Advertisement

منهج القرآن في بناء المجتمع الشيخ محمود شلتوت

 وزارة الأوقاف
إدارة الثقافة
الرسالة الخامسة
















مطابع
دار الكتاب العربي بمصر
محمد حلمي المنياوي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وإخوانه من الأنبياء والرسل.
فإن الإسلام دين عام شامل؛ يتناول شئون الحياة جميعًا ونظام كامل، ينتظم أمور الدين والدنيا معًا، قام بنشره والدعوة إليه الهداة من سلفنا الصالح، فنجحوا في تزكية النفوس وتطهيرها بقدر ما أصلحوا من دنيا الناس، وبلغوا في ذلك شأوًا لم ينله أحد من المصلحين أو كبار الفلاسفة المربين.
ثم كان أن أهمل كثير من المسلمين حقائق دينهم، وغفلوا عن المعاني السامية التي كانت سببًا في عزهم ومجدهم، فرجعوا القهقرى في فهمهم للدين وتقلبهم في شئون الدنيا.
فكانوا لهذا في أشد الحاجة إلى من يذكرهم بحقائق الإسلام، ويجمعهم على معانيه العليا، ومن رجالات الإسلام الذين نصبوا أنفسهم لهذه الغاية ووجهوا جهودهم في هذه السبيل فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ محمود شلتوت، وقد ألف كتاب «منهج القرآن في بناء المجتمع» عالج فيه كثيرًا من الموضوعات الإسلامية التي لا غنى للمسلمين عن معرفتها.
وفضيلته من خيرة الرجال القادرين على الاضطلاع بهذا العمل المجيد.
وقد رأت إدارة الثقافة - بوزارة الأوقاف - الانتفاع بهذا الكتاب، فقامت بطبعه ونشره؛ ليعم به النفع في إذاعة الوعي الثقافي العام.
وفقنا الله جميعًا لما يحبه ويرضاه وجزي الله فضيلة الأستاذ عن دينه خير الجزاء؟

شوال سنة 1375 أحمد حسن الباقوري
وزير الأوقاف


أساس الإسلام في رباط المجتمع
قال الله تعالى:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}(1). وقال تعالى:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنـزلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}(2). وقال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(3). وقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}(4). وقال تعالى:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}(5). وقال تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}(6).
هذا هو القرآن، نـزل به الروح الأمين، على قلب محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليرشد الناس به إلى ما يجب أن يأخذوا به أنفسهم، وينظموا به حياتهم، ويكوّنوا به مجتمعهم على الوجه الذي يسعدهم في الدنيا؛ بالعزة والسلطان، والتمكين والهيمنة على الحق، وفي الآخرة، بالرحمة الدائمة، وبالنعيم المقيم، فتكمل للإنسان سعادته في الأولى والآخرة.
جاء القرآن الكريم؛ وفي العالم مجتمعات مختلفة الأسس والغايات؛ استمدت حياتها من أوضاع بشرية، وأفكار إنسانية بحتة؛ فاتخذ بعضها العصبية الجنسية أساسًا للحياة، واتخذ البعض الآخر أساس حياته، العصبية الإقليمية.
والعصبية الجنسية والعصبية الإقليمية، كلتاهما وليدة نـزعات خاصة لا تمت إلى القلب الإنساني، ولا إلى الصالح العام البشري وفيما بينهما يذوب الضمير العالمي، والروح الإنساني، ويقضي على الرحم العام، التي يقضي بالتعاون العام، وبالسلام العام، وبالحدب على المصالح العامة، ويصيّر أفراد الإنسان ومجتمعاته، كالحيوانات المفترسة؛ يفتك قويها بضعيفها، ويأكل كبيرها صغيرها.
وليس من ريب في أن حكمة الحكيم، الرؤوف الرحيم، تأبى أن يخلق بشرًا ويسويه ويعدله بالعقل، ويفضله على كثير من خلقه، ويجعله خليفة في أرضه؛ يظهر رحمته وجوده. ثم يتركه على هذا الوضع، يأكل بعضه بعضًا.
فكان من رحمته أن أنـزل الكتاب؛ إرشادًا وهداية لما يجب أن يسلكه في تنظيم حياته، ويتخذه أساسًا لمجتمعه فنحى الجنسية العصبية، والإقليمية، ونحوهما، من الأسس البشرية عن مكانة الأساس الأول للجماعة الإنسانية، وسما بالإنسانية عن أن يكون اجتماعها وترابطها راجعين إلى اعتبارات، كثيرًا ما تدفع بأصحابها إلى التفرق والخصام، وتغري بينهم العداوة والبغضاء، فتفصم عرى الإنسانية الفاضلة، وتقضي على روح التعاون والتراحم، وتطمس معالم السعادة والهناءة؛ وجعل الأساس في بناء المجتمعات الاعتصام(7) بمبدأ الخير العام والرحمة الواسعة، والعدل المطلق {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(8).
وبذلك تكون الإنسانية مهما اختلفت جنسياتها، وتباعدت أقاليمها، وتعددت مذاهبها وآراؤها، تدور كلها حول مبدأ ثابت لا يتغير ولا يزول، ويعتريه نقص ولا أُفول؛ فتشعر بالوحدة، وتنشط في رفعة شأنها والقيام بواجبها: يأخذ قويها بيد ضعيفها، ويواسي غنيها فقيرها، وبذلك تنمو الحياة ويسعد الناس {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(9).
بنى القرآن تنظيمه للحياة على هذا الأساس، وجاءت كل شرائعه وأحكامه تعمل عملها في تقويته وتشييد صرحه؛ فعلى من أراد أن يكون مجتمعًا فاضلًا، يعرف مكانته في الحياة، ونصيبه في الخلافة الأرضية التي جعلت هدفًا لخلق الإنسان عليه أن ينظر، أي طريق يصل به إلى تكوين المجتمع على هذا الأساس، وفي سبيل ذلك سيجد من معلوماته الأولية التي لا يختلف فيها عقلي، يستمد أساس الاجتماع من فكرته الفلسفية، وديني، يستمد من هداية الله ووحي السماء. يجد من هذه المعلومات أن للإنسان في هذه الحياة شخصيتين، شخصية مستقلة، يسأل بها عن نفسه؛ في جسمه وعقله وروحه، ثم في عمله وماله وشخصية أخرى يكوّن بها لبنة في بناء المجتمع يسأل بها عما يقدمه لمجتمعه أو يقدمه المجتمع له، وبقدر ما يكون للإنسان من إدراك الحقائق، ومتانة الخلق، وقوة العزيمة والإرادة، وسمو الروح، ونبل الغاية، يكون لمجتمعه من ذلك كله. وبقدر ما يصاب به الإنسان من تسلط الأوهام والخرافات عليه، وانحلال الخلق، وضعف العزيمة والإرادة، وانحطاط الروح، ودناءة الغاية، يكون لمجتمعه من كل ذلك.
وما المجتمع في واقعه إلا الأفراد التي هي لبناته، ومنها يتكون، وما الأفراد في واقعها إلا المجتمع الذي منها تكون؛ فسعادته من سعادتها، وصلاحه من صلاحها، وشقاؤه من شقائها، وفساده من فسادها. وإذن فالبحث عن الأساس الذي عليه يبنى المجتمع، هو بحث عن اللبنات التي منها يتكون.
فإذا ما صيغت اللبنات على الوجه الذي به تقوى وتتماسك في خاصة نفسها، والذي به تتبوأ مكانها في بناء المجتمع، وجد المجتمع المثالي الفاضل، فيما بينه وبين نفسه، بالتراحم والتعاون وتبادل الخير والمنفعة؛ فلا نرى مريضًا وبجانبه طبيب لا ينظر إليه، ولا فقيرًا، وبجانبه غني يتمتع بفضل الله عليه، ولا يمد يده إليه، ولا مكروبًا، وبجانبه قادر على تفريج كربته ثم لا يفرج عنه كربته، ولا جاهلًا، وبجانبه عالم يستطيع أن يعلمه ثم لا يعلمه، ولا ضالًا، وبجانبه مرشد يستطيع رده عن ظلاله ثم لا يهديه السبيل، وجد المجتمع هكذا فيما بينه وبين نفسه، ووجد كذلك فيما بينه وبين غيره من سائر المجتمعات، قائمًا بنفسه، عزيزًا في وطنه، غنيًا بعلمه وماله، وبجميع وسائل الحياة، لا يذل لغيره من ضعف، ولا يساوم بعزته لحاجة، ولا يمد يده إلى غيره إلا كما يمد غيره يده إليه، فيعيش المجتمع فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين غيره، قائمًا بالواجبات، حاصلًا على الحقوق، في جو من العزة والكرامة، لا يفكر أحد في خديعته، ولا في سلب حريته، ولا يشكو أحد من أبنائه فقرًا ولا حاجة. وبذلك تكمل له السعادة، ويحصل على مجد الحياة.
غير أن صمام هذا الترابط بين الأفراد والمجتمع لابد لكي يثمر ثمرته، ويحقق غايته، ويستمر ناميًا لا يتناقص، بعيدًا عن الأهواء والشهوات سليمًا من اختلاف الآراء والنـزعات، متمكنًا من قلوب الأفراد والمجتمعات؛ لابد أن تهيمن عليه في قلب الإنسان وروحه، قوة ينبع احترامها من قلبه، فيكون للتعاليم التي يتلقاها عن تلك القوة، ويسوس بها نفسه في فرده ومجتمعه، نفس الاحترام الذي ينبع من قلبه لتلك القوة وليس ذلك إلا التعاليم الآلهية، الواصلة إليه من الله رب العالمين، والتي تضمنها وأرشد إليها كتابه الكريم {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}(10).



التبتل في نظر الإسلام

إذا كان المجتمع كما قلنا: ليس في واقعه إلا الأفراد التي منها يتكون وبها يبنى، وكان كماله من كمالها؛ فإنه من غير الممكن أن يسعد المجتمع مع شقاء الأفراد أو يشقى مع سعادتهم. وكان البحث عما يكوّن الفرد ويكمله هو البحث عما يكوّن المجتمع ويقومه.
وإذن فبنا إلى منهج القرآن في تكوين الفرد، وإذا ما تم لنا رسم ذلك المنهج وأخذنا به الفرد، تم لنا بناء المجتمع كما يحب الله، وكما يسعى إليه المخلصون من عباد الله، وأول ما يطالعنا في تكوين الفرد على الوجه الذي يكون به لبنات قوية في بناء المجتمع المنشود، أمران لابد من توافرهما في الفرد.
أولهما: تحديد علاقته بهذه الحياة الدنيا، حتى يعرف واجبه فيها فيحققه.
ثانيهما: إحياء الشعور في نفسه بالوحدة الإيمانية، والوحدة الوطنية الخاصة، والوحدة الإنسانية العامة.
وبذلك يعرف حق مجتمعه الديني والوطني والإنساني؛ فيقوم به على الوجه الذي تقتضيه شخصيته في بناء هذه المجتمعات.
ونحن إذا استعرضنا أنواع العلاقة التي يمكن أن يتخذها الفرد بالنسبة للحياة الدنيا، والتي اتخذها بالفعل في أجيال الحياة المتعاقبة وجدناها لا تخلو عن واحدة من ثلاث:
علاقة العداء للدنيا، والنظر إليها نظرة احتقار وإعراض، وبذلك يتجه الإنسان بكله إلى تنمية روحه فقط عن طريق الاعتكاف عن العالم، والتبتل للعبادة: يصوم دائمًا ولا يفطر، ويقوم دائمًا ولا ينام، ويزهد فلا يشتهي ولا يتزوج؛ ويظل هكذا مسجونًا في تلك الدائرة الضيقة من معبد أو كهف، حتى يأتيه الموت ويفارق الحياة.
وإذا خوطب من سلك هذا المنهج بالنسبة للحياة، قال: كيف لا أسلكه وأفر به من الدنيا، والله يقول:{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}(11). {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}(12). {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(13). ويقول الرسول «والذي نفسي بيده، للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها» يريد شاة ميتة ألقاها أهلها هوانًا بها ويقول «إن الله عز وجل لم يخلق خلقًا أبغض إليه من الدنيا وأنه منذ خلقها لم ينظر إليها» وهكذا مما ورد وتناقلته ألسن خاصة في ذم الدنيا وحقارتها، فأخذها بعض الناس على ما ظاهرها من حقارة الدنيا على وجه عام، وجعلوها أساسًا لإعراضهم عنها، ومعاداتهم لها، وانحازوا إلى العبادة، وحصروا أنفسهم في أماكنها بناء على فهمهم الفاسد، وقالوا:
كيف نتصل بالحياة الدنيا وهي لهو ولعب، وكيف نقترب منها وما هي إلا متاع الغرور؛ أم كيف لا نتبتل وما خلقنا إلا لعبادة الله رب العالمين؟
وقد سلك طريق هؤلاء، في التحذير من الدنيا، وتبشيعهما في نظر الناس كثير ممن نصبوا أنفسهم في الأزمنة الماضية للوعظ والإرشاد، حتى وجدت في بعض النفوس عقد نفسية منبعها ذلك التأويل المنحرف، وذلك الوعظ الذي نسج على منواله، وأضعفت تلك العقد همم الناس في الحياة العاملة، وأصبحوا في حيرة بين هذه التعاليم التي تلقوها على جهل بحقيقتها، وبين متع الدنيا ونعم الله فيها، فخارت قواهم، وتكون منهم وبهم جيل مضطرب بين تصوره وبين واقعه؛ فاستسلم للضعف والعجز والاستكانة، وكان سببًا في تلك النكبة التي أصيب بها المجتمع الإسلامي بعد عصوره الأولى.
إن هذا المسلك قد احتقره الله في كتابه فلم يذكره لأحد من خلقه وهو بصدد ذكر مسالك الناس في الحياة، وإنما قصر شأن الناس على مسلكين اثنين، ليس هذا المسلك واحدًا منهما. تأمل قوله تعالى:«فمن الناس من يقول: رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»(14).
مسلكان لا ثالث لهما: العزوف عن الآخرة وجمع الدنيا مع الآخرة.
أما العزوف عن الدنيا، وهو مسلك التبتل والانقطاع، فلم يذكره الله في كتابه، وليس أهلًا لأن يذكره الله في كتابه. نعم ذكره في مقام اللائمة لبعض الطوائف التي ابتدعته، ولم يستطيعوا الوفاء بحقيقته، وكانوا كاذبين في تصوره، والانحياز إليه {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}(15). وكيف يكون هذا المسلك شأنًا من شئون الإنسان في الحياة يقره الله، ويرضى عن أهله ومتخذيه؟ وفيه:
أولًا تعطيل ما كرم الله به الإنسان، من قوى التفكير والإرادة والعمل.
وثانيًا بقاء أسرار الكون ومنافعه كامنة في أطباق الأرض وأجواء السماء، وقد سخرها الله جميعها للإنسان وسلطه عليها، ومهد له طريق إظهارها، وعمارة الكون بها، وأكثر من الإرشاد إلى ذلك في كتابه الكريم، الذي ضمنه ما يجب على الإنسان أن يتخذه منهجًا في الحياة {هُوَ الَّذِي أَنـزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(16). {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(17) {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(18).
وما خلق الله الإنسان على هذا النحو، وسخر له الكون على هذا النحو، وأرشد في كتابه إلى هذا الخلق وهذا التسخير، ثم يرضى منه بعد ذلك أن يعطل قواه التي منحه إياها، ويعطل أسراره التي أودعها في خلقه، ويهمل إرشاداته وينحاز بكل ذلك إلى زاوية أو كهف، منقطعًا عن الدنيا التي جعله الله خليفة فيها، يعمرها وينميها، ويجعلها مظهرًا لرحمته بعباده.
والحق أن لهو الحياة ولعبها ليسا كما يفهم أرباب هذا المسلك ينصبان على ذات الحياة باعتبار ما فيها من خير ونفع للعباد، وما لها من دلالة على قدرة الله ورحمته بعباده؛ وإنما ينصبان على من يتخذ نعم الله فيها سبيلًا لشهوته وهواه، يدنس بهما نفسه، ويميت بهما قلبه.
والحق أن عبادة الله التي خلق لأجلها الجن والإنس، لم يكن سبيلها في هذه الحياة التبتل والانقطاع عن الدنيا، إنما سبيلها، تحقيق إرادة الله في كونه عن طريق العمل في عمارة الكون، وإظهار أسرار الله الدالة على عظمته ووحدانيته، واستحقاقه وحده للعبادة والتقديس.
وهكذا يجب أن يفهم الناس أن الله لا يرضى من عباده أن يزهدوا في الدنيا هذا الزهد العام المطلق وأن ينقطعوا في الصوامع والبيع والمساجد لعبادته ومناجاته. فهو يناجى في الحقل، ويناجى في المصنع، ويناجى في المتجر، ويناجى في المجتمع، وكل تلك، مناجاة يسمعها الله، ويتقرب بها العبد لله.
وإذن فواجب المصلحين والوعاظ المرشدين أن يبذلوا جهودهم في تصفية النفوس من بقايا هذه الفكرة، وأن ينتزعوا منها تلكم العقد النفسية التي توارثها بعض الناس؛ أثرًا للفهم الفاسد في حقارة الدنيا، والعزوف عنها وعن العمل فيها، هذا العزوف الذي نسجوا به كلمات التزموها، وعطلوا بها أنفسهم والناس عن الكد والعمل، التماسًا للرزق من السماء، ينـزل عليهم وهم نائمون باسم الدين والتعبد. وأصبحوا هم ومن ينحو نحوهم عالة على المجتمع، ولبنات هزيلة في بنائه، لا يلبث معها أن ينهار.



التكالب على الدنيا

استعرضنا الأوضاع التي يمكن أن تكون عليها علاقة الفرد بالحياة، وفرضنا لها الفروض الممكنة، وتحدثنا عن الفرض الأول منها وهو أن تكون علاقته بالحياة، علاقة الضرورة والكفاف الذي يقيم الأود، ويحفظ للإنسان حياته الشخصية، فيعتزل الناس والعمل، ويتبتل بصومه وعبادته الروحية، وأشرنا إلى إلى الحجج الموهومة التي استند إليها الذين ابتدعوا هذا الفرض؛ وزعموا أنه الدين أو من الدين، ودعوا إليه وحثوا عليه، وكان من ذلك آيات من القرآن الكريم، حرفوها عن مواضعها، وصرفوها عن مقاصدها، وبشعوا بها الدنيا في نظر الناس، واتخذوها بفهمهم المنحرف أساسًا للإعراض عنها، وعن العمل فيها بما تقتضيه منح الله للإنسان وسننه في الحياة وكان منها أيضًا أحاديث لم تحرر الرواية في أكثرها، وإنما وضعت أو قيلت في عصور خاصة، على ألسنة خاصة، لغرض خاص، هو صرف المسلمين عن العمل الجاد المعمر. وأحاديث تحررت روايتها، ولكن حرفت عن معناها الصحيح، كما حرفت الآيات.
أشرنا إلى تلك الحجج، وقفينا عليها بالنقض، وبيان الخطأ في شرحها، وأنها سيقت لتركيز فرض آخر غير الذي يعملون على تركيزها، وصرف الناس به عن الحياة وأن الإسلام يأبى كل الإباء أن تكون علاقة الإنسان بالحياة على هذا النحو الذي حاول هذا الفريق غرسه في النفوس، وليس له من نتيجة سوى حرمان الإنسان من أسرار الكون، وحرمان أسرار الكون من قوى الإظهار والكشف والانتفاع بها فيما أعدت له بمقتضى الخلق والتكوين، وهو بالتالي يسلب الجماعة الإسلامية، عز الحياة وسلطانها، بينما يضع غيرها يدهم عليها.
ويكون لهم فيها السلطان النافذ، والكلمة المسموعة، والقوة المرهوبة، بما يحصلون عليه من آثار العلم الكوني، والعمل المنتج، والتدبير المنظم، وإني لأعتقد أن من أهم الأسباب التي تأثر بها المسلمون، ركبهم عن ركب العالم، شيوع أن الإسلام يعتبر الدنيا، والحرص عليها، والكد في تحصيلها، نقصًا في التدين، وأن كمال الدنيا إنما هو في التخفف منها والزهد فيها. وقد أدى ذلك إلى فهم الدنيا على غير وجهها، وانتشرت البطالة بين الناس باسم الدين وكمال الإيمان، ولا بد للتخلص من آثار هذه الفكرة من عرض النصوص القرآنية والنبوية الواردة في شأن الدنيا، عرضًا سليمًا، يبعث على العمل والتعمير وبالتالي يهيئ لجماعة المسلمين وسائل العزة والسيادة.
وإذا كان الانقطاع عن الدنيا، والأعراض عنها بالتبتل، والاكتفاء من متعها وخيرها بما يقيم الأود الشخصي، مما يأباه ًالإسلام، وينكره أشد الإنكار، فإن الإسلام أشد إباءًا وإنكارًا لفرض آخر في علاقة الإنسان بالحياة، وهذا الفرض المقابل للانقطاع والتبتل، هو فرض التكالب على الجمع والادخار في محيط الدائرة الشخصية؛ وبذلك يركز الإنسان قواه العقلية في خدمة وجوده المادي الخاص، ويعمل على أن يبسط به سلطانه على من سواه، ويسلك إلى تلك الغاية كل السبل التي يراها محققة لها، غير مكترث بشيء من جوانب الفضيلة الروحية، ولا الشكر الإلهي على ما هيئ له من نعم؛ فلا عطف ولا رحمة، ولا تعاون، وإنما هو طغيان ولعب ولهو، وتفاخر وتكاثر.
وإذا كان الفرض الأول سبيلًا فقط للفردية الروحية، ولا يلائم طبيعة الإنسان ولا طبيعة الكون؛ فإن هذا الفرض، سبيل فقط للفردية المادية التي تقطع ما بين الناس من صلات طبيعية، وتقضي على عوامل التعاون، وبواعث النفع العام، وتغرس في النفوس الشح، وتنمي عوامل العداوة والبغضاء.
به ينظر فريق المتكاثرين إلى غيرهم نظرة المالك للمملوك، ونظرة المعبود للعابد، والسيد للمسود؛ لا يعترف له بحق ولا يسمح له بمتعة، وبنظر هؤلاء إليهم نظرة المظلوم للظالم، والضعيف للقوي، يضمر له الحقد، ويتربص به ريب المنون. وقد جربت الإنسانية في عصورها المختلفة، وجربت مصر خاصة، هذا الفرض فلم ترى منه إلا الشقاء والاضطراب، والعقم والتفرق والانقسام.
وإذا كان الإسلام حارب فكرة التبتل والانقطاع عن الدنيا بنصوصه الكثيرة التي حثت على العمل والسعي، وطلبت إلى الناس أن يضربوا في الأرض، وأن يعملوا بقواهم فيما سخر لهم، من أرض للزراعة، وأدوات للصناعة، وبحار للتجارة، فإنه قد حارب كذلك، بل أشد، فكرة التكالب على الدنيا والعمل في تحصيلها لخاصة النفس، واعتبر هذا الفرض من دلائل التكذيب بيوم الدين:{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}(19).
وقد قص الله علينا شأن كثير من المتكالبين الذي قطعوا - بما أعطاهم الله - صلتهم بالآخرة، قص علينا شأن صاحب الجنتين الذي افتخر بهما على صاحبه وقال له:{أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا}(20). وكانت عاقبته أن:{أُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}(21).
وقص علينا أمر قارون، أنعم الله عليه بمال تعجز الجماعة القوية عن حمل خزائنه، ونسي حق الله فيه، واعتقد - طغيانًا - أنه من محض سعيه، سيق إليه باستحقاق ذاتي، فدارت عليه الدائرة، وما هي إلا عشية أو ضحاها حتى كان هو ودنياه في طي صحف القضاء العادل:{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ}(22).
وهكذا نجد القرآن يحذر منهج التكالب الشخصي في الحياة، ويجعل عاقبته الخزي والدمار والنكال.
وكما تسقط المجتمعات من سلوك أفرادها، مسلك التبتل؛ تسقط أيضًا من سلوكهم مسلك الطغيان المالي، الذي يقطع صلة الإنسان بأخيه، وصلته بالله، ثم تكون عاقبته خسران الدنيا والآخرة:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(23).
وبعد:
فهذان فرضان، كلاهما مانع من تكوين المجتمع الفاضل، فعلى المصلحين، والمقومين المرشدين، بذل الجهود في تطهير النفوس من فكرتي التبتل الديني، والطغيان المالي، وأن يأخذوا بها إلى الحد الوسط الذي رسمه القرآن، ودعا إليه، وجعله منهج الحياة الطيبة، وسبيلًا للمجتمع الفاضل.


