Advertisement

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة 001



الكتاب: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
المؤلف: محمد راتب النابلسي
الناشر: دار المكتبي - سورية - دمشق - الحلبوني - جادة ابن سينا.
الطبعة: الثانية 1426 هـ - 2005 م.
عدد الأجزاء: 2
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] ـ[موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة]ـ
المؤلف: محمد راتب النابلسي.
الناشر: دار المكتبي - سورية - دمشق - الحلبوني - جادة ابن سينا.
الطبعة: الثانية 1426 هـ - 2005 م.
عدد الأجزاء: 2
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
(/)

المقدمات
الإعجاز
إنّ اللهَ خلَقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ، وكرّمه أعظمَ تكريم، وسخّر له الكونَ تسخيرَ تعريفٍ وتفضيلٍ، ووهبَه نعمةَ العقلِ، وفطَرَه فطرةً تنزعُ إلى الكمالِ، وأودعَ فيه الشهوات ليرقى بها صابراً أو شاكراً إلى ربّ الأرضِ والسماواتِ، ومنحَه حريّةَ الإرادةِ ليجعلَ عملَه ثميناً، وأنزلَ كُتباً أحلّ له فيها الطيباتِ، وحرّم عليه الخبائثَ، كلُّ ذلك ليعرفَ ربّه فيعبدَه، ويسعدَ بعبادتِه في الدنيا والآخرةِ.
إنّ الحقَّ لابَسَ خلْقَ السماواتِ والأرضِ، وهو الشيءُ الثابتُ، والهادفُ، بخلافِ الباطلِ، فإنه الشيءُ الزائلُ والعابثُ، إنّ الحقَّ دائرةٌ تتقاطعُ فيها أربعةُ خطوطٍ؛ خطُّ النقلِ الصحيحِ، وخطُّ العقلِ الصريحِ، وخطُّ الفطرةِ السليمةِ، وخطُّ الواقعِ الموضوعيِّ، فالنقلُ الصحيحُ كلامُه سبحانه وتعالى، مع بيانِ المعصومِ صلى الله عليه وسلم، والعقلُ الصريحُ ميزانٌ مِن خَلْقِ اللهِ أودعه اللهُ في الإنسانِ ليتعرّفَ من خلاله إلى الله، والفطرةُ ميزانٌ آخرُ متطابِقٌ مع الشرعِ الإلهيِّ، وهو مركوزٌ في أصلِ كيانِ الإنسانِ ليكتشفَ من خلالها خطأَه، والواقعُ خَلْقُ الله تحكُمُهُ القوانينُ التي قنّنها اللهُ جلّ جلاله، فإذا كانت هذه الفروعُ الأربعةُ من أصلٍ واحدٍ فهي متطابقةٌ فيما بينها.
يقومُ دِين الله بشرائِعه المتعددةِ على أصلين لا ثالثَ لهما، قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون} [الأنبياء: 25] .
فالأصلُ الأولُ: معرفةُ اللهِ موجوداً، وواحداً، وكاملاً، وهو ذو الأسماءِ الحسنى والصفاتِ العلا، (وهذا هو التوحيد) ، والأصلُ الثاني: معرفةُ منهجه من أجْلِ عبادته التي هي علّةُ وجودِ الإنسانِ، وهي طاعةٌ طوعيةٌ، ممزوجةٌ بمحّبةٍ قلبيةٍ، أساسُها معرفةٌ يقينيةٌ، تُفضِي إلى سعادةٍ أبديةٍ، (وهذه هي العبادةُ) ... فالتوحيدُ قمّةُ العلمِ، والعبادةُ قمّةُ العملِ.
(1/1)

إنّ اللهَ جَلَّ جلالُه خلَقَ الكونَ بسماواتِه وأرضِه، وخلَق العوالمَ، وعلى رأسِها الإنسانُ وَفْقَ أنظمةٍ بالغةِ الدّقةِ، ومِن أبرزِ هذه الأنظمةِ نظامُ السّببيةِ، وهو تلازمُ شيئين وجوداً وعدماً، أحدُهما قَبْلَ الآخر، فنسمِّي الأولَ سبباً، ونسمِّي الثانيَ نتيجةً، وممّا يكمِّلُ هذا النظامَ الرائعَ أنّ العقلَ البشريَّ يقومُ على مبدإِ السببيّةِ، أي إنّ العقلَ لا يفهمُ حدثاً من دونِ سببٍ، ومن رحمةِ اللهِ بنا أنّ هذا النظامَ في الكونِ، وذلك المبدأَ في العقلِ يقودُنا برفقٍ إلى معرفةِ اللهِ مسبِّبِ الأسبابِ، الأقدامُ تدلُّ على المسيرِ، والماءُ يدلُّ على الغديرِ، أفسماءٌ ذاتُ أبراجٍ، وأرضٌ ذاتِ فِجاجٍ، ألا تدلاَّنِ على الحكيمِ الخبيرِ؟.
ومِن رحمةِ الله بنا أيضاً أنّ تلازُمَ الأسبابِ مع النتائجِ يُضفي على الكونِ طابعَ الثباتِ، ويمهِّدُ الطريقَ لاكتشافِ القوانينِ، ويعطي الأشياءَ خصائصَها الثابتةَ ليسهُلَ التعاملُ معها، ولو لم تكن الأسبابُ متلازمةً مع النتائجِ، ولو لم تكن النتائجُ بقدْرِ الأسبابِ لأخذَ الكونُ طابعَ الفوضى والعبثِيّةِ، ولَتَاهَ الإنسانُ في سبُلِ المعرفةِ، ولم ينتفعْ بعقلِه، لكن من اعتقدَ أنّ الأسبابَ وحدَها تخلُق النتائجَ، ثمّ اعتمدَ على الأسبابِ وحدها فقدْ أشركَ، لذلك يتفضَّل اللهُ على هذا الإنسانِ الذي وقعَ في الشركِ الخفيِّ فيؤدِّبُه بتعطيلِ فاعليةِ الأسبابِ التي اعتمدَ عليها، فيُفاجَأ بنتائجَ غيرِ متوقّعةٍ، ومَن تركَ الأخذَ بالأسبابِ متوكِّلاً - في زعْمهِ - على اللهِ فقد عصَى، لأنه لم يعبأْ بهذا النظامِ الذي ينتظمُ الكون، ولأنه طمعَ - بغيرِ حقٍّ - أن يخرِقَ اللهُ له هذه السننَ، أمّا المؤمنُ الصادقُ فيأخذُ بالأسبابِ دونَ أنْ يعتقدَ أنّها تصنعُ النتائجَ، وبالتالي دونَ أنْ يعتمدَ عليها، يأخذُ بها، وكأنّها كلُّ شيءٍ، ويعتمدُ على اللهِ، وكأنّها ليست بشيءٍ، معتقداً أنه ما شاء اللهُ كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنّ الأسبابَ وحدها لا تقودُ إلى النتائجِ إلا بمشيئةِ اللهِ، وهذا هو التوحيدُ الإيجابيُّ الذي يغيبُ عن كثيرٍ من المؤمنين، فضلاً عن غيرِ المؤمنين، قال تعالى:
(1/2)

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] .
لكنَّ هذا النظامَ نظامَ السببيةِ يُخرَقُ أحياناً ... متى وكيف؟
حينما يأتي إنسانٌ ويقول: إنّه رسولٌ مِن عندِ الله جاءَ ليبلِّغَ منهجَ الله فلا بدَّ مِن أنْ يطالبَه الناسُ ببرهانٍ على أنه رسولُ الله، وعلى أنّ الكتابَ الذي جاء به هو مِن عندِ الله، وهنا تأتي المعجزةُ لتكونَ برهاناً على صدقِ إرسالِ النبيِّ، ومصداقيةِ منهجِه، والمعجزةُ في بعضِ تعاريفِها خرقٌ لنواميسِ الكونِ ولقوانينِه، ولا يستطيعُها إلا خالقُ الكونِ، لأنه هو الذي وضعَ القوانينَ والنواميسَ، يعطيها لرُسُلهِ لتكونَ برهاناً على صدْقِهم في إرسالهِم، وصدقِهم في إبلاغِهم عن ربِّهم، والمعجزةُ مُمكِنةٌ عقلاً غيرُ مألوفة عادةً، فهناك فرقٌ بين أنْ يحكُمَ العقلُ على شيء باستحالتِه، وأنْ يعلنَ عجزَه عن فهمِ هذا الشيءِ، فعدمُ العلمِ بالشيءِ لا يلزم العلمَ بعدمِه.
ولكنْ لا معنى للحديثِ عن المعجزاتِ التي هي خرقٌ للنواميسِ والعاداتِ، وعن جزئياتِها، وعن وقوعِها، أو توهُّمِها، إذا كان أصلُ الدِّينِ الذي يتلخّصُ في الإيمانِ بالله، موجوداً، وواحداً، وكاملاً، والإيمانُ أنّه بكلِ شيءٍ عليمٌ، وعلى كل شيء قديرٌ، وفعّالٌ لِمَا يريدُ، إذا كان هذا الأصلُ محلَّ إنكارٍ أو شكٍّ فلا معنى للحديثِ عن المعجزاتِ أصلاً، فالناس يخاطبُون عادةً بأصولِ الدِّين، والمؤمنون يخاطَبون بفروعِ الدينِ، والحديثُ عن المعجزاتِ من فروعِ الدينِ، فإذا كان الأصلُ مهتزًّا فلا جدوى من الحديثِ عن المعجزاتِ.
(1/3)

ثم إنّ الكونَ بمجرّاتِه وكازاراتهِ، بكواكِبه ومذنّباتِه، بالمسافاتِ البَيْنِيةِ، والسرعاتِ الضوئيةِ، بحجومِ النجومِ، بدورانِها، وتجاذبِها، وإنّ الأرضَ بجِبالِها، ووديانِها، وسهولِهَا، وقفارِها، ببحارِها، وبحيراتِها، بينابيعِها، وأنهارِها، بحيواناتِها، ونباتاتِها، بأسماكِها، وأطيارِها، بمعادنِها، وثرواتِها، وإنّ الإنسانَ بعقلِه، وعاطفتِه، وأعضائِه، وأجهزتِه، بفطرتِه، وطباعِه، بزواجِه، وذريّتِه؛ هذه كلُّها معجزاتٌ، وأيّةُ معجزاتٍ، وبكلامٍ مُجمَلٍ: الكونُ بسماواته وأرضِه هو في وضْعِه الراهنِ، من دونِ خرْقٍ لنواميسِه، ومن دونِ خروجٍ عن نظامِه، هو في حدِّ ذاتِه معجزةٌ، وأيّةُ معجزة! والدليلُ قولُه تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190-191] .
غيرَ أنّ الإنسانَ لانهماكِه بمشاغلِه، وغفلتِه عن خالقِه، ولطُولِ أُلْفَتِهِ لِمَا حولَه ينسَى وجْهَ الإعجازِ في الكونِ، ويغفلُ عن عظمةِ الخالقِ فيما خَلََقَ، فيحسبُ جهلاً منه، وغروراً أنّ المعجزةَ هي تِلْكُمُ التي تخالِفُ ما أَلِفَه واعتادَه، ثم يمضي هذا الإنسانُ الجاهلُ فيتّخذُ ممّا أَلِفَه واعتاده مقياساً لإيمانِه بالأشياءِ، أو كفْرِه بها، وهذا جهلٌ عجيبٌ في الإنسانِ، على الرّغمِ مِن ارتقائِه في مدارجِ المَدَنيَّةِ والعلمِ، فتأمّلٌ يسيرٌ مِن الإنسانِ يوضحُ له بجلاءٍ أنّ الخالقَ جلّ وعلا الذي خَلَق هذه الكونَ المعجزَ ليس عسيراً عليه أنْ يزيدَ فيه معجزةً أخرى، أو أن يبدِّلَ، أو أن يغيِّرَ في بعضِ أنظمتِهِ التي خلَق العالَمَ وَفْقَهَا.
(1/4)

يقول بعضُ العلماءِ الغربيّين: "القدرةُ التي خَلَقت العالَمَ لا تعجزُ عن حذفِ شيءٍ منه، أو إضافةِ شيءٍ إليه، ولو لم يكن هذا العالَمُ موجوداً"، ولو قيل لرجلٍ ممّن ينكر المعجزاتِ والخوارقَ: "سيُوجَد عالَمٌ صفتُه كذا وكذا، فإنه سيجيبُ فوراً: هذا غيرُ معقولٍ، ولا متصوَّر، ويأتي إنكارُه هذا أشدَّ بكثير من إنكارِ بعضِ المعجزاتِ".
والشيءُ المهمُّ هنا أن نعلمَ أنّ الرُّسلَ السابقين بُعِثوا لأقوامهم ليس غير، فكانت معجزاتُهم حسيّةً محدودةً بالزمانِ والمكانِ الذي بُعِثوا فيه، إذنْ معجزاتُهم كتألُّقِ عودِ الثّقابِ، وقعتْ مرةً واحدةً، وأصبحتْ خبراً يصدِّقُه مَن يصدِّقه، ويكذِّبه مَن يكذِّبه.
أمّا نبيُّنا محمّد صلى الله عليه وسلم، الذي هو خاتَمُ الأنبياءِ والمرسلين، وأُرسِلَ إلى الناسِ كافةً بشيراً ونذيراً، فينبغي أنْ يكونَ مِن معجزاتِه ما هو مستمِرٌّ، ولذلك كانت آياتُ الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسُّنةِ معجزةً علميةً نَصّيَّةً.
ففي القرآنِ الكريمِ ألفٌ وثلاثُمئة آيةٍ تتحدّثُ عن الكونِ، وعن خَلقِ الإنسانِ، وهذه الآياتُ تقتربُ مِن سدُسِ القرآنِ، وإذَا كانَت آياتُ الأمرِ تقتضِي الطاعةَ، وآياتُ النهيِ تقتضي التركَ، فماذا تقتضِي آياتُ الكونِ؟ إنها تقتضي التفكُّرَ، لذلك وردَ في الأثرِ: "تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ".
ولحكمةٍ إلهيةٍ بالغةٍ لم يفسِّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الآياتِ؛ إمّا باجتهادٍ منه، أو بتوجيهٍ مِن اللهِ جلّتْ حكمتُه، لأنّه لو فسَّرها على نحوٍ يناسِبُ فهْمَ مَن حَوْله لأنكرَ هذا التفسيرَ مَن سيأتي بَعْدَه، ولو فسّرها تفسيرًا يفهمُه مَن سيأتي بَعْده لاستَغْلقَ هذا التفسيرُ على مَن حَوْله.
لذلك تُرِكتْ هذه الآياتُ للعصورِ اللاّحقةِ، ليكشفَ التقدُّمُ العلميُّ في كلّ عصرٍ جوانبَ الإعجازِ فيها، وبهذا يكونُ القرآنُ الكريمُ، بما فيه من آياتٍ كونيةٍ معجزةً مستمرّةً إلى يومِ القيامةِ.
(1/5)

العلم
والعلمُ كما يَرَى بعضُ العلماءِ؛ علمٌ باللهِ، وعلمٌ بأمرِه، وعلمٌ بخَلْقه، أو علمٌ بالحقيقةِ، وعلمٌ بالشريعةِ، وعلمٌ بالخليقةِ، والعلمُ باللهِ أصلُ الدِّينِ، والعلمُ بأمْرِه أصلُ العبادةِ، والعلمُ بخَلْقِهِ أصلٌ في صلاحِ الدنيا.
لقد دعا الإسلامُ إلى العلمِ بالله، من خلالِ التفكُّرِ في خَلقِ السماواتِ والأرضِ، حيث تَتَابَعَ الأمرُ به في سُوَرِ القرآنِ، وعُدَّ الأساسَ الأولَ لبناءِ دعائمِ العقيدةِ والإيمانِ.. قال تعالى:
{فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب} [الطارق: 5-7] .
وقال تعالى:
{فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً} [عبس: 24-30] .
وقال أيضاً:
{أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17-20] .
وقال تعالى: {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .
(1/6)

والتفكّرُ في خَلقِ السماوات والأرضِ نوعٌ من العباداتِ، بل هو مِن أرقى العباداتِ، ففي صحيح ابن حبان عن عطاء أنّ عائشة رضيَ الله عنها قالت: " ... أَتَانِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي لَيْلَتِي، وَقَالَ: ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَقَامَ إِلَى القِرْبَةِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ سَجَدَ حَتَّى بَلَّ الأَرْضَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَىَ جَنْبِهِ، حَتَّى أَتَى بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلاَةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا يُبْكِيكَ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا بِلاَلُ، وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْكِيَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب} ".
انظرْ إلى الشمسِ، وَسَلْ مَن رَفَعَها ناراً، ومن نَصبَها مناراً، ومن ضَرَبها ديناراً، ومَن علّقها في الجوّ ساعةً، يَدِبُّ عقربَاها إلى قيامِ السّاعةِ، ومَن الذي آتاها مِعراجَها، وهَداها أدراجَها، وأحلّها أبراجَها، ونقَّلَ في سماءِ الدنيا سِراجَهَا، الزمانُ هي سببُ حصولِه، ومنشعبُ فروعِه وأصولهِ، وكتابهِ وفصولهِ، لولاها ما اتّسَقتْ أيّامُه، ولا انتظمتْ شهورُه وأعوامُه، ولا اختلف نورُه وظلامُه، ذهبُ الأصيلِ مِن مناجِمِهَا، والشفقُ يسيلُ مِن محاجمِها، تحطّمتِ القرونُ على قرنِها، ولم يَمْحُ التقادمُ لمحةَ حُسْنِها.
لقد صدق اللهُ العظيمُ إذ يقولُ:
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق} [فصلت: 53] .
(1/7)

وانظرْ إلى القلبِ، في فعلِه وأثرِه، وغرضِه ووطرِه، وقدْرِه وقَدَره، وحيطانِه وجُدُره، ومنافذِه وحُجِرِه، وأبوابِه وسُتُرِه، وكهوفِه وحفرِه، وجدولِه وغديرِه، وصفائِه وكدَره، ودأْبِه وسهرِه، وصبرِه وحذرِه، وعظيمِ خطرِه، لا يغفلُ ولا يغفو، ولا ينسى ولا يسهو، ولا يعثر ولا يكبو، ولا يخمدُ ولا يخبو، ولا يملّ ولا يشكو، وهو دائبٌ صبور، بأمرِ الذي أحسنَ خِلقَتَه، وأعدَّ له عُدّته، وأوقد فيه جَذوتَه، وقدّر له أجَلَه ومدّته، يعمل من دونِ راحةٍ، ولا مراجعةٍ ولا توجيه.
لقد صدق اللهُ العظيمُ إذ يقولُ:
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق}
وانظر مع سيّدنا علي رضي اللهُ عنه.. (انظرْ إلى النملةِ في صِغرِ جثّتِها، ولطافةِ هيئتِها، لا تكادُ تُنالُ بلَحْظِ البصرِ، ولا بمُستدرَكِ الفِكَرِ، كيفَ دبّتْ على أرضِها، وصُبَّتْ على رِزقِها، تنقلُ الحبّةِ إلى جُحرِها، وتعدُّها في مستقرِّها، تجمع في حرّها لبَرْدِها، وفي وِرْدِها لصَدرِها، مكفولةٌ برِزقها، مرزوقةٌ بوسقِها، لا يغفلُها المنَّان، ولا يحرمُها الدَّيَّان، ولو في الصفا الوابدِ، والحجرِ الجامدِ، ولو فكّرتَ في مجاري أكْلِها، في عُلْوِها وسُفلِها، وما في الجوفِ من شراسيفِ بطْنِها، وما في الرأسِ من عَينِها وأذنِها، لرأيتَ من خَلْقها عجباً، ولقيتَ من وَصفِها تعباً، فتعالى الذي أقامها على قوائمِها، وبناها على دعائمِها، لم يشرِكْه في فِطرتها فاطرٌ، ولم يُعِنْهُ على خَلْقها قادر) .
لقد صدق اللهُ العظيمُ إذ يقولُ:
{وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] .
هذا عن العلمِ باللهِ، علمِ الحقيقةِ، فماذا عن العلمِ بأمرِ اللهِ، علمِ الشريعةِ؟
(1/8)

إنّ الإنسانَ إذا تفكّر في خَلقِ السماواتِ والأرض، فعرفَ اللهَ خالقاً ومربّياً ومسيّراً، وعرفَ طَرفاً من أسمائِه الحسنى، وصفاتِه الفضلى، يشعرُ بدافعٍ قويٍّ إلى التقربِ إليه مِن خلالِ امتثالِ أمْرِه، واجتنابِ نهْيِه، عندها يأتي علمُ الشريعةِ ليبيّنَ أمْرَ اللهِ ونهيَه، في العباداتِ والمعاملاتِ والأخلاقِ.
والشريعةُ عدْلٌ كلُّها، ورحمةٌ كلُّها، ومصالحُ كلُّها، وحكمةٌ كلُّها، فكلُّ مسألةٍ خرجتْ عن العدلِ إلى الجورِ، وعن الرحمةِ إلى ضدّها، وعن المصلحةِ إلى المفسدةِ، وعن الحكمةِ إلى العبثِ، فليست من الشريعةِ، وإن أُدخِلَتْ عليها بألْفِ تأويلٍ وتأويلٍ.
قال عليه الصلاةُ والسلامُ فيما رواه البخاري في صحيحه: "مَنْ يُرِدُ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ".
بقي علمُ الخليقةِ، لقد دعا الإسلامُ إلى العلمِ بطبائعِ الأشياءِ وخصائصِها، والقوانينِ التي تحكمُ العلاقةَ بينَها، كي نستفيدَ منها، تحقيقاً لتسخيرِ اللهِ جلّ وعلاَ الأشياءَ لَنا.. قال تعالى:
{أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20] .
{وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] .
وتعلُّم العلومِ الماديةِ يحقِّق عمارَة الأرضِ عن طريقِ استخراجِ ثرواتِها، واستثمارِ طاقاتها، وتذليلِ الصعوباتِ، وتوفيرِ الحاجاتِ، تحقيقاً لقوله تعالى:
{وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إلاه غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [هود: 61] .
وتعلُّمُ العلومِ الماديّةِ، والتفوُّقُ فيها قوّةٌ، يجبُ أنْ تكونَ في أيدي المسلمين، ليجابِها أعداءَهم، أعداءَ الحقِّ والخيرِ والسلامِ، وتحقيقاً لقوله تعالى:
{وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] .
(1/9)

ولأنّ قوةَ هذا العصرِ في العلمِ، بلِ إنّ الحربَ الحديثةَ ليست حرباً بين سَاعِدَيْن، بل هي حربٌ بين عَقْلَيْنِ، فينبغي أنْ يكونَ المسلمُ قويًّا، لأنّ الحقَّ الذي يحملُه يحتاجُ إلى قوّةٍ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ".

في القرآن والسنة
إنّ معجزةَ القرآنِ العلميةَ لتظهَرُ لأهلِ العلمِ في كلِّ مجالٍ من مجالاتِه، فهي ظاهرةٌ في نَظْمه، وفي إِخبارِه عن الأوّلِين، وفي إنبائِه بحوادثِ المستقبلِ، وفي ظهورِ حِكَمِ التشريعِ وغيرِها، ولقد شاعَ مصطلحُ الإعجازِ العلميِّ في عصرِنا، للدَّلاَلةِ على أَوْجُهِ الإعجازِ في القرآنِ والسُّنةِ، والتي كشفتْ عنها العلومُ الكونيةُ، والمعجزةُ في اصطلاحِ العلماءِ: أمرٌ خارِقٌ للعادةِ، مَقرونٌ بالتحدِّي، سالِمٌ مِنَ المعارضةِ.
وإعجازُ القرآنِ يُقصَد به تحدِّي القرآنِ الناسَ أنْ يأتوا بمثلِه، ووصفُ الإعجازِ هنا بأنّه علميٌّ نسبةً إلى العلم، الذي هو حقيقةٌ، مقطوعٌ بها، تُطابِقُ الواقعَ، عليها دليلٌ، فإذا لم يكن مقطوعاً بها كانت وَهْماً، أو شكاً، أو ظنًّا، وإذا لم تطابِقِ الواقعَ كانت جهلاً، وإذا افتقرتْ إلى الدليلِ كانت تقليداً.
والإعجازُ هو إخبارُ القرآنِ الكريمِ أو السُّنَّةِ النبويةِ بحقيقةٍ أثْبتَها العلمُ التجريبيُّ، وثبتَ عدمُ إمكانيةِ إدراكِها بالوسائلِ البشريةِ، في زمنِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، ممّا يُظهِرُ، ويؤكِّدُ صِدْقَه فيما أخبرَ به عن ربِّه سبحانه وتعالى، والمعجزةُ القرآنيةُ - بما تتضمنه من حقائقَ علميةٍ - دليلٌ على عالَميةِ الرِّسالةِ الإسلاميةِ.
(1/10)

لمّا كان الرُّسُلُ قبْل محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم يُبعَثون إلى أقوامِهم خاصّةً، ولأزمنةٍ محدودةٍ، فقد أيّدهم اللهُ ببيناتٍ حسيةٍ، مثلُ: عصا موسى عليه السلام، وإحياءِ الموتى بإذنِ الله على يدِ عيسى عليه السلام، وتستمرُّ هذه البياناتُ الحسِّيّةُ محتفِظةً بقوّةِ إقناعِها في الزمنِ المحدّدِ لرسالةِ كلِّ رسولٍ، حتى إذا تطاولَ الزمنُ، وتقادمَ، وتكدّرَ نبعُ الرسالةِ الصافي، اختفتْ قوّةُ الإقناعِ الحسِّيةُ، وبَعث الله رسولاً آخرَ بالدِّينِ الذي يرضاه، وبمعجزةٍ جديدةٍ، وبيِّنةٍ مشاهَدَةٍ، ولمّا خَتَمَ اللهُ النبوةَ بمحمّدٍ صلى الله عليه وسلم ضَمِنَ له حِفْظَ دِينِه، وأيّده ببيّنةٍ كبرى، تَبقى بين أيدي الناسِ إلى قيامِ الساعة، قال تعالى:
{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هاذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] .
وقال تعالى: {لاكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ} [النساء: 166] .
وفي هاتين الآيتين اللتين نَزَلَتا رداً على تكذيبِ الكافرين بنبوّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بيانٌ لطبيعةِ المعجزةِ العلميةِ التي تبقى بين أيدي الناسِ، وتتجدَّدُ مع كلِّ فتحٍ بشريٍّ، في آفاقِ العلومِ والمعارفِ، ذاتِ الصلةِ بمعاني الوحيِ الإلهيِّ.
وهكذا تَسْطَعُ بيِّنةُ الوحيِ المنزَّلِ على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بما نَزَل فيه مِن علمٍ إلهيٍّ يدرِكُه الناسُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، ويتجدَّد على مرِّ العصورِ والدهورِ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُه آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّما كَانَ الَّذِي أَوتِيتُهُ وَحْياً أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامةِ".
(1/11)

قال ابنُ حجرٍ عند شرحه لهذا الحديث: "رتّبَ هذا الكلامَ على ما تقدَّم مِن معجزةِ القرآنِ المستمرةِ لكثرة فائدتِه، وعمومِ نفعِه، لاشتمالِه على الدعوة والحُجّةِ والإخبارِ بما سيكونُ فعمَّ نفعُه مَن حَضَرَ، ومَن غابَ، ومَن وجدَ، ومن سيُوجد فَحَسُنَ ترتيب ذلك ... وقيلَ: المرادُ أنّ معجزاتِ الأنبياءِ انقرضتْ بانقراضِ أعصارِهم فلم يشاهدْها إلا مَن حَضَرَها، ومعجزةُ القرآنِ مستمرةٌ إلى يومِ القيامةِ، وخرقُه للعادةِ في أسلوبِه، وبلاغتِه، وأخبارِه بالمغيّباتِ، فلا يمرُّ عصرٌ من الأعصارِ إلاَّ ويظهرُ فيه شيءٌ ممّا أخبرَ به أنه سيكونُ يدلُّ على صحةِ دعواه ... ".
ولأنّ القرآنَ معجزةٌ مستمرّةٌ لكلِّ الخَلْقِ إلى يومِ القيامةِ، فإنّ بينةَ القرآنِ العلميةَ يدرِكُها العربيُّ والأعجميُّ على حدٍّ سواءٍ، وتبقى ظاهرةً متجدِّدةً إلى قيام السّاعةِ، ففي القرآن أنباءٌ نعرفُ المقصودَ منها لأنّها بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، لكنّ حقائقَها وكيفياتِها لا تتجلَّى إلا بعدَ حينٍ، قال تعالى:
{إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ} [ص: 87-88] .
وشاءَ اللهُ أنْ يجعلَ لكلِّ نبإ زمناً خاصًّا يتحقّقُ فيه، فإذا تَجَلَّى الحَدَثُ ماثلاً للعيانِ أشرقَتِ المعاني التي كانت تدلُّ عليها الحروفُ والألفاظُ في القرآنِ، كما في قوله تعالى:
{لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 67] .
ويبقَى النبأُ الإلهيُّ محيطاً بكلّ الصورِ التي يتجدّدُ ظهورُها عبْرَ القرونِ.
قال تعالى: {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] .
لقد نزلَ القرآن في عصرِ انتشارِ الجهلِ وشيوعِ الخرافةِ، والكهانةِ، والسِّحرِ، والتنجيمِ في العالم كلِّه، وكان للعربِ النصيبُ الأوفى مِن هذه الجاهليةِ والأميّةِ كما بيَّن القرآنُ ذلك بقوله:
{هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2] .
(1/12)

في ذلك العصرِ، وعلى تلك الأمّةِ نزَلَ الوحيُ، وفيه علمُ اللهِ، ويصفُ أسرارَ الخَلقِ في شتّى الآفاقِ، ويجلِي دقائقَ الخلْق في النفسِ البشريةِ، ويقرِّر البِدايَة في الماضي، ويصفُ أسرارَ الحاضرِ، ويكشفُ غيبَ المستقبلِ، الذي ستكونُ عليه سائرُ المخلوقاتِ.
وعندما دخلَ الإنسانُ في عصرِ الاكتشافاتِ العلميةِ، وامتلكَ أدَقَّ أجهزةِ البحثِ العلميِّ، وتمكَّنَ من حشدِ جيوشٍ من الباحثين في شتّى المجالاتِ، يبحثون عن الأسرارِ المحجوبةِ في آفاقِ الأرضِ والسماءِ، وفي مجالاتِ النفسِ البشريةِ، يجمعون المقدِّماتِ، ويرصُدون النتائجَ، في رحلةٍ طويلةٍ عبْرَ القرونِ، ولمّا أخذتِ الصورةُ في الاكتمالِ، والحقيقةُ في التجلِّي، وقعتِ المفاجأةُ الكبرى بتجلِّي أنوارِ الوحيِ الإلهيِّ، الذي نَزل على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم قبْلَ أكثرَ من ألفٍ وأربعمئة عامٍ، بذكرِ تلك الحقيقةِ في آيةٍ مِنَ القرآنِ أو بعضِ آيةٍ، أو في حديثٍ أو بعضِ حديث، بدقّةٍ علميةٍ معجزةٍ، وبعباراتٍ مشرِقةٍ، وبهذا أنبأنا القرآنُ الكريمُ فقالَ:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 52-53] .
وقال أحدُ العلماءِ: "وأمّا الطريقُ العيانِي فهو أن يرَى العبادُ مِن الآياتِ الآفاقيةِ والنفسيةِ ما يبيِّنُ لهم أنّ الوحيَ الذي بلَّغتْهُ الرسلُ عن اللهِ حقٌّ"، وقال عالِم آخرُ: "الآفاق: تعني أقطارَ السماوات والأرض؛ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ والليلِ والنهارِ، والرياحِ والأمطارِ، والرعدِ، والبرقِ، والصواعقِ، والنباتِ والأشجارِ، والجبالِ، والبحارِ، وغيرها"، ورُوِيَ هذا عن عددٍ من أئمّةِ التفسيرِ.
فهذه آياتُ اللهِ في كتابِه تتحدّثُ عن آياتِه في مخلوقاتِه، وتتجلّى بمعجزةٍ علميةٍ بيّنةٍ تسطعُ في عصرِ الكشوفِ العلميةِ في آفاقِ الكونِ.
(1/13)

إنّنا على وعدٍ مِن اللهِ عز وجل، بأنْ يُرِيَنَا آياتِه، فيتحقَّقُ لنا بهذه الرؤيةِ العلمُ الدقيقُ بمعاني هذه الآياتِ، كما قال تعالى:
{وَقُلِ الحمد للَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل: 93] .
وممّا سبَقَ يتبيّنُ لنا أن البشريةَ على موعدٍ من اللهِ، متجدّدٍ ومستمِرٍّ، بكشفِ آياتِه في الكونِ، وفي كتابِه، أمامَ الأبصارِ، لتقومَ الحجّةُ والبرهانُ، وتظهرَ المعجزةُ للعيانِ.
والفرقُ بين التفسيرِ العلميِّ والإعجازِ العلميِّ، هو أنّ التفسيرَ العلميَّ كشفٌ عن معانِي الآيةِ أو الحديثِ، في ضوءِ ما ترجَّحَتْ صحّتُه مِن حقائقِ العلومِ الكونيةِ.
أما الإعجازُ العلميُّ فهو إخبارُ القرآنِ الكريمِ، أو السنّةِ النبويةِ بحقيقةٍ أثبتَها العلمُ التجريبيُّ أخيراً، وثبتَ عدمُ إمكانيةِ إدراكِها بالوسائلِ البشريةِ، في زمنِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم.
قواعدُ وأسسُ أبحاثِ الإعجازَ العلميِّ:
1- علمُ اللهِ، هو العلمُ الشاملُ المحيطُ الذي لا يعترِيه خطأٌ، ولا يشوبُه نَقصٌ، وعلمٌ الإنسانِ محدودٌ، وقابلٌ للازديادِ، ومُعَرَّضُ للخطإِ.
2- هناك نصوصٌ من الوحيِ قطعيةُ الدَّلالةِ، كما أنّ هناك حقائقَ علميةً كونيةً قطعيةً.
3- في الوحيِ نصوصٌ ظنيةٌ في دَلالتِها، وفي العلمِ نظرياتٌ ظنّيةٌ في ثبوتِها.
4- لا يمكنُ أنْ يقعَ صِدامٌ بين قَطعِيٍّ مِن الوحي وقطعيٍّ مِن العلمِ التجريبيِّ، فإنْ وَقَعَ في الظاهرِ فلا بد أن هناك خلَلاً في اعتبار قطعيةِ أحدِهما، وهذه قاعدةٌ جليلةٌ قرَّرَها علماءُ المسلمين، وقد أَلَّفَ غيرُ واحدٍ مِنَ العلماءِ كُتباً تؤكِّدُ حتميةَ توافُقِ العقلِ مَع النقلِ.
عندما يُرِي اللهُ عبادَه آيةً من آياتِه في الآفاقِ أو في الأنفس مُصَدِّقَةً لآيةٍ في كتابِه، أو حديثٍ مِن أحاديثِ رسولِه صلى الله عليه وسلم يتّضحُ المعنى، ويكتملُ التوافقُ، ويستقرُّ التفسيرُ، وتُحدَّدُ دَلالاتُ ألفاظِ النصوصِ بمَا كُشِفَ من حقائقَ علميةٍ، وهذا هو الإعجازُ.
(1/14)

إنّ نصوصَ الوحي قد نزلتْ بألفاظٍ جامعةٍ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ... " ممّا يدلُّ على أنّ النصوصَ التي وردتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بكلِّ المعاني الصحيحةِ في مواضيعِها التي قد تَتَابَعَت في ظهورِها جيلاً بعد جيلٍ.
إذا وقعَ التعارضُ بين دَلالةٍ قطعيةٍ للنصِّ، ونظريةٍ علميةٍ، رُفِضَتْ هذه النظريةُ، لأنّ النصَّ وحيٌ مِن الذي أحاطَ بكلِّ شيء علماً، وإذا وقعَ التوافقُ بينهما كان النصُّ دليلاً على صحةِ تلك النظريةِ، وإذا كان النصُّ ظنياً، والحقيقةُ العلميةُ قطعيةً يُؤَوَّلُ النصُّ بها، وحيث لا يوجد مجالٌ للتوفيقِ فيُقدَّمُ القطعيُّ.
منهجيةُ أبحاثِ الإعجازِ العلميِّ في ضوءِ منهجِ السلفِ وكلامِ المفسِّرين:
إنّ كلامَ الخالقِ سبحانه عن أسرارِ خلْقِه في الآفاقِ وفي الأنفسِ غيبٌ قبْل أن يُرِيَنَا اللهُ حقائقَ تلك الأسرارِ، ولا طريقَ لمعرفةِ كيفياتها وتفاصيلِها قبلَ رؤيتِها، إلاَ ما سمعْنَا عن طريقِ الوحيِ، وكان السلفُّ لا يتكلَّفون ما لا علمَ لهم به.
إنّ معانيَ الآيات المتعلِّقةِ بالأمورِ الغيبيةِ، ودِلالتَها اللغويةَ معلومةٌ، ولكنّ الكيفيَّاتِ والتفاصيلَ محجوبةٌ، وإنّ مَن وَصَفَ حقائقَ الوحيِ الكونيةَ بدقائِقها وتفاصيلِها بعدَ أنْ كشَفها الله وجلاّها للأعينِ غيْرُ مَن وَصَفها مِن خلالِ نصٍّ يسمعُهُ، ولا يَرَى مدلولَه الواقعيَّ، لأنّ وصفَ من سَمع وشاهَدَ غيرُ مَن سَمِعَ فقط.
ولقد وُفِّقَ السلفُ الصالحُ من المفسِّرين كثيراً في شرحِهم لمعنى الآياتِ القرآنيةِ على الرّغم من احتجابِ حقائِقها الكونيةِ، مع أنّ المفسِّرَ الذي يَصفُ حقائقَ وكيفيَّاتِ الآياتِ الكونيةِ في الآفاقِ والأنفسِ، وهي محجوبةٌ عن الرؤيةِ في عصرِه، قياساً على ما يَرَى من المخلوقاتِ، وفي ضوءِ ما سمعَ مِنَ الوحيِ، يختلفُ عن المفسِّرِ الذي كُشِفتْ أمامه الآيةُ الكونيةُ، فجمعَ بين ما سَمع من الوحيِ، وما شاهدَ في الواقعِ.
(1/15)

ونظراً لعدمِ خطورةِ ما يتقرّرُ في مجالِ الأمورِ الكونيةِ على أمرِ العقيدةِ يوم ذاك، لم يقف المفسِّرون بها عند حدودِ ما دلّت عليه النصوصُ، بل حاولوا شرْحَها بما يسَّرَ اللهُ لهم من الدرايةِ التي أُتيحَتْ لهم في عصورهم، وبما فَتَحَ اللهُ به عليهم من أفهامٍ، وكانت تلك الجهودُ العظيمةُ التي بَذَلَها المفسِّرون عبْرَ القرونِ لشرحِ نصوصِ الوحيِ المتعلِّقةِ بالأمورِ الكونيةِ - التي لم تُكشَفْ في عصرِهم - مبيّنَةً لمستوى ما وصلَ إليه الإنسانُ مِن علمٍ، في تلك المجالاتِ، ومبيِّنةً لمدى توفيقِ اللهِ لهؤلاءِ المفسِّرين، فإذا ما حانَ حينُ مشاهدةِ الحقيقةِ في واقعِها الكونيِّ، ظهرَ التوافقُ الجليُّ بين ما قرّره الوحيُ وما شاهدَتْه الأعينُ، وظهرتْ حدودُ المعارفِ الانسانيةِ المقيَّدةِ بقيودِ الحسِّ المحدودِ، والعلمِ البشريِّ المحدودِ بالزمانِ والمكانِ، وازدادَ الإعجازُ تَجَلِّياً وظهوراً.
وكَتَبَ اللهُ التوفيقَ للمفسِّرين فيما شرحوه من آياتٍ وأحاديثَ متعلقةً بأسرارِ الأرضِ والسماءِ، بفضلِ اهتدائهِم بنصوصِ الوحيِ المنزَّلِ، ممّن يعلمُ السرَّ في الأرضِ والسماءِ، ومسترشدين بما علَّمهم مِن دَلالاتِ الألفاظِ ومعاني الآياتِ.
أوجُهُ الإعجازِ العلميِّ:
1- التوافقُ الدقيقُ بين ما في نصوصِ الكتابِ والسُّنةِ، وما كشفَه علماءُ الكونِ من حقائقَ وأسرارٍ كونيةٍ لم يكن في إمكان بشرٍ أنْ يعرفَها وقتَ نزولِ القرآنِ.
2- تصحيحُ الكتابِ والسنةِ لِما شاعَ بين البشريةِ في أجيالِها المختلفةِ من أفكارٍ باطلةٍ حولَ أسرارَ الخَلقِ.
3- إذا جُمِعَتْ نصوصُ الكتابِ والسنةِ الصحيحةِ المتعلِّقةُ بالكونِ وجدتَ بعضَها يكمِّلُ الاَخرَ، فتتجلَّى بها الحقيقةُ، مع أنّ هذه النصوصَ قد نزلتْ مفرَّقةً في الزمنِ، وفي مواضِعها من الكتابِ الكريمِ، وهذا لا يكونُ إلاّ مِن عندِ اللهِ الذي يعلمُ السرَّ في السماواتِ والأرضِ.
4- سنُّ التشريعاتِ الحكيمةِ، التي قد تخفَى حكمتُها على الناسِ وقتَ نزولِ القرآنِ، وتكشِفُها أبحاثُ العلماءِ في شتَّى المجالاتِ.
(1/16)

5- عدمُ الصِّدامِ بين نصوصِ الوحيِ القاطعةِ التي تصفُ الكونَ وأسرارَه - على كثرتِها - والحقائقِ العلميةِ المكتشفةِ - على وفرِتها - مع وجودِ الصِّدامِ الكثيرِ بين ما يقولُه علماءُ الكونِ من نظرياتٍ تتبدَّلُ مع تقدُّمِ الاكتشافَاتِ، ووجودِ الصِّدامِ بين العلمِ، وما قرّرتْه سائرُ الأديانِ المحرَّفةِ والمُبَدَّلةِ.
ضوابطُ البحثِِ في الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسُّنةِ:
1- أنْ تراعَى معاني المفرداتِ كما كانت في اللغةِ إبّانَ نزولِ الوحيِ، وأن تراعَى القواعدُ النحويةُ ودَلاَلاتُها، وأنْ تراعَى القواعدُ البلاغيةُ وخصائصُها، ولاسيّما قاعدةُ: "أَلاّ يخرجَ اللفظُ مِنَ الحقيقةِ إلى المجازِ إلا بقرينةٍ كافيةٍ".
2- البعدُ عن التأويلِ في النصوصِ المتعلِّقةِ بالإعجازِ العلميِّ في القرآنِ الكريمِ، ودَلالةِ نبوّةِ النبي صلى الله عليه وسلم.
3- ألاَّ تُجعَلَ حقائقُ القرآنِ موضعَ نظَرٍ، بل أنْ تُجعَلَ الحقائقُ هي الأصل: فما وافقَها قُبِلَ، وما عارضَها رُفِضَ.
4- ألاّ يُفَسَّرَ القرآنُ إلا باليقينِ الثابتِ مِنَ العلمِ، لا بالفروضِ والنظرياتِ التي ما تزالُ موضعَ فحصٍ وتمحيصٍ، أمّا الحدسيّاتُ والظنّياتُ فلا يجوزُ أنْ يُفَسَّرَ بها القرآنُ، لأنها عرضةٌ للتصحيحِ والتعديلِ، بل للإبطالِ في أيِّ وقتٍ.
وإذا كانَ النقصُ يعتري بعضَ الدراساتِ في مجالِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسُّنةِ، فلا يصحُّ أنْ يكون ذلك حُكْماً ينسحِبُ عليها جميعِها، وإنّ هذا ليوجِبُ على القادرينَ مِن علماءِ الإسلامِ أنْ يسارِعوا إلى خدمةِ القرآنِ والسُّنةِ في مجالِ العلومِ الكونيةِ، كما خدَمَها السلفُ في مجالِ اللغةِ، والأصولِ، والفقهِ، وغيرِها من مجالاتِ العلومِ الشرعيةِ، فنحن أمامَ معجزةٍ علميةٍ كبرى تنحنِي أمامَها جِبَاهُ المنصفين من قادةِ العلومِ الكونيةِ في عصرِنا.
(1/17)

والطرَفُ الآخرُ مِن أعداءِ الإسلامِ اتّخذوا مِنَ المقولاتِ المرتجَلَةِ، والمتسرِّعةِ في موضوعِ الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسُّنّةِ ذريعةً لا تُقَدَّرُ بثمنٍ - بالنسبةِ إليهم - لنقضِ آياتِ القرآنِ وأحاديثِ النبي صلى الله عليه وسلم، مِن خلالِ نقضِ النظريةِ العلميةِ الفجّةِ التي لم تثبتْ، فينبغي للباحثِ في الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسنّةِ أنْ يبالغَ في التحقُّقِ والتثبُّتِ والتريُّثِ قبلَ أن يربطَ آيةً في كتابِ اللهِ، أو حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمقولةٍ يتوهّمُ أنّها نتنمي إلى العلمِ، والعلمُ منها بَراءٌ.
ومجمَلُ القولِ: إنّ التفسيرَ العلميَّ للقرآنِ والسنةِ مرفوضٌ إذا اعتمدَ على النظرياتِ العلميةِ التي لم تثبتْ، ولم تستقِرَّ، ولم تصلْ إلى درجةِ الحقيقةِ العلميةِ المقطوعِ بها، ومرفوضٌ إذا خرجَ بالقرآنِ عن قواعدِ اللغةِ العربيةِ، ومدولولاتِ مفرداتها في زمنِ النبي صلى الله عليه وسلم، ومرفوضٌ إذا صَدر عن خلفيةٍ تعتمدُ العلمَ أصلاً، وتجعلُ القرآنَ تابعاً، مرفوضٌ إذا خالفَ ما دلَّ عليه القرآنُ في موضعٍ آخرَ، أو دلّ عليه صحيحُ السنّةِ، وهو مرفوضٌ ممّن هبَّ ودبَّ مِن الذين لم يتحقّقوا في أخذِهم، ولم يتثبَّتُوا في إلقائِهم، وهم يزعمون أنهم على علمٍ، والعلمُ منهم بَراءٌ؛ وهو مقبولٌ بعْد ذلك ممّن التزمَ القواعدَ المعروفةَ في أصولِ التفسيرِ والتزمَ ما تفرضه حدودُ اللغة، وحدودُ الشريعةِ، وامتازَ بالتحرِّي، والاحتياطِ، والضبطِ الذي يلزم كلَّ ناظرٍ في كتابِ اللهِ، وهو مقبولٌ ممّن رَزَقه اللهُ علماً بالقرآنِ والسنةِ، وعلماً بالسننِ الكونيةِ معاً، فلا بد من أن يكونَ النصُّ الذي هو موضعُ الإعجازِ قطعيَ الثبوتِ والدَّلالةِ، وأنْ يكونَ الجانبُ العلميُّ مقطوعاً بصحّتِه، وأنْ يكونَ التطابقُ عفوياً وتامًّا، لا مفتعلاً أو متكلَّفاً.
أهميةُ أبحاثِ الإعجازِ العلميِّ وثمارُها:
(1/18)

إذا كان المعاصرون لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قد شاهَدوا بأعينِهم كثيراً مِن المعجزاتِ، فإنّ اللهَ أَرَى أهلَ هذا العصرِ معجزةً لرسولِه تتناسبُ مع عصرِهم، ويتبيَّنُ لهم بها أنّ القرآنَ حقٌّ، وتلك البيِّنةُ هي بيِّنةُ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسُّنّةِ، وأهل عصرِنا لا يذعنون لشيءٍ كإذعانِهم للعلمِ، على اختلافِ أجناسِهم وأديانِهم.
لقد جعلَ اللهُ النظرَ في ملكوتِ السماواتِ والأرض، الذي تقومُ عليه العلومُ التجريبيّةُ طريقاً إلى الإيمانِ به، وطريقاً إلى الإيمانِ برسولِه، وطريقاً إلى الإيمانِ بدينِه الحقِّ، الذي يدعو إلى العلمِ، والعلمُ يدعو إليه.
وإنّ بإمكان المسلمين أنْ يتقدَّموا لتصحيحِ مسارِ العلمِ في العالَمِ، ووضعِه في مكانِه الصحيحِ، وجعلِه طريقاً إلى الإيمانِ باللهِ ورسولهِ، ومصدّقاً لِما في القرآنِ، ودليلاً على أحقِّيَّةِ الإسلامِ.
إنّ التفكُّرَ في خلقِ السماواتِ والأرضِ عبادةٌ من أجلِّ العباداتِ، والتفكُّرَ في معاني الأحاديثِ عبادةٌ مِن أرفعِ المستويات، وتقديمَها للناسِ دعوةٌ خالصةٌ إلى اللهِ خالقِ الأرضِ والسماواتِ، وهذا كلُّه متحقّقٌ في بحوثِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسنّةِ، وهذا مِن شأنِه أيضاً أنْ يحفّزَ المسلمين إلى اكتشافِ أسرارِ الكونِ، بدوافعَ إيمانيةٍ تعبُرُ بهم فترةَ التخلُّفِ التي عاشوها حقبةً من الزمنِ في هذه المجالاتِ، وسيجدُ الباحثون المسلمون في كلامِ الخالقِ عن أسرارِ مخلوقاته أدلّةً تهديهم في أثناءِ سَيْرِهم في أبحاثهم، تقرِّبُ لهم النتائجَ، وتوفِّرُ لهم الجهودَ.
إذَا علِمنَا أهميَّةَ هذه الأبحاثِ في تقويةِ إيمانِ المؤمنين، ودفعِ الفتنِ التي أَلْبَسها الإلحادُ ثوبَ العلمِ عن عقولِ المسلمين، وفي دعوةِ غيرِ المسلمين إلى هذا الدِّينِ القويم، وفي فهْمِ ما خُوطِبْنَا بهِ في القرآنِ الكريمِ والسنّة الصحيحةِ، وفي حفزِ المسلمين إلى الأخذِ بأسبابِ النهضةِ العلميةِ التي تتوافقُ مع الدين؛ تبيَّنَ مِن ذلك كلِّه أنّ القيامَ بهذه الأبحاثِ مِن أهمِّ فروضِ الكفاياتِ.
(1/19)

قصة هذا الكتاب

لهذا الكتابِ قصّةٌ ... فلقد شرَّفني اللهُ بأنْ أدعوَ إليه منذ ثلاثين عاماً، معتقِداً أن هذا الدينَ دينُ اللهِ، وأنه - وحْده - قادرٌ على حفظِه ونصرِه، فلا ينبغي أنْ نقلقَ عليه، ولكنْ ينبغِي أنْ نقلقَ ما إذاَ سمحَ اللهُ لنا أو لم يسمح أنْ نكونَ جنوداً له، وقد انطلقتُ في هذه الدعوةِ التي حُمِّلْتُ مسؤوليتَها لعقودٍ ثلاثةٍ سَبَقَتْ مِن قناعاتٍ راسخةٍ.
من هذه القناعاتِ أنْ يتَّجهَ الخطابُ الإسلاميُّ إلى عقلِ الإنسانِ، وإلى قلبهِ، وإلى معاشِه ودنياه؛ ذلك لأنّ الإنسانَ عقلٌ يدرِكُ، وقلبٌ يحِبُّ، وجسمٌ يتحرَّكُ، وغذاءُ العقلِ العلمُ، وغذاءُ القلبِ الحبُّ، وغذاءُ الجسمِ الطعامُ والشرابُ، واللباسُ والمأوى، وما لم تُرَاعَ في الخطابِ الإسلاميِّ مبادئُ العقلِ، وما لم يَتوَجَّهْ إلى القلبِ، وما لم يحقِّقْ مصالحَ الإنسانِ الأساسيةَ والمشروعةَ فلن ينجح الخطابُ الإسلاميُّ في امتلاكِ القدرةِ على التأثيرِ في الآخرين، وحمْلهِم على تغييرِ تصوّراتِهم، وقناعاتِهم من جهةٍ، ثم حَمْلِهم على تغييرِ سلوكِهم، وأنماطِ حياتهِم من جهةٍ أخرى، مع التأكيدِ على أنْ يكونَ هذا التغييرُ طوعاً لا كرهاً.
كلُّ داعيةٍ ينبغي أنْ يكون عالماً بأصولِ الدين وفروعِه، وحقائِقه المؤصَّلةِ والمدلَّلة المأخوذةِ من الوحيين؛ الكتابِ والسنةِ، عالماً بطبيعةِ النفسِ الإنسانيةِ وخصائِصها، عالماً بالوسائلِ التربويةِ الفعّالةِ في إحداثِ التغييرِ الحقيقيِّ في النفسِ، وينبغي للداعيةِ - أيضاً - أنْ يستوعبَ الثقافةَ العصريةَ بثوابتِها ومتغيّراتِها، وبطبيعةِ العصرِ، وسرعةِ التطوّرِ، والقُوى الفعّالةِ، والموازينِ المعتمَدةِ فيه؛ وإذَا استثقلَ الداعيةُ هذا الثمنَ الباهظَ فينبغي ألاّ يغيب عنه أنّ الدعوةَ إلى اللهِ هي أعظمُ عملٍ يتقرّبُ به العبدُ إلى ربِّه، وأنها تقترِبُ من صنعةِ الأنبياءِ، حيث يقول الله جل جلاله:
{ياأيها النبي إِنَّآ أرسلناك شاهدا وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب: 45-46] .
(1/20)

فمن الثابتِ أنّ من أسبابِ قوّةِ التأثيرِ الموضوعيةِ، ربط الأهدافِ بالوسائلِ، وربطَ الأصالةِ بالحداثةِ، وربط الثوابتِ بالمتغيِّراتِ، وربطَ القديمِ بالحديثِ، وربطَ الإسلاممِ بالحياةِ، فهو دينُ الفطرةِ، ودينُ الواقعِ، ودينُ العلمِ، ودينُ الوسطيةِ التي جمعتْ بين الحاجاتِ والقيمِ، وبينَ المبادئ والمصالحِ، وبينَ المادةِ والروحِ، وبين الدنيا والآخرةِ.
وانطلاقاً من هذه القناعاتِ الإيمانيةِ الثابتةِ، والرؤيةِ الموضوعيةِ لِما ينبغي أنْ يكونَ الخطابُ الدينيُّ المعاصرُ، كنتُ أحرصُ في خطابي الإسلاميِّ بكل أُطُرِه وأنماطِه، وأشكالِه وألوانِه، سواءٌ في المساجدِ، أو في الجامعاتِ، أو في المؤسّساتِ الدعويةِ، أو في المراكزِ الثقافيةِ، أو في وسائلِ الإعلامِ المحليةِ، والعربيةِ، والإسلاميةِ، والدوليةِ، كنتُ أحرصُ على أنْ أجمعَ بين حقائقِ الدينِ، وحقائقِ العلمِ، لتترسّخَ حقيقةٌ غابتْ عن كثيرٍ من المسلمين، هي أنّ الذي خلَقَ الأكوانَ هو الذي أنزل القرآنَ، وأنّ الحقَّ دائرةٌ تتقاطعُ فيها خطوطُ النقلِ الصحيحِ، والعقلِ الصريحِ، والفطرةِ السليمةِ، والواقعِ الموضوعيِّ؛ لذلك لا تغيبُ الفقرةُ العلميةُ عن كلِّ خطاباتي الدينيةِ.
وهذا الكتابُ في حقيقتِه مجموعُ الموضوعاتِ العلميةِ التي أُلقِيَتْ خلالَ ثلاثين عاماً في الدعوة إلى الله، جُمِعَتْ، ونُسِّقَتْ، ونُقِّحتْ، وعُرِضَتْ على متخصّصين في العلومِ التي تناولتها، وأُخِذَ بملحوظاتِهم، وقد أثبَتُ في قائمةِ المصادرِ والمراجعِ قائمةَ المصادرِ والمراجعِ المتعلّقةِ بالإعجازِ العلميّ في الكتابِ والسنةِ التي كانت جزءاً رئيساً من مكتبتي.
(1/21)

ومع أنّني جهدتُ في تعديلِ الأرقامِ القديمةِ المأخوذةِ من مراجعَ علميةٍ قبل عقدٍ أو عقدين مِن الزمنِ إلى أحدثِ ما توصّلَ إليه العلمُ من حقائقَ وأرقامٍ، ومع كلِّ هذا الجهدِ والمراجعةِ والعرضِ على المتخصّصين فقد يجدُ القارئَ عدداً، أو حجماً، أو شكلاً، أو اسماً، أو وصفاً، يبايِنُ ما في كتابٍ علميٍّ في حوزتِه، فهذا التباينُ طبيعيٌّ جداً، لأنّ العلمَ في تطوُّرٍ مستمِرٍّ، وهو تباينٌ مقبولٌ، لأنّ هذا الكتابَ في جوهره تعريفٌ بالله جلّ في عُلاه، وليس تعريفاً بدقائقِ علمٍ من العلومِ.
إنّ الحقائقَ العلميةَ في هذا الكتابِ وسيلةٌ، وليست هدفاً بذاتها، فلا يعِنينا في هذا الكتابِ الرقْمُ، ولكن يعِنينا مدلولهُ الذي يَشفُّ عن تعريفٍ باللهِ جلّ جلالُه مِن خلالِ الكونِ والإنسانِ، فإذا كان هناك تباينٌ بينَ الأرقامِ فأنا لستُ طرفاً في هذا التباينِ، ولكنه تباينٌ بين المراجعِ التي في حوزتي، والتي في حوزة القارئ، وما لم يكن الهدفُ الكبيرُ من تأليفِ الكتابِ واضحاً لدى القارئ فلن يتنفعَ منه بالقدْرِ الذي أردتُه من تأليفِ الكتابِ.
(1/22)

والكمالُ لله وحده، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم معصومٌ بمفرِده، وأمّته معصومةٌ بمجموعِها، ولأَنّ كلّ طالبِ علمٍ قد تفوّقَ في جانبٍ، وتفوّق غيرُه في جانبٍ آخرَ؛ فلا بد من العلمِ من الأخذِ والعطاءِ، ولأنّ كلَّ إنسانٍ يُؤْخَذُ منه ويُرَدُّ عليه إلا صاحبَ القبّة الخضراء؛ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإني أنتظر من الإخوة القراء - كما عوّدوني في كتبي السابقة - تنفيذاً لوصية سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال: (أَحَبُّ الناسِ إِليَّ مَن رَفَعَ إِليَّ عيوبِي) أن يتفضّلوا بإبداءِ ملحوظاتِهم حولَ مضامينِ الموسوعةِ العلميةِ، والأدلةِ القرآنية والنبوية، والاستدلالاتِ والاستنباطاتِ التي رَبطت بينَ حقائقِ العلمِ وحقائقِ الدينِ؛ لآخُذَ بها في الطبعاتِ القادمةِ، إن شاء الله تعالى، فالكتابُ لا يزيد على محاولةٍ متواضعةٍ لبيانِ أنّ الذي خَلَقَ الأكوانَ هو الذي أنزلَ القرآنَ، وهو الذي أرسلَ النبيَّ العدنانَ صلى الله عليه وسلم ليكونَ هادياً للأنامِ، فإنْ أصبتُ فمِن توفيقِ اللهِ وفضلهِ، وإنْ لم أُصِبْ فمِن تقصيري وضعفِ حيلتي.
فالحقُّ فوقَ الجميعِ، والمضامينُ فوق العناوينِ، والمبادئُ فوقَ الأشخاصِ، فالمؤمنونَ بعضُهم لبعض نَصَحَةٌ متوادُّون، والمنافقون بعضهم لبعضٍ غَشَشَةٌ متحاسدون، ويُروى أن إماماً لقي غلاماً وأمامه حفرةٌ، فقال له: إيّاك يا غلامُ أن تسقطَ، فقال له الغلامُ: بل إيّاك يا إمامُ أن تسقطَ؛ إنّي إنْ سقطتُ سَقطتُ وحدي، وإنك إنْ سقطتَ سقطََ معك العالَمُ، لذلك ما من أحدٍ أصغرُ مِن أن يَنقدَ، وما من أحد أكبرُ مِن أنْ يُنقَدَ.
ولا يَسَعُني هنا إلا أنْ أدعوَ فأقولَ: جزى اللهُ عنا سيدَنا محمداً صلى الله عليه وسلم ما هو أهلُه، وجزى عنا أصحابَه الكرامَ ما هم أهلُه، وجزى عنا والدِينا، وأساتذتنا، ومشايخَنا، ومَن علّمنا، ومَن له حقٌّ علينا ما هم أهله.
(1/23)

ولا بد مِن أنْ أشكرَ في نهايةِ المطافِ كلَّ الإخوةِ الكرامِ الذين ساهموا على نحوٍ ما في إخراجِ هذا الكتابِ إلى حيّزِ الوجودِ، وأخصُّ بالشكرِ الذين صمّموا برامجَ الحاسوبِ التي أُفرِغَتْ فيها النصوصُ، والذين أفرغوا الشريطَ على الحاسوبِ، والذين راجعوا النصوصَ مع الشريطِ، والذين دقّقوا النصوصَ لُغَوِيًّا، والذين نفّذوا التصحيحَ على الأصلِ، ثم الذين نضدُوا نصوصَ الكتابِ، وأخرجوه على الشكلِ الفنيِّ الذي هو عليه، والذين راجعوا النصوصَ مراجعةً أخيرةً، والذين قاموا بطباعتِه، والقائمين على دار المكتبي، وعلى رأسِهم صاحبُ دار المكتبي، سواءٌ منهم مَن أخذ أجرةً أو ابتغى أجراً، إلى كلِّ هؤلاء الذين ساهموا في إخراجِ هذه الموسوعةِ إلى حيِّزِ التداولِ، ممّن أعرفهم، وممن لا أعرفهم - وما ضرّهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم - إنه فريقُ عملٍ دعويٍّ، إنهم جميعاً مشمولون بقوله تعالى:
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين} [فصلت: 33] .
وأرجو اللهَ أن أكونَ واحداً منهم، راجياً أن أكونَ من يبتغي وجهَ اللهِ بعملِه، فلعلّ اللهَ يقبلنَا جميعاً، ويرحمنا جميعاً.
أعوذ بك يا رب أنْ يكونَ أحدٌ أسعدَ بما علّمتني منّي، وأعوذُ بك أنْ أقولَ قولاً فيه رضاك، ألتمس به أحداً سواك، وأعوذُ بك من فتنةِ القولِ، كما أعوذُ بك من فتنةِ العملِ، وأعوذ بك أنْ أتكلّف ما لا أحسنُ، كما أعوذُ بك من العُجبِ فيما أحسن.

الإنسان
أليس الكون معجزة؟
إنّ الأشياءَ المألوفةَ وغيرَ المألوفةِ، والأشياءَ المعتادةَ وغيرَ المعتادةِ، والأشياءَ التي نعرفها معقولةً، والأشياءَ التي يظنها بعضُ الناسِ غيرَ معقولةٍ، إنها في قدرةِ اللهِ سواءٌ، لأنّ أمرَ اللهِ تعالى: كنْ فيكون، ألا تقرأُ قولَهُ عز وجل:
{قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] .
(1/24)

النارُ لا تحرقُ إلا بإرادةِ اللهِ، فإذا شاءَ اللهُ لها أنْ تحرقَ أحرقتْ، وإن لم يشأْ لم تحرقْ، والماءُ مائعٌ بمشيئةِ اللهِ، فإذا شاءَ اللهُ له أنْ يكونَ يبساً صُلْباً صارَ يبساً صُلْباً، انظر ما فَعَلَه اللهُ عزوجل مع سيدنا موسى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم} [الشعراء: 61-63] .
اضربْ بعصاك البحرَ فأصبحَ البحرُ طريقاً يبساً، لماذا يخرِق اللهُ العاداتِ؟ لأنك إذا رأيتَ أنّ هذا الشيءَ نتيجةٌ لهذا السببِ، وظننتَ أنّ هذا السببَ هو خالقُ هذا الشيءِ فقد وقعتَ في الشركِ، وأنتَ لا تدري، خالقُ الشيءِ هو اللهُ سبحانه وتعالى، وهذا السببُ رَافَقَ النتيجةَ، هذه هي العقيدةُ الصحيحةُ، ولكنَّ الذي يخلقُ الإحراقَ في النارِ هو اللهُ، والذي يخلقُ الانتقالَ بلمحِ البصرِ من مكانٍ إلى مكانٍ هو اللهُ، فإذا ما أرادَ خالقُ الزمان والمكانِ أنْ يعَطِّلَ شرطَ الزمانِ والمكانِ فَعَلَ، لذلك كان الإسراءُ والمعراجُ حكمُه حكمُ أيِّ معجزةٍ وردتْ في القرآنِ الكريمِ.
شيءٌ آخرُ، وهو أنّ الأشياءَ المألوفةَ وغيرَ المألوفةِ كلاهما معجزةٌ، ألا تنظرُ إلى البقرةِ، وهي تعطيك الحليبَ، لو اجتمع أهلُ الأرضِ، لو اجتمعَ علماءُ الكيمياءِ العضويةِ في العالَمِ على أنْ يصنعوا مِن هذا النباتِ الأخضرِ حليباً فيه قِوامُ غذائِنا لَمَا استطاعوا، أليستِ البقرةُ معجزةً؟ أليستْ هذه الدجاجةُ معجزةً؟ أليس خَلْقُ الإنسانِ معجزةً؟ أليس إنباتُ النباتِ معجزةً؟ أليس هطولُ الأمطارِ معجزةً؟ أنتَ محاطٌ بملايينِ ملايينِ المعجزاتِ، وأنتَ لا تدري، أليسَ الْكَوْنُ مُعْجِزَةً؟
(1/25)

الكونُ معجزةٌ، هذا الطفلُ الصغيرُ خُلِقَ مِن ماءٍ مهينٍ، من نطفةٍ صغيرةٍ، هذه النطفةُ لا تُرَى بالعينِ، أربعمئة مليونٍ من النطاف تنطلقُ مِنَ الرَّجُلِ، وكلُّ نطفة لها رأسٌ، ولها عُنُقٌ، ولها ذيلٌ، وهي تسْبحُ، وفي رأسِها مادةٌ مُغَطَّاةٌ بغشاءٍ رقيقٍ، إذا اصطدمتْ بالبيضَةِ تَمَزَّقَ الغشاءُ، وساهمتْ هذه المادةُ في إذابةِ جدارِ البَيْضَةِ، والدخولِ إليها، دَخَلَت النطفة إلى البيضةِ، فانقسمتْ إلى عددٍ كبيرٍ، وهي في طريقِها إلى الرَّحِمِ، دونَ أنْ يزدادَ حجمُها، فَخَلْقُ الإنسانِ معجزةٌ.
بعد أنْ يُولَدَ الإنسانُ يكونُ في دماغِه مئةٌ وأربعون مليارَ خليةٍ استناديةٍ، ويكون فيه أيضاً أعصابٌ، وعظامٌ، وقلبٌ، وشرايينُ، ورئتان، ومعدةٌ، وأمعاء، وسمعٌ، وبصرٌ، وشفتان، ولسان، وعضلاتٌ، وأعضاء، وشَعر، وجلد، ومسام، وغددٌ دهنية، وغدد عرقية، هذا المخلوقُ الصغيرُ معجزةٌ، فخَلْقُ هذا الطفلِ مِن نطفةٍ، ومن بَيضةٍ معجزةٌ من أعظم المعجزات.
النباتُ، هذه الورقةُ لا يرقى إلى مستواها أعظمُ معملٍ صَنَعَه الإنسانُ على وجهِ الأرضِ، إنها معملٌ صامتٌ، يأخذُ مِنَ التربةِ الماءَ والمعادنَ، ويضخُّ هذا الماءَ إلى أعالِي الشجرةِ، هذه الورقةُ فيها اليخضورُ، تأخذُ من الهواءِ ثانيَ أكسيدِ الكربونِ، وتأخذُ من الشمسِ "الفوتونَ"، وتأخذُ مِن أملاحِ الحديدِ خوَاصَّهُ الوسطيةَ، وتصنعُ النُّسغَ النازلةَ، هذا النُّسْغُ النازلُ هو الذي يصنعُ الجذعَ، والأغصانَ، والفروعَ، والجذرَ، والثمارَ، والفواكهَ.
مَنْ علَّم هذا؟ كيف أَودعَ اللهُ كلَّ هذه الصفاتِ في البذرةِ؟ النباتُ معجزةٌ، الحيوانُ معجزةٌ، مليونُ نوع مِنَ السمكِ في البحارِ، أحدث رقم في وزن الحوت مئةٌ وثمانون طنًّا، رضعتُه الواحدة ثلاثمئة كيلو غرام، ثلاثُ رضعاتٍ تساوي طنًّا كلَّ يومٍ، هذا بعضٌ من المعلومات عن الحوت.
(1/26)

أمَّا البعوضةُ الصغيرةُ التي ذكرها اللهُ عز وجل في قوله: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] . ففيها جهازُ رادارٍ، وجهازُ تمييعٍ للدمِ، وجهازُ تخديرٍ، وجهازُ تحليلٍ، أربعةُ أجهزةٍ، وهذه البعوضةُ يرفُّ جناحاها مئاتِ المرات في الثانيةِ الواحدةِ، ولها ثلاثةُ قلوبٍ، قلبٌ مركزيٌّ، وقلبٌ لكلِّ جناحٍ، ولأرجُلِها محاجمُ لتقفَ على السطوحِ الملساءِ، ومخالبُ لتقفَ على السطوحِ الخشنةِ، {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} .
البعوضةُ معجزةٌ، الخروفُ معجزةٌ، البقرةُ معجزةٌ، الدجاجةُ معجزةُ، خَلْقُ الإنسانِ معجزةٌ، أنواعُ الفواكهِ والثمارِ معجزةٌ، الشمسُ معجزةٌ، فهي تبعدُ عنا مئةً وستةً وخمسين مليونَ كليو مترٍ، ومع ذلك نستدفئ بحرارتِها، ونستضيءُ بضوئِها، ولو أُلْقِيَتِ الأرضُ في جوفِها لتبخرتْ في ثانيةٍ واحدةٍ.
الكونُ كلُّه معجزةٌ، أفيصعُبُ على اللهِ عزوجل أنْ يَنقُلَ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ، ويُلغيَ بُعْدَ المكانِ، وبُعْدَ الزمانِ؛ أنْ ينقلَه من مكةَ إلى بيتِ المقدسِ، وأنْ يعرجَ به إلى السماءِ، لو تعمَّقتُم في الكونِ لرأيتُمْ أنّ الأشياءَ المألوفةَ، وغيرَ المألوفةِ هي في قدرةِ اللهِ سواءٌ، تماماً، ولرأيتم أنّ الأشياءَ المألوفةَ، وغيرَ المألوفةِ هي في الأصلِ كلُّها معجزةٌ.

جسم الإنسان
هناك في حياةِ كلٍّ منّا آياتٌ معجزةٌ، صارخةٌ، دالّةٌ على عظمةِ اللهِ عزّ وجل، منها جسمُنا الذي هو أقربُ شيءٍ إلينا، ففي رأسِ كلٍّ منا ثلاثُمئةٍ ألفِ شعرةٍ، لكلِّ شعرةٍ بصلةٌ، ووريدٌ، وشريانٌ، وعضلةٌ، وعصبٌ، وغدةٌ دهنيةٌ، وغدةٌ صبغيةٌ.
وفي شبكيةِ العينِ عشرُ طبقاتٍ، فيها مئةٌ وأربعون مليونَ مستقبِلٍ للضوءِ، ما بينَ مخروطٍ وعُصَيّةٍ، ويخرجُ من العينِ إلى الدماغِ عصبٌ بصريٌّ، يحوي خمسمئة ألفِ ليفٍ عصبيٍّ.
(1/27)

وفي الأذنِ ما يشبهُ شبكةَ العينِ، فيها ثلاثونَ ألفَ خليةٍ سمعيةٍ لنقلِ أدقِّ الأصواتِ، وفي الدماغِ جهازٌ يقيسُ التفاضلَ الزمنيَّ لوصولِ الصوتِ إلى كلٍّ مِن الأذنينِ، وهذا التفاضلُ يقلُّ عن جزءٍ مِن ألفٍ وستمئة جزءٍ من الثانيةِ، وهو يكشفُ للإنسانِ جهةَ الصوتِ.
وعلى سطحِ اللسانِ تسعةُ آلافِ نتوءٍ ذوقيٍّ، لمعرفةِ الطعمِ الحلوِ، والحامضِ، والمُرِّ، والمالِح، ثم تنقلُ هذا الطعم إلى الدماغِ.
وإنّ كلَّ حرفٍ ينطقُه اللسانُ يسهمُ في تكوينِه سبع عشرَةَ عضلةً.
مَن يصدِّق أنّ في مخاطيةِ الفمِ، أعني الغشاءَ الداخلي للفمِ خمسمئةِ ألف خلية؟! يموتُ في كلِّ خمسِ دقائقَ نصفُ مليونِ خليةٍ في الجدارِ الداخلي، ليحلّ محلَّها نصفُ مليونِ خليةٍ جديدةٍ.
إنّ كرياتِ الدمِ الحمراءَ لو صُفَّ بعضُها إلى جانبِ بعضٍ لزاد طولُها على محيطِ الأرضِ ستةَ أضعافٍ، وإنّ في كلِّ ميليمتر مكعبٍ من الدمِ خمسةَ ملايين كريةٍ حمراء، وإنّ كلَّ كريةٍ حمراءَ تجولُ في الدمِ في اليومِ الواحدِ ألفاً وخمسمئة جولةٍ، تقطع فيه ألفاً ومئةً وخمسين كيلو متراً.
يضخُّ القلبُ مِنَ الدمِ في عمرٍ متوسّطٍ ما يملأ أكبرَ ناطحاتِ سحابٍ في العالَمِ، وينبض في الدقيقةِ الواحدةِ مِن ستينَ إلى ثمانينَ خفقةً، وينبض يومياً مئةَ ألف مرة، يضخُّ مِن خلالِها ثمانيةَ آلاف لتر، والمئتا لتر تعادلُ برميلاً! وقد أجرى بعضُ العلماءِ حساباً عن ضخِّ القلب للدم في العمرِ فوجده ستةً وخمسين مليون جالون، والجالونُ يعادلُ خمسة لِترات.
يستهلكُ الإنسانُ في الثانية الواحدةِ مئةً وعشرين مليونَ خليةٍ.
في دماغِ الإنسانِ أربعةَ عشرَ مليارَ خليةٍ قشريةٍ، ومئةٌ أربعون مليار خليةٍ استناديةٍ لم تُعرفْ وظيفتُها بعدُ، وهو أعقدُ ما فيه، ومع ذلك فهو عاجزٌ عن فهمِ ذاتِه.
وفي الرئتين سبعمئة مليون سنخٍ رئويٍّ، كعنقود العنب، وهذه الأسناخ لو نُشِرتْ لاحتلَّتْ مساحةَ مئتيْ متر مربّعٍ، وإن هاتين الرئتين تخفقان في اليومِ خمسةً وعشرينَ ألف مرة، وتستنشقان مئةً وثمانين متراً مكعباً.
(1/28)

وفي الكبدِ ثلاثُمئةِ مليارِ خليةٍ، يمكن أن تُجَدَّدَ كلياً خلالَ أربعةِ أشهرٍ، ووظائفُ الكبدِ كثيرةٌ، وخطيرةٌ، ومدهشةٌ، حيث لا يستطيعُ الإنسانُ أنْ يعيشَ بلا كبدٍ أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ.
إنّ في جدارِ المعدةِ مليارَ خليةٍ تفرزُ من حمضِ كلورِ الماءِ ما يزيدُ على عدةِ لِتراتٍ في اليوم الواحِد، وقد جهدَ العلماءُ في حلِّ هذا اللغزِ، لمَ لا تَهضمُ المعدةُ نفسَها؟ أليستِ المعدةُ معجزةً؟!.
وفي الأمعاءِ ثلاثُ آلافٍ وستمئة زغابةٍ معويةٍ للامتصاصِ في كل سنتمترٍ مربعٍ، وهذه الزغاباتُ تتجدّدُ كلياً كلَّ ثمانٍ وأربعين ساعةً.
وفي الكُليتين مليونا وحدةِ تصفيةٍ، طولُها مجتمعةً مئةٌ كيلو مترٍ، يمرُّ فيها الدمُ في اليومِ الواحدِ خمسَ مراتٍ.
وتحتَ سطحِ الجلدِ خمسةَ عشرَ مليونَ مكيّفٍ لحرارةِ البدنِ، وهي الغددُ العرقيةُ، لكلّ غدّةٍ عرقيةٍ مكيِّفٌ لتكييفِ حرارتِه، وتعديلِ رطوبتِه.
إن جِسمَنا الذي نعيشُ معه أقربُ شيءٍ إلينا، هذه حقائقُ مسلَّمٌ بها، عَرَفَهَا الأطبّاءُ من عشراتِ السنينِ، وليست خاضعةً للمناقشةِ إطلاقاً، قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .

خلق الإنسان في أحسن تقويم
قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الذينءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 4-6] .
إنّ اللهَ جل جلاله أَتْقَنَ كلَّ شيءٍ صَنَعَه، وأحسَنَ كلَّ شيءٍ خَلَقَه، وإنك {مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] ، من حيثُ كمالُ الخَلْقِ، ومع ذلك فقد خصَّ اللهُ الإنسانَ في هذه الآيةِ، وفي آياتٍ أخرى بحُسْنِ التركيبِ، قال تعالى: {في أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8] ، وبحسن التقويم: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] ، وبحسنِ التعديلِ: {الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 7] .
وهذا فضْلُ عنايةٍ بهذا المخلوقِ المكرَّم، وإشارةٌ إلى أنّ لهذا الإنسانِ شأناً عندَ اللهِ جلَّ جلالُه، وأنّ له وزناً في نظامِ الكونِ.
(1/29)

فهذا الإنسانُ الذي هو أعقدُ آلةٍ في الكونِ، في خلاياه، وأنسجتِه، وفي أعضائِه، وأجهزتِه من التعقيدِ، والدقَّةِ، والإتقانِ ما يَعجَزُ عن فهمِ بِنيتِها، وطريقةِ عملِها حقَّ الفهم أعلمُ العلماءِ.
وفي هذا الإنسانِ نفسٌ تعتلِجُ فيه المشاعرُ والعواطفُ، وتصطرعُ فيها الشهواتُ والقيمُ، والحاجاتُ، والمبادىُ، حيث يعجزُ عن إدراكِ خصائِصها تمام الإدراك أعلمُ علماءِ النفسِ.
وفي هذا الإنسانِ عقلٌ، وفيه من المبادئ، والمُسَلَّماتِ، والقُوَى الإدراكيةِ، والتحليليةِ، والإبداعيةِ ما يؤَهِّلُه ليكونَ سيِّدَ المخلوقاتِ وأفْضلَها، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ} [الإسراء: 70] .
وممَّا يبيِّنُ، ويوضِّحُ أنّ الإنسانَ خُلِقَ في أحسنِ تقويمٍ جهازُ المناعةِ المكتسبُ، أو خطُّ الدفاعِ الثالثُ في جسمِ الإنسانِ.
لقد خصَّ المولى جَلَّ وعلاَ الإنسانَ بأجهزةِ دفاعٍ بالغةِ الدقّةِ، وأولُ هذه الأجهزةِ الجلدُ، وهو درعٌ سابغةٌ على البدنِ، تَرُدُّ عنه الجراثيمَ، والأوبئةَ، وهو خطُّ الدفاعِ الأولُ، وخصَّ المولى جل وعلا كلَّ عضوٍ في الإنسانِ، وكلَّ جهازٍ، وكلَّ حاسّةٍ بجهازِ دفاعٍ خاصٍّ به.
فالعينُ مثلاً خُصَّتْ بالأهدابِ، والأجفانِ، والدمعِ، وهذه الأجهزةُ الخاصّةُ هي خطُّ الدفاعٍ الثاني.
وأمّا خطُّ الدفاعِ الثالثُ فهو الدَّمُ بجنودِه من الكرياتِ البيضاءِ، وعددُ هذه الكرياتِ التي هي جنودُ خطِّ الدفاعِ الثالثِ خمسةٌ وعشرون مليونَ كريةٍ في أيّامِ السِّلمِ، ويتضاعفُ هذا العَددُ في حالِ الاستنفارِ، وقد يصلُ إلى مئاتِ الملايينِ في حالِ القتالِ، في فترةٍ لا تتجاوزُ الساعاتِ، أو الأيامَ، ولهذه الجيوشِ الجرّارةِ من الكريَّاتِ البيضاءِ سلاحُ إشارةٍ مؤلّفٌ من بضعِ موادّ كيماويةٍ، يعدُّ وسيلةَ الاتصالِ، والتفاهمِ فيما بيْنَها.
(1/30)

أمّا خطّةُ جهازِ المناعةِ في الدفاعِ عن الجسمِ فهي من الدقَّةِ، والتنسيقِ، والفعاليةِ، والذكاءِ الخارق، على نحوٍ عجيب، إنها خلايا الدمِ البيضاءُ، التي أدهشت العلماءَ؛ إنْ في نظامِ عملِها، أو في توزيعِ الأدوارِ القتاليةِ على أفرادِها، أو في تحقيقِ المهماتِ المنوطةِ بها، فبعْدَ ثوانٍ معدوداتٍ من اجتيازِ أيِّ جسمٍ غريبٍ لخطوطِ الدفاعِ الأولى والثانيةِ، تتوجَّهُ إلى الجسمِ الغريبِ.
وثمةَ كريّاتٌ مهمّتُها أخْذُ الشِّفْرَةِ الكيماويةِ الخاصّةِ بهذا العدوِّ، والاحتفاظُ بها، ثم نقْلُها إلى المراكزِ اللمفاويةِ، حيث تقومُ الخلايا المحصنةُ بتفكيكِ رموزِ هذه الشفرةِ تمهيداً لصنعِ المصلِ المضادِّ.
وبعدَ صنعِ المصلِ المضادِّ تتوجّهُ الخلايا المقاتلةُ حاملةً هذا السلاحَ، وهو المصلُ، لتهاجمَ به الجسمَ الغريبَ، وبعدَ أن تصرَعَه بهذا السلاحِ الفعّالِ تأتي الخلايا اللاقمةُ لتنظيفِ ساحةِ المعركةِ من بقايا جثثِ الأعداءِ، ليعودَ الدمُ كما كان نقياً سليماً، وهذه الكريةُ البيضاءُ التي هي العنصرُ الأساسيُّ في جهازِ المناعةِ؛ لا يزيدُ قطْرُها على خمسةَ عشرَ ميكروناً، {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] .
وهناك فرقةٌ في هذا الجيشِ، اكتُشِفَت حديثاً، وهي فرقةُ المغاويرِ، التي بإمكانِ عناصرِها اكتشافُ الخليةِ السرطانيةِ في وقتٍ مبكّرٍ جداً، ثم تلتهمها.
أما قوله سبحانه: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] ، فإنه يتحقق حينما ينحرفُ الإنسانُ عن منهجِ ربِّه، ويستجيبُ لنداءِ غريزتِه من دونِ ضابطٍ من شرعٍ، أو رادعٍ من فطرةٍ، أو زاجرٍ من عقلٍ، وعند ذلك يبطلُ عملُ هذا الجهازِ، ويموتُ الإنسانُ لأدنى مرضٍ، وما مرضُ نقصِ المناعةِ المكتسبُ؛ الذي يهدِّد العالَمَ المتفلِّتَ؛ إلا تأكيدٌ لهذه الحقيقةِ: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} .
(1/31)

ربما كان تركيزُ الآياتِ على الجانبِ الروحيِّ من الإنسانِ؛ لأنه هُيَّىء - إذَا عرفَ ربَّه، وسارَ على منهجِه، وتقرّبَ إليهِ بالعملِ الصالحِ - لأن يبلغَ من الرفعةِ ما يفوقُ الملائكةَ المتقرَّبين، {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أمّا إذا أعرضَ عن ربِّه سبحانه، وتفَلَّتَ من منهجِه، وأساءَ إلى خَلْقِه فإنه يهوي إلى دركاتٍ لا يصلُ إليها مخلوقٌ قطُّ، {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} حيث تصبحُ البهائمُ أَرْفَعَ منه، وأقومَ، لاستقامتِها على فطرتِها، وتسبيحِها لربِّها، وحُسْنِ أدائِها لوظيفتِها.

التوازن بين الذكور والإناث
في أعقابِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ أصبحتْ نِسبةُ النساءِ إلى الرجالِ أربعاً إلى واحدٍ، أي كلُّ أربع نساءٍ في مقابلِ رجلٍ واحدٍ، وما هي إلا أعوامٌ قليلةٌ حتى عادتِ النسبةُ إلى تلكَ التي وضَعَها اللهُ عزوجل، مئةٌ وخمسة بالمئةِ ذكورٌ، وخمسةٌ وتسعون بالمئةِ إناثٌ، هذه النسبةُ ثابتةٌ في كل البلادِ، وفي كلِّ الأمصارِ، وفي كلِّ القاراتِ، وفي كلِّ الأزمانِ، أما الشيءُ الذي يلفتُ النظرَ فهو أنّه على الرغمِ من أنّ لكلِّ زوجين عدداً مختلفاً من الذكورِ والإناثِ، فلهذا الرجلِ مثلاً ثمانِي بناتٍ، وللآخرِ أربعُ بناتٍ، وأربعةُ ذكورٍ، وهذا رجلٌ عقيمٌ، هذه النسبُ المتفاوتةُ، في أيِّ بلدةٍ، في أيِّ مصرٍ، وفي أي عصرٍ، في أيِّ مكانٍ، وفي أيِّ زمانٍ، ترجعُ في النهايةِ إلى نسبٍ نظاميةٍ يعرفُها علماءُ الجغرافية البشريةِ، وزارةُ الماليةِ مثلاً ماذا تفعلُ من أجلِ أنْ يكونَ الإنفاقُ وَفق المقرَّرِ؟ كلُّ قرارِ نفقةٍ يجب أنْ يذهبَ إلى الشطبِ، فإذا انتهى الاعتمادُ يتوقفون عن الصرفِ، إذاً لا بد مِن سجلٍّ، والأمرُ كذلك هنا، هذا عنده سبعةُ ذكورٍ، وذاك عنده سبعُ إناثٍ، وعند الله عزوجل سجلٌّ دقيقٌ، حيث إنه في النهايةِ يكونُ المجموعُ وَفقَ النسبةِ المقرَّرةِ مِن قِبَلِ الله عز وجل.
(1/32)

هذا موضوعٌ يقتضي التفكُّرَ، مع أنّ النسبةَ كانت 25% ذكوراً، و75% إناثاً بعد الحربِ العالميةِ الثانيةِ، بعد سنواتٍ كانت الأرحامُ كلُّها تنجبُ ذكوراً، إلى أنْ عُدِّلتِ النسبةُ، وأصبحتْ على ما هي عليه الآن، ألَيْسَت هناكَ يدٌ إلهيةٌ تعملُ في الخفاءِ؟ أليس هناك سجلاَّتٌ دقيقةٌ تحكمُ هذه النسبَ؟ أليست هناك ترتيباتٌ دقيقةٌ؟ هذه الآيةُ مبذولةٌ بين الأيادي، ظاهرةٌ للعَيانِ، قال تعالى: {الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] .

وليس الذكر كالأنثى
قال ربُّنا سبحانه وتعالى في قصّةِ السيدةِ مريمَ: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى} [آل عمران: 36] .
يتَّفقُ علماءُ المسلمين على أنّ المرأةَ كالرجلِ تماماً في التكليفِ، والتشريفِ، والمسؤولية، ولكنّ المرأةَ ليستْ كالرجلِ في أشياءَ أخرى، إذْ لها خصائصُ في بنيتها الجسميةِ، ولها خصائصُ في بنيتها النفسيةِ، ولها خصائصُ في بنيتها الاجتماعيةِ، ولها خصائصُ في قوّةِ إدراكِها، وفي طبيعةِ إدراكِها، فالذي عنده أولاد ذكور أو إناث، لو تتبَّعَ حركاتِهم، وألعابَهم، وأنماطَ تعلقاتِهم لرأى ذلك الاختلافَ، فالبنتُ الصغيرةُ، وهي في سنٍّ مبكرةٍ لها اهتماماتٌ، وميولٌ، وتطلعاتٌ ليست كالتي عند أخيها الصغيرِ، مع أنّ علاماتِ الذكورةِ والأنوثةِ لم تظهرْ بعدُ.
إنّ علماءَ النفسِ، ولا سيما علماءِ نفسِ الطفولةِ والمراهقةِ يقرِّرون أنّ الأنثى لها خصائصُ غيرُ الخصائصِ البيولوجيةِ الماديةِ، أضِفْ إلى أنّ جسمَ الأنثى، وجسمَ الذَّكَرِ يختلفانِ اختلافاً بيّناً.
(1/33)

أنقلُ لكم رأيَ بعضِ العلماءِ في الفَرْقِ الدقيقِ الماديِّ والجسميِّ بين المرأةِ والرجلِ، يقولُ أحدُ العلماءِ الأطباءِ بَعْدَ دراسةٍ طويلةٍ أثبَتَهَا في كتبٍ معتمدةٍ: "إنّ قامةَ المرأةِ في جميعِ الأجناسِ أقصرُ مِن قامةِ الرجلِ، بل إنّ معدَّلَ الفرقِ عند تمامِ النموِّ عشرةُ سنتيمترات، وكذلك الوزنُ؛ فهيكلُ المرأةِ العظميُّ أَخَفُّ مِن هيكلِ الرجلِ العظميِّ، وتركيبُ هيكلِها يجعلُها أقلَّ قدرةً على الحركةِ والانتقالِ، وعضلاتُها أضعفُ مِن عضلاتِ الرجلِ بمقدارِ الثلثِ، لكنَّها تفضُلُه بنسيجِها الخَلَوِيِّ الذي يحتوي على كثيرٍ من الأوعيةِ الدمويةِ، والأعصابِ الحسّاسةِ، ونسيجُها الخلويُّ يسمحُ لها باختزانِ طبقةٍ دهنيةٍ، وبفضلِ هذه الطبقةِ الدهنيةِ تكونُ استدارةُ الشكل".
إنَّ مُخَّ الرجلِ يزيدُ على مخِّ المرأةِ بمئةِ غرامٍ، ونسبةُ مخِّ الرجلِ إلى جسمِه واحدٌ مِن أربعين، وأمّا نسبةُ مخِّ المرأةِ إلى جسمِها فهي واحدٌ مِن أربعةِ وأربعين، مخُّها أَقَلُّ ثَنياتٍ، وتلافيفُها أقلُّ نظاماً، أمّا القسمُ السنجابيُّ (القسمُ الإدراكيُّ في المخِّ) فهو أقلُّ مساحةً، لكنَّ مراكزَ الأحساسِ، والإثارةِ، والتهيجِ أشدُّ فاعليةً بكثيرٍ من مراكزِ الرجلِ، وصدرُ المرأةِ، ورئتَاها أقلُّ سَعَةً مِن صدرِ الرجلِ ورئَتَيْهِ، لكنَّ تنفّسَها أسرعُ من تنفُّسِه، وقلبُها أصغرُ من قلبِه، لكنّ نبْضَها أسرعُ مِن نبضِه.
هذه الفروقُ الدقيقةُ من حيث القلبُ، والتنفسُ، ومراكزُ الإحساسِ، والدماغُ، ومن حيث الهيكلُ العظميُّ، ومن حيثُ القامةُ، ومن حيثُ الوزنُ، تبيِّن أن هناك خَلْقاً محكَماً مِن لَدُنْ حكيمٍ عليمٍ، هذا التكوينُ هو الذي يجعلُ المرأةَ مُحبَّبةً إلى الرجلِ، وقد جعلَها اللهُ سَكَناً، قال عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] .

التوازن في كل شيء خلقه الله
(1/34)

قال تعالى: {والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} [الحجر: 19] .
مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه أنّ اللهَ سبحانه وتعالى خَلَقَ كلَّ شيءٍ، وجعلَه موزوناً، لئلاّ يَطغَى شيءٌ على شيءٍ، فَمِن أغربِ ما وقعَ في قارة أسترالية أنّه زُرع نوعٌ من الصَّبّار، كسِياجٍ وِقائي، لكنّ هذا النباتَ مضى في سبيلِه حتى غطّى مساحةً تزيدُ على مساحةِ بريطانيا! وصار هذا النباتُ نباتاً وبائياً، زاحمَ أهلَ المدنِ والقرى، وأتلفَ مزارعَهم، وحتى إنّه حالَ بينهم وبين زراعةِ أراضِيهم، إلى أنْ توصَّلَ العلماءُ إلى حشرةٍ لا تعيشُ إلا على الصَّبارِ، هذه الحشرةُ استطاعَتْ أن تضعَ حدّاً لانتشارِه، فكأن كلّ شيءٍ خلقه اللهُ تعالى فيه طبيعةُ النموّ العشوائيِّ، خَلَقَ له مضاداً يحولُ بينه وبين هذا النموِّ، وهذا هو التوازنُ.
ووَفْقَ هذه القاعدةِ هناك أشياءُ كثيرةٌ، فربّنا سبحانه وتعالى جعلَ الغدّة النخاميّةَ تحثّ الغدّةَ الدرقيّةَ، لكنّ هرمونَ الغدّةِ الدرقيّةِ يثبّطُ الحاثَّةَ النخامية الخاصّةَ بالغدةِ الدرقيةِ، وبهذا يقومُ التوازنُ بين الغدّةِ النخاميّةِ، والغدّةِ الدرقيّةِ.
هناك جهازٌ لِضَبْطِ السوائلِ في الجسمِ، قد خَلَقَه اللهُ موزوناً.
هناك جهازٌ آخرُ لضَبطِ السكّر في الجسمِ، هناك جهازٌ ثالثٌ لِضَبطِ الأملاحِ في الجسم، فنِسَبُ الأملاحِ ثابتة، وكذا نِسَبُ السّكرِ، ونسبُ الماءِ، ونسبُ الهرموناتِ.
هناك فيتاميناتٌ دونَ أن تُؤخذَ يُصابُ الإنسانُ بأمراضٍ كثيرةٍ وبيلةٍ، سمّاها العلماءُ أمراضَ نقْصِ التغذيةِ، وكان بعضُ البحّارةِ يموتون في أثناءِ رحلتِهم الطويلةِ دونَ سببٍ، إلى أنْ عرفوا أنّ غذاءَهم تنقصُهُ الفيتاميناتُ.
(1/35)

هذا التوازنُ الذي حقّقه اللهُ سبحانه وتعالى في الكونِ شيءٌ يلفتُ النّظرَ، ويدعو إلى الدّهشةِ، فالأسماكُ مثلاً لولا أنّ كبيرَها لا يأكلُ صغيرَها لطَفَتْ على مياهِ البحرِ، ولأصبحَ البحرُ بحراً من السّمكِ، لا بحراً من الماءِ، وكذا الحشراتُ، فقد جعَلَ اللهُ تنفّسَها عن طريقِ أنابيبَ، لا عن طريقِ الرئةِ، ولأنّ تنفّسَها عن طريقِ الأنابيبِ فلا تنمو أكثرَ مِن حجمِها الذي تروْنَهُ، ولو كان لها رئتان لأصبحَت بِحَجمٍ كبيرٍ، ولأهلكَتِ الإنسانَ، فالحشراتُ لها حدّ تقفُ عنده، والنباتاتُ لها حدٌّ تقفُ عنده، والحيواناتُ لها حدٌّ تقفُ عنده، والأسماكُ لها حدٌّ تقفُ عنده، والجسْمُ البشريُّ فيه حدودٌ، وفيه مقاييسُ، وفيه ضوابطُ، وفيه موازينُ.
لو دقَّقتم في خلقِ السَّماواتِ والأرضِ لرأيتم العجبَ العُجابَ، قال سبحانه وتعالى: {والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} [الحجر: 19] .
فهذا النباتُ موزونٌ، قيمُه الغذائيّةُ موزونةٌ، حجمهُ موزونٌ، نموُّه موزونٌ، تكاثرهُ موزونٌ، لولا هذا الشيءُ الموزونُ لأهلكَ اللهُ الإنسانَ بهذا النموِّ العشوائيِّ، وما حادثةُ هذا النوعِ من الصَّبّارِ إلاّ دليلٌ واضحٌ على أن الله تعالى قد خَلَق كل شيءٍ بقدَرٍ.
هذه الآياتُ التي تسمعونها، أو التي تروْنها، أو التي تقرؤونها، لا تجعلوها تمرُّ هكذا مروراً عابراً دون أنْ تقفوا على حقيقتِها، وعلى عظمةِ خالقِها، فالله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190-191] .

عدد الخلايا وأعمارها
(1/36)

إنّ عددَ الخلايا في الجسمِ البشريِّ يزيدُ على مئةِ ألفِ ألفِ مليونٍ، أيْ مئة ألفِ بليونٍ، أو مئة ترليون، هذه الخليةُ لا يمكنُ أن تراها بالعينِ المجرَّدةِ، إلا إذا كُبِّرتْ مئةً وأربعين مرةً، ووزنُ هذه الخليةِ واحدٌ مِن ألفِ مليونٍ من الغرامِ، أيْ إنّ ألفَ مليون خلية إذَا وُضِعتْ في ميزانٍ فإنها تزن غراماً واحداً، وإنّ الجسمَ يستهلك في كلِّ ثانيةٍ مئةً وخمسةَ وعشرين مليونَ خليةٍ.
ولكنَّ الشيءَ الذي يلفتُ النظرَ أنّ الخليةَ لها نواةٌ، وفيها الصبغياتُ التي تنطوي على المورِّثاتِ، فقد توصل العلمُ إلى اكتشافِ ثمانمئة مورِّثٍ، أو معلومة على المورِّثات، بِكَمٍّ كبير.
في الخلية نواةٌ، ونويةٌ، وهيولى، التي هي جسمُ الخليةِ، وغشاءٌ، وللغشاءِ حديثٌ آخرُ، أما الهيولى (جسم الخلية) فهو الذي حيَّر العلماءَ، حتى إنهم صاحوا: إنّ الخليةَ ليست وحدةَ بناءٍ، بل هي وحدةٌ وظيفيةٌ، وليست أصغرَ جسمٍ يتألَّفُ منه الجسمُ.
فماذا في الخلية؟
الشيء المعجِزُ أنّ في الخليةِ تُصنع البروتيناتُ، وفي الخليةِ مخازنُ تخزَّنُ بها بعضُ الموادِّ، وفي الخليةِ أجهزةُ تنظيفٍ، وفي الخليةِ أنابيبُ توصيلٍ، وفي الخليةِ مولِّداتُ طاقةٍ، كلُّ هذا في هيولى الخليةِ، فهي إذاً ليست وحدةَ بناءٍ، بل هي وحدةٌ وظيفيةٌ.
الشيءُ المعجِزُ أنّ الخليةَ تتفاوتُ أعمارُها بحسبِ طبيعتِها، فخلايا البشرةِ لا تعيشُ أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ، كلما دخلتَ إلى الحمامِ، وأردتَ أنْ تنظفَ جسمَك شعرتَ أنّ شيئاً ينزاح عن جلدِك، إنها الخلايا الميتةُ، أمّا خلايا الأمعاءِ الدقيقةِ الماصَّة فإنها لا تعيشُ أكثرَ مِن ثمانٍ وأربعين ساعةً، أي يجب أنْ تعلمَ علمَ اليقينِ أنَّه في كلِّ ثمانٍ وأربعين ساعةً تتجدَّد أمعاؤُك الدقيقةُ، وإنّ هناك مِن الخلايا ما يعيش سبعةَ أيامٍ، كخلايا التذوُّقِ، وأنّ الكرياتِ الحمراءَ تعيشُ مئةً وخمسةً وعشرينَ يوماً.
(1/37)

ولكنّك إذا عشتَ خمسَ سنواتٍ، فيجب أنْ تعلمَ علمَ اليقينِ أنّ كلَّ خليةٍ فيك قد تجدَدتْ، إلا في موضعين؛ خلايا الدماغِ، والقلبِ، فلو أنّ خلايا الدماغِ تجددَّتْ لنسيَ الإنسانُ معلوماتِه، تعلَّم الطبَّ، ثم نسيَه، تعلّمَ الهندسةَ، ثم نسيَها، تنسى كلَّ المعلوماتِ، والخبراتِ، والذكرياتِ؛ لذلك شاءت حكمةُ اللهِ عزَّ وجل أنْ تبقى خلايا الدماغِ في الجنينِ حتى الموت، وكذلك خلايا القلبِ.
مَن هو الشيخُ؟ هو الذي غلبتْ فيه عواملُ الموتِ على عواملِ الحياةِ، فالخلايا لها عمرٌ، وهي هناك حيةٌ ميتةٌ، تدخلُ شيئاً فشيئاً في جسمه، هذا معنى: {تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} [آل عمران: 27] .
الخلايا الميتةُ تلدُ خلايا حيَّة، {وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27] .

أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون
قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
إنّ الجسمَ البشريَّ يتكوَّنُ من خلايا، والخليةُ هي الوحدةُ الأساسيةُ التي يتكوّنُ منها الكائنُ الحيُّ، وفي جسمِ الإنسانِ البالغِ مئةُ ترليون، أيْ ألفُ بليون، أيْ مئة ألفِ ألْفِ مليونِ خليةٍ، والخليةُ وجودٌ حيٌّ لا تدركُه حواسُّنا، ولا تراهُ، ومِن الكرياتِ التي تحتاجُ إلى عدسةٍ مجهريةٍ تكبِّرُ الشيءَ مئةً وأربعين ضعفاً حتى تُرى بالعينِ الكرياتُ الحمراءُ، فإذا كبَّرنا الكريةَ الحمراءَ مئةً وأربعينَ مرةً نراها بالعينِ، ووزنُها واحدٌ من مليارٍ من الغرامِ، والجسمُ البشريُّ يستهلكُ في كل ثانيةٍ مئةً وخمسةً وعشرينَ مليونَ خليةٍ، والخلايا تجدِّدُ شبابَها كلَّ أسبوعٍ، وأصلُ كلِّ هذه الخلايا التي تعدُّ مئةَ ترليون خلية هي خليةُ نطفةِ الأمشاجِ، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان: 2] .
(1/38)

هذه الخليةُ فيها نواةٌ، قالوا عنها: إنها مركزُ الإدارةِ والإشرافِ، والقيادةِ، وعلى هذه النواةِ ثلاثةٌ وعشرون زوجاً من الصبغياتِ، وهذه مادةُ الحياةِ، وبها أسرارُ الوجودِ، وعلى هذه المورِّثاتِ، أو العُرَا الملونةِ، أو الجيناتِ، معلوماتٌ تزيدُ على خمسةِ آلافِ مليونِ معلومةٍ، وإنّ المعلوماتِ التي هي على المورِّثاتِ لو أردنا أنْ نكتبَها باللغةِ لاحتاجتْ إلى موسوعةٍ تزيدُ على مليونِ صفحةٍ، وفي كلِّ صفحةٍ خمسة آلافِ معلومةٍ، أي خمسةُ آلافِ مليونِ معلومةٍ متوضِّعةٍ على هذه المورثاتِ، ونحن لا ندري.
إنّ بحثَ المورِّثاتِ، وبحثَ الجيناتِ، وبحثَ الخليةِ شيءٌ معجزٌ، ويمكِنُ مِن خلالِه أنْ نعرفَ عظمةَ اللهِ إذْ يقول: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
حينما يغتسلُ الإنسانُ، وينزل مِن جلدِه بعضُ ما يسمَّى الوسخَ، إنها خلايَا ميتةٌ، وكلُّ خليةٍ لها نواةٌ، ولها نُوَيةٌ، ولها هيولى، ولها غشاءٌ، فهي وجودٌ حيٌّ قائمٌ بنفسِه، وفيها نشاطات، وقد تُدرس الخليةُ وحْدَها في الجامعاتِ سنواتٍ طويلةً.
أتحسبُ أنّك جِرمٌ صغيرٌ ... وفيكَ انْطَوَى العالَمُ الأكبرُ
أهذا الخالقُ العظيمُ الذي خَلَقَكَ، ولم تكنْ شيئاً مذكوراً، ألا ينبغي أن تتعرَّفَ إليه؟ ألا ينبغي أنْ تطيعَه؟

أجراس الإنذار المبكر في الجسم البشريّ
(1/39)

في الجسمِ البشريِّ آيةٌ دالّةٌ على عظمةِ اللهِ سبحانه وتعالى، سمّاها بعضُ العلماءِ (أجراسَ الإنذارِ المبكّرِ في الجسمِ البشريِّ) ، وبعضُ الدُّوَلِ المتقدّمةِ - في مقياسِ العصْرِ - تبتدعُ ما يُسمَّى أجهزةَ الإنذارِ المبكّرِ، وهذا الجسمُ الذي خَلَقَهُ اللهُ في أحسنِ تقويمٍ زوَّدهُ بهذه الأجهزةِ، أجهزةِ الإنذارِ المبكّرِ، هذه الأجهزةُ متوضِّعةٌ في الجلدِ، فالجلدُ هو سطحٌ يغطّي شبكةً هائلةً من الأعصابِ، وانتشارُ الأعصابِ تحتَ سطحِ الجلدِ شيءٌ رائعٌ، هذه الأعصابُ تنتهي بِجُسيماتٍ خاصّةٍ، يختصُّ كلٌّ منها بِنَقلِ حِسٍّ معيَّنٍ، هناك جُسيماتٌ تنقلُ الحرَّ والبرْدَ، فأنْ تغسلَ يدَيْكَ، وأنْ تضعَ الماءَ على وجهِك فهذا شيءٌ مقبولٌ في الشّتاءِ، أما أن تضعَ الماءَ على ظهرِك فهذا لا يحتملهُ معظمُ الناسِ، لأنّ عددَ الأعصابِ التي وُزِّعَتْ على ظهرِ الإنسانِ يفوقُ عددُها عدد الأعصاب التي في اليدِ والوجهِ، وهناك حكمةٌ بالغةٌ، فالأعضاءُ التي يجبُ أنْ تغسلَها كلَّ يومٍ خمسَ مرّاتٍ جُعِلَتْ أعصابُ الإحساسِ بالبرودةِ فيها ضعيفةً، ولكنّ الأماكنَ التي إذا صببْتَ عليها الماءَ تضرَّرَتْ جُعِلَتْ أعصابُ الإحساسِ بالبرودةِ فيها كثيرةً، وهناك جُسيماتٌ تتحسّس بالضّغطِ، واللَّمْسِ، وحولَ الضّغطِ موضوعٌ طويلٌ، كيف أنّ الإنسانَ يتقلّبُ في الليلةِ الواحدةِ ما يزيدُ على أربعينَ مرّةً، لأنّ الجسمَ إذا ضَغَطَ على جهةٍ معيّنةٍ ضاقَتِ الشرايينُ، فضعُفتِ الترويَةُ، لذلك هذه الجُسيماتُ تنقلُ الإحساسَ بالضّغطِ إلى المخِّ، وأنت نائمٌ، والمخُّ يُصدِرُ أمراً بالحركةِ، وهذا وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ، وهو من إعجازِه العلميِّ، قال تعالى: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال} [الكهف: 18] .
(1/40)

ولو أنّ التقليبَ كان على اليمينِ فقط لَوَقَعَ الإنسانُ مِن السريرِ، فحكمةُ الله عز وجل اقتضتْ أنْ يكونَ هذا التقليب ذاتَ اليمينِ، وذاتَ الشّمالِ، هذا هو الإحساسُ بالضّغطِ، وهناك الإحساسُ بالألمِ، يقولُ العلماءُ: "إنّ هناك من ثلاثةٍ إلى خمسةِ ملايين نهايةِ عصبيّةٍ تختصُّ بالألمِ! وأمّا للحرِّ والبرْدِ فهناك نهاياتٌ عَصَبيَّةٌ تزيدُ على مئتي ألفٍ، وأمّا للإحساسِ بالضّغطِ فهناك ما يزيدُ على خمسمئةِ ألفٍ؛ أي نصف مليون!! ".
هذه المعلوماتُ الدقيقةُ من حرٍّ وبرْدٍ، وألَمٍ، وضغطٍ، ولمْسٍ، ينقُلها ستَّةٌ وسبعون عصباً مركزيّاً إلى المخِّ، وأنت نائمٌ لا تدري! إذا لامسَتْ يدُك شيئاً حارّاً فإنّ استجابةَ اليدِ عن طريقِ سحبِ اليدِ تقِلُّ عن واحدٍ من مئةٍ من الثانيةِ، الشيءُ الخطِرُ لا يستدعِي أن يصلَ الإحساسُ إلى المخُّ، ولكن يكفي أن يصلَ إلى النخاعِ الشوكيِّ، الذي يصدرُ أمراً بِسَحبِ اليدِ في أقلَّ من واحدٍ في المئةِ من الثانيةِ، وأنت غيرُ منتَبِهٍ، لو أنّ يدَك لامسَتْ شيئاً حاراً، وأنت غيرُ منتبهٍ تسحبُها في استجابةٍ مِثاليّةٍ.
إنّ الإحساسَ بالتوازنِ - وهذا من وظائفِ بعضِ الأعصابِ - يحقّقُه خمسون مفصلاً، ومئتا عظمٍ، ومئتا عضلةٍ، كلّها تُسهِمُ في أن تبقَى واقفاً على قَدَمَيْكَ دونَ اختلالٍ في التوازنِ.
ما زلتُ أذكرُ هذه الآية: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] .
وفي أنفسِنا آياتٌ لا تنتهي، لو أنّ الإنسانَ صرفَ عمرَهُ كلّه في التدقيقِ في أجهزتِه، وأعضائِه، وعضلاتِه، وأعصابِه لا نقضى العمرُ، ولم تَنْقَضِ هذه الآياتُ الدالّةُ على عظمةِ اللهِ تعالى.
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنّهُ وَاحدُ

الثوابت والمتغيرات في جسم الإنسان
(1/41)

مِنَ الآياتِ الدَّالّةِ على إعجازِ اللهِ في خَلْقِهِ؛ أنّ اللهَ سبحانه وتعالى خَلَقَ قلبَ الإنسانِ، وجعَلَه متبدِّلَ الاستطاعةِ، مع أنّ هذا حتى الآنَ لم يكنْ، ولن يكونَ في القريبِ العاجلِ في المُحَرِّكاتِ التي يصنعُها الإنسانُ، فالمحرِّكُ له استطاعةٌ، لكنْ يُتَحَايَلُ على استطاعتِه بعلبةِ التروس - كما يقولون - لكنّ المحركَ له استطاعةٌ واحدةٌ، أمّا هذا القلبُ البشريُّ فتتبدَّلُ استطاعتُه بحسبِ الظروفِ، فبينما ينبضُ من ستينَ إلى ثمانينَ نبضةً في الدقيقةِ، وهذا هو الحَدُّ الأدنى الثابتُ، إذا به حينما يواجه ظروفاً صعبةً، صعودَ جبالٍ، أو صعودَ دَرَجٍ، أو حينما يواجهُ مشكلةً نفسيَّةً، أو حينما يخافُ ترتفعُ نبضاتُه إلى مئةٍ وثمانينَ نبضةً.
العينُ؛ ترى كلَّ شيءٍ بوضوحٍ تامٍّ بعدَ ستّةِ أمتارٍ، أما قبلَ الستةِ أمتار فلا بدَّ مِن عمليةٍ في غايةِ الإعجازِ، هي عمليةُ المُطابقةِ، فإذا أردتَ أنْ تنظرَ إلى كرةٍ فكأنّ ثمة جهةً ثالثةً تقيسُ المسافةَ بين العينِ والكرةِ، وتضغظُ على الجسمِ البلورِيِّ ضغطاً بمعشارِ الميكرونِ، حيثُ يبقى خيالُ هذا الجسمِ على شبكيةِ العينِ، وهذه المطابقةُ حتى هذه الساعةِ تفسيراتُها غير مُقْنِعَةٍ، إنّها عنايةُ اللهِ عزَّ وجل، بإمكانِك أنْ ترى طريقاً مزدحماً بالمارّةِ، كلَّما نظرتَ إلى إنسانٍ تبدَّلَ اِحْديدابُ العدسةِ تبدلاً، حيثُ يُجعلُ خيالُه على المحرقِ - أي على الشبكيَّةِ - وهذا لا يتمُّ إلا بعضلاتٍ هدبيةٍ بالغةِ الدقَّة، تضغطُ على الجسمِ البلورِيِّ فتزيدُ احديدابَه، أو تخفِّفُ منه، بحسبِ بُعْدِ الجسمِ عن العَيْنِ، وهذه هي المطابقةُ.
(1/42)

شيءٌ آخر ... الإنسانُ من الكائناتِ الثابتةِ حرارتُها، لكنْ كيف يواجهُ الإنسانُ الجوَّ الحارَّ، يواجهُه بملايينِ الغددِ العرقيةِ، والغددُ العَرَقِيَّةُ هي جهازٌ بالغُ الدقَّةِ في تكييفِ الجسمِ، فحينما تفرزُ هذه الغددُ السائلَ، وحينما يتمُّ التبادلُ الحروريُّ بين هذا الماءِ، وحرارةِ الجلدِ يكسبُ الماءُ من الجلدِ حرارتَه، وتخفُّ بذلك حرارةُ الجلدِ، إذاً فالتعرُّقُ وسيلةٌ بالغةُ الدقةِ والتعقيدِ، يتلافى بها الجسمُ ارتفاعَ الحرارةِ، فإذا انفخضتِ الحرارةُ عن الحدِّ المعقولِ يأتي الرَّجَفَانُ ليحرِّكَ العضلاتِ، وليولدَ حرارةً، ويقفُ شعرُ الجسمِ ليخزِّنَ كميةً من الهواءِ الساخنِ تعينُه على تلافي الجوِّ الباردِ، إذاً بالقشعريرةِ والتعرُّقِ يستطيعُ الجسمُ موجهةَ الجوِّ الحارِّ والباردِ.
أمّا الدماغُ؛ فإذا أصابَ الأعصابَ الحسيةَ مؤثرٌ خارجيٌّ كالحرِّ، أو البردِ، أو الألمِ، أو الأثرِ الكيمائيِّ لا شكّ أنّ الإنسانَ يشعرُ بالألمِ، ولكن إذا بَلَغَ الألمُ حداً لا يُطاقُ يفرزُ الدماغُ مادةً تخدِّرهُ، وهي مِن أرقى الموادِّ المخدِّرةِ حتى يغيبَ عن الألمِ، وهذا هو الإغماءُ، وهذا الإغماءُ سببَهُ أنّ الدماغَ يفرزُ مادةً تخدِّرُه، وتبعِدُه عن الإحساسِ بالألمِ.
أرأيتم إلى هذا الإنسانِ المعجِزِ في خَلْقِه؟ تارةً فيه ثوابتُ، وتارةً فيه تغيراتٌ، ضرباتُ القلبِ ثابتةٌ، ولكنْ تصلُ عند الضرورةِ إلى مئةٍ وثمانين، ورؤيةُ العينِ ثابتةٌ، ولكنْ دونَ الستّةِ أمتارٍ تجري مطابقةٌ من أدقِّ العمليّاتِ في العَينِ، وحرارةُ الجسمِ ثابتةٌ، لكنَّ القشعريرةَ والتعرُّقَ وسيلتان يتكيَّفُ بهما الجسمُ مع الجوِّ الحارِّ والجوِّ الباردِ، والدماغُ يشعرُ بالألمِ بشكلٍ ثابتٍ، لكنْ حينما يزدادُ الألمُ يتدخلُ الدماغُ فيفرزُ مادةً تخدِّرُه، وهذه هي حالةُ الإغماءِ التي يعانِي منها الإنسانُ أحياناً.

الساعة البيولوجية لدى الإنسان
(1/43)

اكتشفَ العلماءُ الفرنسيّونَ أنّ في مقدورِ النباتِ حسابَ الزمنِ، حيثُ إنّ بعضَ أوراقِ مجموعةٍ منَ النباتاتِ تؤدِّي حركاتٍ معينةً في وقتٍ محدَّدٍ من اليومِ، إذاً هذا النباتُ عنده ما يسمِّيه العلماءُ ساعةً بيولوجيةً، تحسبُ له الزمنَ.
واكتشفَ العلماءُ أيضاً أنّ في الحيوانِ ما يشبهُ ما في النباتِ، فهناك حيواناتٌ تعرفُ بدقَّةٍ بالغةٍ مرورَ الزمنِ، فتتّجهُ إلى مكانِ سُباتِها في الشتاءِ، لو تأخَّرَتْ أو بكّرتْ قليلاً لماتتْ، بحسابٍ في غايةِ الدقَّةِ تأوي بعضُ الحيواناتِ إلى أوكارِها لترقدَ طوالَ فصلِ الشتاءِ، ولولا أنها تعرفُ كيف يمرُّ الزمنُ لَمَا أمكنَهَا ذلك، قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
أمّا عند الإنسانِ فإنّ بجوارِ غدّتِه النُّخاميةِ مجموعةَ خلايا، لها خاصِّيةٌ عجيبةٌ، إنها تستشعرُ الضَوْءَ الذي يَسقطُ على قاعِ الشبكيّةِ في أثناءِ النهارِ، إذا استشعرتَ هذا الضوْءَ معنى ذلك أنَّ الوقتَ نهارٌ، فإذا غابتْ هذه الأشعةُ التي تسقُطُ على قاعِ الشبكيةِ، معنى ذلك عندَ هذه الخلايا أنّ الوقتَ هو وقتُ الليلِ.
فماذا يكونُ في النهارِ من تبدلاتٍ في جسمِ الإنسانِ؟ وماذا يكونُ في الليلِ؟
في النهارِ يزدادُ استهلاكُ الجسمِ للطاقةِ، فترتفعُ درجةُ حرارتِه نِصفَ درجةٍ عن المُعَدَّلِ الوَسَطِيِّ، وتنخفضُ نصفَ درجةٍ في الليلٍ.
فمَن يُشعِرُ الخلايا وخلايا الاستقلابِ أنّ الوقتَ وقتُ نهارٍ؟ هذه الخلايا التي إلى جوارِ الغدةِ النخاميةِ تستشعرُ مِن خلالِ اقتباسِها لقاعِ العينِ أنّ الوقتَ وقتُ نهارٍ.
فَسَّرَ العلماءُ هذه الظاهرةَ بالشكلِ التالي:
(1/44)

إنّ سقوطَ الضوءِ فوقَ الشبكيةِ ينتقلُ بوساطةِ سيَّالاتٍ عصبيةٍ عبرَ أليافِ العصبِ البصرِي إلى الغدةِ النخاميةِ، وهي ملكةُ الغددِ، والتي تؤمِّن التكاملَ والتكيُّفَ بين وظائفِ الأجهزةِ الداخليةِ، والنشاطُ العامُّ للجسمِ يرتبطُ بالغدةِ الدرقيةِ، فالغدةُ الدرقيةُ التي فيها الاستقلابُ، - وهو تحوُّلُ الغذاءِ إلى طاقةٍ - فهذا الغذاءُ يتحوَّلُ إلى طاقةٍ عاليةٍ في النهارِ، وطاقةٍ متدنيةٍ في الليلِ، هذه الغدةُ الدرقيةُ، مع الغدةِ النخاميةِ تتأثَّرُ بالزمنِ، بل هناك ساعةٌ تحسبُ تعاقُبَ الليلِ والنهارِ.
وتزدادُ ضرباتُ القلبِ في النهارِ، من عشرٍ إلى عشرين ضربةً عنها في الليلِ، ويزدادُ إدرارُ البولِ مِن ضعفين إلى أربعةِ أضعافٍ في النهارِ عنه في الليلِ، ومن خلالِ تسجيلِ النشاطِ الكهربائيِّ للدماغِ تبيَّن أنه يزدادُ في النهارِ، ويضعُفُ في الليلِ، وتزدادُ درجةُ لزوجةِ الدمِ في النهارِ عنها في الليلِ، ويزدادُ عددُ كرياتِ الدمِ البيضاءِ - كسلاحٍ دفاعيٍ في الإنسانِ - في النهارِ عها في الليلِ، ما الذي يُشعِرُ الجسمَ أنّ الوقتَ وقتُ نهارٍ؟
أنت بعقِلك تدركُ، ولكنَّ هذه الخلايا التي تتبدَّلُ وظائفُها بين النهارِ والليلِ، أو ترتفعُ مُعدَّلاتُ وظائفِها بين النهارِ والليلِ مَن يشعِرُها بالزمن؟
هذا ما اصطلحَ العلماءُ على تسميتِه "الساعةَ البيولوجيةَ"، فالساعةُ البيولوجيةُ مجموعةُ خلايا إلى جانبِ الغدةِ النخاميةِ، تستشعرُ ضَوْءَ الشمسِ الذي يسقُطُ على قاعِ الشبكيةِ في النهارِ، لذلك إذا عاشَ الإنسانُ في ظلامٍ مستمرٍّ تَخْتَلُّ وظائفُه الحيويةُ، لأنّ هذه الساعةَ البيولوجيةَ تتعطَّلُ عن العملِ لانعدامِ وصولِ الشمسِ إلى قاعِ العينِ.
(1/45)

أوضحُ شيءٍ في جسمِ الإنسانِ أنّ كيماتِ الهرموناتِ في الدمِ تتبدَّلُ من النورِ إلى الظلامِ، فهذه الهرموناتُ لها نِسَبٌ في الليلِ، ولها نسبٌ في النهارِ؛ لأنّ اللهَ جعَلَ النهارَ معاشاً، وجعلَ الليلَ لباساً، في الليلِ يزدادُ هرمونُ النموِّ، وتزدادُ هرموناتُ الإخصابِ، ويقلُّ استهلاكُ السكرِ ثلاثين في المئةِ عما هو في النهارِ، ولهذا تقلُّ فعاليةُ الجهازِ التنفُّسيِّ في الليلِ ثلاثينَ بالمئةِ عما هي في النهارِ، هذا من بعضِ معاني قولِ اللهِ عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] . وهذا التبدُّلُ يحدِّدُ مستوى حيويةِ وظائفِ الجسمِ الإنسانيِّ إلى أدنى مستوى لها خلالَ الليلِ، وتأخذُ بالارتفاعِ إلى أقصى درجةٍ في الساعةِ السادسةِ صباحاً، ويتبدَّلُ نبضُ القلبِ من الليلِ إلى النهار، ويتبدَّلُ الضغطُ الشريانيُّ من الليلِ إلى النهارِ.
أمّا المعدةُ فتكون قدراتُها الإفرازيةُ، وقدراتُها على هضمِ الطعامِ قليلةً في أثناءِ الليلِ.
قال العلماءُ: "مع الاستيقاظِ تتراكمُ في الدمِ مادةٌ تؤدِّي إلى تسارعِ النبضِ، وارتفاعِ ضغطِ الدمِ، وهذا يؤدِّي إلى نَشاطِ الجسمِ"، لذلك فهناك عند معظمِ الناسِ ذروتان للعملِ، مِنَ التاسعةِ حتى الثانيةِ عشرة ظهراً، ومن الرابعةِ حتى السادسةِ، في هذه الساعاتِ التي هي ذروةُ النشاطِ تزدادُ قدرةُ الحواسِ الخمسِ، ويُنصحُ ببذلِ الجهدِ في هاتين الذروتين، والخلودِ إلى الراحةِ في أوقاتِ انخفاضِ مستوى النشاطِ البشريِّ، لذلك قَالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللُّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا".
إنّ هذه الساعةَ البيولوجيةَ تشعِرُ الأجهزةَ، والأعضاءَ، والنُّسُجَ، والخلايا، والغُدَدَ أنّ الوقتَ وقتُ نهارٍ، فافْعَلِي كذا وكذا، وامتنِعِي عن كذا وكذا، ثم تُشعِرُ هذه الخلايا التي هي الساعةُ البيولوجيةُ الأعضاءَ، والأجهزةَ، والنُّسُجَ، والغددَ، والخلايا أنّ الوقتَ وقتُ ليلٍ، فافْعَلِي كذا وكذا، فما تفعله في النهارِ لنْ تستطيعَ أنْ تفعلَه في الليلِ.
(1/46)

قال العلماءُ: "إنّ الإنسانَ الذي يعملُ ليلاً ونهاراً بنوباتٍ سريعةٍ تضطربُ الساعةُ البيولوجيةُ في جسمِه".
وقد اكتشفَ العلماءُ مرضاً عند رجالِ الأعمالِ، هؤلاء الذين يتنقلون سريعاً من مدينةٍ إلى أخرى، فتضطربُ عندهم الساعةُ البيولوجيةُ، هذا من أدقِّ صنعِ اللهِ عز وجل، وهو القائلُ: {صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] .
عندك ساعةٌ، تبرمجُ الهرموناتِ، والنبضَ، والضغطَ، والحرارةَ، والقدرةَ على الهضمِ، وهذه الساعةُ تدركُ إذا كنتَ في النهارِ أم في الليلِ، دون أنْ يكونَ لها علاقةٌ بقوتك الإدراكيةِ، هذا صنعُ اللهِ الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ، {وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20-21] .

جهاز التكييف والتبريد في جسم الإنسان
منَ الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ عز وجل أنّ في الإنسانِ جهازَ تكييفٍ وتبريدٍ، يُعدُّ مِن أدقِّ وأعقدِ الأجهزةِ، فالإنسانُ كائنٌ يتميّزُ بحرارةٍ ثابتةٍ، تعادلُ سبعاً وثلاثين درجةً، فكيف يصنعُ لو ارتفعتِ الحرارةُ، أو انخفضتْ، هو لا يموتُ إلا في حالتين؛ إذا ارتفعتْ حرارتُه إلى الخامسةِ والأربعين مع الرطوبةِ المطلقةِ، أو ارتفعتْ إلى درجة الستين مع الجفافِ المطلقِ، فما دونَ هاتين الحالتين فالإنسانُ مزوَّدٌ بجهازٍ بالغِ التعقيدِ يثبِّتُ حرارتَه في الدرجةِ السابعةِ والثلاثين، كيف يكون ذلك؟
(1/47)

في الإنسانِ من ثلاثةٍ إلى أربعةِ ملايين غدةٍ عرقيةٍ، موزَّعةٍ في الجلدِ توزيعاً حكيماً، ففي باطنِ اليدِ مثلاً في السنتمترِ المربعِ أربعمئة وثمانونَ غدةً عرقيةً، هذه الغددُ العرقيةُ لو وُصِلَ بعضُها ببعضٍ لصارَ طولُها خمسةَ كيلومتراتٍ في جسمِ كلٍّ منا، هذه الغددُ العرقيةُ في أيامِ الحرِّ الشديدِ تفرزُ مِن مئتي سنتمترٍ مكعبٍ يومياً، إلى ألفٍ وخمسمئةٍ سنتمترٍ مكعبٍ في الساعةِ الواحدةِ، إذا أفرزَ العرقُ، وانتشرَ على سطحِ الجلدِ الذي تزيدُ مساحتُه في الإنسانِ على مترٍ وثمانيةٍ بالعشرةِ من الأمتارِ المربَّعةِ، هذا الماءُ الذي تفرزُه خلايا العرقِ يتبخَّرُ، ومع التبخُّرِ يحصلُ ما يُسمَّى التبادلَ الحراريَّ، فحينما يتبخّرُ العرقُ يمتصُّ حرارةً من الجسمِ تُعيدُه إلى الدرجةِ الثابتةِ، إنه من أعقدِ أجهزةِ التكييفِ في الكونِ.
وحينما يبردُ الإنسانُ تضيقُ الأوردةُ لتخفِّفَ جَوَلاَنَ الدم في السطحِ الخارجيِّ، ليحافظَ الدمُ على حرارتِه، فإذا شَعَرَ الإنسانُ بالحرِّ اتَّسَعَتِ الشرايينُ والأوردةُ حتى ينتشرَ الدمُ في أوسعِ مساحةٍ في الجلدِ، أما إذا بَرَدَ الإنسانُ فإنّ لونَه يصفرُّ، لأنّ قُطْرَ الأوردةِ والشرايينِ يضيقُ ليبقَى الدمُ في الداخلِ محافظاً على حرارتِه، وحينما يرتجِفُ الإنسانُ، فهذا الارتجافُ يُوَلِّدُ طاقةً حراريةً يعوِّضُ بها ما فَقَدَه في المحيطِ الخارجيِّ، وحينما يقفُ شَعْرُ الإنسانِ يحجزُ هواءً ساخناً بحجمٍ أكبرَ.
فهناك آليةٌ معقدةٌ تتمُّ لو هبطتِ الحرارةُ عن الحدِّ المعقولِ، وهناك آليةٌ معقدةٌ تتمُّ لو ارتفعتِ الحرارةُ عن الحدِّ المعقولِ.
لو أنّ ألفَ سنتمترٍ مكعّبٍ من العرق خرجَ من الإنسانِ لَفَقَدَ من الحرارةِ ما يساوي ألفاً وثلاثمئة سعرٍ حراريٍّ، فهو جهازُ تكييفٍ دقيقٌ، يواجِهُ الحرَّ، ويواجهُ البردَ.
هذه من آياتِ اللهِ الدالَةِ على عظمتِه، واللهُ سبحانه وتعالى يقولُ: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .

جهاز التعرق عندَ الإنسان
(1/48)

في الإنسانِ جهازٌ للتبريدِ، ويسمِّيه العلماءُ جهازَ التعرُّقِ، هذا الجهازُ بمنزلةِ جهازِ التبريدِ، وجهازِ التنظيمِ الحراريِّ للإنسانِ.
يتألّفُ هذا الجهازُ من مليون وحدةِ تبريدٍ، أيْ مِن مليون غدةٍ عرقيةٍ، والغدةُ العرقيةُ الواحدةُ تتألّفُ من أنبوبٍ طولُه ميليمتران، وقُطْرُه عُشْرُ الميليمتر، هذا الأنبوبُ يلتفُّ على نفسِه، ويتّصلُ بالجلدِ، وتتوزّعُ هذه الأنابيبُ على سطحِ الجلدِ على نحوٍ غيرِ متساوٍ، تكثرُ في الجبينِ، وفي أخمصِ القدمِ، وباطنِ الكفِّ، وفي أماكنَ أخرى من الجسمِ، بمعدّلِ ثلاثمئةِ غدةٍ عرقيةٍ في السنتيمتر الواحدِ، وكلُّ غدةٍ عرقيةٍ جهازُ تبريدٍ كاملٌ، وهذه الأنابيبُ المليونُ إذا وُصِلَ بعضُها ببعضٍ بَلَغَ طولُها خمسةَ كيلومتراتٍ في كلِّ جسمٍ، وفي كلِّ مئةِ غرامٍ من العرقِ الذي تنضحُ به هذه الخلايا تسعة وتسعون غراماً ماءً، وغراماً واحداً من الموادِّ المنحلةِ، نصفُها من الملحِ، ونصفُها من البولةِ، وبعضِ الموادِّ الكيميائيةِ الأخرى، والإنسانُ يفرزُ من العرقِ في الأربعِ والعشرين ساعةَ من ستمئةِ غرامٍ إلى ألفِ غرامٍ، إلى ما يعادِل كيلوغراماً من العرقِ، وإفرازُ العرقِ مستمرٌّ، ولا نشعرُ به إلا إذا كان غزيراً، والدليلُ على أن هناك إفرازاً مستمراً ليونةُ الجلدِ، ورطوبتُه، ولولا التعرُّقُ لما كان هناك ليونةٌ، ولما كانت هناك رطوبةٌ، والتعرُّق صمامُ أمانٍ لارتفاعِ حرارةِ الجسمِ، كيف أنّ بعضَ الأواني البخاريةِ لها صمامُ أمانٍ مخافةَ أن تنفجِرَ، وكذلك الجسمُ، لو أنّ الحرارةَ ارتفعتْ فوقَ معدَّلِها لماتَ الإنسانُ، لذلك هناك صمامُ أمانٍ، فإذا ارتفعتْ حرارةُ الجسمِ من الداخلِ، أو كان هناك حرارةٌ من الخارجِ، فإنّ هذه الأجهزةَ تفرزُ الماءَ الغزيرَ، وهذا الماءُ الغزيرُ يمتصُّ الحرارةَ الزائدةَ فيتبخَّرُ، وبهذه الطريقةِ يحافظُ على حرارةِ الجلدِ المعتدِلةِ.
(1/49)

مِن وظائفِ التعرُّقِ طرحُ البولةِ، وتليِينُ الجلدِ، وتنظيمُ حرارةِ البدنِ، لذلك يجبُ العنايةُ بتنظيفِ الجسمِ لإزالةِ آثارِ التعرُّقِ الكريهةِ، لأن في جسمنا أملاحاً، وحمضَ بولةٍ، تماماً كما في البولِ، فلذلك قيل: (اِغْتَسِلْ وَلَوْ مُدّاً بِدِينَارٍ) .
إنّ غسلَ الجمعةِ يرقَى إلى الواجبِ، لإزالةِ أسبابِ التعرُّقِ، وحقُّ اللهِ على المسلمِ أنْ يغتسلَ كلَّ سبعةِ أيامٍ، كما ورد في الحديث، فعَنْ جَابِرٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ غُسْلٌ فِي سَبْعَةِ أيَّامٍ كُلَّ جُمُعَةٍ"، والنظافةُ من الإيمانِ، فبهذا التنظيفِ تُزَالُ رائحةُ التعرُّقِ الكرِيهةُ، وتُزَالُ رواسبُ التعرُّقِ بعدَ التبخُّرِ، وتُفتَحُ مَساماتُ الجلدِ، وتُفتَحُ فوهاتُ غددِ التعرُّقِ.

كيف تواجه العضوية البرد
هذا الكائنُ البَشَرِيُّ، هذه العضويةُ التي خَلَقَها اللهُ في أحسنِ تقويمٍ، ماذا تفعلُ؟ وبماذا جُهِّزتْ لو أَصَابَها بردٌ شديد؟ كيف تدافعُ عن نفسها؟ ماذا أودعَ اللهُ بها مِن أجهزةٍ كي تواجهَ البردَ؟
قالَ العلماءُ: "يعدُّ الجلدُ في الإنسانِ وزارةَ الخارجيةِ، تنقلُ للإنسانِ كلَّ التغيّراتِ التي تصيبُ المُحيطَ، فهناك في الجلدِ مركزٌ لنقلِ المعلوماتِ المتعلقةِ بانخفاضِ الحرارةِ، وارتفاعِها، فإذا بَرَدَ الجَوُّ، ولم يكن هناك شيءٌ يُذْهِبُ البردَ، ماذا تفعلُ العضويةُ؟ ".
تضيِّقُ لمعةَ كلِّ الأوردةِ والشرايينِ، ولا سيما الأوعية السطحية، فإذا ضاقتْ لمعتُها قلّتْ كميةٌ الدماءِ التي تجولُ فيها، وإذا قلَّتْ كميةُ الدماءِ التي تجولُ فيها قلَّ الإشعاعُ الحراريُّ، فاحتفظَ الجسمُ بحرارتِه المختزَنَةِ مِن حَرْقِ الموادِ الغذائيةِ.
فالذي يصيبُه بردٌ شديدٌ يصفرُّ لونُه، ومعنى اصفرارِ اللونِ أنّ الشرايينَ المحيطيَّةَ التي تمتلئ بالدمِ تضيقُ لمعتُها، وإذا ضاقتْ لمعتها قلَّتْ كميةُ الدمِ، وقلَّتْ بالتالي الحرارةُ التي يخسَرُها الجسمُ مِن جرَّاءِ إشعاعِ الحرارةِ المختزنةِ في الدمِ.
(1/50)

شيءٌ آخرُ، ترسلُ الغدةُ النخاميةُ هرموناً إلى الغدةِ الدرقيةِ، والغدةُ الدرقيةُ تقومُ بمهمةٍ معقدةٍ صعبةٍ، ألا وهي الاستقلابُ، وهو تحويلُ الغذاءِ إلى طاقةٍ، فالغدةُ النخاميةُ ترسلُ أمراً هرمونياً إلى الغدةِ الدرقيةِ كي تزيدَ مِن الاستقلابِ، أي مِن حرقِ الموادِ الغذائيةِ، وينتجُ عنها حرارةٌ تجولُ في البدن، لو فَحَصْنا الهرموناتِ في الدمِ لوجَدْنَا نسبتَها مرتفعةً، ولا سيما التي تصدرُ عن الغدةِ النخاميةِ، والتي تأمرُ الغدةَ الدرقيةَ برفعِ مستوى الاحتراقِ في الجسمِ.
شيءٌ آخرُ، يواجهُ الإنسانُ البردَ بآليةٍ أُخرى، فهناك في رأسِ الإنسانِ ما يزيدُ على مئتين وخمسين ألفَ شعرةٍ، تزيدُ أو تنقصُ، لكلِّ شعرةٍ: وريدٌ، وشريانٌ، وعصبٌ، وعضلةٌ، وغدةٌ دهنيةٌ، وغدةٌ صبغيةٌ، فإذا بَرَدَ الإنسانُ يأتي أمرٌ إلى الأشعارِ فتنتصبُ، وإذا انتصبتْ حَجَزَتْ كميةً من الهواءِ الساخنِ أكثرَ مِن ذي قبلُ.
هذا ما تفعلُه العضويةُ دونَ أن تدريَ أيّها الإنسانُ، دونَ أنْ تدريَ تضيقُ الشرايينُ، دونمَ أن تدريَ تتحرَّكُ الغدةُ النخاميةُ لتواجهَ البَرْدَ، دونَ أنْ تدريَ ترفعُ الغدةُ الدرقيةُ مستوى الاستقلابِ، دونَ أن تدريَ تزيدُ كميَّاتُ السكرِ في الدمِ، فترتجفُ، وتنتصبُ أشعارُك، مِن أجل أن تواجهَ البردَ، فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقين.

بصمات الإنسان سجل وهوية وتوقيع
لو أنّ تَوْأَمَيْنِ تَخَلَّقا من بيضةٍ واحدةٍ، (هناك توأمان يتخلَّقان مِن بيضتين، وهناك توأمان يتخلَّقان من بيضةٍ واحدةٍ) ، فلو أنّ توأمين تخلَّقا مِن بيضةٍ واحدةٍ، فإنّ بصمةَ الأولِ تختلفُ عن بصمةِ الثاني، إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يشيرُ في كتابِه العزيز إلى هذه الحقيقةِ فيقول: {أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 3-4] .
(1/51)

استطاعَ العلماءُ أنْ يكتشفوا في هذه البصمةِ مئةَ علامةٍ، فلو أنّ اثنتي عشرةَ علامةً مِن مئةِ علامةٍ توافقتْ في بصمتين لكانتا لشخصٍ واحدٍ، وإنَّ احتمالَ أنْ تَتَشَابَهَ البصمتانِ بواقعِ المصادفة واحدٌ مِن أربعةٍ وستينَ ملياراً، أي إذا كان في الأرضِ أربعةٌ وستون مليارَ إنسانٍ، فهناك احتمالٌ واحدٌ أنْ تأتيَ البصمتانِ متشابهتين، وعددُ سكانِ العالَمِ ستة ملياراتٍ فقط.
شيءٌ آخر.. البصمةُ لها شكلٌ خاصٌّ؛ أقواسٌ، منحنياتٌ، منحدراتٌ، زوايا، تفرُّعاتٌ، خطوطٌ، جزرٌ، أخاديدُ، وفي بعضِ معاهدِ الطبِّ عرضت بصمةٌ، وعُرِضَ تحتها خمسةَ عشرَ ألفَ بصمةٍ، فلم تتشابهْ منها اثنتان، ولو في سبعِ نقاط.
تتَكَوَّنُ البصمةُ والطفلُ في رَحِمِ أمِّه، في الشهرِ السادسِ مِن الحَملِ، وتبقَى حتى الموتِ، وإذا أزيلتْ هذه القطعةُ مِن اللحمِ إزالةً كليةً نَبَتَ لحمٌ جديدٌ عليه البصمةُ التي أزيلتْ، فلو أنَّ عمليةَ جِراحيةً أُجريَتْ لرجلٍ، وأزيلتْ بصمتُه كلياً، وأزيلَ هذا الجلدُ، وأُخِذَ جلدٌ له مِن مكانٍ آخرَ، وطُعِّمَ هنا، ما هي إلا أشهرٌ حتى تَبْدُوَ ملامحُ البصمةِ مرةً ثانيةً على هذا اللحمِ الجديدِ الذي أُخِذَ مِن مكانٍ آخرَ.
إنّ البصمةَ سجلٌّ، وهويةٌ، وتوقيعٌ، مِن صُنْعِ اللهِ عزَّ وجل، لا تستطيعُ قُوَى البشرِ أن تَمْحُوَه.
لقد أجرى بعضُ المجرمين عملياتٍ جراحيةَ على بصماتِهم، وطعَّموها بجلدٍ مِن مكانٍ آخرَ، بعد أشهرٍ ظهرتْ هذه البصماتُ ثانيةً، إنه توقيعٌ ربانيٌّ مَنَحَكَ إيَّاه، لا تستطيعُ قُوى البشرِ أن تمحوَه.
حينما يبعثُنا اللهُ سبحانه وتعالى، فهذا التوقيعُ، وهذه الخطوطُ، وهذه الأخاديدُ، وهذه الجزرُ، وهذه التفرُّعاتُ، وهذه التشجيراتُ تعودُ كما كانت.. {بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 4] .
هذه آيةٌ مِن آياتِ اللهِ سبحانه وتعالى، كيف تُخلَقُ هذه البصمةُ، وأنت في رحمِ أمِّك؟ وكيف يعيدُ اللهَ سبحانه وتعالى ملامحَها حينما يبعثُنا بعدَ الموتِ؟.

علم النفس الإسلامي
اليأس، والنفاق، والإحباط في علم النفس الإسلامي
(1/52)

إنّ علمَ النفسِ الإسلاميَّ علمٌ مؤصَّل عظيم، أيْ علاقات ثابتةٌ، وقواعدُ، وقوانينُ، هو علمُ النفسِ، وأنت نَفْسٌ، نفسُك التي بين جَنْبَيْك، هي ذاتُك، هي الخالدةُ التي لا تموتُ، هي التي تسمُوا، وهي التي تفسدُ، علمُ النفسِ الإسلاميُّ، أيْ حقائقُ النفسِ المستنبَطَةُ مِن كتابِ اللهِ وسُنةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم.
إنّ الإنسانَ إذا اتّصلَ باللهِ عز وجل فقد عرف حقيقة ذاته، وحقيقة فطرته، فإذَا انقطَعَ عنه أُصيبَ بما يسميه علماءُ وأطباءُ النفسِ اضطراباتٍ نفسيةً، تُعَدِّدُ هذه الكُتبُ مِن الاضطراباتِ النفسيةِ اليأسَ، قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} [هود: 9] ، وقال سبحانه: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يَئُوساً} [الإسراء: 83] .
فاليأسُ اضطرابٌ نفسيٌّ سببُه الانقطاعُ عن اللهِ عز وجل، لأنّ عدمَ الإيمان به، أو الانقطاعَ عنه يؤدّي إلى هذا الاضطرابِ، وهو مِن لوازمِ عدمِ الإيمانِ، وعدمِ الاتصالِ باللهِ عز وجل، ولكنّ المؤمنَ يغلبُ عليه التفاؤلُ، ويغلبُ عليه الثقةُ بما عندَ اللهِ عز وجل، وقد قيل: "فإذَا أردتَ أنْ تكونَ أقوى الناسِ فتوكَّلْ على اللهِ، وإذَا أردتَ أنْ تكونَ أغنى الناسِ فكنْ بما في يَدَي اللهِ أوثقَ ممّا بين يديك، وإذَا أردتَ أنْ تكونَ أكرمَ الناسِ فاتقِ اللهَ".
يَعُدُّ علماءُ النفسِ الإسلاميِّ النفاقَ اضطراباً نفسيّاً سببُه الشركُ، فإذا أشركَ الإنسانُ باللهِ، ورأى معه آلهةً بيدهِم أمْرُه، وبيدِهِم نفْعُه وضرُّه، إذا انطلقَ مِن هذه النظرةِ، فمِن لوازِم هذا الخطأ الإيمانيِّ: اضطرابٌ نفسيٌّ، إنه النفاقُ.
قال تعالى: {وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8-9] .
فالنِّفاقُ ظاهرةٌ مَرَضيةٌ، واضطرابٌ نفسيٌّ، سبَبُه الشِّركُ.
(1/53)

ويكون الإحباطُ: حينما يعلِّقُ الإنسانُ آمالَه بغيرِ اللهِ، ثمّ يجدُ أنّ هذه الذي علَّقَ عليه الآمالَ خذَله، ولمْ يتحقَّقْ هدَفُه، فيُصابُ بحالةٍ نفسيةٍ مؤلمةٍ جداً، إنها الإحباطُ، قال سبحانه وتعالى:
{وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} [الزمر: 65] .
وتفسيرٌ آخرُ للإحباطِ؛ وهو أنْ تظنَّ شيئاً ما كبيراً عظيماً، فتُقْبِلَ عليه، وتضيِّعَ مِن أجْلِه شبابَك، وشيخوخَتك، ثم تكتشفَ بَعْدَ فواتِ الأوانِ أنّه ليس بشيءٍ، وأنّه لا يمدُّك بسعادةٍ.
مِن أنواعِ الاضطرابِ النفسيِّ الناتجِ عن ضعفِ الإيمانِ، وعن ضعفِ الصلةِ باللهِ ما يسمَّى الصراعَ المستمِرَّ، فإذَا استمرَّ الصراعُ انقلبَ إلى لا مبالاةٍ، وهذا مرضٌ مِن أمراضِ العصرِ؛ صراعٌ بين الحقِّ والباطلِ، صراعٌ بين الحاجةِ والقيَمِ، صراعٌ بين الدنيا والآخرةِ، صراعٌ بين العقلِ والشهوةِ، ومع ضعفِ الإيمانِ يصبحُ الإنسانُ ضحيَّةَ هذا الصراع، قال تعالى: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هاؤلاء وَلاَ إِلَى هاؤلاء وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} [النساء: 143] .
والاكتئابُ - وهو مرضُ العصرِ - إذْ مجموعُ الذين يعالجون في العياداتِ النفسيةِ في مجتمعاتِ الشرودِ عن اللهِ كثيرة جدّاً، وبعضُ الأطباءِ النفسِّيين يعالجون عند زملائِهم، فالاكتئابُ مرضُ العصرِ، سببُه أنّ فطرتَهم سليمةٌ، فلمّا انحرفوا عذَّبَتْهم فطرتُهم فاكتأبوا، هذا ما سمّاه العلماءُ: الشعورَ بالذنبِ، وعقدةَ النقصِ، أو الاكتئابَ، قال عز وجل:
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} [طه: 124] .
إذا آمنَّا باللهِ عز وجل عِشْنَا حالةً اسمُها الصحةُ النفسيةُ، نفسٌ رضيةٌ، مطمئنةٌ، متفائلةٌ، متوازِنةٌ، هذه الصِّفاتُ الراقيةُ هي مِن ثمارِ الإيمانِ.

تأثير الفرح والحزن على النفس
(1/54)

ممَّا يَلفتُ النظرَ في قولِه تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ * لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22-23] أنّ هاتين الآيتين، ولا سيّما الثانيةِ أشارتْ إلى أنّ الإنسانَ إ ذا ازدادَ حزنُه، أو ازداد فرحُه لم يتحمَّلْ قلبُه هذا، ولا ذاك، فممَّا يجعلُ حزنَه مقبولاً وسليماً، وممّا يجعلُ فرحَه مقبولاً وسليماً أنْ يرَى الأمورَ مِنَ اللهِ عز وجل، وأنْ يُوَحِّدَ، فإذا وحَّدَ خفَّتْ وطأةُ المصائبِ عليه، وإذا وَحَّدَ خفَّتْ وطأةُ الأفراحِ عليه، فللأفراحِ أحياناً صدمةٌ نفسية كما للأحزانِ تماماً، فكم مِن فقيرٍ ورثَ مالاً طائلاً فماتَ حتْفَ أنفِه؛ لأنه لم يتحمَّلِ الخبرَ، فربُّنا عز وجل يقولُ: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} أي إذا كنت موحِّداً، ونظرتَ إلى الأمورِ على أنّها مِنَ اللهِ عز وجل فإنّ وطأةَ الأحزانِ تخفُّ على قلبِك، وشدّةَ الأفراحِ تخفُّ على قلبِك، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَأ أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذِهَابَ هَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحاً" قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلاَ نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: "بَلَىَ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا".
(1/55)

وقال عليه الصلاة والسلامُ: "مَن أَلْبَسَهُ اللهُ نِعْمَةً فَلْيُكْثِرْ مِنَ الْحَمْدِ للهِ، وَمَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ، وَمَنْ أَبْطَأَ عَنْهُ رِزْقُهُ فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ".
ويقولُ ابنُ عباسٍ رضي الله عنه - وهذا القولُ دقيقٌ جداً - (ليسَ أحدٌ منّا إلا وهو يحزنُ ويفرحُ، ولكن مَن أصابَتْه مصيبةٌ جَعَلَها صبراً، ومَن أصابَهُ خيرٌ جَعَلَه شكراً) .
ومِن أغربِ الإحصاءاتِ أنه ماتَ مِن رعايا بعضِ البلدانِ الغريبةِ في الحربِ العالميةِ الثانيةِ مليونانِ بسببِ الشدَّةِ النفسيةِ، وأمّا في ساحةِ المعركةِ فقد ماتَ ثلث مليونٍ، إذاً فالشدةُ النفسيةُ دونَ توحيدٍ، ودونَ إيمانٍ تفعلُ فعلاً خطيراً في الإنسانِ، لذلك قال الله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ} [الحديد: 22] .
فمَن عَرَفَ الدنيا لم يفرحْ لرخاءٍ، ولم يحزْن لشقاءٍ، قد جَعَلَها اللهُ دارَ بلوَى، وجَعَلَ الآخرةَ دارَ عُقبَى، فجعلَ بلاءَ الدنيا لعطاءِ الآخرةِ سبباً، وجَعَلَ عطاءَ الآخرةِ مِن بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذُ ليعطِي، ويبتلِي ليجزيَ.

اللون الأخضر
وردَ في القرآنِ الكريمِ اللَّونُ الأخضرُ في آياتٍ عدّةٍ، قال عز وجل: {مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 76-77] .
وفي آية أخرى: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وحلوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [الإنسان: 21] .
وفي آية ثالثة: {أولائك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرآئك نِعْمَ الثواب وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 31] .
(1/56)

فماذا قالَ علماءُ النفسِ حولَ علاقةِ الإنسانِ بالألوانِ؟ قالوا: "إنّ تأثيرَ اللونِ في الإنسانِ بعيدُ الغورِ، بل ربما يؤثِّر اللونُ في إقدامِنا وإحجامِنا، وربما أشْعَرَنا بالحرارةِ، أو أشعَرَنا بالبرودةِ، أو أشعَرَنا بالمسّرةِ، أو أشعرَنا بالكآبةِ، فاللّونُ له تأثيرٌ كبيرٌ، بل ربما أثَّر اللونُ في شخصيةِ الإنسانِ، ونظرتِه إلى الحياةِ".
يقولُ العلماءُ: "اللّونُ الأصفرُ بطولِ موجتِه يبعثُ النشاطَ في الجهازِ العصبيِّ، فإذا أردتَ أنْ تعلنَ إعلاناً صارخاً في الطرقاتِ العامّةِ، فاللونُ الأصفرُ أطولُ أمواجاً من غيره مِنَ الألوانِ، ينشطُ الجهازَ العصبيَّ، ويؤثِّر فيه أبلغَ التأثيرِ.
واللونُ الأرجوانيُّ يدعو إلى الاستقرارِ، واللونُ الأزرقُ يشعِرُ بالاتساعِ، ويشعِرُ بالبرودةِ، واللونُ الأحمرُ ومشتقاتُه يشعر بالدفءِ، لكنّ اللَونَ الذي يبعثُ السرورَ داخلَ النفسِ البشريةِ، ويثيرُ بواعثَ البهجةِ فيها فهو اللونُ الأخضرُ؛ لذلك جَعَلَ اللهُ النباتَ أخضرَ اللونِ، هذه المساحاتُ الخضراءُ في الأرضِ تبعثُ في النفسِ البهجةَ".
لذلك اختيرتْ ثيابُ الجرّاحينَ من اللونِ الأخضرِ؛ لأنّ المريضَ - وهو على وشكِ أنْ تُجرَى له العمليةُ - يشعر بالبهجة وهو يرى الثوب الأخضر.
ومما يَلفتُ النظرُ أنّ اللهَ سبحانه وتعالى ذَكَرَ أهلَ الجنةِ، وذَكَرَ ما في الجنةِ من نعيمٍ، وَوَردَ اللونُ الأخضرُ في هذه الآياتِ.

علاقة الغضب بالصحة
إنّ الانفعالاتِ الشديدةَ تؤدِّي - بآلياتٍ عديدةٍ - إلى تسرُّعِ القلبِ، والتنفسِ، وارتفاعِ ضغطِ الدمِ، فيحمرُّ الوجهُ، وتنتفخُ الأوداج، فالغاضبُ يرتفعُ نبضُ قلبِه إلى مئةٍ وستين نبضةً، ومع ارتفاعِ الضغطِ هناك خطرُ نزيفٍ في الدماغِ، وخثرةٌ في الدماغ تعني الشلل، أو جلطةً في القلبِ، أو عمًى مفاجئاً.
(1/57)

قال العلماءُ: "معظمُ حالاتِ الداءِ السكريِّ تأتي عَقِبَ انفعالٍ شديدٍ"، لأنّ الإنسانَ حينما يغضبُ تأمرُ الغدةُ النخاميةُ - وهي ملكةُ الغددِ - الكظرَ، فيعطي أمراً للكبدِ بطرحِ كميةٍ كبيرةٍ من السكرِ، فيزدادُ السكرُ فجأةً في الدمِ، فيعطيه لزوجةً، لذلك كان الداءُ السكريّ غالباً ما يأتي عَقِبَ انفعالٍ شديدٍ جداً.
شيءٌ آخرُ: الغضبُ الشديدُ يؤدِّي إلى ارتفاعِ شحومِ الدمِ، وهذه تؤدِّي إلى تصلُّبِ الشرايينِ، وهذا يؤدِّي إلى أمراضٍ في القلبِ.
وتثبِّطُ الانفعالاتُ الشديدةُ حركةَ الأمعاءِ، فعصبيُّ المزاجِ معه إمساكٌ مزمنٌ، ومع الإمساكِ المزمنِ إنتاناتٌ، وتقرُّحات، وقد تؤدِّي إلى سرطاناتٍ في الأمعاءِ.
أمّا أعظمُ خطرٍ فهو أنّ الانفعالَ الشديدَ يضعِفُ جهازَ المناعةِ في الإنسانِ، ومع ضعفِ جهازِ المناعةِ تقوَى الجراثيمُ والأورامُ الخبيثةُ؛ لأنّ جهازَ المناعةِ المكتسبَ مسؤولٌ عن الأمراضِ الجرثوميةِ والسرطانيةِ.
إنّ تسعةً وتسعين بالمئةِ من مرضى الإيدز عندهم سرطانٌ، لأنه لمَّا فَقَدَ هذا الجهازُ فعاليتَه نَمَتِ الخلايا نموّاً عشوائيّاً.
لذلك كان الحِلمُ سيدَ الأخلاقِ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغضب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَوْصِنِي، قَالَ: "لا تَغْضَبْ" فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: "لا تَغْضَبْ".
الحِلمُ خُلُقٌ عالٍ جداً، لكنّ التوحيدَ يُعِينك على الحلمِ، فإنْ رأيتَ الأمرَ كلَّه بيدِ اللهِ - وأفعالُ اللهِ كلُّها حكيمةٌ، وكلُّ شيءٍ أرادَه اللهُ وَقَعَ، وكلُّ شيءٍ وَقَعَ أرادَه اللهُ، وإرادتُه متعلِّقةٌ بالحكمةِ المطلقةِ، وحكمتُه المطلقةُ متعلقةٌ بالخيرِ المطلقِ، وما شاء اللهُ كان، وما لم يشأْ لم يكنْ - فإن هذا التوحيدَ سيكون برْداً وسلاماً.
التوحيدُ راحةٌ، التوحيدُ طمأنينةٌ، التوحيدُ ثقةٌ باللهِ، والتوحيدُ وقايةٌ وصحةٌ.
(1/58)

يقول تعالى: {الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين} [الشعراء: 78-82] .
لمْ يقلِ إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما أخبر اللهُ جلَّ جلالُه: والذي يُمرِضُني ويشفيني، بل قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} فعُزِيَ المرضُ في الآيةِ إلى الإنسانِ ... لضعفِ توحيدِه اضطرَب ... لضعفِ توحيدِه انفعلَ ... لشِركه حَقَدَ، فالحقدُ والانفعالُ أسبابُها الشركُ.

النوم
النوم المبكر
إنّ الذي يقرأُ كلامَ اللهِ، ويقرأُ السنةَ النبويةَ المطهرةَ يستنبِطُ من خلالِ آياتٍ عدّةٍ، ومن خلالِ أحاديثَ عدةٍ، أنّ اللهَ عز وجل ونبيَّه الكريمَ يرغِّبون بالنومِ باكراً، والاستيقاظِ باكراً، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} [النبأ: 9] ، وقال تعالى: {وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء: 78] .
وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا".
وعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا فِيَها".
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "جَدَبَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم السَّمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، يَعْنِي زَجَرَنَا"، ولكن يجوز السهر لطلب العلم، فقد قال البخاري في صحيحه: باب السمر في العلم، وساق أحاديث على ذلك.
أمّا أنْ تسهرَ لغيرِ طلبِ العلمِ فهذا ليس مِن السنةِ النبويةِ المطهرةِ، لا تجتمعوا بعد صلاةِ العشاءِ إلا لطلبِ العلمِ، كأنَّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ يريدُنا أنْ ننامَ باكراً، وأنْ نستيقظَ باكراً، واللهُ سبحانه وتعالى يقول: {وَقُرْآنَ الفجر} وفي بعضِ تفسيراتِ هذه الآيةِ، يعني القرآنَ الذي تتلوه في صلاةِ الفجرِ، {إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً} .
(1/59)

يقرِّرُ العلماءُ أنّ أعلى نسبةٍ لغازِ الأوزونِ تكون عندَ الفجرِ، وهذه النسبةُ تَقِلًُّ تدريجيّاً حتَّى تضمحلَّ عندَ طلوعِ الشمسِ، أمَّا تأثيرُ هذه الغازِ - غازِ الأوزونِ - فهو تأثيرٌ مفيدٌ جداً للجهازِ العصبيِّ، ومنشِّطٌ جداً للعملِ الفكريِّ والعضليِّ، فمن بَقِيَ في فراشِه، واستيقظَ بعدَ الشمسِ شَعَرَ طوالَ اليومِ بانهيار القُوى، هذه الحقيقةُ الأولى.
شيءٌ آخرُ، نسبةُ الأشعةِ فوقَ البنفسجيةِ تكونُ أكبرَ عندَ الشروقِ منها حين ترتفعُ الشمسُ في كبدِ السماءِ، وهذه الأشعةُ فوقَ البنفسجيةِ هي التي تحرِّضُ الجلدَ على صنعِ الفيتامينِ (د) ، والفتيامين (د) هو وحده الذي يثبِّتُ الكلسَ في العظامِ، فإنّ هشاشةَ العظامِ، وسرعةَ انكسارِها، وضعفَ البنيةِ العظميةِ سببُها النومُ إلى ما بعدَ طلوعِ الشمسِ.
ثالثاً: الاستيقاظُ الباكرُ يمنعُ النومَ المديدَ، فإنّ ثماني ساعاتٍ مِنَ النوم المتَّصِلِ تُضعِفُ نشاطَ الجسمِ إلى أدنى حدٍّ، ويقل عددُ نبضاتِ القلبِ إلى أدنى حدٍّ، ويجري الدم بطيئاً في الشرايينِ، وعندئذٍ تترسَّبُ الموادُّ الدّهنيةُ في جدرانِ الشرايينِ، وهذا الذي يسبِّبُ ضيقَها، كما يُسبِّب ذلك الذبحةَ الصدريةَ ... إنه النومُ المديدُ، وإنّ الاستيقاظَ إلى صلاةِ الفجرِ يمنعُ النومَ المديدَ، فإن كان ولا بدّ فاجعلِ النومَ على دفعتين؛ قبلَ الصلاةِ وبعد طلوع الشمس.
شيء آخر، في الجسمِ مادّةٌ تزيدُ الفعالياتِ كلّها في الجسمِ، وترفعُ مستوى استقلاباتِه، وتزيدُ نسبةَ السكرِ في الدمِ، هذه المادةُ تبلغُ أعلى درجةٍ عند الفجرِ، وهذه المادةُ اسمُها الكورتيزول، وهي موجودةٌ في الإنسانِ، وفوقَ هذا وذاك تزيدُ الفعاليةَ العامّةَ للأجهزةِ، والأعضاءِ في الإنسانِ، هذه تبلغ نسبتها اثنتين وعشرين درجة عند الفجر، وتقلُّ إلى سبعِ درجات.
هذه بعضُ الحقائقِ التي تدعِّمُ أنّ هذا الكتابَ الكريمَ، وتلك السنَّةَ الشريفة؛ مِن قِبَلِ الله تعالى وحدَه.

ومن آياته منامكم بالليل
(1/60)

يقولُ العلماءُ: إنّ النومَ أعظمُ نعمةٍ أَنْعَمَ اللهُ بها علينا لاستعادةِ نشاطِ الأجسامِ التي أَنْهَكَهَا التعبُ، يقولُ اللهُ عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [الروم: 23] ، أيْ: ومِن آياتِه الدالّةِ على عظمتِه.
تقول أحدَثُ البحوثِ في موضوعِ النومِ: إنّ الإنسانَ إذا استيقظَ، وبدأَ بالعملِ أفرزَ في دمِه مادةً، أو موادَّ كيميائيةً بنسبٍ ضئيلةٍ جدّاً، وكلما مَرَّ الوقتُ ارتفعتْ هذه النِّسَبُ، فإذا بلغتْ حدّاً مُعَيَّناً في الدَّمِ إثرَ مرورِ الزمنِ على بذلِ الجهدِ أرسلتْ أمراً إلى الدماغِ، الذي يرسِلُ بدورِه أمراً عَصَبِياً كهربائيّاً إلى مراكزِ النومِ في العُقدِ العصبيةِ، فإمّا أنْ تتباعَدَ العقدُ العصبيَّةُ فتقطعَ السيَّالةُ الكهربائيةُ، وهذا هو النومُ، وإمّا أن تقتربَ بعضُها من بعض فتمرَّ السيَّالةُ العصبيَّةُ الكهربائيةُ، لهذا فإنّ آلية النومِ مادةٌ كيميائيةٌ، أو مجموعةُ موادّ تُفرَزُ في بدءِ اليوم بنسبٍ ضئيلةٍ جداً، وكلما مرّ الوقتُ ارتفعتْ هذه النِّسَبُ، حتى إذَا بلغتْ حدّاً معيَّناً أرسلَ الجسمُ إلى الدماغِ تبليغاً عصبيّاً لاقترابِ حالةِ الإعياءِ، حيث يأمرُ الدماغُ مراكزَ النومِ بالعملِ، فتتباعَدُ النهاياتُ العصبيةُ بعضها عن بعضٍ فيحدثُ النومُ، هذا تدبيرُ مَن؟ تنظيمُ مَن؟ خَلْقُ مَن؟ إبداعُ مَن؟ كيف تكونُ حياتُنا بلا نومٍ، لو سهِرَ الإنسانُ ليلتين متتابعتين لاختلَّ كيانُه، ولَفَقَدَ توازنَه، فكيف لو حُرمَ النومَ، قال سبحانه وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} .
(1/61)

في الجسمِ مراكزُ للنومِ الخفيفِ، ومراكزُ للنومِ العميقِ، قد تستلقِي على فراشِك ثمانيَ ساعاتٍ، فتنام منها ساعةً أَوْ ساعتين نوماً عميقاً، والساعاتُ الباقيةُ تنامُ فيها نوماً خفيفاً، بمعنى أنك على نوعٍ مِن الاطِّلاعِ على ما يجري حوْلك، مَن تكلَّمَ، أو دَخَلَ، أو مَن طَرَقَ البابَ، ومَن خَرَج، لكنَّ النومَ العميقَ لا تشعرُ فيه بشيءٍ مِن ذلك، فمَن جَعَلَ في الجسمِ مركزاً للنومِ العميقِ، ومركزاً للنومِ الخفيفِ، ومركزاً لليقظةِ؟
ينامُ الطفلُ ساعاتٍ طويلةً من أربعٍ وعشرينَ ساعةً، كي ينموَ جسمُه، والذي يبلغُ عمرُه خمسَ سنينَ ينامُ اثنتَي عشرةَ ساعةً، والمراهقُ ينامُ تسعَ ساعاتٍ، والبالغُ ينامُ من سبعٍ إلى ثمانِي ساعاتٍ.
مَن نَظَّمَ النومَ؟ مَن نظَّمَ مدّتَه؟ من نَظّمَ نوعيتَه؟ مَن جَعَلَه فترةَ استجمامٍ وراحةٍ للعضلاتِ والأجهزةِ؟ يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [الروم: 23] .

النوم على الشّقّ الأيمن
حينما يأوي الإنسانُ إلى فراشِه ليراقبْ نفسَه كيف ينامُ، بعضُ الناسِ ينامون على بطونِهم، وبعضُهم ينامُ على ظهرِه، وبعضُهم ينامُ على شقِّهِ الأيمنِ، وبعضُهم ينامُ على شقِّه الأيسرِ، فالذين ينامون على بطونِهم يشعرون بضيقٍ في التنفُّسِ؛ لأن ثِقَلَ الظَّهرِ والهيكلِ العظميِّ يقعُ على الرئَتَيْن، إضافةً إلى أنّ هذه النومةَ غيرُ لائقةٍ.
(1/62)

أمّا الذين ينامون على ظهورِهم فإنهم يعطِّلون جهازاً مِن أدقِّ الأجهزةِ، وهو جهازُ التسخين والتصفية، ففي الأنفِ سطوحٌ متداخلةٌ، فيها شرايينُ ذواتُ عضلاتٍ، إذا توسعتِ العضلاتُ جاءت كميةٌ كبيرةٌ من الدمِ، فإذا سارَ الهواءُ في هذه السطوحِ المتداخلةِ على نحوٍ حلزونيٍّ، ولامسَ كمياتِ الدمِ الكبيرةَ المتدفقةَ على الأنفِ بفعلِ عضلاتِ الشرايينِ عندئذٍ يسخنُ الهواءُ، ويصلُ إلى أولِ القصبةِ بدرجة 38، ولو كان قبلَ دخولِه الأنفَ بدرجةِ الصفرِ، أضِفْ إلى أنّ هذه السطوحَ فيها مادةٌ لزجةٌ، فأيُّ غبار، وأيُّ هَباب، أيُّ جسمٍ، أيُّ شيء يمكنُ أنْ يعلقَ بها، ولو تصوّرنا أنّ شيئاً مَا استطاع أنْ يسيرَ بين السطوحِ دون أنْ يلمسَها، أو أنْ يعلقَ عليها، فهناك الأشعارُ التي خلَقَها اللهُ في الأنفِ من أجلِ أنْ تصطادَ هذه الموادَّ الغريبةَ، وهذه الأشياءَ العالقةَ في الهواءِ، إنه أرقى جهازِ تسخينٍ، وأرقى جهازِ تصفيةٍ من أجلِ أنْ يصلَ الهواءُ إلى الرغامى نقياً، دافئاً، نظيفاً، مصفىً.
إذا نامَ الإنسانُ على ظهرِه، وتنفَّسَ من فمِه فكأنه عطّلَ هذه الأجهزةَ البالغةَ التعقيدِ، ولذا يرى المرءُ أنفَه عند البردِ الشديدِ أحمرَ قانياً، وإذا تنفّسَ الإنسانُ من فمِه ماذا يحدث؟ سيكونُ أكثرَ تعرضاً للزكامِ من غيرهِ، وتجفُّ لثّتُه، وإذا جفّت تراجعتْ، وتراجعُ اللثّةِ عن الأسنانِ مرضُ العصرِ، أضِفْ إلى أنّ الشخيرَ الذي لا يحتمل سببُه هو التنفسُ من الفمِ.
(1/63)

إذاً النومُ على الظهرِ أو البطنِ ليس صحياً، بقي النومُ على الشقِّ الأيسرِ، فإنّ الطعامَ يستغرقُ في الحالةِ الطبيعةِ من ساعتين إلى أربعِ ساعاتٍ في المعدةِ، فإذا نام الإنسانُ عن الشقِّ الأيسرِ استغرقَ هضمُ الطعامِ من خمسِ إلى ثماني ساعاتٍ، لأن الرئة اليمنى - وهي الكبيرةُ - تضغظُ على القلبِ، والكبدُ - وهو أكبرُ الأعضاءِ - يبقى معلَّقاً قلقاً، أمّا إذا نامَ الإنسانُ على شقِّه الأيمنِ، والرئةُ اليسرى أصغرُ وأخفُّ، والكبدُ وهو أكبرُ أعضاءِ الجسمِ مستقرٌّ في الجسدِ على جهةِ الأرضِ، فإنّ الهضمَ يتمُّ بسرعةٍ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رأَى رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً مُضْطَجِعاً عَلَى بَطْنِهِ فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ ضَجْعَةٌ لاَ يُحِبُّهَا اللهُ".
قال بعضُهم: "النومُ على الظهرِ نومةُ الأمراءِ، والنومُ على البطنِ نومةُ الشياطينِ، والنومُ على الشقِّ الأيسرِ نومةُ الأغنياءِ، فإنّهم لكثرةِ أكلِهم ينامون على الشقِّ الأيسرِ كي يستريحوا، أمّا النومُ على الشقِّ الأيمنِ فهو نومُ العلماء".

النوم المديد
أثبتتِ الدراساتُ الطبِّيةُ الحديثةُ أنّ الإنسانَ الذي ينامُ ساعاتٍ طويلةَ على وتيرةٍ واحدةٍ يتعرَّضُ للإصابةِ بأمراضِ القلبِ بنسبٍ عاليةٍ جداً، وتعليلُ هذه الظاهرةِ أنّ شحومَ الدمِ تترسَّبُ على جدرانِ الشرايينِ الإكليليةِ للقلبِ، بنسبةٍ كبيرةٍ إذا طالتْ ساعاتُ النومِ، ممّا يؤدِّي إلى إضعافِ عملِ هذه الشرايينِ، وفقْدِها لمرونتِها، فلا تصلحُ بعدئذٍ لضخِّ كمياتِ الدمِ المناسبةِ لتغذيةِ عضلةِ القلبِ، كل شريانِ قلبٍ فيه مرونةٌ، والمرونةُ كالمطاطِ، فحينما يأتيه نبضُ القلبِ يتسعُ بحكمِ مرونتِه، ويجب أنْ يعودَ إلى ما كان عليه، فإذا عادَ إلى ما كان عليه دفعَ الدمَ إلى القسمِ الآخرِ من الشريانِ، فكلُّ شريانٍ يعينُ القلبَ في ضخِّ الدمِ، هذه اسمُها المرونةُ، حينما تترسّبُ الشحومُ على جدرانِ الشرايينِ تفقدُ هذه الشرايينُ مرونتَها.
(1/64)

إنّ النومَ المديدَ لساعاتٍ طويلةٍ يبطئ نبضَ القلبِ، ومع بطءِ النبضِ يبطؤ تدفقُ الدمِ في العروق، وتترسّبُ الشحومُ على جدرانِ الشرايينِ، فيفقدُ الشريانُ مرونتَه، وهذه الترسُّباتُ الدهنيةُ أيضاً تضيِّقُ لمعةَ الشريانِ، (أيْ قطرَه) ، وهذا يؤدي أيضاً إلى نقصِ الترويةِ في عضلةِ القلبِ، وهذا النقصُ في الترويةِ يؤدِّي إلى متاعبَ لا يعلمُها إلا اللهُ.
هؤلاءِ العلماءُ البعيدون عن منهجِ اللهِ، والذين لا يعرفون عن الإسلامِ شيئاَ، يقولون: "ينصحُ الباحثون أنْ يقومَ الإنسانُ من نومِه بعد أربعِ أو خمسِ ساعاتٍ لإجراءِ بعض الحركاتِ الرياضيةِ، أو المشيِ لربعِ ساعةٍ تقريباً، للحفاظِ على مرونةِ الشرايينِ القلبيةِ، ووقايتِها من الترسباتِ الدهنيةِ، لتجنُّبِ الإصابةِ بأمراضِ القلبِ".
فإذا نمتَ أربعَ أو خمسَ ساعاتٍ فيجبُ أنْ تستيقظَ، وتُجِريَ بعضَ الحركاتِ الرياضيةِ، فإذا نمتَ الساعة الحادية عشرة مثلاً يجبُ أنْ تستيقظَ الساعةَ الخامسةَ لصلاةِ الفجرِ، إمَّا إنْ تمشيَ ربعَ ساعةٍ إلى المسجدِ، وإمّا أنْ تؤدّيَ بعضَ الحركاتِ الرياضيةِ فحسب، وهي الصلاة.
عَنْ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ، فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائماً حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إلَى الصَّلاَةِ فَقَالَ: "بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ".
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَثْقَلَ صَلاَةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاَةُ الْعِشَاءِ وَصَلاَةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا، وَلَوْ حَبْواً، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ فأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ".
(1/65)

وعَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَباً الْقَسْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى صَلاَةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلاَ يَطْلُبَنَّكُم اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ".
أرأَيتَ - أيُّها المسلمُ - أنَّ قيامَك لأداءِ صلاةِ الفجرِ وقايةٌ لقلبِك من الاحتشاءِ، والذَّبحةِ، وما إلى ذلك، ووقايةٌ لشراييِنك من التصلُّبِ والانسدادِ.
هذا يقوله علماءُ ما عرفوا الإسلامَ أبداً.
النومُ المديدُ يدعو إلى بطْءِ حركةِ القلبِ، والإنسانُ في النومِ المديدِ قد ينبضُ قلبُه خمسينَ نبضةً، أو ستين نبضةً، هذا البطءُ في النبضِ يسبِّبُ بُطئاً في حركةِ الدمِ في العروقِ، وهذا يسبِّب ترسُّبَ الشحومِ على جدرانِ الشرايينِ، والترسُّبُ يسبِّبُ التصلُّبَ، وضيقَ اللمعةِ، وهذا يسبِّبُ ضعفَ الترويةِ، والاحتشاءَ، فالصلاةُ صحّةٌ، إضافةً إلى أنها في الأصلِ عبادةٌ، وقربٌ مِنَ اللهِ عزوجل، {إنني أَنَا الله لا إلاه إلا أَنَاْ فاعبدني وَأَقِمِ الصلاة لذكريا} [طه: 14] .
هذا منهجُ الله، هذه تعليماتُ الصانعِ، هذا ليس مِن عندِ النبي عليه الصلاةُ والسلامُ، لأنه لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌّ يوحَى.

الصلاة
علاقة الصلاة بصحة الجسد
هذا الموضوع دقِيقٌ، وشائقٌ، وهو عن علاقة الصلاةِ بصحةِ الجسدِ، ولا مجالَ لبسطهِ هنا، ولكن أقتطفُ لكم من هذا البحثِ الدقيقِ بعضَ الملحوظاتِ.
إنَّ الصلاةَ ترفعُ كفاءةَ القلبِ، والدورةَ الدمويةَ، إضافةً إلى أنّها عبادةٌ واجبة، فيها الخشوعُ والسكينةُ، فإننا نتحدثُ عن الصلاةِ من زاويةٍ ضيقةٍ جداً، ألا وهي علاقتُها بصحةِ البدنِ، فإنّه يندرُ بين المصلين أنْ تجدَ أشخاصاً يعانون من أمراضٍ في العمودِ الفقريِّ، فإنّ طبيعةَ الركوعِ، والسجودِ، والقيامِ هي صحةٌ للعمودِ الفقريِّ، فتندرُ بين المصلينَ التهاباتُ المفاصلِ بجميعِ أنواعِها.
(1/66)

ويندرُ بين المصلين حصولُ الدوالي، وجلطاتِ الأوردةِ العميقةِ، ويندرُ بين المصلين الاحتقانُ الدمويُّ في الحوضِ الذي يسبِّبُ البواسيرَ، ونزيفَ الرحمِ.
ويندرُ بين المصلين ضيقُ الصدرِ الذي هو بسببِ تراكمِ غازِ ثاني أكسيدِ الكربونِ في الرئتينِ، فالزفيرُ القسريُّ الذي يحدثهُ الركوعُ والسجودُ ينشِّطُ الرئتين، وينشِّطُ القلبَ مع الرئتين.
ويندرُ بين المصلين التيهُ وخرفُ الشيخوخةِ، لأنّ السجودَ من شأنِه أن يرويَ الدماغَ بالدمِ، والتيهُ وخرف الشيخوخةِ في بعض أسبابِه نقصٌ في ترويةِ أوعيةِ المخِّ، لذلك فإنّ السجودَ يجعلُ الدمَ ينصبُّ على أوعيةِ الرأسِ بشكلٍ قسريٍّ بفعلِ الجاذبيةِ، لذلك يندرُ التيهُ وخرفُ الشيخوخةِ بين المصلينَ.
وقد أشارَ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ إلى ذلك إشارةً موجزةً رائعةً، فعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاَةَ، أَرِحْنَا بِهَا"، ولعلَّ الراحةَ في الصلاةِ هي راحةٌ نفسيةٌ وجسمية في وقتٍ واحدٍ.
إنّ أمرَ اللهِ عز وجل أعظمُ بكثيرٍ مِن أنْ يفسَّر بعلةٍ واحدةٍ، أو بحكمةٍ واحدةٍ، وإنّ أوامرََ اللهِ عز وجل حِكَمُها وعِلَلُها لا تُعدُّ ولا تُحصَى.
وقد أجرى العلماءُ تجربةً على أنّه إذا انخفضَ الرأسُ احتقنَ الدمُ فيه، فازدادَ ضغطُ الشرايينِ، وإذا رُفعَ الرأسُ فجأةً هبطَ الضغطُ فجأةً، فمن ازديادِ الضغطِ، ومن هبوطِه ينشأُ في الأوعيةِ الدمويةِ ما يسمّى مرونةَ الأوعيةِ، فلو أنّ ضغطَ الإنسانِ ارتفعَ إلى ثلاثٍ وعشرينَ درجةً زئبقيةً فإنّ هذه الأوعيةَ المرنةَ تحتملُ هذا الضغطَ المرتفعَ، غيرَ أنّ الإنسانَ الذي لا يصلّي لو ارتفعَ ضغطُه إلى ثماني عشرَة درجةً فربّما تمزقتْ شرايينُ دماغِه، وأصيبَ بسكتةٍ دماغيةٍ.
وثمةَ مرضٌ يُصيبُ النساءَ أيضاً، وهو انقلابُ الرّحمِ، علاجُهُ تمريناتٌ تُشبهُ تماماً حركاتِ الصلاةِ، وأمرُ اللهِ سبحانه وتعالى يجمعُ آلافَ الفوائدِ.
(1/67)

إنّ الأوامرَ التي أُمِرنَا بها هي مِن عندِ خالقِنا، من عندِ صانعِ الإنسانِ، من عندِ العليمِ، من عندِ الخبيرِ، فأنْ يكونَ الإنسانُ يقظاً قبلَ طلوعِ الشمسِ، وقبلَ غروبِها، وأن يتعرَّضَ لهذه الأشعةِ المفيدةِ، الأشعةِ فَوقَ البنفسجيةِ لهو عملٌ فيه مرضاةٌ لله عز وجل، وفيه فائدةٌ للجسمِ.
بل إنّ أحدثَ اكتشافٍ في الطبِّ يبيِّن أنّ الأورامَ السرطانيةَ سببُها ضعفُ جهازِ المناعةِ بسببِ الشدةِ النفسيةِ، والتوحيدُ وحْدَه يُعفي الإنسانَ مِن تلقِّي هذه الشدائدِ.
بإمكانك أنْ تعلن في كل مكان وتقولُ: الإيمانُ صحةٌ، إنك إذا رأيتَ أنّ اللهَ وحده المتصرّفُ، وأنه حكيمٌ، وأنه عليمٌ، وأنه رحيمٌ، وأنه قديرٌ، ورأيتَ يداً واحدةً تتصرَّفُ في الكون ارتاحتْ نفسُك، فإذا ارتاحت نفسُك خفّتْ عليها الشدةُ النفسيةُ، وقوِيَ جهازُ المناعةِ، وإن أكثرَ نموِّ الخلايا العشوائيّ، أي ما يسمّى السرطانَ سببُه ضعفُ المناعةِ، وضعفُ المناعةِ سببُها الشدةُ النفسيةُ التي تضغطُ على النفسِ، ولا شيءَ يشفِي الإنسانَ من الشدةِ النفسيةِ إلا توحيدُ الإله، لذلك ما تعلّمتِ العبيدُ أفضلَ من التوحيدِ، قال تعالى: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين} [الشعراء: 213] .

الصلاة والدعاء يخففان ألم المرض ويساعدان على الشفاء
ثمَّةَ دراسةٌ أُجرِيَتْ في جامعةٍ من جامعاتِ أمريكا، حولَ أثرِ الصلاةِ والدعاءِ في تخفيفِ الآلامِ، والدراسةُ موضوعيةٌ مئةً بالمئةِ، تؤكِّدُ هذه الدراسةُ أنّ الصلاةَ والدعاءَ يقلِّلانِ من الألمِ الذي يشعرُ به المريضُ.
هناك بواباتٌ للألمِ، والألمُ له مسارٌ من النهاياتِ العصبيةِ إلى النخاعِ الشوكيِّ، إلى البصلةِ السيسائيةِ، إلى قشرةِ الدماغِ، هذا طريق الآلامِ، وعلى هذا الطريقِ بوَّاباتٌ.
(1/68)

هذه البوابات تتحكَّمُ بها الحالةُ النفسيةُ للمريضِ، فإذا كان مؤمناً، وراضياً بقضاءِ اللهِ وقدرِه أُغْلِقَتْ هذه البواباتُ فلم يصِلْ مِنَ الألمِ إلى قشرةِ الدماغِ إلاّ النزرُ اليسيرُ، وهذا شيءٌ ثابتٌ، فالذي يتمتّع بإيمانٍ قويٍّ تكونُ آلامُه الحسيّةُ الناتجةُ عن بعضِ الأمراضِ أقلَّ بكثيرٍ، لأنّ بواباتِ الألمِ مغلقةٌ عنده، وهذا ما أكَّدتهُ هذه الدراسةُ، فالعلاجُ عن طريقِ الصلاةِ والدعاءِ يخفِّف الآلامَ التي يتحسَّسُها المريضُ العاديُّ.
شيءٌ آخر، إنّ سبعةً وخمسين بالمئةِ من المشاركين في هذه التجرِبةَ تأثروا تأثراً بالغاً إيجابياً عن طريقِ الصلاةِ والدعاءِ، بل إنّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ كان يضعُ يدَه الشريفةَ على مكانِ المرضِ، ويدعو، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: "لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ"، وهناك بعضُ التجارِبِ أُجْرِيَتْ بأنْ يضعَ إنسانٌ ذو شأنٍ يدَه على مكانِ الألمِ فإنّ النتائجَ الإيجابيةَ ملموسةٌ، ولقد فَعَلَها النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ، وأمَرَنَا بفعلِها.
مِن أجلِ أنْ تكونَ الدراسةُ علميةً، هناك أشياءُ وهميةٌ لا معنى لها دخلتْ في التجرِبِة، فلم تعطِ أيَّ أثرٍ، كَأنْ سَقَوْا المريضَ ماءً مقطَّراً أوهمُوه أنّ فيه دواءً، فلم يتأثرْ هذا المريضُ إطلاقاً بالأوهامِ التي أحيطتْ به، تأثّر بالصلاةِ والدعاءِ، وتأثّر بوضعِ اليدِ على مكانِ المرضِ مع الدعاءِ والصلاةِ.
ليس القصدُ أنْ نصلِّيَ كي نَشفَى، الصلاةُ عبادةٌ، والصلاةُ فرضٌ، ولكنْ حينما تتصلُ باللهِ عزَّ وجل فإنّ الآلامَ تَخِفُّ كثيراً، وحينما تتصلُ باللهِ عزَّ وجل يقوَى جهازُك المناعيُّ، وفي قوةِ جهازِك المناعيِّ انتصارٌ على عواملِ المرضِ، لأنَّ الجهازَ المناعيَ موكولٌ إليه مكافحةُ الأمراضِ الجرثوميةِ والسرطانيةِ.
(1/69)

وأنقل بهذه المناسبةِ معلومةً وَرَدَتْ في موقع معلوماتيٍّ، وهي أنّ دراسةً قامت بها جامعةٌ من الجامعاتِ الكبيرةِ تؤكِّدُ أنّ الصلاةَ والعلاجَ الروحانيَّ يمكنُ أنْ يُقَلِّلاَ مِنَ الألمِ الذي يشعرُ به المريضُ، وأنْ يعجِّلاَ بشفائِه، وهذه حالةٌ نفسيةٌ عاليةٌ تعين على الشفاءِ، وتعينُ على تخفيفِ الآلامِ، وهي حالتان؛ إمّا أنْ تكونَ حالةَ وَهْمٍ، أو أنْ تكونَ حالةَ إيمانٍ، قد تعطي إنساناً ورقةً مصرفيةً بمئةِ مليونٍ، ولكنّها مزوّرةٌ، ولا يدري أنها مزوّرةٌ، فترتفعُ معنوياتُه، ويشعرُ أنه غنيٌّ كبيرٌ، هذه حالةٌ عاليةٌ، ولكنّها ليستْ حالةً واقعيةً صحيحةً، فالدراسةُ أشارتْ إلى أنّ الحالةَ النفسيةَ المرتفعةَ لها علاقةٌ بتخفيفِ الآلامِ، وتعجيلِ الشفاءِ، ولكنْ قد تكونُ هذه الحالةُ بسببِ الإيمانِ باللهِ عزوجل، والاستسلام لأمرِه، والاتصالِ به، فهذه حالةٌ طبيّةٌ، وقد تكونُ هذه الحالةُ موهومةً، أساسُها غيرُ صحيحٍ، ولها الأثرُ نفسُه، لذلك قالوا: العلمُ حكَمٌ على الحالِ، فكلما كان علمُك متيناً قيَّمتَ بعلمكِ المتينَ حالَك، فهناك حالٌ رحمانيٌّ، وهناك حالٌ شيطانيٌّ.
أردتُ بهذا التعليقِ أنْ أبيِّنَ أنّ الدراسةَ متعلقةٌ بحالةٍ عاليةٍ، قد تكونُ بسببِ الإيمانِ باللهِ عزوجل، والاستقامةِ على أمْرِه، والاتصالِ به، وقد تكون بسببٍ آخرَ لا يَعْنِينَا.
أردتُ أنْ أضعَ بين أيديكم هذه الدراساتِ والتجارِبَ لأؤكِّدَ لكم أنكم إذا اتصلتمْ باللهِ وصلتُمْ إلى كلِّ شيءٍ، وفي الأثرِ القدسيِّ: "ابْنَ آدَمَ اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإذَا وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنْ فُتُّكَ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مَنْ كُلِّ شَيْءٍ".
يَا ربُّ ماذا فَقَدَ مَن وجدَكَ؟ وَماذا وَجَدَ مَن فَقَدَكَ؟ وإذا كان اللهُ معكَ فمَنْ عليك؟ وإذا كان عليك فمَن معك؟.

فيتامين (د) وعلاقته بالصلاة
(1/70)

يتكوَّنُ الفيتامين (د) تحتَ الجلدِ، يستقلبُ في الكبدِ والكليتين ليصبحَ فعالاً، فيعينُ على امتصاصِ الكلسِ، والفوسفورِ من الأمعاء، ويرسِّبُها في العظامِ، ولهذا الفيتامينِ أيضاً دورٌ خطيرٌ في إفرازِ الأنسولينِ من البنكرياسِ، ولهُ دورٌ خطيرٌ في نموِّ خلايا النخاعِ الشوكيِّ العظميِّ، ولهُ دورٌ خطيرٌ في نموِّ خلايا بشرةِ الطبقةِ العليا من الجلدِ، هذا أمرٌ معروفٌ عندَ الأطباءِ، ولكنَّ الجديدَ أنّ أفضلَ وقتٍ للاستفادةِ من أشعةِ الشمسِ برأيِ الأطباءِ عندَ البزوغِ، وعند الغروبِ، مِن هنا كانت صلاةُ الفجرِ لها شأنٌ خطيرٌ في صحةِ الإنسانِ؛ لأنَّ الشعوبَ التي لا تتعرّضُ لأشعةِ الشمسِ، وتنامُ نوماً مديداً تُصابُ بلينِ العظامِ.
وأمرُ اللهِ عز وجل، ولو كان أمراً تعبديّاً، ولو أنه عبادةٌ، إلا أنه لا يمكنُ أنْ نُغفِلَ فيه النواحيَ الصحيّةَ، وقد يُستنبطُ هذا المعنى الطبي الذي نحن بصدده الآن من قولِه تعالى:
{وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذلك مِنْ آيَاتِ الله} [الكهف: 17] .
فمَن كان يقظاً قبلَ الشروقِ، وقبلَ الغروبِ استفادَ من أشعةِ الشمسِ فوقَ البنفسجية، يقول العلماء: "ليس المهمُّ أنْ تتعرّضَ للأشعةِ مباشرةً، بل إنَّ الأشعةَ المنتثرةَ في هذينِ الوقتينِ تفيدُ الجلدَ في تكوينِ الفيتامينِ (د) الذي يُسهمُ في تثبيتِ الكلسِ في العظامِ وتقويتِها، وفي عملِ البنكرياسِ، وفي نموِّ مخِّ العظامِ، وخلايا البشرةِ".

العلاقة بين الوضوء ومرض التراخوما
(1/71)

اطَّلعتُ على موضوعٍ يتعلّق بِمرضٍ يصيبُ العينَ، اسمُه (التراخوما) ، هذا المرضُ هو التهابٌ يصيبُ ملتحمةَ وقرنيّةَ العينِ، وله أدوارٌ يمرّ بها، تحريشٌ وحكّةٌ خفيفتَان، وينتهي بالعمى، ليس هذا يعنينَا، فهذا موضوعٌ مُستنبطٌ من كتبِ الطبِّ البشريِّ، ولكنّ الذي يعنينَا أنّ كاتبةً متخصّصةً كتبَتْ مقالاً نُشِرَ لها في مجلَّةٍ علميّةٍ، يصدِرُها مكتبُ المعلوماتِ التابعُ للأممِ المتحدةِ، تقولُ هذه الكاتبةُ: "إنّ الاغتسالَ المنتظَمَ، والوُضوءَ للصلاةِ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ قد ساعدَ كثيراً في الحدِّ من انتشارِ هذا المرضِ؛ (التراخوما) ، الذي يُعدُّ السببَ الرئيسَ للعمَى في بلدانِ العالَمِ الثالثِ"، وأضافَت الكاتبة: "إنّ هناك ما يقربُ مِن خمسمئةِ مليونِ نسمةٍ في جميعِ أنحاءِ العالَمِ يُصابون بهذا المرضِ، ويمكِنُهم تجنّبُ العَمَى إذا اتَّبعوا الطريقةَ الإسلاميةَ في النظافةِ الواجبةِ على كلِّ مسلمٍ قبلَ الصلاةِ"، وقالت: "إنّه لوحِظَ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ الملتزمةِ انخفاضُ نسبةِ الإصابةِ بهذا المرضِ، بل إنّه وصلَ إلى درجةِ الصّفرِ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ التي تلتزمُ خمسَ مرّاتٍ في اليومِ بالوضوءِ".
فيجب أنْ نؤمنَ أنّ هذه الأوامرَ والنواهيَ مِن عندِ خالقِ البشرِ، فلذلك من السذاجةِ أن تظنّ أنّ لأمرِ الله فائدةً أو فائدتين، إنّ له فوائدَ لا تُعدُّ ولا تُحْصَى، فهذه كاتبةٌ لا علاقةَ لها بأمرِ الدِّينِ إطلاقاً، من خلالِ دراستِها، وتحقيقاتِها، والإحصاءاتِ تجدُ أنَّ نسبةَ الإصابةِ بمرضِ التراخوما الذي يُصيبُ خمسمئةِ مليونِ نسمةٍ في العالَمِ كلَّ عامٍ قد تراجَعَتْ بشكلٍ ملحوظٍ في المجتمعاتِ الإسلاميةِ التي تلتزمُ بالوضوءِ والنظافةِ، هذا هو شرْعُ اللهِ، لذلك قال بعضُ العلماءِ: "إنَّ العلاقةَ بين الطاعةِ ونتائِجها علاقةٌ علميّةٌ، والعلاقةُ بين المعصيةِ ونتائجِها علاقةٌ علميّةٌ".
(1/72)

لذلك عوْدٌ على بدءٍ، انطلاقاً من أنَّ الإنسانَ مفطورٌ على حبِّ وُجودِه، وعلى سلامةِ وجودِه، وعلى كمالِ وُجودِه، وعلى استمرارِ وُجودِه فعليهِ بطاعةِ اللهِ، وعليهِ بِتطبيقِ منهجِ اللهِ، قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 71] .

الوضوء وفوائده الصحية
في بحثٍ علميٍّ أجراه عددٌ من أساتذةِ كليةِ الطبِّ في بلدٍ عربيٍّ مسلمٍ قَرَّرَ هؤلاء الباحثون أنّ الإنسانَ الذي يتوضأُ في اليومِ خمسَ مراتٍ، ينظفُ أنفَه من الجراثيمِ، والأتربةِ، والمعلّقاتِ، وقالوا: "إنّ الذي لا يتوضأُ يتعرَّضُ أنفُه لعددٍ من الجراثيمِ قد يصلُ عددُها إلى أحدَ عشرَ جرثوماً".
وإنّ الوضوءَ يكفلُ للمتوضئ الوقايةَ من نموِّ الفطرياتِ بينَ أصابعِ القدمينِ، كما يمنعُ إصابةَ الجلدِ بالالتهاباتِ، والتقيحاتِ، والتجمعاتِ الصديديةِ، ويقلِّلُ من احتمالِ حدوثِ سرطانِ الجلدِ؛ لأنه يزيلُ الموادَ الكيماويةَ قبلَ أن تتراكمَ، وقبلَ أنْ تتجمعَ على سطحِ الجلدِ، لذلك فهذه حقيقةٌ ثابتةٌ أنّ الإصابةَ بسرطانِ الجلدِ تقلُّ في البلادِ الإسلاميةِ.
كذلك دلكُ الأعضاءِ ينبِّه الدورةَ الدمويةَ، فينشطُ تغذيةَ الأعضاءِ بالدمِ، وبذلك تزدادُ حركةُ الدماءِ إلى المخِّ والكليتينِ، ويخفِّفُ الوضوءُ من اختناقِ الجهازِ العصبيِّ المركزيِّ فينشِّطُ الذاكرةَ، والإسلامُ كما تعلمون اشترطَ لصحةِ الصلاةِ طهارةَ البدنِ، وطهارةَ الثوبِ، وطهارةَ المكانِ معاً، فَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ تملأان، أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو؛ فَبَايِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوْبِقُهَا".
(1/73)

في إحصاءٍ أَجْرَتْه منظمةُ الصحةِ العالميةِ، كان الرقمُ مخيفاً، ثلاثمئة مليون إنسانٍ مصابٍ بأمراضِ القذارةِ، والمسلمون على نحو عفويٍ، عن علمٍ، أو عن غيرِ علمٍ، ما داموا يتوضؤون فَهُم ناجون من أمراضِ القذارةِ، لأنّ الوضوء يسبِّبُ الوقايةَ مِن هذه الأمراضِ.
لذلك قالوا: الانتفاعُ بالشيءِ ليس أحدَ فروعِ العلمِ به، يعني من الممكنِ أنْ تتوضأَ مؤدِّياً للطاعةِ، فتقطفَ ثمارَ الوضوءِ التي تعلمُها، والتي لا تعلمُها، وأنت لا تعلمُ، فيكفي أن تنصاعَ لأمرِ اللهِ عز وجل معتقداً أنّ أمْرَ الله سبحانه وتعالى خيرٌ مطلقٌ، وعندئذ تقطفُ ثمارَ هذا الأمرِ.
حينما يطبِّق الإنسانُ منهجَ اللهِ عز وجل فهو في خيرٍ ما بعدَه خيرٌ، وهو في سعادةٍ ما بعدها سعادةٌ، وهو في وقايةٍ ما بعدها وقايةٌ، وهو في أمنٍ ما بعدَه أمنٌ، إنّ الخيرَ كلَّه، والفوزَ كلَّه، والنجاحَ كلَّه، والتفوقَ كلَّه، والعقلَ كلَّه في طاعةِ اللهِ عز وجل، قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 71] .

الصوم
الصوم بين أمر الله التعبدي وفوائده الصحية
رأَى العلماءُ أنَّ في الصومِ وقايةً وعلاجاً مِن أمراضٍ كثيرةٍ، فبعضُ الأمراضِ المستعصيةِ قد يكونُ علاجُها في الصومِ؛ كالتهابِ المعدةِ الحادِّ، وإقياءِ الحملِ العنيدِ، وبعضِ أنواعِ داءِ السكرِي، وارتفاعِ التوترِ الشريانيِّ، والقصورِ الكلويِّ الحابسِ للملحِ، وخُنَّاقِ الصدرِ، والالتهاباتِ الهضميةِ المزمنةِ، وحصياتِ المرارةِ، وبعضِ الأمراضِ الجلديةِ.
الصومُ علاجٌ لبعضِ الأمراضِ، ولكنّه إذا طُبِّقَ كما شَرَعَهُ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ فهو وقايةٌ مِن أمراضٍ كثيرةٍ.
(1/74)

ثم إنّ في الصيامِ - كما يقرِّرُ الأطباءُ - صحةً نفسيةً، وإنّ في الصيامِ رفعاً لمستوى النّفْسِ، وتعويداً لها على الحريةِ مِن كل قيدٍ، وكلِّ رفعاً لمستوى النّفْسِ، وتعويداً لها على الحريةِ مِن كل قيدٍ، وكلِّ عادةٍ، وأفضلُ عادةٍ ألاَّ يتعودَ الإنسانُ أيَّ عادةٍ، هذا الذي يُدمنُ التدخينَ، كيف استطاعَ أنْ يقلعَ عنه في رمضانَ، إذاً في الإمكانِ أنْ يقلعَ عنه، وأكبرُ شاهدٍ على ذلك شهرُ الصيامِ.
إذاً الإنسانُ يقوِّي إرادتَه بالصيامِ، والإنسانُ بالصيامِ يُنَمِّي إخلاصَه، إنّ الصيامَ عبادةُ الإخلاصِ، وإنّ الصيام أيضاً ينمِّي مشاعرَ الإنسانَ، فقد يكونُ الطعامُ والشرابُ متوفِّراً، ولا يستطيعُ الإنسانُ أنْ يأكلَ أو يشربَ منه شيئاً.
مِن الفوائدِ الماديةِ للصومِ أنّ المعِدَةَ والجهازَ الهضميَّ تأخذُ إجازةً في رمضانَ، ويستريحُ جهازُ الدورانِ والقلبُ، والكليتان والتّصفيةُ، هذه الأجهزةُ الخطيرةُ التي إذا أصابَها العطبُ انقلَبَتْ حياةُ الإنسانِ إلى جحيمٍ، فإذا توقّفَتِ الكليتان توقفاً مفاجئاً، فإنه شيءٌ لا يُحتملُ، وإذا أُصيبَ القلبُ بالضّعفِ، وضاقَتِ الشرايينُ، وتصلّبَتْ، واحتشى القلبُ فالأمر عسيرٌ، هناك أمراضٌ تصيبُ القلبَ لا تعدُّ ولا تُحصَى، هناك أمراضٌ متفشِّيةٌ تصيبُ الأوعيةَ، هناك أمراضٌ كثيرةٌ تصيبُ المعدةَ والأمعاءَ، وأمراضٌ تصيبُ الكبدَ، وأمراضٌ تصيبُ جهازَ البولِ؛ هذه الأجهزةُ الخطيرةُ من جهازِ دورانٍ وهضمٍ، وجهازِ طرحِ الفضلاتِ، هذه الأجهزةُ يكون الصّيامُ وقايةً لها، لا نقول: إنّ الصّيامَ علاجٌ فحسب، ولكنه وقايةٌ.
تقول مقالةٌ عن أمراضِ القلبِ: "إنّ عملَ القلبِ وسلامتَه منوطٌ بِحَجمِ الطعامِ في المعدةِ ونوعيتِهِ"، فالقلبُ، وسلامتهُ، وانتظامُهُ، والشرايينُ ومرونتُها؛ هذه الأشياءُ متعلّقةٌ بِنَوعِ الطعامِ وحجمِه في المعدةِ؛ لذلك أمَرَنا النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ بالاعتدالِ في الطعامِ والشرابِ، واللهُ سبحانه وتعالى أمَرَنا بذلك أيضاً فقال تعالى: {وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين} [الأعراف: 31] .
(1/75)

فمَن تجاوزَ الحدَّ في الطعامِ والشّرابِ أتَاه شهرُ الصّيامِ ليُصلحَ ذلك الخطأَ والاعوِجاجَ، والتعفّناتِ التي في جهازِ الهضمِ، وليُصلحَ الوزنَ الذي زادَ على حدّهِ الطبيعيِّ، وإنّ الأغلاطَ التي يرتكبُها الإنسانُ في السَّنَةِ يأتي الصّيامُ لِيَضَعَ لها حدَّاً، أمّا إذا كان الإنسانُ مطبِّقاً للسُّنّةِ النبويّةِ فشهرُ رمضانَ يزيدهُ صحَّةً ونشاطاً، وفي كتابِ "إحياء علومِ الدينِ" عَقَدَ الغزالي فصلاً، أو باباً كبيراً عن فضائلِ الجوعِ، فقال: "الخيرُ كلُّه مجموعٌ في خزائنِ الجوعِ، وليس المقصودُ به الجوعَ الشديدَ، ولكنَّه الاعتدالُ في الطعامِ والشرابِ، لأنَّ البِطْنةَ تُذهِبُ الفِطْنةَ، وإنّ كثْرةَ الطعامِ، وإدخالَ الطعامِ على الطعامِ، وإكثارَ الوجباتِ؛ هذه تصيبُ الإنسانَ بالكسلِ، والخمولِ، والركودِ، والأمعاءَ بالتعفّنِ، والقلبَ بالإرهاقِ"، حينها يأتي شهرُ الصّيامِ ليُجدِّدَ الصّحةَ، فجسمُكَ مِطيَّتُكَ في هذه الدنيا، لنا عُمُرٌ محدودٌ، ولكنْ إمّا أنْ نمضيَه واقفين نشيطين، وإمّا أنْ نمضيَه مسْتلقين على أسرّتِنا، وشتّانَ بين الحالتين، ولا يتّسع المقامُ للحديثِ عن فوائدِ الصّيامِ.
وقد رُوِي: "صُومُوا تَصِحُّوا".
ومعنى الصحّةَِ هنا الوقايةُ من الأمراضِ؛ إنّك إذا أدَّيْتَ صيامَ هذا الشهرِ على التمامِ والكمالِ فقد وقيْتَ جسْمَك من الأمراضِ الوبيلةِ التي لا قِبَلَ لك بها، ولكنْ هذا الذي يمتنعُ عن الطّعامِ والشّرابِ في النهارِ، فإذا جلسَ إلى المائدةِ أَكَلَ أَكْلَ الجمالِ، هذا لمْ يحقّقِ الهدفَ من الصّيامِ، فلا بدّ مِنَ الاعتدالِ في الطعامِ والشرابِ، في أيّامِ الصّيامِ، أمّا إذا جعلتَ الوجباتِ الثلاثَ النهاريّةَ في رمضانَ ليليّةً!! فمَاذا حقَّقْتَ؟ إنّ وجبةً دسِمَةً معَ الإفطارِ تجعلهُ يقعدُ فلا يقومُ، وعند منتصفِ الليلِ وجبةٌ أخرى، وعند السّحورِ وجبةٌ أخرى، فهذا قَلَبَ وجباتِ النهارِ إلى وجباتٍ ليليّةٍ، وما فعَلَ شيئاً، فقد بقيَتِ الأمراضُ والإرهاقاتُ كما هيَ.

الصيام دورة وقائية وعلاجية
(1/76)

إنّ الحديثَ عن عبادةِ الصيامِ، وما فيها من تقوى وإكرامٍ لا يعني أنّ الصيامَ ليسَ له فوائدٌ صحيةٌ، بل إنَّ في الصيامِ من الفوائدِ الصحيةِ ما يدهشُ العقولَ؛ لأنّ خالقَ هذا الإنسانِ هو الذي فَرَضَ عليه الصيامَ، وَأَمْرُ اللهِ سبحانه وتعالى أجَلُّ وأعظمُ مِن أن ينصرفَ إلى حكمةٍ واحدةٍ، لذلك فللصيامِ حِكمٌ لا تُعدُّ ولا تُحصَى.
قالَ بعضُ العلماءِ: "إنّ الصيامَ دورةٌ وقائيةٌ سنويةٌ، تقي الإنسانَ من الأمراضِ الكثيرةِ، فهو سلوكٌ وقائيٌّ من أجلِ سلامةِ هذه العضويةِ، ودورةٌ علاجيةٌ بالنسبةِ لبعضِ الأمراضِ، فالصيامُ يقِي المسلمَ المتَّبِعَ لسننِه المعتدلةِ في تناولِ الطعامِ في أثناءِ الصيامِ من أمراضِ الشيخوخةِ".
إنّ أمراضَ الشيخوخةِ تظهرُ في الكِبر، ولكن مسبِّباتِها تبدأُ في الشبابِ، يأتي الصيامُ ليقيمَ هناك توازناً بين استهلاكِ العضويةِ ووقايةِ الأجهزةِ، فلذلك معظمُ أمراضِ الشيخوخةِ تنجمُ عن الإفراطِ في إرهاقِ العضويةِ طوالَ الحياةِ، بالطعامِ والشرابِ، وبسائرِ الملذاتِ، وبالعملِ، والتعبِ، وبذلِ الجهدِ، فيأتي الصيامُ ليريحَ هذه العضويةَ، وليصحِّحَ الأخطاءَ التي ارتُكِبَتْ في بقيةِ أشهرِ العامِ، فيعودُ الجسدُ من دورةِ رمضانَ وقد صانه صاحبُه، وجدَّدَ نشاطَه به.
رُوِي عن النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ: "صُومُوا تَصِحُّوا".
فالصيامُ كما يقولُ العلماءُ: "هو إلى الطبِّ الوقائيِّ أقربُ منه إلى الطبِّ العلاجيِّ"، بدليلِ أنّ المريضَ يرخَّصُ له في أنْ يفطرَ، وبعضُ حِكمِه أنّ الصيامَ يخفِّفَ العبءَ عن جهازِ الدورانِ، القلبِ والأوعيةُِ، حيثُُ تهبطُ نسبةُ الدسمِ وحموضةِ البول في هذا الشهرِ إلى أدنى درجةٍ، ومع انخفاضِ هذه النسبةِ يقي الإنسانُ نفسَه من مرضٍ ذي خطورةٍ، هو تصلُّبُ الشرايينِ، الذي يسبِّبُ إرهاقَ القلبِ، والذبحةَ الصدريةَ، ومع انخفاضِ نسبةِ حمضِ البولِ في الدمِ يقي الإنسانُ نفسَه من مرضٍ آخرَ هو التهابُ المفاصلِ.
(1/77)

إنَّ الصيامَ يخفِّفُ العبءَ عن جهازِ الدورانِ، ويريحُ الأوعيةَ، والقلبَ بانخفاضِ نسبةِ الدسمِ في الدمِ، وانخفاضِ نسبةِ حمضِ البولِ، وإنّ الصيامَ يريحُ الكليتين بإقلالِ فضلاتِ الاستقلابِ، فتحوُّلُ الطعامِ إلى طاقةٍ عمليةٍ يُسمَّى الاستقلابَ، ففي شهرِ الصيامِ ينخفضُ الاستقلابُ إلى أدنى مستوى، هذا بشرطِ أنْ يصومَ الإنسانُ كما أمَرَ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ، وأنْ يأكلَ باعتدالٍ، أما أنْ يجعلَ الطعامَ في الليلِ مكانَ النهارِ فليس هذا بالصيام المأمورِ به.
يقولُ العلماءُ: "إنّ سُكرَ الكبدِ - المخزونَ السكريَّ - يتحرّكُ في الصيامِ، ومع تحرُّكِ هذا المخزونِ يتجدَّدُ نشاطُ الكبدِ"، والإنسانُ لا يستطيعُ أنْ يعيشَ دونَ كبدٍ أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ، وإنّ الصيامَ يدعو سُكرَ الكبدِ إلى التحركِ، ويتحركُ معه الدهنُ المخزونُ تحتَ الجلدِ، وتتحركُ معه البروتيناتُ، والغددُ، وخلايا الكبدِ، وإنّ الصيامَ كما قال بعضُ الأطباءِ يبدِّلُ الأنسجةَ وينظِّفُها، وكأنه صيانةٌ سنويةٌ لأنسجةِ وأجهزةِ الجسمِ، هذا عن الناحيةِ الوقائيةِ، فماذا عن الناحيةِ العلاجيةِ؟
إنّ الصيامَ يُعَدُّ علاجاً لبعضِ الأمراضِ، منها التهابُ المعدةِ الحادُّ، ومنها إقياءاتُ الحملِ العنيدةُ، ومنها ارتفاعُ الضغطِ الشريانيِّ، ومنها الداءُ السكريُّ، ومنها قصورُ الكليةِ المزمنُ، ومنها بعضُ الأمراضِ الجلديةِ.
إنّ أمْرَ اللهِ مباركٌ، يطهِّرُ النفسَ، وينيرُ القلبَ، ويعطيك الرؤيةَ الصحيحةَ، فتعرفُ الحقَّ من الباطلِ، والخيرَ من الشرِ.

