Advertisement

الحفظ التربوي للقرآن



الحفظ التربوي للقرآن
وصناعة الإنسان


د . خالد بن عبد الكريم اللاحم

صفحة الردمك



بسم الله الرحمن الرحيم

خالية

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، و نستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد فهذه إيضاحات لمسألة تشتد حاجة الأمة إليها ، وخاصة إذا أصيبت بالضعف واستذلها الأعداء ، وابتليت بالأمراض ، وعصفت بها الفتن.
إن إهمال العمل بهذه المسألة هو الباب الذي منه دخل النقص على الأمة ، وهو الثغرة التي نفذ منها الكائدون إلى حصوننا بعد أن كانوا يكتفون بالمراقبة وتحين الفرص .
موضوع هذه المسألة هو الأداة التي بنيت به أول دولة للإسلام ، وبها يمكن أن يبني المسلمون ما يريدون من الدول القوية في أي مكان في العالم إنه (الحفظ التربوي للقرآن الكريم ) لست فيما أقول شاعرا يسبح في بحر الأحلام ، أو واعظا يحلق في سماء الأماني، بل، بين يدي ملف ضخم من التجارب العملية المدونة بكل مصداقية ، وقبل ذلك كله بين يدي العلم اليقين ، والوعد المكين ممن خلق هذا العالم ، ويدبر شؤونه صباح مساء سبحانه كل يوم هو في شأن ، وهو وعد صريح لا يقبل التأويل ولا النقاش يقول الله تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [ سورة النور - الآية : 55 ]، والوعد ليس لأي أحد إنما فقط للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهل نظن أن (آمنوا وعملوا الصالحات) تأتي بالأماني والأحلام أو أن الطريق إليها هو الجد والعمل وهو متحقق بالحفظ التربوي للقرآن فهو الطريق السريع والقوي لتحصيل (آمنوا وعملوا الصالحات) وهو الثمن الذي من دفعه نال ما يريد من العزة والتمكين على مستوى الفرد والمجتمع .
ومن أجل توضيح هذه المسألة وضعت بين يديك أخي المسلم - أينما كنت - هذه الأوراق والتي سميتها : ( الحفظ التربوي للقرآن وصناعة الإنسان )
هذا الكتاب يعتبر امتدادا لكتاب مفاتح تدبر القرآن والنجاح في الحياة فهو حلقة في هذه السلسلة التي تبين وتوضح لكل مسلم ومسلمة كيفية تحقيق النجاح الشامل في الحياة الدنيا وفي الآخرة من طريق القرآن والسنة الذي قل السالكون له في هذا الزمان حين حصل من بعض الناس الانبهار بالحلول المستوردة ، وتهيب آخرون هذا الطريق تعظيما واحتراما للقرآن خشية الخطأ وذلك بسبب القصور في معرفة الطريق وكيفية السير فيه .
أسأل الله الرحمن الرحيم، أن يهدينا الصراط المستقيم ، ويوفقنا لبيان الحق ،إنه سميع مجيب، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

وكتبه /
د . خالد بن عبد الكريم اللاحم
الأستاذ المساعد بقسم القرآن وعلومه
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
البريد الالكتروني lahim@quranlife.com


المبحث الأول : مفهوم الحفظ التربوي
* المسألة الأولى : تعريف الحفظ التربوي للقرآن
الحفظ التربوي للقرآن : هو الحفظ المتقن لألفاظ القرآن الكريم وحفظ معانيه بقوة تيسر استدعاءه عند كل أمر من أمور الحياة بحيث يبقى حاضرا حيا في القلب على مدار الساعة مما يضمن تطبيقه والعمل به .
شرح التعريف :
تضمن التعريف أركان الحفظ التربوي الثلاثة وهي :
1- حفظ الألفاظ .
2- حفظ المعاني .
3- حفظ العمل .
أما الركن الأول فالأداة التي تحققه هي الحفظ الأسبوعي وسيأتي تفصيله في المبحث الثالث .
وأما الركن الثاني فالأداة التي تحققه هي مفاتح تدبر القرآن وتم بيانها وتوضيحها في كتاب مستقل مطبوع.
وأما الركن الثالث فهو الهدف والغاية من إنزال هذا الكتاب العظيم ، وكان بيانه في المبحث الخامس.
إن من يتربى على الحفظ التربوي بهذه الأركان الثلاثة يتحقق فيه ما وصف الله تعالى في كتابه المبين في قوله تعالى : {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الأحزاب (35)] ، وأي نقص في حصول ما جاء ذكره في هذه الآية فسببه قصور في تطبيق هذه الأركان الثلاثة.

* المسألة الثانية : محترزات التعريف
بناء على المقياس المرسوم في تعريف وتحديد الحفظ التربوي فهناك عدد من الصور الموجودة في واقع المشتغلين بالتربية والتعليم بالقرآن الكريم لا تنطبق عليها مقاييسه وبيان ذلك كما يلي:
قولنا : (الحفظ المتقن لألفاظ القرآن الكريم) يخرج الحفظ الضعيف للفظ، ومقياس الحفظ الضعيف : أنه كل حفظ يرى صاحبه عندما يطلب منه التسميع أنه بحاجة إلى مراجعة، أو هو كل حفظ لا يوجد عند صاحبه الاستعداد الفوري المستمر للتسميع في أي لحظة يطلب منه ذلك .
وقولنا : (حفظ معانيه) يخرج الاقتصار على حفظ اللفظ حتى لو كان متقنا فكل حافظ متقن لألفاظ القرآن وحروفه لا يطبق مفاتح تدبر القرآن كاملة فهو عن الحفظ التربوي بمعزل مهما كانت قوة حفظه ودقة ضبطه لألفاظ القرآن الكريم ويمكن أن يسمى هذا النوع من الحفظ بـــ ( الحفظ اللفظي للقرآن ) لأنه اقتصر على حفظ اللفظ وأهمل حفظ المعنى وحفظ العمل .
وقولنا (بقوة تيسر استدعاءه ...) يخرج الاقتصار على حفظ ألفاظ القرآن وحفظ معانيه دون سعي حثيث لربطها بالواقع وتكرار للتدريب والتمرين حتى يتم الاقتران القوي بين العلم والعمل فيحصل المقصود من إنزال القرآن والأمر بتلاوته وحفظه.
أنبه إلى أن التعريف لم يشترط الحفظ الكامل للقرآن بل يمكن تطبيق أركان الحفظ التربوي وأدواته على أي قدر من القرآن الكريم .

المبحث الثاني : صناعة الإنسان
* المسألة الأولى : تعريف صناعة الإنسان
صناعة الإنسان تعني صناعة قلبه ونفسه وروحه صناعة محكمة متكاملة
هي التزكية العلمية للنفس ، أي بناء النفس بالتدريج حتى ينضج الإنسان ويستوي على سوقه .
ومصطلح صناعة الإنسان ورد في القرآن الكريم في قول الله تعالى ممتنا على نبيه موسى عليه السلام : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [(39) سورة طـه] فقد تولى الله سبحانه وتعالى صناعة أنبيائه وأدبهم فأحسن تأديبهم هيأ لهم الفرص ويسر لهم الأسباب التي تسهم في تكوينهم وإعدادهم لحمل رسالاته.
وصناعة الإنسان لها أركان وهي المرتكزات أو الأسس التي تتحكم في بنائه وتشكيله وهي أركان النجاح الأربعة التي بينها الله تعالى أتم بيان في سورة العصر فأركان صناعة الإنسان الفردية والجماعية أربعة :
الأول : الإيمان
الثاني : العمل الصالح
الثالث : التواصي بالحق
الرابع : التواصي بالصبر .
وصناعة الإنسان أيضا لها مواصفات ومقاييس جاء بيانها بكل دقة وتفصيل في القرآن والسنة .
وقد كتبت مبحثا في كلٍ من: أركان صناعة الإنسان، ومواصفاتها، في كتاب القرآن والنجاح.
* المسألة الثانية : منهج صناعة الإنسان
في المسالة السابقة أوضحت تعريف صناعة الإنسان وأنها تستهدف نفسه و روحه وعلى هذا فإن منهج صناعة الإنسان يجب أن يسير في هذا الخط ويركز عليه، فصناعة الإنسان لها جهتان :
الأولى : الأفكار والمعتقدات والقناعات
الثانية : المهارات والعادات و السلوك
والثانية متوقفة على الأولى ومبنية عليها، فصناعة الإنسان إذا تتوقف على مقدار القناعات والمعتقدات والأفكار التي يمكن غرسها في نفس الإنسان بحيث تشكل حياته .
وعند التأمل والنظر نجد أن الذي يؤثر في صناعة الإنسان ويؤثر على تفكيره ، ويغير آراءه ويبدل معتقداته وبالتالي سلوكه وأخلاقه وتصرفاته فيرسم بذلك شخصيته و منهجه في الحياة ثلاثة أمور :
الأول : الكلام أو اللغة ( ويدخل في هذا جميع الوسائل الناقلة والموصلة للكلام صوتا أو صورة )
الثاني : النظر والتفكر في الكون والحياة ويدخل فيه النظر إلى : القدوات والنماذج والأمثلة الماضية أو الحاضرة والتأثر بهم .
الثالث : الأحداث والمواقف و الفرص ( وهذه لا اختيار للإنسان فيها بل هي أقدار تساق إليه إن خيرا أو شرا ثم تختلف النتيجة باختلاف التعامل معها )
هذه مصادر صناعة الإنسان في الحياة وبحسب ما يتوفر له منها تتشكل شخصيته.
وعند الموازنة بينها نجد أن الأمر الأول هو أقواها وأشملها وأدومها وأعمقها أثرا في معظم الأحوال والأوقات وهذا عام في كل أمور الحياة في كل تخصصاتها ومتطلباتها وفي مقدمة ذلك يأتي البناء الداخلي للإنسان إذ هو المنطلق والأساس لأي أمر آخر يراد من هذا الإنسان
وأيضا فإن الأمرين الآخرين يمكن بسهولة ترجمة وتحويل مضمونهما بواسطة الأمر الأول بكل دقة وبكافة التفصيلات والمشاعر والأحاسيس والمؤثرات، فأي حدث مؤثر أو موقف معبر أو نموذج فذ فريد يمكن ترجمته بواسطة الكلمات فالله أعطى الإنسان لغة يترجم بها كل ما يريد ويحفظه لنفسه أو ينقله إلى الآخرين.
إن الكلام أو اللغة الحية تتحكم في مشاعر الإنسان وتديرها إلى أي جهة تراد، ألم تر أن إنسانا يستمع لمتكلم فيبكي وآخر يستمع لمتكلم فيضحك وثالث يتحمس وينشط وكله كلام لكنه كلام يختزن في حروفه آلاف الصور والمشاعر التي يتم نقلها عبر الأذن استماعا أو العين قراءة ، وهذا التأثير هو الذي يمارسه الخطباء ، وتمارسه أجهزة الإعلام.
إننا نرى في الواقع الأثر القوي الذي يحدثه المعلم أو الخطيب أو المحامي أو المستشار ، فما الذي يفعله هؤلاء؟ وكيف يحدثون هذا الأثر؟ إنها الثروة اللغوية الحية التي تعبر عما في النفس وتصف الواقع بكل دقة وتجسده تجسيدا عميقا وتقف على أبعاد وخفايا الموضوع المطروح، تجد خطيبا يقف فيهز الجماهير ويلهب المشاعر والأحاسيس ويغير آراءها ومعتقداتها ،بينما يقف خطيب آخر فلا يستطيع الوصول إلى ما وصل إليه الأول ، ما الفرق ولماذا ؟ (1) الفرق في الروح التي تسري من المتكلم إلى المستمع فتبعث في كلماته الحياة ومن أجل ذلك كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن تحدث الأثر العظيم حتى في نفوس الكفار مما يجبرهم على الاعتراف بهذا الأثر ، ولهذا السبب فإن الناس يختلف تأثيرهم بالقرآن قراءة وتربية ووعظا ورقية ، فمنهم قوي التأثير ومنهم دون ذلك، ومرجع ذلك كله إلى مقدار حياة مفردات القرآن في نفس القارئ .
الصور في عصرنا الحاضر قد تطورت بشكل ملحوظ وواسع لكن تبقى الكلمات هي سيدة الموقف والمتفوقة في هذا التخصص ولك أن تقارن بين ثلاث لوحات إعلان الأولى احتوت كلمات فقط ، والثانية صورا فقط، والثالثة كلمات وصور، أيها أقوى أثرا؟ فيما أحسب أن الثالثة أقوى، ثم الأولى، ثم الثانية، وسر قوة الثالثة نابع من الكلمات، ولعل المتأمل في منهج شركات الدعاية والإعلان يلاحظ باستمرار محاولتهم الربط بكلمة معينة لما يريدون من المستهلك تذكره والانتباه إليه.
الكلمات تفوق الصور في مهارة التصوير والتجسيد للمعاني الذهنية بمرات عديدة فالإنسان الذي ربيت ملكة التصوير اللغوية لديه يفوق تصويره لما يسمع أي صورة مهما كانت بل إن خياله يتعداها بمراحل بدليل أنه حين يشاهد الصورة يرى أنها أقل مما تخيل.(2)
إذا نحن أمام قضية تربوية كبرى والتي يمكن تسميتها بـــ: (التربية بالنصوص).
ماذا نقصد بالنصوص؟
المقصود بها نصوص القرآن والسنة وما يتصل بها
النصوص مكونة من كلمات وألفاظ ، وهي الحروف المرئية أو المسموعة، وكل كلمة لها معنى أو أكثر، والمعنى هو كل ما يدل عليه اللفظ من أمور معهودة في الذهن .
ولنضرب مثالا على تفاوت الناس حين سماعهم لكلمة معينة بسبب تاريخهم الذهني لها وسجلها العلمي لديهم :
مثل كلمة (مكة) يسمعها مجموعة من الأشخاص :
الأول : يعيش في أقصى الشرق أو الغرب ولأول مرة يسمع الكلمة ولا يعرف شيئا عنها.
الثاني : مسلم يعيش في أحد البلاد الإسلامية وسمع أو قرأ عنها .
الثالث : يسكن في مكة منذ سنوات ويقرأ ما كتب عن تاريخها .
الرابع : شخص مسؤول عن تطوير مكة من كافة جوانبها وقرأ كل ما كتب عنها في الماضي والحاضر وهي مدار عمله اليومي ومحور اهتمامه صباح مساء.
فإن هؤلاء يختلفون عند سماعهم لهذه الكلمة وتختلف مشاعرهم وأحاسيسهم حينما يطلب من كل منهم أن يتذكر كل ما يعرفه عنها ولو أمكن قراءة ما يدور في قلوبهم أثناء هذه التجربة لوجدنا اختلافا كبيرا .
وبالمثل كلمات :
الحمد / لله / رب / العالمين / سبحان الله / الله أكبر
فإنه من المحقق والمؤكد أن الذين تطرق أسماعهم هذه الكلمات يتفاوتون تفاوتا كبيرا في فهمها ووقعها في أنفسهم وتفاعل قلوبهم معها.
لماذا بعض الناس حين يسمع كلمة تولد عنده الرعب أو الحزن أو الفرح أو النشاط أو تصنع الابتسامة على شفتيه، بينما لا يحدث هذا الأثر عند آخر مجاور له في المجلس؟
لماذا بعض الناس يسمع آيات القرآن فتسري الكهرباء في جسمه ويحصل له التأثر العظيم ويبكي وآخر بجواره يسمع الآيات نفسها لا تحرك له ساكنا ؟
هذا هو السؤال الكبير الذي نبحث عن جوابه ومتى وجدناه وفهمناه أمكننا بإذن الله تعالى النجاح في صناعة الإنسان .
هذا هو مدار التربية وعلم النفس فمتى وقفنا على هذا السر أمكننا بإذن الله تعالى فهم تركيبة الإنسان وتفسير سلوكه وبالتالي علاج مشكلاته بل صناعته صناعة صحيحة.
العالم اليوم بأمس الحاجة إلى إتقان صناعة الإنسان، وأقرب طريق إلى تحقيق هذا الأمر هو الحفظ التربوي للقرآن والسنة، فهو الطريق إلى صناعة الإنسان وتشكيله وصياغته وتغييره .
إن الألفاظ يحصل لها تشويه أو تفريغ، فالتفريغ أن تفقد معناها فيسمعها السامع ولا تعني له أي شيء وأما التشويه فقد يكون بتغيير معناها والتلاعب بدلالاتها.
نجد النبي صلى الله عليه وسلم حين وصف الخوارج ذكر اجتهادهم في الصيام والصلاة ولما جاء للأمر المهم الذي عليه مدار صناعة الإنسان وهو صناعة الكلمات أكد فشلهم فيه فقال: (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) وفي لفظ حناجرهم، أي قد اقتصروا على الحفظ اللفظي للقرآن دون الحفظ التربوي .
بعض الناس يقصر معنى (تعاهدوا هذا القرآن) على اللفظ دون المعنى، والصحيح العموم ولو كان مجال لقصره على أحدهما لكان قصره على المعنى أولى وأحرى.
اللفظ هو الجسر الموصل إلى المعنى ، والمعنى هو روح اللفظ وحياته فالنسبة بينهما كالنسبة بين جسد الإنسان وروحه
ويقابل هؤلاء طائفة أخرى ترى أنه يمكن تحصيل المعاني دون حفظ الألفاظ وهو مفهوم قاصر كسابقه، والصحيح أنه لابد من الاثنين معا مضافا إليهما العمل.
إن إحياء النصوص يكون بحفظ ألفاظها وحفظ معانيها فحفظ الألفاظ دون حفظ المعاني الحية يجعل النصوص ميتة لا حراك فيها
إنه بقدر رصيدك من الكلمات الحية وبقدر حياة كل منها يتحدد مستواك وتكون منزلتك، فمثلا أحمد رصيده من المفردات الحية ألف كلمة ، وخالد رصيده مئتان ، فأحمد أفضل من خالد، وإذا أراد خالد أن يسبق أحمد ويكون أعلى منه فعليه أن يسعى حثيثا في زيادة رصيد مفرداته اللغوية الحية وليعلم أن الأمر يحتاج إلى جد واجتهاد .
هل أستطيع أن أعرف رصيدي من المفردات اللغوية الحية ؟ وكيف ذلك؟
نعم يمكنك ذلك والطريقة سهلة وهي أن تقوم بقراءة النصوص التى ترى أنها حية، فكل كلمة تحس لها في نفسك عمقا ووعيا وإدراكا يتعدى حدود الحروف ويجبرك على الوقوف عندها طويلا فهي حية وإلا فلا.
هل يكفي إحياء الكلمة مرة واحدة ؟
الجواب: ما قمت بإحيائه من الكلمات عليك المحافظة على حياته ليستمر عطاؤه أما إن منعت عنه الطعام والشراب والحركة فسيموت بكل تأكيد.
إذا باختصار الإنسان معجم لغوي وبقدر ما يحتوي هذا المعجم من مفردات حية تكون قيمته.
لقد حان الوقت أن تقف وتفتش وتقوم بجرد مخزونك اللغوي وتفقد محتوياته وتقييمها كم المفردات الموجودة فيه ؟ وما نسبة حياة كل منها؟
إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب .
العلــــــم صيد والكتابــــة قيد فقيد صيودك بالحبال الواثقة
فمن الحماقة أن تصيد غزالة وتتركــــــــــها بين الورى طالقة
العلم هنا هو المعاني التي نحبسها ونقيدها داخل الألفاظ ونعبر عنها بالحروف التي تشاهدها العين وتسمعها الأذن .
كم نص تقرؤه أو تسمعه فتفهم منه عددا من المعاني المؤثرة ثم لا تلبث الأيام أن تمضي فتعود إلى ذلك النص فلا تفهم منه أي شيء مما سبق، فما الذي حدث؟ الذي حدث أن النص قد مات لخروج الروح منه ، والروح هي المعنى ، والمعنى شيء لا نراه ولا نلمسه إنما نصل إليه من خلال اللفظ حين تقترن به الروح ، تماما مثل روح الإنسان لا يمكن أن نلمسها أو نراها لكن نتواصل معها من خلال الجسد .
يقول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [سورة الأنفال - الآية : 24]
ما أعجب هذه الآية وما أدق دلالتها على هذه المسالة التي نحن بصدد الحديث عنها.
ما هو الذي يحيينا ؟
إنه كلمات القرآن الكريم، فالذي يحيينا هو هذه الكلمات هذه المفردات لكن ليس بألفاظها وحروفها فحسب بل هناك ما وراء الألفاظ وهو روحها أي المعاني التي تفيض بها ، ولهذا فإن الله يحذر عباده من سلب الروح من تلك الألفاظ فيحول بين المرء وقلبه، اللفظ أمامه لكنه لا يحرك فيه ساكنا بينما شخص آخر بجواره يسمع ذات الألفاظ فتسري القشعريرة في بدنه وتفيض عينه بالدمع.
إن روح الألفاظ بيد الله تعالى يرسلها متى شاء ويمسكها متى شاء بحكمته وتدبيره
هل لتحصيل هذه الروح وهذه الحياة أسباب ؟
الجواب: الطريق إلى تحصيل حياة النصوص هو الحفظ التربوي بأركانه الثلاثة .
ولا يفهم أحد مما سبق أني أدعو إلى تفكيك الجمل والتعامل مع الكلمات منفصلات ؟ هذا غير صحيح ، لكن بقدر قوة اللبنات التي تشكل البناء تكون قوته.
حياة الإنسان هو بحياة كلمات القرآن في نفسه فقد جعله الله روحا ونورا لروح الإنسان ونفسه كما قال تعالى : { وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [ سورة الشورى - الآية : 52 ]
لنستغل حياتنا وأوقاتنا بإحياء آيات القرآن في نفوسنا بدل الاشتغال بما يستهلك الوقت ويقل نفعه من أطروحات الشرق والغرب.
احفظ فكل حافظ مؤمن، فالحفظ من أجل الإيمان، هذا هو مقصود الحفظ التربوي وهو المفهوم الصحيح الذي ينبغي أن نركز عليه فزيادة إيمانك يكون بزيادة مفردات القرآن الحية في نفسك
وهل يحق لشخص بعد هذا البيان أن يقول: كيف أزيد إيماني؟ كيف أطور ذاتي؟ كيف أنجح في الحياة؟
إن الطريق واضح والكنوز مباحة ومتاحة فمن يسبق إليها ينتفع بها.
إن ما نتطلع إليه من التطوير الإداري والاقتصادي والاجتماعي والعسكري مبني على صناعة الإنسان وهي مبنية على صناعة اللغة والمفردات فهي الصناعة التي تنتج النماذج الإنسانية الراقية التي تعمل بكفاءة عالية وإبداع رفيع، وينتج لنا القادة والجنود الذين تنصر بهم الأمة، ويذل ويقهر بهم الأعداء.
يقول الله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [ سورة الأنفال - الآية : 60] إن أول قوة نطالب بإعدادها هي القوة البشرية، فمتى توفرت هذه النوعية لأمة من الأمم كتب لها النصر والعزة والتمكين .

* المسألة الثالثة : العلاقة بين صناعة الإنسان والشيطان:
قال الله تعالى : {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [ سورة طه - الآية : 123 ]
توضح هذه الآية العلاقة القوية بين صناعة الإنسان وبين الشيطان ، فالله سبحانه وتعالى حين أهبط آدم إلى الأرض أهبط معه الشيطان وحكم بالعداوة والصراع بينهما، وعليه فإن أي محاولة من الإنسان للبناء والتغيير للأفضل والأعلى والأكمل فإن الشيطان يحاول بجهده الضعيف ردها ومنعها لأنه قد قطع على نفسه العهد بذلك.
ومدار الصراع بين الإنسان والشيطان هو الهدى الذي وعد الله تعالى من تمسك به أنه لا يضل ولا يشقى ، فالقرآن الكريم هو محل النزاع والصراع بين الإنسان والشيطان ، الإنسان يحاول التمسك به والشيطان يحاول صده عنه ، لذلك تشتد عداوة الشيطان ويتضاعف جهده ونشاطه حين يرى هذا الإنسان قد اتجه إلى القرآن لأنه يعلم أنه إن أفلت منه في هذه الجبهة يكون قد انتصر عليه وتحصن من كيده وعداوته وقد يحاول الشيطان في هذه الحالة أن يغريه بشتى أنواع النجاحات بمناهج وطرق وأساليب تحقق له ما يريد من أمنيات في هذه الحياة لكن من غير طريق القرآن فإن تفطن الإنسان لهذه الحيلة سلم من كيده وشره ،وإن لم يتفطن انتصر عليه الشيطان في هذا الميدان وصرفه عن القرآن ومضت حياته بعيدا عن النجاح بالقرآن.
إن التربية بالقرآن سهلة ميسرة كما قال الله تعالى : { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [ سورة القمر - الآية : 17 ] وربما صعبت على البعض ابتلاء واختبارا لتمحيص الصادق من الكاذب ، ولعل البعض يجد سهولة في بعض الطرق وبعض المناهج فيظن النجاح فيها ويترك ما هو أعلى منها وأرفع، لكن من يتدبر آيات القرآن الكريم لا يخفى عليه هذا الأمر ولا يرده عن الاستمرار في السير إلى أن يحصل على ما يريد من النجاح والتفوق والقوة والتطوير.
* المسألة الرابعة : من يقوم بصناعة الإنسان والحياة؟
يرى البعض أن صناعة الإنسان بالقرآن لا يسمح بها إلا لمن تمكن من علوم الآلة ورزق نسبة عالية من العلم ومن عداه فلا يسمح له بذلك.
ويرى بعضهم أن تكون التربية من خلال كتب التربية وعلم النفس وكتب التطوير والتغيير المعاصرة وحجتهم في هذا أنهم غير مؤهلين للتربية بالقرآن والسنة وليس عندهم علم بذلك ويخشون الخطأ إن دخلوا هذا المجال؟
والسبب في مثل هذا الفهم هو النظرة الكلية الكمالية وأنه لا يدعو إلا من بلغ الكمال ولا يربي إلا من جمع العلم من أطرافه ، وهذا الفهم غير صحيح فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول : بلغوا عني ولو آية ،وكان كثير من الصحابة يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسمعون منه بضع آيات من القرآن وبعض الأحاديث ثم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى أقوامهم وتعليمهم ما تعلموه فلو كانت هذه النظرة صحيحة لكان المنهج أن يرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل جهة رجل من الصحابة قد أتم حفظ القرآن وحفظ كل الأحاديث ويتميز بالذكاء ويعرف جواب كل مسألة وفتوى في كل شؤون الحياة.
لا يوجد أحد مهما كان يجمع كل العلم ، فالأمر نسبي ولو أخذنا بهذا المفهوم لعطلنا التربية بالقرآن والسنة في الأـسرة والمجتمع ومنعنا كثيرا من الناس من التربية والإصلاح ونتج عن هذا المفهوم إقصاء غير مقصود للقرآن والسنة عن التربية والتعليم المستمر كل هذا خوفا من الخطأ.
الصحيح أن كل مسلم ومسلمة يمكنه المشاركة الفاعلة في صناعة الإنسان والحياة، حتى من كان أميا لا يقرأ ولا يكتب يستطيع أن يقوم بذلك من خلال ما يسمع من النصوص هنا أو هناك ويرزقه الله فقهها فيربي عليها أبناءه وكل من يصل إليه صوته.
ومما قد يكون سببا في هذه المشكلة التربوية اعتبار بعضهم أن قول لا أدري نقص وعيب،وهذه مشكلة أخرى يجب علاجها أولا وتصحيح الاعتقاد فيها لتنحل المشكلة الأولى.
والمنهج في هذه المسألة يتلخص فيما يلي :
-أن التربية تكون بنصوص القرآن والسنة وما اتصل بهما.
-أن التربية تكون من خلال النصوص مباشرة.
-أنه يمكن وجود الفقه في نص دون آخر وفي مسألة دون أخرى.
-أن لا يتكلم الإنسان فيما لا يعلم وأن يقول لا أدري فهي الطريق إلى أن يدري فمن كان هذا منهجه فإن الله تعالى يرزقه العلم بما لا يدري
-الاجتهاد في تطبيق مفاتح تدبر القرآن والسنة يحقق الإثراء العلمي مع الزمن ويتيح الفرص الكثيرة المتكررة للتربية بالقرآن والسنة.

