Advertisement

نفحات من علوم القرآن



الكتاب: نفحات من علوم القرآن
المؤلف: محمد أحمد محمد معبد (المتوفى: 1430هـ)
الناشر: دار السلام - القاهرة
الطبعة: الثانية،: 1426 هـ - 2005 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي، ومرتبط بنسخة مصورة لطبعة أخرى (نسخة الشاملة أتم وأحدث من المصورة)] مقدمة المؤلف للطبعة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل القرآن تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. والصلاة والسلام على خير الأنام. سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد- عليه الصلاة والسلام- وعلى آله وصحبه الكرام .... أما بعد:
فإن القرآن العظيم هو الكنز الزاخر والبحر الوافر الذي لا تنقضي عجائبه، قد حوى لنا الكثير والكثير من العلوم والمعارف مما لا يمكن حصره مهما ظهر للبشر من علومه فإنه لا يزال به الكثير من المعارف والعلوم والحكم والتشريعات الإلهية، التي يستقيم بها أمر البشرية كلما غاصوا في بحوره واستخلصوا من معانيه. وقد جدّ كثير من أهل العلم في التحصيل من هذا البحر الزاخر قديما وحديثا، ومع هذا كله لم يزل بكرا.
ومن الذين أدلوا بدلوهم في هذا الميدان من المتقدمين. الإمام السيوطي في تأليف كتابه «الإتقان في علوم القرآن»، والإمام الزركشي في كتابه «البرهان في علوم القرآن»، والزرقاني في كتابه «مناهل العرفان» وغيرهم كثير من السابقين الذين ألّفوا في علوم القرآن.
وفي هذا العصر كتب الكثيرون في علوم القرآن ومنهم: فضيلة الشيخ منّاع القطّان، والشيخ الصابوني، والدكتور الذهبي وآخرون. ولم تزل علوم القرآن في حاجة إلى الإيضاح والبيان من أهل العلم والعرفان.
ومع علمي بأنني لست من فرسان هذا الميدان إلّا أنّ حبّي لكتاب الله تعالى وفهم معانيه والوقوف على بعض أسراره، مع رغبتي في تيسير فهم بعض أبواب علوم القرآن، فقد أدليت بدلوي في إيضاح بعض أبواب علوم القرآن بأسلوب سهل ميسور يدور فيه الحوار على شكل سؤال وجواب، حتّى يسهل على القارئ فهم ما بهذا المؤلّف من علوم القرآن العظيم.
ولقد أسميت هذا المؤلّف (نفحات من علوم القرآن) وأوردت فيه بعد كل باب
(1/3)

من أبوابه أسئلة وتمرينات ليتمكن القارئ من فهمه بعد قراءته لاستخلاص الأحكام وتثبيت ما ورد من معان وأفهام.
هذا ولقد بذلت فيه قصارى جهدي ولا أخلي نفسي من التقصير، فإن الإنسان مهما وصل من العلم فهناك من هو أعلم منه، وصدق الله تعالى حيث يقول في كتابه المكنون: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
وإنّني أرجو من أخي القارئ الكريم إن وجد فيه شيئا من التقصير فلينبّهني إليه، وإن وجده تامّا نافعا فليدع لي بخير، وكما قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:
وإن كان خرق فادّركه بفضلة ... من الحلم وليصلحه من جاد مقولا
وجزى الله خيرا كل من نظر في هذا الكتيب بعين الرضا، ونأى بنفسه عن الهوى والغرض، وأرشدني إلى الأصلح.
والله أسأل أن ينفع بهذا الكتاب كل قارئ. وأن يجعله خادما للقرآن الكريم مبينا لبعض علومه، كما أسأله تبارك وتعالى أن يتقبله مني وأن يجعله في ميزان حسناتي وأن يتجاوز بهذا العمل المتواضع عن زلّاتي، إنه جواد كريم. ولقد حاولت جاهدا أن يكون ما يحويه هذا المؤلّف متمشيا مع منهج الأزهر الشريف خدمة لطلابه الكرام.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد خير خلق الله على الإطلاق، وعلى آله وأصحابه وأحبابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التلاق.
المؤلف
خادم القرآن الكريم والعلم
محمد أحمد معبد
مدرس القرآن الكريم والتجويد
بالمسجد النبوي الشريف
(1/4)

تقريظ لكتاب (نفحات من علوم القرآن)
للدكتور محمد أحمد رضوان صالح الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين إلى يوم الدين .. وبعد:
فإن القرآن الكريم هو الكتاب المبارك الذي أنزله الله رحمة للعالمين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.
وإن العمل في رحاب هذا الكتاب الكريم لهو شرف لا يعدله شرف، وإن خدمة هذا النور الإلهيّ والهدى الربانيّ لهو من أجلّ ما يتشرف به الإنسان ويعتزّ به حيث شهد له من أنزل عليه هذا الكتاب صلوات الله وتسليماته عليه بالخيرية والأفضلية عند ما قال: (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه) رواه البخاري.
وصدق الله حيث قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وكان من دلائل صدق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه الكريم إلى يوم الدين أن قيّض له
من أولي العلم والنّهى من بذلوا جهودا مشكورة، وصنّفوا المصنفات، وألّفوا المؤلفات في العلوم التي تتصل بهذا الكتاب الكريم وتشكّل سياجا منيعا للحفاظ عليه، تلك التي عرفت ب «علوم القرآن».
وكان من توفيق الله سبحانه وتعالى للشيخ الفاضل الأستاذ محمد أحمد معبد أن شارك بهذا الجهد الطيب في هذا المضمار.
وقد وهب الرجل حياته لخدمة كتاب الله تعالى حفظا وتلاوة وتعليما، وله في هذا المجال باع طويل، وقد تخرج على يديه جيل من الحفظة لكتاب الله وتلاميذ مجيدون لتلاوته من جنسيات مختلفة. وكانت هذه المسيرة المباركة مع كتاب الله تعالى- والتي أربت على الأربعين عاما- فى بلده وموطنه الأصلي كنانة الله في أرضه- مصر- ثم في قبة الإسلام وأرض الإيمان ودار الهجرة ومثوى الحلال والحرام طيبة الطيبة المدينة النبوية الزاهرة على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات.
أما هذا السّفر المبارك فقد بذل فيه المؤلف جهدا طيّبا لذا فهو مفيد في بابه نافع في
(1/5)

مجاله، وقد أجاد فيه المؤلف وأفاد حيث جاءت المعلومات فيه بأسلوب سهل ميسّر مع التنظيم والترتيب، واشتماله على قدر كبير من الموضوعات التي تفيد المسلم ثقافة ومعرفة بكتاب الله تعالى، وكان من توفيق الله للشيخ المؤلّف أن ساق المعلومات في هذا الكتاب (نفحات من علوم القرآن) على طريقة السؤال والجواب. وهذه الطريقة تفيد في تثبيت المعلومات، وتساعد طلاب العلم على الاستيعاب والتحصيل.
وهذا الكتاب أيضا يعتبر حلقة في سلسلة متصلة من جهاد الرجل وجهوده في خدمة القرآن الكريم فله أيضا كتاب (الملخص المفيد في علم التجويد) أفاد فيه وأجاد أيضا. هذا عدا البرامج الإذاعية والتلفازية التي قدمها وسهر على رعايتها وإعدادها في هذا المجال الطيب الميمون.
جزى الله الشيخ المؤلف خير الجزاء وأوفاه على هذا العمل العلمي النافع المفيد، وجعله خالصا لوجهه الكريم، ونفع به كل قارئ له ومطلع عليه.
كما أسأله جل في علاه أن يزيدنا وإياه في كل يوم علما، وأن يعلّمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا. إنه سبحانه وليّ التوفيق. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،

دكتور محمد أحمد رضوان صالح المدرس بكلية أصول الدين جامعة الأزهر والباحث بمركز خدمة السنة والسيرة النبوية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
(1/6)

مقدمة عن علوم القرآن الكريم
س: ما المقصود بعلوم القرآن؟
ج: المقصود بعلوم القرآن: الأبحاث التي تتعلق بهذا الكتاب العظيم الخالد؛ من حيث نزوله، وجمعه، وتدوينه، وترتيب آياته وسوره، ومعرفة المكي منه والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وتفسير آياته، ومعرفة أحكامه وغير ذلك من الأبحاث الكثيرة التي تتعلق بالقرآن العظيم أو لها صلة به ..
س: ما هو الغرض من هذه الدراسة؟
ج: الغرض من هذه الدراسة: فهم كلام الله تعالى على ضوء ما جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم من توضيح وبيان، وما نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. حول تفسيرهم لآيات القرآن، وأيضا معرفة طرق المفسرين، وأساليبهم في التفسير مع بيان مشاهيرهم، ومعرفة خصائص كلّ منهم، وشروط التفسير وغير ذلك من حقائق هذا العلم المفيد.
ولقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه ما عرف العلماء وفوق ما عرف العلماء في كل عصر، ولكن معارفهم لم توضع في ذلك العهد كفنون مدونة ولم تجمع في كتب مؤلفة، لأنهم لم تكن لهم حاجة إلى التدوين والتأليف.
- أما الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فلأنه كان يتلقى الوحي عن الله وحده لا شريك له. والله تعالى كتب على نفسه الرحمة، ومن رحمته تعالى برسوله الكريم، جمعه القرآن له في صدره، وإطلاق لسانه بقراءته وترتيله، وكشف له عن أسراره ومعانيه. اقرأ قول الله تعالى:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (1).
__________
(1) سورة القيامة، الآيات 16، 17، 18، 19.
(1/7)

ولقد بلّغ الرسول صلّى الله عليه وسلم ما أنزل عليه لأصحابه، ثم شرح لهم القرآن بقوله وبعمله وبتقريره وبخلقه، أي بسنته الجامعة لأقواله وأفعاله، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى:
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (1).
- وأمّا الصحابة رضوان الله عليهم فكانوا وقتئذ عربا خلّصا متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة، من قوة في الحافظة، وذكاء في القريحة، وتذوق للبيان، وتقرير للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير حتى أدركوا من علوم القرآن، ومن إعجازه بسليقتهم وصفاء فطرتهم، ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع زحمة العلوم وكثرة الفنون.
وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم مع هذه الخصائص أمّيّين، وأدوات الكتابة لم تكن ميسرة لديهم. والرسول صلّى الله عليه وسلم قد نهاهم عن أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن.
وقال لهم في أول العهد عند نزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «لا تكتبوا عنّي ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
س: ما سبب نهي رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الكتابة لغير القرآن؟
ج: سبب نهي رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الكتابة لغير القرآن: مخافة أن يلتبس القرآن بغيره، أو يختلط بالقرآن ما ليس منه ما دام الوحي نازلا بالقرآن الكريم.
فلتلك الأسباب المتضافرة لم تدون علوم القرآن كما لم يدون الحديث الشريف.
ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين الكبيرين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام وتعاليمه، والقرآن وعلومه، والسنة وتحريرها. تلقينا لا تدوينا، ومشافهة لا كتابة.
ثم جاءت خلافة عثمان رضي الله عنه وقد اتسعت رقعة الإسلام واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية، وخيف أن تذوب خصائص العروبة من هؤلاء العرب الخلّص من جراء هذا الفتح والاختلاط. بل خيف على القرآن نفسه أن
__________
(1) سورة النحل، آية 44.
(1/8)

يختلف المسلمون فيه، فأمر عثمان رضي الله عنه بجمع القرآن في مصحف إمام، وأن تنسخ منه مصاحف يبعث بها إلى أقطار الإسلام، وأن يحرق الناس كل ما عداها ولا يعتمدوا شيئا سواها، كما سيأتيك في باب جمع القرآن وتدوينه إن شاء الله تعالى. وبهذا العمل العظيم وضع عثمان- رضي الله عنه- الأساس لما نسميه علم (رسم القرآن أو علم الرّسم العثماني).
ولكن هذه الهمّة في النشر يصح أن نعتبرها كتمهيد لتدوينها. وكان على رأس من ضرب بسهم وافر في هذه الرواية: الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وكلهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وكان على رأس التابعين في تلك الرواية:
مجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والحسن البصري، ومالك بن أنس من تابعي التابعين رضي الله عنهم أجمعين.
وهؤلاء جميعا يعتبرون أنهم هم واضعوا الأساس لما يسمى علم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب القرآن، ونحو ذلك. وستجد بسطا لهذا الإجمال في بابه إن شاء الله تعالى.
ثم جاء عصر التدوين: فألّفت كتب في أنواع علوم القرآن. واتجهت الهمم قبل كل شيء إلى التفسير باعتباره أصل العلوم القرآنية لما فيه من التعرض لها. ومن أوائل الذين كتبوا في التفسير: شعبة بن الحجاج، ووكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة، وتفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين، وهؤلاء من علماء القرن الثاني الهجري، ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفى سنة (310 هـ) وكتابه من أجلّ التفاسير وأعظمها.
أما علوم القرآن الأخرى ففي مقدمة المؤلفين فيها: علي بن المديني شيخ الإمام البخاري إذ أنه ألّف في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام إذ كتب في الناسخ والمنسوخ، وكلاهما من علماء القرن الثالث الهجري.
وفي مقدمة من ألف في غريب القرآن: أبو بكر السجستاني، وهو من علماء القرن الرابع الهجري. وفي طليعة من صنف في إعراب القرآن علي بن سعيد الحوفي،
(1/9)

وهو من علماء القرن الخامس الهجري. ومن أوائل من كتب في مبهمات القرآن: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسبيلي وهو من علماء القرن السادس الهجري. وفي القراءات: علم الدين السخاوي، وهو من علماء القرن السابع الهجري. وهكذا قويت العزائم وتبارت الهمم، ونشأت علوم جديدة للقرآن وظهرت مؤلفات في كل نوع منها، سواء كان ذلك في أقسام القرآن أو أمثال القرآن أو حجج القرآن أو بدائع القرآن أو رسم القرآن، وما أشبه ذلك. ثم لا يزال المؤلفون إلى عصرنا هذا يزيدون، وعلوم القرآن ومؤلفاته تنمو وتزدهر وتزيد. أليس هذا إعجازا آخر للقرآن الكريم؟
يريك إلى أي حدّ بلغ علماء الإسلام في خدمة التنزيل، ويريك أنه كتاب لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي معارفه. ولن يستطيع أحد أن يحيط بأسراره إلا صاحبه ومنزله.
جل جلاله .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: اذكر الحديث الشريف الذي نهى فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن كتابة شيء سوى القرآن في حياته.
س 2: من الذي وضع الأساس لما نسميه علم رسم القرآن أو علم الرسم العثماني؟
س 3: اذكر أسماء أربعة من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلم الذين مهدوا لتدوين علوم القرآن الكريم.
س 4: اذكر أسماء العلوم القرآنية التي ألف فيها هؤلاء العلماء الأفاضل:
1 - علي بن المديني شيخ الإمام البخاري.
2 - أبو عبيد القاسم بن سلام.
3 - علم الدين السخاوي.
س 5: من هو أول من كتب في علم التفسير؟
(1/10)

تعريف القرآن الكريم
س: ما هو القرآن الكريم؟
ج: القرآن الكريم: هو كلام الله تعالى المعجز المنزّل على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس، والمتحدى بأقصر سورة منه.
(فالكلام) جنس في التعريف يشمل كل كلام. وإضافته إلى الله تعالى تخرج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة. (والمنزّل) تخرج كلام الله تعالى الذي استأثر به سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (1).
وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ (2).
وبقولنا المنزل على محمد صلّى الله عليه وسلم يخرج ما أنزل على الأنبياء من قبله مثل التوراة والإنجيل وغيرهما. وجملة (المتعبد بتلاوته) تخرج قراءات الآحاد والأحاديث القدسية، إذا صح أنها منزلة من عند الله بألفاظها، لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بقراءته في الصلاة وغيرها، على وجه العبادة، وليست قراءة الآحاد والأحاديث القدسية كذلك (3) .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: اذكر تعريف القرآن الكريم.
س 2:ماذا يستفاد من كلمة (المنزّل)؟
س 3:ماذا تخرج عبارة (المتعبد بتلاوته)؟
__________
(1) سورة الكهف آية 109.
(2) سورة لقمان آية 27.
(3) مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان ص 18 بتصرف.
(1/11)

الفرق بين القرآن والحديث النبوي والحديث القدسي
س: سبق أن ذكرنا تعريف القرآن فما هو تعريف الحديث النبوي والحديث القدسي؟
ج: أولا: الحديث النبوي:
الحديث في اللغة ضد القديم، ويطلق ويراد به كل كلام يتحدث به وينقل ويبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي، في يقظته أو في منامه. وبهذا المعنى سمّي القرآن حديثا. مصداق ذلك قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (1).
وأما الحديث في الاصطلاح: فهو ما أضيف إلى النبي صلّى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.
س: ما هو مثال القول؟
ج: مثال القول: كقوله صلّى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (2). رواه البخاري.
س: ما هو مثال الفعل؟
ج: مثال الفعل: كالذي ثبت من تعليمه صلّى الله عليه وسلم لأصحابه كيفية الصلاة ثم قال صلّى الله عليه وسلم لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (3). وما ثبت أيضا من حجه صلّى الله عليه وسلم، وقد قال حينئذ: «خذوا عني مناسككم» (4).
س: ما هو مثال الإقرار؟
ج: مثال التقرير أو الإقرار كأن يقرّ أمرا علمه عن أحد من الصحابة من قول أو فعل. سواء أكان ذلك في حضرته صلّى الله عليه وسلم أم في غيبته ثم بلغه ذلك. ومن أمثلة ذلك:
__________
(1) سورة النساء آية 87.
(2) من حديث طويل رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري.
(4) أخرجه مسلم وأحمد والنسائي.
(1/12)

أولا:- أكل الضّبّ على مائدته صلوات الله وسلامه عليه (رغم أنه لم يأكل منه). فهذا يعتبر إقرارا منه صلّى الله عليه وسلم بإباحة أكله. كما في الصحيحين.
ثانيا:- ما روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرّية. وكان هذا الرجل يقرأ في صلاته فيختم قراءته بقراءة سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم فقال صلّى الله عليه وسلم: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك» فلما سألوه قال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أخبروه أن الله يحبه» (1) هكذا في باب فضائل القرآن للبخاري.
س: ما هو مثال الصفة؟
ج: مثال الصفة كما روي من أنه صلّى الله عليه وسلم كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب. بل كان صلوات الله وسلامه عليه كامل الصفات الحميدة كلها.
ثانيا:- الحديث القدسي س: عرفنا فيما سبق تعريف القرآن وتعريف الحديث النبوي فما هو تعريف الحديث القدسي حتى نعرف الفرق بينهم؟
ج: عرفنا فيما سبق تعريف كلمة الحديث في اللغة. وأما كلمة القدسي، فنسبة إلى التقديس وهي نسبة تدل على التشريف والتعظيم لأن مادة هذه الكلمة تدل على التنزيه والتطهير في اللغة. فالتقديس هو تنزيه الله تعالى. والتقديس هو التطهير.
وتقدس: أي تطهر، وقد قال الله تعالى حكاية عن ملائكته: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (2) أي نعظمك ونكبرك. وأما تعريف الحديث القدسي في الاصطلاح: هو ما يضيفه النبي صلّى الله عليه وسلم من الكلام إلى الله تعالى. أي أن النبي صلّى الله عليه وسلم يرويه على أنه من كلام الله تعالى. فالرسول راو لكلام الله تعالى بلفظ من عنده صلّى الله عليه وسلم، وإذا رواه أحد يكون قد رواه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم مسندا إلى الله عز وجل، فيقول مثلا:- قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل. أو يقول: قال
__________
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2) سورة البقرة آية 30.
(1/13)

رسول الله صلّى الله عليه وسلم: قال الله تعالى. أو يقول الله تعالى.
فمثال الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «يد الله ملأى لا (1) يفيضها نفقة (2) سحّاء الليل والنهار» (3) ومعنى لا يفيضها: أي لا ينقصها- والسحّ: هو الصبّ الدائم، نفقه: أي ما أنفق.
ومثال الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» (4). فالرسول صلّى الله عليه وسلم إذا تحدث بالحديث النبوي لم ينسبه إلى ربه جل وعلا، وإذا تحدث بالحديث القدسي نسبه إلى الله عز وجل. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: عرّف الحديث النبوي في الاصطلاح؟
س 2: ما مثال القول؟ وما مثال الفعل؟ وما مثال الإقرار؟
س 3: اذكر تعريف الحديث القدسي في الاصطلاح.
س 4: اذكر مثالا على إسناد الحديث القدسي إلى الله تعالى عن لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
س 5: ما معنى الحديث في اللغة؟
__________
(1) يفيضها وفي رواية يغيضها- من غاض الماء يغيض إذا نقص.
(2) سحّاء- بالحاء المهملة.
(3) أخرجه البخاري ومسلم البخاري- كتاب التفسير- سورة هود (فتح الباري 8/ 352) وكتاب التوحيد- باب قول الله تعالى لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (فتح الباري 13/ 393).
وأخرجه مسلم- كتاب الزكاة- باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف (صحيح مسلم بشرح النووي 7/ 80) والترمذي- أبواب تفسير القرآن- تفسير سورة المائدة (تحفة الأحوذي 8/ 409) والإمام أحمد (المسند 2/ 313).
(4) أخرجه البخاري ومسلم.
(1/14)

الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي
س: ما الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي؟
ج: هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي نذكر أهمها فيما يلي:
أولا: أن القرآن الكريم كلام الله تعالى أوحى الله به إلى رسوله محمد صلّى الله عليه وسلم بلفظه وتحدى به- أي بالقرآن- العرب جميعا فعجزوا عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله أو بسورة واحدة من مثله، ولا يزال التحدي به قائما إلى يوم القيامة، فهو معجزة خالدة إلى يوم الدين. وهذا بخلاف الحديث القدسي فلا يتحدى بتلاوته.
ثانيا: القرآن الكريم لا ينسب إلّا إلى الله تعالى فيقال: قال الله تعالى. والحديث القدسي- كما سبق- قد يروى مضافا إلى الله تعالى وتكون النسبة إليه حينئذ نسبة إنشاء. فيقال: قال الله أو يقول الله تعالى. وقد يروى مضافا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وتكون النسبة حينئذ نسبة إخبار لأنه صلّى الله عليه وسلم هو المخبر به عن الله عز وجل فيقال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل.
ثالثا: القرآن الكريم كله منقول بطريق التواتر، فهو قطعي الثبوت. والأحاديث القدسية أكثرها أخبار آحاد، فهي ظنية الثبوت. وقد يكون الحديث القدسي صحيحا وقد يكون حسنا، وقد يكون ضعيفا.
أما القرآن فلا تعتريه هذه الأحوال، لأنه كله صحيح من عند الله.
رابعا: القرآن الكريم من عند الله تعالى لفظه ومعناه. فهو وحي باللفظ والمعنى.
والحديث القدسي معناه من عند الله تعالى ولفظه من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم على القول الصحيح فهو وحي بالمعنى دون اللفظ ولذا تجوز روايته بالمعنى عند جمهور المحدثين (1).
خامسا: القرآن الكريم متعبد بتلاوته فهو الذي تتعين القراءة به في الصلوات لقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (2). فقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة
__________
(1) هكذا بتصرف من كتاب (مباحث في علوم القرآن) للشيخ مناع القطان.
(2) سورة المزمل آية 20.
(1/15)

عبادة يثيب الله تعالى عليها كما جاء في الحديث الشريف: «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول الم حرف. ولكن ألف حرف.
ولام حرف. وميم حرف» (1).
وبالمقابل لهذا فإن الحديث القدسي لا يجزئ في الصلاة ويثيب الله عليه ثوابا عاما. فلا يتحقق في قراءته الثواب الذي ورد ذكره في الحديث الشريف على قراءة القرآن الكريم بكل حرف عشر حسنات؛ وبهذا يكون قد اتضح الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي .. والله أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي، اذكر ثلاثة منها.
س 2: اذكر الحديث الذي ورد في فضل قراءة القرآن وأجر الثواب على قراءته.
__________
(1) رواه الترمذي عن ابن مسعود وقال: حديث حسن صحيح.
(1/16)

الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي
س: عرفنا فيما سبق الفرق بين القرآن والحديث القدسي، فما هو الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي؟
ج: الحديث النبوي قسمان: قسم توقيفي وقسم توفيقي.
س: ما هو التوقيفي؟
ج: القسم التوقيفي: هو الذي تلقى الرسول صلوات الله وسلامه عليه مضمونه من الوحي فبيّنه للناس بكلامه صلّى الله عليه وسلم. وهذا القسم التوقيفي وإن كان مضمونه منسوبا إلى الله جل وعلا فإنه (من حيث هو كلام) حريّ بأن ينسب إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم، لأن الكلام إنما ينسب إلى قائله وإن كان ما فيه من المعنى قد تلقاه من غيره.
س: ما هو القسم الثاني (التوفيقي)؟
ج: القسم الثاني التوفيقي: هو الذي استنبطه الرسول صلوات الله وسلامه عليه من فهمه للقرآن بتوفيق من الله تعالى، لأنه صلوات الله وسلامه عليه مبيّن للقرآن، أو استنبطه بالتأمل والاجتهاد، وهذا القسم الاستنباطي الاجتهادي من الرسول صلّى الله عليه وسلم يقره الوحي إذا كان صوابا، وإذا وقع فيه خطأ جزئي نزل الوحي بالصواب. ومثال
ذلك ما وقع في أسرى بدر فإن الرسول صلّى الله عليه وسلم أخذ برأي أبي بكر وقبل من الأسرى الفداء، فنزل القرآن الكريم بالصواب للنبي صلّى الله عليه وسلم. بقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (1).
ويتبيّن من ذلك أن الأحاديث النبوية بقسميها التوقيفي والتوفيقي، يمكن أن يقال عنها أن مردها جميعا بجملتها إلى الوحي، وهذا معنى قوله تعالى في رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلم: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (2).
ولكن الحديث القدسي معناه من عند الله عز وجل يلقي المعنى إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم
__________
(1) سورة الأنفال آية 67.
(2) سورة النجم آية 3، 4.
(1/17)

بأي كيفية من كيفيات الوحي. أما ألفاظه فمن عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم على الراجح ونسبته إلى الله تعالى نسبة للمضمون وليست نسبة للألفاظ. ولو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله لما كان هناك فرق بينه وبين القرآن ولوقع به التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته .. ويتضح من هذا أن الحديث النبوي من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم قولا ومعنى. ينسب إليه بلفظه ومعناه. ولم ينسبه إلى الله عز وجل.
وأما الحديث القدسي فهو ما يضيفه الرسول صلّى الله عليه وسلم من الكلام إلى الله تعالى.
أي أن الرسول صلّى الله عليه وسلم يرويه عن ربه على أنه من كلام الله تعالى. والرسول صلّى الله عليه وسلم راو له فقط من عنده هو. وإذا ما رواه أحد من الصحابة يكون قد رواه عن الرسول صلّى الله عليه وسلم مسندا إلى الله تعالى.
مثال ذلك هذا الحديث (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: يقول عن ربه. قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي. وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) الصحيحان، فالرسول إذا تحدث بالحديث النبوي لم ينسبه إلى ربه جل علاه. وإذا تحدث بالحديث القدسي نسبه إلى الله تعالى. هذا وبالله التوفيق.
والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1 - للحديث النبوي قسمان فما هما مع التوضيح؟
س 2 - مما درست تبيّن لك الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي فما هو؟
(1/18)

نزول القرآن الكريم
س: ما هي كيفية نزول القرآن الكريم؟
ج: القرآن الكريم: أنزله الله تبارك وتعالى على رسولنا محمد صلّى الله عليه وسلم لهداية البشر أجمعين فكان نزوله حدثا عظيما يشير إلى مكانته لدى أهل السماء وأهل الأرض.
وقد شرّف الله هذا القرآن بأن جعل له تنزلات ثلاث.
س: ما هو التنزل الأول للقرآن الكريم؟
ج: التنزل الأول: إلى اللوح المحفوظ، ودليله قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (1) ولقد كان هذا التنزل إلى اللوح المحفوظ بطريقة وفي وقت لا يعلمهما إلا الله تعالى ومن أطلعه على غيبه من خلقه. وكان جملة لا مفرقا. وهذا هو الظاهر من اللفظ القرآني عند الإطلاق. ولأن أسرار تنجيم القرآن على النبي صلّى الله عليه وسلم لا يعقل تحققها في هذا التنزيل لأن الرسول لم يكن قد بعث بعد.
س: ما هو التنزيل الثاني للقرآن المجيد؟
ج: التنزيل الثاني للقرآن الكريم كان إلى بيت العزة في السماء الدنيا. والدليل عليه قوله سبحانه وتعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (2).
وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ (3). وقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ (4). وقد دلت هذه الآيات الثلاث على أن القرآن أنزل في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة أخذا من آية سورة الدخان، وتسمى ليلة القدر أخذا من سورة القدر، وهي من ليالي شهر رمضان أخذا من آية سورة البقرة. وهذا التنزل أيضا كان جملة لا منجما. وهذا التنزل الثاني يعتبره بعض العلماء التنزل الأول (5).
__________
(1) سورة البروج آية 21، 22.
(2) سورة القدر آية 1.
(3) سورة الدخان آية 3.
(4) سورة البقرة آية 185.
(5) انظر كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 39 - 44.
(1/19)

