Advertisement

موقف الشوكاني في تفسيره من المناسبات



الكتاب: موقف الشوكاني في تفسيره من المناسبات
(بحث محكم بكلية أصول الدين جامعة الأزهر 1425هـ)
المؤلف: أحمد بن محمد الشرقاوى سالم
[الكتاب مرقم آليا] إهداء من المؤلف
لمكتبة شبكة التفسير والدراسات القرآنية
www.tafsir.net
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستهديه ونتوب إليه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، ونصلي ونسلم على الحبيب المصطفى والرسول المجتبى سيد الخلق وحبيب الحق محمد بن عبد الله النبي العربي الأمين صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
قالقرآن الكريم هو المعجزة الخالدة التي أيد الله عز وجل بها رسوله عليه الصلاة والسلام، والخطاب العام الموجه لجميع العقول والأفهام، والعصمة والشفاء من كافة الأدواء والأسقام، والطهارة والبراء من ظلمات الشك والأوهام، خصه تعالى بنزوله مفرقا حسب الحوادث وتدرج الأحكام، وجمعه عز وجل جمعا في غاية الإحكام والانتظام، حتى صار ترتيبه علما من علومه عني به المفسرون القدامى والمحدثون عناية بالغة؛ فمن خلاله نقف على وجه من وجوه إعجاز القرآن فضلا عن فهم المعاني ومعرفة المقاصد والترجيح بين الآراء، وإزالة اللبس، من هذا المنطلق عني به المفسرون القدامى والمحدثون مع اختلاف درجات اهتمامهم ومدى تعمقهم في هذا الموضوع، لكن الإمام الشوكاني كان له موقف آخر حيث دعا إلى الانصراف عنه وزعم أنه لا فائدة منه، وانتقد المهتمين به، ذكر ذلك في مقدمة تفسيره، لكنه لم يثبت على موقفه إذ ذكر بعضا من وجوه المناسبات بين الآيات في ثنايا تفسيره، وفي هذا البحث نعرض لكلامه ثم نرد عليه ردودا إجمالية ونعقبها بردود تفصيلية على أهم القضايا التي أثارها في معرض حديثه عن المناسبات، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
أحمد بن محمد الشرقاوي القصيم - عنيزة 11 شوال 1423هـ
أستاذ مشارك بجامعة الأزهر وكلية التربية للبنات عنيزة
Sharkawe2000@yahoo.com
(1/1)

تمهيد
أولا: مع التفسير والمفسر
من روائع كتب التفسير ومن أصولها الجامعة تفسير الإمام الشوكاني المسمى بـ " فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير " هذا التفسير يعتبر مرجعا أساسيا في بابه؛ ذلك لأنه اشتمل على التفسير بالرواية الذي يعتمد على مصادر التفسير المأثور الأربعة:
تفسير القرآن بالقرآن
تفسير القرآن بالسنة
تفسير القرآن بأقوال الصحابة
تفسير القرآن بأقوال التابعين
كما اشتمل هذا التفسير أيضا على التفسير بالرأي، وهو تفسير القرآن الكريم بالاجتهاد بعد معرفة المفسر باللغة العربية ووقوفه على أسباب النزول ودرايته بالناسخ والمنسوخ والعام والخاص وغير ذلك من علوم القرآن إلى جانب رجوعه إلى التفسير بالمأثور الذي يعد المرجع الأساسي للمفسر 0
والإمام الشوكاني غني عن التعريف: فهو علم من أعلام الفقه ورائد من رواد الدعوة والإصلاح في عصره وكاتب موسوعي، يرجع نسبه إلى هجرة شوكان من هجر صنعاء ولد سنة 1173هـ ونشأ في مدينة صنعاء وحفظ القرآن في مسجدها الجامع، ودرج في بيت علم وفضل فأبوه علي بن محمد بن علي الشوكاني: كان يشغل منصب قاضي صنعاء ولقد نهل من علمه واستفاد من مكتبته الزاخرة بأمهات الكتب في شتى العلوم والفنون، وتنقل الشوكاني بين علماء صنعاء كما تتنقل النحلة من زهرة إلى زهرة ومن بستان إلى بستان، ترتشف الرحيق ليخرج من بطونها شراب مختلف الألوان فيه شفاء للناس.
وقرأ على شيوخه أمهات الكتب في شتى العلوم في العقيدة والفقه وأصوله واللغة وآدابها والحديث وعلومه والمنطق وأدب البحث والمناظرة وفي التفسير وعلومه وغير ذلك من العلوم التي برع فيها 0
ولقد ترجم لشيوخه في كتابه البدر الطالع في محاسن من بعد القرن السابع 0
(1/2)

وله رحمه الله مؤلفات عديدة معظمها مطبوع من أهمها تفسيره فتح القدير وكتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، والبدر الطالع في محاسن من بعد القرن السابع، والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، وتحفة الذاكرين في شرح عدة الحصن الحصين، وغير ذلك. (1)
ثانيا: تعريف علم المناسبات:
المناسبات جمع مناسبة والمناسبة في اللغة المشابهة والمشاكلة والمقاربة (2) ، ومنه النسيب: القريب المتصل كالأخوين وابن العم ونحوه، ممن بينهم مناسبة أي رابطة تربط بينهم وهي القرابة، وعند الأصوليين: المناسبة فى العلة فى باب القياس وهي الوصف المقارب للحكم لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم (3) ، وعند البلغاء: التناسب الترتيب للمعاني المتآخية التي تتلاءم ولا تتنافر (4)
وفي اصطلاح المفسرين: عرفها ابن العربي في كتابه سراج المريدين: بأنها: "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحد ة متسقة المعاني منتظمة المباني " (5)
وعرفها الزركشي في البرهان بأنها: أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول. (6)
فعلم المناسبة علم يعنى بإبراز أوجه الصلة وتناسب الآيات والسور.

المبحث الأول: كلام الشوكاني عن المناسبات
__________
(1) - تراجع ترجمته في معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 11/53 والمجددون في الإسلام لعبد المتعال الصعيدي ص 472
(2) - يراجع معجم مقاييس اللغة لابن فارس 5/324 والصحاح 1/422
(3) - يراجع أصول الفقه لأبي زهرة ص 241 ط دار الفكر العربي
(4) - يراجع معجم المفصل في علوم البلاغة جمع وترتيب د. إنعام عكاوي ضمن سلسلة الخزانة اللغوية 6 /430 ط دار الكتب العلمية
(5) - سراج المريدين للقاضي أبي بكر ابن العربي نقلا عن الإتقان 2 / 108
(6) - البرهان في علوم القرآن 1 /36
(1/3)

عرض وردود إجمالية

يدعي الشوكاني أن البحث في هذا العلم ضرب من التكلف، وأنه لا فائدة منه، وأنه من التكلم بمحض الرأي المنهي عنه وينعى على البقاعي وغيره عنايتهم بهذا العلم: وفيما يلي عرض لكلامه مع ردود إجمالية عليها:
يقول الشوكاني في مقدمة تفسيره معارضا لعلم المناسبة منكرا له ومنتقدا للمهتمين به: " اعلم أن كثيرا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه؛ وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف فجاءوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلا عن كلام الرب سبحانه حتى أفردوا ذلك بالتصنيف وجعلوه المقصد الأهم من التأليف كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه حسبما ذكر في خطبته " (1)
ونحن نوافق الشوكاني في أن التكلف منهي عنه في التفسير أو في غيره، وأنه لا يجوز التكلم بمحض الرأي المنهي عنه، فعلم المناسبات يحتاج إلى تدبر وتفكر لا إلى تكلف وتعسف، وهو علم لا بد منه ولا غنى عنه لأي مفسر، لأنه يعين على فهم المعنى والترجيح بين الآراء ومعرفة المقاصد العامة للآيات والسور وغير ذلك من فوائد، والمناسبة قد تكون واضحة جلية، وقد تحتاج إلى تأمل دقيق وتدبر عميق، فإذا خفيت المناسبة فلا ينبغي إنكارها ونفيها.
وقد قيل:
وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار
ويتساءل الشوكاني: كيف نطلب للآيات مناسبات وقد نزلت منجمة حسب الأحداث
فلا تناسب بينها إذاًَََََ؟
__________
(1) - فتح القدير 1 / 72، 73
(1/4)

وفي هذا يقول الشوكاني: " وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقا على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن قبضه الله عز وجل إليه وكل عاقل فضلا عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالا وتحليل أمر كان حراما وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع المسلمين وتارة مع الكافرين وتارة مع من مضي وتارة مع من حضر وحينا في عبادة وحينا في معاملة ووقتا في ترغيب ووقتا في ترهيب وآونة في بشارة وآونة في نذارة وطورا في أمر دنيا وطورا في أمر آخرة ومرة في تكاليف آتية ومرة في أقاصيص ماضية وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون والماء والنار والملاح والحادي "
(1/5)

ونحو هذا ما قال الإمام العز بن عبد السلام كما نقل عنه الزركشي في البرهان: قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله " المناسبة علم حسن ولكن يشترط فى حسن ارتباط الكلام أن يقع فى أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر قال ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلا عن أحسنه فإن القرآن نزل فى نيف وعشرين سنة فى أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض إذ لا يحسن أن يرتبط تصرف الإله فى خلقه وأحكامه بعضها ببعض مع اختلاف العلل والأسباب كتصرف الملوك والحكام والمفتين وتصرف الإنسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادة وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض مع اختلافها فى نفسها واختلاف أوقاتها انتهى ". (1)
إلا أن العز رحمه الله لا ينكر وجود المناسبة على الإطلاق ولكنه يستحسنها إذا وقعت بين كلام متحد مرتبط أوله بأخرى.
وأقول لقد نزل القرآن الكريم مفرقا حسب الحوادث والنوازل ومراعاة للتدرج في التشريع ولكنه جمع في الصدور والسطور وفقا لما هو عليه في اللوح المحفوظ حيث كان جبريل عليه السلام يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بموضع كل آية في سورتها، إضافة إلى ترتيب السور كما سيأتي بيانه، فإذا كان في نزوله منجما حكم وفوائد لا تخفى فإن في جمعه على هذا الترتيب التوقيفي حكم وفوائد، وإذا كان في نزوله منجما سمة من سماته التي تفرد بها عن الكتب السابقة فإن هذا الترتيب سمة من سماته، وهل يعقل أن يكون ترتيبه في المصحف على غير ترتيب نزوله ثم لا يكون لذلك حكمة؟ ولماذا نجتهد في التماس حكم ومقاصد التشريعات الإلهية ثم نطالب بتجاهل الحكم من الترتيب الإلهي للمصحف الشريف!
__________
(1) - البرهان 1/37
(1/6)

قال الإمام الزركشي في البرهان: " قال بعض مشايخنا المحققين قد وهم من قال لا يطلب للآى الكريمة مناسبة لأنها حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما فى الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، وحافظ القرآن العظيم لو استفتى فى أحكام متعددة أو ناظر فيها أو أملاها لذ كر آية كل حكم على ما سئل وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى ولا كما نزل مفرقا بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر فإنه (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) (1) قال: والذى ينبغى فى كل آية أن يبحث أول كل شىء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففى ذلك علم جم وهكذا فى السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له " (2)
وأقول أيضا ليست كل السور القرآنية نزلت منجمة بل إن من السور الطوال ما نزل جملة كسورة الأنعام مثلا، وسورة الفاتحة وغيرها فهل لا نطلب لها مناسبة أيضا؟ (3)
كما أن بعض السور نزلت منها مقاطع كبيرة جملة واحدة فهل نترك الحديث عن ترابطها وتناسبها؟
__________
(1) - سورة هود 1
(2) - البرهان في علوم القرآن 1 / 38
(3) ? - فعن أسماء بنت يزيد قالت نزلت سورة الأنعام على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة إن كادت من ثقلها لتكسر عظم الناقة رواه الطبراني وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد وثق مجمع الزوائد 7/20
ورواه الحاكم في المستدرك بسنده عن جابر رضي الله عنه قال ثم لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق هذا حديث صحيح على شرط مسلم فإن إسماعيل هذا هو السدي ولم يخرجه البخاري 0 المستدرك على الصحيحين 2/ 344 - 3226
(1/7)

كما أقول: أليس من العجيب أن ينتقد الشوكاني البقاعي بسبب اهتمامه بهذا العلم في تفسيره نظم الدرر؟ ثم نراه يثني على هذا التفسير وعلى مسلك صاحبه فيه فيقول في كتابه البدر الطالع خلال ترجمته له: " ومن أمعن النظر في كتابه المترجم له في التفسير الذي جعله في المناسبات بين الآي والسور علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علم المعقول والمنقول، وكثير ما يشكل على شيء في الكتاب فأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي وأرجع إلى هذا الكتاب - نظم الدرر - فأجد فيه ما يفيد في الغالب ". (1)

ويزعم الشوكاني أن البحث في هذا العلم ما هو إلا " فتح لأبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه وأنه لا يكون القرآن بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضى للمناسبة وتبين الأمر الموجب للارتباط فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة " (2)
أقول إن تناسب الآيات والسور جانب من جوانب البلاغة القرآنية حيث جودة السبك وروعة النظم وجمال التراكيب وبراعة الأساليب وهذا التناسب وجه من وجوه الإعجاز ولم يقل أحد أن الإعجاز قائم عليه وحده، أو أن البلاغة القرآنية لا تتمثل إلا فيه فجوانب الإعجاز متعددة، وبلاغة القرآن متشعبة وأساليبها وألوانها عديدة 0
__________
(1) - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني 2/1
(2) - فتح القدير 1/ المقدمة
(1/8)

وهل قال أحد بأن البحث في الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم قد يوهم بأنه لا إعجاز إلا من هذا الجانب؟ فلا ينبغي البحث في بلاغة القرآن حتى لا يتوهم أحد أن القرآن لن يكون معجزا إلا إذا بحثنا في بلاغته؟
بل إن البحث في هذا العلم يزداد به المؤمن إيمانا ويقينا ويفند مزاعم أهل الكفر والضلال الذين يزعمون أن القرآن لا ترتيب له.
ويقول الشوكاني ظانا بأن هذا العلم لا فائدة منه "وما أقل نفع مثل هذا وأنذر ثمرته وأحقر فائدته بل هو عن من يفهم ما يقول وما يقال له من تضييع الأوقات وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ولا على من يقف عليه من الناس " (1)
وأقول إن لهذا العلم فوائد جمة إذ من خلاله يتجلى لنا وجه من وجوه الإعجاز القرآني وسمة من سماته والحكمة من ترتيبه، كما نستعين به في تدبر كلام الله عزوجل ودراسته، وفهم معانيه ومقاصده وغير ذلك من الفوائد التي نتحدث عتها في موضعها إن شاء الله، وهو من تدبر كلام الله عز وجل وبه نستخلص العبر والعظات ونتعرف على مقاصد السور والآيات وقد أمرنا الله عز وجل بالتدبر في كتابه الكريم قال تعالى {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا {82} } وقال سبحانه {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الألْبَابِ {29} }
__________
(1) - نفس المرجع - المقدمة
(1/9)

ويقول الشوكاني أيضا منكرا لإمكانية الربط بين الآيات والسور والتماس الوحدة الموضوعية للقرآن " وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحا وأخرى هجاء وحينا نسيبا وحينا رثاء وغير ذلك من الأنواع المتخالفة فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه ثم تكلف تكلفا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الجهاد والخطبة التي خطبها في الحج والخطبة التي خطبها في النكاح ونحو ذلك وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء والإنشاء الكائن في الهناء وما يشابه ذلك لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابا في عقله متلاعبا بأوقاته عابثا بعمره الذي هو رأس ماله وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر فكيف تراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي وأنزله بلغة العرب وسلك فيه مسالكهم في الكلام وجرى به في الخطاب وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون متخالفة وطرائق متباينة فضلا عن المقامين فضلا عن المقامات فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا وكذلك شاعرهم ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي تعثر في ساحاتها كثير من المحققين وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم عليه السلام فإذا قال متكلف كيف ناسب هذا ما قبله قلنا لا كيف
فدع عنك نهبا صيح في حجراته وهات حديثا ما حديث الرواحل ". (1)
أقول: وهل من المعقول أن يقاس كلام البشر على كلام خالق البشر؟ هل هذا الأمر مقبول؟ وهل يستوي وحي من الله منزل وقافية في العالمين شرود
__________
(1) - نفس المرجع
(1/10)

