Advertisement

التصوير الفني في القرآن



التصوير الفني في القرآن
المؤلف: سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (المتوفى: 1385هـ)
الناشر: دار الشروق
الطبعة: الطبقة الشرعية السابعة عشرة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] إهداء:
إليك يا أماه، أرفع هذا الكتاب.
لطالما تسمعت من وراء "الشيش" في القرية، للقراء يرتلون في دارنا القرآن، طوال شهر رمضان. وأنا معك -أحاول أن ألغو كالأطفال- فتردني منك إشارة حازمة، وهمسة حاسمة؛ فأنصت معك إلى الترتيل، وتشرب نفسي موسيقاه. وإن لم أفهم بعد معناه.
وحينما نشأت بين يديك، بعثت بي إلى المدرسة الأولية في القرية، وأولى أمانيك أن يفتح الله علي، فأحفظ القرآن؛ وأن يرزقني الصوت الرخيم، فأرتله لك كل آن. ثم عدلت بي عن هذا الطريق في النهاية إلى الطريق الجديد الذي أسلكه الآن؛ بعد ما تحقق لك شطر من أمانيك، فحفظت القرآن!
ولقد رحلت عنا -يا أماه- وآخر صورك الشاخصة في خيالي، جلستك في الدار أمام المذياع. تستمعين للترتيل الجميل؛ ويبدو في قسمات وجهك النبيل أنك تدركين -بقلبك الكبير، وحسك البصير- مراميه وخفاياه.
فإليك يا أماه. ثمرة توجيهك الطويل. لطفلك الصغير. ولفتاك الكبير. ولئن كان قد فاته جمال الترتيل، فعسى ألا يكون قد فاته جمال التأويل. والله يرعاك عنده ويرعاه.
ابنك
سيد
(1/5)
لقد وجدت القرآن:
لهذا الكتاب في نفسي قصة.
ولقد كان من حقي أن أحتفظ بهذه القصة لنفسي، ما ظل هذا الكتاب خاطرًا في ضميري. أما وقد أخذ طريقه إلى المطبعة؛ فإن قصته لم تعد ملكًا لي، ولا خاصة بي.
لقد قرأت القرآن وأنا طفل صغير، لا ترقى مداركي إلى آفاق معانيه، ولا يحيط فهمي بجليل أغراضه. ولكنني كنت أجد في نفسي منه شيئًا.
لقد كان خيالي الساذج الصغير، يجسم لي بعض الصور من خلال تعبير القرآن. وإنها لصور ساذجة، ولكنها كانت تشوق نفسي وتلذ حسي، فأظل فترة غير قصيرة أتملاها، وأنا بها فرح، ولها نشيط.
من الصور الساذجة التي كانت ترتسم في خيالي إذ ذاك صورة كانت تتمثل لي كلما قرأت هذه الآية:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} .
ولا يضحك أحد، حينما أطلعه على هذه الصورة في خيالي:
لقد كان يشخص في مخيلتي رجل قائم على حافة مكان مرتفع:
مصطبة -فقد كانت في القرية- أو قمة تل ضيقة -فقد رأيت التل المجاور للوادي- وهو قائم يصلي؛ ولكنه لا يملك موقفه، فهو يتأرجح في كل حركة، ويهم بالسقوط وأنا بإزائه، أتتبع حركاته، في لذة وشغف عجيبين! ومن تلك الصورة الساذجة صورة كانت تتمثل لي كلما قرأت هذه الآية:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ
(1/7)
فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} .
لم أكن أدرك من معاني هذه الآية شيئًا ولامن مراميها. ولكن صورة كانت تشخص في مخيلتي. صورة رجل، فاغر الفم، متدلي اللسان، يهلث ويلهث في غير انقطاع. وأنا بإزائه، لا أحول نظري عنه، ولا أفهم لم يلهث، ولا أجرؤ على الدنو منه!
وصور من هذه شتى، كانت ترتسم لخيالي الصغير؛ وكنت ألتذ التأمل فيها، وأشتاق قراءة القرآن من أجلها، وأبحث عنها -كلما قرأت - في ثناياه.
تلك أيام ... ولقد مضت بذكرياتها الحلوة، وبخيالاتها الساذجة. ثم تلتها أيام؛ ودخلت المعاهد العلمية؛ فقرأت تفسير القرآن في كتب التفسير، وسمعت تفسيره من الأساتذة. ولكنني لم أجد فيما أقرأ أو أسمع ذلك القرآن اللذيذ الجميل، الذي كنت أجده في الطفولة والصبا.
وا أسفاه! لقد طمست كل معالم الجمال فيه؛ وخلا من اللذة والتشويق.
ترى هما قرآنان؟ قرآن الطفولة العذب الميسر المشوق؛ وقرآن للشباب العسر المعقد الممزق؟ أم إنها جناية الطريقة المتبعة في التفسير؟
وعدت إلى القرآن أقرؤه في المصحف لا في كتب التفسير. وعدت أجد قرآني الجميل الحبيب؛ وأجد صوري المشوقة اللذيذة. إنها ليست في سذاجتها التي كانت هناك. لقد تغير فهمي لها، فعدت الآن أجد مراميها وأغراضها، وأعرف أنها مثل يضرب، لا حادث يقع.
ولكن سحرها ما يزال. وجاذبيتها ما تزال.
الحمد لله. لقد وجدت القرآن!
وخطر لي أن أعرض للناس بعض النماذج مما أجده في القرآن من صور؛ ففعلت، ونشرت بحثًا في مجلة المقتطف عام 1939 نحت عنوان:
(1/8)
"التصور الفني في القرآن". تناولت فيه عدة صور فأثبتها؛ وكشفت عما فيها من جمال فني، وبينت القدرة القادرة التي تصور بالألفاظ المجردة، ما تعجز عن تصويره الريشة الملونة، والعدسة المشخصة. وقلت: إن هذا البحث يصلح أن يكون موضوعًا لرسالة جامعية.
ومرت السنوات، وصور القرآن تخايل لي؛ وتتراءى يها آثار الإعجاز الفني. وكلما عدت إليها قوي في نفسي أن أتولى البحث الذي تركته فلم يحاوله أحد، وأن أكمله وأتوسع فيه. وظللت أعكف على القرآن بين الحين والحين، أتملى صوره الفريدة، فتزداد فكرة البحث في نفسي رسوخًا؛ ثم تشغلني عنه الشواغل، فيرتد أمنية في الضمير، ورغبة في الشعور.
إلى أن شاء الله أن أتوفر عليه في هذا العام.
لقد بدأت البحث ومرجعي الأول فيه هو المصحف، لأجمع الصور الفنية في القرآن، وأستعرضها، وأبين طريقة التصوير فيها، والتناسق الفني في إخراجها -إذ كان همي كله موجهًا إلى الجانب الفني الخالص، ودون التعرض للمباحث اللغوية أو الكلامية أو الفقهية، أو سواها من مباحث القرآن المطروقة.
ولكن ماذا أرى؟
إن حقيقة جديدة تبرز لي. أن الصور في القرآن ليست جزءًا منه يختلف عن سائره. إن التصوير هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل. القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض -فيما عدا غرض التشريع بطبيعة الحال -فليس البحث إذن عن صور تجمع وترتب. ولكن عن قاعدة تكشف وتبرز.
ذلك توفيق. لم أكن أتطلع إليه، حتى التقيت به!
وعلى هذا الأساس قام البحث؛ وكل ما فيه إنما هو عرض لهذه
(1/9)
القاعدة، وتشريح لظواهرها، وكشف عن هذه الخاصية التي لم يتعرض من قبل لها.
وحين انتهيت من التحضير للبحث. وجدتني أشهد في نفسي مولد القرآن من جديد. لقد وجدته كما لم أعهده من قبل أبدًا. لقد كان القرآن جميلا في نفسي. نعم. ولكن جماله كان أجزاء وتفاريق. أما اليوم فهو عندي جملة موحدة، تقوم على قاعدة خاصة، قاعدة يها من التناسق العجيب، ما لم أكن أحلم من قبل به، وما لا أظن أحدًا تصوره.
فلئن كنت قد وفقت في نقل هذه الصورة كما أراها في نفسي؛ وفي إبرازها للناس كما أحسها في ضميري، فليكونن هذا -بلا شك- نجاحًا كاملًا لهذا الكتاب.
سيد قطب
(1/10)
سحر القرآن
مدخل
...
سحر القرآن:
سحر القرآن العرب منذ اللحظة الأولى، سواء منهم في ذلك من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره منهم غشاوة.
وإذا تجاوزنا عن النفر القليل الذين كانت شخصية محمد -صلى الله عليه وسلم- وحدها هي داعيتهم إلى الإيمان في أول الأمر، كزوجه خديجة، وصديقه أبي بكر، وابن عمه علي، ومولاه زيد، وأمثالهم، فإننا نجد القرآن كان العامل الحاسم، أو أحد العوامل الحاسمة، في إيمان من آمنوا أوائل أيام الدعوة، يوم لم يكن لمحمد حول ولا طول، ويوم لم يكن للإسلام قوة ولا منعة.
وقصة إيمان عمر بن الخطاب، وقصة تولي الوليد بن المغيرة، نموذجان من قصص كثيرة للإيمان والتولي؛ وكلتاهما تكشفان عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ اللحظة الأولى؛ وتبينان -في اتجاهين مختلفين- عن مدى هذا السحر القاهر، الذي يستوي في الإقرار به المؤمنون والكافرون.
فأما قصة إيمان عمر ففيها روايات كثيرة:
منها رواية لعطاء ومجاهد نقلها ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح تذكر أن عمر -رضي الله عنه- قال: "كنت للإسلام مباعدًا، وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش ... فخرجت أريد جلسائي
(1/11)
أولئك، فلم أجد منها أحدًا، فقلت: لو أنني جئت فلانًا الخمار! وخرجت فجئته، فلم أجده، قلت: لو أنني جئت الكعبة فطفت بها سبعًا أو سبعين! فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يصلي؛ وكان إذا صلى استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، واتخذ مكانه بين الركنين: الركن الأسود، والركن اليماني. فقلت حين رأيته: والله لو
أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول! وقام بنفسي أنني لو دنوت منه أسمع لأروعنه، فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها، ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة. فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت، ودخلني الإسلام".
ومنها رواية لابن إسحاق تقول ما ملخصه: إن عمر خرج متوشحًا بسيفه يريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورهطًا من أصحابه قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء.
وفي الطريق لقيه نعيم بن عبد الله فسأله عن وجهته، فأخبره بغرضه، فحذره بني عبد مناف، ودعاه أن يرجع إلى بعض أهله: ختنه سعيد بن زيد بن عمرو، وأخته فاطمة بنت الخطاب زوج سعيد، قد صبآ عن دينهما.
فذهب إليهما عمر، وهناك سمع خبابًا يتلو عليهما القرآن، فاقتحم الباب، وبطش بختنه سعيد، وشج أخته فاطمة ... ثم أخذ الصحيفة بعد حوار، وفيها سورة طه، لما قرأ صدرًا منها قال: "ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! ". ثم ذهب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعلن إسلامه. فكبر النبي تكبيرة عرف
(1/12)
أهل البيت من أصحابه أن عمر قد أسلم1.
وكل الروايات تجمع على أنه سمع أو قرأ شيئًَا من القرآن، فكان هذا داعيه إلى الإسلام. ومن التعمل الذي لا داعي له أن نغض النظر عن العوامل النفسية الأخرى في تاريخ عمر، ولكن هذه العوامل لا تنفي أنه كان لسحر القرآن، ذلك الأثر الحاسم في الإسراع به إلى الإسلام.
تلك قصة إيمان عمر بن الخطاب. فأما قصة تولي الوليد بن المغيرة، ففيها روايات كثيرة ملخصها:
إن الوليد بن المغيرة سمع شيئًا من القرآن الكريم فكأنما رق له فقالت قريش: صبأ والله الوليد، ولتصبون قريش كلهم.
فأوفدوا إليه أبا جهل يثير كبرياءه واعتزازه بنسبه وماله، ويطلب إليه أن يقول في القرآن قولا يعلم به قومه أنه له كاره. قال: "فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم مني بالشعر ولا برجزه، ولا بقصيده ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من هذا.
والله: إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى". قال أبو جهل: والله لا يرضي قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني أفكر فيه. فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر. أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله ومواليه2؟
وفي ذلك يقول القرآن الكريم:
{إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
__________
1 عن السيرة لابن هشام.
2 عن السيرة لابن هشام، وتفسير ابن كثير من روايات متعددة.
(1/13)
ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} .
سحر يؤثر، يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه. تلك قولة رجل يتقاعس عن الإسلام، ويتكبر أن يسلم لمحمد، ويعتز بنسبه وماله وولده. وليست قولة رجل آمن، فهو يعلل إيمانه بهذا السحر الذي لا يغالب! وإنها لأدل على "سحر القرآن" للعرب، من كل كلام يقوله المؤمنون؛ لأنها لا تقال ولدى قائلها حيلة للسكوت عنها، أو مفر من الاعتراف بها!
ومن هنا تلتقي قصة الكفر بقصة الإيمان، في الإقرار بسحر هذا القرآن؛ وتلتقي على الإقرار به شخصيتان قويتان، بينهما من المدى في الاختلاف ما بين عمر بن الخطاب والوليد بن المغيرة. فتشرح التقوى صدر عمر للإسلام، وتصد الكبرياء الوليد عن الإذعان؛ ويذهبان في طريقيهما متدابرين، بعد أن يلتقيا في نقطة واحدة: نقطة الإقرار بسحر القرآن.
ولا يقل عن هاتين القصتين في الدلالة على هذا السحر ما حكاه القرآن عن قول بعض الكفار: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} . فإن هذا ليدل على الذعر الذي كان يضطرب في نفوسهم، من تأثير هذا القرآن فيهم وفي أتباعهم، وهم يرون هؤلاء الأتباع يسحرون بين عشية وضحاها من تأثير الآية والآيتين، والسورة والسورتين، يتلوهما محمد أو أحد أتباعه السابقين، فتنقاد إليهم النفوس، وتهوي إليهم الأفئدة، ويهرع إليهم المتقون.
(1/14)
ولم يقل رؤساء قريش لأتباعهم وأشياعهم هذه المقالة، وهم في نجوة من سحر القرآن. فلولا أنهم أحسوا في أعماقهم هزة روعتهم، ما أمروا أتباعهم هذا الأمر، وما أشاعوا في قومهم بهذا التحذير، الذي هو أدل من كل قول على عمق التأثير!
وقد قالوا في لجاجة الإنكار كما حكى عنهم القرآن: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} ، وقالوا: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} .
فتحداهم مرة ومرة: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} .. {قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه} ... ولكنهم لم يأتوا بعشر سور ولا بسورة مفردة! ولم يحاولوا هذه المحاولة أصلا، إلا ما قيل من محاولة بعض المتنبئين بعد محمد، وليس هذا من الجد في شيء، ولا يجوز أن يحسب له في هذا المجال حساب. أما الرأي القائل بصرفهم عن المحاولة فليس له وزن يقام!.
ولعل من تمام القول في هذا الفصل، أن نثبت بعض السور التي وردت في القرآن لتأثيره في نفوس بعض الذين أوتوا العلم من قبله، وبعض الذين صغت قلوبهم إليه.
جاء في صدد الحديث عن اليهود والنصارى:
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ
(1/15)
بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} .
فتلك صورة من صور التأثر الوجداني لسماع القرآن. وإن أعينهم لتفيض من الدمع مما عرفوا من الحق؛ وإن للطريقة التي يعرض بها هذا الحق لأثرًا لا شك فيه، يفصح عنه ما ورد في موضع آخر:
{إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} .
وكذلك هذه الصورة عن {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم} :
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .
هكذا: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} ، {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} . {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} ... فهو التأثير الذي يلمس الوجدان، ويحرك المشاعر، ويفيض الدموع. يسمعه الذين تهيأوا للإيمان، فيسارعون إليه خاشعين، ويسمعه الذين يستكبرون عن الإذعان، قيقولون: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِين} ، أو يقولون: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} . فيقرون بالإعجاز الغلاب من حيث لا يشعرون، أو يشعرون!
(1/16)
منبع السحر في القرآن:
كيف استحوذ القرآن على العرب هذا الاستحواذ؟ وكيف اجتمع على الإقرار بسحره المؤمنون والكافرون سواء؟
بعض الباحثين في مزايا القرآن، ينظر إلى القرآن جملة ثم يجيب؛ وبعضهم يذكر غير النسق الفني للقرآن أسبابًا أخرى يستمدها من موضوعاته بعد أن صار كاملًا: من تشريع دقيق صالح لكل زمان ومكان، ومن إخبار عن الغيب يتحقق بعد أعوام، ومن علوم كونية في خلق الكون والإنسان.
ولكن البحث على هذا النحو إنما يثبت المزية للقرآن مكتملًا. فما القول في السور القلائل التي لا تشريع فيها ولا غيب ولا علوم؛ ولا تجمع بطبيعة الحال كل المزايا المتفرقة في القرآن؟ إن هذه السور القلائل قد سحر العرب بها منذ اللحظة الأولى، وفي وقت لم يكن التشريع المحكم، ولا الأغراض الكبرى، هي التي تسترعي إحساسهم، وتستحق منهم الإعجاب.
لا بد إذن أن تلك السور القلائل كانت تحتوي على العنصر الذي يسحر المستمعين، ويستحوذ على المؤمنين والكافرين. وإذا حسب الأثر القرآني في إسلام المسلمين، فهذه السور الأولى تفوز منه بالنصيب الأوفى، مهما يكن عدد المسلمين من القلة في ذاك الأوان. ذلك أنهم إذ ذاك تأثروا بهذا القرآن وحده -على الأغلب- فآمنوا. أما الكثرة الكثيرة التي أسلمت بعد أن ظهر المسلمون، وبعد أن غلب الدين، فقد كان أمامها بجانب القرآن عوامل يتأثر بها من يسلمون، كل على طريقته، وكل وما ركب في طبيعته.
(1/17)
ولم يكن القرآن وحده هو العامل الحاسم في إسلامهم، كما كان ذلك أيام الدعوة الأولى.
آمن بعضهم؛ لأنهم تأثروا بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخلاق صحابته رضوان الله عليهم.
وآمن بعضهم؛ لأنهم وجدوا المسلمين يحتملون الأذى والضنك والعذاب، ويتركون المال والأهل والأصحاب، لينجوا بدينهم، ويفروا به إلى ربهم.
وآمن بعضهم؛ لأنهم وجدوا محمدًا -ومعه قلة- لا يغلبهم أحد، وأن الله ناصرهم وحافظهم من كيد الكائدين.
وآمن بعضهم بعدما طبقت شريعة الإسلام فرأوا فيها من العدل، والسماحة ما لم يروه من قبل في نظام.
وآمن غيرهم وغيرهم على طرائق شتى، قد يكون السحر القرآني عنصرًا من عناصرها، ولكنه ليس العنصر الحاسم فيها، كما كان في أيام الدعوة الأولى.
يجب إذن أن نبحث عن "منبع السحر في القرآن" قبل التشريع المحكم، وقبل النبوءة الغيبية، وقبل العلوم الكونية، وقبل أن يصبح القرآن وحدة مكتملة تشمل هذا كله. فقليل القرآن الذي كان في أيام الدعوة الأولى كان مجردًا من هذه الأشياء التي جاءت فيما بعد، وكان -مع ذلك- محتويًا على هذا النبع الأصيل الذي تذوقه العرب، فقالوا: إن هذا إلا سحر يؤثر.
قصة تولي الوليد بن المغيرة واردة في سورة "المدثر" -وهي
(1/18)
السورة الثالثة غالبًا في ترتيب النزول- سبقتها سورة "العلق"، وسورة "المزمل" أو هي على العموم من السور الأولى في القرآن1.
فلننظر في هذه السور -على سبيل المثال- لنرى أي سحر كان فيها اضطرب له الوليد هذا الاضطراب.
إننا نقرأ الآيات المكية في هذه السور فلا نجد فيها تشريعًا محكمًا، ولا علومًا كونية -إلا إشارة خفيفة في السورة الأولى لخلق الإنسان من علق- ولا نجد إخبارًا بالغيب يقع بعد سنين كالذي ورد في سورة "الروم"، وهي السورة الرابعة والثمانون.
فأين هو السحر الذي تحدث عنه ابن المغيرة بعد التفكير والتقدير؟
لا بد إذن أن السحر الذي عناه كان كامنًا في مظهر آخر غير التشريع والغيبيات والعلوم الكونية. لا بد أنه كامن في صميم النسق القرآني ذاته، لا في الموضوع الذي يتحدث عنه وحده. وإن لم نغفل ما في روحانية العقيدة الإسلامية وبساطتها من جاذبية.
فلننظر في السورة الأولى: "سورة العلق" إنها تضم خمس عشرة فاصلة قصيرة، ربما يلوح في أول الأمر أنها تشبه "سجع الكهان"، أو "حكمة السجاع" مما كان معروفًا عند العرب إذ ذاك.
ولكن العهد في هذه وتلك أنها جمل متناثرة، لا رابط بينها ولا اتساق. فهل هذا هو الشأن في "سورة العلق"؟
__________
1 اعتمدت في ترتيب سورة القرآن على المصحف الأميري، وعلى تفسير الطبري وعلى بعض أسباب التنزيل في مصادر أخرى ... ثم على ترجيحي الشخصي بين الروايات. وليس هناك يقين.
(1/19)
الجواب: لا؛ فهذا نسق متساوق، يربط فواصله تناسق داخلي دقيق:
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى، أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى، كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ، كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} .
هذه هي السورة الأولى في القرآن، فناسب أن يستفتحها بالإقراء، وباسم الله: الإقراء: الإقراء، للقرآن؛ واسم الله؛ لأنه هو الذي يدعو باسمه إلى الدين. والله "رب" فالقراءة للتربية والتعليم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} .
وإنها لبدء للدعوة، فليختر من صفات "الرب" صفته التي بها معنى البدء بالحياة: {الَّذِي خَلَقَ} ... وليبدأ من الخلق بمرحلة أولية صغيرة: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} . منشأ صغير حقير، ولكن الرب الخالق كريم، كريم جدًّا! فقد رفع هذا العلق إلى إنسان كامل، يعلم فيتعلم: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .
وإنها لنقلة بعيدة بين ذلك المنشأ وهذا المصير. وهي تصور هكذا مفاجأة بلا تدرج، وتغفل المراحل التي توالت بين المنشأ
(1/20)
والمصير. لتلمس الوجدان الإنساني لمسة قوية في مجال الدعوة الدينية، وفي مجال التأملات الوجدانية.
ولقد كان المتوقع أن يعرف الإنسان هذا الفضل العظيم، وأن يشعر بتلك النقلة البعيدة. ولكن: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} . لقد برزت إذن صورة الإنسان الطاغي الذي نسي منشأه وأبطره الغنى، فالتعقيب التهديدي السريع على بروز هذه الصورة هو: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} .
فإذا رد الأمر إلى نصابه هكذا سريعًا، لم يكن هناك ما يمنع من المضي في حديث الطغيان الإنساني، وإكمال الصورة الأولى. إن هذا الإنسان الذي يطغى، ليتجاوز بطغيانه نفسه إلى سواه: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى} أرأيت؟ إنها لكبيرة! وإنها لتبدو أكبر إذا كان هذا العبد على الهدى آمرًا بالتقوى: {أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى} فما بال هذا المخلوق الإنساني غافلا عن كل شيء غفلته عن نشأته ونقلته؟ {أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} فالتهديد إذن يأتي في إبانه: {كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ} . هكذا {لَنَسْفَعَنْ} بذلك اللفظ الشديد المصور بجرسه لمعناه. وإنه لأوقع من مردافه: لنأخذنه بشدة ... و {لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ} صورة حسية للأخذ الشديد السريع، ومن أعلى مكان يرفعه الطاغية المتكبر، من مقدم الرأس المتشامخ. إنها الناصية تستحق السفع: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} . وإنها للحظة سفع وصرع، فقد يخطر له أن يدعو من يعتز بهم من أهله وصحبه: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} ومن فيه، أما نحن فإننا {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} . وهنا يخيل السياق للسامع صورة معركة بين المدعوين:
(1/21)
بين الزبانية وأهل ناديه؛ وهي معركة تخييلية تشغل الحس والخيال، ولكنها على هذا النحو معروفة المصير! فلتترك لمصيرها المعروف؛ وليمض صاحب الرسالة في رسالته، غير متأثر بطغيان الطاغي وتكذيبه. {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} .
هذا ابتداء قوي منذ اللحظة الأولى للدعوة. وهذه الفواصل التي تبدو في الظاهر متناثرة، هي هكذا -من الداخل- متناسقة.
وهذا نسق من القرآن في السورة الأولى، الشبيهة في ظاهرها بسجع الكهان، أو حكمه السجاع.
فلننظر في السورة الثانية: وهي غالبًا سورة المزمل -وربما كانت قد سبقتها أوائل سورة "القلم"، فلعلها هي التي سمعها الوليد بن المغيرة، فقال قولته المشهورة:
{يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا، إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا، فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا، إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} .
فها هي ذي صورة للهول تتجاوز الإنسان ونفسه إلى الطبيعة كلها، والإنسان من جملتها: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} فليتمل الخيال -إن استطاع- صورة ذلك الهول الذي ترتجف له الطبيعة في أكبر مجاليها: الأرض والجبال. وإنا لا نعرضكم لهذا اليوم إلا بعد أن نرسل لكم رسولا يحاول هدايتكم، ويشهد عليكم: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ
(1/22)
كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} وإنكم لتدلون بقوتكم، فأين أنتم من فرعون في قوته؟ {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} أفتريدون أن تؤخذوا إذن كما أخذ فرعون القوي؟
وإذا انتهت هذه الدنيا {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} إن صورة الهول هنا لتنفطر لها السماء، ومن قبل ارتجفت لها الأرض والجبال، وإنها لتشيب الولدان. وإنه لهول ترتسم صوره في الطبيعة الصامتة، وفي الإنسانية الحية. وعلى الخيال أن يتملى هذه الصور الشاخصة؛ وإنه ليتملاها فيهتز لها الوجدان؛ وإنه ليؤكدها تأكيدًا: {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} ، فلا شك فيه، ولا مفر منه؛ وما هذا الإنذار إلا للذكرى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} وإن السبيل إلى الله لآمن وأيسر، من السبيل إلى هذا الهول العصيب!
أما قصة إيمان عمر. فالرواية المفصلة فيها تذكر أنه قرأ صدرًا من سورة طه، وهي السورة الخامسة والأربعون سبقتها سور: العقل، والمزمل، والمدثر، والقلم، والفاتحة، والمسد، والتكوير، والأعلى، والليل، والفجر، والضحى، والانشراح، والعصر، والعاديات، والكوثر، والتكاثر، والماعون، والكافرون، والفيل، والفلق، والناس، والإخلاص، والنجم، وعبس، والقدر، والشمس، والبروج، والتين، وقريش، والقارعة، والقيامة، والهمزة، والمرسلات، وقاف، والبلد، والطارق، والقمر، وصاد، والأعراف، والجن، ويس، والفرقان، وفاطر، ومريم. وهي جميعها سور مكية فيما عدا بعض الآيات المدنية.
(1/23)
فلننظر في هذه السور بالإجماع -فالنظر بالتفصيل فيها جميعًا غير مستطاع، على النسق الذي اتبعناه في قصة تولي الوليد- لنرى أي سحر كان فيها، استأثر بالسابقين الأولين الذين تابعوا محمدًا، حتى قبل أن يعتز الإسلام بعمر، وقبل أن يجهر النبي بالدعوة في وضح النهار، بعد التخفي والإسرار.
وإننا لننظر فلا نجد فيها جميعًا إلا القليل من تلك الأغراض التي يراها بعض الباحثين أكبر مزايا القرآن. إننا إذا استثنينا إشارة سريعة إلى خلق الإنسان من نطفة، وتنويع الأشكال والألوان في سورة "فاطر"، وخلق الإنسان "من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب" في سورة "الطارق" لا نجد علومًا كونية في جميع هذه السور على وجه الإجمال؛ وكذلك لا نجد التشريع؛ ولا نجد النبوءات.
ولكننا نجد في هذه السور -كما نجد في سواها من السور المكية، والمدنية على السواء- مثلا من ذلك الجمال الفني الذي ضربنا له الأمثال.
وإننا لنستطيع أن ندع -مؤقتًا- قداسة القرآن الدينية، وأغراض الدعوة الإسلامية؛ وأن نتجاوز حدود الزمان والمكان؛ ونتخطى الأجيال والأزمان، لنجد بعد ذلك كله هذا الجمال الفني الخالص، عنصرًا مستقلا بجوهره، خالدًا في القرآن بذاته، يتملاه الفن في عزلة عن جميع الملابسات والأغراض.
وإن هذا الجمال ليتملى وحده فيغني؛ وينظر في تساوقه مع الأغراض الدينية فيرتفع في التقدير.
فلننظر إذن كيف فهم الناس هذا الجمال على مدى الأجيال.
(1/24)
التصوير الفني
...
No pages
(1/)
كيف فهم القرآن:
لا نستطيع أن نجد في حديث العرب المعاصرين لنزول القرآن صورة معينة لهذا الجمال الفني الذي سموه تارة شعرًا، وسموه تارة سحرًا. وإن استطعنا أن نلمح فيه صورة لما مسهم منه من تأثير.
لقد تلقوه مسحورين، يستوي في ذلك المؤمنون والكافرون: هؤلاء يسحرون فيؤمنون، وهؤلاء يسحرون فيهربون. ثم يتحدث هؤلاء وهؤلاء عما مسهم منه، فإذا هو حديث غامض، لا يعطيك أكثر من صورة المسحور المبهور، الذي لا يعلم موضع السحر فيما يسمع من هذا النظم العجيب، وإن كان ليحس منه في أعماقه هذا التأثير الغريب.
فهذا عمر بن الخطاب يقول في رواية: "فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام"، ويقال عنه في رواية إنه قال: "ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! ".
وهذا الوليد بن المغيرة يقول وهو كافر بمحمد وبالقرآن؛ لا يتهم بحبه أو موالاته: "والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه يعلو وما يعلى". ثم يقول: "ما هو إلا سحر يؤثر. أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ ".
وهذا القرآن يصف أثره في نفوس المؤمنين به، ونفوس الذين أوتوا العلم من قبله، بأنه: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .. و {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ
(1/25)
لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} .
وهؤلاء كفار قريش يقولون في لجاجة الإنكار: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} ؛ ثم يعمد واحد منهم هو "النضر بن الحارث" إلى أساطير من قصص الأولين: قصص "اسفنديار ورستم" الفارسية الأصل، فيتلوها على الناس في المسجد حينما يتلو محمد هذا القرآن، ليصرفهم عن محمد وعن القرآن، وإنهم لا ينصرفون. ثم ها هم أولاء كفار قريش لا يجدون في هذا كله جدوى، فيقولون: "لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون"!
هذا كله يقال، وهذا كله يقع، لا تجد فيه صورة واضحة عن الجمال الفني في القرآن. فالقوم في شغل عن بيان هذه الصورة بما يتملونه منها في نفوسهم، وما يحسونه منها في شعورهم. وهم حيارى مضطربون، أو ملبون مهطعون.
وتلك مرحلة التذوق الفطري للفنون.
فإذا تجاوزنا عصر نزول القرآن، رأينا بعض الصحابة يتعاطون تفسير القليل منه اعتمادًا على القليل المنقول عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعضهم يحاول في حذر، وخشية أن يؤول بعض الآيات، ويعضهم يمتنع من هذا خيفة أن يكون فيه مأثم ديني، "كالذي روي عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن قال: أنا لا أقول في القرآن شيئًا. وقال ابن سيرين: سألت عبيدة عن شيء من القرآن فقال: اتق الله، وعليك بالسداد، فقد ذهب
(1/26)
الذين يعملون فيم أنزل القرآن"، وعن هشام بن عروة بن الزبير قال: "ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله"1.
وهذا كله إن دل على شيء، فإنما يدل، إلى جانب التحرج الديني على مس السحر، وروعة البهر، وأمارات المفاجأة بهذا النسق المعجز، إلى حد الدهش والاستسلام.
فلما كان عصر التابعين نما التفسير نموًّا مطردًا، ولكنهم كانوا "يقتصرون في تفسير الآية على توضيح المعنى اللغوي الذي فهموه من الآية بأخصر لفظه، مثل قولهم: "غير متجانف لإثم" أي غير متعرض لمعصية، ومثل قولهم في قوله تعالى: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلام} كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم خروجًا أخذ قدحًا قال: هذا يأمر بالخروج، فإن خرج فهو مصيب في سفره خيرًا، ويأخذ قدحًا آخر فيقول: هذا يأمر بالمكوث، فليس يصيب في سفره خيرًا، والمنيح بينهما. فنهى الله عن ذلك. فإن زادوا شيئًا فما روي من سبب نزول الآية. ثم زاد من بعدهم التوسع في أخبار اليهود والنصارى"2.
ثم أخذ التفسير ينمو ويتضخم ابتداء من أواخر القرن الثاني، ولكن بدلًا من أن يبحث عن الجمال الفني في القرآن أخذ يغرق في مباحث فقهية وجدلية، ونحوية وصرفية، وخلقية وفلسفية، وتاريخية وأسطورية. وبذلك ضاعت الفرصة التي كانت مهيأة للمفسرين لرسم صورة واضحة للجمال الفني في القرآن.
__________
1 فجر الإسلام للدكتور أحمد أمين.
2 المصدر السابق.
(1/27)
رجل -متأخر نوعًا- كان يقع له بين الحين والحين شيء من التوفيق في إدراك بعض مواضع الجمال الفني في القرآن، -هو الزمخشري- وذلك كقوله في تفسير: "ولما سكت عن موسى الغضب": كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: "قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجر برأس أخيك إليك". وهو توفيق -كما ترى- محدود، ينقصه التبلور والوضوح.
فإن أجمل ما في هذا التعبير هو "تشخيص" الغضب، كأنه إنسان، يقول ويسكت، ويغري ويصمت، فهذا "التشخيص" هو الذي جعل للتعبير جماله، وهو الذي أدركه الزمخشري، ثم لم يحكم التعبير عنه، أو عبر عنه بلغة زمانه فلا تثريب عليه. وكقوله في تفسير سوة الفاتحة: "إن العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} الدال على اختصاصه بالحمد، وأنه حقيق به، وجد من نفسه لا محالة محركًا للإقبال عليه. فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} الدال على أنه مالك للعالمين، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته، قوي ذلك المحرك. ثم إذا انتقل إلى قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الدال على أنه منعم بأنواع النعم جلائلها ودقائقها، تضاعفت قوة ذلك المحرك. ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام، وهي قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الدال على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء، تناهت قوته، وأوجب الإقبال عليه، وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ....
هذا نوع من التوفيق في تصوير التناسق النفسي، بين الأحاسيس
(1/28)
المتتابعة المنبعثة من تتابع الآيات. وهو لون من ألوان التناسق الأولية في القرآن.
ولقد حاول بعض المفسرين أن يعثروا على مواضع لهذا التناسق فلم يصلوا إلا للترابط المعنوي في بعض المواضع دون بعضها الآخر ودون الاهتداء إلى قاعدة شاملة. ثم إنهم في أحيان كثيرة تمحلوا في ذلك تمحلا شديدًا.
بقي الباحثون في البلاغة وفي إعجاز القرآن، وكان المنتظر أن يصل هؤلاء -وقد خلي بينهم وبين البحث في صميم العمل الفني في القرآن -أن يصلوا إلى ما لم يصل إليه المفسرون. ولكنهم شغلوا أنفسهم بمباحث عقيمة حول "اللفظ والمعنى" أيهما تكمن فيه البلاغة؛ ومنهم من غلبت عليه روح القواعد البلاغية، فأفسد الجمال الكلي المنسق، أو انصرف عنه إلى التقسيم والتبويب، ووصلوا في هذا وذلك في بعض الأحيان، إلى درجة من الإسفاف لا تطاق.
فانظر إلى تعبير جميل كهذا التعبير: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} . هذا التعبير الذي يرسم صورة حية للخزي في يوم القيامة، ويصور هؤلاء المجرمين شخوصًا قائمة يتملاها الخيال، وتكاد تبصرها العين لشدة وضوحها، وتسجيل هيئتها "ناكسو رؤوسهم" وعند من؟ "عند ربهم" فيخيل للسامع أنها حاضرة لا متخيلة.. هذه الصورة للهول لا تساوي من باحث في البلاغة إلا أن يقول: "وأصل الخطاب أن يكون لمعين، وقد يترك إلى غير معين، كما تقول: فلان لئيم إن أكرمته أهانك،
(1/29)
وإن أحسنت إليه أساء إليك. فلا تريد مخاطبًا بعينه، بل تريد أن أكرم وأحسن إليه، فتخرجه في صورة الخطاب ليفيد العموم، أي إن سوء معاملته غير مختص بواحد دون واحد. وهو في القرآن كثير كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أخرج في صورة الخطاب لما أريد العموم للقصد إلى تفظيع حالهم، وأنها تناهت في الظهور حتى امتنع خفاؤها فلا تختص بها رؤية راء، بل كل من يتأتى منه الرؤية داخل في هذا الخطاب"!
وبهذا تطوى تلك الصورة الفنية الحية، وتنتهي إلى أن تكون "تفظيعًا لحالهم التي تناهت في الظهور".
ثم انظر إلى تعبيرات مصورة أخرى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} . {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} . {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} .
إن هذه الصورة الشاخصة الحافلة بالحركة والحياة، حتى لتتابعها العين والأذن والخيال. إن هذه الصور كلها لم تستحق من باحث في البلاغة إلا أن يقول: "التعبير عن المستقبل بلفظ المضي تنبيهًا على تحقق وقوعه، وأن ما هو للوقوع كالواقع"!
فكل ما لفت نظره إذن هو الكلمات: "فصعق. وحشرناهم. ونادى" وبناؤها للماضي، وكان الأصل أن تصاغ للمستقبل، فعدل عن هذا تنبيهًا على تحقق الوقوع!
رجل واحد من الباحثين في البلاغة والإعجاز سابق للزمخشري
(1/30)
الذي ذكرناه هناك، بلغ غاية التوفيق المقدر لباحث في عصره، هو "عبد القاهر الجرجاني". فلقد أوشك أن يصل إلى شيء كبير في كتابه "دلائل الإعجاز" لولا أن قصة "المعاني والألفاظ" ظلت تخايل له من أول الكتاب إلى آخره، فصرفته عن كثير مما كان وشيكًا أن يصل إليه؛ ولكنه على الرغم من ذلك كله كان أنفذ حسًّا من كل من كتبوا في هذا الباب على وجه العموم، حتى في العصر الحديث!
وهذا مثال من توفيقاته التي كان موشكًا أن يصل فيها إلى شيء حاسم. ويجب أن يصبر القارئ على طريقة التعبير، فقد كانت هذه الطريقة هي الزي الشائع في عصره، وهي طريقة "الكلام" والمنطق، بعد دخولها إلى لغة الأدب في ذلك الزمان:
"إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم، والوقوف على حقيقته. ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزية موجبًا سواها، هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة. ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى شيء، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ما يسند إليه، ويؤتي بالذي الفعل له في المعنى منصوبًا بعده، مبينًا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني، ولما بينه وبينه من الاتصال، كقولهم: طاب زيد نفسًا، وقر عمرو عينًا، وتصبب عرقًا، وكرم أصلًا،
(1/31)
وحسن وجها، وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه. وذلك أنا نعلم أن اشتعل للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس في اللفظ، كما أن طاب للنفس، وقر للعين، وتصبب للعرق، وإن أسند إلى ما أسند إليه.
"يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخي به هذا المذهب، أن تدع هذا الطريق فيه وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحًا، فتقول: اشتعل شيب الرأس، والشيب في الرأس.
ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن، وتلك الفخامة؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟ فإن قلت: فما السبب في أن كان "اشتعل" إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل، ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟ فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس، الذي هو أصل المعنى، الشمول، وأنه قد شاع فيه وأخذه من نواحيه، وأنه قد استقر به، وعم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا ما لا يكون إذا قيل: اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة، ووزان ذلك أنك تقول: اشتعل البيت نارًا، فيكون المعنى أن النار قد وقعت يه وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه، وتقول: اشتعلت النار في البيت، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه وإصابتها جانبًا منه، فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت، وابتزته فلا يعفل من اللفظ البتة.
"ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} . التفجير للعيون في المعنى، وأوقع على الأرض في اللفظ،
(1/32)
كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك على معنى الشمول ههنا مثل الذي هناك. وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونًا كلها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان فيها. ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل: وفجرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض، لم يفد ذلك، ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فور من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن فيها" ...
رحم الله "عبد القاهر" لقد كمان النبع منه على ضربه معول فلم يضربها. إن الجمال في "اشتعل الرأس شيبًا". "وفجرنا الأرض عيونًا" هو في ذلك الذي قاله من ناحية النظم، وفي شيء آخر وراءه، هو هذه الحركة التخييلية السريعة، التي يصورها التعبير: حركة الاشتعال التي تتناول الرأس في لحظة، وحركة التفجير التي تفور بها الأرض في ومضة. فهذه الحركة التخييلية تلمس الحس وتثير الخيال، وتشرك النظر والمخيلة في تذوق الجمال. وهي في "واشتعل الرأس شيبًا" أوضح وأقوى؛ لأن حركة الاشتعال هنا حركة ممنوحة للشيب. وليست له في الحقيقة، وهذه الحركة هي عنصر الجمال الصحيح. يدل على ما نقول، إن الجمال في قولك: "اشتعل البيت نارًا"، لا يقاس ولا يقرب من قول القرآن: {اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} ، ففي التعبير بالاشتعال عن الشيب جمال، وفي إسناد الاشتعال إلى الرأس جمال آخر، يكمل أحدهما الآخر.
ومن كليها، لا من أحدهما، كان هذا الجمال الباهر! وهذا هو الذي وقف دونه عبد القاهر؛ وإن كان يبدو أنه كان يحسه في ضميره، ولا يصوره كاملا في تعبيره، وليس لنا على أية حال أن
(1/33)
نطالبه بالتعبير في لغة عصرنا الأخير ... يرحمه الله!
وأيا ما كانت تلك الجهود التي بذلت في التفسير، وفي مباحث البلاغة والإعجاز فإنها وقفت عند حدود عقلية النقد العربي القديمة، تلك العقلية الجزئية التي تتناول كل نص على حدة، فتحلله وتبرز الجمال الفني فيه -إلى الحد الذي نستطيع- دون أن تتجاوز هذا إلى إدراك الخصائص العامة في العمل الفني كله.
هذه الظاهرة قد برزت في البحث عن بلاغة القرآن، فلم يحاول أحد أن يجاوز النص الواحد إلى الخصائص الفنية العامة. اللهم إلا ما قيل في تناسق تراكيب القرآن وألفاظه، أو استيفاء نظمه لشروط الفصاحة والبلاغة المعروفة. وهذه ميزات -كما قال عبد القاهر بحق- لا تذكر في مجال الإعجاز؛ لأنها ميسرة لكل شاعر، وكاتب شب عن الطوق.
وبوقوف الباحثين في بلاغة القرآن عند خصائص النصوص المفردة، وعدم تجاوزها إلى الخصائص العامة، وصلوا إلى المرحلة الثانية من مراحل النظر في الآثار الفنية، وهي مرحلة الإدراك لمواضع الجمال المتفرقة، وتعليل كل موضع منها تعليلًا منفردًا. ذلك مع ما قدمنا من أن هذا الإدراك كان بدائيًّا ناقصًا.
أما المرحلة الثالثة -مرحلة إدراك الخصائص العامة- فلم يصلوا إليها أبدًا، لا في الأدب، ولا في القرآن. وبذلك بقي أهم مزايا القرآن الفنية مغفلا خافيًا وأصبح من الضروري لدراسة هذا الكتاب المعجز من منهج للدراسة جديد، ومن بحث عن الأصول العامة للجمال الفني فيه، ومن بيان السمات المطردة التي تميز هذا
(1/34)
الجمال عن سائر ما عرفته اللغة العربية من أدب؛ وتفسر الإعجاز الفني تفسيرًا يستمد من تلك السمات المتفردة في القرآن الكريم.
