Advertisement

موسوعة علوم القرآن



الكتاب: موسوعة علوم القرآن
المؤلف: عبد القادر محمد منصور
الناشر: دار القلم العربى - حلب
الطبعة: الأولى، 1422 هـ - 2002 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] مقدمة
موسوعة علوم القرآن بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم رسل الله.
وبعد:
فإن القرآن الكريم، كتاب ختم الله به كتبه، وجعله لخاتم أنبيائه، فحوى في تضاعيف آياته دستور أخلاق إصلاحيا، وقانون حكم يحكم به في قضايا البشرية جمعاء.
قال الله تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ....
ثم أقامه الله حجّة في فم الزمان، يستنبط دلائل صدقه العلماء، على مختلف مشاربهم واتجاهاتهم، ما من شأنه أن يخلّد في تقاريره، وأحكامه، وتوجيهاته.
قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ.
ولم يكن كتاب مواعظ وتراتيل، كسابقيه من الكتب المنزلة، وإنّما
(1/5)

جمعت فيه كل مقوّمات الإعجاز العلمي، ليدفع جاحديه، ويؤيّد تابعيه.
لذا. فقد عكف علماؤنا من السلف الصالح على استخراج علومه، فألفوا أنها لا تنتهي، فمهما استخرجوا منه، فلسوف يأتي من يثوّر قواعد علوم أخرى.
قال الله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ....
وجدير بنا أن ندرك أنّ آياته لا تخلق على كثرة الردّ، فكلّ يوم ترشح بجديد، وكأنها الآن قد نزلت، ويلمس هذا المدبّر لسوره وآياته.
قال الله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ....
هذا. وإنّ كتبا كثيرة قد ظهرت في هذا المجال، ويغلب عليها طابع التخصص، فكانت عسيرة الوصول إلى الشرائح العامّة من الناس.
لذا. كان لي الشرف أن أسهم في هذا الميدان، بسهم متواضع يقرّب البعيد، ويسهّل الحزن، ويفكّ الرمز والمبهم، من شئون علوم القرآن.
فكانت هذه الموسوعة القرآنية المبسّطة! وعساها أن تقدّم للقارئ مأدبة من مآدب القرآن، على طبق صغير، يلبّي رغبة من رغبات القرّاء لهذه المناحي الثقافية.
(1/6)

كما وألفت نظر القارئ الكريم، إلى أنّني قد وفّقت من خلال تدبّري لكتاب الله، أن أستخرج عددا من علوم القرآن، لم يتناوله أسلافنا، رحمهم الله تعالى، وكتبت في كلّ منها كتابا.
العلم الأوّل الجديد: فنّ الزينة في القرآن.
العلم الثاني الجديد: فنّ الضحك والمضاحيك.
ثمّ إنّ علم الأجنّة اليوم قد بدا واضحا لدى أهله، أنّ أصوله قد قرّرها القرآن الكريم، ولم يعقّب عليه فيها، وإنّما اعتمدها الباحثون أساسا لتجاربهم وبحوثهم.
وكان لي مساهمة في هذا العلم.
فقد صنفته تحت بند (الحيوات) لبني الإنسان، فكان علم الأجنة يحكي حياة الإنسان الثانية، التي تسبق الحياة الثالثة له. وهي الدّنيا.
أرجو من الله أن يظهره إلى الوجود.
ولم يخلق القرآن الكريم- يوما- فهو جديد على الدوام، وكأنّه الآن ينزّل!! وكلّ يوم يقول: إنّه الكتاب المنزل الأوحد، لا كتاب يشاركه في صدقه، ولا في تقاريره، عقيدة وشريعة.
فهلمّ أيها الإنسان- إليّ!! لتجد الحياة الطيبة، والسعادة الحقّة،
(1/7)

والمتعة الحلال.
وصدق الله العظيم إذ يقول: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ....
وفي الختام أسأل الله الثواب، والتوفيق، والسداد.
إنّه وليّي وحسبي. آمين د. عبد القادر منصور «إمام وخطيب جامع سيف الدولة» «حلب»
(1/8)

الوحي القرآنيّ
نقطة البداية في الموسوعة القرآنية هذه، تكون من فنّ الوحي من السماء. فهو الأساس، وعليه تبنى لبنات الموسوعة من فنون أخرى ولسوف نأتي عليها تباعا.
فما حقيقة الوحي إذا؟.
قبل أن نحدّد له حقيقة، علينا أن نعلم أنّه غيب من غيوب الله تعالى يطلع عليه من يشاء من رسله، أمّا ما سواهم: فهم محجوبون عنه وهو عنهم في حجاب.
وقد حدّ له في لسان الشرع حدّا، حتى لا يدّعيه المدّعون، ويلتبس عن النّاس هويّته.
فقيل فيه:
[إنّه فنّ إعلام الله تعالى من اصطفاه من عباده، عمّا يريده لهم من ألوان الهداية، وفنون العلوم، بطريقة سريّة خفيّة، وغير معتادة للبشر، بيد أنّ لها مؤشرات تدلّ على صاحبه].
والدين كلّه لن يقبل، ولن يسلّم إليه، إلّا لمن صدّق بالوحي وأساليبه، وما هو من لوازمه، وإلّا فلا فائدة من حلّ ما سنعرضه من فنون القرآن، وخصائصه.
(1/9)

أنواع الوحي
والوحي- كما تقدّم- إعلام الله رسله بما يريده منهم، وما يطالبهم به من أوامر ونواه، أن يبثوها بين أقوامهم، هداية وإرشادا.
فهل له نمط واحد أم هو ذو أنماط؟.
أجل. إنّه ذو أنماط شتّى، في النهاية تؤدي وظيفة واحدة، ولله فيها حكم وأسرار، فما تلك الأنماط الوحييّة؟.
هي- كما دوّنت في مصادرها- أربعة أساسية:

1 - ما يكون كفاحا بين الله وعبده.
وذلك كما كلّم الله سيدنا موسى عليه السلام، وكما كلّم الله سيدنا محمدا ليلة الإسراء.
قال الله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً النساء/ 164/.

2 - ما يكون إلهاما
يقذفه الله في قلب مصطفاه، على وجه اليقين.

3 - ما يكون مناما صادقا
، يجيء في تحققه، ووقوعه مثل فلق الصبح في تبلّجه وسطوعه، وهو أوّل ما يبدأ به الموحى إليه، من الأنبياء.
فقد أخرج البخاري (3). عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت:
[أوّل ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح].
(1/10)

4 - ما يكون بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام
، وهو ملك كريم، ذو قوّة عند ذي العرش مكين، مطاع ثمّ أمين.
وهذا النوع هو الأشهر، والأكثر في إرساليات. الوحي للأنبياء. والقرآن الكريم كلّه من هذا القبيل، واصطلح عليه باسم: (الوحي الجليّ).
قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ الشعراء/ 193 - 194 - 195 - /.
وهذا النوع أيضا هو المحدّد في هوية النّبيّ، المرسل من ربّه.
أمّا الأنواع الأخرى، فقد يشاركه فيها من سواه من البشر، لكنّها باقية في دائرة الأنواع أو الأنماط.
(1/11)

الوحي الجليّ
وإذا علمنا أنّ الوحي الجليّ هو العلامة الفارقة ما بين النبي والبشر يتحتّم علينا، أنّ نلمّ بأحوال هذا النوع حتى لا تختلط المسائل علينا ويمكن أن نطلق عليها هيئات الوحي.
فما تلك الهيئات ..
لم يهبط جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم بهيئة واحدة، وإنّما تعدّدت الهيئات.
فتارة يظهر في صورته الحقيقة، فيوحي إلى الرسول، وتارة في صورة إنسان يراه الحاضرون، ويصغون إليه.
وتارة يهبط خفية فلا يرى، إلّا أنّه يظهر على النبي صلى الله عليه وسلم أثر التغير والانفعال، فيغط غطيط النائم، ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء، وما هي من هذه، ولا تلك.
وإنّما هي استغراق في لقاء الملك الروحاني، فينخلع عن حالته البشرية المعتادة، فيتأثّر الجسم، فيغط، ويثقل ثقلا غريبا، فينجم عنه تصبب عرق في الجوّ البارد، بل الشديد البرد.
(1/12)

1 - هيئة الوحي بصورته الحقيقية
وهذه نادرة لو قيست بلداتها، وقد سجّلت عدّتها، فلم تتجاوز المرتين بل حصرت بهما، مرة بأجياد، وأخرى في سدرة المنتهى.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت:
[إنّ النّبي صلى الله عليه وسلم كان أول شأنه- يرى في المنام، وكان أول ما رأى جبريل بأجياد، صرخ جبريل: يا محمد!!.
فنظر يمينا وشمالا، فلم ير شيئا، فرفع بصره، فإذا هو على أفق السماء، فقال: يا محمّد! ... جبريل، جبريل.
فهرب، فدخل في الناس، فلم ير شيئا، ثم خرج عنهم، فناداه، فهرب.
ثم استعلن له جبريل من قبل حراء، فذكر قصة إقرائه:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... العلق/ 1/.
ورأى حينئذ جبريل، له جناحان من ياقوت يخطفان البصر] (1).
وفي صحيح مسلم عن عائشة مرفوعا:
__________
(1) فتح الباري (1/ 35). وفي هذه الرواية (ابن لهيعة) وهو ضعيف.
(1/13)

[لم أره- يعني جبريل- على صورته التي خلق عليها إلّا مرتين].
ثم إنّ الإمام أحمد قد بين في حديث ابن مسعود:
أنّ الأولى: كانت عند سؤاله إياه أن يريه صورته التي خلق عليها.
والثانية: عند المعراج.
وللترمذي عن عائشة:
[لم ير محمد جبريل في صورته إلّا مرتين:
مرة عند سدرة المنتهى، ومرّة في أجياد].
ورواية الترمذي تتوافق مع الأولى، وتقوّيها.
وجاء في سيرة التيمي:
[أنّ جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم في حراء، وأقرأه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
ثم انصرف، فبقي مترددا، فأتاه من أمامه في صورته، فرأى أمرا عظيما].

2 - هيئة الوحي بصورة إنسان
وقد اشتهر أنّ جبريل كان يتمثل صورة صحابي، واسمه (دحية
(1/14)

الكلبي) فقد أخرج البخاري عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها أنّ الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
[- يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال.
وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا، فيكلّمني فأعي ما يقول].
قالت عائشة رضي الله عنها:
[ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا].
ولم يقتصر تمثّل جبريل بصورة دحية فقط، وإنّما تمثّل بصورة أعرابي أيضا، كما جاء في حديث سيدنا عمر رضي الله عنه في الرجل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان ثمّ الساعة. ولما غادر قال عنه صلى الله عليه وسلم: [إنّه جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم].
ويمكن أن نحمل قوله صلى الله عليه وسلم [إنّ روح القدس نفث في روعي].
على هيئة، لمجيء الملك إليه بالوحي، ويكون نوعا من أنواع الجليّ.
(1/15)

وقع الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وحديث عائشة هذا، ليصوّر لنا وقع الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان شديدا، وأشدّه كصلصلة الجرس. وقد أوضح القرآن حقيقة ذلك فقال إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا المزمل/ 5/.
فالوحي إذا، كلّه شديد، وأشدّه مثل صلصلة الجرس، وذلك لعظمة التنزيل، وفي حديث ابن عباس [كان يعالج من التنزيل شدّة].
وعند البيهقي في الدلائل [وإن كان ليوحى إليه، وهو على ناقته فيضرب حزامها من ثقل ما يوحى إليه].
وحسبه شدّة ما وصفته به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها الآنف الذّكر.

أوّل ما نزل من الوحي القرآني
وكان أول ما نزل من القرآن، صدر سورة (اقرأ) وهي قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.
فقد أخرج البخاري ومسلم. [عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: أوّل ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم.
(1/16)

فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح.
ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو التعبّد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله.
ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء.
فجاءه الملك. فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارئ. (ما أحسن القراءة).
فأخذني فغطّني، حتى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني.
فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطّني الثانية، ثمّ أرسلني.
فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطّني الثالثة، ثمّ أرسلني. فقال:
- اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5).
(1/17)

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال:
- زمّلوني. زمّلوني.
فزمّلوه، حتى ذهب عنه الرّوع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر:
- لقد خشيت على نفسي.
فقالت خديجة: كلّا، والله- ما يخزيك الله أبدا!!.
إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى- ابن عم خديجة- وكان امرأ نصرانيا في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا، قد عمي.
فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يا ابن أخي! ماذا ترى؟.
فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى.
فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى.
يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجيّ هم؟!.
(1/18)

قال: نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلّا عودي.
وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا.
ثم لم ينشب ورقة أن توفّي، وفتر الوحي (1)].

مفردات الحديث اللغوية
هذا. وإنّ حديث عائشة السالف الذكر، قد تضمّن مفردات لغوية هي بحاجة إلى توضيح، وبيان، حتى يستطيع القارئ استيعاب ما جاء فيه من الأفكار.
ولنبدأ ب (مثل فلق الصبح):
وفلق الصبح: ضياؤه الصادق. فقد شبهت الرؤيا الصادقة بضياء الصبح وسطوع نوره.
وخصّ التشبيه بهذا، لعلاقة الظهور الواضح الذي لا لبس فيه ولا ريب.
ونثني ب (ثم حبّب إليه الخلاء):
__________
(1) بخاري رقم (3) واللفظ هنا له.
(1/19)

جيء ب (حبّب) بصيغة المجهول، لإسقاط الباعث له، وإظهار الفاعل الحقيقي للحبّ وهو الله جلّ وعزّ، ففيه إشارة: إلى أنّ باعث البشر عليه منعدم، وأنّ ذلك بوحي الإلهام قد تحقق.
والخلاء: الخلوة. وكان محببا له لأنّه يفرّغ القلب عما يشغله عن التوجّه إلى ربه سبحانه.
وحراء: جبل معروف بمكة، أطلق عليه بعد الوحي اسم جبل (النور).
والغار: نقب في الجبل. وجمعه: غيران.
ونثلث ب (فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد).
والتحنث: التحنّف. أي: يتبع الحنيفية دين إبراهيم.
والفاء تبدل ثاء في كثير من كلام العرب. ويقوي ذلك رواية ابن هشام في السيرة (يتحنف).
وإما أن نفسّرها ب: إلقاء الحنث. وهو الإثم- كما قيل- يتأثّم أو يتحرّج.
وذوات العدد: إبهام لها، لاختلاف المدد التي كانت يتخللها مجيئه إلى أهله صلى الله عليه وسلم.
أمّا أصل الخلوة: فقد عرفت مدتها، وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان كما جاء في رواية ابن إسحاق.
(1/20)

وينزع: يرجع. والتزود: استصحاب الزاد.
ونربّع ب (حتى جاءه الحق):
أي: جاءه الأمر الحق. وفي رواية (حتى فجئه الحقّ).
أي: بغته.
ونخمّس ب (ما أنا بقارئ ثلاثا):
لماذا كررها ثلاثا؟ وما معناها في كلّ مرة؟.
كرّرت ثلاثا للتقوية والتأكيد.
ففي المرة الأولى: أفادت الامتناع. ف (ما) هنا: نافية.
والباء: زيادة في التأكيد. أي: ما أحسن القراءة.
وفي المرة الثانية: أفادت النفي المحض.
وفي المرة الثالثة: أفادت الاستفهام.
ويؤيّد هذا، رواية عروة في مغازي أبي الأسود أنه قال: كيف أقرأ؟.
وعند ابن إسحاق:
ماذا أقرأ؟.
وفي مرسل الزهري عند البيهقي في الدلائل:
(1/21)

- كيف أقرأ؟.
فهذه الروايات جميعا تقرّر الاستفهام (1).
ونسدّس ب (فغطّني .. حتى بلغ مني الجهد):
فغطني: وفي رواية: فغتني. ويراد منها: ضمني، وعصرني.
والغطّ: حبس النفس، ومنه غطه في الماء.
أو أراد: غمني. ومنه الحنق.
ولأبي داود الطيالسي في مسنده بسند حسن [فأخذ بحلقي].
الجهد: غاية وسعي. زمّلوه: لفّوه. الرّوع: الفزع.
خشيت على نفسي: الخشية هنا اختلف فيها كثيرا، وأقربها للصواب أنه صلى الله عليه وسلم خشي على نفسه الموت من شدّة الرعب، أو المرض، أو دوامه.
ونسبّع ب (كلّا، والله ما يخزيك الله أبدا ..... نوائب الحق.
ف (كلّا): تعني النفي والإبعاد. و (يخزيك) من الخزي.
وفي رواية (يحزنك). من الحزن. و (الكلّ): من لا يستقلّ بأمره.
__________
(1) فتح الباري (1/ 35).
(1/22)

كما قال الله تعالى وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ النحل/ 76/.
(المعدوم): الفقير. لأنّ المعدوم لا يكسب، والكسب: هو الاستفادة.
(نوائب الحق): كلمة جامعة لأفراد ما تقدّم، ولما لم يتقدّم.
ونثمّن (بنبذة عن ورقة بن نوفل) كان قد خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل، حين كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها، يسألان عن الدين.
فورقة بن نوفل: أعجبته النصرانية فتنصّر، وكان قد لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى، ولم يبدّل.
لذا. فقد أخبر بشأن النبي صلى الله عليه وسلم والبشارة به، وغير ذلك مما أفسده أهل التبديل.

إشكال وحله
ويبقى سؤال: لماذا ورقة يدين بالنصرانية ثم يذكر موسى بنزول الناموس (1) عليه؟ أما أولى أن يذكر عيسى؟.
__________
(1) والناموس: صاحب السرّ، وقيده بعضهم في البحر. والمراد به: جبريل عليه السلام.
(1/23)

وأجيب بإجابات متنوعة:
1 - لأنّ كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى.
والنبيّ كتابه كتاب موسى عليه السلام.
2 - لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف عيسى، وكذلك وقعت النقمة على يد النبي صلى الله عليه وسلم بفرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام، ومن معه ببدر.
3 - أو لأنه قاله تحقيقا للرسالة، فنزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب، بخلاف عيسى، فكثير من اليهود ينكرون نبوّته.

ابن حجر يحلّ المشكلة
وفي الفتح (1): «نعم. في دلائل النبوّة لأبي نعيم- بإسناد حسن، إلى هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة: [أنّ خديجة- أولا- أتت ابن عمّها ورقة، فأخبرته الخبر. فقال:
لئن كنت صدقتني إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم].
فعلى هذا: فكان ورقة يقول تارة (ناموس عيسى) وتارة (ناموس موسى) فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها: ناموسى عيسى. بحسب
__________
(1). (1/ 38).
(1/24)

ما هو فيه من النصرانية.
وعند إخبار النبي صلى الله عليه وسلم له. قال له: (ناموس موسى). للمناسبة التي قدمناها. وكلّ صحيح».
(1/25)

علم تنزّلات القرآن
«القرآن الكريم، هو كلام الله المنزل من السماء على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم خاتم الأنبياء، المتعبد بتلاوته، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر، الناسخ للشرائع السالفة».
وحتى نتعرف على ماهية النزول القرآني، وما يشتمل عليه من أنواع، فنحن مضطرون إلى أن نعرّف معناه

أوّلا: معنى النزول في القرآن
لقد جاء التعبير بمادة (نزول القرآن) بتصاريف عدّة منها:
قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ (1).
وفي السنة قوله صلى الله عليه وسلم: [إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف].
ولكن لا بدّ من العودة إلى معاجم لغتنا العربية، فهي الأساس في
__________
(1) الإسراء/ 105/.
(1/26)

تحديد المعاني، فاللغة تقول: إنّ لهذه الكلمة إطلاقات عدة:
1 - الحلول في مكان. قال تعالى وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (1).
2 - انحدار الشيء من علو إلى سفل قال تعالى وأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً (2).
ولا ريب أنّ كلا هذين المعنيين لا يليق إطلاقه على إنزال القرآن، ولا إنزال الله، لأنّه يستلزم الجسمية والمكانية، والله منزّه عن ذلك.
إذا. لا بدّ من الصيرورة إلى المجاز، فبابه واسع، وميدانه فسيح وليكن اختيارنا لتحديد معنى (النزول القرآني) بالإعلام به، إمّا بواسطة جبريل وإمّا، بواسطة ما يدلّ عليه من ألفاظ حقيقية- كإنزاله على قلب النبي صلى الله عليه وسلم.
ويكون بين الحقيقة والمجاز علامة لازمة، وهي الإعلام بالشيء.
__________
(1) المؤمنون/ 29/.
(2) فاطر/ 27/
(1/27)

ثانيا: تنزلات القرآن
ولم يكن نزول القرآن بنمط واحد، وإنّما كان له أنماط ثلاثة:

التنزل الأول: تنزّل إلى اللوح المحفوظ
وهذا التنزل له، لم يطّلع على حقيقته أحد، فهو غيب من غيوبه سبحانه، إلّا من أطلعه عليه، وتميّز هذا التنزل بأنه: نزل جملة واحدة.
ولم يتنزل مفرقا.
ودليله قوله تعالى بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (1).

حكمة هذا النزول
وليس في أفعال الله، ما يوحي بالعبث، وإنّما فعله سبحانه، وفق الحكمة، وما يصلح شأن الخلق، فاللوح المحفوظ، هو السجلّ الجامع لكلّ ما قضى الله وقدّر، وما هو كائن، وما كان، وما سيكون.
فالإيمان به يبعث الطمأنينة في النفس، والثقة بكل ما يصدر عن الربّ سبحانه كما يحمل الناس على الرضا والسكون، تحت سلطان القدر والقضاء.
__________
(1) البروج/ 22/.
(1/28)

ومن ثمّ تهون المصيبة، ويقوى صاحبها، ويزداد ثباتا، فيتفانى في الطاعة- مع الرضا- لأوامر ربّه.
قال الله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (1).
وإذا صدّق الإنسان بهذه العقيدة، فإنّه سيستقيم على الجادّة، ويؤثّر في مجالات الحياة، ما من شأنه إسعاد البشر.
__________
(1) الحديد/ 22، 23/.
(1/29)

التنزّل الثاني: تنزّل إلى بيت العزّة
ثم التنزل الثاني إلى بيت العزّة في السماء الدنيا، وفي ليلة واحدة، قد وصفت بالليلة المباركة، قال الله تعالى:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ (1).
كما وصفت بليلة القدر. قال الله تعالى:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (2).
وهي من ليالي شهر رمضان. كما قال الله تعالى:
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ... (3).
وجاءت السنة لتؤكّد على ما ألمحت إليه الآيات السالفة، في تحديد معنى التنزّل الثاني، وهي سنّة صحيحة.
1 - فقد أخرج الحاكم بسنده .. عن ابن عباس. قال:
[فصل القرآن من الذكر، فوضع في بيت العزّة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم].
__________
(1) الدخان/ 3/.
(2) القدر/ 1/.
(3) البقرة/ 185/
(1/30)

2 - وأخرج النسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس أنه قال: [أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة].
ثم قرأ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (1).
ووَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (2).
3 - وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما، عن ابن عباس قال:
[أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض].
4 - وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود. فقال:
- أوقع في قلبي الشكّ، قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ البقرة/ 185/. وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ القدر/ 1/.
وهذا أنزل في شوال وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم وصفر، وشهر ربيع؟!
__________
(1) الفرقان/ 33/.
(2) الإسراء/ 106/
(1/31)

فقال ابن عباس: [إنّه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ أنزل على مواقع النجوم (1) رسلا (2) في الشهور والأيام].
ويقول السيوطي عن هذه النصوص: «وهي أحاديث موقوفة على ابن عباس، غير أنّ لها حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما هو مقرّر، من أنّ قول الصحابي ما لا مجال للرأي فيه، ولم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات، حكمه حكم المرفوع» (3)
__________
(1) على مواقع النجوم: مثل مساقطها.
(2) رسلا: رفقا.
(3) الإتقان: (1/ 38).
(1/32)

التنزّل الثالث: تنزّل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم منجّما
وهو التنزّل الأخير، وكان من بيت العزّة إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام، فشعّ النور على العالم، واهتدى به من اهتدى وضلّ من ضلّ.
ودليله: قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (1).

كيف أخذ جبريل القرآن إذا؟
وهذا الأمر غيّب عنا، ولم يتعلّق به كبير غرض، وإن أدلى به أحد بدلو، فإنه لن يصل إلى حدّ اليقين والاطمئنان، ومع هذا. فإنّ العلماء قد وقّعوا آراء حول هذا، أختار منها واحدا، ونرجع الأمر إلى الله سبحانه.
وهذا الرأي للبيهقي، ولعلّه أمثل الآراء من جهة أخذ جبريل عن الله تعالى.
__________
(1) الشعراء (193 - 195).
(1/33)

يقول في معنى قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1): [- يريد- والله أعلم- إنّا أسمعنا الملك، وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع].
ويقويه ما أخرجه الطبراني عن النواس بن سمعان مرفوعا:
[إذا تكلّم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع أهل السماء صعقوا، وخرّوا سجدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلّمه الله بوحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، فكلّما مرّ بسماء، سأله أهلها: ماذا قال ربنا؟
قال: الحق.
فينتهي به حيث أمر].
ودعي ما نزل به جبريل على سيدنا محمد، ب (قرآن. وسنة) ولكل منهما سماته، ووظائفه.

ما الذي نزل به جبريل؟
فقد نزل جبريل بالقرآن وبالسنّة.

أمّا القرآن:
فحكاه بلفظه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله وعاه، وحفظه، ثمّ حكاه، وبلّغه، ثم بينه وفسّره، ثم أمر بتطبيقه وتنفيذه.
__________
(1) القدر (1).
(1/34)

قال الله تعالى وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (1).
قال الله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي (2).
قال الله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (3).
قال الله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (4).
__________
(1) النمل/ 6/.
(2) الأعراف/ 203/.
(3) يونس/ 15/.
(4) الحاقة/ 44 - 47/.
(1/35)

(السّنّة)
ولا ننسى أنه قد نزل عليه غير القرآن، لكنّه ليس لفظيا، وإنّما بالمعنى الموحى، ويدعى ب (السنّة).
والسنة نوعان:
1 - حديث قدسيّ. 2 - حديث نبوي.
ثم إنّ الحديث القدسيّ عدّ من كلام الله- لكنه من فهم جبريل لأمر الحق سبحانه، فعبّر عن فهمه للأمر، دون التقيّد بالألفاظ، بينما الحديث النبويّ أوحيت معانيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون نسبتها إلى الربّ جلّ وعزّ، فعبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بألفاظه وأسلوبه.
ولدى الدراسة للتنزيل بأنواعه الثلاثة، نجد الفارق بينها واضحا فالقرآن له أسلوب، والحديث القدسي له أسلوب، والحديث النبويّ له أسلوب.

نقاط التمايز
وهناك نقاط للتمايز بين الأنواع الثلاثة، من الضروري معرفتها، أوجز هنا أهمّها:
1 - القرآن معجز كله، بسائر ألفاظه، بينما السنّة خالية منه، خلا
(1/36)

بعضها ممّا يخصّ النّبوءات.
2 - القرآن أوحي بألفاظه اتفاقا، بينما السنة بالمعاني التنزيلية.
3 - القرآن متعبّد بتلاوته، بينما السنة خلاف ذلك.
4 - القرآن يمنع مسّه إلّا بالطهارة، أما السنة: فلا

القرآن نزل منجما
وتميّز القرآن عن غيره من الكتب السماوية، أنه لم ينزل جملة واحدة على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّما نزل منجّما على مدار ثلاث وعشرين سنة تقريبا.
وما ذاك إلّا لأسباب، وحكم، وأسرار، ترشح بخلوده، وعموميّته على أهل البسيطة.
وأصل نزوله منجّما، آيات بينات:
1 - قوله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (1).
2 - وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ
__________
(1) الإسراء/ 106/.
(1/37)

فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (32) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً الفرقان/ 32 - 33/.
وكانت الآيات هذه ردا على مقولة الكفار من يهود ومشركين حين عابوا عليه ذلك، وقالوا:
لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة، كما نزلت التوراة على موسى.
ودلّ الردّ هذا، على أمرين اثنين:
1 - أن القرآن نزل مفرّقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2 - أنّ الكتب السماوية من قبله نزلت جملة واحدة.

أسرار التنزيل منجّما
وكما تقدم لم ينزل الله قرآنه منجّما دونما حكم وأسرار وراء ذلك، وإنما هناك حكم وأسرار أشير إلى بعضها في قرآنه، واستخرج بعضها الآخر، من تضاعيف، ومرامي آية.
وإليك جملة من الحكم التنزيلية:
(1/38)

الحكمة الأولى أنزل منجّما، ليثبّت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويقوّيه، فتجدد الوحي عليه، وتكرار النزول، ليشرح صدره، ويضفي عليه عناية، وتجليات دائمة.
وبالتالي ييسّر حفظه وفهمه، ومعرفة أحكامه.
وهذه بمجموعها، تسهم في تقوية القلب وتمكينه.
قال الله تعالى وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ (1).
وفيه تسلية له، وانشراح لصدره (صلى الله عليه وسلم).
قال تعالى ... كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ... الفرقان/ 32/.