الروحية المهذبة
(1)
إذا كانت سعادة الإنسان - كما تقضي به طبيعته، وكما قرره الإسلام - لا تكمل إلا باستكمال حظي الجسم والروح معًا وأن الروحية البحتة، أو المادية البحتة، لا تصلح واحدة منهما سبيلًا للسعادة؛ أخذًا من واقع الحياة البشرية، فإن الإسلام يرى مع هذا وذاك، أن الروحية المهذبة أساس للمادة المهذبة، وأن منها ينبع الروح المهذب للمادة. وبتهذيب الروح المهذب للمادة. تكمل للإنسان سعادته في دنياه وأخراه، في فرده وفي مجتمعه ومن هنا عنى الإسلام:
أولًا: بتهذيب الروح وطالب به، ولفت الأنظار إليه في مبدأ دعوته. حتى إذا ما تم على الوجه الذي يحفظ للإنسان قلبه وروحه، ويربطه بخالقه والمنعم عليه، انتقل به إلى المرحلة الأخرى، مرحلة التنظيم المادي، الذي يكون التهذيب الروحي من أهم عوامل تركيزه وإقراره في الحياة، والذي يكون أثرًا للضمير الحي المهذب الذي يقدر الخير للخير، والحق للحق، غير مدفوع برغبة أو رهبة فيما وراء الحق والخير.
وقد وضع الإسلام للتهذيب الروحي جملة من الوسائل تتلاقى كلها عند غرض واحد؛ هو تنقية الفطرة البشرية من معاني الشرك، ونسيج الوثنية التي تطمس في القلب، صورة التوحيد النقي الخالص، الذي فطر الله عليه الإنسان، والذي يهذب منه الروح، ويسمو بها في إدارة الشئون، وتحصيل وجوه السعادة العامة:{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}(24). ومن أولى هذه الوسائل، التفكير في ملكوت السموات والأرض {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنـزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ، وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}(25).
وبهذا التفكير تعرف الآثار الدالة على جلالة مصدرها، وعلى كماله في العلم والقدرة، وعلى عموم رحمته وسلطانه، فتخضع النفس لإرادته، وتنشط في طاعته، وتتوخى في حياتها ما يرضيه ويقرب إليه:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَمَا أَنـزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(26).
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال حينما نـزل قوله تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(27). قال «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر».
ومن هنا كان ذكر الله والتفكير في آثار قدرته، جناحين يرتفع بهما الإنسان عن حمأة المادة المظلمة إلى مشرق الروحية المضيئة، وقد قلب القرآن في آياته المتلوة، صحف هذا الكون أمام الإنسان، دخل به نفسه، وصعد به إلى السموات، ونـزل به إلى الأرض، وطاف به الوديان والجبال، وغاص به البحار، ودعاه في كل ذلك مرارًا وتكرارًا إلى النظر في آياته العقلية والحسية؛ وكثيرًا ما أوحى القرآن أن هذه الدعوة سنة الله في كل رسالاته إلى خلقه، عنى بها كل كتاب، واهتم بها كل رسول {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ، يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(28). {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}(29).
وبذلك ربط آخر العالم بأوله، وربط دنياه بأخراه، وجعل الكل وحدة تتجلى فيها وحدة الخالق، وسلطانه القوي الرحيم:{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى، وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى، وَالْمُؤْتَفِكَةَ، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى؟ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى، أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ، لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ، أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ، فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا}(30).
إن تقليب النظر في الأرض وما حوت، وفي السموات وما اشتملت؛ أمر سهل ميسور؛ تدعو إليه الأبصار، وتلح به العقول، ولكن الذي جعله الله وسيلة للتهذيب الروحي، هو التفكير المصحوب بالتذكر، فهو الذي يطبع في النفوس صور الجلال الذي يملأ النفس رهبة، وصور الجمال الذي يملأ النفس رغبة، وبرهبة ما ينبغي أن يرهب، ورغبة ما ينبغي أن يرغب، ينحي الإنسان عن نفسه، صور الرهبة الكاذبة التي ليس لها مصدر يخاف، وصور الرغبة الزائفة التي ليس لها مصدر يرجى، ويترسم في رغبته ورهبته دلائل الحق التي تملأ نفسه بعظمة الخالق وحكمته، وبذلك يقتعد مكانته التي خلق لأجلها في الحياة، وهيئت له في الآخرة.
وإذا كان القائمون على التربية والتهذيب يؤمنون - كما هو الواقع - بأن العنصر الروحي المهذب، لا بد منه في تكوين النشء، فما علينا في طور التربية والتهذيب، إلا أن نعني العناية كلها بتوجيه النشء إلى التفكر والنظر بما يرد الظواهر إلى مصادرها، وعندئذ يجتمع لديهم الفكر والذكر، وتفتح أمامهم أبواب الروحية المهذبة.
لم يخل وقت ما للإنسان، عن التفكير فيما يقع عليه حسه، فكر في الأرض وعرف طبقاتها، وخصائص كل طبقة، وفكر في السماء، وعرف الكواكب في أحجامها وأبعادها وأضوائها، وفكر في الجبال وعرف صخورها وقممها، وفكر في البحار، وغاص في أعماقها واستخرج كنوزها. وهكذا يعمل الإنسان جهده في الاتصال بمركبات الكون وعناصره. وقد وصل في بحوثه إلى الذرة، واستخدمها فيما يريد ولكن هل نرى أنه تفكير يخدم الروح والقلب، أو أنه تفكير يخدم العقل بلذة العلم والمعرفة؟ وإن شئت قلت: هو تفكير يخدم المادة، والمادة الطاغية، ولا سبيل له بالروح، ولا بالروح المهذبة.
والقرآن حينما يضع التفكير أول الوسائل للتهذيب الروحي لا يريد هذا التفكير الجاف الذي يأخذ العقل به آثار الكون المادية، ثم يطغى بها على الذين لم تهيئ لهم ظروف الحياة وسائل تفكيرهم، ولا درجة عقولهم، فهو تفكير شر من الجمود. وعلم شر من الجهل؛ لا يريده القرآن ولا يعرفه، وإنما يعرف القرآن من التفكير ما يصل بالإنسان إلى معرفة الآثار مسندة إلى مصدرها الذي أنعم بها، وعندئذ يشكر ولا يكفر.
وإن هؤلاء الذين قصروا التفكير على بعض نتائجه، أو على أحد هدفيه وأغفلوا النظر إلى الهدف الآخر، وهو أسمى الهدفين هم في نظر القرآن ممن قال فيهـم:{الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي}(31) وقال فيهم:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}«32. وقال فيهم:{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} (33). أما بعد:
فهذه هي الوسيلة الأولى للتهذيب الروحي، تفكير في خلق الله، وذكر لله؛ ففكر واذكر، تحظ بالرضا والقرب، وتسعد في الدنيا والآخرة.
(2)
وإذا كان الإسلام يحارب في علاقة الإنسان بالحياة، الروحية البحتة، كما حارب المادية البحتة، ورأى أن الروحية البحتة، سبيل التعطل وإهمال لقوى العمل المودعة في الإنسان، ولقوى الإنتاج المودعة في الكون وأن المادية البحتة، سبيل لقتل المعاني الفاضلة، وتدفع بالإنسان إلى جوانب الطغيان، المفسد للحياة. كان من ضرورة ذلك، أن يدعو إلى المزاوجة بين حظوظ الجسم المعتدلة، وحظوظ الروح المعتدلة، ويبني منهجه في ذلك على الواقع الطبيعي للإنسان.
والإسلام دائمًا ينظم بأحكامه واقع الإنسان بما يقف به في الحد الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، والإنسان في واقعه جسم وروح، وللجسم حظ ومتعة، وللروح حظ ومتعة، وكمال سعادته إنما تكون باستكمال حظي الجسم والروح معًا. ومن هنا نراه في كثير من نصوصه يرفع عن الإنسان الحجر في التمتع بملاذ الجسم المعتدلة، ويبيح له، بل يغريه ويأمره بالطيبات، في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه، وفي حاجة نفسه من الزوجة والمال والولد، وينكر أشد الإنكار على من يحرم على نفسه شيئًا من ذلك مع القدرة عليه، ونراه في الوقت نفسه، يدعوه بإلحاح إلى أن يمتع روحه بالعلم عن طريق التلقي والقراءة، وعن طريق الفكر والنظر.
وقد صح أن أناسًا جاءوا إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته فيما بينه وبين الله التي غفر له بها ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأن أحدهم قال: «إني لا آكل اللحم أبدًا» وقال آخر:«وأنا لا أتزوج النساء»، وقال ثالث: «وأنا لا أنام على فراش»؛ فبلغ أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم غاضبًا وقال:«ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، واني لأخشاكم لله وأتقاكم، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
وصح أنه قال لآخرين، أرادوا رفض الدنيا والترهب «إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، فاعبدوا الله ولا تشركوا به واستقيموا يستقم بكم».
وصح عنه أنه قال:«ليس في ديني ترك النساء واللحم ولا اتخاذ الصوامع»، وقال:«إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}(34). وقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}(35). واقرأوا في هذا المبدأ قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(36)، وقوله تعالى:{يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنـزلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا}(37). {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}(38).
والسر في ذلك أن الطيبات نعم الله على الإنسان، والله يحب من عباده أن يقبلوا نعمه التي تدعو إليها فطرهم، ويحب أن يرى أثرها عليهم، ويكره لهم الجناية على فطرهم بمنعها حقها.
ولقد كانت تلك التعاليم التي لبى بها الإسلام داعية الفطرة، عاملًا قويًا في شيوع الحضارة البشرية في مظاهر هذه الحياة؛ فقد أرشدت على وجه عام إلى ما يجمل به الإنسان نفسه، وخاصة في مناسبات التجمل بالزينة والرياش ولفتت الأنظار إلى أن تقوى الله إنما هي في الانتفاع بتلك النعم، وأوحت بذلك إلى إحياء صناعة الطيبات، وصناعة اللباس، كما أوحت إلى الجد في تحصيل موادها مما تنبت الأرض، وأوحت إلى أن ستر العورة وما يثير الغرائز، من أهداف الحكمة الإلهية في تقرير هذا المبدأ، والى أن سنة العرى التي يألفها بعض القبائل المتوحشة، وإبداء شيء من مفاتن الجسم كما نراه اليوم في دعاة الحضارة الزائفة، مخالف للأدب الإنساني العام، ومناف لما تقتضيه الطبيعة الآدمية من التحفظ والابتعاد عن مظاهر التبذل وعوامل الفتن.
وما كان ذكر المسجد في الأمر باتخاذ الزينة إلا مثلًا للمجتمعات الفاضلة؛ التي يجب أن يظهر فيها الإنسان بنعم الله عليه ولعلنا ندرك من هنا سر الإرشادات النبوية التي تدعو إلى التطيب، وحسن الملبس في مجتمعات الصلاة والأعياد، والمناسبات الجامعة.
بهذا ونحوه، عدل الإسلام الجانب الروحي في الإنسان.
ولكن الإسلام مُنيَ كما أسلفنا بقوم تأثرت نفوسهم بمظاهر الرياضة الروحية التي عرفت عند بعض الأمم، ولم تهتدِ إلى ما يردها عن الشذوذ فيها. ورأت أن أساسها يدعو إلى التقشف وطرح التجمل، ومعالجة النفس في تعويدها الحرمان من متع هذه الحياة.
وقد اندفع سيل من تلك الأمم على البلاد الإسلامية، ووجد من أبناء الإسلام من شق له الأنهار وحفر له الجداول، فانساب في النوادي الإسلامية، وأنبت كلمات أسندت فيما بعد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان لتلك الكلمات أثرها عند كثير من الناس في فهم الإسلام على غير وجهه، ومنها:«جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله» وأنه: «ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش»، «لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه»، «سيد الأعمال الجوع وذل النفس، ولبس الصوف». وما إلى ذلك مما يقرأ الناس في كتب التصوف التي دخلت على الدين بشيء كثير.
والحمدلله الذي قد هيأ للحق ما كشف عنه ستار الباطل، فقد علق الحفاظ على هذه الكلمات وأمثالها بأنه لا يوجد لها أصل في صحيح المروي عن الرسول عليه السلام.
نعم اتخذ في إباحة التمتع بزينة الحياة - جريًا على مبدأ الاعتدال الذي بنيت عليه سائر أحكامه - تحفظين شدد في مراعاتهما: حسن النية، وهو يكون بقصد شكر الله على نعمه لا بقصد التفاخر والخيلاء، ثم الوقوف فيها عند حد الاعتدال حتى لا يقع الإنسان في الإسراف. {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(39) {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(40) {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}(41).
وبهذين التحفظين اللذين يحققهما شكر الله والاعتدال، حارب الإسلام الترف والبذخ والتبذير فيما لا يعود على النفس ولا على الأمة بخير.

وفي الحق أن الترف غول الأمم، يأكل فيها مكارم الأخلاق، وينـزل بها إلى مهاوي التهلكة.
وقد اعتبر الإسلام الإسراف الترفي من موجبات الحجر، احتفاظًا بأموال الله التي هي قوام الحياة وعصبها للفرد والجماعة، وتطهيرًا لصدور المعدمين من الحقد، الذي تولده وتنميه مظاهر السرف المحيطة بهم، وهم محرومون من حاجتهم الضرورية والمعيشة المطمئنة المريحة.
هذا هو موقف الإسلام في تعديل الروحية وتهذيبها، وفي علاقة الإنسان بزينة الحياة، يقطع السبيل على الذين يحاولون تشويهه، ويرد زيفهم إلى محورهم، ويرشد إلى أن روحية الإسلام تعانق المادية الفاضلة. كأن الإسلام بتعاليمه الواضحة في هذا المقام لا يمكن أن تستغني منه أمة؛ تريد حياة طيبة مضيئة؛ في ظل من الأمن والاستقرار.
(3)
اتضح أن الإسلام وضع للتهذيب الروحي جملة من الوسائل، تعمل كلها على تنقية الفطرة من ألوان الشرك وصوره المختلفة التي تطمس في القلب صورة التوحيد الخالص، الذي فطر عليه الإنسان، وربطت به سعادته في الدنيا والآخرة.
ورأينا أن التفكير في ملكوت السموات والأرض، كان أول ما عنى به الإسلام وأرشد إليه من تلك الوسائل، إذ به تعرف الآثار الدالة على جلال مصدرها وكماله في العلم والقدرة، والسلطان والرحمة، ومن هنا تخضع النفوس عن طريق برهاني، عقلي ووجداني لإرادة مصدرها، رب العالمين، الرحمن الرحيم، ويعظم لديها الوعي الديني الذي يخلق فيها النشاط لطاعته، وتحري ما يرضيه في معاملة النفس، ومعاملة الناس.
وأن هذا التفكير الذي دعا إليه الإسلام للحصول على تلك الغاية لم يكن هو ذلك التفكير الجاف الذي يسخره الإنسان في سبيل المادة فقط، ويستخدم آثاره التي يحصل عليها في العدوان، وتخريب المدائن والعمائر، وترويع الآمنين، والقضاء على نعم الله في خلقه، كما يدرك ذلك الآن المتحسس لنفسيات العالم في شرقه وغربه، وإنما هو تفكير يطمئن القلب ويخدمه، قبل أن يخدم العقل ودون أن يروع الآمن، تفكير ينـزع بالإنسان إلى جانب الروحية المهذبة التي تدعوه إلى استخدام ما يصل إليه عن طريق التفكير في المحافظة على الإنسانية، والأخذ بها إلى الكمال الذي قدر لها وخلقت لأجله.
وقد كان للقرآن في الدعوة إلى هذا التفكير أساليب مختلفة من شأنها مضاعفة الرغبة التي تدفع الإنسان إليه، فمن أسلوب يعلن، أن الله ما خلق السموات والأرض باطلًا لا خير فيه، وإنما خلقهما لغاية قضت بها الحكمة الإلهية في خلقهما وخلق الإنسان {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ}(42) {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}(43) ولا باطل ولا لعب أكثر ولا أشد من الإعراض عن النظر فيما خلق الله، هذا الإعراض الذي تظل به أسرار الرحمة كامنة في جوف المخلوقات دون أن تعرف، ودون أن تظهر بها الرحمة في خلقه، وكذلك لا باطل ولا لعب بل لا طغيان ولا عدوان أكثر ولا أشد من معرفتها والوصول إليها، ثم استخدامها في التخريب والتدمير، والقضاء بها على أخضر العالم ويابسه، انقيادًا لشهوة زائفة، أو جبروت كاذب.
ومن أسلوب يعلن أن الله ما خلق العالم على هذا النحو المملوء بالأسرار والسنن التي هيأ الإنسان للوصول إليها، إلا لينتفع بها الإنسان {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}(44).
وليس من شك في أن الانتفاع بها ينتظم الانتفاع بأعيانها في الحياة المادية، وبإدراكها في الحياة العقلية، وبدلالتها في الحياة الروحية والآية ترشد بعد هذا إلى أن مواطن هذا النفع ليست خاصة بظواهر هذا الكون، وإنما هي مبثوثة في ظاهره الذي نحصل عليه بمجرد النظر، وفي باطنه الذي نحتاج إلى قوة في اقتحامه وخوض غماره، وفي هذا إيحاء بالبحث عما استقر في باطن الأرض وطبقات الجبال، وقاع البحار، وما يحمل الماء والهواء من قوى الإنتاج ومواد الصناعة والتعمير.
ومن أسلوب يؤكد للإنسان أن الله سخر له هذا الكون، وأقدره على استخراج أسراره وجعله في قبضة يده، ومتناول عقله {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}(45). {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(46). {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ}(47) {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}(48) {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ}(49). {وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}(50).
ومن أسلوب ينبه إحساس الإنسان إلى التطلع نحو بعض المخلوقات، ذات الشأن في الحياة، فيندفع إلى تلمس ما اشتملت عليه من آيات وأسرار ومنافع وآثار وقد استخدم في هذا الأسلوب، قسم الله - الغني عن القسم - بهذه المخلوقات.
{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(51). {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا}(52).
ومن أسلوب يوجه الأنظار إلى أصول جملة من الثروات التي تتكون منها الاقتصاديات الضرورية في حياة الأمم ونهضتها؛ ففي الثروة الحيوانية:{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا، لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا}(53). وفي الثروات النباتية:{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}(54). وفي الثروات المائية:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}(55). وفي الثروات الجبلية:{وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ}(56).
ومن هذه الآيات ونحوها وهو كثير واضح في القرآن، يتجلى أن الإسلام قد وجه الإنسان إلى بحث الكائنات، وتعرف خواصها وأسرارها، والانتفاع بها في بناء الحياة؛ على أساس أنها نعمة من نعم الله، وآثار رحمته بعباده، تقابل بالشكر والحمد والثناء، وشكرها هو الإيمان بمصدرها، واستعمالها فيما ينفع الخلق وعمارة الكون.
وبينما نرى القرآن يدعو إلى التفكير على هذا الأساس، نراه ينعي خطة الذين فكروا وعرفوا دون أن يتخذوا من تفكيرهم غذاء للقلوب، ومددًا للأرواح {وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}(57). {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا}(58). {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا، وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}(59).
وإذا كان هؤلاء مع بحثهم، وتعرف أسرار الكون، في منـزلة الأنعام، الذين ليس لأرواحهم حظ فيما يحصلون عليه من المنافع المادية، فما بال قوم ألغوا عقولهم، وسلبوها الاستعداد الفطري للنظر والبحث، واكتفوا من النظر بتقليب الوجوه في بناء السماء وزرقتها، والكواكب وكثرتها، والجبال وضخامتها، والبحار وأمواجها، وحرموا أنفسهم من التمتع بالمادة التي تبني الحياة. وبالعلم الذي يغذي العقل. وبالدلالة التي تغذي الروح؟
وكم يضيق الإنسان ذرعًا حينما يرى المسلمين - وتلك تعاليم كتابهم وإرشاداته - في حرمان من اللذات التي ربط الله بها سعادة الناس، وحثهم على تحصيلها والانتفاع بها!! وكم يشتد ضيقه حينما يراهم فيها عالة على غيرهم، يأخذونها عنهم على أنها علومهم ونتائج بحوثهم، ويأخذونها بمنهجهم في قطعها عن مصدرها المنعم بها، المسخر لها!!!
ولقد كان هذا الموقف من المسلمين، مما هيأ لغيرهم أن يتهموا الإسلام بالجمود، وأنه دين يعترض التقدم، ولا يسمح بلذة العلم ولا بعزة الحياة، وبذلك اندفعوا إلى بلاد الإسلام باسم العمل على تقدمهم، يختبرون فيها الجبال والوديان، ويحصلون على الخير من بواطنها، ويتخذون فيها لذلك المراكز الشرعية التي بها يستعمرون. ألا وإن واجب المسلمين اليوم وقد تكشفت لهم نوايا القوم، وذاقوا منهم ومن جهلهم بأسرار الكون ما ذاقوا، أن يستأنفوا لهم حياة جادة عاملة؛ عمادها البحث والنظر، والانتفاع بما سخر لهم في مواد الحياة وبذلك يستجيبون لله في دعوته، ويحفظون لأنفسهم سلطان الدنيا ومكانة الآخرة.


الإسلام دين العقل والعلم

قد كان موقف القرآن في الحث على التفكير في ملكوت السموات والأرض بأساليبه التي عرضناها؛ برهانًا واضحًا على مكانة العقل والعلم في نظر الإسلام؛ إذ العقل آلة التفكير، والعلم ثمرته. وإذن يكون كل ما ورد في القرآن حثًا على التفكير، هو إعلانًا عن فضل العقل، وإيحاءً بالعمل على تربيته وتقويته، وهو في الوقت نفسه إعلان وتسجيل لفضل العلم، وإيحاء بتحصيله، فيقف الإنسان على الحقائق، وتزول عنه غشاوة الجهل، ويحرر من رق الأوهام والخرافات.
وبذلك كان الإسلام، دين الفكر، ودين العقل، ودين العلم، وحسبنا أن رسوله لم يقدم حجة على رسالته إلا ما كان طريقها العقل والنظر والتفكير، ولم يشأ له ربه أن يحقق للقوم ما كانوا يطلبون من خوارق حسية تخضع لها أعناقهم {وَقَالُوا لَوْلَا أُنـزلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(60).
وقد ارتفع القرآن بالعقل، وسجل أن إهماله في الدنيا سيكون سببًا في عذاب الآخرة، فقال حكاية لما يجرى على ألسنة الذين ضلوا ولم يستعملوا عقولهم في معرفة الحق والعمل به:{لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}(61). وكذلك ارتفع بالعلم وجعل أهله في المرتبة الثالثة بعد الله والملائكة {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ}(62). ثم جعلهم وحدهم هم الذين يخشون الله من عباده، بما أدركوا من آثار قدرته وعظمته، فقال بعد أن لفت الأنظار إلى نعم الله وآياته {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(63).
وكان من مقتضيات أن الإسلام دين العقل، ودين العلم، أنه حذر اتباع الظن، وجعل البرهان والحجة، أساس الإيمان {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}(64)، {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا، إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}(65)، {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}(66)، {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}(67).
وقد رفع من شأنه فعبر عنه بالسلطان {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا}(68)، {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ}(69). وهكذا كان العقل، وكان العلم والبرهان في نظر القرآن.
ومن هنا كثرت آيات القرآن الواردة في ذم التقليد وجري الخلف وراء السلف، دون نظر واستدلال، هؤلاء الذين ورثوا عقائدهم وآراءهم عن آبائهم وأجدادهم لا لشيء سوى أنهم آباؤهم وأجدادهم، وكأنهم يرون أن السبق الزمني، يخلع على خطة السابقين وآرائهم في المعتقدات، وأفهامهم في النصوص، قداسة الحق وسلطان البرهان، فالتزموها وتقيدوا بها، وسلبوا أنفسهم خاصة الإنسان، خاصة البحث والنظر، وفي هذا الشأن يقول الله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنـزلَ اللَّهُ، قَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا}(70)، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنـزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا}(71).
حكى عنهم الجمود على ما كان عليه سلفهم، فهم يرثون أفكارهم وآراءهم، كما يرثون عقارهم وأرضهم، وحكى عنهم اكتفاءهم بمعتقداتهم الموروثة، ووقوفهم بأنفسهم عندها دون أن يتجهوا إلى الترقي والتدرج في العلم والعمل، ولا شك أن كلا الموقفين: الجمود عند الموروث والاكتفاء به، مصادم لما تقضي به طبيعة الكون وطبيعة كل حي، من النمو والتوليد.
والتناسل الفكري، كالتناسل النباتي والحيواني والإنساني، كلاهما شأن لابد منه في الحياة، ولو وقف التناسل الفكري لارتطم الإنسان في حياته بكثرة ما تلد الطبيعيات التي هو منها، وعندئذ يعجز عن تدبير الحياة النامية التي لم يقدر لها النماء إلا خدمة له، وسبيلًا لخيره ونفعه؛ فيتحقق فشله في القيام بمهمة الخلافة الأرضية التي اختير لها ووكلت إليه منذ القدم.
وإذا كان الجمود على آراء المتقدمين لمجرد أنهم متقدمون، مصادمًا لقانون النمو والتناسل الطبيعي، فهو في الوقت نفسه، سلب لمزية الإنسان في التميز بين الحق والباطل، والملائم وغير الملائم، فيفعل ما يفعل دون عقيدة، ويترك ما يترك دون عقيدة. ومثل هذا لا يجد لنفسه حظًا في أن يفعل أو في أن يترك وإنما يقاد بالزمام، وزمامه صور الآباء والأجداد، فهي دائمًا تجذبه القهقرى ولا يجد من نفسه عونًا على التقدم، فيقع في ضيق من الحياة المتجددة حوله {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا}(72)، ويظل كذلك حتى تنـزل به غاشية من صولة الطبيعة النامية، فتذهب به إلى حيث ذهب الغافلون.
ونهاية القول أن الجمود على آراء المتقدمين، وخططهم في العلم والمعرفة، وأسلوبهم في البحث والنظر، جناية على الفطرة البشرية، وسلب لمزية العقل التي امتاز بها الإنسان، وإهدار لحجة الله على عباده، وتمسك بما لا وزن له عند الله.
هذا وقد نشأ المسلمون في ظل ما قرره الإسلام، ودعا إليه القرآن؛ ففكروا وبحثوا وتعقلوا، وطلبوا البرهان، وأنكروا التقليد، فسادوا وسادت بهم الأمم، ثم لأمر ما انقلبوا على رؤوسهم، وتعفنت أمعاؤهم، وتولدت في أدمغتهم حمى التقليد، فجهلوا أنفسهم، وجهلوا الكون، وجهلوا الحياة، وتفرقوا في دين الله، وكانوا شيعًا فأبطلوا حجة الله على خلقه، وساروا حجة على دينه وشرعه.
زعموا أن لآبائهم عصمة تمنعهم من النظر في أقوالهم، وبذلك لبس الدين فيما بينهم أثوابًا مختلفة الألوان، مختلفة النسج، وراجت عند الجميع البدع والخرافات وعقدت على دين الله غبارًا كثيفًا، فنفر الناس منه، وأعرضوا عنه، واتهموه بالاضطراب بين حلال وحرام، وصحيح وفاسد، وقوي وضعيف!!! وأخذوا يتأهبون للخلاص، ناقمين على طوائف الدين مواقفهم من مورثاتهم التي جعلته في جانب وحياة الناس في جانب آخر.
ألا فليعلم هؤلاء جميعًا أن صدر الحياة الذي يتسع كل يوم وكل ساعة، أصبح غير قابل لضغط تضيق به رقعته ويرجع إلى أغلال الموروثات الأولى، فلينظروا في أي وضع يكونون، وعلى أي منهج يسيرون، حتى يحفظوا لله شرعه، ويقيموا له دعوته.

مكانة العلم في نظر القرآن

لم يخلق الإنسان في هذه الحياة ليعبث أو ليلهو، ولم يخلق ليطغى بقوته وجبروته ويستبد قويه بضعيفه، وإنما خلق وركب فيه ما ركب من قوى العلم والإدراك وآلات العمل والإنتاج، وسخر له الكون في أرضه وسمائه، ومائه وهوائه لحكمة سامية تعبر عن جلال الله وجماله، وهي أن يكون خليفة في الأرض، يعمرها ويعمل على إصلاحها، واتساع عمرانها، وإظهار أسرار الله فيها، وإقرار الخير والسعادة في نواحيها، وبذلك تكون مظهرًا لرحمة الله بعباده، وآية من آيات قدرته وحكمته.
وقد أرشد إلى هذه الحكمة كثير من آيات القرآن، منها قوله تعالى وهو يحدث عن مبدأ خلق الإنسان:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ: يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}(73).
فتجلت للملائكة حكمة استخلاف الإنسان في الأرض، واعترفوا له بالمكانة التي أعدت له في هذه الحياة، ومن ذلك قوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ}(74). ومن ذلك قوله تعالى:{آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}(75). وقوله:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}(76).
وإذا كانت هذه هي مهمة الإنسان في الحياة، وهي حكمة خلقه، وحكمة الإنعام عليه بقوى العلم والعمل، وحكمة تسخير الكون وإخضاعه له في التفكير والتصريف؛ فإنه لا سبيل إلى قيامه بهذه المهمة وتحقيق تلك الحكم إلا إذا تحصن بالعلم ليعرف الخير من الشر، والنافع من الضار، والمعمر من المخرب، وتحصن كذلك بالصحة ليكمل عقله، ويسلم تدبيره، وتتصل جهوده.
فالمعرفة والصحة عنصران لابد منهما في قيام الحياة على الوجه الذي يحقق حكمة الخالق في الخلق، وليس في الحياة شيء إلا وهو محتاج إليهما، متوقف عليهما، وليس فيما نعلم مقوضًا لأصل السعادة، وقاضيًا على الهناءة، ومفككًا لعرى التعاون، ومضيعًا للعزة والسلطان، مثل الجهل والمرض، فهما بحق أصل البلاء، ونذير الاضمحلال والفناء.
ومن هنا عنى الإسلام عناية كاملة بالإرشاد إلى الوسائل التي تطهر المجتمع من الجهل، والتي تطهره من المرض، فهو قد حارب الجهل وتتبعه في كل وكْر من أوكاره، وفي كل لون من ألوانه: حارب جهل الشرك بالتوحيد، وبث في النفس والآفاق دلائله، ولفت الإنسان إليها، وحثه على النظر والتفكير فيها ليؤمن بأن العظمة التي يخضع لها ليست لأحد سواه، فلا تعترضه في طريق الكمال ما ينسجه الإنسان حوله من صور العظمات الزائفة.
حارب جهالة التقليد وأنكر على الإنسان أن يسلم عقله لغيره، وأن يقف في عقائده ومعارفه ووسائل الحياة عندما خلفه الآباء والأجداد من الأوهام والخرافات.
حارب جهالة الأمية وأوحى بتعلم القراءة والكتابة، ورفع من شأن التعلم، ولا بد هنا من وقفة يسيرة لنرى مبلغ عناية الإسلام بمحو الأمية والإرشاد إلى وسيلته وحسبنا في ذلك أن يكون أول نداء إلهي يفتتح به الله باسم «الربوبية» وحيه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، تلكم الآية الكريمة:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(77).
يأمر بالقراءة والقراءة سلم المجد، وطريق العلم والمعرفة، ثم يرشد إلى الاستعانة عليها باسم «الرب» مفيض التربية ووسائلها على جميع الخلق؛ فيشعر الإنسان بعزة شأنها ورفعة قدرها، وأنها من الشئون العظمى، ذات البال والخطر، ثم يذكر خلقه وتكوينه في هذا المقام ويردفه بنعمة العلم {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.
وبذلك يسوي بين نعمة الخلق والإيجاد، ونعمة العلم، ويكون ذلك إيحاء بأن المخلوق الجاهل لا اعتداد بوجوده في هذه الحياة، وتنويهًا بشأن القلم ومكانته في العلم والمعرفة، يقسم به الله في معرض تبرئة الرسول عليه السلام، من أفدح التهم الباطلة الذي ألصقها القوم به عليه السلام؟ وهى تهمة الجنون:{ن، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}(78).
وكما يطلب القراءة على الإطلاق دون تقييد بمقروء مخصوص، يطلب العلم والنظر على الإطلاق، دون تقييد بمعلوم مخصوص أو منظور مخصوص {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(79). ويرشدنا هذا الإطلاق إلى أن [العلم] في نظر القرآن ليس خاصًا بعلم الشرائع والأحكام من حلال وحرام، وإنما العلم في نظره هو كل إدراك يفيد الإنسان توفيقًا في القيام بمهمته العظمى التي ألقيت على كاهله منذ قدّر خلقه، وجعل خليفة في الأرض، وهي عمارتها، واستخراج كنوزها، وإظهار أسرار الله فيها.
فإدراك ما يصلح به النبات وينمو ويثمر، وما تستنبت به الأرض وتحيا، علم.
وإدراك ما يصلح الحيوان، ويستمر به نسله، وتتصل قوته، علم.
وإدراك الطرق المشروعة التي تحصل الأموال، والتي تنظم بها مواردها، ومصارفها، علم.
وإدراك موارد الصناعة على اختلاف أنواعها وكيفياتها وتوزيعها علم.
وإدراك الأمراض وعالمها وكيفية علاجها وطرق الوقاية منها، علم.
وإدراك ما تعرفه الأمم من وسائل الدفاع والهجوم، حفظًا للأوطان، ودفعًا للعدوان بما يرهبهم، علم.
وقد جاء الإيحاء بهذا كله واضحًا جليًا في القرآن الكريم، وبه كان العلم - بمعناه العام الشامل - العنصر الأول من عناصر الحياة في نظر الإسلام.
وقد أدرك المسلمون الأولون إيحاء القرآن في كل ذلك، فأدركوا قيمة العلم ومنـزلته وضرورته في سعادة الأمم والأفراد: كانوا أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب فجدوا في محو أميتهم بكل الوسائل حتى أطلقوا سراح الأسير إذا هو علم عددًا من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، وجعلوا تعليم القرآن مهرًا في الزواج، وأطلقوا لأنفسهم سراح النظر في الكائنات؛ فأدركوا منها ما يسعدهم في الحياة، ويجعلهم أئمة يهدون بأمر الله.
رفعوا بالعلم مكانة الخامل، وكان فيما بينهم نسب الوضيع، وغنى الفقير، وقوة الضعيف، وفي بطون التاريخ والمكتبات الإسلامية والعالمية من المؤلفات والمترجمات في شتى العلوم والفنون والصنائع وجميع فروع العلم والمعرفة ما يشهد لهم بالتركيز العلمي، ويشهد لكل جيل بمنهجه في علمه ومعارفه التي وصل إليها بجهوده وتفكيره دون الوقوف عندما ترك السابقون، بل نظروا وبحثوا، واختاروا واختبروا وابتكروا؛ وبذلك اقتعدوا مكانة الأستاذية العامة المطلقة، وكانوا حقًا جديرين بأن يكونوا كما وصف الله:{خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(80). تسلك إلى الخير طريقه، وتسد دون الشر سبيله.
هذه مكانة العلم في بناء المجتمع كما يقررها القرآن ويوحي بها، وإني أرجو أن يكون الزمان قد هيأ نفسه ليستدير بالمسلمين كهيئته الأولى، وأن يكونوا بما وقعوا فيه من إحن ومحن قد تكاملت في نفوسهم عوامل اليقظة والوعي، وآمنوا بأن عزة أسلافهم وعزة الناس من حولهم، كان العلم أول عناصرها وأقواها، وآمنوا بأن الذلة، وتهافت الأمم عليهم التي نكبوا بها، كان الجهل والتلهي بالشخصيات والنظريات والجدليات والفروض الوهمية والأوهام والخيالات، والعناية بما يكنه الغيب عن طريق الدجل، كان كل ذلك أول عناصرها وأقواها.
وإني لأحس إحساسًا قويًا بأن النهضة العلمية آخذة بإخلاص القائمين بها المشرفين عليها، الفاهمين لها - طريقها إلى ما يمحو الأمية ويحقق للأمة الخير والسعادة، ويرد آخرها إلى أولها فننعم بما نعموا، ونسعد بما سعدوا، ونخلع ما نحن فيه من ذل وشقاء، وتكون العزة كما يحب الله:[[لله ولرسوله وللمؤمنين]].


