Advertisement

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية



الكتاب: القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية
المؤلف: محمد حبش
الناشر: دار الفكر - دمشق
الطبعة: الأولى، 1419 هـ - 1999 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] قال ابن قدامة: «مسألة: قال: ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويقتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا» (1).
وقد اتّفق الشافعية والحنابلة في هذه المسألة، فجعلوا أهل الكتاب مستثنين من عموم قوله سبحانه: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التّوبة: 9/ 28].
ونقل ابن قدامة عن أحمد أن الجزية تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب، ثم قال: وهو مذهب أبي حنيفة لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق، فيقرون ببذل الجزية كالمجوس (2).
وهكذا فإن ابن قدامة هنا وافق الشافعية، وأشار إلى أن الإمام أحمد اختار رأيا وسطا بين الشافعية والحنفية، فقال بوجوب قتال عبدة الأوثان من العرب، والكفّ عمن سواهم حتى ظهور الحرابة منهم (3).
ثم قال في الاستدلال لاختياره موافقا الشافعية: «ولنا عموم قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التّوبة: 9/ 5]، وقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» خصّ منهم أهل الكتاب بقوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم في المجوس: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» (4)، فمن عداهما (5) يبقى على مقتضى العموم، ولأن الصحابة رضي الله عنهم توقفوا في أخذ الجزية من المجوس، ولم يأخذ عمر منهم الجزية، حتى روى له عبد الرحمن بن عوف أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» (6)، وثبت عندهم أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ الجزية من مجوس هجر، وهذا يدلّ على أنهم لم يأخذوها من غيرهم؛ ولأن قول
__________
(1) المغني لابن قدامة 8/ 361.
(2) المغني لابن قدامة 8/ 361.
(3) المصدر نفسه.
(4) رواه ابن أبي شيبة، انظرا الكنز (11490).
(5) في الأصل: فمن عداها. ولا يخفى أنه تحريف؛ إذ صوابه كما أثبتناه، انظر المغني لابن قدامة 8/ 363، سطر 11.
(6) مرّ تخريجه قبل قليل.
(1/327)

النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب»، يدلّ على اختصاص أهل الكتاب بإضافتها إليهم، ولأنهم تغلظ كفرهم لكفرهم بالله وجميع كتبه ورسله (1).
وقد أطلنا في النقل عن ابن قدامة لأنه أورد أدلة القائلين بأن الكفر هو علة المقاتلة، وثمة دليل آخر يورده الشافعية أيضا، وهو ما روي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «اقتلوا شيوخ المشركين وأبقوا شرخهم» (2).
فهذه بالجملة أدلة القائلين بأن علة المقاتلة هي الكفر وحده، دون اشتراط ظهور الحرابة.
وقد لخص صاحب كتاب (آثار الحرب في الفقه الإسلامي) (3) ردود العلماء على ذلك فقال:
«يجاب عن ذلك بأن قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 9/ 5]، عام مخصوص بالذّمي والنساء والصبيان، وحديث: «اقتلوا شيوخ المشركين» (4)، ضعيف بالانقطاع، وبالحجاج بن أرطأة (5) فلا يصلح للمعارضة، ولو سلمت صحته فيجب تخصيصه بحسب أصول الشافعي.
ويرد على الشافعي أيضا بأنه لو كان مجرد الكفر مبيحا للقتل لما أنزل النّبي صلّى الله عليه وسلّم بني قريظة على حكم سعد بن معاذ فيهم، ولو حكم فيهم بغير القتل لنفذ حكمه.
ومن ناحية النصوص القرآنية فهناك نصوص قطعية لا تقبل التأويل يرد بها على الشافعي مثل قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 2/ 190].
ثم قال: وهذا الموقف الدفاعي هو الذي سار عليه النّبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون من بعده، فلم يقتل النّبي كفار قريش وهوازن، وما استباح الخلفاء يوما دم أحد من غير المسلمين في غير الحرب (6).
__________
(1) المغني لابن قدامة 8/ 361.
(2) رواه أحمد بن حنبل، وأبر داود، والترمذي عن سمرة بن جندب، انظر مسند أحمد 5/ 9، وهو منقطع فيه الحجاج بن أرطأة، قال عنه ابن حجر في التقريب: صدوق، كثير الخطأ والتدليس. انظر تقريب التهذيب 1/ 153.
(3) للدكتور وهبة الزحيلي 110.
(4) مرّ تخريجه قبل قليل.
(5) الحجاج بن أرطأة قاض من البصرة، توفي عام 147 هـ، ومرّ بك قبل قليل ما قاله في ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب 1/ 153.
(6) آثار الحرب في الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 110.
(1/328)

ثم فصل القول في الرّد على من زعم نسخ هذه الآية، وتوجيه تعليل القتال بالحرابة، وجملة ردّه في ثلاثة اعتراضات:
الأول: إن النّسخ لا بدّ له من دليل، ولا دليل يدلّ على النّسخ أو التّخصيص.
الثاني: إن ما تضمنته الآية معاني لا تقبل النّسخ، فقد تضمنت النّهي عن الاعتداء، والاعتداء ظلم، والظلم من المعاني المحرمة في كل الشرائع وفي أحكام العقول، والله لا يبيح الظلم قط.
الثالث: لو كان القتل للكفر جائزا، وأن آية منع الاعتداء منسوخة لكان الإكراه على الدين جائزا، لقوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: 2/ 256].
وكذلك فإن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أسر من المشركين أسرى، فمنهم من قتله، ومنهم من فداه، ومنهم من أطلق سراحه، ولم يكره أحدا منهم على الإسلام، ولو كان القتال لأجل الكفر ما كان لهؤلاء إلا السيف (1).

فائدة:
اختلف الفقهاء في تحرير طبيعة الجهاد في الإسلام، أهو حرب دفاعية أم حرب هجومية، وقد أكثروا من الاستدلال لما ذهبوا إليه، وأورد كل منهم رأيه، منتصرا له بالأدلة، وسأورد في هذا المقام نقلا لما قدمه كل فريق من الاستدلال ثم أعطف بتحرير ما أعتقده الحق في هذه المسألة والله أعلم.
قال ابن قدامة في المغني: «قال أحمد: إن الدعوة قد بلغت وانتشرت، ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك على هذه الصفة؛ لم يجز قتالهم قبل الدعوة، وذلك لما روى بريدة قال: كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أمره بتقوى الله في خاصته، وبمن معه من المسلمين، وقال: «إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك إليها، فاقبل منهم وكفّ عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، فإن هم أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، فإن أبوا،
__________
(1) انظر: آثار الحرب في الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 111 وما بعدها.
(1/329)

فاستعن بالله عليهم وقاتلهم» (1)، وهذا يحتمل أنه كان في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وظهور الإسلام، فأما اليوم فقد انتشرت الدعوة، فاستغنى بذلك عن الدعاء عند القتال، قال أحمد: كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب حتى أظهر الله الدين وعلا الإسلام، ولا أعرف اليوم أحدا يدعى، قد بلغت الدعوة كل الناس، فالروم قد بلغتهم الدعوة، وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام، وإن دعا فلا بأس، وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أغار على بني المصطلق وهم غارون آمنون، وإبلهم تسقى على الماء، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية (2). وعن الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسأل عن الديار من ديار المشركين يبيتون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: «هم منهم» (3). وقال سلمة بن الأكوع:
«أمّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر، فغزونا ناسا من المشركين، فبيّتناهم» (4)، ويحتمل أن يحمل الأمر بالدعوة في حديث بريدة على الاستحباب، فإنها مستحبة في كل حال، وقد روي أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أمّر عليّا حين أعطاه الراية يوم خيبر، وبعثه إلى قتالهم أن يدعوهم، وهم ممن بلغتهم الدعوة (5).
ودعا خالد بن الوليد طليحة الأسدي حين تنبأ، فلم يرجع، فأظهر الله عليه، ودعا سلمان أهل فارس.
فإذا ثبت هذا فإن كان المدعو من أهل الكتاب أو مجوسا دعاهم إلى الإسلام، فإن أبوا دعاهم إلى إعطاء الجزية، فإن أبوا قاتلهم، وإن كانوا من غيرهم دعاهم إلى الإسلام، فإن أبوا قاتلهم، ومن قتل منهم قبل الدعاء لم يضمن، لأنه لا إيمان له ولا أمان، فلم يضمن كنساء من بلغته الدعوة وصبيانهم.
ثم استأنف ابن قدامة فقال: «ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد، وهم صاغرون، ويقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا»، وجملته أن الكفار ثلاثة أقسام:
__________
(1) رواه مسلم وأبو داود.
(2) متفق عليه.
(3) متفق عليه.
(4) رواه أبو داود.
(5) رواه البخاري.
(1/330)

قسم أهل كتاب: وهم اليهود، والنصارى، ومن اتّخذ التّوراة، والإنجيل كتابا، كالسامرة، والفرنج، ونحوهم، فهؤلاء تقبل منهم الجزية، ويقرّون على دينهم إذا بذلوها،
لقول الله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التّوبة: 9/ 29].
وقسم لهم شبهة كتاب: وهم المجوس، فحكمهم حكم أهل الكتاب في قبول الجزية منهم، وإقرارهم بها، لقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب»، ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذين القسمين.
وقسم لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب: وهو من عدا هذين القسمين من عبدة الأوثان، ومن عبد ما استحسن، وسائر الكفار، فلا تقبل منهم الجزية ولا يقبل منهم سوى الإسلام.
هذا ظاهر المذهب، وهو مذهب الشافعي، وروي عن أحمد أن الجزية تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب. وهو مذهب أبي حنيفة لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق فيقرّون ببذل الجزية كالمجوس، وحكي عن مالك أنها تقبل من جميع الكفار إلا كفار قريش لحديث بريدة الذي في المسألة قبل هذه وهو عام، ولأنهم كفار، فأشبهوا المجوس. ولنا عموم قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله») (1).
وفي هذا المعنى يعرف الحنفية الجهاد بقولهم: هو الدعاء إلى الدين الحق، وقتال من لم يقبله (2). وقال الغنيمي الحنفي في اللباب: قتال الكفار واجب وإن لم يبدءونا (3).
وهذا الرأي لا شك يندرج في الآراء التي تجعل الحرب في الإسلام هجومية، بمعنى أن المبادرة فيها بيد الجماعة المسلمة؛ إذ هي التي تعلن الحرب لا بقصد ردّ العدوان، بل بقصد تحقيق استعلاء دين الحق في الأرض.
__________
(1) المغني لابن قدامة 8/ 362.
(2) ردّ المختار على الدّر المختار 4/ 120، وقال في الحاشية- الصفحة نفسها-: الحدود إخلاء عن الفسق، والجهاد إخلاء عن الكفر.
(3) اللباب في شرح الكتاب 4/ 115، وقال في الحاشية بعد ذلك: للنصوص العامة.
(1/331)

وفي مقابل ذلك فقد اختار بعض الفقهاء أن الحرب في الإسلام دفاعية؛ بمعنى أن الحاكم المسلم لا يخول بإعلان حالة الحرب إلا حين وجود الحرابة من المشركين، أو التمهيد للعدوان والأذية.
وقد نقل القرطبي هذا القول عن محمد بن عبد العزيز، وابن عباس، ومجاهد، وذلك في معرض تصريحهم بأن آية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ غير منسوخة (1).
ويدلّ على ذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسّنة التي دلّت على استبقاء كثير من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم (2) (3)، فمن الكتاب قوله سبحانه: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة: 60/ 8 - 9]. وقوله سبحانه وهو آخر ما نزل في أمر الجهاد: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ... [التوبة: 9/ 6].
وقد روى الإمام أحمد بسنده عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قدمت أمي وهي مشركة، فأتيت النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقلت: يا رسول الله، إنّ أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال:
«نعم صلي أمك» (4).
وروي من حديث عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزّى على بنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا، وثياب، وسمن، وأقط، فلم تقبل هداياها، ولم تدخلها منزلها، فسألت عائشة لها النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فتلا عليها قول الله عزّ وجلّ: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 60/ 8].
__________
(1) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4/ 348.
(2) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/ 77.
(3) رواه أحمد في مسنده عن أسماء بنت أبي بكر 6/ 344، وسائر رواته ثقات، على شرط البخاري.
(4) والحديث برواية الحاكم في المستدرك كتاب التفسير، سورة الممتحنة.
(1/332)