هل نقارن كلام البشر الذي لا يخلو من الخلل والقصور مع كلام اللطيف الخبير العليم بذات الصدور؟ هل نسوي بين هذا وذاك؟ والله تعالى يقول عن كتابه الكريم
{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ {1} } [سورة هود]
فهو كتاب محكم في نظمه محكم في مقاصده محكم في بنائه محكم في اتساقه.
وهو كتاب يشبه بعضه بعضا في روعة الأساليب ودقة الألفاظ وسمو المقاصد ووحدة البناء وتناسب الآيات وترابط السور قال تعالى في سورة {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ {23} }
هذا رد إجمالي على كلام الإمام الشوكاني رحمه الله، وإن خفاء أوجه المناسبة ليس حجة في إنكارها
وقد قيل
فإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار
ومن العجيب أنه مع موقفه المانع للمناسبة كما هو واضح من كلامه نراه في تفسيره قد أورد عديدا من المناسبات لنا معها وقفة إن شاء الله 0
من خلال المبحث اللاحق حيث نقدم ردودا تفصيلية على بعض القضايا المثارة.
المبحث الثاني ردود تفصيلية
المطلب الأول: زعمه أن المناسبات علم بلا فائدة
يدعي الإمام الشوكاني أن علم المناسبات علم بلا فائدة، والحق أن لهذا العلم فوائد عديدة وثمرات نافعة عنها نتحدث في هذا المبحث إن شاء الله:
فنقول وبالله التوفيق: من فوائد دراسة هذا العلم:
معرفة وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم:
القرآن الكريم: حجة الله البالغة وآياته المتجددة ومعجزة الرسول الخالدة، معجزة لكل جيل وقبيل، معجزة في كل عصر ومصر، معجزة للبشرية جمعاء في شتى أطوار حياتها بل معجزة أيضا للجن
(1/11)

قال تعالى {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا {88} وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا {89} }
ومن أبرز وجوه إعجاز القرآن الكريم: إعجازه بحسب تناسب آياته وتناسق وتعانق سوره، فالقرآن الكريم وحدة موضوعية واحدة وآياته وسوره بناء واحد:
كالدر يزداد حسنا وهْوَ منتظم وليس ينقص قدرا غير منتظم

ولقد ذكر السيوطي في كتابه معترك الأقران في إعجاز القرآن من ضمن وجوه الإعجاز [الوجه الرابع من وجوه الإعجاز: مناسبة آياته وسوره وارتباط بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني] لكنه كرر في هذا المقام ما سبق وأن ذكره في الإتقان (1)
وقال الإمام الرازي في تفسيره لسورة البقرة: " ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضا بحسب ترتيبه ونظم آياته ولعل الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسرار وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل:
والنجم تستصغر الأبصار صورته * والذنب للطرف لا للنجم في الصغر " (2) .
ويقول الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن: " والوجه الثالث من وجوه إعجازه: " أنه بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه. ".
__________
(1) - معترك الأقران في إعجاز القرآن الوجه الرابع 1 /54 ويراجع الإتقان 2 / 288
(2) - مفاتيح الغيب 7 /183..
(1/12)

ويقول أيضا " ... وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه (1) التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف والرصف لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتا بينا ويختلف اختلافا كبيرا ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت " (2)
ويقول أيضا: " فأما نهج القرآن ونظمه وتأليفه ورصفه فإن العقول تتيه في جهته وتحار في بحره وتضل دون وصفه. ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض وتستولي به على الأمد وتصل به إلى المقصد وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس وتتيقن تناهي بلاغته كما تتيقن الفجر وأقرب عليك الغامض وأسهل عليك العسير، واعلم أن هذا علم شريف المحل عظيم المكان قليل الطلاب ضعيف الأصحاب. (3)
__________
(1) - يعني بذلك ما ورد في القرآن من قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام وإعذار وإنذار ووعد ووعيد وتبشير وتخويف وأوصاف وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة وسير مأثورة وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها
(2) - إعجاز القرآن للباقلاني ص 37 باختصار
(3) - نفس المرجع ص 185، 184..
(1/13)

ثم يذكر الباقلاني نماذج عديدة تدل على روعة النظم القرآني نذكر منها ما يلي: " تأمل السورة التي يذكر فيها النمل وانظر فيها كلمة كلمة وفصلا فصلا؛ بدأ بذكر السورة إلى أن بين أن القرآن من عنده فقال تعالى (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام وأنه رأى نارا (فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) وقال في سورة طه في هذه القصة (لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) وفي موضع (لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) قد تصرف في وجوه وأتى بذكر القصة على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك ولهذا قال (فليأتوا بحديث مثله) ليكون أبلغ في تعجيزهم وأظهر للحجة عليهم، وكل كلمة من هذه الكلمات وإن أنبأت عن قصة فهي بليغة بنفسها تامة في معناها ثم قال {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين} فانظر إلى ما أجرى له الكلام من علو أمر هذا النداء وعظم شأن هذا الثناء وكيف انتظم مع الكلام الأول وكيف اتصل بتلك المقدمة وكيف وصل بها ما بعدها من الإخبار عن الربوبية وما دل به عليها من قلب العصا حية وجعلها دليلا يدله عليه ومعجزة تهديه إليه، وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة ثم ما شفع به هذه الآية وقرن به هذه الدلالة من اليد البيضاء عن نور البرهان من غير سوء، ثم انظر فيه آية آية وكلمة كلمة هل تجدها كما وصفنا من عجيب النظم وبديع الرصف فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية وفي الدلالة آية فكيف إذا قارنتها أخواتها وضامتها ذواتها مما تجري في الحسن مجراها وتأخذ في معناها، ثم من قصة إلى قصة ومن باب إلى باب من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل وحتى يصور لك الفصل وصلا ببديع التأليف وبليغ التنزيل، وإن أردت أن تتبين ما
(1/14)

قلناه فضل تبين وتتحقق بما ادعيناه زيادة تحقق فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص وحديث من هذه الأحاديث فعبر عنه بعبارة من جهتك وأخبر عنه بألفاظ من عندك حتى تري فيما جئت به النقص الظاهر وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر ". (1)

وقال الأستاذ الرافعي (2) في كتابه إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: " من أعجب ما اتفق في هذا القرآن من وجوه إعجازه أن معانيه تجري في إحكام النظم مجرى ألفاظه على ما بيناه من أمرها -يعني ما سبق أن ذكره عن جمالها وروعتها وبلاغتها -[إن هذا الإعجاز في معني القرآن وارتباطها أمر لا ريب فيه وهو أبلغ في معناه إذا انتبهت إلى أن السورة لم تنزل على هذا الترتيب فكان الأحرى ان لا تلتئم وأن لا يناسب بعضها بعضا وأن تذهب آياتها في الخلاف كل مذهب، ولكنه روح من أمر الله تفرق معجزا فلما اجتمع اجتمع له إعجاز آخر ليتذكر به أولوا الألباب] (3)
ويقول رحمه الله [وإنك لتحار إذا تأملت تركيب القرآن ونظم كلماته في الوجوه المختلفة التي يتصرف فيها وتقعد بك العبارة إذا أنت حاولت أن تمضي في وصفه حتى لا ترى في اللغة كلها أدل على غرضك وأجمع لما في نفسك وأين لهذه الحقيقة غير كلمة الإعجاز] (4)
ويقول الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله: " لعمري لئن كان للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات وفي أساليب ترتيبه معجزات، وفي نبوءته الصادقة معجزات، وفي كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونية معجزات، لعمري إنه في ترتيب آياته معجزة المعجزات " (5)
الاستعانة بعلم المناسبات في فهم المعنى:
__________
(1) - -نفس المرجع ص 40
(2) - مصطفى صادق الرافعي: أديب ومفكر مصري راحل
(3) - إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ص 278
(4) - نفس المرجع ص 280
(5) - النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله ص 209..
(1/15)

لا غنى للمفسر عن دراسة هذا العلم والتعمق فيه فمن خلاله يستعين على فهم المعنى أو الترجيح بين الآراء في ضوء السياق، أو إزالة لبس أو إشكال، أو دفع إيهام، أو معرفة الحكمة من إيراد القصص القرآني، أو غير ذلك من الفوائد؛ لذا فلا بد من النظرة الكلية الشاملة والتأمل في مقاصد السورة وتعيين المحور العام الذي تدور حوله، وتقسيم الآيات إلى مقاطع كل مقطع يمثل وحدة موضوعية واحدة مترابطة ومستمسكة ومتناسقة مع سابقها ولاحقها.
يقول الإمام الرازي رحمه الله " علم المناسبات علم عظيم أودع فيه كثير من لطائف القرآن وروائعه وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول ". (1)
وقال الزركشي: " والذى ينبغى فى كل آية أن يبحث أول كل شىء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففى ذلك علم جم وهكذا فى السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له " (2)
الوقوف على سمة خاصة من سمات القرآن الكريم:
كما تفرد القرآن الكريم بنزوله منجما - حسب الحوادث والنوازل - على غير ما هو معهود في الكتب السابقة التي نزلت جملة واحدة: فلقد تميز القرآن المجيد بهذا النظم الفريد، وهذا السبك النضيد، وهذا التصريف العجيب، وهذا التنوع في الأساليب، والثراء في الأداء، والانتقال من موضوع إلى موضوع ومن حكمة إلى حكمة ومن قصة إلى قصة ومن مثل إلى مثل، دون أن يؤدي ذلك إلى اضطراب أو خلل، أوسآمة أو ملل، أو تناقض أو اختلاف، بل تناسق وائتلاف، مراعاة لطبيعة النفوس وتيسيرا على القراء وتبصرة وتذكرة للألباء.
__________
(1) - البرهان 1 /35
(2) 2- البرهان في علوم القرآن 1 / 38..
(1/16)

مائدة عامرة زاخرة، وحدائق ذات بهجة، ناضرة مزهرة، غناء مثمرة، تسر العيون الناظرة، قد تشابكت أغصانها وتعانقت أزهارها وتآلفت أطيارها وتشابهت ثمارها، وامتزجت جداولها وانتظمت دررها واتسقت جواهرها في عقد نظيم:
كالدر يزداد حسنا وهو منتظم..... وليس ينقص قدرا غير منتظم
قال تعالى في سورة الإسراء {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا {41} } وقال تعالى في سورة طه {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا {113} } وقال سبحانه في سورة الفرقان مبينا الحكمة من نزول القرآن منجما {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا {32} }
فمجيء القرآن منجما على مدار ثلاث وعشرين سنة حسب ما تقتضيه الحوادث والنوازل وما يتناسب مع الظروف والأحوال وما يتواكب مع المراحل التي مرت بها الدعوة ثم ترتيبه حسب ما هو موجود في اللوح المحفوظ بهذه الحكمة والروعة: سمة من سمات هذا القرآن،وخاصية من خصائصه التي تفرد بها عن الكتب السابقة التي نزلت جملة ...
(1/17)

ومع تنوع موضوعات السورة الواحدة حيث الأحكام والعقيدة والقصص والأمثال والوعد والوعيد إلا أننا نجدها مجتمعة في سياق واحد متناسبة متناسقة تصب كلها في هدف واحد وتدور كلها حول محور واحد وينظمها عقد واحد، ويربطها رابط واحد فلا تناقض ولا اضطراب ولا تفكك ولا تنافر بين الموضوعات، فهذا الترتيب متوافق مع الهدف العام للقرآن وهو التذكير المتجدد مصداقا لقوله عز وجل {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا {113} } سورة طه
(1/18)

وعن ذلك يقول صاحب مناهل العرفان مبينا خاصية من خواص القرآن وهي: " جودة سبكه وإحكام سرده: ومعنى هذا أن القرآن بلغ من ترابط أجزائه وتماسك كلماته وجمله وآياته وسوره مبلغا لا يداينه فيه أي كلام آخر مع طول نفسه وتنوع مقاصده وافتنانه وتلوينه في الموضوع الواحد وآية ذلك أنك إذا تأملت في القرآن الكريم وجدت منه جسما كاملا تربط الأعصاب والجلود والأغشية بين أجزائه، ولمحت فيه روحا عاما يبعث الحياة والحس على تشابك وتساند بين أعضائه فإذا هو وحدة متماسكة متآلفة على حين أنه كثرة متنوعة متخالفة فبين كلمات الجملة الواحدة من التناسق ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب وبين جمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ما جعلها وحدة صغيرة متآخذة الأجزاء متعانقة الآيات وبين سور القرآن من التناسب ما جعله كتابا حسن السمت قرءانا عربيا غير ذي عوج فكأنما هو سبيكة واحدة تأخذ بالأبصار على حين أنها مؤلفة من حلقات لكل حلقة منها وحدة مستقلة في نفسها ذات أجزاء ولكل جزء موضع خاص من الحلقة ولكل حلقة وضع خاص من السبيكة لكن على وجه من جودة السبك وإحكام السرد جعل من هذه الأجزاء المنتشرة المتفرقة وحدة بديعة متآلفة تريك كمال الانسجام بين كل جزء وجزء ثم بين كل حلقة وحلقة ثم بين أوائل السبيكة وأواخرها وأواسطها، يعرف هذا الإحكام والترابط في القرآن كل من ألقى باله إلى التناسب الشائع فيه من غير تفكك ولا تخاذل ولا انحلال ولا تنافر بينما الموضوعات مختلفة متنوعة فمن تشريع إلى قصص إلى جدل إلى وصف إلى غير ذلك. " (1)
الرد على شبهات أثارها أعداء الإسلام حول الوحدة الموضوعية للقرآن؛
__________
(1) - مناهل العرفان 2 / 228، 229..
(1/19)

فلقد طعن كثير من المستشرقين والمنصّرين في الوحدة، وزعموا أن آيات القرآن لا يجمعها سياق وليس بينها وفاق، وأوصوا بإعادة ترتيب القرآن وفق أسباب نزوله تيسيرا للقارئ وإعانة له على فهم المعنى –على حسب زعمهم الباطل وفهمهم السقيم –
يقول المستشرق الفرنسي بلاشير (1) : " إن إعادة ترتيب السور الذي اقترحه [نولدكه] (2) ينال هنا كامل الأهمية لأنه يلقي على المصحف أضواء مطمئنة ويرد وضع النصوص إلى آفاق سهلة الإدراك لكونها مقرونة إلى السياق التاريخي المعقول [يعني وفق نزولها] 0 "
ويقول بلاشير أيضا: " ويتوصل القارئ الغربي إذ ذاك بمنطق لا تكلف فيه إلى الاقتناع بأن الحياة قد أعيدت للصحف فما عاد يظهر على شكل متتابع مصطنع وغير منتظم للنصوص بل على شكل سلسلة من الموضوعات عالجها محمد خلال عشرين عاما وفقا لمقتضيات دعوته 0" ثم يقول في الموضوع نفسه " والمهم منذ تلك اللحظة أن يقبل قارئ القرآن بالانقياد وتدل التجربة فيما يبدو أن التقيد بالمراحل الزمنية للترتيب الذي اقترحه نولدكه وأخذ به بعض المترجمين يجعل قراءة المصحف سهلة بل ممتعة " (3)
__________
(1) - مستشرق فرنسي من أشهر كتبه تاريخ الأدب العربي وكتابه القرآن: نزوله تدوينه ترجمته وتأثيره -تراجع ترجمته في كتاب المستشرقون للأستاذ / نجيب العقيقي 1/309:312 ط دار المعارف
(2) - مستشرق ألماني ت1930م له مؤلفات عديدة منها تاريخ النص القرآني -تراجع ترجمته في كتاب المستشرقون للأستاذ / نجيب العقيقي 2/ 379:383
(3) - القرآن: نزوله تدوينه ترجمته وتأثيره -لبلاشير ترجمة رضا سعادة ص23:44
(1/20)

وما ذهب إليه بلاشير ومن قبله نولدكه أغرب إليه المستشرق اليهودي جولدزيهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي، حيث يقول: " إن القرآن في جميع الشوط القديم للتاريخ الإسلامي لم يحرز الميل إلى التوحيد العقدي للنص إلا انتصارات طفيفة " (1)
وهكذا توطأ أعداء الإسلام وتواصوا على هذه المزاعم الباطلة التي تدل على قصور فهمهم وسطحية دراستهم أو تنبيء عن سوء النوايا وخبث الطوايا.
{أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ {53} فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ {54} وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ {55} } سورة الذاريات 0
{أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ {32} أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ {33} فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} {34} سورة الطور
__________
(1) - مذاهب التفسير الإسلامي لجولد زيهر ص 5 ترجمة د عبد الحليم النجار..
(1/21)

