوعا منوعًا ابن الرومي "الكامل": 493
للذي تهوى مطيعًا بعض المحدثين "الرمل": 499
وأعتقت من رقع المطامع أخدعي البحتري "الطويل": 47
وليس إلى داعي الندى بسريع الأقيشر "طويل": 150
وفي حباء وخير غير ممنوع دعبل "بسيط": 555
على ما فيك من كرم الطباع أبو تمام "وافر": 510
أن يرى مبصر ويمسع واعي البحتري "الخفيف": 156
تذكرت القربى ففاضت دموعها البحتري "الطويل": 93
من الأرض إلا أنت للذل عارف قيس بن معدان الكليبي "الطويل": 20
أخف من رد قلب حين ينصرف العباس بن الأحنف "بسيط": 494
لهم إلف وليس لكم إلاف مساور بن هند "الوافر": 236
وقد جاعت بنو أسد وخافوا "الوافر": 237 هـ
ـخالق أن لا يكنها سدف قيس بن الخطيم "المنسرح": 497
كانت فخارًا لمن يعفوه مؤتنفا أبو تمام "بسيط": 494
فهجرانها يبلى ولقيانها يشفى البحتري "الطويل": 162
هلا نزلت بآل عبد مناف مطرود بن كعب الخزاعي "الكامل": 21
إلى ضوء نار في يفاع تحرق الأعشى "الطويل" 176
(1/651)

ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا أنس بن أبي إياس الديلي "طويل": 40
بأسهم أعداء وهن صديق جرير "طويل": 495
لكن يمر عليها وهو منطلق النضر بن جوية "البسيط": 174
إننما للعبد ما رزقا العباس بن الأحنف "المديد": 355
وإنما يعذر العشاق من عشقا "بسيط": 355
تلافي في جسوم ما تلاقى المتنبي "وافر": 505
لكالبحر، مهما يلق في البحر يغرق زياد الأعجم "الطويل": 96، 536
إلى جعفر سرباله لم يمزق سلامة بن جندل "طويل": 204
له عن عدو في ثياب صديق أبو نواس "طويل": 495
كأس الكرى فانتشى المسقى والساقي أبو نواس "بسيط": 548
وما هي ويب غيرك بالعناق ذو الخرق الطهوى "الوافر": 301، 303
نظر وتسليم على الطرق محمد بن أحمد المكي "كامل": 547، 549
تحسب الدمع خلقة في المآتي المتنبى "الخفيف": 162 هـ
عن جوابي شغللك أم السليك بن السلكة "مديد": 320
أضججت هذا الأنام من خرقك أبو تمام "المنسرح": 47
خلت حقب حرس له وهو حائك أبو تمام "طويل": 553
نم وإن لم أنم كراى كراكا أبو تمام "الخفيف": 373
نجوت وأرهنهم مالكا عبد الله بن همام السلولي "متقارب": 205
وكيف يكون النوك إلا كذلك أبو الأسود الدؤلي "الطويل": 208
نواجذ أفواه المنايا الضواحك تأبط شرًا "طويل": 436
فأقرح، أم صيرتنى في شمالك ابن الدمينة "طويل": 90
إنما يجزى الفتى ليس الجمل لبيد "الرمل": 353
إن صدق النفس يزرى بالأمل"الرمل": 500
(1/652)

وإنما الموت سؤال الرجال "السريع": 256
ولا لامرئ مما قضى الله مزحل إبراهيم بن كنيف "طويل": 281
أبينا وقلنا الحاجبية أول كثير "طويل": 495
إذا ما نوى كعب وفوز جرول كعب بن زهير "طويل": 512
بخسناك حظا أنت أبهى واجمل المتنبى "طويل": 500
يفيض وصوب المزن إن راح يهطل "طويل": 506
إليه بوجه آخر الدهر تقبل معن بن أوس "طويل": 371
وقد لقحت حرب فإنك نازل المتنبي "طويل": 491
لقد رث حتى كاد ينصرم الحبل أبو علي البصير "طويل": 493
بالقول، لم يكن جسرًا له العمل أبو تمام "بسيط": 78
من راحتيك درى ما الصاب والعسل أبو تمام "بسيط": 84
وبالشباب شفيعًا أيها الرجل ابن حازم الباهلي "بسيط": 603
وهاج أهواءك المكنونة الطلل عمر بن أبي ربيعة "بسيط": 146
والليل قد مزقت عنه الساربيل حندج بن حندج المرى "بسيط": 210، 214
متيم إثرها لم يفد مكبول كعب بن زهير "بسيط": 22، 23
ـك، لما ضاقت الحيل ابن البواب "الوافر": 91، 296
أبدًا ولا يسلون من ذا المقبل "كامل": 488
صنع اللسان بهن لا أتحمل أبو حية النميري "كامل": 511، 515
ضرب تطير له السواعد أرعل الفرزدق "كامل": 295
ثهلان ذو الهضبات هل يتحلحل الفرزدق "كامل": 83
من أنها عمل السيوف عوامل المتبني "كامل": 83
والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل المتنبي "كامل": 83
ما دون أعمارهم فقد بخلوا المتنبي "المنسرح": 506
سهر دائم وحزن طويل المتنبي "الخفيف": 238
فجئت عجيب الظن للعلم موئلا بشار "طويل": 512
ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا أبو تمام "طويل": 227
بهيمًا، ولا أرضى من الأرض مجهلا أبو تمام "طويل": 484
(1/653)

علينا فأعيى الناس أن يتحولا حسان "الطويل": 311
كما عرفت بجفن الصيقل الخللا عمر بن أبي ربيعة "البسيط": 146
في رأس غمذان دارا منك محلالا أمية بن أبي الصلت "البسيط": 203
فلو فرغت لكنت الدهر شغولَا محمد بن بشير "البسيط": 493
أجنبه المساند والمحالا ذو الرمة "الوافر": 471
تهيبى ففاجأنى اغتيالا المتنبى "الوافر": 244
وفاحت عنبرًا ورنت غزالا المتبي "الوافر": 302، 450
رأيت بكاءك الحسن الجميلا الخنساء "الوافر": 181
لئيما أن يكون أصاب مالًا البحتري "الكامل": 170
وإن في السفر إذا مضوا مهلا الأعشى "منسرح": 321
دد والمجد والمكارم مثلا البحتري "الخفيف": 168
ـنة تعلو والضرب أغلى وأغلى المتنبي "الخفيف": 194
فبناها في وجنة الدهر خالًا المتنبي "الخفيف": 103
ولا ذاكر الله إلا قليلا أبو الأسود الدؤلي "متقارب": 376
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل امرؤ القيس "طويل": 363، 410، 419، 468
وأردف أعجازًا وناء بكلكل "طويل": 79، 359، 472
ثمال اليتامى عصمة للأرامل أبو طالب "طويل": 18
يحاوله قبل اعتراض الشواغل عبد الله بن الزبير "طويل": 151
لدى وكرها العناب والحشف البالي امرؤ القيس "طويل": 95، 536
ومسنونة رزق كأنياب أغوال امرؤ القيس "طويل": 117، 119
ليقتلني والمرء ليس بقتال امرؤ القيس "طويل": 119
يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي الفرزدق "طويل": 328، 340
فؤادا لكان ندى كفيك من عقلي البحتري "بسيط": 490
ومن يسد طريق العارض الهطل المتبني "بسيط": 506
جبان الكلب مهزول الفصيل المتنبي "الوافر" 264، 307، 309، 312
إلى أهل النوافل والفضول البحتري "الوافر": 499
(1/654)