الصيام وآلية الهضم
قال بعضُ العلماءِ المتخصِّصين في التَّغْذِيَة: "ليس عِلمُ الإنسانِ بِوَظائفِ الطَّعامِ هو الذي يدْفعُهُ إلى تناولِ الطَّعامِ، ولكنَّ الإحْساسَ بالجوعِ الضاغطَ، وشَهوةَ الطَّعامِ الباعثةَ هما اللَّذان يُحَرِّكان الإنسان إلى الطَّعام، أمّا حاسَّةُ الجوعِ فَتَدْعو الإنسانَ على ما يسدُّ حاجتَه من الطَّعامِ لِيَبقى حيّاً، وأمّا شَهوةُ الطَّعامِ الباعثةُ فهي وسيلةٌ، وليْسَت غايةً".
(1/78)

فمِن نِعَمِ اللهِ عز وجل أنَّ هذا الطعامَ الذي هو سببٌ في بقاءِ حياتِك طيِّبُ المذاقِ، فهناك الحاجةُ إلى الطَّعامِ بِدافعِ الإحساسِ بالجوعِ، وهناك لذَّةُ الطَّعامِ، فقد يستكملُ الإنسانُ حاجتَه إلى الطعامِ بِسائِلٍ يُحْقنُ في دَمِهِ، ولكنّ اللهَ عز وجل تفضّلَ علينا فجَعَل هذا الطَّعامِ ذا طَعمٍ لذيذٍ، فشَهوةُ الطَّعامِ وسيلةٌ، فإذا جعَلَها الإنسانُ غايةً اضْطربَ الجِسمُ، وثمةَ أُناسٌ كثيرون عن سوءِ تقْديرٍ منهم، أو عن ضَعفٍ في إرادتِهم يَجعلونَ شَهوةَ الطَّعامِ غايةً، وإذا أصبحَ الطعامُ غايةً يتعطَّلُ ما يُسَمِّيه العلماءُ الجرسَ الخفيَّ، الذي يدقُّ حين الجوعِ فقط! فتتعطَّلُ وظيفةُ هذا الجرسِ، فالمعدةُ كما قال عنها العلماءُ: "تتمدّدُ مراتٍ عديدةً، فَمِن حجمٍ ابتِدائيٍّ مئتين وخمسين سنتمتراً مكعّباً، إلى ألفين وخمسمئة سنتمترٍ مكعّبٍ"، فحينما تتمدّدُ المعدةُ يُصبحُ الطَّعامُ هدفاً؛ وعندها نعيشُ لِنَأكلَ! هذا تمهيدٌ.
وهناك حقيقةٌ عجيبةٌ جدّاً، ولكنَّها ثابتةٌ على نحْوٍ قاطِعٍ، وهي أنَّ آلياتِ تعاملِ الأبدانِ مع الطَّعامِ تسْتوْجِبُ الصِّيامَ، فقد خلَقَ المولى جلّ وعلا الأبدانَ على نحْوٍ يُهَيِّئ التعاملَ مع مركباتِ الطعامِ وَفقاً لآليَّةٍ تسيرُ بانتظامٍ وتوافقٍ في ثلاثِ مراحلَ، وهذا بحثٌ مهمّ جدّاً.
المرحلةُ الأولى: مرحلةُ هضْمِ الطعامِ في المعدةِ والأمعاءِ، ثمّ الامتصاصُ والتَّمثيلُ، وتحويلُ الطعامِ إلى سكّرٍ يسري في الدِّماءِ، وإلى موادّ أخرى مُرَمِّمةٍ يستخدمُها الجسمُ لإطلاقِ الطاقةِ، وبِناءِ الأنسِجَةِ.
المرحلةُ الثانيةُ: مرحلةُ تخزينِ الفائضِ من الطاقةِ، التي تزيدُ على حاجةِ الجسمِ، فالسُّكَّرُ الفائضُ يُخَزَّنُ في الكبدِ، والعضلاتِ على نشاءٍ حيواني، ويُخَزَّنُ الفائضُ الدُّهنيُّ في معظمِ أنحاءِ الجسمِ.
فالأُولى هضمٌ، وامتصاصٌ، واستهلاكٌ، والثانيةُ تخزينٌ.
(1/79)

والمرحلةُ الثالثةُ: هي مرحلةُ فتْحِ مخازنِ الطاقةِ، وتحويلِ السكّرِ والدُّهونِ إلى سكّرٍ وأحماضٍ دُهْنيَّةٍ لإطلاقِ طاقتِها في الجسمِ، وهذه المرحلةُ لها ميزةٌ خاصَّةٌ، وهي أنَّها لا تحدثُ مطلقاً إذا لم يمْتَنع الإنسانُ لِفتْرةٍ زمنيَّةٍ محدَّدةٍ عن تناولِ الطعامِ، فالمهمّةُ الثالثةُ معطَّلةٌ ما لم يمْتَنِعِ الإنسانُ عن تناولِ الطَّعامِ!
قالَ العلماءُ: "يبدأُ مستوى السكّرِ في الدمِ من ثمانينَ إلى مئة وعشرين ميليغراماً في كلِّ مئةِ سنتمترٍ مكعَّبٍ"، هذه نِسبةُ السكّرِ في الدمِ، وبعد صِيامِ سِتِّ ساعاتٍ تنخفضُ هذه النِّسبةُ، وهنا تتجلَّى عجيبةٌ من عجائبِ الجسمِ البشريِّ؛ مركزٌ بالدِّماغِ، يُرْسِل إلى الغددِ الصماءِ رسائلَ عاجلةً يطلبُ منها العَونَ والمددَ، فيفرزُ الكظرُ هرموناً يحثُّ على تحويلِ النشاءِ الحيوانيِّ في العضلاتِ والكبدِ إلى سكّرٍ بِوَساطةِ هرمونٍ، والغدَّةُ الدرقيَّةُ تفعلُ مثلَ ذلك عم طريقِ إفرازِ هرمونها، فهي تحُثّ سكَّرَ الدمِ المُخزَّنَ في العضلاتِ والكبدِ على أن يُطْلقَ، ويُسْتَهلكَ؛ لأنَّ نسبةَ السكَّرِ في الدمِ انْخفضَتْ بعدَ سِتِّ ساعاتٍ من الصِّيامِ، والغدّةُ الأخرى هي البنكرياسُ، تفعَلُ مثل ذلك عن طريقِ هرمونٍ يحثّ هذه المخزوناتِ على الانطلاقِ كي تُسْتهلَكَ، فإذا اسْتَهلكَ الإنسانُ ما هو مخزونٌ عنده من السُّكرِ في عضلاتِه وكبدِه يتحوَّلُ العملُ إلى الدُّهونِ المخزَّنةِ فتَهْدِمُها، وتحرِّرُ طاقتَها، وقد أكَّدَتِ الأبحاثُ العلميَّةُ ازدِيادِ احْتِراقِ الدُّهونِ طوالَ ساعاتِ الصِّيامِ، واستهلاكَ الدهونِ المتراكمةِ في مناطقِ ترسُّبِها على الجسمِ.
(1/80)

إنها حقيقةٌ عجيبةٌ، فكلّ كيلو غرامٍ من الأنسجةِ الدهنيّةِ يحتاجُ إلى ثلاثةِ كيلو مترات من الأوعيةِ الشَّعريَّةِ التي يسري خلالَها الدمُ، وهذه عِبءٌ على القلبِ، فلو أنّ الإنسانَ زادَ وزنُه عشرةَ كيلو غراماتٍ فهذا دليلٌ على أنَّ به ثلاثَمئة كيلو مترات مِنَ الأوعيَةِ الشَّعْرِيَّةِ الزائدةِ! وقال العلماء: "إنَّ فيزيولوجِيَّةَ خلقِ الأبدانِ تقتضي الامتِناعَ عن تناولِ الطَّعامِ"، لماذا؟ لإراحةِ الوظيفةِ الأولى والثانيةِ، ولإتاحةِ الفرصةِ لِعَملِ الوظيفةِ الثالثةِ، فالصِّيامُ ترتاحُ به وظيفةُ هضمِ الطعامِ وامتصاصِه، وترتاحُ الوظيفةُ الثانيةُ وهي تخزينُه، وتبقى الوظيفةُ الثالثةُ، وهي هدمُ المُدَّخراتِ الدهنيَّةِ، وإحراقُها، واستهلاكُ المُدَّخراتِ الدهنيَّةِ في العضلاتِ والدم، فَلِكون الصِّيامِ ضرورياً لكلِّ إنسانٍ كانت هذه الفريضةُ على كلِّ الأُممِ والشُّعوبِ، قال تعالى: {ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
ولكنَّ هذا البحثَ العلميَّ يعني شيئاً دقيقاً، وهو أنَّ الصِّيامَ عِبادةٌ، وقُرْبٌ منَ اللهِ، ومزيدٌ من الاتِّصالِ باللهِ، وكلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصِّيامَ فإنه للهِ، وهو يجزي به، فالصِّيامُ تَقْوِيَةٌ لإرادةِ الإنسانِ، وحتّى يشعرَ الإنسانُ بِضَعفِه البشريِّ، فهذا البحثُ العلميُّ لا يخدِشُ مهمَّةَ الصِّيامِ الأُولى، وهي العبادةُ، والقربُ، ولكنّ أمْرَ اللهِ متنوعٌ، فهو عبادةٌ، وهو قُربٌ، وهو تحجيمٌ، وهو صِلَةٌ، وافتقارٌ، وهو إضافةً إلى كلِّ هذا صحَّةٌ.

بعض وصايا النبيّ صلى الله عليه وسلم الصحية السحور والإفطار
نذكرُ بعضَ الوصايا الصحيةِ التي أوصى بها النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ الصائمين، فَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً".
وفي رواية للنسائي: "إنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللهُ إِيَّاهَا فَلا تَدَعُوهُ".
(1/81)

فَسَّرَ علماءُ الحديثِ هذه البركةَ بمعنيين؛ إمّا أنها بركةٌ في الدنيا، وإمّا أنّها بركةٌ في الآخرةِ، فهذا الذي يستيقظُ ليتناولَ طعامَ السَّحور ربما صلَّى الفجرَ في المسجدِ، وربما سمعَ آيةً بعد صلاةِ الفجرِ تركتْ أثراً بليغاً في نفسِه، وربما ذَكَرَ اللهَ خالياً ففاضتْ عيناه بالدموعِ، ربما تلا القرآنَ فكان ربيعَ قلبِه، جاءه كلُّ هذا الخيرِ مِن استيقاظِه ليتناولَ طعامَ السَّحورِ، إذاً هذه بركةُ الآخرةِ.
أمّا بركةُ الدنيا، فإذَا تناولَ الصائمُ طعامَ السَّحورِ، وكان مِن أصحابِ الأعمالِ الشاقَّةِ أَمْكَنَه أنْ يتابِعَ الصيامَ، بالحدِّ الأدنَى مِن المشقَّةِ، فهذا الجسَدُ يحتاجُ إلى وقودٍ، ووقودُه الطعامُ، فتناولُ طعامِ السَّحورِ مِنَ السُنَّة.
ومِنَ السُّنَّةِ أيضاً تأخيرُ السَّحورِ، أمّا هذا الذي يسهرُ إلى منتصفِ الليلِ، فيتناولُ السَّحورَ، ثم ينامُ فقد ضيَّعَ عليه صلاةَ الفجرِ، وضيَّعَ عليه سنةَ تأخيرِ السَّحورِ، فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الإِفْطَارَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ".
الشيءُ الذي يجبُ أنْ يُؤَكَّدَ لكم أنّ الإنسانَ إذَا تناولَ طعامَ السَّحورِ، وآوى إلى فراشِه مباشرةً، ربما ساءَ هضمُه، وربما أصابَتْهُ بعضُ الوَعكاتِ الصحيةِ المتعلقةِ بغذائِه، فلا بدَّ من وقتٍ كافٍ بين تناولِ طعامِ السَّحورِ والنومِ، هذا الوقتُ يجبُ أنْ تمضيَه في قراءةِ القرآنِ، وفي الصلاةِ، وفي الذكرِ.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اله عليه وسلم: تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ".
لذلك ينهَى الأطباءُ أنْ تأويَ إلى الفراشِ بعدَ تناولِ طعامِ السَّحورِ.
(1/82)

يأمرُنا النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ أنْ نعجِّلَ الفطرَ، إذْ إنّه بمجرَّدِ أنْ يدخلَ وقتُ المغربِ فقد أفطرَ الصائمُ، تناولَ الطعامَ أم لم يتناولْه، لذلك كان النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ يأكلُ بعضَ التمراتِ، أو أيَّ شرابٍ حلوٍ ميسَّرٍ، أو يشربُ جرعةً من الماءِ، ثمّ يصلّي المغربَ، وبعْدَها يتناولُ طعامُه، وقد هدأَ جوعُه، وتوازنتْ أعضاؤهُ، وقد وصَلَ سكَّرُ التمر إلى دمِه، فخفَّفَ من حدَّةِ الجوعِ، وجعَلَه يأكلُ أكلاً معتدلاً، كما لو أنّه في الإفطارِ، وهذه أيضاً من السُّنَةِ، وذلك لِمَن تيسَّر له أنْ يصلِّي قبلَ أنْ يأكلَ، أما إذا أحرجتَ الناسَ بهذا فأهْونُ الأَمْرَيْنِ أنْ تأكلَ مع المجموعِ في الوقتِ المناسبِ، ولكنْ إذا تيسَّرَ لك أنْ تأكلَ تمراتٍ ثلاثاً، وتصلِّي المغربَ، وبعْدَها تأكلُ، فهذا من السُّنةِ.
وقد سَنَّ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ أيضاً لنا أنْ نستعينَ بالقيلولةِ على القيامِ، وبالسحورِ على الصيامِ، وكان يقولُ: "قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لاَ تَقِيلُ".
فإذا تمكَّنَ الإنسانُ في رمضانَ أنْ يستلقيَ ولو ساعةً مِنَ الوقتِ في وقتِ القيلولةِ، فإنَّ في هذا عوناً على أداءِ صلاةِ التراويحِ، الصيامُ كلُّه من أجلِ هذه الصلاةِ، من أجلِ أنْ تؤدّيَ هذه الصلاةَ وأنَتَ نشيطٌ، من أجلِ أنْ تقبضَ الثمرةَ في الصلاةِ، من أجلِ أنْ تفهمَ القرآنَ، من أجلِ أنْ يذوبَ قلبُك حباً للهِ عزَّ وجلَ، فإنَّ الصلاةَ هي المُناسبةُ، فاستعِنْ على القيامِ بالقيلولةِ.
هذه بعضُ الوصايا الصحيةِ التي وصَّى بها النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ.

العلاقة بين أيام البيض وصيامها طبيا
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ الْبِيضَ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ".
(1/83)

سقتُ هذا الحديثَ لأربطَ ربطاً محكماً بينه وبين حقيقةٍ علميةٍ، وهي أنه ثبتَ أن هناك علاقةً بين حركةِ الإنسانِ في الحياة ودورةِ القمرِ، فقد جاء باحثٌ وأَخَذَ ملفاتِ دوائرِ الشرطةِ في الأيامِ التي تقابلُ أيامَ البيضِ، فوجدَ أنّ نسبَ الحوادثِ أعلى بكثيرٍ من بقيةِ الأيامِ، فالإنسانُ حينما يصومُ ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ولا سيّما هؤلاء الذين يَشْكُون من عصبيةِ المزاجِ، فإنَّ صيامَ أيام البيضِ، أي الثالثَ عشرَ، والرابعَ عشر، والخامسَ عشرَ له تأثير فيهم، والذي يأتي به النبيُّ عليه الصلاة والسلامُ كما تعلمون ليس مِن خبرتِه، ولا من اجتهادِه، ولا من ثقافتِه، ولا من علمِه الشخصيِّ، إنما هو وحيٌ منَ اللهِ عز وجل، ربما كان هناك علاقةٌ بين دورةِ القمرِ، واضطرابِ الإنسانِ، فالصيامُ قد يهدِّىء من اضطرابِ النفسِ، ومن رُعونتِها.

الحمل والجنين والولادة
علم الوراثة في السنة النبوية
إنّ النبيّ عليه الصلاةُ والسلامُ في بعضِ أحاديثِه الشريفةِ قرَّرَ النتائجَ العمليةَ لقوانينِ الوراثةِ، فممَّا يُعلَمُ أنّ البيضةَ الملقَّحةَ خليةٌ لها نَواةٌ عليها صبغياتٌ، وفيها المورِّثاتُ، وأنّ عددَ هذه المعلوماتِ التي تحتويها المورِّثاتُ كبيرٌ جدّاً، عُرِفَ من هذه المورثاتِ حتى الآن ثمانُمئةِ موّرثٍ فقط، هذه المورثاتُ في النطفةِ تتفاعلُ مع المورثاتِ في البيضة، وتنشأُ البيضةُ الملَقَّحةُ من مورثاتِ النطفةِ، ومورثاتِ البيْضَةِ، وهذا ما عَنَاه ربُّنا سبحانه وتعالى حينما قالَ: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان: 2] .
(1/84)

يقولُ علماءُ الوراثةِ: "إنّ التزاوجَ بينَ الأقاربِ من الدرجةِ الأولى ينقلُ الأخطاءَ في المورِّثاتِ، أو الضعفَ، أو الأمراضَ، أو العاهاتِ إلى الأجيالِ بنسبةِ خمسينَ بالمئةِ، والزواج من الأقارب مِن الدرجةِ الثانيةِ ينقلُ الأخطاءَ في المورِّثاتِ بنسبةِ اثني عشرَ بالمئةِ، ومن الدرجةِ الثالثةِ بنسبةِ ستّةٍ بالمئةِ"، وهذا التفسيرُ العلميُّ وراءَ قولِه تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت وأمهاتكم الاتي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة} [النساء: 23] .
أمّا الزواجُ من الأقاربِ مِن الدرجةِ الرابعةِ ففيها تقلُّ نسبةُ انتقالِ الأخطاءِ في المورِّثاتِ، وقد رُوِيَ عن عمر رضي الله عنه: (اِغْتَرِبُوا، لاَ تُضْوُوا) .
فكلّما ابتعدتَ في اختيارِ الزوجةِ جاءَ النَّسْلُ قويّاً.
ويقولُُ سيدُنا عمرُ رضي اللهُ عنه أيضاً: (لا تَنْكِحُوا قَرَابَةَ القَرِيبَةِ، فإنّ الوَلَدَ يُخْلَقُ ضَاوِياً) ، يعني ضعيفاً.
ويقولُ عليه الصلاةُ والسلامُ: "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، فَإِنَّ النِّسَاءَ يَلِدْنَ أَشْبَاهَ إِخْوَانِهِنَّ وَأخَوَاتِهِنَّ".
والعوامُّ يقولون: الطفلُ كخالهِ، أو كخالتِه.
ويقولُ عليه الصلاةُ والسلامُ: "اُطْلُبُوا مَوَاضِعَ الأَكْفَاءِ لِنُطَفِكُمْ فَإنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا أَشْبَهَ أَخْوَالَهُ".
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الأَكْفَاءَ، وَأََنْكِحُوا إِلَيْهِمْ".
وتحسينُ النسلِ يُعدُّ مِن أرقى علومِ الوراثةِ، أيْ أن يأتيَ جيلٌ يتمتَّعُ بقدراتٍ عقليّةٍ عاليةٍ، وبنيةٍ جسميةٍ فائقةٍ، ونفسيةٍ متفتحةٍ، غيرِ متشائمةٍ، وغيرِ مريضةٍ، هذا الذي عَنَاه النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام.
لذلك لك على ابنِك حقوقٌ كثيرةٌ جداً، وله عليك حقٌّ أوّل، هذا الحقُّ أن تحسنَ اختيارَ أمّه، هذا أوَّلُ حقٍّ من حقوقِ أولادِك عليك قبلَ أنْ يأتوا إلى الدنيا.
(1/85)

قبلَ أن يختارَ الإنسانُ زوجتَه، أمَّ أولادِه، شريكةَ حياتِه يجبُ أن يقفَ عندَ هذا الاختيارِ طويلاً، ليطبقَ السّنةَ النبويةَ، فمَنْ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ لِجَمَالِهَا أَذَلَّهُ اللهُ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا أَفْقَرَهُ اللهُ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا زَادَهُ اللهُ دَنَاءَةً، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ.

من إعجاز القرآن علم الأجنة
إنّ مِن دلائلِ إعجازِ القرآنِ الكريمِ قولَ اللهِ عزوجلَ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون: 12-13] ، دقِّقُوا في حروفِ العطفِ، قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} والقرارُ المكينُ هو الرَّحِمُ، {ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً} [المؤمنون: 14] ، ثم جاءت الفاءُ في قوله: {فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً} [المؤمنون: 14] .
فمِنَ العلقةِ إلى المضغةِ عطفٌ بالفاءِ، وكذا مِن المضغةِ إلى العظامِ، وِمَن العظامِ إلى اللحمِ، أما مِنَ النطفةِ إلى العلقةِ فقد جاء العطفُ بـ "ثُمَّ"، وَالفاءاتُ بعْدَها متلاحقةٌ، مع العلم أنّ ثُمّ حرفُ عطفٍ للترتيب على التراخي، أما الفاءُ فهو حرفُ عطفٍ للترتيبِ والتعقيبِ.
أَحْدَثُ ما في علمِ الجنينِ أنّ هناك فترةً زمنيَّةً بين مرحلةِ النطفةِ ومرحلةِ العلقةِ، هذه الفترةُ تزيدُ على أسبوعين، حيث يتباطؤُ فيها نموُّ الجنينِ؛ لأنّ هذه المرحلةَ مرحلةُ انغرازِ النطفةِ في جدارِ الرحمِ، والجنينُ في هذه المرحلةِ لا ينمو، ولكنّه يوطِّدُ طرائقَ امتصاصِه للغذاءِ مِنَ الرَّحِمِ، ولا يكونُ في هذه المرحلةِ إلا كقرصٍ من الخلايا المنتظمةِ على شكلِ صَفَّيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ، فهذا البطءُ في مرحلةِ نموِّ الجنينِ في الأسبوعِ الثانِي والثالثِ مِنَ اللقاحِ عبَّرَ اللهُ عنه بحرفِ "ثُمَّ"، أمّا مِنَ العلقةِ إلى المضغةِ فقال عزوجل: {فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً} وفي مرحلةٍ واحدةٍ قال تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً} .
(1/86)

خلالَ أسبوعين لا تتَّجهُ هذه البيضةُ الملقَّحةُ التي تكاثرتْ إلى مئةِ خليةٍ إلى النموِّ، بل تتّجِهُ إلى تمكينِ نفسِها من جدارِ الرحمِ، لذلك يتباطؤُ النموُّ، فجاءَ القرآنُ، وهو كلامُ الخالقِ معبِّراً عن هذه الحقيقةِ العلميةِ بحرفِ "ثم"، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 12-14] .
هذا كلامُ ربِّ العالمين، هذا كلامُ خالقِ الكونِ، وآياتُ إعجازِ القرآنِ لا تنقَضِي، وكلّما تقدَّمَ العلمُ كَشَفَ وجهاً من وجوهِ إعجازِ القرآنِ الكريمِ.

تطابق علم الأجنة مع الحديث النبوي الشريف
ثمَّةَ علمٌ تاريخُه حديثٌ، اسمُه علمُ الأجِنَّةِ، وهو علمُ تكوُّنِ الجنينِ في رَحِمِ الأمِّ، وقد تَقَدَّمَ هذا العلمُ في السنواتِ الأخيرةِ تقدُّماً كبيراً، حتى أصبحَ بإمكانِ الأطبّاءِ والعلماءِ أنْ يصوِّروا الجنينَ وهو في الرَّحِمِِ في مراحلِ نُمُوِّهِ وتطوُّرِه، فهناك صورةٌ للجنينِ في الأسبوعِ الثالثِ، وصورةٌ في الأسبوعِ الرابعِ، وصورةٌ في الأسبوعِ الخامسِ، وصورةٌ في الأسبوعِ السادسِ، ويَعنِينا من كلِّ هذه الصورِ صورةٌ للجنينِ في رَحِمِ الأمِّ وهو في بدايةِ الأسبوعِ السادسِ، ماذا نرى؟.
نَرى الأنفَ مختلطاً بالفمِ، متصلاً بالعينِ، نرى اليدَ كأنّها مجدافٌ قصيرٌ، نرى الرأسَ ملتصقاً بالجذعِ، هذه صورةُ الجنينِ في بدايةِ الأسبوعِ السادسِ، فإذا انتهى هذا الأسبوع ابتعدَ الرأسُ عن الجذعِ، وتوضَّحَتْ معالمُ العينينِ، ومعالمُ الأنفِ، ومعالمُ الفمِ، وملامحُ اليدينِ، والرجلينِ، هذه الملامحُ هي ملامحُ نهايةِ الأسبوعِ السادسِ، والأسبوعُ سبعةُ أيامٍ، فإذا ضَرَبْنَا سبعةً بستةٍ، فالناتجُ هو: اثنان وأربعون (42) .
(1/87)

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا مَرَّ باِلنُّطْفَةِ اِثنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكاً فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا، وَبَصَرَهَا، وَجِلْدَهَا، وَلَحْمَهَا، وَعِظَامِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ! أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ! أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ! رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلاَ يَزِيدُ عَلَى أَمْرٍ، وَلا يَنْقُصُ".
انظرْ كيف جاء هذا الحديثُ متطابقاً تطابقاً دقيقاً جداً مع الصورِ التي تلتَقَطُ للجنينِ، وهو في نهايةِ الأسبوعِ السادسِ، قال الله عزَّ وجل: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى} [النجم: 3-4] .

ما من كل الماء يكون الولد
في حديثٍ صحيحٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "ما مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ".
ويقولُ العلمُ الآن: يزيدُ عددُ النطافِ المنويةِ في اللقاءِ الزوجيِّ على ثلاثمئةِ مليونٍ، وكل نطفةٍ لها رأسٌ، ولها عُنُقٌ، ولها ذَيْلٌ، وتَسْبَحُ في سائلٍ يغذِّيها، ويسهِّلُ حركتَها، ويتَّجِهُ هذا العددُ الكبيرُ - ثلاثمئة مليون - على البيضةِ كي تُلقَّحَ بحيوانٍ واحدٍ من ثلاثمئةِ مليونِ نطفة، لأنه "مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ"، فكيف عرفَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك؟ مِن أيِّ مَخبَرٍ استقى معلوماتِه؟ مِن أيِّ بحثٍ علميٍّ أَخَذَ هذه الحقيقةَ؟ وكيف توصَّلَ إليها؟
تصلُ إلى البيضةِ هذه النطافُ، ويتمُّ الاختيارُ من هذه الثلاثمئةِ مليون ثلاثمئة نطفةٍ، فتختارُ البيضةُ نطفةً واحدةً.
(1/88)

كيف تدخلُ هذا النطفةُ البيضةَ؟ شيءٌ معجِزٌ! إذا اصطدمَت هذه النطفةُ بجدارِ البيضةِ تمزَّقَ الغشاءُ، فخرجتْ مادةٌ نبيلةٌ مركزةٌ في رأسِ النطفة، مغطاةٌ بغشاءٍ، من نوعِ قرنيةِ العينِ، تتغذَّى بالحلولِ، فأذابتْ جدارَ البيضةَِ، فدخلتْ، وأُغْلِقَ البابُ.
هذه البيضةُ هي خليةٌ، وهذه النطفة هي خليةٌ فيها نواةٌ، وفيها مادةٌ، وفيها غشاءٌ، وعلى نواةِ النطفة ونواةِ البيضةِ معلوماتٌ سمّاها العلماءُ المُوَرِّثاتِ، أو الجينات، يزيدُ عددُها على بضعة ملايين معلومةٍ في النطفةِ الواحدةِ، وفي البيضة كذلك، وهذا الرقْمُ عجيبٌ، بل إنّ هذه المعلوماتِ مبرمجةٌ، وتُفَعَّلُ في وقتٍ محدَّدٍ.
فكل معلومةٍ تتحرّكُ في وقتٍ معينٍ، ففي وقتٍ يخشنُ صوتُ الشابِّ، فتتحرك هذه المعلومةُ، في وقتٍ ينبتُ شعرُ لحيتِه فتتحرَّك أيضاً، وكذا في وقتِ نمُوِّ صدرِ الفتاةِ.
ثمَّةَ بضعةُ ملايين معلومةٍ مكتوبةٍ على نواةِ النطفةِ، وعلى نواةِ البيضةِ، وبعدَ تلقيحِ البيضةِ بالنطفةِ ينقسمُ هذا الهيكلُ، أو هذه البيضةُ الملقَّحةُ.
تنقسمُ البيضةُ الملقَّحةُ إلى مئةِ قسمٍ، وهي في طريقِها على الرحمِ، ثم تصلُ إليه، وهناك عِلمٌ خاصٌّ هو علمُ الأَجِنَّةِ، لا تكفي الأيامُ، ولا الأسابيعُ، ولا الشهورُ في دراسةِ تفصيلاتِه، قال سبحانه: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان: 2] .

ثم جعلناه نطفة في قرار مكين
(1/89)

في القرنِ الثامِن عشرَ حينما بدأَ العالَمُ الغربيُّ يتلمَّسُ طريقَ الِعلْمِ، وبعدَ أنْ اكْتُشِفَ المِجْهَرُ، اسْتقرَّ في أذهانِ العلماءِ أنّ الإنسانَ يُخْلَقُ من نطفةِ الرّجلِ فقط، ثمَّ نُقِضَتْ هذه النَّظريّةُ، واسْتَقرَّ في أذهانِهم شيءٌ آخرُ؛ وهو أنَّ الطّفلَ يُخْلقُ من نطفةِ المرأةِ فقط، وما النّطفةُ التي يُلقيها الذَّكَرُ إلا مُنَبِّهٌ لهذا، وظلّ العلماءُ في القرْنَيْن السابِعِ عشرَ والثامِنِ عشرَ يتخبَّطون في نظريّاتٍ، لكنْ لمّا سُئِلَ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ قبلَ أربعةَ عشرَ قرْناً هذا السؤالَ: ممَّ يُخْلَقُ الإنسانُ؟ أجاب إجابةً تُعَدُّ من دلائلِ نبوَّتِه، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: "مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُحَدِِّثُ أَصْحَابَهُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا يَهُودِيُّ، إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَ: لأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لا يَعْلَمُهُ إِلا نَبِيٌّ، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مِمَّ يُخْلَقُ الإِنْسَانُ؟ قَالَ: يَا يَهُودِيُّ مِنْ كُلٍّ يُخْلَقُ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ، وَمِنْ نُطْفَةَِ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ، وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ، فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ"، هكذا أجابَ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ.
وممّا يُعلََمُ أنّ العلومَ الحديثةَ أشارَتْ إلى أنْ الرَّجُلَ في اللّقاءِ الواحِد يخرجُ منه ما يزيدُ على ثلاثمئة مليون نطفةٍ، وأنَّ نطفةً واحدةً فقط تُلقِّحُ البيضَةَ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ"، أليس محمدٌ صلى الله عليه وسلم رسولَ اللهِ؟ هل معطَياتُ العصْرِ يومئذٍ كانت كافيَةً لمعرفةِ هذه الحقائقِ؟
(1/90)

شيءٌ آخرُ، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون: 12-13] ، والقرارُ المكينُ هو الرَّحِمُ، ويقعُ في الوسَطِ الهندسيِّ تماماً من جِسمِ المرأةِ، فلو أُخِذَ خطٌّ منصِّفٌ طوليٌّ، وخطٌّ منصّفٌ عَرْضِيٌّ لكان موقعُ الرَّحِمِ في تقاطُعِ الخطَّيْنِ.
المعنى الثاني: لِمَ سُمِّيَ الرَّحِمُ قراراً؟ لأنَّه يفْرِزُ مادَّةً لاصقةً إذا جاءتِ البَيْضةُ الملقِّحَةُ إلى الرَّحِم الْتصَقَتْ في جِدارِه، فهو قرارٌ لها، وليس ممرّاً، ثمّ إنّ في الرّحِمِ عدداً من الأوْعِيَةِ الدَّمَوِيّةِ يفوقُ حدَّ التصوُّرِ، كلُّها تُمِدُّ هذه البيضة الملقّحةَ بالدّمِ لِيَتَغَذَّى الجنينُ، ولِيَنْموَ في سرعةٍ تُعدُّ أسْرعَ ما في جسمِ الإنسانِ مِن نَسيجٍ في تكاثُرِه وانقسامِه.
شيءٌ آخرُ؛ هذا الجنينُ في غشاءٍ رقيقٍ، وقد بدَا هذا في الصُّوَرِ التي أُخِذَتْ من الجنينِ؛ وهو مغلّفٌ بِغِشاءٍ رقيقٍ، وهذا الغِشاءُ الرقيقُ معلّقٌ في أعلى الرّحِمِ، فهو لا يتأثَّرُ بجُدُرِ الرَّحِمِ، وفوقَ هذا وذاك فقدْ أُحيطَ هذا الجنينُ بسائلٍ يمْتصُّ كلَّ الصَّدماتِ، والأغْرَبُ من هذا أنَّ الرَّحِمَ كلَّه معلّقٌ في حَوْضِ المرأةِ بأربِطَةِ إلى أقطارِ الحوضِ، فالرّحِمُ سائبٌ، والجنينُ سائبٌ، وبين الرِّحِمِ والجنينِ سائلٌ يمْتصُّ كلَّ الصَّدماتِ، كلّ هذا الشَّرْحِ ينْطوي تحتَ قولِه تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون: 13] .
يقول بعضُ علماءِ العِظامِ: "إنّ عظامَ الحوْضِ في المرأةِ هي أقسى عِظامٍ في النّوعِ البشرِيِّ، وهذا مِن أجلِ ردِّ الصَّدَماتِ"، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] ، أيْ إنّ هذا القرآنَ كلامُ اللهِ، وهو المعجِزَةُ الخالدةُ، وكلّما تقدَّمَ العلمُ كَشَفَ عن جانبٍ من إعجازِه العلميِّ.

مراحل الحمل الثلاث
(1/91)

قال الله عز وجل: {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234] .
قد يعْجَبُ الإنسانُ لهذا الرّقمِ المحدّدِ، (أربعةَ أشهرٍ وعشراً) ، لِمَ لمْ يَقُلِ اللهُ: أربعةَ أشهرٍ؟ أَو خمسةَ أشهرٍ؟ أو ستّةَ أشهر؟ أو شهرين؟ أو ثلاثةَ أشهرٍ؟ قال علماءُ الطبِّ: "تمرُّ المرأةُ الحاملُ بِثَلاثِ مراحلَ؛ المرحلةُ الأولى مرحلةُ الشكِّ، وفيها ينقطعُ دمُ الحيضِ، وانقطاعُه علامةٌ على حمْلِ المرأةِ، ولكنْ هل هي علامةٌ قاطعةٌ؟ لا، قد تتوقفُ هذه الدوْرَةُ لأسباب معينة، كالاضْطراباتِ النفسيّةِ، أو الهرمونيّةِ، أو لاختلالٍ في بنيةِ الجهازِ التناسليِّ عند المرأةِ، كلُّ هذا يسْتدْعي أن تنقطعَ الدوْرَةُ الشّهريّةُ، إذاً فانقطاع الدورةِ لا يعدُّ دليلاً يقينياً على الحمل، وبعْدَ مرحلةِ الشكِّ هذه تدخلُ في مرحلةٍ ثانيةٍ هي مرحلةُ الظنِّ، حيث تأتِيها أعراضٌ نفسيّةٌ كالشّعورِ بالكآبةِ، وأعراضٌ هضميّةٌ كالإقياءِ والغثيانِ، والمَيْلِ إلى العزلةِ، فهذه الأعراضُ الهضميّةُ والنفسيّةُ اصطلحَ الناسُ على تسميتِها الوحمَ، حيث أَغْلَبُ الظنِّ أنّها في هذه المرحلةِ حاملٌ، ولكن هل تُعَدُّ هذه المرحلةُ دليلاً قاطعاً على الحملِ؟ أيضاً الجوابُ: لا! ذلك أنّ هناك أعراضاً اسمُها أعراضُ الحمْلِ الكاذبِ، فقد تُفاجَأُ المرأةُ بأنَّ الدوْرةَ قد جاءَتْها، وأُلْغِيَ الحمْلُ.
ولكن في اليومِ السادسِ والعشرين بعدَ المئةِ، أي في اليومِ العاشرِ بعدَ الأشهرِ الأربعةِ التي ذَكَرَها القرآنُ الكريمُ ينبضُ قلبُ الجنينِ، ومع نبضِ قلبهِ يتحرّكُ، وتشعرُ المرأةُ بحركتِه تلك، عندها تدخلُ المرأةُ مرحلةً ثالثةً هي مرحلةُ اليقينِ، فحركةُ الطّفلِ في أحشاءِ أُمِّه دليلٌ قطعيٌّ على الحمْلِ"، لذلك قالَ تعالى: {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} .
(1/92)

هذه الحقائقُ الطبيّةُ تنطبقُ مع القرآنِ الكريمِ انطباقاً عجيباً، ففي اليومِ السادسِ والعشرينَ بعد المئةِ ينبضُ قلبُ الجنينِ، ومع نبضِ قلبِه يتحرّكُ، وتدخلُ المرأةُ مرحلةً ثالثةً، وهي مرحلةُ اليقينِ.

السائل الأمنيوسي
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} [الزمر: 6] .
لقد فسَّرَ العلماءُ هذه الظلماتِ تفسيراتٍ متباينةً، منهم مَن قالَ: "إنها ظلمةُ البطنِ، وظلمةُ الرحمِ، وظلمةُ الأغشيةِ التي تحيطُ بالجنينِ"، وقالَ بعضُهم: "إنّ الجنينَ مُحَاطٌ بأغشيةٍ ثلاثةٍ، وربما كان هذا من إعجازِ القرآنِ العلميِّ.
نقفُ وقفةً عند غشاءٍ واحدٍ؛ هو الغشاءُ الأمنيوسي، هذا الغشاءُ هو الغشاءُ الباطنُ الذي من جهةِ الجنينِ، يحيطُ بهِ مِن كلِّ جانبٍ إحاطةً كاملةً، وهو كيسٌ غشائيٌّ رقيقٌ ومقفلٌ، وفي هذا الغشاءِ المقفلِ سائلٌ يزدادُ مع نموِّ الجنينِ اسمُه السائلُ الأمنيوسي، يصلُ إلى لترٍ ونصفٍ في الشهرِ السابعِ، ثم يعودُ إلى لتر قُبيل الولادةِ.
مِن منا يصدِّقُ أنه لولا هذا السائلُ لَمَا نَجا جنينٌ من موتٍ محقَّقٍ؟
أولاً: إنّ هذا السائلَ يغذِّي الجنينَ، ففيه موادُّ زُلاليةٌ، وموادُّ سكريةٌ، وأملاحٌ غيرُ عضويةٍ.
ثانياً: هذا السائلُ يحمي الجنينَ من الصدماتِ، وقد طبقتْ هذا المبدأَ مركباتُ الفضاءِ، حيثُ إنّ كبسولةَ الروادِ كان بينها وبينَ جسمِ المركبةِ سائلٌ من أجلِ امتصاصِ الصدماتِ، فحينما تأتي الجنينَ صدمةٌ من هذه الجهةِ، قوّتُها 4 كيلو غرامات على سنتمتر مربّع مثلاً فإنّ السائلَ يوزِّعُ هذه القوةَ على كلِّ السطحِ، فيصبحُ هذا الضغطُ نصفَ ميليمترٍ، وإنّ أحْدَثَ طريقةٍ لامتصاصِ الصدماتِ أن يكونَ بين الشيءِ الذي تخافُ عليه، والمحيطِ الخارجيِّ سائلٌ.
(1/93)

ومثلُ هذا السائلِ موجودٌ في الدماغِ أيضاً، حيثُ إنّ المخَّ محاطٌ بسائلٍ يمنعُ تأذِّي المخِّ بالصدماتِ، بل إنَّ هذا السائلَ يمتصُّ كلَّ صدمةٍ مهما تكنْ كبيرةً، وهذا السائلُ الأمنيوسي هو الذي يحمِي الجنينَ من الصدماتِ، والسقطاتِ، والحركاتِ العنيفةِ، التي تصيبُ المرأةَ الحاملَ، فإنّ أيَّ ضربةٍ، أو أيِّ صدمةٍ يمتصُّها هذا السائلُ، ويوزِّعُها على كلِّ سطحِ الجنينِ حتّى لا يتأثرَ.
ثالثاً: هذا السائلُ يسمحُ للجنينِ بحركةٍ حرّةٍ خفيفةٍ، فإنّ الأجسامَ، وهي في السوائلِ تبدو حركتُها أسهلَ بكثيرٍ ممّا لو لم يكن هناك سائلٌ.
رابعاً: إنّ هذا السائلَ جهازُ تكييفٍ، له حرارةٌ ثابتةٌ لا تزيدُ، ولا تقلُّ، إلا في أجزاءِ الدرجةِ، فمهما كان الجوُّ الخارجيُّ بارداً أو حاراً، فإنّ هذا السائلَ يحقِّقُ للجنينِ حرارةً ثابتةً تعِينُه على النموِّ.
خامساً: يمنعُ هذا السائلُ التصاقَ الجنينِ بالغشاءِ الأمنيوسيِّ، ولو أنّ هذا الالتصاقَ حَصَلَ لكان هناك تشوهاتٌ في خَلْقِ الجنينِ.
سادساً: إنّ هذا السائلَ نفسَه يسهِّلُ الولادةَ، وهو الذي يعينُ على الانزلاقِ، وتوسيعِ الأماكنِ التي سوف يمرُّ منها الجنينُ.
سابعاً: هذا السائلُ حينما يسبقُ الجنينَ إلى الخارجِ يطهِّرُ، ويعقِّمُ المجرَى لئلا يُصَابَ الجنينُ بالتسمُّمِ، فمِن تطهيرِ المجرَى، ومن تسهيلِ الولادةِ، ومِن منعِ التصاقِ الجنينِ بالغشاءِ الأمنيوسيِّ، ومِن تحقيقِ الحرارةِ الثابتةِ، ومِن تحقيقِ الحركةِ الحرّةِ الخفيفةِ، ومِن حمايةِ الجنينِ مِن الضرباتِ واللكماتِ، ومن تغذيةِ الجنينِ، إنّ هذا السائلَ الأمنيوسي الذي جَعَلَه اللهُ داخلَ الرحمِ، وداخلَ الغشاءِ الأوّلِ يسْبَحُ فيه الجنينُ لهو آيةٌ مِن آياتِ اللهِ سبحانه وتعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذلكم الله رَبُّكُمْ} [الزمر: 6] .
ذلك عالِمُ الغيبِ والشهادةِ، ذلك هو الخلاقُ العليمُ، ذلك هو الرَّبُّ الكريمُ.
(1/94)

قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى} [القيامة: 36-40] .
وقال تعالى: {قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 17-21] .

المشيمة غشاء عاقل أم تقدير إلهي؟
(1/95)

المشيمةُ هي قرصٌ كبيرٌ يرافقُ الجنينَ في رَحِمِ الأمِّ، هذه المشيمةُ تُلقَى بعد الولادةِ، وفيها دورتان دمويتان يفصلُ بينهما غشاءٌ رقيقٌ اسمُه الغشاءُ المشيميُّ، الدورتان الدمويتان هما دورةُ دمِ الأمِّ، ودورُ دمِ الجنينِ، ومن المعلومِ أنّ زمرةَ دمِ الأمِّ غيرُ زمرةِ دمِ الجنينِ، كلُّ دمٍ له زمرةٌ قائمةٌ بذاتِها، وهاتان الدورتان تُفصَلانِ في المشيمة، ويفصل بينهما غشاءٌ رقيقٌ، هذا الغشاءُ الرقيقُ فيه معجزةٌ كاملةٌ، إنه يفصلُ بين دماءِ الجنينِ، ودماءِ الأمِّ، ولكنّه يسمحُ بمرورِ الغذاءِ المنتقَى والمختار بعنايةٍ فائقةٍ من دمِ الأمِّ إلى دمِ الجنينِ، إنه غشاءٌ عاقلٌ، فالجنينُ يحتاجُ إلى بوتاس، وإلى كلس، وغيرِ ذلك، وهذا الغشاءُ يسمحُ بمرورِ ما يحتاجُه الجنينُ من غذاء، يُنتقَى بعنايةٍ فائقةٍ ليلائمَ الجنينَ، ويعينَ على نموِّه، ويسمحُ هذا الغشاءُ أيضاً بمرورِ الأكسجين من دمِ الأمِّ، التي تتنفّسُ، وتأخذُه من الهواءِ، ويعطَى إلى دمِ الجنينِ عبرَ هذا الغشاءِ، ويسمحُ هذا الغشاءُ أيضاً بمرورِ موادِّ المناعةِ من الأمراضِ والأوبئةِ، فإنّ مناعةَ الأمِّ، والتي هي الأضدادُ في دمِها تمرُّ عبرَ هذا الغشاءِ إلى دمِ الجنينِ، وهذا الغشاءُ يسمحُ بانتقالِ الموادِّ السامّةِ، ونتائجِ الاحتراقِ، كغاز ثاني أكسيد الكربون الناتجِ عن عملياتِ البناءِ والهدمِ من دمِ الجنينِ إلى دمِ الأمِّ، ففضلاتُ الجنينِ الموجودةُ في الدمِ تنتقلُ عبرَ هذا الغشاءِ إلى دمِ الأمِّ، إذاً فهو غشاءٌ يسمحُ بمرورِ الغذاءِ المنتقَى، والأكسجين، ويسمحُ بمرورِ المُصولِ المناعيةِ، ويمنعُ مرورَ معظمِ الجراثيمِ والأوبئةِ، ويسمحُ بمرورِ الفضلاتِ الناتجةِ عن الاستقلابِ أو الاحتراق في خلايا جسمِ الجنينِ، فما هذا الغشاءُ؟
(1/96)

كلُّ هذا يتمُّ دونَ أن يختلطَ دمُ الأمِّ مع دمِ الجنينِ، فدمُ الأمِّ مستقلٌّ، ودمُ الجنينِ مستقلّ، وهذا الغشاءُ يفصلُ بينهما، إنه آيةٌ من آياتِ اللهِ الدالّةِ على عظمتِه، دمُ الأمِّ من زمرةٍ، ودمُ الجنينِ من زمرةٍ، والجنينُ يأخذ الأكسجين والمصولَ المناعيةَ، ويأخذُ الغذاءَ المنتقَى، ويطرحُ الفضلاتِ عبر هذا الغشاءِ، وهذا الغشاءُ لا يسمحُ للجراثيمِ والأوبئةِ أن تمرَّ إلى الجنينِ، فلو أُصِيبَتِ الأمُّ بمرضٍ جرثوميٍّ، فهذا المرضُ في الأعمِّ الأغلبِ لا ينتقلُ إلى جنينِها عبرَ هذا الغشاءِ، إنه غشاءٌ عاقلٌ، هكذا يسمِّيه علماءُ الطبِّ وهو تقدير إلهي ناطق برحمة الله وجميل لطفه، غشاءٌ يسمحُ بمرورِ ما يحتاجه الجنينُ، ويسمحُ بطرحِ ما يؤذِي الجنينََ، ولا يسمحُ بمرورِ ما يؤذي الجنينَ، فما يؤذي الجنينَ يُطرَحُ من دمِ الجنينِ في دمِ الأمِّ، أمّا ما يؤذيه فلا يسمحُ بانتقالِه من دمِ الأمِّ إليه، هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه.
لَخَصَّ العلماءُ وظيفةَ المشيمةِ بأنه يعطي الأكسجينَ، ويأخذُ ثاني أكسيد الكربون، فيقومُ بوظيفةِ الرئةِ، فرئةُ الجنينِ في المشيمةِ، ويعطي الغذاءَ المهضومَ بالقدرِ المعلومِ، وقد تتَبَّعَ العلماءُ هذا الغذاءَ عبرَ أشهرٍ فوجدوا أنّ هذه المشيمةَ تعطَي الجنينَ غذاءً مُعَيَّراً تعييراً يومياً بحسبِ نموِّه، إذاً تقومُ هذه المشيمةُ بوظيفةِ جهازِ الهضمِ، وهذه المشيمةُ أيضاً ترسلُ هرموناتٍ تثبِّتُ الجنينَ في الرحمِ، وترسلُ هرموناتٍ تُنَمِّي الثديين استعداداً لفرزِ الحليبِ، لو يعلمُ الإنسانُ ما في هذه المشيمةِ من خصائصَ ووظائفَ ودقائقَ لخرَّ للهِ ساجداً.

الحمل وانقطاع الطمث
إذا كان مِن المسلَّمِ به أنه لا حمْلَ مع الحيضِ، ولا حيضَ مع الحملِ، فلماذا أمَر الله النساءَ أن يتربَّصنَ ثلاثة قروءٍ، أفما كان يكفيهنّ قرءٌ واحدٌ تحيض فيه، فإذا هي ليستْ بحاملٍ؟
(1/97)

قيل: لا، لا يعدُّ وجودُ الحيضِ وانقطاعُ الدمِ لمرةٍ واحدةٍ دليلاً على عدمِ وجود الحملِ، فإنّ هناك حالاتٍ نادرةً تحيضُ فيها المرأةُ في بدايةِ الحمل مرة أو مرتين أو ثلاثاً لأسبابٍ كثيرةٍ، فجاءت الآية لتعطيَ براءةَ الرحمِ على نحوٍ قطعيٍّ لا لَبسَ فيه، قال سبحانه وتعالى: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر} [البقرة: 228] .
من أجلِ أن نعلمَ أنّ هذا التشريعَ تشريعٌ من عندِ خالقِ الكونِ، من أجلِ أنْ نعلمَ أنّ هذه الحالاتِ النادرةَ التي نجدُها في مجموعِ النِّساءِ، ويعلمُها علْمَ اليقينِ الأطبّاءُ، ولا سيما من اخْتصَّ في أمراضِ النّساءِ، هذه الحالاتُ النادرةُ لم تهملها هذه الآيةُ؛ لذلك لا تُعَدُّ الرَّحِمُ بريئةً من الحمْلِ إلا بعدَ القروءِ الثلاثةِ، لأنّ بعْدَها يظهرُ الحمْلُ بِشَكْلٍ سريريٍّ، يُرَى رأْيَ العَينِ من قِبَل الزوجِ، أو مِن قِبَلِ الأمِّ، أو من قِبَلِ المرأةِ.

الجنين ومشاعره
(1/98)

مِن البحوثِ العلميّةِ الطبيّةِ التي تُعدُّ آيةً من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ أنّ الجنينَ كان في نظرِ الطبِّ قديماً كائناً حيّاً في أدنى مستوياتِ الحياةِ، وكانت كتُبُ الطبِّ تَصِفُ حياتَه بحياةِ حبّةِ الفاصولياءِ في أصيصِ الترابِ، كرُشيمٍ، وجُذيرٍ، وسُويقٍ، ومحفظةِ غذاءٍ، جاءتْها الرطوبةُ، وجاءها النورُ، فنما هذا الرُّشَيمُ. وما حركاتُ الجنينِ إلا ردودُ أفعالٍ على المؤثِّراتِ التي تصلُ إليه، وهو في بطنِ أمِّه، ولكنَّ الطبَّ الحديثَ من خلال تطوّرِ وسائلِ الملاحظةِ والمشاهدةِ، ووُصولِ الطبِّ إلى باطنِ الجسمِ الإنسانيِّ، واستخدامِ التنظيرِ، والتصويرِ التلفزيونيِّ، والتسجيلِ الضوئيِّ والصوتيِّ، هذه الوسائلُ المتقدِّمةُ جِدّاً سمحَتْ للطبِّ أن يصلَ إلى الجنينِ، فيطَّلِعَ على حياتِه العضويّةِ، وسُلوكِه النفسيِّ، فكشفَ الطبُّ حقائقَ عجيبةً، أُمٌّ حاملٌ في الشهرِ السادسِ، معتادةٌ على التدخينِ، طلبَ منها الطبيبُ أن تمتنعَ عن التدخينِ مدَّةً طويلةً، ثمَّ قدَّم لها سيجارةً، وما إنْ أشعلتْهَا حتّى أشارَ المقياسُ إلى اضطرابِ قلبِ الجنينِ، وقالوا: هذا منعكسٌ شَرطيٌّ، وهو نوعٌ من أنواعِ التعلّمِ، هذا الجنينُ، وهو في الشهرِ السادسِ، وهو في بطنِ أمِّه تأَذَّى من أمِّه حينما استعملَتِ الدخانَ.
إذا وقعتِ الأمُّ في أزمةٍ نفسيّةٍ كالغضبِ فإنّ الجنينَ يتأثّرُ لتأثُّرِ أمِّه، وتضطربُ أعضاؤُه، وأجهزتُهُ، وإذا كانتِ الأمُّ في سعادةٍ ويُسْرٍ، وكانت تُهَدْهدُه فإنّ الجنينَ يهدأُ، وينبضُ قلبُه، وتنتظمُ أعضاؤُه، والأغربُ من ذلك أنّ الجنينَ وهو في بطنِ أمِّه ينجذبُ إلى صوتِ أبيه، ويقفُ موقفَ المأخوذِ، ويتأكَّدُ هذا بعدَ الولادةِ.
(1/99)

والرِّباطُ هو ارتباطُ الجنينِ بأُمِّه، فإذا رغبَتِ الأمُّ بالحملِ، وتولَّعَتْ به بادلَ الجنينُ أمَّه الابتهاجَ، وقدَّم مودَّته وشكْرَه على حسنِ لقائِها، ويغتني شعورُه بالسكينةِ، ويُعبِّرُ عن امتنانِه بحركاتٍ في بطنِ أمِّه لا حدَّ لعُذوبتِها على قلبِ الأمِ، أما الأمُّ التي لا ترغبُ بالحمْلَ، ويتمّ الحمْلُ، وهي مُكرهةٌ عليه، فإنّ التواصلَ، أو الرِّباطَ ينقطعُ مع الجنينِ، فيحيا الجنينُ حياةً منفصلةً عن أمِّه، فيها الوحشةُ، والانكماشُ، ويسلكُ سلوكَ البلبلةِ، والاضطراب ويختلُّ توازنُه، ويعبِّرُ عن هذه اللامبالاةِ أوّلَ الأمرِ بالصَّبرِ، وبعدئذٍ يضربُ أمَّه بركلاتٍ يرسلُها بقَدَميْه، وكأنَّه يعبِّرُ بها عن احتجاجِه على كراهيتِها له، أمّا بعْدَ الولادةِ فإنّ الجنينَ الذي رفضَتْ أمُّه حَمْلَهُ لا يقبلُ ثَدْيَيْها، بل يُقبِلُ على أيِّ ثديٍ آخرَ، فإذا عُصِبَتْ عيناه، وقُدِّمَ له ثديُ أمِّهِ رَفَضَهُ؛ لأنّها رفضتْهُ في الأصلِ، فالجنينُ يحيا حياةً نفسيّةً، ويبدأُ تعلُّمه وهو في بطن أمِّه.
قالَ بعضُهم: دورةُ النومِ عند الأمِّ قد تكونُ ذاتَ خصائصَ معيّنةٍ، فالأمُّ التي تكثِرُ السَّهَرَ يأتي ولَدُها مشابهاً لها، والأمُّ نؤومةُ الضُّحَى يأتي ابنُها مشابهاً لها، فهناك تأثُّرٌ يتأثّرُ به الجنينُ من أمّه قبلَ أن يولدَ.
(1/100)

الأغربُ من هذا كلِّه إنّ التي جاءَها المخاضُ إذا كان لها إنسانٌ قريبٌ ودودٌ يجلسُ إلى جانبِها، فهذا الإنسانُ القريبُ الودودُ يلعبُ دوراً أساسيّاً في تيسيرِ الولادةِ، ويزدادُ انصبابُ الدمِ على الرحمِ والجنينِ مغذِّياً، فينْتعشُ الجنينُ في أثناءِ المخاضِ، وتتضاءَلُ عقابيلُ نقصِ الأكسجين، هذا النقصُ ربّما أصابهُ بتأخُّرٍ عقليٍّ، أو اضطرابٍ نفسيٍّ، انظروا إلى الأمِّ التي ترغبُ في الحمْلِ، الأمُّ السعيدةُ، الأمّ التي تعيشُ مع زوجِها مطمئنّةً، هذا ينعكسُ صحَّةً جسميّةً ونفسيّةً على حياةِ الجنينِ، والأمّ التي تكونُ إلى جانبِ ابنتِها في أثناءِ الولادةِ يُعينُها ذلك على تيسيرِ الولادةِ، وعلى بُعْدِها عن عقابيلِ نقصِ الأكسجين بالتخلّفِ العقليِّ أحياناً، أو بِدَاءِ الصَّرع، أو بالاضطرابِ النفسيِّ، فانظرُوا إلى حكمةِ اللهِ عز وجل، حتى إنَّ الصفاتِ التي تحياها الأمُّ في أثناءِ الحملِ ينعكسُ معظمُها على الجنينِ، وهو في بطنِها.
حينما نبتعدُ عن البُنيةِ الإلهيّةِ التي بنَاها، ونأخذُ أسلوباً آخرَ في الحياةِ، هذا ينعكسُ على صحّةِ أولادِنا، وعلى نموِّهِم، وعلى سلامةِ نفوسِهم.

الشّدّة النفسيّة في أثناء الحمل سبب في تشوه الجنين
الحقيقةُ الرائعةُ تقول: إنّ الضغوطَ العاطفيةَ والنفسيةَ الشديدةَ التي تتعرّضُ لها المرأةُ خلالَ فترةِ الحملِ، وحتى قبلَ فترةِ الحملِ، يمكنُ أن تكونَ عاملاً في ظهور إصابةٍ في الجنينِ تشويهاً واختلالاً، لأنّ أحدَ أسبابِ تشوُّهِ الأجنَّةِ اضطراباتٌ عاطفيةٌ تعيشُها المرأةُ.
لا أبالغُ إذا قلتُ: هناك مئاتُ الموضوعاتِ تؤكِّدُ أنّ الشدةَ النفسيةَ سببٌ لأمراضٍ لا حصرَ لها، والشدةُ النفسيةُ دواؤُها الإيمانُ باللهِ، وطاعتُهُ، والصلحُ معهُ، وذِكْرُهُ، والإقبالُ عليه، والإخلاصُ له، فالمؤمن معافًى من الشدةِ النفسيةِ، والمرأةُ المؤمنةُ الطاهرةُ العفيفةُ المطيعةُ لزوجِها معافاةٌ من هذه الشدةِ النفسيةِ.
(1/101)

يذكرُ العلماءُ أنّ الضغوطَ النفسيةَ القويةَ من خلالِ الحملِ، كفقدانِ الوظيفةِ، أو الطلاقِ، أو الافتراقِ بين الأزواجِ، كأن يسافرَ الزوجُ إلى بلدٍ للعملِ، ويتركُ أسرتَه، أو الحزنِ على ميتٍ، يمكن أن تؤدِّيَ إلى حالاتٍ غيرِ طبيعيةٍ في الجنينِ، وتشوهاتٍ كالشَّرْمِ، وانشقاقِ الشّفَةِ، والحَلْقِ، وغيرِها.
ويقولُ العلماءُ مفسِّرين هذه الظاهرةَ: "الضغطُ النفسيُّ سببٌ في ارتفاعِ هرمونِ الكورتيزون الذي يؤدِّي إلى ارتفاعِ نسبة السكرِ في الدمِ، وتقلُّصِ نسبةِ الأكسجين في الأنسجةِ، وهما عاملان يتسبَّبان في تشوهاتٍ خَلْقِيَّةٍ عند الجنينِ".
إنّ ارتباطَ النفْسِ بالجسدِ أمرٌ عجيبٌ، فإذا صَحَّتِ النفسُ صحَّ الجسدُ، وإذا صحَّتِ النفسُ استقامَ القلبُ، وإذا صحّتِ النفسُ صحَّ كلُّ شيءٍ، وعلاجُنا الوحيدُ أنْ نصطلحَ مع اللهِ، وأن نتوبَ إليه، وأن نطيعَه فيما أَمَرَ، وأن نتّبعَ سُنَّةَ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ.

حنان الأم وحليبها
أَوْدَعَ اللهُ سبحانه وتعالى رحمةً في قلوبِ الأمّهاتِ، إضافةً إلى رحمةِ الأمهاتِ بأبنائهنّ، التي هي في الحقيقةِ رحمةُ اللهِ بهم، فقد جَعَلَ المرأةَ يسيلُ ثديَاها حليباً من نوعٍ خاصٍّ.
إنّ حليبَ المرأةِ كما يقولُ العلماءُ: "مبهِرٌ، ومدهِشٌ، تعجزُ عن تركيبِه بخصائصِه قُوى البشرِ، ولو اجتمعتْ، وتعجزُ عن صنعِه أضخمُ المعاملِ، ولو تظاهَرَتْ".
(1/102)

أمّا الشيءُ الذي يلفتُ النظرَ فهو أنّ هذا الطفلَ الذي خَلَقَه اللهُ عزَّ وجل أودعَ فيه خمائرَ هاضمةً بمقاديرَ تتناسبُ مع حليبِ الأمِّ، فلو أرضعناه حليبَ البقرِ، ولو كان طازجاً، أو كان مجفَّفاً لَعَجَزَ الطفلُ عن هضمِه، وتبقى كميّاتٌ كبيرةٌ من الموادِّ الدسمةِ، والبروتينياتِ، والأحماضِ الأمينيةِ دونَ هضمٍ، وإنّ طَرْحَ هذه الموادِّ عن طريقِ الكليةِ يُجْهِدُها، لذلك نجدُ الطفلَ الذي يَرضعُ حليبَ البقرِ تَجهدُ كُليتاه في طرحِ الموادِّ الدسمةِ، والأحماضِ الأمينيةِ، والبروتيناتِ التي لم يستطعْ هضْمَها، فخمائرُ الهضمِ عنده متوافقةٌ مع حليبِ الأمِّ، وليست متوافقةً مع حليبِ البقرِ، ففي حليبِ البقرِ أربعةُ أمثالِ ما في حليبِ الأمِّ من الأحماضِ الأمينيةِ.
قالَ العلماءُ: "إنّ ارتفاعَ نسبةِ الأحماضِ الأمينيةِ في الدمِ تسبِّبُ للطفلِ الرضيعِ القصورَ العقليَّ، والآفاتِ القلبيةَ، والآفاتِ الوعائيةَ، وأمراضَ جهازِ الهضمِ، والكبدِ، والأمراضَ المزمنةَ التي تلازمُ الإنسانَ طوالَ حياتِه".
أمّا تركيبُه (حليب الأم) فإنّه في تبدُّلٍ مستمرٍّ، بحسبِ حاجاتِ الرضيعِ، ومُتَطَلَّباتِهِ، وبحسبِ احتمالِ أجهزتِه، وأعضائِه، وهو أكثرُ ملاءمةً، وأكثرُ تركيزاً، وأكثرُ احتمالاً، وأقلُّ ضرراً، وهو آمنُ طُرُقِ التغذيةِ، من حيثُ الطهارةُ، والتعقيمُ، إذ يؤخذُ من الحَلَمةِ مباشرةً، دونَ التعرُّضِ للتلوُّثِ الجرثوميِّ، وحرارتُه ثابتةٌ خلالَ الرضعةِ الواحدةِ، ويصعبُ وجودُ هذا الشرطِ في الإرضاعِ الصناعيِّ، وفوقَ ذلك فهو لطيفُ الحرارةِ في الصيفِ، دافئٌ في الشتاءِ، وهو سَهْلُ الهضمِ، لا تتجاوزُ فترةُ هضمِهِ الساعةَ والنصفَ، بينما تزيدُ فترةُ هضمِ حليبِ القواريرِ على ثلاثِ ساعاتٍ، والطفلُ الذي يَرضعُ من ثديِ أمِّه يكتسبُ مناعةً ضدَّ كلَّ الأمراضِ، لأنَّ في حليبِ الأمِّ موادَّ مضادَّةً للالتهاباتِ المعويةِ، والتنفسيةِ، إضافةً إلى أنه حليبٌ اقتصاديٌّ، وأقلُّ كلفةً.
إنّ معظمَ حالاتِ الرَّبْوِ عندَ الأطفالِ، وإنتانِ الأمعاءِ، وغيرها مِنَ الأمراضِ الشائعةِ ينجُو منها الصغيرُ بالإرضاعِ الطبيعي.
(1/103)

وفي حليبِ الأمِّ موادُّ تمنعُ التصاقَ الجراثيمِ بجدارِ الأمعاءِ، وفي حليبِ الأمِّ موادُّ حامضيّةٌ لقتلِ الجراثيمِ، والإرضاعُ الطبيعيُّ يَقِي من أمراضِ الكوليرا، والزحارِ، ومن أمراضِ شللِ الأطفالِ، والكزازِ، لأنّ مناعةَ الأمِّ كلَّها في حليبِها، وإنّ إرضاعَ الطفلِ من ثَدْيِ أمِّه يَقِيها من أورامِ الثديِ الخبيثةِ، ويَقِي الرضيعَ من الآفاتِ القلبيةِ، والوعائيةِ، وأمراضِ التغذيةِ، والاستقلابِ، بل إنّ الفِطَامَ السريعَ يُحدِثُ رَضّاً نفسيّاً، وانحرافاتٍ سلوكيةً.
وحليبُ الأمِّ سهلُ التحضيرِ؛ ليلاً ونهاراً، في السفرِ والحَضَرِ؛ لأنه جاهزٌ دائماً، بالحرارةِ المطلوبةِ، وبالتعقيمِ المثاليِّ، والسهولةِ في الهضمِ، وفيه المناعةُ التي تَقِي معظمَ الأمراض، {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً * أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النجدين} [البلد: 4-10] ، هديةً مِنَ اللهِ، قال ابن عباس: (النجدانِ هما الثديان) .
ويؤكِّدُ علماءُ نفسِ الأطفالِ أنّ الطفلَ حينما يولَدُ لا يملكُ أيَّ قدرةٍ إدراكيةٍ، بل إنّ كلَّ ما يتمتعُ به الراشدُ من إمكاناتٍ، وقدراتٍ، ومفاهيمَ، ومعقولاتٍ، وخبراتٍ، ومؤهلات، إنما هي نتيجةُ تفاعلِه مع البيئةِ، وهذا فحوى الآية الكريمة:
{والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .
لكنَّ منعكساً - على حدّ تعبيرِ علماءِ النفسِ - يولَدُ مع الطفلِ، ولا يحتاجُ إلى تعليمٍ، إنه منعكسُ المَصِّ، إذ لولاه لَمَا وجدتَ إنساناً واحداً على سطحِ الأرضِ في قاراتِها الخمسِ، إنّ الطفلَ الذي يولدُ من توِّه لا يستطيعُ أن يتلقَّى توجيهاتِ والدِه في ضرورةِ الْتِقَامِ ثديِ أمِّه، وإحكامِ إطباقهِما، ثم سحبِ الهواءِ، كي يأتيَه الحليبُ، لا يستطيعُ أن يتلقَّى هذه التوجيهاتِ بالفهمِ، فضلاً عن التطبيقِ.
(1/104)

إنّ العطفَ والحنانَ الذي يتلقّاه الطفلُ مِن أمِّه في أثناءِ الرضاعةِ يُكسِبُه رحمةً في قلبِه تنعكسُ على علاقاتِه بمَن حَوْلَه في مستقبلِ أيّامِه، {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} [البقرة: 233] .
قالَ العلماءُ: "الحدُّ الأدنى ستةُ أشهرٍ، والحدُّ الأتمُّ حولانِ كاملانِ".
وصيغةُ (يُرْضِعْنَ) جاءتْ خبراً في معرضِ الأمرِ، أي: أيّتُها الوالداتُ أَرْضِعْنَ أولادَكُنَّ، وكلُّ أمرٍ في القرآنِ يقتضي الوجوبَ ما لم تكن هناك قرينةٌ تَنُصُّ على خلافِ ذلك.
نقطةٌ دقيقةٌ: إذا حَدَثَ ما يمنعُ الرضاعةَ من الأمِّ، فالعلماءُ يقولون: "ينبغي أنْ تبحثَ له عن مُرضعةٍ، لا أنْ ترضِعَه من حليبِ البقرِ، قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 233] ، فالبديلُ ليس حليبَ القواريرِ، بل أنْ تبحثَ له عن مرضعةٍ، وهذه المرضعةُ ينبغي أن تكونَ صحيحةً جيدةً، وذاتَ عقلٍ كبيرٍ، وخُلُقٍ قويمٍ".
وقد ألزمتْ حكوماتُ أكثرِ الدولِ معاملَ حليبِ الأطفالِ أن تكتبَ على كل عُبوةٍ: (لا شيءَ يَعْدِلُ حليبَ الأمِّ) .
وقد أجرِيَ بحثٌ علميٌّ في بلدٍ متقدِّمٍ، قاسَ فيه الباحثونَ مستوى الذكاءِ الفطريِّ لدى عددٍ من الأطفالِ من شعوبٍ متعددةٍ، بالنسبةِ للإرضاعِ الطبيعيِّ والصناعيِّ، فكانتِ النتائجُ مدهشةً؛ حيث إنّ أطفالَ جزرِ الباسيفيك يتمتعون بأعلى نسبِ الذكاءِ من بينِ مجموعةِ الأطفالِ الذين تناولَهُم البحثُ، وذلك بسببِ أنهم لا يعرفونَ الإرضاعَ الصناعيَّ إطلاقاً، لقد صَدَقَ اللهُ إذ يقولُ: {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] .
هذا منهجُ اللهِ عزَّ وجل، إنه تعليماتُ الصانعِ، فما الذي يمنعُ العبدَ أن يطيعَ اللهَ عزَّ وجل؟ وما الذي يمنعُه أن يكونَ مؤمناً، {وَهَدَيْنَاهُ النجدين} [البلد: 10] ، لذلك قالَ بعضُ العارفين:
تَدَارَكْتَنا باللطفِ في ظلمةِ الحشَا ... وخيرَ كفيلٍ في الحشا قد كفَلْتَنَا
وأسكنتَ قلبَ الأمهاتِ تعطُّفاً ... علينا وفي الثديين أجريتَ قوتَنا
(1/105)

وأنشأتنا طفلاً، وأطلقتَ ألسناً ... تترجِمُ بالإقرارِ أنك ربُّنا
وعرَّفْتَنا إيّاكَ، فالحمدُ دائماً ... لوجهِك إذ ألهَمْتَنا منك رُشْدَنا
لقد أسكنَ اللهُ في قلبِ الأمهاتِ رحمةً، وأَجْرَى في صدورهنّ حليباً، إنها رحمةٌ معنويةٌ، وغذاءٌ طبيعيٌّ.

التعليل العلميّ لقاعدة "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب"
يقولُ تعالى كتابِه العزيزِ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت وأمهاتكم الاتي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة وأمهات نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ الاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ الاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 23] .
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا أنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، حَتَّى أَسْاَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّهُ عَمُّكِ فَائْذَنِي لَهُ" قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ" قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ".
إنّ هذين النَّصَّيْنِ - الآيةَ والحديثَ - يَدُلانِ على أنّ الرضاعةَ بشروطِها المعروفةِ تجعلُ الابنَ الرضيعَ ابناً للمرضِعِ، وأخاً لمَن يشاركُه في الرضاعةِ، وإنّ القرابةَ من الرضاعةِ تثبتُ، وتنتقلُ في النسلِ، في ضوءِ المعلوماتِ الحديثةِ التي جاءتْ بها الهندسةُ الوراثيةُ، وهي أحدثُ بحوثِ الطبِّ.
(1/106)

تؤكِّدُ الهندسة الوراثيةُ أنّ الرضاعةَ تنقلُ بعضَ الجيناتِ من المُرضِعةِ إلى الرضيعِ.
وهذه القرابةُ التي جَعَلَهَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم في السُّنَّةِ كقرابةِ النسبِ، وجَعَلَها القرآنُ أيضاً كذلك، هذه القرابةُ سببُها العلميُّ انتقالُ الجيناتِ من حليبِ الأمِّ المرضعِ إلى الرضيعِ، هذه الجيناتُ تخترقُ خلايا الرضيعِ، وتندمجُ معَها في سلسلةِ الجيناتِ التي عندَ الرضيعِ، وتَصِلُ إلى مُورِّثاته.
وقالَ العلماءُ: "إنّ الحليبَ يحتوي على أكثرَ من نوعٍ من الخلايا، وإنّ الجهازَ الوراثيَّ في الرضيعِ ينقلُُ الجيناتِ الغريبةَ، ويقبَلُها؛ لأنه غيرُ ناضجٍ، فإذا أرضعتِ امرأةٌ طفلاً اخترقَتِ الجيناتُ التي في حليبِها خلاياه، واستقرَّتْ فيها، ووصلَتْ إلى جهازِه الوراثيِّ"، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ".
إنّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى، فكلُّ شيءٍ في القرآنِ، والسُّنَّةِ الصحيحةِ له أصلٌ علميٌّ، وقد عرفَ علماءُ الوراثةِ الآنَ أنّ هذا الحليبَ المؤلَّفَ من مجموعِ خلايا يخترقُ نُسُجَ الجنينِ إلى جيناتِه الأساسيةِ، ويندمجُ فيها، وأنّ جهازَه الوراثيَّ يتقبلُ كلَّ شيءٍ غريبٍ حتى يصبحَ كأنّه منهُ.
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم حينما قالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ" لم ينطقْ إلا عن وحيٍ أوحاهُ اللهُ إليه.

الهيكل العظمي
وانظر إلى العظام
يقولُ ربُّنا سبحانه: {وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} [البقرة: 259] .
(1/107)

قالَ العلماءُ: "العِظامُ في مُجملِها مُركّبةٌ من مادّةٍ أساسيّةٍ هي الكالسيومُ، ولكنّ توزيعَ هذه المادّةِ مع مُتَمِّماتِها على شكلٍ آخرَ، فخَمْسةٌ وثمانون بالمئةِ من العِظامِ كالسيوم وفوسفات، وعشرةٌ بالمئةِ كالسيوم الكاربونات، وثلاثة بالألفِ كالسيوم الكلوريد، واثنان بالألفِ كالسيوم الفلوريد، وواحدٌ بالمئة فوسفات المغنزيوم، هذه نِسَبُ الكالسيوم مع المُتمِّماتِ في العِظامِ، وتِسْعةٌ وتسعون بالمئةِ من كالسيوم الجِسْمِ مُتَوَضِّعٌ في العِظامِ، ولكَنّ اِمْتِصاصَ الكالسيومِ من الأمعاءِ لا يتِمُّ إلا بهرمونٍ تفرِزُهُ غدَّةٌ صغيرةُ جِدّاً إلى جانبِ الغدّةِ الدرقيّةِ، فلو تعطَّلَتْ هذه الغدَّةُ الصغيرةُ جِدّاً التي اسْمُها جِوار الغدّةِ الدرقيّةِ لما أمْكَنَ امْتِصاصُ الكالسيوم من أمعاءِ المخلوقِ".
شيءٌ آخرُ، توضُّعُ الكالسيوم في العظام يحتاجُ إلى فيتامين (د) ، فإذا لمْ يتوافرْ هذا الفيتامين أُصيبَ الطّفلُ بهَشاشةٍ في عِظامِهِ، أو بلينٍ في عِظامِهِ، وموْطِنُ الشاهدِ في الموضوعِ أنّ شكلَ العظامِ على شَكلِ شَوْكِيّاتٍ، وهذه الشَّوْكِيّاتُ تتداخلُ، وإذَا تداخلَتْ كَوّنَتْ جِسْماً متيناً لِدَرجةٍ متناهِيَةٍ، والحقيقة أنّ عظْمَ عنقِ الفخِذ يتحمّلُ ضغطاً يعادِلُ مئتين وخمسين كيلو تقريباً، ففي العظامِ خصائصُ المتانةِ والقوّةِ على نحوٍ عجيبٍ، قال ربُّنا سبحانه وتعالى: {وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً} .
ننْشزُها أي: نجعلُها على شكلِ شوكيّاتٍ متداخلةٍ، حيث تبدو متينةً وقاسيَةً جِدّاً.
ما زلنا نصرُّ على أنّ جسمَ كلٍّ منَّا فيه من الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ الشيءُ الكثيرُ، قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .

الهيكل العظميّ للإنسان
(1/108)

مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه هذا الهيكلُ العظميُّ الذي هو قِوامُ جسمِنا، إنه نسيجٌ متينٌ، يقاومُ قُوى الشدِّ، ونسيجٌ قاسٍ يقاومُ قُوى الضغطِ، هذا النسيجُ المتينُ القاسي أحدُ وظائفِه الكبرى أنه يحمي الأجهزةَ النبيلةَ، فالدماغُ من أنبلِ الأجهزةِ، وهو موضوعٌ في كرةٍ عظميةٍ هي الجمجمةُ، والنخاعُ الشوكيُّ جهازٌ نبيلٌ، موضوعٌ في العمودِ الفقريِّ، والقلبُ أخطرُ أجهزةِ الجسمِ موضوعٌ في القفصِ الصدريِّ، والرحمُ موضوعٌ في عظمِ الحوضِ، ومعاملُ كرياتِ الدمِ الحمراءِ موضوعةٌ في داخلِ العظامِ، ولولا الجهازُ العظميُّ لكان الإنسانُ كومةً من الجلدِ واللحمِ لا شكلَ لها.
هذا الجهازُ مؤلَّفٌ من مئتي قطعةٍ، بِنيتُها قاسيةٌ، ومحكمةٌ من الخارجِ، ومَساميةٌ إسفنجيةٌ من الداخلِ، لو أنّ بِنيتَها من الداخلِ كما هي من الخارجِ لَكَانَ وزنُ أحدِنا أربعةَ أمثالِ وزنِه الطبيعيِّ، لو أنّ وزنَك الآن سبعون كيلو غراماً، يصبح مئتين وأربعين.
يقولُ العلماءُ هذا القولَ الرائعَ: "في بِنيةِ العظم يتحقّقُ حدٌّ أقصى من النتائجِ، بحدٍّ أدنى من اللوازمِ، فهناك توازنٌ رائعٌ بين البُنيةِ المقاومةِ، والوزنِ الخفيفِ".
الطائرةُ التي نركبُها تزنُ مئةً وخمسين طنّاً، وقُودُها يزنُ مئة وخمسين طنّاً، يكفيها أربع عشرةَ ساعةَ طيرانٍ، لو أنها صُنِعَتْ من ثلاثمئة طنٍّ من الحديدِ لاحتاجتْ إلى ثلاثمئة طنٍّ من الوقودِ.
لو كان وزنُنا أربعةَ أمثالِ ما نحن عليه، فهناك مشاكلُ جماليةٌ، وهناك هدرٌ للطاقةِ بلا مسوِّغٍ.
أغربُ ما في هذا الجهازِ أنّ هناك هدماً وبناءً مستمرَّيْنِ، حيث إنّ الإنسانَ يتجدَّدُ هيكلُه العظميُّ خمسَ مراتٍ في عمرٍ متوسطٍ، يعني كلَّ ستِّ أو سبعِ سنواتٍ لك هيكلٌ عظميٌّ جديدٌ كلياً بفعلِ عمليةِ الهدمِ والبناءِ.
(1/109)

إنّ الهدمَ والبناءَ المستمرَّ هو الذي يعينُ على التئامِ الكسورِ، وهذه من نعمِ اللهِ الكبرى، والهدمُ والبناءُ المستمرُّ هو الذي يجعلُ العظمَ مخزناً للكلسِ، فإذا احتاجتِ الأمُّ لتشكيلِ عظمِ وليدِها إلى كلسٍ إذْ لم يكن غذاؤُها كافياً من هذه المادةِ أَخَذَ الجنينُ من عظمِ أمِّه ما يشكِّلُ به عظمَه، فعمليةُ الهدمِ والبناءِ المستمرةُ من أجلِ أن يكونَ العظمُ مخزناً للكلسِ الاحتياطيِّ.
وهناك هرموناتٌ تنظِّمُ نموَّ العظمِ، وتنظِّمُ إيقافَه عند حدٍّ معيَّنٍ، ولولا هذه الهرموناتُ لكان الإنسانُ قزماً، أو عملاقاً، وأقصرُ إنسانٍ طولُه خمسةٌ وخمسون سنتيمتراً، ويزنُ خمسةَ كيلو غرامات، عمرُه ثلاثةٌ وعشرون عاماً، وأطولُ إنسانٍ طولُه مئتان وأربعون سنتيمتراً، فالعملقةُ والقزميةُ لها علاقةٌ بهرمونِ النموِّ، وهذا شيءٌ دقيقٌ.
الشيءُ الآخرُ، أنّ التعظُّمَ هو تحوُّلُ الغضروفِ إلى عظمٍ يبدأ من الحياةِ الجنينيةِ، ويستمرّ بعدَ الولادةِ إلى سنِّ اكتمالِ النموِّ الطوليِّ، من سبعة عشر عاماً إلى الواحد والعشرين، ويبقى في أطرافِ العظامِ طبقةٌ غضروفيةٌ، هي عند علماءِ الميكانيك ماصَّةٌ للصدماتِ، كقطعِ الكاوتشوك بين قطعِ الحديدِ، وبين كلِّ فقرتين من فقراتِ الظَّهرِ قرصٌ غضروفيٌّ يعملُ على امتصاصِ الصدماتِ، ليكسبَ الإنسانُ حياةً مريحةً.
شيءٌ آخرُ مدهشٌ، ثمَّةَ عند المفاصلِ سائلٌ لزجٌ، ينزلقُ عليه سطحٌ لزجٌ من أجلِ سهولةِ حركةِ المفاصلِ، وهذا السائلُ يتجدّدُ تلقائياً من حينٍ لآخرَ، هذا الهيكلُ العظميُّ آيةٌ من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه.

العظام والسلاميات في يد الإنسان
من الآياتِ المدهشةِ التي تلفتُ النظرَ، وتعظِّمُ خالقَ الإنسانِ، هذه اليدُ التي نملكُها قال العلماءُ: "في اليدِ خمسةُ أصابعَ، وفي كل أصبعٍ ثلاثُ سلامياتٍ إلاَ الإبهام، فهو مكوَّنٌ من سلاميتين"، وهنا السرُّ.
ربما لا تصدِّقُ أنَّ حضارةَ الإنسانِ التي يزهُو بها متعلقةٌ بهذا الإبهامِ، والإبهامُ مما يتفردُ به الإنسانُ دونَ بقيةِ المخلوقاتِ.
(1/110)

على السُّلامَى الثانيةِ في هذا الإبهامِ يرتكزُ وترٌ مع عضلةِ قابضٍ طويلٍ يطوي السُّلامَى الثانيةَ، فيعطي الإبهامَ رشاقتَه، ودقّتَه التي يتفوق بها الإنسانُ على سائرِ المخلوقاتِ.
بسببِ دقّةِ بناءِ اليدِ انطلقتْ هذه اليدُ لتؤدِّيَ مهماتٍ لا حصرَ لها.
لولا هذا الإبهامُ لَمَا كان لهذه الأصابعِ من قيمةٍ، جرِّبْ أنْ تكتبَ دونَ إبهامٍ، أو أنْ تخيطَ دون إبهامٍ، أو أَن ترتديَ ثيابَك دونَ إبهامٍ، أو أن تعملَ على آلةٍ دونَ إبهامٍ، فإنك لن تستطيعَ شيئاً، هذا صنعُ اللهِ الذي أتْقَنَه:
{صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88] .
إنّ مفصلَه الكرويَّ يعطيه المرونةَ الفائقةَ، والسلاميتانِ الاثنتانِ مزوَّدَتان بما لا يقلُّ عن خمسةِ أوتارٍ، ممّا يمنحُه الحركةَ برشاقةٍ في كلِّ الاتجاهاتِ، من البسطِ، والقبضِ، والتبعيدِ، والتقريبِ، والدورانِ، والإمساكِ، والمقابلةِ.
لو أنَّ ضارباً على جهازِ الحاسوبِ جلسَ ستَّ ساعاتٍ يضربُ على أزرارهِ لَبَذَلَ هذا الإبهامُ جهداً يساوي المشيَ على قدمَيْهِ أربعين كيلو متراً، وهو لا يدري.
قالَ أحدُ العلماءِ الغربيين: "هذا الإبهامُ العجيبُ هو الذي فَتح لنا هذا العالَمَ العجيبَ"، فزاد معرفتَنا باللهِ عز وجل، وعظمتِه، ووحدانيتِه، وإنّ هذه الأداةَ العجيبةَ - اليدَ - فيها مجموعةٌ من العظامِ، والأوتارِ، والعضلاتِ، والأعصابِ، والشرايينِ، والأوردةِ، والعروقِ اللمفاويةِ.
في اليدِ سبعةٌ وعشرون عظماً، وثمانيةٌ وعشرون مفصلاً، وثلاث وثلاثون عضلةً.
أمّا عظامُ الرسغِ فسبعةٌ، وهذا الرسغُ أيضاً يعطي اليدَ الحركةَ في كلِّ الاتجاهاتِ، ولولا هذا الرسغُ لَمَا كان لهذه اليدِ من معنًى، ولو أنها باتِّجاهٍ واحدٍ لفَقَدَتْ معظمَ خصائصِها.
تمرُّ شبكةُ سقيٍ وترويةٍ دمويةٍ مِن أبدعِ ما خَلَقَ اللهُ عز وجلِ، وتصبُّ هذه الشبكةُ في نهرين عظيمين على حافَتي الرسغِ، في شلالَيْنِ متعانقين متضافرين، يتوزع على الوريدِ والشريانِ شبكةٌ دقيقةٌ جداً في اليدِ، ففي أيِّ مكانٍ وضعتَ رأسَ إبرةٍ يخرجُ الدمُ، معنى ذلك أنّ هناك شبكةً دقيقةً جداً.
(1/111)

وأمّا المنظِّمُ فهي شبكةٌ عصبيةٌ محكمةٌ، متدفقةٌ من ثلاثِ كبلاتِ أعصابِ المتوسطِ، والزندي، والعكبري، تستقبلُ الحسَّ، وتوجِّه الحركةَ، وهناك نظامٌ إراديٌّ، ونظامٌ لا إراديّ مرتبطٌ بالفعلِ المنعكسِ الشرطي، لو درسْنَا هذه اليدَ لوجدناها آيةً من آياتِ اللهِ عز وجل.
هذه الحضارةُ، هذه الصناعاتُ، هذه الآلاتُ، لا معنى لها دونَ يدٍ، واللهُ جلَّ جلالُه كرَّمَ الإنسانَ بهذه اليدِ، وهذه من أقربِ الآياتِ إلينا، قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .

ارتباط عظم الفخذ بعظم الحوض
قال العليم الخبير: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} [الإنسان: 28] .
وقد ذُكِرَ في بعضِ كتبِ الطّبِ أنّ عظْمَ الفخِذ له عنقٌ، وهذا العنقُ يتحمّلُ من قُوَى الضّغطِ ما يزيدُ على مئتين وخمسين كيلو غراماً، أيْ إنّ الإنسانَ بِعَظْمَي الفخِذ، ولا سيما عنقِ الفخذِ الموصولِ بالحوضِ، والذي يُعدّ أمْتَنَ قِسْمٍ في الجهازِ العظميِّ في الإنسانِ؛ يستطيعُ أنْ يتحمَّلَ قُوى ضغطٍ تزيد على مئتين وخمسينَ كيلو غراماً.
أمّا طريقةُ ارْتِباط هذا العظمِ؛ عَظْمِ الفخذِ بِعَظمِ الحوضِ فشيءٌ يدعو إلى العجب.
لو جئنَا بِكُرةٍ نحاسيّةٍ، وشطرْناها شَطريْن، وفرَّغنا الهواءَ مِن داخلِها، ثمّ أحْكَمْنا إغلاقَها، فإنَّ ثمانيَةَ أحْصِنَةٍ يتحرّكون بِجهتينِ متعاكِسَتينِ لا يستطيعون فصْلَ جزئِها الأوّلِ عن جزئِها الثاني، لماذا؟ لأنَّها فرِّغَتْ من الهواءِ، ولأنّ الضّغطَ الخارجيَّ يضغطُ عليها بهذه الطريقةِ البديعةِ.
لقد أُحكِم بناءُ جسمُ الإنسانِ، ولا سيما الهيكلِ العظميِّ إحكاماً بالغَ الدقَّةِ والمتانةِ، عن طريقِ العضلاتِ، والأوتارِ، والأربطةِ والجلدِ، وتناسبِ رؤوسِ العظامِ مع تجاويفِها، فلو حمل أبٌ ابنَه من يدِه بشدَّةٍ فإنّ ارتباطَ المرفقِ بتجويف الكتفِ ارتباطٌ متينٌ، يتحمَّلُ أضعافَ وزنِ الطفلِ.
(1/112)

والعِظامُ فيها متانةٌ عجيبةٌ، وفيها تحمّلٌ عجيبٌ لِقُوى الضّغطِ، وارْتِباطُ العظامِ بعضِها ببعْضٍ شيءٌ يَلفتُ النَّظَرَ، وربما أشارَ إلى معنى من معاني قولَه الله تعالى: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} .

العضلات
حينما يتحرَّكُ الإنسانُ من مكانٍ إلى مكانٍ، يرفعُ ثقلاً، أو يؤدِّي عملاً، فما سرُّ هذه الحركةِ، وما سرُّ هذا العملِ؟ إنه كامنٌ في العضلاتِ، حينما تقفُ عندَ القصَّابِ، وتشتري اللحمَ، فهذا اللحمُ الذي تشترِيه هو العضلاتُ، واللهُ سبحانه وتعالى بحكمةٍ بالغةٍ جَعَلَ هذه العضلةَ مؤلَّفةً من ملايينِ الأليافِ، لو سَلَقْتَ اللحمَ لوجدتَهُ مُؤَلَّفاً من خيوطٍ، كلُّ خيطٍ ليفٌ، وكلُّ ليفٍ ينتهي بعصبٍ، فإذا جاءَ الأمرُ مِنَ المخِّ، أو من الجهازِ العصبيِّ إلى هذا الليفِ، فإنه ينقبضُ، ومعنى ينقبضُ أي يتقلَّصُ إلى ستين في المئةِ مِن طولِه، فيبقى أربعون، فإذا كان طولُ الليفِ عشرةَ سنتمتراتٍ فإنَّه يصبحُ أربعةً عند التقلُّصِ.
إنّ تقلُّصَ العضَلةِ - والعضلةُ مربوطةٌ بالعظمِ - يؤدِّي إلى تحريك العظمِ، فلولا هذه الخاصّةُ التي أَودعَهَا اللهُ في العضلاتِ لكانَ الإنسانُ كقطعةِ الخشبِ الملقاةِ على الأرضِ، لا حركةَ له، أمّا حركةُ العضلاتِ الإراديةِ، حركةُ الأطرافِ، أنْ تديرَ رأسَك، أنْ تحركَ يديك، فإنّ هذه الحركة أساسُها الجهازُ العظميُّ، كل عظمٍ مرتبطٌ فيه عضلتان، عضلةٌ تحرِّكه نحو اليمينِ مثلاً، وعضلةٌ تحرّكُه نحو اليسارِ، عضلةٌ قابضةٌ، وعضلةٌ باسطةٌ، ما هذا السرُّ؟
(1/113)

حتى هذه الأيامِ لم تُعرَفْ طريقةُ تحوّلِ الغذاءِ الموجودِ في الخلايا العضليةِ إلى عملٍ، أو إلى حركةٍ؟ هذا سرٌّ لم يُكشَفْ عنه بعدُ، عضلةٌ تنتهي بعصبٍ، فإذا جاءَ الأمرُ العصبيُّ بالتحرّكِ فإنها تنقبضُ، فإذا انقبضتْ تحرّكَ معها العظمُ، وتحركَ الإنسانُ، قد تكونُ جالساً فترى ابنَك يقتربُ من المدفأةِ، فتقومُ إليه، أدركتَ الخطرَ، فجاءَ أمرٌ من المخِّ إلى العضلاتِ، فتحركتِ العضلاتُ، فَسِرْتَ إليه، ثم حملتَه بيديك، وأبعدتَه عن المدفأةِ، هذا الشيءُ الذي نفعلُه، ولا نفكِّر فيه عمليةٌ معقدةٌ جداً.
قالَ العلماءُ: "في كلِّ عضلةٍ متوسطةٍ عشرةُ ملايين ليفٍ، وللإنسانِ ستمئة عضلةٍ خمسمئة منها إراديةٌ، أي تعملُُ بإرادتِك، ومئةٌ منها لا إراديةٌ"، فإذا كنتَ في غرفةٍ مظلمةٍ، ثم أُضِيئَتْ، ونظرتَ إلى عينكَ بالمرآةِ، ترى حدقةَ العينِ تضيقُ، وتضيقُ، هل بإمكانِك أنْ تبقيَها واسعةً؟ هل بإمكانِك أنْ تمنعَ تضيُّقَها، لا، فقزحيةُ العينِ عضلةٌ، ولكنْ ليستْ حركتُها بإرادتِك.
والأمعاءُ تتحرّكُ، والأجهزةُ تتحركُ، والرئتان تتحرّكان، وأنت لا تدري، هذا الخلقُ المتقَنُ، صنْعُ اللهِ، الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ، ألا يستحقُّ العبادةَ؟ ألا يستحقُّ الطاعَة؟ الإنسانُ يمشي، وإذا صعدَ من طابقٍ إلى آخرَ يكونُ قد رَفَعَ جسمَه البالغَ سبعينَ كيلو غراماً ثلاثةَ أمتارٍ، هذا يساوي في القوةِ المحركةِ حصاناً ونصفاً تقريباً، فبذلُ جهدٍ مقياسُه هذا الرقمُ أمْرٌ في غاية الإعجازِ، فحينما يتحرك الإنسانُ، وحينما يأكلُ، وحينما يستلقِي، وحينما يمشي، وحينما يحملُ، يجبُ أنْ يفكِّرَ: {خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب} [الطارق: 6-7] ، {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 4-5] .
(1/114)

إنّه بالتفكُّرِ في موضوعِ العضلاتِ وحْدَه يكفي أنْ تؤمنَ باللهِ عزَّ وجل، فلولا العضلةُ لَمَا كانَ لصاحبِ حرفةٍ حرفةٌ، ولولا العضلةُ لَمَا أُنشئتْ هذه الأبنيةُ، ولَمَا وجدتَ على وجهِ الأرضِ شيئاً مِن صنعِ البشرِ، واللهُ سبحانه وتعالى جَعَلَ الحركةَ والعملَ منوطاً بهذا الجهازِ العضليِّ الذي يتقلصُ بتأثيرٍ عصبيٍّ، أمّا كيفَ يتحوّلُ الغذاءُ إلى عملٍ فهذا ما لم يُعَرفْ حتى الآن.

الدماغ
الدماغ ونعمة الانتباه والاعتياد
يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] ، لم يَقُلْ: نِعَمَ اللهِ، بمعنى أنكم لو ذهبتُم طوالَ عمرِكم إلى تعدادِ خيراتِ النعمةِ الواحدةِ لا تُحصون ذلك، فإن كنتمْ عاجزين عن إحصاءِ خيراتِ نعمةٍ واحدةٍ فأنتم عن شُكْرِها أعْجَزُ.
مَن مِنَّا يُصدّقُ أنَّ في الدّماغِ البشريِّ خصائصَ لو فُقِدَتْ إحداها لكانَتْ حياتُنا جحيماً، من هذه الخصائصِ خاصّةُ الانتباهِ، وخاصّةُ الاعتيادِ، خاصَّتان متناقضتان، فالانتباه يركّزُ الإنسانُ به على مفهومٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ.
(1/115)

وكتجرِبةٍ بسيطةٍ، ضَعْ آلةَ تسجيلٍ على النافذةِ المطِلَّةِ على الشارعِ، واجْلسْ مع أخٍ، وتحدّثْ معه في موضوعٍ دقيقٍ مهمٍّ نصفَ ساعةٍ من الزّمَنِ، وبعدَها قلْ: ما الذي حدثَ في الشارعِ حين كنت تتحدَّثُ؟ فيقول: ما سمعتُ شيئاً، افْتحِ المسجّلةََ تسمعُ أصواتاً، وباعةً، وحوادثَ، وصياحاً، كل هذه الأصواتِ أنت ما سمِعتَها، فما تفسيرُ ذلك؟ الصّوتُ دخلَ إلى الغرفةِ، ولامسَ غشاءَ الطّبلِ، واهتزّ غشاءُ الطّبْلِ، ونُقِلَ الصوتُ إلى الدّماغِ، وأنت لم تسمعْهُ! فهذه الظاهرةُ اسمُها الانتباهُ، أيْ إنّ الإنسانَ يركِّزُ انتباهَه على مفهومٍ واحدٍ، في وقتٍ واحدٍ، وقد سمَّى العلماءُ هذه الظاهرةَ الوَعيَ الانتقائيَّ، فالدّماغُ يغلقُ جميعَ منافذِ المعلوماتِ التي لا علاقةَ لها بالموضوعِ المَعنيِّ، يغلقُ منْفذَ السَّمْعِ، ومنفذَ البصَرِ، ومنفذَ الإحساسِ، كلُّ هذه المنافِذ تُغلَقُ، ويبقى الموضوعُ المَعنيُّ مفتوحاً، ويسمحُ الدّماغُ بالمرور للذّكرياتِ ذاتِ العلاقةِ بالموضوع فقط.
كيف يسدُّ الدِّماغُ كلَّ منافذِ المعلوماتِ، ويسمحُ فقط للمعلوماتِ التي لها علاقةٌ بهذا الموضوعِ؟ هذا هو الوَعيُ الانتقائيُّ، الانتباهُ.
(1/116)

وقالَ العلماءُ: "هناك حالةٌ أعقدُ من ذلك، هناك تركيزٌ دائمٌ، فهذه الأمُّ المرضِعُ تنتبهُ لصوتِ بُكاءِ ابنِها الرّضيعِ من بينِ أشدِّ الأصواتِ صخباً، فلا يوقِظُها إلى صوتُ ابنِها الرّضيعِ، قد يُغلقُ بابٌ، وقد يحدثُ ضجيجٌ، وهي نائمةٌ فلا تستيقظُ، فإذا سمعَتْ صوتَ ابنِها الرّضيعِ يبكي تهبُّ واقفةً"، فما تفسيرُ ذلك؟ تفسيرُ هذه الحادثةِ علميّاً صعبٌ جِدّاً، فهناك صوتٌ أشدُّ لم يوقِظْها، قالوا: هذه حالةٌ أخرى، إنها التركيزُ الدائمُ، أحياناً السائقُ له حساسيّةٌ عجيبةٌ للصوتِ الطارئ في سيارتِه، ما هذه الحساسيّةُ؟ هناك تركيزٌ دائمٌ على بعضِ الموضوعاتِ، فالأمُّ يوقظُها صوتُ ابنِها الرّضيعِ، وصاحبُ الآلةِ يوقظهُ صوتٌ غريبٌ في الآلةِ، هذه الظاهرةُ اسمُها الانتباهُ، ولولاها لَمّا أمكَنَنَا أنْ نفكِّرَ تفكيراً صحيحاً، الطلاّبُ في الصفِّ ينصرفون إلى أستاذِهم، والأصواتُ خارجَ الصفِّ لا تُحتملُ، بِفَضْلِ ما أودعَ اللهُ فيهم من خاصّةِ الانتباهِ.
على عكسِ ذلك، لو أنّ إنساناً يعملُ في معملٍ، ولو أنّ هذه الأصواتَ تُحدثُ فيه تنبيهاتٍ مستمرّةً لأصبَحَتْ حياتُهُ جحيماً لا يُطاقُ، لذلك يعتادُ صاحبُ الطاحونةِ على الاستيقاظ عند توقفِ الطاحونةِ مثلاً، هذه الظاهرة هي الاعتيادُ، وحتى هذه الساعةِ لا يعرفُ العلماءُ طريقةَ تثبيتِ هذه التنبيهاتِ الصوتيّةِ، وإخمادِها دون أنْ تصلَ إلى الدّماغِ، هؤلاء الذين يعملون في المعاملِ ذاتِ الضجيجِ العالي، هؤلاء الذين يعملون في المطاراتِ، يعملون في الطواحينِ، لهم بيوتٌ تطلُّ على شوارعَ مزدحمةٍ، كيف ينامون؟ هناك خاصّةٌ في الدّماغِ تثبّطُ هذه التنبيهاتِ وتخمدُها، ولا توصلُها إلى الدّماغِ مركزِ التنبّهِ، وهذه الظاهرةُ اسمُها الاعتيادُ، أيْ تجاهلُ المنبّهِ بعدَ مرورِ فترةٍ معيّنةٍ، على الرّغمِ من استمرارِه.
هاتان الظاهرتان في الدّماغِ لولاهما لأصبحَتْ حياتُنا جحيماً، قالَ الله عز وجل: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] .
(1/117)

هناك نعمةُ التفكيرِ، ونعمةُ التخيُّلِ، ونعمةُ التصوُّرِ، ونعمةُ المحاكمةِ، ونعمةُ التذكّرِ، ونعمةُ الإدراكِ، ونعمةُ الإحساسِ، ونعمةُ الانتباهِ، أي التركيز، ونعمةُ الاعتيادِ، أي التجاهل، هاتان نعمتان من فضلِ اللهِ علينا أودعَهُما فينا.

