Advertisement

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة 002



الكتاب: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
المؤلف: محمد راتب النابلسي
الناشر: دار المكتبي - سورية - دمشق - الحلبوني - جادة ابن سينا.
الطبعة: الثانية 1426 هـ - 2005 م.
عدد الأجزاء: 2
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] شيءٌ آخرُ، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً} [المرسلات: 27] .
قال العلماءُ: "الجبالُ تُضاعِفُ مساحةَ الأرضِ أربعةَ أضعافٍ، فلو أخذتَ المساحةَ التي يشغلُها الجبلُ لكانتْ أَقَلَّ مِن مجموعِ سطوحِه بخمسةِ أجزاء، فهذه الجبالُ تضاعِفُ المساحاتِ، وتُلَطِّفُ الأجواءَ، ولها وظائفُ لا يعلمُها إلا اللهُ"، لذلك يقول ربُّنا سبحانه وتعالى: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ} [الغاشية: 17-19] .

معدن الفضة
ذُكِرَ أنَّ معاملَ تعبئةِ الزجاجاتِ الغازيةِ تجعلُ في آخرِ مرحلةٍ مِن تصنيعِها للموادِّ أنابيبَ مِن الفضَّةِ، يجري الماءُ فيها مِن أجلِ التعقيمِ مِن الجراثيمِ، وبعدها وقعتْ يدي على كتابٍ يتحدَّثُ عنِ الفلزّاتِ، وعن المعادنِ، ففتحتُ على عنوانِ (الفضة) ، وقرأتُ عنها، فإذا بمؤلِّفِي الكتاب - والكتابُ مترجَمٌ - لا يعرفون شيئاً عَنِ كتاب اللهِ، ولا عنِ الإسلامِ إطلاقاً، بل ربما لا يقيمون قيمةً لكلِّ الأديانِ - مؤلِّفو الكتاب يقولونَ: "إنَّ للفضةِ خاصّةً مهمّةً - هذه العبارةُ الدقيقةُ كما وردتْ - وهي أنّها تَقضِي على الجراثيمِ الموجودةِ في الماءِ، لخاصَّةٍ إشعاعيَّةٍ، فإمَّا أنْ يمرَّ الماءُ في أنابيبَ من الفضة، وإمَّا أنْ توضعَ فيه بعضُ قِطَعِ الفضَّةِ.
وفي مكانٍ آخرَ يقولون: هذا الفِلز قاتلٌ للبكتريا.
وفي مكانٍ ثالثٍ يقولون: إنَّ مجرَّدَ تمَاسِ الماءِ مع معدن الفضةِ فإنه يَطْهُرُ ممَّا به مِن جراثيمَ.
وفي فقرةٍ أخرى يقولُ مؤلفُ الكتابِ: مِن أجلِ تعقيمِ لترٍ مِنَ الماءِ يكفِي أنْ توضعَ فيه بضعةُ أجزاءٍ من الغرامِ مِن معدنِ الفضَّةِ.
وشيءٌ خامسٌ: أنَّ لونَ الفضةِ لا يتغيَّرُ إلاّ إذا كان الجوُّ غيرَ نقيٍّ، فلو أنَّ في جوّ البيت غازاتٍ غيرَ صحيَّةٍ لتغيَّرَ لونُ الفضةِ، فكأنَّ معدنَ الفضةِ صارَ مقياساً لنقاوةِ الجوِّ.
(2/64)

إضافةً إلى الميزاتِ الكثيرةِ للفضةِ التي تُسْتَخْدَمُ في الصناعةِ، وفي التصويرِ، وفي التوصيلاتِ، وما شابه ذلك، إضافةً إلى قيمةِ الفضةِ كمعدنٍ لتقييمِ السلعِ، كنقدٍ، فإنّ اللهَ سبحانه وتعالى يقولُ في سورةِ الإنسانِ: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} [الإنسان: 15-16] .
لِمَ ذَكَرَ اللهُ عزَّ وجل الفضةَ، ولمْ يذكرِ الذهبَ، والذهبُ أثمنُ، والذهبُ آنيةٌ مِن أوانِي أهلِ الجنةِ؟! هذه إشارةٌ قرآنيةٌ إلى خواصِّ الفضةِ، وهذه الآيةُ تؤكِّدُ أنَّ الأصولَ العلميَّةَ موجودةٌ في كتابِ اللهِ سبحانه وتعالى.

{وَأَنزَلْنَا ?لْحَدِيدَ}
قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] .
فالبيّناتُ هي المعجزاتُ التي تؤكِّد صدقَ الرسلِ، والكتابُ هو المنهجُ، والميزانُ هو العقلُ الذي هو مناطُ التكليفِ، والهدفُ إقامةُ العدلِ في الأرض، وقوةُ الردعِ هي الحديدُ الذي فيه بأسٌ شديدٌ، ومنافعُ للناسِ.
(2/65)

ويعتقد علماءُ الفَلَكِ حالياً أنَّ النيازكَ والشهبَ ما هي إلا مقذوفاتٌ فَلَكِيةٌ مختلفةُ الأحجامِ، وتتألَّفُ في معظمِها مِن معدنِ الحديدِ، ولذلك كان معدنُ الحديدِ مِنْ أوَّل المعادنِ التي عَرَفَها الإنسانُ على وجهِ الأرضِ، لأنه يتساقطُ بصورةٍ نَقِيَّةٍ مِنَ السماءِ على شكلِ نيازكَ، يَتَساقطُ في كلِّ عامٍ آلافُ النيازكِ والشُّهُبِ على كوكبِ الأرضِ، التي قد يَزِنُ بعضُها أحياناً عشراتِ الأطنانِ، وقد عُثِرَ على نيزكٍ في أمريكا بَلَغَ وزنُه اثنينِ وستين طناً، مكوَّناً من سبائكِ الحديدِ والنيكلِ، أما في ولاية (أَرِيزُونَا) فقد أَحْدَثَ نيزكٌ فوهةً ضخمةً عُمْقُها مئتا مترٍ، وقُطْرُها ألفُ مترٍ، وقد بَلَغَتْ كمياتُ الحديدِ المُسْتَخْرَجَةُ مِن شَظَايَاهُ الممزوجةِ بالنيكلِ عشراتِ الأطنانِ.
ومِن هذا الشرحِ العلميِّ تتبيَّنُ لنا دقَّةُ الوصفِ القرآني {وَأَنزَلْنَا الحديد} ، ولكنْ ما البأسُ الشديدُ؟ وما هي المنافعُ التي أشارَ إليها القرآنُ بقوله: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ؟ لقد وَجَدَ علماءُ الكيمياءِ أنّ معدنَ الحديدِ هو أكثرُ المعادنِ ثباتاً، وقوةً، ومرونةً، وتحمُّلاً للضغطِ، وهو أيضاً أكثرُ المعادنِ كثافةً، وهذا يفيدُ الأرضَ في حفظِ توازُنِها، كما يُعَدُّ معدنُ الحديدِ الذي يكوِّن ثلثَ مكوِّناتِ الأرض أكثرَ العناصرِ مغناطيسيةً، وذَلك لِحفظ جاذبيتها.
ولا بدّ أنْ نذكرَ أيضاً أنّ الحديدَ عنصرٌ أساسيٌّ في كثيرٍ مِنَ الكائناتِ الحيَّةِ، كمَا في بناءِ النباتاتِ التي تمتصُّ مُرَكّباتِه مِنَ التربة، وتدخلُ أملاحُه في تركيبِ خلايا الدمِ عندَ الكائناتِ الحيَّةِ.
وهنا محلُّ الإشارة إلى أنّ هناك توافقاً عددياً عجيباً بين رقمِ سورةِ الحديدِ، وهو سبعة وخمسون (57) في القرآن الكريم، والوزنِ الذرّي لمعدنِ الحديد.
(2/66)

وقد عُقِدَ مؤتمرٌ عامَ (1910) ، لِيَبحثَ في شؤونِ المعادنِ التي في خبايَا الأرضِ، وكان هناك قلقٌ يساورُ المؤتمرِين مِن أنَّ الحديدَ سوف ينتهي مخزونُه في الأرضِ في عام (1970) ! وأصدروا التقاريرَ حولَ وُجودِ هذا الفلزِّ العظيمِ، على أنّه متوافرٌ في الأرضِ بِكَميّاتٍ كبيرةٍ، بل إنّ أحْدثَ الإحصاءاتِ هو أنّ مادّةَ الحديدِ موجودةٌ في القشرةِ الأرضيّةِ بِمُعدّلِ خمسة بالمئة مِن وزنِ القشرةِ الأرضيةِ، بعضُهم قدّرَ فلزاتِ الحديدِ الموجودةَ على سطحِ الأرضِ بسبْعمئة وخمسين ألفَ مليونِ مليُونِ طنّ! هذا شيءٌ لا يعنينا، ولكنّ الذي يعنينا أنْ تكونَ حياتُنا نحنُ بني البشر، وحياةُ كلِّ كائنٍ حيٍّ، وحياةُ كلِّ نباتٍ متوقّفةً على الحديدِ! هذا شيءٌ ربما لا يُصدَّقُ.
إنّ الحديدَ يدخلُ في تركيبِ الدّمِ، وإذا افتقرَ الإنسانُ إلى ثلاثةِ غرامات فقط مِنَ الحديدِ تُهدَّدُ حياتُه بالموتِ، ووزْنُ الحديدِ الذي في تركيبِ الإنسانِ لا يزيدُ على هذه الغراماتِ الثلاثةِ، لأنّه داخلٌ في هيموغلوبين الدمِ، والحديدُ هو الذي يجعلُ الدّمَ أحمرَ قانياً في الإنسانِ، وفي كلّ كائنٍ حيٍّ.

التربة وما تحتويه من كائنات
(2/67)

ثَمَّةَ شيءٌ لا يكاد يُصدَّق، إنّ متراً مكعَّباً مِن التربةِ التي نستخدمُها للزراعةِ فيه ما يزيدُ على مئتي ألف من الدِيدانِ العنكبيةِ، وعلى مئة ألفٍ من الحشراتِ، وعلى ثلاثمئة مِن ديدانِ التربةِ العاديةِ، وعلى آلاف الملايينِ من الجراثيمِ، والكائناتِ المتناهيةِ في الدقّة، وإنَّ غراماً واحداً مِن هذه التربةِ يحتوي على عدَّةِ ملياراتٍ مِن البكتيريا، مخلوقاتٍ متناهيةٍ في الدقةِ، على شكلِ عُصيَّاتٍ، وعلى شكلِ كريَّاتٍ، وعلى شكلِ لوالبَ، بعضُها يحتاجُ إلى الأوكسجينِ، وبعضُها لا يحتاجُ، بعضها عارٍ، وبعضُها له أهدابٌ تمكِّنه من الحركةِ، إنّ هذا المصنعَ ذو حركةٍ دائمةٍ، يقوم بمهماتٍ هي مِن أكثرِ المهماتِ غموضاً واستغلاقاً حتى اليوم، هذه الكائناتُ ما وظيفتها؟ يعرف العلماءُ بعضَ الوظائفِ، أما وظيفتُها بالضبط فلا يزال هذا سرّاً، وهذا المصنعُ ذو الحركةِ الدائمةِ يقومُ بمهماتٍ مِن أكثرِ المهماتِ أهميةً، ونَفْعاً للإنسانِ، فلو أنّ الجنسَ البشريَّ كلَّه أُبيدَ على بكرةِ أبيه لبقيتِ الحياةُ مستمرةً، أما هذه الكائناتُ فإنها لو أُبِيدَتْ لانتهتِ الحياةُ مِن سطح الأرضِ كليّاً، فربما كان وجودُ هذه الكائناتِ أخطرَ مِن وجودِ الإنسانِ، فكلُّ شيءٍ نأكله على نحوٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ، إنما أصْلُه مِن النباتِ الأخضرِ، فإذا أكلتَ اللحمَ، فاللحمُ نَبَتَ من العشبِ، فهذا الخروفُ أكَلَ العشبَ فَنَمَا جسمُه، فأكلتَ أنتَ لحمَه، فغذاؤُك على نحو مباشر وغير مباشر أساسُه النباتُ الأخضرُ، قال تعالى: {الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} [يس: 80] .
لقد حار العلماءُ في كلمةِ {الأخضر} هنا، كيف يكونُ الشجرُ أخضرَ، وكيف يُجْعَل وقوداً؟ ولا يكون الشجرُ وقوداً إلا إذا كان يابساً، فلماذا قال تعالى: {مِّنَ الشجر الأخضر} ؟
(2/68)

قال بعض العلماء: إن كلمةَ {الأخضر} إشارةٌ علميةٌ إلى أنَّ هذا الشجرَ ما كان له أنْ يكونَ شجراً لولا أوراقُه الخضراءُ، فالأوراقُ الخضراءُ أساسُ وجودِه، بل إنَّ نموَّ النباتِ يعتمدُ على حادثةٍ اسمُها التحليلُ والتمثيلُ الضوئيُّ، فلا نباتَ بلا ضوءٍ، ولا نباتَ بلا شمسٍ، ولا نباتَ بلا ماءٍ، فالماءُ، والشمسُ، وغازُ الفحمِ الذي أودعه اللهُ في الجوِّ هو سببُ نموِّ النباتِ، وما أوراقُ الأشجارِ إلا معاملُ تصنعُ موادَّ النباتِ الأساسيةَ، والموادَّ العضويةَ.
تتساقطُ الأوراقُ، فتأتي الرياحُ، وتوزِّع هذه الأوراقَ المتساقطةَ على أنحاءِ التربةِ كلِّها، وتأتي ملياراتُ الكائناتِ المجهريةِ فتلتهمُها، فإذا التهمَتْهَا أصبحت غذاءً صالحاً للكائناتِ الأكبرِ منها، هي وحيدةُ الخَلِيَّةِ، فإذا التهمَتْهَا أصبحت غذاءً صالحاً لكائناتٍ أرقى منها، هي البكتريا، يتمُّ هذا على ثلاثِ مراحلَ؛ وهذه العملياتُ الحيويةُ تحتاجُ إلى الهواءِ، فمِن أينَ يأتي الهواءُ داخلَ التربةِ؟ وظيفةُ الديدانِ أنْ تفتحَ أنفاقاً في التربةِ، فالديدانُ، والقوارضُ، والأفاعِي، وكلُّ الكائناتِ التي تعيشُ تحتَ التربةِ وظيفتُها تهويةُ التربةِ، فلو أُلغيتْ لانعدمَ الإنباتُ على سطحِ الأرضِ.
هذه الديدانُ تلتهمُ الترابَ، وتفرزُ السمادَ، ولا يعلمُ - إلاّ اللهُ - كم مِن الأطنانِ التي تنتجها الديدانُ في الهكتارِ الواحدِ، وكم مِن الأطنانِ مِن الأسمدةِ التي تنتجهَا الديدانُ في الكيلومتر المربعِ الواحدِ.
إنّه كونٌ عظيمٌ، وخالقٌ عظيمٌ، وشرعٌ حكيمٌ، فأينَ نذهبُ؟ وما الذي يصرفنا عن اللهِ سبحانه وتعالى، وعن تطبيق أمره؟ هذه بعض الحقائق المهِمَّة، {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] ، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] .
(2/69)

في الغرامِ الواحدِ عدةُ ملياراتٍ مِن البكتريا، ماذا يجري تحتَ الترابِ؟ لا يعلمُه إلا اللهُ، إنّها معاملُ، كائناتٌ، وعملياتُ تحويلٍ، ومعادلاتٌ، ونحن لا ندري، ليس لنا إلا أنْ نقطفَ الثمارَ، ونأكلَها، أنْ نجني الخضرَاواتِ، ونأكلَها، أنْ نحصدَ المحاصيلَ، ونأكلَها، وعلى الله الباقي، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] .
خَلَقَ اللهُ الأرضَ وما فيها، وما تحتها، وما عليها مِن أجلِ أنْ نعرفَه، فإذا عرفنَاه فقد حقَّقنا الهدفَ مِن خَلْقِه لنا، وإنْ لم نعرفْه فيا حسرةً علينا، قال سبحانه: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله} [الزمر: 56] .

تصريف الرياح
مِنَ الآياتِ الناطقةِ بعظمةِ اللهِ سبحانه قولُه تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرياح} [البقرة: 164] ، فهذه الرياحُ التي هي سببٌ مِن أسبابِ حياتنا، إنها روحُ الأحياءِ، كيف يصرفها الله عزَّ وجل؟
قال بعضُ العلماءِ: "إنّ الماءَ إذا عُرِّضَ للحرارةِ، وإلى جانبِه جسمٌ صُلْبٌ معرَّضٌ للحرارةِ نفسها، كان أَبْطَأَ في اكتسابِه للحرارةِ مِن الجسمِ الصُلب"، فلو وضعتَ كميةً مِن الماءِ بحجمٍ يساوي جسماً صلباً، ووضعتَهُما تحت أشعَّةِ الشمسِ ساعةً كاملةً، فإنَّ حرارةَ الماءِ ترتفعُ ستَّ درجاتٍ، ويرتفعُ الجسمُ الصلبُ عشرَ درجاتٍ، فالماءُ بطيءٌ في اكتسابِ الحرارةِ، وبطيءٌ في طرحِها، وفي التخلِّي عنها.
لذلك حينما تكونُ أشعةُ الشمسِ مُسَلَّطةً على المناطقِ الساحليةِ يسخنُ البَرُّ بأسرعَ ممّا يسخنُ البحرُ، فإذا سَخَنَ البَرُّ بسرعةٍ أكثرَ يتمدَّدُ الهواءُ، ويصعدُ نحو الأعلى، ويتخلخلُ، ويقلُّ الضغطُ هناك، فإذا كان هواءُ البحرِ أكثرَ كثافةً، وأكثرَ برودةً، وأكثرَ ضغطاً، فإنه ينتقل إلى البَرِّ، لذلك في أيِّ مكانٍ من أماكنِ السواحلِ ترى نسيمَ البحرِ ينتقلُ بعدَ الظُّهْرِ مِنَ البحرِ إلى البَرِّ، قال تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرياح} .
(2/70)

قال الإمامُ الطبريُّ في تفسيره: "القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرياح} ... وتصريفُ الله إياها أنْ يرسلها مرةً لواقحَ، ومرة يجعلُها عقيماً، ويبعثُها عذاباً تدمِّر كلَّ شيءٍ بأمرِ ربِّها ... وعن قتادة قوله: {وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر} [البقرة: 164] قال: قادرٌ واللهِ ربُّنا على ذلك، إذا شاء جَعَلَها عذاباً، ريحاً عقيماً، لا تلقح، إنما هي عذابٌ على مَن أُرْسِلَتْ عليه ... وزعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنّ معنى قوله: {وَتَصْرِيفِ الرياح} أنّها تأتي مرةً جنوباً، وشمالاً، وقبولاً، ودبوراً، ثم قال: وذلك تصريفُها، وهذه الصفةُ التي وَصَفَ الرياحَ بها صفةُ تَصَرُّفِها لا صفةُ تَصرِيفِها، لأنّ تصريفَها تصريفُ اللهِ لها، وتصرُّفُها اختلافُ هبوبِها".

تلوث الهواء والبيئة
872631> الصفحة غير موجودة

القوانين الفيزيائية والكيميائية
إنّ المؤمنَ إذا قرأَ العلومَ يربطُها بخالقِ الكونِ، ويكشفُ الحكمةَ البالغةَ مِن هذه القوانينِ التي قنَّنها اللهُ عز وجل.
كلُّنا يعلمُ أنّ هناك ظاهرةً مِن خصائصِ المعادنِ، هي الانصهارُ، فالموادُّ الصلبةُ تتحوَّلُ إلى حالةٍ سائلةٍ بالانصهارِ، كيف يمكنُ أنْ نستخرجَ المعادنَ مِن مظانِّها لولا اختلاطُها بالتربة، وكيف يمكنُ أنْ نعيدَ تشكيلَها لولا انصهارُها وتجمُّدُها، فالانصهارُ والتجمُّدُ بهما نأخذُ المعادنَ مِن أعماقِ الأرضِ، وبهما نشكِّلُ المعادنَ كما نريدُ، هذا قانونٌ أرادهُ اللهُ عز وجل.
شيءٌ آخرُ: التبخُّر والتكثيفُ، لولا هذانِ القانونانِ هل مِن الممكنِ أنْ تنزلَ الأمطارُ؟ البحرُ مِلْحٌ أُجَاجٌ، أشعةُ الشمسِ تبخِّرُه، فمَن الذي قنّنَ؟ أنّ الموادَّ المنحلَّة في السائلِ حيث لا تتبخَّرُ، بل تبقَى في السائلِ، ويتبخَّرُ الماءُ الصرفُ؟ ومَن قنَّن قانونَ التكثيفِ؟ يتحولُ الماءُ إلى بخارٍ، والبخارُ إلى ماءٍ دون أنْ تَعْلَقَ الموادُّ الرَّاسبةُ في السائلِ في البخارِ، لولا قانونُ التبخُّرِ والتكثيفِ لَمَا كانت أمطارٌ، ولَمَا كانت مياهٌ عذبةٌ نشربُها، ونرتوي بها.
(2/71)

شيءٌ آخرُ: ظاهرةُ الترسبِ، الإنسانُ خُلِقَ مِن ماءٍ مهينٍ، لهُ عظامٌ، عظمُ عُنُقِ الفخذِ يتحمَّلُ مِن الوزنِ ما يزيدُ على مئتين وخمسين كيلو غراماً، فالإنسانُ العتيدُ الشديدُ يمكنُ أنْ يتحمَّلَ خمسمئة كيلو فوقَه، هذه الصلابةُ التي اكتسبَتْها العظامُ أنَّى لها أنْ تكونُ لولا ظاهرةُ الترسُّبِ؟ حيثُ إنّ الموادَّ الذائبةَ في سائلٍ تنفصلُ عنه، وتترسَّبُ، وتشكِّلُ هذا العظمَ.
يقولُ الأطباءُ: إنّ ميناءَ الأسنانِ يأتي بعد الماسِ في صلابتِه، لولا الترسُّبُ لَمَا كانت الأسنانُ بهذا القوام، ولَما كانت العظامُ، ولما كنَّا نحن.
وظاهرةٌ أخرى هي الذوبانُ، لولا ذوبانُ أملاحِ المعادنِ في الماءِ لَمَا أمكنَ للنباتِ أنْ يأخذَ كلَّ المعادنِ مِن التربةِ، كلُّ أملاحِ المعادنِ تذوبُ في الماءِ، ويصعدُ الماءُ مع أملاحِ المعادنِ المذابةِ، فتأخذ الأوراقُ حاجتَها، ولولا ظاهرةُ الذوبانِ لَمَا ذابتِ الأطعمةُ على شكلِ سائلٍ، وينتقل هذا السائلُ إلى الدمِ، والدّمُ ينقلُ كلَّ هذه الموادِّ إلى الخلايا.
فإذا وَقَفْنَا عند قانونِ الانصهارِ، وقانونِ التجمدِ، وقانونِ الذوبانِ، وقانونِ الترسبِ، وقانونِ التبخُّرِ، وقانونِ التكثيفِ اكتشفْنَا قدرةَ اللهِ وحكمتَه.
إنّ المؤمنَ إذا أرادَ أنْ يعرفَ اللهَ دلَّه كلُّ شيءٍ عليه، كلُّ قانونٍ يقرؤه المرءُ حتى في الكتبِ العلميةِ المحضةِ، يجد أنّ هذا القانونَ يشيرُ إلى عظمةِ اللهِ عز وجل، لولا تحوُّلُ المعادنِ إلى أملاحٍ، ولولا ذوبانُ الأملاحِ في الماءِ لَمَا كنا في هذا المكان، كيف أنك تمشي على قَدَمَيْنِ؟ هناك هيكلٌ عظميٌّ يحمِي هذه العضلاتِ، لولا ظاهرةُ الترسُّب لَمَا كان هناك إنسانٌ يمشي على قَدَمَيْن، ولولا ظاهرةُ الذوبانِ لَمَا أمكنك أنْ تأخذَ كلَّ الغذاءِ، إنّك تأكلُ مركباتِ الحديدِ، وأنت لا تشعرُ، أملاحُ المعادنِ كلُّها ذائبةٌ في دَمِكَ، لولا ظاهرةُ الذوبانِ لَمَا أمكنَ أنْ تستفيدَ مِن المعادنِ، ولَمَا أمكنَ أنْ تستفيدَ من الغذاءِ.
(2/72)

دقِّقوا في هذه القوانينِ الستةِ: الذوبانِ، والترسيبِ، والتبخُّرِ، والتكثيفِ، والانصهارِ، والتجمُّدِ، هذه ستةُ قوانينَ لولاها لَمَا قامتِ الحياةُ على سطحِ الأرضِ، قال سبحانه وتعالى: {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .
قال الطبري في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى ذكْرُه: قل يا محمّدُ لهؤلاء المشركين من قومِك السائلينَ الآياتِ على صحةِ ما تدعوهم إليه من توحيد الله، وخلْعِ الأندادِ والأوثان: انظروا أيّها القومُ ماذا في السماواتِ من الآياتِ الدالةِ على حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله؛ من شمسِها، وقمرِها، واختلافِ ليلِها ونهارِها، ونزولِ الغيثِ بأرزاقِ العبادِ من سحابِها، وفي الأرضِ من جبالِها، وتصدُّعِها بنباتِها، وأقواتِ أهلِها، وسائرِ صنوفِ عجائبِها، فإنّ في ذلك لكم إنْ عقلتُم وتدبّرْتُم موعظةً ومُعتبراً، ودلالةً على أنّ ذلك مِن فِعْلِ مَن لا يجوزُ أن يكونَ له في مُلكه شريكٌ، ولا له على تدبيرِه وحِفْظِه ظهيرٌ، يغنيكم عما سواه مِن الآياتِ.

زلازل الدنيا وزلزلة الساعة
أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ، حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ".
ففي كلِّ حينٍ نسمعُ في الأخبارِ أنَّ زلزالاً وقعَ في بلدٍ، وزلزالاً في بلدٍ آخرَ، وتتعاظمُ درجاتُ هذه الزلازلِ، وتودِي بحياةِ كثيرٍ منَ الناسِ، بيْدَ أنّ كثرتَها وشدَّتها مصداقُ حديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، إنَّ هذه الزلازل من وظائفها أنها تعطينا معنى الزلزلة الكبرى، التي أوعد الله بها، قال تعالى:
{ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] .
(2/73)

إنّ الأرضَ مِن أكثرِ الكواكبِ في المجموعةِ الشمسيةِ كثافةً، فكثافةُ الأرضِ تزيدُ على كثافةِ الماءِ خمسةَ أضعافٍ، ويفسِّرُ العلماءُ الزلزلةَ بأنّها حركةٌ في باطنِ الأرضِ، حيثُ ينشأُ عنها ضغطٌ هائلٌ، لا تحتمِلُه قشرةُ الأرضِ، عندئذٍ تتصدَّعُ هذه القشرةُ، وهذا التصدُّعُ في قشرةِ الأرضِ هو الزلزالُ الذي نستمعُ إلى أخبارهِ مِن حينٍ إلى آخرَ، عِلْماً أنَّ هذه القشرةَ يزيدُ سَمكُها على تسعينَ كيلو متراً، وهي مِن صخورِ البازلت، وهذه الصخورُ مِن أقْسَى أنواعِ الصخورِ، ومع ذلك تتصدّعُ، فهذا الضغطُ من باطنِ الأرض الذي يصدِّعُ قشرةً من البازلت يزيدُ سمكُها على تسعينَ كيلو متراً، وهذا طرفٌ من معنى: إن اللهَ قويٌّّ، قال تعالى: {إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين} [الذاريات: 58] .
ويقول بعضُ علماءِ الزلازلِ: هناك زلزالٌ حَدَثَ في الصينِ في عامِ (1556) ، أودَى بحياةِ ثمانمئة وثلاثين ألفاً في ثوانٍ، وفي عام (1737) حدثَ زلزالٌ في الهند، أودَى بحياةِ مئة وثمانين ألفاً، وفي عام (1923) حدث زلزال في اليابان أودى بحياةِ مئة ألف، وفي عام (1976) حدث زلزالٌ في الصينِ أودَى بحياة مئة ألف، وحدث زلزالٌ في إيطاليا أودى بحياة خمسة وثلاثين ألفاً، في ثوانٍ معدودة، قال عز وجل: {ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] .
سألوا عالماً كبيراً من علماءِ الزلازلِ: "هل يمكنُ بما أُوتِينا من عِلمٍ متقدِّم أنْ نتّنبأَ بالزلزالِ قَبْلَ وقوعه، ولو بدقيقة؟ فقال: لا، إلاّ أنّ حيواناتٍ كثيرةً في مقدّمتِها مَن يُضْرَب المثلُ بغبائِه - الحمار - يشعرُ بالزلزالِ قبل وقوعه بربعِ ساعةٍ"، ذلك لأنّ هذه الحيواناتِ ليست مكلفةً كالإنسانِ، وليست مقصودةً بالزلزالِ، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] .
(2/74)

قال عز وجل: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1] ، زلزلت: أيْ تحرَّكتْ تحرُّكاً شديداً، واضطربتْ، وزُلزِلتْ زلزالَها العظيمَ، والكبيرَ، والأخيرَ، الذي ليس بعدَهُ زلزالٌ، وذلك عند قيامِ الساعةِ، وما هذه الزلازلُ إلا نماذجُ مصغرةٌ ومحدودةٌ.
{وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: 2] ، وهو الإنسانُ، المخلوقُ المكلَّفُ الذي خُلِقَ لجنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ، لأنه قَبِلَ حملَ الأمانةِ، سخَّر اللهُ له ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ جميعاً منه، وجعلَه مُسْتَخْلَفاً في الأرضِ، فإنْ سَمَا عقلُه على شهوتِه كان فوقَ الملائكةِ، وإنْ سَمَتْ شهوتُه على عقلِه كان دونَ الحيوانِ.
{وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا} [الزلزلة: 3] ، تعجباً وخوفاً، {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4] ، ما عمِلَه الإنسانُ على وجهِ الأرضِ مِن خيرٍ أو شرٍّ.
{بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا} [الزلزلة: 5] ، أقْدَرَها على الكلام، وأذِن لها فيه، وأَمَرَهَا به.
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً} [الزلزلة: 6] ، فُرادَى، متفرِّقين، فلا تجمُّعات، ولا تكتلات، ولا تناصرَ على باطل، ولا هيمنة، ولا غطرسة، قال تعالى: {اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65] .
قال تعالى: {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [الزلزلة: 6-7] ، أيْ مقدارَ ذَرَّةٍ، وهي الجزءُ الذي لا يتجزأ، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: الآية 7-8] ، أيْ سيجدُ جزاءَه وعاقبتَه.
(2/75)

ويمكن الإشارةُ هنا، ونحنُ في صَدَدِ هذه السورةِ القصيرةِ إلى دراسةٍ طويلةٍ ومعقّدةٍ ومُكْلِفةٍ جداً توصَّل علماءُ الجيولوجيا من خلالها إلى أن هناك علاقةً متينةً مترابطةً بين الزلازلِ والبراكينِ، فمرةً يكونُ الزلزالُ بسببِ تحرُّكِ الكُتَلِ الملتهِبةِ، وضغطِها على قشرةِ الأرضِ، فيكونُ الزلزالُ نتيجةَ هيجانِ الكتلِ المحمومةِ في باطنِ الأرضِ، ومرةً يكونُ الزلزالُ سبباً للبركانِ، على كلٍّ فهناك علاقةٌ مترابطةٌ بين الزلازلِ والبراكينِ، ثم اكتشفَ العلماءُ أنّ الحِمَمَ في باطنِ الأرضِ لها وزنٌ نوعيٌّ مرتفعٌ جداً، فلمّا قرأَ أحدُهم هذه الآية: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا} ، وقد وُصِفَ ما فيها بالأثقالِ، لأنَّ وزنَها النوعيَّ مرتفعٌ جداً أخَذَتْهُ الدَّهشةُ.
هذا الربطُ بين الزلازل والبراكينِ، في هذه السورةِ القصيرةِ إشارةٌ لطيفةٌ مِن الله عز وجل إلى أنَّ خالقَ الأكوانِ هو الذي أنزلَ القرآنَ، هذه حقيقةٌ صارخةٌ، وهو الذي خَلَقَ مئة ألفِ مليون مجرّةٍ، والذي خَلَقَ هذه المذنباتِ، وتلك الكازراتِ، وهذه الكواكبَ، وهذه النجومَ، فإنَّ خالقَ الأكوانِ هو الذي أنزلَ القرآنَ، فيجبُ أنْ تعلمَ مَن هو المرسِلُ، هذا خطابُ مَن؟ إنه خطابُ اللهِ خالقِ كلِّ شيء، وفضلُ كلامِ اللهِ على خَلْقِه كفضلِ اللهِ على خَلْقِهِ.
إنها نعمةٌ كبرى أنْ تستيقظَ صباحاً، وترى الأرض مستقرَّةً، ولن تعرف هذه النعمةَ إلاّ إذا شهدتَ زلزالاً يكادُ تنفطرُ منه القلوبُ لهولِ الدمار، وقد لفت الله تعالى نظرنا إلى هذا فقال: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} [النمل: 61] ، ولولا هذا الاستقرار ما بقي بناءٌ على وجه الأرض، وما نعم بيتٌ بقرارٍ، وقد قال سبحانه: {والأرض ذَاتِ الصدع} [الطارق: 12] ، فمِن لوازمِها التصدُّع، الذي هو أداة تخويف، كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً} [الإسراء: 59] ، فالطاعةَ الطاعةَ قبلَ الحادثِ العَمِيمِ.

زلزال القاهرة
(2/76)

حين يركبُ الإنسانُ طائرةً قد يشعرُ بالقلقِ، ولا يطمئنُّ قلبُه إلا إذا دَرَجَتْ عجلاتُها على أرضِ المطارِ، فيقول لزميله: حمداً لله على السلامة، وحين يركبُ الإنسانُ البحرَ، ويهيج الموجُ، تضطربُ نفسُه، فلا يطمئنُّ الإنسانُ إلا إذا كان على الأرضِ، ولكن المؤمن لا يطمئنُّ إلا إذا أرادَ اللهُ له السلامةَ، فهذه الأرضُ الثابتةُ المستقرةُ الساكنةُ قد تتحرك مِن تحت أقدامنا بين الفينةِ والأخرى، قال سبحانه وتعالى: {أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16] .
قال بعضُ علماءِ الزلازلِ: "لو أنَّ زلزالَ القاهرةِ استمرَّ عشرَ ثوانٍ فقط لدَمَّرَ نصفَ بيوتها، ولَمَاتَ أكثرُ مِن خمسةِ ملايين إنسان"، ولكنَّ اللهَ لطَفَ بهم لطفاً شديداً، فماذا يمنَعُنا مِن عذاب الله؟ اللهمّ إلا رحمته، بيتٌ إسمنتيٌّ عميقُ الأسسِ، شامخُ البنيانِ، ليس فيه ضمانٌ مِن أيِّ خطرٍ إلاّ أنْ يشاءَ اللهُ السلامةَ، فإنْ لم يشأْ زلزلَ الأرضَ مِن تحتِ الأقدامِ.
ثمة عمارةٌ تزيدُ على أربعة عشرَ طابقاً أصبحتْ ركاماً، وكأنّها إسمنتٌ مطحونٌ، بأساسِها، وبأشخاصِها، وبآلاتِها الكهربائيةِ، وبتزييناتِها، وبفُرُشِها، إنّها موعظةٌ بليغةٌ، آياتٌ كثيرةٌ يجب أنْ نقفَ عندَها.
يمكن أنْ يُفَسَّرَ الزلزالُ تفسيراً علمياً، يقول علماءُ الزلازلِ: "تتصادمُ القشرةُ الأرضيةُ وتُضغَطُ، وفي بعضِ الحالاتِ يكونُ الضغطُ شديداً فتُزَاحُ القشرةُ عن مثيلتِها، فيحدثُ الزلزالُ".
هذا التفسيرُ العلميُّ للزلزالِ هل يُلْغِي التفسيرَ الدينيَّ الإلهيَّ؟ لا واللهِ، مَن هو مُسَبِّبُ الأسبابِ؟ إنه اللهُ عز وجل، هذا الذي يرفضُ التفسيرَ الدينيَّ للزلزالِ تنطبقُ عليه الآيةُ الكريمةُ: {إِنَّهُمْ كانوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إلاه إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات: 35] ، وينطبقُ عليه قولُه سبحانه: {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السمآء سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} [الطور: 44] .
(2/77)

هناك تفسيرٌ علميٌّ جغرافي للزلزالِ، لا مجالَ لتفصيله هنا، حركةٌ في باطن الأرض، تموُّجات في القشرةِ الأرضيةِ، ضغطٌ شديدٌ، تصدُّعٌ في السطوحِ، زلزالٌ أفقيٌّ، زلزالٌ عموديٌّ، زلزالٌ له موجاتٌ واسعةٌ، تُقاسُ بمقياسِ رِخْتَر كما هو معلومٌ، لكنَّ التفسيرَ العلميَّ للزلزالِ لا ينفي التفسيرَ الدينيَّ له، دقِّقوا في هذه الآيةِ، قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65] ، وقال سبحانه: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .
لقد لَطفَ اللهُ عز وجل لطفاً شديداً بأهل مصرَ، إذْ وقعَ زلزالٌ في الصينِ في عامِ (1556) أَوْدَى بحياة ثمانمئة وثلاثين ألفَ قتيلٍ، وذَهَبَ ضحيةَ زلزالٍ في الهند ِ ثلاثمئة ألفِ قتيلٍ، إنها أعدادٌ كبيرةٌ جداً، لكنّ اللهَ سبحانه وتعالى لَطَفَ، ونبَّهَنَا ولوَّحَ لنا بالعَصَا، لأنّ اللهَ يقول: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُوراً} [الإسراء: 58] .
إنّ كلَّ قريةٍ فسدتْ، وخرجَتْ نساؤُها كاسياتٍ عارياتٍ، وأُكِلَ الرِّبا، وضُيِّعتِ الحقوق، إذا ارْتُكِبَتْ هذه المعاصي، وأُكِل الحقُّ، فالعاقبةُ وخيمةُ الوبالِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمِ، فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا".
(2/78)

لذلك يقولُ عز وجل: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] ، وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ} أيْ: هذا مستحيلٌ، وليس هذا مِن شأنِه سبحانه، وهو القائلُ: {وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} [الكهف: 59] .
إذاً لنْ يَسلَمَ الإنسانُ إلا في حالةٍ واحدةٍ؛ أنْ يشاءَ اللهُ له السلامةَ، ولن يطمئنَّ الإنسانُ إلا في حالةٍ واحدةٍ؛ أنْ يشاءَ اللهُ له الأمنَ، قال تعالى: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولائك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81-82] ، لذلك وجَب علينا أن نلوذَ باللهِ عز وجل، ونعودَ إليه، فالسعيدُ مَن اتَّعَظَ بغيره، والشقيُّ لا يتَّعظُ إلا بنفسِه، والخسائرُ التي وقعتْ لا تُذْكَرُ أمام الزلازلِ الكبيرةِ، وهذا تلويحٌ بالعصا، قال الله تعالى: {وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ * واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الزمر: 54-55] .
(2/79)

يأتي العذابُ بغتةً، لذلك لو قرأَ الإنسانُ عن تاريخِ الزلازلِ في العالَم لوجدها وقعتْ في كثيرٍ مِن البلدان، لذا علينا أنْ نَتَّعِظَ، وأنْ نعودَ إلى الله، وأنْ نضبطَ أمورَنا، وأنْ نقيمَ بيوتَنا على منهجِ الله عز وجل، وأنْ نسترجعَ، وأنْ نصلحَ، فلعلَّ اللهَ سبحانه وتعالى يَحفظُنا، فما مِن بلدةٍ إلا ويمكنُ أنْ تَتَعَرَّضَ لزلزالٍ، وقد وقعَ في هذه البلدةِ زلزالٌ قبل خمسين عاماً، ولم تبقَ مئذنةٌ في مساجدِنا إلا تَهَدَّمَتْ، وهذا الزلزالُ يقعُ في أيِّ مكانٍ، وإنّ تلك المقولة: إنّ منطقةَ بَلَدِنَا ليست منطقة زلازلَ كلامٌ هراءٌ، ولا يذكرُ أحدٌ أنه وقعَ في القاهرةِ زلزالٌ لفترةٍ طويلةٍ، ومع ذلك جاء فجأةً، ومع ذلك لو استمرَّ عشرَ ثوانٍ أخرى لهُدِم نصفُ أبنيةِ القاهرةِ، ولماتَ أكثرُ مِن خمسةِ ملايينِ إنسانٍ، ولكنَّ اللهَ لَطَفَ، وأَكْرَمَ.
واعلموا أن اللهَ خالقُ الأسباب والمسبِّبات، وهو الذي يمسكُ الأرضَ والسماواتِ، فإنْ شاءَ زلزلَ، وعطَّلَ الأسبابَ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.

الكعبة مركز العالمين القديم والحديث
إنّ الأرضَ اليابسةَ موزَّعةٌ حولَ بيتِ اللهِ الحرامِ بصورةٍ منتظمةٍ، هذه الحقيقة أكَّدَتْها أحدثُ الدراساتِ العلميَّةِ لمركزِ البحوثِ الفلكيَّةِ في أحدِ الأقطارِ العربيَّةِ الشقيقةِ، وذلكَ باستخدامِ الحاسبِ الآلي في حسابِ المسافاتِ بين مكَّةَ وعددٍ من المدنِ التي تقعُ في أطرافِ العالمَيْن القديمِ والحديثِ.
فقد ثبتَ بعد الحساباتِ التي أُجْرِيَتْ على الحاسبِ الآلي أنّ أقصَى أطرافِ الأرضِ في إفريقية وأوربة وآسية تقعُ على مسافةِ ثمانيةِ آلافِ كيلو مترٍ من مكةَ المكرمةِ، أوربة آسية وإفريقية، هذه قارات العالم القديم، المدنُ التي على أطرافِها بُعْدُها عن مكةَ المكرمةِ ثمانيةَ آلافِ كيلو مترٍ، فمكةُ تقعُ في وسطِ العالَمِ القديمِ.
(2/80)

وأمّا بالنسبةِ لأطرافِ العالَمِ الجديدِ، وهو قارةُ أمريكة شمالاً وجنوباً، وأسترالية، والقارةُ المتجمِّدةُ الجنوبيةُ، فجميعُ أطرافِ هذه القاراتِ الثلاثِ تقعُ على مسافةِ ثلاثة عشر ألفَ كيلو مترٍ من مكةَ المكرمةِ، ولا يقابِلُ مكةَ المكرمةَ على سطحِ الأرضِ مِن الطرفِ الآخرِ يابسةٌ، بل كلُّه بحرٌ، إنه المحيطُ الهادي، إذاً بحسبِ هذه الدراسةِ التي أُجْرِيَتْ على الحاسبِ الآلي يتبيَّنُ أنّ بيتَ اللهِ الحرامَ هو المركزُ الهندسيُّ المتوسِّطُ لليابسةِ، قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96] ، وهذه من آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتهِ.

أرض العرب كانت وستعود مروجاً وأنهاراً
(2/81)

هذا عالمٌ مِن أشْهرِ علماءِ البيولوجيا، ومتخصّصٌ في المنطقةِ الواقعةِ بين إفريقية، والجزيرةِ العربيّةِ، التقى بِعَالِمٍ مسلمٍ، فسَألَه هذا العالِمُ المسلمُ: "هل عندكَ دليلٌ على أنّ أرضَ العربِ كانتْ بساتينَ وأنهاراً؟ فقال: هذا معروفٌ عندنا، وهذا شيءٌ يعرِفُه العلماءُ المتخصّصون، قال له: ما الدليلُ؟ قال: في الجزيرةِ العربيّةِ رواسبُ نهريّةٌ، تُلاحَظُ في أماكنَ عِدَّةٍ، وقد عُثِرَ على قريةٍ مدفونةٍ تحتَ الرّمالِ في الرُّبعِ الخالي، وفيها مناطقُ متحجّرةٌ، وقد عُثِر على مناطقَ أخرى متحجّرةٍ، فلمّا فُحِصَتْ إذا هي جذوعٌ لأشجارٍ كبيرةٍ"، وهذا كلُّه يؤكّدُ أنّ هذه البلادَ كانتْ بساتينَ وأنهاراً، فمنطقةُ الرّبعِ الخالي، هذه الصحراءُ الجرداءُ القاحلةُ كانتْ مُفعمةً بالبساتينِ والأنهارِ، وهذا شيءٌ ثابتٌ عندَ علماءِ الجيولوجيا، الذين وَجَدوا مِن المُسْتَحَاثاتِ ما يؤكّدُ ذلك، ثم سألَه سؤالاً آخر فقال: "هل عندكَ دليلٌ على أنّ بلادَ العربِ ستعودُ بساتينَ وأنهاراً؟ فقال: هذا شيءٌ أيضاً معروفٌ عندنا، فقال: وما الدليل؟ قال: إنّ كُتَلَ الجليدِ الضّخمةَ تتَّجهُ نحو الجنوبِ، وهذا الذي سبَّبَ قبلَ أعوامٍ شتاءً قارساً جدّاً في أوربة وأمريكا، وإنّ اتّجاهَ هذه الكتلِ الجليديّةِ نحو الجنوب سوف يغيّرُ مناخَ الأرض، وبِتَغْيير مناخِ الأرضِ سوف تتغيّرُ خطوطُ المطرِ، ولا بدّ أنْ يأتيَ يومٌ تعودُ بلادُ العرب فيه كما كانتْ، مُروجاً وأنهاراً، فقال هذا العالِمُ المسلم لهذا العالم الجيولوجي: ما قولُك في رجلٍ قال قَبْلَ ألفٍ وأربعمئة عامٍ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلاَ يَجِدُ أَحَداً يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجاً وَأَنْهَاراً"؟!
(2/82)

إنّ دِقّة الحديث في كلمة (تَعُودُ) ، يعني أنَّها كانتْ، وبهذه الكلمة يعني أنّها ستكون، وتعود؛ لقد كانتْ مروجاً وأنهاراً، وستعود مروجاً وأنهاراً كما كانت، هذا حديثٌ صحيحٌ، فبُهِتَ هذا العالِمُ الأجنبيُّ، لأنَّ هذه الحقائقَ عرفَها في هذه السَّنوات العشرِ الأخيرة، فما بالُ هذا النبيِّ - رسول الله صلى الله عليه وسلم - عَرَفَ هذه الحقيقةَ التي تحتاجُ إلى بحثٍ طويلٍ، وإلى درسٍ طويلٍ، وإلى رحلاتٍ شاقّةٍ في أعماقِ الصّحراءِ، وإلى تنقيبٍ، ودراسةٍ لِطَبيعةِ المناخِ في الأرضِ؟ قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى} [النجم: 3-4] .
إنّ من بلاغةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى ... وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجاً وَأَنْهَاراً" تُسْتشَفُّ من كلمةِ (تعود) ، فلو قال: حتى تصبحَ لدَلَّ ذلك أنّ الماضي لمْ يدخلْ في هذا الحديثِ، ولو قال: كانتْ، فالمستقبل لم يدخلْ، أما كلمةُ (تعود) وحدها فهي التي أدْخلَ فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم الماضيَ والمستقبلَ، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى} .

الماء
{وَجَعَلْنَا مِنَ ?لْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}
إنّ الحياةَ على وجهِ الأرضِ؛ حياةَ الإنسانِ، وحياةَ الحيوانِ، وحياةَ النباتِ، قوامُها الماءُ، فالماءُ هو الوسيطُ الوحيدُ الذي يحملُ الأملاحَ والموادَّ الغذائيةَ منحلةً فيه إلى الكائنِ الحيِّ، ولولا الماءُ لَمَا كان على وجهِ الأرضِ حياةٌ.
ولكنْ مَن منَّا يُصدِّقُ أنَّه في كلِّ ثانيةٍ حصراً، في كلِّ ثانيةٍ تمضي يهطلُ مِن السماءِ إلى الأرضِ على مستوَى الكرةِ الأرضيةِ ستة عشر مليونَ طنٍّ مِن الماءِ، قال تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً} [عبس: 25] .
(2/83)

مِن أجْلِ قوامِ الحياةِ تسقطُ في كلِّ ثانيةٍ ستةَ عشرَ مليوناً مِن الأطنانِ مِنَ الماءِ، تسقطُ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ولكنَّ هذا السقوطَ يتبدَّى فيه اسمُ (اللطيف) ، فلو أنَّ هذا الماءَ هَوَى على الأرضِ بشكلٍ متصلٍ مجمَّعٍ لأَتْلَفَ كلَّ شيءٍ، ولحطَّم كلَّ شيءٍ، ولأَنْهَى الحياةَ، ولكنَّه ينزلُ على شكلِ قطراتٍ صغيرةٍ فيها لُطفٌ، وفيها رحمةٌ، وفيها حكمةٌ.
رقماً ثالثاً قرأتُه، هو أنَّ المناطقَ الرَّعَوِيَّةَ في بلدنا سوريةَ، بفضل نزولِ الأمطارِ الغزيرةِ التي انهمرت عام (1988) أنبتتْ هذه المناطقُ مِن العُشْبِ الرَّعَوِيِّ الذي تأكلُه الماشيةُ، ما لو أردنا أنْ نستوردَه لكلَّفنا عشرةَ آلافِ مليون ليرةٍ، أيْ عشرة ملياراتٍ ليرة، لكنْ بتلك الأمطارِ الغزيرةِ التي تفضَّلَ اللهُ بها علينا استغنَيْنا عن دَفْعِ هذه المبالغِ الطائلةِ ثمناً للأعلافِ.
حينما يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: {وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] ، فمعنى الآيةِ أنّ الطعامَ الذي نأكلُه ما كان ليكونَ لولا تلك الأمطارُ التي تنزلُ مِن السماءِ، وأنّ هناك محصولاً مِن الفواكهِ والثمارِ في ذاك العام ما لا يمكنُ تصوُّره، فسبحان الله إذا أعطى أدهش!! وأنّ اللهَ سبحانه وتعالى هو المسعِّرُ، فتتضاعفُ الكمياتُ بأمطارٍ غزيرةٍ، فيصبحُ الإنتاجُ وفيراً، وتهبطُ الأسعار، قال تعالى: {وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} ، وقال عز وجل: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21] .
(2/84)

إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى هو الرزاقُ، ذو القوةِ المتينُ، فِمن ستة عشر مليونَ طنٍّ من الماء في الثانية الواحدة، إلى أمطارٍ أغنَتْ عن دفعِ عشرة آلاف مليون ليرة ثمناً للأعلاف، فهذه الأرقامُ لها دَلالاتٌ عند المؤمنين، هذا عطاءُ الله، قال سبحانه وتعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ هاؤلاء وهاؤلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء: 20] ، وقال سبحانه: {فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24-32] .
فائدة:
قال ابن كثير في تفسيره: " {وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} ، أيْ وهُمْ يُشاهدُونَ المخلوقاتِ تَحْدُثُ شيئاً فشيئاً عَيَاناً، وذلك كلُّه دليلٌ على وجودِ الصانعِ، الفاعلِ المختارِ، القادرِ على ما يشاءُ:
ففِي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ"
وفي تفسير الجلاليْنِ: "وجعلْنَا مِن الماءِ النازلِ مِن السماءِ والنابعِ من الأرض كلَّ شيءٍ حيٍّ، مِن نباتٍ وغيرِه، أي فالماءُ سببٌ لحياتِه، أفلا يؤمنون".

العلاقة بين الماء والهواء
لنذكرْ نعمةَ الهواءِ، ونعمةَ الماءِ، لنذكرِ العلاقةَ بينهما، إذ لولا هذه العلاقةُ لَمَا كان بَشَرٌ على وجهِ الأرضِ.
إنّ العلاقةَ بين الماءِ والهواءِ هي أنّ الهواءَ يتحمَّلُ بخارَ الماءِ، والآيةُ العُظمَى أنّ الهواءَ يتحمَّلُ بخارَ الماءِ بِنِسبٍ متفاوِتَةٍ مع درجاتِ الحرارةِ، فإنَّ متراً مكعباً مثلاً مِن الهواءِ في درجةِ الصفر يتحمَّلُ خمسةَ غراماتٍ مِن بخارِ الماءِ، مع أنه إذا سُخِّنَ هذا الهواءُ إلى درجةِ عشرين، أو ثلاثين فقد يتحمَّلُ مئةً وثلاثينَ غراماً مِن بخارِ الماءِ.
(2/85)

إنَّ تفاوُتَ نِسَبِ تحمُّلِ الهواءِ لِبُخارِ الماءِ بحسبِ درجاتِ الحرارةِ هو سببُ هطولِ الأمطار، وإذا لم تَكُنِ الأمطارُ لم تَكُنِ النباتاتُ، وإذا لم تكنِ النباتاتُ لم يكن الحيوانُ، وإذا لم يكنِ الحيوانُ لم يكنِ الإنسانُ، لأنّ الماءَ أساسُ الحياةِ، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] .
أمَّا كيف يسوقُ اللهُ سبحانه وتعالى الماءَ مِن البِحارِ إلى كلِّ القارَّاتِ عن طريقِ الأمطارِ؟ فبفضلِ خاصّةِ تحمُّلِ الهواءِ لبخارِ الماءِ، بِنِسَبٍ تتفاوتُ مع درجاتِ الحرارةِ، فإذا حمَّلتَ متراً مكعباً مِنَ الهواءِ مئةً وثلاثينَ غراماً مِنْ بخارِ الماءِ، عَن طريقِ التسخينِ والتبخيرِ، ثم نَقلتَ هذا الهواءَ المشْبعَ ببخارِ الماءِ إلى مكانٍ باردٍ، فإنه يتخلَّى فوراً عن بخارِ الماءِ، ويطرحُ هذا البخارَ الذي يزيدُ على حاجتِه بفعلِ انخفاضِ درجاتِ الحرارةِ، يطرحُه قطراتِ ماءٍ، وهذا هو مبدأُ الأمطارِ.
تُسلَّط أشعةُ الشمسِ على مساحاتٍ واسعةٍ جداً مِن الكرةِ الأرضيةِ، وهي البحارُ، لأنَّ البحرَ يشملُ 72% من مساحتها، هذا الماءُ يتبخَّر، والهواءُ يحملُ البخارَ، واختلافُ درجاتِ الحرارةِ بين الصحارى والمناطقِ الساحليةِ، وبين خطِّ الاستواءِ والقطبِ، هذا التفاوتُ الكبيرُ في درجاتِ الحرارةِ يسوقُ الرياحَ، والرياحُ تحملُ معها بخارَ الماءِ، فإذا واجهَ الهواءُ المشبعُ ببخارِ الماءِ جبهاتٍ باردةً طرَحَ الماءَ الذي يزيدُ على حاجتِه، فتهطلُ الأمطارُ.
مَن قَنَّنَ هذا القانونَ؟ مَن أعطى الماءَ هذه الخاصةَ، خاصةَ التبخُّرِ؟ مَن أعطى الهواءَ هذه الخاصيّة، خاصيّةَ تحمُّلِ بخارِ الماءِ؟ مَن جعلَ لكلِّ درجةِ حرارةٍ كميةَ بخارِ ماءٍ محددَّةً لا تزيدُ عليها يحملها الهواءُ؟ في درجةِ الصفرِ خمسةُ غرامات، وفي عشرين درجة مئة وثلاثون غراماً، فإذا خَفَّضْنا الحرارةَ إلى الصفرِ طَرَحَ الهواءُ كميةَ بخارِ الماءِ التي تزيدُ على الكميةِ التي يتحمَّلُها بخارُ الماءِ في درجةِ الصفرِ فكانت الأمطارُ.
(2/86)

هذه الحقائقُ مبسطةٌ تبسيطاً أوَّلياً، لكنَّ الأمطارَ أَعْقَدُ مِن هذا بكثير، ولكن مِن أجل تقريبِ الحقيقةِ، هذه الخاصيَّةُ التي أَوْدَعَها اللهُ في الماءِ، وتلك الخاصيَّةُ التي أَوْدَعَها اللهُ في الهواءِ وهذه العلاقةُ بينهما، وهذه المساحاتُ الكبيرةُ من الماءِ التي تشغلها المحيطاتُ، وتلك أشعةُ الشمسِ التي تبخِّرُ الماءَ، وهذه الرياحُ التي تنشأُ مِن تفاوتِ درجاتِ الحرارةِ، تسوقُ السُّحبَ إلى أرضٍ عطشى، فتحيِيها بعدَ موتِها، هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ سبحانه وتعالى، ونعمةٌ من نِعمه، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] .