وإن لهذا الكتاب العظيم لخصائص مشتركة، وطريقة موحدة، في التعبير عن جميع الأغراض، سواء كان الغرض تبشيرًا أم تحذيرًا، قصة وقعت أو حادثًا سيقع، منطقًا للإقناع أو دعوة إلى الإيمان، وصفًا للحياة الدنيا أو للحياة الأخرى، تمثيلاً لمحسوس أو ملموس، إبرازًا لظاهر أو لمضمر، بيانًا لخاطر في الضمير أو لمشهد منظور.
هذه الطريقة الموحدة، هذه القاعدة الكبيرة. هي التي كتبنا من أجلها هذا الكتاب ... هي.. "التصوير الفني"!
(1/35)
التصوير الفني:
التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن. فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية؛ وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور؛ وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة؛ وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد؛ وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية. فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة؛ فيها الحياة، وفيها الحركة؛ فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل. فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة؛ وحتى ينقلهم نقلًا إلى مسرح الحوادث الأول، الذي وقعت فيه أو ستقع؛ حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات؛ وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى، ومثل يضرب؛ ويتخيل أنه منظر يعرض، وحادث يقع. فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو؛ وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات، المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث؛ وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة، فتنم عن الأحاسيس المضمرة.
إنها الحياة هنا، وليست حكاية الحياة.
فإذا ما ذكرنا أن الأداة التي تصور المعنى الذهني والحالة النفسية، وتشخص النموذج الإنساني أو الحادث المروي، إنما
(1/36)
هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصور، ولا شخوص تعبر، أدركنا بعض أسرار الإعجاز في هذا اللون من تعبير القرآن.
والأمثلة على هذا الذي نقول: هي القرآن كله، حيثما تعرض لغرض من الأغراض التي ذكرناها؛ حيثما شاء أن يعبر عن معنى مجرد، أو حالة نفسية، أو صفة معنوية، أو نموذج إنساني، أو حادثة واقعة، أو قصة ماضية، أو مشهد من مشاهد القيامة، أو حالة من حالات النعيم والعذاب؛ أو حيثما أراد أن تضرب مثلا في جدل أو محاجة، بل حيثما أراد هذا الجدل إطلاقًا، واعتمد فيه على الواقع المحسوس، والمتخيل المنظور.
وهذا هو الذي عنيناه حينما قلنا: "إن التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن". فليس هو حلية أسلوب، ولا فلتة تقع حيثما اتفق. إنما هو مذهب مقرر، وخطة موحدة، وخصيصة شاملة، وطريقة معينة، يفتن في استخدامها بطرائق شتى، وفي أو ضاع مختلفة؛ ولكنها ترجع في النهاية إلى هذه القاعدة الكبيرة: قاعدة التصوير.
ويجيب أن نتوسع في معنى التصوير، حتى ندرك آفاق التصوير الفني في القرآن. فهو تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخييل؛ كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل.
وكثيرًا ما يشترك الوصف، والحوار، وجرس الكلمات، ونغم العبارات، وموسيقى السياق، في إبراز صورة من الصور، تتملاها العين والأذن، والحس والخيال، والفكر والوجدان.
وهو تصوير حي منتزع من عالم الأحياء، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة. تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات، بالمشاعر
(1/37)
والوجدانات. فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية، أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة.
والآن نأخذ في ضرب الأمثال:
ونبدأ بالمعاني الذهنية التي تخرج في صورة حسية:
1- يريد أن يبين أن الذين كفروا لن ينالوا القبول عند الله، ولن يدخلوا الجنة إطلاقًا، وأن القبول أو الدخول أمر مستحيل. هذه هي الطريقة الذهنية للتعبير عن هذه المعاني المجردة. ولكن أسلوب التصوير يعرضها في الصورة الآتية:
{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} .
ويدعك ترسم بخيالك صورة لتفتح أبواب السماء، وصورة أخرى لولوج الحبل الغليظ في سم الخياط؛ ويختار من أسماء الحبل الغليظ اسم "الجمل" خاصة في هذا المقام؛ ويدع للحس أن يتأثر عن طريق الخيال بالصورتين ما شاء له التأثر، ليستقر في النهاية معنى القبول ومعنى الاستحالة، في أعماق النفس، وقد وردا إليها من طريق العين والحس -تخييلًا- وعبرا إليها من منافذ شتى، في هينة وتؤدة، لا من منفذ الذهن وحده، في سرعة الذهن التجريدية.
2- ويريد أن يبين أن الله سيضيع أعمال الذين كفروا كأن لم تكن قبل شيئًا، وستضيع إلى غير عودة فلا يملكون لها ردًّا، فيقدم هذا المعنى مصورًا في قوله:
{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} .
(1/38)
ويدعك تتخيل صورة الهباء المنثور، فتعطيك معنى أوضح وآكد، للضياع الحاسم المؤكد.
3- أو يرسم هذه الصورة المطولة بعض الشيء لهذا المعنى نفسه:
{مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} .
فتزيد الصورة حركة وحياة، بحركة الريح في يوم عاصف، تذرو الرماد وتذهب به بددًا، إلى حيث لا يتجمع أبدًا.
4- ويريد أن يبين للناس أن الصدقة التي تبذل رياء، والتي يتبعها المن والأذى، لا تثمر شيئًا ولا تبقى. فينقل إليهم هذا المعنى المجرد، في صورة حسية متخيلة على النحو التالي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا} .
ويدعمهم يتملون هيئة الحجر الصلب المستوي، غطته طبقة خفيفة من التراب، فظنت فيه الخصوبة؛ فإذا وابل من المطر يصيبه؛ وبدلا من أن يهيئه للخصب والنماء -كما هي شيمة الأرض حين تجودها السماء- إذا به -كما هو المنظور- يتركه صلدًا؛ وتذهب تلك الطبقة الخفيفة التي كانت تستره، وتخيل فيه الخير والخصوبة.
ثم يمضي في التصوير لإبراز المعنى المقابل لمعنى الرياء، ومعنى الذهاب بالصدقة التي يتبعها المن والأذى:
(1/39)
{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} .
فهناك الوجه الثاني للصورة، والصفحة المقابلة للصفحة الأولى، فهذه الصدقات التي تنفق ابتغاء مرضاة الله، هي في هذه المرة كالجنة، لا كحفنة من تراب؛ وإذا كانت حفنة التراب هناك على وجه صفوان، فالجنة هنا فوق ربوة؛ وهذا هو الوابل مشتركًا بين الحالتين، ولكنه في الحالة الأولى يمحو ويمحق، وفي الحالة الثانية يربي ويخصب. في الحالة الأولى يصيب الصفوان، فيكشف عن وجه كالح كالأذى؛ وفي الحالة الثانية يصيب الجنة، فيمتزج بالتربة ويخرج "أكلا". ولو أن الوابل لم يصبها، فإن فيها من الخصب والاستعداد للإنبات، ما يجعل القليل من المطر يهزها ويحييها! "فإن لم يصبها وابل فطل".
ولا أريد أن أتعرض هنا لذلك التناسق العجيب في جو الصورة، وفي تماثل جزئياتها، وفي توزيع هذه الجزئيات على الرقعة فيها.
حيث يكون الصفوان تغشيه طبقة خفيفة من التراب، مثلا للنفس المؤذية تغشيها الصدقة تبذل رياء "والرياء ستار رقيق يخفي القلب الغليظ"، وحيث توضع الجنة فوق ربوة، في مقابل الحفنة من التراب فوق الصفوان ...
فهذا التقسيم والتوزيع، وهذا التقابل والتنسيق، متروك كله إلى فصل سيجيء من فصول هذا الكتاب.
5- ثم يعود إلى ذلك المعنى مرة أخرى فيقول:
(1/40)
{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} .
فيرسم صورة الحرث تأخذه الريح فيها برد يضرب الزرع والثمار فيهلكها، فلا ينال صاحب الحرث منه ما كان يرجو بعد الجهد فيه، كالذي ينفق ماله وهو كافر، ويرجو الخير فيما أنفق، فيذهب الكفر بما كان يرجوه.
ولا يفوتنا ما في جرس كلمة "صر" من تصوير لمدلولها، وكأنما هو قذائف صغيرة تنطلق على الحرث فتهلكه. وذلك لون من التناسق، سنعرض له كذلك في فصله الخاص.
6- ويريد أن يبرز معنى: أن الله وحده يستجيب لمن يدعوه، وينيله ما يرجوه؛ وأن الآلهة التي يدعونها مع الله لا تملك لهم شيئًا، ولا تنيلهم خيرًا، ولو كان الخير قريبًا؛ فيرسم لهذا المعنى هذه الصورة العجيبة:
{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} .
وهي صورة تلح على الحس والوجدان، وتجتذب إليها الالتفات، فلا يستطيع أن يتحول عنها إلا بجهد ومشقة؛ وهي من أعجب الصور التي تستطيع أن ترسمها الألفاظ: شخص حي شاخص، باسط كفية إلى الماء، والماء منه قريب، يريد أن يبلغه فاه، ولكنه لا يستطيع، ولو مد مدة فربما استطاع!
7- ويبين أن الآلهة الذين يعبدون من دون الله، لا يسمعون
(1/41)
ولا يجيبون؛ لأنهم لا يعون ولا يتبينون، وأن دعاء عبادهم لهم عبث لا طائل وراءه؛ فيختار صور تبين هذا المعنى، وتجسم هذه الحالة، وتلمس الحس والنفس بأقوى مما تلمسهما العبارات العادية، عن المعاني الذهنية.
{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} .
هكذا ينعق الكفار بما لا يسمع، وينادون ما لا يفهم، فلا يصل إليه من أصواتهم إلا دعاء مبهم، ونداء لا يفهم. فهؤلاء الآلهة لا يميزون بين الأصوات ولا يفهمون مراميها، وهذا مثل، ولكنه صورة شاخصة. صورة جماعة يدعون آلهة تصل إليها أصواتهم مبهمة، فلا تفهم مما وراءها شيئًا؛ وفيها تتجلى غفلة الداعين وعبث دعوتهم، بجانب غفلة المدعوين واستحالة إجابتهم!
8- ويريد أن يجسم ضعف هؤلاء الآلهة، أو الأولياء من دون الله عامة، ووهن الملجأ الذي يلجأ إليه عبادهم حين يحتمون بحمايتهم، فيرسم لهذا كله صورة مزدوجة:
{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} .
فهم عناكب ضئيلة واهنة، تأوي من حمى هؤلاء الآلهة أو الأولياء إلى بيت كبيوت العنكبوت أوهن وأضأل، {إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} ولكنهم لا يعلمون حتى هذه البديهية
(1/42)
المنظورة، فهم يضيفون إلى الضعف والوهن، جهلا وغفلة، حتى ليعجزون عن إدراك البديهي المنظور.
9- ويريد أن يبين أن الذي يشرك بالله، لا منبت له ولا جذور، ولا بقاء له ولا استقرار، فيمثل لهذا المعنى بصورة سريعة الخطوات، عنيفة الحركات:
{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} .
هكذا في ومضة. يخر من السماء من حيث لا يدري أحد، فلا يستقر على الأرض لحظة. إن الطير لتخطفه، أو إن الريح لتهوي به.. وتهوي به في مكان سحيق! حيث لا يدري أحد كذلك! وذلك هو المقصود.
10- ويريد أن يثبت معنى الحرمان والإهمال في الآخرة لهؤلاء الذين أعطاهم الله الكتاب من قبل الإسلام فأهملوه، وعاهدهم على الإيمان فعاهدوه، ثم أخلفوه، ابتغاء نفع مادي قليل، شأن من لا عهد له، ولا احترام لكلمته، فيرسم لهذا الإهمال المعنوي صورة حسية:
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ1 لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
__________
1 لا نصيب.
(1/43)
فيوضح معنى الإهمال لا بألفاظ الإهمال، ولكن برسم الحركات الدالة عليه: لا كلام، ولا نظر، ولا تزكية. وإنما عذاب أليم.
وكما يصور المعاني المجردة يصور الحالات النفسية والمعنوية:
1- يريد أن يبرز الحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد، ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد والألهة المتعددين، ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال، فيرسم هذه الصورة المحسة المتخيلة:
{قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا..} .
فتبرز صورة هذا المخلوق التعيس الذي استهوته الشياطين في الأرض "ولفظ الاستهواء لفظ مصور لمدلوله"، ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه، فتكون له راحة ذي القصد الموحد -ولو كان في طريق الضلال- ولكن هناك من الجانب الآخر، إخوان له يدعونه إلى الهدى، وينادونه: "ائتنا". وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء "حيران" موزع القلب، لا يدري أي الفريقين يجيب، ولا أي الطريقين يسلك، فهو قائم هناك شاخص متلفت!
2- ويريد أن يكشف عن حال أولئك الذين يهيئ الله لهم المعرفة، فيفرون منها كأن لم تهيأ لهم أبدًا؛ ثم يعيشون بعد ذلك هابطين، تطاردهم أنفسهم وأهواؤهم، بما علموا وبما جهلوا؛ فلا هم استراحوا بالغفلة، ولا هم استراحوا بالمعرفة، فيرسم لهم هذه الهيئة:
(1/44)
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} .
وفي الصورة تحقير وتقذير -وذلك غرض ديني لا شأن لنا به هنا- ولكنها من الوجهة الفنية صورة شاخصة، فيها الحركة الدائبة. وهي صورة معهودة، فهي في تثبيت المعنى المراد بها أشد وأقوى. وهكذا يلتقي الغرض الديني بالغرض الفني، كالشأن في جميع الصور التي يرسمها القرآن.
3- ويريد أن يوضح حالة تزعزع العقيدة، حيث لا يستقر الإنسان على يقين؛ ولا يحتمل ما يصادفه من الشدائد بقلب راسخ؛ ولا يجعل عقيدته في معزل عن ملابسات حياته، بعيدة عن ميزان الربح والخسارة. فيرسم لهذا التزعزع صورة تهتز وتترنح، وتوشك على الإنهيار:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} .
إن الخيار ليكاد يجسم هذا "الحرف" الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس، وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب الحسي في وقفهم، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب؛ وإن هذه الصورة لترسم حالة التزعزع بأوضح مما يؤديه وصف التزعزع،
(1/45)
لأنها تنطبع في الحس، وتتصل منه بالنفس.
وإني لأذكر الآن تلك الصورة التي ارتسمت في خيالي، وأنا طفل أقرأ القرآن في المدرسة الأولية، حين وصلت إلى هذه الآية ... ترى يبعد تصوري الآن كثيرًا عن هذه الصورة الساذجة؟ لا أظن! فالاختلاف الذي طرأ هو مجرد إدراكي اليوم أن هذا مثل يضرب، لا حقيقة تشهد. وذلك إعجاز التعبير الذي تتقارب في إدراكه شتى المدارك، وتصل في كل حالة إلى صورة حية، مع اختلاف الأفهام.
4- ومما هو بسبيل من ذلك في غرض آخر غير هذا الغرض، تلك الصورة التي رسمها للمسلمين قبل أن يسلموا، يوم أن كانوا معرضين لجهنم بما هم فيه من الكفر، فقال:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} .
هكذا: {كُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ} ، موشكين على الوقوع، تكاد أقدامكم تزل فتهوون. وليس المهم لدينا -في هذا المجال- دقة التشبيه وصدقه، إنما المهم أولًا هو هذه الصورة القلقلة المتحركة الموشكة في الخيال على الزوال. ولو استطاعت ريشة مصور بالألوان أن تبرز هذه الحركة المتخيلة في صورة صامتة لكانت براعة تحسب في عالم التصوير. والمصور يملك الريشة واللوحة والألوان، وهنا ألفاظ فحسب يصور بها القرآن.
ثم ينظر إلى جمال التعبير من زاوية أخرى: إذ يرسم هذه
(1/46)
الصورة، ثم يجعل هذه الحفرة من النار، ويجعلهم على شفا منها، فيطوي الحياة الدنيا كلها -وهي الفاصل بينهم وبين النار- ويجعلهم -وهم بعد أحياء، وهم بعد في الدنيا- واقفين هذه الوقفة، على شفا حفرة من النار، حينما كانوا من الكفار!
5- وشبيهة بهذه الصورة صورة أخرى، لمن يقيم بنيانه على غير التقوى:
{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} .
فهنا قد أكمل الحركة الأخيرة، التي كانت متوقعة هناك: {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} ، وبذلك طوى الحياة الدنيا كلها، دون أن يذكر ولو كلمة "ثم" في موضع "الفاء" "فانهار"؛ لأن هذا المدى الطويل، قصير قصير، حتى لا ضرورة لهذا "التراخي" القصير! "وهذا فن من جمال العرض سيأتي تفصيله في فصل خاص".
ومن بين الحالات النفسية التي يصورها القرآن، ما يرسم "نموذجًا" إنسانيًّا واضحًا للعيان:
مثال ذلك "من يعبد الله على حرف" وقد تحدثنا عنها هناك، فنزيد عليها هذه الأمثال:
1- يريد أن يشخص حالة العناد السخيف، والمكابرة العمياء، التي لا يجدي معها حجة ولا برهان، فيبرز "نموذجًا إنسانيًّا" في هذه الكلمات:
(1/47)
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ 1، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} .
أو يقول:
{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} .
2- ويريد أن يبين أن الإنسان لا يعرف ربه إلا في ساعة الضيق، حتى إذا جاءه الفرج نسي الله الذي فرج عنه. ولكنه لا يقولها في مثل هذا النسق الذهني، إنما يرسم صورة حافلة بالحركة المتجددة، والمشاهد المتتابعة، ويرسم في خلالها "نموذجًا إنسانيًّا" كثير التكرار في بني الإنسان:
{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} .
وهكذا تحيا الصورة وتتحرك، وتموج وتضطرب، وترتفع الأنفاس مع تماوج السفينة وتنخفض؛ ثم تؤدي في النهاية ذلك المعنى المراد، أبلغ أداء وأوفاه.
3- ويريد أن يبرز حالة "نموذج" من الناس ظاهرهم يغري، وباطنهم يؤذي. فيرسم لهم صورة كما يأتي:
__________
1 يصعدون.
(1/48)
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} .
فيستعيض من الوصف الحركة والتصرف، ويبرز المفارقة بين الظاهر والباطن، في نسق من الصور المتحركة في النفس والخيال.
4- وفريق من الناس ضعيف العقيدة، ضعيف العزيمة، مستور الحال، لا يتبين ضعفه في فترة الرخاء، فإذا جد الجد، وجاء الشد، ظهر هذا الضعف على أئمة.. هؤلاء يصورهم نموذجًا واضحًا في هذه الكلمات:
{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} .
ومنظر المغشي عليه من الموت معهود، فما هو إلا أن يذكر التعبير، حتى تبرز صورتهم في الضمير، مصحوبة بالسخرية والتحقير.
5- وقد يبرز هذا "النموذج" في حادثه مروية، فيتجاوز الحادثة الخاصة ويخلد نموذجًا عامًّا:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي
(1/49)
سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} .
وفي هذا المثال يزيد على الضعف، تلك اللجاجة في أيام السلم، وإظهار الشجاعة والاستبسال؛ ثم الخور والجبن، عندما تحين ساعة النضال!
وليست هذه حادثة تقع مرة وتمضي، ولكنه نموذج مكرر في بني الإنسان، لا يتقيد بالزمان والمكان.
وإلى هنا قصرنا الأمثلة على المعاني الذهنية، والحالات النفسية، والنماذج الإنسانية، يخرجها التعبير القرآني صورًا شاخصة أو متحركة، ويعدل بها عن التعبير المجرد إلى الرسم المصور. فلنأخذ الآن في ضرب الأمثلة على التصوير المشخص، لمشاهد الحوادث الواقعة، والأمثال المضروبة، والقصص المروية؛ فالطريقة فيها واحدة، والشبه بينها قريب:
1- ها هو ذا يتحدث عن "الهزيمة"، فيرسم لها مشهدًا كاملا تبرز فيه الحركات الظاهرة والانفعالات المضمرة، وتلتقي فيه الصورة الحسية بالصورة النفسية، وكأنما الحادث معروض من جديد، دون أن يغفل منه قليل أو كثير:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ
(1/50)
ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا، وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} .
فأية حركة نفسية أو حسية من حركات الهزيمة، وأية سمة ظاهرة أو مضمرة من سمات الموقف، لم يبرزها هذا الشريط الدقيق المتحرك، المساوق في حركته لحركة الموقف كله؟
هؤلاء هم الأعداء يأتون المؤمنين من كل مكان، وهذه هي الأبصار زائغة والنفوس ضائقة. وهؤلاء هم المؤمنون يزلزلون زلزالًا شديدًا. وهؤلاء هم المنافقون ينبعثون بالفتنة والتخذيل. يقولون: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا} ، ويقولون لأهل المدينة: لا بقاء لكم هنا. ارجعوا إلى بيوتكم فهي في خطر. وهؤلاء هم جماعة من ضعاف القلوب يقولون: إن بيوتنا مكشوفة، ولسيت في حقيقتها مكشوفة: {إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} .
وهكذا لا تفلت في الموقف حركة ولا سمة، إلا وهي مسجلة ظاهرة، كأنها شاخصة حاضرة.. تلك حادثة وقعت بالفعل.
ولكن صورتها ترسم "الهزيمة" مطلقة من كل ملابسة، وما يزيد عليها أو ينقص منها إلا جزئيات في الواقع! أما الصورة النفسية فخالدة تتكرر في كل زمان، حيثما التقى جمعان، وتعرض أحدهما للخذلان.
2- وقريب من هذه الصورة صورة أخرى للهزيمة أيضًا،
(1/51)
وهي كذلك صورة باقية، لا حادثة مفردة. وذلك حيث يقول: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ1 بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} !
ليخيل إلي أنني أشهد المنظر اللحظة بكل من فيه وكل ما فيه!