س: ما هو التنزل الثالث للقرآن الكريم؟
ج: التنزل الثالث للقرآن الكريم كان بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام حيث نزل به منجما (أي مفرقا) على قلب المصطفى صلّى الله عليه وسلم، على مدى ثلاث وعشرين سنة، وهذه هي فترة نزول الوحي من حين البعثة إلى وفاته صلّى الله عليه وسلم. ولقد كانت هذه المرحلة الأخيرة للتنزلات الثلاثة هي التي شع منها النور على العالم ووصلت بها هداية الله تعالى إلى الخلق.
ودليل هذا التنزل الأخير قول الله تعالى مخاطبا للرسول عليه الصلاة والسلام: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (1).
ودليل نزول القرآن منجما قول الله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (2). وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (3). صدق الله العظيم .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1 - اذكر التنزل الثاني للقرآن مع ذكر الدليل.
س 2 - ما هو التنزل الثالث مع ذكر ما يدل عليه من القرآن الكريم؟
س 3 - ما معنى: نزل منجما؟
س 4 - في كم عام نزل القرآن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟
__________
(1) سورة الشعراء من آية 192 - 195.
(2) سورة الإسراء آية 106.
(3) سورة الفرقان آية 32.
(1/20)

مراحل جمع القرآن وتدوينه
س: ما هي مراحل جمع القرآن الكريم وتدوينه؟
ج: جمع القرآن الكريم (أي بمعنى كتب) على ثلاث مراحل.
المرحلة الأولى: جمعه في العهد النبوي الشريف.
المرحلة الثانية: جمعه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
المرحلة الثالثة: جمعه في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
س: كيف كانت طريقة كتابته في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟
ج: كانت طريقة جمعه في العهد النبوي الشريف عبارة عن كتابة الآيات وترتيبها ووضعها في مكانها الخاص من سورها. فقد كانوا يكتبون القرآن على العسيب (1) واللخاف (2) والرقاع (3) وعظام الأكتاف وغيرها. وذلك لأن صنع الورق لم يكن مشتهرا عند العرب في ذلك الوقت. بل كان عند الفرس والروم. ويصعب الحصول عليه في ذلك الحين.
س: ما هو المقصود من هذا الجمع؟
ج: المقصود من هذا الجمع (أي الذي بمعنى الكتابة): زيادة التحري في ضبط ألفاظ القرآن وحفظ كلماته زيادة على ما في ذلك من تقديس القرآن والتنبيه على رفعة شأنه كما كان الشأن في تقييد الأشياء النفيسة. هذا وإن كان المعمول به في ذلك الوقت هو مجرد الحفظ في الصدور. وكانت صدورهم منشرحة للقرآن تماما حفظا وكتابة وتطبيقا لأحكامه.
س: هذا في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم فكيف جمع في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟
__________
(1) العسيب: جمع عسب وهو جريد النخل بعد كشف الخوص عنه.
(2) اللخاف: جمع لخفة (بفتح اللام وسكون الخاء) وهي الحجارة الرقيقة.
(3) الرقاع: جمع رقعة وهي قد تكون من الجلد أو الورق أو غيرها.
(1/21)

ج: أما جمعه في عهد أبي بكر الصديق فكان عبارة عن نقل القرآن جميعه من العسيب واللخاف والرقاع والعظام وكتابته في مكان واحد، وهي الصحف مرتبة الآيات والسور مقتصرة فيه على ما ثبتت قرآنيته بالتواتر.
س: ما هو الغرض من هذا الجمع في عهد أبي بكر الصديق؟ ولماذا؟
ج: كان الغرض من هذا الجمع الاحتياط والمبالغة في حفظ هذا الكتاب خوفا عليه أو على شيء منه من الضياع بسبب موت كثير من حملته وحفّاظه الكبار الذين قتل منهم عدد يزيد على (70) سبعين في معركة اليمامة. وقد روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: أرسل إليّ أبو بكر رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة (أي عقب استشهاد كبار الحفاظ) فإذا عمر جالس عنده، فقال أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: (إن القتل قد استحرّ- أي كثر واشتد- يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في كل المواطن، فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت: وكيف أفعل ما لم يفعله رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال عمر- رضي الله عنه-: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى.
قال زيد بن ثابت: فقال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك. وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلم فتتبع القرآن واجمعه. قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: (أي أبو بكر) هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسيب واللخاف وصدور الرجال. ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (1) إلخ.
أي حتى خاتمة سورة براءة. فكانت هذه هي الصحف الأولى للقرآن الكريم التي كانت عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت
__________
(1) سورة التوبة آية 128 و129.
(1/22)

عمر رضي الله عنهم أجمعين. رواه البخاري، كتاب فضائل الأعمال (1).
فهذه الرواية دلت على سبب وطريقة جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
س: عرفنا مما سبق طريقة جمعه في العهد النبوي وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكيف جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه؟ ولماذا؟
ج: الجمع في عهد عثمان رضي الله عنه للقرآن كان عبارة عن نقل ما في الصحف السابقة في مصحف هو الإمام. ثم نسخت منه مصاحف أرسلت إلى الأقطار الإسلامية. وكان المقصود من جمع القرآن وكتابته في تلك المصاحف، الاقتصار على ما ورد من القراءات الثابتة المتواترة دون ما لم يكن كذلك من الأوجه التي نزلت أولا للتيسير. ثم نسخت بالعرضة الأخيرة من الرسول صلّى الله عليه وسلم على أمين الوحي جبريل عليه السلام.
وفي سبب جمع عثمان للقرآن الكريم روى البخاري (2) بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب (أي القرآن) اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في مصحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان.
فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في مصحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى نسخوا الصحف في المصحف الإمام. ثم نسخوا منه نسخا. وردّ عثمان
__________
(1) انظر صحيح البخاري في باب جمع القرآن الكريم.
(2) انظر صحيح البخاري في باب جمع القرآن الكريم. قال البخاري: حدثنا موسى حدثنا إبراهيم حدثنا ابن شهاب أن أنس .. الحديث.
(1/23)

الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في صحيفة أو مصحف أن يحرق (1).
س: ما الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان للقرآن؟
ج: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان نستطيع أن نحدده فيما يأتي:
أولا: الجمع في عهد أبي بكر كان عبارة عن نقل القرآن وكتابته في صحف مرتب الآيات. وكان من العسيب واللخاف والرقاع. وكان سبب الجمع هو (موت كثير من الحفّاظ) في معركة اليمامة.
ثانيا: أما جمع عثمان فكان عبارة عن نسخ عدة نسخ من الصحف التي جمعت في عهد أبي بكر إلى مصاحف لترسل إلى الآفاق الإسلامية. وكان سبب النسخ هو (اختلاف القراء) في قراءات القرآن (2) .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1 - اذكر العهود التي جمع فيها القرآن الكريم.
س 2 - ما هو السبب في جمع القرآن في عهد كل من أبي بكر وعثمان؟
س 3 - ما الفرق بين جمع أبي بكر وعثمان للقرآن؟
__________
(1) انظر صحيح البخاري في باب جمع القرآن الكريم.
(2) هكذا من كتاب التبيان في علوم القرآن للصابوني بتصرف.
(1/24)

ترتيب آيات وسور القرآن وأسمائه وأجزائه وأقسامه
س: هل ترتيب الآيات والسور وأسماء القرآن وأجزائه وأقسامه توقيفي أم غير توقيفي؟
ج: الترتيب منه ما هو توقيفي ومنه ما هو غير توقيفي. وإليك بيان ذلك مفصلا:

أولا: ترتيب آيات القرآن:
ترتيب الآيات من القرآن الكريم توقيفي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك: منهم الزركشي في (البرهان في علوم القرآن) وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته إذ يقول: (ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلّى الله عليه وسلم وبأمره من غير خلاف بين المسلمين فقد كان جبريل عليه السلام يتنزل بالآيات على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ويرشده إلى موضعها من السورة أو الآيات التي نزلت قبلها. فيأمر الرسول صلّى الله عليه وسلم كتّاب الوحي بكتابتها في موضعها ويقول لهم: (ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا). وعن عثمان بن أبي العاص قال: (كنت جالسا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع في هذه السورة) وهي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ... (1) إلى آخرها. من هنا يتضح لنا أن ترتيب الآيات توقيفي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

ثانيا: ترتيب السور.
ترتيب السور اختلف فيه العلماء. فقيل إنه توقيفي تولاه الرسول صلّى الله عليه وسلم كما أخبره جبريل عن أمر ربه، فكان القرآن على عهد النبي صلّى الله عليه وسلم مرتب السور كما كان مرتب الآيات على هذا الترتيب الذي لدينا اليوم. وهو ترتيب مصحف عثمان الذي لم يتنازع أحد من الصحابة فيه. مما يدل على عدم المخالفة والإجماع عليه. ويؤيد هذا الرأي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قرأ بعض السور مرتبة في صلاته.
__________
(1) سورة النحل آية 90.
(1/25)

روى ابن أبي شيبة أنه- عليه الصلاة والسلام- كان يجمع المفصل في ركعة.
وقيل: إن ترتيب السور باجتهاد الصحابة بدليل اختلاف مصاحفهم في الترتيب.
فمصحف (علي) كرم الله وجهه كان مرتبا على النزول أوله سورة (اقرأ، ثم المدثر، ثم ن والقلم، ثم المزمل) وهكذا إلى آخر المكي والمدني. وكان أول مصحف ابن مسعود سورة (البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران). وكان أول مصحف (أبيّ بن كعب) سورة (البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران).
والصواب الأول: حيث أن الرأي القائل بترتيب السور باجتهاد الصحابة لم يستند إلى دليل يعتمد عليه (1).

ثالثا: أسماء القرآن الكريم.
أسماء القرآن كثيرة، وقد ذكر في كتاب البرهان في علوم القرآن أن الله تعالى سمى القرآن بخمسة وخمسين اسما. وحيث أن مبدأنا في هذه المذكرة الاختصار فإننا سنقتصر على ذكر بعض أسمائه المشهورة ومنها:
1 - قد سماه الله تعالى (القرآن) فقال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (2).
2 - سماه الله تعالى (الكتاب) فقال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ (3).
3 - سماه الله تعالى (الفرقان) فقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (4).
4 - سماه الله تعالى (الذّكر) فقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (5).
5 - سماه الله تعالى (التنزيل) فقال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (6).
__________
(1) انظر كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ص 60، 61 ج 1.
(2) سورة الإسراء آية 9.
(3) سورة الأنبياء آية 10.
(4) سورة الفرقان آية 1.
(5) سورة الحجر آية 9.
(6) سورة الشعراء آية 192.
(1/26)

إلى غير ذلك مما ورد في القرآن. وقد غلب من أسمائه اسمان (القرآن) و (الكتاب).

رابعا: أقسامه وأجزاؤه.
لقد كانت المصاحف العثمانية خالية من النقط والشكل، كما كانت خالية من التجزئة أيضا. ثم قامت طائفة فقسمت القرآن ثلاثين قسما، وأطلقت على كل قسم منها (الجزء) وقسمت هذا الجزء إلى حزبين. وقسمت الحزب إلى أربعة أرباع.
وأطلقت على كل جزء منها اسم الربع. وكل ذلك معروف لا يكاد يجهله أحد.
ومن كتّاب الوحي في الصدر الأول من كان يضع ثلاث نقط عند آخر كل فاصلة من فواصل الآيات إعلاما بانقضاء الآية. ويكتب لفظ خمس عند انقضاء خمس آيات من السورة ولفظ عشر عند انقضاء عشر آيات منها كذلك. فإذا انقضت خمس آيات أخرى أعاد كتابة لفظ خمس. فإذا صارت عشرا أعاد كتابة عشر. ولا يزال هكذا إلى آخر السورة، ولذا قال قتادة: (بدءوا فنقّطوا ثم خمّسوا ثم عشّروا).
ومنهم من كان يكتب اسم السورة وكونها مكية أو مدنية، ويكتب عدد آياتها في آخرها. وقد اختلف العلماء في ذلك كله. فأجازه قوم مع الكراهة. وآخرون بلا كراهة. وهذا هو الرأي الراجح لما في ذلك من تشويق القارئ وتنشيطه على القراءة.
والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1 - اذكر القول الصحيح في ترتيب الآيات والسور القرآنية.
س 2 - للقرآن الكريم أسماء كثيرة. اذكر ثلاثة منها مع ذكر الدليل من القرآن.
س 3 - في تقسيم القرآن وتجزئته رأيان. اذكر الرأي الراجح منهما.
(1/27)

الوحي تعريفه- أنواعه- طرقه
تعريف الوحي لغة واصطلاحا.
س: ما هو الوحي لغة؟
ج: الوحي بمعناه اللغوي فإنه يقع فيما يأتي:
1 - الإلهام الفطري للإنسان: وذلك كالوحي لأم موسى عليه السلام.
قال تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ (1).
2 - الإلهام الغريزي للحشرات: وذلك كالوحي إلى النحل. قال تعالى:
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (2).
3 - الإشارة السريعة على سبيل الإيحاء والرمز. وذلك كإيحاء زكريا عليه السلام فيما حكاه القرآن عنه قال تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (3).
4 - وسوسة الشيطان وتزيينه الشر في نفس الإنسان. قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً (4). وكما قال تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ (5).
5 - ما يلقيه الله تعالى إلى ملائكته من أمر ليفعلوه، كما قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا (6).
أما وحي الله لأنبيائه فقد عرّفوه شرعا هكذا: (هو كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه). وهذا تعريف له بمعنى اسم المفعول (الموحي). وقد عرّف الوحي الأستاذ الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد فقال: (هو عرفان يجده الشخص من
__________
(1) سورة القصص آية 7.
(2) سورة النحل آية 68.
(3) سورة مريم آية 11.
(4) سورة الأنعام آية 112.
(5) سورة الأنعام آية 121.
(6) سورة الأنفال آية 12.
(1/28)

نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة) والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام (وجدان تستيقنه النفس فتنساق إلى ما يطلب من غير شعور منها من أين يأتي). وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور (1).
س: ما هو الوحي اصطلاحا؟
ج: الوحي اصطلاحا هو الإشارة السريعة: بأن يعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد اطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر.
س: لقد عرفنا مما سبق تعريف الوحي. فما هي أنواعه وطرقه؟
ج: للوحي أنواع شتى وكذلك الطرق. فمنه ما يكون مكالمة بين العبد وربه كما كلم الله موسى تكليما. ومنه ما يكون إلهاما يقذفه الله في قلب مصطفاه من خلقه على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعا، ولا يجد فيه شكا، ومنه ما يكون مناما صادقا يجيء في تحققه ووقوعه كما يجيء فلق الصبح في تبلّجه وسطوعه.
ومنه ما يكون بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام وهو ملك كريم ذو قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين. وذلك النوع من الوحي هو أشهر الأنواع وأكثرها، ووحي القرآن كله من هذا القبيل. وهو المصطلح عليه (بالوحي الجلي) قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (2).
س: ما هي الصورة التي كان يأتي بها ملك الوحي جبريل عليه السلام؟
ج: إن لملك الوحي جبريل عليه السلام صورا شتى يظهر بها. فتارة يظهر للرسول في صورته الحقيقية الملكية. وتارة يظهر في صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون إليه. وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يرى ولكن يظهر أثر هذا بالتغير على صاحب الرسالة، فيثقل ثقلا شديدا، وقد يتصبب منه الجبين عرقا في اليوم الشديد البرد. وقد
__________
(1) انظر مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان ص 29، 30.
(2) سورة الشعراء آية 193 - 195.
(1/29)

يكون وقع الوحي على الرسول كوقع الجرس إذا صلصل في أذن سامعيه، وذلك أشد أنواع الوحي. وربما يسمعه الحاضرون في مجلس الرسول ولكنهم لا يفقهون شيئا ...
أما الرسول صلّى الله عليه وسلم فإنه يسمع ويعي ما يوحى إليه تماما. ويعلم علما يقينا أن هذا هو وحي الله تعالى دون لبس ولا خطأ. فإذا انجلى عنه الوحي وجد ما أوحي إليه حاضرا في ذاكرته، وكأنه كتب في قلبه كتابة. وقد قال الله تعالى في القرآن مخاطبا نبيه صلّى الله عليه وسلم: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (1).
وقد قال الله تعالى في حق الرسول صلّى الله عليه وسلم: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (2). وقد جاء في الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: (إن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟) فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول». قالت عائشة: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا). والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1 - عرّف الوحي واذكر بعض أنواعه.
س 2 - يظهر ملك الوحي للرسول على صور متعددة. اذكر بعضا منها.
س 3 - اكتب الحديث الشريف الذي يصور فيه الرسول صلّى الله عليه وسلم حاله عند نزول الوحي عليه.
س 4 - اذكر ما قاله اللغويون في أنواع الوحي وطرقه.
س 5 - لقد عرّف الأستاذ الشيخ محمد عبده الوحي في رسالة التوحيد. فما هو هذا التعريف؟
__________
(1) سورة القيامة من آية 16 إلى 19.
(2) سورة النجم آية 3، 4.
(1/30)

المكي والمدني من القرآن الكريم
س: نريد أن نعرف المكي والمدني من سور القرآن الكريم. وما هي سمات كل منهما؟
ج: إن الذي يقرأ القرآن العظيم ويتمعن فيه يجد بفطرته لما نزل بمكة خصائص ليست متوفرة فيما نزل بالمدينة المنورة من سور وآيات، وإنه يحس ذلك من وقعها ومعانيها وأسبابها. مع أن الثاني وهو المدني مبني على الأول في الأحكام والتشريع والأوامر والنواهي. فأهل مكة كانوا يعبدون الأوثان، ويشركون بالله، وينكرون الوحي على رسول الله صلّى الله عليه وسلم كما كانوا يكذّبون بيوم الدين، ويقولون كما حكى القرآن عنهم: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (1) وكانوا يقولون أيضا:
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ (2). وكانوا ألدّاء في الخصومة. أهل مجادلة ولجاجة في القول مع فصاحة وبيان، ولذلك نزل الوحي قوارع زاجرة وشهبا منذرة وحججا قاطعة، يحطم وثنيتهم، ويدعوهم إلى توحيد الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الخالق الرازق المبدع لكل الأشياء. وقد جاء القرآن المعجز متحديا لهم على فصاحتهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بشيء من مثله فلم يقدروا مع فصاحتهم وبلاغتهم وسبقهم في هذا الميدان. وحين تكونت الجماعة المؤمنة بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه، وامتحنت في عقيدتها بكل أنواع الأذى من المشركين والكافرين والجاحدين، فصبرت وصابرت وهاجرت بدينها مؤثرة ما عند الله تعالى على متاع الحياة الدنيا بأكمله .... حين تكونت هذه الجماعة نرى الآيات القرآنية التي نزلت في المدينة المنورة طويلة المقاطع تتناول أحكام الإسلام وحدوده وتدعو إلى الجهاد في سبيل الله، والاستشهاد والتضحية بكل غال وثمين في سبيل إعلاء كلمة الحق، ونشر دين الإسلام.
كما أن هذه الآيات المدنية جاءت مفصلة لأصول الشريعة الإسلامية. واضعة قواعد المجتمع المسلم الصحيح. كما أنها أيضا كانت تفضح المنافقين وأسرارهم، وتجادل أهل الكتاب وتلجم أفواههم. وهذا هو الطابع العام للقرآن المدني: أي الذي
__________
(1) سورة الواقعة آية 47.
(2) سورة الجاثية آية 24.
(1/31)

نزل في المدينة المنورة. ولقد وقع الخلاف بين أهل العلم فيما نزل من القرآن الكريم في مكة وفيما نزل منه بالمدينة المنورة من سوره وآياته ... ونريد في هذا المختصر أن نبعد الخلاف المطول الذي لا يتسع المقام لحصره ونذكر فقط أقرب ما قيل من تعداد السور المكية والمدنية إلى الصحة والصواب. ونسأل الله تعالى العون والتوفيق لما فيه الخير والصواب.
أولا: قيل إن المدني من القرآن الكريم أي الذي نزل بالمدينة المنورة عشرون سورة وهي:
1 - البقرة 2 - آل عمران 3 - النساء 4 - المائدة 5 - الأنفال 6 - التوبة 7 - النور 8 - الأحزاب 9 - سورة محمد صلّى الله عليه وسلم 10 - الفتح 11 - الحجرات 12 - الحديد 13 - المجادلة 14 - الحشر 15 - الممتحنة 16 - الجمعة 17 - المنافقون 18 - الطلاق 19 - التحريم 20 - النصر.
س: هذا ما نزل من سور القرآن الكريم بالمدينة. فما الذي نزل بمكة المكرمة؟ وما هو المختلف فيه بينهما؟
ج: هنا نذكر أسماء السور المختلف فيها بعد ذكر أسماء السور المدنية وما يتبقى بعد ذلك يكون مكيا. فالمختلف فيه بين مكيته ومدنيته اثنتا عشرة سورة وهي:
1 - الفاتحة 2 - الرعد 3 - الرحمن 4 - الصف 5 - التغابن 6 - المطففين 7 - القدر 8 - البينة 9 - الزلزلة 10 - الإخلاص 11 - الفلق 12 - الناس.
وبهذا يكون المدني عشرون سورة. والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة. والباقي من سور القرآن وعدده اثنتان وثمانون سورة، فهو مكي أي: نزل بمكة. فيكون مجموع سور القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سورة. هذا على أرجح الأقوال بالنسبة لسور القرآن. أما بالنسبة لآياته فهناك بعض الآيات المكية في سور مدنية. وبعض الآيات المدنية في سور مكية (1).
وقد سبق أن قلنا أن للعلماء فيها آراء ومذاهب لا يتسع لذكرها وحصرها هذا
__________
(1) راجع الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ص 8 - 18.
(1/32)

المختصر. ومن أراد التوسع في معرفتها فعليه بأمهات الكتب.
س: ما هي فوائد العلم بمعرفة المكي والمدني من القرآن الكريم؟
ج: للعلم بالمكي والمدني فوائد عدة نذكر أهمها:
أولا: الاستعانة بمعرفة المكي والمدني في تفسير القرآن فإن معرفة مواقع النزول تساعد الباحث على فهم الآية وتفسيرها تفسيرا صحيحا. وإن كانت العبرة بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب.
ثانيا: تذوق أساليب القرآن الكريم والاستفادة منها في أسلوب الدعوة إلى الله تعالى فإن لكل مقام مقالا.
ثالثا: الوقوف على السيرة النبوية من خلال الآيات القرآنية. فإن تتابع الوحي على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ساير تاريخ الدعوة بأحداثها كلها في العهد المكي والعهد المدني منذ بدأ الوحي حتى آخر آية نزلت من القرآن الكريم.
س: ما هو الفرق بين المكي والمدني من القرآن الكريم؟
ج: للعلماء في الفرق بين المكي والمدني من القرآن الكريم ثلاثة آراء اصطلاحية:
الرأي الأول: اعتبار زمن النزول. فالمكي ما نزل قبل الهجرة وإن كان بغير مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان بغير المدينة.
الرأي الثاني: اعتبار مكان النزول: فالمكي ما نزل بمكة وما جاورها كمنى وعرفات والحديبية، والمدني ما نزل بالمدينة وما جاورها كأحد وقباء وسلع (1).
الرأي الثالث: اعتبار المخاطب. فالمكي: ما كان خطابا لأهل مكة. والمدني ما كان خطابا لأهل المدينة. وينبني على هذا الرأي عند أصحابه: أن ما في القرآن من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ مكي. وما فيه من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فمدني.
س: هل هناك ضوابط ومميزات أخرى للمكي والمدني.
__________
(1) سلع اسم جبل بالمدينة معروف لأهلها.
(1/33)

ج: نعم، لقد وضع بعض العلماء ضوابط ومميزات للمكي والمدني نوردها فيما يلي:

أولا: ضوابط المكي ومميزاته الموضوعية:
1 - كل سورة فيها سجدة فهي مكية.
2 - كل سورة فيها لفظ (كلا) فهي مكية. ولم ترد إلا في النصف الأخير من القرآن الكريم.
3 - كل سورة فيها: يا أَيُّهَا النَّاسُ وليس فيها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهي مكية إلا أواخر سورة الحج يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا .... الآية.
4 - كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الغابرة فهي مكية سوى سورة البقرة.
5 - كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى سورة البقرة.
6 - كل سورة تفتتح بحروف الهجاء مثل الم والر وحم ونحوها فهي مكية سوى سورة البقرة وآل عمران واختلفوا في سورة الرعد.
هذا من ناحية الضوابط. أما من ناحية المميزات الموضوعية وخصائص الأسلوب المكي فيمكن إجمالها فيما يلي:
1 - الدعوة إلى التوحيد، وعبادة الله وحده، وإثبات الرسالة، وإثبات البعث والجزاء. وذكر القيامة وهولها. والنار وعذابها، والجنة ونعيمها، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية والآيات الكونية.
2 - وضع الأسس العامة للتشريع والفضائل الأخلاقية التي يقوم عليها كيان المجتمع. وفضح جرائم المشركين في سفك الدماء، وأكل أموال اليتامى ظلما، ووأد البنات، وما كانوا عليه من سوء العادات.
3 - ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرا لهم حتى يعتبروا بمصير المكذبين قبلهم وتسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى يصبر على أذاهم ويطمئن إلى نصر الله تعالى له عليهم.
4 - قصر الفواصل مع قلة الألفاظ وإيجاز العبارة بما يقرع المسامع ويصعق القلوب
(1/34)

ويؤكد المعنى بكثرة القسم.
هذه هي ضوابط ومميزات وخصائص المكي بإيجاز.

ثانيا: ضوابط المدني ومميزاته الموضوعية:
1 - كل سورة فيها فريضة أو حدّ من حدود الله تعالى فهي مدنية.
2 - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية. سوى سورة العنكبوت فإنها مكية.
3 - كل سورة فيها مجادلة أهل الكتاب فهي مدنية: هذا من ناحية الضوابط.
أما من ناحية المميزات الموضوعية وخصائص الأسلوب فيمكن إجمالها فيما يلي:
1 - بيان العبادات، والمعاملات، والحدود، ونظام الأسرة، والمواريث، وفضيلة الجهاد، والصلات الاجتماعية، والعلاقات الدولية في السلم والحرب، وقواعد الحكم، ومسائل التشريع.
2 - مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ودعوتهم إلى الإسلام وبيان تحريفهم لكتب الله تعالى وتجنيهم على الحق. واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم.
3 - الكشف عن سلوك المنافقين وتحليل نفسيتهم وإزاحة الستار عن جناياتهم وبيان خطرهم على الدين.
4 - طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة ويوضح أهدافها ومراميها ...
والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1 - اذكر أسماء عشر سور من السور المدنية.
س 2 - كم عدد السور المختلف فيها؟ وما هي؟
س 3 - للعلم بالمكي والمدني فوائد. اذكر اثنتين منها.
س 4 - للعلماء ثلاثة اعتبارات في الفرق بين المكي والمدني فما هي؟
س 5 - هناك ضوابط ومميزات للمكي والمدني. اذكر ثلاثة ضوابط لكل منها.
(1/35)

معرفة أول ما نزل من القرآن الكريم
س: ما هو أول ما نزل من القرآن العظيم؟
ج: اختلف في أول ما نزل من القرآن المجيد على أقوال كثيرة. أحدها وأصحها جميعا قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) وقد روى الشيخان وغيرهما عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء- أي الجلوس وحده بعيدا عن الناس- فكان يأتي غار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فتزوده لمثلها، حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ فرجع بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ترجف بوادره) الحديث. والأدلة على هذا كثيرة. هذا هو القول الأول.
أما القول الثاني في أول ما نزل من كتاب الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ روى الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله (أيّ القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أيها المدثر، قلت: أو اقرأ باسم ربك، قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله صلّى الله عليه وسلم: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو: (يعني جبريل) فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثرونى، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ).
والقول الثالث في أول ما نزل من كتاب الله تعالى: سورة الفاتحة: جاء في الكشاف: ذهب ابن عباس ومجاهد إلى أن أول سورة نزلت اقرأ، وأكثر المفسرين
__________
(1) سورة العلق آية 1.
(1/36)

على أن أول سورة نزلت فاتحة الكتاب.
القول الرابع في أول ما نزل: بسم الله الرحمن الرحيم: حكاه ابن النقيب في مقدمته وأخرج الواحدي بإسناده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، وأول سورة اقرأ باسم ربك.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: أول ما نزل جبريل على النبي صلّى الله عليه وسلم قال:
يا محمد استعذ ثم قل: بسم الله الرحمن الرحيم. أخرجه ابن جرير وغيره من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنه.
وفي أوائل ما نزل جاء عن الواحدي من طريق الحسين بن واقد قال: سمعت عليّ ابن الحسين يقول: أول سورة نزلت بمكة اقرأ باسم ربك: وآخر سورة نزلت بها المؤمنون. ويقال سورة العنكبوت.
وأول سورة نزلت بالمدينة ويل للمطففين، وآخر سورة نزلت بها براءة.
والخلاصة من كل هذا الاختلاف، أن أول ما نزل من القرآن الكريم: اقرأ. أول سورة العلق. ولا مانع من أن تكون البسملة افتتاحا لها كما هي افتتاح لسور القرآن الكريم عدا سورة براءة. أما سورة المدثر أو سورة القلم فتكون قد نزلت بعد فترة الوحي عن المصطفى صلّى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم (1).