الماء وخصيصة التمدد والانكماش
قال العليمُ الخبيرُ:
{وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] .
هذه الآيةُ لا تتَّسِعُ المجلّداتُ لِتَفسيرها، ولكنْ نأخذُ جانباً يسيراً منها.
إنّ الماءَ الذي جَعلَهُ اللهُ سبحانه وتعالى أساسَ الحياةِ، مِن العلماءِ مِن يقول فيه: "إنّ خصيصيةً صغيرةً للماءِ، لو أنّها فُقِدَتْ لانتَهتِ الحياةُ على سطحِ الأرضِ"، فما هذه الخصيصةُ؟ هي أنّ الماءَ إذا برَّدْتهُ ينكمشُ، شأنهُ في ذلك كشأنِ كلّ العناصرِ التي على وجهِ الأرضِ، (الغازات، والسوائل، والأجسامِ الصلبةِ، فالعناصرُ كلمةٌ تجمعُ الغازاتِ، والسوائلَ، والأجسام الصلَبةَ، حيث إنّ كلّ العناصرِ التي خَلَقَها اللهُ سبحانه وتعالى تتمدّدُ بالحرارةِ، وتنكمشُ بالبرودةِ، والماءُ منها، فإذا أردتَ أنْ تبرّدَ الماءَ، وكان في درجةِ الغليانِ وراقبَتَ حجْمَه بأجهزةٍ حسّاسةٍ فإنّه ينْكمشُ، فإذا انخفضَتِ الدرجةُ مِن مئةٍ إلى ستّين، إلى أربعين، إلى ثلاثين، إلى عشرين، إلى عشرٍ، إلى خمسٍ، فإذا وصَلَ الماءُ إلى زائد أربع درجات؛ عندئذٍ تنعكسُ القاعدة، فيزدادُ حجمهُ ويتمدّدُ.
(2/87)

إنّ هذا شيءٌ ترونهُ بأمِّ أعينكم، ضَعوا في الثلاجةِ ماءً في وعاءٍ، وراقبوا حجمَهُ، تَرَوْنَهُ بعد التجمّدِ يزدادُ حجمُهُ، فإذا كانَ في قارورةٍ تنكسر، هذا شيءٌ معروفٌ لدى الإنسان، ولكن ما علاقةُ هذه الخصيصةِ بِوُجودِ الحياةِ على وجهِ الأرضِ؟ فلو أنّ الماءَ إذا تجمّدَ انكمشَ، أي قلَّ حجمُهُ، فزادَتْ كثافتهُ، فغاصَ في أعماقِ البحارِ، يأتي يومٌ تصبحُ جميعُ البحارِ متجمّدةً مِن سطحِها إلى أعماقِها، فإذا تجمّدَتْ انعدم التبخّرُ، وإذا انعدَم التبخّرُ انعدَمَت الأمطارُ، فماتتِ النباتاتُ، ومات الحيوانُ، ومات الإنسانُ، فلو أنّ الماءَ شأنهُ في التمدّدِ والانكماشِ كشأنِ جميعِ العناصرِ التي خَلَقَهَا الله عز وجل، لكانتِ الحياةُ قد انتهَتْ منذ ملايينِ السّنينِ، ولكنّ ازديادَ حجْمِ الماءِ، وتمدُّدَهُ في هذه الدرجةِ الحرجةِ، في درجةِ زائد أربعٍ، هذه الخصيصةُ التي أوْدَعَها اللهُ في الماءِ هي التي تجعلُ الحياةَ مسْتمرّةً على وجْهِ الأرض، فإذا تجمّدتِ المحيطاتُ كان هذا التجمّد باعثاً على ازديادِ حجمِ الماءِ، وإذا ازدادَ حجمهُ قلَّتْ كثافتهُ، وإذا قلَّتْ كثافتهُ طَفَا على وجْهِ الماءِ، فلو ذهبْنَا إلى المحيطاتِ المتجمّدةِ في القطبين لَرَأَيْنا التجمّدَ في الطّبقةِ السّطحيّةِ، وأمَّا في أعماقِ البحرِ فالمياهُ سائلةٌ تَسْبَح فيها الكائناتُ الحيّةُ كما لو أنّها في أماكنَ أخرى.
هل هذه الخصيصةُ التي أوْدَعَها اللهُ في الماءِ هو شيءٌ جاء مصادفةً؟ ولولا هذه الخصيصةُ لَمَا تكلَّم أحدُنا، بل لمَا كانتِ الحياةُ على وجه الأرض.
كلّما تأمَّلْتُمْ في آياتِ اللهِ التي بثّها اللهُ في الأرضِ عَرَفتُم أنّ لهذا الكون خالقاً عظيماً، ومُدبِّراً حكيماً، سميعاً بصيراً، قويّاً، رحيماً، لطيفاً، هذا الكونُ هو الذي يدلّ عليه، كما أن الأقدام تدل على المسير.. أفسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فِجاجٍ، ألا تَدُلانِ على الحكيمِ الخبيرِ؟!.

{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ}
(2/88)

صحَّ في الحديثِ القدسيِّ أنّ اللهَ عز وجلَّ يقولُ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ؛ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ".
ممّا يؤكدُ أنّ تقتيرَ الأمطارِ لا يمكنُ أنْ يكونُ تقتيرَ عجزٍ كشأنِ البشرِ، ولكنّه تربيةٌ وتأديبٌ، هذا الخبرُ الذي أعلمتْ فيه وكالةُ الفضاءِ الأوربيةُ أنَّ مرصدَ الفضاءِ الأوربيَّ العاملَ بالأشعةِ تحتَ الحمراءِ رصدَ غيمةً مِن البخارِ في الفضاءِ الخارجيِّ، يمكنُ لها أنْ تملأَ محيطاتِ الأرضِ ستينَ مرةً في اليوم الواحدِ بالمياهِ العذبةِ.
وعلَّقَ أحدُ علماءِ الفلَكِ فقال: "إنّ المرصدَ عثرَ على غيومٍ للبخارِ في أكثرَ مِن مكانٍ في الكونِ"، إلا أنّ هذه الغيمةَ التي اكتشفَها مؤخراً تعدُّ مصنعاً عظيماً لبخارِ الماءِ، وهذا مصداقُ قولِ اللهِ تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21] .
وأما معنى التقتيرِ التربويِّ أو التأديبيِّ ففي قولِه سبحانه: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ولاكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآء} [الشورى: 27] ، وقولِه: {وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} [الجن: 16-17] ، وقولِه عز وجل: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} [المائدة: 66] .
إنّ الجاهلين والشاردين يخوِّفون أهلَ الأرضِ، مرةً بنقصِ الغذاءِ، وأخرى بنقصِ الماءِ، وتارةً باقترابِ نضوبِ آبارِ النفطِ، فيفتعلون حروباً مِن أجلِ المياهِ تارةً، وحروباً مِن أجلِ القمحِ تارةً أخرى، وأحدثُ هذه الحروبِ مِن أجلِ النفطِ، وفاتَهُم أنَّ تقليلَ اللهِ عز وجل لمادّةٍ مَا هو تأديبٌ، وليس عجزاً منه.
(2/89)

قانون الدفع نحو الأعلى
إنّ هذه الأمطارَ التي يُكرِمُنا اللهُ بها، وهذه الثلوجَ التي يمتنُّ اللهُ بها علينا ما مصدرُها؟ هذا سؤالٌ دقيقٌ، لأن اللهَ سبحانه وتعالى يَحُثُّنا أنْ ننظرَ في مَلكوت السماواتِ والأرضِ، قال سبحانه: {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض} [يونس: 101] .
إنّ مصدرَ هذه الأمطارِ الأولَ هذا البحرُ، ونسبةُ مساحةِ البحرِ كما تعلمون إلى مساحةِ الأرضِ بكاملِها واحدٌ وسبعون في المئة، فسطحُ الأرضِ واحدٌ وسبعون بالمئة منه بحرٌ، وتسعةٌ وعشرون بالمئة بَرٌّ، سؤالٌ دقيقٌ: مِن أينَ جاءتْ هذه المياهُ الكثيرةُ؟
يزيدُ عمقُ بعضِ النقاطِ في المحيطِ الهادِي على اثني عشرَ ألف مترٍ، أي اثني عشر كيلو متراً، فإذا كانت قارّةُ آسيا، وقارةُ أوروبة، وقارةُ أمريكا، وقارةُ إفريقية، وقارة أوقيانوسيا، والقارةُ السادسةُ، (القطبُ الجنوبيُّ) ، إذا كانت كلُّ هذه القارَّاتِ بما فيها مِن بلادٍ، وعبادٍ، وسهولٍ، وجبالٍ، وصحارى، نسبتها تسعٌ وعشرون بالمئة مِن مساحةِ الأرضِ، وما تبقَّى بحرٌ، وبأعماقٍ متفاوتةٍ، وقد تبلغُ بعضُ أعماقه اثني عشرَ ألف مترٍ، فمِن أينَ جاءتْ هذه المياهُ؟
ومِن أينَ جاءَ هذا المِلحُ؟ لا تزالُ نظريةُ ملوحةِ البحرِ نظريةً تائهةً، لا تهتدي إلى تفسيرٍ صحيحِ.
شيءٌ آخرُ، مَن جَعَلَ هذا البحرَ يمتلئ بالأسماكِ؟ إنه مستودعٌ لأغذيةِ البشرِ، على تعاقُبِ القرونِ والعصورِ، إذْ إنَّ في البحرِ ما يزيدُ عَلى مليونِ نوعٍ من السَّمَكِ، فأنواعُ الأسماكِ لا تعدُّ ولا تُحصَى، وأعدادُها لا تعدُّ ولا تحصى، وقد جَعَلَه اللهُ مخزناً غذائياً لبني البشرِ.
شيءٌ آخرُ، جَعَلَ اللهُ البحرَ وسيلةَ اتصالٍ بين القارَّاتِ، وجَعَلَ سطْحَه موزعاً بين القارَّات، هذا كلُّه فيه أبحاثٌ طويلةٌ، ولكنْ أريدُ هنا أنْ أَقِفَ عند قانونٍ أساسيٍّ في البحرِ.
إنّ هذا القانونَ يقول: إنَّ كلَّ جسمٍ غاطسٍ في الماءِ يتلقَّى مِن الأسفلِ إلى الأعلى دَفْعاً عَمودياً، قائماً، مساوياً لوزنِ الماءِ المزاحِ المُعادِل لحجمِ هذا الجسمِ.
(2/90)

احملْ شيئاً ثقيلاً، واغْمِسْه في الماءِ، تشعر أنّ نصفَ وزنِه قد تَلاشَى، كأنَّ قوةً تَدْفَعُه نحو الأعلى، هذه القوةُ يحكُمُها قانونٌ، إنَّ قوةَ الدفعِ نحو الأعلى تساوِي وزنَ الماءِ المُعَادِلَ لحجمِ هذا الجسمِ، ولولا هذا القاونُ لَمَا أمكنَ أنْ يُرْكَبَ البحرُ، هذا القانونُ بسببه تَسْبَح الأسماكُ، ولولا قانونُ القوةِ الدافعةِ نحو الأعلى لمَا وجدتَ في البحرِ سمكةً واحدةً، فالأسماكُ تَسْبَح في البحرِ لأنّ وزنَها أقلُّ مِن وزنِ الماءِ الذي أَزَاحَتْهُ بانغماسِها في الماءِ، لذلك تجدُ السمكةُ قوةً دافعةً نحوَ الأعلى.
لولا هذا القانونُ لما أَمْكَنَ لسفينةٍ أن تَمْخُرَ عُبَابَ البحرِ، لذلك قال ربُّنا سبحانه وتعالى:
{الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ} [الجاثية: 12] .
إنّ أحدثَ رقمٍ اطَّلعتُ عليه: أنّ هناك ناقلاتِ نفطٍ تزيدُ حمولتُها على مليونِ طنٍّ، سَمِعْنا قبل سنواتٍ عن سبعمئة ألف طنٍ، وثمانمئة ألفِ طنٍّ، ونصف مليونِ طنٍّ، أَحْدَثُ ناقلاتِ النفطِ تزيدُ حمولتُها على مليونِ طنٍّ، إنَّها مدينةٌ تَمْخُرُ عُبَابَ الماءِ، بفضل مَنْ؟ بفضلِ هذه القوةِ التي أَوْدَعَهَا اللهُ في الماء، قوةِ الدفعِ نحو الأعلى، وهي تعملُ بأمرِ اللهِ، هذا القانونُ اكتشفه عالمٌ مِن علماءِ الغَربِ وهو أرخميدس.
لقد أشارَ ربُّنا سبحانه وتعالى إلى هذا القانونِ في آياتٍ كثيرةٍ.
الآية الأولى: {الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ} ، تنقلون البضائعَ، والحبوبَ، والأغذيةَ، والآلاتِ عَبْرَ المحيطاتِ على ظَهْرِ هذه السفنِ، التي هي في البحرِ كالأعلامِ، أي كالجبالِ، ثم قال سبحانه: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12] .
آيةٌ ثانيةٌ تشير إلى هذا القانونِ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله} [لقمان: 31] ، بفضل هذا القانون.
آيةٌ ثالثة: {وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام} [الشورى: 32] .
آيةٌ رابعة: {وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام} [الرحمن: 24] .
(2/91)

آيةٌ خامسة: {والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس} [البقرة: 164] .
آيةٌ سادسة: {وَمَا يَسْتَوِي البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [فاطر: 12] ، أي إنّ هذا اللؤلؤَ خُلِقَ خِصِّيصي لكم أيها البشر.. {وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12] .
هذه مِن آياتِ الله عزَّ وجل، أي إنّك إذا استعملتَ شيئاً قد جُلِب واستُورِدَ مِن بلادٍ بعيدة فاذكرْ هذه الآياتِ، ولولا أنّ اللهَ سبحانه وتعالى جَعلَ هذا القانونَ - قانونَ الدفع نحو الأعلى - لَمَا أَمْكَنَ لسفينةٍ أنْ تنقلَ لك هذه البضاعةَ التي تستعملُها، إذاً هذه آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته، {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 25] .

علاقة الماء بلون الصخور
إنْ مِن آياتِ الإعجازِ العلميِّ المتعلقةِ بالماءِ قولَ اللهِ جلَّ جلالُه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 27-28] .
وَرَدَ اختلافُ الألوانِ في ثلاثِ فقراتٍ في هذه الآيةِ.
(2/92)

قد يعجبُ الإنسانُ مِن علاقةِ إنزالِ الماءِ من السماءِ باختلافِ ألوانِ الجبالِ، ففي بحثٍ مطوَّلٍ ومعقَّدٍ جداً ملخَّصُه أنّ الماءَ، هذا العنصرَ الحيويَّ، والذي يُعَدُّ مِن أعلى العناصرِ المُذيبَةِ والفعَّالةِ، تبيَّن أنه هو العاملُ الحاسمُ في تلوينِ الجبالِ، التي تأخذُ ألوانَها من ألوانِ معادنِها التي تشتركُ في بنيتها، والمعادنُ تتلوَّنُ بِقدْرِ أَكْسَدَتِها، حيث إنّ الماءَ له علاقةٌ بهذه الأكسدةِ، لذلك تجدُ أنّ أحدَ عواملِ تلوينِها، واختلافِ ألوانِها؛ من جبالٍ كالغرابيبِ السودِ، وجبالٍ جُدَدٍ بيضٍ، وحمرٍ مختلفٍ ألوانُها يعودُ إلى الماءِ، لذلك قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} .
(2/93)

فكلما تقدّمَ العلمُ كَشَفَ عن جانبٍ من إعجازِ القرآنِ الكريمِ العلميِّ، مِن أجلِ أن نعلمَ علمَ اليقينِ أنَّ الذي أنزلَ هذا القرآنَ هو الذي خَلَقَ الأكوانَ، وأنّ هذا التوافقَ بين معطياتِ العلمِ، ومعطياتِ الوحيِ هو منطقيٌّ إلى درجةٍ قطعيةٍ، لأنّ الوحيَ كلامُ اللهِ، ولأنّ الكونَ خَلْقُ الله، واتِّحادُ المصدرِ يعني اتِّحادَ الفروعِ، فلا بدَّ مِن تطابقِ العلمِ الحقيقيِّ مَع النقلِ الصحيح، لذلك كنتُ أقول دائماً: إن الحقَّ دائرةٌ لا بدَّ أنْ تتقاطعَ فيها خطوطُ النقلِ الصحيحِ مع التأويل الصحيحِ، وخطوطُ العقلِ الصريحِ غيرِ التبريريِّ مع خطوطِ الفطرةِ السليمةِ غيرِ المشوَّهةِ، وخطوطِ الواقعِ الموضوعيِّ غير المزوَّر، فلا بد أنْ نعلمَ عِلْمَ اليقينِ أنّ الذي خَلَقَ الأكوانَ هو الذي أنزلَ هذا القرآنَ، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج: 63] ، هنا عطفٌ، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 27-28] .
{إِنَّمَا} تفيدُ القَصْرَ والحصرَ، أيْ: ما لمْ تطلبِ العلمَ فلا سبيلَ إلى أنْ تخشى اللهَ، فإنْ أردتَ أنْ تخشى اللهَ الخشيةَ الحقيقيةَ فلا بد مِن طلبِ العلمِ، لأن الله عز وجل يقول: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} ، أي العلماءُ وَحْدَهُم هم الذينَ يخشونَ اللهَ، ولا أَحَدَ سِواهُم.
(2/94)

قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ هاتين الآيتين: "يقولُ تعالى منبِّهاً على كمالِ قدرتِه في خَلْقِهِ الأشياءَ المتنوِّعةَ المختلفةَ مِن الشيءِ الواحدِ، وهو الماءُ الذي ينزِّله من السماءِ، يُخرِجُ به ثمراتٍ مختلفاً ألوانُها، من أصْفرَ وأحمرَ وأخضرَ وأبيضَ، وغيرِ ذلك من ألوانِ الثمارِ كما هو مشاهَدٌ من تنوُّعِ ألوانِها، وطعومِها، وروائحِها، كما قال تعالى في الآيةِ الأخرى: {وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] ، وقولُه تبارك وتعالى: {وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} ، أي: وَخَلَقَ الجبالَ كذلك مختلفةَ الألوانِ كما هو المشاهَدُ أيضاً، من بيضٍ وحمرٍ، وفي بعضها طرائقُ، وهي الجُدَدُ، جمع جُدَّة، مختلفةُ الألوانِ أيضاً، قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: الجُدَد: الطرائقُ ... والغرابيبُ: الجبالُ الطوالُ السودُ، قال ابن جريرٍ: والعربُ إذا وصفوا الأسودَ بكثرة السواد قالوا: أسودُ غِربِيب ... وقوله تعالى {وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} ، أي: كذلك الحيواناتُ مِن الأناسِيّ والدوابِّ، وهو كلُّ ما دَبَّ على القوائمِ، {والأنعام} من بابِ عطْفِ الخاصِّ على العامِّ، كذلك هي مختلفةٌ أيضاً، فالناسُ منهم بَربَر، وحبوشٌ، وطماطم في غاية السواد، وصقالبة، وروم في غايةِ البياضِ، والعربُ بين ذلك، والهنودُ دون ذلك، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: {واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} [الروم: 22] ، وكذلك الدوابُّ والأنعامُ مختلفةُ الألوانِ، حتى في الجنسِ الواحدِ، بل النوعُ الواحدُ منها مختلفُ الألوانِ، بل الحيوانُ الواحدُ يكونُ أبلق، فيه من هذا اللونِ، وهذا اللونِ، فتبارك اللهُ أحسنُ الخالقين ...
(2/95)

ولهذا قال تعالى بعد هذا: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} ، أي: إنما يخشاه حقَّ خشيتِه العلماءُ العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفةُ للعظيمِ القديرِ العليمِ الموصوفِ بصفاتِ الكمالِ، المنعوتِ بالأسماءِ الحسنى، كلما كانت المعرفةُ به أتمَّ، والعلمُ به أكْمَلَ، كانت الخشيةُ له أعظمَ وأكثرَ".

البحر المسجور
مِن أكثرِ الآياتِ الباهرة في البحارِ والمحيطاتِ ما جاءَ بهِ القرآنُ الكريمُ في مطلعِ سورةِ الطورِ في وصْفِ البحرِ بأنه مَسْجورٌ، قال تعالى: {والبحر المسجور} [الطور: 6] .
يقسمُ اللهُ تبارك وتعالى بهذا البحرِ المسجورِ، وهو تعالى غنيٌّ عن القَسَمِ لعبادِه، ولكنه يَلفت نظرَهم إلى عظمة المقْسَمِ به، فإنه تعالى لا يقسِمُ إلا بعظيمٍ، والمسجورُ في اللغةِ هو الذي أُوقِدَ عليه حتى أصبحَ حاراً، والماءُ يتناقضُ مع النارِ، لأنّ وجودَ أحدِهما ينقضُ وجودَ الآخرِ، حيث إننا نطفىء النارَ بالماءِ، فكيفَ يكونُ البحرُ مسجوراً؟ بعضُهم قال: ألاَ تتألف ذرةُ الماءِ مِن الأوكسجين والهيدروجين؟ والأوكسجين غازٌ مشتعلٌ، والهيدروجين غازٌ يُعِينُ على الاشتعالِ، فلو أنّ اللهَ فكَّ هذه العلاقةَ الباردةَ بينهما لأصبحَ البحرُ كتلةً من اللهبِ، هذا معنًى، بيْدَ أنّ عالماً معاصراً قال: "ثَبَتَ أنّ في قاعِ المحيطاتِ براكينَ تقذفُ باللهبِ من الصُّدوع"، وهذه آيةٌ من آياتِ الله في خَلْقِه، حيث إنه لولا هذه النارُ لَمَا استطاعتِ الكائناتُ الحيةُ في قاعِ المحيطِ أنْ تعيشَ في هذه الظلمةِ الحالكةِ، والعلماءُ في أواخرِ الستينيات من القرنِ العشرين، أي بعد أكثرَ من ألفٍ وأربعمئة عامٍ مِن نزولِ هذا القرآنِ يقرِّرون أنّ جميعَ المحيطاتِ، وعديداً من البحارِ قيعانُها مسجورةٌ بالنيرانِ، وهي الحقيقةُ التي ذَكَرَها القرآنُ قبلَ ألفٍ وأربعمئة عام، وسمَّاها: الْبَحْرَ الْمَسْجُورَ.

{هَـ?ذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـ?ذَا مِلْحٌ}
(2/96)

إنّ مِن آياتِ اللهِ الدالّةِ على عظمتِه هذه الملوحةَ التي نجدُها في البحارِ، حيث يقول العلماءُ: إنّ في كلِ لترٍ واحدٍ مِن ماءِ البحرِ سبعةً وعشرين غراماً مِن المِلحِ، وإنَّ العالَمَ بأَسْرِه يستهلِكُ في السنةِ ما يزيدُ على خمسين مليونَ طنٍّ مِن مِلحِ البحرِ، وإنّ نسبةَ الملحِ في مياهِ البحرِ تعادِلُ ثلاثةً ونصفاً بالمئة مِن مجموعِ مياهِ البحرِ، بل إنَّ في الكيلو مترِ المكعَّب، (وهو مكعبٌ ضلعُه كيلو متر) من مياهِ البحرِ أربعةً وثلاثين مليون طنٍّ مِن الملحِ.
لو استُخرِجَ ملحُ البحارِ وجُفِّفَ، ووُضِعَ على اليابسة - على قارّاتها الخمسِ - ولم نغادرْ مكاناً إلا فَرَشْنَا عليه هذا الملحَ الذي استخْرَجْناهُ مِن مياهِ البحارِ، لبلَغَ ارتفاعُ الملحِ المجفَّفِ على سطحِ اليابسةِ كلِّها مئةً وثلاثةً وخمسين متراً.
السؤالُ الذي يَلفِتُ النَظرَ: مِن أينَ جاءتْ هذه الكميةُ الكبرى مِن ملحِ البحارِ، الذي هو كلور الصوديوم؟ يقول بعضُهم: إنّ في البحارِ مِن الملحِ ما يساوي أربعةَ ملايين ونصفَ ميلٍ مكعبٍ، هذه كلُّها أرقامٌ دقيقةٌ مستخلَصَة مِن كتبٍ علميةٍ.
(2/97)

فمِن أينَ جاءَ هذا الملحُ؟ كيف وُضِعَ في البحرِ؟ هناك نظرياتٌ كثيرةٌ، بعضُها يقول: إنّ في قيعانِ البحارِ صخوراً مِلْحِيّةً تَفَتَّتتْ، وذابتْ في هذا الماءِ، وبعضُهم يقول: إنَّ السببَ مياهُ الأنهارِ، كلُّ هذه النظرياتِ التي تحاولُ أنْ تفسِّرَ ملوحةَ مياهِ البحرِ تجدُ الطريقَ مسدوداً لسببٍ بسيطٍ، هو أنَّ في الأرضِ عدداً كبيراً من البُحيراتِ العَذبةِ، فإذا كانتْ مياهُ الأنهارِ وحْدَها كافيةً لتمليحِ مياهِ البحارِ، فلماذا بقيتْ هذه البحيراتُ الضخمةُ عذبةً حلوةَ المَذاقِ - وهي أَشْبَهُ ما تكونُ ببحارٍ صغيرةٍ - مئاتِ الملايينِ مِن السنين، وما تفسيرُ ذلك؟ لا يزالُ سببُ تكون الملوحةِ في مياهِ البحرِ لُغْزاً كبيراً، ولا يفسَّرُ إلا بالآياتِ التاليةِ، يقول الله تعالى: {وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان: 53] ، فلن يصبحَ مالحاً؛ ولو صُبَّتْ عليه الأنهارُ، ولو تَفَتَّتَتْ فيه الصخورُ، ولو كانت على مَسِيرِ الأنهارِ جبالٌ من الملحِ، تبقى البحيرةُ العذبةُ عذبةً.
قال تعالى: {وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان: 53] ، فهذا الملحُ الأجاجُ مِن خَلْق الله، ومِن إرادة الله عزَّ وجل، {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} [الفرقان: 53] ، فلا يبغي هذا على هذا، ولو أن نهراً عذباً صُبَّ في بحرٍ لَسَارَ عشراتٍ، بل مئاتِ الكيلو مترات، وبقي عذباً، لأنّ بَيْنَ البَحْريْنِ برزخاً ما زالتْ طبيعتُه مجهولةً حتى الآن.
أمّا: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} [الفرقان: 53] فإنّ الحِجْرَ يمنعُ انتقالَ أسماكِ المياهِ العذبةِ إلى المياهِ المالحة، والعكسُ صحيحٌ.
يقولُ اللهُ عز وجل في سورة الواقعة: {أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 68-70] ، فلو شاء لجعله أجاجاً كمياهِ البحرِ ... أفلا تشكرون هذه النعمةَ؟!!
(2/98)

آيةٌ ثالثة، قال سبحانه: {وَمَا يَسْتَوِي البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12] .
ثمَّةَ قصصٌ كثيرةٌ تتحدَّثُ عن موتِ ألوفِ الأشخاصِ في مياهِ البحرِ عطشاً، فقد تغرقُ السفنُ، وينجو بعضُ ركَّابِها، ويركبون سفينةَ النجاةِ، لكنَّهم يموتون عطشاً، وهم على ظهرِ البحرِ، إذاً: {وَمَا يَسْتَوِي البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12] .
آيةٌ أخرى، هذه البحارُ ما كان لها أنْ تكونَ لولا أنّ اللهَ سبحانه وتعالى حينما خلَقَ الأرضَ جَعَلَ لها أحواضاً كبيرةً، يكفِي أنَّ بعضَ المحيطاتِ يزيدُ عُمْقُها على عشرةِ كيلو متراتٍ، مَن خَلَقَ هذه الأحواضَ؟
إنّ أحواضَ البحارِ آيةٌ، ومياهَ البحارِ آيةٌ، وملوحتَها آيةٌ، وما فيها مِن أسماكٍ آيةٌ، وما فيها مِن أصدافٍ وحليٍّ آيةٌ، واللهُ سبحانه وتعالى بَثَّ في الأرضِ آياتٍ كثيرةً، فقال تعالى:
{وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] .

البرزخ بين البحرين والحجر المحجور
آيتان في القرآنِ الكريمِ، واحدةٌ في سورةِ الرحمنِ، والثانيةُ في سورةِ الفرقانِ، الأولى قولُه سبحانه: {مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 19-21] .
لقد حارَ العلماءُ في تفسيرِ هذا البرزخِ، أين هو؟ أهو بين البحرِ الأحمرِ والبحرِ الهندي؟ أم بين البحرِ الأبيضِ والبحرِ الأسودِ؟ أم بين البحرِ الأبيضِ والمحيط الأطلسيّ، عند جبلِ طارقٍ، أين هذا البرزخُ؟ {مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 19-21] .
(2/99)

الشيءُ الذي يَلفِتُ النظرَ أن لكلِّ بحرٍ درجةَ ملوحةٍ ثابتةً، لا تنقصُ، ولا تزيدُ، مع أنّ البحرينِ متصلان، وله كثافةٌ لا تنقص ولا تزيد، وله حرارةٌ لا تنقص ولا تزيد، وله لونٌ لا يتغيَّر، فلو ركبَ الإنسانُ طائرةً، وحلَّقتْ به في الجوِّ، فوق بابِ المَنْدَبِ، أو فوق البوسفور، أو فوق مضيقِ جبلِ طارقٍ لَرَأَى أنّ هذا البحرَ شيءٌ، وذاك شيءٌ آخرُ.
لقد وجَدَ علماءُ البحارِ أنّ ذراتِ الماءِ في البحرِ الأحمرِ إذا وصلتْ في أثناءِ حركتها إلى خطٍّ وهميٍّ عند بابِ المندب تعودُ إلى البحرِ الأحمرِ، وأنّ ذراتِ المحيطِ الهندي إذا اتجهت إلى البحرِ الأحمرِ تنخفضُ نحو الأسفلِ عندَ هذا البرزخِ، وتعاودُ الكَرَّةَ نحو المحيط الهندي، فلا يطغى المحيطُ الهنديُّ على البحرِ الأحمرِ، وأنّ البحرَ الأحمرَ لا يختلطُ بالمحيطِ الهندي، لأن: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 20] ، ولكلٍ منهما كثافةٌ، وحرارةٌ، ومُلوحةٌ، لا تزيدُ، ولا تنقصُ، كذلك البحرُ الأبيضُ، مع البحرِ الأسودِ، والبحرُ الأبيضُ مع المحيطِ الأطلسيّ.
قال تعالى: {مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} ، لكنّ هذا البرزخَ ليس جداراً، إنه مرنٌ، وهذا الالتقاءُ المذكورُ في الآية: {مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ} ، يكون على شكلِ تماوُجٍ.
أما الآيةُ الثانيةُ التي في سورةِ الفرقانِ ففيها شيءٌ آخر: {وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} [الفرقان: 53] .
(2/100)

إنّ بين البحرين؛ العذبِ والمالحِ؛ برزخاً وحِجراً محجوراً، حيث تزيد غزارَةُ بعضِ أنهارِ أمريكا على ثلاثمئة ألف مترٍ مكعبٍ في الثانيةِ، وتَصُبُّ في المحيط الأطلسيّ، ويمتدُ مسيرُها في البحرِ ثمانينَ كيلو متراً، هذا الماءُ العذبُ يسيرُ داخلَ الماءِ المالحِ، ومعَ ذلك لا يختلطانِ، ولا يتمازجانِ، لأنَّ: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} ، فهناك بين الماءِ العذبِ، والماءِ المالحِ حجرٌ محجورٌ، والحجرُ المحجورُ يعني أنّ معظمَ أسماكِ المياهِ العذبةِ لا تدخلُ في المياهِ المالحةِ، وأسماكَ المياهِ المالحةِ لا تدخلُ في المياهِ العذبةِ، ففي الحِجر المحجور حَجْرٌ على هذه الأسماكِ مِنْ أنْ تنتقلَ إلى الماءِ المالحِ، وحَجرٌ على تلك الأسماكِ أنْ تنتقلَ إلى الماءِ العذبِ، بينهما برزخٌ، وحجرٌ محجورٌ: {وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} .
هذا مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه، أي إنّ البحارَ لا تختلط، مع أنها متصلةٌ، فهل تستطيعُ أنْ تضعَ في وعاءٍ كأساً من الماءِ المالح، وكأساً من الماءِ العذبِ ولا يختلطان؟ هل تستطيع أن تفصلَهما بعد ذلك؟ هل لك أنْ تشربَ القِسْمَ العذبَ من هذا الوعاءِ؟ هذا شيءٌ فوقَ طاقةِ الإنسانِ: {مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 19-21] .
(2/101)

وحينما اطَّلع بعضُ هؤلاء العلماءِ، وهم في نشوةِ اكتشافِهم هذا، على أنَّ في القرآنِ الكريمِ إشارةً إلى هذا الكشفِ العلميِّ، وهي قوله تعالى: {مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، أخذَتْهم الدهشةُ، وقد اكتشفوا أيضاً أنَّ بين البحرين الملحِ الأجاج، والعذب الفراتِ شيئين.. حاجزاً يمنعُ مياهَ كلِّ بحرٍ أنْ تطغى على الآخرِ، كما هو بين البحرين المالحين، وحاجزاً يمنع أسماكَ المياهِ العذبةِ أنْ تنتقلَ إلى المياهِ المالحةِ، ويمنع أسماكَ المياهِ المالحةِ أنْ تنتقلَ إلى المياهِ العذبةِ، فلا يبغي بحرٌ على بحرٍ، بل يحافظُ كلُّ بحرٍ على كثافةِ مياههِ، ودرجةِ ملوحتِه، ومكوِّناتِه، وهذا الحاجزُ بين البحرين ليس ثابتاً، بل هو متحركٌ بفعلِ الرياحِ، وحركةِ المدِّ والجزْرِ، وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى هذا الكشفِ العلميِّ الثاني، فسمّى الحاجزَ الأولَ برزخاً، وسمّى الحاجزَ الثانيَ حِجراً، فقال تعالى: {وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} .
أمَّا طبيعةُ هذين الحاجزين فما تزال موضعَ دراسةٍ.
قال الطبري: "وإنما عرَفْنا قدْرتَه بحجزِه هذا الملحَ الأجاجَ عن إفسادِ هذا العذب الفراتِ مع اختلاطِ كلِّ واحدٍ منهما بصاحِبه.
فأمّا إذا كان كلُّ واحدٍ منهما في حيّزٍ عن حيّزِ صاحِبه فليس هناك حرجٌ، ولا هناك من أعجوبةٍ ما ينبّه عليه أهلُ الجهلِ به من الناسِ ويذكرون به، وإنْ كان كلُّ ما ابتدعه ربُّنا عجيباً، وفيه أعظمُ العِبَرِ والمواعظِ والحُجَحِ البوالِغ".

التوافق العددي في القرآن الكريم (البر والبحر)
(2/102)

في القرآنِ الكريمِ أنواعٌ من الإعجازِ وألوانٌ، منها الإعجازُ البلاغيُّ، والرياضيُّ، والتشريعيُّ، والإخباريُّ، ومن اللافتِ للنظرِ هنا التوافقُ العدديُّ، ومنه: أن كلمة البَرّ (اليابسة) وردتْ في القرآنِ ثلاث عشرة مرةً، وأنّ كلمة البحرِ - بلفظِ الإفرادِ- وردَتْ في القرآنِ الكريمِ ثلاثاً وثلاثينَ مرَّة، مع العلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ البحرَ، ولا يعنيه منه شيءٌ، وإذا جمَعنا الآياتِ التي وردتْ فيها كلمةُ (البرّ) و (البحر) ، كان الناتجُ ستّاً وأربعين آيةً، تُكوِّنُ وحدةً هي (البَرّ) ، و (البحر) ، فإذا قسَّمْتَ آياتِ (البحرّ) على هذا المجموعِ كانت النِّسْةُ بالضّبْطِ هي نسبةَ البرِّ إلى البحرِ على وجهِ الأرض.
إنّ هذه النّسبةَ هي واحدٌ وسبعون بالمئة بحراً، وتسعةٌ وعشرون بالمئة بَرّاً، فإذا قسَّمت ثلاثةَ عشرَ على سِتّة وأربعين يكون الرّقْمُ مُساوياً لهذه النِّسْبة، فهل هذا الكلامُ كلامُ بَشَرٍ؟ كيف جاءَ عددُ آياتِ البَرِّ مع عددِ آياتِ البحرِ، مع نسبةِ آياتِ البَرِّ إلى مجموعِ آياتِ البرِّ والبحرِ، كيف جاءَتْ هذه النِّسْبةُ مطابِقةً لِنْسبةِ البَرِّ إلى البحرِ؟! هذا لَوْنٌ مِن إحكامِ القرآنِ الكريمِ، واصْطُلِحَ على تسميَتِهِ الإحكامَ الحِسابيَّ.
لقد ذُكِرَ الشّهرُ اثنتي عشرةَ مرّةً بالتمامِ والكمالِ، هل هذا مصادفةٌ؟ هل هذا كلامُ بَشَرٍ؟ إنه كلّما مرَّتِ الأيامُ، وكلّما تقدّمَ العلمُ، وكلّما تقدَّمَتِ البحوثُ العِلْميّةُ يُكتشفُ في القرآنِ الكريمِ أوجهٌ للإعجازِ لم تكن معلومةً من قَبْلُ.
هذا القرآنُ الكريمُ كلامُ اللهِ، وفضْلُ كلامِ اللهِ على كلامِ خلْقِه كَفَضْلِ اللهِ على خلْقِهِ، هذا القرآنُ الكريمُ، هو الكتابُ المقرّرُ، الذي نؤدِّي فيه جميعاً الامتحانَ، فهنيئاً لمن تعلَّمهُ، وهنيئاً لمَن قَرَأَه، وهنيئاً لِمَن علّمه، وهنيئاً لمن تعاملَ معه، وهنيئاً لِمَن جعلهُ دستوراً في حياته، وهنيئاً لمن أَخَذَ به، ولمن صدَّقه، ولمن عَمِلَ به، فالقرآنُ غنًى لا فقْر بَعْده، ولا غنًى دونه، وهو شافعٌ مشفّعٌ، وحَبْلُ اللهِ المتينُ.
(2/103)

فَلْنَعُدْ إلى هذا القرآنِ، ولنرجعْ إليه، فهو النَّبْعُ الأوّلُ للإسلامِ، قال تعالى: {إِنَّ هاذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] ، وقال سبحانه: {فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى} [طه: 123] ، وقال: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] .
إنّ ألوانَ الإعجازِ لا تعدّ، ولا تُحصَى، وهذا بعضٌ مِن إعجازِ القرآنِ الكريمِ.

تيار الخليج البحري
إذا نَزلَ الإنسانُ إلى البحرِ فإنَّ قطراتِ الماءِ التي تمسُّ جلدَه ربّما تكونُ قد وصلتْ من توِّها بعدَ رحلةٍ استغرقَتْ عدَّة سنينَ، لأنّ الماءَ يجري في تياراتٍ من خطِّ الاستواءِ إلى القطبين، ومِن القطبين إلى خطِّ الاستواءِ، وقد يقطعُ مسافةٌ تزيدُ على خمسة عشرَ ألف كيلومتر، فهذا الماءُ الذي تجدُه في البحرِ ماءٌ متبدّلٌ يقطعُ رحلاتٍ طويلةً، بعضُها إلى الشمالِ، وبعضُها إلى الجنوبِ، وبعضُها إلى الشرقِ، وبعضُها إلى الغربِ، وهناك قوانينُ معقّدةٌ جدّاً تحكمُ حركةَ الماءِ في المحيطاتِ، ولكنّ الذي يَعنِينا أنَّ سبَبَ هذه الحركةِ في أصلِها أنَّ أشعَّةَ الشمسِ تسخِّنُ الماءَ الذي في خطِّ الاستواءِ فيتمدَّدُ، ويرتفعُ قرابةَ عشرينَ سنتمتراً، وهذا الارتفاعُ الطفيفُ يساهمُ في تشكيلِ تيارٍ نحوَ الشمالِ، وأنَّ الماءَ في القطبين يبردُ، ومع برودتِه يثقلُ فيغوصُ في الأعماقِ، ويتَّجهُ نحو خطِّ الاستواءِ، فهناك تياراتٌ سطحيّةٌ، وتياراتٌ عميقةٌ.
هذه المقدّمة نريدُ أنْ نصلَ منها إلى أنّ مِن آياتِ الله الدالةِ على عظمتِه تيارَ الخليج، هذا التيارُ سرعتُه ثمانية كيلو متراتٍ في الساعة، فإذا دخلتْ فيه السفينةُ، وأطفأتَ محرّكاتِها فإنَّها تسيرُ ثمانية كيلو مترات في الساعة دونَ أنْ تعملَ محرّكاتُها.
(2/104)

عرضُ هذا التيارِ يزيدُ على ثمانين كيلو متراً، وعمقُه يزيد على أربعمئة وخمسين متراً، وهذا التيارُ كثافتُه أربعةُ ملايين طنٍّ من الماءِ في الدقيقةِ؛ ماذا يفعلُ هذا التيارُ؟ يُذيب مئةً وثلاثينَ ألفَ طنٍّ مِن الكُتَلِ الثلجيّةِ في القطبين في عشرةِ أيّامٍ، ولهذا التيارِ فوائدُ لا تُعدُّ ولا تُحصَى، إنَّه يجعلُ المنطقةَ الباردةَ في أوربة منطقةً معتدلةً، وهذه الأجواءُ اللطيفةُ في دولِ إسكندنافية سببُها تيارُ الخليجِ.
وهناك تياراتٌ تجري في أعماقِ البحرِ، على عمقِ ثلاثةِ آلافِ مترٍ، والغواصاتُ إذا أطأتْ محرّكاتِها تنتقلُ من مكانٍ إلى آخرَ عَبْرَ هذا التيارِ، وهذا شيءٌ يَلفِتُ النَّظَر.
(2/105)

لكنّ الآيةَ الثانية الدالةَ على عظمةِ الله في هذا الموضوعِ هي: أنّ هناك تياراً بارداً يتَّجِه نحو شواطئ أمريكة الجنوبيّةِ لِيَصلَ إلى بلادِ البيرو والشيلي، ماذا يفعل هذا التيارُ؟ هذا التيارُ يحملُ كمّياتٍ كبيرةً من الأعشابِ البحريّةِ، وهذه الأعشابِ البحريّةُ تجتذبُ أعداداً فلكيّةً من أسماكِ السردين، هذه الأسماكُ هي غذاءٌ لعشراتِ الملايينِ من طيورٍ تعيش على شواطئ هذه البحارِ اسمُها غرابُ البحرِ، وهذه الطيورُ لها مخلّفاتٌ، تُعدُّ المادَّةَ الأولى لِدَخْلِ تلك الشعوبِ، لأنّ أرقى أنواعِ الأسمدةِ في العالَمِ من مُخلَّفاتِ هذه الطيورِ، خمسون مليونَ طائرٍ تؤخذُ مخلّفاتُها بالجرافاتِ، وتُصَدَّر إلى شتَّى أنحاءِ العالمِ، وهذه الأُممُ والشعوبُ في شواطئ أمريكا الجنوبيّةِ دَخْلُها الأوّلُ والأخيرُ مِن مخلّفاتُ الطيورِ التي تعيشُ على أسماكِ السردينِ، وتَلْتَهِمُ في العام بِتَقديرِ العلماءِ ما يزيدُ على ثلاثة ملايين طنٍّ من هذه الأسماكِ، وهذه الأسماكُ تُجتَذبُ إلى هذا المكانِ بِفِعْل الأعشابِ التي يحملُها هذا التيارُ، ولحكمةٍ يريدُها الله أنه يُغَيِّرُ مسارَ هذا التيارِ مِن حينٍ لآخرَ، فإذا غيَّرَ مسارَه لم يأتِ بهذه الأغذيةِ لهذه الأسماكِ، فتموت، وتموت معها الطيور، وعندئذٍ يعاني الشعبُ من حينٍ إلى آخرَ مِن مجاعاتٍ قاتلةٍ بسببِ ضعفِ إنتاجه، أليْسَت هذه آيةً دالّةً على أنَّ اللهَ هو الرزاقُ ذو القوَّةِ المتينُ، يسوقُ هذا التيارَ بما فيه من ذو القوَّةِ المتينُ، يسوقُ هذا التيارَ بما فيه من أعشابٍ مغذِّيةٍ، وتأتي هذه الأسماكُ بأرقامٍ فلكيّةٍ، فتستهلِكُ منها الطيورُ ثلاثةَ ملايين طنّ في العام، وهذه الأسماكُ هي طعمةُ الطيورِ، والطيورُ لها مخلّفاتٌ، ومخلّفاتها أرقى أنواعِ الأسمدةِ، تُصَدَّرُ إلى مختلفِ بلاد العالمِ، فيكاد دخلُ هذه الشعوبِ ينحصرُ في مخلّفاتِ الطيورِ، وهذا بسببِ هذا التيارِ الباردِ الذي يأتي إلى شواطئ أمريكة الجنوبيّة.
(2/106)

هناك مَن يقدِّر أنّ أكثرَ من خمسين مليون طائرٍ يعيش على هذه الشواطئ لِيَلْتَهِمَ هذه الأطنانَ الكثيرةَ مِن أسماكِ السردين، وتتركُ هذه المخلّفاتِ التي تُصدَّر إلى أكثرِ بلادِ العالمِ، هذا تيارُ الخليجِ الحارُّ، وذاك التيارُ الباردُ، وهذا تيارُ السطح، وذاك تيارُ الأعماقِ، ولحركةِ الماءِ في البحارِ موضوعٌ دقيقٌ، وطويل، ومعقَّد، وقد ذكرتُ منه بعضاً.
وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَه آيةٌ ... تدلُّ على أنّه الوَاحِدُ
مَن رَزَقَ هذه الأسماكَ؟ وتلك الطيورَ؟ إنه اللهُ جلّ جلالُه، مَن رَزَقَ الناسَ بِمُخلّفاتِ الطيورِ، وعاشوا على دخلٍ كبيرٍ؟ هذا تقديرُ الرزَّاقِ العليمِ.
إذا أردتَ أنْ تقفَ أمامَ عظمةِ الله عز وجل فهذا الكونُ أمامك بسمائِه، وأرضِه، وببِحاره، وبأسماكِه، وأجوائِه، وبأطيارِه، وبجبالِه، وبوِدْيانِه، بِنَباتاته، بِحَيواناته، بِخَلقِ الإنسانِ، إنه أقصرُ طريقٍ إلى اللهِ، وأوْسعُ بابٍ إلى معرفته، قال عز وجل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] .

ماء زمزم طعام طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ
لقد وصفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ماءَ بئرِ زمزمَ فقال: "إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ"، وفي روايةٍ عندَ البزَّار بسندٍ صحيحٍ عن أبي ذرٍّ: "وَشِفَاءُ سُقْمٍ".
وعن ابن جريجٍ رحمه الله قال: سمعتُ أنه يُقَالُ: (خَيْرُ مَاءٍ فِي الأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ ... ) .
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ"، وزاد الدارقطني في سنَنِه من حديث ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما مرفوعاً: "فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ الله، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِشِبَعِكَ أَشْبَعَكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ اللهُ، وَهُو هَزْمَةُ جِبْرِيلَ - أي حفْرُه - وَسُقْيَا اللهِ إِسْمَاعِيلَ".
(2/107)

وأخرج ابن ماجه في المناسك عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَالِساً، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ زَمْزَمَ، قَالَ: فَشَرِبْتَ مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي؟ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: إِذَا شَرِبْتَ مِنْهَا فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَتَنَفَّسْ ثَلاَثاً، وَتَضَلَّعْ مِنْهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَاحْمَدِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ إِنَّهُمْ لا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ".
وقد حرصَ الصحابةُ والتابعونَ وكثيرٌ مِن علماءِ الأُمَّةِ وعامَّتِها على التَّضَلُّع مِن ماءِ زمزمَ، أي أنْ تملأَ الضلوعَ منهُ، معَ استحضارِ نيَّاتٍ معينةٍ عند الشُّربِ منه؛ لأنّ الدعاءَ مستحبٌّ عند الشربِ من ماءِ زمزمَ، فزمزمُ لِمَا شُرِبَ له، وقد رُوِي عن جابر أنه إذا شربَ ماءَ زمزم دعا فقال: (اللَّهُمَّ إِنَّي أَشْرَبُهُ لِظَمَأ يَوْمِ القِيَامَةِ) .
ووردَ عن ابنِ عباس رضي الله عنه أنه كان إذا شرِبَ ماء زمزم قال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً، وَرِزْقاً وَاسِعاً، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ) .
قال بعضُ العلماءِ: "مَاءُ زَمْزَمَ سَيِّدُ الْمِيَاهِ، وَأَشْرَفُهَا، وَأَجَلُّهَا قَدْراً، وَأَحَبُّهَا إِلَى النُّفُوسِ، وَأَغْلاهَا ثَمَناً، وأَنْفَسُهَا عِنْدَ النَّاسِ".
هذا ما في السنةِ الصحيحةِ والحسنةِ، والأثرِ عن ماءِ زمزمَ، فماذا في العلمِ وتحليلاتِه الدقيقةِ عن ماءِ زمزمَ؟.
أُجرِيتْ في عامِ (1973) ، وفي عام (1980) تحاليلُ كيميائيةٌ من قِبَلِ شركاتٍ عالَميةٍ عملاقةٍ ومتخصصةٍ، فكانت النتائجُ عجيبةً، حيثُ إنّ مياهَ زمزمَ خاليةٌ تماماً مِن أيِّ نوعٍ مِن أنواعِ الجراثيمِ المسبِّبةِ للتلوُّثِ.
(2/108)

وتعدُّ المياهُ معدنيةً - ويتهافت الناسُ على شرائِها - إذا كانتْ نسبةُ أملاحِ المعادنِ فيها من (150) إلى (350) ملغ في اللتر، أمّا مياهُ زمزمَ فتبلغُ نِسَبُ المعادن فيها (2000) ملغ في اللتر، ومِن أبرزِ هذه الأملاحِ المعدنيةِ الكالسيوم، والصوديوم، والمغنزيوم، والبوتاسيوم وغيرها.
ويُعَدُّ ماءُ زمزمَ مِن أغنَى مياهِ العالَمِ بعنصرِ الكالسيوم، إذ تبلغُ نسبتُه فيه مئتي ملغ في اللتر الواحدِ، لقد صَدَقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: "إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ".
وقد دلَّتِ البحوثُ العلميةُ الحديثةُ الصحيحةُ على أنّ أمراضَ شرايينِ القلبِ التاجية أقلُّ حدوثاً عند الذين يشربون مثلَ هذه المياه، ولقد صدّقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: "شِفَاءُ سُقْمٍ".
وتُعَدُّ المياهُ غازيَّةً هاضمةً إذا احتوتْ ما يزيد على (250) ملغ في اللتر مِنَ البيكربونات، ومِن أشهرِ المياهِ الغازيَّة في العالَم مياهُ نَبْع (إِفْيَان) في فرنسا، إذ تبلغُ نسبةُ البيكربونات في (357) ملغ في اللتر، أمَّا ماءُ زمزم فنسبةُ البيكربونات فيه (366) ملغ في اللتر الواحدِ، ولقد صدّقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ".
يذكر بعضُ علماءِ الطبِّ أنَّ المياهَ المعدنيةَ تفيدُ في علاجِ كثيرٍ مِنَ أمراضِ الروماتيزم، وزيادةِ حموضةِ المعدةِ، والإسهالِ المزمِنِ، وعُسْرِ الهضمِ، وهي ذاتُ تأثيرٍ مُدِرٍّ، ومُلَيِّنٍ، ومرمِّمٍ لنقصِ المعادنِ في الجسمِ، ولقد صدقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: "فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ الله، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِشِبَعِكَ أَشْبَعَكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ اللهُ".
إنّ ماءَ زمزمَ ليس عذباً حلواً، بل يميلُ إلى المُلوحةِ، وإنّ الإنسانَ لا يشربُ مِن هذا الماءِ الذي يميلُ إلى الملوحةِ إلا إيماناً بما فيه مِنَ البركةِ، فيكونُ التضَلُّعُ منه دليلاً على الإيمانِ.
(2/109)

ولعلّ اللهَ عزّ وجلّ لم يجعلْه عذباً حتى لا تُنْسِيَ العذوبةُ فيه معنى التعبّدِ عند شُربِهِ، لكنَّ طعمَه على أيِّ حال مقبولٌ، ولقد صدقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: "إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ إِنَّهُمْ لاَ يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ".
والآن نسأل: ما المؤسَّساتُ العلميةُ العاليةُ التي كانتْ على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتي أعطتْهُ هذه الحقائقَ المدهِشةَ عن ماء زمزمَ؟ ومَن هي هيئاتُ البحوثِ المتخصصةُ التي تَوَصَّلَتْ إلى هذه النتائجِ الدقيقةِ عن هذا الماء؟ وما نوعُ المخابرِ العملاقةِ التي حَلَّلَتْ، واستنتجتْ نِسَبَ أملاحِ المعادنِ في ماءِ زمزمَ بدقةٍ بالغةٍ، والتي اعتمد عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أحاديثه عن هذا الماءِ المبارَكِ؟ إنّه الوحيُ، وما ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحى.
قال الإمام ابن القيم: "وقد جرَّبتُ أنا وغيري مِن الاستشفاءِ بماءِ زمزمَ أموراً عجيبةً، واستشفيتُ بهِ من عِدَّةِ أمراضٍ، فبرأْتُ بإذنِ اللهِ، وشاهدتُ مَن يتغذَّى به الأيامَ ذواتِ العددِ قريباً من نصفِ الشهرِ، أو أكثر، ولا يجدُ جوعاً، ويطوفُ مَعَ الناسِ كَأَحَدِهم، وأخبرني أنّه ربما بَقِيَ عليه أربعين يوماً ... ويصومُ، ويطوفُ مراراً".
نسأل اللهَ أنْ يسقيَنا من حوضِ نبيّه الكريمِ يومَ القيامة، يومَ العطشِ الأكبرِ شربةً لا نظمأُ بعْدَها أبداً.