ثم نأخذ في عرض نماذج من الأمثال القصصية التي تضرب في القرآن:
1- ها نحن أولاء أمام أصحاب الجنة -جنة الدنيا لا جنة الآخرة- وها هم أولاء يبيتون في شأنها أمرًا. لقد كان للفقراء حظ من ثمر هذه الجنة، ولكن الورثة لا يشاءون. إنهم ليريدون
__________
1 تستأصلونهم بالقتل.
(1/52)
أن يستأثروا بها وحدهم، وأن يحرموا أولئك المساكين حظهم، فلننظر كيف يصنعون:
{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ} .
لقد قر رأيهم على أن يقطعوا ثمرها عند الصباح الباكر، دون أن يستثنوا منه شيئًا للمساكين. فلندعهم على قرارهم، ولننظر ماذا يقع الآن في بهمة الليل؛ حيث يختفون هم، ويخلو منهم المسرح. فماذا يرى النظارة؟ هناك مفاجأة تتم خلسة، وحركة خفية كحركة الأشباح في الظلام! "فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم"1. وهم لا يشعرون.
والآن ها هم أولاء يتصايحون مبكرين! وهم لا يريدون ماذا أصاب جنتهم في الظلام: {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ2، فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ، أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ} !
ليمسك النظارة ألسنتهم فلا ينبهون أصحاب الجنة إلى ما أصاب جنتهم؛ وليكتموا ضحكات السخرية التي تكاد تنبعث منهم، وهم يشاهدون أصحاب الجنة المخدوعين، يتنادون متخافتين، خشية أن يدخلها عليهم مسكين! ليكتموا ضحكات السخرية! بل ليلطقوها! فها هي ذي السخرية العظمى: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْد 3
__________
1 كالمقطوعة الثمار.
2 قاطعين لثمرها، أو قاطعين فيما تنوون.
3 منع وحرمان.
(1/53)
قَادِرِينَ} أجل! إنهم لقادرون الآن، على المنع والحرمان، حرمان أنفسهم على الأقل!
وها هم أولاء يفاجأون، فليضحك النظارة كما يشاءون: {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} ما هذه جنتنا الموقرة بالثمار، فقد ضللنا إليها الطريق!.. فلتتأكدوا يا جماعة!.. {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون} .. وهذا هو الخبر اليقين1
والآن قد سقط في أيديهم: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} أي والله! هلا سبحتم الله واتقيتموه؟ {قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} . الآن وبعد فوات الأوان!
وكما يتنصل كل شريك من التبعة عندما تسوء العاقبة، ويتوجه باللوم إلى الآخرين، ها هم أولاء يصنعون: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُون} .
ثم ها هم أولاء يتركون التلاوم ليعترفوا جميعًا بالخطيئة، عسى أن يفيدهم الاعتراف الغفران، ويعوضهم من الجنة الضائعة جنة أخرى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ، عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} .
2- والآن فإلى صاحب جنة أخرى، بل صاحب جنتين أكبر من الأولى. إن له لقصة مع صاحب له، ليس من ذوي الجنان، ولكن من ذوي الإيمان. وكلاهما "نموذج إنساني" لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبرى، التي تسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه. وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر
(1/54)
لربه، يرى النعمة دليلا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره:
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} .
وبهذا ترتسم صورة الجنتين مكتملة، في ازدهار وفخامة. وهذا هو المشهد الأول. فلننظر إلى المشهد الثاني:
{فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} ويبدو أنه قال قولته هذه وهما في الطريق إلى الجنتين، أو وهما على الباب، إذ جاء بعده:
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} .
فها هو ذا في أوج زهوه وبطره، وتعاليه وازدهائه. فماذا ترى يكون أثر هذا كله في نفس صاحبه الفقير، الذي لا جنة له ولا مال، ولا عصبة له ولا نفر؟ إن صاحبه لمؤمن، فما تشعره كل هذه المظاهر بالهوان، وما تنسيه عزة ربه الديان، وما تغفله عن واجبه الصحيح، في رد صاحبه البطر إلى جادة الطريق، ولو استدعى ذلك أن يجبهه بالتقريع، وأن يذكره بمنشئه الصغير من التراب المهين:
(1/55)
{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} .
وهنا ينتهي هذا المشهد بين الصاحبين: أحدهما منتفش كالديك، ازدهاه ما في جنته من ازدهار، والآخر موقن بالله، مستعز بالإيمان؛ يذكر صاحبه ويؤنبه، ويبصره بما كان يجب أن يصنع إذ رأى جنته. ويبدو أن صاحبه لم يستمع إليه -وهذا طبيعي في هذا الموقف- فهو يقسو عليه قسوة الغاضب لدينه، ويدعو على جنته أن يرسل الله عليها الصواعق، فتصبح جرداء ملساء، تزل فيها القدم وتزلق؛ أو أن يصبح ماؤها غائرًا لا يستطيع أن يطلبه، فضلا على أن يستخرجه ... ثم يفترق الصاحبان وهما متغاضبان. فلننظر بعد ماذا يكون؟
{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} ..
لقد استجاب الله دعوة الرجل المؤمن المتحدي بلا ضرورة، فلنشهد صاحبنا شاخصًا يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وهي خاوية على عروشها، ولندعه يندم: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} ولنسدل الستار على منظر الدمار والاستغفار.
(1/56)
والآن فلنعرض شطرًا من قصص حقيقية، بعدما عرضنا قصص الأمثال.
1- لنعرض مشهدًا من قصة إبراهيم، وهو بيني الكعبة مع ابنه إسماعيل، وكأنما نحن نشهدهما يبنيان ويدعوان الآن، لا قبل اليوم بأجيال وأزمان.
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
لقد انتهى الدعاء، وانتهى المشهد، وأسدل الستار.
هنا حركة عجيبة في الانتقال من الخبر إلى الدعاء، هي التي أحيت المشهد وردته حاضرًا. فالخبر: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} كان كإنما هو الإشارة برفع الستار ليظهر المشهد: البيت، وإبراهيم وإسماعيل، يدعوان هذا الدعاء الطويل.
وكم في الانتقال هنا من الحكاية إلى الدعاء من إعجاز فني بارز، يزيد وضوحًا لو فرضت استمرار الحكاية، ورأيت كم كانت الصورة تنقص لو قيل: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان: ربنا ... إلخ. إنها في هذه الصورة حكاية، وفي الصورة القرآنية حياة. وهذا هو الفارق الكبير. إن الحياة في النص لتثب متحركة حاضرة. وسر الحركة كله في حذف
لفظة واحدة.. وذلك هو الإعجاز.
(1/57)
2- ثم لنعرض مشهدًا من قصة الطوفان: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَال} . وفي هذه اللحظة الرهيبة، تتنبه في نوح عاطفة الأبوة، فإن هناك ابنا له لم يؤمن، وإنه ليعلم أنه مغرق مع المغرقين.
ولكن ها هو ذا الموج يطغى، فيتغلب "الإنسان" في نفس نوح على "النبي"، ويروح في لهفة وضراعة ينادي ابنه جاهرًا: "ونادى نوح ابنه -وكان في معزل- يا بني اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين". ولكن البنوة العاقة لا تحفل هذه الضراعة؛ والفتوة العاتية لا ترى الخلاص إلا في فتوتها، قال: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} . ثم ها هي ذي الأبوة الملهوفة ترسل النداء الأخير، قال: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} . وفي لحظة تتغير صفحة الموقف، فها هي ذي الموجة العاتية تبتلع كل شيء {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} ...
إن السامع ليمسك أنفاسه في هذه اللحظات القصار؛ {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} ، ونوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء؛ وابنه الفتى المغرور، يأبى إجابة الدعاء؛ والموجة القوية العاتية، تحسم الموقف في لحظة سريعة خاطفة. وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية -بين الوالد والمولود- كما يقاس بمداه في الطبيعة -حيث يطغى الموج على الذرى والوديان. وإنهما لمتكافئان، في الطبيعة الصامتة، وفي نفس الإنسان.
ثم لننتقل إلى مشاهد القيامة، وإلى صور النعيم والعذاب، قفد كان لها من التصوير الفني أوفى نصيب:
1- {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ، خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ
(1/58)
يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} .
فهذا مشهد من مشاهد الحشر، مختصر سريع؛ ولكنه شاخص متحرك، مكتمل السمات والحركات. هذه جموع خارجة من الأجداث في لحظة واحدة، كأنها جراد منتشر "ومشهد الجراد المعهود يساعد على تصور هذا المنظر العجيب" وهذه الجموع تسرع في سيرها نحو الداعي، دون أن تعرف لم يدعوها، فهو يدعوها {إِلَى شَيْءٍ نُكُر} لا تدريه. {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} وهذا يكمل الصورة؛ ويمنحها السمة الأخيرة. وفي أثناء هذا التجمع والإسراع والخشوع {يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} . فماذا بقي من المشهد لم يشخص بعد هذه الفقرات القصار؟ وإن السامعين ليتخيلون اليوم النكر، فإذا هو حشد من الصور. صورهم هم -وإنهم لمن المبعوثين- يتجلى فيها الهول الحي، الذي يؤثر في نفس كل حي!
2- وهذا مشهد آخر من مشاهد الإسراع والخشوع، أشد في النفس هولًا وأكمد في التصوير لونًا:
{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} .
أربع صور متتابعة متواكبة، أو أربعة مشاهد لرواية واحدة، يتلو بعضها بعضًا في الاستعراض، فتتم بها صورة شاخصة في الخيال، وهي صورة فريدة للفزع والخجل، والرهبة والاستسلام،
(1/59)
يجللها ظل كثيب ساهم، يكمد الأنفاس. وهي صورة ترسم كذلك في وسط حي: هؤلاء آدميون، بينهم وبين المستمعين صلة الجنس المشترك، والحس المتشابه؛ فهي ترتسم في نفوسهم حية، ويصل الشعور بها من هؤلاء إلى هؤلاء بالمشاركة الوجدانية وبالتخيل المحسوس. فإذا قرأها القارئ تمشت رعدة الهول في حناياه، كأنما يلقاه!
3- ثم تأتي صورة الهول العظمى، التي لا تغني الألفاظ عنها، فلننقلها لتعبر عن نفسها:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} .
مشهد حافل بكل مرضعة ذاهلة عما أرضعت، تنظر ولا ترى، وتحرك ولا تعي، وبكل حامل تسقط حملها، للهول المروع ينتابها؛ وبالناس سكارى وما هم بسكارى، يتبدى السكر في نظراتهم الذاهلة، وفي خطواتهم المترنحة. مشهد مزدحم بذلك الحشد المتماوج، تكاد العين تبصره بينما الخيال يتملاه، والهول الشاخص يذهله، فلا يكاد يبلغ أقصاه. وهو هول حي لا يقاس بالحجم والضخامة، ولكن بوقعه في النفوس الآدمية: المرضعات الذاهلات عما أرضعن، والحوامل الملقيات حملهن، والسكارى وما هم بسكارى "ولكن عذاب الله شديد".
4- وإذا كانت الصور الثلاثة الماضية ترسم الهول ظاهرًا للعيان، فهناك صورة لا يدركها إلا الوجدان:
(1/60)
{لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} , {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} .
إنه لا يوجد أخصر من هذا ولا أدق في تصوير اشتغال القلب والفكر بالهم الحاضر القاهر، حتى لا موضع لسواه، ولا تلفت ولا انتباه.
5- وهذا موقف آخر من مواقف البعث مفصل بعض الشيء، ومؤلف من عدة مشاهد، بين كل منها والآخر فجوة يملؤها الخيال:
{مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} .
هذه هي الصيحة الأولى أخذتهم وهم يتجادلون ويتخاصمون، فلم يستطيعوا حتى التوصية؛ لأنها عجلت بهم إلى القبور.. ثم: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} .
وهذه هي الصيحة الثانية، وها هم أولاء يسرعون من القبور إلى ربهم، وهم في ذعر ودهش، يتساءلون: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ؟ ثم يفركون عيونهم فيتحققون: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُون} ... ثم:
{إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ، فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
(1/61)
وهذه هي الصيحة الأخيرة: {إِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} .
ولقد حضروا فعلا، وارتسم المشهد؛ وها هم أولاء يتلقون الخطاب، على مرأى ومسمع ممن يقرأون الآن هذا الكتاب!: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
6- وإذ تم الحشر، وابتدأ العرض، فها نحن أولاء أمام مشهد لجماعة كانت في الدنيا متوادة متحابة، وهي اليوم متناكرة متدابرة. كان بعضهم يملي لبعض في الضلال؛ وكان بعضهم يتعالى على المؤمنين، ويهزأ من دعواهم في نعيم الآخرة.
ها هم أولاء يقتحمون النار فوجًا بعد فوج. هذا هو الفوج الأول. ينقل إلى نبأ اقتحام الفوج الثاني: {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ} فماذا يكون الجواب؟ يكون: {لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ} ! فهل يسكت المشتومون؟ كلا! فها هم أولاء يردون: {قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ} وإذا دعوة جامعة: {قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ} !
ثم ماذا؟ ثم ها هم أولاء يفتقدون المؤمنين، الذين كانوا يتعالون عليهم في الدنيا ويظنون بهم شرًّا، فلا يرونهم معهم مقتحمين:
{وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ، أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} .. {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} . وإننا لنشهد اليوم هذا التخاصم كما لو كان حاضرًا في العيان! وإن كل نفس آدمية لتحس في حناياها وقع هذا المشهد وتتقيه، وتحاذر -لو ينفع الحذر- أن تقع فيه!
(1/62)
تلك مشاهد للبعث والحشر. وما يقع فيها من حوار بين الشركاء، وتناكر بين الأصفياء. فلنعرض صورًا من النعيم والعذاب، بعد الحوار والعتاب:
1- {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ، قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} .
{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} .
وتكملة المشهد:
{وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
ونحسب أن المشهد بارز واضح، منسق الخطوات، متقابل الجزئيات، لا يحتاج منا إلى توضيح أو بيان. فلنتابع خطوات الفريقين إلى ما خلف الجدران!
2- {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي
(1/63)
الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ، خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} .
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ، كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ، يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ، لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} .
3- ونختم مشاهد القيامة هنا، بهذا المشهد المتعدد المناظر، المتنوع المشاهد، المتفرد في طريقة العرض والحوار:
{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} .
{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ، وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
{وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ، أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ
(1/64)
أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} .
{وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} .
فها نحن أولاء أمام مشاهد يتلو بعضها بعضًا.
ها نحن أولاء أمام المؤمنين في الجنة، والكافرين في النار.
ينادي الأولون الآخرين: {قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} -وفي هذا السؤال من التهكم المر ما فيه- فيجيء الجواب من هناك "نعم"! حيث لا مجال لنكران أو محال. وعندئذ يؤذن بينهما مؤذن: {أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} .
ثم نحن أولاء أمام الأعراف -الفاصلة بين الجنة والنار- وعليها رجال يعرفون هؤلاء وهؤلاء؛ فهم يتوجهون إلى أصحاب الجنة بالترحيب والسلام، ويتوجهون إلى أصحاب النار بالتبكيت والإيلام: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ} انظروا أين هم الآن. إنهم في الجنة يتلقون التكريم!
وأخيرًا ها هم أولاء أصحاب النار يستغيثون، طالبين من أصحاب الجنة أن يفيضوا عليهم من الماء أو مما رزقهم الله، فلديهم من كل شيء فيض غزير، فليفيضوا منه على الملهوفين. ولكن الجواب هو المعذرة والتذكير: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} .
تلك من صور القيامة، ومن صور الحوار فيها والخصام، ومن صور النعيم فيها والعذاب. فهل كان القارئ في أثناء استعراضها
(1/65)
يحس أن هذا كله آتٍ في المستقبل البعيد؟ أم يحس أنه واقع في الحاضر المشهود؟
أما أنا فقد نسيت نفسي؛ ونسيت أني أستعرض هذه المشاهد في ثوبها الفني؛ وحسبتني أشهدها في الواقع لا في الخيال. وذلك أثر الإعجاز في العرض والتشخيص، وهو إعجاز يزيد قيمته أنه -كما قلت مرارًا- يعتمد على الألفاظ وحدها في هذا التصوير.
وبعد، فقد كان من حق هذا الفصل أن ينتهي إلى هذا الحد. ولكن هناك غرضًا من أغراض القرآن يبدو بطبيعته بعيدًا عن الأسلوب التصويري؛ لأنه منطق وجدل ودعوة إلى الدين، كان يتبادر إلى الفهم أن يكون الأسلوب الذهني هو الذي يتبع فيه؛ فاستخدام الأسلوب التصويري -حتى في هذا الغرض- له دلالته الخاصة على أن التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن -وهذه هي القضية التي نعرضها في هذا الفصل- فلا عجب أن نلم بهذه الظاهرة الأخيرة، ونضرب من الجدل التصويري بعض الأمثال. وإن كان لهذا الجدل فصل خاص سيجيء في أواخر الكتاب.
1- هذه هي الصورة الأولى: مشهد من مشاهد الطبيعة الصامتة الخالدة، يلفت النظر إليه دليلًا على قدرة الله:
{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} .
هذه لوحة طبيعية منسقة يوجه إليها البصر، لينقل البصر ما
(1/66)
يراه إلى النفس، ليقع في النفس ما يقع من الأثر. لتؤمن بقدرة الله {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا} وهي لوحة معروضة في كل حين. ولكنك تقرأ هذه الآيات، فتلتفت إليها كأنما تعرض أول مرة في هذا الوجود. وتلك طريقة القرآن في كل ما يوجه إليه النظر من مشاهد الطبيعة، ومشاهد الحياة في جميع المناسبات.
2- وهذه صورة من مشاهد الطبيعة الصامتة كذلك، ولكنها في هذه المرة معروضة في الأرض لا في السماء:
{وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} .
فهذا المشهد قديم مكرور، تمر عليه العيون في غفلة والنفوس، ولكنه يعرض هنا كأنه جديد؛ وإنه لكفيل حين تتملاه العين أن يوقع في النفس تأثرًا وجدانيًّا خاصًّا. فهذه القطع المتجاورات من الأرض مختلفة في النبات. لا بل إن النوع الواحد من النبات ليختلف في الأشكال، فمزدوج ومنفرد، وجميعه يسقى بماء واحد، ولكن تختلف طعومه في الأكل.. وأيًّا ما كانت هذه الملاحظات، فمردها الأول إلى المشاهدة: مشاهدة هذه اللوحة الطبيعية التي يوجه إليها الأنظار، لتراها بالبداهة الملهمة والحس البصير، بعد أن تتملاها الأبصار.
3- وهذا منظر من مناظر الطبيعة المتحركة في الجو، يعرضه خطوة خطوة، وفي كل خطوة مشهد:
{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ
(1/67)
كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ، فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
هكذا لوحة بعد لوحة: إرسال الرياح. إثارة السحاب. بسطه في السماء. جعله متراكمًا. خروج المطر من خلاله. نزول المطر. استبشار من يصبيهم بعد
أن كانوا يائسين. إحياء الأرض بعد موتها.
لينتقل من هذه المشاهد المتتابعة بعد استعراضها للعين والخيال، وبعد تركها تؤثر في النفس على مهل، إلى: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، فيجيء هذا التقرير، في أنسب الأوقات للتقرير.
4- ولئن كان المشهد الثالث في الجواء، فالمشهد الرابع في الأرضين، وهو من ذلك المشهد بسبيل:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} .
فهذا مشهد من مشاهد الأرض كذلك متعدد الخطوات، وهو يعرض في بطء وتفصيل، وتترك كل خطوة للعين مدة كافية للتأمل، وللنفس مدة كافية للتأثر. هذا هو الماء ينزل من السماء، فيسلك ينابيع للري. ثم يخرج به زرعًا مختلفًا ألوانه. ثم يهيج هذا
(1/68)
الزرع وينضج تراه مصفرًّا. ثم ييبس فيصير حطامًا. و"ثم" في كل مرة تعطي هذه "المهلة" للعين والنفس، لتملي المشهد المعروض قبل طيه، وعرض المشهد التالي "وذلك فن من تناسق العرض سيأتي تفصيله في الفصل الخاص به".
5- وفي الجو مشاهد أخرى حية. فهناك الطير التي تطير باسطة أجنحتها، صافة أقدامها، ثم تقبض أجنحتها كذلك عند الهبوط:
{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} .
إنه مشهد واحد ذو منظرين. منظر الطير باسطات أجنحتها صافات أرجلها، ومنظرها كذلك قابضات. وهي صورة حية متحركة، يراها الناس كل لحظة، فيمرون بها غافلين، فهو يلفت إليها أنظارهم، ليروها بالحس الشاعر المتأثر، دليلا على قدرته ورحمته.
6- وفي الأرض مشهد آخر متكرر، يمر به الناس غافلين كذلك، وفي تأمله وتتبع حركته الوئيدة التي تكاد تتم في الخيال -وإن كانت معروضة في العيان- ما يلمس النفس، ويؤثر في الوجدان، ويتيح الفرصة لألوان شتى من التأملات، ذلك منظر الظل الذي تلقيه الأجرام فيبدوا ساكنًا، وهو يتحرك ببطء لطيف:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} .
(1/69)
وفي هذا المشهد جمال طبيعي يغري الخيال بالجولان، ويملي للخواطر في الهيمان. وكم في المشاهد المألوفة المكرورة ما يبدو جديدًا، كأنما تتملاه العين أول مرة، حين تتجه إليه بالحس الشاعر المتفتح، والعين المتيقظة للألوان.
7- وفي الأرض مشاهد أخرى لعل من أشدها أثرًا في الحس والنفس تلك الرسوم الدوارس، والربوع الخوالي، وما تحيله للحس من صور الحياة الغابرة، ومن أشباح الأحياء الداثرة. فهي مشاهد للعين في الظاهر، وللنفس في الضمير. والقرآن يوجه إليها النظر، ثم يرد الخيال إلى الحياة الغابرة فيها، الداثرة منها:
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، وهو القاعدة الأولى في للبيان، وهو الطريقة التي يتناول بها جميع الأغراض، وهو الخصيصة التي لا يخطئها الباحث في جميع الأجزاء.
وهذا الفصل هو مصداق هذا الكلام.