* المسألة الخامسة : صناعة الإنسان بين الحفظ والفهم
إن الحفظ يواجه في هذه الأيام هجمة شرسة يتزعمها أعداء الإسلام وانخدع بها عدد من أبنائه ممن تتلمذوا في مدارسهم .
إنه لا سبيل لقوة الأمة دون حفظ، لكنه ليس أي حفظ بل الحفظ التربوي.
إن أي مقلل لشأن الحفظ لو تأمل في ذات نفسه لوجد أنه لا يمكنه أن يعيش ولا أن ينجح في الحياة دون حفظ فهل يمكنك أن تتعامل مع الناس دون أن تحفظ أسماءهم وأحوالهم ، وهل يمكنك أن تروي خبرا دون أن تحفظه ، هل يمكنك أن تطبق عمليات الرياضيات دون حفظ جدول الضرب ، هل يمكنك أن تفهم كثيرا من التفاعلات الكيميائية دون أن تحفظ الجدول الدوري، هل تستطيع أن تطبق نظاما دون أن تحفظ مواده ، هل يمكنك أن تتعلم لغة أجنبية دون أن تحفظ مصطلحاتها .. الخ من أمور الحياة، بل إن قوة الذاكرة والحافظة باعتراف الجميع هي من أبرز أدوات النجاح في الحياة فلم إذا هذه الدعوات التي تنادي بإلغاء الحفظ في مناهج التعليم وتحيد عنه إلى وسائل وأدوات يرون أنها تطوير للعملية التربوية وبديلة للطرق التقليدية حتى لقد سمعت بعض التربويين من المتخصصين في القياس والتقويم يقسم التقويم إلى قسمين :
الأول : الأسئلة الحفظية
والثاني : أسئلة التفكير والإبداع والاستنباط
ثم يهون من الأول ويدعو إلى تركه ويمجد الثاني ويؤكد عليه، والحق أن كلا الأمرين مطلوب فالحفظ والفهم هما ركنا التربية والتعليم
إن ردة الفعل هذه سببها أن بعض المناهج التربوية تقتصر على الركن الأول من أركان الحفظ التربوي وتهمل الركنين الآخرين فتنتج بهذا المنهج نماذج غير مؤهلة تربويا فظن أولئك أن العيب في الحفظ ولم ينتبهوا إلى مكمن الخلل ومكان النقص فيقوموا بإصلاحه بدل أن يمارسوا إفسادا آخر إلا أن يكون هذا هو هدفهم .
إن إهمال هذا المبدأ الكبير من مبادئ التربية يؤدي إلى أن يتخرج أفراد المجتمع ضعافا لا يصلحون لشيء وإلا فلا علم بلا حفظ حتى في العلوم الدنيوية من طب وهندسة وحاسب ولغات وصناعة وزراعة وتجارة وغيرها، وما البطالة التي بدأت تتفشى في صفوف الشباب إلا أحد الشواهد على ما ذكر، فقد عجزوا عن المنافسة في ميدان العمل وذلك بسبب ضعف التربية والتعليم التي أهمل بناؤها منذ الصغر، فقل لمن يحاول علاج البطالة في المجتمع بعد حصولها أن يعالجها من أصولها وهذا يكون في إعادة النظر في مناهج التربية والتعليم الموجهة لصناعة الإنسان وبنائه.
إن مسألة حفظ الأصول وتمثلها المتون ، وفهم وفقه هذه الأصول ويمثله شروح تلك المتون وما يستجد عليها من تطبيقات في الحياة هي المنهجية في صناعة الإنسان وهو فيما أحسب أمر محسوم عند من وجه إليه هذا الكتاب وإن كان غير مسلم عند بعض التربويين المعاصرين ممن تتلمذوا على الغرب وتأثروا بمناهجهم وفي الوقت نفسه لم تتح لهم الفرصة للتعمق والتأمل في منهج السلف في التربية والتعليم بسبب انشغالهم بدراسة تخصصهم فهؤلاء تنقصهم الخبرة في هذا المجال.
ولا أقصد بالمتون : المتون العلمية المعروفة المتداولة في دروس العلم وشروحها هذه جزء مما أعنيه وإنما أعني أنه لكل أمر نريد صناعته في الإنسان حتى في تعلم الحرف والمهن، لا بد من (متن) أي ملخص يحفظ لفظه، و(شرح) يوضح معانيه، وبهذه الطريقة يتم ربط المعاني بالألفاظ ويحصل حفظها وتطبيقها.
إن حفظ المتون هي القاسم المشترك بين كل الناجحين في كل الفنون، فهل رأيت أديبا لا يحفظ كما كثيرا من الشعر؟ وهل رأيت عالم رياضيات لا يحفظ جداولها وفرضياتها ونظرياتها ، وهل رأيت عالم نفس لا يحفظ أسماء مدارسها وروادها ومناهجها ونظرياتها وفلسفتها....الخ
إن تربية الإنسان وصناعته باختصار تقوم على تخزين المعلومات أي الأفكار والمعتقدات الصحيحة تخزينا قويا راسخا ثم توضيحها وشرح كيفية تطبيقها ، ثم التدريب عليها حتى تثبت.
فأولا يأتي حفظ الألفاظ ثم يأتي شرحها وتوضيحها وبيان صلتها بالحياة ثم تأتي التربية والتعويد على تطبيقها خطوات ثلاث تتزامن باستمرار .
أما من يخلط هذا الترتيب فيخلط بين الحفظ والفهم فقد وضع الأمور في غير مواضعها.
الحفظ في الصغر والفهم في الكبر ، فإذا شددنا على الصغير ليفهم ضاع علينا الوقت الثمين للحفظ ، وإذا أردنا بناء الكبير وتفهيمه دون حفظ لم نجد الأساس الذي نبني عليه فنكون بهذا الخلط أضعنا فترة البناء وهي العشر السنوات الزهر من حياة الإنسان أي من الخامسة حتى الخامسة عشرة، فالخمس الأولى منها للحفظ والخمس الثانية للفهم المبدئي ثم الخمس التي تليها للفهم الأعمق وهكذا يتعمق الفهم مرحلة بعد مرحلة في خطط خمسية متتالية قوامها وأساسها الخطة الخمسية الأولى.
إهمال حفظ الألفاظ في الصغر سببه أن أصحاب هذا المنهج يريدون ظهور الأثر مباشرة وعليه رتبوا نظرية: أنه لا يجوز أن يحفظ الطالب ما لا يفهمه، بل قال بعضهم : إنه أمر متعذر، وما فقهوا أن الأمور تؤخذ بالتدريج، وأن المربي مثل الفلاح، فالفلاح يغرس النخلة ـ مثلا ـ ويخدمها بجد واجتهاد مدة أربع سنوات ويصرف عليها وهو لا يرى أي ثمرة خلال هذه المدة لكنه يعلم أن الثمرة قادمة وأنه سيأتي وقت يجني ثمرة تعبه ومجهوده ، ومثله التاجر تجده يتوقع الخسارة في السنوات الأولى لمشروعه ولا يرده ذلك عن الاستمرار إلى أن يوطد دعائم مشروعه ثم بعدها يبدأ بجني الأرباح فكذلك تربية الإنسان تماما، صحيح أنه يحفظ ونرى أنه لا يفهم لكنه بعد سنوات قليلة سيكون بأمس الحاجة إلى هذا الحفظ فإن ترك بدونه لحقه الضرر.
نحن في هذا العصر -وانسياقا مع العولمة الغربية -صرنا نبحث عن الحلول العاجلة الفورية في كل شؤون الحياة ومنها التربية والتي لا تقبل هذا المنهج أبدا فمن يتابع البرامج التربوية والنفسية في القنوات الفضائية يلاحظ هذا التوجه، ولا يلام السائل على طلبه لكن اللوم على بعض أهل التربية حين يحذفون من مناهجهم أهم أصولها وحين ينساقون مع بعض التيارات الخاطئة.
إن إهمال الحفظ التربوي في الصغر يؤدي إلى صعوبة التربية عند الكبر ، أما إذا استطعنا أن يحفظ الصغير ما نريد تربيته عليه في الكبر وجدنا فيما بعد الأساس الذي نبني عليه وهي تلك الثروة اللغوية من المعلومات والأفكار المهمة التي مصدرها القرآن والسنة فيسهل شرحها له ومن ثم تربيته على تطبيقها.
إن الطفل يمكنه الفهم بالتدريج لما حفظه في الصغر من معلومات وأفكار وعقائد فنقول له هذه هنا ، وتلك مهمتها كذا ، وهذه المعلومة نقصد بها كذا ، وهذا القاعدة نطبقها في الحالات التالية .... الخ،
أما إذا أهملنا الحفظ في الصغر ثم بلغ الإنسان العاشرة أو الخامسة عشرة وأردنا بناءه فماذا نصنع والوعاء فارغ، وتعبئته لا تتيسر في وقت سريع بل لا يمكن لأن الذاكرة لها مفاتيح لابد منها ليمكن الدخول إلى قلب الإنسان ونفسه ومن ثم تغيير أفكاره ومعتقداته.
إن الخلط بين الحفظ والفهم خطأ تربوي كبير وقعت فيه بعض مناهج التربية في عصرنا الحاضر لذلك أفلست وعجزت عن صناعة الإنسان القوي القادر على العطاء.
إذا أردت أن تعرف مقياس التربية في بلد، فانظر إلى سلوك طلاب المرحلة الثانوية ونسبة الجادين في تلك المرحلة ونضجهم العقلي، فهم قد أمضوا تسع سنوات في التربية والتعليم.
إن تأصيل هذه المسألة وبيان الشبهات العلمية والعملية المتعلقة بها أوسع من أن تبينه هذه المساحة، وإنما تعرضت لها لأذكِّر بأن الطريق لإصلاح المجتمع وصناعة الإنسان هو الحفظ التربوي لكل ما نحتاج إليه في هذه الحياة.
* المسألة السادسة : مشروعنا الحضاري
إن كتاب مفاتح تدبر القرآن الكريم مع كتاب مفاتح تدبر السنة النبوية يمثل اللبنات الأولى للمشروع الحضاري الذي تحتاجه الأمة اليوم لصناعة الحياة فهو مشروع حضاري يعالج البنية الأساسية للأمة، وهو بناء النفوس، بناء القوة المعنوية، علاج الوهن الذي استشرى في كيان الأمة .
إن مصطلح ( المشروع الحضاري الإسلامي ) من المصطلحات المعاصرة والتي يستعملها المفكرون الإسلاميون في مقابل المفكرين العلمانيين وغيرهم ونجد المفكر جمال سلطان يدعو المثقف المسلم أن يتعامل مع الاصطلاحات الجديدة ، والصيغ الفكرية والحضارية المستحدثة بشيء من الرزانة وسعة الأفق ورباطة الجأش ثم يقول : إن تعبير ( المشروع الحضاري الإسلامي ) تعبير مستحدث وصيغة فيها من الجاذبية والطرافة ما يهول الأمر على الشباب ، ويجعله كأنه أمام قضية جديدة لا قبل له بها ولا عهد له بمثلها في حين أن الأمر ببساطة شديدة يتعلق ببيان منهاج النبوة وهدي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنزال المنهاج على واقع الناس اليوم "اهـ ويقول في تحديد مفهوم المشروع الحضاري : " هو خطة إنسانية عامة وشاملة متكاملة لصياغة الحركة الإنسانية للأمة في مستقبلها المأمول بحيث تتناول هذه الخطة صياغة وتكوين الفرد نفسيا وتربويا وعقليا وعلميا وعقديا وقيميا في ذات الوقت الذي تصوغ فيه حركة البناء الاجتماعي وشبكة علاقاته روحيا وسلوكيا وتنظيميا بما يضمن اتساق حركة الفرد والمجتمع وفق رؤية واضحة ومناخ ثقافي موحد"اهـ(3)
وتحقيق هذا المشروع يكون أولا بالحفظ التربوي للقرآن والسنة، الذي يمكن تحقيقه بشيء من البساطة والقوة والوضوح من خلال التدريب العملي الجاد على مفاتح تدبر القرآن والسنة، سواء كان ذلك بواسطة أفراد، أو مؤسسات حكومية، أو خاصة .
إننا في هذا العصر نواجه حرب مصطلحات أحدثت غربة للقرآن والسنة بين أهلها بسبب ما يمارسه بعض الكتاب والمحاضرين والمدربين من تطوير للمصطلحات اللغوية بغية مجاراة الواقع وتقديم الإسلام للعالم بفهم العالم المعاصر دون أن ينتبه لآثار هذا التطوير وما يعقبه من فصل بين الناس وبين القرآن والسنة بسبب هذه المصطلحات الجديدة التي تتوالد يوما بعد يوم .
لقد أصبح أهل الثقافة يتكلمون بلغة يصعب على غيرهم أن يستوعب ما يقولون وفهم ما يطرحون وقراءة ما يكتبون من مقالات وبحوث فصار أولئك بدل أن يقدموا القرآن والسنة للناس بألفاظها ومصطلحاتها وأن يحافظوا على هويتها أوجدوا مصطلحات جديدة لتكون أكثر جاذبية وأقوى رنينا في أذن العالم وهذا التغيير للمصطلحات الإسلامية يمارسه أيضا عدد من الفئات في المجتمع فأهل التربية وأهل علم النفس والاجتماع والإدارة والاقتصاد والبرمجة اللغوية العصبية ممن يحاولون تأصيل تلك المجالات كل هؤلاء وغيرهم يمارسون العملية نفسها (4) حتى أصبحت لهم مفردات خاصة تحتاج إلى ترجمة وإلى شرح فانظر إلى أي حد وصلت غربة المصطلحات الشرعية حتى صار بإمكانك أن تؤلف قاموسا كبيرا لتترجم به تلك المصطلحات وتعيدها إلى سيرتها الأولى .
إنه في التعامل مع تلك الظاهرة أمامك ثلاثة خيارات :
الأول : أن تترك المصطلح الأصلي وتستعمل الجديد .
الثاني : أن تبقى على الأصلي وتتجاهل الجديد .
الثالث : أن تقوم بالربط بين الأصلي والجديد مع التأكيد على استخدام الأصلي ومحاولة إحيائه في النفوس بدل هجره واستبداله بغيره.
الأخير هو أفضلها لأنك إن استعملت الجديد وتركت المصطلح الأصلي تسببت في فصل الجمهور عن ألفاظ القرآن والسنة ومصطلحاتهما، وإن بقيت على المصطلح الأصلي لم يفهم الناس ما تريد نظرا لما يمارسه التعليم والإعلام من تحديث مستمر وحثيث للمعاني والأفكار وتسميتها بأسماء جديدة وهذا يفتك بالمسلمين ويضعف قوتهم العلمية المعنوية .
إنه في هذا المقام ينبغي أن نفرق بين جهتين :
الأولى : حينما نخاطب جمهور الأمة الإسلامية .
الثانية : حينما نحاور أهل الحضارات الأخرى .
ينبغي الفصل التام بين الجهتين وإعطاء كل جهة ما يناسبها دون خلط أو تهجين ، فالمسلم الذي يؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، ومرجعيته إلى القرآن والسنة في أي بيئة كان وتحت أي حضارة يعيش ينبغي أن يخاطب بالمصطلحات الأصلية التي يفهمها من هذين المصدرين وان توضح له تمام الوضوح وبالمثل بعض المصطلحات التي اصطلح عليه علماء الإسلام في مراحل تدوين العلوم الإسلامية مادام المصطلح عرف واستقر فهو خير من أن نحدث مصطلحات جديدة ونبرمج لغة جديدة يحتاج المسلمون وطلاب العلم إلى وقت لتعلمها والتحدث بها ، أما أهل الحضارات الأخرى ومن كان على فكرهم فنخاطبهم بما يفهمون وما يفقهون.
وأيضا ينبغي أن نفرق بين جهتين :
الأولى: بيان ما تضمنه القرآن والسنة من قواعد لصياغة الحياة ابتداءً
الثانية: الرد على مكائد الكائدين وشبهات المغرضين ممن هم داخل صفوفنا أو خارجها .
في الجهة الأولى نغرس ونؤصل ألفاظ ومصطلحات القرآن والسنة مباشرة . وفي الجهة الثانية ينبغي أن نكشف تلبيس الملبس ونترجم كلامه لجمهور الأمة ليفهمه على حقيقته فلا يلبس على الأمة أمرها فالرد عليه يقوم على أمرين :
الأول : كشف تحريفه للكلم عن مواضعه وتبديله للمصطلحات
الثاني : دحض أدلته التي يستدل بها .
إن الخلط بين الأمور التي ذكرتها هو الذي أوجد الخلل عند بعض المفكرين في محاولتهم لصناعة الإنسان وصناعة الحياة فحدث فصل بين طرحهم وبين القرآن والسنة.

المبحث الثالث : حفظ ألفاظ القرآن الكريم
وهو الركن الأول من أركان الحفظ التربوي.
والطريق إلى حفظ ألفاظ القرآن الكريم هو (الحفظ الأسبوعي) .
والحفظ الأسبوعي هو الذي يعتمد الدورة الأسبوعية لتنظيم الحفظ بأشكال مختلفة .
* المسألة الأولى : نظام الحفظ الأسبوعي التفصيلي
1-أن يكون الحفظ وفق ترتيب السور والآيات وليس الأجزاء والأثمان.
2- البداية من قصار السور ثم أواسطها ثم طوالها هذا هو الترتيب المنطقي حيث يتم الترقي والصعود بالتدريج .
3- في كل يوم تحفظ قدرا مناسبا لطاقتك اليومية مراعيا ما سيأتي تقريره في مفتاح (يسر) في المبحث السادس
4- تحديد مواعيد يومية لحفظ الجديد .
5- ما تحفظه الآن تكرره بعد ربع ساعة ثم نصف ساعة ثم ساعة ثم بعد ساعتين ثم مع كل أذان ، ويوصى بقراءته في السنن الرواتب لذلك اليوم.
6-يتم الحفظ آية آيةً فإن كانت طويلة يمكن تقسيمها.
7-يتم تكرار الآية جهرا حتى يتم حفظها.
8-ثم حفظ الآية التي تليها إلى نهاية السورة إن كانت قصيرة أو إلى نهاية المقطع.
9-ثم الرجوع مرة أخرى بالطريقة نفسها آية آية وتكرار هذه العملية حتى يتم حفظ السورة أو المقطع تماما.
10- أفضل وقت للحفظ قبيل الفجر أو بعده حيث يجتمع نشاط النفس والبدن لمن اتبع السنة في النوم المبكر حيث كان صلى الله عليه وآله وسلم يكره السهر بعد صلاة العشاء أما من لم يعمل بهذه السنة فعليه أن يختار الوقت الذي يتوفر له هذان الأمران في أي وقت من ليل أو نهار .
11- ليس هناك عدد معين للتكرار إنما المقياس الوصول إلى الإتقان.
12- بداية اليوم التالي وقبل الحفظ الجديد تسمع كل ما حفظته من بداية السورة إلى حيث وقفت ويسمى (مراجعة السورة) .
13- عند إتمام حفظ السورة يتم تسميعها جملة دون أخطاء في جلسة واحدة في أكثر من يوم ولا يحسن الاستعجال في الانتقال للسورة التي تليها قبل تحقيق هذا الشرط .
14-لا تستعجل في حفظ السورة بل قلل مقدار الحفظ الجديد، لأنه كلما طالت مدة حفظ السورة كان أقوى في ضبطها لأنه يزداد تكرارها وتطول مدته، أما إذا استعجلت في حفظ السورة فاتت عليك هذه الفرصة فيقل الضبط ويصعب عليك ربط أول السورة بآخرها، (ورب عجلة أورثت ريثا).
15- تقسيم السورة إلى مقاطع يكون حسب موضوعاتها وبعض الموضوعات الطويلة يمكن أن تقسم إلى أكثر من مقطع كما يمكن جمع أكثر من موضوع في مقطع واحد حسب الطول والقصر ، هذا التقسيم يسهل حفظ السور المتوسطة والطويلة فهو يجعلها كأنها سورا قصيرة ، وهذا التقسيم يغني تماما عن الأثمان ويحقق المصلحة التي تحققها ويلاحظ أن الحاجة إلى مثل هذا التقسيم في البداية فقط ثم بعد هذا يستغنى عنه عند حفظ السورة جملة لأن تصويرها يتقارب ويسهل فيمكن للحافظ أن ينظر إليها نظرة كلية حتى لو كانت سورة البقرة ، وهذا من فوائد الحفظ على السور
16-تصميم جدول حفظ الجديد ينقسم إلى نوعين إجمالي ، وتفصيلي
الإجمالي يكون لمواعيد بداية حفظ كل سورة ويراعى فيه القدرة اليومية والأسبوعية للحفظ
مثال1:
أحمد قدرته اليومية في حفظ الجديد خمسة أسطر في اليوم في أربعة أيام من الأسبوع أي عشرين سطرا في الأسبوع
* جدول (حفظ الجديد الإجمالي) للمرحلة الأولى لأحمد من سورة الناس إلى سورة المرسلات.

من
إلى
ملاحظات
السبت 1/ 1
الناس
الكافرون

السبت 8 / 1
النصر
الماعون

السبت 15/ 1
قريش
القارعة

السبت 22/1/
العاديات
البينة

السبت 29/1
القدر
الضحى

وهكذا إلى آخر المرحلة الأولى .

* جدول (حفظ الجديد التفصيلي) للمرحلة الأولى لأحمد من سورة الناس إلى سورة المرسلات .

من
إلى
ملاحظات
السبت 1/1
الناس


الأحد 2/1
الفلق
الإخلاص

الاثنين 3/1
المسد
النصر

الثلاثاء 4/1
الكافرون
الكوثر

السبت 8/1
الماعون
قريش

الأحد 9/1
الفيل
الهمزة

الاثنين 10/1
العصر
التكاثر

الثلاثاء 11/1
القارعة
---


مثال2 :
* جدول (حفظ الجديد الإجمالي) للمرحلة الرابعة لأحمد من سورة الحديد إلى سورة الذاريات، على أن طاقته اليومية في حفظ الجديد خمسة أسطر في أربعة أيام في الأسبوع أي عشرين سطرا في الأسبوع.

من
إلى
ملاحظات
السبت 1/ 1
الحديد-1
الحديد-12

السبت 8 / 1
الحديد-13
الحديد-20

السبت 15/ 1
الحديد 21
الحديد-29

السبت 22/1
الواقعة-1
الواقعة-56

السبت 29/1
الواقعة-57
الواقعة-96

وهكذا إلى آخر المرحلة .

* جدول (حفظ الجديد التفصيلي) للمرحلة الرابعة لأحمد من سورة الحديد إلى سورة الذاريات.

من
إلى
ملاحظات
السبت 1/1
الحديد-1
الحديد-4

الأحد 2/1
الحديد-5
الحديد-8

الاثنين 3/1
الحديد-9
الحديد-10

الثلاثاء 4/1
الحديد-11
الحديد-12

السبت 8/1
الحديد-13
الحديد-14

الأحد 9/1
الحديد-15
الحديد-17

الاثنين 10/1
الحديد-18
الحديد-19

الثلاثاء 11/1
الحديد-20
---


17-لا يحسن وضع المخطط التفصيلي لأكثر من أسبوعين ليكون قريبا من الواقع وليقتصر التعديل في الجدول الإجمالي لخطة حفظ الطالب .
18-يحسن الاحتياط بالوقت والزيادة لئلا تحتاج إلى تكرار التخطيط كل مرة ، ولكي تفرح النفس عند الإنجاز قبل الوقت المحدد فيكون نوعا من التشجيع وحين العكس فإنه يحصل اليأس والخمول وهذا يعيق مسيرة الطالب .
19-إذا أكمل الطالب حفظ سورة جملة فإنها تنقل إلى مراجعة المرحلة، ويأتي بيان ذلك في نظام الحفظ التفصيلي، ثم يتم حفظ السورة التالية بتكرار الخطوات السابقة إلى أن يتم حفظ سور المرحلة كلها .
20-مدة تكرار السورة بعد حفظها ثلاثة أيام على الأقل قبل أن يسمح للبدء في حفظ السورة التي تليها وهذا لغير قصار السور ، أما قصار السور فقد يكفي يوم أو يومان.
* المسألة الثانية : نظام الحفظ الأسبوعي العام
1- يقسم حفظ القرآن الكريم إلى مراحل .
2 - يتوقف طول المرحلة على مستوى الطالب وقدرة محافظته على ما يتم حفظه، أي قدرته اليومية على المراجعة ، وعليه فليس هناك تقسيم ثابت موحد لمراحل حفظ القرآن .
أمثلة:
* أحمد: يستطيع مراجعة ثلاثة أوجه في اليوم أي 21 وجها في الأسبوع أي من المرسلات إلى الناس .
* محمد : خمسة أوجه في اليوم أي 35 وجها في الأسبوع أي من نوح إلى الناس.
* صالح : عشرة أوجه في اليوم أي 70 وجها في الأسبوع أي من الواقعة إلى الناس .
3 - يتم توزع هذه المقادير على أيام الأسبوع حسب الجداول التالية :

* جدول أحمد ، من المرسلات إلى الناس / ثلاثة أوجه في اليوم.

من
إلى
ملاحظات
السبت
المرسلات
عم

الأحد
النازعات
التكوير

الاثنين
الانفطار
الانشقاق

الثلاثاء
البروج
الغاشية

الأربعاء
الفجر
الليل

الخميس
الضحى
البينة

الجمعة
الزلزلة
الناس


* جدول محمد ، من نوح إلى الناس ، خمسة أوجه في اليوم.