النبات
أثر القرآن في تقويم سلوك النبات
(2/110)

ثمَةَ باحثٌ من دولةٍ عربيةٍ مجاورة عُرِف بإنتاجِه العلميِّ والعمليِّ على المستويين العربي والدولي، اختصاصُه في علم فزلجةِ النباتِ، وهو أستاذٌ جامعي له وزنُه العلميُّ، وقد اشتهرَ بتجارِبه العمليةِ الرائدةِ، أمّا التجربةُ التي سنعرِض لها فربما لا تصدقونها، إلا أنّ الواقعَ أَثْبَتَها، ويؤكِّدُها قولُه سبحانه وتعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولاكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [الإسراء: 44] ، وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41] ، وقوله: {هُوَ الله الخالق البارىء المصور لَهُ الأسمآء الحسنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم} [الحشر: 24] ، فـ (مَا) في هذه الآيةِ لغيرِ العاقلِ، وقوله: {والنجم والشجر يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] .
يقولُ هذا الباحثُ: النباتاتُ كالأجرامِ السماويةِ، وكمخلوقاتِ اللهِ الأخرى تشعرُ، وتسمعُ، وتستجيبُ سلباً أو إيجاباً لِمَا حَوْلَها مِن مؤثِّراتٍ خارجيةٍ، هذا مُلخَّصُ البحثِ.
(2/111)

وأمّا مفصَّلُه فقد أَجرَى هذا الباحثُ في حديقةِ كُليّةِ العلومِ تجربةً عام 1997، فَنَصَبَ أربعةَ بيوتٍ بلاستيكيةٍ موحَّدةٍ في حجمِها، مَلأَها بكمياتٍ متساويةٍ من الترابِ، وَزَرَعَ فيها قمحاً مِن نوعٍ معيَّن، وغرسَ فيها بذورَ الحنطةِ على عمقٍ واحدٍ، وتمَّ تسميدُها جميعاً بكمياتٍ متساويةٍ مِن سمادٍ معيَّنٍ، وسُقِيَتْ جميعاً بالعددِ ذاتِه مِن السُّقْيَا، وبكمياتِ متماثلةٍ من الماءِ، ثم اختارَ إحدى طالباتِه لتقرأَ السورَ القرآنيةَ التالية: (يس، والفاتحةَ، والإخلاصَ، وآيةَ الكرسيّ) ، مرتين في الأسبوعِ على البيتِ الأولِ، وفي البيتِ الثاني كلَّفَ طالبةً أنْ تأتيَ بنباتٍ وتمزِّقَه، وتعذَّبَه أمامَ النباتِ المغروس، وأنْ تقطعَ أوصالَه، وأنْ تذْكُرَ كلماتٍ قاسيةً نابيةً أمامَ هذا النباتِ، مرتين في الأسبوعِ أيضاً، وكلَّفَ طالبةً ثالثةً بضربِ النباتِ الثالثِ وَكَيِّهِ، وتعريضِ وُرَيْقَاتِه للقصِّ، فهناك نباتٌ عُذِّبَ أمامه نباتٌ آخرُ، ونباتٌ تَلَقَّى التعذيبَ، ونباتٌ قُرئتْ أمامه آياتٌ من كتابِ الله، أمّا البيتُ الرابعُ فَتَرَكَه ينمو نمواً طبيعياً، وأطلقَ عليه اسمَ (البيت الضابط) .. فماذا كانت النتيجةُ؟.
كانت النتيجةُ التي عَرَضَهَا في مؤتمرٍ علميٍّ أنّ نباتَ البيتِ الذي قُرِئ أمامه القرآنِ الكريمِ ازداد طولُه أربعةً وأربعين بالمئة على طولِ النباتِ الضابطِ في البيتِ الرابعِ، وازدادتْ غَلَّتُه مئةً وأربعين بالمئة على غَلَّةِ البيتِ الرابعِ الضابطِ، أما البيتُ الثاني والثالثُ اللذان تحمّلا التعذيبَ، أو رَأَيَا التعذيبَ فقد تدنَّى طولُهما خمسةً وثلاثين بالمئةِ، وهَبَطَ إنتاجُه إلى ثمانين بالمئةِ، وهذا تفسيرٌ علميٌّ للبركةِ، فحينما يزرعُ المؤمن يقرأ القرآنَ بنفسٍ طيبةٍ، ويذكرُ اللهَ دائماً، فهذا الذِّكرُ أمامَ النباتِ يزيدُ في الغَلَّةِ.
(2/112)

يقولُ هذا العالِمُ: "إنّ الدُّنُمَ الواحدَ الآن يعطِي ألفاً وخمسمئة كيلو، وكان مِن الممكنِ أنْ يعطيَ أربعةَ عشرَ طناً بالآية الكريمة: {مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .
وقد نستغربُ أنّ هذا النباتَ يستمعُ إلى القرآنِ، ويستجيبُ له، فَلِمَ تعجبون؟ فإنّه {لَوْ أَنزَلْنَا هاذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] ، فأيُّهما أقربُ إلى الحياةِ النباتُ أم الجبلُ؟
هذا القرآنُ الكريمُ أُنزلَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليكونَ منهجاً لنا، فالإنسانُ الذي أُنزِلَ القرآنُ من أجلِه غَفَلَ عنه، ولكنّ النبات استجابَ له، قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولاكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [الإسراء: الآية 44] ، وقال: {لَوْ أَنزَلْنَا هاذا القرآن على جَبَلٍ} [الحشر: 21]- لا على نبات حيٍّ - {لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] ، وقال سبحانه تعالى: {والنجم والشجر يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] .
فإذا كان هذا شأنَ النباتِ مع القرآنِ الكريمِ، فهل يُعقَل مِن هذا الإنسانِ، وهو المخلوقُ المكرَّمُ، والمعنيُّ الأولُ أنْ يَغفلَ عن هذا القرآنِ الذي يهدِي للتي هي أَقْوَم، حتّى يَصدُقَ على المسلمين قولُه تعالى:
{وَقَالَ الرسول يارب إِنَّ قَوْمِي اتخذوا هاذا القرآن مَهْجُوراً} [الفرقان: 30] .

النباتات مهمتها تخزين الماء
(2/113)

إنّ بعضَ النباتاتِ في الصّحراءِ مهمّتُها الأساسيّةُ تخزينُ الماءِ، فالمسافرُ في الصّحراءِ يحتاجُ إلى الماءِ بالدرجةِ الأولى، ولذلك فإنّ بعضَ النباتاتِ في الأراضي القاحلةِ، وفي الأراضي الجافّةِ تستطيعُ أنْ تختزِنَ في جَوْفِها الماء، ويستطيعُ الإنسانُ أو الحيوانُ أنْ يأخذَ حاجتهُ مِنَ الماءِ حينما يقْطَعُ بعضَ أطرافِ أغصانِها، عندئذٍ ينسابُ إليه الماءُ العذبُ الزلالُ مِن هذا النباتِ الذي خُلِقَ لِيَكون مُستوْدعاً لك - أيُّها الإنسانُ - في طريقِك، هذه النباتاتُ تختزنُ كمِّياتٍ كبيرةً من الماءِ في نُسجٍ خاصّةٍ تُدعى هذه النّسجُ النسيجَ المُدَّخِرَ للماءِ، وهذا النسيجُ في قلبِ أعضاءِ النباتِ، وهو كالإسفنجِ، ويصلُ هذا المخزونُ في بعضِ الأحيانِ إلى ثلاثةِ آلافِ لترٍ في فصْلِ الجفافِ، هذا خلْقُ اللهِ، خلقٌ تامٌّ، وخلقٌ كامِلٌ، كلُّ حاجاتِ الإنسانِ مَوْفورةٌ، أمّا الفسادُ فيظهرُ حينما نقطعُ الغاباتِ، ونفسِدُ الصحراءَ، وحينما نلوّثُ المياهَ، وحينما نلوّثُ الجوِّ تظهرُ الأمراضُ، وتظهرُ الحالاتُ غيرُ الصحيحةِ.
إنّ موضوعَ التلوُّثِ موضوعٌ خطيرٌ، يندرجُ تحت قولِه تعالى: {وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل والله لاَ يُحِبُّ الفساد} [البقرة: 205] .

انجذاب النبات
إنّ النباتَ ينجذبُ إلى الضوءِ، فلو وضعتَ نباتاً في غرفةٍ، ولهذه الغرفةِ نافذةٌ واحدةٌ، ترى أنّ أغصانَ النباتِ، وأوراقَ النباتِ تتّجهُ إلى تلك النافذةِ التي يأتي منها الضوءُ، ولكنّ الأدقَّ مِن ذلك أنّ أوراقَ الشجرِ تنتظمُ بشكلٍ رائعٍ، حيثُ تواجِه كلُّها أشعةَ الشمسِ، فقلَّما تتداخلُ أوراقُ الأشجارِ فيما بينها، وإذا تداخلتْ فإلى حدٍّ أدنى مِن التداخلِ، لا بد مِن أنْ تتّجهَ أوراقُ الأشجارِ جميعُها إلى أشعةِ الشمسِ، فمَن أَوْدَعَ في هذا النباتِ هذه الخاصَّةَ؟ {أإلاه مَّعَ الله} [النمل: 63] .
(2/114)

شيءٌ آخرُ: جاؤوا بنباتٍ، ووضعوهُ بشكلٍ أُفُقِيٍّ في أنبوبٍ، فإذا بالجذرِ يتّجهُ نحو الأسفلِ، وبالساقِ يتّجهُ نحو الأعلى، فالجذرُ يتجهُ نحو الرطوبةِ والماءِ، والساقُ يتّجِهُ نحو الشمسِ والهواءِ، فمن الذي جَعَلَ هذا النباتَ يتجهُ جزءٌ منه نحو أشعةِ الشمس، وجزءٌ يتجهُ نحو الأرضِ {أإلاه مَّعَ الله} .
أمْرٌ آخر: هناك أشجارٌ يصلُ طولُ جذورِها إلى ثلاثينَ متراً بحثاً عن الماءِ، فمَن أودعَ في النباتِ هذه الخاصيَّةَ؟ الساقُ يتجهُ نحو الأعلى، والجذرُ يتجهُ نحو الأسفلِ، فلو كان الماءُ في طرفٍ مِنَ التربةِ دون طرفٍ لاتجهتِ الجذورُ نحو الماءِ، وهي في باطنِ الأرضِ، ولو كان الساقُ متجهاً نحو الأعلى، وكان الضوءُ من جهةٍ أخرى لاتجهتِ الأغصانُ نحو الضوءِ، والسؤال: هل المادةُ عاقلةٌ؟
إنّ ظاهرةَ النباتِ وحْدَها تلفتُ النظرَ، فإنّ الانجذابَ نحو الضوءِ، والانجذابَ نحو الماءِ، والانجذابَ نحو الأرضِ للجذورِ، ونحو السماءِ للفروعِ آيةٌ من آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتِه.
هناك ظاهرةٌ في النباتِ تؤكِّدُ عظمةَ اللهِ، حيث إنّ النباتَ إذا عطشَ ينبغي أنْ يستهلكَ ماءَ الجذورِ، ومع ذلك فهو لا يستهلكُ إلا ماءَ الأوراق، وبعد أنْ يستهلكَ ماءَ الأوراقِ يستهلكُ ماءَ الأغصانِ، وبعد أنْ يستهلكَ ماءَ الأغصانِ يستهلكُ ماءَ الفروعِ، وبعد أنْ يستهلكَ ماءَ الفروعِ يستهلكُ ماءَ الجذعِ، وبعدَ أنْ يستهلكَ ماءَ الجذعِ يستهلكُ ماءَ الجذورِ، فآخِرُ ماءٍ يستهلِكُه النباتُ حينما يُمنعُ من الريِّ هو ماءُ الجذور، فقد ينسى الفلاحُ أنْ يسقيَ الشجرةَ أياماً طويلةً، وقد تشحُّ السماءُ بماءِ الأمطارِ، لكنّ هذا النباتَ لا يستهلكُ إلا الماءَ الذي لا يضرُّ عدمُ وجودِه، وآخِرُ ماءٍ يستهلكُه النباتُ هو ماء الجذورِ، فإذا استهلك ماءَ الجذورِ، ويبستِ الجذورُ يبسَ النباتُ، وماتَ.
أَيُّ حكمةٍ وراءَ هذه القاعدةِ؟ {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .
(2/115)

إنّ كلَّ شيءٍ في الأرضِ يدلُّ على عظمةِ اللهِ، ويدلُّ على حكمةِ اللهِ، ويدلُّ على علمِ اللهِ، ويدلُّ على رحمةِ اللهِ، ويدلُّ على فضلِ اللهِ عز وجل.

معامل الورق الأخضر
ليس منا أَحَدٌ إلا ورأى الأرضَ في فصلِ الربيعِ، وقد ازْدانَتْ، وارْتَدَتْ حلَّةً قشيبةً، حيث الأشجارُ مزهرةٌ مثمرةٌ، وبعضُها قد أوْرق، والأرض بِساطٌ أخضرُ، فهل تفكَّرنا في هذه الآيةِ التي أشارَ اللهُ إليها بقوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وجنات مِّنْ أَعْنَابٍ والزيتون والرمان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلكم لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99] .
أنْ تصبحَ الأرضُ مخضرّةً فهذا مِن آياتِ اللهِ تعالى، أنْ تصبحَ هذه الشجرةُ، وقد ارتَدَتْ هذه الحلّةَ القَشيبَةَ فهذا من آيات الله تعالى، أنْ تنبت أنواعُ الأزهار فهذا مِن آياتِ اللهِ تعالى، واللهُ سبحانه وتعالى يقولُ أيضاً: {فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24-32] .
فهذا الذي يذهبُ إلى نزهةٍ، ولا يعنِيه إلا أنْ يستمتعَ بالمناظرِ الجميلةِ، دونَ أنْ يسبّحَ اللهَ عز وجل، ودونَ أنْ يرى في هذا الفصلِ آيةً كبرى دالّةً على عظمتِه عز وجل فهو إنسانٌ غافلٌ عن القرآن الكريم، فهذه آيةٌ كريمةٌ تلفِتُ النَّظَر، يقولُ اللهُ تعالى: {الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} [يس: 80] .
قد يسألُ سائلٌ: هذا الشّجرُ الأخضرُ لا يحترقُ إلا إذا كان يابساً، فكيف يقولُ اللهُ تعالى: {الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} ؟.
(2/116)

اكتشفَ العلماءُ أنّ الخليّةَ الخضراءَ الواحدةَ تقومُ بِبِناء عشرينَ مركَّباً عُضويّاً في دقيقة واحدةٍ إذا عُرِضَتْ لأشعّةِ الشمسِ، فالنباتُ يتغذّى بالماءِ، وبعضِ الموادِّ المعدنيّةِ والعضويّةِ، وأكثرُ ما يأخذ مِن الهواءِ غازَ الفحْمِ، الذي يُسهِمُ في تكوينِ بنيةِ النباتِ، فإنّ بنيةَ النباتِ لا كما يتوهّمُ الإنسانُ أنّها تَتَأتّى مِن الترابِ، بل تتأتّى من المعملِ العظيمِ الذي أودعهُ اللهُ في الأوراقِ الخُضرِ، فكأنّ الله سبحانه وتعالى حينما قال: {الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} ، أشار بذلك إلى أنّه لولا الأوراقُ الخضراءُ في النباتِ لَمَا كان الشّجرُ، وهذه الصّفةُ مترابطةٌ مع الموصوفِ ترابطاً وُجوديّاً، ولولا عملياتُ البناءِ التي تجرِي في الورقةِ الخضراءِ إذا تعرَّضتْ لأشعةِ الشمسِ والهواءِ لَمَا كان نباتٌ، فلو زرعْنا نباتاً في ظلامٍ لم ينبت، ولو لم يتعرّضْ لأشعّة الشمسِ لم يَنْمُ، فهذه الأشجارُ الباسقةُ، وهذه الجذوعُ الكبيرةُ التي تزنُ الأطنانَ إنّما هي نتيجةٌ لِتَفاعلٍ دقيقٍ يجري في أوراقِ الأشجارِ.
هذا السؤالُ يَرِدُ، كيف يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: {الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} ؟.
إنّ الشجرَ الأخضرَ لا يحترق! ولكنّ الشجرَ اليابسَ هو الذي يحترقُ، لكنْ هذا إشارةٌ إلى أنّ هذا الشجرَ ما كان له أن يكون شجراً لولا أنّ الله سبحانه وتعالى زوَّده بهذه المعامل التي لا تُعدّ ولا تحصى، وإنّ كلَّ خليّةٍ في كلّ ورقةٍ معملٌ ينتِجُ الموادَّ العضويّةَ التي تُسهِمُ في نموّ النباتِ، وفي ازديادِ حجْمِه، هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى، وقد رُوِيَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ يَكُونَ نُطْقِي ذِكْراً، وَصَمْتِي فِكْراً، وَنَظَرِي عِبْرَةً"، فإذَا تنزَّه الإنسانٌ فيجب ألا يكونَ غافلاً عن آياتِ الله، قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] .
(2/117)

هذه الشجرةُ يراها الإنسانُ في الشتاءِ حطباً، ثم يأتي الربيع فيراها قد أزهرتْ، فمِنْ أين جاءها الزّهرُ؟ وبعدَ الزّهرِ تأتي البراعمُ، وبعد البراعمِ تأتي الأوراقُ، هذا فِعْلُ من؟ ويدُ مَن؟.
وإذا رأيْتَ النبْتَ في الصحراءِ يربو وحدَه فاسأْلهُ مَنْ أَرْبَاكَ؟
من جعلك تنمو؟ إنه الله خالقُ كل شيءٍ، {انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلكم لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99] .

اليخضور في النبات
يقال: إنَّ أعظمَ معملٍ صَنَعَه الإنسانُ لا يرقَى إلى ما يجرِي داخلَ الورقةِ الخضراءِ، فماذا في الورقة؟
إنّ في الورقةِ مادةً اسمُها اليخضورُ، إذا تعرّضَتْ هذه المادةُ لأشِعَّةِ الشمسِ تَحَوَّلَتْ جزيئاتُ اليخضورِ إلى مُفاعلٍ حراريٍّ جبَّارٍ، يقومُ بشطرِ جزيئاتِ الماءِ التي في الورقةِ، وإذا انشطرتْ جزئياتُ الماءِ التي في الورقةِ تَحَلَّلتْ إلى أوكسجين، وإلى هيدروجين.
وبالمناسبةِ لو أَرَدْنَا أنْ نشطرَ نحن بالوسائلِ الماديةِ جُزيئاً من الماءِ إلى هيدروجين وأكسجين لاحْتَجْنا إلى طاقةٍ تساوِي تسخينَ الماءِ ألفين وخمسمئة درجةٍ، وإنّ الإنسانَ يتنفَّسُ الأكسجينَ باستمرارٍ، وكذلك النباتُ، والحيوانُ، فكيف تبقى النسبةُ ثابتةً؟
تقولُ بعض الإحصائياتِ العلميةِ: إنَّ المجموعَ الخضرِي في الأرضِ يُحَوِّلُ مئةَ بليونِ طُنٍّ من الفحمِ مع خمسةٍ وعشرينَ بليونَ طُنٍّ من الهيدروجين إلى موادّ غذائيةٍ، وإلى مئةِ بليونِ طنٍّ من الأكسجينِ، من أجلِ أنْ يبقى الهواءُ ذا نِسَبٍ نظاميةٍ من حيث الأكسجينُ، والآزوتُ، وغازُ الفحم.
(2/118)

مِن الثابتِ أنّ الطَّاقةَ التي تنتِجُها عملياتُ التحليلِ اليخضوريِّ تساوي عشرةَ أضعافِ الطاقةِ التي يستهلِكُها الإنسانُ في العالَمِ كلِّه كلَّ عامٍ، فأوراقُ شجرةٍ واحدةٍ متوسطةِ العُمُرِ تصنعُ في الساعةِ الواحدةِ كيلو غراماً من الموادِ الغذائيةِ، ويتحوَّلُ هذا الناتجُ الغذائيُّ في أثناءِ الليلِ إلى سكرٍ يغذِّي النباتَ، أو يخزَّن على شكلِ نشاءٍ احتياطيٍّ في النباتِ، قال الله تعالى: {الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} [يس: 80] .
وكلمةُ {الأخضر} تفيدُ اليخضورَ؛ لأنّ هذه الورقةَ في كلِّ شجرةٍ معملٌ عظيمٌ، يؤدِّي عملاً جباراً لا يستطيعُ الإنسانُ تصوُّرَهُ.

البذور وأنواعها
إنّ اللهَ سبحانه جَلَّتْ حكمتُه جَعَلَ البذرةَ أساساً لحياةِ النباتِ، وجعلَ البذْرةَ أساساً لتكاثُرِها، ففي البذرةِ عالَمٌ كبيرٌ، لو اطَّلَعْنا عليه لخَشَعَتْ قلوبُنا.
إنّ البذرةَ يتبايَنُ حجمُها مِن جوْزةِ الهندِ الكبيرةِ، التي هي بذرةٌ إلى بذارٍ يزيدُ عددُ ما في الغرامِ منها على سبعينَ ألفَ بذرةٍ! إنها كالغبارِ، ولكنّ القاسِمَ المشتركَ بين كلّ البذورِ أنّ في كلّ بذرةٍ كائناً حيّاً، إنّه الرُّشَيمُ، ولهذا الكائنِ الحيِّ غذاءٌ مدروسٌ، ومحدودٌ، وموزونٌ، فإنْ شئتَ أن تعرفَ شيئاً عنه فائْتِ بِبَعضِ حبّاتِ الفاصولياءِ أو الحِمِّصِ، وضَعْهَا على قُطنٍ مُبَلَّلٍ، وانظرْ كيف أنّ هذا الرُّشيمَ الحيَّ ينمو إلى سُوَيقٍ، وإلى جُذَيرٍ، وحجمُ الحِمِّصِ يكفي لِتَغذيةِ هذا الرُّشيمِ إلى أنْ يصبحَ الجذرُ قادراً على امتصاصِ الغذاءِ مِن التربةِ.
(2/119)

أمّا الشيءُ الذي يأخذُ بالألبابِ فهو أنّ هذه البذورَ لها أحوالٌ شتّى، بعضُ هذه البذورِ مجنَّحَةٌ، لها أجنحةٌ، تطيرُ مئات الكيلو متراتِ، تطيرُ فتنقلُ الاخضرارَ من بلدٍ إلى بلدٍ، إنّ الرياح تنقلها، وتقطع بها مئاتِ الكيلومتراتِ لِتُزْرعَ زراعةً طبيعيّةً في أراضٍ رطْبةٍ، فَتَنبُتُ الأشجارُ ذاتُ البهجةِ والجمالِ، وبعضُ هذه البذورِ لها زغَبٌ كَزَغَبِ الصوفِ، تطيرُ أيضاً في الهواءِ، ولكن لِمَسافاتٍ قصيرةٍ، فالتي خُلِقَتْ لِتَنتقلَ عبْرَ القارّاتِ، وعبْر مئات الكيلومتراتِ لها أجنحةٌ، أما التي خُلقَتْ لِتَنتقلَ عبْرَ مسافاتٍ فلها زُغاباتٌ كَزُغاباتِ الصّوفِ.
ومِن البذورِ ما لها غلافٌ عازلٌ لا تتأثَّرُ بالماءِ، تنتقلُ عبْرَ الأنهارِ، وعبْرَ السّيولِ، من مكانٍ إلى آخرَ، إنّها مغلّفةٌ تغليفاً محكماً عازِلاً، حيثُ لا تؤثّرُ خُصوبةُ الماءِ في نموِّ الرُّشَيمِ.
وإنّ مِن البذورِ ما لها أشواكٌ تلتصقُ بجسمِ بعضِ الحيواناتِ لتنتقلَ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، وإنّ بعضَ البذورِ فيها مادّةٌ لاصقةٌ تلتصقُ بأرجلِ بعضِ الطّيورِ لِتَنتقلَ عبْرَ هجرتِها من بلادٍ إلى بلادٍ.
وإنّ مِن البذورِ ما هي مودَعَةٌ في غلافٍ ينفجرُ في بعضِ الظروفِ الطبيعيّةِ، فإذا انفجرَ هذا الغلافُ تناثرَتِ البذورُ.
وإنّ مِن البذورِ، ولا سيّما البذورُ الرّعويّةُ ما هي موضوعةٌ في محفظةٍ، والمحفظةُ فوق لوْلبٍ، فإذا وقعَ اللّوْلبُ على الأرضِ ساهَمَتِ الرّيحُ في غرسِهِ في الأرضِ، ثمّ تنتقلُ البذورُ عبْرَ هذا اللّوْلبِ إلى باطن الأرضِ، وهذا يتمُّ مباشرةً من دونِ تَدَخُّلِ الإنسانِ.
الشيء المدهِشُ أنّ بعضَ النباتاتِ التي تنمو في الصّحراءِ، أو تنمو في الباديةِ، يزيدُ طولُ جذْرِها على سبعة عشر متراً نحو أعماقِ الأرضِ لِتَمتصَّ الرّطوبةَ منها.
(2/120)

هذا هو خلْقُ اللهِ، في أماكنِ الجفافِ، في أماكنِ الأمطارِ القليلةِ، حيث الحاجةُ إلى نباتاتِ تتحمَّلُ الجفافَ، تكون جذورُها ذاتَ وضْعٍ خاصٍّ، إنّها تضربُ في أعماقِ التربةِ إلى ما يزيدُ على سبعة عشر متراً، كي تأخذَ الرّطوبةَ من الأرضِ، إنّ لهذه النباتاتِ زغاباتٍ تلتقِطُ الرّطوبةَ من الجوِّ، {هاذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ} [لقمان: 11] ؟ بذورٌ لها أجنحةٌ، وبذورٌ لها زغاباتٌ، وبذورٌ لها غلافٌ عازلٌ للماءِ، وبذورٌ لها أشواكٌ، وبذورٌ فيها مادّةٌ لاصقةٌ، وبذورٌ مودَعَةٌ في كيسٍ ينفجِرُ في بعضِ الأحيانِ، وبذورٌ تضرِبُ جذورُها في أبعادٍ كبيرةٍ كي تأخذَ الرّطوبةَ.
إنّ البذارَ وحدهُ آيةٌ كبرى مِن آياتِ اللهِ تعالى على عظمتِه.

البذور وتحملها لعوامل التعرية
إنّ من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه أنَّك ترى الأرضَ قاحلةً جرْداءَ، وترى الأرضَ تراباً، وتَمضِي عليها سنواتٌ تلْو سنواتٍ، سنواتٌ سبعٌ، أو سنواتٌ عشرٌ، ولا ترى في هذه الأرضِ إلا الرّمالَ، ولا ترَى في هذه الأرضِ إلا الترابَ، فإذا جاءتْها الأمطارُ الغزيرةُ أنْبتَتِ النباتاتِ، والأزهارَ، والأعشابَ ما تحارُ فيهِ العُقولُ! ألَمْ يخْطُر بِبَالِكَ هذا السّؤالُ: هذه السنواتُ العشرُ التي كانت فيها الأرضُ جرداءَ، مِن أين جاءتْها البذور، فأنبتَتْ هذه النباتاتِ؟ سؤالٌ وجيهٌ، لا أحَدَ أَلْقَى فيها البذورَ، لقد تحوَّلتْ مِن أرضٍ قاحلةٍ إلى جنةٍ خضراءَ، مَنْ ألقى فيها البذورَ؟ وإذا كانتْ قد أُلقِيَتْ فيها البذورُ من قبلُ فلماذا لم تمُتِ البذورُ؟ هنا السؤال، وهنا الآية.
على حينِ أنّ الصّخورَ الصلبةَ القاسيَةَ تتأثّرِ بِعَواملِ التعريَةِ، وعواملُ التعريَةِ: الرّياحُ، والأمطارُ، والحرُّ، والقرُّ، هذه تجعلُ الصّخورَ تراباً، وتفعلُ فعْلَها في الصّخورِ، وتفعلُ فعْلها في الجبال، وتفعلُ فعْلَها في مجاري الأنهارِ، وهذه البذورُ التي أَوْدَعَها اللهُ في الأرضِ ألا تؤثِّرُ فيها عواملُ التعريَةِ؟
(2/121)

قال العلماءُ: "إنّ البذورَ قد خُلِقَتْ خَلْقاً يجعلُها في مَنجاةٍ من عواملِ التعْرِيَةِ"، فإذا كانتْ مع الترابِ، ولا ترَاها عيْنُك، فلسنواتٍ تلْوَ سنواتٍ يعتريها حرٌّ وقرٌّ، ورياحٌ شديدةٌ، وطقسٌ قاسٍ، وصقيعٌ شديدٌ، وهذه البذورُ تبقى محافظةً على حياةِ رُشيْمِها، وعلى الغلافِ الرقيقِ الذي يُحيطُ بالرُّشَيمِ، وعلى الجُذَيرِ، وعلى السُّوَيقِ، وعلى مِحفظةِ الغذاءِ سنواتٍ طويلةً، وبعد هذه السنواتِ تأتي الأمطارُ، فإذا الأرضُ جنةٌ خضراءُ، وإذا الأزهار فوّاحَةُ الرائحةِ، وإذا الألوانُ مشرقةٌ، ومتناسبةٌ، فأين كان كلُّ هذا؟ لقد جَعَلَها اللهُ في مَنجاةٍ من عواملِ التَّعريَةِ التي تؤثِّرُ في الصّخورِ.
(2/122)

مثَلٌ قريبٌ، وقريبٌ جدّاً؛ لقد جهَّزَ اللهُ سبحانه وتعالى المَعِدةَ بِحمْضٍ من أشدِّ الحموض تأثيراً، إنَّه حمضُ كلورِ الماءِ، إذا تناولْتَ لَحماً مِن أقسى اللّحوم، فإنّ هذا الحمضَ الذي في المعِدَةِ كفيلٌ بأنْ يجعلهُ سائلاً كالحليبِ، وهناك تجارِبُ أُجْرِيَتْ، إذْ وُضِعَتْ قطعةٌ من اللّحم القاسي في كُرةٍ مثقّبةٍ، وأُطْعِمَتْ لبعضِ الحيواناتِ، وبعدَ أنْ ذُبِحَ الحيوانُ، والْتُقِطَت الكرةُ لم يَجِدِ العلماءُ اللّحمَ الذي كان فيها، فقد نفذتِ العُصاراتُ الهاضمةُ إلى الكرةِ الحديديّةِ، وأذابَتِ اللّحمَ، يا تُرَى عمليّةُ الهضْمِ أساسُها حركةٌ ميكانيكيّة، أم أساسُها عصاراتٌ كيماويّةٌ؟ كلاهما، ولكنْ إذا اسْتعَصَى طعامٌ على الهضمِ الميكانيكيِّ تأتي العصاراتُ الكيمياويّةُ فتجعلهُ كَيلوساً، والكَيْلوسُ هو السائلُ، فكلُّ الأطعمةِ التي تأكلُها مهما تكن صلبةً، بِفِعل هذه الخمائرِ، وهذه الأحماضِ، فإنها تغْدو سائلاً سهلاً صالحاً للامتِصاصِ، ومع ذلك فإنّ أنواعاً كثيرةً مِنَ البذورِ تأكلُها مع الفواكهِ تخرجُ كما دخَلَتْ، ولا تستطيعُ العواملُ الميكانيكيّةُ في المعدةِ، ولا العواملُ الكيماويّةُ أنْ تؤثّرَ فيها، وهذه آيةٌ من آياتِ الله عز وجل؛ فإنّ اللهَ عز وجل زوَّدَ البُذورَ بِحَصانةٍ تجعلُها في منجاةٍ من أيِّ تأثيرٍ ميكانيكيٍّ، وأيِّ تأثيرٍ كيماويٍّ، هذه آيةٌ من آياتِ الله عز وجل، ولا تنْسَوا أنَّه قد اسْتَخرجَ العلماءُ من الأهراماتِ المصريّةِ قمحاً خُزِّنَ فيها قبلَ سِتَّة آلافِ عامٍ! وزُرِعَ القمحُ ونبتَ! فهذا الرُّشَيْم الصغيرُ الحسّاسُ الذي أوْدَعَ اللهُ فيه الحياةَ، وزوَّدَهُ بِقِشْرةٍ رقيقةٍ، وفي هذه القشْرة غذاؤُه، وزوَّدَهُ بِسُوَيقٍ وجُذَيرٍ، هذه الحياةُ الدقيقةُ اللطيفةُ التي أوْدَعَهَا اللهُ في الرُّشَيمِ بقِيَتْ سِتَّة آلاف عامٍ دون أن تُمسَّ بأذى، قال تعالى: {هاذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [لقمان: 11] .

قشرة القمح (النخالة) وفائدتها الصحية
(2/123)

إنّ اللهَ تعالى جعلَ القمحَ لبني البشرِ غذاءً كاملاً، ولكنّ عنايةَ الله سبحانه وتعالى، إضافة إلى أنّها جَعَلَتْ هذا القمحَ ينبتُ في كل بقاعِ الأرضِ، ينبتُ في السهولِ، وينبتُ في الجبالِ، وينبتُ في الأغوارِ، وينبتُ في الأجواءِ الباردةِ، وينبتُ في الأجواءِ الحارّةِ، وينبتُ في الأجواءِ المعتدلةِ، وفي كلِّ لحظةٍ من لحظاتِ الزمنِ هناك قمحٌ على وجهِ الأرضِ ينبتُ، ولكنَّ الإبداعَ الإلهيَّ لهذه الثمرةِ أنه جَعَلَها كاملةَ الغذاءِ، ففيها غلافٌ خارجيٌّ يزن تسعةً في المئةِ من مجموعِ وزنِها، يُسمَّى عند الناس النُّخالة، وفيها قشرةٌ رقيقةٌ تنطوِي على مادةٍ آزوتيةٍ لا تزيدُ على ثلاثةٍ في المئة من وزنِها، وفيها الرُّشَيْمُ الكائنُ الحيُّ الذي ينبتُ إذا توافرت له شروطُ الإنباتِ، ووزنُه لا يزيدُ على أربعةٍ في المئة من وزنِ حبَّةِ القمحِ، والأربعةُ والثمانون في المئة نَشاءٌ خالصٌ، ماذا نفعل نحن؟ ننزعُ عن القمحةِ غلافَها، وغشاءَها، ولا يبقى لنا إلا النّشاءُ الخالصُ، أمّا هذا الغلافُ الذي يسمِّيه الناس نُخالةً ففيه ستةُ فيتامينات، فيتامين ب1، ب2 ...
(2/124)

ب6، وفيتامينات أخرى في هذا الغلافِ، وفي هذا الغلافِ مادةٌ فسفوريةٌ هي غذاءٌ للدماغِ والأعصابِ، وفي هذا الغلافِ حديدٌ يَهَبُ الدمَ قوةً، وحيويةً، ويُعِينُ على اكتسابِ الأوكسجين مِنَ الرئتينِ، وفي هذا الغلافِ الكالسيوم، الذي يبني العظامَ، ويقوِّي الأسنانَ، وفي هذا الغلافِ السيليكون، الذي يقوِّي الشعرَ، ويزيدُه قوةً ولمعاناً، وفي هذا الغلافِ اليودُ الذي ينشط عملَ الغدّةِ الدَّرَقِيَّةِ، ويُضفِي على آكلِه السكينةَ والهدوءَ، وفيه البوتاسيوم، والصوديوم، والمغنزيوم، تدخلُ هذه المعادنُ كلُّها في تكوينِ الأنسجةِ، والعصاراتِ الهاضمةِ، أما نحن فننزعُ عن حبَّةِ القمحِ قشرَها، ونرمِيه للبهائمِ، ونأكلُ هذا النشاءَ الصافيَ، الذي هو كما وَصَفَه بعضُ الأطباءِ بأنّه غراءٌ جيدٌ للمعدةِ، وهو يذمُّه بهذا الوصف، لكنّ الإبداعِ الإلهيَّ في خَلقِ هذه القشرة بما فيها من الفوائدِ هو من أجلِ أنْ نأكلَ القمحَ بقشرِه، حتى نستفيدَ مِن هذه الموادِّ التي أودَعَهَا اللهُ في قشرةِ القمحِ.
إذا غُلِيَتْ هذه القشورُ بالماءِ الساخنِ كانتْ مهدئةً للسعالِ، والزكامِ، وإذا شُرِبَ هذا المغليُّ كان قابضاً للأمعاءِ، وكان دواءً لتقرُّحاتِ المعدةِ، وللزحار، وهو غذاءٌ للجلدِ، ووقايةٌ له من أمراضِه، وعلى رأسها الإكزيما.
لذلك حينمَا نأكلُ كما أرادَ اللهُ لنا أنْ نأكلَ، وحينما نطبِّقُ سنَّةَ النبي صلى الله عليه وسلم في الأكلِ نضمنُ لأنفسِنا الصحّةَ، والبُعدَ عن الأمراض.
(2/125)

عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: "سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَقُلْتُ: هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّقِيَّ؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُنْخُلاً مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ، وَنَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ".
ووردَ في الأثرِ أنّ أولَ بدعةٍ ابتدعها المسلمون بعدَ وفاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم نخلُ الدقيقِ.

الحبة السوداء
إنّ مِن دلائل النبوةِ في الحديث الشريف ما يُسمى السبقَ العلميَّ، ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ"، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ.
هذا حديثٌ صحيحٌ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلامُ لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى، فكيف فسَّره العلماءُ السابقونَ؟
(2/126)

جاء في فتح الباري في شرح هذا الحديثِ: "قوله: "مِنْ كُلِّ دَاءٍ" هو مِن العامِّ الذي يُرادُ به الخاصّ، لأنه ليس في طبعِ شيءٍ من النباتِ ما يجمعُ جميعَ الأمورِ التي تقابلُ الطبائعَ في معالجةِ الأدواءِ بمقابِلِها، وإنما المرادُ لأنها شفاءٌ من كل داءٍ يحدثُ من الرطوبةِ، وقال أبو بكر بن العربي: العسلُ أقْربُ إلى أنْ يكونَ دواءً من كلِّ داءٍ من الحبةِ السوداءِ، ومع ذلك فإنّ من الأمراضِ ما لو شَرِبَ صاحبهُ العسلَ لَتَأَذَّى به، فإنْ كان المرادُ بقوله في العسلِ: فيه شفاءٌ للناسِ الأكثرَ الأغلبَ، فَحَمْلُ الحبّةِ السوداءِ على ذلك أَوْلَى"، فالعسلُ الذي قال تعالى عنه: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] لا يرقى إلى مثلِ هذا، لم يقلِ اللهُ: فيه الشفاءُ للناسِ، وهو نصٌّ قرآنيٌّ، هكذا شُرِح الحديثُ.
جاءَ عالِمان كبيران من علماءِ الطبِّ، يعملانِ في أرقى جامعاتِ العالمِ، فوجدا في الحبةِ السوداءِ ما يقوِّي الجهازَ المناعيَّ في الإنسانِ، والجهازُ المناعيُّ متعلقٌ بكلِّ الأمراضِ، ولا سيما الجرثومية والسرطانية؛ فكلما قَوِيَ الجهازُ المناعيُّ قويتْ قدرةُ الإنسانِ على مكافحةِ الأمراضِ التي أساسُها جرثوميٌّ، والأمراضِ التي أساسُها مناعيٌّ.
لقد توصَّل هذانِ الطبيبانِ عن طريقِ المخبرِ إلى أنّ استعمالَ غرامٍ واحدٍ من الحبَّة السوداءِ مرتين يومياً لمدةِ أربعةِ أسابيعَ يؤدِّي إلى زيادةِ فاعليةِ الخلايا اللمفاوية خمسةً وخمسين بالمئة.. والخلايا اللمفاويةُ فيها خلايا مُصَنِّعةٌ للسمّ الخلويّ؛ المصلِ المضادّ، فحينما يأكلُ الإنسانُ غراماً واحداً من الحبّة السوداء مرتين يومياً لمدةِ أربعة أسابيع، فهذه الخلايا اللمفاويةُ التي مهمتها قتلُ الجراثيم، والمكلفةُ بتصنيعِ المصلِ المضادِّ، السلاحِ الجرثوميّ، تزداد فعاليتُها خمسةً وخمسين بالمئة.
(2/127)

وهناك بحوثٌ كثيرةٌ أُجْرِيَتْ على هذه الحبةِ، منها أنّ في الحبةِ السوداءِ الفوسفاتَ، والحديدَ، والفسفورَ، وزيوتاً بنسبةِ ثمانيةٍ وعشرين بالمئة، تحملُ هذه الزيوتُ سرَّ الحبةِ السوداءِ، ففي هذه الزيوتِ مضادّاتٌ حيويةٌ، ومضادّاتٌ للفيروسِ، والميكروباتِ، والجراثيمِ، وفيها موادُّ مضادةٌ للسرطانِ، وفيها هرموناتٌ مقوِّيةٌ، وفيها مُدِرَّاتٌ للبولِ والصفراءِ، وفيها أنزيماتٌ هاضمةٌ، وفيها مضادّاتٌ للحموضةِ، وفيها موادُّ مهدئةٌ ومنبِّهةٌ في آنٍ واحدٍ، وإنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، واللهُ سبحانه وتعالى هو الذي أَخبَرَه بذلك عن طريقِ الوحي، فقال: "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنء كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ"، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ.
لقد استعملَ أناسٌ كثيرون هذه الحبَّةَ السوداءَ، ووجدوا نتائجَ طيبةً جداً، فهناك أمراضٌ تزيدُ على خمسين مرضاً تساهِم الحبّةُ السوداءُ في شفائِها، منها الأمراضُ الجلديةُ، والأمراضُ المعويةُ، والأمراضُ العصبيةُ، وأمراضُ الأوعيةِ، والقلبِ، والشرايينِ، فإنْ لم تكن الحبةُ السوداءُ دواءً فهي وقايةٌ، وعلى كلٍّ هذه وصيةُ النبي عليه الصلاة والسلامُ: "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ"، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ.
وفي بعضِ المؤتمراتِ الصيدلانيةِ العالميةِ، وهو المؤتمرُ الثالثُ والعشرون قُدِّم بحثٌ مُفادُه أنّ الشونيزَ، أو الحبّةَ السوداءَ تُسهم في خفضِ الضغطِ الدمويِّ، ونحن نعلمُ أنّ ارتفاعَ الضغطِ مرضٌ خطيرٌ، وأنه حتى الآن لا يَعرِفُ الأطباءُ على وجهِ التحديدِ أسبابَ هذا المرضِ.
وفي مصرَ قُدِّمَ بحثٌ للجامعةِ عن الحبةِ السوداءِ، بعد التجارِبِ الدقيقةِ عن طريقِ زرعِ الجراثيمِ في بيئاتٍ فيها مِن هذه الحبةِ السوداءِ، مِن محلولِها، أو مسحوقِها، أو ما شاكلَ ذلك، ووجدوا أنّ هذه الحبةَ السوداءَ توقِفُ نموَّ الجراثيمِ في الوسطِ الذي توجدُ فيه.
(2/128)

كما قُدِّمَ بحثٌ ثالثٌ عن الحبةِ السوداءِ خلاصتُه أنها دواءٌ فعالٌ للرَّبْوِ المنتشرِ، ولم يعرفِ الأطباءُ على وجهِ التحديدِ مبعثَه، وعلاجَه إلى يومنا هذا.
أما العلماءُ العربُ الذين كتبوا في الطبِّ، كابن سينا في كتابه "القانون"، وهو من أشهرِ كُتب الطبِّ، فيرى هذا المؤلِّفُ الطبيبُ أنّ الحبةَ السوداءَ مضادةٌ للزكام، مدرّةٌ للبولِ، مفتِّتةٌ للحصَى في المثانةِ والكُلى، وهي مدِرَّةٌ لحليبِ الأمِّ، مسكِّنةٌ للصداعِ، وتزيلُ الثآليلَ.
وقد يأتي زمانٌ يكتشفُ فيه الناسُ شيئاً آخرَ من هذه الحبةِ السوداءِ، لذلك يجب أن نأخذَ بتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم، فـ: "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ"، و (عليكم) هنا اسمُ فعلِ أمرٍ بمعنى افعلوا، أيْ كُلُوها، "فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ"، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ.

منافع الزنجبيل
جَمَعَ أحَدُ الأطبّاءِ الآياتِ التي وردتْ في القرآنِ الكريمِ، والتي وَرَدَ فيها أسماءُ الأعشابِ التي تُصَنَّفُ في بابِ التوابلِ، فرأى ثلاثَ موادَّ وردتْ في آياتٍ مِنَ القرآنِ الكريمِ:
المادةُ الأولى هي الزنجبيلُ، قال تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً} [الإنسان: 17] .
والمادة الثانية هي المِسك.. قال عز وجل: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين: 26] .
والمادة الثالثة هي الكافورُ، قال سبحانه، وهو أصدقُ الفائلين: {إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} [الإنسان: 5] .
والحديثُ هنا عن الزنجبيل، هذا الطبيبُ قرأَ كلَّ ما كُتِبَ عن الزنجبيلِ في كُتُبِ الطبِّ القديمَةِ، وقرأَ سبعةَ بحوثٍ علميةٍ صدرتْ عن مراكزَ علميةٍ رصينةٍ، وقد أشارَ في مقالتِه إلى أسماءِ البحوثِ التي صدرتْ حولَ هذه المادةِ، فكان الشيءُ الذي يَلفتُ النظرَ:
(2/129)

إنَّ الزنجبيلَ كما وَرَدَ في كتبِ الطبِّ القديمةِ مسخِّنٌ للجسمِ، ومُعِينٌ على الهضمِ، ومُلَيِّنٌ للبطنِ، ومطهِّرٌ ومُقَوٍّ، وينفعُ الزنجبيلُ في التهابِ الحَنجرةِ، ويعالجُ الرَّشحَ، ومسكِّنٌ قويٌّ لالتهابِ المفاصلِ، ومسكِّنٌ قويٌّ للمغصِ المَعَوِيّ، ومُضادٌّ للغَثَيانِ، خلاصتُه المائيَّةُ دواءٌ جيدٌ لأمراضِ العينِ، وَرَدَ هذا في الكتبِ القديمةِ، فماذا وَرَدَ في الكتبِ الحديثةِ؟
في الأبحاثِ الحديثةِ التي أَجْراها علماءُ لا يعرفون أنّ هذه المادةَ وَرَدَتْ في القرآنِ الكريمِ، فقالوا: الزنجبيلُ مُنعشٌ للقلبِ والتنفُّسِ، مُقَوٍّ لتقلُّصِ عضلةِ القلبِ، أيْ إنّه مماثلٌ تماماً للديكوكسين، والزنجبيلُ مُوَسِّعٌ للأوعيةِ والشرايينِ، يمنعُ تجمُّعَ الصُّفيحاتِ الدمويةِ، إذاً هو مميّعٌ للدمِ، يفيدُ في أمراضِ الجلطاتِ الدماغيةِ، والقلبيةِ، وخثراتِ الأطرافِ، يخفِّضُ مِن ارتفاعِ الضغطِ الدمويِّ، وخافضٌ للكولسترولِ.
لماذا وَرَدَ هذا العنصرُ في القرآنِ الكريمِ؟ أَلَهُ كلُّ هذه الميزاتِ؟ وهذا الذي أذْكُرُهُ لكم بعضُ ما جاء في المقالةِ الطويلةِ الآنفةِ الذِّكر عن منافعِ الزنجبيلِ.
فأنْ يكونَ هذا العنصرُ في الوقتِ نفسِه موسِّعاً للشرايينِ والأوردةِ، مقوِّياً لعضلةِ القلبِ، خافضاً للكولسترول، خافضاً للضغط، مميِّعاً للدمِ، ثم إنه يؤثِّر تأثيراً إيجابياً في الشفاءِ مِن التهابِ المفاصلِ، فهذا من عجيبِ خَلقِ اللهِ سبحانه.
قال ابنُ القيّم: "الزنجبيلُ مسخِّنُ مُعِينٌ على هضمِ الطعامِ، مليِّنٌ للبطنِ تلييناً معتدلاً، نافعٌ من سددِ الكبدِ العارضةِ عن البردِ والرطوبةِ، ومن ظلمةِ البصرِ الحادثةِ عن الرطوبةِ، أكلاً واكتحالاً، معينٌ على الجماعِ، وهو محلِّلٌ للرياحِ الغليظةِ الحادثةِ في الأمعاءِ والمعدةِ، وبالجملةِ فهو صالحٌ للكبدِ والمعدةِ الباردتَي المزاج".
(2/130)

فهذا الكونُ فيه كلُّ شيءٍ، وأفضلُ دواءٍ ما كان نباتياً، ليس له تأثيراتٌ جانبيةٌ، وأكثرُ الأدويةِ التي نأخذُها أدويةٌ كيماويَّةٌ، تنفعُ مِن جهةٍ، وتُفسدُ من جهةٍ أخرى، ولو درستَ الأعشابَ دراسةً مستفيضةً علميَّةً لوجدتَ أنّ فيها نفعاً من غيرِ تأثيراتٍ جانبيةٍ.

التمر أهميته وتركيباته
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ " فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ".
عُقِدَ مؤتمرٌ في بلدٍ يصدِّرُ التمورَ، وأُلْقِيَ فيه بحثٌ تَعلَّقَ بمشابهةِ النخلةِ للإنسانِ، فقيل: جذعُها منتصِبٌ كالإنسانِ، ومنها الذَّكرُ والأنثى، ولا تثمِرُ إلا إذا لُقِّحَتْ، وإذا قُطِعَ رأسُها ماتتْ، وإذا تعرَّضَ قلبُها لصدمةٍ هَلَكَتْ، وإذا قُطِعَ سَعَفُهَا لا تستطيعُ تعويضَه، كالإنسانِ تماماً، وهي مغشَّاةٌ بالليفِ الشبيهِ بالشَّعرِ في الإنسانِ، في العالَمِ ما يزيد على تسعين مليونَ نخلةٍ، تقدِّمُ الغذاءَ لبني البشرِ، ولا سيّما للصائمين في رمضانَ حيثُ فائدتُه أعظمُ.
قال بعضُ العلماءِ: إنَّ الصيامَ يخفِّفُ العبءَ عن جهازِ الدورانِ، القلبِ والأوعيةِ، حيث تهبطُ نِسَبُ الدسمِ والحمضِ في الدمِ إلى أدنى مستوى، الأمرُ الذي يَقِي مِن تصلُّبِ الشرايينِ، وآلامِ المفاصلِ.
ويريحُ الصيامُ الكليتين، وجهازَ الإبرازِ، حيث تَقِلُّ نواتجُ استقلابِ الأغذيةِ، ويتحرَّكُ سكرُ الكبدِ، ويحرِّكُ معه الدهنَ المخزونَ تحت الجلدِ، ويحرِّكُ معه بروتين العضلاتِ، إذاً فصيامُ رمضانَ يُعدُّ دورةً وقائيةً سنويةً، تَقِي من كثيرٍ من الأمراضِ، ودورةً علاجيةً أيضاً بالنسبةِ لبعضِ الأمراضِ، إضافةً إلى أنه يَقِي من أمراضِ الشيخوخةِ، التي تنجُمُ عن الإفراطِ في إرهاقِ العضويةِ، وقد رُوِي عن رسول الله عليه الصلاةُ والسلامُ: "صُومُوا تَصِحُّوا".
(2/131)

لذلك كان النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ يفطرُ في رمضانَ على التمرِ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ".
وعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْراً فالمَاءُ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ".
فالتمرُ الذي يتناولهُ الصّائمُ مع الماءِ فيه خمسةٌ وسبعون بالمئة مِن جزئه المأكولِ موادُّ سُكّريةٌ أُحاديةٌ، سهلةُ الهضمِ، سريعةُ التمثُّلِ، إلى درجةِ أنّ السُّكرَ ينتقلُ من الفمِ إلى الدمِ في أقلَّ مِن عشرِ دقائقَ، وفي الحالِ يتنبَّهُ مركزُ الإحساسِ بالشَّبَعِ في الجملةِ العصبيّةِ، فيشعرُ الصائمُ بالاكتفاءِ، فإذا أقبلَ على الطعامِ أقبلَ عليه باعتدالٍ، وكأنه في أيامِ الإفطارِ، أمّا الموادُّ الدسمةُ فيستغرقُ هضمُها وامتصاصُها أكثرَ مِن ثلاثِ ساعاتٍ.
فمهما أكثرَ الصائمُ مِنَ الطعامِ الدسمِ فلن يشعرَ بالشَّبَعِ، ولكنه يشعرُ بالامتلاءِ، والفرقُ كبيرٌ بين الشِّبَعِ والامتلاءِ، الشِّبعُ تنبُّهُ مركزِ الجوعِ في الجملةِ العصبيةِ، وإذا تنبَّه هذا المركزُ شَعَرَ الإنسانُ بالشِّبعِ، ولو لم يكن في معدتِه طعامٌ كثيرٌ، أما الإحساسُ بامتلاءِ المعدةِ فشيءٌ آخرُ.
فكان عليه الصلاةُ والسلامُ يفطِرُ على تمراتِ، ويصلِّي المغربَ، ثم يجلسُ إلى الطعامِ، ومَن لم يطبِّقْ سنَّةَ النبيّ عليه الصلاةُ والسلامُ في إفطارِه فقد فَاتَهُ خيرٌ كثيرٌ في صيامِه، دينيّاً، وصحيّاً، ونفسيّاً.
(2/132)

وهذا مِن دلائلِ نبوةِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ، حتى في أيامِ الإفطارِ قال بعضُ الأطباءِ: ينبغي أنْ تُقَدَّمَ الفاكهةُ التي فيها من سُكّريّاتٍ أحاديةٍ على وجباتِ الطعامِ التي تحوِي غالباً الموادَّ الدسمةَ، وهذا استنباطٌ ظنيٌّ من قوله تعالى، وهو يصفِ أهلَ الجنةِ: {وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: 20-21] .
قال ابن القيم: "وفي فِطْرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم على التمرِ، أو الماءِ تدبيرٌ لطيفٌ جدّاً، فإنّ الصومَ يخلِي المعدةَ من الغذاءِ، فلا تجدُ الكبدُ فيها ما تجذِبُه، وترسِلُه إلى القُوى، والأعضاءِ، والحلوُ أسرعُ شيءٍ وُصولاً إلى الكبدِ، وأَحَبُّه إليها، ولا سّيما إنْ كان رطباً، فيشتدُّ قَبولُها له، فتنتفعُ به هي، والقُوى، فإنْ لم يكنْ فحسواتُ الماءِ تطفئ لهيبَ المعدةِ، وحرارةَ الصومِ، فتنبِّه بَعْدَه للطعامِ، وتأخذُه بشهوةٍ".
وتتركَّبُ هذه التمورُ أيضاً من الموادَّ البروتينيةِ المرمِّمةِ للأنسجةِ، ومِن نِسَبٍ ضئيلةٍ من الدهنِ، ويحوي التمرُ خمسةَ أنواعٍ من الفيتاميناتِ الأساسيةِ، التي يحتاجُها الجسمُ، كما يَحوِي التمرُ ثمانيةِ معادنَ أساسيةٍ، ومئةُ غرامٍ من التمرِ يومياً فيها من نصفٍ إلى خُمسِ حاجةِ الجسمِ من المعادنِ، ويَحوِي التمرُ أيضاً اثني عشر حمضاً أمينياً، وفيه موادُّ مليِّنةٌ، ومهدِّئة، وهناك خمسون مرضاً يسبِّبُها الإمساكُ، والتمرُ يَقِي من الإمساكِ، وله آثارٌ إيجابيةٌ في الوقايةِ من فقرِ الدمِ، ومن ارتفاعِ الضغطِ، ويعينُ على التئامِ الكسورِ، وهو مليّنٌ ومهدئٌ، وقد أثبتتِ الأبحاثُ العلميةُ أنّ التمرَ لا يتلوثُ بالجراثيمِ إطلاقاً، لأنّ تركيزَ السُّكَّرِ العاليَ يمتصُّ ماءَ الجرثومِ، وهذه الخيراتُ كلُّها عَدَّها بعضُ العلماءِ سبعةً وأربعين عنصراً، مُمَثَّلَةً في تمرةٍ تأكلُها، ولا تدري ماذا ينتفعُ الجسمُ بها.
(2/133)

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ، يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ، أَوْ جَاَعَ أَهْلُهُ"، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثاً.
أفْضلُ الدواءِ ما كان غذاءً، وأفضلُ الغذاءِ ما كان دواءً.
قال ابنُ القيّم متحدِّثاً عن التمرِ: "وهو مِن أكثرِ الثمارِ تغذيةً للبدنِ، بما فيه من الجوهر الحارِّ الرَّطبِ، وأكْلُه على الريقِ يقتلُ الدودَ، فإنه مع حرارتِه فيه قوةٌ ترياقيةٌ، فإذا أُدِيمَ استعمالُه على الريقِ خَفَّفَ مادةَ الدودِ، وأضْعَفَه، وقَلَّلَه، أو قَتَلَه، وهو فاكهةٌ، وغذاءٌ، ودواءٌ، وشرابٌ، وحلوى".

