Advertisement

نظرات في القرآن الكريم



الكتاب : نظرات في القرآن الكريم
المؤلف : محمد الغزالي
الناشر : دار نهضة مصر
الطبعة : الأولي بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة يخرج هذا الكتاب وقد جاوزت الأربعين ببضعة أشهر إنه الكتاب الثامن عشر من السلسلة التي بدأت تأليفها رجاء خدمة الإسلام وإبلاغ رسالاته. وأشعر بأن العود إلى الله يقترب أمده، إذ أغلب الظن أن ما بقي أقل مما مضى . على أني أقلب النظر بين الأمس الذاهب والغد المقبل، ثم أحمد الله على ما وهب من حياة وأفاء من فضل، وأدعوه- كما استحب لأمثالي ممن بلغ أشده- قائلاً في إنابة وتأميل: " رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين " وقد كنت أعلنت عن هذا الكتاب من بضع سنين، غير أن التوفر على إتمامه لم يتيسر إلا من مدة قريبة. فثم موضوعات عاجلة اضطرتني إلى الخوض فيها ظروفنا المعاصرة. وشيء آخر يجب أن أصرح به، ذاكم هو تهيب الحديث عن كتاب الله دون استكمال العدة التي تنبغي بإزائه . ولست أزعم أني أقبلت على الكتابة وأنا رضي النفس بالوسائل المتاحة لي. كلا، وفي حدود هذه الوسائل الممكنة سجلت تلك النظرات التي تطول أو تقصر وفق حظها من رعاية الله !!. وسيجد القارئ فيها جملة معارف حسنة عن القرآن المجيد، تضمنت ثمرات من غراس الأئمة الأقدمين والعلماء المحدثين، وشدها جميعًا نظام يوائم الأسلوب الذي استحلاه المثقفون اليوم، وألفوه في مجالي العلم والأدب .
ص _004
(1/1)

ولم أنس ـ وأنا أكتب ـ أن أمس قضايا دينية واجتماعية تشغل بال المسلمين خاصة، وبال العالم كله. فإن العلم المعزول عن الواقع لا سبيل له في قلبي ولا في لبي . والقرآن نفسه كتاب لا يستطاع عزله عن الحياة أبدًا. وهل نزل إلا ليخطئ أو يصوب من أفكارها؟ وإلا ليمحو أو يثبت من أحوالها؟ إنه كتاب الحياة المفعمة بالحركة المتجددة على الدهر، ولكنها الحياة القائمة على الحق، الدارجة على الصراط المستقيم. وربما حلا لبعض الفلاسفة والمفكرين أن يغلقوا على أنفسهم الأبواب، ثم يرسلوا من نوافذهم نظرات شاردة أو صائبة إلى الأفق البعيد... لكننا نحن العلماء المسلمين ما نستطيع إيصاد الأبواب بين كتابنا الأعظم بين العالم المائج بالخير والشر، كيف؟ ووظيفة كتابنا أن يتوسط الميدان ليقيم العدالة ويأذن بمرور مواكبها، وليقمع الجهالة ويحبس زبانيتها في نطاق يرد كيدهم..؟ ومن هنا تكاتف ساسة الغرب، وتجار الاستعمار على محاربة القرآن بالحيلة والقوة معًا. ألست ترى اللصوص إذا أرادوا سرقة بيت اجتهدوا في تحطيم مصابيحه أو قطع تيار النور عنه، حتى إذا عم الظلام وسرت الفوضى؛ اشتغلوا بالسلب والنهب وهم آمنون!! إن ذلك ما فعله الغرب وهو يمد يده الآثمة لسرقة العالم الإسلامي . لقد ركز هجومه على القرآن نفسه ليأتي على الجزء الباقي من استضاءة المسلمين به، حتى إذا أقام حجابًا كثيفًا بين الأمة المصابة وبين قرآنها؛ خلا له الجو ففعل ما يشاء. وإنك لتسمع الرئيس الإنجليزي ( غلادستون ) يصرح بهذا القصد في علانية لا تنقصها القحة. ففي أواخر القرن الماضي وقف هذا الرجل في مجلس العموم يصيح في أعضائه: "إن العقبة الكؤود أمام استقرارنا بمستعمراتنا في بلاد الإسلام شيئان ولابد من القضاء عليهما مهما كلفنا الأمر. ص _005
(1/2)

" أولهما : هذا الكتاب - يعني القرآن الكريم " : وسكت قليلاً، ثم اتجه نحو الشرق مشيرًا بيده اليسرى قائلاً ….. وهذه الكعبة.. " . والواقع أن ما ذكره في جلاء وحنق رئيس وزراء إنجلترا كان عامة شعور الاستعمار الغربي نحو القرآن!. ولنعترف بأن الغارة التي شنها علينا الجنس الأبيض الهابط من الشمال قد حققت بعض أهدافها، وأنها أفلحت في خلق طوائف غريبة عن القرآن وثقافته، كما أفلحت في توهين الحفظة، وتحقير شأنهم، وإذلال جانبهم في دنيا الناس. بيد أن الجهاد كر وفر، وما تنسحب عنه من أماكن قد تسترجعه بطول السير ومواصلة العمل، "وتلك الأيام نداولها بين الناس" . وأعتقد أننا بدأنا نهضة نرجو أن تعوض ما فاتنا، وأن نستعيد بها خسائرنا الأولى. إن سياسة تحفيظ القرآن بحاجة ماسة إلى مراجعة، كي ما تحقق الغاية النبيلة منها. فنحن نريد بقاء التواتر الذي وصل به هذا القرآن إلينا حتى يصل كذلك إلى الأجيال التي تخلفنا. ولكننا نريد كذلك ألا تلتف حول القرآن هذه الجماهير المتآكلة به، النازلة عن خلقه، المنحرفة عن طريقه، التي تستوعب أحرفه تجويدًا وترتيلاً، ولا تعي من وصاياه شيئًا يرفع رأسها أو يزكي نفسها...!!! إننا نريد إشاعة الثقافة الإسلامية المنبعثة من هذا الكتاب العزيز، وتفقيه العامة والخاصة في روحه وشرائعه ومقاصده وآدابه، ونريد أن تعرف الأمة المنزلة السامية للوحي الإلهي الذي اختصت به، والواجب الكبير الذي يفرضه عليها ... ص _006
(1/3)

وأجدني هنا مسوقًا إلى ذكر أمر ذي بال. إن تكليف القرآن أن يخلق من الطفولة رجولة ناضجة، أو من البله البين عبقرية نادرة شيء متعذر!. هب رجلاً عملاقًا بادي الطول والعرض ذهب إلى خياط ماهر راق، ومعه ذراعان من القماش، وقال له فصل لي من هاتين الذراعين ثوبًا سابغًا!!. ماذا عساه يصنع ذلك الخياط ؟! هل المهارة مهما بلغت تستطيع أن تخلق من ثوب الصبي ثوبًا لرجل بدين طوال؟! إن القصر في الخصائص الفطرية، والنقص في المواد الإنسانية الأولى للتكوين الصحيح شيء يعز على العلاج . ونحن نكلف الدين شططًا حين ننتظر من كتابه الكريم أن يصنع المستحيل. والمشكلة ليست فيما يصنعه الدين بذوي العاهات العقلية والروحية، إنما المشكلة في ما تكون حال الدين إذا حمله أولئك المصابون التعساء ؟!! كيف يعرضونه مستقيمًا هاديًا وهو يخرج من أنفسهم كما يخرج الشعاع من زجاج محدب ملون، لا تكاد تبصر على ضوئه شيئًا ؟؟ إن الله عز وجل يقول لنبيه: " وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون " . فالطوائف التي لديها صلاحية طبيعية للعلم هي التي تتبين.. أما التي تفقد هذه الصلاحية ابتداء؛ فهيهات أن تتبين، وهيهات أن يكون أصحابها مرشدين..! في بعض الموازين التي يستغلها الباعة قد تميل إحدى الكفتين عن الأخرى ميلاً عنيفًا، لخلل في محور الارتكاز. يقتضي علاجه أن تضع ثقلاً كبيرًا في الكفة الشائلة حتى تتساوى مع زميلتها.. هذا العلاج المؤقت قد تتغلب به فترة ما على الخلل الواقع، بيد أن ذلك لا يعطي الميزان صلاحية تقيم العدل وتمنع الغش.. ونحن في عالم الأفكار والمشاعر قد نستطيع التغلب على الخلل الذهني عند نفر من التلامذة، أو نفر من العوام، أما أن نجعل من أصحاب هذا الخلل موازين للقيم الروحية والتوجيهات الدنيوية والأخروية؛ فهذا معناه إشاعة الغش وفرض البخس على الناس. ص _007
(1/4)

وقد رأيت كثيرًا من الناس يدلفون إلى الدين من باب الخدم، ويخرجون إلى الدنيا كذلك من باب الخدم .. هناك نساء يفشلن في الحب، أو يشبعن من الخطايا، أو تقع لهن كوارث تقيم بينهن وبين الحياة المشتهاة حجابًا كثيفًا، فماذا يفعلن بأنفسهن؟ يذهبن إلى الدير وينذرن أنفسهن لله إلى الأبد!!. وهناك رجال كذلك طردتهم الحياة من ميادينها، فلجأوا إلى الدين، إذ لا ملجأ غيره.!! فإذا كان موظفًا أحيل على المعاش عرف طريقه إلى صفوف المساجد. وإذا كان منكوبًا في ناحية ما من دنياه تحول إلى الدين يلتمس في رحابه متسعًا..! وأبواب الإنابة لا تغلق في وجه محزون يلتمس العزاء، ولا في وجه آيب إلى الله ينشد حسن الختام. بيد أن قيادة الحياة إلى الله لا تستمد رجالها من هؤلاء وأولئك . إن الدين قمة الكمال الإنساني النابت في ربوع القوة والنور والحركة والعزم . والقرآن الكريم كتاب يجيء إلى البشر أجمعين ليبني قواهم على الحق، ولينشئ عواطفهم على الخير، وليجعل التعاون على البر والتقوى، الصلة الفذة لمجتمعهم، والغاية الكبرى من تواصل عمرانهم . إن كثيرًا من المسلمين جعلوا القرآن على هامش حياتهم، وتركوا حفظه ودرسه للمنقطعين والمصابين. وهم بهذا المسلك يخونون الله ورسوله، ويخونون أنفسهم. وإبعاد القرآن عن الحياة العامة ليكون نغمًا للمرتزقة بأصواتهم. أو شارة للفاشلين في دنياهم نذير شؤم يتهددنا بأوخم العواقب .. إننا نريد أن يكون القرآن ضياءً لآفاق حياتنا كلها كما يستضيء العالم بالشمس في رائعة النهار .. محمد الغزالي . ص _008
(1/5)

هذا القرآن ما كان الله ليخلق الناس عبثًا، ولا ليتركهم في هذه الأرض سدى . والراشد من يعرف حكمة وجوده، ويسير في الحياة على بصيرة من أمره. حتى يخلف هذه الدنيا وراءه دون أن يذل أو يخزى. ومن قديم دارت في الخواطر وعلى الألسنة هذه الأسئلة: من أين جئنا؟ وكيف نعيش؟ وإلى أين المصير؟. إن الكثيرين لم يهتموا بأية إجابة على هذا التساؤل المتتابع ، وخرجوا من الدنيا كما دخلوا فيها، لا يعقلون شيئًا .!! وبعض الناس أجهد نفسه في البحث وراء الحقيقة، وقضى أغلب عمره وهو يطلبها ولا يبلغها، أو لعله انتهى إلى قرار يظنه ما يبغي .. مع أن بينه وبين الحق ألف ميل !. وقليل أولئك الذين وصلوا إلى أطراف من الحق، ثم تشبثوا بها، واستراحوا إليها... لكن الله لا يترك عباده لهذه الحيرة، وهو أبر بهم، وأحنى عليهم من أن يدعهم يعتسفون الطرق إليه، أو تتعثر جمهرتهم فلا تكاد تهتدي إلى الصراط المستقيم . من أجل ذلك بعث المرسلين يحملون للناس الحق الواضح. ويشرحون لهم سبيله في غير غموض أو تعقيد، ويوفرون على الأذكياء والأغبياء عشرات السنين قد يقضونها في تعرف سر الحياة، فإما شردوا، وإما انقطعوا، وإما أدرك لمعًا من الحق نفر لا يعدون... نعم، منذ وجد في الحياة من يفهم الخطاب، بعث الله من يعرف به، ويشرح مراده من خلقه، ويذكر بالمصير الذي سوف ينتهي إليه العالم، ويبشر المتقين بالخير، وينذر الفجار بالشر !!. ومن ثم يقول الله لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم : " إن أنت إلا نذير * إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير " . والقرآن الكريم هو صوت الحق الذي قامت به السموات والأرض!! ص _009
(1/6)

ومعانيه هي الأشعة التي تألق فيها الوحي الأعلى، وتعرض لها الأولون والآخرون، واستطاعوا بها ـ إن شاءوا ـ أن يعرفوا : من أين جاءوا ؟. وكيف يحيون؟ وأين يصيرون ؟ صحيح أن القرآن الكريم لم ينزل إلا منذ أربعة عشر قرنًا، بيد أن معانيه قديمة جديدة. ففيها خلاصة كاملة للرسالات الأولى، وللنصائح التي بذلت للإنسانية من فجر وجودها، فالقرآن ملتقى رائع للحكم البالغة التي قرعت أذان الأمم في شتى العصور، واستعراض دقيق للأشفية السماوية التي احتاجت إليها الأرض جيلاً بعد جيل..!! إنه لذلك مجمع الحقائق الثابتة . ومجلي عناية الله بعباده مذ خلقوا، وإلى اليوم، وإلى أن تنفض هذه الدنيا. وإظهارًا لهذا المعنى يقول الله عز وجل وصفًا لبعض عظات القرآن : " إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى " . ويقول بعد سرد لتاريخ الأعم والمرسلين أحصى عددًا كبيرًا منها ومنهم : - " إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم * وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين * وإنه لفي زبر الأولين " . ويقول: - شارحًا هلاك الأمم البائدة " إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون * بل جاء بالحق وصدق المرسلين " والنبي الذي جاء بهذا الكتاب، يعلم أنه جدد الدين الأول، وأقام ما انهدم من أركانه، وأوضح ما حال من معالمه، ومن ثم يقول: " لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو أن موسى حي ما وسعه إلا اتباعي" نعم.. ولو كان عيسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعه، وكذلك يطرد الحكم مع سائر ص _010
(1/7)

الأنبياء؛ فإن الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء منفذًا لتراث الذين سبقوه، وبانيًا على قواعده، وملتئمًا مع أهدافه. وكتابه أدق تعبير وأصدقه في بيان ما قال نوح لقومه وما قال إبراهيم لقومه، وما هدى به كل نبي في الأولين أمته. إن القرآن هداية الله للحياة كلها. إن كانت آيات الكون صامتة يستنبط الناس منها الفكرة، ويستخلصون منها العبرة، فآيات القرآن ناطقة تعرف الناس بربهم، وتتولى إليه قيادهم... وإن كان الله قد خلق هذا العالم الكبير، وأسكن أبناء آدم جانبًا منه، ومنحهم الأبصار النافذة المشتاقة إلى تعرف ما بين يديها وما خلفها؛ فهو- جل شأنه- لم يتركهم حيارى يخبطون في بيداء ليس لها دليل، كلا، إن معهم الدليل الهادي إلى الخير، الخبير بالمشابه والدروب، الذي لا يضل ولا يزيغ . نعم . معهم هداية الله التي توارث الأنبياء إبلاغها، وأجهدوا أنفسهم في نصح الناس بها. تلك الهداية التي صبحت الركب الإنساني من بداية الطريق، ثم تدرجت في أطوار شتى مع التاريخ السائر الدؤوب، ثم انتهت إلى صبغتها الأخيرة ووضعها الثابت في ذلك الكتاب العزيز، ثم كتب لها الخلود لتبقى أبدًا منارة الحق، ومثابة الرشد!! إن الذي خلق الحياة مغلقة بأسرار كثيفة أبى أن يجعل الحياة لغزًا معضلاً لمن يمرون بها، فجعل " الدين " مفتاح الإغلاق، وجعل " القرآن " مصدر الدين، وجماع تعاليمه من الأزل إلى الأبد. والتطابق بين حقائق القرآن، ومعارف الكون مفروض ابتداء، فإن منزل الكتاب هو مجري السحاب. ويستحيل أن تختلف حقيقة كونية وحقيقة قرآنية، كما لا يختلف قول العاقل وعمله، والواقع أن القرآن في الدلالة على الله : " كون " ناطق. كما أن هذا الكون الضخم : " قرآن " صامت، وكلاهما ينبثق من ذات واحدة، ويهدف إلى غاية واحدة. ص _011
(1/8)

ولعل ذلك سر الأقسام التي جاءت منوهة بهذا المعنى مثل قول الله سبحانه : " فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل من رب العالمين " . والحلف بهذه الكواكب في فضائها الوسيع حيث تشرق وتغرب يومئ إلى المنزلة التي ينبغي أن تحفظها لهذا القرآن! كأنما هو عالم من المعاني يضارب في جلاله هذا العالم المادي الذي نحبو على كرة منه. وقد تكرر هذا القسم في صورة مشابهة، كان الحلف فيها بالمنظور وغير المنظور من خلق الله . وما نرى من هذا الوجود أضعاف مالا نراه. وبكل أقسم الله على روعة هذا القرآن وصدوره منه وحده، وتنزيهه أن يصدر من مخلوق ما : " فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون * إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين " . ويظهر هذا القسم في ثوب آخر، يتناول المكان والزمان جميعًا، ويضم في طياته مواكب الأحياء وهي سائرة إلى مصيرها العتيد، تخرج من ظلام الليل لتبرز وضح النهار، وتودع حركة النهار لتستقبل هدأة الليل، وتدور بها الأرض لتستقبل صفحات النجوم بعدما سبحت فترة في أشعة الشمس. " فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس * إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون " . هذا القرآن المقسم عليه قول رسول كريم، أرسله به ذو العرش جل جلاله كي تعرف الحياة طريق الحق فلا تشرد عنه، وإن طال المدى، أو اتسمت أرجاء السعي في طول الدنيا وعرضها، وامتداد الزمان وتراخيه . ص _012
(1/9)

ولما كان القرآن الكريم أساس حضارة إنسانية كبرى ومبعث ثورة نفسية وعقلية نقلت تاريخ العالم كله من طور إلى طور. فنحن نريد أن نلمع على عجل إلى بعض خصائص الحركات التي لها في الحياة آثار غائرة . إن نجاح النهضات وبقاءها يرتبطان بمقدار ما تستند إليه من مشاعر وأفكار، بل إن الارتقاء الصحيح لا يكون إلا معتمدًا على خصب المشاعر ونضارة الأفكار. ولذلك لابد في الثورات الاجتماعية الكبرى من ثورات أدبية، تمهد لها، وتملأ النفوس والعقول إيمانًا بها.. وقد تعتري الأمم هزات موقوتة، أو انكسارات وانتصارات سريعة، وقد يصيب الحضارات مد وجزر لأسباب شخصية أو محلية. وذلك كله ينظر إليه المؤرخون نظرة عابرة، ولا ينتظرون من ورائه نتائج بعيدة المدى . أما النهضات التي تصحبها يقظات إنسانية واسعة، وتحف بها عواطف جياشه ونظرات عميقة؛ فهي أمر له خطره ، وله ما بعده !! فنحن مثلاً ننظر إلى صنيع " محمد علي باشا " والي مصر منذ قرن ـ فنرى الرجل أحدث تغيرًا شاملاً في البلاد، وبلغت فتوحه العسكرية حدًّا لم تعرفه مصر بضعة قرون، حتى إن الرجل ملأ قلوب أعدائه بالفزع، فأبت الدول الكبرى وساقت عليه قواها مجتمعة، فهزمته برًّا وبحرًا. وما إن مات الرجل حتى ماتت معه النهضة التي صنعها! لماذا ؟ لأنها نهضة لم تنبجس عن المشاعر العامة، ولم يمش بين يديها وخلفها حشد من الأقلام الباعثة، والألسنة الناصحة. ولم يلتف حولها العلماء والأدباء، يصلون جذورها بالتربة التي تحفظ عليها الحياة، إن لم تحفظ عليها النماء والامتداد. قارن بين هذه الحركة التي قام بها الجندي التركي " محمد علي باشا " وبين الحركة التي عاصرته أو سبقته بسنين، أعني حركة حقوق الإنسان التي قامت في فرنسا ، والتي مهد لها، وأشرف عليها كتاب وخطباء غرسوا في الدماء حب الحرية، وكراهية الظلم، وكانت مقالاتهم لهبًا يؤجج الجماهير، وينير لها المستقبل إن عزت إنارة الحاضر. ص _013
(1/10)

بل قارن بين هذه الحركة، وبين ثورة الطبقات التي أشعلها الروس ، وجعلوا الدعايات المغرية تسبقها أو تلحقها، حتى إنهم ليجعلون من مبادئهم أماني للمحرومين، وأهدافًا للطامحين. فما تنالهم هزيمة إلا هاجت حميتهم لكفاح جديد وأمل بعيد.. إن ذلك يؤكد الحقيقة التي أشرنا آنفًا وهي أن النهضات الكبرى لا تستوي وتستمر على الزمن إلا بمدى ما تمت به إلى المشاعر والأفكار وتنفذ به إلى النفوس والعقول. والنهضة التي اقترنت بالقرآن الكريم اقتران النهار بالشمس؛ وجدت أسباب الحياة والازدهار في هذا الكتاب العزيز، على نحو يروع الألباب.. بل إن هذا القرآن وفر للنهضة الإسلامية من عناصر الوجود والاكتمال. ما لا تستطيع صنعه ألف وزارة للدعاية تجند فيها لتغذية العواطف والآراء آلاف الأفلام الواعية والألسنة الحادة. كان هذا القرآن للحركة الإسلامية صحافتها، وإذاعتها، وكتابتها، وخطابتها، ومن آياته وحدها اهتزت الأجيال الهامدة اهتزازة الحياة، وتخلصت بقوة وعزم من عقابيل الجاهلية الأولى لتنشئ نهضة جديدة متميزة بحقائقها وشاراتها: نهضة لم تنبعث من نفس رجل واحد فتموت بموته، بل نهضة تنبعث من أعماق النفوس التي آمنت عن يقين جازم. واقتناع محض، وكأن كل واحد من حملة هذه الرسالة هو الذي اختص بهذه الآيات : " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " ، إن الإسلام عقد الأواصر فأحكمها بين رسالته السماوية، وبين الآخذين بها، والحياة التي يريدونها. وقد كان هذا القرآن الكريم السناد النفسي والعقلي لجهاد الأتباع، وعملهم الرتيب في توجيه الحياة. وإعادة تخطيطها على أسس أرقى. وعندما نتجوز ونترخص وندخل في باب المقارنة بين الدعائم الأدبية للثورات ص _014
(1/11)

المختلفة. نجد رباط المسلم بالقرآن أوثق وأزكى من رباط الشيوعيين بكتاب " ماركس " وغيره. ومن رباط الديمقراطيين بكتابات " روسو " وغيره، بل إن الفيوض المعنوية التي تنساب مع القرآن، وتشرح الصدور به، وتضاعف الحماس له، أجلُّ من أن تدخل في موازنة ما مع أي سناد أدبي لنهضة في الأولين، أو في الآخرين. ألم تر أن السيف يزري بقدره إذا قيل هذا السيف أمضى من العصا ونجاح الدعاية النفسية والفكرية التي أحدثها القرآن هو الذي قذف بالوهن في قلوب خصومه، فحاربوه وفي نفوسهم ريبة من موقفهم، وشك في قضاياهم، بل إن الألوف خاصموا الإسلام، وهم يخفون في طواياهم احترام حقيقته، وتصديق رسالته. ذلك أن الأدلة التي بسطها القرآن الكريم والأساليب التي ساقها حسمت جميع الشبه التي يمكن أن تهجس في النفس، وجعلت دعوته عالية لا تعال. وليس أنجح لرسالة من أن خصمها يحس في أعماق ضميره أنه مبطل في جفائها. وليس أنجح لدعاية من أنها تبلغ في التأثير على عدوها درجة تفرق بين المرء ونفسه!! وبلوغ القرآن هذه الغاية من التأثير في الأصدقاء والأعداء بعض أسرار الإعجاز التي نوه بها العلماء وبعض أسرار الخلود التي كتبها الله لآياته ... وقد كره عشاق المعجزات المادية أن تناط بكتاب ما هذه الآثار، وقالوا متطلعين : " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى " . لا.. هذا قرآن تسير به الرجال، وتصلح به الأرض، ويكلم به الأحياء. هذا كتاب يصوغ الحياة في قوالب جديدة، ويرد النفوس إلى نظراتها السليمة، ويذود عن البشر فتن الشياطين، ولوثات الأغبياء، وتقاليد الجاهلين والجاحدين . هذا كتاب الوجود، يعرفه من عرف نفسه، وعرف الغاية من محياه، ومن مبتدئه ومنتهاه . أما الجاحدون له، فسيعلمون غدًا وجه الحق إن لم يعرفوه اليوم. " أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم
(1/12)

حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد " . ص _015
كيف نزل ولماذا خلد ؟؟.. لكي نفهم القرآن فهمًا صحيحًا لابد أن نفهم الأحداث التي عاصرته، وأن نعي الأحوال التي قارنت نزوله. فإن آيات القرآن وثيقة الارتباط بالظروف التي جاءت فيها. وفقه هذه الظروف جزء من فقه الهدايات السماوية التي تعلقت بها وتعرضت لها. لو أن القرآن نزل دفعة واحدة؛ لما أمكن لدارسه أن يفصل بين معانيه وبين الملابسات العديدة المتشعبة التي أحاطت بها. أو لحار في وضع كل حكم بإزاء الحالة الدقيقة التي تناسبه. أما والقرآن نزل مفرقًا على بضع وعشرين سنة حفلت بالحوادث الجسام، وتتابعت عليها أطوار شتى، وكان نزوله على هذا النحو يمت بأوثق الصلات لتغاير الحوادث وتجدد الأطوار؛ لذلك لابد في فقه القرآن من فقه الحياة نفسها التي أحاطت ببداية أمره ونهايته، ولابد من استيعاب التاريخ المفصل لهذه الفترة الخطيرة. ومن الظلم الفادح للقرآن الكريم أن يحاول أحد تفسيره وهو ذاهل عن الجو الذي اكتنف نزول الآيات، فإن تاريخ النزول وسببه جزءان لا يمكن تجاهلهما في تكوين المعنى وإيضاح القصد، بل لا يمكن تجاهلهما في تربية الناس بالقرآن وأخذهم بآدابه...! وقد علمنا الله - عز وجل - طرفًا من هذه الحقيقة، في هذه الآيات من القرآن. " وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا " . أي أن الله نزله مفرقًا كذلك لحكمة مرادة له، وما كان يعجز عن إبرازه للناس مرة واحدة، لكن ذلك- لو حدث- يفوت الآثار العظيمة المقصودة من إرسال الكلام في مواضعه التي يجود فيها. إن الكلمة في مناسبتها الدقيقة تجيء كالعون المسعف عند الحاجة الماسة، أو كالحلو البارد على شدة الظمأ. ص _016
(1/13)

والرسول وهو يحمل عبء البلاغ عن ربه، ويشق طريقه وسط التكذيب والعناد، والقسوة والهزء، ويمضي بأتباعه القلائل في معركة موصولة الليالي والأيام، هذا الرسول الجاد المصابر بحاجة إلى مدد بعد مدد من عناية الله الذي يبلغ عنه، بحاجة إلى تثبيت الوحي نفسه في مجال لا تفلح فيه قوى البشر وحدها..!! إن أصحاب الرسالات الإنسانية إن لم تواتهم حظوظ طيبة، أو تساعدهم أقدار حسنة؛ فشلوا حتمًا. والرسالات الإنسانية أعمال محدودة القيمة والهدف، فكيف بمن يحملون رسالات السماء؟! وهي أجل وأنبل وأثقل ما عرف العالم من توجيه وجهد...؟ إن تثبيت أفئدتهم بالوحي الذي هو أساس لظهورهم أمر لا عجب فيه. وتفريق هذا الوحي حسب ما يلقون من متاعب وصعوبات أمر لا عجب فيه كذلك ... هذا فيما يتصل بالناحية النفسية للرسول. وثم أمر يتصل بطبيعة الوحي المنزل، فإن الله يقول فيه " ورتلناه ترتيلاً " أي بيناه في ترسل وتثبت . والتبين على هذه الصورة معناه سوق الآيات على مهل، مفرقة تفريقًا يسكب الوضوح واليقين على كل جزء فيها، قد يكون في الإجمال والسرعة نوع من الإغماض والتجوز، أما التفصيل المتأني فهو دائمًا قرين الصدق والدقة، وقد فصلت آيات القرآن من ناحية الأسلوب؛ فجاءت وقفة بعد وقفة، وفصلت من ناحية الموضوع فجاءت على قريب من ربع قرن، كأن الزمن قد جعل جزءًا من شرحها، أو عونًا على ترديد صداها، وإتاحة التأمل المستغرق فيها.. وتنكشف هذه الحكمة كلها في قوله بعد : " ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا " . أي أن الناس سوف يتلقون مطالع الرسالة بصنوف من الاعتراض والتساؤل، وسيؤلفون لها ردودًا. ويثيرون حولها شبهًا. وهنا تبدو الفائدة من نزول الوحي مجزءًا؛ فإن الشبه المثارة ستكون فرصة لمزيد من نور الحق يكشف ضلالها، ويمحق محالها، وسيتكفل الوحي بالإجابة على كل سؤال، والإزالة لكل خفاء .. وقد تكون تفرقة النزول ظاهرة النفع عند الحكم في القضايا المتجددة
(1/14)

، أو الإفتاء في المسائل العارضة. ص _017
بيد أن ذلك لا يجعلنا نغفل الأصل الذي أشرنا إليه ابتداء.. إن ربع قرن في حياة الناس ليس شيئًا هينًا، إنه مرحلة كبيرة في حياة الشباب والشيوخ والرجال والنساء، وهو مرحلة تتسع لشئون كثيرة جدًّا في العلاقات الفردية، والاجتماعية والسياسية، خصوصًا إذا تراوحت أيامه بين الحرب والسلام، وجمعت حوادثه بين أمم مختلفة. وقد قام محمد يدعو إلى الله قرابة هذه الفترة ويواجه العواطف والأفكار، والأفراد والجماعات، والشدة والرخاء، والنصر والهزيمة، والهجرة والاستقرار، وأهل الكتاب وعبدة الأصنام، والدول المنظمة، والقبائل الساذجة! وكان في هذا الإبان الحافل في صميم الحياة ولا يحيا على هامشها!... كان الوحي ينزل طول هذه الفترة توجيهًا لما يستقبل أو تعقيبًا على ما يستدبر، كان القرآن الكريم طوال ثلاث وعشرين سنة ينزل وفيه حكم الله على ما يكون، وفيه تحديد لموقف الإسلام، لا بالأوامر المقتضية فحسب، بل أحيانًا بالقصص المفصلة التي يحيى فيها تاريخ قديم وتسرد فيها أحداث مشابهة. ولهذا القصص لون خاص واتجاه معين. ومن هنا قلت، إن فهم القرآن لا يتم إلا بفهم معالم المجتمع الذي نزل فيه، وإلا بتحري أسباب النزول وتواريخها، واستقصاء الملابسات التي تكتنف الموضوعات كلها، وبهذا يصح أن نكون علماء بالقرآن... وأحب أن أشير هنا إلى خطإ شائع، فكثير من الناس يظن أن التوراة والإنجيل نزلا جملة واحدة، ويعلل اقتراح الأعراب نزول القرآن جملة واحدة، بالاطراد مع السوابق الأولى، وهذا وهم، فمن الذي قال إن هذه الكتب نزلت كذلك؟ وما دليله؟!. إن الواقع من مطالعة ما في يد اليهود والنصارى الآن ينفي هذا الزعم؛ فالأناجيل المتداولة قصص كتبها تلامذة عيسى، ودونوا فيها بعض تعاليمه التي صدرت عنه حسب الحوادث. وكذلك الرسائل الأخرى التي كتبها " بولس " وغيره. والعهد القديم - كما نراه الآن - لا يختلف عن العهد الجديد في
(1/15)

الزمن الذي تألف فيه. وليس في القرآن الكريم أن الله آتى عيسى الإنجيل دفعة واحدة، ولا آتى موسى التوراة دفعة واحدة... والألواح التي أخذها موسى كانت تحوي الوصايا العشر فقط . ص _018
ولا مانع ـ فعلاً ـ من أن ينزل الله على بعض أنبيائه كتبًا كاملة، لكن هذه الكتب لن تكون أسسًا لرسالات بعيدة المدى واسعة الشرائع . ربما ضمت بعض العظات والعبر، وربما جمعت بعض الحكم والأناشيد، ربما حوت طائفة من الأحكام الفردية لمدة موقوتة. وذلك شيء غير ما انفرد به القرآن الكريم من خصائص وميزات، جعلت نزوله يأخذ نسقًا مربوطًا بأحوال الحياة وشئون الناس فترة كافية للإحاطة بكل دقيق وجلي منها... نعم. فالسنوات الثلاث والعشرون التي استغرقت نزول القرآن يمكن حسبانها دورة اجتماعية كاملة، ثم فيها البيان الإلهي لسياسة الحياة والأحياء .. وما تفد به القرون بعد ذلك من أحوال نفسية واجتماعية لا يعدو أن يكون صورة مكررة لما سبق أن قال القرآن كلمته فيه : " …. ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " . لقد نزل القرآن منجمًا حسب الحوادث، فلنفهم هذه الحوادث، لنفهم حقيقة القضية، ومنحى الحكم جميعًا، وهذه الحوادث ليس خصومة نشبت بين أفراد، بل هي سير حياة، وطبيعة بشر، وحال مجتمع، أو هي كما قلنا مثل يتكرر على العصور لشئون الحياة والأحياء، والقرآن النازل بإزائها هو الإرشاد الإلهي الخالد لهذه النظائر المطردة .. وخلود القرآن يرجع إلى جملة الحقائق التي حواها. إن هناك معارف يلحقها الخطأ والصواب، فطروء التغير عليها مفهوم، أما ما ثبتت صحته؛ فإن مر الأيام لا ينال منه شيئًا. إذا ثبت أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، أو أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان؛ فإن هذا الثبوت لا يتفاوت على اختلاف الليل والنهار، وهو بعد عشرة قرون مثله قبل عشرة قرون . وهناك قوانين علمية كثيرة بلغت هذه المرتبة من اليقين. وليس في قدمها ما يغض ص
(1/16)

_019
من شأنها... والمعارف التي حواها القرآن هي كلها من هذا القبيل المقطوع بصدقه. سواء في ذلك وصفه الكون، أم سرده لتاريخ الأوائل، أم الأسس والعبر التي قررها لازدهار الأمم وانهيارها، وما يتبع ذلك من توجيهات مطلقة للناس أجمعين. هذا الحق كما يمد رواقه على ما جاء في القرآن من الأوصاف والأخبار والحكم المستفادة، يشمل كذلك جميع الأوامر والنواهي التي تضبط السلوك العام، وتقيمه على نهج محدود، فإن السداد لا يفوت واحدًا منها. وكما أن الصدق لا ينفك عن أي خبر جاء في القرآن الكريم، كذلك لا ينفك الرشد والخير والنفع الخاص والعام عن سائر الخطاب الإلهي المتعلق بأعمال المكلفين، فما أمر الله بشيء يمكن الاستغناء عنه ولا نهى عن شيء يحسن الإلمام به والقرون قديمها وحديثها في ذلك سواء .. والمرء قد يغير كلامه إذا تطرق الخطأ إليه في قصة يحكيها، أو تطرق القصور إليه في حكم يصدره . أو لحقه سوء التقدير وهو يصدر أمرًا ما، فإذا برئ من هذه العلل كلها، وكان الكلام بمنأى عن أعراضها، فلم يتغير القول؟ وبم يعاب؟.. إن القرآن الكريم خالد على الزمان لأن كل كلمة فيه تنزهت عن هذه العلل: " .. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير " . وقيام معانيه على الحق كقيام الشعاع على النور، والحق لا يزول ولا يحول، وذلك سر خلود القرآن. نعم. هو كتاب قديم، والمشاهد أن العالم بلغ في هذا العصر درجة من التفوق العلمي لم يسبق لها نظير، وأن الكشوف العلمية أقامت في الدنيا حضارة تكاد تنسلخ عن ماضي الإنسانية بما فيها من تفوق وسيطرة، فكيف تطرد هذه المكانة الأدبية لكتاب من مخلفات العصور الأولى؟ وكيف يستمع له بهذا الإجلال وهو يحدث ويوجه؟.. إننا لا نفزع لهذا التساؤل، بل نجيب عليه في هدوء قائلين: لو أن القرآن نزل يوم الناس هذا؛ ما تغيرت نظرته للكون، ولا وصاياه لسكانه!! نعم، ولا فاتته مع ذلك ذرة من الصدق في حديثه وتوجيهه، ووصفه للعالم ونصحه
(1/17)

للناس . ص _020
إن القروي في مصر قد يخرف وهو يصف ناطحة للسحاب. ويوزع الحقوق والواجبات على ساكنيها.. ولكن المهندس الذي أشرف على البناء وعرف مداخله ومخارجه ومرافقه ودقائقه لن يرسل الكلام في هذا المجال على عواهنه . والذي قال هذه الآيات، والذي أنزل هذا القرآن من قرون طوال هو رب العالمين. فحديثه عن خلقه حديث الخبير المحيط، ومن ثم تتجدد معارف البشر ويماط اللثام عما في الكون من أسرار، ويبقى مع ذلك الوئام قائمًا بين مكتشفات العصور، وحقائق الكتاب العزيز، لِمَ ؟ " قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما " . إننا لا نزعم أن القرآن كتاب كيمياء وطبيعة وفلك ، ولكننا نقرر أن الصورة الكاملة للكون- كما ترسم ملامحها هذه العلوم- تتسق مع الصورة نفسها التي ترتسم في ذهن قارئ القرآن. تتلاقى معها على كل حال. بينما تنسب إلى السماء كتب مقدسة ـ في نظر أصحابها ـ تتحدث عن الكون حديث راكب الدابة عن الطيارات النفاثة. ذاك هو الفرق بين كلمات يؤلفها الناس من عند أنفسهم؛ فهي مزيج من حق وباطل وجدل وهزل، وعلم وجهل. وبين كلمات ينزلها الخالق البارئ المصور : " عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين " . وذلك هو السبب في أن الإسلام عقد صلحًا دائمًا مع العلم، بل يسر له السبيل، وزين له الغاية. أما غيره فقد دخل معه في عراك وحشي كان له أسوأ الأثر في تاريخ الحياة. ومسير الحضارات : قلت في كتابي " تأملات في الدين والحياة " : " لقد قطعت الإنسانية ثلاثة عشر قرنًا أو يزيد بعد رسالة محمد، وخطت الحضارة أشواطًا فسيحة إلى الأمام، واطردت سنة التطور في كل شيء، وقد يقال: ماذا يصنع دين، أو ماذا تصنع الأديان جملة، وقد جاءت في العصور القديمة والوسطى ونحن الآن في عصور أخرى؟!... وهذا تساؤل يمليه الجهل بطبيعة الإسلام الحنيف! ذلك أن الإسلام دين الحقيقة،
(1/18)

ص _021
والحقيقة لا تتغير وإن تغيرت الأزمنة والأمكنة، وما هو ثابت في نفسه يستوي في ضرورة العلم به، أن يكون عند بدء الخلق، أو عند قيام الساعة .. والإسلام جملة من الحقائق التي تتعلق بالعقيدة، وبالفكر، وبالخلق. وبصلات الناس بعضهم ببعض، أو صلاتهم جميعًا بالخالق ـ جل وعلا . ولو أن ديننا نزل إلى الناس في هذه الأعصار أكنت تحسبه ينقض مبدأ التوحيد في العقيدة ؟ أو مبدأ الأخوة في المجتمع؟ أو مبدأ التعارف بين الأمم؟ أو قانون العدالة في الأحكام، والفضيلة في الأخلاق؟ أو الصلاح النفسي الذي لا ضمان له بين عامة الناس إلا بضروب العبادات وصور الطاعات؟ أو تحسبه يعترف بضراوة الشهوة بين الأفراد، وضراوة القوة بين الأمم؟ كلا. كلا! فلو أن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء الإنسانية في أمسها القريب أو يومها الحاضر، أو لو أن عشرات النبيين انطلقوا من بعده بين المدائن والقرى مبشرين ومنذرين؛ ما عدوا حدود القرآن في هديهم، ولا تجاوزوا حلوله السمحة في المشاكل التي تعترضهم؛ فإن هذا الدين جعل الله فيه خلاصة للأديان السابقة، وغناء عن الشرائع اللاحقة، نعم، وإن محمدًا صاحب الرسالة العظمى هو أمل العالم في يومه وغده. وكتابه هو الدواء الفذ لما أصاب العالم من دوار، ولما اعترى خطواته من عثار .." ص _022
(1/19)

ثبوت القرآن من قرون سحيقة، والشمس ـ في مرآي العين ـ هي الشمس، لم تتغير على تعاقب الأجيال، ولم تزد ولم تنقص على اختلاف الليل والنهار..!! ومن قرون سحيقة، والقمر- في مرآي العين- هو القمر، لا يزال بين الخلف والسلف مستدير القرص، هادئ النور، لم يطرأ عليه مع اطراد الزمان تبديل، ولا نالت منه " عوامل التعرية " التي يقول العلماء: إنها تنقص الجبال الرواسي وتبريها، طولاً وعرضًا..!! ونحن المسلمين نرى القرآن الكريم حقيقة علمية ثابتة كهذه الحقائق الكونية الدائمة؛ فهو هو منذ بدأ لم يزد حرفًا، ولم ينقص..!! نقله جبريل عن الله بأمانة، ونقله كذلك محمد عن جبريل، ونقله الصحابة عن محمد، ثم تتابعت الجماهير الغفيرة، تنقله عبر القرون، حتى بلغت إلينا مثلما نزل قبل أربعة عشر قرنًا، وسنورثه نحن غيرنا بهذه الهيئة المكتملة المصونة، وسيظل الحفظة يروونه للأعصار المقبلة إلى أن ينفض سرادق الحياة والأحياء، وينقلب الناس جميعًا إلى الله..!! لا، بل سيظل القرآن في العالم الآخر باقيًا يتلوه أهله على النحو الذي نزل به أمين الوحي لأول مرة، وفي الحديث : " يقال لقارئ القرآن: اقرأ، وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها " . إن هذا القرآن قد اختصه الله بالحفظ والخلود. فهو حقيقة محصنة من التحريف، وهو حقيقة تغالب الفناء وتغلبه .!! وليست هذه دعوى تقوم على حماس العاطفة وتعصب الإيمان. فإن الذي نقوله هو منطق التاريخ . ومنطق التاريخ هنا يستقر في الأذهان ، لا بالاستنتاج والحدس واستنطاق الآثار، بل بالحس القائم على الرؤية والسماع.!! ص _023
(1/20)

إن الأدلة التاريخية المختلفة قد ترشح بعض الحق، أما الحالة بالنسبة للقرآن فإن الشواهد على صدقه تجيء سيلاً غدقًا، ينفي بطبيعته الشبه، ويؤسس اليقين تأسيسًا..!! والطريق الأول في أخذ القرآن عن صاحب الوحي، ثم في انتشاره بعد بين الناس هو التلقي بالمشافهة على سبيل التواتر والاستفاضة ؛ فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ ما يجيئه من عند الله، والصحابة يسمعون منه بآذانهم، فيعرفون منه حقيقة النظم القرآني، وأسلوب أدائه معًا. كأنواع المدود ومخارج الحروف وما إلى ذلك. وهذا الضرب من التلقي لم ينتقل به القرآن الكريم من الرسول إلى أصحابه مرة واحدة أعقبها صمت طويل. كلا، فإن تكرار القراءة جعل تداول الوحي الأعلى أمرًا مفروضًا؛ فالرسول يحفظه، وأصحابه الآخذون عنه يحفظون، ثم يعود هذا المحفوظ إلى الظهور في الصلوات الموقوتة، فالرسول يقرأ والصحابة يستمعون. وإذا أراد أي مسلم أن يتعبد؛ قرأ في جوف الليل، أو في وضح النهار، وإذا أراد أن يتغنى بالقرآن فعل، وإذا أراد أن يخطب به فعل، وإذا أراد أن يدرسه فعل، وهكذا. ما إن ينزل شيء من القرآن حتى تستوعبه الصدور، ثم تردده في كل أفق، لا في يوم أو عام ، بل في قرابة ربع قرن، ولا مع رجل واحد، أو قبيلة واحدة. بل بين الألوف المؤلفة من الناس..!! إن هذه الأشرطة الحية لم تكن فقط مستودعًا يحفظ القرآن لتتيسر عند اللزوم إذاعته، بل كانت تهدر بآيات الله آناء الليل، وأطراف النهار، في حلق الذكر ومجالس العلم، ومحاريب الصلاة، وخطب الجمع، والمجامع العامة..!! وبهذا التواتر الرائع ثبت القرآن ثبوتًا لا مجال فيه لظنون أو أوهام . وعلماء المسلمين يعتمدون على طريق التلقي هذه، ويرجعون إليها وحدها في علوم التجويد والأداء. قال السيوطي : " والأمة كما هي متعبدة بفهم معاني القرآن وأحكامه، متعبدة بتصحيح ألفاظه، وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من الأئمة القراء، وهي الصفة المتصلة بالحضرة النبوية "
(1/21)

أي أنه لا يكفي الأخذ من المصاحف بدون تلق عن أفواه المشايخ المتفرغين للتلاوة.! يدل على ذلك ما رواه الطبراني وغيره عن مسعود بن زيد الكندي، قال : " كان عبد الله بن مسعود يقرئ رجلاً، فقرأ الرجل الآية: ص _024
" إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها " . قراءة مرسلة خطف فيها المدود فلم يشبعها كما ينبغي، فقال عبد الله بن مسعود: ما هكذا أقرأنها ثم تلاها مرة أخرى :" إنما الصدقاتُ للفقراء... " ، ومد للفقراء المد اللازم المعروف. وشيوع القرآن الكريم على هذه الصفة الواسعة الراسخة لم يجئ عفوًا، وإنما مهدت له أسباب فعالة نوجزها هنا: 1- فالعرب في فجر الإسلام كانوا أمة لها خاصة بارزة في مآثرها ومفاخرها هي تذوق الأدب العالمي، والإقبال عليه، ونحن نعرف الأمم الآن بخلائق معينة تشيع فيها، وأطعمة مادية وأدبية تلتصق ببيئتها، ففن البناء مثلاً يبلغ أن يكون كريزة في الإيطاليين، ويستطيع النقاد أن يحصوا معالم المجتمعات في القارات الخمس، ويذكروا إلى جانب الصفات الإنسانية المشتركة صفة خاصة، أظهر وأذيع في قوم دون آخرين..!! والعرب قوم كانت تزدهيهم العبارة البليغة، ويرون المثل الأعلى للنبوغ في قصيدة جيدة، أو كلمة حكيمة، وقد أرادوا إبراز آثارهم التي تكشف عن نواحي العظمة فيهم، فكانت المعلقات السبع..!! كانت صناعة الكلام لديهم تضارع في زماننا هذا أرقى الصناعات التي تنتجها الأمم، وتقيم لها المعارض، وندعوا لها الزائرين!! وإنك لتقرأ من ولوعهم بالأدب ما يثير العجب..!! أتعرف الصحابي الجليل عبد الله بن عباس؟ إنه استمع إلى الشاعر الشيطان عمر بن أبي ربيعة في قصيدة غزل له تربو على السبعين بيتًا وحفظها؟! روى صاحب الأمالي قال: أتى ابن عباس عمر بن أبي ربيعة فأنشده قصيدته : أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر؟ حتى بلغ آخرها، فقال ابن عباس: إن شئت أعدتها عليك! فقيل له: أو قد حفظتها؟! أو منكم يسمع شيئًا
(1/22)

ولا يحفظه؟! وروى عن التابعي المحدث الفقيه الورع سعيد بن المسيب أنه فاضل بين شاعرين وتلا أبياتًا يحتج فيها لرأيه في ترجيح أحدهما. ص _025
قال صاحب الأمالي: فلما انقضى الكلام استغفر الله سعيد مائة مرة يعدها بالأصابع الخمس..! وسعيد غلبته طبيعة البيئة وفطرة العرب فصنع ما صنع، وهو لم يرتكب إثمًا، وإنما رأى أنه شغل نفسه بغير ما ينتظر من مثله..!! ونخلص من ذلك إلى تقرير حقيقة معروفة عن العرب أيام الرسالة، هي ولوعهم بالآداب العليا، وحفظهم لها، وتنويههم بأصحابها..!! 2- والقرآن الكريم، وهو المعجزة الأدبية الخالدة في لسان العرب، ما إن ظهر حتى بهر!! ولا غرو، فليس في تراث المستقدمين ولا المستأخرين نظير له. وقد استمع البلغاء له فهيمن على مشاعرهم، ونفذت بلاغته إلى شغاف قلوبهم، وإذا كانوا يعجبون بألوان من البيان أقل بمراحل مما جاء في القرآن، فكيف يكون انتباههم لهذا اللون الجديد من الحكمة التي هبطت عليهم، وأثارت دهشتهم ! إنهم- وهم عشاق الأدب البحت - واجدون فيه ما يروي غلتهم، ويسكن تطلعهم الفني إلى الكمال والجمال، فكيف إذا امتزج هذا التقدير الأدبي بالإيمان الديني، لاشك أن القرآن الكريم سيكون شغلهم بالليل والنهار..! والواقع أن الحديث الحسن النازل من عند الله أخذ يطرد سائر الأحاديث الأخرى من شعر ونثر، فإذا العرب المؤمنون يدعون حفظ المنظوم والمنثور ويتوجهون إلى حفظ الآيات البينات.! إن معجزة الإسلام واءمت طباعهم كما يتواءم الحق وغطاؤه، ومن ثم رأينا جيوشًا بأسرها تتألف من أولئك الحفاظ الواعين . 3- ثم إن الله ـ عز وجل ـ أراد أن يقي الإسلام ما أصاب الديانات الأولى من زيغ وتحريف؛ فإن بعض هذه الديانات تلاشت حقائقها جملة، وتوارت في طوفان من الغفلة والضياع، والبعض الآخر تطرق إليه التحريف والتبديل على نحو استخفت به الحقيقة وعز إدراكها.! ومن ثم اقتضت العناية العليا أن تصاغ الرسالة الجديدة في إطار من
(1/23)

الجمال الأدبي تتعلق القلوب بصيانته، وتتلاقى على قداسته، بل إن الشكل اعتبر جزءًا من الموضوع؛ فإن ألفاظ القرآن الكريم اعتبرت جزءًا لا ينفصل عنه، وأصبحت قراءتها عبادة، وأصبح مجرد ترديدها قربى إلى الله..! ص _026
والتعلق بألفاظ القرآن نفسها على هذه الصورة إنما قصد به تقوية السياج الذي يصون أحكام الوحي، وتوجيهات السماء، فلا تتعرض رسالة الإسلام للفوضى التي سقطت فيها الديانات السابقة، بعد ما تزحزحت عن أصولها، وتاهت عن منابعها الأولى..! وذلك يفسر لنا سر الترغيب الشديد في حفظ القرآن، وإدمان تلاوته، وترديد آياته بين الحين والحين. وهاك بعض وصايا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي تحث الأمة على تعهد كتابها وإحياء دراسته . قال : " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " . وقال: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " . وقال : " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده " . وقال : " القرآن شافع مشفع ، وما حل مصدق. من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار " . وقال : " من قرأ القرآن وعمل به ألبس والداه تاجًا يوم القيامة، ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا، فما ظنكم بالذي عمل بهذا " . وعن أبي ذر قلت : يا رسول الله أوصني ، قال عليك بتقوى الله! فإنه رأس الأمر كله. قلت: يا رسول الله : زدني . قال عليك بتلاوة القرآن الكريم؛ فإنه نور لك في الأرض، وذخر لك في السماء " . وقال : " الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ". وقال : " من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحى إليه، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من وجد، ولا أن يجهل مع
(1/24)

من جهل وفي جوفه كلام الله " . ص _027
وقال : " إن هذا القرآن مأدبة الله، فأقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوة كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول لكم ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " . وهذه التوجيهات غيض من فيض، فإن عشرات ومئات الأحاديث ترادفت على هذا السياق الواضح، وتضافرت على إبقاء القرآن الكريم رطبًا على الألسنة مكنونًا في الصدور، يتلى في البيوت والأسواق، والمساجد والمحافل، لا يزاد عليه ولا ينقص منه حرف واحد..!! إنه هو كما قرأه صاحب الرسالة من أربعة عشر قرنًا، يرويه عن جبريل عن الله جل شأنه..!! وثبوت القرآن الكريم عن طريق التلقي والتواتر والاستفاضة هو أحد طريقين يظاهر أحدهما الآخر ويقويه، وإن كان الطريق الأول أشهر..!! أما الطريق الثاني فهو الكتابة، ذلك أن الكلام الإلهي كما استوعبته صدور الحفاظ استوعبته سطور الصحف..!! كانت الآيات تنزل فيبادر الكتبة إلى تسجيلها، ويخطون في صحائفهم معالمها، وإن هذا التسجيل يجيء كتوثيقات العقود في عصرنا، أي بعد تمامها علميًّا أو عمليًّا..!! والعرب أمة أمية، بيد أن شيوع الأمية فيهم حتى ولو وصلت نسبتها إلى 95% لا يبخس القلة الكاتبة حقها، ولا ينقص خطرها، فليس من الضروري لثبوت الكتابة أن تطبع ألوف النسخ من كتاب واحد، بل يكفي أن توجد جملة من النسخ المتطابقة المتوافقة تتسق مع المحفوظ، ويتم تسجيلها بإشراف النبي نفسه وجهد كتبة الوحي معه..!! ص _0 ص
(1/25)

وقد ظهرت صحف القرآن الكريم منذ بدأت الدعوة. بل في الفترة السرية لانتشارها، والأمر لا يحتاج إلى استنتاج، فإن اسم " الكتاب " علم يرادف القرآن، ويدل كلاهما دلالة متساوية على الوحي الإلهي العزيز..! وهذا العلم المشهور يعرف في مكة ويعرف في المدينة على سواء، ففي القرآن النازل بمكة نرى قوله تعالى : " حم~ * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " ، "حم~ * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم " ، (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين) وفي القرآن النازل بالمدينة ترى قوله تعالى :- " الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه " ؛ " الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق " . والتنويه بشأن الصحف التي تحمل الوحي وتيسر للناس مطالعته مذكور في السور النازلة بمكة والمدينة جميعًا، وذلك كقوله جل شأنه : - " كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره * في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة " وهي سورة مكية . وقوله : " رسول من الله يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة " والسور مدنية. وعندي أن التنويه بوظيفة القلم في نشر هذه المعرفة السماوية وخط الكتابة في إشاعة هذا العلم، واستبقائه على الزمن، هو سر القسم في الآيات : " ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون " . ص _029
(1/26)

وإنك لتقارن بين صدر هذه السورة وبين ختامها، فيتأكد لديك هذا المعنى إذ أن ختام السورة : " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكر للعالمين " . ولعل من الإشادة بحظ الكتابة في نشر القرآن قول الله عز وجل في أول آيات أنزلت : " اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم " . والذي يعنينا إظهار المدى الواسع الذي انتشرت فيه صحف الوحي؛ فإن القرآن المكتوب كان متداولاً في دائرة رحبة، وكان معروفًا في كثير من البيوت التي يتقن أصحابها الكتابة، وقد شرعت له أحكام فقهية خاصة، منها ألا يمسه جنب وألا يسافر به إلى أرض العدو المحارب مخافة امتهانه، وكان للوحي كتاب مخصوصون، أشبه بالموظفين المنقطعين له يؤدون له واجب التدوين في السفر والإقامة، ويملي عليهم الرسول ما ينزل به الملك، ذاك عدا الذين يكتبون لأنفسهم ما يحفظونه أو ما ينقلونه. فلما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى، كان القرآن كله محفوظًا في الصدور، وكان كذلك مثبتًا في السطور . ص _030
(1/27)

كيف تم جمعه...؟؟ عندما آثر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يذهب إلى الرفيق الأعلى؛ ترك هذه الدنيا بعدما أدى رسالته أنجح أداء . تركها وللإسلام فيها دولة قائمة، ودعوة واضحة، وقوة مهيبة، وسلطان يعصم دماء المؤمنين وأموالهم، ويرد نزوات السفهاء عنها. تركها بعدما استقر الوحي في صدور الرجال، وبطون الكتب، وانداحت الدائرة التي يتلى فيها القرآن الكريم، حتى بلغت ألف ميل، من أقصى اليمين إلى أطراف الشام، ومن الخليج الفارسي، إلى شواطئ البحر الأحمر..! ومما يجب التنويه به أن القرآن الكريم ـ في فترة كفاح الدعوة وضغط الوثنية ـ كان يتلى ويكتب دون مصادرة تنال من أصله .. صحيح أن المشركين ضاقوا به، وثاروا عليه، بيد أن خصومتهم له كانت تتخذ في التشويش عليه طرقًا أخرى لا تتصل بجوهره .. منها تلفيق كلمات تشبه سور القرآن، وتتحدى إعجازه!!. ومنها اللغط في مجالسه، وافتعال ضجيج يمنع سماعه!!. وهذه وتلك محاولات صبيانية، لم تلبث أن ذابت في حرارة الجد وسطوة الحق!!.. والغريب أن معلمي القرآن وصلوا إلى حد من الكثرة تستحق التأمل خصوصًا في هذه الفترة المكافحة العصيبة. انظر كيف قتل سبعون قارئًا في معركة " بئر معونة " ! ، ومع هذه الخسارة الفادحة؛ فإن معلمي القرآن في صحراء الجزيرة لم تقع بينهم أزمة، بل ظلت وفودهم تنساب هنا وهناك من غير انقطاع. فإذا كانت هذه حال القرآن أيام غربته، وهو يشق طريقه بين الخصومات والعقبات، فكيف تكون حاله بعدما ما رست دعائمه، ووضحت معالمه، وتكونت له دولة تأخذ لربها ونفسها ما تشاء ؟. ص _031
(1/28)