الحكمة الثانية التدرّج في تربية الأمّة،
حتى تتأسس على قواعد متينة من الإيمان، والأخلاق، والتعامل الحسن، وتنطلق للعمل الصالح من خلالها بعد ما رسخت في العقل، والقلب.
__________
(1) هود/ 120/.
(1/39)

ويندرج تحت هذه الحكمة أمور.
1 - يتيسّر حفظ القرآن على الأمّة العربية، نظرا لأنها أمة أميّة ولم تتوفّر أدوات الكتابة لدى كاتبيها بعد، وهم نادرون فلو نزل القرآن دفعة واحدة لعجزوا عن حفظه.
فاقتضت الحكمة العليا أن ينزل منجّما.
2 - يسهّل فهمه على العرب.
3 - يمهّد التنجيم لتخليتهم عن عقائدهم الباطلة، وعبادتهم الفاسدة، وعاداتهم المرذولة، ولن يتمّ هذا إلّا بسبيل التدرج وتلك سياسة رشيدة.
4 - يمهّد لتحليهم بالعقائد الفطرية، والعبادات الصحيحة، والأخلاق الكريمة.
5 - تثبيت قلوب المؤمنين، وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين.
وصدق الله العظيم إذ يقول:
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ الإسراء/ 106/.
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا الفرقان/ 32/.
(1/40)

الحكمة الثالثة مسايرة الحوادث والطوارئ
وتنتظم الحكمة هذه أمورا أربعة، تتجسّد من خلالها الحكمة من النزول منجّما، وأنّه الحسم في أي مسألة شائكة قد وقعت، أو سؤال محرج قد طرح.
1 - كان ينزل القرآن ليجيب السائلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم امتحانا وإحراجا، فيكبت الممتحنين له، ويثبته على رسالته.
مثال ذلك. قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء/ 85/.
أو ليجيب على سؤال بغرض التنوّر، ومعرفة حكم الله، وهؤلاء هم المؤمنون، ومريدو الحقّ.
مثاله. قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ البقرة/ 220/.
ونوعية هذا التنزّل، تساهم بفاعلية كبيرة، لتأسيس هذا الدين في القلوب، ورسم الخطوط العريضة لنهجه، حتى يسير الناس عليه- علما وعملا.
2 - كان نزوله مفرّقا ليجاري الأقضية، والوقائع. مثاله قوله تعالى
(1/41)

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ المجادلة/ 1 - 3/.
ثلاث آيات لحلّ قضية امرأة، ظاهر منها زوجها، كادت أن تضيع فنزل حل إسلامي قد حفظها، وأدّب زوجها.
3 - إيقاظ المسلمين إلى أخطائهم، وتصحيحها، وإرشادهم إلى شاكلة الصواب.
مثال. قوله تعالى وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ... التوبة/ 25/.
لقّنت الآية هذه المسلمين درسا لا ينسى، وأثابتهم إلى جادة العقيدة الصحيحة.
4 - مطاردة الأعداء، وكشف مؤامراتهم، خطوة بخطوة، مما ساعد على تثبيت أركان الإسلام، وتمتين بنائه.
مثاله. قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ
(1/42)

بِمُؤْمِنِينَ البقرة/ 207/.
وهنا كانت فضيحة المنافقين.
وهناك حكم أخرى لم يتسع المكان لها فتركتها، وأثبتّ ما يهمنا، وما يسهم في تنشئة جيل واعد مؤمن.
(1/43)

علم أزمنة النزول
وعلم أزمنة النزول القرآني يرتبط ارتباطا لصيقا بعلم أمكنته وتحديد مواقعه، لكنّهما ينفصلان لاعتبارات فنية أخرى، فالزمن له اعتبار، والمكان له اعتبار، ولكلّ منهما اهتمامات لدى الناس.
وهذان العلمان ممّا خصّ بهما القرآن الكريم، عن سابقه من كتب إلهية، بل ويعدّان أيضا من نقاط التمايز التنزيلي الإلهي على الأنبياء والمرسلين.
فماذا- بعد- عن هويّة هذين العلمين البديعين في هذا المضمار؟
أمّا علم أزمنة النزول: فقد أطلق عليه ب (علم المكي والمدني). أو (العهد المكي والمدني). فما حدّ هذين العهدين- إذا- حتّى نتعرّف على وظائفه، ومهماته التشريعية؟!

حدّ المكي والمدني
ولم يعرّف بحدّ معين في أثناء التنزيل، وإنّما الحاجة العلمية هي التي دفعت العلماء إلى البحث عن السّبل التي تعرّف عليه، وتمنحه هوية
(1/44)

علمية مميّزة، فجاءت وجهات نظرهم في التحديد متباينة.
ففريق حدّه فقال:
«إنّ المكي ما نزل بمكة- ولو بعد الهجرة، والمدني: ما نزل بالمدينة» وأدخل هذا الفريق ب (المكي) ما نزل بضواحي مكة- كالمنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بمنى، وعرفات، والحديبية.
كما أدخل ب (المدني) ما نزل بضواحي المدينة- كالمنزل عليه في بدر، وأحد.
وهذا التقسيم للعهدين، قد لوحظ فيه مكان النزول، لذا لم يكن حاصرا وضابطا لكلّ أطراف المسألة.
فقد عكّر عليه ما نزل ما بين مكة والمدينة وضواحيهما، كقوله تعالى في سورة التوبة/ 42/ لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ....
فقد نزلت هذه في تبوك.
وكقوله تعالى في سورة الزخرف. وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ....
فقد نزلت هذه ببيت المقدس ليلة الإسراء.
(1/45)

وهذا الحدّ قد بان عيبه، وأخلّ في تحديد هوية العهدين، حيث لم يكن شاملا للضبط والحصر لأطراف القضية.
وفريق آخر قد حدّه، فقال:
«المكي: ما وقع خطابا لأهل مكة. والمدني: ما وقع خطابا لأهل المدينة».
ولوحظ عند هذا الفريق: أن ما صدّر في القرآن بلفظ يا أَيُّهَا النَّاسُ* فهو مكي، لأن شعب مكة- يومئذ- كان يغلب عليه الكفر، فخوطبوا بيا أيّها الناس، وإن كان غيرهم مندرجا فيهم.
وألحق لفظ يا بَنِي آدَمَ* به أيضا.
وما صدّر بلفظ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا*. على أهل المدينة يومئذ، لعموم الإيمان فيهم وإن كان غيرهم داخلا فيهم.
فقد أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن، عن ميمون بن مهران. قال:
[ما كان في القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ* أو يا بَنِي آدَمَ*: فإنّه مكي. وما كان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا*: فإنّه مدني].
ولم يكن هذا الحدّ كامل الضبط لمسائل هذا العلم، وإنما اخترقت جداره قذيفتان اثنتان:
(1/46)

أولاهما: ما صدّر نزوله بلفظ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ* كما في قوله تعالى في سورة الأحزاب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ ....
ثانيهما: ما صدّر نزوله بغير النداء كقوله تعالى إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ .... في سورة (المنافقين).
ويمكننا قبول هذا الحدّ على سبيل الغالب، وإلّا فهو غير كامل الضبط والاستيعاب.
وبقي لدينا أن نقرّر ما اعتمد عليه في ضبط هوية (المكي والمدني)، وصار مشهورا، وهذا الضبط قد لوحظ فيه الزمن فقط، ثم ألبس لبوس المكان، وليس للمكان كبير شأن فيه.
وإليك الحدّ المعتمد عليه بهذا الشأن: [المكيّ: هو كل ما نزل قبل الهجرة النبوية، ولو كان نزوله بغير مكة. والمدني: هو كل ما نزل بعد الهجرة النبوية. وإن كان نزوله بمكة].
وبهذا التقرير لحدّ المكي والمدني، قد بدا واضحا أنه تقسيم صحيح سليم، لكمال ضبطه، ودقة اضطراده، فهو لا يدع أي اختراق عليه- بخلاف سابقيه.
(1/47)

لذا. فقد اعتمد لدى علماء هذا الشأن، واشتهر بينهم، وبقي السائد في تقرير المسائل الدينية.
وعليه: فإن قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... المائدة/ 3/.
قد نزلت يوم الجمعة بعرفة حجة الوداع، لكنّها صنّفت مع الآي المدني اعتمادا على الحدّ الأخير المشهور.
وقوله تعالى* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ... النساء/ 58/. قد نزلت بمكة (جوف الكعبة) عام الفتح.
ثمّ صنّفت في عداد العهد المدني أيضا، اعتمادا على الحدّ المذكور آخرا.
ويقاس عليه ما نزل في أسفاره- كفاتحة سورة الأنفال- حيث نزلت ببدر، وأدرجت في عداد المدني أيضا.

ممّ نشأ المكيّ والمدني؟
لقد نشأ هذا العلم نتيجة هيئة التنزيل- من أسباب وتنجيم- فممّا لا شك فيه أن القرآن قد نزلت آياته أرسالا، تارة آية، وأخرى جزءا منها، وأخرى آيات عديدات، وأخرى سورا.
ونجم عن هيئة النزول هذه اختلاف أزمنة، ومواقع، ممّا لفت أنظار العلماء إلى العناية بهذا الشأن، والانفراد به- كعلم مستقلّ.
(1/48)

لأنّهم قد لحظوا فيه أهمية كبيرة وخطيرة، ولدى بحثهم ودراستهم فيه، تمخّص بين أيديهم وظائف تنزيلية جدّ هامة، لا غنى لأي فقيه، أو دارس عن معرفتها، وإلّا فقد يخطئ الطريق في تقرير أي حكم شرعي لو غيّبها عن درسه.
فما هي الفوائد التي يمكن اجتناؤها من معرفة هذا العلم؟
إنها لكثيرة من ناحية، ولخطيرة من ناحية أخرى، فخطورتها تكمن في تحديد نوعية الحكم الشرعي. أهو من الثابت أم أنّه من المرحلي؟!

الفوائد المكتسبة من العهد المكي والمدني
وما نجنيه من معرفته، أمور تشريعية كثيرة، أثبت منها ما يتسع له المقام، وما يهمّ المشرّع الفقيه.

فأولاها: إنّ العلم به يميّز ما بين الناسخ والمنسوخ من القرآن الكريم،
إذ تحديد الناسخ من القرآن، يقرّر الحكم الشرعي الدائم، الذي استقرّت العرضة الأخيرة منه، عليه.
ومثال توضيحي لهذا، لو أنّ آيتين أو أكثر قد سيقت في موضوع
(1/49)

واحد، وظهر بينها تخالف في الحكم، فلن يحسم هذا التخالف، ويثبت أحدهما، إلّا معرفة الزمن الذي فيه نزل، والمكان أيضا.
وهذه المعرفة تندرج حصرا تحت ما يسمّى ب (علم المدني والمكي).
فما علم بأنّه مكي فينسخه المدني، ويتقرّر الحكم الشرعي بناء عليه.
وأمثلة النسخ عديدة يمكن معرفتها من مظانّها.
ولننتقل الآن إلى فوائده الأخرى.

فما الفائدة الثانية إذا؟
هي معرفة تاريخ التشريع القرآني، وتدرّجه في تقرير مسائله بحكمة فائقة، لا شبيه ولا نظير لها، وينشأ عن هذا إيمان بسموّ السياسة الإسلامية، في تربية الأجيال، والشعوب. وهذا ما نتعرف عليه عند الحديث عن نقاط التمايز بين عهدي (المدني والمكي). فأرجئه- الآن- إلى هناك.
(1/50)

وما الفائدة الثالثة أيضا؟
إنها تولّد الثقة بهذا القرآن، وتمنحه توثيقا جليلا، يحفظه من التغيير والتحريف، فيصل سالما إلى الناس، لا ترتاب نحوه القلوب، ولا تضطرب.
وعليه فقد اهتم المسلمون بمعرفة العهدين، وورّثوه لمن جاء بعدهم، حتى وصل بهم الأمر أن دقّقوا في الأماكن تدقيقا عجبا.
فحدّدوا ما نزل شتاء، وما نزل صيفا، وما نزل بالحضر، وما نزل بالسفر، وما نزل بالسماء، وما نزل بالأرض، وغير ذلك كثير.
وهذه الفائدة يتناوبها الزمان والمكان معا، واهتمام الصحابة رضي الله عنهم بتفاصيل النزول إلى هذا الحد، ليدلّ على مدى إيمانهم وحرصهم على قرآنهم.

طريق معرفته
ثم إنّ معرفة الطريق الموصلة إليه لأهمّ منه، وإذ لا سبيل إلى معرفته إلّا من وحي مثله، فهل من مصدر آخر؟
أجل. إنهم رجال الرّعيل الأول، ومن أخذ عنهم من التابعين، وذلك لأنه لم يرد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بيان في تحديد المكي أو المدني، لكننا نستأنس من مشاهدات الصحابة، ونتف من إشاراتهم فيه، وحسبهم أنهم
(1/51)

كانوا يشاهدون الوحي، والتنزيل، كما أنهم يشهدون مكانه وزمانه وأسباب نزوله عيانا.
(وليس بعد العيان بيان).
يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
[والله الذي لا إله غيره، ما نزلت سورة من كتاب الله، إلّا وأنا أعلم أين نزلت؟
ولا نزلت آية من كتاب الله إلّا وأنا أعلم فيم نزلت؟
ولو أعلم أنّ أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه].
هذا إعلان من صحابي جليل. فماذا عن التابعي؟
يقول أيوب السّختياني: [سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن؟ فقال:
نزلت في سفح ذلك الجبل].
وأشار إلى سلع.

فروق أخرى تميّز المكي عن المدني
ويبقى الأمر في تحديد المكي والمدني على السماع من طريق الصحابة هو الأساس، إلّا أنه لا يمنع من أن نتعرّف على سمات أخرى، وفوارق إضافية، تمكّننا من معرفة النوعين بيسر وسهولة.
(1/52)

وقد أحصاها علماء هذا الشأن، فأثبتها هنا استكمالا للمعرفة وتثقيفا للقارئ، وأركّز فيها: أنها نقاط تمايز في تلوين الأسلوب اللغوي، تبدي لنا جمال التعبير، وتوافقه مع المخاطب، وأهم سمات التفاعل مع النفسية والحدث.

نقاط التمايز في الأسلوب
ولنبدأ الآن ب نقاط التمايز للمكي:
1 - كل سورة فيها لفظ (كلّا) فهي مكية.
والحكمة في ذلك: أن نصف القرآن الأخير وفق ترتيب المصحف قد نزل أكثره بمكة، وكان أكثرهم جبابرة، فتكرر فيه الخطاب على سبيل التهديد والتعنيف لهم، والإنكار عليهم بخلاف النصف الأول منه، فلم يحتاج إلى إيرادها حين مخاطبة اليهود، لأنهم ضعفاء وأذلّاء.
2 - كل سورة فيها سجدة فهي مكية.
3 - كل سورة بدئت بحرف من حروف التهجي، فهي مكية خلا سورة البقرة وآل عمران فهما مدنيتان، والرّعد مختلف فيها.
4 - كل سورة فيها قصة آدم وإبليس وقصص الأنبياء والأمم السابقة
(1/53)

فهي مكية سوى سورة البقرة.

نقاط تمايز في المدني
1 - كل سورة فيها الحدود والفرائض مدنية.
2 - كل سورة فيها الإذن بالجهاد، وبيان لأحكامه مدنية.
3 - كل سورة فيها ذكر المنافقين مدنية، ما عدا سورة العنكبوت.
وتبقى هذه النقاط على سبيل الأغلبية، لا الضبط الدقيق

نقاط التمايز الموضوعي
ولا ننسى أنّ نقاط التمايز بينهما ناشئة عن أمور معنوية وبلاغية، فما تقدّم يخصّ البلاغية منها، أما المعنوية فهي التي تعالج النفوس وتحطّم عادات، وتدحض أفكارا وشبهات.

نقاط التمايز في المكي
: لقد ساد فيه الهجوم على المعتقدات الباطلة، وترسيخ المعتقدات الصحيحة ويمكننا معرفة التفاصيل في هذا التمايز بالآتي:
1 - تحدّث فيه الله سبحانه عن عادات العرب القبيحة- كالقتل،
(1/54)

وسفك الدماء، ووأد البنات، وأكل مال اليتيم، واستباحة الأعراض.
وعن طريق الحديث هذا، لفت أنظارهم إلى ما ينجم عن عاداتهم من أخطار، فلم يزل بهم حتى طهرهم منها.
2 - شرح لهم أصول الأخلاق، وحقوق المجتمع، شرحا عجبا، وكرههم في الكفر والفسوق، وفوضى الجهل، وعودهم على النظام والانضباط، ونظم لهم العلاقة بين الناس على شتى صنوفها.
3 - قصّ عليهم أنباء عن الرسل وأممهم- عظة وادّكارا- وبين سننه في إهلاك البشر من الكفار، وإنجاء المؤمنين منهم، مهما طال الصراع بين الحق والباطل.
4 - سلك مع أهل مكة سبيل الإيجاز، فجاءت السور المكية قصيرة الآيات، صغيرة السور، باعتبارهم أهل فصاحة ولسن.
5 - فتح عيونهم على ما في أنفسهم من شواهد الحق، وما في الكون من براهين الرشاد، ونوّع لهم في الأدلة، وتفنّن في الأساليب، وقاضاهم إلى الأولويات، والمشاهدات.
6 - حمل حملة شعواء على الشرك، والوثنية وعلى الشبهات التي تذرّع بها أهل مكة للإصرار على معتقداتهم الفاسدة.
ولكل من هذه النقاط السالفة لسوف نجد أمثلة لها من القرآن
(1/55)

الكريم، فهي بادية لكل تال لها أو مفكّر.

نقاط التمايز الموضوعي للمدني
كما أنّ للمكي نقاط تمايز موضوعية، فكذلك للمدني أيضا، وهي كثيرة غير أننا نثبت أبرزها هنا، نظرا لضيق المساحة، واختصارا على القارئ:
1 - التحدث بدقّة عن التشريع، وتفاصيل الأحكام، وأنواع القوانين المدنية، والجنائية والحربية، والاجتماعية والدّولية، والشخصية كما تحدّث عن سائر ضروب
العبادات والمعاملات.
وللوقوف على هذا كله، انظر- إن شئت- في سورة البقرة ونحوها.
2 - دعوة أهل الكتاب من يهود ونصارى إلى الإسلام، ثم مناقشاتهم في عقائدهم الباطلة، وبيان جناياتهم على الحق، وتحريفهم لكتاب الله، ومحاكمتهم إلى العقل والتاريخ.
وللوقوف على هذا. اقرأ إن شئت سورة البقرة وآل عمران ونحوهما.
3 - سلوك الإطناب والتطويل في آياته وسوره، وذلك لأنّ أهل المدينة لم يكونوا يضاهئون أهل مكة في الذكاء، والألمعية، وطول الباع
(1/56)

في ساحات الفصاحة والبيان.
لذا كان الشرح والتبيين يناسب أهل المدينة.

نقاط تشابه بينهما
ولا يخلو الأمر من وجوه شبه أحيانا بينهما، نظرا لتشابه المخاطبين في قضية، أو أمر يراد توضيحه، أو إزالته وهاؤم جملا منها.
1 - التشابه بينهما في تقرير ما نعيه، من قصص فيهما.
2 - بعض المدني في تنزيله يشبه المكي. مثاله، قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ (1).
وهذه النقطة اجتهادية، لذا! فقد جاءت وجهات نظر فيها مختلفة نظرا لاختلاف النوع، واختيار تفسير للمفردة القرآنية، فهذه الآية قال السيوطي فيها:
[فإنّ الفواحش كل ذنب فيه حدّ. والكبائر كل ذنب عاقبته النار واللمم ما بين الحدّين من الذنوب. ولم يكن بمكة حدّ، ولا نحوه].
هذا توجيه السيوطي، وقد اعتمد على معنى كل من الفواحش والكبائر، لكنّه ليس متفقا عليه، فالفواحش قد اختلف في تفسيرها أهي
__________
(1) النجم/ 64/.
(1/57)

الكبائر مطلقا أم ما يكبر عقابه دون تخصيص بحدّ؟! ثم إنّ السيوطي نفسه قد فسّرها في سورة الأنعام بالكبائر.
هذا من جهة التفسير. بينما من جهة المكي والمدني، فمختلف في هذه الآية.
3 - بعض المدني يشبه المكيّ كما في قوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (1) وكما في قوله تعالى في سورة الأنفال المدنية وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ... (2) وهذه النقطة موضع خلاف أيضا كسابقتها.

نقطة التشابه في الحمل من مكان الآية إلى موضع مغاير لها وهاكم أمثلة لهذه
: 1 - ما حمل من مكة إلى المدينة- كسورة يوسف، وسورة الإخلاص وسبح.
2 - ما حمل من المدينة إلى مكة- كآية الربا في سورة البقرة المدنية. وصدر سورة التوبة.
3 - ما حمل إلى الحبشة- كسورة مريم، فقد قرأها جعفر على
__________
(1) العاديات/ 1/.
(2) الأنفال/ 32/.
(1/58)

النجاشي.
4 - ما حمل إلى الروم. كقوله تعالى:
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ... آل عمران (64).
وحسبنا هنا ما كتبناه في نقاط التمايز بين .. عهدي علمين اثنين- المدني والمكي لننتقل إلى آخر.
(1/59)

علم مواقع التنزيل
ومن عبقرية الصحابة رضي الله عنهم أنّهم حرصوا على معرفة مواقع التنزيل، زيادة في التوثيق القرآني، وتقوية للإيمان.
وكانت العرب يومئذ أمّة أميّة، أبناؤها يعتمدون على تخزين الأحداث في الحافظة الذهنية، فكانت حافظتهم هي المدوّنة.
فماذا دوّنت حافظة الرجال- إذا؟!

[امكنة التنزيل]
لقد دوّنت مواقع عجيبة غريبة، لا تخطر ببال أحد. إلّا هم، لوعيهم الكبير، واهتمامهم العظيم، ودونك الأماكن وما نزل فيها من قرآن كريم:
1 - الحضري: وهذا كثير جدا، فأكثر القرآن منه.
2 - السفري: وأمثلته ليست بالقليلة، وإليكموها مفصّلة.

1 - مكة، وفي صحن الطواف حول الكعبة، عام حجة الوداع.
فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر قال:
[لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم. قال له عمر:
هذا مقام إبراهيم الخليل؟
(1/60)

قال: نعم.
قال: أفلا نتخذه مصلّى؟
فنزل قوله تعالى وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى البقرة/ 125/].
وهذا من موافقات سيدنا عمر للقرآن الكريم.

2 - حمراء الأسد.
أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أنّ قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ... نزلت ب (حمراء الأسد).

3 - جوف الكعبة.
أخرج سنيد في تفسيره عن ابن جريج، وابن مردويه عن ابن عباس.
أن قوله تعالى* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها النساء: 58.
نزلت بعد الفتح في جوف الكعبة.

4 - عسفان بين الظهر والعصر.
أخرج أحمد عن أبي عياش الزرقي. أن قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ... النساء/ 102/.
نزلت بعسفان بين «الظهر والعصر».

5 - أعلى نخل في غزوة ذات الرقاع.
(1/61)

وقد نزل قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ المائدة/ 67/، في سفر له، وكان غزوة ذات الرقاع بأعلى نخل فيها.
أخرجه ابن حبان في صحيحه [أنها في السفر]، وابن مردويه وابن أبي حاتم [تحديد الموقع].

أزمنة التنزيل
- النزول الليلي والنهاري.
وللوقت أهمية عظمى في نزول القرآن، فقد حرص الصحابة على تدوينه أيضا بذاكرتهم، وبثه بين الناس، حتى دوّن في القراطيس، وقد قرن الزمن مع الموقع زيادة في التوثيق.
وأكثر القرآن نزولا كان في النهار، ونزل منه ليلا، فرصده الصحابة، وخزّنوه بخزائن العقول، ثم بثوه أيضا، فوصلنا منه آيات عدّة:

1 - سورة المرسلات
: وسورة المرسلات قد نزلت ليلا، وبالذات ليلة عرفة ب (غار) في منى ليلة التاسع من ذي الحجة. كما أخرجه الإسماعيلي عن البخاري، عن
(1/62)

ابن مسعود، ثمّ صنّفت في عنوان (ما نزل تحت الأرض).
[بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه (والمرسلات) .. ].

2 - سورة «المنافقون»
فقد نزلت ليلا- كما أخرج الترمذي عن زيد بن أرقم.

3 - آية تحويل القبلة في المدينة.
فقد نزلت ليلا. ففي الصحيحين من حديث ابن عمر:
[بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت. فقال:
إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل].
وروى مسلم عن انس:
[أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ البقرة/ 144/.
فمرّ رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلّوا ركعة، فنادى: ألا إنّ القبلة قد حوّلت.
فمالوا كلهم نحو القبلة] (1).
__________
(1) وفي نزولها ليلا خلاف بين العلماء، لاختلاف الروايات في تحديد الزمن.
(1/63)

4 - أواخر آل عمران في بيت عائشة
وأواخر آل عمران قد نزلت ليلا- كما جاء مصرّحا به في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي الدنيا في كتاب (التفكّر). عن عائشة:
[أنّ بلالا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه لصلاة الصبح، فوجده يبكي.
فقال؟: يا رسول الله! ما يبكيك؟
قال: وما يمنعني أن أبكي، وقد أنزل عليّ هذه الليلة إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكّر].

5 - في إحدى الغزوات ليلا
وآية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ المائدة/ 67/، قد نزلت في غزوة من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثناء الحراسة ليلا.
فقد أخرج الترمذي، والحاكم عن عائشة. قالت:
[كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت، فأخرج رأسه من القبة. فقال:
- أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله].
(1/64)

6 - بمكة ليلا
وسورة الأنعام، قد نزلت بمكة ليلا، تشيّعها الملائكة. فقد أخرج الطبراني، وأبو عبيد في فضائله، عن ابن عباس قال:
[نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا، جملة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح]

7 - في الثلث الأخير من الليل في المدينة
وفي الثلث الأخير من الليل في المدينة المنورة، نزلت آية الثلاثة الذين خلّفوا ففي الصحيحين من حديث كعب:
[ .... فأنزل الله توبتنا حين بقي الثلث الأخير من الليل].

8 - سورة مريم بمكة ليلا
وفي مكة المكرمة، أثناء الليل نزلت سورة مريم على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقد روى الطبراني عن أبي مريم الغساني قال:
[أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ولدت لي الليلة جارية.
فقال: والليلة نزلت عليّ سورة مريم.
سمّها مريم].
(1/65)

9 - آية الإذن في خروج النسوة ليلا بالمدينة
ورجّح القاضي جلال الدين أن آية الإذن بخروجهنّ هي يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ ... الأحزاب/ 59/، وقد نزلت بالمدينة ليلا.
ففي البخاري عن عائشة:
[خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر فقال: يا سودة! أما والله ما تخفين علينا، فانظري- كيف تخرجين؟
قالت: فانكفأت راجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنّه ليتعشّى، وفي يده عرق فقلت:
- يا رسول الله خرجت لبعض حاجتي.
فقال لي عمر: كذا وكذا.
فأوحى الله إليه- وإنّ العرق في يده، ما وضعه. فقال:
[إنّه قد أذن لكنّ أن تخرجن ليلا].
قال القاضي جلال الدين: وإنما قلنا: إنّ ذلك كان ليلا، لأنهنّ إنما كنّ يخرجن للحاجة ليلا- كما في الصحيح عن عائشة في حادثة الإفك.
(1/66)

10 - في بيت المقدس ليلة الإسراء
وليلة الإسراء وفي بيت المقدس، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كما قال ابن حبيب وهي قوله تعالى:
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا (1)

11 - في غزوة الحديبية عند جبل (ضجنان)
وأثناء قفول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية، حتى إذا أتوا جبلا يقال له (ضجنان) (2) هبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول سورة الفتح ليلا، يبشّره:
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (3).
ففي البخاري من حديث عمر:
[لقد نزلت عليّ الليلة سورة هي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس!! فقرأ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً].
__________
(1) الزخرف/ 45/.
(2) وفي رواية ب (كراع الغميم).
(3) الفتح/ 1/.
(1/67)

النزول الحرّي، والبرديّ
1 - في الحرّ ساعة التحضير لغزوة تبوك.
وفي ساعة التحضير لغزوة تبوك بالمدينة المنورة، نزل قوله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي ... (1) الآية.
فقد أخرج البيهقي في الدلائل:
[أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يخرج في وجه مغازيه إلّا أظهر أنه يريد غيره، غير أنه في غزوة تبوك. قال:
- يا أيّها النّاس إنّي أريد الرّوم!! فأعلمهم، وذلك في زمان البأس وشدّة الحر، وجدب البلاد، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في جهازه، إذ قال للجدّ بن قيس: هل لك في بنات الأصفر؟! قال: يا رسول الله! لقد علم قومي أنه ليس أحد أشدّ عجبا بالنساء مني وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتنّني، فأذن لي.
فأنزل الله وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي التوبة/ 49/.
وقال رجل من المنافقين: لا تنفروا في الحرّ.
__________
(1) التوبة/ 49/.
(1/68)

فأنزل الله قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا التوبة/ 81/.

2 - في برد الشتاء آيات غزوة الأحزاب
وآيات غزوة الأحزاب، قد نزلت على مشارف الخندق ليلا، والبرد شديد، وهي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ... (1).
فقد أخرج البيهقي في الدلائل من حديث حذيفة:
[تفرّق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب إلّا اثني عشر رجلا فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم. فانطلق إلى عسكر الأحزاب.
قلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، ما قمت لك إلّا حياء من البرد ..
وفيه: فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً].
__________
(1) الأحزاب/ 9/.
(1/69)

التنزيل الفراشي
1 - في فراش أم المؤمنين أم سلمة
ومن النوع الفراشي، نزل أكثر من آية، منها وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (1).
ومنها آية الثلاثة الذين خلّفوا. ففي الصحيح:
[أنها نزلت وقد بقي من الليل ثلثه، وهو صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة].

2 - وفي إغفائه بين أصحابه نزلت الكوثر.
وفي إغفائه بين أصحابه قد دوّنت آيات، بل سورة كاملة قد نزلت أثناءه.
ففي صحيح مسلم عن أنس قال:
[بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، إذ غفا إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما. فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله!؟
فقال: أنزل عليّ آنفا سورة.
__________
(1) المائدة/ 67/.
(1/70)

فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ.
وينبغي أن تفسّر الإغفاءة بغير النوم، وإنّما هي الحالة التي كانت تعتريه حالما ينزل عليه الوحي، فقد قيل: إنه كان يؤخذ عن الدنيا.

تنزيل بين السماء والأرض
- وهناك نوع من التنزيل قد رصد أيضا- وهو الأرضي وما تحت الأرض، والسماوي، وما بين السماء والأرض.
يقول هبة الله المفسّر:
[نزل القرآن بين مكة والمدينة إلّا ست آيات، لا في الأرض ولا في السماء، ثلاث في سورة الصافات.
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ الآيات الثلاث.
وواحدة في الزخرف وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ. الآية.
والآيتان من آخر سورة البقرة، نزلتا ليلة المعراج].
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
(1/71)

وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.
ويعلّق الإمام السيوطي على كلام هبة الله المفسّر بقوله:
«أما الآيات المتقدمة، فلم أقف على مستند لما ذكره فيها، إلّا آخر البقرة، فيمكن أن يستدل بما أخرجه مسلم عن ابن مسعود:
[لمّا أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى ....
وفيه:
- فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثلاثا:
أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك من أمته بالله شيئا من المقحمات].
وفي الكامل للهندي:
[نزلت آمَنَ الرَّسُولُ ... إلخ (1) بقاب قوسين].
__________
(1) البقرة/ 285/.
(1/72)

التنزيل الأرضيّ
1 - بأسفل الحديبية نزلت آية الامتحان
وبأسفل الحديبية نزلت آية الامتحان، وهي قوله تعالى (1) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ ... الآية.
فقد أخرج ابن جرير عن الزهري:
(أنها نزلت بأسفل الحديبية).

2 - وبعد الحجر نزلت آية
وفي غزوة تبوك، وحين نزل بجيشه (الحجر)، وهي بلاد ثمود، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحملوا من مائها شيئا. فلما نفّذ الأمر نطق أحدهم بما ينافي العقيدة، فتسبب بنزول آية بعد ارتحالهم من الحجر. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (2).
فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي حرزة قال:
[نزلت في رجل من الأنصار في غزوة تبوك، لما نزلوا الحجر،
__________
(1) الممتحنة/ 10/.
(2) الواقعة/ 82/.
(1/73)

فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا يحملوا من مائها شيئا».
ثمّ ارتحل، ثمّ نزل منزلا آخر، وليس معهم ماء، فشكوا ذلك، فدعا، فأرسل الله سحابة، فأمطرت عليهم حتى استقوا منها.
فقال رجل: إنّما مطرنا بنوء كذا. فنزلت أي: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ].
ففي هذا الحديث أمران، يحملان درسين معا:
1 - حدوث معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإمطار السحابة إجابة لدعوته صلى الله عليه وسلم.
2 - ترسيخ قاعدة عقيدية، وتصحيح لأمر معتاد عند العرب يومئذ.