ألياف التمر فوائدها وعناصرها المعدنية
إنّ الأطباءَ في حَيرةٍ شديدةٍ من ارتفاعِ نِسَبِ الأمراضِ الخبيثةِ، والوبيلةِ والمستعصيةِ في هذه السنواتِ الأخيرةِ، وأغلبُ الظنِّ أنّ هذا يُعزَى إلى تغييرِ خلْقِ اللهِ، فحينما نعودُ إلى الحياةِ الطبيعيةِ التي أَمَرَنَا اللهُ بنا، والتي رَسَمَها لنا، والتي خلَقها من أجلِ أنْ نعيشَ حياةً مِلْؤُها الصحةُ، والسعادةُ، فإننا سنحيا حياة طيبة ولذلك ينبغي أنْ نعودَ إلى الأصولِ.
إنّ هناك أمراضاً وبيلةً، وخطيرةً تعاني منها المجتمعاتُ الغربيةُ، التي أساسُ غذائِها الغذاءُ المُصفَّى، فإذا خلا غذاءُ الإنسانِ من الأليافِ لم يكن طعامُه مفيداً، فيجبُ أنْ يأكل الإنسانُ في اليومِ ثلاثينَ غراماً فما فوق من الأليافِ، وفي مئةِ غرامٍ من التمرِ ثمانيةُ غراماتٍ ونصف من الأليافِ، هذه الأليافُ تقاوِمُ الإمساكَ، والإمساكُ عرَضٌ لخمسينَ مرضاً، وهذه الأليافُ تقاوِم الدهونَ التي قد تسدُّ الشريانَ التاجيَّ، الذي هو المرضُ الأولُ في هذا العصرِ، فالتمرُ له هذه الفائدةُ الكبيرةُ.
(2/134)

التمرُ فقيرٌ جداً إلى الصوديوم، أي المئةُ غرام فيها خمسةُ مليغراماتٍ من الصوديوم، ولكنه غنيٌّ بالبوتاسيوم والمغنيزيوم، وفي المئةِ غرامٍ من التمرِ نصفُ حاجِ الجسمِ إلى البوتاسيوم، وخُمسُ حاجةِ الجسمِ إلى المنغنيزيوم، إذاً هو فقيرٌ إلى العنصرِ الذي يسبِّب ارتفاعَ ضغطِ الدمِ، الذي يسبِّبُ الخثرةَ في الدماغِ، والجلطةَ في الدمِ، ومع انخفاضِ ضغطِ الدمِ يتمتَّعُ الإنسانُ بصحةٍ مريحةٍ.
في المئةِ غرامِ من التمرِ واحدٌ إلى ستةِ مليغراماتٍ من الحديدِ، والإنسانُ في أمسِّ الحاجةِ إلى هذا العنصرِ، وله أثرٌ كبيرٌ في الدمِ، وفي بعضِ النشاطاتِ الحيويةِ في الجسمِ، وفي المئةِ غرامٍ من التمرِ ثلثُ حاجةِ الإنسانِ إلى فيتامين (ب 3) ، وهذا الفيتامينُ أساسيٌّ جدًّا في بعضِ المعادلاتِ الحيويةِ في الجسمِ، وقد ورد في الحديثِ الشريفِ في وصفِ التمرِ أنه يُذهِبُ الداءَ، ولا داءَ فيه.
أتمنَّى على اللهِ سبحانه وتعالى أن نعودَ إلى الأغذيةِ الطبيعيةِ التي خُلِقَتْ لنا كي نتمتَّعَ بصحَّتنا التي هي رأسُ مالِنا في الحياةِ، أما هذه الأغذيةُ التي فيها أصبغةٌ كيميائيةٌ تتراكمُ، ليكونَ بعضُها مُسَرْطِناً، أو مسَبِّباً لعدّةِ أمراضٍ وبيلةٍ، فعلينا أن نجتنبَها، وكلُّ شيءٍ في هذا العصرِ فيه تغييرٌ لخلقِ اللهِ، وفيه مخاطرَةٌ، ومقامرةٌ وخيمةُ العواقبِ، فالإنسانُ عليه أنْ يدَعَه، وأنْ يعودَ إلى أصلِ الفطرةِ.

التمر أساس الولادة الميسرة
في الآياتِ القرآنيةِ التي تتحدّثُ عن قصةِ السيدةِ مريمَ كلماتٌ ثلاثٌ، يكشفُ الطبُّ الحديثُ أنها أساسُ الولادةِ الميسَّرةِ، يقولُ اللهُ تعالى مخاطباً السيدةَ مريمَ ابنة عمران:
{فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً فقولي إِنِّي نَذَرْتُ للرحمان صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً} [مريم: 26] .
(2/135)

أمّا كلمةُ: {وَقَرِّي عَيْناً} ، فقد استنبطَ العلماءُ من هذه الآيةِ أنّ الحالةَ النفسيةَ للمرأةِ قُبَيْلَ الولادةِ لها علاقةٌ وَشِيجةٌ بتيسيرِ الولادةِ، فإذا كانت المرأةُ مطمئنةً، قريرةَ العينِ، هادئةَ البالِ، ليس ثمةَ مشكلةٌ في البيتِ، زوجُها يكرِمُها قُبَيْلَ الولادةِ، فإنّ حالتَها النفسيةَ المريحةَ، وطمأنينتَها، وقُرَّةَ عينِها عاملٌ أساسيٌ في سهولةِ ولادتِها، فأيُّ اضطرابٍ نفسيٍّ، وأيُّ أزمةٍ عاطفيةٍ، وأيُّ مشاجرةٍ بينَ الزوجينِ، والمرأةُ على وَشَكِ الولادةِ، فإنّها تُعِيقُ الولادةَ، وربّما اضطرَّتِ المرأةُ إلى إجراءِ ولادةٍ عسرةٍ، هذا ما استنبطه العلماءُ من: {فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً} .
ولحكمةٍ بالغةٍ فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يقول: {فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً} .
ومِن أغربِ الكشوفِ العلميةِ أنّ في الرُّطبِ مادةً تُعينُ على انقباضِ الرحمِ، ويزيدُ حجمُه في أثناء الحملِ من اثنين ونصفِ سنتيمترٍ مكعبٍ، إلى سبعمئة وخمسين سنتيمتراً مكعباً، وهذا الجنينُ، وتحته المشيمةُ، والمشيمةُ موصولةٌ بأوعيةِ الأمِّ الدمويةِ، فإذا نزلَ الجنينُ من رحمِ الأمِّ، وتَبِعَتْهُ المشيمةُ، تقطَّعتْ هذه الأوعيةُ وفُتِحَتْ، ولو بقيتْ مفتوحةً لنزفتِ الأمُّ، وماتتْ، لذلك جعَلَ ربُّنا سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغةٍ الرحمَ تنقبضُ انقباضاً شديداً، إلى درجةٍ أنّ قوامَ الرحمِ يصبحُ قاسياً كالصخرِ، فإذا وضعتِ القابِلَةُ يَدَها على الرحمِ، ورأتْه قاسياً، تطمئنُّ إلى أنّ الولادةَ صحيحةٌ، فإنّ الرحمَ بانكماشها الشديدِ تغلقُ كلَّ الشرايينِ المفتوحةِ، وبهذا ينقطعُ النزيفُ، وفي التمرِ والرطبِ مادةٌ تعينُ على انقباضِ الرحمِ، لذلك وردتْ كلمةُ الرُّطبِ في آيةِ المخاض: {وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي} [مريم: 25-26] .
(2/136)

إنّ في الرُّطبِ مادةً تعينُ على انزلاقِ بقايا الطعامِ في الأمعاءِ الغليظةِ، وهي مادةٌ منظِّفةٌ ومليِّنةٌ، وما مِن امرأةٍ على وشكِ أنْ تَضَعَ حمْلَها إلاّ ويحرصُ الطبيبُ، أو القابلةُ على أنْ تكونَ أمعاؤُها خاليةً من كلِّ شيءٍ، لئلاَّ يُعيقَ امتلاءُ الأمعاءِ خروجَ الجنينِ مِنَ الرحمِ، وإنّ في التمرِ نفسِه مادةً مليِّنةً، ومنظِّفةً للأمعاءِ، ولا سيما الغليظةُ.
شيءٌ آخرُ، الطَّلْقُ عمليةٌ مُجْهِدَةٌ، فالقلبُ أحياناً تزيدُ ضرباتُه من مئةِ ضربةٍ في الدقيقةِ، أو من ثمانين ضربةً في الدقيقةِ، إلى مئةٍ وثمانين ضربةً في الدقيقةِ، ليواجِهَ هذه التقلُّصاتِ العنيفةَ، قالقلبُ يحتاجُ إلى غذاءٍ، والحركاتُ العضليةُ تحتاجُ إلى غذاءٍ، لذلك فالتمرُ لا يستغرقُ انتقاله أكثرَ مِن عشرِ دقائقَ مِنَ الفمِ إلى الدمِ مباشرةً، فهو أَسْهَلُ مادةٍ للهضمٍ، ولتحوِّلها مِن غذاءٍ إلى طاقةٍ.
إنّ هذا التمرَ مركَّزٌ تركيزاً شديداً جداً، فهو يحتاجُ إلى سائلٍ ينحلُّ فيه، كي يَسْهُلَ الامتصاصُ: {فَكُلِي واشربي} .
لماذا يحتاجُ الإنسانُ بعد أنْ يأكلَ الحلوَ إلى الماءِ؟ هكذا بُنيتُه الوظيفيّةُ، لأنّ الحلوَ يحتاجُ إلى تمديدٍ، وإلى أنْ ينحلَّ في سائلٍ كي يَسْهُلَ هضمُه، لذلك فإنّ شُربَ الماءِ ضروريٌّ للمرأةِ التي على وَشْكِ الوضعِ، وحالتُها النفسيةُ المطمئنةُ عنصرٌ أساسيٌّ في الولادةِ، وأنْ يكونَ طعامُها فيه أشياءُ أربعةٌ؛ موادُّ تعينُ على انقباضِ الرحمِ، وموادُّ تمنعُ النزيفَ، موادُّ تنظِّفُ الأمعاءَ، وتليِّنُها، وموادُّ أخرى تغذِّي بأقصرِ وقتٍ، وأيسرِ سبيلٍ.
هذا القرآنُ الكريمُ، هذا كلامُ ربِّ العالمين، كلماتٌ في قصةٍ، ولكنْ لو وَقَفْتَ عندها لوجدتَ العَجَبَ العُجَابَ: {وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً} .
لا بدَّ من غذاءٍ خاصٍّ، ولا بدّ من شرابٍ خاصٍّ، ولا بدَّ من طمأنينةٍ نفسيّةٍ.
هذه بعضُ آياتِ القرآنِ، وكلَّما تقدَّمَ العلمُ ازدادَ الإنسان يقيناً أنّ هذا الكلامَ كلامُ ربِّ العالمين، كلامُ خالقِ الأكوانِ، وليس كلامَ البشرِ.
(2/137)

زيت الزيتون
في عامِ (1986) ظهرتْ أوّلُ دراسةٍ موضوعيةٍ عن أثرِ زيتِ الزيتونِ في تخفيضِ كوليسترول الدمِ، وأظهرتْ دراسةٌ أخرى تَبِعَتْهَا أنّ أمراضَ شرايينِ القلبِ، واحتشاءَ العضلةِ القلبيةِ كانت نادرةً، بل شبهَ معدومةٍ في جزيرةِ (كريت) ، بسببِ أنّ أهلَ هذه الجزيرةِ يأكلون مِن زيتِ الزيتونِ كمياتٍ لا تُوصَف كثرةً، وقد قال عليه الصلاةُ والسلامُ في الحديثِ الصحيحِ: "كُلُوا الزَّيْتَ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ".
قبْلَ عشرِ سنواتٍ تقريباً كان كلُّ الأطباءِ يَنْهَوْنَ مَن يشكو مِن ارتفاع الكوليسترول في دمه عنْ أكلِ زيتِ الزيتونِ، وقد اكتُشِف الآن عكسُ ذلك، حيث إنّ زيتَ الزيتونِ يخفِّضُ نسبةَ الكوليسترول الضارّ في جسمِ الإنسانِ، ويرفعُ نسبةَ الكوليسترول النافعَ.
إنّ زيتَ الزيتونِ أسهلُ أنواعِ الزيوتِ هضماً، وفيه قيمةٌ وقائيةٌ، وعلاجيةٌ، وغذائيةٌ، وأجمعَ الأطبّاءُ الآنَ على أنّ هذا الزيتَ له تأثيرٌ علاجيٌّ عجيبٌ، مِن هذا التأثيرِ أنه يمكنُ أنْ نستخدمَه لخفضِ الضغطِ المرتفعِ، ويُستخدَم لمرضِ السكرِ، ويُستخدَم لوقايةِ الشرايينِ، والأوعية مِن تصلُّبِها، وترسُّبِ الموادِّ الدهنيةِ على جُدُرِها.
وأظهرت التحليللاتُ الدقيقةُ أنّ مئةَ غرامٍ من زيتِ الزيتونِ فيها غرامٌ بروتينات، وأحدَ عشر غراماً من الدسمِ، وفيه بوتاسيوم، وكالسيوم، ومغنيزيوم، وفسفورٌ، وحديدٌ، ونحاسٌ، وكبريتٌ، وفيه أليافٌ، وهو غنيٌّ بأهمِّ الفيتاميناتِ المتعلقةِ بتركيبِ الخلايا ونشاطِها، والمتعلقةِ بالتناسلِ، وسلامةِ العظام، وهو غذاءٌ للدماغ، وغذاء للأطفال، وله تأثيرٌ في تفتيتِ حصياتِ المرارةِ والمثانةِ.
هذه كلُّها أبحاثٌ علميةٌ قُدِّمَتْ في مؤتمراتٍ عِلميةٍ، تثبت أنّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى.
(2/138)

في زيتِ الزيتونِ مادةٌ تَمْنَعُ تَخَثُّرَ الدمِ، وهذا الزيتُ الذي قال عليه الصلاةُ والسلامُ فيه: "كُلُوا الزَّيْتَ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا بِهِ"، له أَثَرٌ مُلَطِّفٌ لالتهاباتِ الجِلْدِ، ولبعضِ الأمراضِ الجلديةِ، وله أثرٌ طيِّبٌ ونافعٌ حتى في الاستعمالِ الخارجِيِّ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، والمؤمنُ يعرفُ ماذا يأكل، فلا بد له مِن موادَّ دسمةٍ، فإمّا أنْ يشتريَها نافعةً، وإمّا أنْ يشتريَها ضارَّةً.
ذكرتُ هذا الموضوعَ لأنّ معظمَ الناسِ - قَبْلَ أنْ تأتيَهم بينةٌ مِن ربِّهم، وقبْل أنْ يعلَموا أنّ هذا الدينَ كمالٌ مطلقٌ، وصوابٌ مطلقٌ - يظنون أنّ أقوالَ الأطباءِ الذين لم يبلُغوا مرحلةَ النضجِ في علْمِهم، وينهون معظمَ الناسِ عن تناولِ هذا الزيتِ الذي يَخرجُ مِن شجرةٍ مباركةٍ، يظنون أنّ هذه الأقوالَ صحيحةٌ مع أنها مخالفةٌ لحديثِ النبّي صلى الله عليه وسلم.
(2/139)

ثَبَتَ في دراسةٍ علميةٍ دقيقةٍ أنّ هذا الزيتَ مِن أهمِّ الضرورياتِ للجسمِ البشريِّ، حيث فيه ماءٌ، وبروتين، ودهن، وماءات للفحم، وكلسٌ، وفسفورٌ، وحديدٌ، وصوديوم، وبوتاسيوم، وفتامين (ب) ، فأمّا الفسفورُ فهو يغذِّي المخَّ، ويقوِّي الذاكرةَ، وينشِّطُ الأعصابَ، ويساعِد على ترسُّبِ الكلسِ في العظامِ، وأمّا ماءاتُ الفحمِ فهي تُوَلِّد الطاقةَ، والتدفئةَ، والنشاطَ، وأمّا الفيتامين (ب) فله علاقةٌ بالإخصابِ، وله علاقةٌ بأمراضِ العينِ، وله علاقةٌ بأمراضِ المفاصلِ، وله علاقةٌ بالتهابِ العضلاتِ، واختلالِ التوازنِ العصبيِّ، وهو مانعٌ للتَّجَلُّطِ، وسقوطِ الشعرِ، وتضخُّمِ البروستاتِ، ويَحُولُ دونَ تجعُّد الوجهِ، وأمّا الصوديوم فله دورٌ خطيرٌ في بلازما الدمِ، وأما البوتاسيوم فهو ضروريٌّ للأعصابِ، والقلبِ، والشرايينِ، والعضلاتِ، وكلما تقَدَّمتْ بالإنسانِ السِّنُّ فهو في أَمَسِّ الحاجةِ إلى البوتاسيوم، وأمّا الحديدُ فنَقْصُه يسبِّبُ فَقْراً في الدم، وأما الكالسيوم فهو لِبِناءِ العظامِ عند الناس، ولا سيما الأطفالُ، فكلُّ هذه المعادنِ نجدها في زيتِ الزيتونِ، إضافةً إلى الدهنِ، وأمّا عن البروتين، وعن الماءِ فما الذي يسبِّبه نقصُ هذه الموادِ في الجسمِ؟ إنه يسبِّبُ انحطاطَ النشاطِ الفكرِيِّ، وضعفَ الذاكرةِ، وتراخيَ الجسدِ، وسرعةَ التعبِ، والحساسيةَ للبردِ في الأصابعِ، والأطرافِ، والإمساكَ، وضعفَ الشهيةِ للطعامِ، وبطءَ شفاءِ الجروحِ، وحكَّةً في الجلدِ، وتسوُّساً في الأسنان، واختلاجاً في الأجفان، وزوايا الفمِ، وتشنُّجاً في العضلاتِ في الليلِ، ونوماً غيرَ مريح، وآلاماً في المفاصلِ، فنقْصُ هذه الموادِّ المجموعةِ في زيتِ الزيتونِ يسبِّبُ هذه المتاعبَ كلَّها.
هذا الزيتُ له فعْلٌ مُلَيِّنٌ ملطِّفٌ، يُستعمَل كمضادٍّ للإمساكِ، يلطِّفُ السطوحَ الملتهبةَ، يُستعمَل في تليينِ قشورِ الجلودِ، ويؤخِّر الشيبَ، ويحدُّ مِن انتشارِه.
(2/140)

وفي عام (1990) جَرَتْ دراسةٌ مستفيضةٌ، ثَبَتَ بموجِبِها أنّ زيتَ الزيتونِ يخفِّفُ الضغطَ، ويخفِّف سكرَ الدمِ، ويخفِّفُ الكولسترول في الدمِ، وكانت نسبةُ الضغطِ والسكرِ والكولسترول أَقَلَّ بكثيرٍ عند الذين يأكلون زيتَ الزيتونِ، مقارنةً بالذين لا يأكلونه، وقد أُجْرِيَتْ هذه الدراسةُ على مئةِ ألفِ شخصٍ.
وقد عثرتُ في موقعٍ معلوماتيٍّ على حقيقةٍ دقيقةٍ جداً، وهي أنّ علماءَ بريطانيِّين توصَّلوا إلى أدلةٍ جديدةٍ تثبتُ المنافعَ الوقائيةَ لزيتِ الزيتونِ في علاجِ سرطانِ الأمعاءِ، الذي يذهبُ ضحيتَه عشرون ألفَ شخصٍ سنوياً في بريطانيا وحْدَها، وفي العالَمِ رقمٌ كبيرٌ لمَرضَى وَرَمِ الأمعاءِ الخبيثةِ.
وثَمَّةَ باحثون آخرون وَجَدوا أنّ زيتَ الزيتونِ يتفاعلُ في المعدةِ مع حامضٍ مِعَوِيٍّ، ويمنعُ الإصابةَ بمرضِ السرطانِ.
إنّ الإصابةَ بهذا المرضِ (السرطان) منتشرةٌ في ثمانيةٍ وعشرين بلداً في العالمِ، يقعُ معظمُها في أوربة، وأمريكا، والبرازيل، وكولومبيا، وكندا، والصينِ، ووَجَدَ الباحثون أنّ عواملَ غذائيةً تسبِّبُ إصابةَ الشخصِ بهذا المرضِ، وهذه النِّسَبُ تَقِلُّ كثيراً عند مَن يأكلون الخَضْراواتِ والحبوبَ.
وبَعْدَ دراسةٍ مستقصيةٍ دقيقةٍ جداً وجَدوا أنّ غذاءَ شعوبِ الشرقِ الأوسطِ أفضلُ غذاءٍ في العالَمِ، لأنهم فقراءُ، ولأنّ اعتمادَهم على الخضراواتِ الكاملةِ، فلا تجد العصيرَ المعلَّبَ عندهم، فهذه الموادُّ السيللوزيةُ التي هي قوامُ الخضراواتِ والفواكهِ تسرِّعُ عمليةَ الهضمِ، وتمتصُّ الفائضَ من الكوليسترول، وتقَلِّلُ مدَّةَ بقاءِ الطعامِ في الأمعاءِ، ثم إنّ زيتَ الزيتونِ غذاءٌ أساسيٌّ في هذه البلادِ، وإنّ البروتينَ النباتيَّ المفضَّلَ عندهم كالحِمِّصِ والفولِ أيضاً هو أفضلُ أنواعِ البروتينِ، أمّا الأمراضُ الخطيرةُ في البلادِ الغنيةِ جداً فإنّها تصل إلى ثمانيةِ أضعافٍ، لأنهم أغنياءُ، ويأكلون اللحومَ بكمياتٍ كبيرةٍ.
(2/141)

وفي هذه الدراسة أيضاً وُجِدَ أنّ خطرَ الإصابةِ بأمراضِ الأمعاءِ تَقِلُّ مع تناولِ وجباتٍ غذائيةٍ غنيةٍ بزيتِ الزيتونِ، بل إنّ فوائدَ زيتِ الزيتونِ لا تقتصِرُ على الوقايةِ من أمراضِ القلبِ، فهي تَقِي من أمراضٍ كثيرةٍ جداً، وقد ذُكِرَ بعضُها في هذه الدراسةِ، بل إنّ عُمُرَ الإنسانِ كما يقولُ بعضُ الأطباءِ من عمُرِ شرايينِه، وزيتُ الزيتونِ أحدُ الأغذيةِ الأساسيةِ في الحفاظِ على مرونةِ الشرايينِ.
لقد سمَّاها اللهُ في القرآنِ شجرةً مباركةً، فكلوا الزيتَ، وادَّهِنوا به، "فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ".
إنّ المقالاتِ التي كانت تُنْشَرُ، وتُحَذِّرُ من زيتِ الزيتونِ ليست مقالاتٍ علميةً، لأنها كانتْ تابعةً لمعاملَ تصنعُ الزيوتَ التي تنتجُها تلك الدولُ الغنيةُ، فمِن أجلِ ترويجِها، وصرفِ الناسِ عن الزيوتِ الأساسيةِ كانت تُنْشَرُ هذه المقالاتُ، فَلْنَحْذَرْ هذا الوهمَ، وهذا الدجلَ حتى فِي القالاتِ العلميةِ.
سقتُ هذه الحقائقَ لأَبيِّنَ لكم حقيقةَ قولِ اللهِ عز وجل في القرآنِ الكريم: {الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [النور: 35] .
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ".
أليست هذه الدراسةُ العلميةُ حولَ مكوِّناتِ الزيتِ، وحولَ الفوائدِ الجمَّةِ التي تحقِّقُها هذه المعادنُ في جسم الإنسانِ دليلاً على نبوَّةِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ؟
ينبغي ألا نُؤْخَذَ بأقوالِ الشاردينَ، فهؤلاءِ عرفوا بعضَ الحقائقِ، ولم يعرفوا الحقائقَ كلَّها، كما ينبغي أنْ نتيقَّنَ مِن أنّ هذه المقالةَ علميةٌ، أم هدفُها توفيرُ ربحٍ جزيلٍ لجهاتٍ اقتصاديةٍ، وهناك فرقٌ كبيرٌ بين الحالتين.

زيت الزيتون وقود للجسم البشري
(2/142)

لقد سمَّى ربُّنا سبحانه وتعالى زيتَ الزيتونِ وقوداً، فقال سبحانه: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [النور: 35] ، ومعنى كونِه وقوداً أنه وقودٌ لهذا الجسمِ البَشَرِيِّ.
لقد اكتشفَ العلماءُ أنّ كلَّ غرامٍ واحدٍ من زيتِ الزيتونِ فيه ثماني حُرَيْرَاتٍ - ثماني وحداتٍ حراريةٍ - فإذا تناولَ الإنسانُ مئةَ غرامٍ فكأنما استمدَّ طاقةً تزيدُ على ثمانمئة حُريرةٍ، أي على نصفِ حاجتهِ اليوميةِ مِنَ الغذاءِ.
الشيءُ الذي يلفتُ النظرَ أنّ اللهَ سبحانه وتعالى جَعَلَ في هذا الزيتِ خاصّةً، وهي أنه مادّةٌ دسمةٌ غيرُ مُشْبَعَةٍ، ومعنى أنها غيرُ مشبَعةٍ، أي تلتهمُ ذرَّاتِ الدهنِ العالقةَ في الدمِ.
يقولُ بعضُ الأطباءِ: "إنَّ عمُرَ الإنسانِ من عُمُرِ شرايينِه"، ومن الأمراضِ الخطيرةِ مرضُ تصلُّبِ الشرايينِ، وترسُّبِ الموادِّ الدهنيةِ على جُدُرِها، حيثُ تضيقُ اللمعةُ، ويجهدُ القلبُ.
والشيءُ الدقيقُ أنّ اللهَ سبحانه وتعالى جَعَلَ في هذا الزيتِ مادّةً مليِّنةً للشرايينِ، ومادّةً مجرِّفةً للدهونِ التي تترسَّبُ على جدرانها، وجعلَ في هذا الزيتِ مادّةً دهنيةً غيرَ مشبعةٍ، أمّا الزيوتُ الحيوانيةُ المشبعةُ فهي تبقى عالقةً في الدمِ، ويمكنُ مع النومِ الطويلِ المديدِ أنْ تترسَّبَ على جدرانِ الشرايينِ، ممّا يسبِّبُ ضيقَها، وتصلُّبَها، وما إلى ذلك من متاعبَ قلبيَّةٍ خطيرةٍ، يقول تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} [المؤمنون: 20] .
وفي آيةٍ ثانيةٍ يقولُ اللهُ جلَّ جلالهُ: {الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} [النور: 35] .
(2/143)

لقد وقفَ العلماءُ عند هاتينِ الآيتينِ، أمامَ هذه الشجرةِ المباركةِ، شجرةِ الزيتونِ، وحِيَالَ زيتِها الذي يُعدُّ المادةَ الدهنيةَ الأولى في حياةِ الإنسانِ.
ظنَّ بعضُ العلماءِ لعدمِ اطِّلاعِهم، أو لعدمِ تحقُّقِهم من خيريةِ هذه الشجرةِ، أنَّ الموادَ التي تنتجُها ضارَّةٌ، لكنّ القرآنَ الكريمَ، وسنّةَ النبي عليه الصلاة والسلام ذَكَرَا غيرَ ذلك.
وتؤكِّدُ البحوثُ العلميةُ الصحيحةُ التي ظهرتْ قبل سنواتٍ أنّ زيتَ هذه الشجرةِ وقودٌ للإنسانِ، فهو طاقةٌ مُثلَى للبَشَرِ.
كمَا مَيَّز علماءُ التغذيةِ بينَ الحوامضِ الدهنيةِ المشبعةِ وغيرِ المشبعةِ، فهناك موادُّ دسمةٌ مشبعةٌ، وهذه تبقى عالقةً في الدمِ، وربما تراكمتْ في جدرانِ الشرايينِ فسبَّبَتْ تضيُّقَها، وسبَّبتْ تصلُّبَها، وسبَّبتْ ضَعفَ القلبِ، فالموادُّ الدهنيةُ المشبعةُ ضارةٌ بالإنسانِ، لكنّ الموادَّ الدهنيةَ غيرَ المشبعةِ تتوازنُ حينما تلتهمُ بقيةَ الأنواعِ الدهنيةِ، فوَصَفَ العلماءُ زيتَ الزيتونِ بأنه حوامضُ دهنيةٌ غيرُ مشبعةٍ، تفيدُ الجسمَ، وتمنعُ الترسباتِ الدُّهنيةَ في جدرانِ الشرايينِ الدمويةِ، بعكس الحوامضِ الدهنيةِ المشبعةِ الموجودةِ في أكثرِ الزيوتِ الحيوانيةِ، وهذه الزيوتُ الحيوانيةُ المشبعةُ تسبِّبُ تصلُّبَ الشرايين، وضعفَ القلبِ، لذلك ينصحُ الأطباءُ أنْ يتناولَ الإنسانُ مِلعقةً من زيتِ الزيتونِ كلَّ يومٍ لِيَقِيَ، ويعالِجَ بها تصلُّبَ الشرايينِ، وهذا الزيتُ يُطلِقُ البطنَ، ويسكِّنُ أوجاعَه، ويخرج الدودَ، وأغلبُ الدهونِ الحيوانيةِ يزعجُ المعدةَ، إلا زيتَ الزيتونِ، وهو يُقَوِّي اللِّثةَ والأسنانَ، ويُلينُ الجلدَ، وهو حمضٌ دهنيٌّ غيرُ مشبعٍ، ولا يترسَّبُ على جُدُرِ الأمعاءِ، ولا يسبِّبُ تضيقاً في الشرايين، ولا تصلُّباً لها، هذا معنى قولِ اللهِ عز وجل: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} [المؤمنون: 20] ، وقولِه: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} [النور: 35] ، وفي آيةٍ ثالثةٍ: {والتين والزيتون} [التين: 1] .
(2/144)

وفي حديثٍ صحيحٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "كُلُوا الزَّيْتَ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا؛ بِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ".
فكلَّما تقدَّمَ العلمُ اقتربَ ممّا في القرآنِ والسنةِ من حقائقَ، وكلما ابتعدَ عن القرآنِ والسنةِ فهذا دليلُ تخلُّفِه، ودليلُ نقصِه، وانحرافِه عن الحقيقةِ التي جاء بها القرآنُ والسُّنةُ.
قال ابنُ القيِّم عن زيتِ الزيتونِ: "فالمعتَصَرُ من النضيحِ أعدَلُه وأجودُه ... ومن الأسودِ يسخِّن ويرطِّب باعتدالٍ، وينفعُ من السمومِ، ويطلقُ البطنَ، ويخرجُ الدودَ، والعتيقُ منه أشدُّ تسخيناً وتحليلاً، وما استُخرِجَ منه بالماءِ فهو أقلُّ حرارةً، وألطفُ، وأبلغُ في النفعِ، وجميعُ أصنافِه مُلَيِّنةٌ للبشرةِ، وتبطىء الشيبَ، وماءُ الزيتونِ المالحِ يمنعُ من تنفُّطِ حَرقِ النارِ، ويشدُّ اللِّثةَ، وورقُه ينفعُ من الحمرةِ، والنملةِ، والقروحِ الوسخةِ، ويمنع العرق، ومنافعُه أضعافُ ما ذَكَرْنَا".

اليقطين
يقولُ الله عز وجل: {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} [الصافات: 146] ، يعني على النبيِّ الكريمِ يونسَ عليه السلامُ.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: "إِنَّ خَيَّاطاً دَعَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خُبْزاً مِنْ شَعِيرٍ، وَمَرَقاً فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الصَّحْفَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ".
وعَنْ أَنَسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِمَرَقَةٍ فِيهَا دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ يَأْكُلُهَا".
(2/145)

وعَنْ أَبِي طَالُوتَ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يَأْكُلُ الْقَرْعَ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا لَكِ شَجَرَةً، مَا أَحَبَّكِ إِلَيَّ لِحُبِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِيَّاكِ".
قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ هذه الآيةِ: {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} : "وذَكرَ بعضُهم في القرعِ فوائدَ، منها سرعةُ نباتِه، وتظليلِ ورقِه لِكِبَرِه، ونعومَتهِ، وأنه لا يقربُها الذبابُ، وجودةُ تغذيةِ ثمرِه، وأنه يُؤكَلُ نِيْئاً، ومطبوخاً بِلُبِّهِ، وقشره أيضاً، وقد ثبتَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحبُّ الدباءَ، وَيتَتَبَّعهُ من نواحي الصَّحْفةِ".
وقال ابنُ قيِّم الجوزيةِ: "اليقطينُ باردٌ رطبٌ، يغذو غذاء يسيراً، وهو سريع الانحدار، وإن لم يفسُدْ قبلَ الهضمِ توَلَّد منه خلطٌ محمودٌ ... وهو لطيفٌ مائيٌّ، يغذو غذاءً رطباً بلغميّاً، وينفعُ المحرورين، ولا يلائِم المبرودين، وماؤهُ يقطعُ العطشَ، ويُذهِبُ الصداعَ الحارَّ إذا شُرِبَ، أو غُسِلَ به الرأسُ، وهو مليِّن للبطنِ ... وبالجملةِ فهو مِن ألطفِ الأغذيةِ، وأسرعِها انفعالاً".
وهو غنيٌّ بالسكريات - هذا كلام الأطباء المحدثين - والفيتامينات (أ - ب) ، وفيه حديدٌ وكلسٌ، وفيه عناصرُ فعالةٌ كالقَرعِين، وفيه حوامضُ أمينيةٌ كاللوسين، وهو غيرُ مُهَيِّجٍ، وهو هاضِمٌ، مسكِّن، مُرطِّب، مُلَيِّنٌ، مُدِرٌّ للبولِ، ويطردُ سوائلَ الوزماتِ والانصباباتِ، مطهِّرٌ للصدرِ، والمجاري التنفسيةِ، والمجارِي البوليةِ، ويفيدُ في معالجةِ التهابِ المجارِي البوليةِ، والبواسيرِ، والإمساكِ، وانحباس البول، كما يفيدُ في معالجةِ الوَهَنِ، وعسرِ الهضمِ، والتهاباتِ الأمعاءِ، ويفيدُ المصابين بالعللِ القلبيةِ، والأرقِ، ومرضى السكريِّ، ويفيدُ في آفاتِ المستقيمِ.
والقاعدةُ الذهبيةُ تقولُ: " أفضلُ دواءٍ ما كان غذاءً، وأفضل غذاءٍ ما كان دواءً".
(2/146)

قال ابنُ القيِّم في زادِ المعادِ: "يقطين: وهو الدُّباءُ والقرعُ، وإن كان اليقطينُ أعَمَّ، فإنّه في اللغة كلُّ شجرةٍ لا تقومُ على ساقٍ، كالبطيخِ، والقثَّاءِ، والخيارِ، قال اللهُ تعالى: {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} [الصافات: 146] ، فإنْ قيل: ما لا يقومُ على ساقٍ يُسمَّى نجماً لا شجراً، والشجرُ: ما له ساقٌ، قاله أهلُ اللغةِ، فكيف قال: {شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} ؟ فالجواب أنّ الشجرَ إذا أُطْلِقَ كان ماله ساقٌ يقومُ عليه، وإذا قُيِّدَ - كما هو في قوله "شجرة من يقطين" - بشيءٍ تَقَيَّدَ له، فالفرقُ بين المطلقِ والمقيَّدِ في الأسماءِ بابٌ مهمٌّ، عظيمُ النفعِ في الفهمِ، ومراتبِ اللغة".

اللفت غذاء ودواء
(2/147)

لفتَ نظري أنّ هذا الغذاءَ الذي نأكلُه هو إلى أن يكون دواءً أقربُ منه إلى أنْ يكونَ غذاءً، فهذه الأغذيةُ أوْدَعَ اللهُ سبحانه وتعالى فيها موادَّ فعّالةً تَشفِي كثيراً من الأمراضِ، فهذا اللّفتُ يُعدّ مِن أفْضلِ مرمّماتِ الدّمِ، لِمَا فيه مِنَ الأملاحِ المعدنيّةِ، فالدمُّ يحتاجُ إلى ترميمٍ دائمٍ، ويُعدّ اللّفتُ من أفضلِ مرمِّماتِ الدّم ومقوّماتِه، وهو أحدُ النباتاتِ التي تحوي أكبرَ كميّةٍ من الكالسيوم لبناءِ العظامِ والأسنانِ، وهذا اللّفتُ يَقِي مِن كثيرٍ من الأمراضِ، بِفَضلِ كميّةِ المِغْنِزْيُوم التي يحتوي عليها، فهو يَقِي - كما يقول بعضُ الأطبّاءِ - مِن الأورامِ السرطانيّةِ، بفضْلِ مادّةِ المغنزيوم، وبفضل آزوتِه، فهو مُنَقٍّ للدّمِ، ويحصّنُ العضويّةَ من الأمراضِ، والبوتاسيوم الذي في اللّفتِ يجعَلُ منه أحسنَ الخُضَرِ التي تجنّبُ العضويَةَ تراكمَ الشّحومِ، فهو مُذيبٌ للشّحومِ في الدّمِ، وفيه زرنيخ، والزرنيخُ يُسْهم في تكوينِ الكرياتِ البيضِ والحمرِ، وهو غنيّ بِحامضِ الفوسفورِ، وحامضُ الفوسفورِ يغذّي الخليّةَ العصبيّةَ، كمن كان له عملٌ فكريٌّ، فاللّفتُ يُغذّي الدّماغَ والأعصابَ، وأوراقُ اللّفتِ غنيّةٌ بالحديدِ والنحاسِ، وهذه تفيدُ في إغناء الدمِّ، وغنيّةٌ باليودِ، وهذه تفيدُ في الغدّةِ الدرقيّةِ، وغنيّةٌ بالفيتامينات (أ) ، و (ب) ، و (س) ، وعصيرُ اللّفتِ يسهّلُ تفتُّتَ حصيَاتِ الكليَّةِ، فمَن يشكو حصاةً في كُليتِهِ فلْيشْربْ عصيرَ اللّفتِ، ومغليُّ اللّفتِ يُطهّرُ المجارِي التنفسيّةَ، والحَلْقَ، والبلعوم، ويَقِي من الدماملِ، والخراجات، وبصول الجلديّةِ، ويُستعمَلُ اللّفتُ كلُصَاقَاتٍ للجلدِ أيضاً، سبحان الله! أغذاءٌ هُوَ، أم دواءٌ؟! هكذا أوْدعَ اللهُ سبحانه وتعالى في هذه الخَضراواتِ بعضَ الأدويَةِ، لذلك يقولُ الأطبّاءُ: اعْدِل عن الدواءِ إلى الغذاءِ، ونوِّع فيه، وإذا أكلتَ من كلِّ الخَضراواتِ، فقد جمعْتَ كلّ الأدويَةِ، وأنتَ لا تشعرُ.

نبات الفجل
(2/148)

إننا نجدُ نباتَ الفجلِ في الأسواق، قد نشتريهِ، وربَّما لا نشتريهِ، وقد يتندَّرُ بعضُ الناسِ فيقولُ: أَرْخَصُ مِن الفجلِ، لِقِلَّةِ شأنِ هذا النباتِ عندهم.
قال العلماءُ: يَحوِي هذا النباتُ موادَّ آزوتيةً، ومقاديرَ من الموادِّ النشويةِ، والمعدنيةِ، كما يَحوِي نسبةً جيدةً مِنَ الفيتامين (س) ، وباحتوائِه هذه الفيتاميناتِ فإنه يَحوِي أيضاً على الكالسيوم، والحديدَ، ونظراً لاحتوائِه هذه الفيتاميناتِ، فإنه مُقَوٍّ للعظامِ، ومُدِرٌّ للبولِ، ويفيدُ عصيرُه في تفتيتِ حَصَيَاتِ الكُليتين، وفي تفتيتِ حَصَيَاتِ الصفراءِ، ويذيبُ الرمالَ البوليةَ، ويشفي من النوبةِ الكبديةِ، ويساعدُ على الهضمِ، ويُستعمَلُ في بعضِ الدولِ المتقدمةِ - بِمقياسِ العصرِ طبعاً - كعلاجٍ لمكافحةِ السعالِ الديكِيِّ.
سبحانك يا رب! كلُّ هذه الموادِّ، وهذه المعادنِ، وهذه الفيتاميناتِ في هذا النباتِ الذي لا يعبأُ الناسُ بهِ! خَلَقَ اللهُ سبحانه وتعالى كلَّ شيءٍ فأبدعَ خَلْقَه، وأتقنَ صُنْعَه، وجعلَ مِن هذا النباتِ شيئاً موزوناً.. {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} [الحِجر: 19] .
إنّ نسبةَ احتوائِه على هذه الموادِّ: خمسةٌ وثمانون بالمئة ماءً، وفيه موادُّ آزوتيةٌ، ومقاديرُ من الموادِ النشويةِ، والمعدنيةِ، وفيتامين (أ) ، وفيتامين (س) ، وكالسيوم، وحديدٌ، وحموضٌ معيّنةٌ، هذه كلُّها مِن أجلِ أنْ تقيَ الإنسانَ بعضَ الأمراضِ، وأنْ تُعِينَه على ترميمِ بعضِ الأعضاءِ، وإنّ اللهَ سبحانه وتعالى جَعَلَ مِن هذه النباتاتِ آيةً دالةً على عظمتِه سبحانه وتعالى.. {فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24-32] .

نبات الملفوف
(2/149)

في بحثٍ طريفٍ عن "الملفوف"، هذا النباتُ الذي يأكلُه الناسُ في الشتاءِ ثَبَتَ أنه يَحوي أَعْلَى درجةٍ مِن الفيتامينِ (س) مِن بينِ كلِّ الخضراواتِ، حتّى إنّ نسبةَ هذا الفيتامينِ فيه أعلى مِن نسبتِه في الليمونِ، وينبتُ هذا النباتُ في الشتاءِ، وأمراضُ البردِ معروفةٌ، فما هذا التوافقُ العجيبُ بينَ كونِ هذا النباتِ ينبتُ شتاءً، واحتوائِه أعلى نسبةٍ من الفيتامين (س) الذي يقاوِمُ أمراضَ البردِ، وهذه النسبةُ موجودةٌ في هذا النباتِ، وفي الليمونِ، والحمضياتِ، ويحتلُّ الملفوفُ الدرجةَ العُلْيَا في نسبةِ هذا الفيتامينِ (س) .
شيءٌ آخرُ، يَحوِي الملفوفُ فيتاميناتٍ أخرى، كالفيتامين (ب) ، و (ك) وفيه معادنُ، كالكلسِ، والكبريتِ، والفوسفورِ.
قال العلماءُ: "إنّ هذا النباتَ يُزِيلُ التَّعَبَ، ويقاوِمُ الزُّكامَ، ويَشفِي مِنَ الطَّفحِ الجِلديِّ، ويُقّوِّي الشَّعْرَ، والأظافرَ، ويُنَمِّي العظامَ، وهذه استطباباتُه الوقائيةُ".
وأمّا استطباباتُه العلاجيةُ: فهو يقاوِمُ ديدانَ البطنِ، والتهابَ القصباتِ، وهو مفيدٌ للأطفالِ والمراهقينَ، لأنّ فيه نسبةً عاليةً من الكِلْس تساعدُ على نموِّ عظامِهم، وهو علاجٌ للقصورِ الكُلَوِيِّ، ففيه البوتاس، الذي يطردُ الماءَ الزائدَ مِن الأنسجة، فهو علاجٌ فعّالٌ للأمراضِ الكُلويّةِ، وفيه علاجٌ لأمراضِ القلبِ، وفيه مادةٌ مشابهةٌ تماماً للأنسولين، إذاً فيه علاجٌ لمرضِ السُكّر، وفيه علاجٌ مِن حالةِ التسمُّمِ الدوائيِّ، وفيه علاجٌ لمرضِ القَرحةِ، وهو مبذولٌ في الأسواقِ.
كأنّ هذا الغذاءَ الذي نظنُّ أنه غذاءٌ، إنما هو إلى أنْ يكونَ دواءً أقربُ، كأن هذه النباتاتِ التي خلقها الله عزَّ وجل، خلقها لتحقّقَ طبًّا وقائياً، وإذا كان الخَلَل حقّقتْ طبًّا علاجياً.
يجبُ أنْ نعلمَ علمَ اليقينِ أنّ الذي خَلَقَ الإنسانَ هو الذي خَلَقَ هذا النباتَ، فما هذا التوافقُ العجيبُ؟ ومَا هذه العلاقةُ الوَشِيجةُ بين بُنْيَة خَلْق الإنسان، ونِسَب هذه الموادِّ في هذا النبات؟ إنه خَلْقُ الله سبحانه وتعالى.
(2/150)

قال تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24-32] .
يقولُ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ: "أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ؛ خَشْيَةِ اللهِ فَي السِّرِّ وَالْعَلانَيَّةِ، وَالْعَدْلِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدِ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي، وَأنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْراً، وَنُطْقِي ذِكْراً، وَنَظَرِي عِبْرَةً".
فإذَا قرأتَ، وإذَا نظرتَ، وإذَا تأمَّلتَ فلا تنسَ أنْ تستنبطَ الموعظةَ، لأنّ اللهَ سبحانه وتعالى بثَّ في الأرضِ آياتٍ للموقنينَ، وبثَّ في النفسِ وفي السماواتِ والأرضِ آياتٍ لا حصْرَ لها.

الشاي الأخضر وعلاقته بالأورام الخبيثة
سُئِلَ أحدُ المفكِّرين: ماذا نأخذُ، وماذا نَدَعُ من الغربيين؟ فقال: نأخذُ ما في رؤوسِهم، ونَدَعُ ما في نفوسِهم، إحساسُنا ملْكُنا، وإحساسُهم لهم، قِيَمُنا لنا، وقِيَمُهُم لهم، أمّا هذه العلومُ فهي قاسمٌ مشترَكٌ بين كلِّ الأممِ والشعوبِ، بل إنه قال أيضاً: ثقافةُ أيِّ أمَةٍ هي ملكُ البشرية جمعاءَ، فهي بمثابةِ عسلٍ استُخِلصَ من زهراتٍ مختلفِ الشعوبِ على مرِّ الأجيالِ، فهذا العسلُ هو مُلكُ الإنسانيةِ كلِّها، وهل يُعقلُ إذا لَدَغَتْنا جماعةٌ مِنَ النحلِ أنْ نقاطِعَ عَسَلَها.
(2/151)

إنّ نِسَبَ الأورامِ الخبيثةِ في ازديادٍ مستمرٍّ، ومُخِيفٍ، وبسلاسل أعلى مِن عدديةٍ لعلّها هندسيةٌ، والسببُ كما تعلمون أنّ العصرَ الحديثَ فيه ظاهرةُ تغييرِ خَلْقِ اللهِ، وهذا التغييرُ وراءَ ارتفاعِ نِسَبِ الأورامِ الخبيثةِ في أكثرِ البلادِ المتخلفةِ، وكلُّكم يعلمُ أنّ في الإنسانِ جهازاً خطيراً جداً، هو جهازُ المناعةِ المكتسبُ، وهذا الجهازُ هو جيشٌ بكلِّ ما في هذه الكلمةِ من معنى، فيه فرقةُ استطلاعٍ، وفرقةُ تصنيعِ أسلحةٍ، وفرقةُ قتالٍ، وفرقةُ هندسيةٍ، وهناك فرقةُ مغاوير، هذه الفرقةُ تستطيعُ أنْ تكتشفَ انحرافَ الخليةِ في وقتٍ مبكِّرٍ جداً، وتلتهمَها، بل إنّ أحدثَ العلومِ التي تبحثُ في علمِ الهندسةِ الوراثيةِ اكتشفَ أنّ في الإنسانِ موَرِّثاً للورمِ الخبيثِ، له قامعٌ يمنعُه من أنْ يكونَ فعَّالاً، هذا القامعُ ما الذي يَفُكُّه؟ قالوا: يَفُكُّهُ ذرّةُ البلاستيك، فإذا استعْمَلْنا البلاستيك على نحوٍ مكثَّفٍ مع الموادِّ الحارّةِ، والموادِّ الحامضيةِ، وإذا استعملناهُ على نحوٍ ميكانيكي، أي: كَشَطْنا بالسكينِ مادةً غذائيةً معبَّأةً في البلاستيك، فربّما دخلتْ بعضُ ذرّاتِ البلاستيك إلى أجسامِنا، وهذه الذرةُ يمكنُ أنْ تَفُكَّ القامعَ الذي يمنعُ مُوَرِّثَ الورمِ الخبيثِ مِن أنْ يفعلَ فعْلَهُ.
شيءٌ آخرُ؛ ذرّةُ البترول هذه لو استنْشَقْنَاها، أو أكلْنَاها بطريقةٍ أو بأخرَى خطأً، أو بغير خطإٍ، هذه أيضاً تَفُكُّ القامعَ الذي يقمعُ هذا المورِّثَ عن أنْ يفعلَ فعْلَه.
والموادُّ المشعَّةُ لها دورٌ كبيرٌ في إحداثِ هذه الأورامِ، ثم إنّ الشدةَ النفسيةَ التي يعاني منها معظمُ الناسِ، والواقعين في الشركِ الخفِيِّ، إنهم يتحمَّلون من الضغطِ ما لا يتحملون، وهذه الشدةُ النفسيةُ أحدُ أسبابِ هذه الأورامِ، والآية الكريمة: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين} [الشعراء: 213] .
(2/152)

قال العلماءُ عن جهازِ المناعةِ المكتَسَبِ: "إنّ قيادَتَه خارج الجسمِ بيدِ اللهِ عز وجل، وإنّ الحُبَّ، والأمنَ، والمودَّةَ تقوِّي هذا الجهازَ، وإنّ الخوفَ، والقلقَ، والحقدَ تُضعِفُ هذا الجهازَ"، وقد ذكَرَ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ أنّ الحبّةَ السوداءَ تشفِي من كلِّ داءٍ، وقد عُقِدَ مؤتمرٌ في القاهرةِ من أجلِ بحثِ ما في هذه الحبةِ السوداءِ، فإذا هي تُقَوِّي جهازَ المناعةِ، وجهازُ المناعةِ هذا مسؤولٌ عن الأمراضِ الخبيثةِ، والجرثوميةِ.
لكنّ هذا تمهيدٌ لموضوعٍ دقيق، فمَن منّا يصدِّقُ أنّ استهلاكَ العالَمِ للشايِ خمسةُ ملايين طنٍّ، وأنّ خُمسَ هذه الكميةِ من الشايِ الأخضرِ، وقد ثَبَتَ بالتجارِبِ العلميةِ أنّ له مفعولاً مضاداً للسرطانِ، كما يَنْصِبُ فخّاً للموادِ الكيماويةِ المسبِّبة للسرطانِ، وهيَ تَقِي في الأعمِّ الأغلبِ مِنَ الورمِ الخبيثِ المَعَوِيِّ.
إنّ شُربَ الشايِ الأخضرِ مع الطعامِ عادةٌ شعبيةٌ في اليابانِ، لذلك فإنّ هذا البلدَ أقلُّ نسبةً من حيث الإصابةُ بهذا المرض، هذه الحقيقةُ قرأتُها في مجلةٍ رصينة، أردتُ أنْ أضعَها بين أيديكم.
على كلٍّ، فإنّ صحةَ الإنسانِ ليست مُلْكَه، إنها مُلكُ أُسْرتِه، ومُلكُ المسلمين، وهي رأسُماله، وإنّ الأجلَ لا يتقدَّم، ولا يتأخَّرُ، ولكنَّ الإنسانَ قد يعيشُ مريضاً، وقد يعيش صحيحاً، هذا متعلِّق بمدى اتّباعِه لسنةِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ، وإنّ التوحيدَ رأسُ الوقايةِ مِن هذه الأمراضِ، لأنّه يُبعِدُك عن الشدةِ النفسيةِ التي وراءَ أكثرِ الأمراضِ.
هذه حقائقُ يجبُ أنْ نأخذَ بها، وأنْ نعتنيَ بصحّتِنا؛ لأنها رأسُ مالنا، ووعاءُ أعمالِنا، وسبيلُنا إلى كسبِ رضاءِ اللهِ عز وجل.