الوقاية من الأمراض في نظر الإسلام

إن عناية الإسلام بالصحة لم تكن أقل من عنايته بالعلم، ذلك أن الإسلام كما قلنا مرارًا، يبني أحكامه على الواقع، والواقع أنه لا علم إلا بالصحة، ولا مال إلا بالصحة، ولا عمل إلا بالصحة، ولا جهاد إلا بالصحة، والصحة رأس مال الإنسان، وأساس خيره وهناءته، ومن هنا عرض القرآن الكريم للمرض، وكان له في تشريعه الذي يعالج به القلوب، أعظم إيحاء وأوضح إشارة إلى اتخاذ وسائل الصحة البدنية والوقاية الصحية.
وإذا كانت أصول الطب التي وصل إليها الإنسان بتجاربه تدور حول حفظ القوة وعدم مضاعفة المرض، والحمية من المؤذيات، واستفراغ المواد الفاسدة من البدن - فإنا نجد في القرآن وفي إرشادات النبي صلى الله عليه وسلم إشارات واضحة إلى كثير من الجزئيات والأمثلة التي تمثل هذه الأصول الطبية.
وأول ما نجد من ذلك أن الإسلام يبيح للمسافر أن يفطر في رمضان، حتى لا تجتمع مشقة السفر مع مجهود الصوم، فتضعف القوة، وتفقد المناعة، وكذلك يبيح للمريض أن يفطر حتى لا يزداد مرضه بالصوم وعدم الغذاء، ويبيح لمن خاف المرض، وتأخر البرء باستعمال الماء في الوضوء أو الغسل أن يتيمم، وهذا كله من قبيل الحمية عما يؤذي، ومن هذا القبيل تحريم الخمر والخنـزير، والإسراف في الأكل والشرب وما إلى ذلك من كل ما يضر ويؤذي.
وأباح للمحرم إذا طرأ عليه مرض، أو وجد برأسه أذى، أن يحلق رأسه، ويزيل شعثه مع تمام إحرامه، فتزول الأبخرة المؤذية، وهذا من قبيل استفراغ المواد الفاسدة. وقد جاءت آية كريمة تشير إلى الحمية من الأذى وهي قوله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى، فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}(81).
قررت الآية أن دم الحيض أذى ضار، وهكذا قرر الأطباء: قالوا إن وقت الحيض أنسب وقت لانتشار العدوى في الجهاز التناسلي بسبب ما يحدثه من الالتهابات التي من طبيعتها تقوية الجراثيم المرضية وإكثارها، وأن دم الحيض يضعف درجة الحموضة التي تقاوم الجراثيم، وأن الالتهاب الذي يحدثه الحيض يقتل الحياة في مادة التناسل، إذ لا تجد وقت الحيض مكانًا صالحًا للاستقرار فيه.
هذا، وقد كانت الإرشادات النبوية واضحة جلية في العلاج والوقاية جاء فيها الأمر بالتداوي، وجاء فيها التحذير من العدوى، وجاء الأمر بعزل المرضى عن الأصحاء «إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها». ويشير الحديث إلى وقت حضانة المرض المعروف في لسان الأطباء «وفر من المجذوم كما تفر من الأسد» وجاء فيها النهي عن قضاء الحاجة من بول أو براز في الماء الذي يستعمله الناس في وضوئهم واغتسالهم وسائر شئونهم، وفي طريقهم الذي فيه يمشون، وفي ظلهم الذي به يستظلون، وموارد مياههم التي عليها يجلسون، ومن ذلك شواطئ الترع والقنوات والأنهار «اتقوا الملاعن الثلاث، البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل».
وأطلق الرسول عليها الملاعن لأنها تسبب لعن الناس لمن يفعلها وقد ثبت طبيًا أن هذا الصنيع مع قذارته وتقزز النفوس منه، يولد أمراضًا وبائية، كما يولد أمراض الإنكلستوما، والدوسنطاريا، وهذا هو السر في كثرة المصابين بهذين المرضين من أبناء الريف الذي لا يتحرز أهله عن هذا الصنيع، وإني أعتقد أنهم إذا عرفوا أنه مما يغضب الله ويسخطه عليهم رسوله، ويستوجب اللعن والطرد من رحمة الله لما فعلوه ولما سكتوا عمن يفعله.
وجاء أيضًا في الإرشادات النبوية، التحذير من ترك أواني الطعام والشراب مكشوفة «أطفئوا المصابيح بالليل إذا رقدتم، وأغلقوا الأبواب، وأوكئوا الأسقية، وخمروا الطعام والشراب»، أي غطوا الطعام واربطوا قرب الماء، وذلك حفظًا للطعام والشراب من سقوط الحشرات المؤذية التي تولد جراثيم المرض، وهذا كله من باب الوقاية والتحفظ من الأمراض وأسبابها.
وإذا كانت الوقاية كما يقولون خيرًا من العلاج، فإن الإسلام ضمن العبادات التي أمر بها، تقربًا إلى الله، كثيرًا من أنواع الوقاية التي تحفظ الإنسان إذا داوم عليها، وأداها حقها، من التعرض للإصابات الجوية بسبب الأتربة والحرارة، ومن ذلك أمر في الوضوء للصلوات الخمس، بغسل الوجه والأطراف، الأيدي والأرجل، وبمسح الأذنين، كما طلب السواك والمضمضة والاستنشاق حفظًا للفم والأنف والأسنان ومن كلامه في السواك «ما لكم تدخلون علي قلحًا، استاكوا» يريد تبكيتهم على دخولهم عليه وأسنانهم مصفرة، تنبعث منها الرائحة، وفي السواك أيضًا يقول «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» وكلنا يعرف شدة حرص الأطباء وكثرة وصاياهم على تنظيف الأسنان التي تولد قذارتها أنواعًا من الأمراض في كثير من الأجهزة.
هذه بعض الإرشادات التي جاء بها الإسلام قرآنًا وسنة في المحافظة على الصحة وعلاج الأمراض البدنية، وقد أثبت الطب صحتها وعظم نتائجها في الوقاية، وحفظ الصحة وقد جاءت هذه الإرشادات بجانب الإرشادات الأخرى التي رسمها الإسلام لعلاج القلوب ووقايتها من أمراضها، كالشهوة والغضب والحقد، وما إليها مما يفسد على الناس مجتمعهم، وبهذه وتلك إذا ترسمها الإنسان، سلم في قلبه وعقله، وفي صحته وبدنه، فتسلم له أداة التفكير والنظر في معرفة الحق، وتسلم له آلات العمل في تنظيم الحياة وعمارة الكون، كما يحب الله ويرضى، وبذلك تكتمل له سعادة الدنيا والآخرة.



عود على بدء

تلخص لنا مما سبق المبادئ الآتية:
أن الإسلام نحى الجنسية والإقليمية، والمذهبية الخاصة ونحوها، عن الاعتبارات البشرية عن مكانة الأساس الأول للجماعة الإنسانية، وجعل الأساس في بنائها شيئًا واحدًا هو الاعتصام بمبدأ الخير العام، والرحمة الواسعة، والعدل المطلق، {رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}(82).
هذا المبدأ الذي يدركه الإنسان بفطرته، ويناجيه في خلوته، ويفزع إليه عند مصابه هذا المبدأ الذي تشعر الفطرة بأن نسبة الناس إليه على حد سواء، وأنه لا يرضيه منهم مهما اختلفت طبقاتهم، وتباينت مراكزهم، إلا معرفة الحق والإيمان به، وإلا معرفة الخير وإقراره بين الناس:{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(83)، {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}(84)، {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(85).
وأن الإسلام أوصد على الإنسان في هذه الحياة أبواب التبتل والزهد، والانقطاع عن الدنيا إلى العبادة الفردية، وأباح له التمتع بطيبات المأكل والمشرب والملبس وما إليها {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}(86)،{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(87).
وأن الإسلام طالب الإنسان بالعمل، وحذره البطالة والكسل وإراقة ماء الوجه بالسؤال ولا نكاد نجد آية في القرآن تذكر الإيمان إلا وتعطف عليه عمل الصالحات {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}(88)، {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(89).
ولقد طلب العمل والسعي في تحصيل الرزق والمعاش حتى وقت أداء عبادة الحج، {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}(90)، {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}(91).
وليست «الصالحات» التي يحث الله على عملها، ويقرن الإيمان بها، هي نصوص الصلاة والصوم والتسبيح والتهليل، وما إليها من العبادات الشخصية التي لا يتعدى نفعها إلى غير العامل، وإنما المراد بها كل ما يصلح به المرء نفسه، وأسرته وأمته، فهي من الصلاح لا بمعنى «التقوى والتعبد» كما يفهمها كثير من الناس، وإنما هي من الصلاح الذي يقابل الفساد، ومنه {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}(92)، ومنه {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا}(93) ومنه {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}(94).
ولولا ما دخل على كلمات القرآن العامة من التأويل الخاص لطائفة من الناس، نظرت إلى الحياة بمنظار ضيق، واعتبرت ما أدركته بهذا المنظار مراد الله من الإنسان في الحياة، لولا ذلك لما كنت في حاجة إلى التنبيه عليه، بل لما كنت في حاجة إلى الكتابة في هذا الموضوع رأسًا.
وأن الإسلام حينما حث الإنسان على العمل، وحرضه على تحصيل الأموال، ومتع الحياة الطيبة، لم يترك الكون مغلقًا أمامه بل قلب له صفحاته بآياته، وكشف له غطاءه وأغراه بما فيه من أسرار، وبما سخره له وأخضعه لسلطانه.
أغراه بأصول الثروات التي يحصل عليها لو عمل لها، أغراه بالثروة الحيوانية والنباتية والمائية والجبلية، أغراه بأن سخر له هذا الكون ليخوض غماره، ويحصل على كنوزه ويظفر بخير هذه الثروات، ولكن أترى الإسلام أغرى الإنسان هكذا بالحياة ومتعها، وتركه يولي وجهه شطرها فقط، ويحصر فيها تفكيره فيتلهى بها عن تقوية الجانب الروحي الذي يربطه في تفكيره وأعماله بمبدأ الخير العام، والرحمة الواسعة الذي لا يرضيه إلا الاعتصام، ومراقبته، واستشعار عظمته، وتوخي ما رسم في الحياة؟
وجواب هذا ما رأيته من قبل، وهو أن الإسلام مع هذا الإغراء وهذا الإعداد احتاط لخير الإنسان، وقطع عليه مسالك الطغيان في الانهماك والتكالب على الدنيا بما يفوت عليه سعادة الروح، بالمادية الجشعة التي تقتل في النفوس روح الشعور بمكانة التعاون وتبادل المنافع وتغرس فيها الشح، وتنمي عوامل العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله وعظمته {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}(95).
وأن الإسلام قدر - كما هو الواقع - أن حصول الإنسان على خير هذه الحياة بالمبادئ التي رسمها، ولا يمكن أن يكون إلا بإعمال العقل والتفكير فيما سخر له من مواد هذا الكون، فدعاه إلى النظر في ملكوت السموات والأرض، ليعلم وينتفع، ومن هنا نوه القرآن بفضل العقل، ومكانة العلم، وجعل المحافظة على العقل من الضروريات الدينية الأولى، وحرم تناول ما يفسده أو يضعفه، وحقر في كثير من الآيات هؤلاء الذين أسلموا أنفسهم للأوهام والخرافات، وأهملوا عقولهم، وسلبوا أنفسهم حقها الطبيعي في الفكر والنظر {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}(96).
وفي سبيل الاحتفاظ بفائدة العقل، رفع من شأن العلم والعلماء:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(97). {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}(98). وليس العلماء كما جاء في التأويل الفاسد، هم أهل الفتيا بالمسائل الفقهية في الحل والحرمة فقط، وإنما العلماء هم الذين يعلمون أحكام الله وشرائعه على وجهها الصحيح، والذين يعلمون أسرار الكون وخواص أنواعه وعناصره، فيستدلون بما يعلمون على عظمة الخالق في علمه وقدرته وحكمته {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ}(99).
وفي سبيل الاحتفاظ بفائدة العقل ذم التقليد، وتوارث العقائد والآراء عن الآباء والأجداد دون نظر واستدلال قدر الإسلام - كما هو الواقع - أن الإنسان لا يمكن أن ينتفع بهذه المبادئ ويلبي في حياته نداءها، إلا إذا تحسن بالصحة، فأمر بالوقاية والعلاج حتى يسلم جسمه، فيسلم عقله، وتقوى جوارحه.
بهذه المبادئ التي مصدرها القرآن، رسم الإسلام خطوط الحياة الفاضلة للإنسان الذي يتكون المجتمع المثالي من أفراده.
فعلى القائمين بشئون التربية والتعليم أن يسلكوا إليها سبلها، وأن يصوغوا على مقتضاها أبناءنا، الذين هم عدتنا في بناء المجتمع الذي عليه يعملون، وله يترقبون.



التضامن الاجتماعي في نظر الإسلام

لم تكن أفراد الإنسان وحدات يستقل بعضها عن بعض، وإنما هي بطبيعة ما خلقت عليه، وما تحتاجه في الحياة وحدات تتبادل المنافع، وتتعاون على المصالح، وبهذا التعاون الضروري للحياة يتحقق المجتمع الإنساني.
والإسلام لم يقف فيما يحقق المجتمع الإنساني عند هذا الحد الطبيعي الذي كثيرًا ما تطغى عليه العوامل النفسية والشخصية، فتخرجه عن حد الاعتدال اللازم للهدوء والسعادة، والأمن والاستقرار، ولكنه شد أزر الطبيعة الاجتماعية بما يقويها ويقيمها من الانحراف والانحلال.
فربط بين أفراد الإنسان برباط قلبي يوحد بينهم في الاتجاه والهدف، ويجعل منهم وحدة قوية متماسكة، يأخذ بعضها برقاب بعض، سداها المحبة ولحمتها الصالح العام، وهدفها السعادة في الدنيا والآخرة.
وهذا الرباط هو رباط الإيمان والعقيدة المتصلة بمبدأ الخير والرحمة وهو الله سبحانه وتعالى.
وقد اتخذ الإسلام عنوانًا لهذا الرباط [الأخوة الدينية] بين المسلمين، وهي أصدق تعبير عن الحقوق والواجبات الاجتماعية، وهي أقوى ما يبعث في النفوس معاني التراحم والتعاطف والتعاون، وتبادل الشعور والإحساس، مما يحقق للمجتمع المثالية التي تخلصه للخير، وتبعد به عن الشر.
قرر الإسلام هذه الإخوة بين المسلمين، وجاء فيها قوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(100). وجاء فيها قول الرسول عليه السلام «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه».
قرر الإسلام الأخوة بين المسلمين، على أنها شأن يتحقق، بمجرد الإيمان والاشتراك في العقيدة، ويستتبع جميع آثار الأخوة من حقوق تعرف للمسلم، وواجبات تعرف عليه وقد سما الإسلام بالأخوة الدينية عن مركز الأخوة النسبية، فيها اصطلح المتخاصمون وائتلف المتفرقون، ونسيت العداوات، وتبودل العفو والصفح، وأصبح المرء بعد تفيئه لظلها يجلس آمنًا مطمئنًا في ملأ أو خلوة مع قاتل أبيه أو أخيه، لا يخشى انتقامًا، ولا يتوقع أذى {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}(101) {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}(102).
وبها نسى المسلم بأخيه المسلم قبيلته، وخرج على عشيرته، وخاصم أباه وقاتل أخاه {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ، يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}(103). وبها فقدت الأخوة النسبية آثارها، من ولاية وتوارث إذا تجردت عن الأخوة الدينية وبها صار المجتمع الإسلامي بالعقيدة والإيمان ذا جهاز واحد، يتقاسم الفرح والحزن، واللذة والألم، والسعادة والشقاء، والرحمة والعطف، والإرشاد والمعونة، مهما تناءت الديار واختلفت الأجناس، وتباينت اللغات، شعار واحد «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» ودعاء واحد:{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا}(104).
وقد كان من مقتضيات هذه الأخوة، التضامن الاجتماعي بين المسلمين، والتضامن الاجتماعي، هو إيمان الأفراد بمسؤولية بعضهم عن بعض هو إيمانهم بأن كل واحد منهم، حامل لتبعات أخيه، ومحمول بتبعاته على أخيه، فإذا ما أحسن، كان إحسانه لنفسه ولأخيه، وإذا ما أساء. كانت إساءته على نفسه وعلى أخيه {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ، وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}(105).
والتضامن الاجتماعي، أول عناصر الحياة الطيبة للمجتمعات، يتوقف عليه حياتها، وبه تكون عزيزة كريمة، متمتعة بهيبتها قائمة بواجبها، ولهذا التضامن، شعبتان: تضامن أدبي، وتضامن مادي، والتضامن الأدبي يحققه قوتان، قوة تعرف الخير والفضيلة وتدعو إليهما بصدق وإخلاص، وقوة تستمع وتمتثل وتتقبل بقلوب مطمئنة، وصدور منشرحة، وألسنة شاكرة، وجوارح عاملة، وبتفاعل القوتين، تقوى روح التعاون، ويقف الجميع حول مركز واحد يوحد الاتجاه، ويهيمن على المصالح.
وفي قوة الدعوة، يقول الله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}(106). ويقول {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(107). ويقول:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(108).
وفي قوة الاستماع والاستجابة، يقول {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}(109)، ويقول {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}(110).
وإذا ما عدمت قوة الدعوة في المجتمع، وسلك الأفراد مسلك الشخصية الكريهة والمصالح الخاصة المفسدة، أو انحرفوا في الدعوة عن الخير والصالح العام، وتحسسوا شهوتهم أو شهوة الناس، تفككت روابط المجتمع واندفع إلى تلبية الأهواء، وتعرض للهلاك والدمار، وفي ذلك يقول الله:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}(111). ويقول:{فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ}(112).
وكذلك إذا عدمت قوة الاستماع، وزعم كل إنسان لنفسه الكمال، وأنه لا ينبغي أن يوجه إليه نصح ولا إرشاد، وفي هذا يقول الله:{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}(113) ويقول:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنـزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا}(114)، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ}(115).

وإذا بحثنا عن عدم قوة الإرشاد في المجتمع أو عدم قيامها بواجبها على الوجه المحقق للخير، لوجدناه يرجع إلى عدم الشعور بالمسؤولية الاجتماعية الملقاة على عاتق الأفراد بالنسبة للمجتمع، أو الجهل بما يجب أن تكون عليه الدعوة والإرشاد ومن الحكمة والموعظة الحسنة، أو فقدان الشجاعة الإيمانية في مجابهة الناس بالحق، وهذه الثلاثة: عدم الشعور بالمسؤولية، والجهل بطريقة الدعوة، وفقدان الشجاعة، من أقوى عوامل الفتك بالمجتمعات.
أما السبب في عدم قوة الاستماع، فهو شيء واحد هو الغرور بالنفس والاطمئنان إليها فيما نراه ومن هنا، ينصرف الناس إلى الفساد وهم يعتقدون أنه صلاح، وإلى الشر، وهم يعتقدون أنه خير، وإلى الباطل، وهم يعتقدون أنه حق وإلى الخيانة، وهم يعتقدون أنها أمانة، وإلى الغش والخداع، وهم يعتقدون أنهما إخلاص، وهكذا تنقلب الفضائل بالغرور إلى رذائل والمقويات إلى مضعفات، فينتاب المجتمع الضعف والانحلال.
هذا هو الوضع الإسلامي في علاقة الأفراد بالمجتمع فيما يختص بالمسؤولية الأدبية وقد آمن به المسلمون الأولون، فأخلصوا في الدعوة، وأخلصوا في الاستماع، وبذلك استقامت شئونهم وتقدمت حياتهم وإذا كان هذا الوضع من سنن الاجتماع، وقدره الإسلام ودعا إليه، فإن مجتمعنا لا يعود إليه مجده إلا إذا طهر نفسه من الذاتية والغرور، وعاد إلى سنة الأولين فدعا وأخلص واستمع واتبع:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}(116).



الأموال في نظر الإسلام

قلنا في الحديث السابق، إن الإسلام لم يقف في تكوين المجتمع عند ما تقضي به طبيعة الأفراد من حاجة بعضهم إلى بعض في ضروريات الحياة ولوازمها المتعددة المتباينة والتي لا يستطيع الفرد الواحد أن يحققها لنفسه وإنما ربط بينهم فوق ذلك برباط العقيدة والإيمان الموحد لقلوبهم في الاتجاه والشعور والإحساس، وجعل [الأخوة الدينية] عنوانًا لذلك الترابط ليكون مبدأ التعاون نابعًا من القلب الذي هو محل العقيدة والإيمان، فيكون له من القوة والأثر ما لها فيثمر ثمرته ويحقق غايته.
إن أقرب لوازم الأخوة، التضامن الاجتماعي، فهو أول ما توحي به، وأول ما تقتضيه، ولهذا التضامن شعبتان: شعبة أدبية أساسها من أحد الجانبين، التوجيه إلى الخير والنصح والإرشاد، والإخلاص في الرأي والمشورة، ومن الجانب الآخر، الاستماع والتقبل والامتثال وقد سقنا شواهد ذلك كله من القرآن وأحاديث الرسول عليه السلام.
أما الشعبة الثانية للتضامن فهي الشعبة المادية، وأساسها سد حاجة المعوزين وتفريج كرب المكروبين، والمعونة في تحقيق المصالح العامة التي تنهض بحياة الجماعة، ويعم خيرها الأفراد على حد سواء.
* * *
وقد رأيت تمهيدًا لمنهج القرآن في التضامن المادي، أن أقدم بهذا الحديث كلمة وجيزة عن قيمة المال ووضعه في نظر الإسلام وذلك أن المال هو الوسيلة الوحيدة والأداة الفعالة للتضامن المادي، وهو أقوى العناصر التي لا بد منها في قيام الحياة العملية.
وليس من ريب في أن كل ما تتوقف عليه الحياة، في أصلها وكمالها، وسعادتها وعزها، من علم وصحة وقوة واتساع عمران وسلطان لا سبيل إليه إلا بالمال، وقد نظر القرآن الكريم إلى الأموال هذه النظرة الواقعية، فوصفها بأنها زينة الحياة، وسوى في ذلك بينها وبين الأبناء، ووصفها بأنها قوام للناس، وقوام الشيء ما به يحفظ ويستقيم، وهي - كما نرى - قوام المعاش والمصالح الخاصة والعامة، ولما كان الإسلام دينًا عمليًا، ينظم بأحكامه - على أساس من الواقع - مقتضيات الحياة ويزاوج في الوقت نفسه بين مطالب الروح والجسم بميزان العدل والاستقامة، وقد رسم للروح طريق سعادتها، كان من الضروري أن يرسم أيضًا للمادة طريق سعادتها، ويأمر بتحصيل ما فيه خيرها ونفعها، ومن هنا أمر بتحصيل الأموال من طرق، فيها الخير للناس، فيها النشاط والعمل، فيها عمارة الكون، والتقلب في الأرض، فيها الاختلاط والتعارف والتعاون والمبادلة:
أمر بتحصيلها عن طريق التجارة وبالرحلة اليمنية والشامية اللتين يسرهما الله لقريش في تجارتها يمنّ عليهم ويذكرهم بفضله ونعمته {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ، رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}(117) وأمر بتحصيلها عن طريق الزراعة التي بها حياة الأرض واستثمارها، وفي لفت الأنظار إلى نعمة الله بإعداد الأرض للزراعة يقول القرآن الكريم:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}(118).
وأمر بتحصيلها عن طريق الصناعة، والصناعة أقوى العمد التي تقوم عليها الحضارات، وفي القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى جملة من الصناعات التي لا بد منها في الحياة، فيه الإشارة إلى صناعات الحديد {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}(119). والإشارة إلى صناعة الملابس، {قَدْ أَنـزلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا}(120) وإلى صناعة القصور والمباني {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ}(121)، وهكذا يجد المتتبع لإيحاءات القرآن كثيرًا من التنويه بشأن الصناعات على اختلاف أنواعها.
أمر القرآن بتحصيل الأموال عن هذه الطرق الثلاثة، وسمى طلبها ابتغاء من فضل الله، وقد بلغت عنايته بالأموال أن طلب السعي في تحصيلها بمجرد الفراغ من أداء العبادة الأسبوعية المفروضة، وأنه لم يأمر بالانصراف عن تحصيلها إلا لخصوص هذه العبادة فهو يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}(122). ثم يقول:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}(123). ويقول في تحصيلها على وجه عام {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(124).
هذا موقف القرآن بالنسبة للأموال وتحصيلها، وله موقف آخر بالنسبة إلى الانتفاع بها، والمحافظة عليها، قرره بالنهي عن الإسراف فيها، وبالنهي عن الضن بها، وجعل الاعتدال في صرفها من صفات المقربين عباد الرحمن:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}(125) وجعل الإسراف فيها والضن بها عن الحقوق والواجبات مما يوقع في الحسرة والغرامة:{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}(126).
والقرآن كما طلب السعي في تحصيل الأموال، وطلب الاعتدال في صرفها، نهى عن تحصيلها بالطرق التي لا خير للناس فيها، وفيها الشر والفساد، نهى عن تحصيلها بطريق الربا الذي يؤخذ استغلالًا لحاجة الضعيف المحتاج، وبطريق السرقة والانتهاب والتسول التي تزعزع الأمن والاستقرار، وبطريق التجارة فيما يفسد العقل والصحة كالخمر والخنـزير، وبطريق الميسر والرقص، وبيع الأعراض، من كل ما يفسد الأخلاق، ويعبث بالإنسانية، وبطريق الرشوة التي تذهب بالحقوق والكفايات، وفي هذا وأمثاله يقول القرآن الكريم:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(127).
وعناية الله بالأموال، شرعة قديمة لم يخص بها جيلًا دون جيل، ولا رسالة دون رسالة، وقد قص علينا القرآن أن الله عاقب بعض خلقه الذين عتوا عن أمره فيها، وأكلوا أموال الناس بالباطل:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ}(128).
أما بعد:
فهذا هو الوضع القرآني بالنسبة للأموال، في قيمتها وطرق تحصيلها وأسلوب المحافظة عليها، فهل لجماعة المسلمين - وكتاب الله قائم بينهم يؤمنون به ويقدسونه - أن يتبعوا ما أنـزل الله فيه بالنسبة لتحصيل الأموال والمحافظة عليها، فتسلم النفوس من الجشع، وتزكوا بالأخلاق الفاضلة، وتطيب لهم الحياة؟
أرجو أن يكون ذلك.