إذا احتاج النهار إلى دليل المتنبي "الوافر": 491
وكنت له بمجتمع السيول أبو وجزة "الوافر": 503
صدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي "الكامل": 235
في آل طلحة ثم لم يتحول البحتري "الكامل": 311
فلو أنها بذلت لنا لم تبذل البحتري "الكامل": 493
غير الجواد وجاد غير المفضل البحتري "الكامل": 496
ما الحب إلا للحبيب الأول أبو تمام "الكامل": 495
لا يسألون عن السواد المقبل حسان "الكامل"488
عفا من بعد أحوال الوليد بن يزيد "الهزج": 238
أبتاع إلا قريبة الأجل ابن هرمة "المنسرح": 264هـ، 268، 309، 312، 427، 431
فوق طير لها شخوص الجمال المتبني "الخفيف": 434
بعدها بالآمال جد بخيل محمد بن يسير "الخفيف": 57، 61
فسقى وجوه بني حنبل زهير بن عروة، السكب "متقارب": 313
وتأبى الطباع على الناقل المتنبي "متقارب": 423، 424، 428
فأثنت بإحسانك الشامل المتنبي "متقارب": 505
زيادًا ولم تقدر على حبائله "طويل": 210 هـ
لجاد بها فليتق الله سائله بكر بن النطاح "طويل": 506
فحاولت ورد النيل عند حتفاله البحتري "طويل": 495
نير وأطراف الأكف غنم المرقش "سريع": 535
يسير ضاحي وشبها وينمنم البحتري "طويل": 516
ويقضي له بالسعد من لا ينجم المتنبي "طويل": 492
يكلمه من حبه وهو أعجم ابن هرمة "طويل": 309
(1/655)

غدا العفو منه وهو للسيف حاكم أبو تمام "طويل": 506
أجدت لغزو إنما أنت حالم فتب بن حصن "طويل": 357، 358
وفي أذن الجوزاء منه زمازم المتنبي "طويل": 436
وهن لما يأخذن منك غوارم المتنبي "طويل": 506
زيارته إني إذن للئيم عمارة بن عقيل "طويل": 117
وجدته حاضراه الجود والكرم "الأخطل" "بسيط": 204
يوم قديديمة الجوزاء مسموم علقمة بن عبدة "بسيط": 205، 214
وغدًا لغيرك كفها والمعصم "الكامل": 13
فإذا أبان قد رسا ويلملم أبو تمام "الكامل": 470
بعثوا إلى عريفهم يتوسم طريف بن تميم العنبرى "الكامل": 176
صبر وأن أبا الحسين كريم أبو تمام "الكامل": 225
وغابت الجوزاء والمرزم إسماعيل بن يسار "السريع": 548
برداك تبجيل وتعظيم ابن الرومي "السريع": 212
لا صغر عاذر ولا هرم المتنبي "المنسرح": 496
أنهم أنعموا وما علموا "المنسرح": 498
غير أن الشباب ليس يدوم حسان "خفيف": 604
ـب كأن القتال فيها ذمام المتنبي "خفيف": 491
هي الأنجم اتادت مع الليل أنجما البحتري "طويل": 516
أو الزرق من تثليث أو بيلملما حميد بن ثور "طويل": 166
شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما عمرة الخثعمية "طويل": 131
شباب يوم لقاء البيض ما ندما البحتري "بسيط": 491
لما تخرم أهل الأرض مختر ما أبو تمام "بسيط": 523
تركت ضمير قلبي مستهامًا جرير "الوافر": 158
وعمى مالك وضع السهاما حاجز بن عوف الأزدي "الوافر": 297
أعطاك معتذرًا كمن قد أجرما المتنبي "الكامل": 490
إذا لا تريد لما أريد مترجما "الكامل": 497
يفره ومن لا يتق الشتم يشتم زهير "طويل": 593
خروجي منها سالمًا غير غارم عمارة بن الوليد "طويل": 13، 14
(1/656)

علاطًا، ولا مخبوطة في الملاغم الفرزدق "طويل": 293، 396
أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم البحتري "طويل": 171
وسورة أيام حززن إلى العظم البحتري "طويل": 171
تغص به عيني ويلظفه وهمي أبو نواس "طويل": 551
قالت: عسى، وعسى جسر إلى نعم ربيعة الرقى "البسيط": 79
أو كابن طارق حول البيت والحرم ابن شرمة القاضي "البسيط": 165
شكوى الجريح إلى الغربان والرخم المتبني "البسيط": 552
ومسلمة بن عمرو من تميم "وافر": 313
وكنا قبل ذلك في نعيم أعشى همدان "وافر": 209
لمختبر على الشرف القديم أبو تمام "وافر": 491
ينفثن في عقد اللسان المفحم أبو تمام "الكامل": 503
غردًا كفعل الشارب المترنم عنترة "الكامل": 603
فإذا رميت يصيبنى سهمي الحارث بن وعلة "الكامل": 253
من غيره ابتغيت ولا أعلام أبو تمام "الكامل": 491
ردته في عظتي وفي إفهامي على بن جبلة "الكامل": 505
ـر، وما فيك آلة الحكام "الخفيف": 254
بأن تسعدا، والدمع أشفاه ساجمه المتنبي "الطويل": 83
ضدين أسهره لها وتنامه البحتري "الكامل": 490
إذا أصبحت بيد الشمال زمامها لبيد "الكامل": 67، 435
كرام بنى الدنيا وأنت كريمها البحتري "طويل": 469
وأنت إذا عدت كليب لئيمها البعيث "طويل": 469
بخير وقد أعيا كليبًا قديمها البعيث "طويل": 469
بخير وما كل العطاء يزين امية بن أبي الصلت "طويل": 494
تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن المتبني "بسيط": 284
سمطان فيها اللؤلؤ المكنون أبو تمام "الكامل": 515
أبدًا وما هو كائن سيكون ابن أبي عيينة "الكامل": 185
غدا والليث غضان الفندالزماني "هزج": 557
(1/657)

وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا الفضل بن العباس "بسيط": 226
ثم الفول فقد جئنا خراسانا العباس بن الأحنف "بسيط": 90
وأبنا بالرماح قد أنحنينا عبد الشارق بن عبد العزى "الوافر": 210
قوافي تعجب المتمثلينا أبو شريح العمير "الوافر": 513
فأين تقولها أينا عروة بن أذينة "الهزج" [أو الوافر]: 130
نما نقتل إيانا لبعض اللصوص "الهزج": 342، 343
ما قطر الفارس إلا أنا عمرو بن معد يكرب "السريع": 337، 338
إذا لم تكارمني صروف زماني "الطويل": 184
لعوقة شيء عن الدوران المتنبي "طويل": 48
شبيب وأوفى من ترى أخوان المتنبي "طويل": 495
وحيثما يك أمر صالح يكن زهير "بسيط": 310
جدى الخصيب عرفنا العرق بالغصن المتنبي "بسيط": 491
يخلو من الهم أخلاهم من الفطن المتنبي "بسيط": 499
لصيق روحي ودان ليس بالداني أبو تمام "بسيط": 505
وخبب البازل الأمون سلمى بن ربيعة "بسيط": 320
نسيم لا يروع الترب وإن سوا بن المضرب "الوافر": 76
تنحلها ابن حمراء العجان الفرزدق "الوافر": 469
أطار قلوب أهل المغربين أبو تمام "الوافر": 492
إذ لا نبيع زماننا بزمان جرير "الكامل": 92
هيجاء غير الطعن في الميدان المتنبي "الكامل": 193
فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني شمر بن عمرو الحنفي "الكمل": 206
لزمان يهم بالإحسان "الخفيف": 320
أودعاني أمت بما أودعاني شمسويه البصري "الخفيف": 523
ما له إلا ابن يحيى حسنة أبو هفان "الرمل": 505
حتى يسلمها إليه عداه البحتري "الكامل": 331، 492
فيما أرت، لرجوت ما أخشاه البحتري "الكامل": 485، 486
(1/658)

سواك يا فردًا بلا مشبه المتنبي "السريع": 1396
أعق من الجاني عليها هجائيًا الفرزدق "طويل": 534، 544
وللسيف أشوى وقعة من لسانيا جرير "طويل": 179
تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا أبو حية النميرى "طويل": 48
فسيفك في كف تزيل التساويا المتنبي "طويل": 496
ومن قصد البحر استقل السواقيا المتنبي "طويل": 496
مريبة وشب ابن الخصى أبو تمام "الوافر": 420
ديني وفاعلة خيرًا فأجزيها جميل "البسيط": 150
يروق ويصفو إن كدرت عليه أبو العتاهية "الطويل": 185
الألف المقصورة
إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى عمر بن أبي ربيعة "الطويل": 47
على الأضعف الموهون عادية الأقوى البحتري "طويل": 94
يومًا فتدركه العواقب قد نمى سعية بن غريض، وغيره "الكامل": 19
الأرجاز
تعرفه الأرسان والدلاء "رجز": 21
إن غناء الإبل الحداء "رجز": 273، 316
والبين محجوز على غرابه "رجز": 102
حملته في رقعة من جلدي بشار "رجز": 78
وأذن الصبح لنا في الأبصار ابن المعتز "رجز": 77
وليس قرب قبر حرب قبر "رجز": 57
(1/659)