3 - في الجحفة في سفر الهجرة
وفي سنة الهجرة، وحين وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجحفة، نزلت عليه آية المعاد. وهي قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (1).
فعن يحيى بن سلام قال: [بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر نزل عليه جبريل عليه السلام بالجحفة، وهو متوجّه من مكة إلى المدينة.
__________
(1) القصص/ 85/.
(1/74)

فقال: أتشتاق يا محمد إلى بلدك الذي ولدت فيها؟
قال: نعم.
قال: إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد (1) ... ].

4 - وفي غار حراء كان أوّل ما نزل
وفي غار حراء كان بدء التنزيل، فنزل فيه سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. كما روى الشيخان عن عائشة: [حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني. فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ].
__________
(1) وصارت (معاد) اسما من أسماء مكة.
(1/75)

هذا ما سنح لنا أن نخطّه بصدد هذا العلم، وآياته كثيرة، تحتاج إلى مجلدات حتى تستوعب، فالقارئ من خلال مطالعاته بهذا الشأن، سيقف على أنواع، وأنواع، ويستخرج مواقف، تحمل معها ذكريات الحدث.
(1/76)

علم الرّسم المصحفي
العرب أمّة أمّية
وممّا لا ريب فيه، ما هو مشهور، أنّ الأمّة العربية كانت أمة أمية، لا تدري ما الكتابة، ولا الخط؟ وثبّت هذا، القرآن الكريم، لحكمة إرسالية تكون معجزة أبدية.
قال الله تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ الجمعة/ 2/.
وفي المجتمع المكي لم يلف أهله من يخطّ منهم إلّا قليلا، فهؤلاء النفر القليل هم قطب الكتابة يومئذ، على رأسهم (حرب بن أميّة).
وكادت تتفق كلمة المؤرّخين على أنّ قريشا في مكة لم تأخذ الخط إلّا عن طريق حرب بن أمية بن عبد شمس، لكنهم اختلفوا فيمن أخذ عنه حرب، على قولين:
الأول: عبد الله بن جدعان، وهذا قد أخذه من أهل الأنبار. أيضا.
الثاني: بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك، صاحب دومة الجندل.
(1/77)

وبقيت الكتابة بين يدي نفر قليل منهم، حتى ظهر الإسلام، فحارب- إضافة إلى حروبه العسكرية- أميّة العرب، ثمّ عمل على محوها فيما بينهم، ورفع من شأن الكتابة، وأعلى من مقامها.

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ!:
وكان من أوائل، بل من أوّل ما نزل من الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما يشيد بالكتابة، وواسطتها القلم.
قال الله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (1) ثمّ تلت سورة ذلك سورة (ن) وفيها يقسم الله بالقلم، وما يسطرون، وتجلّى بذلك أروع ألوان التنبيه إلى جلالة الخط، والكتابة، ومزاياهما.
قال الله تعالى ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (1) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2).
ولم يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات مكتوف اليد، فعمل على تجسيد ما تهدف إليه من سبيل، ونهض للقضاء على الأمّية من كافّة
__________
(1) العلق/ 1 - 2 - 3/.
(2) القلم/ 1 - 2/.
(1/78)

الجبهات، ونذكر يوم (بدر) حين أسر (ستّون). مشركا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي الواحد منهم بتعليم (عشرة) من أصحابه، الكتابة والخطّ.
وبهذا العمل فتح باب الحرية للشعوب، ونشر سبل الثقافة، والعلوم.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى بكتابة القرآن
وعني رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن، فجنّد له كتّابا مهرة جهابذة، قد اشتهروا بالعدالة والفطانة، من هؤلاء: الخلفاء الأربعة، ومعاوية، وأبيّ ابن كعب وغيرهم.
فكان كلّما نزل عليه شيء من القرآن، دعا أحد كتبته، فأمره بكتابة ما نزل، ولو كان كلمة، وعلى سبيل المثال:
لما نزل عليه قوله تعالى لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ (1).
قال ابن أم مكتوم وعبد الله بن جحش: يا رسول الله! إنا عميان، فهل لنا رخصة؟.
فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (1).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتوني بالكتف والدّواة.
__________
(1) النساء/ 95/.
(1/79)

وأمر زيدا أن يكتبها، فكتبها.
فقال زيد: وكأنّي أنظر إلى موضعها عند صدع الكتف.

رسم المصحف أهو توقيفي أم أنّه اجتهادي؟
وإذا علمنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرص على الكتابة للقرآن، وأوصى كتّابه برسوماته. كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاوية وهو من كتبة الوحي:
[ألق الدواة، وحرّف القلم، وأنصب الباء، وفرّق السين، ولا تعوّر الميم، وحسّن الله، ومدّ الرحمن، وجوّد الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنّه أذكر لك] أخرجه الديلمي. كنز العمال/ 26566/ تحريف القلم:
قطه محرفا. أنصب: أقم.
ثم جاء من بعده أبو بكر رضي الله عنه فكتب به، ثم حذا حذوه (عثمان) رضي الله عنه. أثناء خلافته، فاستنسخ ووحّد المصاحف، واستمرّ الاحترام له، أحقابا من الزّمن دونما مساسه بأيّ تغيير.
إذا علمنا ذلك كلّه، فإننا مدعوّون أن نبقي عليه، ونلتزم اتباعه واجتناب تغيير أيّ حرف منه، على غرار قواعد اجتهادية للرسم في الكتابة.
يقينا منّا. أنّ مرور ألف وأربعمائة عام على رسمه دونما أن تطاله يد
(1/80)

التغيير لبعض رسومه، جدير أن نميل إلى قول الجمهور أنّ الرسم توقيفي لا اجتهادي (1)، وأنّه لا تجوز مخالفته لأيّ سبب كان، سيّما وأنّ الثقات من الأئمّة قد شدّدوا على التزامه.

رسم المصحف له دستور
واتّضح من خلال وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم للكتبة، وسير أصحابه عليها دونما زيادة أو نقصان، أنّ للرسم دستورا قد وضعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا ينطق على الهوى، إن هو إلّا وحي يوحى.
واشتهر باسم الرسم العثماني، لأنّ عثمان قد شكّل لجنة الكتابة، فنسخ المصحف وفق ما هو مكتوب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشر من بعيد، أو قريب إلى قواعد محدّدة فيه، لأنّ التدوين لأيّ فكرة، لم يكن سائدا يومئذ، فبقيت القواعد في الشّتات الفكري.
وجاء النّاس بعد، فمن لم يكن ذا ثقافة قرآنية، ظنّ أن الرسم قد كان اعتباطيا، ليس له حظّ من الدراسة، لكنّ الثاقف بهذا الشأن، والمتأني في النظر، ليجد أنّ رسم المصحف كان مبنيا على قواعد فنية
__________
(1) وهناك رأي بأنه اجتهادي، وتجوز مخالفته، وجنح إليه ابن خلدون وتحمّس له القاضي أبو بكر، لكنّه لا أثر له على أرض الواقع. ودحض من قبل الجهابذة بهذا الشأن.
(1/81)

في مجال القراءة.
هذا. وإنّ علماء هذا الفن، قد رصدوا الرّسوم التي خالفت القواعد الكتابية، فخلصوا منها إلى قواعد ستّ، عليها بنيت المخالفات الرّسمية.

قواعد في الرسم العثماني
وحصرت القواعد الرّسمية الفنية في مناحي ستة. وهي:
الحذف. الزيادة. الهمز. البدل. الفصل والوصل. وما فيه قراءتان فقرئ على إحداهما.
وهاكم أمثلة على كلّ قاعدة، ليتضح الفارق بين مصطلح الخطوط في عصرنا، وبين ما رسم في المصحف.

1 - مثال قاعدة الحذف:
(الألف، ومواطن حذفها).
- الألف تحذف من (ياء) النداء. نحو (يأيها).
ومن (ها) التنبيه. نحو (هأنتم).
ومن كلمة (نا) إذا وليها ضمير. نحو (أنجينكم).
وتحذف في مواطن أخرى، وهناك حذف للياء، والواو، واللام.

2 - مثال قاعدة الزيادة
: الألف تزاد بعد (الواو) في آخر كل اسم مجموع، أو حكم المجموع
(1/82)

نحو (ملاقوا ربهم). وفي مواضع أخرى أيضا.

3 - مثال قاعدة الهمز
: أن الهمزة إذا كانت ساكنة تكتب بحرف حركة ما قبلها.
نحو: (ائذن. اؤتمن. البأساء.

4 - مثال قاعدة البدل
: أنّ الألف تكتب (واوا) للتفخيم. نحو (الصلاة) و (الزكاة) فقد كتبتا ب (الصلاة) و (الزكوة).

5 - مثال قاعدة الفصل والوصل
: وذلك أنّ كلمة (أن) بفتح الهمزة توصل بكلمة (لا) إذا وقعت بعدها. ويستثنى منها عشرة مواضع. منها. (أن لا تقولوا).

6 - مثال قاعدة ما فيه قراءتان
: وخلاصة هذه القاعدة أنّ الكلمة إذا قرئت على وجهين تكتب برسم أحدهما. كما رسمت كلمة ملك يوم الدّين. بدون ألف، لتشمل القراءتين (مالك- ملك).
(1/83)

مزايا الرّسم العثماني
وما دمنا قد عرفنا أنّ الرّسم جاء موافقا لقواعد الكتابة الوضعية ثم خالفها في كثير من المناحي، والأشكال، فلنا أن نفتّش عن أسرار هذا التخالف، فإن ظهرت كلها أو بعضها، وقفنا وقفة إجلال وإكبار لأولئك الرّعيل الأوّل، على ما رسموه من قواعد تنتظم وظائف جليلة في صالح القرآن الكريم.
ومن ثمّ يتجلّى لنا، وبكل وضوح، عبقرية الاختزال في الرّسم، وكأنّه في عصر التقانة، والحواسيب، إذ بقيت صامدة طيلة ألف وأربعمائة عام دون أن تطالها الأيدي- تعديلا أو تبديلا.
وحسبنا أن نقرّ ونعترف أنّه وحي الإله الحكيم البديع!!.
قد تولى بنفسه حفظه، فهيّأ أسبابه.
(1/84)

المزيّة الأولى الدلالة على القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة قدر الإمكان
ولم تكتب الكلمة بشكلها هكذا إلّا بعد ملاحظة ومتابعة دقيقة إذا كان فيها أكثر من قراءة، فإن وجد فيها أكثر من قراءة بحث عن صورة تخالف الأصل، لكنّها تحتمل القراءة الأخرى، حتى يعلم جواز القراءة بها، وبالحرف الذي هو الأصل، أمّا إذا توحّدت القراءة بها، رسمت بحرف الأصل.

مثال هذه المزيّة
قال الله تعالى إِنْ هذانِ لَساحِرانِ طه/ 63/.
فقد رسمت هكذا في المصحف العثماني، بدون نقط، ولا شكل ولا تشديد، ولا تخفيف في نوني (إن) و (هذان).
ومن غير ألف، ولا ياء بعد (الذال) من (هذان).
لماذا هذا؟.
أما من وظيفة لذاك؟!.
أجل. لقد حوى شكل هذا الرّسم أربعة وجوه من القراءة، كلها جاءت بأسانيد صحيحة.
الأول: (إنّ هذان). وهي قراءة نافع ومن معه.
الثاني: (إن هذانّ). وهي قراءة ابن كثير وحده.
الثالث: (إن هذان). وهي قراءة حفص.
(1/85)

الرابع: (إنّ هذين). وهي قراءة أبي عمرو.
ويتضح لنا أن طريقة الرسم هنا كانت في غاية الدقة والإتقان، فقد اختزل أربعة وجوه من القراءة، عن طريق مخالفة الأصل، وتعرية الجملة من النقط والتشكيل والتشديد!!.
وبهذا الضبط، وبهذه الدراسة، يتجلّى لنا،- وبلا أدنى شك- أنّ سلفنا الصالح كانوا أبعد نظرا، وأهدى سبيلا، ولا يستحقون منا إلا الاحترام والتقدير.

المزيّة الثانية إفادة المعاني المختلفة بطريقة تكاد تكون ظاهرة
، لكنّها تظهر جليا على المتفكر الواعي، وتختفي عن الغافل الساهي.

1 - ومثال على ذلك
قوله تعالى أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا النساء/ 109/ وأَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ الملك/ 22/.
فقد قطعت (أم) عن (من) في الآية الأولى، ووصلت في الثانية، فكتبت هكذا (أمّن) بإدغام الميم الأولى في الثانية، وكتابتهما (ميما واحدة) مشدّدة.
(1/86)

لماذا هكذا؟ ألهذا وظيفة اعتبارية؟.
أجل. وهي معنوية هنا، بمعنى أنّها أفادت دلالتين منبثقتين من كلمة واحدة.
فقطع (أم) الأولى في الكتابة، للدلالة على أنها (أم) المنقطعة، التي بمعنى (بل).
ووصل (أم) الثانية في الكتابة، للدلالة على أنها ليست كتلك.
هذا مثال في كلمة واحدة، وقد كتبت مرة بشكل، وأخرى بشكل مخالف.

المزيّة الثالثة الدلالة على معنى خفيّ دقيق، لا يثقفه إلّا الفطنون، الباحثون
وأمثلة هذه كثيرة، أقتصر هنا على اثنين منها فقط:
الأول: قوله تعالى وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ الذاريات/ 47/ لقد كتبت الكلمة الأخيرة هكذا (بأييد) بزيادة (ياء) بين الهمزة والياء.
فماذا حملت لنا الزيادة هنا؟ أهي ذات معنى، أم أنّها زيدت اعتباطا؟
(1/87)

كلّا. لقد رشحت الزيادة هذه بملحظ عقيدي، قلّما يفطن إليه القارءون.
والملحظ العقيدي هنا، هو الدلالة على تعظيم قوّة الله، التي بنى بها السماء، وأنها لا تشبهها قوّة في الوجود.
ويمكن أن يستأنس لهذه المزية بقاعدة مشهورة:
(زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى).
قوله تعالى لأاذبحنّه النمل/ 21/.
لقد كتبت فذّة في المصحف، وبمخالفة في الزيادة، والزيادة هنا، (ألف) بين الذال، والألف المتصلة باللام.
وكثر الجدل هنا بين المفسرين. فمنهم من التزم السكوت، فتوقف ومنهم أرجعها إلى قلة جودة الخط عند العرب، واعتبرها خطأ ومنهم من أمعن الفكر، فانتهى إلى وظيفة خفية، لكنّها ظهرت له.
وهي: التنبيه على أنّ الذّبح لم يقع، فحملت الزيادة إشارة، ربّما يجد سائلها ذلك أولا؟
إلّا أنّها أثبتت، لتجيب على سؤال- لو وقع.
ويمكننا أن ندرج تحت هذه المزية آيات أخريات قد حذفت منها (الواو) وكان حذفها مخالفا للأصل:
(1/88)

1 - ويدعو الإنسان 2 - ويمحو الله الباطل 3 - يوم يدعو الداع 4 - سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ.
فقد كتبت جميعها في المصحف العثماني بالشكل الآتي:
1 - وَيَدْعُ الْإِنْسانُ [الإسراء: 11] 2 - وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [الشورى: 24] 3 - يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [القمر: 6] 4 - سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: 18].

وتحليل الحذف هنا:
أن السرّ في حذف الواو من (يدع) الأولى:
للدلالة على أنّ هذا الدعاء سهل على الإنسان، يسارع فيه كما يسارع إلى الخير!! بل إثبات الشرّ إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير.
والسرّ في حذفها من (يمح): الإشارة إلى سرعة ذهاب الباطل واضمحلاله.

والسرّ في حذفها من (يدع) الثانية:
الإشارة إلى سرعة الدعاء، وسرعة إجابة الداعين.
والسرّ في حذفها من (سندع): الإشارة إلى سرعة الفعل، وإجابة الزبانية، وقوّة البطش.
ويمكن أن نخضع استجلاء الأسرار السالفة الأربعة إلى قاعدة الحذف
(1/89)

مقابل السرعة، فهذه الحذوفات تومئ إلى سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل، وشدّة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود.

المزيّة الرابعة وهي مزية لغوية تشي بالدلالة على أصل الحركة
- نظرا لأن المصحف كتب من غير نقط ولا شكل.

مثال هذه المزية:
1 - قوله تعالى: وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى لقد كتبت هكذا.
وإيتاى ذى القربى إذ كتبت (الياء) هنا لتدلّ على الكسر في الحرف.
قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ. لقد كتبت هكذا.
سأوريكم دار الفاسقين إذ كتبت الواو هنا لتدل على الضم في الحرف.
(1/90)

المزيّة الخامسة وهي لغويّة صرفية، تشي بالدلالة على أصل الحرف،
وأن هناك انقلابا صرفيا في الكلمة.

مثال هذه المزية:
قوله تعالى الصَّلاةَ*. الزَّكاةَ*. فقد كتبتا (الصلاة.
الزكوة). ليفهم من هذا أنّ الألف هنا منقلبة عن (واو).

المزيّة السادسة الإشارة إلى بعض اللغات الفصيحة في العربية،
لأنّ القرآن عربي ففيه ما يشير إلى سائر اللغات الفصيحة عند العرب.

مثالها:
رسم هاء التأنيث تاء مفتوحة، كما في كلمة (رحمة) فقد كتبت بالتاء المفتوحة في عدد من السور- منها البقرة والأعراف- هكذا رَحْمَتَ*.
وذلك للدلالة على لغة فصيحة، وهي لغة (طيء).
وحذف الياء من قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. فقد كتبت (يأتي) بحذف الياء (يأت). وذلك للدلالة على لغة (هذيل).
(1/91)

المزيّة السابعة وهي التوثيق من ألفاظ القرآن،
وطريقة أدائه وحسن ترتيله، وهذا كله لن يعرف من طريق المصحف، وإنّما بالتلقي والأخذ عن الحافظ الثقة.

ومثال هذا:
حروف أوائل السور، لن تلفظ صحيحة إلّا بالمشافهة ولهذا كتبت بشكل واحد، وتنوّعت تلاوتها (1).

المزيّة الثامنة وهي ذات الصلة بالإسناد،
ليبقى القرآن مأخوذا بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه تميّزت الأمّة المحمدية.
ومن أجل هذه المزيّة جاء الرسم بهذه الهيئة، معقّدة بنظر بادي الرأي.
أمّا الثاقفون النيّرون، فلسوف يندهشون بأصول نهج الرسم العثماني البديع، وبالتالي يجلّون مؤسّسيه، وراسميه.
رضي الله عنهم جميعا
__________
(1) ولمعرفتها يرجع إلى كتابي (الحروف النورانية في فواتح السور القرآنية).
(1/92)

علم المصاحف
كتابة المصاحف
وكتابة المصاحف كانت بدراسة مقنّنة حكيمة، ولم تكتب بطريقة عفوية، وتاريخها حافل بالتوثيق والتحقيق، وفق أصول محكمة البنيان مما يجعلها علما مستقلا من علوم القرآن الماتعة الشريفة.

فمتى بدأت الكتابة؟ وكيف؟
. لقد بدأت مع نزول القرآن، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى حفظه في الصدور، وكانت السيادة للحفظ أوّلا، باعتبار أنّ العرب أمّة أمّية، ثم جمع بينه وبين الكتابة، زيادة في الحفظ، والإتقان.
وكان الداعي الأوّل إليها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم!!.
فلم يفتأ يحثّ أصحابه على تعلّم الكتابة، حتى أضحى لديه كتّاب كثيرون، ومنهم من كان يكتب بأكثر من لغة.
قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه:
[كان الرجل إذا هاجر، دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل منّا يعلّمه القرآن، وكان
(1/93)

يسمع لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضجّة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفضوا أصواتهم، لئلّا يتغالطوا].

فمن الحفظ بدءوا إذا.!!
ثمّ تكاثر الحفّاظ منهم، فبلغوا جمعا غفيرا، وبقي الاعتماد سائدا في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور.
يقول الإمام ابن الجزري:
«ثمّ إنّ الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب، والصدور، لا على خطّ المصاحف، والكتب.
وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة.
ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
-[إنّ ربي قال لي: قم في قريش، فأنذرهم.
فقلت له: أي ربّ!! إذن يثلغوا رأسي، حتى يدعوه خبزة.
فقال: إنّي مبتليك، ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا، لا يغسله الماء، تقرؤه نائما، ويقظان، فابعث جندا أبعث مثلهم.
وقاتل بمن أطاعك من عصاك.
وأنفق ينفق عليك].
فأخبر تعالى أنّ القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرأ في كلّ حال، كما جاء في صفة أمته (أنا جيلهم صدورهم).
(1/94)

وذلك بخلاف أهل الكتاب، الذين لا يحفظونه إلّا في الكتب، ولا يقرءونه كله إلّا نظرا، لا عن ظهر قلب».

طور الكتابة
[الطور الاول (عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)]
لم يقتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحفظ، ولكن انصرفت همته إلى الكتابة، فندب أصحابه لمحو الأمية، وتعلّم اللغات الأخرى، كي لا تؤخذ الأمّة من كتّابها.
ففي صحيح البخاري: [أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت أن يتعلّم كتابة اليهود، ليقرأه عليه إذا كتبوا إليه] (1).
ثم جاء في كتاب المصاحف (2):
عن زيد بن ثابت قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[أتحسن السريانية؟ فإنّها تأتيني كتب؟.
قلت: لا.
__________
(1) البداية والنهاية (5/ 346).
(2) المصاحف (7) أبي داود السجستاني.
(1/95)

قال: فتعلّمها.
قال: فتعلّمتها في تسعة عشر يوما].
واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد- كتّابا كثيرين، فكلّما نزل شيء عليه من القرآن أمر بكتابته- زيادة في التوثيق والحفظ- وحتّى تظاهر الكتابة الحفظ، ويعاضد النقش اللفظ.
ولمع على الساحة نجم عدد من الكتّاب، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلي، ومعاوية، وأبان بن سعيد، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت وغيرهم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلّهم على موضع المكتوب من سورته، فيكتبونه فيما يتوفّر لديهم من عدد تخص الكتابة يومئذ، وكان المتوفّر لديهم العسب (1)، واللّخاف (2)، والرّقاع (3)، وقطع الأديم (4)، وعظام الأكتاف، والأضلاع.
فكتبوا على هذه العدد جميعا، ثمّ كانوا يحفظون ما كتبوه في بيت
__________
(1) العسب: جمع عسيب. وهو جريد النخل، كانوا يكشفون الخوص، ويكتبون في الطرف العريض.
(2) اللّخاف: جمع لخفه. وهي الحجارة الرقيقة. أو صفائح الحجارة.
(3) الرّقاع: جمع رقعة. وقد تكون من جلد، أورق، أو كاغد.
(4) الأديم: الجلد.
(1/96)

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا حتى انقضى العهد النبوي الشريف، والقرآن مكتوب على هذا النمط، دونما جمع في صحف، أو مصاحف.

وكان هذا هو الطور الأول في كتابة القرآن الكريم
فعن ابن عباس أنّه قال:
[كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه سورة، دعا بعض من يكتب فقال:
- ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا].
وعن زيد بن ثابت قال:
[كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلّف القرآن من الرّقاع].
ولم تكن الكتابة في هذا الطور وفق ترتيب السّور، وإنّما كان مرتب الآيات- نظرا لأن التنزيل لم يكتمل بعد- ووافت المنية رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم تسنح له الفرصة لنسخ القرآن مرتّب السور، فبقي في صدورهم حتى جاء الطور الثاني.

ما الأسباب التي منعت من نسخ القرآن في المصحف؟
إنّ القرآن، لم تتوفّر له إمكانية النسخ على الصحف، أو المصاحف، لأسباب عدّة، ويمكننا أن نخلص فيها إلى أربعة:

1 - عدم وجدان دواعي كتابته في الصحف
، كما وجد في عهد أبي
(1/97)

بكر، وذلك لأنّ القرّاء كثيرون، والفتنة مأمونة، وكان التعويل يومئذ على (الحفظ) أكثر من (الكتابة)، كما أنّ أدوات الكتابة غير ميسّرة.

2 - عدم اكتمال التنزيل
، فقد ينزل من الوحي ما ينسخ ما شاء الله من آية أو آيات:
قال الله تعالى:* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها البقرة/ 106/.

3 - نزول القرآن منجّما
في مدى (ثنتين وعشرين) سنة، و (أربعة) أشهر، و (أربعة وعشرين) يوما، وهذا التنجيم لا يمكّن من النسخ في الصحف.

4 - اختلاف ترتيب آياته وسوره عن ترتيب نزوله
، لأنّ نزوله كان وفق الأسباب، أمّا ترتيبه: فكان لاعتبارات أخرى.

الطور الثاني (عهد أبي بكر)
طويت صفحة العهد النبوي بوفاته صلى الله عليه وسلم، ثم آلت القيادة لأبي بكر الصديق خلفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنذ البداية، فقد واجهته أحداث جسام، وأيّام شدائد، ومشاكل صعاب.
وكانت أمّ المشاكل حروب الرّدة، كادت أن تطيح بهيبة الدولة الإسلامية وأخصّ بالذكر (موقعة اليمامة) سنة/ 12/ هجرية.
(1/98)

وموقعة اليمامة هذه، دارت رحاها بين المسلمين، وأتباع (مسيلمة) الكذاب، وحمي وطيسها، واشتدّ أوارها، وسقط فيها شهداء كثيرون.
لكنّ المصيبة الأكبر أن استشهد من القرّاء الحفظة سبعون (1) من أجلّهم (سالم) مولى أبي حذيفة فهزّت المصيبة وعزّت، فهزّت المسلمين، وعزّت على سيدنا عمر بن الخطاب، فهرع إلى سيدنا أبي بكر، وأخبره الخبر، ثم اقترح عليه أن يجمع القرآن، خشية الضياع بموت الحفاظ، وقتل القرّاء.
ولم يتقبل سيدنا أبو بكر اقتراح سيّدنا عمر، وتردّد فيه، لكنّه بعد نقاش بينهما لم يدم طويلا، انشرح صدر سيدنا أبي بكر له، وأيقن أنّ لعمله أصلا شرعيا. وهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتابة، وما عمله الذي سيقدم عليه، إلّا نسخ من مكان إلى مكان، فلم يحدث- إذا- في دين الله شيئا.

أصل القصة
هذا. وإن أصل القصة هذه، قد أخرجه البخاري في صحيحه، أنّ
__________
(1) وبعضهم أوصل العدد إلى/ 500/.
(1/99)

زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:
[أرسل إليّ أبو بكر مقتل (1) أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده.
قال أبو بكر رضي الله عنه:
إنّ عمر أتاني فقال:
«إنّ القتل قد استحرّ (2) يوم اليمامة، بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن!!.
قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
قال عمر: هذا- والله خير.
فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبّع القرآن، فاجمعه.
فو الله- لو كلّفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن!!.
قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
__________
(1) عقب استشهاد السبعين يوم اليمامة.
(2) اشتدّ.
(1/100)

قال: هو- والله- خير.
فلم يزل (أبو بكر) يراجعني، حتّى شرح الله صدري للذي شرح له صدر (أبي بكر وعمر)، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ التوبة/ 128 - 129/.
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند (عمر) حياته، ثمّ عند (حفصة) بنت عمر].
لقد دلّ هذا الحديث على مدى اهتمام الصحابة بل كبارهم بالمحافظة على القرآن، وعلى مبلغ ثقة (أبي بكر) و (عمر) بزيد بن ثابت، ثمّ على جدارة (زيد) بهذه الثقة، وهذا العمل.

منهج أبي بكر في كتابة المصحف
وهبّ خليفة المسلمين أبو بكر لتنفيذ أجلّ عمل، وأنبل فعل، هو نسخ القرآن في المصاحف، بطريقة دقيقة، ومنهج قويم.
وبالتشاور مع وزيره عمر بن الخطاب، وضع منهجا غاية في الوعي والحكمة.
(1/101)

ويمكن أن يتمثل منهجه في الكتابة بمصدرين اثنين:
أحدهما: ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المبالغة فيه: فشرط:
أن لا يقبل شيئا من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان، أنه كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانيهما: ما كان محفوظا في صدور الرجال.
ويدلّ على منهجه هذا. ما أخرجه أبو داود، عن عبد الرحمن بن حاطب قال:
[قدم عمر فقال: من كان تلقّى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن، فليأت به.
وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان].
ثمّ ما أخرجه أبو داود أيضا. عن هشام بن عروة عن أبيه قال:
[إنّ أبا بكر قال لعمر، ولزيد:
- اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله، فاكتباه].
حديث رجاله ثقات. وإن كان منقطعا.
قال ابن حجر «المراد بالشاهدين: الحفظ والكتابة».
(1/102)

لكنّ السخاوي أفاد أنّ الشاهدين رجلان عدلان، إذ يقول:
«المراد أنّهما يشهدان على أنّ ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم».
ثم إنّ زيدا لم يعتمد على الحفظ وحده، بدليل أنه لم يجد آخر براءة إلّا مع أبي خزيمة، أي: كتابة. لأنه يحفظها، وكثير من الصحابة يحفظونها.

مزايا صحف أبي بكر
ومازت هذه الصحف الصدّيقيّة، بوجوه عدة:
1 - أنها نسخت القرآن على أدقّ وجوه البحث والتحرّي، وأسلم أصول التثبت العلمي.
2 - اقتصر فيها على ما لم تنسخ تلاوته، وأبعد المنسوخ عنها.
3 - ظفرت بإجماع الأمّة، وتواترها.