من
إلى
ملاحظات
السبت
نوح
المزمل

الأحد
المدثر
المرسلات

الاثنين
عم
التكوير

الثلاثاء
الانفطار
الأعلى

الأربعاء
الغاشية
الشرح

الخميس
التين
التكاثر

الجمعة
العصر
الناس


* جدول صالح : من الواقعة إلى الناس/ عشرة أوجه في اليوم

من
إلى
ملاحظات
السبت
الواقعة
المجادلة

الأحد
الحشر
الجمعة

الاثنين
المنافقون
التحريم

الثلاثاء
تبارك
نوح

الأربعاء
الجن
المرسلات

الخميس
عم
الطارق

الجمعة
الأعلى
الناس


4 - يبدأ أحمد بحفظ المرحلة الأولى من سورة الناس إلى سورة المرسلات حسب نظام الحفظ التفصيلي.
5- إذا أكمل حفظ المرحلة فإنه ينتظر مدة تطول أو تقصر إلى أن يتم تثبيتها.
6-تثبيت المرحلة يعني العمل بجدول المراجعة الأسبوعي إلى أن يرسخ تماما وقد تصل إلى شهرين أو ثلاثة أو أكثر كل شخص بحسبه، وينهى عن الاستعجال في الانتقال من مرحلة إلى التي تليها قبل الإتقان.
7-إذا انتهى أحمد من تثبيت المرحلة الأولى ويريد الانتقال للمرحلة الثانية فمرحلته الثانية كما يلي : ثلاثة أوجه في سبعة أيام 21 وجها أي من سورة تبارك إلى سورة الإنسان يبدأ بحفظها بالطريقة السابقة التي حفظ بها المرحلة الأولى.
8-يستمر العمل بجدول مراجعة المرحلة الأولى حسب أيام الأسبوع مضافا إليه جدول مراجعة المرحلة الثانية ، ففي كل يوم عنده أربعة أمور:
الأول : مراجعة المرحلة أو المراحل السابقة ويسمى (المراجعة العامة).
الثاني: مراجعة ما تم حفظه من المرحلة الحالية، ويسمى (مراجعة المرحلة) .
الثالث: مراجعة ما تم حفظه من السورة الحالية، ويسمى (مراجعة السورة).
الرابع: حفظ المقطع الجديد من السورة، ويسمى (حفظ الجديد)
9-يتم تحديد مواعيد يومية ثابتة لكل نوع من الأنواع الأربعة،ويمكن اجتماع الأمرين الأخيرين في موعد واحد.
10- المراجعة في النظام الأسبوعي بأنواعها الثلاثة لا تحتاج إلى جهد جديد أو حفظ جديد بل هي محفوظة تماما،فقط تحتاج إلى تسميع، وعليه فالمقدار اليومي لأحمد من الأنواع الثلاثة الأولى لا يحتاج سوى دقائق وخاصة في بداية حفظ القرآن الكريم.
11- يكون مراجعة المرحلة ذاتيا يسمعه الطالب لنفسه ويوجه إلى قراءته في مواعيد محددة .
13-يمكن عمل اختبار كل أسبوع لكل ما تم حفظه من أجل التحفيز والتذكير ويفترض أن الطالب بهذه الطريقة دائما مستعد للاختبار لا يحتاج إلى تحضير ولا مراجعة .
13- إذا انتهى أحمد من المرحلة الثانية ومن تثبيتها أصبح مقدار حفظه 42 وجها وهو من سورة تبارك إلى سورة الناس يتم تقسيمه على أيام الأسبوع السبعة فيطلب منه ستة أوجه كل يوم حسب الجدول التالي

من
إلى
ملاحظات
السبت
تبارك
الحاقة

الأحد
المعارج
الجن

الاثنين
المزمل
الإنسان

الثلاثاء
المرسلات
عبس

الأربعاء
التكوير
الأعلى

الخميس
الغاشية
العلق

الجمعة
البينة
الناس


14-إن صعب عليه فيمكن توزيعه على أسبوعين مع التأكيد على توفير أحسن الظروف للمراجعة اليومية في مثل هذه الحال وإلا فإن الحفظ سيضعف.
جدول المراجعة على أسبوعين:
الأسبوع الأول
من
إلى
ملاحظات
السبت
تبارك
--

الأحد
القلم
الحاقة

الاثنين
المعارج
نوح

الثلاثاء
الجن
المزمل

الأربعاء
المدثر
القيامة

الخميس
الإنسان
المرسلات

الجمعة
عم
النازعات

الأسبوع الثاني
السبت
عبس
الانفطار

الأحد
المطففين
البروج

الاثنين
الطارق
الفجر

الثلاثاء
البلد
الشرح

الأربعاء
التين
البينة

الخميس
الزلزلة
الفيل

الجمعة
قريش
الناس


15-إذا أكمل أحمد المرحلة الثالثة فأصبح مقدار الحفظ 63 وجها أي من سورة قد سمع إلى سورة الناس فيمكن توزيعه على أسبوع بحيث يراجع كل يوم تسعة أوجه أو على أسبوعين ليراجع كل يوم ستة أوجه أو على ثلاثة أسابيع ليراجع كل يوم ثلاثة أوجه.
16-إذا كانت طاقة أحمد في المراجعة العامة هي فقط ثلاثة أوجه في اليوم أي يكمل دورة المراجعة في ثلاثة أسابيع في هذه الحالة يطلب منه التوقف عن الحفظ الجديد ويقال له هذه طاقتك ومقدرتك قف هنا ، ومتى أراد المواصلة فعليه زيادة مقدار المراجعة اليومية إلى ستة أوجه فيتم توزيع المراجعة العامة على أسبوعين ومن ثم يمكنه البداية بالمرحلة الرابعة.
17-المرحلة الرابعة له كما يلي : ثلاثة أوجه في سبعة أيام 21 وجها أي من سورة الحديد إلى سورة الذاريات ، وحسب النظام السابق يتم تصميم جدول المراجعة لهذه المرحلة .
18-وبالمثل يمكن تخطيط حفظ كل من محمد وصالح إلى أن يكملا حفظ القرآن.
19-كلما تقدم الطالب في الحفظ كلما زاد مقدار المراجعة اليومية إلى أن يختم القرآن فيصل إلى 86 وجها في اليوم إن كان يراجع ما تم حفظه كل أسبوع ، أو 43 وجها كل أسبوعين ، او 28 وجها كل ثلاثة أسابيع.
20-المراجعة كل أسبوع هي أعلى المستويات وأقواها في ضبط الحفظ وتختصر الوقت والجهد.
21-عند حصول نقص في القدرة اليومية للمراجعة يتم التكيف مع الوضع الجديد ومثال ذلك :
مقدار حفظ أحمد 84 وجها أي أنه ليكمل دورة المراجعة العامة في ثلاثة أسابيع عليه أن يراجع يوميا أربعة أوجه لكن تغيرت ظروفه، وبعد قياس وضعه الجديد تبين أنه لا يستطيع أن يراجع أكثر من وجهين في اليوم فماذا نعمل في تلك الحالة؟
o هل نزيد مدة دورة المراجعة إلى ستة أسابيع ؟
o أو نقلل مقدار المراجعة إلى 42 وجها ؟
الرأي الأخير هو الصحيح لأننا بذلك نضمن بقاء حفظ قوي لقدر معين من القرآن
أما في الحل الأول فإن الحفظ يبدأ بالتناقص شيئا فشيئا إلى أن يضعف ثم يتوقف تماما.
هذه نماذج لتوضيح الفكرة ومنها يمكن تفصيل أي خطة لأي شخص حسب مستواه وحسب ظروفه والتكيف مع الظروف سواء بالزيادة أو النقص.


* المسألة الثالثة: تحزيب القرآن بالسور
قال ابن تيمية في الفتاوى 13/405: " فالصحابة إنما كانوا يحزبونه سورا تامة، لا يحزبون السورة الواحدة" ثم ذكر حديث أوس بن حذيفة وفيه : سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل واحد وفي رواية أخرى : فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزب القرآن؟ فقالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزبه ثلاثا، وخمسا.....) ثم قال : وهذا الحديث يوافق معنى حديث عبدالله بن عمرو في أن المسنون كان عندهم قراءته في سبع، ولهذا جعلوه سبعة أحزاب ولم يجعلوه ثلاثة ولا خمسة، وفيه أنهم حزبوه بالسور وهذا معلوم بالتواتر فإنه قد علم أن أول ما جزئ القرآن بالحروف تجزئة ثمانية وعشرين، وثلاثين، وستين هذه التي تكون رؤوس الأجزاء والأحزاب في أثناء السورة وأثناء القصة ونحو ذلك، كان زمن الحجاج وما بعده، وروي أن الحجاج أمر بذلك، ومن العراق فشا ذلك، ولم يكن أهل المدينة يعرفون ذلك.
وإذا كانت التجزئة بالحروف محدثة من عهد الحجاج بالعراق فمعلوم أن الصحابة قبل ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده كان لهم تحزيب آخر فإنهم كانوا يقدرون تارة بالآيات فيقولون: خمسون آية ، ستون آية ، وتارة بالسور لكن تسبيعه بالآيات لم يروه أحد ولا ذكره فتعين التحزيب بالسور"اهـ
وقال أيضا: " إن هذه التحزيبات المحدثة تتضمن ... الوقوف على بعض الكلام المتصل بما بعده حتى يتضمن الوقف على المعطوف دون المعطوف عليه، فيحصل القارئ في اليوم الثاني مبتدئا بمعطوف كقوله: {والمحصنات من النساء} وقوله : { ومن يقنت منكن لله ورسوله} وأمثال ذلك، ويتضمن الوقف على بعض القصة دون بعض – حتى كلام المتخاطبين – حتى يحصل الابتداء في اليوم الثاني بكلام المجيب كقوله تعالى : { قال ألم أقل لك} ..."اهـ
وقال أيضا: " وإذا كان تحزيبه بالحروف إنما هو تقريب لا تحديد كان ذلك من جنس تحزئته بالسور هو أيضا تقريب فإن بعض الأسباع قد يكون أكثر من بعض في الحروف وفي ذلك من المصلحة العظيمة بقراءة الكلام المتصل بعضه ببعض والافتتاح بما فتح الله به السورة والاختتام بما ختم به ، وتكميل المقصود من كل سورة ما ليس في ذلك التحزيب، وفيه أيضا: من زوال المفاسد الذي في ذلك التحزيب ما تقدم التنبيه على بعضها فصار راجحا بهذا الاعتبار"اهـ
إن الله سبحانه وتعالى حين أنزل كتابه تولى هذا الأمر ولم يجعل لمجتهد في ذلك مدخلا ولا مخرجا فالله سبحانه وتعالى جزأ كتابه إلى سور معلومة البداية والنهاية، وجزأ كل سورة إلى آيات معلومة البداية والنهاية كل ذلك بنص من النبي صلى الله عليه وسلم وعلَّمه الصحابة وتناقله المسلمون جيلا بعد جيل فلم هذا التطاول على كتاب الله تعالى وتشويه جماله بهذه التقسيمات التي تصرف ذهن المشتغل به عن التقسيم الأصلي لهذا الكتاب العظيم ، حتى لقد رأيت بعض المصاحف قُسِّمت إلى أعشار وأخماس ويكون نهاية العشر أو الخمس في وسط الآية.
ومن أجل تلافي ما سبقت الإشارة إليه وإيجاد تحزيب للقرآن الكريم متوافقا مع سوره فهذا تقسيم مقترح للقرآن الكريم إلى ثلاثين جزءا :
رقم الجزء
بداية الجزء
عدد الأوجه
رقم الجزء
بداية الجزء
عدد الأوجه
رقم الجزء
بداية الجزء
عدد الأوجه
1
البقرة:1
16
11
يونس
13
21
العنكبوت
22
2
البقرة113
16
12
هود
14
22
الأحزاب
22
3
البقرة216
16
13
يوسف
27
23
يس
18
4
آل عمران
27
14
الحجر
20
24
الزمر
25
5
النساء
29
15
الإسراء
23
25
الشورى
19
6
المائدة
22
16
مريم
17
26
الأحقاف
20
7
الأنعام
23
17
الأنبياء
20
27
الذارايات
20
8
الأعراف
26
18
المؤمنون
17
28
قد سمع
20
9
الأنفال
10
19
الفرقان
18
29
تبارك
20
10
التوبة
20
20
النمل
19
30
عم
22
قد يسأل البعض : هذه الأجزاء فأين الأثمان؟
فالجواب: أن السور مقسمة إلى آيات يتمكن القارئ بواسطتها معرفة أين وقف في قراءته، وبالنسبة للحفظ ذكرت في نظام الحفظ التفصيلي أن تقسيم السورة إلى مقاطع يكون في بداية الحفظ ثم يستغنى عنه تماما عند حصول الضبط والإتقان.

* المسألة الرابعة : لماذا الحفظ الأسبوعي
إن لم تكن قادرا على حراسة الجواهر فلا تضعها في جيبك لأنك بذلك تهديها للصوص .
والجيش الذي لا يقدر على المحافظة على فتح مدينة أو بلدة فلا يضيع جهوده وأرواح جنوده في فتحها .
وأنت لا تحفظ مالا تقدر على المحافظة عليه ويكون فوق طاقتك اقتصر على ما تستطيع المحافظة عليه .
بعد كل إجازة صيفية وبعد انتهاء الدورات المكثفة نرى هنا وهناك من يسأل كيف أحافظ على ما حفظت، وتراه يسأل ويبحث عن حل لأمر يقلقه ويزعجه وحق له ذلك فما من أحد يرضى بعد العز بالذل وبعد الغنى بالفقر وبعد النصر بالهزيمة كيف لا يقلق وهو يرى حفظا سهر عليه شهرين متتابعين يتفلت من بين يديه دون أن يستطيع فعل شيء لكن ماذا تصنع لإنسان لم يخطط لمشروعه تخطيطا استراتيجيا إنما كان تخطيطه إن صحت تسميته بذلك تخطيطا وقتيا لم يدرس المشروع من كافة أبعاده .
إن من يتبع نظام الحفظ الأسبوعي بإذن الله تعالى يأمن من الوقوع في هذا الحرج
إن من يحفظ بطريقة الحفظ الأسبوعي يحفظ السورة مرة واحدة في العمر ولا يحتاج إلى إعادة حفظها مرة أخرى لأنها تبقى محفوظة باستمرار.
طريقة الحفظ الأسبوعي تجعل الحفظ موجودا باستمرار لا ينقطع بتوقف الحلقة أو المدرسة لإجازة أو اختبار ولو قدر أن الطالب لم يواصل فإنه يبقى حفظه معه يستفيد منه في الحياة وفي الأزمات
إن ما يسمى بالمراجعة عند البعض ليست مراجعة بل هي حفظ جديد وهذه التسمية ربما كانت سببا في اليأس والإحباط عند بعض الطلاب لأنه يطلب منه أن يستعيد حفظها في وقت قصير لكنه لا يستطيع لأن قدرات الطلاب تتفاوت فكونها تسهل على قلة من الطلاب لا يصح أن يعمم حكمها على الجميع.
إن تربية الطالب على نظام الحفظ الأسبوعي من البداية يوفر كثيرا من الجهود التي تبذلها الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم لمتابعة الخاتمين، ويغنينا عن الدورات التي تقام لتثبيت الحفظ ومراجعته.
نظام الحفظ الأسبوعي يعطي طالب العلم فرصة قوية للترقي في سلم طلب العلم والبداية في حفظ متون أخرى بدل أن يذهب معظم وقته في ملاحقة حفظه للقرآن الكريم ومحاولة تثبيته مرة بعد مرة .
فالحفظ الأسبوعي يحقق عدة مصالح أجملها فيما يلي:
1-يمهد الطريق للركن الثاني من أركان الحفظ التربوي وهو حفظ المعاني .
2-يوفر الوقت والجهد لأن ما يحفظ يتم المحافظة عليه بأدنى كلفة.
3-الراحة النفسية حيث يحقق للحافظ المرونة والسهولة ويرى الحافظ ثمرة جهده تسير معه وتنمو باستمرار، ولا يحصل عنده قلق بسبب ضياع حفظه وحاجته لاستعادة مرة أخرى .
4-استثمار الوقت بأعلى أنواع ذكر الله وهو القرآن الكريم حيث يكون محفوظا باستمرار وهذا يمكِّن الحافظ من القراءة في كل وقت وعلى كل حال وفي كل مكان، وخاصة في أوقات الشدائد فإنه لا يسعفك إلا الحفظ المتين.
5-الحفظ الأسبوعي يوصلك برفق وهدوء إلى تحقيق حلمك وبلوغ أمنيتك في حفظ القرآن الكريم خطوة خطوةً ، ومرحلة بعد مرحلة حتى لو طالت مدة تنفيذ هذا المشروع فإنه بإذن الله سيأتي يوم يتم إنجازه وإكماله.
6-فيه تدريب على التخطيط والتنظيم وإنجاز الأهداف وإدارة المشاريع.

* المسألة : الخامسة : الحفظ الأسبوعي في الدورات المكثفة
يمكن تطبيق الحفظ الأسبوعي في الدورات المكثفة على النحو التالي:
1- ينظر في عدد أسابيع الدورة المكثفة ومقدار ما سيتم حفظه.
2- ينظر إلى قدرة الطالب اليومية في المراجعة العامة وبالتالي المحافظة على ما سيتم حفظه واكتسابه في هذه الدورة فلا يضيع من الحافظ بعد انتهاء الدورة ويعود جديدا كما بدأ
3- إذا كانت قدرته في المراجعة العامة عشرين وجها كل يوم فتكون خطة حفظه : عشرين وجها في سبعة يساوي 140 وجها.
4-إذا كان الحافظ مثلا قد حفظ إلى سورة الزمر ويريد المواصلة فيكون حفظه الجديد من سورة ص إلى سورة الأنبياء وجدول مراجعة المرحلة على النحو التالي:

من
إلى
ملاحظات
السبت
الأنبياء
الحج

الأحد
المؤمنون
النور

الاثنين
الفرقان
الشعراء

الثلاثاء
النمل
القصص

الأربعاء
العنكبوت
السجدة

الخميس
الأحزاب
فاطر

الجمعة
يس
ص


5-إذا كانت مدة الدورة ستة أسابيع فهذا يعني أنه لا بد أن يحفظ في اليوم أربعة أوجه، ويطبق عليها (نظام الحفظ الأسبوعي التفصيلي).
6- التذكير بأن مع الطالب مراجعة عامة لما سبق حفظه على النحو التالي:

من
إلى
ملاحظات
السبت
الزمر
غافر

الأحد
فصلت
الجاثية

الاثنين
الأحقاف
ق

الثلاثاء
الذاريات
الحديد

الأربعاء
قد سمع
التحريم

الخميس
تبارك
المرسلات

الجمعة
عم
الناس


7-إن كان الحفظ السابق حفظ بطريقة ضعيفة فيقترح على الطالب أن يكون هو حفظه الجديد وعليه الحكم الدقيق الصحيح على نفسه لأن المراد الحصول على حفظ متقن للقرآن ينتفع به في الدنيا والآخرة وليس المسابقة أو المباهاة .
8-من أراد أن يحفظ القرآن كاملا في دورة مكثفة فعليه أن يكون مستعدا لتطبيق جدول المراجعة التالي:

من
إلى
ملاحظات
السبت
البقرة
النساء

الأحد
المائدة
التوبة

الاثنين
يونس
النحل

الثلاثاء
الإسراء
الفرقان

الأربعاء
الشعراء
يس

الخميس
الصافات
الحجرات

الجمعة
ق
الناس

9-وهذا الجدول يوافق تحزيب الصحابة رضي الله عنهم للقرآن حيث كانوا يختمون القرآن كل أسبوع .
10-وهذه المراجعة تكون أثناء وبعد الدورة لمدة ستة أشهر أو سنة ثم بعدها يمكن توزيعه على أسبوعين أو ثلاثة إن صعب الاستمرار كل أسبوع.
ما سبق ذكره مثال، ويقاس عليه الحالات الأخرى، فيكون لكل طالب جداوله الخاصة به حسب مستواه وقدراته وحسب مدة الدورة.
إضاءة :
يوجد العديد من الشباب اشتركوا في دورات مكثفة لحفظ القرآن الكريم وبعد انتهائها لم يتمكنوا من متابعة المشوار نظرا لفقد المحفزات التي توفرت لهم في الدورة ومن أهمها: الفراغ، والصحبة، والبيئة، فنقـول لهؤلاء لا تيأسوا وأعيدوا التجربة مرة أخرى وفق هذه المعايير وواصلوا المسير وسترون أن حلمكم في إنجاز مشروع حفظ القرآن كله أو بعضه قد بعثت فيه الحياة من جديد .

* المسألة السادسة : حفظ القرآن في مدارس تحفيظ القرآن:
يلاحظ أن الحفظ في مدارس تحفيظ القرآن الكريم قائم على مبدأ الحفظ المنفصل ( احفظ وانس ) وهو النظام المتبع في كل المواد باستثناء ما يعتبر متطلبا سابقا لمقرر حالي وهذا يكون في مثل قواعد اللغة العربية والإملاء والرياضيات ونحوها من المواد حيث لا يستطيع الطالب السير في المنهج الحالي دون استحضار الخبرات السابقة أما ماعدا ذلك من المواد كالتاريخ والجغرافيا والفقه والتوحيد والحديث ونحوها فهي تسير على مبدأ الحفظ المنفصل فالطالب خلال دراسته من الابتدائية إلى الجامعية يسير على هذا الخط فإذا وصل إلى المحطة الأخيرة تبين له أنه لم يحمل علما، وهذا يعتبر أحد أسباب ضعف التكوين العلمي للطلاب .
والمقترح فيما يتعلق بالقرآن الكريم أن يطبق مبدأ الحفظ التربوي ومنه تطبيق نظام الحفظ الأسبوعي وهذا قد يتطلب تقليل المقدار ولا مانع من ذلك مقابل الحصول على نتائج قوية ونماذج ممتازة وبهذا يحافظ الطالب على كل ما يحفظه من السنة الأولى ابتدائي إلى أن يتخرج من المرحلة الثانوية، يتخرج الطالب وقد أتقن ما قرر عليه حفظه وهو في غاية الثقة بما حفظ لا أن يتخرج وهو يتحسر على ما حفظ ويراه تفلت منه وضاع ويتمنى رجوعه.
الطالب في مراحل التعليم العام لا يزال قليل الخبرة حديث التجربة لا يدري كيف يتصرف، ويخطئ في حقه من يجعله يسير في هذا الطريق، فقليل يدوم خير من كثير منقطع.
لقد سلكت (نظام الحفظ الأسبوعي) مع بعض الطلاب وكنت أسميه (الحفظ التراكمي) أو (احفظ و احفظ) فكان التذمر والشكوى يحصل منهم أثناء الفصل الدراسي أما في آخره فكان الفرح والسرور هو المسيطر على مشاعرهم حين يرون ثمرة جهدهم .
وقد طبقته مع طلاب دبلوم القراءات في عام 1423هـ في حفظ الشاطبية في الفصل الأول وكانت نتائج اختبار الفصل الأول مشجعة جدا ، ثم مراعاة للمطالبة بتركه تركته في الفصل الثاني فلما جاء الاختبار النهائي تعبوا في المراجعة وكانت النتائج ضعيفة فكان الفرق شاسعا بين الحالين، وبشهادة الطلاب أنفسهم فقد لمسوا الفرق الواضح بين ما حفظ بالطريقة الأولى وما حفظ بالطريقة الثانية حتى بعد انتهاء الدبلوم ومضي سنوات على الحفظ .
إضاءة :
هل تعلم أنه يمكنك حفظ الشاطبية كاملة خلال ثلاث سنوات دون أي جهد يذكر من خلال تطبيق نظام الحفظ الأسبوعي ؟

* المسألة السابعة : تدريس القراءات في مدارس تحفيظ القرآن:
الملاحظ أن منهج القراءات في المرحلة الثانوية مضغوط بصورة كبيرة لا تتوافق مع المنهجية في التعلم فلم تراع الفروق الفردية للطلاب بل لم تراع الساعات المعتمدة للمقرر ولم تراع أن تدريس القراءات يقوم على الطريقة الفردية فليست كالتفسير أو الحديث التي يمكن تدريسها للمجموعة في آن واحد(5) فمن أجل ذلك تكثر الشكوى في هذا الجانب وما ذاك إلا أن الطالب يراد منه تحقيق مهارات عالية ومتداخلة في وقت وجيز مع الانقطاع في الإجازات الطويلة فكل هذا يشكل صعوبة وحرجا على المعلم والمعلمة والطالب والطالبة في تنفيذ هذا المنهج، صحيح أن الطالب النابه الذي توفرت له الظروف لتكوين نفسه خارج أسوار المدرسة يمكنه السير أما من عداه فلا يستطيع اللحاق بالركب إلا بشيء من التفكيك وعدم المنهجية.
إن مادة القراءات من أهم المواد التي تحتاج الحفظ الأسبوعي، وتطبيقه لا يمكن إلا بإعادة النظر في المنهج ومما أقترحه في هذا المجال ما يلي:
تكون السنة الأولى بفصليها للقسم النظري أي شرح الشاطبية ، والتدريب على استخراج القراءة منها مباشرة دون الحاجة للرجوع إلى أي شرح خاصة في باب (فرش الحروف)، ولا يتعرض للتطبيق في هذه المرحلة إلا ما له تعلق بفهم الشاطبية.
وتكون الفصول الثلاثة التي تشكل السنة الثانية والفصل الأول من السنة الثالثة كل فصل منها لرواية واحدة ( شعبة ، قالون ، ورش )
الفصل الثاني من السنة الثالثة يكون للتدريب على الجمع ضمن الروايات التي تمت دراستها سابقا .
ثم بعد هذا تأتي المراحل الجامعية لتكمل المسيرة على أن يتخرج الطالب من البكالوريس وهو مؤهل تماما لتدريس المادة أما إذا اختار تخصصا آخر فيكون قد أتقن أربع روايات فإن رغب في الإكمال بنشاطه الخاص وجهده الذاتي على أيدي المقرئين في المساجد كان بها وإلا فقد حصل بعض المستويات في علم القراءات .
أكثر من ثلاثين سنة من التعليم في مدارس تحفيظ القرآن الكريم وفي الجامعات ومازالت البلد تعاني من ندرة المدرسين في هذه المادة أليست هذه علامة واضحة على ضعف المخرجات وكل هذا بسبب فقد المنهج الصحيح لتدريس هذه المادة.(6)
بقي أن أنبه إلى أن ما دعوت إلى تطبيقه هو المنهج عند المتقدمين في تلقي القراءات، فالإفراد هو السنة،وهو منهج السلف في تلقي القرآن ، ولم يظهر الجمع إلا عند ظهور الحاجة إليه لما طالت الأسانيد وتعددت الروايات وتشعبت الطرق ، وذلك في القرن الخامس الهجري ، ومع هذا فقد اشترطوا له شروطا منها : إفراد كل راو بختمة.
قال أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري القيرواني :
وأذكـــر أشياخي الذين قرأتها عليهم فابدأ بالإمــــــــــــــام أبي بكرِ
قرأت عليه الســـبع تسعين ختمة بدأت ابن عشر ثم أكملت في عشرِ
وقال أبو شامة في إبراز المعاني ص 12: "والقارئ المبتدئ : من أفرد إلى ثلاث روايات ، والمنتهي من نقل منها أكثرها " اهـ
ويقول ابن الجزري في النشر : 2/192: " وكان بعض الأئمة يكره ذلك من حيث إنه لم تكن عادة السلف عليه ، ولكن الذي استقر عليه العمل هو الأخذ به والتقرير عليه وتلقيه بالقبول " اهـ
وقال نظما :
وقد جرى من عادة الأئمه إفراد كل قارئ بختمه

وقال الصفاقسي في غيث النفع ص25: " لم يكن في الصدر الأول هذا الجمع المتعارف عليه في زماننا بل كانوا لاهتمامهم بالخير وعكوفهم عليه يقرؤون على الشيخ الواحد العدة من الروايات والكثير من القراءات كل ختمة برواية لا يجمعون رواية إلى رواية، واستمر العمل على ذلك إلى أثناء المائة الخامسة عصر الداني ومكي وغيرهم فمن ذلك الوقت ظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة واستمر عليه العمل إلى هذا الزمان وكان بعض الأئمة ينكره من حيث إنه لم يكن عادة السلف، قلت : وهو الصواب ، إذ من المعلوم أن الحق والصواب مع الصدر الأول في كل شيء " إلى أن قال : " فما بالك بأمر لا يترتب عليه كبير نفع وربما يترتب عليه الفساد والغلط والتخليط والداعي إليه النفس لتحصيل حظوطها من الراحة وتقصير العبادة، جنح إلى هذا الكسالى والمقصرون ووافقهم على ذلك شفقة عليهم وخوفا من انسلاخهم من الخير بالكلية الأئمة المجتهدون المشمرون والمتنزل لا يستدل بفعله فيما تنزل فيه"اهـ
فالجمع بهذه الصورة لم يظهر إلا عند المتأخرين لما ضعفت الهمم وضعفت الحوافر واشتغل الناس بكسب معاشهم وقل المتفرغون لأخذ القراءات وخشي ضياعها،أما اليوم فإن مثل هذا التعليم النظامي الذي تنفق عليه الدولة حفظها الله أوجد الإقبال على هذا العلم والعناية به والحرص عليه فلم لا نعود إلى منهجية السلف في تلقي القراءات .