الحق أن الوجود الإنساني منذ الأزل لم يعرف كتابًا توفرت له ضمانات الحفظ، وتظاهرت حوله أسباب العصمة، مثل ما عرف لهذا القرآن الكريم. إن التواتر القوي يشد أسانيده من كل ناحية! جماهير كثيفة تروي عن جماهير كثيفة، وتبلغ في الاستقصاء أن تحصي كلمات السور، بل تعد حروف الهجاء الموجودة بها حرفًا حرفًا. وهذا على نقيض ما وقع لديانات أخرى لم تلق أصولها ذرة من هذه العناية. ولنضرب النصرانية مثلاً لهذا التفاوت . إن البون بعيد بين الظروف التي مات فيها محمد، والظروف التي توفي فيها عيسى، كلا الرجلين نبي كريم، بلغ رسالات الله بأمانة ووفاء، غير أن الإسلام كان أسعد حظًّا ـ في النجاة من أعدائه، والغلب على مؤامراتهم ـ من المسيحية التي تعرضت لخصومات عاصفة. كان عيسى بن مريم عليه السلام كأنما يقاتل في معركة غير متكافئة. لقد اعتبر هو وأتباعه خارجين على القانون السائد!!. وخروج المصلحين على العرف القائم، والتقاليد الموروثة أمر لا يضيرهم، بل قد يكون أساس شرفهم ومحور كرامتهم، وهنا يدور الصراع بين مبادئ ومبادئ، وجيل وجيل، ويحتدم النزاع بين الحق والباطل، ريثما تجيء النتائج الحاسمة. ويبدو أن الذين آمنوا بعيسى لم تكن لهم شوكة مرهوبة، إما لقلتهم ، وإما لضعف شأنهم، وإما لقوة اليهود والرومان الذين تألبوا عليهم . ومن ثم جاء ختام هذا العراك مؤسف، فقد سير الرومان ثلة من رجال الشرطة ألقوا القبض على عيسى! وقتلوه كما يقول النصارى، وأفلت من أيديهم كما نعتقد نحن المسلمين، وطويت صحائف هذه الدعوة المضطهدة بهذا المصير الخطير! وتبدد الأتباع شذر مذر! وضاع الإنجيل الذي أنزله الله على نبيه فلم يعثر له على أثر إلى يوم الناس هذا . وكل ما أثر من تعاليمه بقايا أشاعها لفيف من كتاب سيرته بعد عشرات السنين من وفاته في أحوال تحفها الريب ويغلب عليها التخليط والخبط، وسميت هذه السير المؤلفة أناجيل. وليست هي البتة بالإنجيل الذي أنزل على نبي
(1/29)

الله عيسى بن مريم!. ص _032
شتان بين هذه الأحوال، وبين الأحوال التي اكتنفت صدر الإسلام، فإن أتباعه الأوائل ـ على ما شرحنا ـ صنعوا سياجًا من حديد حول دعوته. فلما حاول الباطل أن يفضها تكسرت أنيابه حول كيان مصفح شديد. وأخذت السنون تمر وأمر الإسلام في صعود، والرقعة التي يسودها تتسع، الأفواج التي تدخل فيه تنمو، وظل الوحي ينزل ثلاثًا وعشرين سنة مات الرسول آخرها بعد أن رمق المصلين في مسجده ثم استنار وجهه كأنه مذهبة. إن القرآن يتلى في محرابه، والجموع تنصت له في يقين وخشوع، والدنيا في طول الجزيرة وعرضها تدين له، والحياة الاجتماعية والسياسية تقوم عليه، أي أن الأمة والدولة كليهما سناد لهذا القرآن، وأشياع وحراس. وحدث عن كتاب أصبح روح شعب، ومراسيم حكومة .. إن العناية بأمره لن تحتاج إلى تكلف ولا استكراه. وقد بسطنا القول آنفًا أن القرآن نزل كله، وكتب كله، وحفظ كله على عهد الرسول ، فلما استخلف أبو بكر وتولى شئون المسلمين عنَّ لأولي الأمر أن يجمعوا الوثائق التي سجلت فيها آيات الكتاب العزيز، وأن يضموا بعضها إلى بعض، ليكون من هذه الأصول المكتوبة بأمر رسول الله مصحف واحد، تحفظه "الدولة" لديها، وهو وإن أودع خزائنها لعدم الحاجة إليه في الحاضر؛ فإن المستقبل قد يتطلبه .. نعم لم تكن هناك حاجة عاجلة لهذا الجمع؛ فإن القراء كثرة مستفيضة، ورواية القرآن بالتلقي العام منتشرة بين جماهير المسلمين، والكتابة وحدها لا تكفي كما بينا في تعلم القرآن وتعليمه. ذلك أن ضبط الأداء كما جاء عن الرسول نفسه لا يكون إلا مشافهة، وهذا ما تظاهر المسلمون على حفظ القرآن به وإن جاءت الكتابة إلى جانبه سياجًا بعد سياج. وتذكر الروايات أن السبب المباشر في جمع القرآن - من وثائقه المكتوبة - هو توجس أبي بكر وعمر، لاستشهاد عدد كبير من الحفاظ في حروب الردة. ومقتل مئات من القراء أيام أبي بكر لا يضر بالقرآن شيئًا في يومه القريب؛ فإن
(1/30)

حفاظه أربى من ذلك وأغزر. بيد أن المعارك المتوقعة بين الحق والباطل قد تظل ص _033
مشتعلة الأوار عصرًا بعد عصر. وقد تكون مسارعة هؤلاء الأبطال الحفاظ إلى خوضها سببًا في ضياع التواتر الذي انفرد هذا القرآن به. ومن ثم يجب جمع القرآن المكتوب، وإيداعه في حرز بيد الدولة، تسكينًا لهذا الوهم، وهو وهم مبعثه كما ترى شدة الغيرة على القرآن. وإن كانت الأيام لم تتمخض عنه ولا اقتربت منه، فإن الحفاظ الواعين كلما حصدت المعارك منهم نفرًا؛ نبت مكانهم أو مثلهم أو ضعفهم. ومع ذلك فإن فكرة جمع القرآن المكتوب فكرة مقدورة مشكورة بلا ريب، وقد نفذها أبو بكر، وإليك رواية البخاري في هذا الشأن : عن زيد بن ثابت قال: بعث إليَّ أبو بكر ـ لمقتل أهل اليمامة ـ وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر جاءني، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في كل المواطن، فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن ! قال: قلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ؟ ، فقال عمر: هو والله خير! فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ، فتتبع القرآن فاجمعه! قال زيد: فو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن!! فقلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ؟! فقال أبو بكر: هو والله خير!! ، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر. وفي رواية، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، ورأيت في ذلك الذي رأيا... قال فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، فلم أجدها مع أحد غيره: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز
(1/31)

عليه ما عنتم … " فألحقتها في سورتها . ص _034
قال : فكانت الصحف عند أبي بكر حياته، حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر... وسياق هذا الحديث كما رواه البخاري يحتاج إلى بيان وتوضيح... ما الذي كلف به زيد؟ إن العمل الذي كلف به زيد هو جمع النصوص المتناثرة المكتوبة بأمر رسول الله، والتي يحتفظ بها أناس كثيرون لأنفسهم، ثم تنسيق هذه الجذاذات والرقاع في ترتيب يوافق المحفوظ في صدور الرجال ... وليس هذا الترتيب مستحدثًا؛ فقد بدأ بتوقيف من الرسول نفسه، إذ كان يأمر الكتبة كلما نزل وحي جديد أن يثبتوه في المكان الذي يذكر فيه كذا من القرآن النازل قبلاً… ومهمة زيد ـ والحالة هذه ـ لا تعدو ضم ما تفرق هنا وهنا على نسق معهود له ولغيره من جمهور الحفظة. وزيادة في الاستيثاق كان لا يقبل من المكتوب إلا ما شهد اثنان بأنه سجل بأمر الرسول، وهو اشتراط تمليه الحيطة الزائدة فحسب، وإلا فهو تشدد بالغ.. وهنا يحكي زيد أن ما يحفظه هو وغيره من ختام سورة براءة، وجدوا له أصلاً واحدًا مكتوبًا عند أبي خزيمة الأنصاري، وهو الرجل الذي اختصه رسول الله بمزية يعرف بها وحده، تلك أن شهادته تعدل شهادة رجلين، وبذلك تم لزيد ما ألزم به نفسه... وماذا صنع زيد، بل ماذا صنع رئيس الدولة بالمصحف الذي جمعه زيد ؟ احتفظ به عنده ، إنه في نظري كوثائق العقود التي تودع للحاجة، أما حقيقتها الخارجية فليست محل جدل؛ لأنها أشبه بالمحسوسات المادية الراسخة!!.. وبقي سؤال أخير : لماذا دار هذا الحوار الوجل بين أبي بكر ووزيره، أو بينهما وبين زيد بن ثابت؟ ، يقول لفيف من العلماء: إنه الحرص الدقيق على إبقاء الأوضاع كما كانت أيام رسول الله، والحذر من الإتيان بجديد لم يسبق إليه النبي الكريم، ولو كان هذا الجديد جمع القرآن في مصحف واحد ؟!.. وقد يكون ذلك سبب ما حدث من أخذ ورد.. وعندي أن هذا الموقف يعود إلى استعظام أولئك الرجال
(1/32)

لكلام الله وإكبارهم لمهمة جمعه بأنفسهم وهم يرون أشخاصهم ـ على جلالتها ـ دون هذا العمل، فمثار التردد يعود إلى غمطهم لأنفسهم، لا إلى مشروعية هذا العمل؛ ولذلك مضوا فيه دون تردد لما بدا لهم أن جوانب الخير فيه لا يجوز إهمالها . ص _035
وبقيت الصحف المجموعة في مستودعها العتيد لا يحتاج أحد إليها، أو لا يشعر بها؛ فإن القراء يتلون كتاب الله عن ظهر قلب، ويتدارسونه في بيوتهم ومحافلهم وأسواقهم ومجامعهم، دون ريبة ... واطرد سير القرآن مع امتداد الدولة الإسلامية، وانسياح بنيها في الأرض فما يفتح بلد جديد إلا عمره بالقرآن أهل القرآن، يقيمون به الدولة، ويبنون عليه المجتمع... كان للجيوش الإسلامية في جهتي فارس والروم دوي بالقرآن كدوي النحل في خلاياها، ولم يكن هناك علم آخر يشرك القرآن جزءًا من الوقت، حتى السنة النبوية منع عمر بن الخطاب شغل الناس بدراستها، حتى يعطوا ليلهم ونهارهم للقرآن وحده.. ولا نعرف- كما قلنا- كتابًا في التاريخ لقي مثل هذه الحفاوة، أو وجد ذلك الإقبال. وقد كانت سور للقتال تتلى أحيانًا في نشيد جماعي تهدر به الكتائب الغازية، كما نرى هتاف الجموع في عصرنا بالنشيد القومي مثلاً إبان فترات الحماس... ولم يقع شيء ذو بال بعد ذلك إلا جمع المسلمين على المصحف الواحد الذي أمرت الدولة بحفظ وثائقه بعد وفاة الرسول... ذلك أن القرآن- كما يعرف علماؤه- نزل بوجوه عدة.. قرأ بها الرسول، وأقرأ بها غيره، ويسر بها على المسلمين تلاوة ما يؤثرون منها. فهي جميعًا سواء ... ودلالتها على الوحي الأعلى كدلالة ليث وأسد على الحقيقة المعروفة . نعم فإن آية:"إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا…" يصح أن تتلى:"إن جاءكم فاسق بنبإ فتثبتوا ". كلتاهما سواء، وليس إحداهما بأكثر من الآخر! في شيء ... بيد أن بعض الذين بلغهم وجه واحد من هذه القراءات، ربما اعترضوا القارئين بالوجه الآخر، وقد ينشب لذلك جدال يفضه أهل العلم فور وقوعه. لكن
(1/33)

الأمر مع انتشار المسلمين في أنحاء العالم خيف أن يتفاقم، وأن ينشب حوله خصام ينال من قداسة الوحي نفسه .. ص _036
روى البخاري عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام، فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة. فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى!!. فأرسل عثمان إلى "حفصة " أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف... وقال عثمان للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى " حفصة "، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن كل صحيفة أو مصحف أن يحرق... وحسنًا فعل عثمان، فقد حسم بصنيعه هذا ما قد ينجم عن اختلاف الحروف من منازعات وبيلة، وجمع الناس على وجه واحد صحيح أفضل من تركهم مختلفين بين عدة وجوه، ولو صحت كلها... ولعل تطير حذيفة، وتجسيمه الخطر الموهوم، سر ذلك التصرف، وإن كنا لا نوافق على ذهاب فكره إلى ما حدث بين أهل الكتاب الأولين؛ فالمدى بعيد بعيد، بل لا وجه للشبه، ولكنه وجل مشكور، بعثت عليه الغيرة على سلامة الوحي، وحفظ كلام الله ـ عز وجل ـ .. وفي تلك المراحل التي مر بها جمع القرآن الكريم يقول شيخنا الزرقاني : " نستطيع مما سبق أن نفرق بين مرات جمع القرآن في عهوده الثلاثة: عهد النبي ، وعهد أبي بكر، وعهد عثمان ـ رضي الله عنهما ـ، فالجمع في عهد النبي كان عبارة عن كتابة الآيات وترتيبها ووضعها في مكانها الخاص من سورها، ولكن مع بعثرة الكتابة، وتفرقها بين عسب، وعظام، وحجارة، ورقاع، ونحو ذلك، حسبما تتيسر
(1/34)

أدوات الكتابة. وكان الغرض من هذا الجمع زيادة التوثق للقرآن وإن كان التعويل إبانئذ كان على الحفظ والاستظهار. ص _037
أما الجمع في عهد أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ، فقد كان عبارة عن نقل القرآن وكتابته في صحف مرتب الآيات أيضًا، مقتصرًا فيه على ما لم تنسخ تلاوته . مستوثقًا له بالتواتر والإجماع. وكان الغرض منه تسجيل القرآن وتقييده بالكتابة مجموعًا مرتبًا خشية ذهاب شيء منه بموت حملته وحفاظه ... وأما الجمع في عهد عثمان ـ رضي الله عنه ـ فقد كان عبارة عن نقل ما في تلك الصحف في مصحف واحد إمام، واستنساخ مصاحف منه ترسل إلى الآفاق الإسلامية، ملاحظًا فيها تلك المزايا السالف ذكرها مع ترتيب سوره وآياته جميعًا، وكان الغرض منه إطفاء للفتنة التي اشتعلت بين المسلمين حين اختلفوا في قراءة القرآن، وجمع شملهم وتوحيد كلمتهم، والمحافظة على كتاب الله من التغيير والتبديل. " لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم " (2). إن أدق ما يوصف به عمل أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أنه إجراء حكومي نحو تسجيل القرآن الكريم، وضم جملة من الجذاذات الجامعة لسوره في حرز تحت يد الدولة. أي أن القرآن كان مجموعًا، متميز السور والمعالم معروف البداية والنهاية، قبل أن يفعل أبو بكر ما فعل... ويظهر أيضًا أن الجذاذات التي تتبعها " زيد " هي التي أثبتها الكتبة بين يدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ـ . أما ما تناقله جمهور الكاتبين لأنفسهم والمصاحف الكثيرة التي دون فيها الوحي كله عند الحفاظ من الصحابة؛ فإن " زيدًا " لم يعرض لها، بل تركها لأصحابها.. والحق أن وصف أبي بكر بأنه الجامع الأول للقرآن، ينطوي على تجوز كبير. وكذلك إسباغ هذا الوصف على " عثمان "؛ لأنه أمر بجمع الأمة على وجه واحد من القراءة .. وقد وردت أحاديث صحيحة، تكشف الغموض والإجمال الكامنين في قصة " زيد بن ثابت " وتكليفه بجمع القرآن، كما رواها البخاري . ص _038
(1/35)

وهذه الأحاديث- التي سنشير إليها- هي التي تتفق مع التواتر القرآني الذي لا يرقى إليه ريب. وليت شعري ما قيمة روايات الآحاد إذا خالفت من قريب أو بعيد ما تواتر من الروايات، وبلغ حد اليقين؟! لقد كان القرآن كتابًا، معدود السور، مرتب الآيات، مدونًا في شتى المصاحف، يتلى آناء الليل وأطراف النهار على النحو المعهود للخاصة والعامة جميعًا، فلماذا يحتفي المؤلفون بطائفة من الروايات التي ربما أوهم ظاهرها غير هذا ؟ كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ـ يتلو أحيانًا نحو ربع القرآن دفعة واحدة في إحدى الركعات من صلاة الليل. وعن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: اقرأه في شهر. وروى مسروق قال: ذكر عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود ثم قال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ـ يقول: خذوا القرآن من أربعة، من عبد الله ابن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبي بن كعب . وروى قتادة سألت أنس بن مالك: مَن جمع القرآن على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. وظاهر أن " أنسًا " يذكر من يعرفهم، ولا يحصي، بدليل الحديث قبله، وبدليل ما روي كذلك عند الطبراني وابن عساكر عن الشعبي : جمع القرآن على عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ستة من الأنصار: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعيد بن عبيد، وأبو زيد، ومجمع بن جارية. وكان قد أخذه كله إلا سورتين أو ثلاثًا.. وهذه الروايات على سبيل التمثيل فحسب، وإلا فالحفاظ من الأنصار والمهاجرين وأبناء القبائل الأخرى جمهور غفير،.. وقد مر بك أنهم عشرات ومئات. ثم إن تسمية الوحي الأعلى بالقرآن ليست أولى من تسميته بالكتاب، فكلا اللفظين علم عليه. وقد توفي صاحب الرسالة والقرآن متلو كله، مكتوب كله .. ص _039
(1/36)

ولا معنى لتسمية الشيء بأنه كتاب، وهو غير مكتوب، كما لا معنى لتسميته قرآنًا وهو غير مقروء. وهنا نرى لزامًا علينا أن نعتب على نفر من المشتغلين بالتصانيف العلمية أولع بتلقف روايات الآحاد- التي لا تستقيم مع ما أفاده التواتر من يقين ، وشغل نفسه وشغل الناس معه بمناقشتها، مع أنه كان ينبغي رفضها شكلاً قبل رفضها موضوعًا. ولعل الرغبة في تحبير الصحف وملء فراغها هو سر هذا التصرف، كهذا المحرر الذي وجد بقية في جريدته لم تكتب، فاختلق خبرًا عن حريق اندلع في أحد البلاد، ثم عقب عليه بأنه علم- بعد- أن النبأ مكذوب !!!. إن هذا في نظمي هو التفسير المعقول لتصرف رجل يروي عن ابن عباس أن قوله تعالى : " لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها " ، " تستأذنوا " ، ولكن الكاتب أخطأ فأثبتها " حتى تستأنسوا " . أقرأت هذا السخف؟!! الآية التي تليت في المحاريب والميادين، وترددت في المجالس والمدارس، واستفاض حفظها بين الألوف يجيء " مصنف " مذهول فيروي عن ابن عباس: هذه الخرافة.. ما هذا؟!! وانظر ما كتبه الشيخ أبو شهبة حول هذه الحكاية : " نسبة هذا القول إلى ابن عباس غير صحيحة، وهو لا شك من دس الملاحدة والزنادقة. قال أبو حيان: مَن روى عن ابن عباس أنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام، ملحد في الدين، وابن عباس بريء من هذا القول.. وقال الزمخشري في تفسيره: عن ابن عباس وسعيد بن جبير إنما هو: حتى تستأذنوا، فأخطأ الكاتب، ولا يعول على هذه الرواية. وقال القرطبي في تفسيره بعد ذكر هذا عن ابن عباس وسعيد بن جبير: وهذا غير ص _040
(1/37)

صحيح عن ابن عباس وعن غيره.. فإن مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها " حتى تستأنسوا " ، وصح الإجماع فيها من لدن عثمان، فهي التي لا يجوز خلافها. وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب في لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح عن ابن عباس، وقد قال ـ عز وجل ـ : " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " . وقد روي هذا الخبر عن ابن عباس بن جرير، ولا يخلو إسناده من مدلس أو مضعف. ورواه الحاكم وصححه!!! وتصحيح الحاكم لا يسلم له عند أئمة الحديث، وقد تعقبه الإمام الذهبي في نحو مائة حديث موضوع أثبتها في كتابه (المستدرك). هذا عدا الضعاف والواهيات التي تملأ كتابه. انظر كيف سمح المصنفون بخرافة من هذا القبيل المنكر أن تتداول على هذا النحو، وكان الواجب أن تستبعد ابتداء وأن يرفض رفضًا باتًّا أي ذكر لها. وهاك مثلاً آخر لحفاوة المصنفين بروايات الآحاد مع أنه كان يجب وفق مقتضيات فن التحديث أن ترفض شكلاً، لا أن تقبل ثم ترفض موضوعًا. فقد ذكر السيوطي في كتابه الإتقان في صدر الحروف السبع التي نزل بها القرآن قال: روى أبو داود عن أبي بن كعب قلت: سميعًا عليمًا، عزيزًا حكيمًا، ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو رحمة بعذاب. وعند أحمد من حديث أبي هريرة أنزل القرآن على سبعة أحرف: عليمًا حكيمًا، غفورًا رحيمًا. وعنده أيضًا من حديث عمر بأن القرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذابًا، وعذابًا مغفرة . قال: وأسانيدها جياد...!!! أقول: وهذا كله كلام منكر، وتخليط شديد، ووصف هذه الأسانيد بأنها جياد - لو كان صدقا - ما دل على صحة هذه الأحاديث . ص _041
(1/38)

فإن الحديث الصحيح يشترط في متنه خلوه من الشذوذ والعلل القادحة، وإن كان سنده قائمًا. وهذه الروايات انتهت بمتون تخالف المقطوع به، فكيف تقبل، ثم تؤول؟ أو كيف يثبتها الحفاظ ثم يلتمسون لها التفاسير التي تصرفها عن ظاهرها.؟ الحق أنه كان يجب سد الأسماع عنها. وطي الصحف دونها. وتطهير تاريخنا الثقافي من ذلك اللغو العريض... ولكن علماءنا عفا الله عنهم تساهلوا في الإنصات لها، ثم انشغلوا حينًا بتأويلها وحينًا بتزييفها...! والتساهل في سماع هذه المرويات هو الذي أعطى مادة الجدل والافتراء لعصابات المبشرين والمستشرقين. وهو الذي فتح باب الشبه لقصار العقول، أو مغشوشي الضمائر. ونحن وحدنا المسئولون... وقد يعتذر لمسلك الأقدمين بأن الطبيعة العقلية للإسلام والحرية الهائلة التي صاحبت مسيرته هما سر هذا الأخذ والرد، والقبول والرفض، وترك هذا الحشد الكثيف من المعقولات والمنقولات يمرح ويتلاطم.. وهيهات أن يعتكر وجه الحق لهذا كله أو لشيء منه، فإن الأسوار التي تحيط بالقرآن من المناعة بحيث لا ينال منها وهم واهم. وطمأنينة الأقدمين إلى هذه المناعة هي التي جعلتهم لا يبالون باستقبال الشبهات، وتدوين شتى المرويات... ومع قيمة هذا الاعتذار فإني أود لو غربلنا تراثنا العلمي حتى ينقى من هذه الترهات. ص _042
(1/39)

ثبوت.. و ثبوت..!! لا يزعم النصارى أن الأناجيل الكنسية القائمة الآن وحي من الله إلى عيسى بن مريم، بل هم يقفون بها عند حدودها العتيدة، ويرونها سيرًا خاصة كتبها رجال معينون، وأودعوها ما لديهم من معارف ووصايا، وتواريخ لحياة السيد المسيح، ومن ثم ينسبون كل إنجيل لكاتبه فحسب!!.. وإطلاق كلمة " إنجيل "على هذه التواليف مجاز قد يوقع في اللبس؛ إذ يحسب العامة أن هناك صلات بين تلك القصص المكتوبة، وبين الإنجيل الذي ثبت لدينا أن الله أنزله على نبيه عيسى بن مريم، وهو الكتاب المقدس الذي قلنا إنه غير موجود الآن، لأنه- كما يبدو- ذهب مع الاضطهاد اليهودي الروماني القديم، ذلك الاضطهاد الذي أودى برسالة عيسى، وانتهى بوفاته على نحو غريب.. والواقع المسلم به هو دليل ذلك الاستنتاج البين.. وإلا فأين يا ترى إنجيل عيسى بن مريم؟؟.. وإذا اتضح ذلك: يمكننا أن ننفي أية مقابلة بين القرآن الكريم، وبين إنجيل ما من الأناجيل، فلا موضع ألبتة لمقارنة بين وحي إلهي منزل، وبين كلام إنساني مؤلف.! ذاك من ناحية " المتن ". أما من ناحية " السند "، فلا موضع ألبتة للمقارنة بين ما تواتر نقله، وتلقاه جمهور من العدول الموثقين عن جمهور مثله، وبين أشياء يرويها أفراد، لو أن كل واحد منهم ثقة ما بلغ حديثه درجة اليقين الجازم .. إن مجال المقابلة يوجد بين هذا القرآن وبين الإنجيل المنزل على عيسى نفسه وهو إنجيل لا تشك في أنه حق؛ لأن الله ـ عز وجل ـ أخبرنا بذلك في كتابه الأخير، فقال: " وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور " . ص _043
(1/40)

على أن ما لدى النصارى أنفسهم من كتابات يومئ إلى وجود هذا الإنجيل المفتقد. قال الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه ( محاضرات في النصرانية ) : هل هناك إنجيل غيرها- يعني الأربعة المعروفة - يسمى إنجيل عيسى؟ وهل في كتابات الباحثين من النصارى ما يدل على ثبوت هذا الإنجيل، وإن كنا لا نجده !.. إن في هذه الأناجيل عبارات تذكر كلمة إنجيل، أو بشارة " وهي ترجمة لكلمة إنجيل باليونانية " مضافة أحيانًا إلى المسيح على أنه ابن الله، وأحيانًا إلى الله، وأحيانًا إلى ملكوت الله !!. فنرى مثلاً في إنجيل " متَّى " في الإصحاح الرابع منه ما نصه : " وكان يسوع يطوف كل الجليل، يعلم في مجامعهم، ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض، وكل ضعف في الشعب... " . وبشارة الملكوت هي ترجمة إنجيل باليونانية.. ونرى في إنجيل مرقص في الإصحاح الأول منه:، " بعدما أسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل..". إلهي يسوع المسيح من جهة جميعكم، إن إيمانكم ينادى به في كل العالم، فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه شاهد لي. كيف بلا انقطاع أذكركم.. ". ويجيء في رسالته إلى أهل (كورنثوس) في إصحاحها التاسع: " صرت في الضعفاء كضعيف لأريح الضعفاء، وصرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قويًّا، وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكًا فيه.. " . ففي هذا كله، نجد كلمة إنجيل أو كلمة بشارة " وهي ترجمة كلمة إنجيل باليونانية " مضافة إلى ملكوت الله، كما في إنجيل " متَّى ومرقص "، وإنجيل الابن كما في رسالة (بولس) إلى أهل رومية، وكلمة الإنجيل من غير إضافة كما في إنجيل (مرقص)، ورسالة (بولس) إلى أهل (كورنثوس) الأولى. ولاشك أن الإنجيل المذكور في كل هذا ليس واحدًا من هذه الأناجيل لأنها لا تضاف إلا إلى أصحابها باتفاق النصارى؛ لأن المسيح قد وعظ بهذا الإنجيل، كما جاء في عبارة (متَّى) التي
(1/41)

نقلناها، ولم يكن واحد من هذه الأناجيل قد وجد ص _044
في عهده بالاتفاق، وليس من المعقول أن يعظ بأقوال تلاميذه، وهم بعد لا يزالون في دور التعليم، ولأن هذا الإنجيل قد ذكر في هذه الأناجيل على أنه كان قائمًا في عهد عيسى؛ لأنه ذكر من غير نسبة كما في إنجيل (مرقص) ورسالة (بولس) الأولى إلى أهل (كورنثوس)، وليس واحد من هذه الأربعة منصرف إليه كلمة إنجيل من غير نسبته إلى صاحبه؛ لأنه ذكر في رسالة (بولس) إلى أهل رومية منسوبًا إلى المسيح الابن، وليس واحد من هذه الأناجيل يستحق هذا الاسم.. لهذا كله نقول: ليس هذا الإنجيل واحدًا منها كما تقضي بذلك طبيعة السياق، وكما يقضي بذلك العقل. وإذا كان الأمر كذلك؛ فهل لنا أن نفهم أن هناك إنجيلاً أصيلاً نزل على عيسى، وكرز به على حد تعبيرهم. ويعتبر الأصل لهذه الديانة ؟ .. ) . نقول: والمسلم في غير احتياج إلى هذا الاستدلال كي يصدق بإنجيل عيسى عليه السلام، فنحن نؤمن بذلك الكتاب، وإن لم نقف له على أثر... وقد يكون المسيحي أولى بإتمام النظر في هذا الاستعراض التاريخي، ليعرف الحقيقة كاملة وما يقال في الإنجيل الموحى به . يقال كذلك في التوراة، على اختلاف في التفصيل والتمثيل، فإذن الأمر منتهٍ حتمًا بالنتيجة السابقة... والواقع أنه ليس في العالم الآن كتاب تصح نسبته إلى الله، وتتقدم الدعوى به محفوظة بآلاف الأدلة، وتسطع حقيقته في الأذهان سطوع الضحوة الكبرى في الأبصار... إلا هذا القرآن الكريم... إنه وحده صوت السماء، ووديعة الملأ الأعلى وكلام الله الذي : " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " . لكن يبقى بعد ذلك أن مؤلفي الأناجيل، رووا فيها تعاليم شتى، نطق بها نبي الله، وكلام الأنبياء له قيمته، وإذا كانت هذه المرويات لا تقارن بالقرآن مثلاً، فلم لا تقارن بالأحاديث النبوية؟ وهذا تساؤل حقيق بالإجابة. ص _045
(1/42)

فإن هناك وجه شبه بين الأناجيل، وبين حديث الآحاد عندنا، أعني منها الأحاديث " المرسلة " و " المعضلة " و " المنقطعة " و " الموضوعة " ... وقد يكون هناك شبه بين بعض تعاليم عيسى، وبين ما صح من كلام محمد ـ عليهما الصلاة السلام ـ . والأمر يحتاج إلى فضل إيضاح .. ذلك أن علماء الإسلام حرروا ما ينسب لنبيهم على ضوء قواعد لا يجد العقل منفذًا لخدشها، فنقلة الكلام يجب أن يكونوا سلسلة موصولة الحلقات من الرجال العدول الثقات، فإذا انخرمت السلسلة في موضع، أو تطرق الطعن إلى أحد الرواة، لم يكن الحديث موضع تسليم ... وإذا اتصلت السلسلة، وسلمت أقدار الرواة، نظر بعد ذلك إلى الكلام نفسه ، فقد تكون به علل قادحة، يستبينها النقدة على طول التأمل، وقد يكون فيه شذوذ عما استراح إليه العقل والنقل من طرق أخرى، فإن وجد شيء من ذلك رفض الحديث ... ولا نظن أن هناك دقة في وزن الكلام، وتصحيح نسبته، وتقدير قيمته . فوق ما وصل إليه علماء المسلمين في هذا المجال .. ولنضرب طائفة من الأمثلة الكاشفة المقارنة لترسخ في الأذهان هذه الحقائق.. روى أحمد بن حنبل بسنده عن الحسن البصرى، عن أبي هريرة، أن رسول الله قال: " من استمع إلى آية من كتاب الله كتب له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة "... هذا الحديث تضمن معنى جميلاً.. بيد أن العلماء يحكمون عليه بالضعف مع ذلك! ولم ؟! ، لأن الجمهور يرى أن الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة، وإذن فالسلسلة منقطعة في أحد المواضع، وانقطاع السلسلة يزري بالرواية في حديث آحاد، ويجعل العلماء في حل من رده . فماذا تقول إذا علمت أن كاتب إنجيل "لوقا"، لم ير عيسى، ولم يسمع منه؟!! إن انقطاع السلسلة بين " لوقا " و"عيسى" ، يحل العلماء من قبول مؤلفه هذا دون حرج .. وذلك كله على فرض سلامة المتن، وسلامة بقية الرواة .. ص _046
(1/43)

وروى ابن ماجة عن خالد بن عمرو القرشي الأموي السعيدي عن سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي، قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس . قال العلماء: الحديث ضعيف ـ وإن لطف معناه ـ لم؟! ، لأن خالدًا الراوي الأول، رجل متهم متروك الحديث!! فماذا تكون عليه الحال إذا كان " بولس " الراوية الكبير في النصرانية، رجلاً متهمًا ؟!!. وإذا كان " متَّى " نفسه قد التحق بوظيفة محصل ضرائب للرومان الظلمة؟!. هذه الأوصاف والأعمال، تجعل صاحبها في نظر النقاد المسلمين غير مأمون الرواية!!!. ثم لنفرض جدلاً أن الأسانيد فوق الشبه وأن المتون لا غبار عليها. وأن الأحاديث بعد ذلك صحيحة، لا يسوغ ردها، فما نتيجة هذا الفرض؟ إن الأحاديث الصحيحة لا تفيد أكثر من الظن العلمي، وأصول الأديان من عقائد وأحكام، وقواعد وشعائر، لا تقبل إلا من مصدر يقيني، أي من مصدر متواتر مكين. والمسلمون لا يعرفون هذه المنزلة إلا للقرآن الكريم؛ لأنه جملة وتفصيلاً متواتر بخلاف السنة. إن التراث الأدبي في الأناجيل الكنسية، إذا قيس بما يشابهه عندنا، لم يحرز تقديرًا يذكر، فإننا نحن المسلمين بلغنا في ضبط النقول مدى أربى على الغاية وانقطعت دونه الظنون. ولنعد إلى الافتراض المجرد. . . هب أن ذلك التراث كله أشبه حديثًا صحيحًا من الأحاديث التي تنسب لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ . إن المسلم قد تقوم في نفسه دلائل شتى تجعله يؤخر هذا الحديث أمام تلك الدلائل، بل قد تجعله يرد ذلك الحديث، ومع ذلك لا يوصم بكفر أو فسوق ، وإن وصف بالخطأ . ص _047
(1/44)

ذلك أن أركان الدين لا تستمد من أخبار الآحاد وإن صحت. فكيف تكون الحال إذا كانت دعائم النصرانية لا تقوم إلا على أخبار الآحاد! وأي آحاد؟ آحاد في أسلوب روايتهم متسع لترويج الشائعات، وتصديق الخرافات.. وفي تسلسل الرواية عنهم. فجوات وفجوات!. خذ مثلاً إنجيل " متَّى "، إن الرجل كتب سيرة عيسى بن مريم- التي تسمى خطئًا- أو مجازًا- إنجيل " متَّى " بالعبرانية أو السريانية. والنسخة المكتوبة بهذه اللغة أو تلك لا تعرف. وإنما توجد نسخة باليونانية، وهي أقدم ما عرف من ذلك الإنجيل. أين الأصل الأول؟ من الذي ترجمه؟ من كتب الأصل؟ ومتى تمت الترجمة؟ ليست هناك إجابات على هذه الأسئلة..!! الباحث الحرفي حل من حجب ثقته عن مثل هذا الكتاب، من ناحية سنده التاريخي، فلننتقل إلى المتن نفسه، بعدما عرفنا قيمة السند. قال الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: " لقد اشتمل بعض هذه الكتب على أخبار لو صحت لكانت معلومة مشهورة في التاريخ. يعرفها الخاص والعام، ولدونتها كتب التاريخ على أنها حوادث مفردة عجيبة في الدهر، ولكن لم يرد لها ذكر في التاريخ، ولم يعرف الناس أمرها إلا من تلك الكتب. هذا، متَّى " يقول عند صلب المسيح وقيامته " فصرخ يسوع بصوت عظيم، وأسلم الروح ،وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين. وأما قائد المائة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جدًّا وقالوا: حقًّا كان هذا ابن الله " . وهذه حادثة عظيمة لو صحت لدونها التاريخ العام الذي لم يشر إلى المسيح بكلمة. ولو صحت أيضًا لآمن أهل الرومان واليهود، أو آمن نفر منهم. الصخور تنشق، والأرض تزلزل، والأموات ينشرون، ويسيرون على الأرض، ويراهم الكثيرون، ويبقى بعد ذلك مساغ لإنكار!! ومع هذا لم ترد أخبار
(1/45)

بإيمان أحد من اليهود على أثر تلك البينات الباهرات!!. ص _048
ولقد جزم العلامة المسيحي " نورتن " بكذب هذه الحكاية، وقال في تكذيبها: " هذه الحكاية كاذبة " ، والغالب أن أمثال هذه الحكايات كانت في حاشية النسخة العبرانية وأدخلها الكتاب في المتن، وهذا المتن وقع في يد المترجم فترجمها كما وجدها " أ. هـ *** ونقول: لعل كثيرًا مما في المتن أصله في الحاشية ثم نقل خطئًا في المتن. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون هذا الكتاب وأشباهه مصدرًا لاعتقاد جازم، وإيمان بدين؟! وكيف يزعم زاعم أن هذا الكتاب بحواشيه الدخيلة غير المعلومة من متنه الأصيل، هو بإلهام من الله العلي القدير؟.. ولكن في العالم عقول تقبل ذلك، بيد أنه من الإنصاف لهذه العقول أن تقول: إن أصحابها يقيمون عليها غواشي تمنع نورها أن يكشف عن موضع الضعف في هذا الكلام، فهي تقبله على غير بينة ولا سلطان؟!. ومن الإنصاف أن نذكر ضميمة أخرى إلى جانب هذه الحقيقة، وهي أن في صحائف العهد القديم والجديد آثارًا حسنة، وعظات صادقة، وأمثالاً حكيمة. ولن تعدم في ركام المرويات التي اجتلبها الرواة من كل مكان، كلامًا عليه طابع الوحي، تطل من خلاله أرواح موسى وعيسى، وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل. ولا غرو، فالمأخوذ على القوم أنهم لبسوا حقًّا بباطل، وشركًا بتوحيد.. وهوى الأنفس بأحكام الله، فكان هذا الخلط سبب ما عراهم من انحراف، بل ما عرا العالم كله ـ معهم ـ من شقوة وشرود... ص _049
(1/46)

نماذج وصور الإنسان في القرآن الفلسفة المادية تزحف الآن على قارات الدنيا الخمس. وهي فلسفة تقصر الوعي في حياة البشر على بضع عشرات من السنين. هي متوسط ما يعيشه الفرد على ظهر هذه الأرض. ثم... يعود بعدها إلى عماء وظلمة من حيث جاء، فليس قبل المهد إحساس، ولا بعد اللحد شعور!!! وهذه الفلسفة المادية وإن نشطت في استغلال قوى الوجود إلا أنها تحقر القيمة الذاتية للإنسان. ومن هنا فهي بقدر ما تعمر تدمر، وبقدر ما تعلي البناء تسوق الفناء! ما الإنسان في نظر أهل المادة ؟ إن أحد العلماء رد جسم الإنسان إلى العناصر الأساسية فيه، فخرج بالنتائج الآتية: إذا جئنا بإنسان زنته مائة وأربعون رطلاً، وغلغلنا النظر في تكوينه، وجدنا بدنه يحتوي على المواد الآتية: قدر من الدهن يكفي لصنع سبع قطع من الصابون. قدر من الكربون يكفي لصنع سبعة أقلام رصاص. قدر من الفسفور يكفي لصنع رءوس 125 عود ثقاب. قدر من ملح المغنسيوم يصلح جرعة واحدة لأحد المسهلات. قدر من الحديد يمكن عمل مسمار متوسط الحجم منه. قدر من الجير يكفي في تبييض بيت الدجاج. قدر من الكبريت يطهر جلد كلب واحد من البراغيث التي تسكن شعره!. قدر من الماء يملأ برميلاً سعته عشرة جالونات. وهذه المواد تشترى من الأسواق بمبلغ من المال يساوي خمسين أو ستين قرشًا مصريًّا. ص _050
(1/47)

وتلك هي قيمة الإنسان المادية. صحيح أن في الإنسان عقلاً يمتاز به، ولكن ما العقل عند الماديين؟ إن الكبد كما تفرز الصفراء يفرز المخ التفكير. لا روح هناك ولا نفخة من السماء يختص بها هذا الكائن الفذ..!! * * * والماديون قد نجحوا في اقتحام آفاق عظيمة، وسبقوا غيرهم أو حاذوهم في ميدان الكشوف العلمية والتصنيع والإنتاج. بيد أن هذا السبق مقرون بخيال ولعنة، ويخشى أن يفتح على العالم كله أبواب دمار، تشعل في أرجائه النار. وتفوق الماديين لا يعود إلى قدرتهم الذاتية، ولا يعود بداهة إلى صواب منهجهم الفكري، بل يعود إلى الوهن النفسي الذي أصاب أهل الأديان، وإلى فساد ما بأيديهم من معنويات. إن التدين الفاسد يحدث في خصائص الإنسان العليا ما تحدثه السموم في الأبدان، أو ما تحدثه مياه النار إذا رميت بها الوجوه الحسان. لن ترى إلا سقامًا وتشويقًا... وانظر إلى قوله الله عز وجل : " كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم " . تأمل كيف حصر الاختلاف بين أتباع أولئك النبيين، وكيف جعل سره البغي، وما يحف بالبغي من أثرة وحقد، واستعلاء وظلم وحروب ومآثم، وفساد الحكم على القيمة الحقيقية للإنسان، وعلى الوظيفة الطبيعية له في الحياة كان أهم سبب لتأخر المتدينين على ظهر هذه الأرض... ص _051
(1/48)

ففي الوقت الذي بذل الملحدون فيه جهودهم لعبادة الوجود والإفادة من فرصة حياتهم فيه، واستثارة قواه الظاهرة والباطنة لمصلحتهم، كان المتدينون يقيمون في كهوف سحيقة وكأنما ابتلعوا جرعًا ثقيلة من الأفيون، فهم يتثاءبون في كسل ويفكرون في ذهول وغفلة. كانت في أوروبا جماهير متدينة تبغض الغسل، وتتعبد ببقاء الأوساخ على الجسم!، وكانت هنا وهناك أمم تحسب الجوع والعري والغربة في هذا الكون الكبير بعض أسباب القربى إلى الله!. والتأمل اليسير في القرآن الكريم يميط اللثام عن وجه الحق في قيمة الإنسان ووظيفته، ومنزلته ورسالته. فالإنسان في القرآن الكريم خليفة الله في أرضه. وقد تكررت قصة خلافته في كثير من السور متضمنة: أن الله جعله سيدًا يطع ويكرم، ومتضمنة: أن من يتجرأ على إهانته، ويتمرد على مكانته ليس بأهل لرحمة الله وبره. ومن هنا حكم على إبليس بالطرد والهوان. وما نزلت هذه العقوبة به إلا بسبب مخاصمته لآدم وذريته... ثم شرح القرآن الكريم طريق الخير لأبناء آدم، فجعل أساسه أن يحافظوا على فطرتهم، وأن يغسلوا عنها النكت والأقذار التي تعلو وجهها، حتى تبقى سليمة كما ذرأها الله. مثلما تغسل زجاجة المصباح إذا غشيتها الشوائب والأكدار، فيرتد إليها صفاؤها وينبعث إشراقها نقيًّا وضاء. التدين ليس استجلاب عناصر جديدة تزكو بها النفس، وإنما هو إقامة حصانات وضوابط لبقاء النفس على طبيعتها النقية وفطرتها الأصلية... وكل تدين فسدت فيه الفطرة فهو جملة تزويرات وأكاذيب!! ذلك. وقد ربط القرآن الإيمان بحسن النظر في الكون وطول التأمل في ملكوت الله. وهناك عشرات السور مفعمة بهذه المعاني، توثق صلات المؤمنين بهذا العالم العظيم، وتحض على استجلاء غوامضه، والغوص في أسراره. ص _052
(1/49)

ومن ثم فلا دين بلا عقل: " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ". والفكر المحترم، ليس ذلك الفكر الشارد في أوهام الفلسفة النظرية، كلا. بل هو الذي يستمد الحق من معالم الكون. ويتبع في سيره منطق الإحصاء والاستقراء والملاحظة والتجربة. ولذلك نستطيع الجزم بأن جميع البحوث المتصلة بما وراء المادة والتي خاضها الإسلاميون تقليدًا لغيرهم لا قيمة لها، ولا جدوى منها. اقرأ على سبيل المثل سورة الرعد: المر .. تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون * الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون * وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " . هذا مجال التفكير الفذ، مجاله المخلوق لا الخالق، المادة لا ما وراءها. ومن ضلال التفكير الديني، أو الإنساني في العمود، تعلقه الغريب بالبحث فيما لا يحسن، بل لا يملك وسائل صحيحة للبحث فيه، أعني ما وراء المادة فلا مكان في حياته لفتور أو استرخاء. " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه * فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا " . ويجب أن يكون صاحي الذهن فيما يباشر من أعمال، إذ أنه محاسب على مثقال الذرة من الخير والشر. ص _053
(1/50)

وإصلاح العمل حتى يبلغ به درجة الإتقان، شارة الإيمان الحق، وسور القرآن وآياته، ووعده، ووعيده، وإنذاره وتبشيره، تتزاحم كلها على الإنسان لتدفع به في طريق الإحسان، ولتجنبه طريق الزلل!! وإذا كان بين البشر تنافس مستحب، أو تحاسد مرغوب. ففي هذا المضمار الرحب لإدراك الكمال والرضوان الأعلى: " ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " . ومن ثم نحكم بأن الخمول السائد في بلاد القرآن هو صد صارخ لطبيعته. وبعد سحيق عن ندائه. ص _054
(1/51)

الحياة العامة في القرآن أثر البيئة في السلوك الإنساني غير منكور، بل الرأي الراجح أنها أقوى من الوراثة في تكوين الخلق وفي توجيه المرء إلى مستقبله. وأعنى بالبيئة كل ما يحيط بالإنسان منذ ولادته إلى أن يموت. البيت الذي يحيا فيه، والحي الذي يتصل ببيته، والمدرسة التي يتلقى علومه فيها، والأتراب الذين يصطفيهم، والكتب التي يطالعها، والإذاعات التي يسمعها، والمناظر التي يشهدها، والحكم الذي يسيطر عليه، ونوعه، وعواطف الجمهور نحوه. بل العوامل الجغرافية، والاقتصادية، والأوضاع المحلية والعالمية، كل ذلك له دخل كبير في حياة الإنسان، وصياغة أفكاره ومشاعره، وصبغ أحواله وأعماله. وأي نظام ينشد للفرد وجهة خاصة لا يمكن البتة أن يتجاهل ضغط البيئة على الفرد ووحيها الخفي والجلي الذي يسيره كيف يشاء... ونحن- في مجتمعنا المصري نلمس قدرة الأغاني الخليعة والصور العارية على استثارة الغرائز الدنيا، ونلمس قدرة الكتابات المنحرفة على الاعوجاج بمقادات الناشئة الغضة، ونلمس قدرة الغزو الثقافي على المحو والإثبات في حضارتنا الموروثة، ونلمس فشل دعاة الدين في صنع شيء طائل لأن امتلاكهم للآذان نصف ساعة في اليوم لا يجدي فتيلاً أمام صنوف الموثرات التي تطفح بها البيئة ليلاً ونهارًا. والتي تجعل جهود المرشدين كمن يحاول إصلاح مياه البحر الأحمر ببضعة قناطير من السكر.. السيطرة على البيئة إذن ضرورة لابد منها لكل رسالة جادة. ولذلك كان الإسلام دينًا يشرع للنفس والمجتمع والدولة على سواء. وكان كتابه مفعمًا بالتعاليم التي تتناول العلاقات الخاصة والعامة، وتوجه المرء في البيت والطريق، وفي الحرفة التي يتكسب منها. وكان تبيانًا لكل شيء يؤثر في المرء أو يتأثر به، فحينما تحرك يجد شارات تلفت نظره إلى الصراط المستقيم، وترغبه فيما ينفع، وترهبه مما يضر. ص _055
(1/52)

وشرائع الإسلام للأحوال الشخصية والتجارية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية تتضافر كلها على إيجاد بيئة صالحة، لها رسالة نبيلة، يدور أعضاؤها وتلتحم أجزاؤها في نظام رتيب يشبه مملكة النحل في خلاياها. ولئن كان امتلاك الحياة العامة ضرورة لصيانة الأجيال الناشئة، إنه لضرورة كذلك لتنسيق جهود الأفراد وتوجيهها إلى غاية صالحة، ومنع أسباب الصدام والحيف من أن تثير الفوضى في أرجائها. وهناك صور للحياة العامة كما ينشدها الإسلام، نأخذها من أواخر سورة الحج : " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده " . * فالصلاة فريضة موقوتة، تصل الإنسان برب العالمين، وترده إليه كلما شغلته الحياة، وأتاهت لبه في مطالبها ومتاعبها. * وعبادة الله أمر أوسع من الصلاة، والدائرة التي تتم فيها تكتنف حركات الإنسان وسكناته في الشارع، والديوان والحقل، وتصبغ نفسه بشعور من هيبة الله وتقواه، يعصم من الزلل، ويبعد عن الخطل. * وفعل الخير ميدان رحيب الأقطار، فياض بالرحمة والمودة والسماحة، يجعل الإنسان سلامًا مع الإنس والجن والطير، برًّا بالمؤمن والكافر، يسدي عونه لكل محتاج، كما يسدي المصباح ضوءه لكل سار. * والجهاد في الله حق جهاده ميدان أرحب وأرحب، فهو تعبئة للقوى المادية والأدبية والخصائص النفسية والاجتماعية، وحشد لها في صعيد واحد، كي تعمل جميعًا في تكافل ووئام لخدمة المثل العليا في الدين وتثبيت قواعدها ومد رواقها. ص _056
(1/53)

وهذه الأوامر المتتابعة تدرجت في السعة والشمول حتى لم تبق أفقًا في الحياة العامة إلا طلعت عليه. إن الله ـ عز وجل ـ يأبى أن تكون صلته بخلقه ساعة كل أسبوع في معبد.. ساعة كأنما تسرق من أوقاتهم الطويلة، ثم ينطلقون بعدها في الحياة يصنعون ما يشتهون، وتبقى لهم حريتهم فيما يفعلون أو يتركون. إن السجين قد يؤذن له في ساعة ترويح عن نفسه، ولا يعتبر بها حرًّا، والضيف قد يسمح له بدخول البيوت فترة ما، ولا يعتبر أبدًا صاحب الدار. والناس قد يقبلون الاتصال بالدين على هذا النحو العابر، ولكنهم ليسوا عند الله متدينين، والإسلام لم يجئ الحياة كي ما يلقى هذه المنزلة. كلا، فما غناء دين تحفظ له قيمة اسمية تافهة، ثم هو بمعزل عن حراك الحياة والأحياء؟ لقد قلنا: إنه لابد من السيطرة على البيئة كي نستطيع تكوين خلق نظيف، ولابد من السيطرة عليها كذلك لنضمن انتظام الأمور على نحو يصون المصلحة، ويحقق العدالة ويحمي الرسالة التي يناط بها شرف الأمة ووجودها المادي والمعنوي. ومن هنا رأينا القرآن يحتوي على قوانين شتى : منها: ما يتصل بسداد الديون، وتوثيق المعاملات. ومنها: ما ينظم الدخول والخروج في حجرات البيت الواحد. ومنها: ما يضمن تنفيذ وصاة الميت طبق ما عهد، ودون أي تغير. ومنها: ومنها... ولنجاوز هذه التشريعات الدقيقة- محتفظين بمالها من دلالات- ولننظر إلى المجتمع الكبير الذي يهتم القرآن به، وتطرد الآيات والسور لدعمه وكلاءته. إن تقرير الحق شيء جليل، ما في ذلك شك، ولكن الشيء الذي لا يقل عنه، بل قد يربو عليه... وصل هذا الحق بالحياة، ومد جذوره في أغوارها، وكسر فؤوس الحطابين قبل أن تتحرك لاقتلاعها. إن حقائق العقيدة والعبادة، وفضائل الأخلاق، وصوالح الأعمال قد تنتظم في قصائد جميلة السبك، وقد تظهر في أسفار وضيئة الطباعة، وقد تلقى في خطب مجودة العبارات، بيد أن ذلك كله لا يفني فتيلاً عن الحق، إذا كان زمام ص _057
(1/54)

الحياة العامة في أيدي رجال يقصون تعاليم الدين عن البت في كل شأن طائل، ويرسلون للشهوات حبلها على غاربها لا يجرؤ أحد على الوقوف في طريقها، وهي تعربد وتجتاح. وقد امتلأ القرآن بالنذر التي تحذر من الفساد، وتحض على الاستقامة، وازدحمت في صحائفه القصص التي تصور مصير القرى الظالمة، وخواتيم الحياة الضالة التي اكتفت الأمم الأولى، الأمم التي أهملت الصلاة والزكاة والصيام، وقل اكتراثها بهذه الفروض المقدسة، وشاعت فيها رذائل الغش والرشوة، والظلم، والزنا، واللواطة، والسكر والجبروت. " ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون * ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون " . وقد أرشد القرآن إلى ضرورة قيام المجتمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة قيام الحكم على أهداف الرسالة التي شرحت السماء أصولها، وخطت سبلها، كما أرشد القرآن إلى أن الأمة الإسلامية- بعد استقامة داخلها على ما ذكرنا- يجب أن تستعد لجهاد المبطلين إذا حدثتهم أنفسهم بالتعرض لها. وفي القرآن الكريم حديث مستفيض عن هذا الجهاد الواجب وتحديد لغاياته، وإيضاح للأحوال النفسية التي تكتنفه أولاً وآخرًا. وهكذا ترى الحياة العامة في القرآن الكريم متناولة بأدق بيان وأحكم ميزان، وأن الإسلام تناولها من الناحية الثابتة التي لا يعروها تغير على اختلاف الزمان. أما الوسائل المتجددة فقد تركها القرآن للاجتهاد المطلق، يتصرف الناس في رسمها كما يلوح لهم حينًا بعد حين. ص _058
(1/55)

الثروة في القرآن الله ـ عز وجل ـ هو المالك الأول لكل شيء، لا يتركه أحد في هذا الملك، ولا فيما يتبعه من حقوق. " قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون " . لكن رب العالمين، وصاحب هذا السلطان الواسع، كما أنزل كتابًا لنا ثم قال: " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " . خلق هذا الكون الضخم الفخم ثم كأنه قال بعدما أتمه: لقد يسرت كل هذا لكم، فهل من منتفع؟ نعم، لقد خلقه لنا، فهو- جل شأنه- ليس بحاجة إلى ذرة منه، ولو أفناه علوًّا وسفلاً ثم تفرد بالوجود وحده ما نقصت عظمته شيئًا قط. ثم هو لم يخلقه لملائكته، فإن الملائكة جنس لا يجوع فيشبع بطعام، ولا يظمأ فيروى بشراب، ولا يتعب فيترفه بمتاع، ولا يعرى فيزدان بلباس، ولا يسأم فيطلب جدة لإحساسه من أنحاء الأرض والسماء... ولا هو كذلك خلقه للعجماوات أو الزواحف التي نراها بين أيدينا وتحت أرجلنا... إن هذا الكون الكبير خلق لنا وحدنا لكي نستمتع به.. لقاء ماذا؟ لقاء أن نعرف صاحبه، ونسبح بحمده، ونشكر آلاءه. القرآن الكريم مفعم بالآيات التي تشرح هذه الحقيقة، والتي تدل الإنسان على ص _059
(1/56)

أنواع الخير المتاحة له هنا وهناك، وكما يقاد المرء الشريد إلى قصر مشيد ويقال له هذا البناء العظيم لك، وهذي مفاتيح أبوابه بين يديك، اقتيد البشر أجمعون إلى آفاق العلم، ووقفوا على برزخ بين البر والبحر ثم قيل لهم: "الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون". وقد أجمل القرآن عرض هذا الفضل المباح عندما قال: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا " ثم فصل صنوف النعماء التي هيئت لمرح الإنسان في بحبوحة الغنى الإلهي المسخر له، فصل هذه الصنوف في سور شتى: "والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين * والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون". "الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار" ولا نريد أن ننقل أكثر الكتاب العزيز هنا ليرى كل منصف كيف جعل الله هذا العالم بالخيرات المشحون بالقوى بين يدي الإنسان. وتحت قدميه ليكون ملكًا فيه وعبدًا لله في وقت واحد. ص _060
(1/57)

على أن هذا العالم لا تنشق الأرض عن خيره، ولا يهبط النعيم من سمائه، دون سعي من الإنسان، أو دون استثارة تجيء فيها النتائج على قدر الكفاح المبذول. كلا كلا. فلا حصاد دون غرس، ولا وفرة في الإنتاج دون كثرة في الجهود. وما الذي يشغل البشر عن هذا الكدح المطلوب؟!! حقيقة أن الله كلفهم بعبادته. بيد أن العبادات ذات الصور المعينة لا تستغرق من أوقاتهم شيئًا يذكر، ولا يمكن لعاقل أن يرى فيها حائلاً عن العمل في ذلك الكون الممهد!! لقد تتبعنا ما يصرف الناس عن أداء وظيفتهم العمرانية. فوجدنا بعضه رسومًا دينية مكذوبة، ووجدنا بعضه الآخر مسخًا عن الفطر، وعجزًا شل المواهب. ولعل من أكرب مآسي الحياة الدنيا في هذا العصر أن المسلمين الذين يتلون القرآن الكريم، هم أبين الناس فاقة على ظهر الأرض، وأقلهم جهدًا، وأقلهم إنتاجًا. وقد نددنا في كتب أخرى بقصة الفقر العربي الذي يمشي على أرض من الذهب، وتتابعت الأحداث في السنين الأخيرة لتؤكد أن هذه القصة الأسيفة لم تنته بعد . كان جبل ( المكبر ) في أيدي الأردنيين أجرد المناكب، مقفر الأرجاء، فلما استولى عليه اليهود لم تمض أيام حتى شجروه..!! وكانت بحيرة " الحولة " على حدود سوريا مجموعة من المستنقعات العفنة لا نفع منها، فإذا اليهود يجففونها ويحرثون أرضها للزراعة..!! ومررت بأرض " رفح " وهي قاع أملس لا حياة فيه، فلما وصل إليها اليهود إبان العدوان الثلاثي لم تمض شهور قلائل حتى مدوا مواسير المياه إليها وشرعوا في تمهيدها للحبوب والفاكهة!! يا غوثاه!! هذه أرضنا فكيف نحيا فوقها هملا؟!! وكيف نتحول عنها ليجيء من يقدرها، ويجعلها مزدهرة بالحرث والنسل..؟؟ ص _061
(1/58)

لمن يقول الله عزوجل؟ : " والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون * وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين " أهذا الخطاب للناس جميعًا دوننا؟! إنني أضحك دهشًا إذ أرى البقر الهولندي بل الدجاج الإنجليزي أفضل من مثيله في بلادنا، وإذ أرى الأرض تلفظ مكنونها لأحباس الناس فيغنون منه ويستغنون به، أما نحن فنفتقر إلى المعونات، يمدنا بها هؤلاء تارة، وأولئك تارة أخرى... ما هذا المنكر وما هذا العطل؟؟! وبم اشتغلنا عن هذه الوظائف العمرانية الخطيرة؟!! اشتغلنا بفنون من السخافات... إن غلبة الجهل واتباع الشهوات هما سر ذلك البلاء الحائق. ومن مفارقات الأقدار أن " الروس " عندما طيروا قمرهم الصناعي كان المسلمون في مصر، وفيما حول مصر مشغولين بأغنية من أغاني السكك تتغزل في القمر الذي على الباب، أو بتعبير بلدي، بالذكر الذي على الباب ترقبه أنثى كواها الحرمان.! وبديهي أن استغلال الكون يخضع لعلوم كثيرة، ومعارف غفيرة. ولقد اخترع المسلمون القدامى علوم القواعد والبلاغة لخدمة القرآن الكريم ولو أن العقلية التي اخترعت هذه العلوم لخدمة لغة القرآن، واكتشاف إعجازه بقيت إلى يوم الناس هذا، وانتقلت من السلف إلى الخلف؛ لكانت علوم الكيمياء والنبات والحيوان والآلات علومًا دينية، أدنى صلة بالإسلام من علوم النحو والصرف، والمعاني والبيان والبديع..! ولكن قومي عزهم سفهاؤهم على الرأي، حتى ليس للرأي حامل تظوهر بالعدوان، واختيل بالغنى وشورك في الرأي الرجال الأماثل ص _062
(1/59)