التضامن المادي في نظر الإسلام
(1)
الإسلام حينما طلب تحصيل الأموال بالزراعة، والصناعة والتجارة، نظر إلى أن حاجة المجتمع المادية. تتوقف عليها كلها، فإنه كما يحتاج إلى الزراعة في الحصول على المواد الغذائية التي تنبتها الأرض، يحتاج إلى الصناعات المختلفة في شئونه المتعددة: في ملابسه ومساكنه، في آلات الزراعة وتنظيم الطرق، في حفر الأنهار ومد السكك الحديد، في حفظ الكيان والدولة، وما إلى ذلك مما لا سبيل إليه إلا بالصناعات.
ويحتاج أيضًا إلى تبادل الأعيان والمواد الغذائية والمصنوعات مع الأقاليم التي ليست فيها زراعة ولا صناعة، ولا تسعد أمة ولا تسد حاجتها بنفسها، وإذن لا بد من الاحتفاظ بالزراعة والتجارة والصناعة.
ومن هنا قرر علماء الإسلام أن كل مالا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، فتعلمه ووجوده من فروض الكفاية قالوا: ومن ذلك، أصول الصناعات، كالفلاحة والحياكة والخياطة، وما إليها مما هو ضروري، أو كالضروري في المعاملات ويسر الحياة، ودفع الحرج عن الناس، ومعنى أنه من فروض الكفاية، أنه إذا لم يتحقق في الأمة، أثمت الأمة كلها، وأن الإثم لا يرتفع عنها إلا إذا قامت كل طائفة بنوع من هذه الأنواع، وليس من ريب في أن أساس هذه الفرضية، هو العمل على تحقيق المبدأ الإسلامي الذي يوجبه الإسلام على أهله، وهو مبدأ استقلال الجماعة الإسلامية في تحقيق ما تحتاج إليه من الضروريات والحاجات، فيما بينها، وبيد أبنائها دون أن تمد يدها إلى غيرها من الأمم.
وبذلك لا تجد الأمم الأخرى ذات الصناعات والتجارات، سبيلًا إلى التدخل في شئونها، فتظل محتفظة بكيانها وعزتها ونظمها وتقاليدها، وخيرات بلادها، وكثيرًا ما اتخذ هذا التدخل سبيلًا لاشتراك الدول الأجنبية في إدارة البلاد وتنظيمها واستعمارها، استغلالًا لحاجتها في الصناعات والتجارات.
ولا ريب أن هذه الطرق الثلاثة: الزراعة والتجارة والصناعة، وهي الطرق الطبيعية لتحصيل الأموال - عمد الاقتصاد القومي لكل أمة تريد أن تحيا حياة استقلالية، رشيدة عزيزة ومن الضروري عملًا على تركيزها في البلاد، حتمية العمل على تنسيقها تنسيقًا يحقق للأمة هدفها الذي يوجبه الإسلام عليها، والذي يجب أن تحصل عليه وتحتفظ به وتنميه، صونًا لكيانها واستقلالها في سلطانها وإدارتها، وقد أرشدنا تاريخ الاستعمار، أن أهم أسبابه وأول نافذة ينبعث منها إلى الأمة تياره الكريه، وريحه الثقيل، هونقص الأجهزة التي تحقق للأمة كفايتها من هذه العمد الثلاثة.
وإذا كان من قضايا العقل والدين، أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وكانت عزة الجماعة الإسلامية، أول ما يوجبه الإسلام على أهله، وكانت متوقفة على هذه العمد الثلاثة، كانت هذه العمد الثلاثة واجبة وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خيرها واجبًا.
ومن هنا كان على ولي الأمر في الجماعة الإسلامية، المهيمن على مصالحها وتوجيهها، أن يعمل جهده بما يحقق للأمة الانتفاع بها كلها، وأن يعمل على تنسيقها بحيث لا يترك الأموال تتكدس في تركيز عنصر واحد منها، دون سواه فلا عليه، أن يحول بعضًا من الأراضي الزراعية إلى رؤوس أموال تجارية أو شركات صناعية، على حسب حاجة البلاد المبنية على تقدير مصالحها، ويتم بذلك تنسيقها على الوجه الذي يجعلها غنية بنفسها عن غيرها.
فلا يجد الأجنبي بابًا للتدخل في شئونها إلا بقدر ما يحتاج هو إليها من طرق التبادل العام الذي يقع بين الناس بعضهم مع بعض وهذا نوع من التنظيم فيما ينفع البلاد، ويقيها شر تدخل الأجنبي بما يركز فيها قدمه، ويكون سيدًا عليها، ومستعمرًا لها.
وليس هذا التنسيق من باب تقييد الحرية الملكية وإنما هو توجيه تستدعيه حاجة البلاد، ويمكنها من حريتها الحقة الكاملة.
وهو بهذه الاعتبارات واجب على ولي الأمر حتى إذا ما قصر فيه أو أهمله، كان آثمًا، وكانت أمته معه آثمة وإذا ما قام به ووفر به مصالح البلاد واستقلالها، وعاونته الأمة عليه، كان سائرًا بها في طريق الخير والسعادة، وكانت معه في مكانة الأمن والاطمئنان.
ونظرًا إلى أن فائدة المال تعم المجتمع كله وتقضى به حاجته على النحو الذي ذكرنا، أضافه الله تنويهًا بشأنه؛ تارة إلى نفسه وجعل المالكين له مستخلفين في حفظه وتنميته وإنفاقه بما رسم لهم في ذلك:{آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}(129):{وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ}(130).
وأضافه أخرى إلى الجماعة، وجعله كله بتلك الإضافة ملكًا لها:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}(131):{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا}(132).
وأرشد بذلك إلى أن الاعتداء عليها، أو التصرف السيئ فيها، هو اعتداء أو تصرف سيء واقع على الجميع.
وذلك نتيجة ضرورية لما قرره الإسلام من أنه أداة لمصلحة المجتمع كله، به تحيى الأرض وبه توجد الصناعة، وبه تكون التجارة، ثم به يساهم أصحابه في سد حاجة المحتاجين وتأسيس المشروعات العامة النافعة إن لم يكن بعاطفة التعاون والتراحم، فبحكم الفرض الذي أوجبه الله في أموال الأغنياء للفقراء وفي سبيل الله، وبحكم الضرائب التي يضعها ولي الأمر حسب تقدير ما تحتاجه البلاد من مشروعات الإصلاح والتقدم والصيانة.
وقد عنى القرآن عناية كاملة بالحث على البذل للفقراء والمساكين، وفي سبيل الله، وكلمة [سبيل الله] من الكلمات الفذة التي جاء بها القرآن، وهي بذاتها تملأ القلب روعة وجلالًا وتملأ الكون خيرًا وصلاحًا، ولا يخرج عن معناها نوع ما من أنواع البر، خاصة وعامة.
(2)
وإذا كان المال مال الله، وكان الناس جميعًا عباد الله، وكانت الحياة التي يعملون فيها ويعمرنها بمال الله، هي لله؛ كان من الضروري أن يكون المال - وان ربط باسم شخص معين - لجميع عباد الله، يحافظ عليه الجميع، وينتفع به الجميع، وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}(133) ومن هنا أضاف القرآن الأموال إلى الجماعة، وجعلها قوامًا لمعاشهم:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}(134). {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا}(135).
وتحقيقًا لانتفاع الجميع بها، وتطهيرًا للنفوس من بواعث الأثرة فيها، حارب الإسلام في المالكين لها والقائمين عليها، خلق الشح الذي يمنع من البذل والإنفاق، كما حارب السفه الذي يودي بالمال في غير وجوه النفع وإقامة المصالح؛ ففق الشح يقول الله سبحانه:{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(136). وفي البخل وهو وليد الشح يقول {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}(137): ويقول {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}(138)، ويقول:{وَالَّذِينَ يَكْنـزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، هَذَا مَا كَنـزتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنـزونَ}(139).
ثم أرشد إلى أن الضن بالأموال من أداء الواجبات، وإقامة المصالح، إلقاء بالنفس في التهلكة {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(140)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في التحذير من الشح:[إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا]: ويقول [اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا محارمهم] ولست بواجد أقوى من هذا التعبير في تصوير الخطر الاجتماعي الذي ينبعث من الشح، ولا ريب أنه من أكبر الآفات التي تفرق المجتمعات وتقضي على حياة الأمم، وصلاح العمران.
وكما وقف القرآن، وبجانبه أقوال الرسول من الشح بالأموال هذا الموقف، وقف أيضًا الموقف عينه، من التبذير فيها، وإضاعتها فيما لا يعود بخير على الأمة:{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}(141). وبعد أن يفرد القرآن كلًا من الضن والتبذير بما يصور سوء عاقبته، جمعهما في إطار واحد، وأرشد إلى الطريق السوي الذي يسلكه أرباب الأموال في أموالهم، فيحفظ عليهم حياتهم، ويمكنهم من إقامتها على عمد قوية ثابتة {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}(142).
وكما اتجه الإسلام بهذه الإرشادات إلى الأفراد، تحذيرًا لهم من أفتى الشح والتبذير، يجعل من حق ولي الأمر القائم على المصالح الجماعية - بالنسبة لمن لم يخضع لهذه الإرشادات - أن يأخذ منهم بطريق القهر والقوة ما وضعه الله في أموالهم من حقوق الأفراد والجماعة.
وقد وصل الأمر في تطبيق هذا المبدأ أن قاتل الخليفة الأول جماعة الذين تكتلوا في منع الزكاة، حتى خضعوا فيها لأمر الله وبه استقام الأمر وتركزت عناصر الدولة.
وكذلك جعل من حقه أن يحجر على السفهاء المبذرين، والولاية على أموال الصغار، ومن إليهم ممن لا يهتدون إلى وجوه التصرفات النافعة {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ، فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا، وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}(143).
وقرر كذلك أن الترف منبع شر يملأ القلوب حقدًا وضنينة ويقضى عل حياة الأمن والاستقرار، ويصل بأصحابه إلى جحود الحق وإنكار الشرائع، ويغرس في نفوسهم الأثرة وفتنة الطبقات وما وقف في وجه الرسالات الإلهية سوى المترفين الذين رأوا أن في تلك الرسالات ما ينـزل بهم إلى مستوى الفقراء والضعفاء، أو يصعد بهؤلاء إلى مستواهم، نرى ذلك في أول الرسالات، ونراه في آخرها.
فها هم أولاء المترفون في زمن نوح يعيبون عليه أن كان أتباعه - كما يقولون - من الأراذل:{وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا}(144) وهاهم أولاء المترفون في زمن محمد يقفون من بلال وإخوانه هذا الموقف نفسه، ويكون جواب نوح هو جواب محمد عليهما السلام، فنوح يقول {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}(145) ومحمد يرشده ربه إلى نفس الجواب {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}(146).
وفي شأن المترفين ووقفتهم في وجه الحق يقول سبحانه {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ، وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ، أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ، وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}(147).
وفي سوء العاقبة التي تنـزل بالمترفين في الدنيا يقول:{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ، لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ، قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ}(148).
وفي سوء المصير الذي أعد لهم في الآخرة يقول:{وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ}(149).
بهذا وغيره وهو كثير في القرآن، حارب الإسلام في النفوس خلال الشح والإسراف والترف وعمل على تطهير الجماعة منها، وأعد النفوس للبذل والعطاء في القيام بحق الله وحق الناس وكان له في ذلك من أساليب الترغيب في البذل والترهيب من الضن ما يملأ قلب المؤمن بمبدأ التضحية، وأنها سبيل الله في الحياة الطيبة التي تكفل للفرد والجماعة سعادة الدنيا والآخرة.


أساليب القرآن في الدعوة
إلى الإنفاق في سبيل الله

رسم الإسلام طريق الحياة القويمة للمجتمع المثالي الفاضل، إذ أقامه على مبدأ الضمان الاجتماعي الذي به تحيا الأمة ويقوى المجتمع.
وفي سبيل ذلك المبدأ، أسعل من نفوس المالكين، أرباب الأموال خلال الشح والإسراف والترف، وكان للقرآن بعد ذلك من أساليب الترغيب في البذل والترهيب من البخل، وإهمال حق الفقير والمجتمع، ما يملأ قلب المؤمن بمبدأ التضحية، وأنها سبيل الله في بناء المجتمع، بناء يكفل للإنسانية سعادة الأولى والآخرة.
وأن أول ما يطالعنا من تلك الأساليب في القرآن الكريم، هو أننا لا نكاد نجد فيه ذكرًا للإيمان بالله، إلا مقرونًا بالإنفاق في سبيله، وإطعام البائس الفقير، فسورة البقرة تبدأ ببيان أوصاف المتقين الذين ينتفعون بالقرآن وهديه ويكون منها:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}(150).
ثم تعرض لأصول البر الذي يطلبه الله من العباد، ويكون منها بعد الإيمان {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ}(151).
ويجعل ذلك من دلائل الصدق في الإيمان والتقوى.
وسورة الأنفال تذكر مقومات الإيمان، ويكون منها بعد وجل القلوب من ذكر الله، وزيادة الإيمان بآياته:{الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}(152) وتقول:{أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}(153).
ونرى سورتي النساء والحجرات تذكران الإيمان، ولا تذكران معه سوى الإنفاق في سبيل الله:{وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ}(154)، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}(155).
هذا أسلوب يضع الإنفاق في سبيل الله في مستوى الإيمان.
وإذا قلبنا صفحات القرآن لم نجده أطلق عنوان العقبة التي تحول بين الإنسان وسعادته على شيء سوى إطعام الفقير والمسكين، كما أنه لم يجعل عدم التحريض على شيء من تكاليفه علامة على التكذيب بيوم البعث والجزاء، وعلامة على عدم الصدق في الصلاة وإقامتها، سوى إطعام المسكين، {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}(156).
{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}(157).
وهذا أسلوب يضع الإنفاق في سبيل الله، وإطعام الفقير المحتاج، موضع العقبة والحاجز الذي لابد من اقتحامه ليصل الإنسان إلى سعادته، إن لم يكن بنفسه فبحض القادرين عليه وإرشادهم إليه، وقد قص الله علينا بعد ذلك أن المجرمين سيسجلون على أنفسهم في الجواب حين يسألون يوم الدين، {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(158)؟
سيسجلون مع التكذيب بيوم الدين، والخوض في الباطل إهمال حق الفقير والمسكين {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}(159).
هذه بعض أساليب القرآن في مكانة الإنفاق في سبيل الله. وفي الترهيب من البخل بحق الفقير والمسكين.
أما أساليب الترغيب في الإنفاق، فحسبنا أن نقرأ فيها الآيات الواردة في سورة البقرة {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}(160). {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (161)، {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(162). أما بعد:
فهذه مكانة الإنفاق في سبيل الله، وهذه عدة الله الصادقة لمن يجود بماله في سبيله وهما كما ترى، مكانة وعدة لم يحظ بهما شيء من التكاليف الإلهية، سوى الإنفاق فالصلاة على مكانتها في الدين، وعلى أنها الركن الذي يلي الإيمان، لا تقع عند الله موقعها إلا إذا دفعت بصاحبها إلى القيام بحق الفقير والمسكين، وكذلك الصوم والحج، لا نجد لهما في ترغيب القرآن وترهيبه مثل ما وجدناه للإنفاق في سبيل الله.
فهل لنا أن نقرر أن الإسلام لا يقيم وزنًا لشيء من تكاليفه إذا لم تغرس في قلب المسلم عاطفة الرحمة، مبعث الإنفاق والبذل والعطاء؟ نعم، هذا هو ما أعتقده وهو ما يدل عليه القرآن الكريم.



التسول في نظر الإسلام

إن الإسلام مع شدة حرصه على تقرر مبدأ الإنفاق في سبيل الله، لم يرد منه مجرد الإنفاق والبذل بإخراج الغني بعض ماله لغيره أيًا كان ذلك الغير، وإنما أراد بالإنفاق الذي قرره على أغنياء المسلمين ما يحقق الضمان الاجتماعي بين الأغنياء وأرباب الحقوق عليهم، وذوي الفقر والحاجة الذين لم يكن لديهم قوة عملية يدفعون بها حاجتهم، وينقذون أنفسهم من مخالب الفقر، المذلة للنفوس، المضيعة للكرامات.
ومن هنا رسم للإنفاق دوائره التي ينبغي أن يتجه إليها به، رسم دائرة الأهل والأقارب {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى}(163)، {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}(164)، {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}(165)، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى}(166) ورسم دائرة الفقراء والمساكين، الذين لا يجدون ولا يقدرون على أن يعملوا {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}(167) {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ}(168) {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}(169).
ورسم بكلمة {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (170) دائرة الإنفاق في المصالح العامة والمشروعات الجماعية، وفي أوائلها المصانع الحربية، والمستشفيات العلاجية، والمعاهد العلمية، وما إلى ذلك مما يحقق للمجتمع حاجته في حفظ كيانه وحفظ صحته، وعقله وثقافته.
ولا يكاد يشتبه أحد في تحديد دائرة أهله وأقاربه، ولا في تحديد دائرة المشروعات النافعة، فهما دائرتان واضحتان لا لبس فيهما ولا خفاء.
نعم يقع الاشتباه عند كثير من الناس في دائرة الفقر والمسكنة هذه الدائرة التي يتزيا بزي أهلها الحقيقيين كثير من المحترفين، سولت لهم نفوسهم البطالة، فمدوا أيديهم بالسؤال، واتخذوا مشروعية الصدقة في الإسلام سبيلًا للجمع عن طريق التمسكن وللظهور بمظهر الفقراء المستحقين وبذلك استغلوا بماء وجوههم عاطفة الناس!.
هؤلاء ليسوا في واقعهم إلا أرباب نهب وسلب عن طريق استخدام الغش والخديعة التي تصرف الناس عن حقيقة أمرهم، وليسوا إلا عناصر بطالة وهدم لكرامة الجماعة التي يجب أن تعيش وحداتها على أساس من العزة والتعفف والرفعة.
يطالب الله الإنسان القادر على العمل أن يعمل تحصيلًا لرزقه وحفظًا لماء وجهه، ويشدد عليه في ذلك كله، ويضع السعي أمامه في مستوى العبادة، فيتحلل الإنسان من تلك الأوامر، وينـزع نفسه من معاني الكرامة نـزعًا، ويتخذ التسول صنعة، يتنقل بها في الطرق والمقاهي، ومركبات الترام، والميادين العامة، منها يتعيش، وبها للمال يجمع: يقف للمارة بالمرصاد، يسد عليهم طريقهم ويعترضهم في سيرهم، مرتلًا لهم دعوات، فإذا لم يعطى بها، قلبها لعنات {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}(171).
إن هذا الصنف كثر في هذه الأيام، وتفنن في مظاهر العجز ودواعي السؤال وكان منهم من يتعارج، ومن يتعامى، ومن يزعم أنه خرج من مستشفى القصر وليس معه أجرة القطار، ولا أجرة المأوى، ولا ثمن الخبز هؤلاء كذبة فجرة، فقدوا ماء الوجه، وحرموا فضيلة الحياء، واستطابوا هذه الوسيلة الوضيعة لجمع المال بغير كد وعمل.
المسكين الذي يستحق العطف، ويجب له البذل، هو من قعد به المرض عن السعي والعمل، وهو من سعى إلى عمل فسدت في وجهه السبل، هذا هو المسكين، ومع هذا فشأنه أن تدل عليه حالته، فيعطف عليه أهل الخير والسخاء {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ، لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}(172)، «ليس المسكين من ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه»، «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس بوجهه مزعة لحم».
إن تنظيم الإنفاق في هذه الدائرة، دائرة الفقر والمسكنة من أوجب الواجبات على المصلحين والقائمين بشئون المجتمع، عليهم أن يتعرفوا المحتاجين حقيقة، وبخاصة الأسر التي أخنى عليها الدهر، وصارت بعد العزة إلى ذلة، وبعد الغنى واليسار إلى الحاجة والمسكنة، ويمنعهم الحياء عن الظهور بمظهر السائلين أو المتسولين، وقد يكون من أقرب الطرق لمعرفة هؤلاء، تقسيم المدن إلى مناطق، يكلف أمناء كل حي من أحيائها بمعرفة المحتاجين للعمل أو المعونة فيها؛ وبما يجمعون من أهل الخير واليسار؛ يسدون حاجة المحتاج بنفقة يدفعونها أو عمل يهيئونه له ويجري هذا التنظيم في كل قرية.
وأعتقد أنه إذا وضع موضع التنفيذ والعناية، كانت الصدقات التي يبذلها الأفراد لهؤلاء المتسكعين المتسولين، رأس مال كبير، به تنقذ بلادنا من مظاهر التسول التي امتلأت بها الشوارع وأمكن الانتفاع بكثير من هؤلاء المتسولين فيما تحتاجه البلاد في توسيع الوديان المنـزرعة، وشق الأنهار، وتعبيد الطرق، وستجد الحكومة منهم جيشًا جرارًا، به تنتفع البلاد، وبه تتقي خطرهم في الأمن، كما تتقي خطرهم في الكرامة.


استغلال حاجة المحتاج في نظر الإسلام

اتضح مما أسلفنا أن الإسلام يعتمد في بناء المجتمع على جملة من المبادئ، أهمها في الجانب المادي من الحياة، مطالبة كل فرد من أفراد المجتمع بالعمل على تحصيل رزقه الذي يكفل حاجته ويوفر له حياة نفسية هادئة، وأشعر الإسلام بجانب هذا الأغنياء الذين آتاهم الله من ماله أن هذا المال وإن كان معقودًا في ملكيته بأسمائهم إلا أن حق الانتفاع به مشترك بينهم وبين إخوانهم الفقراء الذين يكونون المجتمع معهم ويكون راحته من راحتهم واضطرابه من اضطرابهم، مشترك بينهم وبين المصالح العامة التي تحتاج إليها الجماعة في راحتها واستقرارها وإدارة شئونها، وبعد هذا أوجب الإسلام مد يد المعونة إلى الفقراء والمساكين وأرباب الحاجات، إما بالبذل أو بتهيئة العمل، كما أوجب مدها إلى أولياء الأمر بما يمكنهم من إقامة المصالح التي تحقق خير الجماعة.
ووضعا للمعونة في موضعها، ووقوفًا بها عند الحد الذي يرفع عن كاهل المحتاجين عبء الضرورات المقومة والحاجات الميسرة والمصالح النافعة، لهذا حذر الإسلام كل التحذير من الإسراف، وإنفاق الأموال حيث لا ضرورة تلجئ إليه ولا حاجة تقتضيه.
على هذه الأسس التي تقتضيها الأخوة، والتراحم والتعاون، والاشتراك في الإحساس، وتبادل الشعور بين الأفراد بعضهم مع بعض، وبينهم وبين الدولة، امتلأ القرآن في مكيه ومدنيه بآيات الحث على الإنفاق للفقراء والمساكين وفي سبيل الله، وقد وجهت العناية الكبرى في ذلك إلى قضاء الحاجات الشخصية التي تطرأ على الأفراد فتوهن من قوتهم، وتضعف من روحهم، ولا ريب أن قلقهم في الحياة مع رؤيتهم تمتع إخوانهم الأغنياء، مما يضاعف همهم، ويفتح لهم شر النوافذ التي يعكرون بها على الجماعة صفو الحياة ويزلزلون عليها عناصر الأمن والاطمئنان.
بهذا الوضع الذي انتهجه الإسلام في بناء المجتمع، وربط به بين أفراده بما يجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وكاليدين تغسل إحداهما الأخرى - بهذا الوضع الذي يركزه الإسلام ويدعو إليه، ويحذر مخالفته أو التهاون فيه، ويعتبر التهاون فيه إلقاء بالأنفس إلى التهلكة - بهذا كان من غير المعقول أن يبيح الإسلام للغني القادر من أبنائه أن يستقل بمتعة ماله، وأن ينفرد بحق الانتفاع به دون أن يمد يده لسد حاجة المحتاج من إخوانه أو دولته.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:[المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن تركه يجوع ويعرى - وهو قادر على إطعامه وكسوته - فقد أسلمه]، وصح عنه أنه قال [من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ويقول المحدث: ثم ذكر أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضله] ويقول عمر بن الخطاب:[لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين].
وإذا كان من غير المعقول في الإسلام - وموقفه هكذا من مبدأ التعاون، أن يباح للغني أن يقبض يده عن معونة أخيه الفقير، أو عن المساهمة في إقامة المصالح العامة - فمن غير المعقول بوجه أبعد وأشد، أن يباح له شد الخناق على رقبة أخيه الفقير، أو دولته المحتاجة، فيفرض عليه أو عليها في مقابلة المعونة الواجبة دراهم معدودة يردها إليه أخوه الفقير المحتاج، أو دولته الفقيرة المحتاجة، زيادة على رأس ماله الذي أقرضه إياهم، سدًا للحاجة أو إقامة للمصلحة.
ومن هنا حرم الإسلام - إبقاءً على هذه المبادئ الإنسانية - تحريمًا قاطعًا أن يتخذ الغني حاجة أخيه الفقير، أو دولته المحتاجة، فرصة لاكتساب المال عن هذا الطريق الذي لا خير فيه للمجتمع ولا للأفراد، والذي يجعل الغني في تربص دائم لحاجة المحتاجين، يستغلها في زيادة ماله، دون عمل يحقق به نسبته إلى المجتمع، وجزئيته في بنائه، والذي ينـزع من قلبه الشعور بالوحدة، ومعاني الرحمة والعطف التي هي من خصائص الإنسان الفاضل.
وقد جاء في القرآن:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}(173) وجاء:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(174).
وهذا هو الأصل في تحريم الإسلام على أهله المعاملة المعروفة باسم الربا.
وقد جاء وقلوب فارغة من معاني الرحمة والتعاون، يأكل قويهم ضعيفهم، ويستغل غنيهم فقيرهم، ولا فضل للغني سوى أنه ذا مال، ولا ذنب للفقير سوى أن ظروف حياته لم تهيئ له مواد الغنى وسبل الكسب، وفي هذا الجو المظلم تفتق جشع الأغنياء عن هذه المعاملة، وتقاضوا ممن يداينوهم بقرض أو ثمن في مقابلة تأجيل القضاء، زيادة عن رؤوس أموالهم، واتخذوا ذلك سبيلًا لجمع الأموال وتكديسها من دماء المحتاجين، وبذلك نشأت الرأسمالية الطاغية، فمزقت الإنسانية وجعلت أفرادها أشبه بحيوان الغاب، الغني يطمع فيفترس الفقير والفقير يحقد فيفترس الغني، ولكل سلاحه الذي يقتل به أخاه.
جاء الإسلام والناس على هذا الوضع السيئ فأفرغ جهده في القضاء على منابع الشر، وأخذ بمبادئه الحكيمة، يزيل الحواجز التي قطعت ما بين الناس من صلات التراحم والتعاون، والبر والإحسان، وأخذ يبني المجتمع بناءً واحدًا متماسك اللبنات، متضام الوحدات، وكان أول ما اتخذه من ذلك في الناحية الايجابية الحث على التعاون والتراحم، وأخذ القادر بيد الضعيف، ووصل ما قطعوا من صلات، ثم كان تحذيره الشديد فيما يختص بالناحية السلبية، فحرم الربا والرشوة، بعد أن حرم الشح والبخل والضن بحق الفقير والمسكين.
ولإظهار ما بين الناحيتين من تفاوت، قابل القرآن الكريم في كثير من آياته بينهما ووضع أمام الأبصار سورة مضيئة هي صورة التراحم المطلوبة، وبجانبها صورة مظلمة هي صورة الاستغلال الممقوتة، كي يمعن الناظرون في الآثار الطيبة لصورة التراحم، والآثار السيئة لصورة الاستغلال، فيكون لهم من هذا الوضع ما يردهم عن احترام صورة الاستغلال إلى احترام صورة التراحم، وبذلك تتحقق إنسانيتهم الفاضلة ويسيرون في الحياة بخطوات متزنة في البناء والتشييد، فينعمون بالحياة وتنعم بهم الحياة.
ومن هنا لا نكاد نجد آية من آيات التحذير عن مبادئ الاستغلال إلا وبجانبها آية أو آيات تعلي من شأن البذل والمعونة والتراحم، وإن شئت فاقرأ من سورة البقرة المدنية الآيات من الواحدة والستين بعد المائتين:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. إلى الآية الثمانين بعد المائتين:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
واقرأ من سورة آل عمران المدنية، الآية الثلاثين بعد المائة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إلى الآية الرابعة والثلاثين بعد المائة {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
واقرأ من سورة الروم المكية الآيتين، الثامنة والثلاثين والتاسعة والثلاثين:{فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}.
اقرأ هذا كله بعين البصيرة وتدبره بروح الإيمان الصادق تعرف الهدف الذي لأجله حرم القرآن الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وسد أبوابه وأحكم السد على أهله وأتباعه، وتعرف أنه هدف يتصل اتصالًا وثيقًا ببناء المجتمع بناءً متينًا تتفاعل وحداته بإحساس واحد واتجاه واحد وغاية واحدة.
وليس دون هذا المجتمع يريد الله.



الدين والاجتماع

عرضنا فيما سبق إلى جملة من أساليب القرآن في الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله، وهي في جملتها وتفصيلها ترشد إرشادًا واضحًا إلى مقدار عناية الإسلام في بناء المجتمع بالتضامن المادي بين المسلمين، وتدل في الوقت نفسه دلالة قوية على أن الإسلام ليس دينًا روحيًا بحتًا؛ كما يخطئ في تصويره وفهمه بعض الناس فيرون أنه يأخذ من كلمة «دين» معناها الذي اصطلحت عليه بعض الطوائف لأسباب خاصة فيما بينهم، وأنه بذلك يكون فقط علاقة بين العبد وربه ولا شأن له ببناء الجماعة ولا بتنظيم شئونها.
والواقع الذي تدل عليه الأساليب الواردة في الإنفاق سواء منها ما يختص بالفقير، وما يختص بالمصالح والمنشآت، هو أن الدين الإسلامي دين بالمعنى العام الشامل؛ يقرر: أولًا صلة الإنسان بربه، ثم يضع أصول التنظيم للعلاقات البشرية، وللشئون العامة التي تتوقف عليها سعادة المجتمع.
وقد رأى أن هذا التنظيم، وتوجيه الناس إليه، واستجابتهم له، لابد أن يكون مسبوقًا بخشيتهم لواضعه، واستشعارهم لعظمته وأنه يعلم من الإنسان سره كما يعلم منه علانيته، وبذلك تستقر في النفوس مبادئ الرحمة والمحبة والتعاون، وتبادل المنافع وتوحيد الشعور والإحساس، ويرى الفرد نفسه لبنة من لبنات المجتمع فيبذل من نفسه وماله وراحته ما يحقق عنصريته في المجتمع.
رأى الإسلام ذلك، ورأى أن أعظم الوسائل وأقواها في تحقيق الوحدة الشعورية بين أبنائه وأهله، هو أن يأخذهم أولًا بما يصفي قلوبهم ويهذب أرواحهم ويصلهم بمصدر الخير المطلق والرحمة الواسعة.
ومن هنا أوجب عليهم عبادات بدنيه عينية، فيها يناجون ويرقبون ربهم، ويشتركون في أدائها والقيام بها على موائد من خشيته وعبادته وتقديسه.
أوجب عليهم الصلاة والصوم، وأرشدهم أن ليس القصد أن يولوا وجوههم قبل المشرق والمغرب؛ وإنما القصد أن تعصم نفوسهم من الفحشاء والمنكر، وأن تغير فيهم أخلاق الشر والبغي والتقاطع، بأخلاق الخير والعدل والتعاطف وبذلك يتحقق الشعور الجماعي الذي يكون مجتمعًا فاضلًا، يقوم بعمارة الكون، ويبشر دعوة الله في الأرض، ويبث مبادئ العدل العام، ووسائل السلام والأمن بين الناس، وهذا هو كل ما يرمي إليه الدين بتشريعاته وتوجيهاته.
والدين يقرر بنصوصه العامة والخاصة أن العبادات إذا لم تصل بصاحبها إلى درجة الشعور بجزئيته في المجتمع، وتدفعه إلى القيام بواجبه فيه - لا يقام لها وزن عند الله، ولا يحظى صاحبها بدرجة القبول عنده.
إن الدين الذي يقرر هذا، ويقرر أن من أركانه وعباداته المفروضة - التي يكفر منكرها، ويفسق تاركها - الإنفاق في سبيل الله بما يسد حاجة الفقير وبما يقيم المصالح الجماعية، ليس معقولًا ولا مقبولًا أن يكون دينًا لا علاقة له ببناء المجتمع، ولا بشئونه، وإذا رغب الناس التعبير الحق في هذا الشأن فليكن: الإسلام هو دين المجتمع، ودين الشئون الاجتماعية.
أليس الإسلام بكل ما فرضه من عبادات ومعاملات، يعمل على تطهير القلوب من الحقد والحسد؟ ويعمل على تقوية أواصر الألفة والمحبة بين الأغنياء والفقراء، وبين الناس جميعًا، ويعمل على عمارة الأرض، وإقامة المشروعات، وإنشاء الحضارات، ويعمل على إعداد القوة التي ترهب الطامعين المفسدين، وتحقق العزة التي جعلها الله لنفسه ولرسوله وللمؤمنين؛ أنجد بعد هذا شيئًا من عناصر المجتمع لم يعرض له الإسلام ولم يجعله من أهدافه الأولى.
الحق والحق أقول، إن المسلمين لم يضعفوا في نهضتهم الاجتماعية إلا من يوم برزت فيهم هذه الفكرة الخاطئة، واعتنقها مدبرو الأمر فيهم، وقادة ثقافتهم؛ فكرة التفرقة بين الدين والاجتماع، برزت هذه الفكرة بين المسلمين، إما جهلًا بحقيقة التكاليف الدينية، وإما انحرافًا مقصودًا لتشويه دين الله وصرف الناس عن التمسك به، وإما مجاراة وتقليدًا لقوم قصروا معنى الدين على يريدون.
برزت هذه الفكرة وقام فعلًا بالإصلاح الاجتماعي دعاة لم يعتمدوا في دعوتهم على سلطان الدين، وانكمش أمامهم رجال الدين، وقصروا أنفسهم على تلقين الناس رسوم العبادات وكيفياتها الظاهرة، وأحكام صحتها وفسادها.
ومن هنا قرَّ في تصور كثير من الناس أن الدين بأحكامه وإرشاداته شيء، وأن الاجتماع بمقتضياته وشئونه شيء آخر، وصرنا نسمع في المسألة الواحدة، أن رأي الدين كذا، ورأي الاجتماع كذا!!، ومن هنا نام الرقيب القلبي في شئون الجماعة، فاضطرب حبلها، وساءت أخلاقها، وتفنن المجرمون في صور الإجرام، وهانت الأعراض.
لو أن المصلحين ترسموا في إصلاح شعوبهم خطى الدين في تهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق، واستعانوا بهدايته التي تملك على الإنسان - بإيمانه - قلبه وشعوره وإحساسه، لوجدوا من وحي الضمير، ووازع النفس، ما يحقق لهم وجوه الإصلاح التي تعجز عن تحقيقها القوانين، التي لا تملك من الإنسان إلا ظاهره، والتي يستطيع الإنسان إذا ما تجرد عن وازع القلب، أن يحتال في التخلص من تبعاتها؛ والوقوع في طائلتها.
نعم لابد للناس من قوانين تساس بها شئونهم، ولأجل أن تحقق القوانين غايتها المقصودة منها لابد أن تقع في نفوسهم موقع العقيدة، والاحترام والتقديس؛ فيكون لها بمكانتها في النفوس، وبهيمنتها على الجماعة قوة التفاعل بين وازع العقيدة ووازع الحكم في التوجيه إلى الطريق السوي الذي يرضي الله ويعلي من شأن الجماعة، ويطمئن المصلحين، القائمين على الأمر، المهيمنين على القانون.
بهذا وبهذا وحده تصلح المجتمعات، وتطهر من المساوئ الباطنة والمساوئ الظاهرة وتعيش في أمن وسلام وتقدم وسعادة {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}(175).