تمارين
س 1 - ما هو أول ما نزل من القرآن على الصحيح وما دليله؟
س 2 - اذكر القول الثالث فيما نزل من كتاب الله تعالى؟
س 3 - ما هي أول سورة نزلت بمكة وآخر سورة نزلت بها؟
س 4 - بين أول ما نزل بالمدينة المنورة من سور القرآن وآخر ما نزل بها منه؟
__________
(1) هذا باختصار. انظر الإتقان للسيوطي ص 69 - 77.
(1/37)

معرفة آخر ما نزل من القرآن الكريم
س: ما هو آخر ما نزل من القرآن العظيم؟
ج: لقد وقع اختلاف كثير في آخر ما نزل من كتاب الله تعالى: فنورد لك أخي القارئ الكريم خلاصة القول في هذا. فنقول وبالله التوفيق.
روى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ آخر آية من سورة النساء. وآخر سورة نزلت: براءة.
وروى البخاري عن ابن عباس قال: (آخر آية نزلت آية الرّبا) كما جاء هذا أيضا عن البيهقي عن عمر. وعند أحمد وابن ماجة عن عمر كذلك.
وعند ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا عمر: فقال إن من آخر القرآن نزولا آية الرّبا. والمراد بها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) وأخرج النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ الآية (2) وهذا القول أخرجه أيضا ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير. كما أخرجه ابن جرير من طريق الضحاك والعوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ الآية: وعاش رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول.
وجاء في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: آخر آية نزلت لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر سورة التوبة.
وأخرج بن مردويه عن أبيّ بن كعب أيضا قال: آخر القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وأخرجه ابن الأنباري بلفظ: أقرب القرآن بالسماء عهدا.
وأخرج مسلم عن ابن عباس قال آخر سورة نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
__________
(1) البقرة آية 278.
(2) البقرة آية 281.
(1/38)

وهناك أقوال أخرى متعددة في آخر ما نزل من القرآن الكريم سواء في الآيات أو في السور. وقال البيهقي: يجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده.
وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، وكلّ قال ما عنده بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن.
ويحتمل أن كل واحد منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي صلّى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل. وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، والواضح من هذا كله أن آية وَاتَّقُوا يَوْماً بعد آية الربا أقرب. والله تعالى أعلم.
ومن المحتمل أن تنزل هذه الآية أو تلك وكانت هي بمثابة آخر آية تلاها الرسول صلّى الله عليه وسلم مع آيات نزلت معها. فيؤمر برسم ما نزل بعد رسم تلك الآية فيظن أنها آخر ما نزل في الترتيب (1). والله أعلم.

تمرينات
س 1 - وقع خلاف في آخر ما نزل من القرآن الكريم.
بين ذلك مستدلا على ما تقول من القرآن.
س 2 - ما هي آخر آية نزلت من القرآن الكريم؟
س 3 - وما هي آخر سورة نزلت من الكتاب العزيز؟
__________
(1) هكذا في الإتقان للسيوطي بتصرف. ص 78 - 82.
(1/39)

ما نزل من القرآن على لسان بعض الصحابة رضوان الله عليهم
س: هل نزل شيء من القرآن الكريم على لسان بعض الصحابة؟
ج: نعم؛ القرآن الكريم نزل كله من عند الله تعالى سواء بسبب أو بدون سبب، ولكن هناك جمل جاءت على لسان بعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أو ما في معناها.
فجاء بها القرآن بعد ذلك موافقا لها بنصها أو بما يتضمن معناها.
ومن ذلك ما جاء موافقا لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومنه ما أخرجه البخاري وغيره عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث:
1 - قلت يا رسول الله: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى. فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى (1).
2 - وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن. فنزلت آية الحجاب.
3 - واجتمع على رسول الله صلّى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن.
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ (2) فنزلت كذلك.
وقد أخرج الترمذي عن ابن عمر أن رسول صلّى الله عليه وسلم قال: (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه).
وليس هذا لعمر فحسب: بل وقع لبعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أيضا. ومن ذلك ما أخرجه سنيد في تفسيره عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لمّا سمع ما قيل في أمر عائشة رضي الله عنها قال: سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (3) فنزلت كذلك.
ومما وقع من القرآن على لسان بعض أصحابه ما أورده ابن سعد في الطبقات:
قال: أخبرنا الواقدي. حدثني إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال:
حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد فقطعت يده اليمنى فأخذ اللواء بيده اليسرى وهو يقول وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ
__________
(1) البقرة آية 125.
(2) التحريم 5.
(3) النور آية 16.
(1/40)

عَلى أَعْقابِكُمْ (1) ثم قطعت يده اليسرى فانحنى على اللواء وضمّه بعضديه إلى صدره وهو يقول وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الآية. ثم قتل فسقط اللواء. قال محمد ابن شرحبيل. وما نزلت هذه الآية. يومئذ حتى نزلت بعد ذلك. وأمثلة هذا كثير لا يتسع هذا المختصر لذكره والله أعلم.

تدريبات
س 1 - اذكر كم مرة نزل القرآن موافقا لما رآه عمر رضي الله عنه.
س 2 - بيّن ما نزل موافقا لقول عمر عند ما اجتمع نساء رسول الله عليه.
س 3 - ماذا نزل من القرآن الكريم عند ما أشار عمر باتخاذ مصلى عند مقام إبراهيم عليه السلام؟
س 4 - ماذا نزل من القرآن موافقا ما قاله بعض الصحابة عند ما قيل قول في شأن عائشة رضي الله عنها. ومن الذي قال؟ وما هو النص الذي نزل في هذا الشأن؟
__________
(1) آل عمران 144.
(1/41)

ما تكرر نزوله من القرآن الكريم
س 1 - : هل هناك شيء من القرآن الكريم تكرر نزوله؟ وكيف؟
ج: ذكر أن ما تكرر نزوله من القرآن الكريم أكثر من موضع. وقد يتكرر نزول الآية تذكيرا وموعظة للناس من عند الله تعالى. وبيانا لأهمية ما جاء في بعض هذه الآيات أو السور.
فمنها على سبيل المثال. أن سورة الفاتحة تكرر نزولها. حيث أنها نزلت مرة في مكة المكرمة وأخرى في المدينة المنورة، لما لها من مكانة عظيمة، وذكر قوم أن ما تكرر نزوله أيضا قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (1).
وقال الزركشي في البرهان: قد ينزّل الله الشيء مرتين تعظيما لشأنه وتذكيرا به عند حدوث سببه وعملا على عدم نسيانه.
ثم ذكر منه قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ الآية وفي جمال القراء للسخاوي بعد أن حكى القول بنزول سورة الفاتحة مرتين قال: فإن قيل: ما هي الفائدة من نزولها مرتين؟ قلت: يجوز أن تكون نزلت أول مرة على حرف واحد. ونزلت الثانية ببقية وجوهها نحو: قراءة (ملك، ومالك) و (السّراط والصّراط) ونحو ذلك.
وقد أنكر بعضهم كون شيء من القرآن الكريم تكرر نزوله. هكذا ورد في كتاب الكفيل بمعاني التنزيل، وعلله بأن تحصيل ما هو حاصل لا فائدة فيه. وهذا القول مردود بما تقدم ذكره من فوائد التكرار. وبأنه يلزم منه أن يكون كل ما نزل بمكة تكرر نزوله بالمدينة المنورة مرة أخرى، فإن جبريل كان يعارض الرسول صلّى الله عليه وسلم القرآن كل سنة في شهر رمضان. وفي آخر رمضان من حياته صلّى الله عليه وسلم عرضه مرتين. وبها تم نزول كل القرآن ونسخ ما نسخ منه وبقى ما بقى بعد ذلك. والله تعالى أعلم.

تمارين
س 1:-لماذا تكرر نزول بعض آيات أو سور القرآن؟
س 2:-ماذا قال الزركشي في البرهان؟
س 3:- ما هي السورة التي ورد أنها نزلت في مكة ونزلت مرة أخرى في المدينة؟
__________
(1) سورة التوبة. آية: 113
(1/42)

ما تأخر حكمه عن نزوله من القرآن الكريم وما تأخر نزوله عن حكمه منه
س: هل تأخر شيء من حكم القرآن عن نزوله؟ وهل تأخر نزول شيء منه عن حكمه؟
ج: نعم؛ قد ورد هذا في بعض آيات وسور القرآن الكريم. وسنعرض لذلك نماذج منه.
أولا: ما سبق نزوله على حكمه.
قال الزركشي في البرهان: إن قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قد يكون نزولها سابقا على حكمها. فقد روى البيهقي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما. أنها نزلت في زكاة الفطر، ولم تكن زكاة الفطر قد فرضت بعد.
وقال بعضهم لا أدري ما وجه هذا التأويل. حيث أن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة ولا صوم.
وأجاب البغوي بأنه يجوز النزول سابقا على الحكم. كما قال لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ فالسورة مكية. ولكن ظهر أثر هذا الحل يوم فتح مكة حتى قال عليه الصلاة والسلام: «أحلّت لي مكة ساعة من نهار» الحديث.
ومما جاء أيضا في النزول السابق للحكم قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ نزلت بمكة. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند ما نزلت (أيّ جمع؟) فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش. نظرت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في آثارهم معلنا بالسيف يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فكانت ليوم بدر .. أخرجه الطبراني في الأوسط.
والأمثلة على هذا كثير لا يسع هذا المختصر لسردها. فانظر إن شئت الإتقان للسيوطي ص 104 - 105.
(1/43)

ثانيا: ما تأخر نزوله عن حكمه.
من الأمثلة الدالة على هذا النوع من تأخر نزوله عن حكمه: آية الوضوء، ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة. فأناخ رسول الله صلّى الله عليه وسلم ونزل. فثنى رأسه في حجري راقدا، وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: (حبست الناس في قلادة، ثم إن النبي صلّى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت صلاة الصبح. فالتمس الماء فلم يجده. فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ .. إلى قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فالآية مدنية إجماعا وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة هناك.
قال ابن عبد البر: والحكمة من نزول آية الوضوء مع ما تقدم العمل به ليكون فرضه متلوّا بالتنزيل.
ومن أمثلة هذا النوع: آية الجمعة، فإنها مدنية. والجمعة فرضت بمكة.
ومن أمثلته أيضا: قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ الآية (1). فإنها نزلت سنة تسع من الهجرة. وقد فرضت الزكاة قبلها في أوائل الهجرة.
قال ابن الحصاد: قد يكون مصرفها قبل ذلك معلوما ولم يكن فيه قرآن يتلى، كما كان الوضوء معلوما قبل نزول الآية. ثم نزلت بعد ذلك ليتلى القرآن تأكيدا به ..
والله تعالى أعلم.

تمرينات
س 1: اذكر آية من كتاب الله تعالى سبق نزولها على حكمها.
س 2: بين ما قاله الزركشي في هذا الشأن.
س 3: ما هي الآية التي نزلت بمكة وتحققت يوم بدر؟
س 4: مما تأخر نزوله على حكمه: آية الجمعة. بين ذلك.
س 5: متى نزلت آية إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ومتى فرضت الزكاة؟
__________
(1) التوبة آية 60.
(1/44)

ما نزل من القرآن مفرقا وما نزل جملة
س: هل نزل شيء من القرآن مفرقا وآخر جملة؟
ج: نعم؛ نزل من القرآن مفرقا آيات. منها: أوائل سورة العلق، أوائل سورة والضحى. حيث نزل من العلق من أولها إلى قوله تعالى: ما لَمْ يَعْلَمْ ومن سورة والضحى من أولها إلي قوله: فَتَرْضى هذا ما جاء في حديث الطبراني. وأمثلة هذا كثير.
ومن السور التي نزلت سورة الفاتحة والإخلاص والكوثر وتبّت والبيّنة والنصر والمعوذتين نزلتا معا.
ومن السور الطوال سورة المرسلات. ففي المستدرك عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلّى الله عليه وسلم في غار فنزلت. وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً، فأخذتها من فيه.
وإن فاه رطب بها فلا أدري بأيها ختم فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ أو وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ. ومنه أيضا سورة الصف).
وسورة الأنعام: فقد أخرج أبو عبيدة والطبراني عن ابن عباس قال: (نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة حولها سبعون ألف ملك).
وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «نزلت علىّ سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك» أخرجه الطبراني من طريق يوسف بن عطية.
ومن هذا يتضح أن القرآن العظيم منه ما نزل مفرقا، ومنه ما نزل مجمعا. والله تعالى أعلم.

تمرينات
س 1 بيّن بعض الآيات التي نزلت مفرقة.
س 2 اذكر بعض السور التي نزلت جملة.
س 3 ما هي السورة التي نزلت جملة ويشيعها سبعون ألف ملك؟
(1/45)

ما نزل من القرآن الكريم على بعض الأنبياء وما لم ينزل منه على أحد قبل النبي محمد صلّى الله عليه وسلم
س: هل نزل من القرآن على النبي محمد صلّى الله عليه وسلم ما لم ينزل على أحد من الأنبياء قبله؟
ج: نعم؛ نزل على النبي محمد صلّى الله عليه وسلم وحده دون غيره من الأنبياء سورة الفاتحة وآية الكرسى وخاتمة سورة البقرة.
فقد روى مسلم عن ابن عباس: (أتى النبي صلّى الله عليه وسلم ملك فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة).
وأخرج البيهقي في الشّعب عن ابن عباس قال: (السبع الطوال لم يعطهن أحد إلا النبي صلّى الله عليه وسلم).
وأخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: «أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم عند المصيبة إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ونكتفي بهذا في هذا النوع.
س: هل نزل على محمد والأنبياء من قبله- عليهم جميعا الصلاة والسلام- شيء من القرآن؟
ج: نعم؛ نزلت سورة سبح اسم ربك الأعلى على النبي محمد صلّى الله عليه وسلم كما نزلت في صحف إبراهيم وموسى.
فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس قال: لما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال صلّى الله عليه وسلم: «كلها في صحف إبراهيم وموسى» ولما نزلت وَالنَّجْمِ إِذا هَوى فبلغ وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال: وفي أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى إلى قوله: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى. فقد ورد أنها جاءت أيضا في صحف إبراهيم وموسى مثلها نزلت على النبي محمد صلّى الله عليه وسلم.
- ما نزل على إبراهيم ومحمد (عليهما الصلاة والسلام).
أخرج الحاكم من طريق القاسم عن أبي أمامة قال: أنزل الله على إبراهيم مما أنزل على محمد التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ إلى قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى قوله تعالى: هُمْ فِيها خالِدُونَ وإِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الآية.
(1/46)

والتي في سأل الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ إلى قوله تعالى: قائِمُونَ فلم يف بهذه السهام إلا إبراهيم ومحمد صلّى الله عليه وسلم.
- ما نزل على موسى ومحمد صلّى الله عليه وسلم:
قد أخرج ابن الضريسي وغيره عن كعب قال: فتحت التوراة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ وختمت ب الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً إلى قوله تعالى وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً.
وأخرج أبو عبيد عنه قال: أول ما أنزل الله في التوراة عشر آيات من سورة الأنعام بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ الآيات ..
وقال بعضهم: يعني أن هذه الآيات اشتملت على الآيات العشر التي كتبها الله لموسى في التوراة أول ما كتب، وهي توحيد الله، والنهي عن الشرك واليمين الكاذبة، والعقوق، والزنى، والسرقة، والزور، ومد العين إلى ما في يد الغير، والأمر بتعظيم السبت.
- ما أنزل على سليمان ومحمد صلّى الله عليه وسلم:
أخرج الدارقطني من حديث بريدة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لأعلمنك آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري (بسم الله الرحمن الرحيم)».
وروى البيهقي عن ابن عباس قال: (أغفل الناس آية من كتاب الله لم تنزل على أحد قبل النبي صلّى الله عليه وسلم إلا أن يكون سليمان بن داود (بسم الله الرحمن الرحيم)).
- ما نزل على يوسف ومحمد صلّى الله عليه وسلم:
يدخل في هذا النوع ما أخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال:
البرهان الذي أري يوسف. ثلاث آيات من كتاب الله تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ وقوله تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ الآية. وقوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وزاد غيره آية أخرى وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى .. والله تعالى أعلم.
(1/47)

تمرينات
س 1: مما أعطي للنبي محمد صلّى الله عليه وسلم وأمته آية عند المصيبة. ما هي؟
س 2: ما هي السورة التي أعطيت للنبي دون غيره؟
س 3: سورة سبح اسم ربك الأعلى. نزلت على من من الأنبياء قبل النبي محمد صلّى الله عليه وسلم؟
س 4: على من نزلت آية إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الآية .. غير النبي محمد صلّى الله عليه وسلم؟
س 5: البسملة: على من نزلت من الأنبياء قبل رسول الله. صلوات الله وسلامه عليه؟
(1/48)

العالي والنازل من أسانيد القرآن الكريم
س: نريد أن نعرف العالي من الإسناد والنازل منه فما هو؟
ج: اعلم يا أخي الكريم أن طلب معرفة الإسناد سنة؛ لأنه قرب إلى الله عز وجل.
فالعالى من الإسناد والنازل منه له. تقسيمان: أحدهما عن أهل الحديث.
والثاني عند القراء. وإليك بيان كل منهما.
1 - الأول: تقسيم أهل الحديث.
لقد قسم أهل الحديث الإسناد إلى خمسة أنواع:
النوع الأول: القرب من الرسول صلّى الله عليه وسلم من حيث العدد بالإسناد النظيف غير الضعيف، وهو أفضل أنواع العلوّ وأعظمها.
وذلك فيما يقع للشيوخ، في هذا الزمان إسناد رجاله أربعة عشر رجلا.
وهذا يقع من قراءة ابن عامر من رواية ابن ذكوان. ثم يكون خمسة عشر. وذلك فيما يقع من قراءة عاصم من رواية حفص. وهكذا.
النوع الثاني: القرب من أحد أئمة الحديث، كالأعمش وهيثم وابن جرير والأوزاعي ومالك. وهو هنا القرب إلى أحد الأئمة السبعة. فأعلى ما يقع اليوم للشيوخ بالإسناد المتصل بالتلاوة إلى الإمام نافع اثنا عشر.
النوع الثالث: العلوّ بالنسبة إلى رواية واحد من الكتب الستة في الحديث الشريف. بحيث لو روى حديثا لرواه من طريق كتاب من الكتب الستة وقع عندئذ أنزل ممّا لو رواه من غير طريقها.
ومثل ذلك في العلوّ بالنسبة إلى بعض الكتب المشهورة في القراءات مثل كتاب النشر والشاطبية.
النوع الرابع: تقدم وفاة الشيخ عن قرينه الذي أخذ عن شيخه؛ فمثلا الذي أخذ القراءة عن التاج ابن مكتوم أعلى من الذي أخذها عن أبي المعاني بن اللّبّان. وابن اللبّان أعلى من البرهان الشامي وإن كانوا شركاء في الأخذ عن أبي حيان. وذلك
(1/49)

لتقدم وفاة الأول عن الثاني، والثاني عن الثالث. وهكذا.
النوع الخامس: العلوّ بموت الشيخ نفسه لا مع الالتفات لأمر آخر أي شيخ آخر متى يكون ذلك.
وقد قال بعض المحدثين: يوصف الإسناد بالعلوّ إذا مضى على موت الشيخ خمسون سنة، وقال ابن قندرة: ثلاثون سنة؛ فعلى هذا يكون الأخذ عن أصحاب ابن الجزري عال من سنة ثلاث وستين وثمانمائة؛ لأن ابن الجزري آخر من كان مسنده عاليا ومضى عليه حينئذ من موته ثلاثون سنة، وهذا مما حرره من السيوطي من قواعد الحديث في
كتابه الإتقان في علوم القرآن.
2 - ثانيا: تقسيم القرّاء:
وتقسيم القراء في الإسناد يدور حول القراءة والرواية والطريق والوجه .. فالخلاف في القراءة إن وقع لأحد الأئمة السبعة أو الثلاثة المتممين للعشرة واتفقت عليه الروايات والطرق عنه فهو قراءة.
وإن كان هذا الخلاف للراوي عنه، فهو رواية.
وأما إذا كان لمن بعده فنازلا فهذا طريق.
وإذا كان راجعا إلى تخيير القارئ فهو وجه.
وبهذا يكون قد اتضح لك العلوّ بأقسامه وأنواعه، ومنه تعرف كيفية النزول فإنه ضده. هذا باختصار (1) .. والله تعالى أعلم.

تمرينات
س 1: إلى كم قسم ينقسم الإسناد؟ وما هو كل قسم؟
س 2: ما هو النوع الأول من تقسيم أهل الحديث للإسناد؟
س 3: اذكر النوع الرابع من تقسيم أهل الحديث.
س 4: اذكر كيفية تقسيم القراء للإسناد.
__________
(1) فارجع إن شئت التوسع في هذا الباب إلى كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ص 207 - 210.
(1/50)

أسباب نزول القرآن الكريم
س: ما هي أسباب نزول القرآن الكريم؟
ج: القرآن الكريم نزل ليهدي الإنسانية ويرشدها إلى الطريق المستقيم، ويقيم لها أسس الحياة الفاضلة الكريمة التي تقوم عليها دعائم الإيمان الكامل بالله ورسالاته، ويقرر أحوال الماضي، ووقائع الحاضر، وأخبار المستقبل .... ولتنزّل القرآن الكريم أسباب كثيرة متنوعة نختصرها في قسمين عامين:
القسم الأول: هو عبارة عن نزول القرآن الكريم ابتداء من الله تعالى؛ غير مرتبط بسبب من الأسباب الخاصة، إنما كان ذلك لمحض هداية الخلق إلى الحق، وهذا كثير ظاهر لا يحتاج إلى بحث أو بيان أو توضيح.
والقسم الثاني: نزل مرتبطا بسبب من الأسباب الخاصة كحادثة وقعت في زمن النبي صلّى الله عليه وسلم، أو سؤال وجّه إليه فنزلت الآية أو الآيات من الله تعالى لبيان ما يتصل بتلك الحادثة، أو بجواب عن هذا السؤال، وسنقدم لك أمثلة على هذا:
1 - روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت آية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (1) خرج النبي صلّى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف (أي نادى الناس) بقوله صلّى الله عليه وسلم: «يا صباحاه» فاجتمعوا إليه فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟» قالوا: (ما جربنا عليك كذبا) قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبا لك إنما جمعتنا لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه السورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... إلخ (2).
2 - عند ما ظاهر أوس بن الصامت من زوجته خولة بنت ثعلبة. فذهبت إلى بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم تشتكي من ذلك، فقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (تبارك الذي وسع سمعه كل شيء) إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه وهي تشتكي زوجها أوس بن الصامت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهي تقول: (يا رسول
__________
(1) سورة الشعراء آية 214.
(2) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
(1/51)

الله، أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سنّي وانقطع ولدي ظاهر منّي (1).
اللهم إني أشكو إليك). قالت عائشة: فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ..
الآيات (2). وليس معنى هذا أن الإنسان يلتمس لكل آية سببا. فالقرآن الكريم كما سبق أن عرفنا أن نزوله لم يكن وقفا على الحوادث والوقائع أو على السؤال والاستفسار، بل كان ينزل القرآن ابتداء بعقائد الإيمان والتوحيد وواجبات الإسلام وشرائع الله تعالى في حياة الفرد وحياة الجماعة؛ وعلى الإنسان أن يعرف أنه لا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل الصحيح: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «اتقوا الحديث إلا ما علمتم فإنه من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (3).
ومن هنا نقول: لا يحل القول في أسباب النزول لآيات القرآن إلا بعد التحقق من أهل الرواية الصحيحة والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن
علمها.
س: هل لمعرفة أسباب النزول فوائد؟
ج: نعم؛ لمعرفتها فوائد نذكر أهمها باختصار فيما يلي:
1 - إظهار الحكمة التي دعت إلى تشريع حكم من الأحكام الشرعية مع إدراك الشرع للمصالح العامة في علاج الحوادث رحمة بالأمة الإسلامية.
2 - تخصيص حكم ما نزل إن كان بصيغة العموم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وو هذه مسألة خلافية عند أهل العلم.
3 - إذا كان لفظ ما نزل عاما وورد دليل على تخصيصه فمعرفة السبب تقصر التخصيص على صورته، ولا يصح إخراجها.
4 - إن معرفة سبب النزول خير سبيل لفهم معاني القرآن الكريم وكشف الغموض
__________
(1) ظاهر مني: أي قال لها: (أنت علي كظهر أمي) أي محرمة كتحريمها علي.
(2) أخرجه ابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.
(3) روى الواحدي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ...... الحديث.
(1/52)

الذي يكتنف بعض الآيات في تفسيرها ما لم يعرف سبب نزولها. قال (الواحدي) رحمه الله: «لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها».
وقال ابن تيمية: «معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» (1).
5 - يوضح سبب النزول لمن نزلت فيه الآية حتى لا تحمل على غيره ..
والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: اذكر القسمين اللذين نزل بهما القرآن الكريم.
س 2: ما هي الطريقة الصحيحة لمعرفة أسباب النزول؟
س 3: اذكر الحديث الشريف الذي يحث على ضرورة الالتزام بمعرفة الطريقة الصحيحة لأسباب النزول.
س 4: لمعرفة أسباب النزول فوائد. اذكر ثلاثة منها.
__________
(1) انظر كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 28.
(1/53)

الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم
س: ما هي الأحرف السبعة التي نزل القرآن الكريم بها؟ ولماذا؟
ج: لقد سبق أن عرفنا أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى المنزل على قلب النبي محمد صلّى الله عليه وسلم بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام فهو محفوظ بالعناية الربانية من أن تصل إليه أي شائبة أو يقع فيه أي خطأ يحتاج إلى تصويب، ولكن نزول القرآن على سبعة أحرف كان من رحمة الله تعالى بالمسلمين، حيث إنه تعالى يعلم أن منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط؛ لهذه الأسباب وغيرها مما يقتضيه الحال نزل القرآن على سبعة أحرف وقد بيّن ذلك لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في أحاديث نورد بعضا منها:
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (1).
وعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان بأضاة (2) بني غفار فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك» ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على حرفين فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك» ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على ثلاثة أحرف، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك» ثم جاء الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا فقد أصابوا (3). وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم فكدت أساوره في الصلاة فانتظرته حتى سلّم ثم لببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة؟
فقال: أقرأنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقلت له: كذبت فو الله إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أقرأني هذه
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
(2) الأضاة: الغدير. أي غدير ماء بني غفار.
(3) رواه مسلم.
(1/54)

السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله:
إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أرسله يا عمر» أي أطلقه. «اقرأ يا هشام» فقرأ هذه السورة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت» ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
«هكذا أنزلت» ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منها» (1).
وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة اختلافا كثيرا لا يتسع المقام لذكره هنا، ولكنني أقدم لإخواني القرّاء من بين هذه المذاهب أرجحها، وهو مذهب أبي الفضل الرازي، إذ يقول في اللوائح: المراد بهذه الأحرف الأوجه التي يقع بها التغاير والاختلاف، وهذه الأوجه التي يقع بها التغاير والاختلاف لا تخرج عن سبعة وهي:
الأول: اختلاف الأسماء في الإفراد والتثنية والجمع نحو قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ (2). قرئ مسكين بالإفراد وقرئ مساكين بالجمع.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر نحو قوله تعالى:
وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (3) قرئ بفتح التاء والطاء مخففة مع فتح العين؛ على أنه فعل ماض، وقرئ (يطّوّع) بياء مفتوحة وبعدها طاء مشددة مفتوحة مع جزم العين على أنه فعل مضارع.
الثالث: اختلاف وجوه الإعراب نحو قوله تعالى: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (4) قرئ بضم التاء ورفع اللام على أن لا نافية. وقرئ بفتح التاء وجزم اللام على أن لا ناهية (ولا تسئل).
الرابع: الاختلاف بالحذف والزيادة نحو قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (5) قرئ بإثبات الواو قبل السين وقرئ بحذفها (سارعوا).
__________
(1) رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وأحمد، وابن ماجة.
(2) سورة البقرة آية 184.
(3) سورة البقرة آية 158.
(4) سورة البقرة آية 119.
(5) سورة آل عمران آية 133.
(1/55)

الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير كقوله تعالى: وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا (1) قرئ بتقديم (وقاتلوا) وتأخير (وقتلوا) وقرئ أيضا بتقديم (وقتلوا) وتأخير (وقاتلوا).
السادس: الاختلاف بالإبدال: أي جعل حرف مكان حرف؛ مثل قوله تعالى:
هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ (2) قرئ (تبلوا) بتاء مفتوحة وباء ساكنة، وقرئ أيضا بتاءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة (تتلوا).
السابع: اختلاف اللهجات كالفتح والإمالة والإظهار والإدغام والتسهيل والتحقيق والتفخيم والترقيق ... وهكذا ... نحو قوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (3) تقرأ بالفتح والإمالة في لفظ (أتى) ولفظ (موسى)، وقس على هذا في البقية (4).
س: ما هي الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف؟
ج: تتلخص هذه الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف فيما يلي:
1 - تيسير القراءة والحفظ على قوم أمّيّين. لكل قبيلة منهم لسان، ولا عهد لهم بحفظ الشرائع فضلا على أن يكون ذلك ممّا لم يألفوه، وهذه الحكمة نصت عليها الأحاديث في عبارات منها: عن أبيّ قال: لقي رسول الله صلّى الله عليه وسلم جبريل عند أحجار المراء فقال: «إني بعثت إلى أمة أميّين منهم الغلام والخادم والشيخ العاس والعجوز» فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف (5).
2 - من الحكمة في إنزال القرآن على هذه الأوجه المختلفة: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم ألسنتهم مختلفة ولهجاتهم متباينة، ويتعذر على الواحد منهم أن ينتقل من اللهجة التي درج عليها ومرّن لسانه على التخاطب بها، فصارت هذه اللهجة طبيعة من طبائعه وسجية من سجاياه.
__________
(1) سورة آل عمران آية 195.
(2) سورة يونس آية 30.
(3) سورة النازعات آية 15.
(4) انظر الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 46.
(5) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والطبري بإسناد صحيح، وأحجار المراء: موضع بقباء، والشيخ العاس:
الذي كبر سنه وضعف.
(1/56)

3 - وقد اقتضت رحمة الله تعالى بهذه الأمة المحمدية أن يخفف عليها، وأن ييسر لها حفظ كتابها وتلاوة دستورها.
س: ما هي صلة القراءات السبع بالأحرف السبعة؟
ج: أما عن قراءات الأئمة السبعة وصلتها بالأحرف السبعة فيرى بعض الناس أن قراءة أي قارئ من القراء السبعة هي أحد الأحرف السبعة المذكورة في الحديث النبوي الشريف السابق ذكره، والصواب أن قراءات الأئمة السبعة بل العشرة التي يقرأ بها الناس اليوم هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل القرآن الكريم بها، وورد فيها الحديث الشريف: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» وغيره من الأحاديث، وهذه القراءات العشر جميعها موافقة لخط مصحف من المصاحف العثمانية التي بعث بها عثمان- رضي الله عنه- إلى الأمصار بعد أن أجمع الصحابة عليها، وعلى طرح كل ما يخالفها .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: اذكر بعض الأحاديث الدالة على أن القرآن نزل على سبعة أحرف.
س 2: اذكر مذهب أبي الفضل الرازي في الأحرف السبعة.
س 3: اذكر أربعة أوجه من السبعة التي يقع بها التغاير مع ذكر الدليل من القرآن الكريم.
س 4: ما هي الحكمة من إنزال القرآن على سبعة أحرف؟
س 5: هل قراءات الأئمة السبعة هي الأحرف السبعة؟ وضح ذلك.
(1/57)

المتواتر والمشهور والآحاد والشاذ والموضوع والمدرج من القرآن الكريم
س: ما هو المتواتر والمشهور والآحاد والشاذ والموضوع والمدرج من القرآن الكريم؟
ج: نبدأ أولا بتعريف المتواتر، فالمتواتر من القرآن العظيم: هو كل ما ثبتت قراءته عن النبي صلّى الله عليه وسلم، وأحسن ما قيل في تعريف هذا النوع ما قاله إمام القراء في عصره الإمام ابن الجزري، حيث قال في مستهل كتابه (النشر في القراءات العشر) معرّفا هذا النوع قال: (كل قراءة وافقت اللّغة العربية ولو بوجه منها، ووافقت رسم أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها، فهي قراءة صحيحة لا يجوز ردّها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل القرآن بها، ووجب على الناس قبولها سواء كانت هذه القراءة عن الأئمة السبعة القراء، أم عن الثلاثة المكملين للعشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة؛ كانت القراءة ضعيفة أو شاذة أو باطلة بصرف النظر عن أن تكون هذه القراءة عن القرّاء السبعة أم عن غيرهم ممن هم أكبر منهم. هذا هو القول الصحيح عند أئمة التحقيق والتدقيق من السلف والخلف، وقد صرح بذلك الإمام الداني ومكي والمهدوي وأبو شامة، وهذا هو مذهب أهل السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه.
ثانيا: المشهور: وهو ما صح سنده ولم يبلغ درجة المتواتر، ووافق اللغة العربية والرسم وكان مشهورا عند القراء:
وهذا النوع لم يعدّوه أهل الاختصاص من الغلط ولا من الشاذّ.
ويقرأ به على ما ذكره ابن الجزري في تعريفه، ومثاله: ما اختلفت الطرق في نقله عن الأئمة السبعة، فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض، والأمثلة على ذلك كثيرة في فرش الحروف المدوّن في كتب القراءات.
ومن أشهر ما صنّف في ذلك: كتاب التيسير للإمام أبي عمرو الداني، وقصيدة الشاطبية المسماة بحرز الأماني، والنشر في القراءات العشر، وتقريب النشر أيضا وكلاهما للإمام ابن الجزري رحمنا الله وإياه.
(1/58)

ثالثا: الآحاد: وهو ما صح سنده ولكنه خالف الرسم العثماني أو اللغة العربية أو لم يشتهر الاشتهار المعروف ولم يقرأ به: ومثال ذلك ما أخرجه الحاكم في مستدركه من طريق عاصم الجحدري عن أبي بكرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قرأ: (متكئين على رفارف خضر وعباقريّ حسان) وأخرج أيضا من حديث أبي هريرة أنه صلّى الله عليه وسلم قرأ: (أفلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّات أعين) وهذا النوع أمثلته كثيرة، ومع هذا لم تصح قراءته لمخالفته الرسم والعربية.
رابعا: الشاذّ: وهو ما لم يصح إسناده، وهذا النوع له كتب كثيرة ألّفت فيه، فارجع إليها إن شئت، ونحن هنا نورد لك عليها مثالا: ومثال ذلك قراءة (ملك يوم الدين) بصيغة الفعل الماضي مع نصب كلمة (يوم)، وقراءة (إياك يعبد) ببنائه للمفعول، ونقل عن ابن عبد البرّ (عدم جواز القراءة بالشاذ).
خامسا: الموضوع: والموضوع لا يقرأ به ويشبهه المدرج، وهو ما زيد في القراءة فيه على وجه التفسير؛ مثل قراءة سعد بن أبي وقاص: (وله أخ أو أخت من أمّ) أخرجها سعيد بن منصور، وكقراءة ابن عباس: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم. في مواسم الحج) أخرجها البخاري، وكقراءة ابن الزبير: (ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ويستعينون بالله على ما أصابهم).
قال عمرو: فما أدري أكانت قراءته أم فسر؟ أخرجه سعيد بن منصور وأخرجه الأنباري وجزم بأنه تفسير، والأمثلة على ذلك كثيرة ولكن هذا المختصر لا يتسع لسردها
.. والله تعالى أعلم.

تدريبات
س 1: عرف المتواتر؟ وبماذا عرفه ابن الجزري في كتابه النشر؟
س 2: اذكر تعريف المشهور.
س 3: ما هو الشاذّ؟ مع ذكر دليل عليه من القرآن الكريم؟
س 4: هات مثالا لكل من الموضوع والمدرج؟ مع بيان حكم كل منهما؟
(1/59)

كيفية تحمل القرآن الكريم
س: ما حكم القرآن الكريم؟
ج: اعلم وفقني الله تعالى وإياك لما يحبه ويرضاه أن حفظ القرآن الكريم فرض كفاية على الأمة إذا قام به البعض سقط عن الباقين، بحيث لا ينقطع التواتر فإذا قام قوم بذلك ليبلغون القرآن سقط عن الباقيين، وإلا أثم الكل؛ لأنه لو انقطع التواتر انقطع السند المتصل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بأخذ القرآن الكريم من واحد إلى آخر حتى يصل السند إلى المصطفى صلّى الله عليه وسلم، وتعليم القرآن فريضة، وهو أفضل عمل يقرّب إلى الله تعالى كما جاء في الحديث الصحيح «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» رواه البخاري.
س: ما هي كيفية تعلم وتحمل القرآن الكريم؟
ج: لتحمل القرآن عند أهل الحديث وجوه منها:
السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه والسماع عليه بقراءة غيره والمناولة والإجازة والمكاتبة والعرضية والإعلام.
فأما غير القراءة والسماع فسيأتي بيانه في محله، وأما القراءة على الشيخ مباشرة فهي الطريقة المستعملة عند السلف والخلف، وأما السماع من لفظه فيحتمل أن يقال به في هذا الحال؛ لأن صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلم رضي الله عنهم قد أخذوا القرآن من النبي صلّى الله عليه وسلم لكن هذه الطريقة- أي طريقة السماع- لم يأخذ بها أحد من القراء؛ وذلك لأن المقصود هنا إنما هو كيفية الأداء، وليس كل من سمع لفظ من شيخه يقدر على الأداء كهيئته بخلاف الحديث، فإن المقصود فيه المعنى أو اللفظ وليس بالهيئة المعتبرة في أداء القرآن الكريم، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي منهم القدرة على الأداء للقرآن كما استمعوه من الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلم لأن القرآن نزل بلغتهم ولهجاتهم المختلفة، وهم أقدر من غيرهم على ذلك.
ومما يجعل القراءة على الشيخ ضرورة لأخذ القرآن الكريم ويكون دليلا على ذلك.
(1/60)

أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن على جبريل في شهر رمضان من كل عام وفي آخر رمضان من حياته الدنيوية صلّى الله عليه وسلم عرض القرآن على جبريل مرتين، كما ورد في السيرة النبوية.
س: هل يجوز تعلم القرآن جماعيا؟
ج: نعم يجوز بحيث لا يخفى على الشيخ حالهم أثناء قراءتهم عليه ويستطيع متابعتهم واحدا واحدا ويردّ على كل منهم إذا أخطأ في شيء من القراءة، وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة من الطلاب في أماكن مختلفة من القرآن في وقت واحد وهو يقوم بالردّ على كل منهم إذا لزم الأمر.
والقراءة من الحفظ ليست شرطا ولكنها أفضل، ولو قرأ من المصحف جاز ذلك.
س: هل للقراءة كيفية محددة؟
ج: نعم؛ فإن لقراءة القرآن كيفيات حددها أهل الأداء، وهي ثلاثة عند بعضهم:
الكيفية الأولى: التحقيق: وهو إعطاء الحروف حقها من الإشباع في المدّ والتحقيق للهمز وإتمام الحركات والإظهار والإدغام وبيان كل حرف وفكه من غيره.
وهذه الكيفية يعمل بها في مقام التعليم من غير أن يتجاوز فيه حد الإفراط؛ لأن ما زاد عن المطلوب لا يقبل، وقد قال الإمام حمزة لمن سمعه يبالغ في القراءة ويمطّط ويزيد: أما علمت أن ما فوق البياض برص، وما فوق القراءة ليس بقراءة، ويلحق بهذه الكيفية الترتيل وهو المستحب في القراءة؛ لأن مرتبة التحقيق تكون لرياضة الفم والتعليم والتمرين على إخراج الحروف من مخارجها وإعطائها كامل صفاتها، والترتيل يكون للقراءة مع التدبر والتفكر والاستنباط، وكما يقولون: كل تحقيق ترتيل، وليس كل ترتيل تحقيقا.
الكيفية الثانية: الحدر: بفتح الحاء وسكون الدال، وهو عبارة عن السرعة في القراءة وتخفيف المد فيها بالقصر مع مراعاة صحة اللفظ القرآني وتمكين الحروف دون بتر حروف المد واختلاس بعض الحركات وذهاب صوت الغنة والتفريط في الأداء لحد لا تصح معه القراءة ولا تستقيم معه التلاوة، والحدر مذهب من قصّر المنفصل.
(1/61)

الكيفية الثالثة: التدوير: وهو الحالة الوسط بين التحقيق والحدر، وهو الذي جاء عن أكثر أئمة القراءة ممّن يمدّ المنفصل ولكنه لم يبلغ فيه حدّ الإشباع.
س: هل تجويد القرآن ضروري؟
ج: نعم؛ لأنه مهم لمعرفة أحكام القراءة والأداء الصحيح وقد أفرده بالتأليف كثيرون، ومنهم أبو عمرو الداني وغيره، وأخرج بعضهم عن ابن مسعود أنه قال:
جوّدوا القرآن: وقال الفراء: التجويد حلية القراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها وما تتطلب من يسر القراءة وعدم التشدد أو التضييع للمخارج والصفات والحركات والغنات وقصر الممدود ومدّ المقصور أو التعسف والإفراط، وإلى ذلك كله وأكثر منه أشار صلّى الله عليه وسلم بقوله: «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» يعني ابن مسعود، وكان رضي الله عنه قد أعطي حظّا عظيما من تجويد القرآن.
وقد ابتدع بعض الناس في زماننا هذا في قراءة القرآن أصوات الغناء، وقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلم في هؤلاء: (مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم).
ومما ابتدعوه: شيء يسمّى التّرعيد، وهو أن يرعد صوته كأنه يرعد من برد أو ألم وقع به.
ونوع آخر يسمّونه الترقيص: وهو أن يرقص الصوت ويروم السكوت على الساكن ثم ينفر مع الحركة.
وآخر يسمّى القطريب. وغيره يسمّى التحزين. وكلها تدخل تحت اسم واحد وهو (التحريف) ويضاف إلى ذلك القراءة الجماعية بصوت واحد، لما يسقط منهم من بعض الحروف والحركات والكلمات. والله تعالى أعلم.

تمرينات
س 1: ما حكم حفظ القرآن؟
س 2: ما هي كيفية تعلم وتحمل القرآن؟
س 3: هل يجوز تعلم القرآن جماعيا؟ وما هي الطريقة؟
س 4: هل لقراءة القرآن كيفيات معينة؟ وما هي؟
س 5: ما هي القراءة التي ابتدعها بعض القراء في هذا الزمان؟ وما حكمها؟
(1/62)

آداب التلاوة للقرآن الكريم
س: هل لقراءة القرآن آدابا؟
ج: نعم؛ إن لقراءة القرآن آدابا يجب أن يتحلى بها القارئ وأن يحافظ عليها، وأن يعمل على تطبيقها والأخذ بها، ولقراءة القرآن فضل لا ينكره أحد، وقد أثنى الله تعالى على الذين يتلون القرآن فقال تعالى: يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار».
وقد روى الترمذي من حديث ابن مسعود «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها»، والأحاديث على فضل قراءة القرآن كثيرة لا يتسع لها هذا المختصر.
س: هل لقراءة القرآن مقدار محدد في اليوم؟
ج: ليس لقراءة القرآن مقدار محدد في كل يوم، بل الإنسان مخير في مقدار القراءة كل على حسب استطاعته، وقد جاء أنه لا مانع من ختم القرآن في كل يوم، وورد أن بعض السلف كانوا يقرءون القرآن في اليوم والليلة، وبعضهم في ثلاث، وبعضهم في أكثر من هذا وكل على حسب عادته ومقدرته، وأخرج أحمد وأبو عبيد عن سعيد بن المنذر قال: (قلت يا رسول الله: أقرأ القرآن في ثلاث قال: نعم إن استطعت).
س: ما حكم نسيان القرآن؟
ج: حكم ذلك كبيرة؛ صرح بذلك النووي في الروضة وغيرها لحديث أبي داود وغيره «عرضت على ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها».
وفي الصحيحين «تعاهدوا القرآن فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها».
س: ما حكم الوضوء عند قراءة القرآن؟
ج: حكمه مستحب وقيل واجب لأنه أفضل أنواع الذكر وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يكره أن يذكر الله إلا على طهر كما ثبت في الحديث، والله تعالى يقول: لا يَمَسُّهُ
(1/63)

إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وقال إمام الحرمين: ولا تكره القراءة للمحدث: لأنه صح أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث. أي مع الحدث الأصغر، أما الجنب والحائض والنفساء فتمنع عليهم القراءة في المصحف حتى يتم الطهر لهم، ويجوز لهم النظر في المصحف دون اللمس، وتمريره على القلب، وأما متنجس الفم فتكره له القراءة، وقيل إنها تحرم كمس المصحف باليد النجسة وتمنع القراءة في مكان غير نظيف أي غير طاهر لأن السّنّة أن تكون القراءة في المكان النظيف الطاهر وأفضل الأماكن:
المساجد، وهذا من باب تعظيم القرآن الكريم لأنه كلام رب العالمين، فمن أعزّ القرآن أعزه الله تعالى.
س: ما حكم التعوذ قبل قراءة القرآن الكريم؟
ج: التعوذ قبل قراءة القرآن الكريم سنة، وقيل واجبة لقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (1)، وصيغتها (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وهذه هي الصيغة المختارة، وكان جماعة من السلف يزيدون (السميع العليم) بعد أعوذ بالله، وكله جائز.
س: ما حكم البسملة عند قراءة القرآن؟
ج: حكمها سنة وقيل واجبة القراءة عند افتتاح كل سورة من سور القرآن إلا سورة براءة، على أنها آية عند أكثر العلماء، فإذا تركها كان تاركا لبعض الختمة عند الأكثرين، أما قراءتها في وسط السورة ففيه تخيير للقارئ. إن شاء بسمل وإن شاء اكتفى بالاستعاذة، ويراد بوسط السورة: القراءة ولو بعد آية من أولها.
س: هل تحتاج قراءة القرآن إلى نية؟
ج: لا تحتاج قراءة القرآن إلى نية كسائر العبادات، بل النية محلها القلب ولا داعي للتلفظ بها؛ لأن التلفيظ بها بدعة عند بعض المذاهب.
س: ماذا يقال عقب قراءة بعض السور من القرآن الكريم؟
ج: أخرج الترمذي وأبو داود حديث من قرأ والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها
__________
(1) سورة النحل آية 98.
(1/64)

فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة فانتهى إلى آخرها أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى فليقل: (بلى) ومن قرأ (المرسلات) فبلغ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فليقل: (آمنا بالله) وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن عباس (أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا قرأ سبّح اسم ربك الأعلى قال:
سبحان ربي الأعلى) هذا وغيره كثير، وكل ذلك مستحب وليس بواجب.
- ومن المستحب البكاء عند القراءة للقرآن الكريم أو التباكي لمن لم يقدر عليه؛ خشوعا لكلام الله تعالى، كما يستحب تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها لحديث ابن حبان وغيره (زينوا القرآن بأصواتكم) وفي لفظ عند الدارميّ (حسنوا القرآن بأصواتكم) والقراءة في المصحف أفضل من القراءة من حفظه؛ لأن النظر في المصحف عبادة.
- ولا بأس من القراءة من الحفظ لمن يتمكن من ذلك ويزيده خشوعا على خشوعه.
- ومن المكروه قطع القراءة لمكالمة أحد؛ لأن كلام الله تعالى أفضل من كلام غيره، وقد جاء في الصحيح أن ابن عمر كان إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ من القراءة، كما يكره الضحك والعبث والنظر إلى ما يشغل أثناء القراءة؛ احتراما لتلاوة كلام الله تعالى.
- ويسن للقارئ السجود عند قراءة آية من آيات السجود في القرآن الكريم إذا تيسر ذلك للقارئ ويكره اتخاذ قراءة القرآن للمعيشة- أي يتكسب بها- ولكن عليه أن يسأل الله وحده، وروى البخاري في تاريخه الكبير بسند صالح حديث «من قرأ القرآن عند ظالم ليرفع منه لعن بكل حرف عشر لعنات» .. والله تعالى أعلم.

تمرينات
س 1: هل لقراءة القرآن مقدار محدد في كل يوم؟
س 2: ما حكم نسيان القرآن؟
س 3: ما حكم الوضوء عند قراءة القرآن؟
س 4: ما حكم التعوذ عند القراءة؟
س 5: هل تحتاج قراءة القرآن إلى نية؟
(1/65)

الاقتباس من القرآن الكريم وما جرى مجراه
س: ما هو الاقتباس؟ وما حكمه؟
ج: الاقتباس: هو تضمين الشعر أو النثر شيء من القرآن، لا على أنه منه بحيث لا يقال: قال الله تعالى ونحو ذلك، فإذا قيل لا يكون اقتباسا.
وقد اشتهر عن المالكية تحريمه وتشديد النكير لفاعله.
وغير المالكية لم يتعرضوا له من المتقدمين، ولكن الاقتباس شاع عند بعض المتأخرين، فقد سئل عنه الشيخ عز الدين بن عبد السلام فأجازه واستدل له بما ورد عن الرسول صلّى الله عليه وسلم من قوله في الصلاة وفي غيرها: (وجهت وجهي .. إلخ)، وقوله:
(اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا؛ اقض عني الدين وأغنني من الفقر) وكما ورد في سياق كلام لأبيّ رضي الله عنه وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
وهذا كله يدل على جوازه في المواعظ والثناء والدعاء، وفي النثر أيضا.
ولا دلالة فيه على جوازه في مقام الشّعر لعدم وروده عند الرسول صلّى الله عليه وسلم.
وقد ورد عن الشريف إسماعيل بن المقري في شرح بديعته. الاقتباس ثلاثة أقسام:
مقبول ومباح ومردود.
فالأول: ما كان منه في الخطب والمواعظ والعهود، وهذا مقبول.
والثاني: وهو المباح، وهو ما كان في الغزل والرسائل والقصص.
والثالث: وهو المردود، وهذا على صورتين:
إحداهما: ما نسبه الله تعالى إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه هو، وهذا مثل ما قيل عن أحد بنى مروان، أنه وقع على شكوى من عماله فقال إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ.
والثانية: ما يقع في تضمين آية كريمة في معنى هزل أو استهزاء، ونعوذ بالله من ذلك كله، ويتضح من الصورتين تحريم الاقتباس على هذه الحالة.
(1/66)

وأما استعمال الاقتباس في الشعر ففيه خلاف بين أهل العلم: فمنهم من يبيحه ومنهم من يمنعه، وممن رأى استعماله في الشعر الإمام السيوطي في الإتقان حيث نقل عن أئمة أجلاء منهم الإمام أبو القاسم الرافعي حيث قال:
الملك لله الذي عنت الوجو ... هـ له وذلت عنده الأرباب
متفرد بالملك والسلطان قد ... خسر الذين تجاذبوه وخابوا
دهم وزعم الملك يوم غرورهم ... فسيعلمون غدا من الكذاب
والله تعالى أعلم.

تمرينات
س 1: عرف الاقتباس.
س 2: بين حكم الاقتباس.
س 3: إلى كم قسم ينقسم الاقتباس؟
س 4: اذكر الشعر الذي ذكره الإمام السيوطي في الاقتباس.
(1/67)

مشكلة وموهم الاختلاف والتناقض
س: ما هو المراد من مشكل القرآن؟
ج: المراد من مشكل القرآن: هو ما يوهم التعارض والاختلاف والتناقض بين بعض الآيات.
وكلام الله تعالى وقرآنه العظيم منزه عن ذلك. كما قال الله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ولكن ربما يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافا، والحقيقة أنه ليس اختلافا، وقد تكلم في هذا كثير من أهل العلم والمعرفة لإزالة ما وقع فيه اشتباه في اللفظ، ولكن لكل لفظ سببه ولكل لفظ ما معناه.
وجريا على عادتنا في تلخيص واختصار الموضوع نورد صورا من أسباب الاختلاف حتى يتضح السبب فتزول الشبه ويذهب العجب، وفي أسباب الاختلاف قال الإمام الزركشي في البرهان:
للاختلاف أسباب نختصرها فيما يأتي:
أولها: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى: مثال ذلك في قول الله تعالى في خلق آدم حيث قال: آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثم قال في موضع آخر: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وفي موضع آخر قال: مِنْ طِينٍ لازِبٍ وفي آخر قال تعالى: مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ فهذه الألفاظ المختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلا أن مرجعها جميعا إلى جوهر واحد وهو التراب، ومن التراب درجت كل هذه الأحوال وهذه الأطوار، وليس هناك اختلاف في الحقيقة.
ثانيها: اختلاف الموضع: ومثال ذلك في قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ وكقوله تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ مع قول الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ قال الحليمي: (تحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل. وأما الثانية فتحمل على ما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه، وغيره حمله على اختلاف الأماكن لأن في القيامة مواقف كثيرة.
(1/68)

ففي موضع يسألون، وفي موضع آخر لا يسألون).
وهناك آيات ظاهرها اختلاف، مثل قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وقوله:
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. فقد حمل الشيخ أبو الحسن الشاذلي الموضع الأول على التوحيد ودليله في هذا قوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
والموضع الثاني على الأعمال وقيل: إن الثانية ناسخة للأولى.
ومما يظهر فيه اختلاف قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً مع قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فالآية الأولى تفهم إمكان العدل، والثانية تنفيه.
والجواب هنا: أن الآية الأولى في توفية الحقوق، والثانية في الميل القلبي وليس هذا في مقدور العبد.
ثالثها: الاختلاف في جهتي الفعل: وذلك في مثل قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وقوله: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وهنا أضيف القتل إليهم والرمي إليه صلّى الله عليه وسلم على سبيل الكسب والمباشرة، ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير.
رابعها: الاختلاف في الحقيقة والمجاز: ويتضح ذلك من قوله تعالى: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى أي أنهم سكارى من الأهوال مجازا، وليس من الشرب حقيقة.
خامسها: اختلاف بوجهين واعتبارين: ويدل على ذلك الاختلاف قوله تعالى:
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ مع قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة وجواب ذلك: أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون بالخوف من الزيغ والذهاب عن الهدى، فتجل القلوب لهذا، وقد جمع الله تعالى بينهما في قوله جل شأنه: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ. ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة حيث أن هذا المختصر لا يتحمل أكثر من هذا.
واعلم أن اختلاف القرآن الكريم ليس تناقضا. بل إن بعضه يوضح البعض الآخر، ولا
(1/69)

يتضح هذا إلا لأهل العلم والاختصاص. والله تعالى أعلم.