من هنا ندرك مدى أهمية دراسة الوحدة الموضوعية التي تجيب عن كثير من التساؤلات وتفند العديد من الشبهات، ولقد فطن إلى ذلك واحد من أهم المهتمين بهذا الجانب وهو الشيخ سعيد حوى رحمه الله يقول في مقدمة كتابه الأساس في التفسير - ذلك الكتاب الذي يشتمل على نظرية متكاملة في الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم يقول مبينا سر اهتمامه بهذا الموضوع -: " ولقد سئلت أكثر من مرة من بعض من عرضت عليهم وجهة نظري في فهمي للصلة بين الآيات والسور عن فائدة هذا الموضوع وكنت أجيبه بأن هذا الموضوع فيه رد على شبهة أعداء الإسلام الذين زعموا أن هذا القرآن لا يجمع آياته في السورة الواحدة جامع ولا يربط بين سوره رابط، وذلك لا يليق بكلام البشر فكيف بكلام رب العالمين، إنها لشبهة فظيعة جدا أن يحاول محاول إشعار مسلم بأن كتاب الله ينزل عن كتاب البشر في هذا الشأن، وقد استطعت بحمد الله أن أبرهن على أن كمال القرآن في وحدة آياته في السورة الواحدة وكماله في الوحدة الجامعة التي تجمع ما بين سوره وآياته على طريقة لم يعرف لها العالم مثيلا، ولا تخطر على قلب بشر (1) ، لقد استطعت بهذا أن أرد السهم إلى كبد راميه من أعداء الله في هذه النقطة بالذات " (2)
أقول وهذه حكمة من حكم العليم الخبير أن يقيض من أعداء الدين من يخدم الإسلام من حيث لا يشعرون، فإن إثارة أعداء الإسلام لهذه الشبهة الباطلة دفع الكثير من الغيورين إلى دراسة هذا الموضوع بتعمق. (3)
__________
(1) - قمت بدراسة هذه النظرية في رسالتي منهج الشيخ سعيد حوى في التفسير ونشرتها في كتاب تحت عنوان محاضرات في علوم القرآن ونشرتها أيضا في جريدة النور المصرية في شهر رمضان المبارك 1419هـ
(2) - الأساس في التفسير1/27
(3) - وصدق أبو تمام في قوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود

[البحر الكامل] ديوان أبي تمام ص 85 ط دار الكتب العلمية..
(1/22)

وصدق الشاعر أبو تمام في قوله
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح له لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
مما سبق يتضح لنا: أهمية بل ضرورة دراسة علم المناسبات هذا العلم الذي لا غنى عنه للمفسر في فهم المعنى والترجيح بين الآراء، أو دفع إيهام أو إزالة لبس، فضلا عن إبراز جانب من جوانب الإعجاز القرآني في تناسب آياته ووحدة سوره، إلى جانب الرد عن شبهات أعداء الإسلام حول ترتيب القرآن.
أهم المؤلفات التي عنيت بهذا العلم (1) :
ونظرا لأهمية هذا العلم فلقد عني به كثير من المفسرين قديما وحديثا، وتناوله العلماء في كتب علوم القرآن، وأفرده بعضهم بالتأليف، وفيما يلي نشير إلى أهم الكتب التي عنيت به:
- الإتقان في علوم القرآن للسيوطي.
- الإعجاز البياني في ترتيب آيات القرآن وسوره رسالة علمية للدكتور محمد أحمد يوسف القاسم الأستاذ بجامعة الأزهر وأم القرى وفيها تعريف بهذا العلم وأهميته وأنواع المناسبات في القرآن الخ.
- البرهان في تناسب سور القرآن لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير- طبع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق سعيد جمعة الفلاح.
- البرهان في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي ت 794.
- تناسق الدرر في تناسب السور لجلال الدين السيوطي ت911 رحمه الله.
- جواهر البيان في تناسب سور القرآن لعبد الله محمد بن صديق الغماري.
- ربط السور والآيات لمحمد بن المبارك المعروف بحكيم شاه القزويني ت 920هـ
- سمط الدرر في ربط الآيات والسور لمحمد ظاهر بن غلام من علماء الهند ت 1407هـ
- معترك الأقران في علوم القرآن للسيوطي.
- مناهل العرفان في علوم القرآن للأستاذ عبد العظيم الزرقاني
- النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله.
__________
(1) - مرتبة حسب حروف المعجم..
(1/23)

- نظرة العجلان في أغراض القرآن لابن شهيد ميسلون محمد بن كمال الخطيب، وفي هذا الكتاب ذهب مؤلفه إلى أن سورة الفاتحة محور للقرآن الكريم كله.
- الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية دراسة للدكتور رفعت فوزي عبد المطلب ط دار السلام بالقاهرة.
- الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم للدكتور محمد محمود حجازي -رحمه الله - صاحب التفسير الواضح، وفي رسالته هذه يتناول وحدة الموضوع في القرآن.
ومن كتب التفسير:
1- إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم للعلامة أبى السعود (محمد بن محمد مصطفى العمادى الحنفى ت 982 هـ.
2- الأساس فى التفسير للشيخ سعيد حوى رحمه الله ت 1409 هـ
3- أضواء البيان فى إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطى محمد الأمين بن محمد المختار الجكنى ت 1993هـ
4- أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوى (عبد الله بن عمر ت 685هـ)
5 - البحر المحيط للإمام محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسى ت 754 هـ
6 - تفسير ابن جزي الكلبي ط دار الكتاب العربي بيروت 1403هـ
تفسير القرآن الحكيم المشتهر باسم تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا
التحرير والتنوير للأستاذ محمد الطاهر بن عاشور ت 1393هـ
- التفسير القرآنى للقرآن للأستاذ عبد الكريم الخطيب
التفسير القيم لإمام ابن القيم جمعه محمد أويس الندوي وحققه ا/محمد حامد الفقي
التفسير المنير لوهبة الزحيلي
12- حاشية الصاوى على الجلالين للإمام أحمد بن محمد الصاوى المصرى المالكى ت سنة 1241 هـ-
13- حاشية محى الدين شيخ زادة على تفسير البيضاوى
14- روح البيان للبروسوى إسماعيل حقى البروسوى ت سنة 1370 هـ
15 - روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى للإمام الألوسى شهاب الدين السيد محمود الألوسى ت 1270 هـ ...
(1/24)

16- السراج المنير فى الإعانة على معرفة بعض معانى كلمات ربنا الحكيم الخبير للإمام شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربينى ت 977 هـ
17- غرائب القرآن ورغائب الفرقان لنظام الدين النيسابورى ت 728 هـ
18- الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية للإمام سليمان بن عمر العجيلى الشافعى الشهير بالجمل ت 1204 هـ
19- فى ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ت 1966م
20- لطائف الإشارات للإمام عبد الكريم القشيرى ت 465 هـ
24-مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) للإمام فخر الدين الرازى ت 606 هـ 0
25- الميزان فى تفسير القرآن للأستاذ محمد حسين الطباطبائى 0
26- نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور لبرهان الدين البقاعى
المطلب الثاني زعمه أنه لا يطلب للآيات مناسبة لأنها نزلت متفرقة حسب الحوادث والنوازل
حقائق مهمة لابد من بيانها:
قد يتعلل بعض المعارضين لعلم المناسبات بأن القرآن الكريم نزل مفرقا حسب الحوادث والنوازل فلا مجال لتكلف البحث في أوجه ترابطه، ونرد على هؤلاء بالتذكير بالحقائق الآتية:
ترتيب المصحف كما في اللوح المحفوظ
القرآن الكريم كما نعلم مسجل في اللوح المحفوظ، أخبر بذلك رب العزة فقال " {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} . [سورة الزخرف الآية: 4] " يعني القرآن في اللوح المحفوظ "لدينا لعلي حكيم" أي رفيع محكم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض؛ وقال الله تعالى: "إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون" [الواقعة:78] وقال تعالى: "بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ" [البروج: 21، 22] .
لقد تعددت تنزلات القرآن الكريم: فلقد نزل جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ومن بيت العزة إلى قلب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - منجما ...
(1/25)

* روى الطبري في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " ليلة القدر هي الليلة المباركة وهي من رمضان نزل القرآن جملة واحدة من الزبر (1) إلى البيت المعمور وهو مواقع النجوم في السماء الدنيا حيث وقع القرآن ثم نزل على محمد بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رسلا رسلا (2)
*وروى الطبري في تفسيره بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد، قال: وتلا ابن عباس هذه الآية (فلا أقسم بمواقع النجوم) قال نزل مفرقا (3)
ترتيب القرآن الكريم كما هو عليه في المصحف ترتيب توقيفي على حسب ما هو موجود في اللوح المحفوظ، لا على حسب ترتيب نزوله فهو على حسب الحوادث والنوازل والمصالح تنزيلا وعلى مقتضى الحكمة ترتيبا.
أمين الوحي جبريل - عليه السلام - يعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترتيب القرآن:
كان الوحي ينزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبمجرد فراغ أمين الوحي جبريل - عليه السلام - يكون الموحى به قد جمع في قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أمين الوحي يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموضع كل آية من كل سورة.
__________
(1) - يقصد بذلك اللوح المحفوظ
(2) - تفسير الطبري 2/145 ورواه النسائي في السنن الكبرى حديث 11372والحاكم في المستدرك على الصحيحين 2 / 578 - 3958 وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه - ورواه الضياء في الأحاديث المختارة 10 / 153 ورواته ثقات وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 140 ونصه عن ابن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزله جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم 000 رواه الطبراني والبزار باختصار ورجال البزار رجال الصحيح وفي إسناد الطبراني عمرو بن عبد الغفار وهو ضعيف 0
(3) - نفس المرجع..
(1/26)

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقب نزول الوحي عليه يستدعي الكتبة فيملي عليهم ما أوحي إليه ويعلمهم بموضع الآيات وترتيبها في سورها وترتيب السور أيضا: ومما يدل على ذلك: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه -قال كنت جالسا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) الآية سورة النحل 90. (1)
* وما رواه مسلم عن عمر - رضي الله عنه - قال ما سألت النبي عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري وقال تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء فدله على موضع تلك الآية من سورة النساء وهي قوله سبحانه (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة.) إلى آخر الآية الأخيرة من سورة النساء:. (2)
جبريل - عليه السلام - يدارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن في كل عام وفق ترتيبه:
وفي شهر رمضان من كل عام كان جبريل - عليه السلام - يعارض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن، حتى كان العام الذي توفي فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عارضه مرتين.
__________
(1) - رواه الإمام أحمد في مسنده المجلد الرابع مسند الشاميين وأورده الهيثمي في المجمع كتاب التفسير. - باب سورة النحل. في الحديث رقم: 10708 - وقال رواه أحمد وإسناده حسن.
(2) - رواه الإمام مسلم في صحيحه 23 - كتاب الفرائض 2 - باب ميراث الكلالة. الحديث رقم: 9 - (1617) ..
(1/27)

*روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة. (1)
* وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت:
__________
(1) - صحيح البخاري 1 - بدء الوحي. 1 - باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث رقم: 6 ورواه مسلم في صحيحه 43- كتاب الفضائل. (12) باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير من الريح المرسلة. الحديث رقم: 2308 (12) باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير من الريح المرسلة 0
(1/28)

أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (مرحبا بابنتي) . ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألتها، فقالت: أسر إلي: (إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقا بي) . فبكيت، فقال: (أما ترضين أن تكوني أهل الجنة، أو سيدة نساء المؤمنين) . فضحكت لذلك. (1)
* وروى النسائي في السنن الكبرى بسنده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض عليه القرآن في كل رمضان فلما كان العام الذي قبض فيه - صلى الله عليه وسلم - عرض عليه مرتين فكان يعتكف العشر الأواخر فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين. (2)
ترتيب القرآن من مظاهر حفظ الله لكتابه:
__________
(1) - صحيح البخاري - كتاب المناقب. 22 - باب: علامات النبوة في الإسلام. وجدت الكلمات في الحديث رقم: 3426/3427 - وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: 2450. (يعارضني القرآن) من المعارضة وهي المقابلة في القراءة عن ظهر قلب. (فرحا أقرب إلى حزن) أي كان الفرح قريب الحزن. (لأفشي) من الإفشاء وهو الإظهار. (حضر أجلي) . قرب موتي] .
(2) 8 - السنن الكبرى 5 / 7 حديث 7992..
(1/29)

ومن مظاهر حفظ الله لكتابه أن حفظه مرتبا كما هو في اللوح المحفوظ الذي نزل القرآن منه جملة إلى السماء الدنيا قبل أن ينزل مفرقا حسب النوازل والحوادث والمناسبات قال تعالى في سورة الحجر {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ {9} } وقال سبحانه مخاطبا رسوله الكريم {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ {16} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ {17} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ {18} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ {19} } سورة القيامة، فالقرآن وإن نزل مفرقا لكن الله تعالى تعهد بجمعه في قلب رسوله - صلى الله عليه وسلم - مرتبا، حيث كان أمين الوحي جبريل عليه السلام يبين للرسول - صلى الله عليه وسلم - موضع كل آية ومكان كل سورة ...
(1/30)

ولما جمع القرآن في مصحف واحد في عهد عثمان - رضي الله عنه -روعي في جمعه ترتيبه الذي تعلمه الصحابة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أما ما رواه الحاكم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قلت لعثمان بن عفان - رضي الله عنه - ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى البراءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال ما حملكم على ذلك فقال عثمان - رضي الله عنه -أن رسول الله - رضي الله عنه - كان يأتي عليه الزمان تنزل عليه السور ذوات عدد فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتبه فيقول ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وتنزل عليه الآية فيقول ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا فكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن فكانت قصتها شبيهة بقصتها فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبين لنا أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم (1)
__________
(1) - رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين 2 / 242 - ح 2875 وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والإمام أحمد في مسنده ح 399 - 1/57، ورواه الترمذي في السنن ك التفسير 5/272 ح-3086، وقال هذا حديث حسن لا نعرفه الا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس. ويزيد الفارسي هو من التابعين من أهل البصرة. ورواه أبو داود في السنن أبواب الصلاة باب من جهر بها ح786، 787. وذكر الشيخ المحدث أحمد شاكر رحمه الله في تخريجه للمسند معلقا على كلام الترمذي: أن النسخ الصحيحة من سنن الترمذي ليس فيها إلا وهو حديث حسن ... فلا عبرة بتحسين الترمذي ولا بتصحيح الحاكم ولا بموافقة الذهبي وإنما العبرة بالحجة والدليل " مسند أحمد بتحقيق المحدث أحمد شاكر رحمه الله 1 /57 ويزيد بن أبان الرقاشي هو من التابعين من أهل البصرة، وهو أصغر من يزيد الفارسي. ويزيد الرقاشي إنما يروي عن أنس بن مالك، أقول ويزيد هذا منكر الحديث قال صاحب المغني في الضعفاء: يزيد بن أبان الرقاشي العابد عن أنس قال النسائي وغيره متروك
وفي الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي: " يزيد بن أبان الرقاشي عن يروي قال شعبة لأن أزني أحب إلي من أن أحدث عن يزيد الرقاشي "
وفي ميزان الاعتدال في نقد الرجال: " يزيد بن أبان الرقاشي البصري أبو عمرو لصاحب العابد عن أنس وغنيم بن قيس والحسن وعنه حماد بن سلمة والفاء بن سليمان وجماعة. "
وورد في الضعفاء والمتروكين للنسائي: " يزيد بن أبان الرقاشي متروك بصري "
وفي ضعفاء العقيلي: " قال شعبة لأن أقطع الطريق أحب إلي من أن أروي عن يزيد الرقاشي، حدثنا عبد الله بن أحمد قال قيل لابن يزيد الرقاشي فقال كان شعبة يشبهه بأبان بن أبي عياش قال عبد الله سمعت أبي يقول يزيد الرقاشي فوق أبان بن أبي عياش حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا عمرو قال كان يحيى لا يحدث عن يزيد الرقاشي وكان عبد الرحمن يحدث عنه حدثنا زكريا بن يحيى قال حدثنا محمد بن المثنى قال قد حدث عبد الرحمن عن الربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي حدثنا محمد بن احمد حدثنا معاوية بن صالح قال سمعت يحيى يقول يزيد الرقاشي ضعيف 5.
وفي تقريب التهذيب: " يزيد بن أبان الرقاشي أبو عمرو البصري القاص بتشديد المهملة زاهد ضعيف من الخامسة مات قبل العشرين "
وفي التاريخ الكبير: "يزيد بن أبان الرقاشي البصري عن أنس كان شعبة يتكلم فيه قال نصر نا روح عن حريث سمع يزيد الرقاشي وقيل له أبا عمرو " - المغني في الضعفاء 2 / 747 -ت 7082 والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3 / 206 -ت 3770 - وميزان الاعتدال في نقد الرجال1 / 7 - ت232 - والضعفاء والمتروكين للنسائي 1 / 110 - والضعفاء للعقيلي 4 / 373 - 1983 وتقريب التهذيب 1 / 599- 7683 , التاريخ الكبير ج: 8 ص: 320 - 3166 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 9 / 251 - 1053
ورواه البزار في مسنده 2/8 وقال وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا الوجه ولا نعلم رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا عثمان ولا روى ابن عباس عن عثمان إلا هذا الحديث، ورواه ابن حبان في صحيحه كما في الموارد 1/125-ح452 وأورده ابن كثير في فضائل القرآن ص 24وقال إسناده قوي جيد..
(1/31)