الحمضيات وعلاقتها بفصل الشتاء
في هذه الفواكهِ التي خَلَقَهَا اللهُ لنا حِكَمٌ بالغةٌ لا يعرفُها إلا العلماءُ الذين نَقَّبوا في أسرارِها، فلماذا كانت الحمضياتُ في الشتاءِ؟.
(2/153)

هذا بحثٌ علميٌّ دقيقٌ يتحدثُ عن فوائدِ بعضِ الحمضياتِ، وكيفَ أنّها تنضجُ في فصلِ الشتاءِ دونَ غيرِه من الفصولِ؟ قال بعضُ العلماءِ: لأنَّ في البرتقالِ مركباتٍ غذائيةً، وفيتاميناتٍ واقيةً، أبرزُ هذه الفيتاميناتِ فيتامينُ (ج) ، هذا الفيتامين يقاوِمُ ضَعْفَ البُنْيةِ، ويقاوِمُ إدماءَ الجلدِ، ويقاوِم تَحَلُّلَ المادةِ الكلسيةِ في العظامِ، ويقاوِم ارتباكَ الهضمِ، ويقاوِم فَقْدَ الشهيةِ، ويقاوِم الالتهاباتِ، وفي مقدورِ برتقالةٍ واحدةٍ أنْ تُمِدَّ الإنسانَ بكلِّ ما يحتاجُه مِن هذا الفيتامين في اليومِ، ونقصُ هذا الفيتامين في لَبَنِ الأمِّ، أو في لبنِ الإرضاعِ الصناعيِّ يعوَّض عنه بإعطاءِ الرضيعِ عصيرَ البرتقالِ، فلو أنّ الحليبَ الصناعيَّ الذي يأخذه الصغارُ حدِيثِي الولادةِ كان فيه نقصٌ في الحديدِ، وفي هذا الفيتامين فإنّ عصيرَ البرتقالِ للرضيعِ يعوِّضُ له كلَّ ما فَقَدَهُ من الحليبِ الصناعيِّ، ونقصِ الحديدِ في الغذاءِ.
هذا الفيتامين يقاوِمُ كثيراً مِنَ السمومِ، وفي الدرجةِ الأولى أنَّ الليمونَ فيه خصائصُ لا تُصدَّقُ، فمثلاً لو وضعتَ عشرَ غراماتٍ في لترٍ، فإنَّ هذا المحلولَ يقتلُ كلَّ الجراثيمِ، فإذا أردتَ أنْ تعقِّمَ ماءً للشربِ في منطقةٍ ماؤُها مُلَوَّثٌ فما عليك إلاّ أنْ تَضَعَ في ماءِ الشربِ بضعَ قطراتٍ مِنْ عصيرِ الليمونِ، فإنَّ هذه القطراتِ تكفي للقضاءِ على جرثوم الكوليرا، والحُمَّى التيفيةِ، وهذه الفاكهةُ التي خَلَقَهَا اللهُ سبحانه وتعالى تقاوِمُ الروماتيزم، وتقاوِم أمراضَ المعدةِ، وتقوِّي القلبَ، وتقاوِم، أو تقضي على السُّمومِ التي يتناوُلها الإنسانُ خطأً في طعامِه، فهذا الليمونُ وُجِدَ ليكونَ دواءً قبلَ أنْ يكونَ غذاءً، بكلِّ ما في هذه الكلمةِ من معنى.
هذه آياتُ اللهِ في خَلْقِه، هذه الفاكهةُ التي نظنُّ أنّها فاكهةٌ، هي مستودعٌ للأدويةِ، يَقِي، ويُقَوِّي، وَينشِّطُ، فإذَا فكَّرَ الإنسانُ في طعامِه خَشَعَ قلبُه، وانهمرتْ عيناه، وخَرَّ للهِ ساجداً.

الموز
قال تعالى متحدثاً عن فاكهة أهل الجنة: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} [الواقعة: 29] .
(2/154)

إنَّ مِنَ العجيبِ أنّ المئةَ غرامٍ من فاكهةِ المَوزِ تُعطِي مِن الحُرَيْرَاتِ ما تُعطِيه مئةُ غرامٍ أخرى مِنَ اللحمِ، فهي مِنَ الموادِّ التي تُعطِي الطاقةَ، وفي هذه الفاكهةِ نسبةٌ من الكالسيوم، والفوسفورِ، والحديدِ، والبوتاسيوم، والنحاسِ، والفلورِ، وهذه كلُّها معادنُ أساسيةٌ جداً يحتاجُها الإنسانُ، بل إنّ ثلاثَ حباتٍ من هذه الفاكهةِ تعطِي الإنسانَ كِفايتَه التامَّةَ مِن هذه المعادنِ في اليومِ، كما أنّ في هذه الفاكهةِ ثمانيَةَ فيتاميناتٍ أساسيةٍ، لها تأثيرٌ كبيرٌ في عملِ أجهزةِ الإنسانِ، ثم إنَّ هذه الفاكهةَ يكمِّلُها الحليبُ الذي امتنَّ اللهُ به علينا، والخبزُ الذي جَعَلَه قوتاً لنا.
إذاً فالإنسانُ الذي يأكلُ هذه الفاكهةَ ينبغي أنْ يعلمَ علمَ اليقينِ أنّها مخلوقةٌ خِصِّيصى له، وإنّ الإنسانَ المؤمنَ يرى أنّ اللهَ سبحانه وتعالى سَخَّرَ له ما في الأرضِ جميعاً من تسخيرَ تكريمٍِ، وتسخيرَ تعريفٍ، فهذه العلاقةُ بين حاجةِ الجسمِ، ولا سيما جسمِ الأطفال، ومقوِّماتِ هذه الفاكهةِ علاقةٌ دقيقةٌ جداً، الكالسيوم مع الفوسفور، مع البوتاسيوم، مع النحاس، مع الفلور الذي يقاوِمُّ نخْرَ الأسنانِ، كلُّها في هذه الفاكهةِ، والفيتامين (ب 1) ، و (ب 2) ، و (ب 6) ، و (ب 12) ، وفيتامين (د) ، وفيتامين (و) ، ثمانيةُ أنواعٍ من الفيتامينات موجودةٌ في هذه الفاكهةِ، وفيها مِنَ الموادِّ السكريةِ، وبعضِ الموادِّ الدهنيةِ، وبعضِ الموادِّ البروتينيةِ، والماءِ، فهذه مِن نِعَمِ اللهِ عز وجل التي امتنَّ اللهُ بها علينا؟!.

المقدونس وفوائده الصحية
كلما ازددتَ معرفةً بآياتِ اللهِ ازددتَ معرفةً باللهِ، فثمَّةَ شيءٌ لا يخطرُ على البالِ، هذا البقدونس الذي نأكله كلَّ يومٍ، فيه كثيرٌ من العناصرِ النادرةِ، وفيه زيتٌ طيار، مِلْعَقَتَا طعامٍ من هذا النباتِ مفروماً فرماً ناعماً تُمِدُّ الكائنَ الحيَّ بثلث الجرعةِ اليوميةِ من طليعةِ الفيتامين (أ) ، وثلثي الفيتامين (س) ، وثمنَ جرعةِ الحديدِ اليوميةِ.
(2/155)

الموادُّ النادرةُ في هذا البقدونس هي الزرنيخ، والبورون، والنحاس، والتيتانيوم، هذه موادٌّ نادرةٌ، موجودةٌ في البقدونس، لذلك قال بعض الأطباء: كُلْ كلَّ شيء باعتدالٍ؛ لأنّ كلَّ شيء فيه موادٌ مرمِّمةٌ، ومعالِجةٌ للجسمِ.
ينصحُ الأطباءُ أنْ يوضعَ على المائدةِ قبلَ خمسِ دقائقَ من تناولِ الطعامِ؛ لأنّ فيه زيتاً طيّاراً، والفائدة في هذا الزيت الطيّارِ.
هذا النباتُ دواءٌ مدرٌّ للبولِ، يُستخدَم في حالاتِ الاستسقاءِ، وفي حالاتِ الوزماتِ ذاتِ المنشأ القلبيِّ، ويُستخدمَ في تفتيت الحصى، ومعالجة أمراضِ الكليةِ، وأمراضِ المثانةِ، وفي أمراضِ الكبدِ، وفي الحويصلةِ الصفراويةِ (المرارة) ، وهذا النباتُ ينظِّم التنفسَ، وينشِّطُ القلبَ، ويعينُ على خروجِ الغازاتِ من الجسمِ، ويحسِّنُ الرؤية، ويقِي اللَّثةَ، ويشفي من لدغاتِ البعوضِ، والزنابيرِ، والنحلِ، ويقتلُ الطفيلياتِ، هذا النباتُ الذي لا نأبه له موجودٌ ومبذولٌ، وهو دواءٌ في الحقيقة، هذا النباتُ يُزيلُ رائحةَ الموادِّ الكريهةَ في الجسمِ، ويقوِّي غُدَّتَي الكظرِ، وهما الغدَّتان المسؤولتان عن معالجةِ حالاتِ الشدةِ التي تصيبُ الإنسانَ، والكظرُ يرفعُ ضرباتِ القلبِ، ويضيقُ الأوعيةَ الدمويةَ المحيطيةَ، ويرفعُ نسبةَ السكرِ في الدمِ، ويزيدُ وَجيبَ الرئتين.
وهذا النباتُ يفيدُ الغدةَ الدرقيةَ، المسؤولةَ عن الاستقلابِ، ويقوِّي الأوعيةَ الدمويةَ، ويمنعُها مِنَ الانفجارِ عند ارتفاعِ الضغطِ، وهو نافعٌ لأمراضِ الجهازِ البولِيِّ التناسلِيِّ، ويساعدُ في حالِ تكوُّن الحصى في الكُليتين، وفي المثانةِ على تفتيتِها، ويعالجُ مرضَ الاستسقاءِ، ويعالجُ بعضَ أمراضِ العيونِ، ويحسِّنُ الدورةَ الشهريةَ، كما يُعدُّ مادَةً مِن موادِّ التجميلِ.
(2/156)

هذا النباتُ الذي بين أيدينا، لو تفكَّرَ الإنسانُ في هذا الغذاءِ الذي يأكله لأدرك عظمة خالقه، مَن أَوْدَعَ فيه هذه النِّسبَ مِن معادنَ وفيتاميناتٍ نادرةٍ؟ لذلك قالوا: خيرُ الدواءِ ما كان غذاءً، وخيرُ الغذاءِ ما كان دواءً.. دواءٌ نباتيٌّ متوازنٌ غيرُ مُؤْذٍ، أمّا الأدويةُ الكيماويةُ التي نأخذُها فهذه تَشفِي من جهةٍ، وتؤذِي من جهةٍ أخرى..

الخل
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِي ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ فِلَقاً مِنْ خُبْرٍ، فَقَالَ: "مَا مِنْ أُدُمٍ؟ " فَقَالُوا: لاَ، إِلاَّ شَيءٌ مِنْ خَلٍّ، قَالَ: "فَإِنَّ الْخَلَّ نِعْمَ الأُدُمُ"، قَالَ جَابِرٌ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ نَبِيِّ اللهِ".
وفي حديثٍ آخرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "نِعْمَ الأُدُمُ أَوِ الإِدَامُ الْخَلُّ".
اكتشفَ العلماءُ أنّ للخلِّ فوائدَ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، فقالوا: "الخلُّ يقتلُ الجراثيمَ خلالَ دقائقَ داخلَ المعدةِ"، فإذا لم يكن تعقيمُ طبقِ السَّلَطة جيداً فالخلُّ الذي فيها يعقّمُه، بل إنّه يَقِي المعدةَ من الإلتهابات والتَّسَمُّماتِ، وفيه مِنَ المعادنِ: البوتاسيوم، والفوسفور، والكلورين، والصوديوم، والمغنيزيوم، والكالسيوم، والكبريت، وقيمتُه الحروريةُ أو الكالورية صفرٌ، وهو يُداوِي التهاباتِ الفمِ والحلقِ، ويُزيلُ الشحومَ، ويسكِّنُ ألمَ الشقيقةَ، ويَشفِي التهابَ المفاصلِ، ويزيلُ الترسباتِ داخلَ شرايينِ الجسمِ، فكلامُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم هذا ليس من عندِه، إنِ هو إلا وحيٌ يوحَى، إنه طبيبُ القلوبِ، وطبيبُ الأجسامِ، والخلُّ مِن الطبِّ النبوي، ولا سيما خلُّ التفاحِ.
(2/157)

قال ابنُ القيِّم: "الخلُّ مركَّبٌ من الحرارةِ، والبرودةُ أغلبُ عليه ... يمنعُ من انصبابِ الموادِّ، ويلطِّفُ الطبيعةَ، والخَلُّ ينفعُ المعدةَ الملتهبةَ، ويقمعُ الصفراءَ، ويدفعُ ضررَ الأدويةِ القتَّالةِ، ويحلِّل اللبنَ والدمَ إذا جَمَدا في الجوفِ، وينفعُ الطحالَ، ويدبغُ المعدةَ، ويعقلُ البطنَ، ويقطعُ العطشَ، ويمنعُ الورمَ حيثُ يريدُ أنْ يحدثَ، ويُعِينُ على الهضمِ، ويضادُّ البلغمَ، ويلطِّف الأغذيةَ الغليظةَ، ويُرِقُّ الدمَ، وإذا شُرِبَ بالملحِ نَفَعَ مَن أَكَلَ الفِطْرَ القاتلَ، وإذا احتُسِيَ قَطَعَ العلقَ المتعلِّقَ بأصلِ الحنكِ، وإذا تُمُضمِضَ به مسخَّناً نَفَعَ من وجعِ الأسنانِ، وقَوَّى اللثةَ ... وهو نافعٌ للأورامِ الحارة، وحرِق النارِ، وهو مُشَهٍّ للأكلِ، مُطَيِّبٌ للمعدةِ ... ".
لقد صَدَقَ رسولُ الله - الصادقُ المصدوقُ صلى الله عليه وسلم - حين قال: "نِعْمَ الأُدُمُ، أَوِ الإِدَامُ الْخَلُّ".

السواك وأثره في الجراثيم
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ".
وَرَدَ في مجلةٍ مشهورةٍ تصدرُ في بعضِ البلادِ العربيةِ الشقيقةِ مقالٌ لعالِمٍ متخصِّصٍ في علمِ الجراثيمِ والأوبئةِ في ألمانيا، يقول: "قَرأتُ عن السواكِ الذي يستعملُه العربُ كفرشاةٍ للأسنانِ في كتابٍ لرحَّالةٍ زارَ البلادَ العربيةَ".
وعَرَضَ الكاتبُ الأمرَ بأسلوبٍ ساخرٍ لاذعٍ، اتّخذهُ دليلاً على تأخُّرِ هؤلاءِ الناسِ، الذين ينظِّفون أسنانَهم بأعوادٍ في القرنِ.
(2/158)

يقولُ هذا العالِمُ الألمانيُّ: "ولكنِّي أخذتُ هذه المسألةَ مِن وجهةِ نظرٍ أخرى، وفكَّرتُ: لماذا لا يكونُ وراءَ هذه القطعةِ مِنَ الخشبِ، والتي سَمَّيتُها فرشاةَ الأسنانِ العربيةَ حقيقةٌ علميةٌ، وتمَنَّيْتَ لو استطعتُ إجراءَ التجارِبِ عليها، ثم سافرَ زميلٌ لي إلى السودانِ، وعادَ، ومعه مجموعةٌ منها، وفوْراً بدأتُ إجراءَ تجارِبي عليها، سَحَقْتُهَا، وبلَّلتُها، ووضعتُ المسحوقَ المبَلَّلَ على مزارعِ الجراثيمِ، فظهرتْ لي المفاجأةُ التي لم أكنْ أتَوَقَّعُها، ظهرتْ على مزارعِ الجراثيمِ الآثارُ نفسُها التي يحقِّقها البنسلين، وهي مادةٌ فعَّالةٌ في قتلِ الجراثيمِ"، هذا ما قالَه العالِمُ الألمانيُّ المتخصِّصُ في علمِ الجراثيمِ والأوبئةِ.
قال ابنُ القيَّم: "وفي السواكِ عدةُ منافعَ؛ يطيِّبُ الفمَ، ويشدُّ اللِّثَةَ، ويقطعُ البلغمَ، ويجلو البصرَ، ويُذهِبُ بالحَفَرِ، ويصحُّ المعدةَ، ويصفِّي الصوتَ، ويعينُ على هضمِ الطعامِ، ويسهِّلُ مجاري الكلامِ، وينشّطُ للقراءةِ، والذِّكرِ، والصلاةِ، ويطردُ النومَ، ويرضِي الربَّ، ويُعجِبُ الملائكةَ، ويُكثِرُ الحسناتِ".
وقال: "وأصلِحُ ما اتُّخِذَ السواكُ مِن خشبِ الأراكِ ونحوِه، ولا ينبغي أنْ يؤخَذَ مِن شجرةٍ مجهولةٍ، فربما كانت سُمّاً، وينبغي القصدُ في استعمالِه، فإنْ بالغَ فيه فربما أذهبَ طلاوةَ الأسنانِ، وصقالتَها، وهيّأها لقبولِ الأبخرةِ المتصاعِدةِ منَ المعدةِ والأوساخِ".

الحيوان
قلب الأم في الكائنات الحية
من آياتِ اللهِ سبحانه وتعالى الدالَّةِ على عظمتِه قلبُ الأمِّ، ليس ذلك القلبَ الماديَّ، المؤلَّفَ من أذينين وبطينين، وشرايين، وأوردةٍ، ولكنه قلبُ النفسِ، العلماءُ يقولون: إنَّ أقوى الدوافعِ في النوعِ البشريِّ دافعُ الأمومةِ، بل إنَّ دافعَ الأمومةِ أقوى الدوافعِ في الكائنات الحيةِ، والشواهدُ على رحمةِ الأمِّ في الكائناتِ الحيةِ لا في البشرِ وحْدَهم أكثرُ من أنْ تُحْصَى.
(2/159)

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلاً، فَانْطَلَقَ إِنْسَانٌ إِلَى غَيْضَةٍ فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَيْضَ حُمَّرَةٍ، فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ تَرِفُّ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَرُؤُوسِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "أَيُّكُمْ فَجَعَ هَذِهِ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا أَصَبْتُ لَهَا بَيْضاً، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ارْدُدْهُ"، وفي رواية: وَقَالَ: "رُدَّهُ رَحْمَةً لَهَا"، وفي رواية أبي داود: "تفرش جناحها"، بدل "ترفُّ".
قال العلماء: "تحمل الدِّبَبة، والكلابُ، والقطط أولادَها بأنيابِها الحادّةِ، وتعدو بها مسافاتٍ شاسعةً دون أنْ تخدشَ جلدَها.
يعيش الإكسيلوب منفرداً في فصل الربيع، ومتى باض مات، فالأمُّ لا ترى صغارها التي لا تستطيعُ الحصول على غذائها لمدةِ سنّة، بل تضعُ الأمُّ ثمّ تموتُ، وهذا الذي وضعَتْه مِن أين يتغذّى؟ لن يستطيعَ أن يأكلَ مباشرةً إلا بعدَ سَنةٍ، ما الذي يحصل؟ تحفر الأمُّ في خشبٍ حفرةٌ مستطيلةٌ تجلبُ طلْعَ الأزهارِ، وبعضَ الأوراقِ السكريةِ، وتحشو به ذلك السردابَ، ثم تبيضُ بيضةً، ثم تأتي بنشارةِ خشبٍ، وتجعلُها سقفاً لهذا السردابِ، وبعْدَها تموتُ، وبعد أن تفقسَ يخرج البيضُ، وتجدُ طعاماً يكفِيها سنةً، {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
إنها حشرة تُدعى الحفَّار، تحفرُ أنثاهُ نفقاً في الأرضِ، ثم تبحثُ عن دودةٍ تَلْسَعُها، وتُخَدِّرُها، ولا تميتُها، ثم تسحبُها إلى النفقِ، ثم تضعُ البيضَ، وتسدُّ النفقَ، وقد هيَّأَتْ للصغارِ طعاماً طازجاً يكفيها مدةً طويلةً، وبعدها تموتُ.
بعضُ أنثى الطيرِ تطعِمُ صغارَها أكثرَ مِن ألفٍ وثلاثمئة مرةٍ في اليومِ، تُلقِم صغارَها الطعامَ، ما بين الفجرِ والغروبِ.
والناقةُ تبكي على فَقْدِ صغارِها، والكلبةُ تبكي على جَرْوِها الميتِ.
(2/160)

وإذا فَقَدَتِ الخيلُ صغيرَها نَهْنَهَتْ بصوتٍ مسموعٍ، وتَوَحَّشَتْ، ولا تَدَعُ أحداً يقتربُ من صغيرِها، فإذَا حُمِلَ صغيرُها ليُدْفَنَ سارتْ خَلْفَه، فإذَا دُفِنَ لازمتْ قَبْرَهُ، وانقطعتْ عن الأكلِ والشربِ.
إنّ من آياتِ اللهِ الدالّةِ على عظمتِه قلبَ الأمِّ، لا في بني البشرِ فحسبُ، بل في الكائناتِ الحيَّةِ.

فوائد البيض
هذه البيضةُ التي نأكلُها مَن يصدِّقُ أنَّ فيها ستةَ عشرَ معدناً نادراً، وثمانيةَ معادنَ معروفةً؟ والمعادنُ في البيضةِ تحتلُّ نسبةَ اثنين بالمئة، أمّا المعادنُ من قِشرِ البيضةِ فإنّها تحتلُّ عشرةً بالمئةِ.
مَن يصدِّقُ أنّ في البيضةِ ما يساوي مئتي نوعٍ من البروتينات؟ وفيها أيضاً أربعةَ عشرَ نوعاً من الفيتامينات، وفيها موادُّ سكريةٌ، وفيها مضاداتٌ حيويةٌ؛ تقاومُ تفسُّخَها وفسادَها، وفيها أيضاً من الدهونِ الخفيفةِ والثقيلةِ.
ولها شكلٌ بيضويٌّ، مِن ميزاتِه الهندسيةِ أنه لا يتدحرجُ إلى مسافاتٍ طويلةٍ، فلو كان شكْلُها كرويّاً لتدحرجتِ البيضةُ إلى مسافاتٍ بعيدةٍ جداً.
هذا الشكلُ مِن أقوى الأشكالِ هندسياً، يتحمّلُ مقاومةً كبيرةً، الشكلُ البيضويُّ تتوزَّعُ مقاومتُه على كلِّ أنحاءِ سطحِه، وبُنيةُ البيضةِ سهلٌ فتحُها واستعمالُها، وسهلٌ حفظُ بعضِها فوقَ بعضٍ.

مرض جنون البقر (الاعتلال الدماغي)
حينما كفَرَ الإنسانُ بوحيِ السماءِ، واعتمدَ على عقلِه فقط أضلَّه، وهداه إلى أنْ يُطعِمَ البقرةَ المشيماتِ، التي تؤخَذُ من المستشفياتِ، وتجفَّفُ وتُطحَنُ، وتوضَعُ عظامُ الخنزيرِ، والجيفُ التي تفسخَّتْ في مراجلَ، وتُغلَى، ثم تجفَّف، وتطحَنُ، وتُطعَم للبقرِ، فإذا بمرضٍ خطيرٍ خطِيرٍ يصيبُ البقرَ، سمّاهُ العلماءُ: جنونَ البقرِ، أو مرضَ الاعتلال الدماغيِّ.
هذا المرضُ الخطيرُ سيضطرُّ مُنْتِجِي البقرِ إلى إحراقِ أحدَ عشرَ مليونَ بقرةٍ، ثمنُها ثلاثةٌ وثلاثون ملياراً من الجنيهات الإسترلينيةِ؛ لأنهم خالفوا منهجَ اللهِ سبحانه وتعالى في تغذيةِ هذا الحيوانِ.
(2/161)

هذا المرضُ اسمُه: الاعتلالُ الدِّمَاغِيُّ الإسفنجيُّ، ومسبِّباتُ هذا المرضِ كائناتٌ بالغةُ الصِّغَرِ، لم تُعرَفْ حتى الآنَ، ذاتُ دورِ حضانةٍ طويلٍ جداً، يمتدُّ إلى ثماني سنواتٍ، وفي الإنسانِ يمتدُّ إلى عشرين سنةً، وليس لهذا المرضِ الخطيرِ مظهرٌ التهابيٌّ، ولا مظهرٌ مناعيٌّ، واكتُشِفَ أخيراً أنّ هذا المرضَ يصيبُ البقرَ، ويصيبُ البشرَ، بل إنّ البشرَ إذا أكلوا من لحمِ هذا البقرِ أصيبوا بمرضٍ مشابهٍ لمرضِ البقرِ، وأعراضُ هذا المرضِ في البقرةِ تكلُّفٌ في المشيِ، ورفعُ القوائمِ عالياً، وفرطُ الإدراكِ الحسيِّ، والحكُّ، وفَقْدُ الشهيةِ، وفرطُ اللّعَقِ، وعدمُ التحكُّمِ العصبيِّ، واقترانُ هذا كلِّه بسلوكٍ عدوانيٍّ، ثم الموتُ.
ما يفعلُه الإنسانُ الشارِدُ، وما يفعلُه الإنسانُ الذي كَفَرَ بمنهجِ الخالقِ، ما يفعلُه الإنسانُ الذي اعتمدَ على عقلِه القاصِرِ فقط، بيَّنَتْهُ آيةٌ كريمةٌ وردتْ في كتابِ الله عز وجل، قال تعالى: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله} [النساء: 119] ، يُغَيِّرونَ سُنَنَه، يغيِّرونَ قوانينَه.
هذا البقرُ الذي أصيبَ بالجنونِ بسببِ جنونِ البشرِ، وما المجنونُ في تعريفِ النبي صلى الله عليه وسلم؟ إنّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ مرَّ بجماعةٍ فقال: "مَا هَذِهِ؟ " قَالُوا: مَجْنُونٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ بِالْمَجْنُونِ، وَلَكِنَّهُ مُصَابٌ، إِنَّمَا الْمَجْنُونُ الْمُقِيمُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى".
أمّا الشكلُ البشريُّ لهذا المرضِ فقال العلماءُ: فقدانُ الذاكرةِ، وفَقْدُ التناسقِ العضليِّ، وفَقْدُ التوازنِ، والعَمَى، وفَقْدُ النطقِ، وتحدثُ الوفاةُ بين ثلاثةِ أشهرٍ وعامٍ، من بداية ظهورِ الأعراضِ، ويرافق هذا قلقٌ، واكتئابٌ، وتغيّراتٌ سلوكيةٌ، واضطرابٌ في نشاطِ الدماغِ الكهربائيِّ، هذا المرضُ يصيبُ البقرَ، ويصيبُ البشرَ، بل يصيبُ البشرَ الذين يأكلون لحمَ هذا البقرِ، لذلك حَرَصَتْ معظمُ الدولِ على منعِ استيرادِ هذه اللحومِ من المواقعِ التي أصيبتْ بها البقرُ بالجنونِ.
(2/162)

فيُحظَرُ أكلُ واستعمالُ لحومِ البقرِ، منتجاتِها، ودهونِها، وأحشائِها، ومخلّفاتِها، والأعلافِ المصنوعةِ منها، ومنتجاتِ التجميلِ المصنعةِ منها، ولحومِ العلبِ، وأنواعِ الحليبِ، ومشتقاتِه، وأنواعِ الحلوياتِ التي تستخدِمُ هذه الدهونَ، أو الزبدةِ، أو القشدةِ، هذا كلُّه ربما أصابَ الإنسانَ بهذا المرضِ.
فإنْ قلت: ألاّ تُحَلُّ هذه المشكلةُ بطبخِ اللحمِ؟
قلت: لا، فإنّ الطبخَ ينضَجُ إذَا كانت درجةُ الحرارة مئةً، وهذا النوعُ لو طُبِخ، وكانت درجةُ الحرارةِ مئةً وعشرين فإنها لا تغنِي شيئاً، إذْ يظلُّ فيروسُ المرضِ فيه، لأنّ العاملَ المسبِّبَ لمرضِ جنونِ البقرِ يتحمّلُ درجاتِ الحرارةِ المرتفعةَ.
هذه الحقائقُ التي وضعتُها بين أيديكم ملخَّصَةٌ من نشرةٍ إعلاميةٍ أصدرَتْها منظمةُ الصحةِ العالميةُ بعيداً عن المبالغاتِ.
لقد أقسمَ الشيطانُ أنْ يُضِلَّ الناسَ، فكان هذا من إضلالِه: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} [النساء: 119] .
وشتَّانَ ما بين منهج اللهِ، ومنهجِ الشيطان، قال عز وجل: {فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال فأنى تُصْرَفُونَ} [يونس: 32] .

حليب الأبقار
يُعَدُّ الحليبُ الذي يستهلكُه كلُّ واحدٍ منا غذاءً كاملاً، بشكلٍ أو بآخرَ؛ سواءٌ أكان حليباً، أم لبناً، أم جبناً، أم سمناً، وما شاكل ذلك، إذْ يحوي نسبةً من الماءِ تتراوحُ بين 87% إلى 91%، كما يحوي الحليبُ الدسمَ، والسُكرياتِ، والبروتيناتِ، والمعادنَ، والفيتاميناتِ، وغازاتٍ منحلَّةً، فهو غذاءٌ كاملٌ، فيه غازاتٌ منحلةٌ، كغازِ الفحمِ، والأوكسجينِ، والنشادرِ، والفيتاميناتِ: (أ، ب، ث، د) ومِن المعادنِ: الكالسيوم، والفوسفور، ومن البروتينات: الكاثرين، والألبومين، وما شاكل ذلك، ومن السكريات: سكر العنب، والدسم، والماء.
لكنّ المعجزةَ أنّ هذا اللبنَ يخرجُ من بطونِ البقرِ خالصاً مِن بينِ فرثٍ، ودمٍ.
(2/163)

أحْدَثُ البحوثِ العلمية توصَّلتْ إلى أنَّ في البقرةِ غدةً ثدييةً، هذه الغدةُ الثدييةُ مقسمةٌ إلى فصوصٍ، وهذه الفصوصُ مقسمةٌ إلى فصيفصاتٍ، وهذه الفصيفصاتُ مقسمةٌ إلى أجوافٍ صغيرةٍ هي الأسناخُ، وهي محاطةٌ بغشاءٍ من الخلايا، حولَ هذه الخلايا شعيراتٌ دمويةٌ، تأخذُ الخلايا مِن الدمِ ما تحتاجُ إليه، وتفرزُ الحليبَ في جوفِ هذا التجويفِ، ينتهي هذا الجوفُ بقناةٍ، إلى حوضِ الغدةِ، ثمَّ إلى حوضِ ثديِ البقرةِ، ثمَّ إلى حُلمتِها.
ولكن حتى هذه الساعةِ لا تُعرَفُ طبيعةُ عملِ هذه الخليةِ، التي تأخذُ من الخارجِ ما تحتاجُ من الدمِ، وتفرزُ الحليبَ في باطنِها.
قال العلماءُ: إنّ ثلاثمئة حَجْمٍ، إلى أربعمئةِ حجمٍ من الدمِ يسيرُ حولَ هذه الأسناخِ، من أجلِ تحصيلِ حجمٍ واحدٍ من الحليبِ، أَيْ كلُّ لترٍ من من الحليبِ مصنَّعٌ من ثلاثمئة، أو أربعمئة لترٍ من الدمِ، يجولُ حوْلَ هذه الشَّعْرِيَّاتِ، فالبقرةُ معملٌ ضخمٌ، {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً} [النحل: 66] .
الشيءُ الذي يدعو إلى العجبِ أنه لم يُعرَفْ حتى الآن كيف تعملُ هذه الخليةُ، تأخذُ من الجهةِ الوحشيةِ، من شعرياتِ الدمِ: الموادَّ، والفيتاميناتِ، والمعادنَ، والبروتيناتِ، والسكرياتِ، والدسمَ، والماءَ، تخلطُها، وتفرزُ من الداخلِ الحليبَ، إذْ تنتِجُ البقرةُ الواحدةُ تقريباً من ثلاثين إلى أربعين كيلو غراماً من الحليبِ في اليوم الواحد، وكل كيلو هو محصّلةُ دورانِ ثلاثمئة لترٍ من الدم.
في هذه الشعرياتِ ثلاثمئة حجمٍ، إلى أربعمئة حجم لتصنيعِ لترِ حليبٍ واحدٍ، فلما قال ربُّنا تعالى: {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66] فقد أشار إلى آيةٍ عظمى دالّةٍ على عظمته سبحانه وتعالى.
(2/164)

بحَثَ العلماءُ عن الذي يُعطِي الأوامرَ، مَن ينظِّم؟ من ينسِّقُ؟ مَن يعطي هذه الخليةَ أمراً بأخذِ البوتاس، والفوسفور، والكالسيوم، والفيتامينات، والمعادنَ، وأشباهَ المعادن، والغازات، والسُّكَّرياتِ، والموادَّ الدسمةَ مِن الدم؟ كيف تُخْلَطُ؟ كيف تُمْزَجُ؟ كيف تصبح حليباً ناصعَ البياضِ؟ خالصاً مِن كلِّ شائبةٍ؟ لا أثرَ للدمِ فيه؟ ولا أثرَ للفرثِ فيه؟ فلم يجدوا إلا يَدَ اللهِ تعملُ في الخفاءِ.
لو أن الإنسانَ فكَّرَ في خلقِ السماواتِ والأرضِ، أو فكّرَ في الحيواناتِ التي حوله، أو فكّرَ في النباتاتِ التي يأكلّ منها، أو فكّرَ في خَلْقِهِ، لأخَذه العجبُ العُجابُ، ولخرَّ للهِ ساجداً، ولأطَاعَهُ حقَّ الطاعةِ، ولَعَبَدَهُ حقَّ العبادةِ، هذا الإلهُ العظيمُ الذي يصنعُ لكَ الحليبَ من هذا الحشيشِ الذي تأكُه البقرةُ، هل تستطيعُ أنت أن تحوّلَ هذا الحشيشَ إلى حليبٍ؟ إنك لن تستطيعَ ذلك، كيف يُعَدُّ الحليبُ غذاءً أساسياً في حياتِك؟ تصنعُ منه اللبنَ، والحليبَ، والجبنَ، والقشدةَ، وما إلى ذلك، إنّ هذا كلَّه عطاءُ اللهِ عزَّ وجل، قال تعالى: {والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] ، وقال: {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: 72] .
جعلناها مُذَلَّلة، طفلٌ صغيرٌ يحلبُ ثديَ البقرةِ! طفلٌ صغيرٌ يقودُ بقرةً! ولو توحَّشَتْ لقتلتِ العَشراتِ!.
خُلِقَتْ لنا، وذُلِّلَتْ لنا، أفلا نشكُرُ اللهَ؟ أفلا نعبدهُ؟ أفلا نطيعُه؟ أفلا نحبُّه؟.

الجمل
(2/165)

لو أمعنَ المرءُ النظرَ إلى الجملِ لرآه من أبدعِ المخلوقاتِ، إنه أعجوبةٌ في الهندسةِ التشريحيَّةِ، فالجَملُ يُعَدُّ وسيلَةً لا تُقَدَّرُ بثمنٍ في المناطقِ القاحلةِ المنبسطةِ التي تغطِّي سُدسَ مساحةِ اليابسةِ، والتي تستعصِي على أقوى المَركباتِ، وفي العالم ما يزيدُ على خمسة عشرَ مليوناً من الجمالِ، تزدادُ باستمرارٍ، فكلُّ ما في الجملِ متقَنُ الإبداعِ، للتكيُّفِ مع بيئتِه القاسيةِ، فعينُه لها رُموشٌ كثيفةٌ مزدوجةٌ، تَحجُبُ عنها رمالَ الصحراءِ المتطايرةَ، وتتميّزُ بقدرتِها على التكبيرِ، والتقريبِ، فهي ترِيهِ البعيدَ قريباً، والصغيرَ كبيراً، وهذا سرُّ انقيادِه لطفلٍ صغيرٍ، أو لدابةٍ ضعيفةٍ، قال سبحانه: {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: 72] .
وفي إمكانِ الجملِ إغلاقُ أُذُنيه، ومنخرَيْهِ للغايةِ نفسِها، أمّا أخفافُه الضخمةُ فهي تسهِّلُ له الحركةَ على الرمالِ، من دون أنْ يغرزَ فيه، وشَفَتَا الجملِ مطّاطيتَانِ، قاسيتانِ، تلتهمانِ الأشواكَ الحادّةَ، وهما فعَّالتانِ في تجميعِ الطعامِ، والأشواكِ، حيث لا يفقدُ الجملُ أيَّ رطوبةٍ بمدِّ لسانِه إلى الخَارجِ، {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17] .
ومن أبرزِ مزايا الجملِ قلَّةُ حاجتِه إلى الماءِ، ومع أنّه يمكنُه أنْ يشربَ ما يملأُ حوضَ استحمامٍ، لكنه يستطيعُ أنْ يستغنيَ عن الماءِ كلياً عشراتِ الأيامِ، بل بضعةَ أشهرٍ، حيث يستطيعُ في حالاتٍ طارئةٍ أنْ يأخذَ ما يحتاجُ إليه مِنَ الماءِ مِن أنسجةِ جسمِه، فيخسرَ ربعَ وزنِه، من غيرِ أنْ يضعفَ عن الحركةِ، وفي السنامِ يخزِّن الجملُ من الشحمِ ما يعادِلُ خمسَ وزنِه، ومنه يَسحبُ ما يحتاجُ إليه مِن غذاءٍ، إنْ لم يجدْ طعاماً، {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ} .
ويزيد متوسِّطُ عمرِ الجملِ على أربعين عاماً، ولا يسلسُ قيادُ الجملِ إلا إذا عومل بمودةٍ، وعطفٍ، وفي هذا عبرةٌ لبني البشر، قال تعالى: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ} .

الخيل
(2/166)

ممّا يَلفتُ النظرَ في آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه سبحانه الخيلُ التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: "الْخَيْلُ مَعْقودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
فمِن عجيبِ خصائصِ هذا الحيوان الذي سخّره اللهُ للإنسان تكريماً له أنّه قويُّ السمع، فالخيلُ تسمعُ وقَعَ الخُطَى قبلَ أنْ ترى الذي يمشي، وتسمعُ وقَعَ حوافرِ خيلٍ أخرى قبلَ أن تَتَبَدَّى لها في الأفقِ، وتنبِّه صاحبَها.
والخيلُ لا تفقِدُ قدرتَها على التناسلِ وإنْ تقدمتْ في السنِّ، "الْخَيْلُ مَعْقودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ"، وهي سريعةُ الشفاءِ من جروحِها وأمراضِها سرعةً غيرَ معقولةِ، فشفاؤُها أسرعُ من شفاءِ الإنسانِ، وتلتئمُ كسورُ عظامِها بسرعةٍ عجيبةٍ جداً، ويكفي الحصانَ علفٌ قليلٌ ليقومَ بجريٍ كثيرٍ.
وجهازُ الحصانِ التنفسيُّ قويٌّ، فهو ذو قصبةٍ هوائيةٍ واسعةٍ جداً، وقفصٍ صدريٍّ واسعٍ جداً، يُعِينُه على استنشاقِ أكبرِ كميةٍ من الأكسجينِ لتعينَه هذه الكميةُ على الجريِ الطويلِ.
والحصانُ له قدرةٌ على تحمُّلِ المصاعبِ والمشاقِّ، ويستطيعُ أنْ يحملَ رُبعَ وزنِه، فإذَا كان وزنُه أربعمئة كيلو غرامٍ فإنه يحملُ مئةَ كيلو، ويستطيعُ أن يعدوَ مسافاتٍ طويلةً، ولأمدٍ طويلٍ دون طعامٍ ولا ماءٍ، ويتميزُ الحصانُ بذاكرةٍ حادّةٍ جداً، وهذه الذاكرةُ تنصبُّ على الأماكنِ التي يعيشُ فيها، فبإمكانِه إذا أصابَ صاحبَه مكروهٌ أنْ يعيدَه إلى البيتِ بذاكرتِه، بل إنّه يستطيعُ أنْ يحفظَ أدقَّ الأماكنِ، وأدقَّ التفاصيلِ، وهو يعرفُ صوتَ صاحبِه، ولو لم يَرَهُ، بل إنه ليعرفُ صاحبَه من طريقةِ ركوبِه الفرسَ، فيعرفُه إمّا مِن صوتِه، أو مِن رائحتهِ، أو من طريقةِ ركوبه الفرسَ.
ويستجيبُ الحصانُ بردودِ فعلٍ سريعةٍ جداً لحركاتِ فارسِه.
ومن القصصِ التي تُروى أنّ حصاناً عَلَتْهُ ابنةُ صاحبِه ففَزِعَ، فأنزلَها عن ظهرِه، ثم عدَا هارِباً وفاءً لصاحِبه مِن أن يمسّ ابنتَه سوءٌ.
(2/167)

وهو مِن أذكى الحيواناتِ، ومن أشدِّها وفاءً، والشيءُ الآخِذُ بالألباب - كما ذُكِرَ في بعضِ البحوثِ العلميةِ - أنّ ركوبَ الخيلِ يَقِي مِن أمراضِ القلبِ، وأمراضِ الكبدِ، والكليتينِ، وأمراضِ جهازِ الهضمِ، بخلافِ الإدمانِ على ركوبِ السيارةِ فإنَّه يجلبُ أمراضَ القلبِ، وأمراضَ الكليتين، وأمراضَ الكبدِ. وقد وصفَ الشاعرُ الجاهليُّ حصانَه فقال:
فازْورّ من وققْعِ القنا بلَبانِهِ ... وشكا إليّ بعَبْرةٍ وَتَحَمْحُمِ
لو كان يدْري ما المُحاورةُ اشْتكى ... وَلَكَانَ لو عَلِمَ الكلامَ مُكَلِّمِي
وهذان البيتان يدلاَّنِ على ذكاءِ الحصانِ ووفائِه لصاحبِه، وصدَق النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

الزرافة
قال اللهُ تعالى: {صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] ، وقال سبحانه: {مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] .
إنّ الزرافةَ هي ذلك الحيوانُ الذي يُعَدُّ من أطولِ الحيواناتِ قامةً، طولُها يزيدُ على ستةِ أمتار، هذا الحيوانُ من أشدِّ المخلوقاتِ تيقظاً وخفةً، زوَّدَها اللهُ بعينينِ جاحظتينِ، تستطيعانِ أنْ تَرَيَا ثلاثمئة وستين درجةً، وهي واقفةٌ رأسُها كالبرج، وعيناها تجوسانِ الأفقَ كلَّه مِن كلِّ الزوايا، وتَزِنُ طناً واحداً، وإذا عَدَتْ تجاوزتْ سرعتُها الستينَ كيلومتراً في الساعةِ.
(2/168)

لها رغامى تُعَدُّ أطولَ رغامى في الكائناتِ التي خَلَقَها اللهُ سبحانه وتعالى، رغَامتُها تزيدُ على مترٍ ونصفٍ، رأسُها ضخمٌ. أريدُ من هذا الموضوعِ شيئاً واحداً، أنّ هذا الرأسَ الضخمَ، وهذه الرقبةَ الطويلةَ التي تزيدُ على مترين إذا أرادتْ أنْ تضعَ رأسَها في الأرضِ لتأكلَ ممّا عليها ينهمرُ الدمُ كلُّه إلى رأسِها، فإذا تدفّقَ الدمُ إلى رأسِها احتقنتْ شرايينُ الدماغِ، فإذا رفعتْ رأسَها فجأةً فلا بد أنْ تصابَ بالدُّوَارِ، والإغماءِ قطعاً، لذلك جَهَّزَها اللهُ بآليةٍ عجيبةٍ حَيَّرتِ العلماءَ، شرايينُ رأسِ هذه الزرافةِ من طبيعةٍ خاصّةٍ، لهذه الشرايينِ عضلاتٌ إذا جاءَها الدمُ تتّسِعُ بفعلِ انبساطِها حتى تستوعبَ جميعَ الدمِ الذي جاء إلى الرأسِ بفعلِ الجاذبيّةِ.
ولكلِّ هذه الشرايينِ صمّامَاتٌ، حينما ترفعُ رأسَها فجأةً تُغْلَقُ الصماماتُ كلُّها، فتبقى هذه الكميةُ من الدمِ في رأسِها، ثم تفتحُ شيئاً فشيئاً، عندَها يعودُ الدمُ تدريجيّاً إلى بقيةِ شرايينِ الجسمِ، وآليةُ هذه الشرايينِ تلفتُ النظرَ، إذا جاءَها الدمُ كثيفاً توسَّعتْ، واستوعبتْ، فإذا رفعتِ الزرافةُ رأسَها فجأةً أغلقتِ الشرايينُ صمّاماتِها محتبسةً الدمَ فيها، كي لا تصابَ بالدُّوارِ والإغماءِ، مَن جَهَّزَها بهذا الجهازِ؟ مَن جَعَلَ لهذه الشرايينِ هذه العضلاتِ؟
مَن زَوَّدَ هذه الشرايينَ بهذه الصماماتِ؟ أليس هو العليمُ الحكيمُ؟ أليس هو العليمُ الخبيرُ؟ أليس هو الخالقُ القادرُ؟ أليس هو الغنيُّ الحميدُ؟
ما مِن مخلوقٍ على وجهِ الأرضِ، وتحتَ الأرضِ، وفوقَ الأرضِ إلا وخَلَقَه اللهُ أبدعَ خَلْقٍ، وصَنَعَهُ أتقنَ صنعةٍ، {مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] .
إنّ قَلْبَ الزرافةِ يدفعُ في الدقيقةِ الواحدةِ خمسةً وخمسين لتراً من الدمِ.
قال الله تعالى: {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .
(2/169)

فأيُّ شيءٍ وقعتْ عينُك عليه هو آيةٌ دالةٌ على عظمتِه، أيُّ شيءٍ تفَحَّصْتَه، أيُّ شيءٍ دَرَسْتَه، أيُّ شيءٍ دَقَّقْتَ فيه، إنما هو آيةٌ تدلُّ على أن الله هو الواحدُ الدَّيَّانُ، الواحدُ الأحدُ، الفردُ الصَّمَدُ.

الخنزير وحكمة تحريم أكله
اطّلعتُ على مقالةٍ تلخِّصُ كتاباً أَلَّفَه عالِمٌ غربيٌّ يتحدثُ فيه عن الخنزيرِ، مفادُه أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى حينما حَرَّم أكلَ لحمِ الخنزيرِ، فإنّ هذا التحريمَ ينطوي على حِكَمٍ لا حصرَ لها.
يقولُ مؤلِّفُ الكتاب: "إنَّ الخنزيرَ حيوانٌ لاحمٌ عاشِبٌ، أي يأكلُ العشبَ واللحمَ معاً، وقد حرَّمتِ الشرائعُ كلُّها أَكْلَه، وله طباعٌ من أقبحِ الطبائعِ والعاداتِ، ففيه الغباوةُ، والقذارةُ، وفيه سوءُ الخُلُقِ، ولا يعفُّ في نكاحِه حتى عن أمِّه".
شيءٌ آخرُ، إنّ أَحَبَّ الطعامِ إليهِ النجاساتُ، والجرذانُ الميتةُ، وإنَّ أَحَبَّ الطعامِ إليه طعامُ الجِيَفِ، فإذا وضعتَ الخنزيرَ في مكانٍ نظيفٍ، وفي طَرَفِ المكان أقذارٌ فلا بدّ أنْ يتمرَّغَ فيها، هذا شيءٌ عجيبٌ في طباعِ الخنزيرِ.
إنَّ البيضَ، بيضَ الديدانِ التي يمكنُ أنْ تكونَ في لحمِه لا ينجو من خطرِها إنسانٌ، ولو بقيَ هذا اللحمُ يغلِي ساعةً بأكملِها، وإنّ الطبخَ العاديَّ، والشَّيَّ السطحيَّ لا ينقذُ الإنسانَ من أخطارِ لحمِ الخنزيرِ.
قلتُ: سبحانَ الله!! إنّ أمراضاً كثيرةً، وديداناً خطيرةً تعيش في خلاياه، وفي ثنايا لحمِه، وهذه الديدانُ محصّنةٌ، فلو طُبخَ هذا اللحمُ طبخاً عادياً، أو شُوِيَ شيَّاً سطحياً لم تَمُتْ هذه اليرقاتُ، فلا بدَّ من تبريدٍ يَقِلُّ عن ثلاثين درجةً تحتَ الصفرِ، أو أن يغليَ أكثرَ من ساعةٍ، حتى تموتَ هذه اليرقاتُ في لحمِه.
حينما حرَّمَ ربُنا سبحانه وتعالى هذا اللحمَ حَرَّمَهُ لِحِكَمٍ كبيرةٍ، وهذه بعضُ الحِكَمِ.
إنّ مؤلِّفَ الكتابِ يقول: "إنّ هذا الحيوانَ له وظيفةٌ في تنظيفِ الأرضِ من الجيفِ، والأوساخِ، والنجاساتِ"، هذه مهمّتُه، فإذا ببعضِ الناسِ يجعلونه طعامَهم الأول.
(2/170)

إذا حَرَّمَ اللهُ سبحانه وتعالى شيئاً كان هناك علةٌ علميةٌ بين النتائج وعلّةِ التحريمِ، فأيُّ لحمٍ مليءٍ بالديدانِ واليرقاتِ لو طبَخْتَه طبخاً عادياً، أو شويته شيّاً عادياً، فإنّ هذه اليرقاتِ لا تموتُ، لذلك حينما تشيعُ الأمراضُ في بعضِ البلادِ التي تأكلُ لحمَ الخنزيرِ، كان ذاك شيئاً طبيعيّاً جداً، بل إنَّ ستَّ حالاتِ وفاةٍ، إحداها من هذه الدودةِ التي تعيشُ في خلايا الخنزيرِ.
شيءٌ آخرُ، إنّ الدهونَ التِي في هذا الحيوانِ فيها نسبةٌ عاليةٌ من الكولسترول، لذلك فإنّ الذبحة القلبيةَ، وتصلُّبَ الشرايينِ تزدادُ ثمانيةَ أضعافٍ في الدولِ التي تأكل هذا اللحمَ، وتقلُّ في الدولِ التي لا تأكلُ هذا النوعَ من اللحمِ.
أردتُ من هذه المقالةِ التي نُشِرَتْ في مجلةٍ أنْ يعرفَ المسلمُ لماذا حَرَّمَ اللهُ عليه لحمَ الخنزيرِ؟ والمقالةُ طويلةٌ، تنطوي على تفصيلاتٍ كثيرةٍ، ولكن أتيت على بعضِ ما فيها من فقراتٍ.
إنّ اللهَ عزَّ وجل حَرّم الخبائثَ، وأحلَّ الطيباتِ، فالشيءُ التي تطيبُ النفسُ به حلالٌ، والشيءُ الذي يتلِفُ الجسَدَ، أو يذهبُ العقلَ فهو حرام.
وعلى كل فإن علّةَ أيِّ أمرٍ إلهيٍّ أنّه أمرٌ إلهيٍّ وكفى، فبَعدَ جدالٍ طويلٍ بينَ عالِمَيْنِ مسلمَيْن حوْلَ حكمةِ تحريمِ لحمِ الخنزيرِ قال الأكثرُ فقهاً: يكفيك من هذا الجدلِ الطويل أن تقولَ لي: إنّ اللهَ حرّمه.

حيوان يعيش في الصحاري شبيه بالكنغر
مِن عجائبِ المخلوقاتِ حيوانٌ من الحيواناتِ التي تعيشُ في الصحارى، هذا الحيوانُ له رِجلانِ طويلتان، يقفزُ بهما كما يقفزُ حيوانُ أستراليا الكنغر، ولِذَنبِه خصلةٌ من شَعرٍ يستطيعُ به في أثناءِ قفزتِه أنْ يحوّلَ اتِّجاهه، وهو في الهواءِ كَذَيْلِ الطائرةِ تماماً، هذا الحيوانُ فيه ظاهرةٌ عجيبةٌ، حيوانٌ كأيِّ حيوانٍ، له جهازُ هضْمٍ، وله جهازُ دورانٍ، وفيه سوائلُ كثيرةٌ، ولكنَّ هذا الحيوانَ لا يتناوَلُ قطرةَ ماءٍ في كلّ حياتِه، واللهُ سبحانه وتعالى يقول: {وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] .
(2/171)

فما مِن كائنٍ حيٍّ إى والماءُ جزءٌ أساسيٌّ منه، فالإنسانُ مثلاً فيه سبعون بالمئة من وزنِه ماءً، وهذا الحيوانُ لا يتناولُ الماءَ أبداً في كلّ حياتِه.
بعضُ علماءِ الحيواناتِ اسْتأنسوا هذا الحيوانَ، فوَضَعُوه في مزارعَ، وحَمَلُوه على شُربِ الماءِ فلم يفلحوا، لا يتناولُ الماءَ في حياتِه أبداً، سؤالٌ كبيرٌ، مِن أين يأتيه الماءُ إذاً؟ معَ أَنَّ السوائلَ موجودةٌ في كلِّ أجهزتِهِ، ثم اكتشفوا أخيراً أنّه يصنعُ الماءَ في جهازهِ الهضميِّ، من الأكسجينِ الذي يستنشقُه، ومن الهيدروجينِ، وهذا يحتاجُ إلى أجهزةٍ بالغةِ التعقيدِ، فهذا الحيوانُ الذي يعيشُ في الصّحارى، ويصنعُ الماءَ بِجهازه الهضميِّ، يأخذُ الأكسجينَ من الهواءِ، ويأخذُ الهيدروجينَ، وهما مكوّنا الماءِ، من بعض الحبوبِ الجافّةِ التي يحرصُ على أكلِها، يأخذ منها الهيدروجين، ويصنعُ من هذا الهيدروجين، وذاك الأكسجين الماءَ الذي يُعِينُه على أنْ تستمرَّ حياتُه على النَّحوِ الذي ينبغي.
في الكَونِ أشياءُ من العَجَب العُجاب لو تراه العيونُ الباحثةُ عن الحقيقةِ لأيقَنَتْ بعظمةِ الله، فاللهُ على كلّ شيءٍ قديرٌ، وإنّ كلَّ حيوانٍ قد يتفوّقُ على الإنسانِ بِشَكل أو بآخرَ، ولكنَّ الإنسانَ أكرَمه اللهُ بأنْ حمَّلَهُ أمانةَ التكليفِ، فإذا غَفَلَ عن هذه الأمانةِ فأيُّ حيوانٍ يعدُّ أرْقَى منه، لأنه مسيَّرٌ، وغيرُ مكلَّفٍ، ولا يُعَذَّبُ، تفكَّروا في مخلوقاتِ اللهِ، ففي الكونِ آياتٌ لا حصْرَ لها، وفي الأرض آياتٌ للموقنين؛ في طعامِكم، وفي شرابِكم، فيما حوْلكم من الظواهرِ التي تروْنَها في كلِّ مكانٍ، آياتٌ دالّةٌ على عظمةِ اللهِ.

الكلاب وما ينتج عنها من أمراض
اطَّلعتُ على بحثٍ علميٍّ متعلّقٍ بالكِلابِ، هذا البحثُ مُصَدَّرٌ بثلاثةِ أحاديثَ شريفةٍ صحيحة.
فالأوّلُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلا كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ صَيْدٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ".
(2/172)

وفي الحديثِ الثاني: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اقْتَنَى كَلْباً لا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعاً وَلا ضَرْعاً نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ".
والثالثُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: إِنِّي لَمِمَّنْ يَرْفَعُ أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: "لَوْلاَ أَنَّ الْكِلاَبَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهيمٍ، وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْباً إِلا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ".
مؤلِّفُ هذا البحثِ العلميِّ ذَكَرَ ستّةً وثلاثين مرضاً، يسبِّب الكلبُ العدوى بها، وليس من طريقٍ للتخلُّصِ من هذه الأمراضِ إلا أنْ نتخلَّصَ من الكلابِ نفسِها، والجديرُ بالذكرِ أن هناك مرضاً خطيراً هو مرضُ الكلَب، إنه مرضٌ قاتلٌ يتربَّصُ بالمرءِ خمسةَ أيامٍ ثم يهلكُه، ولعلك تسألُ: أليس هناك حيواناتٌ أخرى تسبِّبُ العدوى، فنقول: شتَّانَ ما بينهما، فنسبةُ نقلِ القططِ - مثلاً - للأمراضِ لا تتعدَّى 7%، ولكنها في الكلابِ ربما تصل إلى 92%.
في فرنسا وحْدَها كان عددُ الكلاب عام (1976) سبعةَ ملايين كلبٍ، وكان عددُ سكانها اثنين وخمسين مليوناً، والعالَمُ الغربيُّ يعتني بالكلابِ إلى درجةٍ غيرِ معقولةٍ إطلاقاً، وكأنه استغنى عن الأولادِ بالكلابِ.
ومن الغريبِ أنّ لهذه الكلابِ ذاتِ العددِ الكبيرِ في ظلِّ الفراغِ الروحيِّ دوراً قَذِراً في الشذوذِ الجنسيِّ في أوربة وأمريكا.
وأمّا في إسلامِنا الحنيفِ، ودينِنا الطاهرِ فلا بأسَ بوجودِ كلبِ الصيدِ، وكلبِ الحراسةِ، أمّا لغير هذه الأهدافِ فلا يجوزُ أنْ تقتنيَ كلباً، "مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلا كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ صَيْدٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ".