تمرينات
س 1: ما هو المراد من مشكل القرآن؟
س 2: للاختلاف أسباب. ما عددها؟
س 3: ما هو السبب الثالث مع ذكر الشاهد؟
س 4: اذكر السبب الخامس مع بيان الشاهد.
(1/70)

المحكم والمتشابه
س: ما هو المحكم؟
ج: المحكم في اللغة: مأخوذ من الحكم وأصله المنع وأحكمت بمعنى منعت.
فالمحكم يكون بمعنى الممنوع وبمعنى المتقن، والحكم أيضا الفصل بين الشيئين، أما الإحكام فهو الإتقان، وإحكام الشيء إتقانه، وقد وصف الله تعالى القرآن كله بأنه محكم، قال تعالى: الر* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (1) وقال تعالى:
الر* كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ (2). فالقرآن كله محكم: أي متقن فصيح يميز بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والصدق والكذب، والطيب والخبيث، وهذا هو الإحكام العام، وكذلك وصفه الله تعالى بأن بعضه محكم فقال: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ (3).
س: ما هو المتشابه؟
ج: المتشابه لغة: مأخوذ من التشابه وهو التماثل، ومعناه ما اشتبهت دلالته على كثير من الناس ويقال أيضا: المتشابه هو أن يشبه أحد الشيئين الآخر، وتشابه الكلام تماثله وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضا، وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه متشابه لقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً (4). فالقرآن كله متشابه بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الجودة والكمال والفصاحة والبيان والإعجاز، وهذا هو التشابه العام، وليس هناك تنافي بين المعنيين، لأن القرآن الكريم كله منزّل من عند الله العليم الحكيم الذي ليس كمثله شيء. وبهذا لا يكون فيه تضاد ولا اختلاف، كما قال تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (5).
والله تعالى أعلم.
__________
(1) أول سورة يونس عليه السلام.
(2) أول سورة هود عليه السلام.
(3) سورة آل عمران آية 7.
(4) سورة الزمر آية 23.
(5) سورة النساء آية 82.
(1/71)

الإحكام الخاص والتشابه الخاص
س: هل هناك إحكام خاص وتشابه خاص؟
ج: نعم؛ هناك إحكام خاص وتشابه خاص، وقد ذكرهما ربنا جل وعلا في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (1).
وفي معناهما وقع الخلاف على أقوال نذكر أهمها فيما يلي:
أولا: المحكم: ما عرف المراد منه، والمتشابه: هو ما استأثر الله تعالى بعلمه.
ثانيا: المحكم هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا، والمتشابه هو ما احتمل أكثر من وجه ومعنى.
ثالثا: المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان، والمتشابه ما لا يستقل بنفسه واحتاج إلى بيان يرده إلى غيره؛ والعلماء يمثلون للمحكم بالناسخ وآيات الحلال والحرام والفرائض والوعد والوعيد، وما أشبه ذلك، ويمثلون للمتشابه بحروف فواتح السور والمنسوخ وصفات الله تعالى في قوله جل شأنه: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (2) وقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (3) وقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ (4) ... إلخ.
وفي معاني هذه الصفات وما أشبهها في القرآن الكريم آراء بين العلماء لا يتسع هذا المختصر لعرضها (5) .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: ما هو المحكم لغة؟ اذكر بعض معانيه.
س 2: ما هو المتشابه لغة؟ وما معنى (متشابها)؟
س 3: اذكر بعض الأمثلة للمحكم والمتشابه.
__________
(1) سورة آل عمران آية 7.
(2) سورة طه آية 5.
(3) سورة الفتح آية 10.
(4) سورة الأنعام آية 18.
(5) انظر الإتقان للسيوطي ج 2 ص 2 - 10.
(1/72)

العام والخاص
أولا: (العام)
س: ما هو العام وما صيغه التي تدل عليه؟
ج: العام: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له من غير حصر. وله صيغ تدل عليه نذكر منها ما يلي:
أولا: لفظ (كل) نحو قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (1) ومثلها أيضا كلمة (جميع).
ثانيا: المعرّف بأل التي ليست للعهد مثل قوله تعالى: وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) فإنها تدل هنا على كل إنسان وليس إنسانا معينا.
ثالثا: النكرة: في سياق النفي أو النهي. فالنفي كقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ (3) والنهي نحو قول الله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما (4).
رابعا: الشرط نحو قوله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ (5) وقوله الله تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (6) لعموم المكان.
خامسا: الموصولات نحو قوله تعالى: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما (7) والموصولات مثل (التي) و (الذي) وفروعهما مثل (اللذان) ووَ اللَّائِي يَئِسْنَ ومثلها أيضا أسماء الشرط مثل (من) من قوله تعالى: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما (8) ومثلها: (أيّا) من قوله تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (9).
__________
(1) سورة آل عمران آية 185.
(2) سورة العصر آية 1، 2.
(3) سورة البقرة آية 197.
(4) سورة الإسراء آية 23.
(5) سورة البقرة آية 197.
(6) سورة البقرة آية 150.
(7) سورة الأحقاف آية 17.
(8) سورة البقرة آية 158.
(9) سورة الإسراء آية 110.
(1/73)

سادسا: اسم الجنس المضاف إلى المعرفة مثل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ (1) وكقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (2) أي عن كل أمره. والله تعالى أعلم.

أقسام العام
س: هل للعام أقسام؟ وما هي؟
ج: نعم للعام أقسام ثلاثة وهي:
1 - العام الباقي على عمومه نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) وقوله تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (4) وقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (5) ... إلخ.
فلا تخصيص في هذا وأمثاله.
2 - العام المراد به الخصوص، نحو قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ (6) اللفظ هنا عام بكلمة الملائكة ولكن المراد به هو جبريل عليه السلام ومثله كذلك قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ (7) والمراد بالناس هنا إبراهيم عليه السلام أو سائر العرب من غير قريش.
3 - العام المخصوص: وله أمثلة كثيرة نذكر منها على سبيل المثال: قوله تعالى:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (8). فهذا عام في قوله تعالى:
عَلَى النَّاسِ ثم خصص بقوله تعالى: مَنِ اسْتَطاعَ (9) .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: عرّف العام.
س 2: للعام صيغ تدل عليه. اذكر ثلاثة منها.
س 3: ما هي أقسام العام الثلاثة؟
__________
(1) سورة النساء آية 11.
(2) سورة النور آية 63.
(3) سورة النساء آية 176.
(4) سورة الكهف آية 49.
(5) سورة النساء آية 23.
(6) سورة آل عمران آية 39.
(7) سورة البقرة آية 199.
(8) سورة آل عمران آية 97.
(9) انظر مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان.
(1/74)

ثانيا: (الخاص)
س: ما هو الخاص؟
ج: الخاص: هو المقابل للعام، وهو الذي لا يستغرق الصالح له من غير حصر.
أما التخصيص فهو: إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام، والمخصص: إما متصل أو منفصل، فالمخصص المتصل: هو الذي لم يفصل فيه بين العام والمخصص له بفاصل، والمنفصل هو بخلاف المتصل تماما.
فالمخصص المتصل له خمسة أنواع وهي: 1 - الاستثناء، 2 - الغاية، 3 - الصفة، 4 - بدل البعض من الكل، 5 - الشرط. وإليك الأمثلة لكل نوع منها:
1 - مثال الاستثناء: قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ (1) فقد استثنى هنا الذين تابوا طواعية.
2 - مثال الغاية: كقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (2).
3 - مثال الصفة: كقوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (3) الآية ... فقوله تعالى: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ صفة لنسائكم، والمعنى أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل محللة له إذا لم يدخل بأمها.
4 - مثال بدل البعض من الكل: كقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (4) فقوله تعالى: مَنِ اسْتَطاعَ بدل من الناس فيكون وجوب الحج خاصا بالمستطيع.
5 - مثال الشرط: نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
__________
(1) سورة المائدة آية 33، 34.
(2) سورة البقرة آية 196.
(3) سورة النساء آية 23.
(4) سورة آل عمران آية 97.
(1/75)

فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً (1) أي إن علمتم فيهم القدرة على الأداء، أو الأمانة والكسب.
وأما المخصص المنفصل: فهو ما كان في موضع آخر من آية أو حديث أو إجماع أو قياس، وإليك الأمثلة لكل منها:
1 - ما خصص بالقرآن: كقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (2) عام. خص بقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (3) وبقوله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها (4).
2 - ما خصص بالحديث: فكقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا خص منه البيوع الفاسدة وهي كثيرة؛ كما روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن عسب (5) الفحل) فجملة أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ عامة وقد خصصت البيوع الفاسدة بالمنع بالسنة في أحاديث كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، وجملة وَحَرَّمَ الرِّبا عامة خصص منها العرايا الثابتة بالسنة فإنها مباحة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم رخص في بيع (6) العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق) (7). الوسق: ستون صاعا، والصاع قدح وثلث.
3 - ما خص بالإجماع: آية المواريث في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
__________
(1) سورة النور آية 33.
(2) سورة البقرة آية 228.
(3) سورة الطلاق آية 4.
(4) سورة الأحزاب آية 49.
(5) عسب الفحل: خراب الفحل، أو ماؤه (ترتيب القاموس 3/ 220).
(6) العرايا جمع عرية وهي: أن يعري الرجل الرجل النخلة أي يهبها له أو يهب له ثمرها ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له أي للواهب أن يشتريها أي يشتري رطبها منه أي من الموهوبة له بتمر يابس (فتح الباري 4/ 390).
(7) متفق عليه. صحيح مسلم بشرح النووي ج 10 ص 187.
(1/76)

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1) الآية .. فهذه عامة. خص منها الرقيق فلا يرث بالإجماع.
4 - ما خص بالقياس: آية الزنا في قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (2) الآية، فهذه عامة خص منها:
العبد بالقياس على الأمة المنصوص عليها في قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ (3) .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: عرّف الخاص.
س 2: للخاص المتصل خمسة أنواع. فما هي؟ مع الدليل على كل منها؟
س 3: المخصص المنفصل ما كان بآية أو حديث أو إجماع أو قياس. اذكر مثالا لكل نوع.
__________
(1) سورة النساء آية 11.
(2) سورة النور آية 2.
(3) سورة النساء آية 25. راجع الإتقان للسيوطي ج 2 ص 17، 18 إن شئت.
(1/77)

الناسخ والمنسوخ
س: ما هو النسخ؟
ج: النسخ في اللغة بمعنى الإزالة، ومنه يقال: نسخت الشمس الظل: أي أزالته، وقد يراد بالنسخ نقل الشيء من موضع إلى موضع آخر، ومنه نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه،
ويقول الله تعالى في كتابه الكريم: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (1). والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف، والنسخ في الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي، أما كلمة (الناسخ) فتطلق على الله تعالى كقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ (2) وتطلق أيضا على الآية فيقال: هذه الآية ناسخة لآية كذا، وتطلق على الحكم فيقال: حكم كذا ناسخ لحكم كذا، وأما المنسوخ فهو الحكم المرتفع، فآية المواريث مثلا وما فيها من حكم ناسخ لحكم الوصية للوالدين والأقربين كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
س: هل للنسخ شروط؟
ج: نعم؛ للنسخ شروط ثلاثة وهي:-
1 - أن يكون الحكم المنسوخ شرعيا.
2 - أن يكون الدليل على ارتفاع الحكم خطابا شرعيا متراخيا (3) عن الخطاب المنسوخ حكمه.
3 - ألّا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيد بوقت معين، وإلا فالحكم ينتهي بانتهاء وقته ولا يعد هذا نسخا، وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى في سورة البقرة فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (4) قالوا إنه حكم غير منسوخ لأنه مؤجل بأجل، والمؤجل لأجل لا نسخ فيه (5).
ومما هو معروف عند أهل العلم أن النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي، سواء
__________
(1) سورة الجاثية آية 29.
(2) سورة البقرة آية 106.
(3) متراخيا: أي جاء بعد الحكم المنسوخ في النزول.
(4) سورة البقرة آية 109.
(5) ممن حكى هذا القول مكي بن أبي طالب، أصله من القيروان وله مؤلفات كثيرة في علوم القرآن مثل كتاب الناسخ والمنسوخ، سكن قرطبة ثم رحل إلى مصر وتوفي عام 437 هـ.
(1/78)

كانت صريحة في الطلب أو كانت بلفظ الخبر الذي بمعنى الأمر أو النهي على أن يكون ذلك غير متعلق بالعقائد التي ترجع إلى ذات الله تبارك وتعالى وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر أو الآداب الخلقية أو أصول العبادات والمعاملات؛ لأن الشرائع كلها لا تخلوا من هذه الأصول؛ وهي متفقة فيها. قال الله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (1).
س: هل لمعرفة النسخ أهمية؟
ج: نعم؛ لمعرفة الناسخ والمنسوخ أهمية كبيرة عند أهل العلم من الفقهاء والأصوليين والمفسرين حتى لا تختلط الأحكام، ولهذا وردت أحاديث كثيرة في الحث على معرفة الناسخ والمنسوخ، فقد روي أن عليا كرم الله وجهه ورضي عنه وأرضاه مرّ على قاض فقال له: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، فقال: (هلكت وأهلكت) (2)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله الله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (3) قال: ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحرامه وحلاله (4).
س: ما الطرق التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ؟
ج: لمعرفة الناسخ والمنسوخ طرق نذكرها لك فيما يأتي:-
أولا: النقل الصريح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أو عن صحابي كحديث:
«كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» (5).
ثانيا: إجماع الأمة الإسلامية على أن هذا ناسخ وهذا منسوخ.
ثالثا: معرفة المتقدم من المتأخر في النزول، ولا يعتمد في معرفة النسخ على الاجتهاد أو قول المفسرين أو التعارض بين الأدلة ظاهرا أو تأخر إسلام أحد الراويين .. والله أعلم.
__________
(1) سورة الشورى آية 13.
(2) أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) سورة البقرة آية 269.
(4) أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(5) رواه الحاكم.
(1/79)

أقسام النسخ
س: هل للنسخ أقسام؟
ج: نعم؛ للنسخ أربعة أقسام وهي:-
القسم الأول: نسخ القرآن بالقرآن، وهذا القسم متفق على جوازه، فآية الاعتداد بالحول وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ (1) نسخت بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرا.
وهي قوله تعالى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (2).
القسم الثاني: نسخ القرآن بالسنة، ولهذا القسم نوعان:-
أ- نسخ القرآن بالسنة الآحادية، والجمهور على عدم جواز هذا النوع لأن القرآن متواتر يفيد اليقين وحديث الآحاد مظنون، ولا يصح رفع المعلوم التواتر بالمظنون من الآحاد.
ب- نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وهذا النوع جائز عند الأئمة: مالك وأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه حيث قالوا: (إن الكل وحي) استنادا إلى قوله تعالى:
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (3) وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (4) والنسخ نوع من البيان، ولقد منعه الإمام الشافعي وأهل الظاهر وأحمد في روايته الأخرى لقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (5) والسنة ليست خيرا من القرآن، ولا مثله.
القسم الثالث: نسخ السنة بالقرآن: ويجيزه الجمهور، فإن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة وليس في القرآن ما يدل عليه، وقد نسخ بالقرآن الكريم بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (6)
__________
(1) سورة البقرة آية 240.
(2) سورة البقرة آية 234.
(3) سورة النجم آية 3، 4.
(4) سورة النحل آية 44.
(5) سورة البقرة آية 106.
(6) سورة البقرة آية 44.
(1/80)

ولهذا القسم أمثلة كثيرة لا يتسع هذا المختصر لذكرها.
القسم الرابع: نسخ السنة بالسنة: وتحت هذا القسم أربعة أنواع:-
1 - نسخ سنة متواترة بسنة متواترة.
2 - نسخ آحاد بآحاد.
3 - نسخ آحاد بمتواتر.
4 - نسخ متواتر بآحاد.
فالثلاثة الأولى جائزة، أما النوع الرابع ففيه الخلاف الوارد في نسخ القرآن بالسنة الآحادية، والجمهور على عدم جوازه (1). والله تعالى أعلم.
__________
(1) راجع إن شئت التوسع كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 2 ص 21.
(1/81)

أنواع النسخ في القرآن الكريم
س: ما هي أنواع النسخ في القرآن الكريم؟
ج: أنواع النسخ في القرآن الكريم ثلاثة وهي:-
النوع الأول منها: نسخ التلاوة والحكم معا، ومثاله ما روى مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان فيما أنزل عشر رضعات مشبعات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن) وقولها:
(وهن مما يقرأ من القرآن) ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك لأنه غير موجود في المصحف العثماني وأجيب بأن المراد قارب الوفاة.
النوع الثاني: نسخ الحكم وبقاء التلاوة، ومثال ذلك نسخ حكم آية العدة بالحول مع بقاء تلاوتها، وهذا النوع هو الذي ألّفت فيه الكتب وذكر المؤلفون فيه الآيات المتعددة، والتحقيق أنها قليلة كما بيّن ذلك القاضي أبو بكر العربي (1).
النوع الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، وقد ذكروا له أمثلة كثيرة منها مثلا آية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) وبعض أهل العلم ينكر هذا النوع من النسخ لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع بإنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد (2).

حكمة النسخ
س: ما هي حكمة النسخ؟
ج: حكمة النسخ تتلخص فيما يأتي:
1 - مراعاة مصالح العباد.
2 - تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة وتطور أحوال الناس.
3 - ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه.
__________
(1) انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 2 ص 22.
(2) انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 2 ص 24.
(1/82)

4 - إرادة الخير للأمة المحمدية والتيسير عليها؛ لأن النسخ إن كان إلى ما هو أشق، ففيه زيادة الثواب، وإن كان إلى ما هو أخف ففيه سهولة وتيسير.
وقد ذكر السيوطي في الإتقان في علوم القرآن أن النسخ وقع في إحدى وعشرين آية على خلاف في بعضها (1)، ونذكر للقارئ الكريم هنا بعضا من هذه الآيات على سبيل المثال:
1 - قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (2) منسوخة بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (3) الآية، وقد قيل إن الأولى منسوخة لأنها في صلاة التطوع في السفر على الراحلة وكذا في حال الخوف والاضطراب وحكمها باق في الصحيحين، والثانية في الصلوات الخمس، والصحيح أنها ناسخة لما ثبت في السنة من استقبال بيت المقدس.
2 - وفي قول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ (4) قيل: إنها منسوخة بآية المواريث، وقيل بحديث:
«إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث».
3 - في قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ (5) نسخت بقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (6).
وقوله تعالى في سورة التوبة: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا (7) نسخت بقوله تعالى:
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (8) وبقوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً (9) الآية.
__________
(1) انظر الإتقان للسيوطي ج 2 ص 23.
(2) سورة البقرة آية 115.
(3) سورة البقرة آية 144.
(4) سورة البقرة آية 180.
(5) سورة الأنفال آية 65.
(6) سورة الأنفال آية 66.
(7) سورة التوبة آية 41.
(8) سورة التوبة آية 91.
(9) سورة التوبة آية 122.
(1/83)

هذه بعض الأمثلة للنسخ، وإن شئت التوسع في معرفة الباقي منها فارجع إلى كتاب الإتقان للسيوطي ج 2 ص 23. والله الموفق.

أسئلة وتطبيقات
س 1: عرّف النسخ في اللغة والاصطلاح.
س 2: للنسخ شروط ثلاثة، اذكرها.
س 3: اذكر طرق معرفة الناسخ والمنسوخ.
س 4: للنسخ أربعة أقسام، فما هي؟
س 5: ما هي الحكمة من النسخ؟
س 6: اذكر مثالين من أمثلة النسخ في القرآن الكريم.
(1/84)

المطلق والمقيد
(تعريف المطلق)
س: ما هو المطلق من القرآن الكريم؟
ج: المطلق ما دل على الحقيقة بلا قيد؛ فهو يتناول واحدا ما بدون تعيين. وأكثر وقوعه، النكرة في الإثبات. ففي لفظ (رقبة) من قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (1) أي فعليه تحرير رقبة- أيّ رقبة- فإنه يتناول هنا عتق إنسان مملوك بدون قيد الإيمان أو الكفر، وهذا يعتبر إطلاقا. لأنه شائع في جنس العبيد، وهو أيضا نكرة في الإثبات، لأن المعنى فعليه (تحرير رقبة) وكقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي» (2). وهذا مطلق أيضا في جنس الأولياء سواء كان رشيدا أو غير رشيد.

(تعريف المقيد)
س: ما هو المقيد من القرآن الكريم؟
ج: المقيد: هو ما دل على الحقيقة بقيد، مثل الرقبة المقيدة بالإيمان في قوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (3) قيد هنا بالمؤمنة، وفي قوله تعالى فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ (4) قيد هنا بالتتابع .. وللمطلق والمقيد صور عقلية نورد الأقسام الواقعية منها فيما يلي:
أولا: أن يتحد السبب والحكم معا. كالصيام في كفارة اليمين. جاء مطلقا في القراءة المتواترة في المصحف في قوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ (5) وجاء مقيدا في قراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). فمثل هذا يحمل المطلق فيه على المقيد، ولهذا قال قوم بالتتابع. وبهذا أخذ الأئمة (أبو حنيفة والثوري وأحد رأيين عند الشافعي) وقد خالفهم في ذلك من
__________
(1) سورة المجادلة آية رقم 3.
(2) رواه أحمد والأربعة.
(3) سورة النساء آية رقم 92.
(4) سورة المجادلة آية رقم 4.
(5) سورة المائدة آية رقم 89.
(1/85)

يرى أن القراءة وإن كانت مشهورة إلا أنها ليست حجة، وبهذا لا يكون هنا مقيد يحمل عليه المطلق (1).
ثانيا: أن يتحد السبب ويختلف الحكم، مثال ذلك: الأيدي في الوضوء والتيمم. في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (2) قيد غسل الأيدي هنا في الوضوء بأنه إلى المرافق.
وأطلق المسح في التيمم في قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (3) فقد قيل: هنا لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف الحكم، وعليه أكثر أهل العلم. وخالف أكثر الشافعية وقالوا: يحمل المطلق على المقيد هنا لاتحاد السبب ثالثا: أن يختلف السبب ويتحد الحكم: ولهذا صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون التقييد واحدا، كعتق الرقبة في الكفارة، وقد ورد اشتراط الإيمان في الرقبة بتقييدها (بالرقبة المؤمنة) في كفارة القتل الخطأ- كما قال تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (4) فهنا قيدها بالمؤمنة- أما في كفارة الظهار فقد أطلق الرقبة ولم يقيدها؛ حيث قال تعالى: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (5) هنا أطلقها. وكذلك في كفارة اليمين حيث قال تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (6) وهنا أيضا بدون تقييد في هذه الآية. وقد قال جماعة منهم المالكية وكثير من الشافعية: يحمل المطلق على المقيد؛ فلا تجزئ الرقبة الكافرة في كفارة الظهار واليمين. وقال آخرون وهو مذهب الأحناف: لا يحمل المطلق على المقيد فيجوز عتق الرقبة الكافرة في كفارة الظهار واليمين. هذه هي الصورة الأولى.
__________
(1) انظر مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان ص 210.
(2) سورة المائدة آية رقم 6.
(3) سورة المائدة آية رقم 6.
(4) سورة النساء آية رقم 92.
(5) سورة المجادلة آية رقم 3.
(6) سورة المائدة آية رقم 89.
(1/86)

أما الصورة الثانية: فهي أن يكون التقييد مختلفا، مثل الكفارة بالصيام؛ حيث قيد الصوم بالتتابع في كفارة القتل في قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ (1) وفي كفارة الظهار قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (2) هذا وقد جاء التقييد بالتفريق في صوم المتمتع بالحج حيث قال الله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (3) ثم جاء الصوم مطلقا دون تقييد بالتتابع أو التفريق في كفارة اليمين حيث قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (4) وفي قضاء صيام شهر رمضان قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (5) فالمطلق في هذا لا يحمل على المقيد لأن القيد مختلف.
رابعا: أن يختلف السبب ويختلف الحكم: كاليد في الوضوء والسرقة. فقيدت في الوضوء إلى المرافق وأطلقت في السرقة بلا قيد حيث قال تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (6) فلا يحمل هنا المطلق على المقيد لاختلاف السبب والحكم معا .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س- عرف كلّا من المطلق والمقيد.
س- اذكر أقسام المطلق والمقيد مع ذكر حكم كل منهما- واذكر الدليل من القرآن الكريم.
__________
(1) سورة النساء آية رقم 92.
(2) سورة المجادلة آية رقم 4.
(3) سورة البقرة آية رقم 196.
(4) سورة المائدة آية رقم 89.
(5) سورة البقرة آية رقم 184.
(6) سورة المائدة آية رقم 38.
(1/87)

المنطوق والمفهوم
تعريف المنطوق
س: ما هو المنطوق؟
ج: المنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق. أي أن دلالته تكون من مادة الحروف التي ينطق بها. والمنطوق يشمل خمسة أنواع وهي: 1 - النص 2 - الظاهر 3 - المؤول 4 - الاقتضاء 5 - الإشارة. وإليك بيانها مفصلة:
أولا: النص وهو الذي يفيد بنفسه معنى صريحا لا يحتمل غيره، كقوله تعالى:
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (1) فإن وصف عشرة (بكاملة) قطع احتمال العشرة لما دونها- مجازا- وهذا هو الغرض من النص.
ثانيا: الظاهر وهو ما احتمل معنيين، ولكن أحدهما يسبق إلى الفهم عند الإطلاق. نحو قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (2) فإن لفظ (الباغي) يطلق على الجاهل، كما يطلق على الظالم، لكن إطلاقه على الظالم أغلب وأظهر من إطلاقه على الجاهل فهذا إطلاق راجح، أما إطلاقه على الجاهل فمرجوح.
ثالثا: المؤول وهو ما حمل على المرجوح لدليل يمنع من إرادة المعنى الراجح؛ فهو عكس الظاهر تماما، ومثاله قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (3) فإنه محمول على الخضوع والتواضع وحسن المعاملة للوالدين؛ لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة ليؤمر بخفضها.
رابعا: الاقتضاء وذلك في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (4) فإنه يتضمن إضمار الوطء ويقتضيه. أي حرم عليكم وطء أمهاتكم؛ لأن التحريم هنا لا يضاف إلى الأعيان، فوجب لذلك إضمار فعل يتعلق به التحريم وهو الوطء للأمهات.
وهذا النوع يقرب من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. وسمي هذا اقتضاء
__________
(1) سورة البقرة آية 196.
(2) سورة البقرة آية 173.
(3) سورة الإسراء آية 24.
(4) سورة النساء آية 23.
(1/88)

لاقتضاء الكلام شيئا زائدا على اللفظ.
خامسا: الإشارة ويفهم من قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (1) فإنّ هذا يدل على صحة الصوم ممن أصبح جنبا؛ لأنه يبيح الوطء إلى طلوع الفجر في شهر رمضان مع عدم اتساع الوقت للغسل، وهذا يستلزم الإصباح على جنابة، مع صحة الصوم.

تعريف المفهوم وأقسامه
س: ما هو المفهوم؟ وما أقسامه؟
ج: المفهوم: هو ما دل عليه اللفظ ولكن ليس في محل النطق. وينقسم إلى قسمين:
1 - مفهوم موافقة:
2 - مفهوم مخالفة: وإليك بيانهما بالتفصيل:

أولا: مفهوم الموافقة:
وهو ما يوافق حكمه المنطوق: وهو نوعان:
النوع الأول: فحوى الخطاب؛ وهو ما كان المفهوم فيه أولى بالحكم من المنطوق.
مثل فهمنا لتحريم الشتم والضرب للوالدين من قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (2) لأن منطوق الآية الكريمة تحريم التأفيف، فيكون تحريم الشتم والضرب أولى وأحق لأنهما أشد من التأفيف.
النوع الثاني: لحن الخطاب؛ وهو ما ثبت الحكم فيه للمفهوم كثبوته للمنطوق على السواء. يدل على ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 187.
(2) سورة الإسراء آية 23.
(1/89)

يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (1) يدل على تحريم إحراق أموال اليتامى أو إتلافها بأي نوع من أنواع الإتلاف أو إضاعتها. هذا كله مساو للأكل بل هو أشد.
وهذان النوعان سميا بمفهوم الموافقة لأن المسكوت عنه يوافق المنطوق به في الحكم وإن كان زائدا عليه في النوع الأول ومساو له في النوع الثاني.