فعلى فرض صحة الحديث فإن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لم يعترض على ترتيبهما في المصحف، وإنما يتساءل عن الحكمة في الإقران بينهما وجعلهما كسورة واحدة واعتبارهما في السبع الطوال، علما بأن الأنفال من المثاني وبراءة من المئين.
ولقد رد عثمان - رضي الله عنه - ببيان أن ترتيب المصحف وفق الترتيب التوقيفي الذي تعلمه الصحابة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا مجال للاجتهاد في ذلك، وإنما قرن بينهما عثمان واعتبرهما كسورة واحدة لما بينهما من التشابه في الموضوع والهدف مع أن الأنفال من أول ما نزل في المدينة، والتوبة من آخر ما نزل، لكن العبرة ليست بترتيب النزول؛ من ثم لم يقرن بينهما بالبسملة واعتبرهما كوحدة واحدة أو كسورة واحدة بها ينتهي قسم الطوال. ويؤيد هذا ما رواه النحاس في الناسخ والمنسوخ عن عثمان - رضي الله عنه -قال: " كانت الأنفال وبراءة يدعيان في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرينتين، فلذلك جعلتهما في السبع الطوال " (1) يعني عدهما كسورة واحدة تنتهي بها السبع الطوال.
فليس في الحديث ما يشير إلى أن عثمان - رضي الله عنه - هو الذي رتبهما في المصحف أو أنه أدمج بينهما فجعلهما سورة واحدة، ولو كانت الأنفال والتوبة سورة واحدة لكان لهما اسم واحد ولكان عدد السور القرآنية 113 سورة، لكن الأمة مجمعة على أن عدد السور 114، وأن لكل منهما اسما مستقلا0
وإنما لم تستهل سورة براءة بالبسملة لما ورد في أولها من البراء والوعيد للمشركين؛ فلم تبدأ بالبسملة المتضمنة للرحمة لأن المقام لا يناسبه الحديث عن الرحمة.
قال الطيبي: " دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة وكمل السبع الطول بها ثم قيل السبع الطول هي البقرة وبراءة وما بينهما " (2)
__________
(1) - الناسخ والنسوخ لأبي حعفر النحاس حديث 552-2/397
(2) - تحفة الأحوذي 8/ 381..
(1/32)

ولقد سبق وأن تحدثت عن مرحلة جمع القرآن في عهد عثمان - رضي الله عنه - وما اتسم به هذا الجمع من توثيق وضبط، وأن عثمان - رضي الله عنه - شكل لجنة من كبار القراء أوكل إليهم مهمة الجمع وأشرف عليهم، وأن عثمان - رضي الله عنه - فعل ما فعل باستشارة الصحابة وما كان ليستبد برأي أو يجتهد مع نص، وما اعترض معترض على ذلك.
روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن الزبير قال قلت لعثمان بن عفان - رضي الله عنه - (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) البقرة 234 نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها والمعنى لماذا تكتبها أو قال لماذا تتركها مكتوبة مع أنها منسوخة قال يا ابن أخي لا أغير شيئا من مكانه. (1)
تحزيب القرآن وفق ترتيبه: كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - ورد يومي من كتاب الله عز وجل يحرص على قراءته حتى يختم القرآن بين الحين والحين، وكان للصحابة الكرام رضي الله عنهم أورادهم اليومية وبعضهم كان يسترشد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تحديد ورده.
*روى الإمام ابن خزيمة في صحيحه بسنده عن أنس - رضي الله عنه - قال وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة شيئا فلما أصبح قيل يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبيّن قال أما إني على ما ترون بحمد الله قد قرأت البارحة السبع الطوال " (2)
__________
(1) 3 - صحيح البخاري 68 - كتاب التفسير. 43 - باب: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير} البقرة /234 - الحديث رقم:4256 -
(2) 4 - صحيح ابن خزيمة 2/ 177 ح 1136..
(1/33)

*وروى ابن ماجة في سننه بسنده من حديث أوس بن حذيفة وفيه 000 فقلت يا رسول الله لقد أبطأت علينا الليلة قال إنه طرأ على حزبي من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أتمه قال أوس فسألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف تحزبون القرآن قالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل. (1)
وروى البخاري في صحيحه بسنده من حديث عبد الله بن عمرو وفيه فقال - صلى الله عليه وسلم - له كيف تصوم قلت كل يوم قال وكيف تختم قلت كل ليلة قال - صلى الله عليه وسلم - صم في كل شهر ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر قال قلت أطيق أكثر من ذلك قال صم ثلاثة أيام في الجمعة قلت أطيق أكثر من ذلك قال أفطر يومين وصم يوما قال قلت أطيق أكثر من ذلك قال صم أفضل الصوم صوم داود صيام يوم وإفطار يوم واقرأ في كل سبع ليال مرة فليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذاك أني كبرت وضعفت فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما وأحصى وصام أياما مثلهن كراهية أن يترك شيئا فارق النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه ". (2)
__________
(1) 4 - سنن ابن ماجه 1 /427 - باب في كم يستحب يختم القرآن ح 1345
(2) 5- صحيح البخاري 4 / 1926 - ك فضائل القرآن -باب: في كم يقرأ القرآن 4765..
(1/34)

وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ""أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل ". (1) فهذه أربع أقسام للقرآن الكريم تدل على ترتيبه التوقيفي.
ومما سبق يتبين لنا: * أن القرآن الكريم نزل جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ومن بيت العزة إلى قلب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - منجما.
* أن ترتيب القرآن كما هو في المصحف توقيفي لا مجال للرأي فيه، وليس للصحابة أي تدخل في شأنه، وإنما كان بأمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث تعلمه من أمين الوحي جبريل - عليه السلام -، وترتيب المصحف وفق ما هو مسجل في اللوح المحفوظ، هذا الترتيب الذي ينطوي على حكم عديدة لا يحيط بها إلا منزل هذا الكتاب - جل جلاله -.
أن جبريل - عليه السلام - كان يدارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن في شهر رمضان من كل عام، حتى كان العام الذي توفي فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عارضه فيه مرتين، وذلك بمراعاة ترتيبه الموجود في اللوح المحفوظ والذي عليه المصحف العثماني.
كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - ورد يومي من كتاب الله - عز وجل - يحرص على قراءته حتى يختم القرآن بين الحين والحين، وكان للصحابة الكرام رضي الله عنهم أورادهم اليومية، ومنهم من حفظ القرآن كله في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من أتم حفظه بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، كل ذلك حسب ترتيبه
__________
(1) 6 - رواه الإمام أحمد في مسنده 4 / 107 - وأبو داود الطيالسي في مسنده ح1012 وأبو عبيد في فضائل القرآن ص119 والبيهقي في الشعب ح2415 والطبراني في الكبير 22/76 وإسناده حسن ". والمئين، كل سورة بلغت مائة فصاعدا. والمثاني كل سورة دون المئين وفوق المفصل ...
(1/35)

من مظاهر حفظ الله لكتابه أن حفظه مرتبا كما هو في اللوح المحفوظ الذي نزل القرآن منه جملة إلى السماء الدنيا قبل أن ينزل مفرقا حسب النوازل والحوادث والمناسبات.
المطلب الثالث: زعمه أن لا مناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل في سورة البقرة وبين ما سبقه.
*****
ذهب الإمام الشوكاني في تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ {40} } الخ الآيات إلى عدم وجود مناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل وما سبقه من قصة آدم وأن البحث في ذلك ضرب من التكلف فالحديث عن بني إسرائيل كلام مستأنف منقطع عما قبله 0
ولو أمعنا النظر وأطلنا التدبر لوجدنا روابط عديدة ومناسبات كثيرة، لا تحتاج في إبرازها إلى تعسف أو تكلف، لنا معها وقفات في هذا المبحث إن شاء الله فنقول وبالله التوفيق:
المناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل ومحور السورة ومقاصدها

من الركائز الجوهرية والمحاور الأساسية لهذه السورة الكريمة: الحديث عن بني إسرائيل ماضيهم وحاضرهم والكشف عن خباياهم والتحذير من مكائدهم ومفاسدهم، وتذكيرهم بنعم الله عليهم وتحذيرهم من أن يصيبهم مثل ما أصاب أسلافهم، ودعوتهم إلى الإيمان بما أنزل الله على نبيه ومصطفاه - صلى الله عليه وسلم - وفتح باب التوبة والقبول أمامهم، وتحذير المسلمين من أن يتبعوا سننهم، لذا استغرق الحديث عنهم آيات عديدة في مواضع متعددة من السورة الكريمة ...
(1/36)

وسورة البقرة سورة مدنية، بدأ نزولها بعد الهجرة لدعم وبناء المجتمع المسلم الناشئ في ذلك الجو الجديد الذي جمع بين المؤمنين وطوائف أخرى كان من أخطرها طائفتا اليهود والمنافقين فكان من الضروري الحديث عنهما بتفصيل وبيان ناسب وروده في أطول سور القرآن، تلك السورة التي استغرق نزولها تسع سنوات، وكان الحديث عن اليهود خاصة من المحاور الأساسية التي دارت حولها السورة الكريمة ـ فهم أخطر القوى المعادية لهذا الدين ولهم أساليب متنوعة ووسائل عديدة في المكر والخداع والكيد نبهنا القرآن عليها حتى نكون منها على حذر.
وفي هذا الشأن يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " حكمة الحديث المطول عن اليهود هذه الحملة - سواء ما ورد منها في هذا الدرس وما يلي منها في سياق السورة - كانت ضرورية أولا وقبل كل شيء لتحطيم دعاوى يهود، وكشف كيدها، وبيان حقيقتها وحقيقة دوافعها في الدس للإسلام والمسلمين. كما كانت ضرورية لتفتيح عيون المسلمين وقلوبهم لهذه الدسائس والمكايد التي توجه إلى مجتمعهم الجديد، وإلى الأصول التي يقوم عليها؛ كما توجه إلى وحدة الصف المسلم لخلخلته وإشاعة الفتنة فيه ...
(1/37)

ومن جانب آخر كانت ضرورية لتحذير المسلمين من مزالق الطريق التي عثرت فيها أقدام الأمة المستخلفة قبلهم، فحرمت مقام الخلافة، وسلبت شرف القيام على أمانة الله في الأرض، ومنهجه لقيادة البشر. وقد تخللت هذه الحملة توجيهات ظاهرة وخفية للمسلمين لتحذيرهم من تلك المزالق كما سيجيء في الشطر الثاني منها، وما كان أحوج الجماعة المسلمة في المدينة إلى هذه وتلك. وما أحوج الأمة المسلمة في كل وقت إلى تملي هذه التوجيهات، وإلى دراسة هذا القرآن بالعين المفتوحة والحس البصير، لتتلقى منه تعليمات القيادة الإلهية العلوية في معاركها التي تخوضها مع أعدائها التقليديين؛ ولتعرف منها كيف ترد على الكيد العميق الخبيث الذي يوجهونه إليها دائبين، بأخفى الوسائل، وأمكر الطرق. . . " (1)
__________
(1) - في ظلال القرآن 1 / 28 - 1/65، 66
(1/38)

ويبين الأستاذ قطب رحمه الله أن الحديث عن بني إسرائيل من الموضوعات الأساسية والركائز الجوهرية لهذه السورة الكريمة فيقول رحمه الله " هذه السورة تضم عدة موضوعات. ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج يترابط الخطان الرئيسيان فيه ترابطا شديدا. . فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة، واستقبالهم لها، ومواجهتهم لرسولها صلى الله عليه وسلم وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها. . . وسائر ما يتعلق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة، وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى. . وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها؛ وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض، بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها، ونقضهم لعهد الله بخصوصها، وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم - - عليه السلام -- صاحب الحنيفية الأولى، وتبصير الجماعة المسلمة وتحذيرها من العثرات التي سببت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم. . وكل موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطيه الرئيسيين، كما سيجيء في استعراضها التفصيلي "، " ولكي يتضح مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة، وبين خط سير الدعوة أول العهد بالمدينة، وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من الجهة الأخرى. . يحسن أن نلقي ضوءا على مجمل هذه الملابسات التي نزلت آيات السورة لمواجهتها ابتداء. مع التنبيه الدائم إلى أن هذه الملابسات في عمومها هي الملابسات التي ظلت الدعوة الإسلامية وأصحابها يواجهونها - مع اختلاف يسير - على مر العصور وكر الدهور؛ من أعدائها وأوليائها على السواء. مما يجعل هذه التوجيهات القرآنية هي دستور هذه الدعوة الخالد؛ ويبث في هذه النصوص حياة تتجدد لمواجهة كل عصر وكل طور؛ ويرفعها معالم للطريق أمام الأمة..
(1/39)

المسلمة تهتدي بها في طريقها الطويل الشاق، بين العداوات المتعددة المظاهر المتوحدة الطبيعة. . وهذا هو الإعجاز يتبدى جانب من جوانبه في هذه السمة الثابتة المميزة في كل نص قرآني. يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص. ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها؛ ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة، تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو. ولها إيقاع موسيقي خاص - إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة. . وهذا طابع عام في سور القرآن جميعا. ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة ". (1)
وذكر الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله في كتابه القيم "النبأ العظيم "
أن الحديث عن بني إسرائيل في سورة البقرة مقصد أساسي من مقاصدها الأربع وهي كما يلي:
المقصد الأول: دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام.
المقصد الثاني: دعوة أهل الكتاب خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في الدين الحق.
المقصد الثالث: عرض شرائع هذا الدين مفصلا.
المقصد الرابع: ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع ويعصم من مخالفتها. (2)
__________
(1) - نفس المرجع
(2) - النبأ العظيم الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله ص 163..
(1/40)

كلمة في السياق: بدأت السورة بالحديث عن الهداية القرآنية وموقف الناس منها، ثم جاء النداء الأول في السورة موجها للناس جميعا داعيا إلى عبادة الله وحده فهو سبحانه الخالق المقدر المدبر الرزاق، ولما كان الحديث في أول السورة عن القرآن الكريم باعتباره كتاب هداية: جاء الحديث عنه مرة أخرى باعتبار آخر وهو كونه معجزة حية خالدة متجددة مع ترهيب المعرضين عنه المرتابين فيه مع ظهور الحجة ووضوح المحجة، كما حملت الآيات بشارة المؤمنين الصالحين بالخلود في جنات النعيم، وانتقل السياق إلى الحديث عن أسلوب بليغ كثيرا ما يسلكه القرآن لتقريب المعاني وتقريرها في الأذهان في قوالب محسوسة، إنه أسلوب ضرب المثل ذلك الأسلوب الرفيع الذي لم يسلم من غمز الكافرين
(1/41)

ثم كان التذكير بنعمة الإيجاد الأول والثاني ومع ذلك فإن هناك من سلك طريق الكفر وأصر عليه قال تعالى {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {25} إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ {26} الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ {27} كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {28} هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {29} } }
(1/42)

وكما ذكّرنا عز وجل بنعمة الإيجاد فقد ذكرنا بنعمة اصطفاء أبينا آدم واستخلافه وذريته في الأرض فضلا عن تكريمه - عليه السلام - بسجود الملائكة وإسكانه الجنة مع زوجه حواء وأكله من الشجرة بعد وسوسة الشيطان اللعين، وما ترتب على ذلك من الخروج من الجنة والهبوط إلى الأرض بعد أن قبل الله توبة آدم وحواء قال تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {30} وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {31} قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ {32} قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ {33} وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ {34} وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ {35} فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ {36} فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ {37} قُلْنَا اهْبِطُواْ
(1/43)

مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {38} وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {39} } }

ثم جاء النداء الإلهي موجها إلى طائفة معينة طائفة بني إسرائيل حيث ذكرهم الله عز وجل بنعمه عليهم وأمرهم بالوفاء بالعهد والذي يقتضي منهم الإيمان بالنبي الخاتم - صلى الله عليه وسلم -000قال تعالى {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ {40} وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ {41} وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {42} وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ {43} أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ {44} وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ {45} الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ {46} يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ {47} وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ {48} } الخ الآيات ...
(1/44)