المخيخ
إنّه موضوعٌ قلَّما يخطرُ في بالِ إنسانٍ، موضوعُ المُخَيْخِ.
لو نظرتُم إلى المُخَيْخِ لرأيتُم كومةً من الخيوطِ، لا يزيدُ وزنُها على مئةٍ وخمسين غراماً، ولكنْ لها دورٌ خطيرٌ في حياتِنا، إلى درجةٍ تفوقُ حدَّ الخيالِ، وقد عَرَفَ العلماءُ وظيفتَه مِن خلالِ بعضِ التجارِبِ، فَسَمَّوْهُ مركزَ توافقِ وانسجامِ حركاتِ البَدَنِ، ولا يتدخّلُ المخيخُ في الأعمالِ الذهنيةِ، لأنّ هذا من اختصاصِ قشرةِ المخِّ.
لو أنّ المخَّ أعطى أمراً بإدارةِ قرصِ الهاتفِ، أو بفتحِ بابِ سيارة، مَن الذي يحدِّدُ مقدارَ الجهدِ الذي يحتاجُه هذا العملُ؟ إنه المخيخُ، كيف أنّ المهندسَ المعماريَّ يرسمُ البناءَ، وكيف أنّ المهندسَ المدنيَّ، يُجرِي الحساباتِ الدقيقةَ؛ حساباتِ الإسمنتِ، وحساباتِ الحديدِ، وقُطرِ الدعائمِ، كذلك المخيخُ جهازٌ معقدٌ جداً، يحسبُ للمخِّ الحساباتِ الدقيقةِ، لتنفيذِ الأعمالِ التي يأمرُ بها، فإنّ المخيخَ هو مركزُ توافقِ وانسجامِ حركاتِ البدنِ، فعندما تقفُ على قدميك فهذه نعمةٌ، وكثيرٌ مِنَ الناس لا يقدِّرونها.
(1/118)

قالَ بعضُ العلماءِ: "إنّ الوقوفَ على القدمين حركةٌ بهلوانيةٌ عجيبةٌ"، كيف؟ هناك جهازٌ في باطنِ الأذنِ اسمُه جهازُ التوازنِ، فيه قنواتٌ ثلاثٌ نصفُ دائريةٍ، تمثِّلُ اتجاهاتِ الفراغاتِ، فيها سائلٌ، وفيها جُسيماتٌ، تتحَسَّسُ بحركةِ السائلِ، هذا الجهازُ يعطي المخيخَ وضعَ الجسمِ، أهو قائمٌ، أم مائلٌ؟ أهو جالسٌ، أم نائمٌ؟ وكذلك الأعصابُ، والعضلاتُ، والمفاصلُ، والعظامُ تخبرُ المخيخَ بأحوالِها، وأوضاعِها، فيأتي المخيخُ، ويجعلُ من هذه المعلوماتِ، ومن هذه الحركاتِ كُلاًّ منسجماً؛ لذلك قالَ العلماءُ: "إنّ الوقوفَ البسيطَ يُعَدُّ حركةً بهلوانيةً عجيبةً"، بدليلِ أنّ الميتَ لا يمكنُ أن يقفَ على قدميهِ، فوقوفُ الإنسانِ تسهِمُ فيه مجموعةٌ عجيبةٌ من الأجهزةِ، أنْ تقفَ على قدميك، وأنْ تسيرَ، وأنْ تنحنيَ، وأنْ تقعدَ، وأنْ تجلسَ، وأنْ تميلَ يمنةً أو يسرةً، هذه أعمالٌ بالغةُ التعقيدِ.
لو أنّنا خَرَّبْنَا جزءاً من المخيخِ لا يزيدُ على حبةِ عَدَسٍ مِن مخِّ طائر لَسَقَطَ فوراً، ولَمَا استطاعَ أنْ يطيرَ، لو خرَّبنا جزءاً من المخيخِ لا يزيدُ على حبّةِ عدسٍ لَمَا استطاعَ الإنسانُ أنْ يقفَ على قَدَمَيْنِ أبداً، بل يقعُ، لذلك يعرفُ الأطباءُ أنّ هناك خللاً في المخيخِ من طريقةِ مشيِ المريضِ، إنه يباعدُ بينَ رِجْلَيْهِ، ليوسِّعَ سطحَ استنادِه، يقالُ للمريضِ في مُخيخِه: ضعْ رأسَ أصبعِك على أنفِك، فلا يستطيعُ، وتضطربُ حركتُه، قال العلماءُ: "هذا اسمُه رجفانٌ قصديٌّ"، وهو مرضٌ يصيبُ الإنسانَ بسببِ خللٍ في مُخَيخِه، تعطيهِ فنجانَ القهوةِ مثلاً فترجفُ يدُه عند إمساكِه، إنّ هناك خللاً في مركزِ تنسيقِ التوازنِ في حركاتِ الجسمِ.
(1/119)

لو أنّنا خربّنا جزءاً من المخيخِ لاضطربتِ الرؤيةُ، ولَمَا استطاعَ الإنسانُ أنْ يركِّزَ بُؤْبُؤَ عينِه على سطرٍ ليقرأَه، هذا مرضٌ سمّاه العلماءُ الرأرأةَ، ولو أننا خرّبنا جزءاً من المخيخِ لا يزيدُ على حبّةِ عدسٍ لاضطربَ مشيُ الإنسانِ، ولأصيبَ بحالةٍ اسمُها الترنُّحُ، يمشي كمِشيةِ السكرانِ، لو خرّبنا جزءاً يسيراً من المخيخِ لاضطربَ جهازُ النطقِ، ولأصيبَ المتكلمُ بالفأفأةِ، والتأتأةِ، والحبسةِ، وما إلى ذلك، من منا يقدِّرُ هذا الجهازَ الخطيرَ، الذي يقبعُ في الجمجمةِ؟ سمّاه العلماءُ المخيخَ، لا يزيدُ وزنُه على مئةٍ خمسين غراماً، كخيوطٍ مشتبكةٍ، هو الذي ينسِّقُ، ويحسبُ المقدارَ الدقيقَ المطلوبَ من الجهدِ، حينما تقلِبُ صفحةً في كتابٍ، وحينما تقلبُ كيساً مملوءاً، وزنُه خمسون كيلو غراماً، فهل هذا الجهدُ كهذا الجهدِ؟ لقد أعطى الدماغُ أمراً بقلبِ هذا الكيسِ، أو قلبِ هذه الصفحةِ، مَن الذي يحدِّدُ بالضبطِ أنّ قلبَ الصفحةِ يحتاجُ إلى جهدٍ لا يزيدُ على غراماتٍ، في حين أن قلب كيسِ السُّكرِ يحتاجُ إلى جهدٍ كبيرٍ؟ كأنَّ الدماغَ مهندسٌ معماريٌّ، وكأن المخيخَ مهندسٌ مدنيٌّ، يحسبُ الأمتارَ، وحاجاتِ البناءِ، مِنَ الإسمنتِ، والحديدِ، ومساحاتِ الدعائمِ، وما إلى ذلك.
آياتٌ كبيرةٌ في داخلِ الإنسانِ، تُعْجِزُ ذوي الألبابِ، قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُون} [الذاريات: 21] .
أنْ تمشيَ في الطريقِ، هل تعرفُ أنّ هذه نعمةٌ، لو فَقَدْتَها لعرفتَ قيمتَها؟ أنْ تمشيَ على قَدَمَيْكَ، أنْ تقفَ، أنْ تجلسَ، أنْ تنحنيَ، أنْ تصلِّيَ، أنْ تركعَ، أنْ تسجدَ، أنْ تقعدَ القعودَ الأخيرَ، إنّ هذه الحركاتِ حركاتٌ بالغةُ التعقيدِ، ولولا المخيخُ لَمَا أمكنَكَ أنْ تقفَ، ولا أنْ تجلسَ، ولا أنْ تميلَ، ولا أنْ تقعدَ، ولا أنْ تضطجعَ، ولا أنْ تتكلمَ، ولا أنْ تنظرَ، كلُّ هذه النشاطاتِ الحركيَّةِ تقوم بِها لأنَّ المخيخَ مركزُ تنسيقِ وانسجامِ حركاتِ البدنِ بشتَّى أنواعِها، قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُون} [الذاريات: 21] .
(1/120)

لولا المخيخُ لَمَا أمكنكَ أنْ تركبَ الدّراجةَ، لأنه بمجردِ أن تميلَ مسافةً يسيرةً، يأتي الأمرُ من الدماغِ بتعديلِ حركةِ المقودِ، ليستعيدَ التوازنَ، هذه مِن آياتِ اللهِ الكبرى.
وقد قالَ بعضُ العلماءِ: "إنّ الدماغَ أعظمُ كائنٍ على وجهِ الأرضِ، وهو مسؤولٌ عن الحركاتِ الذهنيةِ؛ عن التفكيرِ، عن المحاكمةِ، وأمّا المخيخُ فهو مسؤولٌ عن الحركاتِ العضليةِ".

ثبات خلايا الدماغ
إنّ ثباتَ شخصيةِ الإنسانِ نعمةٌ لا تُقدّرُ بثمنٍ، وقلَّ مَن ينتبهُ إليها، ذلك أنّ خلايا الجسمِ، الخلايا العظميةَ، والنسجَ، والعضلاتِ، والأجهزةَ، حتى الشعرَ، وأيّةَ خليةٍ في الجسمِ تتبدّلُ مِن خمسٍ إلى سبعِ سنواتٍ، فأنت بعدَ سبعِ سنواتٍ إنسانٌ آخرُ، ليس في جسمِك خليةٌ واحدةٌ قديمةٌ، فعظمُك يتبدّلُ، وجلدُك يتبدّلُ، وشَعرُك يتبدّلُ، وأقْصرُ عمرِ خليةٍ في جسمِ الإنسانِ خليةُ بطانةِ الأمعاءِ، الزغابات تتبدّلُ كل ثمانٍ وأربعين ساعةً، أي في كلِّ ثمانٍ وأربعين ساعةً هناك زغاباتٌ جديدةٌ، وأَطْولُ هذه الخلايا تعيشُ سبعَ سنواتٍ، أو خمسَ سنواتٍ، معنى ذلك أنك تتبدَلُ تبدُّلاً جذرياً كلّ سبعِ سنينَ على أرجحِ الأقوالِ، فإذا تبدّلَ دماغُك نسيتَ اختصاصَك، ونسيتَ حِرفَتَك، ونسيتَ معارِفَك، ونسيتَ أولادَك، ونسيتَ خبراتِك، ونسيتَ ذكرياتِك، ونسيتَ سببَ رزقِك، ولا تعرفُ مَن هي زوجتُك، ولا مَن هم أولادُك، فلحكمةٍ بالغةٍ بَالغةٍ لا تتبدّلُ خلايا الدماغِ، لأنها لو تبدَّلتْ لكانت مصيبةً كبرى، ويقول الإنسانُ عندها: واللهِ كنتُ طبيباً فَفَقَدْتُ اختصاصي، وكنتُ مهندساً، وكنتُ خطيباً، كنتُ تاجراً، لو أنّ هذا التبدُّلَ يقعُ في الدماغِ لَذَهَبَتْ شخصيةُ الإنسانِ، هناك نِعَمٌ لا تعدُّ ولا تُحصى، نحن عنها غافلون، قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] ، وقال: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] .

من بديع آلاء الله ... القشرة المخيّة
(1/121)

في الدِّماغِ شيءٌ يُسَمَّى القِشْرةَ المخيّةََ، سُمِّيَتْ كذلك لأنّها قِشْرةٌ فِعلاً، لا يزيدُ سمكُها على مليمترين، هذه القشرةُ المخيّةُ فيها أربعةَ عشرَ مليارَ خليّةٍ، مُرتَّبةً في سِتِّ طبقاتٍ متوالِيَةٍ، لا يزيدُ وزْنُها الكليُّ على مئةِ غرامٍ، تبْدو معرّجةً نتيجةَ ترتيبِها على هذا الشكلِ، حيثُ تُسمّى التلافيفَ، من أجلِ أنْ تقلَّ المساحاتُ.
مِمَّا يَلْفِتُ النَّظَرَ أنّ في هذه القِشْرةِ أليافاً عصبيّةً يزيدُ طولُها على ألفِ كيلو مترٍ!!! هذه الطبقةُ الرقيقةُ جدّاً تتحكّمُ في أخْطَرِ الوظائفِ، بل تُحَدّدُ سُلوكَ الفردِ وميُولَهُ، وتُعينُهُ على النّطقِ والبيانِ، وتُعينُهُ على التّعلمِ، والحِفظِ، والتذكّرِ، والإبداعِ، والاختراعِ، والتدبيرِ، وتُعينُهُ على الإحساسِ، والتحرّكِ، والسّمعِ، والبصرِ، ويقدِّرُ العلماءُ أنّ في هذه القشْرَةِ من خمسينَ إلى مئةِ مركزٍ، هذا الذي عُرِفَ حتى الآن؛ مركزُ السَّمعِ، ومركزُ البصرِ، ومركزُ التذكّرِ، ومركزُ المحاكمةِ، ومركزُ الحركةِ، وتتحكَّمُ في أخْطَرِ الوظائفِ، في الإحساسِ، وتلقِّي الأحاسيسِ الخارجيّةِ، وفي الحركةِ، وكما قيل:
أتَحْسبُ أنَّك جِرْمٌ صغيرٌ ... وفيك انْطَوى العالَمُ الأكبرُ
أمّا خلايا الدّماغِ فتزيدُ على مئةٍ وأربعين مليارَ خليّةٍ اسْتِنادِيَّةٍ، لمْ تُعْرَفُ وظيفتُها بعْدُ، وربّما يقال: إنَّ الدِّماغَ هو أعْقَدُ ما في الإنسانِ، بل هو أعقَدُ ما في الكونِِ، وقد قيلَ: إنّ الدِّماغَ بإمكانِهِ أن يسْتَوْعِبَ من المعلوماتِ بِعَددِ ذرّاتِ الكونِ، وإنَّ أكْبرَ العباقرةِ، وأكبرَ المخترعين لم يستخدمْ مِن دماغِهِ إلا الجزءَ اليسيرَ، فهذا الدِّماغُ إذا عطَّلْناهُ، أو أَسَأْنَا اسْتخدامَهُ، لم يكن كما أراده خالقُه أداةَ معرفةِ اللهِ عز وجل، أداةً توصِلُنا إلى السلامةِ في الدنيا، والسعادةِ في الآخرةِ، عندئذٍ كم تكونُ الخسارةُ عظيمةً حينما نُعَطِّلُ عقولَنا، ونَنْساقُ وراءَ شهواتِنا.

مادة يفرزها الدماغ تعطل الألم (بوابات الألم)
(1/122)

اكتشفَ العلماءُ أنّ في دماغِ الإنسانِ مادةً مخدِّرةً، إذا بلغَ الألمُ حداً لا يطاقُ أَفْرَزَ الدماغُ نفسُه هذه المادةَ، فعطَّلَتِ الإحساسَ بالألمِ، وهذا من رحمةِ اللهِ سبحانه وتعالى، كما اكتشفوا أيضاً أنّ هناك بواباتٍ على مجرى الجهازِ العصبيِّ تمنعُ ورودَ الألمِ إلى الدماغِ، وأنّ هذه البواباتِ تتحكَّمُ فيها العواملُ النفسيةُ، فلو أنّ إنساناً كان يسعَى في مرضاةِ اللهِ، وهو سعيدٌ بهذا السعيِ، فإنّ الإحساسَ بالألمِ لنْ يصلَ إلى الدماغِ.
هناك حالاتٌ كثيرةٌ وَرَدَتْ في التاريخِ، كيف أنّ صحابياً تُقطَعُ يدُه اليمنَى، فيمسكُ الرايةَ باليسرى، فتقطَعُ اليسرى فيمسكُها بِعَضُدَيْهِ، فأينَ الألمُ؟ هذا ما كَشَفَه العلماءُ حديثاً، فقالوا: "إنّ ثمةَ بواباتٍ للألم على مداخلِ طريقِ الآلامِ، وطريقِ السيّالةِ العصبيةِ التي هي من النهاياتِ العصبيةِ إلى النخاعِ الشوكيِّ، إلى الجسمِ تحتَ السريرِ البصريِّ، إلى أسرّةِ الدماغِ، هذا طريقُ الآلامِ، وإنّ هذه الطرقَ تُغلَقُ أحياناً، فتمنعُ إيصالَ الألمِ إلى الدماغِ، وهذه البواباتُ تتحكّمُ فيها العواملُ النفسيةُ، كالثقةِ باللهِ سبحانه وتعالى، والثقةِ بالفوزِ، وفوقَ هذا وذاك إنْ كانَ الألمُ لا يطاقُ أفرزَ الدماغُ مادةً مخدرةً تعطِّلُ الإحساسَ بالألمِ".
لذلك إذا كان إيمانُ الإنسانِ كبيراً، وكان هدفه نبيلاً، وكان سعيُه حثيثاً إلى الله سبحانه، لا يعبأُ بالآلامِ التي يسقطُ بسبَبِها الرجالُ، فإنّ الإيمانَ قوةٌ كبيرةٌ.
(1/123)

أرسلَ خليفةُ المسلمين أبو بكرٍ الصدِّيقُ قائدَ جيشِه خالدَ بنَ الوليدِ إلى معركةٍ في فتوح المسلمين في العراق والشام، فطلبَ منه خالدٌ المددَ، فقد كان عددُ الأعداءِ مئةً وثلاثين ألفاً، وكان المؤمنون نحواً من ثلاثين ألفاً، فكان خالدٌ ينتظرُ خمسينَ ألفاً، أو ثلاثين ألفاً إضافيةً، فإذا برجلٍ واحدٍ اسمُه القعقاعُ بنُ عمرو، يأتي ومعه رسالةٌ، فقال له خالد بن الوليد: أين المددُ؟ قال: أنا المددُ، قال: أنتَ؟ فَتَحَ الكتاب، فإذا فيهُ: (مِن أبي بكرٍ الصدِّيقِ إلى خالدٍ بن الوليدِ، أحمدُ اللهَ إليك، لا تعجبْ يا خالدُ أني أرسلتُ إليكَ واحداً، فواللهِ الذي لا إله إلا هو إنّ جيشاً فيه القعقاعُ بنُ عمرو لن يُهزمَ) .
وكان النصرُ في هذه المعركةِ الحاسمةِ على يدِ القعقاعِ بن عمرٍو، فإنّ الرجلَ الواحدَ يكونُ بالإيمانِ كألفٍ، وإنّ ألفَ رجلٍ دونَ إيمانٍ كأفٍّ.

الذاكرة
يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُون} [الذاريات: 21] .
ما منَّا أَحدٌ إلا وفي دماغِه شيءٌ يُسمَّى الذاكرةَ، والتي لها دَورٌ خطيرٌ في حياتِنا، وقط استنبطَ هذا العلماءُ مِن قولِه تعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ على مَكَانَتِهِمْ فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ} [يس: 67] .
كيف ترجعُ إلى بيتِك؟ إنّك تعرفُ مكانَه، وكيف عرفْتَ مكانَه؟ إنّ مكانَه قد أودعَ في ذاكرتِك، وأنتَ في محلّك التّجاريِّ كيفَ تأخذُ من هذا المكانِ هذه القطعةَ، ومِن هذا المكانِ هذه القطعةَ، لأنّ هذه القِطَعَ كلَّها مودعةٌ في ذاكرتِك، وأنتَ في بيتِك تعرفُ مكانَ كلِّ حاجةٍ من حاجاتِك، أين أودِعَت هذه الأمورُ؟ وأنتَ في مدرستِك حينما تقرأُ بعضَ الكتبِ، وتؤدِّي امتحاناً، كيف يؤدَّى هذا الامتحانُ؟ إنّ هذه المعلوماتِ قد أودِعَتْ في الذاكرةِ، وإنّ إنساناً دونَ ذاكرةٍ مخلوق لا وجُودَ له، ويستحيلُ عليه التعلّمُ والتعليمُ، قال تعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ على مَكَانَتِهِمْ فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ} .
(1/124)

إنّ المقالاتِ العلميّةَ التي تتحدَّثُ عن الذاكرةِ تقولُ: "إنّ الإنسانَ إذا عاشَ ستِّين عاماً فهناك مِن الصُّوَرِ التي تختزنُها ذاكرتهُ ما يزيدُ على ستين مليار معلومةٍ! فلو أرَدْنَا أن ننسخَ هذه المعلوماتِ في كتبٍ لاحتاجتْ إلى آلاف المجلّدات، كلُّها كتبٌ تختزنُ المعلوماتِ التي لا نعرفُ حتى الآنَ مكانَها في الدّماغِ، وهناك نظريّاتٌ جديدةٌ تفترضُ أنّ الذاكرةَ ليس لها مكانٌ في الدّماغِ؛ إنّها مرتبطةٌ بالحياةِ النفسيّةِ.
على كلٍّ هذه المعلوماتُ التي تأتي إلى الإنسانِ بعضُها يخزَّنُ في مكانٍ قريبٍ، لِيَسْهلَ استرجاعُه، وبعضُها يخزَّنُ في مكانٍ متوسّطٍ، وبعضُها يخزَّنُ في مكانٍ بعيدٍ، وبعضُها لا يخزَّنُ إطلاقاً، فإذا خُزِّنَتْ تتوزَّعُ بِحَسبِ نوعِها، فثمة ذاكرةٌ للمشمومات، وذاكرةٌ للمُبصراتِ، وذاكرةٌ للوجوهِ، وذاكرةٌ للألوانِ، وذاكرةٌ للعُطورِ، وذاكرةٌ للأسماءِ، هذا شيءٌ دقيقٌ، أمَّا إذا أرَدْنَا اسْتِدعاءَ شيءٍ، أو أرَدْنَا معرفتَه فيقولُ العلماءُ: "إنَّ الذاكرةَ تَسلُكُ طريقةَ الترميزِ في وَقتٍ سريع"، فإذا قُدِّمَ لك عِطرٌ شمِمْتَه، لأنه قد خُزِّنَ في ذاكرتِك سبعةٌ وتسعون نوعاً من العطورِ، وإنّ هذا العِطرَ الذي شممْتهُ الآن يمرُّ على هذه الأنواعِ كلِّها إلى أن يأتيَ التطابقُ، وتقولُ: هذا العِطرُ اسمُه كذا، هذا في المشموماتِ، وهذا في المطعوماتِ، وهذا في الذوقيَّاتِ، وهذا في المبصراتِ، وهذا في الوُجوه، وهذا في الأسماءِ والأرقامِ، وفي كلِّ شيءٍ، المعلوماتُ المتوافرة عن الذاكرةِ متواضعةٌ جدّاً، ومع ذلك ففيها حقائقُ يحارُ فيها أصحابُ العقولِ.
وعُرِفَ عند العلماءِ: "أنّ الذاكرةَ قاموسٌ ومترجمٌ فوريٌّ"، والشيءُ الذي يُدهِشُ أنّ الخليةَ العصبيّةَ لا تنقسمُ، ولا تموتُ، فلو أنّها انقسمَتْ، وماتتْ لَفَقَدَ الإنسانُ خِبراتِه كلَّها، يقول لك: أنا خِبْرَتي في الطبِّ أربعونَ عاماً، وأنا خبرتي في القانونِ خمسون عاماً، وهذا خبرتُه في الصّناعةِ كذا سنة، كلُّ هذه الخبراتِ تتراكمُ، وتتراكمُ حتى ينْمُوَ الإنسانُ، ولو فَقَدَ ذاكرتَه لفقَدَ كلّ خِبراتِه دفعةً واحدةً.
(1/125)

إنّ الذاكرةَ وحْدَها آيةٌ كبرى من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه.

الحواس الخمس
غضّ البصر
حينما ينظرُ الإنسانُ إلى امرأةٍ، ويعيدُ النظرَ، فإنّ هذه النظرةَ أشبَهُ بالضغطِ على زنادِ السلاحِ، تنطلقُ على إثرِها هرموناتٌ جنسيةٌ تجوبُ أنحاءَ الجسمِ، هذه الهرموناتُ الجنسيةُ تبدِّلُ ضرباتِ القلبِ، وتوسِّعُ الأوردةِ المُحيطيةَ، وتضيِّقُ الشرايينَ المتوسطةَ والصغيرةَ، وترفعُ ضغطَ الدمِ، هذه الهرموناتُ الجنسيةُ تصلُ إلى البروستاتِ، فيُغلَقُ طريقُ البولِ، ويُفتَحُ طريقُ ماءِ الحياةِ، وتنطلقُ مادةٌ مطهّرةٌ، ومادةٌ معطرةٌ، ومادةٌ مغذِّيةٌ، ثم يجرِي تبدلٌ في كيمياءِ الدمِ، مِن أجلِ أن تتمَّ عمليةُ اللقاءِ الزوجيِّ، ويحافَظَ على النوعِ البشريِّ.
أمَّا حينما يطلِقُ الإنسانُ بصرَه طوالَ النهارِ، ما الذي يحصلُ؟ هناك هرموناتٌ جنسيةٌ تجوبُ أنحاءَ جسمِه عبرَ الأوعيةِ الدمويةِ.
يقول الله عزَّ وجل: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلك أزكى لَهُمْ} [النور: 30] .
قالَ العلماءُ: "أزكى: أي أَطهَرُ، ويمكنُ أن يكونَ المعنى: أنفع وأطيب"، إمّا أن يكونَ أزكى لهم هو الطهرُ من الذنوبِ، أو الوقايةُ من الأمراضِ، فعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: قال عليهِ الصلاة والسلام: "النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٍ، مَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ أثَابَهُ اللهُ إِيمَاناً يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ".
السهمُ إذا دخلَ في الجسمِ أحدَثَ جرحاً، فقد يُتلِفُ مكاناً معيَّناً، أمّا حينما يكونُ السهمُ مسموماً فإنّ السمَّ يسرِي إلى كلِّ أنحاءِ الجسمِ.
(1/126)

النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً بَيَّنَ مخاطرَ النظرةِ التي تتبعُ النظرةَ، فالنظرةُ كالضغط على الزنادِ، الذي تبدأُ بسببهِ سلسلةٌ من التفاعُلاتِ، والإفرازاتِ الهرمونيةِ الجنسيةِ المعقّدةِ، التي لها تأثيراتُها على كلِّ عضوٍ، بل على كلِّ خليةٍ، والتي تهيِّئ الجسمَ لعمليةِ الاتصالِ الجنسيِّ، لتؤدِّيَ مهمَّتها في استمرارِ النسلِ، كلُّ هذا يجبُ أن يتمَّ في وقتٍ محددٍ، أما إذا استمرَّ انطلاقُ هذه الهرموناتِ في الجسمِ دونَ تفريغٍ لهذه الشحنةِ، فإنها سوف تؤدِّي إلى مضاعفاتٍ خطيرةٍ في الجسمِ.
عثرتُ في موقعٍ معلوماتيٍّ على بحثٍ علميٍّ مضَى على البدءِ به عشرون عاماً، وتوصَّلَ هذا البحثُ إلى النتائج التاليةِ:
هذه الهرموناتُ تجرِي في الأوعيةِ، وتجولُ في جسمِ الإنسانِ الذي يطلِق بصرَه في الحرامِ طوالَ النهارِ، فهناك امرأةٌ تعملُ في المكتبِ، وهناك عريٌ، وهناك تفلتٌ، وهناك إبرازُ مفاتنَ، وهناك خلوةٌ، وهناك حديثٌ جنسيٌ، وهناك مجلةٌ.. إلخ.
النبيُّ الكريمُ صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطقُ عن الهوى نهى عن إِتْباعِ النظرةِ بنظرةٍ، ونهى عن تبرُّجِ النساءِ، وعن تعطُّرِ المرأةِ إذا خَرَجَتْ من بيتِها، ونهى عن الخلوةِ بالأجنبيةِ، ونهى عن المصافحةِ، ونهى أنْ تمتنعَ المرأةُ عن فراشِ زوجِها، هذا كلُّه من أجلِ الوقايةِ من أمراضٍ لا تعدُّ ولا تُحصَى.
الآن إلى التفصيلات:
كيف أنّ الأفعى إذا لَدَغَتْ إنساناً فقد تميتُه، السببُ العلميُّ أنّ هذا السمَّ يوسِّعٌ الأوعيةَ إلى درجةٍ غيرِ مقبولةٍ، فيهبطُ الضغطُ، فيموتُ الإنسانُ، الآن يؤخَذُ من سمِّ الأفعى دواءٌ فعَّالٌ جداً لتوسيعِ الشرايينِ والأوردةِ، إذاً حينما تتوسّعُ الأوردةُ والشرايينُ توسُّعاً غيرَ مقبولٍ فهذا قد يؤدِّي إلى الموتِ، هذه الهرموناتُ سمَّاها الباحثُ (سموماً) ، السمُّ بقدرٍ محدودٍ منه دواءٌ، أما بقدرٍ كبيرٍ فهو داءٌ.
(1/127)

ما الذي يحدثُ؟ أولُ ظاهرةٍ تظهرُ رائحةٌ كريهةٌ جداً في الإبطين والقدمين، مِن أثَرِ دورةِ هذه السمومِ طوالَ النهارِ، فما دام ثمّةَ إطلاقُ بَصَرٍ، ومجلاَّتٌ، ومشاهدُ، وأفلامٌ، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، وخلوةٌ بالأجنبياتِ، وحديثٌ جنسيٌّ، فهذا يؤدِّي إلى دورةِ هذه الهرموناتِ طوالَ النهارِ، وازديادِ كميتِها، وامتدادِ أمد دورانِها يجعلُها سموماً.
فأوّلُ ظاهرةٍ ظهورُ رائحةٍ كريهةٍ في الإبطين والقدمين، وتوسُّعُ فتحاتِ الغددِ العرقيةِ والدهنيةِ في الكعبين، وأسفلَ القدمين، وفي المؤخِّرةِ، وهذا يسبِّبُ بعضَ البواسير، وتوسُّعُ الفتحاتِ الدهنيةِ في الوجهِ يسبِّبُ حَبَّ الشبابِ من دورةِ الهرموناتِ، ودورانُ هذه الهرموناتِ الجنسيةِ، التي هي كالسمومِ، وتهيُّجُها لحّدٍ أكثرَ من المتوسطِ يسبِّبُ داءَ الشقيقةِ، أو الصداعَ النصفيَّ، الذي لم يُعْرَفْ له علاجٌ حتى يومِنا هذا على الأقلِّ.
أمّا الشيءُ المخيفُ فآلامٌ في المفاصلِ، ولا سيما الكبيرةُ، كمفصلِ الركبةِ، ومفصلِ الوركِ، ويبدو أنّ هذه الهرموناتِ تقلِّلُ من لزوجةِ السائلِ الذي بين العظامِ، وهذا يدعو إلى جفافِ هذا السائلِ، ثم إلى احتكاكِ العظامِ، ثم إلى آلامٍ مفصليةٍ لا تُحْتَمَلُ.
وفي المجتمعاتِ الغربيةِ، وفي سنٍّ مبكرةٍ يعانون من هذه الأمراضِ، بسببِ دورانِ هذه السمومِ في الجسمِ طوالَ النهارِ، هناك موظّفان في سِيركٍ في بريطانيا، في الثلاثين أُصِيبَا بحالاتٍ حادةٍ في مفاصلِهما، وليسَ هناك سببٌ مقنِعٌ إلا الإثارةُ الجنسيةُ المستمرةُ.
أمّا في مجالِ القلبِ والأوعيةِ، فاستمرارُ دورانِ هذه الهرموناتِ (السموم) يسبِّبُ هبوطاً في ضرباتِ القلبِ، وبطئاً في الدورانِ، وجُلطةً وريديةً محتملةً، وتتوسّعُ الشرايينُ توسعاً مستمراً، ممّا يفقدُها مرونَتها، وعندئذٍ، ومع تبدُّلِ كيمياءِ الدمِ يؤدِّي هذا إلى تصلُّبِ الشرايينِ، وهو مرضُ العصرِ الأولُ، وهذه الأمراضُ منتشرةٌ في المجتمعاتِ المتفلِّتةِ.
(1/128)

ثم إنَّ هذه السمومَ التي تجوبُ في أنحاءِ الجسمِ، تسبِّبُ جُلطةً دهنيةً؛ إذا ترسَّبتْ في مكانٍ معيَّنٍ أورثتْ عمىً، أو كساحاً، أو شللاً، أو جنوناً، أو فَقْدَ ذاكرةٍ، إلى ما هنالك.
وهذه السمومُ إذا دارتْ طوالَ النهارِ في الجسمِ، تسبِّبُ ثقلاً في اللسانِ، وصعوبةً في حركةِ اللسانِ داخلَ الفمِ، كما أنها تسبِّبُ إمساكاً، وهناك خمسون مرضاً ينتجُ عن الإمساكِ، وهذا الذي يطلِقُ بصرَه طوالَ النهارِ في الحسناواتِ وفي الغادياتِ والرائحاتِ، ويتابعُ المسلسلاتِ، ويقرأُ المجلاتِ، ويجلسُ جلساتٍ لا ترضي اللهَ، هذه كلُّها أعراضٌ تصيبُهُ.
وبعضُ الآثارِ السلبيةِ من استمرارِ دورةِ هذه السمومِ في حَصَى المرارةِ، وفي بعضِ الحالاتِ التي تزيدُ على الحدِّ المعقولِ يكونُ هناك تضخُّمٌ مبكّرٌ للبروستاتِ.
هذه نتائجُ بحثِ طبيبٍ في مؤسسةٍ علميةٍ في دولةٍ عربيةٍ، وجدتُها في موقعٍ معلوماتيٍّ، ولكنْ هذا مصداقُ الحديث: "النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيْسَ مَسْمُومَةٍ، مَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ أَثَابَهُ اللهُ إِيمَاناً يَجِدُ حَلاَوَتَهُ فِي قَلْبِهِ".
إنّ توجيهَ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ ليس من عندِه، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى} [النجم: 3-4] .
مستحيلٌ أن يشرِّعَ اللهُ شيئاً، أو أنْ يحرِّمَ شيئاً إلا وله نتائجُ عظيمةٌ، عَرَفَهَا مَن عَرَفَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها، نحن كَوْنُنا مؤمنين نطبِّقُ أمرَ اللهِ دونَ أنْ نعلِّقَ التطبيقَ على فهمِ الحكمةِ، لكنْ حينما تٌُكشَفُ لنا الحكمةُ يزدادُ إيمانُنا بعظمةِ هذا التشريعِ.
قال تعالى: {ليزدادوا إيمانا مَّعَ إيمانهم} [الفتح: 4] .
ورحم الله من قال:
يا رامياً بسهام اللّحظ مجتهداً ... أنت القتيلُ بما ترمي فلا تصب
وباعثَ الطَّرفِ يَرتادُ الشفاءَ لَهُ ... احبسْ رَسُولَكَ لا يأتيكَ بالعَطَبِ

غشاء الطبل في الأذن
قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
(1/129)

إنّ بين جوانحك آياتٍ لا تعدُّ ولا تحصى، منها غشاءُ الطبلِ، فكلُّ واحدٍ غشاءُ طبلِه يعملُ بانتظامٍ، وغشاء الطبلِ غشاءٌ رقيقٌ، لا تزيدُ سماكتُه على نصفِ مليمترٍ، ولا يزيدُ قطْرُه على تسعِ ميليمتراتٍ - أقلُّ من سنتيمترٍ - متينٌ كالصلبِ، مرنٌ كالمطاطِ، حيويٌ جداً لنقلِ الأصواتِ، لو تعطَّلَ هذا الغشاءُ لفَقَدَ الإنسانُ سمعَه، لذلك فقدْ جهَّزهُ اللهُ عزَّ وجل بما يحفظُه من التَّلَفِ، وجَعَلَه في آخرِ قناةٍ منحنيةٍ أضيقَ من خِنْصَرِ الإنسانِ، لئلا يبعثَ به الصغيرُ فيخرِقَه.
لقد جعل اللهُ عزَّ وجل الأذنَ الوسطَى - وهذا من حكمتِه - موصولةٌ بقناةٍ إلى البلعومِ، فإذا جاءَ ضغطٌ كبيرٌ كافٍ لخرقِ هذا الغشاءَ جاء الضغطُ المقابلُ من الفمِ، فتوازنَ الضَغْطان، وسَلِمَ غشاءُ الطبلِ من التمزّقِ، إذْ إنّ الأصواتَ الشديدةَ من شأنِها أنْ تمزِّقَ غشاءَ الطبلِ.
وهذا الغشاءُ مربوطٌ بأربعةٍ عُظَيْماتٍ، لا يزيدُ وزنُها على خمسةٍ وخمسين ميليغراماً، ولا يزيدُ طولُها مجتمعةً على تسعةَ عشرَ ميليمتراً، هذه العظيماتُ لها وظيفةٌ رائعةٌ جداً، إنها تُكَبِّرُ الأصواتَ الضعيفةَ إلى عشرينَ مِثلاً، وتخفِّضُ الأصواتَ الضخمةَ المؤذيةَ، فجهازٌ واحدٌ يعملُ على تكبيرِ الصوتِ، وعلى خفضِ الصوتِ، وهذا ما لا يستطيعُه البشرُ، وهذا مِن الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ تعالى.
بل إنّ الأصواتَ التي تزيدُ على مئةِ ديسيبل - وحدة قياس الأصواتِ - والتي مِن شأنِها أن تؤذيَ الأذنَ، هناك آليةٌ عصبيةٌ معقدةٌ جداً تخفِضُها، حين لا تسمعُ صوتَ إنسانٍ فتقولُ له: أَعِدْ، ما سمعتُ، فإنّ بعضَ حركاتِ الوجهِ تؤثِّرُ على عصبٍ مشتركٍ بين الوجهِ، وعضلةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بعظمٍ الرِكابِ مِن شأنِها أنْ تزيدَ حساسيةَ الأذنِ، أي حينما تتغيَّرُ ملامحُ وجهِك، حينما لا تفهمُ الكلامَ، هناك آليةٌ معقدةٌ جداً تنتقلُ عَبْرَ العَصبِ السمعيِّ إلى عضلةٍ تُضاعفُ حساسيةَ الأذنِ.
(1/130)

الصوتُ اهتزازٌ ينتقلُ عبرَ وسطٍ مَرِنٍ، والوسطُ المَرِنُ هو الهواءُ، لكنَّ الوسطَ المرنَ القاسيَ الصُّلبَ ينقلُ الصوتَ بسرعةٍ أشدَّ، والوسطُ السائلُ ينقلُها بسرعةٍ أشدَّ، وبدقَّةٍ أعلى، لذلك ينتقلُ الصوتُ إلى غشاءِ الطبلِ عَبْرَ الهواءِ، وغشاءُ الطبلِ ينتقلُ به الصوتُ عبْرَ أربعةِ عظامٍ، ثم في قناةٍ قوامُها سائلٌ.
فالصوتُ ينتقلُ عبرَ الهواءِ تارةً، وبعدَ غشاءِ الطبلِ عبرَ أجسامٍ صلبةٍ، وبعدَ الأجسامِ الصلبةِ عبرَ قناةٍ فيها سائلٌ.
وهناك خمسةٌ وعشرونَ ألفَ خليَّة سمعيَّةٍ تلتقطُ السمعَ، وتنقلهُ إلى الدماغِ كي تدركَ، وحتى هذه الساعةِ لا يستطيعُ العلماءُ أن يكتشفوا كيف تستطيعُ الأذنُ أنْ تُفَرِّقَ بين النَّغَمِ والضَّجيجِ.
لماذا حينما تُسحَق قطعةُ زجاجٍ تحتَ البابِ تشعرُ أنك ستخرجُ من جِلْدِك؟ ولماذا إذا وقفتَ أمامَ شلالٍ فيه صوتٌ صاخبٌ تأنسُ به؟ هذا ضجيجٌ، وهذا نَغَمٌ، كيف تفرِّقُ بين النغمِ والضجيجِ؟ وكيف تلتقطُ هذه الأذنُ مئاتِ ألوفِ الأصواتِ، ولكلِّ صوتٍ نبرةٌ خاصةٌ تسجَّلُ في الذاكرةِ؟ كيف تقولُ لفلان عبْرَ الهاتفِ: أنت فلانٌ؟ ما هذه الحساسيةُ في الأذنِ التي تخزِّنُ الأصواتُ، ففي ذاكرةِ الإنسانِ مئاتُ، بل ألوفُ الأصواتِ الخاصةِ؟
ما زالتِ الأذنُ سرّاً من أسرارِ صنعةِ اللهِ عزَّ وجل، ما زالت الأذنُ آيةً دالةً على عظمةِ الله عزَّ وجل.
ما عُرِضَ هنا أمورٌ مختصرةٌ جدًّا، لكن لو اطلعتم على ما في هذه الأذنِ من عجائبَ بالتفصيلِ لسجدتُم للهِ عزَّ وجل تعظيماً وشكراً.

إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا
مِن آياتِ اللهِ الكونيةِ الدالةِ على عظمتِه، ومِن تطابقِ آياتِ القرآنِ مع خَلقِ الإنسانِ ما يؤكِّدُ أنّ هذا القرآنَ مِن عندِ اللهِ تعالى، وأنّ هناك تطابقاً عجيباً، وأبديّاً، وسرْمدِيّا بين ما جاءَ في القرآنِ، وما جاءَ في معطياتِ العلمِ، يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان: 2] .
(1/131)

إنّ في كلامِ اللهِ دقّةً بالغةً في الصّياغةِ، وما دامَ سميعاً بصيراً فلِمَ قدَّمَ السَّمْعَ على البصرِ؟ قال تعالى: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} [الأنعام: 46] .
هناك حكمتان اعتمدهما العلماءُ: "السّمعُ أخطرُ في حياةِ الإنسانِ من البصرِ"؛ لأنَّ الإنسانَ يتلقّى الأصواتَ من الجهاتِ الستِّ، عن يمينِه، وعن شمالِه، ومن أمامِه، ومن ورائِه، ومن فوقِه، ومن تحتِه، في الظلامِ والنورِ، وفي الليلِ والنهارِ، وعلى الرّغمِ من الحواجزِ الكتيمةِ فإنّ السمعَ يصلُ إلى أُذنِك، فكأنّ السّمعَ يُغطِّي البيتَ كلّهَ، فإنْ كنتَ نائماً، وسمعتَ حركةً في غرفةِ الضّيوفِ، انتقلتَ إليها، أما عيْنُك فلا تُرِيكَ إلا أطرافَ غرفةِ النومِ، وإن كنتَ تقودُ سيارةً فلا ترى إلا الذي أمامَك، إما إنْ كان ثمَّةَ خلَلٌ في المحرّكِ، أو العجلاتِ، فالصوتُ يصلُ إلى أُذنِك، فتقفُ في الوقتِ المناسبِ، هذه بعضُ توجيهاتِ العلماءِ تبيِّنُ أنّ السمعَ أخطرُ من البصرِ.
شيءٌ آخر، قوله سبحانه وتعالى: {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير} [الملك: 10] .
لماذا اختارَ اللهُ سبحانه وتعالى السّمعَ وحْدهُ؟ لأنّه مَن كانَ أصمَّ كان أبْكمَ، فالذي لا يسمعُ لا ينطقُ، والذي لا يسمعُ، ولا ينطقُ متخلّفٌ عقليّاً، ويصنّفُ مع المعوّقين عقليّاً، ومع البُلْهِ، لكنْ كم مِن الذين فَقَدوا بصرَهم كانوا قمّةً في العلمِ والأدبِ، وأعلاماً، ولكنّ الذي لا يسمعُ لا ينطقُ، ولا يفهمُ، هذا بعضُ التوجيهاتِ.
إنّ دِقّة خلقِ السمع كدِقّةِ البصرِ، لقولِ اللهِ تعالى: {مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] ، فبعضُ الشركاتِ مثلاً تنتجُ بضاعةً من الدرجةِ الثانيةِ، يُقال لها: بضاعةٌ تجاريّةٌ، وقد تنتجُ بضاعةً من الدرجةِ الأولى، ولها أسعارٌ خاصّةٌ، ولكنّ صُنعَ اللهَ تعالى لا تفاوُتَ فيه، وكلُّه متْقَنٌ إلى درجةٍ مطلقةٍ.
(1/132)

إنّ للسمعِ وظائفَ، وللبصرِ وظائفَ، فبالسمعِ تسمعُ الحقَّ، وتعقلُ الحقائقَ، وبالبصرِ تشاهدُ الجمالياتِ والأشياءَ، وأشكالَها، وحجومَها، وصفاتِها، لكنّك بالسمعِ تدركُ حقائقَها.
اكتشفَ العلماءُ أنّ الجنينَ في بطنِ أمِّهِ يتوضّحُ عنده أماكنُ السمع والبصرِ في اليومِ الثاني والعشرين من تلقيحِ البيضة، وعند الولادةِ تكونُ الشبكيةُ مكتملةً، ويثبِّتُ الطفلُ عينيهِ على أيِّ مصدرٍ ضوئيٍّ، أيْ إنّ رؤيةَ الضوءِ موجودةٌ، لكنّ المطابقةَ عنده لا تعملُ، وبنهايةِ الشهرِ الثاني من العمرِ يتابعُ الطفلُ أيَّ جسمٍ يتحرَّكُ أمامهُ بعينيه، أمّا رؤيةُ الألوانِ فتكونُ بعدَ الشهرِ الرابعِ، وتصبحُ المطابقةُ عنده تامّةً بنهايةِ الشهر السادسِ، ولكنّه في الأسبوعِ السادسِ والعشرين، أي في الشهرِ السادسِ والنصفِ، وهو في الرحمِ يستمعُ إلى الأصواتِ، فيسمعُ دقّاتِ قلبِ الأمِّ، ويسمعُ حفيفَ المشيمةِ، وقرقرةَ الأمعاءِ، وقد أجرى بعضُ العلماءِ تجارِبَ، سجّلوا فيها أصواتَ ضرباتِ القلبِ، وحفيف المشيمةِ، وقرقرةِ الأمعاءِ، وأسمعوها للطّفلِ قبلَ الولادةِ، كان يبكي فسكَتَ! إذاً تنشأُ حاسّةُ السمعِ في الشهرِ السادسِ والنصفِ، ولا تنشأُ حاسّةُ البصرِ إلا بعد الشهرِ الثالثِ والرابعِ من الولادةِ، هذا الذي ذكرَهُ العلماءُ ذكرهُ اللهُ في سبعَ عشرة آيةً في كتابِ اللهِ تعالى، حيث قدّمَ اللهُ فيها السمعَ على البصرِ تقديمَ أهميّةٍ، وسبْقٍ في الخلْقِ، ولكنْ لماذا قدَّم اللهُ البصرَ على السمع في قولهِ: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] ؟
قالَ العلماءُ: "لأنّ سرعةَ انتقالِ الصورةِ تزيدُ على سرعةِ انتقالِ الصوتِ، فالصورةُ تنتقلُ بسُرعةِ ثلاثمئةِ ألفِ كيلو مترٍ في الثانيةِ، أمّا الصوتُ فلا ينتقلُ إلا بسرعةِ ثلاثمئةٍ وثلاثين متراً في الثانيةِ".
(1/133)

إذاً لمَّا كان الحديثُ عن الإنشاء، إنشاءِ السمعِ والأبصارِ قُدِّم السمعُ على البصرِ في سبع عشرةَ آية، وحينَ انصبَّ الحديثُ على فعلِ الإبصارِ، حيث إنّ الصُّوَرَ تراها العينُ قبلَ الصوتِ قُدِّم الإبصارُ على السمعِ، {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] ، وأََصْدَقُ شاهدٍ على ذلك زمجرةُ الرعدِ، فترى البرقَ، وبعدَ حينٍ تستمعُ إليهِ، لو رأيْتَ رجلاً من بعيدٍ ينْحتُ حجراً، وقد هوى بالمطرقةِ على الحَجَرِ، فإنه بعد حينٍ تسمعُ صوتَ وقْعِ المطرقةِ على البصرِ.
والآياتُ القليلةُ التي وردَ فيها ذِكْرُ "البصر" قبْل السمعِ هي تلك الآياتُ التي تنذِر بالعقابِ، أو تصف الكافرينَ، وليس في أيٍّ منها إشارةٌ لخلقِ هذين الحِسَّيْنِ، أو لوصفِ وظيفتهما، أو تطوُّرِهما.
قال تعالى: {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} [الأعراف: 179] .
وقال سبحانه: {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 195] .
وقال جل جلاله: {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} [المائدة: 71] .
وقال تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} [الإسراء: 97] .

وظيفة العينين والأذنين
يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] ، وقال: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9] ، وقال: {قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23] ، وقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ} [البلد: 8] .
(1/134)

هل فكّرتُم كيف ترونَ بهذه العَينِ الصغيرةِ الأشياءَ بِحَجمِها الحقيقيِّ؟ فإنّ أعظمَ آلةٍ للتصويرِ تعطيكَ صورةً لا تزيدُ على مساحةِ الكفّ! كيف ترى الجبلَ جبلاً، والبحرَ بحراً، والشّمسَ شمساً؟ كيف ترى الأشياءَ بحجمِها الحقيقيِّ؟ هذا السؤالُ لا يستطيعُ أيُّ عالِمٍ أن يُجيبَ عنه حتى الآنَ.
شيءٌ آخرُ؛ لو أنّنا درَّجْنا اللّوْنَ الأخضرَ مثلاً، أو أيَّ لونٍ آخرَ إلى ثمانمئةِ ألفِ درجةٍ، فإنّ العينَ السليمةَ تستطيعُ أن تفرّقَ بين درجَتَين من هذه الدرجاتِ التي تزيدُ على ثمانمئةِ ألفٍ، قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ} .
شيءٌ آخرُ، كيف أنّ هذه العينَ تستطيعُ أنْ ترى البُعْدَ الثالثَ؟ وهو العمقُ، وترى الطولَ، والعرضَ، والعمقَ، لو جعلَ اللهُ لنا عيناً واحدةً لرَأَيْنا بها الأشياءَ مسطّحةً، لا مجسَّمةً بأبعادِها الثلاثةِ، لذلك فالمسافاتُ التي أمامنا لا ندركها إلا بالعينين معاً، أمّا المسافاتُ التي تعترضُ العينَ فتُدرَكُ بعينٍ واحدةٍ.
شيٌ رابعٌ، كيف أنّ هذه الصورةَ إذا وقعَتْ على الشبكيّةِ تنطبعُ عليها، وتنتقلُ إلى الدّماغِ في أقلَّ من جزءٍ من خمسينَ جزءاً من الثانيةِ، ففي كلّ ثانيةٍ واحدةٍ تستطيعُ العينُ نقْلَ خمسينَ صورةً إلى الدّماغِ، الذي يُدركُ المُرادَ منها، فمتى يتمُّ التحميضُ وإظهارُ الصورةِ؟
شيءٌ آخر، وهو أنّ العينَ السليمةَ تستطيعُ أنْ ترى خطَّين بينهما واحدٌ على عشرينَ ميليمتراً، وفي العينِ أشياءُ وأشياءُ لا يحتملُ هذا المقالُ استيفاءَها، فمثلاً في الشبكيّةِ التي لا تزيدُ مساحتُها على ميليمتراتٍ، مئةٌ وثلاثون مليونَ عصيّةٍ من أجلِ الأبيضِ والأسودِ، وسبعةُ ملايين مخروطٍ من أجلِ الألوانِ والتفاصيلِ، قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ} [البلد: 8-9] .
(1/135)

إنّ في العَينِ قرنيّةً شفّافةً شفافيةً تامّةً، فلو غُذّيَتْ هذه القرنيةُ الشفافةُ عن طريقِ الشُّعَيْراتِ كما هي الحالُ في أيّ نسيجٍ آخرَ في الجسمِ لكانتِ الرؤيةُ مُشوّشَةً، ولرأينا شبكةً فوقَ العينِ، ولكنَّ القرنيّةَ وحْدها تتغذّى عن طريقِ الحلولِ، أي إنّ الخليّةَ الخارجيّةَ تأخذُ غذاءَها وغذاءَ جارتِها من أجلِ أنْ تبقَى الرؤيةُ سليمةً، وشفّافةً، وواضحةً.
والقزحيّةُ، هذه الحدقةُ الملوّنةُ التي تتَّسعُ، وتنقبضُ، تتّسعُ إذا قلَّ النورُ، وتنقبضُ إذا اشتدَّ النورُ على نحوٍ آليٍّ، إنّها تتّسعُ وتنقبضُ دونَ أن تعلمَ، والدليلُ على ذلك أنّك إذا دخلْتَ فجأةً من مكانٍ مضيءٍ إلى مكانٍ أقلَّ إضاءةً لم ترَ شيئاً إلا أنْ تتّسعَ هذه القزحيّةُ على نحوٍ لا إراديٍّ، حيث يقوم جسمٌ بلّوريٌ بعملٍ لا يستطيعُ أن يقومَ به أكبرُ العلماءِ، إنه ينضغطُ، ويتقلَّصُ، ويتمدّدُ، حيث يعلو، والسائل الزجاجي له ضغوطٌ معيَّنةٌ.
أمَّا الأذنان فإنّ تفاضلَ وصولِ الصوت إليهما يكون بوساطة جهازٍ في الدماغِ، ومِن معرفةِ التفاضلِ يكشفُ الدماغُ جهةَ الصوتِ.
إذَا كنتَ في الطريقِ، وسمعتَ بوقَ سيارةٍ من ورائك كيف تعرف جهةَ السيارةِ؟ مِنَ الأذنين، قال تعالى: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .

حاسة الشم وتركيبها
(1/136)

إنّ مِن نِعَمِ اللهِ عز وجل التي لا ننتبِهُ لها نعمةَ الشَّمِّ، ولقد أقامَ العلماءُ موازنةً بين الشمِّ والبصرِ، فالعينُ لا ترَى إلا بوسيطٍ، وهو الضوءُ، ولكنّ الشمَّ لا يحتاجُ إلى وسيطٍ، فالإنسانُ يشمُّ ليلاً ونهاراً، في ضوءٍ شديدٍ، وفي ظلمةٍ شديدةٍ، ولا يحتاجُ الشمُّ إلى اتصالٍ قريبٍ مباشرٍ بينك وبين الشيءِ، كما هو في السمعِ؛ لذلك قالوا: الشمُّ يعطيك دائرةَ أمانٍ واسعةً جداً، وأنت نائمٌ قد تشمُّ رائحةَ الغازِ في البيتِ، بلا صوتٍ ولا ضوءٍ، ولا ثمةَ اتصالٌ مباشرٌ، أنت في غرفةِ النومِ، وموقدٌ للغازِ في المطبخِ، والأبوابُ مقفلةٌ، والظلامُ شديدٌ، والصوتُ معدومٌ، والاتصالُ المباشرُ معدومٌ، ومع ذلك تشمُّ فتستيقظُ، وتُغلقُ موقدَ الغازِ، إذاً الشمُّ يعطيك دائرةَ أمانٍ واسعةً جداً.
مَنْ يصدِّقُ أنّ في أنفِه مئةَ مليونِ خليّةٍ عصبيةٍ مخصّصةٍ لحاسَّةِ الشمِّ، هذه الخلايا العصبيةُ تتركَّزُ، وتتمرْكزُ في القرنِ العلويِّ للأنفِ، بمساحةٍ لا تزيدُ على مئتين وخمسين ميليمتراً مربعاً، هذه الخليةُ العصبيةُ التي تعدُّ عشرين مليوناً لها أهدابٌ لا تقِلُّ عن سبعةِ أهدابٍ، هذه الأهدابُ عليها سائلٌ مخاطيٌّ فيه موادُّ دهنيةٌ مُذِيبةٌ، تتفاعلُ مع الرائحةِ تفاعلاً كيميائياً، فينتجُ عن هذا التفاعلِ شكلٌ هندسيٌّ متميِّزٌ، يتكوَّنُ تِبْعاً لطبيعةِ الرائحةِ.
فرائحةُ الزهورِ مثلاً الشكلُ الهندسيُّ الناتجُ عن تفاعلِها مع أهدابِ خلايا الشمِّ هو شكلُ مفتاحٍ، ورائحةُ الأثير مثلاً على شكلٍ مستطيلٍ، أو على شكلِ حوضِ سباحةٍ، وهكذا كلُّ تفاعلٍ بين الرائحةِ والأهدابِ الشَّمِّيةِ ذاتِ الخاصةِ المذيبةِ، والتي تتفاعلُ مع الرائحةِ تفاعلاً كيماويّاً.
هذا الشكلُ الهندسيُّ يرسلُ إشارةً عن طريقِ العصبِ الشَّمِّيِّ الذي يتوضَّعُ في سقفِ الأنفِ، إلى مركزِ الشمِّ في الدماغِ.
(1/137)

يستطيعُ الدماغُ أنْ يميِّزَ بين عشرةِ آلافِ رائحةٍ، لا أن يميِّزَ فحسب، بل يميّزُ ويتعرَّفُ، ففي الدماغِ ذاكرةٌ شَمِّيةٌ، فإذا شمَّ رائحةً تفاعلتْ مع أهدابِ الشمِّ، وشكّلتْ شكَلاً هندسياً، أرسلَ إشارةً إلى الدماغِ، الدماغُ عنده عشرةُ آلافِ رائحةٍ، يمرِّرُها على كلِّ رائحةٍ، رائحةً رائِحةً، إلى أن تتطابقَ هذه مع تلك، يقولُ: هذا الياسمينُ، أو هذا الفُلُّ، أو هذا الزنبقُ، وكلُّ هذا يتمُّ في لمحِ البصرِ.
معروفٌ عند العلماءِ: "أنّ هذه الأهدابَ فيها خصائصُ عديدةٌ؛ إنها تستطيعُ استشعارَ رائحةٍ في تركيزٍ قليلٍ جداً، نصفٌ بالمليونِ من الميليغرام في السنتيمترِ المكعبِ، هذه الأهدابُ تستشعرُ هذه الرائحةَ، وتنقلُها إلى الدماغِ، ويتعرَّفُ إليها، ويقولُ: أَشمُّ الرائحةَ الفلانيةَ".
الإنسانُ عندهُ وسائلُ يَعرِفُ بها المحيطَ الخارجيَّ، فالعينُ تَرَى، لكنْ ثمَّة أشياءُ لا تراها، وأنت في البيتِ، أو في المركبةِ، بل تسمعُها، فالسَّماعُ خطُّ دفاعٍ آخرُ، وثمّةَ أشياءُ لا تراها، ولا تسمعُها، فلو أنّ فأرةً ماتتْ في البيتِ، ما الذي يشعرُك بوجودِها؟ رائحتُها طبعاً، فكأنّ اللهَ جل في عُلاهُ جعلَ من الرائحةِ إشعاراً للإنسانِ بدقائقِ المحيطِ الخارجيِّ، هذا مِن فضلِ اللهِ تعالى على الإنسانِ.
مئةُ مليونِ خليةٍ، وكلُّ خليةٍ لها سبعةُ أهدابٍ، والهُدْبُ عليه سائلٌ مخاطيٌّ، فيه موادُّ دهنيةٌ مذيبةٌ، تتفاعلُ مع الروائحِ تفاعلاً كيماوياً، فينتجُ من هذا التفاعلِ شكلٌ هندسيٌّ، يرسلُ إشارةً إلى الدماغِ، الذي يميِّزُ بين عشرةِ آلافِ رائحةٍ، وتدرجُ هذه الرائحةُ على كلِّ الروائحِ تباعاً إلى أنْ تعرفَها، فتقولُ: هذه كذا.
إنّ تركيزَ الرائحةِ نصفٌ بالمليونِ من الميليغرامِ في السنتيمترِ المكعبِ، يكفي أنْ تشمَّ هذه الرائحةَ.
في رأسِ الكلبِ مئةُ مليونِ نهايةٍ عصبيةٍ للشمِّ، وطاقةُ بعضِ الحيواناتِ الشمِّيةِ تزيدُ مليونَ مرةٍ على طاقةِ الإنسانِ.
أُنثى الفَراشِ تجلبُ الذَّكَرَ من بُعْدِ نصفِ ميلٍ، عن طريقِ الشمِّ، وعن طريقِ إصدارِ بعضِ الروائحِ الكيماويةِ.
(1/138)

والنحلُ يشمُّ رحيقَ الأزهارِ من مسافاتٍ طويلةٍ تزيدُ على عشراتِ الكيلو مترات، ويشمُّ رائحةَ خليّتهِ.
والبعوضةُ تشمُّ رائحةَ عرَقِ الإنسانِ من ستين كيلومتراً، فسبحان الذي أودع في الإنسانِ هذه الحاسَّةَ التي هي حصنٌ وتكريمٌ.

مركز التذوق في الدماغ
لقد جعلَ اللهُ جل وعلا على اللسانِ خلايا خاصَّةً، تنتشرُ على شكلِ نتوءاتٍ يمكنُ للإنسانِ مِن خلالِها أن يتذوَّقَ الحلوَ والطيِّبَ من الطعامِ، وأن يلفظَ المرَّ والحامضَ منه، وأن ينهل الماءَ العذبَ الفراتَ، وأن يلفظَ الملحَ الأجاجَ، فمَن وَضَعَ على اللسانِ هذه الخلايا الذوقيةَ؟!، بعضُها يتذوّقُ الحلوَ، وبعضُها المُرَّ، وبعضُها المالحَ، وبعضُها الحامضَ؟!، هذه الخلايا المتوضِّعةُ على اللسانِ موزَّعةٌ في أنحائِهِ، بعضُها في مقدِّمةِ اللسانِ لتذوُّقِ الطعمِ الحلوِ، وبعضُها في مؤخِّرةِ اللسانِ لتذوُّقِ الطعمِ المرِّ، وبعضُها على جوانبِ اللسانِ لتذوُّقِ الطعمِ الحامضِ والمالحِ.
والشيءُ الذي يَلفتُ النظرَ أنّ الخلايا الذوقيةَ المتخصِّصةَ بالطعمِ المرِّ تزيدُ حساسيّتُها عشرةَ آلافِ ضعفٍ على حساسيةِ الخلايا التي تتذوَّقُ الطعمَ الحلوَ، لماذا؟ لأنّ اللهَ جلَّتْ حكمتُه جَعَلَ كلَّ طعامٍ سامٍّ مُؤْذٍ مرَّ المَذاقِ - في الأعمِّ الأغلبِ - هذا التوافقُ توافقٌ حكيمٌ، الطعامُ الذي ينفعُك حلوُ المذاقِ، والذي يؤذيك مرُّ المذاقِ، لذلك كلُّ أنواعِ السمومِ لها طعمٌ مرٌّ، فلئلا يتسمَّمَ الإنسانُ كانتْ حساسيةُ الخلايا المتخصِّصةِ لتذوّقِ الطعمِ المرِّ تزيدُ عشرةَ آلافِ ضعفٍ على حساسيةِ الخلايا المتخصِّصةِ لتذوُّقِ الطعمِ الحلوِ.
الشيءُ الثاني، توافقُ الطعمِ المرِّ مع الضررِ، وتوافقُ الطعمِ المُستساغِ مع الفائدةِ، هذا التوافقُ مِن حكمةِ اللهِ جلَّ وعلا، وهذا اللعابُ الذي في الفمِ يسهمُ بشكلٍ فعَّالٍ جداً في إذابةِ الطعومِ تمهيداً لتذوُّقِها من قِبَلِ الحُلَيماتِ الذوقيةِ المتوضِّعةِ على اللسانِ.
(1/139)

والشيءُ الثالثُ هو انّ البخارَ أو أنّ الغازَ - إن صحَّ التعبيرُ - المنتشرَ من هذا الطعامِ يتلقَّفهُ الأنفُ ليشمَّه، فطعمُ الطعامِ أساسُه شمٌّ وذوقٌّ، فكلُّ طعامٍ نأكَلُه، ونستطِيبُه، ونحمدُ اللهَ عليه أسهَمَ في تكوينِه خلايا الشمِّ مع خلايا الذوقِ، والإنسانُ حينما يُصابُ برشحٍ شديدٍ يشعرُ أنّ طعمَ الطعامِ قد اختلفَ في فمِه، هذا مِن فضلِ اللهِ جلَّ وعلا، أما في الدماغِ فهناك مركزٌ آخرُ للذوقِ، كما أنّ هناك مركزاً للشمِّ، وهذا المركزُ يستطيعُ أنْ يفرِّقَ بين عشرةِ آلافِ طعمٍ، وكما يحدثُ في الشمِّ يصلُ هذا الطعمُ إلى الدماغِ فيشعرُ به، ثم يتعرَّفُه، وتعرُّفُه به بأنْ يجريَ هذا الطعمُ على عشرةِ آلافِ طعمٍ في الذاكرةِ الذوقيةِ، فإذا توافقَ هذا الطعمُ مع طعمٍ مسجَّلٍ في الذاكرةِ قال: هذا طعامُ كذا، وهذا الطعامُ فيه المادةُ الفلانيةُ، إلى آخرِه، قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .

القلب والأوعية
القلب

العباداتُ في مجموعِها، وعلى اختلافِ أنواعِها وأشكالِها تهدفُ إلى تطهيرِ القلبِ من أمراضِه، وتحليتِه بالكمالاتِ التي أرسلها اللهُ له كي يسموَ إلى خالقِه، ويسعدَ بقُرْبِه، وينعمَ بجنّتِه.
القلبُ له في جسمِ الإنسانِ المكانُ الأولُ، وعليه في جميعِ الأمورِ المعولُ، ولا عجبَ فهو القائدُ، والجوارحُ جنودٌ له وخدمٌ، وهو الآمرُ الناهي، والأعضاءُ أتباعٌ له وحشمٌ، وحسبُك فيه قولُ الله تبارك وتعالى:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] .
والقلبُ حقيقةُ الإنسانِ، ومِن عجيبِ أمرِ اللهِ تعالى فيه أنه جَعَلَ ببقاء قلبِ الجسدِ وصحتِه وانتظامِ عمله حياةَ الجسدِ ونشاطَه، وجعلَ بطهارةِ قلبِ النفسِ وسلامته حياةَ الروحِ وازدهارَها.
والقلبُ هو الجانبُ المدرِكُ من الإنسانِ، وهو المخاطَبُ، والمُطالَب، والمعاتَبُ، وهو محلُّ العلمِ، والتقوى، والإخلاصِ، والذكرى، والحبِّ والبغضِ، والوساوسِ، والخطراتِ، وهو موضعُ الإيمانِ، والكفرِ، والإنابةِ، والإصرارِ، والطمأنينةِ، والاضطرابِ.
(1/140)

والقلبُ هو العالِمُ باللهِ، والمتقرِّبُ إلى اللهِ، وهو المقبولُ عندَ اللهِ، إذا سَلِمَ مِن غيرِ اللهِ، وهو المحجوبُ عن اللهِ، إذا انشغل بما سوى اللهِ، وهو الذي يسعدُ بالقربِ مِنَ اللهِ، ويشقى بالبُعدِ عنه، وقد رُوِي: "عبدي طهَّرتَ منظرَ الخَلْقِ سنينَ، أفلا طهّرتَ منظرِي ساعةً"، والقلبُ هو منظرُ الربِّ، ولا يفلحُ الإنسانُ، ولا يطيبُ إلا إذا زكّاه، ويخيبُ، ويشقَى إذا دنَّسه، ودسَّاهُ.
إنْ فتَّشتَ عن أعجبِ ما خَلَقَ اللهُ في السماءِ والأرضِ لم تجدْ أعْجَبَ، ولا أروعَ، ولا أدقَّ، ولا أجملَ مِن قلبِ الإنسانِ.
تصلح أوتارُه فيفيضُ رحمةً، وشفقةً، وحباً، وحناناً، ومعانيَ لطافاً، وشعوراً رقيقاً، حتى يتجاوزَ في سموِّه الملائكةَ المقرَّبين.
وتفسدُ أوتارُه، فينضحُ قسوةً ولؤماً، وسوءاً حتى يهوى إلى أسفل سافلين، حوَى على دقتّه كرةَ العالَم، فما أدقَّه، وأجلَّه، وما أصغرَه، وأعظمَه، يكبُرُ ولا نرى كِبَرَه، فيتضاءلُ أمامه كلُّ كبيرٍ، ويصغرُ ولا نرى صِغَرَه، فيتعاظمُ عليه كلُّ صغيرٍ.
اتّحدَ شكلُ القلبِ، واختلفت معانِيه، فقلبٌ كالجوهرةِ، صفَا لونُه، وراق ماؤُه، وقلبٌ كالصخرِ قويٌّ متينٌ، ينفعُ، ولا يلمعُ، وقلبٌ هواءٌ، خفَّ وزنُه، وحال لونُه، يموتُ القلبُ، ثم يحيى، ويحيى، ثم يموتُ، ويرتفعُ إلى الأوجِ، ويهبطُ إلى الحضيضِ، وبينما هو يسامِي النجومَ رفعةً إذا هو يلامسُ الطاعةَ طاعةً، أليس أعظمُ بناةِ العالَم قد امتازوا بكبرِ القلبِ، وصدقِ الشعورِ، وقوةِ الإرادةِ، فإنْ وَجَدَ الإنسانُ كلَّ شيءٍ، وفَقَدَ قلبَه فإنه لم يجد شيئاً.
إنّ قلبَ الجسدِ من أعجبِ ما خَلَقَ اللهُ، إنه مِضَخَّةٌ مزدوجةٌ تضخُّ الدمَ الذي يحملُ الغذاءَ والوقودَ إلى كلِّ خليةٍ، ونسيجٍ، وعضوٍ، وجهازٍ عن طريقِ شبكةٍ من الأوعيةِ يزيدُ طولُها على مئةٍ وخمسينَ كيلومتراً.
إنه يعملُ منذ الشهرِ الثاني من حياةِ الجنينِ، وحتى يأتيَ الوقتُ فإنه لا يغفلُ، ولا ينسى، ولا يسهو، ولا يقعدُ، ولا يكبُو، ولا يملُّ، ولا يشكُو، بل يعملُ دونَ راحةٍ، ولا مراجعةٍ، ولا صيانةٍ، ولا توجيهٍ ...
(1/141)

الإنسانُ بجبروتِه يؤذيه، وبنارِ الحقدِ يكوِيه، وبالأحزانِ يبلِيه، وهو أساسُ حياةِ الإنسانِ، وشمسُ عالمِه، عليه يعتمدُ في كلِّ أعمالِه وأحوالِه، ومنه تنبعُ كلُّ قُواهُ، وحركاتُه.. وهو آلةٌ خارقةٌ! لا يعرفُ التعبُ إليها سبيلاً، تزدادُ قدرتٌها أضعافاً كثيرةً، لتواجِهَ الجهدَ الطارئَ، إنها عضلةٌ من أعقدِ العضلاتِ، بناءً، وعملاً، وأداءً، وهي مِن أَمْتنِها، وأقواها، تنقبضُ، وتنبسطُ ثمانينَ مرةً في الدقيقةِ، ويصلُ النبضُ في الجهدِ الطارئ إلى مئةٍ وثمانينَ، ويضخُّ القلبُ ثمانيةَ آلافِ لترٍ في اليومِ الواحدِ، أي ما يعادلُ ثمانيةَ أمتارٍ مكعبةٍ من الدمِ، ويضخُّ القلبُ من الدمِ في طولِ عُمُرِ الإنسانِ ما يكفي لملءِ مستودعٍ بحجمِ إحدى ناطحاتِ السحابِ في العالَمِ.
وينفردُ القلبُ في استقلالِه عن الجهازِ العصبيِّ، فتأتمِرُ ضرباتُه، وتنتظمُ بإشارةٍ كهربائيةٍ من مركزِ توليدٍ ذاتيٍّ، هي أساسُ تخطيطِه، وتتغذَّى عضلةُ القلبِ بطريقةٍ فريدةٍ!! ومِن أعجبِ ما فيه دسّاماتُه المحكمةُ التي تسمحُ للدمِ بالمرورِ باتجاهٍ واحدٍ، وهو مبدأٌ ثابتٌ بالمضخّاتِ.
إنّ القلبَ إذَا سَكَنَ في قَفَصِهِ، واستراحَ من غُصَصِهِ خَلَّفَ وراءَه جثةً هامدةً، كأنها أعجازُ نخلةٍ خاويةٍ، لم ترَ لها مِن حياةٍ باقيةٍ، ولقد حدَّثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصادِقُ المصدوقُ عن القلبِ بقوله الموجزِ: "أَلا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ".
ورَحِمَ اللهُ أحمد شوقي إذْ يقولُ:
دَقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لَهُ ... إنّ الحياةَ دقائقُ وثَوانِ
فارفع لنفسِكَ قبل موتكَ ذِكْرَها ... فالذكرُ للإنسان عمرٌ ثانٍ

القلب وكيس التامور وخاصة التجلط في الدم
إنّ القلبَ الذي بينَ جوانحِنا مِن عجائبِ خَلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى، وقد عَدَّه العلماءُ أقوى وأمتنَ عضلةٍ في النوعِ البشريِّ.
(1/142)

فهذا القلبُ سمّاهُ العلماءُ مضخةً ماصّةً، كابسةً، تؤمِّنُ دورانَ الدمِ في الأعضاءِ، منذ أنْ ينبضَ، وأنت في الرحمِ، وحتى الموتِ، لا يكَلُّ، ولا يملُّ، ولا يستريحُ، ولا يتوقَّفُ حتى نهايةِ الحياةِ.
مِن آياتِ اللهِ الباهرةِ، أنّ اللهَ جعلَ لهذا القلبِ كيساً لصيقاً بهِ هو الشِّغافُ، مغلَّفاً بغشاءٍ آخرَ يُسمَّى التامورَ، هذا الكيسُ يفرزُ مادةً تليِّنُ حركتَه، لئلا يحتكَّ بالقلبِ نفسِه، هي في الآلاتِ كالزيتِ تماماً، أضِفْ إلى أنّ القلبَ مغلَّفٌ بغلافٍ رقيقٍ رقيقٍ، أملسَ، يسمَّى الشِّغافَ، هذا الغشاءُ الرقيقُ الرقِيقُ، الأملسُ الأملَسُ، مع التامورِ الذي يفرزُ المادةَ المليّنةَ، خُلِقَ من أجلِ أنْ ينعدمَ الاحتكاكُ في حركةِ القلبِ.
ومِن الآياتِ العجيبةِ أنّ في الدمِ خاصةً، لولاها لَمَا بَقِيَ أحدُنا حيّاً، هي خاصّة التجلُّطِ، وهي أنَّ الدمَ إذا لامسَ الهواءَ الخارجيَّ تتكوَّنُ منه أليافٌ تسدُّ منافذَ الشرايينِ إلى الخارجِ، لولا هذه الخاصّةُ، خاصّةُ التجلُّطِ لَسَالَ دمُ الإنسانِ كلُّه مِن جرحٍ طفيفٍ، ولكنّ الدمَ ما إنْ يلامسِ الهواءَ الخارجيَّ حتى يتجلَّطَ، ويصبحَ أليافاً تسدُّ المنفذَ الذي فُتِحَ، إنْ كان جرحاً، أو شيئاً مِن هذا القَبِيلِ، {ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم} [الأنعام: 96] .
إنه قلبٌ يعملُ، ولا يرتاحُ، يصبُّ الدمُ الوريديُّ الذي أدَّى دورَةً في الأعضاء في الأُذينِ الأيمن، ومنه إلى البُطَينِ الأيمنِ، ومنه إلى الرئتين، وبعد أخْذِ الأوكسجين يعودُ إلى الأذينِ الأيسرِ، فالبطينِ الأيسرِ الذي يدفعه عبرَ الشريانِ الأبهرِ إلى أعضاءِ الجسمِ كلِّه، ففي القلبِ أُذَيْنَانِ، وبُطَيْنَانِ يمصّانِ الدمَ، ويدفعانهِ بلا كَلَلٍ، ولا مَلَلٍ.
قدَّر العلماءُ أنه في كلِّ نبضةٍ يندفعُ من القلبِ مجموعةُ سنتيمتراتٍ مكعّبةٍ، تزيدُ على العشرةِ، في الدقيقةِ الواحدة ثمانون دفعةً، أيْ في الدقيقةِ الواحدة اثنان جالون ونصفٌ من الدمِ يضخُّه القلبُ، وقَدَّرَ بعضُهم ما يضخُّه القلبُ في سبعين عاماً بأربعةِ ملايينِ جالون، وهذا شيءٌ عجيبٌ في هذه العضلةِ.
(1/143)

لذلك مِن آياتِ اللهِ سبحانه وتعالى في خَلْقِهِ هذا القلبُ، الذي قالَ عنه النبي عليه الصلاة والسلامِ: "أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ".

جهاز الدوران في الجسم
إنّ آياتِ اللهِ في الكونِ، وآياتِ اللهِ في النفسِ أوسعُ بابٍ ندخلُ منه على اللهِ، وأقصرُ طريقٍ إليهِ، لأنّ هذه الآياتِ تضعُكَ أمامَ عظمةِ اللهِ عز وجل، قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه نظامُ نقلِ الدمِ في الجسمِ، فالكائنُ الحيُّ بحاجةٍ إلى الغذاءِ من أجلِ نشاطاتِه الحيويةِ، ومن أجلِ ترميمِ خلاياه التالفةِ، ونقلُ الغذاءِ من خارجِ الكائنِ الحيِّ إلى داخلهِ يتولاه جهازُ الهضم، ِ أمّا نقلُ ملخَّصِ جهازِ الهضمِ إلى كل خليةٍ في الجسمِ فهذا من مهامِّ جهازِ الدورانِ.
في الكائناتِ الراقيةِ المعقَّدةِ تعقيداً إعجازياً، ولا سيما الإنسانُ، هذا النقلُ يتمُّ في دارةٍ مغلقةٍ، فجهازُ الدورانِ دارةٌ مغلقةٌ، ومن أجلِ أن يسريَ الدمُ في الأوعيةِ لا بد من مضخةٍ تدفعُه في هذه الأوعيةِ، ولا بد لهذه المضخّةِ من دفعٍ، ومن سحبٍ.
جهازُ الأوعيةِ عبارةٌ عن شرايينَ، وشرايينَ فرعيةٍ، وأوعيةٍ، وأوعيةٍ فرعيةٍ، وأوعيةٍ شعريةٍ، وأوعيةٍ شعريةٍ دقيقةٍ جداً، تغطِّي كلَّ مساحاتِ الجسمِ، ثمّ هذه الأوعيةُ الشعريةُ الدقيقةُ جداً تتَّصلُ بأوعيةٍ شعريةٍ وريديةٍ، وتعودُ إلى وريدٍ صغيرٍ، فأكبرَ فأكْبرَ إلى القلبِ.
(1/144)

الشيء الذي يجلبُ الانتباهَ أنّ عددَ الأوعيةِ الشعريةِ في الجسمِ من مئةٍ إلى مئةٍ وستين مليارَ وعاءٍ شعريٍّ، حيث لو غرزتَ دبوساً في أيِّ مكانٍ لخَرَجَ الدمُ، وطولُ هذه الأوعيةِ في جسمكِ مئةٌ وخمسون كيلو متراً، يمرُّ عبرها من سبعةٍ إلى عشرةِ لتراتٍ من الدمِ، والكريةُ الحمراءُ لو تتبَّعناها لوجدنا أنّها تنطلقُ من القلبِ، وتعودُ إليه في ثلاثٍ وعشرين ثانيةً، والدمُ يدورُ في الأوعيةِ ثلاثةَ آلافٍ وسبعمئةِ مرةٍ في اليومِ، لو كان للأوعيةِ دخولٌ وخروجٌ لَعَبَرَ من خلالِها في اليومِ من سبعةٍ إلى عشرةِ أطنانٍ، يضخُّ القلبُ في اليومِ ثمانيةَ أمتارٍ مكعبةٍ، وكلُّ مترٍ مكعبٍ طنٌّ تقريباً.
خلال عمرٍ يسري عبرَ الأوعيةِ من مئةٍ وخمسين إلى مئتين وخمسين ألفَ طنٍّ، لو أنّ القلبَ مضخةٌ لها فتحةُ دخولٍ وخروجٍ لملأَ أكبرَ ناطحةِ سحابٍ في العالمِ في عمر ستينَ عاماً!!، ولو عَبَّرْنا عن جهدِ القلبِ في الإنسانِ فإنّه يكفي لدفعِ قطارٍ في طريقٍ صاعدٍ إلى قمةِ أربعةِ آلافِ وثمانمئةِ مترٍ، مِن صفرٍ إلى أربعةِ آلافِ وثمانمئةِ متر!!، قال سبحانه: {هاذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [لقمان: 11] .
وفي الحديث: "إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ".
هذه بعضُ الحقائقِ البديهيةِ عن جهازِ الدورانِ في جسمِ الإنسانِ.

الشرايين والأوردة
في الإنسانِ وريدٌ وشريانٌ، في الشريانِ دمٌ مُؤَكْسَدٌ يحملُ الأوكسجينَ، والشريانُ ينقسمُ، ويتشعّبُ، ويتفرَّعُ حتى يصلَ إلى أصغرِ خليةٍ في الجسمِ لإمدادِها بالغذاءِ، والدمُ بحاجةٍ ماسّةٍ ودائمةٍ إلى الأوكسجين؛ لذلك تحملُ الأوردةُ الدمَ إلى القلبِ، ليضخَّ إلى الرئتين ليأخذَ منهما الأوكسجين.
(1/145)

إن دمَ الوريدِ في رحلتِه من القَدمِ إلى القلبِ يمشي بعكسِ اتّجاهِ الجاذبيةِ الأرضيةِ، فالسائلُ لا يصعدُ إلى أعلى، لذلك لا بد من طريقةٍ، حيث إنّ هذا الدمَ الصاعدَ لا ينزلُ، لحكمةٍ بالغةٍ أرادَها اللهُ، ولصَنعةٍ متقنةٍ حكيمةٍ صَنَعها اللهُ، صَنعَ لهذه الأوردةِ التي تنقلُ الدمَ من القدمِ إلى القلبِ صماماتٍ، هي في الحقيقةِ جيوبٌ، تسمحُ للدمِ أنْ يصعدَ، ولا تسمحُ له أن ينزلَ، جيوبٌ على جدرانِ الأوعيةِ إذا صعدَ الدمُ إلى الأعلى تلتصقُ جدرانُها بجدارنِ الأوعيةِ فيمرُّ الدمُ، فإذا أرادَ الدمُ أن ينزلَ امتلأتْ هذه الجيوبُ، وانتفختْ، وتلاصقتْ حتى تغلقَ الطريقَ على الدمِ، فهذه الصماماتُ التي وضعَها اللهُ في الأوردةِ ما الحكمةُ منها؟ الحكمةُ منها أن تسمحَ للدمِ أن يسيرَ باتجاهٍ واحدٍ فقط دون أن يرجعَ.
لو أنّ هذه الصماماتِ أصابَها الخللُ، فلم تغلقِ الطريقَ على الدمِ لتجمَّعَ الدمُ في الأوردةِ، ولارتفعَ ضغطُ الدمِ فيها، ولخرجتِ الكرياتُ الحمراءُ من جدرانِ الأوردةِ إلى الأنسجةِ، فازرقَّتِ الأرجلُ، وتورَّمت، وشعرَ صاحبُها بألمٍ شديدٍ، إنه مرضُ الدوالي، فعملُ الجيوبِ عملٌ في منتهى الدقةِ والروعةِ.
{لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] .

مكونات الدم
إنّ دمَ الإنسانِ في رأي أصحاب الاختصاص بمنزلة بحرٍ زاخرٍ بِقِطَعِ الأسطولِ، فهناك سفنٌ للإمدادِ، وهي كريات الدم الحمراءُ، وهناك سفنٌ للدفاعِ، تتمتعُ بقدرةٍ على المناورةِ، والمراوغةِ، والاقتحامِ، وهي الكرياتُ البيضاءُ، وهناك سفنٌ للإنقاذِ من الموتِ المحقَّقِ هي الصفائحُ الدمويَّةُ، وهناك سفنٌ تحملُ الموادَّ الغذائيَّةَ - السكر - وهناك سفنٌ تحملُ الموادَّ المُرَمِّمةَ - البروتين - وهناك سفنٌ تحملُ الفضلاتِ - حمض البول، وحمض اللبن - فالدمُ بحرٌ زاخرٌ بسفنٍ فيها موادُّ، فيه سفنُ إمدادٍ، وسفنُ دفاعٍ، وسفنُ إنقاذٍ، وسفنٌ تحملُ الموادَّ الغذائيةَ، وسفنٌ تحملُ الفضلاتِ، وكلُّ هذه السفنِ تتحركُ بحريةٍ دونَ أن تصطدمَ، ودونَ أن تغرقَ، ودونَ أن يصيبَها عطبٌ.
(1/146)

إنّ هذا السائلَ الأحمرَ الذي هو قوامُ حياتِنا مؤلَّفٌ من كرياتٍ حمراء، وكرياتٍ بيضاءَ، ومِن صفائحَ دمويةٍ، ونقف هنا قليلاً عندَ الكرياتِ الحمراءِ، الكريةُ الحمراءُ خليةٌ، أبعادُها دقيقةٌ، قطْرُها سبعةُ ميكروناتٍ، فإذا قسمنا الميليمتر إلى ألفِ قسمٍ، فقطْرُ هذه الكريةِ التي تشبهُ رغيفَ الخبزِ سبعةُ ميكرونات، أي سبعةُ أجزاءٍ من ألفٍ مِن الميليمتر، أمّا سماكتُها فلا تزيد على ميكرونين، وهما جزءانِ من الألفِ من الميليمتر.
والسؤالُ الآن: كم عددُ هذه الكرياتِ في جسمِ الإنسانِ؟ العددُ التقديريُّ والتقريبيُّ خمسةٌ وعشرون تريليوناً، أيْ خمسةٌ وعشرونَ ألفَ ألف مليونِ، ولو رَصَفنا هذه الكرياتِ الموجودةَ في دمِ كل واحدٍ منّا واحدةً إلى جنبِ الأخرى لطوَّقتِ الأرضَ في خطِّ الاستواءِ سبعَ مراتٍ؛ لأنّ في الميليمترِ المكعبِ الواحدِ خمسةَ ملايينَ كريةٍ حمراءَ، والشيءُ اللافتُ للنظرِ أن هناك أوعيةً شعريةً لا يزيدُ قطْرُها على قطْرِ كريةِ الدم الحمراءِ، لذلك تُضطرُّ الكرياتُ الحمراءُ في هذه الأوعيةِ الدقيقةِ إلى أنْ تسيرَ واحدةً تِلْوَ الأخرى في نسقٍ واحدٍ، والأغرب من ذلك أنّ بعضَ الأوعيةِ الدقيقةِ الدقيقَةِ يضيقُ قطرُها على قطرِ الكريةِ الحمراءِ، فكيف تسيرُ هذه الكريةُ فيها إذاً؟ تتطاولُ هذه الكريةُ الحمراءُ فتأخذُ شكلاً بيضويّاً من أجلِ أن تسيرَ في هذا الوعاءِ الدقيقِ الدَقيقِ.
قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] .
وفي الإنسانِ خمسةٌ وعشرون ألفَ مليونِ كريةٍ بيضاءَ، هذه الكريةُ لها خصائصُ لا يصدِّقها العقلُ. فبإمكانِها أنْ تمرَّ في ممرٍّ ضيِّقٍ هو عشرُ حجمهِا بمرونةٍ فائقةٍ، ونقيُّ العظامِ يُصَنِّعُ في كل ثانيةٍ اثنين ونصفَ مليونٍ كريَّةٍ، ويموتُ في كلِّ ثانيةٍ مثلُ هذا العددِ، فإذا ماتتْ هذه الكرياتُ ذهبتْ أيضاً إلى مقبرةٍ جماعيَّةٍ اسمُها "الطحالُ".
(1/147)

والكرياتُ البيضاءُ بمنزلة جيشِ الدفاعِ، ومرضُ الإيدزِ هو قتلٌ لهذه الكرياتِ البيضاءِ، وبسببِه يموتُ الإنسانُ بأقلِّ إصابةٍ جرثوميَّةٍ، ويمثِّلُ جهازُ الدفاعِ جيشاً بكلِّ معاني هذه الكلمةِ.
قسمُ استطلاعٍ؛ يستطلعُ العدوُّ، وأسلحتَه، وخصائصَه.
وقسمٌ يصنِّعُ الأسلحةَ، وقسمٌ يحاربُ.
فثلاثةُ عناصرَ: عنصرٌ استطلاعيٌّ - استخباراتي - وعنصرُ تصنيعِ أسلحةٍ، وعنصرُ مواجهةٍ للعدوِّ، هذا الجهازُ الدفاعِيّ خمسةٌ وعشرون ألفَ مليونَ كريةٍ بيضاءَ، وتريليونٌ واحدٌ صفيحاتٌ دمويةٌ، هذه الصفيحاتُ لولاها لَنَزَفَ دمُ الإنسانِ من جُرْحٍ بسيطٍ، فإذا حدَثَ جرحٌ تتوجَّه هذه الصفيحاتُ إليه، وتتلاحمُ، وتغلقُ هذا الجرحَ.
الذي يلفِتُ النظرَ أنّ في الدمِ مادةً تُعِينُ على لزوجةِ الدمِ، فلولا هذه المادةِ لخرجَ من الإنسانِ ألفُ سنتيمترٍ مكعَّبٍ في ستِّ دقائقَ، بفضلِ هذه المادةِ الألفُ سنتيمتر مكعب لا تخرجُ إلا في ثلاثينَ دقيقةً، لأن اللزوجةَ أساسيَّةٌ في الدمِ.
إنّ في الدمِ عناصرَ تجلِّطُ الدمَ، وعناصرَ تميّعُه، ومِن توازنِ هذين العنصرين يبقى الدمُ بهذه الحالةِ العجيبةِ، لا هو من السيولةِ بحيث ينزفُ دمُ الإنسان كلُّه في وقتٍ قصيرٍ فيموتُ، ولا هو من اللزوجةِ. بحيثُ يبقى كالوحلِ في الشرايينِ، إنه وضعٌ دقيق جداً بين اللزوجةِ والميوعةِ.
إنَّ بحثَ الدمِ وحده أكبرُ آيةٍ دالةٍ على عظمة اللهِ، بلازما الدمِ، مكوناتُ البلازما، الكرياتُ الحمراءُ، والبيضاءُ، والصفائحُ، لذلك: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .

الغدد
الغدة النخامية
(1/148)

في دماغِ الإنسانِ غدةٌ وزنُها نِصْفُ غرامٍ، تقومُ بوظائفَ خطيرةٍ جداً، وهي مربوطةٌ بالجسمِ تحتَ المهادِ بمئةٍ وخمسين ألفَ ليفٍ عصبيٍّ، هذه الغدةُ تفرزُ هرمونَ النموِّ، هذا الهرمونُ مؤلَّفٌ من مئةٍ وثمانيةٍ وثمانين حمضاً أمينيّاً، يجبُ أن يكونَ في كل لترِ دمٍ عشرةُ ميكرو غراماتٍ من هذا الهرمونِ، فإذا قلَّتْ هذه النسبةُ أصبحَ الإنسانُ قَزَماً، وإذا زادتْ هذه النسبةُ أصبحَ عِمْلاقاً، مَن يضبطُ هذه النسبةَ؟ إنه هذا الهرمونُ، هرمونُ النمو المؤلَّفُ من مئةٍ وثمانيةٍ وثمانينَ حمضاً أمينيًّا.
إنّ هرمونَ إفرازِ الحليبِ تفرزُه الغدةُ النخاميةُ، فبعد الحَمْلِ بقليلٍ يبدأُ هذا الهرمونُ يجولُ في الدمِ، حتى يبلغَ أوْجَهُ بعدَ الوَضْعِ، فإذا ثَدْيَا المرأةِ تفرزانِ الحليبَ مِن هذه الغدةِ النخاميةِ التي لا تزيدُ على نصفِ غرامِ، هذا صُنْعُ مَن؟ يؤكِّدُ هذه الحقيقةَ اللهُ جلّ جلالُه، حيث يقول: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النجدين} [البلد: 8-10] ، قال بعضُ المفسرين: "هديناه الثديين".
ويحثُّ هرمونٌ آخرُ الغدةَ الدرقيةَ على إفرازِ هرمونٍ يؤمِّن الاستقلابَ في الجسمِ، والاستقلابُ مِن أعقدِ العمليات، وهو تحوّلُ الغذاءِ إلى طاقةٍ، ففي الاستقلابِ تكونُ الغدّةُ الدّرقيةُ مسؤولةً عنه، كما أنّ الغدةَ النخاميةَ مسؤولةٌ عن توجيهِ الغدّةِ الدّرقيةِ لإفرازِ هذا الهرمونِ، وهذه الغدّةُ النخاميةُ لا يزيدُ وزنُها على نصفِ غرامٍ.
وثمّةَ هرمونٌ يحثُّ الغدّةَ الكظريةَ حينما يواجهُ الإنسانُ خطراً، فتأمرُ الكَظَرَ أن يفرزَ هرموناً يحثُّ القلبَ على مضاعفةِ ضرباتِه، ويحثُّ الرئتين على زيادةِ وجِيبِهما، ويحثُّ الأوعيةَ على تضييقِ لَمْعتها كي يتوفّرَ الدمُ للعضلاتِ، ويحثُّ الكبدَ على إفرازِ السكرِ، فهذه أربعةُ أوامرَ يفرزُها الكَظَرُ بأمرٍ من الغدّةِ النخاميةِ.
إنّ هرمونَ النموِّ الجنسيِّ مسؤولةٌ عنه الغدةُ النخاميةُ في الدماغِ، وإنّ صفاتِ كلٍّ من الذكرِ والأنثى تكونُ بفعلِ هرمونٍ تفرزُه الغدّةُ النخاميةُ.
(1/149)

ويحثُّ هرمونُ الخلايا التي تحتَ الجلدِ إلى إفرازِ المادةِ الملوِّنةِ للإنسانِ، من أبيضَ، وأسمرَ، وحِنْطِيّ، وملوَّنٍ، فهذا من مسؤولياتِ الغدةِ النخاميةِ التي لا يزيدُ وزنُها على نصفِ غرامٍ.
وهناك هرمونٌ يحقِّقُ توازنَ السوائلِ في الجسم، فلو اختلَّ هذا الهرمونُ لكانتْ حياةُ الإنسانِ شقيةً، ولوجبَ عليه أن يبقى إلى جانبِ الصنبورِ والحمَّامِ ليُمضيَ كلَّ وقتِه في الشُّربِ، وإفرازِ الماءِ.
وثمة هرمونٌ لقبضِ الأوعيةِ وتوسيعِها، وتنشيطِ الذاكرةِ.
وهناك هرمونُ المخاضِ، الذي تفرزُه الغدّةُ النخاميّةُ، حيث إنّ المخاضَ عمليةٌ معقّدةٌ، ففيها توسيعُ الحوضِ، وفيها تقلُّصُ عضلاتِ الرحمِ، فيأتي هذا الهرمونُ مبرمَجاً، لتناسِبَ كلُّ حركةٍ وضعاً معيَّناً، {ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ} [عبس: 20] .
وهناك هرموناتُ كثيرةٌ تفرزُها هذه الغدّةُ النخاميّةُ، وعلى الرغمِ من ذلك فإنّ الإنسانَ ضعيفٌ، كما وصفه خالقُه سبحانه بقولِه: {وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً} {النساء: 28] .
هذا هو الإنسانُ، هذه غدةٌ صغيرةٌ في دماغِه، سمّاها العلماءُ مَلِكةَ الغددِ، إنّها الغدةُ النخاميةُ، وزنُها نصفُ غرامٍ، تفرزُ تسْعَ هرموناتٍ أساسيةٍ في حياةِ الإنسانِ، لو اختلتْ هذه الغدّةُ، أو اختلّ إفرازُ هرموناتِها لكانت حياةُ الإنسانِ جحيماً لا يطاقُ.
{أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النجدين * فَلاَ اقتحم العقبة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة * فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 8-13] ، فلَيْتَه يفكُّ رقبتَه من شهواتِ الدنيا كي يصلَ إلى اللهِ؛ لأنّ الشهواتِ حجابٌ بينه وبينَ اللهِ.
لا يزالُ موضوعُ الهرموناتِ موضوعاً معقَّداً، بالغَ الأهميةِ، فحينما يستيقظُ الإنسانُ، ويتحرَّكُ، ويمارسُ نشاطَه فإنه لا يعرفُ مدى التَّعْقيدِ، ومدى الدِّقَّةِ في خلْقِه، وحركةِ أعضائهِ وأجهزتِه، فليشكرِ اللهَ جل جلالُه على هذه النِّعمِ.

الغدة الصنوبرية
(1/150)

إن في وسطِ الدماغِ البشريِّ غدّةً صغيرةً، حجمُها كحجمِ حبّةِ الذرةِ البيضاءِ، تُدعَى الغدّةَ الصنوبريةَ، يقولُ عالِم كبيرٌ جداً في بلدٍ متقدِّم - بالمقياسِ الماديِّ طبعاً - لطلابِه: "إنّ الغدةَ الصنوبريةَ غدةٌ عديمةُ الفائدةِ، لا وظيفةَ لها، ولا نشاطَ، وليس لها أدنى دورٍ في جسمِ الإنسانِ"، قال تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] .
كلامٌ يلقِيه عالِمٌ كبيرٌ في الطبِّ، في علمِ التشريحِ على طلابِه، ثم يكتشِفُ بعد ذلك أنّ هذه الغدةَ أوَّلُ غدةٍ تتكوَّنُ في الجنينِ، وآخِرُ غدةٍ تبيحُ بأسرارِها لعلمِ الطبِّ، هذه الغدةُ تفرزُ هرموناً موجوداً في كلّ الكائناتِ الحيَّةِ؛ من نباتٍ، وحيوانٍ، وإنسانٍ، حتى وحيدةِ الخليةِ، فيها هذا الهرمونُ، وإنّ تماثلَ هذا الهرمونُ في كلِّ الكائناتِ الحيةِ شيءٌ نادرٌ وعجيبٌ، فلا يُفرَزُ هذا الهرمونُ إلا ليلاً، يقولُ العلماءُ عنه اليومَ: "إنه من أكثرَِ الموادِّ فعاليةً في جسمِ الإنسانِ؛ يساعدُ الجسمَ على مكافحةِ الجراثيمِ والفيروساتِ، ويساعدُ الجسمَ على النومِ المريحِ، وعلى تحسينِ نوعيةِ النومِ، يساعدُ الجسمَ على الإقلالِ من حدوثِ أمراضِ شرايينِ القلبِ، ويخفِّفُ من أعراضِ السفرِ الطويلِ، ويزيدُ في حيويةِ الكائنِ الحيِّ، وفي قوةِ عضلاتِه، بل يكادُ هذا الهرمونُ يكونُ العنصرَ الأولَ في حيويةِ الإنسانِ، وفي صحتِه، وسلامةِ وظائفِ أعضائِه".
أردتُ من هذا كلِّه التنبيهَ إلى أنّ هذا الذي يقولُ: "إنّ الغدةَ الصنوبريةَ غدةٌ عديمةٌ الفائدةِ، لا وظيفةَ لها، ولا نشاطَ، وليس لها أدنى دورٍ في جسمِ الإنسانِ" مجانبٌ للصواب في قوله، الذي لا أساسَ له من الصحّةِ، فليس كلُّ مقروءٍ صحيحاً، وما كلُّ شيءٍ نسمعهُ صوابٌ وحقٌّ.
هذه الغدةُ تُفرزُ أهمَّ هرمونٍ في جسمِ الإنسانِ، فلو ألغَيْنَا هذا الهرمونَ لحَكَمْنا على الإنسان بالموت.
(1/151)

إنها غدةٌ صغيرةٌ بحجمِ حبةِ الذرةِ البيضاءِ، وفي وسطِ الدِّماغِ، اسمُها الغدةُ الصنوبريةُ، موجودةٌ في كلِّ الكائناتِ الحيّةِ، حتى في النباتِ، وحتى في الحيواناتِ، أو الأحياءِ وحيدةِ الخليةِ، {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] ، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] .
ومتداولٌ عند العلماءِ أنه: "لم تبتلَّّ بعدُ أقدامُنا ببحرِ المعرفةِ، ولا يزالُ العلماءُ كالأطفالِ يَحْبُونَ أَمامَ سرِّ هذا الكونِ، وسرِّ هذا الإنسانِ".
لذلك قالوا: "إن ثلاثمئة بحثٍ علميٍّ جادٍّ عميقٍ نُشِرَ حولَ هذه الغدةِ في عامٍ واحدٍ"، فأحياناً يقلِّلُ الإنسانُ مِن قيمةِ الشيءِ لجهلِهِ به، أمّا إذا عَرَفَ الحقيقةَ فيجبُ أن يخرَّ ساجداً لله عز وجل.

الغدة الصعترية التيموس
هي غدّةٌ تنمو في بدايةِ الولادةِ، وتضمُرُ بعد سنتين، ممّا حَمَلَ بعضَ العلماءِ على أنْ يقولوا: "هذه الغدةُ لا وظيفةَ لها، ولا شأنَ لها في حياةِ الإنسانِ إطلاقاً"، وهذا من نقصِ العلمِ، ثم اكتُشِفَ فجأةً أنّ هذه الغدةَ من أخطرِ الغددِ في حياةِ الإنسان.
يُعَدُّ جهازُ المناعةِ المكتسبُ من أخطرِ الأجهزةِ في الجسمِ البشريِّ، وهو جيشٌ دفاعيٌّ عالي المستوى والجاهزيةِ، فيه فرقُ الاستطلاعِ، وفرقُ تصنيعِ السلاحِ، وفرقُ القتالِ، وفرقُ الخدماتِ، وفرقةُ المغاويرِ، والحديث هنا عن فرقِ القتالِ.
يرسَلُ فريقٌ من كرياتِ الدمِ البيضاءِ التي صُنِعَتْ وتشكَّلتْ في نقيِّ العظامِ، والتي فُرِزت لمهامَّ قتاليةٍ، تُرسَلُ هذه الكرياتُ إلى مدرسةٍ حربيةٍ اسمُها الغدّةُ الصعتريةُ، (التيموس) في دورةٍ تثقيفيةٍ تدريبيةٍ، وبعدَ اجتيازِ الامتحانِ تتخرَّجُ بلقبِ (الخليةِ التائيةِ المثقفةِ) .
وفي هذه المدرسةِ الحربيةِ تدرسُ هذه الكرياتُ البيضاءُ التي فُرِزَتْ للقتالِ مادّتينِ أساسيتين: التعريفَ بالذاتِ والصديقِ، والتعريفَ بالعدوِّ الممرضِ.
(1/152)

ففي المقرَّرِ الأولِ: يُعرَضُ على هذه الخلايا مئاتُ الألوفِ من البروتيناتِ التي تدخلُ في بناءِ الجسمِ البشريِّ، ثم ترمزُ هذه العناصرَ الصديقةَ، وتدرِّبُ هذه الخلايا على ألا تهاجمَها، لأنها إنْ هاجمَتْهَا فمعنى ذلك أنّ الجسمَ يدمِّرُ نفسَه، ويتلفُ بعضَه.
وفي المقرَّرِ الثاني: يُعرَضُ على هذه الخلايا ما عرَفَه النوعُ البشريُّ عبرَ الأجيالِ على أنه عنصرٌ ممرضٌ، من خلالِ مناعاتِ الأمِّ التي تصلُ إلى المولودِ من خلالِ الحليبِ، ومن خلالِ التجرِبة الحيّةِ، حيث إنّ الطفلَ في السنواتِ الأولى يميلُ بفطرتِه إلى التقاطِ الأشياءِ، ووضْعِها في فَمِهِ لتعرِفَ خلاياه المقاتلةُ العناصرَ المعاديةَ، أو أنّ العدوى بالأمراضِ تعطِيه مزيداً من المعلوماتِ عن أعدائهِ، ومن خلالِ هذه المحاضراتِ تعرفُ هذه الكرياتُ البيضاءُ المقاتلةُ العناصرَ المعاديةَ التي عليها أنْ تهاجمَها، أو تذيعَ نبأَ وجودِها، أو تسهمَ في إلقاءِ القبضِ عليها.
ومن خلالِ المجاهرِ الإلكترونية تبدو الغدةُ الصعتريةُ على شكلِ مدرجاتٍ رومانيةٍ، تصطفُّ الكرياتُ البيضاءُ عليها لتتلقَّى هذه المحاضراتِ القيمةَ.
ولا بد في أيّةِ جامعةٍ، أو معهدٍ، أو مدرسةٍ من امتحانٍ ...
تَمُرُّ هذه الكرياتُ فرادى في بواباتٍ امتحانيةٍ، وتُمْتَحَنُ واحدةً وَاحدةً في المُقَرَّرَيْنِ السابقين.
امتحانُ المادةِ الأولى: يُعرَضُ على الكريةِ البيضاءِ الممتحنةِ عنصرٌ صديقٌ، فإنْ هاجمَتْهُ أخفقتْ في الامتحانِ، ومُنِعَتْ من مغادرةِ الغدةِ الصعتريةِ، وقُتِلَتْ؛ لأنّها إنْ خَرَجت إلى الدمِ هاجمَت الجسمَ الذي شَكَّلَهَا.
امتحانُ المادةِ الثانيةِ: يُعرَضُ على الكريةِ البيضاءِ الممتحَنةِ عنصرٌ عدوٌّ ممرضٌ، فإنْ أخفقتْ في تمييزِه، والردِّ عليه رَسَبَتْ في الامتحانِ، ومُنِعَتْ من مغادرةِ الكُلِّيةِ، وقُتِلَتْ، لأنها إنْ خَرَجَتْ إلى الدمِ غَفَلَتْ عن العدوّ، ومَكَّنَتْهُ من مهاجمةِ الجسمِ.
(1/153)

يستمرُّ عملُ هذه الكليةِ الحربيةِ (الغدة الصعتريةِ) من بدءِ الولادةِ، وحتى السنةِ الثالثةِ، وبَعْدَها تقومُ بتوريثِ علمِ مراقبةِ وضبطِ عملِ الكرياتِ البيضاءِ إلى الكرياتِ البيضاءِ الناجحةِ في الامتحانِ، والتي سُمِّيَتْ بعدَ التخرُّجِ الخلايا التائيةَ المثقفةَ، لتقومَ بدورِها في نقلِ هذا العلمِ على أجيالِ الكرياتِ البيضاءِ اللاحقةِ.
وفي السبعينيّاتِ من العمرِ يضعفُ تثقيفُ الكرياتِ البيضاءِ المقاتلةِ فتبدأُ بمهاجمةِ العناصرِ الصديقةِ، وبعض أجهزةِ الجسمِ وأعضائِه، فنرى في هذا العمرِ أمراضاً شائعةً؛ كالتهابِ المفاصلِ الرثويِّ، وبعضِ الاعتلالاتِ الكلويةِ، وأمراضِ المصلياتِ، وأمراضٍ أخرى ما كان سببُها إلا ضعفَ ثقافةِ الجهازِ المناعيِّ الذي يَنتُجُ عنه زوالُ الضبطِ في عملِ الخلايا المقاتلةِ (وهو خَرَفُ الجهازِ المناعيِّ) ، فتصبحُ الخلايا المناعيةُ المقاتلةُ تهاجمُ الجسمَ الذي شكَّلَها، وثَقَّفَها للدفاعِ عنه، وتكونُ حالةُ الجسمِ في ما يشبهُ الحربَ الأهليةَ، وقد يصدُق فيها حينئذٍ قول مَن قال:
_@_أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ _@_ فَلَمَّا اشتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي_@_
وَكَمْ عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القَوَافِي _@_ فَلَمَّا قَالَ قَافِيَةً هَجَانِي_@_
هذه الغدةُ التي لا يلتفتُ الناسُ إليها، ويُظنُّ أنه لا فائدةَ منها، هي في الحقيقةِ مِن أخطرِ الغددِ في جسمِ الإنسانِ، إنها شبيهةٌ بالمدرسةِ الحربيةِ، أو الكُلِّيةِ العسكريةِ، من أجل تدريبِ العناصرِ المقاتِلةِ على معرفةِ الصديقِ والعدوِّ.
وكلما تقدَّمَ العلمُ اكتشفَ هذه الآياتِ الدالةَ على عظمةِ اللهِ عزّ وجلَّ.