ثانيا: مفهوم المخالفة:
وهو ما يخالف حكمه المنطوق. وله أنواع أيضا نذكرها لك بإيجاز:
1 - مفهوم الصفة: وهي الصفة المعنوية. فمثلا قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (2) فيفهم من هذا النص أن غير الفاسق لا يجب التثبت في خبره، ومن هنا يجب قبول خبر الواحد العدل وقس على هذا في الحال والعدد، ومثاله في الحال قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (3) فهذا النص يدل على انتفاء الحكم في المخطئ في قتل الصيد وهو محرم. ومثال العدد كقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (4) فمفهومه أن الإحرام بالحج في غير أشهره لا يصح.
2 - مفهوم الشرط: كقوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (5) فيفهم من هذا أن غير الحوامل لا يجب الإنفاق عليهن.
3 - مفهوم غاية: مثل قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (6) فمفهوم هذا أنها- أي المرأة المطلقة ثلاثا- تحل لمطلقها إذا نكحت غيره بشروط النكاح الصحيح، ثم طلقت منه.
4 - مفهوم الحصر: كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (7) فمفهومه أن غير الله سبحانه وتعالى لا يعبد ولا يستعان به. ولذلك كانت هذه الآية الكريمة دالة
__________
(1) سورة النساء آية رقم 10.
(2) سورة الحجرات آية رقم 6.
(3) سورة المائدة آية رقم 95.
(4) سورة البقرة آية رقم 197.
(5) سورة الطلاق آية رقم 6.
(6) سورة البقرة آية رقم 230.
(7) سورة الفاتحة آية رقم 5.
(1/90)

على إفراد الله تعالى بالعبادة والاستعانة. والحصر هنا مستفاد من تقديم المعمول على العامل (1) .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: عرّف المنطوق واذكر أنواعه.
س 2: عرّف المفهوم. واذكر كلّا من الموافقة والمخالفة مع ذكر الدليل لكل منهما.
__________
(1) الإتقان للسيوطي مع تصرف.
(1/91)

العلوم المستنبطة من القرآن الكريم
س: القرآن الكريم كنز كنوز العلوم والمعارف. فهل من الممكن استنباط كل العلوم منه؟
ج: نعم؛ إن القرآن العظيم هو مستودع العلوم كلها والمعارف والأحكام والتشريعات فقد قال عنه الحق جل علاه: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ وقال جل شأنه: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلم:
«ستكون فتن، قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم» أخرجه الترمذي وغيره.
ومن ما قاله الإمام الشافعي رضي الله عنه (جميع ما تقوله الأمّة شرح للسّنة، وجميع السّنة شرح للقرآن) وقال أيضا: جميع ما حكم به النبي صلّى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن. قلت: ويؤيد هذا قوله صلّى الله عليه وسلم: «إني لا أحل إلا ما أحل الله، ولا أحرّم إلا ما حرّم الله في كتابه» أخرجه بهذا اللفظ الإمام الشافعي في الأم.
وقال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا حدثتكم بحديث أنبئكم بتصديقه من كتاب الله تعالى: أخرجهما ابن أبي حاتم.
وأخرج الإمام البخاري رضي الله عنه عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيّرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فقالت له: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله، فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين (1) فما وجدت فيه كما تقول، قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه.
أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قالت: بلى. قال:
فإنه قد نهى عنه. والقرآن العظيم قد جمع جميع العلوم. علوم الأولين والآخرين
__________
(1) اللوحين: أي دفتى المصحف: من أوله لآخره.
(1/92)

ولم يحط به علما إلا الذي أنزله. ثم رسوله المصطفى صلّى الله عليه وسلم عدا ما استأثر الله تعالى بعلمه، ثم بعد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه صحابته حيث ورثوا عنه معظم ذلك، وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس الذي قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى.
ثم بعد الصحابة التابعون لهم بإحسان. ثم من بعدهم من أهل العلم والمعرفة فتوّعوا علومه وألّفوا فيها وقامت كل طائفة بفنّ من الفنون. ومهما ألّف المؤلفون وكتب الكاتبون وبحث الباحثون فإنهم لم ولن يستطيعوا أن يحصوا أو أن يقفوا على كل ما حوى هذا الكتاب الجامع المانع.
ولقد قام قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته ومعرفة مخارج حروفه وعددها وعدد كلماته وآياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه وعدد سجداته إلى غير ذلك من حصر لكلماته المتشابهة وآياته المتماثلة من غير أن يتعرضوا لمعانيه ولا يتدبروا لما أودع الله تعالى فيه، فسمّوا القرّاء.
واعتنى النحاة بالمعرب والمبني من الأسماء والأفعال والحروف، واعتنى المفسرون بألفاظه. فوجدوا منه لفظا يدل على معنى واحد وآخر يدل على معنيين أو أكثر.
وخاضوا في ترجيح أحد محتملات المعاني وأعمل كل منهم فكره وعقله وقال في القرآن بما اقتضاه نظره. ومع كل هذه الجهود في التفسير لم يزل بكرا.
وقد غاص في أعماقه الأصوليون فاستنبطوا منه أدلة التوحيد الكامل وسمّوا هذا العلم بأصول الدين. كما نهل منه أهل البلاغة وأصول الفقه وعلماء التاريخ والقصص والوعظ والخطابة والحكم والأمثال والمواريث والوصايا. وعلماء المعاني والبديع والبيان والمواقيت. كل قد أخذ حظه من البحث والتمحيص في كتاب الله تعالى ومن بعدهم سيأخذ أكثر وأكثر ولم ينفد ما في هذا الكتاب من أسرار وعلوم.
ولقد تعرض القرآن المجيد لتسمية الأشياء أيضا حتى أنه لم يترك حرفة أو صنعة أو آلة إلا ذكرها لما لها من ضرورة في حياة الناس. فقد ذكر الخياطة في قوله تعالى وَطَفِقا يَخْصِفانِ والحدادة حيث قال وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ الآية، والبناء حيث قال وَالسَّماءَ بَنَيْناها والنجارة حيث قال: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا والغزل حيث
(1/93)

قال نَقَضَتْ غَزْلَها والنسج حيث قال: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً والفلاحة من قوله تعالى أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات. والغوص في قوله تعالى كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ والصياغة. في قوله تعالى وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ والزجاج في قوله تعالى الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ والفخّار في قوله تعالى مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ والملاحة في قوله تعالى أَمَّا السَّفِينَةُ الآية. والكتابة قال عنها عَلَّمَ بِالْقَلَمِ والخبز قال عنه أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً والطبخ قال فيه بِعِجْلٍ حَنِيذٍ والغسل قال عنه وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ والجزارة قال فيها إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ والصّبغ قال عنه صِبْغَةَ اللَّهِ وقال جدد بيض وحمر والحجارة قال فيها وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً والكيل والميزان قال تعالى الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ والرّمي قال عنه وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وفيه الكثير والكثير من أسماء الآلات وصنوف المأكولات والمشروبات والمنكوحات وغير ذلك. مما خلقه الله تعالى للإنسان في هذا الكون العظيم. وصدق الله تعالى حيث قال ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ وعلوم القرآن الكريم أكثر من أن تحصى أو تعدّ.
وفي القرآن العظيم من عجائب الله تعالى في سائر المخلوقات. وملكوت الأرض والسموات وما في الأفق الأعلى وما تحت الثرى وكيفية بدأ الخلق. كما ذكر أسماء مشاهير الرسل والملائكة. وأخبار الأمم السابقة مثل قصة آدم مع إبليس في كيفية إخراجه وزوجته من الجنة. وقصة إغراق قوم نوح. وقصة عاد وثمود وقوم يونس وقوم شعيب وقوم لوط وقوم تبّع وأصحاب الرّسّ. وقصة إبراهيم وبناء الكعبة وقصة يوسف.
وقصة موسى في ولادته وإلقائه في اليم. وقصة طالوت وداود وسليمان. وقصة ذي القرنين ومسيره إلى مغرب الشمس ومطلعها وبنائه للسّدّ. وقصة أيوب وذي الكفل وإلياس. وقصة مريم وولادتها عيسى. وقصة زكريا وابنه يحيى. وقصة أصحاب الكهف.
وكثير من القصص التي وردت فيه ليتعلم الناس منها ويأخذوا منها العبر والعظات.
ومما ورد فيه كذلك ما وقع من شأن النبي محمد صلّى الله عليه وسلم وهو دعوة إبراهيم وبشارة عيسى به وبعثته وهجرته وغزواته. وحجّة الوداع ونكاحه من زينب بنت جحش
(1/94)

وتظاهر أزواجه عليه. وقصة الإسراء والمعراج وانشقاق القمر بين يديه صلّى الله عليه وسلم. وهذا قليل من كثير مما ذكره القرآن الكريم. فهو الكتاب الجامع لأسماء الله الحسنى وأحوال بدأ الخلق وكيفية الموت وأشراط الساعة وأحوال البعث وما يليه من النعيم أو الجحيم وغير ذلك مما لا يستطيع هذا المختصر على حصره. وإن شئت التوسع في هذا فعليك بالرجوع إلى أمهات الكتب في هذا الشأن. والله تعالى أعلم.

تمرينات
س 1: هل من الممكن استنباط كل العلوم من القرآن؟
س 2: اذكر ما قاله الإمام الشافعي في ذلك.
س 3:ماذا قال ابن مسعود في هذا المجال؟
س 4: اذكر الحديث الذي ذكره البخاري وماذا يستفاد منه؟
س 5: بيّن بعض الأمور التي ذكرها القرآن من الصناعات والحرف.
(1/95)

أقسام القرآن الكريم
س: ما هو القسم في القرآن؟
ج: القسم هو تحقيق الخبر وتوكيده. وذلك مثل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ فقد جعلوا ذلك قسما وإن كان فيه إخبار بشهادة لأنه لمّا جاء توكيدا للخبر سمّي قسما. ولقد أفرده ابن القيم في مجلد أسماه التبيان.
والقسم إما أن يكون من الله تعالى وإما أن يكون من المخلوق.
فالقسم من الله تعالى معناه إما أن يكون للمؤمن وإما أن يكون للكافر. فإن كان للمؤمن، فالمؤمن مصدّق بمجرّد الإخبار من الله تعالى من غير قسم. وإن كان لأجل الكافر. فالكافر لا يفيده القسم. وقد أجيب بأن القرآن نزل بلغة العرب والعرب من عادتهم القسم إذا أرادت أن تؤكد أمرا.
وقد قال أبو القاسم القشيري بأن الله ذكر القسم لكمال الحجة وتأكيدها، وذلك لأن الحكم بواحد من اثنين. إما الشهادة وإما القسم. ولذلك ذكر الله تعالى في كتابه الكريم النوعين حتى لا يبقى للناس على الله حجة. وقد قال الله تعالى جل شأنه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ وقال تعالى:
قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ.
وجاء عن بعض الأعراب أنه لمّا سمع قول الحق سبحانه وتعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ* فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ صرخ وقال: من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين.
والقسم لا يكون إلا باسم معظّم. وليس هناك من هو أعظم من الله تعالى.
ولقد أقسم الله تعالى بنفسه في القرآن المجيد في سبعة مواضع. الموضع الأول منها ما ذكر أنفا. والثاني قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ والثالث قُلْ بَلى وَرَبِّي والرابع قوله فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ والخامس قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ والسادس في قوله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ والموضع السابع والأخير في قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ.
(1/96)

ولقد أقسم الله جلّ شأنه في القرآن ببعض مخلوقاته. مثل قوله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَالشَّمْسِ وَضُحاها ومثل وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ومثل وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى فلله سبحانه وتعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته. وليس للإنسان أن يقسم إلا بالله تعالى وحده. حيث أن القسم بغير الله من العبد نوع من أنواع الشرك. أعاذنا الله وإياك منه.
س: كيف أقسم الله بالخلق وقد نهى عنه؟
ج: أقسم الله تعالى بالخلق وقد نهى عنه فهو وحده له أن يقسم بما شاء على ما شاء.
وقد جاء أنه تعالى أقسم بالمخلوقات على أوجه، منها:
أولا: القسم على حذف مضاف بمعنى (ورب التين ورب الشمس) وهكذا في الباقي.
ثانيا: لأن العرب من قبل نزول القرآن كانت تعظّم هذه الأشياء وتقسم بها، فنزل القرآن على ما كانوا يعرفونه.
ثالثا: أن الأقسام إنما تكون بما يعظمه المقسم ويجلّه. فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته ومخلوقاته. لأن الصنعة تدل على الصانع. ولأن القسم بالمصنوعات يستلزم القسم بالصانع. حيث أن ذكر المفعول يستلزم أيضا الفاعل. لأنه يستحيل وجود مفعول بدون فاعل. ولا صنعة بدون صانع. ومما أقسم به الله تعالى من الخلق تعظيما لشأنه وليعرف الناس مكانته عند الله تعالى والقسم بالنبي محمد صلّى الله عليه وسلم حيث قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلّى الله عليه وسلم وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره. صلوات الله وسلامه عليه. وليس لغير الله أن يفعل ذلك. ويقسم بأحد من الخلق لا نبي ولا ولي ولا أي شيء من سائر المخلوقات.
س: كم نوعا للقسم؟
ج: للقسم نوعان: إما ظاهر كما جاء في الآيات القرآنية السابقة وإما مضمر.
(1/97)

والمضمر. إما أن تدل عليه اللام مثل قوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وإما أن يدل عليه المعنى. وذلك قول الله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وتقديره:
(والله). بعد حرف الواو.
س: هذا في القسم. فما هو المقسم به؟
ج: المقسم به أو عليه قال عنه بن القيم: اعلم أن الله تعالى يقسم بأمور على أمور. وإنما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته.
وأقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته.
وأما المقسم عليه فيراد بالقسم توكيده وتحقيقه. فلا بد من أن يكون مما يحسن فيه.
وذلك يتضح في القسم على الأمور الخفية والغائبة إذا أقسم على ثبوتها.
وأما الأمور المشتهرة الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها (1). والله تعالى أعلم.

تمارين
س 1: ما هو القسم في القرآن؟
س 2: كيف أقسم الله بالخلق وقد نهى عنه؟
س 3: كم نوعا للقسم؟
س 4: ما هو المقسم به؟ مع ذكر الدليل؟
__________
(1) هكذا باختصار. وإن شئت التوسع فارجع إلى الإتقان للسيوطي ص 370 - 375.
(1/98)

مفردات القرآن الكريم
س: ما هو المراد من مفردات القرآن؟
ج: المراد من معرفة بعض المفردات في القرآن الكريم. الوقوف على بعض أسراره الجليلة. حيث أن القرآن الكريم هو الكتاب المعجز. وهو تنزيل من حكيم حميد. هو الكتاب الجامع الشامل الذي أحصى كل شيء وبيّن كل ما يحتاج إليه الإنسان. ومن إعجاز القرآن وعظمته أن الآية فيه لها معان كثيرة. كما أن الجملة منه تحمل أكثر من
معنى. وهذا يدل على عظمة القرآن وشموله. وهذا الباب نتحدث فيه عن بعض مفردات القرآن العظيم وبيان ما ورد فيه باختصار من فهم بعض المفردات القرآنية. فالقرآن الكريم ورد فيه أعدل آية وأحكم آية وأجمع آية وأرجى آية. وهكذا من الأوصاف التي تحملها بعض آياته العظام.
فقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أعدل آية في القرآن قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وأحكم آية قوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ .. إلى آخرها. وأجمع آية في القرآن للخير والشر إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن آية أعظم فرحا من آية في سورة الغرف قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية. وما في آية أكثر تفويضا من آية وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.
وأخرج أبو ذر الهروي في فضائل القرآن من طريق ابن يعمر عن ابن عمر عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: إن أعظم آية في القرآن اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وأعدل آية في القرآن إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية وأخوف آية في القرآن فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وأرجى آية في القرآن قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى آخرها وفي أرجى آية في القرآن أقوال كثيرة يعجز هذا المختصر عن سردها.
فارجع إن شئت التوسع في معرفة هذه الآية إلى كتاب الإتقان للسيوطي ص 451.
وأشد آية في القرآن العظيم في قوله تعالى لأهل النار أعاذنا الله وإياكم منها فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: ما نزلت على النبي صلّى الله عليه وسلم آية كانت أشد
(1/99)

عليه من قوله تعالى وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ الآية وجاء عن مالك أن أشد آية على أهل الأهواء قوله تعالى يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: آيتان في كتاب الله تعالى ما أشدهما على من يجادل فيه ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وقوله تعالى وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ.
وقال السعيدي: سورة الحج من أعاجيب القرآن. منها المكي والمدني والحضري والسفري والليلي والنهاري والحربي والسلمي والناسخ والمنسوخ ..
فالمكي يبدأ من رأس الآية الثلاثين بها إلى آخرها. والمدني يبدأ من رأس الآية الخامسة عشر إلى رأس الثلاثين. والليلي خمس آيات من أولها. والنهاري من رأس تسع آيات منها إلى رأس اثنتا عشرة. والحضري إلى رأس العشرين، والسفري أولها، هكذا قال. في كتاب الإتقان للسيوطي، ومن عجيب القرآن أيضا سورة يوسف التي بها قصة يوسف حيث أسماها القرآن أحسن القصص لاشتمالها على ذكر الحاسد والمحسود والمالك والمملوك والشاهد والمشهود والعاشق والمعشوق. والحبس والإطلاق والسجن والخلاص والخصب والجدب وغير ذلك مما يعجز عن بيانه وإيضاحه الخلق أجمعين.
واعلم أن أطول سورة في القرآن سورة البقرة وأطول آية آية الدّين وأقصر سورة سورة الكوثر وأقصر آية قوله تعالى وَالْفَجْرِ، وَالضُّحى وأطول كلمة رسما في القرآن كلمة فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وهكذا كلما تمعنت في كتاب الله تعالى استخلصت معان وفوائد كثيرة. والفوائد من القرآن العظيم لا تتوقف ولا تنقطع، فهو الكنز الزاخر والبحر الوافر. كفاه أنه كلام من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. جل شأنه وعز سلطانه.

تمرينات
س 1: ما هو المراد من مفردات القرآن؟
س 2: اذكر بعض الآيات التي اشتملت على صفات خاصة في القرآن.
س 3: ما هي أرجى آية وما هي أكثر آية تفويضا؟
س 4: اذكر أشد آية على أهل النار. وما هي السورة التي جمعت الكثير من أحوال القرآن؟
(1/100)

إعجاز القرآن الكريم
س: ما المراد من إعجاز القرآن الكريم؟
ج: كان الناس قبل الإسلام لا يؤمنون إلا بالأمور الظاهرة المرئية أو المحسوسة أو الملموسة. ولهذا كانت معجزة كل نبي تتفق وطبيعة قومه وما برعوا فيه من العلوم.
فمثلا: كانت معجزة اليد والعصى لموسى عليه السلام. وكانت معجزة عيسى عليه السلام إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. كما أن الرسالات السابقة كانت لأمم خاصة. ولما اكتمل العقل البشري أذن الله تعالى بفجر الرسالة المحمدية الخالدة إلى الناس كافة، أذن لها أن تظهر وأن تنير العقول والقلوب وتبعث إلى التفكير في هذا الملك والملكوت الواسع الكبير، وفي خالق هذا الكون الباهر العظيم، وكما هي العادة من قبل، أن تكون لكل رسالة معجزة تؤيدها وتعضد المرسل بها. فقد كانت معجزة الإسلام هي معجزة العقل البشري في أرقى تطوراته ونضجه. كانت معجزة سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلّى الله عليه وسلم في عصر مشرف على العلم؛ معجزة عقلية تحاجّ العقل البشري وتتحداه إلى الأبد. ألا وهي معجزة (القرآن الكريم) بعلومه ومعارفه وأخباره الماضية والحاضرة والمستقبلة، وجمعه لكل أنواع العلوم والمعارف التي لا يستطيع الإنسان حصرها والمستمرة على مدى الزمان والتي تتجلى للإنسان كلما ترقى في العلوم والمعارف، شاهدة على عجزه مهما وصل.

تعريف الإعجاز
س: ما هو الإعجاز؟
ج: الإعجاز هو إثبات العجز. والعجز هو: القصور عن فعل الشيء، وضده القدرة. فإذا ثبت الإعجاز ظهرت قدرة المعجز، والمراد بالإعجاز هنا: إظهار صدق النبي صلّى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة، بإظهار عجز العرب عندئذ عن معارضته صلّى الله عليه وسلم في معجزته الخالدة وهي (القرآن الكريم) وكذلك عجز الأجيال القادمة من بعدهم إلى ما شاء الله تعالى.
(1/101)

تعريف المعجزة
س: هذا في الإعجاز. فما هي المعجزة؟
ج: المعجزة: هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم من المعارضة- وكما عرفنا أن معجزة النبي صلّى الله عليه وسلم الكبرى كانت (القرآن الكريم) الذي تحدى به النبي صلّى الله عليه وسلم العرب جميعا مع فصاحتهم وبلاغتهم ونبوغهم، فإنهم قد عجزوا عن معارضة القرآن الكريم مع طول باعهم في الفصاحة والبلاغة. وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم تحدى العرب بالقرآن حينما كذبوه وعارضوه وقالوا إنه من صنع محمد، فطلب منهم- وهم عرب مثله- أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بشيء من مثله فلم يقدروا ولم يستطيعوا. وقد سجّل القرآن الكريم هذا التحدي على مراحل ثلاث:
1 - تحداهم بالقرآن كله على أن يأتوا بمثله وهم أهل الفصاحة والبلاغة- فقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (1). فلم يقدروا فتنزل معهم إلى ما هو دون ذلك.
2 - تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله. حيث قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ الآية (2). فلم يستطيعوا فتدرج معهم إلى ما هو أقل من ذلك.
3 - تنزل معهم في التحدي إلى أن يأتوا بسورة واحدة من القرآن- فما استطاعوا حيث قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ (3) ومع هذا لم يستطيعوا. ولقد كان سماع القرآن حجة ملزمة لهم حيث قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ (4). سبحان الله الغالب.
وكان ما يحتويه القرآن الكريم من معجزات تفوق كل معجزة كونية سابقة ويغني عنها جميعها. وعجز العرب عن معارضة القرآن مع توفر الإمكانيات عندهم عجز
__________
(1) سورة الإسراء آية رقم 88.
(2) سورة هود عليه السلام آية رقم 13، 14.
(3) سورة يونس عليه السلام آية رقم 38.
(4) سورة التوبة آية رقم 6.
(1/102)

للّغة العربية في ريعان شبابها وعنفوان قوتها أن يبارى بها القرآن الكريم المنزل من عند الله رب العالمين، ولقد اختلفت الآراء في إعجاز القرآن الكريم. فمنهم من قال (إن إعجاز القرآن كان بالصرفة) أي أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته مع قدرتهم عليها، وكان هذا رأي أبي إسحاق إبراهيم النظّام، والمرتضى من الشيعة وهو قول يدل على عجز ذويه. فلا يقال فيمن سلب القدرة على شيء: إن الشيء أعجزه ما دام في مقدوره أن يأتي به في أي وقت شاء. وإنما المعجز حقا هو قدرة الله تعالى المنزل لهذا الكتاب بلغتهم وبحروف اللغة العربية التي يجيدونها ويتبارون في صناعتها ويتسابقون في بلاغتها دون أن يصرفهم عن الإتيان بمثله لو استطاعوا. ومن العلماء أيضا من ذهب إلى أن القرآن معجز ببلاغته التي وصلت إلى مرتبة لم يعهد لها مثيل من قبل. وهذا رأي أهل اللغة العربية الذين يولعون بصور المعاني الحية في التركيب المحكم والبيان البديع ... وذهب بعض العلماء يقول: إن وجه إعجاز القرآن في أنه يتضمن البديع المخالف لما عرف في كلام العرب من فواصل ومقاطع وسجع ونظم مرتّب ... وآخرون يقولون بل إعجازه في الإخبار عن المغيبات المستقبلة التي لا تعرف إلا عن طريق الوحي. أو الإخبار عن أمور تقدمت منذ بدء الخليقة بما لا يمكن صدوره من أمّيّ لم يعرف القراءة والكتابة. وجماعة منهم يقولون (إن القرآن معجز لما تضمنه من العلوم والمعارف المختلفة والحكم البليغة) وهناك وجوه كثيرة للإعجاز القرآني يعجز عن سردها هذا المختصر.
والحقيقة أن القرآن الكريم معجز بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان- فهو معجز في أسلوبه وألفاظه، ومعجز في بيانه ونظمه، ومعجز بعلومه ومعارفه، ومعجز بما يبلغ عنه من أمور غيبية سابقة أو لاحقة. كما أنه معجز في تشريعه الحكيم ووضع الضوابط لصيانة حقوق الإنسان في كل زمان ومكان. والقرآن أولا وآخرا هو الذي صيّر العرب الرعاة شعوبا وقادة أمم وهذا وحده إعجاز ...

شروط المعجزة
س: هل للمعجزة شروط؟
ج: نعم؛ للمعجزة شروط خمسة نبه إليها العلماء، فإن اختل شرط واحد منها لا
(1/103)

تكون معجزة وهي:
الشرط الأول: أن تكون بما لا يقدر عليه إلا الله رب العالمين.
الشرط الثاني: أن تخرق العادة، وتكون مخالفة للسنة الكونية.
الشرط الثالث: أن تقع على وفق دعوى النبي المتحدي بتلك المعجزة.
الشرط الرابع: أن يستشهد بها مدعي الرسالة على صدق دعواه.
الشرط الخامس: ألا يأتي أحد بمثل تلك المعجزة على وجه المعارضة.
فهذه الشروط الخمسة إن تحققت كان ذلك الأمر الخارق للعادة معجزة دالة على نبوة صاحب الرسالة التي ظهرت المعجزة على يديه، وإذا لم تتحقق هذه الشروط في معجزة (القرآن الكريم) المنزل على خير خلق الله أجمعين سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلّى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الغر الميامين.

وجوه إعجاز القرآن الكريم
س: ما هي أوجه إعجاز القرآن الكريم؟
ج: لإعجاز القرآن الكريم وجوه عشرة يعرف بها. وهي كما يلي:
1 - النظم البديع للقرآن المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب.
2 - الأسلوب العجيب المخالف لجميع الأساليب العربية.
3 - الجزالة التي لا يمكن لمخلوق أن يأتي بمثلها.
4 - التشريع الدقيق الكامل الذي يلفظ كل تشريع وضعي.
5 - الإخبار عن المغيبات التي لا يمكن معرفتها إلا عن طريق الوحي.
6 - عدم التعارض مع العلوم الكونية المقطوع بصحتها.
7 - الوفاء بكل ما أخبر عنه القرآن الكريم من وعد ووعيد.
8 - العلوم والمعارف التي اشتملت على العلوم الشرعية والكونية.
9 - وفاؤه بحاجات البشر على مدى الأزمان.
(1/104)

10 - تأثيره البالغ في قلوب أتباعه وأعدائه على السواء. (1)

أسئلة وتطبيقات
س 1: عرّف الإعجاز والمعجزة.
س 2: اذكر المراحل الثلاث التي تحدى القرآن بها العرب. مع ذكر الدليل.
س 3: اذكر شروط المعجزة.
س 4: اذكر خمسة من وجوه الإعجاز القرآني التي يعرف بها.
__________
(1) التبيان في علوم القرآن للصابوني. بتصرف.
(1/105)

قصص القرآن
س: ما هو القصص؟
ج: القصص: هو الأخبار المتتابعة. قال الله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ (1) وقال تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ (2).
س: هذا تعريف القصص. فما هي القصة؟
ج: القصة قيل هي: الأمر- الخبر- الشأن- الحال. وقصص القرآن: إخباره عن أحوال الأمم الغابرة، وشأن النبوات السابقة والحوادث الواقعة، وأمور كثيرة أخرى، وقد اشتمل القرآن الكريم على كثير من وقائع الماضي وتاريخ الأمم وذكر البلاد والديار وما حدث فيها. وتتبع آثار كل قوم، كما حكى القرآن الكريم عن الجميع صورة ناطقة كما كانوا عليه في عصورهم وحياتهم.