قال أبو السعود في تفسيره: " يا بني إسرائيل تلوين للخطاب وتوجيه له إلى طائفة خاصة من الكفرة المعاصرين للنبي لتذكيرهم بفنون النعم الفائضة عليهم بعد توجيهه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمره بتذكيرهم كلهم بالنعمة العامة لبني آدم قاطبة بقوله تعالى (وإذ قال ربك) الخ وإذ قلنا للملائكة الخ لأن المعنى كما أشير إليه: بلّغهم كلامي واذكر لهم إذ جعلنا أباهم خليفة في الأرض ومسجودا للملائكة عليهم السلام وشرفناه بتعليم الأسماء وقبلنا توبته " (1) .
__________
(1) - تفسير أبي السعود 1 / 94..
(1/45)

وقال البقاعي رحمه الله: " ... لما كان الكفار قسمين، قسم محض كفره وقسم شابه بنفاق وخداع، وكان الماحض قسمين قسم لا علم لخ من جهة كتاب سابق وهم مشركو العرب وقسم له كتاب يعلم الحق منه: ذكر تعالى القسم الماحض بما يعم قسميه العالم والجاهل فقال سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {6} خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ {7} } ثم أتبعه بقسم المنافقين ليكونوا من خداعهم على حذر فقال سبحانه {وَمِنَ النَّاس مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ {8} } الخ الآيات، ولما فرغ من ذلك ومم استتبعه من الأمر بالوحدانية وإقامة دلائلها وإفاضة فضائلها ومن التعجيب ممن كفر مع قيام الدلائل، والتخويف من تلك الغوائل والاستعطاف بذكر النعم: شرع في ذكر قسم من الماحض هو كالمنافق في أنه يعرف الحق فيخفيه فالمنافق ألف الكفر ثم أقلع عنه وأظهر التلبس بالإسلام مع استمراره على الكفر باطنا وهذا القسم –يعني بني إسرائيل – كان على الإيمان بهذا النبي قبل دعوته فلما دعاهم محوا الإيمان الذي كانوا متلبسين به وأظهروا الكفر واستمرت حاتهم على إظهار الكفر وإخفاء المعرفة التي هي مبدأ الإيمان، فحالهم كما ترى أشبه شيء بحال المنافقين؛ ولهذا تراهم مقرونين بهم في كثير من القرآن وإننما أخرهم لطول قصتهم وما فيها من دلائل النبوة وأعلام الرسالة بما أبدى مما أخفوه من دقائق أحوالهم ... " (1) "
__________
(1) - نظم الدرر 1/ 309، 310
(1/46)

وعن تناسق الحديث عن بني إسرائيل مع السياق يقول صاحب الظلال رحمه الله: " ثم نلحظ من جانب التناسق الفني والنفسي في الأداء القرآني، أن بدء هذه الجولة يلتحم بختام قصة آدم، وبالإيحاءات التي أشرنا إليها هناك، وهذا جانب من التكامل في السياق القرآني بين القصص والسياق الذي تعرض فيه:
لقد مضى السياق قبل ذلك بتقرير أن الله خلق ما في الأرض جميعا للإنسان. ثم بقصة استخلاف آدم في الأرض بعهد الله الصريح الدقيق؛ وتكريمه على الملائكة؛ والوصية والنسيان، والندم والتوبة، والهداية والمغفرة، وتزويده بالتجربة الأولى في الصراع الطويل في الأرض، بين قوى الشر والفساد والهدم ممثلة في إبليس، وقوى الخير والصلاح والبناء ممثلة في الإنسان المعتصم بالإيمان.
مضى السياق بهذا كله في السورة. ثم أعقبه بهذه الجولة مع بني إسرائيل، فذكر عهد الله معهم ونكثهم له؛ ونعمته عليهم وجحودهم بها؛ ورتب على هذا حرمانهم من الخلافة، وكتب عليهم الذلة، وحذر المؤمنين كيدهم كما حذرهم مزالقهم. فكانت هناك صلة ظاهرة بين قصة استخلاف آدم وقصة استخلاف بني إسرائيل، واتساق في السياق واضح وفي الأداء.
وهذا كله مع الإدعاء العريض بأنها هي وحدها المهتدية؛ وأن الله لا يرضى إلا عنها، وأن جميع الأديان باطلة وجميع الأمم ضالة عداها! مما يبطله القرآن في هذه الجولة، ويقرر أن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا من جميع الملل، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. . " (1)
__________
(1) - نفس المرجع 1 / 65..
(1/47)

ويقول أيضا " ومن مراجعة المواضع التي وردت فيها قصة بني إسرائيل هنا وهناك يتبين أنها متفقة مع السياق الذي عرضت فيه، متممة لأهدافه وتوجيهاته. . وهي هنا متسقة مع السياق قبلها. سياق تكريم الإنسان، والعهد إليه والنسيان. متضمنة إشارات إلى وحدة الإنسانية، ووحدة دين الله المنزل إليها، ووحدة رسالاته، مع لفتات ولمسات للنفس البشرية ومقوماتها، وإلى عواقب الانحراف عن هذه المقومات التي نيطت بها خلافة الإنسان في الأرض؛ فمن كفر بها كفر بإنسانيته وفقد أسباب خلافته، وارتكس في عالم الحيوان.
وقصة بني إسرائيل هي أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم؛ والعناية بعرض مواقفها وعبرتها عناية ظاهرة، توحي بحكمة الله في علاج أمر هذه الأمة المسلمة، وتربيتها وإعدادها للخلافة الكبرى. . " (1)
__________
(1) - المرجع نفسه
(1/48)

هذا وللإمام أبي حيان الأندلسي في بيان اتساق الحديث عن بني إسرائيل مع ما سبقه كلام طيب حيث يقول رحمه الله " قوله تعالى (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي) الخ الآيات: " هذا افتتاح الكلام مع اليهود والنصارى ومناسبة الكلام معهم هنا ظاهرة وذلك أن هذه السورة افتتحت بذكر الكفار المختوم عليهم بالشقاوة وذكر المنافقين وذكر جمل من أحوالهم ثم أمر الناس قاطبة بعبادة الله تعالى ثم ذكر إعجاز القرآن إلى غير ذلك مما ذكره، ثم نبههم بذكر أصلهم آدم وما جرى له من أكله من الشجرة بعد النهي عنها وأن الحامل له على ذلك إبليس وكانت هاتان الطائفتان أعني اليهود والنصارى أهل كتاب مظهرين اتباع الرسل والاقتداء بما جاء من عند الله تعالى، وقد اندرج ذكرهم عموما في قوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا) الخ الآية فجرد ذكرهم هنا خصوصا إذ قد سبق الكلام مع المشركين والمنافقين وبقي الكلام مع اليهود والنصارى فتكلم معهم هنا وذكر ما يقتضي لهم الإيمان بهذا الكتاب كما آمنوا بكتبهم السابقة. وناسب الكلام معهم قصة آدم عليه السلام لأنهم بعدما أوتوا من البيان الواضح والدليل اللائح المذكور ذلك في التوراة والإنجيل من الإيفاء بالعهد والإيمان بالقرآن ظهر منهم ضد بكفرهم بالقرآن ومن جاء به " (1)
المناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل وبين سورة الفاتحة:
لما أخبر سبحانه في سورة الفاتحة عن استحقاقه وحده للحمد لما اتصف به تعالى من صفات الجلال ونعوت الكمال فهو المحمود ولا يزال على ما أبدى من النعم وأسدى من الكرم بين تعالى في سورة البقرة جانبا من نعمه تعالى والتي من جملتها إنعامه على بني إسرائيل، ورحمته بهم، وذكرهم بيوم الدين، ودعاهم إلى عبادته والاستعانة به وحده 0
__________
(1) - البحر الحيط 1/ 173..
(1/49)

ولما كان من دعاء المؤمنين الهداية إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم وهم اليهود ولا الضالين وهم النصارى تناولت سورة البقرة بشيء من التفصيل اليهود، كما تحدثت سورة آل عمران عن النصارى، وورد الحديث عن الطائفتين في سورتي النساء والمائدة. وهذا من باب التفصيل بعد الإجمال.
وبهذا يتضح لنا الصلة بين سورة الفاتحة التي تقع في ترتيب المصحف قبل سورة البقرة.
مناسبة الحديث عن بني إسرائيل مع عنوان السورة: مناسبة واضحة فقصة البقرة من أعظم الشواهد وأوضح الأمثلة الدالة على طبيعة بني إسرائيل حيث الجدل العقيم والتعنت والتشكيك في الأوامر الإلهية والسخرية بالأنبياء والتشديد على أنفسهم فضلا عن كتمانهم الحق وقسوة القلب مع تواتر الحقائق وتوارد الرقائق.
كما أن السورة الكريمة كشفت لنا عن خبايا وخفايا اليهود، بقرت لنا هذه الحقائق التي طواها الزمان وسعى اليهود إلى إخفائها بأساليبهم الدعائية القائمة على إلباس الحق بالباطل وكتمان الحق.
من هنا تبدو لنا الصلة بين عنوان السورة وبين الحديث عن سوء نية وخبث طوية وفساد طبائع اليهود كما ورد في هذه السورة الكريمة (1)
المناسبة بين مقدمة السورة وبين الحديث عن بني إسرائيل:
*لما استهلت السورة الكريمة بالحديث عن القرآن بوصفه كتاب هداية {الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2} } جاء الحديث عن وجه من وجوه تلك الهداية وهو إخباره عن الأمم السابقة لأخذ العبر والعظات من أحوالهم، ودعوتهم إلى سلوك طريق الهداية، وتحذير المتقين من مكائدهم، وتبصيرهم بطبائعهم، وتحذيرهم من اتباع سننهم0
__________
(1) - بقر الشيء: أي بطنه وأخرج ما فيه ومنه قول الأعرابي حينما عقر الذئب شاته
بقرت شويهتي وفجعت قلبي وأنت لشاتنا طفل ربيب..
(1/50)

* كذلك لما ذكر تعالى في أول السورة موقف المتقين من الهداية القرآنية، وصفاتهم الإيمانية دعا الله عز وجل بني إسرائيل إلى اللحاق بهذه الطائفة والسير على دربها فدعاهم سبحانه إلى تذكر نعمه والوفاء بعهده ورهبته والإيمان بما أنزل على خاتم رسله - صلى الله عليه وسلم -، وتقواه تعالى حق التقاة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة قال تعالى {الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِل إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {5} } وقال سبحانه {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ {40} وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ {41} وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {42} وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ {43} } 0
لما ذكر من أوصاف المتقين الإيمان بما أنزل على خاتم النبيين وما أنزل من قبله على إخوانه من الأنبياء والمرسلين ناسب ذلك الحديث عن بعض الأنبياء والأمم فتحدثت السورة عن آدم عليه السلام كما تحدثت عن بني إسرائيل، ودعتهم إلى الإيمان بما أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل على من سبقه من الأنبياء ...
(1/51)

ذكر تعالى في مستهل السورة موقف الكفار والمنافقين من القرآن الكريم وفي هذا توطئة للحديث عن بني إسرائيل وتحذيرهم من أن يسلكوا طريق الكفر والنفاق.
المناسبة بين النداء الأول في السورة وبين النداء الموجه إلى بني إسرائيل: لما جاء النداء الأول في هذه السورة الكريمة بصيغة العموم موجها إلى الناس جميعا داعيا إلى عبادة الله وحده ومذكرا بنعمه تعالى عليهم قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {21} الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {22} وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {23} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ {24} :
جاء النداء الأول بدعوة عامة موجهة للناس جميعا أن يعبدوا الله تعالى فهو وحده المستحق للعبادة، والعبادة سبيل التقوى، والقرآن هو الآية الكبرى التي تحدى الله بها الناس جميعا فلا سبيل إلى الإتيان بسورة من مثله، فلا ريب في كونه منزلا من عند الله ولا ريب فيما اشتمل عليه من حكم وأحكام وقصص وأمثال.
وجاء النداء الثاني موجها إلى طائفة معينة وهم بنو إسرائيل مذكرا بنعمه تعالى عليهم وداعيا لهم إلى الإيمان بالنبي الخاتم - صلى الله عليه وسلم - فجاء النداء الأول موجها إلى الناس جميعا وجاء النداء الثاني موجها لطائفة معينة وهذا من ذكر الخاص بعد العام ...
(1/52)

قال ابن جزي الكلبي في تفسيره: " لما قدم دعوة الناس عموما وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصا وهم اليهود وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء فتارة يدعوهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم وتارة بالتخويف (1)
كذلك لما تحدثت السورة الكريمة عن القرآن الكريم باعتبار إعجازه ناسب ذلك الحديث عن بعض من وجوه الإعجاز ومنها القصص القرآني فذكرت قصة آدم وبعدها قصة بني إسرائيل.
قال الإمام البيضاوي " واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وعقبها تعداد النعم العامة تقريرا لها وتأكيدا فإنها من حيث إنها حوادث محكمة تدل على محدث حكيم له الخلق والأمر وحده لا شريك له ومن حيث إن الإخبار بها على ما هو مثبت في الكتب السابقة ممن لم يتعلمها ولم يمارس شيئا منها إخبار بالغيب معجز يدل على نبوة المخبر عنها ومن حيث اشتمالها على خلق الإنسان وأصوله وما هو أعظم من ذلك تدل على أنه قادر على الإعادة كما كان قادرا على الإبداء خاطب أهل العلم والكتاب منهم وأمرهم أن يذكروا نعم الله تعالى عليهم ويوفوا بعهده في اتباع الحق واقتفاء الحجج ليكونوا أول من آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل عليه فقال {يا بني إسرائيل} . " (2)
المناسبة بين قصة آدم وقصة بني إسرائيل:
__________
(1) - تفسير ابن جزي 1/ 25
(2) - تفسير البيضاوي ص: 307..
(1/53)

كان من المناسب أن يسبق دعوة بني إسرائيل وهم أهل كتاب ومعرفة -قبل أن توجه إليهم الدعوة إلى الإيمان بالنبي الخاتم أن يسبق ذلك- تقديم جملة من الأدلة والبراهين الساطعة تمهيدا لدعوتهم وهم أهل كتاب إلى الإيمان بهذا النبي الخاتم، ولقد تقرر في الآيات السابقة بيان كون القرآن الكريم كتابا معجزا يتحدى الله به الناس جميعا، وأنه كتاب هداية إلى طريق الفلاح والسعادة في الدارين وأنه تضمن الدعوة إلى عبادة الله وحده وعمارة الكون والعمل لليوم الآخر، وأنه اشتمل على القول الفصل والحكمة البالغة والحق المبين في قصص السابقين من ذلك حديث الآيات عن قصة آدم عليه السلام والتي تعد برهانا ساطعا على أن القرآن من عند الله؛ إذ كيف لمحمد لو كان القرآن من عنده أن يعرف هذه القصة التي لا تعرف إلى عن طريق الوحي الإلهي؟ من هنا سبقت دعوة بني إسرائيل إلى الإيمان بالنبي الخاتم هذه الحجج والبراهين والحقائق التي لم ترد إلا في القرآن الكريم والتي كان من بينها الحديث عن آدم - عليه السلام -
لما ذكر تعالى نعمه على أبينا آدم - عليه السلام - حيث اصطفاه تعالى وكرمه وأسكنه الجنة مع زوجه حواء فلم يسلم من وسوسة الشيطان وعصى الله تعالى بأكله من الشجرة المحظورة، ثم تاب فتاب الله عليه وأخرج من الجنة بذنب واحد:ذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل؛ حيث اصطفاهم وهداهم ونجاهم من فرعون وجنوده، فبدلوا نعمة الله كفرا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وعتوا عن أمر ربهم وتمادوا في التمرد والعصيان ...
(1/54)