على ذنبًا كله لم أصنع أبو النجم "رجز": 278
إنك إن كلفتني ما لم أطق "رجز": 160 هـ
ظرف عجوز يه ثنتا حنظل خطام الريح المجاشعي "رجز": 380
وعلمته الكر والإقداما النابغة "رجز": 557
فنام ليلى وتجلى همي رؤبة "رجز": 294، 463
قد أغتدى والطير لم تكلم "رجز": 136
نذير في إقباله أيامه أبو العتاهية "رجز": 498
فإن في أيماننا نيرانا بعض العرب "رجز": 299
وحاتم الطائي وهاب المئى امرأة بن عقيل "رجز": 195
سقته كف الليل أكواس الكرى "رجز": 461
حتى نجا من خوفه وما نجا "رجز": 523
صدور أبيات ذكر تمامها
ألست ابن الألى سعدوا وسادوا المتنبي "الوافر": 188
ألستم خير من ركب المطايا جرير "الوافر": 188
حنق على بدر اللجين" المتبني "كامل": 586
سقتها خروق في المسامع "الفرزدق" "الطويل": 396
"لا أمتع العوذ بالفصال" ابن هرمة "المنسرح": 264 هـ
ما كل ما يتمنى المرء يدركه المبتني "بسيط": 284
نحن في المشتاة ندعو الجفلى طرفة "الرمل": 35
وليس لسيفي في العظام بقية جرير "طويل": 179
وما أنا وَحدي قلتُ ذا الشعرَ كلَّهُ المتنبي "طويل": 125
"يصيب ولا يدري" أبو الأسود "طويل": 208
(1/660)

فهرس الشعراء:
إبراهيم بن العباس "الصولي": 86، 149
إبراهيم بن كنيف النبهاني: 281
إبراهيم بن المهدي: 486
إبراهيم بن هرمة "ابن هرمة"
أحمد بن أبي فتن: 286
الأخطل: 204
الأخنس بن شهاب التغلبي: 130
أرطأة بن سهية: 209، 425
إسحق بن حسان السعدي "الخريمي"
إسماعيل بن يسار: 548
أبو الأسود الدؤلي: 149، 208، 376، 592، 597
الأعشى: 19، 176، 180، 194، 321
أعشى همدان: 209
الأغر الشاعر: 87
الأفوه الأودي: 597
الأقيشر: 150
امرؤ القيس: 79، 95، 119، 359، 363، 410، 419، 468، 471، 472، 536، 590، 591 - 594، 597، 603
أمية بن أبي الصلت: 203، 494
أنس بن أبي إياس الديلي: 40
الباخرزي: 355
البحتري: 47، 85، 93، 94، 156، 162، 163، 166، 168، 171، 198، 252، 253، 299، 300، 311، 469، 470، 485، 491 - 500، 506، 508، 516، 517، 548، 549، 553، 554، 565، 595، 604
بشار بن برد: 78، 96، 185، 203، 219، 272، 316، 319، 410، 492، 504، 510، 512، 513، 536، 602، 603
أبو البرج "القاسم بن حنبل"
بشر بن أبي خازم: 32
بعض اللصوص: 342، 343
البعيث: 469
بكر بن النطاح: 151، 152، 506
ابن البواب: 91، 296
تأبط شرًا: 436
أبو تمام: 14، 47، 57، 60، 78، 84، 104، 139، 225، 227، 313، 371، 373، 406، 470، 484، 491 - 498، 501، 503، 504، 505، 506، 507، 514، 515، 516، 523، 524، 553، 554، 595
تميم بن أبي بن مقبل: 512
ثعلبة بن صعير المازني: 77
(1/661)

جرير: 92، 158، 179، 188، 495، 578، 595، 607
جميل: 149، 150، 188
جندب بن عمار: 236
الجوهري "علي بن أحمد الجرجاني": 167
حاجز بن عوف الأزدي: 297
الحارث اليشكرى: 592
ابن حازم "محمد بن حازم": 603
حجل بن نضلة: 326
حجية بن المضرب السكوني "أبو حوط": 184
أبو حرجة الفزاري: 358
أبو حزابة "الوليد بن حنيفة": 149
حزاز بن عمرو: 567
حسان بن ثابت: 17، 19، 94، 181، 311، 488، 515، 604
حطان بن المعلي: 269
الحطيئة: 251، 331، 471، 488، 564، 593
أبو حفص الشطرنجي: 90
الحكم بن قنبر: 462
حميد بن ثور: 166
حندج بن حندج المرى: 210، 214
أبو حية التميرى: 47، 48، 511، 515
خالد الكاتب: 492
خالد بن يزيد بن معاوية: 209
الخالدي "سعيد بن هاشم": 104
أبو خارش الهذلي: 470
الخريمي "أبو يعقوب، إسحاق بن حسان بن قوهي السعدي": 164، 169، 498، 511
خطام الريح المجاشعي: 380
الخنساء: 181، 300 - 302
أبو دؤاد الإيادي: 91، 205، 6 - 3، 597
دجاجة بن عبد قيس التيمي: 74
درماء بنت سيار الخثعمية: 131
دعبل الخزاعي: 282، 555
ابن الدمينة: 90
أبو دهبل الجمحي: 461
أبو ذؤاب، ربيعة بن عبيد الأسدي: 253
ذو الإصبع العدواني: 342، 343
ذو الخرق الطهوي: 301، 303
ذو الرمة: 147، 170، 274، 275، 276، 471
رؤية: 293، 463
ربيعة الرقى: 78، 79
ابن الرومي: 183، 184، 493، 504، 554
زياد الأعجم: 96، 306، 536
زياد بن حنظلة التميمي "الصحابي": 89
زهير بن أبي سلمى: 134، 310، 593، 594
زهير بن عروة بن جلهمة "السكب": 313
سبيع بن الخطيم التيمي: 74، 99
سعد بن ناشب المازني: 220
سعية بن غريض اليهودي: 20
سعيد بن هاشم "الخالدي"
(1/662)

أبو سفيان بن الحارث: 208
السكب "زهير بن عروة بن جلهمة"
سلامة بن جندل: 204
سلمى بن ربيعة التيمي: 320
أم السليك بن السلكة: 320
سليم بن سلام الكوفي المغني: 91
سليمان بن داود القضاعي: 93، 94
سهم بن حنظلة: 485
سوار بن المضرب: 76
السيد الحميري: 344
ابن شبرمة "عبد الله بن شبرمة": 165
شبيب بن البرصاء: 308
أبو شريح العمير: 513
أبو الشغب "عكرشة العبسي": 208
شمر بن عمرو الحنفي: 206
شمسوية البصرى: 523
الشنفرى: 253، 310
الصمة بن عبد الله القشيري: 47
الصولي "إبراهيم بن العباس": 86
طرفة: 135، 166
طريف بن تميم العنبري: 176
طفيل الغنوي: 158
عامر بن حطان "أخو عمران" الخارجي:
501، 507
عامر بن الطفيل: 19
العباس بن الأحنف: 90، 268، 355، 494
عبد الله بن رواحة: 17
عبد الله بن الزبير الأسدي: 149، 151
عبد الله بن شبرمة القاضي "ابن شبرمة"
عبد الله بن محمد "ابن أبي عيينة"
عبد الله بن مصعب: 509
عبد الله بن همام السلولي "ابن همام"
عبد الله بن يحيى بن المبارك "اليزيدي"
عبد الرحمن بن حسان: 604
عبد الشارق بن عبد العزى الجهني: 210
عبد الصمد بن المعدل: 91، 274
أبو العتاهية: 185، 498، 503، 510
العجاج: 321
عدي بن الرقاع: 512
عروة بن أذينة: 130
أبو عطاء السندي: 269
عقال بن هشام القينى: 514، 599
امرأة من بني عقيل: 195
عكرشة العبسى "أبو الشغب"
علقمة بن عبدة الفحل: 205، 214، 591
علي بن أحمد الجرجاني "الجوهري"
علي بن جبلة~: 505
عمارة بن عقيل: 117
عمر بن أبي ربيعة: 47
عمرة الخثعمية: 131
عمرو بن معد يكرب: 147، 148، 157، 337، 338
عنترة: 603
ابن عنقاء الفزاري: 148
ابن أبي عيينة طعبد الله بن محمد": 121، 185
(1/663)