البنكرياس ومرض السكري
(1/154)

مرضُ السّكريِّ، هذا المرضُ الشائعُ أساسُه أنّ اللهَ سبحانه وتعالى أوْدَعَ في الإنسانِ غدّةً اسمُها البنكرياسُ، وهي غدّةٌ عجيبةٌ، فإذا نزل الطعامُ إلى المعدةِ، وتفاعلَ مع العصاراتِ الهاضمةِ صار قِوامهُ حامِضيّاً، والقِوامُ الحامضيُّ يُنبِّهُ أعصاباً أوْدعَها اللهُ في جدارِ الأمعاءِ، هذه الأعصابُ تنبّهُ مراكزَ في المخِّ، الذي يأمُرُ البنكرياسَ بِفَرْزِ موادَّ وعصاراتٍ تُعدِّلُ حُموضةَ الطعامِ، فأوّلُ وظيفةٍ خطيرةٍ للبنكرياسِ أنّه يفرزُ بأمْرٍ من الدّماغِ موادَّ وعصاراتٍ تجعلُ الطعامَ قلوِيّاً، هذه هي الوظيفةُ الأولى.
والوظيفة الثانيَةُ؛ يحوِّلَ السُّكرَ المخزونَ في الكبدِ، والعضلاتِ، مِن سُكرٍ تَخزينيٍّ، إلى سُكّرٍ قابلٍ للاحتراقِ، فالسُّكرُ نوعانِ: سكّرٌ للتخزينِ، وسكّرٌ للاستهلاكِ، فلا بدّ مِن أنْ يتدخَّلَ هرمونٌ مِنَ البنكرياسِ كي يحوِّلَ هذا السُّكرَ من حالةٍ إلى حالةٍ.
والوظيفةُ الخطيرةُ جدّاً، وهي الثالثةُ أنّ البنكرياسَ يفرزُ الأنسولينَ ليمكِّنَ من استهلاكِ السكّرِ، وإحراقِهُ، فإذا قصَّرَ البنكرياسُ في إفرازِ الأنسولينِ ظهرَ السكّرُ في البولِ، وضعُفَ احتراقُ هذه الموادِّ في الجسمِ، إنها غدَّةٌ صغيرةٌ لا نعبأُ بها، تقومُ بأخطرِ الأعمالِ، هذا من صُنعِ الحكيمِ الخبيرِ، هذا من صُنْعِ الخالقِ، قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
في الجسمِ مِنَ الآياتِ ما لو أمْضيْنا الحياةَ كلَّها في التأمُّلِ في دقائِقها لَمَا انتهيْنا مِن ذلك، فسبحانَ اللهِ ربِّ العالمينِ، الذي خَلَقَ الإنسانَ، فصوَّرَهُ، وأحْسنَ تصويرَهُ، والذي صنَعَ الإنسانَ، فأتْقنَ صُنعَهُ.

الطحال
ما هو الطِّحالُ؟ هذا الجهازُ العجيبُ، هذا العضوُ الخطيرُ الذي لو كُفَّ عن عملِه، أو زادَ نشاطُه لانتهتْ حياةُ الإنسانِ.
الطحالُ جهازٌ، أو عضوٌ، أو غدةٌ، سَمِّهَا ما شئتَ، لا يزيدُ وزنُه على مئتي غرامٍ، لونُه أحمرُ قانٍ، تصلُه بالدمِ أوعيةٌ دمويةٌ كبيرةٌ، وشريانٌ، ووريدٌ طحاليٌّ، في داخلِه حجبٌ، مقسَّمٌ إلى مساكنَ، وتحيطُ به عضلاتٌ، تتقلَّصُ فتفرغُ ما فيه من الدمِ الاحتياطيِّ.
(1/155)

يُولِّدُ هذا الجهازُ كميةً كبيرةً منَ الكرياتِ البيضِ، التي هي جيشُ الدفاعِ في الجسمِ، وما مرضُ الإيدزِ الذي أقلقَ العالمَ إلا تدميرٌ لهذا الجيشِ، فتضعفُ معه مناعةُ الجسمِ، عندها يستطيعُ أنْ يغلبَه أصغرُ جرثومٍ.
هذا الطحال، إضافةً إلى الكبد، هو الذي يولِّد الكرياتِ البيضَ في الحياة الجنينية، هذه الكرياتُ التي هي بحقٍّ الجيشُ الذي يدافعُ عن سلامةِ الجسمِ.
وهذا الطحالُ مقبرةٌ للكرياتِ الحمراءِ الميِّتة، التي تصل إليه، فيُفرزُ عليها مادةً تحلِّلُ هذه الكرياتِ إلى مكوِّناتِها؛ فيتحرّرُ الحديدُ، فيؤخذُ إلى معاملِ كرياتِ الدمِ في نقيِ العظامِ، ويتحرّرُ الهيموغلوبين، فيذهبُ إلى الكبدِ ليصنعَ الصفراءَ، إذاً الطحالُ مقبرةٌ تتحلَّلُ فيه كرياتُ الدمِ الحمراءُ إلى مكوِّناتِها الأساسيةِ، ليُعادُ تصنيعُها من جديدٍ، ويعادُ تصنيعُ الحديدِ إلى كرياتِ دمٍ جديدةٍ، ويعادُ تصنيعُ الهيموغلوبين إلى مادةِ الصفراءِ، التي تسهمُ في هضمِ الطعامِ.
أليس هذا تخطيطاً اقتصاديّاً؟ أليس هذا توجيهاً ربّانيّاً، إلاَّ أنّ الهدرَ، وإتلافَ الموادِ شيءٌ يتنافَى مع الكمالِ البشريِّ؟
شيءٌ ثالثٌ، إن الطحالَ جهازٌ لصنع كرياتِ الدمِ الحمراءِ، ولكنّه معملٌ احتياطيٌّ، فإذا تعطَّلتِ المعاملُ في نقيِّ العظامِ، فإنّ هذا المعملَ يعملُ لتصنيعِ كرياتِ الدمِ الحمراءِ، حفاظاً على حياةِ الإنسانِ.
وشيءٌ رابعٌ، إنّ الطحالَ هو مستودعٌ لكرياتِ الدمِ الحمراءِ، يدفعُها الطحالُ إلى الجسمِ عندَ الحاجةِ، إنه مستودعٌ احتياطيٌّ.
مستودعٌ لكريات الدم الحمراء، ومعملٌ احتياطيٌّ لكرياتِ الدمِ الحمراءِ، ومعملٌ للكرياتِ البيضاءِ، ومقبرةٌ للكرياتِ الحمراءِ الميتةِ.
إذا نَشَطَ هذا الطحالُ، فأتلفَ الكرياتِ الحمراءَ الحيةَ يموتُ الإنسانُ، أو يصابُ بفقرِ دمٍ من نوعٍ خاصٍّ، وإذا قصَّرَ عن عملِه يضعفُ جهازُ المناعةِ في الإنسانِ، وهذا ما يعانِيه العالَمُ اليومَ من مرضٍ خطيرٍ.
(1/156)

هذا الطحالُ قد تشتريه شطيرةً عند بائعِ الشطائرِ، ولا تدري أنّ هذا الذي تأكلُه عالمٌ قائمٌ بذاتِه، قال عليه الصلاة والسلام: " ... أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالحُوتُ وَالْجَرَادُ، وأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ".

جهاز الهضم
تركيب اللعاب ووظائفه
ما مِن واحدٍ إلا وفي فمِه لُعابٌ، لعابٌ سائلٌ، هذا اللعابُ تفرزُه غددٌ تحتَ الفكِّ، وتحتَ اللسانِ، وتحتَ الأذنِ، لا يعنينا عددُها، وتشريحُها، يعنينا شيئان، تركيبُ اللعابِ، ووظائفُه.
مَن يصدِّقُ أنّ في اللعابِ شواردَ معدنيةً منها: الصوديوم، والبوتاسيوم، والكالسيوم، والمغنيزيوم، والكلور، والبيكربونات، والفوسفات، واليود، والآزوت، وفي اللعابِ بروتين، وسكرٌ، ومضاداتٌ حيويةٌ، وأنزيماتٌ، مَن خلَقَ هذا اللعابَ؟ مَن كوّنَه؟ مَن جَعَلَه ينطوي على هذه الشواردِ المعدنيةِ، وهذه الشواردِ العضويةِ؟.
أمّا من حيثُ وظائفُ اللعابِ فقد وجدَ العلماءُ أن للُّعابِ دوراً خطيراً جدًّا في عدةِ مستوياتٍ، أوَّلُها أنّ اللعابَ يرطِّبُ سطحَ الفمِ الداخليَّ، ولولاه لتقشَّر السطحُ الداخليُّ، ولتشقَّقَ، ولفعلتِ الجراثيمُ فعْلَها الشنيعَ، فمِن وظائفِ اللعابِ ترطيبُ اللسانِ، والسطوحِ الداخليةِ للفمِ.
شيءٌ آخرُ: يقومُ اللعابُ بترطيبِ اللقمةِ التي نأكلُها، وتليينِها، وعن طريقِ ترطيبِها وتليينِها يسهلُ مضغُها وهضمُها.
شيءٌ ثالثٌ: اللعابُ يقومُ بدورِ العصارةِ الهاضمةِ الأوليةِ في الفمِ، فمَن أَكَلَ الخبزَ، وأَبْقَاهُ في فمِه مدةً طويلةً شَعَرَ بطعمٍ حلوٍ، وهذا دليلٌ على أنّ في اللعابِ موادَّ هاضمةً، وعصارةً هاضمةً، تحوِّلُ النشاءَ إلى سكرٍ.
شيءٌ رابعٌ: اللعابُ يفيدُ في الحديثِ، فكلُّ حرفٍ من الحروفِ تشتركُ في تكوينِه سبعَ عشرةَ عضلةً، واللسانُ هو لَوْلَبُ الكلامِ، ولولا اللعابُ لَمَا تمكَّنَ الإنسانُ أنْ يتابعَ الحديثَ.
شيءٌ خامسٌ: اللعابُ ينظِّفُ الفمَ من بقايا الطعامِ، وهذا دورٌ ربما لا ينتبِهُ إليه بعضُ الناسِ.
(1/157)

شيءٌ سادسٌ: غزارةُ اللعابِ تكونُ عندَ تناول الشرابِ الحمضيِّ، فكلُّ شرابٍ فيه تركيزٌ، والتركيزُ في الشرابِ يحثُّ الغددَ اللعابيةَ على مزيدٍ من الإفرازِ، من أجلِ أن يتمدَّدَ هذا الشرابُ المكثَّفُ، من أجلِ ألا يؤذي.
شيءٌ آخرُ: اللعابُ يسهمُ في تسخينِ الطعامِ الباردِ عن طريقِ التبادلِ الحراريِّ، ويسهمُ في تبريدِ الطعامِ الحارِّ، ويسهمُ أيضاً في عمليةِ تحريكِ اللقمةِ في الفمِ، وأخطرُ من هذا كلِّه أنّ في اللعابِ موادَّ مضادةً لنخرِ الأسنانِ، وموادَّ مضادةً للجراثيمِ؛ لأنّ الفمَ مفتوحٌ على الهواءِ الطلقِ، وهو بيئةٌ صالحةٌ جداً لنموِّ الجراثيمِ، هذه البيئةُ فيها حرارةٌ ورطوبةٌ، هذانِ الشرطانِ في البيئةِ صالحانِ جداً لتكاثُرِ الجراثيمِ، لذلك كان في اللعابِ مادّةٌ مضادةٌ للجراثيمِ، التي مِن شأنِها أنْ تقتلَها في مهْدها.
فمِن موادَّ مضادةٍ للجراثيمِ، إلى موادَّ مضادةٍ لنخرِ الأسنانِ، إلى موادَّ تمدِّدُ المحاليلَ الضارةَ، إلى وظيفةِ تنظيفِ الفمِ مِن بقايا الطعامِ، إلى تليينِ اللسانِ في أثناءِ الكلامِ، إلى تليينِ اللقمةِ في أثناءِ المضغِ، إلى هضمِ أَوَّليٍّ لمحتوياتِ اللقمةِ، إلى ترطيبِ سطحِ الفمِ، ولولاهُ لكان التشقُّقُ والتقشُّر، {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
إنّ هذا اللعابَ الذي لا يَأْبَهُ له أحدٌ له تركيبٌ دقيقٌ، خلايا، غددٌ، وظائفُ منوعةٌ، كلّها من أجلِ أن تعيشَ حياةً كاملةً سويةً.

الفكّ واللسان وجهاز الهضم
التفكرُ في خلقِ السَّماواتِ والأرضِ، والتفكرُ في نفْسِ الإنسانِ، التي هي أقربُ شيءٍ إليه يُعَدُّ أوسعَ بابٍ للدخولِ على اللهِ، وأقربَ طريقٍ إليه، قال سبحانه وتعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] .
(1/158)

مِن آياتِ اللهِ في النفسِ أنّ هذا الفكَّ المتحرِّكَ فيه ستُّ عضلاتٍ تحرِّكُه نحوَ الأسفلِ، وستُّ عضلاتٍ تحرِّكُه نحوَ الأعلى، وعضلتان تحرِّكانِه يمنةً ويسرةً، وأربعُ عضلاتٍ تحرِّكُه أماماً وخلفاً، فالحركةُ علويةٌ، سفليةٌ، يمينيةٌ، ويساريةٌ، أماميةٌ، وخلفيةٌ، والإنسانُ يمضغُ الطعامَ، ويبتلعُه في حدودِ ألفين وأربعمئة مرة في اليومِ، وهناك جهازٌ للبلعِ بالغُ الدقةِ.
تتجدَّدُ مئةُ ألفِ خليةٍ من خلايا الفمِ في كلِّ دقيقةٍ، وفي اللسانِ سبع عشرةَ عضلةً، تمكِّنُه من الحركةِ في كلِّ الاتجاهاتِ لتحريكِ الطعامِ، انظر إلى العجَّانةِ كيف تدورُ، وكيف أنّ فيها خلاطاً يخلطُ العجينَ، كذلك الفمُ، حيثُ يتحرَّكُ الفكُّ السفليُّ يميناً ويساراً، أعلى وأسفلَ، أماماً وخلفاً، واللسانُ بمنزلة الخلاطِ الذي يتحرّكُ في كلِّ الاتجاهاتِ، ليخلطَ مقوِّماتِ اللقمةِ.
وموضوعُ البلعِ موضوعٌ دقيقٌ جداً، هناك اللهاةُ، وهناك لسانُ المزمارِ، فالإنسانُ حينما يبلعُ اللقمةَ تأتي اللهاةُ، وتغلقُ طريقَ الأنفِ - فتحتي الأنف الخَلفيتينِ - ويأتي لسانُ المزمارِ، ويغلقُ الحَنجرةَ، لكنْ وأنتَ نائمٌ بالليلِ يجتمعُ اللعابُ في فَمِكَ، وتجري عمليةٌ بالغةُ الدقّةِ، حيث إنّ هناك تنبيهاتٍ عصبيةٍ من الفمِ إلى البصلةِ السيسائيةِ، تجمعُ اللعابَ كثيراً، فيأتي الأمرُ للسانِ المزمارِ، واللهاةِ فتغلقان طريقَ الأنفِ، وطريقَ الحنجرةِ، وينتقلُ اللعابُ إلى المريءِ، كلُّ هذا يجري وأنت نائمٌ، والعناية الإلهية متيقظة.
إنّ عمليةَ البلعِ تحكمُها الأعصابُ القحفيةُ، السابعُ (الوجهي) ، والتاسع عشر، والحادي عشر، والثاني عشر، وكلُّها تمرُّ في جذعِ الدماغِ، فإذا أُصيبَ هذا المركزُ بالعطبِ لسببٍ أو لآخرَ ارتدَّ الطعامُ إلى الأنفِ، وخَرَجَ منه، وارتدَّ الطعامُ إلى الحنجرةِ، ومنها إلى الرئتين، وفي هذه الحالةِ يكون الموتُ المحقَّقُ بالاختناقِ.
(1/159)

هذا المريءُ طولُه خمسون سنتيمتراً، وهو مزوَّدٌ بعضلاتٍ حلقيةٍ تتقلّصُ بالتدريجِ، فلو أنّ الإنسانَ كان مضطجعاً في مستشفى، وأعطيناه الطعامَ لسارَ سيراً طبيعيّاً، من أول المريءِ إلى المعدةِ، ولو أننا عَلَّقنَا إنساناً من رجليه، وأطعمناه لقمةً لذهبتْ نحوَ الأعلى على خلافِ الجاذبيةِ، لأن هذا المريءَ فيه عضلاتٌ دائريةٌ تتقلّصُ تباعاً، فتنقلُ اللقمةَ إلى المعدةِ، ولو كنتَ في أي اتجاهٍ.
المعدةُ لها فؤادٌ، وهو محكمُ الإغلاقِ، لئلا تخرجَ السوائلُ الحمضيةُ فتزعجك، وحينما يتقيأُ الإنسانُ يشعرُ بحرقةٍ لا تُحتمَلُ، إنها حمضُ كلورِ الماءِ الذي في المعدةِ، فلئلا يخرجَ هذا الحمضُ إلى المريءِ فيزعجَ الإنسانَ كان الفؤادُ محكمَ الإغلاقِ، فمن أجلِ أن تدخُلَه اللقمةُ لا بد من رفعِ ضغطِ دفعِ اللقمةِ في الفؤادِ أربعةَ أمثالِ الضغطِ في مكانٍ ثانٍ في المريءِ، وكلُّ هذا من أجلِ أنْ تأكلَ، وأن تشربَ، وأن تتنفسَ، وأن تنامَ، وأن تزدردَ اللعابَ في الليلِ، وأن ينتقلَ الطعامُ إلى المعدةِ، مَن رَتَّبَ هذا؟ مَن أتقنَ هذا؟
{لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] .

لسان المزمار
في جسمِ الإنسانِ شُرْطِي للمرورِ، يعملُ منذُ أنْ يتخلَّقَ الإنسانُ في بطنِ أمِّه، وحتى الموتِ، لا يَكَلُّ، ولا يسأمُ، ولا يتعبُ، يعملُ ليلاً نهاراً، في اليقظةِ، والمنامِ، إنه لسانُ المزمارِ.
طريقُ الهواءِ من الأنفِ إلى الرئتين عَبْرَ الرغامى، (القصبة الهوائية) ، وطريقُ الطعام من الفمِ إلى المعدةِ، عبر المريءِ، وهذان الطريقان يتقاطعان في منطقةٍ حرجةٍ هي البلعومُ.
(1/160)

ويقومُ لسانُ المزمارِ بأخطرِ عملٍ في حياةِ الإنسانِ، فلو أنّ نصفَ كأسٍ من الماءِ دخلَ خطأً في الرغامى، في القصبةِ الهوائيةِ إلى الرئتين لماتَ الإنسانُ اختناقاً، لأنّ خلايا الدماغِ النبيلةِ تموتُ موتاً نهائياً إذا انقطعَ عنها الأوكسيجين أكثرَ من خمسِ دقائقَ، فلو نسيَ لسانُ المزمارِ أنْ يسدَّ طريقَ الرغامى، ويفتحَ طريقَ المريءِ لكانتْ هي القاضيةَ، فكيف لو نَزَلَ الطعامُ في القصبة الهوائيةِ، إذاً لفَسَدَ المجرَى، ولاختنقَ الإنسانُ، وماتَ فوراً؟
هذا اللسانُ الذي يفتحُ طريقَ المريءِ عندَ الطعامِ، ويفتحُ طريقَ التنفسِ عندَ التنفسِ، يعمل ليلاً ونهاراً، يعملُ وأنتَ نائمٌ، قد تقول: لا آكلُ بالليلِ، ولكن هذا اللعابُ الذي يتجمَّعُ في فمِك كيف تبتلعُه وأنت نائمٌ دونَ أنْ تشعرَ؟ مَن الذي أَمَرَ هذا اللسانَ أنْ يفتحَ طريقَ المريءِ، لينتقلَ اللعابُ المجمَّعُ في الفمِ إلى المعدةِ، ثم يغلقه فيتابع التنفسُ عملَه، وأنت لا تدري؟
مِن فضلِ اللهِ علينا أنّ هذه الرغامَى، (القصبةَ الهوائيةَ) لشدّةِ خطورةِ عملِها، ولأنها جهازٌ مصيريٌ، فلو توقفَ التنفُّسُ دقائقَ معدوداتٍ لماتَ الإنسانُ، لخطورةِ عملِها فقد جهَّزها اللهُ سبحانه وتعالى بأهدابٍ متحركةٍ، تحرَّكَ نحوَ الأعلى دائماً، فأي شيءٍ طفيفٍ دخلَ فيها تحرَّكَ نحوَ الأعلى، ليتجمعَ في الحنجرةِ، ويكون هو القَشَعَ، مَن الذي زوَّدَ هذه القصبةَ الهوائيةََ بهذه الأهدابِ المتحركةِ؟ ومن المناسب هنا أن نذكر أن التدخينَ يشلُّ هذه الأهدابَ التنفسيةَ، ويعرِّضُ الرئةَ للإصابةِ بالالتهاباتِ الإنتانيةِ، بسببِ شللِ هذه الأهدابِ التي تتحرَّكُ نحو الأعلى.
(1/161)

أما المريءُ فقد زوَّده اللهُ بعضلاتٍ دائريةٍ، تتقلَّصُ تِبَاعاً، فلو وُضِعَ الإنسانُ بشكلٍ مقلوبٍ، حيثُ تكونُ رجلاه نحو الأعلى، ورأسُه نحوَ الأسفل، وألقَمْتَه لقمةً، أو سقيتَه جرعةً من ماءٍ لسارَ الماءُ على عكسِ الجاذبيةِ نحوَ الأعلى، ولسارَ الطعامُ بعكسِ نظامِ الجاذبيةِ نحو الأعلى، بسببِ هذه العضلاتِ الدائريةِ، التي تتقلَّصُ تباعاً، فمَن زوَّد القصبةَ الهوائيةَ بهذه الأهدابِ المتحركةِ نحو الأعلى؟ ومَن زوَّد المريءَ بهذه العضلاتِ الدائريةِ، التي تسوقُ كلَّ شيءٍ نحوَ المعدةِ، بصرفِ النظرِ عن جهةِ الإنسانِ؟ إنه اللهُ سبحانه وتعالى.. {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءايات لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] ، وقال عزوجل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] ، {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
هذه آيةٌ لا تحتاجُ إلى كتبٍ، ولا إلى مجلداتٍ، ولا إلى مجاهِرَ إلكترونية، كلٌّ منا بإمكانه أنْ يفكِّرَ في هذه الآيةَ.

الغشاء البريتواني، والإحساس بالألم
في الأمعاءِ الدقيقةِ غشاءٌ يحملُها أو يثبِّتُها، هذا الغشاءُ اسمُه عندَ الأطباءِ الغشاءُ البريتواني - المساريقي - ... لهذا الغشاءِ وظيفةٌ كبرى عظيمةٌ.
(1/162)

أولاً: لو أنّ الإنسانَ شَرِبَ ماءً يغلي، فالأمعاءُ لا تشعرُ بالحرارةِ، ذلك أنّ حكمةَ اللهِ تعالى قد جعلتِ الأمعاءَ الدقيقةَ والغليظةَ خاليةً مِن أعصابِ حسٍّ خلُوّاً كاملاً، فالأمعاءُ محاطةٌ بغشاءٍ، هذا الغشاءُ له وظائفُ كثيرةٌ، مِن وظائفِه أنه يحمِلُها على نحو مرنٍ، أي يسمحُ لها بالحركةِ، وهذا من أدقِّ الأعمالِ، لأن حركةَ الأمعاءِ في الهضمِ أساسُها ميكانيكيٌّ، وهذا الغشاءُ فيه نهاياتٌ عصبيةٌ، وهذا الغشاءُ فيه مراكزُ لمفاويةٌ، هذه المراكزُ بمنزلةِ أجهزةِ دفاعٍ في الجسمِ البشريِّ، فلو أنّ التهاباً حادّاً أصابَ الأمعاءَ، فانثقبتْ، لتحرَّكَ الغشاءُ البريتوانيُّ ليصنعَ مصلاً يلتهمُ هذه الجراثيمَ، ويشعرُ الإنسانُ بالألمِ، وهذه الآلامُ التي يشعرُ بها الإنسان في بطنِه ليس مصدرُها الأمعاءَ، بل مصدرُها الغشاءُ البريتواني، الذي هو جهازُ الإنذارِ الأولِ، لو حدثَ ثقبٌ في الأمعاء، أو التهابٌ حادٌّ، وحدثتْ إنتاناتٌ، فهذا الغشاءُ البريتواني فيه نهاياتٌ عصبيةٌ تُشعِرُ الإنسانَ بالألمِ.
وثمة مراكزُ دفاعٍ تستخبرُ عن طبيعةِ الجرثومِ، وتصنعُ مصلاً مضاداً، وتلتهمُ الجرثومَ، وتطوِّقُ هذه المشكلةَ، هذا الغشاءُ الرقيقُ تجدُه عندَ القصّابِ بين الأمعاءِ، فيه عُقَدٌ بلغميةٌ صغيرةٌ ككتل شحميةٍ، هذه العقدُ البلغميةُ أجهزةُ دفاعٍ من أرقى الأجهزةِ، فيها جنودٌ تكتشفُ طبيعةَ العدوِّ، وجنودٌ مقاتلةٌ، وفيها معملٌ للمُصولِ.
وفي هذا الغشاءِ نهاياتٌ عصبيةٌ، فكلُّ آلامِ البطنِ تعدُّ جهازَ الإنذارِ المبكّرِ، وكلُّ هذه الغددِ تعدُّ أجهزةَ دفاعٍ عن هذه الأمعاءِ التي هي أساسيةٌ في حياةِ الإنسانِ، ولكنْ لحكمةٍ بالغةٍ ليس في الأمعاءِ أعصابُ حسٍّ، فمتى تنقلُ الألمَ لصاحبِه إذاً؟ إذَا حَدَثَ ثقبٌ في الأمعاءِ، تصبحُ الآلامُ لا تطاقُ، قال تعالى:
{وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] .
إنْ قُطِّعَتِ الأمعاءُ شعرَ الإنسانُ بالألمِ، إذا ثُقِبَتِ الأمعاءُ شَعَرَ الإنسانُ بالألمِ، لذلك: {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} .
(1/163)

هذه الآيةُ تتوافقُ مع أحدثِ مُعطياتِ العلمِ، ولولا أنّ القرآنَ كلامُ اللهِ لَمَا أمكنَ للنبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ أنْ يكشفَ هذه الحقيقةَ، لأنّ طبيعةَ العصرِ الذي نَزَلَ فيه القرآنُ في كلِّ معطياتِه العلميةِ لا ترقى إلى هذه الحقيقةِ، هذا الغشاءُ الذي يتمتَّعُ بنهاياتٍ عصبيةٍ حساسةٍ جداً لا يمكنُ لها أن تُشْعِرَ بالألمِ إلاّ في حال ثقبِ الأمعاءِ، وأمّا الإحساسُ بالألمِ في الأمعاءِ فغيرُ موجودٍ، فلو شرِبَ الإنسانُ ماءً يغلي لم يشعر في أمعائِه بشيءٍ.
فمتَى يؤلِمُهم؟ حينما يقطِّعُ الماءُ الحميدُ أمعاءَهم، قال تعالى: {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] .
كلّما كَشَفَ الإنسانُ حقيقةً في جسمِه ازدادَ تعظيماً للهِ عز وجل، فهذا كتابُ اللهِ، كتابُ خالقِ البشرِ، وهو الكتابُ المقرَّرُ، والمنهجُ الحكيمُ، والصراطُ المستقيمُ، والنورُ المبينُ، والحبلُ المتينُ.

المعدة وعامل "كاسل"
هذه المعدةُ التي زوَّدنا اللهُ بها، والحديثُ عنها طويلٌ جداً، لا تتّسع له المقالاتُ الكثيرةُ، ولكن نقتصر هنا على واحدةٍ من الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ، وهي أنّ هذه المعدةَ زوّدها اللهُ بأربعةِ أغشيةٍ، وأنّ بعضَ هذه الطبقاتِ طبقاتٌ عضليةٌ، وفيها عضلاتٌ منوعةٌ، عضلاتٌ دائريةٌ، وعضلاتٌ مستقيمةٌ، وعضلاتٌ مائلةٌ، حيث تحقِّقُ كلَّ التقلُّصاتِ التي تعينُ على هضمِ الطعامِ.
الشيءُ المهمُّ في المعدةِ أنّ فيها ما يزيد على خمسةٍ وثلاثينَ مليونَ غدةٍ هاضمةٍ، بمعدل ثمانمئةِ غدّةٍ في كل سنتيمترٍ مربعٍ، هذه الغددُ تفرزُ الأنزيماتِ، وتفرزُ حمضَ كلورِ الماءِ، والذي هو مادةٌ تذيبُ كلَّ شيءٍ، حتّى اللحمَ، والسؤالُ الكبيرُ الذي ليس له إجابة شافية إلى الآن: لمَ لا تهضمُ المعدةُ نفسَها؟ نأكلُ اللحمَ فتهضمهُ، وهي من لحمٍ، والمادةُ التي تفرزُها تهضمُ اللحمَ، فلمَ لا تهضمُ المعدةُ نفسَها؟ سؤالٌ كبيرٌ، والإجابةُ عنه فيها بديع خَلق الله تعالى.
(1/164)

إنها مغلَّفةٌ بغشاء مخاطي يتحمّل حموضةَ المعدة وإفرازاتها، ويقي جدارَ المعدةِ من حموضة وسط المعدة، والخمائر ... مع وجود الخلايا الجدارية التي تفرز موادَّ مرمَّمةً دائماً، فإذا أكلت معدة هُضِمَتْ، لذهاب الغشاء المخاطي، ولم يبق بها إفرازاتٌ تُتِقيها سليمةً، فسبحان الله الخالق الحكيم.
لكنّ الشيءَ الذي يلفتُ النظرَ أنّ بعضَ العلماءِ قال: "إنّ الكرياتِ الحمراءَ التي تصنعُها معاملُ الكرياتِ الحمراء في نقي العظامِ لا تنضجُ، ولا يستوي بناؤُها إلا إذا أشرفَ عليها فيتامين شهيرٌ، هو فيتامين (ب12) "، والأغربُ من ذلك أنّ هذا الفيتامينَ لا يستطيعُ أنْ يصلَ إلى الدمِ، ولا أن يُخزَّنَ في الكبد إلاّ عن طريقِ مُرافقٍ له، هذا المُرافقُ مادةٌ بروتينيةٌ ذات وزنٍ ذريٍّ مرتفعٍ جداً، تفرزُها المعدةُ، يسمِّيها العلماءُ عاملِ كَاسَلْ، نسبةً إلى العالِمِ الذي اكتشفه، هذه المادةُ إذا أفرزَتْها المعدةُ يستطيعُ هذا الفيتامينُ الخطيرُ أنْ يدخلَ إلى الدمِ، ويُخزَّنَ في الكبدِ، وبالتالي تصنع المعاملُ الموجودةُ في نِقي العظامِ ما يزيدُ على مليونين ونصف مليون كرية حمراءَ في الثانيةِ الواحدةِ".
إنّ مخزونَ الكبدِ من هذا الفيتامينِ الخطيرِ الذي يشرفُ على نُضْجِ الكرياتِ الحمراءِ يُخزِّن بمعدلِ خمسةِ ميليغراماً تكفي الإنسانَ خمسَ سنواتٍ، ففي كلِّ سنةٍ يستهلكُ الإنسانُ واحداً من هذا الفيتامين، الذي رافَقَه هذا العاملُ الذي تفرزُه المعدةُ.
شيءٌ آخرُ، إنّ الحاجةَ اليوميةَ من هذا الفيتامين من 3 إلى 5 ميكروغرام، والميكروغرام واحدٌ من مليونٍ من الغرامِ، لو أنّ معدةَ الإنسانِ استُؤصِلتْ لَتَوَقَّفَ عاملُ كاسلْ عن إيصالِ الفيتامين (ب12) إلى الكبدِ، ماذا يحصلُ حينئذٍ؟ فقرُ دمٍ خبيثٌ، والتهابُ اللسانِ، وضمورُ المعدةِ، وإصابةُ النخاعِ، وعسرٌ في البلعِ، وبطءٌ في النشاطِ، وكآبةٌ في النفسِ، وخدرٌ في القدمينِ، واختلالٌ في التوازنِ، كلُّ هذه الآفاتِ الخطيرةِ، لأنّ بعضَ الميليِغراماتِ في الكبدِ قد انتهتْ.
(1/165)

ما هذه الدقة في خلق الإنسان؟! {أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى} [القيامة: 36-39] .

جهاز الكبد منطقة صناعية كاملة
إنّ مِن آياتِ اللهِ الكبرى الدالةِ على عظمتِه هذا الكبدَ الذي يوجدُ في أحشائِنا، وهو أكبرُ عضوٍ في الأحشاءِ، وإذا كان الإنسانُ لا يستطيعُ أن يعيشَ دونَ قلبٍ أكثرَ من ثلاثِ دقائقَ، فإنه لا يستطيعُ أن يعيشَ دونَ كبدٍ أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ، والكبدُ يستطيعُ بناءَ نفسِه، فلو أنّ جرّاحاً استأصلَ أربعةَ أخماسِ الكبدِ فإنه يُعيدُ بناءَ نفسِه في سرعةٍ هائلةٍ، لأنّ اللهَ سبحانه وتعالى جهَّزَ الكبدَ بقدرةٍ عجيبةٍ على ترميمِ ذاتِه، وأسرعُ الخلايا انقساماً هي خلايا الكبدِ، والكبدُ يقومُ بوظائفَ كثيرةٍ، قال بعضُهم: "إنّ له خمسمئةِ وظيفةٍ"، وقال بعضُهم: "بل سبعمئةِ وظيفةٍ"، وقال بعضُهم: "بل وظائفُه بالآلافِ"، وعلى كلٍّ الشيءُ الذي يلفتُ النظرَ أنّ كلَّ خليةٍ في الكبدِ تقومُ وحْدَها بهذه الوظائفِ.
فمن وظائفِ الكبدِ التخزينُ، فهو مخزِّنٌ للدمِ، حيث يستوعبُ ألفاً وخمسمئةٍ من السنتيمتراتِ المكعبةِ من الدمِ، وإذا طرأَ طارئٌ، حصلَ نزيفٌ، أو حادثٌ، أو عمليةُ ولادةٍ، فإنّ هرموناً في الكظرِ يأمرُ الكبدَ أنْ يحرِّرَ جزءاً من هذا الدمِ المخزونِ ليعوِّضَ الدمَ المفقودَ.
(1/166)

ومن وظائِفه تخزينُ السكرِ، وتخزينُ الدسمِ، وتخزينُ البروتينِ، وتخزينُ القيتاميناتِ، فهو مخزِّنٌ غذائيٌّ، إذا حصلتْ مجاعةٌ، أو حصلَ انقطاعٌ عن الطعامِ والشرابِ، إراديٌّ أو غيرُ إراديٍّ، أو حصلَ نزيفٌ شديدٌ، فإنّ الكبدَ يعوِّضُ النقصَ، فهو مخزِّنٌ للموادِ الغذائيةِ التي يحتاجُها الإنسانُ، وما الجوعُ في حقيقتهِ إلا نَقصٌ في مخزونِ الكبدِ، لو فحصتَ دمَ جائعٍ لوجدتَ الموادَّ الأساسيةَ متوافرةً فيه بالتمامِ والكمالِ، ولكنّ الجوعَ هو نقصٌ في مخزونِ الكبدِ، بدليلِ أنّ الجائعَ إذا اضطرَّ لسببٍ أو لآخرَ إلى ألاَّ يأكلَّ؛ فإنه يبقى ساعاتٍ طويلةً دونَ أنْ يشعرَ بالتعبِ، لذلك يُعدُّ الجوعُ نَقصاً في مخزونِ الكبدِ، لا في الدمِ الجارِي في الأوعيةِ.
في الكبدِ خاصّةً لافتةٌ للنظرِ، سمّاها العلماءُ خاصّةََ التحويلِ، فباستطاعةِ الكبدِ أنْ يحوِّلَ السكرَ إلى بروتين، والبروتينَ إلى سكرٍ، والسكرَ إلى دسمٍ، والدسمَ إلى سكرٍ، إنّه شيءٌ عجيبٌ، هناك في الكبدِ سكرياتٌ، وهناك الموادُّ الدسمةُ، وهناك الموادُّ البروتينيةُ، ويستطيعُ الكبدُ في حالاتٍ ضروريةٍ أنْ يحوِّلَ الموادَّ الدسمةَ إلى سكرياتٍ، فهذا التحويلُ خاصّةٌ خطيرةٌ جدّاً من خواصِّ الكبدِ، كلُّ هذا حفاظاً على الحياةِ.
شيءٌ آخرُ؛ للكبدِ وظيفةُ التعييرِ، حيث يدخلُ السكرُ إلى الكبدِ بنسبٍ عاليةٍ جدّاً، ولا سيما إذا تناولَ أحدُنا طعاماً سكريّاً، ويخرجُ الدمُ من الكبدِ ونسبةُ السكرِ فيه لا تزيدُ على 5، 1/1000، فمِن مهمةِِ الكبدِ تعييرُ السكرِ، وتعييرُ الدسمِ، وتعييرُ كلِّ المواد.
أمّا الوظيفةُ الرابعةُ فهي وظيفةُ التكوينِ، فالكبدُ يكوِّنُ عنصرَ التجلُّطِ، وعنصرَ التمييعِ، ومن إفرازِ العنصرينِ إفرازاً متناسباً يصبحُ الدمُ على هذه الحالةِ المثاليةِ، فلو لم يفرز الكبدُ عنصرَ التمييعِ لأصبحَ الدمُ كالوحلِ في الشرايينِ، ولماتَ الإنسانُ فورا، ولو لم بفرز الكبدُ عنصرَ التجلطِ لَنَزَفَ دمُ الإنسانِ كلُّه من ثقبٍ صغيرٍ.
(1/167)

شيءٌ آخرُ، يفرزُ الكبدُ بروتيناً يعيِّرُ ويحدِّدُ نِسَبَ الماءَ في الجسمِ، ومَن التهبَ كبدُه أُصيبَ بالاستسقاءِ، أيْ إنّ الجسمَ يخزِّن ماءً كثيراً يفوقُ حاجتَه.
ومن وظائفِ الكبدِ التخليطُ، فالكبدُ يدرسُ وضعَ السمِّ، فإمّا أنْ يعدّلَه بتفاعلٍ كيماويٍّ، وإمّا أن يقيِّدَه، وإمّا أن يطردَه، بحسبِ خطورتِه، وسمِّيتِه، وكأنه عاقلٌ يفعلُ ما يناسبُ، يفحصُ هذا السمَّ، فإمّا أن يفرزَ عليه مادةً فيعطِّلَه، وإمّا أن يقيدَه - يحاصره - وإمّا أن يأخذَه إلى خارجِ الجسمِ، ويطرحَه مع البولِ، هذا كلُّه من وظائفِ الكبدِ.
وشيءٌ آخرُ، يفرزُ الكبدُ الصفراءَ، مليونان ونصفٌ من الكرياتِ الحمراءِ تموتُ في كلِّ ثانيةٍ، تموتُ هذه الخلايا فتساقُ إلى الطحالِ مقبرةِ الكرياتِ الحمراءِ، وهناك تُفكُّ إلى جزئياتِها الأساسيةِ، يُؤخذُ الحديدُ الناتجُ عن تفكيكِ جزئياتِ الكرياتِ الحمراءِ إلى معملِ نقيِّ العظامِ، وتؤخذُ مادةُ الهيموغلوبين إلى الكبدِ، فتكون الصفراءُ، فالصفراءُ التي في الكبدِ من نتاجِ تحليلِ كرياتِ الدمِ الحمراءِ الميتةِ، ماذا تفعلُ الصفراءُ؟ تساعدُ على امتصاصِ الدسمِ، وهضمِه، وتعينُ على حركةِ الأمعاءِ، وتعقِّمُ الأمعاءَ من الجراثيمِ، لذلك من استْؤصلتْ صفراؤُه يصعبُ عليه امتصاصُ الدسمِ.
متى يلتهبُ الكبدُ؟ اليرقانُ التهابُ الكبدِ، قال أصحابُ الاختصاصِ: "يلتهبُ إذَا تلوّثَ الطعامُ وأدواتُه بالموادِ البرازيةِ"، مِن هنا جاءتْ أحاديثُ الطهارةِ، فالأحاديثُ الكثيرةُ التي يحضُّنا بها النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ على التطهُّرِ والتبرُّؤِ من البولِ، ومن كلِّ شيءٍ يخرجُ من الجسمِ، كلُّ هذا مِن أجلِ حفظِ الكبدِ.
(1/168)

وقد أكَّدَ العلماءُ أنّ تشمُّعَ الكبدِ له سببٌ كبيرٌ؛ ألا وهو معاقرةُ الخمرةِ، والخمرةُ أمُّ الخبائثِ، وأكثرُ الذين يعاقرون الخمرَ تصابُ أكبادُهم بالتشمُّعِ، والتشمُّع توقُّفُ الكبدِ عن القيامِ بوظائفِه، فالقرآنُ الكريمُ حينما حَرَّمَ علينا شربَ الخمرِ، حرَّمه لأنه يؤذي أكبادَنا، وكم من حالاتٍ لا تعدُّ ولا تحصى تَلِفَ فيها الكبدُ، وتشمَّعَ بفعلِ تناولِ الكحولِ، قال سبحانه: {ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] .
أتعرفون أنّ بين جوانحِكم هذا العضوَ الخطيرَ؟! هذا المخبَر، هذا المخفَرَ، هذا المصنعَ، هذا المستودعَ.
وظيفةُ التخزينِ، وظيفةُ التحويلِ، وظيفةُ التعييرِ، وظيفةُ التكوينِ، وظيفةُ التخليطِ، وظيفةُ الإفرازِ، هذه بعضُ وظائفِ الكبدِ، وكلُّ خليةٍ من خلايا الكبدِ تفعلُ كل هذه الوظائفِ وحْدَها بصمتٍ دونَ ضجيجٍ.
ذلكم اللهُ ربُّ العالمين، هذا خَلْقُه، تذهبون إلى القصَّابِ، وتشترونَ السوداءَ، إنها الكبدُ، هذا الجهازُ الذي لا يستطيعُ الإنسانُ أن يعيشَ دونَه أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ، قال تعالى:
{فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب * إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} [الطارق: 5-8] .
من ماءٍ مهينٍ، من نطفةٍ، يكونُ الكبدُ، والدماغُ، وهذا القلبُ، والأحشاءُ، والكليتان، {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون} [الطور: 35] .
هذا الذي خَلََقَك فسوّاك فعدّلك، ألا يستحقُّ العبادةَ؟ ألا يستحقُّ أن تحبَّه؟ ألا يستحقُّ أن تأتمرَ بأمرِه، وأن تنتهيَ عما نهاك؟ ألا يستحقُّ أن تفنيَ عمرَك في طاعتِه؟ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ، وَمَالَهُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟ ".
(1/169)

الشّرب الصّحّيّ
عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ ثَلاَثاً، وَيَقُولُ: "هُوَ أَمْرَأُ وَأَرْوَى".
أيْ إنّه إذا شرِبَ كأسَ الماءِ يشربُه على ثلاثِ دفعاتٍ، يتنفّسُ بين كلِّ شَربتين، إذاً يتنفّسُ إذا شَرَب مِن الإناء ثلاثاً، ويقول أروى: أيْ: أشدُّ ريّاً، وأقْربُ إلى العافيةِ، وأمرأ أيْ: أسهلُ مروراً.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه "أنَّ النّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلاثةِ أَنْفَاسٍ، إِذَا أَدْنَى إِلَى فِيهِ الإِنَاءَ سَمَّى اللهَ، فَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللهَ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ".
الشيء المعجِزُ أنّ في الإنسانِ عصباً يُسمَّى العصبَ المبهَمَ، هذا العصبُ مربوطٌ بالمعدةِ والقلبِ، والتنبيهُ العنيفُ لهذا العصبِ يؤذيه، فالماءُ الباردُ مثلاً إذا أُلقِيَ في الجوفِ دفعةً واحدةً دونَ أنْ يُمصَّ مصًّا - كما أرشدَ الحديث - فإنه ذو تنبيهٍ شديدٍ للعصبِ المبهَم، وهذا العصبُ المبهَمُ ربَّما نبَّهَ القلبَ فأوقفَه عن العملِ، وهناك حالاتُ موتٍ مفاجئ كثيرةٌ بسببِ تنبيهٍ شديدٍ جداً لهذا العصبِ المبهَمِ، سمّاه العلماءُ النهيَ العصبيَّ الذي يؤدّي إلى توقفِ القلبِ، وقد يحدثُ الموتُ فجأةً.
شيءٌ آخرُ، أنّ الإنسانَ حينما يكونُ في حالةِ حرٍّ شديدٍ، في حالةِ جهدٍ عالٍ جداً لا ينبغي له أن يشربَ الكثيرَ من الماءِ، فالآلاتُ المعدنيةُ لو صببتَ عليها الماءَ لتصدَّعتْ، ولانشقتْ، فكيف بالإنسانِ، قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ الله كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين} [البقرة: 249] .
(1/170)

في حالاتِ الحرِّ الشديدِ، وفي الجهدِ العالي ينبغي أنْ تشربَ الماءَ القليلَ، وأنْ تشربَه مصاً، لا أن تعبَّه عباً.
هذه بعضٌ من توجيهاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصحيّةِ، أرجو الله تعالى أنْ ينفعَنا بها.

جهاز التنفس
الأفعال الإرادية واللاإرادية التنفس
يُقال: "شِدَّةُ القُرْبِ حجابٌ"، هناك آيةٌ صارخةٌ دالةٌ على عظمةِ اللهِ عزَّ وجل، لكنها لشدّةِ قُرْبِها منا كأنّنا لا نرَاها، هي التنفُّسُ.
ينامُ الإنسانُ ملءَ عينَيْهِ، ورئتاه تخفقَانِ بانتظامٍ، وينامُ الإنسانُ ملءَ عينَيْهِ، وقلبُه ينبُضُ بانتظامٍ، ينامُ الإنسانُ ملءَ عينيْهِ، وجهازُه الهضميُّ يعملُ بإحكامٍ، ينامُ الإنسانُ ملءَ عينيه، وجهازُ التصفيةِ يعملُ بدقةٍ عاليةٍ.
فلو أنّ جهازَ التصفيةِ، وجهازَ الهضمِ، وجهازَ الدورانِ، والقلبَ، والرئتين، كانتْ وظائفُها منوطةً بنا، هل منا مَن يستطيعُ أن ينامَ لحظةً؟ أو أن يعملَ لحظةً؟ أو أن يجلسَ مع أخيه لحظةً؟
هذه الآيةُ الكبيرةُ، هي الأفعالُ اللاإرادية، إنها تعملُ بشكلٍ مدهشٍ، بدقةٍ ما بعدها دقّةٌ، بحكمةٍ ما بعدها حكمةٌ، بتدبيرٍ ما بعده تدبيرٌ.
قال العلماءُ: "هناك مراكزُ للأعمالِ اللاإرادية تتحكَّمُ في ضرباتِ القلبِ، ووجيبِ الرئتين، وعمليةِ الهضمِ، وعمليةِ الإفرازِ، وأعمالٍ كثيرةٍ، لا يعلمُها إلى اللهُ؛ كأعمالِ الغددِ الصمَّاءِ، والبنكرياس، والكبدِ، والكظر، والدرقيةِ، والنخاميةِ، والتوازنِ الحراريِّ، وتوازنِ السوائلِ، وتوازنِ دقَّاتِ القلبِ، وأعمالٍ كثيرةٍ أخرى تتمُّ بشكلٍ لا إراديٍّ".
(1/171)

قال العلماءُ: "هناك في البَصَلَةِ السيسائيّةِ، التي هي في القسمِ السُّفْليِّ مِن جذعِ الدماغِ، عقدةُ الحياةِ، في هذه العقدةِ مركزُ تنظيمِ التنفُّسِ، ومركزُ تنظيمِ ضرباتِ القلبِ، ومراكزُ الأوعيةِ، تتّسعُ، وتضيقُ مِن هناك، ومركزُ البَلع، ومركزُ المضغِ، ومركزُ التصويتِ، ومركزُ التوازنِ السكريِّ، ومركزُ العرَق، ومركزُ اللعابِ، ومركزُ النومِ واليقظةِ، ومركزُ المَشي، ودورةُ الحيضِ، وحرارةُ البدنِ، ومركزُ الغددِ التناسليةِ، هذا كلُّه في القسمِ الأسفلِ من جذعِ الدماغِ، ويسمَّى هذا المكانُ عقدةَ الحياةِ، وهو أخطرُ مكانٍ في الإنسانِ، لو أصيبَ بخللٍ لماتَ الإنسانُ فوراً".
لنأخذ من هذه الأجهزةِ مركزَ التنفسِ.
في هذا الجذعِ بُقْعَتان؛ بقعةٌ للشهيقِ، وبقعةٌ للزفيرِ، إنّ غازَ الفحمِ الموجودَ في الدمِ ينبِّهُ الشهيقَ والزفيرَ، فإذا نبّهَ مركزَ الشهيقِ ثُبِّط مركزُ الزفيرِ، وإذا نبَّه مركزَ الزفير ثُبِّطَ مركزُ الشهيقِ، لو نُبِّها معاً لاضطربَ الأمرُ، فتنبيهُ أحدِهما تثبيطٌ للآخرِ، إنه شيءٌ عجيبٌ، بل شيءٌ يأخذُ بالألبابِ.
شيءٌ آخرُ، هناك تنفسٌ إراديٌّ، فيستطيعُ الإنسانُ بإرادتِه أنْ يحدثَ شهيقاً إرادياً، أو زفيراً إرادياً، هناك مركزٌ يأتِي من الدماغِ للشهيقِ الإراديِّ، والزفيرِ الإراديِّ، هذا المركزُ، وإنْ كنتَ غافلاً عنه فإنه يعمَلُ بشكلٍ ذاتيٍّ، ما الذي ينبِّهُ هذين المركزين؟ إنّه غازُ الفحمِ الذي في الدمِ، فإذا تراكمَ غازُ الفحمِ، وكَثُرَ في الدمِ، تضاعفَ الشهيقُ والزفيرُ، فلو أنّ الإنسانَ غطَّى رأسَه بالغطاءِ، وقلَ الأوكسيجين في الفراشِ، وكَثُرَ غازُ الفحمِ، ليراقبْ نفسَه، فإنه يزدادُ وجيبُ رئتيه دونَ أن يشعرَ، هذا الشهيقُ والزفيرُ بسببِ ازديادِ غازِ الفحمِ، فغازُ الفحمِ الذي ازدادَ في الدمِ نبَّه مراكزَ الشهيقِ والزفيرِ، فضاعفتْ حركاتِها، ونحن لا ندري، نحن غافلون، وعين الله لم تَنَمْ.
(1/172)

ومعروفٌ: "أنّه زادَ غازُ الفحمِ باثنين من العشرةِ على كميَّتِه النظاميةِ في الدمِ لتَضَاعَفَ التنفُّسُ، ولو قلَّ غازُ الفحمِ باثنين من العشرةِ عن كميّتِه النظاميةِ في الدمِ لَتَوَقَّفَ التنفُّسُ، ما هذا التوازن؟! إذا ارتفعَ غازُ الفحمِ في الدمِ دونَ أن ينبّهَ مراكزَ التنفسِ دخلَ الإنسانُ في غيبوبةٍ ثم ماتَ، وهؤلاء الذين يختنقون في الحمَّامِ أحياناً بسببِ استخدامِ وقودٍ غازيٍّ مثلاً، ما السبب؟ ارتفاعُ نسبةِ غازِ الفحمِ في الجوِّ، وبالتالي في الدمِ، وبالتالي يتوقّفُ التنفُّسُ، فيموتُ الإنسانُ.
هذا النَّفَسُ، وهاتان الرئتان، ننامُ ملءَ العيونِ، والرئتان تعملانِ بانتظامٍ، ننامُ ملءَ العيونِ، والقلبُ ينبُضُ بانتظامٍ، ننامُ ملءَ العيونِ، والغددُ الصمَّاءُ تقومُ بأعمالها بانتظامٍ، ننامُ ملءَ العيونِ، وجهازُ الهضمِ يفرِزُ بانتظامٍ، قال عز وجل: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .

الرئتان
مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه هاتانِ الرئتانِ، اللتانِ أُودِعَتَا صدرَ الإنسانِ، وتتّصلُ كلُّ منهما بالمحيطِ الخارجيِّ بقصبةٍ هوائيةٍ هي الرغامى، هذه القصبةُ تتفرَّعُ إلى ثلاثةٍ وعشرين فرعاً، إلى أنْ تصلَ هذه الفروعُ إلى الأسناخِ، أو الحويصلاتِ الرئويةِ، وهي أصغرُ وحدةٍ في الرئةِ، فقُطرُ الحويصلةِ وهي متنفخةٌ بالهواءِ رُبْعُ مِيكْرُون، أمّا قُطْرُ القصبةِ فهو خمسةُ سنتيمتراتٍ، أيْ بمساحة قطعةٍ معدنيةٍ، أو أكبرَ بقليلٍ، لكنّ مساحةَ الحويصلاتِ سبعونَ متراً مربعاً، تتلقَّى الهواءَ من قصبةٍ لا يزيدُ قطْرُها على خمسة سنتيمتراتٍ، وهل تصدِّقون أنّ في الرئتين ثلاثمئةٍ وخمسين مليونَ سنخٍ رئويٍّ، أو حويصلةٍ رئويةٍ، وأنّ مساحةَ الأسناخِ الرئويةِ تزيدُ على مساحةِ القصبةِ ألفَيْ ضعفٍ، وقد شَبَّهوا مساحةَ القصبة الرئويةِ بالليرةِ، وشبَّهوا مساحةَ الأسناخِ الرئويةِ بملعبٍ لكرَةِ المضرِب، يدخلُ الهواءُ من قصبةٍ، ويتفرّعُ بمساحاتٍ واسعةٍ، من أجلِ التبادلِ مع الأوكسجينِ.
(1/173)

الشيءُ العجيبُ هو أنه على طولِ هذه التفرُّعاتِ التي تنتهي بالأسناخِ الرئويةِ تنتشرُ الأهدابُ، فما هي الأهدابُ؟ إنّها أشعارٌ طولُ الواحدِ منها ستةُ ميكروناتٍ، وقطرُه 0. 2 من الميكرون، هذه الأهدابُ تتحرّكُ نحو الأعلى دائماً بمعدّلِ ألْفٍ إلى ألفٍ وخمسمئة مرة في الدقيقةِ من أجلِ أنْ تطردَ كلَّ الشوائبِ، وكلَّ الأجسامِ الغريبةِ، وليبقَى طريقُ الهواءِ نظيفاً نقياً صافياً، وحتى هذه الساعةِ عَجَزَ أطباءُ العالَمِ عن زرعِ الرئةِ، لأنهم عجزوا عن توصيلاتِ الأعصابِ المتعلقةِ بالأهدابِ، والشيءُ الغريبُ هو أنّ هذه الأهدابَ الرئويةَ الموزعةَ في القصبةِ، وفي الفروعِ حتى تصلَ إلى الأسناخِ فإنها تطردُ الأجسامَ الغريبةَ وتحرِّكُها بسرعةِ 16 ميليمتراً في الدقيقة، أما إذا دَخلَ شيءٌ غريبٌ إلى القصبةِ كقطرةِ ماءٍ فسوف يكونُ السعالُ عندئذٍ، فما السُّعالُ؟ يخرجُ الهواءُ من الرئتينِ بسرعة تسعمئةِ كيلو مترٍ في الساعةِ، كآلةٍ ضاغطةٍ، من أجلِ أن يدفعَ كلَّ شيءٍ في القصبةِ.
إنّ الشيءَ الأعظمَ من ذلك أنّ التنفسَ يتمُّ بتنبيهٍ عصبيٍّ نوبيٍّ، لا إراديٍّ، فلو أنّ اللهَ سبحانه وتعالى أَوْكلَ التنفسَ إلينا لكانَ الخيارُ صعباً جداً، فلا بدّ أنْ نلغيَ النومَ، فإذا نمنا فسوف نموتُ، وهناك مرضٌ نادرٌ جداً يصيبُ مركزَ التنبيهِ الرئويِّ النوبيُّ بالعطبِ، وعندئذٍ لا يستطيعُ الإنسانُ أن ينامَ الليلَ أبداً، وقد اخْتُرِعَ دواءٌ غالٍ جداً يأخذُه الإنسانُ كلَّ ساعةٍ، ولكنْ لا بدّ أنْ يستيقظَ كلَّ ساعةٍ ليأخذَ حبةً، لأنّ مفعولَ هذا الدواءِ ينتهي بعدَ ساعةٍ، فنحن في نِعَمٍ لا تُحصَى.

الحنجرة وعتبة الحواس
يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى في كتابِه الكريمِ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .
هناك تقديرٌ دقيقٌ في كلِّ شيءٍ خَلَقَه اللهُ عز وجل، هذا المعنى يُستنبطُ من قولِه تعالى: {خَلَقَ السماوات والأرض بالحق وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ المصير} [التغابن: 3] .
(1/174)

إضافةً لِمَعنى الحقِ أنّه الشيءُ الثابتُ الذي لا يزولُ موازنةً له مع الباطلِ الذي يزول، {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق} [الحجر: 85] ، فهناك معنًى آخرُ للحقِّ، وهو الشيءُ الهادفُ الذي يتناقضُ مع العبثِ، قال تعالى:
{وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاعبين} [الأنبياء: 16] .
والمعنى الثالثُ هو أنَّ الشيءَ خُلِقَ بالحق، أيْ قُدِّرَ تقديراً دقيقاً من لدُنْ حكيمٍ عليمٍ خبيرٍ.
إنّ هذه الحَنجرةَ التي هي جهازُ الصوتِ عند الإنسانِ، يقولُ الأطبّاءُ: "إنّ فتْحةَ الحَنجرةِ قد قُدِّرَتْ تقديراً دقيقاً جدّاً، حيثْ لو اتَّسَعَتْ أكثر مِمَّا هي عليه لاختفَى صوتُ الإنسانِ، ولو ضاقَتْ أكْثَر مِمَّا هي عليه لأصْبحَ التنفّسُ عسيراً"، فإما أن يكونَ التنفّسُ مريحاً، ويختفِيَ الصوتُ، وإما أن يكونَ الصوتُ واضحاً، ويصعُب التنفّسُ، أما أنْ تكون فتْحةُ الحَنجرة مدْروسةً دِراسةً دقيقةً، فهذا من إبداعِ حكيمٍ عليمٍ قديرٍ، مَن جعَلَ هذه الفتْحةَ بهذا القَدْرِ؟ إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يقول: {صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88] .
هذا ينقلُنا إلى عتباتِ الحواسِّ، إنّ هذه العينَ ترى بين عَتَبتَيْن، لو أنَّ الرؤيةَ زادَت على حدِّها الذي هي عليه لأصبَحَتْ حياتُنا جحيماً، إنّك إذا نظرتَ إلى كأسِ الماءِ الذي تشربُهُ الآن، تراه صافياً عذباً فراتاً رائِقاً، لو أنّ عتَبَةَ البصرِ زادَتْ قليلاً، ودقَّت أكثرَ مِمَّا هي عليه لرأيتَ في هذه الكأسِ العجَبَ العُجابَ، لرأيتَ الكائناتِ الحيةَ، والجراثيمَ غيرَ الضارةِ، بِعَددٍ لا يُحصى، إنَّك لنْ تشربَ الماءَ عندها، ولرأيْتَ هذا الطّفلَ الصغيرَ بِخَدِّه الأسيل كأنّه مغاراتٌ ونتوءاتٌ، لذلك يقولُ ربّنا سبحانه وتعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .
(1/175)

ولو أنَّ عَتَبَةَ السَّمْع ارْتَفَعَ مُستواها قليلاً لَمَا أمْكنكَ أنْ تنامَ الليلَ، لأنّ الأصواتَ كلَّها تتلقّفُها، بل إنّ أصواتَ جهازِ الهضْمِ وحدهُ تكادُ تكونُ كالمعملِ الكبيرِ، لذلك جَعَلَ اللهُ لك عتبةً خاصّةً في السَّمْعِ لا تزيدُ على حدِّها، فلو أنّ حاسّة اللمْسِ زادَتْ لشَعَرْتَ بالكهرباءِ الساكنةِ التي تُحيلُ حياتك جحيماً لا يُطاقُ، وبعضُ الحيواناتِ تزيدُ حاسّةُ الشمِّ عندَها مليونَ ضعفٍ على حاسّةِ الإنسانِ، غير أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى شقَّ لنا السمعَ، وأنشأ الأبصارَ والأفئدةَ، وخَلقَ حاسّةَ اللّمْسِ، وحاسّةَ البصَرِ، ومع كلِّ هذا فإنّ هذه الحواسَّ خُلِقَتْ خَلْقاً دقيقاً جِدّاً مِنْ قِبَلِ اللهِ تعالى.

جهاز الإفراز
الكليتان وشكر نعمتهما
روي أنه كان عليه الصلاةُ والسلامُ إذا خرج مِن بيتِ الخلاءِ يقول: "الحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي".
وفي دعاءٍ آخر، كان يقول: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ".
إنّ الكُليتين تصفِّيانِ في اليومِ الواحدِ من الدمِ ما حجمُه ألفٌ وثمانمئةِ لترٍ، وإنْ تعجبْ فعجبٌ ورودُ هذا الرقمِ نفسِه في مصادرَ عدّة، ممّا يُخرِج الخبرَ عن أنْ يكونَ غريباً أو شاذّاً.
أعتقدُ أنَّ أسرةً متوسطةً تستهلكُ هذا الحجمَ كوقودٍ طوالَ السنةِ.
ثم إنّ في الكليتين طريقاً دقيقاً من الأنابيبِ، من النفرونات، طولُه ستون كيلو متراً.
وفي هاتين الكليتين طاقةً لتصفيةِ عشرين ضِعفاً من حاجةِ الإنسانِ إلى التصفيةِ.
لذلك إذا استُؤصِلتِ الكليةُ لسببٍ ما فإنّ الإنسانَ يعيشُ حياةً مديدةً بكليةٍ واحدةٍ، أليس هذا من رحمةِ اللهِ عزَّ وجل؟ لأنّ الكليةَ جهازٌ خطيرٌ، فقد جعلَ لك قطعةَ غيارٍ احتياطيةً زائدةً، أو كليةً زائدةً على حاجتِك.
مَن منا يُصدَّقُ أنّ الدمَ بكاملِه يمرُّ في الكليتين ستاً وثلاثين مرةً، في كلِّ أربعٍ وعشرين ساعةً.
(1/176)

إنَّ هاتين الكليتين تقومان بعمليةٍ في منتهى التعقيدِ، تأخذانِ من الدم الموادَّ السكريةَ، والمعادنَ، والبروتيناتِ، وتطرحُها في الوريدِ الخارجِ منها بنسبٍ نظاميةٍ، وأمّا ما زادَ من السكرياتِ على حاجةِ الدمِ فيُطرحُ في البولِ.
إذا أُصيبَ الإنسانُ بمرضِ السكرِ، كيف يعرفُ ذلك؟ من وجودِ السكرِ في البولِ، معنى ذلك أن الكليةَ تأخذُ نسبةً نظاميةً للسكرِ، وتطرحُ الباقي مع البولِ، وإذا أكلَ الإنسانُ ملحاً كثيراً، وفَحَصْنَا بولَه، وجدْنا أنَّ جزءاً من هذا الملحِ طُرِحَ مع البولِ.
إن الكلية، كما قال بعضُ العلماءِ: "تتيحُ لك أنْ تأكلَ كلَّ شيءٍ، ولو ارتفعتْ نسبةُ الأملاحِ في الدمِ على ثمانيةٍ بالألفِ لَمَاتَ الإنسانُ"، فمَن الذي يضمنُ ثباتَ هذه النسبةِ في الدمِ؟ إنهما الكليتان.
إذاً فالكليةُ مصفاةٌ عاقلةٌ، كما وَصَفَهَا بعضُ العلماءِ، تأخذُ نِسباً نظاميةً، وما بقي من هذه النسبِ النظاميةِ مِن نسبٍ زائدةٍ، من سكرياتٍ، وأملاحٍ، ومن بقايا أدويةٍ، فإنها تُطرَح في البولِ، فيتغير لونُه، فلأنّ هذا الدواءَ مادةٌ غريبةٌ؛ فإنّ الكليةَ تطرحُها مباشرةً.
فهذه الكليةُ التي لا تزيدُ حجمُها على الكمثرى تعملُ بصمتٍ، وبلا مقابلٍ، وبلا أجرٍ، وبلا تعطيلٍ عن العملِ، فالإنسانُ يعملُ، وينامُ، ويدرسُ، ويتاجرُ ويبيعُ، ويشتري، ويسافرُ، وهذه الكليةُ تعملُ بصمتٍ، حيث يدخلُ الدمُ إلى الكليتين ستّاً وثلاثين مرةً في اليومِ الواحدِ، بخلافِ المشقةِ التي يعانيها الإنسانُ إذَا ذهب ليصفِّيَ دمَه في كُليةٍ صناعةٍ، وفوقَ هذا وذاك اكتشفَ العلماءُ أنّ الكليتين غدّتان ذواتا إفرازٍ داخليٍّ، أي إنّهما تفرزانِ هرموناتٍ تضبطُ ضغطَ الدمِ.
إذا التهبتْ كليةُ الإنسانِ يختلُّ ضغطُه، فتفرزُ هذه الكليةُ هرموناتٍ لتنظيمِ ضغطِ الدمِ، وتفرزُ هرموناتٍ لتلاشي فقرِ الدمِ، وتفرزُ هرموناتٍ لضبطِ السوائلِ.
وإذا أصابَ الكليةَ التهابٌ اضطربَ ميزانُ السوائلِ، ولو اضطربَ ميزانُ السوائلِ لوجبَ أنْ يبقى الإنسانُ إلى جانبِ الصنبورِ، والمرحاضِ طوالِ حياتِه، ألا يقتضي ذلك أن يشكرَ الإنسانُ ربَّه على نعمةِ الكليةِ؟
(1/177)

كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا خرج مِن الخلاءِ يقول: "الْحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأذَى وَعَافَانِي".
فلو أن الكليةَ توقفتْ عن العملِ، وارتفعتْ نسبةُ البولةِ في الدم.. فاسألوا الأطباءَ ماذا يحدثُ؟ يتشنّجُ الإنسانُ، وتضعفُ ذاكرتُه، ويختلُّ عملُه، ويغضبُ لأتفهِ الأسبابِ، وربما يحطِّمُ أثاثَ البيتِ، هؤلاءِ الذين تتوقّفُ كليتُهم عن العملِ فجأةً، وترتفعُ نسبةُ البولةِ في دمِهم لهم أطوارٌ غريبةٌ، لا يحتملُهم أهلُهم، لشدّةِ غِلظتِهم، ولشدّةِ عُنفِهم، ولشدّةِ غضبِهم لأتفهِ الأسبابِ، وإذا استمرَّ ارتفاعُ نسبةِ البولةِ يموتُ الإنسانُ فوراً، فهاتان النعمتان إضافةً إلى المثانةِ، تكوِّنانِ جهازاً معقَّداً مهمّاً.
إنّ كرامةَ الإنسانِ مرهونةٌ بهذا الجهازِ، وأحياناً يصابُ الإنسانُ في سنٍّ متقدمةٍ ببعضِ الضعفِ في العضلاتِ، فيُسمِعُه الأهلُ كلماتٍ قاسيةً، هذا الذي لا يستطيعُ أن يضبطَ نفسَه، يصبحُ موقفُه حرجاً جداً.. فنعمةُ المثانةِ نعمةٌ ثانيةٌ.
الحمدُ لله على النعمةِ أمانٌ مِن زوالِها، فإذا خَرَجَ الإنسانُ من بيتِ الخلاءِ فليَدْعُ بقوله: "الحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي".
الحمدُ لله الذي جَعَلَ هذين العضوين، الكليتين، يعملان بانتظامٍ، فهذا الحمدُ على نعمةِ سلامةِ الكليتين أمانٌ من التهابِهما، وأمانٌ مِن عطبِهما، وأمانٌ مِن توقُّفِهما توقفاً مفاجئاً.

الكليتان جهاز تصفية البول
أُثِر عنِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ أنه إذا خرج من الخلاءِ كان يدعو، فقد روي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلاَءِ قَالَ: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي"، وكان يقول أيضاً: "الْحَمْدُ للهِ الَّّذي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أذَاهُ".
(1/178)

هذا الطعامُ والشرابُ فيه قوةٌ، وفيه لذّةٌ، وفيه فضلاتٌ، وفي الكليتين عجائبُ، ملخَّصُ القولِ: إنّ أعقدَ جهازٍ في الإنسانِ بعدَ الدماغِ هو الكلية، ومن بعضِ المعلوماتِ البسيطةِ التي تُعدُّ من مسلَّماتِ هذا العلمِ أنّ في الكليتين مليونين من وحداتِ التصفيةِ، في كل كليةٍ مليونٌ، ووحدةُ التصفيةِ هذه أنبوبٌ دقِيقٌ دقيقٌ، ووعاء دقيقٌ دقِيقٌ، يلتفُّ حولَ نفسِه حتى يشكِّلَ كُبَّةً، (كرةً) ، هذا الأنبوبُ اسمُه عند علماءِ التشريحِ الكُبَيْبَةَ، هذه الكبيبةُ يحيط بها غشاءٌ ينتهي بأنبوبٍ، كيف يرشحُ البولُ؟ عمليةٌ في منتهى التعقيدِ، كيف لا وقد ذكرتُ لكم أنّ أعقدَ جهازٍ بعدَ الدماغِ هو الكليةُ، وحسبكم دليلاً على ذلك أنّ الكليةَ الصناعيةَ يزيدُ حجمُها على حجمِ مكتبٍ كبيرٍ، ويستغرقُ الإنسانُ من الوقتِ لتصفيةِ دمِه ما يزيدُ على أربعِ ساعاتٍ، وهذه التصفيةُ لا تعادلُ تصفيةَ الكليةِ الطبيعيةِ، هذه الكُبَيبَةُ مع غشائِها وأنبوبِها لا تُرى بالعينِ، لو أنّ هذه النفروناتِ (وحداتِ التصفيةِ) في الكليتين صُفَّ بعضُها إلى جانبِ بعضٍ لَبَلَغَ طولُها مئةً وستين كيلو متراً، ولو نُشِرتْ سطوحُها الداخليةُ لاستغرقتْ ثمانيةَ أمتارٍ مكعبةٍ، لذلك يجري الدمُ في الكليتين بطريقٍ يزيدُ طولُه على مئةِ كيلو مترٍ في اليومِ الواحدِ.
هاتان الكليتان لا يزيدُ وزنُهما مجتمعَتَيْنِ على مئةٍ وأربعينَ غراماً، الكليةُ الواحدةُ التي تقومُ بوظائفَ يعجزُ عن فهمِها الدماغُ لا يزيدُ وزنُها على سبعينَ غراماً، ولو بطَّأتْ في عملِها، أو توقفتْ لانتهتْ حياةُ الإنسانِ، ولَغَرِقَ في سمومِه، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم حينما يخرجُ من بيتِ الخلاء كان يقول: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وعَافَانِي".
إنّ أمراضَ الكليتين لا تُعدُّ ولا تُحصى، هذا الجهازُ الدقيقٌ، هذا الجهازُ المتقنُ الذي ينفي عنك الأذى ألا تشكرُ الله عليه؟ كيف تكونُ حالةُ الإنسانِ دونَ مثانةٍ؟.
ما ذكرتُ هنا شيئاً، ذكرت عنواناتٍ، وأرقاماً سريعةً من أجلِ أنْ يُلفَتَ نظرُ الإنسانِ إلى ما ينطوي عليه جسمُه من أجهزةٍ دقيقةٍ دَقيقةٍ.
(1/179)

الكلية وعلاقتها بالملح
مِن الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ عز وجل، والتي بينَ جوانحِنا، وفي أجسامِنا، هذه الكليةُ، وجسمُ الإنسانِ أقربُ شيءٍ إليه، قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
مِن وظائفِ الكليةِ طرحُ الملحِ الزائدِ، فالملحُ نسبةٌ دقيقةٌ في الدمِ، إنْ نَقصَتْ عنها، أو زادتْ هَلَكَ الإنسانُ، هو يأكلُ بلا حسابٍ، قد يأكلُ أكلاً مالحاً، وقد يأكلُ بعضَ الأكلاتِ التي فيها ملحٌ زائدٌ، هو يأكلُ كما يشتهي، ولكنَّ نسبةَ الملحِ في الدمِ يجبُ أن تكونَ بين سبعةٍ إلى ثمانيةٍ في الألفِ، فإنْ نقصتْ أو زادتْ هَلََكَ الإنسانُ، وكانت حياتُه في خطرٍ، لذلك هذه الكليةُ التي ترَاها صغيرةً تقومُ بعملٍ كبيرٍ، وعملٍ تتوقفُ عليه حياةُ الإنسانِ، إنّها مسؤولةٌ عن طرحِ الملحِ الزائدِ في الدمِ.
هي الحارسُ الأمينُ للجسمِ مِن زيادةِ الملحِ والسكرِ، يساعدُها في ذلك الدماغُ الذي يصدرُ الأوامرَ إلى كلِّ أعضاءِ الجسمِ.
مِن أدقِّ الأمثلةِ على عملِ الكليةِ أنه عندما يتناولُ الإنسانُ كميةً زائدةَ من الملحِ، ولا سيما في بعضِ الأكلاتِ، عندئذٍ تأتي إشارةٌ إلى الدماغِ بأنّ هذا الملحَ قد زادَ على حدِّه، فيرسلُ الدماغُ أمراً هرمونياً عن طريقِ الغدةِ النخاميةِ بأنْ تتوقفَ الكليةُ عن طرحِ الماءِ في حجيراتِها الاحتياطيةِ، ففي الكليةِ حجيراتٌ احتياطيةٌ فيها ماءٌ، فتأمرُ الغدةُ النخاميةُ عن طريقِ الهرموناتِ الكليةَ بالتوقُّفِ عن طرحِ الماءِ الزائدِ في حجيراتِها، لماذا؟ لأنّ الملحَ تزدادُ كثافتُه، وإذا زادْت كثافتُه فإنه يهدِّد حياةَ الإنسانِ، عندئذٍ يرسلُ القلبُ نداءً عن طريقِ هرمونٍ آخرَ إلى الأجهزةِ الهضميةِ فتثيرُ في الإنسانِ العطشَ الشديدَ، وما مِن أكلةٍ مالحةٍ إلا وتحتاجُ إلى ماءٍ كثيرٍ بعدَها، هذا شيءٌ ثابتٌ.
(1/180)

هذا العطشُ الشديدُ يدعوك إلى أنْ تشربَ ماءً كثيراً، هذا الماءُ ينتقلُ بوقتٍ خياليٍّ من المعدةِ إلى الدمِ من أجلِ أن يَنْحلَّ الملحُ الزائدُ، فإذا انحلَّ الملحُ الزائدُ جاءَ أمرٌ معاكِسٌ للكليةِ بطرحِ كلِّ الماءِ الزائدِ فيها، عندئذ يُحَلُّ الملحُ في هذا الماءِ الزائِد، ويُطرحُ خارجَ الكليةِ، وأنتَ لا تدري، أنتَ أكلتَ أكلةً مالحةً، واستمتعتَ بها، والباقي تقومُ به هذه الأجهزةُ الدقيقةُ التي لا يعلمُ دقَّتَها إلا اللهُ عز وجل.
كلُّ جهازٍ في الإنسانِ، وكلُّ عضوٍ فيه، وكلُّ حاسةٍ فيه لو وَقَفْنَا على تفاصيلِها لَدهِشنَا، ولأخَذَنَا العجبُ العجابُ، كلُّ هذه الدقةِ، والعبدُ في غفلةٍ عن اللهِ عز وجل!
أتحسبُ أنك جرمٌ صغيرٌ ... وفيك انطوى العالَمُ الأكبرُ
يجبُ أن تعلمَ أنّ كأسَ الماءِ الذي تشربُه، والذي تطرحُه يمرُّ عبرَ أجهزةٍ بالغةِ الدقّةِ، يَحَارُ العقلُ في فهمِها قبلَ أنْ يعرفَ طريقةَ عملِها، قال تعالى: {صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] .

المثانة
(1/181)

إنّ المثانةَ زوَّدَها اللهُ بأعصابٍ متوَضِّعةٍ في جُدرانِها، فإذا امتلأتْ تَنبَّهَتِ الأعصابُ، وأرسلتْ إلى النخاعِ الشوكيِّ رسالةً أنّها قد امتلأتْ، والنخاعُ الشوكيُّ يُرسلُ بدورِه أمراً إلى عضلاتِ المثانةِ فتتقلَّصُ، ويأتي أمرٌ ثانٍ إلى فتْحتِها السفلَى، فتسْترخِي العضلةُ التي تُحكمُ إغلاقَها، وتنفتِحُ، ولكنّ صنعَ اللهِ سبحانه وتعالى فيه حكمةٌ ما بعْدَها حكمةٌ، إنّ هذه العضلاتِ التي قد أَمَرَها النخاعُ الشوكيّ أنْ تتقلّصَ، وأنْ تسترخيَ، لا تنفّذُ الأمرَ إلا بعدَ أن تأتيَ إشارةٌ من الدّماغِ أنْ نفِّذوا هذا الأمرَ، كما أنّ الحُكْمَ لا يُصدّقُ إلا إذا وُقِّعَ من المراجعِ العليا، فلو أنّك في موطنٍ حسّاسٍ، وفي اجتماعٍ مهمٍّ، وامتلأتِ المثانةُ، وجاءَ الأمرُ من النخاعِ الشوكيِّ، ونُفِّذَ الأمرُ أين مكانتُك؟ أين شخصيّتُك؟ أين شأنُك؟ إلا أنّ هناك أمراً عجيباً، لو أنّ الدّماغَ لم يوافقْ، واستمرَّ على عدمِ الموافقةِ إلى درجةِ أنّ البولَ بدأَ يدخلُ من الحالبين ليصلَ إلى الكليتَين، عندها يحدثُ خطرُ تسمّمِ الدمِ كلِّه! عندئذٍ لا ينتظرُ النخاعُ الشوكيُّ موافقة الدّماغِ، بل يأمرُ عضلاتِ المثانةِ فتتقلّصُ، ويأمرُ عضلةَ الفتحةِ السّفليّةِ فتسترخي، ويخرجُ البولُ، وهذا حفاظاً على صحّةِ الإنسانِ، ما هذا الإبداعُ؟ كيف تكونُ حياتُنا بلا مثانةٍ؟ في كلّ عشرين ثانية تنزلُ من الكليتين قطرتان، هذا المستودعُ الذي يتّسعُ لما يزيد على لترٍ ونصفٍ تستطيعُ أن تركبَ سيارةً خمسَ ساعاتٍ، وسبعَ ساعاتٍ، وأنت في أوْجِ راحتِك، وتمامَ شخصيتِك، قال تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون} [الطور: 35] .
مَن الذي خَلَقَ هذا الجهازَ؟ إنه اللهُ جلَّ جلالُه.
إن الكونَ أوْسَعَ بابٍ إلى اللهِ عز وجل، فادخُلُوا منه، وأبوابُه مفتوحةٌ على مصارِيعِها.

الجلد والشعر
اختلاف ألوان البشر وعلاقته بالميلانين
يقولُ اللهُ عز وجل في كتابِه: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} [الروم: 22] .
(1/182)

نقفُ وِقْفةً سريعةً عند قولِه تعالى: {واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم: 22] .
عُرِفَ علميّاً: "أنّ في أدَمَةِ الجِلْدِ خلايا عنكبوتيّةً؛ أيْ على شكلِ العنكبوتِ، تمْتدُّ على جوانبِها زوائدُ رقيقةٌ، يصِلُ عددُ هذه الخلايا في كلِّ بوصَةٍ مربّعةٍ إلى ستِّينَ ألفَ خليّةٍ".
إنه لا اختلافَ في عددِ الخلايا بين أبْيضَ وأسْوَد، فإنّ الخلايا في الإنسانِ الأبْيَضِ والإنسانِ المُلوَّنِ عددٌ ثابتٌ، ولكنَّ اختلافَ التلوينِ نابعٌ مِن كثافةِ المادّةِ الملوّنةِ، وهذه المادّةُ الملوّنةُ اسمُها الميلانين.
إنّ بين إنسانٍ ناصع اللّونِ، وإنسانٍ داكنِ اللّونِ فرْقاً في هذه المادّةِ الملوّنةِ لا يزيدُ على غرامٍ واحدٍ، لكنّ الشيءَ الذي يَلفِتُ النَّظَرَ أنّ هذه الخلايا تتناقصُ بِمُعّدلِ عشرٍ إلى عشرينَ في المئةِ كلَّ عشرِ سنواتٍ، لذلك يميلُ جلدُ الإنسانِ مع تقدّمِ العمرِ إلى أنْ يصبِحَ أكثرَ نصاعةً، وأكثرَ بياضاً، ولكنّ هذا لا يَعْنينَا، بل يعنينا ترسّبُ هذه المادّةِ الملوّنةِ في الخلايا العنكبوتيّةِ التي تحتَ أدمةِ الجلدِ، والتي يزيدُ عددُها في البوصةِ المربّعةِ الواحدةِ على ستِّينَ ألف خليةٍ، حيث إنّ نسْبةَ هذه المادّةِ الملوّنةِ تُحَدِّدُها المورّثاتُ في نُويّةِ الخليّةِ.
ولكنْ ما العلاقةُ، وما تفسيرُ تلك الألْوانِ الداكنةِ عند الشّعوبِ التي تعيشُ في خطّ الاسْتِواءِ، على أنّ الشّعوبَ التي تعيشُ في قطبِ الكرةِ الشماليِّ أو الجنوبيِّ ألوانُها ناصعةٌ؟ هنا حِكمة الله عز وجل.
قيل: إنّ المادّةَ الداكِنَةَ مِن خصائصِها أنّها تمْتصُّ الأشِعّةَ فوقَ البنفْسَجِيّةِ الضارّةَ، ولأنّ أشعّةَ الشمسِ في خطِّ الاستِواءِ عموديّةٌ شديدةٌ كانت الشعوبُ في هذه المنطقةِ ذاتَ ألوانٍ داكنةٍ.
والآن إلى الآياتِ الكريمةِ، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} [الروم: 22] .
(1/183)

إنّ اختلافَ ألوانِ البشرِ آيةٌ دالّةٌ على عظمةِ اللهِ عز وجل، وينبغي أنْ نُدَقِّقَ فيها، وأنْ نقفَ عندها، وأنْ نبْحثَ عن السّرِّ الذي تنْطوي عليه، إنَّك إنْ نظرْتَ بِعَيْنِكَ إلى وُجوهِ الناسِ فلا ترى إنساناً له لونٌ كلوْنِ آخرَ، فلو صوَّرْتهمْ بآلةٍ لوجَدْتَ أنّ اللّونَ موحَّدٌ تقريباً، ولكنك إذا نظرْتَ بِعَيْنِكَ إليهم رأيْتَ كلَّ إنسانٍ له لونٌ خاصٌّ، بل إنّ العينَ البشريّةَ كما هو ثابتٌ تفرّقُ بين ثمانمئةِ ألفِ درجةٍ من اللونِ الواحدِ! فهي ذاتُ الدِّقَّةِ العاليةِ التي تفرّقُ بين الدّرجاتِ الدقيقة في التّلوينِ.
عَنْ أبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالْتقْوَى".
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "إِنَّ الله لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ".
البيت مالٌ، والمركبةُ مالٌ، و"إِنَّّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمَوْالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ".

الشيب نور المؤمن
مِن المعلوماتِ المعروفةِ عن خلقِ الإنسانِ أنّ في رأسِ كلِّ إنسانٍ مِن مئةِ ألفٍ إلى مئتين وخمسينَ ألفَ شعرةٍ، وأنّ العشرةَ الواحدةَ يزيدُ عمرُها على ثلاثِ سنواتٍ، وأنّ الإنسانَ يحتاجُ من أجلِ أنْ يجدّدَ شعرَهُ بأكملِه إلى مئتي يومٍ، وفي الإنسانِ مصانعُ للشّعرِ بعددِ ما في جسمِه من الشّعرِ، فكلُّ شعرةٍ لها مصنَعٌ، تُنتَجُ وتنمو إلى أنْ تبلغَ أشدَّها، ثمّ تهرمُ فتموتُ.
(1/184)

ولكلِّ شعرةٍ وريدٌ، وشريانٌ للتغذيةِ، وعضلةٌ للتحريكِ، تعملُ هذه العضلةُ في أثناءِ البردِ، ولكلّ شعرةٍ عصَبٌ يحرّكُها كي تنتصبَ، ولكلّ شعرةٍ غدّةٌ دهنيةٌ، وغدّةٌ صبغيّةٌ، ولا يعلمُ الباحثون حتى هذه الأيّامِ لماذا يصيرُ الشّعرُ أبيضَ؟! لكنّ بعضَهم يقولُ في أحدَث البحوثِ: "إنّ بياضَ الشّعرِ - الشَّيْبَ - منشؤُه عصبيٌّ، فالكرياتُ البيضُ تتسلّلُ إلى الشّعرةِ فتأكلُ صبْغَها الأسْودَ"، والشّيءُ القاطعُ أنّ الشّيبَ كما يقولُ العلماءُ: "آفةٌ جلديّةٌ ذاتُ منشأٍ عصبيٍّ انفعاليٍّ".
والقرآن الكريم ذكر هذه الحقيقة قبل أكثر مِن ألفٍ وخمسمئة عام، قال عز وجل:
{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً} [المزمل: 17] .
فالشّيب منشؤُه خوفٌ انفعاليٌّ: فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلاَتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ".
شيّبتْهُ سورةُ هودٍ، ربما لآيةٍ فيها، وهي قوله تعالى: {فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112] .
ومع تقدّمِ العمرِ يُصابُ كلُّ إنسانٍ بالإرهاقِ العصبيِّ، وبِدَرجاتٍ متفاوتةٍ من الشّيبِ، قال تعالى: {الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير} [الروم: 54] .
فالشّيبُ يلازمُ التقدّمَ في السنِّ غالباً، وقد فسّرَ الإمامُ القرطبيُّ النذيرَ في قولِه سبحانه: {وَجَآءَكُمُ النذير} بأنّه الشَّيْبُ، وهو لفتُ نظرٍ لطيفٍ من اللهِ عز وجل، أنْ يا عبدي اقتربَ اللّقاءُ، فماذا أعْددْتَ له؟! عبدي ضعُف بصرُك، وشابَ شعرُك، وانحنى ظهرُك، فاسْتحِ منّي، فأنا أستحيي منك.
(1/185)

هنا سؤال دقيق يؤكّدُ حكمةَ اللهِ سبحانه وتعالى: لماذا يطولُ شعرُ الرأسِ، ولا يطولُ شعرُ الحاجبين والجفنَين؟! لماذا تنبُتُ الأشعارُ داخلَ الأنفِ، ولا تنبتُ داخلَ الفمِ؟! لماذا تنبُتُ الأشعارُ في ظاهرِ الكفِّ، ولا تنبتُ في باطنِها؟!
فوا عجباً كيف يُعصى الإلهُ ... أو كيف يجحدهُ الجاحدُ
وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلّ على أنّه واحدُ

مواقع الإحساس في الجلد
يقولُ اللهُ عز وجل:
{إِنَّ الذين كَفَرُواْ بآياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء: 56] .
دقِّقوا في هذه العلاقةِ: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب} كأنّ هذه الآيةَ تشيرُ إلى أنّ مواقعَ الإحساسِ بالألمِ، ولا سيّما أنّ ألمَ الحريقِ موجودٌ في الجلدِ، فمن أجل أن يذوقوا العذابَ: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب} .
قالَ العلماءُ: "الجِلْدُ مؤَلَّفٌ مِن طبقتين، طبقةٍ اسمُها البَشَرَةُ، وهذه البشرةُ تزدادُ سمكاً أو رِقّةً بحسبِ موقعِها في الجسمِ، وبحسبِ الاحتكاكِ، وبحسبِ البيئةِ، وهذه الطبقةُ نفسُها مؤلّفةٌ من ثلاثِ طبقاتٍ، طبقةٍ عُليَا خارجيةٍ، ووُسطى، وسُفلى، وفي الجلدِ طبقةٌ ثانيةٌ اسمُها الأَدَمَةُ، وهذه الطبقةُ فيها العَجَبُ العُجَابُ، فهي مؤلَّفةٌ من نسيجٍ، وفيها شُعَيْراتٌ دمويةٌ، ونهاياتٌ عصبيةُ، وغددٌ تفرزُ الدهونَ، وغددٌ عرقيةٌ، ومنطقةٌ دهنيةٌ تحتَ هذه الأدَمَةِ، التي هي الطبقةُ الفعّالةُ في الجلدِ".
إذا كان الإنسانُ في جوٍّ حارٍّ فإنّ الغدةَ الدرقيةَ تبعثُ بهرموناتٍ إلى الخلايا، فتزيد مِن نشاطِها، ومن ازديادِ نشاطِها تزيدُ كميةُ الحرارةِ التي تُشِعُّها هذه الخلايا، وبهذا يتكيّفُ الجسمُ مع الجوِّ الحارِّ.
(1/186)

إنّه شيءٌ أغربُ من الخيالِ، إذا وُجِدَ الإنسانُ في جوٍّ درجتُه أربعون مئوية، ما الذي يحصلُ في جسدِه؟ قال بعضُ العلماءِ: "إنّ هناك مئتي ألفِ جُسَيْمٍ منتشرٍ في أنحاءِ الجلدِ، فإذا ارتفعتِ الحرارةُ في الجوِّ المحيطِ عن الحدِّ المعقولِ أرسلتْ هذه الجسيماتُ إشاراتٍ عصبيةً تنقلُها الأليافُ العصبيةُ إلى المخِّ، الذي يصدرُ أمراً بتوسيعِ الشرايينِ الدقيقةِ في كلِّ أنحاءِ الجسمِ، فإذا ارتفعتْ حرارةُ الجوِّ يتورَّدُ الإنسانُ، ويميلُ لونُه إلى الحمرةِ، ويصبحُ أزهرَ اللونِ".

جهاز المناعة
الكريّات الحمراء
ما من رجلٍ ولا امرأةٍ، ولا صغيرٍ ولا كبيرٍ؛ إلاّ وفي شرايينِه وأوردتِه دمٌ يجري، وربما لا يعرفُ الإنسانُ ما هذا الدمُ؟ وما تركيبُه؟ وما حجمُه؟ وما أسرارُه؟ فإذا عرَفَ شيئاً عن حقيقةِ الدمِ الذي يجري في عروقِه خَشَعَ قلبُه، وخرَّ للهِ ساجداً.
مَن منّا يصدق أن في جسمِ كلٍّ منا ما يزيدُ على خمسةٍ وعشرينَ مليونَ مليونِ كريةٍ حمراءَ، كجزءٍ أساسيٍّ في دمائِنا، وتجري في شرايينِنا، وأوردتِنا، وأنّ تعدادَ الكرياتِ في الميليمترِ المكعّب لا يقلُّ عن خمسةِ ملايينِ.
يَصِفون الكريةَ الحمراءَ بأنها حمَّالٌ لا يعرفُ التعبَ، تحملُ الأوكسجينَ إلى الخلايا، والأنسجةِ، والأجهزةِ، والأعضاءِ، وإلى كلِّ مكانٍ في الإنسانِ، وتعودُ بنتائجِ الاحتراقِ، تطرحُ غازَ الفحمِ، فهي حمَّالٌ لا يعرفُ التعبَ، ولا الكللَ، ولا السأمَ، تجولُ هذه الكرياتُ في الجسمِ ألفاً وخمسمئةِ جولةٍ في اليومِ الواحدِ.
وعمرُ هذه الكريةِ يزيدُ على مئةٍ وعشرين يوماً، وبعْدَها تموتُ، تقطعُ في هذا العمرِ ما يزيدُ على ألفٍ ومئةٍ وخمسين كيلو متراً في جسمِ الإنسانِ، وتنقلُ ما يزيدُ على ستمئةِ لترٍ مِن الأوكسجين، وقُطْرُها لا يزيد على سبعة ميكروناتٍ.
(1/187)

لو بَحَثْنا في تكوينِ هذه الكريةِ الحمراءِ لَوَجَدْناها مكوَّنةً من خمسمئةٍ وأربعةٍ وسبعينَ حمضاً أمينياً، وأنه يتمُّ صنعُها في خمسةِ أيامٍ، أو في أقلَّ مِن ذلك، وتُصْنَعُ في معاملَ، هي نِقِيُ العظامِ، فجوفُ العظمِ هو المعملُ الذي ينتجُ الكرياتِ الحمراءَ، مَن منا يُصدِّقُ أن المعملَ يصنعُ في الثانيةِ الواحدةِ مليونين ونصف مليون كريةٍ حمراءَ، وأنّ أنشط المعاملِ هو العمودُ الفقريُّ، ثم عظامُ الأضلاعِ، ثم عظمُ القفصِ الصدريِّ الرئيسيُّ، ثمّ عظامُ الأطرافِ.
إنّ اللهَ سبحانه وتعالى زوَّدَ الجسمَ بمعاملَ احتياطيةٍ، هي الكبدُ والطحالُ، فإذا تعطَّلتِ المعاملُ الأساسيةُ عمِلَ الكبدُ والطحالُ على إنتاجِ الكرياتِ الحمراءِ.
شيءٌ مهمٌّ جداً.. هو أنّ في الكليتين مركزاً لتعييرِ الدمِ يعمل على مراقبةِ الدم على نحوٍ مستمرٍّ، فإذا نقصَ الدمُ عن حدِّهِ الطبيعيِّ أرسلَ هذا المركزُ أوامرَ هرمونيةً إلى مصانعِ الدمِ، يحثُّها على زيادةِ الإنتاجِ، وإذا زادَ الدمُ على حدِّه الطبيعيِّ أرسلَ هذا المركزُ الذي في الكليتين أوامرَ هرمونيةً إلى معاملِ الكرياتِ، يأمرُها بالبُطءِ في الإنتاجِ؛ لذلك هناك علاقةٌ بين الضغطِ، والتهابِ الكليتين، فما هي هذه العلاقة؟ لأنّ في الكليتين مركزاً بالغَ الحساسيةِ يراقبُ كميةَ الدمِ باستمرارٍ.
لذلك إذا أُخِذَ الدمُ عن طريقِ الحجامةِ نقصَ الدمُ في الشرايينِ، ونقصُه في الشرايينِ يجعلُ مركزَ تعييرِ الدمِ يأمرُ معاملَ الدمِ بتصنيعِ كميةٍ زائدةٍ، وبهذا تنشطُ المعاملُ، ويصبحُ عملُها جيّداً على مدارِ العمرِ الذي يحياه الإنسانُ.
مَن نظَّم هذا النظامَ؟ مَن أبدَعَ هذا الخَلْقَ؟ مَن رتَّبَ هذا الترتيبَ؟ ألا يستحقُّ العبادةَ؟ ألا يستحقُّ أن يُطاعَ؟ ألا يجبُ أن نخشاه؟ ألا يجب أن نتّقيَه؟ قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
إنّ موضوعَ الدمِ لا ينتهي في مقالةٍ، ولا في مقالاتٍ، فإنّ مجلداتٍ كبيرةٍ أُلِّفتْ حولَ الدمِ فقط، حتى إنّ هناك اختصاصاً في الطبِّ هو أمراضُ الدمِ.

الشفاء الذاتيّ
(1/188)

إن الترسانةَ الطبيةَ - دواءً وتقنيةً - لا تمكِّنُ الأطباءَ مِن علاجِ أكثرَ من ربعِ الأمراضِ، وبقيةُ الأمراضِ إمّا أن تُشفَى بنفسِها، أو أنّه لا عِلاجَ لها.
الحقيقةُ الثانيةُ: لا يوجدُ طبيبٌ لم يرَ أو لم يسمعْ عن حالاتِ شفاءِ مرضٍ عضالٍ دون سببٍ طبيٍّ واضحٍ، إنَّ الشفاءَ الغامضَ لكثيرٍ من الأمراضِ المستعصيةِ كان يحدثُ دوماً منذُ أن وُجِدَ الطبُّ، لكنّ الطبَّ لم يتوقفْ عندها، لأنّ بعضَهم يُرجِعُها إلى أسبابٍ غير علميةٍ، وهي في الحقيقةِ تَرجعُ إلى رحمةِ اللهِ بعبادِه، قال تعالى: {الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين * واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين * واجعلني مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم} [الشعراء: 78-85] .
(1/189)

يقول أحد العلماء: "هناك جهازٌ خاصٌّ للشفاءِ الذاتيِّ، لم تأتِ على ذِكْرِه فهارسُ كتبِ الطبِّ أو قواميسُه، وهناك حالاتٌ مَرَضِيَّةٌ مستعصيةٌ شُفِيَتْ على نحو غامضٍ، ودونَ سببٍ واضحٍ"، مِن هذه الأجهزةِ التي أُوكِلَ إليها الشفاءُ الذاتيُّ جهازُ المناعةِ، وهو مِن الأجهزةِ الرائعةِ التي أَبْدَعَها الخالقُ، ليس لها مكانٌ تشريحيٌّ ثابتٌ، جهازٌ جوّالٌ، وهو مبرمجٌ ليعرفَ أيّةَ خليةٍ غريبةٍ غيرَ خلايا الجسدِ ليقومَ بتدميرِها، وأهمُّ ما في هذا الجهازِ ذاكرتُه العجيبةُ، فهو لا ينسى أبداً، فهو سلاحٌ يواجِهُ عدواً من أمدٍ طويلٍ، ولولا هذه الذاكرةُ العجيبةُ لجهازِ المناعةِ المكتسبِ لم يكنْ هناك فائدةٌ إطلاقاً من التلقيحِ ضدَّ الأمراضِ، هذه الخلايا خلايا جهازِ المناعةِ تُصنعُ في نِقْي العظامِ، وتعدُّ إعداداً خاصاً وقوياً في الغدةِ الصعتريةِ تحتَ عظمةِ الصدرِ، وكأنّ هذه الغدةَ معهدُ إعدادِ المصارعين، وهذه الخلايا هي خطُّ الدفاعِ الأولُ في الجسمِ، كما تقومُ هذه الخلايا بحمايةِ الجسمِ من مرضِ السرطانِ، ولعل هذا مِن أبرزِ خصائصِها، وإنّ من هذه الخلايا ما هو خلايا مستطلعةٌ تتعرَّفُ إلى الجرثومِ، أو إلى الخليةِ الغريبةِ، فتأخذُ شِفرتَها، وتذهبُ بهذه الشفرة إلى الخلايا المصنعةِ كي تصنعَ سلاحاً مدمراً لها، وبعضُ هذه الخلايا تصنعُ الدواءَ المضادُّ، أو المصلَ المضادَّ، وبعضُها خلايا مقاتلةٌ تحملُ هذا السلاحَ، وتذهبُ إلى أرضِ المعركةِ لتقضيَ على هذا الجرثومِ، وبعضُها خلايا ملتهِمةٌ، هذه الخلايا يهاجمُها فيروسُ الإيدزِ فيدمِّرُها، لذلك يُعَدُّ مرضُ الإيدز أخطرَ مرضٍ يصيبُ البشريةَ اليومَ؛ والذي يسبِّبُ تدميرَ جهازِ المناعةِ المكتسبِ، الذي يحقِّقُ الشفاءَ الذاتيَّ.
مِن أطرفِ وظائفِ هذه الخلايا، وهذه بشارةٌ لمن أراد أن يقلعَ عن التدخينِ أنّ بعضَها يذهبُ إلى الرئتين، ويلتهمُ بعضَ ما عَلِقَ بالشعبِ الهوائيةِ من آثارِ، وشوائبِ التدخينِ.
(1/190)

والجديدُ في هذا الجهازِ أنّ هناك خلايا من مكوناتِ جهازِ المناعةِ المكتسبِ اكتُشِفَتْ في أواخرِ السبعيناتِ، هذه الخلايا قاتلةٌ بالفطرةِ، بمعنى أنها تستطيعُ التعرُّفَ إلى الخلايا الشاذَّةِ قبل أن يبدأَ شذوذُها، أو تلك التي تسبِّبُ ورماً.
إلا أنّ أخطرَ ما في الموضوعِ أنّ وراءَ جهازِ المناعةِ قوةً خارجَ الجسمِ لا علاقةَ لها بالمناعةِ، تشكِّلُه، وتطوِّره، وتأمرُه، فالقوةُ المسيطرةُ ليستْ مِن داخلِ الجسمِ، بل من خارجِه، ولا يعلمُ الأطباء الغربيّون ما هي هذه القوَّةُ، إنها قوة الله.
والحقيقةُ العمليةُ أنّ الاكتئابَ، والحزنَ، والتوترَ، والشدّةَ النفسيةَ (الكرب) تضعِفُ مِن قوةِ هذا الجهازِ، وأنّ الأملَ، والحبَّ، والهدوءَ يقوِّي إمكاناتِ هذا الجهازِ، لذلك فإنّ الشركَ باللهِ يُضعِفُ هذا الجهازَ، قال تعالى في محكم تنزيله: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين} [الشعراء: 213] .
أمّا المؤمنُ فأمرُه تسليمٌ وتفويضٌ وتوكُّلٌ وإيمانٌ بقوله تعالى: {وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] .
إنّ التوحيدَ صحّةٌ، لأن الرضا، والطمأنينةَ، والأمنَ، والثقةَ باللهِ، والتفاؤلَ بالمستقبلِ، كلُّ هذا يقوِّي جهازَ المناعةِ، الذي أوكلَ اللهُ إليه الشفاءَ الذاتيَّ، أمّا القلقُ، والخوفُ، والحقدُ فممَّا يضعفُ جهازَ المناعةِ، وهذا الجهازُ هو عصبُ صحةِ الإنسانِ.