قال الإمام النيسابوري في تفسيره: " إنه تعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ثم ذكر الإنعامات العامة للبشر ومن جملتها خلق آدم إلى تمام قصته أردفها الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود إلانة لشكيمتهم واستمالة لقلوبهم وتنبيها على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛من حيث كونه إخبارا بالغيب مدرجا في مطاوي ذلك ما يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق " (1) .
وإذا كان آدم - عليه السلام -قد أخرج من الجنة بذنب واحد فما بالهم أسلموا زمامهم للشيطان واتبعوا الهوى ومع ذلك يطمعون في الجنان؟
وصدق من قال
ياناظرا يرنو بعيني راقد ومشاهدا للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وتر تجي درج الجنان بها وفوز العابد
أنسيت أن الله أخرج آدمَ منها إلى الدنيا بذنب واحد
وقال الإمام الألوسي: " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم خطاب لطائفة خاصة من الكفرة المعاصرين للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد الخطاب العام وجعله سبحانه بعد قصة آدم لأن هؤلاء بعد ما أتوا من البيان الواضح والدليل اللائح وأمروا ونهوا وحرضوا على اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عنده مظهر منهم ضد ذلك فخرجوا عن جنة الإيمان الرفيعة وهبطوا إلى أرض الطبيعة وتعرضت لهم الكلمات إلا أنهم لم يتلقوها بالقبول ففات منهم ما فات وأقبل عليهم بالنداء ليحركهم لسماع ما يرد من الأوامر والنواهي ". (2)
مما سبق يتبين لنا: أن الحديث عن بني إسرائيل من المحاور الرئيسية والمقاصد الأساسية لهذه السورة الكريمة التي نزلت بعد الهجرة مواكبة لبناء الدولة الإسلامية وتدعيمها وتحصينها من مكائد الأعداء، ووضع أسس التعامل مع غير المسلمين وبيان المنهج الأمثل في التحاور معهم إلى جانب دعوتهم.
__________
(1) 2 - غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري 1 /293
(2) 3 - روح المعاني 1 / 241..
(1/55)

والحديث عن بني إسرائيل مناسب لمقدمة السورة؛ ومقاصدها الأساسية وهي بناء المجتمع المسلم وتحصينه، وبيان أسس العلاقة مع المجتمع الجديد في المدينة الذي يضم طوائف شتى من بينها اليهود، وما سبق الحديث عن بني إسرائيل إنما يعد تمهيدا له وتوطئة، حيث سبقت الحجج والبراهين دعوة بني إسرائيل إلى الإيمان بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم -،كما أن المناسبة واضحة بين النداء العام الوارد في السورة وبين النداء الخاص الموجه إلى بني إسرائيل من باب ذكر الخاص بعد العام للاعتناء ولفت الأنظار إلى ذلك الخاص، والمناسبة بين قصة آدم عليه السلام وقصة بني إسرائيل مناسبة متعددة الجوانب كما سبق ذكره فالقصتان حافلتان بالعظات والعبر، غنيتان بالحقائق التي تدل على أن هذا القرآن من عند علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون، يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا، وبنو إسرائيل هم أحوج الناس إلى الاعتبار من قصة أبينا آدم عليه السلام الذي خرج من الجنة بذنب واحد، وذاق مرارة المعصية وعاين أثرها وكابد عواقبها، مع ما سبق من اصطفاء الله له وتكريمه فهل يعتبر اليهود؟ أم يقعوا في مصائد الشيطان وحبائله؟ وفي أي طائفة يكونون ومع أي فريق يقفون؟
{قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {38} وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {39} }
وهنا ينبغي أن أنبه على أن السورة من أولها خطاب عام يشمل جميع الناس بما فيهم بنو إسرائيل لكن الخطاب الموجه لهم والخاص بهم بدأ من الآية الأربعين من السورة.
(1/56)

المطلب الرابع: إيراده الكثير من المناسبات في تفسيره!..
المتأمل في تفسير الشوكاني يجده قد أورد العديد من المناسبات في تفسيره، خلافا لرأيه المسبق في المناسبات، هذا الرأي الذي صدّر به تفسيره وهو المعارضة والإنكار على من تصدى لها وعني بها كالبقاعي والحرالي والرازي (1) وغيرهم وفيما يلي نذكر هذه الوجوه، الواردة في تفسيره فنقول وبالله التوفيق:
الاستئناف البياني
الاستئناف: هو الإتيان بعد تمام الكلام بقول يفهم منه جواب سؤال مقدر (2) مثال ذلك قوله تعالى في سورة البقرة { {الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {5}
فقوله تعالى {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {5} }
* كما قال الشوكاني في تفسيره: [كلام مستأنف استئنافا بيانيا كأنه قيل كيف حال هؤلاء الجامعين بين التقوى والإيمان بالغيب والإتيان بالفرائض والإيمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى من قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقيل أولئك على هدى ويمكن أن يكون هذا خبرا عن الذين يؤمنون بالغيب إلخ فيكون متصلا بما قبله] 0 (3)
__________
(1) - ترجمت للأول والأخير في كتابي المرأة في القصص القرآني وترجمت للحرالي في كتابي تفسير آية الكرسي ص 27
(2) - المعجم المفصل في علوم البلاغة جمع وترتيب د إنعام عكاوي ص 66
(3) - فتح القدير 1 / 37
..
(1/57)

وقوله تعالى في سورة آل عمران في أعقاب الحديث عن غزوة أحد {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {169} فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {170} يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ {171} }
(1/58)

* قال الشوكاني في تفسيره: [لما بين الله سبحانه أن ما جرى على المؤمنين يوم أحد كان امتحانا ليتميز المؤمن من المنافق والكاذب من الصادق بين ههنا أن من لم ينهزم وقتل فله هذه الكرامة والنعمة وأن مثل هذا مما يتنافس فيه المتنافسون لا مما يخاف ويحذر كما قالوا من حكى (1) الله "عنهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا " (2) وقالوا "لو أطاعونا ما قتلوا " (3) فهذه الجملة مستأنفة لبيان هذا المعنى] (4) .
__________
(1) - التعبير بالحكاية لا يليق بكلام الخالق عزوجل وإنما نقول مثلا كما أخبرالله عنهم أو كما بين تعالى
(2) - قال تعالى في سورة آل عمران {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {156} وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ {157} }
(3) - قال تعالى في سورة آل عمران {وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ {167} الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {168}
(4) - نفس المرجع 1 / 398 ويراجع ما ذكره أيضا في تفسيره 2/ 437..
(1/59)

الاستئناف التقريري: مثال ذلك قوله تعالى في سورة المائدة {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُود وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ {82} }
قال الشوكاني [قوله {لتجدن} الخ هذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تعداد مساوئ اليهود وهناتهم] (1) وذلك ببيان شدة عداوتهم للمسلمين.
وفي تفسيره لقوله تعالى من سورة النور {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الآية 35 من سورة النور] يبين الشيخ وجه الصلة بين هذه الآية وبين ما سبقها من آيات فيقول: [لما بين سبحانه من الأحكام ما بين أردف ذلك بكونه سبحانه في غاية الكمال، وهذه الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها] (2) .
يعني لتقرير تلك الأحكام السابقة وبيان أنها صدرت من لدن صاحب الكمال والجلال.
التفنن في الكلام ونقله من أسلوب إلى أسلوب:
وقد قيل: لا يصلح النفس إن كانت مصرفة *** إلا التنقل من حال إلى حال
وفي تنوع الأساليب تقرير للحجج والبراهين، وترسيخ للعقيدة والأحكام، وتثبيت للنفوس وتسلية لها، وتجديد لنشاطها وإقبالها على كتاب الله تعالى.
* قال الشوكاني مبينا سر إيراد قصة نوح عليه السلام في سورة هود:
__________
(1) - نفس المرجع 2 /67
(2) - نفسه 4 / 33..
(1/60)

[لما أورد سبحانه على الكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أنواع الدلائل التى هى أوضح من الشمس أكد ذلك بذكر القصص على طريقة التفنن في الكلام ونقله من أسلوب إلى أسلوب لتكون الموعظة أظهر والحجة أبين والقبول أتم فقال { {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ {25} أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ {26} [سورة هود]] 0 (1)
التضاد: وهو الجمع بين المعنى وضده وهو من الأساليب البلاغية كالجمع بين الترغيب والترهيب والحديث عن الكفار بعد الحديث عن المؤمنين والحديث عن الجنة بعد الحديث عن النار ونحو ذلك: وقد قيل وبضدها تتبين الأشياء ***
ضدان لما استجمعا حسنا *** والضد يظهر حسنه الضد
وفي تفسير الشوكاني نماذج عديدة أبرز فيها هذا الوجه الرابط بين كثير من الآيات: وفيما يلي نذكر نماذج من تفسيره تدل على ذلك:
*ففي تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {6} خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ {7} )
يقول الشوكاني [ذكر سبحانه فريق الشر بعد ذكر فريق الخير قاطعا لهذا الكلام عن الكلام الأول معنونا له بما يفيد أن شأن جنس الكفرة عدم إجداء الإنذار لهم وأنه لا يترتب عليهم ما هو المطلوب منهم من الإيمان وأن وجود ذلك كعدمه] 0 (2)
__________
(1) - المرجع نفسه 2 / 493
(2) - نفس المرجع 1/38
(1/61)

*وفي تفسيره لقوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ {8} يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ {9} } الخ الآيات التي تحدثت عن طائفة المنافقين: يقول الشوكاني في إبرازه الصلة بينها وبين سابقتها: [ذكر سبحانه في أول هذه السورة المؤمنين الخلص ثم ذكر بعدهم الكفرة الخلص ثم ذكر ثالثا المنافقين وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين بل صاروا فرقة ثالثة لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى وفي الباطن الطائفة الثانية ومع ذلك فهم أهل الدرك الأسفل من النار] 0 (1)

*وفي تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {25} }
قال الشوكاني: [لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين ليجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه] (2) .
__________
(1) - نفسه 1/ 40
(2) 0 - نفسه 1 / 54..
(1/62)

* وفي تفسيره لقوله تعالى في سورة الرعد {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ {11} هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ {12} وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ {13}
يقول الشوكاني [لما خوف سبحانه عباده بإنزال ما لا مرد له أتبعه بأمور ترجى من بعض الوجوه ويخاف من بعضها وهى البرق والسحاب والرعد والصاعقة] . (1)

إلحاق النتائج بالمقدمات: من أوجه الصلة التي وردت في تفسير فتح القدير من ذلك على سبيل المثال ما ذكره في تفسير قول الله تعالى {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ {48} وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ {49} يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ {50} } وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ {51} } [سورة النحل]
__________
(1) 1 - نفس المرجع 3 / 72..
(1/63)

[لما بين سبحانه أن مخلوقاته السماوية والأرضية منقادة له خاضعة لجلاله أتبع ذلك بالنهى عن الشرك بقوله {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد} فنهى سبحانه عن اتخاذ إلهين ثم أثبت أن الإلهية منحصرة في إله واحد وهو الله سبحانه] (1)

ذكر الخاص بعد العام
من ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى من سورة النحل {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} قال " خص سبحانه من جملة المأمورات التي تضمنها قوله {إن الله يأمر بالعدل والإحسان000} الوفاء بالعهد فقال {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} " (2)
ترتيب موضوعات السورة:
المتأمل في السور القرآنية يجد لكل سورة وحدتها الموضوعية من خلال ترابط مقاطعها وتناسب آياتها وتسلسل موضوعاتها التي وإن تعددت وتنوعت لكنها تدور حول موضوع واحد وترمي إلى مقصد واحد، ولقد أشار الشوكاني في تفسيره إلى ذلك فقال في تفسير سورة الفرقان مبينا سر ترتيب موضوعاتها: " تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهم ثم في النبوة لأنها الواسطة ثم فى المعاد لأنه الخاتمة ".
وهكذا جاءت موضوعات السورة مرتبة مسلسلة تدور جميعها حول تقرير العقيدة الإسلامية بجوانبها الثلاث الإلهيات والنبوات والسمعيات 0

ذكر ما يترتب على الحكم الشرعي من أحكام تلحق به:
مثال ذلك ما ذكره الشوكاني في تفسير قوله تعالى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف.} الخ الآية {233} من سورة البقرة} قال [لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الرضاع لأن الزوجين قد يفترقان وبينهما ولد ولهذا قيل إن هذا خاص بالمطلقات وقيل هو عام] . (3)
*****
__________
(1) 2 - نفس المرجع 3 / 168
(2) 6 - نفسه 3 /190
(3) 7 - نفسه 1 /244..
(1/64)

التنظير: وهو إلحاق النظير بالنظير، وبيان الرابط بينهما:
*وفي تفسير الشوكاني نماذج عديدة لذلك منها ما ذكره في إبراز وجه الصلة بين قصة ابني آدم وبين ما سبقها من الحديث عن بني إسرائيل قال تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ {27} الخ الآيات الواردة في سورة المائدة.
يقول الشوكاني: [وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه فالداء قديم والشر أصيل] (1) .
*ومن ذلك أيضا ما أورده في بيان وجه الصلة بين قوله تعالى في سورة الأنفال {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ {5} يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ {6} } وبين ما قبلها:
__________
(1) 8- نفسه 2/30..
(1/65)

يقول رحمه الله: [قوله {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق أي مثل إخراج ربك والمعنى امض لأمرك فى الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جعل لكل من أتى بأسير شيئا قال بقى أكثر الناس بغير شيء فموضع الكاف نصب كما ذكرنا وبه قال الفراء وقال أبو عبيدة هو قسم أي والذى أخرجك فالكاف بمعنى الواو وما بمعنى الذى وقال الأخفش سعيد بن مسعدة المعنى {أولئك هم المؤمنون حقا} كما أخرجك ربك وقال عكرمة المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك ربك وقيل كما أخرجك متعلق بقوله لهم درجات أي هذا الوعد للمؤمنين حق فى الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له فأنجر وعدك وظفرك بعدوك وأوفى لك ذكره النحاس واختاره وقيل الكاف فى كما كاف التشبيه على سبيل المجازاة كقول القائل لعبده كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك وقويتك وأزحت علتك فخذهم الآن فعاقبهم وقيل إن الكاف فى محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه الحال كحال إخراجك يعني أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم فى كراهة خروجك للحرب ذكره صاحب الكشاف وبالحق متعلق بمحذوف والتقدير إخراجا متلبسا بالحق الذى لا شبهة فيه وجملة وإن فريقا من المؤمنين لكارهون في محل نصب على الحال أي كما أخرجك فى حال كراهتهم لذلك لأنه لما وعدهم الله إحدى الطائفتين إما العير أو النفير رغبوا فى العير لما فيها من الغنيمة والسلامة من القتال كما سيأتي بيانه وجملة يجادلونك فى الحق بعد ما تبين لهم إما فى محل نصب على أنها حال بعد حال أو مستأنفة جواب سؤال مقدر ومجادلتهم لما ندبهم إلى إحدى الطائفتين وفات العير وأمرهم بقتال النفير ولم يكن معهم كثير أهبة لذلك شق عليهم وقالوا لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة وأكملنا الأهبة] (1)
__________
(1) - نفسه 2 / 287..
(1/66)

* ومن إلحاق النظير بالنظير أيضا ما ذكره في تفسيره لسورة النحل من تناسب بين الآيات التي تضمنت أدلة متنوعة على كمال قدرته عز وجل وبديع صنعه حيث استدل سبحانه بعجائب عالم الحيوان وغرائب عالم النبات ثم أتبعه ببديع خلق الإنسان قال تعالى {وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ {65} وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ {66} وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ {67} وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ {68} ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {69} وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ {70} }
*قال الإمام الشوكاني: [لما استدل سبحانه على وجوده وكمال قدرته وبديع صنعته بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال {هو الذى أنزل من السماء} ]
*وقال رحمه الله: [لما ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة وخصائص القدرة القاهرة أتبعه بعجائب خلق الإنسان وما فيه من العبر فقال والله خلقكم ثم يتوفاكم] (1)
__________
(1) 20 - نفسه 3 /153..
(1/67)

* ومن مراعاة النظير ما ذكره في تفسير قوله تعالى {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ ِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {75} } [آل عمران]
[هذا شروع في بيان خيانة اليهود في المال بعد بيان خيانتهم في الدين] (1)
التفصيل بعد الإجمال: وهذه المناسبة من أبرز المناسبات التي ذكرها الشوكاني ومن أكثرها دلالة على تقرير هذا العلم وضرورته للمفسر.
* من ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {1} الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ {2} }
قال الشوكاني في بيان وجه الصلة بين الآية الأولى والثانية [هذا شروع في تفصيل ما أجمل من الآيات البينات] (2) .
__________
(1) 1 - نفسه 1 /353
(2) - نفسه 4 / 2..
(1/68)

* وفي تفسيره لسورة الإسراء يذكر الصلة بين التوجيهات الإلهية الواردة في هذه السورة والتي تبدأ بقوله تعالى لاَّ تَجْعَل مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً {22} وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا {23} إلى قوله تعالى {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا {39} }
يقول الإمام الشوكاني: [لما أجمل سبحانه أعمال البر فى قوله وسعى لها سعيها وهو مؤمن (1) أخذ فى تفصيل ذلك مبتدئا بأشرفها الذى هو التوحيد فقال لا تجعل مع الله إلها آخر والخطاب للنبى صلى الله عليه وآله وسلم] (2)

*وفي تفسيره لسورة النمل يبين الصلة بين مقدمة السورة وبين القصص الوارد فيها فيذكر أن هذا القصص من باب التفصيل بعد الإجمال، حيث جاءت تلك القصص مفصلة لقوله تعالى {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ {6} }
وفي ذلك يقول: [لما فرغ سبحانه من قصة موسى شرع فى قصة داود وابنه سليمان وهذه القصص وما قبلها وما بعدها هى كالبيان والتقرير لقوله تعالى {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} ] (3) .
__________
(1) - الآية {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا {19} }
(2) - نفسه 3 / 217
(3) - نفسه 4 / 129..
(1/69)

ويربط الشيخ بين قصة ثمود مع نبي الله صالح عليه السلام وبين القصة السابقة قصة نبي الله داود وابنه سليمان عليهما السلام فيقول: [قوله {ولقد أرسلنا إلى ثمود.} الخ معطوف على قوله {ولقد آتينا داود وسليمان} واللام هي الموطئة للقسم وهذه القصة من جملة بيان قوله (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) ] (1) .