المبحث الرابع : حفظ معاني القرآن الكريم

* المسألة الأولى : نظام حفظ المعاني
لو تأملنا في منهج التكوين والبناء الذي رسمه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأتباعه حينما اختارهم لحمل رسالته ودعوته لوجدنا أنه سهل واضح خال من كل تعقيد وغموض يفهمه كل أحد وفي الوقت نفسه قوي مؤثر يتغلغل إلى أعماق النفوس فيربيها ويشكلها بالشكل الذي تريد.
إن هذا المنهج يتضمن قواعد تربوية ونفسيه لو اجتمع مفكروا العالم من شتى حضاراته وأفنوا أعمارهم في البحث والتنقيب لما توصلوا إلى مثلها ذلك أنها من عند العليم الحكيم ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
هذا المنهج جاء تقريره وتأصيله في ثاني سورة نزلت من الوحي المبارك القرآن الكريم إنها سورة المزمل ويتمثل هذا المنهج في النقاط التالية :
1-{قم}
2-{الليل}
3-{إلا قليلا} أي كثيرا من الليل
4-{إن ناشئة الليل هي اشد وطأ وأقوم قيلا}
5-{ورتل القرآن ترتيلا}
6-{إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}
لماذا قم ألا يكفي اجلس؟ ولماذا الليل بالذات ؟ ولماذا كثيرا ؟ وماذا يصنع إذا قام ؟ وما الهدف من هذا كله ؟ هذه هي الخطوط العريضة لهذا المنهج ثم يأتي تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم ليزيده وضوحا .
لقد فرض الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه القيام بالقرآن سنة كاملة ، نعم سنة كاملة من التدريب المكثف ، والنتيجة صناعة الإنسان، إنتاج نماذج إنسانية فذة فريدة لا يماثلها أي نموذج في العالم، هذه الفئة القليلة هي التي أوكل الله عز وجل إليها حفظ دينه وتبليغ رسالته وإقامة دولة الحق .
قد يتصور البعض من علماء النفس أو الخبراء العسكريين أو بعض المفكرين أن إعداد القوة للفئة التي يناط بها التغيير يكون بدورات علمية وتدريبات عسكرية هذا الذي يتبادر للذهن وقد يعتقده أمثال هؤلاء لكن الله تعالى وهو الحكيم العليم قد اختار لهذه الصفوة من خلقه أمرا آخر وهو ما سبق ذكره.
لقد كان القيام بالقرآن بالمواصفات السالف ذكرها الأداة التربوية التي ركز عليها النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الجنود الذين يحملون الحق ويبلغونه للناس كافة
إنها الأداة التي يمكن بها صياغة الإنسان وصناعته ومن كان في شك فليجرب، الباب مفتوح والخير متاح، جرب أن تقوم بالقرآن سنة كاملة كل ليلة ثلاث ساعات على الأقل ترتل القرآن ترتيلا حفظا وجهرا وتكرارا ثم انظر النتيجة كيف تكون إن النتيجة مؤكدة لكن مثل هذا العمل لا يتيسر إلا لمن يسره الله له .
مفاتح تدبر القرآن هي الطريق لتحقيق الركن الثاني من أركان الحفظ التربوي وكان بيانها وتفصيلها في كتاب مستقل بعنوان (مفاتح تدبر القرآن والنجاح) في الحياة وألخص هنا نظام حفظ المعاني:
1- فهم وفقه مفاتح تدبر القرآن متطلب أساسي للسير في نظام حفظ المعاني .
2- تحديد مقدار معين من القرآن سبق حفظه بنظام الحفظ الأسبوعي.
3- تقسيم هذا المقدار على أيام الأسبوع لكل يوم قدر محدد
4- يتم قراءة هذا المقدار في صلاة في ليل بجهر وتغن وتكرار وترتيل وتمهل ومناجاة.
5- ليس هناك زمن محدد لقراءة آية أو سورة فربما آية تقف فيها ربع ساعة وربما مئة آية تقرؤها في ساعة
6- إذا لم يمكن أداء هذا العمل في موعده ليلا فيقضى بموعد آخر يكون فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر .
7- إذا انتهى الوقت المحدد للقيام بالقرآن ولم ينته المقدار المحدد للقراءة وهذا يحصل بسبب تطويل الركوع أو السجود أحيانا أو بسبب التوقف عند بعض الآيات طويلا ، فهل يفرض وقت آخر لإكماله؟ أو يقرأ في الليلة التي تليها؟ خياران كلاهما ممكن المهم التأكد من عدم بخس القرآن حقه من الوقت وتفضيل غيره عليه .
8- الوقت اليومي اللازم لمثل هذا العمل مابين ثلث الليل إلى نصفه إلى أدنى من ثلثيه أي من ثلاث ساعات إلى ست ساعات إلى ثمان ساعات وهو يختلف صيفا وشتاء.
9- لا يتوقع الوصول إلى هذا المستوى من البداية وإنما يتم الصعود بالتدريج وقد يتطلب الأمر إلى سنوات حتى تصل إلى هذا المستوى، فتكون البداية بنصف ساعة مثلا ثم بعد ستة أشهر تزاد إلى ساعة ثم بعد سنة تزاد إلى ساعة ونصف .
10-كلما زادت قناعتك بأهمية هذا العمل وقوي إيمانك بضرورته لحياتك كلما سهل عليك زيادة الزمن المخصص له .
11- القيام بالقليل مع التطبيق التام للمفاتيح خير من الكثير الذي يهمل فيه تطبيق المفاتيح
12- من المفيد إن أمكن تحضير ما يراد قراءته أثناء النهار مع قراءة تفسير موجز لآياته، أو تكون القراءة بعد القيام به لحل ما طرأ من أسئلة أثناء القراءة السابقة ، أو الجمع بينهما أي قبله وبعده .
13- التوقف حين القراءة طويلا والتفكير في معاني الآيات.
14- ما يفتح لك من معان وفهم للآيات يلزم عرضه على أهل العلم إن كان مما يتطلب ذلك .
15- تطبيق هذه المفاتيح يفيد في تعميق فهم الآيات والنزول إلى أعماق المعاني فهذه المفاتيح تشبه أدوات الغوص في البحار فالقرآن له ظاهر وباطن فظاهره الألفاظ التي يشترك في رؤيتها وسماعها كل الناس وباطنه لا حد له وكل يصل إلى ما يفتح الله عليه ، بعض الناس يسبح فوق سطح البحر من العقبة إلى عدن فإذا وصل قال لم أجد ما تذكرون من اليواقيت والجواهر واللؤلؤ والمرجان وغيرها من الكنوز الثمينة فنقول له الأمر يحتاج إلى أدوات غوص وأنت لم تستخدمها.
16- نريد بالمعاني: الفهم الدقيق العميق لما تعنيه الألفاظ، ومن أمثلة ذلك:
مثال1:
إذا سمعت كلمة (جنة) عليك أن تقف عندها لتتخيل وتتصور ظلالها وأنهارها ولباسها وأراضيها وأثاثها وخضرتها ومجالسها ونساءها.... تتصورها بكل تفصيلاتها الدقيقة من لون وطعم ورائحة ومنظر وطول وعرض وملمس.
مثال2:
وإذا قرأت قول الله تعالى :{ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ } [سورة الرحمن - الآية : 37] تقف لتتصور هذا المعنى من كافة أبعاده وتحاول تعميقه في قلبك .
17- يتم زيادة المقدار إذا وجدت إمكانية لزيادة الوقت المخصص لحفظ معاني القرآن الكريم .
18- إذا لم يمكن زيادة الوقت فلا يسمح بزيادة المقدار لأنه يؤدي إلى النقص في تطبيق مفاتح التدبر .
19- القراءة تكون حسب ترتيب القرآن فمن وصل إلى سورة عبس مثلا فإنه يبدأ بها ثم التكوير ثم الانفطار إلى سورة الناس
20- القلب هو الميدان الذي يدور فيه الصراع بين النفس والشيطان وتطبيق حفظ المعاني يملأ القلب بالصور والمشاهد والأفكار الحية المفيدة مما لا يبقى معه للشيطان ووساوسه مساحة يتحرك فيها فهو بهذا الاعتبار أقوى الأدوية لتحقيق طمأنينة القلب وسكينة النفس والخلاص من الوساوس وقوة التحكم بالخواطر والأفكار ومن ثم التحكم بالسلوك والأفعال وما يترتب على ذلك من قوة معنوية في كافة مجالات الحياة .
21- يمكن في البداية التدريب على القيام بالقرآن نهارا حتى يسهل ثم نقله إلى الليل.
22- دائما تأكد أنك تطبق المفاتيح كاملة وعدم النقص في أحدها أو في جزء منها .
23- الهدف النهائي الذي تسعى إليه أن تختم القرآن كاملا حفظا كل أسبوع في صلاة في ليل جهرا بترتيل وتكرار مما يؤدي إلى قوة ربط القرآن بواقع الحياة والإيمان بالله وكلماته فإن أمكنك بلوغ هذا الهدف في حياتك وإلا فأنت على نيتك مادامت نية صادقة حاضرة فمن سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه .

* المسألة الثانية : أيهما أولى حفظ القرآن أم تدبره ؟
الأصل أن هذا السؤال غير وارد لأنه لا تعارض بين حفظ ألفاظ القرآن وتدبر معانيه فيجب أن يسيرا معا ، ولم يكن هذا السؤال واردا في أذهان الصحابة رضي الله عنهم فمنهجهم في هذه القضية واضح ظاهر وإنما نشأت الحاجة للكلام في هذه المسألة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وتوسع الفتوحات وتعدد أجناس وفئات الداخلين في الإسلام حين خفي على البعض الهدف والغاية التي من أجلها أنزل القرآن { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ } [ سورة ص - الآية : 29 ] فنسوا أن حفظ الألفاظ وسيلة إلى تدبر المعاني ومن ثم العمل بها فقصروا همتهم وغايتهم وهدفهم على حفظ الألفاظ فصار جل وقتهم وجهدهم وانتباههم ووعيهم منصب على تثبيت صور الكلمات وحروفها مع نسيان للمعاني، وحتى حفظ الألفاظ لا يتم بصورة منهجية بل ما يحفظ اليوم ينسى غدا ثم يعود للأول وينسى الثاني وهكذا دأبه طول حياته تعاقب بين الحفظ والنسيان.
وقد جاهد الصحابة رضي الله عنهم في علاج هذه القضية ومن أقوالهم في هذه المسألة :
1-عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر الأمة لا يحفظ القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن وإن آخر الأمة يقرؤون القرآن منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به(7)
2-وقال ابن مسعود رضي الله عنه : إنا صعب علينا ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به(8)
3-وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كان يقترئون من رسول الله عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل قالوا: فعلمنا العلم والعمل(9)
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الفصل بين حفظ اللفظ وتدبر المعنى حين وصف طائفة من المسلمين أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأن مثل هذا النقص في تدبر القرآن يكون سببا للخروج من الدين والزيغ عن الصراط المستقيم ،ويصبحون شؤما على الأمة وسببا في تفريق صفوفها وتمزيق وحدتها .
فالمنهجية في هذه القضية أنه عندنا ثلاثة أمور لا بد من العناية بها:
الأول : الحفظ المتقن للألفاظ ولو كان المحفوظ قليلا .
الثاني : التأكيد على هدف التفكر والتدبر وأنه الأصل، والاجتهاد في الأخذ بالأسباب المؤدية إليه.
الثالث : الاجتهاد في ربط العلم المكتسب بالعمل بتدريب مستمر مكثف إلى أن يحصل النجاح في اقتران العلم بالعمل والنظر بالتطبيق .
إن تحقيق هذه الأمور هو الطريق إلى التربية على أخلاق القرآن ، أما الاقتصار على الحفظ المهلهل أو غياب قصد التدبر أو فقد محاولة ربط العلم بالعمل فهو السبب في أنك ربما وجدت من يقال إنه يحفظ القرآن كاملا ومع هذا تصدر عنه أمور لا ترضى ولا تحمد بل يصعب التصديق بأن فاعلها يحفظ القرآن ، فمتى تتفطن مدارسنا ومحاضننا التربوية إلى هذه القضية المهمة الخطيرة في مستقبل أجيالها.
إن الحفظ التربوي يربي التفكير وينمي الإبداع ويحقق الفهم السديد للحياة لأنه بأركانه الثلاثة يوسع مدارك الإنسان وينمي ملكاته الذهنية ويصقل مهاراته العملية، أما الاقتصار على الركن الأول والاكتفاء به فقد كان مدخلا للطاعنين في سلاح الحفظ التربوي الذي وهبه الله لهذه الأمة الوسط خير أمة أخرجت للناس تحمي به نفسها وتحقق لدين الله تعالى النصر والتمكين .

* المسألة الثالثة : التكرار التربوي
(لأن تقرأ كتابا ثلاث مرات خير من أن تقرأ ثلاثة كتب) قاعدة سمعتها عن بعض مشايخنا
التكرار التربوي ركن أساسي في التربية ينبغي أن يراعيه المربي أيا كان موقعه، في البيت، في المسجد، في المدرسة، في المجتمع، وكون المعلومة تذكر ولا تكرر فإنها تنسى، والعلم بحر لا ساحل له فليس أمامك إلا أن تقتصر على قدر معين تكرره باستمرار لكي يحفظ فلا ينسى ويحدث أثره في النفوس.
النفس تمل من التكرار وما ذاك إلا بسبب فراغ الألفاظ من المعاني وإلا اعتبرته تكرارا.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطبق التكرار التربوي في القراءة في الصلاة فكان غالب قراءته من المفصل، وانظر إلى أي كتاب في الصلاة تجده يذكر هذا الأمر(10) حتى إن كتب الفقه حين تبين القراءة في الصلاة تقسم المفصل إلى ثلاثة أقسام : طوال وأوساط وقصار ، قال ابن قدامه : " ويسن أن يقرأ بعد الفاتحة سورة تكون في الصبح في طوال المفصل وفي المغرب في قصاره وفي سائرهن من أوساطه لما روى جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بـ { ق } رواه مسلم ، وعنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بـ {السماء والطارق } و { السماء ذات البروج } ونحوهما من السور رواه أبو داود ، وعنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دحضت الشمس صلى الظهر ويقرأ بنحو : { والليل إذا يغشى } والعصر كذلك والصلوات كلها إلا الصبح فإنه كان يطيلها رواه أبو داود وما قرأ به بعد أم كتاب في ذلك كله أجزأه"اهـ(11) نعم ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بسور أخرى مثل الأعراف والأنفال والمؤمنون والروم وغيرها لكن الغالب على قراءته المفصل حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه : لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ(12) ، ومن التكرار التربوي الأسبوعي قراءة سورة السجدة وسورة الإنسان في كل جمعة في صلاة الفجر وسبح والغاشية أو الجمعة والمنافقون في صلاة الجمعة ، ومن التكرار التربوي اليومي قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة من صلاة فريضة أو نافلة ، وقراءة سورتي الكافرون والإخلاص في راتبة الفجر ، هذا التكرار التربوي في قراءة القرآن في الصلاة أما التكرار التربوي في الأذكار والأدعية داخل الصلاة وخارجها فأمر معلوم وهو كثير .
إن السنة في قراءة القرآن في الصلاة واضحة وضوح الشمس إلا أن البعض غفل عنها فتجد بعض أئمة المساجد منهج قراءته في الصلاة الجهرية انتقاء المقاطع من القرآن طول العام طلبا للتجديد والتنويع -حسب رأيه -أو ليسمع الناس معظم القرآن، وبعضهم يقرأ القرآن متتابعا في الصلوات الجهرية فيختمه في السنة مرة أو مرتين وإلى كل هؤلاء أقول: أأنتم أعلم أم رسول الله صلى الله عليه وسلم المربي الحكيم الذي يعرف ما يَصْلُح للناس وما يُصْلِحهم ويعرف أسرار النفوس وما تحتاجه من منهجية في الوعظ بالقرآن.
إن من يتأمل ويمعن النظر في هذه المسألة ويقف فيها وقفة صادقة يتبين له الحق أما من ليس لديه وقت لكي يقرأ ويتدبر فأنى له أن يصل إلى المنهجية الصحيحة في أموره كلها.
وليس من التكرار التربوي التزام أواخر وأواسط سور معينة، لأن فيه مخالفة للسنة، قال ابن تيمية في الفتاوى 13/412: " وأما القراءة بأواخر السور وأوساطها فلم يكن غالبا عليهم ولهذا يتورع في كراهة ذلك، وفيه النزاع المشهور في مذهب أحمد وغيره، ومن أعدل الأقوال قول من قال : يكره اعتياد ذلك دون فعله أحيانا، لئلا يخرج عما مضت به السنة وعادة السلف من الصحابة والتابعين"اهـ

المبحث الخامس : حفظ العمل بالقرآن الكريم
حفظ العمل هو الركن الثالث من أركان الحفظ التربوي وحقيقته ربط العلم بالعمل أي بالواقع ، بحيث يتم تطبيق ما تضمنه القرآن الكريم من توجيهات في جميع أمور الحياة .
قال الله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } [سورة الفرقان - الآية : 32]
في هذه الآية سؤال عن هدف التمهل في إنزال القرآن وتفريقه على سنوات حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها طيلة ثلاث وعشرين سنة وكان سبحانه وتعالى قادرا أن ينزل القرآن الكريم جملة ، ينزله كله في ليلة واحدة ، فيأتي الجواب الذي يعتبر منهجا لكل مسلم في هذه الحياة إنه : {لنثبت به فؤادك}، وتثبيت الفؤاد يعني قوة القلب وصحة النفس التي هي شرط لتحقيق النجاح في جميع مجالات الحياة ، ومثل هذا البناء التربوي لا يتناسب معه العجلة بل يحتاج إلى التدرج والتمهل، لأن بناء النفوس يختلف عن بناء أي شيء في هذه الحياة يحتاج إلى قاعدة : { ورتلناه ترتيلا } ، فثبات اللفظ ورسوخ المعنى الذي يسهل ربط العلم بالعمل وتكوين المهارات التربوية يحتاج إلى ترتيل أي تمهل وطول نفس وصبر وأناة أما الاستعجال فلا يبني الرجال .
فمن أجل ذلك كان نزول القرآن منجما على الأيام والسنين تربية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حالا بعد حال وسنة بعد سنة ، وهو منهج لتربية الناس في كل العصور
فهذا سر عظيم من أسرار التربية بالقرآن الكريم فمن أراد أن يحصل على طمأنينة القلب وسكينة النفس وثبات الفؤاد فعليه بحفظ القرآن رويدا ومهلا وتؤدة وسكينة وليحذر من العجلة .
إن ما نسمع عنه من المفاخرة في حفظ القرآن في شهرين أو 56 يوما أو حفظ البقرة في يوم أو حفظ 47 وجها في يوم كل هذا ليس على الهدي الصحيح وإن كان القصد والنية صالحة، فالمنافسة ينبغي أن تكون بطول المدة وليس بقصرها وبقلة العدد لا كثرته فهذا هو المنهج المأثور عن السلف المقرر في القرآن والسنة.
قد يقول بعضهم أحفظ اللفظ أولا ثم أتفرغ بعد ذلك للتدبر فنقول له لم تفصل بين الأمرين ؟ وقد رأيت الصحابة رضي الله عنهم لم يفصلوا بينهما ثم لم العجلة وما الذي يمنعك من التمهل والتأني وجمع أركان الحفظ جميعا .
إن حفظ القرآن يكون بالتدريج مع اجتهاد شديد في التطبيق لما يتم حفظه حتى يرسخ علما وعملا .
من يحفظ القرآن متبعا هذا المنهج الرباني يحصل له ما وعد الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من تثبيت الفؤاد وما يترتب عليه من نجاح في كافة مجالات الحياة، ومن أمثلة ذلك :
المثال الأول: في حالة الغضب
من يسير على منهج الحفظ التربوي بأركانه الثلاثة مدة كافية فإنه إذا تعرض لمثل هذا الموقف فإنه يتصدر انتباهه ووعيه قول الله تعالى: {َوالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [ سورة آل عمران - الآية : 134]، ويسرح خياله فيما أعده الله تعالى لمن يملك نفسه عند الغضب من أجر وثواب، ويرد إلى قلبه بكل قوة قول الله تعالى: { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [ سورة فصلت - الآية : 36]، ويسمع نداء الله يناديه قائلا : {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [ سورة فاطر - الآية : 6] وتنهال عليه الآيات من كل جهة كلها تقول له: اثبت اثبت ، وهكذا تتسلسل الروابط ويشتد تداعيها حتى ربما يتعجب من حاله من يراه ويراقبه فيقول: ما هذا البرود؟ أهو أعمى لم ير؟ أو أنه أصم لم يسمع؟ لا ليس الأمر كذلك بل إنه : لنثبت به فؤادك .
ثم قارن هذه المنزلة العالية والمرتبة الرفيعة من سكينة النفس وثبات القلب لمن كانت صناعته بالقرآن وبين بعض التمارين التي يذكرها المستوردون لفكر الغرب وثقافتهم ومن ذلك:
تمرين 1:
"أنه أذا أغضبك شخص فعليك أن تعد من العشرة إلى الواحد لمدة عشرين ثانية فإنك بهذا تنجو من كثير من الحماقات "اهـ
تمرين2 :
"أنه إذا جاءك ما يغضبك فإنك تتخيل أنه سهم يريد الدخول إلى دماغك وأن في يدك ريموت ليزر فتشير إليه بيدك وتقوم برفعها تجاهه ثم إنزالها بقوة من الأعلى إلى الأسفل مع النطق بكلمة (شست) فأنت بذلك تقوم بإحراقه والقضاء عليه وهذا مجرب واستفاد منه الكثيرون "اهـ

المثال الثاني: حالة الشدائد والمصائب
في هذه الحالة تتوارد عليك الآيات التي صحبتها طول السنوات الماضية تعزيك وتسليك وتثبتك فيأتي إليك : لا تحزن إن الله معنا وتكون قوية مؤثرة ويأتيك قول الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي الآن في مثل هذه المواقف العصيبة {وَفِي الآَخِرَةِ} في عرصات القيامة وكرباتها { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [ سورة فصلت - الآيتان : 30 ، 31] ويرد إليك قول الله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [سورة الفتح - الآية : 4] فتحس بالسكينة تغمر قلبك ، ويأتيك قول الله تعالى : {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة التغابن - الآية : 11 ] فتحس ببرد الإيمان واليقين يثلج صدرك ويطفئ حرارة حزنك وهمك.
إن بعض الناس حينما يقعون في مثل هذه الأحوال ويمرون بمثل هذه المواقف لا يجدون ما يسعفهم وينقذهم حتى إنهم أحيانا ليتشبثون بقشة الغريق طلبا للنجاة فتراهم يرددون بعض الكلمات التي يُصبِّرون بها أنفسهم ويحاولون بها شد أزرهم وهي لا تغني عنهم شيئا.
الفرق بين من يطبق الحفظ التربوي ومن لا يطبقه أن الثاني في مثل تلك المواقف يذهل ولا يتذكر هذه الآيات أبدا ولو ذكر بها فإن يقينه بها ضعيف لا يفيده شيئا ، بينما الأول ترد إليه الآيات تلقائيا وفي سرعة خاطفة وبقوة مثبته ففرق بين الاثنين ومن جد وجد ومن زرع حصد والمكارم لا تنال إلا بالمكاره أي بالجد والعمل على منهج صحيح فالحياة معادلة فبقدر ما تتعب وتجتهد بقدر ما تجني وتربح وخاصة في مثل هذا الميدان فهذا الجزاء وهذه النتيجة وعد صادق من عند الله تعالى كما قال الله عز وجل :{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [ سورة العنكبوت - الآية : 69 ] ، وقال سبحانه : {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } [ سورة العنكبوت - الآية : 6 ]
المثال الثالث: عند وساوس الشيطان
عندما يهم الشيطان بإزعاجك بالوسواس والأفكار التي تسيء إليك فإن آيات التوكل والاستعانة بالله تعالى التي تم تثبيتها بقوة في القلب تتفاعل في قلبك فتؤيدك وتحوطك وتحرسك، وكذا آيات التحصين من الشياطين وغيرها فتكون محفوظا محروسا من كل فتنة ومن كل شدة ومن كل شبهة.
مثل هذا الربط ومثل هذه القوة القلبية النفسية قد لا يتأتي من أول موقف أو الثاني والثالث لكنه يرسخ بعد تكرار المجاهدة ومحاولة الربط.
وسهولة الربط وصعوبته تتوقف على مقدار الجهد الذي يبذل في الركنين الأول والثاني فكلما قوي تطبيقهما كان تطبيق الثالث وحصول الربط أسرع وأسهل .
إنها روابط كثيرة جدا كفيلة بأن تملأ على الإنسان تفكيره حتى ربما لا يجد وقتا للتفكير في كثير من الأمور وخاصة تلك الخواطر التي تعيق الإنسان عن تحقيق طموحاته ونجاحاته في الحياة مثل النظر أو التفكير في الصور المحرمة ، أو الحسد والغيرة ، أو شرود الذهن في الصلاة و عند قراءة القرآن.
فمن يقيم هذا الركن من أركان الحفظ التربوي يحصل على نسبة عالية في تركيز الذهن مما يساعده جدا في تحقيق أهدافه في الحياة والتخلص من كل صور المعاناة التي تعيقه عن التقدم والتطوير.
إنه ما من أمر من الأمور العلمية أو العملية التطبيقية التي يراد تأصيلها وتوصيلها في حياة الناس إلا ويمكن تحقيقه من طريق القرآن والسنة وخاصة فيما يتعلق بصناعة الإنسان كما قال الله تعالى : {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [ سورة الفرقان - الآية : 33 ]
إنه يمكن لأبناء المسلمين أن يكتبوا في مثل هذه المجالات كتابة مستقلة تماما وصافية ونقية، كتابات تفوق بكثير كتابات أهل الحضارات الأخرى.
إن ما أدعو إليه من الاستقلال في الطرح يحتاج إلى قناعة أولا ثم تشمير وجد في التفكير والمعالجة والتنظير، أما الترجمة والنقل فلا تحتاج أكثر من قص ولصق فإذا النكهة نكهتهم والنغمة نغمتهم والطعم طعمهم والمذاق مذاقهم فأنى لأمة هذا نهج مصلحيها ومفكريها ومثقفيها ومدربيها أن تتفوق على غيرها.