(1/70)
التخييل الحسي والتجسيم:
حينما نقول: إن التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، والقاعدة الأولى فيه للبيان؛ لا نكون قد انتهينا من الحديث عن هذه الظاهرة الشاملة. فإن وراء وراء ذلك بقية تستحق أن نفرد لها هذا الفصل الخاص.
فعلى أية قاعدة يقوم هذا التصوير؟
لقد ألمعنا إلى شيء من ذلك في مفتتح الفصل السابق، حينما قلنا: "إنه يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، كما يعبر بها عن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور؛ ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها، فيمنحها الحية الشاخصة، أو الحركة المتجددة؛ فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي. فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة، فيها الحياة، وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار، فقد استوت لها كل عناصر التخييل".
وكل ما تقدم من الأمثلة في الفصل السابق يصلح برهانًا على هذه الظاهرة، وإن تكن سياقته في ذلك الفصل كانت سريعة لمجرد البرهنة على أن التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن.
ولكننا في هذا الفصل لا نكتفي بالإحالة على تلك الأمثلة، فالقرآن
(1/71)
بين أيدينا حافل بالأمثلة الجديدة. ونحن نختار منها هنا بعض ما له دلالة خاصة على هذه الطريقة المعينة: ظاهرة التخييل الحسي والتجسيم في ذلك التصوير.
قليل من صور القرآن هو الذي يعرض صامتًا ساكنًا -لغرض فني يقتضي الصمت والسكون- أما أغلب الصور ففيه حركة مضمرة أو ظاهرة، حركة يرتفع بها نبض الحياة، وتعلو بها حرارتها. وهذه الحركة ليست مقصورة على مشاهد القصص والحوادث، ولا على مشاهد القيامة، ولا صور النعيم والعذاب، أو صور البرهنة والجدل. بل إنها لتلحظ كذلك في مواضع أخرى لا ينتظر أن تلحظ فيها.
ويجب أن ننبه إلى نوع هذه الحركة، فهي حركة حية مما تنبض به الحياة الظاهرة للعيان، أو الحياة المضمرة في الوجدان. هذه الحركة هي التي نسميها "التخييل الحسي"، وهي التي يسير عليها التصوير في القرآن لبث الحياة في شتى الصور، مع اختلاف الشيات والألوان.
وظاهرة أخرى تتضح في تصوير القرآن وهي "التجسيم": تجسيم المعنويات المجردة، وإبرازها أجسامًا أو محسوسات على العموم. وإنه ليصل في هذا إلى مدى بعيد، حتى ليعبر به في مواضع حساسة جد الحساسية، يحرص الدين الإسلامي على تجريدها كل التجريد، كالذات الإلهية وصفاتها، ولهذا دلالته الحاسمة، أكثر من كل دلالة أخرى، على أن طريقة "التجسيم" هي الأسلوب المفضل في تصوير القرآن، مع الاحتراس والتنبيه إلى خطورة التجسيم في الأوهام.
(1/72)
والأن نأخذ في ضرب الأمثال.
1- لون من ألوان "التخييل" يمكن أن نسميه "التشخيص" يتمثل في خلع الحياة على المواد الجامدة، والظواهر الطبيعية، والانفعالات الوجدانية. هذه الحياة التي قد ترتقي فتصبح حياة إنسانية، تشمل المواد والظواهر والانفعالات؛ وتهب لهذه الأشياء كلها عواطف آدمية، وخلجات إنسانية، تشارك بها الآدميين، وتأخذ منهم وتعطي؛ وتتبدى لهم في شتى الملابسات؛ وتجعلهم يحسون الحياة في كل شيء تقع عليه العين، أو يتلبس به الحس، فيأنسون بهذا الوجود أو يرهبونه، في توفز وحساسية وإرهاف.
هذا هو الصبح يتنفس: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} . فيخيل إليك هذه الحياة الوديعة الهادئة التي تنفرج عنها ثناياه، وهو يتنفس، فتتنفس معه الحياة، ويدب النشاط في الأحياء، على وجه الأرض والسماء.
وهذا هو الليل يسرع في طلب النهار، فلا يستطيع له دركًا، {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} . ويدور الخيال مع هذه الدورة الدائبة، التي لا نهاية لها ولا ابتداء.
أو هذا هو الليل يسري: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْر} . فتحس سريانه في هذا الكون العريض، وتأنس بهذا الساري على هينة واتئاد!
وهاتان هما الأرض والسماء عاقلتين، يوجه إليهما الخطاب، فتسرعان بالجواب:
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} .
(1/73)
والخيال شاخص إلى الأرض والسماء، تدعيان وتجيبان الدعاء. وهذه هي الشمس والقمر والليل، والنهار في سباق دائم ولكن:
{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} .
وإنه لسباق جبار، لا يني أو يفتر في ليل أو نهار.
وهذه هي الأرض "هامدة" مرة و"خاشعة" مرة، ينزل عليها الماء فتهتز وتحيا:
{وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} .
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} .
وهكذا تستحيل الأرض الجامدة، كائنًا حيًّا بلمسة واحدة في لفظة واحدة.
وهذه جهنم. جهنم النهمة المتغيظة التي لا يفلت منها أحد، ولا تشبع بأحد! جهنم التي تدعو من كانوا يدعون إلى الهدى ويدبرون، وهم لدعوتها على الرغم منهم يجيبون! جهنم التي ترى المجرمين من بعيد فتتغيظ وتفور!:
{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ، {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} ، {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ، تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} .
(1/74)
{إِنَّهَا لَظَى، نَزَّاعَةً لِلشَّوَى، تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى، وَجَمَعَ فَأَوْعَى} .
وهذا هو الظل الذي يلجأ إليه المجرمون: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} . ففي نفسه كزازة وضيق، لا يحسن استقبالهم، ولا يهش لهم هشاشة الكريم، فهو ليس "لا بارد" فقط، ولكن كذلك "ولا كريم"!
وهذه هي الرياح لواقح: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِح} بما تحمل من ماء. ولكن التعبير عنها أكسبها حياة، تلقح وتنتج!
وهذا هو الغضب، أو هذا هو الروع، أو هذه هي البشرى، تهيج وتسكن، وتوحي وتسكت؛ وتجيء وتذهب:
{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ} . {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} ..
2- ولون من ألوان "التخييل" يتمثل في تلك الصور المتحركة التي يعبر بها عن حالة من الحالات أو معنى من المعاني. فصورة الذي يعبد الله على حرف {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} . وصورة المسلمين قبل أن يسلموا، وهم {عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ} . وصورة الذي {أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} . كلها صور تخيل للحس حركة متوقعة في كل لحظة، وتتم هذه الحركة في الصورة الأخيرة، كما قلنا في فصل "التصوير الفني".
وقريب من هذه الصور في التخييل صورة ولوج الجمل في سم الخياط. الموعد المضروب لدخول الكافرين الجنة بعد عمر
(1/75)
طويل. فالخيال يظل عاكفًا على تمثل هذه الحركة العجيبة، التي لا تتم ولا تقف ما تابعها الخيال!
والصورة التي تخيلها الآية:
{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} .
فالخيال يظل يتصور تلك الحركة الدائبة: حركة الامتداد بماء البحر لكتابة كلمات الله؛ في غير ما توقف ولا انتهاء، إلا أن ينتهي البحر بالنفاد!
وشبيه بهذه الصورة ما تخيله للحس هذه الآية:
{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} .
والآية: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّر} .
فلفظة الزحزحة ذاتها تخيل حركتها المعهودة "وهذا فن خاص سيأتي عنه الكلام". وهذه الحركة تخيل الموقف على شفا النار، ماثلًا للخيال والأبصار!
3- ولون من ألوان "التخييل" يتمثل في الحركة المتخيلة، التي تلقيها في النفس بعض التعبيرات مثل: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} . وقد سجلنا منها في فصل "التصوير الفني" صور الهباء المنثور، التي هي صورة حسية لإضاعة الأعمال. فالآن تلفتنا فيها لفظة "فقدمنا" ذلك أنها تخيل للحس حركة القدوم التي سبقت نثر العمل كالهباء. وهذا التخييل يتوارى بكل تأكيد لو قيل: وجعلنا عملهم هباء منثورًا. حيث كانت
(1/76)
تنفرد حركة النثر وصورة الهباء، دون الحركة التي تسبقها: حركة القدوم.
ومثلها: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا} . فكلمات {نُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا} تحيل حركة حسية للارتداد في موضع الارتداد المعنوي، وتمنح الصورة حياة محسوسة.
ومن هذا القبيل: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} في موضع: لا تطيعوا الشيطان فإن كلمتي: تتبعوا، وخطوات، تخيلان حركة خاصة، هي حركة الشيطان يخطو والناس وراءه يتبعون خطواته، وهي صورة حين تجسم هكذا تبدو عجيبة من الآدميين، وبينهم وبين الشيطان الذي يسيرون وراءه، ما أخرج أباهم من الجنة!
وكذلك: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} . باختلاف يسير، وهو أن الشيطان في هذه المرة هو الذي تبع هذا الضال ليغويه: {فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} !
ومن هذا الوادي: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم} فحركة الاقتفاء تتهيأ للذهن، ويتمثلها الخيال، بالجسم والأقدام، لا بمجرد الذهن والجنان.
4- ولون من ألوان "التخييل" يتمثل في تلك الحركات السريعة المتتابعة التي عرضنا منها مثالًا في الفصل السابق، صورة الذي يشرك بالله {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} .
وشبيه بها في سرعتها وتعدد مناظرها تلك الحركة المتخيلة في قوله:
(1/77)
{مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} .
وتلك صورة عجيبة، فمن يئس من نصرة الله لنبيه، وضاق صدره، وبلغ حنقة على هذه الحال مبلغًا لا يطيقه، فليحاول أن يغير من هذه الحال ما استطاع، ما دام لا يصبر، ولا ينتظر وعد الله بالنصر ... ليمدد إلى السماء بحبل يتعلق به ليصعد عليه، فإذا لم يجده هذا، فليقطع هذا الحبل الممدود، ثم لينظر: هل أفلح تدبيره هذا في إذهاب ما يغيظه! لينظر، إن كان قد بقي فيه شيء ينظر، بعد قطع حبله الممدود، وبعد السقطة التي يترقبها الخيال!
ومن هذا القبيل -مع شيء من التحوير والتلطيف يناسب المخاطب هنا، وهو النبي صلى الله عليه وسلم- وقد عز عليه إعراض المشركين، وتمنى لو يستطيع هدايتهم للحق، وإتيانهم بالمعجزة التي يطلبون:
{وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} .
5- ولون من "التخييل" يتمثل في الحركة الممنوحة لما من شأنه السكون كقوله: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} فحركة الاشتعال هنا تخيل للشيب في الرأس حركة كحركة اشتعال النار في الهشيم، فيها حياة وجمال، كما أسلفنا.
وأما "التجسيم" فقد وردت له أمثلة كثيرة في فصل "التصوير الفني" كذلك. ومنه كل التشبيهات التي جيء بها لإحالة المعاني
(1/78)
والحالات صورًا وهيئات. نذكر منها:
{مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} . و {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ... } ... إلخ.
ومن هذا النوع:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} .
ولكن الذي نعنيه هنا بالتجسيم، ليس هو التشبيه بمحسوس، فهذا كثير معتاد، إنما نعني لونًا جديدًا هو تجسيم المعنويات، لا على وجه التشبيه والتمثيل، بل على وجه التصيير والتحويل.
1- يقول:
{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} . أو {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} . أو {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} .
(1/79)
فيجعل كأن هذا العمل المعنوي مادة محسوسة. تحضر "على وجه التجسيم" أو تحضر هي "على وجه التشخيص"، أو توجد عند الله كأنها وديعة تسلم هنا فتتسلم هناك.
وقريب من هذا تجسيم الذنوب كأنها أحمال "تحمل على الظهور زيادة في التجسيم": {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} . {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .
ومن تجسيم المعنويات أمثال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} فالتقوى زاد. أو {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} فدين الله صبغة معلمة، أو {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} فالسلم مما يدخل فيه. أو {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} ، فالإثم مما له ظاهر وباطن. إلى آخر هذا النحو من الاستعارات.
2- ويحدث عن حالة نفسية معنوية هي حالة التضايق والضجر والحرج. فيجسهما كحركة جثمانية:
{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} .
فالأرض تضيق عليهم، ونفوسهم تضيق بهم كما تضيق الأرض؛ ويستحيل الضيق المعنوي في هذا التصوير ضيقًا حسيًّا أوضح وأوقع؛ وتتجسم حالة هؤلاء الذين تخلفوا عن الغزو مع الرسول، فأحسوا بهذا الضيق الخانق، وندموا على تخلفهم ذلك الندم المحرج، حتى لا يجدوا لهم ملجأ ولا مفرًّا، ولا يطيقون راحة، إلى أن قبل الله توبتهم1.
__________
1 الثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع.
(1/80)
ومثله: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} .
فالقلوب كأنما تفرق مواضعها وتبلغ الحناجر حقًّا من شدة الضيق.
ومنه: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} .
كأنما الروح شيء مجسم، يبلغ الحلقوم في حركة محسوسة.
ومنه: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} .
أي ضاقت صدورهم من الحيرة والحرج، بين أن يقاتلوكم انتصارًا لقومهم، أو يقاتلوا قومهم انتصارًا لكم.
3- ويصف حالة عقلية أو معنوية؛ وهي حالة عدم الاستفادة مما يسمعه بعضهم من الهدى، وكأنهم لم يسمعوا به، أو يتصلوا اتصالًا ما. فيجعل كأنما هناك حواجز مادية تفصل بينهم وبينه.
مثل:
{إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُون} . أو {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً 1 أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} 2. أو {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} . أو {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُو نَ 3، وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
__________
1 أغطية.
2 الصمم وأصله الثقل.
3 مرفوع الرأس اضطرارًا.
(1/81)
سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} . أو {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} . أو {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} .
وكلها تجسم هذه الحواجز المعنوية، كأنما هي موانع حسية؛ لأنها في هذه الصورة أوقع وأظهر.
4- ويكون الوصف حسيًّا بطبيعته، فيختار عن الوصف هيئة تجسمه. كقوله: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} في مكان: يأتيهم من كل جانب، أو يحيط بهم؛ لأن هيئة الغشيان من فوق ومن تحت أدخل في الحسية من الوصف بالإحاطة. ومثله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} و {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} ...
ومن هذا النوع: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} فهذا السواد الذي أصاب وجوههم ليس لونًا ولا صبغة، وإنما هو قطعة من الليل المظلم غشيت بها وجوههم!
5- ومن "التجسيم" وصف المعنوي بمحسوس: كوصف العذاب بأنه غليظ {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} . واليوم بأنه ثقيل. {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} .
فينتقل العذاب من معنى مجرد إلى شيء ذي غلظ وسمك؛ وينتقل اليوم من زمن لا يمسك إلى شيء ذي كثافة ووزن!
6- وضرب الأمثلة على المعنوي بمحسوس، كقوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} لبيان أن القلب الإنساني لا
(1/82)
يتسع لاتجاهين، ومثل: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} 1 لبيان العبث في نقض العهد بعد المعاهدة.
ومثل: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} لتفظيع الغيبة، حتى لكأنما يأكل الأخ لحم أخيه الميت!
7- ثم لما كان هذا التجسيم خطة عامة، صور الحساب في الآخرة ما لو كان وزنًا مجسمًا للحسنات والسيئات:
{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَة} . {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُه} ... {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} . {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} . {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} . {وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} .
وكل ذلك تمشيًا مع تجسيم الميزان.
وكثيرًا ما يجتمع التخييل والتجسيم في المثال الواحد من القرآن، فيصور المعنوي المجرد جسمًا محسوسًا، ويخيل حركة لهذا الجسم أو حوله من إشعاع التعبير. وفي الأمثلة السابقة نماذج من هذا؛ ولكنا نعرض هذه الظاهرة في أمثلة جديدة؛ فلدينا وفر من الأمثلة على كل قاعدة!
1- من ذلك:
{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} . {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْب} . {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء
__________
1 طاقات حل فتلها.
(1/83)
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} . {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} ...
فكأنما الحق قذيفة خاطفة تصيب الباطل فتزهقه. وكأنما الرعب قذيفة سريعة تنفذ في القلوب لفورها. وكأنما العداوة والبغضاء مادة ثقيلة، تلقى بينهم، فتبقى إلى يوم القيامة. وكأنما السكينة مادة مثبتة تنزل على رسول الله وعلى المؤمنين. وكأنما للذل جناح يخفض من الرحمة بالوالدين.
وفي كل مثال من هذه يجتمع التجسيم -بإحالة المعنى جسمًا- مع التخييل بحركة هذا الجسم المفروضة.
2- ومن ذلك: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} و {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} . فبعد أن تصبح الخطيئة شيئًا ماديًا، تتحرك حركة الإحاطة، وبعد أن تصبح الفتنة لجة، يتحركون هم بالسقوط فيها.
3- ومنه: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِل} . {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر} . ففي المثال الأول يصبح الحق والباطل مادتين تستر إحداهما بالأخرى. وفي المثال الثاني يصبح ما أمر به مادة يشق بها ويصدع، دلالة على القوة والنفاذ.
4- ومنه:
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} . {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} .
(1/84)
ففي المثال الأول يستحيل الهدى والضلال نورًا وظلمة، ثم تبدأ عملية الإخراج المتخيلة، وفي المثال الثاني يصبح الإيمان عروة، ثم تبدأ الحركة المتخيلة في الاستمساك بها. فتؤدي هذه الصورة المجسمة المتحركة إلى تمثل أوضح، وأرسخ للمعنى الخيالي المجرد.
بهذه الطريقة المفضلة في التعبير عن المعاني المجردة، سار الأسلوب القرآني في أخص شأن يوجب فيه التجريد المطلق، والتنزيه الكامل: فقال:
{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم} . {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} . {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} . {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش} . {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} . {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} . {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} . {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُط} . {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} . {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} . {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَي} ... إلخ.
وثار ما ثار من الجدل حول هذه الكلمات، حينما أصبح الجدل صناعة، والكلام زينة. وإن هي إلا جارية على نسق متبع في التعبير، يرمي إلى توضيح المعاني المجردة وتثبيتها؛ ويجري على سنن مطرد، لا تخلف فيه ولا عوج. سنن التخييل الحسي والتجسيم في كل عمل من أعمال التصوير.
(1/85)
ولكن اتباع هذا السنن في هذا الموضع بالذات، قاطع في الدلالة -كما قلنا- على أن هذه الطريقة في القرآن أساسية في التصوير؛ كما أن "التصوير هو القاعدة الأولى في التعبير".
(1/86)
التناسق الفني:
حينما نقول: إن التصوير هو القاعدة الأساسية في أسلوب القرآن، وإن التخييل والتجسيم هما الظاهرتان البارزتان في هذا التصوير، لانكون قد بلغنا المدى في بيان الخصائص القرآنية بصفة عامة، ولا خصائص التصوير القرآني بصفة خاصة. ووراء هذا وذاك آفاق أخرى يبلغ إليها النسق القرآني؛ وبها تقويمه الصحيح من ناحية الأداء الفني.
هنالك التناسق الذي يبلغ الذروة في تصوير القرآن.
والتناسق ألوان ودرجات. ومن هذه الألوان ما تنبه إليه بعض الباحثين في بلاغة القرآن؛ ومنها ما لم يمسسه أحد منهم حتى الآن.
1- منها ذلك التنسيق في تأليف العبارات، بتخير الألفاظ، ثم نظمها في نسق خاص، يبلغ في الفصاحة أرقى درجاتها. وقد أكثروا من القول في هذا اللون، وبلغوا غاية مداه؛ بل تجاوزوا الصحيح منه، إلى التمحل الذي لا ضرورة له!
2- ومنها ذلك الإيقاع الموسيقى الناشئ من تحير الألفاظ ونظمها في نسق خاص. ومع أن هذه الظاهرة واضحة جد الوضوح في القرآن، وعميقة كل العمق في بنائه الفني؛ فإن حديثهم عنها لم يتجاوز ذلك الإيقاع الظاهري؛ ولم يرتق إلى إدراك التعدد في الأساليب الموسيقية، وتناسق ذلك كله مع الجو الذي تطلق فيه هذه الموسيقى، ووظيفتها التي تؤديها في كل سياق.
(1/87)
3- ومنها تلك النكت البلاغية التي تنبه لها الكثيرون؛ من التعقيبات المتفقة مع السياق، كأن تجيء الفاصلة: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} بعد كلام يثبت القدرة، والفاصلة: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} بعد كلام في وادي العلم المستور.. وكأن يعبر بالاسم الموصول لتكون جملة الصلة بيانًا لعلة الجزاء، مثل: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} ... وكأن يعبر بلفظ "الرب" في مواضع التربية والتعليم مثل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ؛ بينما يعبر بلفظ "الله" في مواضع التأليه والتعظيم مثل: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} ... وكما يظهر اسم الجلالة أو يضمر لغرض يقتضيه السياق. وكما يقدم أو يؤخر، ويصل أو يفصل، ويطلق أو يقصر، ويستفهم أو يقرر ... إلى آخر المباحث البلاغية المعروفة ... وفيهم من يعد هذا أقصى مظاهر البلاغة في تعبير القرآن!
4- ومنها ذلك التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات، والتناسب في الانتقال من غرض إلى غرض. وبعضهم يتمحل لهذا التناسق تمحلًا لا ضرورة له، حتى ليصل إلى حد من التكلف، ليس القرآن في حاجة إلى شيء منه.
5- ولعل أعلى نوع من التناسق تنبهوا إليه هو هذا التناسق النفسي بين الخطوات المتدرجة في بعض النصوص، والخطوات النفسية التي تصاحبها، كالمثل الذي أخذناه من "الزمخشري"
(1/88)
عن الفاتحة، في فصل "كيف فهم القرآن".
ومع أن الخصائص التي طرقوها حقيقية وقيمة، فإنها لا تزال أولى مظاهر التناسق التي يلمحها الباحث في القرآن؛ ووراءها آفاق أخرى لم يتعرضوا لها أصلًا، فيما عدا ظاهرة الإيقاع الموسيقى، فهي أحد هذه الآفاق العالية. ولكنهم كما قلت، وقفوا عند مظاهرها الخارجية.