وأظهر الأدلة على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مات ودرعه مرهونة عند يهودي بصاع من شعير (1).
وقد نهج صاحب كتاب آثار الحرب في الفقه الإسلامي منهجا متفردا في تحرير هذه المسألة، فبعد أن فصل القول في اختيار القائلين بالدفاع والقائلين بالهجوم، انتهى إلى تقرير تفرد المنهج الإسلامي في تحرير طبيعة الجهاد وذلك بقوله:
«أما أن الجهاد: هل هو عمل دفاعي أو هجومي؟ فهذا تقسيم لا ينطبق على نظام الجهاد الإسلامي، لأن الإسلام لا يؤمن بالحروب الحديثة، حروب المطامع البشرية، التي أملت هذا التقسيم، ولا يصح أن يوصف الجهاد بأنه هجومي لأن الهجوم يعني الظلم، والجهاد عدل في الواقع، وقد يكون الجهاد مطلوبا إذا استبدّ الحكام بمصالح رعاياهم، وهنا يظهر المسلمون بأنهم دعاة إصلاح عام، وجند رسالة يبلغونها للناس على بيّنة وهدى، رغم معاندة بعض الظالمين، وقد يلتزم المسلمون جانب الدفاع فقط دون التقيّد بحدود جغرافية مصطنعة، فالإسلام لا تحدّه حدود ... » (2).
ثم خلص إلى القول: «إن الجهاد الإسلامي من نوع خاص، ليس هجوميا ظالما للعالم، وليس مجرد دفاع عن حدود الوطن والمصالح، فهو بكلمة موجزة: وسيلة في يد ولي الأمر لحماية نشر الدعوة، أو للدفاع عن المسلمين» (3).
والذي أراه والله أعلم أن منشأ الخلاف هو عدم اتّفاقهم على تحديد معنى الدفاع والهجوم، فالهجوم بمعنى البغي والعدوان لم يقره أحد، قال الله عزّ وجلّ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 2/ 191].
والدفاع بمعنى الانتظار المحض حتى ينال العدو منا، لم يقل به أحد أيضا؛ قال الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً [النّساء: 4/ 71].
فليس معنى الدفاع أن تقاتل بترس دون سيف، أو تنتظر غارة العدو حتى يجتاح أرض الوطن، ويهلك الحرث والنّسل، ونحن غارون غافلون، نحسن الظن بالعدو، ونلتمس له المعاذير!
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الجهاد باب 89، انظر فتح الباري 1/ 99. ورقم الحديث في البخاري 2916.
(2) آثار الحرب في الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 124.
(3) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(1/333)

بل مقتضى الدفاع أن تقدم ساعة الإقدام، وتحجم ساعة الإحجام، وتدرس نوايا عدوك، وتكشف طواياه وتدبيره، ففي عمل الدفاع كر وفر، ومصاولة ومنازلة، وإقحام وإحجام، ودرع وسيف، وحراب ورماح، وكل ذلك مقرر لدى الأمم كلها في نشاطها العسكري الدفاعي.
ففي كل وزارة دفاع في العالم دائرة عمليات، واستطلاع، وتجسس، ومداهمة، واقتحام، وكل ذلك يسمى نشاطا دفاعيا.
وإذا تقرر ذلك فإني أعتقد أن سائر صنوف الجهاد في الإسلام، تندرج تحت إطار العمل الدفاعي بعد تحرير مناطه، وتقرير مناشطه.
ففي بدر خرج النّبي صلّى الله عليه وسلّم يريد عير قريش، وهو منطق دفاعي مبرر؛ إذ الأموال التي نتجتها القافلة هي متاع المسلمين المهاجرين في مكة، ومن حقهم أن يحصلوا عليها بأي ثمن، ولما فرّت القافلة حضرت قريش في جيش قوامه ثلاثة أضعاف جيش النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وألجأته إلى حرب لم يكن قد قصدها، ولا سعى إليها، ونذكر بهذه المناسبة أن بدرا تبعد عن المدينة نحو (180) كم فيما تبعد عن مكة (260) كم، وذلك كله يكشف لك من هو الطرف الغازي في هاتين الجهتين.
وفي أحد اعتصم رسول الله بمدينته، ثم خرج إلى جبل أحد على بعد نحو أربعة أميال من المدينة يدفع عنها غارة قريش والأحابيش.
وفي الخندق اعتصم النّبي صلّى الله عليه وسلّم في مدينته، وخندق على نفسه، ولم يلق أذنا لاستفزاز قريش، ولا لحماسة الشباب من أصحابه في عمل دفاعي صريح استمرّ نحو أربعين يوما، حتى ردّ الله الذين كفروا بغيظهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويّا عزيزا.
ولعل ما يشكل في هذا الباب هو خروجه صلّى الله عليه وسلّم إلى حنين، والطائف لملاقاة ثقيف وهوازن، ولكن قراءة سريعة لهاتين الغزوتين تظهر أن ثقيف وهوازن كانت قد جمعت حشودا هائلة بغرض غزو مكة، وإخراج النّبي صلّى الله عليه وسلّم، حتى أصبح في وادي حنين ثلاثون ألفا من الحلفاء، كلهم مستعدّ للإغارة على مكة، فكان مقتضى الدفاع حينئذ أن يخرج إليهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم بغارة الله فيصبحهم بعذاب وساء صباح المنذرين (1).
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام، وبحاشيتها الروض الأنف 3/ 29.
(1/334)

وهكذا فإن استقراء فصول جهاد النّبي صلّى الله عليه وسلّم يكشف لك أنه لم يخرج في سائر غزواته (1) إلا في هذا الإطار الدفاعي كما اصطلح عليه أهل الخبرة، وهذا يقوي ما ذهب إليه النووي في شرح صحيح مسلم من تحديد علة القتال في الإسلام بظهور الحرابة من العدو.

ثمرة الخلاف:
أطلنا في هذه المسألة من نقل الأقوال، والاختيارات من السلف والخلف في تحرير علة الجهاد ومناطه، ولا شك أن هذه النقول والاستدلالات قد كشفت لك عن كثير من ثمرات تعدد القراءة.
وأشير في هذا المجال أيضا إلى أن ورود القراءة بالكسر والفتح (يقاتلون) ويقاتلون أفادنا معنى جديدا، وهو أن المقاتل قد يكون مظلوما أيضا، كما هو الحال في (المقاتل)، وهكذا فإنه ليس ثمة صورة واحدة لطبيعة الحرب في الإسلام، إذ الأمور بمقاصدها، وسواء كان الرجل مقاتلا أو مقاتلا، فإن تقرير كونه ظالما أو مظلوما، يحدد
بدوافعه إلى القتال، والظروف التي أحاطت به.
وهذا يقوي ما ذهب إليه أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي أن الجهاد في الإسلام لا يوصف بأنه دفاعي ولا هجومي، بل هو من نوع خاص، ليس هجوميا ظالما للعالم، وليس مجرد دفاع عن حدود الوطن والمصالح (2).
وكذلك فإن الإذن بالقتال للمقاتلين مقيد بكونهم ظلموا: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وهذا يقوي أيضا ما أورده الدكتور وهبة الزحيلي من أن علّة المقاتلة إنما هي ظهور الحرابة والظلم من العدو (3).

المسألة السادسة:
قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [التّوبة: 9/ 12].
قرأ ابن عامر: (إنهم لا إيمان لهم) بكسر الألف، أي لا إسلام ولا دين لهم.
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام وبحاشيتها الروض الأنف 3/ 29.
(2) انظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 124.
(3) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(1/335)

وقال آخرون: معناه لا أمان لهم، مصدر (آمنته إيمانا) المعنى: إذا كنتم أنتم آمنتموهم، فنقضوا عهدهم، فقد بطل الأمان الذي أعطيتموهم.
وقرأ الباقون: لا أَيْمانَ لَهُمْ بالفتح جمع يمين. وحجتهم قوله: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً [المنافقون: 63/ 3]، وهو الاختيار، لأنه في التفسير لا عهود لهم ولا ميثاق ولا حلف، فقد وصفهم بالنّكث في العهود (1).

وثمرة الخلاف:
أن علة مقاتلة المشركين هي الكفر كما قررتها قراءة ابن عامر، وهي متواترة.
وقد بيّنت قراءة الجمهور معنى آخر لقتال المشركين، وهو أنهم لا أيمان لهم ولا عهود، ولا ميثاق، ولا حلف.
والجمع بين القراءتين أن قراءة ابن عامر تقرير لعلة القتال (2)، فيما كانت قراءة الجمهور وصفا لأحوال المشركين حين قتالهم، أو حين الأمر بقتالهم، والله أعلم.

المسألة السابعة:
قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: 8/ 72].
قرأ حمزة: (ما لكم من ولايتهم) بكسر الواو، وهي مصدر وليت الشيء ولاية، ووال حسن الولاية. قال الفراء: (ما لكم من ولايتهم) يريد: من ميراثهم، وكسر الواو في الولاية أعجب إليّ من فتحها؛ لأنها إنما يفتح أكثر من ذلك إذا كان في معنى (نصرة) قال: فكان الكسائي يفتحها ويذهب بها إلى النصرة ولا أراه علم التفسير، ويختارون في (ولّيته ولاية) الكسر.
وقرأ الباقون: مِنْ وَلايَتِهِمْ بالفتح أي: من نصرهم.
__________
(1) حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة، ط مؤسسة الرسالة 365، وانظر سراج القاري لابن القاصح العذري، ط البابي الحلبي 236. وعبارة الشاطبي:
ويكسر لا إيمان عند ابن عامر ... ... ... ...
(2) انظر ما أوردناه في مبحث علة القتال 714.
(1/336)

والعرب تقول: (نحن لكم على بني فلان ولاية) أي أنصار (1).

وثمرة الخلاف:
أن الآية نفت عن المسلمين وجوب النصرة لمن آمن ولم يهاجر، ونفت عنهم أيضا حق الإرث فيهم، فكأنها قالت: ما لهم عليكم نصرة، وما لكم فيهم من ميراث، ولا يؤخذ هذان الحكمان من قراءة واحدة بل من القراءتين معا.
وقد أحكمت قراءة الجمهور، فيما نسخ حكم قراءة حمزة بعد أن عمل بها المسلمون زمنا حين أنزل الله توريث ذوي الأرحام.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، فآخى بين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة، وبين عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء، وبين الزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وبين أبي بكر الصّدّيق وطلحة بن عبيد الله، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وقال لسائر أصحابه تآخوا وهذا أخي يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: فأقام المسلمون على ذلك حتى نزلت سورة الأنفال، وكان مما شدّد الله به عقد نبيه صلّى الله عليه وسلّم قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا
إلى قوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
فأحكم الله تعالى بهذه الآيات العقد الذي عقد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار يتوارث الذين تآخوا دون من كان مقيما بمكة من ذوي الأرحام والقرابات، فمكث الناس على ذلك العقد ما شاء الله.
ثم أنزل الله الآية الأخرى، فنسخت ما كان قبلها، فقال:
__________
(1) حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة، ط مؤسسة الرسالة 314. وانظر سراج القاري لابن القاصح العذري، ط البابي الحلبي 236. وعبارة الشاطبي:
ولا يتهم بالكسر فز وبكهفه ... شفا ... ... ...
(1/337)

وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ رجع كل رجل إلى نسبه ورحمه، وانقطعت تلك الوراثة (1).
والخلاصة أن الآية يفهم منها معنيان:
الأول: الميراث هو قراءة الكسر.
الثاني: النّصرة وهو قراءة الخفض.
فالأول باق تلاوة منسوخ حكما، والثاني باق تلاوة وحكما.
وهذا القول بأن الولاية بالكسر محمولة على الميراث، هو الذي دلّ عليه السياق، واختاره جماهير المفسرين والنّحاة، كما نقلنا عن الفراء؛ لكن نقل القرطبي هذه القراءة، وعزاها إلى يحيى بن وثاب، والأعمش أيضا، ثم قال: قيل هي لغة في الولاية، ثم قال: والفتح في هذا أبين وأحسن، لأنه بمعنى النصرة والنسب، وقد تطلق الولاية بمعنى الإمارة (2).
وكذلك فإن القاضي ابن العربي نقل المعنيين جميعا من قراءة واحدة، وهي قراءة الفتح، فقال: ما لكم من ولايتهم من شيء: قيل: من النصرة لبعد دارهم، وقيل: من الميراث لانقطاع ولايتهم.
وللإمام الرازي الجصاص تحرير لطيف في هذه المسألة لكنه لم يتطرق فيه لأمر القراءة، كأنه كان يرى أنهما لغتان في معنى التوارث، وهاك نصه:
اختلف السلف في أن التوارث كان ثابتا بينهم بالهجرة والأخوة التي آخى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينهم دون الأرحام، وأن ذلك مراد هذه الآية، وأن قوله تعالى: أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الأنفال: 8/ 75]، وقد أريد به إيجاب التوارث بينهم، وأن قوله: ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: 8/ 72]، وقد نفى إثبات التوارث بينهم بنفيه الموالاة بينهم، وفي هذا دلالة على أن إطلاق لفظ الموالاة يوجب التوارث وإن كان يختص به بعضهم دون جميعهم، على حسب وجود الأسباب المؤكدة له؛ كما أن النسب سبب يستحق به الميراث، وإن كان بعض
__________
(1) انظر الدّر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، ط دار المعرفة 3/ 205. ورواه كذلك ابن جرير الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ومن طريق قتادة، وانظر كذلك فتح الباري للحافظ ابن حجر 8/ 249.
(2) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/ 56.
(1/338)

ذوي الأنساب أولى به في بعض الأحوال لتأكد سببه، وفي هذا دليل على أن قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [الإسراء: 17/ 33]، موجب لإثبات القود لسائر ورثته، وأن النساء والرجال في ذلك سواء لتساويهم في كونهم من مستحقي ميراثه، ويدل أيضا على أن الولاية في النّكاح مستحقة بالميراث، وإن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا نكاح إلا بولي» (1) مثبت للولاية لجميع من كان من أهل الميراث على حسب القرب وتأكيد السبب، وأنه جائز للأم تزويج أولادها الصّغار إذا لم يكن أب، على ما يذهب إليه أبو حنيفة إذا كانت من أهل الولاية في الميراث.
وقد كانت الهجرة فرضا حين هاجر النّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى أن فتح النّبي صلّى الله عليه وسلّم مكة فقال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة» (2)، فنسخ التوارث بالهجرة بسقوط فرض الهجرة، وأثبت التوارث بالنسب بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: 8/ 75]، قال الحسن (3): كان المسلمون يتوارثون بالهجرة حتى كثر المسلمون فأنزل الله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فتوارثوا بالأرحام (4).

المسألة الثامنة:
قوله تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النّساء: 4/ 135].
قرأ حمزة، وابن عامر: (وإن تلوا أو تعرضوا) بضم اللام. وقرأ الباقون: وَإِنْ تَلْوُوا بواوين من (لويت فلانا حقّه ليّا) أي دافعته وماطلته. يقال: لوى فلانا غريمه.
قال أبو عبيدة: يقال: (رجل ليان، وامرأة ليانة) أي: مماطلة. فمعنى تَلْوُوا تدافعوا، وتمطلوا.
وحجتهم في ذلك ما جاء في التفسير: (إن لوى الحاكم في قضيته فإن الله كان بما تعملون
__________
(1) أخرجه أحمد عن عمران بن الحصين مرفوعا، ورواه أحمد وأصحاب السنن أيضا عن أبي موسى الأشعري، وصححه الترمذي وابن حبان بلفظ: «لا نكاح إلا بولي». كشف الخفاء 2/ 369.
(2) أخرجه أبو نعيم في الحلية، وتمامه: «لا هجرة بعد الفتح إنما هو الإيمان والنّية والجهاد، متعة النساء حرام، متعة النساء حرام، متعة النساء حرام»، انظر كنز العمال 10/ 500.
(3) هو الحسن البصري، الإمام التابعي المشهور، سبقت ترجمته.
(4) أحكام القرآن للرازي الجصاص 3/ 75.
(1/339)

خبيرا)، وأخرى: روى ابن جريج عن مجاهد (1): وَإِنْ تَلْوُوا أي: تبدلوا الشهادة أَوْ تُعْرِضُوا أي تكتموها.
فذهب مجاهد: أنّ هذا الخطاب من الله جلّ وعزّ للشهداء لا للحكام.
وأصل الكلمة: (تلويوا) فاستثقلوا الضمة على الياء، فحذفوها، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين. ثم ضموا الواو لمجاورتها الثانية.
ومن قرأ بواو واحدة ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون أصله (تلووا) فأبدل من الواو المضمومة همزة، فصار (تلؤوا) بإسكان اللام، ثم طرحت الهمزة، وطرحت حركتها على اللام فصار (تلوا) ويجوز أن يكون من (الولاية) من قولك: (وليت الحكم والقضاء بين الرجلين) أي: (إن قمتم بالأمر أو أعرضتم فإن الله كان بما تعملون خبيرا).
والأصل (توليوا) فحذفت الواو كما حذفنا من (يعد) وكان أصلها (يوعد) فصار (تليوا) ثم حذفنا الياء، ونقلنا الضمة إلى اللام، فصار (تلوا) (2).

ثمرة الخلاف:
أن الله خبير يحاسب العباد إذا ظهر منهم اللّيّ وهو المماطلة، أو الإعراض وهو إنكار الدين بالكلية، وهو ما دلّت عليه قراءة الجمهور.
وهو كذلك خبير يحاسب الخلق إن ولوا شيئا من أمر المسلمين، أو أعرضوا عن أداء واجبهم في الولاية، وهو ما دلّت عليه قراءة حمزة، وابن عامر.
__________
(1) انظر الدّر المنثور للسيوطي، ط دار المعرفة 2/ 234.
وفيه أيضا: قال ابن عباس: هي أن تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجة، فلا يقيم الشهادة على وجهها، والإعراض الترك.
(2) حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة، ط مؤسسة الرسالة 216. وانظر سراج القاري لابن القاصح العذري، ط البابي الحلبي 195. وعبارة الشاطبي:
وتلووا بحذف الواو الأولى ولامه ... فضم سكونا لست فيه مجهّلا
(1/340)

لكن نقل القرطبي عن النحاس أن القراءتين وجهان لمعنى واحد، وعبارته: (ليس يلزم هذا- أي تفاوت المعاني أو إنكار إحدى القراءتين- ولكن تكون (تلوا) بمعنى (تلووا) وذلك أن أصله (تلووا) فاستثقلت الضمة على الواو، بعدها واو أخرى، فألقيت الحركة على اللام وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين، وهي كالقراءة بإسكان اللام وواوين) (1).
ومذهب النحاس هذا نقله القرطبي أيضا عن ابن العربي وعن مكي، وهو شبيه بما قدمناه نقلا عن أبي زرعة (2).

المسألة التاسعة:
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ [المائدة: 5/ 57].
قرأ أبو عمرو، ويعقوب، والكسائي: (والكفار أولياء) بخفض الراء. وقرأ الباقون:
وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ بفتح الراء (3).
فتكون قراءة الأولين بالخفض على تقدير (من) عاطفية، أي من الذين أوتوا الكتاب ومن الكفار.
وتكون قراءة الباقين بالفتح على أن (الكفار) معمول (لا تتخذوا) فتنصب به في محل المفعولية (4).
ومؤدى قراءة أبي عمرو، والكسائي، أي كلّا من أهل الكتاب والكفار قد اتّخذوا الدين هزوا ولعبا، فيما تدلّ قراءة الباقين أن المتّصف بذلك هم أهل الكتاب وحدهم مع اشتراك القراءتين في التحذير من اتّخاذ أي من الفريقين أولياء من دون المؤمنين.
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ط دار الكاتب العربي 5/ 414.
(2) المصدر نفسه.
(3) تقريب النّشر في القراءات العشر لابن الجزري 18، وعبارة طيبة النّشر:
... ... ... ... وخفض والكفار ميم حما عبد
(4) حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة 230.
(1/341)

ثمرة الخلاف:
تبدو دلالة العبارة متحدة في كلا القراءتين؛ إذ مؤداهما إلى النّهي عن موالاة الكفار واحد؛ إذا اتّخذوا ديننا هزوا ولعبا.
ولكن دلالة الإشارة تختلف في الخبر؛ إذ تجعل الأولى بالخفض فريقا من الكفار منهيّا عن موالاته، وهم الذين اتّخذوا ديننا هزوا ولعبا، فيما تجعل الثانية- بالنصب- سائر الكفار منهيّا عن موالاتهم، ولو لم يظهر منهم هزؤ ولعب بديننا وشريعتنا.
ولا شك أن هذا الاختصاص قيمته في التوكيد والتنبيه ليس إلا، وقد جاء التنزيل العزيز بالنهي عن موالاة سائر اليهود والنصارى وسائر المشركين في مقام آخر؛ قال الله سبحانه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: 5/ 51].

فائدة:
يتحدث بعض المؤلفين عن الولاء والعداء وكأنهما مفهومين متناقضين، بحيث لا يتصور اجتماعهما، ولا يتصور ارتفاعهما، على قواعد النقيض في المنطق، فمن لم يكن وليّا كان عدوّا، ومن لم يكن عدوّا كان وليّا (1).
والحق أنّ إطلاق مثل هذا الفهم من غير تمييز فيه إجحاف لما فصل فيه القرآن القول؛ إذ يظهر لك من استقراء الآيات في القرآن الكريم أن مفهوم العداء والولاء من باب الضدّ وليس من باب النقيض، فالضّدان لا يتصور اجتماعهما، ولكن يتصور ارتفاعهما، بخلاف النقيضين اللذين لا يتصوّر اجتماعهما وارتفاعهما.
وهكذا فإنه لا يمكن أن يجتمع العداء والولاء لأنهما ضدّان، ولكن يمكن أن يرتفعا جميعا، فهناك ولي، وهناك عدوّ، وهناك من لا يوصف بأنه ولي، ولكن لا يوصف أيضا بأنه عدو.
ففي الولاء قال الله عزّ وجلّ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التّوبة: 9/ 71].
__________
(1) انظر مثلا كتاب: العداء والولاء لعبد الله بن إبراهيم الطريقي، إصدار معهد العلوم الإسلامية والعربية في واشنطن- أمريكا.
(1/342)

وفي العداء قال الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: 60/ 1]. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: 5/ 51].
وثمة فريق ليسوا أولياء ولا أعداء، فليس أهل الكتاب سواء في عقائدهم وسلوكهم وحربهم على الإسلام، وفي التنزيل العزيز: لَيْسُوا سَواءً، مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: 3/ 109 - 110].
فالفريق الأول أهل الولاء تتأسّس علاقتنا بهم على أساس الولاء والنّصرة. والفريق الثاني أهل العداء تتأسّس علاقتنا بهم على أساس العداء. وأما الفريق الثالث فتتأسّس علاقتنا بهم على أساس البرّ والقسط، كما قال الله سبحانه: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 60/ 6].