حاسة الشم عند الكلاب
أودعَ ربُّنا سبحانه في الحيواناتِ آياتٍ عجيبةً، وخصَّ كُلاًّ بآيةٍ فريدةٍ، فهذه الكلابُ فيها حاسَّةُ شمٍّ تفوقُ حاسَّة البشرِ بمليونِ ضِعفٍ.
(2/173)

يمكنُ أنْ تضعَ بضعَ غراماتٍ من مادةٍ مخدِّرة في علبةٍ مُحكَمَةِ الإغلاق، وهذه المادةُ مغلَّفةٌ بوَرَقٍ كتيم، والعلبةُ محكمةٌ ضمنَ علبةٍ، والعلبتان ضمنَ صندوقٍ، وأنْ تأتيَ بمئةِ صندوقٍ متشابهةٍ، وأنْ ترسلَ كلباً، فإذا هو يهتدي إلى هذه المادةِ من بين مئة صندوقٍ، لقد أعطاه اللهُ هذه القدرةَ، وتسأل حينئذٍ: كيف تنقذُ الرائحةُ؟ وكيف تصل إلى أنفِ هذا الحيوانِ؟!! إنّه شيءٌ معجِزٌ.
لقد أثبتَ العلمُ الحديثُ أنّ لكلِّ إنسانٍ على وجهِ الأرضِ رائحةً خاصَّةً، ولا يتشابَهُ اثنان في رائحةٍ، بل إنّ لكلّ من التَّوْأَمَيْنِ اللذين وُلِدَا من بويضةٍ واحدةٍ رائحةً خاصةً، فيكفي أنْ تقرِّبَ إلى أنفِ هذا الحيوانِ شيئاً مِن رائحةِ عَرَقِ الإنسانِ، ولو كان هذا الإنسانُ بين مئاتِ الألوفِ من البشرِ، فإنَّ الكلب يهتدي إليه، وهذا شيء معجِزٌ.
تحتلُّ خلايا الشمِّ في الإنسانِ مسَاحةً لا تزيدُ على خمسةِ سنتيمتراتٍ مربعةٍ، وأمَا خلايا الشمِّ في هذا الحيوان فتحتلُّ مساحةً تزيدُ على مئةٍ وخمسين سنتيمتراً مربعاً، هناك ما يزيد على خمسة ملايين خلية لِتَحَسُّسِ الروائحِ، أمّا في هذا الحيوانِ فهناك ما يزيد على مئةٍ وخمسين مليونَ خلية لِتَحَسُّسِ هذه الروائح.
تفوق حاسّةُ الشمِّ لدى هذا الحيوان حاسَّةَ الإنسانِ بمليونِ مرةٍ، لذلك مهما احتال مهربو المخدِّراتِ، ومهم أخفَوْها في حرزٍ حريز، فإنّ هذه الحيواناتُ تستطيعُ أنْ تكتشفَ هذه المادةَ، التي تقضي على سعادة الأُسرِ.
ويستطيع الحيوانُ المدرَّبُ على تَتَبُّعِ الروائحِ أنْ يشمَّ رائحةَ إنسانٍ من بينِ مئةِ ألفِ إنسان، بشرطِ أنْ يُعْطَى بادئَ ذي بدءٍ شيئاً مِن رائحته، ولو كان ذا دلالةٍ طفيفةٍ.
مَن يصدِّق أنَّ ذاكرةَ هذا الحيوانِ يمكنُ أنْ تستوعبَ ملايينَ الروائحِ، فإذا دُرِّبَ على كشفِ روائحَ معينةٍ، فأيُّ رائحةٍ مدرجةٍ في ذاكرتِه يكتشفُها.
شيءٌ آخرُ: إذَا كان لديك وعاءان، وفي كل وعاء خمسون لتراً من الماء، ووضعتَ في أحدهما ملعقةً صغيرةً من الملحٍ، فإن هذا الحيوانَ يفرِّق بين العذبِ والمالحِ عن طريقِ الشمِّ فقط.
(2/174)

شيءٌ آخرُ: لو وضعتَ ملعقةَ خلٍّ في خمسةِ آلاف لترٍ، أي في خمسة أطنانٍ، ووضعتَ في خمسة آلاف لتر أخرى ماءً عذباً لاهتدى هذا الحيوانُ إلى الماءِ الذي فيه ملعقةُ الخل، فما هذه الحاسّةُ العجيبةُ؟.
ومِنَ الطريفِ أنْ يُشارَ إلى بعضِ الدولِ التي تستخدمُ هذا الحيوانَ لكشفِ تسرُّبِ الغازِ في الأنابيبِ المدفونةِ تحتَ الأرضِ، إنه يتَّبعُ هذا الأنبوبَ، ويعوِي في أي مكانٍ شمَّ منه الغازَ، ليشيرَ إلى مكانِ تسرُّبِ الغازِ.
لقد سَخَّرَ اللهُ سبحانه وتعالى لنا هذا، فماذا فعلنا؟ هل شَكَرْنَاهُ على هذا الكونِ العظيمِ؟ هل شكرناهُ على هذه المخلوقاتِ التي سُخِّرتْ مِن أجلِنا {هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً} [البقرة: 29] .

العقرب والانفجار النووي
الإنسانُ له خصائصُ يتميَّزُ بها، وخصائصُ يشتركُ فيها مع بقيةِ الخَلْقِ، وأيُّ صفةٍ يفتخرُ بها ففي المخلوقاتِ مَا يفوقُه فيها، لكن الإنسانَ ميَّزهُ اللهُ بالعلمِ، والحكمةِ، والقوةِ الإدراكية، وميَّزَه بأنْ جعله المخلوق المكرَّم، كلَّفه عمارةَ الأرضِ، وكلَّفه تزكيةَ نفسِه، فإذا اشتغلَ الإنسانُ بما انفردَ به خيرٌ له مِن أنْ يسعى إلى التفوُّقِ في أشياء قد ميزَّ اللهُ بها بعضَ مخلوقاتِه عليه.
وقعتْ تحت يدي مقالةٌ، مضمونُها أنّ فرنسا قبل خمسٍ وثلاثين سنةً قامت بتفجيرٍ نوويٍّ في صحراءِ الجزائرِ، وهذا التفجيرُ النوويُّ لهيبٌ حارقٌ، أو ضغطٌ ماحقٌ، لا يبقِي نباتاً، ولا حيواناً، ولا إنساناً، وأحْدَثَ هذا الانفجارُ حفرةً كبيرةً جداً، وكوَّنَ كرةً من النارِ تعلو مساحاتٍ شاسعةً، وبَعْدَ نهايةِ الانفجارِ، وسكونِ الأرضِ؛ وجدُوا عقرباً يمشِي في أرضِ الانفجار، إنها مفاجأة غريبة عجيبةٌ.
(2/175)

عَكَفَ علماءُ الحيوانِ ربعَ قرنٍ على دراسةِ هذا العقربِ، فوجدوا أنّ العقربَ يستطيعُ أنْ يبقى بلا طعامٍ ولا شرابٍ ثلاثَ سنواتٍ متتاليةٍ، ووجدوا أنّ العقربَ يستطيعُ أنْ يكّتمَ أنفاسَه تحتَ الماءِ مدةَ يومين كاملين، ووجدوا أنه إذا وُضِعَ في الثلاجةِ وكانت درجةُ البرودةِ عشرَ درجاتٍ تحت الصفرِ، ثم نُقِلَ إلى رملِ الصحراءِ المحرِقةِ - وهي في درجةٍ ستين - فإنّه يتكيَّف مع هذا التبدُّلِ الطارئ، ثم إنه إذَا وُضِع في حمّامٍ من الجراثيمِ الفظيعةِ لم يتأثَّرْ بها أبداً، وكأنه في حمّامٍ باردٍ، ثم إنهم عرَّضوه لأشعةٍ نوويةٍ تزيدُ ثلاثمئةِ ضعفٍ على ما يتحمَّله الإنسانُ فتحمَّلها، شرَّحوه فإذَا به ليس بذي دمٌ، بل فيه مصلٌ أصفرُ، ماذا يعلِّمنا هذا؟
يعلِّمنا هذا البحثُ أنّ الإنسانَ سريعُ العطبِ، يحتملُ سبعاً وثلاثين درجةً من الحرارةِ، لا يحتمل الأربعينَ، ولا يحتملُ الصفرَ.
أرادَ اللهُ سبحانه وتعالى أنْ يكونَ الإنسانُ حساساً، كان من الممكنِ أن يكونَ كهذا المخلوقِ، فلا يتأثرُ بشيءٍ، ولا يمرضُ، ولكنّ المرضَ نافذةٌ إلى السماءِ تُفتَحُ على الإنسانِ، العقربُ مخلوقٌ صغيرٌ لا أحدَ يأبهُ له، بل نقتلُه إنْ رأيناه، يتمتعُ بهذه الحصانةِ، بم يتأثَّرْ وهو في بؤرةِ الانفجارِ النوويِّ، وبقيَ يمشي.. معنى ذلك أنّ في المرضِ حكمةً تغيبُ عنا أحياناً، كان من الممكنِ، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، أن نتمتعَ بهذه الحصانةِ، فلا مرضَ، ولا مستثفيات، ولا ارتفاعَ ضغطٍ، ولا مرضَ قلبٍ، ولا رئتين، ولا أورامَ، ولا شيءَ من هذا القَبيلِ.
أراد اللهُ أن يكونَ الإنسانُ معرَّضاً للبلايا والأمراضِ لِما في المرضِ مِن حِكمٍ بالغةٍ، قد تظهر، وقد تخفى، مع أن قدرةَ الله تتعلَّق بأنْ يجعلَ المرءَ في حماية تامَّةٍ من الأمراضِ، وبُعدٍ عن المستشفياتِ، وأمانٍ من الأورام، ولكنّ المرضَ نافذةٌ إلى السماءِ.

تحريم الدم
(2/176)

قال تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 145] .
ماذا يقولُ العلماءُ عن الدمِ؟..
يحملُ الدمُ سموماً وفضلاتٍ كثيرةً، ومركباتٍ ضارّةً، ذلك لأنَّ إحدى وظائفِه هي نقلُ فضلاتِ الجسمِ، وسمومِه؛ لِيُصَارَ إلى طرحِها، وأهمُّ الموادِّ التي يحويها الدمُ هي البولةُ وحمضُ البولِ، وهي المستقلباتُ النهائيةُ الناتجةُ عن تقويضِ البروتيناتِ، ويحملُ بعضَ السمومِ التي ينقلُها مِنَ الأمعاءِ إلى الكبدِ بُغْيَةَ تعديلِها، فإذا ما تناولَ الإنسانُ كمياتٍ من الدمِ فإنّ هذه المركباتِ تُمتصُّ، ويرتفعُ مقدارُها في الجسم، إضافةً إلى المركباتِ التي تنتجُ عن هضمِ الدمِ ذاتِه، مما يؤدِّي إلى ارتفاعِ نسبةِ البولةِ الدمويةِ، وبالتالي إلى حدوثِ اعتلالٍ دماغيٍّ، ينتهي بالسُّباتِ.
هذا ما يقولُه العلماءُ حولَ الدمِ ... إذ حينما حرَّمه اللهُ عز وجل حرّمه لحكمةٍ بالغةٍ.
ويُعدُّ الدمُ وسطاً ملائماً جداً لنموِّ أنواعٍ كثيرةٍ من الجراثيمِ، استُفيدَ من هذه الخاصةِ في صنعِ مزارعِ الجراثيمِ من الدمِ، ولا يمكنُ أن يُعَدَّ الدمُ غذاءً، لذلك فإنّ الذبيحةَ غيرَ المُذكَّاةِ لا يجوزُ أكْلُها، لأنّ دمَها فيها ... والذبيحةُ التي لم تُذبحْ وَفقَ الشريعةِ الإسلاميةِ لا يجوزُ أن تأكلَها بحالٍ، والدمُ فيه كلُّ هذه السمومِ، وهذه الفضلاتِ، وهذه الأشياءِ المؤذيةِ.
(2/177)

شيءٌ آخرُ، هذا الحكمُ الشرعيُّ المأخوذُ من هذه الآيةِ الكريمةِ يجبُ أنْ يكونَ واضحاً في أذهانِ المسلمينَ إذا سافَروا إلى بلادِ الغربِ، فما ذُبِحَ على غيرِ الطريقةِ الإسلاميةِ لا يجوزُ أكْلُه، أما إنْ لم يسمَّ عليها فهناك رأيٌ لبعضِ الفقهاءِ بجواز أكلها إذا سمَّى آكِلُهَا، أما إنْ لم تُذبَحْ بطريقةِ الذبحِ الشرعيِّ، بطريقةِ إخراجِ الدمِ كلِّه إلى خارجِ الذبيحةِ، فهذا يؤذي الإنسانَ أشدَّ الأذى، ويوقِعُهُ في معصيةِ اللهِ عز وجل.

الدم المسفوح وعلاقته بالجراثيم
لقد حرَّم ربُّنا سبحانه وتعالى علينا الدمَ المسفوحَ، وهذا من الإعجازِ العلميِّ في قوله عز وجل: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} [الأنعام: 145] ، وفي كلمةِ: {مَّسْفُوحاً} إشارةٌ إلى أنّ هذا الدمَ المسفوحَ موطنٌ للجراثيمِ، غيرَ أنّ في الجسم أجهزةً بأعلى مستوى للتصفيةِ، فالكليتان تنقِّيانِه من الموادِّ السامَةِ، والرئتان تنقِّيانِه من الغازاتِ السامةِ، ولكنْ إذا ماتتِ الدابةُ أصبحَ الدمُ موطِناً للجراثيمِ والأوبئةِ، لذلك فالشيءُ الذي يَلفتُ النظرَ أنّ العالَمَ الغربيَّ بعد أنْ اكتشِفَتِ الجراثيمُ صدَرَتِ القوانينُ بتحريمِ الدمِ، وتحريمِ لحومِ الميتةِ، بعد أنْ عَرَفُوا ضررَه، ولكنّ اللهَ سبحانه وتعالى في القرآنِ الكريمِ قَبْلَ أكثر من 1400 عام حرَّمَ علينا الدمَ المسفوحَ، وحرّمَ علينا لحمَ الدابِّةِ الميتةِ.
(2/178)

إنّ الشيءَ الذي يؤكِّدُ هذه الحقيقةَ أنّ أيَّ سكينِ جزارٍ فيها آلافٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنَ الجراثيمِ، وبمجردِ أنْ تلامِسَ هذه الجراثيمُ الدمَ تتوالدُ كلَّ نصفِ ساعةٍ وتتضاعفُ، ففي ثلاثِ ساعاتٍ تزدادُ مِن ألفِ جرثومٍ إلى مئاتِ مِئاتِ الألوفِ من الجراثيمِ، فلذلك لما حرَّمَ علينا ربُّنا عز وجل في كتابهِ الكريمِ الدمَ، وحرّمَ علينا لحمَ الميتةِ، وجدناه يتطابقُ مع أحدثِ النظرياتِ الحديثةِ المتعلِّقَةِ بتكاثرِ الجراثيمِ، وبالعدوى، فحينما تقرأُ القرآنَ يجبُ أنْ تعلمَ أنّ هذا كلامُ الخالقِ، {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] ، وليس ثمّةَ جهةٌ أعْظمَ خبرةً، وأعظمَ صواباً في توجيهاتها مِن خالقِ الكونِ.
إنّ هذه الكلمةَ: {دَماً مَّسْفُوحاً} ، تؤكِّدُ أنّ هذا الدمَ وهو يجري في العروقِ دمٌ طاهرٌ، فإذا أصبح مسفوحاً تسلَّطتْ عليه الجراثيمُ.
والعربُ قبلَ الإسلامِ كانت تضع الدمَ في الأمعاءِ، وتَشْوِيهِ، وتأكلُه، واليوم في البلادِ التي لا تأتمرُ بأمرِ اللهِ عزَّ وجل يحلو لها أنْ تأكلَ اللحمَ مع دمِه، لذلك يُصعَقُ الحيوانُ صعقاً، ولا يذبحُ، ويقطَّع، وهذه اللتراتُ الخَمْسةُ التي هي دمُ هذا الحيوانِ تبقى في لحمِه، فإذا أحببتَ السعادة لنفسَك، وأردتَ أنْ تنجوَ من متاعبِ الحياةِ فطبِّقْ تعليماتِ الصانعِ، وهذا القرآنُ الكريمُ هو تعليماتُ الصانعِ، وهذا الذي ينبغي أنْ يفهمَه المؤمنُ، فليستْ أوامرُ الدين حدًّا لحرِّيتِه، ولكنّها ضمانٌ لسلامته.
إذا رأيتَ عمودَ كهرباءٍ كُتِبَ عليه: "خطر الموت"، هل تشعرُ أنّ المسؤولين وَضَعوا هذه اللوحةَ ليَحُدُّوا مِن حريتك، لا، إنما وضعُوها ليضمنوا لك سلامتَك.
(2/179)

يجبُ أنْ نفهمَ الدينَ هذا الفهمَ العميقَ، فإذا رأيتَ جسراً، وعليه لوحةٌ كُتِبَ عليها: "الحمولةُ القصوى خمسةُ أطنانٍ"، وأنتَ تقودُ شاحنةً حمولتُها سبعةُ أطنانٍ، فإذا أردتَ أنْ تسيرَ على هذا الجسرِ، هل تقول: هل أُخَالَفُ؟ هل هناك مَن يراقبني؟ لا، القضيةُ أعمقُ من ذلك، لنْ يخالِفَك أحدٌ، وإذا مررتَ على هذا الجسرِ فلا بد أنْ تسقطَ في النهرِ، هذه اللوحةُ التي كُتِبَتْ على هذا الجسرِ ليستْ حدّاً لحريتِك، ولكنَّها ضمانٌ لسلامتِك، هكذا ينبغي أنْ يفهمَ المؤمنُ، لذلك حدَّ ربُّنا عز وجل حدوداً، قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] .
كهذا التيارِ الكهربائيِّ العالي تَوَتُّرُهُ، حوْلَ هذا التيارِ ساحةٌ تجذِبُ إليه، إذا كانت المعاصي مِن هذا النوعِ انطبقَتِ الآيةُ الأخرى: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] .
فالمسافةُ كبيرةٌ بين: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} ، و: {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} ، فالحدودُ التي مِن شأنِها أنْ تَجذِبَ الإنسانَ إليها لا تقرَبُوها.
قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى} [الإسراء: 32] ، الزنى خطواتٌ، وقال عز وجل: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا} ، أمّا أكل المال الحرامِ، {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} ، وعلى كلٍّ هي حدودُ سلامتِك، إذا قلنا: حدودُ الله، فهي حدودٌ لسلامتك، وأنْ يرضى اللهُ عنك، وأنْ تستحقَّ عنايةَ اللهِ بك، وأنْ تستحقَّ حفْظَ الله لك، هذه كلُّها ضمنَ حدودِ اللهِ، فإذا كنتَ في طاعةِ الله فأنت في ذمةِ الله، وفي حفظ الله، وفي توفيقه، فلو أننا بحثنا عن كل طاعةٍ، وعن كل معصية لعَرَفْنا أنها تنطوي على خيرٍ ليس له حدودُ، وأنّ المعصيةَ تنطوي على شرٍّ ليس له حدود، ولكنْ على الإنسانَ أنْ يفهمَ، وعليه أنْ يُسَلِّمَ فيما لا يفهمْ.

الحكمة من تذكية الذبيحة
(2/180)

مِن دلائلِ نُبوَةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا الموضوعُ العلميُّ، تذكيةُ الذبيحةِ، وبحسبِ توجيهِ النبي صلى الله عليه وسلم هي الذبحُ بطريقةٍ معيَّنةٍ، ويتمُّ ذلك بقطعِ الوريدِ الرئيسيِّ فقط، وأنْ يمتنِعَ الذابحُ عن قطع الرأسِ بالكاملِ، ولم يكن في عصرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا في الجزيرةِ العربيةِ، ولا في مراكزِ الحضاراتِ شرقاً وغرباً مِن معطياتِ العلمِ ما يسمحُ بتعليلِ هذا التوجيهِ، بل ولا في العصورِ التي تَلَتْ عصرَه صلى الله عليه وسلم، إلى أن اكْتُشِفَ أخيراً قَبْلَ بضعةِ عقودٍ من الزمنِ أنَّ القلبَ - قلبَ الإنسان وقلبَ الذبيحةِ - ينبضُ بتنبيهٍ ذاتيٍّ يأتيه من مركزٍ كهربائيٍّ في القلب، ومع هذا المركزِ الأولِ مركزان كهربائيان احتياطيان لهذا المركزِ، يعملُ الثّانِي عندَ تعطُّلِ الأوّلِ، ويعممل الثالثُ عندَ تعطُّلِ الثانِي، ولكنَّ هذا التنبيهَ الذاتيَّ الذي يأتي من القلبِ يُعطِي النبضَ الطبيعيَ (ثمانينَ نبضةً في الدقيقةِ، ليس غير) ، أما حينما يواجهُ الكائنُ خطراً، ويحتاجُ إلى مئةٍ وثمانين نبضةً في الدقيقة لِتُسَرِّعَ الدمَ في الأوعيةِ، وليرتفعَ الجهدُ العضليُّ بزيادةِ إمدادِه بالدمِ فلا بد عندئذٍ مِن أنْ يأتيَ أمرٌ استثنائيٌّ كهربائيٌّ هرمونيٌّ من الغدَّة النخامية في الدماغ إلى الكظرِ، ثم إلى القلبِ، وهذا يقتضي أنْ يبقى رأسُ الدابةِ متّصلاً بجسمِها حتى يُفَعَّلَ الأمرُ الاستثنائيُّ برفعِ النبضِ.
(2/181)

إنَّ نبضَاتِ القلبِ الاستثنائيةَ بعدَ الذبحِ - مِن خلالِ وجودِ علاقةٍ بين المخِّ والقلبِ - تدفعُ الدمَ كلَّه إلى خارجِ الجسم، فيصيرُ الحيوانُ المذبوحُ طاهراً ورديَّ اللون، ومعلومٌ أنَّ مهمّةَ القلبِ عندَ ذبحِ الحيوانِ هي إخراجُ الدمِ كلِّه من جسم الدابّةِ، والنبضُ الطبيعيُّ لا يكفِي لإخراجِ الدمِ كلِّه مِن جسمِ الذبيحةِ، فإذَا قُطِعَ رأسُ الذبيحةِ بالكاملِ حُرِمَ القلبُ من التنبيه الاستثنائي الكهربائي الهرموني الذي يُسْهِمُ في إخراج الدم كلِّه مِن الذبيحةِ، عندئذ يبقى دمُ الدابَّةِ فيها، ولا يخفى ما في ذلك مِن أذىً يصيبُ آكِلِي هذه الذبيحةِ، فإذا بقيَ دمُ الدابّةِ فيها كان خطراً على صحّةِ الإنسانِ، لأنّ الدمَ في أثناءِ حياةِ الدابّةِ يُصفَّى عن طريقِ الرئتين والكليتين والتعرقِ، أما بعدَ الذبح فيصبحُ الدمُ بيئةً صالحةً لنموِّ الجراثيمِ الفتّاكةِ، حيث تسري الحموضُ السامَّةُ التي تؤذِي الإنسان بسبب وجودِها في جسم الحيوانِ، وبهذا يتسمَّمُ اللحمُ كلُّه، وبوجودِ حمضِ البولِ في الدمِ، وبوجودِ الدمِ في اللحمِ يسري هذا كلُّه إلى آكلِ هذه الذبيحةِ، فإذا أكلَ الإنسانُ هذا اللحمَ فإنه يعاني من آلامٍ في المفاصلِ، لأن حمضَ البولِ يترسَّبُ في تلك المفاصلِ ولذلك فتذكيةُ الذبيحةِ تطهيرُها بخروجِ الدمِ منها، ولا يخرجُ الدمُ كلُّه مِن الذبيحةِ إلا إذا بَقِيَ الرأسُ متّصلاً بالذبيحة.
مَن أنبأَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بهذه الحقائقِ التي اكتُشِفَتْ قبَلَ حينٍ، حيثُ أَمَرَ أصحابَه بقطعِ أوداجِ الدابّةِ دونَ قطعِ رأسِها، كما تفعلُ معظمُ المسالخِ في العالَمِ غير الإسلاميِّ؟
إنّ هذا الحديث الشريف مِن دلائلِ نبوَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. إنَّ كلَّ شيءٍ حرَّمهُ اللهُ علينا إنما حرَّمه لأنّه عليمٌ خبير، قال تعالى: {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] ، ولأنه خَلَقَنَا، وهو أعلمُ بما ينفعنا، فمَن خَالَفَ أمْرَ اللهِ عزَّ وجل فعليه أنْ يدفعَ الثمنَ.
(2/182)

ومِن سننِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إنهارُ الدمِ، وفريُ الأوداجِ، إذْ لا بدَّ أنْ يخرجَ هذا الدمُ الذي يحملُ كلَّ عواملِ المرضِ من جسمِ الدابَّةِ، فقد قال العلماءُ: "إنّ الدابَّةَ التي تحتجزُ الدمَ في أنسجتِها يميلُ لونُها إلى اللونِ الأزرقِ، وإذا بقيَ هذا الدمُ في النسيجِ العضليِّ تحلَّلَ، وخَرجَتْ منه حموضٌ تؤدِّي إلى تيبُّسِ اللحمِ وتصلُّبِه، وبعد ساعاتٍ ثلاثٍ تنفردُ الجراثيمُ الهوائيةُ واللاهوائيةُ بإفسادِ هذه النُّسُجِ اللحميةِ التي بقيَ الدمُ فيها، وهذا التفاعلُ تنتجُ عنه مركباتٌ كريهةُ الرائحةِ، سامّةُ التأثيرِ، وينتفخُ اللحمُ بالغازاتِ المتولِّدةِ".
لذلك حينما علَّمنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه لا بدَّ من ذبحِ الدابةِ مِن أوداجِها، فمِن أجل أنْ يخرجَ الدمُ من جسمِها، ويبقَى اللحمُ طاهراً طيِّباً.
من هُنا كانت حكمةُ ربِّنا عزَّ وجل بأنْ حَرَّمَ علينا أكلَ المنخنقةِ، والموقوذةِ، والمترديةِ، والنطيحةِ، وما أَكَلَ السَّبُعُ، ففي هذه الحالاتِ كلِّها يبقى الدمُ في بدنِ الدابةِ، والدمُ فيه كلُّ عواملِ المَرَض، وعواملِ التفسخِ، وعواملِ التصلبِ، وعواملِ الانتفاخِ، فلا بدَّ أنْ يكونَ اللحمُ مذبوحاً بالطريقةِ الشرعيةِ.
(2/183)

لكنَّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ استثنى السمكَ من شرطِ إنهارِ الدمِ، وقد يسألُ سائلٌ: ما بالُ السمكِ نأكلُه ميتاً؟ وهل دمُ السمكِ غيرُ دمِ الدوابِّ الأخرى؟ يجيبُ العلماءُ عن هذا التساؤلِ بأنّ للسمكِ خاصةً أوْدَعَها اللهُ فيه، وهي أن السمكةَ إذا اصطيدتْ، وخرجتْ من الماءِ، وفارَقَتِ الحياةَ فسوف يتجمَّع دمُها كلُّه في غلاصمِها، وكأنها ذُبِحَتْ، لذلك فأنت تميِّزُ السمكَ الذي صِيدَ حديثاً من القديمِ مِن غلاصمِه، فإذا كانتْ ممتلئةً بالدمِ الأحمرِ فإنّ السمكَ طازجٌ، وإذَا كانت الغلاصمُ ذاتَ لونٍ أزرقَ فقد مضى وقتٌ على صيدِها، لذلك استثنى النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ تناوُلَ السمكِ مما مات من الحيوانات، وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، وهو لا ينطقُ عن الهوى، فحينما أَمَرَنَا بهذه السُّنَن فلأنها تنطوي على حكمةٍ يكشفُ العلمُ شيئاً فشيئاً عن أبعادِها، وعن دقائقِها، وعن حكمتِها.

الأسماك
الحوت
مِن آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتِه هذه الحيتانُ التي تجوبُ المحيطاتِ، والشيءُ اللافتُ للنّظر أنّ نوعاً واحداً منها، وهو الحوتُ الأزرقُ يزيدُ عددُه على مئةٍ وخمسين ألف حوتٍ، كما قدَّره بعضُ العلماءِ، والحوتُ الأزرقُ يزِنُ مئةً وثلاثين طنّاً، ويبلغُ طولُه خمسةً وثلاثين متراً! فلو ضربْتَ وزْنَ هذا الحوتِ بِعَدد الحيتانِ لكان الرقمُ عظيماً، فلو قُسِّمَ على أهلِ الأرضِ لأصابَ كلُّ إنسانٍ من ستّةِ آلافِ مليون أربعةَ كيلو غرامات.
(2/184)

هذا الحوتُ يولَدُ وِلادةً، وإذَا كان طولُه وهو جنينٌ في بطنِ أمِّه لا يزيدُ على سنتمترٍ واحدٍ فإنه يصلُ بعد الولادةِ إلى سبعةِ أمتار، ويَزِنُ طنَّيْن، ويستطيع الحوتُ أنْ يبقى في البحرِ أكثرَ من ثلاثينَ دقيقةً، وأمّا الإنسانُ فلا يستطيعُ أن يبقى دونَ تنفّس أكثرَ من ثلاث دقائقَ، هذا لأنّ طريقةَ بناءِ جسمِ الحوتِ تجعلُ هذا الأكسجينَ الذي اسْتنشقهُ يخزَّنُ في عضلاتِه، وفي دمِه، وفي أنسجتِه، وعشرةٌ بالمئة منه يُخزَّنُ في رِئتَيْهِ، ويجوبُ هذا الحوتُ الكرةَ الأرضيّةَ من الشمالِ إلى الجنوبِ، يذهبُ إلى القُطْبَينِ، ويعودُ إلى خطِّ الاستواءِ، وممّا هو معلومٌ أنّ هناك فروقاً كبيرةً في درجاتِ الحرارةِ، غيرَ أنّ طبقةً من الدُّهْنِ تَقِيهِ من البرْدِ، تصلُ سماكتُها إلى مترٍ، فإذا توجَّهَ نحو خطّ الاستواءِ حيث المياهُ الدافئةُ قلَّتْ هذه الكمياتُ الدهنيّةُ إلى النّصفِ تقريباً.
والحوت لا يشبعُ بِوَجبةٍ أقلَّ من أربعةِ أطنانٍ، يَسُدُّ بها جَوْعَتَه كما يقولون، هذا الحيوانُ الكبيرُ، لو نظرْتَ إلى أحوالِ السّمك الصغير، فإنّ فيها من الأجهزةِ ما في الحوتِ، ولكنْ على نحوٍ مصغّرٍ، فتباركَ اللهُ الخلاّقُ لِمَا يشاءُ، هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى، فالبحرُ وما فيه مِن حيواناتٍ تزيدُ أنواعها على المليونِ نوعٍ من السّمكِ، هذه كلُّها خُلْقَتْ لنا، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ} [الجاثية: 13] .
إنّ اللهَ سبحانه وتعالى خَلَقَ هذه الآياتِ لِوَظيفَتَين؛ الوظيفةُ الأولى وظيفةٌ دلاليّةٌ، والثانيةُ دُنيويّةٌ، {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 73] ، في كلّ شيءٍ خَلَقَه اللهُ عز وجل تذكرةٌ، ومتاعٌ، {فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم} [الواقعة: 74] .

السمك زعانفه ومقياس الضغط عنده
قال تعالى: {وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} [النحل: 14] .
(2/185)

يستهلِكُ العالَمُ بحسبِ بعضِ الإحصاءاتِ القديمة ما يزيدُ على مئةِ مليونِ طنٍّ مِنَ السمكِ البحريِّ، فهي غذاءٌ لبني البشرِ، ويقدِّر العلماءُ أنّ في البحرِ ما يزيدُ على مليونِ نوعٍ مِنَ السمكِ؛ بعضُها كبيرٌ، يزيدُ وزنُها على مئةٍ وأربعين طناً، كالحوتِ، وبعضُها صغيرٌ، بعضُها وديعٌ، وبعضُها شَرِسٌ، بعضُها جميلٌ، وبعضُها مُكَهْرَبٌ، فهناك أنواعٌ مِنَ السمكِ لا تعدُّ، ولا تُحصَى.
ولكنّ العلماءَ وقفوا عند الزعانفِ، فقالوا عنها: إنها وسائلُ للدفعِ، والتوازنِ، والتوجيهِ، وكَبْحِ جماحِ السمكةِ، إنها توقِفُ أو تخفِّفُ سرعتَها عن طريقِ الزعانفِ، وتتحرَّكُ نحو الأمامِ عن طريقِ الزعانفِ، وتتوازنُ عن طريقِ الزعانفِ، وتعدِّلُ وِجهتَها؛ يميناً أو شمالاً، ارتفاعاً أو انخفاضاً، عن طريقِ الزعانفِ.
هذه الزعانفُ بها تسيرُ الأسماكُ، وبها تغيِّرُ مسارَها، أو تصحِّحُه، وبها تتوازنُ، وتقفُ.
وأَوْدعَ اللهُ سبحانه وتعالى فيها جهازاً لقياسِ الضغطِ، فإنَّ السمكةَ تعرفُ في أيِّ لحظةٍ أينَ هي من عُمقِ الماءِ، لو أمسكتُم سمكةً بأيديكم، لرأيتم في قِسْمِها العُلويِّ خطاً متصلاً من غلاصِمِها إلى ذَنَبِها، هذا الخطُّ هو أنبوبٌ مفرَّغٌ من الهواءِ، كلما زادَ ضغطُ الماءِ عليه انضغطَ، فبانضِغاطِه تعرفُ السمكةُ أين هي مِن عمقِ الماءِ، أفي السطحِ هي أم في الأسفل؟.
إن السمكَ آيةٌ من آياتِ اللهِ سبحانه وتعالى، فالسمكةُ تستطيعُ أنْ تحوِّلَ الطعامَ إلى هواءٍ، فتطفو، وترتفعُ، فإذا أطْلقتْ هذا الهواءَ الزائدَ غاصتْ في الأعماقِ، وإنّ الهواءَ الذي في جوفِها تصنعُه من الطعامِ، فترتفع، أو تطلِقُه، فتنخفض، وهذه آيةٌ أيضاً من آياتِ الله في خَلْقِه.
تبارك الذي خَلَقَ لنا كلَّ شيءٍ، وسخَّرَ لنا كلَّ شيءٍ، فيجبُ على الإنسانِ أنْ يصولَ ويجولَ، وأن يفكِّرَ في آياتِ الله، فلعلّه يعرفُه من خلالِ آياتِه، وإذا عرفَه استقامَ على أمْرِه، فخَشِيَه، وعظَّمَه، قال سبحانه: {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] .
(2/186)

فالتفكُّرُ عبادةٌ، بل إنك لن تعرفَ اللهَ إلا من خلالِ آياتِه، قال تعالى: {تَلْكَ ءايات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق} [الجاثية: 6] ، وقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190-191] .

سمك السلمون
من الآياتِ الدالّةِ على عظمةِ اللهِ عز وجل سَمَكٌ في البحارِ اسمه السَّلمون، وله اسمٌ آخرُ هو حوتُ سليمانَ، هذه الأسماكُ لها سلوكٌ حيَّر العلماءَ، على أنّ ذلك مِن المعجزاتِ، ولا تفسيرَ له إلاّ في ضوءِ القرآنِ، قال تعالى:
{قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
(2/187)

هذه الأسماكُ تُولَدُ في رؤوسِ الأنهارِ في أمريكة (منابعِ الأنهارِ) وتهاجرُ مِن هذه المنافع إلى مصبَّاتِها، ومن مصبَّاتِها إلى نهايةِ المحيطِ الأطلسي، إلى سواحلِ فرنسة، ثم تعودُ من سواحلِ فرنسة إلى مصبَّاتِ هذه الأنهارِ، وإلى مكانِ ولادتِها، لا تظنَّ أنَّ هذا كلامٌ، فإنّ في هذا بحوثاً استغرقتْ عشراتِ السنين، وهناك مركزُ بحوثٍ وُضِعَ في بعضِ الأنهارِ، أَحْصَى مليوني سمكةٍ من نوعِ السلمونِ تعودُ إلى مسقطِ رأسِها كلَّ يومٍ، ولمدةِ شهرين، وكان بعضُ العلماءِ قد وَضَعَ عليه قطعةً معدنيةً فيها تاريخُ هجْرتِه، فلما عادَ عرفوا مدةَ الرحلةِ، أمّا السؤالُ الكبيرُ الذي يحيِّر العقولُ: كيف رجعَ هذا السمكُ من المحيطِ الأطلسيِّ إلى مصبِّ النهر ثم إلى منبعِه؟ لو أتينا بأحدِ علماءِ البحارِ، وأركبْنَاه قارباً، وله عينانِ مبصرتانِ، وقلنا له: اتَّجِهْ، وأنت على سواحلِ فرنسا إلى مصبِّ الأمازون، فهذا الإنسانُ العاقلُ المفكِّرُ، لو كان عالماً كبيراً في علمِ البحارِ لا يستطيعُ أنْ يصلَ إلا بالخرائطِ، والإحداثياتِ، والاتصالاتِ اللاسلكيةِ، وعناءٍ، وأشياءَ كثيرةٍ، أمّا السمكةُ في باطنِ البحر وأعماقِه فلو أنها حادَتْ في زاويةِ انطلاقِها درجةً واحدةً لَجَاءَتْ في نهرٍ آخرَ، لو أنها حادَتْ ثلاثَ درجاتِ لتغيَّرَ مكانُ اتِّجاهِها من أمريكة الشماليةِ إلى الجنوبيةِ، فكيف تستطيعُ هذه السمكةُ، وهي لم تُؤْتَ ما أوتيَ الإنسانُ أنْ تعودَ من سواحلِ فرنسة إلى مصبِّ النهرِ الذي خرجتْ منه، ثم تتابعُ سيْرَها في النهرِ نفسِه، وقد تصعدُ الشلالَ، وهناك صورٌ دقيقةٌ أُخِذَتْ لسمكِ السلمونِ، وهو يصعدُ الشَّلالَ ليعودَ إلى مسقطِ رأسِه، فتُولَدُ وتموتُ هناك، من سَيَّرَها؟ قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] ، وقال سبحانه: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 1-3] .
(2/188)

لو تفكَّرْنا في سلوكِ الحيوانِ لوجَدْنا العجبَ العُجابَ، وإضافةً إلى سَمَكِ السَّلمون هناك ثعابينُ البحارِ، والطيورُ في السماءِ، مَن يسيِّرها؟ مَن يعطِيها هذه القدرةَ على معرفةِ أهدافِها ليلاً أو نهاراً، مهما ضلَّلها الإنسانُ، فلا بد أنْ تَصِلَ إلى هدفِها.

السمك الهلامي
ثمة نوع من الأسماك يسمَّى السَّمَكَ الهلاميَّ، وقد غزا بالملايينِ شواطىءَ فرنسة وإيطالية واليونانَ منذ فترة قريبةٍ، وحوَّلها إلى أرضٍ شائكةٍ شبيهةٍ بِغاباتٍ من الثعابين، ثمّة سابحٌ أشْرَفَ على الموتِ، كان يسبحُ بعيداً عن الشاطئ الصّخري قُرْبَ (أثنيا) ، قال: شعرتُ فجأةً بألَمٍ شديدٍ في ساقِي، كالألَمِ الذي تُحدثُه لسْعةُ مِكواةٍ حاميةٍ، وبعد ربْعِ ساعةٍ شعرتُ بما يُشبهُ وَخْزَ الدبابيسِ في رأسِي، ثمّ أُغْمِيَ عليَّ، وحينما أُسعِفتُ، وفحَصَني الطبيبُ، وجدَ ضغطِي يُقاربُ الصّفرَ! وقد قدّرَ بعضُ العلماءِ أنّ عددَ السّمكِ الهلاميِّ في الأماكنِ التي يغزوها يزيدُ على خمسٍ وعشرين سمكةً في المترِ المكعّبِ الواحدِ، وأنّ سِرباً طولُه مترانِ يحوي عدداً كبيراً من هذا السّمكِ، ويتّفقُ علماءُ الحياةِ على أنْ ليس لهذا السّمكِ منطقٌ واضحٌ في تحرُّكاتِه لماذا غزا هذه الشواطئ؟ لا نعلم.. هل هناك قاعدةٌ؟ لا نعلم، وهل هناك دوراتٌ ثابتةٌ؟ لا نعلم، والسّمكُ الهلاميُّ أنواعٌ تزيدُ على الألفِ، يبلغُ قطْرُ بعضِها مترَيْنِ، ولسْعةُ السّمكِ الهلاميِّ الأستراليِّ تؤدِّي إلى الموتِ في غُصونِ دقائقَ، ليس لهذا السّمكِ الهلاميِّ أعْيُنٌ ولا آذانٌ، ولا أدمغةٌ، أجسامُها شفّافةٌ، تبدو رقيقةً ناعمةً انسيابيّةً، الماءُ فيها ثمانيةٌ وتسعون بالمئة، تتجلّى من جسمِها مجسّاتٌ سامّةٌ دقيقةٌ، مثلُ الخيوطِ، يصْعبُ رؤيتُها، والمجسّاتُ هذه قابلةٌ للتمدّدِ نحوَ ثمانين سنتمتراً، لأنّها مخزونةٌ في حقبٍ على شكلِ نوابضَ! فما إن يَلمسُ هذا السّمكُ الهلاميُّ جسداً حتى تنطلقَ ملايينُ الخيوطِ من أعقِلَتِها لِتَنفثَ السمَّ في جسمِ ضحيّتِها.
(2/189)

ينصحُ الأطبّاءُ بِتَجنيدِ الشواطئِ بِوَحداتِ إسعافٍ، وينصحُ الأطبّاءُ السبَّاحين أنْ يُزَوَّدوا بِحُقَنِ الكورتيزون، لأنّ هناك لسعاتٍ مميتةً.
إنّه إذا اتَّفَقَ علماءُ الحياةِ البحريّةِ على أنّه ليس ثمَّةَ منطقٌ واضحٌ في تحرّكاتِ هذا السّمكِ الهلاميِّ، فإنّ علماءَ التوحيدِ يتَّفقون على أنّ هذا السّمكَ الهلاميَّ يتحرّكُ وَفْقَ خِطّةٍ واضحةٍ، وهدفٍ واضحٍ، رَسَمَهُ له ربُّه الذي خَلَقَهُ، إنّ هذا السّمكَ تحرّكَ نحو الشواطئ التي كثُرَ فيها الفسادُ، وربَنا عز وجل يقول: {ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] ، ويقولُ: {الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62] .
لا يُسمَحُ لهذا السّمكِ بالتحرّكِ إلا وَفْق مشيئةِ اللهِ، وخِطَّةٍ دقيقةٍ رَسَمَهَا له ربُّه الذي خَلَقَهُ، وما من إنسانٍ عاقلٍ يحرّكُ شيئاً من دونِ هدفٍ، فكيفَ بربّ العالمينَ؟ أيتحرّكُ هذا السمكُ نحو تلك الشواطئ بلا هدفٍ. قال تعالى: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} [هود: 56] ، وقال سبحانه: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ} [الحديد: 22] ، إنّه جندٌ مِن جنودِ اللهِ، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31] ، وجنودُه كثيرةٌ.
وإنّ هذا السمكَ الهلاميَّ الذي غزا شواطئَ فرنسة، وإيطالية، واليونان، وجَعَلَها كالغابةِ من الثعابينِ، إنّ اللهَ سبحانه وتعالى حرَّكَها لحكمةٍ لا تخفى على أهلِ الإيمانِ.

السمكة الطبيبة
كان أحدُ علماءِ البحارِ يركبُ غوَّاصةَ أبحاثٍ تحتَ سطحِ البحرِ، لَفَتَ نظَرَه سمكةٌ كبيرةٌ خَرجتْ مِن سرْبِها، واتجهتْ إلى سمكةٍ صغيرةٍ، فتصوَّر - كما هي العادةُ - أنّ هذه السمكةَ الكبيرةَ توجَّهت إلى الصغيرة لتأكلَها، ولكنه وَجَدَ أنها وَقَفَتْ إلى جانبِها، وبدأتِ السمكةُ الصغيرةُ تأكلُ مِن حراشفِ الكبيرةِ، فسجَّلَ عنده هذه الظاهرةَ.
(2/190)

بعد عشرةِ أعوامٍ تقريباً اكتُشِفَتْ حقيقةٌ رائعةٌ، هي أنّ هذه السمكةَ الصغيرةَ مُتَخَصّصةٌ في علاجِ أمراضِ الأسماكِ كلِّها، وكأنَّ عهداً وميثاقاً غيرَ مكتوبٍ بينَ أسماكِ البحرِ يقرِّرُ أنّ هذه السمكةَ الصغيرةَ، المتخصّصةَ في مداواةِ أمراضِ السَّمَكِ الخارجيّةِ لا ينبغي أنْ تُؤْكَلَ، لذلك أُجْرِيَتْ بحوثٌ كثيرةٌ، وتَتَبَّعَ العلماءُ مواطنَ هذا السمكِ، الذي أَعْطَوْه اسماً خاصّاً.
هذا السمكُ جعلَ اللهُ عز وجل غذاءَه على التقرّحاتِ والإنتاناتِ، والطُّفَيْلِيَّاتِ، والفطريَّاتِ التي تَتَوَضَّعُ على حراشفِ الأسماكِ الكبيرةِ، فالأسماكُ الكبيرةُ تتجهُ إليها لتعالجَها من أمراضِها، وكأنّ هناك عُرفاً وامتناناً.
بل إنّ بعضَ الحالاتِ الغريبةِ التي سُجِّلتْ، وصُوِّرَتْ، أنّ سمكةًَ كبيرةً كانتْ تشكُو قرحةً في فَمِها، فإذا بها قد فتحتْ فَمَهَا، ودخلتْ السمكةُ الممرِّضةُ آمنةً مطمئنةً، لتعالِجَها مِن هذه القروحِ، وفي الوقتِ نفسِه هاجمتْ هذه السمكةَ - التي تُعالَج - سمكةٌ أكبرُ منه لتأكلَها، فما كان منها إلا أنْ أخرجتْ مِن فمِها هذه السمكةَ التي تمرِّضُها، وَوَلَّتْ هاربةً.
ما هذا العُرف؟ وما هذا العَقدُ؟ وما هذا الميثاقُ؟ وما هذا القانونُ المتَّبَعُ في كلِّ أنحاءِ البحارِ؟ إنّ هذه السمكةَ التي خَلَقَها اللهُ مزوّدةٌ بمنقارٍ دقِيقٍ يصلُ إلى أدقِّ الثنايا، وإنّ جهازَها الهضميَّ يتقبَّلُ الفطريّاتِ، والتقرّحاتِ، والإنتاناتِ، وما شاكلَ ذلك، وهو غذاءٌ لها، وإنّ هذه الأسماكَ الكبيرةَ تتّجهُ إليها حينما تشكُو مِن تقرحاتٍ، بسببِ ما يحدثُ بين الأسماكِ مِن احتكاك، أو من معاركَ أحياناً.
الشيء الذي يلفتُ النظرَ أنه إذا كثُرتْ هذه الأسماكُ أمامَ السمكةِ الصغيرةِ، صفَّ بعضُها وراءَ بعضٍ، وكأنّها مجتمعٌ متحضِّرٌ؛ ليس هناك تزاحمٌ، ولا تدافعٌ، ولا سِبابٌ، وقفتْ هذه الأسماكُ الكبيرةُ، وقد سَجَّلتْ هذه الصورةُ بضعَ عشراتٍ مِن الأسماكِ، يقفُ بعضها وراء بعض، تنتظرُ دَوْرَها في المعالجةِ، وقد تستغرقُ المعالجةُ دقيقةً، أو أكثرَ، ثمَّ تنصرفُ إلى سبيلِها.
(2/191)

{هاذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ} [لقمان: 11] ، مليونُ نوعٍ مِن السمكِ، مَن أَعْلَمَهُمْ جميعاً أنّ هذه لا تُؤْكَلُ، ولا يُعتَدَى عليها، فإنها تقومُ بمهمةٍ سمكية نبيلةٍ، مَن أَعْلَمَهَا؟ هل هذه الأسماكُ عاقلةٌ؟ قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .

جروح الأسماك وسرعة التئامها
إنّ من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه تلك الفُنونَ الحربيَّةَ التي تُتْقِنُها الأسماكُ، والحربُ كما تعلمونَ كَرٌّ وفَرٌّ، وما من حُروبٍ تدورُ إلا وفيها قَتلَى وجرْحَى، وكذلك الأمرُ لدى سُكَّانِ البحارِ، فكمْ مِن سمكةٍ فَرَّتْ، وهي تحملُ جراحاً من عَضَّةٍ، أو نَهشةٍ أصابتْها مِن عدوّها، ولكنَّ الشيءَ العجيبَ أنّ جِرَاحَ الأسماكِ سريعاً ما تُشْفَى، وسريعاً ما تَلْتَئِمُ، وفي وقتٍ قياسيٍّ لا يُصدَّقُ، هذا الأمرُ حيَّرَ علماءَ الحيوان والبحارِ!.
(2/192)

عزا بعضُ العلماء هذه الظاهرةَ، سرعةَ التِئامِ جروحِ الأسماكِ في وقتٍ قياسيٍّ، وقصيرٍ جدّاً بالقياسِ إلى التئام جروحِ الإنسانِ، عزاها إلى مُلوحةِ المياهِ، ولكنَّ هذا التفسيرَ سَقَطَ أمامَ ظواهرَ كثيرةٍ شاهَدَهَا علماءُ البحارِ بِأُمِّ أعْيُنِهم، فعُلماءُ البحارِ، وعلماءُ الأسماكِ وجدوا مِن خلالِ الملاحظَةِ الدقيقةِ أنّ بعضَ الأسماكِ إذا ما جُرِحَ يلجأُ إلى أسماكٍ مِن نوعِهِ، يتناوَبُ بعضُها خَلْفَ بعضٍ على الالتِصاقِ بأماكنِ الجروحِ، أسماكٌ تلتصقُ مع السمكةِ الجريحةِ، تأتِي الأُولى، والثانيةُ، والثالثةُ، إلى أنْ يلتئمَ الجُرحُ، اعْتَقَد العلماءُ أنّ هذه الأسماكَ تفرِزُ موادَّ تُعينُ على شِفاءِ الجروحِ والتئامِها، فما كان مِن علماءِ الأسماكِ إلاّ أنْ جاؤوا ببعضِ هذه الأسماكِ إلى مختبراتٍ، ووضَعوها في مياهٍ مالحةٍ، ووضعوها في الشروطِ نفسِها، وأحْدثوا جرحاً في بعضِ هذه الأسماكِ، الشيءُ الذي لَفَتَ النظرَ أنّ هذه الأسماكَ امْتَنَعَتْ عن معالجةِ زميلتِها!! وهي تحت سمْعِ وبصرِ العلماءِ!! وبقيَ هذا السرُّ دفيناً سنواتٍ طويلةً، إلى أنِ استطاعَ عالمٌ قَضَى سنواتٍ طويلةً في تحليلِ هذه الموادِّ التي تُفرِزُها الأسماكُ حينما تلتصقُ بِزَميلاتِها الجرحَى، فإذا هذه الموادُّ سامَّةٌ، وضارَّةٌ ظاهراً، لكنّ يعضَها متخصِّصٌ بِتَخثيرِ الدَّمِ، وبعضُها يُعين على انقباضِ الجلدِ والعضلاتِ، وفي بعضِها مادّةٌ لاصقةٌ، يُخَثَّرُ الدمُ أوّلاً، وتُشَدُّ العضلاتُ والجلدُ ثانياً، ثم تأني المادةُ اللاصقةُ ثالثاً لِتُنهيَ هذا الجرحَ نهائيّاً.
(2/193)

جيءَ بِبَعضِ هذه الموادِّ، ووُضِعَت على جرحِ الإنسانِ، فإذا هو يلتئِمُ في ثلثِ الوقتِ الذي مِن عادتِه أن يلتئمَ مِن عشرةِ أيامٍ إلى ثلاثة أيامٍ بتأثيرِ هذه الموادِّ، دونَ أنْ يكونَ لهذه الموادِّ أعراضٌ جانبيَّةٌ، قال العلماءُ: "وكأنَّ هذه الموادَّ المتنوّعةَ بعضُها للتخثيرِ، وبعضُها لِشَدِّ الجلدِ والعضلاتِ، وبعضُها مادّةٌ لاصقةٌ"، كأنّ هذه الموادَّ تتعاونُ فيما بينها، وتنسِّقُ وظائفَها، وكأنَّها واعِيَةٌ هادفةٌ تتعمَّدُ الوُصولَ إلى نتيجةٍ واحدةٍ، ألا وهي سُرعةُ التئامِ الجروحِ.
إنّ هذه الآيةَ الكَوْنيَّةَ مِصْداقُ قولِ اللهِ تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
عِلمٌ ما بعده علم، وقدرةٌ ما بعدها قدرةٌ، لذلك قال بعضُ العلماءِ: "كلُّ إنسانٍ لا يرَى مِن هذا الكونِ قوَّةً هي أقوى ما تكونُ، عليمةً هي أَعْلَمُ ما تكونُ، حكيمةً هي أَحْكَمُ ما تكونُ، رحيمةً هي أرحمُ ما تكونُ، فهو إنسانٌ حيُّ الجسدِ، ولكنَّهُ ميِّتُ القلبِ والعقلِ"، ففي كلِّ شيءٍ له آية تدلّ على أنَّه واحد لا شريكَ له.