وفي تفسيره لسورة العنكبوت يبرز الصلة بين قصة نوح عليه السلام وبين مقدمة السورة فيقول: [أجمل سبحانه قصة نوح تصديقا لقوله في أول السورة {ولقد فتنا الذين من قبلهم} وفيه تثبيت للنبي صلى الله عليه واله وسلم كأنه قيل له إن نوحا لبث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك] (2) .
التمهيد والتوطئة:
من ذلك التمهيد والتوطئة لما يرد من قصص يقول الشوكاني في تفسيره لسورة النمل: [ثم مهد سبحانه مقدمة نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة فقال {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} أى يلقى عليك فتلقاه وتأخذه من لدن كثير الحكمة والعلم] (3)
والتمهيد والتوطئة لما يرد من أحكام الشرعية يقول الشوكاني في تفسيره لسورة الأحزاب:
[ثم ذكر سبحانه مثلا توطئة وتمهيدا لما يتعقبه من الأحكام القرآنية التي هي من الوحى الذي أمره الله باتباعه فقال {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية كما سيأتى وقيل هي مثل ضربه الله للمظاهر أى كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون له أمان وكذلك لا يكون الدعى ابنا لرجلين وقيل كان الواحد من المنافقين يقول لى قلب يأمرني بكذا وقلب بكذا فنزلت الآية لرد النفاق وبيان أنه لا يجتمع مع الإسلام كما لا يجتمع قلبان ... ] (4)
__________
(1) - نفسه 4 / 142
(2) - نفسه 4 /196
(3) - نفسه 4/126
(4) - نفسه 4/ 260..
(1/70)

الوحدة الموضوعية للآية الواحدة
قد لا يظهر جليا وجه الترابط بين أجزاء الآية الواحدة من ذلك وجه الترابط في قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {189} }
وفي هذه الحالة يحتاج الأمر إلى تدبر وتعمق في فهم الآية الكريمة: فالسؤال عن الأهلة والإجابة عنها: بأنها مواقيت للناس والحج، ولكن ما صلة ذلك بقوله تعالى {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {189} } ؟
(1/71)

عن ذلك يجيب الشوكاني في تفسيره فيقول: [ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} فيه بيان وجه الحكمة في زيادة الهلال ونقصانه وأن ذلك لأجل بيان المواقيت التي يوقت الناس عباداتهم ومعاملاتهم بها كالصوم والفطر والحج ومدة الحمل والعدة والإجارات والأيمان وغير ذلك ... وإنما أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت ولا يجوز فيه النسيء عن وقته ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه أو أخطأ وقتها أو وقت بعضها وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب أعني قوله {قل هي مواقيت} من الأسلوب الحكيم وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب تنبيها على أنه الأولى بالقصد ووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها فأجيبوا بالحكمة التي كانت تلك الزيادة والنقصان لأجلها لكون ذلك أولى بأن يقصد السائل وأحق بأن يتطلع لعلمه قوله {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} وجه اتصال هذا بالسؤال عن الأهلة: أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم إذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه لأنهم يعتقدون أن المحرم لا يجوز أن يحول بينه وبين السماء حائل وكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم وقال أبو عبيدة إن هذا من ضرب المثل والمعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن البر التقوى واسألوا العلماء كما تقول أتيت هذا الأمر من بابه وقيل هو مثل في جماع النساء وأنهم أمروا بإتيانهن في القبل لا في الدبر وقيل غير ذلك] (1)

بيان الدليل على ما سبق تقريره:
__________
(1) - نفسه 1 / 198..
(1/72)

من ذلك ما ذكره الشوكاني في تفسير قوله تعالى {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ {163} إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ {164} }
[سورة البقرة]
قال الشوكاني [لما ذكر سبحانه التوحيد بقوله {وإلهكم إله واحد} عقب ذلك بالدليل الدال عليه وهو هذه الأمور التي هي من أعظم صنعة الصانع الحكيم مع علم كل عاقل بأنه لا يتهيأ من أحد من الآلهة التي أثبتها الكفار أن يأتي بشيء منها أو يقتدر عليه أو على بعضه] (1)

المناسبة بين السورة وسابقتها:
ولم يعن الشوكاني بهذا الجانب كثيرا، لكنه في تفسير سورة الحج أورد مناسبة بينها وبين ما قبلها فقال: " لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) . (2)
وفي تفسير سورة قريش ذكر ارتباطها بسابقتها أعني سورة الفيل التي تسبقها في ترتيب المصحف فسورة الفيل نزلت بعد سورة الكافرون وسورة قريش نزلت بعد سورة التين.
__________
(1) - نفسه 1/ 182
(2) - - نفسه 3 / 435..
(1/73)

يقول الشوكاني رحمه الله: [اللام في قوله {لإيلاف} قيل هي متعلقة بآخر السورة التي قبلها كأنه قال سبحانه أهلكت أصحاب الفيل لأجل تآلف قريش قال الفراء هذه السورة متصلة بالسورة الأولى لأنه ذكر سبحانه أهل مكة بعظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة ثم قال {لإيلاف قريش} أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش وذلك أن قريشا كانت تخرج في تجارتها فلا يغار عليها في الجاهلية يقولون هم أهل بيت الله عز وجل حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ويأخذ حجارتها فيبنى بها بيتا في اليمن يحج الناس إليه فأهلكهم الله عز وجل فذكرهم نعمته أي فعل ذلك لإيلاف قريش أي ليألفوا الخروج ولا يجترأ عليهم وذكر نحو هذا ابن قتيبة قال الزجاج والمعنى فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف وقال في الكشاف إن اللام متعلق بقوله فليعبدوا أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط. وقد تقدم صاحب الكشاف إلى هذا القول الخليل بن أحمد والمعنى إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة وقال الكسائي والأخفش اللام لام التعجب أي اعجبوا لإيلاف قريش وقيل هي بمعنى إلى] (1) .
مناسبة إيراد القصة: من المناسبات التي أبرزها الشيخ في بعض الأحيان بيان المناسبة التي من أجلها سيقت القصة:
من ذلك ما ذكره في مناسبة إيراد قصة ابني آدم عليه السلام في سورة المائدة في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم:
[وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه فالداء قديم والشر أصيل] (2)
__________
(1) - فتح القدير 5 / 497
(2) - نفسه 2 / 30..
(1/74)

ومن ذلك أيضا ما ذكره في سر إيراد قصة امرأة لوط وامرأة نوح في سورة التحريم حيث يقول رحمه الله [قال يحيى بن سلام ضرب الله مثلا للذين كفروا يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين تظاهرتا عليه وما أحسن من قال فإن ذكر امرأتي النبيين بعد ذكر قصتهما ومظاهرتهما على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرشد أتم إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أن المراد تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق الله وخاتم رسله فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئا وقد عصمهما الله عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة] (1)
*وفي تفسيره لسورة هود حيث ورد العديد من قصص الأنبياء التي استهلت بقصة نوح عليه السلام يقول الشوكاني: [لما أورد سبحانه على الكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أنواع الدلائل التى هى أوضح من الشمس أكد ذلك بذكر القصص على طريقة التفنن في الكلام ونقله من أسلوب إلى أسلوب لتكون الموعظة أظهر والحجة أبين والقبول أتم فقال {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ {25} أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ {26} (2)

ربط القصة بالقصة:
من وجوه المناسبات التي أبرزها الشيخ الربط بين القصة والقصة:
ففي تفسيره لسورة سبأ يذكر المناسبة بين قصتي داود وسليمان عليهما السلام وبين قصة سبأ فيقول: [لما ذكر سبحانه حال بعض الشاكرين لنعمه عقبه بحال بعض الجاحدين لها فقال {لقد كان لسبأ} (3) ] (4)
__________
(1) - فتح القدير 5 / 256
(2) - نفسه 2 / 493
(3) - الآيات سورة سبأ من 15 إلى 20
(4) - نفسه 4 / 319..
(1/75)

وفي تفسيره لقوله تعالى في سورة الإسراء {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً {2} }
يقول الشوكاني: [وآتينا موسى الكتاب أى التوراة قيل والمعنى كرمنا محمدا بالمعراج وأكرمنا موسى بالكتاب وجعلناه أى ذلك الكتاب وقيل موسى هدى لبنى إسرائيل يهتدون به] (1)
صلة القصة بما قبلها وما بعدها: من ذلك ما ذكره الشوكاني في تفسير قوله تعالى من سورة هود {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ {109} }
[لما فرغ الله سبحانه من أقاصيص الكفرة وبيان حال السعداء والأشقياء سلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بشرح أحوال الكفرة من قومه] (2)

وفي تفسيره لقوله تعالى من سورة ص {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ {12} } يقول: [لما ذكر سبحانه أحوال الكفار المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أمثالهم ممن تقدمهم وعمل عملهم من الكفر والتكذيب فقال {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد} ] (3)

دفع الإيهام: بأن يأتي اللاحق دافعا لما قد يتوهم من السابق:
وفيما يلي نذكر نماذج من فتح القدير:
__________
(1) - نفسه 3 / 207
(2) - نفسه 2 / 528
(3) - نفسه 4 / 423..
(1/76)

* يقول الشوكاني عند تفسيره لقوله تعالى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ {234} [سورة البقرة234] [لما ذكر سبحانه عدة الطلاق واتصل بذكرها ذكر الإرضاع عقب ذلك بذكر عدة الوفاة لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق] (1)
* وعند تفسيره لقوله تعالى من سورة النساء {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً {15} } [النساء15] يقول الشوكاني: [لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن وميراثهن مع الرجال ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف] (2)
مراعاة المناسبة بين مقدمة السورة وبين مقاصدها ومضمونها: ففي تفسيره لقوله تعالى {إنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ {7} أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ {8} } سورة يونس
__________
(1) - نفسه 1 / 248
(2) - نفسه 1 / 437
(1/77)

يقول رحمه الله: [شرع الله سبحانه فى شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به وقدم للطائفة التى لم تؤمن لأن الكلام فى هذه السورة مع الكفار الذين يعجبون مما لا عجب فيه ويهملون النظر والتفكر فيما لا ينبغي إهماله مما هو مشاهد لكل حي طول حياته فيتسبب عن إهمال النظر والتفكر الصادق عدم الإيمان بالمعاد] (1)
مراعاة السياق
قد يستعين الإمام الشوكاني في فهم المعنى أو الترجيح بين الآراء أو استجلاء الحكم بالسياق العام للآيات وفي هذا ما يدل على تسليمه بوجود ترابط وتناسب بين الآيات على ضوئه يسترشد
*** وفي تفسيره أمثلة عديدة تدل على رجوعه للسياق:
*ففي تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ {124}
يقول: [واختلف في المراد بالعهد فقيل الإمامة وقيل النبوة وقيل عهد الله أمره وقيل الأمان من عذاب الآخرة ورجحه الزجاج، والأول أظهر كما يفيده السياق] (2)
*وفي تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {146} }
يقول: [وقوله الذي آتيناهم الكتاب يعرفونه قيل الضمير لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أي يعرفون نبوته روى ذلك عن مجاهد وقتادة وطائفة من أهل العلم وقيل يعرفون تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة وبه قال جماعة من المفسرين ورجح صاحب الكشاف الأول وعندي أن الراجح الآخر كما يدل عليه السياق الذي سيقت له هذه الآيات] (3) وهو الحديث عن القبلة.
__________
(1) - نفسه 2 /426
(2) - نفسه 1 / 138
(3) - نفسه 1 / 154..
(1/78)

*وفي تفسيره لقوله تعالى في سورة المائدة {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ {32} } [قوله من أجل ذلك أي من أجل ذلك القاتل وجريرته وبسبب معصيته والمعنى أن نبأ ابني آدم هو الذى تسبب عنه الكتب المذكور على بني إسرائيل وعلى هذا جمهور المفسرين وخص بني إسرائيل بالذكر لأن السياق في تعداد جناياتهم ولأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم فى قتل الأنفس ووقع التغليظ فيهم إذ ذاك لكثرة سفكهم للدماء وقتلهم للأنبياء ... ] (1)

*وفي تفسيره لقوله تعالى من سورة يونس {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ {49} }
يقول: [ {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا} أي لا أقدر على جلب نفع لها ولا دفع ضر عنها فكيف أقدر على أن أملك ذلك لغيري وقدم الضر لأن السياق لإظهار العجز] (2)
*وفي تفسيره لقوله تعالى في سورة الشعراء {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [200]
يقول رحمه الله [ (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين) أي مثل ذلك السلك سلكناه أى أدخلناه فى قلوبهم يعنى القرآن حتى فهموا معانيه وعرفوا فصاحته وأنه معجز وقال الحسن وغيره سلكنا الشرك والتكذيب فى قلوب المجرمين وقال عكرمة سلكنا القسوة،
__________
(1) - نفسه 3 /33
(2) - نفسه 2 / 449..
(1/79)

والأول أولى لأن السياق في الحديث القرآن (1) ] (2)
*وفي تفسيره لقوله تعالى في سورة الزخرف {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ {31} أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ {32} }
__________
(1) - قال تعالى {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ {192} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ {193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ {194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ {195} وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ {196} أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ {197} وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ {198} فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ {199} كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ {200}
(2) - نفسه 4 / 118
(1/80)

يقول رحمه الله [ (أهم يقسمون رحمة ربك) يعني النبوة أو ما هو أعم منها والاستفهام للإنكار ثم بين أنه سبحانه هو الذي قسم بينهم ما يعيشون به من أمور الدنيا فقال {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} ولم نفوض ذلك إليهم وليس لأحد من العباد أن يتحكم في شيء بل الحكم لله وحده وإذا كان الله سبحانه هو الذي قسم بينهم أرزاقهم ورفع درجات بعضهم على بعض فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر النبوة وتفويضها إلى من يشاء من خلقه قال مقاتل: يقول: أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاءوا ومعنى رفعنا بعضهم فوق بعض درجات أنه فاضل بينهم فجعل بعضهم أفضل من بعض في الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والعلم ثم ذكر العلة لرفع درجات بعضهم على بعض فقال ليتخذ بعضهم بعضا سخريا أي ليستخدم بعضهم بعضا فيستخدم الغني الفقير والرئيس المرءوس والقوي الضعيف والحر العبد والعاقل من هو دونه في العقل والعالم الجاهل وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا وبه تتم مصالحهم وينتظم معاشهم ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين فجعل البعض محتاجا إلى البعض لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا ويحتاج هذا إلى هذا ويصنع هذا لهذا ويعطى هذا هذا ... وقيل هو من السخرية التي بمعنى الاستهزاء وهذا وإن كان مطابقا للمعنى اللغوي ولكنه بعيد من معنى القران ومناف لما هو مقصود السياق] (1)
__________
(1) - نفسه 4 / 554..
(1/81)

*وفي تفسيره لقوله تعالى في سورة الطور {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ {25} قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ {26} فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ {27} إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ {28} } في سياق الحديث عن أحوال أهل الجنة: يقول الشوكاني: [وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون أي يسأل بعضهم بعضا في الجنة عن حاله وما كان فيه من تعب الدنيا وخوف العاقبة فيحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن والخوف والهم وما كانوا فيه من الكد والنكد بطلب المعاش وتحصيل ما لا بد منه من الرزق وقيل يقول بعضهم لبعض بم صرتم في هذه المنزلة الرفيعة وقيل إن التساؤل بينهم عند البعث من القبور والأول أولى لدلالة السياق على أنهم قد صاروا في الجنة] (1)
وفي تفسيره لسورة الرحمن التي سيقت لبيان العديد من نعم الله عزوجل على الثقلين يبين الشوكاني وجه النعمة في بعض الآيات فنعم الله عز وجل منها الظاهر ومنها الباطن، والنعم الباطنة تحتاج إلى تأمل وتفكر حتى ندرك وجه كونها نعمة وبهذا يتبين لنا وجوه الترابط بين الآيات التي سيقت لتعداد النعم:
*من ذلك ما أورده في وجه كون الفناء من آلاء الرحمن قال تعالى {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ {26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ {27} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ {28} }
__________
(1) - نفسه 5 / 98..
(1/82)