المسألة العاشرة:
قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: 8/ 72].
قرأ حمزة: (مالكم من ولايتهم من شيء). وقرأ الباقون: ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (1).
وتتجه قراءة حمزة بكسر الواو إلى معنى الميراث؛ أي: ليس لكم من ميراثهم شيء حتى يهاجروا، وقد صرّح بذلك الفرّاء (2). وأنكر الكسائي ما ذهب إليه من تأويل قراءة الفتح بالنّصرة، وكان يقول: ولا أراه علم التفسير.
ذلك أن سائر المفسّرين تأوّلوا الآية على أنها الميراث، وهو إنما يقال له ولاية وليس ولاية، أخرج عبد الرّزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله تعالى:
__________
(1) شرح ابن القاصح على الشاطبية 236 المسمى سراج القاري، وعبارة الشاطبية:
ولا يتهم بالكسر فز وبكهفه ... شفا ومعا إني بياءين أقبلا
(2) لسان العرب لابن منظور 15/ 407، مادة (ولي)، وانظر حجة القراء لأبي زرعة بن زنجلة 314.
(1/343)

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا، قال: نزلت هذه الآية، فتوارثت المسلمون بالهجرة، فكان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر المسلم
شيئا، حتى نسخ بعد في سورة الأحزاب: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ [الأنفال: 8/ 75]، فخلط الله بعضهم ببعض، وصارت المواريث بالملل (1).
وبمثل هذه الرواية جمع السيوطي في الدّر المنثور روايات عن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي عبيدة، وأبي داود، وابن أبي حاتم (2).
وأما القراءة بالفتح فإن الغالب ورودها بمعنى النصرة، ولكن جمهور المفسرين اختاروا أنها بمعنى الإرث لوجوه ثلاثة:
أولها: أن سياق الآيات إنما هو في قضايا تتصل بالإرث، وقد جاءت الآية الخاتمة في السورة بردّ الإرث إلى أولي الأرحام، بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: 8/ 75].
ثانيها: لو كانت الآية بمعنى النّصرة لوجب أن تكون: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لهم من ولايتكم من شيء)، إذ هي خطاب تكليفي للمؤمنين، فلما جاءت الصيغة عكس ذلك؛ دلّ على أنها في غير النّصرة ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ.
ثالثها: الرواية عن الصحابة، وقد قدمت لك طرفا مما جمعه السيوطي في ذلك (3)، وأنها نزلت فيما كان من التوارث بين المؤمنين، فنسخ بردّ المواريث إلى القرابات.
ومع ذلك فقد اختار أبو بكر الأصم أن الآية محكمة غير منسوخة، وأن المراد بالولاية النّصرة والمظاهرة (4).
ونقل القرطبي نقلا غير معزو لأحد أنه ليس في الآية نسخ، إنما هي بمعنى النّصرة والمعونة (5).
__________
(1) الدّر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 3/ 206، وأراد بقوله الملل أن لا يرث كافر مسلما.
(2) المصدر نفسه.
(3) الدّر المنثور في التفسير بالمأثور 3/ 206.
(4) التفسير المنير للدكتور الزحيلي 10/ 82.
(5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/ 56.
(1/344)

ثمرة الخلاف:
وتظهر ثمرة الخلاف في أن الله عزّ وجلّ أسقط عن المسلم الذي لم يهاجر حقّ النّصرة وحقّ الميراث، فمن جزم أن الكسر يدلّ على الميراث وجبه أن يقبل الفتح أيضا دليلا على النّصرة لثبوت التواتر، وهكذا فلا سبيل إلى القول بأن الآية في نفي التوارث فقط بدليل قراءة الكسر، بل لا بدّ من نفي النّصرة أيضا بدليل قراءة الفتح المتواترة.
وأما من جعلهما لغتين في النصرة كأبي حاتم الأصم، وابن بري، ومن قبلهم سيبويه الذي قال: الولاية بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم؛ مثل الإمارة والنّقابة (1)، فإن مذهبهم هذا يجعل الخلاف هنا بلا ثمرة لأنهما لغتان في معنى واحد.
وأظهر تطبيقات ثمرة الخلاف هنا إلزام الكسائي بقبول دلالة الآية على نفي التوارث لأنه كان يجزم بالنّصب على معنى النّصرة، فحيث ثبت التواتر في قراءة الكسر وجب إلزامه بها أيضا.
قال الفرّاء: ما لكم من ولايتهم من شيء، أي ما لكم من مواريثهم من شيء، فكسر الواو هنا أعجب إليّ من فتحها؛ لأنها إنما تفتح أكثر ذلك إذا أريد بها النّصرة، وقال: كان الكسائي يفتحها، ويذهب بها إلى النّصرة، وقال الأزهري: ولا أظنه علم التفسير أي الروايات (2).

المسألة الحادية عشرة:
قوله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [محمد: 47/ 35].
قرأ حمزة، وشعبة، وخلف: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السّلم) بكسر السين. وقرأ الباقون:
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ بفتح السين (3).
__________
(1) لسان العرب لابن منظور 15/ 407، مادة ولي.
(2) المصدر نفسه.
(3) تقريب النّشر في القراءات العشر لابن الجزري 174. وعبارة طيبة النّشر:
... ... ... ... ... وفتح السلم حرم رشفا
عكس القتال ... ... ... ... ... ...
فقد أخبر ابن الجزري أن القراء قرءوا في البقرة بالفتح، وعكسوا في سورة القتال، أي سورة محمد صلّى الله عليه وسلّم.
(1/345)

وأهل التأويل متفقون في هذا الموطن على أنهما لغتان لمعنى واحد، وهو الاستخذاء، والاستسلام، والانقياد (1)، وإن اختلفوا في غيره من المواطن (2).
فقد مرّ بك في تأويلهم لقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً (3) أن تعدد القراءات هنا يلزم منه تعدد المعاني، فهي في البقرة دعوة إلى الدخول في الإسلام، وإلى الدخول في المصالحة (4)، فكل قراءة أدت معنى منهما.
وهكذا فإن اتفاقهم في هذا الموطن على توحيد معنى السلم بالكسر والفتح؛ يجعل تعدّد القراءات هنا بغير ثمرة ظاهرة من جهة تحرير الحكم الشرعي.
ولكنني أوردت هذه الآية لأنبّه إلى أمرين اثنين:
الأول: نقل أبو زرعة في حجة القراءات أن (السّلم) بالكسر الإسلام (5)، وأشار إلى تواتر هذه القراءة! وهذا النقل من أبي زرعة عجيب؛ إذ يكون مؤدّى الآية حينئذ النّهي عن الدعوة إلى الإسلام، وهو قول غريب لا يمكن أن يصدر عن أحد من أهل العلم. وقد تلمست معرفة سبب ذلك النقل ومصدره، فلم أجد في ذلك إشارة لسابق أو تبريرا للاحق، وتلمست له تأويلا يجعل الواو هنا حالية لا عاطفة على معنى: (فلا تهنوا وأنتم تدعون إلى السلم) ولكن ذلك لا يستقيم مع الجزم في (وتدعوا) الذي هو قراءة سائر العلماء والقراء! وبعد بحث استغرق وقتا طويلا فإني أقول في هذا المقام: تبارك الذي لم يكتب العصمة إلا لكتابه، وجلّ من لا يسهو ولا ينسى، وهذا أبو زرعة على جلالة علمه وعظيم تحصيله وقع في خطأ يتنزّه عنه صغار الطلبة (6)، فيجب التنبيه على ذلك، والكامل الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
__________
(1) لسان العرب لابن منظور 12/ 293، مادة سلم. وانظر الكشاف للزمخشري 3/ 539.
(2) انظر 321 من هذا البحث؛ حيث حررنا اختلافهم في تحديد معنى السّلم في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.
(3) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
(4) وهو اختيار قتادة من التابعين كما قدمناه.
(5) حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة 670.
(6) أغلب الظّن أن ذلك خطأ من الناسخ؛ إذ كتب الإسلام بدلا من الاستسلام. ولكن ذهل عنه المحقق أيضا.
(1/346)

الثاني: هل يلزم من هذه الآية النهي عن السلم مطلقا بحيث تحرم المهادنة بين المسلمين والمشركين في كل حال، فتكون هذه الآية ناسخة لآية البقرة الداعية إلى الدخول في السلم كافّة؟
أم هل تكون آية البقرة الداعية إلى الدخول في السلم ناسخة لهذه الآية في دلالتها على تحريم الدعوة إلى السلم؟
الجواب على ذلك وبالله التوفيق أن النسخ هنا غير متوجه؛ إذ لم تكتمل آلته وشروطه، فمن شرط النسخ معرفة المتقدم، وعدم إمكان الجمع بين النّصّين.
وهاهنا فإن معرفة المتقدم والمتأخر من النّصّين غير متحققة بيقين، أما الجمع بين النّصّين فهو ممكن غير متعذّر، وقد تكفّل أستاذنا الزحيلي في التفسير المنير ببيانه حيث قال: لا تجوز الدعوة إلى السّلم والمصالحة أو المهادنة تذلّلا، وإظهارا للضعف ما دام المسلمون أقوياء، وإن حدثت الغلبة من الأعداء في الظاهر في بعض الأحوال، فإن الله ناصر المؤمنين، ولن ينقصهم شيئا من أعمالهم.
فإذا عجز المسلمون لضعفهم عن مقاومة الأعداء جازت مهادنة الكفار عند الضرورة.
وكذلك إذا رأى الإمام مصلحة في المهادنة؛ فله أن يفعل ذلك، كما فعل النّبي صلّى الله عليه وسلّم في صلح الحديبية مع المشركين مدة عشر سنين.
أما إن طلب المشركون الصّلح بحسن نيّة من غير خداع فلا بأس بإجابتهم، لقوله تعالى:
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وعلى هذا يكون كل من الآيتين- فَلا تَهِنُوا، وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ- محكمة وغير منسوخ إحداهما بالأخرى كما قال بعضهم، فهما نزلتا في وقتين مختلفي الحال، فالأولى في حال قوة المسلمين، والثانية حال طلب الأعداء للصلح (1).
وشبيه بهذا الرأي ما حرره الشوكاني في فتح القدير بقوله: «فلا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنّسخ، فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعوا إلى السّلم ابتداء، ولم ينه عن قبول السّلم إذا جنح إليه المشركون، فالآيتان محكمتان، ولم يتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النّسخ أو التّخصيص» (2).
__________
(1) التفسير المنير للدكتور الزحيلي 26/ 135.
(2) فتح القدير للشوكاني 5/ 41.
(1/347)

المبحث السادس في الأيمان
المسألة الأولى:
قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النّساء: 4/ 1].
قرأ حمزة: (والأرحام) بالخفض. وقرأ الباقون: وَالْأَرْحامَ بالنصب (1).
وتتجه قراءة حمزة إلى العطف على تقدير الخافض أي: تسألون به وبالأرحام، فيما يرى سائر القرّاء لزوم النّصب على تقدير: واتّقوا الله أن تعصوه واتّقوا الأرحام أن
تقطعوها.
وقد ثار خلاف قديم حول قراءة حمزة قبل ثبوت تواترها، فأنكرها جماعة من المفسّرين والنّحاة.
قال الزّجاج: الخفض في (الأرحام) خطأ في العربية، لا يجوز إلا في اضطرار الشعر، وخطأ في الدين لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تحلفوا بآبائكم» (2)، ثم ناقش الأمر من جهة اللغة، فقال: أما العربية فإجماع النّحويين أنه يقبح أن ينسق باسم ظاهر على اسم مضمر في حال الخفض إلا بإظهار الخافض، فلا تقول: مررت به وزيد، ومررت بك وزيد، إلا مع إظهار الخافض:
مررت بك وبزيد (3).
وقال المازني: الثاني في العطف شريك الأول، فإن كان الأول يصلح أن يكون شريكا
__________
(1) سراج القاري لابن القاصح العذري 188. وعبارة الشاطبية:
وكوفيهم تساءلون مخففا ... وحمزة والأرحام بالخفض جملا
(2) أخرجه الجماعة عن ابن عمر إلا النّسائي، وتمامه: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفا، فليحلف بالله أو ليصمت» وهو صحيح، انظر نيل الأوطار للشوكاني 8/ 227.
(3) حجة القراءات لأبي زرعة 188.
(1/348)

للثاني، وإلا لم يصلح أن يكون الثاني شريكا له، فكما لا تقول: (مررت بزيد وبك) فكذلك لا تقول: (مررت بك وزيد) (1).
وقد اشتدّ قوم في إنكار قراءة حمزة، حتى قال المبرد: «لو صلّيت خلف إمام يقرأ: (واتّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) لأخذت نعلي ومضيت» (2).
ولا يخفى أن هذا الإنكار إنما يسمع قبل ثبوت التواتر، أمّا بعد ثبوته فإن أعظم حجة في العربية إنما هي ورودها في التنزيل وقراءة النّبي صلّى الله عليه وسلّم لها.
وقد احتجّ من قرأ بالخفض بتواتر الإسناد، وهو أقوى الأدلة بلا مراء، وكذلك احتجّوا بأن عبد الله بن مسعود كان يقرؤها: (واتّقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام) (3) على سبيل التفسير والإيضاح.
كذلك فإن إنكار عطف الظاهر على المضمر ليس في مطلق الأحوال، وإنما ينكر عطف الظاهر على المضمر إذا لم يجر له ذكر، فتقول: (مررت به وزيد)، فذلك غير مستقيم، أما إن تقدم للهاء ذكر فهو حسن، وذلك مثل: (عمرو مررت به وزيد)، فكذلك الهاء في قوله:
تَسائَلُونَ بِهِ تقدم ذكرها، وهو قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ (4).
وأما ورود ذلك في الشعر فهو غير منكر مطلقا كقول الأعشى:
فاليوم أصبحت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب .. فما بك والأيام من عجب (5)
ويجاب أيضا عن دعوى ردّ قراءة حمزة، بأن تحريم الحلف بغير الله ليس محلّ إجماع، بل
__________
(1) حجة القراءات لأبي زرعة 188.
(2) كذا نقله القرطبي في الجامع 5/ 3.
(3) معجم القراءات القرآنية 2/ 104. وانظر الإملاء للعكبري 1/ 96، والجامع لأحكام القرآن 5/ 5، والكشاف للزمخشري 1/ 241.
(4) حجة القراءات لأبي زرعة 188.
(5) المصدر نفسه، وفي الحاشية قال سعيد الأفغاني، اختلف في قائل البيت بين الأعشى، وليس في ديوانه، وعمرو بن معديكرب، وخفاف بن ندبة.
(1/349)