العبادات الإسلامية

هذه عناصر أخرى جعلها القرآن من اللبنات الأولى في بناء المجتمع وهي «أولًا» العبادات التي فرضها الإسلام، وجعلها أركانًا للدين، بها يبنى وعليها يقوم، وهي الصلاة والصوم، والزكاة والحج «وثانيًا» الأخلاق التي حث عليها في نصوصه الصريحة، ودعا الناس إلى التمسك بها في أنفسهم وفي مجتمعاتهم تهذيبًا للنفوس وربطًا للقلوب وغرسًا للمحبة «وثالثًا» الحكم، في أساسه وفي علاقة المحكومين بالحاكم.
أما العنصر الأول، وهو «العبادات» فهي على وجه عام مدد للإيمان بالله، تغذيه وتنميه، وسبيل قوي تنفذ منه أشعة الهدى والنور إلى قلب المؤمن، فيريه الخير خيرًا فيعمله لنفسه ولغيره، وتريه الشر شرا ًفيعصم منه نفسه وغيره، وبهذا يكون مصدر خير ونفع لا شر فيه ولا ضرر.
والعنصرية الخاصة للزكاة والحج بعد هذا المعنى العام واضحة جلية؛ ففي «الزكاة» وهي نـزول الأغنياء عن بعض ما لهم، نقدًا أو زرعًا، أو عروض تجارة أو ماشية، يتجلى معنى التضامن المادي الذي أوجبه الإسلام بين أهله، قيامًا بحق الفقير في سد حاجته، وصون كرامته، فيطهر قلبه من الحقد والحسد، ويخلص في معونة أخيه الغني، وقيامًا بحق الجماعة في إقامة المصالح والمنشئات التي لابد منها لكل مجتمع يريد الاحتفاظ بكيانه، والتمسك بشخصيته.
أما «الحج»، فهو ميدان واسع، تلتقي فيه عشرات الألوف من المسلمين الذين يصورون حالة الشعوب الإسلامية كلها، وفيهم رجال الفكر والعمل، ورجال التدبير والاقتصاد، ورجال السياسة والحكم، ورجال الحرب والجلاد، يلتقي هؤلاء جميعًا في مكان واحد، بدعوة من الله حول بيته الكريم بنية العبادة والتقرب إليه سبحانه، وفي ظل من الذكريات الأولى التي توحي إليهم بما يفتح أمامهم سبل الحياة العزيزة، فيتعارفون ويتشاورون، ويتعاونون على تحقيق ما ينفعهم، بوحدة لا تنفصم عراها، وقوة لا يلحقها ضعف ولا تواكل.
وحسبنا في ذلك أن نفهم معنى «المنافع» التي جعل القرآن الحج سبيلًا إلى شهودها حينما يقول {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}(176).
وإذا ما عرفنا أن كلمة {مَنَافِعَ لَهُمْ} لا تعني في هذا المقام خصوص المنافع الروحية التي يحققها أداء الأفراد لمناسكهم وإنما تعني كل ما ينفع المسلمين أفرادًا وجماعات، روحيًا وماديًا، دنيويًا وأخرويًا - عرفنا الأثر العظيم الذي يجب أن يحصل عليه المسلمون في بناء مجتمعهم من عبادة الحج، ولا ريب أن أول ما ينفعهم باعتبارهم أمة واحدة، ذات عقيدة واحدة، وتشريع واحد، وكيان واحد، هو ما يحقق لهم عمليًا وحدتهم، ويسمو بمجتمعهم، ويجعله في مكانة تعلو به عن مواقع الأطماع، ومساقط التيارات التي تمزق كتلتهم، وتمكن الأعداء منهم.
هذه هي «الزكاة» وهذا هو «الحج»، وذاك هو سبيل عنصريتهما في بناء المجتمع.
أما «الصوم» و«الصلاة»، فقد يبدو غريبًا عند بعض الناس أن لهما عنصرية في بناء المجتمع، فهما في ظاهر الأمر عبادتان شخصيتان، لا يدخل في حقيقتهما بذل مال يسد حاجة أو يحقق مصلحة كما في «الزكاة»، ولا اجتماع يسمح بتشاور وتعاون كما في «الحج»، ولعل هؤلاء لا يعرفون من «الصوم» إلا هذا المعنى السلبي الجاف، وهو حرمان المرء نفسه من الطعام والشراب وما إليهما، ولا يعرفون من «الصلاة» سوى تلك الحركات التي تؤدى باسم القيام والركوع والسجود.
والواقع أن «الصوم» و«الصلاة» لم يجعلهما الله مددًا للإيمان ولا عنصرًا من عناصر المجتمع، بل ولم يكلف بهما عباده قبل التكليف بأي شيء سواهما - على هذا المعنى الذي يظنه هؤلاء والذي لم يكن مصدره عندهم سوى ما ألف المسلمون من «صوم» و«صلاة».
أما الصوم فإن الله يقول بعد افتراضه على المؤمنين {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(177)، وكلمة «لعل» صادرة من الله، ليس معناها الرجاء وتمني حصول المحبوب، فإن ذلك بالنسبة إليه سبحانه غير معقول وإنما معناها إعداد النفوس وتهيئتها للتقوى. وواضح أن إعداد النفوس وتهيئتها للتقوى لا تكون بمجرد الإمساك عن شهوتي البطن والفرج كما يقال في معنى الصوم، وكما درج عليه بعض المسلمين في صومهم، وإنما يكون بما يحدثه الصوم في النفس من مراقبة الله واستحضار سلطانه، وجبرها على ترك ما تألف، فيقف المراقبة والصبر حاجزًا بين الإنسان وأطماعه الفاسدة التي ينتهك بها الحرمات، ويسقط أمامها تقدير الحقوق والواجبات وبذلك يرهف حسه ويحيا ضميره، ويعظم خيره لنفسه ومجتمعه وتتحقق لديه التقوى كما أراد الله.
وليست التقوى هي ذلك اللون الشاحب، أو الصوت الخافت، أو الرقبة المنحنية، ولا هي «الهمهمة» بكلمات تعرف بالتسبيح والتهليل، ولا «الهذرمة» بآيات تقرأ وتتلى، وإنما التقوى ذات عنصر إيجابي يدفع إلى فعل الخير للنفس وللغير، وذات عنصر سلبي يمنع من فعل الشر للنفس وللغير، ولهذه التقوى التي لا يعرف القرآن سواها، فرض الله الصوم وجعله مددًا للإيمان، وبها كان الصوم عنصرًا قويًا من عناصر تكوين المجتمع في نظر الإسلام ومنهجه.
أما «الصلاة»، وهي العبادة التالية للإيمان، والعبادة القديمة التي أخذ بها العهد والميثاق في كل الرسالات الإلهية - فإن القرآن لا يعرف منها سوى الصلاة الخاشعة وقد عرض لها على أنها من أوصاف المتقين، الذي هم على هدى من ربهم {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(178) وعرض لها على أنها من علامات البر الذي رسمه الله لعباده وجعله عنوانًا على صدقهم في الإيمان والتقوى {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}(179).
وعرض لها على أنها طريق للتهذيب، والوقاية من الفحشاء والمنكر، والتطهر من غرائز الشر التي تفسد على المجتمع حياته {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}(180) {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}(181)، {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ}(182) وعلى العكس جعل إهمالها عنوان الانغماس في الشهوات وسبيل الوقوع في الغي والضلال {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}(183). وهذا وجه عنصرية الصلاة في بناء المجتمع من جهة ما تحدثه في الأفراد، من التهذيب الخلقي والسمو الروحي.
وإذا كانت لبنات المجتمع هي الأفراد، فإن كل قوة تكون بالأفراد هي قوة للمجتمع، ومن هنا عنى الإسلام في أول ما عنى بتقوية الأفراد عن طريق العقيدة والعبادة.
وإذا ما عرفنا منـزلة «الجماعة» في أداء الصلاة، وحرص الإسلام عليها إلى حد أن اشترطها في صحة الصلاة الأسبوعية وهي صلاة «الجمعة»، عرفنا جهة أخرى لعنصريتها المباشرة في بناء المجتمع، وهي جهة الاجتماع المتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وفي الشهر أربع مرات باسم الدين والعبادة، وفيه تتوثق العرى، ويتركز التعاون.
وإذا ما تنبهنا إلى ما أوجبه الإسلام في صحتها من توحيد جهة الاستقبال فيها، وأنها جهة البيت الحرام الذي تهفو إليه النفوس، وترتبط به القلوب - أدركنا جهة ثالثة لعنصريتها في بناء المجتمع، وهي إشعار المؤمنين بوجوب ترابطهم، وتوحيد وجهتهم وغايتهم، وإشعارهم بأن المركز الذي تلتقي عنده أشعة قلوبهم وهم في الصلاة بين يدي الله هو المحور الذي يجب أن يلتفوا حوله، ويعملوا على نشر هدايته ونوره، وإعلاء كلمته وسلطانه، مهما اختلفت جنسياتهم، وتباعدت أقاليمهم، فهو المجمع للأرواح والقلوب، والمكون للمجتمع الرباني الكريم.
ها هي ذي العبادات التي فرضها الله عليكم أيها المؤمنون، فهذبوا بها أنفسكم، وابنوا بها مجتمعكم كما يحب الله {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(184).



الإسلام وعنايته باليتيم

إن أطفال اليوم هم اللبنات الرطبة التي يشاد على كاهلها - في المستقبل - بناء المجتمع، هم رجال الغد، وبقدر ما يبذل في تربيتهم وتقويمهم، بقدر ما يكون للأمة من مكانة وعزة، وبقدر ما يهملون فتتمكن من قلوبهم أساليب الانحراف يكون للأمة من اختلال وضعف في القوى الموجهة لها، القائمة بشئونها.
واليتيم طفل من بين الأطفال قد فقد أباه، والعائل الذي يرعاه، فقد القلب الذي يحنو عليه، والروح الذي كان يحوطه ويرعاه فتقوى أعصابه وتنمو جوارحه، ويشرح صدره، وتبتسم له الحياة، فقد بموت أبيه كل ذلك، وأسلمته المقادير إلى الكآبة وتشتت البال والحرمان، فما أحوجه إلى عناية من الرءوف الرحيم، تنتشله من تلك الوحدة، وتجعل له متنفسًا يسري به عن نفسه ما أحوجه إلى تشريع حكيم، ووصية كريمة من رب رحيم، تحفظ عليه نفسه، وتحفظ له ماله، وتعده رجلًا عاملًا في الحياة، ليس كلًا على غيره، ولا عبئًا على أمته، ولا عنصر شر ينفث سمومه في أمثاله الأطفال.
لهذا كله، عنى الإسلام كتابًا وسنة بأمر اليتيم والحث على تربيته والمحافظة على نفسه وماله، وقد ظهرت عناية القرآن الكريم بشأن اليتيم منذ أن نـزل، إلى أن أكمل الله دينه، وأتم على المؤمنين تشريعه، ظهرت في مكيه حينما عاد الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فتر عنه مدة طويلة، توجس الرسول منها أن يكون الله قد قلاه وأبغضه، فاجأه الوحي وهو في هذا التوجس مؤكدًا له حسن رعاية الله إياه، وأخذ يثبت ذلك في نفسه، ويذكر بعناية الله له قبل النبوة وهو أحوج ما يكون إلى عطف الأبوة التي فقدها ولم يرها {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى؟}(185) ثم يطلب منه الشكر على تلك النعمة، وأن يكون شكرها من جنسها، عطف على اليتيم ورحمة به {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}(186).
وظهرت في المكي أيضًا إذ جعل الله ازدراء اليتيم وإهمال أمره، آية من آيات التكذيب بيوم الدين {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ؟ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}(187) وإذ يجعل الوصية به إحدى الوصايا العشر التي لم تنسخ في ملة من الملل؛ وينظمها مع الإيمان بالله في سلك واحد {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى أن يقول {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}(188).
وقد تأثرت نفوس القوم بهذه الوصايا المكية التي جاءت في شأن اليتيم، وصاروا من أمره في حرج وحيرة؛ أيتركون القيام عليه فيفسد أمره ويختل شأنه، أم يقومون عليه ويعزلونه من أبنائهم في مأكله ومشربه فيشعر بالذلة والمسكنة أم يخالطونه فيعرضون أنفسهم لأكل شيء من ماله؟ أم ماذا يفعلون؟
التمست نفوسهم ما ينقذهم من هذه الحيرة، ويخفف عنهم عبء هذه المسؤولية التي ثقل بها كاهلهم، وعندئذ نـزل قوله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى، قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}(189). فأفهمهم أن المخالطة مع العدل والإصلاح من مقتضى ما بينهم من الأخوة الإنسانية والدينية والرحم.
ثم جاءت سورة النساء وبرزت فيها عناية خاصة باليتيم في شأنه كله، ومهدت لهذه العناية بطلب تقوى الله والأرحام، وبيان أن الناس جميعًا خلقوا من نفس واحدة، فاليتيم حتى وإن كان من غير أسرتكم، أخوكم ورحمكم، فقوموا له بحق الأخوة وحق الرحم واحفظوا أمواله، وهذبوا نفسه، واحذروا اغتيالها وأكلها، واحذروا إهماله وإلقاء حبله على غاربه، وفي ذلك يقول الله تعالى {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}(190) ويقول:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ، فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا، وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا}(191).
هذا بعض ما نقرأ في القرآن من وجوه العناية باليتيم، في ماله وتربيته وتهذيبه وقد ورد في الهدي النبوي الشيء الكثير من العدة برفع الدرجات فيما يختص بكفالة اليتيم، والقيام بحقه وواجبه وحسب من كفل اليتيم ورعاه وقام بوصايا الله فيه، أن يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة صاحبًا وقرينًا، يتمتع بما فيها من النعيم، كما متع اليتيم برعايته، وحسن معاملته، والإشراف عليه:(من عال ثلاثة من الأيتام، كان كمن قام ليله وصام نهاره، وغدا وراح شاهرًا سيفه في سبيل الله، وكنت أنا وهو في الجنة إخوانًا: كما أن هاتين أختان «وألصق السبابة بالوسطى»)، (خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين، بيت فيه يتيم يساء إليه).
أما هذه الأم التي مات عنها زوجها، وهي ذات منصب وجمال، وترك لها أيتامًا، فتأيمت عليه، وحبست نفسها على خدمتهم، حتى تغير لونها وانطفأ جمالها، ونسيت وسائل الزينة، ومظاهر الجمال، في سبيل هيمنتها على الأيتام، وفي سبيل تربيتهم والمحافظة عليهم أما هذه السيدة فحسبها مكانة عند الله، قول الرسول عليه الصلاة والسلام:«أنا وامرأة سعفا الخدين «متغيرة اللون» كهاتين يوم القيامة» وأشار بالسبابة مع الوسطى يريد أنها بجانبه ملتصقة به لا يفصل بينهما في الجنة شيء».
هذا هو إرشاد الله ورسوله في تهيئة اللبنات التي تبني المجتمع الإسلامي والتي يشاد عليها صرحه، فيرتفع بناؤه «ويعظم ظله، وتكثر ثماره، فيأيها الأعمام، ويا أيها الأوصياء كونوا في الإشراف على اليتامى في حذر من غضب الله، واعلموا أن إهمال اليتيم لا يقف ضرره عند اليتيم، بل هو ضرر، تتفشى جراثيمه، وتنتشر سمومه في جسم الأمة كلها، فيعتريها الضعف والانحلال، وتبوء بالخزي والدمار، وشر بيت كما يقول الرسول بيت فيه يتيم يساء إليه، والأمة بيت، فشر أمة، أمة فيها يتامى يساء إليهم فيهمل أمرهم، وتفسد أخلاقهم، وتنقطع صلتهم بخالقهم، ويكونون لبنات هزيلة في بناء الأمة، فتسقط من عليائها وتصبح أثرًا بعد عين.
إن الدهر قلب، والناس في سفينة تتقاذفها أمواج الحياة - ترفعها تارة وتخفضها أخرى، ولا عاصم إلا من رحم الله، ولا يرحم الله إلا من امتثل أمره، واتبع هداه، ومن كان تحت يده يتيم فليذكر غيرة الله على اليتيم، وليذكر أن ما نـزل بغيره فترك أولاده أيتامًا قد ينـزل به، فيترك أولاده هو الآخر أيتامًا:{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ، فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}(192).



كيف يحيى العمل بالإسلام

يدخل شهر ربيع الأول ويذكر به المسلمون ميلاد الرسول عليه السلام، فينهضون بحكم العادة إلى الاحتفال بذكراه، فيرفعون الأعلام وينصبون الزينات ويطلقون المدافع وصواريخ الأفراح، ويأكلون الحلوى ذات الأشكال والألوان، ويستمعون إلى قصة الميلاد، كما استمعوا وقرءوا كثيرًا من الأحاديث والمقالات التي دبجها أصحابها في الإرهاصات التي بشرت بميلاده وبعثته، وفي سمو أخلاقه وشريعته ويكون ذلك في أسبوع أو أسبوعين وتنطوي صفحة ربيع، وبانطوائها تطوى صفحة هذه الذكرى الكلامية، ولا يبقى سوى ما ألف الناس سماعه من المؤذن في كلمات الأذان التي لا يرفع لها رأسًا إلا قليل من المسلمين.
أما عقيدة التوحيد وما أصابها من زعزعة وتحلل، وما غشاها من صور التقديس لغير الله!! أما عقيدة البعث، وما صرف الناس عن تمثل رهبته واستحضار آثاره!! أما الأخلاق وقد تغيرت معالمها في النفوس، وانقلبت إلى الجشع والهلع، والنفاق والكذب، والغش والخديعة، والغدر والخيانة، مما أظلم الحياة وباعد بينها وبين صاحب الذكرى وشرعه!!
أما العقل وقد تملكته الأوهام والخرافات، وأخذت تقوده إلى مهاوي الشر والظلال!! أما المجتمع وقد تفككت عراه وذابت لبناته، وانفصمت روابطه الإنسانية الشريفة!! أما الواجبات الدينية والشعائر الخاصة التي تميز الشخصية الإسلامية عما سواها ويغذي بها المسلم إيمانه، ويراقب بها مولاه.
أما كل ذلك فإننا - والأسف يملأ القلب - نرى بعد الهوة بينه وبين المسلمين، نرى انقلابًا عامًا، وتحللًا شاملًا، نرى دعوة إلحادية سافرة، تعمل مأجورة مجاهرة على غزو قلوب النشء الغض، وصرفها إلى المظاهر الفاجرة التي تسوقها إلينا المدنيات الكاذبة باسم الحرية والحضارة، ونرى أصوات الترويج لهذه الدعوة الفاجرة ترتفع من آفاق معاهد التربية والتعليم الإسلامية التي أعدت لتهذيب النشء وتقويم أخلاقه، وصوغه لبنات قوية، بها وعليها يشاد صرح المجتمع المثالي، الذي يعرف حقه وواجبه في الحياة، والذي كان في الرسم القرآني خير مجتمع أخرج للناس.
فهل فكر المسلمون وقد شغلوا أنفسهم بالصور والأقوال في مدى صلتهم بشريعة هذا النبي الكريم التي ختم الله بها رسالاته إلى خلقه، وجعلها عامة خالدة في العالمين؟ هل فكروا في أن مجرد الذكرى الصورية الوقتية لرسول هذه الشريعة يغني عن العمل الدائم والتوجيه المستمر في سبيل إحيائها في النفوس؟ هل فكروا في أن مجرد الانتساب وإجراء كلمة الشهادة على اللسان ينجيهم من خطر المسئولية التقصيرية فيما أخذ الله به عليهم العهد والميثاق {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(193) إن كان ذلك أو شيء منه وقر في نفوسهم فليقرءوا {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}(194).
أيها الأخ الكريم: تسألني كيف نحيي العمل بالإسلام؟ وهو سؤال طالما تردد في صدري، وطالما ترقبته من شخصية لها حق الاستشارة في وسائل التوجيه، وكم كنت أتمنى أن تسألني معك هذا السؤال، شخصية أخرى نيط بها إعداد رجل الدين الذي يفهم الحياة والإسلام على وجههما الصحيح، والذي يجوس خلال الديار ويمتلك بعلمه وعمله، وحكمته وبيانه قلوب الناس، فيهرعون إلى مجلسه ويمتلئون إيمانًا بما يقول، كنت أتمنى ذلك لأقول لك ولصاحبك: أنتما المسئولان عن إحياء العمل بالإسلام.
فالإذاعة والصحافة والنشر وسائل، إن أريد لها أن تنفح الناس بريح طيبة تجري بهم رخاء إلى الكمال، كانت الموجه المفيد، وكانت العدة القوية في إحياء العمل بالإسلام، وإن أريد لها - كما نراها اليوم - في كثير من مجتمعاتنا عكس ذلك، تنفث سموم التحلل، وتغري بألوان العبث؛ كانت الموجه الضار الذي لا ينفع معه تثقيف ولا تهذيب، وكانت العدة القوية التي لا يظفر بمثلها خصوم الإسلام في إماتته عند أهله، وانتزاع مبادئه من قلوبهم.
وإذن يتحتم عليك أيها الأخ وعلى إخوانك مستشاري هذه الوسائل في بلادنا الإسلامية، أن تجتمعوا وتتشاوروا في وضع منهج عام يقضي على الأقل بتنقيتها مما يوجه الشباب الغافل نحو الثورة النفسية على الدين وفضائله، باسم التجديد والتقدم!!
أما القائمون بإعداد رجل الدين، فهم يعلمون أنهم وقفوا في إعداده عند مرحلة لا تهيئ لكشف غامض، ولا إزالة شبهة، ولا إظهار حكمة، عند مرحلة لا تمكن واعظًا ولا مرشدًا من إنفاذ وعظه إلى القلوب، عند مرحلة قديمة من القول ليس بينها وبين حاضر الناس ما ينبه الشعور أو يوقظ الوعي، عند مرحلة رأوا أن فيها كفاف عيشهم فعكفوا عليها، وبذلك عميت على الناس فضائل الدين، وانطمست أحكامه في عقولهم، وانصرفوا إلى ما يلبي شهوتهم أو يحقق لهم ثقافة وافدة عليهم من سماء غير سمائنا.
وإذن فمن الواجب الحتم على هؤلاء إحياءً للعمل بالإسلام، إعادة النظر في منهج التكوين لرجل الدين، الذي نراه في جماعة التشريع والتقنين، والذي نراه في مرتبة الاجتهاد، واستنباط الأحكام، والذي نراه في ميادين الوعظ والدعوة يمتلك على الناس أفئدتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وبدافع من واجب الدين يقضى بالتضحية واحتمال المشاق.
وإذا تمت لنا وسائل التنقية من السموم المهلكة المنوطة بكم، وتمت لنا وسائل الإعداد لرجل الدين، المنوطة برجال المعاهد الدينية، وجب من جانب ثالث على رجال التربية والتعليم الحكومي أن يفسحوا المجال في معاهدهم لبث تعاليم الإسلام الصحيحة مع الهيمنة الصادقة والإشراف الفعلي المثمر.
وإذا كان كما يقولون لابد لوازع القرآن من وازع السلطان، وهي كلمة حق، وجب على الهيئات المنفذة أن تقف بالمرصاد لكل من شذ أو حاول أن يشذ وبذلك نكون قد أخذنا على الفساد والتحلل جميع المسالك وعندئذ يعظم أملنا في إحياء العمل بالإسلام، وتتحقق أمنية الأخ الكريم؟ وهي أمنية كل مؤمن بالله.



الإسلام يدعو إلى التقدم

الإسلام، هو هداية الله، وتنظيمه لعباده، بعث بتبليغه كل الرسل، وأنـزل ببيانه كل الكتب، وما كان الرسل بالنسبة إليه، إلا كبناة بيت واحد، يعد السابق منهم لعمل اللاحق، ويكمل اللاحق منهم عمل السابق، وهكذا أرسل الله رسله تترى على هذا المنهج منهج الإعداد للاحق والتكميل للسابق، وظل الأمر يتدرج حتى وصلت الإنسانية إلى طور الرشد، واستعدت لتلقي النظم القوية في بناء الحياة، بناء يتفق ونمو الإنسانية، وعندئذ، وفي هذه الفترة اكتملت الوسائل الإلهية لميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم،
فسرت بميلاد روح النشاط الإنساني، وبدت في جوانب العالم، وفي البيئة التي ولد فيها آيات الإقبال على عهد، تتهيأ فيه الإنسانية لاستقبال الصورة الختامية للهداية الإلهية.
هذه الصورة العامة، التي لم تدع ناحية من نواحي الحياة، ولا جانبًا من جوانب الإنسان إلا عالجته، ووضعت له من المبادئ ما يسمو به إلى أقصى ما قدر له من درجات الكمال، تلكم الصورة الخالدة، التي لا يكشف النضج الإنساني مهما تقدم وارتقى، عن قصور فيها، أو تقصير عما يدفع الإنسان إلى التقدم، فضلًا عما يلبي حاجته في معترك هذه الحياة.
تلكم الصورة العامة الخالدة، التي أخذت من مقتضيات الفطرة الإنسانية هذه الفطرة التي تنطوي على الشعور بالقوة الوحيدة، الغيبية، المحيطة بخصائص ما خلقت، وهذه الفطرة التي ينتظم واقعها مادة: كمالها وسعادتها في التمتع بخير هذا الكون وأسراره وروحًا: كمالها وسعادتها في التمتع بالمعرفة الحقة، وبالإشراق الذي يلحقها من سماء تلك القوة العلمية الحكيمة.
وإنا لا نجد مصدرًا أقدر ولا أوضح في التعبير عن كمال تلك الصورة الختامية للهداية الإلهية من كتابها المعجز الخالد، فهو عن جملتها يقول «{إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}(195) ويقول:{وَبِالْحَقِّ أَنـزلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نـزلَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنـزلْنَاهُ تَنـزيلًا}(196)، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(197).
أما من تفصيلها فإنها تنتظم بالاستقراء والتتبع الدقيق أخذًا من مصدرها المقدس، أربع شعب: شعبة القائد، وشعبة الأخلاق، وشعبة المعاملات، والشعبة الرابعة، شعبة الإنسان في الكون، أو شعبة الكون أمام الإنسان.
فشعبة العقيدة، تطلب من الإنسان، الإيمان بمصدر الوجود والخير، وإفراده بالعبادة والتقديس، والدعاء والاستغاثة، وبذلك يعرف الإنسان نفسه، فلا يذل لمخلوق، ولا يخضع لغير الحق، وتطلب الإيمان بيوم الحساب والجزاء، فيجد الإنسان من ضميره وازعًا يرقبه في سره وعلانيته، ويرى الجريمة يرتكبها في خلوته وانفراده كالجريمة يرتكبها في جلوته ومجتمعه، ولا يجد بابًا ينفذ منه إلى الجريمة مهما بعد عن الأنظار، ومهما خلا ونفسه، وتلك خاصة للتشريع الإلهي لو آمن بها المشرعون وركزوها في النفوس لامتلأ العالم أمنًا واستقرارًا.
وتطلب الإيمان بمعرفة طريق الحق الذي ارتضاه الله لعباده، وربط به سعادتهم من الملائكة والكتاب والنبيين، وقد جاءت العبادات، من صلاة، تذكر الإنسان بربه في فترات متعاقبة، وصوم، يغرس فيه خلق الصبر الذي لابد منه في الحياة، وزكاة، يمد بها يد المعونة لأخيه المحتاج، فيتبادلان المحبة؛ وحج، يحيي به مع أخوانه ذكرى المصلحين الأولين الذين اصطفاهم الله لإنقاذ عباده من هوة الضلال والمآثم، جاءت هذه العبادات، دليلًا شاهدًا على صحة العقيدة ومددًا يغذيها ويقويها.
أما شعبة الأخلاق، فهي تطلب من الإنسان، أن يهذب روحه، ويكمل نفسه بمعاني الإنسانية الفاضلة: إخلاص في العمل، وصدق في القول، ووفاء بالعهد، ورحمة وتعاون، وعزيمة وصبر، وقوة في الحق، وما إلى ذلك مما يحفظ للإنسانية مكانتها.
وليس من ريب في أن هاتين الشعبتين، شعبة العقيدة، وشعبة الأخلاق، على حسب ما جاء بهما الإسلام، من أعظم القوى التي ترتكز عليها الإنسانية في رقيها وسعادتها، وليس في واحدة منهما إلا ما يحمل الإنسان على احتمال ما يكره في سبيل رضا الله، وفي سبيل السمو الإنساني لنفسه ولبني جنسه.
وفي ظل هاتين الشعبتين، كان الربانيون، وكان الشهداء وكان الصالحون، وبهاتين الشعبتين، طهر الإسلام القلب الإنساني من الشرك والوثنية التي زعزعت العالم أجيالًا كثيرة، وطهر النفس الإنسانية من الحقد والحسد والنفاق، والجبن والكذب والخيانة، التي كثيرًا ما أفسدت على الناس حياتهم، ومكنت فيهم المظالم والطغيان.