الألوهية في القرآن الحديث عن الله- تباركت أسماؤه- يتخذ في القرآن أسلوبًا قريبًا من الفطرة، سريعًا إلى العقل، بعيدًا عن الغموض والتعقيد، مفعمًا بالوضوح والإشراق. وهذا الحديث يقوم على تعريف الله لخلقه بأوصافه وأفعاله: " الله خالق كل شيء " . " الله نور السماوات والأرض " . " والله على كل شيء قدير " . " له مقاليد السماوات والأرض " . " وله ما سكن في الليل والنهار " . " له الخلق والأمر " . " إن الله كان سميعا بصيرا " . " إن الله كان على كل شيء حسيبا " . " إن الله كان بما تعملون خبيرا " (9). وفي أثناء هذا التعريف السهل اليسير تجد القرآن ينفي أوهامًا علقت بأذهان الجاهلين عن حقيقة الألوهية، وهي أوهام لا سناد لها من العقل المجرد، ولا من الوحي الأعلى. ص _063
(1/60)

لقد خرقها القاصرون دون وعي، وقبلها المقصرون دون نقد، ثم شاعت بين الجماهير على أنها عقائد دين، وهي ليست إلا خرافات خابطين، وظنون مقلدين. فعند البعض أن لله بنات يشاركنه الألوهية!، وعند بعض آخر أنه أنجب ابنًا أو أبناء آلهة...! " وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون * بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم * ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ". وقال طال في القرآن الكريم الكلام في إثبات الوحدانية، ودمغ كل شائبة تنسب الشركة إلى الألوهية، واطرد حجاج الإسلام في هذه القضية، حتى عدها قضيته الأولى. ولا جرم أنها أساس الإسلام ولواؤه ومادة القرآن، ورواؤه. والمسلم يوقن بأن العالم كله من فيه وما فيه من المستقدمين والمستأجرين رقيق لله، خلقهم بقدرته، ولو شاء ما خلقهم، ورباهم بنعمته، ولو شاء لتركهم، ورفع من شاء بفضله، ولو شاء لهوى به... وشيء آخر ينضح به الحديث عن الألوهية في القرآن- وهو في الحقيقة جزء من عقيدة التوحيد- أن الخالق غير المخلوق، وأن الله غير العالم، وأنه لا مجال لفكرة الحلول البتة في تعاليم الإسلام.. وفكرة حلول الله في هذا العالم أو في جزء منه سخافة هندية قديمة، ولو ظلت هندية فقط لماتت في موضعها من تلقاء نفسها، كما مات كثير من أفكار الهنود.. بيد أنها انتقلت إلى بعض الأديان، فقدرت لها حياة جديدة!! قرأت في مقرر الفلسفة لطلبة جامعة عين شمس كلية الآداب تحت عنوان " مشكلة الله " ما يأتي : ص _064
(1/61)

" الحق أن هناك تصويرين مختلفين لحقيقة الله تقدمهما لنا الأديان، فبعض الأديان تتصور الله على أنه موجود وجودًا متعاليًا على هذا الكون غير باطن فيه، والبعض الآخر يتصوره على أنه مباطن للكون وللإنسان معًا، والإسلام هو صاحب التصور الأول لله، أما المسيحية فهي صاحبة التصور الأخير، الله في الإسلام. " عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال " . يقول الغزالي: " مستو على العرش استواء منزهًا عن المماسة والاستقرار، بائن عن خلقه بصفاته، مقدس عن التغير والانتقال "... " أما إله المسيحية: فهو إله باطن في الكون، ممتزج بهذه الحياة. يقول إنجيل يوحنا على لسان عيسى: " إني أنا حي فأنتم ستحيون. في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي، وأنتم وأنا فيكم " . " وتصور المسيحيين لله لا يتم إلا بنزوله إلى مملكة الأرض في لحظ مختارة من الزمان، وحلوله في الناسوت في صورة المسيح عيسى، وهذا لا يتم إلا بحضور الله في الطبيعة وبإخضاع حركتها لحركته، وبحلوله فضلاً عن ذلك في الجسد البشري وامتزاجه بالدم الإنساني ". وغني عن البيان أن الإسلام يعتبر هذا الكلام أخيلة سقيمة، وينزه العقل البشري عن قوله وعن قبوله ويقصيه إقصاء تامًّا عن مجال النظر بله مجال الاعتقاد. والكلام عن تسبيح الله وتحميده، وتنزيهه وتوحيده، إنما يجيء عقب الاعتراف بوجوده. ولما كان وجود الله بديهية ينساق إليها العقل كما ينساق التيار إلى قراره؛ فإن القرآن الكريم لم يكترث بشبهات الملحدين اكتراث من يحارب في معركة عنيفة المقاومة، بل تصدى لدحض هذه الشبهة كما يتصدى الفيلسوف لتعليم صبية ومسح ما على أذهانهم من غشاوة. ص _065
(1/62)

والواقع أن الكافرين بالله يقعون في متناقضات عقلية تصرخ بشدة الغباء، أو شدة الجحود.. فهم يزعمون أن هذا العالم وجدت مادته صدفة، ودبت الحياة فيها صدفة، وتماسك نظامها صدفة...!! ولو قلت لأحدهم: إن طيارة تجمعت آلاتها، ودارت محركاتها، وانسكب البنزين في خزاناتها، وصعدت في الجو ثم انطلقت في الفضاء؛ كل ذلك من غير جهد إنسان، ولا تدخل أحد أبدًا لنسبك إلى الهزل أو الجنون. ومع ذلك فهو يريد أن يقول لنا إن القمر مثلاً يجري في الفضاء من تلقاء نفسه لا تحمله قدرة، ولا تسيره إرادة، ثم يطلب منا باسم العقل أن نصدق هذا الهزل أو هذا الحمق..!!! والجاهلون بالله صنفان، الدواب العجماء من جاموس وبقر وحمير... وأشباه الدواب من أولئك المتعاقلين الذين يثرثرون بالعلم. ولا مكان لهم فيه، ولا جدوى لهم منه... وقد تتبعت حصيلة هؤلاء من الثروة العلمية، خصوصًا ملاحدة مصر، فوجدتهم يكفرون على صيت تقدم العلم في أوروبا وأمريكا...! وقد ترسل لنا مصانع الغرب مرصدًا لمشاهدة النجوم فيجيء أولئك لينظروا ثم يصيحوا على أثر المشاهدة: كفرنا بالله رب العالمين...! وقد تطير " روسيا " قمرًا صناعيًّا بذل العلماء هناك في ضبطه وتجهيزه وتزويده، ما يضني العقول، وما يدل على أن تطيير القمر الطبيعي يستحيل أن يجيء خبط عشواء، ومع ذلك يتفرج نفر من الصحافيين هنا على هذه المشاهد، ثم يصيحون: ثبت أنه لا إله... ! وصدق الله العظيم: " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير " . ص _066
(1/63)

وأجد من الواجب أن أنقل هنا بحثًا رفيقًا مترفعًا، كتبه الشيخ " محمد جواد مغنية " ردًّا على واحد من أولئك الملاحدة نشر مقالات زعم فيها أن الله لا وجود له وإنما هو فكرة في أذهان المؤمنين به...! وسناد هذا الزعم، العلم، العلم الذي لم يدخل هذا الكاتب جامعة تدرس بحوثه العظيمة، ولا حضر في معمل تعالج فيه التجارب الشاقة، العلم الذي قرأ الحروف الهجائية له في المدارس الإعدادية والثانوية بالقطر المصري، باسم هذا العلم الهزيل يكفر بالله، وينكر محياه.. وقد وجه الأستاذ " مغنية " عدة استفسارات متدرجة الإقناع في أجوبتها وردت على هذا النحو: - السؤال الأول: هل في الكشوف العلمية ما يدل من قريب أو بعيد على عدم وجود الخالق؟! هل هناك عالم واحد اكتشف في مخبره وآلاته وأدواته أن الله غير موجود كما يكشف الطبيب مكروب السل والملاريا في جسم المريض؟! وهل هناك مخترع واحد وضع تصميمه على أساس نظرية الإلحاد، بحيث لو وضعه على أساس الإيمان بالله لفشل التصميم، واستحال أن يتوصل إلى شيء؟.. ثم هل العلماء المكتشفون، والعباقرة المخترعون قديمًا وحديثًا كلهم ملحدون؟! لقد قرأت فيما قرأت أن " أينشتين " قال: " إن بصيرتنا الدينية هي المنبع، وهي الموجه لبصيرتنا العلمية.. " وما نطق " أينشتين " بهذه الحقيقة إلا لأنه بلغ من العالم مبلغًا لم يرق إليه أي عالم مخترع سواه. وإذا صرفنا النظر عن قول هذا العظيم، وقول كثير غيره من العلماء بأنه كلما تابعنا السير في طريق العلم كلما ازددنا إيمانًا بالله والدين، إذا صرفنا النظر عن ذلك كله؛ فلا يمكن بحال أن نصرف النظر عن القول بأن العلم- أي علم التجربة والمشاهدة- لا يتعرض لمسائل الدين سلبًا ولا إيجابًا، فكما أن الطب لا يتدخل في الهندسة وشئونها، كذلك العلم لا يتدخل في شئون الدين نفيًا ولا إثباتًا. .. إذن لا يصح بوجه من الوجوه أن نستدل بالعلم على فساد الدين ". ص _067
(1/64)

أقول: وهذا الكلام يحتاج إلى بقية توضح دلالته. فإن علوم الشريعة لا صلة لها بعلوم المادة، فأصول العقائد والعبادات وفروعها وأنواع التوجيهات الإنسانية والتقاليد الاجتماعية التي رسم الوحي معالمها، والحدود والأحكام التي بين الشارع الحكيم أعدادها وأحوالها، وشئون الغيب التي شرحت لنا الدار الآخرة وما يلقاه العباد على اختلاف خواتيمهم فيها، وذكر الملائكة والجن والروح، وما إلى ذلك من معارف، هذه جميعًا لا صلة لعلوم المادة بها. ولا يجوز الخلط بين مصادر العلم هنا ومصادر العلم هناك. أما بناء الإيمان بالله، والإقرار بوجوده على أدلة مادية، تشترك في إقامتها العقول والحواس، فذلك ما لا يمكن فصم الروابط فيه بين المادة والدين..!! فبالمنطق المادي البحت، وبأدلته المؤسسة لليقين، نجزم بأن الكائنات لم توجد من عدم. ونجزم بأنها لا توجد نفسها، بله أن نوجد ما هو أعلى منها. ونجزم بأن لها خالقًا أضفى عليها الوجود من وجوده، ومد لها البقاء بإرادته، ونسق لها قوانين محكمة تسير عليها بدقة تثير التأمل العميق، وتلفت الأنظار والفطر إلى جلال البارئ الأعلى. وتلك هي صلة العلم بالدين. ثم تنفصل بعد ذلك " سبل المعرفة. فما جاء من عند الله وعلى لسان أنبيائه فلا صلة للعلم به، وإلا... فإن العلم حر في بحثه ونتائجه. وليس هذا تحكمًا، فإن ما وراء المادة لا دخل للمادة فيه، وما هو من صميم المادة لا دخل للدين فيه!! السؤال الثاني: هل أسباب المعرفة تنحصر في المشاهدة والتجربة، بحيث لا يحق لأحد أن يؤمن بوجود شيء إلا بعد أن يراه ويلمسه؟ لا أظن أن أحدًا يلتزم بهذا حتى: " مصطفى محمود " والذين يقولون بأفواههم إننا لا نصدق إلا العيان والمشاهدة، بل إن هؤلاء يؤمنون ويتحدثون عن أشياء وأشياء ص _068
(1/65)

كأنها جزء منهم، مع أنهم لم يلمسوها، وهذا العقل، وهذه الذرة والجاذبية والإلكترون ، والحركة الدائبة في الحجر الأصم، والصخرة الجامدة كلها حقائق يؤمن بها العلماء، ويبنون عليها آراءهم ونظرياتهم وأعمالهم، مع أنه ما من عالم منهم رآها بالذات. إذن ليس من الضروري لنؤمن بشيء أن نراه رأي العين، فقد نؤمن بما نراه استنباطًا واستنتاجًا من المعقولات، وربما لا نؤمن بما نراه رأي العين احتراسًا من خداع العيون. كان علماء الطبيعة قبل تفجير الذرة يقولون: إن الجوهر المادي لا يمكن إبادته، وبنوا قولهم هذا على أوطد أسس التجربة المحسوسة، ولكنهم بعد تفجير الذرة قالوا: إن المادة تتلاشى وتزول، وإذا وجب أن نطرح حكم العقل؛ لأنه يخطئ في بعض الأحيان، وجب أيضًا ألا نأخذ بالأفكار التي تأتي نتاجًا وانعكاسًا للتجربة والنشاط العملي . السؤال الثالث: هل في مقدور العلم أن يخلق مادة حية لها من النمو والحركة ما لأحط الأحياء؟ هل يستطيع العلماء أن يخلقوا نملة أو نحلة لها فطرة الكدح والادخار والنظام؟ لقد جربوا وبذلوا كل الجهود فأتوا بكائن منحط ظنوه شبيهًا بالحي، وبعد الدرس والتمحيص اتضح لهم أنه أبعد ما يكون عن الكائنات الحية بمعناها الحقيقي، وغريب حقًّا أن يؤمن " مصطفى محمود " بالعلم، ثم يكفر بخالق الكون والإنسان!. السؤال الرابع: هل نحن وكل ما عدانا من الكواكب وما فيها من مقومات الحياة والنظام والترتيب وجد صدفة دون تصميم وقصد؟! وهنا يجيب " مصطفى محمود " بأن الاستدلال على وجود الله بقانون السببية مغالطة وخطأ؛ لأن القول بأن الحركة تحتاج إلى محرك، والنظام إلى منظم، والوجود إلى موجد إنما ينطبق على الحوادث الجزئية التي تقع في الطبيعة. أما الطبيعة نفسها فلا يحتاج وجودها إلى سبب، بل هي غاية وسبب في ذاتها، ولا تفتقر إلى من يوجدها. ص _069
(1/66)

فصاحب الكتاب يسلم بقانون السببية. ولكنه يخصه بالأحداث الجزئية دون السبب الكلي. فالباب يصفق لأن الرياح تهب، والرياح تهب؛ لأن هناك تخلخلاً في الجو، أما الوجود بمجموعه فغني عن كل سبب. والذي حمل "مصطفى" على هذا التفصيل أنه رأى بعينه أسباب الحوادث الجزئية، فقال بأن لحركتها محركًا، ولم ير السبب الأول للكون، ولم ينظر إليه بعينه ، ولم يلمسه بيده فجزم بأنه لا شيء وراء الطبيعة!. وكأنه يقول: كل مالا يثبت بالمشاهدة لا يمكن أن يكون صحيحًا . ونحن بدورنا نطالبه أن يثبت هذا القول بالمشاهدة، وإلا كان دعوى بلا دليل!. ومن قال لك: كل ما تسمعه فهو كذب، فقد حكم على نفسه بأنه كاذب؛ لأن القضية تشمل نفسها، وما أشبه قول د/ مصطفى محمود بقول السفسطائيين بأن الأشياء لا حقيقة لها أبدًا؛ لأنه يجوز ألا تكون على ما نشاهدها ونراها، وأجيبوا بأنه: على منطقكم هذا لا نستطيع أن نحكم بوجودكم لأنه من الجائز أن تكونوا غير موجودين!!. وعلى أي الأحوال فإن الفصل بين الحادث الكلي والحدث الجزئي خطأ ظاهر؛ لأن قانون السببية عقلي، والقوانين العقلية لا تقبل التخصيص والاستثناء، وإنما تقبله القوانين الوضعية والتشريعية، مثلاً لنا أن نضع قانونًا ينص على أن كل من يخالف السير يعاقب بكذا إلا إذا كان غريبًا عن الوطن، وليس لنا أن نقول بأن المساويين لثالث متساويان إلا إذا كان من خشب! لأن حكم العقل لا يقبل الاستثناء، ولم أر واحدًا من القائلين بقانون السببية فرق بين الحادث الجزئي والحادث الكلي. ومن هنا تخصص فريق لمعرفة أسباب الأنواع الخاصة كالحيوان والنبات والمعادن، وفريق آخر تخصص لمعرفة أسباب الكون بمجموعه كوحدة مترابطة، ويسمى الفريق الأول العلماء والفريق الثاني الفلاسفة والمتخصصون بشئون النبات، والمتخصصون بشئون الحيوان، وعلماء الكيمياء يعتمدون على الحس والتجربة، ويتخذون من ص _070
(1/67)

المشاهدة أساسًا لدراستهم، أما الفلاسفة فيعتمدون على العقل والاستنتاج، حيث لا تقع فروضه تحت الرؤية، ولا يمكن إثبات شيء منها بالحس. وهذا ما أوقع " مصطفى محمود " في الاشتباه، ودفعه لإنكار ما يثبته العقل، والاعتراف بما يثبت بالمشاهدة فقط. مع أنه لا فرق بينهما إلا في طريق الإثبات والاستدلال، ولو كان الأمر كما يعتقد الكاتب لما تخصص لمعرفة فرعي الثقافة لكل فريق. ولوجب أن نحرق كتب الفلسفة. وكل ما يبحث عن الكون ونظامه. وصفات الخير والشر والجمال والقبح. لأنها لا ترى بالحس والعيان!. والسؤال الخامس: أثبت علماء هذا العصر أن الأرض قطعة انفصلت من الشمس وأن الحياة فيها وعليها كانت محالاً وغير ممكنة بوجه من الوجوه؛ لأن حرارة سطح الشمس ستة آلاف درجة مئوية. أما باطنها فحرارته أربعون مليون درجة. والحياة لا تبقى فيما هو بالغ الحرارة، أو بالغ البرودة. وبعد أن بردت الأرض كانت رمادًا أو كالرماد الفاقد لجميع وسائل الحياة، إذن الحياة لم تتولد من الشمس ولا من الأرض بعد انفصالها وخمودها، وإنما خلقتها في الجوامد قوة إلهية. وقد يقال بأن الحياة جاءت إلى الأرض من بعض الكواكب الأخرى في شكل جرثومة. وبقيت هذه الجرثومة زمنًا غير محدود تنقلت في الفضاء حتى وصلت إلى الأرض. فنقول: أولاً: من العسير جدًّا عن تلك الجرثومة أن تبقى حية تقاوم الحرارة والكثافة وما إليهما مدة سفرها الشاق الطويل. ثانيًا: نوجه السؤال إلى هذا القائل: من أين جاءت الحياة إلى ذلك الكوكب؟… فإن قال قائل بأن الحياة أوجدت نفسها. أو هي عرض من أعراض المادة. فالنمو والتعقل والتذكر، والحب والبغض، والفرح والحزن، وما إلى ذلك كلها صفات ثانوية تستتبع كون المادة على هيئة خاصة وتركيب خاص. تمامًا كالسير بالنسبة إلى السيارة والتزمير بالنسبة إلى المزمار.. ص _071
(1/68)

إن قيل هذا سألنا القائل: لماذا وجدت الحياة في مادة دون أخرى؟ لماذا لم توجد في الصخر والحصى ما دام وجودها اعتباطًا أو ما أشبه؟ ولماذا تعددت الحياة وتنوعت من النمل إلى الفيل في الحيوان، ومن النبتة الصغيرة إلى الشجرة الشاهقة في النبات، ومن البليد إلى العبقري في الإنسان؟ وكيف احتفظت كل فصيلة بصفاتها ومميزاتها وأدت مهمتها بدقة ونظام مدى ملايين السنين؟ وهل من الممكن أن نتصور أن العقل والشعور قد أفرزتهما المادة إفرازًا، كما تفرز المعدة فضلات الطعام؟!. لقد وهب الله سبحانه الحياة للكائنات النامية من إنسان وحيوان ونبات. وجعل كل نوع مستقلاًّ عن الآخر استقلالاً تامًّا، فلم يتولد إنسان من حيوان أو نبات، ولا حيوان من نبات أو إنسان، ولا حيوان عضوي من غير عضوي أو العكس: أما نظرية " داروين " القائلة بأن أصل الإنسان قرد فقد جاء في كتاب: " الله والعلم الحديث " ما يلي : ".. أذاع البروفسور " راجوهانس هور ذلر" العالم الذري في سنتبال بسويسرا بيانًا قال فيه: لا يوجد دليل واحد من ألف على أن الإنسان من سلالة القرد، بل إن التجارب قد دلت على أن الإنسان منذ عشرة ملايين عام يعيش بعيدًا عن القرد. وقدم للمتحف الطبيعي بمدينة " بال " قالعة من فك إنسان يرجع تاريخها إلى عشرة ملايين عام. وبتاريخ 31 مارس سنة 1956 أعلن في أميركا أن الدكتور " ديتر " المشرف على الأبحاث بجامعة كولومبيا أيد نظرية " هور ذلر ". وقال: إن نظرية داروين لا تستند إلى دليل علمي.. ". ومن جملة ما استدل به الفلاسفة على وجود الخالق أن هذه الدقة في النظام، وهذا الإبداع والتناسق والترتيب في الصنع الذي لم يعتريه أي تغيير أو خلل مدى ملايين السنين لا يمكن أن يحصل بطريق المصادفة، بل لابد أن يكون هناك تصميم وإرادة، ومتى ثبت التصميم والإرادة ثبت وجود المصمم والمريد، وإذا لم تره العين فقد رآه العقل. قال أينشتين: " ذلك التناسق العجيب بين قوانين الطبيعة،
(1/69)

وما يخفى وراءه من عقل جبار لو اجتمعت كل أفكار البشر إلى جانبه لما كونت غير شعاع ضئيل أقرب القول فيه أنه لا شيء...!! ". ص _072
ولو وجد التصميم والترتيب بطريق المصادفة لأمكن أن تقرأ كتابًا مرتبًا ومبوبًا يحمل اسم " مصطفى " دون أن تمسه يد مريد... مع أنه لو جمعنا ألوف الألوف من حروف الطباعة، ووضعناها ضمن صندوق وحركناه ألف عام؛ لما رسم لنا صفحة من كتاب، ولا بيتًا من شعر، ولا اسمًا من الأسماء، حتى اسم " مصطفى محمود "!. وأظن أن صاحب الكتاب قد تنبه إلى هذا الرد، لذا تجنب التعبير بالمصادفة حتى لا يقع في هذا المحذور، ولكنه وقع في محذور غيره، حيث قال في صفحة 127: " إن للوجود موجدًا بالبديهة، فمدعيه لا يحتاج إلى دليل، وهو قديم ممتد من الأزل إلى الأبد ". ويلاحظ عليه بأن الوجود موجود، وهذا صحيح. ولكن القول بأن العالم الموجود قديم لا أول له، كالقول بأنه حادث له أول وآخر، كلاهما يحتاج إلى دليل، عينًا كمسألة البيضة والدجاجة، فالادعاء بأن البيضة أصل ليس بأولى من الادعاء بأن الدجاجة هي أصل!، ولا يتعين أحدهما إلا بدليل. ولا أدري كيف جزم وحكم د/ مصطفى محمود بأن قدم الوجود بديهي، مع أنه - أي مصطفى محمود- لا يؤمن إلا بالحس والمشاهدة؟! وإذا دل هذا التهافت على شيء فإنما يدل على أنه لا مناص من اللجوء إلى الاستنباط لإثبات كثير من الحقائق، ومنها وجود المدبر الحكيم لهذا الكون الرائع، ونظامه العجيب، ومن رفض الاستعانة بهذا الدليل، وأبى إلا الاعتماد على المشاهدة وحدها، فلابد أن يقع في الخطأ الذي وقع فيه صاحب كتاب " الله والإنسان "، وهو الحكم بغير دليل، لا من المشاهدة والتجربة، ولا من العقل والاستنتاج. ولابد أن يصيبه ما أصاب الغراب من إضاعة المشيتين "( أ. هـ). والمؤسف أن الملحدين فشا شرهم بغتة في أقطار الشرق، وأساءوا أبلغ إساءة إلى كيانه المادي والأدبي؛ فقد شتتوا فكره، وبددوا قواه، وجعلوا السبل تتشابه
(1/70)

أمامه فلا يدري كيف يتجه وإلى أين يسير؟! ص _073
وأحسن ما قيل في هذا القطيع الآدمي كلمة أديب فرنسي يصف بها الوجوديين في بلاده: " أرأيت الكلاب في أشعة القمر؟ إنها تتواثب دائرة حول نفسها، تريد أن تصل إلى ذنبها، فلا هي التي تصل، ولا هي التي تهدأ ". هذه الكلاب الحالمة هي المثل القريب للوجوديين، ولنشاطهم الذهني..!! وما أكثر ما نسمع هرير تلك الكلاب في آفاقنا الداكنة... والغريب أن السخرية من الدين- أعني الإسلام- كل ما تعلموه من أوروبا وأمريكا. وتصور مستشرقًا يريد أن ينعت الأدب العربي لقومه، فهو ينقل إليهم تراث " أبي نواس " في الشذوذ الجنسي وإدمان الخمر، ويزعم أن هذا فحسب هو الأدب العربي طوال القرون؟! أي كذب ودناءة في هذا الزعم؟؟! إن ذلك مثل عشرات الملحدين الذين شغلونا بألسنتهم في كل ميدان. ما تقرأ لهم وما تسمع منهم إلا أن التراث المعنوي للعرب هو خلق " أبي نواس "، ومجون " أبي نواس "، وإلحاد فلان وفسوق فلان...! وما يمكن أن تستريح البلاد والعباد إلا إذا اتبعنا في علاج هذه الكلاب الحالمة ما تتبعه إدارة الأمن العام حين تكثر الكلاب في القرى والمدن، ويخشى عضها وسعارها.. إنها تجمعها.. ثم تحسم شرها أبد الآبدين. ص _074
(1/71)

النبوات في القرآن إذا كان الفكر الإنساني هو اللجوء إلى الحدس والتخمين في تعرف الحقائق العليا والاهتداء إلى الصواب مرة، والرجوع في الخطأ ألف مرة؛ فإن الفلاسفة الماديين هم بلا نزاع قادة الفكر الإنساني..!! وإذا كان الفكر الإنساني هو الوصول إلى تلك الحقائق من أقصر طريق، والتقاطها ناضجة رائقة، ثم تكريس الوقت للانتفاع بها.. فإن الأنبياء هم من غير جدل القادة الأصلاء للفكر الإنساني. إن هؤلاء الرجال الذين اختارهم الله سفراء إلى خلقه يؤدون رسالات عظيمة الشأن، فهم يبلغون عن الله أمورًا لا يستغني الناس قاطبة عن ذرة منها. العامة والخاصة سواء في حاجتهم إلى معرفة ما أنزل الله لهم على ألسنة أولئك المرسلين الكرام. نعم، ربما وصل أولو النهى إلى بعض الحقائق التي ينقلها النبيون عن رب العالمين، غير أن وصولهم إلى جملة الحقائق التي لابد منها لصلاح الناس مستحيل، والقليل الذي يوفقون إلى فقهه يعبرون إليه جسورًا من التجارب والمتاعب تستغرق السنين. أما الاستماع إلى الرسل والتلقي عنهم فهو يختصر تلك المتاعب الباطلة، والتجارب الفاشلة، ويقف الناس وجهًا لوجه أمام الحق الذي إليه يفتقرون. وذلك فيما يبلغونه وحدهم من حقائق بعد لأي. أما مالا يدركونه وحدهم أبدًا فإن الرسل تلقيه بين الأيدي جنى قريبًا ودواء ميسرًا. وما على الناس بعد الظفر به إلا أن يعملوا به ويمشوا في حياتهم على سناه. ولا تحسبن تقدم العلم واتساع دائرة المعارف الإنسانية يغني فتيلاً عن الوحي الإلهي، والارتباط بما أثر عن النبيين والأقدمين. كلا كلا، فإن علل النفوس والجماعات لم تتغير منذ الأزل، والحاجة إلى الطلب لها من دين الله لم تنقص قط، بل لقد ازدادت واشتدت. فإن أهواء الناس ضربت على تقدم المعرفة، واتسع نطاق الفتك والجور، وتشعبت ص _075
(1/72)

وسائلهما. وافتنت الجماهير تبعًا للزعماء في إشباع غرائزهم الدنيا، واهتبال فرص الحياة الحاضرة، والذهول عن الله وعن الدار الآخرة... ولئن كان الدين قديمًا يعالج صداعًا ألم بالرءوس؛ إنه اليوم بإزاء سرطان شديد البطش بالأرواح والأبدان. فكيف يتوهم الاستغناء عنه؟! إن المفروض- والحالة هذه- أن يتضاعف التفكير في طرق الانتفاع به ووسائل استغلاله إلى أقصى حد مستطاع، حتى يتغلب الناس بأشفيته على سقامهم...!! لقد كان من رحمة الله بعباده أن بعث إليهم بأنبيائه، وأن تعهد شتى الأعصار والأمصار بما أوتوا من تربية وحكمة. والقرآن الكريم يعتبر كتاب النبوات القديمة كلها، وفي صحائفه المصونة كل ما تنزل به الوحي لهداية البشر. وإقامة مصالحهم في المعاش والمعاد... وهو الوثيقة العلمية الباقية لإثبات نبوة موسى وعيسى وغيرهما. فإن الأسانيد الأخرى لا يعول عليها في وجود أولئك الأنبياء. ولذلك أنكر نفر من مفكري الغرب ثبوتهما، وقال بعضهم: إن عيسى رمز صنعته الأفلاطونية الحديثة لترويج مبادئها! ولو أن القرآن أنكر وجود عيسى لصدقته الألوف المؤلفة، ولرأت نبأه أقرب إلى الواقع مما يروي عنه. بيد أن القرآن الكريم أعلن في وضوح تصديقه لنبوة عيسى. وقص خبر حياته دون غمط وغلو. وذكر كذلك أسماء عدد كبير من الأنبياء الذين تنزل عليهم الوحي وكلفهم الله بالبيان عنه. ثم قال لخاتم المرسلين محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما " . ص _076
(1/73)

أجل: إن الله الهادي، الله النور، الله المقسط، لا يدع عباده حيارى من غير بيان يبصرون به مواقع أقدامهم. وأمل صادق يبعث الحياة في مستقبلهم ويملأ بالنشاط يومهم؛ ولذلك أرسل أنبياءه لهم، وأقام في كل أمة من يشق لها الحجب، ويبعث في أفئدتها الضياء. " إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير " . وربما لا نعرف أسماء أولئك الدعاة الذين سيشهدون على الناس يوم الحساب غير أننا نوقن بأن الله لا يناقش الحساب أحدًا يجهل أصل الرسالة وفحوى الدعوة لأن عذره قائم: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " . والكفر الحقيقي- في نظرنا- جحد الحق بعد ما اتضح للبصيرة جوهره، وتألق أمامها شعاعه، ومن ثم فالهمل الذين لم تبلغهم دعوة الحق بأسلوب يحمل في طياته دواعي قبوله، يسمون كفارَا على المجاز، وإلا فهم جهال فحسب.. وقد كان الأنبياء- ومن خلفهم على رسالاتهم- نماذج جيدة في التحدث عن الله بألسنتهم، وكانوا- قبل ذلك وبعده- نماذج أجود في جذب الناس إلى الله بطيب أنفسهم، ونقاء معدنهم، وصفاء حيرتهم، ووصولهم في مدارج الكمال الإنساني إلى ذروة تزرع الإعجاب في القلوب وتذر الأتباع عشاقًا لشمائلهم، فهم يضحون تحت أقدامهم بالنفس والنفيس عن رغبة عميقة وعن رضا كبير. والمرسلون جميعًا من هذا الطراز السامي، وإن كان محمد بن عبد الله- خاتم النبيين- قد أوتي في هذا المضمار حظًّا من المجادة والشموخ، لا يعرف لنبي من قبل. وذلك لأن الخصائص العظيمة التي توزعت عليهم تجمعت فيه، والحكم الكثيرة التي نطقوا بها لخصت في كتابه: فمن أراد اتباع موسى فعليه بالقرآن. ص _077
(1/74)

ومن أراد اتباع عيسى فعليه بالقرآن. ومتبع هذا أو ذاك لا يسعه إلا الإيمان بمحمد، وما جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه ـ وسلم الله عليه وعلى سائر إخوانه الأنبياء الكرام. وقد جال فريق من الناس في حقائق النبوات، وصدق أصحابها، وشككوا في إمكان الوحي، ونزول الملائكة به. وهذا الفريق لا يكذب بالإسلام وحده، ولكنه يكذب بالأديان كلها، بل هو في خبيثة نفسه وجليتها يكذب بالله الذي خلقه فسواه. والرد على أولئك لا يكون بالبرهنة على إمكان الوحي، وجواز الإرسال، فهذا بالنسبة لهم جهد ضائع .. الأساس أولاً وآخرًا : الاهتمام بالإقرار بالألوهية، فإذا فرغ الحديث من الاستدلال عليها، واطمأنت القلوب إلى ثباتها، فإن الاعتراف بالنبوات عقيبها سهل قريب. أما الذين يعترفون بالألوهية، ويستبعدون أن يبعث الله من لدنه بشرًا يعلم الناس ما جهلوا، زاعمين أن في العقل الكفاية، فهم مخطئون واهمون.. أين هي كفاية العقل في حياة الأفراد وعلاقات الأمم؟!! وكم هي نسبة العقلاء في كل ألف من الناس نعدهم عدًّا؟!! لقد ارتقى العقل كثيرًا في أقطار الغرب، فأباح الربا والزنا، وأقر الفوارق بين ألوان البشر، وحول الاسترقاق الفردي إلى استرقاق جماعي تتساند الدول القوية لتمكين مظالمه، وتخليد مآثمه. نعم، لقد ارتقى العقل كثيرًا فشرع من عند نفسه قوانين محلية ونظمًا عالمية تجاهلت ما نزل من عند الله، فماذا حدث؟! امتلأت الأرض بالفساد.. ودارت الأرض بسكانها كما تدور الخمر بالرءوس حتى ليوشكن أن يكون هذا الرقي العقلي نكسة إنسانية مروعة. إن الأنبياء وحدهم، والمناهج التي خطوها فحسب، هي الصراط الذي تستوي عليه الإنسانية صاعدة إلى الكمال، بعيدة عن مزالق الفتن ومهاوي الخيال، والله بعباده أبصر، وهو عليهم أحنى وأرحم. ص _078
(1/75)

الجزاء في القرآن العالم الذي نعيش فيه الآن لا يحفل باليوم الآخر. ولا يكترث لمجيئه، ولا يستعد له الاستعداد اللائق به! لعله لا يؤمن بصدق الأخبار عنه! فهو أميل إلى الشك منه إلى الثقة. كما قال الله ـ عز وجل ـ في بعض الناس : " وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين " . أو لعله ينتظر قدومه ويعرف أنه حق. ولكنه كالذي تناول " بنجًا ". فهو غائب عن وعيه. نشوان بسكرة الدنيا. تتراءى له الأشخاص أشباحًا، ولا تتماسك صورها في ذهنه، فما يعرف كيف يصنع بإزائها.. أو لعل الأمر مزيج من التكذيب والذهول جميعًا. فإن غلبة التفكير المادي جعل جمعًا غفيرًا من أهل الأرض يظنون البعث خرافة علمية، ثم انضم إلى ذلك تشبث غرائزهم بمتاع الدنيا، وحرصهم البالغ على التهام ما أمكن منها، الواجد يطلب المزيد. والمحروم يطلب الجدة. فتكون من غلبة الشهوات على القلب، وغلبة الأخطاء على الفكر أن صار الناس يحيون ليومهم فحسب، ويفكرون في أشخاصهم وحدها. كالسجين في حجرة لا نوافذ لها ولا أبواب. أينما رمى ببصره لا يرى إلا جدرانها.. كذلك المكذبون باليوم الآخر لا يحسون إلا أنفسهم وحاضرهم، ولا يبصرون إلا مآربهم ورغائبهم. أما الله ... . أما اليوم الآخر فدونهما حجب وحجب!!. ومن اليسير علينا أن نحكم بأن الجزاء الأخروي عند أهل الشرق والغرب مسألة لا يحسن التعرض لها ولا التخويف بها، بل إن تطرقها إلى أفئدة الساسة والقادة وحملة الآداب والفنون وغير هؤلاء وأولئك، أمر مستبعد إن لم يكن مستحيلاً...! ص _079
(1/76)

لذلك كله أطال القرآن الكريم الحديث في إثبات الموت والبعث والجزاء، وأطال التذكير بهذه الحقائق التي عميت الجماهير عنها، أو نقصت من أقدارها. وعرض القرآن أمام الأعين حيثما التفتت صورًا شتى لنذر الفناء الأخير، ومشاهد الحساب الدقيق. وكانت صرخات الآي الهادرة بحقائق البعث والجزاء بعيدة المدى، نافذة الدوي، تستفز العواطف الهاجعة، فتبعثها فزعة، وتستجمع الأفكار المشتتة لترغمها على الاقتناع بأن اليوم الآخر حق، وأن الأدلة على قدومه الأكيدة لا ترد، وأن إدخال حسابه في السلوك الخاص والعام لا محيص عنه... والصور التي تلوح للناس بين الحين والحين لتقطع آمال الخلود في الدنيا ولتكشف أن الدنيا هذه منقضية منتهية، كثيرة في القرآن.. أترى هذه الشمس في ضحاها وأصيلها تملأ العالم بالدفء والضوء؟! أترى القمر والليل ساج يرسل أشعته الحالمة مغريًا- كما يقول الشعراء- بالقريض والحب؟! أترى البر والبحر وما يعجان به من حياة وأحياء؟! ذلك كله سيزول!! "إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت * وإذا العشار عطلت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجرت * وإذا النفوس زوجت * وإذا الموؤدة سئلت * بأي ذنب قتلت * وإذا الصحف نشرت * وإذا السماء كشطت * وإذا الجحيم سعرت * وإذا الجنة أزلفت * علمت نفس ما أحضرت". أي الله!! ولقد خالجني شعور غريب في ليلة رائقة، وأنا على شاطئ النيل في قريتنا الصغيرة. كنت أشعر بشيء من الإعزاز لهذا العالم، الأرض الخصبة التي تهتز بالزراعة، وتزدان بالفاكهة وحب الحصيد، والنهر المنساب في صمت، لا يهدر له موج. ولا يسمع له مد ولا جزر.. ص _080
(1/77)

والقبة الزرقاء تبرق في جوانبها النجوم، وتسبح في آفاق مترامية النوى، والعافية - أمدنا الله بها وحفظها علينا- تجعل الساري الوادع يملأ صدره من الهواء النقي، ويستقبل الحياة بذخر من الرضا والتفاؤل... ثم تذكرت بغتة أن ذلك المنظر سيختفي حتمًا، وأن السماء والماء والهواء والمزروع والمصنوع ستبلغ أجلها ثم تتلاشى! لقد شعرت- والحق يقال- بأنها خسارة فادحة أن تمحى كل هاتيك المعالم الجميلة..! بيد أن ذلك لم يلبث أن أعقبه شعور آخر، شعور بأن الذي يطوي هذا العالم سوف يخلق أجمل منه وأحلى في العين والمذاق، وسوف يخلفه لا تنغيص فيه ولا لغو ولا تأثيم، وسوف يمرح فيه- فحسب- من يشكرون الصنيع، ويقدرون صاحبه.. أعني المؤمنين الطيبين. " وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين * وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " . وقد أفاض القرآن الكريم في ذكر الحشر والنشر. ودقة الحساب وعدالته، وبين أن الأجزية المنوه بها معدة للإنسان الذي رشحته أعماله لها، والإنسان كائن مادي روحي معًا. هذه طبيعته التي عاش بها واقترف بها الحسنات والسيئات، فكيف يتصور خروجه عن هذه الطبيعة عندما يلقى عقابه أو ثوابه.؟! إن الذين يطعنون في الأجزية المادية، ويعمدون إلى تأويل الآيات على غير الظاهر القريب منها يغالطون أنفسهم، ويجورون على الواقع. والغريب أننا نسمع الآن كلامًا عن الحياة في الكواكب. أو على الأقل الحياة على المستوى الذي يفقد فيه الإنسان وزنه لإفلاته من جاذبية الأرض إن العلماء الذين يتحدثون في هذا الموضوع يقولون: إن الزمن سيتغير، وإن الإنسان المحدود العمر هنا سيتطاول عمره هناك؛ لأن السنة الأرضية مثقلة بعلل تختصر الآجال، أما طبيعة العيش في أعلى فأنظف من ذلك وأنقى. ص _081
(1/78)

وهذا كلام يلقي ضوءًا خافتًا على معنى الخلود الذي تتصف به الدار الآخرة، ويجعلنا نقصر الكلام في قياس الغائب على المشاهد، أو نرسل قضايا متهافتة عن النعيم الروحي، والجحيم الروحي، أو نتساءل كيف تشهد الجلود والأسماع والأبصار على أصحابها بما كانوا يعملون في الدنيا...!! إن القرآن صريح في وصفه للجنة وما حوت من أزهار وأطيار وحسان، وفي وصفه للنار وما حوت من نكال وألوان وهوان... وهذه الأوصاف تستقيم مع طباع الناس، وتكافئ ما يستحقون من مثوبة أو عقوبة. " فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم * وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين * وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم ". ووصف الجنة أو النار بهذه النعوت الواضحة له ناحيتان: الأولى: تقرير الحقيقة كما أوجدها الله، وذكر للشيء بطبيعته المجردة... والأخرى: غرس هذه الحقائق في ميادين التعليم والتربية والوعظ والإرشاد لتساعد فطام العصاة عن الرزائل، وإغراء الأتقياء بالفضائل. فالإنسان يعينه على الحق أن يرتقب الخير من فعله، ويزجره عن الشر أن يتوقع الدواهي من ارتكابه.. وذاك سر كثرة الترغيب والترهيب في القرآن... واللذة والألم قوانين نفسانية قديمة، وتجاهلها إغماض عن حقائق قائمة، والزعم بأن الإنسان قد يعلو على اللذة والألم، أو بتعبير دقيق: يتخلص من كل إحساس مادي للسعادة والشقاء... وهم بعيد. ص _082
(1/79)

نعم قد تزكو الروح، وتتقد فيها معاني الكرامة العليا، فينبعث المرء إلى فعل الواجب عن حماس للخير، وإلى ترك الرذيلة عن غضاضة من الشر.. وقديمًا وصف الصحابي الطيب " صهيب الرومي " بهذه الكلمة الجميلة: " نعم العبد صهيب. لو لم يخف الله لم يعصه ". بيد أن أصحاب هذه الأرواح الزاكية لا يمكن القول بأنهم فقدوا الطبيعة الآدمية في التألم من الإيذاء والإيجاع والرضا بالسعادة والتكريم... ونحن لا نفهم من التلويح بالأجزية المادية والإسهاب في ذكرها- على النحو الذي جاء به القرآن- لا نفهم من ذلك أن الأجزية الروحية مفقودة أو مؤخرة عن رتبتها. فقد قال الله عز وجل: " وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ". فانظر بعدما سيق الجزاء الموعود كيف أعقبته جملة منفصلة تنوه بقيمة الرضوان الإلهي وارتفاع درجته... إن الإنسان يهش للعيشة السعيدة و يطيب مقامه في كنفها، ويكره الحياة الضنكة، ويود لو يفارقها في أقرب فرصة، وكونه نبيًّا أو فيلسوفًا أو رجلاً من سواد الجماهير لا يغير من هذه الحقيقة الخالدة. ونحن بالاستقراء لأصحاب الامتياز العقلي من ساسة وقادة ومفكرين ومخترعين ترى سوادهم الأعظم يحب أن يحصن مكانته الأدبية بضمانات مادية، ويؤثر أن يعيش في بيت رحب يتوسط حديقة نقية، وتتوفر فيه لنفسه ولأسرته أسباب المتع والراحة. فلماذا نكابر في منطق الفطرة الإنسانية، ونزعم أن الأجزية المادية سقوط أو هبوط بأقدار البشر؟! ولماذا يتهكم البعض من الجنة الموعودة وما فيها من ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون، أو يسخر من النار الموقدة، وما فيها من زقوم وغسلين، وعذاب مهين؟؟! ص _083
(1/80)

والعجيب أن هذا التعاق المفاجئ بالروحانية الخالصة، والمعنويات المجردة يجيئنا من الغرب!! من الأقطار التي تجتاحها عواصف مادية لا ينقطع لها هبوب، ولا تنقشع لها غيوم، ولا يستريح العالم يومًا من جشعها المسعور إلا ليواجه أيامًا نحسات، مليئة بالغيوم والكربات... وقد استخفت هذه الأجزية الآن من هذه الدروس والخطب، كأن الحديث عنها معرة! وابتعدت الألسنة والأقلام عن الخوض فيها لأن الناس ما يعنيهم إلا إصلاح حاضرهم فحسب، وأما الغد الذي فيه يبعثون فهم لا يفكرون فيه ولا يمهدون له... مع أن إصلاح هذا الحاضر لن يتم أبدًا إلا على ضوء الإيمان بيوم القيامة. وتأمل قول الله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون * لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون " . ذلك وقد أشرت في موضع آخر من كتبنا إلى أن وعظ المسلمين بالوعد والوعيد الأخرويين يحتاج إلى حذر ودقة. فإن أمتنا فرطت في شئون المعاش والمعاد جميعًا. والتماس الدواء لها كي تصح دينًا ودنيا ليس يحسنه أي خائض في ميادين النصح والتوجيه.. إن الجماعات التي تغلو في حب الدنيا وتستغرق في السعي لها، وتستبد بها الشهوات الجسمانية والنفسانية... ينبغي أن تعالج بترقيق القلوب، وأن يطول الحديث معها عن الدار الآخرة، وعن محاسن الجنة ومقابح النار... أما الجماعات التي تدب على الأرض لا تحسن تأثيل مال، ولا استنبات زرع ولا تصنيع معدن، والتي تسقط في الشهوات أحيانًا كما تسقط البهم المنتشرة في الحقول. هذه الجماعات التي لا يزيد بصرها بالحياة عن مواقع أقدامها، فلا تعرف الكون سرًّا، ولا تفقه من دنياها علمًا. ص _084
(1/81)

هذه الجماعات ما يجوز أن نشرح لها تفاصيل الدار الآخرة إلا بعد أن تدرك معالم الدار الأولى، وتدري كيف تعيش على أرضها، وتستظل بسمائها. فإذا وعت ما هي ؟ وكيف تستقبل حاضرها! علمت بعد كيف تستعد لغدها. وكثيرًا ما خطبت المسلمين في المساجد والأندية فكنت شديد الحيطة في توجيههم، أخشى إن ذكرتهم بالجنة والنار أن يفهموا من ذلك التذكير البقاء على خيبتهم في الدنيا، والزهد في إحراز خيرها، وامتلاك زمامها.. وأخشى إن ذكرتهم بالدنيا وضرورة السبق فيها، والمنافسة على ثرواتها وخيراتها، أن ينسوا الآخرة، وحسن التأهب لها. فما بد من سوق الكلام واضح الهدف بعيدًا عن الشبهة واللبس، وما بد من إخضاعه كمًّا وكيفًا لأحوال الخاطبين وأنواع العلل التي تفتك بهم، وتجرفهم بعيدًا عن الصراط المستقيم... إن التبشير بالروحانية في الوسط المادي مفهوم وتعليم المادية في الوسط الروحاني مقبول، لكن ما الموقف إذا عالجت مجتمعًا يفقد كيانه المادي والروحي معًا؟ إن إحياءه يتطلب طبيبًا واسع الأفق، عميق الخبرة، صناع اليد، كي لا يعالج مرضًا على حساب الآخر. طبيبًا يتسلل بين مظاهر العلتين ليحصر جراثيم كل على حدة، ثم يستعمل مبضعه في الاستئصال والتجميل حتى يسترد العافية المفقودة، ويستأصل الأدواء المتناقضة. تلك هي وظيفة الناصح الماهر حين يكلم المسلمين في الآخرة، وحين يوقظ همتهم للدنيا... أما الطبيعة الإنسانية العامة، فهي لا تستغني عن مذكر دائب التنبيه إلى أن الآخرة حق، وأن الذهول عنها جرم، وأن الانحصار في الدنيا غفلة. نعم فإن حب العاجلة خمر طغت بنشوتها على الكبار والصغار، فهم سكارى بما يحسون من خير وشر في هذه الدار. والدين يفقد ركنًا من حقيقته الكبرى حين يماشي هذه العربدة المجنونة، بل يفقد أركانه كلها. ص _085
(1/82)

وكم نحن بحاجة إلى صور منوعة تثبت في أنفسنا القيم الصحيحة للحياة والممات وما بعدهما..؟ اقرأ هذه الصورة من قلائد الأدب العربي، واترك عبرتها تتخلل فؤادك. قال صاحب الأمالي: " حدثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله قال: أخبرنا عبد الرحمن عن عمه، قال: دفعت يومًا في تلمس بالبادية إلى واد خلاء لا أنيسي به إلا بيت منفرد. بفنائه أعنز، وقد ظمئت فيممته فسلمت، فإذا عجوز قد برزت كأنها نعامة راخم. فقلت: هل من ماء؟ فقالت: أولبن. فقلت: ما كانت بغيتي إلا الماء، فإذا يسر الله اللبن فإني إليه فقير. فقامت إلى قعب فأفرغت فيه ماء، ونظفت غسله، ثم جاءت إلى الأعنز فتغبرتهن حتى احتلبت قراب ملء القعب، ثم أفرغت عليه ماء حتى رغا وطفت ثمالته، كأنها غمامة بيضاء، ثم ناولتني إياه فشربت حتى امتلأت ريا واطمأننت، فقلت: إني أراك معتنزة في هذا الوادي الموحش، والحلة منك قريب، فلو انضمت إلى جنابهم، فأنست بهم؟ فقالت: يا ابن أخي إني لآنس بالوحشة، وأستريح إلى الوحدة، ويطمئن قلبي إلى هذا الوادي الموحش، فأتذكر من عهدت، فكأني أخاطب أعيانهم، وأتراءى أشباحهم، وتتخيل إلي أندية رجالهم، وملاعب ولدانهم، ومندى أموالهم، والله يا ابن أخي لقد رأيت هذا الوادي بشع الديدين بأهل أدواح وقباب، ونعم كالهضاب، وخيل كالذئاب، وفتيان كالرماح، يبارون الرياح، ويحمون الصباح فأحال عليهم الجلاء قما بفرقة، فأصبحت الآثار دارسة، والمحال طامسة، وكذلك سيرة الدهر فيمن وثق به . ص _086
(1/83)

ثم قالت: ارم بعينك في هذا الفضاء المتطامن، فنظرت فإذا قبور نحو أربعين أو خمسين، فقالت: ألا ترى تلك الأجداث؟ قلت: نعم.. قالت: ما انطوت إلا على أخ، أو ابن أخ، أو ابن عم، فاصبحوا قد احتوت عليهم الأرض، وأنا أترقب ما غالهم، انصرف راشدًا رحمك الله ". أرأيت؟ إن الحياة الدنيا تتحرك داخل إطار من الفناء، ينكمش حولها رويدًا رويدًا، وهي لابد منقلبة إليه يومًا. ولكن! كيف نجعل الناس يؤمنون بالموت، وهو يتخطفهم واحدًا واحدًا ولا يكترث له أحد. وكيف نجعل الناس يستعدون للبعث، وهم عنه في شغل، أو تكذيب، وما بعده هو الحياة كل الحياة، والحق كل الحق. إن ذلك هو ما تكفل القرآن به في أسلوبه العظيم، ونهجه القويم . ص _087
(1/84)

فساد الأمم كما يصوره القرآن الرجل الكبير يحفظ شرفه، ويسفك في صيانته الدم، والمؤمن الحر يحمي عرضه، ويبذل دونه الروح، وقد جاء فى الحديث: " إن الله يغار وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرمه الله " . إن الله - عز وجل - يغضب على من يقارف محارمه، وعلى من يستهين بحدوده، فإذا ارتكب أحد معصية، أو أهمل فريضة، فلا تحسبن أنه أتى أمرًا سهلاً! لقد اقترف جريمة يستحق بها العقوبة، وخاصم ملكًا شديد البطش، أليم الأخذ، والشخص العاصي شذوذ في ملكوت يسبح بحمد بارئه، ويخضع لأمره، ونكتة سوداء متمردة في عالم يسجد لله طوعًا أو كرهًا، ويستمد منه حياته وبقاءه، لحظة بعد أخرى. وذلك العوج في الكون المستقيم على أمر الله هو الذي يجعل الأرجاء توشك أن تنقض على العاصي فتخفي رسمه ووسمه. " أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب " . ولولا أن رحمه الله تغلب غضبه، وأنه يمهل الخاطئين ليمنحهم فرصة المتاب وينسأ لهم في الأجل، ويمد لهم في الحياة، كي يرجعوا إلى الله بخير يرشحهم لعفوه.. لولا هذا لسلط عليهم عذاب الاستئصال. " ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا" . " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى " . ومع هذا الإرجاء، فإن المجرمين قد يواقعون مآسي تستعجل النقمة، فإما أن يسرع الله بعقابهم عدلاً في الحكم، وإصلاحًا للأرض، وإما أن يندرج في إيقاع الجزاء ص _088
(1/85)

الدنيوي بهم، لعل هذه الأخذات المحدودة توقظ ما نام من ضمائرهم، إلى طريق الرشاد مرة أخرى. " أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم " . الأصل أن الخطيئة تفعل أولاً في خفاء واستحياء، ثم تفعل في جفاء وبرود، ثم تولد في المجتمع فتبرز بوجهها الكالح، فإذا وجدت بيئة مواتية استوت على قدميها فتفعل الخطيئة دون تكبر. ثم يشتد عودها وتصلب فتشيع وتنتشر.. ولا تزال دائرتها تنداح حتى تصبح تقليدًا متبعًا، فإذا ظهرت الفضيلة المناوئة لها استكثر حق الحياة والاستقرار عليها. مثلما وقع في قرى المؤتفكة! فإن الرجال الذين استمرأوا الشذوذ الجنسي عز عليهم أن يقوم فيهم ناصح ينهاهم عنه!، وكان صوت هذا الناصح من الغرابة بحيث هدده المجرمون بالرجم إن لم يسكت، فلما أبى إلا إعلان سخطه والبراءة من عملهم تقرر طرده من البلد الفاسق، لأنه متطهر خارج على القانون!!! والبلد الذي تصل فيه الأوضاع إلى هذا الدرك السافل لابد من أن تحل به العقوبة العدل ، وما تقوم لأهله عند الله حجة، أو ينهض لهم عذر. إن الإسلام بادي الصرامة في محاربة الرذائل لا يفتر عن مهاجمتها، ولا تنكسر حدته في مطاردتها. على أن الإسلام يفرق بين نوعين من المعاصي: النوع الأول، ذاك الذي ينزلق إليه البشر وهم شبه مغلوبين على إرادتهم وإدراكهم في أوقات الضعف التي تلم أحيانًا بالإنسان فيزل، وما يكاد يسقط حتى ينهض، وما يكاد يحس لذة الهوى حتى تنغصه آلام الندم. ص _089
(1/86)

هذا النوع من المخالفة لأمر الله يتلطف القرآن في مداواته، ويأخذ بيد صاحبه ليعاود نشاطه الأول في أداء حقوق الله وإنفاذ وصاياه. والمجتمعات التي تنجم فيها هذه المعاصي- وما يخلو مجتمع بشري من غبارها- لا تستهدف لعقاب عام، ولا تسقط من عين الله. إنها تشبه أي حقل زرعه صاحبه قطنًا أو قمحًا، فتنبت فيه أعشاب وحشائش لم يقصد ظهورها، بل إنه يعمل بهمة في اقتلاعها وحماية زراعته منها. وفي سور كثيرة من الكتاب الحكيم نرى المولى تبارك اسمه يتجاوز عن هذه السيئات، يعلن سعة رحمته لمن يلمون بشيء منها. أما النوع الأخير : فهو ذلك الشر المتعمد المستقر الذي تتوطأ الجماعة على فعله، وتتعاهد نماءه، وتجعل بقاءه جزءًا من حياتها، وتقيم العرف العام والتشريع المادي والأدبي على أساس منه. كالمجرم الذي يزرع أرضه بشجر الحشيش والأفيون، ويبقى طول السنة يتعهد ما غرس، وهو يعي أتم وعي ما سوف يقدم للناس من سموم. هذا النوع من العصيان لأوامر الله، والإهدار لحدوده، هو الذي نزلت الآيات بأعنف الترهيب منه، ووصفت بإيضاح مصاير الذين رتعوا فيه، وهي مصاير مشئومة يكتنفها الخراب والدمار. وحذرت الأخلاف أن يسيروا نحو الهاوية التي انزلق إليها أسلافهم. " أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون " . إن الأمم الفاسدة تلتقي في أحوالها نعوت واحدة، قسوة لا ترق لضعف، وجحود لا يكترث بوعظ، وعكوف على الدنيا لا يهتم لما بعدها، ونسيان لله لا يبالي بحقه. وبقاء الأمم بهذه المثابة بلاء على العالم، وعلى العمران، وعلى المثل العليا، وضربات القدر القاصمة عندما تنزل بها تكون كحكم الإعدام عندما ينفذ في مجرم أثيم. ص _090
(1/87)

" وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين * وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون * وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون " . والخوف من الإبقاء على هذه الأمم، سره الحرص على إنشاء أجيال أسلم فطرة وأقوم قيلاً. ولذلك ترى القرآن الكريم يكثر من عرض حياتها وعملها وعقباها، حتى يمكن إيجاد أخلاف أتقى أفئدة، وأزكى مسلكًا، ويقلبها بين صنوف السراء والضراء حتى تعقل وترعوي.. أو ينبت خلالها من يعقل ويرعوي. وكم أخشى على الناشئة التي تنمو الآن في الشرق الإسلامي. إنها تشبه خضراء " الدمن " في حسن منظرها، وسوء مخبرها. وخضراء الدمن تربو على الأقذار كما تربو البهائم الجلالة على التقاط القمامة، فترى شكلها جميلاً، وطعمها مريرًا!! واليوم نبصر أقوامًا شاهت طباعهم يظنون سعة الثقافة في سرعة الإلحاد! وحرية الفكر في هوان الإرادة واستمراء الشهوات، والتقدم المستحب هو البعد عن فرائض الله.. من صلاة وصيام، بل الاندهاش لرؤية المصلين والصوام!! وتسمع أولئك العلوج وهم يتكلمون عن وجوب فتح حانات الخمور وتهيئة صالات العهر، لأن موارد السياحة ستنضب إن لم يقدم للسائحين المسكر الذي يشربون، والمرأة التي يشتهون!!! فتجزم بأنك أمام أمساخ خلق وأنصاف أو أعشار بشر!!!. وقد أسلفنا القول أن بلوغ المعصية هذه المنزلة إيذان بنقمة الله. وإننا لنتشاءم من مستقبل أجيال تحيا وسط هذا الركام الكثيف من سوء الفهم والتوجيه، وما نراها أبدًا تصلح لحمل الأعباء أو مخاصمة الأعداء!! ص _091
(1/88)