ولما كان التصوير في القرآن مسألة لم يعرضوا لها قط، بوصفها أساسًا للتعبير القرآني جملة، فقد بقي التناسق الفني في هذا "التصوير" بعيدًا عن آفاق بحثهم بطبيعة الحال.
وإذ كان قصدنا من هذا الكتاب، هو أن نستعرض الآفاق الجديدة، لا أن نكرر الاتجاهات التي اهتدى إليها الباحثون، فإننا سنترك تفصيل القول في هذه الاتجاهات -مع اعتقادنا أن كل ما كتب فيها قابل للعرض في ضوء جديد، للتقدم فيه خطوات بعيدة بعد آخر خطوة وقف عندها الأسلاف.
وسنكتفي في هذا الصدد بالنموذج الذي عرضناه للتناسق الداخلي بين المعاني والأهداف في "سورة العلق" -السورة الأولى- في فصل "منبع السحر في القرآن". فهذا النموذج صورة مما يتجه إليه البحث المجدد في التسلسل الفكري والتناسق النفسي، بين سياق القرآن.
ثم نشير مجرد إشارة إلى التناسق المعنوي، والنفسي بين القصص التي يعرضها القرآن والسياق الذي يعرضها فيه، وانسجام عرضها في هذا السياق مع الغرض الديني، والمظهر الفني سواء بسواء "والمثال على هذا اللون من التناسق سيأتي في فصل "القصة في القرآن"
(1/89)
ومثل القصص في هذا اللون من التناسق سائر ما يعرض من مشاهد القيامة، وصور النعيم والعذاب، والصور التي تساق في معرض الجدال، فهو يعرض منسجمًا مع الوسط الذي يعرض فيه، ويؤدي الغرض النفسي الذي يرمي إليه.
ولكن هذا كله إنما ينتهي إلى تناسق المعاني والأغراض. والبحث في هذا النطاق مهما دق وارتفع يبقى في معزل عن أجمل، وأبدع وسائل القرآن في التعبير، وهو التصوير.
ولما كانت نقلة بعيدة أن نقفز من هذه السطوح المستوية إلى تلك القمم الشامخة، فإننا سنختار أن نرقى إلى هذه الآفاق خطوة بعد أخرى؛ حتى نتطلع إلى قمتها البعيدة.
1- هناك المواضع التي يناسق فيها التعبير مع الحالة المراد تصويرها؛ فيساعد على إكمال معالم الصورة الحسية أو المعنوية.
وهذه خطوة مشتركة بين التعبير للتعبير، والتعبير للتصوير، فهي مفرق الطريق بين السطوح المستوية والقمم المتدرجة!
مثال ذلك: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} فإن "الدواب" تطلق عادة على الحيوان -وإن كانت تشمل الإنسان فيما تشمل؛ لأنه يدب على الأرض- ولكن شمولها هذا للإنسان، ليس هو الي يتبادر إلى الذهن؛ لأن للعادة حكمها في الاستعمال. فاختيار كلمة "الدواب" هنا، ثم تجسيم الحالة التي تمنعهم من الانتفاع بالهدى بوصفهم "الصم البكم" كلاهما يكمل صورة الغفلة والحيوانية، التي يريد أن يرسمها لهؤلاء الذين لا يؤمنون؛ لأنهم {لَا يَعْقِلُون} .
(1/90)
ومن هذا النحو: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} فقد رسم لهم بهذا التشبيه صورة دقيقة: إنهم يأكلون ويتمتعون غافلين عن الجزاء الذي ينتظرهم، كما تأكل الأنعام وتمرح، غافلة عن شفرة القصاب، أو غافلة عما سوى الطعام والشراب.
ومثال ذلك: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} . وفي هذا التعبير ألوان من التناسق الظاهر والمضمر، ومن لطف الكناية عن ملابسات دقيقة. وأدق ما فيه هو ذلك التشابه بين صلة الزارع بحرثه وصلة الزوج بزوجه في هذا المجال الخاص.
وبين ذلك النبت الذي يخرجه الحرث، وذلك النبت الذي تخرجه الزوج؛ وما في كليهما من تكثير وعمران وفلاح. وكل هذه الصور تنطوي تحت استعارة في بضع كلمات.
2- وقد يستقل لفظ واحد -لا عبارة كاملة- برسم صورة شاخصة -لا بمجرد المساعدة على إكمال معالم صورة-. وهذه خطوة أخرى في تنسيق التصوير، أبعد من الخطوة الأولى، وأقرب إلى قمة جديدة في التناسق. خطوة يزيد من قيمتها أن لفظًا مفردًا هو الذي يرسم الصورة، تارة بجرسه الذي يلقيه في الأذن، وتارة بظله الذي يلقبه في الخيال، وتارة بالجرس والظل جميعًا.
تسمع الآذن كلمة "أثاقلتم" في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} فيتصور الخيال ذلك الجسم المثاقل، يرفعه الرافعون في جهد، فيسقط من أيديهم في ثقل. إن في هذه الكلمة "طنًّا" على الأقل من الأثقال! ولو أنك قلت: تثاقلتم، لخف الجرس، ولضاع
(1/91)
الأثر المنشود، ولتوارت الصورة المطلوبة التي رسمها هذا اللفظ، واستقل برسمها.
وتقرأ: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} فترتسم صورة التبطئة في جرس العبارة كلها -وفي جرس "ليبطئن" خاصة. وإن اللسان ليكاد يتعثر، وهو يتخبط بها، حتى يصل ببطئ إلى نهايتها!
وتتلو حكاية قول هود: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} فتحسن أن كلمة "أنلزمكموها" بصور جو الإكراه بإدماج كل هذه الضمائر في النطق، وشد بعضها إلى بعض، كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون، ويشدون إليه وهم منه نافرون!
وهكذا يبدو لون من التناسق أعلى من البلاغة الظاهرية، وأرفع من الفصاحة اللفظية، اللتين يحسبهما بعض الباحثين في القرآن -قديمًا وحديثًا- أعظم مزايا القرآن!
وتسمع كلمة: "يصطرخون" في الآية:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} .
فيخيل إليك جرسها الغليظ، غلظ الصراخ المختلط المتجاوب من كل مكان، المنبعث من حناجر مكتظة بالأصوات الخشنة؛ كما تلقي إليك ظل الإهمال لهذا الاصطراخ الذي لا يجد من يهتم به أو يلبيه. وتلمح من وراء ذلك كله صورة ذلك العذاب الغليظ الذي هم فيه يصطرخون.
(1/92)
وحين يستقل لفظ واحد بهذه الصورة كلها يكون ذلك فنا من التناسق الرفيع.
ومثلها كلمة "عتل" في تمثيل الغليظ الجافي المتنطع: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم} .
فإذا سمعت: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} صورت لك كلمة "بمزحزحه" -المقدمة في التعبير على الفاعل لإبرازها- صورة الزحزحة المعروفة كاملة متحركة، من وراء هذه اللفظة المفردة.
وكذلك قوله: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} . فكلمة "فكبكبوا" يحدث جرسها صوت الحركة التي تتم بها.
وحقيقة إن وضع هاتين اللفظتين اللغوي هو الذي يمنحها هذه الصورة -وليس هو استعمال القرآن الخاص لهما، كما هو الشأن في الكلمات الماضية، التي اشتقها خاصة أو استعملها أول مرة- ولكن اختيارهما في مكانيهما يحسب بلا شك في بلاغة التعبير.
ومن الأوصاف التي اشتقها القرآن ليوم القيامة: "الصاخة" و"الطامة". والصاخة لفظة تكاد تخرق صماخ الأذن في ثقلها وعنف جرسها، وشقة للهواء شقًّا، حتى يصل إلى الأذن صاخًّا ملحًا. والطامة لفظة ذات دوي وطنين، تخيل إليك بجرسها المدوي أنها تطم وتعم، كالطوفان يغمر كل شيء ويطويه.
ضع هذه الألفاظ بجوار ذلك اللفظ المشرق الرشيق "تنفس" {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس} تجد الإعجاز في اختيار الألفاظ لمواضعها،
(1/93)
ونهوض هذه الألفاظ برسم الصور على اختلافها.
ومثلها التعبير عن النوم بالنعاس، وعن التنويم بغشية النعاس: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} تجد جو النعاس الرقيق اللطيف، وكأنه غشاء شفيف، يغشي الحواس في لطف ولين: "أمنة منه" فالجو كله أمن ودعة وهدوء.
ونوع آخر من تصوير الألفاظ بجرسها يبدو في صور الناس: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ، مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} .
اقرأها متوالية تجد صوتك يحدث "وسوسة" كاملة تناسب جو السورة. جو وسوسة {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} .
ونوع من هذا -ولكن فيه عنه اختلافًا- ذلك قوله: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} فالمطلوب هنا هو تفظيع ما قالوا من أن الله اتخذ ولدًا، وتكبير هذه الفرية بكل طريقة. فقال: "كبرت" وأضمر الفاعل؛ ثم جعل هذه الكلمة تمييزًا منكرًا، ليكون في الإضمار والتنكير معنى الاستنكار والتكبير "كبرت كلمة"، ثم جعلها تخرج من أفواههم خروجًا كأنها رمية من غير رام "تخرج من أفواههم"، وتنسيقًا لجو التكبير كله جاءت كلمة "أفواههم". وإنك لتحتاج في نطقها أن تفتح فاك بالواو الممدودة، وأن تخرج هاءين متواليتين من الحلق في عسر ومشقة، قبل أن تطبق "فاهك" على الميم الأخيرة!
(1/94)
وهناك نوع من الألفاظ يرسم صورة الموضوع، ولكن لا بجرسه الذي يلقيه في الأذن، بل بظله الذي يلقيه في الخيال -وللألفاظ كما للعبارات ظلال خاصة يلحظها الحس البصير، حينما يوجه إليها انتباهه، وحينما يستدعي صورة مدلولها الحسية.
مثال ذلك: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} فالظل الذي تلقيه كلمة "انسلخ" يرسم صورة عنيفة للتملص من هذه الآيات؛ لأن الانسلاخ حركة حسية قوية.
ومثله: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} فلفظة "يترقب" ترسم هيئة الحذر المتلفت. "ولا تغفل هنا أنه خائف يترقب "في المدينة" موضع الأمن والاطمئنان عادة، وإن كان هذا خاصًّا بالتعبير كله. ولكن العبارة هنا تبرز قيمة اللفظ المصور للفزع في موطن الأمان! ".
ومن هذا الوادي كل النماذج التي عرضناها في فصل "التخييل الحسي والتجسيم" عن "التخييل". فالظلاف التي تلقيها التعبيرات هناك من هذا القبيل.
وقد يشترك الجرس والظل في لفظ واحد مثل {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} فلفظ الدع يصور مدلوله بجرسه وظله جميعًا.
ومما يلاحظ هنا أن "الدع" هو الدفع في الظهور بعنف، وهذا الدفع في كثير من الأحيان يجعل المدفوع يخرج صوتًا غير إرادي فيه عين ساكنة هكذا: "أع" وهو في جرسه أقرب ما يكون إلى جرس "الدع"!
ومثله: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ} فالعتل جرس في الأذن وظل في الخيال، يؤديان المدلول للحس والوجدان.
(1/95)
ونستطيع أن نضيف إلى هذا الباب ألفاظًا مما ذكرنا هناك في الألفاظ الدالة بجرسها، مثل "النعاس" و"التنفس" و"الطامة".
فلها كذلك ظلال بجانب ما لها من جرس. والتفرقة في الواقع عسيرة؛ لأن الفوارق دقيقة لطيفة.
إنما تلتقي جميعًا عند تصوير الألفاظ للمدلولات، لا من قبيل الدلالة المعنوية فحسب، ولكن من قبيل الطريقة التصويرية التخييلية، وهو ما يعنينا خاصة في هذا المقام.
3- وهناك تلك المقابلات الدقيقة بين الصور التي ترسمها التعبيرات "والتقابل طريقة من طرق التصوير، وطريقة من طرق التلحين. والتعبير القرآني يكثير من استخدامها في تنسيق صوره التي يرسمها بالألفاظ على نحو دقيق".
من ذلك هاتان الصورتان السريعتان للبث والجمع في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} .
فصورة بث الدواب، وصورة جمعها، تلتقيان في سطر، بينما الخيال نفسه يكاد يستغرق مدى أطول في تصورهما: واحدة بعد الأخرى.
ومن ذلك الصورتان اللتان يعرضهما لإماتة الأحياء، وإحياء الموتى في قوله:
{أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} .
(1/96)
ففي وضمة عين نقلهم من القرى المهلكة الداثرة بعد الحياة والعمران، إلى الأرض الحية الممرعة بعد الموت والإجداب.
فالتقابل هنا بين حالتين وحالتين في الواقع لا بين حالة وحالة.
هذه المقابلة تكاد تضطرد في صور النعيم والعذاب في الآخرة، وهي كثيرة جدًّا في القرآن، فنكتفي هنا بأمثلة منها.
في وسط الهوى الذي ترسم صورته هذه الفقرات:
{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى، يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي، فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} .
في وسط هذا الروع الذي يبثه ذلك العرض العسكري -الذي تشترك فيه جهنم- بموسيقاه العسكرية المنتظمة الدقات، المنبعثة من البناء اللفظي الشديد الأسر، وبين العذاب الفذ والوثاق النموذجي.. يقال لمن آمن:
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} .
هكذا في عطف ولطف: {يَا أَيَّتُهَا} وفي روحانية وتكريم: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ} . {الْمُطْمَئِنَّةُ} في وسط هذا الروع. {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} بما بينك وبينه من صلة وإضافة. {رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} بهذا الانسجام الذي يغمر الجو كله بالرضى والتعاطف. {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} ممتزجة بهم متوادة معهم. {وَادْخُلِي جَنَّتِي} المضافة لي.
(1/97)
والموسيقى حول المشهد مطمئنة متموجة رخية. في مقابل تلك الموسيقى القوية العسكرية.
ذلك نموذج من المقابلة النفسية بين الكافرين والمؤمنين، فلنعرض نموذجًا للعذاب الحسي والنعيم المادي، متقابلين أيضًا:
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً، تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ 1، لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ 2، لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} .
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ، لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً، فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} .
فهنا تقابل في جو العذاب وجو النعيم، وفي كل جزئية من الجزئيات هنا وهناك. ومثل هذا كثير.
4- وهناك نوع من التقابل، ولكن لا بين صورتين حاضرتين كما هو الحال هنا3، بل بين صورتين: إحداهما حاضرة الآن، والأخرى ماضية في الزمان. حيث يعمل الخيال في استحضار هذه الصورة الأخيرة ليقابلها بالصورة المنظورة.
{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} .
__________
1 شديد الحرارة.
2 يابس "الشبرق" وهو شوك ترعاه الإبل ما دام رطبًا.
3 هما حاضرتان في الخيال، وإن كانتا من صور القيامة الآجلة.
(1/98)
فالصورة الحاضرة هنا هي صورة الإنسان "الخصيم المبين"، والصورة الماضية هي صورة النطفة الحقيرة. وبين الصورتين مسافة بعيدة يراد إبرازها لبيان هذه المفارقة في تصرف الإنسان. ولهذا جعل الصورتين متقابلتين، وأغفل المراحل بينهما، لتؤدي المفارقة الواضحة هذا الغرض الخاص. بالتقابل التخييلي بين حال وحال.
ومنه قوله:
{وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا، إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا، وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} .
فالمقابلة هنا بين صورة "أولي النعمة" الحاضرة، وصورة الطعام ذي الغصة المتخيلة، فها قيمتها الفنية بجانب قيمتها الدينية.
ومنه:
{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ، كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ، نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} .
فصورة الهمزة اللمزة الذي يهزأ بالناس ويلمزهم، والذي جمع مالا وعدده، صورة هذا المتعالي الساخر، تقابلها صورة "المنبوذ" والمنبوذ في "الحطمة" التي تحطم كل ما يلقى إليها، فتحطم كبرياءه وقوته وجاهه، وهي النار "تطلع" على فؤاده، الذي يبعث منه الهمز واللمز، ويخفي فيه التعاظم والكبرياء. وتكملة لصورة المنبوذ المحطم المهمل: هذه الحكمة مقفلة عليه لا ينفذ منها أحد، ولا يسأل عنه فيها أحد.
(1/99)
ومثلها:
{وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} .
فالسموم والحميم، والظل الذي ليس له من الظل إلا اسمه؛ لأنه "من يحموم" "لا بارد ولا كريم".. صورة هذا الشظف تقابل صورة الترف: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} .
وهنا موضع تأمل لطيف في هذا التصوير وفيما يماثله: هؤلاء المتحدث عنهم يعيشون في الدنيا الحاضرة، وصورة الترف هي الصورة القريبة. أما ما ينتظرهم من السموم والحميم، والشظف فهو الصورة البعيدة. ولكن التصوير هنا لفرط حيويته يخيل للقارئ أن الدنيا قد طويت، وأنهم الآن هناك؛ وأن صورة الترف قد طويت كذلك، وصورة الشظف قد عرضت. وأنهم الآن يذكرون في وسط السموم والحميم، بأنهم {كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِين} ! وذلك من عجائب التخييل. ولكنه النسق المتبع غالبًا في القرآن، والذي يلبي طلبه الفن والدين في آن: يلبي طلبه الفن في قوة الإحياء، حتى لينسى المشاهد أن هذا مثل يضرب، ويحس أنه حاضر يشهد؛ ويلبي طلبة الدين؛ لأن الإحساس بالمغيب حاضرًا مما يلمس الوجدان، ويهيئ لدعوة الإيمان.
ومن هذا النحو:
{خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} .
(1/100)
ومن نماذج المقابلة تلك الصورة:
{كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ، فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى، وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} .
وقد سار فيها على النسق الذي تحدثنا عنه آنفًا، فجعل الصورة الثانية هي الماضية التي انطوت وانطوت معها الدنيا، والصورة الأولى هي الحاضرة التي يعانيها ولا يخلص منها، ليرى هذا الذي التفت منه الساق بالساق من الهول والرعب، أو من الداء والألم، وبلغت روحه التراقي، وتساءل من تساءل: ألا من راقيرقيه ويرفع عنه هذه الحال -كما يرقى المصروعون والممسوسون- وظن أنه مفارق أهله هؤلاء.. ليرى صورته هذه ويستحضر صورته الأخرى، يوم أن كذب وتولى وذهب إلى أهله يتمطى. إنه سيستعرض الصورتين، ولكن بعد فوات الأوان، فلقد: {الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} ولا وقت هناك، فإن {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} .
وبعد، فنحن نستطيع أن نغفل كل ما ذكرناه آنفًا، وما ذكره غيرنا من ألوان التناسق في القرآن، لنرقى إلى ألوان أخرى من التناسق الفني، لم نتعرض لها حتى الآن؛ فتكون هذه الألوان الأخرى حسب الكتاب كله في التناسق والانسجام!
1- قلنا: إن في القرآن إيقاعًا موسيقيًّا متعدد الأنواع، يتناسق
(1/101)
مع الجو ويؤدي وظيفة أساسية في البيان1.
ولما كانت هذه الموسيقى القرآنية إشعاعًا للنظم الخاص في كل موضع، وتابعة لقصر الفواصل وطولها، كما هي تابعة لانسجام الحروف في الكلمة المفردة، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة.. فإننا نؤثر أن نتحدث عن هذه الظواهر كلها مجتمعة.
جاء في القرآن الكريم: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} .
وجاء فيه حكاية عن كفار العرب: {بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} .
وصدق القرآن الكريم، فليس هذا النسق شعرًا. ولكن العرب كذلك لم يكونوا مجانين، ولا جاهلين بخصائص الشعر، يوم قالوا عن هذا النسق العالي: إنه شعر!
لقد راع خيالهم بما فيه من تصوير بارع؛ وسحر وجدانهم بما فيه من منطق ساحر؛ وأخذ أسماعهم بما فيه من إيقاع جميل. وتلك خصائص الشعر الأساسية، إذا نحن أغفلنا القافية والتفاعيل.
على أن النسق القرآني قد جمع بين مزايا النثر والشعر جميعًا. فقد أعفي التعبير من قيود القافية الموحدة والتفعيلات التامة؛ فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة. وأخذ في الوقت ذاته من الشعر الموسيقي الداخلية، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل؛ والتقفية المتقاربة التي تغني عن القوافي؛
__________
1 تفضل الموسيقى المبدع الأستاذ "محمد حسن الشجاعي" بمراجعة هذا الجزء الخاص بالموسيقى في القرآن. وكان له الفضل في ضبط بعض المصطلحات الفنية الموسيقية.
(1/102)
وضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا، فنشأ النثر والنظم جميعًا1.
وحيثما تلا الإنسان القرآن أحس بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه؛ يبرز بروزًا واضحًا في السور القصار، والفواصل السريعة، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامة؛ ويتوارى قليلًا أو كثيرًا في السور الطوال، حتى تنفرد الدقة في آيات التشريع. ولكنه -على كل حال- ملحوظ دائمًا في بناء النظم القرآني.
وها نحن أولاء نتلو سورة النجم مثلًا:
{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} .
هذه فواصل متساوية في الوزن تقريبًا -على نظام غير نظام
__________
1 يقول الدكتور طه حسين: إن القرآن ليس شعورًا وليس نثرًا. إنما هو قرآن! ولسنا في حاجة إلى هذا اللعب بالعبارات، فالقرآن نثر متى احتكمنا للاصطلاحات العربية كما ينبغي. ولكنه نوع ممتاز مبدع من النثر الفني الجميل المتفرد.
(1/103)
الشعر العربي -متحدة في حرف التقفية تمامًا، ذات إيقاع موسيقي متحد تبعا لهذا وذلك، وتبعًا لأمر آخر لا يظهر ظهور الوزن والقافية؛ لأنه ينبعث من تآلف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل؛ ومرده إلى الحس الداخلي والإدراك الموسيقي، الذي يفرق بين إيقاع موسيقى وإيقاع، ولو اتحدت الفواصل والأوزان.