الطور الثالث: (عهد عثمان بن عفان)
وطويت صفحة الكتابة الصدّيقيّة، ومرّ عهد سيدنا عمر بن الخطاب، حتى جاء عهد سيدنا عثمان بن عفان، وقد اتسعت الفتوحات، واستبحر
(1/103)

العمران، وتفرّق المسلمون في الأمصار، والأقطار.
ونجمت على الساحة ناشئة جديدة، كانت بحاجة إلى دراسة القرآن وذلك لبعد عهدها عن الصدر الأول، وأهله، وكان قد تباعد عن هؤلاء، وفقد التواصل كثيرا من حلقاته.
ثم إنّ القرّاء قد انتشروا هنا وهناك، كلّ يقرئ بما حفظ وتلقّى، من وجوه القراءات، فاختلف الناس، ودبّ التنازع فيما بينهم.
فقد أخرج أبو داود في (المصاحف) من طريق أبي قلابة أنه قال:
[لمّا كانت خلافة (عثمان)، جعل المعلّم يعلّم قراءة الرجل، والمعلّم يعلّم قراءة الرجل، فجعل الغلمان، يلتقون، فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلّمين، حتى كفّر بعضهم بعضا، فبلغ ذلك عثمان. فخطب، فقال: أنتم عندي تختلفون؟!.
فمن نأى عنّي من الأمصار أشدّ اختلافا!!!].
وصدق سيدنا عثمان فيما قال: لقد كانت الأمصار النائية أشدّ اختلافا من القريبة، بل وأكثر نزاعا.
(1/104)

أسباب الاختلاف
وما هذا النزاع، وما هذا الاختلاف إلّا بأسباب اعتبارية واقعة:

1 - جهل أكثر الناس يومئذ بالأحرف السبعة المنزلة في القرآن الكريم.
2 - انعدام المصاحف
- بل والمصاحف الموحّدة- بين أيدي الناس.

3 - اختلاف طريق الأداء
، والأوجه بين المتحملين لها، ممّا أدّى بهم أن يحتكموا فيما شجر بينهم فيما يختلفون فيه من أوجه القراءة، ممّا أنذر بخطر جسيم.
وهذه الأسباب كافية في سحق الأمّة، وتشتيت شملها.
فما العمل لإنقاذها؟.

سيدنا عثمان ينقذ الأمة
وانبثاقا من هذه الأسباب، وربما غيرها، نهض سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، لينقذ الأمة من الفتنة والدّمار، ويحسم مادّة النزاع، ونادى في أجلّاء الصحابة وأعلامهم، واستشارهم في إيجاد الحلّ المناسب الصائب.
وبعد التشاور الحكيم، خلص بالإجماع إلى أمر حكيم، وفعل قويم.
(1/105)

وهذا الأمر: أن يستنسخ مصاحف يرسل بها إلى الأمصار، ثم يحرّق ما عداها، وأن تكون المصاحف العثمانية هي المعتمدة في القراءة فقط.

متى وكيف بدأ؟
. وبدأ تنفيذ قراره هذا بتاريخ سنة/ 24/ هـ في أواخرها، وعهد في نسخ المصاحف إلى أربعة ثقات حفاظ، مشهور لهم، واعتبروا لجنة معتمدة في الكتابة.
ولجنة الكتابة العثمانية، قد مثّلها أربعة رجال، ثلاثة قرشيّون: عبد الله ابن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
ثمّ زيد بن ثابت هو الرابع.
ثمّ أرسل إلى أمّ المؤمنين (حفصة) بنت عمر، يطلب منها الصحائف الصدّيقيّة التي احتفظت بها، فأرسلتها على الفور لخليفة المسلمين.
وأخذت اللّجنة في نسخها، وفق دستور كتابيّ، رسمه لهم سيدنا عثمان ابن عفان.
فما موادّ هذا الدستور؟.
(1/106)

دستور الكتابة العثمانية
إنّه دستور قد حوى موادّ بقائه، بما امتاز عن سابقه من شمولية وتوحيد، واحتواء، لكافّة القراءات المتواترة التي استقرّت قرآنيتها. وإليك- أخي القارئ- تلك المواد الدستورية في الكتابة العثمانية:

1 - أن لا يكتب في المصحف إلّا ما تحققوا منه أنه قرآن
، وأنه ممّا استقرّ في العرضة الأخيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أيقنوا صحّته عن النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يطرأ عليه نسخ قرآني.

2 - حظر إدخال ما سوى الصحيح والمتواتر
، مما وجد عند أحد من القراء.
مثاله: ترك قراءة (فامضوا إلى ذكر الله) بدل (فاسعوا).

3 - تعرية الكتابة من النقط والشكل
، لتحتمل الأحرف السبعة.
مثاله: (فتبينوا) من قوله إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الحجرات/ 6/ فإن جرّدت من النقط، صلحت أن تقرأ (فتثبتوا) أيضا، وهي قراءة متواترة.

4 - تخصيص الكتابة بلسان قريش
. وذلك حين وجّه اللجنة بقوله للقرشيين: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم».
(1/107)

وعملت اللجنة العثمانية بما أملى عليها خليفة المسلمين، فنسخوا الصحف في المصاحف، ثم ردّ سيدنا عثمان الصحف إلى سيدتنا (حفصة)، وأرسل إلى كلّ أفق مصحفا (1)، ثم حرّق ما سواه من القرآن في كل صحيفة، أو مصحف غير خاضع لدستوره.

مزايا الرسم العثماني
وحفل المصحف العثماني بميزات عدّة، أبرزها: بقاؤه إلى يومنا هذا، دون مساس برسمه، ودونك المزايا الأخرى:
1 - الاقتصار على ما ثبت تواتره، وترك ما سواه من زيادات الآحاد.
2 - إهمال ما نسخت تلاوته، ولم تستقر في العرضة الأخيرة.
3 - ترتيب السور والآيات على الوجه المعروف- الآن- بخلاف صحف أبي بكر رضي الله عنه، فقد كانت مرتبة الآيات دون السور.
4 - كتابته بطريقة تجمع وجوه القراءات المختلفة، والأحرف التي نزل بها القرآن.
5 - تجريده من كل ما ليس قرآنا، كالذي يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة، شرحا لمعنى، أو بيانا لناسخ ومنسوخ، وغير ذلك.
__________
(1) لقد اختلف في عددها. رواية تقول: إنها سبعة.
(1/108)

وتجاوب الصحابة مع هذا الدستور، فلم يبقوا مصحفا خاصا، وخضعوا لخليفة المسلمين سيدنا عثمان، عن قناعة وطواعية.
رضي الله عنهم جميعا
(1/109)

آداب القرآن الكريم
ولقراءة القرآن الكريم آداب، على القارئ والمستمع مراعاتها حتى تكون قراءته أدنى إلى القبول، والخشية من الله سبحانه.
هذا وإنّ العلماء المسلمين قد أولوه عنايتهم، ثم حوّلوه إلى علم مستقلّ، فأفرده بعضهم بالتأليف- كالإمام النووي- في كتابه التبيان، وجعله بعضهم (علما) من علوم القرآن- كالإمام السيوطي- في كتابه (الإتقان) وعدّه برقم (35).
وضروري بحق أيّ مسلم، لا سيّما الناشئة منهم، أن يحيطوا بها علما، ليعرفوا قدر كتابهم، ويتعرّفوا على سبل الخشية من ربهم.
وهاؤهم طاقة من تلك الآداب الرفيعة.

1 - الطهارة
1 - أن يحضّر القارئ نفسه، فيتطهر بالوضوء، لأنّه سيؤدي عبادة، لا أقدس ولا أجلّ منها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يذكر الله إلّا على طهر.
(1/110)

ولا بأس أن يقرأ بلا وضوء، لفعله صلى الله عليه وسلم له.
أما الجنب والحائض والنفساء. فتحرم عليهم القراءة، ولا بأس بالنظر في المصحف، وإمراره على القلب، خلا القراءة.
2 - يسن أن يستاك- تعظيما وتطهيرا- لأن الفم طريق القرآن.
فقد روى ابن ماجة عن علي موقوفا، والبزار بسند جيد عنه مرفوعا:
[إنّ أفواهكم طرق القرآن، فطيبوها بالسواك].
لذا. كره أن يقرأه متنجّس الفم.
3 - يسنّ أن يجلس مستقبلا القبلة، متخشعا بسكينة ووقار، مطرقا رأسه، إجلالا لله ومهابة.

2 - التعوّذ
1 - وإذا أراد القراءة، تعوّذ (استنانا، أو وجوبا). لقوله سبحانه فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ سورة النحل/ 98/.
وصفته المختارة. (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
ويستحسن الجهر به، حتّى ينبّه المستمعين أن ينصتوا، فلا يفوتهم شيء من القراءة.
(1/111)

2 - وليحافظ على البسملة في أول كلّ سورة، عدا براءة، لأنّ أكثر العلماء على أنها آية، فإذا أخلّ بها كان تاركا لبعض الختمة القرآنية- عند الأكثرين.
أما القراءة من وسط السورة أو أثنائها، فقد استحب بعضهم البسملة- كالإمام الشافعي- وأكّدها القرّاء عند قراءة قوله تعالى:
* إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ فصلت/ 47/ و* وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ الأنعام/ 141/.
لما في ذكر ذلك بعد التعوّذ من البشاعة وإيهام رجوع الضمير إلى الشيطان.

3 - الترتيل
1 - يسنّ الترتيل في القراءة. لقوله تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا المزمّل/ 4/.
ولما روى أبو داود وغيره عن أم سلمة: [أنهّا نعتت قراءة النبي صلى الله عليه وسلّم قراءة مفسّرة حرفا حرفا].
ولما في البخاري عن أنس: [أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
(كانت مدّا).
(1/112)

ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* يمدّ (الله) ويمدّ (الرحمن) ويمدّ (الرحيم)].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود: [أنّ رجلا قال له: إني أقرأ المفصّل في ركعة واحدة.
فقال: هذّا كهذّ الشّعر!! إنّ قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع].
وأخرج الآجري في جملة القرآن عن ابن مسعود قال:
[لا تنثروه نثر الدّقل، ولا تهذّوه هذّ الشعر.
قفوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب، ولا يكون هم أحدكم آخر السورة].
وأخرج من حديث ابن عمر موقوفا:
[يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق في الدرجات، ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها].
لذا. كره الإفراط في الإسراع، لأنّ الترتيل يساعد على التفكر والتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال، والتوقير، وأشدّ تأثيرا في القلب.
(1/113)

4 - التدبّر
يسنّ في القراءة التدبّر والتفهم، لأنه هو المقصد الأسنى، والمطلوب الأهم، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب قال الله تعالى:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ (ص) / 29/ وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟! النساء/ 82/

وكيفية التدبّر هذا
: أن ينهج نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأدب العظيم، فيشغل قلبه بالتفكّر في معاني ما يلفظ به، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك كله.
فإن كان مما قصّر عنه فيما مضى، اعتذر واستغفر.
وإذا مرّ بآية رحمة: استبشر وسأل. أو عذاب: أشفق وتعوّذ. أو تنزيه: نزّه وعظّم. أو دعاء: تضرّع وطلب.
هكذا كان نهجه صلى الله عليه وسلم.
فقد أخرج مسلم عن حذيفة قال:
[صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقرأها ثم النساء فقرأها،
(1/114)

ثم آل عمران فقرأها، يقرأ مترسّلا إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل وإذا مرّ بتعوذ تعوّذ].
وأخرج أبو داود، والنسائي وغيرهما. عن عوف بن مالك قال:
[قمت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمرّ بآية رحمة إلّا وقف وسأل، ولا يمرّ بآية عذاب، إلّا وقف وتعوّذ].

5 - إجابات على آيات
«بلى!» «آمنّا بالله»
1 - وأخرج أبو داود والترمذي:
[من قرأ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فانتهى إلى آخرها، فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.
ومن قرأ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فانتهى إلى آخرها أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.
فليقل: بلى.
ومن قرأ (والمرسلات) فبلغ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ المرسلات/ 50/.
فليقل: آمنا بالله].
(1/115)

«سبحان ربي الأعلى»
2 - وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن عباس:
[أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: سبحان ربي الأعلى] 3 -

«ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذّب»
3 - وأخرج الترمذي والحاكم عن جابر قال:
[خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا.
فقال: لقد قرأتها على الجنّ، فكانوا أحسن مردودا منكم.
كنت كلّما أتيت على قوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ*. الرحمن/ 14/.
قالوا: ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذّب، فلك الحمد].

«آمين»
4 - وأخرج أبو داود وغيره عن وائل بن حجر:
[سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ وَلَا الضَّالِّينَ الفاتحة فقال: آمين.
يمدّ بها صوته].
(1/116)

وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة:
[أنّ جبريل لقّن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ- آمين].

6 - تحسين الصوت بالقراءة
ويسن تحسين الصوت بالقراءة، وتزيينها، وقد جاء في هذا أحاديث كثيرة ثابتة.
لحديث ابن حبان وغيره [زيّنوا القرآن بأصواتكم].
ولحديث الدارمي [حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا].
ولحديث البزار وغيره [حسن الصوت زينة القرآن].
وعلى هذا، فمن لم يكن حسن الصوت فليحسّنه ما استطاع.
شريطة: أن لا يخرج إلى حدّ التمطيط، والإفراط، فيكره.
(1/117)

7 - البكاء عند القراءة
ويستحب البكاء، والحزن والخشوع عند القراءة، فإن لم يجد ذلك تباكى.
لقوله تعالى وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ الإسراء/ 109/.
وفي الصحيحين [« ... فإذا عيناه تذرفان»].
وكيفية ذلك: أن يستشعر الخشية من الوعيد والتهديد فيما قصّر فيه من الأوامر والنواهي، فإن لم يحضره حزن وبكاء، فليبك على فقد ذلك، فإنّه من المصائب.

8 - التفخيم في قراءته
ويستحب القراءة بالتفخيم، لحديث الحاكم:
[نزل القرآن بالتفخيم].
وكيفيته: أن يقرأ على قراءة الرجال، ولا يخضع الصوت فيه ككلام النساء.
(1/118)

9 - رفع الصوت به
ويستحب رفع الصوت بالقراءة، إن خلا من أمور ثلاثة:
1 - خشية الرياء.
2 - تأذّي المصلّين.
3 - وجود ناس نائمين.

وفضّل الجهر بشروطه
: 1 - لأنّ العمل فيه أكثر.
2 - ولأنّ الفائدة تتعدى السامعين.
3 - ولأنّه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر.
أخذا بحديث الصحيحين [ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيّ حسن الصوت، يتغنى بالقرآن، يجهر به].

10 - القراءة من المصحف أفضل من الحفظ
وتفضّل القراءة من المصحف على القراءة من الحفظ، لزيادة عمل آخر وهو النظر، وقد جاءت آثار بهذا الأمر، أقتطف منها اثنين فقط.
(1/119)

فقد أخرج أبو عبيد بسند صحيح:
[فضل قراءة القرآن نظرا على ما يقرؤه، كفضل الفريضة على النافلة].
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود بسند حسن موقوفا:
[أديموا النّظر في المصحف].

11 - القراءة وفق الترتيب المصحفي
ويستحب أن يقرأ وفق ترتيب المصحف، ولا يعكس إلّا لضرورة التعليم.
فقد أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود:
أنه سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوسا؟
قال: ذاك منكوس القلب].

12 - الاستماع عند القراءة
وعلى المستمع أن ينصت للقراءة. لقوله تعالى وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الأعراف/ 204/.
(1/120)

13 - سجود التلاوة
وإذا قرئت آية سجدة، استحبّ، أو وجب، أن يخرّ القارئ والمستمع سجّدا، وهي (أربع عشرة) سجدة قد أشير إليها في حاشية المصحف عند كل سجدة.

14 - التكبير عند الختم
وإذا أراد القارئ الختم لقراءة القرآن، استحبّ أن يكبّر من سورة الضحى حتى آخره. وهي قراءة المكّيين.

والأصل فيه
ما روى أبو العلاء الهمداني عن البزي أن الأصل في ذلك، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم انقطع عنه الوحي. فقال المشركون:
- قلا محمدا ربّه.
فنزلت سورة الضّحى، فكبّر النبي صلى الله عليه وسلم].
(1/121)

15 - الدعاء عند الختم
ويسن عند الختم الدعاء، لحديث الطبراني، وغيره عن العرباض بن سارية- مرفوعا: [من ختم القرآن، فله دعوة مستجابة].

16 - الصوم يوم الختم
ويسنّ الصوم يوم الختم، وأن يحضر الأهل، والأصدقاء ليشهدوه.
فقد أخرج الطبراني عن أنس:
[أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا].
وأخرج أبو داود عن الحكم بن عتيبة قال: [أرسل إليّ مجاهد وعنده ابن أبي أمامة.
وقال: إنّا أرسلنا إليك، لأنّا أردنا أن نختم القرآن].
(1/122)

أما سنية الصوم
: فقد أخرجه ابن أبي داود عن جماعة من التابعين.

17 - إذا ختم القرآن شرع بأوله
ويسن إذا فرغ القارئ من الختمة، أن يشرع بأخرى، عقب الختم.
فقد أخرج الدارمي بسند حسن عن ابن عباس، عن أبي بن كعب:
[أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ افتتح من الحمد، ثمّ قرأ من البقرة إلى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، ثم دعا بدعاء الختمة، ثم قام]

18 - الحالّ المرتحل
ويسنّ إذا فرغ من الختمة أن يشرع بأخرى عقب الختم.
لحديث الترمذي، وغيره:
[أحبّ الأعمال إلى الله الحالّ المرتحل، الذي يضرب من أوّل القرآن، إلى آخره، كلّما حلّ ارتحل].
(1/123)

19 - محظورات فيه
1 - اتخاذه حرفة للتكسّب
. ويكره اتخاذ القرآن معيشة يتكسب منها، أو ليرفع عند ظالم.
فقد أخرج الآجري من حديث عمران بن حصين مرفوعا:
[من قرأ القرآن فليسأل الله فيه، فانّه سيأتي قوم يقرءون القرآن، يسألون النّاس به].
وروى البخاري في تاريخه الكبير بسند صالح:
[من قرأ القرآن عند ظالم ليرفع منه، لعن بكلّ حرف عشر لعنات].

2 - قطع القراءة لمكالمة أحد.
ويكره قطع القراءة لمكالمة أحد، لأنّ كلام الله لا يؤثر عليه غيره.
والدليل ما رواه البيهقي:
[كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتى يفرغ].

3 - نسيانه وقول نسيته
ونسيانه كبيرة، ويكره قول (نسيت كذا آية) بل عليه أن يقول (أنسيتها) لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها كما في الصحيحين.
(1/124)

وبرهان هذا: قوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين:
[تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشدّ تفلّتا من الإبل في عقلها].
والشاهد في الحديث (تعاهدوا).
ثم قوله صلى الله عليه وسلم كما روى أبو داود وغيره:
[عرضت عليّ ذنوب أمّتي، فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن، أو آية، أوتيها رجل، ثمّ نسيها].
وفي الختام نقول: اللهم وفقنا لتلاوة كتابك، وارزقنا آدابه حتى نتذوق حلاوته.
(1/125)

علم الوقف والابتداء
إنّ الوقف والابتداء لفنّ جليل، وعلم بديع يضطر رائده إلى تثقيف ذاته، بشتّى أنواع الثقافة، الأدبية، والفقهية، والتفسيرية وغير ذلك، من فنون القرآن الكريم.
لأنّه لن يدرك إلّا بتذوّق القارئ، وإلمامه بالخطاب، وأساليب العربية، حتى يدّبّر ويتذكّر، ويصغي إليه المستمع باهتمام وادّكار.

فالوقف في اللغة:
- الكفّ، والمنع عن مطلق شيء.
يقال: وقفت فلانا عن كذا. أي: كففته عنه، ومنعته عن مباشرته.

وفي اصطلاح فن التلاوة:
«قطع الصوت على الكلمة القرآنية زمنا، يتنفّس فيه عادة، بنية استئناف القراءة».
(1/127)

أهميته
ثمّ إنّ فن الوقوف والابتداء، لهو أحد موضوعات التجويد الهامّة، التي يجب على التالي أن يصرف أكبر همته في معرفته وإتقانه، لما يتضمن من فوائد كثيرة للسامع، والقارئ.

أبرزها
: 1 - توضيح المعاني القرآنية للمستمع
، إذ كلّما كان القارئ أقدر على تحرّي حسن الوقف والابتداء، أثناء تلاوته، كان أقدر على تفسير المعاني لمفردات، وجمل القرآن الكريم.

2 - التعريف بثقافة القارئ
، ومدى معرفته بعلوم القرآن واللغة العربية، ففنّ الوقف والابتداء هو ورقة امتحان مفتوحة، تحدّد درجة صاحبها على شرائح شتّى من جمهور المستمعين.

أماكنه
وللوقف والابتداء موضعان اثنان:
1 - في رءوس الآي.
2 - في أوساط الآي.
(1/128)

ولا يكون في وسط الكلمة، ولا فيما اتصل رسما. مثل (ألّا تعبدوا) لأن (ألّا) أصلها (أن) و (لا).
أصله
وأصله في أهميته فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله.
فقد استخرج أساطين هذا الفنّ قواعدهم من خلال فهمهم لتلك الأصول التي جاءت، فالأصل الأصيل في فن الترتيل- وقفا وابتداء- هو ما أخرجه الترمذي من حديث أم سلمة:
[عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم.
فقالت: كان يقطع قراءته.
يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- ويقف. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- ويقف].
وهكذا كان يقرئ أصحابه على مثل ذلك، ويعلّمهم إياه، ثمّ إنّ سيدنا عليا رضي الله عنه سئل عن معنى قوله تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (1) فقال: [الترتيل: هو تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف].
وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
__________
(1) المزمل/ 4/.
(1/129)

[لقد عشنا برهة من الدهر، وإنّ أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتتنزل السورة، فيتعلّم حلالها وحرامها، وأوامرها، وزواجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها].
وكلام ابن عمر رضي الله عنهما هذا، قد دلّ على أن تعلّم الوقف والابتداء فيه إجماع من الصحابة رضي الله عنهم عليه، وذلك. بقوله:
[لقد عشنا ... ].

هذا الفن تواتر تعلّمه
وليس تعلم هذا الفن من قبيل الاختيار عند طائفة، دون أخرى، بل هو مما تواتر تعلّمه عند روّاده، فقد قال ابن الجزري في كتابه (النشر):
«وصحّ بل تواتر عندنا تعلّمه، والاعتناء به من السلف الصالح- كأبي جعفر، يزيد بن القعقاع، إمام أهل المدينة، الذي هو من أعيان التابعين، وصاحب الإمام نافع بن أبي نعيم، وأبي عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي، وعاصم بن أبي النجود، وغيرهم من الأئمة.
وكلامهم في ذلك معروف، ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب.
ومن ثمّ اشترط كثير من أئمة الخلف على المجيز- أن لا يجيز أحدا
(1/130)

إلّا بعد معرفته الوقف والابتداء.
وكان أئمتنا يوقفوننا عند كلّ حرف، ويشيرون إليه فيه بالأصابع. سنّة أخذوها كذلك عن شيوخهم الأولين رحمة الله عليهم أجمعين.
وصحّ عندنا عن الشعبي- وهو من أئمّة التابعين- علما وفقها ومقتدى- أنه قال:
- إذا قرأت كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. فلا تسكت حتى تقرأ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ» الرحمن/ 26 - 27/.

الهذلي ينعته
وقال الهذلي في كتابه الكامل: «الوقف حلية التلاوة.
وزينة القارئ.
وبلاغ التالي.
وفهم المستمع.
وفخر العالم.
وبه يعرف الفرق بين المعنيين المختلفين.
والنقيضين المتناقضين.
والحكمين المتغايرين».
(1/131)

كيف نقف على أواخر الكلم؟
لكيفية الوقف على أواخر الكلم عند العرب- أوجه عدّة. لكنّ المستعمل منها عند أئمة القراءة تسعة:
1 - السكون.
2 - الروم.
3 - الإشمام.
4 - الإبدال.
5 - النقل.
6 - الإدغام.
7 - الحذف.
8 - الإثبات.
9 - الإلحاق.
وبهذا تبطل الجملة الشائعة على ألسنة الناس:
«إنّ العرب لا تبدأ بساكن، ولا تقف على متحرّك».
لكنّا نسلّم بالجزء الأول منها فقط.
(1/132)

1 - السكون
وهو الأصل في الوقف على الكلمة المحرّكة حالة الوصل، لأنّ معنى الوقف: الترك والقطع.
ولأنه ضدّ الابتداء. فكما لا يبتدأ بساكن لا يوقف على متحرّك، وهو اختيار كثير من القرّاء، وليس إجماعا فيما بينهم.
لكنّه يبقى الأصل في هذا الباب.

2 - الروم
وماهيته: إما النطق ببعض الحركة، أو تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب معظمها.
ويخصّ حركة: الرفع، والجزم، والضمّ، والكسر.
أما الفتح: فلا. لأنّ الفتحة خفيفة، إن خرج بعضها خرج سائرها، فلا تقبل التبعيض.
وبالفتح يفترق القرّاء عن علماء العربية، إذ علماء العربية يجيزونه روما.
(1/133)

3 - الإشمام
وهو عبارة عن الإشارة إلى الحركة من غير تصويت. بأن تجعل شفتيك على صورتها.
ويختص بالضمة سواء كانت حركة إعراب، أم بناء، إذا كانت لازمة.
أمّا العارضة، ف ميم الجمع عند من ضمّ، وهاء التأنيث فلا روم في ذلك، ولا إشمام.
وقيد ابن الجزري (هاء) التأنيث بما يوقف عليها بالهاء. بخلاف ما يوقف عليها بالتاء للرسم.
ثمّ إنّ الروم والإشمام ورد عن أبي عمرو والكوفيين نصا، ولم يأت عن الباقين فيه شيء. واستحبّه أهل الأداء في قراءتهم أيضا.
وفائدته: بيان الحركة التي تثبت في الوصل للحرف الموقوف عليه ليظهر للسامع أو الناظر. كيف تلك الحركة الموقوف عليها؟.
(1/134)

4 - الإبدال
والإبدال يكون في مواضع:

1 - الاسم المنصوب المنوّن.
ويوقف عليه بالألف بدلا من التنوين.
مثل: (إذا). فيوقف عليه ب: (إذا).

2 - الاسم المفرد المؤنث بالتاء.
ويوقف عليه بالهاء بدلا من التاء.
مثل: (أمّة) يوقف عليها ب: (أمّه).

3 - الاسم الذي آخره همزة متطرفة بعد حركة أو ألف.
فيوقف- عند حمزة- بإبدالها حرف مدّ من جنس ما قبلها. ثم إن كان ألفا جاز حذفها.
مثل: اقرأ. نبىء. بدأ. من شاطئ. يشاء. من السماء. من ماء.
(1/135)

5 - النقل
ويكون النقل في الاسم الذي آخره همزة بعد ساكن، فيوقف عليه عند (حمزة) بنقل حركة الهمزة إلى الساكن، فيحرك بها، ثم تحذف هي، سواء كان الساكن صحيحا. نحو (دفء) (جزء) أو كان حرف مدّ. نحو (المسيء) و (يضيء). أو لين. نحو (سوء).

6 - الإدغام
ويكون فيما آخره همزة بعد ياء أو واو زائدتين، فيقف عنده (حمزة) بالإدغام بعد (إبدال الهمز) من جنس ما قبله. نحو (النسيء) و (برىء) و (قروء).

7 - الحذف
ويكون في الياءات الزوائد عند من يثبتها- وصلا، ويحذفها وقفا وياءات الزوائد التي لم ترسم (121) منها (35) في حشو الآي.
والباقي في رءوس الآي.
(1/136)

وللقرّاء مذاهب فيها:
1 - «فنافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي وأبو جعفر: يثبتونها في الوصل دون الوقف.
2 - ابن كثير ويعقوب، يثبتانها في الحالين.
3 - ابن عامر وعاصم وخلف: يحذفونها في الحالين.
وربّما خرج بعضهم عن أصله في بعضها.» (1).

8 - الإثبات
ويكون في الياءات المحذوفات- وصلا- عند من يثبتها وقفا. نحو:
(هاد. وال. واق. باق).

9 - الإلحاق
ويكون بإلحاق هاءات السكت عند من يلحقها في (عم، فيم، بم، لم).
والنون المشدّدة من جمع الإناث. نحو (هنّ. مثلهنّ).
__________
(1) الاتقان (2/ 118).
(1/137)

والنون المفتوحة. نحو (العالمين. الذين. المفلحون).
(المشدّد المبنى. نحو (ألّا تعلوا عليّ، خلقت بيديّ. مصرخيّ.
لديّ).

الجواز وعدمه في الوقف والابتداء
ماهية الجواز في الوقف والابتداء ماذا تعني؟.
إنها تعني الجواز الأدائي.
كما قال ابن الجزري: «إنّما يريدون به الجواز الأدائي: وهو الذي يحسن في القراءة، ويروق في التلاوة.
ولا يريدون بذلك أنه حرام. ولا مكروه.
اللهم إلّا أن يقصد بذلك تحريف القرآن، وخلاف المعنى، الذي أراده الله، فإنه يكفر فضلا، عن أن يأثم».
ولا يغتفر ولا يحسن الوقف فيما قصر من الجمل
(1/138)

الوقف التعسّفي
ونجد بعض المفسرين، أو المعربين، أو القرّاء أنّهم يتعسّفون في الوقف أحيانا وفق ما يؤوّلون من معنى، ولو خالف القواعد المعتبرة في هذا الفنّ، ثم يعزفون على نغم العبقرية، والتفرّد في اختيارهم الوقفي هذا، وينشرونه بين روادهم.
فمثل هؤلاء يقول عنهم ابن الجزري:
«ليس كل ما يتعسفه بعض المعربين، أو يتكلفه بعض القرّاء، أو يتأوّله بعض أهل الأهواء ممّا يقتضي وقفا أو ابتداء، ينبغي أن يتعمّد الوقف عليه.
بل ينبغي تحرّي المعنى الأتمّ، والوقف الأوجه».
وقد مثّل لهذا ابن الجزري بمواضع عدّة:
1 - الوقف على وَارْحَمْنا أَنْتَ والابتداء مَوْلانا فَانْصُرْنا على معنى (النداء).
2 - الوقف على ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ. والابتداء ب بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا على معنى (القسم).
3 - الوقف على يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ. الابتداء ب بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ على معنى (القسم).
4 - الوقف على وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الابتداء اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
(1/139)

5 - الوقف فَلا جُناحَ الابتداء عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما.
ويقول عنه ابن الجزري.
«فكلّه تعسف وتمحّل، وتحريف للكلم عن مواضعه».
ومن التعسّف هذا، ما تحرّفه بعض الناس تفرّدا واستشهادا، سأقتصر فيه على ذكر مثالين اثنين فقط:
1 - الوقف على قُرَّتُ عَيْنٍ لِي والابتداء ب: وَلَكَ لا والوقف على حرف لا من قوله تعالى: تَقْتُلُوهُ.
وكأنّهم يريدون أن يقولوا: إنّ امرأة فرعون، كانت تعلم أنّ هذا الولد سيكون عدوّا لفرعون.
وهذا رجم بالغيب، وتحريف الكلم عن مواضعه، فسياق القرآن يطرحه، لأنّه نزل ليحكي قصة في الماضي، وإحداثيات النبوّة لم تظهر بعد، على موسى، لأنّه طفل في المهد، بدليل قول امرأة فرعون:
عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً القصص/ 9/.
فرجت النفع، أو اتخاذ الولد، ولن يتم إلّا بمشاركة فرعون لها.
وقول الله: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً القصص/ 10/.
لبرهان ساطع على جهلها بما سيقع، فالمتوقّع حدوثه، هو الأذى لولدها لذا. عبّر القرآن عن ضعفها، فكان الله هو المثبت لقلبها.
(1/140)

إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها القصص/ 10/.
وإذا كانت أمّ موسى لا تعلم بما في المستقبل، فأنّى لامرأة فرعون العلم؟.
فأولى بهؤلاء العابثين أن يرفعوا أيديهم عن العبث بآي القرآن قبل أن تمسخ قلوبهم!!.
2 - الوقف على كلمة (فيم؟). ثم البدء ب (أنت من ذكراها) في قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (43) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها النازعات/ 42 - 44/. وذلك ليكون إشارة إلى تفسير لها برأي، بعيد عن روح النص سياقا وسباقا، ومع قبوله كتفسير، لا يستدعي أن يلازمه مثل هذا الوقف التعسّفيّ.
لأن الوقف قبل أن يعتمد على المعنى، فإنه يرتكز على المبنى الحرفي، وهو الأساس، ثم يبنى عليه ما أريد من معاني.
وهذا التقرير لا نجد له مخالفا في هذا المضمار.
فكلمة (فيم؟) لا تفيد شيئا.
فحصرا، تصنّف تحت عنوان (الوقف القبيح). لأنّها على غرار أمثلته، ولسوف يأتيك إن شاء الله تعالى- فإلى هناك.
(1/141)

أنواع الوقف
ونقصد بذلك الوقف الاختياري، ويكون بإرادة التالي، ورغبته فإرادته الوقف على فاصلة، يتطلب منه أن يراعي قانون الوقف المرسوم فنيّا، فيقرأ وفق تقسيماته.
وأقسام الوقف خمسة:
اللازم- التام- الكافي- الحسن- القبيح.