وهذا إصلاح باطني أساس لكل إصلاح خارجي، ولا بقاء لإصلاح خارجي إلا إذا تركز، وكان نتيجة وأثرًا لهذا الإصلاح الباطني، ولعل قوله عليه الصلاة والسلام «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهو القلب)) من أقوى العبارات المأثورة في تقرير القضية التالية: صلاح الظاهر نتيجة لصلاح الباطن.
بقي أمامنا من الشعب التي رجعنا إليها الإسلام، شعبتان، شعبة النظم التي تساس بها الجماعة، وهي المعروفة في اصطلاحنا بقسم الأحكام، أو بقسم التشريع: وشعبة الإنسان في الكون، وهي المعروفة في اصطلاحنا بتعرف خواص الأجسام.
أما شعبة النظم، فحسبنا في نهوضها بالإنسان، وفي حمله على النهوض، أنها مبنية على أساسين يؤازرهما، أساس ثالث وثلاثتها أقوى العمد التي تشاد عليها الصروح العالية للمجتمع الإنساني الفاضل، المصلحة والعدل، تؤازرهما الشورى الحقة الصادقة.
أما مكانة الشورى في الإسلام فبينة واضحة، تجلت في نصوص القرآن كما تجلت في عمل الرسول مع أصحابه، وفي عمل أصحابه بعضهم مع بعض، أما المصلحة، فنراها ماثلة فيما نص عليه من أحكام ومأمورًا بمراعاتها فيما فوض من الأحكام إلى اجتهاد أولي العلم والمعرفة بوجوه المصالح والنفع العام.
أما العدل فإنا لا نستطيع أن نظفر بمبدأ غيره من مبادئ الحياة عنى به القرآن، وكرر الأمر به في صور مختلفة وأساليب متعددة، وحذر مخالفته، كيف وقد جعله الله الغاية من إرسال الرسل، وإنـزال الكتب، في جميع مراحل الهداية الإلهية:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنـزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}(198).
وفي بناء الإسلام لشعبة النظم والقوانين على هذه المبادئ الثلاثة: الشورى، والمصلحة، والعدل، بمعانيها التي أبرزها القرآن، ما يجعل الحكم والعدل يسخر السخرية كلها من العناصر التي بينت عليها شعبة النظم في الحضارات الحديثة التي لا تمت بمصدر التقديس والخير المطلق وإذا امتلأت النفس البريئة من التعصب، بقوة هذه الشعب الثلاث: العقيدة، والأخلاق، والنظم، في إنهاض الإنسانية والسير بها في طريق التقدم، فإليها الشعبة الرابعة وهي:
شعبة الكون أمام الإنسان: آثر الله الإنسان على ملائكته لمهمة الخلافة في الأرض، وأظهر قوته عنهم في عمارتها، والانتفاع بأسرارها، ثم أشعره بالعبارة الجلية الواضحة، بأنه بسط أمامه الكون، وسخره له، ليعمل فيه ويكافح، وكان من ذلك قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}(199).
سخر له الشمس والقمر، وسخر له الليل والنهار، وسخر له البحار والأنهار، وسخر له الأرض والجبال، وسخر له الأنعام والحيوان، سخر له كل ما في الكون وأمره ببحثه والنظر فيه، واستخراج أسراره، والانتفاع بذخائره ونفائسه، ثم حد من طغيان الإنسان بما يصل إليه من تلك الأسرار، وحذره استخدامها في التدمير والتخريب، وطلب إليه أن يستعين بها في الإنشاء والتعمير حتى يكون العالم، مظهرًا لجود الله ورحمته بعباده.
وبهذه الشعبة وقد كثرت آياتها في القرآن يعلن الإسلام أنه دين الحضارة المعمرة لا المخربة، العادلة لا الظالمة، الرحيمة لا الجبارة.
وإذا ما ضم أثر هذه الشعبة إلى آثار الشعب الثلاث الأولى، تجلى من غير شك أن الإسلام ليس دينًا يساير النهضات الحديثة فحسب، وإنما هو دين ونظام إلهي، ينقي الحضارات الحديثة من الطغيان والتهور، ويدفع الإنسانية بروح من إيمانها وضميرها إلى السير في طريق الفضيلة والتعمير والقضاء على الشرور والمفاسد، إلى أن يأتي أمر الله.
هذا هو الإسلام الذي هو دين العمل والكفاح، والمصلحة والتضحية في سبيل الحق، ونشر راية السلم على ربوع العالم.
نعم جرت كلمات في بعض العصور، على بعض ألسنة، هزيلة وأخرى مأجورة، كان من آثارها في الجمهور الغافل تفشي روح البطالة، والتواكل والإلقاء بالنفس في أحضان الغيب المجهول، وقد عملت هذه الكلمات عملها في النفوس باسم: كمال الإيمان، وباسم «التوكل على الله» وباسم « التسليم للقضاء» وما إلى ذلك مما صرف المسلمين عن التفكير في سنة الحياة الجادة التي كونها الإسلام بهذه الشعب الأربع.
وبذلك وقفت في المسلمين حركة التفكير والعمل واستخدام ما سخر للإنسان في هذا الكون، كما أسيئ إلى فهم المبادئ الإسلامية الصحيحة، فانتابهم الضعف، وأصيبوا بالشلل، وهيئوا للناس أن ينالوهم بما أرادوا، وأن يرموا دينهم بما شاءوا، وبذلك أساءوا إلى أنفسهم، وأساءوا إلى دينهم.
ونرجو أن يجعل الله من ذكرى ميلاد رسول الإسلام محمد عليه السلام ما يبعث المسلمين إلى تفهم دينهم على وجه الحق، فيطهروا قلوبهم بالعقائد الصحيحة ويزكوا نفوسهم بالأخلاق الفاضلة، ويسوسوا أنفسهم ينظم الله، المحققة للمصالح والعدل بين الناس، ويعمروا الكون بما سخر لهم في الحياة {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نـزلَ مِنَ الْحَقِّ، وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ، اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(200).



خير السبل لتوحيد كلمة المسلمين ولم شعثهم

من القضايا التي لا تحتاج إلى برهان: «لا وجود لمن لا شخصية له».
والوجود منه حسي وقوامه شخصية حسية، ومنه معنوي، وقوامه شخصية معنوية والموجود لا يحظى بالوجود المطلق إلا إذا نال نصيبه من الشخصيتين، الحسية والمعنوية، فيتحقق له الوجودان، الحسي والمعنوي.
نرى ذلك في الأفراد وفي الأمم وفي كل شيء، والشخصية الحسية للفرد ترجع إلى صورته التي ركب عليها، والشخصية المعنوية، ترجع إلى درجة عقله وتدبيره وما عنده من ثبات ومثابرة على مبدئه وهدفه، والشخصية الحسية للأمة ترجع إلى إقامتها في إقليمها الذي نشأت فيه، وترجع شخصيتها المعنوية إلى شعورها بقيمتها في الحياة وفي نصيبها منها، وعلى قدر ما يكون لها من هذه الشخصية يكون لها بين الأمم من الوجود المعنوي، فإما ارتفاع وسلطان وعزة، وإما انحطاط وقهر وذلة.
وقد درج العرف البشري منذ أن تعددت خلايا الإنسان على اتخاذ الإقليمية أو الجنسية أو المذهبية، أساسًا للشخصية المعنوية ومن هنا تباينت الأهداف، وتضاربت الرغبات، واختلفت السبل، وتولدت العداوات، وكانت الأطماع، وكانت الأنانية، وكان التسخير، وأخيرًا كانت الحروب، وكان الفتك والتدمير.
* * *
كل ذلك وأرباب الشخصية الإنسانية العامة التي رسمها العليم الخبير بطبائع الأمم والأفراد، والتي أدارت دولاب العالم حينًا من الدهر، فوجهته إلى كثير من الخير، وفتحت له أبوابًا من العلم النافع - قد انتابهم من الضعف والشلل بسبب التفرق المذهبي أو السياسي وما يجعلهم أشلاء مبعثرة في أنحاء الكرة الأرضية، يسامون ويساومون، حتى لقد نـزع كثير منهم شخصيته الإلهية المجمعة، وانحازوا إلى تلك الشخصيات التي لا هم لها إلا القضاء أولًا وقبل كل شيء عليهم وعلى شخصيتهم وعلى إخوانهم المنتسبين إليها.
أيها الأخ الكريم، تسألني عن خير السبل لتوحيد كلمة المسلمين ولم شعثهم؟ وهو في جوهره سؤال عن خير السبل لرجوعهم إلى شخصيتهم المعنوية التي رسمها الإسلام والتي على أساسها يجتمعون وبها يعزون، وهو سؤال شغل من قديم أفذاذ المسلمين الذين أدركوا الداء وعرفوه، والتمسوا الدواء وبحثوا عنه، والواقع أنه سؤال جوابه واضح بين في كتاب الله، كتاب الشخصية المعنوية للمسلمين، ولا عذر لأحد منهم في الجهل به أو الغفلة عن سبيله.
يقول الله في كتابه الكريم {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(201) ويقول:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}(202) ويقول:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}(203) ويقول:{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(204).
فهذه الآيات التي تلوكها بألسنتهم شعوب المسلمين، حكامًا ومحكومين، معلمين ومتعلمين، رؤساء ومرءوسين، ترسم خير السبل، لتوحيد كلمتهم ولم شعثهم، وتجمله في كلمة واحدة، هي الاعتصام بحبل الله.
وليس من شك في أن الاعتصام بحبل الله يقضي على علماء المسلمين وقادتهم باجتماع عام، تمثل فيه جميع الشعوب بالأفذاذ من علماء الدين والتشريع، وعلماء التربية والتهذيب، وعلماء الاقتصاد والحضارة وعلماء القوة والحرب، وفي ظل هذا الاجتماع الذي تنحى عنه شهوات العصبيات وأهواؤها يتقرر النظر في تنقية العقائد والأعمال مما لحقها من صور الشرك والابتداع، تلكم الصور التي هيأت لخصوم الإسلام، والمفتونين بهم من أبنائه المنتسبين إليه، هيأت لهم أن يقولوا: إن الإسلام ليس دينًا واحدًا وإنما هو أديان متعددة، تختلف باختلاف الأقاليم والمذاهب.
وفيه يتقرر وضع نظام محكم الحلقات لنشر الدعوة الإسلامية في أرجاء العالم يكون أساسه الإعداد القوي لرجل الدين الذي يقتحم الصعاب، ويمتلك القلوب بعلمه وبيانه وفعله وسلوكه.
وفيه يتقرر إنشاء منظمة إسلامية اقتصادية وحضرية، مهمتها تنسيق وسائل الاقتصاد والحضارة، وسد حاجات الجماعات الإسلامية بعضها من بعض، فلا يجد المستعمر نافذة يخلص منها إلى استنـزاف البلاد وتثبيت قدمه فيها.
وفيه يتقرر العمل الجاد السريع في تكوين قوة حربية عليا؛ ذات تدريب واحد، وقيادة واحدة، على أحدث ما يعرفه أهل الحرب في هذا العصر، لا لتخرب وتدمر، ولا لتستعبد وتستعمر ولا لتخرج الناس من أوطانهم وأموالهم وأمنهم، وإنما لتدفع شر الاعتداء، وتخلص الرقاب المسالمة، وترهب أعداء الله وأعداء الإنسانية.
هذه هي جمعية الأمم الإسلامية، وهذا نموذج من أعمالها وأهدافها، أما السبيل لتكوينها وإعداد وسائلها فاني أرى أن خير السبل في هذه الآونة أن ينطلق صوت الدعوة إليها والمفاوضة في شأنها من رجلين اثنين، ربطت بين قلبيهما، كما ربطت بين بلديهما، الشخصية الإسلامية، وهما: حامي حمى الحرمين الشريفين، وحامي حمى الأزهر الشريف.
فالحرمان مجتمعان مقدسان، يشد إليهما المسلمون الرحال من كل فج.
والأزهر، هو المجتمع الثقافي الوحيد الذي احتضن مبادئ الشخصية الإسلامية فيما يزيد عن عشرة قرون كاملة، وتلقى بصدره الرحب، وفي أروقته الفسيحة أبناء المسلمين من جميع الأقطار، ليملأ قلوبهم بحب تلك الشخصية، ويفقههم بخصائصها ومزاياها، ثم يعودوا إلى بلادهم يحملون شعلة الهدى والنور.
وإذا ما انطلقت هذه الدعوة من رجل المملكة السعودية، ورجل الجمهورية المصرية - ولا إخالها إلا منطلقة، ولا إخالها إذا انطلقت إلا مسموعة - كانت هي السبيل، وكانت خير السبل، والويل للمعوقين والمتخلفين.



الأعمال وأساس قبولها عند الله

يقول الله تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(205).
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على قومه، وكان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، وكان من رحمته بهم تعهدهم بالموعظة الحسنة، وإرشادهم إلى ما يزكي نفوسهم، ويطهر قلوبهم، ويطبعهم على محبة الخير والفضيلة، لأنه خير وفضيلة، وبذلك سمت أغراضهم، وقويت عزائمهم، ونهضت هممهم، وارتبطوا في أعمالهم بمصدر الخير الدائم الذي لا ينقطع مدده، ولا يحجب رفده، فاستقامت لهم الأمور، وانتظمت بهم الشئون وسارت في طريق الكمال، لا تلتوي بهم مسالك الهوى، ولا تأخذ بهم تيارات الشهوة عما أعده الله لعباده المؤمنين من حياة عزيزة دائمة، وسعادة أبدية خالدة.
وهكذا كان يرشد الرسول أمته، وهكذا نهضت أمته بالحياة وكملوا نفوسهم بالإخلاص لله فألقيت الدنيا إليهم بمقاليدها، واستقرت لهم الكلمة في أرجائها، وأصبحوا بعد جاهلية آثمة - أئمة يهدون بأمر الله.
ولقد كان من أهم الإرشادات التي تتصل بإصلاح القلوب والنفوس؛ بل من أهم أنواع العلاج في تقوية العقيدة، وتهذيب النفس والخلق، ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه}.
حديث عظيم الشأن، جليل القدر، لا من جهة دلالته على فرضية النية في الوضوء أو عدم دلالته، وإنما من جهة ما يبين للناس الأساس التي تحوز به أعمالهم المشروعة: وضوءًا أو صلاة، زكاةً أو حجًا، صومًا أو إرشادًا، درجة القبول عند الله، ويبين لهم أن هذا الأساس ليس من الشئون التي تخرج عن طوق الإنسان وقدرته، أو تعزب عن إدراكه وتقديره، يبين لهم أن هذا الأساس، ليس هو مجرد الحركات والسكنات، أو الصور والأشكال التي يراها الناس فيخلعون على صاحبها صفات التقوى والورع، غير ناظرين إلى ما تحمل نفسه من البواعث التي تدفعه إلى هذه الأعمال.
يبين لهم أن الشأن في قبول الأعمال أو رفضها عند الله، إنما هو في الروح الذي يحسه الإنسان من نفسه، ويعلمه الرب في عبده حين يتجه إلى العمل وحين يعمل، وعلى قيمة هذا الروح عند الله، يكون جزاء العامل على عمله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ذلكم الروح، هو الغرض الذي يبعث الإنسان على العمل، فإن كل عاقل لابد له من غرض يقصد إليه بعمله وإذا ما خلا من غرض يقصد إليه بعمله، كان عابثًا، وكان عمله كجثة هامدة، لا قيمة له ولا خير فيه.
وإذا كان لابد لكل عاقل من غرض يقصد إليه بعمله، فإن ذلك الغرض هو الأساس في قبول الأعمال ورفضها، هو الميزان الذي به تعرف درجة الأعمال عند الله، فإذا ما سما الغرض، ونبل المقصد، واتصل بالإرادة الدائمة، والتمس به مرضاة الله، كان ذلك سببًا قويًا في تقبل الأعمال، وارتفاع الدرجات، وكان في الوقت نفسه دليلًا واضحًا على قوة إيمان العامل بالله، وشدة مراقبته لمولاه، فيتقي ويحسن، ويكون منه في كنف ومعية {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}(206).
وأما إذا سفل الغرض وانحط المقصد، واتصل بإرادة الحصول على شهوة زائلة أو سمعة زائفة، أو حيلة خادعة، فإن ذلك يكون سببًا قويًا في رفض الأعمال وردها على أصحابها، وكان في الوقت نفسه دليلًا واضحًا على خلو القلب من روح الإيمان الصادق، وعلى عدم تمثله عظمة الله ومراقبته، وكان العامل في تلك الحالة باذلًا بعمله دينه لدنياه، هازئًا بعبادة مولاه، وكان جديرًا ألا ينظر الله إليه ولا يزكيه ولا يكلمه {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}(207).
فمن ابتغى تقديس الله بصلاته وصومه، وابتغى مرضاته بالبذل والجهاد في سبيله، وابتغى بإرشاد الناس إصلاحهم، وتوجيههم إلى الخير، وابتغى بحكم الناس والهيمنة عليهم، إقامة العدل، وإيصال الحقوق إلى أربابها، وإنصاف المظلوم من الظالم، والرحمة بالضعفاء، وقعت أعماله عند الله موقع الرضا والقبول، وتولاه برعايته، وسدده في قوله وعمله، ونشر عليه من رحمته وجعله مورد خير دائم لله ولعباد الله {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}(208)، {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [بستان بمكان مرتفع] أَصَابَهَا وَابِلٌ [مطر غزير] فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ [ثمارها مثلين] فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ [مطر قليل] وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(209).
أما من صلى أو صام، أو تصدق أو جاهد، أو دعا الناس إلى شيء من ذلك بقصد أن يخلع عليه لباس التقوى والصلاح، أو لباس السخاء والكرم، أو لباس الشجاعة والإقدام، أو لباس الحكم والسلطان، أو لباس العلم والمعرفة، فهذا ونحوه مردود عليه عمله، وصفقته عند الله كاسدة غير نافقة وخاسرة غير رابحة لا يعرف صور الخير إلا حيث قدر لنفسه مغنمًا خاصًا، أو لمع له برق ولا ينتفع به سواه، ولا يظهر له في أخراه.
هذا هو الأساس في قبول الأعمال ورفضها عند الله، وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك العظة القيمة، الهجرة من مكة إلى المدينة مثلًا طبق عليه هذا الأساس الذي قرره:«فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه».
مثل من واقع الحياة التي انتظمته صلى الله عليه وسلم وهو وأصحابه، كانت الهجرة من مكة إلى المدينة في ذلك الوقت، وقت أن تألب الكفار على النبي ومن آمن معه - من أهم الواجبات الدينية التي أمر الله بها رسوله، كانت واجبة حفظًا للدين بإقامة شعائره ونشر أحكامه والجهاد في سبيله مع المهاجرين والأنصار، كانت واجبة جمعًا للكلمة وربطًا للقلوب في إعلاء كلمة الحق والدين.
وقد هاجر في سبيل ذلك مع النبي من هاجر، وكان من بين المهاجرين رجل لم يهاجر بنية المهاجرين الصادقين، وإنما هاجر تبعًا لامرأة يقال لها أم قيس، يريد أن يتزوجها، شاع بين الناس أمره ووصل إلى الرسول خبره، فاتخذ الرسول من واقعة الحال المعلومة لهم نصيحته الغالية وحكمته البالغة، فقال:«إن هجرته إلى ما هاجر إليه» فليلتمس منها الجزاء، فليس له عند الله جزاء.
هذا هو الأساس في تقدير الأعمال عند الله، وهذا إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لأمته كي يظفروا بالقبول والرضا عند الله وكي تنطبع في نفوسهم محبة الخير لمحبة الله إياه.
فإلى مهاجري أم قيس في هذا الزمن وما أكثرهم، إلى هؤلاء الذين يتخذون الدين مغنمًا والدعوة إلى الفضيلة متجرًا، والحكم بين الناس صلفًا وتعسفًا.
إلى هؤلاء الذين يلبسون للناس مسوح التقوى، ويتسترون بصور من الطاعات لا روح فيها ولا حياة، ليتخذوا من صور الخير يعبرون عليها إلى الشهوات والأغراض السيئة نوجه هذا الحديث العظيم «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».



الابتداع في الدين

كلف الله عباده بعقائد تتصل به سبحانه وبرسالاته وكتبه إليهم، وتتصل باليوم الآخر الذي أعده لدار الجزاء، وكلفهم أيضًا بعبادات: هي غذاء لهذا الإيمان، وعلامة على الصدق فيه، وحرم عليهم أشياء صونًا لحياتهم وحفظًا لعقولهم وأعراضهم وأخلاقهم، وقد فصل لهم في كتبه ورسالاته ما كلفهم به وما حرمه عليهم وكان مجموع ما فصل وبين على الوجه الذي بين وفصل هو الدين الذي تعبدهم به، ولا يقبل منهم سواه.
وكان امتثاله والقيام به على الوجه المبين في الكتب الإلهية وعلى ألسنة الرسل، هو التدين الصادق، الذي يقف بصاحبه في العقيدة والعبادة، والحل والحرمة عند حد ما شرع الله وبين، وكان التصرف في شيء منه، هو الانحراف عن دين الله وهو الابتداع فيه.
ومن هنا يعلم أن الابتداع في الدين، إنما يكون فيما تعبدنا الله به من عقيدة أو عبادة، أو حل وحرمة.
أما ما لم يتعبدنا الله بشيء منه، وإنما فوض لنا الأمر فيه باختيار ما نراه موافقًا لمصلحتنا ومحققًا لخيرنا بحسب العصور والبيئات، فإن التصرف فيه بالتنظيم أو التغيير لا يكون من الابتداع الذي يؤثر على تدين الإنسان، وعلاقته بربه، بل إن الابتداع فيه من مقتضيات التطور الزمني الذي لا يسمح بالوقوف عند حد الموروث من وسائل الحياة عن الآباء والأجداد.
وإذا كان لحياة الأبناء والأحفاد وسائل غير وسائل الحياة لأسلافهم، كان من ضرورة بقائهم، وطيب حياتهم، ومسايرتهم للتقدم الزمني، أن يخلعوا وسائل الأسلاف التي لا تتفق وزمنهم، ويعملوا جاهدين في تلبية عصورهم بما تطلبه وتقضي به، وإلا تخلفوا عن الركب المجد في السير، وانقطع حبل اتصالهم به، وصاروا في عزلة لا يسمع لهم فيها صوت، ولا يعرف لهم فيها وجود.
ولو كان من سنة الله في تعبده لعباده، أن يقيدوا في هذا الجانب بمنهج خاص، لحدد لهم أرض الزراعة وأنواعها وطرقها، ولحدد لهم نوعًا أو أنواعًا من الصناعات ووسائلها، ولحدد لهم نوعًا من القوة التي أمرهم بإعدادها وأطلقها إطلاقًا، ولحدد لهم نوعًا أو نوعين من مظاهر الحضارة المختلفة، التي يعلم أنها ستكثر وتنتشر، وتأخذ أطراف العالم، ولكنه سبحانه وتعالى لم يحدد لعباده شيئًا من ذلك، بل أطلق للعقل الإنساني حريته في هذا الجانب كله ولم يأمره إلا بالبحث والنظر، والكد والعمل بقصد الإصلاح والتعمير {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}(210).
وقد كان كل ما أخذ به الأمم السابقة، وقبحه منهم ونعاه عليهم خاصًا بالابتداع في العقائد والعبادات، والحل والحرمة، ولم يكن شيء منه مما يتصل بزينة الحياة التي أخرج لعباده، أو بنموها وتقدمها، فهو لم ينكر مثلًا على أهل سبأ أن يكون لهم جنتان عن يمين وشمال، ولم ينكر على قارون أن كان له من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة.
بل نرى في القرآن الكريم امتنانه سبحانه على داود بإلانة الحديد له، ونرى أمره إياه بصنع الدروع السابغة الواقية، ثم نراه سبحانه يرضى عن دعوة سليمان:{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}(211)، ويفسح له مجالها فيسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ويسيل له عين القطر، ويسخر له الجن، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب، وقدور راسيات، ثم يطمعه في المزيد ويغريه بالعمل {اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}(212).
نعم لم ينكر الله على أحد من خلقه ابتداع شيء من متع الحياة الطيبة، ولا من وسائل قوتها واتساع عمرانها، وإنما كان الذي أنكره، ابتداع الناس فيما بين ورسم، وتعبد به عباده في العقيدة والعمل، والحل والحرمة.
أنكر على من تخيلوا أن في بعض المخلوقات روحًا من ألوهية الله، بها كان في نظرهم إلهًا أو بعض إله، وبها استحق أن يعبد، وأن يشفع عند الله، وأن يقرب إليه زلفى. وأنكر على من غيروا وبدلوا في رسوم العبادة وكيفيتها، فعبدوا بما لم يشرع، وغيروا فيما شرع؛ فكانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وطافوا به عرايا، وحرموا ما احل الله، وقالوا:{هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ}(213).
هذا وحده هو الابتداع في الدين، هو الابتداع الذي يخرج به المؤمن عن دائرة الرسالة الإلهية، هو الابتداع الذي يغتصب به المبتدع حق الله في تشريع هو له وحده، هو الابتداع الذي به يضع المبتدع نفسه موضع من يرى أن العبادات أو العقائد، التي رسمها الله ليتقرب بها العباد إليه، ناقصة أو فاسدة، فأكملها أو أصلحها بابتداعه، أو موضع من يرى: أن الرسول الذي اصطفاه الله لتبليغ دينه، قد قصر فيما أمر بتبليغه، وحجز عن عباد الله بعض ما يقربهم إليه.
ولقد كان هذا الابتداع هو السبب الوحيد في نسيان الأمم السابقة شرائع الله وأحكامه، هو السبب الوحيد في اندراس العقائد والعبادات، وفي التحلل من قيود الحل والحرمة، وانتزاع التدين من القلوب، وبذلك انقطعت صلتهم بالخالق، وصار أساس التعامل بينهم القوة الغاشمة، والطغيان المزري بالإنسانية.
هذا وقد جرت على ألسنتنا من قديم كلمة «بدعة» وأخذها البعض عامة في العبادات والعادات، وحرموا باسمها كثيرًا من العادات الطيبة، ووسائل الحياة القوية، وأهدر بعض آخر قيمتها باسم حرية الرأي، وامتدت إلى العقيدة فأفسدتها، وإلى العبادة فحرفتها أو أهملتها، واستباح المنتسب للإسلام بهذا الوهم الخادع، أن يعتقد ما يشاء، وأن يعبد أو لا يعبد كما يشاء.
وتبعًا لاختلاف المنتسبين إلى الدين في هذا الموقف، اختلفت الأمة على نفسها، وصارت شيعًا وأحزابًا، لا أقول في الإقليم والإقليم، وإنما نرى في الإقليم الواحد، ونسمع طعن المتدينين بعضهم في بعض: بالإلحاد والزندقة، والتزمت والجمود، وبذلك تفرقت القلوب وضعفت الوحدة، وتعرض الدين للتلاشي، كما تعرض له من قبل.
فهل لعلمائنا الفاقهين الذين يؤمنون بالعاقبة السيئة لهذا التفرق، ولزعمائنا الغيورين الذين يعملون في الجوانب السياسية والاقتصادية والحربية على التركيز وتوحيد الكلمة والمنهج، هل لهم جميعًا أن ينظروا إلى هذا الجانب الديني أيضًا، ويعملوا بإيمانهم وحكمتهم على إحيائه سليمًا نقيًا، وعلى وحدة المسلمين فيه، والرجوع بهم إلى المحجة البيضاء، التي تركها الرسول وظلت قائمة بمصادرها الخالدة من كتاب وسنة؟؟
هذا ما أرجو أن يعمل عليه الزعماء والعلماء، حتى يحققوا للإسلام والمسلمين الوحدة التي رسم الله، ويفوزوا بتوفيقه ورضاه {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}(214).