الإجماع أنه لا ينعقد (1)، وعدم انعقاده شيء، ومنع التّلفظ به شيء آخر، وفرق كبير بين المسألتين.
إلى ذلك فقد روى الشيخان وأحمد عن طلحة بن عبيد الله أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: أتاه أعرابي فسأله مسائل ... فلما انصرف قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفلح وأبيه إن صدق» (2).
واستدلوا لذلك بما جاء في القرآن من قسم بالنّبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله سبحانه:
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر: 15/ 72].
وكذلك في قوله: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: 36/ 2].
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِراتِ زَجْراً* فَالتَّالِياتِ ذِكْراً [الصّافّات: 37/ 1 - 3].
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً* فَالْحامِلاتِ وِقْراً* فَالْجارِياتِ يُسْراً [الذّاريات: 51/ 1 - 3].
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التّين: 95/ 1 - 3].
ومثل ذلك في القرآن كثير، ولم يرد مخصص ظاهر في هذا السبيل، وفي حديث أبي العشراء قال صلّى الله عليه وسلّم: «وأبيك .. لو طعنت في فخذها لأجزأك» (3).
ولكن الفقهاء يرون أن المخصّص هو السّنة، فقد ثبت في الصحيحين أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أدرك عمر بن الخطاب في ركب، وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (4)، وهذا حصر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته.
وأجابوا عن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أفلح وأبيه إن صدق» بأنه ورد قبل النهي عن الحلف بالآباء، وكذلك حديث أبي العشراء (5).
__________
(1) انظر موسوعة الفقه الإسلامي وأدلّته للدكتور الزحيلي 3/ 387.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الأيمان، الباب الثامن، حديث (9)، وهو في طبعة دار المعرفة 5/ 80. وكذلك أخرجه أحمد في مسنده 1/ 162.
(3) رواه أحمد بن حنبل 4/ 334، وأورده من رواية حماد بن سلمة ودون لفظ وأبيك، في الصفحة نفسها.
(4) حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا النّسائي عن ابن عمر. انظر نيل الأوطار للشوكاني 8/ 277.
(5) انظر المغني لابن قدامة 8/ 678.
(1/350)

وهذا النهي يؤدي بالإجماع إلى عدم انعقاد اليمين، ولكن هل يدل على تحريمه؟
لا خلاف إن قصد تعظيم المحلوف به وتقديسه وإحلاله محلّ الله عزّ وجلّ، فهو شرك وكفر، وعليه تحمل الأحاديث الشديدة في ذلك (1): «من حلف بغير الله فقد أشرك» (2)، «لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت» (3).
أما إن كان مما يجري به اللسان، ولا يقصد المرء إيقاعه، فغاية القول فيه أن لا ينعقد، وقد كرهه الفقهاء، وقال الشافعي: أخشى أن يكون معصية، ولا يجب عليه كفارة (4).
ونقل الزحيلي الإجماع على عدم انعقاده بقوله: «إذا حلف الإنسان بغير الله تعالى كالإسلام، أو بأنبياء الله تعالى، أو بملائكته ... ، أو بالصحابة، أو بالسماء، أو بالأرض، أو بالشمس، أو بالقمر والنجوم ونحوها؛ مثل: لعمرك، وحياتك، وحقك؛ فلا يكون يمينا بإجماع العلماء وهو مكروه» (5).
واختار الشافعية كذلك المنع من الحلف بغير الله؛ قال السيد البكري: «لا ينعقد اليمين إلا باسم خاص بالله تعالى أو صفاته: والله، والرّحمن، والإله، وربّ العالمين، وخالق الخلق».
ثم قال: «فإذا قصد تعظيم المحلوف به فقد كفر لخبر: «من حلف بغير الله فقد كفر» (6)، فإن لم يقصد ذلك أثم، وهذا مذهب أكثر العلماء أي تبعا لنصّ الشافعي الصريح فيه (7)، كذا قاله بعض شرّاح المنهاج (8)، والذي في شرح مسلم (9) عن أكثر أصحاب الشافعي الكراهة، وهو المعتمد،
__________
(1) انظر موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي 3/ 388 الحاشية.
(2) رواه أحمد عن ابن عمر، وهو حسن، انظر سبل السلام 2/ 167، ولم يبلغ الحديث رتبة الصحيح التي تستقل بتشريع الأحكام.
(3) رواه مسلم برقم 1648 في كتاب الأيمان بصيغة: «لا تحلفوا بالطواغيت ولا بآبائكم». وفي رواية النّسائي: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت». انظر جامع الأصول 12/ 655.
(4) مغني المحتاج 4/ 320. وانظر كذلك إعانة الطالبين للسيد البكري 4/ 313.
(5) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور الزحيلي 3/ 288.
(6) انظر تخريجه في الصفحة السابقة نقلا عن سبل السلام للصنعاني 2/ 167.
(7) انظر الحاشية رقم 4 السالفة.
(8) أي منهاج الطالبين.
(9) أي شرح الإمام النووي على صحيح مسلم.
(1/351)

وإن كان الدليل ظاهرا في الإثم، قال بعضهم: وهو الذي ينبغي العمل به في غالب الأعصار» (1).
وكذلك فقد ردّ الشافعية على من استدلّ بما في القرآن من القسم بالمخلوقين، قال البكري:
«ولا يرد على ذلك أنه ورد في القرآن الحلف بغير الله تعالى، كقوله تعالى: والشمس، والضحى، لأنه على حذف مضاف، أي: وربّ الشمس مثلا، أو أن ذلك خاص به تعالى، فإذا أراد سبحانه تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به، وليس لغيره ذلك» (2).
واكتفى الحنفية بأن نصّوا على عدم انعقاد اليمين بغير الله، من دون إشارة إلى التأثيم في ذلك، قال القدوري الحنفي في الكتاب: «ومن حلف بغير الله لم يكن حالفا، كالنّبي والقرآن والكعبة» (3).
وقال ابن قدامة في المغني: ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء، وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحنث (4).
وردّ ابن قدامة على استدلال الأولين بالأيمان في القرآن بقوله: «فأما قسم الله بمصنوعاته فإنما أقسم به دلالة على قدرته وعظمته، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، ولا وجه للقياس على إقسامه، وقد قيل: إن في إقسامه إضمار القسم بربّ هذه المخلوقات، فقوله: وَالضُّحى أي وربّ الضّحى.
وأما قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفلح وأبيه إن صدق» فقال ابن عبد البر: هذه اللفظة غير محفوظة من وجه صحيح، فقد رواه مالك وغيره من الحفاظ، فلم يقولوها فيه، وحديث أبي العشراء قد قال أحمد: لو كان يثبت، ولهذا لم يعمل به الفقهاء في إباحة الذبح في الفخذ، ثم لو ثبت فالظاهر أن النّهي بعده لأن عمر قد كان يحلف بها كما قد حلف بها النّبي صلّى الله عليه وسلّم ثم نهى عنها، ولم يرد بعد النّبي إباحته (5).
ولكن سائر ما قدمه المعترضون لا ينهض حجة في وجه القراءة المتواترة؛ إذ هي أقوى دليلا
__________
(1) فتح المعين للسيد البكري 4/ 313 حاشية.
(2) إعانة الطالبين على فتح المعين 4/ 313.
(3) الكتاب للقدوري الحنفي، وهو مطبوع متنا في رأس: اللباب في شرح الكتاب 4/ 5.
(4) المغني لابن قدامة 8/ 704.
(5) المغني لابن قدامة 8/ 678.
(1/352)

من ذلك كله، وبها يستدل لا عليها؛ إذ قد ثبت قطعا تواترها إلى المعصوم صلّى الله عليه وسلّم إلى الروح الأمين، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
وأجود الأقوال في الجمع بين النصوص قول من قال: إن الآية لم تأت في القسم بغير الله، وإنما أتت في التساؤل بغير الله، والتساؤل غير القسم، وهو كقولهم: أسألك بالله وبالرّحم، فهي استعطاف وليس يمينا (1).
وقد وردت هذه الأقوال عن ابن عباس، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، كما حرر أقوالهم السيوطي في الدّر المنثور (2).
قال القشيري في الإنكار على من ردّ قراءة حمزة: «ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القرّاء ثبتت عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم فمن ردّ على ذلك ردّ على النّبي صلّى الله عليه وسلّم، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا يشك أحد في فصاحته، ثم إن النّهي إنما جاء في الحلف بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحقّ الرحمن فلا نهي فيه» (3).

ثمرة الخلاف:
أن كلّا من القراءتين المتواترتين أفاد حكما جديدا جديرا بالاعتبار. فقراءة حمزة أفادت جواز التساؤل بالرّحم، والاستعطاف بالآباء، وهو قول مروي عن ابن عباس، ومجاهد بن جبر، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وغيرهم. وهو معنى يتصل بتعظيم الرّحم، والنّهي عن قطيعتها.
وقراءة الجمهور أفادت وجوب تقوى الله في صلة الأرحام، وهو أصل من أصول الدين تضافرت في الدلالة عليه الآيات والآثار.
وهل جواز التساؤل بغير الله، والاستعطاف بالآباء والأرحام أمر تكويني أم أمر تكليفي؟
__________
(1) ومثل ذلك حديث عمرو بن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقول إذا قضى صلاته: «اللهم إني أسألك بحقّ السائلين عليك». قال الديلمي: عمرو بن عطية العوفي ضعفه الدارقطني. انظر كنز العمال 2/ 642.
(2) الدّر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 2/ 117.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5/ 3.
(1/353)

ظاهر الآية أنه تكويني، ولكن لما لم يرد عليه حظر دلّ على أنه من باب ما أقرّه الشارع؛ إذ الدواعي متوافرة لإنكاره لو كان يستوجب الإنكار.
ولم يتعرض الإمامان الجليلان الرازي الجصاص، وابن العربي إلى اختلاف القراءة في هذه الآية، وقد أوردا أحكامها وفق قراءة النصب لا غير (1).