فرات بن حيان: 208
الفرزدق: 83، 95، 211، 293، 295، 328، 340، 374، 396، 425، 469، 470، 513، 534، 544، 578، 595
الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: 226
الفند الزماني: 558
القاسم بن حنبل المرى "أبو البرج": 148
قنب بن حصن: 357، 358
القطامي: 535، 603
ابن قيس الرقيات: 331، 357
قيس بن الحطيم: 497
قيس بن معدان الكليبي: 20
كثير: 94، 495، 497
كعب بن زهير: 17، 22، 23، 512
الكميت: 310
الكندي الشاعر: 506
لبيد بن ربيعة: 67، 353، 435، 485، 497، 498، 500
أبو ليلى "النابغة الجعدي": 21
مالك بن رفيع: 207
المتنبي: 48، 83، 103، 104، 125، 138، 139، 162، 188، 190، 193، 194، 198، 238، 244، 284، 302، 302، 331، 423، 427، 428، 434، 436، 450، 489، 491، 492، 495 500، 505، 506، 508، 510، 551، 552، 556، 564، 565، 568
محرز بن المكعبر: 74
محمد بن أحمد بن أبي مرة المكي: 547
محمد بن بشير: 493
محمد بن حازم البالهي "ابن حازم": 603
محمد بن سعد الكاتب التميمي: 149
محمد بن وهب: 325
محمد بن يسير الرياشي: 57، 60
المرقش: 535
مروان بن أبي حفصة: 254
مساور بن هند العبسي: 236
مسكين الدارمي: 207
مسلم بن الوليد: 252، 271، 493
المسيب بن علس: 203
مضرس بن ربعي: 499
ابن المعتز: 77، 98، 103، 104، 505،
معن بن أوس: 494
منصور النمري: 504
موسى بن جابر الحنفي: 148، 149
ابن ميادة: 514، 599
النابغة الجعدي "أبو ليلى": 21، 22، 137، 301
النابغة الذبياني: 97، 268، 501 - 503ـ 557، 567، 593، 594
نافع "نويفع" بن لقيط الفقعسى: 500
أبو النجم: 278
أبو نخيلة: 484
(1/664)

نصيب: 309، 312، 511
النضر بن جوبة: 174
أبو نواس: 196، 252، 268، 271، 296، 310، 312، 325، 424، 428، 450، 470، 495، 501 - 503، 509/ 548، 553
ابن هرمة "إبراهيم بن هرمة": 264، 309، 312، 427، 431.
أبو هفان: 505
ابن همام السلولي "عبد الله بن همام": 205 - 207
الوأواء الدمشقي: 449، 451
واثلة بن خليفة السدوسي: 203
أبو وجزة السعدي: 503
ورقة بن نوفل: 20
الوليد بن حنيفة "أبو حزابة"
الوليد بن يزيد: 238
يحيى بن المبارك العدوي "اليزيدي"
يزيد بن الحكم: 308
يزيد بن مسلمة بن عبد الملك: 75
اليزيدي "عبد الله بن يحيى بن المبارك": 91
اليزييدي "يحيى بن المبارك العدوي": 237
ابن يسير "محمد": 57
"أبو يعقوب" "الخريمي" "إسحاق بن حسان ابن قوهي".
(1/665)

فهرس الأعلام:
الآمدي "أبو القاسم": 553
الأخفش "أبو الحسن": 19، 317
الأصمعي: 272
ابن الأنباري: 315
الأنصار: 158
أنيس، أخو أبي ذر: 584
أهل الردة: 158
بجير بن زهيربن أبي سلمى: 22
البرامكة: 314
البرج بن مسهر الطائي "الخارجي": 15
أبو بكر السراج: 220
أبو بكر الصديق، 17، 18، 21، 89، 158
تيم تميم: 20، 21
تيم قريش: 20، 21
ابن ثوابة: 253
ثعلب أبو العباس: 252، 253، 271، 315، 458، 459
الجاحظ: 15، 78، 97، 169، 251، 255، 256، 272، 389، 398، 482، 508، 511، 576، 590، 600، 606
بنو جعفر بن كلاب: 185
أم جندب "امراة امرئ القيس": 591
ابن جني: 564
أبو جهل بن هشام بن المغيرة: 581
الحارث بن وعلة الذهلي: 253
الحجاج: 308، 398، 500، 501
ابن أبي حد رد الأسلمي: 19
الحسن البصري: 19، 317
أبو الحسن الفارسي "شيخ عبد القاهر": 147
حفصة أم المؤمنين: 20
حماد الراوية: 594
الخارجي "البرج بن مسهر": 15
خالد بن صفوان: 576، 600
خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي: 209
خالد بن الوليد: 89
خلف الأحمر: 272، 277، 319
الخليل: 606
الخوارج: 500
داحس والغبراء: 169
أبو ذر: 584
الرشيد: 90
الرماني: 434
الزبير بن بكار: 21
(1/666)

ابن الزيات: 511
زيد بن ثابت: 13
أبو سفيان بن حرب: 19
سودة نبت زمعة أم المؤمنين: 20
سيبويه: 107، 131، 145، 146، 351، 352، 604 - 606
ابن شبرمة "عبد الله": 274، 275، 277 الشبعي: 189
الصاحب بن عباد: 554، 55
ضمرة بن ضمرة: 534
أبو طالب: 17، 18
طاوس: 15
عائشة أم المؤمنين: 19، 20، 21
عباد بن ورقاء: 209
ابن عباس: 593
أبو العباس "ثعلب"
عبد الله بن عتيك: 404
عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني: 483
عبد الملك بن عمير: 13، 14
عُبَيْدَ الله بنَ عبدِ الله بنِ طاهرٍ: 252
أبو عبيدة: 594
عتبة بن ربيعة: 583، 584
عدي تميم: 20، 21
عدي قريش: 20، 21
العسكري "أبو هلال": 470
عصام بن شهبرة الجرمي: 557
علقمة بن علانة: 19
أبو علي الفارسي: 204، 328، 373
علي بن أبي طالب: 15، 404، 592، 597، 600
علية، أخت الرشيد: 90
عمارة بن الوليد: 13، 14
عمر بن الخطاب: 13، 593
عمرو الوراق: 502
أبو عمرو الشيباني: 255، 256
أبو عمرو بن العلاء: 272
عنبسة: 274
غريض اليهودي: 20
"أبو الفضل" ابن العميد: 554، 55
القاضي عبد الجبار المعتزلي: 63، 394، 395، 454، 456، 466، 467
القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني:
434، 509
قطرى بن الفجاءة: 500
قيس بن خارجة بن سنان: 169
قيصر: 19
كرز بن وبرة الحارثي العابد: 165
الكندي الفيلسوف: 315، 319
بنو لؤى: 13
(1/667)

محمدبن أبي بكر الصديق: 13
محمد بن جعفر بن أبي طالب: 13
محمد بن حاطب: 13
محمد بن طارق، العابد: 165
محمد بن طلحة بن عبيد الله: 13
محمد بن كعب القرظي: 583
محمد بن مسلمة الأنصاري: 19
محمد بن يوسف الثقفي "أخو الحجاج": 15
المرزباني: 13، 158، 485، 502
مروان بن محمد: 440
مسروق: 18
ابن مسعود: 388، 389
مسلمة بن عبد الملك: 484
مصعب بن الزبير: 207
مطرود بن كعب الخزاعي: 21
المنصور: 594
النعمان بن المنذر: 534، 557
نمورذ: 113
النمري "أبو عبد الله": 567
الوليد بن عتبة بن المغيرة: 585
الوليد بن [عقبة]؟: 585
الوليد بن المغيرة: 388، 581، 585
يحيى بن يعمر: 398
يزيد بن المهلب: 308، 398
يزيد بن الوليد: 440
(1/668)

