Advertisement

نحو تفسير موضوعي



الكتاب : نحو تفسير موضوعي
المؤلف : محمد الغزالي
الناشر : دار نهضة مصر
الطبعة : الأولي مقدمة هذه دراسة جديدة للقرآن الكريم، سبق أن قدمت نماذج منها فى بعض ما كتبت. وقد لازمنى شعور بالقصور وأنا أمضى فيها، فشأن القرآن أكبر من أن يتعرض له مثلى، ولكنى حرصت على أن أزداد فقها فى القرآن وتدبرا لمعانيه. وقلت: قد أرتاد طريقا لم أسبق إليه أفتتح به بابا من أبواب الخير، والقرآن لا تنقضى عجائبه، ولن نبلغ مهما بذلنا مداه!! والهدف الذى سعيت إليه أن أقدم تفسيرا موضوعيا لكل سورة من الكتاب العزيز. والتفسير الموضوعى غير التفسير الموضعى: الأخير يتناول الآية أو الطائفة من الآيات فيشرح الألفاظ والتراكيب والأحكام! أما الأول فهو يتناول السورة كلها يحاول رسم " صورة شمسية" لها تتناول أولها وآخرها، وتتعرف على الروابط الخفية التى تشدها كلها، وتجعل أولها تمهيدا لآخرها، وآخرها تصديقا لأولها. لقد عنيت عناية شديدة بوحدة الموضوع فى السورة، وإن كثرت قضاياها، وتأسيت فى ذلك بالشيخ محمد عبد الله دراز عندما تناول سورة البقرة- وهى أطول سورة فى القرآن الكريم- فجعل منها باقة واحدة ملونة نضيدة، يعرف ذلك من قرأ كتابه " النبأ العظيم " وهو أول تفسير موضوعى لسورة كاملة، فيما أعتقد.. وعلماء القرآن أجهزة استقبال لما يؤتيهم الله من فهم فيه، فالفضل أولا وأخرا لمن أسدى تبارك اسمه!. وقد شعرت- على ضوء ما أحسست من نفسى- أن المسلمين بحاجة إلى هذا اللون من التفسير! كيف؟ لقد صحبت القرآن من طفولتى، وحفظته فى سن العاشرة، ومازلت أقرأه وأنا فى العقد الثامن من العمر.. بدا لى أن ما أقبس من معانيه قليل، وأن وعيى لا يتجاوز المعانى القريبة والجمل المرددة، فقلت: إنى ما قضيت حق التدبر فيه كما أمر منزله العظيم! يجب أن أغوص فى أعماق الآية لأدرك رباطها بما قبلها وما بعدها، وأن أتعرف على السورة كلها متماسكة متساوقة...
ص _006
(1/1)

ثم شعرت بأن همتى دون هذه المهمة!! وكدت أتوقف! ثم قلت: لأن أقطع شوطا أو شوطين فى هذا الطريق أفضل من أن استسلم للعجز فى المراحل الأولى. ولكن الله أعان ووفق فقطعت الطريق وبلغت نهايته. والقرآن الكريم خلاصة ما أنزل الله من وحى فى القرون الأولى، وقد توافر له من الحفظ ما ضمن له الخلود، ولا يوجد فى الأولين والآخرين كتاب وعته القرائح وسجلته الصحائف وحفه التواتر حرفا حرفا إلا هذا القرآن الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه. فلو سأل سائل: أين وحى الله فى هذا العصر؟ لما كانت الإشارة إلا إلى القرآن، ولا الإشادة إلا بكلماته التى غلبت الفناء، فيها وحدها الحق المعصوم والهدى المستقيم.. وأكرر أننى مستكشف قاصر، وأن الوادى الذى أستقى منه يسيل على قدرى أنا- وهو محدود- ولكنه يحث الخطى إلى ما هو أبعد، ويحدو أولى الألباب إلى الشأو الأعلى فى خدمة القرآن، وإماطة اللثام عن روائعه وبدائعه... إننى أختار من الآيات ما يبرز ملامح الصورة، وأترك غيرها للقارئ يضمها إلى السياق المشابه، وذلك حتى لا يطول العرض ويتشتت، والإيجاز مقصود لدى.... وأنبه إلى أن هذا التفسير الموضوعى لا يغنى أبدا عن التفسير الموضعى بل هو تكميل له وجهد ينضم إلى جهوده المقدورة... وهناك معنى آخر للتفسير الموضوعى لم أتعرض له! وهو تتبع المعنى الواحد فى طول القرآن وعرضه وحشده فى سياق قريب، ومعالجة كثير من القضايا على هذا الأساس... وقد قدمت نماذج لهذا التفسير فى كتابى " المحاور الخمسة للقرآن الكريم " و"نظرات فى القرآن ". ولا ريب أن الدراسات القرآنية تحتاج إلى هذا النسق الآخر، بل يرى البعض أن المستقبل لها! وعلى كل حال فالقرآن الكريم دستور الإسلام ومعجزته الباقية، والمورد الذى نتردد عليه فنحس الحاجة إليه آخر الدهر. والحمد الله الذى أنزل على عبده الكتاب وجعله هدى لأولى الألباب، وحصنه من الخطأ ومحضه للصواب.... محمد الغزالى ص _007
(1/2)

سورة الفاتحة باسم الله خير الأسماء. باسم الله الذى لا يضر مع اسمه شى" فى الأرض ولا فى السماء.. بسم الله الرحمن الرحيم. سورة الحمد من قصار السور ولكنها أم الكتاب، وأعظم سوره. تضمنت خلاصة وجيزة لعقائد الإسلام، وعهدا وثيقا بين الناس وربهم يحقق رسالتهم فى الوجود، ورجاء في الله أن يهدى الطريق، ويمنح التوفيق، وينعم بالرضا... ولننظر فى الآية الأولى "الحمد لله رب العالمين". الحمد لفظ تلتقى فيه معان ثلاثة، فهو ثناء يكشف عن أمجاد الذات العليا من جلال وجمال وكمال، وهو مديح على ما ننال من عطاء ونعماء، جاد بها ولى النعم، وهو شكر يقابل الخير النازل والفضل المسدى. وعندما نصبح فنقولى مثلا " الحمد لله الذى أحيانا من مماتنا وإليه النشور " فنحن نثنى ونمدح ونشكر. و"رب العالمين" سيد العوالم كلها من العرش إلى الفرش، من السماء إلى الأرض، من الحيوان إلى النبات، من الملائكة إلى البشر. والعالم ما عدا الله من خلق، وما عدا الله مربوب له فقير إليه.. نعم كل ماعدا الله عبد له، صنيعة نعمته، " فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم". "الرحمن الرحيم" نحن فى رحمته نعيش، والرحمة والعلم يسعان كل شئ، ولولا أن الله غفور رحيم لفتكت بنا معاصينا وقضى علينا جحودنا وطغياننا. "مالك يوم الدين" المقصود بالدين الجزاء ، وهو بداية العالم الآخر هو المقابل لعالمنا المعاصر. والحضارة المادية المسيطرة على الحياة الآن قلما تذكره، بل لعلها ترى من الهزل ذكره. ص _008
(1/3)

وهى تتعمد نسيانه فى ميادين التربية والتشريع والسياسة الدولية والمحلية مع أنه الحقيقة العظمى، الأجدر بالرعاية والحساب.. "إياك نعبد وإياك نستعين " نعبدك وحدك يا الله، ونستعين بك لا بغيرك، فكل غير محتاج إليك، كما جاء فى السنة " اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " " إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ". "اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم.... " الخط المستقيم أقصر طريق بين نقطتين، ولذلك لا يتعدد، ومن استقام اهتدى إلى الله " إن ربى على صراط مستقيم ". ودين الله واحد، بلغه الأنبياء على اختلاف الأعصار والأمصار، أساسه إله واحد، له الولاء، وله الثناء، يفتقر إليه أهل الأرض وأهل السماء. ولعل هذه النقطة مثار الخلاف بين أتباع الأديان المعاصرة، فالمسلمون يوقنون بأن ماعدا الله عبد له خاضع لحكمه عان لأمره فى الدنيا والآخرة. ويستحيل أن يتجاوز هذه الحقيقة بشر أو ملك.. فمن لزمها نجا ومن زاغ عنها هلك.. وكل من أحسن طاعة الله ورسله بلغ هذه الغاية " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " أما من أشرك بالله شيئا، أو رفض الانقياد لأمره، فهو بين الضلال والغضب لا أمل له ولا خير فيه … " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " على الإنسان أن يكون صائب الفكر صادق النظر، فإذا اهتدى إلى الحق فعليه أن يعمل به ويتواضع لربه، ويرفق بعباده.. وهذه السورة فرض الله قراءتها فى جميع الصلوات، لتكون مناجاة متجددة مقبولة بين الناس ورب الناس، فهى حقائق علمية، وهى فى الوقت نفسه، ضراعة عبد ينشد رضا مولاه... وقد جاء فى السنة " قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل فإذا قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ" قال الله: حمدنى عبدى! وإذا قال " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" قال الله أثنى على عبدى.! فإذا قال : " مَالِكِ يَوْمِ
(1/4)

الدِّينِ " قال الله: مجدنى عبدى، أو فوض إلى عبدى! فإذا قال : " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" قال الله: هذا بينى وبين عبدى، ولعبدى ما سأل. فإذا قال : " اِهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ " قال الله: هذا لعبدى ولعبدى ما سأل...!! ص _009
ونحن نكرر الدعاء لأنفسنا، كما نكرر غسل أعضائنا لأن أسباب هذا التكرار قائمة، فالجسم الإنسانى لا يكفى فى تطهيره أن يغسل مرة أو مرتين، لابد من تكرار الغسل مدى الحياة!! والطبع البشرى لا تصقله دعوة أو دعوتان لابد من تكرار الوقوف بين يدى الله لأن رعونات النفس ووساوس الشيطان لا تنتهى، فلابد من تكرار الدعاء، واستدامة التضرع "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا". وهكذا فى سطور قلائل تم تصوير العلاقة الوحيدة الممكنة بين الناس ورب الناس. الاعتراف به، والثناء عليه، والاستعداد للقائه والتعهد بعبوديته ثم الرجاء إليه أن يجعلنا كما يحب... ص _011
(1/5)

سورة البقرة اتجهت الجهود بعد الهجرة إلى تكوين المجتمع الإسلامى الأول فى المدينة المنورة، لقد نجح المسلمون أفرادا فى مقاومة فتن الوثنية، وهاهم أولاء قد خلصوا بدينهم، ووجدوا دارا تجمع أمتهم، وتقيم دولتهم.. لكنهم فوجئوا بعداوة من نوع آخر، عداوة اليهود الذين حسبوا الدين حكرا على جنسهم، فتجهموا للمنافسين الجدد، وشرعوا يستعدون لمقاومتهم، ويتآمرون سرا وعلنا على الكيد لهم.. والقبائل اليهودية التى استوطنت البقاع الخصبة فى الحجاز، بدأت حياتها فارة بعقائدها من بطش الرومان، وقد عاشت بين العرب الأميين مترفعة عليهم، فما حاولت محاربة الأصنام، ولا أنشأت دعوة إلى الله، ولا عرضت تعاليم السماء لتغنى عن تعاليم الأرض.. كلا، لقد نأت بنفسها، واستراحت إلى مواريثها، وظنت أن الدين امتياز لها، ما ينبغى أن يشركهم فيه أحد!! فهل بقيت على هذا الشعور عندما ظهر الإسلام؟ لا، لقد رفضته، وقلبت له الأمور… وحاول النبى الخاتم أن يستلين جانبهم، ويتعاون على الخير معهم، بيد أن حقدهم غلب، وبدأ شرهم ينمو، فكان المسلمون فى مهجرهم الذى ظفروا به يبنون بيد، ويقاومون بأخرى! يؤسسون مجتمعهم وفق إشارات الوحى، ويدفعون عنه أعداء لا يخفى لهم ضغن!! فى هذا الجو نزلت سورة البقرة أطول سور القرآن الكريم وأحفلها بالتعاليم المنوعة... وبطريق التلميح أشارت إلى زيف ما بأيدى اليهود " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " كأن الكتب الأخرى موضع ريبة، وكأن ما فيها من خليط لا يصنع تقوى، ولا يزكى سيرة ! وخلال المتقين التى أحصتها سورة البقرة كثيرة، فقد تكررت مادة التقوى خلال السورة بضعا وثلاثين مرة، لا تشبهها فى ذلك سورة أخرى، والتقوى هى الصفة الجامعة التى طلبت من سائر الأمم فى شتى الرسالات " ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله.. " ص _012
(1/6)

وتمتاز سورة البقرة بأنها تحدثت عن أركان الإسلام الخمسة "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم " ، " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين "، " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة "، " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم.. "، " وأتموا الحج والعمرة لله.. " . وقد ظلت السورة مفتوحة يضم إليها النبى الكريم ما شاء الله أن يضيفه إليها من وحى يتصل بموضوعها. ومعروف أن آخر آية نزلت من القرآن كله هى قوله تعالى: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " وقد أمر النبى عليه الصلاة والسلام بضمها إلى الآيات التى تتحدث عن الربا فى خواتيم سورة البقرة... وننظر إلى الصفحات الأولى من السورة، فنجدها وصفت الأتقياء فى ثلاث آيات، ووصفت الكافرين فى آيتين، ووصفت المنافقين فى ثلاث عشرة آية! وذلك يدل على استطارة شرهم وخطورة أثرهم على الجماعة كلها.. وبعد دعوة عامة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وحديث وجيز عن إعجاز القرآن الكريم، وصدق صاحبه، وخسار عدوه، عاد الحديث إلى صنوف الناس بإزاء الرسالة، وتباين مواقفهم بين مؤمن وكافر، أو بين ناقض للعهد وموفي.. أكان رب العالمين جديرا بهذا الموقف الخسيس؟ هل جزاء النعمة المسداة، نعمة الإيجاد والإمداد أن نكفر صاحبها؟ وبهذا الكنود!! " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون " . وكان طبيعيا بعدئذ ذكر بدء الخلق، وتكليف البشر، والصراع الدائم بين آدم وبنيه، وإبليس وذريته! إن هذا الصراع ظهر فى صورة عداوة مرة بين خاتم الدعاة وبنى إسرائيل، الذين آثروا أن يكونوا جند إبليس فى معركته الخالدة ضد الحق.. كان لابد ـ وسورة البقرة أول ما نزل بالمدينة ـ أن تتصدى السورة لبنى إسرائيل، مفندة موقفهم من الرسالة الخاتمة،
(1/7)

ومسالكهم المعيبة فى القديم والحديث!! ص _0 ص
وبدأ ذلك من قوله تعالى : " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون * وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به .." وتصديق القرآن لما مع اليهود إنما هو تصديق على الإجمال، فأهل الكتاب ليسوا كعبدة الأوثان فى الكفر بالله وإنكار الوحى الذى أنزل على المرسلين! إن القرآن يصدقهم فيما يذكرون من إيمان بالله، وإثبات للوحى، وتكليف للناس، وحساب على الأعمال! لكنه لا يصدقهم حين يذكرون أن الله مثلا ندم على إغراق الأرض بالطوفان، ثم ندم على ما صنع واحتاج إلى من يذكره حتى لا يفعلها مرة أخرى! إنه لا يصدق العهد القديم حين يذكر أن الله نزل يتمشى على الأرض ثم مال إلى نبيه إبراهيم حيث تناول معه الغداء..!! ولا يصدقه حين يذكر أن الله صارع يعقوب ليلا طويلا، ثم لم يفلته حتى منحه لقب إسرائيل! إن تصديقه لما مع بنى إسرائيل هو- على الإجمال لا على التفصيل- والمجمل الذى سلمه لهم، أو وافقهم عليه إنما ذكره ليحاسبهم على ضوئه حسابا عادلا. وقد أحصت سورة البقرة أكثر من ست عشرة مرة شئونا وقضايا عرضت للقوم فى تاريخهم الطويل، وذكرت لديهم فى التوراة، ومع ذلك لم يكونوا عند حسن الظن فى الاعتبار بها وشكر الله عليها. ويبدأ هذا الإحصاء من قوله تعالى: "وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب" هل قدروا نعمة هذه النجاة؟ ثم عاقب الله عدوهم فأغرقهم أمام عيونهم، فهل شعروا بعدالة هذا القصاص، وحمدوا ربهم على هلاك الظلمة؟ واتصل السرد القرآنى فى صفحات طوال يذكر ويتساءل! فهل استيقظ الضمير اليهودى بعد هذه القائمة من الحساب الطويل أم بقى أكفر من عبدة الأوثان بنبى القرآن؟ هذا ما سجلته سورة البقرة من تاريخ القوم لتخلص منه إلى شأن أهم هو ما نسميه بالوحدة الدينية كما صورها القرآن الكريم فى هذه السورة. ص _014
(1/8)

فى وجه تعصب دينى ضيق ينشد الإسلام للناس كافة وحدة دينية سمحة، تقوم على الفطرة السليمة والمنطق الواعى! إن اليهود والنصارى يرون الحق حكرا عليهم وحدهم، وأن النجاة لن تكون إلا لهم!. لماذا يرسل هذا الحكم المتحيز؟ " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" . هناك ناس آخرون حسنت معرفتهم لله، وأسلموا له وجوههم، وأخلصوا نياتهم، وأصلحوا أعمالهم، لماذا يهدر جهدهم؟ " بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " . على هذا الأساس طلب القرآن من أهل الكتاب أن يؤمنوا بالله ورسله جميعا، وأن ينخلعوا من أنانيتهم التى تزين لكل طائفة أن الحق لديها وحدها " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " . ثم طلب منهم توسيع دائرة الإيمان حتى تشمل كل نبى أرسله الله لهداية الناس، فلا مساغ لاستثناء أحد " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" . هذه أصول الوحدة الدينية التى شرحتها سورة البقرة، وعرضتها على اليهود والنصارى، كى يدخلوا فيها، ويتآخوا مع المسلمين فى ظلالها، وقبيل هذا التفصيل بين القرآن الكريم أن الإسلام المعروض ليس شيئا جديدا، إنه دين المرسلين الأوائل.. يفخر اليهود بأنهم أبناء يعقوب الذى لقب بعد بإسرائيل، والذى أقيمت دولة فى هذا العصر باسمه! ماذا كان يعقوب؟ كان رجلا حسن الصلة بالله، يعرفه معرفة وثيقة، ويستسلم لقضائه وقدره، ويدعو أولاده للإيمان به، ويستوثق قبل مماته من أنهم لن يفرطوا فى هذا الإيمان مثقال ذرة.. " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون" .
(1/9)

إن هذا الإسلام هو العلاقة العقلية الوحيدة بين الكائنات وربها، بين الناس وخالقهم! أليس من حق الموجد الأعلى أن ترنو إليه الموجودات عابدة خاشعة؟ إذا لم يكن الإسلام لله دينا فهل التمرد عليه هو الدين؟ هل تجاوز حقه هو الدين؟ هل الحكم بغير ما أمر هو الدين؟ ص _015
إن محمدا رد الأشياء إلى أصولها، ومهد لله سبيلا لا سبيل غيرها، ولذلك جاء فى هذه السورة " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " ونلحظ فى هذه الآية أدبين كريمين : الأول أنه طلب الإيمان بمثل إيماننا، ولم يقل بإيماننا نفسه تلطفا معهم وتقديرا لأشخاصهم، كأنه يمنحهم حرية التصرف، وإلا فالإيمان واحد! أما الأدب الثانى فإن تكذيبهم لم يجعل سببا للهجوم عليهم، بل تركوا وشأنهم! فإذا جاش الشر بأنفسهم وبدأوا العدوان فإن الله سيحمينا وهو حسبنا.. تلك معالم الوحدة الجامعة كما رسمتها هذه السورة، وبقى أن نزيل لبسا قد يخالط بعض الأفهام: ما معنى أن الرسل جميعا مسلمون، والمعروف أن الإسلام هو الدين الذى طلع به محمد على الناس؟. الحقيقة المؤكدة أن الدين منذ الأزل واحد، إيمان بالله، وإصلاح للعمل، وهما معنى الإسلام! المعرفة النظرية لا تكفى، فلابد مع المعرفة أن نقول لربنا : " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ". ومعرفة إبليس أن الله واحد خلق الكل، لا تغنيه شيئا، لابد أن يضم إلى هذه المعرفة استسلام لأمر الله، وسعى إلى استرضائه، ومادام قد أبى ذلك فقد طرد من رحمة الله. وقد جاء المرسلون قاطبة يعلنون معرفتهم بالله على الوجه الصحيح، كما يعلنون طاعتهم لله فى كل ما كلف العباد به!! هكذا فعل نوح وإبراهيم، وهكذا فعل موسى وعيسى ومحمد، ولا نسرد هنا الآيات التى أعلنوا فيها إسلامهم، فالأمر يطول .. الجميع كانوا دعاة إلى الإسلام، وإن تفاوتت التشريعات الفرعية على اختلاف العصور. إن الإنسان فى صغره قد يسمى
(1/10)

فلانا، فإذا كبرت سنه لم يتغير اسمه، وإن اتسعت الدائرة التى تتم فيها تصرفاته، وليس من العقل أن نتصور دائرة التدين فى هذا العصر تنطبق على دائرة التدين فى عصر نوح، إن مركز الدائرة واحد هنا وهناك، ولكن محيطها قد يتسع باتساع العمران، والشبكة الكهربائية قد تكون ميلا فى بعض القرى، ولكنها تكون أميالا طويلة فى بعض العواصم، والتيار واحد.. ص _016
وقد ظهر محمد بعد تجارب هائلة خاضها موسى وعيسى مع الناس، فهل يستكثر على الدين الخاتم أن يصحح أخطاء جدت، وأن يقيم طرقا اعوجت، وأن يمحو بدعا حدثت، وأن يسرد فى كتاب جاد مفصل الحقائق التى ذهل عنها هؤلاء وأولئك..؟ كانت بعثة محمد ضرورة ماسة لتصويب خطى الإنسانية التى شردت، وكانت لفتا لأنظار أهل الكتاب خاصة إلى المآسى التى ألحقوها بالناس.. بالنسبة إلى النصارى كان لابد من توكيد وحدانية الله، وإظهار عيسى عبدا كسائر المخلوقات، مع الإشارة إلى أنه وحوارييه دعاة إلى الإسلام الحق. وبالنسبة إلى اليهود كان لابد من توبيخهم على كبرهم، واستخلاص الوحى السليم من براثنهم، وإظهار أن الله ليست له بجنس ما صلة خاصة. إن الصالحين الأوائل من أتباع موسى وعيسى ينضمون إلى أتباع محمد أو ينضم إليهم أتباع محمد فى هذا الحكم الجامع " إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" . أما بقايا أهل الكتاب التى تعيش الآن لا تدرى ما الكتاب ولا الإيمان، وتهرع وراء شهوات الدنيا مسابقة عبدة الأوثان فلن يقبل لهم زعم.. فكيف إذا انضم إلى عوجهم البادى حقد رهيب على الموحدين وإصرار على هدم مساجدهم، وفض مجامعهم " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ". إن السورة التى نزلت بعد الهجرة مباشرة، والتى عاصرت
(1/11)

بناء الجماعة الإسلامية على دعائمها العتيدة، أرست الأصول التى تقوم عليها العلاقات بين أتباع الأديان المختلفة، فى الوقت الذى تنادى فيه بوحدة الدين عودة إلى تعاليم جميع المرسلين. ****** ص _017
استقبل اليهود الإسلام أول ما ظهر بإنكار ومقت، فقد كانوا يحسبون أن الدين حكر عليهم، وأنه لن يتجاوزهم إلى جنس آخر، فلما تمت الهجرة، واقترب الإسلام من مستوطناتهم، قرروا الاحتيال فى حربه والمكر بأتباعه. وعرض عليهم النبى صلى الله عليه وسلم صحيفة تنظم العلاقات بين المسلمين وغيرهم، على أسس من المهادنة والتناصر، فقبلوا الصحيفة على مضض، ومضوا فى طريقهم يسخرون من الدين الجديد، ويؤلبون عليه، ويطعنون فيه... وتنزل الوحى فى صفحات متصلة يوبخ اليهود على مواقفهم ويقرعهم على ما بدر منهم فى ماضيهم الطويل، ولم يجد ذلك فتيلا فى كسر غرورهم، وإلانة قلوبهم!! فرأيهم فى أنفسهم أنهم وحدهم أهل الوحى، وأنه لا يجوز لله أن يختار نبيا بعيدا عنهم. وقد شكك القرآن الكريم فى دعاواهم كلها، إذا كنتم مؤمنين بما لديكم فلم تنكرون ما يصدقه؟ " وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين" ؟ ومضى القرآن يثبت عليهم أنهم كاذبون فى دعوى الإيمان، وإلا ما قتلوا الأنبياء، ونقضوا المواثيق، واقترفوا المعاصى، أهذا إيمان؟ " بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين" . وأحصت عليهم سورة البقرة بضعة عشر تذكيرا بما كان منهم لعلهم يرعوون! وهيهات. لكن هذا التذكير إذا لم يثن اليهود عن عوجهم، فهو تعليم للأمة الإسلامية أن تستقيم وتستفيد، وأن تتجنب مسالك المغضوب عليهم، لقد قال لليهود من قبل: " وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم.. " وهاهو ذا يقول للمسلمين: " فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون * يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة.. " . وإذا كان
(1/12)

اليهود قد حرصوا على الدين شكلا لا موضوعا، وتشبثوا بالقشور، ونسوا اللباب، فاستمسكوا أنتم أيها المسلمون بالحق الأصيل وأركانه المنشودة " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر.. " إلى آخر الأركان الستة التى تشرح حقيقة البر، وترسى دعائم التقوى... ص _018
وتستطرد السورة فى بناء المجتمع الجديد، فتشرح كما ذكرنا أركان الإسلام الخمسة، ثم تفيض فى حديث عن الأسرة المسلمة، شارحة أحكاما كثيرة فى بنائها وقيامها وحياطتها. ولا تنسى وهى تتدفق فى هذا الشرح أن تشير إلى ما سلف من اليهود، وكيف تكاثرت بينهم آيات الله فأهدروها، فحقت عليهم كلمة ربك " سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ". أهذا التقرير من قبيل المثل المعروف " إياك أعنى واسمعى يا جارة "؟ إن هذه السورة تحدثت عن حماية المجتمع الكبير بالجهاد، وعن حماية المجتمع الصغير- وهو الأسرة- بفنون من الأحكام التى تصونها، ولكننا نحن المسلمين تهاونا فى الأمرين معا، فلنؤخر مؤقتا الكلام عن جو الأسرة الإسلامية، ولنتناول بإيجاز قضية القتال، وكيف شرحها القرآن الكريم شرحا ينفى عن الجهاد المشروع كل شائبة للعدوان.. إننا معشر المسلمين لا نحب الحروب، ولا نعشق ما فيها من دمار وخسار، إننا نؤثر العافية، والاستقرار بين الأهل والأحبة، وقد أقر الإسلام مؤقتا هذه المشاعر " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " . لا بأس بالسلام مع صون الحقوق واحترام العقيدة، أما إذا كان السلام يعنى الاستسلام وقبول الدنية فلا مرحبا به!! وفى شرح القرآن لاستباحة الشهر الحرام ترى هذه الموازنة، " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير " أى لا يجوز، لكن، ما العمل إذا أقررتم فيه العدوان، ومطاردة
(1/13)

الآمنين، وصادرتم حق العبادة الصحيحة؟ ألا يجب رد العدوان وحماية الحقائق والحقوق ". . وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله.. " والنتيجة "والفتنة أكبر من القتل" فليكن القتال دفاعا عن الحرمات والعقائد. وما العمل إذا كنا نتعامل مع قوم لا يرضون عنا حتى ندع ما لدينا وندخل فى مقتهم؟؟ إن القتال هنا لابد منه، ولن نسأل بداهة عنه، المسئول عنه غيرنا.. بعد سرد هذه المقدمات نفهم معنى قوله تعالى فى سورة البقرة : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " هذا حكم خالد إلى قيام الساعة، وكل ما ورد فى القرآن الكريم من أول المصحف إلى آخره يتفق مع هذا الحكم، وقد وهل قوم أن سورة براءة ص _019
(1/14)

تضمنت حكما مناقضا لما جاء هنا، وهذا خطأ مؤسف، فالأمر بالقتال فى سورة براءة لم يكن لقوم منصفين أو محايدين أو معتدلين، بل كان لقوم فى أفئدتهم لدد، بسطوا أيديهم إلينا بالأذى، ومن ثم يقول القرآن فى وصفهم: "إنهم ساء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون " . ثم يحرص على مواجهتهم بالقتال العادل الحق " ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين"!!. فكيف يفهم أحد أن القتال هنا لقوم غير معتدين؟ وأن الحكم هنا نسخ الحكم الوارد فى سورة البقرة بأنه لا قتال إلا للمعتدين، إن هذا فهم سوء، وقول منكر بنسخ أحكام خالدة، وفتح لباب التهم المؤذية، ونحن الملومون!. ونشير هنا إلى أن القرآن الكريم يصف القتال الصحيح المقبول بأنه فى سبيل الله، ليس فى سبيل مجد شخصى ولا منفعة خاصة، ولا قومية باغية تزعم مثلا أن ألمانيا أو إنجلترا فوق الجميع.. والقتال الذى ساد العالم فى الأعصار الأخيرة كان لنهب ثروات المستضعفين، واستعمار أرضهم لحساب السلاح الأقوى والطرف الأعتى، إنه ليس قتالا فى سبيل الله أبدا، إنه قتال فى سبيل الشيطان.. إن القتال فى سبيل الله يكون لاستبقاء عبادة الله، ورفض عبادة الشيطان، ومن الأزل كان الصالحون يتحملون أعباء هذا القتال حتى تبقى بيوت الله عامرة بعباده "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها..؟ من أجل ذلك قال فى تسويغ هذه الحروب " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" نعم فبقاء الحق مرهون بشجاعة رجاله وتفانيهم فى إعلاء رايته واستبقاء كلمته. ص _020
(1/15)

فى سورة البقرة حديث طويل عن قضايا الأسرة، ولما كانت السورة فى أوائل المصحف الشريف، فقد يظن أنها أول ما قيل فى هذا الموضوع! وهذا خطأ فإن نحو ثلثى القرآن الكريم نزل قبل هذه السورة المباركة، وتضمن تمهيدات لابد من استصحابها عند التأمل فى أحكام الأسرة هنا. من ذلك المساواة الإنسانية بين نوعى الذكر والأنثى، التى وردت فى سورة النحل " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " . ومن الطريف أن هذا الحكم قرره مؤمن آل فرعون وهو ينصح جبابرة عصره " من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب " . وجاء فى سورة الروم عند الحديث عن آيات الله فى ملكوته " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " وأكد ذلك فى سورة النحل وهو يسرد نعم الله على عباده " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة". إن فهم وضع المرأة ، ومكانة الأسرة سبق الحديث عنهما، فلا غرابة فى أن تحتوى سورة البقرة تفاصيل لما قد يقع من نزاع، أو يجد من أحداث ينبغى تعرف حكم الله فيها..، لا غرابة إذن فى ذكر الإيلاء، والطلاق، والخلع والولادة والرضاع.. إلخ. وشرائع الأسرة يستحيل أن تنجح بعيدا عن ضوابط الخلق والإيمان والتقوى، وقد لفتت النظر إلى أن المسلم قد يراجع نفسه بعد الطلاق، فلا يمضى فى طريق البت وقطع الحبال، بل يجب أن يعمل عقله، جاء ذلك، فى ثمانية توجيهات، تلاحقت فى أثناء تقرير هذا الحكم المهم، وقد جاءت كلها فى أعقاب قوله تعالى: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن (1) فأمسكوهن بمعروف (2) أو سرحوهن بمعروف (3) ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا (4) ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه (5) ولا تتخذوا آيات الله هزوا (6) واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به (7)
(1/16)

واتقوا الله (8) واعلموا أن الله بكل شيء عليم" . ماذا يصنع دين أكثر من ذلك فى لزوم التروى والأدب وصون الحاضر والمستقبل؟ ومع ذلك فقد بلغ الهوس فى إيقاع الطلاق حد الجنون، فقد يعلِّق رجل طلاق امرأته على شرب سيجارة، ثم يدخن وينهدم البيت!، وتتمزق الأسرة شظايا، ويتهم الإسلام بالحيف على المرأة!! ص _021
وقد أشرت فى مقال آخر إلى كلمة "حُدُودُ اللَّهِ" التى تكررت ست مرات فى آيتين من آيات الطلاق، ختمتا بقوله تعالى: " وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون"!! وأغلب المسلمين لا يعى هذه الكلمة، ولا يدرى كم تكررت، ولا لم تكررت؟؟ ويبدو أنهم قوم لا يعلمون!! وقد ظلمت المرأة فى بيئات كثيرة، وغريب أن يرد الحيف عليها إلى تعاليم الإسلام التى أنصفتها!! لقد قال الله تعالى: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة " والآية ظاهرة فى تبادل الحقوق والواجبات، وفى تقرير درجة رياسة الرجل، مع إتمام هذا التبادل، لكننى لاحظت فى بعض الأوساط الهابطة، أن المرأة عليها وليس لها، وأنها تعامل بامتهان وغلظة، وأنها قد تأكل الفضلات فى البيت، وتذهب أطايب الطعام إلى غيرها.. كيف تنسب هذه الجلافة إلى دين من الأديان بله الإسلام؟ وأعرف أن هناك نسوة شريرات يملأن البيوت متاعب، والحل لهذه المشكلات كلها لا يقوم به رجال الشرطة، بل يعتمد على حسن التربية والتزام التقوى، والوقوف عند حدود الله... إنه لابد من علم واسع وخلق كريم وتربية أصيلة، وأهل لهم عدل وإنصاف، وأمة قوامة بأمر الله.. وقد رأيت أن أجهزة التبشير ترقب العالم الإسلامى بمكر، وتحاول اختراقه من ثغرات تتوهمها أو تجدها، وقد رأت أن أعدادا من المسلمين تهين النساء، وتستكثر عليهن ما آتاهن الشارع الحكيم فسعت إلى تنصير المرأة وإشاعة أن المراد إنقاذها من جور الإسلام!! وتوجد الآن جمهرة من المثقفات وقعن فى هذا الشرك، والسبب الأول بعض المتحدثين فى الدين من الجاهلين والتافهين..
(1/17)

كنت فى أحد المجالس فقلت: إن حق الخلع للمرأة يكافئ حق الطلاق للرجل.. وإذا وجدت امرأة لا تطيق زوجها بغضا لأسباب تبديها أو تخفيها، وعرضت أن تعطيه ما ساق إليها من مهر، فما المانع أن يجيبها القضاء إلى ما تبغى..؟ قال أحد السامعين: للقاضى حق التطليق للضرر! قلت: هذا شىء آخر إنها لم تشك ضررا، وإنما تذكر أنها تكره البقاء مع رجلها لأمر ما، وتريد تعويضه عن كل ما أنفق عليها، ص _022
فلماذا نبقيها معه؟ قال: هذا لا يجوز مادام الرجل راغبا عن الطلاق! قلت: بل هو جائز، وللقاضى أن يتصرف بالصلح أو بالخلع. وعلمت بعد أن الرجل يتهمنى بما أنا منه براء، لأنه غير فقيه فى الكتاب والسنة!! وويل للعالم من الجهال.. الاتجاه عند بعض المتدينين إنكار أن تكون للمرأة شخصية متميزة، مع أن القرآن قرر أن امرأة نوح غير نوح، وأن امرأة فرعون غير فرعون، وأن لكل مسلكه وسيرته "لاتزر وازرة وزر أخرى.. " وعندما تلد المرأة فإن المغانم والمغارم قسمة بين الزوجين، " لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " وعند بلوغ الفطام يتشاوران معا فى ذلك "فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما.. ". ومن الشرائع التى نسيت فى كثير من مجتمعاتنا شريعة المتعة! إن الطلاق يتم بعد معركة يكتنفها الغدر، والإعراض والجحود، وتحترق فيها المشاعر النبيلة، وليس هذا دينا، فقد يكون أبغض الحلال إلى الله الطلاق، وإذا وقع لأمر ما وجب كسر حدته بعطية حسنة،تطفئ الغضب وتمنع اللجاجة فى الخصام " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين * كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون " . إننى أهيب بالمسلمين أن يراجعوا كتابهم وسنة نبيهم فى تعرف أحكام الأسرة، وأشرف الأساليب لبقاء البيت المسلم يؤدى رسالته التربوية والاجتماعية، وأن يدرسوا ما يقع فى أرجاء العالم من هذا القبيل، فليس من المعقول أن تمنع المرأة عندنا من ركوب سيارة، على حين يعطيها
(1/18)

العالم حق اقتياد أمة والسهر على مصالحها. استأنف المسلمون بعد الهجرة تلقى القرآن الكريم، كما كانوا يتلقونه خلال ثلاث عشرة سنة مضت قبلها، وإن كان الجو قد اختلف، فقد كان الحديث عن اليهود تاريخا تؤخذ منه العبرة، أما الآن فالحديث عن اشتباك قائم، وعراك يمس الحاضر والمستقبل.. ص _023
وقد كانت الصلوات تقام على نحو فردى منعزل، أما الآن فالمسجد ينبعث منه الأذان مهيبا بالمؤمنين أن يحضروا، فالجماعة من شعائر الإسلام، وقد يجئ المريض محمولا بين اثنين فيقيمانه فى الصف، ما يتخلف عن الصلاة إلا منافق كسول أو معذور محصور...! لقد بدأت معالم الدولة تبرز، وصفة المجتمع الجديد تظهر، وولى السلوك الفردى ليحل محله الولاء المشترك لدين شرع يضع طابعه على كل شئ، فالأسرة كلها تذهب إلى المسجد، الرجال والنساء والأولاد. وبدأت مطاردة المحرمات فى البيت والشارع على سواء. إعمالا لقاعدة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر... كما بدأت السرايا تتكون لحماية الإيمان فى موطنه الجديد، وقمع من تحدثه نفسه بالعدوان! والقرآن كتاب متشابه المعانى والأهداف، يشرح بعضه بعضا، ويؤكد بعضه بعضا. ومعروف أن التوحيد بدأ غرسه فى مكة، وقد حوى القرآن المكى من الآيات ما أخمد أنفاس الشرك، وجعله شبهات داحضة. فإذا تكرر الكلام فى العمر المدنى فلمزيد من الإيضاح والتفصيل والتدليل. تلحظ ذلك وأنت تتلو قوله تعالى: "وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" فإن الآية التى تلتها مباشرة حفلت بدلائل الوحدانية منتزعة من فجاج الأرض وآفاق السماء " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس... إلخ ". والآيات التى تلتها تشرح توحيد العاطفة والسلوك، فالمؤمن يحب ربه، وهو أشد حبا لله من غيره، وثمرات هذا الحب الغالب تظهر فى عمله ووجهته. والله سبحانه أهل لهذا الحب، لأن المجد كله والعظمة كلها له وحده، وهنا نسوق أعظم آى
(1/19)

القرآن الكريم، آية الكرسى " الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض... إلخ " . وقد يحتاج الإيمان إلى جدال الطواغيت وكبتهم. لا بأس " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك... " ؟ إن إبراهيم الذى آتاه الله رشده أخرس الفرعون الصغير، فبهت الذى كفر.. ص _024
وهكذا ترى فى سورة البقرة وهى أول ما نزل بالمدينة المنورة لونا آخر من العرض القرآنى لأهم قضايا العقيدة، والهدف واحد فى العهدين وإن تلونت الأساليب "ذلك الكتاب لا ريب فيه" إن كانت هناك كتب اكتنفها الريب وساءت فيها الظنون...! ونجح أصحاب محمد فى الاستجابة لما نزل إليهم فى هذه السورة وفيما تبعها، كان القرآن ينزل وهم يعملون، ويأمر وهم يطيعون. ويخطط للفرد والمجتمع والدولة وهم ينفذون. فأمست المدينة برجالها الجدد ونظامها الجديد عاصمة فذة لأخطر الرسالات. وقاعدة لحركات الأمة الوسط التى هى خير أمة أخرجت للناس. الله يعلِّم رسوله بالوحى، والمسلمون يتعلمون من رسولهم ما ينفعهم وينفع الناس " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " . وقد بين الله سبحانه وتعالى فى الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة أن النبى ومن معه صدقوا الله فصدقهم الله، وأن ما نزل إليهم من أحكام فى هذه السورة- وما تلاها- قد صدعوا به وأحسنوا القيام عليه وبذلوا جهدهم فى أدائه على خير وجه. وكانوا أشرف منزلة من أقوام سبقوهم جاءهم الوحى فقالوا سمعنا وعصينا.. لقد كان العرب أميين ولم يكن لهم فى موازين الحضارة العالمية ثقل معروف، حتى نزل بينهم القرآن، فأخذ يزكى سيرتهم، ويرفع مستواهم، ومازالوا يصعدون فى مدارج الترقى حتى سبقوا غيرهم من الأمم، وصاروا فى صلاح المجتمع وزكاة النفوس وإقامة العدالة أقدر من غيرهم وأشرف.. والحضارة التى أقاموها لا تقوم على نعرة جنسية، أو نزعة مادية، أو غايات أرضية، بل على
(1/20)

الربانية الخالصة، وجعل الدنيا مهادا للآخرة، ولهذا قال الله سبحانه فى نهاية هذه السورة : " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " . ليس لأهل الإسلام عنصر يتعصبون له، أو وطن ينتمون إليه، إن ولاءهم لله رب السموات والأرضين، وخالق الناس أجمعين، لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى، ولا فضل لهم على الناس إلا بما يقدمون لهم من دين.. وإذا كانت المدينة المنورة قد شهدت البناء الأول للأمة الإسلامية فقد كان ذلك بما عرفته من وحى وصلها بالله، وربطها بهداه، فكان البيت المسلم والسوق المسلمة، والنشاط العام فى ص _025
(1/21)

دواوين الحكم ومدارس العلم، وعرصات الاتجار والزرع، وشئون الأخلاق والتشريع، كان ذلك كله يسير وفق الوحى النازل فى الكتاب، والقيادة الهادية من صاحب الرسالة الخاتمة.. وصح أن النبى صلى الله عليه وسلم قدم شابا ـ هو أحدث من معه سنا ـ فولاه القيادة،لأنه كان يحفظ سورة البقرة!! إنه لا يحفظها أحرفا وأنغاما، وإنما يحفظها إلهاما وأحكاما، ونورا وفرقانا، وهكذا تبنى الأمم... ******* ونقف أخيرا أمام آخر آية فى سورة البقرة، فنلفت الأنظار إلى خاصة فى الأمم التى تواتيها حظوظ الرفعة والصدارة، إنها تمتاز بالصلف، وتنظر إلى سواها من أعلى.. والجنس الأبيض الذى يحكم العالم اليوم تستبد به نزعة من الكبر والترفع على سائر الأجناس الأخرى. ! أليس صاحب الحضارة التى غزت الفضاء وفجرت الذرة؟ إن أشباه الرجال فيه يتعالون تحت هذه المنقبة التى حققها نفر من العباقرة. أما المسلمون ـ إبان صدارتهم، وأيام اختصاصهم بالوحى الأعلى ـ فهم يشعرون بالخضوع لله، والفقر فى ساحته، والحاجة الماسة إليه. ودينهم الاستغفار، وطلب العفو، والتأميل فى الفضل الأعلى.. " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " الخ ص _027
(1/22)

سورة آل عمران يستطيع قارئ سورة آل عمران؟ أن يستبين على عجل موضوع السورة الكريمة، فهى تدور على قضيتين كبيرتين. الأولى: حوار مع أهل الكتاب الذين يخاصمون الإسلام داخل المدينة. والأخرى: تعليق على هزيمة أحد التى أصابت المسلمين بجرح غائر، وأدخلت الأحزان إلى عشرات البيوت... والحديث فى كلتا القضيتين يأخذ بدايته منفردا فى أول السورة ووسطها، ثم يختلط الحوار والتعليق أواخر السورة، كأن جهاد الدعوة يقضى بالثبات فى الموقفين، ويوجب على المسلمين مواجهة مشتركة لكيد اليهود داخل المدينة وهجوم الوثنيين عليها تمشيا مع عدوانهم السابق.. إننا نعرض دعوتنا على الأحزاب كلها، عرضا لا جور فيه ولا عدوان، فمن استجاب آخيناه، ومن أعرض تركناه، ومن اعتدى تصدينا له معتمدين على الله. وتلمح هذا الموقف فى قول الله هنا " فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ". تبدأ السورة ببيان أن الإسلام هداية عامة وأن كتابه مصدق لما أنزل الله من قبل، وأن الوحى الإلهى كله فرقان بين الحق والباطل، وأن موسى وعيسى ومحمد يسيرون فى خط واحد، وأن دائرة الإسلام تشمل الأديان كلها على اختلاف الزمان والمكان. وقد سمى الله التوراة والإنجيل والقرآن " آيات الله ".. وننبه إلى أن هذه الكلمة " آيات الله " تكررت عشر مرات فى هذه السورة، بدأت بقوله تعالى : " إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام " وانتهت بقوله تعالى: ص _028
(1/23)

"وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا..." ولا تناقض بين عناصر الإيمان، ولا بين ما نزل على محمد وما نزل على أخويه السابقين موسى وعيسى. إن التناقض يقع بين وحى الله وأكاذيب البشر. والإيمان ـ كما يوضحه القرآن ـ : إيمان بما أنزل إلينا، وبما أنزل من قبلنا.. وعلى المخالفين أن يثوبوا إلى رشدهم.. وأهل الكتاب صنفان: اليهود والنصارى، ولم يقع حوار ساخن بين المسلمين والنصارى داخل المدينة، وإنما حمى الخصام بين المسلمين واليهود الذين كونوا مستوطنات لهم فى المدينة نفسها، وشمالى الحجاز، والذين تصدوا للإسلام يكذبون الله ورسوله ويهاجمون وحيه، ويؤلبون عليه عبدة الأصنام فى شتى الأرجاء.. وقد أغراهم بالهجوم أنهم جمعوا مالا وعتادا، وقامت لهم ثروات وحصون، وذاك سر تكرار التنديد بمصادر قوتهم خلال هذه السورة الكريمة: " إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار ". " إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم " . " إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " . وأخيرا قوله تعالى: " لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ". والواقع أن الغنى المفرط ونسيان الله قد يطيشان بالأفراد والجماعات.. واليهود فى مستعمراتهم الأولى بالحجاز بلغوا شأوا من الرقى العمرانى والاقتصادى لم يبلغه عرب الجزيرة الأصلاء! فهل سخروا شيئا من هذا فى دعم الحق والشرف ومحاربة الفسوق والعصيان؟ كلا، ربما كان المجتمع الجاهلى الوثنى أرقى منهم خلقا، وخيرا مسلكا.. ص _029
(1/24)

ولذلك كان النبى الخاتم نعم المؤدب لهم عندما اشتبكوا معه مغرورين، فارتدوا على أعقابهم مدحورين، وانكسرت قواهم؟ وطاحت أموالهم . . لقد، استأثر اليهود بالوحى الإلهى أجيالا متعاقبة، فظل فى جنسهم أحقابا حتى زعموا أنهم أصحابه؛ وأنه يستحيل أن يتجاوزهم إلى غيرهم!. ولم هذه الاستحالة؟ كل امرئ يفقد أهليته لمنصب ما؟ يجب إبعاده عنه!! وقد صار اليهود آخر تاريخهم عاجزين تمام العجز عن الارتفاع إلى مستوى الوحى، فقلوبهم حجارة وأخلاقهم نذالة، وأثرتهم طافحة، وتخصصهم الأول والأخير التشبع من الدنيا والعكوف على مطالبها، والجراءة على الله، وكراهية أمره ورفض حكمه. فما بد من صرف الوحى إلى جنس آخر، قد يكون خيرا منهم حالا ومآلا، وهذا سر قوله تعالى: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير " . وهذه الآية سبقتها آيات كانت مقدمات لهذه النتيجة أو "حيثيات " لهذا الحكم، منها قوله تعالى- قبل هذه الآية مباشرة: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون * ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات" . إنهم أمنوا العقاب الرادع فرفعوا راية العصيان السافر! وقرروا إهدار الشريعة وأحكامها... وكان الرد الإلهى تقرير العدالة العامة بين صنوف البشر، وأن مزاعم الأجناس لا وزن لها " فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " والتعبير بكل نفس، يفيد أن الإضافات المفتعلة للأفراد لا قيمة لها، فالنفس الإنسانية المجردة تلقى جزاء ما قدمت، وسوف يحشر الناس عراة كما خلقوا، لا تكسوهم إلا ألبسة التقوى وحدها إن كانوا أهل تقوى! والكلام وإن كان تقريعا لليهود ففيه إيماءة خفية إلى غيرهم من الأمم، فإن الله لن يعاقب أبناء إسرائيل إذا فسدوا ويترك أبناء إسماعيل إذا قلدوهم فى
(1/25)

سيرتهم، واقتفوا آثارهم، إن تشابه البيئات يقتضى تشابه العقوبات... ص _030
وقد ظن اليهود أنهم لم يشرفوا بالتوراة، ولعلهم يحسبون التوراة شرفت بجنسهم فغالوا بأنفسهم على نحو دمرهم تدميرا. ويوجد الآن عرب يرفضون أن يشرفوا بالإسلام، فتراهم يجردون العروبة منه، أتظن عقباهم خيرا من بنى إسرائيل الذين مسخوا قردة وخنازير؟ إن سنن الله لا تتخلف، والناس لديه سواسية.. استغرق الحوار مع أهل الكتاب بضع عشرة صفحة، اتجه إلى اليهود أولا لأن المسلمين صلوا بنارهم، ولم أر فى الصفحة الأولى إلا إشارة خفيفة إلى النصارى تلقح عن بعد إلى ميلاد عيسى بن مريم، " هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم " فالآية وإن تحدثت عن عمل القدرة العليا فى تخلق الإنسان، وملامحه المادية والأدبية، تشير إلى أن عيسى بن مريم واحد من ألوف الذين أبدعهم الخالق من عدم، وأفاض عليهم من الصفات المتفاوتة ما يثير العجب، بعضهم يعجز عن فهم ما يسمع ويرى، وبعضهم يخترق الحجب على نحو ما قيل: والألمعى الذى يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا. هناك من لا يحسن ركوب دابة، وهناك من يغزو الفضاء! هناك من يحتبس داخل هواه، وهناك من يفنى فى الله! وعيسى وإن ولد من غير أب إلا أنه مندرج فى سياق قانون القدرة، وأرى أن نؤخر الكلام عنه حتى نفرغ من اليهود أولا وموقفهم المريب من الإسلام.. * * * * كراهية اليهود للعرب قديمة، سببها الأول أن تحول النبوة عنهم بدأ بمحمد، وقد كانت لهم دالة على البشر ببقاء الرسالات السماوية فيهم، فلما رأوا الوحى ينزل بين العرب جن جنونهم، وكرهوا الأرض والسماء!! وقد اتجه إليهم الخطاب الإلهى منددا بهذا الموقف " يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون * يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون "؟. وظاهر من هذا التوبيخ أن اليهود كانوا يعرفون يقينا أن محمدا حق، وأنه يتحدث باسم الله ، ص
(1/26)

_031
وأن الله عاقبهم على معاصيهم التاريخية المتوارثة، ولكنهم بدلا من أن يصطلحوا مع الله، مضوا فى طريق المشاكسة والتحدى ينكرون النبوة الخاتمة ويحادونها بالكلام والسلاح، ويحيكون المؤامرات بين عبدة الأوثان حتى يصرفوهم عن الإيمان الصحيح. ولذلك تكرر فى أكثر من موضع لوْم اليهود على هذا الموقف الرديء " كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات.."؟. ثم يجرى الله على لسان رسوله هذا التساؤل : " قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون * قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون "؟. ويتفتق الفكر اليهودى عن حيلة خبيثة ليردوا الناس عن الإسلام ويصدوا عن سبيل الله، يقولون: إن الناس قد يتهموننا بالتعصب لما لدينا، ويظنوننا كرهنا الإسلام لذلك، فلنتظاهر باعتناق الإسلام، ولنوهم الناس أننا أحرار الفكر ولذلك تركنا ديننا إلى غيره! فلما وجدنا هذا الغير لا يصلح تركناه لعلة فيه لا لعلة فينا!! " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ". وأظهروا إصرارهم على كره الوحى الجديد، وانتقال الرسالة بعيدا عن العبريين، فقالوا: " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم.. " فلا يجوز أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ولا أن يشابهكم فى تلقى الوحى. وظاهر أن القوم كارهون لما صنع الله، وضائقون بمشيئته فى إيثار العرب، واختصاصهم بالوحى الجديد، وهم يحاولون إرغامه- سبحانه وتعالى- على تغيير أقداره، والعودة إليهم هم! وكان الجواب الحاسم " إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم" . لقد التقت فى بنى إسرائيل رذائل الصلف والقسوة والغرور، وهى رذائل قد يخفيها الضعف فتكون حقدا دفينا، وقد يبديها الثراء والغلب فتكون عدوانا مبينا، وقد
(1/27)

دفعهم هذا وذاك إلى ص _032
التقوقع فى حاراتهم بعواصم الشرق والغرب، وإكنان الشر للناس مع الاستعلاء والاستخذاء جميعا..!! ونقرأ فى سورة آل عمران علة ما يفعلون ".. ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون" . والأميون جمع منسوب إلى الأمة أو إلى الأم، فإن كان إلى الأم، بمعنى العجز عن القراءة، فالمقصود العرب لشيوع الأمية فيهم، وإن كان منسوبا إلى الأمم فالمراد الناس كلهم، وهذا الشرح أدنى إلى خلائق اليهود ومزاعمهم التى يتدارسونها فى توراتهم وتلمودهم، والتى جعلت دول أوروبا كلها تتنكر قديما لهم، وتنزل نكالها بهم، وكان هتلر آخر هذه السلسلة من الحكام الباطشين، ولن يكون آخر من يؤدبون المجرمين! وقد شرح القرآن الكريم أن العلاقة بين الناس وربهم لا تقوم على الدعوى الكذوب، بل على الخلق العالى، على الوفاء والتقى " بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين " . وقد تساءلت: إذا كان النصف الأول من سورة آل عمران يقوم على الحوار مع أهل الكتاب وقصص أحوالهم فلماذا جاء ذكر الحج هنا؟ ولماذا جاء الحديث قبله عن الأطعمة المحرمة والمحللة؟؟. وبعد إعمال الذهن وإدامة التدبر لم أعد بطائل، فقلت: أستفتى صاحب المنار وأتعرف على رأى الأستاذ الإمام، فوجدت الجواب السائغ! قالوا : كأن اليهود- والإسلام يعرض عليهم- يتساءلون: كيف نتبع دينا يستبيح الأطعمة المحرمة علينا ونحن نبتعد عنها فلا ترى قط على موائدنا؟. وأجيبوا بأن الحظر الذى يحترمونه كان موقوتا وطارئا، لقد كانت الأطعمة كلها حلا عليهم، فلما فسقوا واستمروا العدوان حرمت عليهم عقابا من الله... وقد فصل الله ذلك فى سورة الأنعام وختم التحريم بقوله: ".. ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون * فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين". والمعروف أن رسالة عيسى بدأت بالتخفيف من آصار اليهود، وورد ذلك فى قوله تعالى على لسان
(1/28)

المسيح "ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم " ص _033
فلما نزل القرآن الكريم عاد بالتشريع إلى أصله، فلم تحرم إلا أنواع الميتة، ولحوم الخنازير، والدماء المسفوحة، وما أهل لغير الله به، أما ما وراء ذلك فحلال. وفى هذا يقول تعالى : " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.. " الخ. وكذلك الكلام فى شأن القبلة، فإن البيت الحرام فى مكة المكرمة هو القبلة الأولى والأخيرة للناس كافة " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين " . وإذا كان بيت المقدس لظروف عارضة قد صار قبلة، فقد زالت العوارض ورجعت المياه إلى مجاريها، واستؤنف التكريم للبيت الذى أسس حصنا للتوحيد، وكان موضع التقدير من جملة الأنبياء السابقين... وندع الفروق بين شتى الشرائع لنقرر أن التربية الصحيحة على مهاد من العقيدة المكينة هى أساس الارتقاء البشرى على اختلاف العصور، وقد ذكرت سورة آل عمران ذلك فى أولها، قال تعالى : " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب" . إن هذه الغرائز لابد منها لقيام الحياة، فلو لم تكن الغريزة الجنسية مثلا ما اتصلت قوافل الأحياء على ظهر الأرض، وكذلك سائر الغرائز الأخرى، والمهم ألا تتجاوز طور الاعتدال، وألا تضل سواء السبيل. والإسلام أباح ما يفيد وحرم ما يضر، وبنى قواعد الحلال والحرام على الإيمان والعمل الصالح، وشرع من عناصر التقوى ما يستبقى العلاقة قوية بالله واليوم الآخر! وقد استمعت إلى خطاب زعيم كبير يحذر من مرض " الإيدز " فرأيته يوصى باستعمال وقاء معين عند المباشرة الحرام، إنه يائس من العفة فلا يوصى بها لاستحالتها فى منطقه، وهى مستحيلة مع فقدان اليقين بالحى القيوم. وسوف يبقى أتباع الأديان الشكلية يلقون العنت من
(1/29)

غرائزهم التى فقدوا السيطرة عليها، حتى يفهموا قول الله تعالى: ص _034
" قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد * الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار * الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ". لقد تصدرت هذه الآية فى أوائل السورة، لتقول لأهل الكتاب: إن النجاة عقيدة أساسها " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ثم تربية تقر الطبائع البشرية فى حدود الطهر، وتكره الإفراط والتفريط.. وتجعل البصر بالحياة الدنيا بصيرة تهدى للحياة الآخرة، وتمضى على الصراط المستقيم. ******** لم يتصل بمريم أحد من البشر عندما وضعت وليدها عيسى، ولما كان بعض الناس يقولون: إن عيسى ابن الله فإن هذه القالة تدفع إلى وهم لا أصل له، هو أن بين الله- سبحانه وتعالى- وبين مريم صلة خاصة، كان عيسى ثمرتها، وهذه جهالة غليظة بمكانة الألوهية، وما ينبغى لها من تقديس.. ويستحيل أن يكون الله والدا وفق هذا التصور الهابط، ولذلك قال : " لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار " . نعم كان ميلاد عيسى خارقا للعادة! شاء الله- وقد جعله كذلك- أن يجعله لونا من الخوارق الكثيرة التى يوقعها بين العباد ليعلمهم أنه يحكم قانون السببية، ولا يحكمه قانون السببية، ولذلك حكى قصة مريم وابنها، بعد قصة زكريا وزوجته، فهى- أيضا- لون من خوارق العادات، ولا دلالة لوقائعها على شئ فوق ذلك! كانت مريم مولودا غير متوقع لأمها التى نذرت ما فى بطنها خادما للمسجد الأقصى، يحرس شعائره، ويقيم فى ساحته عبادة الله، ويقود جموع المؤمنين " رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم " لكنها فوجئت بأن الوليد المرجو جاء أنثى! وما تصنع أنثى فى تحقيق آمال أمها، وأداء وظيفة لا يختار
(1/30)

لها إلا الكملة من الرجال؟. ليس المولود الذكر الذى أملت فيه كهذه الأنثى التى يغلب أن تحتاج إلى الحماية! ولم تكن الأم المفاجأة تدرى أن ابنتها ستضع إنسانا وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين! وأنها ص _035
ستتولى ـ فى مهده ـ حمايته، كما حمت أم موسى موسى، وكما حمت والدة محمد محمدا!! إن من الغرائب المثيرة أن يكون ثلاثة من أولى العزم قد كفلتهم نساء ضعيفات، وأن يرعى كبار الأنبياء فى طفولتهم نساء مجردات من القوى المادية، معتمدات على رب السماء... إن من النساء من تبلغ القمة بنبلها وإيثارها وإيمانها، ولكن الأمر كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا القليل ". لقد ناجت امرأة عمران ربها قائلة: " رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم * فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا " . وتولى زكريا كفالة مريم، وكان رجلا قد كبرت سنه، ووهن عظمه، ولديه امرأته العاقر، التى لم ترزق من قبل بولد، وكان زكريا محزونا لأنه لم يرزق من يرث عنه قيادة بنى إسرائيل، مع سوء ظنه بهم، وخشيته على الشعب بعد وفاته. بيد أنه تحامل وصبر، وشرع يرعى الابنة التى انضافت إلى أسرته .! وأحس زكريا أن جديدا يقع فى بيته، وأن أرزاقا تهبط من الغيوب على هذه الابنة الغريبة التى كفلها " قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" وكانت هذه الإجابة مشعلة لكوامن العبودية فى قلب زكريا، فناجى ربه، إنك خرقت العادات لهذه البنية، ورزقتها من السماء بقدرتك التى لا يعجزها شئ، فلا تحرمنى أنا فضلك الأعلى..! إنك تستطيع أن تجعل الزوجة العقيم خصبة، وأن تجعل الزوج العاجز قادرا، وأن ترزقنا ابنا تقر به عيوننا " هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء * فنادته الملائكة وهو قائم
(1/31)

يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله... ". لقد عادت الحياة إلى الزوجين اليائسين: المرأة العاقر أنجبت- وما كانت لتلد- والزوج العقيم الكهل عاودته القدرة فأحبل امرأته . ص _036
إن الله إذا أراد كانت الأسباب طوع أمره، وهو يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء. فى هذه البيئة القانتة المسارعة فى الخيرات نمت وترعرعت مريم، إنها بيئة تحيا فى رعاية السماء أكثر مما تحيا وفق قوانين الأرض، فلا غرابة إذا جاءت الملائكة مريم بعد نضجها تخاطبها بما لا يخطر لها ببال.. " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين * ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين * قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون " . وهكذا دخلت مريم فى تجربة هائلة، وكلفت بما توْجل منه كل بكر، وما تمنت معه الموت، ولكن كلمة الله تمت، وولد عيسى بن مريم على هذا النحو المثير! وبعث رسولا إلى بنى إسرائيل كى يقيم عوجهم، ويكسر غرورهم، ويلزمهم العبادة المتواضعة، ورقة القلب مع الله ومع الناس.. إن الناس كانوا يحترمون بيت النبوة الذى نبتت فيه مريم، ويقدرون ما عرف به ابنها من نبل وفضل، وما اقترن بسيرته من نعمة ورحمة! أما بنو إسرائيل فقد كان لهم موقف آخر... جحدوا الخوارق التى أجراها بين أيديهم، ورفضوا الاعتراف برسالته، وضموا إلى كفرهم أمرا آخر من أشنع المناكر، فزعموا أن ميلاد عيسى لم يكن معجزة سماوية، بل هو جريمة بشرية ارتكبها مع مريم خطيب لها يدعى يوسف النجار! وبذلك جمعوا بين الكفران والبهتان... واستنجد عيسى بأهل الخير والصدق فنجده الحواريون والتفوا حوله يقولون : " ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين" . ومضى اليهود فى غوايتهم وسعايتهم، يغرون بعيسى وأتباعه، وكان عيسى قد بلغ دعوته وأذى
(1/32)

رسالته فتوفاه الله، وأراحه من مكر اليهود، ورفع درجته فى عليين! ومع أن كثيرا من الناس يرون أن عيسى قد رفع حيا إلا أنى أميل إلى رأى الفقهاء الظاهريين فى أنه مات كغيره من الناس الذين تدركهم منيتهم، وإن كان موته الطبيعى لا يمنع أن يعود مرة ص _037
أخرى إلى دنيا الناس - كما يقول ابن حزم - لينضم إلى المسلمين فى تقرير وحدانية الله، ويدعم صفوفهم وهم يقاتلون أعداء الله. مثله فى ذلك مثل صاحب القرية الذى قال: "أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه" . أو مثل أصحاب الكهف الذين رقدوا قرونا ثم عادوا إلى الحياة!! والخطب سهل، والخلاف قريب، المهم الاعتقاد بأن عيسى عبد الله ورسوله، وليس إلها ولا ابن الله.. بيد أن سورة آل عمران حكت لنا قصة وفد كنسى قدم المدينة يجادل الرسول فى العقيدة التى قررها، ويقول له: إذا كان بشرا فمن أبوه؟ إن الله هو أبوه، وإنه ليس بشرا إلا فى الصورة وحسب ! وجادلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن فقدان الأب البشرى لا يعنى بنوته لله. ولو كان الأمر كذلك لكان آدم أولى بالألوهية، فهو لا أب له ولا أم "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين" ولكنهم أصروا على رأيهم، وقاوموه بحماس! فماذا يصنع لهم؟ اقترح عليهم أن يجتمعوا مع أهل الإسلام فى صعيد واحد، وأن يستنزلوا لعنة الله على أكذب الفريقين " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين * إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم" . وقد رفض القوم هذه المباهلة، وبقى كلا الفريقين إلى يوم الناس هذا على دينه، ويبدو أن عيسى وحده عندما ينزل آخر الزمان سوف يحسم الموقف، ويبين لعابديه أنهم مخطئون، وأن الملكوت كله ليس له إلا سيد واحد هو الله الواحد
(1/33)

القهار. ص _038
قبل أن يبلغ الحديث عن أهل الكتاب نهايته، شرعت السورة فى الكلام عن معركة أحد، وهى معركة انهزم فيها المسلمون هزيمة موجعة، وأصابتهم فيها خسائر فادحة..! والمعركة مع عبدة الأوثان الذين سبقوا أهل الكتاب فى مخاصمة الإسلام، ومطاردة أتباعه، وقد لاحظنا أن المسلمين قلما قابلوا أعداءهم فى جبهة واحدة! كانوا على امتداد تاريخهم حتى هذا اليوم يقاتلون فى جبهتين!! ويبدأ الكلام عند قوله تعالى لنبيه: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم" إلا أن السياق ينقطع فجأة ويبدأ حديث عن تحريم الربا، وعن الإنفاق فى السراء والضراء، وعن الإسراع إلى التوبة بعد مقارفة ذنب ما. ثم يتصل الكلام بعد ذلك تعليقا مسهبا عن نتائج المعركة، يمتد حتى آخر السورة!. ونتساءل: ما السر فى هذا الاعتراض؟ والذى يبدو أن الهدف إصلاح الجبهة الداخلية وتطهيرها من كل انحراف حتى تكون أهلا للنصر، فالمعارك الدينية ليست انتصارا لأشخاص قدر ما هى انتصار لمبادئ طاهرة، ومسالك قويمة.. وتبتعد قصة الخصومات الشخصية تماما عن جو الحروب الدينية عندما يقول الله لنبيه: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " . من يدرى قد يكون خصوم الأمس واليوم أصدقاء المستقبل إذا اصطلحوا مع الله ودخلوا فى دينه؟ إن الحب والبغض لله وحده. وليست بينكم وبين أحد ثارات خاصة أو عداوات شخصية! ولهزيمة أحد حكمة واضحة، فإن نصر بدر فتح الطريق أمام المغامرين وطلاب المصلحة كى ينتموا للدين الجديد، فظاهر أن المستقبل له! ألم يقل كبير المنافقين عبد الله بن أبى بعد النصر المفاجئ فى بدر: هذا أمر قد توجه!! ورأى أن ينضم بأتباعه إلى المسلمين؟. لذلك يقول الله تعالى: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب.. " . لابد من هزيمة تكشف العدو من الصديق، وتفرز طلاب المنافع
(1/34)

والوجاهات، وتستبقى أهل الإخلاص الذين يظاهرون نبيهم مع البأساء والضراء، وينصرون ربهم مهما تقلبت الليالى!.. ص _039
والناس طائفتان: طائفة متجردة وفية للحق وإن أصابه ما أصابه، " وطائفة قد أهمتهم أنفسهم " لا يسعون إلا لمآربهم ولا يدورون إلا حول أشخاصهم "يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء"؟ إنهم غاضبون لأن مقترحاتهم لم يؤخذ بها، ولأن أشخاصهم لم تكن موضح التقديم والتقدير!! وأمثال هؤلاء لا تنتصر بهم عقيدة! ولم تجيء هزيمة أحد من سوء التخطيط كما يظن البعض، بل جاءت من التفريط فى إنفاذ الأوامر الصادرة، ولو أدى كل جندى دوره المرسوم له ما وقع المكروه، ولكن البعض نسى واجبه المكلف به لسوء تصرف منه، أو لطمع طارئ عندما تحقق للمسلمين النصر فى المرحلة الأولى من المعركة، وبدت أكوام الغنائم..!! " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة... " أى تغير الموقف فتغيرت النتيجة.. "ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين". وعندما استغرب المؤمنون الهزيمة الفادحة، وبوغتوا بآثارها السيئة، تساءلوا: كيف وقع هذا؟ ولماذا؟ فكان التعليق الأعلى " أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير" . إن هزيمتكم فى أحد نصف هزيمة المشركين فى بدر! فكفتكم- برغم ما حدث- أرجح، ومع ذلك فأنتم وحدكم المسئولون عما وقع لكم، وكان من الممكن أن تتجنبوه بالطاعة المفروضة على كل جندى، والتجرد المطلوب من كل مؤمن..!! ثم بدأ العزاء البليغ عن الأحداث المؤلمة، بدأ بقوله تعالى: " قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين * ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " . إن
(1/35)

الباطل لا مستقبل له! وقد قص الله على عباده تواريخ أمم مضت، هلكت جميعا لأنها تشبثت بالباطل وأصرت عليه.. ص _040
وإذا كانت قريش قد انتصرت فى هذه المعركة، فهو انتصار عابر زائل، وسوف تتغير هذه النتيجة حتما، والمستقبل للإيمان وحده. على أن انتصار المؤمنين يحتاج إلى أمرين: صدق النية وحسن الأداء. ولا يغنى أحد الأمرين عن الآخر. والمسلمون فقراء إلى معرفة الأمر الثانى وتوكيده، فإن بعضهم يتخيل أن الصلاح وحده يحقق النتيجة المرجوة، كأن الملائكة ستنزل لجبر القصور فى إعداد المؤمنين للمعركة أو سوء خوضهم لها، وهذا بعيد. ابذل ما لديك كله إيمانا وعملا، إخلاصا ومهارة، ثم ارتقب الخير ولو كانت قواك أقل، فقد بذلت ما تملك، ولن يخذلك الله بعدئذ... وقد راقبت معارك كان فيها الخصمان كالملاكمين المتكافئين، لا ينهزم أحدهما إلا بعد عشر جولات أو أكثر.. وراقبت أخرى ينهزم فيها أحد الخصمين بالضربة القاضية على عجل... وشر المعارك أن يكون المرء معتلا، إذا لم يقع لقوة عدوه، وقع لخور فى نفسه!! أو أن يكون سيئ الحظ فتزل قدمه، أو يختلج عرق فى بدنه فيتراجع!! ومعارك المسلمين على امتداد التاريخ تتعرض لهذه الأنواع، على أن العلة الدائمة لهزائمهم لا تجئ من كلب العدو عليهم قدر ما تجئ من تفرق كلمتهم، واختلال صفوفهم، فمصائبهم من أنفسهم دائما، فإذا صحوا من غفوتهم رجعت لهم الدولة. وهذا ما أكدته السورة هنا " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين " . وقصة الحياة حكاية لهذا الصراع الدائم بين مختلفين فى الرأى والسلوك " ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" فالشر ابتلاء للخير، والقبح امتحان للجمال، واللؤم امتحان للشرف " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا " . كان ربك
(1/36)

قديرا أن يهزم الباطل ويخزى أهله، فما عمل أهل الحق عندئذ؟ وما جهادهم الذى يلقون به ربهم؟ " ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض " . 40 ص _041
ومضت سنة الأنبياء وأتباعهم من صدر التاريخ على هذه الوتيرة، فما قام لله معبد ولا عمر له مسجد إلا بكفاح المؤمنين وبذلهم! " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره.. " . وقد ذكر الله أتباع محمد بهذه الحقيقة التاريخية، عندما عزاهم فى مصابهم بأحد فقال : " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين " . ومضت السورة تداوى الجراح وتنشط العزائم، وتعيد للمؤمنين تماسكهم وثقتهم! ولا يجوز أن ننسى هنا أن دور الهزيمة فى معركة أحد كشف عن معادن بالغة النفاسة، فهناك رجال ركلوا الدنيا بنعالهم ومضوا إلى الله لا يلوون على شئ..!! وهناك رجال ثبتوا فى مواقف ميئوس منها لا يحملهم على الثبات إلا الوفاء إلى آخر رمق، وهناك نساء انطلقن إلى معارك ملؤها البطولة والفداء، يتقاعس عنها الواهنون، وتطير إليها أولئك المؤمنات الصامدات.. وهناك من رزق الشهادة وهو لاغب يحمل أعباء الكفاح برجولة رائعة لا تعنيه إلا نصرة الله ورسوله. وهناك وهناك، إنها معركة حفرت ذكرياتها فى ضمائر المؤمنين فما تنسى أبدا.. وبقى ذكر أحد فى قلب رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى آخر عمره، فهو يصلى على شهدائه ويقول: "أحد جبل يحبنا ونحبه ". الشهادة منزلة رفيعة من الرضوان الأعلى، يصطفى الله لها من يشاء من عباده، ولذلك قال فى هذه السورة : "ويتخذ منكم شهداء.... " والملحوظ أن المختارين لهذه المكانة مؤمنون همهم الأكبر إعلاء كلمة الله، والإصباح والإمساء فى دعم
(1/37)

الإسلام وحماية بيضته ورد العدوان عنه. وقتلى أحد نماذج فريدة لهذا الخلق الواثق الواضح، تدبر سيرة مصعب بن عمير أنعم فتيان مكة، الذى اعتنق الإسلام فحرم ثروته وعضه الفقر بنابه، فإذا هو يلبس ثوبا من جلد الضأن، بعد أن كان يخب فى الحرير! ص _042
ثم هاجر قبل المهاجرين مكلَّفا من رسول الله بنشر الإسلام فى المدينة، فلم يدع بيتا ذا شأن حتى أدخله فيه، وها هو ذا يقتل فى أحد غريبا، عليه ثوبا لا يكمل كفنا لجثمانه الطاهر، فتغطى قدماه بالإذخر!! وتدبر سيرة عبد الله بن حرام، وكان أبا لست بنات وغلام واحد ـ هو جابر بن عبد الله ـ فقال لابنه: لا تترك الفتيات الست دون رجل معهن!. ولا تطيب نفسى بأن يخرج الرسول للقتال وأنا جالس فى بيتى! فابق أنت معهن، وأنا ذاهب للقتال، وذهب الرجل ليستشهد فى المعركة! لقد كان وضع المسلمين مكشوفا بالغ الحرج بعد ما ترك الرماة مواقعهم، ولذلك قتل منهم سبعون بطلا فى دفاع كئيب شاع فيه أن الرسول نفسه قتل..! لكن قريشا وجدت أنها تصطدم بحائط من الصلب، وأنها لن تبلغ أكثر مما بلغت، فجمعت رجالها وعادت أدراجها إلى مكة.. ونزل فى مصاير الشهداء قوله تعالى : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا " فوصفهم بخمس صفات " (1) بل أحياء (2) عند ربهم (3) يرزقون (4) فرحين بما آتاهم الله من فضله (5) ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون" . إن الله أعلم أولئك الشهداء أن إخوانهم وأولادهم على درب الحق، وأنهم أدوا واجبهم فى نصرة الله ورسوله، وأنهم- عن قريب- سوف يلحقون بهم فى دار النعيم. ومن المفيد أن نذكر ما فعل المسلمون بعد الهزيمة العارضة، فقد جمعوا فلولهم، وتحاملوا على جراحهم، وانطلقوا فى طريق مكة يطاردون جيش الكفر الذى كان يمشى متباطئا يحدث نفسه بعودة لاستكمال ما بدأ، فلما شعر بالمسلمين قادمين سارع فى العودة من حيث جاء. وعاد المسلمون كما وصف الوحى " الذين
(1/38)

استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم" . وينقطع التعليق على غزوة أحد مؤقتا، ليتصل الحديث مرة أخرى عن اليهود، ونلاحظ هنا أن السياق صار مزدوجا إلى آخر السورة، فهو تارة يتناول اليهود، وتارة يتناول عبدة الأوثان، ولا عجب فجهاد الدعوة يتناول الفريقين على سواء كما قال جل شأنه ص _043
" لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور" . ويبلغ اليهود فى كفرهم حدا من الإسفاف يحنق الحليم! فالقرآن يطالب المؤمنين بالإنفاق فى سبيل الله، سواء كان هذا الإنفاق دفاعا عن الحق أو كان إسعافا للفقراء والمساكين. وهو يفرض ذلك فى أسلوب عالي يغرى بالبذل، فى أشرف صور البيان " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون " . فماذا يقول اليهود عندما يسمعون ذلك؟ يقولون: إن الله فقير يقترض من العباد!! ويقولون: إنه ينهى عن الربا ويتعامل به!! " لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق " . والواقع أن هذا تعليق قوم ليس فى أفئدتهم إيمان ولا تقى، يعيشون بمواريثهم عيشة خسيسة! ويستقبلون الإيمان الغض بأحقاد بالية وسخائم محقورة.. ولا يستغرب فى مجتمعهم أن يعبد المال وحده، وأن تطلب الدنيا وتنسى الآخرة!! وأن يعاملوا غيرهم من البشر وهم صرعى هذا الدنايا.. اليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار! فهل هذا الاختيار تعليم للأمم وإحسان إليها، أم هو الاستعلاء عليها ثم استغلالها واستنزافها؟. إن التاريخ اليهودى ليس تاريخ عطاء بقدر ما هو تاريخ صلف وغصب!! وليس عرب اليوم هم الذين يقولون ذلك، بل تقوله شعوب أوروبا وأمريكا التى عانت قديما وسوف تعانى مستقبلا.. وفى هذه السورة تلخيص لسيرة اليهود " وإذ
(1/39)

أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون * لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم". ص _044
وتنقلنا سورة آل عمران إلى جو آخر بعيد عن الماضى وذكرياته الحلوة والمرة... إننى إنسان أعيش فى هذا العالم، وأعرف قواه ونواميسه وخيراته ودلالاته! ألا يقودنى هذا إلى الله والتسبيح بحمده، والإقرار بمجده. لأترك جانبا الخلاف بين الأديان وأتباعها، ولأعول على عقلى الذى سأحاسب به! ولأفكر فى مصيرى بعد هذه الدنيا! لماذا أنسى ربى وأبتعد عن صراطه المستقيم؟ يجب أن أنعطف إليه وألوذ به! وها قد ظهر إنسان يصيح بأهل الأرض أن يثوبوا إلى رشدهم ويؤمنوا بربهم. لماذا الصد عنه؟. ألا يستحق هذا الداعى المتجرد أن أصيح إليه، وأتدبر دعوته " ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار " . إن الله يجيب هذا الدعاء بأنه لا يضيع عمل عامل من الإنس أو الجن، من السود أو البيض، لا يهم العنصر أو النسب، المهم العمل الصالح. ماذا يتعاظم الناس عن الإيمان بإنسان يدعو إلى الصلاح على ضوء من الخشوع لله والاستعداد للقائه؟ ماذا فى دعوته يؤلب القلوب ضده، أو يحرض الأحزاب على قتاله؟. لكن العميان من عبدة الأصنام والمتعصبين من أهل الكتاب تألبوا عليه، وقاتلوه.. واضطروا أتباعه إلى هجرة وطنهم وتحمل أنواع الأذى فى سبيل معتقدهم، فليكن جزاؤهم كما وصف الله " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار.. " . إن الكفار قد تعلو رايتهم، وتنتصر جيوشهم، ليكن، فذلك إلى حين " لا يغرنك تقلب الذين
(1/40)

كفروا في البلاد * متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد " . وقد غلب المشركون يوما فى أحد، فماذا كان؟ توقف سيل الحق قليلا، ثم مضى تياره من بعد عاصفا لا يقفه شئ، والعاقبة للتقوى..! وختمت سورة آل عمران بعد هذا العرض المفصل بآيتين، أولاهما تتحدث عن أهل الكتاب، ص _045
وما ينبغى منهم بإزاء النبى الخاتم " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم " . والآية تتضمن إلى آخر الدهر دعاء إلى أهل الكتاب من يهود ونصارى أن يستمعوا إلى النبى الخاتم، ويؤمنوا بما جاء به. أما الآية الأخرى فهى قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " . هذا توجيه للمسلمين الذين اتبعوا محمدا أن يصبروا على تعاليم الحق الذى شرفهم الله به، وأن يكونوا أصبر من غيرهم فى هذا المجال، وأن يكونوا فى رباط دائم حول ثغورهم وأراضيهم حتى لا تدخل عليهم من أقطارهما كما فعل الاستعمار الأخير! هذا نداء لنا، فهل نلبى النداء؟. ص _047
(1/41)

سورة النساء الثلث الأولى من سورة النساء حديث عن الأسرة وقضاياها، والأسرة هى المجتمع الصغير، والثلثان الباقيان حديث عن الأمة وشئونها، والأمة هى المجتمع الكبير ، فمحور السورة كلها العلاقات الاجتماعية وضرورة إحكامها وتسديدها. وبدأ التنبيه إلى ذلك من مطلع السورة " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.. " . إن الناس- وإن بدا بعضهم غريبا عن بعض- هم أقارب فى الحقيقة، إن أبا واحدا ينميهم، ورحما مشتركة تحملهم.. وعلى كل إنسان أن يذكر هذه القرابة فيصل الرحم الماسة، ويصل الرحم البعيد، وصلة الأرحام من شعائر الإسلام، وإن كان المأنوس بين الناس أن الرحم لا تعنى إلا الأقربين من دين وإخوة! ويجب أن تكون دائرة الإنسانية أوسع، وأن يتم التعاون بين أجناسها وألوانها... والآية الأولى تعتمد فى هذا النصح على التخويف من الله الخالق القادر، وعل رقابته الشاملة المستوعبة، غير أننا لاحظنا فى هذه السورة عديدا من آيات التأميل فى الله ونشدان رحمته مثل " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم.. " ، " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما " ، " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "، " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب"، " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا.. " . إن الله لا يريد إثقال كواهل العباد بعبادات تشق عليهم، وما يؤدونه من قربات هو تعب ص _048
(1/42)

المتعلم فى تحصيل المعرفة، والمتربى فى إحراز الكمال، وهو تعب محتمل مثمر... وبين الخوف من الرقيب القادر، والأمل فى الرحمن الغفور يحيا المؤمنون، ويستعدون للقاء الحتم، طال الأجل أو قصر..! والقسم الذى يتحدث عن تعاليم الأسرة من هذه السورة، بدأ بالكلام عن حقوق اليتامى لأن المسلمين أمة جهاد ضد عدو لا تنتهى غاراته، فلا عجب إذا كثر القتلى وكثر الأيتام. وفى عصرنا هذا نرى الأيتام غرضا لعصابات التبشير ولصوص العقائد، ومن هنا وجب أن يهتم المسلمون بيتاماهم، ويصونوا حقوقهم.. وفى أثناء الكلام عن اليتامى عرض حديث الزواج!! فأبيح مفردا ومتعددا... والإسلام فى هذا لا يشذ عن سنن الأديان التى سبقت، فلا يوجد دين حرم التعدد بأمر من الله.. وعندما أنظر إلى واقع الناس فى عصرنا، أرى الأوروبيين والأمريكيين أسوأ الناس صلة بالنساء، فالتعدد الحرام شائع بينهم، ويستطيع أى وغد أن يتصل بعشرات النساء.. والمباح عندنا له دائرته المرسومة، فإن الإسلام أمر الأعزب بالصيام إذا كان لا يقدر على تكاليف الزواج، فكيف يبيح لمتزوج بواحدة أن يطلب أخرى لا يستطيع إعاشتها، وإن استطاع لم يستطع العدل معها؟. على أن الزواج عندنا لا يتم بالإكراه، وتستطيع أى كارهة للتعدد أن ترفضه! ذلك، ومن خشيت من زوجها التعدد تستطيع فى صلب العقد أن تشترط ألا تكون لها ضرة، وعلى الزوج كما قال أحمد أن يلتزم، ويوفى بالشرط وإلا طلقت! وذكرت السورة بعدئذ أحكام المواريث، فجعلت للمرأة نصيبا فى كل تركة، وكانت من قبل محرومة، وندبت إلى إعطاء المساكين والضعاف حظا منها، وأباحت للرجل أن يوصى بما شاء من ماله- فى حدود الثلث- كما بينت السنة!! ومعروف أن الإسلام جعل- فى كثير من الصور- نصيب الرجل ضعف نصيب المرأة، وذلك لأن الرجل فى الإسلام مكلف بأعباء أكثر، فهو دافع المهر، وهو ملزم بالنفقة على بيته. ولا تكلف المرأة بالتكسب ما دام لها قريب غنى، وإلا فبيت المال مسئول عنها..
(1/43)

وذلك حتى لا تتعرض النساء لضياع الأعراض والابتذال كما يقع فى الغرب.. الذى يتشدق بأنه نصير المرأة..! ولست بهذا الكلام أدافع عن نفر من المسلمين فارغى القلوب والعقول، يحتقرون الأنوثة، ص _049
ويهينون الزوجة والأخت والبنت ويتقربون بحبسها وتجهيلها والاستطالة عليها... وفى السنة عن عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله " وعن ابن عباس قال رسول الله.. "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى". والمؤسف أن عددا من المتدينين يبنى تقواه على الإغلاظ للمرأة وإساءة عشرتها وانتقاص مكانتها، حتى كره النساء فى العالم كله الإسلام، وخافوا من سيطرته على المجتمع مع هذا الفهم الفاسد.. كانت المرأة قديما مهدرة الشخصية مستباحة الحقوق، وكانت إذا مات زوجها جاء أقرب الناس إليه، فوضع يده عليها، كأنها بعض المتاع الذى يورث.. وتصرف الجاهليين شبيه بما يفعل اليهود، إذا مات الزوج ولم ينجب، وجب على أخيه أن يتزوج أرملته وأن ينجب منها ولذا ينسبه إلى الأخ الميت!! ولا أدرى كيف يقع هذا؟ زواج بالإكراه! ونسب مفتعل. وما أحسب ذلك تشريعا سماويا، إنه من أكاذيب اليهود، وقد قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها.. " . ثم قال : "ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة" . والمقصود بالعضل إساءة العشرة حتى يتحول البيت إلى سجن تحاول المرأة الخروج منه ولو برد المهر الذى أخذته من قبل!! وقد أمر الرجال بالمسلك الأشرف فقال سبحانه: "وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" . ورفض الإسلام إذا أراد الرجل الفراق أن يساوم امرأته لتنزل عن المهر الذى أخذته مهما كان الذى ساقه كبيرا. لقد صار مهرها ملكا خاصا بها ولو كان قنطارا. ومن كره زوجته ورأى التزوج بأخرى فليغرم من جيبه ما يشاء، ولا يحاول أن يسترد شيئا من
(1/44)

زوجته الأولى " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا" . ونلحظ أنه- قبل الحديث عن حسن العشرة- ذكرت جريمتان من الجرائم الاجتماعية السيئة : ص _050
الأولى السحاق، والأخرى اللواط، ومحاربة الجريمتين حماية حقيقية للأسرة، وحراسة لجوها الطاهر، فمن الخطأ حسبان الكلام مقحما على السياق. فى الأولى يقول الله سبحانه : " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " . وفى اللواطيين يقول تعالى : " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما... " . ومن نسيان الغرب لله ولقائه، وللدين ووصاياه، أنه استهان بهذه الجرائم، كما استهان بأشد منها فكان ما نسمع به من فشو " الإيدز " والأمراض التناسلية الأخرى. والواقع أن حضارة الغرب منخورة الكيان، وما تبقى إلا لغياب الوارث الذى يحل محلها، أعنى غياب المسلمين الذين نسوا دينهم..!! ولكى تنجح الأسرة فى أداء رسالتها يجب أن تهذب الطباع، وتختفى الأثرة، ويتمرن كل طرف على الإحسان والتعاون مع الطرف الآخر. اتصلت بى إحدى الزوجات تشكو رجلها، وشعرت من لهجتها أنها موجعة حقا، وأنها تؤثر فراقه لولا ظروف قاهرة!! فأوصيتها بالصبر كما صبرت امرأة فرعون على عتوه! وقبلت على مضض.. قلت: عندما تكون لهذا الرجل أخت متزوجة من رجل عادى فعاملته على أنها قيصرة، أو فرعونة- إن صح التعبير- فما العمل؟ الداهية الأكبر أن تكون ذات برود جنسى، إن جو الأسرة سيكون نكدا... أباح الإسلام العقوبة فى هذه الحال، وتتدرج من الوعظ إلى المقاطعة إلى الضرب، واشتراط ألا يكون الضرب مبرحا وأن يتجنب الوجه! ولم أر فى السنة سببا للعقوبة الأخيرة إلا أن تنشز المرأة وتأبى الإجابة إلى الفراش، أو تأذن فى البيت لغريب مريب!! وكلا
(1/45)