المسألة الثانية:
قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [المائدة: 5/ 89].
قرئت على ثلاثة أوجه: عقّدتم، وعقدتم، وعاقدتم.
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وشعبة: (عقدتم الأيمان). وقرأ ابن ذكوان: (عاقدتم الأيمان). وقرأ الباقون: عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ (2).
والقراءات الثلاثة تتجه إلى تقرير عدم المؤاخذة بيمين اللغو، وقصر المؤاخذة على اليمين المعقودة، وهي المعبّر عنها بالصّيغ الثلاث الآنفة. فتكون رواية ابن ذكوان عن ابن عامر على جهة أن اليمين المنعقدة هي التي تكون من اثنين، دلّت ذلك ألف المفاعلة في قراءتهم (عاقدتم الأيمان)، ولا خلاف بين الأئمة في قبول مدلول هذه القراءة،
ولكن يلزم ابن عامر أن يقبل مدلول قراءة الآخرين لثبوت التواتر.
وتكون قراءة أهل الكوفة بالتخفيف دالّة على أن الكفارة تلزم الحانث إذا عقد يمينا بحلف مرة واحدة، وهذا الحكم محل إجماع من الأمة بلا خلاف، إلا قولا روي عن ابن عمر، وتسابق النّقاد إلى إنكار نسبته إليه (3).
__________
(1) انظر أحكام القرآن للرازي الجصاص 1/ 307. أحكام القرآن للقاضي ابن العربي المالكي 2/ 46.
(2) تقريب النّشر في القراءات العشر لابن الجزري 108، وفيه أن الذي قرأ بألف المفاعلة ابن ذكوان وحده عن ابن عامر، وهو المحفوظ الذي دلّت عليه الطّيبة، ولكن في حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة أن ابن عامر قرأ بذلك، ومنه يفهم أن راويي ابن عامر على ذلك. وعبارة الطيبة:
عقدتم المد منا وخففا ... من صحبة جزاء تنوين كفا
(3) انظر فقرة ثمرة الخلاف صفحة 358.
(1/354)

وأما قراءة أهل الكوفة بالتشديد فلا ينبغي أن تتجه إلى تكرار اليمين كما نقله أبو زرعة (1)، فهذا خلاف المجمع عليه من الفقهاء أن اليمين تنعقد بمرة واحدة كما في قراءة عقدتم بالتخفيف، ولا حاجة لترديدها المرة بعد المرة.
فينبغي إذن أن يكون معنى التشديد في هذا المقام هو التوكيد، وهذا التوكيد يكون بجزم القلب كما يعرف من أمارات ذلك، قال الله عزّ وجلّ: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها [النّحل: 16/ 91].
ولو سلّمنا بأن التّشديد هنا يفيد تكرار اليمين المرة بعد المرة، فإن ذلك لا يسقط وجوب الكفارة في اليمين المنعقدة إذا لم تكرر؛ إذ إن ذلك دلّت له القراءة المتواترة بالتخفيف التي يلزم قبولها عند سائر الأئمة.
كما يمكن أن يكون التشديد في هذا المقام زيادة مبنى، وهو إشارة إلى زيادة المعنى، على وفق قاعدة الأصوليين: زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، فمقتضى قراءة التخفيف عقد اليمين الذي هو قصد القلب، وتحقق النّية، وتكون دلالة قراءة التشديد في التوكيد على حصول هذا القصد جزما، وتحققه يقينا.
واختار الرازي الجصاص كذلك إعمال القراءات جميعا فنصّ على أن قراءة التخفيف (عقدتم) محمولة على إقرار اللسان بما عقده القلب، ثم أشار أن الإعمال للظاهر، وهو لفظ اللسان لا قصد القلب، وأما قراءة عَقَّدْتُمُ بالتشديد فقد أشار أنها أفادت حكما جديدا؛ وهو أنه متى أعاد اليمين على وجه التكرار لا تلزمه إلا كفارة واحدة، وأما قراءة (عاقدتم) فقد أشار إليها ولم يعلق عليها، وفيما يلي عبارة الرازي رحمه الله:
«وقد قرئ قوله تعالى: بِما عَقَّدْتُمُ على ثلاثة أوجه:
عَقَّدْتُمُ بالتشديد قد رآه جماعة، و (عقدتم) خفيفة، و (عاقدتم). فقوله تعالى:
عَقَّدْتُمُ بالتشديد كان أبو الحسن يقول: لا يحتمل إلّا عقد قول (وعقدتم) بالتخفيف يحتمل عقد القلب، وهو العزيمة والقصد إلى القول، ويحتمل عقد اليمين قولا، ومتى احتمل إحدى القراءتين
__________
(1) انظر حجة القراءات لأبي زرعة 234.
(1/355)

القول، واعتقاد القلب، ولم يحتمل الأخرى إلا عقد اليمين قولا وجب حمل ما يحتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، فيحصل المعنى من القراءتين عقد اليمين قولا، ويكون حكم إيجاب الكفارة مقصورا على هذا الضرب من الأيمان، وهو أن تكون مقصودة، ولا تجب في اليمين على الماضي لأنها غير مقصودة، وإنما هو خبر عن ماض، والخبر عن الماضي ليس بعقد سواء كان صدقا أو كذبا، فإن قائل قائل: إذا كان قوله تعالى: (عقدتم) بالتخفيف يحتمل اعتقاد القلب، ويحتمل عقد اليمين، فهلا حملته على المعنيين إذ ليسا متنافيين، وكذلك قوله تعالى: بِما عَقَّدْتُمُ بالتشديد محمول على عقد اليمين، فلا ينفي ذلك استعمال اللفظ في القصد إلى اليمين، فيكون عموما في سائر الأيمان، قيل له: لو سلم لك ما ادّعيت من الاحتمال لما جاز استعماله فيما ذكرت، ولكانت دلالة الإجماع مانعة من حمله على ما وصفت، وذلك أنّه لا خلاف أن القصد إلى اليمين لا يتعلق به وجوب الكفارة، وإن حكم بإيجابها متعلق باللفظ دون القصد في الأيمان التي يتعلق بها وجوب الكفارة، فبطل بذلك تأويل من تأوّل اللفظ على قصد القلب في حكم الكفارة، وثبت أن المراد بالقراءتين جميعا في إيجاب الكفارة هو اليمين المعقودة على المستقبل، فإن قال قائل: قوله:
عَقَّدْتُمُ بالتشديد يقتضي التكرار، والمؤاخذة تلزم من غير تكرار فما وجه اللفظ المقتضي للتكرار مع وجوب الكفارة في وجودها على غير وجه التكرار؟ قيل له: قد يكون تعقيد اليمين بأن يعقدها في قلبه ولفظه، ولو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيدا؛ إذ هو كالتعظيم الذي يكون تارة بتكرير الفعل والتضعيف، وتارة بعظم المنزلة، وأيضا فإن في قراءة التشديد إفادة حكم ليس في غيره، وهو أنه متى أعاد اليمين على وجه التكرار أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، وكذلك قال أصحابنا فيمن حلف على شيء ثم حلف عليه في ذلك المجلس أو غيره، وأراد به التكرار لا يلزمه إلّا كفارة واحدة. فإن قيل: قوله: (بما عقدتم) بالتخفيف يفيد أيضا إيجاب الكفارة باليمين الواحدة. قيل له: القراءتان والتكرار جميعا مستعملتان على وصفنا، ولكل واحدة منهما فائدة محددة» (1).
وكذلك فإن العلامة ابن العربي المالكي أورد القراءات الثلاث محتجّا بها جميعا، وأشار إلى ضعف قراءة التخفيف على عادته في توهين ما انفرد بروايته الكوفيّون، ثم اتّخذ من التأويل سبيلا لإعمال سائر المروي في ذلك وعبارته: قوله تعالى: عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فيه ثلاث قراءات: عقّدتم
__________
(1) أحكام القرآن- الجصاص 2/ 455.
(1/356)

بتشديد القاف، وعقدتم بتخفيف القاف، وعاقدتم بالألف، فأما التخفيف فهو أضعفها رواية وأقواها معنى، لأنه فعلتم من العقد وهو المطلوب، وإذا قرئ عاقدتم فهو فاعلتم، وذلك يكون من اثنين، وقد يكون الثاني من حلف لأجله في كلام وقع معه، وقد يعود ذلك إلى المحلوف عليه فإنه ربط به اليمين، وقد يكون فاعل بمعنى فعل كقولك: طارق النمل، وعاقب اللص في أحد الوجهين في اللص خاصته.
وإذا قرئ عقّدتم بتشديد القاف فقد اختلف العلماء في تأويله على أربعة أقوال:
الأول: قال مجاهد: تعمّدتم.
الثاني: قال الحسن: معناه ما تعمّدت به المأثم فعليك فيه الكفارة.
الثالث: قال ابن عمر: التشديد يقتضي التكرار، فلا تجب عليه الكفارة إلا إذا كرر اليمين.
الرابع: قال مجاهد: التشديد للتأكيد، وهو قوله: والله الذي لا إله إلا هو.
قال ابن العربي: أما قول مجاهد: ما تعمدتم فهو صحيح، يعني ما قصدتم إليه احترازا من اللّغو. وأما قول الحسن: ما تعمّدتم فيه المأثم فيعني به مخالفة اليمين (الحنث)، فحينئذ تكون الكفارة، وهذان القولان حسنان يفتقران إلى تحقيق. وهو بيان وجه التشديد، فإن ابن عمر حمله على التكرار. وهو قول لم يصح عنه عندي لضعفه. فقد قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني (1).
فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر.
وأما قول مجاهد: إن التشديد في التأكيد محمول على تكرار الصفات؛ فإن قولنا: (والله) يقتضي جميع أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، فإذا ذكر شيئا من ذلك؛ فقد تضمنه قوله (والله).
فإن قيل: فما فائدة التغليظ بالألفاظ؟ قلنا: لا تغليظ عندنا بالألفاظ، وقد تقدم بيانه، وإن غلظنا فليس على معنى أنّ ما ليس بمغلظ ليس بيمين، ولكن على معنى الإرهاب على الحالف.
فإنه كلما ذكر بلسانه الله تعالى حدث له غلبة حال من الخوف. وربما اقتضت له رعدة، وقد
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الأيمان باب قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، ورواه مسلم رقم 1649 في الأيمان باب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها، ورواه كذلك أبو داود، والنّسائي.
(1/357)

يرهب بها على المحلوف له، كقوله صلّى الله عليه وسلّم لليهود: والله الذي لا إله إلّا هو، فأرهب عليهم بالتوحيد؛ لاعتقادهم أن عزيرا ابن الله.
والذي يتحصل من ذلك أنّ التشديد على وجه صحيح، فإن المرء يعقد على المعنى بالقصد إليه، ثم يؤكد الحلف بقصد آخر، فهذا هو العقد الثاني الذي حصل به التكرار أو التأكيد، بخلاف اللغو فإنه قصد اليمين، وفاته التأكيد بالقصد الصحيح إلى المحلوف عليه» (1).

وثمرة الخلاف:
تظهر في إعمال القراءات المتواترة الثلاثة إذ لا يجوز إهمال أيّ منها، فيثبت بذلك أن المؤاخذة تكون من الله عزّ وجلّ في الأيمان المنعقدة، سواء عقدها الحالف مرة واحدة، وهو مقتضى قراءة التخفيف، أو كررها ووكّدها، وهو مقتضى قراءة التضعيف، أو تواثق بها مع شركائه ونظرائه، فكان عقدها اشتراكا بين اثنين، وهي قراءة عاقدتم.
ففي كلّ كفارة على الحانث، وتأثيم على الناكث، إلا إلى معروف (2).
لكن روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن التشديد يقتضي التكرار، فلا تجب الكفارة إلا إذا كرر، وهذا يردّه قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إني- والله-، إن شاء الله- لا أحلف على يمين، فأجد غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير، وكفّرت عن يميني» فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر (3).
ولكن لا حاجة إلى الاستدلال بذلك بعد ثبوت تواتر القراءة؛ إلا لمن لم يفهم معنى التكرار من تضعيف الفعل في هذا المقام.
كما إن رفع القول هذا إلى ابن عمر محل ريبة، فقد قال ابن العربي المالكي: ما روي عن ابن عمر أنه محمول على التكرار قول لم يصح عندي لضعفه. ثم أورد الحديث السالف في الرّد على الرواية (4).
__________
(1) أحكام القرآن ابن العربي 2/ 643.
(2) الاستثناء هنا لآخر مذكور.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان، باب 31، وأحمد في مسنده 4/ 398، وأخرجه الإمام مسلم في كتاب الأيمان باب 7.
(4) أحكام القرآن لابن العربي المالكي 2/ 644.
(1/358)

المبحث السابع في الأقضية
المسألة الأولى:
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [الحجرات: 49/ 6].
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (فتثبّتوا). وقرأ الباقون: فَتَبَيَّنُوا (1).
وبمثل ذلك قرءوا في سورة النّساء في قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النّساء: 4/ 94]، وقد قدّمنا طرفا من تأويل هذه الآية في مطلب الجهاد (2).
وأما آية الحجرات هذه فقد أخرج ابن جرير الطبري في سبب نزولها عن ثابت مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أي: خرجوا لاستقباله في موكب مهيب، فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم! ..
فغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبلغوا القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فصفوا له حين صلّى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رسولك، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله، فما زالوا يكلّمونه حتى جاء بلال، وأذّن بصلاة العصر، ونزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (3).
__________
(1) تقريب النّشر في القراءات العشر لابن الجزري 107. وعبارة الطيبة:
... ... ... ... تثبتوا شفا من الثبت معا
مع حجرات ومن البيان ... ... ... ...
(2) انظر 321 من هذا الكتاب.
(3) جامع البيان للطبري 26/ 76.
(1/359)