المبحث السادس : مفاتيح حفظ القرآن الكريم
مفاتيح إنجاز مشروع حفظ القرآن سبعة مجموعة في قولك: (حور عين)
الأول : حدد، وله سبع أدوات مجموعة في قولك : (كم أملك)
الثاني : حدث
الثالث : وكل
الرابع: ركز
الخامس : عقب
السادس : يسر
السابع : نفذ

* المفتاح الأول : حدد
حدد تعني قرر أي اتخذ القرار الحازم الأكيد القوي لما تريد فعله أي اعقد النية الجازمة التي لا تردد فيها.
إن هناك فرقا بين أحدد وبين أرغب، الفرق بينهما هو الفرق بين الجد والكسل بين الحقيقة والخيال بين العزائم والأماني.
جرب أثر اتخاذ القرار على أمر حيوي يمر معك يوميا وهو الاستيقاظ من النوم فحين يكون القرار حازما وصريحا وواضحا لا يقبل الشك فإن الاستيقاظ يتم في الموعد المحدد وفي كثير من الأحيان يحصل الاستيقاظ تلقائيا دون منبه ، أما إذا لم يوجد القرار أصلا أو كان رخوا ضعيفا هزيلا فيه تردد وتنازعه رغبات متعددة فالغالب في مثل هذه الحال لا يحصل الاستيقاظ حتى مع وجود المنبه أو يحصل الانتباه ثم مواصلة النوم مرة أخرى.
ومما يكشف صدق أحدد أو أقرر ويوضحها ست أدوات في غاية الأهمية متى أمكنك تطبيقها اكتشفت الفرق، وهي ست أدوات مجموعة في قولك: (كم أملك)
ك: كم
م : متى
أ : أين
م : ماذا
ل : لماذا
ك : كيف
وتفصيلها كما يلي :
* الأداة الأولى : كم
القياس مهم جدا لإنجاز أي مشروع أو هدف في هذه الحياة، يقول بعضهم: أي هدف لا يمكنك قياسه الأولى لك أن تنساه . وهذا كلام حق وواقع فالقياس من الأدوات المهمة وخاصة في هذا الوقت بعدما تطورت الآليات وتشعبت أمور الحياة صار لابد من القياس لتعرف ماذا تحتاج وما حجم المشروع ومتطلباته ثم لتعرف ما مضى وكم بقي في كل مرحلة من مراحل المشروع.
وتطبيق هذه الأداة على مشروع حفظ القرآن الكريم أن تحدد المقدار الذي تريد حفظه هل القرآن الكريم كاملا أو نصفه أو ربعه أو عشره الخيار لك لكن لا بد أن تتخذ قرارا واقعيا لا تتراجع عنه ولا تتركه إلا بقرار آخر يعدل القرار السابق .
ثم تحدد المدة الكافية تماما لإنجاز هذا القدر أو الكمية المحددة هل شهر أو سنة أو خمس سنوات.
ومن القواعد المهمة ضمن هذه الأداة قاعدة كم بقي ؟ فإذا حددت كمية معينة لإنجازها خلال مدة محددة ربطت بموعد محدد وكان هذا الموعد بعيدا فمن المهم يوميا أو أسبوعيا معرفة المنجز ومعرفة كم بقي سواء في ذلك الكمية أو الزمن أي المدة.
فمثلا حددت أن تحفظ عشر سور من القرآن خلال ثلاثة أشهر، ابتداء من أول شهر محرم إلى نهاية شهر ربيع الأول، فمن المهم بل الضروري يوميا وكل صباح أو مساء أن تعرف كم أنجزت؟ وكم بقي عليك؟ وهل تطبيق الخطة يسير بخطوات صحيحة أولا .
إن عدم التحديد ودعوى المشي بالبركة كما يقولون يعتبر فوضى وليست من البركة في شيء، بل الصحيح أن تحدد حسب طاقتك وتسأل الله تعالى التسهيل والتيسير والبركة بأن تنجز ما حددت من الكمية في المدة المحددة لها أو قبل ذلك، أما ترك التحديد فهو من أبرز العلامات على عدم اتخاذ القرار .

* الأداة الثانية : متى
وهذه أداة عظيمة النفع والفائدة من يستطيع أن يمتلكها ويتعامل معها يصبح من الناجحين البارزين في تحقيق الأهداف وإدارة المشاريع والأعمال وتنظيم الوقت
بعد أن حددنا كم الكمية وكم المدة، نكون حددنا المسافة وحددنا الزمن بقي علينا أن نحسب وقت الوصول، وهو الموعد الذي تحدده لإنجاز الكمية المطلوبة على خط الزمن وهو موعد عام يدخل تحته مواعيد تفصيلية صغيرة تؤدي إليه.
يمثل تطبيق هذه الأداة جداول الحفظ التي سبق شرحها في حفظ ألفاظ القرآن الكريم.
ونحتاج إضافة إليها تحديد مواعيد مؤكدة لتطبيق كل جدول من تلك الجداول فمثلا نحتاج تحديد موعد للمراجعة العامة ، وموعد لمراجعة المرحلة ، وموعد لحفظ الجديد ويشمل مراجعة السورة وحفظ مقطع جديد منها .
ولتعلم أن النجاح في تحقيق مشروع حفظ القرآن يتوقف على نجاحك في تحديد هذه المواعيد وتنفيذها وبدونها فلن تتقدم شيئا يذكر، والنجاح فيها متوقف على فقه المفاتيح السبعة علميا ثم فقه تطبيقها عمليا وكثرة التدريب عليها.
تذكر أنك أنت المدير وأنت الموظف فتابع نفسك بنفسك .
لا بد من تحديد مواعيد لحفظ القرآن ، مواعيد تحترمها وتحرص تمام الحرص عليها.
إن البعض يريد حفظ القرآن في الفراغ أي خارج الأربع وعشرين ساعة لأنك لو سألته أين المواعيد اليومية لحفظ القرآن لم تجد جوابا إن مثل هذا هو العاجز الذي يتمنى على الله الأماني فأنى له أن يحفظ القرآن مادامت هذه حاله، أين الجود والكرم والسخاء بالوقت على القرآن ألا تجود نفسك أن تخصص له يوميا ساعة أو ساعتين من بين تلك الساعات التي تذهب هباء منثورا وتضيع سدى ، إنك لو خصصت ساعة يوميا لحفظ القرآن من خالص وقتك فإنك ستحفظه بإذن الله مهما كنت ومهما كانت قدراتك لكن تبقى مسألة وقت .
إن من يصرف للقرآن ثلاثمائة وخمسين ساعة كل سنة فإنه على خير.
* الأداة الثالثة : أين
وهذه الأداة تبين مكان تنفيذ المشروع وما يتطلبه من إمكانات وأدوات وعوامل مساعدة فقد تحتاج مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم أو معهدا مميزا وقد تحتاج زملاء من نوع خاص تختارهم بعناية ليكونوا عاملا مساعدا على تحقيق المشروع وقد يتطلب الأمر بعض الأجهزة والأدوات المكتبية والنماذج وغيره فكل هذا تجيب عنه هذه الأداة الصغيرة في حجمها الكبيرة في فائدتها بعض الناس ممن يتمنى ولا يقرر يقول في نفسه إنه يريد حفظ القرآن الكريم ويتمنى ذلك لكن لو سألته : أين ؟ فجوابه : لا أدري المهم أني سأحفظ .

* الأداة الرابعة : ماذا
أن تعرف ماذا تريد هو البوابة الأولى لاتخاذ القرار الصحيح.
(ماذا) تعني العلم العميق الواسع المفصل بمضمون الهدف الذي تسعى لتحقيقه من كل جوانبه، علما مكتوبا بل حاضرا في القلب كل حين، وفي مشروع حفظ القرآن الكريم الجواب على هذه الأداة واضح ومحدد.

* الأداة الخامسة : لماذا
هذا السؤال هو الفيصل والفارق بين الناجحين والفاشلين فمن يملك الإجابة الواضحة المحددة القوية العميقة عن هذا السؤال تجاه الهدف الذي يسعى لتحقيقه في الغالب أنه ينجح فيه ويقفز خطوات كبيرة وسريعة في تحقيقه.
وتشغيل هذه الأداة يتطلب جهدا غير عادي والملاحظ أن العديد ممن يحاول تحقيق أهدافه أنه لا يولي هذه الأداة العناية التي تستحقها أو الرتبة التي تتطلبها والمقصود بهذه الأداة أن تعرف المقاصد والغايات للهدف الذي تسعى لتحقيقه أي المكاسب التي تحصل عليها عندما يتحقق والخسائر التي توجد عندما لا يتحقق أي المنافع والأضرار
وفي مشروع حفظ القرآن الكريم يلزمك أن تكتب بخط يدك وبقلمك كل آمالك وأحلامك وأمنياتك التي تتوقع أن تحصل لك حين تنجز هذا الهدف وتقوم بقراءتها يوميا أو أسبوعيا قراءة تربوية متكاملة ذلك أن النقص في تحقيق هذه الأداة هو الفيروس الذي يفترس مشروعك فيذهب به عن الأنظار ويلقيه في غياهب النسيان فاختر لنفسك ما شئت فإن كنت حقا تريد حفظ القرآن الكريم فعليك بهذه الأداة المهمة والتي لا تكلفك شيئا في مقابل ما تحققه لك من أرباح.

* الأداة السادسة : كيف
وهذه أيضا أداة مهمة جدا يحتاجها كل من يريد النجاح في تحقيق أهدافه وإنجاز مشاريعه وإنه من الخطأ والخطر التقليل من شأنها ذلك أنه ربما فرق يسير في الكيفية يكون مفترق الطريق بين النجاح والفشل ، وحفظ القرآن له كيفيات وطرق وأساليب بينتها في نظام الحفظ الأسبوعي فعليك بتعلم مفردات هذه الطريقة ومحاولة تطبيقها بمفردك أو بمساعدة زميل أو معلم أو مستشار أو مدرب.

* المفتاح الثاني : (حَدِّث)
بعد أن انتهيت من تصميم هدفك وتخطيطه بشكل متكامل من كافة جوانبه أنت محتاج إلى حفظ المشاعر والأحاسيس والأفكار والمعلومات التي صاحبت هذا التصميم وعليه فأنت بأمس الحاجة إلى هذا المفتاح (حَدِّث) وهو يعني تلخيص المخطط وحفظه وتكرار التفكير به طوال الوقت ليكون في مقدمة الوعي والاهتمام فيحصل التركيز عليه وتذكره ويستمر الحماس لتنفيذه فتقل المقاومة المضادة له وخاصة من بعض المثبطين من زملاء وأقران وربما أقارب وقبل ذلك الشيطان الذي يوسوس لك على مدار الساعة فأنت بأمس الحاجة إلى سلاح قوي يكون مضادا لكافة أنواع المقاومات احذر من من المثبطين من يقول لك صعب، لا يمكن، مستحيل، واقترب ممن يشجعك، ويعينك.
إن (حَدِّث) تمثل الجهاز الإعلامي في شخصيتك فبعد أن أصدرت القرار يجب نشره بكل ما أوتيت من قوة وبكافة الوسائل والأدوات، فأي قرار مهم يراد تنفيذه وتطبيقه لا يصح أن يبقى حبيس الأدراج أو حبيس النسيان بل لا بد من إعلانه مرارا وتكرارا سرا وجهارا واستعمل في هذا جميع الإمكانات المتاحة لك من طباعة وألوان، ولوحات إعلان وجدران، وتسجيل صوتي ومرئي، يلاحقك في كل مكان يلح عليك ويطالبك بالتنفيذ.
ومن الأساليب المفيدة استخدام بعض الصفحات في مفكرتك لتحتوي على نسخ من مخططاتك .
ومن الوسائل المفيدة في هذا المجال سبورة الإعلانات اللاصقة تكون في غرفتك أو مكتبك أو مكتبتك بحيث تراها معظم اليوم تعلق عليها جميع مخططاتك وعباراتك التحفيزية إنها بمثابة المذكر الدائم تجبرك على القراءة في كل وقت، يجب تجديدها باستمرار وإعادة كتابة ما يراد استمراره استعملها بشكل متحرك وحيوي ونشيط واخدمها لتخدمك تفنن في الإخراج تعلم أساليب الإعلان وادرس أسراره واستفد منه في التأثير والتغيير .

* المفتاح الثالث : وَكِّلْ
هذا المفتاح هو الأول من حيث الأهمية وجاء ترتيبه الثالث من أجل الترتيب الموضوعي للمبحث .
التوكل على الله وحسن الظن بالله تعالى وقوة اليقين هو الطريق لتحقيق الأهداف والوصول إلى التطلعات و الأحلام وتحقيق الرغبات والأمنيات فالله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به فإن ظن به خيرا أعطاه(13) فظُنَّ بالله خيرا ظنا جازما لا تردد ولا شك فيه ولا تجريب، اعزم المسألة، وادع الله تعالى وأنت موقن بالإجابة ، تخير أوقات الاستجابة، وعليك بالأدعية المأثورة، فهي أبلغ في النص على المراد وأثرها في النفس أقوى متى وجد فهمها وإدراك معانيها.
أكثر من الدعاء وتيقن الإجابة في كل وقت وإن لم تر ذلك فالله سبحانه وتعالى يختبر عباده ويمتحن صدقهم ثم بعد ذلك يغدق عليهم الخيرات وينزل عليهم البركات فاصبر ولا تيأس من روح الله تعالى ولا تقنط من رحمة ربك اثبت على الطريق وتوقع الفرج وحصول المطلوب في أي لحظة . وفي هذا المقام أؤكد على عدم الانسياق مع الأفكار المستوردة من الغرب التي توجه في مثل هذه الحالة إلى الاعتماد على النفس وتنسي الاعتماد على الله عز وجل أو تخلط الأمرين معا خلطا يفسد صفاء الإخلاص وينقص قوة الاستعانة بالله تعالى ومن الأمثلة على ذلك : قولهم : أنا قادر على ذلك ، أنا أستطيع ، أنا جدير بذلك، أنا استحق ذلك إلى غير ذلك من ( الأنا ) التي لم نجد لها مثالا يحتذى في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي تطبيقات السلف لهذه المسألة ، بل ما وجدناه هو التحذير الشديد من مثل هذه العبارات وأنها ربما دون قصد تكون ذريعة ووسيلة إلى العجب بالنفس وهو من الشرك بالله تعالى.
إن المعنى والهدف الذي يراد تحقيقه من هذه العبارات وأمثالها هو إيجاد الثقة والقوة واليقين بسهولة ويسر ما يراد تنفيذه من أهداف ومشاريع وهذا يتحقق وبشكل أقوى وأفضل في حال إخلاص العبودية والاستعانة بالله تعالى وحده لا شريك له ، ولا مقارنة بين الحالين.
* المفتاح الرابع : ركز
تكاثرت الظباء على خراش وما يدري خراش وما يصيد
هذا البيت مثل من أمثلة العرب وأصل قصته أن خراشا كلب صيد أرسله صاحبه على عدد من الغزلان أو الظباء وكانت كثيرة فاحتار وتردد أيها يصيد إلى أن ذهبت وأفلتت من يده فلم يصد شيئا ، وهو يصور حال الكثير من الشباب في بداية صحوتهم ونهوضهم وإرادتهم البناء تجده يريد أن يصبح كل شيء وفي يوم وليلة تجده قد وزع وشتت نفسه بين كثير من مجالات البناء والتكوين وتمضي الأيام وهو لم يتقدم شيئا يذكر.
ومن التطبيقات الخاطئة في هذا المفتاح أنك ترى أحدهم يسعى جاهدا لحفظ القرآن كله في شهرين مثلا بينما طاقته أقل من ذلك بكثير فتراه يحفظ هذه السورة ثم ينتقل للتي بعدها ثم ينسى الأولى وهكذا يدور في حلقة مفرغة لا أول لها ولا آخر، وترى بعضهم من محدودي القدرة إما بسبب القدرة الذهنية أو بسبب الانشغال بطلب المعاش تراه يكابد في حفظ السبع الطوال بينما لا يحفظ قصار السور حتى ربما لو طلبت منه قراءة سورة البروج أو الفجر لما استطاع إلى ذلك سبيلا.
إن الشخص إذا ركز جهده على هدف معين واستفرغ وسعه وأخذ الأمور بالتدريج وبدأ سلم الترقي من أوله فإنه ينجز أهدافه واحدا بعد الآخر في وقت يسير وهكذا ينتقل من نجاح إلى نجاح وفق خطة مدروسة وبخطوات رتيبة تؤدي السابقة منها للاحقتها.
إن الاستعجال هو الداء العضال الذي يقضي على جهود المصلحين والمربين فالحماس غير الواعي وفي غير مكانه مرض تربوي خطير جدا يجب على المربي أن يشخصه فيمن تحت يده ويسلك في سبيل علاجه كافة الوسائل والسبل الحكيمة بالمنطق والحجة والتجربة وضرب المثل والمقارنة بين الناجحين والفاشلين ومما يؤكد عليه في هذا المقام قياس القدرات واكتشافها فلا يهضم ذا المواهب فيعطل عما يمكنه تحقيقه ولا يظلم الأقل قدرة وموهبة فيقاس بمن فوقه بل يجب القياس الدقيق المدروس وإعطاء الأرقام الصحيحة لكل فرد مع إقناع كل بمستواه بطريقة مناسبة وأنه في كل خير وليحذر المربون أشد الحذر في هذه القضية إذ الملاحظ أن الخطأ فيها يقضي على الهمم ويحطم العزائم ويؤدي إلى الفشل في التربية وتسرب الطلاب والشباب وانحرافهم عن طريق الخير .
البعض لو قلت له: هل تريد حفظ القرآن كاملا بأناة وهدوء في خمس سنوات؟ فإنه يقول: الخمس كثيرة جدا بل أستطيع حفظه في أقل من سنة، ثم تمضي الخمس ومعها خمس أخرى وربما أضعافها وهو لم يحفظ شيئا.

* المفتاح الخامس عقب
التعقيب: هو تعقب الشيء أي السير وراء المشروع بآليات تؤدي إلى متابعة سيره إلى أن يتم إنجازه.
وينقسم التعقيب إلى قسمين:
القسم الأول : المتابعة ، وتنقسم إلى جهتين:
الجهة الأولى : متابعة التنفيذ
ومن صور متابعة التنفيذ وضع جداول تبين المواعيد التفصيلية لإنجاز المشروع ومن ثم النظر في مدى المطابقة بين التخطيط والتنفيذ وتعديل ما يلزم باستمرار.
يوصى بالمرونة التامة في هذا الأمر فالتحديد الأول كان اجتهادا وظنا وحكما على أمر مستقبلي، فقد تتغير بعض المعطيات أو المؤثرات فيوصى بعدم التحجر على التحديد الأول ولوم النفس على التقصير بل يتم التعديل الفوري المباشر بما يضمن سير العملية وعدم توقفها.
ومن المهم في إدارة المشاريع تسجيل نتائج التنفيذ أولا بأول موثقة بوقتها وملابساتها كاملة بطريقة منهجية ثم قياس الفرق والمقارنة بين التجارب المتنوعة والاستفادة من التاريخ والتأمل الطويل فيها وكثرة قراءتها ففيها تنشيط وحافز وفيها إصلاح وتغيير ، وفيها دروس وعبر.
ومن المفيد في المتابعة توثيق مراحل الإنجاز باليوم والتاريخ واللحظة والمشاعر وكل ما يحتف بالتجربة من مؤثرات،إن الكتابة بحد ذاتها حافز على الإنجاز وقراءة التاريخ بعد مرور الوقت عليه له أثر مهم ويكون مرجعا لتجارب أخرى فالتوثيق مهم جدا لكل تجربة مهما كانت ويستوي في ذلك التوثيق الفردي أو المؤسسي ومن ذلك المدارس الخيرية التي لوحظ على بعضها عدم عنايتها بجانب الدراسات وتوثيق الخبرات و الاستشارات .
الجهة الثانية : متابعة الأداء ومراقبة الجودة
متابعة الجودة يعني تطبيق مقاييس وأنظمة الحفظ المذكورة في هذا الكتاب وغيرها بمعنى ألا تتنازل عن مستوى الجودة وألا تُنسى أثناء الانشغال بالتنفيذ فيحصل النقص والضعف دون وعي وانتباه .

القسم الثاني : التحفيز
وله وسائل متعددة من أهمها:
1- التذكير المستمر بمقاصد المشروع واتباع كافة الوسائل الإعلانية والإعلامية لإيصالها بقوة إلى أعماق النفس ، ومقاصد وأهداف مشروع حفظ القرآن تجمعها النصوص الواردة في فضائل حفظه وفقهه والعناية به وهي كثيرة جدا كل نص منها يبين نوعا من أنواع الجوائز والمكافآت والأعطيات والهبات التي لو أدركنا قيمتها لما انشغلنا بغير القرآن طرفة عين ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
2- اختيار شيخ تثق بعلمه ودينه ومنهجه تعاهده على إنجاز هذا المشروع العظيم ويكون لك مستشارا ومربيا وموجها وناصحا يرشدك إلى الأصلح والأفضل إلى أن تصل إلى نهاية الطريق وينبغي على المعلمين والمعلمات في المدارس أو الحلقات أن يعتنوا بهذه المهمة لأن لها أقوى الأثر في بناء اللبنات الجديدة فالناشئة بأمس الحاجة إلى التوجيه الفردي ونقل الخبرات الصحيحة بطريقة منهجية وهو أولى من التوجيه العام في الحلقة أو الصف فلا بد أن يكون لكل طالب موجه مسؤول عنه يتابعه إلى أن يصل إلى النهاية ولا مانع من تعدد الموجهين بشرط التنسيق بينهم فمثلا يمكن أن يوجه الطالب من قبل معلمه في الحلقة ومعلمه في المدرسة ووالده ووالدته في البيت وبعض أقاربه ، كلهم يتابعونه ويحثونه ويرشدونه .
3- وبالنسبة للكبار يمكن معاهدة شخص تحترمه وتقدره فتبلغه قرارك وتقول له مثلا : قد قررت أن أحفظ ربع القرآن من سورة يس إلى سورة الناس خلال ستة أشهر أي سأنهي هذا المشروع بإذن الله تعالى في اليوم الأول من الشهر السابع.
أعرف أحد المشايخ أثابه الله له جهود مميزة في هذا المجال وذلك عن طريق الهاتف فيتصل بمن يتابعهم في الموعد المحدد وينصح ويوصي ويحث وقد نفع الله بجهوده.
وآخر يطلب ممن يريد الحفظ عليه مبلغا من المال يكون رمزا لإثبات الجدية وتأمينا للمصداقية يعاد في حال الإنجاز ويفوت على الطالب في حال الإخفاق.
4- أن تعلن ذلك في الأسرة وأكثر من مرة وأن يكون ذلك بنية الحث والتحفيز وليس بنية المفاخرة والأعمال بالنيات فأنت لا ترجو منهم نفعا ولا تخاف منهم ضررا إنما هو مجرد التذكير، وقد يصحب مثل هذا الإعلان وعد بهدية أو مكافأة لشخص معين إن تم إنجاز المطلوب في موعده المحدد.
5-اختيار زميل يكون قريبا منك مكانا وطموحا تتحداه ويتحداك تتنافس أنت وإياه على إنجاز المشروع فهذا له أكبر الأثر في مواصلة السير وحضور الهدف في كل وقت والتغلب على كثير من المعوقات النفسية وطارد فعال للكسل والخمول ومنشط مجرب على الجد والسير ، والأمثلة في تاريخ سلفنا الصالح كثيرة جدا وقد أمر الله عز وجل بهذا المبدأ في آيات كثيرة من كتابه منها قوله تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة } ،وقوله تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}.
6- تذكر تحدي الشيطان وهو من الحوافز المهمة التي لا يصح أن نغفل عنها أو ننساها طرفة عين وقد جاء تقريره في القرآن الكريم في مواضع كثيرة جدا .
تذكر دائما أن الشيطان يحاول إبعادك عن هذا الكتاب العظيم الذي قال الله فيه : {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [ سورة طه - الآية : 123 ] فهذا القرآن هو الهدى الذي وعد الله بإرساله إلى آدم وذريته من بعده وهو موضوع الصراع بين الإنسان والشيطان، فهذا القرآن أخبر الله عنه أنه روح ونور للإنسان كما في قول الله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ سورة الشورى - الآية : 52 ] والشيطان قطع على نفسه العهد أن يبعد هذا الإنسان عن مصدر هدايته إلى الصراط المستقيم {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [سورة الأعراف الآية 16]
إن ما يسميه المستوردون لعلوم الغرب بالرسائل السلبية المثبطة المعوقة مصدرها الشيطان، فكلما وردك عليك شيء منها وأنت في طريق تحقيقك لهذا المشروع العظيم مشروع الحفظ التربوي للقرآن الكريم فاستعذ بالله منه كما وجهك الله عز وجل إلى ذلك ودع عنك تلك الطرق والأساليب السطحية في التعامل مع هذه القضية الكبيرة الخطيرة.
7- ومن طرق تحفيز الخامل إكسابه أي نجاح مهما كان صغيرا ومن ثم تكبيره والإشادة به فهذا يبعث في نفسه الأمل والطموح ويكسبه نشاطا وتأثيره يفوق أثر أي جائزة ذلك لأنه يعدل من اعتقاده عن نفسه ويطلعه على ماوهبه الله تعالى من قدرة على التفوق والنجاح.

وأنبه هنا إلى بعض ما يلاحظ على نظام التحفيز في الحلقات:
من ذلك التركيز على الحوافز الدنيوية ويقتصر عليها بينما ينسى التحفيز الأخروي أو الشرعي
ومن الملاحظ أيضا في مجال الحوافز الغفلة عن بعض الجوانب التربوية في التحفيز من ذلك -وهو خطأ شائع -الاقتصار على تشجيع وتحفيز المثالي وإهمال من دونه أو إشعاره بالنقص والدونية من خلال ما يعلن من الدرجات أو يمنح من الجوائز والمكافآت غير ملتفتين لما يحدث من وراء الكواليس والخفاء بين الطلاب والأقران إنها مسألة حساسة وتحتاج من المربي إلى يقظة وانتباه وفطنة وصدق.
إن مكافأة أحسن طالب ، وأفضل بحث ، وأجود مقال ..... الخ أسلوب تربوي يهدم أكثر مما يبني فهو يلغي جهود الباقين ويقتل الطموح ويشل الإبداع ، ويحصر التشجيع في أفراد معدودين ويهمل الآخرين.
إن الاقتصار على مكافأة الموهوب والمثالي(14) لا يعني أبدا النجاح الإداري للحلقات والمدارس إنما النجاح في هذا المجال أن تصنع من الفاشل ناجحا وأن تستطيع أن تثير همم الجميع وتنشط عزائم كل الصف بحيث يصبح الجميع مثالي والجميع موهوب لكن كل على قدر طاقته وقدرته، فمثلا طالب طاقته حفظ خمس آيات في اليوم وآخر طاقته حفظ خمسين آية هم متساوون في المكافأة والجائزة مع أن مقدار الحفظ متفاوت جدا بل لو حفظ الأول خمس آيات بينما حفظ الثاني عشرين آية فإن الأول أجدر بالمكافأة والجائزة من الثاني فالقياس بالكم وحده وإهمال القدرة خطأ تربوي شائع في نظام التحفيز
وأختم الكلام في هذا المفتاح بالتنبيه على أمر مهم وهو أنه إذا تم تشغيل المفتاح الثالث بشكل صحيح تقل الحاجة جدا إلى هذا المفتاح ذلك أن حسن الظن بالله تعالى يصنع العجائب فكلما قوي اليقين بوعد الله والإيمان بسعة رحمة الله تعالى وعظيم فضله وكرمه وبره وإحسانه كان هذا من أقوى الدوافع وأعظم الحوافز ولا يعني هذا الكلام إلغاء ومسح ما سبق ذكره فهي أسباب وهي أدوية يجب على من أحتاج إليها أن يتداوى بها .