أسماك البحر الكهربائية
(2/194)

يقولُ العلماءُ: "ما مِن كائنٍ حيٍّ إلا وفي نشاطِه الحيويِّ طاقةٌ كهربائيّةٌ"، فالقلبُ مثلاً يولِّدُ تيَّاراً كهربائيّاً تُعادِل شدّتُه واحداً بالمئة من الفولطِ، وما عملُ أجهزةِ قياسِ ضرباتِ القلبِ إلاّ عن طريقِ هذا التيارِ الكهربائيِّ الذي يولِّدُه هذا القلبُ، لذلك تُسمَّى هذه الأجهزةُ أجهزةَ التخطيطِ الكهربائيِّ، هذا شيءٌ معلومٌ، فأيُّ عضلةٍ مِن حركتِها تتولّدُ طاقةٌ كهربائيّةٌ، هي مِن الشدّةِ حيثُ يتحمّلها الإنسانُ، ولكنّ الشيءَ الذي لا يُصدَّقُ أنّ بعضَ الأصنافِ في البحارِ تولِّدُ تياراتٍ كهربائيّةً تزيدُ شدّتُها على مئتين وعشرين فولطاً، وأنّ هذه الأسماكَ تُدافعُ عن نفسِها عن طريقِ إرسالِ صَعقةٍ كهربائيّةٍ تُميتُ خصْمَها في أعماقِ البحارِ، وأنّ بعضَ الأصنافِ الأخرى تزيدُ شدّةُ التيارِ الذي تولِّدُه من جَنْبَيْها على ستّمئة فولطٍ، وقد أُخِذَتْ بعضُ هذه الأسماكِ، ووُضِعَتْ في أحواضٍ، ووُضِعَ في هذه الأحواضِ مصابيحُ كهربائيّةٌ، فاستطاعَتِ السمكةُ الواحدةُ أنْ تجعلَ ستّة مصابيحَ كهربائيّةٍ - وطاقةُ المصباحِ الواحد مئةُ واطٍ - أن تجعلها تتألّق جميعاً لعدّة ثوانٍ.
(2/195)

سمكةٌ في أعماقِ البحارِ يدرسُها الطلاّبُ في مادَّةِ العلومِ الحيويّةِ، يسألُ العلماءُ: كيف تولِّدُ هذه السّمكةُ تلك الطاقةَ الكهربائيّةَ؟ شرَّحوها فإذا على جَنْبيْها مواشيرُ سُداسيّةٌ، هي بِمنزلة الخلايا الكهربائيّةِ، عن طريقِ الطاقةِ الكيميائيّةِ تتولّدُ هذه الكهربائياتُ في أجسامِها، فوجدوا أنّ في السَّمكةِ الواحدةِ ما يزيدُ على أربعمئةِ خليّةٍ كهربائيّةٍ، هذه الخلايا مُرتبطةٌ بعضُها مع بعضٍ عن طريقِ التسلسلِ، حيثُ إذا صَدَرَ أمرٌ من دماغِ السّمكةِ فإنها تفرغُ شُحناتِها دفعةً واحدةً باتّجاهِ العدوِّ، والشيءُ العجيبُ دِقّةُ توصيلاتِ هذه الخلايا، ووصْلُ الأمر بِتَفريغِ شحناتِها بالدّماغِ شيءٌ يأخذُ بالألبابِ؛ أربعمئةُ خليّةٍ كيميائيّةٍ تستطيعُ أنْ تُصدرَ تيَّاراً كهربائيّاً صاعقاً، تزيدُ شدّتُه على ستّمئةِ فولط، يموتُ الإنسانُ بهذا التيارِ فوْراً، فلو أنّ سمكةً أرسلتْ لِسابحٍ هذه الصّعقةَ فإنّها تميتُه فوراً، واللهُ يقولُ: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق} [فصلت: 53] .
فهذه سمكةٌ تصدرُ تياراً كهربائيّاً يزيدُ على مئتين وعشرين فولطاً، وسمكةٌ أخرى تصدرُ تياراً كهربائيّاً يزيدُ على ستّمئة فولطٍ! وُضِعَت هذه السمكةُ على قماشٍ مبلّلٍ قبلَ أنْ تموتَ، وأمْسَكَ بالقماشِ المبلّلِ رجلٌ، وأمسكه رجل آخرُ، إلى أنْ أصبح الرّجالُ ثمانيَةً، فما إنِ اتَّصَلَت الدارةُ حتى انتفضَ الرّجالُ الثمانيةُ من شِدّةِ صعْقةِ هذه السمكةِ.
إنّ مخلوقاتِ اللهِ عز وجل دالّةٌ على عظمتِه، وعلى قدرتِه، وعلى علمِه، وعلى خِبرتِه، {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير} [الملك: 14] .

ثعبان الماء الكهربائي
في مجارِي المياهِ العذبةِ في البرازيلِ، وفي حوضِ نهرِ الأمازون تعيشُ وحوشٌ مائيةٌ غريبةٌ، تُسمَّى ثعابينَ الماءِ الكهربائيةَ، وهي مشحونةٌ بكهرباء قويةٍ جداً، إذ يكفي أنْ يلمسَها الإنسانُ مرةً واحدةً ليصابَ بصدمةٍ كهربائيةٍ لا ينساها طوالَ حياتِه.
(2/196)

هذا الثعبانُ طولُه يزيدُ على مترين، وأربعةُ أخماسِ جسمِه مليئةٌ بأجهزةِ توليدِ الكهرباءِ وتخزينِها، وتُحشرُ مَعِدته وأعضاؤُه الحيويةُ في القسمِ الأمامي من جسمِه.
وله ثلاثةُ أزواجٍ من المُوَلِّداتِ الكهربائيةِ، وكلُّها مجهَّزةٌ بألواحٍ تؤدِّي الوظيفةَ نفسَها التي تكونُ للتخزينِ في السيارةِ، مرصوفةٍ بعضها إلى جانبِ بعضٍ، كلُّ مولِّد معه من ثلاثينَ إلى ستّةٍ وثلاثين لوحاً لتخزينِ الكهرباءِ.
ليس في المخلوقاتِ كلِّها إلا ستةُ أنواعٍ توِّلدُ الطاقةَ الكهربائيةَ، وجميعُ هذه الأنواعِ من الأسماكِ، وثعبانُ الماءِ الكهربائيُّ يعطي تياراً كهربائيّاً يصلُ إلى خمسمئة فولط، وكلكم يعلمُ أنّ البيوتَ فيها 110، أو 220 فولطاً، ومع ذلك تسبِّب صدمةً، وقد تكون قاتلةً، ولكنّ هذا الثعبانَ يطرحُ تياراً شدَّتُه خمسمئة فولطٍ.
الثعبانُ الكهربائيُّ يولِّدُ أقوى تيارٍ، حيث يصلُ إلى عدةِ مئاتٍ من الفولت.. أما الشيءُ الغريبُ فهو أنّ هذا الثعبانَ يتحكَّمُ في قوةِ التيارِ، فإذا أرادَ أنْ يهدِّد حيواناً بالابتعادِ عنه فإنه يرسلُ إليه تياراً ضعيفاً من أضعفِ مولِّداتِه الكهربائية - البطارية الضعيفة - وإذا أراد أنْ يحدِّدَ موقعَ حيوانٍ عدوٍّ فإنه يرسلُ إليه تياراً ضعيفاً، ويرجعُ التيارُ منعكساً على الحيوانِ كفعلِ الرادارِ تماماً، فمن خلالِ التيارِ الضعيفِ يعرفُ موقعَ العدوِّ، أو يحذِّرُ العدوَّ، أما إذا أرادَ قتلَ العدوِّ فإنّه يعطِيه التيارَ القويَّ، فهذا الثعبانُ يتحكّمُ في شدّةِ التيارِ.
إنّ صدمةً واحدةً من التيارِ القويِّ تكفي لقتلِ عدوٍّ له بحجمِ إنسانٍ، وتكفي لإحداثِ صدمةٍ ربما تكون مُميتةً في عدوٍّ بحجمِ الفرسِ، لشدةِ هذا التيارِ.
ثمّةَ أنواعٌ أخرى من الأسماك التي تولِّدُ التيارَ الكهربائيَّ، بعضُ هذه الأسماكِ جسمُه مُكَهْرَبٌ، فإذا أَمْسَكَهُ الإنسانُ أُصِيبَ بصدمةٍ كهربائيةٍ، فيضطرُّ إلى إطلاقِه، هذا نوعٌ من الأسماكِ.
وبعضُ هذه الأسماكِ لها القدرةُ على إشعالِ أضواءٍ وإطفائِها، على جسمِها مصابيحُ تتألّقُ وتنطفئ، وبعضُ هذه الأسماكِ يبعثُ ضوءاً أحمرَ تارةً، وأبيضَ تارةً، وأزرقَ تارةً أخرى.
(2/197)

وبعضُ الحيتانِ، ولها اسمٌ غريبٌ، على جسمِها صفٌّ متصلٌ من المصابيحِ كبعضِ الشاحناتِ التي نراها في الطرقاتِ ليلاً.
وبعضُ هذه الأسماكِ يستخدمُ إطفاءَ الأضواءِ أحدَ وسائلِ الدفاعِ عن ذاتِها، فإذا اقتربَ منها عدوٌّ أطْفَأَتِ الأنوارَ، وغابتْ عن الأنظارِ.
أغْربُ شيءٍ في هذا الموضوعِ العلميِّ أنّ الإنسانَ حينما يولِّدُ الضوءَ عن طريقِ استهلاكِ الطاقةِ، يُسْتهلَكُ جزءٌ كبيرٌ من الطاقةِ على شكلِ حرارةٍ لا يحتاجها، وهذه الحرارةُ طاقةٌ مهدورةٌ، لذلك ما مِن تَأَلُّقِ مصباحٍ إلاّ وفيه حرارةٌ كبيرةٌ جداً، هذه الحرارةُ طاقةٌ مهدورةٌ، إلا أنّ الأسماكَ تصدرُ هذه الأضواءَ دونَ أن يسخُنَ جسمُها أبداً.
يقولون: إنّ في البحارَ مليونَ نوعٍ من الأسماكِ، وإن في البحارِ تنوعاً في المخلوقاتِ يدهشُ العقولَ، وهذا كلُّه من خلقِ اللهِ، وهذا كلُّه مُسَخَّرٌ للإنسانِ، وهذا الإنسانُ الذي سُخِّرَتْ له كلُّ هذه المخلوقاتِ في غفلةٍ عن ربِّه، قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولاكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [الإسراء: 44] .
فهذه المخلوقاتُ تسبِّح ربَّها، وأمّا الإنسانُ الذي سُخِّرَتْ له كلُّ هذه المخلوقاتِ فهو في غفلةٍ عن ربِّه من جهةٍ، وفي معصيةٍ له من جهةٍ أخرى.

الطيور
الطيور وإمكاناتها التي تفوق الطائرات والإنسان
جاء في مقدّمةِ موسوعةٍ علميةٍ عملاقةٍ عن الطيرانِ: "إنه ما مِن طائرةٍ صَنَعَها الإنسانُ، ترتقِي إلى مستوى الطيرِ، أو تجرُؤُ على أنْ تقتربَ منه".
فالطيورُ التي خَلَقَها اللهُ سبحانه وتعالى آيةٌ من آياته، وقد وَصَفَها عز وجل بقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} [الملك: 19] .
(2/198)

إنّ الطيورَ مِن أكثرِ مخلوقاتِ اللهِ جمالاً، ومِن أجملِها نغماً، ومِن أكثرِها استحواذاً على الإعجابِ، تُوجَدُ في كلِّ بقعةٍ من بقاعِ العالمِ؛ في أطرافِ المناطقِ القُطبيةِ، في قِمَمِ الجبالِ الشامخةِ، في أكثرِ البحارِ هيجاناً، في أكثرِ الغابات ظلمةً، في أكثر الصحارى عُرياً، في أكثرِ المدنِ ازدحاماً.
عَدّ العلماءُ حتى هذا التاريخِ مِن أنواعِ الطيورِ ما يزيدُ على تسعةِ آلافِ نوعٍ، وقد زوّدَ اللهُ سبحانه وتعالى الطيرَ بوزنٍ خفيفٍ، يُعِينُه على الطيرانِ، وأكياسٍ هوائيةٍ منتشرةٍ في كلِّ أماكنِ جسمِه، تخفِّفُ مِن وزنِه، وتبرِّدُ عضلاتِه الحارّةِ، بسببِ شدّةِ الخَفَقانِ، وجَعَلَ عظامَه مجوَّفةً، وجَعَلَ ريشَه خفيفاً، لِيُعِينَه على الطيرانِ، وأمدَّه بميزاتٍ يحتاجُها في طيرانِه.
وهو يتمتَّعُ بقوّةِ البصرِ، بل إنَّ قوةَ بصرِ بعضِ الطيورِ تزيدُ على قوةِ إبصارِ الإنسانِ ثمانيةَ أضعافٍ، وإنّ بعضَ أنواعِ الطيورِ يرى فريستَه على بُعْدِ ألفينِ مِن الأمتارِ، والعينُ عندَ الطائرِ أكبرُ حجماً مِن مُخِّهِ، وتستطيعُ أنْ ترى عينُه دائرةً تامّةً، أمّا الإنسان فيرى مئةً وثمانين درجةً، وحينما يديرُ وجْهَهُ ورأسَه تتّسعُ هذه الدرجاتِ، لكنَّ الطائرَ مزوَّدٌ بعينين جانبيتين، تمسَحَانِ الدائرةَ بأكملِها، دونَ أن يديرَ رأسَه وجسمَه.
فبعضُ أنواعِ الطيورِ يرى الجيفةَ على ارتفاعِ ألفيْ مترٍ، يراها واضحةً، وبعضُها يرى البيضةَ على الأشجارِ تحتَ الأوراقِ، وبعضُها الآخرُ يرى السمكةَ في الماءِ، وهو في أعالي الجوِّ فيهوي في الماء، وينقضُّ عليها ليأكلَها.
والطائرُ له سرعةٌ تزيدُ على مئةٍ وثلاثين كيلو متراً في الساعةِ، وبعضُ أنواعِ الطيورِ يقطعُ ستةَ آلافِ كيلو مترٍ دونَ توقُّفٍ، يطير ستّاً وثمانين ساعة بلا توقّفٍ، أيُّ طائرةٍ تقطعُ هذه المسافةَ، ستّاً وثمانين ساعة دون توقّف؟ ودونَ تزوُّدٍ بالوقودِ، أو بالطعامِ، أو بالشرابِ؟ : {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} [الملك: 19] .
(2/199)

إنَّ توليدَ القدرةِ بكفايةٍ عاليةٍ، والهيكلَ المتينَ الخفيفَ شرطانِ أساسيانِ لا بد مِن تضافُرِهما في أيِّةِ طائرةٍ، فلو لخَّصتَ خصائصَ الطائرةَ في كلمات لقُلتَ: توليدُ القدرةِ بكفايةٍ عاليةِ، وهيكلٌ متينٌ خفيفٌ.
قال علماءُ الحيوانِ: إنّ الشرطيْنِ متحققٌ على نحوٍ فذٍّ في الطيورِ، كفايةٌ عاليةٌ في القدرةِ، ووزنٌ خفيفٌ متينٌ.
وتأتي القدرةُ المحرِّكةُ، من عضلاتِ صدرٍ قويةٍ، وقلبٍ كبيرٍ، مرتفعِ النبضِ، وذي معدلِ ضخٍّ سريعٍ، ويمكنُ لهذه الطيورِ أنْ تطيرَ لفتراتٍ طويلةٍ، بل هي أسرعُ الحيواناتِ قاطبةً.
ويتحكمُ جهاز التنفسِ - الذي هو أعلى أجهزةِ تنفسِ الفقارياتِ كفايةً - بالحرارةِ المتولّدةِ من العضلاتِ الدافعةِ.
إنّ مصنِّعِي المحركاتِ يواجهون أكبرَ عقبةٍ، وهي عقبةُ تبريدِ المحركِ، فلو قصَّروا في التبريدِ لاحترقَ المحرِّكُ.
وهذا الطائرُ الذي يطيرُ ما يزيد على خمسةِ آلاف كيلو مترٍ بلا توقف، وهو لا يتعرَّقُ، وهو يبذل جهداً عالياً في الطيران، ويحتاج هذا الجهد العالي إلى تبريد مثاليٍّ، أيُّ قلبٍ له؟ وأي ضخٍّ له؟ وأيُّ نبضٍ له؟ وأيُّ عضلاتٍ لا تكلُّ ولا تتعب له؟
ثم إنّ هناك قنواتٍ مِن الرئتينِ ينفذ منها الهواءُ إلى كلِّ أنحاءِ جسمهِ، حتى أطرافِ أظلافِه، من أجلِ تبريدِ عضلاتِه في أثناءِ الطيرانِ.
شيءٌ يأخذ بالألبابِ! جهازُ التنفسِ متشعبٌ في كلِّ جسمِ الطائرِ، الهواءُ الذي يستنشقُه يتغلغلُ في كل عضلاتِه كي يبرِّدَها.
إنّ استخدامَ الوقودِ، الذي هو بعضُ الشحومِ المُتَوَضِّعةِ تحت جلدِه يتمُّ بكفايةٍ عاليةٍ.
فالطائرُ الذي يسمَّى الكرَوان الذهبيَّ يطيرُ بلا توقفٍ مسافةَ خمسةِ آلافٍ وخمسمئة كيلو مترٍ، ولا يفقدُ من وزنِه إلا جزءاً يسيراً جداً، ليس بشيءٍ إذا قِيسَ بوزنِه العامِّ.
وفي كل شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنه واحدُ

صقر البحر (خطاف البحر)
(2/200)

نوعٌ من الطيورِ اسمُه: صقر البحر، يَنْفِرُ مِن البَرْدِ، لذلك فهو يهاجرُ من شمالِ آسية وأمريكة إلى المناطقِ الدافئةِ في جنوبِ الكرةِ الأرضيةِ، فيقطع تسعة عشر ألفَ كيلو مترٍ في رحلة الشتاء، ورحلة الصيف، لكنَّ هذا الطائرَ لا يحملُ زاداً، ولا يتأثَّر ريشُه بالماءِ، لأنه لو تأثّرَ بالماءِ لَمَا أمكَنَه أنْ يطيرَ بَعدَ أنْ يغوصَ فيه، حيث يتغلغلُ الماءُ في أجنحتِه، وفي ريشِه فيَثقُلُ، ولا يمكنُه أنْ يطيرَ.
قال علماءُ الطيورِ: "إنّ كلَّ طيورِ البحرِ لا يتأثَّرُ ريشُها بالماءِ، ولا يَعْلَق بها الماءُ إطلاقاً، لأنها تتغذَّى بأسماكِ البحر".
بل إنّ هذا الطائرَ يَتَتَبَّعُ بعضَ الطيورِ الجارحةِ، فإذا صادتْ هذه الطيورُ سمكاً مِن الماءِ، واعتزمتْ أنْ تحملَه إلى صغارِها، هاجَمَهَا في الهواءِ، فخافتْ مِنْه، فتركتْ صيْدَها يسقطُ إلى الماءِ، فيَنْقَضُّ هذا الطيرُ، ويأخذُ هذه السمكةَ قبلَ أنْ تصلَ إلى الماءِ، هل في إمكان طيّارٍ أنْ يفعلَ هذا؟ أنْ يأخذَ هذا الصيدَ بعد أنْ سقط مِن فمِ الطيرِ الجارحِ؟ يأخذُه قبلَ أنْ يعودَ في الماءِ، ويطيرُ به في جوِّ السماءِ؟
نوعٌ آخرُ من الطيورِ الخرشنة، يهاجرُ من المنطقةِ المتجمّدةِ الشماليةِ، إلى المنطقةِ المتجمدةِ الجنوبيةِ، ويقطعُ اثنين وثلاثينَ ألفَ كيلو مترٍ في هذه الرحلةِ، قد يقولُ قائلٌ: وكيف عَرَفَ العلماءُ ذلك؟
يقال: إنّ طيوراً تُؤخَذُ مِن أوكارِها في المنطقةِ الجنوبيةِ من الأرضِ، ويُوضَعُ في أرجُلِها حلقاتٌ معدنيةٌ، مع رموزٍ مكتوبةٍ على هذه الحلقاتِ، وبهذه الطريقةِ يعرفُ العلماءُ هجرةَ الطيورِ، ومقدارَ ما تقطعُه في هذه الرحلةِ الطويلةِ.
يقطعُ نوعٌ آخرُ من الطيورِ مسافةَ أربعةِ آلافِ كيلو مترٍ دونَ أن يأكلَ شيئاً، ويطيرُ بعضُ هذه الطيورِ ستاً وثمانين ساعةً، طيراناً مستمراً، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان} [الملك: 19] .
ويقول عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ} [النور: 41] .
(2/201)

ومعنى {صَآفَّاتٍ} ، أي: باسطاتٍ أجنحتَها عند الطيران.
وقال سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله إِنَّ فِي ذلك لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] .
فهذه ثلاثُ آياتٍ محكماتٍ، بيِّناتٍ، واضحاتٍ، تحضُّنا على التفكّرِ في الطير كخَلْقٍ مِن مخلوقاتِ اللهِ عزَّ وجل.

أخلاق الصقر
إنَّ مِن أخلاقِ الصقرِ التناصرَ، لأنه رمزٌ للإباءِ، يحمِي بني جنسِه، ويدافعُ عنهم، وإذا استغنى تَرَكَ، لهذا السببِ تتَّخِذُ بعضُ الدولِ الصقرَ شعاراً لها، ومِن أخلاقِ الصقرِ أنه يقبلُ التعلُّمَ، وهو يجدُ متعةً عندما يشعرُ أنَّ مدرِّبَه راضٍ عنه، ومن أخلاقِ الصقرِ أنه لا يرضى بالذلِّ، ولا يرضى بالغدرِ، وإذا احتاجَ أَخَذَ، وإذا استغنَى تَرَكَ، ومعاملتُه لأنثاه آيةٌ في الرِّقةِ، والمجاملةِ، وهو محبٌ لفراخِه، غيورٌ على أبنائِه.
قلت: سبحان الله! أيكون الصقرُ أكرمَ من الإنسان؟ أيكون الصقرُ أشرفَ من الإنسان، وهو الذي كرَّمه ربُّه وفضَّلَه؟! {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70] .
(2/202)

رُكِّبَ المَلَكُ من عقلٍ بلا شهوةٍ، ورُكِّبَ الحيوانُ من شهوةٍ بلا عقلٍ، ورُكِّبَ الإنسانُ من كِلَيْهِمَا، فإنْ سَمَا عقلُه على شهوتِه أصبحَ فوقَ الملائكةِ، وإنْ سمتْ شهوتُه على عقلِه أصبحَ دون الحيوانِ، أيكونُ الإنسانُ الكافرُ دونَ الحيوانِ؟ نعم، إنه شرُّ البريةِ، هذا الصقر الحيوانُ الأعجمُ، هكذا أخلاقُه، تناصرُه لبني جنسِه، دفاعُه عنهم، قَبولُه للتعلُّمَ، متعتُه بالتعلُّمِ، لا يرضى بالذلِّ، لا يرضى بالغدرِ، إذا احتاجَ أَخَذَ، وإذا استغنَى تَرَكَ، آيةٌ في الرِّقَّةِ في معاملةِ أنثاهُ، محبٌّ لفراخِه، غيورٌ على أبنائِه، إذا كان الصقر على هذا النحوِ فما قولك في بني البشر الذين يغدرون، والذين يرضون بالذلِّ، والذين يأخذون ما لا يأكلون، ويجمِّعون من الأموال ما لا يحتاجون؟ ما قولُك في بني البشرِ الذين يتكبَّرون على التعلمِ!! فإذَا دعوْتَه إلى هدىً أَخَذَتْه العزّةُ بالإثمِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم} [البقرة: 206] ، {إِنَّهُمْ كانوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إلاه إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات: 35] .
أيكونُ الصقرُ أشرفَ من الإنسانِ الذي سَخَّرَ اللهُ له ما في السماواتِ وما في الأرضِ جميعاً، وكرَّمه؟
لقد أتعبتِ الصقورُ المزارعين، حتى شَكَا بعضُهم كثرتَها في بلادِهم؛ لأنها أحياناً تنقضُّ على أفراخِ الدجاجِ فتأكلُها، فشَكَوْا ذلك إلى المسؤولين هناك، في أمريكا، فوضَعتِ الدولةُ جائزةً سخيّةً لمن يقتلُ الصقرَ خلالَ شهرين متتابعين، وبذلك تم القضاءُ كلياً على صقورِ هذه البلادِ، ثم فوجئَ المزارعون أنّ فئرانَ الحقل تكاثرتْ تكاثراً غيرَ معقولٍ، وهذه الفئرانُ قد أكلتْ أكثرَ المحاصيلِ التي هم في أشدِّ الحاجةِ إليها، ثم عرفوا أنّ هناك توازناً في البيئة بين كلِّ الحيواناتِ، وبين كل النباتاتِ، والآن هناك اتّجاهٌ جديدٌ إلى استخدامِ المبيداتِ الحيويةِ، وليس الكيماويةِ؛ لأنّ المبيداتِ الحيويةَ متوازنةٌ مع الأمراضِ النباتيةِ، أما إذا استخدمنا المبيداتِ الكيماويةَ فربما اختلَّ توازنُ البيئةِ، ووقعنا في أمراضٍ نحن في أشدِّ الحاجةِ إلى تَجَنُّبِها.
(2/203)

إنّ تغييرَ خَلْقِ اللهِ صفاتِ أهلِ الدنيا، ومن صفاتِ الشاردين عن الله، هناك حكمةٌ بالغةٌ، هناك توازنٌ دقيقٌ بين الكائناتِ، الحيواناتِ، والنباتاتِ، بين الحيوانِ والنباتِ، وبين النباتِ والإنسانِ، فأيُّ خللٍ يصيبُ البيئةَ دفَعْنَا ثمنَه باهظاً.

نقار الخشب
معلوماتٌ لا تُصدَّقُ؛ طائرٌ من الطُّيورِ التي أَبْدَعَها اللهُ سبحانه وتعالى اسمُه نقّارُ الخشبِ، لا شكّ أنّ معظمَ الناسِ يسمعُ به، ولكنّنا إذا دقّقْنا في بُنيةِ هذا الطائرِ رأَيْنا في صَنعتِه إحكاماً يفوقُ حدَّ الخيالِ، له مِنقارٌ قويٌّ متينٌ، يقاوِمُ قُوى الضّغطِ، ومتين يقاومُ قُوى الشدِّ، قويٌّ متينٌ يعمل تماماً كأداةٍ لِخَرقِ الخشبِ؛ إنّه مِثْقب.
هذا المِنقارُ مصنوعٌ من تركيبٍ عجيبٍ، في قوّةٍ، ومتانةٍ، ومرونةٍ، وعضلاتُ رقبةِ هذا الطائرِ قويّةٌ شديدةٌ؛ لأنّ قوّةَ العضلاتِ، وشِدَّتَها ضروريتان لِتَأمينِ ضرباتٍ إيقاعيّةٍ قويةٍ للمنقارِ الذي يعملُ به كأنّه إزميل، كيف يخرقُ الخشبَ؟ يقفُ على شجرةٍ، ويثقبُها إلى أنْ يصلَ إلى لبِّها، وقد يكونُ في اللبِّ حشرةٌ أو دودةٌ فيَصِلُ إليها، ويأكلُها، أمّا كيفَ يعرفُ هذا الطائرُ أنّ هذه الحشرةَ في المكانِ المحدَّدِ، فهذا شيءٌ لا يعلمهُ أحدٌ حتى الآن.
ولا بدّ له من جُمجمةٍ سميكةٍ، ولكنّها أُعْطِيَتْ مرونةً بأربطةٍ دقيقةٍ متعامدةٍ، ولا بدّ لهذا الطائرِ مِن مُخمِّدٍ للصّدماتِ، كما هي الحالُ في أحدثِ الآلاتِ، هذه المخمِّداتُ للصّدماتِ نسيجٌ ثخينٌ جدّاً بينَ المنقارِ والجمجمةِ.
ولا بدّ له من لسانٍ رفيعٍ طويلٍ بِطولِ المنقارِ، ينتهي بِسَطحٍ خشِنٍ، عليه مادّةٌ لزِجةٌ، من أجلِ أنْ يصطادَ حَشَرَتَه المفضّلةَ.
ولا بدّ له من أرجلٍ قصيرةٍ قويّةٍ، لا تُشبِهُ الأرجلَ النحيلةَ لِمُعظمِ الطُّيورِ، لأنّه سيَسْتَنِدُ عليها، وبِحَسبِ استنادِه عليها سيكونُ ضرْبُهُ في الخشبِ قويّاً، ولا بدّ له من أصابعَ كالملزمةِ تماماً؛ اثنتان في المقدّمةِ، واثنانِ في المؤخّرةِ، فهي كمَّاشةٌ كاملةٌ تُعينهُ على التعلّقِ المتينِ بلِحاءِ الشَّجرِ.
(2/204)

ولا بدّ له مِن ذَنَبٍ مِن ريشٍ قاسٍ ومتينٍ يستندُ به إلى جِذعِ الشّجرةِ، ويُعِينُه على هذه الضرباتِ الإيقاعيّةِ كي يوصِلَ مِنقارَه إلى لبِّ الشّجرةِ.
ولا بدّ له مِن قائمتين قصيرتين قويتين، ومِن أربع كمّاشاتٍ على لحاء الشجرة.
قال تعالى: {صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] .
كأنّ هذا الطائرَ آلةٌ معقدةٌ جدّاً، آلةٌ فيها كلُّ إمكاناتِ المِثْقَبِ، استنادٌ قويٌّ، ومُخَمِّدٌ للضرباتِ والاهتزازاتِ، منقارٌ متينٌ قويٌّ، لسانٌ بِطُولِ المنقارِ، ذو سطحٍ خشنٍ، وعليه مادّةٌ لَزِجَةٌ.
قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
يعني: أعطاه كمالَ خَلْقِه.
وقال سبحانه: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى} [الأعلى: 1-2] ، أيْ: سوَّى هذه الأجهزةَ والأعضاءَ ملائِمةً للطائرِ، فهذا وظيفته أنْ يصلَ إلى لُبِّ الشجرةِ، لِيَأكلَ من الحشراتِ التي تؤذِي الشجرةَ، فجُهِّزَ بهذه الإمكاناتِ، وهي لا تقِلُّ عن أَعْقَدِ آلات الثقب.

الحمام الزاجل أو وكالة أنباء في التاريخ
إنّ الأميرَ نورَ الدين الشهيدَ استخدمَ البريدَ الجوِّيَّ حينما كان أميراً على بلادِ الشامِ ومصرَ.
وقد قالَ العلماءُ: إنّ مِنَ حَمامِ الزاجلِ أو حمامَ الرسائلِ ما يزيد على خمسمئةِ نوعٍ، وهو يمتازُ بحدَّةِ الذكاءِ، والقدرةِ الفائقةِ على الطيرانِ، والغريزةِ القويةِ التي يهتدي بها إلى هدفِه وموطنِه، وهو حيوانٌ مستأنَسٌ أليفٌ، قال تعالى: {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ} [يس: 72] .
مَن ذَلَّلَ هذا الطيرَ؟ مَن جَعَله حادَّ الذكاءِ، ذا قدرةٍ فائقةٍ على الطيرانِ، ذا غريزةٍ قويّةٍ يهتدي بها إلى عدفِه؟ مَن جَعَلَه مستأنساً يألفُ الإنسانَ ويخدمُه، وهو مسخَّرٌ له؟.
(2/205)

إنّ هذا الطيرَ، حمامَ الزاجلِ، أو حمامَ الرسائلِ - كما يُسَمَّى - يقطعُ مسافةَ ألفِ كيلومترٍ دونَ توقُّفٍ، في طيرانٍ مستمرٍّ، يقطعها بسرعةِ كيلومترٍ واحدٍ في الدقيقةِ، وفي الساعةِ يقطعُ ستينَ كيلومتراً، ويعطي هذا الحمامُ الزاجلُ سنوياً تسعةَ أزواجٍ من الزغاليلِ كلَّ عامٍ، ويُعِينُك على نقلِ رسائلِك عبرَ الآفاقِ، ويهتدي إلى إيصالِها بسرعةٍ فائقةٍ بالقياسِ إلى ذلك الزمانِ.
على كلٍّ فَقَدِ استخدمَ السلطانُ نورُ الدين الحمامَ لنقلِ رسائِلِه بين دمشقَ والقاهرة، حيث كان البريدُ يُنقَل عن طريقِ الحمامِ، وكان اسمُ السلطانِ يُنقَشُ على المنقارِ الأحمر لهذا الحمامِ، وكان له وَرَقٌ خاصٌّ يحملُه لينقلَ به الرسائلَ ذات الوزنِ الخفيفِ نسبياً، وكانَ يَستخدِمُ هذا السلطانُ ألفين من الحمامِ لنقلِ الرسائلِ بينه وبين عمّالِه في الأمصارِ.
(2/206)

إنّ ثمّةَ لُغْزاً كبيراً جدّاً ما زالَ إلى اليوم يُحيّرُ الباحثين، كيفَ يهتدي هذا الحمامُ الذي خَلَقَه اللهُ سبحانه وتعالى إلى هدفِه؟ وما الطريقةُ التي يستخدمُها؟ ويسألُ العلماءُ: كيف يستدلُّ الحمامُ على طريقِه الطويلِ في السّفرِ؟ ولا تَنْسَوْا أنّ الحمامَ يُعَدُّ أوّلَ وكالةِ أنباءٍ في التاريخِ، فقد كان يُستخدَمُ عندَ الشّعوب كلِّها؛ الإغريقِ، واليونانِ، والرومانِ، وعند العربِ، وفي كلّ العصورِ، فقد كان يُستخدَمُ لِنَقلِ الرسائلِ، وإيصالِ الأنباءِ، وقد استخدَمَتْهُ بعضُ الدُّوَلِ الغربيّةِ كهولندة لإبلاغِ الأوامرِ إلى جزيرة سُومطرة في أندونيسة، (جنوبيّ شرقيّ آسية) ، يقطعُ مسافاتٍ تزيدُ على سبعةَ عشر ألف كيلو متر تقريباً، لكن السؤالُ الذي يحيِّرُ العقولَ: كيف يهتدِي هذا الطائرُ عبْرَ هذه المسافاتِ الطويلةِ، التي يعجز عن الاهتداءِ إليها أذكَى طيّارٍ على وجهِ الأرضِ بالنَّظَر؟ فلا بدّ مِن إشاراتٍ، ولا بدّ مِن إحداثياتٍ، وخرائطَ، وبثٍّ مستمرٍّ يحدّدُ له في أيِّ موقعٍ هو على سطحِ الأرضِ؟ إنها رحلةٌ طويلةٌ مِن غربيّ أوربة إلى جنوبيّ شرقيّ آسية، فكيف يوصِلُ طائرٌ صغيرٌ رسالةً إلى أبعدِ مكانٍ؟ وكيف تعملُ الحاسّةُ التي توجّهُ الطائرَ نحو طريقِهِ؟ قالَ العلماءُ: "إنّ شيئاً مَا يوجِّهُ هذه الطّيورَ إلى أهدافِها لا نعرفهُ".
وقد توقَّعَ بعضُ العلماءِ أنّ معالمَ الأرضِ تنطبعُ في ذاكرةِ هذا الطّيْرِ، فهو يعرفُها، ويهتدي بها، وهذه فرضيّةٌ، فجاءَ عالمٌ آخرُ، ونَقَضَ هذه الفرضيّةَ، بأنْ جاء بِحمامٍ زاجلٍ، وعَصَبَ عينيه، وأطلقَه فانطلقَ إلى هدفِه، فأينَ تلك المعالمُ؟ وأين الذاكرةُ؟ مع أنّه قد عُصِبَتْ عيناه فقد انطلقَ إلى هدفِه.
فرضيّةٌ ثانيةٌ: أنّه يشكِّلُ مع الشّمسِ زاويةً يهتدي بها إلى موطنِه، فلما قيل: يطيرُ في الليلِ؟ وكيف يهتدي إلى هدفِه، وهو يطيرُ ليلاً؟ نُقِضَتْ هذه النظريّةُ.
نظريةٌ ثالثةٌ: أنّهم توقّعوا وجودَ جهازِ رادارٍ في دماغِه يهديه إلى الهدفِ، فوضَعوا على رأسِه جهازاً صغيراً كهربائيّاً يصدرُ إشاراتٍ كهربائيّةً من أجلِ أنْ تشوّشَ عليه، ومع ذلك وصلَ إلى هدفِه.
(2/207)

ثم توقّعوا أنّه يهتدي إلى أهدافِه عن طريقِ الساحةِ المغناطيسيّةِ التي في الأرضِ، فوضعوا على رأسِه حلقاتٍ حديديّةً ممغْنَطَةً باتجاهاتٍ مختلفةٍ من أجلِ تشويشِ هذه الساحةِ، فاهتدى إلى هدفِه.
ولم تبْقَ عندهم نظريةٌ إلا نُقِضَتْ، فكيف يقطعُ هذا الطائرُ عشراتِ الآلافِ من الأميالِ فوق البحر، وفوق الجبال، وفي الصحراءِ، والوديان؟ وكيف يأخذُ زاويةً باتّجاهِ الهدفِ؟ هذا سرٌّ لا يزالُ يُحَيّرُ عقولَ العلماءِ، وقد قالَ أحدُ العلماء: "إنّ شيئاً ما يوجّهُ الطيورَ إلى موطنِها"، قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
وأصحُّ تفسيرٍ لهذا الموضوع أنّ الأمر يتعلَّقُ بهدايةِ اللهِ سبحانه وتعالى: قال تعالى: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 1-3] .
لذلك يُسمِّي علماءُ التوحيدِ هذه الظاهرةَ التي تحيِّرُ العقولَ هدايةَ اللهِ تعالى، ويُسمِّيها علماءُ الحياةِ الغريزةَ، فهي آليّةٌ معقّدةٌ توجدُ عند المخلوقِ دونَ تعلُّمٍ، عملٌ ذكيٌّ، على مراحلَ، ومبرمجٌ، يفعلهُ الحيوانُ بلا تعلّمٍ.

هجرة الطيور
قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله إِنَّ فِي ذلك لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] ، وقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} [الملك: 19] .
هذه الآياتُ ماذا نفعل بها؟ أليسُ فيها حضٌّ على التفكّرِ في السماواتِ والأرضِ؟ أليس فيها حضٌّ على التفكّرِ في ظاهرةِ الطيورِ في السماءِ؟ أليس في هذه الآيةِ التي اختارَها اللهُ دليلٌ على عظمتِه؟.
(2/208)

منذ أنْ عَرَفَ الإنسانُ الطيورَ؛ رآها تختفي كليّاً في الخريفِ، وتظهرُ في الربيعِ، وقد قالَ العلماءُ: "إنّ هناك عشراتِ آلافِ الملايينِ من الطيورِ تهاجرُ كلّ عامٍ، ولا سيّما من نصفِ الكرةِ الشماليِّ إلى نصفِها الجنوبيِّ، وبالذات إلى جنوبِ أمريكا، وجنوبِ إفريقية، أما بلادُ الهجرةِ فأمريكا الشمالية، وأوربة، وآسيا، هذه الطيورُ تتجاوزُ خطَّ الاستواءِ إلى جنوبِ إفريقية"، وفي كلّ الموسوعاتِ العلميّةِ يتحدّثون كيف توصَّلوا إلى هذه الحقائقِ.
هناك ما يزيدُ على أربعةِ ملايينِ طيرٍ وُضِعَت في أرْجُلِها حلقاتٌ معدنيّةٌ تبيّن هويّةَ الطيرِ وتحركاتِه، وهنك مجموعةٌ أخرى ثلاثةُ ملايين، وهناك مجموعةٌ ثالثةٌ ثلاثة عشر مليونَ طيرٍ وُضِعَتْ في أرجُلِها يومَ كانت صغيرةً في أعشاشِها حلقاتٌ كيْ تُتابِعَ حركاتِها من الشمالِ إلى الجنوبِ، حيث كانت مراكزُ البحوثِ منتشرةً بين شمالِ الكرةِ الأرضيّةِ وجنوبِها.
هناك نوعٌ مِنَ الطيورِ يقطعُ في رحلتِه أربعة عشر ألف كيلومتر! وهناك طيورٌ قطعتْ ستَّة عشر ألفَ كيلومتر، وأطْوَلُ رحلةٍ قامَتْ بها مجموعةٌ من الطيورِ قطَعَت اثنين وعشرين ألف كيلو متر من منطقةِ المتجمِّدِ الشماليِّ إلى منطقةِ جنوبِ إفريقية، حيث كانت سرعةُ هذه الطيورِ تتراوحُ بين أربعينَ كيلو متراً في الساعةِ إلى مئةِ كيلو مترٍ في الساعة، أما سرعةُ الصقرِ في أثناءِ انقضاضِه على فريسته فتصل إلى ثلاثمئة وستين كيلومتراً في الساعة، وهناك ملحوظاتٌ سُجِّلَتْ على أنواعِ بعضِ الطيورِ التي تطير ما يزيد على ألفين وسبعمئة كيلومتر دونَ توقّفَ، تقطعُها في عشرين ساعةً، وقد تحلّقُ على ارتفاعِ يزيد على تسعمئة متر، وهو قريبٌ من الكيلومتر، وبعضُها يحلّق على ارتفاعِ ألفٍ وخمسمئة متر، وبعضُها على ارتفاعِ أربعةِ آلاف ومئتي متر، وبعضُها على ارتفاعِ ستّة آلاف متر، أي ستّة كيلومتراتٍ، والطائراتُ الحديثةُ ترتفع اثني عشر كيلومتراً.
(2/209)

لا بدّ أنْ يكونَ في رأسِ الطيورِ ساعةٌ، لأنَّ الطيورَ تهاجرُ في الوقتِ ذاتِه من كلّ عامٍ! فما الذي يخبِرُها أنَّه قد آن الأوانُ؟ لا بدّ مِن ساعةٍ زمنيّةٍ في رأسٍ كلّ طيرٍ، قال بعضُ العلماءِ: "للطيورِ قوّةٌ خارقةٌ لقطعِ المسافاتِ التي تقومُ بها، ولا يوجدُ مخلوقٌ على وجهِ الأرضِ أقوى من الطيرِ في قطعِ المسافاتِ الشاسعةِ، لحكمةٍ أرادَها اللهُ سبحانه وتعالى".
ومِن أعجبِ العجبِ أنَّ الطيورَ التي تستعدُّ لقطعِ مسافاتٍ طويلةٍ تزيدُ على عشرينَ ألفَ كيلومترٍ، تُخزِّنُ الدهونَ في جسمِها قَبْلَ أنْ تسافِر، حيث يصبحُ وزنُ بعضِ الطيورِ مضاعفاً بسببِ الدُّهنِ المخزَّنِ في جسمِها، لتستعملَه وقوداً لها في رحلتِها الطويلةِ الشاقَّةِ.
لقد ظنَّ بعضُهم أنَّ بعضَ الظواهرِ الجُغرافيةِ، مِن أنهارٍ، مِن بحارٍ، مِن سواحلَ، مِن جبالٍ، يهتدي بها الطيورُ، ولكنْ هذه نظريةٌ ثَبَتَ بطلانُها، لأنّ الطيورَ تطيرُ ساعاتِ الليلِ كلَّها، وفي الأيامِ المظلمةِ، ولا ترى شيئاً، ومع ذلك لا تحيدُ عن هدفِها.
وقال بعضُهم: لعل في الطيورِ رائحةَ شمٍّ نفَّاذةً، وقد أثبتَ العلمُ عكسَ ذلك.
وقالوا: تهتدي بالشمس، فأُجريَتْ تجارِبُ، وعزلوا الطيرَ عن أشعّةِ الشمسِ فسارَ في الاتّجاهِ الصحيحِ.
وقالوا: تساعده القبّةُ السماويّةُ، عزلوه عن القبّةِ السماويّةِ، فسار في خطِّه المعتادِ.
وقالوا: يسجّلُ الطائرُ في أعماقِه انعطافاتِ الرحلةِ في الذهابِ، فوضعوه على قرصٍ يدورُ كي تضيعَ هذه الانعطافاتُ، فما أفلحوا.
وطَرَحَ بعضُهم تفسيراً لهذه النظريةِ، ولكن العلماءَ المُحْدَثين اكتشفوا أنّ في رأسِ الطائرِ نسيجاً لا يزيدُ حجمُه على نصفِ ميليمترٍ مربعٍ، مُؤَلَّفاً مِن موادَّ تتأثّرُ بالمغناطيسيةِ الأرضيةِ، وحينما رَكَّبوا بعضَ الوشائعِ، وعَكَسُوا تيارَ الكهرباءِ فيها ارتدَّ الطيرُ إلى الوراءِ، وعَكَسَ اتِّجاهَه، ما هذا النسيجُ الذي بين العينِ والمخِّ في الطائرِ؟ إنّه يتحسّسُ بالساحةِ المغناطيسيةِ الأرضيةِ؟.
(2/210)

وعَرَفَ العلماءُ نظريةً أخرى، وهي أنّ الطائرَ يهتدي بنجومِ السماءِ، وأنتَ أيها الإنسانُ الذكيُّ، الذي درستَ وحصَّلَ، ربما لا تستطيعُ أنْ تهتديَ بنجومِ السماءِ.
إنه لم يَبْقَ في الميدانِ إلا نظريتانِ: الأولى: الاهتداءُ بنجومِ السماءِ، ولكن كيف؟ لا ندري، وأيُّ نجمٍ هذا؟ لا ندري، والنظريةُ الثانيةُ: أنّ في الطائرِ نسيجاً يتأثرُ بالساحةِ المغناطيسيةِ الأرضيةِ، حتى يقطعَ هذه المسافةَ الطويلةَ دونَ أن يحيدَ عن هدفِه.
ولا يزال هذا السرُّ غامضاً حتى الآن، وهذا معنى قول الله تعالى: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} [الملك: 19] ، إنها هدايةٌ مِن اللهِ مباشرة.
الشيءُ الذي يلفتُ النَّظَرَ أنَّ الطيورَ الصغيرةَ التي وُلِدَتْ حديثاً وُضِعَتْ حلقاتٌ في أَرجُلها، وسارَتْ في رحلتِها بالاتجاهِ الصحيحِ دون تعليمِ الطيورِ الكبيرةِ! فمَن الذي أوْدَعَ في هذه الطيورِ الصغيرةِ هذه القدرةَ العجيبةَ كي تهتديّ إلى أهدافِها، قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
إن الشيءَ العجيبَ أنّ خطوطَ الرحلةِ ليْسَت مستقيمةً، كيف أنّ الطائرةَ العاديةَ في مسافة كذا كيلو مترٍ يتغيّرُ اتّجاهُها كذا زاويةٍ، هناك خُطَطٌ، وهناك طيّارٌ، وهناك مساعدُ طيَّارٍ، وهناك راداراتٌ، وخرائطُ، وهناك توجيهاتٌ أرضيّةٌ، واتِّصالٌ مستمرٌّ مع الأرضِ كي تبقَى الطائرةُ في خطِّ سيْرِها، أمّا خطوطُ الرحلاتِ في الطيورِ فليْسَتْ مستقيمةً، إنَّها خطوطٌ فيها انحرفاتٌ، وانعطافاتٌ، لأنّ هناك مَن رَسَمَ لها هذه الخطوطَ، وأَلْهَمَهَا أنْ تسيرَ فيها.
قالَ بعضُ العلماءِ: "لو أنَّ هذا الطيرَ انحرفَ عن هدفِه درجةً واحدةً لوصلَ إلى هدفٍ في نهايةِ المطافِ بعيدٍ عن هدفِه، ما لا يَقِلُّ عن ألفِ كيلو مترٍ"، فمَن الذي يُسَدِّدُ هذا الهدفَ؟ لا يزالُ علماءُ الأرضِ في حيرةٍ مِن هذه القوةِ؛ التي توجِّهُ الطيورَ في طيرانِها.
(2/211)

وُضِعَ طائرٌ في طائرةٍ، وأُبْعِدَ عن موطنِه خمسة آلاف كيلو مترٍ نحو الشرقِ، أو نحو الغربِ، أو نحوَ الشمالِ وقد كان في قفصٍ محجوزاً عن الرؤيةِ، فعاد إلى موطنِه بعد عشرةِ أيَّامٍ!!.
لذلك قال الله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله إِنَّ فِي ذلك لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] .

الحشرات
دودة القز والحرير
يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى: {وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] .
دودةُ القزِّ يُسمّيها العلماءُ: مَلِكَةَ الأنسجةِ بلا منازعٍ، إنّ هذه الدودةَ إذا لامسَ لعابَها الهواءُ تجمَّدَ، فصارَ خيطاً حريريّاً، هذا اللّعاب مطليّ بِمَادّةٍ بروتينيّةٍ، يُعطيهِ لمعاناً لؤلؤيّاً، ودودةُ القزِّ تستطيعُ أن تنسجَ ستّةَ بوصاتٍ في الدقيقةِ الواحدةِ، وطولُ خيطِها ثلاثمئة مترٍ مستمرّ، وكلّ ثلاثمئة وستّين شرنقةً تساوي قميصاً حريريّاً واحداً، فكَمْ وزْنُ هذا القميص؟.
لم يستطع الإنسانُ حتى الآن أن يقلِّدَ خيطَ الدودةِ، وأن يصنعَ شبيهه، لماذا؟ لأنّ مِن ميزاتِ تصنيعِ خيط الدودةِ أنها ذاتُ وزنِ خفيفٍ جدّاً، ومتانتهُ أعلى من متانةِ الفولاذ، وأن خمسةً وعشرين ألف شرنقة تساوي رطلَ حرير، وأنّ عشرةَ آلافِ شرنقةٍ تساوي كيلو من الحرير، فلو أمكنَ أنْ يُسحَبَ الفولاذُ بقُطرِ خيطِ الحريرِ لكان خيطُ الحريرِ أمْتنَ من الفولاذِ، ومع ذلك فهو جميلٌ، وبرّاقٌ، ومتينٌ، وخفيفٌ، وهذا من صُنع اللهِ عز وجل، {صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88] .
هناك فراشٌ يصنعُ الحريرَ الذّهبيَّ، يصنع حريراً فضِيّاً، لؤلؤيّاً تماماً، والحريرُ الذهبيّ بلونٍ طبيعيٍّ، لا يتأثّرُ بالشمسِ، ولا يحتاجُ إلى تثبيتٍ، لونٌ ثابتٌ كالذّهبِ، ولونٌ ثابتٌ كاللّؤلؤِ.
(2/212)

هذه الآياتُ التي بثّها اللهُ في الأرضِ من أجلِ أنْ نعرفَ عظمَتَه، وعلْمَهُ، ورحمتَه، وخبرتَه، وقدرتَه، وغناه، قال تعالى: {وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] .
قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190-191] .
فعلى المرءِ أنْ يتفكّرَ قائماً كان أم قاعداً، في بيتِه أم مع أصحابِه، ليتفكر في خلْقِه، وفي نفسِه، وفي ولدِه، وحاجاتِه، في لباسِه، في خيطِ الصوفِ، وخيطِ الحريرِ الذي لم يستطعْ تقليدَه.