التعاليم المحمدية واتصالها بالكون

فطر الإنسان على خاصتين، إحداهما الشعور بقوة غيبية مهيمنة عليه، وعلى الكون؛ ذات علم وحكمة، وتدبير وقدرة، هي مصدر الخلق والإيجاد، وهي مصدر التوفيق والهداية.
وكان من حق هذا الشعور النابع من الفطرة، أن يظل حاضرًا في النفس، مستتبعًا آثاره ولوازمه من الإيمان بوحدانية الله، وباستحقاقه وحده العبادة والتقديس، واستجابة أمره ونهيه دون سواه.
ولكن ما ركب في الإنسان من قوى الشهوة وحب الانطلاق مع بواعث الهوى العاجل، أنساه هذا الشعور، وحال بينه وبين التذكر في كثير من أوقاته وشئونه وصار لا يذكره إلا جوابًا عن سؤال مفاجئ، أو التماسًا لتفريج كربة وقع فيها وأحاطت به.
وقد سجل القرآن في كثير من آياته هذه الخاصة للإنسان، وأشار إلى غفلته عنها، وإلى تذكره لها واعترافه بها «{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}(215) {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نـزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}(216)، {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(217).
أما الخاصة الثانية للإنسان، فهي إعداده بقوى العقل والإدراك للبحث والنظر، في نفسه وفيما يحيط به من ملكوت السموات والأرض، فينمو شعوره الفطري، ويمتلئ قلبه بنور الإيمان، فيسلك السبيل الواضح الذي لا غموض فيه والتواء، سبيل الأمن والاطمئنان، سبيل الحياة الطيبة، والسعادة النفسية الراضية، ويصل في الوقت نفسه ببحثه ونظره إلى معرفة أسرار هذا الكون، وما أودع فيه من وسائل التقدم، ومواد العمارة لهذه الأرض، التي جعله الله خليفة فيها.
ولكن الأوهام التي كانت تملكه في أوقات غفلته - وما أكثرها - وضعت على عقله حجابًا كثيفًا منعه من التوجه إلى هذا الكون وخوض غماره، وبذلك ربط نفسه بالخرافات والأوهام، فسلب فائدة العقل والإدراك، وانقاد لما لا يسمع ولا يبصر، وظل يدور حول نفسه، لا يعرف في الحياة إلا ما يلبي غرائزه الحيوانية، وميوله النفسية الفاسدة.
لم ترض الحكمة الإلهية أن يقع الإنسان، وقد كرمه الله، وفضله على كثير من خلقه في هذا المصير الذي أضعف خاصتيه: خاصة الشعور بالإله الخالق، وخاصة البحث والنظر لمعرفة أسرار الكون، والانتفاع بها في الحياة، فتعهدته بالإرشاد، وأنواع الهداية على ألسنة الرسل الكرام.
وكانت خاتمة الإرشاد والهداية، هذه التعاليم التي أوحى الله بها إلى رسوله محمد عليه السلام، خاتم الأنبياء والمرسلين، أوحى بها إليه، وكلفه تبليغها للناس، ودعوتهم إلى التأمل فيها، والإيمان بها، عن طريق النظر والاستدلال في أنفسهم، وفيما يحيط بهم من أرض وسماء، وماء وهواء؛ فأحيا بها في القلوب الشعور الفطري بوجود الخالق ووحدانيته، ثم وجههم بها إلى البحث عما أودع في الكون من مواد الحياة، التي بها تعمر الأرض، والتي يكون العالم بها مظهرًا لرحمة الله بعباده.
وبهذين النوعين من التعاليم المحمدية التي جاءت للناس على فترة من الرسل، عرف الإنسان مركزه من خالقه، فكان له عابدًا مقدسًا، وحامدًا شاكرًا، وعرف مركزه أمام الكون، وكان أمامه باحثًا منقبًا، وبانيًا معمرًا، وقد تضمن القرآن هذين النوعين من التعاليم ونجد النوع الأول بمناهجه المختلفة ماثلًا في أكثر الآيات وقد جاء الثاني كذلك في القرآن بأساليب توحي كلها بالتوجه إلى النظر في الكون، والبحث عن أسراره ومنافعه، ويغري بالتطلع إلى جهات النفع، والحصول عليها، فمن أسلوب يعلن أن الله ما خلق الكون على هذا النحو المملوء بالأسرار، إلا ليصل الإنسان إليها وينتفع بها {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}(218): في ظاهرها وباطنها بأعيانها وبإدراكها وبدلالتها.
ومن أسلوب يؤكد للإنسان أن الله سخر له هذا الكون، وجعله في متناول عقله، وقبضة يده {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}(219)، {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(220)، {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ}(221)، {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}(222)، {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ}(223)، {وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}(224).
ومن أسلوب ينبه إحساس الإنسان إلى التطلع إلى مخلوقات خاصة ذات شأن في الأسرار والمنافع، فيندفع إلى تلمس ما اشتملت عليه، ذلكم الأسلوب هو قسم الله سبحانه بهذه المخلوقات:{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (225). {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا. فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا. فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا}(226).
ومع ذلك كله يوجه الأنظار إلى جملة من أصول الثروات، التي تكون بها حياة الأمم ونهضتها فيذكر الثروة الحيوانية والنباتية والجبلية، ويمتن على الإنسان بها، ويغريه إلى تحصيلها والانتفاع بها.
بهذا يتضح أن التعاليم المحمدية المائلة في كتاب الله، لم تقتصر في مهمتها للإنسان على إحياء شعوره الفطري بالخالق وعبادته. وإنما أوحت إليه في الجانب الإنساني أيضًا بما يحقق قيمته في الحياة، ويقف به في مركزه أمام الكون.
وبذلك تطابق كتاب الوحي مع كتاب الكون، وصدق كل منهما الآخر، فامتزجت الروحية بالمادية، وكان الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.
جددت التعاليم عهد الولاء بين الإنسان وخالقه، وردته إلى فطرته، ثم ربطت بينه وبين الكون، وهيأته بهذا الربط لحياة قوية شريفة، وبذلك كانت الدنيا من الدين، وكان الدين من الدنيا.
فجدير بأرباب البحث في الكائنات، الذين نظروا إليها كوحدة منفصلة عن جانب الشعور الفطري بالخالق، جدير بهم أن ينظروا إلى أمية محمد وبيئة الجاهلية التي نشأ فيها، وبين هذه التعاليم المتصلة بالكائنات التي يعرفونها.
جدير بهم أن ينظروا كيف تجري هذه التعاليم على لسان مثل محمد، في أميته وبيئته , وفي زمنه كله جدير بهم أن ينظروا إلى هذا نظرة إنسانية مطلقة من قيود العصبية الغاشمة. وفي اعتقادي أنهم إذا نظروا هذه النظرة لضاقت شقة الخلاف بين بني الإسلام، وآمن الجميع بأنه {وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}(227) وتلاقت بذلك نتائج البحث والنظر بمبادئ الوحي والتعاليم وأصبح الناس جميعًا بنعمة الله إخوانًا، يخضعون لرب واحد، وإرشاد واحد، أمة واحدة، في حياة واحدة.
تلك دعوتي - وهي دعوة الحق - أوجهها إلى أرباب القلوب الحية، والعقول الناضجة، الحريصة على خير الإنسانية وسعادتها {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(228).


عظمة محمد صلى الله عليه وسلم

جرت سنة المسلمين - بعد قرونها الأولى - أن يحتفلوا - في شهر ربيع الأول من كل عام - بذكرى ميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكان لهم في الاحتفال بهذه الذكرى أساليب تختلف باختلاف البيئات والبلدان.
فمنهم من يحتفل بتهيئة طعام خاص لا يألفونه في مجرى عادتهم الغالبة تتناوله الأسر في ليلة الثاني عشر من الشهر، فرحة مسرورة حول مائدة واحدة وتلك ذكراهم لميلاد الرسول.
ومنهم من يحتفل بأصناف من الحلوى ذات أشكال وصور مخصوصة، يصنعها الباعة لتلك المناسبة، ويضعونها منسقة منظمة أمام حوانيتهم التماسًا للرواج والربح، وتلك ذكراهم لميلاد الرسول.
ومنهم من يحتفل بالدعوة إلى اجتماعات تفتح بتلاوة آي من الذكر الحكيم، وكثيرًا ما يتحرى القارئ الآيات التي تعرض لذكرى الرسول باسمه أو صفته، ولعلك تسمع في الليلة الواحدة أكثر من قارئ يقرأ قوله تعالى:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ.. الآيات}(229) ثم تتلى قصة المولد الشريف بما أودع فيها من الأوصاف الخلقية، والأوضاع التي كان عليها وقت ولادته عليه الصلاة والسلام، وتلك ذكراهم لميلاد الرسول.
وتعنى بعد هؤلاء وهؤلاء أقلام الكتاب وألسنة المتحدثين بالمقالات والأحاديث، ينشرونها ويذيعونها على الناس، يذكرونهم فيها بعظمة محمد في شمائله التي فطر عليها، وعرف بها في أهله وبين قومه.
يوم أن كان غلامًا يرعى الغنم، ويعزف بنفسه عما يألفه أقرانه من مجالس اللهو واللعب.
ويوم أن كان شابًا جلدًا يحضر مع أعمامه حرب الفجار وحلف الفضول.
ويوم أن كان رجلًا، مكتملًا وافر العقل، يرضاه قومه حكمًا في النـزاع يشجر بينهم.
ويوم أن كان ملتهب الفطرة في صلته بالله، فيفر من ظلمة الدنيا وجهالتها إلى التحنث والأنس بنور الإيمان الفطري.
ويوم أن كان مشفقًا على قومه من جهلهم بالله، وانغماسهم في الشهوة والهوى، لا يدري كيف يهديهم.
ويوم أن كان هاديًا مرشدًا، يتعهدهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويبشر من أجاب، وينذر من أبى.
ويوم أن كان محتملًا مكائد قومه، صبورًا على إيذائهم، يستعذب العذاب في سبيل دعوته.
ويوم أن خرج من نطاق الحديد والنار الذي ضربه قومه حول بيته، ليضربوه ضربة واحدة يتفرق بها دمه في القبائل فيستريحوا منه ومن دعوته.
ويوم أن صار في المدينة قائدًا يتقدم الصفوف، ويتقي به أصحابه.
ويوم أن كان حاكمًا يقيم الوزن بالقسط، لا يعرف نفسه ولا أهله في إقامة حد الله وشرعه.
هكذا جرت سنة المسلمين بعد قرونهم الأولى!!
وما كان المسلمون الأولون يفكرون في تعيين زمن خاص يذكرون فيه الناس بعظمة محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الاحتفالات التي تقام، أو المقالات التي تكتب، أو الأحاديث التي تذاع.
ذلك أنهم كانوا يرون عظمته صلى الله عليه وسلم ليست من جنس العظمات التي يخشى عليها النسيان أو التلاشي في صحف الأيام حتى تحتاج في بقائها إلى تذكير الناس بها، وتنبيه وعيهم إليها، وليست من جنس العظمات التي تألفها الأمم في نوابغها وأفذاذها، تكون في ناحية من نواحي الحياة، كانتصار في معركة، أو فتح لحصن، أو سبق إلى اختراع مادي، أو كشف نظرية علمية في السماء أو في الأرض، أو زعامة أمة أو إقليم.
وإنما كانوا يرون - كما هي في الواقع - أنها عظمة خالدة بخلود آثارها في العالم، تنمو وتمتد، وتسري بقوتها الذاتية في جوانبه، شرقًا وغربًا، وتنطلق أشعتها على مجاهيل الكرة الأرضية؛ فتنبض لها القلوب، وتتحرك لها العقول، وتنشرح بها الصدور، وتمتلئ بروعتها وبساطتها النفوس، وترسم هي لهم سبل السير وراءها فيكشفون للناس عن جوهرها ومصدرها وعن نظمها في الحياة.
كانوا يرونها خالدة بأثرها هكذا، وخالدة بكتابها الخالد الذي يهدي الإنسان في الحياة إلى التي هي أقوم: في عقيدته، وفي خلقه ونظم حياته، وروابطه العائلية والمدنية والإنسانية. وفي علاقته بالكون، أرضه وسمائه، وفي متعته بلذائذ الحياة الطيبة، وفي تضامنه مع إخوته بني الإنسان، وفي عمارة الدنيا وفي أمنها واستقرارها، وفي بلوغها أقصى ما قدر لها من كمال.
كانوا يرونها هكذا خالدة، وهكذا عامة.
وكان ذكراها لديهم في ترسم خطاها، والجد في نشرها، وفتح قلوب الناس لها، والعمل على انتفاع الإنسانية بها، وبذلك ركزوا حياتهم في تقليب وجوهها، والاقتباس من نصها وروحها، لما يكفل للإنسانية أن تحتفظ بمكانتها في صفحة الترتيب الكوني لهذا العالم.

وتلك كانت ذكراهم لعظمة محمد، كانت حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم أقلامًا من نور، ترسم خطوطها في جميع الآفاق تفتح القلوب، وتنير العقول، وتحيي الضمائر.
هذه عظمة محمد، وتلك ذكراها عند المسلمين الأولين، ولكن لما ضعفت النفوس، وتفتحت للناس منابع الشهوة والهوى، وناءت القلوب بحمل الأمانة، هان على الناس تقديرها، واستبدلت بها غيرها من صور العظمات الخاصة، وصارت تلك العظمات، هي المحراب الذي نتجه إليه والغرض الذي نسعى جهدنا في الحصول عليه.
وأقفرت قلوبنا وحياتنا من جوهر العظمة المحمدية، وصرنا لا نذكرها، ولا يلمع برقها إلا حيث يوافينا من كل عام هلال ربيع، أو يقال لنا هذا شهر ربيع، شهر المولد النبوي الكريم فنهرع إلى هذه المظاهر نقيمها، وتلك الكلمات نؤلفها، حفاوة بحق الذكر، وبحق الانتساب {رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}(230).


القرية السعيدة

يستقبل المسلمون في كل عام بشهر ربيع الأول ذكرى محببة إلى نفوسهم، ذكرى يجري حبها في قلوبهم وأعصابهم جريان الدم في العروق، وجريان الروح في الجسد، ويذكرون بها الحد الفاصل بين الظلام الذي خيم على الإنسانية، وبين النور الذي كشف لها الطريق، ورفع عنها الحجب وأنار أمامها الحياة.
يذكرون بها الحد الفاصل بين الذل والاضطراب والفوضى، وبين العزة والسكينة والنظام.
يذكرون بها الحد الفاصل بين ما سقطت فيه الإنسانية من حمأة الجهل والاستبعاد وكبح الحرية والخضوع لغير الله، وبين ما ارتفعت إليه من سماء العلم ومكانة الرشد والاستقلال، مع حرية الرأي والخضوع لله الواحد القهار.
يذكرون كل ذلك بشهر ربيع الأول، كلما دارت حركة الفلك وجاء عام بعد عام.
يذكرون ذلك فتتجه مشاعرهم وتهفو قلوبهم إلى منابت هذه الذكرى، وإلى شخصية هذه الذكرى، وإلى عوامل هذه الذكرى، وإلى آثار هذه الذكرى.
ليس من شك في أن الأزمنة والأمكنة كالإنسان، تسعد وتشقى؛ فسعادة الإنسان ترجع إلى ما يمكنه من خلع ثياب الذل والاستعباد، والقضاء على صور الفساد والدنس التي تحيط به وتسلبه الحياة الفاضلة، حياة الحرية والعزة والكرامة، وإلى ما يهيئ له القيام بواجباته التي بها يحصل على حقوقه كاملة غير منقوصة، وتجعله ذا حظ يسمو به في حياته ويذكر به بعد مماته ويكون من الخالدين.
وسعادة الزمن ترجع إلى ما تسديه حركته إلى الإنسانية من قوى الخير والإصلاح، والسير بها في طريق الهدى والفلاح.
وسعادة المكان ترجع إلى ما ينبته من غذاء طيب يكون له فضله في تقوية الحياة، وسريان الخصوبة منه إلى ما يتصل به من موات، فتزكو التربة، وينبت الغرس، وتعظم الثمرة، وبقدر ما يتاح للإنسان والزمان والمكان من جهات السعادة، يكون اصطفاء الله للإنسان والزمان والمكان {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}(231).
وعلى هذا الأساس سجل الله في كتابه اصطفاء الأشخاص {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}(232). وسجل اصطفاء الأزمنة:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(233) {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنـزلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(234). وسجل اصطفاء الأمكنة:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}(235). {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}(236).
ومن الأمكنة المصطفاة مكة فهي في سجل الاصطفاء من عهد إبراهيم {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}(237). وكانت أول مكان استضاء بنور ذلك الإصلاح المحمدي، واهتزت جوانبه ببشراه في مرحلته الختامية، فتسجيل الله لها، وتخليده لذكراها في كتابه العزيز الخالد، وفي واجباته الدينية الأولى؛ كان في التسجيل المكاني أبرز تسجيل وأعظم تخليد.
فقد ربط بها - لمكان البيت فيها - قلوب المؤمنين واتجاههم، كلما قاموا إلى الصلاة، وكلما ضرعوا بالدعاء {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (238)، وربط بها أجسامهم وقلوبهم كلما تيسر لهم واستطاعوا حج البيت الحرام {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}(239) ثم نوه بشأنها وذكرها في كتابه دون سواها من الأماكن بجملة من أسمائها التي توحي بالنعمة التي نبتت من جبالها، وسرى روحها في أنحاء العالم فأحيته بعد موات، وهدته بعد ضلال، وأضاءته بعد ظلام، وكانت مصداقًا لدعوة إبراهيم عليه السلام:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(240).
ذكرها بأشهر أسمائها «مكة»:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}(241) وذكرها باسم «بكة» وهو يرشد إلى مكانة البيت الذي رفع إبراهيم وولده إسماعيل قواعده، وطهراه للطائفين والعاكفين والركع والسجود {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا}(242).
وذكرها باسم «أم القرى»، ومن الأم يرضع الأبناء لبن الحياة الصافي. {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}(243).
وذكرها باسم «البلد الأمين» رمزًا لما تنفست عنه من مبادئ الأمن واستقرار، وبهذا الوصف «البلد الأمين» أقسم بها سبحانه ضمن منابت الهداية الإلهية، توجيهًا للأنظار نحو خيرها، ونعمتها على العالم. {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ}(244)، {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}(245).
لقد كان العالم يموج بأنواع من الفتن والشرور، وفي هذه الفتن ضل الإنسان سبيل الحكمة، وهضم بجبروته حقوق الضعفاء، وتحكم في العقائد والأخلاق والروابط الاجتماعية، وفي هذا الجو فسد عليه تصوره لخالقه، وانقطع عنه نور الحق، وفسد تصوره للفضائل، وفسد تصوره للجماعة البشرية، فعاش على أساس من الشهوة العمياء، والفردية الممقوتة، والانحلال الشائن لا يعرف الرحمة ولا التعاون، ولا يكترث إلا بما رسمه تصوره الضيق المنحرف.
وكان من الضروري أمام هذا الانقلاب الذي سار إليه الإنسان وقد خلقه الله ليعرفه، وليكون مظهرًا لصفات الجمال والجلال، وليكون خليفة في الأرض يعمرها وينميها ويسعد نفسه وإخوانه بأسرارها ونعم الله فيها. كان من الضروري في الحكمة الإلهية أن ينظر الله إلى العالم نظرة جود ورحمة تنتشله من وهدته، وتصلحه من فساده، وترده إلى صوابه، وتبصره الطريق السوي المستقيم، وتلك سنة الله كلما ضلت الأقوام وانحرفت الأمم.
ومن هذا البلد الأمين «مكة» أم القرى، ذات الجبال الشاهقة والحصون الحجرية المحكمة التي صانتها عن زخارف المدنيات الطائشة، مدنيات الفرس والرومان، والتي غرست في نفوس أهلها: بسمائها، ووديانها، وجبالها، معاني الحرية والنجدة، والكرم وإباء الضيم.
من هذا البلد تفجرت ينابيع الحكمة والهداية، وارتوى من سلسبيلها الإنسان في كل زمان ومكان؛ فشعر بعزته، وشعر بمكانته في الحياة.
في هذا البلد الأمين، وتلك القرية السعيدة، ولد حفيد إبراهيم، محمد ابن عبد الله، وكان ميلاده إيذانًا ببزوغ فجر الليل اشتد ظلامه، وتخبطت في دياجيره البشرية قرونًا طوالًا.
في هذا البلد الأمين، ولد محمد، فتولاه ربه برعايته، وصنعه على عينيه، وخلصه له منذ صباه؛ فلم يشغل قلبه بشيء من عطف الأبوة، ولا حنان الأمومة، ولا بشيء من زخارف هذه الدنيا الفانية.
ولما بلغ أشده واستوى آتاه الله العلم والحكمة، وجعله نبيًا، وختم به رسالاته، وأكمل به دينه، وأتم به على العباد نعمته، أحيا به ما اندرس - بالطغيان والهوى - من هداية إبراهيم، وآل إبراهيم، وجدد به عهد الولاء للخالق، وكون عظمة شغلت العالم منذ أربعة عشر قرنًا، وستظل بأبنائها الأوفياء المخلصين في حمل شعلتها، الحامين لذمارها، تشغل العقول وتلفت الأنظار، وتسمو بالإنسانية، وتزلزل عروش العنف والجبروت، وتقوض قصور الظلم والطغيان، وقد كتب الله على نفسه، ووعد - ووعده الحق - أن ينصر عباده المؤمنين المخلصين {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}(246).
هذا أيها المسلمون شهر ربيع الذي ولد فيه محمد، وتلك مكة القرية السعيدة التي شب فيها وترعرع، وتلك شريعته التي بها أنقذ الإنسانية، فاذكروا بالزمان والمكان هذا النبي العظيم، وتلك الشريعة المطهرة «ولا تكونوا» {كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}(247).
هذه أمانة الله، حملها آباؤكم وأجدادكم، وجئتم بعدهم خلفاء؛ فارفعوا رايتها، وجاهدوا في سبيلها، ولا يكن منكم معوقون ولا متخلفون.



نتائج ميلاد الرسول عليه السلام

إن نتائج مولد الرسول وما اتصل به من الإعداد الإلهي لتحمل رسالة الله رب العالمين، يعرفها كل من يعرف حال العالم في الفترة التي سبقت الميلاد، ويعرف ما تضمنته الرسالة من جهات الهداية والإرشاد، التي أخذت تحول العالم رويدًا رويدًا من مجاري الشر والشقاء، إلى سبيل الخير والسعادة؛ حتى استقرت كلمة الحق، وجعلت تعمل عملها في أنحاء الكرة الأرضية.
وليس من شك في أن حال العالم في الفترة السابقة، قد خرجت بالإنسان عن وضعه في صحيفة الترتيب الكوني.
فهو بالنسبة إلى الله، أنكر ألوهيته، أو أشرك غيره معه في العبادة والتقديس، والخضوع والاستعانة، واشتط في ذلك حتى عبد ما لا يسمع ولا يبصر، وخضع للأوهام والخرافات.
وهو بالنسبة إلى نفسه، قد أسلم قيادها للشهوة والهوى؛ وعميت عليه الفضائل، فعبث بالأعراض، وعبث بالعقول، وعبث بالأرواح.
وبالنسبة إلى أسرته وأد ابنته، لا لشيء سوى أنها أنثى، وقتل ولده، لا لشيء، سوى أنه لم ينل حظًا من المال والغنى، وعضل اليتيمة وأكل حقها، لا لشيء سوى أنها فقدت أباها الذي يرعاها، وضار الزوجة، لا لشيء سوى أنه مكن منها، وسلط عليها، وأخيرًا ورث زوجة أبيه أو أخيه كرهًا كمتاع تركاه.
وبالنسبة إلى المجتمع أفسد جزئيته له، وقطع صلته به، وحكم في روابطه القوة الغاشمة، والجبروت والطغيان وبذلك انتزعت الرحمة من قلبه، وصار لا يعني إلا بوسائل القسوة والتسخير، والتحكم في العقائد والأخلاق والاجتماع.
* * *
وأمام هذا المصير الذي انقلب إليه الإنسان، وصارت به الحياة جحيمًا لا يطاق، تطلع الروح العالمي الفطري من وراء حجب الغيب إلى مصدر الخلق والإيجاد؛ مصدر الهداية والإنقاذ، فاستمع إليه وهو السميع العليم ونظر إليه وهو الرءوف الرحيم.
وفي هذه الآونة، سرت بشرى الإنقاذ بمولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ فاهتز لها باطن العالم؛ واشرأب الروح الفطري إلى السماء، يقلب وجهه في آفاقها، وما هي إلا فترة النمو والإعداد، حتى وافت الإنسان رسالة السماء تدعوه إلى الخير وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وتخرجه من الظلمات إلى النور، وتبصره بمكانته من الله وبواجبه في الحياة، وترده إلى دائرة الروح الفطري، دائرة النقاء والصفاء {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}(248).
هدته إلى التي هي أقوم: في علاقته بخالقه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بأسرته، وعلاقته بمجتمعه. هدته إلى كل ذلك بأسلوب أساسه التوجيه إلى الخلوة بالفطرة النقية التي لم تدنس والتي ضرعت إلى ربها تلتمس الهداية والإنقاذ، ليجد منها العون والنصير على تقبل هذه الهداية، والانتفاع بها في استعادة الإنسانية والسير بها في طريق الغاية التي خلقت لأجلها، وعلى أساس من الإيمان بخالق القوى والقدر، مصدر التوفيق والهداية {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}(249).
وليس لنا من سبيل إلى الكتابة عن كل نتائج هذا الميلاد وآثاره القيمة التي عادت بالخير والبركة على العالم كله، حتى على من لم يؤمن بها، أثارت على روحه الباطني نفحات وجه بها نفسه وقومه في الحياة وإن كانوا لا يشعرون أو يشعرون ولا ينطقون.
ذلك أن من أبرز هذه النتائج وأولاها، مبدأ أن «المخلوق» لا يخضع لمخلوق مثله، يعبده ويقدسه، ويتخذه صمدًا له في الحياة. وبالتالي يكون لأمره ولرأيه عنده، قوة تملك عليه قلبه؛ ولا يستطيع مناقشته، ولا إبداء رأي يخالفه.
والقرآن قرر هذا المبدأ وربط في كثير من آياته الواضحة وحدانية الألوهية والخضوع، بوحدانية الربوبية والإنعام وأرشد إلى أن الألوهية والعبودية، ليست لغير الرب الخالق؛ المنعم {الحمدلله رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(250) {الحمدلله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}(251) {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}(252). {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(253).
بهذه الآيات ونحوها وهو كثير في القرآن الكريم، سطع على الإنسان نور بصره، أنه لم يخلق ليقاد بالزمام، وبهذا النور نفض على نفسه قوى التسخير والبشرى، وعرف عزته وسلطانه على نفسه وقلبه وحياته، وعرف أنه لا يخضع لغير خالقه الذي بيده أمره.
ولا ريب أن هذا المبدأ له المكانة الأولى في الأصول المقومة للإنسانية الفاضلة.
واليك مبدأ آخر يليه، وقد عزت به الإنسانية، واتخذت منه سبيلها على أساس من معاني السمو الإنساني الذي لا يعرف الجنسية؛ ولا التعصب لذات النفس؛ وإنما يعرف الأخوة الإنسانية والرحم الآدمي العام {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ}(254)، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(255).
وجاء في خطبة الوداع التي توج بها صاحب الميلاد دعوته «أيها الناس، إن ربكم واحد، وان أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى}.
وفي ظل هذا المبدأ، تناسى كثير من الناس الجنسيات، وعرفوا تكاتف القلوب، واتحاد القوى على إشاعة الخير، والنهوض بالإنسانية العامة.
هذان مبدآن، هما أولى نتائج الميلاد المحمدي، قد انتفع الناس بهما حينًا من الدهر، وتلقنهما الغرب من الشرق؛ وسرت فيهم روح الحرية والاستقلال في البحث والرأي وإدارة الشئون؛ كما سرى فيهم روح التعاون فيما بينهم فتكتلوا وانتفعوا.
فهل لقادة اليوم وقد بدت في بعض آفاقنا آيات الرجوع إلى عهد التبعية البشرية، وعهد التكتل الجنسي، هل لهم أن يسارعوا فيقفوا بجماعات المسلمين عند الحد الذي رسمه فاطر السموات والأرض؟ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}(256).