* المفتاح السادس : يسر
هذا المفتاح العظيم الجليل القدر رسمه النبي صلى الله عليه وسلم لنا وذلك حين سئل عن أحب العمل إلى الله فقال : أدومه وإن قل ، إنها ثلاث كلمات لكنها مدرسة تربوية متكاملة فما من أمر في الحياة إلا وتجد نفسك محتاجا فيه إلى هذه القاعدة وإن من المعاني الكبيرة العظيمة لهذه القاعدة ما عبر عنه الحكماء بقولهم : (الوقاية خير من العلاج) ذلك أن البناء والتربية والتكوين للنفس أو للجسم لا يمكن أن يسير على منهج الطوارئ ولا يمكن أن يأتي دفعة واحدة وبكميات مضغوطة فصناعة الإنسان لا يفيد فيها الضغط أبدا بل لا بد من استغلال وقت الرخاء للبناء والتكوين بالتدريج لإقامة نفس وجسم قويين يتحملان معظم الصدمات والأزمات التي يتوقع أن يواجهها الإنسان في هذه الحياة ، أما طلب الحلول السريعة لمشاكل كبيرة تراكمت على مر الأيام والسنوات فهذا طلب عسير وهو مثل من ترك الأكل مدة عشرة أيام فجاء في اليوم العاشر ليأكل كمية العشرة أيام مرة واحدة وتطبيق هذه القاعدة على حفظ القرآن أنه ينبغي السير البطيء المستمر بمعنى أن يحفظ كل يوم باستمرار لكن بمقدار قليل جدا وفي هذا المعنى يقول الناظم:
اليوم شيء وغدا مثلـــــــه من نخب العلــــــم التي تلتقط
يحصل المرء بها حكمة وما السيل إلا اجتماع النقط
إن تحميل الإنسان نفسه ما لا يطيق نهايته معروفة ونتيجته مؤكدة إنها الفشل وغالبا ما يكون مثل هذا التصرف دفع إليه مؤثر وقتي إما مسابقة عامة أو اختبار أو الانتصار على الأقران أو غير ذلك من الأسباب الدنيوية أما إذا كان الحفظ لوجه الله تعالى فلا يمكن أن يسلك هذا المسلك الخاطئ المخالف لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم .
إن الطريق الطويل يقطع على مراحل بين كل مرحلة وأخرى فاصل يتم فيه إعلان نهاية المرحلة السابقة وتحديد موعد لبداية المرحلة التالية وموعد لنهايتها وكلما كان تخطيط هذه المراحل مناسبا كلما كان السير أثبت وأدوم وتذكر دائما أن (من كبر اللقمة غص) فاجعل إنجازك لأهدافك مثل أكلك لطعامك لقمة لقمةً ووجبة وجبة لا توقف فيه ولا اندفاع بل يوما بيوم باستمرار.
ومن تطبيقات هذا المفتاح المرونة مع المتغيرات وعدم التحجر على نمط معين أو مستوى محدد لا تحيد عنه بل يجب التكيف التام مع المتغيرات نفسيا وعمليا بمعنى أنه في حال النشاط والفراغ وحصول الفرص يكون لك مقياس، وفي حال الفتور أو الانشغال أو عدم توفر الفرص يكون لك مقياس آخر وبين هذا وهذا تدرجات يلزم أن تكون خبيرا بها وتعطي كل ظرف ما يستحقه ، وتحذر من إكراه النفس إلى أن تسقط بل يجب سياستها حال الفتور إلى أن تنقشع تلك الحالة وتزول وتكون قد سرت في تلك الفترة بالحد الأدنى مما يمكن تحقيقه بدل الإفلاس التام .
وقد ذكرت في كتاب مفاتح تدبر السنة في المفتاح الخامس أقوالا عن السلف تؤكد معنى هذا المفتاح وتقرره.
لا تقف أبدا استمر في السير ولو آية كل يوم فإن الوقوف هو الداء العضال الذي قعد بالسائرين في مشروع حفظ القرآن الكريم فالإنسان إذا توقف ضاع عليه الوقت ومرت الأيام دون إنجاز ، الم تر حين تسافر برا كيف تسبقك السيارة الكبيرة ذات السرعة البطيئة بسبب توقف دقائق معدودة فكونك تسير بسرعة بطيئة وباستمرار خير ألف مرة من السير بسرعة عالية ثم التوقف المفاجئ ثم معاودة السير بعد مدة فهذا الانقطاع المتكرر وتناوب حالات اليأس والاستعجال يبعثر الجهود ويقضي على الإنجاز فما من أسلوب للإنجاز أفضل من أسلوب أدومه وإن قل .
عليك بالتعلم التطبيقي لهذا المفتاح حتى الإتقان .
ومما يبين الجانب التطبيقي لهذا المفتاح قول النبي صلى الله عليه وسلم : (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ..... ) أي المرونة مع المتغيرات والتيسير عند كل تعسير والإرخاء حين تشتد الأمور والشد حين الرخاء والصفاء في عملية مستمرة متوافقة مع الحال، وتطبيق ذلك في مشروع حفظ القرآن تنويع الجدول حسب الظروف وسرعة التكيف مع المتغيرات وعدم التحجر لطلب أعلى مستوى بل لابد من المرونة التامة ليستمر السير وعدم التعمق في المقارنة بين الأمس واليوم وبين فلان وفلان بل السماحة التامة في هذا الشأن ليحصل الانبساط والسير
إضاءة:
إذا خصصت كل يوم 15 دقيقة لحفظ القرآن الكريم فإنك تنهي حفظه خلال سنتين .
عند تطبيق هذا المفتاح يمكنك حفظ عدة متون في وقت واحد دون تعارض أو تداخل.
* المفتاح السابع : نفذ
هذا المفتاح هو النتيجة التلقائية للتطبيق الصحيح للمفاتيح السابقة ، أما حين يتعذر التنفيذ أو يتعثر فيجب مراجعة النفس في تطبيق المفاتيح واحدا بعد الآخر حتى يتم اكتشاف مكان الخلل ويتبين سبب النقص فيتم إصلاحه فتعود النفس إلى السير مرة أخرى فنحصل على نفذ وعند الصباح يحمد القوم السرى .


المبحث السابع : مفاتيح الذاكرة
* مقدمة
قد سمى الله تعالى كتابه المبين ذكرا فقال تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ سورة النحل - الآية : 44 ] {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [ سورة الأنبياء - الآية : 50 ] وقال عز وجل : { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [ سورة يوسف - الآية : 104 ] فهذه الغاية من إنزاله أن يكون ذكرا للعالمين يتذكرونه في كل وقت وبأعمق مستوى كما قال تعالى { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [ سورة الدخان - الآية : 58 ] فإذا كانت ذاكرة الإنسان تعمل بشكل صحيح أمكنه الانتفاع بكتاب ربه وإلا حرم منه وعلى قدر قوة الذكر تكون المنزلة.
وقد عاب الله تعالى النسيان في مواضع كثيرة من كتابه المبين،منها قوله تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء } [ سورة الأنعام 44] ومنها قوله تعالى { حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا } [سورة الفرقان 18 ]، ومنها قوله تعالى{ استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله } [سورة المجادلة19](15)
فالذاكرة أمرها عظيم وعليها مدار نجاة الإنسان ونجاحه في الحياة ، قال الله تعالى : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [سورة طه - الآية : 115 ] فما دخل النقص على آدم وأوقعه في الخطيئة إلا النسيان الذي أورث ضعف العزيمة والإرادة ، وهذا عام في كل بني آدم كما قال الله تعالى : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } [ سورة الزمر - الآية : 8] ففي حال الضر والشدة يحصل الذكر فيوجد التوحيد والإخلاص لله رب العالمين وفي حال الرخاء يحصل النسيان فيعود الإنسان إلى شركه وغفلته مرة أخرى.
هذا الإنسان ما هو إلا هذا القلب الذي عليه مدار صلاحه أو فساده وما الجسد إلا حامل له ووسيط بينه وبين العالم الخارجي فالحواس الخمس هي وسائط نقل المعلومات من وإلى العالم الخارجي، وأما الدماغ فهو وسيط بين الحواس وبين القلب، جاء في الحديث الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).
فالذكر والنسيان محله القلب كما قال الله تعالى : { وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [ سورة الكهف - الآية : 28 ] وقال الله تعالى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [ سورة الأحزاب - الآية : 5 ] فالقلب هو محل الذاكرة ومحل الإدراك ومعالجة المعلومات وهو محل الإرادة وإصدار الأوامر ومنه تتشكل شخصية الإنسان.
من ينظر ويتأمل يدرك أن الإنسان ما هو إلا ذاكرة، فعلم النفس حقيقته علم الذاكرة وكل علومه تتفرع عنه وتدور عليه بشكل أو آخر وهذا يفسر لنا بوضوح سر رواج (البرمجة اللغوية العصبية) لأنها ركزت على هذا الجانب وما يتصل به من أمور الحياة وبطرق عملية لذلك استحوذت على اهتمام كثير من الناس من مختلف الطبقات .
وما يسمى بغسيل الدماغ ما هو إلا نوع من مسخ الإنسان وجعله بدون ذاكرة أو بذاكرة ضعيفة أو بسلبه بعض المعلومات وهذا يتم بطرق وحيل نفسية معروفة
فالإنسان ما هو إلا ذاكرة تم تخزين محتوياتها النظرية والعملية مع مرور الوقت منذ السنوات الأولى بل ربما منذ كان جنينا في بطن أمه إلى آخر لحظة من حياته ، ولتغيير هذا الإنسان أو صناعته يجب التعديل أو التغيير في هذه الذاكرة (القلب) .
ولقد قالت العرب قديما : المرء بأصغريه قلبه ولسانه.
ونظمها زهير بن أبي سلمى فقال :
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وقال بعضهم : ليست العبقرية أكثر من تركيز الذهن.
القلب يتكون من جهتين :
الأولى : الذاكرة : وهي مخزن المعلومات ومستودع الذكريات والتجارب والخبرات.
الثانية : الذكاء أو الوعي أو الانتباه أو الفهم : وبه يتم معالجة مخزون التجارب والخبرات والقناعات والمعتقدات وتطبيقها على المواقف اليومية.
هناك أمور تعزى إلى الذكاء والحقيقة أن مرجعها إلى الذاكرة لكن الذكاء ساعد على تحصيلها، المهم أن الذكاء والذاكرة أمران منفصلان من حيث التقنية لكن يؤثر كل منهما في الآخر، وبناء عليه فإن نقص الذكاء عند الإنسان يمكن تغطيته بتقوية الذاكرة .
فالعقل هو مجموع الذكاء والذاكرة ، فذكي بدون ذاكرة أحمق ، ولو وجد ذو ذاكرة دون ذكاء أو فهم فهو أيضا أحمق ، وبتفاعل الذكاء (الفهم) مع الذاكرة ( الحفظ ) يتم إصدار الحكم .
والعقل عمل القلب كما أن السمع عمل الأذن والبصر عمل العين .
اللغة أصلها صوت يعبر عن معنى وتم ترجمة وتحويل تلك الأصوات إلى صور الحروف والكلمات فأصبح عندنا ثلاثة أمور:
1- المعنى
2-الصوت
3-الصورة
الصوت يسمع بالأذن ، والصورة ترى بالعين ، والمعنى يفهم بالقلب ، فهذه أدوات التعلم الثلاثة التي جاء ذكرها معا في مواضع من القرآن منها : {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [ سورة النحل - الآية : 78 ] فالقلب هو المترجم للمعاني دخولا وخروجا وهو الذي يحفظها ويقوم بتخزينها إلى أن نحتاج إليها فيقوم بمعالجتها وإخراجها على الصورة المطلوبة، والأذن والعين وباقي الحواس أدوات نقل ووسيطة بينه وبين العالم الخارجي .
وتقسيم الناس إلى أنماط ثلاثة : سمعي وبصري وحسي كما يقول ذلك أهل البرمجة غير صحيح ، وما يوجد من اختلاف في طباع الناس لا يمكن تقسيمه بهذه الصورة بل له كلام آخر ليس هذا موضعه ، ومن يقرأ كتب البرمجة أو يحاور مدربيها يجد أنهم يتناقضون حين يناقشون بأمثلة من الواقع فيلجؤون إلى القول بالنمط الغالب .... الخ
ما يؤثر في تكوين شخصية الإنسان أمران هما: الصوت والصورة وطريقهما السمع والبصر أما باقي الحواس فهي لتمييز الأشياء من حولنا والحكم عليها بالقبول أو الرفض ومن ذلك الروائح وملمس الأسطح وحرارتها وذوق الأطعمة والأشربة، أما ما يتعلق بالعلم والإدراك الذي يتوقف عليه البناء النفسي فهو مقصور على السمع والبصر لذلك اقتصر التنويه بهما في القرآن في كل المواضع التي ورد فيها أدوات التعلم.
ووجه إفراد السمع وجمع البصر في القرآن الكريم -والله أعلم -أن الإنسان لا يستطيع أن يستمع إلى متكلمين في وقت واحد ، أما البصر فيمكنه رؤية عشرات الأشخاص أو الأشياء في وقت واحد، وقيل غير ذلك .
ووجه تقديم السمع على البصر في القرآن الكريم -وذلك في الآيات التي تحدثت عن الإنسان -لأن الأصل في التواصل هو اللغة أو الكلام وطريقه الأصلي السمع وهو الغالب والسريع في الاستعمال فهو أهم وهو أبلغ وأكثر استعمالا في الاتصالات اليومية.
قد يسأل بعضهم فيقول أيهما أقوى في توصيل المعلومات التلفزيون أو الإذاعة ( مع افتراض تساوي المتغيرات الأخرى) ؟
الجواب : التلفزيون أقوى لأنه جمع بين الصوت والصورة بين السمع والبصر ، أما لو كان التلفزيون صورة دون صوت لكان أثره لا يقارن مطلقا بالإذاعة ، فالجمع بين الصوت والصورة في نقل المعلومات من أقوى الطرق ، يليه الصوت وحده ، ثم الصورة وحدها .
أيهما أقوى في التركيز الاستماع إلى القرآن من شريط فيديو أو من شريط الكاسيت .
إذا كان شريط الفيديو يعرض صورة الصفحة التي تقرأ دون أي ملهيات أخرى فهو أقوى ، أما إذا كان يعرض صورة القارئ أو يعرض رسومات متحركة ومستمرة مع القراءة فهذا يشغل الذهن عن التركيز ولا يليق بالقرآن، وإذا وجد مع الاستماع لشريط الكاسيت المتابعة في المصحف فهو أقوى، وأقوى من هذه كلها أن يقرأ الإنسان بنفسه حفظا وأن يتخيل صورة الصفحة التي يقرأ ، ويجهر بالقراءة ويركز أذنه لاستماع قراءته هذه أعلى المراتب.
إن حلقات التلقين تعتمد على السمع دون البصر في الحفظ، والمنهجية في تعليم الطفل القرآن الكريم، وخاصة من سن الرابعة الجمع بينهما وهذا يكون حسب الخطوات التالية:
الأولى: تعليم الحروف والقراءة
الثانية: تعليمه قراءة القرآن نظرا من المصحف.
الثالثة: أن يحفظ من المصحف بنفسه
أعرف أن هذا المنهج متبع في بعض البلدان الإسلامية منها الباكستان حيث يتعلم الطالب قراءة الحروف والكلمات ثم يختم القرآن نظرا ثم يبدأ بالحفظ أما إشغال هاتين السنتين بالتلقين والاشتغال باختراع وتصنيع الأجهزة لهذا الغرض مع توفر وسائل ومناهج التعليم فهو قصور في تربية الطفل، وهضم لقدراته ومواهبه(16)
لم تتضمن مفاتيح الذاكرة تمارين عملية لأنها ليست من صميم الكتاب وقد تلحق في مذكرة مستقلة، أو يترك المجال لاجتهاد المعلمين والمعلمات فيها خاصة أن المادة العلمية لهذه المفاتيح تضمنت ما يساعد على الابتكار والإبداع في هذا الجانب .
جرب أن تحفظ مستخدما ما تستطيع من هذه المفاتيح واكتشف الفرق ما تجد أنك تنتفع منه أكبر ركز عليه بصورة أكبر وأدخله ضمن استراتيجياتك وتدرب عليه حتى تتقنه.
البعض لا يزال يشتكي من تأخره وهو لو سألته ما هي مفاتيح الذاكره يقول لا أدري ! لا يعرف ما هي فضلا عن فهمها وحفظها والتدريب عليها
إن تطبيقك الكامل والمفصل لهذه المفاتيح أثناء حفظ القرآن لا يقتصر نفعه عليه فقط بل يتعداه إلى كل مجالات الحياة على العكس من شخص يحفظ دون تعلم مفاتيح الذاكرة ومحاولة تطبيقها .
تعلم هذه المفاتيح وافهمها وتدرب عليها في كل فرصة
سجل مستواك الآن ثم بعد مضي ستة أشهر أعد الاختبار نفسه وقارن وانظر الفرق فإن وجدت نفعا فالحمد لله وإن لم تجد فأعد النظر وارجع البصر لعلك تكتشف موطن النقص ومحل العلة فيتم علاجه ويتم الشفاء بإذن الله تعالى.
هذه 31 مفتاحا لإدارة ذاكرتك وترقيتها وإصلاحها، اسأل نفسك كم مفتاحا من هذه المفاتيح تستخدم في حياتك اليومية وبصورة صحيحة.
لعلك تلاحظ أن مفاتيح تدبر القرآن هي جزء من هذه المفاتيح.
يمكنك التوقف عن لوم ذاكرتك واتهامها بالنسيان والاعتراف بأن التقصير منك حيث لم تسعفها بالوقود اللازم لعملها فاحزم أمرك واستدرك ما تبقى من عمرك لتستمع بحياتك بدل أن تعيش بين تفريط ولوم .
إذا أخذت الأمر بمأخذ الجد وسعيت في تعلم هذه المفاتيح وتطبيقها فبعون الله تعالى سيتضاعف مستوى ذاكرتك ثلاث مرات أو أكثر عما هي عليه الآن وستوصف بأنك فعلا قد تغيرت.
لقد وهبنا الله طاقات وقدرات من اجتهد في تنميتها واستثمارها استفاد ومن قصر وأهمل فقد جنى على نفسه.
أهمية الذاكرة ليس للدنيا فقط، بل هي للدين والدنيا وللآخرة، إنه أمضى سلاح في وجه الشيطان، وأقوى حصن من الأمراض النفسية بإذن الله تعالى، وذلك حينما يتم بناء ذاكرة الطفل بشكل مدروس ومنهجي، نضع فيه بعناية ما نريد مما يفيد.
حياة الإنسان متوقفة على ما يتذكره من معلومات فلو قدر أن اختلت هذه الذاكرة لم يستطع أن يسير في حياته حتى في نومه وطعامه وشرابه ومسكنه ولباسه فضلا عن عمله وما يراد منه من إنجازات حضارية.
مفاتيح الذاكرة هي مفاتيح النفس هي مفاتيح صناعة الإنسان فليس الموضوع ترفا علميا أو بحثا أكاديميا إنها تقنية مهمة وضرورية لكل إنسان عليه أن يتعلمها بأي ثمن وان يستفيد منها في كل لحظة من حياته وفي كل جهة من جهاته.
هذه المفاتيح حقيبة تدريبية متكاملة لصناعة نفس الإنسان وتشكيلها الشكل المطلوب وأجزم أني لم أوفها حقها ذلك أنها تحتاج إلى زيادة جمع وإلى تكامل وربط وتحتاج إلى طول ممارسة وكثرة تجارب .

مفاتيح الذاكرة 31 مفتاحا مجموعة في قولك :
تحرت نجاحا تترى تمنت أن تتميز لذا تنصت .
وتفصيلها كما يلي :
1-التاء : تكرار
2-الحاء : حب وحماس
3- الراء : ربط
4-التاء : تركيز
5-النون : نية وقصد وهدف
6-الجيم : الجهر والتغني
7-الألف : أناة وعدم استعجال
8-الحاء : حسن الظن بالله والثقة بعونه وتأييده.
9-الألف : أدومه وإن قل
10-التاء : ترتيب
11- التاء : تحدي
12-الراء : رسم
13- الألف : إعلام ، إعلان ، إلقاء
14-التاء : تصوير
15-الميم : مذاكرة مدارسة مناقشة
16- النون : نوم
17-التاء : تنفس
18-الألف : اتخاذ القرار
19-النون : نفهم
20-التاء : تبكير
21-التاء : تقسيم
22-الميم : مكان
23-الياء : يلخص
24-الزاي: زمان
25- اللام : لغة
26- الذال : ذكر الله
27-الألف : استعاذة
28-التاء : تسميع
29-النون : نشاط البدن
30-الصاد: صيام
31-التاء : تدريب وتمرين .

* المفتاح الأول : التكرار
هذا المفتاح أجمع كل من تكلم عن الذاكرة أنه لا غنى عنه لمن يريد الحفظ فالتكرار أساس المهارات،فلا حفظ أبدا دون تكرار، ومن يروم الحفظ بدونه كمن يريد الري بلا شرب أو الشبع بلا أكل
التكرار المفيد هو التكرار المبرمج ، ومعنى المبرمج أي الموزع على مواعيد مناسبة تتقارب أولا ثم تتباعد شيئا فشيئا
التكرار ليس له عدد محدد بل له مواعيد محددة وبرمجة مدروسة والمطلوب هو التكرار في كل جلسة أو موعد إلى الإتقان .
الحفظ عرضة للتبخر بعد بضع ثوان من الحفظ بسبب الانشغال ذهنيا عما تم حفظه الآن بأمور أخرى وكلما كان المشغل قويا وعميقا كانت فرصة النسيان والتبخر أكبر ولهذا السبب تتفاوت قوة الحفظ بين الصغير والكبير وبين المتحمس للحفظ ومن يجاهد نفسه عليه.
ذكرت في نظام الحفظ الأسبوعي المواعيد المناسبة للتكرار ليتم المحافظة على ما تم حفظه .
حفظ العمل يحتاج هذا المفتاح حاجة شديدة فحفظ العادات وحفظ السلوك الجديد يتطلب تكرارا كثيرا حتى يرسخ خاصة إن كان بديلا لسلوك آخر فيحتاج وقتا أطول حتى يتم حفظه والاعتياد عليه.

* المفتاح الثاني الحب
هذا هو القانون الأكبر للذاكرة ومتى وجدت الرغبة والاهتمام والحماس لما يراد حفظه و تذكره فإن حاجتك للمفاتيح الأخرى تقل ويمكنك قطع المسافات الطويلة في وقت قصير ، وأما كيفية تحصيله فتم بيانه في كتاب مفاتح تدبر القرآن.
بسبب هذا المفتاح تجد أن الناس يتفاوتون في تذكرهم لأمور اشتركوا فيها سويا مثل مجلس أو رحلة أو اجتماع فكل يتذكر ما لم يتذكره الآخر والسبب هو تفاوت الاهتمام أي الميل والرغبة، وبعض أهل البرمجة يعزون هذا إلى اختلاف النمط من سمعي وبصري وحسي وليس الأمر كذلك بل مرده إلى ما ذكرت وأيضا فبعض المفاتيح الأخرى للذاكرة لها أثر في هذا الأمر.
مفتاح الحب ليس هو المفتاح الوحيد للذاكرة لذلك لا تقلق حين يكون ضعيفا لديك أو لا يمكنك تحصيله فبقية المفاتيح يمكنها تعويضك وتحقيق ما تريد .

* المفتاح الثالث : الربط
هذا المفتاح يكاد يكون هو التفسير الشامل لكيفية عمل الذاكرة وتقنياتها فالمتتبع لما كتب في هذا الموضوع يكاد يجزم بأنهم يدورون في فلك هذا المفتاح والمتأمل في حالات النسيان والتذكر على نفسه أو من حوله يجد أن هذا القانون يتحكم في نسبة كبيرة من حالات التذكر والنسيان .
وتكاد المفاتيح الأخرى ترجع ونؤول إلى هذا المفتاح فكلها تساعد على تكوين الرابط لأنه متى تشكل وكان قويا تم الحفظ والتخزين وإلا فلا .
تتنوع الروابط التي تقوم الذاكرة ببنائها أثناء عملية الحفظ ، وهي مرتبطة بقنوات التواصل بين الذاكرة والعالم الخارجي فهي خمسة : صوتي ، صوري ، شمي ، ذوقي ، لمسي ، ويلاحظ أن أقوى هذه الروابط هو : الصوت ، الصورة وهما اللذان يعتمد عليهما في التعامل اليومي، وحفظ القرآن الكريم يتم من خلال هاتين القناتين : الصوت والصورة ، الصوت يحققه الجهر بالقراءة مع التغني ، والصورة يحققها النظر في المصحف ومحاولة تصوير الصفحة ، لذلك من يحاول الحفظ دون جهر بالقراءة فإنه يفقد خمسين بالمائة من قوة الحفظ.
والربط يشبه ربط وعقل الإبل لئلا تشرد فكذلك الألفاظ تماما نقوم بربطها برباط معنوي يمسك بها ، والربط يكون بشيء تم حفظه سابقا ورسخ مثل اسم شخص جديد نربطه باسم شخص نحفظه سابقا ، والربط يكون لأمر معقول بأمر محسوس ملموس يسهل تذكره وحفظه مثل ربط اسم شخص بطوله أو وزنه ، ويدخل في هذا النوع ضرب الأمثلة .
الحفظ على السور يحقق حفظ مواقع الآيات بشكل واضح وهذا نوع من الربط الذي يقوي الحفظ ويثبته فأنت تحفظ الآية وتحفظ ترتيبها أو موقعها من السورة.
والتشابه اللفظي في القرآن يعين جدا على حفظ القرآن إذ أنه يساعد على تكوين الروابط بين الآيات فيمسك بعضها ببعض.
هذا التشابه ميزة عظيمة وسر أودعه الله في كتابه العظيم لنستفيد منه في ترسيخ الحفظ ومزيد من التدبر لآيات الكتاب الكريم
ومن فوائد هذا التشابه أيضا إيقاظ القارئ كلما غفل أو سها فهو يولد يقظة شديدة وهذا أمر ظاهر يدركه كل حافظ للقرآن فلله الحمد والمنة
إنه من غير المنهجية أن تحاول ضبط المتشابه من خلال الكتب التي ألفت في المتشابه اللفظي بل ضبطه يكون بجهدك الشخصي من خلال مفتاحين من مفاتيح الذاكرة:
الأول : الربط
الثاني التكرار
فتكرار دون ربط يعني عدم انتباه وعدم وعي ، وربط دون تكرار يعني نسيان الرابط وعدم تثبيته.
وأي جهد يقوم على تجميع المشابه تجميعا مجردا ومحاولة المقارنة بينها دون ارتباط بقواعد فهو جهد قاصر وقد يزيد التشابه على الحافظ.
والتشابه أمر نسبي يتفاوت فيه الحافظون فقد يشتبه على أحدهم مالا يشتبه على الآخر .
يمكنك الاستفادة من برنامج (المكتبة الشاملة) الإصدار الثاني، حيث يمكنك البحث عن الآيات المتشابهة، فيسردها لك البرنامج فتتأمل فيها وتقارن بينها ثم تستنتج قاعدة تربط بينها فيزول بذلك التشابه ويسهل عليك حفظها، ومن لم يتوفر له البرنامج فيمكنه الاستفادة من (معجم ألفاظ القرآن الكريم) لمحمد فؤاد عبد الباقي.
وقواعد ضبط المتشابه كثيرة منها :
أولا: قاعدة كليات المتشابه:
ويراد بها ضبط ما ورد متشابها بضابط كلي يزيل التشابه.
مثال1:
{ له ما في السماوات والأرض } وردت في البقرة 116 ، والنحل 52، والحشر 24 وبقية القرآن : له ما في السماوات وما في الأرض ، وهو في تسعة مواضع.
مثال 2:
{ أفلم يروا} وردت فقط في سورة سبا الآية 9
{ألم يروا } وردت في خمسة مواضع : الأنعام 6 ، الأعراف 148 ، النحل 79 ، النمل 86 ، يس 31
وبقية القرآن { أولم يروا} في 12 موضعا أولها في الرعد41 ،وكل ما في العنكبوت بالواو .
مثال3:
{ سيروا في الأرض ثم انظروا } وردت في الأنعام11 فقط وبقية القرآن بالفاء وهو في خمسة مواضع أولها آل عمران137
مثال4:
{ أفلا تتذكرون } في موضعين فقط: الأنعام 6 ، والسجدة4، وباقي القرآن بتاء واحدة وهو في سبعة مواضع.
مثال5:
1- { ولكن أكثرهم} ، 2-{ ولكن أكثر الناس}
كل ما في الأنعام، ويونس ، والنمل ، والقصص، والزمر، والدخان، والطور، فمن الأول.
وكل ما في البقرة ، وهود، ويوسف (خمسة مواضع)،والرعد، والنحل، والإسراء، والفرقان، والروم (موضعان)، وسبأ (موضعان)،وغافر(ثلاثة مواضع)، والجاثية، فمن الثاني.
أما سورة الأعراف فموضعان، الأول من الأول ، والثاني من الثاني.
ومجموع ما ورد من النوعين في القرآن الكريم 29 موضعا.
ثانيا: قاعدة مجموعة في قولك:
وهذه القاعدة تفيد في ربط ما يتشابه من أواخر الآيات :
مثال1 :
أواخر آيات الوصايا العشر في آخر سورة الأنعام ختمت الأولى بقوله : { تعقلون } والثانية بقوله : { تذكرون } والثالثة بقوله : { تتقون } فيمكن جمع الحرف الثاني من كل هذه الكلمات في قولك : ( عذق ) ويمكن بواسطة هذه الكلمة حفظ ختام كل آية دون تشابه أو تداخل .
مثال2:
الآيات من 176 إلى 178 من آل عمران جاء ختامها كما يلي: { ولهم عذاب عظيم}، { ولهم عذاب أليم} { ولهم عذاب مهين} يمكن جمعها في كلمة (عام).