ويجمل بي أن أثبت هنا إجابة على سؤال بعث به المعنيون بالنشاط الاجتماعي في " كلية التجارة. جامعة عين شمس ". وهو: " يجتاز الشباب فترة قلق نفسي لا يستطيع معها تحديد أهدافه ولا رسم مثله العليا. فما هي الأسباب التي ترونها داعية إلى ذلك. وما العلاج الذي تقترحونه؟؟ وقد ألنا القول في هذا الجواب، وأضعفنا حدته، ولجأنا إلى التلميح بدل التصريح، والخفوت بدل المجاهرة. لعل هذا التلطف يجدي !! وهاك البيان: إن فترة القلق التي يعانيها الشباب نتيجة طبيعية لجملة أسباب تجمعت في حياتهم كان لابد أن تترك آثارها في أنفسهم على ذلك النحو الذي جزع له المصلحون، وشرع في تفهمه ومداواته لفيف منهم. ومن واجب المسئولين عن قيادة الشباب أن يلتمسوا الدواء لهذه العلل، فإن الشباب الذي لا هدف له. إما أن يقف في مكانه مبلبل الخواطر مشتت المشاعر، وإما أن يخبط في الحياة على غير هدى.. وبذلك يبدد قواه عبثًا ويضيعها سدى!! وكلا الأمرين خطر على مستقبل الفرد والجماعة. وهنا يجيء السؤال: ما سر هذا الفراغ النفسي، وما يتبع ذلك الفراغ من خلخلة وحيرة؟… والجواب يفرض علينا أن نتأمل طويلاً في الأغذية المعنوية والروحية التي تهيأ للشباب، وتعمل عملها في قلبه ولبه!! ومن اليسير أن نحصر هذه الأغذية في مصدرين اثنين: أولهما ما يقدم خارج الفصول والمدرجات، أعني بعيدًا عن معاهد الدراسة وتوجيهات الأستاذة... والآخر ما يقدم خلال مراحل التعليم المختلفة من بداية الصفوف الدنيا إلى أن يترك الطلاب جامعاتهم ويواجهوا الحياة العملية... ونستطيع القول في إجمال وتعميم: إن كلا المصدرين فقير في المواد التي تكون العقائد الدافعة، والتي ترسم الغايات البراقة، والتي تحشد المشاعر وتحكم العزائم ص _092
(1/89)

وتشحذ الهمم، وتغري باقتحام المجهول، والجرأة على الغيوب دون وجل ولا تهيب... والإنسان من غير عقيدة تعمر فؤاده، هذا الإنسان، كم مهمل، وحركة موضعية، إن لم تكن حركة إنسحابية إلى الوراء. والشباب الذي لا عقيدة له، أو الذي يحمل عقيدة منفصلة عن شعوره وعن تفكيره، لا يمكن إلا أن يحيا قلقًا، و إلا أن تمتلكه الحيرة، ويستولي عليه التردد وهو يرمق مستقبله بخور وارتباك!! ولنلق على الموضوع كله نظرة أعمق.. ما هي الأهداف التي تغرسها في الشباب حياتنا العامة؟ استعرض على عجل، ما تنشره الصحف اليومية والأسبوعية. وما يذيعه الراديو على موجاته الطوال والقصار، وما تعرضه السينمات والمسارح . إن هذا الاستعراض السريع يجعلك تحكم على البديهة بأن الأغذية المعنوية التي تقدمها هذه الجهات الثلاث، بعضها تافه غث، لا يسمن ولا يغني من جوع، وبعضها سموم تفتك بالعافية الروحية، وتنتشر في آفاق الشبان ظلالاً سودًا للتحلل والميوعة. إن الدول في كثير من الأحيان توجه اقتصادها لخدمة مصالحها القومية العليا وترسم لذلك سياسة دقيقة تلزم الجميع بتنفيذها والرضا بآثارها.. فهل هناك أدب صحافي موجه، أو فن مسرحي موجه، أو برامج إذاعية موجهة تتضافر كلها على تكوين جيل ناضج مكتمل الوعي، نير الفكر، صلب الإيمان، واضح الهدف، قوي العقيدة ؟؟ إنني أمد بصري اليوم في غير تكلف إلى صحيفة الأهرام فأجد هذا العنوان مكتوبًا على مساحة أربعة أعمدة بخط كبير " ليندا... مازالت تحب نايرون باور "!!. يا لله: أبلغ هوان قرائنا إلى حد العناية بهذا السخف؟!! و إذا فرضنا بعض السفهاء يهتم بذلك النبأ فهل رسالة الصحافة أن تقوم ذلك العوج النفسي أم تنمية. وقل مثل ذلك في الصور العارية والأخبار المثيرة..!! ص _093
(1/90)

إن صحافتنا تنشئ الدنايا إنشاء لتفسد بها الضمائر الساذجة. وهل تتبعت ما يطلبه المستمعون في إذاعتنا؟!. الغريب أن أحدًا من أولئك الطالبين لم يرغب في سماع أغنية قومية كقصيدة فلسطين مثلاً، أو أغنية جادة ذات موضوع نبيل وغاية سامية!!. الزحام كله على الألحان الطرية، والأنغام العليلة، والأصوات الخبيثة التي لا تمل الشكوى من الهجر والخصام!! فهل وظيفة الإذاعة بث الهيام وإقلاق المنام وراء الحبيب المدلل؟!. أليس هناك توجيه أعلى يرفع المستوى النازل، ويحيي في النفوس ملكاتها الطيبة؟؟! ثم ألمح الروايات التي تمثل أحلام الكبت أو التي تجسم وساوها الغريزة، والروايات التي تجعل طريق الفضيلة عسر السلوك مبهم النتائج، أو التي تهون الخيانات وتحلي مذاق الرذائل ". إن عرض هذه الروايات في السينما أو المسرح لا يمكن أن يأتي بخير أبدًا، بل إن الشرور المتولدة عنه فوق الحصر.. والشباب الذي تحاصره هذه العلل كلها قلما تواتيه فرص الإفلات من غوائلها. ومن ثم فهو يعجز حتمًا من تحديد أهدافه ورسم مثله العليا. وهناك خلل آخر في حياتنا العامة.. ندرة المؤسسات الاجتماعية التي تنمي في الشباب نزعات العمل الكريم، وتنفس عن رغبته الكامنة في الامتداد والحركة، وتتلطف في توجيهه إلى الواجب المرتقب منه. نعم، هناك أندية رياضية تقوي الأبدان وتيسر أنواع اللعب وتخلق العضلات المكتنزة. لكن ما جدوى صناعة الأجسام المفتولة إذا لم تملأ هذه الأجسام نفوس مشرقة بالأمل الصحيح. تواقة إلى الكدح في سبيل الله والناس؟! إن إيجاد هذه المؤسسات أمر لا محيص عنه إذا أردنا الخير لأمتنا عامة ولشبابنا خاصة. والآن لنترك ما وراء جدران المدرسة، ولندخل المدرسة نفسها.. ص _094
(1/91)

إن البرامج التي تدرس كثيرة ومنوعة، والجهود التي تنفق في شرحها وتثبيتها مشكورة، بيد أن العلم وحده مهما زاد، والثقافة مهما اتسعت لا تكون شخصية متكاملة ناضجة. وقد تتراكم المعلومات في ذهن الطالب كما تتراكم السلع في مخزن تاجر لا يحسن العرض، أو لا يريد البيع..!! أو كما تستعد السيارة للانطلاق لسلامة آلاتها ووفرة بترولها، ولكنها تفقد السائق الذي يتولى قيادها ويتجه بها حيث يشاء!!. ما قيمة العلم الميت في نفوس جاهلية؟!. ما قيمة الدروس المستوعبة إذا كانت هذه الدروس معزولة عن الحياة الخاصة والعامة يدخرها صاحبها في ذاكرته فحسب، ثم هو يهدأ أو يتحرك ويفتر ويتحمس بعوامل أخرى؟!!. إن العلم لابد أن تصحبه تربية دقيقة، لابد أن تصحبه أخلاق موجهة، لابد أن تصحبه معنويات رقيقة.. والتربية المنشودة ليست دروسًا تلقى، إنما هي جو يصنع، وإيحاء يغزو الأرواح باليقين الحي والعزيمة الصادقة. ونعود إلى ما بدأنا الحديث به. نعود إلى توكيد الحاجة الماسة إلى العقيدة فإن الإيمان يصنع العجائب، ويخلق وسائل النجاح من بين طيات العدم واليأس... وإذا اعترفنا بأن النهضات لا تنجح ولا تثمر إلا إذا قامت على إيمان راسخ ويقين جازم، فبقي أن نبحث من أين تجيء بالعقيدة التي تفتقر إليها؟. أنتسولها من خارج بلادنا؟ أنستوردها من هناك بثمن غال أو زهيد؟ أم نعود إلى تاريخنا ومقومات حضارتنا لنتعرف الركائز التي نبني فوقها ونعلي البناء؟؟! إنني شخصيًّا لا أتردد في الاختيار، وإنني أوقن بأن القلق النفسي، والاضطراب الذهني، وغموض الأهداف وخفاء المثل الرفيعة.. كل هذا سوف يزول إذا وصلنا الشاب بتاريخه العتيد، وملأنا قلبه بالروحانية السمحة، واليقين النقي، والخلق الجاد. ص _095
(1/92)

قصص القرآن كان القصص الحسن من أبرز الأساليب القرآنية في شرح الإسلام وبيان رسالته، ومزج تعاليمه بالقلوب. ولم يكن هذا القصص الواعي المحكم سرًّا مجردًا لبعض الروايات القديمة يتسلى بها السامعون ثم يغفلون عند حكايتها أو يتعظون، لا.. إن هذا القصص كان تاريخًا لسير الدعوة الدينية في الحياة، وكيف خطت مجراها بين الناس منذ فجر الخليقة؟!. وما هي العقبات التي اعترضتها؟ وهل وقفت عندها أو تغلبت عليها؟ وما صنع الأنبياء بإزائها؟ وكيف قبلت الأمم المدعوة رسالات الله أو صدت عنها؟ وبما انتهى الصراع بين الغي والرشد؟؟ والحكمة المنشودة من وراء هذا القصص المترسل المكرر تقرؤها في قوله تعالى: " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ". فالقرآن كتاب الدعوة وتاريخها، وفي تضاعيف السرد التاريخى لأخبار الأولين يزداد عرض الدعوة وضوحًا ويستبين منهجها الذي تحدو البشر إليه، والذي لا يختلف وإن اختلفت العصور وكرت الدهور.. الأنبياء من آدم ونوح، ثم من جاء بعدهم... إلى أن توجوا بخاتمهم محمد بن عبد الله... هؤلاء جميعًا شرحوا أصول العقيدة والخلق والمعاملة شرحًا فياضًا بالصدق، عامرًا بالإخلاص. وإنك لتسمع واحدًا بعد الآخر- فيما سجل القرآن من وصاياهم ونصائحهم و إرشادهم لأممهم، فتجد كلامًا منسقًا وهديًا منسجمًا، صدر عن مشكلة واحدة، وانساق إلى هدف واحد، يمهد أوله لآخره. وتصدق نهاياته بداياته، وكأنهم خطباء فص حفل واحد، اجتمعوا في أمسية موعودة أو ليلة مشهودة، وليسوا رجالاً توزعتهم أكناف القرون المتطاولة، فبين النبي والنبي أعصار وأعصار، وبين الأمة والأمة غبرت قرى وبادت أمصار. ص _096
(1/93)

وكما يدل هذا القصص الموصول على حقيقة الدين، ويحدد تحديدًا حاسمًا الطريقة الوحيدة لمرضاة رب العالمين، كذلك يدل على طبائع الناس ووسائل علاجها، وسنن الله في عقابها أو معافاتها. فإن الإنسان هو الإنسان، من مائة قرن خلت إلى مائة قرن يلدها المستقبل المنظور- لو امتد أجل الحياة- لن تتغير طبيعته، ولن يتبدل جوهره . وقد تتغير وسائل تعبيره عما يهوى، وقد تتبدل مظاهر إشباعه لما يريد، ولكنه هو هو، إذا استكبر فلم يجد إلا خيشة خلقه تبختر فيها وخرج من كهفه مغرورًا، وعندما يرتقي العلم وتتحول البيئة يلبس المنمنم من نسج الآلات وينطلق في الميادين مزهوًّا... وإنك لتتأمل في قوم نوح من قبل الطوفان، أي من قبل ازدهار العمران فتراهم يرفضون رسالة نوح رفضًا ينضح بما يعتمل في قلوبهم من غيرة وحسد. " فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم " . إن هذه الغريزة الرديئة الطافحة بالإثم لم تزد ولم تنقص من سبعين قرنًا إلى هذه الأيام التي تحيا فيها الآن... هي في قوم نوح صورة كاملة لما نراها في أنحاء الشرق والغرب. فإذا وعى القرآن قصص الأولين مع أنبيائهم، وجدد على الناس ذكرها بعد ما طوت الليالي أصحابها فلكي يداوي عللاً متشابهة... وقد كثرت القصص لتحصي جملة كبيرة من الأمراض الاجتماعية، وتستأصل جرثومتها بصنوف العبر وشتى النذر... إن الحضارات المندثرة كجثث الموتى قد يشرحها مبضع الطبيب ليتعرف أسباب هلاكها، وليضيف بهذه المعرفة حصانة جديدة إلى علم الطب، تتوقى بها الإنسانية ما تجهل من متاعب وآلام... والمجتمعات التي طواها الماضي، وهمدت تحت الثرى يجب إذا نضبت الحياة منها أن تتعرف كيف عاشت؟ وكيف تصادقت وتخاصمت؟ وهل تلاقت على جد أو مجون واستجابت للحق أو الباطل ؟ ص _097
(1/94)

إن هذه الأسئلة تعنينا نحن، وعلى ضوء إجابتها قد تستقيم خطانا من عوج وقد توفق للصواب بعد شروط. القرآن الكريم- وهو يحكي أنباء الأولين- يحولها إلى دواء سائل عام، ثم يسكب من قطراته على نفوس المعاندين، يبغي شفاءها دون نظر إلى تراخي القرون واختلاف الخاطبين... ولذلك تراه يروي مثلاً لأهل مكة المكذبين بنبوة محمد!! قصة نوح وقومه ويأخذ في سرد أحداثها وتتبع مراحلها. وفي أثناء هذا السرد المستغرق تقرأ هذه الآيات: " قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين * ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون " . وبغتة ينقطع هذا السياق المطرد ويقفز القارئ آلاف السنين ليرى التفاتة رائعة تتناول أهل مكة المناوئين لمحمد!!. وإذا الخطاب يدع نوحًا وقومه، ويتجه لصاحب الرسالة العظمى بالحديث: " أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون ". إن تشابه الأحوال، واستواء المواقف، هو الذي سوغ هذه النقلة البعيدة، وجعل العبرة تنقذف من خلال هذا القصص المطرد، ثم ترجع حلقات الرواية لتتماسك من جديد، وتقرع الأسماع بقصة نوح، فتترك محمدًا وقومه، وترجع القهقري ألوف السنين.. ثم تقرأ بعدها هذه الآيات: " وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ... ". وتصل القصة إلى ختامها الرهيب، ويعود أمر الانتفاع بها مرة أخرى يصل الماضي بالحاضر، فتسمع المولى جل جلاله يقول لنبيه: ص _098
(1/95)

" تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ". إن القصص من أنجع الطرق التي اتبعها القرآن الكريم في تأديب النفوس، وسياسة الجماعات، والمحاورات النابضة التي أثبتها هي معالم خالدة لضبط الحقيقة وتوليد العبرة منها. ولا ريب أن ما يعقب هذه الأخبار المروية من مغاز وتعليقات مثيرة حقًّا. ومع ذلك، فإن الحوار نفسه قد يتضمن من المعاني ما يجتاز به نطاق قصته الخاصة ليكون خطابًا يتردد صداه عبر الزمان والمكان... انظر إلى موقف الرجل المؤمن في آل فرعون وتتبعه وهو يناشد قومه أن يتوبوا للرشاد، ويخضعوا للحق. لقد كان هذا الرجل الكبير مثلاً في أناته وثباته، بدأ يتكلم وكأنه محايد لا يعنيه من الأطراف المتنازعة إلا أن يلزم الجادة ويدع التطرف!! فعندما رأى فرعون يريد أن يقتل موسى قال: " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم " . هكذا استبعد بالمنطق الرزين أن يقتل نبي كريم.. غير أن الصراع بين الحق والباطل لابد أن يبلغ مرحلة ينزع معها ثوب الحياد، ولابد أن يجيء دور المصارحة التي لا تبالي بجهر أو تكشف... وهنا يجأر الرجل بما في نفسه : " وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار " . ويمضي في نصحه إلى أن يختمه بهذه الكلمات الحارة : ص _099
(1/96)

" فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد " . هذه النصيحة الصادقة في أطواء قصة فرعون وبني إسرائيل ليست بنت زمنها وحده، لكأنها يوم نزل الوحي بها تناشد صناديد مكة وسائر أحزاب الكفر، ثم هي لا تزال تنساب إلى كل قلب في أرجاء الدنيا، تغزوه بما يترقرق فيها من يقين وسلام وحب... وتأليف الروايات شيء غير قص أحداث التاريخ. هذا افتعال يسبكها الخيال، وذاك عرض أجزاء من واقع الحياة التي لا ريب فيها. والروايات التي تؤلف تخضع لمشرب صاحبها وفهمه للأشخاص والأشياء، وحكمه في القضايا الخاصة والعامة. فهي أسلوب في التوجيه يتأثر بألوان الرغبات، وتتنفس فيه شتى الشهوات. وكثيرًا ما نجد مؤلف الرواية يسوق الأحداث التي يتخيلها بطريقة تسوغ الخطيئة، وتبرز الأسباب الدافعة إليها، وتهون الأسباب العاصمة منها حتى ليكون القارئ بعواطفه في صف الجريمة ومرتكبها... وكثيرًا ما تكون الروايات حافلة بمسالك يشوبها الطيش.. ولكن عناصر الخاطرة والمرح التي تحف بها تجعل هذه المسالك كأنها نداء الطبيعة الذي لابد منه. ومن ثم استفحلت الأضرار النفسية والاجتماعية لهذا القصص المفترى، واعوجت أخلاق الشباب، واحلوت السير الفاسدة في مذاقهم من طول إدمانهم لقراءتها.. وصلة هذه القصص المشترى بالقصص الحقيقي، كصلة التمثال الحجري بأجساد الأحياء... بل إنه لو أحسن تأليفه، وشرفت غايته، ما بلغ في نتائجه مبلغ الاستقصاء الصحيح لأخبار الناس وسيرهم في هذه الحياة، وتقلبهم في خيرها وشرها. ذلك أن البون بعيد بين شطحات الخيال وبين الحق الثابت المستقر، بين قصة يبدو لمؤلفها أن يقتل البطل أو ينجيه حسب ما يعتريه من تصورات وبين تتبع لقوانين الله في كونه وفي عباده. ص _100
(1/97)

تلك القوانين التي تدور بين الناس على أساس من الحكم البالغة، والقدر العادل، والإحصاء الدقيق لأحوال البشر، على اختلاف الليل والنهار. والوعظ الناجح لا يكون بمخترعات الأخبار، وإنما يكون بما وقع فعلاً من حسنات وسيئات، وأفراح وأحزان، وهزائم وانتصارات. ولذلك يقول الله لنبيه: " وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين " . وقوله: " تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين" . إن روح القصص القرآني هو احتواؤه على جملة من سنن الله الكونية هي قيام الأمم وفنائها. وتعلم هذه القوانين الاجتماعية الخالدة يشبه دراسة علوم الكون المختلفة ومعرفة الضوابط التي تحكم علاقات المادة بعضها بالبعض الآخر..! أى أن الأمر لا يمكن إلا أن يكون تقرير حقائق غير قابلة لزيادة أو نقصان. خذ مثلاً قانون الأجسام الطافية، إن القدر الذي ينغمس من جسم ما في الماء، مرتبط أتم الارتباط بوزن هذا الجسم وحجمه. ولو فرض أنه غاص، فإن استقراره في القاع، أو بقاءه معلقًا في جوف المياه خاضع كذلك لهذه الروابط.. ووصف هذه الأحوال ليس فيه مجال لخيال، ولا لأوزان الشعر، ولا للحبكة الروائية عند وضاعي القصة.. ص _101
(1/98)

المجال هنا للعلم القائم على محض الحقيقة، وعندما ندرس للناس من جملة هذه الحقائق فلكي يقيموا عليها حياتهم بأمان وثقة.. كذلك أسلوب القرآن في إخباره عن الأمم الأولى، وعما وقع منها وما وقع عليها، إنه يسوق عوامل الرفعة والهبوط، والبقاء والزوال، على أنها سنن كونية لا تتخلف، طبقت على المستقدمين وتطبق على المستأخرين؛ لأن الحقائق الاجتماعية التي تربط بين الأحياء كالحقائق المادية التي تربط بين عناصر الأرض والسماء. وقد ظن بعض الناس أن القرآن يلجأ إلى الأساطير وتلفيق الحكايات لغرض ومعنى معين، وكتب في ذلك رسالة جامعية ليكون بها " دكتورًا "!! وهذا الكفر الصغير يقوم على جهل كبير بكلام الله جل شأنه، وهو طبعًا بعض آثار الغزو الثقافي الصليبي لبلادنا. قال صاحب الشهاب: " ويتناول القرآن الكريم قصص الأنبياء والمرسلين ويذكر طرفًا من معجزاتهم ومن المقرر أنه ليس الغرض من ذلك استقراء الوقائع، ولا تحديد الأزمان، ولا تناول الظروف والملابسات، ولا تسجيل مجرد للحوادث والأشخاص، ولا البحث التاريخي الاصطلاحي والفني، وإنما الغرض من ذلك الهداية والعظة والعبرة، وتقرير قواعد هذه الهداية في النفوس بذكر هذه القصص وعرض وقائعها أمام السامعين والقارئين، والقرآن الكريم يصرح بهذا في وضوح. ومن المقطوع به كذلك عند كل مسلم أن كل ما ذكره القرآن في هذه الناحية حق لاشك فيه، وأن علم التاريخ الاصطلاحي لا يمكن أن يأتي بحقيقة تخالف ما جاء في قصة من القصص التي ذكرها القرآن الكريم. نعم إنه قد يعجز عن أن يصل بوسائله الفنية المجردة إلى بعض ما ذكره القرآن الكريم فيكون ما ذكره القرآن الكريم زائدًا عن علم التاريخ المجرد. وقد يعجز التاريخ المجرد عن أن يجد الدليل بأسلوبه الخاص على ما ورد في القرآن الكريم، ولكن يجب أن يلاحظ أن عجز علم التاريخ عن المعرفة أو الاستدلال ليس معناه عدم صحة ما جاء في القرآن. فليس انتفاء العلم بالشيء دليلاً على
(1/99)

عدم وجوده. ص _102
وهنا المزلق. فالمؤرخون قسمان: قسم لا يؤمن بالقرآن الكريم ولا يتخذ وحيه دينًا. وهذا يقول: إن القرآن لا يصح أن يكون- عنده - كتابًا تاريخيًّا يعتمد عليه في بحوثه الفنية المجردة عن أي اعتبار آخر. وهو معذور في هذا القول، ولا ينتظر منه غيره؛ لأنه لم يلتزم التصديق ولا الإيمان بالقرآن من قبل. وقسم آمن بالقرآن وقام عنده الدليل على صدقه. وعليه حينئذ واجبان: أولهما: أن يكون أصدق الأدلة التاريخية عنده وأثبتها، ما جاء في القرآن عن الأمم والعصور التي أرخ لها أو تناولتها آياته.. وثانيها أن يرد عنه تكذيب الصنف! الأول إن حاولوا ذلك أو أرادوه، وأن يقيم لهم الدليل على خطئهم بالأسلوب التاريخي الفني ولن يعجزه ذلك متى أراده. ولكن بعض الباحثين من هذا القسم يحلو له أن يتشبه بأولئك، فيجرف من شخصيته المؤمنة بالقرآن شخصية أخرى يدعي أنها تاريخية لا تهتم بأي اعتبار آخر، ثم يمضي في بحثه متقمصًا هذه الشخصية الجديدة، وينسى تمامًا شخصيته الأولى فيزل ويهوى. ولو عاد فذكر شخصيته المؤمنة، وعقب على بحثه المجرد بما يفيد إيمانه بصدد هذا التاريخ القرآني، ثم ناضل عن ذلك ودعمه بالأسلوب العلمي لقام ذلك عذرًا له أمام إيمانه أولاً، وأمام الناس بعد ذلك، ولاستحق الشكر والثناء. إن الدكتور طه حسين في هذا المزلق حين انتحل من قبل ما قاله أحد المستشرقين: " للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم و إسماعيل، وللإنجيل أن يحدثنا عنهما، وللقرآن أن يفعل ذلك، ولكن هذا لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي ولا ينهض هذا الدليل ". وثار الناس وهم محقون . ولو قال بعد ذلك: " ولكني كمؤمن بالقرآن الكريم، أثبت وجودهما التاريخي بهذا الدليل، وإذا كان البحث التاريخي المجرد بأدلته الفنية الخاصة لم يصل إلى إثبات شيء عن إبراهيم و إسماعيل؛ فذلك لقصور قد يكشفه الزمن. وقد نصل في المستقبل إلى ما عجزنا عنه الآن. يحدث ذلك دائمًا، وأخيلة الأمس حقائق
(1/100)

اليوم، وأخيلة اليوم حقائق الغد، وحسب الكتب السماوية أن تضع أيدينا على طرف الحبل ! ص _103
وعلينا بعد ذلك تمام البحث.. ومن أنكر ذلك من المستشرقين فهو متجن على العلم ، فليس توقف العقل على حكم دليلاً على الاستحالة " لو قال ذلك لكان محقًّا، وكان جامعًا بين تحليل العالم العصري واعتقاد المؤمن القوي، ولما ثار به الناس وثار هو كذلك بالناس. وهذا الكاتب الجديد صاحب رسالة القصص الفني في القرآن، التي لم تظهر للناس بعد؛ وإنما ظهر منها طرف تناولته الصحف، نحا هذا النحو، ولكن في واد أدنى متصل بالتاريخ. فهو يريد أن يقول: إن رعاية الناحية الفنية عند الأديب المجرد لا تستلزم صدق الرواية ولا صحة الواقعة، وهذا حق، بل إنه كثيرًا ما يتجلى فن الأديب في المبتكر من الحوادث والمتخيل من الروايات أكثر مما يتجلى في رواية الوقائع الصادقة الحقة، بصرف النظر عما يقوله المربون وعلماء النفس في خطر هذا الأسلوب على التكوين الفكري والنفساني للأشخاص. ثم هو يريد بعد هذا أن يجرد من نفسه أديبًا بعيدًا عن كل اعتبار آخر، ويجرد من القرآن كتاب أدب بعيدًا عن كل اعتبار آخر كذلك، وينظر فيه على هذا الأسلوب بصرف النظر عن صدق هذه القصص ومطابقتها للواقع والتاريخ أو مخالفتها لذلك كله. ولو قال إنه يتخذ هذا البحث وسيلة إلى إثبات سمو الناحية الفنية في كتاب الله وعمقها، وإنه كمؤمن بالقرآن الكريم يصدق بأن هذه الوقائع جميعًا لابد أن تكون حقائق تاريخية، وذلك مما يزيد في روعة التصوير ودقة الفن، ولا عجب فهو " صنع الله الذي أتقن كل شيء " . لو قال هذا لاستراح وأراح، ونفى عن نفسه وعن الذين يقرأون له لوثات الزيغ والضلال. وقل مثل ذلك في مثل هذه المناحي جميعًا . ص _104
(1/101)

الإعجاز الإعجاز النفسي احتوى القرآن على شرائع الإسلام وأصول دعوته. لكن هذه الشرائع والأصول لا تستغرق جزءًا كبيرًا منه، فإن الإسلام دين يسير الرسالة، محدود التكاليف، وإنما كثرت السور واستبحرت الآيات لكي يمكن عرض الحقائق الدينية في أسلوب عامر بالإقناع، فياض بأدلة!. نعم نستطيع حصر أحكام القرآن وزبدة عقائده وتعاليمه في بضع صفحات، وبضع صفحات ليست شيئًا هينًا، إنها تتسع لحشد كبير من المعارف الثمينة. بيد أن الوحي الإلهي ليس مجموعة من العلوم رصت في كتاب ثم قدمت للناس. إن عماد هذا الوحي- بعد تقرير الحق الذي جاء به- هو كيف يغرس هذا الحق في النفوس، وكيف تفتح أقطارها له وكيف تبقي عليه وإن تعرضت للفتن، وكيف يبقى فيها وإن زاحمه الباطل وضيق عليه الخناق بصنوف المحرجات.! إن وحدانية الله جل جلاله أم العقائد الإسلامية، ومبدأ التوحيد لا يحتاج في بيانه إلى كراسات أو مجلدات، بل كلمة التوحيد تكتب في سطر وتنطق في لحظات، فهل كذلك الأمر في إشراب القلوب حقيقة التوحيد؟! وتتبع مسالك الإنسان لنفي الشرك عنها، وإلزامها الصراط المستقيم؟ وسرد تاريخ الأمم الأولى، وكيف اجتالتها الشياطين عن الفطرة، فاتخذت من دون الله أوثانًا. ثم كيف لقيت المصير الأسود الذي يجب أن تتعظ به الأجيال الجديدة بعد بوار القرون السابقة؟... الأمر هنا يحتاج إلى إفاضة واستطراد يستطاع التغلب على طبيعة الإنسان المعاندة، وإغلاق كل منفذ يمكن أن تهرب منه. ولذلك يقول الله عز وجل: "ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" ص _105
(1/102)

قد تجد في القرآن حقيقة مفردة، ولكن هذه الحقيقة تظهر في ألف ثوب. وتتوزع تحت عناوين شتى، كما تذوق السكر في عشرات من الطعوم والفواكه، وهذا التكرار مقصود، وإن لم تزد به الحقيقة العلمية في مفهومها. ذلك أن الغرض ليس تقرير الحقيقة فقط، بل بناء الأفكار والمشاعر عليها والتقاط آخر ما تختلقه اللجاجة من شبهات وتعلات، ثم الكر عليها بالحجج الدامغة حتى تبقى النفس وليس أمامها مفر من الخضوع للحق والاستكانة لله. وعندي أن قدرًا كبيرًا من إعجاز القرآن الكريم يرجع إلى هذا. فما أظن امرءًا سليم الفكر والضمير يتلو القرآن أو يستمع إليه ثم يزعم أنه لم يتأثر به.. قد تقول: ولم يتأثر به؟ والجواب أنه ما من هاجس يعرض للنفس الإنسانية من ناحية الحقائق الدينية إلا ويعرض القرآن له بالهداية وسداد التوجيه.. وما أكثر ما يفر المرء من نفسه، وما أكثر الذين يمضون في سبل الحياة هائمين على وجوههم. ما تمسكهم بالدنيا إلا ضرورات المادة فحسب. إن القرآن الكريم بأسلوبه الفريد يرد الصواب إلى أولئك جميعًا، وكأنه عرف ضائقة كل ذي ضيق، وزلة كل ذي زلل، ثم تكفل بإزاحتها كلها، كما يعرف الراعي أين تاهت خرافه، فهو يجمعها من هنا وهناك لا يغيب عن بصره ولا عن عطفه واحد منها. وذلك سمر التعميم في قوله عز وجل: " ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل " . حتى الذين يكذبون بالقرآن ويرفضون الاعتراف بأنه من عند الله. إنهم يقفون منه مثلما يقف الماجن أمام أب ثاكل، قد لا ينخلع من مجونه الغالب عليه، ولكنه يؤخذ فترة ما بصدق العاطفة الباكية. أو مثلما يقف الخلي أمام خطيب يهدر بالصدق، ويحدث العميان عن اليقين الذي يرى ولا يرون. إنه قد يرجع مستهزئًا، ولكنه يرجع بغير النفس التي جاء بها. ص _106
(1/103)

والمنكرون من هذا النوع لا يطعنون في التأثير النفساني للقرآن الكريم، كما أن العميان لا يطعنون في قيمة الأشعة. ولذا يقول الله عز وجل: " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد" . وتصريف الأمثال للناس ترديدهم بين صنوف المعاني الرائعة... قال العلماء في شرح الآية: " ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل " . رددنا وكررنا من كل معنى كالمثل في غرابته وحسنه، أو سقنا لهم وجوه العبر والأحكام والوعد والوعيد، والقصص وغير ذلك. والمقصود أن القرآن يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تفوقه في الجدل، أي بتقديم الدليل المفحم لكل شبهة، وتسليط البرهان القاهر على كل حجة. فالنكوص عن الإيمان بعد قراءة القرآن يكون كفرًا عن تجاهل لا عن جهل. ومن تقصير لا عن قصور... والجدل آفة نفسية وعقلية معًا، والنشاط الذهني للمجادل يمده حراك نفسي خفي قلما يهدأ بسهولة. وجماهير البشر لديها من أسباب الجدل ما يفوق الحصر، ذلك أنهم يرتبطون بما ألفوا أنفسهم عليه من أديان وآراء ومذاهب ارتباطًا شديدًا، ويصعب عليهم الإحساس بأنهم وآباءهم كانوا في ضلال- مثلاً- فإذا جاءت رسالة عامة تمزق الغشاوات عن العيون، وتكشف للناس ما لم يكونوا يعرفون. فلا تستغربن ما تلقى من الإنكار والتوقف، أو التكذيب والمعارضة. ص _107
(1/104)

وأسلوب القرآن في استلال الجفوة من النفس، وإلقاء الصواب في الفكر، أوفى على الغاية في هذا المضمار. ذلك أنه لون حديثه للسامعين تلوينًا يمزج بين إيقاظ العقل والضمير معًا، ثم تابع سوقه متابعة إن أفلت المرء منها أولاً لم يفلت آخرًا. كما يصاب الهدف حتمًا على دقة المرمى، وموالاة التصويب... وذلك هو تصريف الأمثال للناس. إنه إحاطة الإنسان بسلسلة من المغريإت المنوعة لا معدي له من الركون إلى إحداها. أو معالجة القلوب المغلقة بمفاتيح شتى، لابد أن يستسلم القفل عند واحد منها. وتراكيب القرآن- التي تنتهي حتمًا بهذه النتيجة- تستحق التأمل الطويل. ولسنا هنا بصدد الكلام عن بلاغتها، بل بصدد البحث عن المعاني التي تألفت منها، فكان من اجتماعها هذا الأثر الساحر... وهناك مثلاً من مئات الأمثلة في هذا الشأن، ترى فيه حديثًا عن مظاهر الكون، ثم إيماء إلى مشاهد القيامة، ثم تحذيرًا للإنسان من الغفلة، ثم دفعًا قويًّا إلى الطريق السوي، لابد فيه من الجمع بين صلاح العقيدة، وسلامة الخلق، وحسن العبادة، ودقة المعاملة للناس أجمعين. " كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر * إنها لإحدى الكبر * نذيرا للبشر * لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر * كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين * في جنات يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما تنفعهم شفاعة الشافعين " . إنني أقرأ هذه الآيات فأحس عملها القوي في أرجاء نفسي، غير أنني لا أدري سر هذا العمل القوي!. ص _108
(1/105)

الكلمات ومعانيها من جنس ما نعرف، أما آثارها فلسنا نعرف مأتاها، و إن تشبثت بأنفسنا إلى أبعد الحدود. والشيء قد يكون في إحدى حالاته مألوفًا لا يثير انتباهًا، فإذا أظهر هذا الشيء نفسه في أوضاع أخرى اكتنفته معان شتى ! ألا ترى الزخرفة في فن الرسم تتكون من " وحدة " معينة؟ لو رأيت صورتها مفردة ما لفتت نظرك، فإذا كررها الرسام بطرق مختلفة برزت معالم الجمال في أنواع من الزخارف تسحر الألباب. ثم إن إلفك الشيء قد يخفي ما فيه من أسرار، ويصرفك عن اكتشافها. وكثيرًا ما تتلو آيات القرآن مثلما تتصفح آلاف الوجوه في الطريق، ملامح تراها قد تكون دميمة، وقد تكون وسيمة، تمر أشكالها بالعين، فما تثبت على أحدها إلا قليلاً وفي ذهول. لأن المرء مشغول بشأنه الخاص عن دراسة القدرة العليا في نسيج هذه العيون وغرس هذه الرءوس، وصوغ تلك الشفاه، وإحكام ما تنفرج عنه من أسنان، وما تؤدي إليه من أجهزة دوارة لا تقف لحظة... إننا نقرأ القرآن فيحجبنا ابتداء عن رؤية إعجازه، إنه كلام من جنس ما نعرف. وحروف من جنس ما ننطق، فنمضي في القراءة دون حس كامل بالحقيقة الكبيرة. إلا أن طبيعة هذا القرآن لا تلبث أن تقهر برودة الإلف، وطول المعرفة، فإذا كتاب تتعرى أمامه النفوس، وتنسلخ من تكلفها وتصنعها، وتنزعج من ذهولها وركودها، وتجد نفسها أمام الله جل شأنه يحيط بها ويناقشها ويعلمها ويؤدبها، فما تستطيع أمام صوت الحق المستعلن العميق إلا أن تخشع وتطيع. وكما قهر القرآن نوازع الجدل في الإنسان وسكن لجاجته، تغلب على مشاعر الملل فيه، وأمده بنشاط لا ينفد، والجدل غير الملل، هذا تحرك ذهني قد يجسد الأوهام، ويحولها إلى حقائق. وذلك موات عاطفي قد يجمد المشاعر، فما تكاد تتأثر بأخطر الحقائق. ص _109
(1/106)

وكثير من الناس يصلون في حياتهم العادية إلى هذه المنزلة من الركود العاطفي، فنجد لديهم برودًا غريبًا بإزاء المثيرات العاصفة، لا عن ثبات وجلادة، بل عن موت قلوبهم، وشلل حواسهم...!! ونحن نعرف هذه الحالة في طباع الناس، ونحاول علاجها بألوان المثيرات التي لا تخطر ببال. خذ مثلاً عاطفة الحب الجنسي. إن هذه العاطفة مع ارتباطها بأعتى الغرائز الإنسانية لم تترك للون واحد من المنشطات المادية والأدبية، بل تسابق الشعراء والمغنون والملحنون والموسيقيون لمداعبة النفس الإنسانية بألوان من الغناء واللحن والعزف تفوق الحصر.. فمن لم تعجبه أغنية هاجته أخرى، ومن استغلق فؤاده أمام لحن انفتح أمام لحن آخر، ومن طال به الإلف فهذا اخترعت له فنون أخرى تثير الهامد من إحساسه، وهكذا. وفي أغلب الآفاق المادية والمعنوية يحسب لملال الإنسان وكلاله حساب دقيق، وتؤخذ الحيطة له كي لا يقف بالمرء في بدايات الطريق...!!! والقرآن الكريم في تحدثه للنفس الإنسانية حارب هذا الملل، وأقصاه عنها إقصاء، وعمل على تجديد حياتها بين الحين والحين حتى إنه ليمكنها أن تستقبل في كل يوم ميلادًا جديدًا: " وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا " . وإحداث الذكر هو تجديد معنويات الإنسان كلما صدئت على طول التعب ومس الذهول. وأسلوب القرآن في هذا إجمال يربى على كل تقدير. إنه يخترق أسوار الغفلة ويصل إلى صميم القلب، ثم يقفه راغبًا أو راهبًا بإزاء ما يريد. ص _110
(1/107)

وقد توجد سورة بأكملها حافلة بهذه الإثارات المحركة لوعي الإنسان، المجددة لقواه ومشاعره كلما استرخت وفترت. وقد تقوم سور أخرى على طراز من المعاني التوجيهية كالتشريعات والأحكام لا صلة لها بانفعالات القلوب، وذلك لا يغير من الحقيقية التي شرحناها. فإن شئون المعاملات في القرآن الكريم تستمد قداستها وصدق التأثر بها من مقررات العقيدة والتقوى التي غرستها سائر السور والآيات.. والشعور بالرهبة والرغبة والرقة يغمرك وأنت تستمع إلى قصص الأولين والآخرين تروى بلسان الحق، ثم يتبعها فيض من المواعظ والحكم والمعاني والعبر تقشعر منه الجلود. وأقرب الأمثلة لذلك سور الأعراف وهود والشعراء والقصص... الخ. والهدف الأهم من وراء هذا السرد المتكرر ليس بيان الحق فقط، بل هو- إلى جانب ذلك- تعميق مجراه في القلوب تعميقًا ينفي ما طبع عليه الإنسان من جدل وملل... ص _111
(1/108)

الإعجاز العلمي لا سبيل إلى معرفة الله عن طريق التأمل في ذاته، فإن الوسائل إلى ذلك معدومة، وإنما طريق التعرف على الله يبدأ من التأمل في خلقه. وعن طريق التفكير السليم فى الحياة والأحياء، واستخلاص المعارف القيمة الخارجة من الأرض أو النازلة من السماء، يمكننا أن ندرك طرفًا من عظمة الخالق الأعلى، وما ينبغي أن يوصف به من كمال..! كيف يعرف روعة القدرة وإحاطة العلم، ودقة الحكمة، وجلال الموجد الكبير، امرؤ مغلق الذهن، مكفوف البصيرة؟! يمشي على الأرض كما تمشي السائمة لا يستبين من صفحات العالم إلا ما تستبينه الدواب من قوانين الكهرباء أو أسرار الجاذبية أو معالم الجمال أو طبائع العمران؟! إنك تنظر إلى الآلة الدوارة، ذات الترس المتراكبة، والأذرع المتشابكة تتحرك كما أريد لها بسرعة ونظام، وتؤدي العمل المطلوب منها برتابة وإحكام، فما تملك نفسك من أن تشهد بحدة للذكاء الذي اخترعها، ومهارة اليد التي قدرتها ثم سيرتها. ونحن كذلك ننظر إلى ما بين أيدينا وما خلفنا، وما فوقنا وما تحتنا، فما نملك أنفسنا من الشهادة لله- الذي أبرز ذلك كله من العدم- بأنه خلق فسوى، وقدر فهدى . وكلما زادت معرفتنا بمادة الوجود وسره، وانكشفت لنا آياته وخباياه أحسسنا أن عظمة المبدع الماجد فوق ما يطيقه وعينا المحدود، وأن التحية التي تقدم لهذا الإله الجليل هي الاعتراف بأن مظاهر وجوده بهرت كما يبهر السنا المتألق عيون الناظرين!! إن درسًا في الطبيعة والكيمياء هو صلاة خاشعة. وإن سياحة في علم الأفلاك هي تسبيح وتحميد. و إن جولة في الحقول الناضرة، والحدائق الزاهرة، أو جولة مثلها في المصانع الطافحة بالحركة المائجة بالوقود والإنتاج.. هي صلة حسنة بالله، ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد... ص _112
(1/109)

وقد كنت أهش لحصص العلوم الكونية يوم كنا نتلقى دروسنا في مرحلة التعليم الثانوي. وكانت حصيلتنا من هذه الدراسات حسنة، أو هي على الأقل مهاد يستطيع طالب المزيد أن يبني عليه... ثم عرفت أن لجنة تعديل المناهج في الجامع الأزهر طوحت بنصف هذه الدراسات، وردت أكثر الباقي إلى مرحلة التعليم الابتدائي. وحجتها فسح المجال لعلوم اللغة والشريعة!!. وهذا عمل طائش، والحجة فيه داحضة؛ فإن العلوم الكونية في صميم المعارف الإسلامية، بل هي أولى بالله وبدينه من أكثر العلوم المنسوبة إلى الإسلام الآن!!. والحقيقة أن هذا التصرف عودة إلى المعصية التي ارتكبها المفكرون الإسلاميون عندما ذهلوا عن البحث في المادة، وانشغلوا بالبحث فيما وراءها، فرجعوا بعد عدة قرون من هذا الشطط وأيديهم صفر...! فلا هم الذين فهموا المادة وانتفعوا بعلومها المتاحة .. ولا هم الذين اخترقوا أسوار الغيوب، وعرفوا كنه ما وراء الطبيعة!. بل ليت أيديهم عادت صفرًا، لقد عادت وملؤها الوهم من فلسفات النظر الفاشل، والتفكير المريض.. إن كل توهين للدراسات المادية هو مشاقة واضحة لآيات النظر والتدبر الواردة في القرآن الكريم- وما أكثرها. وما نغالي إذا قلنا: إنها حكم بالإعدام على هذه الآيات، ثم إقامة مجتمع ساذج، أو مستغفل. أو بليد بين أرض وسماء حافلتين بالنور والقوة... إن الله الذي خلق العقل نوه به وأشاد بقيمته. لان الله الذي أنزل الإسلام، وأتم به النعمة، جعل ملاك فقهه وقيام أمره على ذلك العقل. وإن الله الذي أبدع هذا العالم لم يلق مفاتيح إبداعه للبله والحمقى، و إنما ألقاها للعالمين الأذكياء. ص _113
(1/110)

ولم يتح تسخيرها للمفرطين العاجزين، و إنما أتاحها لأولى العزم الأقوياء..!! والتطابق بين الكون الممهد، وبين العقل الواعي كالتطابق بين الحق وغطائه... فإذا لم يستفق العقل ويؤد رسالته، انفصمت العلائق بينه وبين هذا العالم، وبالتالي وهت صلته بالله، وانحسرت دون مداها. فمن أين تأتي معرفة الله على وجه مستكمل جميل إلا عن طريق إمعان النظر في ملكوت الله، ومطالعة روائعه بين الحين والحين؟؟! وإذا كان ذلك طريق ابتداء المعرفة، فهو كذلك طريق مضاعفتها. ولا يصدنك عن هذا الحق أن هناك علماء بالكون يجهلون ربهم؛ فإن أسباب جهلهم أو جحدهم لا تنبعث من هذه الدراسات. وإذا وجدنا من يقرأ الكتاب العزيز ويكفر به، فليس كفرانه آتيًا من قبل قراءته، وما يجرؤ مسلم على تحريم القراءة، لأن بعض المعلولين لم يحسن الإفادة منها. كذلك لا يقبل من أحد أبدًا أن يغض من شأن الدراسات الكونية، لأنها لم تهد بعض الملحدين إلى رب العالمين. وليس ثمة تفاوت بين العلم والدين، فإن الله الحق هو مصدر الاثنين، و إذا لوحظ أن هناك اختلافًا فليس بين علم ودين، بل بين دين وجهل أخذ سمة العلم، أو بين علم ولغو لبس سمت الدين. وسترى أن القرآن الكريم مستقيم كل الاستقامة مع كل الكشوف التي يميط العلم عنها الستار، وذلك لا ريب من دلائل صدقه وآيات إعجازه. فإن راكب الناقة ابن الصحراء- الذي لم يخض اللجج يومًا أو يكابد الأنواء - حين يجيء على لسانه وصف علمي دقيق للبحر والجو؛ نجزم بأن هذا الوصف ليس من عنده، بل من عند عالم الغيب والشهادة. هب أن فلاحًا من أغمار الصعيد كتب وصفًا لرحلة جوية بين شاطئ المحيطين. ذكر فيها أنباء لا تعرفها إلا أدق المراصد، وأحوالاً ما يتبينها إلا أذكى الطيارين. أتحسب أحدًا يصدق بأنه قال ذلك من عند نفسه؟؟ ص _114
(1/111)

وقبل أن نذكر نماذج الرد المحكم الذي أفرغ القرآن فيه أوصاف الكون، ومشاهد الطبيعة، وقوى العالم، نحب أن نذكر طبيعة الصلة بين العلم والدين، أو بين آيات الله فى كتابه الكريم وآياته في هذا الكون العظيم... وذلك نقلاً عن كتاب " سنن الله الكونية " للدكتور العالم محمد أحمد الغمراوي... قال: ".. بعد شرح للمسالك التي يتأدى بها العالم إلى نتائجه- رأيت مثلاً من طريقة العلم في تعرف أسرار الفطرة، والاهتداء إلى سنن الله في الكون، وتبينت كيف أن هذه الطريقة تضمن الوصول إلى الحق في القريب أو البعيد، وإن استعانت على ذلك بفرض الفروض. لكن لا خوف قط على الحقيقة من هذه الفروض ما دام العلم يطبق فروضه حتى على الواقع، ويمحصها بالتجربة والاختبار. فهذه الطريقة في الواقع هي طريقة العلم في الاجتهاد، وبينها وبين طريقة اجتهاد المجتهدين في الدين وجه شبه مهم هو: أن رجال العلم يستوحون الحقيقة من صنع الله، وعلماء الدين يستوحون الحقيقة من كلام الله وحديث رسوله. فكل في الحقيقة مرجعه إلى الله، وإن لم يصل رجال العلم بعد إلى الله. وكل فى حكم الدين نفسه مرجعه إلى الله، إذ أن هذه الحقائق الطبيعية التي يكشف عنها العلم ببحوثه إن هي إلا نوع من كلمات الله، أو هي كلمات الله الواقعة النافذة، كما أن آيات القرآن هي كلمات الله الصادقة المنزلة. ولقد سمى القرآن حقائق أسرار الخلق كلمات الله مثل قوله تعالى: " ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم " . " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " . ص _115
(1/112)

وكلمات الله في هاتين الآيتين الكريمتين لا يمكن أن تكون كلماته المنزلة على رسله لأن كلماته سبحانه في كتبه المنزلة محصورة محدودة في حين أن كلماته المشار إليها في هاتين الآيتين لا حصر لها ولا نهاية. فلابد أن تكون هي كلماته النافذة في خلقه، والتي يبدو أثرها متجسمًا فيما يشاهد من الحوادث، وفيما يكشف العلم من أسرار الكون. فالإسلام متسع للعلم كله.. حقائقه وفروضه، والمجتهد مثاب أخطأ أم أصاب، ما دام يريد وجه الحق، و إن كان العلم لا يعرف إلى الآن أن سبيل الحق من سبيل الله ". أ. هـ وهذا الكلام يحتاج إلى أمثله تشرح غوامضه وتكشف خوافيه. ما مظهر الوفاق بين آيات القرآن وأسرار الكون اليى أطلعنا العلم عليها في هذا الزمان؟ وأين مصداق ما تلاه محمد صلى الله عليه وسلم على الناس منذ أربعة عشر قرنًا، فكان سبقه به دليلاً على أنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى ؟ لقد ذكر الدكتور العالم أمثلة شتى تلمحها وهو يصف بدقة حقائق الطبيعة، ثم يسوق بعدها الآيات القرآنية فإذا هي منطوية على هذه الأوصاف أو متجاوبة معها... " وكما سخر الله سبحانه الجاذبية للإنسان في إجراء الأنهار تسير الهوينى أو غير الهوينى إلى سطح البحر، سخرها له أيضًا في كبح جماح البحر، ومنعه أن يطغى بمائة الأجاج على النهر أو على اليابسة، فهي دائمًا تحبسه في مستقره الذي هو كما قلنا من قبل أعمق مواطن سطح الأرض. فالبحر لا يستطيع أن يفارق مستقره ذلك إلا بقوة أخرى تغلب قوة الجاذبية، وهيهات، فكأنما البحر ملجم بالجاذبية أن يهجم على اليابسة من الأرض، كلما هم بالهجوم بفعل المد، أو الريح، أو حركة الأرض، جذبته قدرة الله بلجام الجاذبية من خلف. فيعود إلى موطنه الذي كتب عليه أن يبقى مقيدًا فيه. ولقد من الله سبحانه على الإنسان بهذا حين من عليه بحجزه بين البحرين، أو بين البحر والنهر فى قوله: ص _116
(1/113)

" وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا " وليس ذلك البرزخ- والله أعلم- إلا ارتفاع ما بين سطح البحر وسطح اليابسة التي يجري فيها النهر. وليس ذلك الحجر المحجور- والله أعلم- إلا الجاذبية بين البحر ومركز الأرض وحبسها البحر في موطنه. ولقد من الله على الإنسان بذلك مرة أخرى، وعاب عليه، وعجب منه، كيف يشرك مع الله إلها آخر رغم ذلك الإبداع في قوله سبحانه: " أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون " . فتفهم هذه الآية الكريمة في ضوء ما ذكرناه لك. وتأمل تعقيبه سبحانه بقوله: " بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ" تعلم أن ذلك العلم من هذا الدين، وأن هذا القرآن لم يأت إلا من خالق الفطرة، وأنه لا غنى للمسلم عن علم الفطرة إن كان يريد حقًّا أن يفهم شيئًا من سر الآيات الكونية في القرآن. أهمية الجاذبية في السماء: على أن أهمية الجاذبية في الكون أعظم من هذا بكثير، فإن الجاذبية كما قد عرفنا ليست بين الأرض وما عليها فقط. بل بين الأرض وما عداها من الكواكب، ثم هي أيضًا بين كل كوكب وما عداه . فكل كوكب في ملكوت الله يجذب كل كوكب آخر طبق سنة الجاذبية السابق ذكرها، أي بقوة تتناسب مع حاصل ضرب كتلتي الكوكبين مقسومًا على مربع المسافة بينهما، وناتج كل هذه القوى الواقعة على الكوكب قوة واحدة يمسكه الله بها في مداره أو فلكه، أو في موقعه الذي هو فيه إذا كان النجم من الثوابت. فالجاذبية إذن على قدر علم الإنسان إلى الآن، هي القوة التي يمسك الله بها سبحانه السموات والأرض في مواقعها التي قدرها لها، أو هذا إن شئت ما أدركه ص _117
(1/114)

الإنسان إلى الآن هو سر قوله تعالى: " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا " . وفي قوله تعالى: " الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها " . وما يشبهها من آيات القرآن الكريم، إشارة إلى قوى الجاذبية الخافية، التي هي بعد تقدير الله لها سبب بقاء أجرام السماء في أماكنها، ومداراتها المقدرة لها. فإنه إذا فهم من قوله تعالى " بغير عمد ترونها " أن السموات مرفوعة بعمد غير مرئية- كما هو ظاهر الآية- كانت تلك العمد غير المرئية هي قوى الجاذبية بين بعض الكواكب وبعض. لأن العمد المعروفة المادية تؤثر أثرها، وتحمل أحمالها، بإرساء قوى، أو ضغوط تساوي وتضاد ضغوط الأبنية عليها، كما هو صريح علم القوى. وكما يحصل بالضبط بين الكواكب المتجاذبة. فإذا عجزت العمد عن أن تكون ضغوطها المضادة لضغوط المحمولات عليها مساوية لهذه الضغوط، تكسرت الأعمدة والجدران، أو تشققت، ويكون البناء أقرب إلى التداعي بقدر ما بين ضغوط الأعمدة وضغوط الأحمال من فروق. في حالة الأعمدة وما تحمل يوجد تضاغط واتزان، كما أن هناك بين الأجرام السماوية تجاذبًا وتوازيًا، وإن اختلف مدى التوازن ونوعه في الحالين . وينبغي أن نتذكر أيضًا أن الأعمدة ضاغطة، وليست هي- بداهة- نفس الضغوط الخارجة منها، وأن هذه الضغوط المقاومة لثقل الأبنية غير مرئية و إن رأينا الضاغط من عمود أو جدار. كذلك قوى التجاذب بين أجرام السماء غير مرئية، و إن رأينا أجرام السماء. فالتعبير بالعمد غير المرئية عن القوى التي رفع الله بها السموات هو أدق تعبير، وأبلغه في الخطاب، يفهم كل منه بقدر ما رزقه الله من الفهم وتعلم. " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " . ص _118
(1/115)

فقانون الجاذبية هو مفتاح فهم أمثال الآيتين السابقتين من كتاب الله عز وجل، إلا أن الإشارة إلى القانون فى تلك الآيات الكريمة إشارة عامة من ناحية الوصفية ". أء هـ. وهاك شرحه كذلك لظاهرة طبيعية أخرى. الأمطار: أما العوامل المسببة للأمطار- ومحورها كما رأيت الكهربائية الجوية- فقد أشير إليها إشارات واضحة في أكثر من آية، من تلك الآيات الكريمة آية الحجر: " وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين " الكريمة هو ترتيب إنزال الماء-. ومفتاح هذه الآية قيا الناس- على إرسال الرياح لواقح . والناس يحملون وصف الرياح باللواقح على أنها لواقح للزرع والشجر، وهذا منهم إغفال للنصف الثاني من الآية، إذ لو كان ما ذهبوا إليه هو المراد لترتب عليه إزكاء الزرع، وإخراج الثمر للناس يأكلونه، لا إنزال الماء من السماء يشربونه!. أما وقد رتب الله على إرسال الرياح لواقح إنزال الماء من السماء بسقاء الناس فقد تحتم أن يكون للواقح معنى آخر غير معنى تلقيح الزرع، ويكون مع ذلك- من ناحية شبيهًا بلقاح الأحياء من زروع وحيوان، ومن ناحية أخرى يكون بينه وبين نزول الماء ما بين العلة والمعلول، أو السبب والمسبب. وما عليك إلا أن تذكر ما قدمناه لك عن تكاثف السحاب مطرًا، وعن أثر كهربائيته في ذلك التكاثف، وأثر الرياح في تمهيد سبل الاتحاد بين كهربائية وكهربائية في سحاب وسحاب. لنعلم أن المراد من وصف الرياح بأنها " لواقح " ليس هو الإشارة إلى أثرها في الجمع بين طلع أعضاء التذكير، وبويضات التأنيث في النبات، ولكن هو الإشارة إلى أثرها في الجمع بين الكهربائية الموجبة والكهربائية السالبة في السحاب. فالملاحقة هنا بين قطيرات وقطيرات، وبين سحاب وسحاب، لا بين زهر وزهر، أو نبات ونبات. ص _119
(1/116)