الوقف اللازم
هو الوقف على كلام تام، ولو وصل في القراءة بما بعده، لأوهم وصله معنى غير المعنى المراد من الكلام.
ومن أجل إقامة المعنى الصحيح لزم الوقف عليه، والابتداء بما بعده منفصلا عنه.
وبهذا اللزوم سمّي ب (الوقف اللازم).
(1/142)

حكمه
وحكمه: لزوم الوقف عليه. وقيل: يجب. كما يلزم الابتداء بما بعده.
ويقصد بالوجوب هنا أو اللزوم، ما يترتب عليه جودة القراءة، وصحّة المعنى، المراد من كلام الله سبحانه.

مواضعه
ويكون الوقف اللازم في وسط الآي.
ومثاله:
الوقف على كلمة (قولهم) من قوله سبحانه في سورة يونس/ 65/ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ. والبدء من إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً.

لماذا كان وقفا لازما هنا؟
. لأنه لو وصل (قولهم) بقوله تعالى إِنَّ الْعِزَّةَ ... لأوهم هذا الوصل أن (إنّ العزة .. ) من مقول الكافرين، والحقّ أنّه من قول الله سبحانه.
(1/143)

لذا. كان الوقف لازما، حتى يفرّق ما بين كلامين مختلفين- قائلا ومضمونا.

رمزه في المصحف
ورمز إليه في المصحف الشريف، بوضع (ميم) صغيرة على هذا الشكل [م]. فوق الكلمة الموقوف عليها.

الوقف التام
هو الوقف على كلمة قرآنية تمّ المعنى عندها، وليس لها تعلّق بما بعدها، لا من ناحية اللفظ، ولا من ناحية المعنى.
فمن أجل هذا سمّي ب (التام).

موضعه
له مواضع:
1 - أواخر السور القرآنية.
(1/144)

2 - أواخر القصص القرآني.
3 - نهاية الكلام على أيّ موضوع- شرعيا كان أو غير ذلك.
4 - آخر الآية أو وسطها.

حكمه
وحكم الوقف هذا: أنه يحسن الوقف في مثل هذه المواضع كما يحسن الابتداء بما بعدها، وليس لهذا النوع رمز محدّد في المصحف الشريف، لأنّ مواضعه معروفة ومحدّدة. لكنّه أحيانا يتوافق مع رمز من رموز المصحف.

مثاله في وسط الآي.
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ. وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ. الشورى/ 17/.
الوقف التام هنا على كلمة (الميزان) وهي في وسط الآية.

مثاله في آخر الآي.
وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ. الصافات/ 113 - 114/.
والوقف التام هنا عند قوله (مبين) وهو نهاية آية.
(1/145)

أصله في السنة الشريفة
ولم يأت نصّ صريح يقرّره، وإنّما استأنس علماء هذا الفن برواية، قد ذكرها ابن الجزري في كتابه (التمهيد) بسنده المتصل إلى عبد الرحمن بن أبي بكرة:
[أنّ جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ القرآن على حرف.
فقال ميكائيل: استزده.
فقال: اقرأ على حرفين.
فقال ميكائيل: استزده.
حتى بلغ سبعة أحرف، كلّ شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب].
وفي رواية أخرى: [ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب بمغفرة (1)].
قال أبو عمرو: «هذا تعليم الوقف التام من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام .. ».

الوقف الكافي
وهو الوقف على الكلمة القرآنية، ولها تعلق بما بعدها معنى فقط
__________
(1) أورده السيوطي في الجامع الصغير ص (218). إلى (سبعة أحرف). وعزاه إلى أحمد وكل من البخاري ومسلم.
(1/146)

ويكون في رءوس الآي، وفي أثنائها.
فكل كلام تام مفهوم، وما بعده مستغن عمّا قبله في اللفظ فقط، كان الوقف عليه كافيا.
وسمّي كافيا لاكتفائه بما بعده من جهة المعنى.

مثاله
في وسط الآي إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً البقرة/ 30/.
وفي آخرها ... لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً الكهف/ 71/.

أصله
وأصله من السنة الشريفة ما روي عن ابن مسعود قال. قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ عليّ.
فقلت له: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟
قال: إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري.
قال: فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (1).
قال: فرأيته وعيناه تذرفان دموعا.
__________
(1) النساء آية (41).
(1/147)

فقال لي: حسبك (1)].
واستنبط أهل هذا الفن من هذا الحديث حكم قسم الوقف الكافي، بحجة أنه صلى الله عليه وسلم قطع القراءة عند (شهيدا).
ولهذه الكلمة تعلّق معنوي بما بعدها. حيث إنّ المعنى لم يكتمل حتى نهاية الآية الثانية.
وبالذات عند قوله (حديثا). وعندها يكتمل المعنى، وتنقضي القصة.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع القراءة عند (شهيدا) لدلالة واضحة على جواز القطع على الكافي.

رمزه
ويمكن الاعتماد على معرفته غالبا، من خلال الرمز المصحفي (قلى)، وليس ذلك على سبيل الحصر، وإنّما قد يتجاوزه إلى رمز آخر.
لكنّ الرمز هذا قد يسهّل المعرفة.

حكمه
والحكم فيه. أنه يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده.
__________
(1) أخرجه البخاري.
(1/148)

الوقف الحسن
هو الوقف على الكلمة القرآنية، ولها تعلّق بما بعدها لفظا ومعنى.
وسمّي (حسنا) لإفادته فائدة يحسن السكوت عليها.

مواضعه
ويكون في أواخر الآي، وفي أثنائها.

حكمه
يحسن الوقف عليه. لكنّ الابتداء بما بعده يحسن إن كان رأس آية، ولا يحسن إن كان الموقوف عليه ليس برأس آية.
لذلك، فإن الكلمة الموقوف عليها، إن صلح الابتداء بها، ابتدئ، وإلّا فممّا قبلها ممّا يصلح الابتداء به.

رمزه
ويمكن ان نعتمد فيه على الرمز المصحفي (صلى) - غالبا- لكن قد يتجاوزه إلى غيره من الرموز.
(1/149)

أصله
وأصله حديث أم سلمة أم المؤمنين.
[أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ، قطّع قراءته آية آية يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ثم يقف.
ثم يقول الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ثم يقف.
ثمّ يقول: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (1).
وتخريج الوقف الحسن من الحديث: هو وقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفواصل التي لها تعلّق بما بعدها- لفظا ومعنى.

حكمه
يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده إن كانت في رءوس الآية، بل هو سنّة أيضا.
وإن كان في وسط الآي، فالحكم مختلف، فيحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، وذلك لتعلّقه بما بعده لفظا ومعنى.
__________
(1) أخرجه أبو داود وسكت عنه، والترمذي وقال عنه (حسن صحيح) وأحمد.
وغيرهم.
(1/150)

مثاله
في رءوس الآي. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
في وسط الآي. الْحَمْدُ لِلَّهِ. رَبِّ الْعالَمِينَ.

الوقف القبيح
هو الوقوف على كلام لا يؤدي معنى صحيحا، وذلك لشدّة تعلقه بما بعده- لفظا ومعنى- فلا يفهم السامع منها شيئا مفيدا.
وسمّي قبيحا: لقبح الوقف عليه. إلّا لضرورة- كانقطاع نفس مثلا.

حكمه
لا يجوز الوقف عليه إلّا لضرورة، فإن وقف عليه، كان الابتداء بالموقوف عليها إن صلح الابتداء بها، وإلّا فبما قبلها.
مثاله
1 - الوقف على الجار والمجرور (بسم).
2 - الوقف على المبتدأ (الحمد).
3 - نحو (هذا).
(1/151)

أصله
وأصله في السنة الشريفة. عن عدي بن حاتم قال:
[- جاء رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتشهد أحدهما. فقال:
من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما.
ووقف.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
- قم. أو اذهب. بئس الخطيب أنت (1)].

تخريج الوقف القبيح منه
: إذ استنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم الوقف على المستبشع، لدليل واضح على قباحته، والمستبشع هنا الجمع بين حالتين متناقضتين لنتيجة واحدة وهي الرشاد، فقد سوّى المتحدث بين الطائع والعاصي.
وإذا كان هذا يكره في كلام البشر، فأولى أن يكره أشدّ كراهة في كلام الله سبحانه.
__________
(1) أبو داود، ومسلم وغيرهما.
(1/152)

المرخّص للضرورة (1) الاغتفار في الوقف والابتداء
يغتفر لمن يقرأ في كتاب الله أن يقف أو يبتدأ في مواضع ليست مناسبة وفق قواعد الوقف والابتداء، ويسمّى الوقف عندئذ: المرخّص للضرورة.

وهذه المواضع هي
: 1 - الفواصل الطويلة. 2 - القصص الطويلة. 3 - الجمل المعترضة، ونحو ذلك. 4 - حالة الجمع في القراءات. 5 - قراءة التحقيق.
6 - قراءة الترتيل.
ويقول السيوطي:
«فربّما أجيز الوقف والابتداء، لبعض ما ذكر، ولو كان لغير ذلك لم يبح».
ومثّل السجاوندي لهذا الوقف ب وَالسَّماءَ بِناءً*.
وقال ابن الجزري: «الأحسن تمثيله بنحو قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
وبنحو وَالنَّبِيِّينَ*. وبنحو وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ* وبنحو
__________
(1) سمّاه السجاوندي بذلك.
(1/153)

عاهَدُوا*. وبنحو كلّ من فواصل قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (9) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
والنحويون يكرهون الوقف الناقص في التنزيل مع إمكان التام، فإن طال الكلام، ولم يوجد فيه وقف تام، حسن الأخذ بالناقص. كقوله:
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً الجن. إن كسرت بعده [إن].
وإن فتحتها. فإلى قوله كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً الجن.

محسنات الوقف الناقص
1 - أن يكون لضرب من البيان. كقوله:
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً الكهف/ 1/.
فالوقف على عِوَجاً بيّن أنّ قَيِّماً منفصل عنه، وأنه حال في نية التقديم.
وكقوله: وَبَناتُ الْأُخْتِ النساء/ 23/.
(1/154)

ليفصل به بين التحريم النسبي، والسببي.

2 - أن يكون الكلام مبنيا على الوقف. نحو:
يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ الحاقة/ 25 - 26/.
وحسبنا هنا ما أثبتناه، فهو كاف بالغرض الذي وضع من أجله هذا العلم.
(1/155)

علم النظام الصوتي في القرآن المجيد
والكتاب السماوي الأوحد، الذي كلّف العباد أن يتعبدوا بتلاوته بفهم، أو بغير فهم، هو القرآن المجيد، كما أنّه تفرّد بنظام صوتي فريد، له قواعد محدّدة، يندرج تحتها مجموعات حرفية، مرتبطة بها بحكمة وإتقان.
وعنون له أسلافنا ب (علم التجويد).
لكنّ تجزئة الصوتيات منه لجديرة بالانفراد، لأنّ الحروف هي أصوات تخرج من فم الإنسان في مساحة تحدّ بين الحنجرة، والشفتين.

مواقع خروج الأصوات
ولكل حرف من العربية له موقع في الخروج، يتوجّب على المسلم إذا أراد قراءة القرآن أن يلتزم بإخراجها من مواقعها الصحيحة، التي نزل بها القرآن الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام.
وهذه المواقع أطلق عليها اسم (المخارج).
(1/156)

فما تلك المواقع الصوتية وفق ما جاءت في إلقاء جبريل عليه السلام لها، على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟.
وحتى نحدّدها بدقة، علينا أن نثبت أسماء المواقع المعتبرة علميا، وهي (أحد عشر) موقعا، كلّ منها هو بمثابة نقطة ارتكاز في خروج أيّ صوت عربي.

مواقع ارتكاز الحرف العربي
ولنبدأ أولا: من خارج الفم، وهو موقع الشفتين، فمنه تخرج الحروف الشفوية المحضة وهي:
(ب. م. و. و.- و. و) ثانيا: موقع الأسنان العلوية، مع الشفة السفلى، فمنه يخرج الحرف الأسناني الشفوي. وهو:
(ف) ثالثا: موقع ما بين الثنايا العليا، والسفلى، فمنه تخرج الحروف البينية، الثنوية وهي:
(ث. ذ، ظ)
(1/157)

رابعا: موقع أصول الثنايا العليا مع مقدمة اللّثة. فمنه تخرج الحروف الثنويّة اللثويّة. وهي:
(ت. د، ض. ط. ل. ن) خامسا: موقع اللّثة. فمنه تخرج الحروف اللثوية. وهي:
(ر. ز. س. ص) سادسا: موقع اللثة، مع مقدمة الحنك الصلب. فمنه تخرج الحروف (اللثوحنكية). وهي:
(ج. ش) سابعا: موقع وسط الحنك. فمنه تخرج الحروف، (وسطحنكية). وهي:
(ي. ي. ي. ي) ثامنا: موقع أقصى الحنك. فمنه يخرج حرف (أقصحنكي). وهو حرف واحد: (ك)
(1/158)

تاسعا: موقع اللهاة. فمنه تخرج الحروف (اللهوية).
وهي (ق. غ. خ) عاشرا: موقع الحلق. فمنه تخرج الحروف (الحلقية). وهي حرفان:
(ع. ح) الحادي عشر: موقع الحنجرة. فمنه تخرج الحروف (الحنجرية). وهي (ء. هـ) مع الحركات (س. سا. س. سو. س. سي) فهذه المواقع التي حدّدها علماء الصوتيات لإخراج الحروف العربية، وعليه: فإنّه يلزم من أراد قراءة القرآن أن يراعي تطبيقها. امتثالا لقوله تعالى:
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا المزمل/ 4/.

كيفية التعرّف على مواقع الصوتيات؟
ولكي نتعرّف على موقع كل حرف علينا أن نتبع التالي:
أن نردّد النطق بالصوت في حالة تسكينه.
(1/159)

وأن نبدأ بهمزة مفتوحة، لنتحسس نقطة الارتكاز للحرف الذي نريد إخراجه، عن طريق حبس النفس، أو تضييق المجرى له.
مثال ذلك: إذا أردنا التعرّف على موقع حرف الباء، علينا أن نسكّنه، ثم نضع أمامه همزة مفتوحة، ثم نردّده (أب. أب. أب).
وبهذا نتعرّف الموقع، ونتذوّقه. وهكذا سائر الحروف.

صفات الحروف الثابتة
نطوي الآن صفحة المواقع لخروج الحروف، ونفتح صفحة الصفات لها، فهي السمات المميزة لأي حرف منها، كي لا يحدث تداخل بين حرف وآخر، أو يقع تجاوز بينها.
وهذه الصفات تنقسم إلى قسمين:
صفات مضادّة. وصفات أحاديّة.

فالصفات الضديّة كثيرة
نختار منها ما يفيد في التلاوة، وهي ثلاثة ضدّ ثلاثة، ويمكن جدولتها هكذا:
1 - الشدّة (الانفجار) ضدّها: الرخاوة (الاحتكاك) 2 - الجهر. ضدّها: الهمس.
3 - التفخيم. ضدّها: الترقيق.
(1/160)

الشدّة والرخاوة
والشدّة:
انحباس الهواء الخارج حبسا تاما في نقطة ارتكاز ما، في مجرى الفم، بحيث يضغط ضغطا قويا، حتى الإغلاق، ثم يطلق فجأة، ليحدث انفجار.
حروفه (ب/ ض. د. ط. ت./ ك/ ق/ ء). (1)
وهي مرتبة وفق المخارج من الشفتين حتى الحنجرة.
واختلف التصنيف هنا عن القديم، نظرا للنطق الحالي، فقد عدّ قديما حرف (الضاد) صوتا رخويا، لكنّه اليوم ينطقه قرّاؤنا صوتا شديدا بناء على ما نسمعه، وأسقطنا هنا حرف (الجيم) من عداد الحروف الشديدة، نظرا لتجارب عليه، حتى تذوّق مخرجه بين الشدّة والرخاوة، أو مركب منهما.

والرخاوة:
«تضييق مجرى الهواء الخارج من الفم، وبدرجات
__________
(1) هذه الفاصلة (/) لتفصل بين المخارج. ثم إن تقسيم المخارج والصفات بهذه الطريقة الحديثة، وتوزيع الحروف وفقها، مقتبسة من دراسة حديثة للأستاذ: عبد الوارث سعيد. من كتابه (تيسير التجويد). 5: 21.
(1/161)

مختلفة ومن مواقع متباينة، فعندئذ يحدث احتكاك، ينجم عنه الصوت».
وحروفه: ما سوى حروف الشّدة، عدا الجيم، لأن علماء الصوتيات حديثا- عدّوه مركبا من صفتين، فيبدأ (شديدا) وينتهي (رخوا)، فهو يتحلى بصفة بينية.

الجهر، والهمس
فالجهر:
حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية على جانبي شفتي الحنجرة عند النطق بصوت من الأصوات.
ويمكن التعرّف عليه بأحد طريقين:
إما بلمس الحنجرة، فتحسّ بذبذبة.
وإما بوضع الإصبعين في الأذنين، فيسمع دويّ.
ولكي يتحقق القارئ من الجهر، عليه أن يلفظ بالحرف مسكّنا أو مشددا. مثل (أرّ. أمّ. أنّ ... ).
وحروفه المتفق عليها عند علماء التجويد، وعلماء الصوتيات المحدثين.
(1/162)

هي:
(ب. م. و/ ظ. ذ/ ض. د. ل. ن./ ز. ر./ ج/ ي/ غ/ ع) والحركات الصغيرة الثلاث، وحروف المدّ الثلاثة.
وحروف اختلف فيها بين الفريقين السالفين. هي:
(ط. ق. ء).
فعلماء التجويد، قد صنفوها في عداد الحروف (المجهورة)، وعلماء الصوتيات المحدثين قد صنفوها في عداد (المهموسة)، وصوّب تصنيفهم هذا، وذلك بناء على نطق المهرة من القرّاء في عصرنا الحاضر.

والهمس:
«إخفاء الحرف، لضعفه، وجريان النفس معه عند النطق به، لضعف الاعتماد عليه».
وحروفه ما تبقى من الحروف العربية.

التفخيم والترقيق
والتفخيم:
أن ترتفع مؤخّرة اللسان عند النطق بصوت ما من الأصوات وبقدر درجة الارتفاع تزداد درجة التفخيم.
(1/163)

وحروفه: (ظ/ ض. ط/ ص/ غ. خ/ ق).
وأشدّها تفخيما عند علماء التجويد الأربعة الأولى، وتدعى بحروف (الإطباق).
والتفخيم يجري على الحركات القصيرة، فيؤثّر. فيها، فيكون شديدا مع الفتحة فالضمة، فالسكون، ويقلّ مع الكسرة.

والترقيق:
«انخفاض في مؤخّرة اللسان عند النطق بصوت ما من الأصوات (1)».
ويسميه علماء التجويد ب (الاستفال). ويجري على بقية الحروف العربية عدا (ألف المدّ، واللام، والراء).
فهذه الثلاثة ليست على وتيرة الترقيق فقط أو التفخيم. وإنما يعتريها تارة تفخيم، وأخرى ترقيق وفق قانون ضابط.
ولغتنا يغلب عليها طابع الترقيق خلا تسعة أحرف، سبعة منها مجموعة ب (خص ضغط قظ). واثنان آخران، هما (اللام، والراء) فالسبعة: تلازم التفخيم تلازما تاما، وسبق الحديث عنها.
__________
(1) ولم نذكر بقية أنواع الصفات، لعدم الحاجة إليها لمن أراد القراءة، فالاستعلاء، والاستفال- التفخيم والترقيق. وبقية الصفات لا تهمّنا في الناحية التطبيقية.-
(1/164)

أما اللام، والراء، وألف المدّ: فقد خرجت عن قاعدة التفخيم والترقيق ولو كانت في الأصل تابعة لحروف الترقيق، فهي تفخّم أحيانا تفخيما عارضا، لأحد سببين:
1 - لفظي.
2 - معنوي.
فاللام ترقّق دائما إلّا لعارض، فتنزع لأجله ثوب الترقيق، وتلبس مكانه ثوب التفخيم، وحصرا يكون في لفظ الجلالة (الله).
وفي حالتي سبقها بحركتي (الفتح والضمّ). مثل (قال الله- يقول الله).
ولتفخيمها هنا سببان ماديّ ومعنويّ:
فالمادي: مجاورة اللام لحرف تحلّى بحركة الفتح، وآخر بحركة الضمّ.
والمعنوي: مراعاة صفة الجلالة والعظمة في اسم الله تعالى.
والراء: مرققة، ولا تفخّم إلّا لسبب عارض من أربعة:
1 - إذا حرّكت بالضمّ والفتح. (ربكم. ردّوا).
2 - إذا سكّنت، فعندئذ تضعف ويقوى حرف التفخيم المتقدّم عليها، فيغلبها (ترمي- يرسل).
3 - إذا سكّنت بعد كسر، وبعدها حرف استعلاء في كلمة واحدة.
(إرصادا. مرصادا. قرطاس) (1).
__________
(1) فإن جاء حرف الاستعلاء مكسورا، جوّز فيه الوجهان معا، والترقيق أولى (فرق).
(1/165)

4 - إذا وقع الراء ساكنا في أول الكلمة، وسبقه همزة وصل، فكسرها في هذه الحالة عارض، فلم يؤثّر في السكون. مثل (أم ارتابوا).
وأما الألف المدية: فهي مرققة أيضا، ويعرض لها التفخيم أحيانا بالتغالب، كما إذا وقعت بعد حرف استعلاء، فيغلبها التفخيم فتفخم مثل:
(الصابرين).
وإذا ألقيت عليها: حركة الفتحة، فتفخم بعد حروف الاستعلاء مثل:
(صدق).

الصفات الآحادية
وهي صفات تخص بعض الحروف دون الأخرى، وتلازمها وفق قانون مرسوم. وعددها أربعة:
قلقلة. عنة. انحراف. تكرير.

فالقلقلة:
هي نطق الصوت بصفة الشدّة مع نبرة قوية، تنطلق من الهواء، وكأنّه فقاعة مائية، توحي بحركة خفيفة، ولا تتمّ إلا بتسكين الحرف، وتكون أشدّ ظهورا عند الوقف على الحرف، إذا كان مشدّدا.
(1/166)

وحروفها مجموعة في (قطب جد).

قيمتها الصوتية:
تحافظ على الهيئة الصحيحة لذات الصوت، وتبقي عليه خصائصه، ولا يلتبس بصوت آخر.
مثال (قطمير. يبتغ. يدع. الأخدود)

والغنة:
صفة أنفية تلازم صوتي النون والميم المشددتين لأن الهواء يخرج من الأنف عند نطقها، لا من الفم.

ومواطنها خمسة
: 1 - عند النون الساكنة والتنوين بأحد حروف (ينمو).
2 - عند انقلابهما ميما إذا وليهما مباشرة حرف (الباء).
3 - عند اخفائهما بأحد حروف الإخفاء.
4 - عند ادغام الميم الساكنة بمثلها.
5 - عند إخفاء الميم الساكنة في حرف الباء إذا وليها مباشرة.
مثل (ربّهم بهم).

ومقدارها:
حركتان بمقدار ثني الإصبع أو بسطها.
(1/167)

وحكمها: الوجوب. ومثالها (إنّ. الطامّة).

والانحراف:
أن ينحرف الهواء من داخل الفم عند النطق بالحرف إمّا إلى أحد جانبي اللسان أو إلى كليهما، ولا يخرج الهواء مستقيما كسائر الحروف.
وحروفه (اللام. الراء).

والتكرير:
أن يطرق اللسان اللثة طرقتين أو ثلاثا، ويحسن أن لا يزيد على ذلك.
وهي صفة سلبية. ولها حرف واحد. وهو الراء.
ويلحق بالصوتيات هذه أحكام النون الساكنة والتنوين، وغيرها من أحكام إظهارية، وإدغامية، وغيرهما، ممّا يناط بالصوت، ولم نخطّها هنا لضيق المساحة من جهة ولبدهيتها عند المتعلمين من جهة أخرى، فهي تكاد أن تحفظ كما الاسم والنفس.
وآن لنا أن نطوي- الآن- صفحة الصوتيات، لنفتح صفحة الصوائت- كما سماها المحدثون من علماء الأصوات، وهذه الصوائت، قد قعّد لها علماء التجويد باسم قواعد (المدود).
(1/168)

وكان تقعيدهم هذا غاية في الدقة والعبقرية، فكان ضابطا لا يفلت منه كلمة أو حرف.
فإلى تلك القواعد، ووحداتها القياسية، وأصواتها.

الصوائت
ثمة حروف عربية، نضطر في إخراجها من الفم أن نمدّ الصوت فيها، لتكون سهلة، وجميلة، بل ومعبّرة أبلغ التعبير.
وهي: (ا- وُ- يِ). وتسمّى حروف المدّ.
مثال: (قال. يقول. قيل).
ومد الصوت فيها يخضع- أثناء تلاوة القرآن- لقانون تنبثق عنه وحدات قياسية زمنية، يجب الالتزام بها حسب الحالة.
وقديما- كان ضبط الوحدات بحركة الإصبع بسطا وقبضا، لكنّه اليوم يمكن ضبطها وفق الثواني، ولدى الاستقراء لقراءة القرّاء وجدنا تفاوتا في الضبط لا يمكن إحصاؤه. فما يشبه قارئ قارئا.
لذا. يتوجب على المختصين بهذا الشأن أن يدّارسوا المسألة على ضوء الثواني، ثم يخرجوا بقرار يلزم الجميع.
(1/169)

الوحدات القياسية الزمنية
ويمكننا أن نوجز الوحدات القياسية الزمنية لأنواع المد بطريقة التشجير، مع ذكر أنواع كل وحدة قياسية، وذكر سببها ليتضح من خلالها مدى عبقرية أسلافنا، وفرط ذكائهم.

الوحدات القياسية مشجّرة
الوحدة الأصلية:
ومقدار المدّ فيها، حركتان مثل (هذا) والمدّ هنا (الألف) بعد (الهاء).
ويسمى المدّ الأصلي.

الوحدة الفرعية:
ويختلف المدّ فيها وجوبا وجوازا حسب النوع.

النوع الأول:
وحدة مد الحركات الأربع أو الخمس سببها: الهمز.

أنواعها
: 1 - متصل (جاء).
2 - منفصل (يا أيها).
(1/170)

3 - صلة طويلة (ربه أحدا).
4 - بدل (آدم).

الثاني:
وحدة مدّ الحركات الست أو الأربع أو الثنتين.
سببها: السكون أو الوقف.

أنواعها
: 1 - لازم (الطامّة).
2 - عارض للسكون (العالمين).
3 - عوض (عدّا).
4 - لين (خوف).

الثالث:
وحدة مد الحركتين.
سببها: الإشباع.
نوعها: صلة قصيرة. (به).
وبهذا القدر نكون قد قدّمنا للقارئ أهمّ ما يناط بهذا العلم الواسع. حتى يرفد طرفا من الثقافة، إلى ثقافته العلمية.
(1/171)

علم التفسير
والتفسير، كلمة أضيفت إلى علم، وهي إضافة محدثة، لم تكن من ذي قبل، لكنّ الضرورة الفنية صيّرتها علما.

فما جذر هذه الكلمة وممّ اشتقت؟
إنّ قواميس اللغة العربية أفادت أنّها اشتقت من الفسر.
ومعناه: الإبانة والكشف، أو كشف المغطّى.
وفي بعض المعاجم غايرت ما بين المشتق والمشتق منه.
فقالت: الفسر: كشف المغطّى. والتفسير: كشف المراد من اللفظ المشكل.
والخلاصة في هذا: أنّ مفردة التفسير استعملت في اللغة بمعنى الكشف الحسّي، ثم بمعنى الكشف عن المعاني الكلامية، وكثر في الأخير وشاع.
وكان انتزاع كلمة التفسير، وإقحامها في (عنونة علم) يناط بكتاب الله تعالى، لخطوة جريئة، لكنّ القصد الحسن منها، يجعلها ضرورة خدمة للقرآن الكريم، وتبسيطا لمعانيه السامية، وإبرازا لمعجزاته الخالدة.
(1/172)

تعريفه
فما المعنى الذي أضفي- بعد- على كلمة التفسير هذه؟.
لقد اصطلح علماء التفسير في وضعها- كعلم- على أنها ترمز على «العلم الذي يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمّد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه، وحكمه» (1).
وهناك تعاريف أخرى، في النهاية تدور في فلك هدف واحد.
وهو (علم يبحث عن مراد الله تعالى بقدر الطّاقة البشريّة).