فهرس الأماكن:
أبرق العزاف: 22
إصبهان: 209
الحجاز "أهل الحجاز": 593
الكناسة: 274
اليمن: 13، 15
يوم بدر: 18
فهرس الكتب:
"إصلاح المنطق": 203
"الإغفال"، لأبي على الفارسي: 204
"الألفاظ الكتابية"، لعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني: 483
"التذكرة"، لأبي على الفارسي: 373
"الجمهرة"، لابن دريد: 50
"الشيرازيات"، لأبي على الفارسي: 328
"صنعة الشعر"، لأبي هلال العسكري: 470
"الفصيح"، لثعلب: 458
"الكتاب" "سيبويه" في الإعلام
"كتاب البيان والتبيين": 169
"كتاب البيان والتبيين"، للجاحظ: 398
"كتاب الشعر والشعراء"، للمرزباني: 158، 485، 486
"كتاب العين"، للجاحظ: 389
(1/669)

فهرس الأمثال والأقوال:
"شر أهر ذا ناب": 143، 144
"الحبيب أنت إلا أنه غيرك"، بعض الحكماء: 190
"رجع عوده على بدئه": 218
"كلمته فوه إلى في": 218
"قتل البعض إحياء للجميع": 261، 390
"إن مالًا" و "إن ولدًا" و "إن عددًا" و "إن غيرها إبلًا وشاء": 321
"مات حتف أنفه": 404
"المرء بأصغريه، إن قال قال بيان، وإن صال صال بجنان"، ضمرة بن ضمرة: 534
(1/670)

فهرس دلائل الإعجاز:
المقدمة:
المدخل في دلائل الإعجاز، من إملاء عبد القاهر
كتاب "دلائل الإعجاز".
3 - خطبة الكتاب
4 - بيان في فضل العلم
5 - علم البيان، وما لحقه من الضيم والخطأ، ومقالة من ذم الشعر والنحو، وبيان منزلتها من إعجاز القرآن، والرد على بعض المعتزلة في مقالتهم في إعجاز القرآن.
11 - فصل، في الكلام على من زَهد في رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعلمه وتعلمه، وحجج عبد القاهر في الرد عليهم.
15 - الدفاع عن الشعر، وبيان ما جاء في الأحاديث من ذمه ومن مدحه.
17 - أَمرَه صلى الله عليه وسلم بقول الشعر، وسماعه إياه وإنشاده، وعلمه به وارتياحه لسماعه.
24 - عله منعه صلى الله عليه وسلم من الشعر
26 - تمام الدفاع عن الشعر، وتعلق من ذمه بأحوال الشعراء
28 - تفنيد كلام من زهد في النحو واحتقره
33 - ذم عبد القاهر لهل زمانه
43 - سبب تأليف كتاب "دلائل الإعجاز"
35 - فاتحة القول في "الفصاحة" و "البلاغة"
38 - دليل الإعجاز، والرد على المعتزلة
41 - استحسان الكلام كيف يكون
43 - فصل في تحقيق القول في "الفصاحة" و "البلاغة"، وقضية "اللفظ" عند المعتزلة، وبيان فسادها
46 - "اللفظ" الواحد يقع مقبولًا ومكروهًا
49 - فصل في الفرق بين قولنا "حروف منظومة"، و "كلم منظومة"، وبيان معنى "النظم"، ورد شبهة فيه
55 - فصل، في أن النظم هو توخي معاني الإعراب
(1/671)

57 - فصل، في الرد على من يقول: "الفصاحة للفظ وتلاؤم الحروف"
63 - الرد على القاضي عبد الجبار المعتزلي في مسالة اللفظ، وقوله: "إن المعاني لا تتزايد، إنما تتزايد الألفاظ"
66 - فصل في "اللفظ" يطلق والمراد به غيرُ ظاهره، وبيان في "الكناية" و "المجاز" و "الاستعارة"، وقاعدة "التشبيه" و "التمثيل"
70 - فصل في "الكناية"، و "الاستعارة" و "التمثيل"
74 - فصل في "الاستعارة" وبدائعها
80 - القول في "النظم" وتفسيره، وأه توخي معاني النحو
83 - شواهد على فساد "النظم"، وشواهد على محاسنه
87 - فصل في أن مزايا "النظم"، تابعة للمعاني والأغراض، وصفة النظم"، وشواهد من محاسنه
93 - فصل في "النظم" يتحد في الوضع، ويدق5 فيه الصنع، وشواهد على ما يوصف بالفضل لمعناه لا لنظمه
98 - كيف تشتبه المزية في "اللفظ"، والمزية في "النظم، وأمثلة هذه الشبهة في "الاستعارة" والقول في تتابع الإضافات
106 - فصل في القول في التقديم والتأخير، وهو باب كثير الفوائد. بيان في التقديم للعناية والاهتمام، وأنه لا يكفي أن يقال: "قدم للعناية"، وخطأ تقسيم التقديم والتأخير إلى مفيد وغير مفيد.
111 - مسائل في الاستفهام، في التفرقة بين تقديم ما قدم وتأخير ما أخر، وفي الأسماء والأفعال - "الاستفهام بالهمزة، والفعل ماض"
113 - "الاستفهام" للتقرير، والإنكار، والتوبيخ، في الأفعالوالأسماء، والفروق في ذلك
116 - "الاستفهام"، تقديم الفعل وهو مضارع، وتفسير معناه
117 - "الاستفهام"، تقديم الاسم، والفعل مضارع، وتفسير الاستفهام الدال على الإنكار
121 - "الاستفهام"، تقديم الاسمالمفعول والفعل مضارع، وأقسامه
124 - فصل، فيه مسائل في النفي، مع التقديم والتأخير، وتقديم الفاعل، وتقديم المفعول
128 - فصل في التقديم والتأخير في "الخبر المثبت"، وهو قسمان جلي، وخفي
131 - تقديم المحدث عنه يفيد التنبيه والتحقيق والتأكيد، ومعاني ذلك
135 - تقديم المحدث عنه بعد "واو الحال"
138 - تقديم المحدث عنه في الخبر المنفي تقديم "مثل" و "غير"، لازم، ومعنى ذلك
140 - دستور في التقديم والتأخير في الاستفهام والخبر
(1/672)

142 - تقديم النكرة على الفعل في الاستفهام، وتقديمها في الخبر
146 - فصل، القول في "الحذف"، وهو باب دقيق المسلك، حذف المبتدأ، وحذف الفعل
147 - المواضع التي يطرد فيها المبتدأ، وأمثلته. وخلاصة في شأن ما يحذف
153 - القول في حذف المفعول به، وقاعدة ضابطة في حذف الفاعل والمفعول
154 - الأغراض في ذكر الأفعال المتعدية. القسم الول في حذف المفعول، لإثبات معنى الفعل لا غير
155 - القسم الثاني، حذف مفعول مقصود لدلالة الحال عليه، وهو قسمان: جلي، وخفي - "الخفيط، هو الذي يدخله الصنعة، وأمثلة الخفي وأنواعه وبيانه، و "الإضمار على شريطة التفسير"
164 - متى يكون إظهار المفعول أحسن من حذفه
166 - أمثلة ما يعلم أنه ليس فيه لغير الحذف وجه
171 - فصل، في مثال آخر عجيب في "الحذف"
173 - فصل، في القول على فروق في "الخبر": خبر جزء من الجملة، وخَبرٍ ليس بجزءٍ منَ الجملة، ولكنه زيادةٌ في خبر آخر سابق له، كالحال والصفة
174 - الفرق الثاني، هو الفرْقُ بينَ الإثباتِ إذا كان بالاسم، وبينه إذا كان بالفعل، ومثاله
175 - الفرق بين الخبر إذا كان صفة مشبهة، وإذا كان فعلًا
176 - أمثلة الفرق بين الخبر إذا كان فعلًا، وبينه إذا كان اسمًا
177 - فروق الخبر في الإثبات وأمثلته ومعناه
178 - إذا كان الخبر نكرة جاز أنتعطف على المبتدأ مبتدأ آخر
179 - الخبر معرفًا بالألف واللام، على معنى الجنسن، وله وجوه مختلفة
- الوجه الأول: أن تَقْصُرَ جنْسَ المعنَى على المُخْبَر عنه للمبالغة
180 - الوجه الثاني: أن تقصر جنس المعنى، على دَعوى أنه لا يُوجَدُ إلا منه
181 - الوجه الثالث: أن تقره في جنس ما حسن الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد
182 - الوجه الرابع: وهو دقيق المسلك، وهو الذي سماه الموهوم" وبيانه وأمثلته
184 - "الموهوم"، وغلبة "الذي" عليه وأمثلته
(1/673)