والشبه تام بين هذا التلقيح النباتي، وذلك التلقيح الكهربائي، أو بالأحرى ليس هناك تشبيه مطلقًا، فإن اتحاد الكهربائيتين تلقيح: إن كان اتحاد الخليتين تلقيحًا، لأنه في الحالين اتحاد تام بين شيئين متضادين متحاذيين، يختفي به الشيئان. ويظهر مكانهما شيء آخر غيرهما . ففي حالة التلقيح الكهربائي ينشأ من بين الكهربائيتين ضوء وحرارة لهما خواص غير خواص الكهربائيتين . فهذا شرط الشبه الشديد للقاح الأحياء قد توفر. أما شرط ترتب نزول الماء على تحقق هذا الإلقاح، فقد عرفت توفره من ترتب تكاثف السحاب مطرًا على التفريغ الكهربائي السحابي . فآية الحجر تلك هي مظهر من مظاهر الإعجاز المتجددة للقرآن، لأن تلاقح السحاب وأثره في نزول المطر، أمر كان يجهله الإنسان، حتى كشف عنه العلم الحديث. وهي طبعًا مثل رائع من التطابق التام بين العلم والدين في الإسلام. وآية أخرى أكثر تفصيلاً من آية الحجر هي آية النور: "ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار" ومفتاح هذه الآية الكريمة هو قوله تعالى: " ثم يؤلف بينه ". فقد كان الناس يمرون بهذه الكلمات الكريمة يرونها مجازًا من المجازات البلاغية وهي حقيقة من أمهات الحقائق الكونية. وهذه الكلمات مفتاح الآية الكريمة، لأنها تدل بوضوح على الحقيقة الكهربائية التي تقوم عليها تلك الظواهر الجوية كلها، فإن التأليف بين السحاب ما هو إلا إشارة واضحة. بل وصف دقيق للتقريب بين السحاب المختلف الكهربائية، حتى يتجاذب، ص _120
(1/117)

ويتعبأ في الجو تعبئة الجيوش، يتفق مع ما يريد الله أن يخلقه من بين السحاب: من برق، وصواعق، ومن مطر أو برد. فإذا كان السحاب المتجاذب بعضه فوق بعض، نشأ السحاب الركام. وقد ذكرنا لك قبل ما وجدوه من أن عمق الركام في العواصف الرعدية يكون عظيمًا، فإذا حدث التفريغ داخل السحاب بين بعض تلك الطبقات وبعض- كما هو الغالب- نزل المطر الناشئ عن ذلك التفريغ من خلال الطبقات الدنيا، وتكبر قطراته أثناء نزولها بما تستلحقه من القطيرات، وهو الودق. فإذا بلغت الحالة الجوية الكهربائية في ذلك السحاب الركام من القوة ومن الاضطراب ما يسمح بوقوع تلك الظاهرة الغريبة، ظاهرة تردد بلورات الماء بين منطقتين، ثلجة علوية ومطرية سفلية، تكون البرد ونما حتى يصير أثقل من أن يظل في أسر تلك القوى، فيسقط على الأرض رحمة إن كان صغيرًا هينًا، ونقمة إن كان كبيرًا راجمًا. " فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء " . وليس يدري الإنسان كثيرًا عن الظروف التي يتكون فيها البرد، لكنه يدري أنها ظروف يسودها اضطراب جوي عظيم. هذا الاضطراب قد أشارت الآية إليه وإلى طبيعته إشارتين: الأولى: حين شبهت السحاب الركام الذي يتكون البرد داخله بالجبال. والثانية: حين أشارت إلى عظم القوى الكهربائية المشتركة في تكوينه بنصها على عظم برقه وشدته وبلوغه من الحرارة درجة الابيضاض أو ما فوق ذلك. " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار" وهناك آية أخرى أشارت إلى الطبيعة الكهربائية لتلك الظواهر إشارة من نوع آخر، هي آية الواقعة : ص _121
(1/118)

" أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون " . وتستطيع- بعد أن عرفت العوامل المتعددة التي لابد من تعاونها على تكوين المطر- أن تدرك شيئًا من سر الحجة في هذا السؤال العجيب: " أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون" ؟! لكن الإشارة التي أردنا أن نلفت النظر إليها هي قوله تعالى: " لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون " . والناس طبعًا يسلمون بالقدرة الإلهية على قلب العذب أجاجًا، ويظنون أن هذا يكون عن طريق الخوارق، ولايتساءلون: هل سنن ما يسمح بهذا ؟ ولو تساءلوا وتطلبوا الجواب في العلم لوجدوه قريبًا، ولعرفوا أن عذوبة الماء الذي يسقيهم الله إياه من السحاب هي بمحض رحمة الله. إن الماء طبعًا عذب بطبيعته، وماء المطر معروف أنه أنقى المياه، لكن طبيعة تكونه من السحاب تعرضه لأن ينقلب أجاجًا لا ينتفع به الإنسان.! إن الهواء كما تعرف أربعة أخماسه أزوت أو نتروجين، والأزوت كما تعرف أيضًا لا يكاد يتحد في العادة بشيء، حتى ولا بالأكسيجين الذي يكاد يتحد بكل شيء. لكن الكيمياويين وجدوا أنهم يستطيعون بالكهربائية أن يحولوا الأزوت غير الفعال إلى أزوت فعال، يتحد بأشياء كثيرة في درجة الحرارة العادية، كما وجدوا أنهم يستطيعون أن يحملوا الأزوت على الاتحاد بالأكسيجين بإمرار الشرر الكهربائي في مخلوط منهما، ومن هذا الاتجاه ينشأ بعض أكاسيد للأزوت فيصبح قابلاً للذوبان في الماء، و إذا ذاب فيه اتحد به، وكون حمضين أزوتين، أحدهما: حمض الأزوتيك، أو ماء النار، كما كان يسميه القدماء، وإليه يصير الحمض الثاني . وقليل من حمض الأزوتيك في الماء كاف لإفساد طعمه. ص _122
(1/119)

وأظنك الآن بدأت تدرك الطريق الذي يمكن أن ينقلب به ماء المطر أجاجًا، من غير خرق لأي سنة من سنن الله. فهو نفس الطريق الكهربائي الذي يتكون به المطر، وكل الذي يلزم: أن يتعدل التفريغ الكهربائي، ويتكرر في الهواء تكرارًا يتكون به مقدار كاف من تلك الأكاسيد الأزوتية يذوب في ماء السحاب، ويحوله حمضيًّا لا يسيغه الناس. وهذا هو موضع المن من الله على الناس: أنه يكيف التفريغ بالصورة التي ينزل بها المطر، ولا يؤج بها الماء. إن شيئًا من ذينك الحمضين لابد أن يترك في ماء العواصف، وهذا ضروري للحياة لأنه يتحول في الأرض إلى الأزوتات الضرورية لحياة النبات. لكن الله برحمته وحكمته يقدر تكونه بحيث لا يتأذى به إنسان ولا حيوان. ولو شاء الله لكثره في ماء المطر، فأفسده على الناس. وسواء شكر الناس هذه النعمة أم كفروها، فإن فى قوله تعالى: " لو نشاء جعلناه أجاجًا " إشارة إلى تلك العوامل الكهربائية التي يتكون بها المطر.. يفهمها من يفهم تلك الحقائق السابقة، ومن يعرف أن الطريق الكهربائي هو أحد الطرق العملية التي يمكن بها تحويل الأزوت الجوي إلى حمض. ص _123
(1/120)

الإعجاز البياني إنني واحد من الألوف التي قرأت هذا القرآن، ومررت بمعانيه وغاياته مرور العابر حينًا، ومرور المتفرس المتأمل حينًا آخر. والقرآن ليس الكتاب الوحيد الذي طالعته.. فقد طالعت مئات الكتب الأخرى على اختلاف موضوعاتها، واقتربت من نفوس أصحابها ومن ألبابهم، وأذنت لهذه الكتب أن تترك آثارها في فكري؛ لأقلبها على مكث، وأنتفع بما أراه نافعًا ولفظ ما أراه باطلاً ... ومن اليسير علي وعلى أي قارئ مثلي أن يكون حكمًا معينًا على الكتاب الذي تناوله؛ فقد أخلص من قراءة كتاب ما، ثم أقول: هذا المؤلف واسع الاطلاع ... أو أقول: إن ثقافته غزيرة في الآداب الأجنبية، أو إنه طائل الثروة في الأدب العربي القديم، أو إنه ملم بآخر ما وصلت إليه الكشوف العلمية، أو إنه قصير الباع في إعطاء المعنى حقه، أو إنه مصطبغ بلون يساري، أو إنه من المعجبين بالفيلسوف الفولاني، أو أن في نفسه عقدة تميل بأسلوبه إلى الحدة في ناحية كذا، أو إنه مرن الفهم والأداء... الخ. وقد أعجز عن استبانة الخصائص الإنسانية المتباينة في تكيف الرجال الذين طالعت نتاجهم الذهني، أو آثارهم الروحية. وكثيرون غيري يجدون في أنفسهم هذه المقدرة. وقد تلوت القرآن مرارًا، ورجعت بصري في آياته وسوره، وحاولت أن أجد شبهًا بين الأثر النفسي والذهني لما يكتب العلماء والأدباء، وبين الأثر النفسي والذهني لهذا القرآن، فلم أقع على شيء البتة... وقد أحكم بأن كتابًا ما صدر عن مؤلف في عصر كذا، وأن جنسية هذا المؤلف ومزاجه وأهدافه هي كيت وكيت. ص _124
(1/121)

أما بعد قراءة القرآن، فأجزم بأن قائل هذا الكلام محيط بالسموات والأرض، مشرف على الأولين والآخرين، خبير بأغوار الضمائر وأسرار النفوس، يتحدث إلى الناس تحدث السيد الحقيقي إلى عباده الذين خلقهم بقدرته، ورباهم بنعمته، ويتناول الأمم والقرون في هالة من الجبروت والتعالي، يستحيل أن تلمح فيها شارة لتكلف أو ادعاء. ومع رفعة المصدر الذي تحس أن القرآن جاء منه، وإحساسك بأن هذا الشيء أتى من بعيد، فإنك ما تلبث أن تشعر بأن الكلام نفسه قريب من طبيعتك، متجاوب مع فطرتك، صريح في مكاشفتك بما لك وما عليك، متلطف في إقناعك فما تجد بدًّا من انقيادك لأدلته، وانفساح صدرك لتقبله... ولا تحسبن هذا الوصف متأثرًا بمواريث التدين التي انتقلت إلينا من الأولين، فإن الكفار أنفسهم أدركوا أن القرآن مباين بأسلوبه الخاص لجنس ما ألفوا من كلام، وملكتهم الدهشة لدى سماعه. فقد روى أن الوليد بن المغيرة- وهو من زعماء الكفر في مكة- جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، واستمع إلى ما يتلو من هذا القرآن، فلما أنصت وتدبر، كأنما رق له قلبه، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه وقال له: يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوك إياه، فإنك أتيت محمدًا وملت إلى دينه...!! قال الوليد- مستنكرًا عرض المال عليه- : لقد علمت قريش أني من أكثرها مالاً. قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك، فيعلمون أنك مكذب له وكاره. قال: وماذا أقول؟!.، فو الله ما فيكم رجل أعلم مني بالشعر، ولا برجزه ولا بقصده، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقوله محمد شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه، مشرق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. وغضب أبو جهل لهذه الشهادة، فإن الصدق في هذه القضية لا يعنيه، بل يؤذيه. والعراك على الرياسة في هذه البيئات يذهل عن شئون الكفر والإيمان. فليكن محمد صلى الله عليه وسلم صادقًا . ص _125
(1/122)

وليكن كلامه وحيًا. بيد أن المصلحة القبلية تقضي بكتمان أمره، وانتقاص شخصه. ولذلك عاد أبو جهل يلح على الوليد: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه؟! فقال الوليد: دعني أفكر... وفكر الوليد، ثم أحب أن يكون منطقيًّا مع نفسه فقال: هذا سحر!! ولعله يقصد بالسحر ما جاءت به قوى خفية، لا يعرف الناس عادة حقيقتها، وفي هذا الحوار نزل قوله عز وجل: " ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا * سأرهقه صعودا * إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر * سأصليه سقر " . والواقع أن من الكذب الشائن على الفطرة والبداهة، وعلى العقل والرواية، أن يزعم زاعم بأن القرآن الكريم كلام عادي. وأن أديبًا راسخ القدم في البلاغة يستطيع أن يجيء بمثله...! وقد تساءل كثيرون عن أسرار هذا التفرد الذي اتصف به القرآن الكريم. ولاشك أن المعاني التي تضمنها والذي سداها ولحمتها من الحق الخالد أساس لهذا الإعجاز.. بيد أن المعنى على جلاله إن لحقه قصور في صورته وأثره، نقصت قيمته، وطاشت دلالته. وهناك معان جميلة في نفوس أصحابها: ولو استبانت على السطور لأشرقت بها الصحائف... ولكنها مشاعر في النفوس فحسب: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً ص _126
(1/123)

فتصوير المعنى الصادق حتى يبرز في الحروف كما يبرز الجمال الإنساني في أبهى حلله، وحتى ينتقل سناه إلى الأفئدة نفاذًا أخاذًا ركن ركين في خدمة الحقيقة وبسط سلطانها، وإزاحة العوائق من أمامها. وقد تعرض لفيف من علماء الإسلام لشرح الإعجاز البياني في القرآن الكريم. وكنت أنا نفسي كثير الطواف حول هذا الجمال البياني، أسرح فيه الطرف وأردد فيه الفكر، لكني كنت كالذي شغله الإعجاب بالجمال، عن وضع تفاسير له أو لعلني حاولت ثم غلبني القصور، فتوقفت مؤقتًا حتى تسنح فرصة ... إلى أن قرأت للمرحوم العلامة الشيخ " محمد عبد الله دراز " كتابه " النبأ العظيم- نظرات جديدة في القرآن " فرأيت الرجل وفَّى هذا المجال حقه، وأفاض في الحديث، كأنما يتدفق من ينبوع لا يغيض أبدًا، ووددت لو أن الرجل بقي حتى أكمل ما بدأ، بيد أن المنية عاجلته، فقضى وهو مجاهد في سبيل ربه- طيب الله ثراه. شرح الدكتور في تفصيل طويل المعاني التي احتواها القرآن والتي يستحيل- بالبراهين الحاسمة- أن تصدر عن بشر، وأحصى جملة الشبه التي يمكن أن تخطر ببال أي متردد مرتاب، ثم أجهز عليها. ومضى يستعرض ما يقوله المستقصي في طلب الحقيقة وبسط الإجابة في أدب وفقه ، واسمع إلى هذا البيان: " …فإن قال: قد تبينت الآن أن سكوت الناس عن معارضة الناس كان عجزًا، وأنهم وجدوا في طبيعة القرآن سرًّا من أسرار الإعجاز يسمو عن قدرتهم. ولكني لست أفهم أن ناحيته اللغوية يمكن أن تكون من نطاق هذا السر، لأني أقرأ القرآن فلا أجده يخرج عن معهود العرب في لغتهم العربية. فمن حروفهم تركبت كلماته، ومن كلماتهم ألفت جمله وآياته ، وعلى مناهجهم في التأليف جاء تأليفه. ص _127
(1/124)

فأي جديد في مفردات القرآن لم تعرفه العرب من موادها وأبنيتها؟!.. وأي جديد في تركيب القرآن لم تعرفه العرب من طرائقها، ولم تأخذ به في مذاهبها حتى نقول: إنه قد جاءهم بما فوق طاقتهم اللغوية؟ قلنا له: أما أن القرآن الكريم لم يخرج في لغته عن سنن العرب في كلامهم إفرادًا وتركيبًا، فذلك في جملته حق لا ريب فيه، وبذلك كان أدخل في الإعجاز وأوضح في قطع الأعذار: " ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي " . وأما بعد، فهل ذهب عنك أن مثل صنعة البيان كمثل صنعة البنيان، فالمهندسون البناءون لا يخلقون مادة بناء لم تكن في الأرض، ويخرجون في صنعتهم عن قواعدها العامة، ولا يعدو ما يصنعونه أن يكون جدرانًا مرفوعة، وسقفًا موضوعة، وأبوابًا مشرعة. ولكنهم تتفاضل صناعاتهم وراء ذلك في اختيار أمتن المواد، وأبقاها على الدهر، وأكنها للناس من الحر والقر، وفي تعميق الأساس، وتطويل البنيان، وتخفيف المحمول منها على حامله، والارتفاع بالمساحة اليسيرة في المرافق الكثيرة وترتيب الحجرات والأبهاء بحيث يتخللها الضوء والهواء. فمنهم من يفي بذلك كله، أو جله، ومنهم من يخل بشيء منه أو أشياء.. إلى فنون من الزخرف يتفاوت الذوق الهندسي فيها تفاوتًا بعيدًا. كذلك ترى أهل اللغة الواحدة يؤدون الغرض الواحد على طرائق شتى، يتفاوت حظها في الحسن والقبول. وما من كلمة من كلامهم، ولا وضع من أوضاعهم بخارج عن مواد اللغة وقواعدها في الجملة. ولكنه حسن الاختيار في تلك المواد والأوضاع، قد يعلو بالكلام حتى يسترعي سمعك، ويثلج صدرك، ويملك قلبك. وسوء الاختيار في شيء من ذلك قد ينزل به حتى تمجه أذنك وتفتر منه نفسك وينفر منه طبعك". ص _1 ص
(1/125)

وينتقل الدكتور الشيخ " محمد عبد الله دراز " إلى خصائص الأسلوب القرآني، فيبين الأسباب التي بلغ بها درجة الإعجاز. ولولا أن الرجل حافظ فاقه لكتاب الله، وضليع مكين في آداب العربية، وعابد مخبت تكشفت أمام بصيرته النيرة الحكم البالغات التي غابت عن غيره، ما استطاع أن يصور لنا هذه الخصائص ويجعلها منا رأى العين... ونكتفي بنماذج قليلة من كلماته لا تغني البتة عن مدارسة الكتاب ذاته قال: " خطاب العامة ".. و، خطاب الخاصة ": " وهاتان غايتان أخريان متباعدتان عند الناس ". فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء نزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب. ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب الأذكياء، لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم. فلا غنى لك - إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظها كاملاً من بيانك- أن تخاطب كل واحدة منهما بغير ما تخاطب به الأخرى. كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال.. فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، إلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مقدرة على مقياس عقله، وعلى وفق حاجته، فذلك ما لا نجده على أتمه إلا في القرآن الكريم. فهو قرآن واحد، يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم، لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة. " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " . فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسر لكل من أراد إقناع العقل وإمتاع العاطفة .. ص _129
(1/126)

وفي النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها. فأما إحداهما: فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به. وأما الأخرى: فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم. والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين، ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية، والمتعة الوجدانية معًا. فهل رأيت هذا التمام من كلام الناس؟ لقد عرفنا كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء فما وجدنا من هؤلاء وهؤلاء إلا غلوًّا في جانب، وقصورًا في جانب. فأما الحكماء: فإنما يؤدون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك، ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك، واختلاب عاطفتك.. فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم، لا يأبهون لما فيها من جفاف ونبو عن الطباع. وأما الشعراء: فإنما يسعون إلى استثارة وجدانك، وتحريك أوتار الشعور من نفسك، فلا يبالون بما صوروه لك أن يكون غيًّا أو رشدًا، وأن يكون حقيقة أو تخيلاً! فتراهم جادين هازلين، يستبكون وإن كانوا لا يبكون ويطربون وإن كانوا لا يطربون. " والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون " . وكل امرئ حين يفكر فإنما هو فيلسوف صغير فسل علماء النفس : هل رأيت أحدًا تتكافأ فيه قوة التفكير وقوة الوجدان وسائر القوى النفسية على سواء؟ ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس هل ترونها تعمل في النفس دفعة واحدة وبنسبة واحدة"؟ ص _130
(1/127)

يجيبوك بلسان واحد: كلا، بل لا تعمل إلا مناوبة في حال بعد حال، وكلما تسلطت واحدة منهن اضمحلت الأخرى، وكاد ينمحي أثرها. فالذي ينهمك في التفكير تتناقص قوة وجدانه، والذي يقع تحت تأثير لذة أو ألم يضعف تفكيره، وهكذا لا تقصد النفس الإنسانية إلى جانب من هاتين الغايتين قصدًا واحدًا، وإلا لكانت مقبلة مدبرة معًا . وصدق الله: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " . فكيف تطمع من إنسان في أن يهب لك هاتين الطلبتين على سواء؟! وما كلام المتكلم إلا صورة الحال الغالبة عليه من بين تلك الأحوال. هذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم، أي القوتين كان خاضعًا لها حين قال أو كتب. فإذا رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية، أو وصف طريقة عملية، قلت: هذا ثمرة الفكرة. وإذا رأيته يعمد إلى تحريض النفس أو تنفيرها، وقبضها أو بسطها، واستثارة كوامن لذتها أو ألمها، قلت هذه ثمرة العاطفة. وإذا رأيته قد انتقل من أحد هذين الضربين إلى الآخر، فتفرغ له بعد ما قضى وطره من سابقه، كما ينتقل من غرض إلى غرض، عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه. وأما أن أسلوبًا واحدًا، يتجه اتجاها واحدًا، يجمع في يديك هذين الطرفين معًا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقًا وأزهارًا وأثمارًا معًا، أو كما يسري الروح في الجسد، والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية. فمن لك إذن بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي أولئك الفلاسفة المتعمقين، ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟ ص _131
(1/128)

فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن. ذلك الله رب العالمين. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معًا بلسان، وأن يمزج الحق والجمال معًا، يلتقيان ولا يبغيان، وأن يخرج من بينهما شرابًا خالصًا سائغًا للشاربين. وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت. ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره، لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟ أو لا تراه في معمعة براهينه وأحكامه، لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟ يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها. " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " . " إنه لقول فصل * وما هو بالهزل " وكتب السيد هبة الدين الحسيني رسالة جيدة في إعجاز القرآن لخصها الأستاذ "عيسى صباغ " في هاتين النظرتين. يقول الشيخ " هبة الدين " : لا ريب أن القرآن قد أدهش نوابغ العرب وأخرس شقشقة البلغاء في عصره. ولكن ألأسلوبه الرائق، ولفظه الريق، ونظامه العجيب؟ أم لبدائع معانيه الجذابة، وعظمة مبادئه، ولطائف أمثلته؟ لا نعلم… وإنما نعلم أنه أدهش ويدهش العربي العارف… وربما كان أثره في العامة من النواحي الأولى، وفي الخاصة من النواحي الأخرى. كما أثر بأنبائه الغريبة، وبأسرار إشاراته واستعاراته في الأجيال السائرة. ص _132
(1/129)

أجل، هذا القرآن مدهش من أي وجه كان، وآية عبقريته ساطعة، وقد استعان به منقذ العرب على هدايتهم بعد ما غدوا سكارى بخمرته، فأحيا ذكرهم، وأصلح أمرهم، وأدبهم كما شاءت المصلحة، واستخرجهم من ظلمة العادات القاسية إلى ضياء عيشة راضية... ثم استخدم أولئك المهتدين بأنوار القرآن كألسنة الدعوة الأم، وسيوف لإدانة العالم. ويستطرد إلى بيان ميزة القرآن بين المعجزات، فيقول بأسلوبه السهل البليغ: ( إن أكبر ميزة في القرآن- وهي التي وضعته فوق المعجزات كلها- هي أنه مجموعة فصول ليست سوى صبابة أحرف عربية... من أيسر أعمال البشر، وقد فاقت بعد ذلك عبقرية كل عبقري ... فلم يخلق رب الإنسان للإنسان عملاً- بعد التفكر- أيسر لديه من الكلام "... وكلما كان العمل البشري أيسر صدورًا، وأكثر وجودًا، قل النبوغ فيه وصعب افتراض الإعجاز والإعجاب منه. هذا، ونرى الناس في عهدنا مطبوعين على استحباب الشهرة والأثرة وطلب التفاضل والتفاخر، فإذا رأوا أحدهم يبغي التفوق عليهم بصناعته، اندفعوا بكل قواهم إلى مباراته، وجدوا لكي يأتوا بخير منه... وقد فطر البشر على مثل هذا الشعور... والشعب العربي المعاصر للنبي- صلى الله عليه وسلم- ، كان ولا ريب منطويًا على هذا الشعور تمامًا . فلماذا لم يندفع إلى مباراة القرآن؟! ولاسيما بعد ما شاهدوا من صناعة النبي - صلى الله عليه وسلم- فائدة وعائدة. ولم لم يعارضوا عبقريته في البلاغة وهو فرد وهم ألوف؟!!. ألعدم وجود أساتذة فيهم لهذه الصناعة؟ كلا. لقد كانت تربة الحجاز خصبة منبتة لأساتذة الفصاحة والبلاغة... فلم لم يندفعوا إلى معارضته بالمثل، وهو المعارض لهم بكل ما يستطيع من قوة؟! ولماذا اندفعوا إلى مقاتلته دون مقابلته؟.. وإلى مقابلته بالأسنة دون الألسنة؟! وبالحراب بدل الكتاب؟! حتى أفرغوا كنانتهم برمي آخر نبلة فيها ولم ينجحوا. ص _133
(1/130)

ليت شعري مم وبم أعجزت عبقرية ذلك الفرد المستضعف فيهم وهم ألوف، معتزون بألوف؟ وكيف أعجزتهم أسطر وكلمات وحروف...!! ثم ينتقل المؤلف إلى تحليل تلك الدهشة وتعليل بواعثها، فيقول: أحرى بنا أن نحلل هذه الدهشة الغريبة وأسبابها الحقيقية ونقيس أنفسنا (ونحن في هذا القرن) على أولئك الأساتذة ( وإن كانوا في القرون الأولى) قياسًا حسب ذلك المقياس القائل. الناس كالناس والأيام واحدة فإذا عم الإعجاب بالقرآن أساتذة عصرنا الراقي، فلا نلوم المعجبين بالقرآن في القرون الأولى.. ". ثم يستشهد بتقدير العلامة " جبر ضومط " في كتابه " الخواطر الحسان " لآيات القرآن وبلاغتها، وبشعر ونثر للفيلسوف الدكتور شبلي شميل القائل: دع من محمد، في صدى قرآنه ما قد نحاه للحمة الغايات إني وإن أك قد كفرت بدينه هل أكفرن بمحكم الآيات ومواعظ لو أنهم عملوا بها ما قيدوا العمرات بالعادات من دونه الأبطال في كل الورى من حاضر أو غائب أو آت كما قال: إن في القرآن أصولاً اجتماعية عامة فيها من المرونة ما يجعلها صالحة للأخذ بها في كل زمان ومكان... حتى في أمر النساء، فإنه كلفهن بأن يكن محجوبات عن الريب والفواحش، وأوجب على الرجل أن يتزوج واحدة عند عدم إمكان العدل... والقرآن قد فتح أمام البشر أبواب العمل في الدنيا والآخرة، بعد أن أغلق غيره من الأديان تلك الأبواب... وذكر أن الشيخ " ناصف اليازجي " أوصى ولده " إبراهيم " لتقوية براعته في الأدب العربي قائلاً: "إذا شئت أن تفوق أقرانك في العلم والأدب، وصناعة الإنشاء، فعليك بحفظ القرآن، ونهج البلاغة "... ونوه بإعجاب طائفة من نوابغ الفرنجة أمثال " كارليل " و " ولز " و " تولستوي " و " مونتيه " بالقرآن الشريف وبعبقرية النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ص _134
(1/131)

ثم انتقل إلى موضوع دهشة الأولين الذين قهرتهم عبقرية النبي الأمي وقرآنه فقال: " إذا قام بيننا البناء والحداد ينظمان القريض الجيد أعجبنا حسن القصيدة من جهة، وغرابة المصدر من جهة أخرى، لأنهما عاملان أميان لم يأخذا من الدراسة والكتابة حظًّا.. ". فمحمد الأمي الخاطب بآية : " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك.. ". ربيب البادية، وخريج حي بني سعد، ينهض في أم القرى بدعوى نسخ الأنظمة، وتعديل الشرائع، وإصلاح العالم... هذا من جهة، ومن جهة أخرى: إنه أفنى قواه في معارضة أقوام سفلة، وكابد الأذى والأسى من الأفواه والأيدي، وقضى حياته في إدارة الحروب والمغازي، وهو ما بين هذه وتلك يأتي بكتاب يعجز عن مباراته بلغاء عصره ونوابغ دهره، رجل كذلك لابد وأن يدهش الناس أمره وحق لهم أن يندهشوا لأن الرجل الأمي قد يفوز بالعبقرية ولكن عبقريته لابد أن تتجه إما إلى ميادين الحروب فيكون من عظماء الفاتحين، أو تتجه إلى أندية الرأي ومجالس الشورى فيكون من كبار الساسة والدهاة... أما أن يجمع الحسنيين ويضيف إليهما نبوغًا في العلم، ونبوغًا في التشريع والقضاء، ونبوغًا في جذب عواطف الخاصة والعامة، فلم يسمع به التاريخ، ولم يسمع به الزمان... وربما عد الفن وجوده ضربًا من المحال... إذن فالدهشة طبيعية لدى مشاهدة بطل كهذا... بطل في العلم والنظم... بطل في السياسة والفلسفة معًا ... بطل في الإدارة وفي قيادة الخاصة والعامة جميعًا... بطل في التشريع والتنفيذ حتى على نفسه وأهله... بطل في كل ذلك، ثم هو فوق ذلك أمي غير متعلم... وأكثر ما يجب فيه.. أنه لم يتخصص بفن واحد من الفنون، لا في ألفاظه ونظمه. ولا في معانيه وحكمه. فبينما نراه يتصدر ببلاغة عجبي، وأمثال عذبي ، ص _135
(1/132)

إذا هو يجري في ميدان العلم أو مضمار الفلسفة فيبدي من أسرار الطب والطبيعة وكائنات الأرض وكامنات السماء ونواميس الكون مالا تفي بشرحه الصحائف مما نطق به أمس وانكشف سره اليوم... والحالة أنه لم يك يملك شيئًا منها يوم أخبر عنها.. ثم نراه خائضًا في تاريخ القرون الخالية والأمم البائدة، غير مستند على آثار أو أسفار، ثم تأتي في الحفريات والأثريات مصدقتين له وشارحتين إياه، بعد قرون وأجيال... وكذلك نراه يسن نظامًا، وينسخ أحكامًا، غير مستند في ذلك إلى مشورات أو مؤتمرات، ولكن الظروف الأخيرة، والتجارب المتعاقبة، ومؤتمرات عصورنا الحالية تذعن له، وتعلن اتفاقًا معه. ذلك عدا الأنباء الغيبية عن أحوال أفراد وأقوام هي والله بواعث الإعجاب والدهشة العامة التي اعترت وتعتري الناس من عرب ومستعربة .. كلما تلوا القرآن أو تليت عليهم آياته، وفسرت بيناته ... وسنتناول في نظراتنا الثانية أسس إعجاز القرآن . قال: رأينا في نظراتنا السابقة نموذجًا شائقًا من التفكير والتحليل في أسلوب عصري سائغ، جرى به قلم العلامة " هبة الدين الحسيني الشهر ستاني " تمهيدًا لبحثه في القرآن ".. يبدأ علامتنا تحليله بسؤاله: هل تحدى الرسول - صلى الله عليه وسلم- بالقرآن؟.. ثم يقول: " صدور التحدي من الرسول لأهل الصنعة أساس ينبغي ثبوته قبل أي شيء آخر، ويتبع هذا بشواهد الآيات الناطقة بالتحدي، ومنها هذه الآية: " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين " . ولكن فصحاء العرب أعرضوا عن هذا التحدي المتكرر، وأحجم أبو سفيان عن تجنيد جيش من شعراء الجزيرة وأدبائها لمعارضة القرآن، بل جد في تأليف جيش من عشرة آلاف مقاتل يخاصم النبي وحزبه .. ص _136
(1/133)

إلى جانب هذا من حاولوا المعارضة.. ثم تجد أمثال " الوليد " و "لبيد " و " الأعشى " و " كعب بن زهير " يذعنون لسمو معاني القرآن وبلاغته، وقد كانوا معدودين أساطين البلاغة في زمنهم.. " . وتؤثر روعة القرآن في نفوس العرب فيرفعون القصائد السبع المعلقات من حول الكعبة وهي خير ما جادت قرائح الشعراء العباقرة أمثال: " امرئ القيس "، و " طرفة بن العبد "، و " كعب بن زهير"، و" عمرو بن كلثوم "، خجلاً منهم وانفعالاً. كالذي زين البيت بقناديل الزيت، ثم سطعت من حولهن مصابيح الكهرباء القوية- على حد تعبير المؤلف. وقد حاول أفذاذ من الأدباء بعد معارضة القرآن فلم يوفقوا، وذكر المؤلف عددًا منهم، ولعل أشهرهم " عبد الله بن المقفع "... ثم استشهد المؤلف بآراء نخبة من أعلام الفرنجة النقاد وكبار الأدباء في تقدير مزايا القرآن وأسرار إعجازه... وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى تشريح هذه المزايا، فيعد منها ثمانية وعشرين كرءوس أقلام، ثم يتناول وجوه الإعجاز على المحك، ويقارن بين " الشهنامة " الفارسية في امتيازها، والقرآن العربي في إعجازه على سبيل المثال... ثم يذكر النظريات السبع للعلماء في وجه الإعجاز، وأهمها صدور القرآن من أمي، وبلاغته، وغرابة أسلوبه، وأنباؤه الغريبة الصادقة... وحري بنا أن نذكر هنا مع تلك المزايا الإجمالية التي سردها المؤلف بعض أسرار الإعجاز في القرآن، ألا وهي : ا- " فصاحة ألفاظه الجامعة لكل شرائطها. 2- بلاغته بالمعنى الاصطلاحي المشهور، أي موافقة الكلام لمقتضى الحال، ومناسبة المقام، أو بلاغته الذوقية المعنوية. 3- مسحة البداوة، أي عروبة العبارات الممثلة لسذاجة البداوة مع اشتمالها على بسائط الحضارة. 4- توفر المحاسن الطبيعية فوق المحاسن البديعية. ص _137
(1/134)

5- إيجاز بالغ حد الروعة بدون أن يخل بالمقصود... 6- إطناب غير ممل في متكرارته. 7- سمو المعنى وعلو المرمى في قصد الكمال الأسمى. 8- طلاوة أساليبه الفطرية ومقاطعه المبهجة وأوزانه المتنوعة. 9- فواصله الحسنى وأسجاعه المطبوعة. 15- أنباؤه الغيبية وأخباره عن كوامن الزمن وخفايا الأمور. 11- أسرار علمية لم تهتد العقول إليها بعد عصر القرآن إلا بمعونة الأدوات الدقيقة والآلات الرقيقة المستحدثة... 12- تناوله لغوامض أحوال المجتمع، ولآداب أخلاقية تهذب الأفراد، وتصلح شئون العائلات ... 13- احتواؤه على قوانين حكيمة في فقه تشريعي يفوق ما في التوراة والإنجيل وكتب الشرائع الأخرى ... 14- سلامته عن التعارض والتناقض والاختلاف.. 15- خلوصه من تنافر الحروف وتنافي المقاصد.. 16- ظهوره على لسان بدوي أمي لم يعرف الدراسة، ولا ألف محاضرة العلماء، ولا جاب الممالك سائحًا مستكملاً ثقافته. 17- طراوته في كل زمن، أي كونه غضًّا طريًّا كلما تلي وأينما تلي ... 18- اشتماله على السهل الممتنع، الذي يعد في الشعر ملاك الإعجاز والتفوق النهائي ... 19- طواعية عبارته لتحمل الوجوه وتشابه المعاني، في حدود الدقة الفقهية.. 25- قصصه الحلوة وكشوفه التاريخية عن حوادث القرون الخالية. 21- أمثاله الحسنى التي تجعل المعقول محسوسًا، وتجعل الغائب عن الذهن حاضرًا لديه. 22- معارفه الإلهية كأحسن كتاب في علم اللاهوت، وكشف أسرار عالم الملكوت، وأوسع سفر عن مراحل المبدأ والمعاد... ص _138
(1/135)

23- خطاباته البديعية وطرق إقناعه الفذة... 24- تعاليمه العسكرية ومناهجه في سبيل الصلح وقواعد الحرب. 25- سلامته من الخرافات والأباطيل التي من شأنها إجهاز العلم عليها كلما تكاملت أصوله وفروعه. 26- قوة الحجة وتفوق المنطق. 27- اشتماله على الرموز في فواتح السور، ودهشة الفكر حولها وحول غيرها مما يبعثه على التساؤل. ص - جذباته الروحية الخلابة للألباب، الساحرة للعقول، الفاتنة للنفوس.. ولكن اختيار المؤلف يقع على الوجه الأخير إلى جانب بلاغة القرآن الجامعة فهما عنده وجه الإعجاز المقصود في آيات التحدي. ولعل من الأصواب أن يضاف إلى ذلك تضمنه الأسس لشريعة إنسانية صالحة لكل زمان ومكان " أ. ط . وهاك هذه الصورة من طرائف الأدب العربي، ونحن حين نسوقها نعلم أنها تضمنت وقائع من نسيج الخيال، بيد أن الرمز الذي يتألق فيها يشير إلى المنزلة الجليلة التي كونها القرآن في النفوس، ويشرح كيف نفذ بيانه إلى شغاف القلوب ثم استقر. وهذه الصورة من رواية صاحب الأمالي : " حدثنا أبو بكر قال: حدثني عمي عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه قال: كان خنافر بن التوأم الحميري قد أوتي بسطة في الجسم وسعة في المال وكان عاتيًا . فلما وفدت وفود اليمن على النبي - صلى الله عليه وسلم- وظهر الإسلام، أغار على إبل لمراد فاكتسحها، وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر، فحالف جودان ابن يحيى الفرضمي، وكان سيدًا منيعًا. ونزل بواد من أودية الشحر مخصب كثير الشجر من الأيك والعرين. ص _139
(1/136)

قال " خنافر ": وكان زئيي في الجاهلية لا يكاد يتغيب عني، فلما شاع الإسلام فقدتة مدة طويلة وساءني ذلك. فبينا أنا ليلة بذلك الوادي نائم إذ هوى هوي العقاب، فقال: خنافر؟ فقلت: شصار؟ فقال: اسمع أقل. قلت: قل أسمع. فقال: عه تغم. لكل مدة نهاية، وكل ذي أمد إلى غاية قلت: أجل. فقال: كل دولة إلى أجل، ثم يتاح لها حول. انتسخت النحل ورجعت إلى حقائقها الملل! إنك سجير موصول والنصح لك مبذول، وإني آنست بأرض الشام نفرًا من آل العذام حكامًا على الحكام، يذبرون ذا رونق من الكلام ليس بالشعر المؤلف ولا السجع المتكلف، فأصغيت فزجرت، فعاودت فظلفت . فقلت: بم تهينمون وإلام تعتزون؟ قالوا: خطاب كبار، جاء من عند الملك الجبار. فاسمع يا شصار عن أصدق الأخبار، واسلك أوضح الآثار، تنج من أوار النار. فقلت: وما هذا الكلام؟ قال فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مضر، من أهل المدر، انبعث فظهر، فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجًا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، ومعاذ لمن ازدجر، ألف بآلآي الكبر . قلت: ومن هذا المبعوث من مضر؟ قال: أحمد خير البشر. فإن آمنت أعطيت الشبر، وإن خالفت أصليت سقر. فآمنت يا خنافر، وأقبلت إليك أبادر، فجانب كل كافر، وشايع كل مؤمن طاهر، وإلا فهو الفراق لا عن تلاق . ص _140
(1/137)

قلت: من أين أبغي هذا الدبن؟ قال: من ذات الأحرين ، والنفر اليمانين، أهل الماء والطين. قلت: أوضح! قال: الحق بيثرب ذات النخل، والحرة ذات النعل، فهناك أهل الطول والفضل، والمواساة والبذل. ثم املس عني، فبت مذعورًا أراعى الصباح. فلما برق لي النور امتطيت راحلتي، وآذنت أعبدي، واحتملت أهلي، حتى وردت الجوف، فرددت الإبل على أربابها بحولها وسقابها. وأقبلت أريد صنعاء فأصبت بها معاذ بن جبل أميرًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، فبايعته على الإسلام وعلمني سورًا من القرآن . فمن الله على بالهدى بعد الضلالة، والعلم بعد الجهالة، وقلت في ذلك: ألم تر أن الله عاد بفضله فأنقذ من لفح الجحيم خنافرا وكشف لي عن حجمتي عماهما وأوضح لي نهجي وقد كان داثرا دعاني شصار للتي لو رفضتها لأصليت جمرًا من لظى الهوب واهرًا فأصبحت والإسلام حشو جوانحي وجانبت من أمسى عن الحق نافرا وكان مضلي من هديت برشده فلله مغوٍ عاد بالرشد آمرا نجوت بحمد الله من كل قحمة تؤرت هلكًا يوم شايعت شاصرا وقد أمنتني بعد ذاك يحابر بما كنت أغشى المنديات يحابرا فمن مبلغ فتيان قومي ألوكة بأني من أقنال من كان كافرًا عليكم سواء القصد لأفل حدكم فقد أصبح الإسلام للكفر قاهرًا 1- جمع حرة , وهي صحرا حول المدينة 2- ذهب 3- أعلمت 4- كبارها و صغارها 5- عيني 6- الهوب : النار . و الواهر .الساطع مع شدة الحر 7- يعني أن قبياة أمنت ما كان يغشى أنديتها به 8- رسالة ص _141
(1/138)

بين الكتاب والسنة لا خلاف بين المسلمين في أن القرآن الكريم أساس الإسلام، ولباب دعوته، ومناط شرائعه. وأنه الينبوع الأول لشتى تعاليمه في أحوال المعاش والمعاد جميعًا، وأنه برهان النبوة، ودليل صدقها، ومعجزتها الكبرى، وأنه مجلي الوحي الأعلى، وملتقى الحقائق السماوية التي تنزلت من عند الله خالصة من كل شائبة، مبرأة من كل لبس..؟ وأنه- بهذا القرآن- أصبح محمد مبلغًا عن الله، ومبينًا عن مراده هـ. وقد انتقل هو به انتقالاً نفسيًّا عاليًا، وصعد به في مرقى الكمال البشري إلى أوج بعيد.. فكانت كل آية تهبط عليه نورًا يتألق به باطنه، وكشفًا تشربت به بصيرته . ومن آثار علمه بالقرآن وتأثره به نطق بالسنن الراشدة والأحاديث الهادية. فكانت هي الأخرى- حكمًا ينفع بها الناس، وهدى يشدهم إلى الطريق المستقيم. وقد امتن الله عليه بهذا الوحي المبارك فقال: " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " . ومع احترامنا للحشد الكبير من السنن المروية عن رسول الله، وحفاوتنا بالدراسات الحسنة التي تناولتها في القديم والحديث، فنحن نلفت النظر أن للسنة منزلة ثانوية بعد القرآن نفسه، وأن العالم الأصيل بالإسلام إنما تقوم ثروته العلمية أولاً بمدى فقهه في الكتاب العزيز، وبصره بمعانيه ومغازيه، ولمحه لدلالته القريبة والبعيدة... وأن الصورة المتقنة للإسلام إنما تعرف أبعادها وملامحها البارزة من القرآن أولاً، ثم يجيء دور السنة في الإيضاح والتفصيل بعد أن تمهدت الحدود وعرفت الضوابط. ص _142
(1/139)

ولذلك نحن نرفض أن يشتغل بالسنة رجل فقير في القرآن، ونرفض أن يستخرج أحكامها رجل قصير الباع في فقه الكتاب واستظهار أحكامه... فإن ذلك قلب للأوضاع، ومزلقة للخطأ في تصور حقائق الدين، وفي ترتيب صغراها وكبراها... وقد أجمع المسلمون على أن القرآن الكريم هو الأصل الأول في التشريع، وأن السنة تجيء بعده في المرتبة... 1- ذلك أن هذه السنن من أقوال وأفعال وأحكام وتقريرات إنما تنبني على الدعائم الممهدة من كلام الله جل شأنه، وتمتد في اتجاهها وترتكز عليها، فهي أشبه بالتوابع الفلكية مع أمهاتها من الكواكب الكبرى . 2- أن السنة اعتبرت أدلة شرعية بشهادة القرآن لها، فهي تستمد قوتها كمصدر للأحكام من أمر القرآن بذلك في مثل قوله عز وجل: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول " . وقوله " من يطع الرسول فقد أطاع الله " . وبهذا احتج " ابن مسعود " عندما جادلته امرأة في حديثه عن لعن النساء المتبرجات بتزوير الخلقة، زاعمة أن ذلك ليس في القرآن... فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود أنه قال : " لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فقالت له امرأة في ذلك- أي اعترضته- فقال " وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله، وهو في كتاب الله؟ قال الله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " . 3- ثم إن القرآن يقيني الثبوت، فهو متواتر جملة وتفصيلاً... أما السنة فإن منها المتواتر، وأكثرها أخبار آحاد. وروايات الآحاد تفيد الظن العلمي لا القطع الجازم. والأحكام الشرعية المهمة تعتمد على اليقينيات لا الظنيات... ص _143
(1/140)

4- ومن المسلم به أن القرآن الكريم وصل إلينا كاملاً، لم ينقص منه حرف واحد، تظاهرت الكتابة والحفظ من أول يوم على صيانته في ضبط لم يؤثر البتة عن كتاب في الأولين والآخرين... أما السنن فقد تأخر تدوينها، والتحق بها ما ليس منها، فاجتهد الأئمة في غربلتها، ونقد طرقها ومتونها، واختلفت أنظارهم في ذلك بين التصحيح والتصنيف والقبول والرد... ولاشك أنهم وضعوا قواعد للنقد العلمي تستحق كل احترام وجردوا تراث النبوة مما قد يعلق به من أوهام.. بيد أن جملة السنن التي وصلت إلينا بعد ذلك الجهد لا يمكن القطع بأنها كل ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، وأن الرواة أحصوا في سجلاتهم كلام النبي كله لم يسقط منه شيء. وذلك على عكس القرآن الكريم، فإن ثبوته كله يجعل هيمنته على مصادر التشريع لا تقبل جدلاً ... ومعاذ الله أن نغمط السنة حقها، فهي ضميمة إلى القرآن لابد منها... ونحن نعلم أن معالجة التطبيق العملي للمبادئ والأسس العامة تتطلب غيضًا من التفصيلات والتفريعات المنوعة. وقد قامت السنة بهذه الوظيفة بالنسبة إلى القرآن. وعندما نلقي نظرة عجلى على مجتمعنا مثلاً، نرى هذه التعليمات الفرعية تملأ كل أفق. فاللوائح الداخلية والتشريعات التجارية والمدنية والجنائية والاقتصادية تقوم بعملها الخطير في تنظيم الحياة العلمية، وهو عمل لا يمكن تجاهله، لكن لا يمكن أيضًا الذهاب به فوق قدره بالنسبة إلى الدستور المشرف على كل شيء والمهيمن على تقعيد القواعد واتجاه الفروع، بل الذي تبطل القوانين إذا جافت نصه أو روحه. وكذلك القرآن بالنسبة إلى السنن المروية كلها، إنها تسير في هداه، وتنطلق إلى مداه، وما يسوغ لفقيه مسلم أن يفهم غير هذا، ولا لمجتمع مسلم أن يحيا على غيرها... وقد رأيت نفرًا من المتدينين يخوض في السنن وبضاعته من القرآن قليلة، وبصره ص _144
(1/141)

إلى الآيات كليل، فأنكرت ذلك وأيقنت أن معالم الإسلام لن تكون صريحة في ذهنه، كما لا نستطيع الزعم بأنك تفهم النظام الشيوعي لمجرد الاطلاع على صفحات من جرائده اليومية، أو بعض التعليمات الخاصة بمزارعه الجماعية..! وفهم القران الكريم لا يتم بفهم معاني الجمل ومغازي التراكيب فحسب، بل لابد أن تطبع في نفس القارئ الروح التي صدر عنها الكلام كله والدلالات التي تكتنفه كوحدة متماسكة، ولهذا الانطباع أثره في دقة التشريع . والناس يتفاوتون حكمة وفقها بمقدار أنصبتهم من هذا الإدراك النافذ الشامل... وأئمة الإسلام لم يبلغوا درجة الإمامة فيه إلا بما آتاهم الله من فهم في كتابه، ووعي لأسراره، وذوق لحكمة التشريع وأهداف الوحي، ومرامي الخطاب الإلهي في الأمر والنهي، والوعظ والاعتبار.. إنني أحيانًا أقرأ آيات القرآن في وصف الكون، وقصص الأمم ـ وهي آيات لا علاقة لها بالتشريع ـ فاستشف من أسلوبها حقيقة حياتنا، ومعنى وجودنا على النحو الذي يرضاه الله لنا، استشف حدود هذه الحياة ومعنى ذلك الوجود قبل أن يظهر جليًّا في قوالب الأمر والنهي... أتصور وأنا أتلوها أننا طلقاء في عالم بعيد الآماد والأرجاء، ممهد الأرض والسماء، نستطيع أن نحيا فيه كما نشاء إذا التزمنا صحة الفطرة، وسلامة الطبيعة، واعتدال المزاج . أما إذا اعتلت الفطر، واعوجت الطباع، واضطربت الأمزجة، فالناس لا محالة بحاجة إلى من يعيدهم طوعًا أو كرهًا إلى العافية التي فقدوها... وهل أحكام الله في كل مجال إنساني إلا ضمان السلامة للسليم، وإعادة الصحة للعليل؟ لهذا شرعت الصلاة والزكاة، ولهذا شرع النصح بالبيان البليغ، حينًا. ثم بالسلاح البليغ إذا ضربت العلل، وأراد المرضى أن ينشروا جراثيمهم في كل مكان وأن يقطعوا الطريق على حملة الأدوية. ولهذا أنزل الله نكاله بأمم شتى بعضها أسرف في الشهوة واستمرأ الشذوذ، ص _145
(1/142)

وبعضها جنح إلى الكبر وأغواه البطر، وبعضها استحل البخس واجتاح الحقوق، وبعضها احتقر النعمة، واستباح الجبروت والبطش: " فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" . إن تالي القرآن الخالي الذهن من أية تعاليم أخرى، يخرج بعد سياحة في سوره الواعية الهادية بصورة دقيقة عما يريد الله لعباده، صورة لا تمتاز بكثرة القيود، وإنما تمتاز بعمق التوجيه إلى المعاني التي أشرنا إليها آنفًا... وهي صورة لا ينبغي أن ينساها مسلم، العالم والمتعلم... ولندع ذلك التناول الأدبي المرن لحقائق القرآن، ولنعد إلى طريقة الفقهاء في تقرير الأحكام واستخراجها... إن أئمة الفقه متفقون- كما قلنا- على أن القرآن هو المصدر الأول للتشريع، وهم متفقون كذلك على أن السنة مصدر ثان تؤخذ منه الأحكام. وربما بدا للنظر العاجل أن هناك اختلافًا بين كلا الدليلين في بعض القضايا والفتاوى. فماذا نصنع بإزاء ما يبدو من ذلك؟.. والجواب سهل، فإن ما يبدو من اختلاف في الظاهر يتلاشى عند التأمل، ثم يتحقق المرء أن لكلا الدليلين مجالاً يعمل فيه، ولا يشتبك مع صاحبه في تناقض ما، وذلك في أغلب الأحوال ... وإذا افترضنا جدلاً أن الأمر لا يتحمل إلا حكمًا واحدًا، فإن هذا الحكم لا يكون إلا في القرآن وحده بداهة، وليس يقف شيء قط أمام هذا الأصل الأول للإسلام، وهاك أمثلة موضحة لذلك الكلام... ا- هل السفر عذر يبيح التيمم؟ إن مطالعة الآثار الواردة في السنة تؤدي إلى القول بأن فقدان الماء حقيقة أو حكمًا هو الذي يبيح التيمم، ومن ثم ذهب أغلب الفقهاء إلى القول بأن المسافر لا يجوز له أن يتمم ما دام استعمال الماء ميسورًا له .. ولعلهم جنحوا إلى هذا القول، لأن السنة موطن التفصيل والتطبيق بالنسبة إلى ما في الكتاب من تعاليم. ص _146
(1/143)

وقد حملتهم هذه النظرة على أن يتعسفوا في تأويل النص الذي يبيح بظاهرة التيمم لعذر السفر. قال الله تعالى: " وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ". والآية تجعل السفر رخصة في التيمم.. لأن التقييد بعدم وجود الماء لا معنى لذكره مع المرض أصلاً. وعدم وجود الماء في حالي السفر والإقامة.. يبيح التيمم، فلا معنى لتخصص السفر به .. وقد تعقب صاحب المنار هذا المسلك، فروى عن الشيخ " محمد عبده " نقدًا له جاء فيه ما يلي : قال الأستاذ الإمام: " المعنى أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثًا أصغر، أو ملامس النساء ولم يجد الماء، فعلى كل هؤلاء التيمم فقط ". هذا ما يفهمه القارئ من الآية نفسها إذا لم يكلف نفسه حملها على مذهب وراء القرآن يجعلها بالتكلف حجة له منطبقًا عليه... وقد طالعت في تفسيرها خمسة وعشرين تفسيرًا، لم أجد بها غناء ولا رأيت قولاً يسلم من التكلف، ثم رجعت إلى المصحف وحده فوجدت المعنى واضحًا جليًّا، فالقرآن أفصح الكلام وأبلغه وأظهره، وهو لا يحتاج عند من يعرف العربية- مفرداتها وأساليبها- إلى تكلفات فنون النحو وغيره من فنون اللغة عند حافظي أحكامها من الكتب، لعدم تحصيل ملكة البلاغة إلى آخر ما أطال به في الإنكار على المفسرين الذين عدوا الآية مشكلة لأنها لم تنطبق على مذاهبهم انطباقًا ظاهرًا، سالمًا من الركاكة وضعف التأليف، والتكرار الذي يتنزه عنه أعلى الكلام وأبلغه.. ص _147
(1/144)

وإذا كان رحمه الله قد راجع خمسة وعشرين تفسيرًا رجاء أن يجد فيها قولاً لا تكلف فيه، فأنا لم أراجع عند كتابة تفسيرها إلا روح المعاني، وهو آخر التفاسير المتداولة تأليفًا، وصاحبه واسع الاطلاع، فإذا هو يقول: " الآية من معضلات القرآن ".. والله إن الآية ليست معضلة، ولا مشكلة وليس في القرآن معضل، إلا عند المفتونين بالروايات والاصطلاحات، وإلا عند من اتخذوا المذاهب المحدثة بعد القرآن أصولاً للدين، يعرضون القرآن عليها عرضًا، فإذا وافقها بغير تكلف أو بتكلف قليل فرحوا، وإلا عدوها من المشكلات والمعضلات..!! على أن القاعدة القطعية المعروفة عمن أنزل عليه القرآن ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن خلفائه الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ ، أن القرآن هو الأصل الأول لهذا الدين، وأن حكم الله يلتمس فيه أولاً، فإن وجد فيه يؤخذ وعليه يعول. ولا يحتاج معه إلى مأخذ آخر، وإن لم يوجد التمس من سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وعلى هذا أقر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معاذًا حين أرسله إلى اليمن، وبهذا كان يتواصى الخلفاء والأئمة من الصحابة والتابعين. وقد رأى القارئ أن معنى الآية واضح في نفسه لا تكلف فيه ولا إشكال، ولله الحمد. سيقول أدعياء العلم : نعم إن الآية واضحة المعنى، كاملة البلاغة على الوجه الذي قررتموه. ثم يقولون: ولكنها تقضي أن التيمم في السفر جائز ولو مع وجود الماء، وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا. فكيف يعقل أن يخفى معناها هذا على أولئك الفقهاء المحققين؟!، وكيف يعقل أن يخالفوها من غير معارض لظاهرها أرجعوها إليه؟ ولنا أن نقول لمثل هؤلاء- وإن كان المقلد لا يحاج لأنه لا علم له-: وكيف يعقل أن يكون أبلغ الكلام وأسلمه من التكلف والضعف معضلاً مشكلاً؟!.. وأي الأمرين أولى بالترجيح..؟! الطعن في بلاغة القرآن وبيانه لحمله على كلام الفقهاء، أم تجويز الخطأ على الفقهاء لأنهم لم يأخذوا بما دل عليه ظاهر الآية من غير
(1/145)

تكلف وهو الموافق الملتئم مع غيره من رخص السفر التي منها: قصر الصلاة وجمعها، وإباحة الفطر في رمضان. فهل يستنكر مع هذا أن يرخص للمسافر في ترك الغسل والوضوء، وهما دون الصلاة والصيام في نظر الدين؟!! ص _148
أليس من العجيب أن الوضوء والغسل يشقان على المسافر الواجد للماء في هذا الزمان الذي سهلت فيه أسباب السفر في قطارات السكك الحديدية والبواخر؟!! أفلا يتصور المنصف أن المشقة فيهما أشد من المسافرين على ظهور الإبل فى مفاوز الحجاز وجبالها؟ هل يقول منصف إن صلاة الظهر أو العصر أربعًا في السفر أسهل من الغسل أو الوضوء فيه؟ السفر مظنة المشقة، يشق فيه غالبًا ما يؤتى في الحضر بسهولة، وأشق فيه الغسل والوضوء وإن كان الماء حاضرًا مستغنى عنه.. 2- خيار العيب: صح عن رسول الله أنه قال: " لا تصروا الإبل ولا الغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر " . والحديث صريح أن المشتري المغبون في هذه القضية يملك حق الرد بخيار العيب. بعد أن يعوض البائع عن لبنه صاعًا من تمر... وقد ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى القول بأنه ليس للمشتري رد المصراة بخيار العيب، ولكنه يرجع بقيمة النقصان على البائع... كيف جاز لهم أن يفتوا بهذا الرأي المخالف للحديث؟!.. قالوا : " لابد فى سلامة المتن ألا يخالف ما هو أقوى منه من كتاب، أو سنة، أو أصل مجمع عليه " ، وهذا الحديث صحيح السند، بيد أن فيه شذوذًا يمنع المجتهد من العمل بظاهره ... وتسأل: أين الشذوذ الذي يعل به الحديث؟! والجواب " مخالفته لعموم كتاب الله في ضمان العدوان بالمثل ". قال تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " . وقوله : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " . قالوا: والصاع من التمر الذي ذكر في الحديث، ليس قيمة ولا مثلاً لما أخذه المشتري . ص _149
(1/146)

وكلام الأحناف هذا مقبول من ناحية الشكل، فإن الاعتماد الواسع على القرآن الكريم فى استنباط الأحكام، وتغليب دلالته العامة وظاهره القريب على أي دليل آخر أمر مفهوم ونحن نوصي به. فذلك حق القرآن الكريم علينا... وقاعدة التعويض بالمثل المأخوذة من الآيات لا غبار عليها، لكن الحديث المروي هنا لا يصادمها حتى يرفض بسهولة، فإن صاع التمر الذي قضى به الرسول حكم عادل في مجتمع بسيط لم تتعقد فيه الأمور، حتى تقاس فيه المماثلة بالدرهم والذرة... وعندي أن الحديث يمر، والقاعدة تبقى كما استنبطت من الكتاب العزيز دون حرج، ودون أن يتوهم عليها من السنة اعتراض.. 3- الرضاع المحرم من الزواج: يفيد القرآن أن الرضاعة تنشئ أمومة وأخوة لها من حرمة المصاهرة مثل ما للنسب القائم. وقد جاء اللفظ الدال على ذلك مطلقًا.. وعلى هذا الإطلاق اعتمد نفر من الأئمة الكبار في القول بأن أي رضاع في مرحلة الطفولة يحرم الزواج: قل أو كثر، توحد أو تعدد.. وردوا الروايات التي تفيد الحرمة بثلاث رضعات، أو خمس، أو عشر، ووجهة نظرهم واضحة في اعتماد الأصل القرآني، إمامًا لهذا الحكم . غير أني قرأت أخيرًا كلامًا حسنًا للشيخ " محمود شلتوت " ينظر في تركيب الآية نظرًا أعمق إذ يجعل الحرمة مستمدة من الموصوف وصفته وصلته جميعها، أي من جملة الكلمات الثلاث " أمهاتكم اللاتي أرضعنكم " فليست أي امرأة تتناول طفلاً ما تناولاً عابرًا وتلقمه ثديها تعتبر أمًّا له. وتندرج في مدلول الآية " . وهذا التفسير في نظري يتيح مكانًا لسنن التقييد الواردة.. وإعمالها أولى من إهمالها ما دامت تسير في مجال القرآن، وتتسق مع أهدافه، ومعنى ذلك أن وصف ص _150
(1/147)