ثالثا: قاعدة الربط بحرف من اسم السورة :
مثال:
جاء في سورة الإسراء قوله تعالى { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن } وجاء في سورة الكهف قوله تعالى : { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس} ولضبط هاتين الآيتين نقول جاء في سورة الإسراء تقديم كلمة الناس وبينها وبين اسم السورة حرف مشترك هو حرف السين .
رابعا: قاعدة الربط بالتجويد:
مثال:
جاء في سورة المجادلة الآية17 قوله تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ولأنه قد تشتبه كلمة {أولئك} هل هي بالواو أو بالهمزة نقول إن الحكم هنا إظهار وليس إدغام.
خامسا: قاعدة الترتيب:
مثال:
قول الله تعالى : {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [ سورة النور - الآية : 24 ]
جاءت بالترتيب من الأعلى إلى الأسفل بالنسبة لجسم الإنسان.
سادسا: قاعدة ليس
مثال:
مما يشتبه على بعض الحفاظ الآيتان في عدة المتوفى عنها زوجها في سورة البقرة الآية 234 ، والآية 240 ومما يضبط حفظ هاتين الآيتين ويزيل التشابه أن تدرك أن الآية الأولى تكررت فيها الباء سبع مرات ، بينما الآية الثانية ليس فيها حرف الباء مطلقا.

* المفتاح الرابع : التركيز
التركيز يعني الإقبال الكامل الكلي على ما يراد تذكره وعدم انشغال الذهن عنه بأمر آخر داخليا أو خارجيا .
ويتحكم في تحقيق هذا المفتاح بعض المفاتيح الأخرى للذاكرة مثل: مفتاح الحب، ومفتاح الجهر، ومفتاح المكان حيث لا صوت ولا صورة ، ومفتاح التدريب والرياضة،فكلها تساعد على تقويته.
هناك الكثير من التدريبات تحاول تنمية هذه المهارة وينتج عنها قوة الملاحظة والنظر الدقيق العميق لما يراد تذكره وفهمه وإن من أقوى التدريبات لهذا المفتاح هو الصلاة وقراءة القرآن حفظا، إنهما تدريبان مهمان يكشفان لك عن مستوى قدرتك على التركيز ومدى حاجتك لزيادته ورفعه.
ومن فوائد هذا المفتاح توفير الوقت، فما يحتاج حفظه إلى عشرين دقيقة بدون هذا المفتاح يمكن حفظه في سبع دقائق عند تطبيقه .
ومن تطبيقات مفتاح التركيز في الحياة ما جاء في حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الإِبِلِ فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ قَالَ فَقُلْتُ مَا أَجْوَدَ هَذِهِ فَإِذَا قَائِلٌ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ قَالَ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ جِئْتَ آنِفًا قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ (17)
وعن عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله عنه أنه دَعَا بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثَ مِرَارٍ ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (18)
إن قوة التحكم بالخواطر وحديث النفس من أهم مفاتيح الذاكرة فمن تدرب على هذه المهارة حتى يتقنها فإنه يستفيد منها ومن كان مهملا لها قد ترك العنان لنفسه تفكر كيف شاءت ومتى شاءت فإنه يكون مثل الطفل الذي تربى على الفوضى فهو معرض للخطر والهلاك في أي وقت ، ويصعب قيادته وتوجيهه للوجهة المطلوبة حين الحاجة.
إن كنت نشأت على هذه الطريقة في التفكير فيجب عليك الآن أن تبدأ بالتدريب والتربية لتفكيرك ليكون طوع أمرك يذهب حيث تأمره فإن فعلت ذلك أمكنك تحقيق النجاح في كثير من المجالات الدينية والدنيوية .
التركيز قسمان: تركيز الصوت وتركيز الصورة وتشغيل أحدهما دون الآخر يؤدي إلى انشغال الذهن بأمر غير المطلوب
مثال1:
من يقرأ حفظا جهرا فإنه قام بتشغيل الصوت ، فإن قام بتخيل الصفحة ومكان الآية التي يقرؤها فإنه يتم تشغيل الصورة ومثل هذا لا يمكنه أن يسرح خياله بعيدا عما يقرأ أما من يكتفي بتشغيل الصوت دون الصورة فتجد ذهنه ينشغل بينما هو يقرأ .
مثال2:
من يتابع الأذان بأذنه أي بالصوت فقط بينما عينه أي الصورة تدور في كل مكان فهذا لا يمكنه التركيز .
مثال3:
من يُسبِّح بعد الصلاة بلسانه وعينه تدور في كل جهات المسجد فمثل هذا غير منتبه لما يقول .
قد ذكرت في مفاتح تدبر السنة أنواعا من التركيز في المفتاح الثالث من مفاتح تدبر السنة .
شرود الذهن أثناء الحفظ علاجه يكون بضغط الوقت فتحدد مثلا عشر دقائق تقول يجب أن أحفظ هذا المقطع قبل أن ينتهي هذا الوقت.
ومنه تقسيم الوقت الطويل إلى فترات قصيرة يفصل بينها وقت راحة مثلا كل نصف ساعة منها خمس دقائق راحة فهذا يفيد جدا في توليد التركيز .
وإن مما يحقق التركيز وخاصة عند التسميع الذاتي مسك المصحف وتركيز النظر إليه فهو يعطي نوعا من الراحة حين القراءة.
كيف يحصل شرود الذهن ؟
هذا سؤال مهم والأهم منه سؤال :
كيف يمكن التركيز ؟
وجوابه أنه يحصل بتطبيق مفاتيح الذاكرة أو بعضها ومن أهمها الجهر بما يدور في القلب والتصوير والربط والتكرار .
عند ضعف التركيز حين القراءة حفظا يحصل الانتقال من موضع إلى آخر مشابه له في اللفظ مثال ذلك: كان أحد الطلاب يقرأ في سورة الجن فانتقل إلى سورة مريم بسبب التشابه في قوله { فسيعلمون من } في السورتين ، وآخر كان يقرأ المزمل فانتقل إلى سورة نوح بسبب التشابه في قوله : {إنا أرسلنا} في السورتين ، وأمثال هذا كثير جدا.
* المفتاح الخامس : النية
إن حضور النية ومعرفة الهدف سبب مهم في تقوية وتنشيط الذاكرة فمن يملك إجابة واضحة ومكبرة عن سؤال : لماذا أحفظ هذا ؟ أو لماذا أريد تذكر هذا الشيء ؟ فإنه يمكنه حفظه أو تذكره ومن لا يملك هذه الإجابة أو تكون غامضة وصغيرة في ذهنه فحري به أن ينسى أو ألا يحفظ أصلا .
إنك في اللحظة التي تتذكر فيها هذا السؤال وتكون الإجابة قوية ومقنعة فإن قلبك يفتح أبوابه ويرحب بهذه المعلومة ويختزنها في مكان أمين .
إن التكرار إذا تم لمرات كثيرة دون حضور لنية الحفظ ونية العلم وغيرها من النيات الصحيحة فإن أثر التكرار في تثبيت الحفظ يكون أقل فلا بد من حضور النية والهدف أثناء الحفظ من أجل زيادة كفاءة الذاكرة وتسريع عملية الحفظ .

* المفتاح السادس : الجهر والتغني
هذا المفتاح من جزأين:
الأول: الجهر، وهو رفع طبقة الصوت
الثاني: التغني، وهو تلحين الصوت
وكل جزء منهما له أثر معين في تحقيق الحفظ وتقوية التذكر، والأقوال في هذا كثيرة مشهورة والتجربة تغنيك عن كل قول فجرب بنفسك ثم انظر الفرق وكلما ارتفع الصوت كان أقوى في الحفظ والسر في هذا أمران:
الأول: أنه يحقق التركيز أي يطرد الأفكار والوساوس المتطفلة خارج الموضوع وهو من القوانين المهمة للذاكرة
الثاني: أنه يولد روابط صوتية سمعية تعين على تثبيت الحفظ، ألا تلاحظ أن بعضهم حين يعجز عن تذكر معلومة فإنه يحاول أن ينطقها بلحن معين فتجده يتذكرها.
وكلما كانت القراءة مشدودة قوية كان الحفظ أقوى وأسرع
إن القراءة الخاملة الرخوة لا توجد إلا حفظا يشبهها .
ومن الملاحظ في الآونة الأخيرة على حلقات تحفيظ القرآن في المساجد عدم جهر الطلاب بالقراءة وهذا يُضيِّع مفتاح الجهر وأثره المهم في سرعة وقوة الحفظ ، وحين تناقش بعض المعلمين في هذه القضية يعتذر بأن الجهر يسبب تشويش بعضهم على بعض، هذا صحيح إذا كان الذي يجهر بالقراءة بعضهم دون الآخر وبطبقات صوت متباينة لكن إذا جهر الجميع وبطبقة صوت متقاربة فإن هذا التشويش لا يوجد ومثاله قراءة المنتظرين لصلاة الجمعة فإنه يوجد جهر متناسق والكل يستفيد من مفتاح الجهر لزيادة الحفظ أو زيادة التدبر والفهم ، لقد كانت الحلقات القرآنية إلى وقت قريب تطبق مفتاح الجهر حتى إن المعلم ليدرك انشغال الطلاب وانصرافهم عن القراءة بذهاب صوتهم فيعيدهم إلى الجهر مرة أخرى .

* المفتاح السابع : الأناة وعدم الاستعجال
من المشاهد أثناء القراءة حفظا أن بعضهم حين يتعثر في القراءة تجده يكرر آخر آية قرأها أو يرجع إلى الوراء بضع آيات ثم يتذكر ما نسيه ويستمر في القراءة، ما سبب هذا التذكر ؟ السبب أن الذاكرة كانت بحاجة إلى شيء من الوقت للتذكر وهذا الرجوع والتكرار يعطيها هذه الفرصة.
بعض الطلاب يقول : لا بد أن أسرع حتى لا أخطئ.
هذا سببه ضعف الحفظ فيعالجه بالسرعة ليزيد من قوة التركيز فهو علاج لضعف بضعف آخر .
لا بد من الأناة والتمهل والترسل فالعجلة هي السبب في عدم الحفظ خاصة إذا اجتمع معها عدم التركيز .
ومن تطبيقات هذا المفتاح تقليل الحفظ وكثرة تكراره والصبر والتأني حتى يثبت تماما ويمضي على ثبوته وقت فهذا أفضل طريق للحفظ القوي المكين.

* المفتاح الثامن : حسن الظن بالله واليقين
دائما ثق بفضل الله تعالى وتأييده وأنه يعطيك ما تريد وبلا حدود كن حسن الظن بربك، تذكر أنه أكرم الأكرمين وانه أرحم الراحمين، دائما توقع حصول الخير، وثق أنك ستحفظ، وأنك تتذكر، إذ هو سبحانه المعين، وهذا خير من اليأس من رحمة الله، وتوقع النقص في كل وقت ، واتهام نفسك بضعف الحفظ، وضعف الذاكرة،احرص دائما أن تسأل الله عز وجل زيادة العلم والإعانة على الذكر من خلال الأدعية المأثورة الواردة في هذا المعنى.
وأنبه في هذا المقام إلى عدم نسبة الفضل إلى النفس وأحذر مما يقوله بعض المدربين : ثق بنفسك ، أو أنا قادر ونحو هذا بل دائما تيقن أن الله يعطيك وأن الله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به فإن ظننت به خيرا أعطاك أخرج أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ.(19)

* المفتاح التاسع : أدومه وإن قل
هذا المفتاح نحتاج إليه في مشاريع الحفظ الطويلة مثل حفظ القرآن الكريم ، وفي هذا المعني قولهم : (الناقوط يخرق الحجر) وهو إشارة إلى القليل المستمر فإنه مهما كان يعطي قوة وصلابة مع الوقت فهذا الماء القليل على لطافته وضعفه فإنه اكتسب قوة بسبب الاستمرار والتتابع حتى استطاع أن يخرق الحجر .
وبناء عليه فيجب الاستمرار في تكرار ما يراد تثبيته وعدم تركه إطلاقا ومما يساعد على الاستمرار كونه قليلا إذ يصبح سهلا خفيفا تتحمس النفس للقيام به أما إذا كان كثيرا فهذا مدعاة إلى التعثر والتوقف كما جاء في الأثر : كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ، وكقولهم : (من كبر اللقمة غص) فمن أجل تحسين الذاكرة وحفظ قوي متين يجب تطبيق هذا المفتاح .
* المفتاح العاشر : الترتيب
بلا ريب أن حفظ المرتب أسهل بمرات كثيرة من حفظ غير المرتب فلو طلب منك حفظ عشرة أسماء أو أرقام وكانت مبعثرة فاستطعت ترتيبها بأي شكل ستجد أن حفظها بعد ترتيبها وترقيمها برقم مسلسل يختصر الوقت اللازم لحفظها ويكسب الحفظ ثباتا وقوة.
وكذلك حفظ موجودات مكان معين إن كانت مرتبة أمكن حفظها ومثله الكتاب والمجلة والجريدة كلما كان الترتيب فيها أقوى كان حفظ واستحضار ما فيها أسهل.
وتطبيق هذا المفتاح على حفظ القرآن أن يكون الحفظ على ترتيب السور فإنه يعطي سهولة في حفظ الترتيب العام ويساعد بعد الحفظ على الاستفادة من هذا الترتيب في الاستشهاد والقراءة في الصلاة أو خارجها المهم أن حفظ ترتيب السور بأسمائها إذا كان هو الخط المرسوم للحفظ فإنه يحصل حفظه تلقائيا خاصة مع تطبيق نظام الحفظ الأسبوعي وهذا يعطي دعامة قوية جدا للحفظ فهو يمثل حفظ الخط العام أو الإطار الكلي لما يراد حفظه فهذه من قواعد الحفظ المهمة.
ولعلك تلاحظ أن عددا ممن يحفظون القرآن أو بعضه لا يحفظ ترتيب السور وهذا نقص في تطبيق مفاتيح الذاكرة لأن حفظ ترتيب السور يعين جدا على الحفظ، والسبب في هذا هو عدم الحفظ التربوي المبني على التكرار المنظم ، وثمت سبب آخر هو الحفظ على الأجزاء والأثمان إذ أن التركيز على الأثمان يصرف الذهن عن السور وينسب الآيات إليها بدل نسبتها إلى سورها فترى بعضهم يقول آية كذا في الثمن الأول من الجزء الرابع ولو سألته في أي سورة ربما لا يعرف وقد مر معي بعض المواقف من قبل الطلاب الذي يشتركون في المسابقات أو في المقابلات يحفظ لكن لا يدري في أي سورة يقرأ .

* المفتاح الحادي عشر : التحدي
التحدي المسبق لحفظ ما يراد من أهم المنشطات الذهنية ، والتحدي قد يكون من الإنسان لنفسه أو من غيره وقد يكون من طرف واحد أو منافسة بين مجموعات فاستفد من هذا المعنى النفسي في تنشيط ذاكرتك.
ومن صور التحدي أن تعد أحدا بوعد كلما حصل منك حفظ وتحقيق لما تريد وقد سبق ذكر هذا المبدأ في مفاتح حفظ القرآن ضمن المفتاح الخامس (عقب).

* المفتاح الثاني عشر : الرسم
ومن التجارب القيمة ولا زال يعمل بها حتى الآن : الحفظ بطريقة اللوح وهو في بعض بلاد أفريقيا مثل موريتانيا والصومال والسودان حيث يكتب الأستاذ للطالب الآيات بالرسم العثماني على اللوح ثم يُقرئها للطالب لفظا وخطا وبعد حفظها يقوم الطالب بمحوها ثم كتابتها من حفظه مرة أخرى.
ويمكن في الوقت الحاضر استعمال السبورة البيضاء ذات الأقلام الملونة وذلك للقيام برسم ما تم حفظه من المصحف لأجل الاختبار وتقوية الحفظ بواسطة الرسم حيث إن هذه الطريقة تعطي الحفظ قوة ومتانة .
يكون الرسم مطابقا تماما للمصحف من حيث جهة الصفحة وبداية السطر ونهايته ومكان فواصل الآيات من السطر ، وطريقة رسم الأحرف والكلمات بالرسم العثماني.
صحيح أن هذه الطريقة تأخذ وقتا لكنها مفيدة جدا وخاصة مع الصغار إذ ترغبهم في كثرة المراجعة.
إن تطبيق مفتاح الرسم يفيد جدا في تحسين الخط وقوة الإملاء، لأن صحة الإملاء يقوم على حفظ الرسم الصحيح للكلمة وهو الحل العملي للبناء اللغوي للمتعلم، أما دراسة القواعد فهي تيسر هذا الحفظ وتقويه.
تجد الكثير منا يكتب إملاء صحيحا لكن لو سألته عن القاعدة لم يعرف وأكثر ما يتبين هذا الأمر في كتابة الهمزة.
* المفتاح الثالث عشر : الإعلام والإعلان والإلقاء
إن التحديث بما حفظت وإعلام الآخرين به يعد من مفاتيح الحفظ الفعالة وقد ورد عن الزهري رحمه الله أنه إذا رجع من مجلس الحديث فإنه يوقظ جاريته ويحدثها بما حفظ فتقول له : لا افقه شيئا مما تقول ، فيجيبها بقوله : إنما أريد الحفظ.
ومن تطبيقات هذا المفتاح الإمامة بما تحفظ في الصلوات الجهرية ويعتبر شهر رمضان من أهم المواسم لتطبيق هذا المفتاح .
وقد تتبنى حلقات تحفيظ القرآن مثل هذا العمل حيث يتناوب الطلاب الإمامة بزملائهم ، ويمكن تطبيقه في الأسرة .
ومن تطبيقات هذا المفتاح أيضا أن يقوم الحافظ بتفسير الآيات حفظا في درس خاص او عام.
ومن تطبيقاته في الفوائد والقصص والأخبار أن تقرأ أو تستمع بنية من سيحدث الآخرين بذلك فالملاحظ أن وجود هذه النية لها أثر كبير في التركيز والانتباه وضبط ما يقرأ أو يسمع .
* المفتاح الرابع عشر : التصوير
نعني به أن يتم التركيز على تصوير ما يراد حفظه فيتم النظر والتأمل طويلا في الصفحة ثم تغميض العينين ومحاولة التذكر ثم النظر مرة أخرى واكتشاف جوانب النقص وتكرار هذه العملية عدة مرات حتى يحصل التصوير الدقيق للصفحة.
ومن تطبيقات هذا المفتاح ما نسمع عنه من حفظ أرقام الآيات ومكان الآية من الصفحة كل هذا ليس معجزا إنما يحتاج إلى تشغيل هذا المفتاح ومن ثم يعطي الحفظ قوة ومتانة.
تجد الشخص - وأنت تُسمِّع له - يقفز من سورة إلى سورة ومن وجه إلى آخر دون وعي والسبب في هذا عدم التصوير أثناء الحفظ، فحفظ موقع ومكان ما يراد حفظه له أثر قوي في سرعة الحفظ وتثبيته
قام بعضهم بلعبة تصوير أثاث غرفته يقول: في البداية كانت اللعبة تستغرق دقيقة أو دقيقتين ولكن في كل مرة أعيد فيها التجربة تستغرق وقتا أطول لقد حاولت رؤية كل قطع الأثاث وأي شيء عليها ثم تفاصيل أي شيء وأخيرا تفاصيل التفاصيل مثل سن صغيرة جدا أو قشرة خشبية أو حافة مكسورة أو نقطة طلاء لقد وجدت أنه كلما فكرت أكثر أحصل على تفاصيل أكثر نصفها شبه منسي أو غير ملاحظ "اهـ(20) هذا مثل ذكرته لأبين أن تكرار التصوير يفيد في اكتشاف أشياء جديدة في كل مرة ويستفاد منه هنا في التصوير الدقيق للصفحة التي تحفظها وأن ذلك يحصل مرة بعد مرة ولا يتصور أن يكتمل من أول مرة بل في كل مرة تكتشف شيئا جديدا لم تلاحظه من قبل.
لماذا ننسى الأسماء ولا ننسى صورة الوجه أو مكان العمل السبب أن هذه ملموسة لها معان محسوسة بينما الاسم ما زال مجرد كلمات فمن أجل حفظه يجب تحويله بواسطة التصوير إلى شيء له معنى ملموس فيتم ربطه بشيء في شخصيته .
* المفتاح الخامس عشر : المذاكرة
والمذاكرة تعني المناقشة بين اثنين فأكثر ، فالأسئلة لها أثر مفيد ونافع في تثبيت المعلومات إذا كانت بين طرفين اثنين أو مجموعتين
ومن أمثلة ذلك في حفظ ألفاظ القرآن:
س: هل ذكر حرف كذا في آية كذا
س: كم مرة وردت كلمة كذا في سورة .... أوفي صفحة ...
س : كم مرة ورد يا أيها الذين آمنوا في هذه السورة .
س : كم مرة ورد (صراط مستقيم) في سورة الزخرف مثلا .
س: قارن بين الآيات الواردة في قصة لوط في القرآن .
س: كم مرة ورد ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) وأين ؟
س: من هم الأنبياء والأمم الذين ورد ذكرهم في سورة ص.
س: قارن بين الآيات الواردة في بسط الرزق .
س: (غساقا) ، (غساق) أين ورد كل من الكلمتين.
س: اذكر ما ورد في البحر ، السماء ، الأرض.
ونحو هذا من الأسئلة كثير جدا وهي تفيد في زيادة قوة الحفظ وفي تنشيط الذهن وتدريب قوة الملاحظة حين القراءة ، وفيها إثارة ومتعة يمكن شغل وقت فراغ الطلاب بها وخاصة في الدورات المكثفة في الأوقات المخصصة للراحة .

* المفتاح السادس عشر : النوم
الحفظ قبيل النوم أو بعد الاستيقاظ من أفضل الأوقات هذا إن كان النوم كافيا وكان ليلا وكونه بعد الاستيقاظ أقوى لأنه يضاف إليه قوة ونشاط البدن.
والنوم يريح النفس والروح ويعيد إليها نشاطها حيث تمسك عن الحركة فترة ثم تعود إلى نشاطها.
والنوم إذا كان وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم كان عونا للذاكرة لتعمل بشكل صحيح، ويتلخص في أمرين :
الأول: النوم المبكر بعد العشاء مباشرة.
الثاني: الاستيقاظ قبل الفجر ثم الوضوء والصلاة.
هذان أمران مهمان لنشاط الذاكرة وعملها بشكل صحيح.
إن عجزت عن الأولى فلا يصح أبدا أن تعجز عن الثانية يجب أن تستيقظ قبل الفجر ولو بدقائق بقدر ما تتطهر وتصلي ركعتين خفيفتين إنه عمل يستحق الاهتمام بل هو كنز عظيم لا ينفد ، واظب على هذه العادة وسترى أثرها على حياتك اليومية.
وقد جاء بيان هذين الأمرين وأهميتهما في عدد من الأحاديث وليس هذا موطن تفصيل الكلام عنها.