تأويل وتفسير
لفظان، ما دام قد ذكرا على ألسنة المعنيين بهذا الشأن، وهما (تأويل، وتفسير) يتطلب منّا أن نتعرف على معنى كلّ منهما، والوقوف على الفارق بينهما.
ونضطر في استجلاء معانيهما أن نردّهما إلى جذرهما، والمهمّة التي
__________
(1) هكذا عرفه الزركشي كما في الإتقان.
(1/173)

وضعا من أجلها.
فالتأويل لغة: مأخوذ من الرجوع. وهو من آل إليه أولا، ومآلا. بمعنى:
رجع. وعنه: ارتدّ. وأوّل الكلام وتأوّله: تدبّره وقدّره، وفسّره.
واصطلح علماء السلف على معنى له. فقيل:
«هو تفسير الكلام، وبيان معناه، سواء أكان موافقا للظاهر أم مخالفا له».
وعليه فالتأويل والتفسير مترادفان، لكنّ المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين، والمحدثين قد صرفوا لفظ التأويل على:
«أنه صرف اللفظ عن معناه الراجح، إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به».
وعليه: فيكون اللفظان متباينين من جهة، دون جهة، فيكون التفسير أعمّ من التأويل.
ومنهم من علق التفسير بالرواية، والتأويل بالدراية، وعليه فهما متباينان تباينا كاملا.
(1/174)

وتبقى المسألة اجتهاديّة الوضع، والاستعمال.
ولنا أن نختار الرأي الأخير، فهو أدنى لصحة التعامل مع النص القرآني المقدّس، فنقول:
«إنّ التفسير: ما كان راجعا إلى الرواية، والتأويل: ما كان راجعا إلى الدراية، لأنّ التفسير معناه (كشف وبيان) والكشف عن مراد الله تعالى، لا يكون إلّا بالنقل الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي، وأحاطوا بالحوادث والوقائع علما كبيرا.
فإن أشكل عليهم معنى له، رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عنه، فأجابهم.
أما التأويل: فيلحظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ، وفق الدليل والبرهان، وإعمال العقل في تجلية المغطّى، واستخدام مدلولات اللفظ في العربية، ومراعاة السياق والسباق، وغير ذلك من لوازم المعرفة، ويعتمد في هذا كله على ملكة الاجتهاد.

أهمية علم التفسير
وعلم التفسير يعتبر أحقّ العلوم الإسلامية بالدراسة والتدبّر، وكشف المعاني، والأسرار، كي تزيد في إيمان العبد، وتوسّع له مداركه.
(1/175)

وقمين بالمؤمن أن يجري وراء استجلائها، ليفقه خطاب ربّه، وينهل من معين الحياة الطيبة، فهو- بحقّ- أب لسائر العلوم وسائرها دونه.
لأنه المصدر التشريعي الأول، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الحاوي لكلّ وسائل السعادة، الهادي إلى سواء السبيل، المحكم في قوانينه، وتشاريعه.
قال الله تعالى:
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1).
ولم تكن الأهمية له متأخرة، بل وجدت مع أوّل تنزيلاته، فأعلن القرآن أنّ الضامن لحفظه منزّله سبحانه، وذلك حين بدأ التنزيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام، طفق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أخذه، ومن ثمّ صار يسابقه في قراءته، حرصا أن يفلت بعض منه، فهبط جبريل عليه السلام بأمر الله أن لا يعجل، فمن أنزله يحفظه، وييسّر أداءه.
قال الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (7) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (2).
ولم يقف الأمر ببيان معانيه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وإنما تعدّاه
__________
(1) هود (1).
(2) القيامة (16 - 19).
(1/176)

منذ البداية إلى صحابته رضي الله عنهم، فهم قد كلّفوا بالتفكير لاستجلاء معانيه وأسراره.
قال عز من قائل:
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (1).
ثم تعدّاه أخيرا إلى دعوة الأمّة للتدبّر في آياته، والتفتيش عن كنوزه، حتى يوم الدين.
قال الله تعالى:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.
وجاء خطاب قرآني آخر بأسلوب التبكيت لمن أعرض، وأدبر، عن ذكره. فقال عز من قائل:
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها.
وتجاوب الصحابة مع النداء، فحرصوا على معرفة معانيه، والوقوف على أسراره، فرسموا لأنفسهم نهجا وئيدا، ينطوي على عبقريتهم وسداد رأيهم.
__________
(1) النحل (44).
(1/177)

فقد روى ابن جرير الطبري بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
[كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهن والعمل بهنّ] (1).
وروى أيضا عن عبد الرحمن السلمي قال:
[حدثنا الذين يقرءوننا:
أنّهم كانوا يستقرءون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلّموا عشر آيات، لم يخلفوها حتى يعلموا ما فيها من العمل.
- فتعلّمنا القرآن، والعمل جميعا] (2).

مقوّمات المفسّر، ومؤهلاته
والقرآن إذا فسّرت آياته بنصوص نبوية صحيحة، اقتصر عليها، واعتمدت بيانا وإيضاحا بهذا الباب.
بيد أنّه إذا وجدت الآية غير مفسّرة من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز لنا أن نفسّرها عند الطلب، أو البيان بشروط اعتبارية، وهذه الشروط قد
__________
(1) تفسير ابن جرير (1/ 46).
(2) المرجع السابق (2/ 27).
(1/178)

وضعها العلماء كمؤهلات علمية للمفسّر، يحرم عليه أن يقول بكتاب الله شيئا حتى يكون ملمّا بها، ويكون التفسير عندئذ تحت عنوان (التفسير العقلي).
وسمّي بذلك لأن المفسّر هنا يعمل عقله بالبيان، وليس له حظّ من وحي السماء، غير أنّه يلحظ- في تأويل له- أشباها ونظائر في آي القرآن، ليكون أقرب إلى الصواب. ولكي يكون مقبولا شرعا، عليه أن يتمتع بالمؤهلات الآتية:.
1 - أن يكون عالما باللغة العربية، حتى يشرح مفرداته وفق مدلولات اللغة، وحسب وضعها، فالقرآن ما نزل إلّا بالعربية.
2 - أن يكون عالما بالنحو، فالمعنى التفسيري يختلف باختلاف الإعراب، فلا بدّ من التمتع به.
3 - أن يكون عالما ب (الصرف) لأنه به تعرف الأبنية والصيغ.
4 - أن يكون عالما ب (الاشتقاق) لأنّ الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين، اختلف المعنى باختلافها.
5 - أن يكون عالما، بعلوم البلاغة الثلاثة:
المعاني. البيان. البديع.
فعلم المعاني: يعرف به خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى المراد.
(1/179)

وعلم البيان: يعرف به خواص التراكيب من جهة اختلافها في وضوح الدلالة وخفائها.
وعلم البديع: يعرف به وجوه تحسين الكلام.
8 - أن يكون عالما بالقراءات- فبمعرفتها يمكن ترجيح بعض الوجوه على بعضها الآخر.
9 - أن يكون عالما بأصول الدين (العقيدة) فمن خلال هذا العلم يستطيع المفسّر أن يستدل على ما يجب في حقه سبحانه، وما يجوز، وما يستحيل، وأن ينظر في الآيات المتعلقة بالنبوات والمعاد.
10 - أن يكون عالما بأصول الفقه، فبه يعرف المفسّر كيف يستخرج الأحكام من الآيات، وكيف يستدل عليها، ويعرف المجمل والمفسّر وغير ذلك من فنون هذا العلم.
11 - أن يكون عالما بأسباب النزول، لأنه يعين على فهم المراد من الآية.
12 - أن يكون عالما بفنّ القصص، لأنّ معرفة القصة تفصيلا تعين على توضيح ما أجمل منها في القرآن.
13 - أن يكون عالما بفن الناسخ والمنسوخ، فبه يعرف المحكم من غيره ومن جهله ربّما يحكم بحكم منسوخ، فيضلّ ويضل.
14 - أن يكون عالما بالحديث، لأنّه المبيّن لما أجمل في الآي والشارح لما أبهم فيها، وغير ذلك.
(1/180)

15 - أن يتمتع بعلم الموهبة. وهو علم يورّثه الله من عمل بما علم ويستدل عليه بقوله تعالى:
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ (1).
وبقوله صلى الله عليه وسلم:
[من عمل بما علم، ورّثه الله علم ما لم يعلم] (2).
هذا. وإن بعض العلماء قد زاد شرطا آخر: علم أحوال البشر. وبعضهم زاد أيضا: علمي التاريخ، وتقويم البلدان.
والخلاصة: فإن زيادة الشروط تفرض بزيادة الحاجة إلى كشف ما هو مغطّى من معاني الآي القرآني، فالإعجاز العلمي مثلا صار علما بارزا يؤمّه العاقلون، ويعتمد عليه في تجلية المعاني المرادة، وكاد أن يتفرد في هذا المجال!! لذا. فإنّ الآية الكونية يجب في تجلية معناها الاستعانة بما جدّ من علم تجريبيّ.
__________
(1) البقرة (272).
(2) رواه أبو نعيم من حديث أنس. ضعيف.
(1/181)

تحذيرات للمفسّر
وفوق ما تقدّم من شروط دقيقة في السماح لمن يتصدى لهذا العلم تحذيرات، عليه أن يجتنبها حتى لا يقع في الزلل، وينخرط في خطّ الفساد.
وإليكموها مفصّلة:
1 - حذار أن يهجم المفسّر على تحديد بيان مراد الله من الآي القرآني، بالاعتماد على كلامه، مع الجهالة بقوانين اللغة، وأصول الشريعة الغرّاء.
2 - حذار من الخوض فيما استأثر الله بعلمه، كالمتشابه منه، وأمور الغيب، لأنها سرّ من أسرار الله تعالى.
3 - حذار من السير وفق الهوى، وما تستحسنه النفس في كشف المراد، فإن فعل كان جرأة على الله، وتجاوزا الحدود المفروضة عليه.
4 - حذار من التأويل وفق مذهب فاسد يريد تقويته، وليّ النصوص وتسخيرها لدعم ذاك المذهب أو هذا.
5 - حذار من القطع في التفسير. بأن يقول: (مراد الله كذا) دون أن يبرهن عليه بدليل، وهذا منهيّ عنه شرعا.
قال الله تعالى وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (1).
__________
(1) البقرة (169).
(1/182)

المنهج المشروع في التفسير
إن من يتصدى لتفسير كتاب الله، عليه أن ينهج منهجا يراعي فيه القواعد التالية، وحذار أن يخرج عنها:
1 - المطابقة بين التفسير والمفسّر، فلا يزيد إن كان الأمر لا يحتاج إلى زيادة إيضاح أو يزيد بما لا يليق بالغرض ولا يناسب المقام، وحذار من الزيغ عن المعنى، والعدول عن المراد.
2 - مراعاة المعنى الحقيقي والمجازي، فالقرآن قد عبّر بهما، ولن يستقيم الأمر إلّا بمراعاتهما.
3 - مراعاة التأليف بين المفردات، والمؤاخاة بينها، والوقوف على أغراضها.
4 - مراعاة النسبة والتناسب بين الآيات، ليربط بين السابق واللاحق منها، حتى يقرّر أن القرآن ذو آيات متناسبة يأخذ بعضها بحجز البعض.
5 - ملاحظة أسباب النزول حين بيان المراد، لأن الآية التي نزلت بسبب لا يمكن أن يعطى فيها بيان دقيق، وقريب من الصواب إلّا بمعرفة السبب.
6 - التسلسل في تحليل المفردة القرآنية، فيبدأ بالإعراب، ثمّ بما يناط بها من المعاني، ثم البيان، ثم البديع، ثم تحديد المعنى المراد.
(1/183)

ثم استنباط الأحكام من تلك الآيات.
7 - أن يتجنب ادعاء التكرار في القرآن ما أمكن، فكلام الله فصل، لا فضول ولا تقصير، ولا تكرار.
8 - أن يتجنب رواية الإسرائيليات، والأحاديث الموضوعة، والأسباب والفضائل الواهية، حفاظا على قدسية القرآن الكريم.
وما أكثرها في كتب التراث المطوّلة.

المصادر التفسيرية
ومن أراد أن يقتحم هذا الميدان، يجب أن ينبثق رأيه في كشف المعنى من الآي القرآني، من مصادر يعتمد عليها في هذا الشأن، ليكون مسدّد الخطا، وأدنى في قوله إلى الصواب.

فما هي المصادر المعتمدة في هذا المجال؟
إنّها خمسة مصادر، يمكن أن نرتبها حسب الآتي:
1 - القرآن ذاته، فعليه أن يرجع الآيات إلى بعضها، إن كانت تحمل ذات الموضوع، ثم يجري مقارنة ببعضها، فمنها ما هو مجمل، فيفسّره بما هو مفسّر بمكان آخر، ومنها ما هو موجز، لكنّه بسط في مكان آخر. وهلمّ جرّا، وهذا ما يسمى (تفسير القرآن بالقرآن). وبهذا النهج أخذ المفسّر ابن كثير، ومن نحا نحوه.
(1/184)

2 - النقل الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجد نصا صحيحا في تفسير آية، لا يحق له العدول عنه، وليحذر النص الضعيف والموضوع. ولسوف نلحظ هذا عند ابن كثير أيضا والألوسي، والشوكاني.
3 - الأخذ بما صحّ عن الصحابة من تفسير، وليحذر غير الصحيح فإن وجد الصحيح عنهم لزمه، وطرح رأيه، لأنّهم أعلم بكتاب الله وأدرى بأسباب التنزيل.
لكنّ هذا المصدر شائك، ولم يخدم حتى الآن، إذ نجد لأحد من الصحابة- كابن عباس مثلا- روايات عدّة في آية واحدة، بل وأحيانا متناقضة.
فأيّها الصحيح؟.
هذا ما ننشده. ولعلّ الله أن يوفّق المختصين بهذا الشأن أن يحرّروا لنا الصحيح من السقيم.
ليطمئنّ المفسّر والقارئ والمستمع في أخذه تأويلا عن أحد من الصحابة.
4 - الأخذ بمطلق اللغة، لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين. ومن ثمّ قال الإمام مالك: «لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب، يفسّر كتاب الله إلّا جعلته نكالا».
(1/185)

5 - التفسير بالمقتضى من معنى الكلام، والمقتضى من قوّة الشرع.
وهذا ما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس حبر الأمّة: [اللهمّ فقهه في الدين، وعلّمه التأويل].
وما عناه سيدنا عليّ رضي الله عنه بقوله- حين سئل:
[هل عندكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء بعد القرآن؟! - لا. والذي فلق الحبة، وبرأ النّسمة، إلّا فهم يؤتيه الله عز وجل رجلا في القرآن].

أنواع التفسير
ولتفسير كتاب الله سبحانه مناهج، قد اخترعها، وقعّد لها الأئمة، وهي محدثة بحدوث العلم ذاته، وما دامت من وضع البشر، فاحتمال الخطأ وارد فيها- كلّا، أو جزءا.

(1) التفسير بالمأثور
: وهو ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، أو التابعين بطريق صحيح، أمّا ما سوى الصحيح الثابت: فهو ساقط الاعتبار.
والمهمّة هنا صعبة، لأنّ الحكم على النص المنقول، مسألة
(1/186)

اجتهادية، فقد يصحّ عند أحدهم، وعند غيره: لا يصحّ.
لذا. لا يكفي الاقتصار عليه.

(2) التفسير بالرأي
: وهو قسمان: ممدوح جائز ومذموم غير جائز.
فإذا التزم به صاحبه شروط المفسّر كان محمودا، وإلّا كان مذموما.
ومثال المحمود الجائز: مفاتيح الغيب- للرازي. ومثال المذموم الممنوع: الكشاف. للزمخشري.
وفي اعتقادي: أنّ الذم والمدح قد تقرّر الحكم فيه، نظرا لمذهب المفسّر، خشية أن يتسلل معتقده إلى فكر القارئ، ولا يعني هذا أنّ التفسير الممدوح لا يخلو من خطأ، بل وارد جدّا، كما أن المذموم لا يعني أنّه يخلو من صواب، بل ربّما يكون أكثره صوابا.

(3) التفسير الموضوعي
: وهو التناول لجانب واحد من جوانب القرآن الكريم بالبحث والدراسة.
كدراسة المجاز في القرآن، أو المفردات، أو القسم. وفي كلّ منها مؤلفات.
(1/187)

(4) التفسير الإشاريّ
: هو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها، بمقتضى إشارات خفية، تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة.
مثاله. (حقائق التفسير) - للسلمي.
وأرى- والله أعلم- أنّ منهج التفسير الإشاري، ليس منهجا عاما، وإنّما هو فهوم خاصّة لا تتّبع ولا تقلّد، لأنّها إشارات لحالات يمرّ بها السالك في الطريق، فأولى أن لا تصنف ضمن أنواع التفسير، وأولى أن تبقى في دائرة الخاصة، حتى لا تحدث حيرة، ورفضا.

(5) التفسير العلمي
: هو التفسير الذي يحكّم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن، ويجتهد في استخراج مختلف العلوم، والآراء الفلسفية منها. مثاله:
(الجواهر في تفسير القرآن الكريم) لطنطاوي جوهري.
واستند أصحابه في ذلك على قوله تعالى ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ (1).
إلّا أن المفسّر الجوهري قد أسرف في الاعتماد على النظريات
__________
(1) الأنعام (38).
(1/188)

العلمية، التي ربّما تنقض فيما بعد بنظرية مثلها.
لذا على المفسّر العلميّ، أن يتحرّى في اختياره الحقائق المجرّدة، التي لا يمكن نقضها، وتبدو في وضوحها كالشمس في رابعة النهار، حتى لا يخطئ في تأويل آي القرآن.
فالقرآن حقّ لا ريب فيه، ولا يمكن أن يفسّر إلّا بحقائق، لا لبس فيها، ولا غموض.
هذا. وإنّ عصرنا الحالي قد نهض فيه أئمّة مختصون بهذا الشأن، وشكّلوا جمعية سمّوها ب (جمعية الإعجاز العلمي في القرآن) أسأل الله أن يزيدهم من فضله، وأن يلهمهم الحق، والسير في دروبه الحق دائما، ليخرجوا بما هو الأدنى لمراد الله في كتابه.
ثمّ إنّ لي نقدا في تصنيف التفسير (العلمي) ضمن دائرة أنواع التفسير، لأنّ القرآن كتاب هداية، العلم التجريبي أحد أركانه، وليس كتاب علم تجريبي، فهناك آيات تخص جانب العبادة وأخرى جانب العقيدة، وأخرى جانب التاريخ، وهلّم جرّا.
لذا. أرى أن تقسيم التفسير إلى أنواع لا يؤدي وظيفته بجديّة، ولا يخدم القرآن الكريم بشمولية، بل إن اعتمد على أحدها، لا يسلم الأمر من الخلل، ونحن يتوجب علينا أن نحرص على التسديد في العمل. لقوله (صلى الله عليه وسلم): [سدّدوا .. ].
(1/189)

نهاية المطاف في هذه القضيّة
ممّا تقدّم معنا، لا نشك لحظة أنّ مسألة التفسير جدّ خطيرة، وأنها أقدس مهمّة، يقدم عليها رائدها، وأنّها فوق كل هذا أقوى مساهم في تبلغ مرادات الحق في كتابه المجيد.
لذا. فإنّ الذي يريد أن يتصدّى لهذا العلم أن يلحظ في تأويله اعتبارات ومؤهلات التفسير بأجمعها، وأن لا يقتصر على نوع تفسيريّ بمفرده، وإنّما عليه أن يسلك قنوات كلّ منها، حتى يكون أدنى إلى الحقيقة المرادة.
ثم ليكن الأساس الأول في اختيار قنوات التفسير المعتبرة، الكتاب بالكتاب ثم السنّة، فهي الشارحة له، ولحظ الإمام الشافعي هذا من قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ....
فقال: «كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ممّا فهمه من القرآن».
ثمّ أتت الآية القرآنية الأخرى لتؤكد هذا الأساس. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
وبين هويّة التبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
(1/190)

[ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ... ] (1). يعني: السنة.
والسنّة هي تنزيل من التنزيل، ووحي سماوي، غير أنه لا يتلى كما القرآن يتلى.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي سيدنا معاذا رضي الله عنه
وحين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن، حمّله أساسا في الفهم الديني، لأنه سيتولى القضاء والحكم بين الناس. فقال له: بم تحكم؟
قال: بكتاب الله.
قال: فإن لم تجد؟
قال: بسنة رسول الله.
قال: فإن لم تجد؟
قال: أجتهد رأيي ...... ].
فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. في صدره. وقال:
الحمد لله الذي وفّق رسول الله لما يرضي رسول الله] (2).
لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أساسا هامّا وواضحا لفن التأويل، لا يجوز
__________
(1) حديث صحيح، انظر السنة للمروزي/ 244/ عن المقدام بن معدي كرب قال:
قال .. ، والتمهيد لابن عبد البرّ، وأبو داود/ 4604/، وأحمد/ 17213/، ومسند الشاميين/ 1061/.
(2) أحمد. وأصحاب السنن. بإسناد جيد كما قال ابن كثير (1/ 3).
(1/191)

أن يغفله مريد ذلك، وإلّا كان مجانبا للحقيقة الدينية، وسداد العمل.
وتبقى اجتهادات الناس من صحابة وغيرهم، جهدا بشريّا، قد يخضع لظروف حياتية، أو لاعتبارات اختيارية، إلّا إن ثبت لدينا أنها منبثقة من وحي التنزيل، فساعتئذ نعتمد عليها.
ولا ننسى أن الثابت منها قليل جدّا، وكثير ما هو منقول عن أحبار أهل الكتاب، وبحسن نيّة دوّنت جميعها في كتب التفسير، فمن المفسّرين من ساقها لينقدها ثمّ يوهّيها،
ومنهم من ساقها بأسانيدها، وترك المجال لتحريرها للباحثين. وهنا العملية الصعبة.

الإسرائيليات
وممّا سمح للمفسرين أن يرووا عن أهل الكتاب حديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار].
وفي معركة اليرموك. أصاب عبد الله بن عمرو زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما اعتمادا على ما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.
(1/192)

ويقول العلامة ابن كثير: «ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته ممّا بأيدينا، ممّا يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا ممّا يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل.
فلا نؤمن به، ولا نكذبه. ويجوز حكايته لما تقدّم.
وغالب ذلك مما لا فائدة فيه، تعود إلى أمر ديني.
ولهذا. يختلف علماء أهل الكتاب في هكذا كثيرا.
ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك .. ».
وعليه: فحكاية حديث عن أهل الكتاب إن كان فيه خلاف، أولى أن نطرحه جميعا، إذا لم يكن يوافق نصوص ديننا لنأخذه، وإن كان مسكوتا عنه في نصوص ديننا نحكيه عنهم، ولا ننسبه لنا، ثم لا نجزم به أيضا.
وأكثر ما تنفعنا الحكاية عنهم في القضايا التاريخية.

العلم التجريبي والتفسير
ويجب على المفسّر أن يلحظ التجارب العلمية ويتابعها، حتى إذا
(1/193)

تيقن في مسألة منها التمس ذكرا لها في القرآن، فإن وجد، فعليه أن يعتمد عليها، لأنها الأقوى في تأويل آي القرآن الكريم.
وأمثله هذا كثيرة. أبرزها آيات علم الأجنّة، كما في سورة (المؤمنون) وغيرها.
فهذه- حصرا- يجب فيها ملاحظة التجارب المعملية، لشرح عملية التطوّر الجنيني كما جاء في القرآن.

الإشارة والتفسير
وعلى المفسّر أيضا أن يلحظ الإشارات القرآنية، فربّ إشارة أقوى من عبارة. وغالبها ما خفي عن ظاهر الأمر، وليس كلّ ما ادّعي أنها إشارة تؤخذ بعين العلم والمعرفة.
بل هناك من الإشارات ما هو أسقط من الجهالة والسفاهة، مثل أن يدعي أحد إشارة مخالفة لأصل ديني، أما ما يخلّ بقدسية الله سبحانه.
فهذه إشارة هوى، وشيطان.
فإذا لوحظ في التأويل جميع هذه المناحي، فلسوف يخرج تفسير أدنى إلى الحق، وأسدّ من جهة العمل، وأقوم عند الله من جهة القبول.
(1/194)

علم القراءات
وقبل أن نتعرّف على علم القراءات، نضطر أن نتعرف على موضوعه وموضوعه: هو القرآن الكريم.
وهو «كلام الله تعالى، المعجز، المنزّل على خاتم الأنبياء، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس».

تعريف علم القراءات
: هو: «علم بكيفية أداء كلمات القرآن، واختلافها، منسوبة لناقلها» - فالقراءات إذا، هي تلك الوجوه اللغوية والصوتية- التي أباح الله بها قراءة القرآن- تيسيرا، وتخفيفا على العباد.
وذلك. أن القرآن نقل إلينا بنصوصه، وألفاظه، كما أنزله الله على سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة جبريل عليه السلام كما أرسل حرفيا.
ثمّ نقلت إلينا كيفية أدائه كما نطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق ما علّمه جبريل عليه السلام، لكنّ الناقلين من الرّواة، كل منهم عزا ما يرويه بإسناد صحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/195)

العلاقة بين القرآن والقراءات
ويتبادر إلى الذاكرة سؤال، وهو في محلّه، ما وجه العلاقة بين القراءات والقرآن، أهما لفظان لمعنى واحد، أم أنهما متغايران؟ وكلّ منهما، له ماهيته.
ويجيب على هذا الإمام الزركشي في البرهان:
[القرآن والقراءات، حقيقتان متغايرتان: فالقرآن: هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز.
والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف، وكيفيتها، من تخفيف وتشديد وغيرهما.
ولا بدّ فيها من التلقي والمشافهة، لأنّ القراءات أشياء لا تحكم إلّا بالسماع والمشافهة] (1).
لكن غيره من العلماء جعل القرآن والقراءات حقيقتين بمعنى واحد، إذ، إنّ القراءات الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول، ما هي إلا جزء من القرآن الكريم، فبينهما ارتباط وثيق ارتباط الجزء بالكل.
__________
(1) وتبعه بهذا بعض الأئمة- كالقسطلاني قديما، والدمياطي- حديثا.
(1/196)

ولعلّ الأمر اختلاف لفظي، إذ الجميع متفقون على أنّهما حقيقتان لماهية واحدة، ولأمر واحد. وهذا ما نبّه إليه الزركشي أيضا. حين قال: «ولست في هذا أنكر تداخل القرآن بالقراءات، إذ لا بدّ أن يكون الارتباط بينهما وثيقا.
غير أنّ الاختلاف على الرغم من هذا يظلّ موجودا بينهما، بمعنى: أنّ كلا منهما شيء يختلف عن الآخر، لا يقوى التداخل بينهما على أن يجعلهما شيئا واحدا.
فما القرآن إلّا التركيب واللفظ.
وما القراءات إلّا اللفظ، ونطقه.
والفرق بين هذا وذاك واضح بيّن».

نزول القرآن على سبعة أحرف
والأحرف جمع حرف، وهو: طرف الشيء، وحدّه الذي ينتهي إليه.
ومنه قيل لأعلى الجبل: حرف. قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ (1) أي: على طرف الدين.
والمغزى: أنه يعيش حالة قلق، واضطراب. ويؤيد هذه الحالة تكملة
__________
(1) الحج./ 11/.
(1/197)

الآية فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ الحج/ 11/.
ويطلق الحرف أيضا على حرف الهجاء، لأنه حد انقطاع الصوت، وغايته، وطرفه الذي ينتهي إليه. ومنه أيضا: إطلاقهم الحرف على (القراءة) من القراءات التي وردت في القرآن. فيقولون: هذا حرف عاصم أو ابن كثير. أي: قراءته.

الأحرف السبعة في القرآن
والأحرف السبعة جاء ذكرها في السنة النبوية على سبيل السعة، ورفع الحرج في القراءة القرآنية لدى الأمّة الأميّة.
إذ مبدأ التنزيل رفع الحرج في التكليف. قال الله تعالى وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
1 - فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده، ويزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف].
(1/198)

زاد مسلم: [قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة في الأمر الذي يكون واحدا، لا يختلف في حلال، ولا حرام].
2 - روى الترمذي عن أبي بن كعب أيضا. قال: [لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل.
فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين. فيهم الشيخ الفاني، والعجوز الكبيرة والغلام.
قال: فمرهم، فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف].

هويّة الأحرف السبعة في الحديث النبوي
- ولم يثبت تحديد هوية الأحرف السبعة على حدّ، بل كثرت الآراء في تجلية معناها حتى بلغت زهاء أربعين قولا- كما قال السيوطي- ولسوف أختار منها ما اختاره المحققون (1) بهذا الشأن.
وهذا الرأي، قد أدارها على سبعة أوجه، وهي في محيط تصاريف اللغة العربية.
1 - الاختلاف في الحركات دون تغيير في (المعنى والصورة). مثل
__________
(1) ومنهم ابن الجزري، وما أثبتّه هنا هو اختياره.
(1/199)

(يحسب) و (يحسب).
2 - الاختلاف بتغيير المعنى فقط، دون التغيير في الصورة.
مثل فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. برفع (آدم) ونصب (كلمات) وقرئ بنصب (آدم) ورفع (كلمات).
3 - الاختلاف في الحروف مع التغيير في المعنى دون الصورة. مثل (تتلوا) و (تبلوا).
4 - الاختلاف بتغيير في الحروف، مع التغيير في الصورة، لا المعنى.
مثل (الصراط) فقرئت بالصاد، والسين.
5 - الاختلاف بتغيير في الحروف والصورة مثل (يأتل- يتأل).
6 - الاختلاف بالتقديم والتأخير مثل (وقاتلوا، وقتلوا). قرئت بالتقديم والتأخير.
7 - الاختلاف في الزيادة والنقصان. مثل (ووصى) من قوله تعالى وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ قرئت (ووصى) و (وأوصى).
(1/200)

الحكمة من نزوله على سبعة أحرف
واشتمل نزوله على سبعة- حكما، وأسرارا- تميّز بها عن الكتب السالفة، نثبت منها ما يلي:

1 - الدلالة على صيانة كتاب الله
، وحفظه من التبديل والتحريف.

2 - التخفيف على الأمة
، وتسهيل القراءة عليها، نظرا لتعدّد لهجات العرب، وأميّتهم.

3 - خصوصية للأمة المحمدية
، وتفضيلها به على سائر الأمم.

4 - جمع الأمة الإسلامية الجديدة على لسان واحد بينها.
5 - الجمع بين حكمين مختلفين بمجموع القراءتين.
كقوله تعالى فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (1) وقرئ هنا (يطهرن).
و (يطّهّرن).
ف

قراءة التشديد:
تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض، لأنّ زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى.

وقراءة التخفيف:
لا تفيد هذه المبالغة.
__________
(1) البقرة (222).
(1/201)

ومجموع القراءتين يفيد أمرين
: أحدهما: أنّ الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر، وذلك بانقطاع الحيض.
ثانيهما: أنها لا يقربها زوجها- أيضا- إلّا إن بالغت في الطهر، وذلك بالاغتسال.
وعليه: فإنّ الإمام الشافعي، ومن وافقه، شرط في قربان النساء اجتماع الطهورين معا.

6 - الدلالة على حكمين شرعيين في حالتين مختلفتين:
كقوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1).
قرئ بنصب اللام من (أرجلكم) وبجرّها.
فالنصب: يفيد طلب غسلها لأنّ العطف حينئذ، يكون على لفظ (وجوهكم) المنصوب، وهو مغسول.
والجرّ: يفيد طلب مسحها، لأنّ العطف حينئذ يكون على لفظ (رءوسكم) وهو ممسوح.
__________
(1) المائدة (6).
(1/202)

وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسح يكون للابس الخفّ، وأن الغسل يجب على من لم يلبس الخفّ.