الأمومة يجب اعتباره، ولكن ما هو الحد الأدنى للرضعات التي يتحقق بها هذا الوصف! ثلاث؟ أم خمس؟ أم عشر؟ أم ندع الأمر لتقدير العرف كما يقول بعض فقهاء الشيعة؟. ربما كان الأحوط فى هذا الأخذ بمذهب الشافعي فى جعل القدر المحرم من الرضاع خمسًا مشبعات متفرقات، بيد أن غيره من المذاهب الأوسع مقبول أيضًا، ونحن لا نبحث الموضوع هنا، وإنما الذي يعنينا التنويه بأن الاستدلال الصحيح يتجه أولاً إلى القرآن العظيم للأخذ عنه والتعويل عليه.. وقد ترد في بعض الكتب عبارة " السنة قاضية على الكتاب " ، ومع أن هذه العبارة كما أوضح قائلوها إنما تعني مجرد قيام السنة بشرح ما غمض وتفصيل ما أجمل، إلا أني أشعر بغضاضة على مكانة القرآن من إرسالها على هذا النحو الذي يوهم ما لا يخطر ببال فقيه مسلم. قلنا: إن هناك فارقًا بين قيمة الثبوت في أخبار الآحاد وقيمة الثبوت في الأخبار المتواترة. ونوضح الآن فارقًا آخر يتعلق بطبيعة الكلام نفسه، ذلك أن ما تقوله ابتداء وأنت تعطيه صفة العموم وتقصد إلى نشره في دائرة رحبة، غير ما تقوله لامرئ وحده قد يحتفظ به لنفسه وقد يبلغه غيره، وقد تنقطع سلسلة العلم به فلا تتجاوز أفرادًا يعدون على الأصابع ! وبداية القرآن الكريم من هذه الناحية غير بداية السنة المطهرة، فإن الوحي الإلهي لم ينزل همسًا في أذن واحدة، ولا كان حديثًا يتوجه إلى شخص فذ، بل بدأ صوتًا جهيرًا يخترق الآذان، وتعاليم عامة لا يختص بها إنسان دون إنسان. أما أحاديث الرسول- وراء ذلك- فقد تكون نصيحة لفرد أو جماعة، وقد تكون توجيهًا خاصًّا يعني أحدًا ولا يتناول غيره. ومعاذ الله أن نقصد بهذا غمط أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولكننا ننبه إلى أن كلامًا هذه طبيعته إنما يفهم في ضوء القرآن أولاً وبعد استيعاب هداياته واستبانة منهجه، وبذلك تحسن الاستفادة منه. ص _151
(1/148)

والذي لا شك فيه عند معشر المسلمين: * أن الرسول لا ينطق عن الهوى. وأنه لا مكان للخطأ فيما يؤثر على أنه دين من قوله وفعله وحكمه وتقريره وكل ما نصح به أمته وشرح به رسالته. * وأنه في سنته رجل ملهم القلب موفق إلى الصواب. ولكن لاشك كذلك أن رسالة الإسلام أساسها القرآن، وأن الأركان المهمة والشرائع التي تناط بها النجاة، والمعاني التي يصح بها الدين، لا تكون أخبار الآحاد وعاءها. إذ لا يمكن أن يرتبط إسلام العالم ومصيره بحديث طريق العلم به رواية واحد عن واحد أو اثنين عن اثنين، إنما يرجع في تقعيد القواعد وتفهم الأصول وأخذ أحكام الإسلام الحساسة إلى الكتاب العزيز، مضمومًا إليه ما تواتر من السنة العملية، فهي شرح لازم له ثم يجيء بعد ذلك دور السنن الأخرى إن شاء مزيدًا من الفقه والتوسع. وكما يقوم هذا الفرق المعنوي بين الكتاب والسنة من ناحية " العرض " المكاني يقوم من ناحية " الطول " الزماني. فإن القرآن قد ضمن له الخلود وكتب له بقاء لا يناوش ولا ينال : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ". ومنذ نزل، إلى يوم الناس هذا، وإلى أن تحصد الحياة وينقلب البشر إلى الله، لم تسقط من الكتاب العزيز آية واحدة، ولا استطاعت جملة من الجمل البشرية أن تلبس شارة الوحي، وتختلط بالقرآن على أنها آية منه، كلا كلا لا زيادة ولا نقص، ولا تصحيف ولا تحريف، بل لا محاولة ألبتة لشيء من ذلك، إن وساوس الشياطين انقطعت دون أن ينفتح لها مجال إلى ذلك الأفق العالي. وإن ما تسمعه الآن من القرآن هو امتداد الصوت الأول. صوت ملك الوحي النازل به من السماء. واتصال نبراته إلى مسامعنا ومسامع الصحابة الأولين، سواء بسواء...!! أما أحاديث الرسول، فقد نهض علماء المسلمين إلى حياطتها وذود الدخيل عليها ص _152
(1/149)

ونقدوها كما ينقد الصيارفة الصحاح والزيوف. والحق أن الوضاعين والمتساهلين روجوا على رسول الله ما لم يقله. ولكن الحق أيضًا أن أحدًا من العظماء لم تغربل آثاره بموازين أدق مما صنع علماء المسلمين مع نبيهم. ولو رفضنا السنن بعد هذا الفحص العلمي العادل لوجب أن نرفض التاريخ الأدبي والسياسي لساسة الدنيا وقادتها وشعرائها وفلاسفتها، ولوجب أن نطرح آثارهم كلها. بل إنها أحق بالإنكار من التراث الديني لنبي الإسلام، فإن طرق الإثبات هنا أقوى من طرق الإثبات في أي مجال آخر مما تواضع الناس على قبوله..!! على أن علماء الإسلام اتفقوا حينًا واختلفوا حينًا في تقويم حديث ورد حديث آخر. وفي الحكم على هذا أو ذاك بالقوة أو اللين، والقبول أو الرد... !! وتفاوت الأنظار في التصحيح والتضعيف لما ورد من السنن ينقل مركز الاعتماد مرة أخرى إلى القرآن نفسه، ويعطيه الصدارة في كل استدلال، ويجعل الأحاديث- وإن صحت- تمشي في ركابه وتعتمد عليه ... ولا خلاف بين المسلمين أن كلام رسول الله مقبول على العين والرأس، وإنما يجيء الاختلاف من ثبوته أو عدم ثبوته. وفي ذلك يقول أبو حنيفة: فردي على كل رجل يحدث عن النبي بخلاف القرآن، ليس ردًّا على النبي ، ولا تكذيبًا له، ولكنه رد على من يحدث عن النبي بالباطل، والتهمة دخلت عليه ليس على نبي الله- عليه الصلاة والسلام-. وكذلك كل شيء تكلم به نبي الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، سمعناه أو لم نسمعه فعلى الرأس والعينين، قد آمنا به ونشهد أنه نبي الله، ونشهد أيضًا على النبي أنه لم يأمر بشيء نهى الله عنه، ولم يقطع شيئًا وصله الله، ولا وصف أمرًا وصف الله ذلك الأمر بغير ما وصفه به النبي ، ونشهد أنه كان موافقًا لله فى جميع الأمور، ولم يبتدع ولم يتقول على الله غير ما قاله الله تعالى، ولا كان من المتكلفين، ولذلك قال الله تعالى : " من يطع الرسول فقد أطاع الله " . ص _153
(1/150)

ويذكر ابن عبد البر أنه " قيل لأبي حنيفة: المحرم لا يجد الإزار أيلبس السراويل؟ قال : لا، ولكن يلبس الإزار، قيل له: ليس له إزار؟ قال يبيع السراويل ويشتري بها إزارًا، قيل له: فإن النبي صلى الله عليه وسلم خطب وقال: " المحرم يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار ". فقال أبو حنيفة: لم يصح في هذا عندي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء فأفتى به، وينتهي كل امرئ إلى ما سمع. وقد صح عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يلبس السراويل " ، فننتهي إلى ما سمعناه. قيل له: أتخالف النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: لعن الله من يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، به أكرمنا، وبه استنقذنا...!!! ". " وأبو حنيفة " بهذا الكلام البين يوضح منزلة السنة من القرآن ويشرح أسلوبه في فهمها، وهو أسلوب لا غبار عليه. بل هو أسلوب جلة الفقهاء- فهم جميعًا يقدمون القرآن العزيز ويعطون السنة منزلة تليه.. وسر توكيدنا لهذه الحقيقة العلمية أمور: ا- أن المسلمين الآن اتخذوا هذا القرآن مهجورًا، فهم لا يعكفون على دراساته، ولا يستقصون دلالاته، ولا يوائمون بين مجتمعهم وبين شرحه المستفيض لرسالة الحياة الصحيحة وواجبات الأحياء فيها. وفي القرآن من ذلك كله كنوز أهملها المسلمون، وعاشوا من غيرها سكارى في دنيا صحا فيها كل جنس، وتحرك إلى الأمام بقوة... ولا تحسبن أن من العناية بالقرآن تحفيظه للألوف من العرج والعميان والمساكين أو إذاعته على الناس بين الحين والحين. فإن هذا التصرف يدور بين إهانة القرآن، أو الاحترام التافه لتلاوة الحروف وتنغيم السور، وهذا ما لا يساوي في نظر العقلاء شيئًا. 2- أن السنة النبوية- لأنها موطن للتفصيل- يجب أن يحتاط في دراستها، فكم من أحاديث صحيحة ينبغي عدم شغل العوام بها لأنهم لن يستفيدوا منها شيئًا وقد يضرهم العلم بها... ص _154
(1/151)

إن دارس الطب قد يمكث خمس سنين في تحصيل ثروة طائلة من المعارف الصحية ومن طبائع الأدواء والأدوية، أتظن هذا القدر الواسع من الدراسة يفتقر أو يحتاج إليه كل فرد في حياته العامة؟!.. كلا كلا، حسب الناس أن يعرفوا جملة من النصائح الطبية المحدودة، وأن يزودوا إذا اقتضت الضرورة بمزيد من الإيضاح في تحصين أنفسهم ضد مرض وافد... والحال كذلك بالنسبة إلى السنن: إن هناك مئات الأحاديث من الرقاق والقدر والتوبة والفتن وغيرها ما لا يفيد العامة من دراستها شيئًا، ولا طاقة لهم على إدراكها لأنها قيلت في نطاق معين ولظروف خاصة. ولعل ذلك سر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حدثوا الناس بما يطيقون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله " ؟؟ إن شحن الأذهان بهذه الأحاديث- كما يفعل القاصرون من الوظائف والقصاص- مع خلو الأنفس من الأسس القرآنية الأصيلة لا يكون مسلمًا متوازن القوى، صائب الاتجاه .. 3- في القرآن الكريم خلاصات روحية فعالة تثير الحياة في الضمائر، وتقيم حواجز معينة حول السلوك الإنساني كي لا يشرد أو يزيغ. وقوام هذه الخلاصات دعم قوى الخير وكبح وساوس الشر بوسائل الترغيب والترهيب والتربية والتوجيه. والقرآن في هذه الخلاصات يستهدف إيقاظ النفس وبعث ملكتها العليا، ولا يعتمد على الإكثار من الحوادث العارضة ثم البت فيها بحكم الله. بل إن هذه الأحكام المحدودة توجد في القرآن الكريم كما توجد الجزر المتناثرة في بحر محيط. ذلك أن القرآن الكريم يركز اهتمامه في ربط المرء بالله على أساس بارز من توحيده وتقواه والاستعداد للقائه. وهذه المعاني هي ضمانات الكمال على اختلاف العصور والأجيال. ويلاحظ أن أسلوب القرآن في هذا المجال يشفي العامة ويشفي الخاصة، فظاهره القريب يهدي الجماهير الساذجة، وباطنه العميق يشبع نهم الفلاسفة إلى مزيد من الحكمة والفكر..!! ص _155
(1/152)

ثم إن مرونته اللفظية تجعله واسع الدلالة، أعني سعة الورد الذي تزدحم عليه الوفود ثم تصدر عنه وهي ريانة راضية... وليست السعة التي تتحمل النقائض أو تخلق الريب. وهذه المرونة من أسباب خلود القرآن. فإن الأساليب العربية طوال أربعة عشر قرنًا عراها كثير من التغيير والتلوين اللفظي والذهني. ومع ذلك فإنه بقي ممتازًا بخصائصه وخلاصاته الآنفة، يبلى الأسلوب في عصر ما، وكان مزدهرًا في عصر سبق. أما القرآن فإن أسلوبه ظل جديدًا رائع الأثر على ترامي الأجيال إلى هذه الأيام... 4- ومهما كتبنا في حفز الهمم لفهم القرآن والأخذ عنه، فنحن لا نعني ألبته تسويغ أي صدود في سنة الرسول العظيم. فإن القرآن حمال أوجه، وصاحب الرسالة أولى الناس بشرح الوحي الذي شرفه الله به. بل هو البشر الوحيد الذي لا تعقيب على كلامه في هذا الميدان. ومن السخف حط منزلة الرسالة وجعل النبي بشرًا لا تعدو وظيفته إبلاع كلام الله فحسب، أي أنه آلة ناقلة أو أسطوانة معبرة، أو حروف منقوشة !! إن هذا سخف عظيم، فإن الرسول جاء قارئًا وشارحًا، وسننه الثابتة بيان له حرمته في تفهمنا لمراد الله. بل إن وصاياه ونصائحه وحكمه لها وزن راجح ما يجوز التغاضي عنه، ولو كانت مؤسسة لمعان جديدة غير ما جاء في القرآن الكريم... ومن ثم، فنحن نرفض بعزم وغضب ما يحاوله بعض الناس الآن من إلقاء السنة كلها في البحر وحذفها من مجال التشريع جملة وتفصيلاً، زاعمين أن القرآن وحده يكفي المسلمين... !! إن هذا الكلام ليس إعظامًا للقرآن، بل هو خطوة إلى إهماله هو الآخر، ثم صرف المسلمين عن مصادر دينهم كلها... !! إن السنة حق، ولسنا في كتاباتنا هذه نوازن بين القرآن والسنة على أنهما طرفان متغايران . ص _156
(1/153)

فإن أول معالم السنة النبوية التمسك بمنهج القرآن الكريم. وأول طاعة للقرآن الكريم المشي خلف رسول الله في فهمه له وعمله به، والاستنارة بفيوض الحكمة التي تفجرت من جوانبه بعد ما استوعب هذا القرآن وعاش به وله. ويحسن أن نختم هذا البحث بكلمة قيمة للشيخ " محمود شلتوت " حول: نهج القرآن في بيان الأحكام : " يستطيع الناظر في آيات الأحكام أن يخرج منها بجملة خواص لا يراها لغير القرآن في بيان تلك الأحكام، وهي بحسب نظرنا تتلخص فيما يأتي : - أولاً: أن بعض آيات الأحكام قد جاء بصيغة قاطعة في معنى معين، فلم تكن محل اجتهاد المجتهدين، كآيات وجوب الصلاة والزكاة، وكآيات الميراث، التي حددت أنصبة الوارثين، وكآيات حرمة الزنا والقذف وأكل أموال الناس بالباطل، والقتل بغير حق وما إلى ذلك مما اشتهر عند المسلمين، وأخذ حكم العلوم بالضرورة. وأن بعضًا آخر من آيات الأحكام جاء بصيغة لا يتعين المراد منها، وهي بذلك كانت قابلة لاختلاف الأفهام، وكانت مجالاً للبحث والاجتهاد. ومن أمثلة هذا النوع: تحديد القدر الذي يحرم الرضاع، ووجوب النفقة للمطلقة طلاقًا بائنًا، وقراءة الفاتحة في صحة الصلاة، وتحديد المسح بالرأس في الوضوء، إلى غير ذلك من الأحكام التي كانت موضع خلاف بين الأئمة.. والفرق بين النوعين أن الأول بمنزلة العقائد بحيث أن من أنكره يكون خارجًا عن الملة، بخلاف الثاني، فإن من أنكر فيها فهمًا معينًا تحتمله الآية كما تحتمل غيره لا يكون كذلك. وأن الأول واجب الاتباع عينًا على كل الناس، بخلاف الثاني؛ فإن كل مجتهد يتبع فيه ما ترجح عنده، وكذلك المقلد يتبع فيه رأي من شاء أن يقلده… ومن هذا النوع الثاني تعددت المذاهب الإسلامية، واختلفت آراء الفقهاء، واتسع نطاق ذلك الخلاف إلى درجة أن رأينا الآراء تصل إلى السبعة أو الثمانية في المسألة الواحدة، كما تجد في حكم " انعقاد الزواج بغير ولي " بل إلى درجة أن رأينا أن جميع الاحتمالات
(1/154)

العقلية في المسألة الواحدة تعتبر مذاهب وآراء لغير فقيه واحد، وذلك كما ترى في حكم " القصاص في القتل بالإكراه " فمنهم من قال بوجوبه على ص _157
المكره، ومنهم من قال بوجوبه عليهما معًا، ومنهم من قال بعدم وجوبه على واحد منهما.. وفي مثل هذا- وهو كثير في الفقه الإسلامي - لا يمكن أن يقال: إن الكل دين يجب اتباعه لأنها آراء متناقضة، ولا أن يقال. إن الدين واحد معين منها، لأنه لا أولوية لبعضها على بعض، ولا أن الدين واحد منها لا بعينه، إذ أنه لا يعرف على التحديد. وإنما الذي يقال في هذا وأمثاله: إنها آراء وأفهام، للحاكم أن يختار في العمل أيها شاء تبعًا لما يراه من المصلحة. ولعل هذا هو السر في سعة الفقه الإسلامي، واستطاعته حل المشاكل الاجتماعية، مهما امتد الزمن وكثرت صور الحوادث والحضارات.. - ثانيًا : أن بيانه لتلك الأحكام لم يكن على سنن البيان المعروف في القوانين الوضعية، بأن يذكر الأوامر والنواهي جافة مجردة عن معاني الترغيب أو الترهيب وإنما يسوقها مكتنفة بأنواع من المعاني شأنها أن تخلق في نفوس الخاطبين الهيبة والمراقبة والارتياح للشعور بالفائدة العاجلة والآجلة، فيدعوهم كل هذا إلى المسارعة إليها، وامتثال الأمر نظرًا إلى واجب الإيمان، وبداعية الخوف من عقاب الله وغضبه والطمع في ثوابه ورضاه. وهذا هو الوازع الديني الذي تمتاز بغرسه في النفوس الشرائع السماوية. وهو بلا شك أكبر عون للوازع الزمني في الحصول على مهمته. وقد أشرنا إلى هذا المعنى وبينا الفائدة المترتبة على هذا النهج من جهة استنباط الأحكام، وجهة العمل بها.. وتستطيع أن تدرك هذا السر إذا رجعت إلى آيات إبطال التبني وأحكام الظهار، وإلى غيرها من آيات التشريع. وانظر في مثل قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا
(1/155)

وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا" . فهذا نداء يقوم قبل كل شيء على دعم الضمير الإنساني ووصله بالله وبذلك يرشد سلوكه. - ثالثًا: لم ينهج القرآن في ذكره لآيات الأحكام منهج الكتب المؤلفة التي تذكر ص _158
الأحكام المتعلقة بشيء واحد في مكان واحد، ثم لا تعود إليه بقدر ما تدعو إليه المناسبة، وإنما فرق آيات الأحكام تفريقًا. وقد يورد ما يتعلق بالطلاق والرضاع وأحكامهما وما يتعلق بالخمر وحرمتها فيما بين ما يتعلق بالقتال وشئون اليتامى، وانظر في ذلك قوله تعالى : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " . إنها وقعت بين آيات الطلاق وما يتعلق به ثم انظر إلى قوله تعالى : "يسألونك عن الخمر" . وما قبلها من آيات القتال والردة، وما بعدها من آيات اليتامى ونكاح المشركين. ثم انظر إلى آيات الحج التي ذكر بعضها في سورة البقرة من الآيات رقم (197 إلى 253)، وذكر البعض الآخر في سورة الحج من الآيات رقم (26 إلى 38). وكذلك تجد أحكام الطلاق والزواج والرجعة، ذكر بعضها في سورة البقرة، وبعضها في سورة النساء، وبعضها في سورة الطلاق. وهكذا تجد القرآن في ذكره لآيات الأحكام، أشبه شيء ببستان فرقت ثماره وأزهاره في جميع نواحيه حتى يأخذ الإنسان أنى وجد فيه ما ينفعه وما يشتهيه من ألوان مختلفة، وأزهار متباينة. وثمار يعاون بعضها بعضًا في الروح العام الذي يقصده، وهو روح التغذية بالنافع والهداية إلى الخير... ولهذه الطريقة فيما نرى إيماء خاص، وهو أن جميع ما في القرآن وإن اختلفت أماكنه، وتعددت سوره وأحكامه، فهو وحدة عامة لا يصح تفريقه في العمل، ولا الأخذ ببعضه دون بعض، وكأنه وقد سلك هذا المسلك يقول للمكلف وهو يحدثه عن شئون الأسرة وأحكامها مثلاً: لا تشغلك أسرتك وشئونها عن مراقبة الله فيما يجب له من صلاة وخشوع. ولا ريب أن لمثل هذا الإيماء تأثيرًا في المراقبة العامة، وعدم الاشتغال بشأن عن شأن، فيكمل للروح تهذيبها،
(1/156)

وللنفس صلاحها، وللعقل إدراكه، وللمجتمع صلاحه. ص _159
القواعد وتلك المقاصد، وكثيرًا ما تساعد السنة وإن كانت أحادية في بيان ما أجمله أو تشريع ما تركه... على أنه فصل نواح لابد فيها من التفصيل، سموًّا بها عن مواطن الخلاف والجدل، كما في العقائد والعبادات، أو لأنه يريدها مستمرة على الوضع الذي حدده لابتنائها على أسباب لا تختلف ولا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، وذلك كما نراه في تشريع المواريث ومحرمات النكاح وعقوبة بعض الجرائم... وفي غير هذين النوعين آثر الإجمال وترك التفصيل ليحكم فيه أهل الرأي في دائرة ما بين لهم من مقاصد أو أشار إليه من قواعد.. ومن هذا نجده عرض لحل البيع والاستيثاق في الدين، ولم يذكر شيئًا من تفاصيل البيوع ولا ما يلحقها من خيارات، وما لا يلحقها... كما لم يذكر تفصيلاً ما يتعلق بموضوع الاستيثاق في الديون من تفريعات جزئية، وأحكام تفصيلية. وعرض للقيام بالقسط والعدل في الشهادة والقضاء، ولم يذكر طريق الشهادة ولا كيفية القضاء. ولا طرق رفع الدعوى... وعرض لعقوبات بعض الجنايات، ولم يذكر مقدار المسروق مثلاً، ولا مقدار الدية... وهكذا.. ونجده ذكر الصوم بحقيقته وزمانه، ورخصه، والحج وأركانه، وكثيرًا من تفاصيله، وذكر المواريت مبينًا نصيب كل وارث في حالاته المختلفة. مكتفيًا في إجمال ما أجمل بالمبادئ العامة كقاعدة " اليسر ورفع الحرج " ، وقاعدة " دفع الضرر " ، وقاعدة " الصلاح والفساد " ، وقاعدة " سد الذرائع " وأمثال ذلك مما أفرده العلماء بالتدوين، وأخذ عنهم حكم المعلوم بالضرورة، وقد كان هذا الوضع، وهو تفصيل ما لا يتغير، وإجمال ما يتغير " من ضرورة خلود الشريعة ودوامها، فليس من المعقول أن تعرض شريعة جاءت على أساس من الخلود والبقاء والعموم، لتفصيل أحكام الجزئيات التي تقع في حاضر الأمة ومستقبلها، فإنها مع كثرتها الناشئة من كثرة التعامل وألوانه، متجددة بتجدد الزمن وصور الحياة، فلا مناص
(1/157)

إذًا من هذا الإجمال والاكتفاء بالقواعد العامة، والمقاصد التي تنشدها للعالم، وبإزاء هذا حثت الشريعة على الاجتهاد، واستنباط الأحكام الجزئية التي تعرض حوادثها من قواعدها الكلية، ومقاصدها العامة.. ". ص _160
القرآن وأهل الكتاب حاجة العالم إلى القرآن لم يكن بد من إنزال هذا القرآن، وإرسال محمد يغرس في الأرض أعواده، ثم ينتصب لحراستها حتى تزهر وتثمر..!! كانت الأرض قبل بعثته سجنًا كبيرًا للحقائق والحقوق، أو كانت مثل ليالي القطبين الداكنة، لا تعرف إلا الظلام والزمهرير، فما تصلح لحياة طيبة هانئة.. وشقوة الناس تجيء من طريقين: إما الجهل بسبل الخير، وفقدان الوسائل إليها، كما يفقد الضرير نعمة البصر، وإما معرفة هذه السبل على وجه نظري بحت، والزهد في تطبيقها، لغلبة الأهواء، وشيوع المظالم،.. وكلا الأمرين وحده شر. فكيف إذا تظاهرا جميعًا على لف العالم كله في سواد مضاعف! إن العالم قبل نزول القرآن كان ينوء تحت هذين الثقلين معًا!! الجهل بالحقائق العليا، وقيام سدود كثيفة تصد عن الصراط المستقيم . وطغيان غرائز الاستعلاء والأثرة والظلم والخنوع مما جعل الألوف المؤلفة من الناس تقضي أعمارها في هذه الدنيا كما تقضيها قطعان الحيوان التي تركب حينًا، وتؤكل حينا آخر... إن السعادة الشاملة التي هيأها الله للبشر، برسالة محمد، ونزول كتابه لا يقدرها إلا الفاقهون. ونحن الذين نعرف جملة الحقائق التي كشفها القرآن- وكانت من قبله مطمورة - وأسباب الخير التي أتاحها لمستقبل العالم وما كانت لولاه تدرك -، ونحن وحدنا الذين نعرف عظم محمد وقيمة الكتاب النفيس الذي أنزله الله عليه..! وكما يأخذني العجب وأنا أتخيل المحرومين من معرفة الله الواحد الصمد، الذي لا ولد له ولا يولد، وهم يضعون الحجب على ضمائر الناس، ويستغربون صوت ذلك ص _161
(1/158)

النبي وهو يبين لهم ما جهلوا، ويكف أيديهم عما تصنع، ويصيح فيهم: " قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار * رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار * قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون * ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون * إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين " . بمثل هذا التعليم الواضح المتواضع السمح، بدأ الإسلام يغزو العقول، ويقرع الآذان.. خطته لفت العالم أجمع إلى الحقيقة الكبرى التي جهلها أو جحدها، وهي توحيد الله واتباع هداه، والكفران بما عداه... لم يكن بد من هذه الرسالة التي جاء بها محمد، فإن رجال الأديان التي سبقته صفرت أيديهم من الحق، وبان عجزهم عن إسداء عون للعالم.. كان من الممكن الاستغناء عن نبوة جديدة لو أن الوحي الذي نزل على موسى وعيسى والأنبياء الكبار معهما بقي على سلامته ونقاوته، لكن إذا تطرق الباطل إليه، وغلب الغش عليه، فكيف يجوز ترك الدواء الفاسد يزيد المرضى علة على علة!! لقد كان أهل الكتاب يملكون أول أمرهم ثروة طائلة من هدايات الله، بيد أنهم على مر القرون أخذوا يفقدون غناهم، ويتحولون عن مكانتهم، حتى إذا بلغوا عصر البعثة كان الإفلاس قد حاق بهم. ومع هذا الإفلاس المخيم، فإنهم لم يتنازلوا عن دعواهم القديمة، كبعض أرباب الأسر الذين يفقدون أملاكهم، ويستبقون غرورهم وكبرياءهم!! إن الأمم قد يصيبها الفساد، مع بقاء أصولها المعنوية، ومنابعها الروحية سليمة، وهنا تكون وظيفة المصلحين رد الجماهير إلى الصواب المقرر. وإعادتها إلى القواعد التي تزحزحت عنها.. لكن ما الحيلة إذا طاش الصواب نفسه، وضاعت القواعد المعروفة..؟؟ إننا معشر المسلمين نتهم أهل الكتاب السابقين بأمرين محدودين: أولهما. أن التحريف اجتاح أصول دينهم، وأوهى صلتهم بالسماء، إن لم يكن قطعها. ص _162
(1/159)

والآخر: أن ما بقي لهم من زاد روحي أعجز من أن يمسك المجتمعات على خير وأعجز من أن يغرس في النفوس تحليل الحلال، وتحريم الحرام. وما قيمة دين بعد ذلك في نفسه؟ وما غناؤه على الناس؟! ونحن نقيس حاضر أهل الكتاب بماضيهم ليرى كل منصف أننا نقول كلامًا لا تحامل فيه ولا غرض... نعم. نحن نقيس هذا بذاك ليكتشف من يقرأ الآن، ويسمع وصفه لأهل الكتاب الأولين، أن لا غرابة فيما يسمع منه، ولا عجب فيما يحكى له منذ مئات السنين!! إن تحليل الحرام وتحريم الحلال، واتباع الهوى ديدن القوم في القديم والحديث، لقد كنت أكذب عيني وأنا أطالع الصحف وهي تحمل فتوى مجلس الكنائس الإنجليزية وإباحة اللواط . وتساءلت- والحقيقة المؤذية تفرض نفسها على حواسي - تساءلت: أكان القسيسون يرقبون الله. أو يتخيلون وجوده، ويوجلون من عقابه وهم يصدرون هذا الحكم!! ماذا عليهم وقد أعجزهم طوفان المعصية لو لاذوا بأضعف الإيمان، فطووا قلوبهم على الإنكار. وستروا بموقفهم السلبي طبيعة الإيمان في أوهى أحواله!!.. لا، لا، إن أمر الحلال والحرام لا يتصل بعروة يقين محتسب في ضمائر أولئك الناس، إنهم مذهولون عن الله ذهولاً شديدًا. معزولون عن أمره ونهيه أقصى عزلة؛ فهم ينادون من مكان بعيد.!! وهاك الخبر الذي تناقلته الآفاق، ونشرته جريدة الجمهورية بعددها الصادر في 24 ربيع الآخر سنة 377 1- 6 1 نوفمبر سنة 957 1 تحت عنوان: (والشذوذ الجنسي عمل مشروع يوافق عليه مجلس الكنائس الإنجليزية) . قالت الصحيفة: " وافق مجلس الكنائس الإنجليزية بعد مناقشات حامية على التوصية التي كانت تقدمت بها إحدى اللجان الحكومية باعتبار الشذوذ الجنسي الذي يحدث بين البالغين وبرضاهم عملاً مشروعًا لا يعاقب عليه القانون، وكان كبير أساقفة كانتر بري (جودفري فيشر) هو الذي قاد الحملة لتأييد هذه التوصية التي تمت الموافقة عليها في مجلس الكنائس بأغلبية 155 صوتًا ضد 138 صوتًا. ص _163
(1/160)

وقال كبير الأساقفة. إنه كان يشعر بالقلق لما يصيب الشخص المصاب بالشذوذ الجنسي من ظلم القانون، في حين يستطيع أي شخص آخر أن يدمر أسرة ويشردها دون أي عقاب " !!.. انتهى... إن الرذيلة والفضيلة ليست بالأمور التي تؤخذ عليها الأصوات وتتغير حقائقها تبع ميول الكثرة والقلة.. ولو أن مجلس الكنائس هذا قرر إباحة السرقة، أو الغش بالإجماع، أو بالأغلبية، ما كان قراره إلا قصاصة ورق لطخت صفحتها ببعض الأقذار النفسية. وما نشك نحن في أن اللواط حرام في ديانات الله كلها. وإن أصدر أولئك القسس المجتمعون هذه الفتوى الساقطة بإباحته، وعده عملاً مشروعًا ... ولسنا ندري كيف دارت المناقشة في هذا المؤتمر، وإنما الذي ندريه من طبيعة القضية التي بحثت، أن التحليل والتحريم لا يرجعان إلى الله أو إلى نصوصه في كتبه، بل إلى الرغبات التي تغلب، والأهواء التي تستطيع البروز. وليست هذه قط طبيعة الشراء النازلة من السماء... وأذكر أن أحد الناس اعترضني وأنا أندد بهذه الفتوى الشنعاء، وقال: إن حكومات إسلامية كثيرة أباحت البغاء..!! والبون يعيد بين حكام يزنون ويبيحون الزنا لأنفسهم ولغيرهم مراغمة لله ولرسوله، وخروجًا على عقائده وشرائعه... وبين أن يجتمع علماء الأزهر الشريف، ويستعرضوا شيوع الزنا، وعموم البلوى، وشدة الحاجة إليه!! ثم يصدروا قرارًا له قداسته !، بأن الزنا عمل مشروع، وأن اقترافه لا يعد جريمة دينية!! هذا غير ذاك، ونحن لا نؤاخذ دينًا بفسوق أتباعه من تعاليمه. وإنما نتساءل: أي دين هذا الذي يخرج على نفسه، ويأذن لأتباعه بارتكاب المآثم دون حظر يهاب.؟؟ وندع جريمة اللواط، وفتوى مجلس الكنائس فيها، ولننقل صورة عن الحالة العامة في " السويد " ومدى نشاط رجال الدين في وصل الناس بالله، وإلزامهم حدود العفاف، أو بتعبير آخر: مدى صلاحية المبادئ التي يحملونها لحراسة الخير وقمع الشر ص _164
(1/161)

مأساة الأخلاق في السويد منذ ثلاث سنوات أثار القساوسة الذين يدينون بمبدأ " لوثر " ضجة في السويد، حينما أخذوا يهاجمون الرذيلة، فقد أصدروا بيانًا تناولوا فيه موضوع الأخلاق الجنسية وقالوا فيه: إن كنيسة " لوثر" تعارض مبدأ تحديد النسل والإجهاض، والاختلاط الشائن بين الجنسين وخاصة بين الشباب. ولم يكن هذا البيان ليسبب أكثر من زوبعة في فنجان في أي بلد آخر، ولكن في السويد الحديثة التي أصبح علم الاجتماع فيها دينًا آخر، والتي تعتبر مبادئ تحديد النسل والإجهاض والاختلاط بين الجنسين- وخاصة بين الشباب- حقوقًا لا يمكن الاستغناء عنها، أثار هذا البيان موجة كبيرة من السخط. وأرعدت الصحف وأبرقت وقالت، إن القساوسة ليس من شأنهم الخوض في مثل هذه المواضيع، وارتفعت أصوات السويديين تطالب القساوسة بأن يقتصروا على الشئون الدينية، بل إن بعض القساوسة الشبان هاجم القساوسة الشيوخ. واتهموهم بأنهم حادوا عن مبادئ كنيسة (لوثر) واتبعوا مبادئ كنيسة (روما). ومنذ اللحظة الأولى- التي بدأت فيها الزوبعة ضد القساوسة- تراجع رجال الدين واحتموا بكنائسهم ولم يغامروا مرة أخرى بالنزول إلى ميدان الحياة العامة!! وقال أحد الأساقفة: " إن المرء يجب عليه أن يتذكر دائمًا وخاصة إذا كان من بلد آخر لا تعتبر الكنيسة فيه " حكومية " أن الكنيسة في السويد لها مركز غريب جدًّا. فإنها تعتبر جزءًا من الحكومة، وينتظر منها دائمًا أن تؤيد القوانين الحكومية، بالرغم من أنها ربما لا توافق عليها...!! ولقد خضعت الكنيسة السويدية للدولة، وأسلمتها قيادتها منذ القرن السادس عشر، حينما أعلن الملك "جوستاف " انفصال السويد عن روما خلال حركة الإصلاح الديني . ص _165
(1/162)

واليوم يرتبط نشاط الكنيسة السويدية واعتقادها، بالدولة ارتباطًا وثيقًا، حتى إنها تكاد تكون إدارة من إدارات الحكومة.. ليس لها من الأهمية أكثر مما لأية إدارة أخرى.! ولقد سارت الكنيسة منذ ذلك العهد في ركاب كل حكومة، تحاول بكل الوسائل أن تظفر برضائها، مما أدى إلى فقدانها كل تأثير روحي على رجل الشارع في السويد. ولا ينظر السويديون إلى كنيستهم إلا على أنها مكان مناسب للزواج أو لإقامة مراسيم الجنازات. ولا يذهب إلى الكنائس في يوم الأحد سوى حفنة من الناس تعد على الأصابع..! ويقول أحد الأساقفة الذين وقعوا البيان الآنف: إنه شخصيًّا يعارض مبدأ تحديد النسل والإجهاض إلا في الحالات التي يرى الأطباء أنها ضرورية، ولكن هذا الأسقف نفسه يعترف بأنه لم يتكلم ضد تحديد النسل، أو الإجهاض في مواعظه التي يلقيها في الكنيسة، لأنه لا يظن أنه من المناسب أن يتكلم ضدهما، بينما القانون الوضعي يعترف بشرعيتهما!! ومهما تكن الأسباب، فقد انحدرت الأخلاق في السويد إلى درك هائل. وتبين الإحصاءات أنه يوجد على الأقل 27 ألف أم لم يتزوجن، ومعدل المواليد في السويد هو 115 ألف مولود فقط كل عام. وإذا قارنا هذا بتعداد السويد البالغ 7 ملايين نسمة، أدركنا الخطر الذي يهدد مستقبل هذه البلاد و10 في المائة تمامًا من المواليد غير شرعيين. وتجرى لنصف الأمهات غير المتزوجات اللاتي يحملن كل عام، عمليات إجهاض قانونية..! وليس على هذه الأم إلا أن تقنع أحد الإخصائيين الاجتماعيين بأن حملها هذا " غير مناسب " فتتخلص منه. وتدخل مستشفيات السويد كل عام، حوالي خمسة آلاف امرأة، متزوجة وغير متزوجة لإجراء عملية الإجهاض التي يبيحها القانون...!! وقد اتهم الشعب أحد أساتذة أكبر مستشفى للنساء في السويد بالقسوة " لأنه قال لامرأة تود إجهاض نفسها: إن هذا الإجهاض يعتبر جريمة قتل لأحد أطفالها الأحياء..! وأرسلت بعض النساء خطابات إلى الصحف يتهمن أحد الأطباء بأنه "
(1/163)

فاشيستي..!! " لأنه صرح بأن السويد تخسر من المواليد عددًا يساوي تعداد فرقة ص _166
كاملة من الجيش كل عام بسبب عمليات الإجهاض. إنها لفضيلة مسيحية أن تظهر العطف والشفقة على النساء الحوامل غير المتزوجات!. ولكن هذه الفضيلة جاوزت حدودها في السويد حتى صارت الأم غير المتزوجة بطلة من البطلات... وليس ببعيد عن الأذهان ذلك الحادث الذي رشحت فيه إحدى الأمهات غير المتزوجات للظفر بكأس " لوتشيا "، وهي جائزة سنوية من جوائز الجمال بنيت على الأسطورة القائلة بأن إحدى الفتيات فقئت عيناها وهي تدافع عن حقها حينما حاول أن يعتدي عليها أحد الجنود الرومان، فسميت القديسة " لوتشيا "، وعندما سأل المحكمون الأم غير المتزوجة عن حياتها الخاصة وعرفوا الحقيقة رفضوا أن يسمحوا لها بدخول مباراة الجمال، وكان جزاء المحكمين أن هاجمهم الجمهور، وأرسل كثير من أفراد الشعب خطابات يشجعون فيها الأم غير المتزوجة التي أرادت أن تفوز بعرش العفة...!!! والدراسات الجنسية التي تدرس في مدارس السويد كفيلة بأن تجعل وجه أي أبوين من أحدث عائلات أمريكا وأكثرها (تقدمية) يصفر خجلاً! أو وجلاً، وتفخر مسز " إبليس أوتسن- جنس " المرأة الشهيرة في السويد، وتبلغ من العمر (69) عامًا بأن مساعيها لدى الحكومة السويدية كانت أحد الأسباب التي جعلت هذه الحكومة تقرر الدراسة الجنسية في مدارسها. ولقد طافت مسز إبليس في أنحاء السويد، لتلقي المحاضرات في العلاقات الجنسية وتحديد النسل!!. وتقول هذه السيدة الأمريكية عن تعليمها للشباب: " إنني أخبرهم بأن أهم شيء هو أن يتحابوا. وإني أقول للفتيات: إنه من الطبيعي أن يضاجعن الشباب على شرط أن يحبوهن أولاً (!!..) وعندما أقول لهن ذلك: أراهن يتضاحكن ويتغامزن.!! ". وسأل أحد الصحفيين مسز" إبليس " قائلاً " لكن ألا تنصحينهن بألا ينتظرن حتى يتزوجن.؟ ". فحدجته مسز إبليس بنظرة حادة وقالت: إن كل شخص يعرف تمامًا أن الشابات يضاجعن
(1/164)

الشباب مهما نصحت لهن أن يراعين الفضيلة ومبادئ الأخلاق!! وإن آباءهن وأمهاتهن يعلمون ذلك. فما الفائدة من محاولة تغيير الطبيعة؟ ولذلك ص _167
فإني أقول لهم ولهن: انتظروا حتى تتأكدوا من أنكم متحابون! ". فقال الصحفي: " دعينا نتكلم جادين في هذا الموضوع.. هل تعلمينهن ذلك في المدارس.؟ ". فضحكت السيدة الأمريكية لدهشة الصحفي، وكذلك دهش الحاضرون، بل تساءل أحدهم عما إذا كان الصحفي من رجال الدين.! وسأل الصحفي مسز إبليس: كيف يستطيع فتى أو فتاة في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من العمر أن يعرف الفرق بين الحب وبين نداء الغريزة..؟! فقالت مسز إبليس: " أوه.. إنهم يستطيعون ذلك ". وهز الحاضرون جميعًا رءوسهم بالموافقة..!! ويقول أحد الأطباء النفسانيين، محاولاً أن يشرح ويبرر هذه الأحوال الأخلاقية في السويد: " إن الفرق الوحيد بين سلوكنا هنا في السويد، وبين سلوك الناس في البلاد الأخرى، هو أننا نواجه الحقائق. إن الشباب يضاجعون الفتيات في كل مكان، وإننا لا نقطب وجوهنا ونصرخ في وجوههم بأن هذه خطيئة، ثم ننتظر أن يؤدي ذلك إلى امتناعهم عن ارتكابها. فماداموا سيعملون ذلك، فنحن نحاول أن نعلمهم أن يكونوا شرفاء (!!) وإذا حملت الفتاة فإننا لا نطردها خارج المجتمع، بل إننا نعتني بها. أليس من الأفضل أن تجرى لها عملية الإجهاض في مستشفى نظيف، بدلاً من أن تجهض نفسها في بؤرات قذرة كما يحدث في البلاد الأخرى؟ ". ولم يؤمن الصحفي الأمريكي بما سمعه، ولم يصدق أن هذه الآراء تعبر عن حقيقة عقيدة السويديين إلا بعد أن استمع إلى رأي قسيس كاثوليكي روماني في السويد- ويوجد في السويد حوالي 25 ألف قسيس كاثوليكي روماني . عبر الصحفي عن اشمئزازه للقسيس من أن الآباء والمدرسين في السويد يوافقون على الإباحية الجنسية بين الفتيات والفتيان، ولا يحاولون أن ينهوهم عن ذلك ويقولوا لهم: إن هذا عمل خاطئ. فقال القسيس الكاثوليكي : " يجب أن تفهم عقلية
(1/165)

السويديين، إنهم لا يستطيعون تخيل وجود عالم بغير أمهات غير متزوجات! إن السويديين يقولون: مادامت هذه الأشياء موجودة، دعونا نعمل شيئًا إيجابيًّا تجاهها. وإنهم لا يؤمنون بإمكان تغيير الطبيعة البشرية... ولذلك فإنهم يعالجون مثل هذه المشكلات على أنها مشكلات اجتماعية وطبية فقط!!. ص _168
فقال الصحفي للقسيس: ولكن إلى أين يقودكم هذا؟ فهز القسيس رأسه في حزن وقال: " إنني لا أدري في الواقع ماذا تكون النتيجة ".. بيد أن الصحفي وجد الإجابة على سؤاله في إحدى الصحف السويدية في مقالة من سلسلة مقالات بعنوان (الشباب السويدي يتحدث) فقد قال شاب سويدي في التاسعة عشرة من عمره: " إنني لا أؤمن بأية قيم أخلاقية، ولن يجبرني أي شخص على تزوج فتاة لمجرد أنها حملت مني، لماذا أفقد حريتي من أجل طفل؟!! " أهـ لقد قلت إن فجور الأتباع لا يحمل وزره دين من الأديان، ولكن هذا القول بحاجة إلى بيان، فإن الصليبية لو بذلت في محاربة الدعارة عشر ما تبذل في محاربة الإسلام لطهرت أقطار الغرب من أكثر أرجاسها!!. ومن ثم فإن هذا العداء الأعمى ينضح بما ينطوي عليه الضمير الصليبي من غش، إننا نقولها صريحة، إن الاستهانة بالرذيلة والفتور في حربها وقلة الاكتراث بشيوعها بعض ما تقوم عليه التعاليم الصليبية، و إلا فما معنى المهادنة الظاهرة بين هذه الرذائل وبين أهل الكتاب، إلى جانب العداوة الضارية التي يصلى نارها المسلمون وحدهم! ولنترك اللواط والزنا إلى الخمر... إن إباحة الخمر تشيع في صفحات كتبهم؛ فقد شربها الأنبياء في العهد القديم، حتى السكر الممقوت، السكر الذي يوقع في الآثام، ويغري بالعربدة.!! انظر: كيف انتشى " لوط " حتى فقد وعيه، وضاجع ابنتيه، وأثمرت جريمته من كليهما كما يقولون.. وهاك النص منقولاً بحروفه من سفر التكوين. " وصعد لوط من ( صوغر ) وسكن الجبل وابنتاه معه، لأنه خاف أن يسكن في صوغر، فسكن المغارة هو وابنتاه: وقالت البكر للصغيرة:
(1/166)

أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض، هلم نسقي أبانا خمرًا ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلاً. فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة. ص _169
ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها. ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطجعت البارحة مع أبي، نسقيه خمرًا الليلة أيضًا. فادخلي اضطجعي معه، فنحيي من أبينا نسلاً. فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة أيضًا. وقامت الصغيرة واضطجعت معه. ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. فحملت ابنتا لوط من أبيهما. فولدت البكر ولدًا، ودعت اسمه موآب وهو أبو (الموآبيين) إلى اليوم " أ. هـ والصغيرة أيضًا ولدت ابنًا ودعت اسمه ابن عمي. وهو أبو بني عمون إلى اليوم. إن الذعر ليتملكنا ونحن نروي القصة. وما نجد في أفواهنا كلامًا نعلق به على الزعم بأن نبيًّا- من المصطفين الأخيار- يزني بابنتيه على ذلك النحو الشائن..!! ومثله حين يفعل ذلك، أو يفعل به، وإنما يضرب المثل للآخرين أن الجريمة خفيفة الوقع، مقبولة العذر. وإن العوام إذا غرقوا فيها فما عليهم من بأس!! ألم يقع فيها من قبلهم ؟ انظر كيف كان سليمان يهذي ويغازل الحبيب المجهول، ويبحث عنه!! انظر كيف أن معجزة عيسى عليه الصلاة والسلام أنه استطاع تحويل أواني الماء إلى دنان خمر في أحد الأعراس !! بهذا الأسلوب في وصف الخمر، وإقرار شربها، وقع مفتاح الرذائل في آلاف الأيدي، وهل الخمر إلا المعصية؟ وصدق القائل: شربت الإثم حتى ضل وعيي كذاك الإثم تذهب بالعقول!! ولنجاوز هذه المقاسات كلها إلى دعامة الحياة الاقتصادية الحديثة في الغرب المسيحي... إلى الربا. فالمعروف في العهد القديم أن الربا حرام! ولكن الغريب في الأمر أنه حرام بين اليهودي واليهودي ... وحسب.!! ص _170
(1/167)

أي أن الرذيلة تتجزأ ويتغير وصفها بين جنس وجنس وقطر وقطر .! فالنهب حرام من فلان وحلال من فلان، والظلم جريمة في هذا القطر وفضيلة في هذا القطر..! ذاك هو منطق اليهود في فهم الشرائع، وطرق تطبيقها. وقد ذهبت الكنائس المسيحية أول عهدها إلى تحريم الربا ثم طرأ عليها تحول محزن، فإذا هي تستبيحه وتأنس إلى التعامل به : وقد تحدث المرحوم الدكتور " محمد عبد الله دراز " عن الربا، في بحث قيم له وأشار إلى موقف من لا دين لهم منه، ثم عن الأطوار التي عرضت له عند أهل الكتاب فقال: " بعد أن كنا نرى التعامل بالربا في الشرائع غير الدينية أمرًا سائغًا في حدود واسعة أو ضيقة. نرى التشريعات السامية تتجه به نحو الحظر والتحريم الكلي ". هكذا نقرأ في كتاب العهد القديم: " إذا أقرضت مالاً لأحد من أبناء شعبك... فلا تقف منه موقف الدائن. لا تطلب منه ربحًا لمالك " . وفي موضع آخر: " إذا افتقر أخوك فاحمله، لا تطلب منه ربحًا ولا منفعة " . وكذلك تقرأ في كتاب العهد الجديد " إذا أقرضتم لمن تنتظرون منهم المكافأة، فأي فضل يعرف لكم؟.. ولكن.. افعلوا الخيرات واقرضوا غير منتظرين عائدتها .. وإذًا يكون ثوابكم جزيلاً ". ولقد أجمع رجال الكنيسة ورؤساؤها، كما اتفقت مجامعها على أن هذا التعليم الصادر من السيد المسيح عليه السلام يعد تحريمًا قاطعًا للتعامل بالربا، حتى إن الآباء اليسوعيين الذين يتهمون بالميل إلى الترخيص غالبًا والتسامح في مطالب الحياة، وردت عنهم في شأن الربا عبارات صارمة، منها قول سكوبا: " إن من يقول " إن الربا ليس معصية يعد ملحدًا خارجًا عن الدين ". وقول الأب بون: " إن المرابين يفقدون شرفهم في الحياة الدنيا، وليسوا أهلاً للتكفين بعد موتهم ". ص _171
(1/168)

أوروبا المسيحية: هذه النظرة الدينية أقرها القانون المدني في سنة 789 (مرسوم ايكس لا شاييل) وبقيت هي المذهب الوحيد في أوروبا طوال القرون الوسطى، ولكنها بدأت تفقد مناعتها شيئًا فشيئًا منذ عصر النهضة، على أثر الاعتراضات المتكررة التي وجهت إليها بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، من " كالفان " إلى " مونتيسكيو ".. وكان لهذا الضعف مظهران: مظهر عملي، ومظهر تشريعي. فأما المظهر العملي فهو أن بعض الملوك والرؤساء الدينيين أنفسهم أخذوا يجترئون على انتهاك هذا التحريم علنًا. من ذلك أن " لويس الرابع عشر " اقترض بالربا ليسدد ثمن دانكرك في سنة 1662، وأن البابا " بيوس التاسع " تعامل بالربا في سنة 1865.. وأما المظهر التشريعي. فهو أنه منذ آخر القرن السادس عشر (1593) وضع استثناء لهذا الحظر في أموال القاصرين. فصار يباح تثميرها بالربا بإذن من القاضي.. بلاد العرب قبل الإسلام: لم يكن قد بقي لعرب الجزيرة في الجاهلية من التراث الديني الذي تركه جدهم أبو الأنبياء، إبراهيم عليه السلام، إلا آثار قليلة لا تخلو من التحريف... ولذلك لم يفتأوا يتبعون أهواءهم ونزعاتهم المادية في أكثر عباداتهم ومعاملاتهم، وكان من ذلك تعاملهم بالربا بدون قيد من عرف ولا تشريع . ولعل مرد هذا (أولاً) إلى نزعة الاستكثار وحب الكسب التي تنمو عادة في البيئات التي تزدهر فيها التجارة كما كان الحال في مكة (ثانيًا) إلى علاقتهم المستمرة باليهود، الذين هم جيرانهم وأبناء عمومتهم.. ولعلكم تعجبون أن تكون مجاورتهم لشعب ذي شريعة سماوية تحرم الربا سببًا في تشجيعهم على التعامل به، ولكن الذي يزيل هذا العجب أن نعرف أن هذه الديانة نفسها- حسبما ورد في كتب أهلها- تبيح الربا كما تحرمه. نعم لقد سقنا آنفًا شواهد التحريم من نصوص التوراة، ولكننا وأسفاه نجد فيها أن يأخذ الربا من غير اليهودي . ولما لم يكن في هذا النص تحديد قانوني لقدر الربا المأذون فيه كان
(1/169)

ذلك فتحًا لباب الاستغلال المالي على مصراعيه بحيث يدخل أشد أنواع الربا فداحة وإفراطًا.. ص _172
هكذا كان هذا النص المنسوب للقانون الموسوي سببًا فيما ترى ـ أو جزءًا كبيرًا من السبب ـ لا في بقاء التعامل بالربا في العالم إلى اليوم فحسب، بل في تهوين أمره على كثير من النفوس واتخاذهم إياه أمرًا مشروعًا في بعض الأحوال. ومهما يكن من أمر، فقد اعتاد العرب في عصور الوثنية أن يقترضوا بالربا من اليهود وأن يتقارضوا به فيما بينهم، دون أن يجدوا فيه حرجًا ولا غضاضة. واتسعت دائرة المعاملات الربوية، حتى أصبحت في الكيان الاقتصادي العالمي أشبه بالجهاز الدوري القائم على توزيع الدم في الجسم يدفعه إلى جميع العروق والشعيرات. لقد انتقل الربا من معاملة فردية، إلى معاملة اجتماعية، إلى معاملة حكومية، إلى معاملة عالمية، وبلغ قمته في المؤسستين التابعتين لهيئة الأمم المتحدة " البنك الدولي " و " صندوق النقد الدولي " .. ووظيفة هاتين المؤسستين إقراض المال بالربا للمحتاجين إليه، فأما الصندوق الدولي فيقرضه بعملات الدول الأجنبية للحكومة التي تضطر إلى الاستدانة، ما دامت عضوًا في إدارة الصندوق. وأما البنك فيقرض المال لأعضائه ولغير أعضائه بأية عملة تطلب، والمهم ضمان استرداد الدين ومعه الربا المقرر. والمتأمل في عمل هاتين المؤسستين يجد الغرض من إنشائهما دعم السيطرة الاستعمارية على العالم وتمكين " أمريكا لما وهي حامية التبشير المسيحي في العالم أجمع، و" إنجلترا " وهي حامية البروتستانتية، و"فرنسا" وهي حامية الكاثوليكية، تمكين هذه الدول من استغلال الشرق الإسلامي وأمثاله من الأقطار المستضعفة!! وهو استغلال تتغاضى الكنائس كلها عن آثامه، بل لا نتجاوز الحق إذا قلنا: إنه بين سمعها وبصرها، وبرضًا منها، و إيعاز وإعجاب..!! وهكذا سار أهل الكتاب في انحراف بين عن هدايات الله، وعوج غريب عن تعاليم السماء: رذائل تفشو في مجتمعاتهم،
(1/170)

وأساس فشوها أن الله حابى البعض وآثرهم على غيرهم من خلقه، واغتفر لهم ما يصنعون!!. أو قتل ابنه " الوحيد " كفارة عما يصنع الآخرون، وتطهيرًا لذنوبهم، فهم مهما فعلوا مقبولون مبرورون!!. ص _173
ويقوم ذلك العصيان الفاشي إما على إهدار لنصوص لا تزال باقية في صحائفهم، وإما على زحزحة الأصول الثابتة للإيمان والسلوك. واستجلاب عقائد دخيلة تحل محلها وتملأ موضعها، وتكون هذه العقائد المفتراة سنادًا لجحد الله، وإهمال حقوقه، وسوء معاملته . وقد أشار القرآن الكريم إلى الأمرين معًا . "يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم". "سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه" . وطوال السور في القرآن تعرضت بتفصيل مسهب لأحوال القوم، وكشفت عن خبايا أنفسهم، وكيف انفلتت العقائد الصحيحة من بين أيديهم، ثم كيف انتشرت الأهواء في أحكامهم وأفهامهم. وما زال الزمن يمر، والشر ينمو، حتى جاء على الناس عصر توارت فيه الحقائق الإلهية والإنسانية، وسيطرت فيه الغرائز الدنيا، وارتكست الجماعة البشرية كلها. فلم يبق بد أن تجيء رحمة الله لتكشف النقاب عن الحق المحتجب. وتمزق الإفك الذي أخفى وجهه. لم يبق بد من أن تجيء رحمة الله لتحسن الحسن وتقبح القبح، وتبني الأمم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتطارد في أرجائها مقابح الربا والزنا والشذوذ والعربدة والكهانة والاستعباد. ولم يبق بد من نزول القرآن الكريم ومجيء محمد بن عبد الله: " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا " . ولم يبق بد من ظهور الإسلام، وبزوغ فجره، بعد ليل طال على الأرض مداه . ص _174
(1/171)

معنى كلمة التوحيد: تقوم كلمة الإسلام على فقرتين: الأولى: أشهد أن لا إله إلا الله. والأخرى: أشهد أن محمدًا رسول الله. ونريد أن ننعم النظر في الفقرة الأخيرة لنستبين معناها: إن الاعتراف برسالة محمد ركن في صحة الإيمان، لا لشيء يتصل بشخص هذا الإنسان المبعوث من عند الله، بل لأشياء تتصل بحقيقة الفقرة الأولى نفسها. فالشهادة بأن الله واحد قد تصدر عن اليهودي، بل قد سمعتها من نصراني ، بيد أن الشهادة الصادرة عن كلا الشخصين ترمز إلى معنى أضيق وأغمض وأبعد بمراحل من حقيقة التوحيد التي جاء بها الإسلام الحنيف. نعم، إن هذه الكلمة قد يقولها الرجل من أهل الكتاب عنوانًا على نقيضها نفسه، فإن التوحيد في النصرانية مثلاً يتضمن العجائب. * إنسان وإله معًا. * واحد وثلاثة في وقت واحد.!! * بريء يحمل أوزار الآخرين.! * شركة تدبر الكون، وتتورع عليها ركائب العباد، وهي على اختلاف أفرادها بين أم وابن وأب وروح قدس- هي على هذا الاختلاف- إله واحد.!! فإذا تركت هذا التعقيد في النصرانية، وبحثت عن طبيعة العقيدة في اليهودية وجدت إلهًا إقليميًّا هو رب إسرائيل فحسب، وليس رب العالمين. إله محدود القدرة يدخل في صراع مع واحد من عبيده، فإذا حلبة ملاكمة ينقصها المتفرجون، تستمر فترة من الليل ويخرج منها هذا الإله مهزومًا أو شبه مهزوم.! أما كلمة " أشهد أن لا إله إلا الله " إذا انضمت إليها الكلمة الأخرى .. " وأشهد أن محمدًا رسول الله " فهذه الضميمة، علامة على أن التوحيد المذكور خالص من العيوب، مبرأ من الشوائب. توحيد مطلق كما ينبغي لجلال الله وعظيم سلطانه. إن هذه الضميمة في الدلالة على سمو العقيدة، تشبه العلامة التجارية التي تدل على جودة " الصنف " وارتفاع قدره. ص _175
(1/172)