* المفتاح السابع عشر : التنفس
هناك علاقة متينة بين التنفس والقلب(21) ، والقلب هو آلة الحفظ.
ومما يحقق تقوية القلب بالتنفس أمران مهمان :
الأول : الجهر بالقرآن فهو من أقوى تمارين التنفس وخاصة إن كان الجهر بدرجة كافية.
الثاني : الصلاة فحركات الصلاة وأوضاعها تعين جدا على التنفس الإرادي وهو الشهيق والزفير العميق وكلما طالت مدته كان أثره على الصحة أعلى وأفضل جاء في كتاب وفي الصلاة صحة ص 129 : " عند السجود يكون الرأس أخفض من الجذع وهذا يسمح لعضلة الحجاب الحاجز أن تدفع الهواء باتجاه جوف الصدر مدعومة بضغط الأحشاء عليها ، وتتقلص عضلات جدار البطن وهذا يساعد على نفث معظم الهواء خلال الزفير .... ... الجهر بالتسبيح والدعاء يجعل الهواء يخرج عن آخره أثناء الزفير ، وكلما زاد التسبيح طال الزفير القسري وبلغ أوجه ، وكلما كان الدعاء بنفس واحد كان أقوى "اهـ .
يطالب بعضهم بالتنفس العميق مع حفظ كل آية وهذا لا حاجة له بل ربما صرف التركيز من الحفظ إلى التنفس وأشغل القارئ.
أثر التنفس العميق على قوة الحفظ يحصل بصورة بطيئة من خلال الجهر بالقراءة ومن خلال حركات الصلاة وهذا كاف جدا لتحصيل المقصود .
هناك العديد من الكتب التي تخصصت في الحديث عن التنفس أو خصصت له فصولا وتؤكد على أهميته وتذكر بعض التمارين الخاصة به ، ولست بحاجة إلى مثل هذه الكتب إن استفدت من تدريبات التنفس التي تحققها الصلاة ويحققها الجهر بقراءة القرآن .ف التركيز س العميق مع حفظ كل آية وهذا لا حاجة له بل ربما موطن تفصيل الحديث عنها .بيقه في الأسرة سم لتطبيق هذا المفتاح ويمكن ف
* المفتاح الثامن عشر : اتخاذ القرار
هناك علاقة طردية بين القدرة على الحفظ وبين قوة العزيمة واتخاذ القرار ، فلا شيء يعيق الحفظ ويعيق التذكر مثل التردد ، فإذا كنت تريد الحفظ فاعزم وقرر واقطع التردد.
وبإمكانك تجربة أثر هذا المفتاح على سرعة وقوة الحفظ في تجربتين منفصلتين :
الأولى : أن تعزم وتقرر حفظ مقطع محدد من القرآن في وقت محدد .
الثانية : أن تحاول حفظ هذا المقطع وتتمنى لو تيسر لك ذلك في أقرب فرصة ممكنة .
ينبغي ألا تضيع أعمارنا في الأماني بل نكون أصحاب قرار حاسم في كل أمورنا ونتربى على هذه العادة المفيدة جدا في جميع أمور الحياة ومنها حفظ القرآن الكريم.
* المفتاح التاسع عشر : الفهم
الفهم هو صديق الذاكرة الحميم،وهو المرشد والناصح الأمين، يختصر عليها كثيرا من الجهود،ويختصر كثيرا من المسافات، فافهم لتحفظ.
كون الفهم من أهم مفاتيح الذاكرة لا يختلف عليه اثنان ولا يجادل فيه إنسان، لكن تبقى المسألة متى نحتاج هذا المفتاح؟ وكيف نطبقه؟
الحاجة إليه مستمرة مع كل ما يراد تذكره، وأحيانا نحتاج الفهم لمضمون ما نريد تذكره دون تفصيل وأحيانا لما يحيط به من أمور.
وهذا تمرين لتجريب أثر الفهم على الحفظ :
جرب حفظ هذا الرقم مستخدما مفتاح الفهم: 248163264
حاول إيجاد علاقة بين الأرقام المكونة لهذا الرقم ليسهل حفظه.
* المفتاح العشرون : التبكير والمبادرة
هذا المفتاح يعني التحضير المبكر لكل ما يراد تذكره قبل وقته بمدة كافية سواء كانت مواعيد أو أشياء يراد اصطحابها أو كان اختبارا تحريريا أو شفهيا أو كانت خطبة أو خطابا أو تحضيرا لاجتماع كل هذا ونحوه يجب الاستعداد المبكر له ليكون للذاكرة فرصة للتحضير والتجهيز فالذاكرة لا ينفع معها التسويف ثم الاستعجال، إنها ترتبك في مثل هذه الحال وبسببه يحصل الحرج والنقص فمتى فقهت هذا الدرس وفهمت هذا المعنى فعليك التطبيق والعمل وعندها تجد النتائج المشجعة وتسر بما تحصل عليه .
إن من لا يبكر يفوته مكاسب كثيرة كان بإمكانه الحصول عليها وفرص مهمة تطير من بين يديه كل هذا بسبب عدم إعطاء الذاكرة الوقت الكافي لتعمل على مهل، فيا ترى من المقصر أنت أم ذاكرتك التي لم تتح لها الفرصة لتعمل؟
ومن تطبيقات هذا المفتاح في الحياة المبادرة إلى صيد الخواطر وتدوينها لحظة ورودها قبل أن تطير أو تضعف.
هذه العادة تربي القدرة على التفكير والإبداع في أي مسألة يراد علاجها ودراستها وبهذه الطريقة تتاح الفرصة للأفكار الإبداعية أن تتوارد والحلول المبتكرة أن تتوالد، فالمبدعون ما هم إلا أناس رحبوا بأفكارهم وقدموا لها واجب الضيافة فصارت تزورهم باستمرار أما من يعرض عنها ولا يأبه بها فإنها تهجره وتتركه، فإن أردت أن تكون مبدعا في المجال الذي أنت فيه فعليك بهذه العملية المهمة على أصول صحيحة.
إن الأفكار الإبداعية تحلق في سمائك فإن أمسكت بها استفدت منها وإلا ذهبت وتركتك.
كل الناس تمر بهم هذه الخواطر والأفكار لكنهم يختلفون في الاهتمام بها وصيدها، فكم من الخواطر الإيمانية، خواطر التوبة والإصلاح والتغيير والتطوير تزور الإنسان فإن لم يأبه بها رحلت وتركته يعيش في نقصه وضعفه .

* المفتاح الحادي والعشرون : التقسيم
وهذا المفتاح يفيد في حفظ الكتب أو النصوص أو القوائم أو الأرقام الطويلة فيتم تقسيمها وتجزئتها
وينبغي أن تكون هذه التجزئة موضوعية قدر الإمكان فهذا أسهل من كون هذا التقسيم لا معنى له أو كونه قائما على الموضع مثل تقسيم الصفحات.
والحفظ على السور نوع من التقسيم الموضوعي الإجمالي لأن كل سورة تمثل وحدة موضوعية، وكل سورة مقسمة إلى آيات ، ويمكن تقسيم السورة الطويلة إلى مقاطع حسب الموضوع، فإن وافق التقسيم الموضوعي نهاية الوجه كان هذا مفيدا وإلا فلا ينبغي أن تتحكم الأوجه في التقسيم.
التقسيم الموضوعي يحقق الفهم وتكوين الروابط وتقوية الحفظ، وإلا لو تم التقسيم على الأوجه فإنه يحقق تسهيل الحفظ لكن يفوت معه هذه المزية وهما طريقان مؤديان للغرض.
هذا التقسيم نحتاج إليه عند البداية في الحفظ ثم تتلاشى الحاجة إليه كلما زاد ضبط السورة وعند حصوله يمكن للحافظ أن ينظر إلى السورة نظرة كلية مهما كانت طويلة.

* المفتاح الثاني و العشرون : المكان (لا صوت ولا صورة)
الذاكرة مثل آلة التصوير كلما كان المكان الذي يراد التصوير فيه خاليا من الأصوات والمناظر الملهية كان الحفظ أسهل وأقوى فالعين هي عدسة الكاميرا والأذن هي اللاقط فوجود صور وأصوات كثيرة في المكان يؤدي إلى انطباع ضعيف لما يراد تصويره خاصة إن كان تطبيق المفاتيح الأخرى ضعيفا، فمثلا لو تصورنا طالبا يحاول الحفظ وبجواره من يتكلم وهو بجاهد نفسه على الحفظ ولم يجهر بصوته وهناك مناظر تشغل تفكيره فكيف يحفظ مثل هذا.
* المفتاح الثالث والعشرون : التلخيص
التلخيص مفتاح مهم من مفاتيح الذاكرة يفيد جدا في ربط المعلومات الكثيرة بكلمات قليلة لكن هذا الربط يحتاج إلى جهد.
التلخيص مهارة قوية من يتقنها ويتدرب عليها يستثمرها في مهمات كثيرة مثل كتابة الخواطر، تلخيص المقررات الدراسية ، استماع المحاضرات والبرامج.
هذا المفتاح يحقق الربط أي ربط الكلمات الكثيرة بكلمات قليلة ومن تطبيقاته في الحياة موجز الأخبار، ومنه أن يلخص الخطيب أو المدرس أو الواعظ ما يريد من المستمع أن يحفظه.
بعضهم يرى أن يكون التلخيص بالصور ويستبعد الكلمات ويقلل من شأنها(22) وهذا قد يصح في حفظ المواعيد والأسماء ونحوها لكنه لا يصح في مجال النصوص الطويلة والمعلومات الكثيرة.

* المفتاح الرابع والعشرون : الزمان
أثر الزمان على الذاكرة له جهتان :
الأولى : مراحل حياة الإنسان
من المعلوم أن مرحلة الطفولة وزمن الصبا يعتبر أقوى وأفضل الأوقات للحفظ والبعض يجعله كل شيء فتجده قد يئس من الحفظ في الكبر ويقول: فات علينا الحفظ في الصغر ولم ينظر للمفاتيح الأخرى وكم من كبير في السن فاق في قوة حفظه الصغار لما اجتمعت له المفاتيح الأخرى للذاكرة.
الثانية : الوقت
وقت السحر أو بعد الفجر يعتبر أقوى الأوقات للحفظ لمن كان متبعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في النوم والاستيقاظ أما من لا ينام أول الليل ولو ساعات معدودة فليبحث عن وقت آخر يناسبه،والمراد أن وقت السحر أو بعد الفجر يجتمع فيه ميزات مهمة منها : صفاء الذهن، ونشاط البدن ، والهدوء لانقطاع حركة الناس في هذا الوقت فلا أصوات ولا مقاطعات.
حقيقة هذا المفتاح ليس مستقلا إنما هو مبني على مفاتيح أخرى فبعضهم حين يسمع أن أجود أوقات الحفظ الأسحار يلزم نفسه به ويكابد على تحصيله وهو ليس من أهله إذ أنه سهر معظم الليل ومنهك البدن فصرف نشاطه في أمور أخرى فينبغي فقه المقصود وتحقيقه.

* المفتاح الخامس والعشرون : اللغة (الثروة اللغوية)
اللغة هي الأصل الذي نعبر به عن المعاني فالإثراء اللغوي هو الطريق إلى التعبير عن الأفكار واقتناصها وحفظها ثم استرجاعها في الوقت المناسب فمن هنا تبرز أهمية اللغة في تنشيط الذاكرة فمن كان عنده ثروة لغوية يمكنه ربط ما يريد من المعاني بأشكال مختلفة ومن ليس كذلك فليس لديه العدة الكافية ليقوم بهذه العملية المهمة.
عندما تضيف إلى مفرداتك اللغوية كلمة واحدة كل يوم فسوف تزيد حصيلتك اللغوية على ثلاثمائة وخمسين كلمة جديدة كل عام وهذا يعني أنك ستحصل على أكثر من ثلاثمائة وخمسين مستودعا للمعاني وهذا يعني زيادة مساحة ذاكرتك وترقيتها.
اعلم أن السبيل الصحيح إلى توسيع الذاكرة وترقيتها هو زيادة الثروة اللغوية على أسس صحيحة.
تذكر دائما أن تضيف إلى ذاكرتك كل يوم ألفاظا جديدة تحمل معاني جديدة فهذا معناه اتساع عقلك وزيادة مساحة تفكيرك ورفع درجة إبداعك، وأقولها وحقا أقولها من أراد قوة الذاكرة وقوة التفكير فعليه بالحفظ التربوي للقرآن والسنة،ومن اختار المضي في هذا الطريق فأمامه عمل واضح وكثير لا يبقي وقتا للهو واللعب بل هو المتعة واللهو واللذة،قيل للشافعي : كيف شهوتك للعلم ؟ قال : أسمع بالحرف –أي الكلمة- مما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعا تتنعم به ما تنعمت الأذنان(23)
وقال أيضا:
سهري لتنقيح العــــــلوم ألذ لي مــــــن وصل غانية وطيب عناق
وصرير أقلامي على صفحاتها أحــــــــلى من الدوكاء والعشاق
وألذ مـــــن نقر الفتـــــاة لــــدفها نقــــري لألقي الرمل عن أوراقي
وتمايلي طــــــــربا لحــل عويصة في الدرس أشهى من مدامة ساق
وأبيت سهــــران الـــدجى وتبيته نومــــــــا وتبغي بعد ذاك لحاقي؟(24)
إن أفضل وسيلة لزيادة ثروتك اللغوية وفي الوقت نفسه الثروة الإيمانية هو تدبر القرآن وتدبر السنة هذا هو الطريق الصحيح للبرمجة اللغوية النفسية للإنسان فهل يصح بعد هذا البيان أن يقول أحد كيف أقوي إيماني ؟ كيف أطور ذاتي وأغير من حالي ؟ كيف أحل مشاكلي وأصلح أحوالي ؟

* المفتاح السادس والعشرون : ذكر الله
قال الله تعالى : { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [ سورة الكهف - الآية : 24 ] قال ابن كثير: "ويحتمل في الآية وجه آخر وهو أن يكون الله تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى لأن النسيان منشؤه الشيطان كما قال فتى موسى : { وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } وذكر الله تعالى يطرد الشيطان فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان فذكر الله تعالى سبب للذكر "اهـ(25)
فذكر الله تعالى أهم مفتاح من مفاتيح الذاكرة ،فمن كان ذاكرا لله تعالى بلسانه وقلبه فهو بعيد كل البعد عن النسيان.
وقد سبق في مفتاح حسن الظن بالله بيان أهمية تعلق بالقلب بالله تعالى واعتماده عليه سبحانه ورجاء رحمته وفضله .

* المفتاح السابع والعشرون : الاستعاذة
أي الاستعاذة بالله العظيم من الشيطان الرجيم فهو من مفاتيح الذاكرة العظيمة التي لا غنى للإنسان عنها أبدا مهما كان قال الله تعالى : { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } وقال الله تعالى مخبرا عن فتى موسى : { وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } وقال الله تعالى : { فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين } .
لا يشك مسلم في العلاقة القوية جدا بين النسيان وبين الشيطان، أخرج البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا نُودِيَ بِالأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ الأَذَانَ فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ فَإِذَا قُضِيَ التَّثوِيبُ أَقْبَلَ يَخْطُرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ (26) فهذه طريقة الشيطان في إضعاف ذاكرة الإنسان إنها تتلخص في إشغال تفكيره بأمور تصرفه عما يريد وتنسيه ما ينفعه وتذكره بما يضره أو على الأقل بما لا ينفعه .
فالشيطان يعمل على محورين ينسيك مصالحك ويذكرك ما يضرك فكيده قائم على هذين المحورين على مدار الساعة يلهيك بأي طريقة ليس له نظام محدد أو طريق واحدة بل هدفه الوحيد أن يشتت تفكيرك ويعيقك عن كل شيء ينفعك والعلاج والحمد لله تعالى سهل ميسور إنه في الاتصال بمصدر القوة في هذا العالم إنه في اللجوء إلى الملك القدير القوي العزيز فهو الكفيل بصد أذاه عنك.
والمتأمل في أذكار وأدعية اليوم والليلة يجد مشروعية الاستعاذة عند كل انتقال من مكان إلى مكان،من وقت إلى وقت،ومن حال إلى حال، وتطبيق هذه الأذكار والأدعية يفيد جدا في قوة الذاكرة، ويعصم من النسيان الذي يضر بالإنسان في أمور دينه أو دنياه.

* المفتاح الثامن والعشرون : التسميع
التسميع نوعان تسميع ذاتي وتسميع على الغير ، وهو مهم جدا في تثبيت الحفظ،والتسميع على الغير يفوق التسميع الذاتي بدرجات كبيرة، ومن منهج التسميع: التصحيح الفوري أو التصحيح المتراخي،الأول: يفيد جدا في جعل الطالب يتأكد من حفظه قبل مجيئه ويوفر الوقت، والثاني: يفيد في ترسيخ بعض نواقص الحفظ حيث يعطى فرصة للتذكر والمحاولة.
وأيضا من يقوم بالتسميع لغيره حفظا يستفيد من هذا المفتاح في ترسيخ حفظه ، فالتسميع يعتبر مدارسة للحفظ، ويمكن تنظيمه بين الحافظين بطرق وأشكال مختلفة تحقق ثباتا للحفظ وحماسا للمراجعة وتنافسا في الضبط والإتقان.
ومن تطبيقات التسميع الاستماع إلى الأشرطة المسجلة بنية التسميع للقارئ، أي تستمع إلى التسجيل وتمثل أنك مطالب بالتصحيح له متى أخطأ فتمثيل هذا الهدف عند الاستماع للأشرطة يجعلك متحفزا ومتيقظا ومدققا في الاستماع للقراءة، ومثل هذا الاستماع يفيد جدا في كشف أخطائك .
* المفتاح التاسع والعشرون : نشاط البدن
العلاقة بين النفس والبدن وتأثر أحدهما بالآخر أوضح من أن تبين إذ يلاحظ هذا الأمر على نفسه كل إنسان، فسلامة البدن وعافيته وأخذه لراحته من أهم القوانين التي يحتاج مراعاتها للحفظ وعليه فيجب أن يختار لحفظ القرآن الكريم أجود هذه الأوقات وأصفاها.

* المفتاح الثلاثون : الصيام
ليس هناك طعام محدد يقوي الحفظ وآخر يؤدي إلى النسيان بل القاعدة في هذا هي الصيام على هدي النبي عليه الصلاة والسلام مع مراعاة اجتناب كل طعام فاسد والحرص على الأطعمة التي لم يصلها الإفساد الصناعي ياي شكل أو لون فمتى استطعت أن تحافظ على قلبك من سموم الأطعمة تكون قمت بتقوية ذاكرتك.
لاحظت معظم المشاهير من خلال سيرهم الذاتية أو المقابلات الإعلامية معهم أو السماع عن حياتهم أنهم يكتفون بأقل القليل من الطعام وهذا متواتر على مر العصور واقرأ سير علمائنا وما نقل عنهم من التحذير من كثرة الطعام وأنها لا تجتمع مع النجاح في الحياة أبدا واقرأ أيضا ما قاله الأطباء من القدامى والمعاصرين في هذه القضية المهمة(27)

* المفتاح الحادي والثلاثون : تدريب وتمرين ورياضة
هذا المفتاح يعني تقوية القلب وتمرينه على الحفظ والتذكر المستمر بحيث لا ينقطع عن الحفظ أبدا بل يوميا تحفظ ولو كان قليلا فهذا مما يحافظ على لياقة القلب ويجعله مستعدا للحفظ باستمرار.
كل نشاط ذهني تقوم به يعتبر تدريبا للذاكرة ورفعا من مستواها وترقية لها وفي مقدمة ذلك يأتي تطبيق مفاتح تدبر القرآن العشرة فهي بحق تعتبر من أقوى التمارين لتقوية الذاكرة ذلك لأنها تعالج القلب وتصلحه ومتى صلح القلب قويت الذاكرة وقوي الحفظ .


المقدمة 5
المبحث الأول : مفهوم الحفظ التربوي 7
? المسألة الأولى : تعريف الحفظ التربوي للقرآن 7
? المسألة الثانية : محترزات التعريف 8
المبحث الثاني : صناعة الإنسان 9
? المسألة الأولى : تعريف صناعة الإنسان 9
? المسألة الثانية : منهج صناعة الإنسان 10
? المسألة الثالثة : العلاقة بين صناعة الإنسان والشيطان: 18
? المسألة الرابعة : من يقوم بصناعة الإنسان والحياة؟ 19
? المسألة الخامسة : صناعة الإنسان بين الحفظ والفهم 20
? المسألة السادسة : مشروعنا الحضاري 24
المبحث الثالث : حفظ ألفاظ القرآن الكريم 29
? المسألة الأولى : نظام الحفظ الأسبوعي التفصيلي 29
? المسألة الثانية : نظام الحفظ الأسبوعي العام 33
? المسألة الثالثة: تحزيب القرآن بالسور 39
? المسألة الرابعة : لماذا الحفظ الأسبوعي 42
? المسألة : الخامسة : الحفظ الأسبوعي في الدورات المكثفة 44
? المسألة السادسة : حفظ القرآن في مدارس تحفيظ القرآن: 47
? المسألة السابعة : تدريس القراءات في مدارس تحفيظ القرآن: 48
المبحث الرابع : حفظ معاني القرآن الكريم 52
? المسألة الأولى : نظام حفظ المعاني 52
? المسألة الثانية : أيهما أولى حفظ القرآن أم تدبره ؟ 57
? المسألة الثالثة : التكرار التربوي 59
المبحث الخامس : حفظ العمل بالقرآن الكريم 62
المبحث السادس : مفاتيح حفظ القرآن الكريم 67
? المفتاح الأول : حدد 67
* الأداة الأولى : كم 68
* الأداة الثانية : متى 69
* الأداة الثالثة : أين 70
* الأداة الرابعة : ماذا 71
* الأداة الخامسة : لماذا 71
* الأداة السادسة : كيف 71
? المفتاح الثاني : (حَدِّث) 71
? المفتاح الثالث : وَكِّلْ 71
? المفتاح الرابع : ركز 71
? المفتاح الخامس عقب 71
? المفتاح السادس : يسر 71
? المفتاح السابع : نفذ 71
المبحث السابع : مفاتيح الذاكرة 71
? مقدمة 71
? المفتاح الأول : التكرار 71
? المفتاح الثاني الحب 71
? المفتاح الثالث : الربط 71
? المفتاح الرابع : التركيز 71
? المفتاح الخامس : النية 71
? المفتاح السادس : الجهر والتغني 71
? المفتاح السابع : الأناة وعدم الاستعجال 71
? المفتاح الثامن : حسن الظن بالله واليقين 71
? المفتاح التاسع : أدومه وإن قل 71
? المفتاح العاشر : الترتيب 71
? المفتاح الحادي عشر : التحدي 71
? المفتاح الثاني عشر : الرسم 71
? المفتاح الثالث عشر : الإعلام والإعلان والإلقاء 71
? المفتاح الرابع عشر : التصوير 71
? المفتاح الخامس عشر : المذاكرة 71
? المفتاح السادس عشر : النوم 71
? المفتاح السابع عشر : التنفس 71
? المفتاح الثامن عشر : اتخاذ القرار 71
? المفتاح التاسع عشر : الفهم 71
? المفتاح العشرون : التبكير والمبادرة 71
? المفتاح الحادي والعشرون : التقسيم 71
? المفتاح الثاني و العشرون : المكان (لا صوت ولا صورة) 71
? المفتاح الثالث والعشرون : التلخيص 71
? المفتاح الرابع والعشرون : الزمان 71
? المفتاح الخامس والعشرون : اللغة (الثروة اللغوية) 71
? المفتاح السادس والعشرون : ذكر الله 71
? المفتاح السابع والعشرون : الاستعاذة 71
? المفتاح الثامن والعشرون : التسميع 71
? المفتاح التاسع والعشرون : نشاط البدن 71
? المفتاح الثلاثون : الصيام 71
? المفتاح الحادي والثلاثون : تدريب وتمرين ورياضة 71

للحصول على الكتاب في :
مكة المكرمة : مكتبة الأسدي 025570506
المدينة المنورة : مكتبة الخضيري 048374999
شمال الرياض : بيت القرآن 012053433
جنوب الرياض : مكتبة الصميعي 014251459
شرق الرياض : مكتبة التدمرية 014924706
جده : دار المحمدي 0505645507
الطائف : مكتبة الصديق 027323337، مكتبة المؤيد 027321851
الدمام : مكتبة ابن الجوزي 038412100
الخبر : دار الهجرة 038653920
بريده : مكتبة التدمرية : 063262262 ، مكتبة أصداء المجتمع 063236277
عنيزه : مكتبة الأمة 063621039
الكويت: تسجيلات أحد الإسلامية:هاتف 4711071 ، نقال :6819735
البحرين : مكتبة الأرقم: 0097317342400 جوال 0097339247759
الإمارات (دبي) : مكتبة البخاري 0097142977766
(1) يتردد في أوساط الدورات نظرية نقلها البعض من الغرب مفادها : أنه في كل اتصال فإن نسبة أثر الكلمات: سبعة بالمائة ، ونبرة الصوت: ثمان وثلاثين بالمائة ، ولغة الجسد: خمس وخمسين بالمائة وهذا غير صحيح بل مدار الأمر على حياة الكلمات في نفس المتحدث، وحياة الكلمات هي التي تصنع نبرة الصوت وهي التي تصنع لغة الجسد ، أما من يتكلف نبرة الصوت ولغة الجسد دون حياة الكلمات فلن يجد من الجمهور إنصاتا وقبولا مهما فعل
(2) أما قولهم الأمر ما ترى لا ما تسمع ، فالسبب هو عجز المتكلم عن الوصف بسبب ضعفه اللغوي.
(3) مقدمات في سبيل مشروعنا الحضاري جمال سطان ص4 وما بعدها
(4) ويلحق بهؤلاء أصحاب المحلات والمؤسسات والشركات التي أعجبت بالأسماء والشعارات الأجنبية ، وهو أمر يحرص عليه أولئك لأنهم يجدون جاذبيته عند الناس ، وهذا أحد أعراض الفساد في صناعة الإنسان
(5) وقد يأتي بعض المعلمين فيضيف إليها مقررا آخر وهو توجيه القراءات ، ينبغي أن لا نثقل الطالب في مراحل التعليم العام بمثل هذه المعلومات بل تؤجل للمرحلة الجامعية ، وإن كان ولا بد فيخصص لها كتاب مستقل وساعات مستقلة
(6) قبل أربع سنوات قامت كلية المعلمين بالرياض بفتح مسار خاص بالقراءات في مرحلة البكالوريس ،ومازال العدد فيه محدودا بسبب ضعف التأهيل لهذا المسار في مراحل التعليم العام
(7) تنمية القدرة على تدبر القرآن ص15، محمد الدويش
(8) المصدر السابق.
(9) مسند أحمد - (ج 47 / ص 464)22384
(10) صفة صلاة النبي من التكبير إلى التسليم كأنك تراها ، الألباني ، ص89 وما بعدها ، زاد المعاد لا بن القيم : 1/193 وما بعدها
(11) الكافي لابن قدامه [ جزء 1 - صفحة 242 ]
(12) صحيح البخاري - (ج 3 / ص 234) ، صحيح مسلم - (ج 4 / ص 259) ، سنن الترمذي - (ج 2 / ص 479)
(13) راجع الأحاديث ذات الأرقام 8 ، 120 من معجم السنة التربوي
(14) انظر: الحلقات القرآنية، عبد المعطي طليمات ص144 ، حياة في الإدارة، غازي القصيبي ص55 ، ومعظم المصادر في الإدارة والنجاح تكلمت عن هذه القضية
(15) وانظر الأعراف 51، 165 ، التوبة 67 ، ص26 ، الكهف28
(16) بإذن الله تعالى يأتي مزيد بيان لهذه القضية التربوية المهمة في : (مشروع تعليم اللغة العربية،ومعجم اللغة التربوي) ، وهو يعالج تعليم اللغة من جوانبها الثلاثة : القراءة (الهجاء) ، والكتابة (الإملاء) ، والتحدث (التعبير والإنشاء)، وهذا المشروع بديل لما يعرف بالقاعدة البغدادية، أو القاعدة النورانية، ونحوهما من طرق تعليم القراءة للمبتدئين ، من خلال معجم ميسر يبدأ بالحروف المفردة وينتهي بالتراكيب اللغوية العالية ويعالج في طريقه كل مشاكل الإملاء.
(17) [صحيح مسلم - (ج 2 / ص 25)]
(18) [صحيح البخاري - (ج 1 / ص 277) ، صحيح مسلم - (ج 2 / ص 8) ]
(19)الصحيحة 4/224 ، صحيح الجامع 1905 ، 4315
(20) كيف تضاعف قدرتك على الدراسة والنجاح ص 45
(21) انظر كتاب: التنفس أسلوب لحياة جديدة للدكتورة جوديث كرافيتز
(22) طوني بوزان في معظم كتبه ومنها قوة الذكاء الإبداعي
(23) إيقاظ الهمة لطلب علم الكتاب والسنة عادل السعيدان ص18
(24) ديوان الشافعي ص63
(25) تفسير ابن كثير [ جزء 3 - صفحة 108 ]
(26) صحيح البخاري - (ج 2 / ص 471) وصحيح مسلم - (ج 3 / ص 200)
(27) وأحيل هنا على ما كتبته في مفاتح تدبر القرآن في ملحق الصيام
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

54 الحفظ التربوي للقرآن وصناعة الإنسـان


مقدمة 5


المبحث الثاني: مفهوم الحفظ التربوي 7


المبحث الثاني: صناعة الإنسان 27


المبحث الثالث: حفظ ألفاظ القرآن الكريم 51


المبحث الرابع: حفظ معاني القرآن الكريم 53


المبحث الخامس: حفظ العمل بالقرآن الكريم 65


المبحث السادس: مفاتيح حفظ بالقرآن الكريم 77


المبحث السابع: مفاتيح الذاكرة 113


الحفظ التربوي للقرآن وصناعة الإنسان 124


فهرس الموضوعات 125