ندوة العلم والتعليم في خدمة المجتمع
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد فمن القضايا المقررة أنه لا خير فيمن لا خلود له، ولا خلود لمن يقف نفسه على نفسه أو يقف بفكره في مجتمعه عند متخلفات الماضي، الذي طويت صفحته، وكذلك لا خلود لمن يقود مجتمعه على غير أساس من شخصيته التي ينبع احترامها من قلبه، وينحرف إلى العواصف التي ترسلها القوى المضادة، بزعم أن فيها خدمة المجتمع وبها حياته.
ولكن الخلود لمن يقف فكره وراحته لخير مجتمعه الذي يلبي حاجة إحساسه ووجدانه ووقته، ثم يخلص عوامل التوجيه من آثار المخلفات الزمنية البالية، ويصونها من العواصف الهوجاء التي تثار حول مجتمعه ابتغاء زلزلته، عن مصدر حياته: عقيدته وإيمانه.
* * *
وليس من شك في أن أول ما يشاد عليه بناء المجتمعات الفاضلة، التي تعرف حقها وواجبها في الحياة، هو «العلم والتعليم».
وقد كان العلم والتعليم بمعناهما الواسع، الذي يتناول ظاهر الحياة وباطنها، ووسيلتهما، وهي محو الأمية، أول لبنة توضع في بناء الشخصية للمجتمعات الإسلامية، ولا أدل على ذلك من أن يجيء أول نداء إلهي لرسول تلك الشخصية:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(257).
وعلى هذا الأساس، نشأ المجتمع الإسلامي، وغاص بفكره في ملكوت السموات والأرض، حتى اقتعد مركز الأستاذية العلمية والتوجيهية في العالم كله، ثم جاءت عهود، أصيب فيها بنكسة في حياته، وشغل القائمون بالأمر فيه، عن متابعة السير في طريق الصون والكمال، وناموا عن العمل في تنمية العلم، وانتقاء الطرق المثلى في التعليم، وكذلك أهمل في تعليمه عنصر التربية والتهذيب، الذي يملك عليه قلبه وضميره، ويحتفظ له بكل الآثار الطيبة التي يرقبها الناس من العلم والتي تحقق فيه رباط الوحدة في الشعور والإحساس والهدف.
جاءت تلك العهود، وامتد بها الوجود، حتى اتصلت بحياتنا الحاضرة، ورأيناها في معاهد العلم والتعليم، وفي ذلك الجو الذي انعقد فيه على رءوس الناس، غبار الفتن السياسية والحزبية، والتنافس على مراكز الحكم، وجدت عوامل الهدم الأجنبية الفرصة سانحة، فأخذت تنفث سمومها الفتاكة في أجهزة المجتمع، من اقتصاد واجتماع، وتربية وعقيدة، وإيمان وأخلاق.
أخذت بإرسالياتها وكتبها وجمعياتها، والأقلام المأجورة في هدم ذلك البناء الشامخ، واقتلاع شخصيته من نفوس أبنائه وورثته، وبذلك فيما بيننا على العلم بمعناه الصحيح، على الرحم العلمي والوطني والإسلامي بين أبناء الأمة، ووقع المجتمع في اضطراب فكري، يتبعه اضطراب عملي، فتزعزعت جوانبه، وتزلزلت أركانه، وكاد يسلم نفسه وحياته.
ولكن الله الغيور على مجتمع التوحيد والإيمان، أسعفه بفتية من أبنائه تفهم نفسها، وتفهم مجتمعها، وتعرف معنى الخلود، وتتلمسه من وجوهه الصادقة فأخذوا بإيمانهم الذي هو من إيمان المجتمع يعملون جاهدين في إنقاذ المجتمع من شر ما نـزل به، أخذوا يبحثون وينقبون، ويستعرضون ويختارون وينفذون، وكان ذلك شأنهم وخطتهم في خدمة المجتمع وتقويمه من كل نواحيه، وكان من ذلك ندوة «العلم والتعليم في خدمة المجتمع»، تدعو إليها وزارة الشئون، ويرأسها وزير التربية والتعليم.
ليس من شك في أن هذه العهود التي أشرنا إليها، وقفت عند حد من العلم والتعليم، لا ينهض بمسايرة مجتمعنا لما حوله من مجتمعات العالم، ومكنت في الوقت نفسه للقوى المضادة، أن تعمل على سلخ شخصيته التي كون عليها من جهة إيمانه وإحساسه، وبذلك وقف وقفة المبهوت الحائر، المتردد بين إيمانه وإحساسه، وبين ما غرسته فيه تلك العهود.
فإذا كنا نريد حقًا أن ننقذ مجتمعنا من هول ما أصيب به، من داخله وخارجه - وهو الذي أعتقده ولا أشك فيه، وهو الذي تقوم الدلائل في كل يوم وفي كل وقت على صدقه، وعلى الإيمان به - فإنه يجب علينا أن نؤمن بأن لكل مجتمع خصائص وشئونًا نفسية وقلبية، عليها نشأ وبها آمن، وأن نؤمن بأن أساس تعليمه المثمرة وخدمته المفيدة، هو ما طبع عليه من تلك الخصائص وتلك الشئون وأنها وحدها هي التي تملي عليه عوامل الثبات والنمو، في سبيل ما يرسم له من مناهج الخير والتقدم.
ولا ريب أن قادة اليوم من صميم المجتمع، شخصيتهم شخصيته، وإيمانهم إيمانه، وإحساسهم إحساسه، وإذن فليس أمامنا ما يعوقنا عن اتخاذ شخصيتنا الخاصة، شخصية الإحساس والإيمان، العنصر الأول في التعليم والتهذيب.
وإني أعتقد أن قادة اليوم، لا يقنعون - بمقتضى إيمانهم - أن يقفوا بهذا العنصر عند منهج التعليم في المرحلة الأولى، هذه المرحلة التي لا يتذوق الطالب فيها طعم شخصيته، ولا يعرفها إلا بكلمات يضطرب معناها ومدلولاتها في ذهنه، ولا يستطيع أن يكون له منها شخصية معنوية، يسير بها في طريق الكمال والنضج.
قادة اليوم يعرفون حق المعرفة، أن القوى المضادة، تعمل من كل جانب في محيطنا المصري على نبذ المبادئ الإيمانية التي تكونت بها شخصيته، ويعرفون حق المعرفة أن الجرائم الخلقية والاجتماعية التي تقع في حياتنا على غير مثال سابق، ونقرؤها في الصحف والمجلات، أوضح مظهر لنجاح هذه القوى المضادة، في ثورتها على شخصيتنا الفاضلة.
وإذا كنا نعرف ذلك حق المعرفة، وصرنا فعلًا إلى حياة الحرية الصادقة، والمسكنة العملية التي ترفع عنا ضغط القوى المضادة في حياتنا الاجتماعية، فقد أصبح لزامًا علينا أن نسير في طريق الكمال التهذيبي، كما نسير في طريق الكمال الاقتصادي والصناعي والسياسي، وبهذا نستطيع من طريق قريب أن نسترد ما فقدناه من عزة وكرامة.
لا ينبغي لنا أن نصيخ إلى تلك الصيحات التي تنطلق من حين إلى آخر في جو مجتمعنا المصري بأسماء خلابة، لها ما وراءها من زلزلة المجتمع في معتقداته وأخلاقه، ثم في انسلاخه عن نفسه، وذوبانه في غيره، هذه الصيحات التي تنطلق كلها باسم المذاهب الحديثة في الاقتصاد والاجتماع والتربية والإيمان، وهي في واقعها تدور كلها حول نقطة واحدة، هي العمل على طرح القيم الأخلاقية، والمبادئ الروحية الإيمانية التي تجعل من الإنسان رقيبًا على نفسه، والتي تلبي طبيعته في الخضوع، للضمير الإيماني الذي يخشاه ويعمل على إرضائه.
إذا صح أن يكون من مذهب الحرية والوجودية والمنفعية، أساس لحياة؛ فهي أساس لحياة أصحابها فقط، أما أنها تكون أساسًا عمليًا لحياة الأمم والجماعات - وخاصة الأمم والجماعات التي تؤمن بشخصيتها، والتي لا تشعر قلوبها بشيء من الخير لهذه المذاهب - فهذا إن أمكن أن يضرب على الأمة بسيف القهر والقوة، فلا يعدو شأنه شأن الإكراه الذي لا يعرف الإخلاص والإيمان، الإكراه الذي به يقع الإنسان في اضطراب وزلزلة، بين ضميره وبين القوة المجردة في وجهه، المسلطة على رأسه.
وهذه حياة لا يمكن أن يقوم عليها مجتمع مثالي فاضل، وهي فوق ذلك معرضة في كل وقت لثورة النفوس عليها، وترقب الفرص التي ترفع عن كاهلها قوى الضغط في سلوك سبيلها كما نعرفه حق المعرفة في شعوب كانت معنا في الشخصية بالأمس، ثم حملها قادتها على غير تلك الشخصية.
إن بناء الحياة على عنصر الإيمان والإحساس الطبيعي الذي خلق الإنسان على تلبيته بصدق وإخلاص، هو ما رسمه الله للإنسان منذ أن دبرت له قوة الشر ما دبرت:{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى. وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ. وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}(258).
هذا هو الأساس الذي يملك باطن الحياة قبل ظاهرها، وهو الذي ينبع من القلب والوجدان، من قبل أن تمر عليهما التيارات العقلية المنحرفة والمتضاربة.
إن وصايا الدين - كما تؤخذ من مصادرها الصحيحة، ومن قبل أن يعبث بها العقل الإنساني، فيصرفها إلى غاية بشرية معينة - لتقف بالإنسان في جميع نواحيه عند حد التوازن والاعتدال، وبذلك يصان المجتمع عن الركود في نموه وتكامله، وعن الطغيان في سلوكه وتصرفه.
وهذا هو ما يرمي إليه الإرشاد الإلهي حينما يقول:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}(259) فالاستقامة ليست سوى الوقوف في مستوى التوازن، والطغيان ليس سوى الانحراف عن هذا المستوى، والركون إلى الظالمين، ليس سوى متابعة أرباب الأهواء والأفكار النادة، الذين يحاولون صرف الناس عن حد التوازن.
إني أتخيل صوتًا يتردد في بعض الصدور، ويكاد يفصح عن نفسه: ما هذا الذي يريدنا الشيخ عليه؟ أيريدنا على أن نطلق للرجل حريته في طلاق زوجه، فتتشرد أبناؤه وبناته وفي تزوجه بأربع، فتلتهم بيته وأسرته، نار العداوة والبغضاء؟ أيريدنا على أن يحال بين الفتى وخطيبته دون أن يتعرف كل منهما خواص صاحبه واتجاهاته؟ أيريدنا على أن تظل البنت في بيت أبيها محرومة من العلم والسعي والعمل، وهي إنسان يحب العلم والمعرفة، ويهفو إلى الأعمال ويحسنها؟
أيريدنا على أن تظل المرأة هضيمة الجناح، تساق إلى بيت الطاعة بالقوة والضغط، وتعطى النصيب الأقل بالنسبة لأخيها وزوجها في التركة والميراث؟ أيريدنا على أن نغلق المصارف المالية، والشركات التعاونية، التي تقوم بضرورات المجتمع وخدماته بما يحقق للناس سعادتهم، ويمكنهم من معيشتهم؟ أيريدنا على ضغط الحرية الشخصية، فلا يسمح للمرأة بحق الاجتماع، ولا بحق الاختلاط ولا بحق الخلوة؟
أيريدنا على أن نحكم بقطع يد السارق، لدارهم معدودة قد تكون الحاجة هي التي دفعته إلى أخذها؟ وأخيرًا أيريدنا على أن نترك مجالسنا الساهرة التي نرفه بها عن أنفسنا، ثم نخلع أحذيتنا وملابسنا، لنتوضأ ونصلي قبل فوات الوقت؟ أيريدنا على أن نغض أبصارنا عن التمتع بالجمال السافر، الذي تتوارد علينا صوره في الطرقات والمجتمعات؟ وهكذا أتخيل هذا الصوت يتردد في صدر صاحبه بهذا وأمثاله، مما نسمع ونقرأ.
وإني لأجمل الرد على هذا الصوت بكلمتين اثنتين:
أولهما: أن هذا الصوت يحمل في طياته القريبة، روح التنكر لما عرف أنه من صميم المبادئ الإلهية، والقيم الأخلاقية، وهو دون شك من هذا الجانب، أثر من آثار نـزعات التحلل، التي تعمل عليها ولها، الأفكار الوافدة الهدامة التي أشرنا إليها، والتي ليس لها في مجتمعنا سوى ضياع الشخصية الإسلامية، التي كان بها لمصر فضل تبنيها والمحافظة عليها، والتي كان بها لمصر فضل صدارتها للعالم الإسلامي وكان بها لمصر أن اتجهت إليها الشعوب الإسلامية، فبعثت بأبنائها لتثقيفهم في أزهرها، وكان بها لمصر أن سدت حاجة الدول الإسلامية كلها إلى أساتذة أزهريين، يقومون في معاهدها بتدريس الشريعة واللغة.
وكان بها لمصر أن لبت الشعوب الإسلامية دعوتها لتكوين مؤتمر إسلامي عام، يبحث في شئونهم، ويجمعهم على أساس موحد، وأخيرًا طاف بحرارتها في النفوس، وقوتها في تلك الشعوب السيد وزير الدولة، وسكرتير المؤتمر الإسلامي، جميع البلدان الإسلامية، للتحدث في شئون المؤتمر، استقبل فيها بالحفاوة البالغة، يعلوها اسم الإسلام، واسم مصر الإسلامية.
أما الكلمة الثانية: فهي أن هذا الصوت قد يكون له عذر إلى حد ما، فإن بعض ما يذكر قد صور بغير واقعه الصحيح في الإسلام؛ وفيه ما لم يشرح بوجهة النظر الإسلامية، وأقولها صريحة:
إن منشأ ذلك ليس إلا ترك المصادر الأولى في استنباط الأحكام ودراستها، والتعلق بالشروح والتفاسير الإنسانية التي اتصلت بالمصادر في عهود الضغط على الفكر الإسلامي، واتخذت هذه الشروح دينًا ونصًا، يجب اتباعه، ويحرم بجانبها أن ننظر، وأن نجتهد في تلك المصادر، التي جاءت على أساس التقبل لكل خير وصلاح، وطرح كل شر وفساد.
وقد شيع بين المسلمين تبريرًا لهذه الوقفة، أن السابقين حللوا المصادر، وطبقوا قواعدها على كل ما يمكن أن يجيء به الزمن، ويحدث من قضايا الناس وحاجاتهم إلى يوم الدين، وبذلك انطوت صحف تلك المصادر، وأصبح المسلمون لا يعرفون منها إلا ما يحكيه أرباب المذاهب والآراء، من الجانب الذي يؤيد مذاهبهم وآراءهم، وأصبحوا كذلك لا يعرفون من دينهم إلا ما دون في الكتب وشاع في الأجيال الماضية على أنه دين وشرع.
وبهذا تهيأ لقوى المعارضة أن تزحف، ولأرباب المذاهب المستحدثة أن يهاجموا، ولأرباب النـزعات التحليلية، أن يجهروا بمبادئهم إن صح تسميتها مبادئ.
هذا والأزهر الذي قام فيما مضى برسالة الثقافة الإسلامية، في العقيدة والتشريع والتهذيب، وتركيز الفكر الإسلامي وتنميته، على أساس من الحرية في الاجتهاد والنظر لمعرفة الصالح، قدا أصابته هو الآخر، ما أصاب غيره، من وجود الضغط وعوامل الركود.
وإذا كنا والحمدلله صرنا إلى عهد الإنقاذ الجاد، فاني أرى علاجًا لهذا الشأن، أن أهم ما يجب أن يتجه إليه، ويبادر بوضع أسس التوجيه فيه خدمة للمجتمع، هو الأزهر، الذي احتل مكانته منذ القدم من قلوب المسلمين جميعًا، فهو وحده الذي يستطيع - إذا هيئت له السبل، ومهد له طريق البحث والتوجيه - أن يعمل على غرس الروح الديني السليم في النفوس وهو وحده - باعتبار مكانته الدينية - الذي يستطيع توجيه المجتمع، ويضم شتات المسلمين في جميع بقاع الأرض، على أساس من الوحدة المثالية، التي يصفها الله بقوله:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ؛ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}(260).
إن آيات القرآن الكريم، وإرشادات النبي صلى الله عليه وسلم - وهما أصل النظام الإلهي الإسلامي - يدفعان المسلمين إلى مسايرة العالم غربيه وشرقيه في علومه الكونية، وفي جميع وسائل الخير والتقدم، بل يلحان ويشتدان في الإلحاح عليهم؛ أن يتفوقوا على من سواهم، في كل ما يتصل بالعزة والكرامة والمجد، حتى أنهما لم يجعلا العزة لمن سواهم، ويلحان في أن يكونوا - كذلك - المثل العليا للبشرية في الأخلاق، والروابط الاجتماعية، التي يقرران مبادئها في كل ناحية، وفي كل مجتمع.
ولا يظن ظان أن أبناء الأزهر غفلوا في تلك الحقبة الطويلة عن ركود الأزهر واطمأنوا إليه، فقد قامت فيه من نصف قرن مضى إلى الآن، ثورات: تعمل على دفعه، وعلى تخليصه من الركود والجمود، تعمل على بسط رسالته، وقيامه بها حق القيام.
كانت ثورة الشيخ محمد عبده، وكانت ثورة الشيخ المراغي في عهده الأول للمشيخة، ولا تزال بيدنا مذكرته الإصلاحية التي يقول فيها بعد كلام طويل، يذكر فيه مهاجمة المذاهب الحديثة للثقافة الإسلامية، ويصف به علماء القرون الأخيرة، ويصف به الكتب الملتزمة، وطرق التدريس المتبعة، ثم يقول: وإني أقرر مع الأسف: أن كل الجهود التي بذلت لإصلاح المعاهد منذ عشرين سنة، لم تعد بفائدة تذكر في إصلاح التعليم. وأقرر أن نتائج الأزهر والمعاهد تؤلم كل غيور على أمته وعلى دينه، وقد صار من الحتم لحماية الدين - أن يغير التعليم في المعاهد، وأن تكون الخطوة إلى ذلك جريئة، ويقصد بها وجه الله.
وعاد الشيخ المراغي إلى مشيخة الأزهر للمرة الثانية ومكث نحو عشر سنوات والحال هو الحال، فتقدم عضو من جماعة كبار العلماء، يحس من الأزهر إحساس الشيخ عليه الرحمة والرضوان، بمقترحات في الإنتاج العلمي، بما يحقق للأزهر رسالته، ثم قدمها بعد ذلك مرات متعددة لمن تولى - بعد فضيلة الشيخ مشيخة الأزهر كما ألقى صاحب المقترحات على الأزهريين أساتذة وطلابًا محاضرة بعنوان «السياسة التوجيهية العلمية في الأزهر»، ثم تحدث فيها عن التركة المثقلة، التي خلفتها العصور المظلمة، واحتملها الأزهر حتى أثقلت كاهله، وها هي ذي لا تزال مطبوعة.
حصل كل هذا، ولكن الأزهر، كما قلنا - ليس إلا ناحية من نواحي الحياة المصرية العامة، التي أصيبت في تلك الفترة كلها بالركود، نتيجة لفساد الحكم، والفتن الحزبية من الداخل، وللضغط الأجنبي من الخارج، ومن هنا ظل الأزهر كسائر المرافق الحيوية، قابعًا في مكانه من حي الدراسة يجاور المقابر، يحضر طلابه متى شاءوا، وينصرفون متى شاءوا ويدرسون من المقررات ما شاءوا، ويتركون منها ما شاءوا.
وقد عرف فضيلة الشيخ المراغي في حياته هذه الحالة، وكتب بها منشورًا جاء فيه: وهناك أمثلة ظاهرة العوار في قراءة المقررات تعلمونها كما أعلم، وتشعرون بأنها أمثلة سيئة، لا يجوز أن تبقى ماثلة.
وعلى الرغم من هذا كله، ظل الأزهر قائمًا على ركوده في البحث والنظر، وعلى خطة الحرية المنحرفة، التي فرضها الطلاب لأنفسهم في الحضور والانصراف، ومقدار ما يدرسون، حتى في عهدنا الحاضر، عهد الإنقاذ، وعامنا الحاضر، عام السكون والدرس في جامعاتنا المصرية، فإنه بينما تفرغ الجامعات من دراسة الفترة الأولى وتؤدي امتحانها في نصف موادها، ثم تشرع في دراسة الفترة الثانية، وتستعد للامتحان بالدرس والتحصيل في آخر العام الدراسي - نرى الأزهر الآن ومن نصف شهر مضى تقريبًا تخلو حلقاته، وحجر دراسته من الطلاب ولم يمض عليهم أكثر من ثلاثة أشهر، وينصرفون إلى بلادهم باسم الاستعداد للامتحان السنوي، وباسم الاستعداد لصوم رمضان!!
ولا أخفي على حضراتكم، أنه حينما أشرقت على بلادنا شمس الثورة المباركة، انقدح في ذهني أن هذا العهد، هو عهد الخطوة الجريئة التي جاءت في المذكرة المراغية لإصلاح الأزهر، ولا أخفي عليكم مرة أخرى، أنه قد حز في نفسي أن أرى أن يد الإصلاح والإنقاذ في هذا العهد تمتد إلى جميع نواحي الحياة - وخاصة النواحي العلمية الجامعية والمدرسية - دون أن أراها تمتد ولو قليلًا إلى الأزهر بأكثر من بضع قرارات، لا أعرف مدى اتصالها بالإصلاح الذي عقدنا الآمال عليه من أول عهود الثورة.
إن الثورة الإصلاحية الموفقة بإذن الله، والتي هيأ الله ظروفها وعواملها لإنقاذ هذا البلد، لا ترضى أن تحتمل في التاريخ، ولا في الشعوب الإسلامية، الإعراض عن الأزهر إلى هذا الحد، ومعاذ الله أن أكون من المتشائمين، وإني لأعتقد أن رجال الثورة يرون أن في العناية بالأزهر الوقاية من الأفكار النادة الهدامة، والوقاية من الأخلاق المقوضة للجماعات.
ومن هنا أرى أن الثورة لابد أن تعالج الأزهر؟ بما يحقق لها أهدافها النبيلة - لا في مصر وحدها - بل في العالم الإسلامي كله، التي كانت منه مصر بفضل الأزهر في مكان الصدارة والقيادة والتوجيه.
إن مهمة الأزهر، لم تكن تخريج مدرسين ومعلمين فقط، وإنما تنتظم في أول ما تنتظم أمرين، هما أهم ما يجب أن يناط بالأزهر، بل هما أساس رسالته، والعنصر الأول الذي يحقق وجوده ومعناه.
أولهما: تخريج علماء مبرزين أرباب بحث واجتهاد سليم، وابتكار مفيد، ونقد سليم في جميع نواحي الفكر الإسلامي، ومن هؤلاء نرى الأئمة، والمصادر التشريعية والأخلاقية الكبرى، الذين يرجع إليهم في معرفة ما هو من الإسلام، وما ليس من الإسلام.
وقد وضع قديمًا في قانون الأزهر - لهذه المهمة - ما عرف باسم «تخصص المادة» لكن أتى عليه هو الآخر في تلك الفترة الماضية ما يأتي على كل حي، فطويت صفحته، ونساه الأزهر والناس.
وثاني المهتمين: تخريج دعاة ومرشدين، أقوياء في العلم والإدراك والتدين، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن الدعوة إلى الله: تقرير الحق، والتضحية في سبيله رائدهم، وتهذيب النفوس وتقويمها هدفهم، وإصلاح البشرية وتوجيهها إلى ما يسعدها أقصى ما يبتغون.
ومن هنا يتضح لنا أن الأزهري، ليس فقط أستاذ فصل أو فرقة، وإنما هو قبل ذلك أستاذ علم وبحث، وأستاذ دعوة وإرشاد، وبذلك كانت مدرسته الشعب كله، والعالم الإسلامي كله، وكان طلابه المسلمين في جميع بقاع الأرض بكل طبقاتهم، وبكل لغاتهم وأجناسهم وأقطارهم.
هذا هو الأساس الذي يجب أن يشاد عليه صرح الأزهر.
* * *
قد شع من الشرق على العالم كله نور أحيا القلب الإنساني وأرشد الحائر، وهدى الضال، وقد تجمعت منابعه في مصر، وأصبحت مصر بفضل الأزهر الذي تلقى تراث الفكر الإسلامي مسئولة عن إعادة هذا النور إلى الشرق كله بل إلى العالم أجمع، وقد تضاعفت مسؤوليتها حين هيأ الله لها عوامل الإنقاذ بثورتها.
وإن العالم الآن ليسوده طغيان المادة في جميع جوانبه، ويسوده التعصب الجنسي، أو الطائفي في كثير من هذه الجوانب، وكلا الأمرين - طغيان المادة والتعصب - من أقوى أسباب التناكر والتخاذل، والتناكر والتخاذل سببان قويان لما يتقلب العالم اليوم في جمره من ويلات شديدة متلاحقة.
ولا منقذ لنا من هذا الشر المستطير إلا بأن يتضامن الشرق مبعث الهدى والنور، على تركيز الروح الديني في النفوس، وإنماء الناحية المعنوية في العالم، ويومئذ تكون ثورتنا قد وصلت إلى هدفها من تكوين مجتمع شرقي إسلامي فاضل، له قلبه النابض وروحه الحي.
هذا هو ما أردت أن يكون نصيبي، في هذه الندوة المباركة، أضعه بين يدي رجال التوجيه والقيادة، وأرجو أن أكون قد أبرأت به ذمتي، وأديت أمانتي، والله المستعان وإليه المصير.



فهـــــرس

صحيفة
المقدمة............................................................................ 3
أساس الإسلام في رباط المجتمع....................................................... 5
التبتل في نظر الإسلام............................................................. 8
التكالب على الدنيا............................................................... 11
الروحية المهذبة................................................................... 15
الإسلام دين العقل والعلم.......................................................... 25
مكانة العلم في نظر القرآن......................................................... 32
الوقاية من الأمراض في نظر الإسلام................................................ 35
عود على بدء.....................................................................
التضامن الاجتماعي في نظر الإسلام................................................ 38
الأموال في نظر الإسلام........................................................... 42
التضامن المادي في نظر الإسلام.................................................... 46
أساليب القرآن في الدعوة إلى الإنفاق............................................... 52
التسول في نظر الإسلام............................................................ 55
استغلال حاجة في نظر الإسلام................................................. 58
الدين والاجتماع................................................................. 62
العبادات الإسلامية................................................................ 65
الإسلام وعنايته باليتيم............................................................. 69
كيف نحيي العمل بالإسلام........................................................ 72
الإسلام يدعو إلى التقدم........................................................... 75
خير السبل لتوحيد كلمة المسلمين.................................................. 80
الأعمال وأساس قبولها عند الله..................................................... 83
الابتداع في الدين................................................................. 87
التعاليم المحمدية واتصالها بالكون................................................... 90
عظمة محمد صلى الله عليه وسلم.................................................. 94
القرية السعيدة................................................................... 97
نتائج ميلاد الرسول عليه السلام.................................................. 101
ندوة العلم والتعليم في خدمة المجتمع............................................... 105
(1) البقرة: 2.
(2) الأنعام: 92.
(3) الأنعام: 153.
(4) يونس: 57، 58.
(5) هود: 1.
(6) الإسراء: 9.
(7) وفي سبيل الاحتفاظ بهذا المبدأ الذي يوحد بين البشرية في العقيدة والوجهة طلب القرآن التضحية بالنفس والمال والأهل والولد والجنسية وجعل إيثار شيء من ذلك محادة لله ولرسالاته التي بعث لتبليغها كل رسله وأنزل ببيانها كل كتبه ولتقرأ ذلك في آيات التضحية الواردة في القرآن الكريم.
وفي سبيله أيضاً ألغى أخوة النسب إذا لم تشد أزرها أخوة الإيمان ومنع التوارث بين المؤمن وغير المؤمن وفرق بينهما في كثير من الأحكام التي كانت سبباً للقرابة الطبيعية.
(8) آل عمران: 101.
(9) الحجرات: 13.
(10) الإسراء: 9.
(11) الحديد: 20.
(12) الأنعام: 32.
(13) الذاريات: 56.
(14) البقرة: 200، 201.
(15) الحديد: 27.
(16) النحل: 10، 11.
(17) النحل: 14.
(18) الملك: 15.
(19) التكاثر.
(20) الكهف: 34 – 36.
(21) الكهف: 42.
(22) القصص: 81.
(23) هود: 15، 16.
(24) البقرة: 138.
(25) ق: 6 – 11.
(26) البقرة: 163، 164.
(27) آل عمران: 190، 191.
(28) البقرة: 132.
(29) الشورى: 13.
(30) النجم: 43 – 62.
(31) الكهف: 101.
(32) طه: 124.
(33) الكهف: 28.
(34) المؤمنون: 51.
(35) البقرة: 172.
(36) المائدة: 93.
(37) الأعراف: 26.
(38) الأعراف: 31، 32.
(39) الأعراف: 31.
(40) البقرة: 190.
(41) النحل: 114.
(42) آل عمران: 191.
(43) الأنبياء: 16 - 18.
(44) البقرة: 29.
(45) لقمان: 20.
(46) الجاثية: 12.
(47) ص: 36.
(48) سبأ: 10.
(49) سبأ: 12.
(50) الحديد: 25.
(51) الشمس: 1 – 8.
(52) العاديات: 1 – 5.
(53) النحل: 5.
(54) الأنعام: 141.
(55) النحل: 14.
(56) فاطر: 27.
(57) النحل: 72.
(58) النحل: 83.
(59) الأعراف: 179.
(60) العنكبوت: 50، 51.
(61) الملك: 10.
(62) آل عمران: 18.
(63) فاطر: 28.
(64) الأنعام: 148.
(65) يونس: 36.
(66) النجم: 28.
(67) الإسراء: 36.
(68) غافر: 35.
(69) غافر: 56.
(70) البقرة: 170.
(71) المائدة: 104.
(72) الأعراف: 28.
(73) البقرة: 30 – 33.
(74) الأنعام: 165.
(75) الحديد: 7.
(76) ص: 26.
77)) العلق: 1 – 5.
(78) القلم: 1، 2.
(79) الزمر: 9.
(80) آل عمران: 110.
(81) سورة البقرة: 222.
(82) الفاتحة: 2، 3.
(83) آل عمران: 101.
(84) البقرة: 138.
(85) العصر.
(86) الأعراف: 32.
(87) المائدة: 93.
(88) البقرة: 277. وهي مكررة في القرآن.
(89) الملك: 15.
(90) البقرة: 198.
(91) الحج: 27، 28.
(92) البقرة: 220.
(93) البقرة: 160.
(94) النساء: 35.
(95) التكاثر.
(96) الأعراف: 179.
(97) فاطر: 28.
(98) المجادلة: 11.
(99) سبأ: 6.
(100) الحجرات: 10.
(101) آل عمران: 103.
(102) التوبة: 11.
(103) المجادلة: 22.
(104) الحشر: 10.
(105) العنكبوت: 13.
(106) آل عمران: 110.
(107) آل عمران: 4.
(108) التوبة: 122.
(109) النساء: 66 – 68.
(110) الزمر: 18.
(111) المائدة: 78، 79.
(112) هود: 116.
(113) البقرة: 206.
(114) النساء: 61.
(115) المنافقون: 5.
(116) الأنفال: 24.
(117) قريش.
(118) عبس: 24 – 32.
(119) الحديد: 25.
(120) الأعراف: 26.
(121) النمل: 44.
(122) الجمعة: 9.
(123) الجمعة: 10.
(124) الملك: 15.
(125) الفرقان: 67.
(126) الإسراء: 29.
(127) البقرة: 188.
(128) النساء: 160، 161.
(129) الحديد: 7.
(130) النور: 33.
(131) البقرة: 188.
(132) النساء: 5.
(133) البقرة: 29.
(134) البقرة: 188.
(135) النساء: 5.
(136) التغابن: 16.
(137) آل عمران: 180.
(138) النساء: 37.
(139) التوبة: 34، 35.
(140) البقرة: 195.
(141) الإسراء: 27.
(142) الإسراء: 29.
(143) النساء: 5، 6.
(144) هود: 27.
(145) هود: 29، 30.
(146) الأنعام: 52.
(147) سبأ: 34 - 39.
(148) الأنبياء: 11 - 15.
(149) الواقعة: 41 – 45.
(150) البقرة: 3.
(151) البقرة: 177.
(152) الأنفال: 3.
(153) الأنفال: 4.
(154) النساء: 39.
(155) الحجرات: 15.
(156) البلد: 11 – 18.
(157) الماعون.
(158) المدثر: 42.
(159) المدثر: 43 – 46.
(160) البقرة: 245.
(161) البقرة: 261، 262.
(162) البقرة: 265.
(163) البقرة: 177.
(164) الأنفال: 75.
(165) الإسراء: 26.
(166) النساء: 36.
(167) الماعون: 3.
(168) البقرة: 177.
(169) المدثر: 44.
(170) التوبة: 60.
(171) التوبة: 58.
(172) البقرة: 273.
(173) البقرة: 275.
(174) البقرة: 278، 279.
(175) الأعراف: 170.
(176) الحج: 27، 28.
(177) البقرة: 183.
(178) البقرة: 5.
(179) البقرة: 177.
(180) طه: 14.
(181) العنكبوت: 45.
(182) المعارج: 19 - 22.
(183) مريم: 59.
(184) الأنفال: 29.
(185) الضحى: 6.
(186) الضحى: 9.
(187) الماعون: 1، 2.
(188) الأنعام: 152.
(189) البقرة: 220.
(190) النساء: 2.
(191) النساء: 6.
(192) النساء: 9، 10.
(193) آل عمران: 104.
(194) النساء: 123.
(195) الإسراء: 9.
(196) الإسراء: 105، 106.
(197) المائدة: 3.
(198) الحديد: 25.
(199) البقرة: 29.
(200) الحديد: 16، 17.
(201) الأنعام: 153.
(202) هود: 112، 113.
(203) آل عمران: 103.
(204) الأنفال: 46.
(205) التوبة: 128.
(206) النحل: 128.
(207) البقرة: 16.
(208) النساء: 114.
(209) البقرة: 265.
(210) البقرة: 220.
(211) ص: 35.
(212) سبأ: 13.
(213) الأنعام: 138.
(214) الأنعام: 159.
(215) الزمر: 28.
(216) العنكبوت: 63.
(217) يونس: 12.
(218) البقرة: 29.
(219) لقمان: 21.
(220) النحل: 14.
(221) ص: 36.
(222) سبأ: 10.
(223) سبأ: 12.
(224) الحديد: 25.
(225) الشمس: 1 - 8.
(226) العاديات: 1 - 3.
(227) النجم: 4، 5.
(228) الأعراف: 158.
(229) الأحزاب: 40.
(230) الكهف: 10.
(231) القصص: 68.
(232) آل عمران: 33.
(233) القدر: 3.
(234) البقرة: 185.
(235) طه: 11 - 13.
(236) الإسراء: 1.
(237) إبراهيم: 35.
(238) البقرة: 144.
(239) آل عمران: 97.
(240) البقرة: 129.
(241) الفتح: 24.
(242) آل عمران: 96، 97.
(243) الشورى: 7.
(244) التين: 1 – 3.
(245) البلد: 1، 2.
(246) المجادلة: 21.
(247) الحديد: 16.
(248) الإسراء: 9.
(249) آل عمران: 164.
(250) الفاتحة: 2 – 5.
(251) الأنعام: 1.
(252) الأنعام: 102.
(253) يونس: 35.
(254) النساء: 9.
(255) الحجرات: 13.
(256) فاطر: 15 – 17.
(257) العلق: 1 – 5.
(258) طه: 123 – 127.
(259) هود: 112، 113.
(260) آل عمران: 110.
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------



3  www.alukah.net




2   www.alukah.net