أنواع القصص
س: هل للقصص القرآني أنواع؟ وما هي؟
ج: نعم؛ للقصص القرآني أنواع ثلاثة وهي:
النوع الأول: قصص الأنبياء، وقد تضمن هذا النوع دعوة الأنبياء لقومهم والمعجزات التي أيدهم الله تعالى بها، وموقف المعاندين من قومهم لهم، ومراحل الدعوة وتطورها، وعاقبة كل من المؤمنين والمكذبين، كما ورد ذلك في القرآن الكريم في قصة نوح، وإبراهيم، وموسى وهارون، وعيسى، ومحمد وغيرهم من الأنبياء والمرسلين عليهم جميعا أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
النوع الثاني: قصص قرآني. وهذا النوع يتعلق بحوادث غابرة، وأشخاص لم تثبت نبوتهم كقصة القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة طالوت وجالوت، وقصة ابني آدم، وقصة أهل الكهف، وقصة ذي القرنين، وقصة
__________
(1) سورة آل عمران آية رقم 62.
(2) سورة يوسف عليه السلام آية رقم 111.
(1/106)

قارون، وقصة أصحاب السبت، وقصة مريم، وقصة الفيل وغير ذلك من القصص لما حدث في أمم سابقة.
النوع الثالث: قصص يتعلق بالأحداث التي وقعت في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، كغزوة بدر وأحد كما وردتا في سورة آل عمران، وغزوة حنين وتبوك كما وردتا في سورة التوبة، وغزوة الأحزاب التي أوردها الله تعالى في سورة الأحزاب، وقصة الهجرة والإسراء ونحو ذلك مما حدث في زمن المصطفى صلّى الله عليه وسلم.
س: هل للقصص القرآني فوائد؟
ج: نعم؛ للقصص القرآني فوائد نذكر منها ما يلي:
1 - إيضاح أسس الدعوة إلى الله تعالى، ويتضح ذلك في بيان أصول الشرائع التي بعث الله بها كل نبي من الأنبياء المرسلين، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (1).
2 - تصديق الأنبياء السابقين وإحياء ذكراهم وتخليد آثارهم.
3 - إظهار صدق النبي محمد صلّى الله عليه وسلم في دعوته بما أخبر به عن أحوال الأمم السابقة عبر القرون والأجيال الغابرة.
4 - تثبيت قلب النبي صلّى الله عليه وسلم وقلوب المؤمنين معه على دين الله تعالى، وتقوية ثقة المؤمنين بنصرة الحق وجنده وخذلان الباطل وأهله- كما جاء في محكم التنزيل:
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2).
5 - معارضة لأهل الكتاب بالحجة القوية فيما كتموه من البينات والهدى من بعد ما بيّنه الله تعالى لهم وتحديه لهم بما كان في كتبهم، كما حكى القرآن الكريم عنهم في قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (3).
__________
(1) سورة الأنبياء آية رقم 25.
(2) سورة هود عليه السلام آية رقم 120.
(3) سورة آل عمران آية رقم 93.
(1/107)

والقصص: ضرب من ضروب الأدب، ونوع من أنواع العبر، يصغي إليه السمع وترسخ عبره في النفوس البشرية كما قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ (1).

الحكمة من تكرار القصص
س: ما الحكمة من تكرار القصص في القرآن الكريم؟
ج: الحكمة من ذلك، أن القرآن الكريم يشتمل على كثير من القصص التي تتكرر في غير موضع منه. فالقصة الواحدة يتعدد ذكرها في القرآن الكريم وتعرض في صور مختلفة في التقديم والتأخير والإيجاز والإطناب وما شابه ذلك. مع أن السبب واحد، ومن حكمة هذا نورد ما يلي:-
أولا: بيان بلاغة القرآن العظيم في أعلى مراتبها، فمن خصائص البلاغة إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة، والقصة المتكررة ترد في كل موضع بأسلوب يختلف عن الآخر، كما تصاغ القصة في قالب غير القالب الأول، ولهذا لا يمل الإنسان من تكرارها، بل تتجدد في نفسه معان لا تحصل له بقراءتها في المواضع الأخرى.
ثانيا: قوة الإعجاز. فإبراز المعنى الواحد في صور متعددة مع عجز العرب البلغاء عن الإتيان بصورة منها مع بلاغتهم أبلغ في التحدي.
ثالثا: الاهتمام بشأن القصة لأنها محببة إلى النفس وتمكين لعبرها في نفس المستمع لأن التكرار من طرق التأكيد وعلامات الاهتمام. كما هو الحال في قصة موسى عليه
السلام مع فرعون، لأنها تمثل الصراع بين الحق والباطل غاية التمثيل. علما بأن القصة لا تتكرر في السورة الواحدة مهما كثر تكرارها وإنما تتكرر في كل موضع بأسلوب يختلف عن الآخر، وذلك مما يشد انتباه القارئ والسامع لها في كل موضع من مواضعها.
رابعا: اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة، فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض المطلوب منها في مقام كما تبرز معاني أخرى في سائر المقامات حسب ما
__________
(1) سورة يوسف عليه السلام آية رقم 111.
(1/108)

يقتضيه الحال.
وكيف لا يكون كذلك وهو كلام رب العالمين الذي أحاط بكل شيء علما ..
والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: عرّف القصص. وما هو القصص في القرآن؟
س 2: القصص في القرآن على أنواع ثلاثة. اذكرها.
س 3: اذكر فوائد القصص القرآني.
س 4: تكرار القصص في القرآن الكريم له حكمة. اذكر بعض أنواعها.
(1/109)

الأمثال في القرآن الكريم
س: ما هي الأمثال؟
ج: الأمثال: جمع مثل. والمثل والمثال كالشبه والشبيه في اللفظ والمعنى، ويطلق كذلك على الحال والقصة العجيبة نحو قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ (1) أي قصتها وصفتها التي يتعجب منها.

أنواع الأمثال
س: ما أنواع الأمثال في القرآن؟
ج: للأمثال أنواع ثلاثة وهي: 1 - الأمثال المصرحة. 2 - الأمثال الكامنة.
3 - الأمثال المرسلة. وإليك بيانها مفصلة:
أولا- الأمثال المصرحة: وهي ما كان اللفظ فيها صريحا بلفظ المثل أو ما يدل على التشبيه مثل قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ (2) وكقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (3) شبه الله تعالى حال المنافقين في هذه الآيات الكريمات حين انتفعوا بالدخول في دين الإسلام ولكن لم يكن له أثر في قلوبهم بحال الذي استوقد نارا للإضاءة والنفع، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وأبقى لهم ما فيها من الإحراق، فانتفعوا ماديا بالدخول في الإسلام ولكن لم يكن له أثر في قلوبهم فذهب الضوء عنهم وبقي لهم الإحراق. هذا المثل تشبيها بالنار، أما مثلهم المشبه بالماء، فشبههم بحال من أصابهم مطر غزير وفيه ظلمة ورعد وبرق فخافوا وخارت قواهم ووضعوا أصابعهم في آذانهم وأغمضوا عيونهم خوفا من صاعقة واقعة بهم. وهذا المثل يؤخذ من الآية الكريمة أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (4) لأن القرآن
__________
(1) سورة محمد صلّى الله عليه وسلم آية رقم 15.
(2) سورة يونس عليه السلام آية رقم 24.
(3) سورة البقرة آية رقم 17 - 20.
(4) سورة البقرة آية رقم 19.
(1/110)

العظيم حينما نزل عليهم بزواجره وأوامره ونواهيه في خطابه لهم، نزل عليهم نزول الصواعق. هذا من الأمثال المصرحة في القرآن الكريم.
ثانيا: الأمثال الكامنة: وهي التي لم يصرح فيها بلفظ التمثيل، ولكنها تدل على معان رائعة في إيجاز. ويمثلون لهذا النوع بأمثلة كهذه الأمثلة:
1 - مثال «خير الأمور الوسط» يقابله من أمثال القرآن قوله تعالى: لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ (1) في وصف البقرة. وبقوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ (2) هذا مثال للاعتدال في الإنفاق.
2 - مثال قولهم: «ليس الخبر كالعيان» يقابله من أمثلة القرآن قوله تعالى:
قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (3) يفيد أن الرؤيا أولى من السماع.
3 - مثال قولهم: «كما تدين تدان» يقابله قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ (4) وهذا المثال يفيد ما تعمله تجده.
4 - مثال قولهم: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» يقابله في القرآن قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام لأبنائه: قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ (5) والأمثلة على هذا النوع كثيرة لا يتسع لحصرها هذا المختصر (6).
ثالثا- الأمثال المرسلة: هي التي أرسلت جملها إرسالا من غير تصريح بلفظ يدل على التشبيه فهي آيات جارية مجرى الأمثال. مثال ذلك من القرآن الكريم بقوله تعالى: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ (7) وقوله تعالى: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (8) وقوله تعالى: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (9) وقد قال بعض العلماء: (إذا سمعت المثل في القرآن ولم أفهمه بكيت على نفسي. لأن الله تعالى
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 68.
(2) سورة الإسراء آية رقم 29.
(3) سورة البقرة آية رقم 260.
(4) سورة النساء آية رقم 123.
(5) سورة يوسف عليه السلام آية رقم 64.
(6) ارجع إلى الإتقان للسيوطي. الجزء الثاني صفحة 132، 133.
(7) سورة يوسف عليه السلام آية رقم 51.
(8) سورة النجم آية رقم 58.
(9) سورة يوسف عليه السلام آية رقم 41.
(1/111)

يقول: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (1)). وقد أخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن القرآن نزل على خمسة أوجه، حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال» (2) صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

فوائد الأمثال
س: ما فوائد المثل في القرآن الكريم؟
ج: لمعرفة الأمثال القرآنية فوائد جمة نوجزها فيما يلي:
أولا: إبراز المعقول في صورة المحسوس الذي يلمسه الناس، حيث ضرب الله المثل لبيان حال المنفق رياء بأنه لا يحصل من إنفاقه على شيء من الثواب. فقال تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا (3).
ثانيا: الأمثال تكشف عن الحقائق وتبين الغائب في معرض الحاضر، كقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ (4).
ثالثا: الأمثال تجمع المعاني الرائعة في عبارات موجزة، كالأمثال الكامنة والمرسلة التي سبق ذكرها.
رابعا: يضرب المثل للترغيب. كما في قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (5).
خامسا: يضرب الله تعالى المثل للتنفير. حيث يقول جل ذكره: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ (6).
__________
(1) سورة العنكبوت آية رقم 43.
(2) انظر الإتقان للسيوطي. الجزء الثاني صفحة 131.
(3) سورة البقرة آية رقم 264.
(4) سورة البقرة رقم 275.
(5) سورة البقرة آية رقم 261.
(6) سورة الحجرات آية رقم 12.
(1/112)

سادسا: يضرب الله تعالى المثل للمدح كما في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ إلى أن قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (1) وقد نزل هذا في حق صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين في وصفهم بأكمل الأوصاف الإيمانية.
والأمثال في الحقيقة أوقع في النفس وأبلغ في الوعظ والإرشاد وأقوى من الزجر.
وفي شدة انتباه السامع وفي الإقناع بها عند سماعها. وقد أكثر الله تعالى من الأمثال في القرآن الكريم للتذكرة والعبرة، كما استعملها الرسول صلّى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه الشريفة واستعان بها الداعون إلى الله تعالى في كل عصر لنصرة الحق وإقامة الحجة وكذلك ليستعين بها المربّون ويعتبرونها من وسائل جذب الانتباه والإيضاح والتشويق، ليتمكنوا من إيصال ما يريدون إيصاله إلى المستمع، وذروة هذا كله قوله تعالى:
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (2).
والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: عرّف الأمثال. مع ذكر الدليل عليها من القرآن الكريم.
س 2: كم نوعا للأمثال في القرآن الكريم؟ وضحها مع تعريف كل نوع منها.
س 3: للأمثال في القرآن فوائد. اذكر بعضا منها مع ذكر الدليل من القرآن الكريم.
__________
(1) سورة الفتح آية رقم 29.
(2) سورة الزمر آية رقم 27.
(1/113)

قواعد رسم المصحف
س: ما هي قواعد رسم المصحف مع بيانها مفصلة؟
ج: القرآن الكريم معجز في كل شيء، ومن إعجازه أنه اختص بقواعد معينة في خطه ورسمه، يختلف عن الخط العادي. ولله تعالى في ذلك حكمة، وللمصحف العثماني قواعد في خطه ورسمه. حصرها علماء هذا الفن في ست قواعد. هي:
1 - قاعدة الحذف. 2 - قاعدة الزيادة. 3 - قاعدة الهمز. 4 - قاعدة البدل.
5 - قاعدة القطع والوصل. 6 - قاعدة ما فيه قراءتان. وإليك أخي القارئ الكريم بيانها مفصلة:
س 1: ما هي قاعدة الحذف؟ مع التمثيل.
ج: قاعدة الحذف تدور في حذف الأحرف الثلاثة وهي الألف والياء والواو.
وبعض حروف أخرى تذكر في مكانها. ونبدأ ببيان حذف الألف فنقول وبالله التوفيق:
أولا: تحذف الألف رسما من ياء النداء نحو يا أَيُّهَا النَّاسُ ومن هاء التنبيه نحو ها أَنْتُمْ ومن بين اللّامين في كلمة الْكَلالَةِ ومن كل ما جمع على وزن (مفاعل) وشبهه نحو الْمَسْجِدِ ونحو ذلك إلّا ما وقع في استثناء.
ثانيا: تحذف الياء رسما من كل منقوص منون رفعا وجرا نحو غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ (1) وتحذف كذلك من هذه الكلمات: أَطِيعُونِ، فَاتَّقُونِ، خافُونِ، فَأَرْسِلُونِ، وفَاعْبُدُونِ إلا ما استثني من ذلك.
ثالثا: تحذف الواو رسما إذا وقعت مع واو أخرى في نحو فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ (2) - لا يَسْتَوُونَ، كما تحذف الواو رسما من هذه الأفعال الأربعة وهي: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ (3) - وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ (4)، يَوْمَ يَدْعُ
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 173.
(2) سورة الكهف آية رقم 16.
(3) سورة الإسراء آية رقم 11.
(4) سورة الشورى آية رقم 24.
(1/114)

الدَّاعِ (1)، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (2). كما تحذف الياء من كلمة الداع في قوله تعالى مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ (3). وتحذف اللام إذا كانت مدغمة في مثلها نحو (والّيل، الّذي) إلا ما استثنى. وهناك حذف لا يدخل تحت قاعدة معينة مثل حذف الألف من كلمة مُلْكِ وتحذف أيضا من كلمة إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وهذه الأمثلة للحذف على سبيل المثال لا
الحصر.
س 2: ما هي قاعدة الزيادة؟ مع التمثيل.
ج: قاعدة الزيادة خلاصتها أنها أيضا تدور في الألف والياء والواو، وإليك بيانها بالتفصيل:-
أولا: تزاد الألف بعد الواو في آخر كل اسم مجموع أو في حكم المجموع وذلك في نحو (ملاقوا) في قوله تعالى: مُلاقُوا رَبِّهِمْ وفي مثل (بنوا) من قوله تعالى: بَنُوا إِسْرائِيلَ وفي نحو أُولُوا من قوله تعالى: أُولُوا الْأَلْبابِ وما شابه ذلك. وتزاد الألف بعد الهمزة المضمومة المرسومة على واو نحو تَاللَّهِ تَفْتَؤُا كما تزاد الألف بعد الميم في كلمة (مائة)، (مائتين) وتزاد ألف في آخر هذه الكلمات الثلاث (الظنونا، الرسولا، السبيلا) في قوله تعالى: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (4) وفي قوله: وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (5) وفي قوله تعالى: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (6).
ثانيا: تزاد الياء في كلمة (بأييد) في قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (7) وما أشبهها.
ثالثا: تزاد الواو في نحو (أولو)، (أولئك)، (أولاء)، (أولات) وما أشبهها.
س 3: ما هي قاعدة رسم الهمز في القرآن؟ مع التمثيل.
__________
(1) سورة القمر آية رقم 6.
(2) سورة العلق آية رقم 18.
(3) سورة القمر آية رقم 8.
(4) سورة الأحزاب آية رقم 10.
(5) سورة الأحزاب آية رقم 66.
(6) سورة الأحزاب آية رقم 67.
(7) سورة الذاريات آية رقم 47.
(1/115)

ج: قاعدة رسم الهمز في القرآن تتلخص فيما يأتي:-
أولا: إذا كانت ساكنة تكتب بحرف حركة ما قبلها نحو (ائذن لي)، (اؤتمن)، (البأساء) إلا ما استثني.
ثانيا: إذا كانت الهمزة متحركة وكانت أول الكلمة واتصل بها حرف زائد كتبت بالألف مطلقا سواء كانت مفتوحة نحو (وأيوب) أو نحو (سأصرف) أم كانت مكسورة نحو (إذا، فإذا) أم كانت مضمومة نحو (أولوا) ونحو (سأنزل).
ثالثا: إذا كانت الهمزة وسطا فإنها تكتب بحرف من جنس حركتها مثل (سأل)، (سئل)، (يقرءون) إلا ما استثني من ذلك.
رابعا: إذا كانت الهمزة متطرفة كتبت بحرف من جنس حركة ما قبلها نحو (سبأ)، (شاطئ)، (لؤلؤ) إلا ما استثني من ذلك.
س 4: ما هي قاعدة الإبدال؟ مع التمثيل لها.
ج: قاعدة الإبدال خلاصتها:-
أولا: أن الألف تكتب واوا في مثل هذه الكلمات: الصَّلاةَ، الزَّكاةَ، الْحَياةِ إلا ما استثني.
ثانيا: ترسم الألف ياء إذا كانت منقلبة عن ياء نحو: يَتَوَفَّاكُمْ، يا حَسْرَتى، يا أَسَفى.
ثالثا: ترسم الألف ياء في هذه الكلمات: (إلى، على، أنى، متى، بلى، حتى، لدى) ما عدا لفظ لَدَى الْبابِ ترسم بالألف في سورة يوسف.
رابعا: ترسم النون ألفا في نون التوكيد الخفيفة وفي كلمة (إذا).
خامسا: ترسم هاء التأنيث تاء مفتوحة في الكلمات الآتية: (رحمت، نعمت، لعنت، معصيت، شجرت، قرت، جنت، بقيت) في بعض مواضع كل منها في القرآن، فارجع إلى باب التاءات في كتب القراءات.
سادسا: ترسم التاء مفتوحة في كل كلمة (امرأت) أضيفت إلى زوجها مثل:
(امرأت نوح، امرأت لوط، امرأت فرعون) أما إذا لم تضف إلى زوجها فإنها ترسم
(1/116)

بالهاء أو بالتاء المربوطة وهكذا. مثل وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً بسورة الأحزاب.
س 5: ما هي قاعدة القطع والوصل؟ مع التمثيل لها.
ج: قاعدة القطع والوصل تتلخص في الآتي:-
تقطع (أن) بفتح الهمزة وسكون النون مثل أَنْ لا يَقُولُوا ونحو أَنْ لا تَعْبُدُوا في عشرة مواضع. وما عداها فبالوصل، وتوصل (من) ب (ما) إذا وقعت بعدها، ويستثنى من
ذلك قوله تعالى: فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ بالنساء والروم ومِنْ ما رَزَقْناكُمْ بالمنافقين.
وتوصل (من) ب (من) مطلقا، وكلمة (عن) ب (ما) إلا في قوله تعالى:
عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ (1) كما توصل كلمة (أن) المفتوحة الهمزة ب (ما) مطلقا.
وتوصل (إن) المكسورة الهمزة ب (ما) التي بعدها إلا في قوله تعالى: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ (2).
وكذلك كلمة (كل) توصل بكلمة (ما) التي بعدها إلا في قوله تعالى: كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها (3) وفي قوله تعالى: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ (4). كما توصل رسما هذه الكلمات (نعما، ربما، كأنما) (ويكأن) ونحوها (5).
س: ما هي قاعدة ما فيه قراءتان في الرسم؟ مع بيان ذلك.
ج: قاعدة ما فيه قراءتان خلاصتها:
أن الكلمة إذا قرئت على وجهين من القراءات الصحيحة المتواترة كتبت برسم أحدهما، كما رسمت الكلمات الآتية:
كلمة (ملك يوم الدّين)، (يخدعون)، وَواعَدْنا، تُفادُوهُمْ ونحوها رسمت بلا ألف وهي مقروءة بإثبات الألف وحذفها. ومثل كلمة: وَهُمْ
__________
(1) سورة الأعراف آية رقم 166.
(2) سورة الرعد آية رقم 40.
(3) سورة النساء آية رقم 91.
(4) سورة إبراهيم عليه السلام آية رقم 34.
(5) ارجع إلى كتب الرسم إذا أردت التوسع في هذا الباب.
(1/117)

فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ حيث أنها تقرأ بالإفراد والجمع، ومثل هذا كثير في القرآن الكريم وحسبنا في هذا ما ذكرناه على سبيل المثال لا الحصر لتنوير القارئ بمبادئ، معرفة قواعد الرسم العثماني، ومن أراد زيادة المعرفة فعليه بكتب الرسم المختصة ..
والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: كم عدد قواعد الرسم العثماني؟
س 2: اذكر قاعدة ما فيه قراءتان مع التمثيل.
س 3: اذكر قاعدة الإبدال مع التمثيل.
س 4: ما هي قاعدة الحذف مع ذكر أمثلة لها؟
(1/118)

خواص القرآن الكريم
س: ما معنى خواص القرآن الكريم؟
معناها والله أعلم أي الآيات أو السور القرآنية التي تختص بشفاء المريض أو قضاء الحوائج، أو غير ذلك.
وإذا كان كلام الناس يمكن الاستفادة منه. فكلام الله تعالى أولى بذلك وأحق لأنه تنزيل من حكيم حميد. وما يذكر في هذا الباب غالبه أخذ من تجارب بعض الصالحين أو ما أشار إليه المصطفى صلّى الله عليه وسلم في بعض أحاديثه الشريفة.
وأهم ما فيه هو التداوي بالقرآن.
وقد أخرج ابن ماجة وغيره من حديث ابن مسعود (عليكم بالشفاءين العسل، والقرآن) وأخرج البيهقي في الشعب: أن رجلا شكا إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وجع حلقه.
قال: «عليك بقراءة القرآن» وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: إني أشتكي صدري، قال: «اقرأ القرآن، يقول الله تعالى وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ» وفي الرقية بسورة الفاتحة أخرج البيهقي وغيره من حديث عبد الله بن جابر رضي الله عنه (في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء).
هذا بعض خواص سورة الفاتحة وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة «إن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» هذا من خواص سورة البقرة.
وأخرج البخاري عن أبي هريرة في قصة الصدقة (أن الجنّي قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي صلّى الله عليه وسلم «أما أنه صدقك وهو كذوب»). وهذا من خواص آية الكرسي.
وكل القرآن فيه شفاء. وإن كان قد ورد في بعض السور أو الآيات لها خاصية معينة. إلا أنه يجب على المسلم أن يعتقد في الله تعالى أولا ثم في كتابه العظيم وكلام رسوله الكريم. الذي ورد عنه أنه لا ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى.
وفي كلام كثير من أهل العلم والصلاح ما يفيد الشفاء والانتفاع بقراءة بعض آيات
(1/119)

من القرآن الكريم أو السور. وهذا ليس بمستغرب على كتاب رب العالمين، الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير.
ونذكر بعضا من الأمثلة على اتخاذ القرآن الكريم في كثير من أمور الحياة الدنيا.
فمثلا، ما يقرأ على المرأة الحامل:
أخرج ابن السني عن فاطمة (أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما دنت ولادتها أمر أمّ سلمة وزينب بنت جحش أن يأتيا فيقرأ عندها آية الكرسي وإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ لآخر الآية ويعوذاها بالمعوذتين).
وما يقرأ المسافر في البحر: من حديث الحسين بن علي «أمان لأمّتي من الغرق إذا ركبوا أن يقرءوا بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» الآية.
وما يقرأ للشفاء من السّحر: جاء عن أبي حاتم عن ليث قال: (بلغني أن هذه الآيات شفاء من السحر تقرأ على إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور. والآيات هي في سورة يونس من قوله تعالى فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إلى قوله الْمُجْرِمُونَ وقوله تعالى فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ إلى آخر أربع آيات بعدها. وقوله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ الآية.
ما يقرأ للاستيقاظ من النوم في ساعة معينة: أخرج الدارمي وغيره من طريق عبده ابن أبي لبابة عن زرّ بن حبيش قال: من قرأ آخر سورة الكهف لساعة يريد أن يقومها من الليل قامها. قال عبده: فجربناه فوجدناه كذلك.
وفيما يقرأ من كان في كرب: أخرجه الترمذي والحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص: دعوة ذي النون التي دعا بها وهو في بطن الحوت لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له.
ولا يقولها مكروب إلا فرّج الله عنه.
وكما ورد أن قراءة سورة الكافرون والمعوذتين. تفيد في الشفاء من لدغ العقرب.
فقد أخرج الطبراني عن عليّ قال: (لدغت النبي صلّى الله عليه وسلم عقرب؛ فدعا بماء وملح
(1/120)

وجعل يمسح عليها ويقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ).
وفي الرقية بالفاتحة خاصة: قال ابن القيم في حديث الرقية بالفاتحة إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع. فما الظن بكلام رب العالمين.
ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها؟ لتضمنها جميع معاني الكتاب.
فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله تعالى ومجامعها وإثبات المعاد وذكر التوحيد والافتقار إلى الرب جل علاه في طلب الإعانة به والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء. هو طلب الهداية إلى الصراط المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته الخالصة لوجهه الكريم. بفضل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه مع الاستقامة على ذلك. ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى منعم عليه لمعرفته الحق والعمل به.
ومغضوب عليه لعدوله عن الحق بعد معرفته. وضال بعدم معرفته له مع ما تضمنته من إثبات القدر والشرع والأسماء والمعاد والتوبة وتزكية النفس وإصلاح القلب والرّدّ على جميع أهل البدع.
وحقيق لسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء بإذن الله تعالى. هذا وبالله التوفيق، ومنه العون والسداد ..
والله تعالى أعلم.

تدريبات
س 1: ما معنى خواص القرآن؟
س 2: اذكر الحديث الشريف الذي ينص على الاستشفاء بالعسل والقرآن.
س 3:ماذا قال الرسول صلّى الله عليه وسلم لأبي هريرة عن نصيحة الجن له؟
س 4: بيّن ما يقرؤه من كان في كرب ليفك الله كربه.
س 5:ماذا يقرأ للشفاء من السحر من القرآن الكريم؟
(1/121)

التفسير والتأويل
أولا: التفسير
س: ما هو التفسير؟
ج: التفسير في اللغة: بمعنى الإبانة والكشف وإظهار المعنى المعقول.
والتفسير في الاصطلاح: عرفوه بأنه علم يبحث عن كيفية الفهم لألفاظ القرآن الكريم ومدلولاتها وأحكامه الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب. وقال بعضهم التفسير هو: الإبانة وكشف المراد من اللفظ، وقد قال الله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (1) أي بيانا وتفصيلا، وقد عرفه الزركشي بقوله: التفسير علم يفهم به كتاب الله تعالى المنزل على نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه.