لا عدوى
(1/191)

إنّ موضوعَ العدوى قد بيَّنه النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ قَبْلَ أكثرَ من أربعةَ عشرَ قرناً، ففي صحيحِ البخاريِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ عَدْوَى، وَلا صَفَرَ، وَلا هَامَةَ"، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا بَالُ إِبِلي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَأَْتِي الْبَعِيْرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا؟ فَقَالَ: "فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟ "، النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ الذي لا ينطقُ عن الهوى، وكلامُه وحيٌ يوحَى، يقول: "لا عَدْوَى"، والعدوى ثابتةٌ، ألم يقلْ في حديثٍ آخرَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا"، لماذا؟ من أجلِ العدوى، وإنّ أَحْدَث بحثٍ في علمِ الجراثيمِ مفادُه أنه لا عدوى، فالجرثومُ قد ينتقلُ من مريضٍ إلى صحيحٍ، ولا يمرضُ الصحيحُ، وقد ينتقلُ من صحيحٍ إلى صحيحٍ؛ فيمرضُ الصحيحُ الثاني، وقد ينتقلُ من مريضٍ إلى صحيحٍ فتسبِّبُ هذه الجرثومةُ للصحيحِ مناعةً يزدادُ بها قوةً، وقد ينتقلُ من صحيحٍ إلى صحيحٍ أولٍ، وثانٍ، وثالثٍ، ورابعٍ، وخامسٍ، وعاشرٍ، فيصابُ الصحيحُ العاشرُ.
فحينما قالَ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ: "لا عَدْوَى، وَلا صَفَرَ، وَلا هَامَةَ"، أي: إنّ العدوى لا تمرضُ، ولكنّ العدوى تهيِّئ أسبابَ المرضِ، هذا معنى قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو في منتهى الدقَّةِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الأَسَدِ"، فِرَّ منه، ليس في هذا الحديثِ تناقضٌ أبداً، العدوى وحْدَها لا تمرضُ، ولكنَّ العدوى تهيىء أسبابَ المرضِ.
(1/192)

شيءٌ آخرُ؛ ثمة شيءٌ اسمه النسمةُ، وقد فَسَّرَها العلماءُ بأنها حيواناتٌ صغيرةٌ دقيقةٌ تسبِّبُ للإنسانِ ضيقَ النفسِ، أي: الجراثيمَ، وقد سُئِلَ بعضُ علماءِ الجراثيمِ: ما المنطقةُ في الإنسانِ التي تكثرُ فيها العدوى، فقال: الأطرافُ الأربعةُ والوجهُ، ونحنُ نقول: ما الوضوءُ؟ يجبُ أنْ تغسلَ يدَيْك لا في الإناءِ، إذْ نهانَا النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ أنْ نغسلَ أيديَنا في الإناءِ، فإذا كان في الأيدي جراثيمُ لا ينتقلُ هذا الجرثومُ إلى ماءِ الإناءِ، والنبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ علَّمَنا هذه المنافذَ التي ينفذُ منها الجرثومُ إلى الجسمِ، كالأنفِ، والفمِ، والأذنانِ، هذه ممَّا شُرِع لنا غسلُها في اليومِ والليلةِ خمسَ مراتٍ، والوضوءُ أكبرُ وقايةٍ من العدوى، ففيهِ المضمضةُ، والاستنشاقُ، وغسلُ الوجهِ، واليدينِ، والرجلين.
شيءٌ آخرُ، النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنا بالسواكِ، وفي أحدثِ بحوثِ السواكِ أنّ فيه مادةً قاتلةً للجراثيمِ، لذلك بعضُ المعاجين الآن تستخدمُ مسحوقَ السواكِ في المعجونِ.
شيءٌ آخرُ: العدوى تنتقلُ عن طريقِ جهازِ التنفسِ، لذلك قالَ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ لأحدِ أصحابِه وهو يشربُ: "أَبِنِ القدحَ عن فِيكَ"، أَبْعِدْهُ عن فَمِك لئلاَّ يكونَ النفَسُ فيه.
ونهى النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ أن يتنفَّسَ الإنسانُ في الإناءِ إذا شرِبَ منه، لذلك هذه التوجيهاتُ النبويةُ التي قالها النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ قبل أكثرَ من 1400 عام تنطبقُ على أحدثِ الموضوعاتِ المتعلقةِ بالعدوى والجراثيمِ.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ يُورَدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"، فلا ينبغي للمريضِ أن يتصل بصحيح، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا".
(1/193)

فالنبيُّ لا ينفي العدوى، ولكنْ ينفِي أن تكونَ العدوى سبباً للمرضِ، أَمَرَنا أن نأخذَ الوقايةَ، ولكن العدوى وحْدَها لا تكفي لنقلِ المرضِ، لأنّ هناك حالاتٍ كثيرةً لا تكفي العدوى فيها للمرضِ، هذه التوجيهاتُ النبويةُ من أدقِّ التوجيهاتِ العلميةِ، لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطقُ عن الهوى، لأنّ في تعليماتِه تعليماتِ الصانعِ.

الأمراض والطب
الطبّ في الإسلام
إنّ الإسلامَ دينُ الفطرةِ، يحرصُ في تعاليمهِ على صحّةِ الجسدِ، وطهرِ النفسِ، ويوازنُ بينَ المادةِ والروحِ، والحاجاتِ والقيمِ، ويهدفُ إلى إصلاحِ الدنيا، وإصلاحِ الآخرةِ، لأنّ الأولى مَطِيةُ الثانيةِ. إنّ صحةَ الجسدِ معتمدةٌ على سلامةِ النفسِ وسموِّها، ومنطلقٌ لصحةِ العقلِ وتفوُّقِه، فاللهُ سبحانه وتعالى جعلَ صحةَ الجسدِ، وقوّتَه، ورجاحةَ العقل، واستنارتَه علّةَ الاصطفاءِ، فقال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قالوا أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247] .
وقد بيَّن لنا المولى جلَّ وعلا أنّ القوةَ والأمانةَ، وبلُغةِ العصرِ الكفاءةُ والإخلاصُ هما المقياسان الصحيحان اللذان نقيسُ بهما الأشخاصَ حينما نقلِّدُهم بعضَ الأعمالِ، وقد جاء هذان المقياسان في القرآن الكريم، قال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] .
(1/194)

والنبيُّ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه قالَ: " ... المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وأحبُّ إلى الله مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ... "، ولم يقل: الإنسانُ القويُّ خيرٌ من المؤمنِ الضعيفِ، لأنّ القوةَ مِن غيرِ إيمانٍ مدمِّرةٌ لصاحبها وللمجتمعِ، ولكنّ القوةَ إذا أُضيفتْ إلى الإيمانِ فإنّها تصنعُ المعجزاتِ الخيراتِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمْؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللهِ، وَلاَ تَعْجَزْ، وَإَنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإَنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ".
بل إنّ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ جَعَلَ صحةَ الجسدِ ثُلثَ الدنيا، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا".
والإمام علي رضي الله عنه جَعلَ مِن المرضِ مصيبةً أشدَّ مِن الفَقرِ، وأهونَ من الكفرِ، وجعلَ من الصحةِ نعمةً أفضلَ من الغنى، وأقلَّ من الإيمان، فقال: (أَلا وَإنّ مِنَ البلاءِ الفاقةَ، وأشدُّ من الفاقةِ مرضُ البدنِ، وأشدُّ من مرضِ البدنِ مرضُ القلبِ، ألا وإنّ من النعمِ سَعةَ المالِ، وأفضلُ من سعةِ المال صحةُ البدنِ، وأفضلُ من صحةِ البدن تقوى القلبِ) .
إنّ الطبَّ في الإسلامِ طبٌّ طبيعيٌّ، وطبٌّ نفسيٌّ، وطبٌّ وقائيٌّ، وطبٌّ علاجيٌّ.
(1/195)

فمِن الطبِّ الطبيعيِّ أنّ شخصيةَ المسلمِ مرتكزةٌ على العطاءِ لا على الأخذِ، ومرتكزةٌُ على بذلِ الجهدِ لا على استهلاكِ جهد الآخرين، ومرتكزةٌ على العملِ لا على الأملِ، وعلى الإيثارِ لا على الأثرةِ، وعلى التضحيةِ لا على الحرصِ، وعلى إنكارِ الذاتِ لا على تأكيدِها، وإنّ بذْلَ الجهدِ في حدِّ ذاتِه صحةٌ، وأيُّ صحةٍ.
ففي بعضِ المؤتمراتِ الطبيةِ التي عُقدت للبحثِ في أمراضِ القلبِ اتفّقَ المؤتمرون على أنّ صحةَ القلبِ في بذل الجهدِ وراحةِ النفسِ، وأنّ طبيعةَ العصرِ الحديثِ تقتضي الكلَ العضليَّ، والتوترَ النفسيَّ، وهما وراء تفاقمِ أمراضِ القلبِ في معظمِ البلدانِ المتقدمةِ تقدماً مادياً.
إنّ بذْلَ الجهدِ في حدِّ ذاتِه صحةٌ للقلبِ والأوعيةِ، وصحةٌ للعضلاتِ والأجهزةِ، وقد كان النبيُّ صلوات الله وسلامُهُ عليه قدوةً لنا في هذا المضمارِ، فقد وجدَ في بعضِ الغزواتِ أنّ عددَ الرواحلِ لا يكفي أصحابَه، فأمرَ أنْ يتناوبَ كلُّ ثلاثةٍ على راحلةٍ، ثمّ قال: "أَنَا وَعَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ عَلَى رَاحِلَةٍ"، مُسَوِّياً نفسَه مع أصحابِه في بذلِ الجهدِ، ولما جاء دورُه في المشيِ عَظُم على صاحِبَيْه أنْ يركَبَا، ويمشيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهو قمّةُ المجتمعِ الإسلاميِّ، فقالا: "يَا رَسُولَ اللهِ، ابْقَ رَاكِباً"، فقال قولَتَه الشهيرةَ: "مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى السَّيْرِ، وَلاَ أَنَا بِأَغْنَى مِنْكُمَا عَنِ الأَجْرِ".
إنّ بذلَ الجهدِ صحةٌ للقلبِ والأوعيةِ، وصحةٌ للعضلاتِ والأجهزةِ، وصحّةٌ للحياةِ الاجتماعيةِ، وتمتينٌ لأواصرِها، وإنّ بذلَ الجهدِ فهمٌ صحيحٌ لحقيقةِ الحياةِ الدنيا، التي هي دارُ تكليفٍ، أمّا الآخرةُ فهي دارُ تشريفٍ.
هذا بعض ما في الطب الطبيعي.
(1/196)

أما عن الطبِّ النفسيِّ فإن أمراضاً كثيرةً بعضُها عضالٌ، وبعضُها مميتٌ، كأمراضِ القلبِ والشرايينِ، وأمراضِ جهازِ الهضمِ، والكُليتين، والأمراضِ النفسيةِ والعصبيةِ إنما ترجعُ أسبابُها الرئيسيةُ إلى أزماتٍ نفسيةٍ يعاني منها إنسانُ الشركِ في العصرِ الحديثِ، فمَن أشركَ باللهِ قَذَفَ اللهُ في قلبه الرعبَ، قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب بِمَآ أَشْرَكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النار وَبِئْسَ مثوى الظالمين} [آل عمران: 151] .
فتوقُّع المصيبةِ مصيبةٌ أكبرُ منها، وأنت مِن خوفِ الفَقرِ في فقرٍ، وأنت مِن خوفِ المرضِ في مرضٍ، قال تعالى: {إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً * إِلاَّ المصلين * الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ * والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم * والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين} [المعارج: 19-26] .
ويرَى الأطباءُ أنّ ضغطَ الدمِ هو في حقيقته ضغطُ الهمِّ، وأنّ الإنسانَ إذا غفلَ عن حقائقِ التوحيدِ، وسقطَ في هوّةِ الشركِ، فقد فُتِحَتْ عليه أبوابٌ من العذابِ النفسيِّ، قال سبحانه وتعالى: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين} [الشعراء: 213] .
فالإيمانُ باللهِ خالقاً، ومربِّياً، ومسيِّراً.. وإنه سبحانه إليه يُرجعُ الأمرُ كلُّه، هذا الإيمانُ يملأ النفسَ شعوراً بالأمنِ الذي هو أثمنُ وأسعدُ ما في الحياةِ النفسيةِ، ويدفعُ عنها القلقُ الذي يدمِّرُها، والذي يجعلُ الحياةَ النفسيةَ جحيماً لا يُطاق، قال سبحانه: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولائك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81-82] .
(1/197)

فإذا كانتِ السلامةُ تعني عدمَ وقوعِ المصيبةِ، فإن الأمنَ يعني عدمَ توقعِ المصيبةِ، قال تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} [التوبة: 51] .
هذا الإيمانُ يملأ النفسَ طمأنينةً إلى عدالةِ اللهِ سبحانه وتعالى، فبيدِه مقاليدُ الأمورِ كلُّها، فلا يظلمُ الناسَ شيئاً، {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] ، وهو سبحانه يدافعُ عن الذين آمنوا، وينجِّيهم مِن كلِّ كرْبٍ، وينصرُهم على عدوِّهم.
هذا الإيمانُ يملأُ النفسَ شعوراً بالنجاحِ، والفلاحِ، والتفوُّقِ، والفوزِ برضاءِ اللهِ الذي يعدُّ أثمنَ نجاحٍ يحقِّقُه الإنسانُ على وجهِ الأرضِ.
وهذا الإيمانُ يملأُ النفسَ راحةً، وتسليماً وتفويضاً، وتوكُّلاً ورضاً بقضاءِ اللهِ الذي لا يقضي لعبدِه المؤمنِ إلا بالحقِّ والخيرِ، وقد رُوِيَ: "الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ يُذْهِبُ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ".
هذه المشاعر تحقِّقُ سعادةً نفسيةً، وسعادةً لا يعرفُها إلا مَن ذَاقَها، فالصحّةُ النفسيةُ أساسُ صحّةِ الجسدِ، حتّى قيل: "إنَّ الرحمةَ النفسيةَ كافيةً لإعادةِ ضرباتِ القلبِ السريعةِ إلى اعتدالِها، وضغطِ الدمِ المرتفعِ إلى مستواه الطبيعيِّ".
إنّ الطبَّ الوقائيَّ في الإسلامِ ينطلقُ مِن أنّ إزالةَ أسبابِ المرضِ أَجْدَى وأهونُ من إزالةِ أعراضِه، وأنّ المرضَ، وإنْ زالتْ أعراضُه بالدواءِ فإنّ له آثاراً جانبيةً في وقتٍ لاحقٍ، تظهر على شكل أمراض قلبيةٍ ووعائيةٍ وكلويةٍ دونَ سببٍ مباشرٍ.
(1/198)

ويعدُّ الطبُّ الوقائيُّ سيّدَ الطبِّ البشريِّ كلِّه، لأنّ قوةَ الأمةِ تتجلّى في قوةِ أفرادِها، وإنّ دَخْلَها يُقاسُ بدخْلِهم، وإنّ الأمةَ التي تنزلُ بساحتِها الأمراضُ أو تستوطِنُها الأوبئةُ تتعرَّضُ لخسرانٍ كبيرِ، سواءٌ في هذه القُوى البشريةِ المريضةِ المعطَّلَةِ التي كان مِن الممكنِ أنْ تسهمَ جهودُها في زيادةِ دخلِها، أو في هذه الأموالِ الطائلةِ التي تنفَقُ في معالَجةِ هذه الأمراضِ، والتي كان مِنَ الممكنِ أن تُنفَقَ في بناءِ الوطنِ، فتسهمَ في منعتِه، ورفعتِه.
ويضافُ إلى هذا أنّ ثمنَ معظمِ الدواءِ يُستهلكُ نقداً أجنبياً صعباً نحنُ في أشدِّ الحاجةِ إليه لتنفيذِ المشروعاتِ الإنتاجيةِ التي تعودُ بالنفعِ العامِّ على الأمّةِ.
وإنّ معالجةَ مريضِ السّلِّ تستمرُ وسطياً تسعةَ أشهرٍ، وتكلِّفُ المريضَ والدولةَ أموالاً وإمكاناتٍ كبيرةٍ، إضافةً إلى ما يعانيه المريضُ من العذابِ والقلقِ، أمّا الوقايةً مِن هذا المرضِ فلا تحتاجُ إلاّ إلى لقاحٍ يكلِّفُ بضعةَ قروشٍ.
إنّ النظافةَ مِنِ الطبِّ الوقائيِّ، وقد أمرَ الإسلام بها، فهي تقِي مِن انتقالِ كثيرٍ مِنَ الأمراضِ المُعْدِيةِ، التي تنتقلُ بتلوُّثِ الأيدِي، كالكوليرا، والزحارِ، والالتهابِ المعويِّ.
والنظافةُ تنشِّطُ الدورةَ الدمويةَ بتنبيهِ الأعصابِ، وتدليكِ الأعضاءِ، وتحفظُ وظائفَ الجلدِ أن تتعطّلَ، إضافةً إلى أثرِ النظافةِ في بناءِ الشخصيةِ، وفي العلاقات الاجتماعية.
فاللهُ سبحانه وتعالى حثّنا عليها، وجعلَها سبباً لمحبته، فقال تعالى: {إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين} [البقرة: 222] .
وقد فهم الإمام الغزالي هذه الآية على أربع مستويات:
الأول: تطهيرُ الظاهرِ مِن الأحداثِ والأخباثِ.
الثاني: تطهيرُ الجوارحِ مِن المعاصي والآثامِ.
الثالث: تطهيرُ النفسِ مِن الأخلاقِ الذميمةِ والرذائلِ الممقوتةِ.
الرابع: تطهيرُ النفسِ ممّا سوى اللهِ.
وقد رُويَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنّ بركَة الطعام بغسلِ اليدين قبلَه: "بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ".
ولا يخفى أنّ وضوءَ الطعامِ هو غسلُ اليدين والفمِ.
(1/199)

وقد جعل النبيُّ غسلَ الجمعةِ واجباً فقال عليه الصّلاة والسلام: "حقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أنَّ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أيَّامٍ يَوْماً يَغْسِلُ فِيهِ رأَسَهُ وَجَسَدَهُ".
ولا أدلَّ على أهمِّيةِ النظافةِ في الإسلامِ مِن أنّه جعَلها شرطاً لصحة الصلاةِ، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولاكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] .
وقد تفضَّلَ اللهُ سبحانه علينا بالماءِ الطَّهورِ، أيْ الطاهرُ المطهِّرُ لنتطهَّرَ به، قال تعالى: {وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً} [الفرقان: 48] ، وقال سبحانه: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام} [الأنفال: 11] .
والاعتدالُ في الطعامِ والشرابِ وسائرِ المباحاتِ مِن الطبِّ الوقائيِّ، قال تعالى: {يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين} [الأعراف: 31] .
فنصُّ الآيةِ يأمرُ بالاعتدالِ في الطعامِ والشرابِ، لكنّ النهيّ عن الإسرافِ لم يقيَّدْ بالطعامِ والشرابِ، بل أُطلِقَ ليشملَ كلَّ شيءٍ، والمُطْلَقُ في القرآنِ على إطلاقِه.
(1/200)

وقد بيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حدودَ هذا الاعتدالِ فقال: "مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ".
ومعروفٌ طبيّاً وفي علمِ الغذاء: "أنّ عُشرَ ما نأكلُه يكفي لبقائِنا أحياءً، وإنّ تسعةَ أعشارِ ما نأكلُه يكفي لبقاءِ الأطباءِ أحياءً".
وقد بيَّن المصطفى صلواتُ اللهِ عليه أنّ لذّةَ الطعامِ لا تُحصَّلُ باختيارِ أَنْفُسِ الأطعمةِ وَأطيبِها، ولكنها تُحصَّلُ بحالةٍ تلابِسُ الآكلَ، ألا وهي الجوعُ.
والاعتدالُ في الطعامِ والشرابِ وسائرِ المباحاتِ أصلُ الطبِّ الوقائيِّ.
وفي الإسلامِ طبٌّ علاجيٌّ.. وهو تعاطي الدواءِ، والأخذُ بأسبابِ الشفاءِ، والطبُّ العلاجيُّ موافِقٌ للعقلِ والشرعِ؛ فهو موافقٌ للعقلِ لأنّ في استعمالِ الدواءِ جلباً للمنافعِ، ودفعاً للمضارِّ، وموافقٌ للشرعِ، لقولِ اللهِ تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] .
وقد بيَّنَ النبيُّ الكريمُ صلى الله عليه وسلم ما تنطوي عليه هذه الآيةَ، فقال: "تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلا أنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ".
وقد بيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّ الشفاءَ مِنَ المرضِ يحتاجُ إلى شرطين اثنين:
الأول: صحةُ تشخيصِ الداءِ، وصحةُ اختيارِ الدواءِ لهذا الداءِ، وهذا شرطٌ لازمٌ غيرُ كافٍ.
والثاني: إذنٌ مِنَ اللهِ لهذا الدواءِ أنْ يفعلَ فعْلَه، فيزيلَ أسبابَ المرضِ وأعراضَه، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى".
إنّ الطبيبَ له علمُ يدلُّ بهِ ... إنْ كانَ للناسِ في الآجالِ تأخيرُ
حتّى إذَا ما انقضتْ أيّامُ رِحلتِه ... حارَ الطبيبُ وَخانَتْه العقاقيرُ
(1/201)

والتدَاوِي لا يتناقضُ مع الإيمانِ بالقدرِ، ولا يتناقضُ مع التوكَّلِ، فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطََّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَدَعَاهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلاَ نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِمْ، فَقَالََ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلانِ، فَقَالَوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلى قَدَرِ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إبْلٌ هَبَطَتْ وَادِياً لَهُ عُدْوَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا خصبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، وَإنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّباً فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ،
(1/202)

فَقالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذا عِلْماً، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا سَمْعِتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ"، قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
قال الفقهاءُ: "إنّ استعمالَ الدواءِ المقطوعِ بفائدتِه بإخبارِ الأطباءِ لعلاجِ مرضٍ يقعِدُ المريضَ عن القيامِ بواجباتِه تجاهَ اللهِ وتجاهَ الناسِِ، أو مرضٍ يؤدِي بحياتِه، أو بعضوٍ من أعضائِه واجبٌ دينيٌّ يرقى إلى مستوى الفرضِ".
وهنا محلُّ الإشارةِ إلى أنّ الطبَّ في الإسلامِ اختصاصٌ، وفي الحديث عَنْ عَمْرِو ابْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ - أي معرفة بالطب - فَهُوَ ضَامِنٌ".

لكلّ داء دواء يستطبّ به
ومِن دلائلِ نبوّةِ النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيْبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ".
وفي هذا الحديثِ معانٍ عظيمةٌ، فقوله صلى الله عليه وسلم: "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ" يرفعُ روحَ المريضِ المعنويةَ، وحالتَه النفسيةَ التي تساعدُ كثيراً على شفائِه من مرضِه، وفي هذا الحديثِ الشريفِ تشجيعٌ للعلماءِ والباحثين على الاجتهادِ والبحثِ عن دواءٍ لكلِّ داءٍ لم يُكتشَفْ له علاجٌ، وفي هذا الحديثِ الشريفِ تنبيهٌ إلى دقةِ التشخيصِ وصولاً لاختيارِ العلاجِ المناسبِ.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ" فيه إشارةٌ إلى ضرورِ دقةِ التشخيصِ للمرضِ، وإشارةٌ إلى ضرورةِ حُسْنِ اختيارِ الدواءِ المناسبِ لهذا المرضِ، من حيث النوعُ والكمُّ، وتقصِّي أقلِّ الأعراضِ الجانبيةِ حدوثاً.
(1/203)

لكنّ البرءَ في النهايةِ لا يكون حتماً عند الإصابةِ في التشخيصِ، والإصابةِ في اختيارِ الدواءِ المناسبِ بالكميةِ المناسبةِ، وفي الوقتِ المناسبِ، هذه كلُّها شروطٌ لازمةٌ، ولكنّها غيرُ كافيةٍ، فلا بد مِن أنْ يسمحَ اللهُ للدواءِ أنْ يفعلَ فِعْلَهُ في العاملِ الممرضِ، شفاءً، أو تخفيفاً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: "بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ".
إنّ ممّا يكمِّلُ الأخذَ بالأسبابِ التوجهَ إلى الله بالدعاءِ، لأنه مسبِّبُ الأسبابِ، لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَاتِ"، وروي عنه: "الصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ تٌُطْفِئ غَضَبَ الرَّبِّ"، وروي عنه: "بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ الْبَلاَءَ لاَ يَتَخَطَّاهَا".

العبادات شفاءٌ من أمراض كثيرة وهي معللة بمصالح الخلق
يقولُ الإمامُ الشافعيُّ: "العباداتُ مُعَلَّلَةٌ بِمَصالحِ الخَلْقِ"، أي إنّ العباداتِ لو أُدِّيَتْ على النحوِ الذي أرادَهُ اللهُ لجَعَلَتْ من المؤمنِ شخصيَّةً فذَّة، إليها تنجذبُ النفوسُ، وبها تتعلّقُ الأبصارُ، ومِن نورِها تهتدِي القلوبُ.
لو أُدِّيَتِ العباداتُ على النحوِ الذي أرادَهُ اللهُ لجَعَلَتْ مِن المؤمنِ رجلاً نيِّرَ الذِّهنِ والقلبِ معاً، حادَّ البصرِ والبصيرةِ جميعاً، تتعانقُ فكرتهُ وعاطفتهُ، فلا تدري أيّهما أسبقُ؟ صدْقُ أدبهِ أم حُسْنُ معرفتِه؟! ولا تدري أيّهما أرْوَعُ؛ خُصوبةُ نفسِه أم فطانةُ عقلِه؟
لو أُدِّيَتِ العباداتُ على النحوِ الذي أراد الله عز وجل لجَعَلَت من المؤمنَ ذا أفقٍ واسعٍ، ونظرٍ حديدٍ، ومُحاكمةٍ سليمةٍ، ولجعَلتْهُ منغمساً في سعادةٍ لا تقْوَى مُتَعُ الأرضِ الحِسيَّةُ أن تصرفَهُ عنها، ولجعلتْهُ ذا أخلاقٍ أصيلةٍ، لا تستطيعُ سبائكُ الذهبِ اللامعةُ، ولا الضّغوطُ المانعةُ أنْ تقوِّضَها.
المؤمنُ الحقُّ كالجبلِ رسوخاً، وكالصّخرةِ صلابةً، وكالشمسِ ضياءً، وكالبحرِ عمقاً، وكالسماءِ صفاءً، وكالربيعِ نضارةً، وكالماء عذوبةً، وكالعذراءِ حياءً، وكالطّفلِ وداعةً.
(1/204)

أمّا إذا حَادَ الإنسانُ عن مبادئ فطرتِه، ولم يعبدِ اللهَ عز وجل، وخَرَقَ حدودَ إنسانيّتهِ بالإثمِ والعُدوانِ اخْتلّ توازنُه الداخليُّ، وأحسّ بِكَآبةٍ مُدمّرةٍ لِصِحَّتِهِ النفسيّةِ، وهذا ما يُسمّيه علماءُ النفسِ، أو أطباءُ النفس التوتّرَ النفسيَّ، الذي هو سببٌ رئيسٌ لكثيرٍ من الأمراضِ، وبها نصلُ إلى حقيقةٍ خطيرة، وهي أنّ أكثرَ الأمراضِ تكمُنُ أسبابُها في التوتّراتِ النفسيّةِ، وفي الكسلِ العضليِّ.
من الأمراضِ العُضويّةِ ذاتِ الأسبابِ النفسيّةِ تسرّعُ ضرباتِ القلبِ، واضطرابُ نظْمِ القلبِ، وتضيّقُ الشرايينِ، وارتفاعُ ضغطِ الدمِّ ذو المنشأ العصبيِّ، وتقرّحاتُ الجهازِ الهضميِّ، وأمراضُ الحساسيّةِ، وأمراضُ الأعصابِ، والشللُ العضويُّ ذو المنشأِ النفسيِّ، وحينما يصطلحُ الإنسانُ مع اللهِ، ويتُوبُ من ذنوبِه، ويستقيمُ على أمْرِ ربِّه، ويعملُ الصالحاتِ تقرُّباً إليه، يشعرُ بأنّه أُزيحَ عن صدرِه كابوسٌ ضاغِطٌ، كأنّه جبلٌ جائمٌ، وأنّ ظلماتٍ بعضُها فوقَ بعضٍ قد تبدَّدتْ من أمامِه.
يشعرُ المؤمنُ بمشاعرَ من السعادةِ لا توصفُ، وأنّ مشاعرَ الكآبةِ والضِّيقِ قد اختفَتْ إلى غيرِ رَجْعةٍ، وعندئذٍ يشعرُ أنّ في قلبهِ من الطمأنينةِ والسعادةِ ما لو وُزِّعَتْ على أهلِ بلدٍ لأسْعَدَتْهُم جميعاً، وعندها تتأثَّرُ العضويّةُ بهذه الصحّةِ النفسيّةِ تأثُّراً إيجابيّاً، فتزولُ أكثرُ أعراضِ الأمراضِ العضويّةِ ذات المنشأ النفسيِّ.
إنّ التوبةَ والعملَ الصالحَ أساسُ الصحّةِ النفسيّةِ، فإذا أردْتَ نفساً صحيحةً متألّقةً عاليَةَ المعنوياتِ متفائلةً فعليك بالصُّلْحِ مع اللهِ، فإذا اصطلحْتَ معه صلُحَتْ حياتُك كلُّها، لهذا وَرَدَ عن الرسول عليه الصلاةُ والسلامُ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا"، أيْ إذا اسْتَقَمْتُم فلن تُحصوا الخيراتِ التي تجنونها مِن استقامتِكم.
(1/205)

ولا شكَّ أنّ العباداتِ من صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وزكاةٍ عباداتٌ أَمَرَنَا اللهُ بها، وقد علَّلها في القرآنِ الكريمِ تعليلاً طيِّباً، فقال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103] .
وقال تعالى: {اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر} [العنكبوت: 45] ، وقال سبحانه: {ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
هذه العباداتُ بيَّنَ اللهُ جلّ جلالُه حِكمتَها، ولكنَّ هذا البيانُ الإلهيَّ لا يمْنعُ أنْ يكونَ لها حِكَمٌ أخرى كثيرةٌ جدّاً، فمثلاً علماءُ التربيةِ البدنيّةِ خطَّطوا لِتَمريناتٍ معتدلةٍ يستطيعُها كلُّ الناسِ في كلِّ الأعمارِ، وفي كلِّ الأوقاتِ، وفي كلِّ الأمكنةِ، لا تؤذِي قلوبَهم، ولا تيبّسُ عضلاتِهم، فرسَمُوا حركاتٍ، وسكناتٍ، وتمريناتٍ تُطابقُ حركاتِ الصلاةَ تَطابُقاً تامّاً، فهذه الصلاةُ التي أمَرَنا اللهُ بها إضافةً إلى أنّها تقرِّبنا إلى اللهِ، وتذكّرنا به، وتَصِلُنا به، هي كذلك ذاتُ فائدةٍ لأجسامِنا، فهذه الحركاتُ، والقيامُ، والركوع، والسجود لها فوائدُ كثيرةٌ لجسمِ الإنسانِ.
(1/206)

إنّ بعضَ البلادِ المتخلّفةِ تعاني من أمراضٍ كثيرةٍ وشائعةٍ، فهناك أمراضٌ تُصيب العينينِ، إلا أنّ هذا المرضَ في البلادِ الإسلاميةِ ينحسرُ بسببِ الوُضوءِ، مَن منّا يُصدّقُ أنّ الوُضوءَ، وحركاتِ الصلاةِ التي هي أوامرُ تعبديّةٌ ليس غير، هي في حقيقتِها أيضاً، إضافةً إلى فوائِدها الروحيّةِ والتعبديّةِ تنفي عن الإنسانِ أمراضاً كثيرةً، ولا أنسى أنّ امرأةً ذهبتْ إلى بلدٍ غربيٍّ لِتُعالَج من مرضَ، ألا وهو داءُ الشقيقةِ، آلامٌ مستمرّةٌ في الرأسِ، طبيبٌ لا يعرفُ اللهَ عز وجل سألَها: مِن أينَ أنتِ؟ فقالت: مِن سورية، قال: أَتُصلّينَ؟ قالت: لا، فقال: صلِّي يذهبْ ما بِكِ! فعَجِبَتْ وانزعجَتْ، عَجِبَتْ مِن أنّها ركبَتِ الطائرةَ، ودفعَتْ آلافَ الليراتِ لِيُقالَ لها: صلّي، ولكنّها لمْ تعْجَبْ حينما بيّنَ لها الطبيبُ أنّ أحدَ أسبابِ الشقيقةِ ضعْفٌ في ترويَةِ الشرايينِ في الدّماغِ، وأنّ السُّجودَ يُوسِّعُ هذه الشرايينَ، ويجعلُ الدّمَ يتدفّقُ نحو الرأسِ، فهذا السّجودُ، وذاك الركوعُ، وهذا الوُضوءُ، هذا كلُّه في أصلِه عباداتٌ، وقرباتٌ، واتّصالٌ باللهِ، ولكن لو درسهُ علماءُ متخصِّصون، وعلماءُ في التربيَةِ البدنيّةِ، وعلماءُ في أمراضِ الأوعيَةِ والشرايينِ لوَجَدُوا العجَبَ العُجابَ.

الأطباء يتخلّون عن الفصل بين الدين والعلم
في غرفةِ معاينةٍ في المركزِ الطبِّي التابعِ لإحدى الجامعاتِ الكبرى استمعتِ الطبيبةُ إلى مريضتِها، وهي في الرابعة والخمسين من العمرِ، وقد تعرضَّتْ مؤخراً لأزمةٍ قلبيةٍ، وتشكو مِن ضيقِ دائمٍ في التنفسِ، ولكنْ بَعدَ المعاينة بدَا واضحاً للطبيبةِ أنّ مريضتَها لا تحتاجُ إلى دواءٍ إطلاقاً، وبدلاً من ذلك اقترحتِ الطبيبةُ علاجاً أثبتَ أنّ له قوةَ شفاءٍ كبيرةً في كثيرٍ من الدراساتِ، ما هو هذا الدواءُ؟ اقترحتْ الطبيبةُ على مريضتِها أنْ تصلِّيَ لله عز وجل، وعلى هذا تصافحتِ المرأتان، وأحْنَتَا رأسَيْهما، وتَمْتَمَتا بالصلاةِ.
(1/207)

كان هذا اللقاءُ وهذا العلاجُ دليلاً على تغيُّرٍ بطيءٍ وهادئٍ تشهدُه مهنةُ الطبِّ، وأنّ تصفَ لمريضٍ وصفةً تنصحُه فيها بأنْ يصلِّيَ، وأنْ يتصلَ باللهِ، وأنْ يتوبَ إلى اللهِ، وأنْ يصطلحَ مع اللهِ، وهذا جزءٌ من العلاجِ، واكتُشِفَ هذا لا مِن بابِ التعبُّدِ، ولا منْ بابِ تطبيقِ منهجِ اللهِ، اكتشف هذا مِن التجارِبِ.
ولا أحدَ يعلمُ كمْ مِن الأطباءِ الذين يأمرون مرضَاهم بالصلاةِ، لكنَّ عدداً متزايداً مِن الأطباءِ في كلِّ أنحاءِ الولاياتِ المتحدةِ يتخلون عن الفصلِ التقليديِّ بين الدِّينِ والعلمِ، ويكتشفون الفوائدَ الشفائيةَ للصلاةِ.
وأظهرَ استطلاعٌ أُجرِيَ في اجتماعٍ سنويٍّ ضَمَّ أكثرَ مِن مئتين وخمسين طبيباً، أن تسعةً وتسعينَ بالمئةِ مِن الأطباءِ وجدوا أنّ هناك فائدةً ملموسةً واضحةً عند مرضاهم حينما يدعُونَهم إلى الصلاةِ.
وفي جامعةٍ أخرى حَضَرَ أكثرُ من ألفِ شخصٍ يعملون في مجالِ الصحةِ مؤتمراً، أكّدوا فيه أيضاً العلاقةَ بين الشفاءِ والصلاةِ.
وقال بعضُهم: "إنّ الرأيَ الغالبَ سابقاً كان أنّ العلمَ لا يتناسبُ مع الدينِ"، وأضافَ قائلاً: "إنّ الشجاعةَ ما زالتْ غيرَ كافيةٍ للاعترافِ بقوةِ تأثيرِ الصلاةِ، وإنّ هناك فراغاً فيما يتعلقُ بالعنايةِ الكاملةِ لمرضَانَا".
هذا المريضُ حينما يصطلحُ مع اللهِ، حينما يتصلُ باللهِ يقوَى جهازُ مناعتِه، وهذه حقيقةٌ علميةٌ.
جهازُ المناعةِ هو الجهازُ الرائعُ المدهشُ، الذي خَلَقَهُ اللهُ في الإنسانِ ليكافحَ المرضَ، ليكافحَ السرطانَ، ليكافحَ كلَّ خللٍ في جسمِ الإنسانِ، هذا الجهازُ الخطيرُ المبدِعُ يقوَى بالاتصالِ باللهِ، يقوى بالحبِّ، يقوى بحالةِ الأمنِ، يقوى بالطمأنينةِ، يقوى بالثقةِ.
وهذا الجهازُ يضعفُ بالقلقِ، فالأيمانُ صحةٌ، بالمعنى الدقيق للكلمةِ، بالمعنى الاصطلاحيِّ.
وقال آخرُ، وهو مديرُ معهدٍ وطنيٍّ للأبحاثِ العلميةِ، "كنا نشعر من قبلُ أنّ إثارةَ موضوعِ الدِّينِ مع مَرضانا هو ضدّ آدابِ المهنةِ، أمَّا الآن فقد أصبحَ ضرورةً تُملِيها طبيعةُ المهنةِ، وحاجةُ النفسِ".
(1/208)

إنّ الدافعَ لاهتمامِ الأطباءِ بالدِّينِ هو أنّ المرضى يريدون مِن أطبائِهم أَخْذَ توجيهاتٍ روحيةٍ في المعالجةِ، ذلك أنّ بعضَ الإحصاءاتِ الأخيرةِ تبيِّنُ أنّ ألْفَ إنسانٍ سُئِلوا عن علاقةِ الشفاءِ بالصلاةِ، أربعةٌ وستون بالمئةِ ممّن شملَهم هذا الاستطلاعُ أكّدوا أنّ هناك علاقةً قويةً بين الشفاءِ والتَّدَيُّنِ الصحيحِ، أو الاتصالِ باللهِ عز وجل.
تقولُ بعضُ المريضاتِ: "أنا أشعرُ بثقةٍ لا حدودَ لها حينما أشعرُ أنّ الطبيبَ موصولٌ بقوةٍ عُلْيَا، وأنه يعطيني توجيهاتٍ مِن عندِ الخالقِ"، وقد تعينُ هذه الفكرةُ جِسْمَها على الشفاءِ.
وتظهرُ بعضُ الدلائلِ العلميةِ بشكلٍ متزايدٍ أنّ الصلاةَ يمكن أنْ تساعدَ في تخفيفِ كثيرٍ من الأمراضِ، حتى تلك الأمراض التي تبدو أنها مِن عضالِ الداءِ التي لا شفاءَ لها، وأظهرتِ الدراساتُ الأخيرةُ، وهي في الإجمالِ على أكثرَ من مئتين أنّ المتَدَيِّنين يكونُ ضغطُ الدمِ عندهم أَخَفَّ، وقلوبُهم أكثرَ صحةً.
لأنّ ضغطَ الدم أساسُه ضغطُ الهمِّ، وهمُّ المؤمنُ هو اللهُ، اجعلِ الهمومَ همّاً واحداً يَكْفِكَ الهمومَ كلَّها، اعمل لوجهٍ واحدٍ يَكْفِكَ الوجوهَ كلَّها.
وأظهرتِ الدراساتُ أيضاً أنّ الصحةَ العقليةَ تتحسّنُ على نحوٍ أكبرَ لدى المرضى الذين يُصَلُّون، فَهُمْ أقلُّ عرضةً للإحباطِ، وأقلُّ عرضةً للداء المزمنِ، كما أنهم لا يبادرون إلى الانتحارِ.
(1/209)

إنّ الإنسانَ المتديِّن ضغطُه جيدٌ طبيعيٌّ، وقلبُه قويٌّ، والسببُ أنّه مطمئنٌ باللهِ عز وجل، مستسلمٌ لأمره، {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} [التوبة: 51] ، يقيمُ منهجَه، ويستسلم له، دققوا في هذا الحديث الصحيح، فعَنْ مُعَاذٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ: فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ ألاَّ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: "لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا".
إنّ اللهَ عز وجل أنشأَ لنا حقاً عليه؛ ألاَّ يعذِّبَنا، فحينما يتصلُ المؤمنُ باللهِ، ويطيعُه في كلِّ شؤونِ حياتِه يشعرُ بالأمنِ، قال سبحانه على لسانِ نبيِّه إبراهيمَ عليه السلام: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولائك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81-82] .
هؤلاءِ العلماء ما بابِ الدراساتِ، والتجارِبِ، والبحوثِ وصلوا إلى أنّ المريضَ المتديِّنَ، المريضَ الموصولَ باللهِ عز وجل، المريضَ الذي يأوي إلى ركنٍ شديدٍ، هذا المريضُ أسرعُ شفاءً، وأكثرُ صحةً من الذي قُطعَ عن اللهِ عز وجل بقواطعِ الذنوبِ، هؤلاء الأجانبُ يبحثون عن الحقيقةِ، وقد وصلوا إلى طرفِِها مؤخَّراً.

الحجامة: فوائدها واستطباباتها
(1/210)

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ لَيْلَةٍ أُسْرِيَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَمُرُّ عَلَى مَلأً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِلا أَمَرُوهُ: أَنْ مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ"..
وروى البخاريُّ عن أنسٍ رضي الله عنه أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ".
وقد تحدَّثَ العلماءُ المسلمون عن الحجامةِ، وعن استطباباتِها، فقالوا: "إنّ أوَّلَ استطباباتِ الحجامةِ تبيُّغُ الدمِ"، والتبيّغُ هو التهيُّجُ، وتبيُّغُ الدمِ زيادتُه، والمقصودُ بتهيُّجِ الدمِ وزيادتِه ارتفاعُ الضغطِ، أو كما يسمى في المصطلحِ العلميِّ ارتفاعَ التوترِ الشرياني.
ومِن أعراضِ ارتفاعِ الضغطِ، أو فرطِ التوترِ الشريانيِّ الصداعُ، وحسُّ الامتلاءِ في الرأسِ، والدوارُ، وسرعةُُ الانفعالاتِ، والاضطراباتُ البصريةُ.
إنّ بعضَ الأطباءِ يسمِّي ضغطَ الدمِ ضغطَ الهمِّ، فيتبيَّغُ الدمُ ويتهيَّجَ، وتزيدُ كميّتُه، ولا سيما في فصلِ الربيعِ، مع قدومِ الحرِّ، وفي الحديث: "مَنْ أرَادَ الحِجَامَةَ فَلْيَتَحَرَّ سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلا يَتَبَيَّغْ بِأَحَدِكُمُ الدَّمُ فَيَقْتُلَهُ".
وثمة استطبابٌ آخر: هو الصداعُ، وآلامُ الرأسِ، فالصداعُ يرافقُ ارتفاعَ الضغطِ، وهناك صداعٌ وعائيٌّ بسببِ تضيُّقِ شرايينِ الدماغِ.
أخرجَ أبو داودَ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَجَعاً فِي رَأْسِهِ إِلا قَالَ: احْتَجِمْ".
استطبابٌ ثالثٌ: مرضُ الشقيقةِ، فقد أخرجَ البخاريُّ في صحيحِه عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما "أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ".
(1/211)

هناك استطباباتٌ أخرى للحجامةِ، ولكنَّ الشيءَ الذي يلفتُ النظرَ أنّ الذي يصلِّي، ويخفِضُ رأسَه في الركوعِ مرّتين، وفي السجودِ مرتين، على مدارِ اليومِ، والأسبوعِ، والشهرِ، والسنةِ، إنّ هذا الانخفاضَ، والارتفاعَ في الرأسِ يسبِّبُ حالةً مِن مرونةِ الشرايينِ، فإذا خفضَ رأسَه احتقنَ الدمُ في شرايينِ المُخِّ، وإذا رفعَه هَبطَ الضغطُ فجأةً، ومِن ارتفاعِ الضغطِ وهبوطِه ينشأُ في الشرايينِ ما يُسمَّى المرونةَ، التي تَقِي الشرايينَ مِن تصلُّبِها، ومِن انفجارِها.
والشيءُ الذي نسمعُه كثيراً هو أمُّ الدَّمِ، وهو انفجارٌ في أحدِ شرايينِ المخِّ، فلماذا هذا الانفجارُ؟ إنه بسببِ ارتفاعِ الضغطِ، ولكن لماذا الانفجارُ مع ارتفاعِ الضغطِ؟ لأنّ الشرايينَ قد تَصلَّبتْ، غيرَ أنّ الذي يصلُّي لو ارتفعَ ضغطُه فإنّ في شرايينِ مُخِّهِ مرونةً كافيةً تَقِيهِ تصلُّبَها، وانفجارَها.
شيءٌ آخرُ، إن حسنَ ترويةِ الدماغ شيءٌ أساسيٌ في الصحةِ، فطبيعةُ السجودِ في الصلاة تجعلُ الدمَ يتحرّكُ، وبتحرُّكِه يوسِّع الشرايينَ، وإنّ أكثرَ الأمراضِ التي تصيبُ الرأسَ هي بسببِ تضيُّقِ الشرايينِ، فهذا الذي يسجدُ لله عزَّ وجل ربما لا يدري أنه يصونُ شرايينَ الدماغِ مِنَ التصلُّبِ، والانفجارِ، والتَّلَفِ.
شيءٌ آخرُ؛ قال العلماءُ: "إنّ في الجسمِ معاملَ لكرياتِ الدمِ الحمراءِ، وهذه المعاملُ موجودةٌ في نِقْي العظامِ، حيث إنّ كلَّ أنواعِ العظامِ في داخلِها فراغٌ، هذا الفراغُ فيه معاملُ كرياتِ الدمِ الحمراءِ، التي تصنعُ في الثانيةِ الواحدةِ ما يزيدُ على مليونينِ ونصفِ مليونِ كريةٍ حمراءَ، كما زوَّدَ ربُّنا سبحانه وتعالى الجسمَ بمعاملَ احتياطيةٍ".
فالكبدُ والطحالُ معملانِ احتياطيانِ لكرياتِ الدمِ الحمراءِ في حالِ توقُّفِ المعاملِ الأساسيةِ عن الإنتاج.
إنّ ثمّةَ مرضاً خطيراً اسمُه فَقرُ الدمِ اللامُصَنِّعِ، يصيبُ الإنسانَ حين تتوقفُ هذه المعاملُ فجأةً عن عملِها دونَ أنْ نعرفَ السببَ، فما الذي يصونُ هذه المعاملَ؟ وما الذي ينشِّطُها؟.
(1/212)

لقد عرفَ العلماءُ أخيراً أنّ نَقْصَ كميةِ الدمِ في الشرايينِ يحثُّها على العمل، ِ وعلى الصيانةِ، وعلى زيادةِ إنتاجِها، مِن هنا تأتي الحجامةُ، فإذا قلَّتْ كمياتُ الدمِ في الشرايينِ بفعلِ الحجامةِ يحُثُّ حينئذٍ هذا النقصُ معاملَ كرياتِ الدمِ الحمراءِ، وتُصانُ، ويزيدُ نشاطُها بهذا النقصِ، لذلك قال العلماءُ: "إن النقصَ المنتظمَ للدمِ يسهمُ في صيانةِ هذه المعاملِ".
إنّ هذه المشكلةَ محلولةٌ عند النساءِ بسببِ الدورةِ الشهريةِ، إذ تفقدُ المرأةُ من دمِها كلَّ شهرٍ جزءاً، وهذا يقيِها الإصابةَ بهذه النوباتِ، ويعلمُ الأطباءَ أنّ الإصابةَ بهذه النوباتِ عند النساءِ أقلُّ من إصابةِ الرجالِ، لكنّ الرجالَ أُمِروا بالحجامةِ تنفيذاً لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبعد انقطاعِ الطمثِ تتساوى نسبةُ الإصابةِ بين الذكورِ والإناثِ.
هذه رؤيةٌ أراها اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم، فلذلك ثمةَ أحاديثُ تزيد على سبعة عشر حديثاً وردت في الحجامةِ، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَرَادَ الحِجَامَةَ فَلْيَتَحَرَّ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلا يَتَبَيَّغْ بِأَحَدِكُمْ الدَّمُ فَيَقْتُلَهُ".
ووقتُ الحجامةِ في أولِ قدومِ فصلِ الربيعِ، مع اشتدادِ الحرِّ.
في جسمِ الإنسانِ جهازُ رقابةٍ على الدمِ خطيرٌ جداً، هذا الجهازُ يراقبُ كميةَ الدمِ على نحوٍ مستمرٍّ، ويعرِفُ ما يطرأُ على الدمِ من زيادةٍ أوْ نقصانٍ، فإذا طَرَأَ عليه نقصانٌ أعطى هذا الجهازُ إشارةً إلى معاملِ كرياتِ الدمِ الحمراءِ في نقي العظامِ كي تزيدَ من إنتاجِها، ليعودَ الدمُ إلى وضْعِه الطبيعيِّ، مِن هنا تأتي الحجامةُ كسنَّةٍ نبويةٍ لها هدفٌ صحيٌّ كبيرٌ.
قرأتُ بحثاً لمؤلّفٍ لا يعرف إنْ كان في الإسلامِ حجامةٌ، حيث إنقاصُ الدمِ كلَّ عامٍ مرةً أو مرتين، يقولُ هذا المؤلِّفُ الغربيُّ: "إنّ فقدانَ الدمِ بانتظامٍ قد يؤدِّي إلى حمايةِ الإنسانِ من النوباتِ القلبيةِ".
وهناك مقالةٌ مطولةٌ متعلقةٌ بتركيبِ الحديدِ في الدمِ، فإذا زادَت شواردُ الحديدِ في عضلةِ القلبِ أضْعَفَها، وسبَّبَ بعضَ الأزماتِ القلبيةِ.
(1/213)

وهناك كتابٌ يزيدُ على ألفيْ صفحةٍ عنوانهُ: "أمراض الدمِ"، فالدمُ عالَمٌ قائمٌ بذاتِه، والمصلُ والكرياتُ الحمراءُ، والكرياتُ البيضاءُ، والصفائحُ، عددُها، وتولُّدُها، وموتُها، وحركتُها، ووظائفُها، شيء عجيبٌ، يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
قال ابن القيم في زاد المعاد: "وأما منافعُ الحجامةِ فإنها تنقِّي سطحَ البدن أكثرَ من الفصدِ، والفصدُ لأعماقِ البدنِ أفضلُ، والحجامةُ تستخرجُ الدمَ من نواحي الجلدِ، قلت: والتحقيقُ في أمرِها وأمرِ الفصدِ أنهما يختلفانِ باختلافِ الزمانِ والمكانِ والأسنانِ والأمزجةِ، فالبلادُ الحارّةُ والأزمنةُ الحارّةُ، والأمزجةُ الحارّةُ التي دَمُ أصحابِها في غايةِ النضجِ الحجامةُ فيها أنفعُ من الفصدِ بكثيرٍ، فإنّ الدمَ ينضُجُ، ويرقُّ، ويخرجُ إلى سطحِ الجسدِ الداخل فتخرِجُ الحجامةُ ما لا يخرِجُه الفصدُ، ولذلك كانت أنفعَ للصبيانِ مِن الفصدِ، ولِمَن لا يقوَى على الفصدِ، وقد نَصَّ الأطباءُ على أنّ البلادَ الحارّةَ الحجامةُ فيها أنفعُ وأفضلُ من الفصدِ، وتستحبُّ في وسطِ الشهرِ، وبعدَ وسطِه، وبالجملةِ، وفي الرُّبعِ الثالثِ مِن أرباعِ الشهرِ، لأنّ الدمَ في أوَّلِ الشهرِ لم يكن بعدُ قد هاجَ، وتَبَيَّغَ، وفي آخرِه يكونُ قد سَكَنَ، وأما في وسطِه وبعيدَه فيكونُ في نهايةِ التزيُّدِ.
قال صاحبُ القانونِ: ويُؤمَر باستعمالِ الحجامةِ لا في أولِ الشهرِ، لأنّ الأخلاطَ لا تكونُ قد تحركتْ، وهاجتْ، ولا في آخرِِه، لأنها تكونُ قد نقصتْ، بل في وسطِ الشهرِ حين تكونُ الأخلاطُ هائجةً بالغةً في تزايُدِها لتزيدَ النورَ في جِرم القمرِ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيرُ ما تداويتم به الحجامةُ والفصدُ"، وفي حديثٍ: "خيرُ الدواءِ الحجامةُ، والفصدُ".

أمراض القذارة
من الإحصاءاتِ الطريفةِ والخطيرةِ التي أَجْرَتْهَا إحدى المؤسساتِ العلميةِ المعنيةِ بشؤونِ الصحةِ على مستوى العالَمِ كلِّه أنّ أمراضَ القذارةِ؛ التي تنتقلُ عن طريقِ تلوُّثِ اليدينِ والماءِ والطعامِ، فتصيبُ الجهازَ الهضميَّ بأبلغِ الأضرارِ هي كما يلي:
(1/214)

هناك على مستوى العالَمِ كلِّه ثلاثون مليونَ إصابةٍ بالحمى التيفيةِ، وستمئة مليون إصابةٍ بالتهاباتِ الأمعاءِ، ومئتان وخمسون مليونَ إصابةٍ في الزُّحارِ، وسبعةُ ملايين إصابةٍ بالكوليرا، وخمسةُ ملايين إصابةٍ بالتهابِ الكبدِ الوبائيِّ، وأنه يذهبُ ضحيةَ هذه الأمراضِ ثلاثةُ ملايين إنسانٍ كلَّ عامٍ، هذه لا نسمع بها، نحن نسمعُ أخبارَ الحروبِ الأهليةِ، وأخبارَ الزلازلِ، وأخبارَ سقوطِ الطائراتِ، أما هذه الأرقامُ؛ ثلاثةُ ملايين إنسانٍ يموتون كلَّ عامٍ بسببِ قذارتِهم، وبسببِ مخالفتِهم لاتِّباعِ السنةِ، ونصفُ هؤلاءِ من الأطفالِ، نتيجةَ عدمِ الاهتمامِ بنظافةِ اليدينِ، وغسلِهما قبلَ الطعامَ فإننا لا نسمعها ولا نوليها اهتماماً، وقد رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ".
ووضوءُ الطعامِ غسلُ اليدينِ قبلَه، وغسلُُ الفمِ، وغسلُ اليدين من السُّنةِ، والاهتمامُ بالاستنجاءِ، أي بالنظافةِ التامةِ بعدَ قضاءِ الحاجةِ، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا شَربَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلاءَ فَلاَ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بيَمِينِهِ، وَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ".
(1/215)

إنّ التنفُّسَ في الإناءِ أحدُ أسبابِ العدوى، لذلك: نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَن النَّفْخِ في الشُّرْبِ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الإِنَاءِ؟ قالَ: "أَهْرِقْهَا" قَالَ: فَإنِّي لاَ أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ، قَالَ: "فَأَبِنْ الْقَدَحَ - إذن - عَنْ فِيكَ"، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَن الشُّرْبِ مِنْ ثَلْمَةِ الْقَدَحِ، وَأَنْ يُنْفَخَ فِي الشَّرَابِ"، أي القدح المشعور، لأنّ هذه الثلمةَ تحتوي على الجراثيمِ، كما أَمَرَنا بقصِّ الأظافرِ، وأَمَرَنا بِدَلْكِ البراجمِ، رؤوسِ الأصابعِ، وكذلك مَن أكل فاكهةً دون أنْ يغسلَها فكأنه أكل الترابَ، وإذا أَتى أحدُكم الخلاءَ فلا يتمسَّحْ بيمينِه، لأن يمينَه يأكلُ بها، ويصافحُ الناسَ بها، فإذا تمسّحَ بيمينِه فقد نقلَ المرضَ إلى الناسِ كلِّهم، هذا من توجيهاتِ النبي صلى الله عليه وسلم، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه سمع رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يبولن أحدكم فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه".
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ" قِيلَ: مَا الْمَلاَعِنُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ فِيهِ، أَوْ فِي طَرِيقٍ، أَوْ فِي نَقْعِ ماءٍ".
هذه توجيهاتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قبْل أن يكونَ هناك علمُ الجراثيمِ، وعلمُ الأمراضِ المعديةِ، وهذا تقريرُ منظَّمةٍ تُعنَى بالصحةِ على مستوى العالَمِ، ولا تهتمُّ إطلاقاً بأمرِ الدينِ، تقولُ: ثلاثةُ ملايين إنسانٍ يموتون كلَّ عامٍ، ولا ندري بهم نحنُ، يموتون بسببِ عدمِ نظافةِ اليدين، وعدمِ غسلِهما قبلَ الطعامِ، وعدمِ الاهتمامِ بالاستنجاءِ، فقد جاء هذا الدينُ الحنيفُ ليبيِّنَ للناسِ الصراطَ المستقيمَ، وإنّ هذا القرآنَ يهدي للتي هي أَقْوَمُ، وإنّ اللهَ يحبُّ التوابين، ويحبُّ المتطهِّرين.

العصاب
(1/216)

جاءَ في كتبِ علمِ النفسِ، ولا سيما كتبِ الأمراضِ النفسيةِ أنّ العُصابَ انفعالٌ لا يُعْرَفُ له أساسٌ تشريحيٌّ.
هو مرضٌ نفسيٌّ، أو هو مرضٌ وظيفيٌّ، ليس له أساسٌ عضويٌّ، في العُصابِ توترٌ نفسيٌّ مع احتفاظِ الشخصِ بسلامةِ قُواه العقليةِ؟
يقولُ علماءُ النفسِ: "إنّ من أهمِّ أنواعِ العُصاب عُصابَ القلقِ، وهو أكثرُ العُصاباتِ انتشاراً، يكونُ مؤقّتاً، ويكون مستمراً عَرَّفَهُ بعضُهم بأنه شعورٌ معمَّمٌ بالانزعاجِ البغيضِ، وتَرَقُّبِ الخطرِ، والخوفِ الناجمِ عن خطرٍ متوقَّعٍ مجهولِ المصدرِ".
اطَّلَعَ أحدُ الأدباءِ الكبارِ على مذكراتِ صديقٍ له من أهلِ الغِنَى، واليسارِ، والجاهِ، والشأنِ، يقولُ هذا الغنيُّ الكبيرُ: "إنني أعيشُ في خوفٍ دائمٍ، في رعبٍ من الناسِ، والأشياءِ، ورعبٍ مِن نفسي، لا الثروةُ أعطتْنِي الطمأنينةَ، ولا المركزُ الممتازُ أعطانِيهَا، ولا الصحّةُ، ولا الرجولةُ، ولا المرأةُ، ولا الحبُّ، ولا السهراتُ الحمراءُ، ضِقْتُ بكلِّ شيءٍ بعدَ أنْ جرَّبتُ كلَّ شيءٍ، إنني أكرهُ نفسي، وأخافُ من نفسي، ألا ترى الأشباحَ مِن حَوْلي؟ ألا تحسُّ بالخوفِ يفتحُ فمُه لِيَلْتَهِمَنِي؟ لِمَ هذا الخوفُ؟ الهمومُ ليست لي هموماً، إنّ كلَّ شيءٍ بين يديَّ، فلماذا أنا خائفٌ إذاً؟ ربما كنتُ خائفاً لأنه لا يوجدُ شيء أخافُ منه، إنني خائفٌ من المجهولِ الذي لا أعرفهُ، إنني تائهٌ في الحياةِ، لأنني بلغتُ قمةَ الحياةِ، إن الحياةَ الآن هي عَدُوِّي الأولُ، إنني أخافُ من الحياةِ نفسِها".
يقولُ علماءُ النفسِ، وهم يتحدَّثون عن حاجاتِ الإنسانِ: "الإنسانُ بحاجةٍ إلى الأمنِ، ولكنْ أين هو الأمنُ؟ سيوفُ الأمراضِ المُسَلَّطةِ على الناسِ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، خوفٌ من الورمِ الخبيثِ، خوفٌ من أزمةٍ قلبيةٍ، خوفٌ من عجزٍ، خوفٌ من شللٍ، خوفٌ على الرزقِ الناسُ بحاجةٍ إلى الأمن، وبحاجةٍ إلى النجاحِ، وبحاجةٍ إلى الحبِّ"، وقد أغفلَ علماءُ النفسِ أنَّ الإنسانَ قَبْلَ كلِّ هذه الحاجاتِ بحاجةٍ إلى الإيمانٍ، لأنك إذا آمنتَ اطمأنَنْتَ، أحببتَ الخَلْقَ كلَّهم، لأنهم عِيَالُ اللهِ، وإذا آمنتَ نجحتَ في تحقيقِ سرِّ وجودِك.
(1/217)

لقدْ فرَّقَ العلماءُ بين الخوفِ الإيجابيِّ، والخوفِ السلبيِّ، فإذَا خِفْتَ مِن اللهِ، واستقمتَ على أمرِه فمن أجلِ أنْ تطمئنَّ، إذاً الخوفُ من اللهِ طريقُ الطمأنينةِ، والأمنِ، والسعادةِ، والحبِّ، والنجاحِ، أمّا إذَا خِفْتَ ممّا سوى اللهِ فهو طريقُ الاضطرابِ، وطريقُ العصاب، وطريقُ الخسارةِ، قالَ اللهُ تعالى: {الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب} [الرعد: 28] .
فلو أنّ اللهَ عز وجل قالَ: تطمئنُّ القلوبُ بذكرِ اللهِ، فبحسبِ اللغةِ تطمئنُّ بذكْرِه، وتطمئنُّ بذكْرِ غيرِه، أمّا حينما قدَّمَ ذِكْرَه على الطمأنينةِ فالقلوبُ لا تطمئنُّ إلا بذكْرِ اللهِ حصراً، لذلك قال تعالى في آياتٍ أُخَرَ: {إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً * إِلاَّ المصلين * الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ * والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم * والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين * والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المعارج: 19-30] .
محورُ هذا الموضوعِ أنّ أثْمنَ شعورٍ تملكُه في الحياةِ الدنيا أنْ تكونَ مطمئناً، أنْ تكونَ آمناً، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا".
سَأَلَ مَلِكٌ جبَّارٌ وزيراً له: مَن المَلِكُ؟ فقال: أنتَ، قال: لا، المِلكُ رجلٌ لا نعرفُه ولا يعرفُنا، له بيتٌ يؤويه، وزوجةٌ ترضِيه، ورزقٌ يكفِيه، إنّه إنْ عرَفنا جهدَ في استرضائنا، وإنْ عرفناه جهدنا في إذلالِه.
(1/218)

هذه الحاجاتُ الأساسيةُ التي افتقِدَتْ هي وراءَ معظمِ الأمراضِ، كلما تقدَّمَ الطبُّ تبيَّن له أن الشدَّةَ النفسيةَ (الكرب) وراءَ أكثرِ الأمراضِ، وأنّ الطمأنينةَ وراءَ الصحةِ، لذلك لا شيءَ يعطيك الأمنَ كالتوحيدِ، ولا شيءَ يملأُ القلبَ فزعاً كالشركِ، قال تعالى: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين} [الشعراء: 213] .

مرض نقص الألياف
هناك منعطفاتٌ خطيرةٌ في تاريخِ العلومِ الغذائيةِ، المنعطَفُ الأول: اكتشافُ الجراثيمِ التي يتلوّثُ بها الطعامُ، والتي تسبِّبُ كثيراً مِنَ الأمراضِ، والمنعطَفُ الثاني: هو الكشفُ عن بعضِ المخاطرِ، إذا أسرفَ الإنسانُ في تناولِ بعضِ الأطعمةِ، أنه منعطفٌ آخرُ في تاريخِ الصحةِ، والغذاءِ، كما أنّ هناك أمراضاً كثيرةً تتسبَّبُ مِن نقصِ الموادِ الغذائيةِ.
ولكن الشيءَ الخطيرَ الذي اكتُشِفَ حديثاً، هو مرضُ العصرِ الذي هو مرضُ نقص الأليافِ، فطبيعةُ العصرِ الحديثِ تقدِّم غذاءً مصفًّى، فالسكرُ أبيضُ ناعمٌ، والدقيقُ أبيضُ ليسَ فيه شوائبُ، والفواكهُ نشربُ عصيرَها، وكلُّ شيءٍ نُزِعَتْ مِنه الأليافَ التي خَلَقَها اللهُ فيه.
ما كان أحدٌ يظنُّ أنّ لهذه الأليافِ التي هي قوامُ الفاكهةِ، أو هذه القشورِ، التي تحيطُ بحبّة القمحِ، أو هذه الأليافِ التي هي في بعضِ الموادِ السكريةِ فوائدَ كثيرةً، إننا ننزعها، ونعدُّها مِن الأشياءِ التي لا جدوى منها، نشربُ عصيراً صافياً، ونأكلُ خبزاً أبيضَ، ونستعملُ السكرَ النقيَّ، إنَّ هذا الغذاءَ المصفَّى، الذي هو مِن بِدَعِ العصرِ الحديثِ وراءَ كثيرٍ مِنَ الأمراضِ.
كان العلماءُ يظنون أنّ هذه الأليافَ هي عنصرٌ زائدٌ على الحاجةِ، وأنَّ دوْرَها في الهضمِ يتميَّز بالسلبيّةِ، لذلك عرَّفوها بقدرِ ما وَسِعَهُم الإدراكُ، فقالوا: "إنها جزءٌ من الطعامِ الذي يَعْبُر القناةَ الهضميةَ، مِن دون أنْ يُهْضَمَ"، بل وَجدوها عبئاً على جهازِ الهضمِ، لذلك عَمَدُوا إلى تنقيةِ الطعامِ منها، فقدَّموا لنا ما يسمَّى (الأطعمةَ النقيةَ) .
(1/219)

إنّ أولَ أخطارِ هذا الغذاءِ النقيِّ هو الإمساكُ، لأنّ حجمَ هذه الأليافِ فقط يسهِّلُ عملَ الأمعاءِ، وإنَّ حركةَ الأمعاءِ حينما تَتَحرَّكُ كي تَهضِمَ الطعامَ تحتاجُ إلى كتلةٍ من الأليافِ، تثيرُ جدرانَ الأمعاءِ، فلو اختفتْ هذه الأليافُ، وبقي الطعامُ كلُّه سائلاً، وخالياً مِن هذه الأليافِ المفيدةِ، فإنَّ حالةَ الإمساكِ هي مِن أُولَى أخطارِ هذا الطعامِ النّقيِّ.
شيءٌ آخرُ، قال العلماءُ: "إنَّ هذه الموادَ السيللوزيةَ - الأليافَ - تعملُ على امتصاصِ الماءِ، والاحتفاظِ به، كيّ يُصبحَ الهضمُ سهلاً ليناً، فكأنما هي مليّنات".
الشيءُ الثالثُ: إنّ هذه الأليافَ السيللوزية تعملُ على امتصاصِ مادةِ الكوليسترول - الدهنيات - فإنّ وجودَ الكوليسترول في الدمِ، أو تَرَسُّبَه على جدرانِ الأوعيةِ، يسبِّبُ أخطرَ أمراضِ العصرِ، إنّه الذبحةُ الصدريةُ، وإنّ أخطرَ أمراضِ العصرِ هو تضيّقُ الشرايينِ، بل إنّ بعضَ العلماءِ يقول: "إنّ عمرَ الإنسانِ مِن عمُرِ شرايينِه"، فحينما تضيقُ لمعتُها، وحينما تترسّب الموادُ الدهنيةُ فيها، عندئذٍ يتعبُ القلبُ، وإنّ هذه الأليافَ التي نطرحُها، نشربُ كأسَ العصيرِ، ونقذفُ بهذه الأليافِ علفاً للحيواناتِ، إنّ الإنسانَ في أشدِّ الحاجةِ إليها، لأنها تمتصُّ الموادَّ الدسمةَ، وتعدِّلُ نسبةَ الدهونِ في الدمِ.
شيءٌ آخرُ: هو أنّ إفرازَ بعضِ العصاراتِ، كالصفراء مثلاً، إفرازاً مستمراً، مِن دون وجودِ هذه الأليافِ يسبِّبُ بعضَ الأمراضِ الخبيثةِ في (الكولونِ) ، وإنّ وجودَ هذه الأليافِ يمتصّ الموادَّ الدهنيةَ، وبعضَ مُفرزاتِ الغُدَدِ، ويسهِّل حركةَ الأمعاءِ، حتى إنّ بعضَهم يقول: إنّ تكوُّنَ الحصَيات وارتفاعَ الكوليسترول في الدمِ، وترسّبَه في جدرانِ الشرايينِ، وسرطانَ الكولونِ، وبعضَ أمراضِ القلبِ والأوعيةِ، والإمساكَ، وبعضَ أمراضِ الدوالي، وبعضَ أمراضِ الحجابِ الحاجزِ، والتهابَ الزائدة، إنَّ سببَ معظمِ هذه الأمراضِ هو فقدانُ الأليافِ مِن أطعمتِنا.
(1/220)

لذلك، لا بدّ مِن عودةٍ إلى ما خلَقَه اللهُ سبحانه وتعالى، فَكُلِ الشيءَ الذي خَلَقَه اللهُ كما خَلَقَه، دونَ إجراءِ تعديلٍ عليه، لا تتّبع الأساليبَ الحديثةَ في تناولِ الطعامِ، كُلِ الطعامَ كما أرَادهُ اللهُ أنْ يُؤكَلَ.
يَعُدُّ العلماءُ هذا الكشفَ بأنه انعطافٌ رابعٌ خطيرٌ، في طريق الصحةِ والغذاءِ، اجعلْ طعامَك كما كان دونَ أنْ تنقيه، دونَ أنْ تطرحَ منه هذه الأليافَ، التي كان يُظَنُّ أنه لا جدوى منها، وأنّ جهازَ الهضمِ لا يهضِمُها، إنها ليست عبئاً عليه.
مطلوبٌ منا أنْ نَفَقَهَ حِكمةَ ربنا في خَلْقِ كلِّ شيءٍ، ولا ينبغي أنْ نغيِّرَ خَلْقَ اللهِ، ولا ينبغي أنْ نعدِّلَه.

مرض الإيدز
إنّ عالَمَ الجراثيمِ عالَمٌ اكتُشِفَ حديثاً، بل إنّ كلمةَ الجرثومِ تعني في اللغةِ أصلَ الشيءِ، وسُمّيَ هذا الكائن الدقيقُ الدقِيقُ، الذي لا يُرى بالعينِ، ولا يُدركُ بالحواسِّ جرثوماً، لأنه أصلُ المرضِ، وفي القرآنِ الكريمِ إشارةٌ لطيفةٌ إلى هذا الموضوعِ، قال تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} [الحاقة: 38-39] .
هذا الذي لا تبصِرونَه هو الغيبُ النِّسبيُّ، أمَّا الغيبُ المطلَقُ فهو الشيءُ الذي لا يُوجدُ في حدودِ حياتِنا، بخلافِ الغيبِ النسبيِّ فإنه موجودٌ، غيرَ أنّ حواسَّنا عاجزةٌ عن مشاهدتِه، وعن إدراكِه، وعن الإحساسِ بهِ، وهناك سؤالٌ خطيرٌ، هذه الكائناتُ الدقيقةُُ هي داخلةٌ في كلِّ حياتِنا، في طعامِنا، وشرابِنا، وتنفُّسِنا، واحتكاكِ بعضِنا ببعضٍ، وفي حركاتِنا وسكناتِنا، ألا ينبغي أن يكونَ في التشريعِ الذي هو مِن عندِ اللهِ عزوجل شيءٌ يتعلَّقُ بهذه الكائناتِ؟.
إنّ في دمِ كلٍّ منا ثلاثةَ أنواعٍ من الكرياتِ، النوعُ الأولُ: الكرياتُ الحُمْرُ، ولها بحثٌ طويلٌ، والنوعُ الثاني: الكرياتُ البيضُ، والنوعُ الثالثُ: الصفيحاتُ الدمويةُ.
(1/221)

فالكرياتُ البيضُ جيشٌ يتولَّى الدفاعَ عن الجسمِ أمامَ كلِّ هجمةٍ من الجراثيمِ، وتسمَّى الكرياتُ البيضُ عندَ الأطباءِ جهازَ المناعةِ، حيث إنها تَسْبَحُ في الدمِ، ولها أوضاعٌ استثنائيةٌ، وبإمكانِها أن تَجريَ عكسَ جريانِ الدمِ، وبإمكانِها أن تخرجَ من الأوعيةِ الدمويةِ إلى الأنسجةِ العضليةِ، وبإمكانِها أن تخترقَ كلَّ النُّظمِ الحازمةِ التي وُضِعَتْ في الجسمِ.
ما هذه الكرياتُ البيضُ؟ إنّ لها قلاعاً تأوي إليها، وتنطلقُ منها، فما هي هذه القلاعُ؟ إنها العُقَدُ اللمفاويةُ، التي هي بمنزلة قلاعٍ يحشرُ فيها عددٌ كبيرٌ من الكرياتِ البيضِ.
قالَ بعضُ العلماءِ: "إنّ من هذه الكرياتِ مَن يقومُ بمهمةِ الاستطلاعِ، فإذا دخلَ إلى البَدَنِ جرثومٌ غريبٌ اقتربتْ منه الكرياتُ البيضُ لتتعرَّفَ إليه، ولتتعرَّفَ بنْيَتَه التركيبيةَ، وأماكنَ ضَعفِه، ما الذي يعطِّله عن العملِ؟ وما الذي يكبِّلُه؟ وما الذي يقضي عليه؟ وتعودُ هذه الكرياتُ البيضُ، وكأنَّها كائناتٌ عاقلةٌ، في أعلى درجةٍ من الذكاءِ، تعود إلى أماكنِ انطلاقِها، إلى العقدِ اللمفاويةِ لتخبرَ عن طبيعةِ هذا الجرثومِ، وأماكنِ ضعفِهِ، وطريقةِ القضاءِ عليه، حيثُ تتولَّى المخابرُ في هذه العُقَدِ صنعَ الموادِ المضادةِ للجراثيمِ.
هناك كرياتٌ بيضٌ أخرى مهمّتُها تصنيعُ السلاحِ، الكرياتُ الأولى مهمّتُها الاستطلاعُ، والثانيةُ مهمتها تصنيعُ السلاحِ؛ حيث يُصنَعُ في هذه العُقَدِ المُصُولُ التي من شأنِها أن تقضيَ على هذا الجرثومِ.
تنطلق كرياتٌ أخرى ذاتُ طبيعةٍ قتاليةٍ، تحملُ هذه المضادَّاتِ، وتتّجه نحو العدوِّ الجرثوميِّ، وتحاصرُه إلى أن تقضيَ عليه، فإذا رأى الإنسانُ في بعضِ أعضائِه وزمةً بيضاءَ؛ فليعلمْ أنّ هناك معركةً طاحنةً تجري بين الكرياتِ البيضِ وهذا الجرثومِ الغريبِ.
(1/222)

وفي الإنسانِ خطوطٌ دفاعيةٌ، تشكِّلُ هذه الكرياتُ البيضُ الاستطلاعيةُ الخطَّ الأولَ، وتشكِّلُ العقدُ اللمفاويةُ الخطَّ الثانيَ، فإذا اجتاح الجرثومُ هذه العقدَ اللمفاويةَ، يُعْلَنُ الاستنفارُ العامُّ في الجسدِ، عندئذٍ ترتفعُ الحرارةُ، ويضعفُ الجسدُ عن القيامِ بأعبائِه اليوميةِ، وتظهرُ العلاماتِ التي تؤشِّرُ، أو تدلُّ على وجودِ مرضٍ جرثوميٍ عامٍّ".
هذا الجهازُ بعناصرِه الثلاثةِ؛ الاستطلاعيةِ، والتصنيعيةِ، والقتاليةِ، وقيادتِه المركزيةِ، وخططِه الحكيمةِ في الدفاعِ عن الجسدِ، إنّ جهازَ المناعةِ هذا يُقْضَى عليه أحياناً، كما في مرضِ الإيدز، الذي يتحدثُ عنه العالَمُ اليومَ.
كما ظهرَ مؤخَّراً وباءُ الالتهابِ الرئوِيّ القاتلُ (سارس) ، ولا تزالُ سُنّةُ اللهِ ماضيةً في خَلْقِه.
والذي لفتَ نظري أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في بعضِ الأحاديثِ الشريفةِ ذَكَرَ عن هذا المرضِ شيئاً، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمِ الَّذَِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ إِلا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ".
(1/223)

لقد عمَّ العالَمَ هذا المرضُ الوبائيُّ المُعْدِي، والذي سببُه فيروسٌ لم يكن معروفاً مِن قبلُ، وبحسبِ إحصائياتِ منظمةِ الصحةِ العالميةِ قبلَ عدةِ سنواتٍ هناك أربعةٌ وثلاثون مليونَ مصابٍ في العالَم، لكنّ خبراءَ الصحة يؤكِّدون أنّ العددَ الحقيقيَّ قد يكونُ ضعفَ هذا العددِ، أو أكثرَ، ومما يزيدُ الحالةَ سوءاً عجزُ العالَم بكلِّ مؤسساتِه وهيئاتِه العلميةِ، وإمكاناتِه الماليةِ عن صنعِ لقاحٍ مضادٍّ لهذا المرضِ.
إنّ هذا الفيروسَ لا ينتشرُ في أكثرِ حالاتِه إلا مِن خلالِ الإباحيةِ، والفوضى الجنسيةِ، والإدمانِ على المخدراتِ، ومِن خلالِ انتشارِ السياحةِ مِن أجلِ الجنسِ، إنّه - وهذه حكمةُ الخالقِ - مرتبطٌ بالسلوكِ الشخصيِّ في الدرجةِ الأولى، وهناك مفارقةٌ حادّةٌ يختصُّ بها هذا الوباءُ، إذْ نجدُ أنّ معالجتَه مستعصيةٌ إلى درجةِ الاستحالةِ، فالموتُ الزؤامُ مصيرُ كلِّ مصابٍ به، ونجد في الوقتِ نفسِه أن الوقايةَ منه سهلةٌ إلى درجةِ أنّ كلِّ إنسانٍ لم يُصَبْ بهذا المرضِ يملكُ الوقايةَ التامةَ مِن خلالِ التزامِه بالمنهجِ الإلهي مِن حيثُ العفةُ والاستقامةُ، فكلُّ شهوةٍ أودعَها اللهُ في الإنسانِ جَعلَ لها قناةً نظيفةً تتحركُ فيها، وأوامرُ الدينِ ضمانٌ لسلامتِنا، وليست قيوداً لحريتِنا.
الشيءُ المحيِّرُ أنّ هذا الفيروسَ يستطيعُ أنْ يغيِّرَ شكلَه في أيِّ وقتٍ، فلو أنفقتَ ألوفَ الملايينِ في البحثِ العلميِّ عن لقاحٍ مضادٍّ له تذهبُ هذه الأموالُ وتلك الجهودُ أدراجَ الرياحِ، ثم إنّ لهذا الفيروسِ سلالاتٍ عديدةً، فمَن نجا من سلالةٍ أَرْدَتْهُ أخرى، وكأنّ اللهَ جل جلاله يريدُ من الإنسانِ المتفلتِ أن ينجوَ من هذا المرضِ بالعفةِ والاستقامةِ، لا باللقاحِ والدواءِ، قال سبحانه وتعالى: {ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] .
(1/224)

شيءٌ آخرُ يقوله العلماء، وهو أنّه لو افتُرِضَ جدلاً - وهذا أقربُ إلى المستحيلِ - أنّ جهودَ العلماءِ في السنواتِ الخمسِ القادمةِ توصلتْ إلى لقاحٍ مضادٍّ لهذا الفيروسِ؛ فإنّ تكاليفَ معالجةِ المريضِ الواحدِ تزيدُ على عشرةِ ملايين.
في دراسةٍ إحصائيةٍ دقيقةٍ أُجريَتْ في بلدٍ تفاقمَ فيه انتشارُ هذا المرضِ بسببِ الإباحيةِ والفوضى الجنسيةِ؛ وجدوا أنه في كلِّ عشرِ ثوانٍ يموتُ إنسانٌ بهذا المرضِ، وأُذيعتْ هذه الدراسةُ في بعضِ الإذاعاتِ العالميةِ، ذلك بأنّ هذا المرضَ ينتشرُ بمتواليةٍ هندسيةٍ، ويبدو أنّ المتواليةَ الهندسيةَ لا تعبِّرُ عن حجمِ انتشارِه، فينبغي أن نقول: إنّ هذا المرضَ ينتشرُ بمتواليةٍ انفجاريةٍ مخيفةٍ، وهناك دراساتٌ إحصائيةٌ أخرى توقَّعَتْ أنْ يكونَ عددُ المصابينَ في العالَمِ في عام ألفين مئةً وعشرين مليونَ مصابٍ، نُشِرَ هذا في صحيفةٍ تصدرُ في دمشقَ، وهناك من يعتقدُ أنّ هناك مصاباً بهذا المرض وحاملاً له، لكنه وُجِد أنّ الحاملَ لفيروسِ هذا المرضِ مصابٌ به حتماً، لكنه لا يزالُ في دور الحضانةِ، وأمّا أعراضُه المرعبةُ ففي طريقِها إلى الظهورِ، وقد تستغرقُ سنواتٍ، فلا معنى للتفريقِ بينَ المصابِ والحاملِ، لأنّ الفرقَ بينهما فرقُ وقتٍ، وليس فرقَ نوعٍ.
(1/225)

إنّ مِن المفارقاتِ الحادّةِ أنّ الدولَ المتقدمةَ - بمقياسِ العصرِ المادي - بكلِّ إمكانياتِها الماديةِ والعلميةِ تقفُ عاجزةً مكتوفَةَ الأيدي أمامَ أضعفِ فيروسٍ حتى الآن، يفتِكُ بالملايين الذين انحرفوا بأخلاقِهم عن المنهجِ القويمِ، وكأنّ هذا الفيروسَ جندٌ من جنودِ اللهِ، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31] ، جعله اللهُ عقاباً عاجلاً لمَن خرجَ عن الفطرةِ السليمةِ، فضلَّ، وأضلَّ، وفسدَ، وأفسدَ، إذْ لا سبيلَ إلى الخلاصِ منه إلا بالعودةِ إلى المنهجِ القويمِ، والصراطِ المستقيمِ، ومما يؤكِّدُ ذلك، وهذا ما حيَّر العلماءَ أنّ البعوضةَ تغرزُ خرطومَها في جسمٍ مصابٍ بهذا المرضِ، وتأخذُ مِن دمِه الملوَّثِ، ثم تنتقلُ إلى إنسانٍ سليمٍ مِن هذا الفيروس، وتغرزُ خرطومَها في دمه النظيفِ، ويختلطُ دمُ السليمِ بدمِ المصابِ، ولا ينتقلُ المرضُ، أليستْ هذه آيةً صارخةً تدلُّ على أنّ اللهَ جعلَ هذا المرضَ الفتَّاكَ عقاباً على السلوكِ الإباحيِّ ليس غير، ولم يجعل الإصابةَ به عشوائيةً؟
لو أن بلدةً تشربُ ماءً ملوثاً، فظهرَ في أبنائِها الأمراضُ والأوبئةُ، فهل مِن العقلِ والحكمةِ أن ندعَ الماءَ الملوثَ يفتكُ بأبناءِ هذه البلدةِ، ثم نبحثُ عن المصلِ المضادِّ، واللقاحِ الشافِي، وأنْ نستقدمَ الأطباءَ، ونشيدَ المشافيَ، ونستوردَ الأجهزةَ، أم العقلُ والحكمةُ يقتضيان أنْ نوقفَ الماءَ الملوثَ، أو أن نطهِّرَه مِن التلوثِ، وعندها نطوِّقُ المشكلةَ، ونحدُّ مِن انتشارِها، ثم نلتفتُ إلى معالجةِ المصابين؟.
مِن المؤسفِ أنّ هذا ما لا يجري في العالَم كلِّه، إنهم لا يقفون في وجهِ أسبابِ المرضِ، بل يحاولون أن يمنعوا أعراضَه ونتائجِه، إنّ دِرهمَ وقايةٍ خيرٌ مِن قنطارِ علاجٍ، {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلاهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] .
(1/226)

إنّ الشابَّ الذي يبحثُ عن عملٍ، ثم يبحثُ عن زوجةٍ، هو في الظاهرِ يبحثُ عن كفايتهِ، ويقضي حاجتَه، وهو في الحقيقةِ يسهمُ في بناءِ أمّتهِ، لأن الأسرةَ النظيفةَ المتماسكةَ هي الخليةُ الأولى في جسمِ المجتمعِ السويِّ المتقدِّمِ، وإنّ الشابَّ الذي يهملُ عملَه، ويقضي وَطَرَه من طرقٍ غيرِ مشروعةٍ، ومع فتياتٍ ساقطاتٍ يسهمُ مِن حيثُ يريدُ، أو لا يريد، من حيث يعلمُ، أو لا يعلمُ في تدميرِ نفسِه، وأسرتِه، ومجتمعِه، وهل الأمةُ إلا بشبابِها الأصحاءِ الأقوياءِ المستقيمين، وشاباتِها؟!.
وقد أحْسنَ مَن قال:
يَا بنات الجيلِ هيَّا حصِّنوا هذا البناء
احفظوا جيلَ الشباب أرشدوهم للصواب
فهم النبع الغزير ولكم عذب الشراب
حصِّنوا كلّ الشباب لينيروا كالبدور
يسِّروا أمر الزواج لا تغالوا بالمهور
واحذروا داء التباهي بالأثاث والقصور
إنما نبع السعادة كامن ضمن الصدور
احذروا الفيروس فهو الآن ... جمر يختفي تحت الرماد
إن تجاهلنا الحقيقة فاجأتنا ... النار يوماً واكتوى كل العباد
بدِّدوا الجهل بعلم ... أيقظوا أهل الرقاد
توِّجُوا العلم بطهر ... صادق فهو العماد
ها هو الفيروس يغتال ... الضحايا قاصداً كل البلاد
وهو أعمى عن شباب ... طاهر يأبى الفساد
إنما العفة ماء ... بارد عذب زلال
يطفىء الجمر ويروي ... كل من طلب الحلال
يقولُ العلماءُ: "إنّ السببَ الأولَ لهذا المرضِ هو شيوعُ الفاحشةِ، بل شيوعُ الفاحشةِ المنكرةِ، المثلية بين أفرادِ المجتمعِ"، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: "لَمْ تَظْهَرُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ... . "، أي إلى أنْ يظهروها، وإلى أن يعلنوا عنها في الصحفِ والمجلاتِ، وفي أجهزةِ الإعلامِ، ففي الغربِ، وفي البلادِ التي انحلَّتْ فيها القيمُ يُعلنُ عن الرذيلةِ في أجهزةِ الإعلامِ، ويُعلَنُ عن أماكنِ البغاءِ، وأماكنِ الانحرافِ، في كلِّ مكانٍ، "حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمِ ... ".
(1/227)

إنّ هذا الجهازَ العجيبَ في جسم الإنسان جهازَ المناعةِ ينْحلُّ في مرضِ الإيْدزِ، ويقضي عليه فيروسٌ لم يُكْشَفْ عن خصائِصه، ولم تُحَدَّدْ حقيقتُه، ففي صيفِ عام 1981 اكْتُشِفَت في أمريكا خمسُ إصاباتٍ، ثمَّ ارتفعتْ إلى خمسٍ وثلاثين، وصارت تظهرُ في كلِّ أسبوعٍ مئةُ حالةٍ، إلى أنْ كان مجموعُ الإصاباتِ في عام 1984 اثني عشرَ ألفَ إصابةٍ، مات منهم النّصفُ، ويقدِّرُ الأطبّاءُ أنَّ في أمريكا مليونَ إصابةٍ، وأنّ هذا المرضَ انتقلَ إلى أوربة بدءاً بفرنسا، وظلَّ ينتقلُ حيثُ الانحرافاتُ الأخلاقيّةُ، بكلِّ أنواعِها، وفي حالِ الإدمانِ على المخدّراتِ، وفي حالاتِ نقلِ الدّمِ، والشيءُ الغريبُ أنَّ حالةً واحدةً حتى الآنَ لم يُمْكن شفاؤُها، بل إنّ كلَّ جهودِ العلماءِ منْصبَّةٌ لإيقافِ هذا المرضِ عند حدِّه، وإذا أُصيبَ الإنسانُ بهذا المرضِ فإنَّ معدَّلَ حياتهِ بعد الإصابةِ تتراوَحُ من ثمانيةَ عشر إلى مئةٍ وخمسةٍ وعشرين أسبوعاً، أي من أربعةِ أشهرٍ إلى سنتين ونصفٍ، وبعضُ الحالات يموت أصحابُها بعد الإصابة.
ومِن أَعراضِ هذا المرض أنْ يقِلّ وزنُ المريضَ، وترتفعُ حرارتُه، مع إسهالٍ مدمِنٍ، وعرقٍ غزيرٍ، وضعفٍ عامٍّ، وعدمِ قدرةٍ على التركيزِ، وفقْرِ الدمِ، ونقْصٍ في الخلايا، إلى أن يذوبَ، وينقضي، قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32] .
إنّ الغربَ الذي ضَرَبَ بالدِّين عُرْضَ الحائطِ، وقال: هذا سلوكٌ غيبيٌّ، وسلوكُ الشعوبِ البدائيّةِ، والعقلُ هو كلُّ شيءٍ، والحياةُ هي كلُّ شيءٍ، والحياةُ هي كلُّ شيءٍ، واللَّذَّةُ هي كلُّ شيءٍ، فَفَعلوا ما يَرُوقُ لهم، أصابَهم ما أصابَهم، لذلك فالاستقامةُ صحَّةٌ، بها يضمنُ الإنسانُ حياةً هنيئةً مطمئنةً، فإذا خَالَفَ، وطَغَى فالمؤيِّدُ القانونيُّ ينتظرهُ، وهذا عِقابٌ عاجلٌ في الدنيا قبلَ عقابِ الآخرةِ.
(1/228)

والشيءُ الغريبُ أنَّ العلماءَ ركَّزوا على كلمةِ "الانحرافِ الأخلاقيِّ"، يعنونَ الشذوذَ الأخلاقيَّ بِكُلِّ أنواعِه، وإدمانَ المخدّراتِ، وشرْبَ الخمورِ، وقد ينتقلُ هذا المرضُ عن طريقِ شراءِ الدَّمِ، ونقلِه من بلدٍ إلى بلدٍ.
إنّ الإيدزَ هذا المرضَ الخطيرَ الذي أقلقَ العالَمَ، والذي جَعَلَ الرعبَ يملكُ القلوبَ صار الإنسانُ به يخشى كلَّ شيءٍ، خوفاً من هذا المرضِ، حينما تجاوزوا حدودَ اللهِ عزَّ وجل، ولم يعبؤوا بشرعِه، ولم يعبؤوا بنظافةِ العلاقةِ الاجتماعيةِ، عندئذٍ جاءَ هذا المرضُ ليقلقَهم، وليجعلَ حياتَهم جحيماً، "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةَ فِي قَوْمٍ قطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا ... ".

آكلة لحوم البشر
في شهرِ أيارٍ من عامِ 1994 ظهرَ مرضٌ خطيرٌ في بريطانيا، هذا المرضُ تسبِّبُه جراثيمُ مجهريةٌ وحيدةُ الخليةِ، اسمُها آكلةُ لحومِ البشرِ، وهي لعنةُ اللهِ عز وجل على المنحرفين بعدَ مرضِ الإيدزِ، الذي تئِنُّ منه البشريةُ الآن، بسببِ انحرافِها، في هذا الشهرِ من هذا العامِ بالذاتِ توفِّيَ ستةُ أشخاصٍ في بريطانيا بهذا المرضِ، وبعد أيامٍ توفيَت امرأةٌ في السادسة والأربعين بهذا المرضِ.
(1/229)

ما هذا المرضُ؟ جراثيم تأكلُ لحمَ المريضِ، بمعدلِ بوصةٍ في الساعةِ، تأكلُ اللحمَ، والعضلاتِ، والجلدَ، تأكلُها جميعاً، وتبقي أثراً بجسمِ المريضِ يشبهُ أثرَ الحرقِ من الدرجةِ الخامسةِ، ثم يموتُ المصابُ على الفورِ، أمّا مدةُ الوفاةِ، أي الوقتُ بين الإصابةِ والوفاةِ فبحسبِ بدءِ مكانِ التآكلِ، فإذا كان في أماكنَ عصبيةٍ، فلا تمتدُّ حياةُ المريضِ إلا ساعةً أو ساعتين، وإذا كان مرضُ الإيدز يعطي مهلةً للمريضِ؛ سنةً أو سنتين، فهذا المرضُ يعطيه ساعةً أو ساعتين فقط، أمّا إذا كان البدءُ في الأطرافِ فقدْ يمتدُّ به الأمرُ إلى يومين فقط، يعني من ساعةٍ إلى ساعتين، ومن يومٍ إلى يومين، ويقضي هذا المريضُ نَحْبَه، والأسباب هي أسبابُ مرضِ الإيدزِ بالذاتِ، خمورٌ، ومخدِّرات، وفواحشُ، وانحرافاتٌ، هذا المرضُ ظهرَ في بريطانيا، وأمريكا، وكندا، وفي اليابانِ، وهذه الجراثيم التي سُمِّيَتْ آكلةَ لحومِ البشرِ هوائيةٌ ولا هوائية، ومعنى أنها هوائية ولا هوائية أي أنّها قادرةٌ على أنّ تنتقلَ، وأن تُحدِثَ العدوى في كلِّ الظروفِ، وفي كلِّ البيئاتِ، ثمّ إنّ آليةَ عملِها لا تزالُ غامضةً إلى اليومِ.
(1/230)

وأما قولُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام في الحديثِ الصحيحِ: "لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أسْلاَفِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا"، فهذه الأوبئةُ الفتّاكةُ القاتلةُ التي ليست في أسلافِهم، ولحكمةٍ أرَادَها اللهُ عز وجل أنّ الجزاءَ مِن جنسِ العملِ، وأنّ هذه الأمراضَ الوبيلةَ التي هي رَدٌّ على انحرافِ البشرِ، لعلّها تردعُ الآخرين، وهذا من رحمةِ اللهِ عز وجل بالإنسانِ، وكان مِن الممكنِ أنْ يحاسبَ الإنسانَ على عملِه في الآخرةِ فقط، ولكنّ العقابَ الأليمَ الذي ينزلُ بساحةِ المذنبين في الدنيا هو ردعٌ لبقيةِ المذنبين، والمكافأةُ التي ينالُها المحسنُ في الدنيا هي تشجيعٌ لبقيةِ المحسنين، وهذا من رحمةِ اللهِ بنا، فكان من الممكنِ أن يُلغَى المرضُ في الحياةِ، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وكان مِن الممكنِ أن يؤخَّرَ الحسابُ كلياً إلى يومِ القيامةِ، لكنّ حكمةَ اللهِ شاءت أن يعجِّلَ اللهُ لبعضِ الانحرافاتِ العذابَ في الدنيا، ليكون هذا العذابُ ردعاً لبقيةِ المسيئين، وأن يعجِّلَ بعضَ المكافأةِ لبعضِ عبادِه المحسنين في الدنيا، لتكونَ هذه المكافأةُ تشجيعاً لبقيةِ المحسنين.
ما مِن مشكلةٍ يعاني منها البشرُ، أفراداً وجماعاتٍ إلا بسببِ الخروجِ عن منهجِ الله، وما من خروجٍ عن منهجِ اللهِ إلا بسببِ جهلٍ تَلَبَّسَ به الإنسانُ.

قرحة السرير
من المعروف عند الأطبّاءِ أنّ مِن الأمراضِ الخطيرةِ التي يعاني منها المرضَى في المستشفياتِ (قرحةَ السريرِ) ، فالمرضى الذين تضطرُّهم أمراضُهم إلى البقاءِ طويلاً على السريرِ؛ ككسرِ الحوضِ مثلاً، وكسرِ العمودِ الفِقريِّ، والشللِ، وحالاتِ السُّباتِ الطويلةِ، هذه الحالاتُ المَرَضِيةُ تستوجبُ أن يبقى المريضُ مستلقياً على ظهرِه أياماً وشهوراً.
(1/231)

إنّ مِن مضاعفاتِ هذا الاستلقاءِ مرضاً خطيراً اسمُه (قرحةُ السريرِ) ، لأن اللحمَ، والجلدَ والنسيجَ ينضغطُ تحتَ الجلدِ من العظمِ في الداخلِ، والسطحِ الصلبيِّ من الخارجِ، هذا الضغطُ يمنعُ الترويةَ عن هذه الأنسجةِ فتموتُ، وينشأُ حولهَا تقرُّحاتٌ مزعجةٌ جداً.
لذلك ينصحُ الأطباءُ كلَّ مَن يستلقي على سريرِه لفترةٍ طويلةٍ أنْ يتقلَّبَ كلَّ ساعتين، فإذا بقيَ على جنبٍ واحدٍ، وبحالةٍ واحدةٍ ما يزيدُ على اثنتي عشرة ساعةً تبدأُ تقرُّحاتُ الجلدِ، ويبدأُ موتُ النسيجِ تحتَ الجلدِ، ولا وقايةَ لهذا المرضِ سوى تقليبِ المريضِ على كلِّ أنحائِه.
والذي يبعث على الاستغرابِ أنّ اللهَ سبحانه وتعالى جعلَ أهلَ الكهفِ يلبثون في كهفهِم ثلاثمئةٍ سنينَ وازدادوا تسعاً، دون أنْ يُصابوا بهذه التقرحاتِ! قال تعالى:
{وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال} [الكهف: 18] .
لولا هذا التقليبُ لتقرَّحتْ جلودُهم، ولماتتْ أنسجتُهم، ولماتوا، لكنْ هذه إشارةٌ قرآنيةٌ إلى أن الجسدَ لا يمكنُ أن يبقَى على حالةٍ واحدةٍ، ويقولُ العلماءُ والأطباءُ: "إنّ أكثرَ الأجزاءِ من الجسدِ إصابةً بهذا المرضِ الخطيرِ (قرحةِ السريرِ) المنطقةُ العجزيةُ، والأليتان، ولوحَا الكتفينِ، وكعبَا القدمين، هذه أماكنُ فيها عظامٌ، لأنّ العظامَ تضغطُ على المكانِ الصلبِ في السريرِ، فيُهرَس اللحمُ، وتنقطعُ الترويةُ، فيموتُ النسيجُ، ويَسْوَدُّ، ويتقرَّحُ الجلدُ".
ولا شكَّ أن الذين يبقون في أَسرَّتهم أياماً طويلةً قبلَ موتِهم، يُلاحَظُ عليهم أنّ لحمَهم يتساقطُ، لذلك: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال} .
(1/232)

هذا كلامُ ربِّ العالمين، كيف بقِيَ هذا الإنسانُ ثلاثمئةٍ سنينَ وتسعاً، ولم يُصَبْ جلدُه، أو نسيجُه بتقرحاتٍ أو مواتٍ؟ من هذا التقليبِ، فهذه إشارةٌ، وحكمةٌ بالغةٌ، وقد راقبَ العلماءُ نائماً، فإذا به يغيِّرُ وضْعَه في الليلةِ الواحدةِ أكثرَ من ستٍّ وثلاثين مرةً، دونَ أنْ يشعرَ، لئلا تُهرسَ أنسجتُه تحت ضغطِ العظمِ، وضغطِ السريرِ، هذا في الحالاتِ العاديةِ، لكن في الحالاتِ المرَضيةِ، كأن يكون في الظَّهرِ كلِّه جبسٌ، وكذا الحوضُ، ولا يستطيعُ المريضُ تغييرَ وضْعِه، فلا بدَّ مِن تقليبِه لئلا يصابَ بهذا المرضِ.