فالاعتراف لمحمد بالرسالة يعني أول ما يعني رجوع الناس إلى الله الحق، وبناء الإيمان به على دعائم سليمة. وإذا اعتبرنا تصحيح الإيمان أول ثمرات الرسالة التي بعث بها محمد، فإن الثمرة الثانية هي إعادة الترابط بين الإيمان والعمل الصالح، وجعل الأفراد والجماعات المنسوبة إلى الله تفعل الخير، وتترك الشر، وتحترم الحق وتتعاون على البر والتقوى. وتمقت الرذيلة، وتهش للفضيلة، وتحرص على حدود الله، وترجو ثوابه وتخشى عقابه. وتلك كلها معان جفت نضرتها بين اليهود والنصارى. وليس ما عراها من نقص وانكماش سببه الكسل والفتور، بل سببه تكون أفكار وفلسفات، تجرئ على العصيان، وتستهين بنتائجه. فاليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار، وهم بهذا النسب المنتحل يستبيحون الأمم الأخرى، ويجحدون أي حق لها، يقترفون الكبائر، ولا يحسون خطرها، لأنهم جنس ذو نسب إلهي يجعله مدللاً مغفورًا له مهما صنع! وأما النصارى فآراؤهم في الخطيئة معروفة، ذلك أن صلب عيسى كان فداء لذنب آدم وأبنائه. والاعتراف بهذه القصة باب إلى النجاة من أشذ الورطات!!. وفتك المعاصي بالمجتمعات الأوروبية يرجع إلى شيوع هذه الفلسفة المفرطة .. وهؤلاء أساءوا إلى ديانات الله إساءة بالغة. وكان ظهور الإسلام إيذانًا بالقضاء على الخرافات التي أشاعها الفريقان جميعًا وتجديدًا للحقيقة الخالدة: أن العباد كلهم سواء عند الله، وأن الإيمان والعمل وحدهما مناط القبول.. " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا " . " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " . " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق " . ص _176
(1/173)

وكان نزول القرآن ضرورة لإحياء النبوات الأولى، وإبراز ما كاد البلى يطمسه من أركانها، وجعل أهل الأديان يلتقون عند مبدأ واحد، ويرون أنفسهم على هداه أمة واحدة. ولا ريب أن الإسلام وضع للناس معالم وحدة دينية شاملة تقرب بعيدهم، وتلين غليظهم. واقتضى إقرار هذه الوحدة رد أتباع موسى وعيسى إلى قواعد الدين الذي أتى به أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام. وصرفهم عن المحدثات التي أقحموها على هدايات الله وليست منه في قليل ولا كثير.. وهذا المسلك الذي انفرد القرآن به يمتاز بالإنصاف والأدب وإيثار الإسلام، والحرص على إقامة أخوة نقية بين المتدينين من كل لون. هو في هذا المجال لا يهدم مزاعم اليهود والنصارى، كي يحملهم على اتباع محمد واعتناق دينه، بل يرجع بالأنبياء وأشياعهم جميعًا إلى الحقيقة الكبرى التي سبق إليها الأنبياء الأولون، وهي حقيقة لا يفترق الأنبياء فيها، ولا يسوغ لأممهم أن يتجادلوا عليها. " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " . وماذا عسى يفعل اليهود أو النصارى بعد هذه الدعوة؟! إنهم بين أمرين ليس لهما ثالث: فإما أن يدخلوا في الدائرة الرحبة، ويصبحوا هم والمسلمون سواء، وإما أن يتشبثوا بما أنكروا، ويتجهموا لهذا النداء الصادق، ويظلوا يناصبون أصحابه العداء، وعندئذ إلى الله وحده المفزع، ومنه يستمد العون على النجاة من غوائل أولئك المكذبين. " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " . وقد صرح القرآن بما يفهم منه الدعوة إلى هذه الوحدة .. ص _177
(1/174)

فهو مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل، ومردد لما قاله المرسلون السابقون، ولا ينقض ما أبرموا، ولا يعني ما هدموا... وإذا لاح خلاف بين التعاليم الموروثة وبين ما جاء به هذا القرآن العزيز، فسره أن أتباع موسى وعيسى هم الذين حرفوا الوحي، وزاغوا عن صراط أنبيائهم، فإن أحدًا من أنبياء الله لم يزعم أن الله ثلاثة، أو يهون من نتائج العصيان، أو يزعم أن أوزار المجرمين يحملها عنهم قوم آخرون.. وأحكام القرآن في شرح الإيمان بالإله الواحد، وضرورة الخضوع لشرائعه دون غيرها، موافقة لما نزل به الوحي من قرون طوال على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام. " الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام " . ولما كان أنبياء الله أجمعون مثلاً كاملة للهدى والتقى والعفاف، وأئمة يقتدي بسيرتهم جمهور الأسلاف والأخلاف، فإن القرآن دفع سبل التهم والافتراءات التي نسبها إليهم اليهود والنصارى في كتبهم الحاضرة، وبرأ ساحتهم من تهم السكر والزنا والاغتيال والظلم التي نسبت إلى عدد منهم. ذلك أن القوم لم يعكروا منابع الهدى فقط، بل خدشوا أقدار الرجال الذين يحملون الحق حتى لا تبقى له نماذج تحتذى، وحتى تكون مقارنة الخطيئة أمرًا سبق إليه أصحاب الأسماء الكبيرة، فلا يشعر الصغار بحرج من مواقعتها بعد .. وآخر الدواعي لبعثة محمد، ونزول كتابه، حاجة العالم إلى رسالة تملأ أقطار النفس الإنسانية وتروي ظمأها الروحي، وتجيب تساؤلها الفكري، وتزودها بطاقة سماوية تغلب بها أهواء الأرض، وتحل عقدة الحياة، وتواكب أطوار الزمان. ونحن لا نفكر أبدًا في الغض من الرسالات الأولى أو جهد الأنبياء السابقين، فإن هذه الرسالات من الله جاءت، ولخير عباده نزلت. ولكن اللباس الذي يصلح للطفل يضيق على اليافع ، وهو على
(1/175)

الرجل أضيق . ص _178
وأسلوب الإقناع الذي يخاطب به الصغير لا يحقق الحكمة منه إذا وجه إلى الكبير.. ومن زعم أن الجماعات البشرية تساس في القديم والحديث بلون واحد من الكلام والاستدلال والتربية فهو مكابر. نعم، إن الأنبياء كلهم دعوا إلى توحيد الله، ما يختلف في جوهر هذه الدعوة آدم ولا نوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى. بيد أن إقامة هذا الأصل العظيم من أصول الإيمان تختلف في جيل عن جيل، كما يختلف البناء في الأرض الرخوة عن البناء في الأرض الصلبة، وكما يختلف تدريس حقيقة علمية ما في مدارس المرحلة الثانوية عنه في صفوف الجامعات.. وفي الأمور المتماثلة يمكنك أن تقارن بين الحديث عن الله في القرآن الكريم، والحديث عن الله في بقايا الوحي المبعثرة، في إصحاحات العهد القديم والجديد. إنك تجد البون بعيدًا جدًّا بين كلام وكلام. ثم إن ما طرأ على النفس الإنسانية من تغير في أثناء مرورها شتى الحضارات واضطراد مسيرها مع أحداث الدهر، وزيادة تجاربها من الخير والشر.. جعل رباطها بالله يحتاج إلى صور أخرى من العبادات المكتوبة .. ومن هنا جاء الإسلام بعبادات لها أصل في الديانات القديمة كالصلاة والزكاة والصيام مثلاً، بيد أن وضعها وهيئتها وتوقيتها يناسب آخر الزمان، ولا يناسب أوله. إن دقات الجرس نداء له وقعه في زمان مضى.. ولكن: الله أكبر، الله أكبر، حي على الصلاة، حي الفلاح، نداء ذو طابع آخر له دوي يخامر العقل والعاطفة، دونه رنين النواقيس، مهما أحيطت به من هالات. وأثره في إيقاظ الوعي الإنساني ولفته إلى الله بقوة مما لا يمكن إنكاره. لقد جاء الإسلام، فأكد الأركان التي أقامها النبيون الأولون، واستوعب النصائح التي أدبوا بها أقوامهم، ثم أربى على ذلك بفنون من الحكمة بعثت الحياة في هدايات الله وهي آخذة طريقها إلى الأفئدة. وجعلت الإيمان العميق يتشبث بالقلوب تشبث الجذور النامية بالأرض الخصبة. ص _179
(1/176)

زد على ذلك أن القرآن الكريم حفت به أسوار لا تخترق. فمادة الوحي الإلهي فيه خالدة نقية، والناس ربما وهت علاقتهم بالله حينًا وضلوا عن صراطه. بيد أن المثابة التي يرجعون إليها، ويهتدون بأعلامها، باقية لم تتغير. ويسير على التوابين وعلى المصلحين أن يهيبوا بالطوائف الزائفة كي تعود إلى الرباط التي انفكت عنه. ولكن ما الحيلة إذا كان الأصل الذي يهتدي به الناس ضاع، والدواء الذي يستشفون به هو نفسه فسد؟؟! إن الحكمة الكبرى في إرسال محمد إنصاف الحقيقة التي طمستها أزمات الإنسانية، ثم طمرتها في طياتها كما تطوي الكثبان المتحركة خيام الصحراء بما فيها ومن فيها، ثم صوغ هذه الحقيقة في بيان محصن يحميها من الزوال. ويمكن لها من قلب الإنسان ولبه على اختلاف الليل والنهار... على أن الإسلام- للأسف- لم يعرف للعالمين تعرفًا حسنًا، فلا تزال الوثنية تجر وراءها جماهير كثيفة في آسيا وإفريقيا، ثم لا تزال المسيحية تسود في مساحات شاسعة.. وكان من قدر الله أن قامت في البلاد المسيحية يقظات إنسانية خطيرة الشأن، نتجت عنها حضارة مادية هائلة أمكنها تملك العالم وتسخير قواه... ومن الدجل الممجوج أن يزعم زاعم أن الحضارة العلمية الناهضة في الشرق أو الغرب كان للنصرانية أو لغيرها أثر في قيامها... لكن العالم الجائع إلى دين، نظر إلى النصرانية كأقرب شيء إلى يده.. نظر إليها في تأمل وفحص ثم انقسم بإزائها قسمين. قسم قبلها على إغماض، وعاش بها كما علمت، لا يرفع بها رأسًا، ولا يطيب نفسًا... وقسم آخر صدف عنها، وولى وجهه إلى حيث تقوده قدماه.. وفي هذا الازدواج بين التفوق العلمي والتأخر الديني نبتت جميع الفلسفات والمذاهب التي مرغت المثل العليا في الوحل، نبتت الوجودية والشيوعية والإباحية والنازية والفاشية ومذاهب القوة والتفريق العنصري وغير ذلك. والعلة الأصيلة لهذا الفساد العريض انكماش الإسلام واستخفاء منهجه من العيون الذكية وبقاء النصرانية
(1/177)

وحدها تعلن أنها الصلة الفذة بين الله وخلقه. ص _180
وهي صلة قد عرفت كنهها وقدرها ومدى ما تقدمه للناس من حق وخير لو بقيت كما جاء بها عيسى عليه الصلاة والسلام، فكيف بعد التحريف والتبديل.؟؟! ومن تعاجيب الليالي أن كتاب الثورة التركية طلبوا من الإسلام والمسلمين أن يتحول وأن يتحولوا إلى أوضاع تشبه ما تم في أقطار الغرب بالنسبة إلى النصرانية ومعتنقيها...!! فيجب- في تفكير هذه القردة - أن يحور الإسلام كما تحورت النصرانية، وأن نبني حضارتنا ومسالكنا وتقاليدنا على الأوضاع التي تحدث بعد هذا التبديل المقترح لدين الله..!! وإلا فلن نستطيع أن ننهض أو ننجح في الحياة. والدكتور " إسماعيل مظهر " ينقل شرحًا لهذا التفكير، كي نعمل به في مصر فيقول: أما من حيث العلاقة بين المدينة الأوروبية والنصرانية فإن " جلال نوري " بك يقرر الآتي: إن من الخطأ الكبير أن تسمى المدنية الأوروبية أو المدنية الأمريكية مدنية نصرانية، أي مدنية أقامها الدين النصراني، فإن الدين النصراني قد تعدل على مقتضى الحركات الاجتماعية التي قامت في أوروبا، وبذلك أنقذ نفسه من الجمود وحالة الثبات، حتى إنك لا تجد اليوم إلا قليلاً من أوجه الشبه بين النصرانية كما وضع تعاليمها عيسى وبين النصرانية الحديثة. بل تستطيع أن تقول بكثير من التحقيق : إن نصرانية العصر الحاضر تختلف اختلافًا جوهريًّا عن النصرانية الأولى، فإن الأوروبيين قد كونوا دينًا جديدًا خلال التسعة عشر قرنًا السابقة ،رغم أنهم بدأوا الشوط بقصة عيسى. بيد أن النصرانية في أوروبا، على الرغم من معارضة أهل اللاهوت، قد هضمت ومثلت كل الفكرات التي ظهرت على مر الأيام، وعلى مر العصور، فإن أوروبا عندما كانت تحارب الجهالة في العصور الوسطى، كانت النصرانية أيضًا في حالة تدعو إلى الإشفاق، ولكن لم يمض على ذلك أربعة قرون حتى وقعت في الدين النصراني حركة تطوير عام ربما غولي فيها بتطرف. فإن عددًا من الأمم
(1/178)

انفصل عن الكنيسة الكاثوليكية، وكونوا نظامًا جديدًا. ص _181
ولقد ترى أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية قد أخذت تنظم نفسها بنفسها. وعلى هذا ترى أن النصرانية لم تستطع أن تضطر أتباعها أن يظلوا قانعين بالصور القديمة في الدين والاجتماع. ولقد كانت الفكرات الحديثة في نهاية هذه المراحل هي التي أعطت النصرانية لونها الجديد. فإذا هبط المسيح مرة أخرى على الأرض في هذه الأيام، إذن لظل غريبًا، ولرأى نفسه في عزلة عن النصارى. ذلك لأن نصرانية العصر الحاضر، أرقى بكثير من نصرانية المسيح!! أما في الإسلام فإنا لم نعهد مثل هذا الانقلاب التعديلي، ولا مثل هذه التطورات الكبرى. إن الإسلام دين ينطوي على أرقى المبادئ وأشرفها وأعظمها. ومع كل هذا فقد ظل جامدًا لا يتغير بتأثير حكم أئمة الدين وفقهائه. فلو أن نصرانيًّا أخذ يتبع في العصر الحاضر الشرائع التي كانت ذائعة في عصر عيسى، إذن لشعر بأنه خلف العصر بقرون، وأنه قبل الدنيا بمراحل عديدة. إن النصرانية لم تتكون إلا بنسمة بسيطة أخذتها من نفحات عيسى. أما القوانين والشرائع والأنظمة التي يسير بمقتضاها العالم النصراني اليوم فنتاج لجهد العقول خلال التسعة عشر قرنًا التي تبعت عصر عيسى ". ولا تعليق لنا على هذه المقترحات التركية إلا أن نبتسم في استخفاف. التكذيب بالقرآن لا يقوم على أساس علمي : قد يحترم الإنسان ما لديه من أفكار ومعتقدات بوصفه لا يعرف غيرها. وجهلة بما عداها قد يكون عذرًا له في خطأ المعرفة وسوء الحكم. أما إذا أمكنه الاطلاع على جديد يضمه إلى ما عنده، ويزداد به إدراكًا للأمور وقدرة على المقارنة والاستنتاج وبصرًا بمواضع الخطأ والصواب، فليس له عذر في الوقوف عندما يعرف، أو الاكتفاء بما كون من أحكام قديمة عن حقائق الأرض والسماء!!. إن احترام الحق يوجب عليه أن يخلع ثوب القداسة عن القديم، لا ليدخل في جديد لاح له وبدا كأنه أفضل من سواه، كلا، بل ليتعمق في الدراسة
(1/179)

والموازنة، ص _182
ولينقد في حرية تامة ما كانت عليه وما عرض له على سواء ثم يجنح آخر الأمر إلى ما بانت حجته، واتضحت حجته. وقواعد البحث العلمي الصحيح تنهض على هذه القاعدة المكينة. وعندما كنت أقرأ في إعجاب بالغ شرحًا لهذه القاعدة ما كتبه المؤلف الفرنسي "كلودبرنار" عادت بي الذاكرة إلى موقف أهل الكتاب الأولين من الإسلام ونبيه محمد عليه الصلاة والسلام. فإن اليهود والنصارى الأقدمين وكذلك أحلافهم من الغربيين والمحدثين خرجوا على هذه القاعدة خروجًا بينًا، بل تجاهلوها تجاهلاً تامًّا وهم يتناولون الدين الجديد ويواجهون صاحبه بينًا الخصام! واسمع ما يقوله " كلودبر نار " في كتابه " مدخل إلى دراسة الطب التجريبي " قال: " من الأطباء من يخشون الاختبار العكسي وبهربون منه، فمتى وافقت ملاحظاتهم أفكارهم، رفضوا البحث عن وقائع مناقضة خشية أن يروا فروضهم تنهار وتتداعى، وهذه كما قلنا روح خبيثة، فالمرء حين الاهتداء إلى الحقيقة لا يستطيع أن يقيم آراءه على أسس متينة ما لم يحاول هدم نتائجه نفسها بالتجارب العكسية!. والمؤلف يقصد بالبرهان العكسي إعادة البحث في التجربة لمعرفة هل النتائج التي أدت إليها وليدة ظروف عارضة، أو وليدة الصدفة؟. فإذا تغيرت الظروف والأحوال وظلت نتائج التجربة مطردة على الدوام دل ذلك على صحتها، لكن من الناس، من يكتفي ببعض الأمارات على صدق ما اقتنع من قبل، ويخاف بل يعكره أن يفتح عينيه على معلومات جديدة. لماذا؟ لأن هذه المعلومات قد تزيف ما لديه من معرفة، وتكشف قيامها على خطأ جسيم، وهو لا يرغب في إصلاح فكره، ولا في تصحيح موقفه !!. وفي أثناء المحاورات القديمة بين أهل الكتاب وصاحب الرسالة الجديدة لاحظنا أن بصيصًا من المعرفة كان يشرق في أذهان نفر من القساوسة وهم يسمعون القرآن ويصيحون إلى تحدي نبيه، إذ يدعوهم إلى مباهلة عامة تجعل لعنة الله على الكاذبين. لكن القوم ساءلوا أنفسهم: ما ضرورة هذه
(1/180)

المباهلة؟ قد نكون على خطأ فتحيق بنا اللعنة، لندعه وشأنه ولنعد إلى ديننا. ص _183
ونحن نستغرب هذا التصرف، ونرى سيرة نفر آخر من الأميين أفضل منه، ونعود إلي المؤلف الفرنسي " كلودبر نار " ننقل عنه هذه الكلمات: ، وكثيرًا ما قيل إن من الواجب أن يكون المرء جاهلاً كي يستطيع أن يكشف عن الحقائق " . وهذا الرأي وإن كان فاسدًا في ذاته يتضمن كثيرًا من الحق. " فخير للمرء أن يكون رجلاً لا يعرف شيئًا من أن تكون بذهنه أفكار تلازمه وتستبد به مستندة إلى نظريات يعمل دائمًا على تأييدها بإهمال كل ما لا يتفق معها.!! وهذا الميل من أسوأ الميول لأنه يقف في سبيل الاختراع، والواقع أن الكشف بوجه عام ليس إلا علاقة غير متوقعة لا وجود لها في النظرية القديمة وإلا كانت متوقعة. والجاهل الذي لا يعرف النظرية تفضل ظروفه الذهنية في هذه الحال ظروف الذي يعرفها. ذلك أن النظرية لا تعوقه ولا تؤذيه ولا تمنعه أن يرى حقائق جديدة لا يراها من يحصر تفكيره في نظرية واحدة دون غيرها. ولنبادر إلى القول بأننا لا نقصد هنا أن نجعل من الجهل مبدأ كلام، إن المرء كلما زاد علمه وكثرت معارفه السابقة زاد ذهنه استعدادًا لكشف أشياء ذات خطر ونفع، بيد أنه ينبغي له أن يحتفظ بذهنه حرًّا كما سبق القول، وأن يؤمن أن ما هو مستحيل عقليًّا بحسب نظرياتنا، ليس دائمًا مستحيلاً في الطبيعة. وليس الذين يسرفون في الإيمان بنظرياتهم، أو أفكارهم فاقدي الاستعداد للكشف عن الحقائق فحسب، بل إن ملاحظاتهم أيضًا فاسدة كل الفساد. ذلك بإنهم يلاحظون وفي عقولهم بالضرورة فكرة سبق لهم تصورها.. فإذا أجروا تجربة ما أبوا أن يروا نتائجها إلا تأييدًا لنظرياتهم، وهم بهذا يشوهون الملاحظة ويهملون كثيرًا من الوقائع الهامة لا لشيء إلا لأنها لا تساهم فيما تؤدي إلى ما يسعون إليه من غايات. وهذا ما حدا بنا إلى أن نقول في مكان آخر: إنه لا ينبغي قط أن تجرى التجارب لتأييد أفكارنا، بل
(1/181)

الواجب أن يكون الغرض منها التحقيق من صحة ص _184
تلك الأفكار، أعني أنه لابد من قبول نتائج التجربة بالصورة التي تبدو فيها مشتملة على كل ما لم يكن متوقعًا منها، وكل ما يحدث فيها من الطوارئ. على أن من الطبيعي أن تجد أن من يبالغون في الإيمان بنظرياتهم لا يؤمنون بنظريات غيرهم إيمانًا كافيًا، وحينئذ يكون كل ما يشغل بال الذين يحتقرون غيرهم أن ينتقصوا نظريات هؤلاء وأن يتعمدوا نقضها. وبذلك تظل متاعب العلم كما هي، ذلك لأنهم لا يلجأون إلى التجربة إلا لهدم إحدى النظريات بدلاً من أن يكون التجاؤهم إليها للبحث عن الحقيقة. هذا إلى أنهم يلاحظون ملاحظات فاسدة. فهم لا تأخذون من تجاربهم إلا ما يتفق مع غرضهم، ويهملون ما لا يتفق مع هذا الغرض، ويعنون كل العناية باستبعاد كل ما يمكن أن يتجه اتجاه الفكرة التي يريدون هدمها ومحاربتها. ومن هذا نرى أن المرء ينتهي بهذين الطريقين المتعارضين إلى نتيجة واحدة وهي : تزييف العلم والوقائع معًا " . أقول: هذا الكلام- وإن أرسله صاحبه في مجال البحوث العلمية المتصلة بالكون والحياة - يصدق آكد الصدق على موقف أهل الكتاب من القرآن ورسوله الكريم. فقد اكتفى كل فريق بما لديه، ورفض رفضًا شديدًا أن ينظر في غيره، واعتبر معتقده الصدق الذي لا ريب فيه، واعتبر هذه الرسالة الجديدة كذبًا لا ريب فيه. وعلى ضوء هذه العقيدة القلبية- أو العقدة النفسية بتعبير أصح- أعلن أهل الكتاب سخطهم الدائم على هذا الدين، ونقمتهم المستمرة على الداخلين فيه..! وقد رمقنا أولئك المكذبين بنظرة فاحصة، فوجدناهم أنواعًا متفاوتة الكفران. فمنهم من استيقن بعد دلائل بانت له أن محمدًا حق، وأن قرآنه وحي، ولكنه انساق مع أهوائه الخاصة، وشهوات الجاه والمال، فجنح إلى مخاصمة الإسلام عن كيد وضيع، وجحود غريب: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك فلا تكونن
(1/182)

من الممترين " . ص _185
ومنهم المصاب بخبل ذهني يجعله حائرًا في تصوره للأمور وحكمه عليها. فهو يرى محمدًا رجلاً دعيًّا يتبع شهواته، ويحب النساء، ويستحق على ذلك الملام، بينما لا يرى شيئًا فيما ينسبه العهد القديم إلى " داود " من أنه أحب امرأة " أوريا " فأرسل رجلها إلى الميدان، وأمر بوضعه في الصفوف المقدمة، حتى يقتل ويظفر " داود "- النبي الملك- بامرأة الجندي المسكين!! أو يرى أن القرآن لا ينبغي أن يكون وحيًا منزلاً من السماء، لماذا؟ يقول أحد المستشرقين: لأن الكتب السماوية ليس من شأنها أن تذكر نزاعً بيتيًّا وقع بين أزواج محمد.!! والنزاع الذي يشير إليه المستشرق الذكي في سورة التحريم أشرف وأعف وأسمى ألف مرة من قصة سكر " لوط " وزناه بابنتيه التي ذكرتها التوراة، ولم يدع المستشرق المنصف أن في ذلك مساسًا بأصلها السماوي!! هؤلاء المصابون بخبل ذهني من العامة والخاصة يكفرون بالقرآن ورسوله لأن أفكارهم ومشاعرهم المرتبطة بمواريثهم العقلية والقلبية جعلتهم يؤمنون بما لديهم فحسب، ولا يطيقون أن يتصوروا حقًّا عند غيرهم.! فهم كافرون بالإسلام عن إخلاص- إن صح التعبير- وعلتهم هي التعصب الأعمى .. ومن أهل الكتاب من يجمع في نفسه بين سوء الفكر وسوء النية، فتدينه مزيج من تصورات باطلة ولدها عقل مريض. ومن مسالك مريبة قوامها طلب اللذة العاجلة، والحرص على الدنيا والتهامها بأية وسيلة. وهؤلاء داؤهم عياء. ومعارضتهم للإسلام منذ نزل القرآن وبعد ما غبرت عليه القرون الطوال تستثير العجب والغضب...! واسمع إلى القرآن الكريم يصف هذه الجفوة في لقائه وفي معاملة أبنائه : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل * والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا " . ص _186
(1/183)

" ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق " . " ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم " . " يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون * يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون " . وكلما تتابعت الليالي زاد القوم ضراوة في خصومة الإسلام وأهله، ولفحت الحرب ضد الحقيقة التي تجهم لها اليهود والنصارى أولاً، ثم أبوا الاعتراف بها أو مهادنة حملتها يومًا ... والواقع المؤسف أن القتال حين نشب بين المسلمين وأهل الكتاب، كان أولئك قد بلغوا في جحدهم للقرآن بل جحدهم للوحي كله، قديمه وحديثه، منزلة سحيقة القرار. فما كان اليهود يعرفون موسى، أو يقيمون شرائع الحلال والحرام التي جاء بها. ولا كان النصارى يعرفون عيسى أو يتقيدون بأحكام الله التي نادى بها. كلا. لقد حالوا خلقًا آخر، ولقد استشرت بهم العداوة استشراء جعل الأمر الإلهي ينزل بهذه الحدة البالغة : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " . ولو أن القوم صدقوا عن أنفسهم فقط واتبعوا موسى وعيسى وحدهما- ولو في حدود ما لديهم- ما ضاق الإسلام بمعاشرتهم . ولا انتضى السيف لمحاربتهم، بل لتركهم وما يدينون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومن أهل الكتاب من ارتضى هذا المسلك الطيب، فعاش موفورًا يلقى من المسلمين ما أمر الله به من قسط وبر، لكن الكثرة أبت ذلك. وها قد مرت أربعة عشر قرنًا على ظهور الإسلام ونزول كتابه فهل تغير الموقف قليلاً أو كثيرًا..؟ ص _187
(1/184)

إن أوروبا وأمريكا لا تزالان على الجفاء الأول أو على شر منه. وسياستهما تقوم على حرق الإسلام واستئصال الشعوب المؤمنة به، وهما لا تفتآن تنفخان في النار كلما خبا ضرامها، كي تشبعا نوازع التعصب ضد هذا الدين المضطهد المطارد. * * * تعصب ضد الإسلام: كان سير الحياة أنشط من سير الأديان المختلفة. وكانت حركاتها أوسع من دوائر الخصومة التي استنفدت جهد الأتباع وشغلت بعضهم بالبعض الآخر. ومنذ قرون والعمل الإنساني البحت في ميدان الفكر والعاطفة يغرس ويحصد ويؤسس ويمتد ويخاطر وينجح، حتى بلغ في العصر الأخير مرتبة من التفوق والغلبة تستحق الدهشة !!.. وتأخر أهل الأديان أو فشلهم في قيادة الحياة يرجع إلى أسباب ضافية الذيول. ونحن الذين نحاول إنصاف الحقيقة دائمًا، نحب أن ننصفها من أنفسنا مثلما ننصفها من غيرنا. إن الهزائم الفكرية والنفسية التي تلاحقت على الإسلام من عدة أجيال لم يكن منها بد، ولم يكن المسلمون طوال هذه الفترة الطويلة أهلاً لغلب.. لقد أحاطت فتوحهم " بأوروبا " واستولوا على أقطار شاسعة من شرقها وغربها. فماذا صنعوا؟!.. ماذا صنع الترك في البلقان؟! وماذا صنع العرب في الأندلس؟؟! فشل هؤلاء وأولئك في إقناع الجماهير المشدوهة أن محمدًا رحمة للعالمين! فشلوا في استثارة أشواق الأمم الضخمة إلى قبول الإسلام عن حماس ورغبة!. كانت أجهزة الدعاية الإسلامية القائمة على البصر والعلم قد تعطلت في ظل ولاة جورة، وملوك فسقة، فانحسر الإسلام عن الأندلس، بعدما أفسد الترف الخاصة والعامة، وبعدما أنشئت فيها بحيرات من المسك على شطآنها أوحال من العنبر.. وتراجع الإسلام في أوروبا الشرقية، لأن الحكم العسكري التركي لم يستطع قط إنشاء قواعد شعبية له، وأنى له ذلك وهو يحتقر العربية، لغة التعلم والتعليم والدعوة الإسلامية؟!! ص _188
(1/185)

لقد بدأ هذا الحكم، وللإسلام حضارة ضاربة الجذور في أعماق التربة الإسلامية، فإذا هو يستولى على أرجاء العالم الإسلامي الرحب، ليحيل عامرها بلقعًا، وعلمها وأدبها ونورها جهلاً وجفافًا وظلامًا، فكيف يستغرب بعدئذ أن يعجز أتم العجز عن القيام بأعباء البلاغ عن الله، وتفهيم دينه لمن لم يفهمه.. وقد تكون البلاد التي انحسر المد الإسلامي عنها قد بليت بأوضاع شر منه، بيد أن ذلك لا يغير من سنن الله في الهزيمة والنصر. ألم ينتصر المشركون في " أحد " على المسلمين، لأن هؤلاء لم يستجمعوا ما شرط الله عليهم من وسائل الظفر؟.. فلنقلها صريحة!! لقد تأخر المسلمون بدينهم منذ قرون لأن هناك خيانات جسيمة ارتكبتها أمتنا في خدمة المثل العليا وإبلاغها إلى الناس محببة جذابة كما جاءت من عند الله، وكما أحسن أداءها محمد وصحبه. ونترك الإسلام إلى النصرانية. إن الغرب لم ينهض نهضته الكبرى حتى أقصاها إقصاء عن ضروب النشاط الإنساني في مجالات البحث والتفكير والفلسفة والعلم والاقتصاد والاجتماع... ولولا نجاحه في إبعاد الدين عن هذه الآفاق لظلت أوروبا وأمريكا كما غبرتا ستة عشر قرنًا لا تعرفان شيئًا عن نظافة الأفكار والأبدان. قال جلال نوري بك : " إن الحركة الارتقائية التي بدأها اليونان، وتابعهم فيها الرومان، قد صدت النصرانية تيارها، ووقفته عن الانسياب .. وبدأ مجد روما في الأفول... ولكنها احتاجت إلى ثلاثة قرون لتتم انحطاطها... وفي النهاية قبل العقل الإنساني بشرًا عاديًّا على أنه ابن الله وبدأ بعبادته. وكان الجهل سائدًا تحت نظام الكهنوت في القرن الخامس، كان شاملاً كل مكان.. فإن النصرانية في ذلك العهد أنزلت الإنسان منزلة البهائم السائمة، التفكير كان مخالفًا للقانون!!، والتعبير عن الرأي محرم!! وكانت المناقشة معتبرة من الخطيئات الكبرى، واعتبر الإنسان ككائن نجس بعيد عن الطهر!!.. ". ".. وكان المعتقد أن الله هبط على الأرض في شخص عيسى
(1/186)

وأهدر دمه فداء لخطيئة آدم وحواء. ص _189
ولما كانت المرأة هي السبب في هذه الخطيئة فقد عدت شرًّا، ثم وضع كل الناس في مستوى خطيئتها، وكان من الخطيئات الكبرى أن يعني الإنسان بجسمه من جراء اللعنة التي نزلت به وأنكر على الناس المصالح الزمنية لأن الدين لا يعني بشىء، اللهم إلا المصالح الروحية، وأهمل الجسم باعتباره شيئًا غير طاهر... ". ".. وأجهد الناس أنفسهم كي يحصلوا على سعادة الروح. فوقعت الأجسام فريسة القذارة والفقر، إذ كانا من الدلائل الثابتة على الطيبة وحب الخير، وكان يخشى من الاستحمام لئلا تزول عن الجسم مياه المعمودية. ولقد حظرت الكنيسة في أسبانيا غسل الجسم ومنعته بتاتًا. وفي سنة 467 ميلادية هدم الكردينال " سبينوزا " الحمامات العمومية التي كان العرب قد بنوها في أسبانيا، إنك لتجد أثر ذلك في بلاد الحبشة حتى الآن، إذ يمتنع الناس عن الاستحمام لئلا يتمثلوا بالمسلمين. ويعتبرون أن هذا ليس من حاجات النصرانية، ولكن الإنسانية لحسن الحظ لم تفن من نفوس الناس تمامًا بما أقام القديس بولس في سبيلها من العوائق. ففي زماننا هذا تحررت الإنسانية تمامًا من استبداد النصرانية التي اعتبرها " نيتشه " السبب الأول في الانحطاط والخراب والسقوط. ولقد أخذت الإنسانية تعود الآن مرة أخرى إلى مدنية اليونان ومدنية الرومان. وأخذت العقول تستيقظ من طويل سباتها وتستفيق من غطيط القرون الوسطى، وشرعت تتطلع إلى الحرية التي كانت لها قبل أن تغشى عليها النصرانية بأغشيتها الثقيلة ". نعم.. إن العالم الآن يتلمس طريقة إلى مستقبل خطير، وقد أفاد كثيرًا من تجاربه الحلوة والمرة، وعلى ضوء خافت أو لهب لاسع من آلام الماضي، وضع طائفة من المبادئ التي يصح الرجوع إليها في كل شجار.. هناك حقوق النسان، وإقرار السلام، وتقرير المصير، والمساواة بين أجناس البشر، وإشاعة العدالة الاجتماعية والسياسة... الخ. وهذه كلمات نضجت بها سلامة الفطرة،
(1/187)

والرغبة في تحقيق الخير العام، والنفع الشامل لسكان هذا الكوكب المحروب .. ص _190
ونحن المسلمين نرمق هذه الكلمات باحترام، ونراها متجاوبة مع تعاليم ديننا أصدق التجاوب. ولا بأس علينا أن نسهم مع غيرنا من سائر الملل والنحل في إنجاحها. وحل قضايا القارات الخمس على هديها.. وقد ترابطت الآن ثمانون دولة في منظمة الأمم المتحدة على أساس ميثاق عظيم جاء في ديباجته ما يلي : " نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي- في خلال جيل واحد- جلبت على الإنسانية مرتين أحزانًا يعجز عنها الوصف. وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان، وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية. وأن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة والالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي . وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدمًا، لرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح. وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معًا في سلام وحسن جوار. وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدوليين. وأن نكفل بقبولنا مبادئ معينة ورسم الخطط اللازمة لها، ألا نستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة. وأن نستخدم الأداة الدولية في ترقية الشئون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها. قد قررنا : أن نوحد جهودنا لتحقيق هذه الأغراض. ولهذا فإن حكوماتنا المختلفة على يد مندوبيها المجتمعين في سان فرانسيسكو " الذين قدموا وثائق التفويض المستوفية للشرائط، قد ارتضت ميثاق الأمم المتحدة هذا وأنشأت بمقتضاه هيئة دولية تسمى ( الأمم المتحدة )0 ص _191
(1/188)

ونحن نقول: هذا حسن. فإن الكلمات التي دونت بهذه الديباجة تشتمل على نيات طيبة، وأهداف نبيلة، واتجاهات رائعة. وما يملك أحد إلا أن يرجو التوفيق لكل من يعمل في هذا الحقل، منتظرًا للإنسانية جمعاء أشهى الثمرات منه. ثم إن هذه الكلمات نتاج مشترك لأهل الأرض على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، فليس يلمح فيها انحياز لدين من الأديان، ولا تعصب ضد جنس من الأجناس. بل المفروض أن العالم الذي شقي بالخلاف المرير. والمظالم المتبادلة، سوف يسد الطريق دون عودتها، وسوف يتيح فرصًا متساوية للمسلمين والنصارى واليهود، وللسود والبيض والصفر كي يحيوا جميعًا في ظل عدالة موطدة الأركان، وأخوة سامقة البنيان.. غير أن هذا الأمل لم يلبث أن هددته زعازع هوج، ثم بدا للعين المجردة أن الضغائن القديمة ضد بعض الأديان والأجناس لم تفارق أصحابها منذ أول لحظة خط فيها ميثاق الأمم المتحدة...! وكانت اللغة العربية أول ضحية قدمها واضعو الميثاق إجابة لهذه الأحقاد. فهذه اللغة لا تعتبر أهلاً لأن تسلك مع اللغات الحية التي كتب بها. لقد وضع النص الأصلي لهذا الميثاق بلغات خمس هي الصينية والفرنسية والروسية والإنجليزية، والأسبانية هي لغاته الرسمية على وجه سواء. أما الترجمة التي قرأتها فهي من وضع الحكومة المصرية. وقد نشرتها إدارة الأنباء بالأمانة العامة للأمم المتحدة بتصريح منها.. وغريب أن ننسى هذه اللغة العظيمة، وهي اللسان الرسمي لدين له أتباع يزحمون العالم. وكان من الممكن في غمرة التفاؤل الذي خامر القلوب نحو مستقبل هذه الهيئة أن نغالط أنفسنا، وأن نقول: هو نسيان عارض. لا تناس متعمد معيب... لكن الأحداث التي جدت بعد ذلك، دلت على أن هناك إعدادًا منسقًا مرسومًا لإماتة العربية والعرب جميعًا، أو بكلمة أصرح إماتة الإسلام والمسلمين أجمعين... وفي نوبة من نوبات الختل والبغضاء، تنفس اللدد الخبيء في الصدور، فإذا هيئة الأمم المتحدة تتخذ قرارًا يشطر العالم
(1/189)

الإسلامي نصفين لا يتصل أحدهما بالآخر عن ص _192
طريق البر وذلك بانتزاع " فلسطين " من أهلها وإعطائها هبة لليهود يقيمون عليها دولة تسمى إسرائيل!! واعترفت الدول الكبرى بإسرائيل هذه، وذهب الأمين السابق للأمم المتحدة إلى "برلمانها" كي يعلن أن هذه الدويلة اللقيطة هي الربيبة المختارة التي سوف تربيها الأمم المتحدة في حجرها!!. واليوم يجيء الأمين العام إلى حدود فلسطين ليقضي إجازة عيد الميلاد مع جنود الأمم المتحدة الوافدين لحراسة إسرائيل!، وهم الجنود الذين لم يسفكوا دم أحد من أهل الأرض إلا دم العرب في " فلسطين " 0! وتعثرت قضايا المسلمين في كل ناحية. فما يسمح لها في أروقة الأمم المتحدة أن تنال ذرة من تأييد!، وهي قضايا لا نظير لها في وضوحها وجدارتها بالإنصاف. والعلة الدفينة وراء هذا الالتواء.. هو التعصب ضد الإسلام. ثم تنازع الأقوياء في هذا العالم فماذا رأينا؟.. رأينا " روسيا " التي لا دين لها تطلب تحرير فلسطين وردها لأهلها. أما الدول المسيحية الكبرى فلا تريد ذلك. رأينا " روسيا " تقف إلى جانب عرب الجزائر . أما الدول المسيحية في حلف الأطلسي فهي تقتلهم بأسلحتها. رأينا " روسيا " تدفع عن سوريا مؤامرات الترك، ورأينا زعيمها يستحلف الأمريكان- بالله الذي يؤمنون به- ألم يوعزوا بالهجوم على سوريا؟! رأينا روسيا تهاجم التفريق العنصري، أما الدول المسيحية فقد أبادت جنسًا واضطهدت آخر. رأينا الكنيسة التي عجزت عن كفكفة الآثام التي ارتكبها الجنس الأبيض تملي لهذا الجنس الطاغي وهو يكيد للإسلام ويفتك بأبنائه، ويهد مستقبله، ويتخذ من الأمم المتحدة وسيلة لهذه الغاية الدنيئة.. إلى متى تبقى هذه السخائم مشبوبة ضد الإسلام وأهله؟.. إن من الممكن اعتبار جنس ما أحط رتبة من غيره، ثم اجتياح حقوقه ومصادرة حرياته، وإهدار آدميته تبعًا لذلك!! ص _193
(1/190)

وإن من الممكن اعتبار دين ما ضد القانون، وتسخير القوى كلها لاعتقال أصحابه وتعكير صفوفهم، وتمزيق شملهم!! لكن ما نتيجة هذا الفهم الضيق؟ نتيجته أن يظل العالم في نزاع دام لا تنطفئ له نار، ولن يسكت فيه على ثأر. فهل هذا ما يريده أهل الكتاب وما يتحملون عقباه؟؟! إن العالم في نظرنا نحن المسلمين يتسمع لعدة أجناس تعيش متعارفة متآلفة ويتسع لعدة أديان تعيش متوادة متراحمة.. ولو أن المسيحي ذهب في عقيدة التثليث ما ذهب، ثم عاشر غيره من الموحدين في نطاق العدالة وحرية الرأي ما قبضنا عنه يدًا ببر وقسط. ولو أن اليهود كما اعتقد في عيسى ومحمد ما اعتقد، ثم كف عن الناس أذاه، ولم يستكثر عليهم حق الحياة ما وجد منا شرًّا قط.. أما أن نكون نحن- مع ما لدينا من شرف الحق وطهر الوحي- غرض المؤامرات والمهاترات، وأما أن تتخذ الوسائل دهرًا بعد دهر للسخف بنا وسومنا سوء العذاب، فذلك ما نأباه أشد الإباء.. إن الفرصة لم تضع بعد.. وأمام الدول المسيحية الكبرى متسع لتصفي استعمارها الآثم في " الجزائر "، و " فلسطين "، و " عمان "، وأوروبا الشرقية والغربية، وجنوب اليمن، وفي أقطار آسيا وأفريقيا، التي طال عليها الليل، واتصل فيها الويل. نعم أمام الخاطئين فرصة لمآب، وملام وعتاب.. وإلى أن يقع هذا.. وما أظنه يقع.. أوصى أهل القرآن أن يكونوا على أهبة دائمة لحراسة دينهم وبلادهم، من الأفاكين والخطافين. ص _194
(1/191)

حول النسخ هل في القرآن آيات معطلة الأحكام، بقيت في المصحف للذكرى والتاريخ كما يقولون، تقرأ التماسًا لأجر التلاوة فحسب، وينظر إليها كما ينظر إلى التحف الثمينة في دور الآثار، غاية ما يرجى من المحافظة عليها إثبات المرحلة التي أدتها في الماضي، أما الحاضر والمستقبل فلا شأن لها بهما؟؟! من المسلمين من يرون هذا الرأي حين يقولون بالناسخ والمنسوخ " على أساس أن الناسخ الأخير أبطل ما صدر قبله من أحكام " وهم يلجأون إلى هذا الفهم إعمالاً للنص الأخير، ودفعًا لما يتوهم من تناقض بين ظواهر الآي .. ونحن لا نميل إلى المسير مع هذا الاتجاه، بل لا نرى ضرورة للأخذ به. وسنرى عند تحقيق الموضوع أن التناقض المتوهم لا محل له، وأن التشريعات النازلة في أمر ما مرتبة ترتيبًا دقيقًا بحيث تنفرد كل آية بالعمل في المجال المهيأ لها. فإذا ذهب هذا المجال وجاء غيره تلقفته آية أخرى بتوجيه يناسبه وهكذا، فهل هذا التدرج في التشريع يسمى نسخًا ؟ إن الأدوية تبقى ما بقيت الأدواء المرصدة لها، والدواء الذي ينجح في علاج حالة ما ربما لا يذكر في علاج حالة أخرى مخالفة، وهذا لا يعد غضًّا من قيمته .. بل إن المرض الواحد قد يحتاج إلى سلسلة متعاقبة من الأشفية، تستقيم مع مراحل سيره، وضروب مضاعفاته، وأعقاب الخلاص منه! وارتباط كل دور من أدوار العلة بدواء معين شيء طبيعي، ولا معنى لتوهين دواء بعدت الحاجة عنه الآن، فقد يحتاج إليه آخرون. ونصوص القرآن الكريم لا تخرج عن حدود هذا الشبه!! وقد عجبنا من استشراء القول بالنسخ عند بعض المفسرين " حتى رأينا من يجعل المستثنى ناسخًا للمستثنى منه! فإذا قال الله تعالى: " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " . ص _195
(1/192)

قالوا: إن هذه الآية منسوخة بما جاء بعدها، وهو قوله عز وجل: " إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم " . وهذا شطط مثير في إبطال الآيات لأوهى شبهة تعلق بالذهن. والذهاب مع هذا الفهم الخطأ هو الذي سوغ لبعض المفسرين إبطال جميع الآيات النازلة في معاملة الكفار بالآية التي نزلت في سورة التوبة، والتي تسمى آية السيف: " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ". ولا ريب أن تحكيم هدى هذه الآية في كل معاملة مع الكفار، وإلغاء ما سبقها من آيات بينات يعتبر جرأة غريبة على الوحي، وهذا التفسير- إلى جانب أنه خطأ- هو ظلم للقرآن الكريم، وحيف على أسلوبه المحكم، في معاملة صنوف البشر... نعم: قد يقع في القرآن تفصيل بعد إجمال، أو تقييد بعد إطلاق. أو تخصيص بعد تعميم، بيد أن ذلك شيء غير الزعم بأن هناك آيات بطل حكمها، أو وقف تنفيذها..!! وإذا فسروا وقوع النسخ في القرآن بالمعنى الأول فلا بأس من قبوله، أما إذا فهم النسخ على أنه إبطال لحكم سبق نزوله والإتيان بحكم جديد أصلح منه للناس، أو أدنى منه إلى الحق، فذلك ما ننفيه نفيًا باتًّا. وتطرق هذا الفهم إلى الأذهان هو الذي سول للأستاذ " أحمد أمين " أن يطلب إلى المسلمين ترك بعض الأحكام الواردة في كتابهم، وحجته أن الزمان تغير!، وأحوال الناس طرأ عليها ما لم يكن في القرون الأولى. وإذا كانت أحكام تبدلت في أقل من ربع قرن- كما يزعم- فإن حكمة التبديل أظهر بعد مرور أربعة عشر قرنًا. وهذا كلام متهافت سقيم، أظنه كتب في ساعة غيبوبة! وأين هي الأحكام التي تبدلت في القرآن؟! إن أقرب ما يتردد على الشفاء هو ما ورد في تحريم الخمر، وتحريم الخمر حكم ثابت من نصوص الكتاب الكريم، فإن الخمر لم تنزل آية بإباحة شربها ص _196
(1/193)

ذلك آيات بنسخ هذه الإباحة، كلا، غاية ما هنالك أن حمل الناس على هذا التحريم اتخذ سنة التدرج في التشريع . فإن الخمر كانت أعجب شراب لدى العرب وهي عند مدمنها عادة مكينة صعبة الترك، وقد حاولت أمريكا من عشرين سنة تحريم الخمر بتشريع واحد حاسم فعجزت، وأصبح تهريبها إلى عشاقها حرفة رائجة لعشرات العصابات، فعاد البرلمان الأمريكي إلى إلغاء الحظر السابق وإباحة الخمر لجمهور السكارى. والله عز وجل أحكم من أن يفطم عباده عن هذه الآفة بكلمة واحدة. فشرع لهم ما يبعدهم عن الشراب المحرم رويدًا رويدًا، حتى إذا تمهد الجو للصراحة الكاملة، والعقاب الشديد، أعلن الحكم الذي سبق الإيماء إليه، فاعتبرت الخمر رجسًا واعتبر شاربوها مجرمين، يضربون بالعصى وبالنعال..!! والآيات التي نزلت في صدد هذا التحريم هي: " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما " . وهذه بداية تؤذن بالحظر، فالقاعدة أن ما غلب شره خيره ترك. والشرائع العامة والخاصة تقوم على ذلك الأساس. ونفع الميسر أن كسبه كان يرمى للفقراء، ونفع الخمر يجيء من الاتجار فيها، أو من النشوة الموقوتة التي تعقب تناولها.. بيد أن هذه المنافع خفيفة الوزن إذا قورنت بالأضرار والآثام التي تصحب القمار والسكر... " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " . وهذه سياسة عملية واسعة المدى في تحريم الخمر، فإن الصلاة في الإسلام تكتنف الليل والنهار، ومعنى اليقظة التامة عند قربانها أن الذين مازالوا يستهينون بالشراب سوف يكفون عنه أغلب يومهم، كالذي تعود تدخين ثلاث علب من السجاير إذا فرض عليه أسلوب من الحرمان يباعد بينه وبين شهوته، فإن عدد ما يحرقه قد يهبط من ستين سيجارة إلى عشر أو ست. ص _197
(1/194)

وعندما تبلغ الإرادة هذا الحد من القدرة والتسامي، فإن القرار الأخير بالحرمان يجيء في إبانه المناسب، وفي أحسن الظروف لتنفيذه، ومن ثم لم يمض كبير وقت حتى نزل النص الأخير: "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون". وبعد مجيء هذا الإرشاد القاطع شقت بواطي الخمر، وكسرت دنانها، ورمي بها في طرق المدينة... ليس في هذه الآيات الكثيرة ما يفيد أن الله أباح الخمر أولاً، ثم عاد فحرمها، هل في القرآن نص آخر تفهم منه هذه الإباحة؟! إن البعض يتوهم من الآية الواردة في سورة النحل أنها تنطوي على حل الخمر، وهذا الوهم لا محل له. فسورة النحل هذه هي سورة النعم، فيها سرد جميل لآلاء الله على عباده، وخلال هذا السرد تقرأ قوله جل شأنه: " وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين * ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون " . إن البعض فهم من السكر أنه الخمر، وهذا خطأ، فالسكر هو الأشربة الحلوة التي تعصر من صنوف الفواكه، ويتناولها الناس طعامًا شهيًّا مغذيًّا، ومادة الكلمة أقرب إلى السكر منها إلى السكر. وليس من المعقول عد الخمر من صنوف النعم، ثم سوق ذلك على سبيل الخبر؛ فإن النسخ عند من يقولون به لا يدخل في الأخبار، وإلا أصبح تكذيبًا لا تشريعًا. ويرى البعض أن الآية جمعت بين الامتنان والتقريع، وأن اتخاذ الناس أنواع المسكر من ثمرات الأرض لا يسوغ، ولذلك فصلت بين الأمرين، فوصفت الرزق الأخير بالحسن، وسكتت عن الأول توطئة لتحريمه مستقبلاً.. وأياما كان الأمر، ص _198
(1/195)

فليس في القرآن بالنسبة إلى الخمر أو غيرها أحكام بدأت بالتحليل، وانتهت بالتحريم، أو بدأت بالتحريم، وانتهت بالتحليل. ويرى الأستاذ الدكتور " محمد عبد الله دراز " أن تحريم الربا سلك الخطى نفسها التي مشى فيها تحريم الخمر، ولا بأس من نقل كلامه في هذا الموضوع تعميمًا لفائدته. قال: " فهل يطيب لكم أن تدرسوا معي المنهج التدريجي الذي سلكه القرآن في مسألة الربا؟، إنه لمن جليل الفائدة أن نتابع هذا السير لنرى انطباقه التام على مسلكه في شأن الخمر، لا في عدد مراحله فحسب، بل هي في أماكن نزول الوحي، وفي الطابع الذي تتسم به كل مرحلة منها. نعم، فقد تناول القرآن حديث الربا في أربعة مواضع أيضًا، وكان أول موضع منها وحيًا مكيًّا، والثلاثة الباقية مدنية، وكان كل واحد من هذه التشريعات الأربعة مشابهًا تمام المشابهة لمقابله في حديث الخمر . " ففي الآية المكية يقول الله جلت حكمته: " وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون " . هذه كما ترون موعظة سلبية. إن الربا لا ثواب له عند الله. نعم ولكنه لم يقل: إن الله ادخر لآكله عقابًا، وهذا بالضبط نظير صنيعه في آية الخمر المكية، حيث أومأ برفق إلى أن ما يتخذ سكرًا ليس من الرزق الحسن دون أن يقول: إنه رجس واجب الاجتناب. ومع ذلك، فإن هذا التفريق في الأسلوب كان كافيًا وحده في إيقاظ النفوس الحية وتنبيهها إلى الجهة التي سيقع عليها اختيار المشرع الحكيم . ص _199
(1/196)

أما الموضع الثاني: فكان درسًا وعبرة قصها علينا القرآن من سيرة اليهود الذين حرم عليهم الربا فأكلوه، وعاقبهم الله بمعصيتهم. وواضح أن هذه العبرة لا تقع موقعها إلا إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض، لا بالنص الصريح. ومهما يكن من أمر، فإن هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهي يوجه إليهم قصدًا في هذا الشأن نظير ما وقع بعد المرحلة الثانية في الخمر، حيث استشرفت النفوس إذ ذاك إلى ورود نهي صريح فيها. وقد جاء هذا النهي بالفعل في المرحلة الثالثة، ولكنه لم يكن إلا نهيًا جزئيًّا في أوقات الصلوات. وكذلك لم يجئ النهي الصريح عن الربا إلا في المرتبة الثالثة، وكذلك لم يكن إلا نهيًا جزئيًّا عن الربا الفاحش! الربا الذي يتزايد حتى يصير أضعافًا مضاعفة . وأخيرًا وردت الحلقة الرابعة التي ختم بها التشريع القرآني كله على ما صح عن ابن عباس، وفيها النهي الحاسم عن كل ما يزيد عن رأس مال الدين حيث يقول الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون * وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون * واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " . ص _200
(1/197)

التاريخي، إذ اعتبرت النص الثالث مرحلة نهائية، بينما هو لم يكن إلا خطوة انتقالية في التشريع، لم يختلف في ذلك محدث ولا مفسر ولا فقيه.. على أننا لو فرضنا المحال ووقفنا معهم عند هذا النص الثالث، فهل نجد فيه ربحًا لقضيتهم في التفرقة بين الربا الذي يقل عن رأس المال، والربا الذي يزيد عليه أو يساويه؟ كلا، فإنه قبل كل شيء لا دليل في الآية على أن كلمة الأضعاف شرط لابد منه في التحريم، إذ من الجائز أن يكون ذلك عناية بذم نوع من الربا الفاحش الذي بلغ مبلغًا فاضحًا في الشذوذ عن المعاملات الإنسانية، من غير قصد إلى تسويغ الأحوال المسكوت عنها التي تقل عنه في هذا الشذوذ. ومن جهة أخرى فإن قواعد العربية تجعل كلمة " أضعاف " في الآية راجعة للربا لا لرأس المال- كما قد يفهم من تفسير هؤلاء الباحثين- ولو كان الأمر كما زعموا لكان القرآن لا يحرم من الربا إلا ما بلغ 600% من رأس المال. بينما لو طبقنا القاعدة العربية على وجهها لتغير المعنى تغيرًا تامًّا، بحيث لو افترضنا ربحًا قدره واحد في الألف أو المليون لصار بذلك عملاً محظورًا غير مشروع بمقتضى النص الذي يتمسكون به. أما القول بأن العرب قبل الإسلام لم يكونوا يعرفون إلا الربا الفاحش الذي يساوي رأس المال أو يزيد عليه، فإنه لا يصح إذا أغمضنا أعيننا عما لا يحصى من الشواهد التي نقلها أقدم المفسرين وأجدرهم بالثقة. ولقد كان الشعب العبراني- الذي يعيش والشعب العربي في صلة دائمة منذ القدم- يفهم من كلمة الربا كل زيادة على رأس المال، قلت أو كثرت. وهذا هو المعنى الحقيقي والاشتقاقي للكلمة.. أما تخصيصها بالربا الفاحش فهو اصطلاح أوربي حادث. يعرف ذلك كل مطلع على تاريخ التشريع " أ. هـ. ص _201
(1/198)

المحرمات، وأنه جلت حكمته تلطف في أخذ عباده بهذا الحكم، وتدرج في حملهم عليه، وذلك بتهيئة أحوالهم النفسية والاجتماعية لقبوله وتنفيذه.. حتى إذا تكاملت الصلاحية المنشودة لتطبيق الحكم المراد. انكشف الغطاء الذي كان يتزحزح قليلاً قليلاً عن الحقيقة التشريعية الأزلية. الحقيقة التي لم تتغير ولن تتغير. والقائلون بالنسخ- على معنى إبطال حكم سابق بحكم لاحق- يتعلقون بآيات لا تخدم هذا الغرض ولا تؤدي إليه، من ذلك قول الله عز وجل: " وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين " . قالوا في تفسير الآية " إن المشركين من أهل مكة زعموا أن محمدًا يسخر من أصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدًا، ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى- في نظرهم- وإذا نسخنا حكم آية، فأبدلنا مكانه حكمًا آخر، والله أعلم بما ينزل- اعتراض دخل في الكلام، أي: والله أعلم بما ينزل من الناسخ، ربما هو أصلح لخلقه، وبما يغير ويبدل من أحكامه، أي هو أعلم بجميع ذلك من مصالح عباده، ففي الكلام نوع من التوبيخ والتقريع على قولهم للنبي:" إنما أنت مفتر " أي تختلقه من عندك ثم يسأل الله المشركين: لماذا يختلقه، أو ينسب إلى الافتراء من أجل التبديل والنسخ، وهو ليس إلا مبلغ عن الله. وإنما فائدة ذلك التبديل ترجع إلى مصالح العباد. ألا ترى الطبيب يأمر المريض بشرب دواء، ثم بعد ذلك ينهاه عنه. ويأمره بغيره. ثم قال المفسرون: وهذا التعبير ليس إثباتًا بأحكام أسهل، أو أقرب إلى رغبات الناس. فقد ينسخ الأشق بالأهن والأهون بالأشق فالمدار على رعاية الحكمة..". وهذه التأويلات كلها- التي نقلناها عنهم- بعيدة عن الآية. ص _202
(1/199)