ولا شك أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفي ذلك قال الحسن البصري رضي الله عنه: «فو الله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة، إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء» (1).
والتّثبّت والتّبيّن معنيان متقاربان في المرادف اللغوي، ولكن غلب إطلاق الأول على التّحقّق من الذّوات والشخوص، وغلب إطلاق الثاني على التّحقّق من الأحداث والفعال، وكلاهما من مهمة القاضي العادل.
وقد كان لهذه التوجيهات أعظم الأثر في إصلاح النظام القضائي، وإيجاد قضاء عادل حرّ نزيه في المجتمع الإسلامي.
وأورد لك فيما يلي طرفا من التوجيهات النّبوية التي جاءت مؤكدة لمسئولية القاضي في التّحقّق والتّثبّت والحكم بالعدل.
أخرج الترمذي عن عبد الله بن أبي أوفى؛ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلى عنه، ولزمه الشيطان» (2).
وأخرج أبو داود في سننه عن بريدة بن الحصيب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «القضاة ثلاثة:
واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحقّ وقضى به، ورجل عرف الحقّ فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النّار» (3).
وفي بيان عظيم مسئولية القاضي قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من جعل قاضيا بين الناس، فقد ذبح بغير سكين» (4).
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 16/ 320.
(2) أخرجه التّرمذي، وقال حديث حسن غريب، ورقمه في كتابه 1330 كتاب الأحكام، ورواه كذلك الطبراني عن ابن مسعود، قال الأرناءوط: إسناده ضعيف، انظر جامع الأصول 10/ 170.
(3) أخرجه أبو داود في كتاب الأقضية برقم 3573، باب القاضي يخطئ، وهو حديث صحيح.
(4) رواه أبو داود برقم 3571 و 3572 في كتاب الأقضية، والترمذي في كتاب الأحكام برقم 1325، وهو حديث صحيح.
انظر جامع الأصول 10/ 166.
(1/360)

ثمرة الخلاف:
أفادت قراءة حمزة، والكسائي وجوب التّثبّت على القاضي العادل، وهو كما قدمنا معنى يغلب في التّحقق من الذوات والشخوص والأعيان، وفي ذلك تقرير لجانب مهمّ من أصول التّقاضي؛ إذ ينبغي التّحقّق من شخصية المتخاصمين ومداركهم العقلية والاجتماعية وصلاحيتهم للأهلية والتزام التكاليف.
كما دلّت قراءة الباقين على وجوب التحقّق من الأحداث والوقائع، لئلا يأخذ القاضي أحدا بجريرة أحد، وهو ما دلّت له قراءة فَتَبَيَّنُوا.
ومن نافلة القول هنا أن نشير إلى أن القراءتين متواترتان إسنادا، موافقتان للرسم العثماني قبل النّقط، موافقتان للعربية.
(1/361)

الباب الرابع الخاتمة
(1/363)

خاتمة:
نقدّم فيما يلي عرضا مجملا لأهم النتائج العلمية التي قادنا إليها هذا البحث في مجال القراءات القرآنية، وأثرها في الحكم الشّرعي، والرّسم القرآني:
1 - إن الوحي هو المصدر الوحيد للقراءات المتواترة على اختلاف وجوهها، وليس للأئمة القرّاء أدنى اجتهاد في اختراع أي وجه، أو ترجيح متواتر على متواتر.
2 - إن تعدّد القراءات عن المعصوم صلّى الله عليه وسلّم حفظ كثيرا من اللهجات العربية التي أوشكت أن تندثر في ذلك الحين، كما أنه مظهر سعة وثراء في إيراد أكثر من وجه للكلمة العربية الواحدة.
3 - تحليل رأي الخليل بن أحمد الفراهيدي في علاقة الأحرف السبعة بالقراءات المتواترة، ودفع الإشكالات الناتجة عن ذلك، وتقديم الحجج والأدلة الموضحة لمختار الأمة في هذه المسألة.
4 - تحليل رأي ابن جرير الطبري في مسألة نسخ الأحرف السبعة، وتقديم الأدلة على أن الخلاف بينه وبين مختار الأئمة لا يتعدى الشكل، مع الاتفاق من حيث النتيجة.
5 - النّبي صلّى الله عليه وسلّم أول شيخ إقراء، وسائر هذا المتواتر بين أيدي الناس اليوم كما حقّقه ابن الجزري إنما هو في الأصل قراءة أقرأ بها النّبي صلّى الله عليه وسلّم جماعة من الأصحاب.
6 - تفصيل الدور الكبير الذي قام به أهم رجال هذا العلم تاريخيّا وهم أربعة: ابن مجاهد، وأبو عمرو الدّاني، والقاسم بن فيرة الشاطبي، ومحمد بن الجزري.
7 - بسط أسانيد القراءات العشر، وتقديم الأدلة الكافية التي تثبت أنها بلغت مبلغ التواتر جميعا.
8 - تقديم جداول إيضاحية للأسانيد، والطرق التي حملت عبرها هذه القراءات المتواترة.
9 - مناقشة الاصطلاح الشائع حول التصنيف الثلاثي للقراءات: متواتر، وآحاد، وشاذ، وتقديم الأدلة والحجج على وجوب المصير إلى تسمية ثنائية؛ وهي: متواتر، وشاذّ فقط.
(1/365)

10 (1) - دفع التّوهم الشائع بأن علم القراءات علم مغلق؛ لا يطّلع عليه إلا أهل الاختصاص، ولا ينال إلا بتقضي الأعمار، وتقديم مختصرين اثنين لطريقتين مختلفتين في إتقان القراءات المتواترة، يتمكن الراغب بواسطة إحداهما من الاطّلاع الوافي على وجوب القراءات المتواترة كافة في الأصول والفرش.
11 - دفع توهّم التّناقض بين الرسم القرآني العثماني، وبين الفرشيات المختلفة- الكلمات التي قرئت على غير مثال ولا تنتمي إلى أصول قواعدية- الواردة بالتواتر، والتي يلزم التسليم بثبوتها عن المعصوم صلّى الله عليه وسلّم.
12 - إجراء مسح دقيق للمواضع التي اختلفت فيها المصاحف التي وزعها عثمان رضي الله عنه في الأمصار، وتحقيق ضبط عددها بتسعة وأربعين موضعا، وإظهار أهمية معرفتها وحصرها.
13 - تقديم دراسة مفصّلة حول مناهج القرّاء في جمع القراءات، وسبل الجمع، ومصادر الإقراء في زماننا، وانتشار القراءات اليوم، وأهم المؤلّفات في القراءات، وهي دراسة ميدانية قمت بها، مع إجراء مقارنة لواقع ذلك كله تاريخيّا.
14 - إثبات وجود علاقة تناوبية بين القراءات والرسم، فقد خدم كل منهما الآخر، واتّكأ عليه.
15 - إن مرحلة استنساخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه، على عظيم أهميّتها أدّت إلى غياب بعض المتواتر عن نسخ الأمصار، وهو أول مسئولية مستقلة تلقى على كاهل الرواة ليصبحوا أمناء على الرسم الغائب.
16 - إن الرسم الغائب الذي كان في المصاحف العثمانية محددا بتسعة وأربعين موضعا، قد تضاعف عقب الشكل والنّقط؛ إذ كل شكل أثبته النّسّاخ وفق متواتر له وجهان أدى إلى غياب الوجه الثاني من المتواتر، وهو ما زاد من مسئولية رجال الرواية لضبط الرسم الغائب وحفظه.
__________
(1) تجدر الإشارة أن النتائج المرقومة (10 - 11 - 12 - 13) لم ترد في كتابنا هذا، وإنما وردت في كتابنا الثاني المسمّى (الشامل في القراءات) وهو القسم الثاني من رسالة الدكتوراة للمؤلف، وقد طبعته دار ابن كثير والكلم الطيب بدمشق عام 1998 م.
(1/366)

والأمر نفسه تكرر عند النّقط؛ إذ كلما كانت الكلمة المراد نقطها لها وجهان في المتواتر فقد ظهر في النسخة وجه وغاب وجه يقينا.
17 - إن تحسينات الرسم القرآني على أهميتها وخطرها قد نتج عنها أيضا غياب وجوه مأذون بها من المتواتر فرشا وأصولا، وقد أتينا على استعراض ذلك في إثبات الألف الخنجرية، والهمزات، وعلامات المدّ، وعلامات الصلة، وعلامات الإدغام، والإخفاء، والإظهار، وجملة وجوه أخرى.
18 - بسط نماذج من أقوال الأئمة المتقدمين في إنكار بعض المتواتر من القراءات، وتوهينهم إياه بالرّأي، وتقديم الأدلة والبراهين على وجوب حمل مذهبهم هذا على عدم ثبوت التواتر لديهم.
19 - تفصيل أثر اختلاف القراءات المتواترة في الأحكام الشرعية الاعتقادية، واستعراض أربع وأربعين مسألة اعتقادية أثمر اختلاف القراءات المتواترة فيها عن أحكام وفوائد جديدة، وهي تتوزع في أربعة مطالب:
الإلهيات: ثلاث عشرة مسألة.
النّبوّات: سبع عشرة مسألة.
الغيبيات: ثلاث عشرة مسألة.
العمل والجزاء: إحدى عشرة مسألة.
مع التوكيد بالأدلة والبراهين أن تعدد المتواتر لا يؤدي إلى هدر بعضه بعضا، ولا يلجئ إلى اختيار أحد المتواترين دون أخيه، بل يتكامل بعضه ببعض، ويسهم متضامنا في إضاءة النصوص وكشف دلالاتها.
20 - تفصيل أثر اختلاف القراءات المتواترة في الأحكام الشرعية العملية- الفقهية- واستعراض تسع وثلاثين مسألة فقهية أثمر اختلاف القراءات المتواترة فيها عن أحكام وفوائد جديدة، وهي تتوزع في سبعة مطالب:
العبادات: إحدى عشرة مسألة.
المعاملات: ثلاث مسائل.
(1/367)

النّكاح: سبع مسائل.
الحدود: أربع مسائل.
الجهاد: إحدى عشرة مسألة.
الكفارات والأيمان: مسألتان.
القضاء: مسألة واحدة.
مع استعراض مذاهب الفقهاء في كل مسألة، وبيان أدلتهم لاختيار بعض المتواتر وترك بعضه، وتقديم الأدلة والبراهين على وجوب قبول المتواتر جميعا، وأن قبوله جميعا لا يلزم منه التناقض؛ إذ إمكان الجمع وارد ومتحقق في ذلك كله.

اقتراحات:
وبعد، فقد استوفيت بعون الله ما كنت أؤمله من بيان أثر القراءات المتواترة في الرسم القرآني والأحكام الشرعية، وهي كما رأيت آثار تتصل بتقرير الحكم الشرعي، وتضيء معاني النصوص، وتشتمل على فوائد جمة في الفقه والرسم.
وقد رأيت في هذه الخاتمة أن أتقدم بجملة من الاقتراحات التي تتصل بخدمة القراءات القرآنية، وتبسيطها للناس، وحفظها للأجيال القادمة.

أولا- الجمع الصوتي للقرآن الكريم:
يسّر الله سبحانه للناس في هذا القرن وسائل تسجيل الصوت وتقويته وضبطه، وذلك من خلال أشرطة التسجيل وأجهزة العرض الصوتية، ولا شك أنه تمّ تسخير هذه الوسائل لخدمة القرآن الكريم منذ عشرات السنين، وتنتشر في العالم الإسلامي تلاوات وتفاسير مختلفة لأفضل القرّاء والحفّاظ في البلدان الإسلامية.
ولكن الأمل الذي نطمح إليه أن يستفاد من هذه الوسائل في توثيق القراءات المتواترة، وحفظها للناس، وذلك من خلال قيام جهة مرجعية في العالم الإسلامي باستيفاد كبار القرّاء في العالم الإسلامي، ليقرءوا المتواتر من القرآن، بوجوهه المأذون بها جميعا، ليصبح فيما بعد، وثيقة للتاريخ تعرف به الأمة ما أذن به وما لم يؤذن به من قراءة التنزيل.
(1/368)

وترجع أهمية هذه الفكرة نظرا لطبيعة أداء هذه القراءات المتواترة؛ إذ إن غالبها لا يضبطه الكتاب على وجهه، ولا بد فيه من ضبط الشفاه، وهذا بدوره لا يتوفر إلا عند أهل الاختصاص، وهم نخبة محدودة، لا يملك سائر الناس سبل الوصول إليهم وتحصيل المعرفة عنهم.
أما وسائل التسجيل فيمكن أن تكون في كل مكتبة إسلامية يطّلع عليها من شاء، وينقطع عندها سبيل التزيّد والانحراف عن القراءة المتواترة التي أذن بها المعصوم صلّى الله عليه وسلّم.
هذا .. وقد تيسرت الآن وسائل التسجيل هذه بحيث يمكن جمع سائر القراءات على قرص ليزري واحد، من خلال جهاز الحاسوب (الكمبيوتر) وهذا ما يجعل سائر التنزيل القرآني بالنص والصوت متوفرا بيد كل طالب علم وبتكاليف يسيرة.