التدخين أخطر وباء عالميّ
ثَمَّةَ كتابٌ نُشِرَ حديثاً عنوانُه: "التدخينُ أاخطرُ وباءٍ عالميٍّ".
قد يقولُ قائلٌ: لعلَّ في هذا العنوانِ مبالغةً، ولكنْ إذا رأيتم ما فيه مِن الحقائقِ لم تروا حينئذٍ في العنوانِ مبالغةً أبداً، فهناكَ مجلّةٌ تصدرُ في سويسرا تقولُ بعدَ إحصاءٍ دقيقٍ عام 1978: "إن شركاتِ التَبْغِ تُنْتِجُ بمعدَّلِ دخينتين - أي سيجارتين - يومياً لكلِّ إنسانٍ على وجهِ الأرضِ، وعددُ سكانِ الأرضِ ستّةُ آلافِ مليونٍ، وتنتِجُ شركاتُ التبغِ في اليومِ اثني عشر ألفَ مليونِ دخينةٍ، إنّ هذه الكميةَ التي تنتجُها شركاتُ الدخانِ فيها موادُّ سامّةٌ، لو أُخِذَتْ دفعةًُ واحدةً في الدمِ مباشرةً لاستطاعتْ أنْ تبيدَ الجنسَ البشريَّ، بل إنّ أثرَها أشدُّ مِن أثرِ أَكبرِ قنبلةٍ ذريةٍ".
ويقولُ هذا التقريرُ في هذه المجلةِ: "لو أُخذتِ الكميّةُ من الموادِّ السامَّةِ التي في هذه الدخائنِ دفعةً واحدةً بعدَ استخلاصِها، وأدخِلتْ في الوريد مباشرةً لكانتْ كفيلةً بأنْ تقتلَ إنساناً في أوجِ صحَّتِه".
(1/233)

وقد نَشَرَتْ منظمةُ الصحةِ العالميةِ تقريراً مطوّلاً في عام (1975) ، تقول فيه: "إنّ عددَ الذينَ يَلْقُونَ حَتْفَهم، أو يعيشون حياةً تعيسةً مِن جرَّاءِ التدخينِ يفوقُ عددَ الذين يلاقون حَتْفَهم نتيجةَ الطاعونِ، والكوليرا، والجدرِي، والسلِّ، والجذامِ، والتيفوئيد، والتيفوس، مجتمعين، والوفيَاتُ الناجمةُ عن التدخينِ هي أكثرُ بكثيرٍ مِن جميعِ الوفياتِ للأمراضِ الوبائيةِ مجتمعةً"، هذه فقرةٌ من تقريرٍ نشرَتْهُ منظمةُ الصحةِ العالميةُ.
شيءٌ آخرُ، إنّ مجموعَ الدَّخْلِ الذي تحقِّقُه الدولُ الكُبرى مِن جرَّاءِ الضرائبِ الباهظةِ على إنتاجِ التدخينِ هو أقلُّ بكثيرٍ مِن الأموالِ التي تنفقُ لمعالجةِ الأمراضِ الناتجةِ عن التدخينِ، ومهما بَلَغَ حجمُ الضرائبِ التي تُجْبِيها الدولُ الكُبرى مِن المُدَخِّنين فإنها أقلُّ بكثيرٍ من التي تنفِقُها على الأمراضِ التي نَجَمَتْ عن التدخينِ.
كما نَشَرَتْ مجلةٌ طبيةٌ بريطانيةٌ في عام (1978) الحقائقَ التاليةَ: "إنّ بين كلِّ ثلاثةِ مدخِّنين يلقَى أحدُهم حَتْفَه بسببِ التدخينِ".
وتواجِهُ الدولُ العظمى الأوبئةَ بقلقٍ شديدٍ، فلو انتشرتِ الكوليرا في بلدٍ لخفَّ المسؤولون عن الصحةِ لمواجهةِ هذا المرضِ واستنفروا، ولكن لماذا لا يواجهون أخطارَ التدخينِ بهذا القلقِ الشديدِ؟.
الجوابُ: إنّ الآثارَ المدمِّرةَ للتدخينِ لا تظهرُ بشكلٍ واضحٍ، إلا بعدَ ربعِ قرنٍ، وهنا الخطر، فإن الآثارَ المدمرةَ تظهرُ بعد خمسة وعشرين عاماً، يدخِّنُ الشابُّ، ولا يدري ماذا يفعلُ، لكنْ بعدَ مُضيِّ عشرين عاماً أو أكثرَ تبدأُ الآثارُ الضخمةُ للتدخينِ، إضافةً إلى أنّ الإنسانَ جُبِلَ على رؤيةِ الأخطارِ المباشرةِ، والاستهانةِ بالأخطارِ المستقبلةِ.
إنّ من بعضِ فقراتِ التقريرِ أن الدخينةَ الواحدةَ بحسب عمرِ الشرايينِ وتصلُّبِها تنقِصُ من عمرِ الإنسانِ بقدرِ الوقتِ الذي تستهلِكُه في تدخينِهِ، فلو دخَّنَ الإنسانُ في اليومِ عشرين دخينةٍ لقصُر عمُرُه - لا بحسبِ اعتقادِنا نحنُ المسلمينَ، بل بحسبِ مرونةِ الشرايينِ، وتصلُّبِها - لَنَقَصَ عمرُه خمسَ سنواتٍ.
(1/234)

إنّ الأطفالَ الرُّضَّعَ الذي يعيشون في غرفٍ ممتلئةٍ بدخانِ السجائرِ هم أكثرُ تعرّضاً لالتَهابِ القصباتِ، والنزلاتِ الشعبيةِ، مقارنةً بأمثالِهم الذين يعيشون في غرفٍ نظيفةٍ، فالآباءُ الذين يدخِّنون يسهمون في إيذاءِ أولادِهم الصغارِ، وهذه حقيقةٌ طبيةٌ ثابتةٌ.
لقد كانت الحكوماتُ تُلْزم معاملَ شركاتِ التدخينِ أنْ يكتبوا على العُلبةِ: "إنَّ الدخانَ يضرُّ بصحَّتك"، ولكنَّ منظمةَ الصحةِ العالميةَ ألزمتْ كلَّ الشركاتِ على أنْ تكتبَ على العلبةِ ما يلي: "الدخانُ يسبِّبُ سرطاناً في الرئةِ، والتهابَ قصباتٍ مزمناً، وجلطاتٍ في القلبِ".
قال العلماءُ: "تحوي أوراقُ التَّبْغِ أشباهَ قلويّاتِ سامَّةٍ، في طليعتِها، النيكوتين، وإنّ واحداً من عشرةَ غراماتٍ من النيكوتين يكفي لِقَتلِ كلبٍ متوسّط الحجْمِ قتلاً فوريّاً، وفي مدّةٍ قليلةٍ، وقطرةٌ واحدةٌ منه في عينِ فأرٍ تقتلهُ حالاً، وثماني قطراتٍ محقونةٍ تحتَ الجلدِ تقتلُ حصاناً في أربع دقائقَ"، هذه الحقائقُ بديهيةٌ، وليستْ غريبةً، إنها أبحاثٌ قديمةٌ جدّاً، وإنّ الكتابَ الذي أخذتُ منه هذه المعلوماتِ مطبوعٌ قبل عشرِ سنواتٍ.
هناك سمٌّ آخرُ في الدخانِ يحتوي على مِئتَي ضعفٍ ممّا تسمحُ به منظَّماتُ الصحّةِ، والهيئاتُ الصحيّةُ في الصناعةِ الغذائية.
وهناك سمٌّ يُضعفُ عملَ كرياتِ الدم الحمراءِ، وهو أول أوكسيد الفحم، هذا السمُّ يتَّحِدُّ مع كرياتِ الدمِ الحمراءِ، وهذا الذي يُتعِبُ المدخِّنَ.
وفي الدخانِ غازانِ سامَّان، وهما غازانِ مُسَرْطِنانِ، وفيهما أيضاً فحومٌ مسرطنةٌ، هذا البحثُ العلميُّ من أوثقِ المصادرِ الرصينةِ.
وثمّةَ إحصاءٌ رسميٌّ في أمريكة، هناك ألفُ وفاةٍ كلَّ يومٍ بسببِ الدخانِ، وهذا العددُ يزيدُ سبعةَ أضعافٍ على عددِ الذين يموتون في حوادثِ السيرِ، مع أنّ أعلى نسبةٍ يموتُ فيها الناسُ هي في حوادثِ السيرِ، لذلك قالت منظمةُ الصحةِ العالميةُ: "إن التدخين يُعد سبباً حتمياً لأمراض مميتة".
وسنستعرضُ أجهزةَ الجسمِ، وعلاقتَها بالدخانِ، واحداً واحداً مِن مقالةٍ قيِّمةٍ للدكتور نزار الدقر نُشِرَتْ في مجلة نهج الإسلام:
(1/235)

الدماغُ والأعصابُ: الدماغُ البشريُّ هو أنبلُ عضوٍ في الإنسانِ، فيه مئة وأربعون مليار خليةٍ استناديةٍ، لم تُعرفْ وظيفتُها بعدُ، وفيه أربعةَ عشرَ مليارَ خليةٍ قشريةٍ، هي مساحةُ النشاطِ الفكريِّ في الإنسانِ، هذا العضوُ النبيلُ الذي عجزَ عن فهمِ نفسِه، والذي هو أعقدُ ما في الإنسانِ، بل أعْقَدُ آلةٍ في الكونِ، وقد كُرّمَ الإنسانُ به.
ماذا يفعلُ التدخينُ به؟ إنّ سمومَ التدخينِ المنحلةَ في الدمِ إذا وصلتْ إلى الدماغِ يتلقَّفُها الدماغُ بسهولةٍ فائقةٍ، وبنَهَمٍ كبيرٍ، هذا الدماغُ حينما يأتيه هذا السمُّ يشعرُ الإنسانُ بشيءٍ من الخدرِ، وشيءٍ من الفتورِ، هذا النيكوتين المنحلُّ في الدمِ، والذي يصلُ إلى الدماغِ يعطي الإنسانَ شعوراً بالخدرِ تارةً، وشعوراً بالنشاطِ تارةً أخرى، فالدخانُ مهدِّئٌ، ومنشِّطٌ في آنٍ واحدٍ، وهذا هو سرُّ الإدمانِ.
هذا السمُّ في الدماغِ يضعِفُ تغذيةَ الأعصابِ، فتصابُ الأعصابُ بالالتهابِ، ومِن آثارِ هذا السمِّ في الأعصابِ رجفانٌ في الأضلاعِ، فالمدخِّنُ ترجفُ يداه ورجلاه، هذا الرجفانُ بسببِ أنّ أعصابَ الدماغِ التهبتْ، والتهابُها بسببِ ضَعفِ ترويتِها، كما يَصابُ بصداعٍ في الرأسِ، وآلامٍ عصبيةٍ في الأطرافِ، والدخانُ يُضعِفُ الذاكرةَ، فيصبحُ المدخِّنُ كثيرَ النسيانِ، ومِن أعراضِ التدخينِ العصبيةِ فتورُ النشاطِ، العقليِّ، فغيرُ المدخِّنِ أَذْكَى مِن المدخِّنِ، وأسرعُ استجابةً منه، كما أنّ حاسةَ الذوقِ تضعفُ عند المدخِّنين كثيراً.
شملتْ دراسةٌ علميةٌ ستةَ آلافِ وثمانمئةِ حالةٍ، مِن أهمِّ نتائجِها أنّ هناك علاقةً واضحةً جداً بين الدخانِ وضعفِ الذكاءِ.
جهازُ التنفّسِ: قال العلماءُ: "أضرارُ التدخينِ تشْملُ جهازَ التنفّسِ، وهو أشدُّ الأجهزةِ تأثراً بالتدخينِ لأنّ جهازَ التنفسِ كعنقودِ العنبِ، كلُّ حبةٍ هي حويصلٌ رئويٌّ، والحويصلُ فراغٌ، تتمُّ في هذا الفراغِ مبادلةُ غازِ الفحمِ بالأكسجينِ، هذه المبادلةُ حيويةٌ، وأساسيةٌ جداً، فماذا يفعل التدخين في هذه الحويصلات؟ إنّه يخرِّبُ الأنسجةَ المبطَّنةَ للأسناخِ الرئويةِ.
(1/236)

وهو يُضْعِفُ الوظائفَ التنفّسيّةَ، ويؤدّي إلى التهابِ الأنفِ، والبلعومِ المُزْمِنَين، وإلى التهابِ الحنجرةِ، والقصباتِ الرئويّةِ، ونسبةُ السرطانِ عند المدخّنين هي ثمانيةُ أمثالِ غيرِ المدخّنين، والتدخينُ يعسّرُ وسائلَ الدّفاعِ عن الطرقِ التنفسيّةِ، فالرغامى، هذه القصبةُ الهوائيةُ زوّدها اللهُ بأفعالٍ وديّةٍ، تتحرّكُ نحو الأعلى دائماً حركةً مستمرةً، فكلّ شيءٍ دخلَ إلى الحَنجرةِ يجب أن يبقى فيها، بل تدفعهُ نحو الأعلى، وتتجمّع في أسفلِ الحنجرةِ، والشيءُ الغريبُ أنّ في الدخانِ سُمَّ النيكوتين الذي يشلُّ عملَ الأهدابِ، لذلك تجتمعُ هذه القطوعُ، والإنتاناتُ، والمخلَّفاتُ في القصبةِ الهوائيةِ، وتتَّخذُها موطناً، لأنّ جهازَ الطردِ نحو الأعلى مُعطَّل، فتصبحُ الرئةُ والرغامى عُرضةً للإصابةِ بالأمراضِ الإنتانيةِ".
إنّ المدخِّنَ معرَّضٌ أكثرَ مِن غيرِه للإصابةِ بمرضِ ذاتِ القصباتِ وذاتِ الرئةِ، ومرضِ انتفاخ الرئةِ، وهناك علاقةٌ كبيرةٌ جداً بين التدخينِ والإصابةِ بسرطانِ الرئةِ.
تؤكِّدُ الإحصائيةُ العلميةُ الدقيقةُ أنه مِن خلالِ ألفِ مدخِّنٍ يصابُ ستون مدخناً بسرطانِ الرئةِ، ومِن بينِ ألفِ إنسانِ غيرِ مدخِّنٍ يصاب شخصان فقط بسرطانِ الرئةِ.
قال بعضُ العلماءِ: "سمومُ الدخانِ تسبِّبُ طفراتٍ في الخلية، والطفرةُ في الخليةِ تسبِّبُ التخرشَ، وهو أحدُ أسبابِ سرطانِ الأنسجة.
القلبُ والأوعيةُ: إنّ معظمَ الإصاباتِ القلبيةِ، والوعائيةِ القاتلةِ يعود إلى التدخين، وقد أكَّد أطباء جراحة القلب أنّ أكثرَ المداخلاتِ الجراحيةِ التي يُجرونَها على القلبِ بسببِ آفاتٍ تعودُ في الدرجةِ الأولى إلى التدخينِ.
طبيبٌ آخرُ يعالجُ الأنفَ، والأذنَ، والحنجرةَ، حينما يأتيه إنسانٌ مصابٌ بسرطانِ الحنجرةِ، يضعُ يده فجأةً على صدرِه، فإذا فيها علبةُ دخانٍ، يقولُ: هذا السرطانُ مِن هذه العلبةِ.
السببُ الأولُ لهذه الأمراضِ الوبيلةِ أنّ أولَ أوكسيد الكاربون يتَّحد مع خضابِ الدمِ، فيمنعُ أخطرَ وظيفةٍ حيويةٍ، وهي تبادلُ الأكسجينِ بغازِ الفحمِ.
(1/237)

حقيقة خطيرة جداً، وهي أنّ ربنا جل جلاله - تكريماً لهذا الإنسانِ، وتحقيقاً لسلامتِه، وصوناً له مِن العطبِ - جهَّزه بآلياتٍ بالغةِ التعقيدِ لِحفظِه مِنَ الأخطارِ.
فلو أنّ أَحَدَنا شاهدَ شيئاً مخيفاً - أفعى مثلاً - ماذا يحدث؟ تنطبعُ صورةُ الأفعى على شبكيةِ العينِ، وتحسُّ بها، وشبكيةُ العينِ تنقلُها إلى الدماغِ عبْرَ العصبِ البصريِّ، ليدركَ معنى هذه الصورةِ، بحسبِ المفاهيمِ المكتسبةِ، والدماغُ مَلِكُ الجهازِ العصبيِّ، يخاطبُ ملكةَ الجهازِ الهرموني (الغدةَ النخاميةَ) عن طريقِ ضابطِ اتصالٍ، هو الجسمُ تحتَ المهادِ، هذه الغدةُ النخاميةُ تتلقى أمراً مِنَ الدماغ بالتصرفِ مِن أجلِ السلامةِ، هي ملكةٌ، وعندها عناصرُ هرمونيةٌ فعّالةٌ، ترسلُ هذه الغدةُ النخاميةُ أمراً إلى الكظرِ بإفرازِ خمسةِ هرموناتٍ، الأولُ: يسرِّعُ القلبَ، والثاني: يزيدُ وجيبَ الرئتين، والثالثُ: يضيِّقُ الأوعيةَ، المحيطيةَ مِن أجلِ أن يذهبَ الدمُ إلى العضلاتِ، لا إلى الجلدِ، والرابعُ: يزيدُ سكرَ الدمِ، والخامسُ: يزيدُ هرمونَ التجلُّطِ، كلُّ هذا بفعلِ هرمونِ الأدرينالين الذي يفرزُه لبُّ الكَظرِ، كلُّ ما تقدَّم يحدثُ بسببِ تنبيهِ القسم الوُدِّي من الجهازِ العصبي الذاتي كما تقدّم.
إنّ الخائفَ يزدادُ نبضُ قلبِه، ويزدادُ وجيبُ رئتيه فيلهثُ، وتضيقُ لمعةُ أوعيتِه المحيطيةِ، فيصفرُّ لونُه، ولو فحصْتَ دمَه لوجدتَ نسبةَ السكرِ عاليةً، وكذلك نسبةُ عاملِ التجلُّطِ الذي يفرزه الكبدُ، سمُّ النيكوتين يفعلُ فعْلَ الأدرينالين نفسِه، فعند المدخِّن دائماً تسرعٌ في نبضِ قلبِه، وازديادٌ في وجيبِ رئتَيْه، وضيقٌ في الأوعيةِ المحيطيةِ، لذلك يبدو أصفرَ اللونِ، وفي دمِه زيادةٌ في هرمونِ التجلطِ، وارتفاعٌ في نسبةِ السكرِ في الدمِ، فهو معرَّضٌ أكثرَ مِن غيرِه بثمانية أضعافٍ للجلطةِ في الدمِ، هذه حقيقةٌ مسلَّمٌ بها.
(1/238)

إنّ أحدَ أسبابِ مرضِ المَواتِ (الغرغرين) هو الدخان، لأنّ الدخانَ يرفعُ نسبةَ اللزوجةِ في الدمِ، فإذا ارتفعتْ نسبةُ اللزوجةِ صارَ مِنَ الصعبِ أنْ يسلكَ الدمُ في أدقِّ الأوعيةِ، عندئذ تُصابُ أطرافُه السفليةُ والعلويةُ بالمواتِ لضعفِ التروية.
والدخانُ يسبِّبُ مرضاً نادراً اسمه (التهابُ الأوعيةِ الانسداديّ) ، فالأوعيةُ حينما تلتهبُ تُسدُّ لمعتُها، وانسدادُها يعني ضعفَ الترويةَ، الأمرُ الذي يسبِّبُ مرضَ المواتِ أيضاً.
وهناك مرضٌ يصيبُ المدخِّنين، مِن أعراضِه زرقةُ الجلدِ، واحمرارُ اليدين.
جهازُ الدورانِ: إنّ الدخانَ يحرّرُ مادّةً مِن شأنِها أن تسرّعَ القلبَ، وتضيِّقَ الشرايينَ، وتقلّبَها، ويسبّبُ الدخانُ نوبةَ خنّاقِ الصّدْرِ، وتصلّبَ الشرايينَ الإكليليّةَ، وأيُّ علبةِ دخانٍ اقرؤوا تحتَها، "إنّ الدخانَ ضارٌّ بالأجهزةِ التنفسيّةِ، والأوعيةِ، والقلبِ"، هذا كلامٌ علميٌّ، مأخوذٌ من آلافِ الحالاتِ، وقد قدَّمَتْ لجنةٌ من كبارِ الأطباءِ في العالَم الغربيِّ تقريراً من ثلاثمئة وسبعينَ صفحةً من القطعِ الكبيرِ عنوانه: الدخانُ والصحّةُ، هذا التقريرُ يؤكّد حتماً أنّ هناك أخطاراً مدمّرةً من جرّاءِ التدخينِ، وإنّ اللهَ سبحانه وتعالى أحلَّ لنا الطيباتِ، وحرّمَ علينا الخبائثَ، وقد ثبتَ بالدليلِ القطعيِّ أنّ الدخانَ ممّا يؤذِي صحّتنا، ويؤذِي القلبَ، ويؤذِي الشرايينَ الإكليليّةَ، ويسبّبُ تصلّبَ الشرايينَ، وتسرّعَ القلبِ، والتهابَ الرئةِ، وضعفَ المناعةِ في القصباتِ الهوائيّةِ، ويسبّبُ شللَ الأهدابِ في الرغامى، كلُّ هذه الأخطارِ المحقّقةِ، وبعدها ندخّنُ؟! وبعْدَها نتلفُ أعصابَنا بأيدينا؟! ونتلفُ قلوبَنا بأيدينا؟! اليس العمرُ رأسَ مالِك أيّها الإنسانُ؟ والتدخينُ يعني أن تبقَى في الفراشِ، الصحّةُ تاجٌ على رؤوسِ الأصحّاءِ، لا يراها إلا المريضُ.
العينُ: إنّ الدخانَ يسبِّبُ التهاباً في الملتحمةِ، وجفافاً في الأجفانِ، والتهاباً في العصبِ البصريِّ، ويسبِّبُ نقصاً في الفيتامين 12.
(1/239)

جهازُ الهضمِ: إنّ تسعينَ بالمئة مِن سرطانِ الشفةِ يصيبُ المدخِّنين، ويكثرُ عندَ المدخِّنين سرطانُ اللسانِ والمريء، وتقرحاتُ اللثةِ، واللسانِ، والتهابُ الغددِ اللعابيةِ، وتضخُّمُ هذه الغددِ، وتلوُّثُها، وعسرُ البلعِ أحياناً، بل إنّ الدخانَ يؤدِّي إلى تسمُّمِ الخليةِ الكبديةِ، وقصورِ الكبدِ، أو تشمُّعِه، ثمّ سرطانِ الكبدِ.
الجهازُ التناسليُّ: فالدخانُ أحدُ أكبرِ أسبابِ إصابةِ الرجلِ بالضعفِ الجنسيِّ، وتشوُّهِ النطفِ، ويؤدِّي إلى العقمِ عند الرجالِ والنساء، ويضعِفُ العلاقةَ بين الزوجين، وأكثرُ حالاتِ الإجهاضِ والإملاص - ولادة الجنين ميتاً - بسببِ الدخانِ، وهو سببُ الولادة قبلَ الأوانِ، ونقصِ الوزنِ، ووفاةِ الرضَّعِ بسببِ الأمِّ المدخنةِ، والتشوهاتِ الخلقية، والوفاةِ في المهدِ، وربوِ الأطفالِ، والصممِ؛ كله يُعزَى إلى الأمِّ المدخِّنةِ.
أمّا الشيءُ الذي لا يصدق؛ فهو أنّ هذا السمَّ القاتلَ يشربُه الطفلُ المولودُ حديثاً مع حليبِ أمِّه، فحليبُ الأمِّ المدخِّنةِ فيه هذا السمُّ القاتلُ، لذلك تعدُّ الإقياءاتُ المتكررةُ، والتشنجاتُ، وتسرّعُ قلبِ الوليدِ مِن آثارِ سمومِ الدخانِ، التي تدخلُ جسمَ الرضيعِ عن طريقِ حليبِ أمّه المدخّنةِ.
كما أنّ كثافةَ سمومِ الدخانِ في ثديِ المرأةِ تؤدِّي إلى تخرشِ الثديِ، وهذا التخرشُ يؤدِّي إلى سرطانِ الثديِ عندَ المرأةِ المدخِّنةِ.
وأخطرُ ما في الأمرِ أنه لو شَرِبَ الخمرَ مئةُ إنسانٍ لكان احتمالُ الإصابةِ بالإدمانِ فيهم خمسةَ عشرَ في المئةِ بالإدمانِ، أما لو دخَّنَ مئةُ رجلٍ لكان الاحتمالُ أنْ يصابَ منهم خمسةٌ وثمانون في المئةِ بمرضٍ اسمُه: (الإدمانُ على التدخينِ) .
إنّ مِنَ الناسِ مَن يتوهَّمُ أنّ هناك دخاناً مصفًى، ودخاناً غيرَ مصفًى، فالدخانُ المصفَّى صُفِّيَ عن طريقِ المصفاة (الفلتر) ، والحقيقةُ العلميةُ الصارخةُ أنّ (الفلتر) يمنعُ دخولَ القطرانِ إلى الرئتينِ، ليس غير، أمّا السمومُ التي في الدخانِ فتنتقلُ كلُّها عبرَ الفلتر، فهذا الوهمُ - أن هناك دخاناً (مفلتراً) - محضُ وهمٍ، لا يقومُ على أساسٍ مِن الصحّةِ.
(1/240)

إنّ أخطرَ ما في الدخانِ أنّ أضرارَه لا تنحصرُ في المدخِّنِ نفسِه، بل تنتقلُ إلى مَن حَوْله، مِن زوجةٍ، وأولادٍ، وزملاءَ في العمل، ِ فإذا كنتَ جالساً في غرفةٍ لمدةِ أربعِ ساعاتٍ، وفيها مدخِّنٌ فكأنما دخّنتَ عشرَ دخيناتٍ، وأنت في المصطلحِ الطبِّي مدخِّنٌ سلبيٌّ، أنت لا تدخِّن، لكنك تجالسُ مدخناً، فهذا الذي يدخِّنُ، ويستمتعُ بنكهةِ الدخانِ - إنْ وُجِدتْ - يؤذي غيرَه، وهو لا يدري.
ثمّةَ إحصائيةٌ دقيقةٌ في أمريكا، وهي أنّ ضحايا التدخين في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ثلاثمئة وخمسون ألفَ شخصٍ سنوياً، بمعنى أنّ كلَّ يومٍ يموتُ ألفُ مدخِّنٍ، وخمسون ألفاً من المدخِّنين السلبيِّين الذين لا يدخِّنون، لكنّ آباءهم أو أمّهاتِهم، أو زملاءَهم يدخِّنون، وإنّ مجموعَ الذين يموتون بسببِ التدخين في دولةٍ واحدةٍ في الغربِ أربعمئة ألفِ إنسانٍ، بواقعِ ألفٍ في كلِّ يومٍ أو أكثر.
إنّ الدخانَ المستوردَ أو المهرَّبَ مِن أمريكا دخانٌ رديءٌ جداً، حيث إنّ نسبَ السمومِ فيه عاليةٌ جداً، إلى درجةِ عشرةِ أضعافٍ، العلبة نفسُها، والعلامةُ التجاريةُ نفسُها، والسعرُ نفسُه، فالدخانُ الذي يُصدِّرُ إلى بلادِ الشرقِ الأوسطِ دخانٌ من الدرجةِ العاشرةِ.
أُجْرِيَتْ دراسةُ في بريطانية على ثلاثةٍ وثمانينَ رجلاً مدخّناً، تؤكِّدُ أنّ ثلاثةَ أشخاصٍ مِن كلِّ عشرة سيلاقُون حتْفَهم بسببِ أمراضٍ ناتجةٍ عن التدخينِ، أمّا الباقون فسيعانون من أمراضٍ مزمنةٍ لها علاقة بالتدخين.
وأمّا عن الخسائرِ الناتجةِ عن الحرائقِ بسببِ أعقابِ السجائرِ فهي تفوقُ كلَّ أرباحِ الشركاتِ، والضرائبِ التي تُحصَّلُ مِن هذه الصناعةِ.
وفي بلادنا الجميلةِ، وبغاباتها المتميزةِ، ألقَى إنسانٌ متنزِّهٌ عقبَ دخينةٍ فأحرقَ مئتين وخمسينَ هكتاراً من الغاباتِ الخضرِ، كلُّ هذه الخسارةِ بسببِ عقبِ دخينةٍ واحدٍ.
(1/241)

وهناك وهمٌ عند بعضِ المدخّنين، يقول: أنا لا أشكو شيئاً، أجرِي وأركضُ، وأتمتعُ بصحةٍ جيدةٍ، وأدخِّنُ، لقد غابت عنه حقيقةٌ خطيرةٌ، وهي أنّ أخطارَ الدخانِ تتراكمُ في الجسمِ دونَ أنْ تظهرَ آثارُها إلا بعدَ إجراءِ فحوصٍ دقيقةٍ، فالإنسانُ يتوهّمُ أنه خالٍ من كلِّ مرضٍ، لكنّ آثارَ الدخانِ تتراكمُ، هناك خطٌّ أحمرُ، فإذا بلغَ هذا التراكمُ الخطَّ الأحمرَ ظهرتْ هذه الأعراضُ فجأةً، وهذا يُسمَّى انكسارَ خطِّ المقاومةِ، أنت تضعُ في إحدى كِفتي الميزانِ خمسةَ كيلوغرامات، وفي الكِفّة الثانيةِ تضعُ كيلو، اثنين، ثلاثة، أربعة، والكِفّة راجحةٌ، فجأةً عندما يصبحُ الوزنُ المقابلُ خمسةَ كيلوغرامات تتحرّكُ الكِفةُ، ما الذي حرّكها؟ هذه القشةُ الأخيرةُ، آخرُ غرامٍ؟ لا، الذي حرّكها التراكمُ السابقُ، مضافاً إليه هذه القشةُ الأخيرةُ، التي قَصمَتْ ظَهرَ البعيرِ.
يقول احد العلماء الأجانب: "شركاتُ التبغِ هي شركاتُ القتلِ، أو شركاتٌ تَتَّجِرُ بالموتِ".
إن علماءَ المسلمين السابقين لضعفِ معرفتِهم بمضارِّ بالتدخينِ وقعوا في فتاوى متضاربةٍ، فالعلامةُ ابنُ عابدينَ صاحبُ الحاشيةِ في الفقهِ الحنفيِّ، وهي أوسعُ مرجعٍ في الفقهِ الحنفيِّ يقول في حديثه عن التدخين: "منهم مَن قالَ بحرمتِه، ومنهم مَن قالَ بكراهتِه، ومنهم مَن قال بإباحتِه"، لأنّ أضرارَه لم تكن واضحةً، والأصلُ في الأشياءِ الإباحةُ، فإذا كان عالمٌ قديمٌ أباحَ الدخانَ، فبسببِ نقصٍ حادٍّ في معرفتهِ بأضرارِه، ولو انتهتْ إلى علمِه الحقائقُ القاطعةُ عن مضارِّ الدخانِ لكان أسرعَ منا إلى تحريمِه.
وبعد أن استعرَضْنَا هذا الكمَّ الكبيرَ مِن أخطارِ التدخينِ، فلا مجالَ مطلقاً للحديثِ عن إباحتِه، لأن النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ أرسلَه اللهُ رحمةً للعالمينَ، ليُحِلَّ لهم الطيباتِ، ويحرِّمَ عليهم الخبائثَ.
فهل مِن عاقلٍ واحدٍ يمسكُ سيجارةً ويدخِّنها، وقبلَ أنْ يشربَها يقولُ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، وبعدَ أنْ يشربَها يقول: الحمدُ لله، اللهمَّ زِدْنا مِن هذه النعمِ؟! هذا مستحيلٌ، إذاً هذا دليلٌ فطريٌّ على أنّ الدخانَ خبيثٌ، يقول الله عز وجل:
(1/242)

{الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فالذين آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ أولائك هُمُ المفلحون} [الأعراف: 157] .
يقول ربنا عز وجل: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة وأحسنوا إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين} [البقرة: 195] ، والذي يدخن يلقي بنفسه إلى التهلكة.
وقال تعالى: {ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تأكلوا أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29] .
وقد حرَّمَ الإسلامُ الانتحارَ، هناك انتحارٌ سريعٌ، أنْ يطعنَ المرءُ نفسَه بسكينٍ في مكانٍ قاتلٍ، هذا انتحارٌ سريعٌ، والانتحارُ البطيءُ أنْ يدخِّنَ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أبَداً، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيْدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً".
بل إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِّرٍ".
إنْ دخّن الفقيرُ فهو سفيهٌ، وإنْ دخّن الغنيُّ فهو مبذِّرٌ، قال تعالى: {إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين وَكَانَ الشيطان لِرَبِّهِ كَفُوراً} [الإسراء: 27] .
(1/243)

لو أنّ الأراضي الشاسعةَ التي تُشغلُ بزراعةِ التبغِ زُرِعَتْ بالخضراواتِ والفواكهِ لعمّ الخيرُ، ولزادَ الدخلُ، ولسلمتْ صحةُ الناسِ، ولكُنَّا في حال غير هذا الحال.
لقد أصدرَ كبيرُ علماءِ الدولةِ العثمانيةِ فتوى في تحريمِ الدخانِ، كما أصدرها العلاّمةُ إبراهيم اللقاني، والشيخ سالم السنبوري، ومفتي المملكة العربية السعودية، والشيخ بدر الدين الحسني، شيخ الشام، والشيخُ علي الدقر، والشيخ محمد الحامد.
وقد أصدرَ شيخُ الأزهرِ، الشيخُ جاد الحق - رحمه الله - فتوى هذا نصها: "أصبحَ واضحاً جلِياً أنَّ شرْبَ الدخانِ، وإن اختلفتْ أنواعُه، وطرقُ استعمالِه، يُلحِقُ بالإنسانِ ضرراً بالغاً، إنْ عاجلاً، أو آجلاً، في نفسِه، ومالِه، ويصيبُه بأمراضٍ كثيرةٍ، ومتنوعةٍ، وبالتالي يكونُ استعمالُه حراماً، بمقتضى النصوصِ التي سبقَ إيرادُها، ومِن ثَمَّ فلا يجوزُ لمسلمٍ استعمالُه بأيِّ وجهٍ من الوجوهِ، حفاظاً على الأنفُسِ، والأموالِ، وحرصاً على اجتنابِ الأضرارِ، التي أوضَحَ الطِّبُّ حدوثَها".
إنّ الحقائق العلميةَ المذكورةَ مأخوذةٌ كلها من منظماتِ صحةٍ عالميةٍ، أو مِن جامعاتٍ راقية جدّاً، أو مِن بحوثٍ متقدَّمةٍ، وهذه هي الحقيقة.
هناك ظاهرةٌ جديدةٌ، وهي أنّ أمراضَ القلبِ والأوعيةِ، وأمراضَ الدمِ، تظهر عادةً بدءاً مِن سنِّ الستين فما فوق، هذه السنّ بدأتْ تنزلُ وتتقَهقرُ، الآن هناك حالاتٌ كثيرةٌ، احتشاءٌ في سنِّ الثلاثين، وفي الخامسة والعشرين، وفي الثانية والعشرين، موتٌ بسببِ الدخانِ، هذه ظاهرةٌ جديدةٌ لم تكنْ مِن قبلُ.
إنّ أولياتِ الحياةِ ثلاثةٌ، الهدايةُ أولاً، والصحةُ ثانياً، والكفايةُ ثالثاً، لذلك فلا معنى للكفايةِ من دونِ صحةٍ، ولا معنى للصحةِ من دونِ هدايةٍ، فالصحةُ ركنٌ أساسيٌّ في حياةِ المؤمنِ، فبها يحقِّقُ خلافتَه في الأرضِ، وبها يحقِّقُ الغايةَ التي خُلِقَ مِن أجْلِها، وبها يسعدُ بالهدى، ويستمتعُ بالمالِ، فإذَا ثَبتَ لديه أنّ الدخانَ يدمِّرُ صحّتَه فلا يُعقلُ أنْ يدخِّن سيجارة واحدة.
(1/244)

قال تعالى: {الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث} [الأعراف: 157] .
لقد أحلَّ اللهُ سبحانه وتعالى لنا الطيّباتِ، وحرَّم علينا الخبائثَ، فيجب على المؤمنِ الحقِّ أنْ يعرفَ ما ينفعُه، وما يضرُّه، وأنْ يعرفَ عمرَه الثمينَ، كيف ينبغي أنْ يقضيَه، وقد نهانا النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ عن كلِّ ما يؤذِينا، كما رَغّبنا اللهُ سبحانه وتعالى في الإيمانِ، وزيَّنَه في قلوبِنا، وكرَّه إلينا الكفرَ، والفسوقَ، والعصيانَ، وحينما يعصِي الإنسانُ ربَّه يقعُ في مَزَالِقَ خطيرةٍ تؤذي حياتَه، وتؤذِي آخرتَه.

أثر التدخين في القلب والشرايين
إنّ ربَّنا جلَّ جلالُه إكراماً لهذا الإنسان جعل له مجموعةَ أجهزةٍ، تُعينُه على مواجهةِ الأخطارِ، فلو أن إنساناً كان يمشي في مكانٍ ما، ورأى أفعى، ما الذي يحدثُ؟ يحدثُ ما يلي:
إنّ منظرَ الأفعى يرتسمُ على شبكيةِ العَينِ، وهذا هو الإحساسُ، الإحساسُ البصريُّ، ومنظرُ الأفعى الذي على شبكيةِ العينِ ينتقلُ إلى مركزِ الإدراكِ في المخِّ، والمخُّ لِمَا فيه من مفهومَاتٍ جاءتْ من خلالِ التجربةِ والتعليمِ يعرفُ أنّ هذه الأفعى خطِرةٌ على حياتِه، إذاً هو يواجِه خطراً، ينبِّهُ الدماغُ - وهو رأسُ الجهازِ العصبي - بآلياتٍ معقدَّةٍ الجزءَ الودِّيَّ من الجهازِ العصبيِّ الذاتيِّ، ولبُّ الكظرِ يأتمرُ به مباشرةً.
الأمرُ الأولُ: يعطي أمراً إلى الأوعيةِ كافَّةً بتضييقِ لَمْعَتِها، محافَظةً على الدمِ، الذي يجبُ أن يبذلَ في العَضلاتِ لا في الجلدِ، لأنّ الأمرَ خطيرٌ، لذلك تضيقُ لمعةُ الأوعيةِ كلِّها، وما اصفرارُ لونِه إلا إشارةٌ إلى ضيقِ الأوعيةِ الدمويةِ في الجسمِ.
ويأتي أمرٌ آخرُ إلى القلبِ فيزيدُ من ضرباتِه، والقلبُ ينبضُ في الأحوالِ الاعتياديةِ ثمانينَ نبضةً، وقد يرتفعُ النَّبضُ إلى مئةٍ وثمانين نبضةً ليواجهَ الخطرَ، ويرسلَ الدمَ سريعاً إلى العضلاتِ.
(1/245)

ويأتي أمرٌ ثالثٌ إلى الرئتين بأن تزيدَ من وجيبِهما، ومِن هنا ترى الخائفَ يلهث.
وأمرٌ رابعٌ إلى الكبدِ بإطلاقِ كميةٍ من السكرِ في الدمِ، كي تواجهَ الخطرَ.
وأمرٌ آخرُ إلى الصُّفَيْحاتِ الدمويةِ، التي خَلَقَها اللهُ لتسدَّ أيّ خللٍ، أو خَرقٍ في الشرايينِ إذا أُصيبَ الإنسانُ بجرحٍ، فيزدادُ عددُها في الدمِ.
هذا أمرٌ طبيعيٌّ، إذا واجهَ الإنسانُ خطراً ينبض قلبُه بسرعةٍ أكبرَ، ورئتاه تخفقَانِ بسرعةٍ أكبرَ، ويصفرُّ لونُه لضيقِ لمعةِ الأوعيةِ المحيطةِ، وتزدادُ نسبةُ السكرِ في الدمِ، وتزدادُ الصُّفيحاتُ الدمويةُ المجهَّزةُ لإغلاقِ كلِّ فتحةٍ طارئةٍ.
ماذا يفعلُ الدخانُ في الإنسانِ؟ في الدخانِ مادةٌ سامّةٌ، اسمُها النيكوتين، تزيدُ هذه المادةُ مِن إفرازِ الأدرينالين، والأدرينالين هو الذي يزيدُ ضرباتِ القلبِ، ويضيِّقُ الشرايينَ، لذلك يغلبُ اللونُ الأصفرُ على المدخّنين.
أين الخطرُ؟ الخطرُ أنّ هذا الضيقَ الدائم في الشرايينِ قد يسبِّبُ انسداداً في شرايينِ القلبِ، فتكونُ الذبحةُ الصدريةُ، (خناق الصدر) ، أو تكونُ الجلطةُ، أو يسبِّبُ انسداداً في شرايينِ المخِّ، فتكونُ السَّكتةُ الدماغيةُ، أو يسبّبُ انسداداً في شرايينِ الساقَيْن، فيكونُ الموات (الغرغرين) ، ولا بدَّ من قطعِ الساقِ حينئذٍ.
هذا الخطرُ - خطرُ التدخينِ - كامنٌ في أنه يبقي الأوعيةَ الدمويةَ على حالةٍ من التوتُّرِ والضيقِ، ماذا يفعلُ ضيقُ الأوردةِ والشرايينِ؟ يرفعُ الضغطَ، هذه أشياءُ أصبحَ مقطوعاً بها، لذلك كلُّ الشركاتِ التي تصنعُ الدخانَ في كلِّ أنحاءِ العالَمِ ملزَمةٌ أنْ يُكتبَ عليه هذا التنبيهُ: "إنه يسبِّبُ أضراراً كبيرةً في القلبِ، والأوعيةِ الدمويةٍ".
الكرياتُ الحمراءُ فيها خضابُ الدمِ، الذي يحملُ الأوكسجين من الرئتين، ويطرحُه في الخلايا، كي تحترقَ الموادُ السكريةُ، فتكونُ الطاقةُ في الإنسانِ.
(1/246)

إنّ خضابَ دمِ المدخِّنِ يتَّحدُ مع أول أُكسيدِ الكربون الناتجِ عن التدخينِ، فيتعطَّلُ نقلُ خضابِ الكرياتِ للأوكسجين، إذْ إنّ خمسة عشرَ بالمئةِ مِن خضابِ دمِ المدخِّنِ تُعَطِّلُ نقلَ الأوكسجين، فإذا رفعَ نسبةَ التدخينِ، يُصبحُ ثُلُثُ كرياتِ الدمِ، أو ثلثُ ما فيها مِن خضابٍ معطَّلةً عن نقلِ الأوكسجينِ من الرئتينِ إلى الخلايا، هذا هو الأثرُ الثاني من آثارِ التدخينِ في القلبِ، والأوردةِ، والشرايينِ.
كان من النادرِ في الخمسينياتِ أنْ يصابَ الإنسانُ بمرضٍ في أوعيتِه الدمويةِ، قبلَ سِنِّ الخمسين، والآنَ يُصابُ أُناسٌ كثيرون في سنِّ الأربعين، وأحدثُ تقريرٍ يتعلَّقُ بهذا الموضوعِ أنَّ هناك حالاتٍ كثيرةٍ يُصابُ فيها الإنسانُ بأمراضِ القلبِ، والأوعيةِ، في سنِّ الخامسة والعشرين بسببِ التدخين.
كلمةٌ أخرى في هذه المقالةِ، تقولُ هذه الدراسةُ: إنّ ثمانينَ بالمئة من مرضَى القلبِ من المدخِّنين.
إنّ معاملَ الدخانِ تضعُ التبغَ في أوعيةٍ محكمةٍ، ثم يصبُّون عليه من عصيرِ العنبِ، أو عصيرِ التفاحِ، أو أي شيءٍ من العصائرِ السكريةِ، ثم يضعون عليه الخمائرَ، ثم يغلقونه، ويُحكِمون الغلقَ ثلاثَ سنواتٍ، حتى يُعتقَ، وحتى يتشبعَ التبغُ بالخمرِ، والكحولِ، وهذا يحوِّلُ نباتَ التبغِِ إلى أليافٍ هشّةٍ نضجتْ في الكحولِ، فيدخنُ الناسُ نقيعَ الخمرِ، وهم لا يعلمون، وهذا ما يجعلُ الدخينةَ تستمرُّ مشتعلةً حتى آخرِها؛ لأن هناك كحولاً متحداً بأوراقِ التبغِ، وهذا ما تشيرُ إليهِ جملة: "تعالَ إلى حيث النكهةُ"، في معرضِ الدعايةِ للدخانِ.
هذه الحقيقةُ موجودةٌ في كتابٍ ألَّفه صاحبُه بعد زيارةٍ لمعاملِ التبغِ في أمريكة.
شيءٌ آخر: ماكلاريم شخصيةٌ جذابةٌ جداً، تستخدمُها شركاتُ الدخانِ في الدعايةِ للدخانِ، غالباً ما يُلبِسون هذه الشخصيةَ ثيابَ رعاةِ البقرِ، ويتكلمون الكلامَ الذي يشجِّعَ الناسَ على التدخينِ، هذا الإنسانُ فَقَدَ حياتَه في ريعانِ شبابِه، إذْ أصيبَ بسرطانٍ في رئتِه بسببِ التدخينِ، وكانت آخرُ كلماتِه: لا تصدِّقوني، الدخانُ قتلني، وأنا الدليلُ على ذلك، وكنتُ أكذبُ عليكم.
(1/247)

مِن علامةِ المؤمنِ أنه يعرفُ قدرَ نفسِه، ويعرفُ قيمةَ الحياةِ، ويعرفُ قيمةَ الصحةِ، هذه الصحةُ وسيلتُه إلى الآخرةِ، هذه الصحةُ وما فيها جسرٌ له إلى الجنةِ، لذلك يجب أن يسعى سَعْياً حثيثاً إلى الحفاظِ على صحّتهِ، لأنها رأسُ مالِه، واللهُ سبحانه وتعالى يقولُ: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} [البقرة: 195] .
يساعِدُ أولُ أكسيد الكربون الناتجُ عن التدخينِ على ترسيبِ الكوليسترول في جدرانِ الشرايينِ والأوردةِ، وترسيبُ الكوليسترول في الأوردةِ والشرايينِ يضيِّقُ لمْعَتَها، ويرفعُ الضغطَ، ويصيبُ القلبَ بالإجهادِ.
شيءٌ آخرُ: إنَّ احتمالَ إصابةِ المدخنين بأمراضِ القلبِ والشرايينِ، يزيدُ خمسةَ عشرَ ضعفاً على غيرِ المدخنين، قد يقول قائلٌ: ألا يصابُ غيرُ المدخنين؟ نَعَمْ يصابون، ولكنّ احتمالَ الإصابةِ عند المدخنين تزيدُ خمسةَ عشرَ على غيرِ المدخِّنين.
وقد أوردنا هذه الحقائقَ كي نضعَها بين أيدي الإخوة القرَّاءِ ممّن يدخِّنُ، فالدينُ النصحيةُ.

التدخين السلبيّ
إنّ التدخينَ السلبيَّ هو التعرُّضُ لسجائرِ الآخرين في الأماكنِ المغلقةِ والمزدحمةِ، ويؤثِّرُ دخانُ السجائرِ في غيرِ المدخِّنينَ أكثرَ من تأثيرِه في المدخِّنين أنفسِهم، وأوضحتْ دراسةٌ علميةٌ أجرَتْها مجموعةٌ من العلماءِ أنّ الدخانَ يؤدِّي إلى زيادةِ نسبةِ الكوليسترولِ في دمِ غيرِ المدخِّن، وهذا يؤدِّي إلى الإصابةِ بأمراضِ القلبِ، وسرطانِ الجلدِ، والبلعومِ، وغيرِها من الأمراضِ المتعلقةِ بالتدخينِ، وعلى صعيدِ النساءِ الحواملِ فإنّ التدخينَ يضرُّ بالنساءِ الحواملِ كثيراً، حتى لو كُنَّ غيرَ مدخِّناتٍ، فإنّ الزوجَ حينما يدخِّنُ أمامَ زوجتِه الحاملِ يجبُ أنْ يعلمَ خطورةَ ما سيكونُ.
تقولُ هذه الدراسةُ: وعلى صعيدِ النساءِ الحواملِ فإنّ التدخينَ يضرُّ النساءَ الحواملَ كثيراً، حتى لو كُنَّ غيرَ مدخِّناتٍ، لأن مادةَ النيكوتين تتسلَّلُ إلى الجنينِ في رَحِمِ أمِّه، فإذا تعرَّضَتْ سيدةٌ لا تدخِّن لدخانِ سجائرَ لمدةِ ثلاثِ ساعاتٍ يومياً تزدادُ احتمالاتُ إصابةِ جنينِها بعاهاتٍ أو عيوبٍ في النطقِ أو الذكاءِ.
(1/248)

أمّا إذا كانت السيدةُ الحاملُ تدخِّنُ فإنّ ذلك يؤدِّي إلى ولادةِ طفلٍ ناقصِ الوزنِ، أو قبلَ موعِده الطبيعيِّ، إضافةً إلى مشكلاتٍ في النموِّ العقليِّ، وإنّ التدخينَ لا يؤثِّرُ فقط في جنينِ سيدةٍ تدخِّنُ، أو تتعرَّضُ لدخانِ لفائفِ التبغِ، بل يؤثِّرُ أيضاً في أحفادِها، ففي حالِ أنجبتِ السيدةُ طفلةً فإنه تنتقلُ مخاطرُ التدخينِ إلى الجيلِ التالي، إضافةً إلى تأثُّرِ خصوبةِ الأحفادِ.
إنّ الحديثَ اليومَ عن غيرِ المدخِّنين، نساءً ورجالاً وأطفالاً، لكنّهم يتعرّضون لدخانِ المدخِّنين، هذه النتائجُ الوبيلةُ نَطَقَتْ بها بعضُ الدراساتِ العلميةِ.
قال سبحانه وتعالى: {الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث} [الأعراف: 157] .
إذَا ثبتَ بالدليلِ العلميِّ الصحيحِ، والدراسةِ الموضوعيةِ أنّ الدخانَ مِن الخبائثِ فهو مشمولٌ بهذه الآيةِ.
(1/249)

الكون
والسماء ذات الرجع
يقول ربّنا سبحانه وتعالى: {والسمآء ذَاتِ الرجع * والأرض ذَاتِ الصدع} [الطارق: 11-12] .
هذا خالقُ الكونِ يصفُ السماءَ بِكَلمةٍ واحدةٍ: {والسمآء ذَاتِ الرجع} ، وكلّما تقدَّم العلمُ اكْتُشِفَتْ حقائقُ جديدةٌ تَدعمُ هذا الوصْفَ الموجزَ المعجِزَ، فالقمرُ يسيرُ في مدارٍ حولَ الأرضِ، يذهبُ، ثمّ يرجعُ إلى مكانهِ الأوّلِ، والشمسُ تجري لمستقرٍّ لها في مدارٍ حولَ نجمٍ آخرَ، وتعود إلى مكانِها السابقِ، والمذنّباتُ أيضاً، فمذنّب هالي مثلاً زارَ الأرضَ في عام (1910) بالضّبطِ، وعادَ إلينا في عام (1986) ، تسْتغرق دورتُه سِتّةً وسبعين عاماً، فالأرضُ تدورُ وترجعُ، والقمرُ يدورُ، ويرجعُ، والشمسُ تدورُ وترجعُ، والمذنّباتُ تدورُ وترجعُ، وكلّ ما في السماء يدورُ في فَلَكٍ بيْضويٍّ أو إهليلجي ويرجعُ، إذاً ربُّنا سبحانه وتعالى حينما وَصَفَ السماءَ بكلمةٍ واحدةٍ قال: {والسمآء ذَاتِ الرجع} ، وهذا وصْفُ خالِقِها الحقِّ، فتبارك الله أحسنُ الخالقين.

اتَّجَهَ العلماءُ اتِّجاهاً آخرَ، هذه الغازاتُ التي أوْدَعَها اللهُ في الأجواءِ ذاتُ رجعٍ، فهذا الأكسجينُ الذي يستنشقُه الإنسان ينفثه غازَ فحْمٍ، ثمّ يأخذُه النباتُ، فيُنفثه أكسجيناً، إذاً حتى الغازاتُ لها دوْرةٌ طبيعيّةٌ؛ مِن أكسجين، إلى غازِ الفحْم، إلى أكسجين.
اتجاه ثالث، إذا أرْسلت إلى السماء أمواجاً كهرطيسيّة فإنَّها ترجعُ، والبثُّ اليومَ يقومُ على هذا المبدإ.
اتجاه رابع، إذا صعَدَ بُخارُ الماءِ إلى السماءِ يرجعُ أمطاراً، يقول ربّنا عز وجل: {والسمآء ذَاتِ الرجع} .
إنّ السماءَ تُرْجِعُ بُخارَ الماءِ أمطاراً، وتُرجِعُ الأمواجَ الكهرطيسيّةَ بثّاً، وترجِعُ الغازاتِ في تقلّباتها إلى ما كانت عليه، وكلّ ما في السماءِ يرجعُ إلى مكانِه الأوّلِ، لأنّه يدورُ ويسيرُ، ويتحرّكُ في مسارٍ دائري أو بيْضَويٍّ، فحينما يقولُ ربُّنا عز وجل بإيجازٍ عجيبٍ: {والسمآء ذَاتِ الرجع} معنى ذلك أنّ هذا الكلامَ قرآنٌ مِن عند خالقِ الأكوان، وتشعرُ أنّ هذا وصْفُ الله تعالى، وصفُ الخالقِ، ووصْفُ الصانِعِ.
والشيءُ الآخرُ، أنّك لو أردْتَ أن تصِفَ الأرضَ بِصِفةٍ شاملةٍ جامعةٍ مانعةٍ لم تَقْدِرْ، وقد وَصَفَها اللهُ بوصفٍ جامعٍ مانعٍ فقال: {والأرض ذَاتِ الصدع} .
إنّ القاراتِ كانت متَّصلةً فتصدَّعَتْ، لأنّ الصُّخور تتصدَّعُ، والأحجارَ تتصدَّعُ، بل إنّ أدقَّ الجزئيّاتِ تتصدَّعُ، فإذا ذهبْتَ لِتَصِفَ الأرضَ بصِفَةٍ ثابتةٍ منذ أنْ خَلَقَها اللهُ، وحتى نهايةِ الحياةِ قلت: إنَّها تتصدّع: {والسمآء ذَاتِ الرجع * والأرض ذَاتِ الصدع} ، فكيف هو الصَّدْعُ إذاً؟
(2/1)

الأرضُ طبقاتٌ، أَمْسِك بيْضةً، هناك القِشرةُ الكِلسيّةُ، والقِشْرةُ الرقيقةُ، وبياضُ البيضةِ، وصفارُها، غيرَ أنّ أقسى هذه الطبقاتِ الطبقاتُ الخارجيّةُ، وكلّما نَزَلْنا إلى أعماقِ الأرضِ تصبحُ هذه الطبقاتُ أقلَّ صلابةً، إلى أنْ تصبحَ لَزِجةً، إلى أنْ تصبحَ مائعةً مضطربةً، وهذه النظريّةُ أصبحَتْ حقيقةً، فكلّما اتَّجَهنا نحو بطنِ الأرضِ ضَعُفَتِ الصلابةُ، وارتفعَتِ الحرارةُ، أمّا حول مركزِ الأرضِ فثمّةَ اضْطرابٌ عجيبٌ لِمَائِعٍ ناريٍّ، وقد أشارَ القرآنُ إلى ذلك، قال تعالى: {أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [المُلك: 16] .
ومعنى تمورُ، أيْ تضطرِبُ اضْطرابَ المائع، إنّنا ننْعم بالاستِقرارٍ على ظهرها، بِصَلابتِها، بِقُوَّتها، نبني بناءً شامخاً على أساسٍ متينٍ، ولو أنّ هذه الأرضَ خُسِفَتْ بنا ووصلنا إلى أعماقها لأصبحْنا على مائعٍ ناريٍّ مضطرب يمورُ، قال تعالى: {أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} .
فمَنْ أخْبرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو النبيُّ الأُميُّ بأنّ في باطنِ هذه الأرضِ مائعاً ناريّاً مضطرباً؟ أليس هذا القرآنُ كلامَ الله عز وجل؟.
إذا وقفْتَ عند الآياتِ الكونيّةِ في القرآنِ وجدْتَ أنَّه كلّما تقدَّمَتْ بك الدراساتُ التقيت مع وصْفِ اللهِ الموجزِ، ومع وصفِ الله المُعجِزِ، ومع وصْفِ اللهِ البليغِ.

الذي خلق سبع سماوات طباقا
يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى، في سورة تبارك:
{تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العزيز الغفور * الذي خَلَقَ سَبْعَ سماوات طِبَاقاً مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 1-4] .
سنقفُ عندَ قوله تعالى: {الذي خَلَقَ سَبْعَ سماوات طِبَاقاً} .
(2/2)

يقولُ علماءُ الفضاءِ: "إنّ الطبقةَ الأولى هي طبقةُ الهواءِ السفلى، التي تعيشُ فيها الأحياءُ، مِن طيورٍ وكائناتٍ، وما شاكل ذلك، وهذه الطبقةُ أيضاً مؤلفةٌ من عِدّة طبقاتٍ، وهي متقلِّبةٌ من حالٍ إلى حالٍ، ومتحوِّلةٌ من مكانٍ إلى مكانٍ، مِن حالةِ الحَرِّ، إلى حالةِ البردِ، إلى حالةِ الغُيُومِ، إلى حالةِ الأمطارِ، إلى حالةِ العواصفِ، إلى حالةِ الزَّعازعِ، تنتقل فيها هذه المنخفضاتُ، وهذه المرتفعاتُ من مكانٍ إلى مكانٍ، وانتقالُها أساسُ التنبُّؤاتِ الجويةِ".
فهذه الطبقةُ السفلى لا يزيدُ ارتفاعُها أولَ الأمر على ستة عشر كيلو متراً.
والطبقة الثانية، هي طبقةٌ فيها جزيئاتٌ غازيةٌ كبريتيةٌ، هذه الجزيئاتُ الغازيةُ الكبريتيةُ، تلقِّحُ السحابَ، وتسهِّلُ عمليةَ الأمطارِ، ولولا هذه الطبقةُ الكبريتيةُ لمَا هَطَلَتِ الأمطارُ، ولما كانتِ الحياةُ على سطحِ الأرضِ، وفي هذه الثانية أيضاً طبقةُ الأوزون، وهي غلافٌ مِن الأُكسِجين الثلاثي، الذي يمتصُّ الأشعةَ فوقَ البنفسجيةِ القَاتِلةَ، لأنّ هناك في الشمسِ أشعةً فوقَ البنفسجيةِ، تمتصُّها طبقةُ الأوزون، ولا تسمح طبقةُ الأوزونِ بمرورِ هذه الأشعةِ القاتلةِ إلا بجزءٍ يسيرٍ يسِيرٍ يقتل الجراثيمَ الضارَّةَ في الكائناتِ الحيةِ، فالتعرُّضُ للشمسِ مفيد ومطهِّر، ولكن قد أصابَ طبقةَ الأوزونِ بعضُ الخللِ مِن كثرة رحلاتِ الفضاءِ، والأقمار الصناعيةِ، وبعض الصناعات الغازية، وبدأ سرطانُ الجلدِ ينتشرُ بأعدادٍ وبائيةٍ كبيرةٍ في بعض الدول المتقدمة، حيث إنّ طبقةَ الأوزونِ في تلك الأماكنِ قد أصابَها بعضُ الخللِ.
وأمّا الطبقةُ الثالثةُ فهي تشبِهُ فُرناً ذريّاً شديدَ اللهب، ولولا هذه الطبقةُ لكانتِ الأحجارُ الكونيةُ، والكوَيْكباتُ المتساقطةُ قد دَمَّرتْ كلَّ شيء على الأرض، ولكنَّ هذه الطبقةَ تصهرُ كلَّ شيءٍ؛ من نيازكَ، من معادنَ، من كويكباتٍ، من أحجارٍ، تصلُ إلى الأرضِ بفعلِ الجاذبيةِ، إنها تحترقُ في هذه المنطقةِ على الأرض، وتتشهَّبُ، وتصبحُ رماداً، لا يُرَى إلا بالمَجاهِر.
(2/3)

والطبقةُ الرابعةُ من طبقاتِ الغلافِ الجوّيِّ هي طبقةُ "الأيونوسفير"، أي الطبقةُ المتأيّنةُ بأرجائِها الغامضة، وبارتفاعٍ قَدْرُه ثمانون كيلو متراً فوقَ طبقة "الأيونوسفير"، وتتعرّض الطبقةُ المتأيّنةُ لإشعاعاتِ الشمسِ، ولا سيما فوق البنفسجيةِ التي تعملُ على تحطيمِ ذرّاتِ غازِ الأوكسجين والنيتروجين بها، فتفقدُها إحدى إلكتروناتِها فتصبحُ متأيِّنةً، أي مشحونةً كهربيّاً، وتُدعَى هذه الذراتُ عند ذلك بالأيوناتِ المشحونةِ، حيث تقومُ مقامَ الملايين من المرائي في الجوِّ، فتعكسُ الموجاتِ اللاسلكيةَ عن الأرضِ، وترسلها حولها، وهذه هي الطريقةُ التي تُستعملُ في إرسالِ الرسائلِ اللاسلكيةِ من قارةٍ إلى أخرى، وحول العالَمِ في جميع الاتجاهاتِ.
وأمّا الطبقةُ الخامسةُ فهي تمتدُّ مِن ألف كيلو مترٍ، إلى خمسةٍ وستين ألفَ كيلو مترٍ، يقلُّ الهواءُ تدريجياً في هذه الطبقةِ، إلى أن ينعدمَ، فطبقةُ الهواءِ المحيطةُ بالأرضِ يزيدُ سمْكُها على خمسةٍ وستين ألفَ كيلو مترٍ نحوَ الأعلى، أمّا الشيءُ المعجِزُ فهو أنّ اللهَ سبحانه وتعالى يقول: {وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32] .
{سَقْفاً مَّحْفُوظاً} ، أي: به تُحْفَظُ الأرضُ، وقال بعضُ العلماءِ الأجانبِ بالحرفِ الواحدِ: "إنّ الجوَّ الأرضيَّ حاجزٌ حقيقيٌّ، هو حقاً قليلُ الكثافةِ، ولكنه سميكٌ جداً، فهو يُوقِفُ الأشعةَ، ويحرقُ الشُّهُبَ، إنّه يحمِي حياتَنا الدنيويةَ، ويحافظُ عليها، لأنّه لا يسمحُ إلا لكلِّ ما هو نافعٌ لنا بالوصولِ إلى سطحِ الأرضِ"، وهذا مصداق قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} .
لا يَسمحُ جوُّ الهواءِ للنيازكِ، ولا للشُّهُبِ، ولا للمعادنِ، ولا للأحجارِ، ولا للكُوَيْكِبَاتِ، ولا للأشعةِ القاتلةِ، ولا لكلِّ ما يؤذي الأرضَ بالاختراقِ، فالهواءُ إمّا أنْ يحرِقَه، وإما أنْ يمنعَه، فالأوزونُ يمنعُ الأشعةَ القاتلةَ، ويمتصُّها، والطبقةُ الرابعةُ الحارَّة تَصْهَرُ كلَّ شيءٍ.
(2/4)

أُذِيعَ في أحَدِ الأعوامِ، وعلى متنِ طائرةِ الحجِّ، أنَّ الحرارةَ خارجَ الطائرةِ هي خمسون درجةً تحتَ الصفرِ، وكانت حرارةُ الجوِّ في مثلِ تلك الأيامِ في الديارِ المقدسةِ في الظلِّ خمساً وخمسينَ درجةً، وأمّا في الجوِّ فكانت خمسين درجةً تحتَ الصفرِ.
حينما يقول الله عزَّ وجل {الذي خَلَقَ سَبْعَ سماوات طِبَاقاً مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ} [الملك: 3] ، فهذه آيةٌ كونيةٌ عُظْمَى، لا يعرفها إلا مَن عَلِم، {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] .
وكلُّ كلمةٍ في القرآنِ تشيرُ إلى علومٍ، وإلى تفصيلاتٍ، لو أمضى الإنسانُ حياتَه كلَّها في دراستها لما انتهى منها، بل لمَا استوفى معشارَ حقِّها.

إخبار الله تعالى عن الظلام في الفضاء الخارجي
كان عالِمٌ مِن علماءِ الفلَكِ في زيارةِ مركزِ إطلاقِ المراكِبِ الفضائيّةِ في بعضِ الدُّوَلِ المتقدِّمةِ، وبينما هو في زيارةِ هذا المركزِ الذي كان على اتِّصالٍ مستمرٍّ بِمَركبةٍ فضائيّةٍ كانت قد أُطْلِقَتْ قبْل ذلك بقليلٍ، إذا برائِدِ الفضاء يتَّصلُ بِمَركزِ انطلاقِ هذه المركبةِ، ويقولُ: لقد أصبحْنا عُمْياً لا نرى شيئاً، وكانتِ المركبةُ أُطلِقَتْ في وَضَحِ النّهارِ، وبعْد وقتٍ قليلٍ تجاوَزَتِ الغِلافَ الجويَّ، ودخلَتْ في منطقةٍ لا هواءَ فيها، وأصبَحَ الجوُّ مُظْلماً ظلاماً كليّاً، فصاحَ هذا الرائِدُ: لقد أصبحْنا عُمْياً لا نرى شيئاً، فما الذي حَصَل؟
(2/5)

الذي حصَل أنّ أشِعَّةَ الشّمسِ إذا وصَلَتْ إلى الغِلافِ الجويِّ تناثَرَ ضوْءُها، وتشتَّتَ بين ذرّاتِ الهواءِ وذرّاتِ الغبارِ، وهذا ما يُعَبِّرُ عنه علماءُ الفيزياءِ بانتثارِ الضّوءِ، أو بِتَشَتُّتِ الضّوءِ، تنعكسُ أشِعّة الشّمسِ على ذرات الهواء، وذرات الغبار فَتَجْعلُها مُتألّقةً، وهذا الذي يُسمَّى في الدنيا: منطقة فيها أشعّةُ الشمسِ، ومنطقة فيها ضوءٌ، ولا شمسَ فيها، كَجَوِّ المسْجِد، فإنّه يرى فيه بعضنا بعضاً، هناك ضوءٌ، وليس فيه أشِعّةُ شمسٍ، لأنّ الضّوءَ ينتثِرُ، فلمّا غادَرَتْ هذه المركبةُ الغِلافَ الجويّ انْعَدَمَ تناثُرُ الضّوءِ، وأصْبحَ الفضاءُ مظلماً، شديدَ الظّلامِ، لا يُرى فيه شيءٌ.
لو عُدْنَا إلى كتابِ الله الذي نزلَ قبْلَ أربعة عشرَ قرناً ونيّفاً، ووقتَها ما عرفَ أهلُ الأرضِ الصّعودَ إلى القمرِ، وما عرفوا غزْوَ الفضاءِ بهذه العِبارةِ الفَجَّةِ، وما عرفوا تجاوُزَ الغِلافِ الجويِّ، وما عرفوا كلّ ذلك، لو عُدْنا إلى كتابِ اللهِ لوَجَدنا في هذه الآيةِ إعجازاً عِلْميّاً، قال الله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحِجر: 14-15] .
هذا الذي قالَه رائدُ الفضاءِ: لقد أصبحْنا عُمْياً، قد جاء به القرآنُ قبْلَ أربعة عشرَ قرناً، أليس هذا دليلاً قَطْعِيّاً على أنّ هذا الكلامَ كلامُ خالقِ البشرِ؟ عُرِفَتْ هذه الحقيقة قبلَ عشرِ سنواتٍ، حينما عَرَفَ الإنسانُ الغلافَ الجويَّ واقْتَحَمَهُ، وأُلْغِيَ تناثُرُ الضّوءِ، ودَخَلَ في ظلامٍ دامِسٍ، عرفَ كيفَ أنّ الفضاء الخارجي مُظلمٌ ظلاماً داكناً، ولا يُرى في الفضاءِ إلا كوكبٌ متألّقٌ مِن دون أنْ ينتثِرَ الضّوءُ، قال تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحِجر: 14-15] .
(2/6)

إنّ مِن خصائصِ الوحيِ إلى النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ أنَّ دليلَهُ منه، وأنّ الدليلَ يتَطَابَقُ مع المَدْلُولِ عليه، فالوَحْيُ الذي جاء النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ هو مِن عند اللهِ تعالى بِظَاهِرَةٍ صارخةٍ، ألا وهي الإعجازُ، فإنّ هذا الكلامَ يَعْجِزُ عن معرفتِهِ الإنسانُ حينما نزلَ القرآنُ، والآن مع التقدُّمِ العلميِّ بدَأَ العلمُ يكشفُ جوانِبَ قليلةً منه، يؤكِّدُ هذا قولُ الله عز وجل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصّلت: 53] .
وهذه السِّينُ في قوله: {سَنُرِيهِمْ} للاستقبال، حتى يتبيّنَ للمُعْرِضين، وللمُنْكِرين، وللمُشَكِّكين أنَّه الحقُّ، أنَّه كلامُ اللهِ عز وجل.
لا شيءَ في الحياةِ يجبُ أنْ يسْتَحْوِذَ على فَهْمِنَا كفهْمِ منهجِ ربّنا، كَفَهْمِ كتابِ اللهِ، كفهْمِ أبْعادِه، ومَدلولاتِه، وحلالِه وحرامِهِ، ووعْدِهِ ووعيدِهِ، وآياتِهِ الكونيّةِ والتكوينيّةِ، لأنَّه طريقُ سعادتِنا وهدايتنا.

القوى الجاذبة في الكون
ممّا عُلم بداهةً أنّ هذا الكونَ العظيمَ لا نهايةَ له، وكلما كَشَفَ العلمُ مجرةً بعيدةً بَعيدةً، تبعد عنا عشراتِ بل أضعافَ العشراتِ مِنْ آلافِ ملايينِ مِنَ السنين الضوئية، اكتشف أنّ هذا الكونَ لا نهايةَ له، ومع ذلك يَحْكُمُه قانونٌ واحدٌ: إنه قانونُ الجاذبيَّةِ.
فكلُّ كتلةٍ في هذا الكونِ تجذِبُ الكتلةَ الأخرى، بقدْرِ حجم كتلتها، وبقدْرِ المسافةِ فيما بينهما، فلو أنّ هذا القانونَ وحدَه كان هو المسيطرَ، وما دامت كلُّ كتلةٍ تجذبُ أختَها فلا بد أنْ يصبحَ الكونُ كلُّه كتلةً واحدةً، فما الذي يحُولُ بين تكتُّلِ الكونِ وتَبَعْثُرِه؟.
الجواب: إنّها آيةٌ في كتابِ الله: {والسمآء ذَاتِ الرجع} [الطارق: 11] .
(2/7)

كلُّ شيءٍ في السماءِ يدورُ، ويدورُ بمسارٍ مغلَقٍ، يدورُ ويرجعُ، هذه الحركةُ الدورانيةُ المستمرةُ ينشأ عنها قُوىً نابذةٌ، هي التي تكافِىءُ القُوى الجاذبة، ومِن هذه الحركةِ المستمرَّةِ ينشأُ ما يسمى: التوازنَ الحَرَكيَّ، وهذا مِن آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتِه.
يقول الله عز وجل: {الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الرعد: 2] .
هناك عَمَد، جمع عمود، ولكنَّكم لا ترونَ هذه العَمدَ.. {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} .
قال بعضُ العلماء: هذه إشارةٌ إلى قُوى الجذبِ فيما بين المجرَّاتِ، والكواكبِ، والكُتَلِ.
والجاذبيةُ في الأرضِ أشارَ اللهُ إليها بقوله تعالى: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} [النمل: 61] ، فَمَنْ جعَلَ هذه الأشياءَ التي على سطحِ الأرضِ تستقرُّ عليها، وتنجذبُ إليها؟ ما هو الوزنُ في حقيقته؟ الهواءُ منجذبٌ إلى الأرضِ، والبحرُ منجذبٌ إلى الأرضِ، وكلُّ ما على الأرضِ منجذبٌ إليها، ولو أنَّ الإنسانَ طارَ في الفضاءِ، فوصلَ إلى نقطةِ انعدامِ الجاذبيةِ، لانعدم وزنُه، {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} .
آيةٌ أخرى تشيرُ إلى هذه الجاذبيةِ، قال تعالى: {وَإِذَا الأرض مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق: 3-4] ، فإذا تعطَّلتِ الجاذبيةُ التي في الأرضِ، ألْقَت الأرضُ ما فيها، وتخلَّتْ، وتَبَعْثَرَ ما فيها، وخَرَجَ منها، ولم يَعُدْ.
هناك آيةٌ هي مِحْوَرُ هذه الفكرةِ القصيرةِ، وهي قولُ الله عز وجل: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ} [فاطر: 41] .
(2/8)

إنّ زوالَ الشمسِ عن كَبِد السماءِ هو انحرافُها، وما دامَ اللهُ العليمُ الخبيرُ يقول: {والسمآء ذَاتِ الرجع} [الطارق: 11] ، فإنّ كلَّ كوكبٍ في الكون يدورُ حول نجم آخرَ، وله مسارٌ دائري أو إهليلجي، ويرجعُ إلى مكانِ انطلاقِه، أنْ يكونَ هذا الكوكبُ على هذا المسارِ بشكلٍ دقيقٍ، هذا فِعْلُ مَنْ؟ لو أنّ الأرضَ خَرَجَتْ عن مسارِها لانجذبتْ إلى كوكبٍ آخرَ، وانتهتِ الحياةُ على الأرضِ، فمَنِ الذي يُبْقِي حركةَ هذه الكواكبِ على خطِّ سيْرِها تماماً؟ كما لو أنّ قطاراً خَرَجَ عن سكَّته لتدهور، فأنْ يبقى القطارُ على سكَّته، وأنْ تبقى المركبةُ على الطريقِ، وأنْ تبقى الأرضُ في مسارها حولَ الشمسِ، فهذا مِن تقديرِ عزيزٍ حكيمٍ، يقول ربنا عز وجل: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ} ، أيْ: أنْ تخرجَ عن مسارها، وإنّ مذنَّب هالي زار الأرضَ في عام 1910، وزارها ثانيةً في عام 1986، هذا المذنَّب منذ آلافِ آلاف السنين له مسارٌ لا يحيدُ عنه، وله وقتٌ لا يتخلَّفُ عنه، فمَنْ أبقاه في هذا المسار، وفي هذه السرعةِ الدقيقةِ؟ هذا المذنَّبُ، وبقيةُ المذنَّبات، والأرضُ، والمجموعةُ الشمسيةُ.. {والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} [يس: 38] .
كلُّ الكونِ يسيرُ في مساراتٍ لا يحيدُ عنها أبداً، بقدرة قادر، إنّه اللهُ خَالقُ الكون وحْدَه، {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [فاطر: 41] .
هل تستطيعُ قُوى الأرض كلُّها أنْ تُعيدَ انحرافَ الأرضِ إذا خرجتْ عن مسارِها؟ أو أنْ تُعِيدَ انحرافَ الشمسِ إذا خرجتْ عن مسارِها؟

المرصد العملاق، وأبعد المجرات عنا
(2/9)

نقلتْ إحدى محطات الأخبار العالمية الخبر التالي: "أُرسِلَتْ مركبةٌ فضائيةٌ تحمِلُ مرصداً عملاقاً، قُطْرُ عدستِه ثمانيةُ أمتارٍ، أُرْسِلَتْ قبل أربعِ سنواتٍ، ويغلبُ على الظن أنّ سرعتَها تزيدُ على أربعين ألفَ مِيلٍ في الساعة، مضى على انطلاقِها مِن الأرض أربعُ سنواتٍ، مِن أجْلِ أنْ يكتشفَ خبايا الكونِ وأسرارَه، ولعلّه اقتَربَ مِن المشتري، وقد الْتَقَطَ قبلَ يومين صورةَ مَجَرَّةٍ جديدةٍ اكْتُشِفَتْ حديثاً".
كان يُظَنُّ أنّ أَبْعَدَ مجرةٍ اكْتُشِفَتْ بُعْدُها عنَا عشرون ألفَ مليونِ سنةٍ ضوئيةٍ، وممَّا يُعلمُ أنّ أقْرَبَ نجمٍ مُلْتَهِبٍ يبعدُ عن الأرض أربعَ سنواتٍ ضوئيةٍ، ولو أردتَ أنْ تعرفَ ماذا تعني أربعُ سنواتٍ ضوئيةٍ، فإني أمثل لك ذلك بأنك لو أردتَ أنْ تَصِلَ إلى هذا النجمِ الذي يبعدُ عنّا أربعَ سنواتٍ ضوئيةٍ في مركبةٍ أرضيةٍ لاحْتَجْتَ إلى قريبٍ من خمسينَ مليون عامٍ.
نجمُ القطْبِ بُعْده أربعةُ آلاف، والمرأةُ المسلسلةُ مليونانِ، أحْدَثُ مجرةٍ تبعُدُ عنّا عشرين ألفَ مليون سنة ضوئية.
الخبرُ الذي أَذَاعَتْه إحدى محطاتِ الأخبارِ العالميةِ عن تلك المركبة الفضائية التي انطلقت قبل أربعِ سنواتٍ بسرعة أربعينَ ألفَ ميلِ في الساعةِ، والتي يُظَنُّ أنها قُرْبَ المشتري، أرسَلَتْ قبل أيام صورة لمجرةٍ تبعد عنا - ودققوا في هذا الرقم - مئات البلايين من السنوات الضوئية، والبليونُ ألفُ مليون، وهذه المجرةُ كانت في هذا الموقعِ قبل هذه السنين، ثم تحوَّلَتْ إلى موقعٍ آخرَ؛ لأنّ سرْعتَها تزيد على مئتين وأربعين ألف كيلو مترٍ في الثانية، أين هي الآن؟..
الآن تفكَّرْ في قوله سبحانه وتعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75-76] .
هذا الإلهُ العظيمُ الذي خَلَقَ هذا الكونَ العظيمَ أيُعْصَى؟ أيَنصرِفُ الإنسانُ عن أمْرِه ونهْيِه؟ ولا يعبأُ بوَعْدِه ووَعِيدِه، يرجُو غيْرَه، ويخافُ غيرَه، ويسعَى لإرضاءِ غيرِه: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} .

المجرات والنجوم وسرعتنا
(2/10)

إنّ كلمةَ المجرّاتِ نسمعُها كثيراً، ونقرأُ عنها الشيءَ الكثيرَ، ولكنّ الحقائقَ التي اكتُشِفَتْ حديثاً تكادُ لِعَظَمَتِها لا تُصَدَّقُ.
إنّ المجرّاتِ جُزُرٌ كونيّةٌ هائلةٌ، تكوِّن وحداتِ الكونِ الأساسيّةَ، فالمجرّاتُ غبارٌ كونيٌّ، وسُدمٌ، ونجومٌ، وكواكبُ، ومذنّباتٌ، ونيازكُ، وشُهبٌ، ومجالاتٌ مغناطيسيّةٌ كهربيّةٌ عنيفةٌ، كلُّ هذا في المجرّةِ الواحدةِ، والشيءُ الغريبُ أنَّ أكبرَ مرْصدٍ على وجهِ الأرضِ رصَدَ ألفَ مليونِ مجرّةٍ، غيرَ أنّنا لا نرى بالعينِ المجرَّدةِ إلا ثلاثَ مجرّاتٍ، إذا نَظَرْنا إلى قبّةِ السماءِ نرى درْب التَّبَّابنةِ، ومجرّة مَاجِلاَّن الصغرى، والكبرى، أمّا المراصدُ الكبيرةُ فقد رصَدَتْ ما يزيدُ على ألف مليون مجرّة، بل إنّ تقديراتِ العلماءِ أنّ في السماءِ مليونَ مَليون مجرّةٍ، وإنّ عدد النجوم في كل منها يقترب من مليون نجم، لذلك قال تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75-76] .
لنأخذ على ذلك درْبَ التَّبَّابنةِ، وهي مجرّتنا، التي نحن جزءٌ صغيرٌ منها، طولُها يزيد على مئة وخمسين ألفَ سنةٍ ضوئيّةٍ، على حين أننا نبعدُ عن القمرِ ثانيةً ضوئيّةً واحدةً، ونبعدُ عن الشّمسِ ثماني دقائقَ، المجموعةُ الشّمسيّةُ مِن أقصاها إلى أقصاها لا تزيدُ على ثلاث عشرةَ ساعةً ضوئيّةً، أمّا مجرّتُنا فطولُها يزيدُ على مئة وخمسين ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، وشكْلُها كالمغزلِ.
الشيءُ الغريبُ والجديدُ أنّ هذه المجرّاتِ تدور حولَ نقطةٍ موهومةٍ في الفضاءِ الخارجيِّ، تدور حولَ هذه النّقطةِ بسُرعةٍ لا تكاد تُصَدَّق، إنّها تدور بسُرعةٍ تعادِلُ ثمانيةَ أعشارِ سرعةِ الضّوءِ، والضّوءُ يقطعُ في الثانيةِ الواحدةِ ثلاثمئة ألف كيلو متر، إنّ هذه المجرّاتِ تسيرُ بِسُرعةٍ بَيْنَ سبعةٍ وثمانيةِ أعشارٍ مِن سُرعةِ الضّوءِ.
المجموعةُ الشّمسيّةُ على سبيلِ المثالِ، تدورُ حولَ نقطةٍ في مجرّتنا، تستغرقُ دورتُها حول هذه النّقطةِ مئتين وخمسين مليون سنةٍ، وسرعتُها تزيدُ على سبعةِ أعشارِ سرعةِ الضّوءِ.
(2/11)

هذه الأرقامُ، والسرعةُ، والأعدادُ، والمسافاتُ الفلكيّةُ شيءٌ لا يستطيعُ هذا العقلُ تصوّرَه.
تدورُ الأرضُ حولَ نفسِها بسرعةِ ألفٍ وستّمئة كيلو مترٍ في الساعةِ، والأرضُ تدورُ حولَ الشّمسِ بسُرعةِ ثلاثين كيلو متراً في الثانيةِ، والشمسِ تجري لمستقرٍّ لها بسُرعةِ مئتي كيلو مترٍ في الثانيةِ، والمجرّةُ بسُرعةِ مئتين وأربعمئة ألف كيلو مترٍ في الثانيةِ، أيْ قريباً مِن سرعةِ الضّوءِ، ومع ذلك مِن أجْلِ أنْ تدورَ الشّمسُ حوْلَ نقطةٍ في المجرّةِ تحتاجُ إلى مئتين وخمسين مليون سنةٍ، واللهُ عز وجل يقول: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17-20] .
قبْلَ عهدٍ مِن الزّمن حَصَلَ انفجارٌ في قلْبِ مجرّةٍ لها رَقْم (28M) ، فامْتدَّتْ ألسنةُ اللَّهبِ مئاتِ ملايينِ الكيلومتراتِ، وقد شعَّتْ من هذا الانفجارِ طاقةٌ تدميريّةٌ تُعادِلُ ألفَيْ بليونِ بلْيونِ قنبلةٍ هيدروجينيّةٍ، وهذا مظهرٌ مِن مظاهرِ اسمِ الله (القويّ) ، مع أنّ هذه القنبلةَ الواحدةَ كافيةٌ لِتَدميرِ أكبرِ مدينةٍ على وجهِ الأرضِ، فكيف إذا كان هذا الانفجارُ يساوي ألفيْ بَليون بليون قنبلةٍ هيدروجينيّةٍ؟!.
قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] ، فكلّما اتَّسَعتْ معرفتُك بالكونِ ازدادَتْ خشْيتُك، نحن على وجهِ الأرضِ، والأرض كوكبٌ صغيرٌ صغِيرٌ، الأرضُ تدورُ حولَ الشمسِ، والشمسُ تدورُ حولَ نجمٍ في المجرّةِ، والمجرّةُ تدورُ حولَ نقطةٍ وهميّةٍ في الفضاءِ، وكلٌّ يَدور، قال تعالى: {والسمآء ذَاتِ الرجع} [الطارق: 11] ، أيْ إنّ كلَّ جِرْمٍ في السماءِ يدورُ دَوْرةً إهليلجيّةً حيثُ يرجعُ إلى مكانِ انطلاقِهِ.
تَفَكَّروا في خلْقِ السَّماواتِ والأرضِ، قال تعالى: {الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .

مواقع النجوم
(2/12)

يقول تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75-76] ، والسؤالُ المطروحُ: ما مواقعُ النجومِ المذكورةُ في هذه الآيةِ؟ لهذه المواقعِ معانٍ ثلاثةٌ:
المعنى الأولُ: أنّ بين النجومِ مسافاتٍ يستحيلُ على العقلِ تصوُّرُها، فبيْنَ الأرضِ وبعضِ المجرَّاتِ على سبيلِ المثالِ عشرون ألفَ مليونِ سنةٍ ضوئية، فإذَا علِمْنا أنّ الضوءَ يسيرُ في الثانيةِ الواحدةِ ثلاثمئةِ ألفِ كيلو مترٍ، فكم يسيرُ في الدقيقةِ؟ هذا العددُ الكبيرُ ثلاثمئة ألف مضروبٌ في ستين، فكم يسيرُ في الساعةِ إذاً؟ وكم يسيرُ في اليومِ؟ وكم يسيرُ في الشهرِ؟ وكم يسيرُ في السنةِ؟
{فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} ، بين الأرضِ والقمرِ ثانيةٌ ضوئيةٌ واحدةٌ ونيف، أي ثلاثمئة وستون ألف كيلو مترٍ، وبين الأرضِ والشمسِ ثماني دقائقَ، أيْ مئة وستةٌ وخمسون مليون كيلو مترٍ، والمجموعةُ الشمسيةُ طولُها ثلاثَ عشرة ساعةً، ودربُ التَّبَّابنةِ طولُه مئة وخمسون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} ، هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: أنّ هذه النجومَ ليس لها موقعٌ واحدٌ، بل لها مواقعُ، إذاً فهي نجومٌ متحركةٌ، وكلُّ شيءٍ يَسْبَحُ في فَلَكٍ خاصٍّ به، {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .
إنّ كلمةَ (بِمَواقعِ) في هذه الآيةِ هي سرُّ إعجازِها، فالموقعُ لا يعني أنّ صاحبَ الموقعِ موجودٌ فيه، فاللهُ جلّ جلالُه لم يُقسِمْ بالمسافاتِ التي بيْنَ النجومِ، ولكنّه أقْسَم بالمسافاتِ التي بينَ مواقعِ النجومِ، ذلك لأنّ النجومَ متحرّكةٌ، وليْسَت ثابتةً، ولو قرأَ عالِمُ الفَلكِ هذه الآيةَ لخرَّ ساجداً لله عز وجل، فقد قال الله عز وجل: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} .
(2/13)

تدورُ الأرضُ حولَ الشمسِ في ثلاثمئة وخمسةٍ وستين يوماً، غير أنَّ نجماً آخرَ في المجموعةِ الشمسيةِ يدور حولَ الشمسِ في سنتين أو ثلاث أرضيَّةٍ، وبعضُها في أَقَلَّ مِن سنةٍ، فكلُّ نجمٍ له مواقعُه الخاصَّةُ، وله مدارٌ طويلٌ أو قصيرٌ، وشكل مداره دائري، أو إهليلجيّ، {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم} ، فكل نجم له موقع في كل ثانية، وأدقُّ ساعاتِ العالَمِ تُضْبَطُ على بعضِ النجومِ، قد يَجِدُ صانِعُوها أنّها تأخرتْ، أو تقدمتْ في العامِ ثانيةً واحدةً، فما الذي يضبِطُها؟ يضبطُها مرورُ نجمٍ لا يتقدَّم ولا يتأخَّر عن موعدِه الدقيقِ، فهذه المواقعُ وَفقَ نظامٍ عجيب، ففي كلِّ ثانيةٍ يكون للنجمِ موقعٌ جديدٌ، حتى إنّ المذنَّبَ هالي يقطعُ مسارَه في ستّةٍ وسبعين عاماً، وقد رآه الناسُ في عامِ (1910) ، ورأيناه في عامِ (1986) ، وكان قد رُئِيَ قبل الميلاد بألفيْ عام، لم يتقدَّم ولم يتأخَّر، ويكونُ على بُعْد ثلاثةِ ملايين كيلو مترٍ من الأرض، هذا هو المعنى الثاني لمواقعِ النجومِ.
المعنى الثالثُ: بين النجومِ تجاذُبٌ، فالكتلةُ الأكبرُ تجذبُ الكتلةَ الأصغرَ، وثمّةَ عامِلٌ آخرُ هو مربعُ المسافةِ بينهما، فلو أنّ مواقعَ النجومِ تغيرتْ لاختلَّ توازنُ الكونِ، ولارتطمتِ النجومُ بعضُها ببعضٍ، وأصبحَ الكونُ كتلةً واحدةً، هذه المواقعُ مدروسةٌ بعنايةٍ فائقةٍ، حيثُ يكونُ محصِّلُها دوراناً واستقراراً.
فالمعنى الأول المسافات الشاسعة، والمعنى الثاني حركي، وهو تنقُّل النجمٍ من موقعٍ إلى آخر، والمعنى الثالث أنّ هذه الكتلَ بعضُها كبيرٌ، وبعضُها صغيرٌ، بعضُها قريبٌ، وبعضُها بعيدٌ، وقد وُضِعَتْ هذه النجومُ المتفاوتةُ في الأحجامِ، والمتفاوتةُ في الأبعادِ في أماكنَ دقيقةٍ، حيث لو تجاذبتْ لكان محصلةُ هذا كله ذَلك النظامَ البديعَ الذي نراه بأعيننا.
(2/14)

قال تعالى: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ} [فاطر: 41] ، ما معنى أن تزولا؟ لا أن تفنى، بل أنْ تخرجَ عن مسارها، فالأرضُ إذا اقتربتْ من الشمسِ زادتْ من سرعتِها، لئلا تنجَذِب إلى الشمس، وهذه السرعةُ الزائدةُ تعطيها قوةً نابِذةً تكافئ القوةَ الجاذبةَ، فتبقى في مكانها، {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} ، فكِّروا في هذه الآيةِ، دقِّقوا، ابحثوا، تعرَّفوا إلى الله، {وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] ، {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .
إنّ في السماواتِ والأرضِ آياتٍ لا تنتهي، ولا تقفُ عند حدٍّ، وفي السماواتِ والأرضِ أدلّةٌ ليست مقنعةً فحسب، ولكنها قاطعةٌ، والدليلُ القاطعُ أبلغُ من الدليلِ المقنِعِ.

أعداد النجوم في السماوات
كان علماءُ الفَلَكِ فيما مَضَى يعدُّون النّجومَ بالألوف، وبعد حقبةٍ من الزّمنِ أصبحوا يعدّونها بالملايين، وقبل سنواتٍ عدَّةٍ أصبحَ العلماءُ يعدّونها بالملياراتِ، وفي تقديرٍ مبدئيٍّ لعددِ نجومِ مجرّتنا، وهي مجرَّةٌ متوسّطةُ، دربُ التبابنة، عدَّ العلماءُ فيها ثلاثين مليون نجمٍ، والمجموعة الشمسية إحدى نجومها، وفي مجرّة أخرى بدأ العلماءُ يَصِلون في عدّهم لهذه النجومِ إلى رقمٍ خياليٍّ، مليُون مليون نجم، فالتقديرُ الحديثُ أنّه تمَّ اكتشافُ مليون مليُون مجرّة، وفي كلّ مجرّةٍ رقمٌ تقديريٌّ قد يصل إلى مليُون مليون نجم، {والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] ، وصار العددُ الأخيرُ مليونَ ملْيونٍ، فما أعظمَ ما في السماءِ، والله سبحانه يقول: {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض} [يونس: 101] .
(2/15)

إلى أمدٍ قريب كان يُظنّ أنّ في السماءِ نجوماً متحرّكةً، ونجوماً ثابتةً، ومعنى أنها ثابتة، أيْ لها مواقعُ ثابتةٌ لا تتغيَّرُ، ولا تتبدَّل مع مرِّ الدهورِ والعصورِ، وكانوا يعدّون الشمسَ مِن هذه النجوم الثابتةِ، مع أنّ الله تعالى يقول: {والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم} [يس: 38] ، ثمّ اكْتُشف أخيراً أنّ الشمسَ ومجموعتَها تدور حولَ كوكبٍ في الفضاءِ بسُرعةٍ تزيدُ على مئتي كيلو مترٍ في الثانيةِ الواحدةِ وتستغرق رحلتها ملايين السنين، والأرضُ سرعة دورانها حول الشمسِ ثلاثون كيلو متراً في الثانيةِ.
وصلَ العلماءُ إلى أرقامٍ خياليّةٍ في سرعةِ بعضِ المجرات، إنّ بعضَ المجراتِ تقطعُ في الثانيةِ الواحدةِ مئتين وأربعين ألفَ كيلو مترٍ، أي بسُرعةٍ قريبةٍ مِن سرعةِ الضّوءِ، فما هو هذا الكونُ الواسعُ المُتَرَامِي؟ إنّ اللهَ سبحانه وتعالى خالقُ كلّ شيءٍ، وهو على كلّ شيءٍ وكيلٌ.
يقول ربُّنا سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] ، أيْ: أيُّ نجْمٍ مهما صَغُرَ، ومهما كَبُرَ فَلَهُ فَلَكٌ يسبَحُ فيه، قال تعالى: {لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .
القرآنُ الكريمُ كلامُ ربِّ العالمين، وهذا الكونُ خَلْقهُ، ولا بدّ مِن توافُقٍ تامٍّ بين خَلْقِهِ وهذا الكتابِ، يقول تعالى: {الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض} [الأنعام: 1] ، ويقول سبحانه: {الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب} [الكهف: 1] .
الشمسُ، هذه التي نعرفها، حرارتُها في سطحِها ستّةُ آلافِ درجةٍ، وفي مركزها عشرون مليون درجةٍ، ولها قوّةُ إضاءةٍ تقدَّر بوحداتٍ إضائيّةٍ، لكنّ الذي يحيِّرُ العقولَ أنّ هناك شُموساً تزيدُ في إضاءتِها على الشّمس سِتّاً وعشرين مرّة، وهناك نُجومٌ تزيدُ إضاءتُها على إضاءةِ الشّمسِ مِئةَ مرّة، وهناك نجومٌ تزيدُ إضاءتُها على إضاءةِ الشّمسِ خمسمئة ألفِ مرّةٍ، فما شمسُنا إلا شمسٌ متواضعةٌ، ومتوسّطةٌ بين شُموسٍ كثيرةٍ.
(2/16)

هذا كلُّه مصداقُ قولِه تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق} [فصلت: 53] .

{فَإِذَا ?نشَقَّتِ ?لسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَ?لدِّهَانِ}
يوقِنُ الباحثُ في العلمِ، ويشعرُ المتأمّلُ في الكونِ، حينما يقرأُ آياتِ القرآنِ المتعلّقةَ بخلْقِ الأكوانِ والإنسانِ، يوقنُ ويشعرُ بكلّ خليّةٍ في جسمِه، وبكلّ قطرةٍ في دمِه أنّ هذا القرآنَ كلامُ الله، المنزّلُ على نبيّه محمّدٍ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأنّه مستحيلٌ أنْ يأتيَ به بشرٌ، فرادَى أو مجتمعِين، فمِن خلالِ المؤتمراتِ العالميّةِ التي عُقِدَتْ في عواصمَ متعدّدةٍ في أنحاءِ العالَم حوْلَ الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسنّةِ، يتَّضِحُ أنّ أبحاثاً علميّةً جادّةً ورصينةً، قام بها علماءُ ليسوا مسلمين، ولا تَعْنِيهِمْ آياتُ القرآنِ الكريمِ، استغْرَقَتْ عشرَ سنوات، وكلَّفتْ ملايينَ الدولاراتِ، قد جاءت نتائجُ بحوثِهم مطابِقةً مطابَقةً عفوِيَّة وتامّةً مِن دونِ تَكَلُّفٍ، ولا تَعَنُّتٍ، ومن دون تأويلٍ بعيدٍ عن الآيةِ، أو تعديلٍ مفتعلٍ لحقيقة، جاءت نتائجُ بحوثِهم تلك مطابِقةً لآيةٍ، أو لكلمةٍ في آية، بل لحرفٍ واحدٍ في آية، وهذا مِصْداقُ قولِه تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] .
ففي الواحد والثلاثين مِن تشرين الأوّل من عامِ (1990) عرضَتْ إحدَى أقوَى وكالاتِ الفضاءِ في العالَمِ مِن خِلالِ مَرصَدٍ عِمْلاقٍ عبرَ موقِعِها المعلوماتي صورةً لا يشكُّ الناظرُ إليها لحظةً أنّها وردةٌ جوريّةٌ، ذاتُ أوراقٍ حمراءَ قانيةٍ، مُحاطةٌ بِوُرَيقاتٍ خضراءَ زاهيةٍ، وفي الوسطِ كأسٌ أزرقُ اللّون، أمّا حقيقةُ هذه الصورةِ فهي صورةٌ لانفجارِ نجمٍ عملاقٍ اسمُه عَينُ القِطّ، يبعدُ عنّا ثلاثةَ آلاف سنةٍ ضوئيّةٍ، وفي هذا الموقعِ المعلوماتيِّ آلافُ الصّوَرِ الملوَّنةِ التي رصدَتها المراصدُ العملاقةُ لِعَجائبِ الفضاءِ، ولكنْ ما علاقةُ هذه الصورةِ بإعجازِ القرآنِ؟.
(2/17)

في القرآنِ الكريمِ آيةٌ مِنْ سورةِ الرحمنِ، وهي قوله تعالى: {فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان} [الرحمن: 37] ، لو تتبَّعْتَ تفسيرَها في معظمِ كُتبِ التفاسيرِ قبلَ نشْرِ الصورةِ لَمَا وجدتَ فيها ما يَشفِي غليلَك، ذلك لأنّ في القرآنِ آياتٍ لمَّا تُفَسَّرْ، كما قال سيدنا عليٌّ رَضي اللهُ عنه، وإنّ انشقاقَ هذا النّجمِ يُشبِهُ ورْدةً متألّقَةً، بل إنّ صورةَ هذا النجمِ عندَ انفجارِه هو تفسيرُ هذه الآيةِ، بشكلٍ أو بآخرَ، هذا لونٌ مِن ألوانِ الإعجاز، فالقرآنُ معجزةٌ مستمرةٌ، وقد أَحْجَمَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام - ولعلَّ هذا اجتهادٌ منه، أو لعله بتوجيهٍ من الله عزَّ وجل - عن شرحِ أكثرِ الآياتِ الكونيةِ في القرآنِ الكريمِ، ذلك أنه لو شَرَحَها شرحاً مقتضباً موجَزاً لأَنْكَرَ عليه مَن سيأتي من بَعده، ولو شَرَحَها شرحاً مفصَّلاً لأَنْكَرَ عليه مَن حوله، فتُرِكَتْ لتطوّرِ الحياةِ وتطورِ العِلمِ.
وقد ورد في تفسير ابن كثير: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان} ، أي تذوب كما يذوب الدُّرْدِيّ والفضَّة في السبك.
وتتلوَّن كما تتلوَّن الأصباغُ التي يُدهَن بها، فتارةً حمراء، وصفراء، وزرقاء، وخضراء] .
وفي قولٍ آخر: {وَرْدَةً كالدهان} قال: هو الأديم الأحمر.
وفي قولٍ عن ابن عباس: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان} كالفرس الوَرْد.
وقال الحسن البصري: تكون ألواناً.
وقال مجاهد: كالدهان: كألوان الدهان، هذا في تفسير ابن كثير.
وأما في تفسير القرطبي فيقول: "صارت في صفاء الدهن، وقال سعيد بن جبير وقتادة المعنى فكانت حمراء، وقيل: تصير في حُمْرَة الورد وجريان الدهن، وقيل: الدِّهانُ الجِلدُ الأحمر الصرف، أي تصير السماء حمراء كالأديم لشدة حَرِّ النار".
قال تعالى: {فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان} ، من أجلِ أنْ نعلَمَ أنّ هذا القرآنَ كلامُ اللهِ، وأنه معجزةٌ مستمرةٌ إلى نهايةِ الكونِ، فلا أحدَ يخْطُر في بالِه أنّ نجماً ينفجر في السماءِ على شكلِ وردةٍ، تماماً كالوردةِ الجوريةِ، بأوراقِها الحمراءِ، وكأسِها في الوسطِ، وأوراقِها الخضراءِ، {فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان} .
(2/18)

وهذا كلامُ اللهِ عزَّ وجل بين أيدينا، هو منهجُنا، ودستورُنا، وحَبْلُ اللهِ المَتينُ، مَن عَمِل به سَعِدَ، ونَجَا، ومَن تَرَكَه شقِيَ، وهَلَك، {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] .

النجم الثاقب
قال تعالى: {والسمآء والطارق * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق * النجم الثاقب} [الطارق: 1-3] ، وقال سبحانه: {والنجم إِذَا هوى} [النجم: 1] .
الحقيقةُ أنّ علماءَ التفسيرِ وقَفوا وقفاتٍ متأنيةً عند تفسيرِ النجمِ الثاقبِ، حتى استقرَّ رأيُهم على أنَّ هذا النجمَ ضوءُه شديدٌ ثاقبٌ، يخترقُ طبقاتِ الجوِّ، ولم يتحدّثوا إطلاقاً عن كلمةِ الطارقِ.
أما قولُه تعالى: {والنجم إِذَا هوى} ، فهذا النجمُ غيرُ الشهابِ الذي يسقطُ، وقد ذَكَرَ اللهُ عز وجل الشهابَ في آياتٍ كثيرةٍ، قال تعالى: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10] ، وقال عز وجل: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} [الجن: 8] .
إذاً: {والسمآء والطارق * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق} ، فالنجمُ الطارقُ، والنجم الثاقب، والنجم إذا هوى، لا علاقةَ لهذه الآياتِ بالشُّهُبِ المتساقطةِ، التي نراها رأيَ العينِ كلَّ يومٍ.
(2/19)

الموضوعُ معقَّدٌ جداً، لكن على سبيلِ التبسيطِ حينما تَكبرُ النجومُ تنكمشُ، وتزولُ الفراغاتُ البَيْنِيَّةُ بين ذراتها، إلى أنْ تصبحَ بحجمٍ صغيرٍ جداً، ووزنٍ ثقيلٍ، فهي كُرَةٌ ككرةِ القَدَمِ، وهذه النجومُ النيترونيةُ المنكمشةُ يَعْدِلُ وزنُها خمسينَ ألفَ بليونٍ مِنَ الأطنانِ، فإذا وُضِعَتْ هذه الكرةُ على الأرض ثَقَبَتْها، ووصلتُ إلى طَرَفِها الآخرِ، كما لو أتيتَ بقطنٍ أو بسائلٍ هلامِيّ، ووَضَعْتَ فيه كرةَ حديدٍ فإنّها تسقطُ إلى الأسفلِ فوراً، وهذا هو النجمُ الثاقبُ، النجمُ النيترونيّ الذي ضُغِطَ حتى أصبحَ بحجمِ الكرةِ، وله وزنٌ يعدِلُ وزنَ الأرضِ، فلو أنّ الأرضَ شاختَ - بلغت الشيخوخةَ - فإنها تصبحُ بحجمِ البيضةِ، بالوزن نفسِه، ووزنُ الأرضِ هو هوَ، لكنه يصبح بحجم بيضة، هذا هو النجمُ الثاقبُ كما يَرى بعضُ العلماء، والقرآنُ حمَّالُ أَوْجُهٍ.
ثم إنّ هناك تلسكوباتٍ لاسلكيةً تَلَقَّتْ وَمضاتٍ لاسلكيةً مِن هذه النجومِ، (نبضات نوبية) ، وكأنّ هذا النجمَ يطرقُ بابَ الفضاءِ، حيث يتزايدُ تواترُ النبضاتِ النوبيةِ في شبابِه، ويَقِلُّ تواتُرها في شيخوخته، ونعرفُ مِن خلالِ تَوَاتُرِ النبضاتِ التي تأتي عن طريقِ التلسكوباتِ اللاسلكيةِ عمُرَ هذا النجمِ، فنجمٌ يطرق، ونجمٌ يثقبُ، وهذا شيءٌ مِن أحدثِ البحوثِ الفَلَكيةِ.
قال تعالى: {والسمآء والطارق * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق * النجم الثاقب} ، هذا قَسَمٌ، فأين جواب القسم؟ قال تعالى: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} ، كلُّ حركاتِك وسكناتِك، وكلُّ أقوالِك وأفعالِك، وكلُّ تمنياتِك، وكلُّ بواعثِك، وكلُّ آمالِك، وكلُّ ما أخفيتَه عن الناسِ يحفظُه اللهُ لك، وسيحاسِبُك عليه، لأنّ الذي خَلَقَ النجمَ الثاقبَ، النجمَ الطارقَ، والنجمَ إذا هوى، هو الذي سيحاسبك على عملك.
{والسمآء والطارق * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق * النجم الثاقب * إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} ، لم يَغِب عن عِلْمِه نجمٌ في السماء، فهل يغيبُ عنه شيءٌ في الأرضِ.