قال في تفسيره: [ {كل من عليها فان} أي كل من على الأرض من الحيوانات هالك وغلب العقلاء على غيرهم فعبر عن الجميع بلفظ من وقيل أراد من عليها من الجن والإنس {ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وجه النعمة في فناء الخلق أن الموت سبب النقلة إلى دار الجزاء والثواب وقال مقاتل وجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت ومع الموت تستوي الأقدام] (1)
*وفي تفسيره لقوله تعالى {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ {29} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ {30} } يبين وجه كونه تعالى كل يوم في شأن: نعمة فيقول: [ {كل يوم هو في شأن} الشأن هو الأمر ومن جملة شئونه سبحانه إعطاء أهل السموات والأرض ما يطلبونه منه على اختلاف حاجاتهم وتباين أغراضهم قال المفسرون من شأنه أنه يحيى ويميت ويرزق ويفقر ويعز ويذل ويمرض ويشفي ويعطي ويمنع ويغفر ويعاقب إلى غير ذلك مما لا يحصى وقيل المراد باليوم المذكور هو يوم الدنيا ويوم الآخرة {فبأي آلاء ربكما تكذبان} فإن اختلاف شئونه سبحانه في تدبير عبادة نعمة لا يمكن جحدها ولا يتيسر لمكذب تكذيبها] (2)
__________
(1) - نفسه 5 / 136 وراجع رسالتي الصبر عند فقد الولد ط دار السلام بالقاهرة.
(2) - نفس المرجع 5 / 137..
(1/83)

وفي تفسيره لقوله تعالى {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ {35} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ {36} فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ {37} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ {38} فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ {39} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ {40} } يبين وجه كون ذلك الوعيد بالعذاب الشديد نعمة فيقول: [ {فبأي آلاء ربكما تكذبان} فإن من جملتها ما في هذا التهديد والتخويف من حسن العاقبة بالإقبال على الخير والإعراض عن الشر] 0 (1)

وبهذه النماذج التي سقناها من تفسير الشوكاني يتبين لنا رجوعه إلى السياق العام للآيات مستعينا به على فهم المعنى أو استبعاد رأي ضعيف أو الترجيح بين الآراء أو لإظهار حكمة أو لدفع إيهام أو للوقوف على روعة النظم وجمال النسق، وفي هذا ما يدل على إدراك الشيخ للتناسب بين الآيات، وتعويله عليه خلافا لما ذكره في مقدمة كتابه من الإنكار على من عني بهذا العلم وساهم فيه، وفي هذا أبلغ رد على موقفه، فتفسيره حافل بها.
الخاتمة
خلاصة البحث ونتائجه
كتاب " فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير " لصاحبه الإمام الشوكاني: من روائع كتب التفسير ومن أصولها الجامعة فقد اشتمل على التفسير بالرواية كما اشتمل أيضا على التفسير بالدراية
(التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي.
ذهب الشوكاني في تفسيره إلى أن البحث في علم المناسبات ضرب من التكلف، وأنه لا فائدة منه، وأنه من التكلم بمحض الرأي المنهي عنه ونعى على البقاعي وغيره عنايتهم بهذا العلم.
__________
(1) نفسه 5 / 138..
(1/84)

وقد قمت بالرد عليه في هذا البحث مع مناقشة أهم القضايا التي أثارها فبينت فوائد وثمرات دراسة علم المناسبات هذا العلم النافع الذي يتبين لنا من خلاله وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم: وذلك من حيث تناسب آياته وتناسق سوره، فالقرآن الكريم وحدة موضوعية واحدة وآياته وسوره بناء واحد
كالدر يزداد حسنا وهْوَ منتظم وليس ينقص قدرا غير منتظم
هذا فضلا عن بيان المعاني وثرائها وجلاء المقاصد أمام المفسرين الذي لا عن لهم عنه.
ولقد تميز القرآن المجيد بهذا النظم الفريد،وهذا السبك النضيد، وهذا التصريف العجيب، وهذا الثراء في الأساليب، والانتقال من موضوع إلى موضوع ومن حكمة إلى حكمة ومن قصة إلى قصة ومن مثل إلى مثل، دون أن يؤدي ذلك إلى اضطراب أو خلل، أو فتور أو ملل، أو تناقض أو اختلاف، بل تناسق وائتلاف، مراعاة لطبيعة النفوس وتيسيرا على القراء وتبصرة وتذكرة لأولي الألباب،هذا مع نزوله منجما - حسب الحوادث والنوازل - على غير ما هو معهود في الكتب السابقة التي نزلت جملة واحدة: فجمع بذلك بين سمات عديدة ليست موجودة في الكتب السابقة: نزوله جملة حسب الحكمة، ونزوله متفرقا حسب الأحداث وما يقتضيه التشريع من تدرج في الأحكام، فضلا عن هذا الترتيب البديع.
مائدة عامرة زاخرة، وحدائق غناء ناضرة، مزهرة مثمرة، تسر الأعين الناظرة، قد تشابكت أغصانها وتعانقت أزهارها وتآلفت أطيارها وأينعت ثمارها، وامتزجت جداولها وانتظمت دررها واتسقت جواهرها في عقد فريد وسلك نضيد.
والناظر في تفسير الشوكاني يشهد فيه نماذج عديدة ومتنوعة للمناسبات بين الآيات حيث أبرز العديد من وجوه الصلة بين الآيات منها:
الاستئناف البياني
الاستئناف التقريري
التفنن في الكلام ونقله من أسلوب إلى أسلوب
التضاد: وهو الجمع بين المعنى وضده كالجمع بين الترغيب والترهيب
إلحاق النتائج بالمقدمات..
(1/85)

ذكر الخاص بعد العام
ترتيب موضوعات السورة:
ذكر ما يترتب على الحكم الشرعي من أحكام تلحق به:
التنظير: وهو إلحاق النظير بالنظير، وبيان الرابط بينهما:
التفصيل بعد الإجمال:
التمهيد والتوطئة:
الوحدة الموضوعية للآية الواحدة
بيان الدليل على ما سبق تقريره.
مناسبة إيراد القصة.
صلة القصة بما قبلها وما بعدها.
ربط القصة بالقصة التي تليها.
دفع الإيهام.
مراعاة المناسبة بين مقدمة السورة وبين مقاصدها ومضمونها.
مراعاة السياق.
وفي هذا ما يدل على إدراك الشيخ للتناسب بين الآيات، وتعويله عليه خلافا لما ذكره في مقدمة كتابه من الإنكار على من عني بهذا العلم وساهم فيه،وفي هذا أبلغ رد على موقفه، فتفسيره حافل بها.
ونحن نؤيد الشوكاني في أن التكلف منهي عنه في التفسير أو في غيره، وأنه لا يجوز التكلم بمحض الرأي المنهي عنه، فعلم المناسبات يحتاج إلى تدبر وتفكر لا إلى تكلف وتعسف، يحتاج إلى نظرة كلية شاملة للآيات والتدبر في معانيها ومقاصدها وصلتها بالمقصد العام للسورة وارتباطها بسابقها ولا حقها مع بيان نوع الرابط الذي بربط بين الآيات، وهذا العلم لا بد منه ولا غنى عنه لأي مفسر، لأنه يعين على فهم المعنى والترجيح بين الآراء ومعرفة المقاصد العامة للآيات والسور وغير ذلك من فوائد..
(1/86)

نزل القرآن الكريم مفرقا حسب الحوادث والنوازل ومراعاة للتدرج في التشريع، ومواكبة للمراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية في عهدها المكي والمدني، وما تتطلبه كل مرحلة، وجمع في الصدور والسطور وفقا لما هو عليه في اللوح المحفوظ حيث كان جبريل - عليه السلام -يعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموضع كل آية في سورتها، إضافة إلى ترتيب السور كما سيأتي بيانه، وحفظه الصحابة رضي الله عنهم وفق هذا الترتيب،وروعي ذلك في المصاحف العثمانية، فإذا كان في نزوله منجما حكم وفوائد لا تخفى فإن في جمعه على هذا الترتيب التوقيفي حكم وفوائد، وإذا كان في نزوله منجما سمة من سماته التي تفرد بها عن الكتب السابقة فإن هذا الترتيب سمة من سماته، وإن كان في نزوله منجما معجزات ومعجزات فإن في جمعه بهذه الروعة والجمال معجزة المعجزات، وهل يعقل أن يكون ترتيبه في المصحف على غير ترتيب نزوله ثم لا يكون لذلك حكمة؟ ولماذا نجتهد في التماس حكم ومقاصد التشريعات الإلهية ثم نطالب بتجاهل الحكم من الترتيب الإلهي لكتابه العزيز! 0
والعجب كل العجب كيف انتقد الشوكاني على البقاعي اهتمامه بهذا العلم في تفسيره نظم الدرر ثم نراه يثني على هذا التفسير وعلى مسلك صاحبه فيه كما ورد في كتابه البدر الطالع خلال ترجمته له: " ومن أمعن النظر في كتابه المترجم له في التفسير الذي جعله في المناسبات بين الآي والسور علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علم المعقول والمنقول، وكثير ما يشكل على شيء في الكتاب فأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي وأرجع إلى هذا الكتاب - نظم الدرر - فأجد فيه ما يفيد في الغالب "
فالعجب كيف ينعى عليه عنايته بهذا العلم الشريف؟ ثم تراه يثني عليه وعلى مسلكه في تفسيره الذي جمع بين المأثور والرأي! ألا يذكرنا هذا بقول البحتري..
(1/87)

إذا حسناتي اللاتي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر!
ألا يدل كل ما ذكرناه على أن الإمام الشوكاني ليس من المنكرين مطلقا لهذا العلم الشريف ولكنه يثبته في التفسير بل ويظهر من المناسبات الخفية ما يحتاجه في إظهاره إلى تأمل ونظر وإن كان لا يتوسع في هذا الشأن 0
{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ
عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ
تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ
أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ {286} }

مراجع البحث

القرآن الكريم
مراجع التفسير
-إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم للعلامة أبى السعود (محمد بن محمد مصطفى العمادى الحنفى ت 982 هـ ط دار الفكر بدون تاريخ)
-الأساس فى التفسير للشيخ سعيد حوى ت 1409 هـ ط دار السلام ط أولى سنة 1405
-أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوى (عبد الله بن عمر ت 685هـ) ط دار الجيل بيروت بدون تاريخ 0
-البحر المحيط للإمام محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسى الغرناطى ت 754 هـ ط دار إحياء التراث العربى ط سنة 1411 هـ ثانية 0
-تفسير ابن جزي الكلبي ط دار الكتاب العربي بيروت 1403هـ
-تفسير القرآن الحكيم المشتهر باسم تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا ط دار المنار سنة 1372 هـ سنة 1953 م ط ثانية 0
-تيسير الكريم الرحمن فى تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى ت 1376 هـ ط الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة الرياض ط 1404
-التحرير والتنوير للأستاذ محمد الطاهر بن عاشور ت 1393هـ ط دار سحنون للنشر والتوزيع تونس بدون تاريخ 0
-التفسير القرآنى للقرآن للأستاذ عبد الكريم الخطيب ط دار الفكر العربى بالقاهرة بدون..
(1/88)

-جامع البيان فى تفسير القرآن للإمام أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى ت310هـ ط دار الريان للتراث، ودار الحديث بالقاهرة سنة 1407 هـ
-الجامع لأحكام القرآن للقرطبى (أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصارى القرطبى ت ... ) ط الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1987 م 0
-الدر المنثور فى التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطى ت 911 هـ ط دار الفكر
-روح البيان للبروسوى إسماعيل حقى البروسوى ت سنة 1370 هـ ط دار الفكر بدون
-روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى للإمام الألوسى شهاب الدين السيد محمود الألوسى ت 1270 هـ ط دار إحياء التراث العربى ط 4 سنة 1405هـ
-غرائب القرآن ورغائب الفرقان لنظام الدين الحسن بن محمد بن الحسين القمى النيسابورى ت 728 هـ ط البابى الحلبى سنة 1381 هـ ط أولى
-فتح القدير الجامع بين فنى الرواية والدراية من علم التفسير للإمام محمد بن على بن محمد الشوكانى ت 1255 هـ ط البابى الحلبى سنة 1350 هـ ط أولى
- في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ت 1966م دار الشروق سنة 1407 هـ
-مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) للإمام فخر الدين الرازى ت 606 هـ ط دار الفكر سنة 1405 هـ 0
- نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور لبرهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعى ط دار الكتاب الإسلامى بالقاهرة ط 2 سنة 1413هـ

مراجع في علوم القرآن
- الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين لسيوطي ت911 ط البابي الحلبي 1370 هـ
- إعجاز القرآن للقاضي أبي بكر الباقلاني ت 403هـ ط/دار المعارف
- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
- البرهان في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي ت 794 بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ط البابي الحلبي
- فضائل القرآن لابن كثير ط البابي الحلبي
- معترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي ط/ دار الفكر العربي
(1/89)

- مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني ط البابي الحلبي
- الناسخ والنسوخ لأبي حعفر النحاس ت 338هـ بتحقيق د. سليمان اللاحم ط مؤسسة الرسالة
- النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله ط دار القلم
مراجع فى السنه النبوية

-الأحاديث المختارة أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحنبلي المقدسي ت 643هـ ط مكتبة النهضة الحديثة بمكة المكرمة 1410هـ
-الإحسان بترتيب صحيح لابن حبان - للأمير علاء الدين على بن بلبان الفارسى ت 739 هـ – تحقيق شعيب الأرنؤوط – ط مؤسسة الرسالة بيروت 0
-سنن أبو داود (أبو داود سليمان بن شعث السجستانى الأزدى ت 257 هـ) ط دار الفكر بدون تاريخ 0
-سنن ابن ماجة (أبو عبد الله محمد بن يزيد القزوينى ت 275 هـ) ط دار الريان للتراث بدون تاريخ 0
-سنن الترمذى (أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذى ت 297 هـ) ط دار الفكر 1408هـ 0
-سنن الدارمى (عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى السمرقندى ت 255 هـ) ط دار الريان للتراث 1407 هـ ط أولى 0
-سنن الكبرى للبيهقى (أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى) ط دار الفكر بدون تاريخ
-السنن الكبرى للنسائى - تحقيق د0 عبد الغفار سليمان البندارى وسيد كسروى حسن ط دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط أولى 1411 هـ
-سنن النسائى (أحمد بن شعيب النسائى ت 303 هـ) بشرح السيوطى وحاشية السندى ط دار الكتاب العربى بيروت بدون تاريخ 0
-شعب الإيمان للبيهقى ط دار الكتب العلمية 1410 هـ ط أولى 0
-صحيح ابن خزيمة (أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمى النيسابورى ت 311 هـ ط/ المكتب الإسلامى تحقيق د0 محمد مصطفى الأعظمى ط أولى 1395 هـ 0
- صحيح البخاري بحاشية السندي 0
-صحيح مسلم بشرح النووى (الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيرى ت 261 هـ) دار إحياء التراث العربى ط 3 بدون تاريخ 0
(1/90)

-الكامل في ضعفاء الرجال لعبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني ت 365هـ ط دار الفكر 1409هـ
-مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمى ط دار الكتاب العربى بيروت 1402 هـ 0
-المستدرك على الصحيحين للإمام أبى عبد الله الحاكم النيسابورى ت 405 هـ وفى ذيله تلخيص المستدرك للإمام شمس الدين الذهبى ت 848 هـ 0
-مسند الإمام أحمد بن حنبل ط المكتب الإسلامى بدون تاريخ 0
مراجع في اللغة
- معجم مقاييس اللغة لابن فارس ط مكتبة وهبة القاهرة1972م
- الصحاح للجوهري بتحقيق أحمد عبد الغفور العطارط دار العلم للملايين 1399هـ
- معجم المفصل في علوم البلاغة جمع وترتيب د. إنعام عكاوي ضمن سلسلة الخزانة اللغوية ط دار الكتب العلمية
مراجع أجنبية
القرآن: نزوله تدوينه ترجمته وتأثيره -لبلاشير ترجمة رضا سعادة ط دار الكتاب اللبناني بيروت ط1974م
مذاهب التفسير الإسلامي لجولد زيهر ترجمة د عبد الحليم النجار مطبعة السنة المحمدية 1374هـ
(1/91)