نشأة القراءات
سؤال لطالما طرح نفسه؟.
متى بدأ نزول القراءات؟.
وهل كان بمكة أو بالمدينة؟
وللإجابة عليه، يتطلب تمهيدا للتنزيل منذ بدئه، ويشتمل على كيفية الأخذ من المعصوم صلى الله عليه وسلم. وكيف كان التلقّي عنه؟
لقد كان صلى الله عليه وسلم يقرئ أصحابه القرآن، وفق ما نزل به جبريل عليه السلام من الأحرف السبعة، فيأخذ هذا بحرف، ويقرأ به، ويذهب هذا بحرف فيقرأ به.
وقد اختلف الصحابة في الأخذ عنه صلى الله عليه وسلم فمنهم من أخذ القرآن كلّه بحرف واحد، ومنهم بحرفين، ومنهم بأكثر من ذلك، ثم تفرّقوا في الأمصار، وهم على هذه الحال.
(1/203)

واختلف التابعون في الأخذ عنهم، فهناك المكثر، نظرا لمن أخذ عنه، وهناك المقلّ، وهناك من اقتصر على حرف، وهكذا استمرّ الأخذ والتلقّي حتى وصلت هذه القراءات إلى الأئمة الذين تخصصوا، وتصدّوا للتلاوة ونشرها، وبثّ القراءات بدقة وإتقان.
ولهذا التصدي، والانقطاع لبثّ القراءات، خلّدت أسماء القراء، ومن ثمّ نسبت إليهم القراءات، فخصّ كل واحد من أولئك العباقرة بقراءة منها.
فقيل: قراءة نافع. وقراءة عاصم .. وهلمّ جرّا.
وبناء على هذا التمهيد: فإنّ القراءات القرآنيّة شملت التنزيل بمرحلتيه المكيّة والمدنية، لأنّه نزل بمكة وبالمدينة، وقرئ على الصحابة بمرحلتي تنزيله سواء بسواء.

الأئمّة العشرة ورواتهم
واشتهر في القراءة والحفظ لما تواتر من أحرف القرآن الكريم، عشرة من الأئمة الثقات الأثبات، كلّهم أخذ الحرف القرآني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند المتصل إليه.
وإليكم أسماءهم، وأسماء أشهر رواتهم:
(1/204)

1 - نافع المدني
هو أبو رويم، نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي. أصله من (أصفهان) وهو مولى (جعونة بن شعوب الليثي).
شمائله: كان حسن الخلقة، وسيم الوجه، فيه دعابة. أحد أئمة القراءة في عصره.
تلقّى القراءة على سبعين من التابعين. منهم أبو جعفر يزيد بن القعقاع.
وهم قد تلقوا على أبي هريرة وعبد الله بن عباس.
توفي نافع في المدينة المنورة سنة/ 199/ هـ.
تلاميذه كثيرون. واشتهر منهم اثنان:
1 - قالون. عيسى بن مينا. توفي بالمدينة المنورة سنة/ 220/ هـ.
2 - ورش. عثمان بن سعيد. توفي/ 197/ هـ. وعمره/ 87/ سنة.

2 - ابن كثير المكي
هو عبد الله بن كثير المكي. ولد بمكة سنة/ 45/ وتلقّى القراءة عن أبي السائب عبد الله بن السائب المخزومي، وغيره، وقراءته متواترة
(1/205)

ومتصلة السند برسول الله صلى الله عليه وسلم توفي بمكة سنة/ 120/ هـ.
وتلاميذه كثيرون، واشتهر منهم اثنان:
1 - البزي. وهو أحمد بن محمد، فارسي الأصل من أهل (همذان) أسلم على يد السائب المخزومي، ولد بمكة سنة/ 170/ هـ. وتوفي سنة/ 250/ هـ.
2 - قنبل. هو محمد بن عبد الرحمن المخزومي بالولاء، لقب بقنبل لأنه من قوم يقال لهم (القنابلة) توفي سنة (291) هـ. وعمره/ 96/ سنة.

3 - أبو عمرو البصري
هو: زبان بن العلاء البصري. ولد بمكة سنة/ 70/ ونشأ بالبصرة ثم توجّه مع أبيه إلى مكة والمدينة، فقرأ على أبي جعفر وغيره، متصلا بالسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي سنة/ 154/ هـ بالكوفة.
وتلاميذه كثيرون، اشتهر منهم اثنان:
1 - الدوري. هو حفص بن عمر الدوري، توفي سنة/ 246/ هـ.
2 - السوسي. هو صالح بن زياد السوسي توفي سنة/ 261/ هـ.
(1/206)

4 - عبد الله بن عامر الشامي
هو عبد الله بن عامر اليحصبي، المكنى بأبي عمرو، ولد سنة/ 8/ هـ.
وكان إمام أهل الشام، أمّ المسلمين في الجامع الأموي سنين كثيرة، أيّام عمر بن عبد العزيز. توفي سنة/ 110/ هـ. بدمشق.
وتلاميذه كثيرون، اشتهر منهم اثنان:
1 - هشام. هو ابن عمار السلمي الدمشقي. ولد سنة/ 153/ هـ. وتوفي سنة/ 245/ هـ.
2 - ابن ذكوان. هو عبد الله بن أحمد القرشي الدمشقي. توفي سنة/ 242/ هـ.

5 - عاصم الكوفي
هو عاصم بن أبي النّجود، توفي بالكوفة سنة/ 127/ هـ. وتلاميذه كثيرون، اشتهر منهم اثنان:
1 - شعبة. هو شعبة بن عياش الأسدي، الكوفي، ولد سنة/ 95/ هـ وتوفي سنة/ 193/ هـ.
(1/207)

2 - حفص. هو حفص بن سليمان الأسدي الكوفي، ولد سنة/ 90/ هـ. توفي سنة/ 180/ هـ.

6 - حمزة الكوفي
هو حمزة بن حبيب الكوفي. ولد سنة/ 80/ هـ. توفي سنة/ 156/ بحلوان، مدينة في آخر السواد.
وتلاميذه كثيرون اشتهر منهم اثنان:
1 - خلف. هو خلف بن هشام الأسدي البغدادي. ولد سنة/ 150/ هـ. وتوفي/ 229/ هـ.
2 - خلّاد. هو خلاد بن خالد الشيباني الصيرفي الكوفي ولد سنة/ 130/ هـ. وتوفي/ 220/ هـ.

7 - الكسائي الكوفي
هو علي بن حمزة النحوي. توفي سنة/ 189/ هـ.
وتلاميذه كثيرون، اشتهر منهم اثنان:
1 - الليث. بن خالد المروزي البغدادي. توفي سنة/ 240/ هـ.
(1/208)

2 - حفص الدوري. تقدمت ترجمته في ترجمة أبي عمرو، لأنه روى عنه، وعن الكسائي.

8 - أبو جعفر المدني
هو يزيد بن القعقاع المخزومي المدني. توفي سنة/ 130/ هـ.
وتلاميذه كثيرون، اشتهر منهم اثنان:
1 - عيسى بن وردان المدني. توفي سنة/ 160/ هـ.
2 - سليمان بن جمّاز الزهري المدني. توفي سنة/ 170/ هـ.

9 - يعقوب البصري
هو يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري، يتصل سند قراءته بأبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي سنة/ 205/ هـ.
وتلاميذه كثيرون، اشتهر منهم اثنان:
1 - رويس: هو محمد بن المتوكل اللؤلئي البصري. توفي سنة/ 238/ هـ.
(1/209)

2 - روح: هو روح بن عبد المؤمن الهذلي البصري النحوي. توفي سنة/ 235/ هـ.

10 - خلف العاشر
هو خلف بن هشام البغدادي، تقدّمت ترجمته عند الحديث عن (حمزة) لأنه أحد رواته أيضا.
وتلاميذه كثيرون، اشتهر منهم اثنان:
1 - إسحاق: هو إسحاق بن إبراهيم المروزي البغدادي. توفي سنة/ 280/ هـ.
2 - إدريس. هو إدريس بن عبد الكريم الحداد البغدادي. توفي سنة/ 292/ هـ.
وبهذا العرض الموجر، فقد تمت معرفة القراءات، والأحرف السبعة، والأئمة العشرة.
ثمّ إنّ هؤلاء العشرة رحمهم الله تعالى، قد رفع الله شأنهم لخدمتهم لكتابه، وبالتالي خلّدت أسماؤهم، ونسبت إليهم القراءات.
علما بأنّها قراءات رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام، عن ربّه عز وجل.
هكذا يجب أن يعلم، ويعتقد. والله أعلم.
(1/210)

علم فضائل القرآن
والقرآن الكريم ذو مقام شريف، ومكانة لا تضارع، وتنزّل جمع كمالات الشرائع السابقة، ونبيّه ختمها، وكان خاتم النبيين.
هذا. وإنّ سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بيّن فضائله- جملة، وسورا- زيادة في التوضيح، وحثّا على تلاوته، والأخذ بتعاليمه، وترقية لمن مهر في قراءته، ورقيّا عند الله في الملأ الأعلى.

فضيلته جملة
لقد أتت أحاديث كثيرة تبرز بعض خصائصه، وثلّة من فضائله، نقتصر على بعضها، نظرا لضيق المساحة هنا، ولأنها تفي بالغرض.

الحديث الأول: (المخرج من الفتن).
أخرج الدارمي، والترمذي وغيرهما. عن علي:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ستكون فتن.
قلت: ما المخرج منها- يا رسول الله؟!.
قال: كتاب الله. فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم
(1/211)

وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه.
من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم].

الحديث الثاني: (يحفظ قارئه)
أخرج الترمذي، وأحمد من حديث شداد بن أوس:
[ما من مسلم يأخذ مضجعه، فيقرأ سورة من كتاب الله تعالى إلّا وكّل الله به ملكا يحفظه، فلا يقربه شيء يؤذيه، حتى يهبّ متى هبّ].

الحديث الثالث: (القرآن غنى)
أخرج أبو يعلى، والطبراني عن أبي هريرة:
[القرآن غنى، لا فقر بعده، ولا غنى دونه].
(1/212)

فضائل سوره
وخصّت بعض سور القرآن الكريم بخصائص، تحفظ الإنسان، وتسهم في تهنئة عيشه، وتجعله دائما ينهض في البناء والعطاء.

فضل سورة الفاتحة
أخرج الترمذي والنسائي وغيرهما من حديث أبيّ بن كعب مرفوعا:
[ما أنزل الله في التوراة، ولا الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني].

فضل البقرة وآل عمران
أخرج مسلم والترمذي من حديث النواس بن سمعان:
[يؤتى بالقرآن يوم القيامة، وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمهم سورة البقرة، وآل عمران، .. ].
وأخرج أحمد من حديث بريدة [تعلّموا سورة البقرة، فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة].
(1/213)

فضل آية الكرسي
أخرج مسلم من حديث أبي بن كعب:
[أعظم آية في كتاب الله آية الكرسي].
وأخرج ابن حبان والنسائي من حديث أبي أمامة:
[من قرأ آية الكرسي دبر كلّ صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلّا أن يموت].

فضل خواتيم سورة البقرة
أخرج الأئمة الستة من حديث أبي مسعود:
[من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه].

فضل الأنعام
أخرج الدارمي وغيره، عن عمر بن الخطاب موقوفا:
[الأنعام من نواجب القرآن].

فضل السبع الطوال
أخرج أحمد والحاكم من حديث عائشة:
[من أخذ السبع الطوال فهو الحبر].
(1/214)

فضل آخر الإسراء
أخرج أحمد من حديث معاذ بن أنس:
[آية العزّ- وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً- آخر الإسراء].

فضل الكهف
أخرج مسلم من حديث أبي الدرداء:
[من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من فتنة الدجال].
أخرج الحاكم من حديث أبي سعيد:
[من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين].

فضل «الم» السجدة
أخرج أبو عبيد من مرسل المسيب بن رافع:
[تجيء (الم) السجدة، يوم القيامة، لها جناحان تظلّ صاحبها، تقول: لا سبيل عليك! لا سبيل عليك].
(1/215)

فضل الدخان
أخرج الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة:
[من قرأ حم الدخان، في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك].

فضل الحواميم
أخرج أبو عبيد عن ابن عباس موقوفا: [إنّ لكل شيء لبابا، ولباب القرآن الحواميم].
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود موقوفا:
[الحواميم ديباج القرآن].

فضل يس
أخرج أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم من حديث معقل بن يسار:
[يس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له.
اقرءوها على موتاكم].
وأخرج الطبراني من حديث أنس:
[من دام على قراءة (يس) كلّ ليلة، ثم مات، مات شهيدا].
(1/216)

فضل الرحمن
أخرج البيهقي من حديث عليّ مرفوعا:
[لكل شيء عروس، وعروس القرآن الرحمن].

فضل الزلزلة
أخرج الترمذي من حديث أنس:
[من قرأ «إذا زلزلت» عدلت له بنصف القرآن].

فضل المسبّحات
أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن عرباض بن سارية:
[أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ المسبحات كلّ ليلة قبل أن يرقد، ويقول: فيهنّ آية خير من ألف آية].
قال ابن كثير في تفسيره: الآية المشار إليها قوله- هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وأخرج ابن السني عن أنس:
[أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أوصى رجلا- إذا أتى مضجعه- أن يقرأ سورة الحشر وقال: إن متّ متّ شهيدا].
(1/217)

وأخرج الترمذي، من حديث معقل بن يسار:
[من قرأ- حين يصبح- ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّل الله به سبعين ألف ملك، يصلّون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قالها حين يمسي، كان بتلك المنزلة].
وأخرج البيهقي، من حديث أبي أمامة:
[من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو نهار، فمات في يومه أو ليلته فقد أوجب الله له الجنة].

فضل الأعلى
أخرج أبو عبيد عن أبي تميم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[إني نسيت أفضل المسبحات.
فقال أبيّ بن كعب: فلعلّها سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى؟.
قال: نعم].

فضل تبارك
أخرج الأربعة وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة:
[من القرآن سورة، ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له: تبارك
(1/218)

الذي بيده الملك].
وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس:
[هي المانعة، هي المنجية، تنجي من عذاب القبر].
وأخرج الحاكم من حديثه:
[وددت أنها في قلب كل مؤمن: تبارك الذي بيده الملك].
وأخرج النسائي من حديث ابن مسعود:
[من قرأ تبارك الذي بيده الملك كلّ ليلة، منعه الله بها من عذاب القبر].

فضل البيّنة
أخرج أبو نعيم في الصحابة من حديث إسماعيل بن أبي حكيم المزني- الصحابي مرفوعا:
[إنّ الله ليسمع قراءة- لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ].

فضل ألهاكم، أو التكاثر
أخرج الحاكم من حديث ابن عمر مرفوعا:
[لا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم!؟
(1/219)

قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية؟.
قال: أما يستطيع أحدكم أن يقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ].

فضل الكافرون
أخرج الترمذي من حديث أنس:
[قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ربع القرآن].
وأخرج أحمد والحاكم من حديث نوفل بن معاوية:
[اقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ثمّ نم على خاتمتها، فإنّها براءة من الشرك].
وأخرج أبو يعلى من حديث ابن عباس:
[ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإشراك بالله؟.
تقرءون قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ عند منامكم].

فضل النصر
أخرج الترمذي من حديث أنس:
[إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ربع القرآن].
(1/220)

فضل الإخلاص
أخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة:
[قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القرآن].
وأخرج الطبراني في الأوسط، من حديث عبد الله بن الشخّير:
[من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ في مرضه، الذي يموت فيه، لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفّها حتى تجيزه الصراط إلى الجنة].
وأخرج الترمذي من حديث أنس:
[من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كل يوم مائتي مرة، محي عنه ذنوب خمسين سنة، إلّا أن يكون عليه دين، ومن أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه ثم قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة، يقول له الرب: يا عبدي! ادخل عن يمينك، الجنة].

فضل المعوذتين
أخرج أحمد من حديث عقبة:
[أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلها؟
(1/221)

قلت: بلى.
قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ].
وأخرج أيضا من حديث ابن عامر:
[أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبرك بأفضل ما تعوّذ به المتعوّذون؟!.
قال: بلى.
قال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ].
وأخرج أبو داود والترمذي عن عبد الله بن حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[اقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين، حين تمسي، وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء].
وأخرج ابن السني من حديث عائشة:
[من قرأ بعد صلاة الجمعة: قل هو الله أحد. وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس سبع مرات أعاذه الله من السوء إلى الجمعة الأخرى] ويتقوّى بشواهده.
(1/222)

تحذير!!
ما من أمر ديني إلّا ويحاول اختراقه بعض الحمقى، أو الأعداء، بحسن نية من الأوّل، وبسوئها من الثاني، لكنّ الله قد حفظ دينه، فهدى رجالا إليها ليتصدوا لها، فيكشفوا زيفها، ويحبطوا كيدها.
وأمر فضائل السور، قد طالته يد الحمقى، وبحسن نية- كما صرحوا «قد وضعوا فضائل سورة قرآنية، ونسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وعلى رأسهم رجل يدعى (أبا عصمة الجامع). فوضع فضائل لكل سورة في القرآن حسبة- كما ادعى- لكنّه ارتكب خطأ فادحا، فأساء إلى نفسه ومن خطا خطوه.
فقد أخرج الحاكم في المدخل بسنده إلى أبي عمّار المروزي، أنه قيل:- لأبي عصمة الجامع-:
- من أين لك- عن عكرمة، عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟.
فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة].
لكنّ تبريره هذا، مرفوض شرعا، وعقلا، ولا ينجيه من المأثم
(1/223)

وإصابته بحديث [من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار] أخرجه مسلم.
وروى ابن حبان في مقدمة تاريخ الضعفاء، عن ابن المهدوي قال:
[- قلت- لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث؟ من قرأ كذا فله كذا؟.
قال: وضعتها أرغّب الناس فيها].
ثم يقول الإمام السيوطي: [وروّينا عن المؤمل بن إسماعيل قال:
- حدّثني شيخ بحديث أبي بن كعب، في فضائل سور القرآن سورة سورة فقال: حدّثني رجل بالمدائن، وهو حيّ.
فصرت إليه. فقلت: من حدّثك؟.
قال: حدّثني شيخ بواسط. وهو حيّ.
فصرت إليه. فقلت له: من حدّثك؟.
قال: حدّثني شيخ بالبصرة. فصرت إليه. فقلت له: من حدّثك؟.
قال: حدّثني شيخ بعبادان.
فصرت إليه. فأخذ بيدي، فأدخلني بيتا، فإذا فيه من المتصوّفة، وبينهم شيخ. فقال: هذا الشيخ حدّثني.
(1/224)

فقلت: يا شيخ من حدّثك؟.
فقال: لم يحدّثني أحد. ولكننا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن].
فحذار- أخي القارئ- أن تأخذ أيّ حديث دون أن تسأل عن مصدره، حتى لا تصاب بما أصيب أمثال أولئك من الحمقى والجهلة.
ثم إنني لأحذّرك كما حذّرنا أسلافنا من أئمة الدين.- كابن الصلاح وغيره- من تفاسير قد أودع أصحابها هذه الأكاذيب آخر كل سورة، إمّا جهلا، وإمّا حسبة كما نطق بذاك الوضاعون.
ومن هذه التفاسير: الواحدي. أبو السعود. الكشاف. وغيرهم. وأولى أن يحذفها من تولّى طبعها، ثم يبين أنّه حذفها تبرئة لساحة أولئك المفسرين، وعونا لهم على التخلّص مما سقطوا فيه. والله أعلم.
(1/225)

علم خواصّ القرآن
وخصّ القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية، أنّه علاج للبشر من جانبين: الجانب المعنوي. والجانب الحسّيّ.
فعلاجه للجانب المعنوي، قد انتظم آيات، فيما يخصّ السلوك البشري بأنواعه، سلوكا تجاه ربهم، وسلوكا تجاه أنفسهم وسلوكا تجاه الآخرين.
وعلاجه للجانب الحسّي، قد انتظم آيات، أشير إليها عن طريق السنّة، تارة، واكتشفت خصائص بعضها من خلال تجارب، قد قام بها رجال صالحون، فعولج بها ناس كثيرون.

أصل امتيازه بالعلاج الحسّي
وأصل امتيازه هذا قد جاء في السنة النبوية، فقد أخرج ابن ماجة وغيره من حديث ابن مسعود:
[عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن].
وأخرج أيضا من حديث عليّ:
[خير الدواء القرآن].
(1/226)

هذا إعلان نبويّ قد بثّ في الناس، ليعرفوا جلالة قرآنهم، فيفروا إليه خاضعين ساكنين.

دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه
ولم يقف عند هذا البيان فحسب، وإنّما أخذ يدعو كل مريض جاءه، أن يقرأ في كتاب الله، فالقراءة فيه علاج عاجل، وناجع.
وهاكم بعض الحالات التي عرضت عليه، ووصف فيها القراءة للمصاب.

1 - وجع الحلق
أخرج البيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع:
[أنّ رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجع حلقه؟! قال: عليك بقراءة القرآن].

2 - ألم الصدر
أخرج ابن مردوية عن أبي سعيد الخدري قال:
[جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أشتكي صدري.
(1/227)

قال: اقرأ القرآن. يقول الله تعالى وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ] هذه وصفات علاجيّة بعموم القرآن، فأي آية تقرأ، فيها خاصية الشفاء، بإذن الله تعالى، ثمّ هناك وصفات علاجيّة بآيات خاصّة، قد حدّدها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة في امتياز على امتياز، وعلوّا لشأنها بين مثيلاتها من آي القرآن الكريم.
(1/228)

خواصّ سور بعينها
1 - خاصيّة سورة الفاتحة
ولما تحويه سورة الفاتحة من كنوز، ومعارف، أهمّها أن أوجزت القرآن بين حروفها. ثمّ رشحت بوظائف أخرى أسوق هنا طاقة منها. فقد خصّت بوظائف تفيد البشرية، وتقيهم من أي سوء لو أخذوا بها.

1 - هي شفاء من كل داء
أخرج البيهقي وغيره من حديث عبد الله بن جابر:
[في فاتحة الكتاب، شفاء من كل داء].
وفي رواية الخلعي في فوائده، من حديث جابر بن عبد الله:
[فاتحة الكتاب شفاء من كل شيء إلّا السام].
والسام: الموت.

2 - هي شفاء من السمّ
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري:
[فاتحة الكتاب شفاء من السمّ].
(1/229)

3 - فاتحة الكتاب رقية
وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري قال:
[كنّا في مسير لنا، فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إنّ سيد الحيّ سليم.
فهل من راق؟
فقام معها رجل، فرقاه بأمّ القرآن، فبرأ.
فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: وما يدريك أنها رقية].

4 - فاتحة الكتاب تعويذة
وأخرج البزار من حديث أنس:
[إذا وضعت جنبك على الفراش، وقرأت (فاتحة الكتاب) وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقد أمنت من كل شيء].
وأخرج الطبراني في الأوسط. عن السائب بن يزيد قال:
[عوّذني رسول الله صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب تفلا].
(1/230)

2 - خاصيّة سورة البقرة
1 - تحفظ من الشيطان
أخرج مسلم من حديث أبي هريرة:
[إنّ البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان].
وهذه خاصيّة الحفظ من الشيطان، وهي علاج وقائي، يحفظ على الإنسان قلبه وقالبه.

2 - تعويذة كبرى
وسورة البقرة خصّت بوصفة التعويذة، كما الفاتحة- علاجا، واستشفاء- ممّا أصاب الإنسان.
فقد أخرج عبد الله بن أحمد، في زوائد المسند بسند حسن، عن أبيّ ابن كعب قال:
[كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابيّ، فقال: يا نبيّ الله! إنّ لي أخا، وبه وجع.
قال: وما وجعه؟.
قال: به لمم.
قال: فائتني به.
(1/231)

فوضعه بين يديه، فعوّذه النبي صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أوّل سورة البقرة، وهاتين الآيتين وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وآية الكرسي، وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من آل عمران شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.
وآية من الأعراف إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ وآخر سورة المؤمنين فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وآية من سورة الجن وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا وعشر آيات من أول الصافات، وثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين.
فقام الرجل، كأنّه لم يشك قطّ].
وأخرج الدارمي عن ابن مسعود- موقوفا:
[من قرأ أربع آيات من أول سورة البقرة، وآية الكرسي، وآيتين بعد آية الكرسي، وثلاثا من آخر سورة البقرة، لم يقربه، ولا أهله- يومئذ- شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يقرءان على مجنون إلّا أفاق].

3 - آية الكرسي حافظة
وأخرج البخاري عن أبي هريرة في قصة الصدقة:
[أنّ الجنيّ قال له: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه صدقك وهو كذوب].
(1/232)

وأخرج المحاملي في فوائده، عن ابن مسعود قال. قال رجل:
- يا رسول الله! علّمني شيئا ينفعني الله به.
قال: اقرأ آية الكرسي، فإنه يحفظك وذريتك، ويحفظ دارك، حتى الدويرات حول دارك].
وأخرج الدينوري في المجالسة عن الحسن، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنّ جبريل أتاني.
فقال: إنّ عفريتا من الجن يكيدك، فإذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي].
وفي الفردوس من حديث أبي قتادة:
[من قرأ آية الكرسي عند الكرب أغاثه الله].
وأخرج الديلمي من حديث أبي هريرة- مرفوعا:

4 - آخر سورة البقرة
[آيتان هما قرآن، وهما يشفيان، وهما ممّا يحبهما الله تعالى، الآيتان من آخر سورة البقرة].
(1/233)

5 - آية لتذليل الدابة
أخرج البيهقي في الدعوات، عن ابن عباس:
[إذا استصعبت دابة أحدكم، أو كانت شموسا، فليقرأ هذه الآية في أذنيها. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ].

6 - سورة الأنعام
وأخرج البيهقي في الشعب- بسند فيه من لا يعرف- عن علي موقوفا:
[سورة الأنعام، ما قرئت على عليل إلّا شفاه الله تعالى].

7 - عند الولادة
وأخرج ابن السني عن فاطمة رضي الله عنها:
[أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دنا ولادتها، أمر أمّ سلمة وزينب بنت جحش أن يأتيا، فيقرءا عندها (آية الكرسي) و (إنّ ربكم الله ... الآية) ويعوّذاها بالمعوّذتين].
(1/234)

8 - أمان من الغرق
وأخرج ابن السني من حديث الحسين بن علي:
[أمان لأمّتي من الغرق إذا ركبوا أن يقرءوا بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... *].

9 - علاج السحر
وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث قال:
[بلغني أنّ هؤلاء الآيات شفاء من السحر، تقرأ على إناء فيه ماء، ثم يصبّ على رأس المسحور.
الآية التي في سورة يونس فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. وقوله فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ وقوله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى].

10 - فضل سورة يس
وفي فضل (يس) وخصائصها قد جاءت آثار عدّة، أسوق منها هنا ما يعبّر عنها، ويبرز امتيازاتها.
(1/235)

1 - تهوّن على الميت السكرات
فقد أخرج الديلمي، وأبو الشيخ وابن حبان في فضائله من حديث أبي ذر:
[ما من ميّت يموت، فيقرأ عنده (يس) إلّا هوّن الله عليه].

2 - تقضي الحاجة
وأخرج المحاملي في أماليه، من حديث عبد الله بن الزبير:
[من جعل (يس) أمام حاجته قضيت له].
وله شاهد مرسل عند الدارمي.

3 - تليّن القلب
وفي المستدرك، عن أبي جعفر محمد بن علي قال:
[من وجد في قلبه قسوة، فليكتب (يس) في جام، بماء ورد، وزعفران ثم يشربه].

4 - تبرئ المجنون
وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير:
[أنه قرأ على رجل مجنون سورة (يس) فبرأ].
(1/236)

5 - تفرح قارئها
وأخرج ابن الضريس أيضا عن يحيى بن أبي كثير قال:
[من قرأ (يس) إذا أصبح، لم يزل في فرح حتى يمسي، ومن قرأها إذا أمسى، لم يزل في فرح حتى يصبح].
أخبرنا من جرّب ذلك.

11 - سورة الدخان حافظة
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة:
[من قرأ الدخان كلّها، وأوّل غافر- إلى (إليه المصير) وآية الكرسي حين يمسي حفظ بها حتى يصبح، ومن قرأهما حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي].
وفي رواية الدارمي بلفظ [لم ير شيئا يكرهه].

12 - سورة الواقعة
أخرج البيهقي، والحارث بن أبي أسامة وأبو عبيد، عن ابن مسعود مرفوعا:
[من قرأ كل ليلة سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدا].
(1/237)

13 - عند عسر الولادة
أخرج البيهقي في الدعوات عن ابن عباس موقوفا- في المرأة تعسر عليها ولادتها.
قال: [يكتب في قرطاس ثم تسقى (بسم الله. الذي لا إله إلّا هو الحليم الكريم، سبحان الله وتعالى رب العرش العظيم، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ].

14 - علاج من الوسوسة
وأخرج أبو داود، عن ابن عباس قال:
[إذا وجدت في نفسك شيئا- يعني: الوسوسة. فقل هو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل شيء عليم].
(1/238)

15 - علاج لدغة العقرب
أخرج الطبراني عن علي قال:
[لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب، فدعا بماء وملح، وجعل يمسح عليها، ويقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ].

16 - علاج الكرب
أخرج الترمذي والحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص:
[دعوة ذي النون فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلّا استجاب الله له].
وعند ابن السني: [إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلّا فرّج عنه كلمة أخي يونس (فنادى في الظلمات ... )].
(1/239)

17 - آية تفيق المبتلى
- أخرج البيهقي وابن السني وأبو عبيد عن ابن مسعود:
[أنه قرأ في أذن مبتلى، فأفاق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قرأت في أذنيه؟! قال: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ... إلى آخر السورة.
فقال: لو أنّ رجلا موقنا، قرأها على جبل لزال].

18 - آية أخرى في تفريج الكرب
أخرج الحاكم، وغيره من حديث أبي هريرة:
[ما كربني أمر إلّا تمثل لي جبريل. فقال: يا محمد! قل:
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً.
(1/240)

19 - آية أمان من السرقة
أخرج الصابوني في المائتين من حديث ابن عباس مرفوعا:
[هذه الآية، أمان من السرقة قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً.