الأمرين خطير كما ترى.. وقبل هذه التعليمات العائلية تعرضت الآيات لعدم أكل أموال الناس بالباطل، كما تعرضت لضرورة الرضا بالواقع وعدم التطلع إلى الآخرين. ثم اتجه الحديث عاما إلى الناس كلهم يقول: " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين.... " . ص _051
وهذا توجيه يشمل المجتمع كله، وإن عنى الأسرة أولا، ثم اطرد الحديث عن النفقة، فلا بخل ولا تبذير، ولكن الأمر الإلهى كشف فريقين من الناس متناقضين: أولهما البخلاء والآخر المسرفون المراؤون.. وقد يكون الكلام عن فريق واحد يبخل فى مجال ويأمر غيره بالبخل، ويسرف فى مجال آخر للرياء والسمعة، وكان الأولى أن يتصرف فى المال وفق إرادة من رزقه، فيكون مسلكه قصدا " وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما" . وبقى الكلام قليلا يعنى الأمة فى حاضرها ومستقبلها، ثم تحول إلى مجرى آخر مخالف لما سبقه فشرع يشرح أحوال الطوائف التى يتكون منها المجتمع العربى أيام البعثة، وحقيقة كل فرقة وما يجب بإزائها. والغريب أن هذه الطوائف هى التى تواجهها أمتنا اليوم!! كان المسلمون شداد الحرص على تألف اليهود، والاعتراف بأنهم أصحاب الوحى الأول، وكانوا يرتقبون منهم الانحياز إلى جانبهم، إذا وقع بينهم وبين الوثنية صراع. بيد أن اليهود كانوا عند أسوأ الظن، فما بالوا بعهد ولا بجوار، وقدموا إلى الإسلام كل ما يستطيعون من إساءة..!! وفى التعجيب والاستنكار لما فعلوا يقول الله لنبيه: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل * والله أعلم بأعدائكم.. ". والتعبير بأن ما لديهم نصيب من الكتاب إشارة إلى أنهم أضاعوا كثيرا من الوحى الذى نزل إليهم، والواقع أن فقدان كتابهم لتواتر الحفظة سمح بضياع بعضه واضطراب البعض الآخر. والجزء الذى بقى بين أيديهم لم يحسنوا العمل به، وهم إلى
(1/46)

اليوم من وراء انتشار الربا والزنا فى العالم أجمع. والتدين الفاسد قد يكون أضرى من فراغ القلب، وغفلته، وذاك سر ما ورد من أن النار أسرع إلى فسقة القراء منها إلى عبدة الأوثان..! والشر الكامن فى أفئدة اليهود من وراء اشترائهم للضلال واجتذابهم للآثام، ورغبتهم ص _052
الغريبة فى أن يروا المسلمين وقد نسوا القرآن وعادوا إلى عبادة الأوثان. أى إخلاص للحقيقة فى هذا المسلك المظلم؟. وقد وعد الله المسلمين أن يؤازرهم فى هذه المعركة التى فرضت عليهم وسيكون وليهم وناصرهم! " وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا " . لكن هذه الولاية والنصرة لا ينالهما القاعدون، بل يستحيل أن يظفر بهما من فرط فى الدفاع عن نفسه، وتهاون فى رسم الخطط وإحكام الحصون..! قال صاحب المنار: " إن الله العظيم الحكيم لا يحابى فى سننه المطردة فى نظام خلقه مسلما ولا يهوديا ولا نصرانيا، لأجل اسمه ولقبه، أو لانتسابه بالاسم إلى أصفيائه من خلقه، بل كانت سننه حاكمة على أولئك الأصفياء أنفسهم، حتى إن خاتم النبيين صلى الله عليم وسلم قد شج رأسه وكثر سنه، وردى فى الحفرة يوم أحد لتقصير عسكره فيما يجب من نظام الحرب.. ! فإلى متى أيها المسلمون هذا الغرور بالانتماء إلى هذا الدين وأنتم لا تقيمون كتابه ولا تهتدون به، ولا تعتبرون بما فيه من النذر؟. ألا ترون كيف عادت الكرة إلى تلك الأمم عليكم، بعد ما تركوا الغرور، واعتصموا بالعلم والعمل، وبما جرى عليه نظام الاجتماع من الأسباب والسنن، حتى ملكت دول الأجانب أكثر بلادكم، وقام اليهود الآن ليجهزوا على الباقى لكم، ويستردوا البلاد المقدسة من أيديكم، ويقيموا فيها ملكهم؟؟. فاهتدوا بكتاب الله الحكيم وبسنته فى الأمم، واتركوا وساوس الدجالين الذين يبثون فيكم نزغات الشرك، فيصرفونكم عن قواكم العقلية والاجتماعية، وعن الاهتداء بكلام ربكم إلى الاتكال على الأموات، والاستمساك بحبل الخرافات. ويشغلونكم عن دينكم ودنياكم بما
(1/47)

لم ينزله الله تعالى عليكم من الأوراد والصلوات، وما غرضهم بذلك إلا سلب أموالكم، وحفظ جاههم الباطل فيكم..... أفيقوا أفيقوا، تنبهوا تنبهوا، واعلموا أن الله لم يظلم ولا يظلم أحد فتيلا، فما زال ملككم، ولا ذهب عزكم إلا بترك هداية ربكم واتباع هؤلاء الدجالين منكم! ". والشيخ صادق، وإن جدت أمراض غير ما ذكر هى أنكى وأقسى!! ص _053
ثم شرح القرآن الكريم ما صنع اليهود بدينهم ـ حتى نحذر الوقوع فى مثله ـ فقال: "من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه.. " . وتحريفهم له صور شتى: أولها الميل بالكلام عن معناه الظاهر اتباعا للهوى وكراهية للمعنى القريب ولدى القوم بشارات برسول قادم، وهم يصرفونها عن المقصود بها إلى ما يرغبون حتى لا يصدقوا محمدا، أو يشهدوا له.. ومن التحريف الزيادة على النص الوارد لأنها ضميمة غريبة إلى الوحى النازل لا علاقة له بها. وقد أحصى الشيخ رحمة الله الهندى فى كتابه "إظهار الحق " مائة شاهد على هذا التحريف المتعمد، وقعت فى الكتاب المقدس " ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون " . وكتاب إظهار الحق أكمل ما كتب فى هذا الموضوع. ومن تعنت اليهود وسوء أدبهم قولهم للرسول: " سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين " . وقد هددهم الله بأنهم إذا بقوا على عنادهم بطش بهم، فقال " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا " وقد ظل اليهود على عنادهم فمحا الله آثارهم من الحجاز، وطمس وجودهم به... وقد عادوا الآن مرة أخرى بعد ما انفرط عقد المسلمين واستهانوا بمواريثهم، والمستقبل لأهدى الفريقين وأنشطهما فى نصرة الله ورسوله، ولعلنا نعود إلى الله فيعيد لنا عزنا القديم! ثم قال تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن
(1/48)

يشاء". الشرك نوعان: الأول أن تحسب للعالم خالقين أو رازقين أو مدبرين.. أو أكثر. والثانى أن تلجأ لغير الله فى التشريع والتحليل والتحريم، والدعاء والنذر والتوكل.. الخ. واليهود لم يكونوا مشركين بالمعنى الأول، وإنما إشراكهم، وإشراك أشباههم يجىء من ص _054
تحكيم غير الله والاستمداد منه، وكلا النوعين جرم لا يغتفر، لأنه فساد عميق بالنفس الإنسانية. ومع الحضارة الحديثة ظهر نوع أوغل فى الفساد والإلحاد، وهو جحد الألوهية أصلا، وعبادة الهوى، ونسيان الرب وتعاليمه نسيانا مطلقا... والإسلام فى هذا العصر يقاوم فنونا من الجحود، والتعطيل، والتثليث، والتشبيه، والحكم بغير ما أنزل الله، والجراءة على أصول الشريعة وفروعها. وعلى رجاله أن يقدروا ثقل هذه التبعات، وأن يضيئوا دروب الأرض بما فى أيديهم من نور، ولا يكونوا كاليهود الذين زعموا أنهم شعب الله المختار، ثم لم ير الناس منهم خيرا يذكر ولا صنيعا يشكر. حتى قال فيهم "هتلر": إنهم كالطفيليات تسكن البدن فتسرق غذاءه وتمنع نماءه، ولا عافية له إلا له إلا بالخلاص منها... وبلغ السعار اليهودى الحضيض عندما سئل رؤساء إسرائيل أى الفريقين أولى بالنصر وأدنى إلى الحق؟ فكان ردهم الوثنية أفضل من الإسلام، وحماة الجاهلية خير من أصحاب محمد..!! إن الدين عند بنى إسرائيل ليس عدالة ولا سماحة ولا خشية! إنه كل ما يذكى الصلف الجنسى عند القوم، ويشبع أثرتهم وغرورهم. وقد كرهوا العرب ولا يزالون، لأنهم الأمة التى اصطفاها القدر لحمل أمانات الوحى، بعد ما عبث الإسرائيليون بالوحى، وناءوا بتكاليفه. وأولاد يعقوب جزء محدود من آل إبراهيم، فلماذا يريدون احتكار نعمة الله على إبراهيم وآله فيظفروا بها وحدهم ولا يكون لأولاد إسماعيل نصيب منها؟. ولماذا ينقمون على أبناء عمومتهم ما نالهم من فضل الله، ويمالئون عباد الأصنام عليهم؟؟ "أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا * أم لهم نصيب
(1/49)

من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا" . والآية تشير إلى بخل اليهود المعروف، فلو أنهم ملكوا خزائن ربك ما تسرب منها عطاء لمحتاج ولا فضل على كفء، وقد حسدوا العرب على ما نالوا من خير، فما دخلهم فى هذا وما اعتراضهم؟. ص _055
" أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما" . واليهود- لشدة غضبهم من انتقال الوحى إلى العرب- يتوارثون تكذيب محمد ومخاصمة قومه،وقد جاءوا بعد أربعة عشر قرنا إلى فلسطين يبغون استعادة مجدهم القديم، منتهزين فرصة أن العرب فرطوا فى مواريث الإسلام، وتخلفوا فى مضمار الحياة، وغلب عليهم اللهو واللعب.. وسمع أهل العصر صياحهم وهم يدخلون القدس هاتفين: يا لثارات خيبر! محمد مات وترك بنات! فهل نخجل من خطايانا ونعود إلى ديننا حتى يقال: محمد عاد، ومعه آساد؟؟. واسترسل السياق يلوم اليهود على شهادتهم للوثنيين، إن الشهادة أمانة، وأداؤها إلى أهلها دين، ولا ذرة من الإنصاف فى تفضيل الوثنية على الإسلام، لذلك قال تعالى: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به.. " . وللأمانة معان كثيرة مادية ومعنوية، تدور كلها على صون حقوق الله وحقوق الناس، فى سائر الأعمال والأحوال، ولا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له... بعد ما قص القرآن من أخبار اليهود، شرع يحكى أخبار طائفة ثانية كان لها خطر كبير على الإسلام وأهله، هى طائفة المنافقين الذين أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان، حتى كشفتهم أعمالهم وفضحت سرائرهم... وبدأ الحديث عند قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا.. ". والتعبير بزعموا إشارة إلى كذب دعواهم، والطاغوت ما يحتكم إليه دون الله من إنس وجن
(1/50)

وجماد..! ومقتضى الإيمان الكفر بالطواغيت، والبعد عما توسوس به، قال تعالى : ص _056
" الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات.. " . . وقال في هذه السورة: " الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت.. " . ووصف الطاغوت مطرد في كل ما يبعد عن الله ويصد عن سبيله ويخاصم شريعته، والمنافقون هنا يسمعون نصح المؤمنين لهم باتباع الله ورسوله، ولكنهم يمضون في طريقهم، وكلما خطوا خطوة ملكهم العناد والضلالى فإذا هم يقطعون مسافات بعيدة في الطريق الجائر، فلا يكاد صوت الناصح يصل إليهم، "أولئك ينادون من مكان بعيد " . وقد يكون المنافق قريبا منك ببدنه، ولكنه بعيد عنك بقلب غففته الأهواء، فهو لايعى ما يقال ولا يتأثر به " وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا! " . وفي سورة أخرى " وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون " . ولكل كافر صريح أو منافق وجهة نظر يستمسك بها ويجادل عنها. وليس من الضرورى أن يكون تاركا للحق بعد ما تبين له. إن كثيرا من المبطلين يعتقد أنه محق!! " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا " . بيد أنهم لا يبفون طويلا حتى يحصدوا المرمما غرسوا. وللمسالك السوء نتائجها القريبة والبعيدة، وعندما تتكشف يجىء هؤلاء محاولين الاعتذار "فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا" . والمتعصبون في عصرنا للقوانين الوضعية يدافعون عنها، ويحسبون أنهم على شىء، وعندما تسود الفتن البلاد وتكثر الجرائم، عندئذ قد يفكرون ويتراجعون ويعتذرون "أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ". ص _057
(1/51)

وهناك موضعان ينكشف فيهما النفاق، ويبدو وجهه الدميم: الأول كراهية الحكم بما أنزل الله، والآخر كراهية الدفاع عن الحق والقتال فى سبيل الله!! والمنافقون عموما يضيقون بأنواع الطاعات من صلاة وصدقة، وربما استطاعوا الاستخفاء بهذا الضيق، أو كابروا فيه، لكنهم أمام الحكم بما أنزل الله والجهاد فى سبيله تنكشف بواطنهم ويفتضحون! والرسل تجيء من عند الله بمناهج كاملة للحياة الرشيدة، وأتباع الرسول- انطلاقا من الإيمان والسمع والطاعة- ينفذون ويستقيمون على الطريق، وليس أمامهم إلا هذا المسلك، ولذلك قال تعالى : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " . وليس فى تعاليم الدين ما يحرج النفوس، ولكن العجزة وذوى العزائم الخائرة يستثقلون الجهاد وصنوف الطاعات، وكان خيرا لهم لو نشطوا وصدقوا ومضت سورة النساء تشرح خلائق المنافقين فى سياق مطرد، وإن شاب هذا الشرح وصف لطائفة أخرى يكثر وجودها فى المجتمعات، وتحتاج إلى معالجة متأنية حكيمة، هذه هى طائفة ضعفاء الإيمان!! والصلة موجودة بين المرضى والموتى، بين إيمان مفقود، وإيمان معتل يمكن أن يضيع. إذا لم تتم مداواته. ولهذا الإيمان المريض صور.. فالصورة الأولى تتضح معالمها فى قوله تعالى : " وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا * ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما". هذا رجل تحركه مآربه، وتقترن آماله بمصالحه الخاصة لا بمسيرة الدين ومستقبله.. إن قلبه مشوب يتأرجح بين الإخلاص والأثرة..!! ومثله رجل آخر يصلى ويصوم ويترك المعاصى.. حتى إذا بلغته فريضة الجهاد جرع واضطرب، وطلب مهلة " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية".
(1/52)

والسورة تعالج ضعفاء الإيمان فى أماكن شتى، ومن رحمة الله ألا يترك هؤلاء صرعى وساوسهم، حتى يفقدوا دينهم. ص _058
لقد قال للصنف الأول: لا تكن عبد رغبة ورهبة تشدك مصلحتك الشخصية وحدها إلى الإقدام أو الإحجام!. ما معنى أن تحزن لما فاتك من غنيمة عند النصر، أو تفرح لنجاتك عند الهزيمة!! هذه دناءة لا تليق بمؤمن. تجرد لله وأقبل على المعركة لرفع كلمته و حدها "فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما.. " الخ . وقال للصنف الثانى: إن الآجال محددة المواقيت " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا " . ومع طول الأجل قد تسقط من الطائرة فتمشى على الأرض بقدميك. ومع قصر الأجل قد تموت حتف أنفك فيمسك قلبك عن الوجيب وأنت فى بيتك..!! والأصناف التى تتردد بين النفاق وضعف الإيمان كثيرة، وهاك نماذج أحصتها سورة النساء، قال تعالى: " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله" . والآية تذكرنا بموقف الفراعنة من موسى " فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون". وكذلك فعلت ثمود مع صالح... والمقصود بالحسنة الأحوال الحسنة من خصب ورخاء وعافية وغنى، والمقصود من السيئة أضدادها. ولا صلة لذلك بالاصطلاح الشرعى عن المعاصى والطاعات! والتشاؤم من بعثة الرسل كفر، وربما كان هذا الموقف من اليهود، وربما كان من حدثاء الإيمان الذين عرضت لهم بعد إسلامهم متاعب غير متوقعة!! وعقيدتنا أن الله هو الضار النافع الخافض الرافع، وأنه خالق كل شئ وسائقه، فلا قدرة لبشر على خلق وإنشاء، ولكن البشر لهم إرادات وقدر تعمل داخل نطاق محدود فى هذا الكون الكبير الذى لا ندرى منه إلا القليل... وهذا معنى "قل كل من عند الله" ثم جاء تفصيل لاحق يبين أن
(1/53)

أغلب ما يصيب الناس من ص _059
شرور هو لسيئات اقترفوها أو تقصير وقعوا فيه، وهذا معنى " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ". وإنما قلنا: أغلب ما يصيب الناس، لأن الله قد يبتلى بما يرفع الدرجات على طريقة " إذا سبقت للعبد منزلة فلم يبلغها بعمله، سلط عليه بلاء يرفعه إليها "- بصبره وتسليمه- فكل شئ لله إيجادا وإرسالا، ولنا كسبا واكتسابا، ونحن السبب فى أغلب السيئات التى تصيبنا... وهذا صنف آخر " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم.. " . من المآسى أن تشتغل الدهماء بشئون الدولة الكبرى، وأن تبدى رأيها فيما لا تعرف له رأسا من وقد رأيت من يتحدث فى الفقه ولا فقه له، ومن يفتى فى قضايا الحرب والسلام ولا رأى له، ومن يريد إصلاح العالم وهو عاجز عن إصلاح بيته، لماذا لا نترك الأمور لأربابها؟ ولماذا تبعثر الشئون الحربية والمالية فى كل مكان... يا بارى القوس بريا ليس يحسنه لا تظلم القوس أعط القوس باريها!. إن الله يأبى أن يسأل عنه من يجهله " الرحمن فاسأل به خبيرا " . ومن الخير أن نحترم الأخصائيين، وأن نقف عند حدود علمنا. والأمم الكبيرة تحترم الإخصائيين، وتوفر لهم الجو الذى ينتجون فيه، فإهانة هؤلاء تضر المجتمع كله. وماذا على أفراد الجمهور لو أتقنوا ما يوكل إليهم، وتركوا لغيرهم ما يحسنون؟ لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا. وفى الحديث " ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه.. ". ص _060
(1/54)

أمر الله نبيه ألا يكترث للضعاف والجبناء ومرضى القلوب، وأن يتصدى لمقاتلة الفتانين والمعتدين حتى يكسر شوكتهم ويفُلّ حدَّهم "فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا... " والرجاء هنا من جند الله فى جنب الله، وختام الآية يشير إلى أن بأس الكافرين شديد وأذاهم بالغ، ولكن الله أكبر "والله أشد بأسا وأشد تنكيلا" . ومن شاء انضم إلى الرسول والمؤمنين فقوى ظهرهم ونصر الحق معهم، وهذا الانضمام يسمى شفاعة، لأن المؤيد يجىء إلى الوتر فيجعله شفعا، وإلى الواحد المنعزل فيصيران اثنين قويين، وهذا معنى الآية " من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا" أى مجازيا أو مقتدرا. وأمر الله المؤمنين أن يرقبوا مواقف الناس فى هذه المعارك فمن حاسنهم حاسنوه، واستقبلوه ببشاشة تدل على حبهم للسلام "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها.. ". ولا بأس أن تكون الآية فى سائر التحيات المتبادلة، وقد كان المسلمون يسلمون على الناس كلهم، ويردون بالسلام على من حياهم، حتى حرَّف اليهود الكلمة، فجعلوها "السام عليكم " فأمر المؤمنون أن يكون الرد: " وعليكم.. " فيستجيب الله فيهم ولا يستجيب منهم ! ويظهر لى أن ذلك موقف خاص، والآية على عمومها، ومن كرم الإسلام وأمته أن يحيوا الآخرين تأليفا لقلوبهم وإعلانا عن مبدئهم وهو السلام. روى ابن جرير عن ابن عباس رضى الله عنه قال: " من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيا فإن الله يقول: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها". ورد الشعبى على نصرانى سلم عليه، فقال: وعليك السلام ورحمة الله، فقيل له فى ذلك فقال: " أليس فى رحمة الله يعيش "؟. ثم ذكر القرآن الكريم بعدئذ المنافقين، وحدد الموقف منهم. والمنافقون فى هذا السياق ليسوا جماعة من أهل المدينة يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر كعبد
(1/55)

الله ابن أبى وشيعته. بل هم قبائل بعيدة، أو دول أجنبية بتعبير عصرنا، يتظاهرون بموالاتنا ونصره ص _061
قضايانا، ويكيدون لنا فى الخفاء، ويعبثون بنا، وقد انخدع بعض المؤمنين بظاهرهم حتى كشف الوحى حقائقهم فقال جل شأنه: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ". لماذا تنقسمون على رأيين فى هؤلاء الناس؟ وقد افتضحت بواطنهم "أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا" . ثم فصلت الآيات أصناف هؤلاء البعداء، فأوضحت أن منهم فريقا يود لنا العنت، ويتمنى أن نعود كفارا وهو يتربص بنا الدوائر " فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا" . وهناك قوم محايدون، ليسوا معنا ولا ضدنا، وموقفنا من هؤلاء السلام! " فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا" ! وهناك قوم مداهنون يريدون اللعب على الحبلين، فإذا تاحت لهم فرصة انتهزوها، وهؤلاء ينبغى أن نكون معهم صارمين " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم.. " . وظاهر أن مقاتلة هؤلاء ليست على دخول الإسلام بل على التزام الحياد الدقيق بين المسلمين وخصومهم. فإذا تبين خَبْؤُهم، وبدا عدوانهم فلا معنى للسكوت عليهم، ولذلك قيل فى حقهم: "وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا" والتقسيم الآنف يتسم بالعدالة، فنحن لا نكره الناس على ديننا، ولا نكره منهم أن يكونوا محايدين بيننا وبين عدونا ما دام الحياد صادقا شريفا. الذى نرفضه هو العدوان الصريح أو الماكر، على نحو ما قيل: " لست بخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعنى"... ثم ذكرت السورة بعد ذلك الحكم فى القتل الخطأ والعمد، وكأن هذا الذكر نتيجة مقدمة لجريمة القتل التى تورط المسلمون فيها وهم
(1/56)

يجاهدون فى سبيل الله، فقد حدث فى إحدى المعارك أن أحدق المسلمون بخصومهم، فخرج رجل من بينهم يعلن إسلامه، فظنوه مخادعا يريد النجاة بنفسه، ويلقى السلام وهو كاذب، فقتله أسامة بن زيد. فلما اطلع الرسول على ما حدث حزن حزنا شديدا، وعنف أسامة على مسلكه قائلا له: كيف ص _062
أنت بلا إله إلا الله التى نطق بها؟ قال أسامة: إنما قالها خوفا من السلاح، فرد عليه الرسول: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفا أم لا ؟. قال أسامة: فما زال رسول الله يلومنى حتى وددت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ!! ونزلت الآية " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا" . والواقع أنه من الخطأ أن يكون الرجل مؤمنا ويبقى بين ظهرانى الكافرين! يجب أن يلتحق بدار الهجرة، حتى يعين فى بناء الدولة الجديدة، ويتحمل مع إخوانه المسلمين أعباء المستقبل المنشود. إن بقاءه مستخفيا بعقيدته قد يلحق به الأذى، وقد يستحق به حكم المستضعفين الذين ذكرتهم الآيات بعد "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.. " الخ. والهجرة بالعقيدة طريق الأمان والنصر، وباب إلى غد أفضل وأسعد!. ليس هناك أذل ممن يقبل الدنية فى دينه ودنياه لالتصاقه بتراب ولد عليه، وقد وعد الله المهاجرين بالمستقبل الأرغد، والخير الكثير فى الدنيا والآخرة. والحق أن غيرنا تحرك على سطح الأرض فعمرها وملكها، وترك عليها عقيدته ولغته. والمسلمون أولى بالتنقل فى أرض الله، كى ينشروا رسالتهم، ويصلوا الخلق بخالقهم. ذلك ومع التنقل والأسفار يمكن قصر الصلوات المكتوبة، وقد
(1/57)

نزلت فى ذلك الآية "وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا.. " . والظاهر أن هذه الآية وما بعدها فى صلاة الخوف، أى عند الاشتباك مع الأعداء، أما القصر فى السفر فحكمه مقرر من نصوص أخرى، ويمكن فى علم الفقه الوقوف على الأحكام الكثيرة الخاصة بالموضوع.. ص _063
وقد فصلت الآية التالية حكم الصلاة فى أثناء الحروب "وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم.. " الخ . وجمهور الفقهاء على أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الإمام، وأن المسلمين يصلون خلفه بالتتابع... والذى أميل إليه أن هذا الحكم خاص بالرسول وصحابته، فليس من السائغ أن يؤم المسلمين أحد وهو موجود.. أما فى هذا العصر مثلا فإن تعدد الأئمة سهل، وقد اختلفت أساليب القتال، ومن الممكن أن تتعدد الجماعات، والقيادات دون خوف على دين أو دنيا. ولعل ذلك الفهم يشهد له قوله تعالى : "وإذا كنت فيهم.."، وما أقوله اجتهاد أرجو أن يكون صحيحا، فليس بلازم أن يرتبط مليون مقاتل فى الجبهة بإمام واحد فى صلواتهم كلها مضت سورة النساء تصف ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب فذكرت قصة من غرائب ما تناوله الوحى الإلهى، قصة رجل لين الدين ميت الضمير ينتمى إلى الإسلام دون أن يشرب حبه أو يحترم حدوده... ارتكب هذا المرء جريمة سرقة، وإخفاء لآثارها ذهب بالمسروق إلى جار يهودى كى يخفيها عنده! وجاء قفاة الأثر فشعروا بأن التهمة محصورة بين البيتين. وأخيرا استخرجوها من بيت اليهودى الذى قال- وهو صادق- إن "طعمة- اسم السارق- أودعها عنده!. وأنكر طعمة وزعم أن اليهودى هو السارق! وجاء قومه- وهم يعلمون إجرام صاحبهم- فدافعو عنه، واستغلوا أن المتهم يهودى من أعداء الإسلام. فألصقوا الجريمة به. وحسب النبى عليه الصلاة والسلام أن طعمة
(1/58)

وقومه صادقون! وكأنه مال إلى إدانة اليهودى، وتبرئة المنتمى إلى الإسلام إحسانا للظن به... ونزل الوحى الأعلى يقول " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما" . فمنعه أن يكون مدافعا عن الخونة الآثمين، وأن يصدقهم فى اتهام يهودى برئ!! ص _064
ويقول للرسول آخر الأمر " ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم " . وقال معلقا على أحداث القضية نفسها " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا". وعرض التوبة على الخاطئ قائلا " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما" . وفى تآمر أهل المجرم على طمس الحقيقة، وتضليل العدالة يقول " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.... " ويقول " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا" . ذلك كله لإحقاق الحق وإبطال الباطل وإنصاف رجل من خصوم الإسلام وإثبات براءته من تهمة تتضافر القرائن على إلصاقها به.!! ما أعظم الإسلام...! وبعد سرد هذه القصة اتجه الوحى إلى طائفة أخرى من الناس لا تزال تعيش فى المدينة إنها بقايا الوثنية المدبرة، إنهم العرب الذين لما يهجروا بعد عبادة الأصنام، فقال فى حسم " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا " . والشرك فساد نفسى وعقلى يهدر كل قيمة للإنسان. والمقصود به تسوية المخلوق بالخالق، فى العبادة والدعاء والتحكيم والاستمداد والرجاء.. الخ. إذ الموحد الحق لا يسلم وجهه إلا إلى الله، ولا يفوض إلا إليه، ولا يرجع فى حل أو حرمة إلا إلى شرعه، وهو مستريح إلى وعد الله ووعيده فلا
(1/59)

يكترث بغيرهما من رغبة أو رهبة بعيدة الصلة بالله. أما غير الموحدين فتصرفهم فى ميادين الحياة أمانى خادعة، ووعود كاذبة تجعلهم يجرون وراء السراب! ويضيعون أعمارهم سدى " يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا" . والمباهاة بالأديان لا تجدى أصحابها فتيلا، المهم هو العمل الصادق والسلوك الراشد. ص _065
وفى عصرنا هذا- كما يقول محمد عبده- يوجد من يتحدث عن الإسلام فيثنى عليه أعظم الثناء يقول: أى دين أصلح إصلاحه؟ أى دين أرشد إرشاده؟ أى شرع كشرعه فى اكتماله؟. فإذا سئل الواحد منهم: ماذا فعل للإسلام؟ وبماذا يمتاز على غيره من أتباع الأديان الأخرى لا يحير جوابا.. وردعا لقائلين غير فعالين يقول الله تعالى: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا" . ومن الفتن المزعجة فى هذه الأيام العجاف أن نرى اليهود متشبثين بشرائعهم الدينية يلبس أحدهم قلنسوة الصلاة ويمرق بها فى أكثر الميادين زحاما ليؤدى شعيرته. أما المسلمون فأغلب ساستهم لا يحرص على أوقات الصلاة، إلا من عصم الله وعادت السورة بعدئذ إلى ما بدأت به وهو العلاقات الأسرية، فنبهت إلى الصبغة العامة لهذه العلاقات، وهى العدالة والإصلاح " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما" . وقد تحدث صدر السورة طويلا عن اليتامى، وأطال هنا فى الكلام عما قد يقع من تنافر بين الزوجين، فندب إلى الإصلاح ومقاومة شح النفس والتزام الإحسان، والتقوى والعدل فى حدود الطاقة.. فإذا تنافر الود وانكسرت الزجاجة وعزَّ الإصلاح فليلتمس كلا الطرفين ما يعوضه من فضل الله "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما" . وخزائن الله لا تنفد، فلا تسئ
(1/60)

الظن بالمستقبل إن فاتك الحاضر وتشبث بالتقوى والطاعة "ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا". وتكررت هذه الجملة ثلاث مرات فى سياق متقارب لتمنع اليأس وتصلح بال كلا الزوجين إذا حكمت الأقدار عليهما بالفرقة..! ص _066
ثم أكدت قيام الأسرة على العدالة، بل قيام المجتمع كله على القسط والإنصاف فى آية جامعة "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين... ". والقيام بالقسط ليس شريعة بدأ بها الإسلام، إنه شريعة الأنبياء كلهم " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " . وهذا سر مجىء الآية التالية " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ..." . إن الجور داخل البيت فتنة كبيرة سيئة الأثر على الزوجين والأولاد جميعا، والبيت المضطرب يشيع البلاء فى البيئة كلها... إن سورة النساء استعرضت طوائف المجتمع، ولم يقف الحديث فيها عند شئون الأسرة وحدها فالعنوان خاص وموضوع السورة عام. وقد رأينا كيف تناول القرآن الكريم مواقف المنافقين، وكيف كشفها وحذر منها... وقبل أن تنتهى السورة عاد إلى القوم لينكل بهم ويحذر منهم فى شأن مهم! المؤمن الحق يوقر كلام ربه، ويوفر له جوا من الاحترام والمهابة، ويقاطع المجالس التى تنال منه وتتجرأ عليه.. ويعالن أصحابها بالهجران والرفض... ولكن أصحاب القلوب الفارغة من اليقين لا يبالون بالجلوس حيث يهان الوحى وتلمز أحكامه! وفى هؤلاء نزل قوله تعالى " بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا.. " . مهما كان جانب العدو عزيزا فلا تتزلف إليه، ولا تهادنه على حساب
(1/61)

دينك وكرامته. إن المنافقين وحدهم هم الذين لا يبالون بإهانة الحق وتجريح رجاله " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم... " . ومؤامرات المنافقين لاحقت الإسلام طوال أيام البعثة فلا عجب إذا تكرر الرد عليها وطال التصدى لها. ص _067
عادت سورة النساء فى أواخرها للحديث عن أهل الكتاب فضمت جديدا لا غنى عنه! وأهل الكتاب يهود ونصارى. فأما اليهود فيرفضون عيسى ومحمدا معا، يقولون عن عيسى إنه أتى لغير رشدة، فهو زنيم وأمه بغى!! وأما محمد فهو أعرابى ادعى الوحى ولا صلة له به! وأما النصارى فيرون محمدا مقطوع العلاقة بالسماء ويذكرونه بنعوت سيئة... هل هؤلاء المكذبون لرسل الله يوصفون بأنهم مؤمنون بالله وكتبه ورسله؟ تقول السورة الكريمة عن هؤلاء " إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا * والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما" . وبعد مناقشة لأهل الكتاب سنتأمل فيها بعد قليل قال الله لرسوله محمد " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا " . إن الذى أوحى إلى هؤلاء أوحى إلى محمد، كلهم سفراء من الله إلى خلقه، كلفوا فبلغوا، ما خانوا و لا فرطوا. وإذا وصف محمد وحده بشيء فهو أنه أفصحهم بيانا وأشدهم بلاء وآصلهم فى إحياء الفطرة ومناشدة العقل..!! وتراثه الباقى لا يزال وسوف يبقى إلى قيام الساعة يؤسس اليقين، ويوقظ الغافلين ويسدد الخطى إلى رب العالمين. ولذلك قال الله فيه " لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون
(1/62)

وكفى بالله شهيدا". والنظرة المحايدة إلى كتاب محمد عليه الصلاة والسلام تؤكد أنه لا نظير له بين تراث النبيين جميعا. كما أن النظرة المحايدة إلى حياة محمد تشير إلى أنه تفرد بنسق فى الذكر والشكر والصبر والتوكل وبعد الغاية تجعلنا نجزم بأنه إذا شيب النبوة لم يستحقها من بعده أحد فى الأولين والآخرين!! ص _068
ونرجع إلى مناقشة القرآن لأهل الكتاب: ماذا يطلبون؟ "يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة!! " . وهذه ليست مقترحات عقل يبحث عن الحقيقة ويسعى إلى اليقين! هذه مقترحات طبع غليظ وقلب متكبر ولذلك لما سئل موسى ما سئل، وفجر قومه على هذا النحو عوقبوا بصاعقة استأصلت شأفتهم. واليهود من أغلظ الناس طباعا وأقساهم قلوبا، ولذلك أخذ عليهم الميثاق بالتهديد!! رفع الجبل فوق رءوسهم، وأوشك أن ينقض عليهم ليكون فوقهم مقبرة جماعية..... ومع ذلك نقضوا الميثاق! قال تعالى "فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا * وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما" . وما داموا يرون مريم بغيا فهم يسعون إلى قتل ابنها لا سيما وقد ادعى النبوة!! وقد نجى الله عيسى من مكايدهم، ولم ينجح سعيهم فى الخلاص منه فقال.. " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه... " . ولكن مواريث الوهم التى تسيطر على العامة جعلت كثيرين يصدقون شائعة الصلب والفداء، ويجعلونها عقيدة ثابتة. والواقع أن السلبية السائدة تخدم ظنونا لا تعتمد على عقل ولا نقل، ولو اتسعت المعرفة وتحرر الفكر لتغير الموقف ولذلك يقول القرآن الكريم مؤكدا نجاة عيسى وعبوديته لله الواحد " لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل
(1/63)

من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما" . وتجىء خواتيم سورة النساء لتصدر أحكاما حاسمة على كل الطوائف التى سبق الحديث عنها، فالكافرون والمنافقون لهم سوء العقبى، لأنهم يجهلون ويتعصبون للجهل ويعملون على تجهيل الآخرين أى أنهم يكفرون ويمنعون الغير من الإيمان، ولذلك قال فيهم ص _069
" إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا * إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا..." الخ . والمتفرس فى ملامح الاستعمار الحديث يراه جامعا بين إلحاد الفكر وظلم الشعوب أو بين كراهية الإسلام وإذلال اتباعه! ثم يتجه إلى اليهود نداء يستحق التأمل " يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما.. ". لقد نودى اليهود مجردين من كل انتساب علمى، لأنهم حملوا التوراة ثم لم يحملوها.! ولم يعتبروا أهل كتاب لأنهم شابهوا عبدة الأصنام فى الجهل والإنكار، بل زادوا عليهم الغلو فصح أن ينادوا بيا أيها الناس كما ينادى أهل مكة، ومن لا علاقة له بوحى قط..! وتلا ذلك نداء للنصارى الذين غلبتهم الحيرة، وأتاهتهم فى فجاج كثيرة، وسبب ذلك الغلو الشديد! إن الغلو يبعث على المبالغة، وينأى بأصحابه عن الجادة من أجل ذلك يقول الله لهم " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا" . والحق أن التنقيب فى الكون، والبحث الشاق فى السموات والأرض لا يسفر إلا عن إلهه واحد، أين الآخر؟ أين ما خلق ورزق؟ من الذى شارك الله فى خلق الذرة والمجرة؟ من الذى شاركه فى خلق
(1/64)

النطفة والبويضة؟؟. من الذى يساعده فى تدبير الأمور؟، إن العالم الكبير لا تديره شركة من أى نوع! إنما الله إله واحد! الخضوع له حق، والامتثال له حق، والزلفى إليه واجبه، وعبادته فريضة على الكل. ولذلك قال تعالى: " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا" . ص _070
وتختم سورة النساء بآية تشرح ميراث الكلالة- وهو من لا ولد له ولا والد. وهى بذلك الختم تكمل ما بدأت به السورة من حديث عن الأسرة وتكوينها وحراستها وتفصيل قضاياها "يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم". وقد رأيت أن موضوع السورة عام يتناول المجتمع كله وأحوال الطوائف العديدة التى يتكون منها، فحديث النساء جزء من كل. أو كما عبرنا: الأسرة مجتمع صغير، والمجتمع أسرة كبيرة، وهداية الله تشمل الجميع لأنه بكل شيء عليم. وقصار النظر يحسبون السورة أجزاء مفككة، وهذا خطأ يحمى الله منه أهل التدبر والاعتبار.... أرفض خداع العناوين، إن أسماء السورة القرآنية شئ غير موضوعاتها، الموضوعات غالبا متشعبة مستفيضة أما الأسماء فذات دلالات جزئية. خذ مثلا سورة البقرة، إن قصة بنى إسرائيل مع البقرة التى أمروا بذبحها لا تستغرق نصف صفحة من صفحات السورة التى تزيد على الأربعين.... والسورة بعدئذ بحر متلاطم من التاريخ والتشريع والحكمة والأدب... وكذلك سورة النساء! إن شئون الأسرة فيها محدودة أما السورة نفسها ففيها التركيبة الاجتماعية التى تلحظ على العالم أجمع فى شتى أقطاره. ولقد ألف كبار العلماء كتبا حسنة شرحت ما فى هذه السورة من آداب اجتماعية عالية تتناول الأصدقاء والخصوم، والكبار والصغار، والأغنياء والفقراء.... خصوصا أتباع الأديان المختلفة وما ينشأ بينهم من أخذ ورد، وحرب وسلم، وأوضحت المنهاج الذى يلتزمه المسلم، ويثبت عليه ما دام الليل والنهار. ص _071
(1/65)

سورة المائدة سورة المائدة وتسمى كذلك سورة العقود. والتسمية الأخيرة أدل على موضوع السورة الواسع! أما الأولى فهى تشير إلى اقتراح الحواريين على عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء يأكلون منها ويستبشرون بها. وهو اقتراح مثير للدهشة، ولكن الله سبحانه قبله تأييدا لنبيه وتصديقا لرسالته..! وقصة المائدة لا تستغرق من السورة سوى أربع آيات أما قضايا العقود فتشمل أغلب السورة... وقد لوحظت فى السورة المباركة كثرة النداءات، فهناك أولا ستة عشر نداء للذين آمنوا . 1- يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود... 2- يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله 3- يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم 4- يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله 5- يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم 6- يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة 7- يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. 8- يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه.... 9- يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء. 10- يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. 11- يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس. ص _072

12- يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد.
ص - يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم..
14- يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.
15- يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم.
16- يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية...
وهناك نداءان للنبى خاصة بوصف الرسالة
1- يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر.
2- يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك...
وهناك خمسة نداءات لأهل الكتاب بعضها مباشر مثل
(1/66)

1- يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم
2- يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل.
وبعضها بوساطة الرسول الكريم مثل
3- قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله
4- قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم.
5- قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم...
وهذه النداءات تعقبها إفادات وإضاءات وتعليمات وتوجيهات تحتاج إليها الجماعات حتى تقوم بأمر الله وتستقيم على منهاجه..
وقد عدها الشارع عقودا حقيقة بالوفاء.
ألا ترى أن الجهاد عقد بين الله والعباد " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة... " .
وفى هذه السورة نداء للمؤمنين بالوضوء قبل الصلاة... والصلاة نفسها هى أول بنود الميثاق المأخوذ على بنى إسرائيل كما سترى..
وبعد عدد من التعليمات التى شرعها الله لبناء المجتمع الإسلامى قال سبحانه: " واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور" .
والعلاقات المؤكدة تتطلب مسالك صارمة، وعملا محكما، وتأمل فى قول الشاعر لنفسه:
لا لا أبوح بحب بثينة إنها أخذت علي مواثقاً وعقودا !!
ص _073
(1/67)

إن العلاقة بين حبيين أصبحت ميثاقا معقودا! فكيف بالعلاقة بين العبد وسيده والمرء وخالقه القائم على كل نفس بما كسبت؟. إن إعظام أمر الله من دلائل الإيمان، وذاك كله من وراء تسمية السورة بسورة العقود... وقد أخذ الله الميثاق على الأمة الإسلامية أن تؤمن به وحده، وتعمل له وحده، وأن تدعو إلى دينه، وأن تكون نموذجا تؤخذ منه الأسوة الحسنة، ويتعلم الناس منه خير الدنيا والآخرة..!! وليس المسلمون فى ذلك بدعا، فقد أخذ الله المواثيق على من قبلهم أن يلتزموا هداه ويحيوا كما أمر..! قال تعالى: " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل" . ولم يوف بنو إسرائيل بهذا الموثق بل نقضوه وتوارثوا نقضه فلعنهم الله وجعل قلوبهم قاسية!! والقلب القاسى أبعد شىء عن الله!! وقد رأيت فى تجاربى أن الفرق بين تدين الشكل وتدين الموضوع هو قسوة القلب أو رقته.! بعض الناس فى طباعهم جلافة وقساوة لا تخفيها صور العبادات التى يستسهلون أداءها. ارتكب أحدهم خطأ معى، ثم عرف الحق فكره الاعتذار وتمنى لو لم يعرف هذا الحق!! هذه طباع بعض الخوارج قد يكرهون أهل الإيمان، ويتساهلون مع أهل الكفر!!. وما تقول فى امرئ يرى أن صلاح الدين والدنيا لا يتم إلا بقتل على بن أبى طالب فيقتله مستبيحا دمه ومتقربا إلى الله به..! لقد فهمت لماذا ادعى واصل بن عطاء الشرك هو ومن معه عندما قابلوا ثلة من الخوارج فسألوهم عن دينهم!! لو عرفوا: من هم لقتلوهم!! قالوا: نحن مشركون مستجيرون! حتى يعاملوا بمقتضى الآية الكريمة " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه.. " . إن قسوة القلب لعنة من الله نستعيذ به منها سبحانه... واليهود من
(1/68)

أقسي الناس قلوبا، وسيرتهم مع شتى الأمم دليل على ما طبعوا عليه من جلافة وتحجز! ونحن نحذر من خلائقهم، وننبه المسلمين إلى وخامة التشبه بهم.. إن تدينهم لا خير فيه " ولا تزال تطلع على خائنة منهم" ص _074
والغريب أن الله يختم هذه النصيحة بقوله " فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين" . وكما أخذ الله الميثاق على اليهود أخذه على النصارى، وإن كان التعبير الوارد فى ذلك يدفع إلى التأمل لأنه يشير إلى بعد الشقة. بين نصارى العصور الآخرة، وبين عيسى والحواريين أصحاب الدين الحق. لذلك قال: " ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون". وتاريخ المسيحية شاهد صدق على هذا الشقاق الدامى بين شتى الكنائس. ولن تنسى أوربا الحروب الدينية الكثيرة التى ملأت ساحاتها بالدماء! وقد وضعت هذه الحروب أوزارها، إلا أن الكراهية ناشبة فى أعماق الصدور يخفيها انشغال الكل بالعلمانية التى أقصت الدين وسيطرت على الدولة. ونرى أن هذه الهدنة عارضة، وأن الخصام عائد إلى الظهور حتما لأن أسبابه قائمة،. وهو ما تؤكده الآية. والواقع أنه لا سلام إلا فى الإسلام، ولن تطهر الأيدى من الدماء إلا إذا عمرت الأفئدة بالاعتقاد الحق فى الإله الواحد! وهذا معنى قوله تعالى موقظا القوم إلى ما يجب عليهم "... قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم " . إذا فرق الأمم الباطل فلن يجمعها إلا الحق!! ص _075
(1/69)

توحيد الله هو العهد الأعظم الذى أخذ على العباد قاطبة فليس لبشر أن ينقض هذا العهد أو يتمرد عليه!! ومع ذلك فإن البعض يشبه اللقيط الذى يجهل أباه فهو يحيا بعيدا عنه، أو يعرفه معرفة فاسدة فهو سيئ الظن به غبى الفهم له.. والذين يظنون مع الله إلها آخر هم من هذا القبيل. وأهل الأديان السماوية يؤكدون أنهم موحدون! والواقع أن موقف النصارى من عيسى يحيط به ضباب كثيف! إنهم يعبدون الله الواحد كما يقولون. فما مكان عيسى فى هذه العبادة..؟ عند التحقيق يبدو وكأن عيسى مقحم على الواحد المعبود، أو يبدو كأنه شخص له مكانة عظيمة رجراجة لا يمكن ضبطها.!! ونحن فى هذه الأيام نسمع من رؤساء الكنائس أن الله واحد فإذا صدقوا فعيسى عبده لا محالة... ! وهذا ما جعلنى أنظر بجد وثقة إلى ما أعلنه الدكتور محمد معروف الدواليبى من أن لديه وثيقة صادرة عن الفاتيكان تقر فيها أن المسيح عبد من عباد الله، ولا علاقة له بألوهية. وقد أصدر الفاتيكان هذه الوثيقة بعد دراسات كنسية ظلت أربع سنين كاملة شارك فيها عدد من الرجال الثقات.. وأضاف: أن الوثيقة تتضمن تعليمات صريحة بألا يذكر المسيح على أنه الإله، وإنما يذكر فيها الله خالق السموات والأرض ورب إبراهيم!! والغريب أن هذه الوثيقة اعترفت بأن الكنيسة ارتكبت مظالم عديدة ضد الإسلام والمسلمين، وأن يجب الانفتاح فى هذه الأيام على الإسلام. كما أبدت الكنيسة أسفها على أنها كانت من وراء الحروب الصليبية ثم من وراء الاستعمار العالمى الجديد للدول الإسلامية. وأنها كانت من وراء قيام إسرائيل لضرب العروبة والإسلام، والواجب أن يدخل النصارى فى حوار مع العرب والمسلمين لمعالجة هذا الماضى السيئ.. قال الدكتور الدواليبى: إن اليهود بوسائلهم الكثيرة قاموا بسحب هذه الوثيقة، وقد وضع الأمير " جيه " رئيس المخابرات الإنجليزية الأمريكية كتابا فضح فيه ما صنع اليهود، فقاموا بخطفه وزوجته وأولاده.. الخ. ص _076
(1/70)

ونحن نذكر القراء بأن موقف النصارى من عيسى بن مريم شديد الإبهام كما أومأت إلى ذلك سورة النساء فى قوله تعالى: "ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا" إن الله وحده هو الحق المبين، وذاك سر غضبه الشديد عندما يقول " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا.. " واليهود- وإن أنكروا التثليث- يصفون الله. بصفات رديئة ويتطاولون عليه بألسنتهم، وليس فى قلوبهم خشوع ولا إخلاص. ومع ذلك يزعمون أنهم الشعب المختار، وأن الله خلق العالم من أجلهم ولخدمتهم.. وكلا الفريقين من أهل الكتاب يزعم صلة خاصة بالله، ومكانة فريدة عنده! وكل يدعى وصلا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا...!! ونحن نعلم أن الإيمان الحق والعمل الصالح وحدهما هما أساس القبول الأعلى، وبهما تسبق الأفراد والأمم، ولذلك لم يعجبنى قول البوصيرى فى تفضيل الأمة الإسلامية على غيرها. لما دعا الله داعينا لطاعته بأشرف الخلق كنا أشرف الأمم!! إن المسلمين لا يشرفهم إلا الإخلاص لله، والتفانى فى طاعته، والشجاعة فى نصرته والجراءة على عدوه. والانتماء المجرد لمحمد عليه الصلاة والسلام- وهو أفضل الخلق يقينا- لا يغنى عن العاطلين شيئا... وقد ساقت سورة المائدة قصتين تكشفان أن أصحاب الدعاوى لا وزن لهم ما لم تؤيدهم بينات! الأولى قصة بنى إسرائيل عندما كلفوا بمقاتلة الجبارين ودخول أرضهم، لقد استثارهم موسى، وذكرهم بنعم الله عليهم " لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين.. " وهذا كلام يحتاج إلى شرح. إن بنى إسرائيل حملوا دعوة التوحيد بين جماهير من البشر هامت فى عبادة الأصنام، فكانوا- بالدعوة التى حملوها- أعلى من غيرهم قدرا... وقد أرسل الله إلى العرب أنبياء يعدون على الأصابع على حين أرسل فى بنى إسرائيل عشرات
(1/71)

الأنبياء!! أما جعلهم ملوكا فهو بالاكتفاء والاستغناء على نحو ما جاء فى الحديث " من أصبح آمنا فى سربه، معافى فى بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها "!! ص _077
ويظهر أن بنى إسرائيل لم يفهموا أنهم شرفوا بالدعوة، بل ظنوا أن الدعوة شرفت بهم!! وحسبوا أنهم مقبولون عند الله، ولو لبسوا الدين على أجسام قذرة. وهيهات لقد محصهم القدر العادل فلما تبين جبنهم تقرر طردهم قال لهم موسى: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين" . فأبوا الانقياد لأمر الله، وبلغت بهم الوقاحة أن قالوا لموسى "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون" !! فجعل الله عليهم سيناء مصيدة يحتبسون داخلها، ويتيهون فيها لا يعرفون طريقا للخروج أربعين سنة حتى هلك أكثرهم!! وبقى من ترشحهم أخلاقهم لرضوان الله وحمل رسالاته.. هذه هى القصة الأولى فى بيان أن الدين رجولة وإقدام وصدق وإيمان. أما القصة الثانية فهى قصة ابنى آدم اللذين قتل أحدهما الآخر! كان أحدهما بليدا فاشلا فنقم على أخيه الأفضل منه. والتناقض فى حياة هذا الإنسان ظاهر. فهو قد فهم جيدا أن أخاه أفضل، وبعد أن تخلص منه لم يفهم كيف يدفنه بعد مماته!! كان غبيا هنا ذكيا هناك!! " فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين "!! . والفاشل يظن أنه إذا قتل الناجح يستفيد قوة جديدة. وهذا مستحيل، فإنك لن تبنى نفسك بهدم غيرك، ستظل كما أنت! إن الصلاح جهد إيجابى فى تقوية النفس وتزكيتها، وليس قدرة على العدوان! " إنما يتقبل الله من المتقين " وقد عد الله سبحانه هذه الجريمة ضد الإنسانية كلها وليست ضد فرد واحد " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " .
(1/72)

والقرآن الكريم يربى المسلمين على ضوء ما وقع فى العصور الخوالى، ويشرع لهم من الأحكام ما يجنبهم مزالق الأمم الأولى، ومن ثم فقد ذكر بعد هذه القصة حكم المفسدين فى الأرض المعتدين على الأنفس والأموال. ص _078
فشرع عقوبة قطع الطريق، وعقوبة السرقة، وبين التشريعين نبه إلى ضرورة تقوى الله. ان ابن آدم الفاشل إنما ضاع لفراغ قلبه من التقوى، فعلى أهل الإيمان أن يتجنبوا ذلك المصير " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون" والوسيلة المطلوبة هى الأعمال الصالحة، والعمل الصالح يحتاج فى أدائه إلى عزيمة تقهر العقبات، وتسترخص النفس والنفيس، وهذا هو الجهاد المؤدى إلى الفلاح. * * * * والوحى الإلهى هو المصدر الفريد لشرائع العبادات، وشرائع المواريث، وشرائع الحدود والقصاص، ولا مكان هنالك لرأى أو قياس أو مصلحة. وأهل الأديان المتعاقبة يتوارثون هذه الحقيقة، ولكنهم يحيدون عنها أحيانا لغلبة الأهواء، وضعف مبدأ السمع والطاعة!! إن الجرائم التى تقع على الدماء، والأموال والأعراض خطيرة الآثار، ولذلك تولى الله سبحانه الحكم فيها، ولم يتركها لاجتهاد أحد، لأن الناس سوف يتساهلون فى التطبيق الواجب، ويحتالون باختلاق بدائل لا تسمن ولا تغنى من جوع... والبشر عندما يسنون قانونا يتصورون أنفسهم مكان الجانى فتخف حدتهم، وتذهب غيرتهم على الحق، فإن لم يضعوا أنفسهم مكان الجانى وضعوا أولادهم وأقاربهم، فكانوا أميل إلى تخفيف العقوبة والرحمة بالمجرمين! وربما كان للأوضاع الاجتماعية أثرها فى مؤاخذة الضعيف ومسامحة الشريف! وقد شاع ذلك فى أهل الكتاب الأولين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".. وقد تطورت الأمور بين أهل الكتاب فأهمل حكم القطع وتنوسى
(1/73)

عمدا، وحلت مكانه عقوبات بالسجن مددا مختلفة مما جعل جرائم السرقة لا حصر لها. وعد ذلك عدالة أرقى من عدالة السماء. وكذلك وقع التغيير فى جرائم شتى وانتهى الأمر إلى إلغاء الحدود كلها..!! ص _079
وقد تفرست فى أحوال المجتمعات، وعواقب هذا التفريط فوجدت الخسائر المادية والمعنوية كثيرة، اختل الأمن وضاعت أموال وأعراض، وحلت بالأمم كوارث شتى. ففهمت معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لحد يقام فى الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا ". وما روى عنه " أقيموا حدود الله فى القريب والبعيد، ولا تأخذكم فى الله لومة لائم "!! وكان المسلمون فى تاريخهم الطويل يقيمون الحدود ويصونون الدماء والأموال والأعراض. ولم يتركوا الأحكام السماوية إلا عندما أغار عليهم التتار. واستبدلوا بالأحكام السماوية تعاليم من وضع طواغيتهم فى كتاب اسمه " الباسق ".. وتكررت هذه المحنة عندما أغار الأوربيون على العالم الإسلامى، وأحلوا القوانين الوضعية محل الشرائع الدينية فشاع فى أرجاء الدنيا فساد عريض. والأوربيون فى قوانينهم أباحوا الزنا مادام بالتراضى الحر! وأباحت أرقى دولهم اللواط!! وأهالوا التراب على شرائع الحدود والقصاص فلا يتحدث عنها أحد إلا جريئا يتعرض للملام والمؤاخذة.. والأوربيون فى هذا المضمار يقلدون آباءهم الأولين، وإن كان فجورهم تجاوز الحدود، وقد حدث عندما هاجر الرسول إلى المدينة أن قدم إليه اليهود زانيين للنظر فى أمرهما. فسألهم الرسول عن الحكم فى كتابهم قالوا الجلد وتسويد الوجوه!! فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: بل الحكم عندكم الرجم حتى الموت!! فكابروا حتى جئ بالتوراة، واستخرج الحكم منها وهو الرجم الذى أرادوا إلغاءه، وقد نزل فى هذا قول الله تعالى: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك
(1/74)

يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا.. " . والتسوية بين المنافقين واليهود مقصودة فى الآية، فكلا الفريقين خرب القلب، وكلاهما حرب على شرائع السماء..!! وظاهر أن الرجم من الجزء الصحيح الباقى فى التوراة، وقد رأى اليهود تعطيله! فماذا عند القوم بعد ذلك إلا وصف الله وأنبيائه بما لا يليق؟.وقد أبى رسول الله أن يلين للقوم وإن كابروه طويلا "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم " ص _080
(1/75)

والآية لا توهم الجبر فإن المراد منها أن من ركب قطار الشر انطلق به، ومن زرع الشوك فلا يجنى فاكهة! الآية هنا كقوله تعالى فى سورة مريم: " قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ". والمفروض أن شرائع الدماء والأموال والأعراض تنفذ فى الدولة على كل من يستظل برايتها، وإن اختلفت الأديان.. والذى نراه أن اليهود كان لهم كيان مستقل، والمعاهدات التى عقدت معهم أول الهجرة لم تلغ هذا الاستقلال. ومن ثم لم يرغمهم الرسول على إقامة الحكم الذى أصدره، بل قيل له: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط " . والمسلمون مكلفون بإقامة حكم الله داخل سلطانهم، ولا طاقة لهم على إقامته فى كل مكان، وأهل الأديان الأخرى تترك لهم شعائرهم وعقائدهم دون مساس بها. أما بقية الشرائع العامة فتتناول الجميع... وحكم الرجم فى سفر التثنية أن من تزوج عذراء، فوجدها ثيبا ترجم عند باب بيت أبيها، وإذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة ذات بعل يقتل الاثنان.. ويقول السفر المذكور: " إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها آخر فى المدينة فاضطجع معها، فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا!! الفتاة من أجل أنها لم تصرخ، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، بذلك تنزع الشر من وسطك... " ثم ذكر القرآن الكريم تاريخا موجزا لموقف أهل الكتاب من شرائع الدماء والأعراض، فبين أنها نزلت فى التوراة ليلتزم بها اليهود. ثم تأكدت فى الإنجيل ليحكم بها النصارى. فمن تركها جحدا أو جور أو فسقا فهو داخل فى الكفر أو الظلم والفسوق.. وهذا التاريخ ذكر لواقع مضى، فالتوراة تحكم أتباعها مادامت التوراة باقية. فإذا جاء بعدها الإنجيل انتقل الحكم إليه وعلى أتباعه تنفيذ ما جاء به. فإذا جاء القرآن فإن على الفريقين الالتفات إلى الوحى الجديد والأخذ عنه، لاسيما وهو ص _081
(1/76)

يصحح الأخطاء، ويبعد الدخيل وينصف الحقيقة " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.. " . هناك أمران تضمنتهما هذه الآية، الأول أن الدين اكتمل فى رسالة محمد عقيدة وشريعة. فأما من ناحية الاعتقاد فقد اتضح على خير وجه معنى التوحيد والجزاء والعبادة، والرسول فى هذا كله مؤكد لمن سبقوه، ومصحح لأغلاط الأتباع " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " . وأما الشريعة فإن أصولها نزلت من عند الله ثم تفرع منها بعد ما دل عليه القياس والاستصلاح والاستحسان وغير ذلك من قواعد الفقه العملى الكافل لمنافع الناس. والدين واحد، ولكن الشرائع تختلف وهنا يجئ الأمر الثانى. وأساسه أن رسالة محمد تضمنت أسباب بقائها إلى آخر الدهر، فهى موائمة لطبائع البشر عامة، متجاوبة مع نداء الفطر السليمة، وصبغتها الإنسانية العامة واضحة فى سائر تعاليمها.. أما تراث أهل الكتاب السابقين فهو يشبه دواء حددت صلاحيته بمدة معينة لا يصلح بعدها للاستشفاء، بل قد يكون سببا فى مضاعفة الآلام بعد انتهاء تاريخه ويذكر صاحب المنار أن اليهودية قائمة على الشدة فى تربية قوم ألفوا العبودية والذل وفقدوا الاستقلال والرأى فهى مادية جثمانية صارمة تعالج شعبا غليظ الرقبة متحجر الطباع. وقارئ الأسفار الخمسة يعيش فى جو من البداوة والضيق.. أما المسيحية فهى لم تنقض النواميس الأولى، وإنما نزعت إلى ترقيق العواطف، ومنع الصدام مع الرومان الحاكمين، وقبول سلطتهم العاتية على أساس. " من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر!! ". ثم ما لبثت قليلا حتى تحولت إلى صليبية شديدة البأس والخصام، لا تقبل سلاما من مهزوم. أما الإسلام فأفق آخر زاوج بين الروح والجسد والقلب والعقل والدنيا والآخرة. وأكبر الإنسان وأعلى رسالته، وأقام علاقته
(1/77)

بالله وبالناس على دعائم عقلية راسخة... قال الشيخ رشيد رحمه الله بعد بحث طويل " من فقه ما حققناه علم أن حجة الله تعالى فى إكمال الدين بهذا القرآن الكريم. وختم النبوات بمحمد عليه الصلاة والسلام. وجعل شريعته عامة دائمة.. هذه الحجة لا تظهر إلا ببناء هذا الدين على أساس العقل، وبناء هذه الشريعة على أساس الاجتهاد، وطاعة أولى الأمر- الحقيقيين، وهم جماعة أهل الحل والعقد!! فمن منع ص _082
الاجتهاد، فقد منع حجة الله تعالى وأبطل مزية هذه الشريعة على غيرها، وجعلها غير صالحة لكل الناس فى كل زمان... فما أشد جناية هؤلاء الجهال على الإسلام. يقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء..." فمن هم أولئك اليهود والنصارى الذين نهينا عن موالاتهم؟. إن السياق وحده هو الذى يحدد أوصاف هؤلاء، والآيات التى تليت من قبل أو التى تتلى من بعد تشرح حقيقتهم. وعند التأمل تظهر لنا ثلاث فئات... الفئة الأولى تكره شريعة الإسلام، وتجمح بها الكراهية جماحا شديدا. فهى تفضل عليها كل شرائع الجاهلية! وأذكر أن مسيحيا عربيا سئل: إنكم تدعون ما لقيصر لقيصر، وتذعنون لأى حكم يضمن لكم شعائركم الدينية، فلم لا ترضون بشريعة محمد- وهو عربى منكم- وتتركون المسلمين يستعيدون أحكامهم السماوية التى سلبهم إياها الاستعمار الصليبى؟؟. فكان جوابه: نحن نقبل تشريعا استراليا أو أمريكيا، ولا نقبل شريعة محمد. إن المسلمين سيتطاولون فى ظل تشريعهم، ولا نحب ذلك!! موقف هؤلاء الكتابيين واضح قديما وحديثا وفيهم نزلت الآيات: " وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون * أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون". هذه فئة من الناس أخرجتها الضغائن عن وعيها، وحرمتها الإنصاف، فلا غضاضة فى النهى
(1/78)

عن موالاتهم، إنك قد تعدل مع من تكره، ولكنك لا تستطيع محبته...! الفئة الثانية من هذا الصنف هم المائلون بقلوبهم إلى أعدائنا، وتخاف خيانتهم عندما تسنح فرصة! إن المسلمين يشتبكون فى حروب مع أعدائهم، وينبغى أن تكون جبهتهم الداخلية متصلة لا ثغرة فيها، فإذا وجد من يتمنى لهم الخبال وينتظر لهم الهزيمة فالأمر صعب. وقع هذا قديما وذكرته الآية الكريمة "فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين" ص _083
(1/79)

إن دولة الإسلام الأولى كان فيها رعايا من أهل الذمة وعندما اشتبكت فى حرب مع الاستعمار الرومانى لم تفكر فى تجنيدهم حتى لا تحرج ضمائرهم!! فقد يؤذيهم أن يخاصموا إخوانهم فى العقيدة فيقتلون ويقتلون.. واكتفى الإسلام بإسهامهم المالى فى نفقات الدولة.. وأقل ما ينتظره الإسلام وهو يحارب هذا الاستعمار الهاجم من الشمال ألا تكون هناك قلوب تتعاطف معه، وتؤمل فى هزيمة المسلمين.. الفئة الثالثة ممن نهينا عن موالاتهم هم الساخرون من شعائر الإسلام المستهزئون بالصلاة والأذان. وقد وصفت الآية أحوالهم "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون". والواقع أنه من السفه السخرية من العبادات المقررة واتخاذ الأذان مادة للضحك! أى صداقة ينتظرها من يفعل ذلك؟ إلا صداقة خليع لا يعرف ربه، ولا يرقب ما عنده. وهناك من يغضبون أشد غضب عند ما يسمعون كلمات الأذان، ويتمنون لو سكت قائلها.. إن الإسلام أبعد دين عن الإكراه، وأتباعه أبعد الناس عن كراهية الآخرين إذا كانت نفوسهم سهلة وسرائرهم نقية "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" . ويمكن أن تقوم شركة تجارية بين مسلم وغير مسلم أساسها الأمانة والصدق. ويمكن أن تتكون أسرة من مسلم وأخرى غير مسلمة على قاعدة من الود المتبادل والرحمة! ويمكن أن تنشأ علاقات إنسانية حميمة بين أتباع أديان مختلفة بعيدا عن التظالم والغش والبغضاء. لقد حدد الإسلام المواضع التى أذن فيها للمؤمنين أن يغضبوا ويقاطعوا، فلتختلف الأديان فتلك مشيئة الله "ولذلك خلقهم " . ولكننا أمة تحترم نفسها، ومن حقها أن يحترمها الآخرون، وأن يقيموا علائقهم معها على العدل والأدب! فهل ذلك صعب؟. ص _084
(1/80)

إنه صعب على يهودى يظن البشر دونه بأصل الخلقة! صعب على متعصب يعتنق الأخطاء فى حرية، ويضن على الآخرين أن يعتنقوا الصواب ويمروا بسلام!! وذاك ما عنته الآية الشريفة " قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون " . والواقع أن مبدأ " الولاء والبراء " قائم على هذه الحقيقة، ولا أثارة فيه لقطيعة ظالمة أو تعصب ذميم! من حق أصحاب الإيمان ألا يستوحشوا به فى الدنيا، بل ينبغى أن يألفهم، ويلتف بهم أمثالهم فى الاعتقاد " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " . ومن شعائر الإسلام الحب فى الله والبغض فى الله ولكنه حب لا أثرة فيه وبغض لا ظلم معه. ومن خصائص الدين الحق أنه يتجاوز عن الخطأ العابر ويتشدد مع الشذوذ الفاجر. وقد تدبرت موقف نبينا صلى الله عليه وسلم مع " ماعز " فوجدته يحاول رده عن إقراره، ومسامحته فى ظلمه لنفسه مادام قد تاب. غير أن ماعزا أبى إلا تطهير نفسه بالموت فكان له ما أراد. وكان عيسى عليه السلام يحاول مثل ذلك مع المرأة التى أتى بها اليهود لرجمها! فالقدر ليس بالمرصاد لكل عاثر يريد الإجهاز عليه، والأنبياء مصلحون لا جلادون. غير أن الفرق واسع بين الخطأ العابر والخطيئة الفاجرة، والفرق واسع بين زلة قدم وتقليد يتبع. وهو أوسع بين هفوة فرد وتشريع قائم. إن الأنبياء جميعا ضد الجريمة إذا تحولت إلى عرف عام ونظام سائد. والغريب أن أهل الكتاب قديما وحديثا تميزوا ببرود غريب أمام المعاصى... حتى أمست الحضارة الغربية مشحونة بصنوف الدنس مع صمت مطبق من الكهنة المشاهدين! ثم ألا يستحق التأمل الطويل أن ترى من هؤلاء من يكره الإسلام ويهادن الإلحاد؟ ومن يعلن الصلاة من أجل مرضى الإيدز! ولا يكترث أقل اكتراث لضحايا الصهيونية والاستعمار. ص _085
(1/81)

وقد تحدثت سورة المائدة فى نحو أربع صفحات عن تناقض هؤلاء القوم وعن ضرورة استنكار ما يفعلون "وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون * لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون " . ولن يكون القوم أهل دين إلا إذا بقيت صلتهم بالتعاليم السماوية محسوسة، واحترموا ما بقى لديهم من تعاليم التوراة والإنجيل، وضموا إلى ذلك ما جاء به النبى الخاتم مصداقا لقوله تعالى: "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين" . إن الغيرة على محارم الله مطلوبة فى الأديان كلها، والغيرة انفعال وتحديد مواقف وقياس مسافات. إن المؤمنين يرون الفلاسفة الإلهيين أدنى إلى الرشد من الفلاسفة الملاحدة، ويرون أصحاب الأخلاق أقرب إلى الشرف من طلاب اللذة... ولا ينقضى عجبى من أناس يسمعون صيحة لا إله والحياة مادة! وهم باردون جامدون. فإذا صاح مؤذن: الله أكبر انقلبت سحنتهم واربدت وجوههم لأن الصيحة الكريمة من أمارات الإسلام، وهى عندنا من الباقيات الصالحات..!! وقد عاب القرآن الكريم على الحاخامات والكرادلة موت العاطفة الصحيحة فى دمائهم، وجاءت الآيات " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ". وتلا ذلك نهى عن موالاة العاصين واسترضائهم " ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون " . وهناك سنن نبوية لا حصر لها فى هذه الشئون. ص _086
(1/82)

فى تعنيف أهل الكتاب على مداهنة الرذائل ومجاملة أصحابها كان لابد من الحديث عن العقائد الأصلية وعن جدوى الاستمساك بها! الناس عادة يسكتون على المعاصى فرارا من تبعات النصح، ويسكتون على الظلمة- وربما تملقوهم- حرصا على الدنيا ومنافعها! وكم يكلف قول الحق من متاعب! لكن المهم هو الثمرة الأخيرة. وخيانة الحق قد تعقب فائدة سريعة ما تكاد تجيء حتى تفنى ويبقى ذل الخيانة وإثم التفريط!! وما يظفر بالحياة الصحيحة والرضا النفسى والإلهى إلا من أحب لله وأبغض لله، ومن ثم قال الله تعالى : " ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم * ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.. ". ولا تحسبن هذا النصح خاصا باليهود والنصارى، إن علماء الإسلام مطلوبون به قبل غيرهم لجسامة ما يحملون من أمانات.. ولا ريب أن السلوك الراشد ينبثق من إيمان صحيح ولذلك عاد الحديث مرة أخرى إلى عقيدة التوحيد وضرورة تحريرها من الشوائب. واليهود يعلنون إيمانا بالله الواحد، فهل فكرتهم عن هذا الإله صحيحة؟. وهل ينزهونه من كل نقص؟ وينسبون إليه كل كمال. وهل يرون أنفسهم بعض الناس الذين يتقدمون بالطاعة ويتخلفون بالمعصية؟. كلا لقد صادروا عقيدة الألوهية لحساب جنسهم وأصبح الإله حارسا لمزاعمهم ومنافعهم إنه إله خاص يرضيهم أكثر مما يرضونه!! ومن هنا لعبوا بمواثيقه وعاشوا فى الدنيا عبئا على الشعوب " لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون" . أما النصارى فالغموض فى إيمانهم شديد. والتناقض واضح..! وهم يقولون: ربنا يسوع المسيح! ويقولون عن مريم: إنها أم الإله!! ويقولون كذلك إن الأب إله أزلى وهو الذى أرسل ابنه للناس. ص _087
(1/83)

ويقولون عن جبريل روح القدس: إنه إله.. ثم يقولون: إن الكل إله واحد. " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم " . والنزاع المرير الذى يسود العالم الآن هو بين الإسلام الذى يصف الله بالوحدانية المطلقة، ويعد ماعداه فى الأرض والسموات ملكا له، خاضعا لعز جلاله ومجده!! الملائكة والأنبياء والبشر كلهم يجثون خاضعين للواحد القاهر... وبين مسيحية استحدثها الغلاة، وعبدوا فيها ثلاثة، وزعموا بعدئذ أن الثلاثة واحد!! من أجل ذلك يتجه الخطاب الإلهى لمحمد " قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل". ويظهر أن هذا النزاع سوف يبقى حتى قبيل الساعة، إذ ينزل الله عبده عيسى ليحسمه بإعلانه عبوديته لله، ومقاتلته من جعلوه لله ندا!! والفكر النصرانى منقسم على نفسه انقساما واسعا، وقد عرف العالم الحروب الدينية من خلال هذا الانقسام. وهى حروب ظلت عدة قرون سفكت فيها الدماء بغزارة، ولم ينج الناس من غوائلها إلا بعد تجريد الكنيسة من سلطان الدولة. ومع ذلك فقد اصطلحت المذاهب المعزولة وتجمعت فى هذا العصر كى تكيد الإسلام!! فاليهود يقتلون عرب فلسطين، والهنادك والبوذيون يقتلون المسلمين فى جنوب آسيا. والاستعماريون الجدد يقاتلون سائر المسلمين أو يشنون عليهم غزوات ثقافية واقتصادية! ونحن نتدبر بعمق هذه الآية الكريمة : " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ". إن التاريخ يروى لنا ما حدث فى عصر البعثة، كان مشركو مكة ويهود المدينة أشد الناس بأسا فى
(1/84)

عداوة الإسلام على حين كان المسلمون يؤملون الخير فى نصارى الحبشة والروم! وقد صرحوا بأن هزيمة الفرس للروم مؤقتة! وأن إخوانهم أهل الكتاب سوف يكسبون المعركة التى خسروها، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله! ص _088
ثم إنه جاءت وفود مسيحية إلى مكة والمدينة واستمعت إلى الرسول يتلو كتابه فأعلنت إيمانها وقالت: " إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين" ! والواقع أن الإسلام- بعد انكسار السلطة الرومانية- ورث آسيا الصغرى كلها وشمال أفريقية كله، فأضحت شعوب هذه المناطق مسلمة تدفع عن الإسلام وتعلى رايته. وتركت مسيحيتها الأولى راضية مقتنعة!! والآية التى ذكرناها تتحدث عن قوم أعلنوا إيمانهم وقالوا: " وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق "! لكن الذى حدث قديما عرض له ما وقفه! ومنذ ألف عام وحروب صليبية طاحنة تشن على المسلمين، وتنتقص أرضهم، وتهز كيانهم هزا..! وما يمكن أن يكون هؤلاء أقرب الناس إلى الذين آمنوا، إن الآيات تصف مشاهد مضت، فهل يجوز أن تتغير المشاهد؟. ربما ولاتزال جماهير فى أوربا وأمريكا تبحث عن الحق، وترتاب فيما ورثت وما يصدها عن الدخول فى الإسلام إلا الحال الزرية التى عليها المسلمون. فالمسلمون بلا شك صورة سيئة منفرة عن دينهم..! وبعد هذا الاستعراض للعلاقة بين الإسلام وأهل الكتاب وردت آيات فى بناء الجماعة الإسلامية تنهى مثلا عن المادية والرهبانية " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا " وكأنها تريد تجنيب المسلمين ما وقع للماضين. ثم جاءت آيات حاسمة فى تحريم الخمور والأوربيون والأمريكيون يضعونها على كل مائدة، فهى كالماء أو بديل له!! كما وردت تشريعات فى حماية المشاعر المقدسة، ورفض الجدل الدينى واللغط الذى يدور بين المتدينين.. وضرورة التمسك بالكتاب والسنة فإن بعض الناس "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا
(1/85)

ولا يهتدون"؟ والسورة تسمى سورة العقود كما ذكرنا من قبل فلا غرابة إذا تضمنت أنواعا من الإلزام.. على أنها ختمت بأمرين: أولهما عودة إلى مخاطبة النصارى فى أن يخلصوا إيمانهم، وينقوا التوحيد المحض من الأوهام التى لبسوها به. ص _089
وتضمن الخطاب مساءلة لعيسى ابن مريم " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"؟ وطبيعى أن يبرأ عيسى من صنيع قومه من بعده "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم " والحق أنه لا إله إلا الله، وأن ماعداه عبد له ولكن الكنائس المختلفة تمارى فى ذلك مراء شديد، بل هى تنتهز فرصة ضعف المسلمين لتمحو الحق المبين! أما الأمر الذى ختمت به السورة فهو تذكير القارئين بكل ما حوت من عقود وعهود، هل حفظوها ووفوا بها وقاموا عليها؟. .. ليست بين بشر ما وبين الله علاقة خاصة، وسيجىء يوم يحشر الناس فيه إلى حساب دقيق. ويقال: " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم" هل لأحد مع الله ملك؟ كلا " لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير" هذه سورة المائدة، أو سورة العقود، وهى من أواخر ما نزل من القرآن الكريم... متصلا بالتشريع... ص _091
(1/86)

سورة الأنعام سورة الأنعام هى السورة المكية الأولى فى السبع الطوال التى بدأ بها المصحف الشريف. والقرآن النازل كان يخاطب أول ما يخاطب الوثنيين الغافلين عن الله الجاحدين لوحدانيته. وهم قوم كانوا يتعصبون لأصنامهم ويجمدون علي مواريثهم ويقاومون بعنف كل صيحة للتحرر العقلى. بيد أن القرآن الكريم اعتمد على إطالة الإقناع ومضاعفة الأدلة والحديث عن الله سبحانه حديثا يكشف عن عظمته، وينبه إلى آياته فى الأنفس والآفاق، ويستثير ما يكمن فى النفوس من خشية وإنابة، أى يستثير بقايا الفطرة التى غطت عليها ظلمات الجاهلية. وتمتاز سورة الأنعام بخاصتين شاعتا فيها هما كثرة التقريرات والتلقينات لاستنقاذ العقل العربى مما تردى فيه. والتقرير إرسال حكم واضح محدد فى شأن من شئون الألوهية. ونلحظ ذلك عند أول آية تقرؤها " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور.... " . فالله خالق العالم ومضىء شموسه وأقماره. ومع عظمة ما صنع وانفراده به فإن بعض الجهلة يسوى به من لا يحسن صنع شئ!! كيف تتم هذه التسوية؟. وعلى أية حال فالناس على ظهر الأرض لهم آجال محدودة ينتهى كل فرد إليها ثم يعود كل امرئ إلى بارئه. وللإنسانية جمعاء أجل تنتهى إليه هو الساعة الكبرى.. ثم يحكم عالم السر والعلن بين عباده على الطريقة التى عاشوا بها فى الدنيا. وتقرير الحمد لله فى الأولى والآخرة يتبعه تقرير آخر "وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون " . ص _092
(1/87)

ويكثر فى هذه السورة التحدث عن الله بضمير الغائب، واسم الموصول المفرد مثل " وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر.. " ، " وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ... " . والحق أن ضمير الغيبة هنا يجعل المستمع فى حالة حضور، كأن الله يخاطبه! ويضع يده على مظاهر عظمته فلا يملك، إلا الإذعان. ولا تحسبن هذا الأسلوب يؤثر فى المشركين وحدهم، كلا.. إن أهل الكتاب يرون فيه جديدا من المعرفة الحية لا يرونها فى كتبهم مما يترك فى سرائرهم أعظم الآثار!! إنه لم ينزل كتاب من السماء يتحدث عن الله بمثل هذه اللهجة من الصدق، وهذه الدقة من الوعى. فهو يخلع الناس خلعا عن التقاليد التى ألفوها، ويصدع الغفلات التى سادت بينهم.!! وإلى جانب التقريرات التى ذكرنا نماذج لها نجد التلقينات المتتابعة فى هذه السورة، والتى يقول الله فيها لنبيه وهو يجادل المشركين: قل لهم كذا قل لهم كذا. ربما تكرر هل اللفظ مرتين فى آية واحدة " قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه.. " . وربما تكرر أربع مرات فى آية واحدة مثل " قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون". أرأيت هذا الحوار النابض بالحق واليقين؟. أرأيت كلمة قل يسعف الله بها نبيه ليرد على مخالفيه؟. لقد تكررت هذه الكلمة فى سورة الأنعام أربعا وأربعين مرة..!! وظاهر أن السورة الكريمة نزلت فى ذروة المعركة المحتدمة بين الحق والباطل. والمشهور من أقوال العلماء أنها نزلت- على طولها- جملة واحدة. وقد رويت أقوال بأن آيات منها نزلت فى المدينة المنورة، بعضها باطل، وبعضها ضعيف. وعلتها أن بعض القراء يحسب أن كل ما يتصل بأهل الكتاب لا علاقة له بمكة!! وهذا خطأ. ص _093
(1/88)

كما أن البعض تصور أن فرض الزكاة كان فى المدينة والحق أنه بدأ فى مكة وفصلت الأنصبة فى المدينة. والسورة نزلت فى نفس واحد واحتف لنزولها عشرات الألوف من الملائكة. ووعاها الرسول كلها ساعة نزلت فقد كان ذهنه ألمع من البرق! وكانت ذاكرته أدق من الأشرطة التى تتم عليها التسجيلات اليوم. فلما استوعبها استدعى الحفظة والكتبة وأملى عليهم ما جاء من عند الله....!! ونحب أن نستعرض التقارير والتلقينات التى حوتها السورة وشتى القضايا التى تناولتها.. من أول ما ذكرته السورة من مقررات مصير الظلمة مهما طال عليهم الأمد. إن تكذيبهم للأنبياء يأخذ مراحل متتابعة تبدأ بالإعراض، ثم بالتكذيب المتجهم، ثم بالاستهزاء المتواصل، ثم بالعدوان الآثم! والقدر الحكيم يطاولهم فى هذه الأثناء ابتلاء للمؤمنين، والكافرين جميعا. وهذه طبيعة الحياة الدنيا، ولكن عقبى الصراع وخيمة على الكافرين. ومن ثم يقول الله لكفار العرب " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " . هذه مصاير الحضارات عندما تتفسخ، ومصاير الأمم عندما تستكبر وتطغى. تبقى على ظهر الأرض حينا ثم تختفى تحتها مخلية المكان لآخرين!! ونسأل: هل هذا شأن الكفر المحض؟ أم القانون عام يشمل مع الكافرين أمما أخرى خلطت الحق بالباطل والهوى بالهدى؟ أو بعبارة أخرى: هل يستوى الذين أعرضوا عن الإيمان كله، والذين لم يكسبوا فى إيمانهم خيرا؟؟. الظاهر من الآيات الواردة فى السورة تشرح هذه القضية أن الكل سواء. وتدبر قوله تعالى يشرح أسلوب أخذه للأمم : " ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون " . إن الله مكر بهؤلاء، وبدا كأنه أهملهم! وهيهات فما كادوا يستمرئون
(1/89)

شرورهم حتى أخذهم بغتة " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " . ص _094
وفى استقرائى لأحوال الأمة الإسلامية على امتداد تاريخها وجدت هذه السنة الإلهية تتكرر، وأن ما هُدد به المشركون ظهر فى الأبناء المنحرفين. " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون * وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل * لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون " !! إن الحليم قد تطول أناته، ولكنه عندما يضرب يوجع " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" . * * * * عندما تنصح إنسانا فتقول له: احترام عقلك، واستند إليه فى أحكامك! فيقول لك: هات معجزة تؤيد هذه النصيحة! ماذا تصنع له؟. إنك تلفته إلى خطأ فيه فيلفتك إلى قصور عندك!! إن المعجزات لا تجدى مع عقل بليد وفكر غبى، وآفة المشركين القدامى والجدد أنهم محبوسون وراء قصورهم العقلى. ولذلك يقول الله سبحانه كاشفا عن عدم جدوى المعجزات مع هؤلاء: " ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين" إنهم صرعى فكرة واحدة استبدت بهم فلا يقبلون غيرها. وقد زعموا أن الرسول لو صحبه ملك يؤيده فهم مؤمنون به!! " وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ". والمعنى أنهم- بعد نزول الملك- سوف يبقون على كفرهم، وعندئذ يحل بهم عذاب الاستئصال. فإن غيرهم طلب المعجزات ثم كفر بعد ما جاءته قالوا " فليأتنا بآية كما أرسل الأولون * ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون"؟ . ص _095
(1/90)

ثم بين الله أن رؤية الملك مستحيلة على البشر، فإن أبصار الناس ترى أجساما معينة على مسافات معينة ومن هنا فهى لا ترى الجن ولا الملائكة. وعندما يتشكل هؤلاء وأولئك فى صور مادية فسوف تبقى الريبة لدى رؤيتهم. ولذلك قال: " ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون"! . على أن مشركى العرب قاوموا الإسلام، وكذبوا رسوله، وسخروا منه، ولم يتحركوا عن موقفهم، فكانت وصاة الله لنبيه أن يصبر، ويبقى على منهجه فى الدعوة يحاول تحريك العقول الجامدة. " ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون" . ولكن النبى عليه الصلاة والسلام خامره الحزن وأثر فيه! إن الرجل الشريف يؤلمه التكذيب والاستهزاء، وطالما تاق إلى تدخل سماوى يحسم الموقف!! وهنا يقول الله له: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " إن جريمتهم فى جنب من أرسلك أكبر من تكذيبهم لك، إن محاربتهم لك ترجمة لمحاربتهم لربك وجحدهم لآياته، فاصبر على ما يقولون " ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين" . ولكن نفس النبى تتوق إلى خارق يخرس ألسنتهم فكان الرد الأعلى " وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية "... أى فافعل، ولن تستطيع فإن الأمر بيد الله الذى يملك مقادير الأمم، وإليه يرجع الأمر كله، " ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين". أحسب أشد الناس حمقا من يرتاب فى أن القرآن من السماء، وأنه نزل على محمد ولا دخل لمحمد فيه. إن الله يحكم عباده بسنن ثابتة لا يغيرها أحد، أنبياؤه مبتلون بأعباء الدعوة، ومعاناة الجماهير التائهة، ومحاربة الأعراف والتقاليد السيئة. وللجماهير فى غياب الحرية العقلية أمد محدود عند الله تسرح فيه وتمرح حتى إذا استوفت الأجل
(1/91)

الذى كان من الممكن أن تعقل فيه قال القدر كلمته!! ص _096
وقد أفهم الله نبيه أن آفة هؤلاء من عقولهم التى جعلتهم ينادون من مكان بعيد، إنهم صخم عن سماع الحق " إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون " ويعود القوم إلى طلبهم الأول " وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون " . وأنا أعجب: إذا كان النظام الكونى لايدل على الله فهل خرق هذا النظام أحيانا هو الذى يدذ على الله؟. إن القمر يدور حول الأرض من دهور خلت، لايتباطأ ولا يغؤفي. فهل هذا الاطراد لايشهد للخالق القدير، ويشهد له انشقاق القمر بضع دقائق؟. هل السراج الوهاج الذى لايخبو ؤقحه على اختلاف الليل والنهار لايدل على الله العظيم؟ ويدل عليه تأخر الغروب بضع دقائق ليوشع غلا! موسى؟. إننى أشهد عالم الحيوان والإنسان والحشراث الزاحفة والطائرة فأدهش ل! تن الله في حياتها وبقائها وضمان الرزق لما دق وجل منها. ولعل مانذكر هو السر في سوق هذه الاية لمن يطلبون خوارق العادات من صاحب الرسالة العظمى، أعنى قوله تعالى: "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، مافرطنا في الكتاب من شىء ثم إلى ربهم يحشرون " . ولقد استوقفنى منظر العصفورة الأم. وهى تطوف بين الحقول ثم ترجع بالغذاء في جوفها، ثم تفتح منقار وليدها في الدشر لتطعمه وتسقيه!! صنع الله الذى أتقن كل شىء ومع ذلك يجهل المشركون الله الواحد، ويعكفون على حجر أصم، ويقولون لمحمد: هات لنا خارقا من خوارق العادات حتى نؤمن بك " والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم " والغريب أنهم يحلفون أنهم سوف يؤمنون عندما يجىء هذا الخارق المطلوب "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم
(1/92)

يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون" . هيهات! إن الأعمى لا يبصر مادام مصمما على إغلاق أجفانه.. ص _097
ويذهب الخلل بالنفس الوثنية بعيدا عندما تطلب من النبى أن يطرد من حوله الضعفاء الذين آمنوا به حتى يخلو المجلس لهم وحدهم!. ولكن الله يقول لنبيه: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. " بل يأمره أن يسوق البشرى إلى هؤلاء المؤمنين بأن الله معهم بمغفرته ورضاه. " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم " . ويمضى الرسول الكريم على خطه القويم يدعو إلى الله على بصيرة ويشرح المقررات العلمية التى أوحيت إليه. ويرد ـ بالإرشاد الإلهى ـ الشبهات التى قد تثار حوله، وإن المرء ليشعر بالرقة والأسى، لهذا النبى الصبور الجلد وهو يواجه المشركين المتعنتين بهذا الخطاب. "قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين * قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين..". تدبر هذه المناشدة الجليلة، إنه يريد من وضوح الإيمان فى نفسه أن يسكب فى قلوبهم إيمانا يهديهم إلى الصراط المستقيم بيد أن القوم يتعجلون العقاب. "قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين". وهكذا بالتلقين الهادى والتعليم المستمر يؤدى صاحب الرسالة رسالته! ****** بعد تلاوة متأنية لسورة الأنعام، ومتابعة آيات التقرير والتلقين وهى تعرض أمجاد الألوهية وتقمع الشبهات البشرية تساءلت: ماذا تفعل الخوارق فى الدلالة على الله أكثر من ذلك؟. بل قلت: إن الخوارق الواقعة والمقترحة لو وضعت فى كفة، ووضعت هذه السورة فى الكفة الأخرى، لكانت فى الدلالة على الله أرجح، وفى بيانها عن عظمة الله أفصح. ص _098
(1/93)

واقرأ بتأمل هذه الآية " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " إن الغيوب بالنسبة إلينا عماء، وهى عند رب العالمين رؤية شهود. وأغلب الموجودات بالنسبة إلينا غيوب محجوبة! إنك قد ترى إنسانا وتحادثه، ماذا تعلم عنه؟ قد ترى وجهه وملابسه ولكنك لا ترى أفكاره وأحشاءه. أما رب العالمين فهو يراه ظاهرا وباطنا على سواء، وهو فى الوقت نفسه يرى خمسة مليارات من البشر معه رؤية شمول! بل إن هذه الرؤية الموقوتة!جزء ضئيل من رؤيته الإنسان فى أطوار حياته كلها بين المهد واللحد " إنه بكل شئ بصير". مفاتيح الغيوب كلها عنده، وكما يعلم البشر على هذا النحو المحيط يعلم ما فى البر والبحر! كنت أرمق التلفاز فى بيتي فرأيت منظرا فى أحد المحيطات، والموج ثائر يلعب بباخرة جبارة يكاد يوردها الأعماق. قلت: إن الله هنا وهناك يسمع ويرى! يسمع ويرى فقط؟ بل يصنع ويدبر ويحيى ويميت! كل ما فى البر والبحر طوع مشيئته. ومضيت مع الآية الوصافة لأمجاد الله! من مع الحبة فى ظلمة التراب يخلق منها الزروع والثمار، ويطعمنا الجنى الطيب؟. من مع كل شجرة نابتة فى أقطار الأرض يعلم عدد ما يسقط منها من ورق "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " إنه ليس علما نظريا فقط، إنه مسطور فى كتبه " وكل صغير وكبير مستطر" وبعد هذا الإحصاء الكشاف يجئ عرض للحياة الإنسانية على ظهر الأرض، وأعمال الناس كلهم بين شقئ وسعيد وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى.. " إننا نستغرق فى النوم بعد كدح النهار، وأرواحنا على الحالين بيده يأخذها ثم يردها حتى نستوفى الأجل المكتوب لنا فى هذه الدنيا. ص _099
(1/94)

فإذا استوفيناه أخذ أرواحنا فلم يردها ثانية، لقد حان وقت الجزاء على ما قدمنا "ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون " واقرأ بعد ذلك آية من آيات الجلال، تعقبها آية من آيات الجمال. أما الأولى فقوله " وهو القاهر فوق عباده... " إننا مسيرون فى أغلب ما نعانى ونسعى. لا خيرة لنا فى مكان الميلاد ولا زمانه. لا خيرة لنا فى قيمة المواهب التى نزود بها ولا خط الحياة التى نسلكها! حتى الأنبياء فيهم شموس، وفيهم أقمار متفاوتة الأحجام. بيد أن كل امرئ محاسب على قدر ما أوتى، مُساءل فى حدود وضعه "حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون * ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين" . أما آية الجمال التى تعقب هذا السرد المخوف الحاسم فهى "قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين * قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون" إن الأسلوب القرآنى يقلب بين الرغبة والرهبة والخوف والرجاء حتى لا نطيش أو نطغى. ليت شعرى: ماذا أستفيد من خارق للعادة يقلب الحجر ذهبا!! ماذا يضئ عقلى ويرفع مستواى؟. إن هذه المعجزة القرآنية أجدى وأهدى... ومن أجل ذلك كلف المسلمون باحتقار المجالس اللاغية ضد القرآن الكريم، وعدم الاكتراث لما يدور فيها، وهجرها وهجر أصحابها " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين.... " وتكرر الأمر بهذا الهجر فى قوله تعالى بعد ذلك " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا... " إنه يتركهم بعد أن تم تبليغهم. ولا يزال هذا التبليغ قائما، فالإعراض عنهم ترقع عن المشاركة فى اللغو، والخوض فى العبث. وهؤلاء المغرورون الجهال سوف يستيقظون على الدواهى التى تصيبهم بما يصنعون.. ص _100
(1/95)

وهنا يجئ تلقين آخر للرسول الكريم، فيه توبيخ للمشركين مقرون بالأسى على مستقبلهم الضائع برغم النصائح الحارة. " قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا... " . انظر صدق العاطفة فى تصوير موقف أولئك الحائرين البائسين وجهد الرسول وصحبه فى هدايتهم، وعنادهم القاتل بعد الإخلاص المبذول فى استنقاذهم... " قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين" ويترك القرآن الكريم هذا الحاضر المعقد، ويعود بالناس قرونا إلى الوراء، فيذكر قصة إبراهيم مع عباد الكواكب، وكيف حاول اقتيادهم إلى الله الواحد! لقد ترخص فى مخاطبتهم وتنزل إلى عقولهم، فنظر إلى نجم ساطع- لعله المشترى أو الزهرة- ثم قال: هذا ربى كما تقولون، لكنه غاب بعد ظهور! ثم نظر إلى القمر قائلا: هذا ربى كما تزعمون! لكنه أيضا اختفى. ثم نظر إلى الشمس قائلا: هذا ربى ـ فى زعمكم ـ هذا أكبر، لكن الشمس غربت وأظلم الكون.. إن الإله لا يغيب عن ملكوته فمن يديره بعده؟؟. إن الأرض التى تسبح بنا فى الفضاء لو غاب عنها ربها لحظة لطغى الماء ـ وهو ثلاثة أرباع مساحتها ـ على اليابسة فلم يبق حى على ظهرها. إن زمام الوجود بين أصابع القدرة لو اضطرب قليلا لهلكت المشارق والمغارب، بل لغاب كل شىء فى ظلمات العدم المحض!! " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده " . وليس يتصور فى جانب الإله الحق أنه يأفل، أو يختفى لحظة أو لحظات، إنه قيوم تستند ديمومة الوجود إلى وجوده. إنه القائم على كل نفس بما كسبت، إنه قيم السموات والأرض ومن فيهن... إن أسلوب إبراهيم عليه السلام فى التعريف بالله الواحد نقله القرآن الكريم إلى عرب الجاهلية مختوما بهذه النتيجة " إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين" . ص _101
(1/96)

فهل يعى ذلك المشركون الذين يخاطبهم خاتم الأنبياء بالمنطق نفسه؟ إنه منطق معقول منصف! وتتفاوت درجات الدعاة إلى الله بمدى براعتهم فى التعريف به واقتياد الناس إليه، ولذلك يقول جل شأنه " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم" . جذور الإسلام ضاربة فى التاريخ القديم، إن الدين الذى بعث محمد به ليس فكرا جديدا ظهر فى العصور الوسيطة، إنه فكر الأنبياء كلهم حول إله واحد يجب أن نعرفه معرفة صحيحة وأن نسمع ونطيع لما يأمر به. والقرآن الكريم يهش لأسماء الأنبياء جميعا، ويؤكد أن أسرتهم الطاهرة ما كانت تدندن إلا حول هذه الحقيقة. الله حق! وهو واحد! وعلينا أن نسلم وجوهنا إليه..!! قبل إبراهيم كان نوح عليه السلام يقول: " وأمرت أن أكون من المسلمين" وفى هذه السورة ذكر الحق جهاد إبراهيم الخليل فى تعريف الناس بالله تبارك اسمه، ثم ذكر أسماء سبعة عشر نبيا معه قاموا جميعا بالدعوة إلى الله. "ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم * ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون * أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين" . وقد صدف الله وعده، فإن الجيل الكافر بمكة انقرض وتلاشى وآمن سائر العرب به بعد كفاح لم يطل أمده. ثم دخل النصارى فى وادى النيل والشمال الإفريقى وآسيا الصغرى، دخلوا فى الإسلام وكانوا قوام الأمة التى تحمل دعوته إلى يوم الناس هذا. ص _102
(1/97)

وتوكيدا لأن الإسلام امتداد للماضى وترديد لأصوات النبوات الأولى يقول الله لنبيه: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين " إن أتباع محمد هم الورثة الحقيقيون لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وهم حملة الوحى الصحيح، وهم الذين يخاصمون الشرك والعصيان، ويقومون، ويقيمون الناس معهم على التوحيد والتسليم لرب العالمين. الكفر قديما وحديثا هو الجهل بالله وعصيان أمره. والدين قديما وحديثا هو حسن معرفة الله وإخلاص الطاعة له وذلك ما انفردنا نحن المسلمين الآن به!! وفى الدنيا من ينكر أن لله وحيا، وليس ذاك بمستغرب على من ينكر أن لله وجودا..!! فعل ذلك الوثنيون قديما ويفعله الآن العلمانيون والماديون من مختلف النحل.. ورب العالمين أكرم بعباده من أن يدعهم حيارى لا ينزل عليهم هدى ينير لهم الطريق، أو يرسل إليهم من يأخذ بنواصيهم إلى الخير.. " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء... " والجميل فى رد القرآن على هؤلاء أن يتساءل " قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس " ؟ إن صاحب القرآن لا يذكر نفسه هنا، وإنما يذكر كتاب موسى وما أودع فيه من نور وهدى!! وأى عجب فى هذا؟ إن الإسلام كما أوضحنا إيمان بجميع الرسل وجميع الكتب. إنه يمثل الحقيقة من أزل الدنيا إلى أبدها، وعيب أهل الكتاب أنهم ما أنصفوا الوحى النازل عليهم. لقد أضاعوا بعضا وأخفوا بعضا وعصوا بعضا وعاشوا بعد ذلك يصدون عن سبيل الله ويحاربون النبى الخاتم بحقد وضراوة!! لقد جعلوا التوراة قراطيس يبدو منها القليل ويخفى الكثير.. وفى القراءة الشائعة بيننا يقول الله لليهود " قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا" وفى قراءات أخرى تحدث عنهم بضمير الغيبة " يبدونها ويخفون كثيرا " وأيا ما كان الأمر فاليهود المعنيون. ص _103
(1/98)

أما جملة "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم" فهى للعرب خاصة. اختارهم الله ليكونوا الأمة الوسط فهل قدروا هذه النعمة؟ وارتفعوا إلى مستواها؟ إن الكتب التى تنتسب إلى السماء موجودة بين أيدى القراء يستطيعون الاطلاع عليها واستقصاء ما فيها، وأنا أريد أن ينظر الناس إلى ما حوت ومعهم عقولهم، فإن فاقد عقله لا خير فيه ولا وزن لحكمه: لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان إننى بعقلى أدركت أن للكون سيدا أبدعه ودبر أمره وأيقنت أن هذا السيد واحد لا اثنان ولا ثلاثة. وأنه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الجور والعصيان. وأنه سوف يسترجع الناس بعد هذه الحياة ليحاسبهم على الطريقة التى عاشوا بها فى دنياهم..! والسؤال: أى الكتب السماوية أنصف هذه الحقائق وجلاها؟. وأيها كان أعلى صوتا وأصدق نبرة فى توحيد الله والتذكير بلقائه؟. وأيها كان أقدر على تزكية النفوس، وفطامها عن الشرور؟. وإلى أن يصل المنصفون إلى الحكم الذى يرونه نذكر بكلمات القرآن فى هذا المجال: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله... "؟؟ وبعد هذا التساؤل المتتابع يشرح القرآن أجزية الظالمين منذ بدء مفارقتهم للحياة إلى أن يوقفوا للحساب الأخير " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون"!! . أهذه لهجة كاذب على الله؟ أهذا وحى مفتعل؟ ألا شاهت الوجوه!! وبعد هذه الوخزة الموجعة لأصحاب الأفئدة المغلقة يعود القرآن الكريم إلى سرد الأمجاد الإلهية فى صورة تقارير حاسمة!! أرأيت إلى الأرض تهتز زرعا والحقول تكسو الأرجاء بخضرتها؟. أرأيت إلى النخيل تتدلى شماريخ البلح تحت سعفها؟. ص _104
(1/99)

من الذى ملأ السنابل بالحبوب، ودلى الطلع النضيد على صدور النخل؟؟. " إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون ". وكما يقع ذلك على التراب يقع مثله فى الفضاء الرحب "فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم" . وتمضى الآيات القرآنية فى وصف الآيات الكونية واستخلاص الدلائل منها على عظمة الله وإبداعه، وعلى أنه وحده الجدير بالإعظام والعبادة، فمن كان له عقل وعى، ومن فقد عقله هوى. " قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ" ماذا يطلبه عشاق المعجزات الحسية بعد هذا البيان المشرق؟. إن جهود المرسلين على امتداد السنين لا تنشد إلا هذا الإيمان العاقل. ولذلك يجئ على لسان الرسول الخاتم هذا القول: " أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا"؟ . إن الراسخين فى العلم من أهل الكتاب الأولين يعرفون عظمة القرآن وصدق صاحبه " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين"!! فى ربط الأمة بكتابها يقول الله تعالى فى هذه السورة : "اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين " . ويقول: " وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون " . ويقول مبينا البلد الذى تنطلق منه الدعوة العالمية " وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به.... " . ص _105
(1/100)

وكانت الرسالات الأخيرة فى بنى إسرائيل بعد هلاك العرب العاربة، ورفضهم لرسالات هود وصالح وشعيب وغيرهم.. ثم عادت رسالة السماء إلى العرب مرة أخرى وفى ذلك يقول الله تعالى: " وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" . فهل يعرف العرب وظيفتهم العالمية بعد نزول القرآن الكريم. والحساب الإلهى على الجهد البشرى المبذول فلا جبر ولا قسر " ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون" . ولكن البشر مجادلون بطبعهم، يسيئون الفعل ثم يتملصون منه بزعم أن الله شاء ذلك وساقهم إليه وهذا كذب: " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون".. وقبل ذلك بين سبحانه أن من قبل الإيمان شرح الله به صدره ويكمل هدايته، وإلا ضيق عليه الآفاق وتركه فى شر حال. والآية الدالة على هذا مفتاح فهمها فى الجملة الأخيرة منها " كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون". فمن رفض الإيمان لم يشرح الله له صدرا، ولم يسق له هديا، وإنما يشرح صدر من انقاد للدعوة وتهيأ لإجابتها.. وقد شاء العزيز الغنى أن يصوغ العبارة على هذا النحو حتى يقف الناس عند حدود العبودية الفقيرة فقال " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء" . فليس المراد أن المشيئة العليا سابقة على الإيمان أو الكفر، وإلا ما قال بعد ذلك "كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون" . إن كل امرئ سيوقف للحساب ويقال له " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " فهل يقال ذلك لمغلوب على أمره؟. ص _106
(1/101)

والناس مع الإيمان الذى طولبوا به مكلفون بطاعة الله فيما شرع من حلال وحرام، فليس الإيمان دعوى مصحوبة بفوضى. وقد بينت هذه السورة أن الجاهليين اخترعوا عبادات ما أنزل الله من سلطان وشرعوا يتحاكمون إليها، فتركوا الوحى وتبعوا البدع وجادلوا بالباطل. وقد حذر الله المؤمنين من هذا العبث "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" وقال "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين". وقد لاحظت أن المتدينين فى بيئات شتى يتواضعون على أمور معينة يجعلونها مقياس الخير أو الشر، فيضفون إلى الدين ما ليس منه ويتمسكون بما ابتدعوا ويتهاونون بما كلفوا به!! لذلك قال الله لهم: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون * وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" !! قال أحد حكماء العرب وقد سمع هذه الوصايا " لو لم يكن هذا دينا لكان فى خلق الناس حسنا... ". إن التدين الفاسد يعتمد على مسالك غبية موهما أنها مسالك غيبية. ونحن عندما نتأمل فى الوصايا العشر السابقة نجدها تعتمد على التعقل والتذكر والتقوى، ولا مكان فيها لبدع أو أهواء أو خزعبلات على النحو الذى أخذ على عبادات الجاهليين، من قدامى ومحدثين. وقد كان العرب الأوائل يقولون نحن أصفى معادن وأذكى قرائح من اليهود والنصارى، ولو أنا أوتينا كتابا مثل ما أوتوا لكان لنا شأن!! فها قد
(1/102)

جاءكم كتاب، وبعث فيكم رسول فماذا صنعتم؟ "أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون" ص _107
والوعيد فى الآية يتجه إلى العرب البعثيين والقوميين والعلمانيين الضائقين بالوحى، والكارهين للانتماء الإسلامى "هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة- تتوفاهم- أو يأتي ربك- أمره ووعيده- أو يأتي بعض آيات ربك- يعنى أمورا غير عادية- تصيبهم بذنوبهم " فلا يفيقون إلا بكارثة تنزل بهم-. وقد جاء فى السنة أنه فى آخر الزمان يقع انقلاب فلكى تطلع به الشمس من مغربها.. وعندئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا. إن الإيمان عند الغرق أو عند الغرغرة أو عند النوازل الداهمة لا جدوى منه. فهل يرجع العرب إلى المنهج الذى شرعه الله لهم وشرفهم به قبل وقوع هذه الأقضية؟. إن العرب هواة تفرق وانقسام، ولو أنهم اختلفوا: هل يجهر بالتأمين وراء الإمام أو يسر به لألف كلا الفريقين حزبا يخاصم الآخر ويستبيحه! إن هذا الاختلاف ستار لشهوات كامنة مفسدة للقلوب "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون" وفى ختام السورة جاءت ثلاثة تلقينات تشير إلى وحدة الدين وإخلاص العبادة. ونقاء التوحيد وعدالة الجزاء. هذه التلقينات تكمل 44 قولا أمر الرسول بترديدها خلال السورة كلها: " قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا... " " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين... ". " قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء... " والأقوال المذكورة إذ تتم ما قبلها تشير إلى سيرة إنسان تمحض لله ودعوته والنصح لعباده، وبلغ فى ذلك أوجا لم يبلغه أحد من قبله، ذلكم هو محمد خاتم المرسلين. أما التقرير الأخير فى هذه السورة، فهو
(1/103)

شرح لطبيعة الحياة الدنيا من البدء إلى النهاية، إنها اختبار متتابع شديد. ص _108
المرء يختبر بكل من يعرف من البشر، ويختبر بكل ما حوله من سراء وضراء. ونتائج هذه الاختبارات تكشف هناك... فى الدار الآخرة. الحياة هنا ممر لا مقر ومن حقيقة السير فيها يكون المثوى الأخير " وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم" ص _109
سورة الأعراف بدأت سورة الأعراف بحديث مجمل عن قضيتين: الأولى تتصل بالقرآن الكريم. والثانية فى المنكرين له والمكذبين جملة بالوحى الإلهى. فى القضية الأولى نزل قوله تعالى " كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين * اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء.." والحرج المنهى منه يجيء من سوء استقبال المشركين لمن يريد هدايتهم، وتزهيدهم فى مواريثهم. والإنذار إعلام مع تخويف، والمطلوب من المستمعين عامة أن يتبعوا الكتاب الناصح لهم، ويهجروا ما عداه من تقاليد لا خير فيها، مهما كان مصدرها. فإن الأولياء المتبعين من دون الله لن يجيئوا بخير، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وقد تحدثت السورة بعدئذ عن الكتاب فى جملة مواضع منها قوله تعالى " ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله...؟ " . يعنى هل ينتظرون إلا أن يتحقق وعده ووعيده، فيظفر المؤمنون بالنصر والثواب، ويكتوى الكافرون بالهزيمة والعقاب؟. ومنها قوله تعالى "إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " . وهذا على لسان النبى صلى الله عليه وسلم ومعناه أن الله يتولى نصره وحفظه حتى يبلغ ما نزل على قلبه، ويجعل الحياة تستضيء به وتسير بتوجيهه. ومنها قوله تعالى فى ضرورة تدبر هذا الكتاب والانتفاع بما حوى من علوم "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون" . فالكتاب ذكرى للمؤمنين ونماء لعقولهم ورحمة
(1/104)

تهبط عليهم... ص _110
أما القضية الثانية التى افتتحت بها السورة فهى تدرك من قوله تعالى " وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون * فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين". وهلاك القرى التى تمردت على المرسلين سنة وعاها التاريخ. وقد فصلت سورة الأعراف ما وقع لعاد وثمود ومدين، وقوم نوح وقوم لوط.. ويظهر أن الله سبحانه وتعالى أرسل الأنبياء الأولين لعرب الجزيرة شمالا وجنوبا، فلما كفر أولئك العرب وآذوا رسلهم دمر الله عليهم وأباد خضراءهم. ثم آتى موسى الكتاب ليهدى به مصر، وبنى إسرائيل، وشرح مواقف الفراعنة واليهود شرحا واسعا. فلما زاغوا عن الصراط ورفضوا هدايات الله أوقع بهم بطشه. ثم عاد الوحى الخاتم مرة أخرى إلى وسط الجزيرة، واستطاع محمد بفضل الله أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأن يجعل من العرب الذين اهتدوا به أمة وسطا ورثت الوحى إلى قيام الساعة ولا زال وحيها مصونا وكتابها قائما. وسيبقى البشر ما بقيت الحياة الدنيا مكلفين بسماع هذا الكتاب والاقتباس منه لأنه وحده الذى يقيهم السيئات. والمهم أن يقدر العرب رسالتهم، وأن يعرفوا نفاسة الميراث الذى اختصهم الله به عندما قال: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا... " . وأن يوقنوا بأنهم مساءلون عن موقفهم منه " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين " . وبين الله سبحانه فى صدر السورة أن الحساب الجامع سوف يبت فى مصير كل إنسان، " والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون " . لكن هذا البيان الموجز أعقبه بعد قليل تفصيل كاشف عن مصاير الطوائف المختلفة التى اختصمت فى ربها على صعيد الأرض. ص _111
(1/105)

فهناك أولا المؤمنون، ثم أصحاب الأعراف ثم الكافرون. وقد جرى حوار بين هؤلاء وأولئك نرى أن نتوقف قليلا عنده. إن أهل الجنة يحيون فى عالم من السماحة والحب والسلام، مشغولون بشيء واحد هو تسبيح الله وتحميده، وهم يشعرون بما أسدى الله إليهم من نعماء ويقولون "الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" . إنهم ـ بإزاء ما رأوا من فضل ـ يجردون أنفسهم من كل استحقاق، ويشعرون كأن العطاء الأعلى هو الذى سبق بهم وأنا لهم تلك المكانة. وهنا يذكرهم الله بسعيهم القديم وجهدهم المقبول " ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون " وعندما ما يطمئنون إلى أحوالهم يتذكرون خصوم الأمس من الجبابرة والملاحدة فيحبون أن يعرفوا ما لاقوا " ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " . إن هؤلاء الظلمة كانوا ينكرون البعث والجزاء، وكانوا يبطشون بالمستضعفين من المؤمنين، وكانوا يشوهون معالم الحق ويغلقون طرقه، فها هم أولاء يجدون مصيرهم العدل.. واختصت هذه السورة بذكر أصحاب الأعراف، ومنهم أخذت اسمها. والشائع بين المفسرين أن هؤلاء قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فانتظروا حتى يبت الله فى أمرهم! وأرى أن أصحاب الأعراف هم الدعاة والشهداء الذين بلغوا رسالات الأنبياء وقادوا الأمم إلى الخير!! فإن الأعراف هى القمم الرفيعة، ومنها سُمِّى عرف الديك عرفا... وهم فى الآخرة يرقبون الجماهير والرؤساء فى ساحة الحساب، ويلقون بالتحية أهل الجنة، وبالشماتة أهل النار. وحديث القرآن الكريم عنهم يرجح هذا الفهم فهم يتكلمون بثقة ويوبخون المذنبين على ما اقترفوا ويستعيذون بالله من مصيرهم.. ص _112
(1/106)

ومن المستبعد أن يكون ذلك موقف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم لا يدرون أين يذهب بهم؟. وهناك نداء أخير من أهل النار وهم يرسلون صراخ النجدة "ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله.. ". وهيهات فلن يجيرهم من الله أحد!! لقد كفروا بالله، وجحدوا لقاءه ولم يخطر ببالهم هذا اليوم ولا استعدوا له بشيء فمن أين تأتيهم ا لنجدة؟. وهنا نذكر أن معانى القرآن متداخلة متضافرة تلتقى كلها فى سياق واحد يعمل عمله فى النفس، وليست هدايات القرآن فصولا مقسمة على نحو متميز. وهكذا العالم تراه مصدرا لأشتات العلوم وهو كيان واحد يستقى منه علماء الأحياء وعلماء طبقات الأرض وعلماء الفلك وعلماء القوى المحركة.. الخ. من لطائف التعبير أن يذكر بنو آدم فى أول سورة الأعراف والمقصود أبوهم، وأن يذكر آدم نفسه فى آخر السورة ويقصد بنوه! فى أول السورة يقول تعالى " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم... ". وفى آخر السورة يقول الله جل شأنه فى خطايا البشر وشركهم واعوجاج سيرهم "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها... " . ثم يقول: "فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون * أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون". وظاهر أن الذين اقترفوا جريمة الإشراك هم أبناء آدم الذين اضطربت عقولهم فزاغوا..!! والنظم القرآنى أولا وأخيرا يعنى البشرية جمعاء، ويذكر رسالة الإنسان التى كلف بها ولم يحسن أداءها... والإنسان مع الشيطان ليس مغلوبا على أمره، وإنما هو مخدوع كبير أو مستغفل غرير! إن الشيطان يملك جهاز إذاعة طويلة الأمواج أو قصيرتها، والإنسان يستطيع أن يسمع وألا يسمع. ص _1 ص
(1/107)

فمن ضبط جهاز استقباله على محطة إرسال معينة سمع ما يريد، وإلا فهو بمنجاة. ولا يملك الشيطان إلا قدرة البث ولا يقدر أبدا على تضليل إنسان بقوته!! والغريب أن الإنسان نسى ما وقع لأبيه عندما طرد من الجنة، ولا يبالى أن تتكرر المأساة لا سيما والشيطان قد أقسم على إذلال أبناء آدم جميعا. "قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين.. " . أما كان ينبغى أن نحذر هذا الحقد المبين؟؟. والأغرب أن تجئ خدعة آدم من حيلة مكشوفة لا تنطلى على ذكى يقظ! لقد قال إبليس له: إنك منعت من الشجرة حتى لا تكون ملكا!! وكان آدم قادرا على أن يقول له: إن الملائكة سجدت لى فكيف أهبط عن مكانتى؟ إن ما أنا فيه أفضل!! وأطمع إبليس آدم فى الخلود إذا أكل من الشجرة!! ومن قال: إن آدم وبنيه ليسوا من الخالدين؟ حتى لو ماتوا، فالموت نقلة إلى حياة أقوى وأكبر!! إن الشيطان أفاك خداع، واللوم لا يوجه إليه، وإنما يوجه إلى من انخدع به... ومن وقع فى مصيدته بهذا الشرك المكشوف...!! وفقد آدم ما كان فيه من النعيم، وهبط هو وزوجته إلى الأرض ليأكلوا بكد اليمين وعرق الجبين!! وتعرضت ذراريهم للتجربة الأولى والخدعة القديمة، ترى هل يعتبرون؟. "قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين". إلى وقت محدود وعمر معدود ثم ترجعون إلى الخالق الكبير ليسألكم عن حالكم فى هذه الفترة أكنتم عبيدا له أم عبيدا للشيطان؟؟. " قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون" . وبعد هذا السرد لقصة آدم اتجه الحديث إلى أولاده على مر العصور فنودوا أربع مرات ليسمعوا نصائح ربهم وينجوا من كيد عدوهم! ونلحظ فى هذه النصائح أنها حداء إلى الإنسانية الرفيعة أو إلى دين الفطرة! ص _114
(1/108)

والمحزن أن عالمنا المعاصر مفتون بإنسانية هابطة آو علمانية تشده إلى التراب.وتربطه بنزعاته وقلما ترفعه إلى السماء، من حيث جاء. فلنتدبر هذه النداءات الأربعة: أولها يتصل بالملابس! لقد انفرد الإنسان دون سائر الحيوان بارتداء ثيابه، وحسنا فعل فهى تستر عورته وتزين هيئته.. وللناس فى ملابسهم تجاوزات: فقد يختالون فيها ويستكبرون. وقد يزنون أنفسهم بقيمة ما يرتدون. وقد تقصر النساء ثيابها حتى لتكاد تكشف سؤاتها! وقد تضيقها وترققها حتى لتكاد تصف وتشف! وهذا كله لا يسوغ فإن شرف الإنسان ليس فى ثوبه، وقيمته ليست فيما يرتديه. هناك ثوب آخر يكسو باطنه، ويبرز حقيقته هو ما سماه القرآن بلباس التقوى، وما عناه الشاعر بقوله: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل.! وقال شاعر آخر: لأن أزجى عند العرى بالخلق واكتفى من يسير الزاد بالعلق خير وأكرم لى من أن أرى مننا معقودة للئام الناس فى عنقى يعنى أفضل لبس خلقات بالية وأكل لقيمات تافهة على أن أمد يدى إلى أحد لألبس الغالى "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون" . ونحن فى تفسيرنا نربط بين هذا التذكر، وبين قول الله أول السورة " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون". وقوله بعد ذلك " وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون" . ما أكثر أسباب التذكر ولكن الإنسان ينسى! ويتكرر النداء " يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة...." لا ينبغى أن يقع للأبناء ما وقع للأب من قبل! ص _115
(1/109)

لقد نجح الشيطان فى إخراج آدم من الجنة فهل ينجح فى حرمان بنيه منها؟ وتعريتهم كما عراه! إنه عدو حاقد، ويستطيع أن يراكم وأنتم لا ترونه، فهو عليكم أقدر! لكنه لا يقدر على غواية مؤمن لأن الإيمان حرز حريز، وشباكه لا يقع فيها إلا فاقد الإيمان.. ومن الأعذار المرفوضة تقليد الآباء الجهلة واختلاق أسباب كاذبة للسلوك المعوج. كان الذين يطوفون بالكعبة عرايا يقولون لا نطوف فى ملابس عصينا الله فيها!! وأغلب المتدينين المنحرفين يضمون تحت خيمة الغيبيات أمورا ما أنزل الله بها من سلطان، تخالف العقل والنقل، ثم يزعمون أن الله أمرهم بها. والله أعلى وأجل من أن يأمر بفاحشة مضادة للذوق والفكر والفطرة " أتقولون على الله ما لا تعلمون * قل أمر ربي بالقسط" . إن العدالة طريق مأنوس للبشر كلهم فما الحرج فى سلوكه؟. ولماذا لا نسلم كياننا كله لمن خلقنا، وإليه نعود؟ "وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون". فكن مع أهدى الفريقين وأولاهما بالنجاة والكرامة. يعتمد التدين المزور على الرهبانية والتقشف فى ربط الناس بربهم ولذلك يهتم برداءة الهيئة ورثاثة الملبس وخشونة الطعام ومخاصمة الطيبات. وتعاليم الإسلام تسير عكس هذا الاتجاه، وتحقق العبودية لله داخل النفس الإنسانية قبل كل شئ. فتهتم بسلامة الصدر وكبح الأثرة وإكنان التواضع والمرحمة. ولأن يقف الإنسان مصليا فى لباس حسن خير من أن يقف مصليا فى لباس زرى . ومن هنا جاءت الآية " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين". وفى الحديث " كل ما شئت والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة" والواقع أن الرذيلة تكمن فى الإسراف الذى يحمل على التوسع الممجوج فى الطعام والكسوة، وعلى التماس الوجاهة بهذا السلوك.. ص _116
(1/110)

على أن الدين ليس سباقا فى كمال الأجسام، ولا اكتنازا لهذا الحطام. والمرء فى سعيه للآخرة يقل اكتراثه بكثير من اللذائذ، ولكنه لن يتعبد بلبس الخرق أو أكل الخشاش!! "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " ؟. وإضافة الزينة إلى الله تعنى أنه مصدرها وشارعها وقابل عباده فيها. ويزداد المعنى وضوحا فى قوله " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " . أى ينفردون بها فى الآخرة، وقد يشركهم غيرهم فيها أثناء هذه الحياة..! "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ". حرم الخفى من الجرائم والمكشوف كالحقد والغضب "والإثم والبغي بغير الحق". سائر الذنوب وخاصة الاستطالة على الآخرين واستباحتهم. وقد لاحظ نقدة الفكر الدينى أن بعض الناس يقصر ثيابه دلالة تقوى، وفى قلبه كبر فرعون! ونبهت السنة إلى أن الله يكره العائل المزهو أى الفقير المتكبر، والكبر قد يكون فى صدر لابس الخيش، وقد يتنزه عنه لابس الكتان..!! المهم سلامة الفطرة واستجماع شمائلها.. والتعلق بالله الواحد، والبراءة من سائر الشركاء هو الأساس الأول للفطرة. والإنسان عندما يخلو بنفسه لا يتجه إلى إلهين أو ثلاثة! إنما يتجه إلى إله واحد، يجأر إليه فى الضراء، ويلهج بشكره فى السراء. والواقع أن الشرك نضح بيئات ضالة فقدت رشدها وآذت غيرها. وقد قام الإسلام على الفطرة عقيدة وأخلاقا، والقرآن هنا يقول " وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " . وفى السورة نفسها بيان لاحق بأن مواثيق هذه الفطرة مأخوذة على الإنسان منذ نشأته الأولى "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون" !! ص _117
(1/111)

والسياق الكريم يشير إلى أن الإنسان لا يعذر فى شروده عن التوحيد، مهما كانت ضراوة الوسط الذى عاش فيه. فإن نداء الفطرة داخل نفسه ينبغى أن يقاوم كل عوج، ويستبقى معرفة الله منزهة عن كل شائبة. والفطرة تعنى قابلية النفس لتلقى عقيدة التوحيد وحدها. وإذا كانت ترفض الشرك فهى من باب أولى تأبى الإلحاد!! والحق أن طبيعتنا العقلية والنفسية تأبى وجودا بلا موجد أو خلقا بلا خالق، تأبى الزعم بأن الحياة انطلقت من صفر!! إننا نشعر بفقرنا إلى آخر!! منه بدأنا، ولكن من هذا الآخر الذى منحنا الحياة؟؟ إننا بوحى الفطرة لا ننساق إلا إلى الله رب العالمين الذى يدين الكل بالعبودية له! من يكون هذا الآخر عند المشركين؟ لا وجود له إلا فى أوهام المخدوعين.!! ولذلك جاء- بعد وصاة بنى آدم بالتوحيد الخالص- هذا التقريع للذين ظلموا أنفسهم "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب..." أى ما قدر لهم على ظهر الأرض من أرزاق وأعمار. "حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين " . وللذهول عن الله أسباب، أولها فيما أرى ما ينشأ عن اتصال الإلف واطراد العادة من مشاعر كاذبة. فالغنى من طول الشبع ينسى ألم الجوع، والسليم من استمرار الصحة ينسى ألم المرض، وكلاهما يظن الحياة لا تعدو ما أحس. بل إن الإنسان الفذ ينسيه حاضره الغالب ما عراه فى ماضيه القريب أو البعيد من شئون أخرى على نحو ما قال الشاعر. كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا ! ونحن مع اختلاف الليل والنهار وطلوع الشمس والقمر نظن أن ذلك الواقع ضربة لازب، وأنه لا مصرف له كأنما يقع من تلقاء نفسه!! فاحتاج الأمر إلى الوحى الإلهى يذكر الناس أن الله فاعل ذلك كله.. ص _118
(1/112)

"إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" . ومع تقلب الزمان يتعرض الناس للحلو والمر والهزيمة والنصر. وهم فقراء إلى ربهم يباعد عنهم ما يكرهون ويقارب منهم ما يشتهون. ولذلك قال " ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين". وما أكثر ما يتقلب الناس فى هذه الدنيا بين الوعد والوعيد والخوف والرجاء، وما أكثر ما يشعرون بأن ما يطلبون لا يسوقه إلا الله، وما يكرهون لا يدفعه إلا الله!! ولذلك قال "وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون" . مع بدء سورة الأعراف بدأت عدة معان مجملة أخذت تتسع كأنها رءوس مثلثات تضمنت قواعدها تفاصيل شتى، على أن هذه المعانى لا تسير فى تيارات منفصلة، بل تراها وهى تتلاقى كأنها ضفائر متناسقة هدفها جميعا تكوين الإيمان والعبرة والاستقامة والوعى.. والمهم هو الاستقبال المعقول، فإن المطر المنهمر على الحجارة لا ينبت منها شيئا. "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون" . أطنبت سورة الأعراف فى ذكر الأمم التى تمردت على الوحى فصرعها بغيها. ويلاحظ أن أغلب هذه الأمم فى المناطق العربية! فقوم نوح بالعراق، وعاد باليمن وما جاورها، وثمود بأعلى الحجاز، ومدين بين سيناء والأردن، وقوم لوط شرق فلسطين، وهؤلاء جميعا قاوموا المرسلين وجحدوا ما جاءوا به.. وسبقت قصة آدم قصص هؤلاء كلهم، وبرز فيها معنى ينبغى أن نذكره. فإن الشيطان غرر بآدم حتى طرده من الجنة، ولا يزال يقطع الطريق على أبنائه حتى لا يعودوا إليها.!. ص _119
(1/113)

ولن نشرح بقية القصص فهى مكررة فى القرآن الكريم، ولن يعرف تاريخ أمة من قصة واحدة بل من جملة الوحى المفرق على سور كثيرة. وإنما يعنينا هنا أن نتساءل: كم من القرون سلخت هذه الأمم جميعا من تاريخ الحياة؟. إننى بعد التأمل أجد أن الحياة من أيام الطوفان إلى الآن تبلغ ثمانين قرنا.. فكم سلخت الأمم بين آدم ونوح؟ ما أحسبها تزيد عن هذا الأمد!! ولم يحدثنا القرآن بتفصيل عن هذه الأجيال بين آدم ونوح! ومن هنا فأنا أشك فى البحوث الجيولوجية التى تخبرنا أن جمجمة آدمية وجدت ودل فحصها على أن لها عشرات الملايين من السنين!! جمجمة من هذه؟ لعل هناك خلائق أخرى غير الجان سكنت هذه الأرض! أيا ما كان الأمر فهذا بحث لا يهمنا. وقد تدبرت تعليق القرآن الكريم على هلاك الأمم المكذبة فوجدت أن الأمر لم يكن إنذارا، فعصيانا، فعقابا. كلا لقد طال الأمر، وامتدت أجيال، وتوارثت الأقوام النذر كما توارثت التكذيب فحاق بها ما حاق! ترى ذلك فى قوله تعالى " وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون * ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ". ومعنى عفوا زادوا، والسيئة والحسنة هنا الأحوال حسنها وسيئها، وليس المراد الطاعات والمعاصى.. والأمم التى أبيدت هى التى حفرت قبرها بيدها، فما وقعت بها شائبة ظلم. "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" . وكان على الخلوف أن يتعظوا بمصارع الآباء والأجداد، ولكنهم لم يعتبروا، فهلكوا ص _120
(1/114)

"أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون" . وهكذا طوى القدر صفحة العرب العاربة ومن لف لفها. ثم نقل الرسالات إلى الشعبة الثانية من الجنس السامى... إلى بنى إسرائيل قال تعالى: "ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين " . وكان أولاد يعقوب- الملقب بإسرائيل- يعيشون عيشة البدو فى صحراء الشام، ثم استدعاهم يوسف فسكنوا مصر، وهناك تناسلوا وزادت أعدادهم. ورفضوا الذوبان فى الشعب المصرى، وانفردوا بعقائدهم وتقاليدهم، ونشب بينهم وبين المصريين خصام شديد، واستذلهم الفراعنة وأنزلوا بهم مآسى موجعة. حتى شاء الله فأنقذهم على يدى موسى بعد مراحل متطاولة قال لهم موسى خلالها: "عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون" . والكلمة ناضحة بما كان يخافه موسى من قومه. وقد كان صادق الحدس فى سوء ظنه بهم. فإنهم بعد نجاتهم من المظالم التى قصمت ظهورهم، بفضل الله وحده، كان أول ما صنعوه النزوع إلى عبادة الأصنام " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون " . والغريب أن حنينهم إلى الوثنية سيطر على أفكارهم وأعصابهم فما كاد موسى يذهب لمناجاة ربه حتى اتخذوا من حليهم عجلا جسدا، ليعبدوه من دون الله. وفى هذا الصنيع يقول الله تعالى "إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين " . والحق أن جمهرة كبرى من اليهود كان إيمانها مغشوشا، وكانت شهواتهم تغلب عليهم. وكانوا يحتالون على الله فى التنفيس عنها، فإذا حرم عليهم الصيد يوم السبت، ورأوا السمك كثيرا فى الماء صنعوا وراءه حاجزا يمنعه من الهرب، ثم جاءوا يوم الأحد وأخذوه. ص _121
(1/115)

"واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون" . ويظهر أن العقلاء رفضوا هذا المسلك، ثم انقسموا أينصحون قومهم لعلهم يرعوون أم يتركونهم يأسا منهم لله " فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون " . وقد حكى لنا التاريخ أن الدولة اليهودية سقطت فى يد أعدائها " وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك... " . وفى الحديث الشريف أن نبينا صلى الله عليه وسلم سئل: " أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث". وشتت الله شمل بنى إسرائيل، ومكن أهل الأرض منهم، وتأذن بأن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب.. وظاهر من سيرة اليهود أن فسادهم عن علم، فالأولون من الأمم الهالكة كان الجهل يطغيهم ويطيش بمسالكهم أما اليهود فقد عبثوا بالوحى وتمردوا على حملته " كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ". وحديثهم عن الله لا أدب فيه ولا توقير، وقد سبق أن قالوا لموسى " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون". وترادفت وقاحاتهم على هذا النحو فحقت عليهم كلمة ربك، ولذلك بعد أن سرد الوحى قصتهم قال " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث... ". وهذا السياق يصدق فى كل فرد وكل شعب تأتيه هداية الله فيزهد فيها ويرخص قيمتها.. وقد قامت اليوم دولة لليهود على حساب العرب، والسبب واضح، أن اليهود قاتلوا شرا منهم ! ص _122
(1/116)

قاتلوا العرب والعرب معطلون لحدود الله، مستبيحون لحرماته، تاركون للواء محمد لا يمشى تحته أحد، وسائرون تحت ألوية الغدر والعصيان.. فلا عجب أن ينطبق عليهم ما انطبق على غيرهم مصداق قوله بعد ذلك فى اليهود وكل مارق "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل...". بعد الحديث عن الأمم التى هلكت لسوء سلوكها نقرأ آيتين جديرتين بالتأمل: الأولى قوله تعالى " من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون". وقوله بعد ذلك "من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون " . ونؤكد أنه ليس فى هاتين الآيتين ولا فى غيرهما مما يشبهما أية أثارة من جبر! إن حرية الإرادة البشرية فوق الجدل وإلا سقط التكليف كله واعتبر الوجود مهزلة!! ونلفت النظر إلى أن هناك ضلالا، وأن هناك إضلالا، ولا يضل الله سبحانه إلا من ضل. !هناك زيغ وهناك إزاغة ولا يزيغ الله سبحانه إلا من زاغ. كما قال فى سورة أخرى " قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا.... ". ويغلب تذييل الآيات بما يثبت الاختيار البشرى ونجد هنا قوله تعالى "... ويذرهم في طغيانهم يعمهون" بعد قوله "من يضلل الله فلا هادي له" إشارة إلى أن هلاكهم وليد طغيانهم. وفى الآية التى سبقتها ".. ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون" إشارة إلى أن مسلكهم هو سبب خسارهم.. وعلى سنة القرآن فى التعبير البلاغى يجئ نظم الآيات فنحن نقول: تأخذ الأفران وقودها من الأخشاب الجافة والأعواد اليابسة. ونقول: يأخذ السقوط أهله من الكسالى والقاعدين. وهذه كلها عبارات مجازية فلا الأفران تأخذ ولا السقوط يأخذ.. وعلى هذا النحو جاء التعبير القرآنى "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها...." والخ. ص _123
(1/117)

والمراد أن القلوب المحجوبة والعيون المغلقة تقود أصحابها إلى جهنم وعلى كل امرئ يريد النجاة أن يفتح قلبه وعينه وذلك فى مقدوره بيقين.! ولذلك قال جل شأنه " أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة... " ! " أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء... ". وفاقد الفكر والنظر لا يلومن إلا نفسه. وقد نصح الله المسلمين كيما يتجنبوا مصاير الأولين أن يحسنوا علاقاتهم بالله، وأن يدعوه سبحانه بأسمائه الحسنى ويبتعدوا عن الشرك القبيح والظن السيئ " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها.... ".. ولا شك أن الكمال والمجد والغنى لله وحده، ونحن عند الحيرة ندعو الهادى، وعند الظلمة ندعو النور وعند الحاجة ندعو الغنى، أما المقطوعون عن الله فهم يدعون غيره، أو يجهلون قدره فهم ملحدون فى أسمائه محجوبون عن ذاته!. والخاصة الأولى للأمة الإسلامية صدق توحيدها وعبوديتها " وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون * والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" 0 إن لله مكرا بالمجرمين قد تذهلهم عنه لذات عاجلة أو انتصارات خادعة أو تقلب فى البلاد مقرون بالسطوة والكبر.. وهذه الأحوال من إملاء الله للمبطلين، ثم يجزهم حبل المنية إلى مصارعهم من حيث لا يعلمون قال تعالى: " وأملي لهم إن كيدي متين" . والمطلوب من أهل الحق إذا لحقتهم البأساء والضراء ألا يضطرب يقينهم ويفتر حماسهم، بل يجب أن يصابروا الليالى الكالحة حتى يدركوا النصر الإلهى وهو آت حتما وإن طالت السنون. ولما كان الإيمان باليوم الآخر امتدادا للإيمان بالله وأسمائه فإن النفس البشرية تتطلع إلى معرفة ميقاته، وتتطلع إلى الساعة المؤذنة به. وقد يسعى البعض إلى رسول الله ـ بصلة خاصة ـ يحاول عن طريقه اكتشاف ذلك المجهول الغائب! ص _124
(1/118)

وقد نزل الوحى رافضا هذه المحاولات وكاشفا أن علم الساعة لله وحده: "يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو... " . والواقع أن استشرافنا لهذه المعرفة قليل الغناء، إنه قد يعنى المعاصرين لقيام الساعة، أما نحن فساعتنا تبدأ من حين الوفاة. عندئذ ننتقل إلى العالم الآخر، ونعرف أن الحياة الدنيا كانت وهما كبيرا..! ومن خصائص الإسلام التوكيد على نبوة محمد وعبوديته إنه ليس إلها ولا شبه إله ولا جزء إله، إنه عبد لله الواحد لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا.. وكذلك سائر الملائكة والبشر، ومن زعم غير هذا فهو كذوب.. وعادت سورة الأعراف- كما بدأت ـ تتحدث عن آدم، لقد ذكر هنا والمراد ذريته كما ذكرت الذرية أول السورة والمراد آدم نفسه. والسياق هنا عاتب غاضب! إن الله غمر أبناء آدم بأنعمه، فبدل أن يشكروا له أشركوا به! "أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون" . ثم اتجه الخطاب إلى الدعاة وإمامهم منددا بجمود هؤلاء المشركين وعدم استفادتهم من الوحى النازل لهدايتهم "وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون" . وهذا جمود مستغرب، وعلى سيد الدعاة أن يصمد أمامه مستمسكا بالكتاب الذى نزل عليه قائلا بلسانه وجنانه "إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " . وهذا الكتاب أجدى من الخوارق الحسية التى ينتظرونها ويطالبون بها "... قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون " . ومهما طال التعنت وزادت المكابرة فعلى الرسول الكريم أن يصبر "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " ... ص _125
(1/119)

إن هذه السورة قصّت فى أوائلها كيف نجح الشيطان فى إخراج آدم من الجنة، وبينت أن محاولاته لتضليل بنيه لن تنتهى! لكن الشيطان لا يملك أكثر من الوسوسة. وما دام الإنسان مؤمنا فستنهزم الوساوس وترتد مدحورة " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ". لكن الذين حرموا هذا القلب الصاحى يتبعون الشيطان فيقودهم إلى مهالكهم! وخير ما يعصم المرء تشبثه بذكر الله، فإن هذا الذكر يعصمه من الزلل ويستبقيه فى مستوى رفيع. وخير الذكر هو الكتاب الكريم " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " . وليس هذا الذكر حركة لسان مع غفلة قلب وشرود ذهن. إن الذكر وعى مكتمل وهو من وظائف العقل قبل كل شئ. ويجب أن يكون موصولا لا متقطعا، ومسيطرا على السر والجهر، وباعثا على الرغبة والرهبة: "واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين" . وبهذا الذكر ينتظم المؤمن العابد مع الكون كله، وهو يسبح بحمد ربه. ****** ص _127
(1/120)

سورة الأنفال كانت هزيمة أحد مفاجأة لأصحابها، وكان نصر بدر مفاجأة لأصحابه. والمفاجآت كلها، سارها وضارها أصدق الامتحانات لكشف معادن النفوس ومعرفة المخبوء فيها..! وقد جاءت سورة الأنفال فى أعقاب انتصار المسلمين فى بدر لتبين عمل القدر وجهد البشر. فأبانت أن النصر الذى أعز الله به المسلمين كان مكافأة سماوية على صبر السنين الماضية. وأن الرجال الذين خاضوا المعركة كانوا أدوات لتحقيق الآية الكريمة " كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز " . ولذلك بدأت السورة فقطعت تعلق المسلمين بالغنائم، وجعلت توزيعها لله ورسوله. فلا معنى للدعوى ولا للنزاع فى خير ساقه الله إلى طائفة من عباده "ليحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين "!! وكان الاهتمام الأول لإظهار أن الرجولة مواقف، وأن للإيمان أمارات تبعث على سير معينة "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم... " . تأمل فى آيات الإيمان هنا... إنها ذكر ووجل وقراءة وتوكل ونفقة.. لكننا فى آخر السورة نجد أن للإيمان الحق أمارات أخرى. قال تعالى " والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا" إنه هجرة وجهاد وإيواء ونصرة، هذا هو الإيمان الحق. وفى سورة أخرى يقول تعالى "إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون " . ص _128
(1/121)

هنا تنويه باليقين الذى لا يتزلزل والإنفاق الذى لا ينقطع، إنه الجهاد بالنفس والنفيس.. وفى سورة أخرى " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه.. " . ظاهر من هذه التعريفات الكثيرة أن الرجولة مواقف شتى لا موقف واحد، و أن للإيمان مطالب مفروضة تتباين بتباين الأحوال والأوقات.. وأنه لا يجوز أن يتخلف مطلب فى حينه ومناسبته.. وأن المسلمين إذا قيل لهم دعوا أمر الغنائم الآن فسوف يحكم الله فيها وجب أن يستجيبوا فمصلحتهم فى الاستسلام لأمر الله. وقد أمرهم رسول الله بالتصدى للمشركين فى المعركة التى فرضت عليهم بغتة فماذا حدث؟. كان فريق منهم يحسب القتال خطة سيئة، ويرى أن المسلمين لم يستعدوا له. ومن الممكن الانتظار واستنفار بقايا المسلمين فى المدينة ليواجهوا جميعا المعركة التى لم تكن فى الحسبان. لكن النبى الكريم علم أن مكانة الإسلام ستهتز إذا لم يقبل التحدى، وشعر بأن الله لن يخذله فى هذا الموقف المحرج وعرض الموقف على جماعة المقاتلين فقرروا منازلة العدو! "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " . كان النبى عليه الصلاة والسلام مؤملا فى أن الله لن يرد المسلمين خائبين وقد أشعر بهذا الأمل حين قال " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم - العير أو النفير- وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم" يحبون الغنيمة الباردة! ولكن الله يريد أمرا آخر كشف عنه القتال وجعل الأحداث تتدافع إليه " ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون" . وطبائع الناس إذا دهمتهم محنة فوق طاقاتهم أن يفزعوا إلى الخالق الأعلى مستغيثين. وذلك ما وقع عندما رأى المسلمون إعداد العدو وتفوقه عددا وسلاحا. "إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين" . ص _129
(1/122)

وملك واحد يكفى لحصد المشركين، ولكن الله أراد طمأنة عباده بذكر العدد، " و ما جعله الله إلا بشرى و لتطمئن به قلوبكم و ما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ". وقد اجتهد النبى عليه الصلاة والسلام فى الدعاء "اللهم نصرك الذى وعدتنى! اللهم إن تهلك هذه العصابة من المؤمنين فلن تعبد فى الأرض ". وكان يناشد الله بحرارة واستغراق رافعا ذراعيه إلى السماء حتى سقط رداؤه عن منكبيه وكان أبو بكر خلفه يقول: يا رسول الله بعض مناشدتك لربك، إن الله منجز ما وعدك.. ولم ينته الرسول من دعائه حتى أعلمه الله بمصارع القوم.. ويتساءل العلماء هنا عن قلق أبى بكر فى الغار- أثناء الهجرة- حتى كان الرسول هو الذى يثبته، وعن موقفه الواثق فى معركة بدر يطمئن الرسول ويهدئه؟؟ والجواب أن عبودية الرسول أوضح وأرسخ من عبودية الأمة كلها. كان فى الهجرة فارغ اليد من أسباب النصرة فاطمأن إلى أن الله معه يرعاه ويحفظه. أما فى بدر فمعه جيش، وإن كان ضعيفا فقد يعتمد عليه! فرأى النبى الكريم أن يبرأ من حوله وطوله، وأن يلجأ إلى الدعاء طالبا من الله النجدة، منتظرا منه وحده النصر.. وهنا تدخلت أسباب السماء، فنزل! مطر ثبت الرمال تحت أقدامهم، ونامت العيون القلقة، واختفت الوساوس. وربط الله على القلوب ودب الرعب فى نفوس الكثرة المشركة، فقاتلت أسوأ قتال. واختفت صفوفها تحت مطارق هزيمة لم تخطر ببال!! "ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله و من يشاقق الله و رسوله فإن الله شديد العقاب " . لكن النصر الإلهى لا يستحقه من يفرط فى الأسباب المعتادة، وأول هذه الأسباب شجاعة تغرى بالإقدام ما تهاب الردى، وتؤثر ما عند الله فهى تركل الدنيا رغبة فى الآخرة. ونحن بلا ريب بشر تربطنا بالحياة أواصر متينة، ويعجبنى تصوير فرسان العرب لهذه المواقف وهم مقبلون على الموت!! يقول عمرو بن معدى كرب: ولقد أحملها كارهة حين للنفس من الموت هرير!! ويقول: فجاشت إلى النفس أول مرة فردت
(1/123)

على مكروهها فاستقرت!! ص _ ص 0
و يقول آخر: أقول لها إذا جشأت وجاشت! مكانك تحمدى أو تستريحى!! وذاك هو السر فى هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار" . قاوم حب العيش، واطلب الموت توهب لك الحياة! أو مت شهيدا كهذا الذى قيل فيه: تردى ثياب الموت حمرا فما أتى لها الليل إلا وهى من سندس خضر! إن القلة الشجاعة فى بدر كشفت أن الكثرة المشركة سراب، وبددت شملها فى الصحراء، فهى بين قتيل وأسير! كيف حدث هذا؟ يقول الله سبحانه مبينا صنيعه " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم". إن الخطة التى رسمها القدر استدرجت جبابرة مكة إلى مصارعهم، ما أغنى عنهم عدد ولا عدة، أما القلة التى استغاثت بالله واستنزلت نصره فقد فازت فوزا عظيما. فى سورة الأنفال ستة نداءات صارمة تحتاج إلى تأمل! إن الأسلوب لم يتجه إلى تهنئة المنتصرين بما أتيح لهم من نصر، بل اصطبغ بالشدة والتأديب وقمع الغرور! من هذه النداءات الستة نداءان بطلب الثبات ورفض الفرار وتوعد عليه بعظائم الأمور. والصحابة ما فر منهم أحد أو فكر فى فرار. ويبدو لى أن الطابع الشديد للوحى، فى أعقاب النصر الواقع، يرجع إلى إبراز دور القدر فيما ناله المسلمون من ظفر، وإلى استنكار التطلع إلى الغنائم والتنازع عليها، وإلى الاحتياط ألا يقع مثل ما وقع فى أحد بعد ذلك!! وقد وصف الله المشركين بما هم أهله، ومع كل وصف ورد نجد نصحا للمسلمين ألا يشبهوا القوم وأن يكون مستواهم أعلى! لقد وصف الله الكفار بأنهم دواب لا تعى ولا تعقل، وأنها تعيش فى نطاق غرائزها لا تعدوه. وأن الطمس الذى شملهم جعلهم لا يسمعون شيئا مما يقال لهم. ص _ ص 1
(1/124)

ولو سمعوا وعرفوا ما يطالبون به فإن الكبر المسيطر عليهم يمنعهم من الاستجابة. وقد نادى الله المسلمين قبل هذا الوصف الذميم ألا يشبهوا الكافرين! " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون * ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون " لا شك أن هذا تأديب شديد للمنتصرين.. وبعد وصف المشركين بالحيوانية فى قوله "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون.. ". اتجه الخطاب إلى المسلمين ليرتفعوا عن هذا الدرك الذى هوى إليه عدوهم. " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم... " . ومضى هذا التأديب فى سياق حافل بالنذر ملىء بالوعيد المقلق! مثل قوله تعالى "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه... " وقوله "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب " . هذا هو التعليق على النصر بعد خمس عشرة سنة من الآلام!! علام يدل ذلك؟ على أن سائق النصر لعباده يرفض أى شبهة من غرور أو خيلاء، إن الله هو الذى أذل الكفر وأهله، هو يؤدب المسلمين المنتصرين بأدبه حتى لا تسكرهم خمرة النصر، فيسيروا بين الناس مستكبرين. ولذلك يقول لهم " واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون" أإنه ـ جل شأنه ـ ذكرهم بما كانوا فيه من هوان وذل حتى يمحو كل ذرة من جاه أو تطلع إلى مال. ثم وجه إليهم هذا التحذير القوى " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون * واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم " . فى جميع المعارك القديمة والحديثة يعود المنتصرون مزهوين، تنثر فوق رءوسهم الورود، وتغتفر لهم الخطايا، وتكال لهم المدائح. ص _ ص 2
(1/125)

أما المنتصرون فى أول معركة كبيرة بين التوحيد والشرك، بين العقل والحماقة، بين الحرية الدينية والاستبداد الأعمى فإن كتاب الإسلام يوجه لهم النصائح، ويعلمهم الاعتدال.. ونحن نسوق هذا الدرس للمستشرقين الذين عميت قلوبهم فحسبوا "بدرا" أول المظاهر لعنفوان الإسلام وعدوانه....!! وعاد السياق إلى ما قبل بدر أو إلى ما قبل الهجرة ليشرح كيد المشركين للإسلام ونبيه. لقد كان رسول الله بأمر ربه يقول لهؤلاء الكفار: " قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون * قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم " . فماذا كان موقفهم؟ الاضطهاد العام والتهديد للرسول نفسه بالسجن أو القتل أو النفى "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" . والمفروض أن الناس إذا تحيروا وتشابهت أمامهم الطرق أن يقولوا: "اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه. وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه " ولكن هؤلاء الجبابرة يقولون " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم". إن الكفر فنون شتى، وهناك كفر دون كفر! ولعل أقبح أنواع الكفر وأجدرها بالنكال إنكار الألوهية بالله! يليها الشرك بالله والزعم بأن لله أولادا. وهناك رؤساء للكفر يعبدون أنفسهم فى ظل التعطيل والتعديد. وولاؤهم للكفر باق ما بقيت لهم شهواتهم وأهواؤهم التى يقدمونها على كل شىء. وهناك دهماء تعتقد صحة ما تفعل وتخلص لله "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا... " . وقد كان فى مشركى العرب من يظن مخلصا أن الأصنام تنفع وتضر، وأنها مفاتيح لله الأكبر!! والمعروف أن الأنبياء دعاة إلى التوحيد الخالص، وهم محتاجون إلى زمن يعالجون فيه هذه الأخلاط الشاردة، ولذلك يقول الله لنبيه " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم - تجتهد فى تبصرتهم - وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" ص _ ص 3
(1/126)

هل يعنى موقفهم هذا أنهم لا يستحقون العذاب؟ كلا، إنهم ظلمة للناس ولأنفسهم " وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون " . إن عبادتهم المغشوشة لا تجديهم، وعبثهم حول الكعبة لا يسقى عبادة، إنه صفير وصدى يتجاوب بالشرك، والطائفون الحقيقيون حول الكعبة هم الذين يذكرون الله وحده، ويحيونه بالباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر... والمشركون لا يفعلون شيئا من هذا... إنهم بذلوا جهودهم فى حرب التوحيد، وأنفقوا أموالا طائلة فى التأليب عليه والإحاطة به وهيهات أن يفلحوا. "إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ". وها هم أولاء قد غلبوا وحقت بهم هزيمة ماحقة فماذا هم صانعون؟. هنا يعرض الرسول عليهم التوبة، والانتهاء عن الكفر والفتنة، وعندئذ يعيشون موفورين "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين". إن المصرين على الظلم لن يجنوا إلا الندم، وقد هلكت من قبل عاد وثمود وخير لقريش أن تتوب، وإلا استؤنف القتال حتى تنقطع الفتن، وتستقر حرية التدين " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله... " . * * * * التوى السياق بالمتطلعين إلى الغنائم، وتجاوز تنازعهم فيها، ووجه إليهم نداءات متتابعة أن يستقيموا على منطق الإيمان والفداء الذى التزموا له منذ خرجوا للقتال. وبعدئذ نزلت الآية بتخميس الأنفال فجعلت خمسا فى وجوه الخير وتركت الأربعة أخماس الباقية للمقاتلين " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.. "الخ وظاهر من سيرة الرسول وصحابته أن هذا التخميس ليس حكما دائما لازما. ص _ ص 4
(1/127)

فقد خضعت الغنائم لتقسيمات أخرى مناسبة، آخرها ما وقع فى أرض السواد ومصر وغيرهما على نحو ما فعل عمر! وقضية الغنائم تحتاج إلى تعليق مهم، فإن السلف الأول كانوا يجاهدون متطوعين لا ينالون أجرا. وكان الذى يخرج من بيته يشترى سلاحه من ماله الخاص، ويدع لأهل بيته نفقاتهم من جهده وحده. ويتعهد عدته للقتال دون انتظار عون من حكومة قائمة!! فهل جعل الغنائم للمقاتلين ـ والحالة هذه ـ يعتبر عملا مستغربا؟ إنه مسلك معقول. لكن إذا تغيرت الأوضاع وأنشئ جيش منظم، ودفعت رواتب للجنود ووضع فى أيديهم السلاح، وضمنت مداواة الجرحى وكفالة الشهداء فلا لوم على الدولة إذا تصرفت فى الغنائم بأسلوب آخر.! ونلاحظ أن آية الغنائم جاءت معترضة بين أمرين. الأول وصف عدوان الكافرين الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ويبذلون قصاراهم لفتنة المستضعفين، وفرض ضلالهم بالسلاح! والثانى وصف الهدية التى ساقها القدر إلى المسلمين حينما يسر لهم نصرا غاليا لم تكن لهم يد فى ترتيب مقدماته " إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم". وظاهر أن الله تبارك اسمه قمع كبرياء الجاهلية بضربة لم تخطر ببال أفقدت المشركين رشدهم، وبعثرتهم خزايا فوق رمال الصحراء! وشدت أصلاب المسلمين ونضرت وجوههم وعوضتهم فى ساعة ما عانوه خلال خمس عشرة سنة ! لقد كان يوم بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، جمع التوحيد وجمع الشرك، فأذل الله معاطس طالما استكبرت بالباطل وأنعش مؤمنين طالما صابروا الليالى المعنتة! ثم جاء بعد هذا العرض للوقائع النداء السادس فى سورة الأنفال، وهو النداء الأخير. ص _ ص 5
(1/128)

وقد تضمن ست نصائح لبلوغ النصر، واستدامته!! قالوا. إن بلوغ القمة يحتاج إلى جهد كبير ولكن التربع فوقها وطول المكث فيها يحتاج إلى جهد أكبر. ولعل ذ!ك ما تقصده الآية الكريمة وهى تحصى ضمانات النصر وحوافظه على مر الأيام. قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا (1) إذا لقيتم فئة فاثبتوا (2) واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (3) * وأطيعوا الله ورسوله (4) ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم (5) واصبروا إن الله مع الصابرين (6) * ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله.... ". والثبات حين البأس يتطلب نفسا مفعمة باليقين والتضحية ويعجبنى قول الشاعر: وقد كان فوت الموت سهلا فرده إليه الحفاظ المر والخلق الوعر...!! وقد كان عبد الله بن رواحة نموذجا نبيلا وهو يكبح نوازع الحياة فى دمه ويرغم النفس على شرف الفداء وملاقاة الردى قائلا: يا نفس إلا تقتلى تموتى هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلى فعلهما هديت..! يقصد زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وقد استشهدا قبله، وكانا أميرى الجيش فى مواجهة الرومان. فلحق بهما ثابتا كريما واجتمع الثلاثة فى ديار النعيم فى الجوار الكريم!! وذكر الله الشعور بقرب لقائه وأن المصير إليه والكفاح من أجله. وإذا كان المرء قلقا على فراق أحبة يغادرهم فإن الله من بعده هو متوليهم وكافلهم.. وطاعة الله ورسوله لابد منها لإحراز النصر ودوامه. وإذا كان أعداء الإسلام يعصون ربا لا يعرفونه ولا يوقرونه فحرى بالمسلمين أن يلزموا الطاعة ويحذروا المخالفة وأن يتقوا النار التى أعدت للكافرين. وقد كان عمر بن الخطاب يوصى جنده وهم يقاتلون الفرس بالبعد عن المعاصى ويقول لهم إنه لا يخاف عليهم كيد عدوهم قدر ما يخاف عليهم تسلل المعاصى إليهم. ص _ ص 6
(1/129)

فإنهم إذا استووا والكفار فى المعصية وكلهم الله إلى أنفسهم وهم أقل عددا وأضعف عدة فتحيق الهزيمة بهم..!! وأنا أستشعر الأسى عندما أرى أخلاقنا أضعف من عدونا، ومسالكنا أردأ فأنى ننتصر؟ ثم تجئ وحدة الكلمة والابتعاد عن أسباب النزاع!! والمسلمون اليوم خمس العالم، وأرضهم مستنقع لجراثيم الفرقة كلها، فهم سبعون حزبا بأسهم بينهم شديد، على حين ترى اليهود ـ وهم عشر معشارهم ـ قد وحدوا صفهم، وقاتلونا جبهة متساندة متعاضدة فنالوا منا وما نلنا منهم شيئا. وحاصروا المسجد الأقصى ونحن مشغولون بأنفسنا وقضايانا، فذهبت ريحنا وفل حدنا..! أما الصبر فهو على الطاعة، وعن المعصية ومع تتابع الأرزاء! ولن تطيق الصبر شعوب تبحث عن الشهوات وتألف الأهواء!! وأخيرا فإن القتال الإسلامى شرطه الأول أن يكون فى سبيل الله، أما القتال الذى ألفته شتى الحكومات فهو قتال عصبيات، وبحث عن الحطام وإعلاء لكلمة الطاغوت، واستغلال للمستضعفين فى الأرض، فلا عجب أن تكون مصارع هؤلاء، فى معاركهم على نحو ما وصف الله. " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد" . وسير الطغاة متشابهة ومصايرهم واحدة " كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب ". إن العصور تختلف ولكن سنة الله واحدة فى الأولين والآخرين. ص _ ص 7
(1/130)

قال رجل جاهلى يرثى أولاده الذين قتلوا فى معركة بدر: ألا قد ساد بعدهم أناس ولولا يوم بدر لم يسودوا!! نعم، كان يوم بدر له ما بعده، فقد ارتفعت كفة المسلمين وانخفضت كفة المشركين وزال عنهم ما كانوا فيه من كبرياء وخفض عيش! إن أيام النعمة لم تزدهم إلا عتوا وصلفا فلتزل هذه النعمة وليفقدوا سنادهم على الظلم "وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" وهكذا يصنع الله بكل من جحدوا الفضل وكفروا العطاء من الأولين أو الآخرين. "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ". إن الشكر قيد النعم وحافظها فإذا انفك القيد طارت النعم فى كل فج. ويتأكد هذا المعنى فيما وجه إلى أسرى بدر من توجيه حاسم: " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم * وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم " . ويشبه اليهود المشركين فى العقوق وكفران النعمة والعيش على ما يحلو لهم ونسيان تقلب الليالى. فهم لا يوفون إلا إذا كان الوفاء منفعة لهم فإن لم يكن مجديا عليهم نكثوا. ولذلك نزل فيهم قوله تعالى " إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون" وهؤلاء لا يصحون من غمرتهم إلا تحت سياط الهزيمة الموجعة ولذلك قيل للرسول: اضرب من يلقاك ضربة تخيف من وراءه..! ص _ ص 8
(1/131)

"فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون * وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين " . وما دام الظلم لا يردع إلا بالسيف فليحمل المسلمون السيف! وما دام الإنصاف لا يتحقق إلا بالقتل فليخض المسلمون المعارك! حتى يرتفع لواء العدالة..! إننا حراص على السلام وفى ظله نبلغ رسالتنا وافرين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. لكن ما العمل إذا كممت أفواهنا، بل إذا أوجع المسلم خسفا حتى يترك دينه؟؟ ما بد إذن من قتال! والمثير أن فوارق العدد لا وزن لها فى هذا القتال، فالقلة تتصدى للكثرة. والواحد يثبت أمام العشرة. والسبب أن الله ظهير للمؤمن إذا قاتل، فهو عندما يضرب تضرب معه قوى الأرض والسماء، إنه عطاء لقدرة الله المنتقم من أعدائه بعدما توقحوا وتبجحوا. وهذا معنى الآيات " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون " . وأنا مع المحققين فى أن هذا هو الحكم الأصلى الثابت الدائم. وأن الثبات أمام اثنين هو عند الضعف الطارئ أو الظرف العارض المخفف. فإذا زال رجع الحكم إلى أصله وهو تصدى الواحد لعشرة!! وذلك معنى قوله تعالى " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين". وفى الحروب العادية يستطيع بعض الجنود المتحصنين فى معاقلهم أن يقاوموا جيشا جرارا. وفى حرب العبور الأخيرة استطاعت ثلة من الجنود المشاة أن تمزق فرقة من المدرعات اليهودية. وعلمت أن جنديا مصريا أوهم العدو أن معه قنبلة يدوية ورفع ذراعه مستعدا للهجوم فرفع الجنود اليهود أيديهم مسلمين وقادهم أمامه أسرى!! إن الروح المعنوية للمقاتل الفدائى تجعل الواحد جمعا.. ص _ ص 9
(1/132)

"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" .. وختمت سورة الأنفال بآيات شرحت الرباط الذى يشد العالم الإسلامى ـ على تنائى أطرافه ـ ويجعله جسدا واحدا إذا اشتكى بعضه اشتكى كله. هذا الرباط هو الأخوة المشتركة فى نصرة رسالة واحدة! إن الدين رحم بين أهله لا يجوز قطعها والمسلمون أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. وعدد المسلمين اليوم يماثل عدد أهل الصين نحو مليار ومائتى مليون إنسان. فهل الأخوة الإسلامية تربط بين المسلمين كما تربط القومية الصينية بين الصينيين؟ الذين تمثلهم دولة واحدة لها صوت فى مجلس الأمن إذا اعترض قرارا وقفه؟ وواجه الدنيا بموقف حاسم؟. يقول الله تعالى فى خواتيم هذه السورة "إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا... ". لقد تخلفوا عن قضية مصيرية فلا حق لهم فى نصرة.. أما الكافرون فهم على اختلاف مللهم أمة واحدة ينبغى أن يروا منا وجها واحدا وفكرا واحدا "والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". والغريب أن الأمة التى يجب أن تدور أمورها على محور واحد تقطعت فى الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك. وهى تضم الآن نحو سبعين جنسية لكل جنسية رايتها المميزة!! فهل تتساند فى نصرة قضاياها أم تتخاذل؟ إن المسلمين فى هيئة الأمم أضيع من الأيتام فى مأدبة اللئام، بل قد رأينا مسلمين يصارحون بأن نداء الإيمان لا يعنيهم، ولا يستجيبون له ولا يحفون لطاعته!! وفشت بدعة التعصب للقوميات، وآخر الجروح الدامية فى كياننا المثخن بدعة التعصب للقومية العربية أو البعث العربى بعد تجريد العروبة من الإسلام!! ص _140
(1/133)

وماذا تساوى العروبة إذا فرغت من الإسلام؟. وذلك كله يقع فى أيام نحسات استيقظ فيها بنو إسرائيل وجعلوا التعصب لنحلتهم أساس الحياة، ووالتهم الصليبية العالمية واعتبرت أطماعهم فى بيت المقدس والأرض المقدسة مسلكا لا غبار عليه ولا مكان لاعتراضه. إنه لا حل لمشكلاتنا إلا بإعادة الإيمان إلى مكانته فى أوضاعنا المحلية والعالمية على سواء.... * * * * ص _141
سورة التوبة نزلت سورة براءة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر شهرا. أى بعد مرور اثنين وعشرين عاما على بدء الوحى. كانت السياسة المتبعة خلالها فى معاملة أعداء الإسلام هى "وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون " . وهى سياسة ـ كما يرى كل منصف ـ لا إكراه فيها على دين ولا مبادأة فيها بهجوم! ولكن أعداء الإسلام من مشركين وكتابيين رفضوا أن تشق الدعوة طريقها المسالم واشتبكوا معه فى قتال انتهى بهزائمهم. فهل اعترفوا بالواقع وتراجعوا عن العدوان..؟ كلا. لقد كانوا كالثعلب الذى يتماوت ليظفر بالحياة ويستأنف الغدر والفتك! وتحولوا فرادى وجماعات إلى فلول تجور على حقوق المسلمين وتنال من مكانتهم. فلم يكن بد من منازلة العابثين وإلزامهم حدود الأدب. وهذا معنى البراءة التى صدرت عن الله ورسوله ضد هذه القوى الخائنة.!! والمؤسف أن بعض الناس جاء إلى الوحى النازل وشرع يتعسف فى تفسيره. فهو يقسم الجملة قسمين يأخذ بأولها وينسى آخرها. مثل قوله بأن السورة شنت حربا هجومية على الكفار جميعا. مستدلا بقوله تعالى " وقاتلوا المشركين كافة" وناسيا بقيتها "كما يقاتلونكم كافة" ومثل فهمه كلمة "الناس" فى قوله تعالى " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ". فقد فهم أن كلمة الناس تعنى البشر قاطبة!! ونسى الاستثناء والتعقيب الواردين بعد هذا العموم. ص _142
(1/134)

وهما أولا قوله تعالى " إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا... ". فالمعنى واضح حاسم فى أن الحرب ضد قوم معينين ظاهروا علينا العدو واستباحوا حقوقنا. وهل علينا من جناح فى حرب هؤلاء؟. أما التعقيب فهو بالغ الأهمية. ذلك أنه فى أثناء تأديب المعتدين يظهر أقوام لا ناقة لهم فى الحرب ولا جمل! لا يريدون قتالا ولا يفكرون فيه! هؤلاء أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتأمينهم وطمأنتهم وإعادتهم سالمين إلى أرضهم " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون " . فأين الحرب الهجومية فى هذا السياق النبيل؟. ويظهر أن الذين فهموا أن السورة إعلان حرب عامة على الكفر نظروا إلى القتال الذى وقع فى مصر والشام والعراق بعد ذلك، وامتد حتى قضى على دولة الفرس، وقصم دولة الروم. وهذا فهم خاطئ كان له مساغ لو أن المسلمين وجهوا جيوشهم إلى رومة والمدائن مباشرة. ولكن هذه الإمبراطوريات الباغية كانت تحتل أراضى ليست لها، وتستذل جماهير مغلوبة على أمرها. فدارت الحروب معها على تحرير الأراضى والشعوب ومنع الاستغلال والاستذلال. وعرض الإسلام بعد ذلك على الشعوب المحررة التى سرعان ما رغبت فيه وذادت عنه..!! إن سورة براءة بريئة من التحريض على العدوان وتشريع الحرب الهجومية على الأبرياء والمسالمين ولننظر إلى صدر السورة مرة أخرى فماذا نرى؟. لقد أعطى الإسلام مهاجميه مهلة قدرها أربعة شهور ليروا رأيهم ويرجعوا عن خطئهم "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين " . والمعنى أن المهلة ليست عن ضعف فلا تنخدعوا بقواكم المزعومة فعاقبة الغدر وخيمة.. وقد أعلنت هذه المهلة يوم الحج الأكبر الذى يجمع العرب كلهم، المؤمن والمشرك، من له عهد ومن لا عهد له حتى يكون الأمر واضحا كل الوضوح فلا عذر لأحد. ص _143
(1/135)

وزيادة فى الشرح، وزيادة فى كشف دخائل المشركين وخبث طواياهم وحسما لكل اتهام بالعدوان من جانبنا عادت السورة تقول: " كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم " . انظر إلى حرصنا على الوفاء لمن وفى!! أما أهل الغدر فكيف نحفظ لهم عهودا ما حفظوها؟. " كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ـ لا يمينا ولا عهدا ـ يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون * اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون ". نحن لم نعتد ولم نفكر فى عدوان ولا نرتضى لأنفسنا هذا الوصف! ويبدو أن المسلمين كانوا يشعرون بقلق من تبعات هذا الموقف، ويدركون أن أعداءهم أقوياء، وأن قوتهم هى التى تدفعهم إلى مناوشة المسلمين والجور عليهم!! وقد كره القرآن الكريم هذه الرهبة فقال محرضا المسلمين على المقاومة وتأديب الغادرين "... فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون " . أتنتظرون البر بأيمان، أو الوفاء بعهود ممن لا دين لهم؟. ثم ازداد التحريض على تأديب الغادرين والناكثين فقال جل شأنه " ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ". وعند متابعة السياق ترى أن القوم الذين أمرنا بمحاربتهم ما كانوا أهل سلام ولا وفاء. وأنهم أساءوا إلى المسلمين طويلا، وملأوا صدورهم غيظا وألحقوا بهم إهانات وجراحات شتى. "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم... ". أتجد فى هذا السياق أية إشارة لهجوم على قوم آمنين؟. أو تعرض لطوائف من المسترسلين المسالمين..؟. ص _144
(1/136)

الحق أن وصف سورة براءة بأنها غيرت مجرى الحرب فى الإسلام جهل كبير. فقد كنا وما زلنا وسوف نبقى نسالم من سالمنا ونحارب من حاربنا، نعتمد فى دعوتنا على الشرح الوافى والبلاغ المبين، مع رفض للدنية وأنفة من الذل والهوان عوملت الوثنية العربية خلال ثنتين وعشرين سنة ـ قبل نزول براءة ـ بأحكم وأرحم ما يعامل به نظام خرافى يريد فرض سيطرته للأبد! فى مكة كان الإسلام دينا خارجا على القانون لا اعتراف به. وبعد الهجرة إلى المدينة خاض المسلمون مع أعدائهم نحو ثلاثين معركة وسرية. ترى كم بلغت خسائر الوثنية العربية فى هذه الحروب؟ لقد ذكرت فى بحث سابق أن قتلى الكفار حوالى مائتين فى هذه الوقعات كلها...!!! أى عشر معشار مذبحة "سان بارثلميو" فى باريس التى وقفت تقدم البروتستانت فى فرنسا الكاثوليكية!! كان المسلمون فى أثناء ثنتين وعشرين سنة يناشدون الكفار أن يعقلوا، أو أن يعدلوا إذا لم يعقلوا ! واستمع إلى نغمة الإخلاص والحب فى قوله تعالى "فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير " . ولكن هذه المناشدات لم تجد فتيلا، وبدا أن مبدأ " لكم دينكم ولي دين ". مرفوض، وأننا نريد حياتهم ويريدون قتلنا!! وكان العلاج الإسلامى لهذا الموقف النابى ـ بعد أن استمكن المسلمون من السلطة ـ أن قالوا لأعدائهم: دعوا هذه الأرض لنا، وسيحوا فى أرض الله الواسعة!! إنكم تضيقون برؤية الإسلام فى بلد، وتكيدون لأهله ما استطعتم، وتتربصون به الدوائر، ولا ترضون أن تقبعوا بكفركم فى دوركم. إننا لن نقتلكم ولكننا نتحصن من فتنتكم فاذهبوا حيث شئتم ودعونا وشأننا! وانضم إلى هذه الأمر شئ آخر هو: لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان. وهو أمر مفهوم لقد حطمت جميع الأصنام التى كان يعبدها المشركون حول الكعبة
(1/137)

ففيم الطواف إذن؟. ص _145
أما التعرى عند الطواف فمقبحة من المقابح لا يأذن بها دين محترم، وإنما تفهم مع اختلاط الوثنية بالبهيمية..!! ولذلك جاء فى السورة الكريمة " ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون * إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله.. " . لقد كان رب العالمين يعلم أن أجل رسوله سوف ينتهى بعد عام وثلاثة أشهر من نزول سورة التوبة. وترك القافلة بعد وفاة قائدها تواجه هذه الفتن العمياء ليس من مصلحة الدعوة. لقد تبجح الشرك طويلا ولم يبق إلا الفراغ منه ليتوجه المسلمون إلى تأمين دعوتهم فى شمال الجزيرة بعد أن هددها الرومان! ومع أن "براءة " ألحقت بالوثنية ضربة خطيرة إلا أن الوثنيين اختفوا وفى طواياهم نية الغدر. وما كادوا يسمعون بموت محمد عليه الصلاة والسلام حتى انتقضت جموعهم وحسبوا أن الليل سوف يعود مرة أخرى فعالنوا بالردة. وتمردت جيوشهم فى ميادين شتى فتصدى لها الموحدون بقيادة أبى بكر وما زالوا يقاومونها حتى أخمدوا أنفاسها واستتب الأمر للإسلام. " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض... " . وتفرغ المسلمون لمقاومة الرومان الذين أوصدوا الأبواب أمام الدعوة الإسلامية شمالىّ الجزيرة. ولا بأس أن نشرح مرة أخرى التزامنا أمام دعوتنا. نحن لا نحارب معتدين ولا نكره أحدا على اعتناق دين! إننا نعرض الإسلام فقط على الآخرين "... فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فإذا آثر أحد الكفر قلنا له: لا عليك، ولن يصيبك منا أذى! كل ما نطلبه منك أن تتركنا ندعو غيرك، وألا تتعرض لهذا الغير إذا استجاب لنا. إن الإسلام فى نظرنا هو العلاقة الفذة بين الله وعباده، وقد كلفنا الله بالبلاغ وإيقاد الضوء أمام من يجهل. فلا تعترض طريقنا ونحن نبلغ الناس. ص _146
(1/138)

ولا تعترض الآخرين إذا شرح الله صدورهم للحق. فإن ارتضى هذا الحياد فأمره معنا كما قال تعالى "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا " . وإن قال: بل سأمنعكم من البلاغ وأمنع الآخرين من الاستجابة، قلنا له لقحت الحرب بيننا وبينك. فإن نصرنا الله عليكم جردناكم من السلاح الذى استخدمتموه فى العدوان. ويسرنا لكم أن تحيوا معنا آمنين على أموالكم وأعراضكم. وتولينا نحن عبء الدفاع عنكم إذا تعرض لكم أحد بسوء. وغرضنا أن تستبينوا حقيقتنا، وتتكشف لكم خبيئتنا، ثم كلفناكم فى نظير ذلك بعض المال الذى ننفقه فى الدفاع عنكم وعن شعائركم.. وهذه هى الجزية التى كثر اللغط حولها. وهذه هى ملابسات فرضها، إنها لا تفرض على محايد آثر البعد ابتداء عن مصارعتنا! وإنما تفرض على من قرر قتالنا، أو أعان بنفسه وماله المعتدين علينا.. والناظر فى آية الجزية يرى أنها أحصت مثالب من ضربت عليهم، وكشفت عن فقدانهم للإيمان بالله واليوم الآخر، واقترافهم فنون المعاصى، وخروجهم جملة عن سنن الأنبياء. "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " . وجاء فى صفاتهم بعد ذلك أنهم يؤمنون بسياسة تكسير المصابيح، ونشر الظلام "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره " . وأن أحبارهم ورهبانهم مهرة فى أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله.... وتاريخ الجزية جدير بالنظر، فإن الشعوب التى تعرفت على الإسلام من قرب سرعان ما دخلت فيه، وقع ذلك فى مصر وخراسان وأقطار أخرى، حتى نضبت موارد الخزانة من هذا الباب لكثرة من دخلوا فى دين الله. وهذا هو المطلوب، فإن محمدا بعث هاديا ولم يبعث جابيا ص _147
(1/139)

كانت حجة أبى بكر بالناس فى السنة التاسعة مهادا حسنا للحجة العامة التى تلتها فى السنة العاشرة وكان النبى نفسه أميرها. إذ كانت بالمسلمين خاصة بعدما قيل فى السنة التاسعة "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.... " . وقد انفرط عقد الشرك وسمع المشركون فى تخاذل أن عهودهم ألغيت، وأن التعامل بعد اليوم سيكون قصاصا عدلا فلا عبث ولا خداع. وهكذا انتهت الوثنية بقرار حاسم. أما اليهودية فقد تضعضت من قبل فى معارك متصلة، آخرها ما دار فى خيبر فى السنة السابعة. وبقى اليهود زراعا فى محاقلهم أو تجارا حيث يشاءون فى المدينة المنورة أو غيرها. المهم انكسار قوتهم العسكرية التى أغرتهم بالإثم والعدوان. فهل ذلوا أو ظلموا بعدما طاحت دولتهم؟ كلا! بقيت لهم حريتهم الفردية، وفى ظلها الوارف أخذ أحد تجارهم درع النبى عليه الصلاة والسلام رهنا فى معاملة له..!! وكانت وفود النصارى تجيء إلى المدينة المنورة، ومن قبل إلى مكة تستمع إلى الوحى الجديد. وقد أسلم بعضها وانشرح صدره بالحق. وجادل البعض جدالا هادئا فى رفض الإسلام لألوهية عيسى مع تكريمه العظيم له.. ولم يشعر الإسلام بخطر من نصارى اليمن، أو من غيرهم. بل جاء الخطر- كما سترى- من دولة الرومان التى صنعت ستارا حديديا حول تسلل الإسلام إلى شمال الجزيرة بعدما انتشر وسطها وجنوبها. وهنا نلفت النظر إلى أمرين متباعدين: أولهما أن الإسلام كان صديقا للنصارى، وأن النبى عليه الصلاة والسلام. أمر المستضعفين بالهجرة إلى الحبشة، فى جوار ملك لا يضامون فى سلطانه!! وأن النبى محمدا كان صاحب الصوت الوحيد على ظهر الأرض أن الروم سوف ينتصرون على الفرس مرة أخرى بعد هزيمتهم الهائلة التى منوا بها، والتى حزن المسلمون لها... أما الأمر الثانى: فمع هذه الصداقة للشعوب النصرانية كان الإسلام واضحا كل الوضوح فى ص _148
(1/140)