النحل آية عظمى
إنّ النحلَ آية مِن آياتِ اللهِ الباهرةِ الدالَّةِ على عظمته، قال تعالى: {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68] .
هذه الياءُ في قولهِ: {اتخذي} ياءُ المُؤَنَّثةِ المخاطبةِ، وكأنّ الآيةَ مُنْصَبَّةٌ على الإناثِ حصراً دون الذكورِ، قال تعالى: {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 68-69] .
إنّ النحلَ هو الحشرةُ الوحيدةُ التي تستطيعُ تخزينَ رحيقِ الأزهارِ مِن أجلِ الغذاءِ، وهي إضافةً إلى بنائِها لخلايَاهَا، وتصنِيعِها للشّمعِ والعسلِ، فإنها تقومُ بعملٍ جليلٍ، هو تلقيحُ الأزهارِ، ودونَ تدخُّلِ النحلِ فإنّ عدداً كبيراً مِن النباتاتِ لا يُثمِرُ.
والنحلُ مِن الخلايا ذاتِ النظامِ الاجتماعيِ الدقيقِ المُحكَمِ، الذي تعجزُ عن تقليدِه أرقى المجتمعاتِ البشريةِ.
(2/213)

تزورُ النحلةُ ما يزيد على ألفِ زهرةٍ لكي تحصلَ على قطرةٍ مِنَ الرحيقِ، وتحتاجُ القطرةُ الواحدةُ مِن الرحيقِ إلى أنْ تَحُطَّ النحلةُ على ألفِ زهرةٍ، أو أكثرَ، ومِن أجلِ أنْ تجمعَ النحلةُ مئةَ غرامٍ مِنَ الرحيقِ تحتاجُ إلى مليونِ زهرةٍ.
إنّ سرعةَ النحلةِ في طيرانِها تزيدُ على خمسةٍ وستينَ كيلو متراً في الساعةِ، فهي تقاربُ في سرعتِها سرعةَ السيارةِ، فإذا كانتْ محمّلةً برحيقِ الأزهارِ تنزلُ سرعتُها إلى ثلاثينَ كيلو متراً في الساعةِ، ولا تَنْسَوْا أنّ حمولةَ النحلةِ من رحيقِ الأزهارِ يعادلُ ثُلُثَيْ وزنِها، ويحتاجُ الكيلو الواحدُ مِن العسلِ إلى طيرانٍ يعادلُ أربعمئة ألفِ كيلو مترٍ تقريباً، ويحتاجُ الكيلو الواحدُ من العسلِ إلى عشرِ دوراتٍ حولَ الأرضِ في خطِّ الاستواءِ، أي ما يعادلُ عشرةَ أضعافِ محيطِ الأرضِ، ويطرأُ على الرحيقِ في أثناءِ الطيرانِ تبدلٌ كيميائيٌّ.
إنّ بعضَ الدولِ المتقدِّمةِ في الصناعةِ تأخذُ الموادَّ الأوليةَ مِن قارةٍ، وفي طريقِها إلى المصانعِ تُجرِي على هذه الموادِّ عملياتٍ كثيرةً معقدةً في الباخرةِ نفسِها، كسباً للوقتِ، وتوفيراً للجهدِ، فإذا ابتدعَ هؤلاءِ هذه الطريقةَ؛ فإنَّ النحلةَ سَبَقَتْهُم في هذا أشواطاً كثيرةً، إنّها في أثناءِ طيرانِها تُجرِي على الرحيقِ تبدُّلاتٍ كيماويةً كثيرةً.
إنه إذا كان موسمُ الأزهارِ غزيراً فإنّها تعطِي حمولتَها لنحلةٍ أخرى، وتعودُ سريعاً لكسبِ الوقتِ، وجَنْيِ رحيقِ الأزهارِ، وإذا كانت الأزهارُ قليلةً، فإنها تدخلُ بها إلى داخلِ الخليّةِ، وتضعُها في المكانِ المناسبِ.
أمّا الملكةُ فهي أكبرُ النحلِ حجماً، فهي تضعُ كلَّ يومٍ في فصلِ الربيعِ قريباً من ألفٍ إلى أَلْفَيْ بيضةٍ، والذي يأخذُ بالألبابِ أنَّ هذه الملكةَ تضعُ الملكاتِ في مكانٍ، والذكورَ في مكانٍ آخرَ، والإناثَ في مكانٍ غيرِه، ليتلقّى كُلٌّ غذاءً خاصاً، وعنايةً خاصةً، بحسبِ جنسِه، وكأنها تعرفُ نوعَ المولودِ قَبْلَ الولادةِ، وهذا يَعجزُ عنه البشرُ.
(2/214)

لو أن امرأةً درستِ الطبَّ، وتخصّصتْ في الأمراضِ النسائيةِ، وفي الولادةِ، وتزوَّجتْ، وحملتْ، هل تعرفُ ما في بطنِها بنفسها؟ إنَّ ملكةَ النحلِ تعرفُ أنَّ في بطنِها ذكراً، أو أنثى، أو ملكةً، وحينما تأتي لتضعَ البيضَ تَضَعُه في المكانِ المناسبِ.
إنّ العاملاتِ منهنَّ يأتينَ بالطعامِ الخاصِّ بالملِكَةِ، ويسمِّي علماءُ النحلِ هذه النحلاتِ الوصيفاتِ.
وإذا ماتتِ الملكةُ اضطربتِ الخليةُ، ويلاحِظُ الإنسانُ هذا التبدُّلَ، وحُمَّةُ الملِكَةِ لا تَلْدَغُ الإنسانَ، بل تلدغُ ملكةً أخرى تُنافِسُها على منصِبِها، لذلك كانت مهمةُ الذكورِ تلقيحَ الملِكاتِ، ومهمةُ الإناثِ العملَ، والملكةُ مهمَّتُها الولادةُ.
هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ عزَّ وجلَّ دالةٌ على عظمتِه، قال تعالى: {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 68-69] .
وشاءتْ حكمةُ اللهِ أنْ يخلقَ مجتمعاً قائماً على أعلى مستوياتِ التعاونِ والتكاملِ، والاختصاصِ والعملِ الدؤوبِ المُنتِجِ، والتنظيمِ المعجزِ، بأمرٍ تكوينيٍّ لا بأمرٍ تكليفيٍّ.
لذلك لا يمكن أنْ تجدَ في هذا المجتمعِ خللاً، ولا فساداً، إنه كمالٌ خَلْقيٌّ مطلقٌ، لأنَّ أمْرَه هنا تكوينيٌّ، لا تكلِيفيٌّ، هذا ما نجدُه في مجتمعِ النحلِ.
إنه مجتمعٌ موحَّدٌ، متكاملٌ، على رأسِه ملكةٌ واحدةٌ، لا تنازِعُها أخرى، تشعرُ كلُّ نحلةٍ في الخليةِ بوجودِ الملكةِ عن طريقِ مادةٍ تفرزُها، وتنقلُها العاملاتُ إلى كلِّ أفرادِ الخليةِ، فإذا ماتتِ الملكةُ اضطربَ النظامُ في الخليةِ، وعَمَّتِ الفوضى، وشُلَّتِ الأعمالُ.
إنّ لإناثِ النحلِ أعمالاً متنوعةً كثيرةً تُوَزَّعُ فيما بينها بحسبِ أعمارِها، واستعدادِها الجسمانيِّ، وعندَ الضرورةِ، وعند الخطرِ، وفي المواسمِ الصعبةِ تعملُ كلُّ نحلةٍ أيَّ عملٍ يُفْرَضُ عليها.
(2/215)

هناك وَصيفاتٌ للملكةِ يَقُمْنُ على خدمتِها، وجَلبِ الطعامِ الملكيِّ لها، وهناك حاضناتٌ مُرَبِّيَاتٌ، يَقُمْنَ برعايةِ الصغارِ، وجلْبِ الغذاءِ المناسبِ، وهناك عاملاتٌ يُحضِرنَ الماءَ إلى الخليةِ، وأخرياتُ يَقُمْنَ بتهويةِ الخليةِ صيفاً، وتدفئَتِها شتاءً، وترطيبِها في وقتِ الجفافِ، وغيرُهنّ يَقُمْنَ بتنظيف الخليةِ، وجعلِ جدرانِها ملساءَ، ناعمةً، لامعةً عن طريقِ مواد خاصّةٍ.
وهناك حارساتٌ يَقُمْنَ بحراسةِ الخليةِ من الأعداءِ، ولا يسمحنَ لنحلةٍ أنْ تدخلَ الخليةَ ما لم تذكرْ كلمةَ السرِّ، وإلاّ قُتِلَتْ، وكلمةُ السرِّ تُبَدَّلُ عند الضرورةِ.
وهناك مَن يَقُمْنَ بصنعِ أقراصِ الشمعِ ذاتِ الشكلِ السداسيِّ، الذي تنعدمُ فيه الفراغاتُ البَيْنِيَّةُ، بأسلوبٍ يعجزُ عن تقليدِه كبارُ المهندسين.
وهناك رائداتٌ يَقُمْنَ بمهمةِ استكشافِ مواقعِ الأزهارِ، فإذا عَثَرْنَ عليها عُدْنَ إلى الخليةِ، ورَقَصْنَ رقصةً خاصةً تُحَدِّدُ هذه الرقصةُ لبقيةِ النحلاتِ العاملاتِ الموقعَ، من حيثُ المسافةُ، ومن حيث الاتجاهُ، ودرجةُ النشاطِ في الرقصِ تدلُّ على وفرةِ الغذاءِ، أو تناقُصِه.
والجمهرةُ الكبيرةُ مِن العاملاتِ تنطلقُ إلى مواقعِ الأزهارِ لجنيِ رحيقِها، لأنَّه المادّةُ الأوليةُ للعسلِ، وقد تبعُدُ هذه المواقعُ عن الخليةِ أكثرَ من عشرةِ كيلو متراتٍ، وتعودُ النحل إلى الخليةِ بعدَ أخذِ الرحيقِ بطريقةٍ لا تزالُ مجهولةً حتى اليوم.
والنحلُ أَكْفَأُ الحشراتِ في جمعِ، ونقلِ، وتخزينِ أكبرِ قَدْرٍ مِن رحيقِ الأزهارِ، في أقصرِ وقتٍ، وفي أقلِّ مجهودٍ، وهي أكفأُ الحشراتِ في تلقيحِ النباتاتِ، لتساعدَها على إنتاجِ البذورِ، والثمارِ.
ويخرجُ النحلُ إلى مكانٍ واحدٍ، محدَّدٍ مسبقاً، لتجنيَ رحيقَ أزهارِ نوعٍ واحدٍ، محدَّدٍ مسبقاً، واللافِتُ للنظرِ أنّ أمراضَ النحلِ كلَّها لا تنتقلُ إلى الإنسانِ عن طريقِ العسلِ.
ويتمتّعُ النحلُ بقدرةٍ على الإحساسِ بالزمنِ يصعبُ تقسيرُها، فيعرفُ متّى تُفْرِزُ أزهارُ كلِّ نوعٍ من النباتاتِ رحيقَها، ومتى تنثرُ حبوبَ لقاحِها، ثم يداوِمُ على زيارةِ كلٍّ منها في الموعدِ المناسبِ.
(2/216)

إنّ قيمةَ العسلِ العلاجيةَ أضعافُ قيمتِه الغذائيةِ، ففوائدُه العلاجيةُ في مختلفِ أجهزةِ الجسمِ، وأعضائِه، ونُسُجِه ثابتةٌ، بل تفوقُ الحدَّ المعقولَ؛ كيف لا، وقد قال اللهُ عز وجل: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 69] .
فماذا عن إعجازِ نظمِ هذه الآيةِ؟ فلنَدَع الأمرَ لِرَاويهِ وعالِمِهِ.
عمِلَ أستاذٌ من الأساتذةِ في الجامعةِ أربعين عاماً يدرِّسُ علمَ تربيةِ النحلِ، وحينما قرأ قولُه سبحانه وتعالى: {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68] أخذتْهُ دهشةٌ لا حدودَ لها؟ لأنَّ ترتيبَ هذه الآيةِ ونظْمَها، ومدلولَ كلماتِها، وروعةَ إشاراتِها تتوافقُ مع أحْدثِ نظرياتِ النحلِ، بل إنّه لم يكن للعسلِ وقتَ نزولِ هذه الآيةِ الدورُ الذي عُرِفَ الآن، لقد كان العسلُ وقتَها غذاءً، فصار اليومَ دواءً، كان مادّةً حلوةَ الطّعمِ، فصار اليومَ صيدليةً بأكملِها، {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} .
قال العلماء: "لقد أوحى اللهُ عزَّ وجل إلى الأرضِ: {بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا} [الزلزلة: 5] ، ووحيُهُ إلى الأرضِ أن يأمرَها بأنْ تفعلَ شيئاً معيَّناً، وعندما يوحِي للنحلِ فذاك وحيُ الغريزةِ التي أودَعَها اللهُ فيها، وقد يوحي لإنسانٍ عادي وحْيَ إلهامٍ، كما أوحى إلى أمِّ موسى: {وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] ، وعندما يوحي لأنبيائه فهو وحيُ الرسالة".
(2/217)

فإذا أوحَى اللهُ تعالى إلى النحلِ فلأنَّ هذه الحشرةَ تقدِّم للإنسانِ شيئاً ثميناً، بل إنَّ كلمةَ: (الشفاء) لم تَرِدْ في القرآنِ إلا في مَوْطِنَيْنِ؛ في موطِن العسل، وموطنِ القرآن، وكأنَّ العسلَ شفاءٌ للأجسامِ، والقرآنَ شفاءٌ للنفوس، أما قولهُ سبحانه: {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل} ، فلم يقل: وأوحى اللهُ، مع أنَّ اسمَ (الله) عزَّ وجل عَلَمٌ على الذاتِ واجبةِ الوجودِ، ومع أنّ الأسماءَ الحُسنَى كلَّها منطويةٌ في لفظِ الجلالة، لكنّ اللهَ سبحانه وتعالى أرادَ أن يبلِّغ الإنسانَ أنَّ هذا الرّبَ الكريمَ الذي يرعاكَ ويمدُّكَ، هو الذي خَلَقَ النحلَ من أجلك، فالمقامُ هنا مقامُ التربيةِ والرعايةِ.
إنّ ربَّك هو الذي يُربِّيكَ، الذِي يُرَبِّي جسدَك، الذي يربِّي نفسَك، الذي أَوْجَدَكَ، الذي أَمَدَّكَ بالهواء، والماءِ، والطعامِ، والشرابِ، والمعادنِ، وبأشباهِ المعادنِ، وبكلِّ ما في الأرضِ مِن مخلوقاتٍ، هو نفسُه ربُّك الذي أوحى إلى النحلِ.
أمّا الشيءُ الذي يأخذ بالألبابِ فهو أنّ الأمرَ للنحلَ ورد في هذه الآية بصيغة التأنيث: {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي} [النحل: 68] ، بينما جاء الخطابُ للنملِ مذكَّراً، قال عز وجل: {حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18] ، فلماذا جاء خطابُ النملِ مذكراً، وخطابُ النحلِ مؤنثاً؟ ذلك أنَّ النملَ جماعةٌ فيها الذكورُ والإناثُ، وإذا أردتَ أنْ تخاطِبَ في اللغةِ الذكورَ والإناثَ مجتمِعين فإنك تستخدمُ ضميرَ الذكورةِ، أمّا إذا كان الخطابُ موجَّهاً إلى الإناثِ فقط فتستخدمُ ضميرَ التأنيث، فجاء الخطابُ للنحلِ مؤنَّثاً لأنّ العاملاتِ وحدَهنَّ اللواتي يصنعن العسلَ، فهل كان هذا معروفاً مِن قبْلُ في عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟.
آياتٌ كثيرةٌ جداً بثَّها اللهُ في الكونِ والأرض، وما على الإنسانِ إلاّ أنْ يدقِّق فيها، ليكونَ إيمانُه بالله تحقيقياً من خلالِ هذه الآياتِ الباهرةِ، التي يعجزُ عن تصوُّرِها عقولُ أهلِ العقولِ.

العسل وفوائده
(2/218)

إنّ النحلَ خُلِقَ على نظامٍ اجتماعيٍّ مُعْجِزٍ، فيه أعلى درجاتِ التعاونِ، وفيه أعلى درجاتِ التنظيمِ، وفيه أعلى درجاتِ الاختصاصِ، وفيه أعلى درجاتِ المرونةِ تحقيقاً للمصلحةِ العامّةِ، ولكن بأمرٍ تكوينيٍّ لا بأمرٍ تكليفيٍّ، فكان من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه مجتمعُ النحلِ، إنّه العسلُ الذي هو محورُ حديثِنا.
بادىء ذي بدءٍ من الآياتِ التي تنضوي تحتَ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ، أو ما يُسمِّيه بعضُ علماءِ القرآنِ السَّبْقَ العلميَّ في القرآنِ الكريمِ، هو أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى ذَكَرَ أنَّ العسلَ شفاءٌ للناسِ، قال تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] ، وحينما نَزَلَ القرآنُ الكريمُ لم يكن العسلُ في نظرِ الناسِ إلا قيمةً غذائيَّةً، وليسَت علاجيَّةً، فالقرآنُ أشارَ إلى هذا قبلَ أكثر من ألف وأربعمئة عامٍ.
قد قالَ بعضُ العلماءِ: "إنَّ قيمةَ العسلِ العلاجِيَّةَ أساسُها وجودُ أنزيماتٍ نشيطةٍ، هذه الأنزيماتُ سريعةُ التأثّرِ والتَّلَفِ بالتسخينِ، فلو خُزِّنَ العسلُ شهراً بدرجةِ ثلاثين لفَقدَ معظمَ خصائصِه، ولو خُزِّن بدرجةِ عشرين فوق سنةٍ لَفَقدَ معظمَ خصائصِه، يجب أنْ يحافظَ على وضعِه الطبيعيِّ دون أنْ يُسَخَّنَ، أو يُخزَّن في مَكانٍ حارٍّ".
وحتّى لا يقعَ الإنسانُ في خيبةِ أملٍ وهو يسمعُ قولَه تعالى: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} فإنّه ينبغي أن يُفَرِّقَ بين العسلِ الحقيقيِّ الذي أرادَه ربُّنا، الذي هو جنيُ رحيقِ الأزهارِ، والعسلِ المزيّفِ الذي هو جنيُ الماءِ والسكرِ الذي يوضعُ للنحلِ على مقربةٍ من الخلايا، فإنّ تأثيرَ العسلِ المزيّفِ ضعيفٌ جدّاً، وإلهُ الكونِ يقولُ: {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} .
(2/219)

أجْريَتْ بحوثٌ، ودراساتٌ، وتجارِبُ دقيقةٌ جدّاً على آثارِ العسلِ في الجهازِ الهضميِّ، والجهازِ العصبيِّ، والجلدِ، والكبدِ، والأمعاءِ، وبُحِث عن علاقتِه بمرضى السكرِ، وعلاقتِه بالتوتّرِ العصبيِّ، وبالأرقِ، وبأمراضِ الحساسيّةِ، وبالجهازِ التنفّسيِّ، وجهازِ القلبِ والدورانِ، بل إنّ كلَّ أجهزةِ الجسمِ دونَ استثناءٍ تتأَثَّرُ تأثُراً إيجابيّاً وسريعاً بالعسلِ الحقيقيِّ الذي يؤخذُ من رحيقِ الأزهارِ.
ومن باب التقريبِ فإنّ اللهَ يشفي بالعسلِ من الْتهاباتِ الأمعاءِ الحادَّةِ، ويُحسّنُ بالعسلِ نموُّ العظامِ، لأنَّه سريعُ الامتصاصِ، ويمنعُ التَّعفّنَ في الأمعاءِ، وله دورٌ إيجابيٌ في التَّحكَمِ بعضلاتِ المثانةِ البوليّةِ، وهو علاجٌ ممتازٌ للمصابين بتقرّحاتِ المعدةِ والأمعاءِ، ومعظمِ أمراضِ الجهازِ الهضميِّ.
والعسلُ لا يؤذِي مرضى السكري، لأنَّه سكّرٌ أحاديٌّ سهلُ الهضمِ، والتوتّرُ العصبيُّ يتأثَّر إيجابيّاً بِتَناولِ العسلِ، والأرقُ يزولُ بتناولِ العسلِ، وكذلك أعراضُ الحساسيّةِ، وأمراضُ الجلدِ، حتى إنَّ الأطبّاءَ الآن يضعون على الجروحِ العسلَ قبلَ أن تلتئِم؛ لأنّ سرعةَ التئامِ الجروحِ عن طريقِ العسلِ ثلاثةُ أضعافِ سرعةِ التئامها العاديِّ.
والإنسانُ بدلَ أنْ يأخذَ الأدويةَ الغاليةَ الثمنِ عليه أنْ يستعينَ بهذا الشرابِ الصافي الذي أوْدَعَ اللهُ فيه هذه الخصائصَ العجيبةِ، وقد قال العلماءُ في العسلِ: "إنه سبعون مادَّةً دوائيَّةً"، وتكادُ تكونُ شربةُ العسلِ صيدليّةً كاملةً! أنزيمات، معادن، فيتامينات، اثنا عشر نوعاً من السكرِ، وكلُّ نوعٍ له فوائدُ خاصَّةٌ، وما يزالُ هذا الموضوعُ قيْدَ البحثِ، والعلماءُ قدَّموا شيئاً، وغابَتْ عنهم أشياءُ.

هذا هو مجتمع النمل
(2/220)

النملةُ حشرةٌ اجتماعيةٌ راقيةٌ، موجودةٌ في كلِّ مكانٍ، وفي كلِّ وقتٍ، بل إنَّ أنواعَ النملِ تزيدُ على تسعةِ آلافِ نوعٍ، وبعضُ النَّملِ يحيا حياةً مستقرةً في مساكنَ مُحكمَةٍ، وبعضُ النملِ يحيا حياةَ التَّرحالِ كالبدوِ تماماً، وبعضُه يكسبُ رزقَه بجِدِّه وسعيِه، وبعضُه يكسبُ رزقَه بالغدرِ والسيطرةِ، والنملُ حشرةٌ ذات طبعٍ اجتماعيٍّ، فإذا عُزِلَتْ عن أخواتِها ماتتْ، ولو تهيَّأَ لها غذاءٌ جيِّدٌ، ومكانٌ جيدٌ، وظروفٌ جيدةٌ، فهي كالإنسانِ، إذا عَزَلْتَه في مكانٍ بعيدٍ عن الضوءِ، والصوتِ، والساعةِ، والزمنِ، والليلِ، والنهارِ عشرين يوماً فَقَدَ توازنَه.
وتعلِّمُ النملةُ الإنسانَ درساً بليغاً في التعاونِ، فإذا التقتْ نملةٌ جائعةٌ بأخرى شبعى، تُعطي النملةُ الشَّبعى الجائعةَ خلاصاتٍ غذائيةً مِن جسمِها، ففي جهازِها الهضميِّ جهازُ ضَخٍّ تُطعمُ به غيرِها، دقِّقوا في حديثِ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَبِيتُ شَبْعَانَ، وَجَارُهُ جَائِعٌ".
لقد رصَدَ العلماءُ طرقَ معيشةِ النملِ، وأدهشَهم عملَها الجادَّ الدؤوبَ في تحصيلِ أرزاقِها، والتعاون وتوزيع الوظائفَ فيما بينها بكلِّ دقَّةٍ وجدِّيَّةٍ.
(2/221)

فِللنَّملِ مَلِكَةٌ كبيرةُ الحجمِ، مهمَّتُها وضعُ البيضِ، وإعطاءُ التوجيهاتِ، ولها مكانٌ أمينٌ في مساكنِ النملِ، وهي على اتّصالٍ دائمٍ بكلِّ أفرادِ المَملكةِ، والإناث العاملاتُ لها مهماتٌ متنوعةٌ، من هذه المهماتِ تربيةُ الصغارِ، وهذا يشبهُ قطاعَ التعليمِ، وفي النملِ عساكرُ لها حجمٌ أكبرُ، ولها رأسٌ صلبٌ، كأنَّ عليه خوذةً، وهذا يشبهُ قطاعَ الجيشِ في حراسةِ الملِكةِ، وحفظِ الأمنِ، ورَدِّ العدوانِ، ومن مهماتِ العاملاتِ تنظيفُ المساكنِ والممرّاتِ، وهذا يشبه قطاعَ البلدياتِ، ومن مهماتِ العاملاتِ سحْبُ جثثِ الموتى من المساكنِ، ودفنُها في الأرض، وهذا يشبهُ مكاتبَ دفنِ الموتى، ومِن مهماتِ العاملاتِ جلبُ الغذاءِ من خارجِ المملكةِ، وهذا يشبهُ قطاعِ المستوردين، ومن مهماتِ العاملاتِ زَرْعُ الفطرياتِ، وهذا يشبهُ قطاعَ الزراعةِ، ومن مهماتِ العاملاتِ تربيةُ حشراتٍ يعيشُ النملُ على رَحيقِها، وهذا يشبهُ قطاعَ مربِّي الماشيةِ.
إنّ للنملِ نظاماً دقيقاً في معاشِه، فله قائدٌ يوجِّهه، ويأمره، وله مساكنُ يعيش فيها، وهذه المساكنُ مقسَّمةٌ إلى غرفِ معيشةٍ، ومستودَعاتٍ لتخزينِ المؤنِ، ولها دهاليزُ معقَّدةٌ، عليها حراسةٌ مشدَّدةٌ على مدارِ الساعةِ، ويجتمع من تلك المساكنِ قُرًى كاملةٌ، كأنّها مستعمراتٌ تصل بينها طرقٌ ومسالكُ، حيث تهتدي بها إلى أعلى الأرضِ.
يعمل النمل في قراهُ بموجبِ انضباطٍ مدهِشٍ وصارمٍ للغايةِ، وبإشرافِ النملِ الذي كبرتْ رؤوسُه، وعظمتْ خراطيمُه.
يبني النملُ المدنَ، ويشقُّ الطرقاتِ، ويحفرُ الأنفاقَ، ويخزِّن الطعامَ في مخازنَ وصوامعَ، وبعضُ أنواعِ النملِ يقيمُ الحدائقَ، ويزرعُ النباتاتِ، وبعضُ أنواعِه يقيمُ حروباً على قبائلَ أخرى، قال عز وجل: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] .
(2/222)

وهناك نوعٌ آخرُ مِنَ النملِ يبني بيوتَه فوق الأرضِ مِن أوراقِ الأشجار وأغصانِها، ويكثرُ هذا تحت شجرِ الصنوبرِ، أو ينحتُ هذه البيوتَ في الأشجارِ العتيقةِ، كما يتَّخذُ الإنسانُ من الجبالِ بيوتاً، ومع أنّ النملَ لا يملكُ الآلاتِ والعُدَدَ فإنه يبني أبراجاً في غايةِ الدِّقَّةِ والإحكامِ، مستعِيناً بمقصِّ فمِه الحادِّ، حيث يمضغُ ما يقصُّه حتى يصبحَ كالعجينِ، ولعلّ ما بناه قدماءُ المصريِّينَ في مساكنهم وأهراماتِهم كان تقليداً للنملِ.
ويبقى صغارُ النمل في الديار، فتحفرُ الحجراتِ، وتبنيِ السراديبَ، وتنمو وهي فيها، بالإضافةِ إلى وجودِ المربياتِ، وبعض النملِ مسؤولٌ عن الحراسةِ، والتنظيفِ، وحفظِ وترتِيبِ المُؤنِ التي يُحضِرُها النملُ العاملُ، وهو يأبى كلَّ الإباءِ أنْ يطَّلعَ أحدٌ على أسرارِه، أو يتطفَّلَ عليه لمعرفةِ نظامِه العجيبِ في الحياة.
وقد وجدَ العلماءُ أن النملَ حين يغادرُ قريتَه يرسلُ في كلِّ مسافةٍ معيَّنةٍ مادّةً كيميائيةٍ لها رائحةٌ حتى يستطيعَ تعرف طريقِ عودتِه، وأنه عندما قام أحدُهم بإزالةِ آثارِ هذه المادةِ لم يستطِع النملُ الاهتداءَ إلى طريق عودتِه، وإذا رأت النملةُ شيئاً مفيداً لا تقوى على حمْلِه نشَرَتْ حوله بعضَ الرائحةِ، وأخذتْ منه قدراً يسيراً، وكرَّتْ راجعةً إلى أخواتِها، وكلما رأتْ واحدةً منهن أعطتها شيئاً ممَّا معها لتدلَّها على ذلك، حتى يجتمعَ على ذلك الشيءِ جماعاتٌ منها، يحملونه، ويجرُّونه بجهدٍ وعناءٍ، متعاونين في نقلِه، علماً بأنّ للنملِ قُوًى عضليةً بالنسبةِ إلى حجمِه تزري بقوّةِ أعظمِ المصارِعين والرياضيِّين، حيث تستطيع النملةُ الواحدةُ أنْ تحملَ بين فكَّيْها حِملاً أثقلَ مِن وزنِها بثلاثةِ آلافِ مرّةٍ مِن غيرِ عناءٍ.
كما وجد العلماءُ أن النملَ ينشرُ عند موتِه رائحةً خاصةً تنبِّهُ بقيَّةَ الأفرادِ على ضرورةِ الإسراعِ بدفنِه قبل انجذابِ الحشراتِ الغريبةِ إليه، وعندما قام أحدُ العلماءِ بوضعِ نقطةٍ من هذه المادةِ على جسم نملةٍ حيَّةٍ سارعَ باقي النملِ إليها، ودفنوها وهي حيَّةٌ.
(2/223)

والنملُ مِنَ الحيواناتِ والحشراتِ القليلةِ التي أودعَ اللهُ فيها غريزةَ ادِّخارِ الغذاءِ، فهو يحتفظُ بالحبوبٍ في مسكَنِه الرطبِ الدافِئ تحت الأرضِ دون أنْ يصيبَها تَلَفٌ، ويتفنَّنُ النملُ في طرقِ الادِّخارِ بحسبِ أنواعِه، فهو يقطع حبَّةَ القمحِ نصفينِ، ويقشِّرُ البقولَ لئلاّ تنبتَ من جديدٍ، أو يترُكها عدَّةَ أسابيعَ في تهويةٍ وحرارةٍ معينةٍ، ويسمحُ لها بعدّها بالإنباتِ، فتنمو، ويظهرُ لها جذرٌ وساقٌ صغيرانِ، حيث تقومُ بقطعِها وتجفيفِها، لتصبحَ مادَّةً جاهزةً يتغذَّى عليها طوالَ مدةِ الشتاءِ، كما أنه يقومُ بتسميدِ أوراقِ الأشجارِ المقطَّعةِ ببرازِ نوعٍ معيَّنٍ من الفراشاتِ، وعندها ينمو عليها نوعٌ من الفطرياتِ يُسمَّى خبزَ الغرابِ، يقومُ النملُ بالتغذِّي عليه، كما أنّ بعضَ أنواعِ النملِ يجلبُ بيوضَ المنِّ إلى عشِّهِ، وعندما يفقسُ يحملُه إلى الخارجِ، ويضعه على النباتاتِ التي تفرز الندوةَ العسليةَ، ثمّ يعيدُه إلى عشِّه في الليلِ، ويحلبُ منه هذه الندوةَ العسليةَ، حيث تُعطِي كلُّ حشرةٍ ما يقاربُ ثمانٍ وأربعينَ نقطةً من هذه الندوة خلالَ أربع وعشرين ساعةً، علماً بأنه يبنى لهذه الحشراتِ حُجُراتٌ خاصَّةٌ لتسكنَ فيها، قال تعالى: {حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] .
لقد أثبتَ اللهُ جل جلالهِ مِنْ خلالِ هذه الآيةِ اللغةَ والكلامَ للنملِ، وهذه معانٍ في هذه الآيةِ نقلَتْها ملكةُ النملِ إلى رعيَّتها، فهل كشفَ العلماءُ لغةَ النملِ؟ نعم، قال العلماءُ: "إنّ في النملِ غُدداً كيميائيةً في البطنِ والرأسِ، تقومُ بإرسالِ المادةِ الكيميائيةِ؛ التي هي اللغةُ التي تتخاطبُ بها جماعةُ النملِ".
(2/224)

في لغةِ النملِ هناك لغةٌ صوتيةٌ، وهناك لغةٌ إشاريةٌ - حركات - لغةٌ مسموعةٌ، ولغةٌ مشاهدَةٌ، لغةُ الحركاتِ، ولغةُ الأصواتِ، ولغةُ الشمِّ، اللغةُ التي تجرِي بين النَّملِ هي لغةٌ كيميائَّةٌ، النمل تستقبلُ بأعضاءِ حاسّةِ الشمِّ الموزَّعةِ على قرنيّ الاستشعارِ هذه الإشاراتِ الكيميائيَّةَ، فإذَا أرادَ النملُ الانتقالَ الجماعي إلى مكانِ الغذاء خرجتْ نملةٌ تبحثُ عن الغذاءِ، وأفرزتْ مادَّةً كيميائيّةً على طريقِ سيرِها، وهذه لغةٌ من لغاتِ النملِ.
كما أثبتَ اللهُ جل جلاله مِنْ خلالِ هذه الآيةِ نوعاً من المعرفة، كما أثبتَ له الروحَ الجماعيةَ، فلم تفكِّرِ النملةُ في إنقاذِ نفسِها على نحوٍ أنانيٍّ، بل حذَّرتْ أصحابَها من سليمانَ وجنودِه، ممّا يدلُّ على روحِ الجماعةِ، والتعاونِ، والتفاني المفطورةِ عليها.
للنملةِ مخٌّ صغيرٌ، وخلايا عصبيةٌ، وأعصابٌ لتقديرِ المعلوماتِ، وخرائطُ كي تهتديَ بها إلى مواقعِ الغذاءِ، وإلى مساكنِها.
وللنملةِ رأسٌ، ووسطٌ، وذنَبٌ أسطوانيٌّ، ولها ستُّ أرجُلٍ تقدِرُ بها على الجريِ السريعِ، ولبعضِها أجنحةٌ للوثوبِ، ولها خمسُ أعينٍ، عينانِ مركَّبتانِ على جانبَي الرأسِ، مكوَّنتانِ من أعينٍ بسيطةٍ تعدُّ بالمئاتِ، وهي ملتئمةُ الوضعِ والتركيبِ والترتيبِ، حيث تُرى وكأنّ لها عيناً واحدةً، والعيونُ الثلاثُ الباقيةُ موضوعةٌ على هيئةِ مثلَّثٍ، يعلو العينين المركبتين، وهي أعينٌ بسيطةٌ لا تركيبَ فيها، غيرَ أنّ عيونَ الذَّكَرِ أكبرُ مِن عيونِ الأنثى، ومتقاربٌ بعضُها من بعضٍ بسببِ قوَّةِ المهامِّ المنوطةِ به.
ولكلِّ نملةٍ قرنانِ طويلان كالشعرتين، بهما تحسُّ الأشياءَ، ويقومان مقامَ اليدين والرِّجلينِ والأصابعِ في الحملِ، ويسمَّيانِ الحاسَّتَيْنِ.
(2/225)

وإنَّ النملةَ تملكُ نوعاً من التصرُّفِ العقلانيِّ، وهي مِن أذكى الحشراتِ، وهي ترى بموجاتٍ ضوئيةٍ لا يراها الإنسانُ، ولغةُ النملِ كيماويةٌ، لها وظيفتان؛ التواصلُ والإنذارُ، فلو سَحَقْتَ نملةً فإنَّ رائحةً تصدرُ عنها، تستغيثُ بها النملاتُ، أو تحذِّرُها من الاقترابِ مِن المجزرةِ، ولا تستطيعُ نملةٌ دخولَ مسكنِها إلا إذا بيِّنتْ كلمةَ السِّرِّ.
وللنملِ جهازُ هضمٍ مدهشٌ، فيه فمٌ ومريءٌ، ومعدةٌ وأمعاءٌ، وجهازُ مصٍّ وضَخٍّ.
وتضعُ إناثُ النملِ بيوضَها في أماكنَ تقربُ من مساكنِ الكبارِ، وتخصِّصُ لها مربِّياتِ يلاحظنَهنَّ ليلاً ونهاراً، مع توفيرِ الحرارةِ المناسبةِ لها حتى تتفتَّح البيوضُ، وتخرج دوداً صغيراً لا جناحَ له ولا أرجلَ، تلاحظُه المربِّياتُ وتطعمهُ، حيث يأكل بشراهةٍ لعدَّةِ أسابيعَ، ثمّ يغزلُ بفمِه، وينسجُ على نفسِه كُرةً من الحريرِ وينامُ، فإذَا مضتْ أيامٌ نهضَ مِن رقدتِه، وقطعَ خيوطَ الكُرةِ، وقرَضَ حريرَها المحيطَ به، تساعدُه في ذلك المربِّياتُ، وتقومُ بتنظيفِه، حيث تظهرُ أرجلُه وأجنحتُه، والنملُ يحبُّ النظافةَ حبّا مفرطاً.
ويعرفُ النملُ غيره من النمل بغيرِ علامةٍ، والتواددُ موجودٌ بين أهلِ القريةِ الواحدةِ فقط، ما عدا ذلك فعداءٌ مُستَحْكَمٌ، حيث يمكنُ أن تنشَبَ الحربُ بين عدةِ قرًى من النملِ، فينتظِمُ في صفوفٍ قتاليةٍ، وتحدثُ المعاركُ، ويقعُ القتلى والجرحى، ويأخذُ النملُ المنتصِرُ الأسرى ليجعلهم خدماً في قُراه، ويقومُ بدفنِ موتاه في مقابرَ خاصَّةٍ به، كما ينظِّف أرضَه من جثثِ أعدائِه، حتى قيل: إنّ النملَ أقربُ الحشرات إلى الإنسانِ في أفعالِه، وقد يصبحُ النملُ قوةً مزعجَةً مهلِكةً، شديدةَ الخطرِ على الإنسانِ نفسِه، حيث يمكنُ أن يقوِّضَ دعائمَ المساكنِ الخشبيةِ، حتى تتداعى عروشُها، أو يكوِّنَ مستعمراتٍ في دورِ الكتبِ، حيث يقومُ بإتلاف الورق أكلاً وتمزيقاً.
(2/226)

أختمُ هذا الموضوعَ بقولِ سيدنا عليّ رضي الله عنه: (انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ في صِغَرِ جُثَّتِها، وَلَطَافةِ هيئتِها، لا تكادُ تُنَالُ بِلَحْظِ البصرِ، ولا بِمُسْتَدْرَكِ الفِكَرِ، كيفَ دَبَّتْ علَى أرضِها، وصُبَّتْ علَى رِزْقهَا، تنقلُ الحَبَّةَ إلى جُحْرِها، وتُعِدُّها في مُسْتَقَرِّها، تَجْمعُ مِن حَرِّها لِبَرْدِها، وفي وِرْدِها لِصدْرِها، مكفولةٌ برزْقِها، مَرْزوقَةٌ بِوَسَقِهَا، لا يغفلُها المَنَّانُ، ولا يَحْرِمُها الدَّيَّانُ، ولو في الصفا الوابدِ، والحجرِ الجامدِ، ولو فكَّرتَ في مَجَارِي أَكْلِهَا، فِي عُلْوِها وَسُفْلِها، وما في الجوفِ مِن شَرَاسِيفِ بَطْنِها، وما في الرأسِ مِن عَينِها وأُذُنِها، لَقَضَيْتَ مِن خَلْقِها عَجَباً، وَلَقِيتَ مِن وَصْفِها تَعَباً، فتعالى اللهُ الذي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِها، لمْ يُشْرِكْهُ في فِطْرَتِها فَاطِرٌ، ولمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ، لا إِلهَ إلا هوَ، ولا مَعبودَ سواهُ) .

البعوضة
مِن آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتِه قولُه تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهاذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين} [البقرة: 26] .
إذا وقفَتْ بعوضةٌ على يدك قتلتَها، ولا تشعرْ بشيءٍ، وكأنّ شيئاً لمْ يحدُثْ، لِهَوَانِها عليك، حتى إنّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: "لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ".
إنّ في رأسِ البعوضة مئةَ عينٍ، ولو كُبِّر رأسُ البعوضةِ بالمِجْهَرِ الإلكترونيِّ لرأينا عيونَها المئةَ على شكلِ خليةِ النحلِ، وفي فمها ثمان وأربعون سنّا، وفي صدرِ البعوضة ثلاثةُ قلوبٍ، قلبٌ مركزيٌّ، وقلبٌ لكلِّ جناحٍ، وفي كل قلبٍ أُذينان وبطينان ودسّامان.
(2/227)

وهي تملك جهازاً لا تملكُه الطائراتُ الحديثةُ، إنه جهازُ (رادار) ، أو مستقبلاتٌ حراريةٌ، بمعنى أن البعوضةَ لا ترى الأشياءَ بأشكالِها وألوانِها، بل بحرارتِها، فلو أنّ بعوضةً وُجِدَتْ في غرفةٍ مظلمةٍ فإنّها ترى فيها الإنسانَ النائمَ، لأن حرارتَه تزيدُ على درجة حرارة أثاث الغرفة، وحساسيةُ هذا الجهاز واحد من الألْفِ من درجة الحرارةِ المئويةِ.
والبعوضةُ تملك جهازاً لتحليل الدمِ، فما كلُّ دمٍ يناسبها، فقد ينامُ طفلانِ على سريرٍ واحدٍ، وفي الصباحِ تجد جبينَ أحدِهما مليئاً بلسعاتِ البعوضِ، أمّا الثاني فلا تجد أثراً للسعِ البعوض فيه.
والبعوضةُ تملكُ جهازاً للتخديرِ، فلو غرستْ خرطومَها في جلد النائم لقتَلَها، ولكنها تخدِّرُ موضعَ لسْعِها، وحينما يزولُ أثرُ المخدِّرِ يشعرُ النائمُ بألمِ اللسعِ، في حين أنّ البعوضةَ تطيرُ في جوِّ الغرفةِ.
وتملك البعوضةُ جهازاً لتمييع الدمِ الذي تمتصُّه من الإنسانِ، حتى يتيسَّرَ له المرورُ عبْرَ خرطومِها الدقيقِ.
وللبعوضةِ خرطومٌ فيه ستُّ سكاكين، أربعُ سكاكينَ تُحدِثُ في جلدِ الملدوغ جرحاً مربَّعاً، ولا بد مِن أن يصلَ الجرحُ إلى وعاءٍ دمويٍّ، والسكِّينتانِ الخامسةُ والسادسةُ تلتقيان لتكوِّنا أنبوباً لامتصاصِ دمِ الملدوغِ.
ويرِفُّ جناحَا البعوضةِ عدداً كبيراً من المرَّاتِ في الثانيةِ الواحدة، حيث يصلُ هذا الرفيفُ إلى درجةِ الطنينِ.
وفي أرجُلِ البعوضةِ مخالبُ إذَا أرادتْ أنْ تقفَ على سطحٍ خشنٍ، ولها محاجمُ إذا أرادتْ أن تقفَ على سطحٍ أمْلسَ.
قال تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهاذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين} .
(2/228)

قال ابن القيم رحمه الله: "قولُه تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} ، الآية، وهذا جوابُ اعتراضٍ اعترضَ به الكفارُ على القرآنِ، وقالوا: إنَّ الربَّ أعظمُ من أنْ يَذكرَ الذبابَ، والعنكبوتَ، ونحوَها من الحيواناتِ الخَسِيسةِ، فلو كان ما جاء به محمَّدٌ كلامَ اللهِ لم يذكرْ فيه الحيواناتِ الخسيسةَ، فأجابهم اللهُ تعالى بأنْ قال: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} ، فإنَّ ضرْبَ الأمثالِ بالبعوضةِ فما فوقَها إذا تضمَّنَ الحقِّ، وإيضاحَه، وإبطالَ الباطلِ وإدْحاضَه كان مِن أحسنِ الأشياءِ، والحَسَنُ لا يُسْتَحْيَا منهُ".
إنّ البعوضةَ ليست أقلَّ شأناً مِنَ الحوتِ الأزرقِ الذي بلغُ وزنُه أكثرَ من مئةٍ وخمسين طناً، ويستهلكُ وليدُه في الرضعةِ الواحدةِ ثلاثمئة كيلو، حيث تعادِلُ ثلاثُ رضعاتٍ من الحليبِ يومياً طنّاً واحداً، وإذا أرادَ الحوتُ أنْ يأكلَ أكلةً متوسطةً يملأُ بها معدتَه يحتاجُ إلأى أربعةِ أطنانٍ من السمكِ، وهذه وجبةٌ ليست دسِمَةً، وليس خَلْقُ البعوضةِ بأقلَّ مِن خلقِ الحوتِ، والدليل قوله تعالى: {مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] ، وقولُه سبحانه: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
إنّه خلْقٌ كاملٌ؛ بدءاً من الفيروساتِ التي لا تُرى إلا بالمجاهرَ الإلكترونيةِ، وهناك مخلوقاتٌ أدقُّ من ذلك، وانتهاءً بالمجراتِ التي تبعدُ عنا مليارات السنوات الضوئية، ذلكم اللهُ ربُّ العالمين، من الذَّرَّةِ إلى المجرةِ، نظامٌ واحدٌ، إتقانٌ واحدٌ، صنعَ اللهِ الذي أتقن كلَّ شيءٍ.

الذبابة
يقولُ اللهُ تعالى: {ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب} [الحج: 73] .
(2/229)

قالوا: إزعاجُ الذبابِ، وإيذاؤُه، وما يُسَبِّبُه من أمراضٍ قد صَرَفَ الأنظارَ عن التأمُّلِ في هذه الحشرةِ، التي تُعَدُّ أعجوبةً في الخَلْقِ الإلهيِّ.
لقد ضربَ اللهُ سبحانه وتعالى للناس الذبابةَ مثلاً، هذا المخلوقُ الضعيفُ المستقذَرُ، الذي يتكاثرُ بسرعةٍ جنونيةٍ، والذي يبدو ضعيفاً، لو أنك رششتَ مكاناً موبوءاً بالذبابِ، وقضيتَ على كلِّ الذبابِ إلا ذبابةً واحدةً؛ لأنتَجتْ هذه الذبابةُ جيلاً من الذبابِ يقاوِم هذه المادّةَ التي رشَشْتَها في هذا المكانِ، فتصنيعُ المضادّاتِ الحيويةِ عند الذبابِ شيءٌ معجزٌ، فَأيُّ شيء يقضي على الذبابِ تصنِّع الذبابةُ في أجهزتِها الدقيقةِ مضاداً حيويّاً يُكسِبُها مناعةً ضد هذه المادّةِ الفعّالةِ، حتى إنّ الذبابَ إذا ماتَ في البردِ ينجبُ جيلاً يقاوِمُ البردَ.
كُبِّرَتْ عينُ الذبابةِ مئاتِ المراتِ، فكان من هذا التكبيرِ العجبُ العجابُ، آلافُ العدساتِ المرصوفةِ بعضُها إلى جانبِ بعضٍ تحقِّقُ للذبابةِ رؤيةً كاملةً، فهذا المخلوقُ الضعيفُ الذي يشمئِزُّ الناسُ منه يستطيعُ أن يُنَاوِرَ مناورةً لا تستطيعُ أعظمُ الطائراتِ الحربيةِ وأحدثُها أنْ تفعلَ فعْلَها، إنها تسيرُ بسرعةٍ فائقةٍ بالنسبة إلى حجمِها، وتستطيعُ أنْ تنتقلَ فجأةً إلى زاويةٍ قائمةٍ، وتستطيعُ أنْ تنتقل من سقفٍ إلى سقفٍ، وهذا شيءٌ لا تستطيعُ طائرةٌ في الأرضِ أنْ تفعلَه، قال تعالى: {ضَعُفَ الطالب والمطلوب} .
أما الذي يَلفت النظر فحديثُ سيِّدِ البشر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قَالَ النِّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً".
وفي روايةٍ: "فأَمقِلُوهُ"، أي: اغمسوه.
(2/230)

أَكَّدَ العلمُ الحديثُ صحّةَ هذا الحديثِ، فقد كُشفَ أنّ في بعضِ جناحي الذبابةِ مادةً ترياقيةً مضادةً للجراثيمِ، ولأنواعِ الميكروبات، فإذا علِقَ بأرجلِ الذبابةِ بعضُ الجراثيمِ، أو الميكروباتِ، أو البكترياتِ الضارّةِ، ووقعَ هذا الذبابُ في سائلٍ، فعليكَ أنْ تغمسَ الجناحَ الثانيّ، فإنّ في بعضِ الأجنحةِ الدواءَ الترياقَ المضادَّ لهذه الجراثيمِ قال تعالى: {ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب} .
مِن وظائفِ هذه الحشرةِ أنها تُنَقِّي الهواءَ بقضائِها على النباتاتِ والعضوياتِ المتفسِّخةِ، ولكنّ الذبابةَ الواحدةَ تحمِلُ في طَيَّاتِها ما يزيدُ على خمسمئةِ مليونِ جرثومٍ، ووجودُ الذبابِ في مكانٍ ما مؤشِّر على أنَّ هذا المكانَ ليس نظيفاً، فكأنّها رادعٌ قويٌّ كي نُنَظِّفَ أَفْنِيَتَنَا كما وجَّهنا النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ.
إنها سريعةُ التنقُّلِ، بينما هي على مائدتِك إذا هي في يومٍ ثانٍ في مكانٍ تزيدُ مسافتُه على عشرة كيلو متراتٍ، وتنجبُ جيلاً كاملاً كلَّ عشرةِ أيامٍ، توالدُها عجيبٌ.
أمّا الشيءُ الذي لا يكاد يُصَدَّقُ فهو أنّ جُملَتَها العصبيّةَ تشبهُ الجملةَ العصبيةَ عند الإنسانِ، وعينُ الذبابةِ غايةٌ في القوّةِ، وغايةٌ في قوّةِ الإبصارِ، ولها إدراكٌ عالِي المستوى، وقد تتصرَّفُ بغضبٍ شديدٍ إذا ما لاح لها خطرٌ، فهي تغضبُ، وتتعلّمُ، وتحسُّ بالألمِ، ووزنُ دماغِها واحدٌ من مليونِ جزءٍ من الغرامِ، وهو يعملُ بأعلى كِفايةٍ، وفي الذبابة جُمْلَةٌ مِن الغُدَد، ولها ذاكرةٌ تستمرُّ دقيقتين.
والذبابُ أنواعٌ منوَّعةٌ تزيدُ على مئاتِ ألوفِ، منه ذبابٌ مفترِسٌ، ونوعٌ كالنحلةِ يمتصُّ الرحيقَ، ونوعٌ يُخَمِّرُ الفاكهةَ، ونوعٌ ينافِسُ الطائراتِ في مناورَتِها، وفي سرعتِها، وتستطيعُ أنْ تُضَلِّلَ مُطارِدَها، وتسخرَ منه.
(2/231)

فإذا كان الخلْقُ جميعاً في أرقى عصورِهم العلميّةِ عاجزين عن أنْ يخلقوا ذباباً، فقد قال الخلاَّقُ العليمُ: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب} .
كيف عرف الحديثُ النبويُّ هذه الحقيقةَ، مِن أين عرفَها؟ أكان هناك تحليلٌ عنده؟ أكان هناك معاملُ للتحليل؟ أكان هناك ميكروسكوبات؟ كيف قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَالأُخْرَى شِفَاءً"، وكيف أنّ العلمَ الحديثَ أثبتَ ذلك؟.
إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى، وإنّ السنةَ المطهرةَ، بل إنّ ما تواترَ من السنةِ المطهرةِ قطعيُّ الثبوتِ، ومنه ما هو قطعيُّ الدلالةِ، ومَن أَنْكَرَهُ فقدْ كفرَ.
دقِّقوا في آياتِ اللهِ التي بثَّها في الكون، {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .
قال ابنُ القَيِّمِ في "الطبِّ النبويِّ" معلَّقاً على حديث: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ ... : "هذا الحديثُ فيهِ أمْرانِ، أمرٌ فقهي، وأمرٌ طبيٌّ ... وأما المعنى الطبِّي - أي في الحديث - فقال أبو عبيد: معنى أمقِلوه: أغْمسوه، ليخرجَ الشفاءُ منه كما خرجَ الداءُ ... واعلمْ أنّ في الذبابِ قوةً سُمِّيةً يدلُّ عليها الورمُ والحكّةُ العارضةُ عن لسعٍ، وهي بمنزلةِ السلاحِ، فإذا سقطَ فيما يؤذيه اتّقاهُ بسلاحِه، فَأَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُقابلَ تلك السّمِّيةَ بما أوْدَعَه الله سبحانه في جناحِه الآخرِ من الشفاءِ، فيُغمَسُ كلُّه في الماءِ والطعام، فتُقابل المادةُ السمّيةُ المادّةَ النافعةَ فيزولُ ضررُها، وهذا طبٌّ لا يهتدي إليه كبارُ الأطباء، وأئمتُهم، بل هو خارجٌ من مشكاةِ النبوةِ، ومع هذا فالطبيبُ العالمُ العارفُ الموفَّقُ يخضعُ لهذا العلاجِ، ويقرُّ لمن جاءَ به بأنه أكملُ الخلْقِ على الإطلاقِ، وأنه مُؤَيَّدٌ بوحيٍ إلهيٍّ خارجٍ عن القُوى البشريةِ".

أسراب الجراد
(2/232)

يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31] .
إنّ جنودَ اللهِ عزَّ وجل لا يعلمُها إلا هو سبحانه، وممّا نسمعُ من حينٍ لآخرَ أنَّ أسراباً من الجرادِ تنتقلُ من بلدٍ إلى بلدٍ، وتكافَحُ في هذا البلدِ، وتفلتُ من أيدي المكافحين في بلدٍ آخرَ، هذه الجرادةُ التي تبدو للناسِ ضعيفةً هي شيءٌ خطيرٌ جداً.
يقولُ بعضُ العلماءِ: "إنَّ كميةَ الطعامِ التي تأكلُها الجرادةُ يومياً تعادلُ وزنَها"، فإذا كان سربٌ من الجرادِ يزن ثمانينَ ألفَ طُنٍّ، فهو يأكلُّ في اليومِ الواحدِ ثمانينَ ألفَ طنٍ من الموادِ الغذائيةِ، ولعلَّ اسمَه يشيرُ إلى ذلك، فلا يَدَعُ شيئاً من أوراقِ الأشجارِ، ولا من ثمارِها، ولا من لحائِها، فهي لا تُبقِي ولا تَذَرُ.
يوجدُ في الكيلو متر الواحدِ المربعِ من أسرابِ الجرادِ ما بين مئةِ مليونٍ، ومئتي مليون جرادةٍ.
ويزيدُ طولُ بعضِ أسرابِ الجرادِ على أربعمئة كيلو مترٍ - أي مِن دمشق إلى حلب، أو أكثر - ويضمُّ بعضُ أسرابِ الجرادِ أكثرَ من أربعينَ ألفَ مليونِ جرادةٍ.

بيت العنكبوت
يقولُ اللهُ عز وجل في كتابِه الكريم: {مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] .
بيتُ العنكبوتِ أَوْهَنُ بيتٍ على الإطلاقِ بنصِّ هذه الآيةِ، قال العلماءُ: " (إنّ) حرفٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ، يفيدُ التوكيدَ، {وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت} ، واللام في قوله تعالى: {لَبَيْتُ} اللام: لامُ المُزَحْلَقَةِ، أساسُها لامُ التوكيد، زُحلِقَتْ من اسمِ إنّ إلى خبرِها"، إذاً هناك توكيدان في الآيةِ، {وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت} ، ويقولُ اللهُ عز وجل: {وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون} [العنكبوت: 43] .. وهذا التعريفُ يفيدُ التخصُّصَ، فعلماءُ الحشراتِ وحْدَهم يعلمون سرَّ هذه الآيةِ.
(2/233)

جاء في بعضِ التفاسيرِ أنّ بيتَ العنكبوتِ ضعيفٌ لأنه لا يغني عنها من حرٍّ، ولا من قرٍّ، ولا من مطرٍ، ولا من رياحٍ، وهو ضعيفٌ لتفاهتِه، وحقارتِه، هكذا وردَ في بعضِ التفاسيرِ، لكن أستاذاً في علمِ الحشراتِ، في كُلِّيةِ العلومِ في جامعةِ القاهرةِ قال في بعض كتبه العلميّةِ: "إنّ في قوله تعالى: {كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً} إعجازاً علميّاً؛ حيث إنّ التي تبني البيتَ هي الأنثى، فجاءت تاءُ التأنيثِ في قولهِ: {كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً} ".
الأنثى هي التي تغزِلُ البيتَ، وهي التي تُرغِّبُ الذَّكَرَ في الدخولِ إلى البيتِ، حيث تقومُ أمامه بحركاتٍ مُغريةٍ، وتُسمِعُه بعضَ الألحانِ الطنّانةِ، فيأوي إلى بيتِها، وبعدَ التلقيحِ تأكلُه إنْ لم يفرّ ويهرب، وتفترسُه، وتأكلُ أولادَها من بعدُ إنْ لم يفرّوا، ويأكلُ بعضُ أولادِها بعضاً، فضعفُ بيتِ العنكبوت إضافة إلى ضعفِ بنيتِه، هو ضعيف في علاقاتِه الداخليةِ، وقد يُجمعُ الضَّعفانِ في ضعفٍ واحدٍ.
وقيل: إنّ الذي يسمحُ لزوجته أنْ تطغَى عليه، ويخضعُ لمشيئتِها، وينساقُ إلى أوامرِها، فيطيعها فيما لا يرضي اللهَ فهو كالأنعامِ، بل هو أضلُّ سبيلاً؛ لأنّ خضوعَ الذَّكرِ للأنثى لا يكونُ إلا عند الحيواناتِ والبهائمِ.
والمسلمون اليومَ في محنتِهم مع أعدائِهم اليهودِ ومَن كان وراءَهم، إذا اعتمدوا على غيرِ الله، وركنوا إلى قُوى الأرضِ، واستسلموا لها فمثلُهم: {كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] .

قرون الاستشعار في الحشرات
اخترع الإنسانُ المراصدَ ليرصدَ حركاتِ النجومِ، والأجسامَ المتحركةَ، والمناخَ، مَن يصدِّقُ أنّ في الكائناتِ الحية قرونَ استشعارٍ تقومُ بوظائفَ يعجزُ عنها الإنسان؟
(2/234)

في الحشراتِ الدنيا التي نحتقرُها أجهزةٌ تضاهِي أدقَّ الأجهزةِ التي اخترَعَهَا الإنسانُ، قالَ العلماءُ: "إنّ في بعضِ الحشراتِ قرونَ استشعارٍ فيها مستقبلاتٌ كيميائيةٌ، تستقبل الروائحَ والعطورَ، وروائحَ الموادِّ، فتبني حركتَها وبحْثَها عن رزقِها وَفقَ المعطياتِ التي تقدِّمُها هذه المستقبلاتُ الكيميائيةُ".
وفي بعضِ الحشراتِ قرونُ استشعارٍ فيها مستقبلاتٌ ميكانيكيةٌ تسمعُ بها الأصواتَ، وتحسُّ بها حركةَ الرياحِ كما هو موجودٌ عند بعض أنواع الذبابِ، وهذه المستقبلاتُ الميكانيكيةُ تتأثرُ بالحركةِ، أمّا الأولى فتتأثّرُ بالتركيبِ الكيميائيِّ.
شيءٌ آخرُ: بعضُ الحشراتِ لمجردِ أنْ يكونَ هناكَ مادةٌ حلوةٌ تأتي فوراً، كيف أَتَتْ؟ إنها أَتَتْ عن طريقِ المستقبِلاتِ الكيميائيةِ.
كيف أَتَتْ هذه الذبابةُ الكبيرةُ إلى هذا المكانِ؟ إنها أتَتْ لوجودِ حيوانٍ ميتٍ، هذه الرائحةُ انتشرتْ في الجوِّ، وتأثرتْ بها هذه الذبابةُ، فجاءتْ إلى هذا المكانِ، هذه مستقبلاتٌ كيميائيةٌ، لكنّ الأغربَ مِن هذا أنّ هناك مستقبلاتٍ في بعضِ الحشراتِ تتحسَّسُ بالأشعةِ تحتَ الحمراءِ، فإذا استمرَّ إحساسُها بهذا الشيء الحارِّ، وبهذه الأشعةِ فهي على استقامةٍ معه، وإذا جاءَ الإحساسُ نوبياً، فهي تقطعُه عرضياً، فإذا جاءتْ على محورِه يستمرُّ هذا الإحساسُ، وتتّجهُ إليه، وهذا الجهازُ موجودٌ في البعوضةِ، فلو أنّ رجُليْن نائمين على فراش، الأولُ مصابٌ بالحمى، حرارته مرتفعة، فإنّ البعوضةَ على بُعْدِ ثلاثةِ أمتارٍ تميِّزُه، لأنّ عندها قرونَ استشعارٍ، فيها نهاياتٌ تتحَسَّسُ بالأشعة تحتَ الحمراءِ، فتأتي إليه وحْدَه.
(2/235)