ثانيا: التأويل
س: ما هو التأويل؟
ج: التأويل في اللغة: مأخوذ من الأول. وهو الرجوع إلى الأصل، يقال آل إليه أولا ومآلا. أي مرجعا، ويقال: أول الكلام تأويلا، وتأوله: أي دبره وقدره وفسره.
وعلى هذا فتأويل الكلام في الاصطلاح له معنيان:-
المعنى الأول: تأويل الكلام بمعنى ما أوله إليه المتكلم، أو ما يؤول إليه الكلام ويرجع، والكلام إنما يرجع ويعود إلى حقيقته التي هي عين المقصود.
المعنى الثاني: تأويل الكلام. أي تفسيره وبيان معناه، وهذا ما عناه ابن جرير الطبري في تفسيره بقوله: (القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا) وبقوله أيضا:
(اختلف التأويل في هذه الآية) فإن مراده التفسير. ومن هذا يتضح أن التفسير والتأويل لفظان مترادفان في أشهر المعاني اللغوية.
__________
(1) سورة الفرقان آية رقم 33.
(1/122)

الفرق بين التفسير والتأويل
س: ما هو الفرق بين التفسير والتأويل؟
ج: الفرق بين التفسير والتأويل هو موضع خلاف بين العلماء، ونستخلص لك عزيزي القارئ أهم الآراء عندهم بما يتناسب مع هذا المختصر:
أولا: إذا ثبت أن التأويل هو تفسير الكلام وبيان معناه، فالتأويل والتفسير على هذا المعنى متقاربان أو مترادفان، ومن هذا المعنى: دعوة النبي صلّى الله عليه وسلم لابن عباس بقوله صلوات الله وسلامه عليه: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».
ثانيا: وإذا ثبت أن التأويل هو نفس المراد بالكلام. فتأويل الطلب هو نفس الفعل المطلوب، وتأويل الخبر هو نفس الشيء المخبر به. فعلى هذا يكون الفرق كبيرا بين التفسير والتأويل، لأن التفسير شرح وإيضاح للكلام، ويكون وجوده في الذهن بتعقله به، وفي اللسان بالعبارة الدالة عليه. أما التأويل فهو نفس الأمور الموجودة في الخارج. وقد ضربوا لذلك مثلا وهو: إذا قيل طلعت الشمس، فتأويل هذا هو نفس طلوعها. وهذا هو الغالب في لغة القرآن الكريم. قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ (1) فالمراد بالتأويل هنا وقوع المخبر به.
ثالثا: قيل إن التفسير: هو ما وقع مبينا في كتاب الله تعالى، أو معينا عليه في صحيح السنة لأن معناه قد ظهر واتضح. والتأويل: هو ما استنبطه العلماء- ولذا قال بعضهم التفسير هو ما يتعلق بالرواية والتأويل هو ما يتعلق بالدراية. وهذا ما قاله السيوطي في كتاب الإتقان (2).
رابعا: قيل إن التفسير هو: ما كثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، والتأويل هو ما كثر استعماله في المعاني والجمل. وقيل غير ذلك مما لا يتسع هذا المختصر لحصره ..
والله تعالى أعلم.
__________
(1) سورة يونس عليه السلام آية رقم 38، 39.
(2) انظر الإتقان للسيوطي الجزء الثاني صفحة 173 - 174.
(1/123)

شرف التفسير
س: ما منزلة التفسير بين العلوم الشرعية؟
ج: التفسير في الحقيقة من أجلّ علوم الشريعة الإسلامية الحنيفة وأرفعها قدرا وأعلاها شأنا، كما هو أيضا أشرف العلوم موضوعا وغرضا وحاجة إليه، لأنه متعلق بكلام الله تعالى، وإن شرف علم التفسير لا يخفى فقد قال تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (1) وأخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ قال المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله (2). فعلم التفسير قد حاز الشرف من جهات ثلاث:
أولا: من جهة الموضوع: فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه.
ثانيا: من جهة الغرض: فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى.
ثالثا: من جهة شدة الحاجة إليه: فلأن كل كمال ديني أو دنيوي عاجل أو آجل مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى وبما جاء فيه من أمر ونهي وتشريع حكيم ونظام مستقيم .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: ما هو التفسير لغة واصطلاحا؟
س 2: للتأويل في الاصطلاح معنيان. اذكرهما.
س 3: اختلف العلماء في الفرق بين التفسير والتأويل. اذكر اثنين من آرائهما.
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 269.
(2) الإتقان للسيوطي ج 2 ص 175.
(1/124)

شروط المفسّر وآدابه
أولا: شروط المفسر
س: ما هي شروط المفسّر للقرآن الكريم؟ مع ذكرها باختصار.
ج: شروط المفسر لكتاب الله تعالى قد ذكرها العلماء في عدة شروط نختصرها لك فيما يأتي:-
أولا: صحة العقيدة- لأن صحة العقيدة لها أثر كبير في نفس صاحبها، وما يتأثر به الإنسان يظهر في كلامه منطوقا ومكتوبا.
ثانيا: التجرد عن الهوى، فالأهواء تدفع أصحابها إلى نصرة مذاهبهم ولو كانت على غير حق.
ثالثا: أن يطلب تفسير القرآن بالقرآن، فإن بعض القرآن يفسر بعضه، فما أجمل منه في موضع، فإنه قد فصّل في موضع آخر، وما اختصر منه في مكان فإنه قد بسط في مكان آخر .. وهكذا.
رابعا: أن يطلب تفسير القرآن بالسنة النبوية، وذلك لأن السنة شارحة للقرآن وموضحة له، وقد ذكر القرآن الكريم أن أحكام الرسول صلّى الله عليه وسلم التي كان يحكم بها هي وحي من الوحي وقد بيّن ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ (1) الآية. ولهذا قال الرسول صلّى الله عليه وسلم «ألا إنّي أوتيت القرآن ومثله معه» (2) أي السنة.
خامسا: أقوال الصحابة، لأنهم أدرى بذلك من مشاهدتهم للعديد من القرائن والأحوال والحوادث عند نزول القرآن الكريم، ولما لهم من خصوصية الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح مع الإخلاص الكامل لله ولرسوله. وقد روى الحاكم في المستدرك أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل على رسول الله صلّى الله عليه وسلم له حكم المرفوع، ولأنهم هم الأمناء الأول على الرسالة الإسلامية وكان الواحد منهم إذا
__________
(1) سورة النساء آية رقم 105.
(2) انظر الإتقان للسيوطي ج 2 ص 176.
(1/125)

تعلم من النبي صلّى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزها حتى يعلم ما فيها من العلم والعمل.
وكما ورد أن ابن عمر رضي الله عنهما (أقام على حفظ سورة البقرة ثمان سنين) أخرجه في الموطأ. وذلك لفهم أمر الله تعالى في قوله جل وعلا: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (1).
سادسا: أقوال التابعين، فإذا لم يجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة. فإنه يرجع إلى أقوال التابعين وقد رجع كثير من الأئمة إلى أقوال التابعين كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، والحسن البصري وغيرهم، ومن التابعين من تلقّى التفسير عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
سابعا: أن يكون عالما باللغة العربية وفروعها، لأن القرآن نزل بلغة العرب، ولا بدّ للمفسر من معرفة مفردات الألفاظ عند الشرح. حتى لا يقول في كلام الله تعالى ما لا يجوز ولا يليق. وقد قيل في هذا (لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب).
ثامنا: أن يكون عالما بأصول العلوم المتصلة بالقرآن وعلم التوحيد، حتى لا يؤول آيات الكتاب العزيز التي في حق الله تعالى وصفاته تأويلا يتجاوز به الحق والصواب، كما يجب عليه أن يكون عالما بعلم الأصول، وأصول التفسير خاصة والناسخ والمنسوخ ونحو ذلك من العلوم التي تتعلق بالقرآن الكريم.
تاسعا: دقة الفهم- أو علم الموهبة- كما قال السيوطي في كتاب الإتقان، وهو الذي به يتمكن المفسر من ترجيح معنى على معنى آخر. وهذا علم يورثه الله تعالى لمن عمل
بما علم. كما ورد في الحديث الشريف: «من عمل بما علم ورّثه الله تعالى علم ما لم يعلم» وقد قال ابن أبي الدنيا: (علوم القرآن وما يستنبط منها بحر لا ساحل له. فمعرفة هذه العلوم القرآنية ضرورية للمفسر لأنها بالنسبة له كالآلة للصانع ولا يكون المفسر مفسرا إلا بتحصيلها) (2).
__________
(1) سورة ص آية رقم 29.
(2) انظر الإتقان للسيوطي ج 2 ص 181.
(1/126)

ثانيا: آداب المفسر
س: عرفنا شروط المفسر، فما هي آدابه؟
ج: آداب المفسر للقرآن الكريم كثيرة. نختصرها فيما يلي:
أولا: حسن النية وسلامة القصد، لأن الأعمال بالنيات، والعلوم الشرعية عامة أولى بأن يكون هدف القائم بها الخير العام وخدمة الإسلام، وأن يتطهر من أغراض الدنيا الفانية. ليسدد الله تعالى خطاه، ويجعل الجنة مثواه جزاء لإخلاصه لخالقه ومولاه جل علاه.
ثانيا: حسن الخلق، لأن المفسر في مكان المؤدّب، ولا تصل الآداب إلى نفس المؤدّب إلا إذا كان المؤدّب مثالا يحتذى به في الخلق الحسن. وقد نقل الإتقان عن البرهان قوله: (اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا تظهر له أسراره وفي قلبه بدعة أو كبر أو هوى، أو حب الدنيا أو إصرار على ذنب أو غير متحقق بالإيمان أو ضعيف التحقيق أو يعتمد على قول مفسر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله هو، فهذه كلها حجب وموانع للمفسر عن أن يصل إلى ما يصبو إليه.
ثالثا: أن يتحرى الصدق والضبط في النقل، فلا يتكلم ولا يكتب إلا عن تثبت لما يقوله، حتى يكون في مأمن من اللحن أو الخطأ أو الطعن.
رابعا: أن يكون متواضعا لين الجانب، فالصلف والتكبر يحولان بين العالم والانتفاع بعلمه، فلو كان علمه نافعا لنفعه.
خامسا: أن يكون عزيز النفس، فمن الواجب عليه أن يترفع عن سفاسف الأمور، ولا يضع نفسه في مواضع الذلة والمهانة.
سادسا: أن يتحلى بالتأني والروية في حديثه. فلا يسرد كلامه سردا سريعا حتى لا يفهمه المستمع، بل عليه أن يفصل الكلام ويبيّنه ويوضحه ويخرج الحروف من مخارجها. لكي يفهمه المستمع.
سابعا: أن يجهر بالحق مهما كلفه ذلك، فأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
ثامنا: أن يقدّم من هو أولى منه إذا حضر معه في المجلس، فلا يتصدى للتفسير
(1/127)

بحضرتهم وكذلك لا يغمطهم حقهم بعد لقائهم لربهم.
تاسعا: أن يحسن الإعداد وطريقة الأداء، فيضع كل شيء في موضعه ويرتب الأبواب كلّ حسب ما يقتضيه الحال .. والله تعالى أعلم.

أسئلة وتطبيقات
س 1: للمفسر شروط. اذكر أربعة منها.
س 2: اذكر خمسة من آداب المفسّر.
(1/128)

نشأة علم التفسير
س: كيف نشأ علم التفسير؟
ج: لقد أنزل القرآن الكريم عربيا، على رسول عربي، بلسان عربي مبين، فكان الرسول صلّى الله عليه وسلم يفهم القرآن جملة وتفصيلا، وقد تكفل الله تبارك وتعالى ببيان القرآن وحفظه لرسوله صلّى الله عليه وسلم فقال جل ذكره: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (1) وكان على النبي صلّى الله عليه وسلم أن يبيّنه لأصحابه، كما جاء في القرآن الكريم: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (2) وكان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يفهمون القرآن لأنه نزل بلغتهم، وإن كان بعضهم لا يفهم بعض دقائقه. ويقول ابن خلدون في مقدمته (إن القرآن نزل بلغة العرب فكانوا كلهم يفهمونه. ويعلمون معانيه ومفرداته وتراكيبه، ولكنهم مع هذا كانوا يتفاوتون في الفهم للقرآن الكريم، فقد يغيب عن الواحد منهم ما لا يغيب عن الآخر) ولقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم يبيّن لهم بعض المعاني القرآنية بقوله أو فعله. أي بسنته الجامعة وكان الصحابة رضي الله عنهم جميعا يعتمدون في تفسيرهم للقرآن في عصر الإسلام الأول على الآتي:-
أولا: تفسير القرآن بالقرآن، وكان هذا هو المصدر الأول لهم، فما جاء منه مجملا في موضع جاء مبيّنا في موضع آخر، وما جاء منه عاما مطلقا، جاء مقيدا مخصصا في موضع آخر من القرآن. وهذا الذي يسمّى (تفسير القرآن بالقرآن).
ثانيا: تفسير القرآن بالسنة: فكان المصدر الثاني لهم هو المصطفى صلّى الله عليه وسلم، فهو المبيّن للقرآن والموضح له بسنته الجامعة من قول أو فعل أو إقرار، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يرجعون إليه إذا أشكل عليهم فهم آية من الآيات. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ (3) شق على
__________
(1) سورة القيامة آية رقم 17 - 19.
(2) سورة النحل آية رقم 44.
(3) سورة الأنعام آية رقم 82.
(1/129)

الناس. فقالوا: يا رسول الله وأيّنا لا يظلم نفسه؟ فقال صلّى الله عليه وسلم: «إنه ليس الذي تعنون. ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إنما هو الشرك» (1) أي الظلم هو الشرك.
ثالثا: الفهم والاجتهاد: وكان المصدر الثالث لهم- الفهم والاجتهاد، فكان الصحابة إذا لم يجدوا التفسير في كتاب الله تعالى، ولم يصلوا لشيء في ذلك من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم اجتهدوا في الفهم. فهم من خلّص العرب، يعرفون العربية جيدا، ويحسنون فهمها وخصائصها كما كانوا يعرفون وجوه البلاغة فيها.

أشهر المفسرين من الصحابة
س: من هم أشهر المفسرين من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؟
ج: اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وابن مسعود وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وكان أكثر المفسرين من الخلفاء الأربعة علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم عنه. كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر رضي الله عنه للحديث، أما علي كرم الله وجهه فروي عنه الكثير من الحديث النبوي الشريف، وكما اشتهر بعض أعلام الصحابة بالتفسير اشتهر بعض أعلام التابعين الذين أخذوا عنهم، معتمدين في مصادره على المصادر التي جاءت في العصر السابق، بالإضافة إلى ما كان لهم من اجتهاد ونظر. ولما اتسعت الفتوحات الإسلامية وانتقل كثير من أعلام الصحابة إلى الأمصار المفتوحة، ولدى كل واحد منهم علم غزير، تتلمذ على أيديهم كثير من التابعين ليأخذوا من علمهم ولينهلوا من معارفهم، ونشأت مدارس متعددة، ففي مكة المكرمة نشأت مدرسة ابن عباس، وابن عباس هو ترجمان القرآن الذي دعا له النبي صلّى الله عليه وسلم وقال:
«اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل» وقد اشتهر من تلاميذ ابن عباس في مكة كثير
__________
(1) رواه الشيخان وأحمد وغيرهم.
(1/130)

منهم سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة مولى ابن عباس، وطاوس بن كيسان اليماني، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم مع اختلاف في الرواية عن ابن عباس في القلة والكثرة.
وفي المدينة المنورة- اشتهر أبي بن كعب بالتفسير أكثر من غيره، وكان ممن أخذ عنه واشتهر من تلاميذه بواسطة أو بدون واسطة كثير، وعلى رأسهم (محمد بن كعب القرظي، وأبو العالية الرياحي، وزيد بن أسلم) وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.
وفي العراق- نشأت مدرسة ابن مسعود وكان من السابقين إلى الإسلام، وكان سادس ستة ما على الأرض سواهم من المسلمين، وكانت مدرسة ابن مسعود كما قال عنها العلماء (نواة مدرسة أهل الرأي) وعرف بالتفسير من أهل العراق كثير من التابعين اشتهر منهم (علقمة بن قيس، مسروق، الأسود بن زيد، مرة الهمذاني، عامر الشعبي، الحسن البصري، قتادة بن دعامة السدوسي) هؤلاء هم بعض مشاهير المفسرين من التابعين في الأمصار الإسلامية الذين أخذ عنهم أتباع التابعين من بعدهم وقد تركوا لنا تراثا علميا خالدا. جزى الله الجميع خير الجزاء، ثم بدأ التدوين في أواخر عهد بني أمية وأوائل عهد العباسيين، واشتدت عناية جماعة برواية التفسير المنسوب إلى النبي صلّى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة أو إلى التابعين، مع العناية كذلك بجمع الحديث. وما زال المفسرون يكتبون ويكتبون إلى يومنا هذا وسيكتبون إلى يوم القيامة، والقرآن كنز لا ينفد أبدا .. والله تعالى أعلم.
(1/131)

أسئلة وتطبيقات
س 1: تحدث عن نشأة علم التفسير بإيجاز.
س 2: لقد كان الصحابة يعتمدون على أمور ثلاثة في تفسيرهم. فما هي هذه الأمور؟
س 3: اذكر بعض أسماء الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير.
س 4: من هم مشاهير المفسرين من التابعين؟
س 5: من الذي اشتهر بالتفسير في المدينة المنورة أكثر من غيره؟
س 6: من الذي اشتهر بالتفسير في مكة المكرمة؟
(1/132)

مناهج المفسرين
س: ما هي مناهج المفسرين للقرآن الكريم؟ مع بيان نماذج منها.
ج: لقد كان المفسرون للقرآن كثيرين في كل عصر من العصور الإسلامية، وكان لكل واحد منهم منهج خاص في تفسيره يتميز به عن غيره، كما أن المفسرين كانوا على صنفين. صنف كان تفسيره بالمأثور، وصنف آخر كان تفسيره بالرأي. ونضع هنا مختصرا عن بعض المفسرين في كل صنف لنتعرف على منهج بعضهم كنموذج مختصر في مناهج المفسرين.
س: ما هي مناهج المفسرين بالمأثور؟
ج: مناهج المفسرين تتنوع وتختلف من مفسر إلى آخر، كل حسب المنهج الذي سلكه وارتضاه لنفسه واقتنع به. وإليك بيان ذلك.
أ- كان منهم (ابن جرير الطبري) وكان يكنّى بأبي جعفر. ولد سنة 224 هـ وتوفي سنة 310 هـ واشتهر كتابه باسم (جامع البيان في تفسير القرآن) وكتابه هذا كان من أجلّ التفاسير بالمأثور وأصحها وأجمعها لأقوال الصحابة والتابعين، ويعتبر بحق المرجع الأول للمفسرين. وقد قال عنه النووي: (كتاب ابن جرير الطبري في التفسير لم يصنف أحد مثله) ويمتاز هذا التفسير بعدة مزايا نوجزها فيما يلي:-
أولا: اعتماده على المأثور من أقوال النبي صلّى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين.
ثانيا: طريقته الفذة في عرضه للأسانيد وللأقوال المروية وترجيحه لبعضها على بعض.
ثالثا: ذكره لوجوه الإعراب واستنباط الأحكام الشرعية من الآيات القرآنية الكريمة.
وتفسير الطبري له طرق كثيرة لا يتسع هذا المختصر لذكرها، وهو أقدم كتاب وصل إلينا كاملا في التفسير وكانت طريقة الطبري في تفسيره أنه إذا أراد أن يفسر آية من القرآن الكريم يقول: (القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا) ثم يفسر الآية مستشهدا بما يرويه بسنده إلى الصحابة أو التابعين من المأثور عنهم من التفسير.
(1/133)

ويعرض لكل ما روي في الآية ولا يقتصر على مجرد الرواية، بل كان يوجه الأقوال ويرجح بعضها على بعض وكان يتعرض للإعراب إذا دعت الحالة إلى ذلك، كما كان يستنبط الأحكام الشرعية ويتعرض للسند بالنقد فيعدل من رجال السند، ويعتني بذكر القراءات وتوجيهها، وأخيرا فهو تفسير عظيم، حافل بالروائع والدرر.
ب- ونذكر بعد الطبري من المفسرين بالمأثور (تفسير ابن عطية) واشتهر باسم (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) وابن عطية هو عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي ولد سنة 481 هـ وتوفي سنة 546 هـ. وكان من قضاة الأندلس المشهورين، وكان فقيها عظيما عارفا بعلوم الحديث والتفسير واللغة والأدب، وكان ذكي الفؤاد قوي الفهم.
وقد لخص ابن عطية في كتابه هذا ما روي من التفسير بالمنقول وأضفى إليه من روحه العلمية الفياضة ما أكسبه دقة ورواجا. وكان منهجه أنه كثير الاهتمام بالشواهد الأدبية والصناعة النحوية، والكتاب يقع في عشر مجلدات كبار ولا يزال مخطوطا حتى اليوم (1) ومع هذا فقد ذاع صيته واتسعت شهرته ويقول عنه ابن تيمية: «وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدع من تفسير الزمخشري. ولو ذكر كلام السلف المعهود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيرا ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري وهو من أجلّ التفاسير وأعظمها قدرا» (2).
ج- ثم نعرض لتفسير ابن كثير واسمه (إسماعيل بن عمرو بن كثير القرشي الدمشقي) وكنيته: أبو الفداء ولد سنة 705 هـ وتوفي سنة 774 هـ واسم كتابه (تفسير القرآن العظيم) وهو من أشهر ما ألّف في التفسير بالمأثور، ويأتي في المرتبة الثانية بعد كتاب (الطبري) وكان منهجه في التفسير: أنه يفسر كلام الله تعالى بالأحاديث الصحيحة والآثار القوية مسندة إلى أصحابها، مع الكلام عما يحتاج إليه
__________
(1) راجع التبيان في علوم القرآن للصابوني ص 188.
(2) من مقدمة ابن تيمية في أصول التفسير ص 23 باختصار.
(1/134)

جرحا وتعديلا مع ترجيح بعض الأقوال على بعض وتصحيح بعض الروايات وتضعيف البعض الآخر، ومن مميزات تفسير ابن كثير أنه ينبه في كثير من الأحيان إلى ما في التفسير بالمأثور من منكرات إسرائيلية- كما يذكر أقوال العلماء في الأحكام الفقهية، وتفسير ابن كثير هذا من أصح التفاسير بالمأثور وإن لم يكن أصحها جميعا، ولا غرابة في هذا فابن كثير رحمه الله تعالى كان جبلا شامخا وبحرا زاخرا في العلوم وخاصة في علم التاريخ والحديث والتفسير، وكان إماما جليلا حافظا، أخذ عن ابن تيمية واتبعه في كثير من أقواله. وقد قال عنه الذهبي (الإمام المفتي، المحدّث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، مفسر نقال، وله تصانيف مفيدة) (1) ولنكتف بذكر هؤلاء الثلاثة الأعلام في معرفة منهج المفسرين بالمأثور.
س: عرفنا مما سبق منهج بعض المفسرين بالمأثور. فما هو منهج المفسرين بالرأي؟
ج: المفسرون بالرأي أيضا كثيرون لا يتسع المقام لحصرهم، ولكننا في هذا المختصر نعرض لمنهج بعضهم فنقول:
أ- تفسير الفخر الرازي:
من أشهر من كتبوا في التفسير بالرأي (العلامة الشيخ محمد بن عمر الرازي) المتوفى سنة 606 هـ وتفسيره يسمى (مفاتيح الغيب) ويقع هذا التفسير في ثماني مجلدات
كبار، وقد سلك في تفسيره هذا مسلك الحكماء والعلماء، فقد رد فيه على المعتزلة والفرق الضالة بالحجج الدامغة والبراهين القاطعة وتعرض بقوة لشبهات المنكرين والجاحدين وفند أقوالهم ونقضها، وكان تفسيره من أوسع التفاسير في علم الكلام (2) كما كان هذا التفسير موسوعة في العلوم الطبيعية والكونية، فقد تحدث فيه عن الأفلاك والأبراج السماوية وعرض السماء والأرض، كما تكلم أيضا في علم الحيوان والإنسان والنبات بشكل واسع. وكان غرضه من سلوك هذا المنهج نصرة الحق وإقامة البراهين على وجود الله تعالى والرد على أهل الزيغ والضلال. فكان كتابه
__________
(1) من كتاب التبيان في علوم القرآن للصابوني ص 189.
(2) علم الكلام يقصد به علم التوحيد والرد على الفلاسفة.
(1/135)

بهذا موسوعة علمية في هذه العلوم التي ذكرت آنفا، وبهذا كان كتابا علميا أكثر من تفسير.
ب- البحر المحيط لأبي حيان:
ومن أشهر من ألف في التفسير بالرأي أيضا (الشيخ محمد بن يوسف بن حيان الأندلسي) المتوفى سنة 745 هـ وتفسيره يسمى (البحر المحيط) وهو في ثماني مجلدات كبار، وكان منهجه في هذا التفسير الاهتمام بذكر وجوه الإعراب ومسائل النحو باتساع فكان يذكر الخلاف بين النحويين حتى أصبح الكتاب أقرب ما يكون إلى النحو منه إلى التفسير، ويذكر عنه أنه أكبر كاتب صنف في علم التفسير.
ج- تفسير الألوسي:
مما اشتهر كذلك بالتفسير بالرأي (الإمام العالم شهاب الدين السيد محمود الألوسي) المتوفى سنة 1270 هـ، كان مفتي بغداد، وكان حجة في الأدب قدوة في العلم ومرجعا لامعا لأهل الفضل والعرفان. وكتابه يسمى (روح المعاني) وقد جمع فيه آراء السلف رواية ودراية. وكان خلاصة ما سبقه من التفاسير، وهو شديد النقد للإسرائيليات، وكان منهجه أنه يعتني بالتفسير الإشاري وبوجوه البلاغة والبيان، ويعتبر هذا التفسير من أفضل المراجع في علم التفسير بالرواية والدراية.
ونكتفي بذكر منهج هؤلاء الثلاثة العلماء في معرفة مناهج المفسرين بالرأي ..
والله تعالى أعلم.
(1/136)

أنواع التفسير بالرأي
س: ما هي أنواع التفسير بالرأي؟ وأيها أصح؟
ج: التفسير بالرأي نوعان: نوع محمود ونوع مذموم.
1 - فالنوع المحمود في التفسير بالرأي هو ما كان موافقا لقصد المشرع الحكيم، بعيدا عن كل ضلالة وجهالة متمشيا مع قواعد اللغة العربية متفهما لأساليبها في عرض الآيات القرآنية خاليا من الهوى والسمعة، فمن فسر على هذه الشروط كان تفسيره جائزا سائغا مفيدا. ما دام قصده ووجهته خدمة كلام الله تعالى وبيان معانيه بكل صدق وأمانة.
2 - وأما التفسير المذموم، فهو أن يفسر القرآن بدون علم عنده أو يفسره حسب هواه ومقتضى مذهبه، مع جهله بمعرفة اللغة العربية أو التشريعات الإلهية، أو يحمل كلام الله تعالى على معنى لا يليق به، أو يخوض في الأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها. ويجزم بأن المراد من كلام الله كذا وكذا على غير حق، فهذا النوع من التفسير يسمى (التفسير المذموم) أو الباطل، ولا شك أن صاحبه يأثم بهذا العمل، ومما لا شك فيه أن تفسير القرآن العظيم لا يناله ولا يصل إليه من في قلبه بدعة أو كبر أو حب الدنيا أو ميل إلى المعاصي وفي هذا قال الله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (1).
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاص
والله تعالى أعلم.
__________
(1) سورة الأعراف آية رقم 146.
(1/137)

أسئلة وتطبيقات
س 1: اذكر بعض العلماء الذين فسروا بالمأثور. وما يمتاز به تفسير الطبري؟
س 2: ممن فسروا القرآن الكريم ابن كثير. فما هو منهجه؟
س 3: ما اسم الكتاب الذي ألفه ابن حيان؟ وما هو منهجه؟
س 4: بيّن كلّا من التفسير المحمود والتفسير المذموم.
(1/138)

أشهر كتب التفسير
أشهر كتب التفسير بالمأثور
1 - التفسير المنسوب إلى ابن عباس رضي الله عنه.
2 - تفسير الطبري (جامع البيان في تفسير القرآن).
3 - تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز).
4 - تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم).
5 - تفسير السمرقندي (بحر العلوم).
6 - تفسير السيوطي (الدر المنثور في التفسير بالمأثور).
7 - تفسير الثعلبي (الكشف والبيان عن تفسير القرآن).
8 - تفسير ابن أبي حاتم.
9 - تفسير الجواهر (الجواهر الحسان في تفسير القرآن).
10 - تفسير الشوكاني (فتح القدير).
هذا على سبيل المثال لا الحصر.
والله تعالى أعلم.
(1/139)

أشهر الكتب في التفسير بالرأي
1 - تفسير الرازي (مفاتيح الغيب).
2 - تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل).
3 - تفسير الجلالين (جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي).
4 - تفسير أبي حيان (البحر المحيط).
5 - تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن).
6 - تفسير الألوسي (روح المعاني).
7 - تفسير الخطيب (السراج المنير).
8 - تفسير النيسابوري (غرائب القرآن ورغائب الفرقان).
9 - تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل).
وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
(1/140)

المراجع
1 - القرآن الكريم.
2 - صحيح البخاري ومسلم.
3 - الإتقان في علوم القرآن (للسيوطي).
4 - مباحث في علوم القرآن (للشيخ مناع القطان).
5 - مناهل العرفان (للزرقاني).
6 - التبيان في علوم القرآن (للشيخ الصابوني).
7 - تفسير ابن كثير.
8 - تاريخ المصحف لفضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي.
9 - الوافي في شرح الشاطبية في القراءات السبع للشيخ عبد الفتاح القاضي.
10 - التيسير في القراءات السبع. للإمام أبي عمرو الداني.
11 - التفسير والمفسرون للدكتور الذهبي.
12 - البرهان في علوم القرآن (للزركشي).
(1/141)

شكر وتقدير
أقدم شكري لدار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة 120 شارع الأزهر بالقاهرة لقيامها بطبع ونشر هذا الكتاب في العالم الإسلامي.
هذا وقد كان الانتهاء من إعداد هذا الكتاب للطبعة الثانية بعد أن نال قسطا وافرا من الزيادة والتنقيح والمراجعة والتصحيح. في يوم الاثنين 19 التاسع عشر من شهر ذي القعدة لعام 1416 هـ الموافق للثامن من شهر أبريل عام 1996 م.
والله أسأل أن يجعله نافعا ومفيدا لإخواني المسلمين عامة وطلاب العلم خاصة.
كما أطلب ممن نظر فيه أن ينظر فيه بعين الرضا. وأن يصلح ما وقع فيه من سقط إن وجده وأن يرشدني إلى الأصلح. لكي أستفيد برأيه في الطبعات القادمة إن شاء الله تعالى.
والله أسأل أن يسامحني ويعفو عني إن كان وقع مني تقصير أو سهو. وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم. وأن يجنبني الرياء والسمعة وأن يثقل به موازين حسناتي. إنه نعم المولى ونعم المجيب.
والحمد لله تعالى في البدء والختام. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

خادم القرآن الكريم والعلم محمد أحمد محمد معبد المدرس بثانوية الإمام عاصم بن أبي النّجود لتحفيظ القرآن الكريم بالمدينة المنورة سابقا
(1/142)