إنكار التثليث ورفض ألوهية عيسى وجبريل، و اعتبارهما عبدين صالحين. وقد تتابع الوحى فى مكة والمدينة يؤكد هذه الحقيقة. ويطالب أتباع المسيح بتصحيح عقائدهم وإفراد الله بالوحدانية واستمداد أحكام الحل والحرمة منه سبحانه وتسوية البابوات والكرادلة بسائر الخلق.. وآخر ما نزل من ذلك فى سورة براءة، وتلى على الناس فى السنة التاسعة "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون " . والقرآن الكريم يعتبر استفتاء رجال الدين فى الحلال والحرام وخروجهم على الجادة فى ذلك وإباحتهم الشذوذ وغيره كما وقع فى إنجلترا ضربا من الشرك. وعلى أية حال فالله فى الإسلام إله واحد لم يلد ولم يولد ولا كفء له وهو وحده الحاكم بين عباده... وقد أحكمت دولة الرومان إغلاق الأبواب أمام الإسلام، وقاتلت فى وقعات شتى لتبقى الإسلام داخل المصيدة فى وسط الجزيرة... فلم يبق بد من مقاتلتهم!! الإسلام يكون أمة دعوة، بالحسنى لا بالإكراه. يجب أن تبقى للحق وللخير أمة تمثله وتدفع عنه وتحسن عرضه وتستبقى شرائعه وشعائره حيه.. "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " . نعم من حقنا أن ندعو الآخرين، وليس من حقنا أن نكره واحدا منهم على ما نريد. إننا نريد حق الكلمة وحسب، والرومان يرفضون ذلك. وإلا فلماذا دفعوا جيوشهم إلى مقاتلة المسلمين فى مؤتة وتبوك وغيرها؟. بل سنكون أكثر تفصيلا وإيضاحا، لقد رفض الرومان كنيسة "أريوس " القائمة على أن عيسى مخلوق لا خالق. ورفضوا كنائس الشرق التى لها رأى يخالف الفكر الرومانى فى طبيعة المسيح، وحبسوا البطريك فى مصر وقتلوا أخاه. ص _149
(1/141)

فهل كان الرومان يقبلون الفكر الإسلامى فى العقيدة والشريعة، وقد صنعوا ما صنعوا فى إخوانهم؟. الحق أن الإسلام كان يقاتل من أجل حرية الإيمان، وقد دخل مصر والشام وأمن الناس على حريتهم الدينية، وأفرج عن السجناء. من أجل ذلك اهتم النبى عليه الصلاة والسلام بكسر القيود التى وضعها الرومان على الدعوة، وعبأ المسلمين كلهم تعبئة عامة لمواجهة الاستفزاز الرومانى عالما أن مستقبل الإسلام مرهون بالفوز فى هذا العراك المفروض.. وعندما نشبت الحرب مع الروم كانوا الدولة الأولى فى العالم لقد سحقوا الفرس وثأروا لأنفسهم واستأثروا بقمة السلطة.. ولم يكن مستغربا أن يهتز الضعفاء والمنافقون لفكرة القتال مع الرومان. ولولا أن محمدا يستند إلى الله فى جهاده المبرور ما أقدم على هذه المغامرة.. ولذلك جاءت بقية سورة براءة تفضح المنافقين والمترددين وتستجيش القوى المؤمنة كى تؤدى واجبها الصعب. وبدأ القسم الثانى من السورة بقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.. * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما و يستبدل قوما غيركم و لا تضروه شيئا .. " . ومضت السورة تطهر الأرض من المنافقين، بعد ما طهرت الأرض من الوثنية واليهودية الخائنة. وذلك حتى يأمن الإسلام على نفسه فى المجتمع الذى بناه بالعرق المتصبب. سورة براءة إعداد للأمة التى ستحمل الرسالة بعد وفاة قائدها، وإخلاء للأرض من الأعشاب السامة والعناصر السيئة. وكانت مقاتلة الرومان المحك الذى كشف معادن الرجال. وسنرى صورا كثيرة لأصحاب العلل الذين يتأخرون فى ميدان الواجب، ويخونون الإيمان وقت الشدة. ص _150
(1/142)

ينتصر أهل الحق عندما يكون ولاؤهم لله أقوى من ولاء الآخرين للأنداد والشركاء " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله". ويتكشف ذلك فى الحياة عندما يصطرع المؤمنون والكافرون، ويبذل كل منهم أقصى ما عنده لكسب المعركة. ولذلك جاء فى سورة براءة " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين " . وقد صدر الأمر بمقاتلة الرومان والتصدى لعدوانهم فى ظروف تتطلب الإيضاح: ( أ ) فالرومان كانوا الدولة الأولى فى العالم، وقد تأكدت صدارتهم بعدما هزموا الفرس هزيمة تامة. (ب) المسلمون جزء قليل من العرب الذين حررتهم العقيدة الجديدة. أما سائر العرب فأتباع للروم أو الفرس. (جـ) قوة المسلمين محدودة، وقد جربوها فى مؤتة وذات السلاسل فلم تغن شيئا. ( د ) المجتمع الإسلامى تعمل فيه فتن المنافقين، وبقايا الوثنية الصريعة وفلول من أعداء مهزومين يستطيعون الإرجاف والكذب. ولكن الله أراد تنقية الأمة من هذه الأخلاط حتى تتفرغ لأداء رسالتها الكبرى. وقد جاءت سورة براءة لتغربل المجتمع بقوة وتنفى خبثه إلى غير رجعة. فاستنكرت السورة كل تقاعس عن القتال " يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل" . ورفضت السورة الأعذار الكاذبة التى يختلقها الجبناء والكسالى " لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين * إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون " وفى موضع أخير من السورة صورت مختلقى الأعذار للقعود، وطلب الراحة من أعباء الجهاد "جاء
(1/143)

المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم" . ص _151
وظاهر أن أكثر الذين تخلفوا عن مقاتلة الروم قوم خربو القلوب، ضعاف اليقين، عبيد للذة!! ومن المساخر أن أحدهم جاء يعتذر عن الخروج بأنه لا يصبر عن نساء الروم، فلو ضمن له رسول الله العفة خرج!! وأحسبه لو خرج لطاردته أولئك النسوة وهو يولى. الأدبار " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " إن جمهور المنافقين كان في قرارة نفسه يكره الإسلام، ويتمنى له الهزيمة، وقد يبتسم مخفيا هذه المشاعر. وطبيعى أن يتعرض المجاهدون للحلو ولمر والهزيمة والنصر، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى " إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون * قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ". لقد كانت غزوة العسرة، أو تبوك هى المناسبة التى فجرت براكين الغضب الأعلى على أهل النفاق كلهم، وفضحت خباياهم ووصفت مؤامراتهم وحذرت من الانخداع بهم. وكان لابد من هذا الكشف حتى يستقبل المسلمون عهدا أنظف لاسيما ورسول الله تاركهم بعد عام كما سبق ذلك في علم الله. والنفاق سوس المجتمع ولا تنجح أمة يسودها المنافقون وإن ساندتهم ثروات طائلة، وأسر كبيرة! " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون" ومضت السورة الكاشفة تفضح خلال المنافقين.. فهذا صنف يرى أن الرسول جاءته أموال فهو يطمع في الإصابة منها، فإن أعطى رضى، وإن حُرم سخط! إن بواعث رضاه وسخطه منفعته الخاصة.!! " ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ". ص _152
(1/144)

وبعض المنافقين اتخذ مسلكا خسيسا قال: نقول فيه ما شئنا ثم نذهب إليه ونحلف له أنا ما قلنا فيقبل قولنا! إنهم يستغلون أدب الرسول وكراهيته للجدل فينالون منه " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ". وللمنافقين أصدقاؤهم الذين يأنسون بهم، ومجالسهم التى يتنفسون فيها. وهم لم يظهروا دفعة واحدة، بل تمخضت عنهم مواقف شتى وجمعتم مآرب كثيرة. وقد يزيدون وقد يقلون، ولكن حزبهم بقى يؤوى الشاكين والمتربصين والكارهين للإسلام ونبيه. وقد نبه القرآن إلى خطرهم فى سور شتى، ولكن سورة التوبة تتبعتهم فى مهاربهم ومساربهم حتى ما أبقت منهم أحدا.. ويرجع ذلك إلى أن الأمر يتصل بمستقبل الإسلام فى الحياة، فإن قتال الرومان ليس خفيف النتائج، ولو أن محمدا ضعف فى هذه المعركة وأطمع أعداءه فيه لدكت الكعبة، ومُحِىَّ الكتاب واستخفت عقيدة التوحيد.. وكان المشركون والمنافقون يظنون أن محمدا وجيشه لن يعودوا من شمال الجزيرة، وأن الدولة الرومانية سوف تبتلعهم. وإن محمدا إذا كان قد انتصر على العرب الوثنيين واليهود المعاندين فهيهات أن يحالفه الحظ ضد الرومان. وما علم هؤلاء أن القدر يتحرك وأن الله أنزل وحيا وكتب له النصر " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " .. وكانت حركة النفاق عند التهيؤ لمقاتلة الرومان فى ذروتها. وكان الظن كبيرا أن يخذل المسلمون، بيد أن أنصار الحق ثبتوا وصدقوا ووقفوا إلى جانب الله باذلين كل شىء فملكوا المستقبل. "وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين * رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون * لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون " . ص
(1/145)

_153
لقد آن الأوان لمحو النفاق كما مُحِىَّ من قبل الشرك. وأن يتضام المجتمع المؤمن بعناصره ضاغطا على هؤلاء الغاشين العابثين حتى يخمد أنفاسهم وتستطيع القافلة التقية أن تسير دون عوائق أو مثبطات. ظهر النفاق مع نشوء الدولة الإسلامية فى أعقاب الهجرة المباركة. ذلك أن الأوضاع تبدلت تبدلا جذريا وضاعت فرص الرياسة على طامعين فيها. كما أن عشاق الوثنية المادية أعجزهم الإيمان الجديد وما ينشر من فضائل فلاذوا بتلون الوجوه، والتأرجح بين عدة مبادئ.. بيد أن الإسلام عالج الأمر بالمحاسنة والاصطبار، وانتظر مع الأيام أن يؤوب الشارد ويصلح الفاسد.. لكن المنافقين لم يرعووا، بل زادت فتنهم التى طال الحديث عنها فى جملة من السور المدنية.. ونلاحظ فى سورة براءة أن المواربة انتهت وأن المصارحة حلت محلها. ففى مأساة أحد يقول الله تعالى " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان.. " . هذا هو التعليق الخفيف فى هزيمة أحد. أما فى تخلف تبوك فثم أسلوب آخر " يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله... " . وطلب بعض الناس أن يهب الله لهم نعمة الغنى حتى يتصدقوا ويجاهدوا.. فلما منحهم ما طلبوا بخلوا ونكصوا، فنزل بهم شر عقاب " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه.. ". وكان لابد من حماية المجتمع من معوقين خبثاء يجلسون ليتهموا بالرياء أصحاب الصدقات الكبيرة، وينالوا بالسخرية والأذى أصحاب الصدقات اليسيرة. ص _154
(1/146)

" الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم.. " . ويظهر أن أولئك المنافقين كثروا، وزاد عددهم حتى فكروا أن يجمعهم مكان واحد ينظمون فيه حملتهم على الإسلام، فهداهم شيطانهم إلى بناء مسجد يهرع إليه كل ظنين، ويقبل عليه كل مخادع. ويستطيعون فيه النيل من الإسلام ونبيه فى ظل صلوات كاذبة وعبادات مزورة. " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون " . واتجاه المنافقين إلى هذه الخدعة يدل على مبلغ شرهم وخبث طويتهم. وقد هدم المسلمون هذا المسجد الذى أسموه بحق مسجد الضرار " لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين" . وظلت السورة الفاتحة تتتبع مؤامرات المنافقين، وأحاديث نفوسهم، وفلتات ألسنتهم حتى ما أبقت منهم أحدا... وكما قلنا: كان لابد من تصفية المجتمع من النفاق، فتولى ذلك القسم الثانى من السورة بعدما تولى القسم الأول تصفية المجتمع من الوثنية. وبهذا استعد المسلمون لأداء رسالتهم الكبرى فى أرجاء الأرض " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" وقد صورح المسلمون بأن نشر الرسالة يحتاج إلى بذل النفس والنفيس: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة... " . ولكن لم هذا العقد الخطير؟ ولم توطين النفوس على هذه التضحيات الجسام؟. والجواب أن الفتانين فى الأرض لا ينقطع لهم عدوان، ولا ينتهى لهم إثم! ورسل الله كلهم لا يلامون على الإعداد للجهاد إذا كان أعداؤهم لا يتوانون عن الطغيان والظلم! ص _155
(1/147)

فى هذه السورة يقول الله : "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين" من هؤلاء الذين نقاتلهم؟ إنهم الرومان، تدل على ذلك السورة كلها! ولماذا وصفوا بأنهم يلوننا؟. لأنهم قدموا من إيطاليا واحتلوا الأناضول والشام وجاورونا فى جزيرتنا شر جوار. كانوا هم السادة، وكان غيرهم العبيد! ما الذى جاء بهم؟ الاستعمار وأطماعه! وماذا يريدون من العرب؟ ترك رسالتهم أو الاحتباس بها وراء الحدود التى بلغوها فى هجومهم على دنيا الناس! هل يحترمون عقيدة أخرى غير ما يعتنقون ويتركون لها حق الحياة؟ كلا! فإذا كان ما لديهم باطلا وكان ما لدينا هو الحق فكيف ندفع عنه إلا بنفوسنا وأموالنا؟ إن هذا عقد أخذ على أتباع موسى وعيسى ومحمد، أن يعلوا كلمة الله، ويخفضوا كلمة الكفر " وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ؟ " . والشرطى مكلف بمقاومة المجرم ولو لجأ إلى السلاح وقد قيل: إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا فما حيلة المضطر إلا ركوبها!! وإنى لأنظر إلى أول السورة ثم أتدبر خواتيمها فأشعر بالعجب! أول السورة براءة من الطاغوت ورجاله العابثين بالمعاهدات. وآخرها تذكير برحمة الله العامة عندما أرسل نبى الملحمة ونبى المرحمة.. إنه نبى محارب، يتصدى بالسلاح لمن يحملون السلاح، على نحو ما قال شوقى: الحرب فى حق لديك شريعة ومن السموم الناقعات دواء!! ولكنه فى الوقت نفسه يبحث عن السلام فى كل شبر من الأرض، ويسعى إلى مسح الغبار عن كل جبين، ومحو العنت عن كل محزون معنت، " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم" . إنه ما قاتل حبا فى قتال، ولكن كرها للتسلط والعدوان. فإذا ضمنت العدالة وسادت الحرية وصينت الحقوق، فلا يلجأ إلى الحروب إلا مجرم. من أجل ذلك ختمت السورة بهذه الآية " فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب
(1/148)

العرش العظيم" هذه هى السورة التى قالوا عنها تضمنت آية السيف!! وأعلنت الحرب على الناس..!! ص _157
سورة يونس سورة يونس مكية، تشبه سورتى الأنعام والإسراء فى موضوعها : وهو التعريف بالله عن طريق النظر فى ملكوته، والتأمل فى خلقه. وعندى أن الأسلوب المكى الذى اتجه أول ما اتجه إلى الوثنيين قدير على تحريك العقل، وإشعال الفكر الخامد، ودفع الناس بقوة إلى ربهم. والاعتماد عليه، يصلح عند مخاطبة العلمانيين والماديين وأحزاب الملاحدة الأخرى. إن من خصائص القرآن العامة فى طوريه المكى والمدنى أنه كتاب إنسانى يهيب بالبشر أن يصحوا من غفلاتهم، ويتعرفوا على ربهم ويستعدوا للقائه. ورعاية مقتضى الحال جعلته يناقش الكتابيين فيما أثاروا من قضايا واختلقوا من بدع، وذلك ظهر جليا فى الطور المدنى. أما عبدة الأصنام فإن المنطق الحى كان يسيطر عليهم، والعمل للدنيا وحدها هو ما يشغلهم! وهذه أمراض تشبه ما وفدت به الحضارة الحديثة، فإن الناس فى أوروبا وأمريكا- وحيث امتدت هذه الحضارة ـ لا يهتمون بالله ولا بلقائه. والأديان القديمة لا تترك فى نفوسهم أثرا ذا بال، إنهم يعبدون الحياة وحسب ويتركون لرجال الكهنوت مكانا يتحركون فيه حسب مواريثهم التى يؤمنون بها، وهى مواريث قلما تؤمن بمنطق العقل والعدل... ومن المضحك أن أحد سماسرة الفكر الاستشراقى زعم أن الأسلوب المكى عاطفى، وأن المدنى عقلانى، لأنه تأثر بالجو العلمى عند أهل الكتاب. فلما أراد الاستدلال على المنطق العلمى للقرآن المدنى جاء بآية مما نزل بمكة المكرمة!! جاء بقوله تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون " ! فانظر إلى هذا الطمس... والقرآن عموما يؤكد أن الوجود الأول الذى نعيش فيه تمهيد لوجود آخر سوف نبعث فيه، وأن ص _158
(1/149)

الذين يعرفون الله هنا سوف يعرفونه هناك. يمكن أن نقول: إنه وجود واحد نحس مبادئه هنا أيام التكليف والمعاناة، ونحس نهايته هناك أيام الحساب والمجازاة. والحضارة العصرية ترفض ذلك كله. نحن هنا نسبح بحمد الله، ونشكر آلاءه، ونقوم بواجباته، أما هناك فإن التسبيح والتحميد وأداء الواجبات سيكون طبيعة فينا لا تقترن بمعاناة أو تكلف! " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم * دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " . من أنس بالله هنا أنس به هناك، وسعد فى جواره! أما من أنكره هنا فماذا ينتظر هناك؟!. إن الاستغراق فى عبادة اليوم الحاضر، والذهول التام عما وراءه ديدن الحضارة الغربية. وخدم الديانات الأولى يرددون ألفاظا لا تقدم ولا تؤخر فى مسير هذه الحضارة. " إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون" . والمنطق المادى يستغرب القرآن الكريم، أو يستغرب الوحى كله، لأنه مادى لا ينظر إلى السماء أبدا إلا عند التفكير فى غزو الكواكب..!! إنه كفر شديد الغرور. وقد بدأت سورة يونس بتصوير هذا الموقف: " تلك آيات الكتاب الحكيم * أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين " ! إن الإيمان من قبيل البداهات السهلة، وما عكر مورده إلا كهان محترفون أو جهال معاندون. وفى هذه السورة نرى الرباط وثيقا بين الإيمان والصلاح، فلابد مع الإيمان من عمل صالح، قال تعالى: " ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط " وقال: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم " .. وبعد قليل قال : " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " والإحسان هو مجموع الإيمان الواضح، والعمل الصالح عندما يسيران
(1/150)

معا فى الحياة على ضوء من شهود الله ورقابته. وقد عرفت السورة أولياء الله بأنهم الجامعون بين اليقين والتقوى: " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون" . ص _159
وتدبر ما جاء على لسان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم". وقوله تعالى: " والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم.. " وقوله : " إن الله لا يصلح عمل المفسدين". إن الأمة الإسلامية لم تستثن من جملة الأمم الأخرى، ولم تنل شيئا من المحاباة، بل قيل لها: إن الجزاء من جنس العمل. وإذا كانت الأمم البائدة قد جنت ما غرست، وذاقت ما قدمت، فإن المسلمين معاملون بالمنطق نفسه " ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين * ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون " . ومضت السورة حتى خواتيمها تؤكد هذه الحقيقة : " قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل * واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله... ". قارن بين هذا الختام العادل المنصف، وبين ما قيل للرسولى أول السورة: " أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم" تجد أن وظيفة محمد إقامة العدل وإحقاق الحق وإبطال الباطل وأنه- فى هذه السورة- يكوّن أمة لا تختال ولا تغتال، بل أمة تعرف ربها وتُعرف به، وتمشى على صراطه، وتطمئن إلى لقائه. أمة تتجنب سيرة الفراعنة الذين ذكر فيها نبؤهم، فلا تغتر بثروة أو سلطة، بل تحارب الجبروت والطاغوت، ونقول مع موسى وهو يدعو ربه: " ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم" . لو سأل أحد: من ربنا الذى كلفنا بعبادته وسنعود للقائه بعد انتهاء آجالنا فى هذه الدنيا؟ لكان الجواب: ماجاء فى سورة
(1/151)

يونس " إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون" إن هذا جواب مجمل يحتاج إلى تفصيل تولته آيات أخرى فى السورة نفسها، إن هناك ألوفا مؤلفة من الأفواه القاضمة والبطون الهاضمة. ترى من هيأ لها أرزاقها ومن حول هذه الأرزاق إلى لحم وشحم وعيون وآذان؟. ص _160
من جعل العيون تبصر، والآذان تسمع؟ إن هذه الحواس النفيسة أجهزة محكمة معقدة فى كيان واحد، فكيف صاغتها القدرة فى ملايين من الكائنات؟ " قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون"؟. إن الفلاح يضع حبة واحدة فى الطين فتخرج له ألف حبة!! من حول الحمأ الكريه الطعم والرائحة إلى قمح أو أرز أو ذرة يستحلى طعمها ورائحتها؟. من حول المخففات العضوية إلى قصب سكر؟ وإلى أزهار وورود ترف عليها ألوان الطيف، وتفوح منها أنواع العطور؟ "فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون؟"! والغريب أن بعض الناس بدل أن يسير فى الأرض فيبحث كيف بدأ الخلق انتكس على رأسه ورأى أن يبحث فى ذات الخالق يحاول أن يعرف كنهها!. إنه يفر من وظيفته الطبيعية، ويستر بطالته القبيحة بعمل باطل!. وقد كان هذا الانتكاس من أسباب غروب الحضارة الإسلامية وانهزامها العالمى. ونحن مع التفويض فى فهم آيات الصفات! فإنا نوقن بأن الله استوى على عرشه استواء يليق به، وشرع يدبر بحكمته شئون العالم الذى خلقه من غير شريك ولا معين، ويستحيل أن يستعين الخالق بالمخلوق، والقادر بالعاجز. وعلى الناس كلهم أن يعرفوا هذه الحقيقة، فلا يتجهوا فى دعائهم إلى أحد سواه. وقد عاب القرآن الكريم على الجهال الذين يفعلون ذلك: "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله
(1/152)

بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون". والواقع أن البشر ـ وفى مقدمتهم الرسل ـ والملائكة ـ وفى مقدمتهم جبريل ـ عبيد لله، عانون لحكمه، خاضعون لسلطانه: " لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " . ومع صحة العقيدة تصح العلاقة الإنسانية بالله ـ جل شأنه ت ويكسب المرء الوجود الدائم فى الحياة الباقية، وتتحول الدنيا إلى ذكريات حسنة . ص _161
(1/153)

إن عشرات السنين فى عمر الفرد، أو عشرات القرون فى تاريخ الدول تتحول إلى أصول عارضة أو ساعات قلائل: "ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم... " . لكن ساعة التعارف هذه بعيدة المدى فيما تُعقب من أحزان أو أفراح، ولذلك يقول ابن القيم : فحى على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم! ولما كان عقاب الخطأ قد يطول انتظاره، فإن بعض الناس يحسب هذا الطول إهمالا لا إمهالا. كان اليهود قديما يُحيون المسلمين فيقولون لهم: السام عليكم، أى: الهلاك، ويحسبون أنهم بذلك بلغوا أملهم : "... وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير " . إنهم يستعجلون العقوبة، وكلما تأخرت ازدادوا ريبة!. ومن قبلهم كان المشركون يكفرون بالله الواحد، ويحادون رسوله، ولثقتهم فى أنهم صادقون كانوا يتعجلون العقاب على ما يفعلون استهزاء وكفرانا : "ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون * يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين" . هذا الاستعجال الذى شرحناه هنا هو ما عنته سورة يونس فى قوله تعالى: " ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون " . وهذا الإنذار يتلاقى مع قوله تبارك اسمه : " وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا " لكنه فى هذه السورة يسائل المجرمين : لم الاستعجال؟ وما جدواه عليكم؟. أليس الأولى أن تتوبوا قبل أن تعاقبوا، وأن تستغلوا الإرجاء لما فيه خيركم؟! " قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون * أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون "؟. هل يستطيع أحد الإفلات من عقاب الله يوم يجئ فى موعده المقدور؟ كيف والأشياء كلها ملك لله " ألا إن
(1/154)

لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون " . هذا فيما لا يعقل، أما فيمن يعقل فقد قال جل شأنه: " ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن.... " . ص _162
فإذا كان الكون كله من أشخاص وأشياء مسترقا لله، وكان ملكا محضا لله سبحانه، فأين يفر امرؤ بجريرته؟ ومن يجيره؟ " ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين" ما الذى يدعو للعجب عندما يختار الرحمن رجلا يوحى إليه ويبلغ عنه؟ قد يكون الشعور بالحسد على نحو ما قيل: " أأنزل عليه الذكر من بيننا... " . وقد يكون الغضب لتجريح الوثنية وتقاليدها، فإن الذين ورثوا التعدد ينكرون التوحيد، والذين ورثوا تقاليد المادية العابدة للحياة الدنيا ينكرون كل كلام عن الحياة الأخرى.. وسورة يونس من السور التى رفعت راية الوحدانية، وأفاضت فى دلائل الوجود الأعلى، وشرحت من آفاق الكون ما يشير إلى عظمة الله " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون " . وقد رفض العرب هذا الوحى، وتعرضوا للقرآن الكريم فى ثلاثة مواضع من هذه السورة. الموضع الأول: " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله... " قل كلاما آخر تمدح فيه آلهتنا، وتقر فيه تقاليدنا وأحوالنا!!. " قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي... " ثم بين لهم الرسول الكريم أنه بلغ الأربعين دون أن يتلو وحيا أو يصحح دينا حتى فاجأه الوحى، فبلغ أمر ربه، ولا يملك إلا البلاغ " قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون "؟. والموضع الثانى لذكر القرآن الكريم قوله تعالى : " وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا
(1/155)

ريب فيه من رب العالمين " . والقارئ المنصف بعد ما يتلو القرآن يشعر أن محمدا لم يفتعل كلمة منه، وأن حرارة الدعوة إلى الحق تسرى فى سياقه سريان الماء فى النبات الغض. وأنه لا يصح فى الأذهان شىء لو نزل هذا القرآن بعيدا عن الله. بل سيدل هذا ـ إذا اعترفنا بالكتب السابقة ـ على أن البشر أقدر على صناعة الوحى من رب البشر!!! فإن القرآن فى الدفاع عن الألوهية ووحدتها أحر نفسا وأصدق لهجة وأسطع برهانا.. ص _163
وإذا كان القرآن قول إنسان فما يمنعهم من الإتيان بمثله؟ " أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين " . استعينوا بكل ذى مقدرة بلاغية من الإنس والجن على تأليف كتاب مشابه أو سورة مماثلة!!. وقد مضت القرون على هذا التحدى القائم فما أتى أحد بشىء!! " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله... " إنهم جهال أرجأ القدر عقابهم لعلهم ينتهون. ثم جاء تفصيل لمواقف الناس من هذا الكتاب : " ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين" فما الموقف من هؤلاء الشاكين المكذبين؟ "وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون" . إن جوا من حرية الرأى لم يعهد فى الدنيا كلها حف عرض هذا الكتاب على الناس، فلا إحراج ولا إكراه، وسوف يستجيب له يقينا أصحاب المشاعر المفتوحة، والأفئدة المتجردة للحق! أما غيرهم: فماذا تفعل لأصم غلف التعصب أذنيه فهو لا يسمع؟ ولا يعى؟ أو أعمى لا ترى أجفانه ألق الفجر فهو لا يبصر شيئا!! "ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون * ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون"؟. وفى موضع ثالث من السورة يقول الله سبحانه عن هذا القرآن: " يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين " . والقرآن نعم المربى للنفوس! إنه زاجر عن الرذائل، وعاصم من الشبهات
(1/156)

والشكوك، وراحة من الحيرة، وغنى نفسى ومادى لصاحبه. ولذلك جاء بعد ذلك: " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون " وإن إنسانا أوتى القرآن ثم ظن غير أوتى خيرا منه فقد حقر عظيما، أو عظَّم حقيرا!. وقد جاهد النبى أعداءه بالقرآن فأوقع فى صفوفهم الخلل، لأنه لم يبق لهم وجهة نظر، إلا أدحضها، وكان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يتلو القرآن فى كل ساحة، ويتنقل به فى كل بقعة، ولذلك قيل له هنا : " وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين" . ص _164
(1/157)

وجاء آخر السورة مصدقا لأولها فى الاستمساك بالوحى والتعويل عليه. فإذا كان للناس عجب أن أوحينا إلى رجل منهم، فآخر آية فى هذه السورة يقول الله للرسول: " واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين". إن النزاع بين المسلمين وغيرهم شديد حول هذا القرآن، ونحن على يقين من أنه الحق المبين. وقد تجئ عبارات لا يعرف حقيقتها إلا الخبراء بالبلاغة العربية فيتوهمون ما لا أصل له، ففى معرض التحريض والتثبيت نقول للسابق المتفرد: لا تكسل، أو حافظ على القمة التى بلغت، وهو ما يفكر فى كسل أو تفريط، ولكنك تهيجه ليظل ممتازا. ومن هذا القبيل قول الله لنبيه: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك... " أيتصور أن يسأل المثلثين عن التوحيد؟ أو يسأل المجسدين عن التنزيه؟ وهو يخاصهم من أول يوم؟! ولذلك جاء فى الأثر؟ لا أشك ولا أسأل!! ولو افترضنا جدلا إن هناك سؤالا فهو كسؤال النائب العام للمتهمين، أو سؤال المتثبت للمريبين!! فإن الله واحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد!!. وتلك العقيدة دعامة الإسلام التى لا يثار حولها تساؤل. وكذلك القول مع اليهود ـ وهم المذكورون فى سياق السورة ـ إن التهم التى وجهوها للأنبياء ولله تباركت أسماؤه ليس بطلانها موضع شك، ولا يقبل حولها تساؤل، ومن هنا جاء هذا الخطاب الحاسم "… لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين * ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين * إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم " . ذلك، وللعقل الإنسانى حكمه الجازم، فلن يكون الله اثنين ولا ثلاثة، ولن تلحق به آفات النقص البشرى كما يزعم الجاهلون. تمر بالإنسان أيام عصيبة يشعر فيها بالألم والعجز، ويحس أن الأزمات أخذت بخناقه، وأنها - إذا بقيت- فهى قاضية عليه، فيهرع إلى الله طالبا النجدة، ملتمسا الفرج، ويدعو ويلح...
(1/158)

وتنكشف الكروب آخر الأمر، فهل تبقى مع المرء حرارة إيمانه؟ وصدق تطلعه إلى ربه؟.. أم تفتر حرارته وينسى؟. يقول الله تعالى: " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون"!! وهذا مسلك ينطوى على خسة، والواجب أن يتذكر الإنسان من أنقذه فى شدته، وامتن عليه بفرجه، وأن يتشبث به فى السراء كما كان يتشبث به فى الضراء. ص _165
(1/159)

وقد وصفت سورة يونس هذه الحال مرة أخرى بشىء من التفصيل: " هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون". والواقع أن الناس عند الغرق وإحاطة اللجج بهم من كل ناحية تنقطع آمالهم إلامن الله وحده، فلا ملجأ إلا إليه ولا غوث إلا منه.... لكن لماذا تنسى يده التى أسداها إذا امتن بالنجاة؟ لماذا يعود الناس إلى ذهولهم وكنودهم؟ هذا غدر يجب أن يعالج وما يبقى عليه ذو شرف!!. والذين تغمرهم موجات السرور فلا يذكرون غيرها جديرون بما يحل بهم من عقاب، وهذا العقاب ينزل عند قفة النشوة وغمرة الذهول قال تعالى : " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون" . إن المفاجآت الموجعة تطرق على حين غرة، وتقطع خط التفكير العادى للأفراد والجماعات كما قيل: وسالمتك الليالى فاغتررت بها وعند صفو الليالى يحدث الكدر والجوائح التى تنتاب الزروع والثمار فتودى بها تحدث عند اقتراب الحصاد، واعتقاد الناس أن المحصول المرجو أمكن جناه، بل صار فى اليد! لعل ذلك ليكون العقاب أوجع... ومن حق الناس أن يفزعوا إلى الله إذا مسهم ضر، ولكن من حق الله عليهم أن يشكروه بعد النجاة، وأن تبقى علاقتهم به قائمة إذا انتهى ما ألجأهم إليه، إنهم لن يستغنوا عنه أبدا. والمثل الذى ضربته الآية للأرض المزروعة يطرد فى كل شىء من أحوال الناس وشئونهم، وقدراتهم
(1/160)

الحضارية فوق ظهر الأرض، فمع الغرور والذهول تجىء ضربات القدر، ويحصد الناس ما بذروا... وقبل نهاية السورة يأمر الله رسوله أن يتوجه للناس بهذا الخطاب الرقيق المفعم بالعبودية والنصيحة.. " قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين * ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين * ص _166
(1/161)

وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم" . هذا هو الإسلام! رباط بالله الواحد، ويأس من كل الشركاء، إن كان لهم وجود! وتعليق الرغبة والرهبة بذاته سبحانه، والتعامل مع الناس جميعا على هذا الأساس... وقد ذكر الله ـ تبارك وتعالى ـ فى هذه السورة أطرافا من قصص الأولين، منها قصة يونس مع قومه التى ذكرت بإيجاز شديد ـ وسميت بها السورة ـ ولعل فى ذلك تلويحا بأن أهل مكة قد يظفرون بالنجاة التى ظفرت بها قرية يونس!!. والواقع أن أهل مكة كابروا الإسلام أول ما ظهر مكابرة شديدة، وقادوا المعركة ضده نحو عشرين سنة، ولكنهم دخلوا فيه بعد ذلك، وأخلصوا له وحملوا لواءه وحموا كعبته.. إن قوم يونس كانوا خيرا من قوم هود وغيرهم، قال تعالى : "فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين" . والقصص المختلفة تساق فى أحوال مشابهة لما يعانى النبى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فيأخذ منها العبرة المناسبة، ومنها تتشابه الردود على الكافرين وإن اختلفت العصور. لقد ظل نوح مع قومه تسعة قرون ونصفا يدعو وهم يكابرون، فما كان موقفه بإزاء هذا الإصرار؟ يقول تعالى: "واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون * فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين... " . وما قاله نوح لقومه هو ما يقوله محمد لقومه، إن الرسل دعاة متجردون لا يبغون مالا ولا جاها حسبهم التعريف بالحق.. وذكرت بعد ذلك رسل، ثم طال الكلام فى سيرة فرعون وقومه، ثم فى سيرة بنى إسرائيل مع هداتهم. إن الفراعنة أهلكهم بطر الحق وغمص الناس، أما بنو إسرائيل فقد تاجروا بالوحى، وتجرأوا على
(1/162)

الله، ولم ينتفعوا بما أوتوا من علم "ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون" وعلى أتباع محمد أن يتجنبوا هذه المزالق، فيحملوا الدعوة بتجرد، ويتجهوا إلى الله بإخلاص. ص _167
سورة هود بدأت سورة هود كما بدأت سور كثيرة بالحديث عن القرآن الكريم: " كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" . ولا غرو فالكتاب العظيم قاعدة الإسلام، وبرهان رسالته، وسر خلوده، وقد تلقاه الرسول ليبلغه إلى الناس كافة فيخرجهم من الشرك إلى التوحيد، ومن العوج إلى الاستقامة، فالتشبث بالله وحده أساس النجاة: " ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير " . ويظهر أن عبء البلاغ شديد، أحس الرسول معه بالمعاناة، فقد جاء فى السنة: قال أبو بكر: سألت رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ما شيبك؟ قال: شيبتنى هود وأخواتها..!!. ترى ماذا فى هذه السورة ينبت الشيب؟ لقد شرعت أبحث عن السبب! فقلت: لعله مصارع الأمم التى ضلت فحاق بها الهلاك؟ إن هذه المصارع قضها الله على نبيه فى سور أخرى فلم تحدث هذا الأثر!. هل تنكر الناس للرسول وإشاحتهم عنه معرضين هو الذى شيبه؟ فقد جاء فى هذه السورة: " ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور" . وقد استبعدت هذا السبب، فإن الرسول أكبر من أن يهتز لصدود الجهلة!. إذن ما لسبب؟ إن هناك شيئا لاحظته فى هذه السورة لم ألحظه فى غيرها: كثرة التوجيهات التى تمس شخص الرسول، وتتناوله بضمير الخطاب المفرد بين الفينة والفينة، كأنما تشعره بما هو مكلف به من بلاغ. وذلك بدءا من قوله تعالى له: " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل" فى هذه الآية وحدها خطاب تكرر الضمير فيه ثلاث مرات
(1/163)

متصلا، ومرة واحدة منفصلا.. ص _168
وظل الأمر كذلك يتكرر على هذا النسق عشرات المرات ـ كما سنرى ـ حتى آخر آية فى السورة: " ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون " . عقب قصة نوح مع قومه، وبعد هلاكهم بالطوفان جاءت هذه الآية خطابا للرسول الكريم: " تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ". ثلاثة ضمائر متصلة غير الضمير المنفصل، تتجه كلها إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وينضم إليها فى النهاية أمر بالصبر، والعاقبة للتقوى!. وفى أثناء القصة نفسها يتوقف السرد الدافق لتجىء هذه الآية: " أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون ". وحاشاه أن يفترى إنه الصادق الأمين، وسيبقى إلى جانب الصدق حتى يكشف القدر عن أهدى الفريقين... ويحكى القرآن الكريم قصة عاد وكيف تحدَّت هودا وآذته، ثم يقول رب العالمين : "ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ" ويتجه الخطاب بعدئذ إلى رسول الله: "وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد". وما حدث لعاد حدث مثله لثمود، واتجه الخطاب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلفته إلى هذا المصير، فى قوله تعالى: " فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز". وبعد ما حل بقوم لوط من دمار زلزل مدينتهم بلغ الله نبيه هذا المصير بقوله: " فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد" والجملة الأخيرة تهديد للعرب الذين يمضون فى طريق الغواية دون متاب. وبعد هلاك مدين والفراعنة يقول الله لنبيه: " ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد" وتتكاثر ضمائر الخطاب فى أواخر السورة تكاثرا مثيرا حتى
(1/164)

لتبلغ ثمانية عشر ضميرا، عدا الأوامر المصاحبة الكثيرة فما تظن وقع ذلك على فؤاد صاحب الرسالة؟!. ص _169
ويبدأ ذلك من قوله تعالى: " وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب * وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد " . ويتكرر اسم الرب مضافا إلى ضمير الخطاب مرتين عند ذكر جزاء القيامة " فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد" ومرة ثالثة عند ذكر السعداء : " وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ". ثم يقول الله له: " فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء... " ويذكره بقضائه السابق أن يرجى مجازاة الناس كلهم إلى يوم موعود : " ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم " وإلى أن يقع هذا اليوم الجامع فعلى صاحب الرسالة أن يصدع بما يؤمر، وأن يتحمل آلام الاختبار وطول الانتظار، وعلى من معه أن يتأسوا به فى هذا الصبر الطويل "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك"، " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين". وتتكرر ضمائر الخطاب كلما قاربت السورة الانتهاء، وتدبر قول الله لرسوله: " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون * ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" . ألا يفسر هذا قول الرسول الكريم " شيبتنى هود وأخواتها "؟. المعصية العابرة لا تدمر المستقبل، إنها تولد لتموت، وقد يلحقها من الندم ما يمحو لها كل ذكرى حسنة. بل ربما كانت " لقاحا " يحصن من الوقوع فى مثيلاتها، فنفعت من حيث ضرت!. إن المعاصى التى تهلك الأمم هى التى تستقر فى النفس ولا تعبرها! تستقر فيها لتكون
(1/165)

جزءا منها، ولتكون بعدئذ جزءا من المجتمع الكبير، لعلها تتحول إلى تقليد متبع أو إلى تشريع قائم، فيكون البعد عنها مستغربا والنهى عنها جريمة!!. وتدبر كلام قوم لوط له: "... وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " لقد أمسى التطهر منكرا والتدنس مألوفا. ص _170
والحضارات الفاجرة هى التى تهوى إلى هذا الدرك. وقد ظهرت أمارات السقوط على الحضارة المعاصرة فى جوانب شتى.. وأهلها بحاجة إلى من يقول لهم ما جاء فى صدر سورة هود: ".. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير * ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير * وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير" . إن الوعد المبذول للتائبين على عجل هو " مستوى معيشة حسن "!! والنفس تحب العيش الرغد، ومع أن الحياة الدنيا دار ابتلاء، والابتلاء يقتحم النفوس بالمزعجات، إلا أن الله يطمئن عباده بأنه سوف يريحهم ويصلح بالهم إذا آمنوا به وأسلموا له وجوههم!. وهذه العدة المبذولة لنا بذلت من قبلنا لعاد عندما قال لهم أخوهم هود : " ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين * قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين " . والذى يسمع هذه الإجابة يحسب القوم أهل حوار عقلى، وأنهم إذا شرح لهم الدليل تبعوا الدليل!. والقوم لا علاقة لسلوكهم بعقل! وأى ذكاء تنتظر عند عبدة الأصنام؟ هل عبدوا الحجارة عن دليل؟ لقد كانت إجابتهم من قبل لهود موضع استغراب عندما قالوا له وهو يدعوهم إلى عبادة الله الواحد: " إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين" فكان من رد الرجل الحليم عليهم : "قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ". والقصص
(1/166)

تتكرر فى القرآن، وفى كل واحدة منها ملحظ لا يرى فى الأخرى، وإنما تعرف حقيقة القوم كاملة من الجمع بين شتى القصص فى صعيد واحد، وهذا الصنيع يحتاج إلى علم خاص به... وفى سورة هود جاءت قصص الأولين ومصارعهم على النحو الذى تم فى سورة الأعراف، لكنك تقرأ هنا تفاصيل عن قوم نوح لم ترد قط فى سورة الأعراف. تفاصيل استغرقت نحو صفحتين على حين لم تأخذ من سورة الأعراف إلا سطورا. ويشعر المرء بالروع من مناشدة نوح لربه أن يرد إليه ابنه الذى طاح: "ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين " . ص _171
(1/167)

كأنه يقول لله لقد وعدتنى أن تنجينى وأهلى، وابنى أول أهلى فرُدُّه إلىَّ!! فكانت الإجابة الصارمة: " قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين" . وقد تبادر إلى بعض الأذهان أن امرأة نوح غشت رجلها وخانته وأتت بهذا الابن لغير رشدة وأدخلته فى نسب نوح وهو لا يدرى!!. وهذا رأى بعيد، وهو غضاضة يصون الله أنبياءه منها. والصحيح أن امرأة نوح خانته بانضمامها إلى أهلها فى استهجان نبوة نوح وتكذيب رسالته، فكانت بهذا الموقف من حزب الكافرين، وكان ابنها يؤيد موقفها ويظاهر أعداء الله ويتلمس النجاة من الطوفان بالهرب إلى رأس جبل. وهيهات! فإن الهلاك العائم طواه كما طوى غيره. وهذا معنى الآية: " قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم.." إلخ.. وكان جواب نوح: "قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين * قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ... " . ودين الله على امتداد النبوات واختلافها، من عهد نوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى ومحمد يؤخر نسب الدم ويقدم نسب الإيمان، ويجعل الحب والبغض فى الله أساس التواصل أو التقاطع... وندع قوم نوح إلى قوم هود الذين رفضوا نبيهم ونفروا منه أشد نفور، إنه لما رأى نفسه وحيدا أمام أناس مكابرين معاندين قال : " إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" . وجاء العقاب الإلهى وكان شديدا حاسما.. فإذا العمالقة المغرورون بقواهم تحملهم الريح العقيم وتجلد بهم الأرض بعنف، فإذا رءوسهم تطيح وأبدانهم تبقى" تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابي ونذر" ؟ أما هود والمؤمنون معه فكان لهم شأن آخر: " ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ" . وختمت القصة الكئيبة بهذا
(1/168)

التعقيب: "وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود" ص _172
إن الأقوياء الفجرة عندما تحق عليهم كلمة الله يصبحون أهون من الذر! ما تغنى عنهم قواهم شيئا أمام من بيده ملكوت السموات والأرض. لا أدرى ما دهى العرب العاربة حتى أجمعت على تكذيب الأنبياء واضطهاد أتباعهم، فاستحقت الهلاك العام، فسموا العرب البائدة..؟!. ذكرنا نبأ عاد، ونذكر الآن نبأ ثمود وموقفها من نبى الله صالح. ويظهر أن نظام الطبقات الذى نجم أيام نوح ظهر على نحو أقوى بين جماعة ثمود، وأن أغلب الذين تبعوا صالحا كانوا من المستضعفين: " قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون"!!. وذهاب المرء بنفسه رذيلة، ويزداد السوء إذا ذهبت أمة بنفسها!. والتعصب الجنسى ينشأ من هذا الكبر الأعمى... وهو من وراء النزعات القومية التى شاعت قديما وحديثا بين الناس. وهذا التعصب كامن فى الجنس الأبيض الذى يسكن أوربا وأمريكا الآن، تظهره القوة ويخفيه الضعف. وقد كان موجودا فى الجاهلية العربية، تلمحه فى قول عمرو بن كلثوم: ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا!! لماذا أيها المغرور؟ وإذا كانت صيحة: ألمانيا فوق الجميع، أو مصر فوق الجميع، قد اختفت فإن الولاء الوطنى والصلف العلمى والانتفاع الشخصى تجمع كله وراء " القوميات الحديثة" فأمسى الارتباط بها فوق كل رباط!!!. ولم يخلق الله الناس لهذه الدعاوى الفارغة، ولذا يقول فى قصة ثمود: " وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب" . والواقع أن الخطاب لثمود يتناول البشر كلهم الذين
(1/169)

أنشأهم الله من الأرض، ووظفهم فى عمرانها، وكلفهم بعبادته فيها حينا من الدهر، ثم يعودون بعدئذ إليه ليسألهم عما قدموا.. ص _173
ونحن نعلن دهشتنا لفريقين من الناس يملآن الأرض الآن: فريق لا يحسن تعمير الأرض ويعيش فيها مع الهمل ويزعم أنه مؤمن!. وفريق استثار الأرض وامتلكها وغزا بعدها الفضاء، وصلته بالله صفر أو فوق ذلك بقليل.. وثمود كانوا أشبه بالنوع الثانى، وقال لهم نبيهم صالح: " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ". ولكن ثمود أعماها الطغيان والكبر فلم تشكر نعمة ولم ترع لله حقا: " فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز" . وجاءت مدين بعد ثمود، فجمعت فى حياتها بين الفساد السياسى والفساد الاقتصادى. وقد رأينا فى سورة الأعراف أن الحرب المعلنة على الفساد السياسى كانت أبرز، أما فى هود فإن التنديد بالعوج الاقتصادى كان أبرز. فى السورة الأولى طلب الله من أهل مدين أن يصبروا على الرأى الآخر، وأن ينظروا فى أدلته، وألا يتوعدوا أصحابه: " ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ". لقد أنقسم الناس أمام دعوة شعيب قسمين: منهم من اقتنع بها ودخل فيها، ومنهم من رفضها وخاصم أصحابها. ليكن!! دعوا الزمن يفصل فى هذه القضية، ويحق الحق ويبطل الباطل، ولا تهددوا أنتم المؤمنين بالنفى والتشريد، وترغموهم على ترك ما آمنوا به: " وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين" . ولكن مدين آثرت الاستبداد الأعمى، والفتنة الغبية : " قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في
(1/170)

ملتنا....". وفى سورة هود اتسم الخطاب الموجه إلى قوم شعيب بمحاربة الغش فى المعاملات الاقتصادية بعد محاربة الإشراك بالله: " وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين". ص _174
وكان رد مدين على نبيها مزيجا من السخرية والتهكم : "قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد " . وهكذا رفضوا عقيدة التوحيد وأخلاق الصلاح والعفة والعدالة. فلما بقى النبى الصالح فى ميدان الخير يأمر وينهى قيل له: "... وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز" . وانتهت القصة بهلاك الفسدة الغاشين كما هلك من قبل غيرهم : " ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود" وأهلك الله الفراعنة فى حديث سوف نعرض لتفاصيله فى سورة أخرى، ثم قال لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ : " وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين". إن سورة هود فصلت أحوال الأمم مع رسلها ليعلم صاحب الرسالة الخاتمة أنه لا جديد فى تكذيب قريش له، فالصراع بين الحق والباطل أزلى لا فكاك منه، ولكن النتائج الحاسمة تنصف المؤمنين وتعز المتقين. قرأت كلاما عن الانفجار العظيم الذى بدأ به الكون، ودارت بعده الأفلاك، ومنح العالم سمته المعروف الآن. إن أعداد السنين التى صاحبت هذه النشأة تعجز العادين. خيل إلى، أن هذه السنوات أكثر من حبات الرمال فى الصحراء الكبرى!. قلت لنفسى: فما شأن خالقها المبدئ المعيد؟ وكان الجواب: أن صفاته أزلية لا أول لها ولا آخر!. ولاشك أن إبداع هذا العالم مدهش! ولكن أوغل منه فى الإدهاش إبقاؤه وإمداده بحياته. إن خلق جنين واحد شىء كبير، وأكبر منه إرسال
(1/171)

الغذاء إليه لينمو حتى يبلغ أشده، أهو جنين واحد؟ إن عالم الحيوان والنبات فوق الحصر " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين"!!. قلت ـ وأنا أتضاءل فى نفسى ـ: ما أكون أنا؟ وما يكون الكوكب الكبير الذى أحيا فوقه؟ إن علماء الأحياء أفهمونى أن بين مشارق الكون ومغاربه آمادا بعيدة!!. وأجاب إيمانى بالله على هذا السؤال: إن رب العرش العظيم يستوى عنده قرب المكان ص _175
(1/172)

وبعده، وطول الزمان وقصره! وهو على عرشه معى بسمعه وبصره وقيوميته. وطمحت أفكارى إلى حد فوق طاقتها، فتساءلت عن هذا العرش والاستواء؟ وكان الجواب: إن الذى يجهل ما تحت قدمه لا يصلح له هذا التطاول. خير لك أن تعرف لماذا وجدت، وأن تحقق الحكمة من وجودك، فهذا أولى بك: " وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا.. " فلأحسن عملى، ولأصقل عقلى، ولأزد نفسى، ولأحقق ثمرة وجودى، فهذا أولى وأجدى على. إن هذه الدنيا طريق إلى أخرى أهم وأبقى- وإن جهل كثيرون : " ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين" . إن الجهلة يستعجلون هذا العذاب: تكذيبا له أو استهانة به! أفلا يؤمنون به إلا إذا لذع جلودهم؟ فما قيمة الإيمان به بعد وقوعه؟ " ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون" . مصيبة الإنسان أنه عبد لحظته الحاضرة، وساعته العاجلة، وأنه عندما يستنجد بربه لضر أصابه لا يكاد يستقبل النجدة المرسلة حتى ينسى ما كان، ويجحد يد الرحمن " ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور * ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور * إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير". البشر محتاجون إلى كتاب يعرفهم من أين جاءوا وإلى أين يصيرون؟؟. وهذا التعريف يؤتى ثمرته يوم يجىء دويا يخرق جدار الذهول، وبليغا يصل إلى قاع الفؤاد! أى: أعندما يجىء كتاب معجز للكل! وفى السورة السابقة ـ سورة يونس ـ جاء التحدى بسورة واحدة أما فى السورة التى تلتها فقد جاء التحدى بعشر سور. وهذا ـ فيما نرى ـ زيادة فى قهر النفوس، وإشعارها بالعجز، فإن الذى ينهزم أمام ضربة واحدة يغرق وينهار إذا قيل له: أمامك عشر ضربات! " أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله
(1/173)

مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون "؟. ص _176
إن محمدا كان يسير بين الناس مؤيدا بهذا البرهان الإلهى الحاسم، ومن قبل هذا البرهان كانت نبوءات الكتب الأولى تشهد له، فمن أرسخ منه قدما؟ " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ". ثم إن الكبار لا يكذبون على الناس فكيف يكذبون على الله؟ وهل كذب أن يقال: إن الله واحد، وإن لقاءه حتم، وإن الأبرار لفى نعيم، وإن الفجار لفى جحيم، فأين يكون الصدق؟. كان هذا المهاد سابقا لتأريخ الأمم التى عرض عليها الدين فكفرت به، لقد هلكت أمة بعد أخرى، وآثارها بواق تدل عليها، ومنها ما حصد فلم يبق له وسم ولا رسم.. لم هذا المصير الأشأم؟ أما كان هناك أهل فكر واعتبار ينذرون ويحذرون " فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين * وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ". على هذا النهج اللاجب سار محمد يدعو الأولين والآخرين، بيد أن الناس كانوا ـ وما يزالون ـ منقسمين على أنفسهم لا تجمعهم راية الحق. ما أكثر المشارب والمذاهب التى تفرق بينهم، وتجعل لكل واحد وجهة يرتضيها. كان ربك قديرا أن يجعلهم غير ذلك، ولكن شاءت حكمته أن يدعهم وشأنهم " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" وهنا رأس آية! كأن الاختلاف سنة طبيعية فى التكوين البشرى، ثم قال : "... إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " . كان ربنا يستطيع أن يخلقنا ملائكة لا تستطيع العصيان، أو حيوانات معزولة عن التكليف، ولكنه
(1/174)

جعلنا بشرا مختارين، نستطيع الهبوط إلى سجين، أو الصعود إلى عليين. ص _177
سورة يوسف ربما أحس يوسف الصديق وهو صبى أن له شأنا عند الله! من يدرى؟ قد يكون من المصطفين الأخيار الذين يقودون الناس فى ميدان الشرف والحق! إنه أصغر إخوته، ولكن سيرة إخوته الكبار لا تومئ إلى فضل ولا تنضح بخير… وهو أقرب إلى أبيه منهم وأحب!. من يدرى؟ لعل ميراث النبوة يكون من نصيبه؟ إن يعقوب أباه ورث إسحاق، وإسحاق ورث إبراهيم، فهل يكون حلقة فى هذه السلسلة؟ وشاء الله أن يسوق إليه البشرى فى رؤيا صالحة " إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين... " . وشام يعقوب من الرؤيا مستقبل ابنه الصغير، وخشى عليه من إخوته! "قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين * وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب... " . لكن أحقاد الإخوة الكبار لاحقت الشاب المختار، فإذا هو مطارد مقبوض عليه مرمى فى قعر بئر بين الهلاك والنجاة... ويشاء الله أن يقذف فى روعه بالأمل العريض، إن هؤلاء الإخوة الأقوياء المتآمرين عليه سوف يقفون بين يديه يوما ليوبخهم على ما صنعوا! إنه الآن صغير مغلوب على أمره أمامهم، وغدا سوف يسائلهم على ما يفعلون!. لقد تركوه وحده ظانين أنهم انتهوا منه، وهيهات!! فالله غالب على أمره " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون " إن يوسف ـ وهم يولون ـ رمقهم كما يرمق القاضى المتهمين! وانفسح أمامه المستقبل، فأدرك أنه الرابح وهم الخاسرون.. ويشاء الله ـ بعد عشرات السنين ـ أن تتحقق هذه النبوءة، وأن يجئ أولئك الإخوة إلى يوسف أذلة يطلبون الصدقة بعد أن صار عزيز مصر، وهم لا يعلمون: " فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق
(1/175)

علينا إن الله يجزي المتصدقين * ص _178
قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ" ؟ إن ساعة العسرة فى قعر الجب كانت الطريق إلى القمة فى هذه الدنيا، فما أعجب أقدار الله!! والواقع أن اليقين المتألق بالرجاء فى طلب يوسف، انحدر إليه من يقين أبيه فى الله، فعندما رجع الإخوة الكبار بعد تنفيذ مؤامرتهم يقولون لأبيهم ".. إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين "، قال: " بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " إن الصبر الجميل أعقب الخير الجزيل، وحقق ليوسف وأبيه ما كانا يؤملان... وقصة يوسف قطعة من تاريخ الأحياء، وليست رواية من وضع بشر. وأدب القصة شائع فى عصرنا شيوعا واسعا، وهو ـ على اختلاف مادته ـ خيال مفتعل، ينفخ فيه المؤلف الروح، فإذا أبطال الرواية يتحركون نحو ما رسم المؤلف لهم من وجهة، وبما يجرى على ألسنتهم من حوار، والمسئولية بدءا ونهاية على الكاتب الذى يملى أفكاره، ويخدم مبادئه وأغراضه. وقديما اختار مؤلف " كليلة ودمنة " أشخاصه من الحيوانات، فأنطقها بما شاء من جد وهزل.. أما التاريخ المسطور فهو نسق آخر تظهر فيه سنن الله فى الناس، وتملى الحقائق نفسها على من يحسن الإفادة والاعتبار، ولذلك يقول الله لنبيه: " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين" وليس لمحمد دخل فيما أوحى الله إليه، إنه يتلقى ما يجيئه وحسب!! " ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون". وقد ختمت السورة بآية يصح أن يوصف بها كل ما ساق الإسلام من قصص " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون". وقصة يوسف فى الدعوة إلى الله والدأب على البلاغ ـ مهما كثرت العوائق ـ مثل يحتذى،
(1/176)

ويظهر ص _179
أن نبوته بدأت مع بلوغه الرشد، قال تعالى: " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين " . والحكمة والمعرفة أولى هدايا الله لأنبيائه، وقد قال الله فى لوط ـ عليه السلام ـ: " ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث.. " وقال فى موسى : " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين" . وقد بيع يوسف سليل الأنبياء عبدا رقيقا! وكان الذين باعوه زاهدين فى استبقائه كأنه حمل ثقيل!. ما أعجب تصاريف الليالى! ملك كريم يباع على أنه سلعة كريهة!! " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا..." وانتقل ابن الأنبياء إلى قصر الملك ليعمل فيه، وليواجه نوعا آخر من الابتلاء لم يخطر له ببال!. لقد كان فى هذه الفترة الباكرة من شبابه حسن المعرفة لربه، صاحب تقوى يتفرد بها، وشق لنفسه طريقه الخاص " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" . كان يوسف يقدر البيت الذى آواه، ويصون محارمه، وكانت لرب البيت مكانة خاصة عنده، فهو لم يكن فرعونا من الفراعنة المستعلين فى الأرض، بل كان رجلا دمث الأخلاق، ظاهر الشرف. وقد أحبه يوسف وعرف له حقوقه. ثم إن الأيام لم تنس يوسف أصله العريق ودينه الموروث، لقد كان آباؤه دعاة إلى الله، فليبق على نهجهم فى عبادة الله الواحد، وفعل الخير، وترك الآثام. إن هذا البيت تبناه، لكن التبتى لا ينشئ علاقة طبيعية، وإذا كان عزيز مصر قد أحب يوسف لشمائله النبيلة، فإن امرأة العزيز أكنت نحوه عاطفة أخرى!!. كان يوسف رجلا رائع الجمال، أوتى نصف الحسن الموجود فى العالم كله. ونظرت الأم المزعومة إلى رجل قريب منها يعيش فى كنفها وسلطانها فطمعت فيه، ويوسف ص _180
(1/177)

فوق هذه المنزلة الموهومة، فقد صقل الإيمان طبعه، وزكى نفسه، وقوى بالله صلته، فلم يخطر بباله أن يلم بدنية!!. فلما تعرضت له المرأة ثار يقينه فى أعصابه، وذكر مواثيق الشرف التى ورثها عن آبائه، وذكر معها حرمة رب البيت الذى آواه وكرمه، كيف يطعنه فى عرضه؟ " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون" . ومفروض فى الإيمان العادى أن ينجح فى هذه التجربة، فقد جاء فى السنة أنه بين السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إنى أخاف الله... "!! ويوسف فى هذا الموطن الخطير أحق من يخاف الله!. وقد رفض المعصية يقينا، صرحت بذلك امرأة العزيز وهى تقول : "... ولقد راودته عن نفسه فاستعصم". وقد كان يوسف شابا مكتمل الرجولة، ناضج الغريزة، وكانت نفسه تهوى، ولكن دون ذلك الموت، فما يمكن أن يتدلى إلى هذا الدرك، كانت نوازع الشرف والدين والتقوى تكبت كل نداء. ولو كان شابا بارد الطبع لا شهوة له فمن أين يكون له فضل؟ " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين"!!. لقد انتصرت المقاومة المؤمنة على المراودة الخاطئة، وبقى يوسف ذاكرا لربه وقافا عند حدوده..!! وأقبل العزيز، وامرأته تشد قميص يوسف، وهو يفر منها! كانت المعركة قد بلغت نهايتها، وعندما شعرت الزوجة السفيهة بحرج موقفها اتجهت على عجل تقول له: " ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم "!! وصاح يوسف ـ والشواهد على صدقه متكاثرة ـ " قال هي راودتني عن نفسي... ". اللهجة العفيفة، والجبين المتألق بالشرف! يشهدان له، ولم يكن هناك تسجيل للصوت أو للصورة يحكم فى القضية، فبقيت القرائن العقلية. ص _181
(1/178)

المرأة الولهى شدت الشاب الفارّ من خلفه فمزقت ثوبه، وإلا فالشاب هو المتهم، هكذا يقول القضاء: " ... وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم" . والحكم بالقرائن من أدلة الشريعة، ويمكن اعتباره فى البصمات وتحاليل الدم وما أشبه ذلك مما جد فى هذا العصر... بيد أن امرأة العزيز قاومت القرائن التى توفرت ضدها، بل جمحت بها مشاعرها السائبة جماحا بعيدا، فلما تناثرت الشائعات حولها تركت الإنكار وعالنت بعاطفتها وعذرها معا. وكأنها تقول لمن يتحدث عنها: لو كنت مكانى لسلكت مسلكى!! من الذى لا يعشق البدر؟! " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين "!. وجمعت المرأة النسوة اللائمات وأمرت يوسف أن يخرج عليهن فى حفل أعدته يأكلن فيه الفواكه، وغيرها، فلما طلع عليهن يوسف شدهن، وحارت الألباب، وجرحن أيديهن بما فيها من سكاكين.. وقلن: " ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم" . وهنا كانت العاطفة المشبوبة قد بلغت ذروتها بامرأة العزيز، فجن جنونها وقالت: " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين" . إن هذا تصريح خرج فى غيبة العقل، كانت المرأة فيه مغلوبة على أمرها حتما، ولكن الدنس هو الدنس، ولو دافع عنه " فرويد " وأساغته حضارة الغرب، وساقت حوله المعاذير.. وكان يوسف يجسد الشرف والرجولة، وأدب النفس، وإرضاء الله عندما قال: " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم". كيف نجا من هذا الكيد؟ ترك القصر لصاحبته، فأخرج منه وهو الأمين عليه، الحافظ لحقه، وأودع السجن حتى تختفى القصة كلها وراء أسواره " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا
(1/179)

الآيات ليسجننه حتى حين ". ص _182
فى سورة يوسف ثلاث رؤى جاءت كوضح النهار. أولاها: ما قضه على أبيه أول السورة من سجود الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا، وسنعرف ـ بعدُ ـ تأويل هذه الرؤيا. أما الثانية فقد وقعت مع مبادئ عهده بالسجن : " ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين" ! والرؤى ضرب من الغيوب يتصل بالجانب الروحى من الإنسان، وهى ـ مع صدقها ـ ليست دلالة خير ولا شر، إنها دلالة قوة خارقة فى الكيان البشرى يستشرف بها على ما يعجز غيره من الناس!. وأعرف رجلا كان فى القاهرة، وأراد السفر إلى الريف رأى فى منامه جنازة قريب له، والمشيعون حولها، وهى تخرج من دارهم متجهة إلى المقابر فى موكب معين!. فلما سافر إلى القرية شاهد الموكب نفسه على النحو الذى رآه لم يختلف منه شىء... كانت الرؤيا حقا.. وأعرف من انكشفت لهم غيوب على هذا النحو دون سبب ظاهر، ومن ذلك الرؤية عن بعد فقد حكوا عن الفيلسوف الألمانى " كانت " أنه رأى حريقا على بعد أكثر من مائة ميل، وروينا نحن قصة عمر بن الخطاب الذى كان يخطب فى المدينة، فسمع يقول: يا سارية الجبل!! وكان " سارية" أحد قواده، وقد رأى عمر العدو تختل المسلمين من ناحية الجبل، فصاح صيحته!!. قالوا: وقد سمعها القائد وهو فى الجبهة، ونجا بجيشه!!. وليست لهذه الأحداث قاعدة مقررة، وإنما ذكرناها لتلقى ضوءا على ما وقع ليوسف، لقد سمع رؤى صاحبيه ثم تحدث عن نفسه: " قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء... " . إن يوسف معتز بعقيدة التوحيد التى ورثها عن آبائه، والتى صاحبته وهو يعبر مؤامرات القصور المترفة، والتى تصحبه
(1/180)

الآن وهو داخل السجن!. وقد أبى إلا أن يتحدث عنها فى سجنه داعيا رفاقه إلى الإيمان: " يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ " إن ماعدا الله وهم لا حقيقة له، واسم لا مسمى له، فكيف نتعلق بالأوهام؟ ونظن الأصفار شيئا؟. ص _183
والغريب أن الحضارة الحديثة كشفت الكثير من عجائب الكون، وعاينت من آثار العظمة العليا ما يدفع إلى الله دفعا.! ومع ذلك فهى واهية الصلة بالله، لا تفكر فى لقائه، ولا تنتفع بوحيه، ولا تكترث إلا بضروراتها المادية. وما يرفه معيشتها على ظهر الأرض... وفسر يوسف الرؤيا الثانية: " يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه.. " مصيران متناقضان، هذا ما دلت عليه الرؤيا!! " وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين" . إن ساقى الملك غمرته أضواء القصر فنسى السجن وأيامه ورفاقه، ونسى الرجل المحسن البرىء المحبوس ظلما!. ولكن جد ما ذكر بيوسف بعد عهد طويل، فقد رأى الملك فى منامه ما أفزعه، وعجز من حوله عن تعبير رؤياه، فقال الساقى: أرسلونى إلى السجن آتكم بالخبر اليقين " يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون". وفسر يوسف الرؤيا، وأخبر الملك بالتفسير المهم وهذه هى الرؤيا الثالثة، فقال: إيتونى بيوسف!! وأبى يوسف المجىء حتى تتحقق براءته وتمحى تهمته. ودبت الحياة فى القضية الهامدة، وأحضرت النسوة العارفات بما حدث " قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين" . وقال يوسف ـ بعد هذا الاعتراف ـ قاصدا إفهام الملك ما كان: " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين" !!. وشعر الملك أن يوسف أحق الناس بولاية الأمر
(1/181)

فى أثناء السنوات التى تتحقق فيها الرؤيا، إنه مستقبل شعب كبير، وأحق الناس برعايته من تنبأ به " وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين" !! واختار يوسف لنفسه أن يكون وزيرا للمال مسئولا عن تموين الناس: ص _184
قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم * وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين" . ونلحظ أن يوسف عرض الخصائص النفسية والعلمية التى ترشحه للمنصب، فهو ليس عابدا عفيفا فقط، بل صاحب خبرة فى شئون المال، يعرف كيف يحصله وكيف يوزعه. وقد أباح لنفسه طلب المنصب لأنه ليس هناك من هو أحق به منه، ومن المصلحة العامة أن توضع الأمور فى يد القوى الأمين بدل أن توضع فى يد عاجز قليل الخبرة..! وقد طلب خالد بن الوليد أن يقود المسلمين فى معركة اليرموك، لأن غيره من القادة أعجز من أن يواجه فنون الروم العسكرية، والتجارب هنا فادحة الخطأ. لذلك طلب أن يمنح القيادة أول يوم، فأعاد تعبئة الجيش، ووضع خطة ذكية لمواجهة العدو، وكان النصر!!. إن طلب الإمارة خطيئة كبيرة يوم تكون استجابة لجنون العظمة، ورغبة فى الوجاهة والاستعلاء.. وأغلب مصاب الأمم من أولئك المتطلعين المرضى. قدمت السنوات العجاف حسب رؤيا الملك وتفسير يوسف، ويظهر أن جدبها تجاوز وادى النيل إلى بادية الشام، فهرع أهلها يطلبون القوت من مصر التى استعدت لاستقبال الكارثة. وكان إخوة يوسف بين أولئك القادمين! " وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون". فأحسن وفادتهم، وتعزف على أحوالهم، وبعد تلطف مقصود طلب منهم أن يأتوا معهم بأخيه الشقيق فى المرة التالية "قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون " وفزع الأب لهذا الطلب وقال لبنيه: " هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين" . ولكن إلحاح الحاجة مع إلحاح الإخوة جعله يستجيب، ولما أرسله
(1/182)

معهم ـ وهم ذاهبون للمرة الثانية ـ " وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون" . ويظهر أن يعقوب خاف عليهم أن يتهموا بأنهم جواسيس دولة أجنبية، لأن منظرهم ـ وكانوا فوق العشرة ـ وامتداد قاماتهم، وفراهة هيئتهم، يجعلهم نهب الظنون!!. والتقى الكل عند يوسف الذى استقبل أخاه الشقيق استقبالا خاصا ص _185
"ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون" !! ولابد أن يوسف علم من أحوال أخيه ما جعله بهذه الكلمة يواسيه!. ثم مكر يوسف مكرا حسنا بإخوته، واستطاع بالحيلة أن يحجز أخاه، وأن يفرض عليهم العودة إلى أبيهم بدونه، لقد خبأ المكيال فى متاع أخيه، فلما عثرت الشرطة عليه آخذتهم بالجريمة وطردتهم.. وعلم يعقوب بأن شقيق يوسف قد فقد هو الآخر فصاح: " عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم" !!. والحق أن مصاب يعقوب جلل، فقد كان يحس فى أعماق قلبه أن يوسف حى، وأنه عائد إليه حتما، فإذا هو يفقد ابنه الآخر، وتتضاعف عليه الآلام، فهو لا يرى هذا ولا ذاك ... "وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ". وفى ضراعة أخيرة ورجاء باقٍ فى الله قال : " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون " . وخرج إخوة يوسف للمرة الثالثة إلى مصر، كانت قلوبهم منكسرة، وأحوالهم كئيبة، وذلتهم بادية " فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين" وأماط يوسف اللثام عن شخصيته بعدما لمس من إخوته هذا الهوان، وقال لهم فى نبرة هزت قلوبهم، وأحيت الخامد من مشاعرهم : "هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون " ؟ " قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا
(1/183)

يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " . ذكر يوسف سنة اجتماعية تشبه سنن الله الكونية! التقوى والصبر ينتجان النجاح، كما تقول: أوكسجين وإيدروجين ينتجان الماء، أو تقول: زوايا المثلث تساوى قائمتين. إنه بعد عشرات السنين من بدء الرواية أحس الجميع أن قوانين الله حق "ومن أصدق من الله قيلا"؟. "قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين * قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" إن الكبير لا يحقد، وهو بعد انتصاره يزداد سماحة وتواضعا لله، ثم قال يوسف لأخوته: "اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين". ص _186
(1/184)

وتحرك الركب من مصر إلى الشام، وفجأة سمع الذين حول يعقوب صيحة استبشار منه لا يعرفون مأتاها!! سمعوه يقول: " إني لأجد ريح يوسف" لولا أن تنسبونى إلى الحمق!. إن عالم الروح عجيب! كيف سرت البشرى إلى فؤاد يعقوب؟ كيف أحس بما وقع؟ " فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون" وبعد أيام قلائل كان تأويل الرؤيا الأولى يتم كما تم تأويل الثانية والثالثة!! " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين * ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم" . بعد أن تمت القصة التى سرد القرآن أحداثها قال الله لنبيه محمد: " ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون" . نعم إنه ما كان لديهم فيرى، وما كان قارئا حتى يطالع أخبارها، إنه الوحى الأعلى قص عليه ما كان دون تزيد ولا تحريف، ومع ذلك فكثير من الناس مكذب بنبوة محمد. وفى عصرنا هذا طاعنون من الوثنيين والكتابيين لا حصر لهم، ولا ينقطع لهم لغو، ليكن "!! فلن يوقفوا سير الرسالة الخاتمة " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ". إنهم مغلقون لا تقع عيونهم من الكون على ما يعرفهم بالله، أو يقودهم إلى وحيه " وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ". ص _187
(1/185)

سورة الرعد فى الآية الأولى من سورة الرعد يخاطب الله نبيه قائلا: " والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"! هل هناك عذر للكثرة التى أعرضت عن الحق ورفضت الانقياد إليه؟ لا. فلنفرض أن وحيا لم ينزل، أليس فى إبداع هذا العالم ما يشهد لصاحبه بالألوهية والعظمة؟ إن النظر السديد فى آفاق السموات والأرض شاهد صدق على أن جحد الألوهية غباء، وعلى أن الأصفار التى اعتبرت شركاء خرافة مزدراة...! ونترك قليلا الآيات التى وصفت الكون وكشفت آيات الله فيه، ونتابع التأمل فى هذه الآية "والذي أنزل إليك من ربك الحق" فنرى صلة لها بآية أخرى من قلب السورة "أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى " إن هؤلاء العالمين بحقائق الوحى هم الفضلاء الذين استقامت سيرتهم بعدما استنارت سريرتهم، وقد أحصت الآيات ـ بعد ذلك ـ صفاتهم بدءا من قوله تعالى: " إنما يتذكر أولو الألباب * الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل " وقد تضمنت الآيات هنا عشر وصايا، من استجمعها كان أهلا للجزاء الأوفى " أولئك لهم عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم " . وأولى هذه الوصايا: العقل الناضج، وثانيتها: الوفاء بالعهد الأعظم المأخوذ على الفطرة البشرية أن تتجه إلى ربها.. ولا تشرك به شيئا... وتكرر الحديث عن الوحى النازل، وعن قيام الرسول بتبليغه فى قوله تعالى بعد ذلك: "كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب". ص _188
(1/186)

وقد قاوم الأميون من العرب هذه الرسالة مقاومة شديدة، وكان محور عنادهم طلب خارق من خوارق العادات يشهد بصدق الرسول. وقد بينت آيات أخرى أنهم لو أجيبوا إلى مقترحاتهم ما آمنوا ولحاق بهم الهلاك. أما فى هذه السورة قد صيغ الإنكار والرد فى عدة صور: 1- " ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد " . 2- " ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ". 3- ويمضون فى كفرانهم ليصلوا إلى هذه النتيجة "ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ". والواقع أن فاقد البصر فى الكون لا ينتظر منه إيمان سليم، ومن لم يحسن النظر فى نفسه وفى أجهزة جسمه وعقله لا يتوقع منه أن يعرف الله معرفة قيمة حتى لو مشى فى قوافل المؤمنين مع جمهور المقلدين..!! وقد خوطب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتلاوة الوحى فى سور كثيرة " اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة... " . " وأمرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ". وجاء فى هذه السورة "... لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك" . التلاوة المعنية هنا ليست قراءة مجردة، إنها تفصيل منهج، وخطة عمل، وإنذار مبين! وهى أساس ما ينبنى عليها من تزكية تقدمها برامج التربية المختلفة، وتلاوة القرآن صيانة لأحرفه مما أصاب كتبا سابقة، وتقديم التوجيه الإلهى المصفى إلى الأمة العربية لتنهض برسالتها، فإن وقت نجت، وإلا فالعقاب لها بالمرصاد: "ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ". والرأى السائد أن سورة الرعد مدنية نزلت بعد سورة محمد، والذى أميل إليه أنها مكية، وأسلوبها يرجح ما أرى، لاسيما والمشركون يلحون فيها على طلب معجزة حسية مثل ما حكت سورة الأنعام ويونس والإسراء... إلخ. ص _189
(1/187)

قلنا: إن الآية الأولى جاء فيها قوله تعالى: والذي أنزل إليك من ربك الحق" وفى أواخر السورة نقرأ قوله تعالى: والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب" . فى هذه الآية نبوءة تحققت. فإن الإسلام عندما قرع أبواب مصر والشام، سرعان ما هوت إليه القلوب، ودخل النصارى فى دين الله أفواجا، واعتنقوه، وصاروا حملته وحماته. ومعروف أن بيت المال خرب لسقوط الجزية بعدما آمن الناس حتى اضطر الوالى فى مصر إلى استبقائها على من أسلم! لولا أن عمر بن عبد العزيز كتب له: "ويحك، إن محمدا بعث هاديا ولم يبعث جابيا، ضع الجزية عمن أسلم " نعم ولو خرب بيت المال..!! ونصارى مصر والشام وسائر الأمم الأخرى التى شرحت بالإسلام صدرا أضحت عربية بالتجنس والدين، فالتعريب مورد مفتوح ينمو به الكيان العربى ويتجدد، وفيهم تقال الآية: " وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق" . وكلمة الحكم تعنى السلطة السياسية، والحكمة القرآنية على سواء. وقد انتشر الإسلام فى أطراف الجزيرة قبل أن يدخله أهل مكة الذين بقوا على وثنيتهم إلى عهد متأخر، وهذا معنى قوله تعالى: " أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب" . القرآن دليل ناطق يقود إلى الله، والكون دليل صامت يعزف به. وكلا الدليلين يحتاج إلى يقظة العقل ودقة الشعور، وإلا فالغفلة والبلادة لا تجيئان بخير أبدا. ولذلك يكثر فى القرآن الكريم قوله تعالى: " أفلا تعقلون "؟ " أفلا تذكرون"؟. وفى إيقاظ الحس النائم نقرأ الآية الكريمة " وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ". ألا يستدعى التأمل أن ترى فى قطعة واحدة من الأرض شجرة
(1/188)

عنب وشجرة ليمون وشجرة حنظل وشجرة شوك تسقى جميعا بماء واحد، ويختلف الجنى والمذاق واللون والأثر؟. ألا يستدعى التأمل أن ترى الدودة تأكل من ورقة التوت فتضع حريرا؟ وتأكل منه النحلة فتضع عسلا؟ وتأكل منه الشاة فتضع بعرا؟؟. ص _190
إن الإرادة العليا نوعت الأنواع، وصنفت الأصناف فى فجاج الأرض وآفاق السماء على نحو مثير، ومع ذلك يجىء امرؤ ملحد فيقول، لا إله!! فماذا إذا؟ ويجىء آخر فيقول للرسول: لا أومن حتى تنسف هذا الجبل وتنشىء مكانه بستانا لى!! كأن رب الكون يستجيب لعبثه!. ويتحدث القرآن عن عظمة الخالق فى تناسل الأحياء من إنسان وحيوان وطير وزواحف، إنها ألوف مؤلفة فى البر والبحر والجو، إنها " مليارات " تتلاقح وتتكاثر، وتمر أجنتها بمراحل مكتوبة محسوبة، فما تنخرم سنة، ولا يضطرب نظام " الله يعلم ما تحمل كل أنثى " فى الأجواء أو الغابات أو الجحور أو الأسرة " الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار * عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال" وفاعل هذا كله هو الذى رفع السموات، ما يشغله شأن عن شأن، ورصعها بالنجوم فما يسقط من مكانه أو يزل عن مداره نجم!. وهناك حفظة للإنسان تحميه الغوائل العارضة بالليل والنهار، ترى هل عناصر المناعة التى تدافع الجراثيم الغازية من آثار هذه النعمة؟ إن هذه الحفظة من أوامر الله على كل حاك.. وتمضى سورة الرعد فى شرح مظاهر القدرة، وسابغ الفضل على نحو لا مثيل له فى كتاب مضى أو بقى، ثم ترسل هذه الأسئلة مشفوعة بأجوبتها الفريدة " قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار". إن هذه السورة بدأت بالحديث عن الكون ودلالاته على الله سبحانه، ثم أفاضت فى موقف الإنسان من
(1/189)

القرآن الذى شرح هذه الدلالات ونبه إليها. وقد رأيت أن أؤخر الكلام عن الكون، وأبتدئ بالقرآن، لأنى راغب فى إطالة الحديث عن الكون، فالمسلمون يعيشون غرباء فيه، وهم أبعد الناس عن علومه، وما يخدم القرآن بشىء كما يخدم بدراسة العالم وما فيه..!! قلت فى نفسى لو أنى على بعد مائة ميل من كوكب الأرض فماذا أرى وماذا اسمع؟؟. هل أرى سحب الأدخنة والأتربة التى لوثت الجو وعكرت صفاءه؟. هل أسمع عاصفة الضوضاء التى تنبعث من المركبات والمصانع والتى غطى ضجيجها كل شيىء؟ أعرف أن لهذا الكوكب أجلا مسمى، فهل هو يستعجله ويسعى إلى حتفه بظلفه؟. ص _191
(1/190)

ثم ماذا نحن فى هذا الكون الكبير؟ قرأت أن علماء الفلك اكتشفوا ما يعتقدون أنه ثقب أسود فى مجرة نائية أكبر مائة مرة من أى ثقب أسود تم اكتشافه من قبل!. وذكر راديو صوت أمريكا أن العلماء يعتقدون أن هذا الثقب الهائل يضم ألف مليون نجم! وأن تجمع النجوم والمواد الأخرى فيه يشكل مركزا كثيفا للجاذبية، يبلغ من القوة أنه لا يفلت منه شئ حتى الضوء...!. قلت: إذا كان هذا ثقبا فى جانب من الكون فما يكون الكون نفسه؟ يبدو أن ما بين السموات والأرض أعجب منها..!. وانفتح أمامى أفق عريض عامر بالدلائل على عظمة الله وعلو شأنه: " الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون" . قد أرى حولى جماهير من الناس، وقد أرى محيط الأرض وأنا داخل قمر صناعى. لكن القصة ليست رؤية إنسان من بين مليارات الأناسى، إن هذا الإنسان وحده كون صغير! على جلده مائة ألف شجرة ـ أعنى مائة ألف شعرة ـ تنمو وتنقصف: ليعود مكانها مثلها!. لعل الشعر أهون ما فى الإنسان، فلننظر إلى ألوف مؤلفة من كرات الدم تسبح فى عروقه، إنها كرات متجددة، لها مصانع تنشئها وترسلها حسب الحاجة. ولننظر إلى شبكة الأعصاب المنتشرة فى الجسم، إنها تتلقى الأوامر ليلا ونهار، من المخ الذى عجز البشر عن معرفة تلافيفه المعقدة، ووظائفها الخطيرة. من فجر الإنسانية إلى الآن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يدبر ربنا شئون هذه الأجساد، ومايعرض لها من بؤس ونعمى " وأن إلى ربك المنتهى * وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا.. "!! إن الكون كبير كما كشف العلم، ولكن الله أكبر كما يجب أن يشعر العلماء. فى مجتمعاتنا ـ نحن البشرـ نرى الساسة الكبار مثلا مشغولين بالأمور الكبيرة غافلين عن الصغائر، لكن رب العالمين لا يشغله شأن عن شأن، فهو يسمع مواء هرة معذبة، ويدخل من عذبها النار، كما يسمع دعاء
(1/191)

جماهير بائسة ويجزى الظالمين بما كانوا يعملون. إنه يسمع سقوط ورقة من شجرة، ويرى تجلط الدم فى عرق، كما يرى ويسمع قصف الرعد فى السماء، وأفول نجم فى الفضاء " سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته ". ص _193
سورة إبراهيم " كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد * الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ". فى الحياة الدنيا ظلمات كثيرة، ظلمة الجهل، وظلمة الغرور، وظلمة الإثم، وظلمة العصيان. وقد أنزل الله كتابه على محمد خاتم الأنبياء ليخرج الناس من هذه الظلمات كلها، وليعلمهم أن هذه الحياة الدنيا مرحلة إلى مابعدها، وأن الذين يستحبون الدنيا على الآخرة ضالون، وأن الذين يقاومون الوحى ويكرهون العيش فى مناره جائرون معوجون. ومن قبل محمد أرسل الله موسى لينقذ قومه من ظلمات الذل والعبودية، ويمن عليهم بالحرية المطلقة، حرية العقل والضمير والحركة والمرح فى نعمة الله!!. وكل ما طلبه منهم أن يذكروا هذا الفضل، ويعرفوا حق صاحبه " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " والأديان كلها نقلة من الجهل إلى العلم، ومن العوج إلى الاستقامة، والكتاب الذى اختص به محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ ملئ بحزم من الأشعة التى تمحو العمى، وتهدى الطريق، وتقود إلى الله ـ سبحانه ـ وتعصم من الوقوع فى ضروب الجاهليات كلها. ولكن البشرـ على امتداد العصور ـ يخاصمون الوحى، ويكابرون المرسلين، ويحاولون البطش بهم، ويستغلون ما أوتوا من قوة لفتنة المؤمنين عن الحق، لكن المؤمنين يصمدون ويتحملون " وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون " . وإخراج أمة من الظلمة إلى النور لا يتم بين عشية وضحاها، إنه يحتاج إلى زمان طويل، وقد مكث نبينا ثلاثا وعشرين
(1/192)

سنة يتعهد العرب بالقرآن الكريم حتى محا بداوتهم وجهالتهم وتخففهم العلمى والحضارى، وأمسوا أهلا لصدارة العالم وقيادته. إن القرآن نقلهم نقلة فسيحة: ثقافيا وسياسيا وعقليا وخلقيا، فلما اشتبكوا مع أعداء الله رجحت كفتهم عن جدارة، واستحقوا التمكين فى الأرض. ص _194
وتلمح هذه المعانى فى قوله تعالى: " وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد" . إن الأمم المغلوبة على أمرها، المحجوبة بخواصها عن السيادة والصدارة لا تبلغ القمة، وهى واهنة الإرادة مختلطة القصد! لابد أن يغير الإيمان أحوالها ويزودها بطاقات جديدة من اليقين والتجرد والجراءة، حتى تستطيع أن تقهر خصومها، وتضع على الأرض طابعا جديدا من العبودية لله، والازدراء لشهوات الدنيا. عندئذ يحكم الله بزوال دول وإقامة أخرى " واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد" . فلتفقه هذا الدرس أمتنا الإسلامية التى لا تريد أن تغير نفسها!!. ومن قديم والمجتمع البشرى طبقات أو درجات! هناك السادة والعبيد، أو الرؤساء والأتباع، أو القادة والجماهير، أو أصحاب المواهب المادية والأدبية والمعجبون بهم، المقلدون لهم السائرون وراءهم. وبين الفريقين قاسم مشترك أو هدف واحد، والذين يحبون كاتبا من الكتاب يغلب أن تكون فى نفوسهم الأفكار التى يترجم المؤلف عنها.. الفارق أنها مستخفية فى ضمائرهم، وأن الكاتب أحسن صياغتها. ويطرد هذا الشبه فى ميادين شتى بين الرؤساء والأتباع، أو القادة والمعجبين. وقد لاحظت أنه فى موقعة " بدر " أحاط المشركون بأبى جهل زعيم الكفر وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه!! فكان بينهم كأنه فى غابة من الرماح، ولكن أشبال الصحابة أجهزوا عليه . والغريب أن الكفار سوف يلجأون إلى هذه الرابطة فى الدار الآخرة، ولكنها لا تغنى عنهم شيئا " وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين
(1/193)

استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص "! وقد شرح الله هذه الحقائق للناس فى يومهم القريب، حتى لا ينخدع رئيس بتابع، ولا تابع برئيس، ومع ذلك فإن نفرا من الرؤساء المغرورين خدعوا الجماهير، واستغلوا ثقتهم فجروهم إلى ص _195
الهلاك "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار". إن المصير واحد للأئمة الذين يدعون إلى النار والأغرار الذين يستجيبون لهم..! وتشبه سورة إبراهيم سورة الرعد فى شرحها لطبيعة الحق! فإن الحق ينفع الناس إلى جانب صدقه العقلى، أما الباطل فمجلبة للمتاعب والآلام!. فى سورة الرعد يقول ـ جل شأنه ـ: " كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " . وفى سورة إبراهيم يقول ـ جل شأنه ـ: " ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن... " وتتفاوت الأمم بجملة الحقائق التى تستند إليها وتحيا بها، فإن هناك حقائق عقائدية وأخلاقية وعمرانية وحضارية. والمفروض أن كلمة التوحيد جذر شجرة كثيرة الفروع، طيبة الثمر، غزيرته! وأنها تثمر حضارة يانعة لمن عرفها، واستنار بها، واستظل بأفنانها الكثيرة. أما الباطل ـ فلأنه لا أصل له ـ لا ينتج إلا القوارح والهزائم " ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار" . فهل نتفيأ ظلال الحق؟ أم نجنح إلى غيره فلا نفيد إلا السراب؟!. وتتحدث سورة إبراهيم عن ناحيتين يجب أن تتوفرا للأمة المؤمنة: الأولى: انشغال الأمة بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة أكثر من انشغال الأمم القومية بشئونها الخاصة، فالأمة صاحبة الرسالة الإلهية تستغل تمكينها فى الأرض لإعلاء كلمة الله، ومواصلة ذكره وتمجيده: " قل لعبادي
(1/194)

الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال" . وتاريخ النبوات كلها يشير إلى أن الدول التى يقيمونها تهتف لله لا لبشر، وتجعل صلتها بالسماء أساس نشاطها الدءوب. ومع شحوب التعاليم السماوية أو غروبها ترى الأمم مستغرقة فى الطعام والتمتع والمكاثرة ص _196
والمفاخرة، فإذا بكت على شىء فعلى هبوط مستواها الاقتصادى، وقلة المواد التى تستهلكها فى ملذاتها. والعالم اليوم محتاج إلى أمة تضرب المثل من نفسها فى عبادة الله، والحديث عن أمجاده ووصاياه، وتلك هى الأمة الإسلامية.. على أن هذه الأمة المسبحة بحمد الله يجب أن تكون مالكة لزمان الأرض، سيدة على مرافق الحياة المختلفة. وهنا تجىء الناحية الثانية، وهى ناحية توضح أن أهل الإيمان ملاّك لا عالة، وأن بأيديهم قياد الدنيا يصرفونه كيف شاءوا. ويتضح هذا من الآيات الثلاث الآتية، والتى تكررت فيها كلمة ( لكم) خمس مرات!! " الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها... ". إن هناك مؤمنين شردوا عن الصراط المستقيم، وتجمدت مواهبهم، وعاشوا غرباء فوق أرض سخرت لهم، فسخروا فيها، وبدل أن ينصروا الله بما آتاهم ارتعشت أصابعهم، ونكصت أعقابهم، فتقدم أعداء الله إلى الزمام الخالى فامتلكوه، وسخروا الدنيا لكفرهم، وأحرجوا الإيمان فى مواطنه فما يكاد يبين. والجهاد فى عصرنا: سيادة فى البر والبحر والجو، وعلم بالكون يرتفق الأرض والسماء وما بينهما. فما هو حظ المسلمين من ذلك كله؟. إن الأسى يقهرنى عندما أجد أننا لم نصنع طيارة تخترق الفضاء، ولا غواصة تمخر العباب، ولا دبابات يتحرك بها الحديد على الأرض، ليدعم الحق وينصر المظلومين. على حين
(1/195)

مهر اليهود فى هذه الفنون، وانطلقوا هنا وهناك وكأنهم جن سليمان!. والفارق أن جن سليمان كانوا فى قبضة رجل مؤمن يسخر قوته لله، أما يهود اليوم فإنهم جاءوا لخلع جذور العروبة والإسلام، وبناء سلطان للطغيان والتمرد على الله... ما أوسع التفاوت بين ذرية إبراهيم، فيهم من ذهب بنفسه وتبع هواه وكفر بعيسى ومحمد جميعا، وهؤلاء الآن معهم القوة!. ص _197
ومنهم من ورث الوحى ولم يحسن الوصاية عليه، فعاش خاملا مسيئا وهم عرب هذه الأيام العجاف!. كان إبراهيم صالح مصلحا، جاب الآفاق داعيا إلى التوحيد، ومعلنا حربا شعواء على الأوثان. ثم جاء إلى الحجاز وهو يدعو: " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون". وهذا الفرع من ذرية إبراهيم هو إسماعيل من زوجته هاجر. أما الفرع الآخر فهو إسحاق أبو إسرائيل من زوجته سارة، وقد رزق إبراهيم بهما على الكبر، ولذلك يقول: " الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء * رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء" . والغريب أن اليهود يرون أنفسهم أبناء السيدة الحرة، أما العرب فهم دونهم، لأنهم أبناء أمة! وهذا فكر هابط، فبنو آدم سواء، لا يختلفون إلا بالتقوى، وإذا كان لإبراهيم ميراث فهو لولده جميعا، ورب العالمين أعز وأجل من أن يقطع أبناء يعقوب أرضا يتوارثونها إلى قيام الساعة "إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " وفى المعركة الأزلية بين الحق والباطل سيشعر بالضيم مستضعفون ومهزومون، وسيقولون لقاهريهم : "... ولنصبرن على ما آذيتمونا " والظلم مرتعه وخيم. وقد يعجل الله بعقوبته فى الدنيا، ومهما تخفف الجزاء فالقصاص حق : "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار " . وقد تبين لنا من استقراء التاريخ أن كيد الكافرين
(1/196)

شديد، وأن مكرهم سيئ، وأن الخطط التى يرسمونها لضرب الحق خبيثة ماهرة!! على أن ذلك كله لن يغير النتائج المقدورة: " وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال * فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام". لقد بدأت سورة إبراهيم ببلاغ للناس أن الله أنزل الكتاب على نبيه الخاتم ليخرجهم من ص _198
الظلمات إلى النور، وها هى ذى السورة تختم ببلاغ مؤكد حاسم " هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب ". على أولى الألباب أن يحترموا عقولهم فلا يعبدوا الأوهام ويسجدوا للأصنام، وعليهم أن يتدبروا الوحى الإلهى، ويتشبثوا بالحق الذى يضىء لهم الطريق، ويوضح الغاية، ويهدى إلى الرشد. ص _199
(1/197)

سورة الحجر " الر.. تلك آيات الكتاب وقرآن مبين" الوحى الأعلى من حيث هو كلمات مسطورة: كتاب، ومن حيث هو آيات متلوة : قرآن. وكلا اللفظين كتاب وقرآن علم على ما فى المصحف الشريف. " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" وربما يود الذين قصروا لو كانوا مجدين، وربما يود الذين عصوا لو كانوا مطيعين، وعندما تنكشف الخدعة الكبرى يندم الذين أضاعوا أيامهم سدى، ولم يستعدوا للمستقبل الباقى " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون". عبادة الدنيا والاستغراق فى متعها شأن الناس من قديم، ولكنها عبادة اجتاحت الناس فى هذا العصر حتى لتكاد الآخرة تكون وهما. وفى مواجهة ذلك يقول الله لنبيه: " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم... " . وقد لاحظنا أن آخر هذه السورة يؤكد أولها ويتجاوب معه، فعندما يتحدى عبيد الحياة أنبياءهم، ويعترضون طريقهم، ويظنون الدولة خالدة لهم، يجىء فى أول السورة قوله تعالى: " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون" وهذا قول موجز تفسره أواخر السورة عندما تقص كيف هلك قوم لوط، وقوم شعيب، وقوم صالح!!. إن الإناء يستقبل الأخطاء حتى إذا طفح بدأ العقاب، وربما فعل المجرمون الفعلة التى يجىء بعدها الهلاك. يقول الله تعالى فى وصف قوم لوط وهم يريدون الفسق بضيوفه: " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون * فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين" المتأملين فى الأسباب والنتائج – "وإنها لبسبيل مقيم" ص _200
(1/198)

أى أن القرية الهالكة فى طريقهم وهم يغدون ويروحون!!. ويقول جل شأنه فى قوم شعيب: " وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين": طريق واضح. ويقول فى أصحاب الحجر ـ وبهم سميت السورة ـ : " ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين * وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين * وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون" . وأصحاب الحجر هم ثمود، ويسمى العرب أرضهم بمدائن صالح. وهم يمرون عليها ليلا ونهارا، فهلا اتعظوا!!. إن هذا كله تفصيل لما ورد أول السورة عن القرى الهالكة: " ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين * وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون.. " . وقد كان عرب الجاهلية يستهزئون بالقرآن وبمن نزل عليه " وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون * لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين " والجاهليون ليسوا بدعا فى طلب نزول الملائكة، فقد سبقهم قوم نوح وهود وصالح، ولكن الله لا يستجيب لعبث أولئك الذين يستكثرون الرسالة على بشر منهم!. إنهم أدعياء يكرهون الفضل فى غيرهم، ويحسبون الأمر مسابقة فى الصدارة ينجح فيها الأكثر صفاقة! " ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ". وينبه سبحانه إلى أن هذا الوحى الخاتم خالد مادامت السموات والأرض، وأن أعداء الحقيقة مهما بلغت ضراوتهم لن يطمسوا أنواره " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ويقول جل شأنه ممتنا على رسوله بهذا القرآن: "ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ". وكُفْر بعض الناس بالكتاب الكريم ليس لقصور به، إنه لتعصب فيهم وعناد! ولو سيقت إليهم المعجزات كلها ما ازدادوا إلا جحودا " ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون" والأدلة مهما قويت لا تجدى مع هؤلاء... وفى أول سورة الحجر وآخرها حديث شائق عن الكون وأسراره وقواه
(1/199)

الدالة على صاحبه!. إذا نظر المرء إلى أعلى لم ينقض عجبه من شروق الأفلاك وغروبها فى فضائها المديد إلى ص _201
غير نهاية! وإذا نظر إلى الأرض وما أودع فى برها وبحرها من بركات عجب كيف ضمن الله الرزق لكائنات لا حصر لها، وردد مع الرسول الكريم قوله: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ". يقول تعالى: "ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين * وحفظناها من كل شيطان رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون * وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين". لقد فصل أول السورة بركات الكون وخيراته وعجائبه، ولكنه أجمل فى آخر السورة وأوجز عندما قال: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل * إن ربك هو الخلاق العليم " . لقد ثبت أن عناصر الجسم البشرى هى عناصر هذه التربة الأرضية، فكيف يتحول اللحم والعظم إلى تراب؟ ثم كيف يتحول التراب مرة أخرى إلى لحم وعظم؟. هل الخصيتان هما اللتان تهندسان خصائص الوراثة؟ وتحملان الطبائع المادية والمعنوية للإنسان؟. هل هذه الدريهمات من اللحم تصنع قدر الإنسان؟ إنها غدد عبقرية. إذن، إنها ـ عند النظر الصائب ـ غطاء للقدرة العليا يخترقه العقل السليم فيرى أن الله وحده هو المحيى المميت، وأنه بحكمته وإبداعه خالق كل شئ " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " . العلم الإلهى صفحة واحدة، يقترب فيها الأزل من الأبد، والأرض من السموات، والدقيق من الجليل، وعالم الحشرات والجراثيم بعالم الإنس والجن والطير!!. كنت فى الطائرة فرمقت قطعة من الصحراء خيِّل إلى أنها تصلح للزراعة، فتساءلت: أتزرع هذه غدا؟ ثم أجبت نفسى: إن كانت ستزرع فإن الله وحده يعلم أيان يجيئها المطر، ويلتف حولها البشر، ويلتقطون منها الثمر " ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا
(1/200)

المستأخرين * وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم" إننى أتابع برامج عالم الحيوان وعالم البحار، وأعجب كيف تتكاثر الأحياء وكيف تتفانى، وكيف يجعل الله طعام طير سارح من دودة ملصقة بظهر حيوان ضخم يستريح حين يأكلها هذا الطير!!. ص _202
وعالم الإنسان نفسه مثار تفكير عميق، لقد خلق من طينة منتنة " من صلصال من حمإ مسنون" وعندما يعود إلى التراب بعد انقضاء رحلة العمر ويدفن تحته تكون رائحته أشد إزعاجا. كأن الناس يتدافنون حتى لا يشمئز بعضهم من بعض!. بم زكا الإنسان وسما؟ بم كرم ونغم؟ بهذه اللطيفة الربانية التى نفخت فيه، والتى طالما جار عليها وضاق بأوْجها!!. إن فى الإنسان قبسا من نور الله الأسنى حسده عليه إبليس، وكره الاعتراف به، وقرر الانتقام من آدم وبنيه: " قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط علي مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين " . وقد تكررت قصة آدم وعدوه فى القرآن الكريم، وتميزت القصة هنا بتكرار المعدن الذى نشأ منه آدم، وأنه صلصال من حمأ مسنون، أى: طين متغير الرائحة!. إنه مسكن مؤقت على أية حال، أو جسر يعبر عليه الإنسان إلى مصيره الباقى وفق ما قدم من عمل فى فترة الحياة الأولى. والمخدوع من نسى ربه ومبدأه ومعاده. وإبليس ليس له سلطان على بشر، والقانون ـ كما قيل ـ لا يحمى المغفلين! إن الشيطان لا يملك إلا الإغواء والخداع! وتزيين السم للآكلين، فمن الملوم بعد التحذير المستمر؟. على أبناء آدم اليقظة والانتباه والشعور بأن الله عندما يرضى يغفر الهنات، ويرفع الدرجات، وعندما يغضب لا ينجو من بطشه أحد " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم " . ثم أعقب هذا الوعد والوعيد نبأ إبراهيم مع ضيوفه، ومن ضيوف إبراهيم؟ إنهم الملائكة الذين جاءوا يبشرونه بغلام عليم، ويبشرونه فى الوقت نفسه بهلاك المدينة التى
(1/201)

كانت تفعل المنكر!!. ولم يتعرض القرآن بالنفى للخرافة التى أوردها العهد القديم بأن الله تغدى أو تعشى فى حفل أقامه له إبراهيم! وكان على المائدة عجل سمين! إن الله لا يأكل!. والسكوت عن هذه القصة أبلغ فى ردها من إيرادها ثم تكذيبها.. ويكفى ما امتلأ القرآن به من آيات التسبيح والتحميد.. ص _203
أما قوم لوط فقد كانوا أهل سوء ودنس، وقد عانى لوط فى تحذيرهم، وفشل فى تطهيرهم، فدمر الله مدينتهم وجعل عاليها سافلها. واللواط مرض يظهر مع الإسراف الجنسى والحرمان الجنسى على سواء، وقد كان أصحابه يتوارون به استخذاء، حتى جاء الأوربيون والأمريكيون، فأقروه، ثم شرعوه!!. وكم من جماح شهوانى أقرته هذه الحضارة؟ ولكن العقاب الإلهى بالمرصاد… أشرنا إلى الروابط التى تصل بين أول السورة وآخرها، وقد فصلت بينهما هذه القصص المسوقة للعظة والعبرة، ثم قيل للرسول الكريم: إن الله شرفك بهذا الوحى، فأدب الأمم به: " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين * وقل إني أنا النذير المبين" . والذى نراه أن المقتسمين هم أهل الكتاب الأولون الذين جعلوا القرآن أقساما يصدقون بعضها ويكذبون بعضها، فقال تعالى " كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين". أى: أعضاء أو أجزاء مقطعة يقبلون منها ما يشتهون، ويرفضون ما يكرهون. والمعنى العام: أن الله خص المسلمين بالوحى الخاتم المهيمن على ما قبله، كما منح أهل الكتاب الوحى السابق، فغيروا وبدلوا : " فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون" . ثم بشر الله نبيه بأن رجال الوثنية الذين يقاومون رسالته لن يطول بهم أمد حتى يصرعوا جميعا. " إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون". وقد كان أهل مكة قد أعلنوا حربا من السخرية والاستهزاء على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى ما ينزل عليه من وحى، ونشروا سخريتهم وتهمهم على نطاق واسع،
(1/202)

ورصدوا الوفود القادمة إلى مكة كى يحذروها من اتباع الرسول، والانخداع بما يقول. وطبيعى أن يتألم النبى من هذه الحملات الجائرة، ولكن الله أمره ألا يلقى إليها بالا، وألا يحزن لتهافت المشركين عليها. " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". وقد صدق الله وعده فارتفع لواء الإيمان، وذهب الشرك وأتباعه فى خبر كان. ص _205
سورة النحل ظاهر أن سورة النحل نزلت فى أخريات العهد المكى بعدما احتدم العراك بين المشركين والمؤمنين، وطال الأمد ولم يظفر الإيمان بنصر يشد أزره، ولم ينزل بالشرك حدث يقصم ظهره!!. وكأن المشركين يقولون للمؤمنين: أين ما توعدوننا به وتنتظرون وقوعه؟ فكان الجواب: كل آت قريب، إن غدا لنظاره قريب: " أتى أمر الله فلا تستعجلوه... " . وما يتحقق وقوعه يمكن الجزم به، وقد انتهى الصراع بين الحق والباطل بهزيمة أخرست الوثنيين وأخضعت أعناقهم..! واحتاج ذلك إلى أجل يعده المجرمون طويلا، ويعده القدر قصيرا!. وفى هذا الأجل يجب على المسلمين أن يصبروا دون ارتياب، ولذلك يقول الله فى آخر السورة لنبيه: " واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " . وقد صابر المسلمون الأيام، وعندما حرت فى جلودهم الآلام نزلت آيتان فى هذه السورة تعزيان المسلمين، وتصبرانهم على ما نزل بهم. الأولى قوله تعالى: " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون " . والثانية قوله تعالى: " ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم" . والهجرة المقصودة هنا هى الهجرة إلى الحبشة.. وقد أذن فيها للمستضعفين ومن لا طاقة لهم على التعذيب، وقد روى البخارى حديثا فى هذا الموضوع نسوقه هنا قال: إن أسماء بنت عميس وهى ممن قدم من أرض
(1/203)

الحبشة ـ إلى المدينة ـ دخلت على حفصة، فدخل عمر عليهما، فقال لأسماء: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم! فغضبت أسماء فقالت: كلا والله، ص _206
كنتم مع النبى يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا فى أرض البعداء البغضاء بالحبشة، كنا نؤذى ونخاف، وذلك فى الله ورسوله!. وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله! فلما جاء النبى بيت حفصة قالت أسماء: يا رسول الله، إن عمر قال كذا وكذا.. قال: فما قلتِ له؟ قالت: قلت له كذا وكذا.. قال رسول الله: ليس بأحق بى منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم ـ أنتم أهل السفينة ـ هجرتان "!!. وفى مطلع هذه السورة سقى الله الوحى روحا، لأنه يحمى الأفراد والأمم "ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون" ويقول جل شأنه فى مكان آخر : " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم... ". والروح النازل على العرب فى تضاعيف هذا القرآن خلق منهم كيانا جديدا رشحهم لقيادة العالمين بجدارة بعدما كانوا صفرا..! والسياق فى هذه السورة يتشعب شعبتين: أولاهما تتحدث عن الوحى الذى تنزلت به الملائكة، والأخرى تتحدث عن آيات الله فى كونه، وآلائه على عباده. وتتبادل الشعبتان المواقف فى عظة الناس، وتعريفهم بربهم. ولننظر إلى الشعبة الأولى، ماذا يقول الناس بعدما سمعوا الآية الكريمة: " ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده " . إنهم فريقان متباعدان: الفريق الأول ضال مضل " وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين * ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم.. " هذا الفريق هم رؤساء الضلال وقادة الزيغ، وزرهم مضاعف، فقد أضلوا أنفسهم، وتسببوا فى إضلال غيرهم، وفى الحديث: " من دعا إلى ضلالة كان عليه
(1/204)

من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " . إن الرجل يؤلف الكتاب يودعه من الأغاليط والترهات الشىء الكثير، ويحسب أن جريمته انتهت بصدور الكتاب. وما درى أن له رصيدا مفتوحا إلى قيام الساعة، يضيف إلى جريمته جرم كل من انخدع به.. نعم إنه يحمل من أوزار الأتباع قسطا. ص _207
أما الأتباع أنفسهم فهم محاسبون على غفلتهم وتسليمهم الأعمى، وكان يجب أن يكونوا نقدة أذكياء.. وألا يساقوا كالأنعام!!. " قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين * الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.. ". ذاك حديث الفريق الأول، أما الفريق الثانى فإن السؤال نفسه يوجه إليهم، بيد أنهم أذكياء مهرة يحسنون الإجابة: " وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين" . هذا كلام فقيه فى القرآن، يعلم أن العاقبة الحسنة للمتقين فى الدنيا والآخرة، ولكن من هم المتقون؟ " الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون" . والوصف كما ترى لأناس قضوا أعمارهم فى الصالحات، وطابت أرواحهم، بعدما جاءهم الأجل وهم مثابرون على فعل الخيرات، وترك المنكرات... والثمر ينضج فى منابته وتطيب بعد فترة يقضيها بين الماء والضوء، تتم فيها حلاوته، كذلك يرشح المؤمنون لدخول الجنة. وفكرة المسلمين عن الطيبة والصلاح تحتاج إلى تقويم يجب أن يعرفوا أن التقوى استواء مواهب ونضج خصائص... وندع الحديث عن الوحى بين منكريه ومقريه لنعود إلى حديث آخر عن الكون، وكيف مهد الله طرائقه، ويسر مرافقه لبنى آدم " خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون * خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين " وعجيب أن يتحول الإنسان المعروف النشأة العاجز الطفولة إلى عدو لله الذى خلقه فسواه، وأسبغ عليه النعم ظاهرة وباطنة..!! " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون *
(1/205)

ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون". والصورة التى ذكرها القرآن فى ترفيه الإنسان ليست صورة " أفندى " جالس على مكتبه يصدر الأوامر، وإنما هى صورة فلاح يذهب إلى الحقل تتبعه ماشيته، ثم يعود، وهو لها مالك، وبها مزدان، ولها مسخر.. إن هذا متاع عظيم. ص _208
ثم يطَّرد إحصاء الأفضال الإلهية " هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون " كيف ينزل الماء على الثرى، فإذا الحبوب أنواع، والأزهار ألوان، والطعوم شتى، للأنعام حظها، وللبشر حظوظهم، والأرض واحدة، والماء واحد، وترى هنا غابات ملتفة، وترى هناك سهولا فيحاء. من صنع هذا كله؟!. " وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " إن الأرض التى تعيش جماهيرنا على أديمها، وتلتقط منها رزقها ليست فى الفضاء الكونى إلا ذرة صغيرة تنتظم فى عقد مبهم من كواكب لا حصر لها. إنها تبنة ملقاة فى سكة التبانة، أو رملة مطمورة فى صحراء هائلة، أو قطرة فى بحر متلاطم الموج !. إن الكون كبير جدا، ولكن خالقه أكبر جدا، ومع ذلك فمن البشر من يجهل هذا الخالق، وقد يتصوره قطعة حجر أو قطعة خشب، ما أشد الغباء!!. " أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم * والله يعلم ما تسرون وما تعلنون * والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون". وسورة النحل تسمى سورة النعم ؛ لكثرة ما وصف الله فيها أنعمه على عباده، طالبا منهم أن يذكروه ويشكروه. وقد قلنا أول السورة: إن دلالة الكون الصامتة تقارنها دلالة القرآن الناطقة. وأنهما تتبادلان المواقف فى تعريف الناس بربهم، واقتيادهم إليه. وقديما وحديثا كان ناس ينكرون الوحى، ويتهمون رجاله بالكذب، كانوا يعيشون
(1/206)

فى الخلق الأول، وينكرون قوله ـ جل شأنه ـ " كما بدأنا أول خلق نعيده " لا شئ غير هذا العالم المعاصر إلا شئ يليه! " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون". والحقيقة أن فترة الاستمتاع بالعالم وما فيه تعقبها حياة أخرى أخلد وأخطر، جاء المرسلون منبهين إليها على امتداد الزمان "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ص _209
(1/207)

بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ". إن الماديين والوثنيين والعلمانيين لا يؤمنون بوحى، وقد توارث أهل مكة عبادة الأصنام، فما تطوف بأذهانهم إلا أشباح هذه الدنيا. فإذا سمعوا رجلا يحدثهم أنه يوحى إليه، وأن العالم أوسع مما يتصورون أنكروه، وثاروا عليه، وقد أمرهم القرآن الكريم أن يتصلوا بأهل الكتاب ليشعروا بأن هناك وحيا، وأن هناك مرسلين سابقين.. والحديث عن أهل الكتاب ذو شجون، فإن موسى حق، وعيسى حق! لكن أين ما نزل عليهم وأمروا بتبليغه؟. لقد ألف القوم أحاديث من عند أنفسهم ونسبوها إلى الله! هل يصدق ذو عقل أن الله غار من آدم بعدما أكل من شجرة المعرفة، وخاف أن يأكل من شجرة الخلد، وينازعه السلطان؟؟! من أجل ذلك طرده من الجنة، وأهبطه إلى الأرض؟ ليشقى فيها هو وأبناؤه!!. هل يتصور ذو عقل أن الله قتل عيسى ابنه الوحيد، أو تركه يقتل ليكفر عن خطيئة آدم، ويمكن العفو عنه؟. إن أهل الكتاب يتدارسون أقاويل من عند أنفسهم، ثم يزعمون أنها وحى نزل من السماء، وأن من لم يصدقها لا يقبل فى ملكوت السماء!. إن سؤال أهل الذكر الذى ورد فى هذه الآية كان ليعرف العرب الأوائل أن الوحى ممكن، وأنه لا غرابة فى أن يحدث رجل عن السماء، أما ما عند القوم فيحتاج إلى تصحيح طويل!!. والكتاب الذى نزل على محمد تضمن هذا التصحيح المطلوب، ولذلك يقول الله فى شأنه " تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم * وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ". إنه تبيان للحق القديم الذى نزل فى الوحى الأول، وإنقاذ لعقول البشر!!. ومحمد ـ فى الحقيقة ـ هو الذى عقد الصلح بين الدين والعقل، بين الإيمان بالغيب والإيمان بالشهادة، بين مانزل من عند الله وما وصل إليه أولو
(1/208)

الألباب.. ولذلك جاءت الآية تحدد عمله وسيرته " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" . ص _210

إن التفكير خاصة العقل الحى، وسمة الإنسان الراشد، وكل تدين ينبو عن منطق العقل، ويرفض حقيقة الفطرة، فهو لغو من عند الناس، وليس وحيا من عند الله سبحانه. فى الوحى الإلهى من قديم: " وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون * وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون " .
وتعود سورة النحل إلى تصنيف النعم التى أفاءها الله على الناس: " والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون " بين ممات الأرض وحياتها ترتد الأرواث والفضلات التى أفرزتها البطون حبوبا وفواكه وثمرات بهية.
من صانع هذه النقائض المتباعدة؟ إنه الله وحده " وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين" هل صنعت البقرة الحلوب شيئا من هذا؟ إن الكرش وما يضم ليس منبعا ينبجس منه هذا الحليب!!.
وهل تدرى الدجاجة وهى تضع بيضتها ما فعلت؟ وكيف مزجت الزلال بالحديد بشتى الأغذية الأخرى؟.
إن الله صانع هذا كله، ولكن بعض الناس يأكل ويكفر!!.
" وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون" .
إن عسل النحل وضعت فيه كتب تصف آثاره وفوائده! لقد استطاعت هذه الحشرة أن تستخلصه من الحقول والحدائق، والتلال والحشائش، وتجمعت زمرا بين شغالات وملكات لتقدمه بعد لأي غذاء ودواء للناس، والناس يلتهمون ولا يشكرون!.
ثم شرعت الآيات تصف نعما عامة تشمل الناس كلهم بين المهد واللحد: " والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا " .
(1/209)

إن الحياة غير العدم، وإذا امتن الله على أحد بالوجود فليقدر هذا الفضل، وليؤد الوظيفة التى خلق من أجلها.
كان من الممكن أن يكون ترابا يداس، أو دابة تركب، فإذا خلقه الله فى أحسن تقويم فليقدر ذلك العطاء!!.
ص _211
وقد فاوت الله بين الناس فى الأرزاق اختبارا للمكثر والمقل معا، ولله أن يختبر عباده بما شاء! ترى هل ذكر الغنى الفقير وواساه من الفضول التى اختص بها؟ أم غلبته الأثرة وأوبقه الجحود؟. وقد جعل الله الزواج أسلوبا لبقاء النوع وامتداده مع اختلاف الليل والنهار، فهل عرفت البشرية معنى الزواج وتحول المرء به إلى أب وجد؟ أم أنها عقدت تكوين الأسرة، وفتحت مسارب للخنا، وجعلت الزواج فى أحيان كثيرة قاصمة للظهر؟؟ " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون " ؟. وأغرب ما فى حياة الناس أنهم يعبدون الوهم ويذلون للباطل، وبدلا من أن يعبدوا الله الذى أحسن إليهم وأعلى شأنهم يعبدون بشرا مثلهم، أو حجرا دونهم، أو أكذوبة لا رأس لها ولا ذنب " ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون * فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون" !!. إن الحساب الجامع لابد منه، وسيمثل كل امرئ أمام ربه ليعرف ما قدم وما أخر... وجمع الأولين والآخرين لا يحتاج إلى وقت " وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير" . ومضت سورة النعم تسرد ما فى أعناق الناس من منن: " والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون" . ما أبعد البون بين طفل زنته أرطال! وشاب جلد زنته قناطير، كيف نمت الأعضاء واكتنزت العضلات؟. وكيف تحول العقل الطفل إلى عقل ذكى حافل بالتجارب والمشاعر؟ تلك صناعة الخبير القدير!. إنه محيط بالبر والبحر والجو، وهو جاعل الطير يحفق منسابا من
(1/210)

ذؤابة إلى ذؤابة " ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون " . إن إلف الشيء يصرف عن البحث فى سره، وعالم الطير فى الهواء كعالم السمك فى الماء، ملئ بما يعجب ويدهش، ولكننا لا نلتفت إلى أسرار هذه العوالم. ثم قال تعالى: " والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين * ص _212
(1/211)

والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا... " الخ. إن النعم الإلهية فوق الحصر، وبين كل نفس ونفس تتنزل نعم، وتترادف أفضال " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم " . وبعد هذا التذكير يجئ دور الكلام عن القرآن، ولكنه يجىء من خاتمة الرواية، عندما يلتقى الأولون والآخرون أمام الله، وتسأل كل أمة عما أسلفت، وبماذا أجابت المرسلين؟ " ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ". هذا المشهد من مشاهد القيامة تكرر فى سورة النساء عند قوله تعالى: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا * يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ". صح فى السنن أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بكى عندما سمع هذه الآية. لقد تلقى عن الله كتابا فيه بيان كل شىء، وبلغه بأمانة ووفاء، وربى به أمة غيرت التاريخ، ونقلت العالم من الغى إلى الرشاد!. ماذا دهى هذه الأمة حتى نسيت فذلت؟ وغفلت فغلبها الجهال؟. ماذا فى هذا الكتاب من أوامر يصعب تنفيذها؟ يقول تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي... " يظهر أن هذه التعاليم صعبة أيا ما كان الأمر فإن الذين استصعبوها لقوا العنت والهون، ولا منجى إلا بالعودة إلى القرآن. وناقش القرآن فرية صغيرة وجهها أعداء الإسلام إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ!! قالوا: إن شخصا من أهل الكتاب، أو من خبراء الوحى القديم هو الذى يلقن الرسول ما يجئ به إ!. من هذا الشخص؟ وما الذى استبقاه فى دائرة الظل فلم يعلم به أحد؟! " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " الإجماع معقود على أن القرآن معجزة اللسان العربى، فكيف انبجست بلاغته من فم أعجمى له بالوحى القديم
(1/212)

علاقة قوية أو ضعيفة؟. ص _2 ص
ولماذا لم يتحدث هذا الشخص ويميط اللثام عن نفسه وعمله، ويعين قريشا فى عداوتها لمحمد؟. ولنترك هذه الأسئلة ولننظر فى الواقع الملموس، ونضع التوراة والإنجيل والقرآن أمامنا ونبحث عن وجوه التشابه بينها.. فى مجال العقيدة تقوم التوراة على التجسيد، ووصف الله بصفات نابية، ليس شرها أنه تصارع مع إسرائيل وكاد يهزمه الأخير ولم يفلته إلا بشرط.!. لقد تجسد الله فى التوراة مرات عدة،ووصف بالجهل والنزق والندم، فهل من هذا الحديث بنى القرآن العقيدة على الوحدانية المطلقة، والسلطان الأعلى، والتنزه عن كل نقص، والتحلى بكل كمال؟ " الرحمن على العرش استوى * له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى". أى شبه يوجد بين الكتابين فى مجال العقيدة؟ أو التاريخ؟ أو سير الأنبياء؟. ويبنى القرآن الإيمان على التوحيد " إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا" فهل هكذا تقول الأناجيل المنتشرة؟. إن عبدا من الملائكة هو جبريل سمى الإله روح القدس، وعبدا من الأنبياء هو عيسى بن مريم سمى الإله: الابن، أما الخالق الباقى فسمى الإله الأب. ثم قيل: إن الكل واحد، وأن الإله مثلث الذات، ولا مانع أن يكون الإله الابن رب البشر!!.. هل تعلم محمد حرفا من هذا وأودعه كتابه؟ أم هو صاحب سورة الإخلاص: " قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد " إن من العبث بالعقل الإنسانى أن يقول أحد: أخذ محمد كتابه من الكتب الأولى!!. ودع التناقض القائم فى ميدان الاعتقاد إلى الأسلوب الذى تفرد القرآن به فى غرس التقوى، ومضاعفة أشواق الكمال! وكبح وساوس الضعف والهبوط. هل تجد من شبه؟. إن أمجاد الألوهية تتألق فى جو القرآن، وتجعل الإنسان شديد الحس بعظمة الله وقيامه على العالم أجمع، فهو يعلم خائنة
(1/213)

الأعين وما تخفى الصدور، كما يعلم أين تهوى النجوم، ثم تشرق بعد أن تغرب!. إن آيات القرآن تشيد للجلال الإلهى صرحا فى كل نفس. وتجعل المرء عبدا لله وحده، لا عبد رغبة ورهبة!. ص _214
لقد انفرد القرآن بنسق لم يعهد فى غيره من الكتب، فكيف يزعم زاعم أنه مأخوذ مما قيل من قبل؟ إن الأقوى لا يأخذ من الأضعف، والمكثر لا يأخذ من المقل، وقارون لا يأخذ ماله من بائع خبز فى دكان مهجور!!. والمستشرقون الذين يرددون هذا اللغو يهرفون بما لا يعرفون، ويبعثوننا على السخرية منهم... ويستحيل أن يهتدوا إلى الحقيقة وهم يستبطنون هذا الهذر: " إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم * إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون" وقد اشتدت وطأة القرآن على أولئك المفترين، لأن كذبهم مفضوح، واتهامهم سخيف.. وسيبقى القرآن حتى آخر الدهر قمة لا تطاول، وأوجا لا ينال... غير أن النظم الكريم عرض بالمعذرة والمغفرة لأناس ضعفوا فى سعير الفتنة، ونطقوا بكلمة الكفر راغبين : "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين " لقد قامت سورة النحل على إحصاء النعم الإلهية، وفى مقدمتها نعمة القرآن الكريم، والمفروض أن يلقى الناس هذه النعم بالشكران والإيمان. غير أن هناك من اعتسف الطريق، وآثر الكنود، فماذا كانت عاقبته؟ " وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " الشكر قيد النعم، والإيمان حارسها وحافظها... وربما أخطأ البعض ثم ثاب إلى رشده، ورجع إلى الله، إن الله غافر الذنب وقابل التوب، فليثق التائبون أن الله لن يضيع إيمانهم أو يسد الطريق فى وجوههم " ثم إن ربك للذين
(1/214)

عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم" . وخدمة الحق تحتاج إلى رجل " أمة " أو بالتعبير المعاصر " فُتُوّ " ـ جمع فتى ـ على نحو ما قال الشاعر: والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنى.! وقد كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ أمة، وكان محمد كذلك أمة يشبه جده كبير الأنبياء، قال الشاعر: ص _215
كأنه ـ وهو فرد ـ من جلالته فى عسكر حين تلقاه، وفى حشم!!. والإسلام دين الفطرة، وهو ترديد للرسالات الأولى حينما نزلت من السماء، أما ما طرأ على الأديان السابقة من تحريف وتشويه فقد باعد بينها وبين أصولها، وانفصلت به عن مواريث السماء. وأنا أؤيد تفسير الفضل بن عاشور لقوله تعالى: " إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه " أى: فى إبراهيم، فابتعدوا عن سيرته ورسالته، وكانت لهم تعاليم وتقاليد أخرى... ثم ختمت السورة بأن الدعوة الإسلامية تقوم على الحوار والإقناع والأخذ والرد، ولا تختط الإكراه طريقا لانتشارها " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " ولا يستطيع ذلك إلا فقيه فى الكتاب والسنة، عارف بالداء والدواء. ص _217
(1/215)

سورة الإسراء الآية الأولى من هذه السورة تضمنت قصة الإسراء، ثم عاد التاريخ القهقرى ليذكر بنى إسرائيل وما عرض لهم أثناء إقامتهم الأولى فى فلسطين. لقد أوتوا التوراة دينا ودولة، والمرتقب منهم ومن أمثالهم إذا أقاموا حكومة دينية أن تكون صورة للنظام لا للفوضى، وللعدالة لا للجور، لكن بنى إسرائيل الذين عانوا كثيرا تحت وطأة الاستبداد الفرعونى لم يلبثوا طويلا حتى جددوا سيرة الفراعنة الأولين، فعاثوا فى الأرض فسادا، ولم يكن بد من تأديبهم. وتسمى هذه السورة سورة بنى إسرائيل، كما تسمى سورة الإسراء. ويشرح القرآن الكريم أن العجز الإدارى والخلقى فى سلطة بلد ما ينتهى بزوال هذه السلطة، وقدوم آخرين من الخارج ليتولوا هم الحكم، ويعاقبوا العابثين، قال تعالى: "وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب " يعنى سجلات العلم الأزلى " لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا " . إن الدولة التى تختل أمورها تختل أرضها، وتفقد استقلالها وحريتها... أوتيت ملك فلم تحسن سياسته كذاك من لا يسوس الملك يخلعه.! إن الفساد والاستعلاء لا يتصوران فى حكم يقوم على الوحى وينتسب إلى السماء، ولذلك فإن عقوبة أهله تكون شديدة، استعمار أجنبى يقوم على الإذلال والاضطهاد، حتى إذا استقام المعوج وعاد إلى أدبه واصطلح مع ربه عادت إليه مكانته وكرامته " ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا " . وليس ما يقع مكافأة أنهت المأساة. إنه اختبار جديد، وعلى الشعوب أن تعى وترعوى " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها... ". ص _218
(1/216)

ويظهر أن اليهود أدمنوا المرض، واستمرأوا العلل، فلا تكاد أحوالهم تستقيم عصرا حتى يحنوا إلى عبثهم ومظالمهم، ويتجدد العقاب، وتتجدد التوبة " وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " . ويقول التاريخ: إن الإفسادة الأولى أعقبها تدمير الآشوريين لدولة اليهود وهدمهم لهيكل سليمان. ثم قامت الدولة ثانية، وعادت إلى الإفساد فهاجمها الرومان وتكررت العقوبة، وبقى اليهود دهرا طويلا بلا دولة!!. ثم شاء الله أن يقلد المسلمون اليهود، وأن يفسدوا دولة الوحى بأهوائهم! وكانت عقوبة القدر هذه المرة أن يقيم بنو إسرائيل دولة على أنقاض العرب الذى تخلوا عن القرآن، واخلدوا إلى الأرض. والصراع القائم اليوم غريب، لأنه بين مسلمين تخلوا عن مواريث السماء، واستهوتهم نزعات جنسية!! وبين يهود يرفعون راية التوراة، ويعظمون يوم السبت. أى: بين وحى حق قليل الأنصار، وبين وحى مختلط محرف يغالى به أهله "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا" ونعود إلى سورة الإسراء لنلحظ فيها أمرا تفردت به، وهو أن كلمة " القرآن" تكررت نحو إحدى عشرة مرة، وهو ما لم يقع فى سورة أخرى! ألهذا علاقة بما شرحناه من طبيعة المعركة القائمة اليوم بيننا وبين اليهود؟ ولنذكر الآن هذه الآيات: 1- " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا". 2- " ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا " 3- "وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا" . يقول جل شأنه قبل ذلك: 4- "وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا" 5- " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا " . ص _219
(1/217)

6- و 7- " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا". 8- " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا " . 9- " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا". 10- " ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا " 11- " وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا" . وقد ذكر القرآن فى هذه السورة باسم الروح " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " . والسياق أدل على هذا المعنى من التفسير الآخر للروح، وإن كان تفسيرا جائزا. كما ذكر القرآن بعود الضمير إليه فى قوله تعالى : " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا " إن سورة بنى إسرائيل انفردت بهذه الخاصة عل المسلمين يفقهون أن القرآن الذى صنع أمتهم قديما قدير على أن يصبهم فى قوالب السيادة والقيادة مرة أخرى، وعلى أن ينتزع من نفوسهم حب الدنيا وكراهية الموت، ويهب لهم قلوبا شجاعة تفتدى الحق وتحرص على لقاء الله!!. أحيانا يكون الجهل عذرا مخففا، أما التجاهل والاستكبار على الحق وإيثار العمى على الهدى فهو ذريعة غضب هائل. وقديما سلط الله عبدة الأوثان على بنى إسرائيل، لأنهم لم يقدروا كتابهم قدره، فليس عجيبا أن يسلط على المسلمين بعد ما أهملوا القرآن من لا يقيم لهم وزنا أو يعرف لهم حقا. وطريق العودة واضح: لابد من عقيدة وشريعة وأخلاق ومعاملات تتفجر من ينابيع القرآن، ويحيا بها المسلمون من جديد، حياة تجعلهم أمة الوحى، وصلة السماء بالأرض. من تجاوز الحق ومتابعة الوهم أن تزرع فى الصباح وتنتظر الحصاد فى الأصيل! إن لكل شىء أوانا يتم فيه، رضى المرء أم سخط. والإنسان لا يشب فى يوم، والحضارة لا تزدهر فى شهر، والنتائج تتحقق وفق قوانين مضبوطة تتم مع كر الغداة ومر العشىّ. ص _220
(1/218)

مهما دعا المؤمن فلابد من الصبر على سنن الله الكونية . "ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا" ورعاية للزمان وخضوعا له جاء الحديث عنه فى الآية اللاحقة : " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا" ومع سير الزمن تقوم دول وتنهزم أخرى، ويعلو أمر اليهود ويسفل، كما أبان الوحى أول السورة، وكذلك تتقلب الدنيا بغيرهم من الناس. لكن الإنسان هو المسئول الأول عن نفسه، إذا عقل فقد اتخذ القرار السليم، وإن شرد هوى " من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى... ". وهذا قانون للأفراد والشعوب، وإن كشف القرآن الكريم هنا أن الترف أول مظاهر الفساد فى الآفة، وأن المترفين هم الجراثيم الحاملة والناقلة للمرض، وأن مطاوعتهم خطوة إلى الهاوية " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا". والحضارات القائمة على الدين تظل معتصمة به، وحاملة لواءه ما ظلت بعيدة عن الترف والمراسم الفارغة، وقسوة القلب. ويتم لها ذلك إذا حددت موقفها من الآخرة تحديدا واضحا " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد " ما نشاء لمن نريد!! عبارة صارمة، إن الله لا يغلب على أمره، ولا ينال ما عنده إلا بإرادته، وما يملك أحد عليه شيئا.. والتدين الكاذب لا يروج عند الله، وليست لأهله وجاهة، ويقول سبحانه هنا : " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح.... " والحديث عن الأمم السابقة حتى بعثة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ أما بعد ذلك فقد تحدثت آية أخرى عن مصاير المجرمين " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا " والكتاب فيما يبدو هو سجل العلم الإلهى.. والتحذير لنا وللناس أجمعين، ما النجاة من هذه المصاير؟ تسوق سورة
(1/219)

بنى إسرائيل خلال صفحتين حافلتين جملة من ص _221
الوصايا العظيمة تعصم الناس من الزلل، وتقودهم إلى الرشد، وتضمن لهم الرعاية الإلهية فى الحاضر والمستقبل. وتبدأ هذه الوصايا بقوله تعالى : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا... " وتنتهى بقوله : " ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا" بدأت هذه النصائح بتوحيد الله وختمت كذلك بتوحيده، لأن القلب الذى يعنو لغير الله لا أمل فيه، والاستقامة الكاملة مربوطة بالتوحيد الكامل. ومع عبادة الله وحده يجىء البر بالوالدين، ويدرك المرء قيمة هذه الوصاة عندما يتأمل فى المجتمعات الغربية، ويرمق ملاجئ العجزة، أى الآباء والأمهات عند الكبر. لقد ضاقت بهم بيوتهم، وابتعد عنهم أولادهم، وصاروا إلى هذه المبانى المخصصة لهم حتى يدركهم الموت!!. إن الأجيال التى وهبت الحياة للآخرين لم تجد لديهم لمسة وفاء، إنهم ينطلقون فى الدنيا انطلاق الوحش فى البرية، حتى إذا ولى شبابهم سكنوا فى مساكن آبائهم بعد أن يخليها منهم الموت.، وهكذا.. لقد صارت الأثرة قانونا..!!. والغريب أن الآباء يربون أولادهم حتى البلوغ فإذا جاء سن الرشد فلكل وجهة هو موليها! ما تجمعهم فى الدنيا إلا أعياد الميلاد، أو مناسبات خاصة... إن للجماعة المؤمنة شارات أخرى، يقول الله فى الوالدين : " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا" ويقول فى الأقارب : "وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا" والتفسير الحق عندى أن المرء لا يجوز له التوسع فى النفقة والاستكثار من الكماليات، فإن ذلك تبذير يحصد ما لديه، ولا يبقى عنده فضلا يعطيه قريبا أو بعيدا.. وأكد القرآن الكريم هذا المعنى فى قوله تعالى : " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " . وسياسة تقليل النسل لا تغنى عن الشعوب البليدة شيئا! يجب
(1/220)

أن تلتمس المفاتيح لخزائن ص _222
الخيرات التى بثها الله هنا وهناك، والسماء لا تمطر القاعدين ذهبا ولا فضة.. " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق" . ونهى القرآن عن الزنا، والزنا عملة متداولة فى الحضارة الحديثة، وهو أفضل من الكبت فى مجال التربية عندهم، ولا يعاقب عليه قانونا مادام بالتراضى!! والله يقول: " ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا" . ومع أن قتل النفس جريمة فالقانون لا يقتل القاتل... وقد حرمت عقوبة الإعدام فى دول كثيرة! وأدى ذلك إلى شيوع القتل وسفك الدماء الحرام " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " . وأمر الله الناس باحترام مال اليتيم وبالوفاء بالعهود، وبضبط المكاييل والموازين. ثم ذكر لكل إنسان أنه مسئول عن سمعه وبصره وقلبه، إنه مسئول عن كل شىء فيه، فلا يجوز أن يحيا فوضويا سائبا " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا" . ولو أن الناس وقفوا أمام ما يعرض لهم من أوهام، ولم يصدقوا ما وصل إليهم من شائعات لنجوا من شرور جمة!. ونهى القرآن أخيرا عن الخيلاء وذهاب المرء بنفسه "ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا... " . إن هذه الوصايا تقيم الفرد المؤمن والشعب المؤمن، والحضارة الصالحة، ولن يهزم الله أمة تمسكت بهذه الخلال. بدأ فى ختام هذه النصائح حديث شجى عن الله ولقائه، والكون وخالقه!. وأذكر أن الدكتور أحمد زكى وصف الكون بشموسه وأقماره: بأنه كون راقص، كل شىء فيه يتحرك! من شروق إلى غروب، ومن علو إلى هبوط، إنه يتحرك وفق نغم معين لا فوضى فيه ولا نشاز. وكل دقيقة تمر تشهد بعظمة صاحبه، وتنطق بعلو قدره. ومع ذلك فلا أدرى لم أنا مبهور بخلق الإنسان؟ تائه فى أسرار القدرة الكامنة فى خلقه؟ نظرت تحت الساعة الموضوعة بمعصم يدى اليسرى! كانت ضاغطة قليلا على
(1/221)

الجلد، أثر ذلك ص _224
أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا * يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا... " والإنغاض: تحريك الرأس علوا وسفلا إنكارا واستهزاء.. وفى موضع آخر من السورة تكرر رفض المشركين للبعث والجزاء، فبين القرآن الكريم أن الإنسان امتاز على الدواب بعقله، فإذا فقد هذا العقل نظر ولم ير، وسمع ولم يع، ونطق بالباطل، وفقد أهليته لهداية الله، وعالن بإنكاره لوجوده ولقائه: " ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا * ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا * أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا". وفى سورة بنى إسرائيل لا غرابة أن يوصى الله المسلمين بإحسان القول، ففى وصايا الله لليهود "وقولوا للناس حسنا " فليكن الإحسان فى القول والتلطف فى الدعوة شيمة الأمة الخاتمة! " وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا".. وتلت ذلك إشارة إلى أن أمر المسلمين سوف يعلو حتى يرثوا الأرض، وذلك فى قوله تعالى: "وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا" إن الزبور الذى نزل على داود يقول الله فيه " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " ، فإيثار داود بالذكر لفت نظر لهذه الإشارة الدالة على خلود أمتنا واتصال رسالتها. والحق أن التوحيد الذى تميزت رسالة الإسلام بتقريره، وتحمست لإشاعته، يربط الناس بربهم ربطا شديدا، ويجعل عروتهم به وثيقة، ويقرر أن كل ماعدا الله عبد له،
(1/222)

مقهور فى جلاله: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ". ص _225
واقتضى المقام هنا حديثا عن آدم وبنيه! لقد كان آدم جديرا بأن يكون أفضل حالا ومآلا بعدما اصطفاه الله وأعلى شأنه، وأسجد له ملائكته. وكان بنوه جديرين بأن يكذبوا ظنون إبليس، بعد ما أفاء الله عليهم من نعمائه ما يلهج الألسنة بالشكر " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا... " لكن آدم وهن عزمه، وأبناءه نسوا الجميل الذى يمرحون فيه، فلم يكن من مؤاخذتهم بد، وجاء فى هذا القرآن من شأنهم ما يثير الدهشة، فلنتدبره لنعرف كيف نفعل..؟! إن الله منحنا العقول لنفكر ونحكم، ونميز الحسن من القبيح والطيب من الخبيث، وما قيمة عقولنا إذا لم نفعل ذلك؟. وما انتفاع أخى الدنيا بناظره! إذا استوت عنده الأنوار والظلم؟. وعندما نقول لرجل: واحد وواحد تساوى اثنين، فيقول لك: لا أصدق حتى تنقل الجبل من مكانه، أفترى أن لهذا القائل منطقا جديرا باحترام؟. إن محمدا رسول الله بذل جهده فى إثبات أن الله واحد، وأن وجوده الأعلى أصدق من كل وجود، فقيل له: بل أصنامنا أولى بالتقدير! وتحدوه أن يأتى بمعجزة تصدقه!. ولو أن هؤلاء أصحاب نفوس سوية وعقول سليمة لجاز أن يتنزل القدر الأعلى ويجيبهم إلى ما يريدون، المشكلة أن كفرهم يبقى بعدما يجابون "... فليأتنا بآية كما أرسل الأولون * ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون" ؟. لقد طلب أهل مكة من محمد أن يجعل الصفا ذهبا، حتى يصدقوا رسالته! فكيف إذا حول لهم الجبل إلى ذهب ثم ظلوا على تكذيبهم؟ إنه مهلكهم يقينا، إن اللعب مع السماء لا يسوغ. وفى هذه السورة " الإسراء " يقول الله تعالى: " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا
(1/223)

ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا " . على أن قريشا لم تطلب خارقة ما، بل حددت بضع خوارق عدتها عدا " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا " ؟. ص _226
(1/224)

الواقع أن الله لو حقق لهم ما يطلبون ما خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، كما قال فى مكان آخر: " ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون " . إن العناد ملك قلوبهم، وليس الكفر عرضا سريعا يمر ببعض الناس، إنه مزيج من الحسد والغباء، والطمع والأثرة، والبعد عن الكفر يتطلب عقلا واعيا، وحكما عادلا، وخلقا زاكيا. والمعركة بين الكفر والإيمان ليست جولة سريعة، إنها صراع يظل سنين " ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.." !! " فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا * ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا". ومحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ إمام أولى العزم الذين جاهدوا الضلال الأزمنة الماضية، وهو فى الجزيرة العربية لن ينشغل بمآرب كفارها ومقترحاتهم، فرسالته العامة إصلاح الخلل فى كل نفس، فى أية قارة، إلى أن تقوم الساعة. ويزيد عبؤه جسامة إلى أنه يعتمد فى نجاحه ـ بعد تأييد الله ـ على تحريك العقول وهر التقاليد، ومعالجة العوج البشرى بالهوينى، حتى يسلس قياده! ويالها من مهمة!!. هؤلاء كبراء يرفضون أن تجمعهم مع جماهير الناس ساحة، وقديما قالوا لنوح: " أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين " . إنهم يطلبون من محمد أن يجعل لهم مكانة خاصة إذا أراد أن يؤمنوا له!!. وقد ينفق من وقته واهتمامه الكثير ليعالج زعيما إذا آمن تبعته ألوف من الأنصار! وربما أخذ هذا الوقت من حق آخر فقير..! وفى هذا يقول الله له: "وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا". إن سياسة الدعوة شئ، والانحرافات الخلقية شئ آخر، وقد عاتب الله نبيه
(1/225)

لانشغاله بأحد الكبراء عن أحد الضعفاء. والسياق كله تنبيه إلى كيدهم وتحذير من ملاينتهم... وتلا ذلك كشف عن خباياهم وعما يبيتون لدعوة الإسلام من شرور ص _227
" وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا " إنهم أحرجوه فى مكة كل الحرج، وكانوا قد رأوا إخراجه، ثم اختاروا قتله. وقد خرج الرسول مهاجرا، ونجاه الله من كيدهم، ولم يلبثوا إلا قليلا بعده حتى انتصر الإسلام وعاد إلى مكة ظافرا... وصدق الله وعده. وبعد جهاد الدعوة جاء جهاد العبادة، فكلف الرسول بالصلاة ليلا ونهارا " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا". إننى ألفت كتابى " فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء " وقد تملكنى شعور بأن الأرض من الأزل إلى الأبد لم تشهد ذاكرا عابدا متفننا فى الثناء على الله وتمجيده وتقديسه كما رأت ذلك فى سيرة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وآثاره فى كتابه وسنته ناطقة بهذه الحقيقة!. إن محمدا كلمة الله الأخيرة إلى الناس، واللبنة التى تم بها بنيان النبوات الأولى، وقد كان أهل الكتاب يشعرون بأن هناك نبيا قادما، ويجدون فيما لديهم ما يدعو إلى ارتقابه وتصديقه. فلما جاء سارع المخلصون إلى اتباعه، قال تعالى: " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا * قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ". والتاريخ العالمى يذكر أن نصارى الشام ومصر سارعوا إلى الدخول فى الإسلام بعد زوال الاستبداد الرومانى، ثم حملوه مع العرب إلى آفاق العالمين، مصداق هذه الآيات الكريمة، وإشارة بصدق هذا الجمهور الكبير من أهل الكتاب الذين آمنوا وأخلصوا.... ص _229
(1/226)

سورة الكهف الكون يدل على الله والوحى يقود إليه! والإيمان الصحيح يستمد حقيقته من الدلالتين معا: من دراسة الكون، وتدبر الوحى، وفى لفت النظر إلى الدلالة يقول تعالى: "الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور... " . ويتكرر الحمد ـ أول سورة الكهف ـ للفت النظر إلى الدلالة الثانية " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا " . وقد طلب الله من عباده أن يدرسوا الحياة، وأن يتأملوا فى كل شئ! كما طلب منهم أن يدرسوا هذا القرآن ويتدبروا آياته، وبين أن من حرم هاتين الدراستين فقد رشده " أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون " ؟. والعالم يصرخ بأن ليس له إلا رب واحد، فى أى زوايا الأرض أو الفضاء يقبع هذا الإله الآخر المسكين؟ ومواريث السماء متفقة على أن الله واحد، وكل ماعداه مخلوق له، ليس لله بنون ولا بنات، الله ليس لأحد والداً!!. وقد شرح القرآن ذلك أوفى شرح، فمبلغ القرآن " محمد " عبد لله كغيره من حملة سائر الوحى، ومن قال غير ذلك فهو يهرف بما لا يعرف " وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا * ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ". والقرآن المصدر الأول ـ أو قل المصدر الأوحد ـ لتقرير الوحدانية، ولذلك وصف بأنه قويم الفكرة والتوجيه برئ مما لحق غيره من آفات. وتوضيح الحق وتحديد مصدره نعمة سابغة، ولذلك فتحت سورة الكهف بهذه الآيات "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا * ماكثين فيه أبدا " . وقد تضمنت ص _230
(1/227)

هذه السورة أطرافا من تاريخ الحياة الإنسانية تشهد بصدق موضوعها: وهو التوحيد، وما ذكر هنا نماذج لما لم يذكر من أحوال الناس. ففيها قصة الفتية أهل الكهف، والرجلين: صاحب الجنة، ومحاوره الفقير، وحكاية موسى مع الخضر، ونبذة مجملة عن حياة ذى القرنين!. وبعد كل قصة تعليق شاف رائع يهدى إلى الله ويعد للقائه. وقبل الإفاضة فى شرح هذه الأحداث قيل لمحمد: بلغ ولا تحزن لتكذيب مكذب، قد كان فؤاده يطفح بالكآبة وهو يدعو إلى الله بإخلاص فيفجؤه انصراف الناس، وتهجم المكذبين. إنه صاحب حق ضلوا عنه، وتبعوا أوهاما لن تقودهم إلا إلى الردى. وما أكثر الحيارى التائهين فى هذه الدنيا، وما أشد صدودهم عن الهدى!. لكن الله يقول له : " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا" لا يقتلنك الحزن على حالهم، إن عليك إلا البلاغ.. إن كل إنسان أوتى عقلا يحاسب به، ويساءل عن الفترة التى يقضيها على ظهر الأرض. فمن أحسن العمل نجا، ومن أساء هوى، ولا يظلم ربك أحدا... ثم بدأ سرد قصة أهل الكهف... وأهل الكهف شباب آمنوا بالله الواحد، وعلموا أن ما دونه أصفار لا تضر ولا تنفع، لكن قومهم كانوا يؤمنون بآلهة أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، فوقعت النفرة واشتدت الخصومة " هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ". "وفى مراحل الفتنة التى مرت بهم فروا إلى كهف يؤويهم من الظلمة، ويحميهم من بطشهم، فشاء الله أن يجعل من سيرتهم وحيا يتلى إلى آخر الدهر!. ومأساة الاستبداد السياسى والمقاومة المؤمنة تتكرر على اختلاف الليل والنهار، وكذلك نصر الله للمؤمنين وخذلانه للكافرين " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا "؟ إن تاريخهم ليس بدعا فى التاريخ!. على أنى أنظر إلى مقامهم فى الكهف ـ كما أراد الله لهم ـ فأشعر بالدهشة. يقول العلم: إن " الشمس على بعد مائة وخمسين مليون كيلو،
(1/228)

وإن شعاعها ينطلق منها ليصل إلينا فى ثمانى دقائق. ص _231
وها هو ذا ضوءها يسقط على الكهف المعمور بأهله، إن الشعاع يميل عن فم الكهف فى الصباح يمينا، وفى المساء شمالا، حتى لا يشعر مار بأن فى الكهف أحدا!. ما هذه الآية الحانية على الشباب المؤمن؟ "وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله .. ". ما أكثر آيات الله فى الأولين والآخرين، وما أكثرها حولنا ونحن فى غيبوبة لا نشعر بها.. وبعد ثلاثمائة سنة يستيقظون، فماذا يعنيهم بعدما صحوا جياعا عقب نوم طويل؟ يرسلون أحدهم ليشترى طعاما، ويقولون له: احذر أن يعرفك أحد من المشركين " إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ". إنهم لايدرون شيئا مما عراهم، كل ما يغنيهم الثبات على الحق، ونبذ الضلالة، والفرار من الفتنة، ولذلك ختمت قصتهم بقوله تعالى: " قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا " . إن القصة كلها لدعم عقيدة التوحيد، ذلك وقد جاء أول السورة قول تعالى "... أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا " فلا عجب إذا جاء بعد ختام القصة " واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا".. والناس من هذا الكتاب فريقان: فريق آمن به وتبع رسوله، وفريق آخر زاغ عن الحق وتبع هواه، وهنا نجد الله سبحانه يوصى نبيه بأن يكون مع الفريق الأول برا ودودا " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه". ومع الفريق الآخر نابذا مباعدا " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا " ولكلا الفريقين مصيره العدل عندما تقوم الساعة " إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها " أما أهل التقى والشرف فلهم جزاء آخر " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا "
(1/229)

وبعد هذا البيان الشافى يقال لأهل الأرض أجمعين : " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " ص _232
المؤمن إنسان يعرف ربه، ويحيا له، ويستعد للقائه، ويعلم أن الموت لايقطع خط الحياة، فإن هذا الخط لايقطعه شىء، إن الموت نقطة تحول- وحسب- من حياة إلى أخرى. أما الكافر فامرؤ يعرف نفسه ويحيا لها، ويقضى العمر فى تحصيل حاجاته، وإدراك لباناته، ولاينتظر بعثا بعد الموت، فإن حياته الحاضرة هى عنده الأولى والآخرة.. وفى سورة الكهف حوار بين كافر على جانب من الثراء ومؤمن قليل المال " واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا... " ولم تكن للآخر أمثال! هذه الحدائق الزاهرة.. فإذا الغنى المغرور يقول له مفاخرا مكاثرا: " أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا.. " لماذا تعير إنسانا مثلك بفقره؟ ساعده إن استطعت، واحفظ لسانك عنه..! من يدرى! قد يكون خيرا منك عند الله..؟. إن الله جمره من مطيع تطاول بطاعته، وقال! لرجل مقصر: والله لايغفر الله لك.! فقال الله له يوم القيامة: " أكنت على مافى يدى قادرا؟! فإنى قد غفرت له وأحبطت عملك...!! ". أدب الإسلام أن تنظر إلى نعم الله عندك على أنها فضل الله عليك ومنته، ومن دعاء المسلم لربه: "اللهم لامانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ". ومن المكثرين من يحسب أنه جمع ماله بما أوتى من ذكاء، ويقول كما قال قارون: " إنما أوتيته على علم عندي .. " فلنفرض أنك عبقرى، وأنك جمعت ثروتك بذكائك الخارق، فمن منحك هذا الذكاء؟ وميزك بتلك المقدرة؟. إنه الله الذى ينبغى أن ترد إليه ما عندك كله، وهذا ماشرحه المؤمن الفقير لصاحبه المغرور " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا… "!! وكان ما توقعه المؤمن المنكسر، فإن جوائح السماء هبطت على
(1/230)

الجنة المزدهرة فجعلتها قاعا صفصفا، وتركت صاحبها يصيح من الندم يقول: " يا ليتني لم أشرك بربي أحدا * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا " . من الذى أشرك به هذا المسكين؟ لقد أشرك بالله نفسه التى بين جنبيه. إنها الوثن الذى عبده، لقد جعل إلهه هواه . ص _233
الإنسان عادة حريص على مصلحته ويحسن الجرى وراء حاجته، لكن هذا السعى قد يتورم ويربو ويسد عليه الآفاق فلا يعرف إلا ما يريد، ومايبقى لله مكان فى ضميره ولا فى سلوكه! إنه هو الأول والآخر!!. والحضارة الحديثة صنعت أجيالا من هذا القبيل ارتبطت بهذا التراب، فلا تبصر وراءه شيئا... بل لقد استبعدت ذكر الآخرة من حسابها، وجعلت التفكير فيها أو الحديث عنها لونا من الخرافة لايخوض فيه العقلاء. أو يخطر لهم ببال.. فى هؤلاء يقول الله تعالى : " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا " على أن الحياة الدنيا- مع انقضائها وانتهائها- ليست شرا محضا، فقد يكون التمكين فيها من رحمة الله، كما قال الله بعدما منح يوسف- عليه السلام- أرفع المناصب : " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين " . إن هذا التمكين قد يكون دعما للحق وعونا للضعاف وسندا للمروءة، كما قال عروة بن الورد: أليس شديدا أن تلم ملمة - وليس علينا فى الحقوق معول؟ كما إن دراسة الأرض والسماء ينبوع دفاق يزيد الإيمان ازدهارا، ويعزف الناس بربهم معرفة حسنة، والقرآن الكريم بنى صدق الإيمان على التفكر الذكى فى ملكوت الله.. على أن الله لم يحرم اليسار والغنى على عباده الصالحين ليختص بهما العباد المجرمين. وهو لم يغضب على صاحب الجنة المغرور إن كانت له جنة أو جنان، إنما غضب عليه لأنه كان ذا فكرا سخيف ومنطق غبى!. ما معنى أن يقول : " ما أظن أن تبيد هذه أبدا * وما أظن
(1/231)

الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا" . لماذا ؟ مكافأة على الكفر والتطاول على الله؟ إن هذا الأحمق جدير أن يكون حطب النار فى الآخرة، كما هو جدير بالحرمان فى الدنيا.. وعلى ضوء هذا نفهم التعليق الإلهى على هذه القصة : " المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا " . إن المال والبنين كما يكونان زينة الحياة الدنيا يكونان عدة النصر فى معركة التحرير والشرف، ص _234
(1/232)

كما قال تعالى لبنى إسرائيل حين نصرهم على عدوهم: " ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا " وفى الحديث: " نعم المال! الصالح للعبد الصالح ". حين تنهزم دوافع الفداء والجهاد أمام حب الدنيا تكون الدنيا مصيبة!!. وعندما يغلب الشره والبخل عند وجود المال يكون المال نكبة. أما صاحب المال الذى يساند به الإيمان وينفقه فى الجهاد فهو عابد رفيع الأجر. ونحن ينبغى أن نفهم المرويات فى ذم الدنيا وألا نتجاوز بها حدودها. ومن ذلك هذا الحديث الرقيق الذى يعين على العفة والعزة: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " من كانت الآخرة همه تجعل الله غناه فى قلبه وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة. ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، فلا يمسى إلا فقيرا، ولا يصبح إلا فقيرا. وما أقبل عبد على الله بقلبه إلا جعل الله قلوب العباد تنقاد إليه بالود والرحمة. وكان الله بكل خير إليه أصع ". إن هذا الحديث شفاء من جنون الشره، وعبادة الحياة، والتعلق بالحطام، ولايصد عن غنى يجىء مع التماسك والأدب. مما يثير الأسى حول مستقبل الإنسان أنه ينسى ربه، وتستغرقه مآرب الدنيا، فلا يكاد يعد شيئا طائلا للقائه، تكاد الآخرة تكون فى حسابه وهما وهى حق لا ريب فيه!. وفقدان الذاكرة على هذا النحو لايثمر إلا الخسار، ولذلك اتجه السياق القرآنى إلى التذكير بيوم التلاق " ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا * وعرضوا على ربك صفا " . " ولما كان أغلب الناس يفعل ويذهل، وينسيه يومه الحاضر ما كان ويكون، فهو يدهش للإحصاء الدقيق الذى يواجهه " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " . ويوم الحساب يوم مفاجآت وتغابن، فإن المشركين
(1/233)

يوقنون بأنهم كانوا على خطأ، والعصاة يشعرون بمدى تفريطهم!. ص _235
ويبدو أن العالم المعاصر سوف يبقى منخدعا بالإمهال الإلهى، فلا يحدث توبة حتى يحاط به " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا " . وبعد القصتين السابقتين فى سورة الكهف تجىء قصة ثالثة: قصة موسى نبى بنى إسرائيل مع نبى آخر من عباد الله الصالحين اسمه " خضر " كما ذكرت ذلك السنة الشريفة. والقصة فى نظرى تشرح حكمة شائعة هى " رب ضارة نافعة " أو حكمة أخرى مشابهة " لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع " إننا فى هذه الحياة نعمل ما نرى أنه الصواب، وأنه النفع المحقق!! ثم نفاجأ بالأقدار تفد بنتائج أخرى قد تكون محزنة لنا، أو مجلبة للسخط، والأولى أن يستسلم المرء للقدر، وينزل عند قوله تعالى: " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " . هل يعنى ذلك أن نفقد الثقة فى أعمالنا وأحكامنا؟ لا، أحكم خطتك واحشد الأسباب الصحيحة ودع ما بقى لله!!. هل يعنى ذلك أن نأذن بارتكاب شىء يخالف العقل والشرع بحجة أن العواقب غيب؟ كلا .. فمن خالف الشرع والعقل حوسب وأوخذ، ولا تسمع له حجة.. وقصة موسى مع الخضر مسلك خاص، تم بوحى أعلى، فكلا الرجلين يؤدى رسالة من ربه كلف بها. وقد انتهى زمان الوحى والرسالات فمن اقترف عملا منكورا وزعم أنه مكلف به من الله فهو كاذب، ووجبت عقوبته بمقدار ما اقترف وادعى!. وما حدث لموسى خاصة كان معاتبة من الله له، لأنه فى غمرة تبليغ الدعوة سئل هل يوجد من هو أعلم منه؟ فنفى، وكان ينبغى أن يرد العلم كله لله... فشاء الله أن يؤدبه بهذه القصة الغريبة ليشعر بأنه فوق كل ذى علم عليم!. وبدأت القصة مشيدة بخلقين عظيمين يحتاج إليهما الرجال الأبطال، هما: العزم الواثق، والاحتمال الطويل، ذاك ما تتضح به الآية: " وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا " أى لن يهدأ لى
(1/234)

نشاط حتى أصل إلى " الخضر" ولو طالت دونه أحقاب!!. وموسى نبى من أولى العزم، فليس بدعا أن تكون لديه هذه الشمائل، وقد شكا عمر قديما ص _236
من عجز الصالح وخيانة القوى، والواقع أن الأعمال الكبار لا تتم إلا بقوى تقى، أما الطيبون الضعفاء فلا خير فيهم. والتقى موسى والخضر، وقال موسى له فى تواضع جم: " هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا " ؟ ورد الخضر مصارحا بما فى اتباعه من مشقة ربما لا يتحملها موسى: " قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا " ؟. لكن موسى تعهد بالصبر والانقياد، وسرعان ما فقد صبره وانقياده عندما وجد الرجل يخرق سفينة ركباها لبعض شأنهما، فاعترض هذا العمل المستنكر!. وتكرر الإنكار عندما تكررت الأعمال التى لا يقرها موسى، وشرحت الآيات الموضوع كله: " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا " . كان الملك المغتصب لا يمر بسفينة صالحة إلا أخذها، فلما وجد هذه معيبة تركها، فكان خرقها سبب بقائها لأصحابها. أما الغلام الذى قتله الخضر فكان طاغية كفورا، وقد نجى الله أبويه من شر، كما قال فى سورة أخرى: " آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا " . والمهم أن خضر قال لموسى آخر الأمر: " وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا " . هذه مهمات خاصة كلف الله بها واحدا من عباده الصالحين، ولو أن أحدا قام بهذه الأعمال من تلقاء نفسه لكان خارقا لشرائع الله، مفسدا فى الأرض، فالغيوب لصاحبها جل شأنه، وله أن يكلف من شاء بما شاء. أما الذين يتبعون هواهم ويعتدون على غيرهم فلا ينجون من عقاب!. إن الخضر انطلق لتنفيذ مهمة خاصة كلفه الله بها، ومنه استمد مشروعية ما فعل..! ولا يتاح ذلك لغيره أبدا.. وقد يقال: هل خضر أفضل عند الله من موسى؟. ونجيب: كلا، فموسى واحد من المرسلين الخمسة أولى العزم الذين أخذ الله عليهم المواثيق بهداية
(1/235)

البشر، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، ولا يفضل هؤلاء أحد من الناس. ص _237
والمزية التى ظهرت للخضر هنا لاتقدمه على موسى، فإن المزية لاتقتضى الأفضلية، ومكانة الرجل تجىء من مواهب كثيرة تلتقى فى شخصه، لامن موهبة واحدة يكون فيها مبرزا، على حين يكون عاديا فى بقية صفاته. قد يكون المريض فى فراشه أحد بصرا من عواده، فهل يفضلهم بهذه الميزة؟. إذا ذكر التدين سبق إلى الأذهان الزهد فى الدنيا والبعد عنها، والحق أن التدين المعزول عن الدنيا أو العاجز فيها لاخير فيه، ولاجدوى منه. وقد جاءت القصة الرابعة فى سورة الكهف لرجل ملهم أوتى الملك والعلم، فكان تدينه نموذجا حسنا للصلاح والإصلاح، أو للتقوى والتمكين فى الأرض، هذا الرجل هو ذو القزدين. ولايعنينا الاستيقان من أنه كان ملكا لليونان أو للفرس أو للصين أو لليمن، وإنما يعنينا أن الله مهد له الطريق لأسباب القوة فسلكه، وكان له ملك عظيم التقى فيه العلم والإيمان والحكمة والإنصاف: "ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا * إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا " . ما فتح الله له باب خير إلا وتجة ولجه فى مرضاة ربه. وخرج الرجل يسيح فى الأرض بما آتاه الله من قوى، حتى انتهى إلى شاطئ لا أرض بعده، ورأى قرص الشمس يسقط فى اللجج- كما تتخيل العين- وهناك وجد قوما أخلاطا فيهم المحسن والمسىء فأوحى الله له: " إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا * قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى " . وهذه سياسة حسنة لحاكم عادل.. وفى سياحة أخرى نحو المشرق وجد قوما متخلفين لا يسترهم من الشمس شىء، ولعل ذا القرنين ترك بين هؤلاء من يرفع مستواهم ويصلح أحوالهم.. وفى سياحة أخرى بلغ بين السدين- سلاسل من الجبال- تعيش فيها شعوب يشبهون من سبقهم فى التخلف والعجز، لكن جيرانهم يغيرون عليهم وينالون
(1/236)

منهم: " قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا " ؟ . فأبدى لهم ذو القرنين أنه مستغن. عن مالهم، وأن ما آتاه الله خير مما لديهم، وطلب منهم أن يعاونوه فى إقامة سد عظيم يحجز عنهم الأعداء " فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما " . ص _238
وظهرت عبقرية ذى القرنين الهندسية فقد بنى خطا من الاستحكامات العسكرية ذوب فيه الحديد والنحاس والصخور، أعلى بناءه، وقوى أسفله، وساوى بين حافتى الجبلين، وأنشأ بذلك حاجزا يصد الأعداء " فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا * قال هذا رحمة من ربي " . إننى عندما أقرأ خبر هذا الرجل أشعر بالحزن، لأن الخبرة الفنية التى أبداها لا تعرف اليوم بين المسلمين، لقد انفرد الأجانب بها، وأمسوا الخبراء المتخصصين فيها.. إن المهارة فى شئون الحياة صارت لديهم ملكة راسخة. والغريب أننا بدل أن نتعلم الإبداع فى شئون الدنيا تعلمنا الابتداع فى شئون الدين، فأتينا بأمور ما أنزل الله بها من سلطان. وكان من وراء ذلك فوضى عقلية وخلقية، أخرتنا فى معاشنا ومعادنا...!! ويأجوج ومأجوح جيل من الهمج لا يضبطهم وحى ولا تحكمهم شريعة، وهم يعيشون فى الصين، ويبدو من جرس الكلمة أنها صينية الأصل. وقد ذكر القرآن الكريم فى هذه السورة أن مدنا كثيرة سوف تعذب آخر الزمان : " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا " . كما جاء فى سورة الإسراء : " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا... " . فهل ذلك على يد يأجوج ومأجوج؟ أو يصادف خروجهم؟ قال تعالى فى سورة الأنبياء : " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا... " . ذلك. وقد جاء ذكر يأجوج ومأجوج فى التوراة كما جاء فى القرآن الكريم.. وتختم سورة الكهف بالمعانى التى ذكرت أولها، فالسورة كما أوضحنا
(1/237)

لتقرير عقيدة التوحيد، ونفى أن يكون لله أولاد أو أنداد " كبرت كلمة تخرج من أفواههم... " وهنا يقول: " أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا " . ص _239
وفى أول السورة يبين المولى سبحانه أن الناس خلقوا لإحسان العمل، وتلك وظائفهم فى الحياة " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " . وهنا يقول: " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه.... " . وبعد تقرير جزاء المحسن والمسىء تجىء آية تتحدث عن كلمات الله وهو يحيى ويميت ويوجه الكائنات كلها وفق ما يريد، إنه يأمر فيتحرك العالم أجمع من إنسان وحيوان ونبات، وتأخذ الموجودات أوصافها وأشكالها وأعمارها، لا فى لحظة واحدة، بل على امتداد الزمان " كل يوم هو في شأن " . هل يقدر أحد على إحصاء ذلك؟ مستحيل حتى لو كانت البحار مدادا والأشجار أقلاما!. " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " وكلمات الله هنا تعنى بداهة ما توجد به الأشياء، أو تفنى، وما تتحرك به أو تسكن!. وختمت السورة بمعنى نبيل: مادام الرب واحدا، فليكن هو وحده المقصد. ماذا يجدى غيره؟ ولماذا نتجه إلى ما لا يضر ولا ينفع. إن جماهير من العميان اتخذت مع الله- أو من دونه- شركاء هم فى الحقيقة أصفار وأوهام. والتوحيد الصحيح أن تفرد الله بالعبادة والدعاء " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " . ص _241
(1/238)

سورة مريم تمتاز فواصل الآيات فى سورة مريم بأن أغلبها جاء على حرف الياء المشدد المنصوب، إلا الصفحة الأخيرة، فقد جاء على حرف الدال المشدد المنصوب. وقد لوحظ أن اسم الرحمن من أسماء الله الحسنى تكرر فى هذه السورة ست عشرة مرة، نحصيها فيما يلى: 1- " إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا " لأن التقى هو الذى يخاف الله ويهاب عصيانه. 2- " إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا " وكان الامتناع عن الكلام نوعا من الصيام. 3- " يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا " . 4- " يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا " . 5- "... وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا". 6- " جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا " . 7- "... ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ". 8- " قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا... " . 9- " أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ". 10- " يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا " . 11- " لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا " . 12- " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا " . ص _242
(1/239)

ص - " أن دعوا للرحمن ولدا " . 14- " وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا " . 15- " إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا " . 16- " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " . ومن اللطائف أن تفتتح السورة بكلمة الرحمة " ذكر رحمة ربك عبده زكريا " ، وقد تكررت الكلمة أربع مرات خلال السورة، وهى تتحدث عمن أنعم الله عليهم، ولا عجب فالإنعام نابع من الرحمة، وكل شىء يتعرض الناس له فهو نابع من حكمة عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها. والسورة من القرآن النازل! بمكة المكرمة، ولعلها نزلت فى السنوات الأولى، قبل الهجرة إلى الحبشة، وقد تحدثت عن ولادة عيسى بن مريم، وكشفت عن الإعجاز الإلهى فى تكوين هذا النبى الكريم، لكنها جعلت هذا الإعجاز بين يدى قصة زكريا وابنه يحيى. لأن ولادة يحيى كانت هى الأخرى معجزة، فقد كان الوالد شيخا وهن عظمه، وكانت الوالدة عجوزا عقيما، فمن أخصب العاقر وأحيى الشيخ؟ ومن بالولد؟. إنه جل شأنه الذى فعل ذلك، فليس يعجزه أن يجعل البكر تنجب دون أن يمسها أحدا!. وهذا الترتيب بين القصتين سبق ذكره فى سورة آل عمران المدنية... وقد قلنا: إن خالق الأسباب لاتحكمه الأسباب، وقد خلق عيسى كذلك ليقول للناس : " إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت.." . ولماذا حرص زكريا على أن يكون له غلام؟ على حين يرضى مؤمنون كثيرون أن يعيشوا بلا أولاد؟ إن حرصه على سلامة القيادة الروحية لبنى إسرائيل هى السبب، فقد كان له أقرباء يتطلعون إلى الزعامة وهم لا يصلحون لها، فسأل الله أن يهب له من يسد الطريق على هؤلاء، ويقود بنى إسرائيل قيادة صحيحة " وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " . ورزقه الله بيحيى الذى جاء بعد ثلاث ليال من التسبيح والتحميد والانقطاع إلى العبادة : " فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم
(1/240)

أن سبحوا بكرة وعشيا * يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا " . ص _243
أما معجزة ابن مريم وأمه فقد حكتها السورة المباركة، والحق أن كلام عيسى فى المهد برهان ساطع على براءة أمه من بهتان اليهود " قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا " . غير أن ولادة عيسى على هذا النحو كانت السبب فى وجود عقيدة أخرى، فقد قال بعض الناس: صحيح أنه ليس له أب من البشر، وإنما أبوه هو الله نفسه- سبحانه وتعالى- وأنه- مثل أبيه رب ثان!. ويوجد إله ثالث يكمل سلسلة الآلهة هو الروح القدس الذى نفخ فى مريم. وهذه هى الأسرة المقدسة!!. ولما كان هذا الكلام لم يعهد فى دين سبق، ولم يجر على لسان أحد المرسلين، فقد سمى العهد الجديد!. والإنسان يتساءل: هل الأب والابن والروح كلمات مترادفة لذات واحدة؟ كما يقول العرب: أسد، وضيغم، وغضنفر، لحقيقة واحدة؟ كلا، إن لكل منهم ذاتا خاصة. ومع ذلك فالكل واحد!. يقول آخرون: بل ذات وصفتان! لكن الصفة لا تتجسد وتصلب ثم تصعد لتدين العباد والأب ينظر! هل هم ثلاثة أثلاث يكونون واحدا صحيحا! كلا، كل الفروض يأباها العقل. والصحيح أن الله واحد، وأن عيسى عبده ورسوله كسائر العباد المرسلين، وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة فى عشرات السور: " وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم * فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم * أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين " . إن الخلاف ظل وسوف يظل محتدما إلى أن يجمعنا الله يوم المشهد العظيم، عندئذ يعلم الرؤساء والأتباع أن الله واحد، وأنه ليس له أولاد،: لا بنون ولا بنات، وأن ماعداه من مخلوقاته عبد له، وأنه هو الذى يدين العباد يوم الدين. وإذا كان البعض الآن ينظر ولا يرى، ويسمع ولا يعى، فإن الحواس هناك ستسمع الهمس والعيون هناك سترى الذر " أسمع بهم وأبصر
(1/241)

يوم يأتوننا... " . بعد الكلام عن عيسى بن مريم، وكيف دعا الناس إلى توحيد الله، جاءت قصة إبراهيم- عليه السلام- الذى اشتبك مع الوثنية فى حرب طويلة، وبارزها فى مواطن عدة. ص _244
وإنك لتجد فى الحوار الذى دار بين إبراهيم وأبيه المشرك طبيعة الدعوة الإسلامية، وطبيعة الأحزاب التى تناوئها. فإبراهيم يناشد أباه أربع مرات أن يدع الأصنام، ويسلم لله وجهه، فى أسلوب يسيل وداعة وأدبا، وآخر مناشداته: " يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا " فيكون الرد الجافى القاسى " أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا " . تهدد ابنه بالرجم إن بقى على العقيدة الصحيحة، وطرده بعيدا عنه.. وقد اعتزل إبراهيم أباه وقومه فآنس الله وحشته، وجعل النبوة فى ذريته! " فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا".. وذكرت السورة بعد ذلك عددا من الأنبياء وما أفاء الله عليهم من نعماء، والأنبياء خلاصة البشرية العارفة بالله، والمعرفة به، وسيرتهم نموذج يحتذى.. ولاشك أن الذين خالطوهم واستفادوا منهم تأثروا بهم نفسيا وعقليا، فكانوا أرقى من غيرهم وأطهر، ولذلك يقول محمد إمام الأنبياء: " خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ". أما الخلوف التى تجىء من بعد ذلك، فقد ابتعدت عن الضوء وخبطت فى ظلام.! " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " . إن الصلاة معراج يصل العباد بربهم، ويغسل أرواحهم من الآثام، ويكسبهم حصانة ضدها، فمن انقطع عن الله، واستهوته الشياطين، ورتع فى الرذائل فقد هلك. وينضم إلى هذا العوج فى السلوك عوج فى الفقه والحديث عن الله، ولذلك قال الله فى سورة أخرى: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ". أى: يتبعون الدنايا، وينتظرون المغفرة، وتلك خصائص التدين الفاسد، ومصير أصحاب البوار
(1/242)

"إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا". وإذا كانت الخلوف من أتباع الأنبياء قد زاغت ولم تنتفع بما لديها من وحى فإن هناك أمثالهم من الملاحدة الذين يزحمون القارات، لا يعرفون ربا، ولا ينتظرون آخرة، وما ارتفعت أبصارهم إلى السماء يوما.. ص _245
يتحدث القرآن الكريم عن هذا النوع: " ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا * أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا * فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا * ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا... " . إن الكافرين من الأولين والاخرين، والهمل الذين عاشوا بلها لايدرون شيئا، هؤلاء كلهم يجثون أمام الخالق فينفذ فيهم حكمه: "... ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا " ، فلن يخلد فى النار إلا ظلوم كفار... والخطاب فى الآية متجه إلى منكرى البعث، إذ لا يصح إلا هذا، فإن المؤمنين الصالحين لن يردوا النار أبدا وهى كما وصف الله تعالى: " وبئس الورد المورود " . ومن المؤمنين الأكابر من لا يحاسب على شىء. لأنه سبق سبقا بعيدا. والمؤمنون عامة يظفرون بالنجاة، ويأمنون يوم الفزع: " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " . وذكرت سورة مريم بعض المواقف لمشركى مكة حين عرضت عليهم دعوة الإسلام، وهى مواقف تكشف عن غباء وادعاء!. ماذا تقول لامرئ تناقشه بالحجة فيقول لك: كيف تعارضنى وثوبى أجمل من ثوبك؟ أو وقصرى أعلى من دارك؟ " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا؟؟ " . وكان الجواب الإلهى " وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا " (منظرا). إن هذا الكلام إفلاس فى المناظرة... ومثله قول مشرك مماطل عليه دين لمؤمن ضعيف: القنى فى الآخرة أقض لك دينك، سأكون هناك ذا مال وولد!! أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا؟؟ " .
(1/243)

إنه كصاحب الجنتين فى سورة الكهف، يكفر بلقاء الله ثم يقول: إذا كان هناك لقاء فسأكون أحسن حالا وأكثر مالا!! " كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا " متجردا عريان لا يملك شيئا.. وفى القرآن النازل بمكة حملة هائلة على عقيدة أن لله ولدا، ذكرا كان أو أنثى، وهذه الحملة ص _246
تجرف المشركين من عبدة الأصنام، كما تضم إليهم كل من زعم أن لله جزءا من عباده، أو أن له ابنا من مخلوقاته.. الذى يجب أن يعرفه الكل أن ما عدا الله من إنس وجن وملك عبد له لايملك لنفسه نفعا ولاضرا أمامه، فكيف يجدى على غيره؟. واسمع إلى الآيات تقصف كالرعد " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا... " . والله سبحانه يبغض من أشرك به، ولا يغفر له جريمته، ويقبل الموحدين ويقبل عليهم بالود والرحمة، وما جعل إنسان التوحيد قاعدته ثم انطلق فى دروب الحياة مرتبطا به إلا أحبه الله، وجعل أهل السماء والأرض يحبونه إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا" وفى الحديث: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " إن الله سبحانه إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إنى أحب فلانا فأحبه. فيحبه جبريل، ثم ينادى فى السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول! فى الأرض "!! . قال أحد الصالحين: ما أقبل عبد على الله بقلبه إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم " فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا ". ص _247
(1/244)

سورة طه طه: حرفان من حروف الهجاء، وليسا اسما للنبى- عليه الصلاة والسلام- ولم يرد ذلك فى حديث صحيح! وهما من الحروف المفردة التى بدأت بها سور شتى، والله أعلم بمراده منها!. وقيل المراد إشعار العرب بأن القرآن كلام مكون من هذه الحروف التى تألفونها، ومع ذلك تعجزون عن الإتيان بمثله... وقد نزل القرآن الكريم وحيا من السماء، والصبغة السماوية ظاهرة فى نظمه وهدفه. ولا يوجد له نظير فى إثبات الوجود الأعلى والوحدانية المطلقة، والقارئ النزيه يشعر بأن القرآن يسوق الناس سوقا إلى ربهم، ويشرب قلوبهم خشيته، ويغمر عقولهم بنوره، ويريهم الآخرة رأى عين. والإنسان الذى استقبل القرآن زاكى البصيرة، نقى الفطرة، مشهور فى الجاهلية الأولى بالصدق والأمانة، فما جرؤ ألد أعدائه أن يغمر شرفه، أو يقدح فى سيرته. وقد ظن النبى- عليه الصلاة والسلام- أن قومه مصدقوه حين يتلوه، لأنه ما كذب قط! بيد أن تعصبهم لمواريثهم حملهم على رفض ماجاء به، ونسبوه إلى الافتراء والجنون!. والرجل الشريف عندما يتهم بما هو منه براء يحزن ويأسف، وقد يؤثر الضيق فى صحته وينغص حياته. وذلك ماجعل رب العالمين يرحمه ويواسيه: لماذا تشقى بتكذيبهم؟ إنما أنت مذكر!! من تبعك نجا، ومن رفضك هلك.. " ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا * الرحمن على العرش استوى... " . وهذه الأوصاف المتتابعة فى إجلال الله وإعظامه ترتد إلى القرآن النازل من لدنه فترفع قدره، وإلى الرسول المبلغ له فتعلى شأنه... والتبليغ وظيفة شاقة، ومواجهة المكذبين الجفاة أمر معنت، وتصبيرا للنبى على لأوائه قيل له: لست وحدك الذى كلف بالتبليغ ومكابدة الخصوم المستكبرين، فقبلك موسى تحمل العنت فى ملاقاة الفراعنة، وقيادة بنى إسرائيل، وهم شعب غليظ الرقبة، قاسى الطباع ص _248
(1/245)

" وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى " . وقصة موسى تملأ أكثر السورة، وهى تسرد أولا كيف حاول هداية فرعون، ثم لقاءه مع السحرة، وكيف انتصر عليهم.. وتسرد ثانيا كيف ساس بنى إسرائيل، والمتاعب التى تحملها من قومه. ومع أن قصة موسى تكررت بضع عشرة مرة فى الكتاب الكريم إلا أن سياقها يختلف اختلافا كبيرا فى شتى مواضعه، وأنت واجد فى كل موضع مالا تجده فى الموضع الآخر. فهنا يصف موسى عصاه وصفا فيه إطناب السعيد بالحديث مع الله سبحانه: " قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى " ولا يوجد هذا الوصف فى سورة أخرى.. وانظر إلى وصف موسى لربه هنا، وهو يحدث عنه فرعون " قال فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى * قال فما بال القرون الأولى * قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى * الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى... " إن هذا الوصف فريد هنا... لم تشتمله قصة أخرى. وكذلك اطرد هنا حديث السحرة عن إيمانهم بالله وكيف تشبثوا به، وصبروا على آلامه: " إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى * إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا * ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا " ... وأعقب قصة موسى حديث عن الآخرة يقص له شعر الرأس، ويقذف بالرعب فى الأفئدة: "ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا * يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا * يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما * وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما... " . إن
(1/246)

هذا الوصف يزلزل كبرياء الكفر، ويحمل الناس حملا على الإيمان بالله والاستعداد للقائه، وقد لفت نظر العلماء أن مادة الذكر والنسيان وردت فى هذه السورة فى عشرة مواضع: ص _249
1- فى قوله تعالى: " ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى " فالوحى تذكرة وتبصرة، ومحو للغفلة والذهول... 2- " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " وإقام الصلاة: أداؤها فى جماعة تصطف لها، وتستعد بدنيا ونفسيا لتسبيح الله وتحيته، ففى الحديث "تسوية الصفوف من إقامة الصلاة ". 3- ويقول موسى بعد ما طلب هارون شريكا له فى أعباء الرسالة: " وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا " . 4- ويقول الله لموسى بعدئذ: " اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري ". 5- ثم يجعل الغاية من الإرسال أن يفيق فرعون من غشيته، ويتوب إلى ربه " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " . 6- ويصف موسى علم الله بالكائنات فى الأزل والأبد: " قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ". 7- والطريف أن السامرى يصف العجل الذى صنعه، ويقول معه المخدوعون به: "... هذا إلهكم وإله موسى فنسي " !! 8- وفى التعقيب على قصة موسى مع قومه يقول الله لنبيه: " كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا " . (9) ويقول الله تعالى فى صفة القرآن الكريم وسر نزوله: " وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا " . 10- ثم يقول فى إخراج آدم من الجنة بعدما كان مكرما فيها " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " . ثم يجىء هذا الإنذار العام للأفراد والجماعات " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى " . فسورة طه فى سياقها
(1/247)

كله تعرض لخطورة الغفلة عن الله، والبعد عن توجيهه. إن النسيان العارض لا يخاف على صاحبه، فسرعان ما يتذكر، إن المخوف أن ينسج النسيان غشاوة طامسة تعمى معها البصيرة، ويطيش بها الهوى، ويصير المرء بها حطبا لجهنم. ص _250
والقصة الثانية فى سورة طه هى قصة آدم. وقد بدأت بإظهار العلة فى انهياره أمام إبليس ثم طرده من الجنة، لقد غامت رؤيته وضعفت إرادته، أو بتعبير القرآن الكريم " فنسي ولم نجد له عزما " . إنه كان صاحيا واعيا عندما نهى عن الأكل من الشجرة، لكنه على مر الأيام أخذ ينسى، وتنفك إرادته، وتشتد رغبته، ويستمع إلى الوساوس الكاذبة التى بثها إبليس فى نفسه، خلود طويل، وملك عريض إذا أكل من هذه الشجرة: " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " . وأقبل آدم على الشجرة المحرمة يأكل منها، وأغرى امرأته فتبعته وطردا جميعا، والسياق القرآنى جازم فى أن آدم هو المسئول، وذنب امرأته أنها لم تقاومه وتنصحه. وقد فقد آدم النعيم وفقدته معه امرأته، ونزلا معا إلى الأرض ليبدءا حياة مليئة بالمعاناة والشدائد.. والقصة الأولى تتكرر كل يوم فى حيوات الأبناء! إن النسيان يغلبهم يجىء بعده السقوط، والجنة لا يرشح لها إلا ذاكر واضح الرقابة لله، عازم لا تنحل عقدته أمام المغريات!. ومن فضل الله أنه فتح أبواب التوبة أمام العاثرين حتى لا يحرموا رضاه إلى الأبد إذا زلت منهم الأقدام! فأما الذاهلون عن الله الصادون عن سبيله فلهم جزاء آخر "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى". ومع أن الدنيا ليست دار الجزاء إلا أن الله سبحانه قد يعجل للأشرار بعض العقاب، كما يعجل للأخيار بعض الرضا، عدلا منه وفضلا.. وننظر إلى آخر السورة فنراه متصلا بأولها اتصالا وثيقا، هؤلاء الذين آذوا رسول الله وملأوا بالحزن قلبه، ألا يخشون المصير الذى انتهى إليه أسلافهم؟ " أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك
(1/248)

لآيات لأولي النهى "!! . إن المعركة محتدمة بين الحق والباطل من بدء الخليقة. ومع أن حضارات بادت بما اقترفت من آثام، ومع أن الحق لم تخف معالمه مع ضراوة الحملات التى شئت عليه، فإن الأعقاب لم يرعووا عن غوايتهم، ولم يتركوا ألوية الهدى تسير!. ومع قصر حياتى بالنسبة إلى الزمان الطويل فقد رأيت مصارع لشهداء ماتوا كى تبقى الحقيقة، ورأيت دولا لطواغيت نسوا الله والمرسلين، بيد أن الحياة كر وفر، ومهما طالت الخصومة ص _251
(1/249)

فالبقاء للأصلح " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض". وقد وضع الله سننا لهذا الصراع الدائم، لا تلين مع عجلة المعجلين، ولا تطيش مع غرور المعتدين، وهذا معنى قوله : " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى " إن هناك نظاما مضت به السنن العليا لا يلين ولا يزيغ ثم اتجه الحديث بعد ذلك إلى النبى- صلى الله عليه وسلم- يواسيه ويسليه، بم؟ بالصبر وبتسبيح الله وتحميده، وهذا يشبه ختام سورة الحجر "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين " والاستغراق فى الحق يضيق المكان أمام الباطل فلا يبقى له متسع يستقر فيه، ولذلك قال الله لرسوله هنا : "فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى " . أى حتى لا تشقى من آلام التكذيب الذى يلقاك به الكافرون. والمرسلون- وحملة الدعوات- لا مسلاة لهم إلا فى توكيد علاقتهم بالله واستمداد الأنس منها .. "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه... " . ربما كان الكافرون والعصاة أوفر حظوظا فى الدنيا وأكثر استمتاعا بها! فلا قيمة لهذا ولا اعتداد به، فمصيره الهلاك، وقد سبق قول الكافرين مفتخرين بما أوتوا : " أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا " وقد حكت السنة الشريفة أن عمر- رضى الله عنه- تألم حين رأى عيدان الحصير مطبوعة على جلد رسول الله وهو نائم فى فراشه الخشن، وتذكر متعة كسرى وقيصر فى الأثاث الفاخر والدنيا العريضة. ولكن النبى- عليه الصلاة والسلام- أفهمه أن هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم فلا نأسى عليها "ورزق ربك خير وأبقى " . والأفضل والأشرف أن تنار البيوت بأضواء العبادة وطهرها. وأن يسودها جو التقوى والإقبال على الله، فيخرج أهلها منها وهم يحملون للناس الأدب والعفاف، لذلك قال الله لنبيه :
(1/250)

" وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى " . ورجالات الإسلام لا ينافسون إلا فى المكارم، ولا تصدر بيوتهم للناس إلا الأسوة الحسنة. والدهماء تشغل نفسها بما ضمن لها من رزق تكاد تموت وراءه من الهم، ولا تكترث بما كلفت به من واجبات، وهذا- كما قال ابن عطاء- من انطماس البصيرة... ص _252
وعاد الكلام مرة أخرى إلى مشركى مكة فذكر تطلعهم إلى معجزة تقنعهم بصدق الرسول! ماذا يريدون؟ أن ينقلب الصفا ذهبا مثلا؟ ولو انقلب ما آمنوا، سيتخطفون سبائكه وينفقونها فى الملذات!!. لقد جاءتهم المعجزة الدامغة المجدية فما أحسنوا النظر فيها " وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى " ؟ إن الله خصهم بكتاب جمع فيه كل الحكم التى تناثرت على ألسنة الأنبياء الأولين، فهلا انتفعوا بها؟ أليست لهم عقول؟. وإذا أخذهم الله بضلالهم وأنزل بهم العذاب، صاحوا: ماجاءنا من نذير!! هلا جاءنا من يوقظنا من سباتنا؟ لقد جاءكم نذير مبين فتصاممتم عن سماعه، فانتظروا العقبى " قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى " . ص _253
(1/251)

سورة الأنبياء سورة الأنبياء من أواخر ما نزل فى العهد المكى، وسميت كذلك لأنها تضمنت أسماء ستة عشر نبيا مع إشارة وجيزة إلى تاريخهم، وإن كان الكلام قد طال عن إبراهيم وحده. وفى السورة ما يشير إلى أن المرسلين من الرجال، فهم أقدر على حمل الأعباء الجسام ومقارعة صناديد الكفر: " وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ". ومن العلماء من يسلك مريم وأم موسى فى عداد الأنبياء، وإن لم تكن حملة رسالات!!. ومطلع السورة يدل على أن مشركى مكة كانوا موغلين فى الضلال!، وعبادة الدنيا. كانت معرفتهم بالله غامضة، ومعرفتهم بشركائه الموهومين قوية، وكانوا ينكرون البعث والجزاء، ولا يحيون إلا ليومهم الحاضر. وصورت السورة ذلك فى قوله تعالى: " اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون * ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون * لاهية قلوبهم.. " وقد رد القرآن على منكرى البعث هنا بأدلة شتى، منها قوله: " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين " لابد من حساب دقيق على ما نقدم ونؤخر، وما أحسن قول المعرى: خلق الناس للبقاء فضلت - أمة يحسبونهم للنفاد..! إنما ينقلون من دار أعمال - إلى دار شقوة أو رشاد..! وقد استدل القرآن على البعث بالدليل البديهى على جوازه وهو أن خالق العالم أولا يستطيع إفناءه وإعادته ثانيا: " أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي.. " . وأغلب العلماء يقررون ما يسمى بنظرية السديم، وهى تقوم على أن الكواكب كانت جزما واحدا ثم تبعثرت- بصنع الله- على هذا النحو المشاهد، وأخذ كل كوكب مداره!. والغريب أن باطن الأرض ملتهب، وأن القشرة التى نعيش عليها- وهى إطار ذلك اللهب ص _254
(1/252)

المصهور- ملآى بالماء الذى يحيا به كل شىء وترف به الزروع والزهور! ما أغرب هذه القدرة " وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون " . ولكن إنكار البعث شائع فى الأولين والآخرين.. والناس فى عصرنا الحاضر سكارى بخمرة الحياة الدنيا فما يفيقون منها، ولايسيغون كلاما عن اليوم الآخر، بل لعلهم يسخرون منه " ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون * بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون " . ثم بين سبحانه أن الحساب فى الآخرة دقيق، لاتجاوز فيه ولاتفريط، لاوكس ولاشطط " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين " . والمشركون يضفون إلى استبعاد البعث تكذيبهم للنبى- عليه الصلاة والسلام- واتهامه بالسحر والافتراء " وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم" ؟ وهذه الكلمة تخفى وراءها ضيق الناس بكل من آثره الله بموهبة جليلة أو اختصاص كريم!. إن المرسلين يجب أن يكونوا بشرا مجانسين لنا حتى يمكن الاقتداء بهم والأخذ عنهم، بشرا يحسون أشواقنا وآلامنا، ويتعرضون بأبدانهم وغرائزهم إلى الابتلاء والمجاهدة، كيف يتعلم البشر التسامى والتطهر من ملك نزل من السماء لن تكون له زوجة أو ولد، ولن يتعرض لما يضحك ويبكى... وقد طلب المشركون- ليؤمنوا- معجزة مادية قالوا: " فليأتنا بآية كما أرسل الأولون * ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون " . إنهم لن يؤمنون ولو جاءتهم كل آية كما قال فى سورة أخرى: " ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون " وسينتهى العناد بهؤلاء إلى ا لهلاك... وينبه الله سبحانه العرب إلى أنه اختار محمدا منهم ليرفع شأنهم فى العالمين، ويجعلهم أصحاب رسالة تحولهم من
(1/253)

وعاة للغنم إلى رعاة للأمم: " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون " . ص _255
ومع ذلك فقد دخل العرب الإسلام بشق النفس، ولكنهم بعدما اطمأئوا إليه افتدوه بالنفس والنفيس، وطوفوا به فى أرجاء العالمين. وكانت عقيدة التوحيد الأساس الذى انبعثوا به وجادلوا الناس فيه، فالنصارى فى المشارق والمغارب يجعلون عيسى إلها، ويجعلون جبريل إلها، ولايزال التثليث شعارهم إلى يوم الناس هذا. وقد نفى القرآن هذه المزاعم، وبين أن عيسى وجبريل " عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم... " . وهذا التهديد واضح الدلالة! فأى إله هذا الذى يهدد بجهنم ومع ذلك يستسلم ويستكين؟ لو كانت فيه ألوهية لثار لكرامته، وهاج محدثا فتنة فى الملأ الأعلى! بيد أن شيئا من ذلك لم يحدث، وبقى النظام الكونى على العهد به من بدء الخليقة!. لماذا؟ لأن صاحب الكلمة الحاسمة فى الأرض والسموات واحد، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن! ماعداه خافض الرأس أمام جلاله ومجده، لاينبس بكلمة تخالفه " وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون * أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون * لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون " . والأنبياء جميعا دعاة إلى توحيد الله، ولا غرو فهم مرسلون من لدنه " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " . إذا كان هناك غير الله فلماذا صمت فلم يتكلم؟ وعجز فلم يبعث أحدا ينبئ عنه؟ إنه لا إله إلا الله، وما يتبع المعددون إلا أصفارا... ولم تتبع السورة فى ذكر الأنبياء ترتيبا زمانيا ولا تحديدا مكانيا، فقد بدأت بذكر موسى وهارون، ثم ثنت بالكلام عن إبراهيم، وهما من ذريته! على عكس ما وقع فى
(1/254)

سورة مريم من ذكر إبراهيم أولا، والسبب أن توراة موسى أشيع وأبقى، فكان الإيماء إليها تمهيدا للحديث عن القرآن الكريم: " وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون " ؟. ويلفتنا فى الحديث عن إبراهيم ذكر شبابه المؤمن القوى، فقد شاع تحطيمه للأصنام، وتهديده لها من قبل " سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " وقد شاء إبراهيم أن يستبقى الصنم ص _256
الأكبر بعدما جعل زملاءه جذاذا، وأن يعفق الفأس برأسه ليقول للعتاد المذهولين نافيا التهمة عن نفسه: " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " . وظاهر أنه يوبخ المشركين ويتهكم بعبادتهم.. وجاء ذكر لوط بعد إبراهيم، فهوا ابن أخيه، وشريك له فى مجاهدة الفسقة " ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين * ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين " . وعاد الكلام إلى نوح، ثم تبعه الكلام عن داود وسليمان، وهما من أنبياء بنى إسرائيل، ويذكر القرآن عن هذين الرسولين أنهما اختلفا فى حكم أصدراه فى قضية واحدة: " ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما... " إن الخلاف فى فروع العبادات والمعاملات شىء طبيعى، وهو مأجور على الحالين من خطأ وصواب، مادام وراءه اجتهاد محترم. ولكن عوام المسلمين يجعلون هذا الخلاف مثار فرقة وهجاء، وهذا يغاير منهج القرآن الذى رأيت. وتذكر السورة أيوب، وكان ذا صحة ومال وولد، فنكب فى أولئك جميعا وساءت حالته، فلجأ إلى الله يستجير به " وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين " . وكذلك ابتلى إسماعيل وإدريس وذو الكفل ويونس وزكريا ويحيى، فإلى أين يلجأون وبمن يستجيرون؟ بالله وحده! ولم أر أغبى ولا أضل ممن تنزل به الفراء فيسأل العباد ويقف ببابهم، ما يصنع فقير لفقير أو ضعيف لضعيف؟. إن الابتلاء طبيعة الحياة، وهل خلق الناس إلا للابتلاء؟ فإذا
(1/255)

صبروا واحتموا بالله مما يؤودهم يوشك أن يرسل إليهم فرجه. وابتلاء الأنبياء رفع لدرجاتهم وتعليم لأممهم، ولنتأمل قصة يونس " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " فلتكن لنا دروس من هذه القصص، ولنتعلم منها الارتباط بالله وحده. وأغلب الأنبياء الذين عرفناهم ظهروا شرق البحر المتوسط وجنوبه فى مناطق قامت بها أهم الحضارات القديمة، ويمكن وصفهم بأنهم أعضاء هيئة تدريس فى معهد عميده محمد بن عبد الله، وطلابه أهل الأرض كلهم. ص _257
(1/256)

وخلاصة تعاليمهم مودعة فى القرآن الكريم.. ويلاحظ أن الحديث عن هؤلاء الأنبياء سبقه حديث عن اليوم الآخر " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ". وأعقبه كذلك حديث مستفيض عن اليوم الآخر بدأ بقوله تعالى : " وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون " كان حريا بأتباع الأنبياء أن يتعاونوا على البر والتقوى، لكن الذى وقع غير هذا، فقد ظل اليهود عشرين قرنا يكذبون عيسى بن مريم، وعندما ظهر محمد كذبه النصارى، وتعاون معهم اليهود على حرب رسالته وخصومة أمته!!. ويبدو أن هذا التقطع بين أتباع الرسل سوف يبقى حتى يظهر جنس همجى من شرق العالم لم يحمل يوما ما رسالة سماوية، فيجتاح الدنيا ويهزم من يعترضه " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا " . والذى يظهر لى أن هؤلاء من الصين وشرق آسيا عامة. ومن المفسرين من يقول: إنهم المغول والتتار الذين أسقطوا دولة الإسلام فى بغداد، وداسوا الشعوب من سبعة قرون تقريبا، وليس هذا بمقبول، فالسياق يدل على أن يأجوج ومأجوج من الفتن التى تظهر بين يدى الساعة، وأنهم من أشراطها القريبة جدا. وقد أعقب الحديث عنهم ذكر أهل الجنة السعداء بما وعدوا، وأهل النار الأشقياء بما لقوا، ثم قوله تعالى : " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده... " والسجل: الورقة التى يسطر الكاتب على صفحتها ثم يطويها بعدما انتهى من مراده، وهكذا ينتهى أمر السماء والأرض ويتحول العالم إلى ذكريات توضع فى " الآرشيف " كما يعبر عصرنا..! ثم يقول الله بعد ذلك : " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " . قد تكون الأرض أرض الجنة كما جاء فى سورة أخرى " وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء " وقد تكون الآية إشارة إلى أن
(1/257)

مواريث السيادة فى الأرض تؤول إلى من يستحقونها بمؤهلاتهم الخلقية والاجتماعية. ومجىء ذلك فى الزبور لأن داود كان يقود شعبا مظلوما يكافح لتأمين عقيدته وحريته، فأفهمنا الله- كما أفهمه- أن للسيادة مرشحات وخصائص لابد من استجماعها. ص _258
وكما بدأت السورة بالدعوة إلى التوحيد، والاستعداد للآخرة، والانتفاع بالوحى، ختمت بالمعانى نفسها "قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون"؟. فإذا صدقتم معشر العرب نجوتم وسدتم، وإلا فلا عذر لكم " قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون " . ص _259
(1/258)

سورة الحج بدأت سورة الحج بنداء عاطفى مثير للذعر، لأنه يحمل فى أطوائه بعض أهوال القيامة! " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى... " . وقد جاء فى السنة أن الزلازل تهيج قبيل قيام الساعة، ومعها براكين تلفظ ما فى باطن الأرض من معادن! يلتقطها الناس وهم فيها زاهدون. كأن هذه الحركة صحوة الموت، أو انتفاضة الوداع الأخير...! وبعد هذا الوصف نداء عقلى يوقظ العقل الخامل، أو يقتل الريبة المخامرة: " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم... " . الريبة فى البعث أساسها الغفلة الشديدة عن قصة الحياة والأحياء، وظن الجهال أن البعث عمل مستقبلى لا يشهد له ماض أو حاضر.! فى كل يوم، بل فى كل طرفة عين بعث!! يتولاه الله وحده، فلماذا نستبعد عليه البعث الأخير؟. هذه الأجنة التى تقذف بها الأرحام فى كل لحظة بعث لا أثر فيه لقدرة بشر!. من خالق الحيوان المنوى؟ من الذى يحوله فى أطواره المتتابعة حتى يكون جنينا مكتمل الحواس، ومن الذى يخرجه من بطن أمه بعدئذ. لتتعامل رئتاه مع هواء الدنيا، ولتتعامل عيناه مع الأشعة والأضواء؟؟. من الذى زوده بالخصائص الوراثية المذهلة؟. إن القصة لا تعنى حياة جنين واحد زار الدنيا فى ساعة من ليل أو نهار، إنها ألوف من الأجنة تستبقى الحياة البشرية موصولة التيار فى بحرها الموار.. وندع الحديث عن الأحياء البشرية وغير البشرية التى تغمر البر والبحر إلى حديث آخر " وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج " . ص _270
(1/259)

ولاتزال! أمواج الألم تغمر المخطئين حتى يرعووا، وكلما تأخر صلاحهم ترادف البلاء عليهم، لأنهم كما قال الله: " ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون " . ولقد مرت بقريش سنوات عضوض قيل: ألح عليهم الجوع حتى اسودت الآفاق فى عيونهم.. ومع ذلك ظلوا منتصبين نحو عشرين سنة يقاتلون الرسول! وصحبه!. ومازالوا كذلك حتى خارت قواهم، وسقطت دولة الكفر فى أرضهم، وقامت بدلها دولة الإيمان " حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون " . وسورة المؤمنين مكية، وهذا التهديد لحمل القوم على الرشد، ولكن القرآن الكريم يعود إلى سننه فى التعليم والإرشاد ومناشدة العقل الإنسانى على الوعى. ولذلك بدأ يذكر الناس بنعمة الله عليهم، وكيف أوجدهم وسخر لهم الليل والنهار والشمس والقمر، وكيف أنشأ لهم السمع والأبصار والأفئدة، وقد وجه لهم ثلاثة أسئلة تكشف التناقض فى شركهم، والخلط فى تفكيرهم، وتبعثهم على إخلاص التوحيد: " قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون؟. وهذه الأسئلة موجهة إلى المشركين الذين يعبدون الأصنام وهم يعلمون أنها لم تخلق أرضا ولا سماء، ولم ترسل رزقا ولم تحدد أجلا. ولكن هذه الأسئلة نفسها توجه إلى فريق من أهل الكتاب، يشوبون التوحيد بالتعديد، ويختلقون مع الإله آلهة أخرى ما أنزل الله بها من سلطان. والواقع أن القرآن بنى الإيمان الصحيح على الوحدانية النقية التى تجعل ماعدا الله ملكا خالصا له، وعبدا عانيا فى حضرته " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون * عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون " . إن عقيدة التوحيد وليدة فكر ثاقب،
(1/260)

وبرهان دامغ، وما الشرك أو أبوة الله وبنوته، إلا ظنون خامرت العقل وهو غافل، وسكنت فيه وهو مخدر. ولما كان المرء قد يقع صريع شهوة غالبة، أو ميراث جارف، فيبقى على ضلاله وشروده، فإن الله سبحانه أشعر الإنسان بأنه ليس بخالد فى هذه الدنيا، إنه معمر فيها إلى حين! فليخش الموت ومايتبعه، فإنه سيندم ويتمنى لو كان عقل ص _271
" حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " . وطلب الرجوع إلى الدنيا لاستئناف حياة أشرف تكرر فى القرآن الكريم عشر مرات أو يزيد، وهو دلالة حاسمة على أن المجرم يعترف بخطئه السابق، ويرجو الله أن يتيح له فرصة أخرى للإصلاح!.. وفى سورة المؤمنين تكرر هذا الطلب مرتين: مرة عند مجىء الموت، ومرة عند الحساب " ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون * قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ". ولعل هذا الطلب المتكرر يقنع جماهير من الناس تدين بعقيدة الجبر، وتزعم أن الجزاء مكتوب! لا سبب للإنسان فيه!!. وهؤلاء كثيرون فى أمتنا يعيشون بغير إرادة، ويظلمون الإسلام بتماوتهم الغريب. وقد جاء ختام السورة تكذيبا لهؤلاء الكسالى، وتقبيحا لأفعالهم: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق " إن الله أعلى وأجل من أن يظلم أحدا من خلقه! لقد منح آدم وبنيه الحياة فى هذه الدنيا، وزودهم بعقل كاشف ووحى هاب. وبشر وأنذر، وأصح وأمرض، ويسر وعسر، كى يتعرف المرء على ربه فى الحالين، ويستعد للقائه بعمل صالح، فإذا أبى إلا الشرود فالعقاب المرصد عدل، ولا يسمع فيه عذر... وقد ذكرت السورة أن المرء الكافر عند الحساب ينسى الزمن، ويذهب من عقله الماضى كله، ولا تتماسك الحياة الأولى فى ذاكرته إلا لحظات قصيرة مبهمة " قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا
(1/261)

يوما أو بعض يوم فاسأل العآدين * قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون " . ومرة أخرى يعود القرآن إلى بناء الإيمان على البرهان، ويؤكد أن الدين ليس عقلا خرافيا يتبع الترهات! إنه عقل يحترم الدليل ويحتبئ به. إن العقل مناط التكليف وسلم الارتقاء، وأقرب الخلق إلى الدواب هم الكافرون بالله، البعيدون عن هداه: " ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون * وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين " . ص _273
(1/262)

سورة النور النور من أسماء الله الحسنى، وسميت سورة النور بهذا الاسم لأنها تضمنت الآية الكريمة: " الله نور السماوات والأرض... " والنور- مادية ومعنوية- صادر عن الله تعالى، بل كل شىء يستند فى وجوده إلى البارئ الأعلى، فمالا وجود له من ذاته فحقيقته صفر. إن الكون كالظل لا وجود له إلا من الجسم الذى يلقيه، فإذا ذهب الجسم تقلص الظل أو زال.. والعالم أجمع يوجد ويبقى بإيجاد الله له وتدبيره لأمره، ونور النهار عند مطلع الشمس، أو نور الليل عند بزوغ القمر مصدره من الله. فإذا ذهب النوران فكل ذرة تتحرك دليل على خالقها، لأنها به تقوم، وعليه تدل. وفى دعاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- يوم آذاه المشركون فى الطائف: "أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بى غضبك، أو ينزل بى سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله ". ومن دعائه- عليه الصلاة والسلام- وهو يقوم الليل: " اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ". وعن ابن مسعود: " إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه... ". وسنشرح إن شاء الله قوله تبارك اسمه "مثل نوره... " بعد قليل، أما الآن فننظر فى أول السورة : " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون " فى هذا النظم تنويه بالسورة وما احتوت من توجيهات، لأنه ما بدئت سورة فى القرآن بهذا الابتداء، وقد تكرر لفت النظر إلى ما أتت به السورة من أحكام مرتين: الأولى فى قوله تعالى : " ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين " . والأخرى قوله : " لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " . ص _274
(1/263)

ذلك أن السورة تحدثت عن العلاقة الخاصة بين الرجال والنساء، وذكرت عقوبات بعض الجرائم الجنسية، وشرحت آداب نظر كل جنس إلى الآخر، وحددت الزينات المباحة والمحظورة، كما أوجبت الاستئذان قبل دخول البيوت، وداخل كل بيت! وبينت البيوت التى يجوز الأكل فيها ومع من؟. وهذه تنظيمات لبناء المجتمع الإسلامى على العفة والطهر، وإقامة سياج متين حول المحارم التى يخاف وقوعها.. وقد كان لهذه التعليمات أثر فى صون الأمة من الآثام وتحصينها من الرذائل، ومن المشاهد أن الحضارة المعاصرة تجرأت على المناكر، ومهدت لها الطرق، ولم تزل تواقعها حتى استباحتها، والزنا الآن لا يسمى زنا، بل يسمى فى أغلب الأحيان حبا أو صداقة. وقد دحرجت الآذيان عن مكانتها فى التربية، وفسح الطريق أمام مذاهب لا إيمان لها ولا شرف، والجهود الاستعمارية مبذولة كى ينتهى الإسلام إلى هذا المصير!!. وقد بدأت سورة النور بتقرير عقوبة الزنا، وتحريم الزواج من البغايا، كما غلظت جريمة قذف المحصنات، وشرحت شريعة الملاعنة، مبينة أن ذلك كله من فضل الله وحكمته وتوبته على عباده... وناسب فى هذا المقام ذكر حديث الإفك، وهو حديث كشف عما فى صدور أعداء الإسلام من ضغن، ولا عجب فقد نبه القرآن إلى ذلك من قبل " ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا " . والحق أنى أحتقر الرجل الذى يتوارى عن الأنظار ثم يطلق مقالة السوء عن سيدة شريفة، ويترك للمستغفلين والأغرار أن يشيعوها. ذاك ما فعله كبير المنافقين عبد الله بن أبى عندما افترى الكذب على عائشة أم المؤمنين، وطعنها فى أغلى ما تملك وتركها تقول: ظننت أن الحزن فالق كبدى!!. أما الرسول- عليه الصلاة والسلام- فقد أخذته الدهشة وتحير فى هذه المصيبة الداهمة، لولا أن الله أنزل براءة زوجته فى وحى يتلى إلى آخر الدهر!!. وقد تضمنت القصة دروسا ينبغى ألا تنسى " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا... "
(1/264)

! " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة... " ، " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة... " . ص _275
وهكذا أطفأ الله الفتنة بعد ماتركت فى النفوس جراحا..!. ثم عاد القرآن الكريم يذكر الآداب الخاصة بدخول البيوت، إن لسكانها حرمة مرعية، لابد من استئناس وتسليم وإذن، واتسعت دائرة هذا الاستئذان لتشمل الذين يطرقون البيوت من الخارج، والذين يتنقلون بين الحجرات فى الداخل، ولا أعرف أن هذه الآداب شرعت فى حضارة سابقة، أما الحضارة الحديثة فلا تبالى أن تنظر من ثقب الباب لتعرف ما هنالك!. ومضيا مع إشاعة العفاف وتأديب الغرائز أكد الإسلام ضرورة غض البصر وحفظ الفروج. والواقع أن هذا تشريع تقرر فى الأديان السابقة ولكن الإسلام فضله وأضله، وتحدث عن الزينات الظاهرة المعفو عنها كا لكحل فى العين والحمرة فى الخد، والخاتم فى اليد، وعن الزينات الباطنة التى لابد من إخفائها.. والغرب الذى يدعى المسيحية يصدر للعالمين تقاليد العرى والتبرج وانتهاك الحرمات، وما أظن تاريخ الدنيا شهد مثل هذا الدنس الذى ينشره هؤلاء الناس، لقد سميتها فى بعض كتبى حضارة البغى والبغاء!!. ووسائل الإعلام المختلفة تتسابق إلى بث الفتنة داخل البيوت، وتعرض صورا للرقص الغربى المزدوج والرقص الشرقى المفرد، يفرح بها الشيطان، وتزلزل الطهر المنشود. إن الإسلام اعتبر الزواج عبادة، وألزم الطبيعة البشرية أن تكتفى بالحلال، وأن تبتعد عن الحرام.. ولعل من لطائف القرآن الكريم أن تجى به آية طويلة عن الأكل فى البيوت، وعن الأهلين والأصدقاء الذى يصح الأكل معهم جميعا أو أشتاتا، إن إحصاء هذه الآداب الخاصة استغرق ثلثى السورة، ولكن سورة النور سميت- كما قلنا- بالآية التى توسطتها تتحدث عن البهاء الإلهى، والمجد الذى لايبلى، ولذلك نعود إلى هذه الآية لنشرح المثل المقترن بها. فى آية النور ضرب الله
(1/265)

المثل لنوره فقال: " مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري... " المشكاة: تجويف مصنوع فى الجدار يوضع المصباح فيه عادة! ويسمى فى الريف الطاق!. والزجاجة حول المصباح لتصفية نوره ومنع دخانه! والمثل المضروب هنا لمصباح يستمد اشتعاله من زيت خاص، هو أعلى أنواع زيت الزيتون يكاد يضىء ولو لم تمسسه نار، والزجاجة من الشفافية والتألق كأنها كوكب درى. ص _276
وهنا نسأل: مثل نوره فى أرجاء الكون؟ أو مثل نوره فى قلب المؤمن؟ بالأول قال الغزالى، وعبارته: " النور هو الظاهر الذى به كل ظهور، أى: الذى تنكشف به الأشياء وتنكشف له وتنكشف منه. وهو النور الحقيقى وليس فوقه نور. وجعل اسمه تعالى " النور " جاء دالا على التنره عن العدم، وعلى إخراج الأشياء كلها من ظلمة العدم إلى ظهور الوجود... ". والواقع أن دلائل الوجود الأعلى من الكثرة والوفرة بحيث لا يزيغ عنها إلا أعمى كأن كل ذرة عليها مقادير من الضوء تجعل انكشافها نهارا!!. أما المعنى الثانى فهو مثل نوره فى قلب المؤمن، وأساسه أن القلب العارف يرزق بصيرة تميز الصواب من الخطأ، والبر من الإثم، ويمشى بين الناس ثابت الخطو فسدد الهدف. ولعله يستمد من القرآن وضوح غايته، والقرآن نور: " فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا " " يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا " . وعند التأمل نجد المعنيين متلازمين، فالذى يلمح فى الآفاق نور ربه تستقر هداياته فى قلبه! ويرتبط بالمساجد يتردد عليها من الفجر إلى العشاء، فقلبه معلق ببيوت الله يسبح فيها بالغدو والآصال.. أما الكافرون فأشباه دواب لا يعرفون عن ربهم شيئا، وربما كانوا أذكياء فى فهم الدنيا، ولكنهم محجوبون عن رب الدنيا والآخرة، " ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور " . وقد تحدثت الآيات عقيب ذلك عن قدرة الله وعظمته، واستحثت أولى الألباب على النظر فى الكون، ففى هذا النظر ما
(1/266)

ينمى الإيمان ويضاعف نوره. تدبر قوله تعالى: " ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون * ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير" ألا يغريك هذا السياق أن تكون بعض الكون المسبح بحمد ربه، المعترف بآلائه ومجده؟. وقد تتساءل: ما علاقة آداب الأسرة وسلامة المجتمع التى سبقت وأعقبت آية النور بهذا الحديث عن إبداع الله وجلاله؟. والجواب أن كل تشريع يرتبط بالعقيدة، ويحيا بحياتها، وهيهات أن يبتعد عنها، خذ مثلا قوله تعالى: " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم * وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم " ألا ترى أربعة من الأسماء الحسنى انتظمت فى سياق واحد مع تقرير حكم من أحكام الأسرة؟. ص _277
(1/267)

هكذا القرآن الكريم يربط الإيمان بالعمل ويقرن الحديث عن شئون الناس بالإيمان الواجب برب الناس... إن رباط الشريعة بالعقيدة وثيق، وارتباط العمل بالإيمان قائم، وفى عصرنا يوجد مارقون يريدون أن يجعلوا للشرائع مصدرا غير الإسلام، وللحكم أسسا غير الوحى!. وهم ينظرون إلى سورة النور خاصة بضيق شديد، لأنها حرمت الزنا والتبرج والانحلال، ولذلك شرحت السورة موقف هؤلاء، وبراءة الدين منهم: " ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون". وقد تتعبت مسالك هؤلاء الرافضين لحكم الله ورسوله فوجدت جمهرتهم لا تحترم لله فريضة، ولا تعرف طريقها إلى مسجد! وهم يتظاهرون، ويشد بعضهم أزر بعض، حتى لا يقوم للإسلام حكم، وغرضهم القريب والبعيد ألا يقوم للإسلام كيان عبادى أو خلقى، وأن تعم العالمين جاهلية حديثة... ولذلك يقول الله بعدئذ. " إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون " . والحرب من قديم ناشبة بين فريقين: فريق ضائق بالدين كله، يحتال لإسقاط رايته وإحباط غايته، وفريق يربط الناس بربهم، ويشد أرجاء المجتمع بشغب الإسلام كلها.. وحالة المسلمين فى هذا العصر رديئة، والهزائم المادية والمعنوية. تحيط بهم، ولكن الله فتح أمامهم أبواب الآمال عندما قال لهم هنا: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم...". على أن هذا التمكين يحتاج إلى مقدمات طويلة، وجهود موصولة، فإن للقيادة والسيادة مؤهلات لابد من تحصيلها ويستحيل أن يتحقق لعاطل أمل. ولننظر ما فعل الرسول وصحبه عندما أرادوا إقامة دولة للإيمان، لقد مكثوا قرابة ربع قرن يصارعون
(1/268)

الوثنية العربية حتى هزموها، ثم جمعوا بالتوحيد فلول العرب، ومالوا على الرومان والفرس ميلة واحدة، فما هى إلا جولات يسيرة حتى أصبح المسلمون الدولة الأولى فى العالم!!. ص _278
خلال ثلاثين سنة من نزول "اقرأ... " تحول رجل واحد إلى أمة رائعة تأخذ لربها ولنفسها ما تريد!!. كان يستحيل- فى الخيال- أن تتحول أسرة فقيرة فى مكة إلى دولة تبسط سلطانها على العالمين!! ما هى الوسائل؟ " يعبدونني لا يشركون بي شيئا " ، " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون " !. أهذه وسائل تنهض بها أمة؟ ويسقط بها جبروت حكم العالم كله عشرة قرون؟ " لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض... " . وبديهى أن هذه الوسائل لا يفهمها العجزة والبلة، إنما يفهمها ويحشدها رجال فقهوا سياسة الدنيا والآخرة، وخرجوا من سلطان الأوهام والدنايا، وارتفعوا إلى سيرة محمد وصحابته. ص _279
(1/269)

سورة الفرقان من حق الله أن نعرفه ولو لم يبعث لنا رسلا! فآثاره تدل عليه، وفطرتنا تتجه إليه، ومع ذلك فقد شاء- رحمة منه وفضلا- أن يبعث إلينا من أنفسنا من نأنس بهم ونتعلم منهم.. ونحن لا نعرف أعداد المرسلين الذين جاءونا ولا أسماءهم، ولكنا نعلم أن جماعتهم ختمت برسول جمع كتابه زبدة تعاليمهم، وقدر الله له أن يصحب الحياة فى مسيرتها الباقية حتى يرث الأرض ومن عليها، ذلكم هو محمد بن عبد الله " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا " . إن محمدا إنسان مثلنا، ولكن أمجاد البشرية التقت فى كيانه، ولواء الإمامة العامة انعقد له وحده! ورشد العالم كله ارتبط برسالته الخالدة، فما يصد عنها إلا محروم. وحين أرسله الله سبحانه وصف نفسه بما هو له أهل " الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا " وهى صفات مارى فيها الجاهلون بالله والجاحدون له، ولكن صاحب الرسالة الخاتمة صنع أمة تؤمن بها، وتقاتل دونها. وفى سورة الفرقان التى نزلت عليه إحصاء لشبهات وأقوال أعدائه، نسردها كما وردت مع دحض ما يحتاج منها إلى دحض: 1- " وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا " وتكذيب الرسل خفق شاع فى الناس من قديم، فلا غرابة إذا كذب المشركون محمدا، وهم إنما كذبوا دعوته إلى التوحيد، وضاقوا من نفيه أن يكون لله أولاد!!. ومن هم الآخرون الذين أعانوه؟ ولم يدعوا الرسالة لأنفسهم؟. 2- " وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا " والمملون فى زعم هؤلاء من أهل الكتاب الأولين، ترى هل أعانه النصارى على نفى التثليث؟ أو أعانه اليهود على فضح مثالبهم وهدم دولتهم؟ إن هذا مجون من القول!. ص _280
(1/270)

3- " وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا "!! لايعيب بشرا- رسولا كان أو غير رسول- أن يأكل الطعام، فهذه طبيعة الناس التى خلقوا بها. وماعسى أن يفعل الملك معه؟ أينوب عنه فى البلاع؟ فلماذا اختاره الله إن كان عاجزا عن تفهيم الناس؟. أيؤيده عند التكذيب؟ إن الله لم يترك رسولا له دون أن يمنحه تأييده الأعلى!!. 4- " وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا * تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا " . ومضت سورة الفرقان تحصى أقوال الكافرين واعتراضاتهم: 5- " وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا * يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا " . أى: تقول الملائكة عندما تلقى المشركين يوم الحساب: لا بشرى لكم، فهى حرام محرم عليكم، ثم لا قيمة لما قدمتم من أعمال لقد جعلها الله هباء! ويلا حظ أن المشركين من قريش كالمشركين من قوم نوح، كأقوام آخرين طلبوا نزول ملائكة، ورفضوا الانقياد لبشر أنفة أن يتبعوا واحدا منهم، وهذا الكبر أرداهم... ثم جاء اعتراض آخر: 6- " وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة... " لماذا ينزل القرآن منجما حسب الحوادث؟ هلا نزل دفعة واحدة! وكان الجواب : " .. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا " لكل حادث حديث، ولكل تساؤل يجد جواب جديد!. ذلك ومن الشائعات الباطلة أن الكتب الأولى نزلت دفعة واحدة. إن كتابة العهدين القديم والجديد استغرقت قرونا طويلة،، فلماذا ينزل القرآن جملة واحدة؟!. 7- " وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها... " وهذا القول اعتراف بأن القرآن زلزل معتقداتهم، وأبان لهم زيفها،
(1/271)

والمشركون مع صدمة الدليل ينكشف لهم باطلهم ويكادون يعترفون بالحق! كما وقع لقوم إبراهيم ص _281
حين رأوا أصنامهم التى يعبدون قطعا مبعثرة، لقد كادوا يؤمنون بالله " فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون " ثم ألح عليهم العناد والتعصب فنكسوا على رءوسهم وبقوا على باطلهم. كذلك تراجع كفار مكة عن الحق بعدما استبان لهم، وأخذوا يستهزئون بصاحب الرسالة " وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا " ؟. ثم أرسل القرآن حكما عاما على عبيد أهوائهم، إنهم دواب تمشى على قدمين " أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا * أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا " وتحقير الخصوم مقبول يوم يكون إنصافا للحقيقة وصونا لكرامتها... لاسيما إذا كان أولئك الخصوم يباهون بقصورهم، ويفتخرون بترفهم. ولاشك أن شريفا يلبس الأسمال خير من وضيع يخب فى الحرير.. وفى عصرنا هذا لحقت بالحق هزائم أزرت به، وربما وجدت عابد وثن يركب الطائرة، وموحدا لله يشق عليه السير فى الأرض..! وعلى ضوء ذلك تفهم هذا الاعتراض الأخير. 8- " وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا " والرحمن من الأسماء الحسنى، ولا يوصف به إلا الله سبحانه، فهو كاسم الذات " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " وقد عز على المشركين أن يدعوا ما يألفون من أوثانهم، ويسجدوا لله الرحمن الواحد الأحد، فقالوا للرسول: ما نطع أمرك! وانصرفوا عنه نافرين!. وفى هذه السورة عومل الكفار بأسلوبين، أولهما: تخويفهم مما أصاب الأمم الأولى أن يحيق بهم، فحكى لهم مصير الفراعنة، ومصير عاد وثمود، وأصحاب الرس- وهم قوم كانوا يفلحون الأرض حول بئر لهم- ثم ذكرهم بهلاك قوم لوط " ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا " . ولهذا التخويف أثره أحيانا، ولكن الأسلوب الآخر أوقع وأخلد، وقد
(1/272)

استخدمه القرآن كثيرا: وهو إثارة العقل حتى يرعوى، وهو ما سوف نتحدث عنه. فى سورة الفرقان آيات تهيب بالعقل أن يفكر فى ملكوت السموات والأرض، بدأت بالحديث عن الظل ! " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ؟ " . ص _282
إننى أرى ظلى أحيانا ضعف قامتى، ثم بعد حين يتقلص حتى يقع تحت قدمى! كيف يمتد وينكمش؟ وقد ذكرت أن ظل الطائرة يسابقها وهى تهبط إلى الأرض، وأن للكواكب ظلالا ينشأ عنها الخسوف والكسوف، وأن كل شىء له ظل يتبعه "ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال" ونحن عندما تنسخ الشمس ظلا نتحول إلى مكان آخر كما قال الشاعر: وإن صريح الرأى والعقل لامرئ إذا بلغته الشمس أن يتحولا...! هل فكر أين ذهب الظل؟ وبأى سرعة يسير على وجه الأرض أو فى جو السماء؟ هل فكر فى لطافة القدرة الإلهية التى تصنع ذلك دون جهد ولا تكلف؟. وندع الظل إلى حركتى الليل والنهار، ومنامنا عندما يضمنا الليل فى أستاره! عندما آوى إلى فراشى أحسبنى سأهمد وأستريح..! ولكن سرعان ما أقول: قد أغمض عينى، لكن قلبى باق يدق، وصدرى يعلو ويهبط، وحركات الجهاز الهضمى فى شغل موصول باعتصار ما بها.. إن عمل الله فى جسمى لا ينتهى إلا بالموت المجهز! ومع ذلك فقلما نذكر الله، ونحن ما نخرج من بين أصابع القدرة!! ما أطول كنودنا.. ونحن سكان وادى النيل قلما نرقب المطر، لأن النهر قريب منا نغترف منه ما نشاء، لكن من أين أتى النهر؟ لقد ظلت السحب تقبل من المحيط الهندى حاملة الغيث تهمى به آناء الليل وأطراف النهار، ثم تنحدر المياه إلينا فى نهر ميمون الغدوات والروحات، تؤمن حاجاتنا من الماء الطهور وحاجات أرضنا إلى الرى والخصب طول العام!. أليس يتناولنا قوله تعالى: " وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا * لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا " . وفى
(1/273)

مدننا وقرانا نفتح الصنابير فيسيل الماء دون كد، إننا أسعد ممن ينقلون فى الجرار أو على ظهورهم!! " ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا " . إن الإيمان قريب المصادر، إنه تحت العين لمن يبصر، ومع ذلك فما أكثر الملاحدة..!!. وبعد سرد لمظاهر القدرة، وآيات الله فى الآفاق يقول سبحانه.. " تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا " تنامت رحمته وعفت بركته، والآية بهذه القراءة ص _283
(1/274)

تشير إلى الشمس وأسرتها المعروفة، وهناك قراءة تقول : "وجعل فيها سرجا" وهى تشير إلى عوالم أخرى، وقد أثبت العلم أن عالمنا واحد من عوالم تحصى بالألوف، وأننا فى حساب الكون الكبير شىء تافه، وأننا خلقنا لنواجه اختبارا دقيقا جدا: ترى هل سنذكر أم ننسى، هل سنكفر أم نشكر، وبعضنا نحتبر بالبعض الآخر كما جاء فى هذه السورة : " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا " . ترى من ينجح فى هذا الاختبار ومن يفشل؟ ينجح فيه عباد الرحمن، ويفشل عباد الشيطان! وقد شرعت السورة فى سرد وصايا عشر هى خصائص عباد الرحمن، وهذه الوصايا تنضم لأمثالها فى سور أخرى لتتكون من جملتها صورة السلوك الإسلامى الوضىء: قال تعالى : " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" . والمشى الهؤن لا يعنى البطء أو التماوت، إنما يعنى الاعتدال وعدم التكلف.. ومخاطبة الجاهلين للناس تنطوى على الشراسة، فلنلق الخصام بالسلام والتجاوز، فالأمر كما قيل: لو كل كلب عوى ألقمته حجرا لأصبح الصخر مثقالا بدينار...! " والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما " لابد من نوم يجم الجسد ويعين على العمل!. والمهم ألا ننام عن صلاة العشاء ونوافلها، وأن نستيقظ قبيل نداء الفجر نستفتح النهار بخير، فإذا صلى المرء العشاء فى جماعة والفجر فى جماعة فكأنما قام الليل كله... " والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما " . إنها غرامة مهلكة يصحبها الخزى والبلاء المقيم، وينبغى لكل مؤمن أن يزحزح نفسه عن ذلك المستقبل الأسود، وليقاوم تيارات الجاهلية الحديثة التى تعلقه بالدنايا، وتذهله عن الواجبات. " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " إن البخل خسة، والإسراف سفه، ويعجبنى قول المتنبى فى بيت واحد جمع ثلاث حكم: ذكر الفتى عمره الثانى، وحاجته ما قاته، وفضول العيش أشغال!..!! " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا
(1/275)

يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون " هذه جرائم ثلاث تنتشر بين الناس على تفاوت، قد يكون أولها الزنا، ثم عبادة النفس والهوى مع ص _284
الله أو من دون الله، ثم قتل النفس.... " ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا... " . ومن أساء يستطيع الإحسان، ومن أسف يستطيع التوبة، والتوبة معروضة على الناس كلهم ما بقوا أحياء، وعندما يغيرون أنفسهم يتغير ما بهم.. " والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما " المشغول بالجد والمربوط بالحق لا يشهد زورا ولا يقول لغوا..!. " والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا " إن تلاوة القرآن تتطلب يقظة القلب، وحضور الوعى، وتذوق المعانى، وشهود المتكلم سبحانه!. فمن قرأ وهو غائب الفؤاد لم يستفد من حركة اللسان شيئا. " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما " أى: قدوة، فليست الآية طلبا للرياسة، واستقرار العين على والطهر، واستقرارها على الذرية أساس الرضا، وحصانة من الحسد. " أولئك يجزون الغرفة بما صبروا " المنزلة الرفيعة فى الجنة، جعلنا الله من أهلها بتجاوزه ومغفرته . . ص _285
(1/276)

سورة الشعراء لقيت الدعوة الإسلامية مقاومة شديدة من جمهور المشركين الذين استنكروا أن يكون الله واحدا وأن يكون محمد رسوله!.. وهم قد مردوا على حياة لا تعرف الوحى، ولا تصدق بآخرة. وكانت نظرتهم إلى بقايا أهل الكتاب تنطوى على الزراية والاستهانة، ولذلك أعرضوا عن الإيمان بالرسالة الخاتمة، وكلما ازداد الرسول حرصا على دعوتهم كذبوه وكابروه، وكأنما شعروا بمزيد حرصه على إيمانهم فأرادوا إحزانه بالانصراف عنه، وإدخال الكآبة على نفسه!. فقال الله له : " تلك آيات الكتاب المبين * لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين "!! أقاتل أنت نفسك وراءهم؟ " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " . لكن حكمة الله قضت أن تكون آية محمد وحيا يتلى تستمع إليه أجيال المستقدمين والمستأخرين. وهو يخاطب العقول ويهاجم الخرافات الشائعة. ماذا يطلبون؟ يطلبون آية مادية تبهرهم فيستسلمون كما يقولون!. ما أكثر الآيات من حولهم لو كانت لهم بصيرة مخفؤة: آيات فى المكان والزمان!. فأما المكان فقد اكتفى القرآن الكريم بذكر الأرض التى تبدو جرداء عفراء وبعد حين تتحول إلى رقعة نضيرة خضراء حافلة بالثمر الطيب والجنى الكريم!! " أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم! . والآيتان الآخيرتان تكررتا ثمانى مرات فى هذه السورة: مرة واحدة بعد آية مكانية فى الأرض التى نعيش فوقها، والتى منها بدأنا وإليها نعود، وسبع مرات بعد آيات توحى بها أحوال الأمم الأولى، تلك الأمم التى جاء المرسلون إليها بمثل الوحى الذى جاء به محمد، فأبت إلا الصدود والكفران. فآبت بالهلاك والخسران، فهل يريد العرب أن يردوا المصير نفسه؟!. ص _286
(1/277)

والأنبياء هم سائقو الرشد إلى الفكر الإنسانى، وهم أطهر الناس قلوبا، وأشدهم إخلاصا، ماطلبوا كسبا ماديا ولا أدبيا من أحد. بل إنهم جميعا رددوا ما جاء على لسان نوح الذى قال الله فيه : " كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين " . إن الأنبياء ما تطلب من الشعوب إلا تقوى الله، وما تطلب على رسالتها أجرا من أحد، وما جرى بخاطر أحدهم أن يطلب فى الأرض علوا أو فسادا. ومع ذلك عوملوا بغلظة، وقتل بعضهم وهو يؤدى واجبه، فماذا كانت العاقبة؟ " أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون * وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون * ذكرى وما كنا ظالمين ". وتضمنت سورة الشعراء جملة الأمم القديمة، موسى مع فرعون، وإبراهيم مع قومه، وكذلك قصص عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة... وظهرت فيها جميعا وحدة العرض الحسن المنزه عن كل غرض، ووحدة الرد السيئ المشوب بالعناد والغدر... وننظر أولا فى قصة موسى فيستوقفنا تساؤل فرعون عن الله، ما هو؟. إنه يسأل عن الكنه وذاك مستحيل، فنحن لانعرف كنه أنفسنا فكيف نعرف خالقنا؟. ولذلك جاء الرد بالإجابة الممكنة " قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون... " إلخ.. والجواب هنا يشبه الجواب فى سورة طه، وقد رفض فرعون الإيمان بهذا الإله، وقال لموسى : " قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين "!. ثم تحدد يوم عام يعرض فيه موسى ما عنده، ويواجه السحرة، وطيب من الجماهير أن تحضر المباراة! ويلفت نظرنا هنا أن الناس لم يحددوا موقفهم إذا انهزم السحرة، بل الذى دار على ألسنتهم : " وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع
(1/278)

السحرة إن كانوا هم الغالبين " !. إن اتباع موسى لم يخطر بالبال..! وأوغل فى البعد أن ينهزم السحرة ويتبعوا موسى، ويخلعوا ص _287
إيمانهم بفرعون!! ولكن ذلك ماحدث، وقد جن جنون فرعون وغلب عليه صلف ألوهيته المزعومة " قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين " . والحق أن موقف هؤلاء السحرة لاينفك يثير العجب، لقد انتقلوا فى لحظة قصيرة من الارتزاق بالضلال إلى قمة التضحية بكل شىء فى ذات الله، فسبقوا سبقا بعيدا!. أما فرعون فقد بقى على غروره وعناده، وتساءل بغباء كيف يؤمن الناس دون أن يأخذوا منه إذنا؟ كأن ضمائرهم ملك له!!. وتراخت الأيام، وقرر موسى أن يخرج من مصر مع قومه فرارا من العبودية والعذاب، فعبأ فرعون جيشه وخرج وراءهم كى يستعيدهم، واقترب الفريقان حتى أصبحا على مد البصر. وقال اليهود " إنا لمدركون " . وروت التوراة جزعهم وفرقهم وصياحهم لولا أن موسى قال : " قال كلا إن معي ربي سيهدين ". واعترض البحر الأحمر الطريق، وهنا تدخلت العناية العليا، فإن موسى ضرب البحر بعصاه، فانحسرت المياه يمينا ويسارا، وانكشفت اللجج عن طريق يابس عبر منه الإسرائيليون إلى الشاطئ الآخر. وحاول فرعون أن يتبعهم فأطبق عليه الموج من كل جانب، وانتهت قصة ألوهية كاذبة، عربدت حينا ثم لفظت أنفاسها بين الماء والطين. إن الذى آتى إبراهيم رشده زوده بإيمان سهل سائغ لا تقفر فيه ولا التواء. ونحن نزداد شعورا بذلك كلما قرأنا كتب الفلاسفة الإلهيين، وطالعنا ما بها من تعقيد. أما إبراهيم فهو يقول عن ربه : " الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين". ونبينا محمد- عليه الصلاة والسلام- أولى الناس بإبراهيم، وأقربهم إليه. والدعوة إلى التوحيد شعار الأنبياء كلهم، فهم جميعا خصوم
(1/279)

الشرك، وقد طاف إبراهيم أقطارا شتى وهو يحارب الأوثان. ومع أن البشر الذين أشركوا خصوا الإله الأعظم بمكانة خاصة، إذ جعلوا الآلهة الأخرى وسطاء له وشفعاء عنده، فإنهم سرعان ما سووهم به، بل ذكروهم دونه!!. ص _288
ولذلك جاء فى قصة إبراهيم هنا عن حديث المشركين فى النار: " قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين * وما أضلنا إلا المجرمون * فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم " . والحضارة المعاصرة يغلبها النسيان، وإذا كان الشرك يشوب عقائدها فهى فى ولهها بالحياة الدنيا لا تذكر الله، ولا ما جعلته جزءا منه!!. والقرآن الكريم ذكر قصة إبراهيم بعد قصة موسى، وقبل قصة نوح، لأن السرد التاريخى لا يعنيه. إنما تعنيه العبرة التى تنفع الناس!!. وفى قصة نوح نلحظ أن ازدراء الفقراء والضعفاء بدأ من عصر مبكر، فالغنى يكره الفقير، والقوى يحتقر الضعيف، وكأن بذور نظام الطبقات وجدت من فجر الإنسانية. والفقراء بداهة أسرع الناس إلى اتباع الأنبياء، لأنهم يلتمسون لديهم الإنصاف والكرامة، وذاك ما لا يعجب الكبراء ولذلك قالوا لنوح: "... أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين ". ومعروف أن مشركى مكة بعد أعصار طويلة طلبوا مثل ذلك من محمد- عليه الصلاة والسلام - فأبى وقال الله له: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه... " . ما هذا الشبه... " أتواصوا به بل هم قوم طاغون * فتول عنهم فما أنت بملوم ". على أن قصة الإيمان والكفر ليست قصة أغنياء وفقراء، فقد آمن بمحمد المكثرون والمقلون، وجمعتهم الصلوات فى صفوفها المسواة، ورضى كل منهم بالاختبار الإلهى الذى تعرض له!!. ولعل أقرب القصص إلى طبيعة العصر الحاضر قصة عاد وثمود، وبينهما على بعد المكان قرب شديد! كانت عاد من الناحية الجثمانية
(1/280)

عمالقة، قامات مديدة، وعضلات مفتولة، وعافية عاتية. وكان القوم من الناحية العقلية أصحاب ذكاء ودهاء يضرب بهما المثل. قال النابغة الذبيانى يمدح الغساسنة: أحلام عاد، وأجساد مطهرة من المعقة والآفات والأثتم!. ولكن عادا أبطرها هذا التفوق المادى والأدبى وقالوا: من أشد منا قوة؟. ص _289
وأخذوا يستمتعون بالحياة على نحو مفرط، يتطاولون فى البنيان، ويذهبون بأنفسهم، وإذا وقع بأيدهم ضعيف بطشوا به، لايخافون قصاصا! من يقدر عليهم؟. قال لهم نبيهم هود: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون " والريع: الربوة أو التل أو المكان المرتفع. والآيات التى بنوها قيل: علامات تدل على الطرق فى هذه المتاهات الرملية! وقيل: بل القصور المشيدة، والمصانع، وقيل: خزانات للمياه، وقيل: حصون سامقة.. وعند التأمل نجد أن بناء البيوت العالية والسدود المائية ليست مما يؤاخذ امرؤ عليه! ولذلك قال العلماء: إن الذى أخذ عليهم الترف الشديد، والإغراق فى حب الدنيا، والذهول عن الله، واجتياح حقوق الآخرين!. ونحن نشهد فى المعاصرين من أبناء أوروبا وأمريكا أنهم يشيدون ناطحات السحاب، ويتطاولون فى البنيان، ويذكرون شهواتهم، وينسون وصايا ربهم. ف!ذا حاربوا فجروا الذرة بالهلاك العام! وإذا خاصموا لم يبالوا بما يلقى عدوهم من هوان وخسف!!. وغضب الله على عاد وثمود وأشباههم فى الآخرين إنما يجىء من هذه الناحية، مع جهل بالله، وذهول عن لقائه وجرأة عليه.. ثم جاء قوم لوط، والغريب أن الحضارة الحديثة مهددة بالاستغراق فى الملذات، والإقبال على الشذوذ، ولما بدت نذر الموت ما صاح أحد بضرورة العفاف والتقوى، بل تضافرت الجهود العالمية على استكشاف وسيلة تجمع بين اللذة الحرام والنجاة من العواقب المهلكة!!. وهذا لون من الإسراف يقتل الشعوب " أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم
(1/281)

بل أنتم قوم عادون " . وقد دمر الله هذه القرى، وللكافرين أمثالها...!. ثم ختمت هذه القصص القديمة بشعيب وأصحاب الأيكة الذين قيل لهم: " أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم * ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين " . ص _290
ولكن قوم شعيب أكلوا الحقوق، واستحفوا المظالم فبادوا.. والأمة الإسلامية مكلفة بكل خيركلفت به الأمم الأولى. ورسالتها العامة لسائر الخلق تجعلها حاملة لمواريث الهداة السابقين، وإذا كانت بقايا أهل الكتاب قد نسيت- أو تناست- مالديها، فلنذكر نحن أن محمدا صاحب رسالة عامة خالدة، جمعت ماتناثر خلال القرون الأولى من عظات وعبر، واستبقته وحيا يتلى إلى آخر الدهر. ص _291
(1/282)

سورة النمل سورة النمل من القرآن النازل بمكة. وقد حوت عجائب عن عالم الحيوان ربما كشف عنها المستقبل القريب، وإلى ذلك تشير الآية الآخيرة فى السورة: " وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون " . أما صدر السورة ففيه خلاصات سريعة عن مصائر المؤمنين والكافرين، فالهدى والبشرى للأولين، والضياع والخسار للآخرين. والواقع أن هذا التمهيد السريع جاءت السورة فى الجزء الأخير منها بتفصيله، ولكن بعد إيراد أربع قصص: عن موسى وفرعون، وعن سليمان وسبأ، وعن ثمود، وعن قوم لوط... كما جاء فى السورة إيماء وجيز عن الدابة التى تخرج قبيل الساعة. فلننظر أولا إلى هذه القصص نظرة عجلى: فى قصة موسى يقول الله له عندما فر بعد مارأى عصاه تتحول إلى ثعبان: " يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم " . فى هذا الكلمة طمأنة لموسى أن الله غفر له قتل خصمه فى مصر، فقد قال بعدما صرعه: " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم". وهو هنا يؤكد هذه المغفرة، ويبشره بالرسالة!!. ثم يذكر الفراعنة بأنهم كفروا بالله عن عمد وإصرار وهم عارفون بأن موسى على حق، فليس لهم أى عذر فى حربه! " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين " . وقبل أن نشير إلى قصة سليمان نذكر بقوله تعالى: " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم... " . ص _292
(1/283)

هذه الأمم تعيش وتتفاهم بلغات خاصة بها، ومادام هذا التفاهم مستيقنا، فإن فى مكنة الناس أن يعرفوا أسراره. وقد كان سليمان من المحيطين بلغات الطيور والحشرات.، وعلمه الله منها ما يعجز عنه الآخرون: " علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين " . وقد أسمعه الله قول النملة لجماعتها: " يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين " . وذكرت السورة أن الهدهد أتى سليمان بخبر بلقيس ملكة سبأ التى كانت تعبد الشمس، وقد عجب الهدهد لما رأى أنهم وثنيون يعبدون من دون الله بعض مخلوقاته " فهم لا يهتدون * ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون... " . وقد خط سليمان كتابا إلى هذه الملكة جاء فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين" . والإسلام هو دين الأنبياء كلهم، ما شذ منهم أحد، لأن أساسه الإيمان بالله، والخضوع له، والاستعداد للقائه.. وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد سواء فى ذلك. وقد تريثت بلقيس فى الرد، وأحبت أن تعرف هل سليمان واحد من الملوك الذين يطلبون المال والسيادة؟ أم هو من الهداة إلى الله المترفعين عن الدنيا؟ فلما جاء سليمان وفد يحمل إليه التحف والهدايا أدرك ما هنالك. وقال للوفد : " أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون " . وأحب أن يرى الملكة معجزة تشهد له بالصدق! فقال لجلسائه: " أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين "؟ . وجاء العرش بقدرة الله إلى بيت المقدس من اليمن فى لمح البصر!. ورأى سليمان عظمة ما وقع فقال: " هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم " . وأظن- تفسيرا لما وقع- أن المادة تحولت إلى
(1/284)

طاقة تجرى بسرعة الضوء، ثم عادت سيرتها الأولى عرشا تجلس عليه الملكة.. ص _293
وقد نظرت بلقيس إليه فى دهشة، وقيل لها: " أهكذا عرشك قالت كأنه هو " وهى إجابة تدل على تمام عقلها، ثم رأت من حال سليمان ما عرفها أنه رسول من الله، فآمنت به وقالت ".. وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين... " . وتلت قصة ثمود قصة سبأ، وثمود نموذج آخر لعاد فى الكبر والغطرسة. فلما جاءهم صالح يدعوهم إلى الله تشاءموا منه، وتآمروا على قتله " قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله... " . ويبدو أنهم بدل أن يقتلوه قتلوا الناقة التى خلقها الله معجزة له، فذاقوا العقاب الأليم " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا... " . ثم جاءت قصة لوط مع المدينة الفاسقة، كان أهلها قد مسخت فطرتهم، واستمرأوا الدنس، وجعلوه علنا فى مجالسهم ونواديهم. ولوط إسرائيلى مهاجر إلى هذه المدينة، فلما فوجئ بخبثها نهاهم عنه، فرأوا طرده من مدينتهم، ويظهر أن فجورهم قد استقر فى أنفسهم ومجتمعهم. " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " . وقد دمر الله القرية وجعل عاليها سافلها.. ما فعله قوم لوط معروف عند أهل الكتاب ومصيرهم الكالح مذكور عندهم، ومع ذلك فقد استباحوه، ومنعوا معاقبة فاعليه، فهل هذا إلا الكفر؟. وعندما ننظر إلى أول السورة نجده مهادا لهذه الآحداث، ونذيرا بعقباها : " إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون * أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون " . بعد أن قص الله على نبيه مصائر بعض الأمم التى كذبت رسلها أقبل عليه بهذا الخطاب : " قل الحمد لله وسلام على عباده
(1/285)

الذين اصطفى... " . ص _294
الحمد لله على هلاك المعتدين وطفر الأرض منهم، كما قال فى سورة الأنعام: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " . إن فراغ الأرض من الظلمة، ورسو قواعد الحق، نعمة كبرى تستحق الشكر، كما يستحق التحية الأنبياء الكرام الذى صبروا وصابروا حتى انتهوا إلى هذه النتيجة المرضية. ثم جاء هذا الاستفهام لتقرير حقيقة عظيمة: " آلله خير أما يشركون "؟. وهو كقوله سبحانه على لسان يوسف: " يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار " . وتقرير الوحدانية أصل مشترك فى جميع الرسالات السماوية، فإن التعدد نبت فى الأرض فى بعض البيئات الضالة، ولما كان قد شاع بين العرب، فقد وجه القرآن إليهم خمسة أسئلة ترسى قواعد الوحدانية، وتشرح الحقيقة لكل ذى لب: 1- " أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون " أى يسؤون بالله غيره من أصنام، أو يميلون عن الطريق القويم، ولا يستطيع أحد القول بأن خالق السماء ومنزل الماء ومنبت الحدائق الغناء حجر أو بشر..!!. 2- " أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون "!! . إن استقرار الأرض بمن عليها فلا قلق ولا اهتزاز: أمر مدهش، لأن للأرض حركتين: حول نفسها، وحول الشمس، ومع هذا الحراك المزدوج، والانطلاق الهائل فى الفضاء لايهتز كوب ماء فى يدك!. ثم إن الأرض كرة وأربعة أخماسها ماء ملح. وفى القارات أنهار وبحيرات عذبة، ولا يختلط عذب وملح، كل مستقر فى مجراه! لاختلاف الكثافة النوعية كما يقولون، أفلا يسوقنا هذا إلى الله؟. 3- " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون " . وهذه الآية انتقلت من المكان إلى السكان! وما يعروهم فى حياتهم من آلام تجعلهم
(1/286)

يجأرون بالدعاء، ويتلهفون على الفرج، من يسودتى الخير إلا الله؟. ص _295
4- " أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون "! الهادى للناس فى أسفارهم برا أو بحرا أو جوا هو الله، ومرسل الرياح فى الجهات الأربع هو الله. من من الآلهة المزعومة يفعل شيئا من ذلك؟. 5- " أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " . لا برهان هنالك. ليس للكفر دليل يسمع. إن الإلحاد مرض، وليس فكرا، إنه غرور يرتكز على أوهام ولامكان له فى منطق العقل!!. والفلسفة المادية السائدة الآن، إنما تدور على فكرة " إن هى إلا أرحام تدفع وأرض تبلع " التى تولدت عن الوثنيات القديمة. وغريب أن تتحول إلى نظرية علمية تقول: " المادة لا تفنى ولا تستحدث ". وفى ظل هذا الخيال تنطلق الأجيال نحو صفر!! ويسود السلوك الحيوانى كل شىء " وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون * لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين " . وقد كلف النبى العربى المحمد أن يعترض هذا الضلال، وأن يصور للناس الآخرة رأى العين! وأن يكون حضارة ربانية تؤمن بالله، وترتبط بالوحى، وتستعد للجزاء. والإسلام يصنع على ظهر الأرض أمة تعتبر السعى للآخرة إطار سلوكها كله، وتقف أمام ربها صفوفا صفوفا خمس مرات كل يوم بعد نداءات مدوية بتكبير الله وتوحيده!!. وفى سورة النمل آية تذكر أنه بين يدى الفصل الأخير فى رواية هذه الحياة سوف تخرج من عالم الحيوان دابة يلهمها الله النطق، تقول للبشر: كيف نسيتم ربكم، وجحدتم عقولكم وأنكرتم خالقكم؟؟ ما هذا الكفر؟. وإنى أتصور هذه الدابة وهى تعترض ذوى الألقاب وأصحاب المناصب، لتقول لهم: عالم الحيوان أسعد منكم حظا، فهو لم يحظ بعلمكم، ومن ثم لا يلام على غباء، أما
(1/287)

أنتم فقد منحكم الله الذكاء فحاربتموه به..! قبحتم من بشر!!. " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون " وقد وردت روايات خرافية عن هذه الدابة لا تصح، ويكفينا فى شأنها الخبر اليقين.. ص _296
وانتهت هذه السورة بحديث عن الآخرة والحساب، يقوم على هذا القانون العادل: " من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون * ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون " . ولواء الدعوة إلى الله آخر الدهر معقود لصاحب الرسالة العظمى الذى صنع بالقرآن أمة وظيفتها أن تبلغ الوحى، وتصنع به أمما على غرارها. " إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلو القرآن... " . وسيكشف المستقبل الكثير عن مستقبل الإسلام ومستقبل الكفر فى هذه الدار المحدودة، وفيما بعدها " وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون " . ص _297
(1/288)

سورة القصص بدأت سورة القصص بطمأنة المؤمنين على مستقبلهم مؤكدة أن عاقبة الظلم مظلمة، وأن عاقبة الصبر جميلة، وأن المستضعفين فى الأرض ستتكسر قيودهم ويستردون حرياتهم. وقد ساقت ماوقع لموسى وقومه مثالا على أن التاريخ يعيد نفسه. " طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون " . وفرعون هو على الأظهر رمسيس الثانى الذى امتد ملكه من نهر الكنج إلى نهر الدانوب، وبلغ شأوا من العظمة أغراه بالألوهية والاستبداد. " إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين " . وقتل الأبناء واستبقاء النساء حتى لا تكون لهن عزوة، ويستسلمن لما يراد ب بهن، ولاشك أن هذا عذاب عظيم، وفتنة مزعجة. ولكن أيبقى هذا الفتك إلى آخر الدهر؟ كلا، لابد لليل من آخر.. " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " . وهذا الكلام وإن كان حكاية للماضى إلا أنه يلقى سكينة فى نفوس المسلمين الذين يعانون من بطش المشركين وأذاهم، ويعلق قلوبهم بغل! أفضل لاسيما. وقد جاء فى آخر السورة أن المطاردة التى أكرهت المسلمين على التفكير فى ترك مكة سوف تتلاشى ، " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين " . قال المفسرون: نزلت فى طريق الهجرة من مكة إلى المدينة! وقد عاد المهاجرون فاتحين بعد أن خرجوا مكسورين مقهورين.. وسورة القصص التى افتتحت بحال موسى وقومه تضمنت أمورا لم تذكر فى قصة موسى فى السورتين السابقتين: ص _298
(1/289)

1- فقد تضمنت ميلاد موسى، والمحنة التى مربها أول حياته: " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين.. " . وتكليف أم أن ترمى وليدها فى البحر شىء عظيم، ولكنها ثقة فى الله فعلت ما أمرت به. والمتأمل فى الآية يجدها تضمنت أمرين ونهيين وبشارتين!. وعندما انطلق الصندوق بوديعته الثمينة رمت به الأمواج أمام قصر فرعون، فكاد فؤاد أم موسى يطير فزعا، ولكنها تطلعت إلى الله فى أمل ويقين: " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين " . 2- وقد كسا الله ملامح الطفل جاذبية تجعل من يراه يعطف عليه ويحبه. وذاك ما جعل امرأة فرعون تقول لزوجها: " قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا " فبقى الطفل حيا، ورأته أخته التى كانت بأمر من أمها تتبع أخباره فتقدمت إلى بيت فرعون تعرض عليهم أن تجيئهم بمرضعة! لأنه أبى أن يرضع ممن اقتربن منه!. وعاد موسى إلى حضن أمه ترضعه، ولا يدرى أحد ما قصتها؟. 3- وكبر موسى فى قصر فرعون، وكأنما يسر الله له هذه النشأة حتى لا يشب ذليلا مثل قومه، وتعهدته الأقدار بما يرشحه لمستقبله الخطير " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين " . وفى هذه الفترة من شبابه عرضت له حادثة عكرت مقامه بمصر، فقد شاهد رجلا من بنى جنسه يحاول أحد المصريين تسخيره فى حمل لا صلة له به، ولا طاقة له عليه، و اشتعلت الخصومة بينهما " فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه " . وكان موسى على درجة بالغة من القوة، ولكنه لم يكن يدرى أن لكمته قاتلة! فدعا الله: " قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له... " . فلما أحس أن الله غفر له شكر نعمة الغفران بتعهد منه أن ينصر المظلومين ويخاصم المجرمين! ويبدو أن حاشية فرعون عرفت بالقصة وذيولها فتآمرت على قتل موسى، الذى
(1/290)

عرف من أحد الناصحين بما وقع، فقرر مغادرة مصر متوجها إلى مدين شمالى جزيرة العرب.. ص _299
4- وفى مدين تزوج موسى من ابنة الرجل الصالح الذى آواه بعدما عرف قصته وقال له: " لا تخف نجوت من القوم الظالمين " واليهود ينقمون من موسى أنه تزوج من امرأة ليست عبرانية! ونحن لا نعرف هوية الرجل الصالح الذى أسدى لموسى هذا الجميل، ولانظنه النبى شعيبا، وأيا ما كان هو فقد قال! لموسى: " إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين". وهكذا انتقل من أمير قصر ملكى إلى راعى غنم. والرجال العظام لا تزيدهم ولا تنقصهم هذه المناصب، وإنما تزينهم خلال المروءة والشهامة التى تبدو فى رجولتهم، ويعرفها الناس من مسيرتهم. ولاشك أن هذه الفترة من حياة موسى كانت فترة تذكر وتأمل فيما عرض له وما يعرض لقومه، وكأنما جعلها القدر استعدادا للأعباء التى سترمى على كاهله فى المستقبل القريب " فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا... " . وكانت هذه النار شارة اجتذبت موسى لقدره الجليل " فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين... " . وهكذا تحول الراعى إلى رسول كريم مكلف بتحرير شعب وتبليغ رسالة.! ولكن موسى تذكر قصته مع الفراعنة، وطلب من الله أن يؤازره بأخيه هارون! فقال الله له: " سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون " . كان لقاء موسى بالسحرة يوما مشهودا، فقد أبطل كيدهم وأذل كبر فرعون وآله، وقد شرح هذا اللقاء فى سورة الأعراف وطه والشعراء، وصار مثلا يضرب، كما قال الشاعر: إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل السحر والساحر ولكن قصة السحرة طويت فى سورة القصص، وأشير إليها بقوله تعالى: " فلما
(1/291)

جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين " . ولكن شيئا آخر ذكر مكانها، فإن فرعون طلب من وزيره هامان أن يبحث فى السماء عن إله موسى! " وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين " !. ص _300
إن الأحمق ظن أن الله مع الطيور فى الجو، أو لعله جالس على السحاب!!. وقد تكررت هذه الحماقة فى عصرنا، فإن واحدا من رواد الفضاء الروس زعم أنه بحث عن الله فى جو السماء فلم يجده، بل وجد فقط أحد زملائه الرواد!!. وشاء الله أن يحترق ثلاثة من الرواد وهم يهبطون إلى الأرض اختناقا من قلة الهواء فى الجهاز الذى طاروا فيه..!!. أن الكفر ضلال بعيد، ولست أدرى كيف نبحث عن الله فى الجو، وهو منبت الغذاء الذى نأكله، وصانع الهواء الذى نستنشقه. وآياته فى الأرض أقرب إلينا من آياته فى السماء، ولكنه العمى الذى طمس الأفئدة " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين " . وانتقل السياق من الكلام عن موسى إلى الكلام عن محمد نبى العقل والنور، وصاحب الكتاب الذى بنى الإيمان على الفكر والنظر والاستدلال والاستقراء.. لقد ذكر محمد قصة موسى فى أرض مدين وكيف بنى بأهله هناك، وذكر كيف نودى لتلقى الرسالة، وكلف بالعودة إلى مصر لدعوة الفراعنة إلى الحق!. من أين جاءته هذه الأنباء وهو أمى نشأ فى بيئة وثنية؟ " وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين * ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين " . لقد أيد الله نبيه بكتاب جدد الرسالات الأولى وصححها، فماذا كان موقف الناس منه؟ طلبوا خوارق كالتى صاحبت رسالة موسى! فهل آمنوا بموسى عندما شهدوا معجزاته؟. إن
(1/292)

اليهود الذين نجوا من الغرق طلبوا من موسى بعد نجاتهم أن يصنع لهم وثنا يعبدونه كسائر الوثنيين، فأى إيمان هذا؟. أما الذين تدبروا القرآن وانتفعت أفئدتهم بالوحى فقد هدموا الأصنام، وأناروا بالتوحيد المشارق والمغارب، يقول الله سبحانه فى طلاب الخوارق: " فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون " . ص _301
إن فقدان النظر السديد واتباع الهوى الغالب لايقودان إلا إلى البوار، والواقع أن الوثنية الأولى قاومت الإسلام بكل ما أوتيت من قوة فلم يؤمن إلا من عصم الله. أما أهل الكتاب فقد حاسنهم الوحى وطالبهم بالانصاف، فمن آمن وجد أعظم ترحيب، وفيهم يقول الله سبحانه : " الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا... " . وفى الحفاوة بالمؤمنين من أهل الكتاب قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدركنى فآمن بى واتبعنى وصدقنى فله أجران ورجل كانت له أمة، فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن تأديبها، ثم اعتقها وتزوجها فله أجران. وعبد مملوك أدى حق الله تعالى وحق سيده فله أجران ". إن غرب آسيا والشمال الإفريقى كانا مليئين بأهل الكتاب فى ظل الحكم الرومانى، فدخلوا الإسلام إثر تعرفهم عليه، واطمئنانهم إلى حقائقه. أما وثنيو الجزيرة العربية فقد صدوا عن السبيل أول أمرهم، وأعلنوا على الدين الجديد حربا ضارية، وقد تألم الرسول لهذا الموقف، فقال الله له : " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " . وقيل: إن هذه الآية نزلت فى أبى طالب الذى كان النبى شديد الرغبة فى إسلامه، وكان يعلم صدق ابن أخيه، ولكن انسياقه مع العرف السائد جعله يأبى الدخول فى الإسلام، وقال: ولقد علمت
(1/293)

بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة، أو حذار مسبة لو جدتنى سمحا بذاك مبينا!! ومثل ذلك ما روى عن واحد من رجالات قريش: "إنا لنعلم أن الذى تقول حق، ولكن إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرض مكة " فنزل قوله تعالى : " وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون " . وقد تهددهم القرآن الكريم بعواقب هذا الكفر : " وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " . وتتابعت النصائح تغرى باتباع الحق، والحذر من شهوات الدنيا : " وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون " ؟. ص _302
(1/294)

المؤسف أن كثيرا من الناس يبيعون الحقيقة بالثمن البخس، ولايبالون بعواقب الطيش. ما ضر الفرعون الحاكم لو عقل وعدل بدل أن يستكبر ويطغى ويمشى مختالا على رقاب العباد؟ ماضر الأتباع المسحورين لو أنصفوا وأحسنوا بدل أن يأووا إليه ويسارعوا فى هواه؟. إن القرآن الكريم ينعى على الفريقين هذه الوثنية البشرية فيقول جل شأنه للأولين : " ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون * قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون " ويقول للآخرين : " وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون " . وهذا المشهد من مشاهد القيامة عجل بعرضه حتى يرعوى الخادع والمخدوع.. وبعد مشاهد أخرى أو فى خلالها جاء كلام عن الله الحق أنه خالق البشر، ومنشئ خصائصهم التى يتفاوتون بها، والتى يصطفى على أساسها من شاء ويؤخر من شاء " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون " . ثم تحدث عن النظام الذى خاله لهذا الكون الذى نحيا بين أرضه وسمائه " قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون؟ " . إن الله جعل الظلمات والنور لكدح طويل، يسأل كل أمرئ بعده عما قدم وأخر، يستوى فى هذا التساؤل الملوك والصعاليك...، وفى ختام الحديث عن الاستبداد السياسى، بدأ حديث آخر عن الطغيان الرأسمالى، أساسه أن النجاة عند الله لا تتم إلا بالبراءة منهما والبعد عنهما. ، ومن ثم شرع القرآن يروى قصة قارون، الذى بلغ من الغنى حدا هائلا، والمال ليس فى ذاته شرا ولا خيرا، إنه أداة تعاب أو تحمد وفق طريقة استعمالها، فالسلاح فى يد اللص أداة للقتل، وفى يد الجندى أداة للدفاع أو القصاص. ولذلك قيل لقارون صاحب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة : "... وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك
(1/295)

من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين " . ص _303
إن هناك أغنياء يبذلون ما لديهم بسخاوة نفس، ويبحثون عن كل خلة ليسدوها، ويستقبلون الفقراء بحفاوة، ويعطونهم قبل أن يسألوا.. ويشكرون الله على ما أعطى وأعان، ولا يرون المال سبب استعلاء ولا مصدر تطاول على الآخرين. إنه اختبار من الله يؤدى حقه فيه!. لكن قارون رأى أنه كسب المال بعبقريته وحده، وأن من حقه أن يشمخ به ويترف فيه وينظر إلى غيره شزرا!! " قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " . إن رسل الله فيهم الغنى والفقير، فيهم من كان ملكا، ومن عاش على الكفاف. لكن غنيهم ما بخل ولا طغى، وفقيرهم ما عجز ولا هان. وفتنة المال فى شتى الحضارات كانت قاسية، وهى فى الحضارة الحديثة مصدر بلاء كبير، وقد نشأت نظم ساخطة على التفاوت بين الناس، فلم تصنع شيئا بل تولت مسخوطا عليها. والعلاج الصحيح يلتمس فى تعاليم الإسلام التى تصلح الأرض بوحى السماء، وتؤكد للناس حقيقة واحدة هى قوله جل شأنه: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين" . إن هذه الآية من سورة القصص جاءت بعد ما قص المولى سبحانه تاريخ الفرعونية الحاكمة، والقارونية الكانزة، ثم قال! عن النهج السوى: " من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون " . ينبغى أن نعلم أن الحياة لا تصلح بغير دين، ولا تستقيم بغير قلب سليم، وأن التشريعات والنظم الوصفية لا تغنى عن الإيمان باليوم الآخر، والتأهب له بالعمل الصالح.. ويحزننى أن هناك متدينين لم يشرفوا الإيمان بسلوكهم، ولم يحققوا العدالة التى أمروا بإقامتها، واكتفوا برفع شعار التوحيد على نحو ما قال شاعر المرجئة: كن مسلما، ومن الذنوب فلا تخف
(1/296)

حاشا المهيمن أن يرى تنكيدا !! لو شاء أن يصليك نار جهنم ما كان ألهم قلبك التوحيدا !! والإرجاء شائع من أمد طويل بين جماهير المسلمين، يرون أن العمل نافلة، ومادام المرء مؤمنا بالله فهو ناج مهما فعل! وقد هد هذا الفكر دولة الإسلام من قرون. ص _304
ولا تعود للمسلمين حضارتهم الأولى إلا بالإيمان والعمل معا... لقد ختمت سورة القصص بخطاب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يزلزل النفوس، ويبين أن صاحب الرسالة أثقل الناس حملا من التكاليف الشاقة: " وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين * ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين * ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو... " إن العلم النظرى بوحدانية الله لا يكفى، فقد كان إبليس يعلم أن الله واحد، بيد أنه رفض الخضوع له والامتثال لأمره فهوى. وأمتنا لابد أن تجمع بين إيمان واضح، وعمل صالح، حتى يمكن لها، وتستعد لآخرتها. ص _305
(1/297)

سورة العنكبوت الابتلاء طبيعة هذه الدنيا التى نمر بها عابرين، وننتقل إلى ما وراءها لنرى نتائج ما قدمنا، نجاحا أو فشلا، فإما إلى جنة وإما إلى نار!. ويتفاوت هذا الاختبار شدة ولينا حسب الطبائع والأقدار والمهمات، فبكاء امرأة ند لها بعير غير بكاء رجل فقد ولده ومجده فى معركة هى بالنسبة له خاسرة!. إن الهموم تناسب الهمم!. وما أعظم الفروق بين مآرب الناس ومتاعبهم ، وقد فطن إلى ذلك أبو الطيب عندما قال: على قدر أهل العزم تأتى العزائم وتأتى على قدر الكرام !المكارم ويكبر فى عين الصغير صغيرها وتصغر فى عين العظيم العظائم والمكلف بإصلاح حقل للزراعة غير المكلف بإصلاح العالم وتطويعه لعبادة الله!. وقد نظرت إلى الدنيا يوم طرقها محمد- عليه الصلاة والسلام- فاستغربت حالها شرقا وغربا: جماهير هائمة تعبد الأصنام، وتتبع هواها فى ظل هذه الوثنية السائدة. ويهود غايتهم العظمى خدمة أسرة يعقوب بزعم أنها الشعب المختار! وأنهم سلالتها المفضلة على العالمين!. أما الإيمان والإصلاح والدعوة إلى الله الحق فمسألة ثانوية مؤخرة... ثم هناك النصارى الذين جعلوا عيسى إلها- وهو بشر كريم- وجعلوا جبريل إلها وهو ملك أمين، وجعلوا الخالق الأعظم إلها ثالثا، ثم قالوا: والكل بعدئذ إله واحد!!. لقد غابت الأرض فى ظلمات بعضها فوق بعض. وتجاه هذا الركام الكثيف جىء بمحمد- عليه الصلاة والسلام- وقيل له: أنت مكلف بتبديد هذه الغيوم كلها، وقيادة الناس أجمعين إلى ربهم الذى تاهوا عنه. فى الحديث القدسى: " إنى خلقت عبادى حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا ". ص _306
(1/298)

وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأزض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك...! ما أشد هذا الابتلاء! رجل فذ يكلف بإصلاح العالم، وتغيير مساره ودفع البشرية جمعاء فى طريق التوحيد والبر!. لقد اعتمد على الله وحمل العبء، وهو حمل تنوء به الجبال. ولكنه نهض به، وكون من حوله صحابة أشداء على الكفار رحماء بينهم، وتعرض معهم للغربة والشدة والمعارك المتصلة.. وقاوم تقاليد راسية، ودولا عظمى، ولم يتقهقر أو تلن قناته حتى دخل الناس فى دين الله أفواجا... وبديها أن يجزع البعض من هذا التكليف الشاق، وأن يتراجع أمام الإهانات والمصائب، ولكن الوحى ينزل " الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " ما أشبه الليلة بالبارحة. إن العالم الآن متنكر لربه، شارد عن سبيله، وعلى رجال محمد أن يواجهوا الأعداء التقليديين، وأن يعودوا بالجماهير إلى عبادة الله الواحد، وأن يتحملوا متاعب هذا البلاء. وفى سورة العنكبوت يقول الله :" ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين " . وفى آخر السورة وعدا صادق من الله سبحانه يقول فيه: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " . من اللطائف أن اسم المتوكل من أسماء النبى- صلى الله عليه وسلم- وهل العودة بالبشرية التائهة إلى ربها عمل سهل؟. ! وهل اعتراض الدول العظمى جهاد خفيف، إنه لابد فيه من توكل على الله، وأمل فيه لا يخبو سناه.. إنه لابد فيه من منكب قوى وعزم حديد " ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين " . وهناك من يستعجل ثمرات هذا الجهاد أو يستطيل مراحله!. وتعليما لهؤلاء ذكرت السورة أن نوحا ظل يدعو ألف سنة إلا خمسين عاما.
(1/299)

وهناك من يغيب عنه المنطق العقلى فى التعريف بالله، ويظن الجهاد حماسا أجوف. ص _307
وتعليما لهؤلاء سد القرآن بعض ما تبعه إبراهيم فى منهجه " أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة " . وهناك من طغت حيوانيتهم فأسرفوا فى الشهوات الجنسية إسرافا منكورا، وشذوا عن سنة الفطرة فى الزواج الشريف، فقال لوط لهم : " إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر " . والغريب أن مدنية الغرب سارت فى الطريق نفسه، حذو النعل بالنعل، وهى الآن تتعرض لطاعون " الإيدز " والسبب أنهم رفضوا الإطار الذى صنعه الإسلام حول الشهوة الجنسية، وكيف جعل الزواج عبادة، وكيف صنع سدودا أمام المثيرات والمغريات بالحرام. ومضت السورة تحصى أمما تمردت على الله وكرهت منهاجه، فماذا وقع لها؟ " فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا .. .. " . هل القوى المرهوبة وقفت أمام العقوبات الإلهية؟ كلا، كما تعصف الريح ببيت العنكبوت عصفت بكيانهم فصار هباء. " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " . فليتحمل المجاهدون الأعباء، وليثقوا بالمستقبل إما فى هذه الدنيا، وإلا ففى يوم الجزاء. أهل الكتاب صنفان: صنف لا يضن علينا بحق الحياة والعبادة والدعوة، بل يدعنا وشأننا، وهؤلاء لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولا تخفر لهم ذمة، ولا ينقض لهم عهد!. وصنف آخر يضيق بنا وبكتابنا ونبينا، ويسعى لنقض بنائنا، وتنكيس لوائنا، ومن حقنا أن نتحفظ من هؤلاء ونحتاط! ولا يكلفنا عاقل أن نأمن لهم!. وسورة العنكبوت تتضمن إرشادا عاما فى معاملة هؤلاء وأولئك " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل
(1/300)

إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون * وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون " . ووددت لو أن "لجنة " من المحايدين العقلاء نظرت فى العلاقة بين الشرق والغرب على امتداد ص _308
التاريخ الماضى والمعاصر، وكشفت عن مثيرى الحروب الدامية بينهما، خصوصا المدة من زحف الرومان على العالم، ووقوع غرب آسيا وشمال إفريقية فى أيديهم. أكان الإسلام معتديا حين حرر هذه الأقطار من براثنهم؟ ثم عاود أبناؤهم وأشياعهم الهجوم فى الحروب الصليبية الأولى، فردوا على أعقابهم بعد مئات السنين من الكر والفر. ثم عادوا فى العصر الحديث بدءأ من هجوم نابليون على مصر، وموسولينى على ليبيا والحبشة، وتأليفه وزارة للمستعمرات الإسلامية! ثم اجتاح الفرنسيون دول المغرب كلها، واجتاح الإنكليز وادى النيل. وسقطت القارة الإسلامية فى يد أهل الكتاب، فهل نحن المعتدون فى هذه الحروب الآثمة؟. واليوم تسعى جماهير المسلمين إلى العيش بدينها فيحرمون منه، وتكال لهم التهم، فأين الإنصاف فى هذا المسلك؟. والمسلمون يؤمنون بكل سطر فى كتابهم، ويودون العمل به، فلماذا يمنعونهم منه؟ ويتطاولون على صاحبه؟ ويتهمونه بالكذب؟ " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون * بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون " . إن الفتنة بمظالم أهل الكتاب شديدة. وقد شنوا فى هذه الأيام هجوما عاما ليردوا المسلمين عن دينهم ويقفصوا العمل به فى أضيق نطاق حتى يتم القضاء عليه شكلا وموضوعا!!. وقد رددت سورة العنكبوت شبهة طالما أثارها الوثنيون عندما طالبوا محمد بخوارق العادات معجزة له، فقيل لهم: المعجزة المنشودة فى هذا الكتاب الذى يسمعون آياته! " وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين * أو لم يكفهم أنا
(1/301)

أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون " . إن القرآن معجزة باقية على امتداد العصور، وأثره النفسى والاجتماعى عميق، وقد حفظ أمتنا فى أشد الأزمات التى نزلت بنا، ولم أر كتابا مثله فى إنشاء علاقة بين المرء وربه تقوم على التقوى واليقين. أما تعريفه بالله من خلال النظر فى الكون. فاسأل علماء المادة هل وجدوا فى هذا التعريف إلا ما بهر وسر؟ لماذا؟ لأنه " أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما". ص _309
(1/302)

ولقد هززت رأسى عجبا وأنا أسمع كاهن الفاتيكان الأعظم يناشد الناس أن يستعملوا الأغشية الواقية من الإيدز عندما يباشرون العلاقات المحرمة!. أهذه غاية الجهد؟ أهذا عمل الدين؟. إن القرآن يصنع أجيالا تصحب ربها بمشاعر الرغبة والرهبة، وتجعل من هذه الصحبة أسلوب حياة ومنهج سلوك شريف!!. وذلك بعض إعجاز الكتاب الكريم. وقد تطول المعارك بين الحق والباطل، وتفدح مغارمها ويتساءل العجلون متى النصر؟ ويقول الكافرون: أين ما تهدوننا به؟ " ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون " . وقد ترادفت على المسلمين الفتن وقيل للتاجر الصغير فى مكة: أغلق دكانك وهاجر لتقيم دولة الإسلام. ويتساءل التاجر الفقير: كيف أعيش هناك؟ فيجاب بهذه الآية " وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم " ! وتتم الهجرة ويتعاون المهاجرون والأنصار ويتحقق النصر بعد ابتلاء صعب!. إن الإيمان الذى صنعه القرآن صنع العجائب ولا يزال يصنع.. إذا كان هناك فى عصرنا الذى ملكته الحضارة الحديثة وغزته بفلسفتها المادية من يعبد الحياة، ويجحد ما بعدها فإن هناك مسلمين يؤمنون بالدنيا والآخرة، ويعلمون أن الوجود هنا موقوت وقاصر، أما هناك فبصر أحد، وسمع أقوى، وشهود لا يغلبه حجاب! " وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون " . وتختم سورة الابتلاء بهذا التساؤل " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين * والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " . ص _311
(1/303)

سورة الروم فى تصوير العلاقة بين الإسلام والنصرانية، نلحظ: أن القرآن الكريم لم يوارب ولم يداهن فى تقرير الوحدانية ورفض التعدد. فالله واحد لم يلد ولم يولد، وهو أحد ليس مركبا من عنصرين كما يتركب الماء مثلا من الأوكسوجين والأيدروجين. فالقول بأن الله هو الأب والابن معا مرفوض "إنما الله إله واحد ". ومقتضى ذلك أن الثانى لايكون إلها، وكذلك الثالث بداهة. إن الثانى والثالث مخلوقان لله سبحانه " قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين " . وهذه الآيات من القرآن النازل بمكة! إن الإسلام من يومه الأول حدد موقفه من قضية التثليث..! ومع ذلك، فقد لاحظنا من الناحية السياسية أن الإسلام كان حسن الصلة بالنصارى، وأن النبى عندما أوذى أصحابه أشار إليهم بالهجرة إلى الحبشة، وهى يومئذ دولة نصرانية، فذهبوا- إليها وهم يرون عيسى وأمه من عباد الله الصالحين!! ثم جاءت هزيمة الروم أمام المجوس، فحزن لها المسلمون وشمت فيهم عبدة الأوثان، وكانت هزيمة النصارى شديدة بعيدة المدى خسروا فيها مصر واليمن والشام، ودفعوا غرامات مهينة من المال والحرمات..! ووثق أهل الأرض أن شمس الروم غربت ومستقبلهم ضاع. والصوت الوحيد الذى كابر هذه النتائج ووقف ضدها هو صوت القرآن الكريم فى مكة. فقد أعلن فى يقين أن هذه الهزيمة عارضة وسوف تنتهى فى سنوات!! "غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون". ص _312
(1/304)

إن هذه الآيات تحدت واقعا عالميا ذل فيه النصارى وعز فيه المجوس، ماشذ فيه أحد. ومع ذلك فإن الوحى ينزل جازما بأن هذا الواقع الصارخ سيزول فى سنين تعد على الأصابع!! وصدقت الأيام النبوءة القرآنية.. والغريب أن الرومان بدل أن ينوهوا بالإسلام، قالوا: إن محمدا قال ذلك لأنه كان يكره الفرس!! ورفضوا اعتبار هذه النبوءة معجزة تشهد له بالصدق!! ونحن أزهد الناس فى شهادتهم.. وإنما نحكى ماوقع لنشير إلى الموقف السياسى للمسلمين نحو النصارى على الإجمال. وعلة ذلك فيما نرى أن النصارى أقرب إلى اعتناق التوحيد الإسلامى من غيرهم- وهو ماكشفت عنه الفتوح الإسلامية- فقد انتصرت الفطرة ودخل الناس أفواجا فى دين الله. لقد آثرت الجماهير ترك التناقض والانسياق مع بداهة العقل،. فشرحت بالإسلام صدرا واعتنقته طوعا لا قهرا... إن مواثيق الفطرة سبق ذكرها فى سورة الأعراف، لكنها شرحت باستفاضة فى سورة الروم، فعلم الناس أن الإسلام هو الفطرة السليمة والطبيعة الإنسانية المستقيمة. إنه حركة العقل المتحرر من التقاليد، الباحث عن الحق، المتجرد عن الأهواء " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " . والحى الذى تتجه إليه الأحياء فى الأرض والسماوات منزه عن الشرك، موصوف بالمجد والحمد تسجد له الإنس والجن والملائكة، ولا يوجد فى زوايا العالم وخباياه من ينازعه السلطة " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون". وكلمة التوحيد تسمى كلمة الإخلاص لأنها خلصت العقيدة من شوائب الشرك، وجعلت ماعدا الله عبدا له يشرف بالخضوع لذاته ويهلك لو فكر فى التمرد عليه!! " يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون " . وقد شاء تبارك اسمه أن يختبر الأحياء كلهم فى هذه الدنيا، ثم بعد آجال كتبها لهم يستعيدهم ليسائلهم
(1/305)

عما فعلوا. وحتى لا يضلوا عنه، نصب لهم الآيات الشاهدة عليه، وبثها فى آفاق الأرض والسماء، ثم لفتنا إليها نما كتابه العزيز، فذكر ستا متعاقبات وسابعة مفردة قال تعالى: 1- " ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ". ص _3 ص
2ـ " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " . 3ـ " ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين". 4ـ " ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون " . 5ـ " ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " . 6ـ " ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون " . 7ـ " ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون " . وكل يقظان الشعور فى هذا الكون يحس أن القرآن تحدث عن الله أطيب حديث وأصدقه. وجو العلم الذى يخلقه القرآن يبعث على الإيمان ويقتل جراثيم الإلحاد، ولكن هناك قوما " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون " . وهؤلاء كثروا فى العصر الحاضر كثرة ظاهرة، وعلة انتشارهم غياب الوحى الحق لعجز حملته عن وعيه وتبليغه، وسيادة فلسفات وأديان أرضية لا تشبع نهمة العقل ولا ترضى أشواق الفطرة. النفس السوية تعرف ربها ويشدها إحسانه، وتؤوب إليه إن باعدها الشيطان عنه ولكن الثمرة قد تعطب، والجنين قد يشوهه مرض، والناس قد تستبد بهم الأثرة والشقاق والذهول عن الحق.. فهل يتركهم القرآن يهلكون؟ كلا إنه يناشدهم العودة إلى سبيل الفطرة " منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون " . والتفرق غريزة فى الناس أساسها
(1/306)

إثبات الذات ومغالبة الغير، وهو موجود بين أهل الدين وأهل الدنيا. ويقترن غالبا بالرضا عن النفس والفرح بما أوتيت! ص _314
وهذا شاع بين الأولين والآخرين ولا يزال.. وهو لون من الخلاف يغاير كل المغايرة الاجتهاد الإسلامى المعروف والمذاهب الفقهية التى نشأت عنه. إن الخلاف الفقهى ليس انقسام أمة وإيقاد ضغائن. إنه وجهات نظر فى فهم قضايا فرعية أو هامشية، وأصحابها مأجورون جميعا مخطئهم ومصيبهم! ومن حاول تحويل الخلاف إلى تحزب وخصام فقد ضل.. وعقب آيات الفطرة، جاء حديث طويل عن فتنة السراء والضراء. فالناس قد تدنيهم الأزمات من ربهم، فإذا أرضاهم نسوا ما كانوا فيه وجحدوا النعمة الطارئة " وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون * ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون " . وهذه غفلة منكرة أو غدر خسيس. ومثل ذلك أن يفرح المرء بالنعمة عنده ويألف صحبتها وينسى حقها، فإذا فقد الصحة أو الثروة أو نقص نصيبه منها خامره اليأس وغلبه القنوط. وذلك لأنه يحسب نفسه فقد لازمة من لوازمه ربما لا تعود، وما درى أن العطاء والمنع من تصاريف الأقدار " وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون * أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون " . والواقع أن المرء مكلف بالشكر فى السراء، والصبر. فى الضراء، والرضا بالقضاء، ومعاملة الآخرين على أساس ما أوتى. ولذلك قال سبحانه " فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون " . وفتنة الغنى والفقر طحنت العالم منذ نشأ، ولا تزال الرأسمالية والاشتراكية تدفعان الجماهير إلى مسالك يشوبها الغلو والكراهية. كلا الفريقين يحسب أن الحياة لا تصفو له إلا على أنقاض الآخر، كأن حرب الطبقات ضريبة على البشر لابد من أدائها!! " ظهر الفساد في البر
(1/307)

والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون " . إن الأخوة المتعاونة المتراحمة التى يصنعها الإيمان هى التى تمنع ضراوة الغنى وضراعة الفقر. ص _315
" فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون * من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون " . وخلال الكلام عن فتنة السراء والضراء واليأس والرجاء جاء كلام عن الصراع الأبدى بين الحق والباطل، أو بين الإيمان والكفر. فقيل للرسول وهو يبلغ دعوة الله ويعانى من العوائق التى افتعلها المشركون " ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين " . قلت فى نفسى إن الأمة التى تنتمى إلى محمد تبلغ خمس سكان الأرض، وتبدو فى ثراها جميع الهزائم العسكرية والثقافية والخلقية! فما حطها فى هذا الدرك؟ الواقع أن أغلب معالم الفطرة البشرية مستخف فيها فلا يقين ولا وحدة ولا حضارة! وتستطيع أن توازن بين جانب مسلم من جوانب الأرض، وجانب آخر لا يعرف الله الحق، فتجد النشاط هناك والخمول هنا! وعندما كان المسلمون يبادون فى البوسنة أو يختطفون من أرضهم فى فلسطين، كانت هناك جماهير فى وادى النيل والمغرب تضحك ملء الفم وتبحث عن اللهو بغباء! أهناك شعور بأخوة الدين؟ كلا، لأن الدين نفسه غير قائم بالنفوس إلا بقايا مخدرة شائهة.. وأمة بهذه المثابة لا يكتب لها نصر. وقد مزق الله شمل المتدينين من بنى إسرائيل قديما وسلط عليهم عباد الأوثان، لأن التدين الفاسد ليس جديرا بالنصر! على أن الأيام دول، وعندما يصلح المسلمون شئونهم يقترب منهم النصر البعيد.. إن أمتنا تمثل فى العالم الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا ينصر الله هذه الخلال. وقد جاءت فى هذه السورة آية أحسبها تؤكد أن الإسلام باق إلى آخر الدهر، وأن بقاءه لا محالة بأمة تعتنقه وتفتديه " وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد
(1/308)

لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون " . إن هذه الآية تومئ إلى أن أمتنا لن تزول، وأن كبوتها إلى حين، ونحن نعلم أننا آخر الرسالات وآخر الأمم، وليس بعدنا إلا قيام الساعة فهل نلم شملنا ونستأنف سيرنا ونستعيد أمجادنا؟ لعل ذلك يكون نهاية المطاف، وهو ما يشير إليه آخر السورة " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " . والصبر هنا على العمل الذى يعقب الثمر، وعلى الجهاد الذى يعقب النصر. ص _316
(1/309)

سورة لقمان بدأت سورة لقمان بذكر المحسنين والأجزية المعدة لهم، ثم ذكرت المجرمين وما يشغبون به على الإسلام " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين " . والتحقيق أن المقصود به النضر بن الحارث، وكان يشترى كتبا فيها أخبار ملوك الفرس ويقض منها على قريش فى أسمارها ومجالسها، ويقول: هذا خير مما يتلوه عليكم محمد! ولو قص الرجل فصول "ألف ليلة.... " كلها ما فعل شيئا غير اللغو واللهو! ويرى بعض المفسرين أن الآية نازلة فى الغناء. وما كان قبيحا من الغناء فهو مذموم، وكل حديث يصرف عن الحق ويشغل عن مطالبه فهو باطل. وقد أكدت الآيات جزاء المحسنين مرة أخرى " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم * خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم ". وذكرت الخالق الكبير بما هو أهل له من مجد وثناء، وتساءلت عن الشركاء المزعومين: من هم؟ وأين ما خلقوا؟ إن هذيان المشركين يشبه لغط المحموم لا وزن له ولا رأى فيه! وقد ساقت السورة هذه المعانى كلها بأسلوب آخر فى وسطها بدءا من قوله تعالى : " ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور " . وكما وعدت المحسنين بالخير توعدت المجرمين بالشر : " ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا.. " . ثم أطالت الحديث بعد ذلك عن عظمة الله الذى أخلص المحسنون له، فبينت أن كلماته فى تصريف شئون العباد لا تنتهى. إنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض خلقا ورزقا وإحياء وإماتة ورفعا وخفضا. والأمر يتصل بخمسة مليارات من الخلق، وآلاف لأضعاف من الحيوان والنبات ص _317
(1/310)

وآلاف الأضعاف من الملائكة. وهذه الألوف المؤلفة من الكواكب السابحة فى الفضاء، ما أحسبها كالبيوت الخالية فى أرضنا. إننا لاندرى مافيها ومن فيها "ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم " . هل هذا الكم الهائل يعجزه أو يعييه؟ كلا " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير " . إن الذين يعبدون الله، كأنهم يرونه إذ يرون آثاره، جديرون بالثناء لأنهم شاموا أنوار الحقيقة، وعرفوا عظمة الخالق من عظمة الخلق. وسورة لقمان نسبت إلى الحكيم الذى ذكرت قصته فيها. وقد ورد أن قريشا سألت عنه النبى تريد أن تعرف خبره، فقص عليها وصيته، وهى وصية حافلة بالخير. ولقمان الحكيم أبصر بالحقيقة من حكماء اليونان الذين اشتهرت أسماؤهم، ففلسفتهم فكر غامض ونظرات خيالية. أما لقمان فقد لخص الحق الخالد فى منهج وجيز وأخذ به ابنه، وتركه تراثا نبيلا.. يبدو أن الإنسان يستثقل شكر الجميل الذى يسدى إليه، ويريد أن تخدمه عناصر الكون وهو بارد المشاعر قليل الاكتراث!! كثير من الناس تصنع لهم الخير، فيأخذونه متلهفين ثم يولون الأدبار دون كلمة شكر..!! وهم يعاملون ربهم بهذا الكنود، وتصطبغ حياتهم بهذه البلادة التى قد تأباها بعض الحيوانات.. " إن الإنسان لربه لكنود " . وأساس العلاقة بالله شكره على نعمتى الإيجاد والإمداد. ولذلك جاء فى أول الوصية للقمان " ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد " . إن الله مستغن عن العباد، فإذا شكر عبد جداه فقد دل على وعى نبيل وفتح باب الزيادة، وإلا فما ضر إلا نفسه! وقد بدأت وصية لقمان لابنه بمعرفة الله الواحد " يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم". وأعقبت الوصاة للوالدين عقيدة التوحيد، لأنهما بعد الله سر وجوده.. والغريب أن الحضارة العالمية المعاصرة لا تكترث للأبوين، وتودعهما فى
(1/311)

شيخوختهما بعض ص _318
الملاجىء حتى يقضيا مستوحشين. وليس ذلك بكثير على حضارة تكره ذكر الله وتضيق بحقوقه! ومن نصائح لقمان لابنه " يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور " . إلى أن يقول له " واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير" . والوصية كلها باقة من العقائد الجليلة والأخلاق الكريمة، وقد ذكرها القرآن الكريم لننتفع بما فيها من حكمة، إذ الحكمة ضالة المؤمن. وقد أعقبها بما يؤكد عاطفة الشكر، فقال " ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير " . وبعد أن شرح حق الله فى تجويد العبادة، قال " ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " . وختمت سورة لقمان بتقرير المسئولية البشرية المستقلة. " لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا " . والواقع أن الإنسان صانع مستقبله، إن نجا فبحسناته، وإن هلك فبسيئاته " وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى " . ثم نفت السورة أن يكون للكهنة والراجمين بالغيب أى علم بالغيوب " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت.. " . والتنبؤات الجوية ليست علما بالغيب، بل هى استنتاجات مظنونة من بعض المظاهر الكونية القريبة والبعيدة. وكذلك الكشف بالأشعة على مافى البطن لمعرفة نوع الجنين. إن ذلك شىء غير الإحاطة التامة بمعرفة ماتحمل كل أنثى من البشر والدواب والطيور على امتداد الزمان والمكان. ص _319
(1/312)

سورة السجدة سورة السجدة مكية، أفادت فى صدرها ميلاد الأمة الإسلامية فى التاريخ العام. فإن هذا القرآن النازل يقينا من عند الله جاء إلى أمة لم يكن لها إلف بالوحى، فصاغها فى قالب جديد وحملها رسالة عالمية!! " أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون " . كانت هناك رسالات محلية قديمة فى بعض القبائل والشعوب، انتهت فى مكانها أو زمانها. أما الرسالة التى تحرك بها الجرب أجمعون وغيروا بها وجه العالم، فهى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وناسب هنا وصف الله الذى أسدى هذا الصنيع " الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع... " ولما كان خالق هذا العالم الرحب هو مدبر أمره فى لمح البصر على سعة أرجائه، فقد احتاج ذلك إلى شرح. إن الأرض تلف حول نفسها كل أربع وعشرين ساعة، وتلف حول الشمس خلال 365 يوما. والشمس وأسرتها تجرى فى مدار حاشد بالنجوم. والمجرات السابحة فى الفضاء لا ندرى إلا القليل من شئونها. والضوء يقطع المسافة بين الأرض والشمس فى بضع دقائق! ما هذا الملكوت الضخم؟ إن إدارة شئونه تحتاج بمقايسنا الزمنية إلى أزمنة بعيدة إلى ألف عام أو أكثر، لكنها فى عمل الخالق الكبير لا تستغرق زمانا يذكر. ما المدة التى تستغرقها العين فى نظر المرئيات؟ لا شىء! إن الله يريد فيفعل، فإذا فى دنيانا محو وإثبات ووجود وموات وهزائم وانتصارات.. إلخ. " يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون * ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم " . والأمة الإسلامية التى ظهرت فى تاريخ العالم لها خصائص تميزها عن أمم أخرى فهى أول كل شىء توحد الله وتخصه بالأسماء الحسنى وترفع عملها إليه على عكس الحضارة ص _320
(1/313)

الحديثة التى جفت فيها منابع الزبانية فلا تعبد إلا نفسها، ثم هى تذكر اليوم الآخر وتستعد له. أما الناس الآن فهم يطردون ذكر هذا اليوم عن نفوسهم " وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون " . وسيندمون غدا على هذا الإلحاد " ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون " . وهيهات، لقد انتهى أوان البذر وجاء أوان الحصاد.. ولن يفلح إلا من قدم الإيمان والعمل الصالح. ومن خصائص أمتنا أنها تقيم الصلوات سحابة النهار وبعض الليل، وأن فيها من " تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون" إن الليل موطن الجريمة والمتع الحرام فى المدنية الحديثة، ولا مكان للصلاة فى أعمال النهار. فهل يستوى الفريقان؟ " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " . والنظام الإسلامى للزمن يظهر فى قوله تعالى " وجعلنا نومكم سباتا * وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا " . فلابد من عمل ولابد من راحة، ولا يجوز نسيان الله فى الحالين. " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " . ومشكلة البشرية الآن ليست ترك الصلاة فقط، بل رسم الخطط لإضاعتها " أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى " . وقد ووجه المسلمون قديما بجمهرة من الماديين الغلاظ يحتقرون العبادة ولا يتصورون جوها، وهم اليوم يواجهون الصنف نفسه مستكبر برقته الصناعى وتفوقه العسكرى. ويجب علينا أن نصبر على هذه المواجهة، وندفع ثمنها " ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون " . ثم ذكر الله نبيه محمدا بأن المرسلين من قبله لقوا العنت وتحملوا الشدائد، فليصبر كما صبروا "ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل * وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " . ص _321
(1/314)

والمعنى أن القيادة لا تتم لأهلها إلا إذا جمعوا بين الصبر واليقين. وهل كان إبراهيم إماما للناس إلا لأنه اختبر فنجح؟ ومن طلب عظيما خاطر بعظيمته. وقد قيل لنبينا إنه ملاق موسى حتما، فهل لقيه بعد الموت أو لقيه قبل ذلك ليلة الإسراء؟ ليكن هذا أو ذاك فإن موعد اللقاء الجامع حق. وقال ابن عاشور فى تفسيره إن اللقاء هنا الجهاد، وكأن الله يقول لنبيه: كما كابد موسى كيد فرعون وعوج قومه، ستلقى ما لقى من خصومك ومن قومك... لكن العاقبة للتقوى والنصر للمؤمنين " أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون " ؟ والواقع أن المسلمين فى هذه الأيام يقع عليهم حيف رهيب، ومن يسمع مآسيهم فى البلقان والهند تغلبه الحسرات.. لقد طويت أحكام القرآن وشعائره وشرائعه وأهيل عليها التراب والقلة المكافحة تجد من خصومها الازدراء والإهانة، ولكن الأمل فى الله باق يحكم بين عباده بالحق. " ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين * قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون * فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون " . ص _322
(1/315)

سورة الأحزاب تضمنت سورة الأحزاب خمسة نداءات للنبى عليه الصلاة والسلام بصفته هادى الأمة وقائدها، وبعد كل نداء ذكر المطلوب منه لتنفيذه فيما يخصه وفيما يعنى الأمة كلها.. 1- أول هذه النداءات " يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما * واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا * وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " . والأمر والنهى المتجهان إلى رسول الله هما زيادة تثبيت له كما تقول للمحلق لا تكسل، وللمتفوق لا تتراخ! فهو ما فرط فى تقوى، ولا هادن الكفر والنفاق، ولا اتبع إلا الوحى النازل عليه. ومن أسمائه المتوكل؟ فإذا أمر بالتوكل فهو استدامة للحال التى عرف بها بين الناس. على أن هناك شيئا يتصل به ومطلوب منه أن يغيره، هو علاقته بزيد بن حارثة الذى تبناه فى الجاهلية على عادة القوم. فلما جاء الإسلام رفض التبتى جملة وتفصيلا، وقال الله تعالى: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل " . فماذا نفعل فيما تم من عقود التبنى؟ " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم.. ". الأب الطبيعى أحق بابنه، فإذا لم نعرفه قامت أخوة الإسلام مكان العلاقة المفقودة، فنحن نؤاخى اللقيط ونواليه ولا نتركه ضائعا فى المجتمع. وقد أساء المسلمون فى تطبيق ذلك إساءة يؤاخذهم الله بها!! فافتتح الأجانب ملاجئ تربى فيها اللقطاء على غير الملة. وهذه فضيحة يلحقنا عارها. وبعد تقرير هذا الحكم، جاء تعظيم العلاقة الدينية وتقديمها على وشائج القربى الأخرى " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم... " . فمحمد عليه الصلاة والسلام الوالد الروحى لهذه الأمة، وهو أحرص الناس على هداها ص _323
(1/316)

ونجاتها، وهو رمز الإسلام الذى أخرجها من الظلمات إلى النور. وعلى أساس ذلك، قال رسول الله : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به فى الدنيا والاخرة اقرءأوا إن شئتم " النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم " فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه عصبته قن كانوا. ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتنى فأنا مولاه " !! وقبل نزول هذه الآية كان النبى عليه الصلاة والسلام يتحرج من الصلاة على المدين إذا مات ولم يترك وفاء لدينه. ثم تغير الحكم بعد ما فتح الله عليه ونزلت هذه الآية، فأمسى يتحمل ديون الموتى الفقراء، ويكفل اليتامى الضائعين..!! وكما اعتبر النبى أبا للمؤمنين اعتبرت زوجاته أمهات للمؤمنين، لهن مكانة الأم فى البر والحرمة. وتبعا لذلك، حرم الزواج منهن أبدا. إنهن راويات للوحى ومعلمات للأمة، ومنهن تؤخذ الأسوة الحسنة.. 2- والنداء الثانى فى هذه السورة " يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا " . إن بيت النبوة غير بيت الملك. إنه بيت يكتفى بأيسر الزاد، ولا مكان فيه للشهوات المطاعة واللذات الميسرة. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم خارجا من سلطان بطنه، ولا مجال فى حياته للاستكثار من أطايب الطعام ومرفهات العيش، لكن زوجاته جئن من بيوت سيادة وثراء ولم يألفن فى حياتهن الأولى إلا رغد العيش، ولذلك سرعان ما اجتمعن ضده يطلبن نفقة أوسع ومتاعا أرغد!! فجاء الوحى يصادر هذا كله. إن البيت النبوى يقوم على الكفاف، ولو كان رب البيت سيد الجزيرة وإمام الناس! يجب أن يحملن معه أعباء منصبه، ويشتغلن بالصلاة والجهاد وطلب الآخرة. يستحيل أن يحاصر الكفار الأمة الإسلامية، ويحملوها على الهجرة والشظف، ويكون بيت النبى بمنجاة من هذا البلاء. إما الرضا بهذا العيش وإما طلاق الجميع! فاخترن..! " وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما " . وقد اختارت أمهات
(1/317)

المؤمنين عيش الكفاف على ترك بيت النبوة، واستحققن شرف الصحبة الكريمة.. ولاشك أن الشغب على حياة الرسول إثم كبير يضاعف عذابه كما أن الرضا بأعباء الصحبة . ص _324
الكريمة مرتبة تستحق التقدير المضاعف. إن البيت النبوى يصدر للمجتمع الوحى والتبتل والكفاح، ونساؤه أمهات المؤمنين فى هذا المضمار.. 3- والنداء الثالث فى السورة " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا" ليست قبل محمد نبوة عامة للبشركلهم! كان كل نبى يرسل إلى قومه خاصة. أما الشمس التى طلعت على الكون أجمع فهى شمس النبوة الخاتمة. ومن هنا كان القرآن الكريم أساس الرسالة ومعجزتها معا.. القرآن خطاب لكل إنسان حتى تقوم الساعة، وطبيعة هذا الخطاب تشهد بأنه من عند الله وحده، فلا أثر لمحمد فيه إلا التلقى والبلاغ والأسوة الحسنة. وإذا كان محمد شاهدا على قومه بأنه أبلغهم، فإن أمته شاهدة على الناس أجمعين بهذا الكتاب المبين!! فهل أدى المسلمون وظيفتهم تلك؟ أما الأوائل، فقد قرعوا بالإسلام سمع الدنيا، وشرحوه بعملهم شرحا حسنا.. لكن المسلمين سرعان ما سرت فى كيانهم عدوى الأمم البائدة، وهم الآن يختزنون هدايات السماء فى بلادهم التى سادتها الفوضى وعاث فيها الإهمال..!! ويمكن القول بأنهم عوائق ضد دينهم وصادون عنه! وتبليغ رسالة محمد صلى الله عليه وسلم يحتاج اليوم إلى عبقريات علمية تحسن العرض، وبطولات عسكرية تحسن الدفاع. ولا يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله.. 4- والنداء الرابع فى سورة الأحزاب يتضمن الطبقات التى تختار منها أمهات المؤمنين. فليست كل امرأة تصلح أن تكون زوجة لعظيم. الكريم يحتاج إلى كريمة لا تحتاج أن يقول لها. ذرينى فإن الشح يا أم مالك لصالح أخلاق الرجال سروق! أو يقول كما قال حاتم لامرأته: أماوى إن المال غاب ورائح وتبقى من المال الأحاديث والذكر!! يجب أن تعين المرأة زوجها فيما كلف به. فإذا لم
(1/318)

تكن عونا له فلا تكن عبئا عليه!! وقد عانى نوح ولوط من زوجتيهما الكثير. والحق أن أمهات المؤمنين كن عابدات قانتات وكن نعم الصويحبات له فى الدنيا والآخرة. ص _325
قال تعالى: " يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين.. " . والمعروف أن للمسلم أن يتزوج بأربع لا يزيد. وقد أسلم رجل ولديه عشر زوجات، فأمره النبى بإمساك أربع وتسريح الباقيات. قد تقول فلماذا لم يطبق ذلك على نفسه؟ والجواب أنه بعدما اخترنه على أهلهن وآثرن البقاء معه على شظف العيش ما يسوغ ترك إحداهن! ثم ماذا تفعل من يسرحها؟ إن زواجها بغيره مستحيل لحرمة أمهات المؤمنين على سائر الأمة! فالحل أن يبقين، ولو كان من بينهن العجائز! ثم قيل للرسول عقب هذا الوضع " لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا" . والتعدد نظام قد يقبل مع شرف الأخلاق وتباين الطبائع والحاجة إلى الذرية، وقد عرف فى سير الأنبياء. وأشعر بريبة فيما ذكرته التوراة من أنه كان لسليمان ألف امرأة، وأحسب ذلك من المجازفات..! وليس للحضارة المعاصرة أن تخوض فى هذه القضية! فإن التعدد فيها كلأ مباح، وربما استطاع الصعلوك أن ينال أكثر مما نال! سليمان سفاحا لا نكاحا.. 5- أما النداء الأخير فهو قوله تعالى: " يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما " . وقد شرحت الآية اللاحقة السبب فى هذا التوجيه! كان فى المدينة فتيان سوء يتسكعون فى الطرقات ابتغاء الريبة، فإذا وجدوا امرأة مهملة فى حجابها أو متبذلة فى ثيابها، طمعوا فيها. فأمرت المؤمنات بالاحتشام
(1/319)

الكامل، وألا يتركن لهبوب الريح أو سرعة السير فرصة لبعد الملابس عن الجسم. وبذلك التصون يصددن الرغبات الجامحة، ويحمين أنفسهن من السفلة. ثم قيل لهؤلاء الفاحشين: " لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا " . ص _326
والحق أن المدنية الحديثة يسرت الفتن للقريب والبعيد والراغب والعازف. والمحور الذى تدور عليه حياكة الملابس هو الإغراء الحرام، ولا مكان هنالك لتقوى القلوب. ومع النداءات الموجهة للرسول صلى الله عليه وسلم وجهت ستة نداءات للمؤمنين. يتناول أولها الموقف عند هجوم الأحزاب على المدينة. كان موقفا شديد الحرج، فإن جموع الكفار أقبلت من أطراف الجزيرة يبغون اقتحامها، وساعدتهم فلول المنافقين واليهود داخلها، ووقع المسلمون بين شقى الرحى يكافحون للنجاة وهم فى هذا البحر الطامى كالمشرف على الغرق " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا " . وتساند المسلمون وراء الخندق الذى حفروه، وهم يجرون يمينا أو يسارا لسد الثغرات وإعانة المواقع المهددة. ولولا صدق الصلة بالله لعجز المدافعون عن الصمود. إنهم لم يرتاعوا ويفقدوا رباطتهم بل كانوا كما قال الله " ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " . إن منطق أصحاب العقائد غير منطق طلاب المنافع. والحق أن المدافعين عن المدينة حرسوا حدودها وأحكموا الذود عنها، فلم تلح ثغرة لراصد!! أما المهاجمون فقد خامرهم اليأس وهم يدورون حول المدينة لا يجدون منفذا، ثم هبت عليهم رياح نكباء أطارت خيامهم وأكفأت قدورهم
(1/320)

وأيأستهم من المقام، فقرروا الرحيل " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " . وكان تعقيب النبى صلى الله عليه وسلم على ما حدث " الحمد لله وحده صدق وعده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده " . وشعر المشركون بعد معركة الأحزاب أن المدينة لا تنال!! فلم يفكروا فى غزوها، واكتفوا من الغنيمة بالإياب. والنداء الثانى للمؤمنين فى هذه السورة "يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا" . وأرى أن هذا النداء للجماعة قبل أن يكون للأفراد. فالأمة الإسلامية صاحبة رسالة ص _327
(1/321)

عالمية يجب أن تنتصب حارسة لها ومدافعة عنها. وهذه الرسالة تقوم على الانتماء إلى الله، وإعلاء شعائره واليقين بلقائه. وهذه معان لاتعرف الآن فى أمة من الأمم، فالقاسم المشترك لأنشطتها جميعا: رفع مستوى المعيشة، وتجميل هذه الحياة الدنيا، أما الكلام عن الآخرة فلغو أو هزل! وقد فشلت الأديان القديمة دنى تعريف الناس بالله والإعداد للقائه.. وشملت الدنيا عبادة التراب!! وعندما ترفع أمتنا راية عبادة الله، تكون أهلا لقوله بعدئذ " هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما " . إن صلاة الله وملائكته إنما تكون لأمة تذكر الله وتذكر به وتجعل ذلك وظيفتها. وقد ارتفع المسلمون إلى هذا المستوى قرونا كانوا فيها الأمة الأولى فى العالم، ثم نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فهم الآن فى مواطئ الأقدام.. والنداء الثالث حكم فقهى فرعى " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها.. " . وأصول الأحكام وفروعها سواء فى وجوب الطاعة، مادام النص بها قائما.. أما النداء الرابع، فهو لتنظيم الدخول فى البيت النبوى. إن سواد المؤمنين يحبون رسول الله أكثر مما يحبون أنفسهم، وقد يحملهم ذلك على التكاثر عنده. ثم هناك من لديه فراغ يحار كيف يقضيه! ومن يحبون التسلية أو مقاربة العظماء. وقد استدعى ذلك هذا الإرشاد الحكيم: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث.." . وهذا تنظيم مأنوس فى بيوت الكبار، وقد تكون ذات أجنحة شتى! أما بيوت النبى فهى غرف محدودة الطول والعرض، ملحقة بالمسجد!! فما بد من تنظيم زيارتها.. والمؤسف أن من ذوى اللكاعة من رأى إحدى أمهات المؤمنين، فقال إذا مات محمد تزوجتها!! أفلا يحمى البيت الكريم من مسالك هؤلاء الرعاع؟ لذلك شرع نظام
(1/322)

الحجاب "... وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما" . ص _328
إن المرأة داخل بيتها تتخقف من ثيابها ولاتتكلف في زيا معينا، فلا يجوز لأحد أن يقتحم عليها حصنها ولا للأعين أن تسترق النظرإليها. ولإيذاء الرسول صور شتى يألفها المنافقون ومرضى القلوب، ولعل أخطر هذه الصور ماحدث عند حصار المدينة. " قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد.. " . ومن هؤلاء متتبعو العورات فى شوارع المدينة ومبتغو الريبة فى الناس.. وقد قال الله لرسوله فى شأن هؤلاء " ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله " . وقال فى الحكم عليهم " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا " . ولما كان السيل حربا للمكان العالى، ولما كان أشراف الناس غرضا للسفهاء، فقد حذر المؤمنون من هذه المسالك. وجاء النداء الخامس يحمى أعراض الأنبياء وسيرتهم من تطاول الرعاع "يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها". وتأكد ذلك فى النداء السادس " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم... " . وخلال السرد لما يتعرض له النبى الكريم من صنوف الأذى جاءت هذه البشرى العالية تسوق له العزاء والتأييد، والرفعة والتسديد: إنه فى كلاءة الله وحمايته " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " . ثم ختمت سورة الأحزاب بخلاصة وجيزة عن عمل البشر على
(1/323)

ظهر الأرض. إنهم تميزوا على غيرهم بحرية الإرادة، وبالتكليف الذى يميز الأخيار والأشرار. إنهم ليسوا دواب محكومة بغرائزها الدنيا، ولا أرواحا محكومة بخصائصها العليا. إنهم جنس خاص يستطيع التسامى والإسفاف، يستطيع أن يتجه يمينا إلى الجنة أو يسارا إلى النار. وأمانة التكليف حملها الإنسان، وهو يستطيع الوفاء بحقوق الله وحقوق الناس، كما يستطيع خيانتها والعبث بها. ص _329
وهذا ما أشارت إليه الآية: " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " . والآية تمثيل لما عرض على البشر من تكاليف، ترجح بها موازين وتطيش أخرى. ص _330
(1/324)

سورة سبأ سورة " سبأ " رابعة السور المبدوءة بحمد الله. والحمد كما قلنا ثناء وشكر وتمجيد لله تعالى؟ فهو مالك السموات والأرض وما فيهما، وحصاد هذه الدنيا راجع إليه يبت فيه بعدله ورحمته. وهو صاحب العلم الشامل المحيط " يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها " . إنه يعرف كل بذرة توضع فى أعماق التربة وكل ثمرة تخرج، وكل قطرة تنزل من السماء وكل خفقة ريح تصعد إليها. إن أرجاء الكون صفحة واحدة أمامه لا يخفى منها شىء. وعندما تثور عاصفة ترابية، فهو يعلم حركة كل ذرة، واندفاعها إلى أعلى أو أدنى، وأين تستقر! وعندما تثور عاصفة حرارية فى وجه الشمس، فهو يعلم أين تهيج ومتى تهبط، وأثر ذلك فى أنحاء الأثير وعالم الكهرباء والأصوات! على أن هناك عروجا للأرواح والملائكة، ووجودا آخر موارا بالحياة لا ندرى عنه إلا قليلا.. "عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين " . وسورة " سبأ " تشبه سورة الفرقان فى أنها استعرضت شبهات الكفار، وردت عليها واحدة واحدة. وأول هذه الشبهات عند كفرة اليوم والأمس استبعاد القيامة " وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم.. ". والحق أن استبعاد البعث غباء شديد. فما يمنع الخالق أن يعيد الخلق؟ هل عجز عنه أولا حتى يعجز عنه أخيرا؟ ومتى أفلت الناس من أصابع القدرة؟ إن الله ينيمهم ويوقظهم ويجيعهم ويشبعهم كل يوم. ولكن العقل الإنسانى قد يعمى عن البديهيات..!! إن البعث حق، ليعرف المختلفون هنا حقيقة ما دار بينهم من خلاف، ويلقى كل امرئ جزاءه . ص _331
(1/325)

نعم، سيلقى المحسن الإحسان ويلقى المسئ الإساءة. وسيعلم أهل الكتاب الذين كابروا محمدا وكذبوا أتباعه أنهم كذبوا على الله وخاصموا رسالة كان ينبغى أن يتعاونوا معها ويستريحوا إليها.. وتكذيب الآخرة جريمة شاعت بين الأولين والآخرين. والناس فى عالمنا المعاصر لا يلقون بالا للحديث عن الآخرة، ولا يبدون اهتماما إلا للحياة المحسوسة، وذاك ناشئ من جهلهم بالله وعبادتهم لأنفسهم. ولذلك كررت السورة شبهة منكرى البعث، واستغرابهم لحديث الرسول عنه " وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد * أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد " . الدلالة على رجل يؤمن بالبعث ويحذر منه مدعاة للعجب! هذا منطق الكفر كما أبانته أوائل السورة، ثم تكرر مرة ثالثة فى أواخرها " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين " . وندع مؤقتا الاسترسال مع هذا الحوار لنذكر قصتين تتصلان به: الأولى قصة النبى داود الذى اشتغل بصناعات الحديد! إن التدين الجاهل يحسب التخفف فى الدنيا أمارة على التقدم فى الآخرة. وهذا فهم منكر؟ فإن الدخول إلى الإيمان يكون من باب العلم الحاذق، لا من باب القصور البليد. وهذا ما شرحته الآيات فى قصة داود، وما نلفت إليه أنظار الأمم الغفيرة التى انتمت إلى الإسلام وعاشت تتسول الصناعات من خصومه، فكانت عارا على دينها... " ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير " . وداود جمع فى سيرته بين عملين متباعدين: التغنى بآلاء الله وأمجاده بصوت رخيم كانت الطيور ترجع صداه وتشارك فى مزاميره، والمهارة فى الصناعات العسكرية والمدنية التى تحول
(1/326)

الحديد إلى سيوف ورماح ودروع وإلى أوان شتى من جفان وقدور..!! إن الفقه فى الدنيا جزء من العقل الذى يفقه الآخرة، ولن يستطيع نصرة الإيمان أبله ولا قاعد. وعندما تحول المسلمون إلى عالم ثالث أو رابع، نال منهم خصومهم، وأمسوا معزة لدينهم!! ص _332
ويظهر أن التماثيل لم تكن محرمة فى شريعة سليمان بن داود، ومن ثم صنعها. على أنها لما اتخذت أوثانا من دون الله حرم الإسلام نحتها. ونحن مع بقاء تحريمها لأن البشر نزاعون إلى الوثنية مهما كثرت علومهم، والأوثان فى بعض الكنائس مزار للابتهال، ولذلك جرد الإنجيليون كنائسهم منها. ولقد كان داود وسليمان أنبياء ملوكا ما شغلتهم سلطة عن واجبات العبودية، ولذلك جاء فى الآية "... اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور " . تلك هى القصة الأولى فى السورة. أما القصة الثانية فعن " سبأ " وذراريه: " لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور " . وسنذكر خبرهم إن شاء الله. آفة الأكثرين من الناس أنهم يحسبون الغنى دليل الرضوان الأعلى، وأن المال إذا قل عند آخرين فلأنهم ليسوا موضع القبول! ونسوا أن الله يختبر بالعطاء والحرمان: بالبأساء والضراء حينا، والنعماء والسراء حينا آخر.. وأن النجاح فى هذا الاختبار يجىء من موقف المرء نفسه بإزاء ما يلقى من أقدار الله " ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون " . وقد سقطت " سبأ " فى الامتحان عندما استهانت بنعمة الله وكفرتها " ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور " ؟ " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار " ؟ وعندما تزول النعمة تذهب الوحدة والصحة والأمنة، وتجىء أضداد هذه الأحوال وأصحابها لها أهل، وما نزل بهم عدل لأنهم " وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " . وأبرزت سورة سبأ أن الساقطين فى امتحان النعماء كثيرون،
(1/327)

وأن أمما بطرت معيشتها، فكان أول ما فعلت: مخاصمة الوحى، ومعاداة الرسل، والزعم بأن ما لديهم يكفى ويشفى!! " وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون * وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين " . وإذا كان المال فتنة الأمم الأولى، فقد بقى فتنة الأمم ص _333
المعاصرة. وبدل أن يحسن الواجدون التصرف فيما أوتوا، طغوا على الفقراء والضعفاء، فنشأت مذاهب اجتماعية تستأصل حق التملك، ونشبت الحروب بين شتى الطبقات. وعند التأمل، نجد العراك على الحطام الفانى، ونرى أن معالم الدين قد اختفت، وزادت الآفاق ظلمة، ونشأت فلسفات تعبد الحياة وتنسى الآخرة.. ولا نجاة إلا بالعودة إلى الدين الحق. " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ " . وبعد هذه القصص والإفادة من سردها، استأنف النظم الكريم سرد شبهات الجاهليين للقضاء عليها. وهنا نرى لونا من أدب الجدال لا نظير له! يتنزل فيه عارض الحق إلى مستوى خصمه، ويناشده أن يعى وأن يقبل الصواب " قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" . من الجدير بالعبادة: الرازق أم المرزوق؟ إن آلهتكم أحجار لا تعى! فكيف يلتمس لديها رزق؟ أحدنا يخطئ لا محالة! ترى من يكون؟ وبعد إرخاء العنان للخصم على هذا النحو، زاد المشركين تخجيلا عندما قال "قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون * قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم.. ". وجاء فى هذه السورة حوار بين الرؤساء والأتباع، وهو حوار تكرر فى سور كثيرة ليكشف العلاقة الرخيصة بين بعض الناس وبعض آخر. هناك من يحبون لص الناس حولهم، وخفق الأقدام وراءهم على نحو ما قال الشاعر: ترى الناس إن سرنا يسيرون حولنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا وهناك من
(1/328)

يعشق أن يكون ذيلا، ولا يحسن إلا الجرى وراء الكبراء.. وتعمل عناصر الغنى والفقر والقوة والضعف عملها فى إحكام الخطط التى ينفذها هؤلاء جميعا. وتلمح مثلا لذلك فى علاقة السحرة بفرعون " فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين". وقد تفرست فى مسيرة الأحزاب المناوئة للإيمان قديما وحديثا. فوجدتها تتحرك على هذا المحور. إغراء الطمع ونداء الحاجة!! ص _334
(1/329)

وتكشف السورة هنا هذه الخبايا فى ذلك الخطاب المتبادل: " ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين" . ولكن الحوار لا يطول لأن خزنة جهنم تحسم الموقف! وفى ختام السورة يأمر الله نبيه أن يكشف عن طبيعة الرسالة الإسلامية، وهو يجادل الكفار وينسف شبهاتهم " قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد " . إن التفكير الواعى العميق أساس هذه الرسالة، سواء فكر المرء وحده أم استعان بأصدقائه المهم أن يستيقظ العقل النائم فيرى آيات ربه فى آفاق العالم الذى يعيش فيه، ومحمد عليه الصلاة والسلام مرسل الصيحة التى تنبه الفكر الخامل، وترشد الشعوب التائهة. وما فعل ذلك طلبا لجاه أو مال. إنه تحفل الغتت، وبذل نفسه دون رسالته وفاء للحق وفناء فيه. "قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد". إن الصادين عن الحق اليوم سوف يؤمنون به عندما تتحقق نذره، ويواجه المشركون ما ينكرون: " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب". أى لا يبذل جهد فى القبض عليهم. "وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد " لقد آمنوا بعد فوات الأوان، وانتهاء الامتحان، وظهور النتائج... ولو عقلوا لعرفوا الله واتبعوا المرسلين! ص _335
(1/330)

سورة فاطر سورة فاطر آخر السور المبدوءات بحمد الله. وإسناد الحمد لله من الباقيات الصالحات، وهو شائع فى أثناء السور وخواتيمها. ومن أولى من الله بالحمد فى الأولى والآخرة؟ " الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع... ". الفاطر الخالق والملائكة أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، شأنهم الخير والطاعة والعلم والقدرة على الأعمال الشاقة، ومسكنهم السموات. هكذا قال صاحب المقاصد. وظاهر أنهم ينفذون مراد الله فى مخلوقاته، فهناك ملائكة للموت، وأخرى للحياة والولادة، وأخرى للإحصاء والرقابة. وقدراتهم التى زودهم الله بها متفاوتة تفاوتا بعيدا. والآية هنا تجعل الأجنحة مثنى وثلاث ورباع. وفى السنة تكون الأجنحة مئات حينا، وألوفا حينا آخر!! " يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير " . وسورة فاطر تشبه سورة النحل فى أنها إحصاء للنعم، وبيان فضل الله على خلقه فى طورى الإيجاد والإمداد. وقد بدأت بهذا القانون القاطع " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم " . والبشر أحوج أهل الأرض إلى معرفة هذا القانون، فهم يحسبون منابع الخيرات تسيل بعيدا عن الله، وهم يتوهمون قوة فى الأصفار التى لاوجود لها، وهم يضطربون يمنة ويسرة بمشاعر رعناء! فما نقول فيمن يخشى حمامة ويجرؤ على الأسد؟! أهذا صاحب عقل؟ ولذلك جاءت الآية عقب هذا القانون " يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون " . ص _336
(1/331)

من غير الله مصدر النعم؟ من المفضل على عباده بما يثلج صدورهم؟ فى الحديث الشريف " اللهم ما أصبح بى من نعمة، أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لاشريك، لك فلك الحمد ولك الشكر " . إن الإيمان لا يتم إلا بهذا الشعور الغامر، الشعور بأن من " وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ". هو ولى النعم وسائق الخيرات... إن شيوع الشرك بين الناس مصدره موت هذه العقيدة مما جعل الناس يهابون الذباب وينسون رب الأرباب. وهل يعربد الجبارون فى الأرض إلا لفراغ الأفئدة من هذا الإيمان؟ ومن ثم تكرر نداء الناس مرة ثانية ليلتفتوا إلى هذه البديهية " يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور * إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير " . إن الله ألهم محمدا هذا الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهو يتلوه على الناس ليرشدوا فمن استجاب نجا " وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور " وقد رفض المشركون عقيدة التوحيد والبعث، ولقى الرسول! من قومه عنادا وخصومة، فقيل له مرة أخرى: " وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير * ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير " . لكن هذا الأخذ لا يتم على عجل، فإن الله يمهل العباد أمدا قد يطول، حتى يصحى النائم ويعقل الأحمق. " ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا " . يعلم من استفاد من الإمهال فتاب، ومن اغتر به فهوى. وقد كشفت الآيات قبل ذلك أن هناك من يحسب الإمهال! إهمالا، فلا يزيده الصبر إلا عمى عن الطريق: " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون " . ص _337
(1/332)

لقد كان النبى شديد الأسى لكفر من كفر إنه يبذل جهده تذكرة وتبصرة، ولكن لا يهلك على الله إلا هالك كره الحق وآثر الغى. ومن هنا جاء النداء الثالث والأخير فى هذه السورة " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز " . إن الله لا يعز عليه شىء، فهو قدير على محو العالم بما فيه ومن فيه، والإتيان بعالم آخر أزكى وأتقى..! وأمام الناس خيار بين الجور والعدل، بين الذل والعز، بين الوفاء لله والغدر بعهده " من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور". وتمضى السورة تكشف طورى الإيجاد والإمداد، فالله مرسل الريح تثير السحب، وهو منشئ البحرين: هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج. " والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا... " . ومع ذلك فأعداد من الناس تنطلق فى دروب الحياة كالكلاب الضالة لا تعرف لها ربا ولا تؤدى له حقا، ولا تزال تائهة حتى يخترمها طلق نارى ينتهى بعده تشردها وتمردها. يكاد الإجماع ينعقد بين الخبراء بالأديان على أن الإسلام قام على الفكر فى الكون والبصر بالحياة، وأنه دعوة حارة إلى التأمل فى العالم وتدبر آياته وقواه وكشف أسراره وقوانينه. إن التفكر فى ذات الله مستحيل، فلم يبق سبيل إلى معرفة عظمته إلا من متابعة آياته فى مخلوقاته، وهى دليل لا يكذب على علمه وقدرته وجلاله وجماله. إنه على مسافة خطوات محدودة من الأرض ترى زروعا مختلفة الطعوم والألوان والروائح تخرج جميعا من طينة واحدة، فإذا رفعت عينك إلى السماء وجدت شمسا ساطعة وقمرا منيرا ونجوما مبعثرة فى الآفاق على أبعاد سحيقة تدل على عالم ضخم فخم.. وليس هذا كله إلا أثر رب كبير. ومن هذا المنطلق، تتلو قوله تعالى: " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال
(1/333)

جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور " . ص _338
وسياق الآية ظاهر فى أن المقصود بالعلماء هنا علماء النبات والحيوان وعلماء طبقات الأرض، وعلماء الفيزياء والكيمياء، فضلا عن علماء الطب والهندسة والفلك. لقد تتبعنا أقوال هؤلاء وسمعنا حديثهم عن الله تبارك وتعالى، فإذا هم يذكرون عظيما أهلا للتحميد والتمجيد، والإفراد بالعبودية. وفى كل شىء له آية - تدل على أنه الواحد... وعلى هذا المحور تدور معانى القرآن. فالإيمان وليد عقل ذكى باحث، والدين ليس إلا عقلا مؤمنا وقلبا استقرت إلى الله وجهته ! وقد حملت الأمة الإسلامية حقائق الدين فى إطار هذا المعنى، وطلب منها أن تمثله بين الناس. قال تعالى: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير " . وقد سبق العرب غيرهم فى حمل رسالات الله إلى الناس، وكان بنو إسرائيل آخر الأجناس التى بلغت الوحى، ولكن أثرتهم غلبتهم، فاستغلوا الوحى لخدمة شهواتهم ودعم غرورهم، فغضب الله عليهم وصرف عنهم الوحى إلى آخر الدهر. واختار العرب لأداء هذه الأمانة!! وقد بينت الآية هنا أن العرب انقسموا ثلاث فرق، فرقة ظالمة لنفسها بالعصيان والتفريط، وفرقة مقتصدة تكتفى بما تيسر لها من صالحات وقد تخلطه ببعض السيئات، وفرقة أسلمت لله وجهها، وأسرعت فى مرضاته فسبقت سبقا بعيدا. والحق أن قيمة أية أمة والحكم عليها يتبعان الجو السائد، ويرجعان إلى غلبة إحدى هذه الفرق على صاحبتيها!! والأمر خطير إذا كانت كثرة الأمة من الظالمين لأنفسهم أو من المقتصدين.. إن العقاب الإلهى يكون شديدا، وقد تخسر الأمة كلها العناصر التى رجحت كفتها، وأورثتها فضل الاختيار، فهل يعى المسلمون هذا؟ وهل نستطيع نحن المسلمين تربية أنفسنا وإبلاع رسالتنا إذا
(1/334)

جئنا إلى هذه الآية وما يشبهها فقلنا: " أمة محمد أورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يجاسب حسابا يسيرا وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب "، كما روى عن ابن عباس! إن شيوع هذه المجازفات ص _339
أفسد العوام! وجعل المسلمين آخر الأمم حضارة وجدوى! ونحن نستصحب هذا الشعور المرير عندما نقرأ قوله تعالى بعد ذلك " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا * استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا " . لقد تكرر هذا المعنى ثلاث مرات فى القرآن الكريم، هنا فى فاطر وفى سورة الأنعام وفى سورة الصافات. والمراد فى المواضع كلها التنديد بعرب الجاهلية الذين ذهبوا بأنفسهم، وازدروا أهل الكتاب الأولين، وقالوا لو أن لنا كتابا لكنا أهدى منهم، فها قد جاءكم كتاب، فماذا فعلتم به؟ أشهد أن سلفنا الصالح طوفوا بالوحى الآفاق، وكانوا بسيرتهم وخلائقهم نماذج تغرى باعتناقه، لكن العرب سرعان ما غلبتهم طبائعهم النزقة؟ فانحرفوا عن صراط الله، واستهانوا بوصايا القرآن وأغرقوا فى طاعة هواهم. ونسمع الآن منهم فخرا بقوميتهم، ونرى انسلاخا عن الميراث الذى اصطفاهم الله له، فما يرقبون بعد هذه الردة؟ إن علاقة الناس بالله أساسها ولاؤهم له أو تمردهم عليه، ولذلك يقول محذرا " أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا " . ألا ليت العرب يعلمون . ص _340
(1/335)

سورة يس " يس " حرفان من حروف الهجاء، وليسا اسما للنبى عليه الصلاة والسلام. والقسم التالى " والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين " ، قسم بقوة البرهان على صدق الرسالة! فإن الدليل الصحيح ينطق بصحة الدعوى. وهذا القرآن معجزة شاهدة بأن محمدا حق، وأنه مرسل من لدن الله بكتاب مستقيم الهداية منزه عن الافتعال والانحراف " تنزيل العزيز الرحيم * لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون " . والمعجزات المادية لا ترتفع إلى مستوى الإنارة العقلية. والذين ورثوا العكوف علي الأصنام لا تفطمهم عن عبادتها عصا موسى ولا طب عيسى، وإنما يشفيهم من عماهم كتاب يحرك عقولهم، ويزيح عنها الأوهام على شرط أن يتحركوا ويعوا. وهناك ناس يعيشون فى عالم السدود والقيود سجناء وراء جدران لا يرون فيها شيئا " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون " . والمقمح من استقر القيد تحت ذقنه، فاعوج رأسه إلى فوق فما يحسن الرؤية "وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ". والتقليد الأعمى يخلق أجيالا من هذا النوع المتحجر لا يصلح بشىء!! ولا تجدى معه النذر " إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم " . وسورة يس- وتسمى قلب القرآن- يمكن أن نقول إنها مكونة من مقدمة وثلاثة- فصول. أما المقدمة، فهى- كما رأيت- حديث عن القرآن ومستمعيه، وراديه أو مؤيديه.!؟ وأما الفصول الثلاثة، فهى أدلة منوعة على صدق ما دعا إليه. أولها دليل تاريخى تضمن قصة موجزة عن قرية تشبه مكة، ناوأت المرسلين وضاقت بالوحى. وثانيها دليل عقلى فتح الأنظار على الكون علوه وسفله، واكتشف من نظامه وانسجامه، ما يدل على عظمة خالقه. ص _341
(1/336)

والدليل الثالث تربوى يأخذ من حقيقة البعث والجزاء ما يكبح الغرائز ويزيح الغفلة، ويسوق النفوس إلى الحق بمشاعر الرغبة والرهبة. من المقدمة والأدلة الثلاثة تتكون سورة يس وما دعت إليه من توحيد الله، والتأمل فى ملكوته والاستعداد للقائه للخلود فى جواره.. ويبدأ الدليل الأول بقوله تعالى :" واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون.. " . ولا يعنينا اسم القرية، وإنما يعنينا ما وقع فيها من أحداث. إن أعداء المرسلين يحسبونهم جاءوا لاستلاب سلطانهم وأخذ ما بأيديهم ولذلك سرعان ما تبرموا بهم وتهددوهم وتشاءموا من " إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون" . ومنذ نوح وأعداء الأنبياء يحسبونهم طلاب رياسة، ويظنون دعوتهم شركا المآرب خاصة. ولذلك قالوا لهم ما قيل لنوح " ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين " . لكن الله يخلق رجالا يعشقون الحقيقة، ويضحون من أجلها ويعانون فى سبيلها، كما قال شوقى: إن الذى خلق الحقيقة علقما لم يخل من أهل الحقيقة جيلا وفى هذه القرية أقبل رجل من بعيد ينصح الناس مؤكدا أمرين. 1ـ أن الرسل ناس متجردون لا ينشدون جاها ولا مالا. 2ـ وأن الله الذى يدعون إليه هو الحق المبين، وماعداه وهم لاوجود له، يضر ولا ينفع. " يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون" . لكن هذا الناصح الأمين فشل فى إقناع الضالين. ولم تذكر القصة أقتل أم مات، لكنه بعدما انتقل إلى ربه، ورأى ما أعد له من كرامة، قال حزينا على حالهم "يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " . ص _342
(1/337)

وأنى لقومه أن يثوبوا إلى رشدهم؟ فماذا حدث؟ هل عبأت السماء قواها لتعاقبهم على كفرهم؟ أمرهم من ذلك أهون: " وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ". إن غرور الناس فاجع العقبى، وما يلقون به الرسل من إهانة وتكذيب فادح الثمن. وتشتد العقوبة مع كبر الجريمة، ولذلك قال جل شأنه: " يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون * ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون " . إن مستقبل الحضارة التى تظلنا مقلق، لأنها ترفض ذكر الله، وتنسى الإعداد للقائه، وهى تبحث عن حتفها بظلفها. فى الفصل الثانى من السورة المباركة سورة يس نجد بضعه أدلة على عظمة الله واستحقاقه كل كمال. أول هذه الأدلة قوله جل شأنه "وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون". إننا نعطى الأرض أسوأ ما لدينا وتعطينا أحسن ما عندها! ويقول الفلاحون إن أجود البطيخ ما كان سماده خرء الحمام! وفضلات البشر تساق إلى الحقول، فإذا هى تنتج كيزان الذرة وسنابل القمح، وعيدان القطن والكتان، وصنوفا لا حصر لها من الفواكه والثمار. من الذى أخرج من الحمأ المسنون هذه الخيرات السنية؟ " سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون " ! ونصعد من الأرض إلى السماء فى إطلالة خاطفة على نظامها الفلكى! إن الظلام يسود أرجاء الكون، وأشعة الشمس تتحول إلى ملاءة بيضاء عندما تستقبلها الأرض. فإذا جمع الله الأشعة عادت الظلمة الأولى. ولذلك جاء التعبير عن الليل والنهار بهذه الألفاظ " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ". وربما بدا للناس أن الشمس والقمر فى مدار واحد. وهذا خطأ، فلكليهما مداره، ولن يلتقيا، وإنى أتصور أحيانا هذه الكواكب، فأتساءل: ما يمسكها فى فضائها؟ ما يدفعها فى
(1/338)

مجراها وبأى طاقة تسير؟ من أحكم، نظمها وهى ألوف الألوف، فضبط مكانها وزمانها وشروقها وغروبها ؟ ص _343
ونحن البشر فى زاوية من الكون الكبير نرقب آيات ربنا، ومنا المؤمن ومنا الكافر! نعود مرة أخرى إلى الأرض لنرمق البحار وما يسبح فيها من جوار كالأعلام، ونتلو قوله تعالى : " وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون * وخلقنا لهم من مثله ما يركبون " !! إن البحر أكبر من البر أربع مرات، وعالمه أوسع مساحة من عالمنا، وقد عرفنا أن للأجسام الطافية فيه قانونا مضبوطا، فهى تجرى أو تغوص بقدر، وعندما يتعرض الناس لأخطاره فلا مغيث لهم إلا الله، فهل يذكرون ذلك عندما يأمنون؟ هذه الأدلة الثلاثة السابقة تبعتها أدلة أخرى فى نهايات السورة مثل قوله تعالى "أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون " . إننى أنظر إلى الجزارين فى الأسواق قد علقوا فى دكاكينهم قطعانا من الغنم والبقر.. وأرى الألوف تلتهمها، وهى لا تدرى شيئا عمن سخرها!! ما هذه الغفلة عن الله..؟ والفصل الأخير من تفسير السورة يتضمن حديثا عن البعث والجزاء، وهما من عمد التربية الدينية، ولكن الحضارة الحديثة تغفلهما وتستهجن الحديث عنهما، وتخيل للناس أن مصيرهم لا يعدو مصاير الدواب النافقة، لا حش ولا حساب. ويبدو أنه كما تجىء المنية بغتة، تقوم الساعة بغتة دون ترقب من الناس أو محاذرة!! وهذا ما تشير إليه الآيات: " ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون * فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون " . أى أنها تقع وهم مشغولون فى أسواقهم ومجامعهم، كما ذكر الحديث " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبا بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه. ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها... " . ووقوع الساعة على
(1/339)

هذا النحو لا يعطى فرصة لعمل شىء ولا التوصية بشىء، ثم ينشر العباد إلى ربهم للحساب بعد أن تهمد كل حركة على ظهر الأرض، ويواجه الناس ما قدموا... " فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون * قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون " . ص _344
وفى الآيات وصف رائق لأهل الجنة يشرح ما ينعمون به ويحبرون فيه. أما أهل النار فيسمعون التبكيت على ما أسلفوا " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم * ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون.. " ؟ ومع أن أساس هذا الفصل هو البعث والجزاء، فقد حوى معانى أخرى من دلائل العظمة الإلهية، ومظاهر النعمة التى خص بها بنو آدم. ثم عاد الكلام مرة ثانية إلى أدلة البعث فى صورة حوار طريف " وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم " . إن الذى بدأ الخلق أولا لا يعييه أن يعيد الخلق كرة أخرى!! ثم لفت القرآن نظرنا إلى حقيقة علمية فى عناصر الكون. إننا نتنفس فنأخذ من الهواء "الأوكسيجين " ثم نرده " كربونا "، ويتنفس النبات فيأخذ الكربون ويرسل " الأوكسيجين ". ويتراكم غاز الكربون الذى يأخذه النبات ويتجمد فى كيانه جذوعا وأغصانا وأوراقا، لا تلبث أن تكون حطبا محترقا " الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون " . إن هذه الوظائف الطبيعية من آيات الله الذى يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى. وهذا السلوك ظاهر فى النبات الذى يخرج من التربة حيا وسط عناصرها مدة " فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون " . ص _345
(1/340)

سورة الصافات! " والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا " . هذا وصف لموكب الوحى وهو نازل على قلب خاتم الرسل يقوده جبريل الأمين وتحفه الملائكة الكرام.. وهو قسم لتوكيد الحقيقة الكبرى فى هذا الوحى: وحدانية الله سبحانه. ومع أن جبريل هو المسئول عن الوحى، فإن ملائكة كثيرين تنزل معه تشريفا للرسالة وتنويها بخطرها " ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ". وهى إلى جانب ذلك تطرد الشياطين المتطفلة على أخبار الوحى ليبتعدوا عن مساره! ويبدأ الذكر من عند الرحمن تبارك اسمه كما جاء فى الحديث " إذا قضى الله الأمر فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها، خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان- أى يسمع لخفق أجنحتها صوت كصلصلة الحديد على الحجر! " حتى إذا فزغ عن قلوبهم "- ذهبت الرهبة- "قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" . ووصف الإله الواحد بأنه " رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق". أى مطالع الشمس، وهى تختلف زمانا ومكانا فى فصول السنة الأربعة. وقد تضمن صدر السورة حقيقتين: الأولى التوحيد والأخرى البعث، وكلتاهما مرفوضة للمشركين " إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون " ؟ وتكذيب الحقيقة لا يجدى، فالحق فارض نفسه حتما. وفى تقرير الجزاء الأخير يرسم القرآن صورتين من مشاهد القيامة، ويعجل بعرضهما فى الدنيا لعل المنكرين يعتبرون " وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون * وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين " . ص _346
(1/341)

إن السادة والأتباع يتخاصمون فى الآخرة، ويرمى كل منهم بالتبعة على الآخر. يقول الضعاف خدعتمونا بقوتكم وسلطتكم، ويقول السادة لهم بل كنتم أغبياء لا تبصرون الحق! فتحملوا مسئوليتكم معنا.. " فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون * إنا كذلك نفعل بالمجرمين " . تلك هى الصورة الأولى. أما الثانية، فترى ملامحها فى قوله تعالى: " فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أئنك لمن المصدقين * أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرآه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين " . والمنظر مألوف فى دنيا الناس، يحاول كل صديق أن يجر صاحبه إلى مذهبه. ولولا أن المؤمن كان قويا لانزلق وضاع، ولذلك يقول وهو يرى صاحبه فى وسط النار " ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم * لمثل هذا فليعمل العاملون " . والتعجيل بمشهد من عالم الغيب يتدبره الناس فى عالم الشهادة مألوف فى القرآن الكريم، وقد سبق مثل ذلك فى سورة الأعراف على نطاق واسع. وإنك لترى هنا الفرحة بالنجاة تغمر أعطاف الرجل المؤمن، بعدما أنقذه إيمانه من عاقبة السوء التى التهمت صاحبه. إنه فى الجنة يمرح فى نعيمها مع إخوانه، لكنه يتذكر رجلا كان ينكر الله واليوم الآخر ويريد أن يتعرف حاله، فلما رآه تضاعف شعوره بما هو فيه من نجاة ونعماء. ثم يقول الحق " أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس الشياطين " . وشجرة الزقوم جاء ذكرها فى عدة مواضع، فى الواقعة عند قوله تعالى: " ثم إنكم أيها الضالون المكذبون * لآكلون من شجر من زقوم " . وفى الدخان فى قوله تعالى: " إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم " . وفى الإسراء "... والشجرة الملعونة في القرآن " .
(1/342)

قيل إنها من أشجار الصحارى، تظهر بالأماكن المجدبة كريهة الرائحة صغيرة الورق مسمومة ذات لبن إذا أصاب جلد الإنسان تورم ومات منه غالبا.. وهذا من باب التمثيل. فإن أشجار ص _347
جهنم لن تكون ذات نضرة وظل وجنى طيب، بل ستكون خبيثة المطعم والمنظر على نحو مايتسامع الناس به من شجر البوادى. والواقع أن الشجر المعجب عندما ييبس مايصلح إلا حطبا. ومن عجائب قدرة الله أن تجعل الأغصان والأوراق والجذوع مخازن للوقود، وأن تجعل من الشجر الأخضر نارا.. وقد جعل الله شجر الزقوم طعام أهل النار! " فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون * ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم " . لم هذا العذاب الأليم؟ " إنهم ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون " . إن التقليد الأعمى والسير وراء ما خلف الآباء من أعراف ومبادئ وراء هذا العذاب الموجع. والحقيقة أن أغلب الناس يلتزمون مواريثهم على ما بها، ويهاجمون ما يخالفها من دعوات ونظم ولا يفكرون فى موازنة ولا تمحيص، وقد يقتلون معارضيهم تعصبا وظلما، أو ينتصبون لمشاكستهم والقضاء على "ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين * ولقد أرسلنا فيهم منذرين * فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " . فى وسط سورة الصافات ذكر لست رسالات ساقها الوحى إلى النبى عليه الصلاة والسلام تسلية له وتثبيتا لفؤاده. أول المرسلين نوح وهو أول أولى العزم، وقد تحمل فى ذات الله بلاء طويلا؟ وإبراهيم وهو الذى سمانا المسلمين من قبل، ووضع أصول الفطرة؟ وموسى وهو صاحب الكتاب الذى قدم الدين عقيدة وشريعة ودينا ودولة، وفيه من رسالة محمد شبه. وهؤلاء الثلاثة أصول، تفرع منهم ثلاثة آخرون: لوط على ملة إبراهيم، وهو ابن أخيه. وإلياس ويونس وهما من أنبياء بنى إسرائيل، وكتابهما التوراة التى نزلت على موسى.. ومن اللطيف أن قصة نوح هنا تبدأ من نهايتها! فقد ظل يدعو قومه تسعة قرون ونصفا فلا يجد إلا الصدود والضيق، فلما شعر بالهزيمة صاح: رب إنى مغلوب
(1/343)

فانتصر، فجاءته النجدة! والقصة فى سورة الصافات تبدأ من هذا الدعاء " ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه وأهله من الكرب العظيم * وجعلنا ذريته هم الباقين * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على نوح في العالمين ". ص _348
والمقصود أن الله خلد لنوح الذكر الحسن، وقال له بعدما أهلك أعداءه " اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك " . وقد شرحنا أن نوحا كان رسولا لقومه، وأن الطوفان الذى أهلكهم محك، فلا صلة لمصر وفارس به، بله أوروبا وإفريقيا وغيرهما! أما إبراهيم فقد نهض بعقيدة التوحيد التى جاهد من أجلها نوح، وساق الأدلة لقومه على خطئهم فى عبادة الأصنام، وبدأ الحديث عن كفاحه بقوله تعالى: "فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم * فتولوا عنه مدبرين * فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون " . والآية تحكى أنه فكر فى عمل يبطل به هذه الوثنية، فتظاهر بالمرض فتركوه وحده، فذهب إلى الأصنام فى مجمعها وجعلها حطاما " فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون " . وجعل الفأس فى عنق الصنم الكبير لينسب إليه أنه هو الذى هشم إخوانه من الآلهة!! وظاهر أن إبراهيم مثل هذه الخطة ليفضح بها غباء قومه وسؤ رأيهم فى عبادة أخشاب أو أحجار لا تملك لنفسها شيئا!! وعندما يسخر إبراهيم من قومه فيقول لهم: إن كبير الآلهة ارتكب هذه الفعلة، فهو لا يكذب بداهة، وإنما يبكت ويؤدب. وما روى من أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات فى هذه القصة وغيرها، فهو عجز فى الرأى وحمق فى الفهم. وقد بدأ أهل الكتاب بهذه الأوهام، ثم تسللت إلى مروياتنا، وهى مستبعدة عند المحققين. فإبراهيم أشرف من أن يكذب، والقصة المروية عنه لا تتحمل هذا اللغو!! ولعل أروع ما فى سيرة إبراهيم موقفه من ابنه وموقف ابنه منه. لقد رزقنى به على كبر وبعد دعاء. فلما شب وأضحى غلاما وقرت به عينه، أوحى الله إليه أن يذبحه قربانا إليه!! " فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني
(1/344)

أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى". ما حال هذا الشيخ وهو يكلف بذبح ابنه أحب أهل الأرض إليه بعد ما فرح به وأمل الخير فى صحبته؟ إنه لو فجعه أحد فيه لقتله الغم، فكيف وهو الذى يكلف بالإجهاز عليه؟ ولكن إبراهيم عبد الله ورسوله وخليله، وهو لا يعرف الحياة إلا فى رضاه، وما يستطيع أن يعصى له أمرا مهما كان شاقا، فحدث ابنه بما كان، وكان غلاما صالحا لا يقل عن أبيه يقينا وصدقا ص _349
قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " !! سلم الأب فى ابنه وسلم الابن فى نفسه. وعندما بدأ التنفيذ ووضع السكين على العنق، جاءت النجدة ونزل الفداء " وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين " ! والقصة شاهد على أن الاختبار الإلهى للبشر جاد وطويل، وأن الإيمان ليس لغوا على الألسنة ولكنه صبر وتسليم.. ونتجاوز القصص الأخرى فى السورة لنقف عند قوله تعالى: " فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون " ؟ إن هذا ثانى أمر بالاستفتاء. أما الأمر الأول " فاستفتهم أهم أشد خلقا أمن خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب". وهذا الاستفتاء بعد حديث استعرض آفاق الكون ومشارقه ومغاربه، مبينا سعة الملكوت وعظمة الخالق. وظاهر أن فكرة الألوهية عند المشركين كانت هزيلة ضيقة، فما قدروا الله حق قدره، بل جعلوه فى ضعف أبى البنات!! وكان أحدهم يعاف أن تولد له بنت، فيئدها، ومع ذلك فهو يجعل الملائكة إناثا وينسبهن إلى الله .. " أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون " . إن الله ليس له أولاد لا من الجن ولا من الإنس ولا من الملائكة، كما أنه ليس هناك إله للخير وإله للشر " إنما هو إله واحد " . والزعم بأن إله الشر أخ لإله الخير كذب، ولا تشيع هذه الخرافات إلا بين الضالين. وقد كان العرب يزعمون أنهم لو أوتوا كتبا مثل ما أوتى اليهود والنصارى، لكانوا خيرا منهم " وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من
(1/345)

الأولين * لكنا عباد الله المخلصين " . فلما آتاهم الله الكتاب كفروا به.. وقد آمن السابقون بعد لأى، وسادوا العالمين بالكتاب المبين. ثم انحرفت خلوف عن هداياته فوقع لهم ما وقع " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون " . ص _350
ولكن النصر الموعود يجىء بعد زمان يتم فيه التمحيص وتستوى فيه الزروع، ولذلك قال " فتول عنهم حتى حين * وأبصرهم فسوف يبصرون * أفبعذابنا يستعجلون * فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين " . وأكد هذا الزمن مرة أخرى، فقال " وتول عنهم حتى حين " . إنه لابد من الصبر. ص _351
(1/346)

سورة ص " ص والقرآن ذي الذكر " ذى المكانة والشرف، يهبهما لمن تبعه كما قال فى آية أخرى " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم " . وقد يكون الذكر ما يذهب النسيان والغفلة، ويورث الانتباه واليقظة " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " . لكن هناك متكبرين على الحق، إذا عرض عليهم أخذتهم العزة بالإثم، وهؤلاء عقباهم الهلاك، مهما طال المدى! " وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب " . وقد قيل للرسول تصبيرا وتسلية " اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب " . وهذا أمر جدير بالتآمل. هل عانى داود وسليمان فى شأن الدعوة ما يتدبره الرسول صلى الله عليه وسلم ويأخذ منه الأسوة؟ والجواب أن هناك أنبياء ملوكا وأنبياء من سواد الناس، وربما توهم أن المرسلين الملوك مراحون من الأعباء، وأن الرسل الضعاف الفقراء هم المتعرضون للبلايا..! فشرح الله لنبيه أن الكل سواء فى المحنة. وأن أشد الناس بلاء الأنبياء على اختلاف حظوظهم من الدنيا، وذكر نبتين ملكين هما داود وسليمان وبين ما أصابهما فى أثناء الدعوة من متاعب. وبدأت قصة داود من قوله تعالى " وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق.. " . وشرح المظلوم قصته " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب... ". وسكت الظالم سكوت إقرار وهزيمة. وتكلم داود قائلا " قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض.. " . وشعر داود أنه ص _352
(1/347)

المعنى بهذه القضية، فقد كانت له زوجات كثيرات، ومع ذلك خطب فتاة يبدو أن آخر كان يريدها لنفسه، فلما ظهر هو طاشت كفة الآخر، وكيف يبقى وقد نافسه ملك نبى؟ لقد ضمها إلى زوجاته وعاد الآخر محروما. ولم يرض رب العالمين بما حدث، فأشعر داود بخطئه، وأثرته " وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب". إن داود ـ فى رأينا ـ كان من الأغنياء الشاكرين. ونحسب أنه توسع فيما أباح الله له توسعا امتدت فيه نفسه ورغباته، وما كان له أن يمضى فى خطبة امرأة تقدم لها آخر!! حتى لو كان هو السابق، فالأفضل أن ينزل عن حقه. وأيا ما كان الأمر فقد أشعره الله بذنبه، وعفا عنه. ثم تتابعت النصائح الإلهية ترفعه إلى المكانة التى تليق به " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ". إن هذا النبى الملك أخطأ وغسل خطأه بدموعه. وقد عثر فى طريق الدعوة عثرة كادت تودى به، لكن الآلام ردته إلى الله تائبا مقبولا. هل حصنه الملك والجاه عن خوض هذه التجارب؟ إن التكذيب والإنكار اللذين عاناهما محمد أسهل من هذا البلاء.. وقد رفع الله شأن محمد بكتاب تضمن صحائف الوحى الأول والأخير، واستودعه حكما تعصم من الزلل، وتقود إلى الله، وتعانق الحق " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار * كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ". وقد اتهم اليهود نبيهم بالزنا والقتل. زعموا أنه زنى بامرأة " أوريا "، وتآمر على قتله حتى يملك المرأة بعد اغتيال رجلها.. ولكن قرآن محمد هو الذى أنصف الرجل الشريف، ونفى عنه هذه الموبقات! إن الأنبياء الملوك ليسوا نفرا من الناس أذهب طيباته فى الحياة الدنيا. بل إنهم بذلوا ما يملكون فى سبيل مرضاة الله. وقد رأينا سليمان يعد جيشه لمحاربة اليمن وملكتها بلقيس حتى تدع عبادة
(1/348)

الشمس وتدخل فى عبادة الله الواحد وتعلن إسلامها له " ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين " . وفى هذه السورة يقول الله سبحانه " ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب". وقد ص _353
أعد سليمان جيشا من الفرسان للقتال فى سبيل الله، وكان يستعرض الخيل ليطمئن إلى أهبتها، وربما استغرق هذا وقتا منه، ولكنه يعلم أن تربية الخيل للجهاد قربى تستحق العناية والإقبال " إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد * فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب * ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق". إنه مسح عطف وإعزاز، وليس قطع دابرها بالسيف كما ذكر بعض الجاهلين.. وليت قومى يحبون أدوات الحرب على هذا النحو! إذن لنجوا من الخزى العظيم الذى حل بهم مع فراغ اليد من السلاح! وحكوا أن سليمان عزم على الطواف بمائة من نسائه ـ وكن ألفا كما تحكى التوراة ـ قال: ينجبن مائة فارس يجاهدون فى سبيل الله!! وطاف بالمائة فكانت الحصيلة سقط جنين رمى به على كرسيه! قالوا وذاك معنى الآية " ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب" وفى نفسى شىء من هذه الرواية؟ فلا الطاقة تسع، ولا الوقت يكفى! ولا كل نكاح يثمر، ولا كل ثمرة تكون فارسا مجاهدا!! إن شيئا ما حدث لا أستطيع تحديده جعل سليمان يرجع إلى ربه تائبا مستغفرا. كان سليمان ملكا كبيرا، والذى نلفت النظر إليه أنه نال هذا الملك من الخدمة الصالحة والعبودية الخاشعة والتوبة السريعة والفقه العميق. ولقد وصفه ربه بذلك كله، عندما قال فيه "نعم العبد". ومن منطلق هذه العبودية، ومن إحساسه بمدى عطاء الله، طلب المزيد! إن بصيرته انفتحت على اسم الوهاب، فرأت البشر وغيرهم يمرحون فى فضول الهبات العليا، ورأت البر والفاجر يستمدان من عطاء الله، فطمحت نفسه إلى قطرة من هذا البحر الدافق، فدعا: " رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب " . والحق أنه مع النظر إلى سيب الله لا يقف الطماح
(1/349)

عند حد، فبحر العطاء يفيض ولا يغيض. ومعنى لا ينبغى لأحد من بعدى ـ فيما أرجح ـ لا يبلغه أحد من المنافسين لى! وكان لسليمان خصوم يطمعون فى ملكه. والرأى الآخر: ملك لا يحصل بشر على مثله..! فى حاضر أو مستقبل. " فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص" . ص _354
وقد بقى لسليمان هذا الملك يديره ويتسلط عليه حتى جاءه الموت فوقع من على كرسيه، وهو يسخر الجن والإنس لأمره! وقد وعده الله بمستقبل فى الآخرة خير مما لقى فى الدنيا " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " . وتضمنت " ص " نبأ أمير آخر من رجال المال والأعمال أصابته نكبة جائحة ذهبت بصحته وماله، هو أيوب عليه السلام. " واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب" . يعنى أن الشيطان يريد أن يلقى فى نفسه سوء الظن بالله والسخط على ما أصابه، فإن الشيطان لا يصيب الناس بالأمراض الحسية. وفى سورة الأنبياء " وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" . فهو يطلب رفع الضر حتى يسد أبواب هذه الوساوس . " اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " . وقد ساق الله لأيوب الشفاء مما ابتلاه به " ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب ". يعنى أصحاب العقول الذين يستفيدون من العبر ويتوثق رباطهم بالله.. ثم ذكرت السورة أسماء ستة من الأنبياء، منهم واحد من أولى العزم هو إبراهيم وابنه إسحاق وحفيده يعقوب، ووصفتهم بأنهم أولو الأيدى والأبصار. وهذا الوصف يعطى أن التدين قوة وبصيرة، وليس وهنا وغباء، إنه إنسانية رفيعة " إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار " . والثلاثة الباقون هم إسماعيل واليسع وذو الكفل، وكلهم من الأخيار. والآيات من أول قوله تعالى "... واذكر عبدنا داود ذا الأيد" تفيد أن الذكر الحسن نعمة يفيئها الله على الصالحين من عباده، يرفع بها قدرهم ويستبقى أخرهم. وقد قيل: الذكر للإنسان
(1/350)