والإيقاع الموسيقي هنا متوسط الزمن تبعًا لتوسط الجملة الموسيقية في الطول، متحد تبعًا لتوحد الأسلوب الموسيقي، مسترسل الروي كجو الحديث الذي يشبه التسلسل القصصي. وهذا كله ملحوظ. وفي بعض الفواصل يبدو ذلك جليًّا مثل: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} . فلو أنك قلت: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة، لا ختلت القافية، ولتأثر الإيقاع. وكذلك في قوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} لو قلت: ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك قسمة ضميزي، لاختل الإيقاع المستقيم بكلمة "إذن".ولا يعني هذا أن كلمة "الأخرى" وكلمة "إذن" زائدتان لمجرد القافية أو الوزن، فهما ضروريتان في السياق لنكت معنوية خاصة. وتلك ميزة فنية أخرى: أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى السياق، وتؤدي تناسبًا في الإيقاع، دون أن يطغى هذا على ذاك، أو يخضع النظم للضروريات.
ملاحظة اتزان الإيقاع في الآيات والفواصل تبدو واضحة في كل موضع على نحو ما ذكرنا، أو قريبًا من هذه الدقة الكبرى.
ودليل ذلك أن يعدل في التعبير عن الصورة القياسية للكلمة إلى
(1/104)
صورة خاصة، أو أن يبنى النسق على نحو يختل إذا قدمت أو أخرت فيه، أو عدلت في النظم أي تعديل.
مثال الحالة الأولى حكاية قول إبراهيم:
{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ... } .
فقد خطفت ياء المتكلم في "يهدين ويسقين ويشفين ويحيين" محافظة على حرف القافية مع "تعبدون، والأقدمون، والدين ... ".
ومثله خطف الياء الأصلية في الكلمة، نحو: {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . فياء "يسري" حذفت قصدًا للانسجام مع "الفجر، وعشر، والوتر، وحجر ... ".
ومثل:
{يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ، خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} .
فإذا أنت لم تخطف الياء في "الداع" أحسست ما يشبه الكسر في وزن الشعر.
ومثله:
{ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} .
(1/105)
فلو مددت يا نبغي كما هو القياس لاختل الوزن نوعًا من الاختلال.
ومثل هذا يقع عند زيادة هاء السكت على ياء الكلمة أو ياء المتكلم في مثل:
{وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ} .
ومثل:
{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ... } .
ومثال الحالة الثانية: ألا يكون هناك عدول عن صيغة قياسية، ومع ذلك تلحظ الموسيقى الكامنة في التركيب، والتي تختل لو غيرت نظامه مثل:
{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} .
فلو حاولت مثلا أن تغير فقط وضع كلمة "منِّي" فتجعلها سابقة لكلمة "العظم": قال رب إني وهن مني العظم. لأحسست بما يشبه الكسر في وزن الشعر؛ ذلك أنها تتوازن مع "إني" في صدر الفقرة هكذا: "قال رب إني" "وهن العظم مني".
على أن هناك نوعًا من الموسيقى الداخلية يلحظ ولا يشرح -كما أسلفنا- وهو كاممن في نسيج اللفظة المفردة، وتركيب الجملة الواحدة. وهو يدرك بحاسة خفية، وهبة لدنية.
وهكذا تتبدى تلك الموسيقى الداخلية في بناء التعبير القرآني،
(1/106)
موزونة بميزان شديد الحساسية، تمليه أخف الحركات والاهتزازات، ولو لم يكن شعرًا، ولو لم يتقيد بقيود الشعر الكثيرة، التي تحد من الحرية الكاملة في التعبير الدقيق عن القصد المطلوب.
يتنوع نظام الفواصل والقوافي، كما تتعدد ألوان الإيقاع الموسيقي، فهل يجري ذلك على سنن خاصة، ويؤدي إلى أهداف مقصودة؟
ننظر في هذا الأفق الخاص من آفاق التناسق الموسيقي، بعد أن ثبت وجود هذه الموسيقى.
أما نظام الفواصل والقوافي، فقد لاحظنا أنه يتنوع في السور المختلفة، وقد يتنوع في السورة الواحدة.
فأما تنوعه في السور فيختلف بالقياس إلى الفواصل بين الطول والتوسط والقصر، وهو أشبه باختلاف بحور الشعر في الديوان الواحد. وقصارى ما يقال فيه: إن الفواصل تقصر غالبًا في السور القصار، وأنها تتوسط أو تطول في السور المتوسطة والطوال. وبالقياس إلى حرف القافية، يشتد التماثل والتشابه في السور القصيرة، ويقل غالبًا في السور الطويلة. وتغلب قافية النون والميم وقبلهما ياء أو واو على جميع القوافي في سور القرآن. وذلك مع تعدد الأساليب الموسيقية ولو تشابهت القوافي في السور المختلفة1.
وأما تنوع هذا النظام في السورة الواحدة، فقد لاحظنا في مرات كثيرة أن الفاصلة والقافية، لا تتغيران لمجرد التنويع، وقد
__________
1 الأسلوب الموسيقي هنا يتبع طول الفاصلة وقصرها، ومواضع الإيقاع فيها، كما يتبع طريقة بنائها اللفظي من حيث السهولة والخشونة ... إلخ.
(1/107)
تبين لنا في بعض المواضع سر هذا التغير، وخفي علينا السر في مواضع أخرى، فلم نرد نتمحل له لنثبت أنه ظاهرة عامة، كالتصوير، والتخييل، والتجسيم، والإيقاع.
فمن المواضع التي لاحظنا فيها أن تغير نظام الفاصلة والقافية يعني شيئًا خاصًّا ما جاء في سورة مريم. فالسورة تبدأ بقصة زكريا ويحيى؛ وتليها قصة مريم وعيسى، وتسير الفاصلة والقافية هكذا:
{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} ... إلخ.
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} .. إلخ.
إلى أن تنتهي القصتان على روي واحد. وفجأة يتغير هذا النسق بعد آخر فقرة في قصة عيسى على النحو التالي:
{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا، ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا
(1/108)
صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ... } إلخ.
وهكذا يتغير نظام الفاصلة فتطول، ويتغير نظام القافية فتصبح بحرف النون أو بحرف الميم وقبلهما مد طويل. وكأنما هو في هذه الآيات الأخيرة يصدر حكمًا بعد نهاية القصة، مستمدًّا منها.
ولهجة الحكم تقتضي أسلوبًا موسيقيًّا غير أسلوب الاستعراض.
وتقتضي إيقاعًا قويًّا رصينًا، بدل إيقاع القصة الرضي المسترسل، وكأنما لهذا السبب كان التغيير.
ونحن نستأنس في هذا الاستنباط بملاحظة أخرى. ذلك أنه بمجرد الانتهاء من إصدار هذا الحكم وإلقاء ذلك القرار، عاد إلى النظام الأول في القافية والفاصلة؛ لأنه عاد إلى قصص جديد، على النحو التالي:
{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ... } . إلخ.
وفي سورة "النبأ" بدأت السورة بقافية النون والميم:
(1/109)
{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} .
فلما انتهى من هذا التقرير، وبدأ نسقًا معنويًّا جديدًا -نسق الجدل بدل التقرير- تغير النظام هكذا:
{ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا، وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ... } .
وفي "آل عمران" سارت السورة على القافية الغالبة حتى قرب النهاية، فلما بدأ دعاء من طائفة من المؤمنين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، تغيرت الفاصلة هكذا:
{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ... } إلخ.
وقد وقعت لنا مثل هذه الملاحظات في مواضع أخرى كثيرة؛ ولكننا لم نستطع لها تفسيرًا مطردًا في جميع مواضع التغيير، فآثرنا أن نشر إليها، بمقدار ما اتضح لنا من سرها. وفيما عرضناه منها ما يكفي.
فأما تنوع أسلوب الموسيقى وإيقاعها بتنوع الأجواء التي تطلق فيها؛ فلدينا ما نعتمد عليه في الجزم بأنه يتبع نظامًا خاصًّا، وينسجم مع الجو العام باطراد لا يستثني.
وقد نحتاج في ضبط هذه الفروق وتوضيحها إلى قواعد موسيقية خاصة، وإلى اصطلاحات في الموسيقى لا يتهيأ العلم بها لكل قارئ،
(1/110)
ولا لنا نحن أيضًا. ولكننا نحسب المسألة أيسر من ذلك إذا نحن اخترنا ألوانًا متباعدة، وأساليب متباينة من هذه الموسيقى.
في سورة النازعات أسلوبان موسيقيان، وإيقاعان ينسجمان مع جوين فيهما تمام الانسجام.
أولهما يظهر في هذه المقطوعة، السريعة الحركة، القصيرة الموجة، القوية المبنى، تنسجم مع جو مكهرب، سريع النبض، شديد الارتجاف، على النحو التالي:
{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا، فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا، فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا، يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ، أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ، يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ، أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً، قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ، فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} .
والثاني يظهر في هذه المقطوعة، الوانية الحركة، الرخية الموجة، المتوسطة الطول، تنسجم مع الجو القصصي الذي يلي مباشرة في السورة حديث الكرة الخاسرة، والزجرة الواحدة، وحديث الساهرة، على النحو التالي:
{هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى، إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} ... إلخ.
أظن أننا لسنا في حاجة إلى قواعد موسيقية، ولا إلى اصطلاحات فنية، لندرك الفرق بين الأسلوبين والإيقاعين، فهو واضح لا
(1/111)
يخفي، وهو كذلك منسجم في كل حالة مع الجو الذي تطلق فيه الموسيقى. ولهذه الموسيقى وظيفة أساسية في مصاحبة المشهد المعروض، في المرتين الأولى والأخرى.
فلنستمع إلى نوع ثالث من هذه الموسيقى. إنها موسيقى الدعاء المتموجة الرخية الطويلة الخاشعة:
{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} ..
{رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ}
أو دعاء آخر:
{رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ، رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَاب} .
ولسنا كذلك في حاجة إلى قواعد واصطلاحات لنحس أن هذا أسلوب غير الأسلوبين السابقين. منسجم مع الدعاء كل الانسجام، بالتطريب والتموج والاسترسال.
ثم نخاطر فنلقي بلون من الموسيقى المتموجة الطويلة الموجة -ولكنه لون آخر تمامًا- نخاطر فنلقيه هنا اعتمادًا على وضوح الفارق بينه وبين اللون الذي مضى.
(1/112)
إن التكوين الموسيقي للجملة هنا يزيد على التموج العمق والسعة، وفيه كذلك هول وشجى. إنها موسيقى الطوفان:
{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} .
إن التكوين الموسيقي للجملة ليذهب طولا وعرضًا في عمق وارتفاع، ليشترك في رسم الهول العريض العميق. والمدات المتوالية المتنوعة في التكوين اللفظي للآية تساعد في إكمال الإيقاع، وتكوينه واتساقه مع جو المشهد الرهيب العميق.
ونخاطر مرة أخرى، فنعرض لونًا ثالثًا لنموذج الموسيقى، مع اختلاف تموجها واتجاهها:
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} .
فليرتل القارئ هذه الآيات بصوت مسموع، ليدرك تلك الموسيقى الرخية المتماوجة. إنها تشبه الموجة الرخية في ارتفاعها لقمتها وانبساطها إلى نهايتها؛ في هدوء واطمئنان، يتفقان مع جو الطمأنينة في المشهد كله. ولعل لتوازن المد إلى أعلى بالألف، وإلى أسفل بالياء على التوالي، شأنًا في هذا التموج، ولكنه ليس كل الشأن، فهو يفسر الأوزان لا الألحان. يفسر الاتزان الخارجي في النغمة لا الروح الداخلي فيها. ذلك الروح مرده إلى خصائص غامضة في
(1/113)
جرس الحروف والكلمات، يدركه من يقرأ التعبير القرآني في حساسية وإرهاف.
فلنكتف بهذا البيان الممكن، حتى لا نقحم أنفسنا في خضم الاصطلاحات.
ثم نرقى إلى أفق آخر من آفاق التناسق الفني، في التصوير القرآني.
قلنا: إن القرآن يرسم صورًا ويعرض مشاهد، فينبغي أن نقول: إن هذه المشاهد وتلك الصور، يتوافر لها أدق مظاهر التناسق الفني في نماء الصورة، وجو المشهد، وتقسيم الأجزاء، وتوزيعها في الرقعة المعروضة1.
وقد ألمعنا إلى شيء من هذا في فصل "التصوير الفني" عند استعراض صورة الذي ينفق ماله رئاء الناس، وصورة الصفوان عليه تراب؛ مع صورة الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وصورة الجنة فوق الربوة ... وما بين هذه الصور جميعًا من توازن في الأجزاء وتقابل في الأوضاع.
هذا اللون من التناسق، هو مفتاح الطريق إلى التناسق الذي نعنيه هنا بالذات.
والذي نعنيه هو:
أولًا: ما يسمى "بوحدة الرسم". وحتى المبتدئون في القواعد يعرفون شيئًا عن هذه الوحدة، فلسنا في حاجة إلى شرحها. ويكفي
__________
1 تفضل الأستاذ الفنان "ضياء الدين محمد" مفتش الرسم بوزارة المعارف بمراجعة هذا القسم الخاص بتناسق التصوير.
(1/114)
أن نقول: إن القواعد الأولية للرسم تحتم أن تكون هناك وحدة بين أجزاء الصورة، فلا تتنافر جزئياتها.
وثانيًا: توزيع أجزاء الصورة -بعد تناسبها- على الرقعة بنسب معينة حتى لا يزحم بعضها بعضًا، ولا تفقد تناسقها في مجموعها.
وثالثا: اللون الذي ترسم به، والتدرج في الظلال، بما يحقق الجو العام المتسق مع الفكرة والموضوع.
والتصوير بالألوان يلاحظ هذا التناسق كما يلاحظ "التوزيع" في المشاهد المسرحية والسينمائية. والتصوير في القرآن يقوم على أساسه، وإن كان وسيلته الوحيدة هي الألفاظ؛ وبذلك يسمو الإعجاز فيه على تلك المحاولات:
1- خذ سورة من السور الصغيرة التي ربما يحسب البعض أنها شبيهة بسجع الكهان أو حكمة السجاع. خذ سورة "الفلق".
فما الجو المراد إطلاقه فيها؟ إنه جو التعويذة، بما فيه من خفاء وهيمنة وغموض وإبهام. فاسمع:
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} .
فما الفلق الذي يستعيذ بربه؟ نختار من معانيه الكثيرة معنى الفجر؛ لأنه أنسب في الاستعاذة به من ظلام ما سيأتي: مما خلق، ومن الغاسق، والنفاثات، والحسد؛ ولأن فيه إبهامًا خاصًّا سنعلم حكمته بعد قليل.
يعوذ برب الفجر {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} هكذا بالتنكير وبما الموصولة الشاملة. وفي هذا التنكير والشمول يتحقق الغموض والظلام
(1/115)
المعنوي في العموم. {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} الليل حين يدخل ظلامه إلى كل شيء، ويمسي مرهوبًا مخوفًا. {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} وجو النفث في العقد من الساحرات والكواهن كله رهبة وخفاء وظلام، بل هن لا ينفثن غالبًا إلا في الظلام. {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} والحسد انفعال باطني مطمور في ظلام النفس، غامض كذلك مرهوب.
الجو كله ظلام ورهبة، وخفاء وغموض. وهو يستعيذ من هذا الظلام بالله، والله رب كل شيء. فلم خصصه هنا "برب الفلق"؟ لينسجم مع جو الصورة كلها، ويشترك فيه. ولقد كان المتبادر إلى الذهن أن يعوذ من الظلام برب النور، ولكن الذهن هنا ليس المحكم، إنما المحكم هو حاسة التصوير الدقيقة. فالنور يكشف الغموض المرهوب، ولا يتسق مع جو الغسق والنفث في العقد، ولا مع جو الحسد. و"الفلق" يؤدي معنى النور من الوجهة الذهنية، ثم يتسق مع الجو العام من الوجهة التصويرية، وهو مرحلة قبل سطوع النور، تجمع بين النور والظلمة، ولها جوها الغامض المسحور.
ثم ما هي أجزاء الصورة هنا أو محتويات المشهد؟
هي من ناحية: "الفلق" و"الغاسق" مشهدان من مشاهد الطبيعة.
ومن ناحية: "النفاثات في العقد" و"حاسد إذا حسد" مخلوقان آدميان.
وهي من ناحية: "الفلق" و"الغاسق" مشهدان متقابلان في الزمان. ومن ناحية: "النفاثات" و"الحاسد" جنسان متقابلان في الإنسان.
(1/116)
وهذه الأجزاء موزعة على الرقعة توزيعًا متناسقًا، متقابلة في اللوحة ذلك التقابل الدقيق، وكلها ذات لون واحد، فهي أشياء غامضة مرهوبة، يلفها الغموض والظلام. والجو العام قائم على أساس هذه الوحدة في الأجزاء والألوان.
ليس في هذا البيان شيء من التمحل، وليست هذه الدقة كلها بلا هدف، وليس هذا الهدف حلية عابرة. فالمسألة ليست مسألة ألفاظ أو تقابلات ذهنية. إنما هي مسألة لوحة وجو وتنسيق، وتقابلات تصويرية تعد فنًّا رفيعًا في التصوير، وهي إعجاز إذا أداه مجرد التعبير.
2- عبر القرآن عن الأرض قبل نزول المطر، وقبل تفتحها بالنبات؛ مرة بأنها "هامدة" ومرة بأنها "خاشعة". وقد يفهم البعض أن هذا مجرد تنويع في التعبير. فلننظر كيف وردت هاتان الصورتان:
لقد وردتا في سياقين مختلفين على هذا النحو:
أ- وردت "هامدة" في هذا السياق:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} .
(1/117)
ب- ووردت "خاشعة" في هذا السياق:
{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} .
وعند التأمل السريع في هذين السياقين، يتبين وجه التناسق في "هامدة" و"خاشعة". إن الجو في السياق الأول جو بعث وإحياء وإخراج؛ فمما يتسق معه تصوير الأرض بأنها "هامدة" ثم تهتز وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج.
وإن الجو في السياق الثاني هو جو عبادة وخشوع وسجود؛ يتسق معه تصوير الأرض بأنها "خاشعة"، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت.
ثم لا يزيد على الاهتزاز والإرباء هنا، الإنبات والإخراج كما زاد هناك؛ لأنه لا محل لهما في جو العبادة والسجود. ولم تجئ "اهتزت وربت" هنا للغرض الذي جاءتا من أجله هناك.
إنهما هنا تخيلان حركة للأرض بعد خشوعها، وهذه الحركة هي المقصود هنا؛ لأن كل ما في المشهد يتحرك حركة العبادة، فلم يكن من المناسب أن تبقى الأرض وحدها خاشعة ساكنة، فاهتزت لتشارك العابدين المتحركين في المشهد حركتهم، ولكي لا يبقى جزء من أجزاء المشهد ساكنًا، وكل الأجزاء تتحرك من حوله. وهذا لون من الدقة في تناسق الحركة المتخيلة، يسمو على كل تقدير.
(1/118)
ويحسن أن نلاحظ أن الهمود والخشوع يتحدان في المعنى العام، ويستدل بهما في الآيتين على قدرة الخالق على البعث، فما هما إلا سكون أو خمود، تعقبه الحركة والحياة؛ فلو كان المقصود هو مجرد أداء المعنى الذهني، لما كانت هناك ضرورة لهذا التنويع.
ولكن التعبير القرآني لا يرمي إلى مجرد أداء المعنى الذهني، إنما يريد الصورة كذلك؛ والصورة تقتضي هذا التنويع، ليتم التناسق مع الأجزاء الأخرى في اللوحة، أو في المشهد المعروض.
ودلالة هذا التنويع حاسمة في أن "التصوير" عنصر أساسي في أسلوب القرآن، وأن التعبير لا ينتهي إلى أداء المعنى الذهني مجردًا، إنما ينبض بطبيعته بصورة حية للمعاني، تختلف هذه الاختلافات الدقيقة اللطيفة، حسب اختلاف الأجزاء والألوان.
ثم لننظر الآن في "وحدة الرسم" في كل من الصورتين، وفي أجزاء الصورة كذلك.
وحدة الصورة الأولى هي: مخلوقات حية تخرج من الموت، أو مشاهد حياة. والأجزاء هي: نطفة تدرج في مراحلها المعروفة، ونبتة تصير زوجًا بهيجًا. وهيتراب ميت تخرج منه تلك النطفة، وأرض هامدة تخرج منها هذه النبتة. والجو العام، هو جو الإحياء المرتسم من هذه الأجزاء.
ووحدة الصورة الثانية هي: مخلوقات طبيعية عابدة، أو مشاهد طبيعية. والأجزاء هي: الليل والنهار، والشمس والقمر والأرض خاشعة لله.. تموج فيها وتتصل بها جماعتان من الأحياء مختلفتا النوع متحدتا المظهر: جماعة من الناس تستكبر عن العبادة؛ وجماعة من الملائكة تعبد بالليل والنهار. والجو العام هو جو العبادة
(1/119)
المرتسم من هذه الأجزاء.
وهكذا تتناسق الجزئيات مع الجو العام؛ وتتحد جزئيات الصورة الواحدة تحقيقًا لوحدة الرسم؛ وتوزع الأجزاء في الرقعة بهذا النظام العجيب.
3- عرض القرآن في مواضع مختلفة كثيرًا من صور النعمة التي أفاءها الله على الإنسان؛ وفي كل موضع كان يعرض مجموعة من النعم، متسقة "الوحدة" على هذا النحو الذي نعرضه في موضعين للتمثيل:
أ- {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} .
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} .
ب- {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} .
{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي
(1/120)
سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
يلاحظ في هذين السياقين أن الأنعام مذكورة فيهما على السواء.
فلننظر من أي الجوانب عرضت في كل سياق، ولماذا عرض هذا الجانب هنا، وذلك الجانب هناك:
أ- السياق الأول يرسم صورة للبيوت، والأكنان، والظلال، والسرابيل، وكلها مما يلاذ به، أو يحتمى، أو يستظل، أو يستتر؛ ولأن هذا هو "وحدة الرسم" عرض من "الأنعام" الجانب الذي يتفق مع هذه الوحدة. عرض الجلود التي تتخذ بيوتًا تستخف يوم الظعن، والأصواف والأوبار والأشعار التي تتخذ أردية وأثاثًا.. والمنظر كله منظر أبنية وأردية وظلال.