20 - تحصين النعمة
أخرج البيهقي في الدعوات من حديث أنس:
[ما أنعم الله على عبد من نعمة في أهل، ولا مال أو ولد، فيقول:
ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. فيرى فيه آفة دون الموت].
هذه خصائص، قد وقف عليها الإمام السيوطي بعد أن طالعها من كتب السنة، ودوّنها في كتابه (الإتقان) وشرط فيها خلوّها من الأحاديث الموضوعة، ثمّ بيّن أنّ منها ما هو موقوف على الصحابة والتابعين، ومنها ما هو مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1/241)

خصائص تجربية، أو اكتشافية
وما دمنا نعتقد أنّ القرآن شفاء للنّاس، فلأي مؤمن أن يتفرّس في آية عساها أن ترشح له، بخاصيّة تنطوي عليها، ولم تكن بادية قبل، حتى إذا احتيج إليها لم تبخل على المحتاج.
وهذا النوع من الخصائص يمكننا أن نطلق عليها اسم (الاكتشافية) والزمن والحاجة كفيلان باكتشافها، وذلك إذا حققت أغراض طالبها، ولن تكون محصورة بزمن أو رجل، فأي إنسان طلبها بصدق أجابته، وأبدت خصائصها.
ويستأنس لهذا بقوله صلى الله عليه وسلم.
[لو أنّ رجلا موقنا قرأ بها على جبل لزال].

أمثلة تجريبية
1 - في عهد الصحابة، سبق أن سقنا تجربة ابن مسعود، وتجاوب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، وإضافة امتياز آخر أكبر ممّا تحصّل عليه ابن مسعود.
2 - في عهد ما بعد الرّعيل الأول، ما حكاه ابن الجوزي، عن ابن ناصر عن شيوخه، عن ميمونة بنت شاقول البغدادية قالت:
(1/242)

[آذانا جار لنا، فصليت ركعتين، وقرأت من فاتحة كلّ سورة آية، حتى ختمت القرآن.
وقلت: اللهمّ اكفنا أمره.
ثمّ نمت، وفتحت عيني، وإذا به قد نزل وقت السّحر، فزلّت قدمه، فسقط، ومات].
وأخيرا. أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما كتبناه، ويثيبنا عليه، وينفع به القارئ، والناشر، والعامل، إنه سميع مجيب. والله أعلم.
(1/243)

علم الأمثال
والأمثال جمع مثل، وتعدّ من الفنون الأدبية الماتعة، التي من خلالها يتوصل الضارب لها إلى بغيته، ويحقّق أغراضه الراهنة، ويبرهن على تقاريره.
وهي عالم من التصوير الحركي لأيّة حالة، أو مقولة، أو تصرّف، يصدرها البشر، إمّا للادّكار أو الإرشاد أو غير ذلك، من أغراض الكلام، ولا ينفك مجتمع عن تعاطيه في التعابير الكلامية.
وما دام القرآن كتاب هداية، يخاطب البشرية بشتى مواقفها، وشرائحها، فالأمثال للتعبير عمّا يطرحه من أسس، وأخلاق، ووعد ووعيد، لهي أحد فنونه وأركانه.
هذا. وإنّ القرآن قد أشاد بها، وأوضح وظائفها. فقال: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.
وقال: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ.
وقال: وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ (1).
__________
(1) الإسراء (89).
(1/244)

التشريع الإسلامي والنفس البشرية
وأساس التشريع الإسلامي، وروحه، هو التعامل مع النفس البشرية بشتى أشكالها، فهناك نفس متينة، مكينة، ونفس هشة هزيلة، ونفس فاجرة، ونفس ما جنة فاسقة، وكيت وكيت.
فألوان النفسيات البشرية- إذا- متباينة متغايرة، لذا تحتاج كلّ منها إلى علاج يخصّها.
والقرآن هو المنهج القويم في تقويم النفوس، وردّها إلى فطرتها، وسلامة خلقها.
وتقرير المنهج خاليا من الحركة، قد يضعف تأثيره، فإذا ألحق به مثل عليه، أيقظ، ونبّه، وأثّر.
ثم إنّ النفوس الخيّرة المؤمنة، إن حرّر إليها (مثل)، زادها استمساكا بعقيدتها، وإيمانا على إيمانها، وتثبيتا لمبادئها، وهكذا تتربى على القرآن تربية مثالية قوية.
والنفوس الهشة الضحلة، الضعيفة الإيمان، إن حرّر إليها (مثل) أثّر ببلاغته فيها، وجمّل المبادئ الشرعية بنظرها، ودفعها للقبول والرضا، حتى تنفعل له، فتستقيم وترضى.
(1/245)

والنفوس المريضة، والشكّاكة، تثور وتعترض، وتزداد غيا على غيّها إن حرّر إليها (مثل) يجبهها، ويسفّه تصرفاتها، ويبديها لدى الناظرين بصورتها الحقيقيّة، كي ترعوي، ويحذرها من حولها.
فمن أجل معالجة النفوس بشتى ألوانها، أكثر القرآن ضرب الأمثال- تربية وإرشادا- فكانت لونا من ألوان الهداية الإلهية، تهدي وتحضّ على الخير، وتحجز عن الآثام والشرور.

الوظائف التربويّة لضرب الأمثال
وكثر ما تناولت الأمثال من مواطن حساسة، فركّزت على أصول العقائد، وقوانين الأخلاق، ورسوم الآداب، فمثلت الإيمان، والكفر، والنفاق. ونادت بالخير، وندّدت بالشرّ، وصورت الطيب بأبهى صورة، والخبيث بأقذرها.
وفوق هذا كله، أبرزت المعقول في صورة مجسّمة، وألبست المعنوي ثوب المحسوس، وفصّلت المجمل، وأوضحت المبهم، ما من شأنه أن تهذّب الطباع، وتقلّم الغرائز المنحرفة، وتخفف من غلواء النفوس، وتحدّ من ضراوتها.
(1/246)

ومن ثمّ. فإن الشيخ عبد القاهر الجرجاني قال في كتابه أسرار البلاغة:
[ ... واعلم. أنّ مما اتفق العقلاء عليه: أنّ التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة- صبابة وكلفا- وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا.
فإن كانت مدحا كان أبهى، وأفخم، وأنبل في النفوس، وأعظم، وأهزّ للعطف، وأسرع للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح .. ].
ثم يقول: [وإن كان ذما، كان مسّه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشد، وحدّه أحدّ.
وإن كان حجاجا: كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر.
وإن كان افتخارا: كان شأوه أبعد، وشرفه أجدّ، ولسانه ألدّ ....
وإن كان اعتذارا: كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب،
(1/247)

وللسخائم أسلّ، ولغريب الغضب أفلّ، وفي عقد العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث.
وإن كان وعظا: كان أشفى للصدر، وأدعى للفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر أن يجلي الغياية، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل ويشفي الغليل].
ويصف التمثيل المفسّر الكبير أبو السعود فيقول:
« .. والتمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي، وقمع سورة الجامح الأبي. كيف لا؟.
وهو رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبراز لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف وإظهار للوحشي في هيئة المألوف».
ثم قال إبراهيم النظام مظهرا وظائفه: «يجتمع في المثل أربعة، لا تجتمع في غيره من الكلام:
إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية. فهو نهاية البلاغة».
كان تلك أبرز وظائف المثل التربوية، التي استخرجها أساطين البلاغة، والفصاحة، وثبّتوها في كتبهم.
(1/248)

أهمية أمثال القرآن
والأمثال في القرآن لتحتلّ مكانة سامقة، بدت ببيان بديع في شتّى مجالات الحياة، التي من خلالها تمت معالجة المشاكل، الفكرية، والقلبية، والجسدية، ولسوف نتعرف عليها من خلال عرضنا لمواطن قرآنية. قرّرت أصول المعالجة.
ولا ننسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عدّ الأمثال وجها من الوجوه القرآنية الخمسة التي نزلت.
فقد أخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[إنّ القرآن نزل على خمسة أوجه:
حلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال].
وجدير بنا أن نقف وقفة تأمل عند قوله صلى الله عليه وسلم [واعتبروا بالأمثال] فإنها لترشح لنا بمدى أهمية وخطورة الأمثال، فهي تقوم بوظيفة التربية والتهذيب لكثير من النفوس البشرية، والنفوس كلّما صقلت استقامت، وبنت، وكلّما تعفنت اعوجّت وخرّبت.
فبالتجاوب والاعتبار يحصل الاستقرار، وبالإعراض ينزل البوار.
(1/249)

أنواع المثل في القرآن
هذا. وإنّ المثل في القرآن لم يأت على نمط واحد فحسب، وإنّما جاء على ألوان ثلاثة- بلاغة، وتنوعا في الخطاب- وبذلك يضفي حيوية دائمة، وحركة دائبة على أساليب الكلام.
وهذه الأنواع هي:
1 - ظاهر، مصرّح به.
2 - كامن لا ذكر للمثل فيه.
3 - جار مجرى المثل.
(1/250)

النوع الأول الظاهر الصريح
وأمثلة هذا كثيرة، نثبت منها ما يفي بالغرض المنشود، وعليه يمكن أن يقيس القارئ المشابه لها، بها، أو يجريها على قاعدتها.

المثال الأول: المنافقون
ويكون هذا المثال في تضاعيف قوله تعالى مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ففي هذه الآيات، نرى القرآن الكريم- كعادته- يتغلغل إلى الأعماق فيكشف نوازع المنافقين، ونبضاتهم، ويميط اللثام عن أدقّ حالاتهم، وأحوالهم.
والمثل هنا يعطينا صورة صنفين من المنافقين، فيهم بقية من رجاء، ورمق من حياة، أصاخوا- بحواسّهم ومشاعرهم- إلى صوت الإيمان الحق، ثم نكصوا على أعقابهم.
(1/251)

وذلك نتيجة صراع داخلي، فهم يتعبدون الله على حرف، يقتبسون من تعاليم الله ما يروق لهم، ما إن يسيرون خطوات حتى تتهاوى أقدامهم وتتعثر خطاهم، وتبقى الصراعات محتدمة بين رغبات كثيرة.
ويتجلّى في المثال السابق بآياته، مثلان لهم:
مثل بالنار. ومثل بالمطر.
وكل من مثل النار، والمطر، يمثّل صنفا من المنافقين، فهما- إذا صنفان:
الأول: هم صنف آتاهم الله الهدى، فعملوا به، وجنوا ثمره، وصلح حالهم عليه، ما داموا مستقيمين، آخذين بمبادئه، لكنّهم انحرفوا عن المسار حين ظنوا أنّهم خصّوا بما أتوا، وامتازوا على غيرهم به. وتجاوزوا الحدّ أكثر، حين زعموا: أنّ فهمهم لا يرتقي إليه إلّا أفراد من رؤساء الدين.
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ.
الثاني: وهم صنف بقي فيهم بصيص نور، تلمح له معاني التنزيل، ما بين الفينة والأخرى، حينما تحركه الفطرة أو تدفعه الحوادث.
لكنّه باق على التقليد والبدع في ظلمات حوالك، ويخبط في المهالك، يتحيّر في السبيل، ولا يدري أين يذهب؟
(1/252)

وفوق هذه الحيرة، يصمّ أذنيه عن سماع صوت الحق، ونصح الناصحين خوفا أن تقرعه القوارع، أو تقتله الصواعق.

تحليل وتعليق
ويحلّل المثل حبر الأمة ابن عباس، فيقول- كما أخرج ابن أبي حاتم وغيره-:
[هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا يعتزّون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلمّا ماتوا سلبهم الله العزّ، كما سلب صاحب النار ضوؤه.
(وتركهم في ظلمات). يقول: في عذاب.
(أو كصيّب) - هو المطر- ضرب مثله في القرآن.
(فيه ظلمات). يقول: ابتلاء. (ورعد وبرق): تخويف.
(يكاد البرق يخطف أبصارهم). يقول: يكاد محكم القرآن يدلّ على عورات المنافقين.
(كلما أضاء لهم مشوا فيه) يقول: كلما أصاب المنافقون في الإسلام عزّا، اطمأنوا.
فإن أصاب الإسلام نكبة، قاموا، فأبوا ليرجعوا إلى الكفر].
(1/253)

النوع الثاني: المثل الكامن الذي لا ذكر للمثل فيه
ولون ثان من ألوان (المثل) هو الكمون وراء الحروف، لا يدركه إلّا الحاذقون، فهو يتطلب لمعرفته، تدبّرا وتأمّلا، وتقليبا للوجوه، حتى يستخرج من كمونه، واختفائه.
هذا. وإن استخراجه من الكمون، قد طالته عقول أسلافنا، وأظهرته على السطح، ليكون تأليفا لقواعد، وتثقيفا لعقول، وتصحيحا لأمراض القلوب.

فعلى سبيل المثال:
دار حوار بين رجل وبين الحسن بن الفضل، واسمه (مضارب بن إبراهيم).
يقول مضارب: سألت الحسن بن الفضل. فقلت:
- إنّك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن.
فهل تجد في كتاب الله «خير الأمور أوساطها»؟
قال: نعم. في أربعة مواضع:
1 - قوله تعالى لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ.
(1/254)

2 - وقوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً.
3 - وقوله تعالى وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ....
4 - وقوله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا.
قلت: فهل تجد في كتاب الله «من جهل شيئا عاداه»؟
قال: نعم. في موضعين:
قوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ.
قوله تعالى وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ.
قلت: فهل تجد في كتاب الله «احذر شرّ من أحسنت إليه؟».
قال: نعم.
قوله تعالى وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.
قلت: فهل تجد في كتاب الله «ليس الخبر كالعيان»؟
قال: في قوله تعالى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
قلت: فهل تجد «في الحركات البركات»؟
(1/255)

قال: في قوله تعالى* وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً.
قلت: فهل تجد «كما تدين تدان»؟
قال: في قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ.
قلت: فهل تجد قولهم «حين تقلي تدري»؟.
قال: عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا.
قلت: فهل تجد فيه «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟».
قال: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ؟.
قلت: فهل تجد فيه «من أعان ظالما سلّط عليه»؟.
قال: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ.
قلت: فهل تجد فيه قولهم «لا تلد الحيّة إلّا حييّة»؟.
قال: قال الله تعالى وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً.
قلت: فهل تجد فيه «للحيطان آذان»؟.
قال: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ.
(1/256)

قلت: فهل تجد فيه «الجاهل مرزوق، والعالم محروم»؟.
قال: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا.
قلت: فهل تجد فيه «الحلال لا يأتيك إلا قوتا، والحرام لا يأتيك إلا جزافا»؟.
قال: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ.
(1/257)

النوع الثالث الجاري مجرى المثل
وهذا النوع البديعيّ، المسمّى ب (إرسال المثل)، وكأنّ الآية منه ترسل رسائل عفويّة، تجيب فيها على سؤال، وتنعت بها حادثا، أو واقعا محدّدا، أو تؤنّب وتزجر.
ويمكننا أن نختار آيات من آي الذكر الحكيم، وفي كلّ آية إرسالية لأمر من الأمور، لا يعقلها إلّا العالمون، إلّا المتفكّرون.
1 - لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ.
2 - الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ.
3 - قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ.
4 - ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ.
5 - ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.
6 - هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ.
7 - أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ؟.
8 - تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى.
(1/258)

9 - لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ.
10 - لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ.
11 - وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.
هذا. وإنّ القرآن المجيد ليزخر بمثل هذا النوع، وهو أعلاها تفكيرا وأدقّها تعبيرا، وألذعها تنقيرا.
ولا يلحظ هذا إلّا من أوتي ذكاء، ومنح تدبّرا، وادّكارا. وصدق الله العظيم:
... لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ....
(1/259)

علم فواتح السور القرآنية
ولم تفتتح سور القرآن بنمط واحد، وإنّما جاءت افتتاحيات سوره على ألوان شتّى من أساليب العربية والبيان، وكلّ لون قد حوى من محسنات بلاغية تعبيرية بديعة ما يدهش الذوّاقة من أهل البيان ..
وذلك لأنّ من أساليب البلاغة حسن الابتداء، وهو أوّل ما يقرع السمع، فإن كان محرّرا، لافتا، أقبل السامع على الكلام ووعاه، وأخذ به حتى النهاية.
وإلّا أعرض عنه، وأهمله.
لذا. كان التأنق في أوّل الكلام، ساحرا أخّاذا، سارقا الأسماع، آخذا بمجامع الألباب، فهو المفتاح الماضي إلى كيان قارئيه وسامعيه.
هذا. وإن القرآن الكريم قد أبدع في تحرير البداية لسوره المحكمة المعجزة، حتى لا يجد القارئ أو السامع سبيلا للغيبة عنه، أو الصدود، إلّا من جحد، وعاند ورام الاستكبار والتعالي.
(1/260)

فن الابتداء في الكلام
والابتداء بالكلام فن من الفنون العبقرية، المعبّرة عن أدب المتكلّم، ومدى ثقافته، وحسن ذوقه، ومنها يتعرّف على شخصيّته.
والبدء ينتظم نوعين، كلّ منهما يتميز عن الآخر، بيد أنّ التمايز خفيّ يضطر كاشفه أن يتمتع بشفافية بلاغية، قلّ مثيلها.

فالنوع الأول: «حسن الابتداء»
وعنه قال أهل البيان:
[من (1) البلاغة حسن الابتداء.
وهو أن يتأنق في أول الكلام، لأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان محرّرا، أقبل السامع على الكلام، ووعاه.
وإلّا أعرض عنه، ولو كان الباقي في نهاية الحسن.
فينبغي أن يؤتى فيه بأعذب لفظ، وأجز له، وأرقه، وأسلسه، وأحسنه نظما، وسبكا، وأصحه معنى، وأوضحه وأخلاه من التعقيد، والتقديم، والتأخير، الملبس، أو الذي لا يناسب].
__________
(1) الإتقان (2/ 136).
(1/261)

أنواع الافتتاح
وتنوعت افتتاحيات السور، وقد حملت إلينا بتنوّعها أسرارا، وخصائص لا يمكن أن تطالها قدرة البشر، وإن حاولت البشريّة- يوما- فلسوف تخلّف فيمن عبر.
وعلى النوع الأوّل: فإنّ سور القرآن الكريم قد جاءت فواتحها على أحسن الوجوه، وأبلغها، وأكملها.
والناظر فيها ليجد صحة ذلك، فقد أحصيت فواتحه جميعها، وهي (مائة وأربع عشرة) سورة فبلغت أنواعها عند أهل هذا الفن عشرة أنواع:
الأول: الثناء على الله تعالى.
الثاني: حروف التهجّي.
الثالث: النداء بأنواعه.
الرابع: الجمل الخبرية.
الخامس: القسم بأنواعه.
السادس: الشرط. (إذا).
السابع: الأمر بأنواعه.
الثامن: الاستفهام بأنواعه.
التاسع: الدعاء.
العاشر: التعليل.
(1/262)

النوع الثاني: «براعة الاستهلال»
وهذا النوع أخص من الأول، وهو:
[أن يشتمل أول الكلام على ما يناسب الحال المتكلم فيه، ويشير إلى ما سيق الكلام لأجله].
والعلم الأسنى في هذا الفنّ سورة فاتحة الكتاب، التي هي مطلع القرآن، وجديرة أن تسمّى ب (عنوان القرآن).
لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده، بعبارة وجيزة في أوّله. وسورة الفاتحة قد اشتملت على جميع مقاصده، وعلومه، إذ أنّ القرآن قد حوى علوم الأديان جميعا، وأحصاها الأئمة، فبلغت لديهم أربعة: علم الأصول، علم العبادات، علم السلوك، علم القصص.
ولهذه الأربعة إرشادات قد حوتها فاتحة الكتاب.
فعلم الأصول: وهو ما يدور حول معرفة الله تعالى وصفاته.
فقد أشير إليه ب رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
ومعرفة النبوات: ب صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.
ومعرفة المعاد: ب مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
وعلم العبادات أشير إليه: ب إِيَّاكَ نَعْبُدُ.
وعلم السلوك أشير إليه: ب وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.
(1/263)

وعلم القصص: وهو الاطلاع على أخبار الأمم السالفة، والقرون الماضية، ليتعرف المطلع على سعادة من أطاع، وشقاوة من عصى.
وأشير إليه ب صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
وبهذا تكون الفاتحة قد أشارت إلى جميع مقاصد القرآن الكريم، وهو الغاية، في براعة الاستهلال، فضلا عما اشتملت عليه من الألفاظ الحسنة، والمقاطع المستحسنة،
وأنواع البلاغة.

[نقتصر هنا على نوعين اثنين من أنواع حسن الابتداء]
ولسوف نقتصر هنا على نوعين اثنين من أنواع حسن الابتداء العشرة فقط، نظرا لضيق المساحة، ووفاء بالقصد.

النوع الأول: افتتاح بالثناء
وأولى الأنواع: الافتتاح بالثناء على الله سبحانه، وهو قسمان:

الأوّل: إثبات لصفات المدح: وهي في خمس سور.
فسور الحمد:
1 - الكهف: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ ....
(1/264)

2 - فاطر الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ....
3 - الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ....
4 - الأنعام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ....
5 - سبأ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ ....

وتبارك:
وإثبات التنزيه له من صفات النقص.
وذلك في سورتين اثنتين:
1 - الملك: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ....
2 - الفرقان: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ ....

الثاني: التسبيح
وذلك في سبع سور، وتدعى ب: (المسبحات). وهذا النوع الثاني من الثناء.
والتسبيح كلمة استأثر الله بها نفسه.
فبدأ بالمصدر في سورة (الإسراء) لأنه الأصل.
1 - الإسراء. سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ....
ثم بالماضي، لأنه أسبق الزمانين، وذلك في سورتين:
1 - الحديد. سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
(1/265)

2 - الحشر. سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ثم بالمضارع، لأنه التالي، من الأنواع ترتيبا من حيث العربية. وذلك في سورتين:
1 - الجمعة. يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
2 - التغابن. يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ثم بالأمر، ليستوعب الكلمة من جميع جهاتها، فما من أسلوب إلّا وافتتح به سورة، ليبقى العبد دائم الحمد لربه، يحمده بشتى أنواع الحمد.
وذلك في سورة واحدة.
هي الأعلى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ....
(1/266)

النوع الثاني: حروف التهجي
وهذا النوع لمن المعجزات، وقد تفرّد به القرن الكريم، ولم يسمع عبر التاريخ أنّ أحدا حاكاه، أو قدر على ذلك، وقد ألّفت فيها كتابا سميته:
(الحروف النورانية في فواتح السور القرآنية) (1).
أبنت فيه ما تحمله من أسرار وحكم، وكيف تربّعت على حروف التهجي بتفرداتها، وجمالها اللفظي، والاستهلالي، فلا شبيه ولا نظير، فهي العلم الأكبر، المدلّ على مصداقية القرآن الكريم.
فما من شكل من أشكالها، إلّا ويعبّر عن مضامين سورتها، وتمدّها بخيوط النور الإلهي، لتبقى مشعّة على الدوام، يستضيء بها المبصر، ولا يعرفها الأعمى.
وهي- بلا شك- قد استهلت بأشكالها سورها، وليس من الإمكان تبديل الأماكن في رسمها، بل إن بدّلت، سيفقدها بلاغتها وجمالها، وإشارات إعجازها.
ثمّ إنّ افتتاح السور بها، لم يسبق له نظير في الفصحى، فجاءت فألجمت، وأفحمت، ثمّ لمعت في سماء البلاغة، وخلّفت وراءها ما أبدعه الإنسان، وما سيبدعه، حتى تقوم الساعة، فعجز البشر عن
__________
(1) فليرجع إليه.
(1/267)

محاكاتها، أو نظم ما يشبه أسلوبها، وحجزت ما بينهم، وبين أن ينطقوا بما هو على غرارها، فكانت معجزة.

[1 - ] ماهية حروف التهجّي
ولتفرّد حروف التهجي في افتتاحية بعض سور القرآن، فإنها تفرض نفسها على ساحة البلاغة، أن يسبر الباحثون أغوار أسرارها، وما ترشح به من تحدّيات، وما تفيض به من أنوار.
وقديما شغل بها الباحثون، فسطّروا ما اكتشفوه، قدر طاقتهم من عظمة، وتميّز، لم يعرف له نظير.

فماذا جاء فيها؟
. ولن نقدر أن نستوعبها بكل تفرّداتها، نظرا لضيق المساحة لأننا نهجنا سبيل الإيجاز، غير أننا نأخذ طرفا من كل ميدان، ليطلع القارئ على أهم أركانها، وإن أراد المزيد، فليعد إلى كتابنا، ففيه ما يشملها دراسة وبحثا.

فما هي هذه الحروف؟
.
(1/268)

يمكننا أن نحدّ ماهيتها بقولنا:
«إنّها حروف هجائية، عربية، مقطّعة تقطيعا منمّطا بأنماط مختلفة، جيء بها في استهلالية بعض سورة القرآن تحديا، وإعجازا».

2 - ما أعدادها؟
وأعداد هذه الحروف بلا تكرار، (أربعة عشر)، في (تسع وعشرين) سورة من القرآن الكريم، كما أن عدد أشكالها (أربعة عشر) شكلا. وجمعت في جملة:
(صله سحيرا من قطعك).

3 - كم شكلا لها؟
وكما تقدم- فإن أشكالها أربعة عشر، نوردها دون تكرار:
1 - الم. 2 - المص. 3 - ألر. 4 - المر. 5 - كهيعص. 6 - طه.
7 - طسم. 8 - طس. 9 - يس. 10 - ص. 11 - حم.
12 - حم. عسق. 13 - ق. 14 - ن.
والنطق بهذه الأشكال ليس على نمط واحد، وإنّما جاءت على أنماط ثلاثة:
(1/269)

4 - أنماط النطق بها
وللنطق بها أنماط ثلاثة، كل نمط يخضع لقاعدة، لا يجوز للقارئ أن يحيد عنها، وإلّا سيقع تحت المساءلة الشرعية، في مضمار العبادة. وهذا التباين في تلاوتها لآية إعجاز قرآني، يلحظه الثاقفون، وينام عنه السادرون.
فما هي تلك الأنماط؟.

النمط الأوّل
كيفية هذا النمط
: «أن ننطق بذات الحرف (صوته) مع مدّ آخره بحركتين».
وحروفه خمسة، مجموعة في (حيّ طهر).
والنطق بها هكذا:
(حا. طا. ها. يا. را).

النمط الثاني
وكيفية النمط الثاني
: «أن ننطق باسم الحرف من غير مدّ لآخره، لخلوّه من حرف مدّيّ»
(1/270)

وحروفه: هو حرف واحد (الألف).
فننطق الألف من (الم) ب (ألف) من غير مدّ.

النمط الثالث
وكيفية هذا النمط
: «أن ننطق باسم الحرف، مع مدّ آخره مدّا بالطول، ومقداره ست حركات».
وحروفه ثمانية. مجموعة ب (نقص عسلكم).
وننطق هذه الحروف على الشكل التالي:
(لام. نون. سين. ميم. صاد. قاف. كاف. عين).

5 - إعجازها
وما دامت الحروف هذه من القرآن، فالإعجاز يسري في تضاعيفها، ويعلو في أنظار الثاقفين، والباحثين، فما أوجه الإعجاز فيها؟!!
(1/271)

الوجه الأول: تقسيمها في النطق إلى حروف مبنى، وحروف معنى
نزولها بطريق محكم الترتيب، مختلف الأشكال نطقا وكتابة، فهي رسمت بشكل واحد، وفرض نطقها بأشكال مختلفة، موزعة على نوعين من الحروف:
1 - حروف مبنى.
2 - حروف معنى.
والنطق بهذا التقسيم لن يعرفه إلّا من كان متعلّما مثقفا. أما الأميّ الجاهل فلا يعرف هذا، ولا يدرك التمايز بينهما.
والعرب أمة أمية، لا تفرّق بين المبنى والمعنى، إلّا الدارسون منهم.
فكيف لأميّ أن يأتي بحروف، ويفرض نطقها بشكلين، وهو كما غيره من الأميّين لا يميزون بين مبنى ومعنى؟
إذا. لا بدّ أن صاحب القرآن هو غيره، ولم يعرف أحد أنه يلقّنه إلّا الله سبحانه، فبدت آثار المعجزة.
(1/272)

الوجه الثاني: احتواؤها على نصف المعجم بمعادلة هندسية
ثمّ إن هذه الحروف قد استوعبت نصف حروف المعجم، ليس اعتباطا، وإنما بطريقة هندسية بديعة التصميم، إذا عرفناها فإننا نضطر إلى التسليم بإعجازها، وأنّها ليست من قول بشر.
وإليك- لوحة الترتيب الهندسي وفق التسلسل المعجمي، ووزعت على ثلاثة أقسام، كل قسم لوحة بذاتها.
فاللوحة الأولى: قد حوت الحروف التسعة الأولى، وهي:
(أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ. د. ذ).
واللوحة الثانية: قد حوت الحروف العشرة بعدها. وهي:
(ر. ز. س. ش. ص. ض. ط. ظ. ع. غ).
واللوحة الثالثة: قد حوت الحروف التسعة الأخيرة. وهي:
(ف. ق. ك. ل. م. ن. هـ. و. ي).
وبهذا التقسيم وفق الترتيب المعجمي، ظهرت معادلة هندسية بديعة،
(1/273)

لم يحط بها علما العرب ساعة التنزيل، لأنّ الحروف لم تكن معجمة كما اليوم، وإنّما كانت مجرّدة عنه، فما هذه المعادلة الهندسية التي اكتشفت بعد عصر الإعجام؟
هي كالآتي:
- لقد أخذت الحروف في اللوحة الأولى اثنين. من تسعة وهما (أ. ح) وتركت سبعة، وهي الباقية.
ثم أخذت في اللوحة الثالثة سبعة من تسعة. وهي (ق. ك. ل. م. ن.
هـ. ي).
وتركت اثنين وهما (و. ف).
ثم في اللوحة الثانية، وهي الفاصلة بين الأولى، والثالثة، قد أخذت غير المنقوط، وتركت المنقوط، في وقت لم يكن ثمّة حرف منقوط وحرف غير منقوط.
فكيف تمّ هذا؟
أمن طريق الصدفة وقع؟
أم تقدير من العزيز العليم؟
لقد خبّئت هذه المعادلة، لتكون معجزة مادية في المستقبل، وليس القريب، بل بعد أمد بعيد.
(1/274)

الوجه الثالث: استيعابها لأشكال الحروف القديمة
لقد استوعبت منذ نزولها حروف المعجم العربية، ولم تظهر لدى الرعيل الأول، لأنها كانت مجرّدة من النقط والإعجام، فلم تكتشف إلّا بعد أمد ليس بالقريب، لتقول: أنا المعجزة.
فكيف استوعبت الحروف- إذا؟.
لقد استوعبتها بما يلي:
الصاد: تستوعب (ص- ض) الراء: تستوعب (ر- ز).
الدال: تستوعب (د- ذ) العين: تستوعب (ع- غ).
الطاء: تستوعب (ط- ظ) السين: تستوعب (س- ش).
الحاء: تستوعب (ح- ج- خ) القاف: تستوعب (ق- ف).
النون، والياء: بكونهما ذات سنّ (ب. ت. ث. ي. ن).
و (أ. ل. م. ك. هـ). قد استوعبت ذاتها.
وبهذه التغطية، تكون هذه الحروف قد استوعبت حروف اللغة العربية.
ثم إنّ عدد أشكالها أربعة عشر حرفا، وهو نصف الحروف الأبجدية، وافتتحت بها تسع وعشرون سورة، وهذا العدد يماثل عدد الحروف الهجائية.
والله أعلم
(1/275)