عمر ثان. والمفروض أن المسلم يطلب بعمله وجه ربه لا وجه بشر، فإذا تقبله الله أحبه ووضع له الحب فى القلوب والثناء على الألسنة. وليس ذلك فقط! بل هناك الجزاء الهنيء " هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب * جنات عدن مفتحة لهم الأبواب * متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب". ص _355
أما أعداء الله وخصوم دعوته، فلهم جزاء آخر " هذا وإن للطاغين لشر مآب * جهنم يصلونها فبئس المهاد " . وعلى عادة القرآن الكريم فى ذكر مشاهد القيامة، وما يدور من حوار بين الأتباع والرؤساء يقول الله لأهل جهنم " هذا فوج مقتحم معكم "- من أهل الكفر- "لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارَ" . وظاهر أن المقتحمين من الأتباع، وأن الذى رفض الترحيب بهم الرؤساء. ولم يرحبوا بهم وقد أيدوهم فى كفرهم؟ وطالما حفُّوا بهم وهتفوا لهم!! " قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار" . وتشعر بالعجب عندما يقول الطغاة وقد تذكروا الدنيا، وتذكروا ما كانوا يفعلون بالمستضعفين من المؤمنين " وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار * أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار" إن هؤلاء المستضعفين لهم شأن آخر " في جنات ونهر" . أما المتحاورون من أهل النار، ففى الدرك الأسفل " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ". ويرتبط آخر السورة بأولها فى قوله تعالى: " قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار" فهذا راجع إلى قول الكافرين عن رسول الله " هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب". إنه ليس للوجود إلا سيد واحد، وماعداه عبد له، وقد قرر محمد هذه الحقيقة بأجلى بيان ولكن الناس غافلون " قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون * ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون * إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين ". يقول الرسول للناس من أين لى العلم بما يدور فى الملأ الأعلى من حوار؟ إننى أتلفى ما يجيئنى، كقول الله له " وما كنت
(1/351)

بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين" . إن الله اختار محمدا ليلقى على قلبه هذا الكتاب، فيشرح حقيقة التوحيد، ويرفض كل أنواع التعدد، ويعلق الناس برب واحد تعنو له الوجوه وترجع إليه الأمور " قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين * إن هو إلا ذكر للعالمين * ولتعلمن نبأه بعد حين" . ص _356
سورة الزمر الزمر الجماعات المختلفة من الناس، ولم ترد هذه الكلمة إلا فى السورة التى سميت بها. والواقع أن السورة تضمنت أحوالا شتى لأفواج متباينة من الخلق، قوبلت كل زمرة بأخرى حتى تكونت من هذا السرد بضع عشرة مقابلة شملت السورة كلها، وتدور حول التوحيد وخصائصه وآثاره. فالشرك رذيلة شاعت بين الأولين والآخرين، وشانت سلوكهم. ألا تعجب لرجل عاقل يسجد لحجر ويتهيبه؟ ألا تعجب لطيار يظن نجاته مربوطة بحدوة حصان فيها سعده أو نحسه؟ إن المآخذ على مسالك البشر كثيرة، وأولها الجهل السيئ بالله! وكان المفروض أن نحسن الظن بخالقنا. وأن ننسب إليه الكمال! المطلق، لكننا جعلنا لله شركاء مغموصين، وصنعنا لها تماثيل ترمز إليها، وقال التائهون الذين فعلوا ذلك " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " . إن هذه الأصنام أصفار جسدها الوهم، ومكانتها أن ترمى فى زاوية القمامات. إن شأن الألوهية أعلى من هذا الإسفاف ولو صنع الله شيئا يكون وسيطا بينه وبين خلقه، لاختار بديلا أرقى " لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار " . ليس بين البشر وربهم وسيط، إن اتصالهم به مباشر، إن كل امرئ يستطيع مناجاة ربه فى أى وقت وفى أى مكان. ولو حدث- فرضا لمستحيل- أن يتخذ الله ولدا، لاختار من خلقه بشرا كريما أو ملكا كريما، وسيكون هذا المختار مخلوقا لا خالقا ومربوبا لا ربا، ومحكوما عليه لاحاكما على أحد. إن للألوهية أوجها العالى، وللمخلوقين كلهم مكان العبودية الضارعة الخاشعة. ولكن المشركين- وثنيين
(1/352)

أو كتابيين- يتجاوزون هذه الحقيقة، ولا يعرفون الفارق بين المخلوق والخالق، ولا يصح التوحيد إلا بتصور إله واحد، ماعداه عبد له..! ص _357
والقرآن الكريم سيد الكتب التى حررت هذه الحقيقة، وأطالت النفس فى توكيدها.. وفى سورة الزمر تنويه متكرر بهذا المعنى 1- " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين " . 2- " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم.. " . 3- " ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون " . 4- " إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه... " . 5- " واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب.. " . 6- " بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين " . وفى صدر سورة الزمر حديث طويل عن الله الخالق، وعن مظاهر خلقه فى السموات والأرض، والإنسان والحيوان. وهذا الحديث تمهيد لما بعده من مقابلات بين أصناف الناس توضح سائرهم ووجهاتهم. وأولى هذه المقابلات قوله تعالى: " إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى... " . والواقع أن البشر مغمورون بنعمة الله، فهم يعيشون على أرضه، ويتنفسون فى هوائه ويأكلون من خيره، ثم ينسون كل هذه الأفضال ويتصرفون معه كأنه لم يسد إليهم جميلا!! وقد تمر بهم محنة فيجأرون طالبين النجدة، فإذا أنقذهم من ورطتهم سرعان ما ينسون الإنقاذ الذى ظفروا به " وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ". إن شكران النعمة دليل بصر سليم وطبيعة مستقيمة، وقد ذكر الله نوحا فقال إنه كان عبدا شكورا " . وذكر إبراهيم بأنه كان " شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم " . وقال نبينا يتحدث عن سر اجتهاده فى العبادة " أفلا أكون عبدا
(1/353)

شكورا " ؟ ص _358
والمطلوب من الناس أن يعرفوا هذه الحقائق، فلا يستخدموا أنعم الله فى معصيته... والمقابلة الثانية فى قوله تعالى: " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.. ". وظاهر أن الطرف الآخر فى المقابلة محذوف تقديره هل يستوى قائم الليل ونائمه؟ أو هل يستوى من يشغل ليله بالعبادة، ومن يشغله باللهو والبحث عن اللذة الحرام؟ وسنرى فى المقابلات القادمة أنه كثيرا ما يحذف أحد الطرفين مراعاة لبلاغة الأداء وترغيبا فى قيام الليل. قال الرسول الكريم " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد " . وفى صدق النية على القيام، روى أبو الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم "من أتى فراشه وهو ينوى أن يقوم يصلى من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه ! " . وقيام الليل من النوافل المؤكدة. وأحسب أن ما ورد فى السورة هنا قد يكون المعنى به السهر فى أداء الفرائض المكتوبة ورفض النوم عنها.. وربما كان- إلى جانب رعاية الفرائض- أن يختار المرء بعض ليالي يسهرهن فى الدراسة والدعاء والترتيل، ويعطى البدن حقه فى ليال أخرى. وقدرات الناس تختلف جدا فى هذا المجال. وأعرف من يسهر الليل، ثم يكتفى برقاد ساعة ويصحو ناشطا. وأعرف من لا يملك وعيه إلا بعد نوم مستغرق! ولله فى خلقه شئون. والمقابلة الثالثة بين صنفين متباعدين. الأول الأتقياء المحسنون الذين أخلصوا دينهم ومشوا فى آثار نبيهم وتأسوا به وهو يقول: " قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم " ، فسجنوا هواهم وأسلموا لله وجوههم.. وبين صنف عبد الحياة الدنيا وعاش يلهث وراء شهواتها ناسيا لقاء ربه ومكرسا عمره للحاضر المنقضى.. وفى هؤلاء يقول الله: " قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك
(1/354)

هو الخسران المبين " ! إن ألوفا من الناس يكدحون بجبروت ليرتفعوا مع أسرهم فى هذه الحياة، ويوفروا ما استطاعوا من مال وجاه، فإذا جاء يوم البعث حشروا عرايا صعاليك، لم يغن عنهم ما كسبوا شيئا. ص _359
وقد لُخصت هذه المقابلة فى قوله تعالى: " والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه... " . والمقابلة الرابعة ذكرت أحد الطرفين وطوت الآخر لأنه مفهوم من السياق. قال تعالى: " أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار " ؟ والمعنى: أفمن أساء فاستحق الهوان كمن اتقى فاستحق التكريم، إن من حقت عليهم كلمة ربك لا ينقذه أحد!! وعرف الطرف الثانى فى المقابلة من قوله تعالى مباشرة " لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد " . والمقابلة الخامسة تشبه سابقتها فى حذف أحد طرفيها. قال تعالى: " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله..". وتقدير الكلام أفمن انشرح بالحق صدرا كمن ضاق صدره بالحق وكره الدخول فيه والعمل به؟ والصدر إذا انشرح أقبل المرء بشغف على العمل، كما قال البوصيرى: وإذا حلت الهداية روحا نشطت للعبادة الأعضاء! أما المنحرفون عن الله فهم يستثقلون الصلاة ويستكثرون الزكاة ويفرون من الجهاد. وقد شرحت الآية التالية هذه المقابلة الخامسة " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " . فالقرآن الكريم مصدر الذكر الحكيم والهدى المستقيم والعصمة من الباطل والارتباط بالحق. والمقابلة السادسة تراها فى الآية الكريمة " أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون " . والمعنى أفمن صان وجهه عن عذاب القيامة بالإيمان والإحسان كمن نصب وجهه لتلقى هذا العذاب
(1/355)

بكفره وظلمه؟ وطبيعة البشر أن يباعدوا السوء عن وجوههم، ولكن العذاب المحيط الذى يتعرض الظلمة له يفجؤهم بما لا يستطيعون رده. وقد زادت الآية التالية بأن العذاب قد يعجل لهم فى هذه الدار " فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون " . ص _360
والمقابلة السابعة بين التوحيد والإخلاص، بين من يعملون ابتغاء وجه ربهم ومن يطلبون وجوه الآخرين من أصنام أو رؤساء أو جماهير. وعبادة غير الله تشمل أولئك جميعا. بل أستطيع الجزم بأن هناك أقواما خلت قلوبهم من الله كل الخلو وامتلأت باسترضاء هذا أو اصطناع ذاك! ومبدأ " عبادة البطل " يدخل فى هذه الدائرة. وكذلك مبدأ " كسب الأصوات ". إن المؤمن حين يصلى يخضع لله وحين يزكى يعطى لله، وحين يجاهد يفنى فى الله. لقد توحدت وجهته واستراح ضميره " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون". وقد شرح الشاعر ذلك بقوله: اعمل لوجه واحد يكفيك كل الأوجه..!! والمقابلة الثامنة فى قوله تعالى: " فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين * والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " . ظهر الأرض حافل بالأوهام والأباطيل، وما أشد غربة الحق فى هذه الدنيا. وأجدر الناس بالتقدير والتكريم من عرف الحق وعرفه لغيره، وقال الصدق وأيد الصادقين. أما شرار الناس فهم الذين يفترون على الله الكذب، وإذا قادهم أحد إلى الصدق تمردوا عليه ورفضوا اتباعه. وقد وعد الله حزب الحق بأنهم " لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين * ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون". ولم أر بشرى أعذب وقعا وألطف أثرا من هذه البشرى الندية السخية. ويجىء فى سورة الزمر هذا التساؤل المثير " أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه " . إن الله هو الخافض الرافع الضار النافع
(1/356)

المعز المذل الذى لا معقب على حكمه، ولا راد لأمره ولا مجير عليه، فكيف لا يكفى عبدا توكل عليه ؟ وبمن يحتمى الناس دونه؟ وهذا المعنى أساس المقابلة التاسعة فى السورة، فإن غير الله لايستطيع إصدار أمر ولا إمضاء ص _361
حكم، بل لا يستطيع الدفاع عن نفسه، فكيف يحمى الآخرين " قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون " . ومن ثم يردد الموحدون- فى وجه المشركين- هذا النداء " قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم " . أما المقابلة العاشرة فتصف بعد الشقة بين الموحدين والمشركين، ونحن نحسب أن المخطئ يعرف أنه مخطئ، وأن عابد الوثن يعرف أنه عاكف على قطعة حجر. إن جماهير المخطئين تحسب نفسها على صواب " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا " . وهى تذود عن باطلها بضراوة، وتعتقد أن غيرها هو المبطل! وتدبر هذه الآيات فى وصفهم " وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون " ! ماذا يصنع الرسول مع هؤلاء؟ " قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون " . وأغلب سكان هذه الكرة غرقى فى أوهامهم، ولذلك فإن العبء على دعاة الحق ثقيل. فلتكن خدمتهم له شكر ما هداهم الله إليه ومهد لهم الطريق! والمقابلة الحادية عشرة تفهم من قوله تعالى: " فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون * قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " . هذه مقابلة بين الإنسان ونفسه على حاليه من بأساء ونعماء، إنه إذا أحرج جأر بالدعاء وسأل الله النجدة وأحس بعجزه، وكان عبدا منيبا! فإذا تغيرت الأيام وتكاثرت لديه النعم، شعر بحوله وطوله
(1/357)

وقال: هذا النجاح وليد ما لدى من ذكاء! فأين كان هذا الذكاء بالأمس؟! ولم لم تعتمد عليه فى إذهاب ما تشكو؟ ص _362
إن هذا الذهول والعقوق باب الضياع، فليلزم المرء حدود عبوديته.. والإسراع فى التوبة من عزائم الإيمان، أما تسويفها والإبطاء فيها فهو دليل عجز عن جبر ما انكسر، أو هو صحو مشوب بنوم واسترخاء! وفى تنشيط القدرة على الخير يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " أتبع السيئة الحسنة تمحها " . وقد ييأس الإنسان من نفسه، ويستسلم للشيطان، ويستكثر أخطاءه ويستبعد النجاة منها، وإطفاء لهذه الفتنة جاء فى هذه السورة " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا.. " . وعقدت المقابلة الثانية عشرة بين من يحدوهم الأمل فى عفو الله فيمضون فى طريقه ويسارعون فى مرضاته، وبين من يتقاعسون ويتكاسلون فيفوتهم الخير ويندمون حين لا يجدى ندم " أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين " . وعندئذ يقال له " بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين". ويقول الله تعالى مقابلا بين الصدق والكذب فى العقائد والمسالك والأخلاق: "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين * وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ". وهذه هى المقابلة الثالثة عشرة، وقد عبر عن التقوى بالصدق فى قوله تعالى: "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم... " . وعبر بالتقوى والصدق معا عن معالم البر كلها " أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون " . والحقيقة واحدة فى هذه الآيات جميعا. وتختم السورة بهذه المقابلة الحاسمة، فبعد الحساب العدل والمساءلة الدقيقة يرسل كل فريق من الناس إلى مستقره العتيد " وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا.... " . " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا... " . أما أهل جهنم فسيعلمون بعد فوات الأوان أنهم نسوا الله
(1/358)

فنسيهم. وأما أهل الجنة فسيستأنفون فى ديار النعيم ما شغلوا به فى الدنيا من ذكر وشكر " دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " . وفى ظلال النعمة الوارفة والسعد المقيم يتجاوب هتاف الملائكة مع تسبيح المؤمنين " وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " . ص _363
سورة غافر سورة المؤمن أولى السور السبع المبدوءة بهذين الحرفين " حم "، وتسمى الحواميم. قال ابن مسعود: " آل حم ديباج القرآن "! وقال ابن عباس: " إن لكل شىء لبابا، ولباب القرآن آل حم.. ". والواقع أن المرء يشعر بالدهشة والتعجب لوفرة دلائل التوحيد فيها، وسرعتها إلى امتلاك زمام القلب. وهذه السورة بدأت بقوله تعالى " حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم " . واسما العزيز والعليم من أسماء الله الحسنى، وآثارهما تمتد إلى الكتاب النازل من لدنه جل شأنه. قال ابن كثير أى تنزيل هذا القرآن من الله ذى العزة والعلم، فلا يرام جنابه، ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه!! " غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول " . من سنن القرآن الجمع بين الوعد والوعيد، ليظل الإنسان محكوما بمشاعر الخوف والرجاء: " اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم " . إن الإنسان محتاج دائما إلى منشطات الأمل وكوابح الغرور، فإن يأسه من النجاح يقوده إلى السقوط، واغتراره بما عنده يمنعه السبق. وقد حكى ابن كثير قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس يفد إلى عمر بن الخطاب، فافتقده عمر لما غاب عنه، فقالوا له، يا أمير المؤمنين تتابع فى هذا الشراب!! فدعا عمر كاتبه، فقال اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان. سلام عليك. فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطول لا إله إلا هو إليه المصير ". ثم قال لأصحابه: ادعو الله لأخيكم أن يقبل بقلبه
(1/359)

ويتوب الله عليه. فلما بلغ الرجل كتاب عمر جعل يقرؤه ويردده ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد ص _364
العقاب، قد حذرنى عقوبته ووعدنى أن يغفر لى. ولم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى ثم نرع فأحسن النزع. فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة، فسددوه، ووثقوه أى لا تجعلوه يفقد الثقة فى نفسه وادعوا الله له، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه.. وقد أثبت هذه القصة لأنه يوجد فى عصرنا مقنطون من رحمة الله يحسنون إرسال طلقات التقريع والإهانة، وكأن غايتهم إهلاك المرء حيث زلت قدمه!! بينما يوجد من أعداء المسلمين من يلتقط العاثرين ليخرجهم من الملة بعد ما يعدهم المغفرة!! ومن اللطائف أن هذه السورة تسمى سورة " غافر "، وهى تعلن حربا على الجدال السيئ والمكابرة بالباطل والتعامى عن الحق. قال تعالى: " ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد * كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب " ؟ وتكررت كلمة الجدال خمس مرات فى هذه السورة، كاشفة الغطاء عن أسلوب المبطلين فى معاملة الحق. إنهم أصحاب عناد، وليسوا أتباع دليل، يستولى على نفوسهم قهر الخصم وفرض النفس على أية صورة . ولذلك يقول الله فيهم " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين". ووراء كل نزعة عدوانية وسياسة باطشة مجادلون بالباطل يعرفون الحق ويرفضون اتباعه. وقد تعرض الأنبياء لأذى أولئك الأشرار، كما تعرض أتباع الأنبياء فى كل زمان ومكان لجورهم وكبرهم. ولكن الحياة الأرضية فترة اختبار يجب أن يتحمل الصالحون آلامها مهما فدحت، وإن ملائكة الرحمن لترقبهم من عليائها وتدعو لهم بالثبات والسداد. ومن
(1/360)

هنا جاء فى هذه السورة: " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم " . وفى سورة مؤمن آل فرعون آيتان فى صدرها عن المجادلين بالباطل المعادين للإيمان. والآية ص _365
الثالثة جاءت على لسان الرجل المؤمن الغيور، وهو ينصح أهله الفراعنة ويحاول كفكفة شرهم. إنه يقول لهم: " ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به.... " . إن يوسف وهو من دعاة التوحيد شرح أصول الدين الحق، وهاجم الوثنية السائدة وحكم مصر حكما حافلا بالعدل والرخاء، فهل دخل الناس أفواجا فى دينه؟ كلا مازالوا فى شك مما جاءهم به حتى مات. فلما أرسل الله من بعده موسى تكررت المأساة وامتد حبل الكفر على نحو أغلظ " كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب * الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار" . والرجل المؤمن من آل فرعون محام من أقدر المحامين عن قضايا الإيمان، يرق حينا ويشتد حينا ويسفر حينا ويستخفى حينا ليستغرق أطول وقت ممكن فى خدمة الحقيقة وتجليتها فى بيئة يبسط فرعون فيها سلطانه ويفرض عليها عنفوانه. ودفاعه الموفق، وإن كان عن رسالة موسى إلا أنه دفاع عن رسالات الله كلها. وقد اقتبس منه أبو بكر بعض كلماته، وهو يرد عدوان المشركين عن صاحب الرسالة الخاتمة.. ضمور المعرفة مع تضخم الهوى بلاء لا آخر له، وعلاجه تكثير المعارف حتى يتسع الأفق النفسى، وتقوية الضمير حتى لا يلين للشهوات. والأفراد والجماعات فى ذلك سواء. وفى سورة المؤمن نجد القرآن الكريم يكرر مرتين الأمر بالسياحة فى أرجاء الأرض وفى أغوار الزمان، حتى يستفيد الإنسان ما يصوب فكره ويسدد وخطاه. قال تعالى: " أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم
(1/361)

قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق " . والواقع أن التاريخ البشرى حافل بالعبر، وله قوانين تشبه قوانين الكون الطبيعى، ودراسة أحوال الأمم فيه تقيم المائل وترشد الحائر. وفى آية أخرى يقول جل شأنه " أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " . ويكشف القرآن عن أسباب هذا الجماح المردى، واصفا إياه بأنه الغرور بالعلم القليل! وهذا ص _366
(1/362)

الاغترار هو سر الجدال والمكابرة " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون " . إن كثيرا من المخطئين لا يعرف من نفسه أنه مخطئ، بل يحسب نفسه راسخا فى الصواب! وما يفيق إلا على قارعة تقصم كبره " إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير " . وهذا هو الموضع الرابع الذى تكرر فيه الجدال فى هذه السورة، ومواجهة هذا الموقف تحتاج إلى صبر طويل وتوبة إلى الله واستعانة به. وهو معنى قوله تعالى " فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار " . على أن هذا الصبر لا ينبغى أن يرتبط بتربص العقاب للمجرمين، فإن عقوبتهم قد تتأخر، وقد تجىء بعد موت المجاهد!! فليؤد واجبا بهمة، وليفوض النتيجة إلى علم الله وقدره، ولذلك تكرر الأمر بالصبر فى قوله بعد ذلك " فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون " . وفى أوائل هذه السورة أمر بدعاء الله وحده، وإخلاص الدين له، وتجاوز غيره من الآلهة المزيفة، وإن التفت حولها جماهير: " فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون * رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق * يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء... " (5). والآية تصيح بأمجاد الله صياحا يزعج الذاهلين، ويذر فى نفوسهم إحساسا غامرا بالبعث والجزاء، ويشرح وظيفة الرسل بأنها الإعداد الروحى ليوم اللقاء. ويتكرر هذا المعنى فى السورة ثانية عند قوله تعالى: " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " . هل عبادة الله هدف ثانوى فى هذه الحضارة؟ إنها ليست هدفا قط! قد تكون خاطرا عابرا عند بعض المتدينين المتخلفين! ولذلك وردت فى هذه السورة ثلاث آيات مفتتحة كلها باسم الجلالة، تعريفا به وتذكيرا
(1/363)

بحقه. 1ـ " الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون " . ص _367
إن صباحا جديدا يطل على الإنسان نعمة يستقبلها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالحمد والثناء قائلا: " الحمد لله الذى رد إلى روحى وعافانى فى جسدى وأذن لى بذكره " . فهل نتنفس هواء اليوم الجديد شاعرين بأن الحياة منحة نقدرها لصاحبها؟ أم نستأنف ما يملأ الدنيا من لغو ولهو، ونريق أعمارنا على التراب؟ 2ـ " الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم... " . لست أدرى كيف تستقر الأرض بنا وهى تلص كل يوم حول نفسها، فى الحين الذى تقطع فيه جزءا من دورتها حول الشمس؟ إن الذى يمسك بها وبالسماوات لا يأذن بخلل ولا اهتزاز. وقد شهدت زلزالا لم يستغرق نصف دقيقة كدنا نفقد فيه وعينا. إن القدرة الضابطة لحركة الأفلاك تطمئن النمال فى جحورها ألا خلل ولا فوضى " سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.. ". 3ـ " الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم فيها منافع.." إلخ. كنت أرقب درسا فى عالم الحيوان فسمعت المذيع يقول: يقدر العلماء الحشرات الزاحفة والطائرة فى هذه الغابة بنصف مليار حشرة! كان هذا الإحصاء مفاجئا لى! قلت كم عدد الأنعام والطيور والحشرات فى القارات الخمس؟ إن بينها قانونا من التوازن الطبيعى يضبط حياتها ومماتها، وعلاقاتنا بها " ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون " ؟ إننا نحن البشر معجبون بأنفسنا، وقد نغتر بذكائنا وقدراتنا، لأننا لا ندرى من يسكن الكون معنا. لكن هذه السورة تجىء إلينا لتقول لنا " لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون " . فلنتواضع، ولنكسر سورات هذا الغرور. بعض الناس قد يستريح إلى عقيدة قها أو منهج ما ثم يمضى فى طريقه لا يلوى على شىء! لعله يؤثر الصمت أو يكره الجدال أو ييأس من إقناع
(1/364)

الآخرين بصحة ما عنده وبطلان ما عندهم وهذا الصنف قليل فى الدنيا، أو كان يمكن أن تتسع له الحياة قديما فيحيا وحده ويموت وحده! أما فى عصرنا فإن العلاقات العامة فرضت نفسها على الناس، فما يستطيع أحد أن يعيش فريدا.. كان المثل المضروب قديما (السلطان من لا يعرف السلطان) أما الآن فهذا متعذر فإن من لا يعرف السلطان سيسعى السلطان إلى معرفته وفرض نفسه عليه..!! ص _368
إن الحكم الآن صنع شبكة من العلاقات المادية والأدبية تمنع أى فرد من أن يعيش فى قوقعة ومعنى ذلك أنه لابد من الحوار والأخذ والرد وعرض وجهات النظر والاعتماد على الدليل فى الإقناع والاقتناع وإعطاء الرأى المعارض حق الحياة مادام مصحوبا بالإخلاص والتجرد. ويضيف الإسلام إلى ذلك دفع السيئة بالحسنة " ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون " وترك اللجاجة تأخذ مجراها حتى يبت فى مصيرها القدر فماذا تفعل لأناس يقولون لله " إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم "! وأنا احترم حرية الرأى إلى أبعد حد ولكنى أكره الغباء والافتراء ومساندة الدعوى بالعصا واستغلاق العقل بحيث تعجز كل مفاتيح الحقيقة عن فتحه! إن المكابرة رذيلة بغيضة!! وقد ووجه الإسلام من أول تاريخه بمجادلين طوال الأنفاس يرفضون الله الواحد ويستريحون إلى أوثان متعددة، يأنف أحدهم من السجود لقيوم السموات والأرض ويذل أمام حجر أصم! وقد استعرضت سورة غافر أحوال هؤلاء المجادلين فى خمسة مواضع كان آخرها قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون * الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا.. " إن رد القرآن الكريم ليس تكذيبا له وحده، إنه تكذيب لكل وحى نزل، إنه تكذيب لموسى وعيسى ومحمد.. وقد نظرت إلى المتدينين فى الغرب فإذا هم غثاء فى تيار الحضارة الحديثة، يكرهون الإسلام لأن آباءهم كرهوه، فهل آمنوا بموسى وعيسى؟ وهل استعدوا بشىء للقاء الله؟
(1/365)

كلا إنهم جزء من الحضارة التى تعبد اليوم الحاضر وتكره اليوم الآخر، إن أقطار الغرب استباحت الشهوات والمظالم، واحتفت بالجنس الأبيض وتجهمت لسائر الأجناس. وما أنكر أن المسلمين فرطوا فى تراثهم وخافوا رسالتهم ولكن ذلك، لا يمنع من التنبيه إلى الهاوية التى تجرنا إليها حضارة أضاعت الصلاة واتبعت الشهوات. ص _369
سورة فصلت " تنزيل من الرحمن الرحيم " من ينابيع الرحمة تنزلت آيات الكتاب، فهى هداية تقى الناس شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم، وتحميهم من خطل الأفكار وفوضى الغرائز، وطغيان القوى وعوج الأهواء! إن الوحى المبارك فيه الخير كله والعدل كله " كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون * بشيرا ونذيرا " . أهل الوعى يدركون فضل هذه الآيات التى تجد الأتقياء بالرضا، وتتوعد الأغبياء بالشقاء، وما أقل الواعين فى الناس! ولذلك قال " فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون " . وعروبة القرآن سمة الوحى المعجز، فلو ترجمت معانيه إلى لسان آخر ما كان المترجم قرآنا. إن الله اختار لغة العرب لتكون وعاء وحيه، واصطفى أهل هذه اللغة ليقودوا الناس إلى الخير. وفى الجاهلية الأولى لم يقبل الناس على الإسلام أول الأمر، بل كان إعراضهم عنه قاسيا جافيا، ومازال محمد بهم- عليه الصلاة والسلام- حتى عرفوا الحقيقة وافتدوها بالنفس والمال، وهدموا دولا ظلت دهرا طويلا تحمى الطاغوت وتفرض العدوان.. أما عرب الجاهلية المعاصرة فقد انحدرت إليهم خستان: تقاليد آبائهم أيام انحلال الحضارة الإسلامية، وتقاليد الغرب المادى الغارق فى ملذاته وأوهامه! ولا أعرف ناسا أوضع من ملاحدة العرب، وأبعد عن الفكر والإنصاف، ويمكن أن يرددوا مقالة أبى جهل وأضرابه " وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون " . وقد شاء الله أن يحمل العرب رسالة الإسلام. وأن تفضل هداياته بلسانهم، وقال "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته
(1/366)

أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد " . ص _370
ذلك، ويعتبر عربيا أى امرئ من القارات الخمس استعرب وجاد فى لغة القرآن. فالعروبة ليست دم جنس معين، وقد أسلم قديما من الفرس والروم من خدم القرآن ولسانه أكثر ممن ولد فى بطحاء الجزيرة! والمهتم ألا تكون على القلوب أغشية وألا تكون على الحواس علل تمنع من حسن السمع والنظر.. وأى امرئ سَوىّ يستطيع بعدئذ أن يتبع محمدا وهو يناشد البشر أجمعين " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون " . هل الاستقامة على الصراط والاستغفار من الخطأ تكاليف شاقة؟ وهل توحيد الله والرحمة بالفقراء واجبات صعبة؟؟ إنها كذلك عند أولى الأثرة والكبر! ومصير هؤلاء كالح، ولذلك هدد القرآن العرب- الأولين والآخرين- بالويل إذا طال إعراضهم عن الحق وجفاؤهم لرسوله، إنه مصير آبائهم الأقدمين من عاد وثمود! " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود.. " . إن عاقبة الأخلاق القبيحة متشابهة وإن تباعدت السنون. لماذا هلكت عاد؟ " فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة " . ولماذا هلكت ثمود؟ " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى.. " . إن بطر الحق وغمص الناس عند عاد، وإيثار الغى على الرشاد والباطل على الحق عند ثمود، هو ما أودى بهما.. فهل ينجو غيرهم من هذا المصير إذا تخلق بهذه الأخلاق؟ كلا إن الله لا يصلح عمل المفسدين. إننى أنظر إلى عرب اليوم وموقفهم من الإسلام فيغلبنى التشاؤم..! ثم إن عذاب الدنيا لا يغنى عن عذاب الآخرة " ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون.. " . إن السمع والبصر نعم أسداها الله للإنسان كى يعرف
(1/367)

من عظمة الخلق عظمة الخالق، وكى ص _371
يطل بعقله على الكون الكبير، فيقول الله أكبر.. فإذا عزل المرء سمعه وغطى بصره، ولم يتخذ طريقا إلى الله، فإن هذه المشاعر المهدرة ستكون أول من يشهد عليه ويعين على عذابه، يوم يلقى فى النار ويواجه مصيرا لم تلق الحيوانات مثله! ويلاحظ أنه بين عرض الدعوة وجزاء مكذبيها وقع اعتراض معنوى طويل تضمن الكلام عن نشأة الخليقة ونظام الملكوت الضخم: " قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين " . إن الإنسان من هذه الأرض نشأ وعلى خيراتها يحيا، ومنذ استخلفه الله فيها جعله ملكا على عناصرها ليكون عبدا لربه الذى سواه ونفخ فيه من روحه.. لكن الإنسان نسى وطغى. والظاهر من كلام العلماء أن الله أبدع المجموعة الشمسية أولا " خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " . ثم أنشأ البشرية بعدما مهد الأرض لسكناها، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها. وهنا، وفى مواضع أخرى لفت الإنسان إلى أقرب شىء إليه، إلى الأرض التى عليها يعيش، ويؤمن إن شاء أو يكفر!! وذكر هذه الحقائق عقب عرض الدعوة مفهوم، فتدبرها أساس الإيمان، والتعامى عنها سبب البوار. فى وسط سورة " فصلت " حديث عن عوالم أخرى تتصل بالإنسان وهويهم بالخير أو بالشر. إنه حديث عن الجن ووساوسها والملائكة وإلهاماتها، والماديون ينكرون ذلك كله، وليس لديهم دليل إلا وقوفهم عند الحس. ونحن نحترم المادة وما وراءها ونعترف بعالم الجن والملائكة والبشر جميعا. من الجن مؤمنون أخيار، ومنهم شياطين تلازم المرء وتنتهز غفلاته لتغريه بمعصية الله والتهاون بحقوقه. وقد انتهز إبليس- كبير الشياطين- خور- آدم وغفلته وأزه على الأكل من الشجرة المحرمة، وحلف له كاذبا أنه ناصح أمين! وأكل آدم وطرد من الجنة، والسبب الأول نسيانه وضعف عزيمته. والسبب الثانى
(1/368)

تربص الشيطان به وانتهازه الفرصة لخديعته. وكذلك فعل الشيطان مع خصوم الإسلام صدر الدعوة قال تعالى: ص _372
" وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين * وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون " . إن الكافرين رفضوا القرآن وكرهوا سماعه، وأغراهم الشيطان أن يحدثوا ضجيجا فى مجلسه حتى لا يخلص إلى القلوب، وهذا منتهى الفشل فى مواجهة الحق والعجز عن مجادلته. وكل صاد عن الحق يغريه الشيطان بمثل هذه الأفعال. ويوم الحساب يندمون على هذا الهوس " وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " . أما أولو الألباب الذين شرحوا بالحق صدرا واتجهوا إلى نصرته، فإن الملائكة تحفهم وتؤنس وحشتهم وتعينهم على تخطى العقبات: " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون " . ويرى أغلب المفسرين أن هذه الآية تتنزل على المحتضرين وهم فى آخر منازل الدنيا وأول منازل الآخرة، لتطمئنهم على ما تركوا من أحبة ولتشرح صدورهم بما سيلقون من رضوان!! ولا بأس بهذا القول، وهو لا ينفى ما يدل عليه السياق من أن الملائكة تهبط على المؤمنين فى أثناء جهادهم فتلهمهم الرشد وتعينهم على الحق. وقد صح أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- قال! لرجل أحسن الثناء على الله: أعانك عليها ملك كريم، وقال لحسان بن ثابت وهو ينافح عن رسول الله: روح القدس يؤيدك. إن الملائكة تعين على الحق كما تعين الشياطين على الباطل، والأساس فى الثواب والعقاب هو اتجاه الإنسان، وكسبه واكتسابه . . " والشيطان ماهر فى تجز الإنسان بعيدا عن الله وفى تعمية الصراط المستقيم أمامه، فكانت الدعوة إلى الله عملا يذكر الناس وينشط الكسول. والمفروض أن جهاز الدعوة يحرس
(1/369)

الحقائق ويرد الشياطين ويطارد الأوهام والأهواء " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين " . والرسل أئمة الدعاة على امتداد الزمن، ونشاطهم ركن فى دعم الإيمان وانتصار الخير، وأول ما يتجهون إليه تعريف الناس بربهم وتحبيبهم فيه. وقد جاءت آيات فى السورة لتحقيق هذا المعنى ص _373
" ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن " . " ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت.. ". " إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه " . والمحزن أن أجهزة الدعوة الإسلامية معطوبة، وقد تكون فى بعض الأعصار والأمصار معدومة، وتفريط العرب فى خدمة الدعوة لا يمكن الدفاع عنه، وانشغالهم بأهوائهم وعصبياتهم أسقط دولتهم وأضاع رسالتهم، ويمكن أن تساق فيهم الآيات. " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا.. " . " إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه... " . إن حمل العرب لرسالة محمد هو حمل لرسالات الأنبياء قاطبة. فهم فى الدنيا يمثلون الوحى من الأزل حتى النهاية " ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك.." . أما أهل الكتاب فقد أضاعوا ما لديهم ونسوا قواعده " ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم " . ومن الغريب أن القوم أنشط من المسلمين المعاصرين فى خدمة مواريثهم.. ولهم مطارات لتنقيل الدعاة بين الشرق والغرب!! وقد ختمت السورة بآيات تغنى العرب المحدثين والعرب القدامى جميعا " قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد " ؟ ثم يقول تعالى " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد " ؟ إن كل يوم يجىء يزيد أشعة القرآن وهجا وحقائقه قوة،
(1/370)

ويزيد نبوة محمد رسوخا وصدقا. لقد دعا إلى التوحيد الخالص، فهل اكتشف إله جديد غير مرسل الأنبياء المعروفين؟ ولقد وضع نظما للفرد والمجتمع والدولة، فهل وجدت فى هذه النظم ثغرة؟ إنه ما يعيبها إلا التعطيل والإهمال " ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط " . ص _374
سورة الشورى بعد خمسة من حروف الهجاء فى أول سورة الشورى، قال الله لنبيه " كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم " . إن الأنبياء يبعثون بلغات أممهم، والكلمات تتكون بداهة من هذه الحروف المأنوسة، وقد نزل القرآن على محمد بلسان عربى مبين، ثم بلغه النبى صلى الله عليه وسلم كما أنزل إليه، وفسره خلقا وسلوكا فى سيرته المشرقة. وكذلك فعل أصحابه وتلامذته من بعده، فهل محوا الشر من الأرض، وهل صوبوا كل خطأ؟ لقد بذلوا الجهد، ولكن الأرض مذ دب عليها البشر نسيت الوحى أو تناسته، وكانت كوكبا متمردا فى ملكوت يسبح بحمد خالقه " تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم " . وقد ذكر الوحى وحملته أول السورة وآخرها، وذكر خلالها ما كلفت به الأمة العربية من واجبات بعد ما اصطفاها الله لختام الوحى، وشرحت علاقتها بأهل الكتاب الأولين. " وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير " . ومعروف أن الإسلام دين عام خالد، وأنه للقارات الخمس إلى آخر الدهر، ولكن لابد من نقطة ارتكاز يبدأ منها انطلاقه، فكانت نقطة البداية " أم القرى ومن حولها ". أما ميدان البلاغ فهو العالم كله شرقه وغربه، وقد أدى محمد وصحابته واجبهم، وما مضى نصف قرن على البعثة حتى كان الإسلام قد بلغ المشارق والمغارب، وأسقط أعلام الأمم المستكبرة التى استعمرت آسيا وإفريقية! فما خبر حملة الوحى الأول؟ أما اليهود فقد انقطعت صلتهم بالدعوة إلى
(1/371)

الله، وجعلوا الدين ميراثا قوميا يتأكلون به ص _375
ويفخرون، وأما النصارى فقد غلبتهم على حقائق الوحى فلسفات التعدد والفداء، والحديث الطويل عن ابن الله!! وقد جاء الإسلام فأعلن صلته الوثقى بموسى وعيسى، وقرر أنه يؤكد ويجدد الوحى الذى أرسلا به " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ". والواقع أن دين الله واحد من بدء الخليقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. رب تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وعباد خلقهم بقدرته ورباهم بنعمته ليس بينهم من يفارقه وصف العبودية، وأقربهم إليه منزلة أكثرهم له سجودا، وأشدهم له رغبة ورهبة. وهذا المعنى شائع فى القرآن طولا وعرضا، وهو لب دين محمد.. وقد عرفنا صدق محمد بعدما عرفنا الله بعقولنا، وبعدما رأينا الوحى المحمدى طابق العقل !ا نسب لله من حمد ومجد، ولم يقصر أنملة فى تقديسه وتوحيده! إن العقل أفضل مواهب البشر وما جرى على لسان محمد صورة طبق الأصل لما ينبغى لله من عظمة وخشوع وفق أدق مقاييس العقل البشرى. فلنترك الحاقدين على محمد يكذبونه، فإن إساءتهم له نابعة من إساءتهم لمولاه!! " وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب " . فما العمل من هؤلاء الكتابيين الجائرين؟ لا تنشغل بأحقادهم ولا تتجاوب معهم وامض فى طريقك هاديا ومقسطا " فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير " . وقد مضى الإسلام فى طريق الدعوة الحسنة والتفكير الواعى، واستجابت له جماهير أهل الكتاب فى آسيا
(1/372)

الوسطى وشمال إفريقية، كما ثاب الوثنيون إلى رشدهم فى إيران وآذربيجان والهند والصين. لقد انزاحت السدود أمام الفيضان، فانطلق. ومع ذلك فقد بقى الآن فى أوربا وأمريكا من يكابرون الحق ويحاربون التوحيد ويضيقون ص _376
بمحمد، ليكن، فلن يضيروا الله شيئا " والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد " . وعاد الوحى مرة أخرى يحكى أقاويل خصوم الإسلام وخصوم محمد " أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور " . أى لو كان محمد كاذبا ما تركه الله يفترى عليه وينسب إليه هذا الدين الخطير، بل لسلبه العقل، ومحا ما ادعاه! وهذا مثل قوله تعالى فى سورة أخرى " ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين " . ولكن الإسلام استبحر وشق طريقه حتى بلغ ما بلغ الليل والنهار. ولا يزال الأذان فى كل قطر يشهد لله بالوحدة ولمحمد بالصدق، كأنه ساعة تحصى الزمان لا يتوقف لها دق. ولقد كذب على الله بعض الناس وزوروا عليه وحيا مضحكا، فماذا كان مصيرهم؟ لقد امَّحى أثرهم وانقضى زيفهم، وبقى الخلود للحق وحده.. يصنع الإسلام من أفراد الأمة ربانيين يجعلون الله غايتهم ورضوانه أملهم والاستعداد للقائه شغلهم! هل معنى ذلك أنه يصنع أمة دراويش؟ كلا إنه يصنع أمة كدح وجهاد تخدم الدنيا والآخرة معا. والمهم أنها عندما تباشر شئون الحياة تدرك أن الله رقيب عليها، وأنها مسئولة عن إحسان كل ما يخرج من بين أصابعها، ولها على ذلك خير الدنيا والآخرة " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون * ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.. " . والفرق واسع بين مجتمع يعبد التراب وآخر يرمق رب الأرباب! ولذلك فإن السورة هنا ذكرت المؤمنين بعظمة بديع السموات
(1/373)

والأرض، وساقت من الآيات ما يربط الألباب والقلوب بعظمته " وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته.. " . " ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة... " . " ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام " . ص _377
والآيات المذكورة تشير إلى القوانين الطبيعية التى تحكم البحار، وما يطفو فى عبابها من سفن، كما أنها تشير إلى قوانين الجاذبية التى تحكم الأجرام السماوية كلها. ونحن نعلم أن السماوات ملأى بالملائكة المسبحة بحمد الله أبدا، فهل هناك كائنات أخرى؟ هناك الجن وهو عالم آخر مكلف مثلنا. وربما كانت هناك مخلوقات أخرى سوف نجتمع بها يوما، لا ننفى ولا نثبت، المهم أن نحسن العيش على الأرض التى مهدها الله لنا، واختبرنا فوق ثراها. والغريب أن الحضارة الحديثة- مع تفوقها على الحضارات السابقة- عصفت بها الأهواء التى عصفت بالأمم البائدة، فلم تنجح فى مضمار الفضيلة والعدالة. وتحذيرا من ذلك تذكر السورة تسع خصال لابد منها كى ينجو الناس من الغضب الإلهى " فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى (1) للذين آمنوا (2) وعلى ربهم يتوكلون * (3) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش (4) وإذا ما غضبوا هم يغفرون * (5) والذين استجابوا لربهم (6) وأقاموا الصلاة (7) وأمرهم شورى بينهم (8) ومما رزقناهم ينفقون * (9) والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون * وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين " (10). وربما ضحكت الدنيا للطغاة والمجرمين، فعاشوا وافرين مراحين، فما قيمة ذلك؟ " قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين " . من حق الناس أن يروا بينهم أمة تصون الوحى، وترعى أمره ونهيه وتقيم موازينه فى كل مكان، والأمة العربية التى شرفت بالوحى الخاتم جديرة أن تتبوأ هذا المنصب! وقد قامت أول أمرها بحقوقه، ولكنها على مر الأيام نسيت، بل
(1/374)

جهلت!! وفى عصرنا هذا رأينا عجبا، رأينا العرب يبتعدون عن الإسلام ويعتزون بقوميتهم.. وتفرست فى هذه القومية المزعومة، ووضعت يدى فى جرابها، فوجدت زهدا فى الإسلام وفى لغته الفصحى على حد سواء ! وباسم القومية العربية، ازدهرت الإنجليزية والفرنسية والعامية، وذيلت لغة القرآن وتقهقرت، واخترعت آداب خالية من القيم المحترمة، وفرض على الأمة الكبيرة أن تعيش بلا روح ولا تاريخ ولا شعائر ولا شرائع. لقد نجح الإلحاد فى طى صفحتها المشرقة، وهو مصر على سياسته، وهيهات فلن نقبل ذلك. ص _378
(1/375)

وقد استمعت فى هذه السورة إلى تنبيه للعرب وتحذير يقول الله فيه " استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير * فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ... " . ومما يزيد السخط أن عرب اليوم تهى علاقتهم بالإسلام فى وقت يزداد اليهود وغيرهم تعلقا بمواريثهم، أى أن العقائد كلها تنتعش إلا الإسلام وحده فمحكوم عليه بالانكماش. بل مطلوب له التلاشى! وكما بدأت سورة الشورى بالحديث عن الوحى الإلهى، ختمت بالحديث عنه؟ فبينت أولا كيف يقع الوحى " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم " . وليس كل بشر يرشح للوحى، بل يصطفى الله له طبائع خاصة ومعادن قوية، والأنبياء ليسوا سواء فى طاقاتهم واستعداداتهم، كما أن نجوم السماء ليست سواء فى أحجامها وأشعتها. والذى يكلف بهداية مدينة غير الذى يكلف بهداية قطر غير الذى يكلف بهداية العالم على كر العصور. وقد بعث الله محمدا بكتاب فيه شفاء الإنسانية على اختلاف الزمان والمكان، وقد بلغ الكتاب علما، وأقامه دولة، وورثه حضارة، وتركه حصانة للعالم أجمع من الزيغ والتردى " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور " . ص _379
(1/376)

سورة الزخرف بدأت سورة الزخرف بالآيات " حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون " . تكرار عروبة القرآن توكيد للرسالة التى حملها العرب، وهم فى هذا العصر فقراء إلى هذا التوكيد، فقد نبتت بينهم نابتة تحسب أن العرب أغنياء عن الإسلام! ويوم يستغنى العرب عن القرآن فسيكونون أذل شعوب الأرض!! إن هذا القرآن عالى المكانة ملىء بالحكمة، وليس له فى العلم الإلهى نظير، على أن الأمم التى كفرت بالوحى خسرت دنياها وأخراها معا، ولن يكون العرب خيرا منها مآلا. ويكشف أول السورة عن التناقض العقلى الذى وقع فيه المشركون. فهم يعترفون بأن الله هو الخالق " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم " . " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون " . فإذا كان الله العزيز العليم هو الذى خلقهم وخلق السموات والأرض، فما وظيفة الأوثان التى عبدوها؟ وما شغلها؟ وما قيمة أحجار منحوتة لا تعى ولا تضر ولا تنفع؟ أولى بهم أن يعرفوا الله وحده، وأن يتجهوا إليه وحده " الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون * والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون " . وقد ادعى المشركون أن لله أولادا هن أجزاء منه!! وهذا كذب، فليس لله جزء، ولا يوصف بأنه ولد أو والد. إنه فرد صمد. وقد رد فى هذه السورة على ذلك الزعم قائلا: " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين * سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون "! . ص _380
(1/377)

والغريب أن العرب فى جاهليتهم كانوا يزدرون الإناث، ومع ذلك فقد نسبوا الإناث إلى الله، وترفعوا هم عنها " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون " . وفى سورة الإسراء يقول "أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما " . ومضى المشركون فى كذبهم فزعموا أن الله هو الذى أراد لهم ذلك الإشراك! وساقهم إليه، فكشف أن كفرهم بلادة وعناد " وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون * قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون * فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين " . إن جحد الحق ينشأ عن شهوات غالبة لا عن أدلة محترمة وكثيرا ما تكمن فى النفوس أهواء تصدها عن تصديق البديهيات. وقد كشف القرآن الكريم خبايا المشركين عندما قال! " كذبت ثمود بالنذر * فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر * أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر " . إن طبائع الحسد والحقد هى التى تتحرك وراء التكذيب والخصومة، والمتتبع لسير الأنبياء جميعا يلحظ عمل هذه الغرائز الخسيسة فى النيل منهم واعتراض طريقهم. فبعد أن قالوا فى سورة ص " أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب "، قالوا هنا " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " ! والقريتان مكة والطائف، والسؤال لماذا لم ينزل القرآن على عمدة من هؤلاء العمد؟ إن المنطق الطبقى هو المسيطر عليهم، كأن عمد القرى هم الذين يختارون لأداء رسالات الإصلاح والارتقاء ونقل الأمم من الظلام إلى النور. وقديما اعترض بنو إسرائيل على تنصيب " طالوت " ملكا عليهم " قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال " . وجاء الرد عليهم " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم
(1/378)

والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء " . ص _381
إن تنوير الأقطار وتحرير العبيد ونقل الأجيال من القاع إلى القمة يتطلب معادن خاصة ورجالا من طراز نفسى رفيع، ولا يرشح لذلك شخص لديه مال كثير ينفقه فى مآربه وملذاته. والبشر من الناحية المادية يرأس بعضهم بعضا، فالمهندس يأمر العامل والقائد يأمر الجندى. ولكن ما علاقة ذلك بزكاة الروح وسناء الضمير وزراعة الخير فى أرجاء الحياة؟ ولذلك يقول الله تعالى ردا على مطالب الجاهليين بتعيين أحد العمد نبيا: " أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون". إن تفاوت مكانة الناس فى وظائف الدنيا لازم فى ميادين الصناعة والزراعة وغيرهما ولا دخل له فى رسالات المصطفين الأخيار الذين يصنعهم الله على عينه ليربوا البشر ويرفعوا مستواهم. وهناك أمر آخر: أن ما يظفر به البعض من متاع الدنيا لا دلالة فيه على خير، فقد يبسط الله الرزق لقوم هم حطب جهنم! ويبتلى بالعبودية أمثال عمار بن ياسر وبلال بن رباح، وهم من ملوك الجنة، وقد عانوا بلاء شديدا فى هذه الحياة. بل بين الله هنا: أنه لولا أن يخدع الناس جميعا بتنعيم الكفار لجعل الحظوظ تنهمر على أعداء الله!! " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين " . قد يجد المبطلون أعوانا يتجاوبون معهم وينصرون باطلهم بالمقالات المزوقة حينا وبالأسنة المشرعة حينا آخر. وفى هذا جاءت الآية " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " . ويقول الله فى هذه السورة " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين " . وهؤلاء القرناء يؤلفون الجماعات التى تقاوم الحق وتزرع الأشواك فى طريقه، وقد أمر النبى عليه
(1/379)

الصلاة والسلام أن يتصدى لهؤلاء ويتشبث هو وقومه بالوحى الذى شرفهم الله به " فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون " . ص _382
إن هذا الإسلام سياج الحياة للعرب الذين حملوه للناس، وبلسانهم نزل كتابه- وهم إذا أخلصوا له- صاروا العالم الأول! وأمسوا قادة الأرض. فهذا الكتاب صحح ما عرا الديانات الأولى من أخطاء، ورسم للناس كافة المنهاج الذى يكسبون به الحياتين، فليس فى رسالة موسى وعيسى وغيرهما أن لله شركاء وشفعاء. " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون"؟ وإطفاء لفتنة الغنى والملك والجبروت، ساق الله هنا قصة فرعون مع موسى. إن فرعون لم يكن عمدة لبلدة كالطائف، بل كان ملكا لمصر مهد الحضارات ومجرى النيل العظيم، وقد جاء موسى يطلب منه أن يؤمن بالله ويكف مظالمه عن المستضعفين. ولكن الرجل المغرور أبى " ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين * فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين " ؟ وكذب فرعون موسى وطارده وقومه حتى بلغوا البحر الأحمر. وعبر بنو إسرائيل البحر يقودهم موسى، وأراد فرعون اللحاق بهم فغرق ومن معه جميعا ولما أحس فرعون الغرق: " قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين " . عن ابن عباس، لما أغرق الله فرعون ونطق بكلمة التوحيد جعل جبريل يأخذ من طين البحر المستقر فى قعره ويدسه فى فمه، ثم لفظت الأمواج جثة الملك السابق، ورأى الناس على شاطى البحر رفاتا مكسوا بالوحل وفما مليئا بالطين! أين أساور الذهب فى معصميه؟ اختفت مع الألوهية المزورة. وهكذا يختفى المبطلون من مغانى الحياة الدنيا لتستقبلهم عرصات الحساب فى الدار الآخرة! إن حقائق الرجولة شىء والأساور والقلادات شىء آخر! أذكر أنى رأيت رجلا عملاقا
(1/380)

يرتدى الزى الفرنجى، وسلسلة من الذهب تلتف حول عنقه الغليظ. فاستغربت لأن عهدى بالذهب أنه حلية النساء. سألت رجلا يعرف هذا العملاق، ما خلقه؟ فقال قليل الوفاء كثير الملق! قلت: هذا هو الظن به، وتذكرت قول الشاعر: لا بأس بالقوم من طول ومن عظم - جسم البغال وأحلام العصافير!! ص _383
وطوت السورة قصة موسى وفرعون لتذكر بعدها شيئا من سيرة عيسى بن مريم الذى زعم البعض أنه إله. فقد شغب بعض هواة الجدل، وأثاروا لغطا حول مصيره عندما قال تعالى للمشركين " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها " . وبديهة اللغة والعقل أن الآية فى الأصنام المعبودة، فجبريل الذى عبد إلها ثالثا باسم الروح القدس، وعيسى الذى عبد إلها ثانيا باسم الإله الابن لا صلة لهما بالآية، وكلمة " ما " فى " إنكم وما تعبدون " لغير العقلاء. ولذلك قال تعالى "ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون " . وعيسى بلا ريب من سادات أهل الجنة، ويظهر أن فتنة مولده من غير أب رشحت لاعتباره ابنا لله!! وأشاعت ذلك فى أقطار كثيرة، فشاء الله أن يعيده إلى الأرض مرة أخرى ليكذب بنفسه أنه إله ويؤكد أنه عبد مرسل. وهذا معنى الآية " وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم". وقد تواترت السنن على نزول عيسى وانضمامه إلى العالم الإسلامى مؤكدا رسالة التوحيد.. إن الناس قسمان: عارف بالله معرفة صحيحة، أو مفتر عليه، والفصل بينهما ليس هنا. ولذلك جاء على لسان عيسى " إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم * فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم " . وعند قيام الساعة يقال للمؤمنين " ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون " . أما غيرهم فلهم مصير أسود " إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون " . لقد كانوا فى
(1/381)

الدنيا يكيدون للحق ويمكرون بأهله فماذا جنوا؟ " أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون " . وذلك كقوله " إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا " . إن جماهير كثيرة توارثت الضلال وأصرت عليه، وعلى الدعاة أن يثابروا فى إرشادهم دون يأس أو ملل، ولذلك ختمت السورة بهاتين الآيتين " وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون * فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون " . ص _384
سورة الدخان " حم " الدخان. بدأت السورة بقسم بالقران الكريم " والكتاب المبين " ، أى الواضح الجلى " إنا أنزلناه في ليلة مباركة " ، هى يقينا ليلة القدر من ليالى رمضان. وأخطأ المفسرون الذين جوزوا أن تكون ليلة النصف من شعبان! وإنما بوركت الليلة بما نزل فيها من الوحى الخاتم، فهو وحى عامر بالحكمة والنور والخير الكثير " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته... " . " وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه... " . وبركة هذا الكتاب أنه يصنع من البشر ملائكة، وأنه صنع من العرب الهمل أمة ذات حضارة لا تغيب عنها الشمس. " إنا كنا منذرين " للطغيان السائد، وهادمى قواعده، وهذا من قبيل التخلية قبل التحلية، فما قامت عدالة الإسلام إلا بعد الإجهاز على الممالك الظالمة التى سبقته. ومضت الآيات تؤكد عقيدة التوحيد وحاجة الأولين والآخرين إليها. ومعروف أن العرب قاوموا أول أمرهم دعوة الإسلام، وأحرجوا حملتها وأخرجوهم من ديارهم، فدعا النبى ربه " اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف". فأجدبت الأرض وانقطع المطر وجاع المشركون وأظلمت الدنيا فى عيونهم فكأن الجو غطاه الدخان، وملأته غبرة. فذهب ناس إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألونه أن يعفو عن قومه! ولكنهم بعد العفو عنهم وعودة العافية لهم نكثوا!! " إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون " . وقد انتقم الله منهم يوم بدر فأهلك رؤساء الكفر وألحق بهم هزيمة مخزية. ذلك تفسير الجمهور
(1/382)

للآيات . ص _385
وهناك رأى آخر أنا إليه أميل. ربما كان الدخان آية يكشف عنها الغد؟ وكما يوجل العالم الآن من ثقب " الأوزون " وخطره على الناس، قد تتمخض الآفاق عن مصيبة داهمة وعذاب أليم لما شاع فى الأرض من إلحاد وفسوق، ولما يلقاه الإسلام من خصومة وجفاء، ولما يوجه إلى شخص الرسول من مفتريات. عندئذ يجأر الناس إلى الله طالبين الرحمة، ونادمين على موقفهم الخائن من الرسالة الخاتمة. فهل يصدقون؟ أيا ما كان الأمر، فإن الحساب الجامع عند اللقاء الأخير، يومئذ توفى كل نفس ما قدمت وأخرت!! وقد بينت السورة أن حملة الوحى الأول مستهم البأساء والضراء، فإن موسى ناشد فرعون أن يطلق سراح قومه، وأن يتركهم ينطلقون معه إلى بلد آخر ولكن فرعون أبى إلا حبسهم على الأذى، فماذا كانت عاقبته ومن معه؟ أهلكوا جميعا " كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين " . والتاريخ يعيد نفسه، وعاقبة الظلمة فى كل عصر واحدة. والمهم أن أصحاب الدعوات يرتفعون إلى مستواها وتصدق أعمالهم أقوالهم، فإذا آل الأمر إليهم كانوا نماذج للعدل والطهر! والمحزن أن الصلاح قصير الأجل فى حياة أغلب المتدينين. فسرعان ما تغلبهم أهواؤهم ويحيدون عن تراث أنبيائهم. يقول تعالى فى اليهود " ولقد اخترناهم على علم على العالمين * وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين " . فماذا فعلوا بعدما تحرروا وملكوا؟ أظهروا فى الأرض الفساد فمزقهم القدر الساهر.. واختار القدر بعدهم العرب، وأورثهم القرآن العظيم، فساروا به أشواطا ثم تخفوا عنه إلا قليلا، فأدركهم العقاب العتيد المرصد لكل منحرف، فهم الآن شراذم يلغ فى دمها كل جبار! إن الذين يخلصون للوحى يرثون خير الدنيا والآخرة. ذلك هو وعد الله للمؤمنين الصالحين. وأصحاب الحضارة الحديثة على قدر كبير من الذكاء، بيد أنهم لا يلتفتون للحياة الآخرة، ولا يخطر ببالهم أنهم ملاقو الله
(1/383)

يوما، وهم يشبهون أهل الجاهلية من عرب الجزيرة الذين كانوا يسخرون من الحياة بعد الموت، ويعدونه حديث خرافة . . ص _386
" إن هؤلاء ليقولون * إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين * فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين " . وسيجمع الله الآباء والأبناء ، ويحاسب كلا على ما قدمت يداه، وإلا كانت الحياة عبثا باطلا، وكفاحا فارغا هازلا " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون * إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين " . والحق الذى خلقت به السموات والأرض يظهر فى القوانين الدقيقة التى تحكم الذرة والمجرة، والنملة والفيل، والسهول والغابات، والبر والبحر! وهناك علوم جادة تبحث فى هذه الأرجاء كلها، وتعود بالعجائب الهاتفة بعظمة الخالق.. وكذلك يظهر هذا الحق فى حساب أخير يفصل بين المسلمين والمجرمين، والذاكرين والغافلين، وذوى الضمائر الحية والضمائر الميتة! ويمتاز القرآن الكريم بأنه غلب ضجيج الحياة البشرية بوعده ووعيده، وأثبت من صور الدار الآخرة ما ينفى الغرور بهذه الدار الدنيا . وقد ختمت سورة الدخان بأحد هذه النماذج " إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين * يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون " . ماذا ينتظر الأشرار؟ " إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم " . وماذا ينتظر الأخيار؟ " إن المتقين في مقام أمين * في جنات وعيون * يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين " . "إن الله أنزل القرآن على محمد ليوقظ الغافلين ويصنع به أمة ذات رسالة عظيمة " فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون * فارتقب إنهم مرتقبون " . ص _387
(1/384)

سورة الجاثية فى الحث على دراسة الكون واكتشاف آياته جاء صدر سورة " الجاثية " لافتا الأنظار إلى ملكوت السموات والأرض وما حوى من عجائب تقود إلى الله سبحانه. " حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين * وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون * واختلاف الليل والنهار " إلخ. وقد مضت نظائر لهذه الآيات فى سورة البقرة وآل عمران وغيرهما. والمراد دعم البناء العقلى للإيمان، وإقامته على الفكر السوى والبصر الذكى! فهل تكفى هذه الدراسة النظرية لإسعاد الإنسان؟ لا. إنها جانب واحد. والجانب الآخر استغلال الكون نفسه لمصلحة الإنسان، فلهذا خلق. " الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " . والهيمنة على قوانين الكون كما تنفع الإنسان فى الحياة الدنيا ماديا، فهى تقدره على إعزاز عقائده والدفاع عنها. وما تأخر المسلمون وذلوا أمام أعدائهم إلا لتخلفهم فى هذا الميدان! " تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون " . القرآن يقود النفوس بهداياته، والكون يدل على الله بآياته، فلماذا يزيغ امرؤ بعد ذلك أو تضل شعوب؟ " ويل لكل أفاك أثيم " . ومع هذا التوجيه المزدوج، فإن الله رحمة منه بعباده أبى تعجيل العقوبة للتائهين! ووسع لهم الفرصة كى يهتدوا فنصح المسلمين أن يتريثوا فى عرض الدعوة وأن تخص وطأتهم على الكافرين: " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون * من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون " . ص _388
(1/385)

وإلى جانب العلوم العقلية والكونية توجد علوم نقلية شرعية. والمهم فى هذين الصنفين من العلوم أن تقود البشر إلى سبيل الرشاد. ولكن الذى حدث أن جماهير من دارسى العلوم الكونية لم يحسنوا الإفادة منها، فغزوا الفضاء وبقوا كافرين بالله! ورأوا الأجنة تتخلق فى البطون، وبدل أن يعترفوا بالخالق قالوا إن الفاعل مجهول! وهذا الإلحاد صبغة عامة فى الحضارة الحديثة، تشمل غرب أوروبا وشرقها، ويمتد دخانها إلى بقية القارات. ولهذا العوج العلمى نظير بين حملة العلوم الدينية، فقد تحولت موروثاتهم إلى دراسات شكلية لا تهذب نفسا ولا تصقل فكرا. إنهم معها كالدواب التى تحمل صناديق الكتب ولا صلة لها بما حوت! ونصف فساد العالم يرجع إلى قصور رجال الدين وتبلدهم النفسى! ولعل علماء بنى إسرائيل أول من أبطل نظرية سقراط (أن الفضيلة هى المعرفة)، فإنهم لبسوا أردية العلم على أجسام لوثها الهوى " ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين * وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم...". إن العلم الدينى إذا لم يورث الصدق والإنصاف فلا خير فيه ولا قيمة له. ويوجد الآن علماء دينيون وعلماء كونيون ماتت ضمائرهم، وكان فى مقدورهم أن يسدوا للإنسانية الخير الجزيل..! " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله...! . والذكاء فى فهم الدنيا مع الغباء فى فهم الآخرة يحول الإنسان إلى عبد لشهواته، ويربطه بهذه الحياة وحدها، ويصرفه عن الاستعداد لما بعدها، بل يجعله من المنكرين الجاحدين " وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون " . ولذلك جاء ختام هذه السورة تهديدا بالبعث والحساب ووصفا لمواقف الناس أمام ربهم وهو يسائلهم عما قدموا.. " ولله ملك السماوات
(1/386)

والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون * وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون * هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون " . ص _389
والمتأمل فى حضارة هذا الزمان يرى التقدم العلمى رفه حياة البشر، ويسر لهم الملذات وعلقهم بالفترة القليلة التى يقضونها هنا، وأذهلهم عن الخلود الطويل الذى ينتظرهم هناك. ثم إن أهل الكتاب عجزوا عن العودة بالناس إلى الله، وانضموا إلى أعدائه فى ضرب الإسلام ومنع تقدمه، فكانت النتيجة إطباق الفوضى على آفاق الأرض كلها، وزوال شرائع الله فى سياسة عباده. فلا عجب إذا وجهوا يوم القيامة بهذا الخطاب " وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين " . إن العابدين للدنيا قد يربحون قليلا فى العاجلة، فهل ضروا الله شيئا؟ إنهم الخاسرون أولا وآخرا. " فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين * وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم " . إن آخر السورة طابق أولها فى تمجيد الله وتوكيد اسمين من أسمائه الحسنى وهما العزيز والحكيم. ص _390
(1/387)

سورة الأحقاف سورة الأحقاف آخر سور آل حاميم. وقد تكرر افتتاح هذه السور بتوكيد نزول الكتاب الكريم من لدن رب العالمين، وعلى الناس كافة أن يستمعوا إليه استماع التلميذ لأستاذه وطالب الحكمة إلى من يبدلها له، كى يرشد ويرعوى. وبينت السورة فى صدرها أن الله يبنى الخلايا فى الأجسام الحية كما يدير الأفلاك فى آفاقها البعيدة لا يشغله شأن عن شأن، وأن لهذا العالم الذى نعيش فيه أجلا ينتهى عنده كما ننتهى نحن عند مجىء آجالنا، ثم. نبدأ حياة ثانية نحصد فيها ما غرسنا هنا " ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون " . إنهم معرضون عن أمرين: عن السنن العلمية التى تضبط مادة العالم، وعن المصير الذى ينتظر الجميع ليحاسبوا على ما قدموا. ثم شرعت السورة فى مناظرة بين الرسول والمشركين تتناول عقائدهم ومسالكهم، بدأت بذكر آلهتهم وعجزها التام عن خلق شىء " قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين " . ولم يقل أحد إن آسيا من خلق الله وإفريقية من خلق رب آخر، ولم يقل أحد إن الشمس من خلق الله والقمر من خلق رب آخر، هذا لون ظاهر من السخف المرفوض! ودعاء غير الله ما وزنه؟ لو بلغ جوار المشركين عنان السماء ما رجعوا بشىء، إنهم يدعون أصفارا " ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون " . ويرى المشركون أن القرآن من وضع محمد " أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم... " . ص _391
(1/388)

إن محمدا عندما تلا كتابه على الناس دفعهم إلى توحيد الله والإخلاص له والتفانى فى مرضاته وذكره بالغدو والآصال، فهل يعاقبه الله على ذلك؟ وكان إمامهم فى العبودية والتوكل والصبر والأمل فى الآخرة، فهل يلام على ذلك؟ وما قرأت كتابا منسوبا إلى السماء يحدو إلى ذى الجلال والإكرام ويورث إعظامه ومحبته مثل ما قرأت فى هذا الكتاب الكريم، فهل ذلك ذنب محمد؟ إن القول بأن القرآن من وضع محمد يستحيل أن يصدر عن فكر سليم! وقد أصر على ذلك الجاهلون الماديون الذين ينكرون أن لله وحيا، وأن له رسلا. فبماذا أجيبوا؟ " قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين " . عندما شرع يشق طريق البلاغ، لم يكن يدرى ما نتيجة هذه المعركة بينه وبين أعداء الحقيقة، ولكنه صدع بأمر الله مستندا إليه آويا إلى ركنه الشديد فانتصر بعد لأى، وظل حتى آخر رمق مسبحا بحمده مشيدا بمجده، حتى لحق بالرفيق الأعلى. فهل هذه حياة دعى يفترى على الله؟ ما يكون الصدق إذن؟ وليس لأهل مكة عذر فى إنكار النبوات، فإن اليهود فى المدينة يتبعون موسى كما يزعمون، وصالحو اليهود استيقنوا من رسالة محمد، فلا مساغ لإنكار الوحى جملة، ولا لإنكاره على محمد خاصة " قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين " . وفى عصرنا هذا جماهير تنكر نبوة محمد، وأغلبهم لا يؤمن بالله أصلا، فإصلاحهم يبدأ من تعليمهم أم الحقائق، أى من تعريفهم بالله الخالق تبارك اسمه. أما أهل الكتاب الأولون، فصلتهم بكتبهم غامضة، ويستحيل أن يوجد موحد صادق المعرفة لله يكره محمدا!! لم يكر رجلا يقول للناس " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون " ؟ إنه يطلب من الناس الإيمان والاستقامة، ويؤمهم فى
(1/389)

هذا الطريق، فما عيبه؟ وعند عرض الدعوة على الناس يحدث أن تنقسم الأسر بين مؤمن وكافر فقد يهتدى آباء ويضل أبناء وقد يقع العكس، ليكن، فلا إكراه فى الدين، وقد ينتظم الحق الأقرباء جميعا فتتم النعمة، وعندئذ يقول المرء " أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين " . ص _392
وقد يرفض ولد عاق أن يؤمن بالبعث والجزاء، ويأبى نصح والديه له. إنهما لن يغنيا عنه من الله شيئا " والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين * أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين " . ويغلب أن تكون حياة الكافرين ملأى بالمتع عامرة بالشهوات مشحونة بالسهو واللهو، ولذلك قال الله فيهم: " ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون... " . وكان عمر يزهد فى ملذات الحياة لهذه الآية. ذكر ابن عطية أن عمر حين دخل الشام، قدم إليه خالد بن الوليد طعاما طيبا، فقال! عمر: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير؟ فقال خالد: لهم الجنة!! فبكى عمر وقال لئن كان حظنا فى المقام، وذهبوا بالجنة لقد باينونا بونا بعيدا..!! وكان عمر فى إمارته متقشفا لا يزيد فى طعامه عن فقراء المسلمين! ونحن نعلم أن الله لم يحزم على عباده الطيبات، ولكن يخشى على أهل السرف أن يصيروا أصحاب ترف فينسوا الحقوق والواجبات. كانت خصومة الوثنيين للإسلام عنيفة فلم يتركوا فرصة متاحة لمقاومته إلا استغلوها. وصابر المسلمون هذا العدوان، وكان القرآن يشد أزرهم ويقوى حجتهم ويسوق لهم من عبر التاريخ ما يطمئنهم على مستقبل الدعوة، مهما كان العدو عاتيا طاغيا.. وفى ذلك يقول الله لنبيه: "
(1/390)

واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " . هل هو عذاب يوم القيامة؟ أو عذاب الاستئصال الذى نزل بساحتهم؟ الوعيد يحتمل الأمرين، وكانت عاد تسكن جنوب اليمن فى الرمال الممتدة قرب " حضرموت " وسبقت الإشارة إلى ما امتازوا به من فراهة وبأس وطول، وقد سفهوا نبيهم هودا ونبذوه، فعاقبهم الله بجفاف حرمهم المطر سنين، ولكن الأزمات لم تلن قناتهم ولم تكفكف شرهم، فقالوا لهود " قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " . ص _393
(1/391)

فلم يبق إلا أن يأتيهم ما استعجلوه! ونظروا إلى الآفاق فرأوا غيما مقبلا، فاستبشروا بالمطر الذى يرتقبونه من سنين! " فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم " . لقد هلك الأحياء وبقيت البيوت خاوية موحشة..!! وعاد أقوى من قريش فهل تغالب القدر؟ ألا ترعوى؟ ولكن البشر يمنعهم من الإيمان أنهم أناموا عقولهم وغطوا عيونهم وأصموا آذانهم، فصاروا أضل من الحيوان الأعجم " ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون". وقريش تسكن وسط الجزيرة العربية، وتمر بمدائن صالح المخربة، وبقرى قوم لوط التى جعل عاليها سافلها، وتعرف ما وقع لسبأ وقوم تبع، فهل أجدت عليهم أوثانهم؟ " بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون " . وبقدر ما كان عناد أهل مكة تكاثر ضرب الأمثال وسوق النذر، والقرآن مشحون بما يسرى الأحزان عن قلب أمير الأنبياء وبما يوفر للدعاة- إلى آخر الدهر- خطط الدفاع عن الحق، وإبقاء أشعته هادية!! ثم ذكرت سورة الأحقاف أنه إذا كان بعض الإنس لم يستجب للقرآن الكريم، فإن نفرا من الجن استمع إليه واهتدى به، أفلا يدفعهم ذلك إلى التأمل والتروى ؟ والحديث عن الجن ذو شجون. فإن الخرافيين من الناس يهرعون إلى خيمة الغيبيات ليطلقوا العنان لأخيلتهم وينطلقوا مع عوجهم العقلى . إن القرآن يتحدث عن الشيطان فيقول " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم" . فيجىء هؤلاء ليؤلفوا كتبا عن حياة الجن، وعن التزاوج بينهم وبين البشر! وعن أسلوب تسخيرهم... إلخ. وبقدر ما ينطلقون مع هذا اللغو، يقفون خرسا أمام الحق الذى خلقت به السموات والأرض، وشمل الذرة والمجرة، فلا يكتشفون له قانونا ولا يفيدون منه شيئا. وهل نهض
(1/392)

الغرب إلا بدراسة هذا الحق الذى قامت به السموات والأرض ؟ ص _394
لندع ذلك إلى أوانه، ولننظر إلى ما حكاه الكتاب الكريم عن الجن ليسمعه المكذبون من أغبياء الشرك " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين " . غيرهم من أبناء آدم قال " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون! " . أما هؤلاء فقد وعوا ما قيل ثم رجعوا إلى قومهم منذرين...! ونلحظ أنهم قالوا "... إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى " ، وذلك لعلمهم أن الإنجيل ملحق بالتوراة ومؤيد لأحكامها ومخفف لبعض شدتها. أما القرآن فكتاب مستقل طوى التوراة والإنجيل معا فى معانيه، وأنشأ شريعة مهيمنة على ما سبقها من وحى " يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم " . ومضى السياق يعرض! بقريش ويستخرجها من ظلماتها ويهددها بالبعث والجزاء. " أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير " . إن عادا أقوى من قريش والجن أقوى من القبيلين، فهل يكفكف ذلك من كبرياء الكفر عند البشر؟ وتنتهى سورة الأحقاف بآية تطلب من محمد أن يتأسى بأولى العزم من الرسل وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فإنهم عانوا من أقوامهم مثل ما يعانى من قومه وبقوا صامدين حتى حكم القدر فى مصايرهم " فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم... " . إن الكفاح تطول أيامه ولياليه، فإذا جاءت النتيجة المنتظرة كانت ذكريات الماضى كأنها لحظات، كما قال الشاعر: كأنك لم تسبق من الدهر ليلة إذا أنت أدركت الذى كنت تطلب " كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ". هذا الذى ذكر كله " بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون " ؟ ص _395
(1/393)

سورة محمد وتسمى سورة القتال. بينت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبى المرحمة ونبى الملحمة، وأنه يقتص من الظالم للمظلوم، ومن الواتر للموتور، وأنه لا يدع البغى يمشى فى الأرض متكبرا، بل يرغم أنفه ويقلم أظافره. ولكى تعرف جو هذه السورة، سل نفسك أولا: ماذا يكنه أهل البوسنة فى قلوبهم للصربيين الذين ذبحوا رجالهم واغتصبوا نساءهم؟ هل يكنون إلا البغضاء والمقت! وماذا يكنه أهل فلسطين لليهود الذين أخرجوهم من دورهم واسترخصوا دماءهم وحقوقهم؟ هل يكنون إلا الغضب والحقد؟ وماذا تنتظر أن يقوله القرآن الكريم للمغلوب المستباح، إذا لقى خصمه فى الميدان؟ إنه يقول! له " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم " . أو ما جاء فى هذه السورة " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض... " . إن الحرب دواء مر، ولكن لمرض أمر. وكما قال شوقى: الحرب فى حق لديك شريعة ومن السموم الناقعات دواء...! وقد بدأت السورة بآيات تضمنت قانونا عاما خالدا " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم * والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم * ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم " . وكما افتتحت السورة بهذه الستة المطردة، تكرر المعنى نفسه فى ختامها، فقال جل شأنه ص _396
(1/394)

" إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم " . وقد كان المسلمون فى ميادين القتال يتلون هذه السورة جماعات بصوت عالي. ولما كانت فواصل الآيات تنتهى بميم ساكنة فإن الوقوف الجماعى عليها له دوى يخلع قلوب الأعداء! ثم يؤكد الوعد الإلهى نتيجة المعركة داعيا إلى الإقدام والفداء " يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم * والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم " . وخلال هذه التعليمات العسكرية يذكر القرآن مصاير الشهداء، وما ينتظرهم من جزاء " والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها لهم " . ثم يضرب المثل للنعيم المنتظر " مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى... " إلخ. وذاك خلال تسبيح موصول وعبادة تقر بها العين " دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " . ومع الحديث عن المؤمنين المجاهدين والكافرين المعتدين تطرق الحديث إلى المنافقين لكشف النقاب عن سرائرهم المريضة ولحماية المجتمع من شرورهم. إن هؤلاء الناس يشاركون المسلمين مجلسهم حول الرسول الكريم، ويستمعون إلى ما يصدر من توجيهات، ولكن بقلوب مدخولة. وقد يشاركون فى عبادات خفيفة التكاليف، وقد ينقلون إلى خصوم الإسلام ما يدور بين النبى وصحبه ولهم تعليقات تكشف المخبوء من كفرهم " ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم " . وهذا استفهام مشرب بالتجاهل أو بالسخرية، بيد أن وجوههم تسود وفرائصهم ترعد عندما ينزل أمر بالقتال، فهم ليسوا أصحاب عقائد يدفعون عنها، وتعلقهم بمصالحهم الدنيوية يجعلهم جبناء "... فإذا أنزلت سورة
(1/395)

محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت " . ووزر المنافقين مضاعف، فإن هناك كفارا لا يدرون عن الإسلام شيئا ويحاربونه بغباوة. أما هؤلاء ص _397
المنافقون فمقيمون بين ظهرانى المسلمين يستمعون إلى الوحى النازل ويرمقون سيرة صاحب الرسالة فمالهم عذر " إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم " . وفى عصرنا هذا يجدد المنافقون سيرة المخادعين القدامى. فهم يتلقون التعليمات من مناسر التبشير العالمى أو من مراكز الغزو الثقافى ويندسون بين الجماهير يثيرون الفتن ويطلقون الإشاعات ويرجحون وجهات النظر المعادية ويخذلون أصحاب الكفاح: " ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم * فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ". إن الله كشف أولئك المنافقين، وهم على كل حال ستكشفهم مسالكهم وتدل عليهم أعمالهم. بل إن لأقوالهم رنينا يفضح خباياهم " ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم " . وانتهت السورة بوصاة للمؤمنين ألا يستسلموا مهما اشتدت المعركة وطالت فليقاوموا أسباب الضعف وليتحملوا أعباء القتال " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " . ثم قال للناكصين عن البذل الباخلين بما لديهم دون أن ينصروا الحق: " ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " إن المجتمعات الجبانة الشحيحة لا تستحق الحياة والبقاء. ص _398
(1/396)

سورة الفتح عاد المسلمون من عمرة الحديبية وقلوبهم كسيرة، كانوا يؤملون فى زيارة البيت الحرام والطواف بالكعبة المشرفة والسعى بين الصفا والمروة، فلم يتحقق أملهم، وهاهم أولاء يعودون من مكة بعد مفاوضات شاقة مع المشركين ذاقوا فيها العنت، وكادت الحرب تنشب بين الفريقين لولا حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبينما هم يعودون أدراجهم إلى المدينة، نزلت سورة حافلة بالبشريات "إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا " . نصر! نعم ما وقع كان نصرا! وكان بداية الفتح العظيم. ما وقع كان بدء انطلاق الدعوة وزوال العوائق من أمامها، إنه بعد الشروط التى أملاها المشركون على النبى، وقبلها المسلمون كارهين، اتسعت دائرة البلاع وزاد الداخلون فى الإسلام، واعترف بالدولة الإسلامية على أنها كيان قائم يأخذ لنفسه ولربه ما يريد، ولم يمض عامان حتى استسلمت مكة لصاحب الرسالة وهو يقود عشرة آلاف مقاتل، وتحطمت الأصنام التى غبرت قرونا تعبد من دون الله، وعلت راية التوحيد، وأذن بلال فوق الكعبة! إن حكمة الرسول فى الحديبية آتت كل هذه الثمار فيما بعد، ولذلك بشره الله بالمغفرة والنصر، ثم امتدت البشرى إلى جمهور المؤمنين: " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما * ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار.. " . أما أعداؤهم فلهم الويل فى الدنيا والآخرة، سينهزمون ويسقط بينهم علم الشرك ولن تغنى عنهم قوتهم ولا حميتهم، فإن أحدا لن يغلب الله " ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما " . وقد بعث الله محمدا بالحق ليمحو الجاهلية، ويبنى أمة تقوم بالتسبيح والتحميد! وكان الصحابة الأقدمون طليعة هذه الأمة العابدة المجاهدة وقد بايعوا على الموت فى ساعة ص _399
(1/397)

الحرج! ما تخفف منهم أحد. ولا عجب، فهم يحيون لله ويموتون فى سبيله، ومن ثم قال الله فيهم " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما". ولقد صدقوا لله جميعا فأعلن رضاه عنهم، وكافأهم بالخير العاجل والآجل " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها... " . إن سورة الفتح نزلت مع عودة المسلمين إلى المدينة فطمأنتهم وأراحتهم، ثم كشفت لهم حقيقة القوم الذين تخلفوا عن الخروج معهم، وعلمتهم ما يقولون لهم وما يؤدبونهم به. لقد قرر المسلمون العمرة، واستعدوا للخروج، والمنافقون من أهل المدينة يقولون فى أنفسهم: لن يعودوا، ستؤدبهم قريش وتنزل بهم هزيمة نكراء! والغريب أن هؤلاء المنافقين لم يستفيدوا أى درس من هزيمة الأحزاب الذين فشلوا فى اقتحام المدينة. ويبدو أن النفاق متغلغل فى أعماقهم، فهم يتربصون الدوائر بالمسلمين، ويفسرون الأحداث بما يكمن فى نفوسهم من غل، فإذا أحرجوا لجئوا إلى الكذب. " سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا * بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا * ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا " . والمنافقون أعرف بطبائع المشركين، لأنهم ذرية بعضها من بعض. وقد أدركوا أن قريشا لن تأذن للمسلمين بدخول مكة، وأنه إذا دار قتال فسوف ينهزم المسلمون فيه لأنهم قفة. ولا ريب أنهم فوجئوا بعودة المسلمين سالمين، وأن العمرة المنشودة أخلت للعام القادم، وأن الله مكر للمسلمين ورتب الأمور بما يضمن لهم الخير
(1/398)

والفوز. " ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما " . ومن رحمة الله أنه أبقى باب التوبة مفتوحا لمن شاء العودة إلى الله من المنافقين! لكنه اشترط عليهم أن يتركوا عبادتهم للدنيا، وحرصهم على المنفعة الخبيثة ورغبتهم فى اللعب على الحبلين!! ص _400
ولن تصح توبتهم إلا إذا قاتلوا الكفار الأشداء، وثبتوا فى حربهم. " قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما" . قن هؤلاء أولو البأس الشديد؟ قيل: هم هوازن وثقيف يوم حنين. وقيل هم قبيلة مسيلمة الكذاب بنو حنيفة المرتدون. وقيل هم الفرس والروم. وأيا ما كانوا، فإنه قتال يحتاج إلى الفداء والصبر، وبذلك يختفى كل أثر للنفاق! وقد حاول المخففون أن يشاركوا المسلمين فى قتال خيبر لينالوا من غنائمها، ولكن الله أبى ذلك، فما وصف اليهود بأنهم أولو بأس؟ وانتصاراتهم فى هذه الأيام العجاف إنما كانت على علمانيين أو قوميين لا يرفعون للإسلام علما، ولا يرجون من الله تأييدا! " سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا " . إن فتح خيبر والاستيلاء على ثروتها جعله الله مكافأة لمن حضر الحديبية، وقد تم لهم ذلك بعد 40 يوما من عودتهم. كان فتح خيبر بعد زهاء عشرين سنة من بدء الدعوة الإسلامية، وخيبر أقوى وأغنى المستوطنات اليهودية شمالىّ الحجاز، وبالقضاء عليها سقطت راية اليهود وانتهت الدويلات التى أووا إليها فى هذه البقاع، واستراحت الدنيا من عربدة اليهود حين تقوم لهم سلطة! إنهم ما خدموا الوحى الذى أنزل عليهم، ولا شرفوه بمسلك نبيل، ولا حاولوا إنقاذ العرب من الوثنية التى شاعت بينهم، بل على العكس ظاهروا
(1/399)

الوثنية ضد نبى التوحيد وتمنوا أن يعود المسلمون إلى عبادة الأوثان وألا تقوم لهم قائمة! آفة اليهود أنهم جعلوا الدين قومية لهم أو شارة تميزهم عن غيرهم، وكأن الله رب إسرائيل خاصة وليس رب الناس أجمعين. وعندما زعموا لأنفسهم منزلة خاصة عند الله لم يقدموا لهذا الإله ما يقربهم عنده زلفى، بل أشاعوا الخنا والربا وعبدوا الحياة الدنيا، كأن الدين تركة آلت إليهم ليستكبروا على الشعوب!! ومع أن النبى العربى حاسنهم أول ما هاجر إلى المدينة ونزل بجوارهم، فقد بيتوا له الشر ص _401
(1/400)

وأضمروا الغدر، فنزل قوله تعالى: " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير" . ولقد أتى الله بأمره، وعاقب اليهود مرة بعد أخرى علهم يرعوون! فلما أصروا على بغيهم أسقط آخر حصونهم أول السنة السابعة من الهجرة، وجردهم من القوة التى كانوا يعتمدون عليها فى بغيهم، وجعلهم وأموالهم مغنما للمسلمين الذين كانوا يجرون أقدامهم جرا من الإعياء والمسغبة. "وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما". وقد جعل الله هذا الخير لمن سار معه إلى الحديبية وبايع تحت الشجرة!! وقد بينت سورة الفتح الحكمة الإلهية فى رفض الرسول مقاتلة المشركين فى مكة. إنه لو قاتلهم لأنزل بهم هزيمة ثقيلة كما قال تعالى " ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا" . فلم إذن تركهم؟ لتبقى أولا للحرم مكانته المتوارثة، ولأمر آخر خطير، فإن الإسلام فشا فى كل مكان، واعتنقه ناس كثيرون فى مكة نفسها، ولكن ضغط الكفر جعلهم يسرون إيمانهم نحافة أن يفتك بهم فلو دارت رحى الحرب وأعمل المسلمون السيف فى أهل مكة لشمل الأذى هؤلاء المؤمنين المجهولين، وقتلوا مظلومين. قال تعالى: " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما" . وعلى كل حال فإن المسلمين الذين منعوا من أداء النسك فى السنة السادسة، تمكنوا من أدائه فى السنة السابعة ثم دخلوا مكة فاتحين فى السنة الثامنة! كم قتيلا سقط خلال! هذه السنين؟ عدد يحصى على الأصابع!! ص _402
(1/401)

إن الإسلام ضنين بالخسائر فى الأرواح من الفريقين. ولو أحصى القتلى منذ بدأ الإسلام دعوته إلى أن أقام دولته، لكانت أقل كثيرا جدا من القتلى الذين سقطوا فى مذبحة "سان بارثليميوا " فى ليلة واحدة بين الكاثوليك والبروتستانت.. ولكن ديننا مبتلى بالأفاكين ومروجى الإشاعات الفاجرة!! وفى الأحداث التى وقعت، من الحديبية إلى ما بعدها، يقول الله تعالى: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا" . ثم جاءت هذه الآية التى نطيل النظر إليها " هو ا