وعند أقل تأمل يرى المنصف أن ما ينسب إلى المشركين من كلام حول النسخ إنما هو مفتعل، ولا يصلح جعله سببًا لنزول هذه الآية الكريمة!. فسورة النحل مكية وليس فيما نزل قبلها من الوحي الإلهي حكم نسخ بأشق منه أو بأهون، حتى يكون ذلك مثار لغط بين المشركين، أو اعتراض على القرآن بما يقع فيه من تناقض..!! أين الحلال الذي حرم، أو الحرام الذي أحل قبل سورة النحل؟ إ إن شيئًا من ذلك لم يحدث. فضلاً عن أدق يستفيض، فضلاً عن أن يتندر به المشركون، وينسبوا به محمدًا إلى الافتراء!!. بل نحن نجزم بأن مشركي مكة لم يدر بخلدهم شيء من هذا الذي جعله بعض المفسرين سببًا لنزول الآية. وإنما هو تنزيل الآيات على آراء الفقهاء والمتكلمين وتحميل القرآن مالا تتحمله آياته ولا ألفاظه من معان ومذاهب. والشرح الصحيح للآية: أن المشركين لم يقنعوا باعتبار القرآن معجزة تشهد لمحمد بصحة النبوة، وتطلعوا إلى خارق كوني من النوع الذي كان يصدر عن الأنبياء قديمًا فهو في نظرهم الآية التي تخضع لها الأعناق، أما هذا القرآن فهو كلام ربما كان محمد يجيء به من عند نفسه، وربما كان يتعلمه من بعض أهل الكتاب الذين لهم بالتوراة والإنجيل دراية... وقد رد الله سبحانه وتعالى على هذه الطعون، بأنه أدرى من المشركين بنوع الإعجاز الذي يصلح للعالم حاضره وغده وأن هذه الآية أجدى على البشر وأخلد في إنشاء الإيمان وتثبيته من أي آية أخرى، وأن الزعم بأن محمدًا انتفع بعلوم اليهود أو النصارى، ثم ألف هذا الكلام العربي بعد الاتصال بفلان أو فلان من الأعاجم المتنصرين ليس إلا سخفًا يترفع العقلاء العدول عن الخوض فيه. اقرأ الآية مرة أخرى في تجرد وبساطة تجدها لا تتحمل إلا هذا الشرح القريب، وهو الشرح الذي يربط بها ما بعدها في اتساق وإحكام: " وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا
(1/200)

وهدى وبشرى للمسلمين * ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين * إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم * إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ... " . ص _203
ومثل هذا الكلام يقال فيما ورد بشأن النسخ في سورة البقرة. ونحن نسوق الآيات المعنية وننظر في شرحها متلمسين الحق وحده. قال جل شأنه: " ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم * ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير * أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل " . الجملة المكونة من فعل الشرط وجزائه هي التي اعتمد عليها القائلون بجواز النسخ بعدما شرحوها على النحو التالي : " ما ننسخ من آية " ما نغير من حكمها مع بقاء لفظها. " أو ننسها " : نذهب باللفظ والحكم جميعًا ونحوه من أذهان الحفظة بعدما استوعبوه قراءة وفهمًا وعملاً ، " نأت بخير منها أو مثلها ". في تحقيق مصالح العباد. وذلك بالنسبة لما ذهب حكمه وبقيت تلاوته، ولما نقضت تلاوته وأحكامه جميعًا. وهذا التفسير في الحقيقة يبتر الجملة الشرطية عما قبلها وعما بعدها، ويعزلها عزلاً لا يغني فيه تمحل ولا تكلف، ثم إن القول بآيات نسخ لفظها وحكمها معًا، وأنسيها الرسول وصحابته جميعًا، كلام لا وزن له. ثم ما معنى التطويح بهذا المنسوخ والإتيان بناسخ مساوٍ له؟!! وكان تذييل الآية- ليستقيم صدرها وختمها على هذا المعنى- أن يقال: إن الله عليم حكيم. لا أن يذكر اسم الجلالة موصوفًا بالقدرة على كل شيء. وقد أجيب عن الاعتراض الأخير بأن معارضي القرآن شغبوا على النسخ، واستبعدوا وقوعه من
(1/201)

الله، فرد عليهم بأن النسخ داخل ضمن نطاق القدرة، وأن الله ص _204
القادر على كل شيء لا يعجزه تبديل حكم بآخر، ثم مضى النظم في تخويف المعترضين وتهديدهم ليقبلوا القول بالنسخ، أو ليقبلوا وقوعه ! " ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير " . ونحن نؤكد مرة أخرى، أن سيرة الرسول الكريم لم تشر من قريب أو بعيد إلى معارضة من المشركين، أو تساؤل من المؤمنين حول أمر النسخ " وأن المجتمع الإسلامي الأول لم تنزل فيه آية بتحليل ثم أتت بعدها آية بتحريم، لا في مكة ولا في المدينة، وأنه تبعًا لذلك لم تنزل آية بتخويف أحد كي يقول بالنسخ. والتفسير الذي ذكرناه - مع تفكيكه واضطرابه - يقطع أواصر الآية بما قبلها وما بعدها، بل بجو السورة التي بدأ السياق فيها يناقش أهل الكتاب ويندد بمواقفهم، ويشير إلى تعنتهم في تكذيب محمد، واقتراح خوارق مما ألفوا مع أنبياء بني إسرائيل. فالنسخ هنا ليس تبديلاً جزئيًّا في أحكام شريعة واحدة، بل هو تغيير الدلائل التي تحتف بدين ما كي تركزه في النفوس . وقد بدأ الكلام بأن أهل الكتاب لا يودون للإسلام خيرًا، ولا لأهله فضلاً. ثم أعقبه تساؤل له مغزاه يخاطب اليهود. " أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل " . والشرح المقبول للآية ننقله عن الإمام الجليل الشيخ محمد عبده، فقد قال: " والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره: أن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم، أي (ما ننسخ من آية) نقيمها دليلاً على نبوة نبي من الأنبياء، أي نزيلها، ونترك تأييد نبي آخر بها، أو ننسها الناس، لطول العهد بما جاء بها، فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك، نأتي بخير منها من قوة الإقناع، وإثبات النبوة. أو مثلها في ذلك. ص _205
(1/202)

ومن كان هذا شأنه في قدرته، وسعة ملكه، فلا يتقيد بآية مخصوصة يمنحها جميع أنبيائه. والآية في أصل اللغة هي : الدليل، والحجة، والعلامة على صحة الشيء، وسميت جمل القرآن آيات، لأنها بإعجازها حجج على صدق النبي، ودلائل على أنه مؤيد فيها بالوحي من الله عز وجل، من قبيل تسمية الخاص باسم العام. ولقد كان من اليهود من يشك في رسالته عليه السلام بزعمهم أن النبوة محتكرة لشعب إسرائيل! ولقد تقدمت الآيات في تفنيد زعمهم هذا عندما قالوا: " لولا أوتي مثل ما أوتي موسى " . أي من الآيات، فرد الله تعالى عليهم في مواضع: منها قوله عز وجل بعد حكاية قولهم هذا: " أولم يكفروا بما أوتي موسى " . ومنها هذه الآيات، والخطاب فيها للمؤمنين الذين كان اليهود يريدون تشكيكهم، كأنه يقول: إن قدرة الله تعالى ليست محدودة، ولا مقيدة بنوع مخصوص من الآيات. أو بآحاد منها لا تتناول غيرها، وليست الحجة محصورة في المعجزة السابقة لا تتعداها، بل الله قادر على أن يأتي بخير من الآيات التي أعطاها موسى وبمثلها، فإنه لا يعجز قدرته شيء، ولا يخرج عن ملكه شيء، كما أن رحمته ليست محصورة في شعب واحد، فيخصه بالنبوة، ويحصر فيه الرسالة... كلا...! إن رحمته وسعت كل شيء، كما أن قدرته تتصرف بكل شيء من ملك السموات والأرض الذي لا يشاركه فيه مشارك، ولا ينازعه فيه منازع، فيكون وليًّا ونصيرًا لمن آمن به، لا لمن كفر بنعمه وانحرف عن سننه.. انظر كيف أسفرت البلاغة عن وجهها في هذا المقام، فظهر أن ذكر القدرة، وسعة الملك، إنما يناسب الآيات بمعنى الدلائل، دون معنى الأحكام الشرعية، والأقوال الدالة عليها من حيث هي دالة عليها، لا من حيث هي دالة على النبوة...! ويزيد هذا المعنى سفورًا ووضوحًا قوله عقبه: " أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل " . فإن بني إسرائيل لم يكتفوا بما أعطي موسى من الآيات، وتجرءوا على طلب غيرها، قالوا: " يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى
(1/203)

الله جهرة " . ص _206
وكذلك كان فرعون وقومه كلما رأوا آية طلبوا غيرها، حتى رأوا تسع آيات بينات، ولم يؤمنوا. وقوله تعالى: " كما سئل موسى " يشمل كل ذلك. وقد أرشدنا الله تعالى بهذا إلى أن التفنن في طلب الآيات، وعدم الإذعان لما يجيء النبي بها، والاكتفاء به- بعد العجز عن معارضته- هو دأب المطبوعين على الكفر. المجبولين على المعاندة والمجاحدة، فإنه قال بعد إنكار هذا الطلب: " أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل " . ويوضح هذا قوله تعالى في آية أخرى: " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون " . والمراد: الآيات المقترحة بدليل السياق، وهو اتفاق بين المفسرين ولو كان الموضوع موضوع طلب استبدال أحكام بأحكام تنسخها، لما كان للتوعد بالكفر وجه وجيه.. وقوله تعالى " فقد ضل سواء السبيل " معناه: أنه أخطأ وسط الجادة، ومال إلى أحد الجانبين. ومتى انحرف السائر في سيره عن الوسط يخرج عن المنهج ويبعد عنه كلما أوغل في السير، فيهلك دون الوصول إلى المقصد. والمراد بسواء السبيل: الحق والخير اللذان تكمل الفطرة بالاستقامة على السير في طريقهما، ومن مال عن الحق وقع في الباطل لا محالة : " فماذا بعد الحق إلا الضلال " . هذا هو التفسير الذي تتصل به الآيات، ويلتئم بعضها على بعض، على وجه يتدفق بالبلاغة، وهو الذي يتقبله العقل، ويستحليه الذوق ". أ. هـ. ونقول: إن أمر القرآن أجل وأعز من أن تقبل فيه أخبار تزعم أن هناك آيات نزلت ثم محيت من الأذهان محوًا، أي نسخت ألفاظها ومعانيها... فروايات الآحاد- لو صحت في هذا المجال- ما أثبتت قرآنًا، فكيف إذا كانت ضعيفة؟! يرفضها النقدة، ويقبضون أيديهم عنها؟؟ وأمر القرآن كذلك أعز وأجل من أن تقبل فيه أفهام سطحية ترسل الحكم إرسالاً بأن هذه الآية بطل حكمها. أو هذا النص انتهى أمده!! ص _207
(1/204)

إن القرآن الكريم هو الدعامة الأولى للإسلام. وآياته هي الحجج الأولى في تلك الشريعة الخالدة. يقول الأستاذ الكبير الشيخ " محمد الخضري " : هنا مسألة يجب التنبيه لها، وإرخاء العنان للقلم حتى يبلغ الغاية من بيانها. وهي هل من آيات القرآن ما بطل التكليف به لحلول تكليف آخر محله؟! أو بعبارة أخرى هل من آيات القرآن ما هو منسوخ فلا يجب العمل به؟! إن هذه مسألة خطيرة، وعلى المتكلم فيها أن يقدم الحجة القاطعة أمام ما يريد أن يقوله، بعد أن ثبت أن القرآن حجة قاطعة يجب الاستمساك بنصوصه كلها والعمل بها. قال: ".. وإني أزيد المسألة إيضاحًا ولعلي أنال من الله توفيقًا ". ثم شرع الأستاذ بطريق الإحصاء الواقعي. لا بطريق الجدل النظري يثبت أن آيات القرآن جميعًا محكمة. وأنه ما من آية قيل بنسخها إلا كان القول بإعمالها أبين في العين وأرجح لدى الموازنة. والاستقراء دليل لا يتحمل لجاجة. فليجتهد من يشاء إثبات إمكان النسخ: فالإمكان شيء ووقوعه في الكتاب العزيز شيء آخر يحدث؛ لأن كل آية ظن نسخها يستبين لدى التأمل أنها نافذة الحكم... وصدق الله العظيم. " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " . قال : النسخ في اصطلاح الفقهاء يطلق على معنيين: الأول: إبطال الحكم المستفاد من نص سابق بنص لاحق. ومثاله ما ورد في حديث " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها ". فالنص الأول: يطلب الكف عن الزيارة. والنص الثاني : يرفع ذلك النهي ويحل محله الإباحة أو الطلب. الثاني : رفع عموم نص سابق أو تقييد مطلقه، ومثاله قوله تعالى في سورة البقرة : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " . ص _208
(1/205)

ثم قال في سورة الأحزاب : " إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " . فإن النص الأول عام ينتظم المدخول بها وغيرها، والنص الثاني يعطى غير المدخول بها حكمًا خاصًّا بها. وكذلك قوله تعالى في سورة النور: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " . ثم عقب ذلك: " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين " . فإن النص الأول عام ينتظم جميع القاذفين أزواجًا كانوا أم غير أزواج، والنص الثاني جعل للأزواج حكمًا خاصًّا بهم حيث جعل إيمانهم الخمس قائمة مقام الشهداء الأربعة، وجعل للمرأة حق الخلاص من حد الزنا بأيمانها الخمس. ومثال تقييد المطلق قوله تعالى فى سورة المائدة: " حرمت عليكم الميتة والدم ". وقال في آية أخرى في سورة الأنعام: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا" . فالنص الأول مطلق للدم المحرم. والثاني مقيد له بالدم المسفوح. هذا النوع الثاني موجود في القرآن بدون نزاع، سواء كنا نعلم من تاريخ التنزيل أن العام والمطلق سابقان في التنزيل على الخاص، والمقيدان متأخران عنه، وسواء كان المتأخر متصلاً أم متراخيًا، وسواء سرنا مع بعض الفقهاء الذين يطلقون على المتراخي من الخاص والمقيد أنه ناسخ للعام والمطلق، أم سرنا مع من يسميه تخصيصًا وتقييدًا لأن الأسماء لا تهمنا بعد الاتفاق على وجود المسميات، ويكفي أن نقول إن العام والمطلق لم ينلهما الإبطال، فإن العام لا يزال فيما عدا ما دل على خروجه من دائرة الحكم السابق، ويرجع ذلك إلى الأصل الذي قررناه في التشريع الإسلامي. وهو التدرج في التشريع والتنزيل، بحيث إذا أكمل الدين يؤخذ العام وما خصصه كأنهما ص _209
(1/206)

نص واحد، عامة كالمستثنى منه وخاصة كالمستثنى. ومن أجل ذلك لم يكن مما اهتم به القرآن الدلالة على السابق من النصين واللاحق منهما، ولا مما اهتم الأصحاب بمعرفته. لأن جملة الكتاب كما قدمنا شيء واحد. أما النوع الأول: وهو وجود نص من القرآن أبطل حكمه، أو بتساهل في العبارة: انتهى أمد حكمه ولم يعد بقاؤه إلا بصفة أنه ذكر يتلى، فهو محل نظر. إن إبطال نص لاحق لنص سابق موقوف على أحد أمرين: أولهما: أن ينص اللاحق على أنه ناسخ للسابق. ثانيهما: أن يكون بين النصين تناقض بحيث لا يمكن الجمع بينهما. فهل في نصوص القرآن شيء من ذلك؟؟! أما الأمر الأول فليس في القرآن شيء منه، اللهم إلا في ثلاثة مواضع يمكن أن تؤيد- قبيل بحثها- رأي الجمهور القائلين بأن في القرآن منسوخًا. قال تعالى في سورة الأنفال: " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون " . ثم قال في الآية التي تليها: " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين " . النص في هاتين الآيتين خبر والغرض منه الإنشاء، فإن الله تعالى يقول في هذه السورة: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون " . حدًّا لهذا الأمر المطلق فإنه يوجب الثبات في تجميع الأحوال أيا كان عدد المسلمين وعدد من يقاتلهم، فأول الآيتين تحدد ما يجب الثبات أمامه بعشرة الأمثال ولم يأت في ذلك بالأمر الصريح كما جاء قبله " اثبتوا " بل جاء به على صورة الخبر لأن المراد بعث الحمية في أنفسهم ، وإلهاب الغيرة في صدورهم . ص _210
(1/207)

ثم جاءت الآية الثانية معنونة بعنوان التخفيف إذ علم الله فيهم ضعفًا، والمراد بالعلم هنا الظهور، يعني أنه قد ظهر فيهم ضعف لم يكن، لأنة لو كان سابقًا لكان الله قد علمه موجودًا، ولم يكن محل التشريع السابق، فهذا الضعف الحادث هو الذي اقتضى التخفيف. فإذا قلنا: إن نسبة الآية الثانية للأولى هي نسبة النص الخفيف، لعارض مع بقاء حكم النص الأول عند زوال العارض، كان حكمها حكم العزيمة مع الرخصة فإذا لم يكن بفئة هذا الضعف الذي ذكره الله سببًا للتخفيف، كان عليها أن تثبت لعشرة أمثالها. ويؤيد هذا الرأي أن العشرين المذكورة في النص الأول موصوفة بالصابرين وكذلك المائة موصوفة بكونها صابرة، فمتى وجدت صفة الصبر ثبت الحكم الأول، والصبر من لوازمه المتقدمة عليه القوة المادية وقوة القلب المعنوية. وإذا قلنا: إن النص الثاني عام في جميع الأحوال كان الأول منسوخ الحكم وهذا بعيد. ويقرب من هاتين الآيتين قوله- تعالى- في سورة المزمل: " يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا * إن لك في النهار سبحا طويلا " . ثم قال في آخر السورة : " إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " . الآية الأولى نص صريح في طلب قيام جزء من الليل قريب من نصفه، وبينت ص _211
(1/208)

السبب في هذا الإيجاب، والخطاب فيها موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والنص الثاني دال على أن الرسول كان يقوم بهذا التكليف. وكذلك طائفة من الذين معه، ثم ذكر أن هناك سببًا يقتضي التخفيف عن الأصحاب، وهو علم الله بأن سيكون منهم الأصناف الثلاثة الذين ذكرهم. ومن أجل ذلك كان التكليف مقصورًا على قراءة ما تيسر من القرآن، فإذا كان النص الأول قاصرًا على النبي صلى الله عليه وسلم والأصحاب، إنما قاموا بقيام الليل اقتداء به ! والتخفيف قاصر عليهم للأسباب المذكورة، لم يكن النص الأول منسوخًا، بل حكمه باق بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا رأي ابن عباس، وإن قلنا: إن الأول عام والتخفيف عام كان النص الأول منسوخًا وهو بعيد. ويقرب من ذلك قوله تعالى في سورة المجادلة: " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم " . ثم قال في السورة نفسها: " أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون " . فالآية الأولى: تحتم تقديم الصدقات بين يدي النجوى، والثانية ترفع لك التحتيم من غير تصريح بالرفع، هذا ما يمكن تطبيقه على الأول وهو إعلام النص اللاحق بإلغاء النص السابق، وقد علمت أن هذه النصوص الثلاثة غير معينة لإفادة النسخ. أما الطريق الثاني: وهو الالتجاء إلى النسخ لوجود نصين متناقضين ولا مجال لتأويل أحدهما، فمن العسير أن نرى في كتاب الله ما هو كذلك، وقد أفضنا القول في بيان الآيات التي قيل: إنها منسوخة وإجابة مانعي ذلك من العلماء في كتابنا الموسوم بـ " أصول الفقه" ، فارجع إليه إن شئت، ومن سلف العلماء الذين منعوا أن يكون في القرآن منسوخ " ابن مسلم " الأصفهاني المفسر الكبير، وقد رأينا أقواله في تفسير الرازي : ويظهر من خلال كلام الرازي أنه
(1/209)

ميال لرأي أبي مسلم في ذلك ". أ. هـ ص _212
تاريخ النزول وسببه تاريخ النزول وسببه: أصلان عظيمان في تبيان الأحكام، واستكمال الصورة الشرعية على أوضاعها الصحيحة، وترتيبها العتيد. ونحن نعلم أن ترتيب المصحف على نسقه القائم- وإن تم بتوقيف الرسول، واجتماع أصحابه- يخالف ترتيب نزوله حسب الوقائع والأزمان.. كانت الطائفة من الآيات تنزل، فيأمر الرسول كتبة الوحي أن يضعوها في المكان الذي يذكر فيه كذا وكذا، وربما يكون نزل قبلها بسنين.. ومادام هذا الترتيب قد وقع بإشراف الرسول نفسه، فلابد أن يكون ذلك كي تتفق صورة المصحف مع الأصل الثابت لها في السماء. وطبيعي أن تكثر الروايات عن أول ما نزل، وعن آخر ما نزل، وعن السبب في نزول آية ما، وعن مكان نزولها.. وللأقدمين بحوث في ذلك مستفيضة لا يتسع المجال هنا لشرحها، ولا لنقدها. ونحن نذكر الترتيب الآتي للسور وفق مجيء الوحي بها للرسول عليه الصلاة والسلام. وان كانت لنا عليه ملاحظات. فأول ما نزل من القرآن بمكة " اقرأ باسم ربك الذي خلق- ثم ن والقلم- ثم يا أيها المزمل- ثم المدثر- ثم تبت يدا أبي لهب وتب- ثم إذا الشمس كورت- ثم سبح اسم ربك الأعلى- ثم والليل إذا يغشى- ثم والفجر- ثم والضحى- ثم ألم نشرح..- ثم والعصر- ثم والعاديات- ثم إنا أعطيناك الكوثر- ثم ألهاكم التكاثر- ثم أرأيت الذي - ثم قل يا أيها الكافرون- ثم الفيل- ثم قل هو الله أحد- ثم والنجم- ثم عبس- ثم سورة القدر- ثم سورة البروج- ثم التين- ثم لإيلاف قريش- ثم القارعة- ثم القيامة- ثم الهمزة- ثم المرسلات ثم ق- ثم سورة البلد- ثم الطارق- ثم اقتربت الساعة- ثم ص- ثم الأعراف- ثم الجن- ثم يس- ثم الفرقان- ثم فاطر- ثم مريم- ثم طه- ثم الواقعة- ثم الشعراء، ثم النمل- ثم القصص، ثم سورة بني إسرائيل، ثم- يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثم الأنعام ثم الصافات، ثم لقمان، ثم سبأ، ثم الزمر، ثم المؤمن، ثم السجدة، ثم حم عسق، ثم
(1/210)

الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية، ثم الأحقاف، ثم الذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النحل، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم الأنبياء، ثم قد أفلح المؤمنون، ثم تنزيل السجدة، ثم الطور، ثم الملك، ثم الحاقة، ثم سأل سائل، ثم عم يتساءلون، ثم النازعات، ثم إذا السماء انفطرت، ثم إذا السماء انشقت، ثم الروم، ثم العنكبوت ". ص _213
واختلفوا في آخر ما نزل بمكة. فقال ابن عباس: العنكبوت، وقال الضحاك وعطاء: المؤمنون، وقال مجاهد: ويل للمطففين، فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بمكة ثلاث وثمانون سورة على ما استقرت عليه روايات الثقات. وأما ما نزل بالمدينة فإحدى وثلاثون سورة، فأول ما نزل بها سورة البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إذا زلزلت الأرض، ثم الحديد، ثم سورة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم الرعد، ثم سورة الرحمن، ثم هل أتى على الإنسان، ثم الطلاق، ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم الفلق، ثم الناس، ثم إذا جاء نصر الله والفتح، ثم النور. ثم الحج، ثم إذا جاءك المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الصف. ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم الفتح، ثم التوبة، ثم المائدة. على أننا نلاحظ أن السور لم تنزل بهذا الترتيب كاملة، فقد تلحق بها آيات في أمكنة وأزمنة أخرى.. فالآية الأخيرة من سورة المزمل مدنية، وإن كانت السورة مكية، ومع الفاصل الزمني، واختلاف الأسلوب طولاً وقصرًا، فإن المعنى الذي عرضت له هذه الآية متصل بصدر السورة. وقد رأينا خلافًا بين علماء الروايات في أماكن النزول، خذ مثلاً سورة الأنعام، فهناك قول بأنها نزلت كلها جملة واحدة بمكة: وهذا ما أرجحه، بل ما تتظاهر الدلائل على صحته، ومع ذلك فقد وردت أقوال أخرى تجعل عددًا من آياتها مدني النزول، والمتأمل في هذه الأقوال يستبعد بعضها ويجزم ببطلان البعض الآخر. يقول الله عز وجل في هذه السورة : " ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم
(1/211)

الذين كنتم تزعمون*ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين*انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون " ص _214
هذا المعنى المتصل المتماسك يجيء بعض الرواة فيقول: إن آخر آية منه نزلت بالمدينة. أما الأوليان فقد نزلتا بمكة..!! وهذا تقطيع لا يسوغ... وفي هذه السورة نفسها يقول الله عز وجل " وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده " . ثم يعطف على هذا الإنشاء نعمًا أخرى يمتن بها على عباده فيقول: " ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان " فيجيء بعض الرواة فيقول: إن الأولى مدنية والثانية مكية، أي أن المعطوف والمعطوف عليه في سياق واحد بينهما أزمنة وبلاد.. وهاك آيات تعرضت لأهل الكتاب فجاء الرواة وعدوها مدنية كأن الكلام عن أهل الكتاب في مكة لا محل له!. والواقع أن هذه الروايات ينقصها التمحيص العلمي والتحقيق التاريخي، وشيوعها بهذه الصورة يشبه شيوع القول بالنسخ مع ضعف سنده من ناحيتي العقل والنقل.. والغريب أن هذه الروايات الواهية هي التي أثبتها دون غيرها نفر من الحفاظ أشرفوا على طبع هذا المصحف أخيرًا في دار الكتب المصرية، والخطب سهل على كل حال.. وما يقال في الصفة المكية والمدنية، يقال في الترتيب الزمني لبعض السور. فسورة المزمل مثلاً تجيء الثالثة في ترتيب النزول، مع أن القارئ لا يفوته وهو يتلو آياتها ملاحظة أن قيام الليل الذي أمر به الرسول إنما يكون بقرآن كثير، يستغرق الساعات لا الدقائق، وأين هو إذا كان ما نزل سورتين فقط من قصار السور ". ! ص _215
(1/212)

" قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا " . ثم إن الوعيد الموجه إلى المكذبين، وتخويفهم بخزي الدنيا والآخرة ما يتصور إلا بعد الجهر بالدعوة، واشتباكها بجدل الخصوم ومؤامرتهم : " واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا * وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا * إن لدينا أنكالا وجحيما " . ويبدو أن عناية الحفاظ باستظهار القرآن الكريم على الوضع المأثور، أي بتوقيف الرسول نفسه قد استنفذت الاهتمام كله، فلم تتوفر الجهود على تتبع أزمنة النزول بأسلوب يقوم على الدقة الواجبة، وإن كانت الأحكام قد ظفرت بقسط وافر من العناية المشكورة. والعلماء الثقات لم تفتهم هذه النظرة الفاحصة، وينبغي- ونحن ندرس النقول المروية- أن نحتفي بآرائهم فلا تخفى بين عشرات الأقوال التافهة التي ملأ السيوطي مثلاً- بها كتابه ... اختلاف الأحوال يقتضي اختلاف التوجيه، وتباين المواطن يقتضي تباين الأوصاف، وهذا وذاك دلالة انسجام لا دلالة تناقض. فإذا قال الله في المجرمين: " وقفوهم إنهم مسئولون "0 أو قال: " فوربك لنسألنهم أجمعين " . ثم قال مرة أخرى: " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان " .. " يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام " . فليس هناك تناقض بين هذا السياق وذاك. فإن المجرمين في دنيانا هذه عندما يواجهون تبعات آثامهم " يسألون مرة أو مرتين " ، ثم تمر بهم مراحل شتى قبل إيقاع العقاب عليهم، لا يسألون عن شيء، بل يقتادون في صمت إلى السجن أو الشنق!! ص _216
(1/213)

فالقول بأنهم سئلوا لا ينفيه القول بأنهم لم يسألوا. ذاك في موقف وهذا في موقف آخر... وتلك الأوصاف المتغايرة تشبه الأحكام المتغايرة لا لشيء إلا لأن القضايا التي تعرضت لها ليست سواء، فلا جرم أنها تصدر متفاوتة في اللطف والعنف، والأخذ والتجاوز... ومعاملة الكافرين بالإسلام من هذا القبيل، لم يرد فيها حكم واحد، ولم ينسخ فيها حكم ورد. بل كل حالة يرصد لها ما يناسبها وكل موقف ينزل فيه ما يصلح له. واختلاف الأوامر والوصايا في هذا الشأن لا يعاب، المعيب هو جمود التوجيه على تلون أحوال الخصوم. وتقلبهم، بين الإنصاف والاعتساف. والإسلام منذ ظهر، ثم بعدما دخل في أطوار الكفاح ضد معوقي سيره، ثم بعد ما اجتاز هذه المراحل ليستقر وينمو، مرت به أوامر ونواه كلها حق، و إن هادنت حينًا وخاصمت حينًا آخر. فلم يكن بد من ملاينة أهل السلم. ومجافاة أهل العدوان. وكلا النصين في موضعه سليم. وليس العيب كما قلنا في اختلاف الأدوية إذا اختلفت العلل، إنما العيب ألا تحسن المداواة، أو أن تضع علاجًا مكان آخر. ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى وقد أقحم القول بالنسخ في الآيات الواردة بشأن الكفار إقحامًا غريبًا، فألغى بعضها دون وعي، وأعمل البعض الآخر دون فقه، والأمر أجل من ذلك وأحوج إلى تغلغل النظر وسداد القول... والقارئ اللبيب يرى أن الكتاب العزيز قد تناول المعارضين له والكافرين به بأساليب شتى، ليس من بينها قط إرغام أحد على قبول الإسلام وهو عنه صاد. كل ما ينشده الإسلام أن يعامل في حدود النصفة والقسط، وألا تدخل عوامل الإرهاب في صرف امرئ انشرح صدره به. ولم يكن على الإسلام من بأس. ولن يكون عليه بأس أبدًا لو أصر ألوف المنتسبين إلى الأديان الأخرى على البقاء في معتقداتهم .. فكلمة: " لكم دينكم ولي دين" . وكلمة: " لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون " . ص _217
(1/214)

هذه الكلمات وأمثالها مما تردد في الإسلام هي التي ظلت تتردد في أواخر العهد المدني، ويخاطب بها كل إنسان. فالإسلام لم يفرض على النصراني أن يترك نصرانيته، أو على اليهودي أن يترك يهوديته، بل طالب كليهما- ما دام يؤثر دينه القديم- أن يدع الإسلام وشأنه، يعتنقه من يعتنقه، دون تهجم مر، أو جدل سيئ... كن مسيحيًّا أو إسرائيليًّا، ولكن لا تكن خصمًا للإسلام ونبيه وأتباعه، تتمنى لهم الشر، وتتربص بهم الدوائر، واسمع إلى قول الله في سورة البقرة- يخاطب أهل الكتاب: " قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون ". وفي سورة آل عمران : " وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد" . وفي سورة النساء- بعد ما ذكر تفضيل اليهود للوثنية على الإسلام- قال لهم: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " . وسورة المائدة- وهي آخر السور نزولاً- تحدد وظيفة الرسول بهذه الآيات : " ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون " . ويقول: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين " . ص _218
(1/215)

وفي سورة التوبة- وهي التي أعلنت الحرب على طوائف من أهل الكتاب ختمت السورة بهذا التوجيه: " فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم " . لم يقل فإن تولوا فعليهم اللعنة، ولابد من مقاتلتهم حتى ينخلعوا عن دينهم، ويدخلوا في ديننا. كلا. إن توليتم فالملجأ إلى الله من كيدكم إن أغراكم الشيطان بكيد، أو دفعكم إلى حرب. والواقع أن الإسلام لم يشتبك في قتال مع النصارى أو اليهود إلا بعد أن وصل هؤلاء وأولئك إلى منزلة في السلوك والسياسة عريت عن الشرف والعدالة. وبعدت عن مرضاة الله كما يصوره موسى وعيسى أنفسهما، فهم تمردوا على أنبيائهم قبل أن يتمردوا على محمد، وهدموا حدود الحلال والحرام كما آلت إليهم قبل أن يهدموا حدود الحلال والحرام كما بينها القرآن الكريم. وكما شرحها النبي المتواضع النبيل محمد بن عبد الله، وفي مثل هذه الحالات تكون موالاة الكافرين خيانة لمبادئ الحق، ويكون النزول على إرادتهم تسليمًا مطلقًا للباطل وأهله... ومع ذلك فإن القتال إذا وقع لم يشترط الإسلام لانتهائه شروطًا تخرج الناس عن الحق كما يتصورونه، وتدخلهم في الحق كما يتصوره كل. إن هناك شروطًا يرضاها الجميع، وتتفق مع أفهام الفريقين المتنازعين مهما ضاقت أو اشتطت: هي العدل والرحمة، ودائرة العدل، والرحمة رحبة الآفاق، واسعة الأقطار، يتعاون فيها أهل الأديان جميعًا على حسن الجوار، وكرم اللقاء، بل إنها تتسع للمؤمنين، ولمن لا يدين بدين.. وبديهي أن المسلم سوف يلجأ إلى الحذر والتوجس إذا كان الآخرون دائبين على استباحة الحق، وكراهية دينه، ورفض الاعتراف بنصيبه في الحياة والكرامة والحرية، والدعاية المؤدبة العاقلة.. وآيات القرآن التي أتت شارحة موقف الإسلام لمن يدخل فيه لا صلة لها بالنسخ ومعرفة المتقدم والمتأخر منها، إنما تفيد تفهم الملابسات والدوائر التي تعمل كل آية داخل نطاقها لا تعدوه .. ص _219
(1/216)

ولا نزال نحن الدعاة إلى الإسلام مطالبين إلى هذا اليوم وإلى ما بعده بإنفاذ قوله- عز وجل-: " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " . وقوله : " فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب " . وقوله : " وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل " . وقوله : " فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون " . وقوله: " فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر " . وما أشبه ذلك من الآيات التي تملأ فؤاد المسلم بالشعور الصحيح في كل طور من أطوار الدعوة إلى الله، والتي تعلمه مساندة الحق بالثبات والسكينة، وبارتفاع النفس عن المهاترة والتشفي.. إن هذه الآيات ترسم أطرافًا من سياسة الدعوة إلى الله لا يلحقها نسخ ولا يمكن إهمالها حين تبني العلاقات بين المسلمين وغيرهم من أهل الأرض.. ومثلها في الخلود قوله تعالى : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " . فقتال العدوان لا يحله الله لأحد من خلقه، ولا يمكن أن ينتصر به حق، ولا أن ينخذل به باطل. والوسائل الشائنة لا تقر بها فضيلة، ولا يتوطد بها إيمان.. وإذا كنا نحتقر هذا اللون من الحروب أيا كان مشعلها، فنحن لا نهمل حق الإيمان في تمسك أصحابه به، وحرصهم على حياته وكرامته. ويستطيع الإنسان أن يموت دون عقيدته في مقام لا تلحقه ريبة، ولا يشتم منه طغيان ولاتحد ولا افتيات... ويستطيع أن يلحق بخصومه أبلغ الأذى، وهو مستمكن من قوته، ومطمئن إلى عقباه... والإسلام يرفض المسلك الأخير، ويستحب المسلك الأول : ص _220
(1/217)

" يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون " . ومبدأ المعايشة السلمية الذي نسمعه الآن في الشرق والغرب، ولا نلمح من ورائه نية صالحة، ليس بدعة ابتكرها عصرنا الحاضر، وإنما هو نبت إسلامي عرف في أرضنا وحدها، وحمله المسلمون إلى الناس هنا وهناك... والصياح به قد يقبل بعد اصطلاح الأم كلها على تحرير الأرقاء وترك المستعمرات لشعوبها المهيضة، وترك الأديان جميعًا تعرض عقائدها وتعاليمها على الضمائر والأذهان دون سدود ولا قيود... أما قبل ذلك، فالرضا عن المظالم لن ينشئ سلامًا . ومعرفة ترتيب النزول كما يفيد في شرح آيات الأحكام، يفيد في شرح كثير من الآيات المتصلة بالنبوة، ومعالم الرسالة... ويمكن أن تتبع على ضوئه حقيقة ما، لنعرف بدءها وسيرها ونماءها. ومن المسائل التي دار حولها الكلام، واختلف في فهمها العلماء: أمر الإعجاز المادي الذي أيد الله به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . فالجمهور على أن الله أجرى خوارق مادية على يدي رسوله لتكون أدلة صدقه، إلى جانب المعجزة الكبرى الخالدة، وهي القرآن الكريم. والمحققون على أن الآيات المادية التي وقعت لا تحمل اسم المعجزة، وإنما هي خوارق بثها الله في طريق نبيه، خوارق أكرمه بها، وجعلها مشابهة لما وقع للرسل السابقين، حتى لا يمتازوا عليه بشيء يعجب الجماهير، ويرونه دلالة تفوق. ومع هذه الآيات المادية، فإن الله عز وجل لم يقدمها على القرآن الكريم، بل جعل القرآن المعجزة المنفردة بالسبق والعظمة والخلود . وقد ملنا إلى هذا الرأي وشرحناه في كتبنا الأخرى ... ص _221
(1/218)

ويرى الدكتور الغمراوي أن هناك خوارق تحمل وصف الإعجاز، قد أجراها الله على يد رسوله، ثم شرع الدكتور يقارن بين الآيات التي نزلت تنفي بظاهرها الإعجاز المادي، والآيات التي أثبتته، ويناقش المعارضين له... في حجاج هادئ رقيق. وذلك في تفسيره لسورة القمر. لقد استدل أولاً على وقوع انشقاق القمر بما اتضح له من حجج. ثم أخذ يفند آراء المخالفين ممن ينكرون الانشقاق، ويجعلون موعده يوم القيامة.. قال: ويبدو أن الذي حملهم على التأويل أحد أمرين أو كلاهما: عجزهم عن التوفيق بين ظاهرة آية: " اقتربت الساعة وانشق القمر " . وبين الآيات القرآنية المتعددة التي تأبى وتنكر على طلاب الآيات ما طلبوا، وظن المؤوليين أن انشقاق القمر فيه خرق للسنن الكونية، يأباه العلم الحديث والقرآن. وهم في العجر مقصرون، وفي الظن مخطئون. فلو أنهم رجعوا إلى ترتيب نزول سور القرآن في تاريخ القرآن للزنجاني، أو طبقوا المعلومات القيمة المذكورة في ديباجات السور في مصحف فؤاد لتكشف لهم حقيقة تاريخية مهمة هي أن نزول آية انشقاق القمر سابق على نزول الآيات الأخرى، إذ ليس في الست والثلاثين سورة السابقة في النزول على سورة القمر آية تنكر أو تمنع إجراء معجزة على يده صلى الله عليه وسلم كالتي طلبت قريش. وإذن يكون نزول آيات الإنكار نتيجة لتكذب من كذب بمعجزة انشقاق القمر بعد أن رآها، فإن من يكذب بمعجزة رآها، وينسبها إلى السحر سيكذب غيرها من المعجزات وينسبه إلى السحر أيضًا، ويكون إذن من العبث إجراء معجزة أخرى لهم كالتي طلبوا، وإلى هذه يشير قوله تعالى في سورة الحجر : " ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون " . وسورة الحجر متأخرة عن سورة القمر . ص _222
(1/219)

وليس من المحتمل أن تكون آية: " اقتربت الساعة وانشق القمر " . متأخرة في نزول السورة نفسها، لأنها أول آية في السورة، ومعروف أن نزول السور المنجمة إنما كان يعرف بنزول البسملة وأول السورة. وسبب آخر منع من تكرار المعجزات الحسية لقريش أو لغيرها من العرب أن سنة الله في المكذبين بالمعجزات بعد أن شهدوها تقضي بإهلاكهم كما هو واضح من القصص القرآني في سورة القمر وغيرها، ولكن رحمة الله كانت قد سبقت لأكثر قريش والعرب أن سيؤمنون، ويكون لهم في نشر الإسلام والجهاد في الله شأن أي شأن، فاقتضت حكمة الله ورحمته بعد أن كذب من كذب بمعجزة انشقاق القمر فاستحق الهلاك، أن يحبس الله عمن غاب عنها غيرها من المعجزات الحسية حتى لا يكذبوا بها فيهلكوا. ولابد أن تكون سنة الله قد نفذت في القليل الذي أجريت لهم معجزة انشقاق القمر من كفار قريش فيكونوا ممن هلك في بدر أو قبلها مع من هلك من المستهزئين. والحديث الذي ذكره الألوسي رواية عن أبي نعيم يشهد لهذا على ضعف فيه عند الألوسي، فقد ذكر أسماء بعض رءوس المشركين الذين شهدوا الآية وكذبوا بها وكلهم كانوا من المهلكين مثل النضر بن الحارث، وأبي جهل بن هشام. وآية الإسراء وقعت بعد آية انشقاق القمر. وهي وإن كانت من المعجزات الكبرى إلا أنها بالنسبة للمشركين لم تكن إلا خبرًا أخبرهم به النبي فكذبوه رغم امتحانهم له صلى الله عليه وسلم في أوصاف بيت المقدس، ورغم ما كشفه من أخبار العير التي رآها في الطريق، وصدقه فيه أهلها بعد قدومها ورأوه بأعينهم في بعضها. ولو أنها صدقوه عليه الصلاة والسلام في خبر الإسراء لقص عليهم خبر المعراج وهو أكبر وأعجب من الإسراء. وكل منهما ثابت بالقرآن وبالحديث الصحيح على ظاهره عن غير تأويل. ويبدو أن من لم ير انشقاق القمر من المشركين ألح في أن يشهد آية مثلها، وأقسم وأكد أنه يؤمن لو رآها، وود النبي والمسلمون لو أنزل الله آية أخرى لعلهم يؤمنون، ص _223
(1/220)

فأراد الله سبحانه إقناعًا للمسلمين أن يمتحن المشركين مرة أخرى في صورة لا تقتضي إهلاكهم إن كذبوا. لما ادخر لأكثرهم من الإيمان بعد الفتح، فأكرم نبيه بالإسراء، وجعله يحدثهم صبيحته، وجعلهم يجتمعون حوله ويمتحنونه في بيت المقدس، وجلى سبحانه لنبيه بيت المقدس فوصفه لهم وصف مشاهد، وزادهم ما زاد من أخبار عيرهم التي صدقها الواقع فيما بعد، لكنهم رغم ذلك كله مضوا في تكذيبهم. وقد كان في بعض ذلك مقنع لهم لو كانوا يؤمنون. فكانت آية الإسراء آخر ما أجراه الله لرسوله في مكة من المعجزات ". أ. هـ ونحن لا نبالي بالأوصاف بعد ثبوت الحقائق فإن الروايات المستفيضة دلت على وقوع خوارق شتى، فإذا عدها البعض معجزات كالذي أوتيه موسى وعيسى فله ذلك. أما نحن فلا نرى منحها هذه الصفة حتى ينفرد القرآن وحده بموقف التحدي والإعجاز ... ثم إن إنكار آيات بعينها من الخوارق المادية لا يطعن في إيمان أحد إذا كان هذا الإنكار يقوم على فهم له وزنه واعتباره. وموضوع انشقاق القمر أثبته من أثبته، ونفاه من نفاه بدلائل صحت عنده، وترجحت لديه، يمكن لمن أحب أن يدرسها في مواطنها... فغرضنا هنا التنويه فحسب بقيمة الأفهام القائمة على إدراك تواريخ النزول... ص _224
(1/221)

خاتمة الإيمان صانع العجائب ... عندما أنظر إلى قوافل الحجيج مندفعة صوب مكة مقبلة من أقصى المغرب أو أقصى المشرق، فيها الراكب وفيها الرجلان، تريد أن تقضي المناسك وتطوف بالبيت العتيق... أهز رأسي دهشًا وأتأمل في الوجوه الضارعة، ثم ألمس كيف استجاب الله دعاء عبد صالح من أنبيائه الطيبين، هو إبراهيم الخليل، الذي هتف في جوف فلاة موحشة، مؤذنًا بالحج، فإذا صدى الدعاء الخالص يتردد في أغوار الأزمنة السحيقة، وإذا القلوب الموقنة يتولد فيها بين الحين والحين لاهج من الشوق يسوقها سوقًا إلى زيارة بيت الله- وكأنها الحمائم تثوب إلى وكناتها- فما تجد إلا لديه المستقر والاطمئنان والرضا.. ما قيمة مكة لولا هذا البيت؟ وما رغبة الناس في زيارتها لولا داعي الإيمان؟ أجل. لولا هذا وذاك ما امتازت مكة عن سائر الصحراء التي تقع فيها، ولبقيت قفرًا من القفار المنقطعة المستوحشة.. إن ذلك مثل مصغر لشأن هذا القرآن العزيز.. فقد تأذن الله بحفظه، وأعلن أن سوف يبقى في الأرض كما نزل من السماء آيات مصونة لا يتسرب إليها دخل، ووحيًا منزهًا لا يتطرق إليه ريب، وحقًّا يطاول الليل والنهار، ما دامت السموات والأرض، وما قامت بربها الأشياء، وشاهدًا على الناس، لا يبقى معه عذر لجاهل.. وكان أن بقي هذا القرآن وأن توفر له من ضمانات الخلود ما لم يؤثر لكتاب سابق ولا لاحق.! لقد قامت أجيال غفيرة من المسلمين تتواصى بتلاوته، وتتعاون على دراسته، وتتواصى بتنقيله من سلف إلى خلف. وتوريثه جيلاً من جيل. ص _225
(1/222)

وهنا نتريث هنيهة لنفكر. إن جرثومة الحياة التي يتخلق منها الجنين في بطن أمه تتم من تلاقي حيوان واحد في صلب الرجل مع بويضة واحدة في كيان الأنثى. لكن هذا الحيوان الواحد لا يسبح فريدًا في الماء الذي يتدفق، إنه يسبح بين الألوف المؤلفة من أترابه، ألوف تعجز العادين لكثرتها، وكلها سواء في قوة الإخصاب وسر الحياة.. والوجود الدائم الذي انفرد به هذا القرآن، واطرد به مع مواكب الحياة المائجة، فيه بعض شبه من هذا التخلق الإنساني الغريب. فإن الحفظة ألوف مؤلفة، فيهم جماهير غفيرة ممن يتقنون تلاوة القرآن حرفًا حرفًا، ويحسنون المدود والغنن، مدًّا مدًّا، وغنة غنة.. ويعبدون الله بالحل والترحال فيه كلما انتهوا من آخر سورة افتتحوا القراءة من جديد، لا يسقطون لفظًا .. وقد يكونون على فقر مدقع في معاني ما يقرأون، وقد يتكسبون لقيمات الخبز، أو يأكلون السمن والعسل من هذه التلاوة المجردة. بيد أنه في هذه المحيطات الموارة من حملة القرآن شاءت العناية العليا أن تتولد أسباب خلوده، وأن تمتد حبال حياته، وأن توجد طائفة من الفاقهين تعمل به وتعمل له، وترث النبوة في حمل أمانة الوحي، وفي صيانته وسط ضوابط من الشرف والعفة، ثم تبلغه للأم مشروحًا نقيًّا كيما تهتدي بمناره، وتنطلق في آثاره. وتزاحم العامة على استظهار القرآن طوال القرون السابقة، وإلى ما شاء الله، أمر نبت في ربوع الإيمان، وكمنت فيه عدة الله ببقاء هذا القرآن أبد الآبدين. وقد رأيت في حياتي الخاصة مجلي لهذا التعبد المنبعث عن صدق اليقين وقوة الرجاء في جنب الله.. فإن أبي توفر على تعليمي القرآن بحماسة لم يدركها فتور حتى استظهرته وأنا صبي غض العود. وقد فعل ذلك وهو يعلم أن المتخرجين في المدارس المدنية قد استأثروا بغنائم الحياة وأشرف مناصبها. وأن علماء الأزهر يحيون على ما يلقى إليهم من فتات الموائد.. فمرتب الواحد منهم قد يبلغ ثلاثة جنيهات في الشهر لا يزيد!!. ص _226
(1/223)

ومع ذلك فإن الرجل باع ما يملك في القرية ونزح إلى الإسكندرية ليكون قريبًا مني وأنا أتلقى العلم الديني في أولى حلقات السلسلة الدراسية الطويلة للأزهر الشريف.. إن هذا الأب مثل الألوف من المسلمين الذين وثقوا بالقرآن أواصرهم، ونذروا له أولادهم . إنهم لم يربطوا حاضرهم وحسب بهذا الكتاب، بل أبقوه في أعقابهم. فيومهم وغدهم سواء في الزلفى إلى الله وطول التأميل فيه... ولقد عرفت في شخصي: ما هي الوسائل التي اصطنعها القدر الأعلى لصيانة التواتر الذي اختص به هذا الوحي الخاتم. بذرة من الحب يلقيها الله في فؤاد من يختار، فإذا هو يكرس نفسه وماله لخدمة القرآن واستدامة شعاعه بين الناس..!! إن هذا الطراز من المؤمنين يجب أن نحتفي به، وأن نسارع في هواه، وأن نعينه على إدراك ما يبغي لأنه طراز كريم مجيد!! على أن برامج تعليم القرآن بحاجة إلى مراجعة واعتناء- كما أسلفت في المقدمة- بل إن برامج التعليم والتربية في الأمة الإسلامية كلها بحاجة إلى درس وتهذيب وانتقاء، إذا كنا حقًّا حملة رسالة وأصحاب حضارة... ولأعد إلى ذكريات الطفولة، أعني ذكريات لا الكتاب " و لا الفقيه " و لا العصا"... لقد استطعت- كعدد كبير من الأولاد الصغار- أن أحفظ القرآن كله وأنا ابن عشر سنين . وبديهي أن يكون المسجل في ذاكرتي هو " الشكل " لا الموضوع، الألفاظ لا المعاني، هو الصور البادية للقرآن لا السور المفعمة بالروح والنور والقوة. لقد نقشت في أذهاننا أوائل الصفحات في المصحف الذي كنا ننقل عنه لنكتب في ألواحنا، فسورة آل عمران في الصفحة اليمنى بعد أسطر من تمام سورة البقرة، وسورة الأنعام مثلاً في الصفحة اليسرى لأن ختام المائدة استغرق الصفحة اليمنى بأجمعها. ص _227
(1/224)

كانت طبعة واحدة هي التي تشيع بيننا. وقد اختلفت الآن الطبعات، بيد أن أحبها إلى النفس ما وضعناه بين أيدينا فذكرنا بأيامنا الأولى.. ويقترن بحفظنا للحروف وحدها أن ملابسات هذا الحفظ ارتسمت هي الأخرى في أذهانا، أو بتعبير أصح في مشاعرنا. فمع الحشد الهائل من الآيات التي حشيت بها عقولنا، أجد في نفسي عواطف شتى تكتنف هذا التراث المحفوظ. هناك حزن أو فرح. أمن أو قلق، حر أو برد!، أجل حر أو برد تثب إلى الذهب ذكراه حين أقرأ بعض السور..! فربما وقع تعلمنا لإحدى السور في فصل الصيف أو رقدة الظهيرة بالتحديد والعرق يتحدر على الجباه، والجو يكتم الأنفاس ويهيج الأعصاب والفقيه الغضوب لا يتسامح في عثرة لسان، ولا يقبل وقفة قصيرة حين تسميع... وهنا تهتز العصا وتعمل عملها في إلهاب الجلود. والأهل لا يسمعون إلى شكوى من هذه القسوة، فإن الكلمة المأثورة لديهم: " عصا الفقيه من الجنة " .!! وأشهد أني عشت أمدًا طويلاً وأنا عندما أتلو القرآن لا أعي إلا ترديد ما استحفظت، مقترنًا بألوان من الغموض، أو الرهبة، أو الارتياح أو السرور حسب ما علق بالنفس من مشاعر قديمة... أما معنى القرآن فمن لي بها؟! ومن أين أتعرفها؟! إنني كما قلت: حفظت القرآن وأنا طفل. والغريب أن عوام المسلمين، وأشباه العوام من المتعلمين أطفال في تصورهم للقرآن وفي فهمهم له وفي أخذهم به.. أجل هم أطفال ولو طرت لهم شوارب ونبتت لحى، وهذه الطفولة هي التي تجعلهم يسمعون آيات الله فيخرون عليها صمًّا وعميانًا.. ص _2 ص
(1/225)

وهي التي أغرت أعداءهم أن يسمعوهم القرآن الكريم وهم واثقون من أنهم لن يعملوا به، لأنهم لم يحاولوا فهمه.. أليس من المضحك المبكي أن محطة إسرائيل، ومحطات إنجلترا وفرنسا وأمريكا تذيع القرآن من عواصمها، لنسمع نحن ونطرب ونستكين..!! ودخلت " معهد الإسكندرية الديني " عقب انتهاء مرحلة الكتاب، وبعد بضع سنين كنت قد نسيت القرآن كله. وضاعت جهود أهلي سدًى .. إن العبث الشائن الذي يصرف شئون الجامع الأزهر من نصف قرن أو يزيد جعل للخيانات العلمية مرتعًا خصيبًا في هذا المعهد.!! وأكاد أجزم بأن هذه الفوضى مقصودة وأن لعملاء الاستعمار أصابع كثيرة فيها. ومن ثلاثين عامًا تقريبًا وأنا ألحظ حربًا عوانًا لسحق الكفايات، وإبراز التفاهات وجعل المناهج والامتحانات شيئًا شبه الهزل إن لم يكنه. أما عناصر البيئة التي ينبت فيها العاملون للإسلام نباتًا صالحًا يانعًا، فهي في جملتها مفقودة..! كان ينبغي أن تثقفنا أيد قوية ذكية، لتربي فينا ما بدأ به آباؤنا.. ولتمهد في نفوسنا ألف طريق إلى فقه الكتاب الذي حفظنا كلماته فقط، وبقي علينا أن نعي رسالته وأن نستوعب دلالته، وأن نسقي كذلك من أنواع العلوم ما يبصرنا بمعانيه ويقيمنا على صراطه. كان ينبغي أن ننقل من قرانا إلى جو واضح وضيء يصلنا بالعالم، ويقفنا على تاريخه الماضي والحاضر، ويقفنا في الوقت نفسه على الخير الذي يقدمه القرآن لهذا العالم المحروب كي يطعم من جوع ويأمن من خوف. غير أن ذلك للأسف لم يكن.. وعندما نلت شهادة الكفاءة كنت تقريبًا لا أحسن التلاوة عن ظهر قلب كما كنت يوم بدأت حياتي العلمية.. ثم أدركني نفحة من رحمة الله، فعزمت أن أمهر في القرآن مرة أخرى. ص _229
(1/226)

وظلت أكافح في هذا السبيل نحو خمس سنين، خمس سنين طوال كنت أقرأ "الربع " نحو عشر مرات، ومع ذلك يعز عليَّ حفظه. وكان اليأس يخامرني، ولكني صابرت الأيام وتحملت العناء ورجوت الخير. وفي أثناء مطالعتي للسنة النبوية، قرأت حديثًا نفعني الله به وجربته في التغلب على آفات النسيان فأفادني . وإني أثبته هنا لعل الله ينفع به من يريد أن يتصل بكتابه. ويكون من حفاظه. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاء علي فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، تفلت هذا القرآن من صدري، فما أجدني أقدر عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا الحسن: أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك. قال: أجل يا رسول الله فعلمني. قال: إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب. وقد قال أخي يعقوب لبنيه: سوف أستغفر لكم ربي. يقول حتى تأتي ليلة الجمعة. فإن لما تستطع فقم في وسطها، فإن لم تستطع فقم في أولها. فصل أربع ركعات تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس. والركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم- الدخان- وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب والم تنزيل- السجدة- وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل. فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأحسن الثناء على الله وصل عليَّ وأحسن وعلى سائر النبيين واستغفر للمؤمنين والمؤمنات ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان. ثم قل في آخر ذلك: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف مالا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني . ص _230
(1/227)

اللهم بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام: أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني . اللهم بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام. أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصري، وأن تطلق به لساني، وأن تفرج به عن قلبي، وأن تشرح به صدري، وأن تعمل به بدني لأنة لا يعينني على الحق غيرك ولا يؤتينيه إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. يا أبا الحسن فافعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا أو سبعًا تجاب بإذن الله. والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمنًا قط. قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: فو الله ما لبث " عليٌّ إلا خمسًا أو سبعًا حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك المجلس فقال: يا رسول الله إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات أو نحوهن وإذا قرأتهن على نفسي تفلق، وأنا اليوم أتعلم أربعين آية أو نحوها وإذا قرأتها على نفسي فكأنما كتاب الله بين عيني. ولقد كنت أسمع الحديث فإذا رددته تفلت. وأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفًا . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: " مؤمن ورب الكعبة يا أبا الحسن " . لما كتبت هذه النظرات رجوت أن تكون مقدمة بين يدي تفسير حسن للقرآن الكريم، تفسير يلائم طريقة عصرنا في الفهم والاستنباط، ويترجم عن روح القرآن نفسه، وبخلو قدر الطاقة من وجوه الإعراب وفنون البلاغة وجدل أهل الكلام والفلاسفة. ولست أدري هل ييسر لي ذلك العمل في الأيام المقبلة أم لا ص _231
(1/228)

لعل الله يذلل العقبات، ويمنح المعونة، ويتابع فضله على عبده فيجري ذلك الخير على يده. ولا أدع القلم حتى ألوم أمتنا على موقفها المريب من كلام الله جل شأنه. إن القرآن أصبح كتابًا مظلومًا.. أقفرت مواطنه من الحياة والنضارة والتف حوله آخر الناس صلة به. ونحن نفقد رشدنا حين نتفقد هذا الكتاب في ضمائرنا وعقولنا فلا نجده.. وأعرف أن دسائس الاستعمار لا تفتأ تتسرب في الخفاء- إن أعياها الانطلاق في الضياء- كي ما توهي أواصر المسلمين بكتابها وتزهدهم في شرائعه وهداياته العليا. ولكننا إن شاء الله لن نأذن لها بنجاح. وأعرف أن كثيرًا من أوعية العلم النقي والثقافة الصالحة قد صاروا مغمورين، وعاشوا مضيعين، لا لشيء إلا لأن نسبهم للقرآن بين، وإخلاصهم له عميق. بيد أنني أعتقد أن اليقظة التي أطل على المسلمين صبحها سوف تفضح كل ما خلفه في أفكارنا عهد التفكك والاستعباد. وسوت تجعلنا أمة واحدة، توحد الله في عقيدتها وعملها وقانونها وشأنها كله، وهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير .
(1/229)