مدارات الكواكب ومذنب هالي
(2/20)

قال تعالى: {لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] ، هذه الآية على ظاهرها تدلُّ على أنّ للشمسِ مداراً، وللقمر مداراً، ومدارُ الشمسِ لا يتّصلُ بمدارِ القمرِ، ولن تصطدمَ الشمسُ بالقمرِ، بل {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ، يؤكِّدُ هذا المعنى قولُه تعالى: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ} [فاطر: 41] ، وقولُه: {أَن تَزُولاَ} ، أيْ: أنْ تنحرفا، والزوالُ في وقتِ الظهيرةِ انحرافُ الشمسِ عن كَبِدِ السماءِ.
لقد فُهِم مِن هذه الآيةِ أنّ كلَّ كوكبٍ في الفضاءِ له مدارٌ يدورُ فيه، حتى إنّ بعضَهم حينما تلا قوله تعالى: {والسمآء ذَاتِ الرجع} [الطارق: 11] ، رأَى أنّ هذه الآيةَ فيها أدقُّ وصفٍ للسماءِ، فما مِن كوكبٍ أو نجمٍ في السماءِ إلا وله مدارٌ يدورُ فيه، ويعودُ إلى مكان انطلاقه بعد حينٍ، فهذا المذنَّبُ الذي يرقبه الناس كل يوم، مذنَّبُ هالي، منذ أنْ خَلَقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ يدورُ في مدارٍ لا يَحيدُ عنه قيدَ أَنْمُلَةٍ، يصلُ إلى نقطةٍ تقتربُ مِنَ الأرضِ ثلاثمئة مليون كيلومترٍ، له ذيلٌ يزيدُ طولُه على ثلاثة وتسعين مليون كيلو مترٍ، ويخافُ الناسُ أنْ يبقى في سيرِه مستقيماً فيرتطمَ بالأرضِ، أما الآيةُ الكريمةُ فتقولُ: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ} .
إنّ بقاءَ هذا المذنَّبِ في مدارِه ملايينَ السنين، وبقاءَ الأرضِ في مدارِها ملايينَ السنين، وبقاءَ الشمسِ في مدارِها ملايينَ السنين في حدِّ ذاته آيةٌ عظيمةٌ، جلَّتْ مِن آيةٍ، قال تعالى: {لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .
كلُّ كوكبٍ له مدارٌ لا يزيدُ ولا ينقص، لا يُسرِعُ ولا يُبطِىء.
(2/21)

والشمسُ لن ترتطمَ بالقمرِ، ودورةُ الأرضِ حولَ نفسِها ثابتةٌ، وطولُ الليلِ لا يتغيَّرُ، أيْ: التقاويم هيَ هيَ لآلاف السنين بعد مئة عام يقال لك: في يوم 17 نيسان مثلاً من عام (3000) تشرقُ الشمسُ الساعةَ السادسة ودقيقتين، ما معنى ذلك؟ قال تعالى: {وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .
دورةُ الأرضِ حوْلَ نفسِها ثابتةٌ، وحوْلَ الشمسِ ثابتةٌ، وكلٌّ في فلَكٍ يسبحون، لكنّ علماءَ الذرة دُهِشوا مِن هذه الآية، قال تعالى: {وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ، علامَ تعود (كُلٌّ) ؟ هذه الآية تعود على كلِّ شيءٍ خَلَقَه اللهُ عز وجل، فالمنبرُ مثلاً فيه ذراتٌ، وفي الذرّاتِ نتروناتٌ تدورُ حول نفسِها، ونظامُ الذراتِ كنظامِ المجرَّاتِ، وكلُّ شيءٍ تقعُ عليه عينُك مُؤَلَّفٌ مِن جزيئات، والجُزَيْءُ مؤلَّفٌ مِن ذَرّاتٍ، والذرةُ مؤلَّفةٌ من نواةٍ، ومن كهاربَ لها مداراتٌ، ولها سرعةٌ ثابتةٌ، هذه الآية التي تشيرُ إلى الذرة، قال تعالى: {وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ} ، أي كلُّ شيءٍ خَلَقَه اللهُ: {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .
ذراتُ الصخرِ، الحجَرِ، الخشبِ، كأسُ الماءِ، لوحُ البِلَّورِ، الطاولةُ، كلُّ شيءٍ تقعُ عينُك عليه إنما هو جسمٌ مؤلَّفٌ من جزيئاتٍ، والجُزَيْءُ من ذراتٍ، والذرةُ من نواةٍ؛ وكهارب تدور حول النواة.

سرعة الضوء
يقولُ اللهُ تعالى في كتابِه العزيزِ: {يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5] .
(2/22)

إنّ القرآنَ يخاطِبُ أناساً يعتمدون السَّنَةَ القمَريةَ، حيث إنّ القمرَ يدورُ حولَ الأرضِ كلَّ شهرٍ دورةً، فلو قِسنا بُعْدَ مركزِه عن مركزِ الأرض، أي نصفَ قطرِ الدائرةِ التي هي مسارُ القمرِ حولَ الأرضِ، وحَسَبْنا محيطَ هذه الدائرةَ بَعْدَ معرفةِ نِصفِ قُطرِها، لَعَرَفْنا عددَ الكيلو مترات التي يقطعها القمرُ في دورته حولَ الأرض كلَّ شهر، ولو أخذْنا طولَ محيطِ هذه الدائرة، وضربْناه في اثني عشر شهراً، لعرفنا المسافةَ التي يقطعُها القمرُ منَ الكيلومترات في رحلته حول الأرض في العامِ، ولو ضربناها في ألفٍ لعرَفْنا ما يقطعُه القمرُ في رحلتِه حولَ الأرضِ في ألفِ عامٍ، {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5] .
إنّ القمرَ يقطعُ في ألفِ عامٍ ما يقطعه الضوءُ في يوم واحدٍ، بدليلِ أنّنا لو قَسمنا ما يقطعه القمرُ في رحلته حولَ الأرضِ في ألفِ عامٍ على ثواني اليومِ، وهي أربعٌ وعشرون ساعة، تُضرَب في ستين، ثم في ستين أخرى، لكانت هذه النتيجةُ هي سرعة الضوء في الثانية، وهي مئتان وتسعة وتسعون ألفاً وسبعمئة واثنانِ وتسعونَ كيلومتراً ونصف كيلومتر، وهذه النتيجةُ تتفقُ تماماً مع سرعةِ الضوءِ المعلَنةِ دولياً، طبقاً لبيانِ المؤتمرِ الدوليِّ المنعقدِ في باريس، مع العلمِ أنّ سرعةَ الضوءِ هي أهمُّ قانونٍ عرفتهُ البشريةُ في القرنِ العشرين، وهذه السرعةُ هي أعلى سرعةٍ في الكون، فالشيءُ إذَا سار بسرعةِ الضوءِ أصبحَ ضوءاً، وأصبحت كتلتُه صفراً، وحجمُه لا نهاية له، وعندئذٍ يتوقفُ الزمنُ، فإذَا سبق في سرعتِه سرعةَ الضوءِ تراجع الزمنُ، وإذا قصَّرَ عن الضوءِ تراخَى الزمنُ.
إنّ المسافةَ التي يقطعُها القمرُ في مدارِه الخاصِّ حولَ الأرضِ في ألفِ سنةٍ قمريةٍ تساوِي المسافةَ التي يقطعُها الضوءُ في يومٍ أرضيٍّ واحدٍ، وهذه هي النظريةُ النسبية التي يتيهُ الغربُ بها.
(2/23)

أمّا الآيةُ الثانيةُ، وهي قولُه تعالى: {تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] ، فليس فيها قوله: مما تعدُّون، لأن هذه سرعةُ الملائكةِ، وهي تتجاوزُ سرعةَ الضوءِ.

القمر
كلّنا يعلمُ أنَّ القمرَ يدورُ حولَ الأرضِ في كلّ شهرٍ قمريٍّ مرَّةً واحدةً، وأنَّه يدورُ حولَ نفسِه في وقتٍ مساوٍ تماماً لِدَورتِه حولَ الأرضِ، لذلك لا نرى مِن القمرِ إلا وجهاً واحداً طوالَ الحياة، لأنّه يدورُ حولَ الأرضِ، وحولَ نفْسِه في وقتٍ واحدٍ، ويستكملُ دورتَهُ حولَ نفسِه في تسعةٍ وعشرين يوماً، وثماني ساعات، ويستكملُ دورتَهُ حول الأرضِ في تسعةٍ وعشرين يوماً وثماني ساعات.
لكنّ الشيءَ الذي يَلفِتُ النّظرَ أنَّ القمرَ يقطعُ في كلّ يومٍ مِن دائرةِ سيْرِه مِن فَلَكِهِ حولَ الأرض ثلاثَ عشرةَ درجةً، ويتأخَّرُ في شُروقِه عن اليومِ السابقِ تسعاً وأربعين دقيقةً كلَّ يومٍ، ولولا هذا التأخُّرُ لبدَا القمرُ بدْراً طوالَ الحياةِ، ولكنَّ تأخُّرَه تسعاً وأربعين دقيقةً عن شُروقه السابقِ كلّ يومٍ هو الذي يُرِينا القمرَ في مراتبَ، مِن هلالٍ، إلى رُبْع، إلى بدْر، إلى عُرجونٍ، إلى غيابٍ كاملٍ، لذلك يقول ربّنا سبحانه وتعالى: {هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب} [يونس: 5] .
من الذي خلَقَ وأبْدَعَ، وجعلَ القمرَ يتأخَّرُ في شُروقِه كلّ يومٍ تسعاً وأربعين دقيقةً عن اليومِ السابقِ، حيث يبدو بهذا التأخُّرِ في هذه المراتبِ، حتى أصبحَ القمرُ تقويماً في كبد السّماء؛ لِتَعلموا عددَ السِّنينَ والحسابَ؟ إنه الله رب العالَمين.
شيءٌ آخرُ، إنّ كتلةَ القمرِ جزءٌ من ثمانين جزءاً مِن كتلةِ الأرضِ، وتعادِلُ الجاذبيةُ على سطحِ القمرِ سدْسَ جاذبيّةِ الأرضِ، فالإنسانُ الذي يزنُ على الأرضِ ستِّين كيلو غراماً يزنُ على القمرِ عشرةَ كيلو غرامات، لذلك الجاذبيّةُ فيه أَقَلُّ.
(2/24)

هناك أقمارٌ تدورُ حولَ نفْسِها في بضعِ سنواتٍ، هناك أقمارٌ تبتعدُ كثيراً، وهناك أقمارٌ تقتربُ كثيراً، ولكنّ التفكيرَ السليمَ، والتفكيرَ الدقيقَ هو أنَّه لو لم يكنِ القمرُ يدورُ حوْلَ نفسِه، وحولَ الأرضِ في وقتٍ واحدٍ، ولو لم يقطعْ في دورتِه ثلاثَ عشْرةَ درجةً، ولولا تأخُّرُ شُروقِه تسعاً وأربعين درجةً لَمَا وُجِد تقويمٌ، ولَمَا اسْتَفَدْنا منه.
ماذا لو قَلَّتِ المسافةُ بينَ الأرضِ والقمرِ عمّا هي عليه الآن؟ قال سبحانه وتعالى: {الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] .
إنّ بُعْدَ القمرِ عنِ الأرضِ بِحُسبانٍ دقيقٍ، فالمدُّ والجزْرُ يَقَعَانِ بِتَأثيرِ القمرِ، ولكنْ بِتَأثيرٍ محدودٍ، فلو قَلَّتْ هذه المسافةُ لارْتَفَعَ البحرُ، ولغطَّى اليابسةَ، ثمّ انْحسرَ عنها، وكانت الحياةُ على اليابسةِ مستحيلةً، ولو اقتربَ أكثرَ من ذلك لجذَبَتْهُ الأرضُ، وارتطمَ بها، ولو ابتعدَ القمرُ عن الأرضِ أكثرَ لانعدمَ المدُّ والجَزْرُ، وللمدِّ والجزْرِ في البحار وظيفةٌ خطيرةٌ، فلو ابتعدَ أكثرَ وأكثرَ لجذبتْهُ كواكبُ أخرى، ولدارَتِ الأرضُ حول نفسها في أربعِ ساعاتٍ!! فيُصبح النهارُ ساعتين، والليلُ ساعتين، هذا كلُّه مُنْطَوٍ تحت قوله تعالى: {الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ} .
يقول الله سبحانه وتعالى: {والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم} [يس: 39] ، قدَّرناه منازل، ثم يقول: {لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] ، ويقول في آيةٍ أخرى: {وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ} [إبراهيم: 33] .
لا يخطرُ في بالِ أحدٍ ما امتدَّتْ به الحياةُ ألاَّ يبدوَ القمرُ، قال تعالى: {وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يجري إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [لقمان: 29] .
ومِن آياتِه الدالةِ على عَظَمَتِه تعالى قولُه سبحانه: {تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} [الفرقان: 61] .
(2/25)

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سماوات طِبَاقاً * وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً} [نوح: 15-16] .
إنّ تربةَ القمرِ تربةٌ عاكسةٌ للضّوءِ، وهذا مِن حكمةِ اللهِ تعالى، فضَوْءُ القمرِ يُعدُّ جزءاً مِن ثمانية عشر جزءاً مِن ضوء الشّمسِ، وهو تقويمٌ دقيقٌ، جَعَلَهُ اللهُ في كَبِدِ السّماءِ، وجَعَلَ الشّمسَ سَاعةً يوميّةً، فالشّمسُ ساعةٌ، والقمرُ تقويمٌ، قال العليم الخبيرُ:
{هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب} [يونس: 5] .
هذه آياتُ اللهِ الكونيةُ تشهدُ له بالعظمة والوحدانية، وقد نعقتْ بها أبواقُ الغربِ في سنين خلتْ، وهي مبثوثةٌ في القرآنِ منذ أربعةَ عشرَ قرناً، فأين تذهبُ أيُّها الإنسانُ؟ وهل شَردتَ عن التفكُّرِ فيها؟.

معجزة الإسراء والمعراج ليست مستحيلة عقلاً
موضوعٌ دقيقٌ جدّاً متعلّقٌ بالإسراءِ والمعراجِ، والناسُ عادةً أَلِفُوا أنّ لكلّ شيءٍ خاصّةً، أو طبيعةً، أَلِفوا القوانينَ التي قنّنَ اللهُ بها ملكوتَ السماواتِ والأرضِ، فللماءِ خواصُّ، وللنارِ خواصُّ، وللانتقالِ مِن مكانٍ إلى مكانٍ قوانينُ تضبطُ هذا الانتقالَ، الجسمُ له ظروفٌ تتوافقُ معه، وظروف تتناقضُ معه، ولكي نفرِّقَ بين ما هو مستحيلٌ عادةً، وما هو مستحيلٌ عقلاً أَسُوقُ لكم الحقائقَ التاليةَ:
(2/26)

إنّ اللهَ سبحانه حينما جعلَ النارَ تحرِق بِمَشيئتِه في أيّةِ لحظةٍ، هو قادرٌ أنْ يجعلَها لا تَحرقُ، أيُّ شيءٍ له طبيعةٌ خاصّةٌ، أيُّ قانون مادّي، أيّ علاقةٍ ثابتةٍ بين شيئين، هذه مِن خَلْقِ اللهِ عز وجل، واللهُ يخلقُ ما يشاء، فإذا خَلَقَها على شاكلةٍ يُمكنُ أنْ يخلقَها على شاكلةٍ أخرى، فحينما تأتي في القرآنِ الكريمِ بعضُ خوارقِ العاداتِ، كالإسراءِ والمعراجِ، وهو معجزةٌ، فلا ينبغي أنْ نفْهَمَه في ضوءِ القوانينِ التي قنّنها اللهُ سبحانه وتعالى، لأنّ الإسراءَ والمعراجَ خرْقٌ لهذه القوانينِ، ولأنّ الإنسانَ أحياناً يتوهّمُ أنَّ السّببَ وحدَهُ هو الذي يخلقُ النتيجةَ، فإذا اعتقدَ ذلك اعتقاداً جازماً وقَعَ في الشِّرْكِ، فإنّ الذي يخلقُ النتيجةَ ليس هو السّبب، ولكنّه الله سبحانه وتعالى، ولكنّ السّببَ في أيِّ لحظةٍ يُعَطّل أو يُلغَى، فحينما تأتي بعضُ المعجزاتِ على يدِ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم، أو حينما تكونُ بعضُ المعجزاتِ لِنَبيِّنا عليه الصلاةُ والسلامُ، فهذا ليس مستحيلاً عقلاً، ولكنّه مستغرب عادةً، وعلماءُ العقيدة فرّقوا بين ما هو مستحيلٌ عادةً، وما هو مستحيلٌ عقلاً، ومثلُ هذا يقال في البحر الذي بين مصر وسيناء، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] ، فرعون مِن ورائِهم، والبحرُ أمامهم، قال تعالى مشيراً إلى موقف موسى عليه السلام: {قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] .
(2/27)

لقد خَلَقَ اللهُ سبحانه وتعالى طبيعةَ الماءِ سائلةً، وبقُدرته في كلّ لحظةٍ أنْ يصيِّرها جامدةً، فما هي إلا إشارةٌ مِن سيّدنا موسى بِعَصاه حتى شقَّ في البحرِ طريقاً يبساً، هذا إذا فكَّرتَ في آلاء اللهِ، وعرفتَ عظمتَه سبحانه وتعالى، لم ترَ حينئذٍ في خوارقِ العاداتِ شيئاً مستحيلاً عقلاً، بل ربّما كان مستحيلاً عادةً، تماماً كما أَلِفَ الناسُ أنّ النارَ تحرقُ، وأنّ الماءَ سائلٌ، ولكن ربّنا سبحانه وتعالى هو خالقُ القوانينِ، وهو خالقُ طبائعِ الأشياءِ، وهو خالقُ العلاقاتِ الثابتةِ، التي تظنّها أنت ثابتةً، إنّها ليْسَت ثابتةً، فإذا شاء الله لها أن تثبتَ ثبَتَتْ، وإذا شاء لها أن تكون غير ثابتة غيَّرها كيف يشاء، فهو الذي خَلَقَ قوانينَ المكانِ، وهو الذي خَلَقَ قوانينَ الزمانِ، فإذا قرأْتَ في كتبِ السيرةِ أنّ النبيَّ عليه الصلاة والسلامُ خَرَجَ مِن بيتِه إلى بيتِ المقدسِ، وعادَ إلى بيته في ليلةٍ، فهذا مِن خَرْقِ اللهِ سبحانه وتعالى لِقَوانينِ المكانِ.
لقد كذَّبتْه قريشٌ، وطالبتْه أنْ يصفَ المسجدَ الأقصى فوصَفَهُ، وكأنّه يشاهدهُ، لأنّه شاهدهُ حقيقةً، ولعلّهم يظنّون أنّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام سمِعَ هذا الوصفَ مِن غيره، فنَقَله إليهم، فطالبوه أنْ يصفَ لهم ما رآه في الطريقِ، فوصفَ لهم قافلةً، وسمّى أسماءَ أصحابِها، ولمّا جاءت القافلةُ إلى مكّة، وسألوا أفرادَها، جاءَت إجابتُهم مطابقةً تماماً لِوَصف النبيِّ عليه الصلاة والسلام، لذلك فإنّ حدَثَ الإسراءِ مستدَلٌّ عليه بآيات محكمةٍ، صريحةِ الدلالة، وبأحاديث صحيحة صريحةٍ، وهو من المعلوم من الدين بالضرورةِ.
(2/28)

إنّ أحداثَ الإسراءِ والمعراجِ من الزاويةِ العلميّةِ ممْكنةٌ عقلاً، وغيرُ ممْكنةٍ عادةً، والناسُ أحياناً يخْلطون بين العادةِ والعقلِ، فهؤلاء الذين ما عرفوا الله، وما عرفوا قدرتهُ، وما عرفوا معنى قولِه تعالى: {كُن فَيَكُونُ} ، وما عرفوا أنّ الزمانَ مِن خلقِهِ، وقد يُلغى، وأنّ المكانَ مِن خلقهِ، وقد يُلغى، ما عرفوا هذه الحقيقةَ، أحياناً ينْكرون أنْ يقعَ الإسراءُ والمعراجُ، وبعضُهم يقرُّ بالإسراءِ، وينكرُ المعراجَ، وكلاهما ثابتٌ، لأنّ هذا الكونِ بِرُمّتِه، وبِمَجرّاتِه، وبكلّ أفلاكِه، وبأرضِهِ وسمائِه وُجِدَ من عَدمٍ، فهلْ يستطيعُ عقلُك فهْمَ هذه القضيّةِ، كُنْ فَيَكُونُ، كان اللهُ، ولم يكن شيءٌ معه، فأيُّهما أعظمُ؛ أن يوجد هذا الكونُ كلُّه مِن عدَمٍ، أم أنْ ينتقلَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بقُدرةِ الله، لا بقُدرته؟ فالفعلُ هنا (أسْرَى) ، وليس (سَرَى) ، الفعل (أسْرَى) مُتَعَدٍّ، طفلٌ صغير ضعيف، أيُعْقَلُ أنْ يصعدَ إلى قمّةِ جبلِ همالايا؟! لا يُعقلُ، ولكن إذا حُمِلَ، وأُخِذ، وصُعِدَ به، حينئذٍ يُعْقل، فربّنا عز وجل يقول: {سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] ، فهو انتقلَ بِقُدرةِ اللهِ مِن مكّةَ إلى بيتِ المقدسِ، وانتقلَ إلى السماءِ بقُدرة الله، إذاً فقدرةُ اللهِ لا يحُدّها شيءٌ، وهي تتعلّق بكلّ شيء، فالإسراءُ والمعراج ممكنٌ عقلاً، ممتَنِعٌ عادةً، ولم يأْلَف الناسُ ذلك وقْتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أما الآن فقد انتقل الإنسانُ مِن الأرضِ إلى القمرِ في ثلاثة أيّام، وكانت سرعةُ مركبتِه أربعين ألف ميل في الساعة، فما كان مستحيلاً وقْت النبيِّ صلى الله عليه وسلم أصبح الآن على يَدَيِ البشر ممكناً، فكلّ شيءٍ ممكنٌ عقلاً، ولكنّه ليس ممكناً عادةً، هذه النقطة قد تغيب عن أذهان بعض الناس، لكن أريد أن أُعقّب تعقيباً قصيراً، وهو أنّ الإنسان كلّما نما عقلهُ، وكلّما دقَّت مدركاتهُ يرى أنّ الكون بِوَضْعِهِ الراهن من دون خرْقٍ لِنَواميسه هو المعجزة، أليسَ الكونُ معجزةً؟
(2/29)

أنْ يولدَ الإنسانُ في رَحِمِ أمِّه، أن يتشكّلَ مخلوقٌ له دِماغٌ، وله خلايا، وله أعصابٌ، وله أوْعِيَةٌ، وله قلبٌ، وله تجاويفُ، وله دسّاماتٌ، وله جهازٌ هضميٌّ، وغددٌ صماءُ، وجهازٌ تنفّسيٌّ، وجهازُ دوران، وجهازُ طرْحِ الفضلاتِ مِن نقطةِ ماءٍ، ومن دون جهْدٍ من أمِّه، ولا تخطيطٍ مِن أبيه، إنّ هذا الطِّفْلَ وحدهُ معجزةٌ، من دون خرْقٍ للمعجزات.
كلّما ارْتَقَت البشريّةُ في علومها الكونية جاءت المعجزاتُ عقليّةً بعد أن كانت حسِّيَّةً، لذلك حينما كانت البشريّةُ تحْبو في حُقولِ المعرفةِ كانت المعجزاتُ حِسِّيَّة، أما حينما ارْتَقَت جاء القرآنُ الذي هو المعجزةُ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام، وهو المعجزةُ المستمرّةُ، والمعجزاتُ الحسيّة كَعُودِ الثِّقاب تتألّق، ثمّ تنطفى، وتصبحُ خبراً يصدّقهُ من يصدّقهُ، ويكذّبه من يكذّبه، لكنّ معجزةَ القرآنِ على مدار الأيامِ إلى نهاية الدورانِ، وكلّما تقدَّم العلمُ كَشَفَ عن جانبٍ مِن جوانبِ إعجازِه، فنحنُ بين أيدينا معجزةٌ عقليّةٌ، هذه ينبغي أن تؤكِّدَ لنا أنّ هذا الدِّين حقّ، وأنّ هذا النبيَّ صلى الله عليه وسلم حقّ، وأنّ الكتاب حقّ، وأنّ الجنّة حقّ، وأن النار حقّ، وما علينا إلا أن نتحرّك، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17] .

الشمس
شموس الكون
سُئِلَ رئيسُ أكبرِ وكالةِ فضاءٍ في العالَم سؤالاً عن السديمِ، وعن كُتَلِه المتوهِّجةِ الحمراءِ والبيضاءِ والسوداءِ، فقال هذا العالِمُ: "الشموسُ المشتعلةُ أنواعٌ ثلاثةٌ؛ شموسٌ مشتعلةٌ باللونِ الأحمرِ كشمسنا، وهي في منتصفِ عمُرِها، وقد مَضى على اتِّقادها خمسون مليارَ سنةٍ، وستبقى خمسين مليارَ سنةٍ أخرى، إنها في منتصف عمرها.
(2/30)

وهناك شموسٌ بعْدَ أنْ تمرَّ بمرحلةِ الاحمرارِ يزدادُ حجمُها زيادةً كبيرةً، ثم تنكمشُ انكماشاً عظيماً فجأةً، بواقعٍ من مئة إلى واحدٍ مِن حجمِها الأصلي، وعندئذ تصبحُ بيضاءَ اللَّونِ، وتُشعُّ نوراً أبيضَ، ولكنه أشدُّ حرارةً بكثيرٍ من اللونِ الأحمرِ، فالشمسُ التي يتغيَّر لونُها من اللونِ الأحمرِ إلى اللونِ الأبيضِ حرارتُها أشدُّ بكثيرٍ مِن حرارةِ الحمراءِ.
وبعْدَ ذلك تمرُّ هذه الشمسُ في مرحلةٍ ثالثة، هي مرحلةُ التكدُّسِ، كما يتكدَّسُ المترُ المكعبُ مِنَ الحديدِ بحجمِ ذرةٍ، لا تُرى بالعينِ، ولا بالمِجْهَرِ، ومعنى ذلك أنّ كثافةَ هذه الشمسِ تصبحُ عالية جداً، ويصبحُ جذبُها شديداً جداً، لدرجةِ أنّ النورَ لا يسطعُ منها، ولا يخرجُ.
سمّاها العلماءُ الآن الثقوبَ السوداءَ، هذه لها قوةُ جذبٍ مخيفةٌ، فلو أن الأرض دخلت في دائرة جذبها لأصبحت بحجمِ بيضةٍ مع وزنِها نفسِه..
تصوَّرِ الأرضَ بقاراتها الخمسِ، والبحار التي تكون 72% من مساحة الأرض، هذه الكتلةُ الضخمةُ كلُّها لو جَذَبَها ثُقبٌ أسودُ لأصبحتْ بحجمِ البيضةِ.
هذه مرحلةٌ ثالثةٌ، حيث لا يسطعُ منها نورٌ، وفيها قوةُ جذبٍ مخيفةٌ، وحرارتُها لا تُوصَفُ.
ماذا يكون موقفنا من السنّة إذا مرَّ بنا حديثٌ شريفٌ قد أتى بهذه الحقيقة قبل ألف وأربعمئة سنة؟
يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ".
هذا مِن دلائلِ نبوةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كيف عَرَفَ أنّ النارَ أُوقِدَ عليها ألفَ سنةٍ حتى احْمَرَّتْ؟
وقال الإمامُ المُناويِ في "فيضِ القديرِ" في شرحِ هذا الحديثِ: "والظاهرُ أنه أرادَ بالأَلْفِ فيه وفيما يأتي التكثيرَ، وأنَّ المرادَ الزمنُ الطويلُ"، يعني زمناً طويلاً للتكثيرِ والمبالغةِ.
(2/31)

فهذه السماواتُ بمجرَّاتِها، وكازارَاتِها، ونجومِها، وكواكبِها، وبُروجِها، ومُذَنَّباتِها، وشُموسِها، وأقمارِها.
والأرضُ بجبالِها وسهولِها، وبحارِها وأنهارِها، وأسماكِها وأطيارِها، ونباتاتِها وأزهارِها، وحيواناتِها ومخلوقاتها، وليلِها ونهارِها، وشمسِها وقمرِها.
والإنسانُ بخلْقِه، وطِباعِه، وبُنْيتِه، وأعضائِه، وزوجتِه، وأولاده، كلُّها آياتٌ دالَّةٌ على اللهِ، مشيرةٌ إليه، ناطقةٌ بكمالِه، مجسِّدةٌ لأسمائه وصفاته، فالخلقُ يدلُّ على الخالقِ، والصنعةُ تدلُّ على الصانعِ، والنظامُ يدلُّ على المنظِّم، والتسييرُ يدلُّ على المسيِّر، والأقدامُ تدلُّ على المسيرِ، والماءُ يدلُّ على الغديرِ، أفسماءٌ ذاتُ أبراجٍ، وأرضٌ ذاتُ فِجاجٍ، ألا تدلانِ على الحكيمِ الخبيرِ؟..
سَلِ الوَاحَةَ الخَضْراءَ وَالمَاءَ جَارِيَا ... وَهَذِي الصَّحَارَى وَالجِبَالَ الرَّوَاسِيَا
سَلِ الرَّوْضَ مُزْدَاناً سَلِ الزَّهْرَ وَالنَّدَى ... سَلِ اللَّيْلَ وَالإِصْبَاحَ وَالطَّيْرَ شَادِيَا
وَسَلْ هَذِهِ الأَنْسَامَ وَالأَرْضَ وَالسَّمَا ... وَسَلْ كُلَّ شَيءٍ تَسْمَعِ الحَمْدَ سَارِيَا
الشَّمْسُ وَالبَدْرُ مِنْ أَنْوَارِ حِكْمَتِهِ ... وَالبَرُّ وَالبَحْرُ فَيْضٌ مِنْ عَطَايَاهُ
فَالطَّيْرُ سَبَّحَهُ وَالزَّرْعُ قَدَّسَهُ ... وَالمَوْجُ كَبَّرَهُ وَالحُوتُ نَاجَاهُ
وَالنَّمْلُ تَحْتَ الصُّخُورِ الصُّمِّ مَجَّدَهُ ... وَالنَّحْلُ يَهْتِفُ حَمْداً في خلاياهُ
رَبُّ السَّمَاءِ وَرَبُّ الأَرْضِ قَدْ خَضَعَتْ ... إِنْسٌ وَجِنٌّ وَأَمْلاَكٌ لِعَلْيَاه
النَّاسُ يَعْصُونَهُ جَهْراً فَيَسْتُرُهُمْ ... والعَبْدُ يَنْسَى وَرَبِّي لَيْسَ يَنْسَاهُ

البعد بين كواكب المجموعة الشمسية
(2/32)

مِنَ الحقائقِ المقطوعِ بها أنَّ في الكون مئةَ ألف مليون مجرةٍ عرفت حتى الآن، هذا العددُ في المنظورِ الحالي، مجرتُنا درْبُ التَّبَابنة إحدى هذه المجراتِ، وهي مجرةٌ متوسطةٌ، فيها مئةُ ألفِ مليون نجمٍ وكوكبٍ، طولُها مئةٌ وخمسون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، عرضُها خمسةٌ وعشرون ألف سنة ضوئية، القمر بُعْدُه عنا ثانيةٌ ضوئيةٌ واحدةٌ، والشمسُ بُعْدُها ثماني دقائقَ، والمجموعةُ الشمسيةُ بُعْدُها ثلاثَ عشرةَ ساعةً، أمّا هذه المجرةُ درب التَّبَابنة فطولُها مئةٌ وخمسون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، وعرْضُها خمسةٌ وعشرون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، كم يقطع الضوءُ في السنة؟ يقطع عشرة ملْيون مليون كيلو متر، يعني ثلاثةَ عشرَ صفراً.
والمجموعةُ الشمسيةُ التي نحن فيها، طولُها ثلاثَ عشرةَ ساعةً ضوئيةً، وقد وجد الفلكيُّ الألمانيُّ (جوهان بوت) أنّ مسافاتِ الكواكبِ في المجموعةِ الشمسيةِ تخضعُ لتتابعٍ رياضيٍّ دقيقٍ وعجيبٍ، نَشَرَ ورقةً كَتَبَ عليها: (0) ، (3) ، (6) ، (12) ، (24) ، (48) ، (96) ، (192) ، كل رقمٍ ضعفُ الذي قَبْلَه، وأعطى عطاردَ أولَ رقمٍ (0) ، والزهرة (3) ، والأرض (6) ، والمريخ (12) ، وتوقف هنا، ثم أضاف رقم (4) إلى كل هذه الأرقامِ، ثم قَسَّمها على (10) ، فإذا الناتجُ هو بُعْدُ كلِّ كوكبٍ عن الشمسِ، هذا القانونُ ظَهَرَ في القرنِ التاسعِ عشرَ، وقامتْ حوله ضجةٌ كبيرةٌ، وعليه مأخذان، رقم (24) غيرُ موجودٍ، ولا يوجد نجمٌ في هذا المكانِ، ورقم (192) غير موجود، لا يوجد نجمٌ في ذاك المكانِ، واتُّهِم هذا القانونُ بأنه غيرُ صحيحٍ، ثم اكتُشِفَ في الرقم (24) أنّ هناك مجموعةَ كُوَيْكِبَاتٍ، وفي موقع (192) هناك كوكبُ أورانوس، فهذه المجموعةُ الشمسيةُ تخضعُ لقانونٍ دقيقٍ جداً، فكل نجمٍ رتَّبه بسلسلةٍ هندسيةٍ أو حسابيةٍ، وأضاف رقم (4) ، وقسم على (12) ، الناتجُ هو بُعْدُ كل كوكبٍ عن الشمسِ.
هذا الكونُ تبدُو فيه عظمةُ اللهِ عز وجل، وهو تجسيدٌ لأسماءِ اللهِ الحسنَى، قال تعالى:
{قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض} [يونس: 101] .

الشمس والأرض
(2/33)

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى".
يبدو من خلالِ هذا الحديثِ الشريفِ أنّ الذكرَ له شأنٌ كبيرٌ في حياةِ المؤمنِ، كيف لا وقد وَرَد الذكرُ في القرآنِ الكريمِ في أكثرَ من ثلاثمئة آيةٍ، تؤكِّدُ في مجموعها أنّ الذكرَ ينبغي أن يدورَ مع الإنسانِ، في كلّ شؤونِه، وأحوالِه، وأطوارِه، لأنّه عبادةُ القلبِ، والفكرِ، واللسانِ، فمِنَ الذكرِ أنْ تذكرَ اللهَ في آياتِه الكونيةِ، وفي آياتِه القرآنيةِ، وفي آياتِه التكوينيةِ، وأنْ تذكرَه من خلالِ نعمِه الظاهرةِ والباطنةِ، وأنْ تذكرَه في أمرِه ونهيِه، وأن تذكرَه لعبادهِ معرِّفاً به، وأنْ تذكرَه في قلبِك، وعلى لسانِك، مُسبِّحاً، وحامداً، وموحِّداً، ومُكبِّراً، وأنْ تذكرَ ربوبيتَه لك، فتدعوَه وحدَه في أحوالك كلّها، وأطوارِك جميعِها، وأنْ تذكرَه ذكراً كثيراً؛ ليطمئنّ قلبُك، ولينجليَ همُّك، ولينشرحَ صدرُك، وليتَّسعَ رزقُك، ولتنتصرَ على عدوّك.
فمِن الذكرِ التفكُّرُ في آياتِ اللهِ في الآفاقِ، وفي الأنفسِ، وهذا التفكُّرُ منْ أجلِ أنْ نعرفَ الله جلَّ وعلاَ، وأنْ نُقَدِّره حقَّ قدْرِه، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190-191] .
فمِن هذه الآياتِ التي بثَّها اللهُ في الآفاقِ التجاذبُ الحركيُّ فيما بين الكواكبِ والنجومِ، قال تعالى:
{الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الرعد: 2] .
(2/34)

فكلمة (تَرَوْنَهَا) تفيد فيما تفيد أنّ اللهَ جلّ وعلا رفعَ السماواتِ بعمدٍ لا نراها، إنها قُوى التجاذبِ التي تنظِّمُ الكونَ كلّه، بدءاً من الذرَّةِ، وانتهاءً بالمجرَّة.
فالشمسُ مثلاً تجذِبُ إليها الأرضَ بقوةٍ هائلةٍ، إذْ تجري الأرضُ في مَسَار مُغلقٍ حولَ الشمسِ، ولو انعدم جذبُ الشمسِ للأرضِ لخرجت الأرضُ عن مسارِها حولَ الشمسِ، ولاندفعتْ في متاهاتِ الفضاءِ الكونيِّ، حيثُ الظلمةُ والتجمُّدُ، وبزوالِها عن مسارِها، أي بانحرافِها عنه، تزولُ الحياةُ فيها، إذ تصلُ درجةُ حرارتِها إلى مئتين وسبعين درجةً تحت الصفر، وهي درجةُ الصفرِ المُطلقِ التي تنعدمُ فيها حركةُ الذراتِ، قال تعالى:
{إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ} [فاطر: 41] .
ولكي ندركَ قوةَ جذبِ الشمسِ للأرضِ نفترضُ أنّ هذه القوةَ انعدمتْ لسببٍ أو لآخرَ، ومن أجلِ أنْ تبقى الأرضُ مرتبطةً بالشمسِ تجري في مسارٍ حولها، لا بدَّ من أنْ نربطَها إلى الشمس بأعمدةٍ مرئيةٍ من الفولاذِ، والفولاذُ من أمتنِ المعادنِ، ومن أعظمِها تحمّلاً لِقُوى الشدِّ، فالسلكُ الفولاذيّ الذي قطرُه ميليمتر واحد يتحمّلُ من قُوى الشدِّ ما يعادلُ مئةَ كيلو غرام، إننا بحاجة إلى مليون مليونِ حبلٍ فولاذيٍّ، طولُ كلِّ حبلٍ مئةٌ وستة وخمسون مليون كيلو متر، وقطرُ الحبلِ الواحدِ خمسةُ أمتارٍ، والحبلُ الواحدُ مِن هذه الحبالِ يتحمّلُ من قُوى الشدِّ ما يزيدُ على مليوني طنٍّ، فكم هي قوة جذبِ الشمسِ للأرضِ؟ إنها مليونا طنٍّ مضروبةً بمليونِ مليونٍ، ثم لو زرعْنا هذه الحبالَ على سطحِ الأرضِ المقابلِ للشمسِ لفوجئنا أننا أمامَ غابةٍ من الحبالِ الفولاذيةِ، حيث تقلُّ المسافةُ بين الحبلين عن قطرِ حبلٍ ثالثٍ، هذه الغابةُ مِنَ الحبالِ تحجبُ عنا أشعةَ الشمسِ، وتعيقُ كلَّ حركةٍ، وبناءٍ، ونشاطٍ، كل هذه القُوى الهائلةُ من أجلِ أنْ تحرفَ الأرضَ في مسارِها حول الشمسِ ثلاثةَ ميليمتراتٍ كلَّ ثانيةٍ، لقد صدق اللهُ العظيمُ إذ يقول: {الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} .
(2/35)

ومن الحقائقِ الثابتةِ أنّ الأرضَ تدورُ حولَ الشمسِ في مسارٍ بيضويٍّ، ولهذا المسارِ قُطرانِ؛ أصغرُ وأكبرُ، وأن قانونَ الجاذبيةِ يحكمُ العلاقةَ بين الأرضِ والشمسِ، إذ إنّ الكتلةَ الأكبرَ تجذبُ الكتلةَ الأصغرَ، وكلما كبُرت الكتلةُ كان جذبُها أقوى، وأنه إذا بعُدت المسافةُ بين الكتلتين ضَعُفت قوةُ الجذب، فالأرضُ وهي في مسارِها حول الشمس بسرعة 30 كم / ثا، حينما تقترب من القطر الأصغر تقترب من الشمس، وعندئذٍ تزدادُ قوةُ الجذبِ لها، فيمكن أنْ تنجذبَ إلى الشمسِ، وعندئذٍ تتبخرُ الأرضُ في وقتٍ قصيرٍ جداً، لأنّ حرارةَ الشمسِ ستة آلافِ درجةٍ على سطحِها، وعشرون مليون درجةٍ في مركزِها، ويتَّسعُ جوفُ الشمس لمليون وثلاثمئة ألفِ أرضٍ، فلئلا تنجذبَ الأرضُ إلى الشمسِ، وتنتهي الحياةُ عليها تزيدُ الأرضُ من سرعتِها كي تنشأَ من زيادةِ السرعةِ قوةٌ نابذةٌ جديدةٌ تكافِىءُ القوةَ الجاذبةَ الناشئةَ مِن اقترابِ الأرضِ مِن الشمسِ، وحينما تصلُ إلى القطرِ الأكبرِ تضعفُ قوةُ جذبِ الشمسِ إلى الأرضِ، فربما تفلَّتت الأرضُ من جاذبيةِ الشمسِ، فتاهتْ في الفضاءِ الكونيِّ، فتجمّدَتْ، وانتهتِ الحياةُ عليها، لذلك تبطِىءُ الأرضُ مِن سرعتِها حتى تضعفَ قوةُ النبذِ، وتتناسبَ مع ضعفِ الجاذبيةِ الناشئةِ عن بُعدِ الأرضِ عن الشمسِ، ولو أنّ تسارعَ الأرضِ كان سريعاً أو مفاجئاً لانهدم كلُّ ما عليها، ولو كان التباطؤُ سريعاً أو مفاجئاً لانهدم كلُّ ما عليها، لذلك يكونُ التسارعُ بطيئاً، والتباطؤ بطيئاً، تحقيقاً لاسمِ (اللطيفِ) ، قال تعالى: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ} [فاطر: 41] .

التفكر في المسافة بيننا وبين الشمس
يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى: {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] ، وقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] .
(2/36)

قال العلماءُ: "إنَّ الشمسَ تَكْبُرُ الأرضَ بمليونٍ وثلاثمئة ألفِ مرةٍ، وإنّ لسانَ اللهبِ الذي يَخرجُ مِن الشمسِ يزيدُ طولُه على مليون كيلومترٍ، وإنّ الأرضَ إذا أُلْقِيَتْ في الشمسِ تبخَّرتْ في ثانيةٍ واحدةٍ"، وبعضُ العلماءِ يقدّرون أنّ عُمُرَ الشمسِ يزيدُ على خمسة آلافِ مليونِ سنةٍ، وأنّ بينَ الشمسِ والأرضِ مئةً وستةً وخمسين مليون كيلومتر، وأنّ في بُرْجِ العَقربِ نجماً متألقاً يُرى مِن الأرضِ اسمُه قلبُ العقربِ، يقعُ في الوَسَطِ الهندسيِّ لبرجِ العقربِ، وهو أشدُّ تألقاً، ويتَّسعُ للشمسِ والأرضِ مع المسافةِ بينهما، {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} وقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} ، وقال تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75-76] .
بَيْنَنَا وبين القمرِ ثانيةٌ ضوئيةٌ واحدةٌ تقريباً، ويقطعُ الضوءُ مسافةَ ثلاثمئة ألفِ كيلومترٍ في ثانيةٍ واحدةٍ، وبَيْنَنَا وبيْن الشمسِ ثماني دقائقَ ضوئيةٍ، أيْ إنّ ضوءَ الشمسِ يقطعُ المسافةَ بين الشمس والأرض في ثماني دقائقَ.
وبَيْنَنَا وبين أَبْعَدِ نجمٍ في المجموعةِ الشمسيةِ ثلاثَ عشرةَ ساعةٍ ضوئيةٍ.
وإنّ أقْربَ نجمٍ إلى الأرضِ مِن غيرِ المجموعةِ الشمسيةِ هو نجمُ القطبِ، بُعْدُه عنا أربعةُ آلافِ سنةٍ ضوئيةٍ، والقمرُ ثانيةٌ واحدةٌ.
وبيْن الأرضِ وأقصى نجمٍ في درب التبابنة مئة وخمسون ألفَ سنةٍ ضوئيةٍ، وبعضُ المجراتِ يبْعدُ عنا عشرين ألفَ مليونِ سنةٍ ضوئيةٍ، قال تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم} ، قال العليم الخبير: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} .
(2/37)

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار} ، حَتَّى بَلَغَ: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ، فَخَرَجَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَتَسَوَّكَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى".
وقال الحسن: (تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ عَاماً) ، "وَلا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ"، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] .

شمس الأرض
قال تعالى: {قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ * فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 17-32] .
وقال تعالى: {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .
(2/38)

هذه الشمسُ آيةٌ ساطعةٌ دالةٌ على اللهِ كسطوعِها، وهي نجمٌ متوسِّطُ الحجمِ إذا قِيستْ بالنجومِ الأخرى، ومع أنها تَكْبُرُ الأرضَ بمليونٍ وثلاثمئة ألفِ مرةٍ حجماً، وتبعدُ عنها مئةً وستةً وخمسين مليونَ كيلو متر وَسَطِيّاً، ويقطعُ ضوءُ الشمسِ هذه المسافةَ في ثماني دقائقَ، وهناك نجومٌ يزيدُ حجمُ أحدِها على حجمِ الشمسِ والأرضِ مع المسافةِ بينهما.
وأمَّا عن حرارَتِها فهي تصلُ إلى عشرين مليونَ درجة في مركزِها، فلو أُلْقِيَتِ الأرضُ في جوفِ الشمسِ لتَبَخَّرَتْ في وقتٍ قصيرٍ، ويزيدُ طولُ ألسنةِ اللهبِ المنطلقةِ من سطحِها من نصفِ مليون كيلو مترٍ إلى مليون كيلو متر، وتُنتِج الشمسُ مِن الطاقةِ في كلّ ثانيةٍ ما يعادلُ إحراقَ أَلْفَيْ مليارِ طُنٍّ من الفحمِ الحَجَريِّ، وتفقدُ الشمسُ كلَّ يومٍ مِن كتلتِها ما يعادلُ ثلاثمئةٍ وستينَ ألفَ مليون طنٍّ، ويظنُّ علماءُ الفَلَكِ أنَّه مضَى على اتِّقادها ما يزيدُ على خمسةِ آلافِ مليون عامٍ، وهم يُطَمْئِنون الناسَ إلى أنّ الشمسَ لن تنطفئ قبلَ خمسة آلاف مليون عام أخرى، ولو انطفأتِ الشمسُ فجأةً لَغَرِقَتِ الأرضُ في ظلامٍ دامسٍ، ولهبطتْ درجةُ الحرارةِ فيها إلى مئتين وسبعينَ درجةً تحتَ الصفرِ، ولتحوَّلتِ الأرضُ إلى قبرٍ جَلِيديٍّ، وإنّ انعدامَ الدفءِ والنورِ كافيان لقتلِ كلِّ مَظهرٍ من مظاهرِ الحياةِ على سطحِ الأرضِ.
سَلِ الشمسَ مَن رفعَها ناراً، ونَصَبَها مَناراً، وضَرَبَها ديناراً، ومَن عَلَّقها في الجو ساعةً، يَدِبُّ عَقْرَبِاها في الجوِّ إلى قيام الساعةِ، ومَن الذي آتاها مِعراجَها، وهَدَاها أَدْراجَها، وَأَحَلَّها أبْراجَها، ونَقَّل في سماءِ الدنيا سِراجَها؟
إنّ الزمانَ هي سببُ حصولِه، ومُنْشَعبُ فروعِه وأصولِه، وكتابُه بأجزائِه وفصولِه، لولاها ما اتّسقتْ أيامُه، ولا انتظمتْ شهورُه وأعوامُه، ولا اختلفَ نورُه وظلامُه، ذهبُ الأصيلُ من مناجمِها، والشفقُ يسيلُ من محاجمِها، تحطَّمتِ القرونُ على قَرْنِها، ولم يَمْحُ التقادمُ لَمحةَ حُسْنِها.
(2/39)

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار والشمس والقمر لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ واسجدوا لِلَّهِ الذي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] ، وقال تعالى: {وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ} [إبراهيم: 33] ، وقال سبحانه وتعالى: {والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم} [يس: 38] .

السنة الشمسية، والسنة القمرية
(2/40)

مِن إعجازِ القرآنِ العلميِّ أنّ السَّنةَ الشمسيةَ التي تُسَمَّى السنةَ الانقلابيةَ هي مدةٌ تنقضِي بيْن مُرُورَيْنِ مُتَتَالِيَيْنِ للشمسِ في نقطةِ اعتدالٍ واحدٍ، ومقدارُ هذه السنةِ ثلاثمئة وخمسةٌ وستون يوماً، وألف وأربعمئة واثنان وعشرون بَعْد الفاصلةِ، هذه السنةُ الشمسيةُ بالدقَّةِ، وبمرورِها يحدثُ الصيفُ، والخريفُ، والشتاءُ، والربيعُ، أمّا السنةُ القمريةُ فتتكوَّنُ من ثلاثمئة وأربعة وخمسين يوماً، وبعد الفاصلة ستة وثلاثون ألفاً وسبعمئة وثمانون، وهي المدةُ بين كُسُوفَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ مقسومةً على عددِ الحركاتِ القمريةِ الدائريةِ، والفرقُ بين السنةِ الشمسيةِ والقمريةِ عشرةُ أيامٍ، وبعدَ الفاصلةِ ثمانمئة وخمسة وسبعون ألفاً، ومئة وسبعة وثلاثون، وبذلك يقعُ في كل ثلاثٍ وثلاثين سنةً فرقٌ قَدْرُه ثلاثمئة وثمانية وخمسون يوماً، أو نحو سنة تقريباً، وعلى ذلك فإنّ كلَّ مئة سنة تزيدُ ثلاثَ سنواتٍ، وتكون الثلاثمئةُ سنةٍ الشمسيةُ يقابلُها ثلاثمئة وتسع سنواتٍ قمرية، هذا حسابُ الفلكيِّين الدقيقُ، ستةُ أرقامٍ بعدَ الفاصلةِ، وهذه الحقيقةُ الكونيةُ ثابتةٌ، والتي اطمأنَّ إليها العلمُ الحديثُ، واستقرَّ عليها، وقد سبقَ إليها القرآنُ في سَرْدِهِ لقصةِ أصحابِ الكهفِ في قوله تعالى: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ} [الكهف: 25] ، هذه سنواتٌ شمسيةٌ، {وازدادوا تِسْعاً} [الكهف: 25] ، هذه سنواتٌ قمريةٌ، إنه شيءٌ دقيقٌ جداً، وبحساباتٍ دقيقةٍ في مراصدَ عملاقةٍ، بحساباتٍ فلكيةٍ بالغةِ الدقةِ بستةِ أرقامٍ بَعْد الفاصلةِ، وبعدَ الحسابِ الدقيقِ فإنّ ثلاثمئةِ سنةٍ شمسيةٍ تساوي ثلاثمئة وتسعَ سنواتٍ قمريةٍ.
(2/41)

قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِه لقولِه تعالى: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ} : "هذا خبرٌ مِنَ اللهِ تعالى لرسولِه صلى الله عليه وسلم بمقدارِ ما لبثَ أصحابُ الكهفِ في كهفهم منذ أَرْقَدَهُمْ إلى أنْ بَعَثَهم اللهُ، وأَعْثَرَ عليهم أهلَ ذلك الزمانِ، وأنه كان مقدارُه ثلاثمئة سنةٍ تزيد تسعَ سنينَ بالهلالية - أيْ بالقمرية - وهي ثلاثمئة سنة بالشمسية، فإنّ تفاوُتَ ما بينَ كلِّ ثلاثمئة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاثُ سنينَ، فلهذا قال بعد الثلاثمئة: {وازدادوا تِسْعاً} ".
وفي تفسير الجلاليْنِ: "قوله: {وازدادوا تِسْعاً} ، أي تسعَ سنين، فالثلاثمئة الشمسيةُ ثلاثمئة وتسعٌ قمريةٌ".
ولقد صدَق اللهُ إذْ يقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] .

الأرض
الخسوف والكسوف
لقد توفِّي سيدنا إبراهيم، ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوَقَفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم موقفَ الأبِ الرحيمِ الحاني، المؤمنِ بقضاء الله وقدره، الصابرِ لحكمه، الراضي بمشيئتِه، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْراً لإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَم، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ"، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ".
(2/42)

وقد رافق موتَ سيدِنا إبراهيمَ كسوفُ الشمسِ، فظنَّ الصحابةُ الكرامُ أنّ الشمسَ كَسَفتْ لموتِ إبراهيمَ، فوقفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطيباً في أصحابه، وهو أمينُ وحيِ السماءِ، فرفضَ أنْ تختلطَ حقائقُ العلمِ بمشاعرِ المسلمين، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ".
الخسوف: هو اختفاءُ القمرِ أو بعضِه في أثناءِ مرورِ الأرضِ بينَه وبينَ الشمسِ.
أما الكسوفُ فهو اختفاءُ الشمسِ أو بعضِها في أثناءِ مرورِ القمرِ بينَها وبينَ الأرضِ، وإنّ الكسوفَ والخسوفَ إشارتانِ إلى نعمةِ الشمسِ والقمرِ، فهما آيتان دالَّتان على عظمةِ الله ورحمتِه، قال العليُّ العظيمُ: {وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار والشمس والقمر لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ واسجدوا لِلَّهِ الذي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] ، وقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إلاه غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} [القصص: 71] .
وقد يسأل سائلٌ فيقول: كيف يغطِّي القمرُ قرصَ الشمسِ، مع أنه أصغرُ منها بأربعمئةِ مرةٍ؟
والجواب: إنّ الشمسَ أَبْعَدُ عن الأرضِ مِنَ القمرِ بأربعمئة مرة، وهذا ما يجعلهُما يظهرانِ بالحجمِ نفسِه؛ لذلك يمكنُ للقمرِ أنْ يحجُبَ أشعةَ الشمسِ كلياً إذا مرّ بينها وبينَ الأرض.
ويجبُ ألاَّ يشغلَنا جمالُ منظرِ الكسوفِ عن خطرِ الأشعةِ الشمسيةِ على أعيننَا، إذِ النظرُ إلى الشمسِ في أثناءِ الكسوفِ دونَ نظارةٍ سوداءَ خاصةٍ بالكسوفِ يتسبّبُ في أضرارٍ بالغةٍ للعينٍ، دونَ أنْ يشعرَ الإنسانُ، لأنّ شبكيّةَ العينِ لا تحتوي على أيِّ مستقبِلٍ للألمِ، وهنا يجبُ الانتباهُ على نحوٍ خاصٍّ للأطفالِ الذين لا يقدِّرونَ الخطرَ، ولأنّ شبكياتِ أعيُنِهم أكثرُ حساسيةً مِنَ الكبار.
(2/43)

لقد سنّ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الكسوف، ونَدَبَ أنْ نطيلَ القراءةَ فيها، وأنْ نطيلَ السجودَ، ليغطِّيَ سجودُنا وقتَ الكسوفِ.
كان الكسوفُ - استناداً للحساباتِ الفلَكيةِ - في الحادي عشرَ مِن شهرِ آبٍ من عام (1999) مرئياً في جميع أنحاءِ الوطنِ العربي، لكنه لم يكنْ كلِّياً إلا في أقصى الشمالِ الشرقي منه، ففي الشمالِ الشرقيِّ مِن سوريةَ بدأَ ذلك العرضُ الفلكيُّ بُعَيْدَ ظُهْرِ ذلك اليوم بمرحلة الكسوفِ الجزئي، الذي استمرَّ ساعةً تقريباً، ومِن ثَمَّ غربتِ الشمسُ واختفتْ كلياً، وحلَّ الظلامُ التامُّ مدةَ دقيقتين.
وفي هاتين الدقيقتين أُتيحَ لنا أنْ نشاهدَ الانفجاراتِ التي تحدثُ على سطحِ الشمسِ، وقد يمكنُنا أنْ نرى ألسنةَ اللهبِ التي يقتربُ طولُها من مليون كيلو متر، وسيكونُ بالإمكانِ رؤيةُ الكواكبِ الخمسة؛ عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل.
وهناك تعبيرٌ شائعٌ بين الناس، حينما يتحمّلُ الإنسانُ ما لا يحتملُ، يقال عنه: رأى النجومَ ظهراً، لكن ... في أثناء الكسوفِ نرَى النجومَ ظهراً حقيقةً لا مجازاً.
فائدة لغوية في لفظ الكسوف والخسوف:
كثيراً ما يجري على لسان الناس إطلاقُ هاتين الكلمتين (الكسوف والخسوف) ، فيحدِّدون إحداهما للقمر، والأخرى للشمس، فارتأينا إدراجَ هذه الفائدةَ اللغويةَ هنا، عسى أنْ يكونَ فيها شيءٌ مِن النفعِ.
(2/44)

جاء في لسان العرب: "كسَف القمرُ يَكْسِفُ كُسوفاً، وكذلك الشمس كَسَفَتْ تكْسِف كسوفاً: ذهب ضوءُها، واسْوَدَّت، والبعض يقول: انكسف وهو خطأٌ، وكَسَفَها اللهُ وأَكْسَفَها ... والقمرُ في كل ذلك كالشمس، وكسف القمرُ: ذهبَ نورُه، وتغيَّر إِلى السوادِ ... وكسفتِ الشمسُ وخسَفتْ بمعنًى واحدٍ، وقد تكرَّر في الحديثِ ذكرُ الكُسوف والخُسوف للشمس والقمر، فرواه جماعة فيهما بالكاف، ورواه جماعة فيهما بالخاء، ورواه جماعةٌ في الشمس بالكاف وفي القمر بالخاء، وكلهم روَوا أَن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يَنْكسفان لموتِ أَحَدٍ ولا لحياته، والكثيرُ في اللغة وهو - اختيار الفراء - أَنْ يكونَ الكسوفُ للشمسِ، والخسوفُ للقمر، يقال: كسَفت الشمسُ، وكَسَفَها اللهُ، وانكسفت، وخسف القمرُ وخسفَه اللهُ وانخسف ... قال أَبو زيد: كسفت الشمسُ إِذا اسْودَّت بالنهار، وكسفتِ الشمسُ النجومَ إِذا غلبَ ضوءُها على النجوم فلم يَبْدُ منها شيءٌ، فالشمسُ حينئذٍ كاسفةُ النجومِ".
قال ثعلب: "كسفت الشمسُ، وخَسَفَ القمرُ، هذا أَجْوَدُ".
قال ابن الأثير: "وقد وَرَد الخُسوفُ في الحديثِ كثيراً للشمسِ، والمَعْروفُ لها في اللغةِ الكُسُوفُ لا الخُسُوفُ، فأما إطلاقُه في مِثلِ هذا الحديثِ فَتَغْليباً للقمرِ لتذكيرِه على تأنيثِ الشمسِ، فجَمع بينهما بما يَخُصُّ القمرَ، وللمعاوَضَةِ أيضاً، فإنه قد جاء في رواية أخرى: إن الشمس والقمر لا يَنْكَسفان، وأمّا إطلاقُ الخُسُوفِ على الشمسِ منفردةً فلاشتراكِ الخسُوفِ والكُسُوفِ في معنى ذهابِ نورِهما، وإظلامِهما".

الضغط الجوي وآثاره
قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] .
(2/45)

هذه الآيةُ مِن دلائلِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ الكريمِ، ومِن دلائلِ نبوَّةِ النبي عليه الصلاة والسلام، فقدْ أثبتَ علمُ طبِّ الطيرانِ والفضاءِ أنَّ تعرُّضَ الإنسانِ للارتفاعاتِ العاليةِ عندما يصعدُ مِن سطحِ الأرضِ إلى الطبقاتِ العُلْويَةِ في السماءِ يُحدِث له أعراضاً عضويةً، تتدرَّج من الشعورِ بالضيق الذي يتركَّزُ في منطقةِ الصدرِ حتى يصلَ إلى المرحلةِ الحرجةِ التي ذكرَها القرآنُ الكريمُ: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء} ، وذلك أنه كلّما استمرَّ في الارتفاعِ انخفضَ الضغطُ الجوي، ونقَصَ الأكسجينُ.
إنّ الإنسانَ إذا ارتفعَ عن مستوى سطحِ البحرِ إلى عشرةِ آلافِ قدمٍ لمْ يشعرْ بشيء مِن أعراض نقصِ الأكسجين، وخفْضِ الضغطِ، أمّا إذا تجاوزَ عشرةَ آلاف قدمٍ إلى ستة عشر ألف قدمٍ، فإننا نجد عندئذٍ ما زوَّد اللهُ به الجسمَ من أجهزةٍ تتكافأُ مع هذا التبدُّلِ في الضغطِ، وفي نقصِ الأكسجينِ، فإذا بقيَ في هذا المكانِ بين عشرة آلاف قدم وستة عشر ألف قدمٍ يزدادُ نبْضُ قلبِه، ووجيب رئتيه، ويرتفعُ ضغطُه من أجل أن توفِّرَ هذه الأجهزةُ للجسمِ حاجتَها مِن الأكسجين، أما إذا تجاوزَ الإنسانُ ستة عشر ألف قدم إلى خمسة وعشرين فإنّ أجهزةَ الجسمِ عندئذ لا تفي بغرضِها في هذا الارتفاع المفاجئ، فما الذي يحصلُ؟ تظهرُ أعراضٌ، في مقدّمتِها ضيقُ الصدرِ، {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء} .
أمّا إذا ارتفعَ خمسة وعشرين ألف قدم فأكثر فإنّه يفقدُ الوعِيَ عندئذٍ تماماً، لذلك فإنّ الطائرةَ التي تحلِّقُ على ارتفاعِ أربعين ألف قَدَمٍ تكونُ مضغوطةً ثمانيةَ أمثالِ الهواء الذي عليها حين تكون على سطح الأرضِ، مِن أجْلِ أنْ يكونَ الضغطُ الجويُّ في الطائرةِ موافقاً لما هو عليه حين يكون على سطحِ الأرضِ، وإلا غابَ الرُّكّابُ عن الوعيِ تماماً، وهذه الآيةُ مِن أدلةِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ الكريمِ، ومِن أدلةِ نبوَّة النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
هذه أعراضُ نقصِ الأكسجين، فماذا عن أعراضِ انخفاضِ الضغطِ؟
(2/46)

قال العلماءُ: "إنَّ كلَّ الغازاتِ في الجسمِ تتمدَّد مع انخفاضِ الضغطِ، ومع تمدُّدِها تتمزَّقُ الأنسجةُ والأجهزةُ، وتتهَتَّكُ الرئتان، ويتهتَّك القولون، وتتهتَّك الأذنُ الوُسطى، فإنّ انخفاضَ الضغطِ له آثارٌ خطيرةٌ، منها آلامُ البطنِ التي لا تُحْتَمَلُ، ولا سيَّما آلامُ القولونِ، وكذا آلامُ الرئتين، وآلامُ الأذنِ، وآلامُ المفاصلِ، هذه كلُّها أعراضُ نقصِ الضغطِ، فهل صعدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى السماءِ فقال هذا الكلامَ؟ هل صعِدَ أحدٌ في حياته؟ هل ركبَ الطائرةَ أحدٌ في حياتِه حتى وصفَ هذه الأعراضَ؟ يقول الله عز وجل: {فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء} ، لذلك قال سيدنا علي رضي الله عنه: (فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ آيَاتٌ لَمَّا تُفَسَّرْ) .
بعْدَ أنْ تقدَّم العلمُ، وركبَ الإنسانُ الطائرةَ والمنطادَ، وصعدَ بهما في طبقاتِ الجوِّ العليا كشفَ هذه الحقائقَ، وحينما تركبُ الطائرةَ لا تشعرُ بشيء مِن هذا القبيلِ، لأنّ أجهزةَ الطائرةِ قد ضَغَطَت الهواءَ ثمانيةَ أمثالٍ، ليكونَ الضغطُ الجويُّ ونسبةُ الأكسجين موافقةً لِمَا هي عليه في سطحِ الأرض، فلو تعطلتْ أجهزةُ الضغط فجأةً في الجوِّ فلا بدَّ للطيارِ أنْ يهبطَ اضطراراً لئلا يموتَ الرُّكابُ، وهذا معنى قولِه تعالى: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء} .
وقد عُرِضَ بحثٌ عنوانه: الضغوطُ العاليةُ، وبدأَ بتعريفِ وَحْدة الضغط، وهو الضَّغطُ الجويُّ الذي يساوي ألفاً وثلاثةً وثلاثين غراماً على السنتمتر المربع، وهو وزنُ ستة وسبعين سنتمتراً مكعباً مِن الزئبق، هذا الضغطُ الجويُّ هو وحدةُ قياسِ الضغطِ، ونعلمُ أنّ مساحةَ جسمِ الإنسانِ مِن مترٍ إلى مترين، حيث يتحمَّل ضغطاً فوْقَه من عشرةٍ إلى عشرين طناً دون أنْ يشعرَ، ونحن جميعاً في قاعِ بحر ملؤُه الهواءُ، وكلٌّ منّا يحملُ فوقَه مِن عشرةٍ إلى عشرين طناً من الضغطِ الجويِّ، هذه وحدةُ الضغطِ.
(2/47)

قال العلماءُ: إنّ ضغْطَ باطنِ الأرض ثلاثةُ آلاف وستمئة مليون ضغطٍ جويٍّ، كما أنّ ضغْطَ باطنِ الشمسِ مئةُ بليون ضغطٍ جويٍّ، وهناك نجمٌ نترويٌّ كان بحجمِ الشمسِ فصارَ قُطْرُه أربعةَ عشرَ كيلو متراً، ضغطُه مليون مليُون بليون ضغط جويٍّ، هذه هي الضغوطُ العالية.
إنّ أقْسَى عنصرٍ مضغوطٍ في الأرضِ هو المَاس، فإنه مضغوطٌ أربعةَ ملايين ضغطٍ جويٍّ، بل هو أكثرُ مِن ضغطِ مركزِ الأرضِ، لكنَّ بعضَ الهيئاتِ العلميةِ استطاعتْ أنْ تضغطَ الفحمَ العاديَّ خمسةَ آلاف ضغطٍ جويّ بحرارة ألفيْ درجةٍ، فجعَلَتْه ماساً صناعياً، والماسُ الصناعيُّ الذي في الأسواق هو فحمٌ ضُغِط خمسةَ آلاف ضغطٍ جويٍّ بحرارة ألفيْ درجةٍ.
وقد اكتشفَ علماءُ الطبِّ أنَّ الأدويةَ السائلةَ أنفعُ مِن الأدويةِ المضغوطةِ، لأنَّ الضغطَ قد يؤَثِّر على بُنْيةِ المادةِ.
ثمّةَ حقيقةٌ أَضَعُها بين أيديكم، نستفيدُ منها في الأمورِ النفسيةِ، وهي أنّ أكبرَ جوهرةٍ في العالَم ثمنُها مئةٌ وأربعون مليون دولار، لو جئتَ بفحمةٍ في حجمِها، ووازنْتَ بينهما وجدتَ أنّ الضغوطَ العاليةَ تُحِيلُ الفحمَ إلى ماسٍ.
إذا آمنَ المؤمنُ بالله، وآمنَ برسوله، وعاشَ لقضيةٍ كبرى، وتحمّل ضغوطاً عاليةً؛ فإنّ هذه الضغوطَ تُحِيلُه إلى إنسانٍ مُتَأَلِّقٍ.
هذا فحمٌ عاديٌّ، لا تساوي القطعةُ منه قرشاً واحداً، تصبحُ بالضغوطِ العاليةِ قطعةَ ماسٍ لا تُقَدَّرُ بثمنٍ.
إنّ الاسترخاءَ، والاستجمامَ، والانسياقَ وراءَ الشهواتِ واللذاتِ هذه لا تصنعُ إيماناً، ولا بطولةً، ولا تفوُّقاً، ولكنّ الضغوطَ في سبيلِ اللهِ تجعلُ الإنسانَ متألقاً.
يمكن بهذا أنْ نستفيدَ مِن هذا المثالِ الفيزيائيِّ في علاقاتنا مع الله عز وجل، فإنّ النبي عليه الصلاة والسلام عاش حياةً مفعمةً بالضغوطِ، فقد هاجرَ، وذاق ألوانَ العذابِ، وكلما ذاقَ منها شيئاً ازدادَ قرباً مِن الله عز وجل، وإنّ الأمرَ لا يتَّسع إلا إذا ضاق، وإنّ الصبحَ لا يتنفَّسُ إلا بعد ليلٍ حالِكٍ، قال سبحانه وتعالى: {وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216] .

كروية الأرض، وكلمة "عميق"
(2/48)

في القرآنِ الكريمِ إشاراتٌ تَلفِتُ النظرَ، قال تعالى:
{وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} [الحج: 27] .
قد يسأل سائل: لِمَ قال: {مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} ، ولمْ يقل: "مِن كل فجٍ بعيدٍ؟ ".
قال العلماءُ: إنّ في استعمالِ هذه الكلمةِ - {عَميِقٍ} - مكانَ كلمةِ (بعيدٍ) إشارةً إلى كُرَوِيَةِ الأرضِ، فالخطوطُ على سطحِ الأرضِ ليست مستقيمةً، ولكنها مُنْحَنِيَةٌ، والخطُّ المُنحنِي يحتاج إلى بُعْدٍ ثالثٍ، يحتاجُ إلى سَطْحٍ، وإلى عُمْقٍ، لذلك أشارَ ربُّنا سبحانه وتعالى في هذه الآيةِ إلى أنّ هذه الأرضَ التي نحن عليها هي أرضٌ كرويةُ الشكل.
ولكنَّ الشيءَ الذي يَلفتُ النظرَ أيضاً هو أنّ حكمةَ القرآنِ الكريمِ وفَّقتْ بين معطياتِ العصرِ الذي أُنْزِلَ فيه القرآنُ، ومعطياتِ العصورِ اللاحقةِ.

{أَلَمْ نَجْعَلِ ?لأَرْضَ كِفَاتاً}
يقولُ ربُّنا سبحانه:
{أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا} [المرسلات: 25-26] .
إنّ {كِفَاتاً} مأخوذةٌ من فِعْل كَفَتَ، وكفَتَ يكْفِتهُ كَفْتاً، وكفَّته: ضمَّه وقَبَضَه، فالأرضُ مِن صِفاتِها أنّها تكفِتُ، أي تجذِب، وتضمّ، وتقبضُ، وهذه الآيةُ فيها إشارةٌ واضحةٌ جليّةٌ إلى الجاذبيّةِ، فكلّ شيءٍ على سطحِ الأرضِ ينجذبُ إليها، وما وزنُ الأشياءِ في حقيقةِ الأمرِ إلاّ قوّةُ جذبِها نحو الأرضِ، ووزْنُ الشيءِ يتناسبُ مع حجمِ الأرضِ، فالشيءُ الذي على وجهِ الأرضِ، والذي يزنُ مئة كيلو غرامٍ يزنُ على القمرِ سُدسَ هذا الوزن، والإنسانُ الذي وزنهُ على سطحِ الأرضِ ستّون كيلو غراماً يزنُ على القمرِ عشرةَ كيلو غرامات! فوَزنُ الشيءِ هو قوّة جَذبِه نحو الأرضِ، ووزنُ الشيءِ على سطحِ القمرِ هو قوّةُ جَذْبِه إلى مركزِ القمرِ، فاللهُ تعالى يقول: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا} .
(2/49)

كيف تكونُ الحياةُ لولا قوّةُ الجذبِ؟ كيف يستقرُّ الماءُ على وجهِ الأرضِ لولا جذبُ الأرضِ له؟ كيف يبقى الهواءُ مرتبطاً بالأرضِ لولا جذبُ الأرضِ له؟ لولا أنّ الأرضَ تجذبُ الهواءَ لأصبحَ الهواءُ ثابتاً، والأرضُ متحرّكةً، ومع حركةِ الأرضِ، وسكونِ الهواءِ تنشأُ تياراتٌ من الأعاصيرِ تزيدُ سرعتُها على ألفٍ وستّمئة مِن الكيلو متراتٍ في الساعةِ، وهذه السرعةُ كافيةٌ لِتَدميرِ كلِّ شيءٍ على سطحِ الأرضِ.
مَن جعلَ الهواءَ مرتبطاً بالأرضِ؟ إنها الجاذبيّة، مَن جَعَلَ البحارَ مرتبطةً بالأرضِ؟ إنها الجاذبيّةِ.
إنّ انعدامَ الوزنِ حالةٌ لا تُطَاقُ، قال تعالى: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} [النمل: 61] ، فجَعَلَها تدورُ وهي مستقرّةٌ، وجَعَلَ الأشياءَ تستقرُّ عليها، وتنجذبُ إليها، وما الأوزانُ إلا قوّةٌ للجذبِ، قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا} .
وقد تَوَهَّمَ بعضُهم أنّ الأرضَ في النّهايةِ تجذبُ الإنسانَ إليها لِيُقْبَرَ فيها، ولكنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يقولُ: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا} .
إنّ الإنسانَ الحيَّ مرتبطٌ بالأرضِ، منجذبٌ إليها، وهذا هو وزنهُ، فما معنى أنّ هذا الإنسانَ يَزِنُ ثمانين كيلو غراماً؟ يعني ذلك أنّ قوّةَ جَذْبهِ للأرضِ تُعادِلُ هذا الرّقمَ، قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا} .
أليس هذا كلامَ اللهِ عز وجل؟ هذه النظريّاتُ العلميّةُ، أو هذه الحقائقُ العلميّةُ التي قُطِعَ بها إنّما وردَتِ الإشارةُ إليها في القرآنِ الكريمِ.

استقرار الأرض
آيةٌ في القرآنِ الكريمِ، هي قولُه تعالَى: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} [النمل: 61] .
(2/50)

مَن الذي جعلَها مستقرةً؟ يستقرُّ عليها البناءُ ولا يتداعَى، من الذي جعَلَها مستقرَّة؟ مع أنّ الأرضَ تتحرَّك، وتسيرُ في الثانيةِ الواحدة ثلاثين كيلو متراً، ومع ذلك فهي مستقرةٌ استقراراً مطلَقاً، فلو اهتزَّت لَمَا بقيَ عليها بناءٌ، اللهم أرِنا نِعَمَكَ بوفْرتِها لا بفَقْدِها، قال تعالى: {وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب} [النمل: 88] .
تظنُّ أنّ هذا الجبلَ ثابتٌ، وهو يمرُّ مرَّ السحابِ؛ لأنه يدورُ مع الأرضِ.
الحلفُ الذي قَصَفَ دولةً من دول البَلْقَانِ ستَّةَ أشهرٍ بأكملِها، بأشدِّ أنواعِ الأسلحةِ تطوُّراً، بطائراتِ الشَّبحِ، وباستخدامِ أشعَّةِ الليزرِ، وباستخدامِ الحواسيبِ، وباستخدامِ الأقمارِ الصناعيةِ، أحدثُ أسلحةٍ تمَّ القصفُ بها، ليلاً نهاراً، في اليومِ الواحدِ أربعمئةِ طلعةٍ للطائراتِ، مع إِحْكَامِ القصفِ إلى درجةٍ كبيرةٍ، تنزلُ القنبلةُ في غرفةِ النومِ، وفي مدخنةِ المصنعِ، وفي ستةِ أشهرٍ مِن القصفِ المستمرِّ، والكلفةُ تزيدُ تقريباً على ثلاثمئة ألف مليون دولارٍ.
إنَّ ما فَعلَه هذا القصفُ في ستة أشهرٍ بنفقة فَلكية يفعله زلزالٌ في خمس وأربعين ثانية، {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج: 12] .
قال تعالى: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} ، إننا لا نملكُ شيئاً، مَن يدري أنّها إذا اهتزَّتِ الأرضُ ثمانيَ درجاتٍ بقياسِ ريختر لا يبقى بناءٌ، بل إنّ الإنسانَ يصبحُ تحتَ الأنقاضِ يئِنُّ، ولا أحدَ يسمعُه، بل لا أحدَ يلقي له بالاً.
قال عز وجل: {قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} [الأنعام: 65] الصواعق والصواريخ {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} [الأنعام: 65] ، الزلازل، والألغام، {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65] ، بالحروب الأهلية.
وقال سبحانه وتعالى: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .
(2/51)

والمعنى الثاني: مَن خلق نظام الجاذبية؟ وإنّ كلَّ شيءٍ على سطحِ الأرضِ ينجذبُ إليها، هذا هو الوزنُ، روادُ الفضاءِ ينامون على فُرُشِهم، فإذا وصلوا إلى نقطةِ انعدامِ الجاذبيةِ يستيقظُ أحدُهم، وهو في سقفِ المركبةِ، ليس له وزنٌ، والحياةُ بلا وزنٍ لا تُطاق، وكلُّ شيءٍ يذهبُ مِن بين يديك، فمَن جعل هذا الشيءَ يستقرُّ على سطحِ الأرضِ؟ ومَن خَلَقَ نظامَ الجاذبيةِ؟ إنه اللهُ عز وجل، هذا المعنى الثاني لقوله: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} .
المعنى الثالث: مَن جعل لك - أيها الإنسانُ - في الأرضِ كلَّ حاجاتِك؟ وهل تستقرُّ في مكانٍ ليس فيه ماءٌ؟ أنت لا تستقرُّ إلا في مكانٍ فيه ماءٌ ومسكَنٌ، فالذي جعلَ الناسَ يستقرون على سطحِ الأرضِ أنّ فيها كلَّ حاجاتهم، وقد عدَّ بعضُ العلماءِ أنّ في الأرضِ مئتين وخمسة وثمانين ألف مادةٍ غذائيةٍ، يأكلها الإنسانُ منوَّعةً.
آياتُ اللهِ بين أيدينا، ولكنَّ السعيدَ مَنْ يتَّعظ بغيرِه، والشقيُّ لا يتَّعظ إلا بنفسه، فإذا هانَ أمرُ اللهِ على الناسِ هانُوا على الله، قال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى دُونَ العذاب الأكبر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21] ، وقال تعالى: {ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] .
وَقَفَ رجلٌ، وألقى محاضرةً عن زلزالِ تركيا، قال: حَارَبْنا اللهَ ورسولَه، وحاربْنا الحجابَ، واتَّفقنا مع اليهودِ ضدَّ المسلمين، وأَبَحْنَا للمحطَّاتِ الفضائيةِ أنْ تبثَّ سمومَها بين الناسِ، فعاقَبَنَا اللهُ عز وجل، هذا كلامٌ قال أحدُ زعماءِ الأتراكِ في مجلسِ نوابِهم.
إنّ اللهَ عز وجل رحيمٌ بنا، ولكنْ إنْ لم نَرحَمْ أنفسَنا فلا بدَّ أنْ يعالِجَنا بأفعالِه سبحانه، وروي في الأثرِ القدسي: "إنْ تابوا فأنا حبيبُهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبُهم، أبْتلِيهم بالمصائبِ لأُطَهِّرَهم مِن الذنوبِ والمعايبِ، الحسنةُ بعشرِ أمثالها، وأزيد، والسيئةُ بمثلها وأعفو، وأنا أرأفُ بالعبدِ مِن الأمِّ بولدِها".

{?لَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ?لأَرْضَ مَهْداً}
(2/52)

نحنُ على كوكبٍ اسمهُ الأرضُ، وكلُّنا يعلم أنّ هناك مجموعةً شمسيّةً، كَعُطارِد، والزُّهْرة، والمريخِ، والمشترِي، وزُحَلَ، وأورانوس، ونبتون، وبلوتون، هذه الكواكبُ السيارةُ حول الشّمس ليست صالحةً للحياةِ، فلماذا كانت الأرضُ وحْدَها صالحةً للحياةِ؟ كوكبُ عطارد يومُهُ ثمانيةٌ وثمانون يوماً، أيْ أربعة وأربعون يوماً ليلاً، وأربعة وأربعون يوماً نهاراً! فهل يصلُح للحياة؟ تنامُ وتستيقظُ، وتنامُ وتستيقظُ، ولا يزالُ الليلُ طويلاً، والسَّنةُ ثمانيةٌ وثمانون يوماً، أربعةُ فصولٍ في ثمانية وثمانين يوماً، فهذا النَّجمُ يدورُ حولَ الشمسِ في ثمانيةٍ وثمانينَ يوماً، وليس في هذا النّجمِ هواءٌ، فهو ليس صالحاً للحياة، فما سرُّ أنّ الأرضَ وحْدَها صالحةٌ للحياةِ؟
شيءٌ آخر، كوكبُ "الزُّهرة" يومهُ مئتان وخمسة وعشرون يوماً، أيْ مئة وزيادة نهارٍ، ومئةٌ وزيادة ليلٍ، وسنتهُ أيضاً مئتان وخمسة وعشرون يوماً، لكنّ حرارةَ هذا الكوكبِ في النهارِ تصلُ إلى عشرين درجةً، نستمعُ أحياناً إلى أنّ الأراضي المقدّسةَ قد بلغَتِ الحرارةُ فيها أربعين درجةً، إلى خمسين، شيءٌ لا يُحتمل! هذا الكوكبُ في النهارِ تصلُ الحرارةُ فيه إلى عشرين درجة، وأمّا في الليلِ فَعِشرون تحت الصِّفر، فهل يصلحُ هذا الكوكبُ للحياةِ، حيثُ لا هواءَ ولا ماءَ.
وأما كوكبُ "المرِّيخ" فنهارهُ كنهارِ الأرضِ، أربعٌ وعشرون ساعة، ولكنّ سَنته ستّمئة وسبع وثمانون سنة، فالإنسانُ يعيشُ ويعيشُ أولادُه، وأولادُ أولادِه، ولا يرَون جميعاً الصَّيْف، يعيشُ الإنسانُ وأولادهُ وأولادُ أولادِه في الشّتاء، فهل هذا الكوكبُ صالحٌ للحياةِ؟ مِن أينَ يأتي النباتُ؟ مِن تبدُّلِ الفُصولِ، سنتهُ ستّمئة وسبعة وثمانون عاماً!! وهذا الكوكبُ يدور حولَ الشمسِ في هذه المدةِ الطويلةِ، وحرارتُه سبعون درجةً تحت الصِّفر، لا ماءَ فيه، ولا هواءَ، إذاً فهو لا يصلحُ للحياةِ.
و"المشتري" نهارهُ عشرُ ساعات، في خمس ساعات ينتهي النهار، وسنتهُ اثنتا عشرة سنة، وحرارتُه مئة وثلاثون درجةً تحت الصّفر، وكثافتُه رُبْعُ كثافةِ الأرضِ، إذاً هو كوكبٌ مِن الغازاتِ، فهو لا يصلحُ للحياةِ.
(2/53)

و"زُحلُ" سنتُهُ تسعةٌ وعشرون عاماً من سنيّ الأرض، وبُعْدهُ عنِ الشّمسِ مليارٌ وأربعمئة ألفِ كيلو مترٍ.
و"أورانوس" سنتهُ ثمانيةٌ وأربعون عاماً.
و"نبتون" سنتهُ مئةٌ وتسعةٌ وسِتُّون عاماً.
و"بلوتون" سنتهُ مئتان وسبعة وأربعون عاماً.
قال تعالى: {الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً} .
كيف تجعلُ الطفلَ الصغيرَ في مهْدٍ مريحٍ، ليِّنٍ، وحرارةٍ معتدلةٍ؟ كيف أنّ مهْدَ الصبيِّ الصغيرِ يناسبهُ من كلّ النواحي؟ ربّنا سبحانه وتعالى تفضَّل علينا، فجعَلَ الأرضَ مهداً، وجَعَلَ قُرْبَها مِن الشّمسِ معتدلاً، وجعلَ حرارتَها معتدلةً، بين الأربعين والصّفْر، وجعلَ كثافتَها معتدلةً، وجعلَ شمسَها معتدلةً، وجعلَ جاذبيّتها معتدلةً، وجعلَ دورتَها اليوميّةَ معتدلةً، وجعلَ دورتَها السنويّةَ معتدلةً، هذا مِن نِعَم اللهِ تعالى، وقد أشارَ ربُّنا سبحانه وتعالى إلى ذلك فقال:
{الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الزخرف: 10] .
إنّ اللهَ سبحانه وتعالى يوقِظُ أفكارَنا، وينبِّه عقولَنا، ويَلْفِتُ أنظارَنَا، {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا} [النبأ: 6] ، فهذه الأرضُ جُهِّزَتْ لكم أيّها الناسُ، وهُيِّئتْ لاسْتقبالِكم، فهل فكَّرْتم في ذلك؟ هل فكَّرتم في هذه الأرضِ التي جَعَلَها اللهُ مستقِرَّةً؟ في كلّ ثانيةٍ تقطع ثلاثين كيلو متراً، فهل تحرّك شيء؟ هل اهْتزَّ جِدَارٌ؟ هل تشقّق سقفٌ؟ {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا} .
(2/54)

الهواء مع الأرض، ومتحرِّك معها، هناك رياحٌ لطيفةٌ، رياحٌ معقولةٌ تبدّلُ الأجواءَ وتنقّيها، وهكذا، ولو كان الهواءُ منفصِلاً عنها في الحركةِ لنشأَتْ عواصفُ سُرعتُها ألفٌ وستّمئة كيلو مترٍ في الساعةِ، وعلماً بأنّ أشدَّ أنواعِ الأعاصيرِ المدمّرةِ لِكلِّ شيءٍ على سطحِ الأرضِ لا تزيدُ سُرعتُها على ثمانمئة كيلو مترٍ، وفي المئتي كيلو مترٍ تكون الرياحُ مدمّرةً، بسرعةِ ثمانمئةِ كيلو مترٍ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ شيئاً فوقَ الأرضِ، لو أنّ الهواءَ شيءٌ، والأرضَ شيءٌ، والأرضُ تدورُ لنشأَتْ أعاصيرُ سُرعتُها ألفٌ وستّمئة كيلو مترٍ في الساعة، ولدُمِّرَ كلُّ شيءٍ، {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا} .
مَن جعلها ممهَّدَة وهي متحرّكة؟ تبني البناءَ طوابقَ متعدّدةً، لو أنّها اهتزّتْ قليلاً لانهار البناءُ، وتهدَّمت البيوتُ، وتقطَّعَت الجسورُ، ولَرُدِمَت التُّرَعُ، مَن جعلها مستقرّةً؟ ولكي لا تبقى في غفلةٍ أيُّها الإنسانُ، جعلَ الزلازلَ أنموذجاً، بعضُها يجعلُ الأرضَ عاليَها سافلَها، في ثوانٍ معدودةٍ، فتُصبحُ المدنُ تحتَ أطباقِ الثَّرى، {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا} .
مَن جعلَ الأرضَ على مسارِها؟ مَن جعلها تزيدُ من سرعتِها إذا اقتربَتْ من القطرِ الأدنى؟ مَن جعلَ هذه الزّيادةَ تدريجيّةً؛ في تسارع منظّمٍ بطيءٍ، مَن جعلها كذلك؟ يدُ مَنْ أمسَكَتْها أنْ تزولَ؟ إنها يدُ اللهِ سبحانه وتعالى اللطيفِ الخبيرِ، قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا} .
من أعطى الأرضَ الحرارةَ المناسبةَ؟ لو أنّها توقَّفت عن الدّوران لأصبَحَت حرارتُها ثلاثمئة وخمسين درجةً في النهار، ومئتين وسبعين درجةً تحت الصّفر في الليل! مَن جعلها في درجاتٍ معتدلةٍ تتوافق مع أجسامنا؟ مَن جَعل الليلَ والنهارَ بِطُولٍ يُساوي حاجاتِنا إلى النومِ والعملِ؟ مَن؟ {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا} .
(2/55)

فإذا قرأتُم القرآنَ الكريمَ لا تقرؤوه سرداً، توقَّفوا عند آياته، تأمَّلوا فيه، {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا} ، كيف هيَّأها لك؟ وهيَّأك لها؟ كيف جَعلَها بِحَجمٍ، وبِسُرعةٍ، وباستقرارٍ مع الهواءِ، والماءِ، والشّمسِ، والنباتِ، والحيوانِ، والتضاريسِ، والليلِ، والنهارِ، والحركةِ، والجاذبيّةِ، على نحْوٍ يوافق حاجاتك؟ وجعل لك قدَمَين، ويَدَيْنِ، وعينين، ورئتين، وأُذنين، وقوّةً مدركةً، وأخرى محاكِمةً، ولساناً طليقاً يتحدّثُ ويبيّنُ، وأذناً مصغيةً تدرِكُ بها ما عندَ الآخرِين.
القرآنُ كونٌ ناطقٌ، والكونُ قرآنٌ صامِتٌ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم قرآنٌ يمشي، فتأمَّلْ في صُنْعِ الله عز وجل، مِن أجلِ أن تعرفَ اللهَ عز وجل من خلال كونه، قال تعالى:
{إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] .

سرعة الأرض
في القرآنِ الكريمِ آيتانِ على سبيلِ الحصرِ تشيران إلى سرعةِ الأرضِ، الأُولى قولُه سبحانه: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً أإلاه مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النمل: 61] ، والثانيةُ قولُه تعالى: {الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسمآء بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين} [غافر: 64] .
(2/56)

إنّ سرعةَ الأرضِ آيةٌ عظيمةٌ غَفَل عنها كثيرٌ منَ الناسِ، وأعرضوا عن التأمُّلِ فيها، فهذه الأرضُ تدورُ حولَ نفسِها بسرعةٍ تبلغُ في خطِّ الاستواءِ 1600 كيلومتر في الساعةِ، وهذه الأرضُ تدورُ حولَ الشمسِ بسرعةٍ قَدَّرها العلماءُ بثلاثينَ كيلومتراً في الثانيةِ الواحدةِ، فلها حركةٌ حول نفسِها، وحركةٌ حول الشمسِ، ومع ذلك فإنّ الأرضَ مستقرةٌ استقراراً تاماً، بدليلِ أنه لو اهتزَّتْ قيدَ أَنْمُلَةٍ لتصدَّعتِ الأبنيةُ، ولانهارت، {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} ، مَن الذي يَملكُ أنْ يجعلَها مستقرةً؟ أتملكون أنتم أيها العبادُ الضعفاءُ أنْ تجعلوها مستقرةً؟ حينما اهتزتْ في بعضِ البلادِ أصبحتْ مدينةٌ مِن مدُنِها قاعاً صفصفاً، فلِمَ لمْ تقدروا على دفعها؟ أو تُبقُوا على استقرارها؟ {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [الحجر: 74] .
ماذا فعلتم؟ هل تملكون دفْعَ اهتزازِها؟ أو جَلْبَ استقرارِها؟ {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} ، فهذا البيتُ الذي تدفعُ ثمنَه عشراتِ الملايين في بعضِ الأحياء الراقيةِ، ما قيمتُه لو اهتزَّتِ الأرضُ قليلاً، وتصدَّع البناءُ، وهذه الثروةُ التي تملكُها، لو اشتريتَ بها بيوتاً، واهتزَّتِ الأرضُ هزاً يسيراً فتصدَّعتْ، ماذا تفعل؟ {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} ، اركبْ طائرةً، وانظرْ إلى طرَفِ الجناحيْنِ، إنهما يهتزان يمنةً ويسرةً، فهل يستطيعُ الإنسانُ أنْ يصنعَ مركبةً لا تهتز أبداً، إنه استقرارٌ تامٌّ، يمضي على البناءِ مئةُ عامٍ، ومئتان، بل القرونُ، ويبقى كما هوَ، لا تجدُ له تحويلاً، ولا تغييراً، وهذا دليلٌ على أنّ الأرضَ مستقرةٌ.
يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى: {وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88] .
إذا كانت الجبالُ تمرُّ مرَّ السحابِ، فإنّ الأرضَ تدورُ، وهذه إشارةٌ لطيفةٌ في كتابِ اللهِ عزَّ وجل إلى دورةِ الأرضِ حَوْلَ نفسِها.
(2/57)

تقطعُ الأرضُ حولَ نفسِها في الثانيةِ الواحدةِ نصفَ كيلو مترٍ، لأنّ محيطَها أربعونَ ألفَ كيلو مترٍ، فالنقطةُ في المحيطِ تعودُ إلى مكانِها السابقِ بعد أربعٍ وعشرين ساعةً، فإذا قسَّمتَ أربعينَ ألفَ كيلو مترٍ على أربعٍ وعشرينَ ساعةً كانت النتيجةُ ألفاً وستمئة كيلو مترٍ في الساعة، أي نصفَ كيلو متر في الثانية، هذه سرعةُ الأرضِ في دورتِها حولَ نفسِها.
{أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} ، مَن جعَلها مستقرةً استقراراً ثابتاً؟ وهي تدورُ حول نفسها، وحول الشمس، ومع الشمسِ، والشمسُ مع المجرةِ، قال تعالى: {لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .
(2/58)

المعنى الثاني: لو أنّ إنساناً ركبَ مركبةً فضائيةً، وتخطَّى بها نطاقَ الجاذبيةِ الأرضيةِ، حيث ينعدم الوزنُ هناك، ولا تُطَاقُ الحياةُ، لأن المركبةَ بلا وزنٍ، فإذا أُفِلتَ منها شيءٌ طارَ في السماءِ، واستقرَّ في السقفِ، فمَن جعَلَ الأشياءَ ترتبطُ بالأرضِ؟ إنه اللهُ {خالق كُلِّ شَيْءٍ فاعبدوه} [الأنعام: 102] ، ولو أنّ الأرضَ أسرعتْ في دورانِها لطارَ مَنْ عليها، ولو تضاعفتْ سرعتُها سبعةَ عشرَ ضعفاً لطار جميعُ من عليها، فمَن جعلنا مستقرِّين عليها؟ إذا أمسكتَ كأسَ الماءَ، ووضعتَه على الطاولةِ، لماذا يبقى عليها؟ إنها قوّةُ الجاذبيةِ، حيث ينجذبُ كلُّ شيءٍ إلى مركزِ الأرضِ، ومَن الذي جعلَ البحارَ في قسمِ الكرةِ الجنوبيِّ مرتبطةً بالأرض؟ فلو ذهبَ إنسانٌ إلى نصفِ الكرةِ الجنوبيِّ، إلى استراليا، إلى الأرجنتين، ماذا يرى؟ يرى الأرضَ أرضاً، والسماء سماءً، انظرْ إلى أستراليا على الكرةِ الأرضيةِ، فإنك تراها في القسم الجنوبي، ما تعريفُ السماءِ إذاً؟ هي الجهةُ المقابلةُ لمركزِ الأرضِ، ولو ذهبتَ إلى القسمِ الجنوبيِّ منها، {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} ، مَن جعل البحارَ ترتبطُ بالأرضِ في قِسْمِها الشماليِّ، وقِسْمِها الجنوبيِّ؟ مَن جَعَلَ كتلةَ الهواءِ ترتبطُ بالأرضِ؟ فلو أنّ الهواءَ لم يرتبطْ بالأرض لنشأتْ عواصفُ وأعاصيرُ تدمِّر كلَّ شيءٍ، ولكنَّ الغلافَ الهوائيَّ مرتبطٌ بالأرضِ، {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} ، إذَا وضعتَ شيئاً على الأرضَ يبقى في مكانِه، بقدرةِ قادرٍ، عن طريقِ نظامِ الجاذبيةِ، إذْ إنّ كلَّ شيءٍ ينجذبُ إلى الأرضِ.
إنهما آيتان في القرآن الكريمِ على سبيلِ الحصرِ، الأولى قولُه تعالى: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً أإلاه مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النمل: 61] ، والثانيةُ قولُه: {الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسمآء بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين} [غافر: 64] .
(2/59)

لو صعدتَ إلى سطحِ القمرِ لهبَطَ وزنُك إلى السدسِ، ولو أنَّ وزنَك في الأرضِ ستون كيلو غراماً لصار وزنُك في القمر عشرة كيلو غرامات، هذا نظامُ الجاذبيةِ.
إنّ اللهَ سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين يَلفِتُ نَظَرَنَا إلى هذه الحقيقةِ، فالسعيدُ مَن تأمل فيهما، وإنّ تفكُّرَ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ ستينَ عاماً، {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُون} [يونس: 101] .

من الإعجاز اللغوي في القرآن {فِي? أَدْنَى ?لأَرْضِ}
مِن دلائلِ إعجازِ القرآنِ الكريمِ أنَّه أنبأَ عنِ المُستقبلِ، وقد وقعَ ما أنبأَ اللهُ به، من هذا قولُه تعالى: {الاما * غُلِبَتِ الروم * في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون} [الروم: 1-4] .
يَعنِينا من هذه الآيةِ كلمةُ: {في أَدْنَى الأرض} ، ماذا يريدُ اللهُ بها؟ وأيُّ مكانٍ هو أدنى الأرضِ؟ الأرضُ كرةٌ، ولأنّها كرةٌ فَخُطوطها متّصلةٌ، ومستمرّةٌ، وهو الشكلُ الهندسيُّ الوحيدُ الذي إذا سرْتَ بِخَطّ عليه امْتدَّ إلى ما لا نهاية، وليس لهذا الشكل حوافٌ، وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ في آيات أخرى إلى كُروِيَّة الأرضِ حيث قال سبحانه: {والأرض مَدَدْنَاهَا} [الحجر: 19] ، أي إنّ الخطوطَ على الأرضِ لا تنقطعُ، ولا تقفُ عند حدٍّ، بل إنّها تتَّصلُ، فلو اتَّجَهْتَ نحو الشّمالِ نظريّاً، ثم وصلْتَ إلى القطبِ، وعُدْتَ بعدها في نصفِ الكرةِ الآخرِ لعدتَ إلى النقطةِ التي بدأتَ منها، هذا معنى: {والأرض مَدَدْنَاهَا} .
(2/60)

إنّ في هذه الآيةِ إشارةً إلى أنّ الأرضَ كرةٌ، ولكن ما معنى {أَدْنَى الأرض} ؟ إنّ كلمة: {أَدْنَى} تعني شيئين؛ تعني أنّه الأسْفلُ، وتعني أنَّه الأقربُ، فإذا اسْتبْعدنا معنى الأقرب لِكَون الأرضِ كرةً، بقيَ المعنى: هو الأسْفل، وقد أجْمَعَ المؤرخون على أنّ المعركة التي انْتصرَ فيها الرُّوم على الفُرْس تحقيقاً لِوَعد الله عز وجل في بضْع سِنين كانت في الأغْوار، في أغوار فلسطين، حيث اتَّجَهَ بعضُ علماءِ المسلمين إلى أكبرِ علماءِ الجيولوجيا في العالمِ الغربيِّ، وسألهُ هذا السُّؤال: أيُّ مكانٍ في الأرضِ هو أشدُّها انْخِفاضاً؟ لو قلنا: أيّ مكانٍ على سطح الأرض بِما فيها البحر، لأجاب هذا العالم: إنَّه خليجُ مريانة، أو إنّه وادي مريانة، إذْ إنّه في أعْمق نقطةٍ في قعْرِ البِحار، هذه النُّقطة يزيدُ انْخِفاضُها على اثني عشر ألفَ مترٍ، ولكنّ أدنى الأرضِ اليابسةِ تقعُ في أرضِ فلسطينَ، ولم يكُن وقتَ نُزولِ هذه الآية بِوُسْعِ الإنسانِ أنْ يمْسحَ القاراتِ الخمْسَ، وأن يعرفَ ارتِفاعَ أعلى نقطةٍ فيها، وأدنى نقطةٍ في انخفاضِها، ولكنّ القرآنَ أشار إلى أنّ الرومَ غُلِبَتْ في أدنى الأرضِ، وهم مِن بعدِ غَلَبِهم سيغْلِبون، وأدنى الأرضِ يعني أخْفض نقطةٍ في الأرض، وقد توافَقَتْ كتبُ التاريخِ مع قوله تعالى في أنّ أخْفضَ نقطةٍ في الأرض هي غوْر فلسطينَ 392م تحت سطح البحر، وهو البحر الميت.
إنّ في القرآنِ آياتٍ - كما قال سيدنا عليٌّ رضي الله عنه - لمَّا تُفسَّرْ بَعْدُ، وهذا مِصداقُ قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق} [فصّلت: 53] .
إنَّه كتابُ الله، وإنَّ خالقَ الكونِ يعلم أيَّ نقطةٍ في الأرضِ أخْفَضَ مِن غيرها، بل إنّ هناك آيةً أخرى تؤدِّي بعضَ المعنى الذي نحن بصددِه، قال تعالى: {وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} [الحج: 27] .
(2/61)

لمْ يَقُلِ اللهُ عز وجل: وعلى كلّ ضامرٍ يأتين مِن كلّ فجٍّ بعيدٍ، فلو أنّ الأرضَ مسطّحةٌ لكانت كلمةُ (بعيد) أنْسَبَ مِن كلمةِ {عَميِقٍ} ، ولأنّ الأرضَ كرةٌ، وأنّك كلّما ابْتَعَدْتَ في سطحِ الأرضِ عن نقطةٍ ما انحنى المسارُ، فجاءت كلمة {عَميِقٍ} ، وكلَّما ابْتعَدْت عن مكّةَ فلا بدّ من أنْ يكونَ المسارُ منحنِياً، فيُصْبِحُ هذا الفجُّ عميقاً، وهو أصحُّ مِن أنْ يوصَفَ بأنّه بعيدٌ، {وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} .

الجبال
يقولُ ربُّنا سبحانه في القرآنِ الكريمِ: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً} [المرسلات: 27] .
ويقول عز وجل: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ} [الغاشية: 17-19] .
ويقول: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا * والجبال أَوْتَاداً} [النبأ: 6-7] .
نحن مدعوُّون بنصِّ الآياتِ الكريمةِ إلَى النظرِ إلى الجبالِ كيف نُصِبَتْ، فإنّ هذه الآياتِ في القرآنِ الكريمِ تتحدث عن الجبالِ.
الجبلُ وَتِدٌ، ثُلُثَاهُ مغروسٌ في الأرضِ عَبْرَ طبقاتِها المتعددةِ، وفي أثناءِ الدورانِ لا تُزاحُ الطبقاتُ المتبايِنةُ بعضُها عن بعضٍ بسببِ أنّ وتِداً، وهو الجَبَلُ يربطُها جميعاً.
معنى آخرُ: يشيرُ اللهُ سبحانه وتعالى في قوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا * والجبال أَوْتَاداً} إلى أنّ هذا الجبلَ الذي تراه عينُك إنما ترى منه الثلثَ الظاهرَ، وله ثُلُثانِ تحتَ الأرضِ، فكلُّ جبلٍ ثُلُثه فوقَ الأرضِ، وثلثاه تحتَها، فجبالُ هِمَالايَا التي فيها أعلى قمة، وهي قمة إيفرست 8880م، هذا هو الثلثُ الظاهرُ، ولكنَّ ضِعْفَي هذا الارتفاعِ مغروزٌ تحتَ الأرضِ كالوتِد، مِن هنا قال تعالى: {والجبال أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 32-33] .
(2/62)

وهناك معنى ثالثٌ: قال تعالى: {والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أَكْنَاناً} [النحل: 81] ، فالسلاسلُ الجَبَلِيّةُ التي على السواحلِ تجعلُ المنطقةَ التي خَلْفَها منطقةً جافَّةً، وليستْ رطبةً، ومنطقة هادئة، وليست منطقةَ رياحٍ عاتيةٍ، فلو ذهبتَ إلى مدينة حمصَ لرأيتَ أنَّ الأشجارَ كلَّها مائلةٌ نحو الشرق، لوجودِ فتحةٍ بين سلسلتي الجبالِ المنصوبةِ على السواحلِ جبال اللاذقية وجبال لبنان، فالجبالُ في هذه الآيةِ جَعَلَها اللهُ أكناناً، قال سبحانه وتعالى: {والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أَكْنَاناً} ، فتبدُّلُ الطَّقسِ والمناخِ متعلِّقٌ بالجبالِ، وبفتحاتِها، لأنّها مَصَدّاتٌ للرياحِ، تصدُّها، وتُوقِفُها.
معنى رابعٌ: قال تعالى: {وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً} [الرعد: 3] ، فالعلاقةُ بين الأنهارِ والجبالِ هي أنّ الجبالَ مستودعاتٌ للأنهارِ، {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً} .
معنى خامسٌ: قال تعالى: {وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] .
هذه الكُرَةُ مع دورانها السريعِ لا بد أنْ تضطربَ، أمّا إذا وُزِّعَتِ الجبالُ توزيعاً دقيقاً مُحْكَماً على سطحِها فإنَّ هذا التوزُّعَ سوف يؤدي إلى استقرارِها مع دورانِها، فهذا ممّا تَعنِيهِ هذه الآيةُ: {وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} ، أيْ: لِئَلاّ تضطربَ الأرضُ في أثناءِ الدورانِ.
معنى سادسٌ: قال تعالى: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} [النمل: 61] .
مَن جَعَلَها مستقرةً، مَن جعَلَها ساكنةً سكوناً تامّاً، مع أنها متحركةٌ؟ حيث تقطعُ الأرضُ في الثانيةِ الواحدةِ ثلاثين كيلومتراً، تدور حول نفسِها بسرعةِ ألفٍ وستمئة كيلو مترٍ في الساعة، ومع ذلك تَبْنِي البناءَ فلا يتَشَقَّقُ، ولو أنّها اضطربتْ بميزانِ الزلازلِ بأقلِّ وحدةٍ لتَهَدَّمَتِ الأبنيةُ، {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} [النمل: 61] .
(2/63)