186 - الفرق بين "المنطق زيد"، و "زيد المنطلق"، والمبتدأ والخبر معرفتان، وأمثلته وبيانه، معرمعرفة أن ليس المتبدأ متبدأ لتقدمه، بل لأنه مسند إليه، والخبر خبر لأنه مسند ثبت به، وبيان ذلك وأمثلته
192 - أسماء الأجناس تتنوع إذا وصفت، وهو أصل يجب إحكامه
193 - وأيضًا "المصادر" تتفرق بالصلة، كما تتفرق بالصفة، وكذلك الاسم المشتق أيضًا
195 - "الألف واللام" الدالة على الجنسية، لها مذهب في الخبر، غير مذهبا في المبتدأ، ووجوه هذا المعنى
199 - فصل في "الذي" خصوصًا، وفيه أسرار جمة ومجيء "الذي لوصف المعارف بالجمل
200 - "الذي" ننوصل بجملة معلومة للسامع و "الذي" يأتي بعدها جملة غير معلومة للسامع
202 - فصل، فروق في الحال، لها فضلُ تعلّقٍ بالبلاغة "الحال" ومجيئها جملة مع الواو تارة وغبير الواو تارة، وأمثلة ذلك
204 - جملة الحال والفعل مضارع مثبت غير منفي، لا تكاد تجيء بالواو
205 - مجيء جملة الحال فعلًا مضارعًا ومعه الواو
207 - مجيء المحال مضارعًا منفيًا يكثر في الكلام، وأمثله
208 - مجيء الحال مضارعًا منفيًا يكثر أيضًا ويحسن، وأمثلته
209 - الماضي يجيء حالًا بالواو وغير الواو مقرونًا مع "قد"
210 - "ليس"، مجيء جملتها حالًا، الأكثر الأشيع اقترانها بالواو، ومثال مجيئها بغير الواو فكان له حسن ومزية
210 - "ليس" مجيء جملتها حالًا، الأكثر الأشيع اقترانها بالواو، ومثال مجيئها بغير الواو فكان له حسن ومزية
211 - مجيء جملة الحال بغير "واو" من أجل حرف دخل عليها، فصارت لها مزية
212 - العلة في اختلاف الجمل الواقعة حالًا، في مجيئها بالواو وغير الواو، وأن المسلك إليها غامض، وأن الأصل المودي إلى تبين العلة هو "الإثبات"، لا يتم إلا بمعرفة أن الخبر نوعان: خبر جزء من الجملة، وخبر ليس بجزء منها.
213 - جملة الحال وامثتناعها من الواو، وتفسير ذلك وأمثلته
215 - دخول الواو على جملة الحال وبيانه وتفسيره
218 - القياس أن لا تَجيءَ جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ إلا مع الواو، وعلة ترك مجيء الواو في هذه الجمل
220 - الكلام في الظرف، وتأويل مجيئه خبرًا
(1/674)

222 - فصل، القول في الفصل والوصل
- من أسرار البلاغة، عطف الجمل بعضها على بعض، أو ترك العطف
- عطف المفرد، والجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين: الأول أن يكون للمعطوف عليها موضع في الإعراب، وحكمها حكم المفرد، الثاني: أن تَعطِفَ على الجملةِ العاريةِ الموضعِ من الإعراب، جملة أخرى، وهو موضع الإشكال في العطف بالواو دون غيرها، وبيان ذلك وتفسيره.
226 - عطف الجمل بالواو، ومكان الصلة بينهما، والقوانين في فصل الجمل ووصلها
227 - الصفة والتأكيد لا تحتاج إلى شيء يصلها بالموصوف أو المؤكد، وأمثلة ذلك
230 الإثبات بالحرفين "إن" و "إلا"
231 - الجملة يظهر فيها وجوب العطف، ثم يترك العطف لعارض بجعلها كالأجنبية، وأمثلة ذلك
233 - لا يعطف الخبر على الاستفهام بيان العطف على جواب الشرط
235 - ما يوجب الاستئاف وترك العطف، وأمثله
240 - ما جاء في التنزيلِ من لفظِ "قال"، مَفصولاً غيرَ معطوف
243 - فصل، في أن ترك العطفِ يكونُ إمَّا للاتصالِ إلى الغاية، أوِ الانفصال إلى الغايةِ، والعطفُ لما هو واسطةٌ بين الأمرين
244 - فصل دقيق، الجملة لا تعطف على ما يلهيا، ولكن تعطف على جملة بينها وبينها جملة أو جملتان
245 - بيان في العطف في الشرط والجزاء، وبيان ذلك
249 - فصول شتى في أمر "اللفظ" و "النظم"، فيها شحذ للبصيرة، وزيادة كشف عما فيها من السريرة
فصل، غلط بعض من يتكلم في شأن "البلاغة"، لأنه ليس في جملة الخفايا أغرب مذهبًا في الغموض من مزايا البلاغة، وأن ما قاله العلماء في صفة "البلاغة" رموزٌ لا يَفْهمُها إلاَّ مَنْ هُوَ في مثل حالهم من لطف الطبع، ومثاله.
251 - كلام الجاحظ في شأن إعجاز القرآن، وما غلط فيه من قدم الشعر باملعنى، وأقل الاحتفال باللفظ
252 - معرفة الشعر وتمييزه، والأخبار في ذلك
(1/675)

254 - سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة
255 - قول الجاحظ: إن المعاني مطروحة في الطريق، وتفسير هذا وبيان صحته
258 - فصل، لا يكونُ لإِحدى العبارتين مزيةٌ عَلَى الأُخرى، حتى يكونَ لها في المعنى تأثيرٌ لا يكو لصاحبتها، ومرجع ذلك إلى أن يتوخى في نظم اللفظ وترتيبه
259 - فصل، وهو فن يرجع إلى هذا الكلام، وتفصيل البيان في العبارتين تظن أنهما يؤديان معنى واحدًا
262 - فصل، الكلام ضربان: أحدهما تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ، والآخر لا تصل إِلى الغرضِ بدلالة اللفظِ وحدَه، ولكنْ يدلُّكَ "اللفظ" بمعناه في اللغة، ثم تجد لهذا المعنى دلالة أخرى تصل بها إلى الغرض.
وعلى هذا مدار "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل"، فهذا هو "المعنى" و "معنى المعنى"
263 - بيان في شرح قول "المعنى" و "معنى المعنى"، وهو فصل جيد في شأن "النظم"
267 - فصل في استعمال "اللفظ"، والمراد به دلالة المعنى على المعنى
268 - قصور "اللفظ" عن أداء المعنى، ومثاله في النقص والتعقيد
272 - مثال على غموض المسلك إلى معاني "اللفظ"، واشتباهه على العلماء، وأمثلة ذلك
273 - "إن" تغنى غناء "الفاء في ربط الجملة بما قبلها
274 - "كاد" ومعناها، وبيان قولهم: "لم يكد يفعل"
276 - دقة هذه المعاني واشتباهها على العلماء
278 - "كل" وتفصيل القول فيها، في النفي والإثبات وأحكامهما، وأمثلة ذلك
286 - فصل في المزية تكون ويجب به االفضل، إذا احتملا لكلام فيظ اهره وجهًا آخر تنبو عنه النفس
- مثاله قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن}، وما في التقديم هنا من معنى شريف لا سبيل إليه مع التأخير
288 - القول في قولُه تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ}، وتنكير "حياة"
289 - تنكير "حياة" في قوله تعالى: {ولكن في القصاص حياة}
291 - فصل، الآفة العظمى في ترك البحث عن العلة التي توجب المزية في الكلام، ومضرة قولهم: "ما ترك الأول للآخر شيئًا"
(1/676)