ثانيا- مشروع إصدار مصحف القراءات:
لم يعد ثمة مندوحة من القول بأن ثمة رسما متواترا غائبا لا يمكن تحصيله من مصحف حفص الشائع في العالم الإسلامي اليوم، إذ هو يدلّ لقراءة واحدة، بل لرواية واحدة من المتواتر، وهي التي تبلغ عشرين رواية متواترة كما قدمنا ذلك بالأدلة الإسنادية القاطعة.
وإذا كانت مسائل الأداء لا تتغير بها الأحكام فإنه لا بدّ على الأقل من ضبط الفرشيّات المأذون بها تواترا في الكتاب العزيز، وهذا أمر لا يعسر تحقيقه، بل يمكن ضبطه من خلال كتابة جدول صغير على هامش المصحف لبيان الوجوه الغائبة، وهي لا تتجاوز في تقديري ست كلمات وسطيا في الصفحة الواحدة، ولكنها تعود بفوائد جمة على القارئ والمفسّر جميعا.
وليست هذه الفكرة جديدة، بل هي فكرة قديمة قام بتحقيقها عدد من المشتغلين بخدمة القرآن الكريم في أجيال متعاقبة، ولكنها لم تجد سبيلها بعد للتوثيق عن طريق هيئة مرجعية لخدمة القرآن الكريم في العالم الإسلامي. وتجب الإشارة هنا إلى جهد قام به ناشر سعودي مستعينا ببعض القراء، حيث قام بجمع وجوه القراءات المتواترة من فرش وأداء على هوامش الصفحات، وهي بلا ريب خطوة جيدة، ولكنها تفتقر إلى مراجعة علمية، حيث وقعت فيها على أخطاء كثيرة، إضافة إلى وجوب تجريد الفرش عن الأداء، وحتمية صدورها عن هيئة مرجعية إسلامية عامة.
(1/369)

ثالثا- مشروع كتابة مصحف عثمان:
إن المصحف العثماني هو الوثيقة الأم التي انبثقت عنها سائر القراءات المتواترة، وقامت عليها الجهود المتعاقبة للوقوف على أصل التنزيل من الذكر الحكيم.
والمصحف العثماني وثيقة من أهم وثائق تاريخ العرب إن لم نقل إنها أهمها على الإطلاق، حيث قامت عليها ألوف الدراسات والبحوث خلال التاريخ الإسلامي.
وقد كتب عثمان ستة مصاحف وزّعها في الأمصار، واحتفظ لنفسه بمصحف واحد منها، وهو الذي كان بيده عند استشهاده.
ولكن هذا المصحف وقرناؤه من المصاحف الستة غير موجودة بأيدي الناس اليوم، ويتنازع شرف الانتساب إليها ثلاثة مصاحف (1):
1 - مصحف المشهد الحسيني بمصر بالقاهرة، وهو الذي نقل إلى المشهد المذكور عام 1304 هجري.
2 - مصحف اسطنبول بتركيا، وهو محفوظ في متحف طوب قابوسراي، وهو مكتوب على الرّق، وعليه قطرات حمرا.
3 - مصحف طشقند في أوزبكستان، وهو موجود بحوزة الإدارة الدينية بطشقند، مكتوب على الرّق، عدد ورقاته 353 ورقة، بقياس 68* 53 سم، وقد نقل إلى طشقند عام 1869 م.
وليس هذا محل مناقشة ثبوت هذه المصاحف، والاستدلال والتأريخ لها، فقد تكفّلت بذلك دراسات عديدة، يمكن مراجعتها.
ولكن الذي أقترحه في هذا السبيل هو إصدار مصحف عثمان مرة أخرى؛ إما استنساخا عن أحد هذه المصاحف، أو استكتابا (2) عنها وفق ما قرره علماء الرسم في مصنفاتهم، دون نقط ولا شكل، وفق الكتبة الأولى، وإتاحة ذلك لعامة المتعلمين والمشتغلين بخدمة القرآن الكريم.
__________
(1) انظر مصحف عثمان ورحلته شرقا وغربا، تأليف د. سحر عبد العزيز السالم، إصدار مؤسسة شباب الجامعة- إسكندرية.
(2) أردت بالاستنساخ تصوير أحد هذه المصاحف عن طريق آلة التصوير، وأردت بالاستكتاب العهدة إلى أحد الخطاطين المهرة إلى إعادة كتابة المصحف وفق الكتبة العثمانية نفسها.
(1/370)

وهكذا فإن توفير هذه النسخ بين أيدي الباحثين يخفف عنهم عناء كبيرا في تحقيق النصوص، ويساعدهم على تصور الكتبة الأولى، وما نشأ عليها من خدمات، وهذا بلا شك تقدّم كبير، نتجاوز به الدور التّراثي والجمالي المحدود، التي تقدمه مصاحف القاهرة، واسطنبول، وطشقند؛ إن صحت نسبتها إلى العهد العثماني.
ولا نحتاج بعدئذ إلا إلى إضافة ملحق من صفحة واحدة، يتضمن المواضع التسعة والأربعين التي اختلفت فيها مصاحف الأمصار، كما تحقق ذلك في هذه الدراسة، ونكون حينئذ قد وفّرنا بين أيدي الباحثين الوثائق الأمّ التي لا غنى لباحث عنها، والتي تقطع بكل توكيد ذلك الجدل المستمر حول موافقة أو مخالفة الرسم لا تجاه معين في الأداء.
ولن يكون لهذا العمل فائدة حقيقية إلا إذا صدر عن جهة مرجعية مختصة بخدمة القرآن الكريم، ولست أرى هذه الخصائص تتوفر في جهة إسلامية كتوفّرها في جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية التي أتشرف برفع هذه المذكرة إليها.

رابعا- مشروع إحياء الرّوم في النّطق العربي:
الرّوم: هو الإتيان ببعض الحركة عند الوقوف للدلالة عليها، والقاعدة العامة لا تكون إلا فيما حقّه الضّم أو الخفض إذا وقفت عليه بالسكون.
فتروم في مثل نستعين- المجيد. ولا تروم في مثل: المستقيم. ولا وجه للرّوم في الساكن سكونا أصليّا كما في: قم فأنذر.
وقد نصّ في الشاطبية على أن الرّوم مذهب أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، ولكن المختار أنه مذهب عام لجميع القرّاء على سبيل التّخيير (1).
والواقع أن هذا اللون من الأداء مهجور تماما في صنيع القرّاء والنّحاة اليوم، ولست أدري لذلك سببا بعينه، غاية الأمر أنهم اكتفوا بعبارة: العرب لا تقف على متحرّك، فألزموا الوقف
__________
(1) قال ابن الجزري في المقدمة:
وحاذر الوقف بكل الحركة ... إلا إذا رمت فبعض الحركة
إلا بفتح أو بنصب وأشم ... إشارة بالضم في رفع وضم
المقدمة الجزرية في علم التجويد، رقم الأبيات 104 - 105.
(1/371)

بالسكون، وهي قاعدة ليست صحيحة على إطلاقها، فثمة ثمانية أشكال من الوقف عند العرب في قاعدة الرّوم، والإشمام عند القرّاء يمكن الرّجوع إليها.
والحقّ أنّ النّطق بالرّوم يعود بفوائد مؤكدة في النّطق، ولا سيما إذا كانت فيه تجلية مشتبه، أو كشف مبهم. فمن ذلك في القرآن الكريم:
يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ [آل عمران: 3/ 42]، وذلك إن وقفت على أحد هذه الكافات الثلاث.
فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ [النّمل: 27/ 42].
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشّعراء: 26/ 78]، وذلك إن وقفت على واحد من رءوس الآي هنا.
وظاهر أن الوقف بالرّوم يجلي المعنى المقصود، الذي سيكون مبهما إن وقفت بالسكون المحض، ففي الآيتين الأوليين، كشف أن المخاطب امرأة، ولو سكنت سكونا محضا لم يتبدّ لك ذلك، وفي الآية الثالثة كشف لك عن ياء المتكلم المحذوفة اتّباعا لقافية الآية.
وكذلك في أداء المذيعين والمتحدّثين اليوم، فإن معاني كثيرة يؤدي السكون المحض إلى إبهامها وضياع رونقها، لاحظ مثلا هجنة الخطاب وغربته في الصيغ الآتية إذا وقفت بالسكون المحض وأنت تخاطب امرأة:
ما اسمك؟ ما دراستك؟ ما هي بلدك؟
متى رجعت؟ متى حضرت؟ هل هو حقّا يحبّك؟
ثم لاحظ بعدئذ كم يضيء الرّوم من دلالتها ومعناها لدى النّطق به وفق قاعدته. (اقرأها بالرّوم) وهكذا فإن في الرّوم فائدة حقيقية في تصويب النّطق العربي، ولا سيما المظانّ التي يكون الإسكان المحض مدعاة إشكال.
ولست أدري لم يتحرّج النّحاة من الفتوى بذلك، وهو كما رأيت مذهب البصريين
(1/372)

(أبي عمرو) والكوفيين (عاصم، وحمزة، والكسائي) وإنما البصرة، والكوفة للنحو كالأم والأب، فقد ولد النّحو بالبصرة، وشبّ في الكوفة، ثم هو من بعد مذهب سائر القرّاء كما حقّقه ابن الجزري.
وقد قدّمنا بالأدلة والحجج تواتر الإسناد في أداء هذه الوجوه إلى المعصوم صلّى الله عليه وسلّم، وهو أفصح من نطق بالضاد، وزيادة على ذلك فإن هذا الأداء إنما هو وحي من الله عزّ وجلّ تلقّاه النّبي صلّى الله عليه وسلّم من أمين الوحي جبريل.
والعجب بعدئذ من رجل يحتكم إلى شطر من شعر أعرابي، لا يعرف له اسما، ولا يحفظ عنه إسنادا، ثم هو يرتاب في الأخذ بوجه من الأداء القرآني، أطبق عليه أهل الأداء، وقدموا بين أيديهم إسناده ورجاله، ثم هم أهل الفصاحة واللسان والبيان.
ولا يختلف الكوفيّون في أن القراءات محلّ احتجاج في اللغة، إن ثبتت رواية، ولكن دأب بعض نجاة البصرة على رفض الاستشهاد بالقراءات، ولكني أعتقد أنهم في مثل هذه المسألة لا يخالفون، لإطباق القراء على جواز القراءة بها أولا، ولأنها صيغة أداء، لا وجه نحو، وقد علمت مبلغ ما بذله أئمة القراءة لضبط صيغة الأداء، وهو ما لم يتحصل جزء جزئه لرواة الشعر وغيره إجماعا.
وقد اشتدّ ابن حزم في إنكار مذهب من لم ير الاحتجاج بالقراءات بقوله: «من النّحاة من ينتزع من المقدار الذي يقف عليه من كلام العرب حكما لفظيّا، ويتخذه مذهبا، ثم تعرض له الآية على خلاف ذلك الحكم، فيأخذ في صرف الآية عن وجهها».
وقال في موضع آخر:
«ولا عجب أعجب ممن إن وجد لا مرئ القيس، أو لزهير، أو الحطيئة، أو الطّرماح، أو لأعرابي أسدي، أو سلمي، أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب لفظا من شعر، أو نثر جعله في اللغة، وقطع به، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد لله تعالى خالق اللغات وأهلها كلاما لم يلتفت إليه، ولا جعله حجة، وجعل يصرفه عن وجهه، ويحرّفه عن موضعه» (1).
__________
(1) معجم القراءات القرآنية 1/ 102.
(1/373)

وبناء على ما تقدم، فإني أدعو أصحاب البيان والقلم، إلى إحياء منهج الرّوم في النّطق العربي حال الوقف، لما في ذلك من كشف المبهم، وتجلية الغامض، وهذا سيعكس بلا
ريب جمال العربية، وحسن الأداء فيها، وأتمنى على جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية أن تسهم في عقد ندوة إعلامية لإحياء هذا الوجه من النّطق العربي السليم.
(1/374)