293 - فصل، هذا فصل في "المجاز" لم نذكره فيما تقدم
- بيان في "المجاز الحكمي"، وهو كنز من كنوز البلاغة، وأمثلته وبيانه
298 - ليس كل شيء يصلح للمجاز الحكمي بسهولة، ومثال ذلك
300 - ضرب مما طريق المجاز فيه الحكم، ومثاله
301 - تنبيه على فساد قول من جعل هذا المجاز من باب ما حُذِفَ منه المضافُ، وأقيمَ المضافُ إليه مقامه
304 - فصل في تفسير قولُه تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كان له قلب}، وخطأ من فسر قوله "قلب" أي "عقل"، وخطأ بعض من يتعاطى التفسير
306 - فصل، بيان دقيق في "الكناية"، وإثبات الصفة عن طريقها، وأمثلة ذلك
312 - كيف تختلف الكتابتان، فلا يكون إحداهما نظيرة للأخرى
315 - فصل في "إن" ومواقعها
- خبر الكندي الفيلسوف مع ثعلب، وزعمه أن في كلام العرب حشوًا
- دخول "إن" في الكلام وخصائصها
317 - محاسن دخول "إن" على ضمير الشأن، وأمثلته
319 - "إن" تربط الجملة بما قبلها
320 - "إن" تهيئ النكرة لأن يكون لها حكم المبتدإ في الحديث عنها
321 - "إن"، أثرها فيا لجملة، وأنها تغنى عن الخبر، وأمثلة ذلك
322 - بيان في شأن "إن" و "الفاء" التي يحتاج إليها إذا أسقطت "إن"
324 - مجيء "إن" في الجواب عن سؤال سائل، وأمثلته
325 - "إن" ومجيئها للتأكيد، وبيان ذلك
326 - "إن" ومجيئها للتهكم، وشرطها إذا كانت في جواب سائل
327 - "إن" تدخل للدلالة على أن ظنك الذي ظننت مردود
328 - القصر والاختصاص
فصل في مسائل "إنما"
قول أبي على الفارسي في "الشيرازيات" في "إنما"
(1/677)

329 - ليس كل كلام يصلحفيه "ما" و "إلا" يصلح فيه "إنما".
330 - "إنما" تجئ لخبر لا يجهله المخاطب، وتفسير ذلك
333 - "إن" و "إلا" وبيان المراد فيهما والفرق بينهما وين "إنا"
335 - فصل، هذا بيان آخر في "إنما"
- تفسير: أن "لا" العاطفة، تنفي عن الثاني ما وجب للأول
336 - معاني "لا" العاطفة قائمة في "إنما"
337 - بياءن وامثلة فيما فيه "ما" و "إلا".
328 - بيان في قولُه تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} وتقديم اسمه سبحانه
329 - "ما" و "إلا"، وتقديم المفعول فيا لجملة وتأخيره، وأن الاختصاصَ مع "إلاَّ" يقعُ في الذي تؤخِّرُهُ
340 - العود إلى القول في "إنما" وما يقع فيه الاختصاص بعدها
344 - الاختصاص يقع في الذي بعد "إلا" من فاعل أو مفعول، أو جار ومجرور يكون بدل أحد المفعولين
345 - حكم المبتدأ والخبر إذا جاءنا بعد "إنما"
346 - عود إلى الاختصاص، إذا كان بالحرفين "ما" و "إلا"
348 - بيان آخر في معنى "إنما" في الجملة، في "ما" و "إلا"، وأن حكم "غير" حكم "إلا"
350 - فصل، في نكتة تتصل بالكلام الذي تضعه "بما" و "إلا"
351 - فصل زيادة بيان في "إنما"، وهو فصل طويل متشعب فيه غموض
353 - ما لا يحسن فيه العطف "بلا"
354 - بيان في انضمام "ما" إلى "إن" في "إنما" وقول النحاة: "ما"كافة
- "إنما" إذا جاءت للتعريض بأمر في مقتضى الكلام، ومثاله في الشعر
359 - فصل وبيان، وإزالة شبهة في شأن "النظم" و "الترتيب"، وهو "الحكاية"
362 - فصل، بيان الجهة التي يختص منها الشعر بقائله، وهي "النظم" و "الترتيب" وتوخي معاني النحو
- لا يكون "ترتيب" حتى يكون قصد إلى صورة وصفة
(1/678)

365 - فصل، عود إلى مسألة "اللفظ" و "المعنى"، وما يعرض فيه من الفساد
367 - التجوز في ذكر "اللفظ"، وأن المراد به "المعنى"، وإزالة شبهة في شأن "المجاز"
368 - بيان مهم في معنى "جعلته أسدًا"، ونحوه، وتفسير "جعل"
- بيان في قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عباد الرحمن إناثًا}
فصل، تمام القول في "النظم"، وأنه توخي معاني النحو، والدليل على ذلك
373 - الإشكال في معرفتين هما مبتدأ وخبر، وفصل الإشكال بالممعنى
374 - بيان السبب في تعدد أوجه تفسير الكلام
375 - مثال في تفسير قوله تعالى: {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن}
- مثال في تفسير قوله تعالى: "وقالت اليهود عزيرُ ابن الله" في قراءة من قرأ بغير تنوين
379 - مثال آخر في بيان قولُه تعالى: {وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ}.
380 - حذف الموصوف بالعدد شائع في الكلام، وتمام القول في الآية السالفة
385 - تحرير القول في إعجاز القرآن، وفي "الفصاحة" و "البلاغة"
- بيان في معنى "التحدي"، وأي شيء طولب العرب أن يأتوا بمثله. وهو مهم
388 - أي شيء بهر العقول من القرآن، وكلام الوليد بن المغيرة، وابن مسعود، والجاحظ، في صفة القرآن
390 - الحجة على إبطال "الصرفة"، وهو مقالة المعتزلة
391 - "النظم" و "الاستعارة" هما مناط الإعجاز
393 - "الاستعارة" و "الكناية" و "التمثيل" من مقتضيات "النظم"
- خطأ المعتزلة في ظنهم أن المزية في "اللفظ"، واضطرابهم في ذلك
395 - رد قول القاضي عبد الجبار: "إن المعاني لا تتزايد، إنما تتزايد الألفاظ"
397 - "غريب اللغة" ليس له مكان في الإعجاز
399 - أصل فساد مقالة المعتزلة، هو ظنهم أو أوصاف "اللفظ" أوصاف له في نفسه
400 - قول عبد القاهر "إن الفصاحة تكون في المعنى"، ورد شبهة المعتزلة وغيرهم في فهم كلامه
402 - "فصاحة اللفظ" لا تكون مقطوعة من الكلام الذي هي فيه، بل موصولة بغيرهما مما يليها
(1/679)

404 - القول في قول صلى الله عليه وسلم: "مات حتف أنفه"ز
405 - بيان آخر في أن "النظم" هـ9وتوخي معاني النحو
407 - فصل، وهو فَنٌّ من الاستدْلال لطيفٌ، على بُطلان أن تكون "الفصاحةُ" صفةً لِلَّفْظِ من حيثُ هو "لفظ"
410 - بيان في أن "الفكر" لا يتعلق بمعاني الكلم مجردة من معاني النحو
412 - "نظم الكلام"، وتوخي معاني، يسبك الكلام سبكًا واحدًا
415 - آفة الذين لهجوا بأمر "اللفظ" من المعتزلة، وباين فساد أقوالهم
416 - فكر الإنسان، هل هو فكر في الألفاظ وحدها، أم هو فكر في الألفاظ والمعاني معًا؟
417 - كشف وهم في مسألة ترتيب الألفاظ فيا لنفس والسمع
418 - رد شبهة للمعتزلة في "النظم"، وقولهم إن البدوي لم يمسع بالنحو قط، وأن الصحابة لا يعرفون ألفاظ المتكلمين
421 - فصل، آفة وشبهة في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين، أحدهما فصيح والاخر غير فصيح، وهذه شبهة للمعتزلة، ورد هذه الشبهة
424 - "اتشبيه"، يكشف هذه الشبهة
425 - شبهة المعتزلة في قولهم: "إن التفسير للبيت من الشعر مثلًا يجب أن يكون كالمفسر، ورد ذلك
429 - الكلام الفصيح قسمان: قسم مزينه في "اللفظ"، وقسم مزيته في "النظم"
430 - القسم الأول، "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل على حد الاستعارة"
431 - انلظر في "الكناية" و "النظر في "الاستعارة"
432 - "الاستعارة"، يراد بها المبالغة، لانقل اللفظ عما وضع له في اللغة
435 - أمثلة على أن "النقل" لا يتصور في بعض "الاستعارة"
437 - تحقيق في معنى "الاستعارة" وتفسير معنى "جعل" في الكلام وفي القرآن
439 - تعرف "الاستعارة" من طريق المعقول دون "اللفظ"، وكذلك "الكناية"
442 - "الفصاحة" وصف للكلام بمعناه لا بلفظه مجردًا
443 - كشف الغلط في "فصاحة الكلام"، و "التفسير" و "المفسر"
446 - الوجوه التي يكون بها للكلام مزية
(1/680)

450 - إذا ظهر التشبيه في "الاستعارة"، قبحت
451 - القسم الثاني، وهو الذي تكون فصاحته في "النظم"
454 - الرد على المعتزلة في مسألة "اللفظ"
455 - كلام العلماء في "الفصاحة"، أكثره كالرموز والتعريض دون التصريح
456 - بيان معان في وصف "اللفظ"، كقولهم: "لفظ متمكن غير قلق"
458 - مسألة "اللفظ" وغلبتها على المعتزلة وغيرهم
460 - "الاستعارة" تكون في معنى "اللفظ"
462 - "المجاز" كالاستعارة، إلا أنه أعم
463 - القوف في "الإيجاز"
464 - الرأي الفاسد وخطره إذا قاله عالم له صبيت ومنزلة
466 - الرد على المعتزلة في مسألة "اللفظ"، وبيان تقصيرهم
467 - تعويل المعتزلة على "نسق الألفاظ" في شأن الفصاحة، ثم "الاحتداء" و "الابتداء"
468 - "الاحتذاء" و "الأسلوب"
472 - فصل، هذا تقريريصلح لأن يحفظ لملناظرة
مناقشة "الاحتذاء" و "الابتداء" و "النسق" في إعجاز القرآن
474 - سهولة "اللفظ" وخفته في شأن إعجاز القرآن
477 - خاتمة كتاب "دلائل الإعجاز"، وتمام نسخة أسعد أفندي
479 - "رسائل وتعليقات"، كتبها عبد القاهر الجرجاني
481 - 1 إزالة الشبهة في جعل الفصاحة والبلاغة للألفاظ
- باين مهم في مسألة "اللفظ" و "المعنى"
484 - أمثلة على ما تفعله صنعة الشارعين في الصورة، والمعنى واحد
489 - الشاعران يقولون في معنى واحد، وهو قسمان:
489 - القسم الأول: أحدهما غفل، والآخر مصور
(1/681)

500 - القسم الثاني: في البيتين جميعًا صنعة وتصوير
507 - تعقيب على هذين القسمين
508 - القوف في معنى "الصورة" و "التصوير"
511 - جملة من وصفهم العشر وعمله، وإدلالهم به
518 - غرضه من ذكر وصف الشعراء الشعر، وانه دليل على أن مزيته تدرك بالعقل لا بمذاقة الحروف
520 - بيان أن قولهم في "اللفظ"، يسقط "الكناية" و "الاستعارة" و "المجاز" و "الإيجاز"
522 - بيان آخر في شأن "اللفظ"، وفساد القول به.
525 - مقالة في الخبر والإسناد
"النظم" هو توخي معاني النحو، وهو معدن البلاغة
526 - أصول يحتاج إلى معرفتها "الخبر" أصل في معاني الكلام في النفي والإثبات
528 - لابد للخبر من مخبر به، وهو الذي يوصف بالصدق والكذب وأن "الخبرَ" وجميعَ الكلامِ معانٍ ينشِئُها الإِنسانُ في نفسه
529 - بطلان دعوى أصحاب "اللفظ" في توهمهم أن "الخبر" صفة "للفظ"
533 - توهمهم أن "المفعول" زيادة في الفائدة، والاحتجاج لبطلان ذلك
537 - فصل، "الإثبات" معنى تكون به المزية في الكلام
539 - هذا ما نقل من مسودة عبد القاهر بخطه بعد وفاته رحمه الله
-ألفاظ اللغة لم توضع إلا لضم بعضها إلى بعض، وبضمها تكون الفائدة، وهذا موضع "الخبر" و "الإسناد"
543 - "الخبر" وجميع معاني الكلام، معانٍ يُنْشئُها الإنسانُ في نفسِه
546 - بيان في "النظم"، ودخول الشبهة في أمره، وأن مراده إلى "الذوق"
549 - البلاء هو أن الإحساس بالمزية قليل في الناس
551 - خطأ خفي في "النظم"، قد لا تدركه إلا بعد دهر طويل
(1/682)

552 - خطأ خفي آخر في "النظم"
553 - خطأ آخر في اتباع تأويل بعض العلماء
557 - تمام كتاب "دلائل الإعجاز" في نسخة "حسين جلبي"
561 - فصول ملحقة بكتاب "دلائل الإعجاز" في نسخة "حسين جلبي"
1 مسألة يرجع فيها الكلام إلى "الإثبات"
563 - 2 فصل، في الإثبات
564 - 3 فصل، تعليق على ما قاله ابن جني في بيت للمتنبي
566 - 4 فصل، في بيان معنى: "هذا ينحت من صخر، وذاك يعرف من بحر"
567 - 5 مسألة، تعليق على كلام لأبي عبد الله النمري، في كتابه "معاني أبيات الحماسة"
568 - "هذا آخر ما وجد على سواد الشيخ من هذا الكتاب"، يعني "دلائل الإعجاز".
569 - 6 مسألة، في تفسير قولهم: "إن الفعل يدل على الزمان"
573 - "الرسالة الشافية"، لأبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني.
وهذه الرسالة خارجة من كتابه "دلائل الإعجاز"
575 - جمل من القول في "إعجاز القرآن"
- الأصل والقدوة في إعجاز القرآن هم العرب، ومن عداهم تبع لهم، والمتأخرون من الخطباء والبلغاء بعد زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وقول خالد بن صفوان، والجاحظ: أنهما لا يجاريان العرب الأول ولكن يحاكيانهم
577 - دلائل "أحوال" العرب و "أقوالهم"، حين نزل القرآن عليهم
- دلائل الأحوال، الدالة على عجزهم حين تحدوا بالقرآن
581 - دلائل الأقوال، الدالة على عجزهم حين تحدوا بالقرآن
585 - الاحتجاج لدلالة هذه الأحوال والأقوال على إعجاز القرآن
590 - فصل في شبهة من قال: "جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى يسلموا له، وحتى لا يطمع أحد في مداناته"، والدليل على بطلان ذلك
(1/683)

592 - الأخبار الدالة على اختلاف الناس في أي الشعراء أشعر
595 - بيان في تقديم الشعراء وتفضيلهم من أي وجه يكون؟
598 - الشرط فيما ينقض العادة "يعني المعجزة" أن يعم الأزمان كلها
600 - قول الملحدة أنه كان في المتأخرين من البلغاء من استطاع معارضة القرآن، فترك إظهاره خوفًا
602 - فصل، في فن آخر من السؤال وهو: من عادات الناس أن الواحد تواتيه العبارة في معنى، وتمتنع عليه في آخر، والقول فيمن غلب على معنى، فلم يبق لغيره مرام فيه
604 - ما جاء على هذا الوجه من الكلام المنثور
606 - إبطال الاحتجاج بمثل ذلك من إعجاز القرآن، وتفصيل القول في معنى "التحدي"
611 - فصل في الذي يلزم القائلين بالصرفة من المعتزلة في سياق آية التحدي ما يدل على فساد قولهم
623 - فصل، هو ختام الرسالة الشافية
625 - فصل، في قول من قال: "إنه يجوز أن يقدر الواحد من الناس بعد مضى وقت التحدي، على أن يأتي بما يشبه القرآن"، وهو قول أصحاب "الصرفة"
626 - فصل، هو ختام "الرسالة الشافية"، في أن نميز الكلام بعضه من بعض، لا تستطيع أن تفمه من شئت متى شئت
- قال أبو فهر: تم الكتاب بحمد الله وتوفيقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله عليه نبينا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا.
(1/684)