ب- والسياق الثاني يرسم مشهدًا لاستخراج الأشربة: السكر الذي يستخرج من الثمار، والعسل الذي يخرج من النحل؛ ولأن هذه هي "وحدة الرسم" عرض من الأنعام الجانب الذي يناسب الأشربة. عرض اللبن السائغ للشاربين.
ولم تقف دقة التنسيق عند وحدة المنظر العامة، بل تمشت إلى دقائق الجزئيات: فهذا السكر يستخلص من الثمرات، المخالفة في هيئتها وطبيعتها للسكر؛ وهذا العسل يستصفى من الأزهار، المخالفة في هيئتها وطبيعتها للعسل؛ وهذا اللبن يستخرج من بين فرث1 ودم، المخالفين في هيئتهما وطبيعتهما للبن؛ فهي كلها
__________
1 الغذاء المهضوم في الأمعاء.
(1/121)
تستحيل من أشياء أخرى. ثم المنظر كله منظر زراعي حيواني فيه حياة.
ألا إنه الإبداع هنا في وحدة الأجزاء ودقة التصوير، وتناسق الإخراج. ومثل هذه اللمسات الدقيقة التي تستوعب دقائق الجزئيات كثير في القرآن، نكتفي منه بهذه الأمثلة، ونضيف إليها المثال التالي لما له من دلالة خاصة:
4- {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} .
فالصورة صورة مبايعة بالأيدي، ولتنسيق الجو كله، جعل "يد الله فوق أيديهم" واستخدام هذا التجسيم في موضع التجريد المطلق، والتنزيه الخالص.
وعلماء البلاغة يسمون مثل هذا: "مراعاة النظير" ويعنون منه الجانب اللفظي؛ لأنهم لم يحاولوا أن يلحظوا جانب التصوير؛ ونحن نأخذ تعبيرهم نفسه "مراعاة النظير"، ونعني به جانب التناسق الفني في الصورة، للمحافظة على "وحدة الرسم" وعلى جو المشهد، وعلى الانسجام العام.
ولكن القرآن لا يستخدم في التصوير هذه "اللمسات الدقيقة" وحدها؛ إنما يستخدم كذلك "اللمسات العريضة" "ونحن نعبر بلغة التصوير؛ لأننا في الواقع أمام تصوير قبل التعبير". هذه اللمسات العريضة قد تجمع بين السماء والأرض في نظام؛ وبين مشاهد الطبيعة ومشاهد الحياة في سياق. حيث تتسع رقعة الصورة
(1/122)
لهذا كله، على أساس من "الوحدة الكبيرة" بدل "الوحدة الصغيرة".
1- من ذلك:
{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} ؟
فهذه ريشة تجمع بين السماء والأرض والجبال والجمال، في مشهد واحد، حدوده تلك الآفاق الوسيعة، من الحياة والطبيعة؛ والملحوظ هنا هو "الضخامة" وما تلقيه في الحس من استهوال؛ والأجزاء موزعة بين الاتجاه الأفقي في السماء المرفوعة والأرض المبسوطة، والاتجاه الرأسي بينهما في الجبال المنصوبة والإبل الصاعدة السنام. وهذه دقة تأخذها عين المصور المبدع، في الأشكال والأحجام.
ومما يلاحظ هنا بعين المصور كذلك أن لوحة طبيعية قاعدتها السماء والأرض، لا يبرز فيها من الأحياء إلا الجمال، أو ما هو في حجم الجمال، والجمل هو الحيوان المناسب؛ لأنه أليف الصحراء الفسيحة التي تحدها السماء والجبال!
2- ومن هذا النحو -مع تغيير في مواضع اللمسات-:
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ، وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ، وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} .
(1/123)
ففي السماء "بروج" ضخمة وشهب تنقض على المردة. وفي الأرض الممدودة رواس راسخة، ونبت "موزون" "لا" بهيج" لطيف! " وفي الأرض كذلك "معايش" بهذا الجمع والتكثير، وفيها من لا يرزقه الناس، بهذا التهويل والإضمار ... وكلها مشاهد وحدتها الضخامة الحسية أو المعنوية.
3- وقد تتسع الرقعة ويتطاول المدى، وتعرض اللمسات. ولكنها تدق في النهاية حتى تتناول الجزئيات:
مثال ذلك:
{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .
فهذه رقعة فسيحة في الزمان والمكان؛ وفي الحاضر والواقع، والمستقبل المنظور والغيب السحيق؛ وفي خواطر النفس ووثبات الخيال: ما بين الساعة البعيدة المدى، والغيث البعيد المصدر، وما في الأرحام الخافي بلفظه وحقيقته عن العيان، والرزق في الغد وهو قريب في الزمان مغيب في المجهول، وموضع الموت والدفن وهو مبعد في الظنون.
إنها رقعة فسيحة الآماد والأرجاء. ولكن اللمسات العريضة بعد أن تتناولها من أقطارها، تدق في أطرافها، وتجمع هذه الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول، وتقف بها جميعها أمام كوة صغيرة مغلقة، لو انفتح منها سم الخياط، لاستوى القريب خلفها بالبعيد، ولانكشف القاصي منها والداني.
(1/124)
ثم نرقى إلى أفق آخر من آفاق التناسق الفني، في التصوير القرآني.
إن التناسق إلى هنا كان في الصورة أو المشهد، وكان على أتمه وأوفاه في الجزئيات وفي الجو العام. ولكن الإبداع المعجز لا يقف هنا. إنه في بعض الأحيان يضع إطارًا للصورة، أو نطاقًا للمشهد، فينسق الإطار والنطاق مع الصورة والمشهد، ثم يطلق من حولهما الإيقاع الموسيقي الذي يناسب هذا كله، فيبلغ من ذلك ما يعبر عنه النموذج:
1- {وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} .
لقد أطلق التعبير جوًّا من الحنان اللطيف، والرحمة الوديعة، والرضاء الشامل، والشجي الشفيف: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} ثم: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} . ذلك الحنان، وتلك الرحمة، وذاك الرضاء، وهذا الشجي تنسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة، الرقيق اللفظ؛ ومن هذه الموسيقى السارية في التعبير، الموسيقى الرتيبة الحركات، الوئيدة الخطوات، الرقيقة الأصداء، الشجية الإيقاع..
فلما أراد إطارًا لهذا الحنان اللطيف، ولهذه الرحمة الوديعة، ولهذا
(1/125)
الرضى الشامل، ولهذا الشجي الشفيف، جعل الإطار من الضحى الرائق، ومن الليل الساجي. أصفى آنين من آونة الليل والنهار، وأشف آنين تسري فيهما التأملات. وساقهما في اللفظ المناسب، فالليل هو "الليل إذا سجى" لا الليل على إطلاقه بوحشته وظلامه، الليل الساجي الذي يرق ويصفو، وتغشاه سحابة رقيقة من الشجى الشفيف، كجو اليتم والعيلة، ثم ينكشف ويجلى، ويعقبه الضحى الرائق، مع {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار، ويتم التناسق والاتساق.
2- والآن استمع إلى موسيقى أخرى، وانظر إلى إطار آخر، لصورة تقابل هذه الصورة:
{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا، إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ، أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} .
إن الموسيقى هنا لشبيهة بموسيقى "النازعات" التي أسلفنا.
بل هي أشد وأعنف، وفيها خشونة ودمدمة وفرقعة، وهي تناسب الجو الصاخب المعفر الذي تنشئه القبور المبعثرة، والصدور المحصل ما فيها بقوة. وجو الجحود وشدة الأثرة.. فلما أراد لهذا كله إطارًا مناسبًا، اختاره من الجو الصاخب المعفر كذلك، تثيره الخيل الضابحة بأصواتها، القادحة بحوافرها، المغيرة مع الصباح، المثيرة
(1/126)
للغبار؛ فكان الإطار من الصورة، والصورة من الإطار، لدقة التنسيق وجمال الاختيار.
3- هذا وذلك إطاران لكل منهما لون خاص، أو لونان؛ لأن للصورة بداخله لونًا واحدًا أو لونين متقاربين. ولكن قد يكون للإطار أكثر من لون محدد؛ لأن الصورة التي بداخله كذلك، كما في سورة الليل:
{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى، إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى، فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى} .
فهنا صورة فيها الأسود والأبيض. وفيها {مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} و {مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} . وفيها من ييسر لليسرى، ومن يسر للعسرى. وفيها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى، والأتقى الذي سوف يرضى.
وفي الإطار كذلك الأسود والأبيض. فيه: الليل إذا يغشى -وفي هذه المرة- لا "الليل إذا سجى" وفيه النهار إذا تجلى، المقابل تمامًا لليل إذا يغشى. وهنا: الذكر والأنثى المتقابلان في النوع.
(1/127)
والخلقة ... فذلك إطار مناسب للصورة التي يضمها.
أما الموسيقى المصاحبة. فهي أخشن وأعلى من موسيقى "الضحى والليل إذا سجى"، ولكنها ليست عنيفة ولا قاسية؛ لأن الجو للسرد والبيان، أكثر مما هو للهول والتحذير.
وذلك من بدائع التناسق بلا جدال.
ثم نرقى إلى أفق آخر من آفاق التناسق الفني في القرآن.
فالتصوير القرآني حين ينتهي من تناسق الألوان والأجزاء في الصورة أو المشهد، وحين يطلق حولها الموسيقى المكملة للجو، لا ينتهي عند هذه الآفاق في تناسق الإخراج. إن هناك خطوة وراء هذا كله، ضرورية للتناسق، وضرورية لتأثير المشهد، وللكمال الفني فيه. تلك هي المدة المقررة لبقاء المشهد معروضًا على الأنظار في الخيال. والتناسق القرآني يلحظ هذا ويؤديه أرفع أداء.
بعض المشاهد يمر سريعًا خاطفًا، يكاد يخطف البصر لسرعته، ويكاد الخيال نفسه لا يلاحقه. وبعض المشاهد يطول ويطول، حتى ليخيل للمرء في بعض الأحيان أنه لن يزول. وبعض هذه المشاهد الطويلة حافل بالحركة، وبعضها شاخص لا يريم. وكل أولئك يتم تحقيقًا لغرض خاص في المشهد، يتسق مع الغرض العام للقرآن، ويم به التناسق في الإخراج أبدع التمام.
وللقصر وسائل مختلفة، وللطول وسائل شتى، يؤدي كل منها الغرض، ويناسب والمشهد. وهذه خطوة أخرى في ذلك الأفق الجديد.
والآن إلى النماذج، ففيها وحدها بلاغ.
(1/128)
1- يريد أن يصور للناس قصر هذه الحياة الدنيا التي تلهيهم عن الآخرة. فيخرج القصر في هذه الصورة:
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} .
وانتهى شريط الحياة كله في هذه الجمل القصار، وفي هذه المشاهد الثلاثة المتتابعة:
{كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} فـ {اخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} فـ {َأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} .
ألا ما أقصرها حياة!
ومع هذا فقد عرض أطوار النبات كلها لم ينقص منها شيئًا -إلا الأطوار الثانوية- عرض الماء الذي يسبقه، ويختلط بالأرض فتنبته؛ وعرض نضجه، وعرض تذريته. فماذا بقي من حياة النبات إلا الأطوار الثانوية؟
لقد اجتمعت لهذا التعبير كل عناصر الصدق والدقة والجمال:
الصدق في عرض أطوار النبات، فلم ينقص شيئًا منها لتحقيق الغرض الديني. والدقة؛ لأنه حقق غرض الصورة كاملًا. والجمال لأن سرعتها الخاطفة مما ينشط له الخيال.
وقد استخدم النسق اللفظي في تقصير عرض المشهد كما استخدمت وسائل العرض الفنية لهذا الغرض. فهذا "التعقيب" الذي تمثله هذه "الفاء" في تتابع المراحل، يتفق مع طريقة العرض السريعة. ثم هذا الماء النازل لا تختلط به الأرض فتنبت، بل يختلط به نبات الأرض مباشرة، وهذه حقيقة، ولكنها حقيقة تعرض
(1/129)
في الوضع الخاص الذي يحقق السرعة المطلوبة.
2- ومثل هذا النص نص آخر في المعنى والاتجاه؛ ولكنه يختلف في حلقة منه، ليؤدي غرضًا آخر مع هذا الغرض السابق:
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} .
فالصورة المعروضة لقصر الحياة متحدة تقريبًا مع الصورة الأولى، ولعل هذا يخيل للبعض أن هناك تكرارًا كاملًا؛ ولكن الواقع أن هناك اختلافًا دقيقًا. إنه أطال عرض شريط الحياة الدنيا -كما يراه الكفار- فهي لعب، ولهو، وزينة وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد. ليقول: إن هذا الذي تعجبون به كله، وهذا الذي تستطيلون أمده، إنما هو في حقيقته قصير زائل، كذلك الغيث الذي يعجب الكفار نباته، ثم يهيج فتراه مصفرًّا، ثم يكون حطامًا.
وذلك من دقائق الصور المكررة في القرآن. وفي كل تكرار صورة تختلف اختلافًا يسيرًا أو كبيرًا، وتنفي وهم التكرار بلا قصد إلا التكرار. وإن يكن للتكرار غرضه في صدد الدعوة.
ولكنه معهذا يسير مع الجمال الفني بالتنويع الدقيق الملحوظ.
3- في المثالين السابقين كان الاختصار بحذف المراحل الثانوية. فهذا مثال آخر يعرض قصر الحياة على النحو نفسه، مع زيادة في الاختصار، فيمسك بطرفي الحياة ويجمعها في
(1/130)
ومضة خاطفة. ولكنه في الوقت ذاته يخيل هيئة الطول فيما بين الطرفين:
{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} فهذه الصورة: من جانب تصور قصر الحياة فما كادت تبدأ بالتكاثر، حتى انتهت بالمقابر -وذلك أقر ما تصور به فترة الحياة، في اللفظ والخيال- ولكنها من طرف خفي، قد عرضت امتداد اللهو طول الحياة من مبدئها إلى منتهاها، وساعدت كلمة "حتى" على بروز الامتداد؛ فخيلت للنفس أن هؤلاء القوم لجوا في اللهو أمدًا طويلًا. وذلك من عجائب التخييل، فغرض قصر الحياة، وغرض طول اللهو فيها، كلاهما مقصود من التعبير، وكلاهما تحقق في هذا النصر القصير.
4- وفي هذا الاتجاه -مع تغير في الغرض- يرد النص الآتي:
{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ؟
ففي أربع مقاطع قصيرة لفقرة واحدة، عرض قصة الخلق من قبل ظهورها بمرحلة، إلى بعد انتهائها بمرحلة، الموت الذي سبق الحياة. فالحياة. فالموت الذي تختم به الحياة. فالحياة بعد الوفاة.
والموت الذي سبق الحياة آزال، والحياة التي تلته آماد، والموت الذي يعقبها آباد.. تنطوي جميعها في ألفاظ، ليعرض جانب السرعة؛ ولكن يمتد بها الخيال في الاستعراض، ليقول: إن هذه الآماد الطويلة كلها، قصيرة في يد القوة الكبرى.
(1/131)
إنه هنا بصورة القدرة القادرة، التي تقول للشيء: "كن فيكون" والسرعة مما يزيد وضوح القدرة -ولا سيما إذا طوت هذه الآماد المتطاولة في غمضة- فكيف تكفرون بالله إذن، وهو الذي يملك أموركم كلخها من قبل ومن بعد "ثم إليه ترجعون".
وتكملة لهذه السرعة تأتي الآية التالية:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} .
هكذا في ومضة "خلق لكم ما في الأرض جميعًا"، وفي ومضة "استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات" وخلق ما في الأرض، أو شيء مما خلق في الأرض يستغرق في مواضع أخرى آيات طوالًا، حينما يريد التفصيل والتطويل.
5- وإلى هنا كان القصر باختصار المراحل أو إدماجها.
فالآن نعرض مثالًا آخر يأتي القصر فيه من لمسات الريشة السريعة العنيفة اللمسات. هذه الريشة المعجزة التي تخط لمسة هنا ولمسة هناك، ثم تطوي اللوحة كلها، كأنها ما عرضت قط. فما يكاد الخيال يتلفت ليراها حتى يفتقدها فلا يلقاها:
{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} .
انظر: لقد خر من السماء، انظر: لقد خطفته الطير. انظر: لقد هوت به الريح في مكان سحيق. انظر: لقد اختفى المسرح ومن فيه1
ولم هذه السرعة الخاطفة؟ لئلا يتوهم أحد أن لمن يشرك بالله
(1/132)
منبتًا، أو وجودًا، أوقرارًا، أو امتدادًا، مهماي بلغ من الحسب والقوة والجاه والبنين؛ إنما يأتي في ومضة من المجهول، ليذهب في ومضة إلى الجمهور!!
والآن فإلى المشاهد المطولة:
1- لقد رأينا قصة الماء الذي ينزل من السماء فيختلط به نبات الأرض، فيصبح هشيمًا تذروه الرياح، لقد عرضت هناك في ومضات خاطفات. فلننظر كيف يعرض قسم منها على مهل وفي تؤدة:
{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} .
هكذا، القسم الأول وحده الخاص بوصول الماء إلى الأرض، يستغرق هذه الفقرات، ويعرض في هذه المراحل. فالرياح تثور، فتثير السحب في السماء -كما يشاء الله- فيتراكم هذا السحاب، فيخرج منه المطر، فينزل المطر من السماء، فيستبشر به من ينزل عليهم بعد أن كانوا يائسين.
فلننظر كيف يعرض القسم الثاني بعد وصول الماء:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا} .
هكذا، في تراخ بـ"ثم"، وفي تمهل وبطء. فالماء ينزل فلا
(1/133)
يختلط بالأرض ولا بنبات الأرض؛ إنما يسلك ينابيع. "ثم" "يخرج به زرعًا" -وفي الوقت فسحة لتملي ألوان الزرع المختلفة الألوان- "ثم" "يهيج فتراه مصفرًّا" -وفي الوقت مهلة لتراه- "ثم" "يجعله حطامًا". "يجعله! " وهناك "أصبح هشيمًا" أو "يكون حطامًا" كأنما يصبح بنفسه، أو يكون بلا مصير ولا فاعل! وهنا جعله "حطامًا" ثم بقي على هذه الهيئة. وهناك تذروه الرياح" فلا يبقى له أثر!
إنه هنا في معرض بيان النعم الإلهية، فبطء عرضها، ولبث صورها، وتملي مشاهدها، أجدر بالموقف؛ ولهذا تستمتع بكل هذا الوقت الطويل!
2- وصورة أخرى للزرع يشبه به محمدًا والذين معه:
{ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ1 فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} .
فماذا ترى في هذا الزرع؟ إنه لا يصبح هشيمًا مطلقًا، ولا تذروه الرياح أبدًا. إنه ليخيل إليك أنه ثابت هنا في مكانه، قار في منبته، خالد في موضعه. ومدة العرض هنا دائمة، والمنظر ثابت، حتى تتحول عنه العين، ولا يتحول هو عن العين. وذلك هو الهدف المقصود. وهذا الثبات طريقة من طرق التطويل.
ومن الدقائق اللطيفة هنا، أن الصورة العامة تسير على طريقة
__________
1 فراخه.
(1/134)
الإطالة -كما أسلفنا- ولكن الأجزاء الأولى منها تتم في سرعة متعاقبة: "كزرع أخرج شطأه" فـ"آزره" فـ"استغلظ" فـ"استوى على سوقه" فقد تم الغلظ والاستواء في مدى قصير. ثم ثبت بعد ذلك وقر. إن الإسراع الأول مقصود كالاستقرار الأخير في تصوير حال المسلمين، يتم نموهم، ثم يستقر وضعهم أبدًا.
3- والحياة هناك كانت تطوى في غمضة عين، من مبدئها إلى منتهاها، فلننظر كيف تطول هنا في معرض الإطالة.
إن مرحلة واحدة من مراحل حياة آدمية مفردة، من بين حيوات كثيرة، تستغرق مثل هذا الفراغ:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} .
مرحلة الجنين وحدها، من حياة آدمية لا الحياة كلها، تستغرق هذا الفراغ، وتعرض بهذا التفصيل، وتذكر فيها جميع الخطوات ... لأنها معروضة للعبرة، وللتأثير الوجداني، ولبيان دقة العلم الإلهي. فحينئذ يحسن ولا شك التطويل.
4- ومن بين المشاهد التي يطول عرضها -أحيانًا- مشاهد العذاب في يوم القيامة. فبعد تشخيص المشهد كأنه حاضر، وتنسيق أجزائه كأنه مشهود، يطول عرضه ليلمس الحس ويوقظ الخيال، ويتسرب الخوف والتأثر إلى أعماق النفس وقرارة الوجدان.
ولإطالة العرض هنا وسائل شتى نعرض منها بعض النماذج.
(1/135)
ومشاهد القيامة هي أكثر المشاهد تنوعًا في القرآن، حتى لهممت أن أفرد لها فصلا خاصًّا لولا تضخم الكتاب1.
أ- مرة تكون الإطالة باللفظ المخيل للتكرار، مثل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} .
فالخيال هنا يظل يستعرض المشهد المروع، ويكرر العملية المفزعة؛ وكلما زاد فزعًا وارتياعًا، زاد إقبالا على التكرار. ذلك أن الهول يشد إليه النفس ويوثقها، كلما همت منه بالفرار!
ب- ومرة تكون الإطالة بالنسق اللفظي، كالتفصيل بعد الإجمال، مع عرض الأجزاء بالتفصيل، مثل:
{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} .
فهو -أولًا- أجمل العذاب: "فبشرهم بعذاب أليم" وقطع السياق، ليستريح المشاهد، ويأخذ نفسه ويستعد للتفصيل. ثم أخذ في التفصيل.
وهو -ثانيًا- حينما بدأ التفصيل بعد الإجمال، بدأ العملية
__________
1 خصص لها من المكتبة القرآنية كتاب خاص. صدرت طبعته الأولى عام 1948، وطبعته الثانية صدرت في عام 1953.
(1/136)
من أول مرحلة، وعلى مهل.. فالذهب والفضة قد صارا جمعًا لا مثنى، بالإلماع إلى قطعهما الكثيرة؛ وفي هذا تطويل بالكثرة: "يوم يحمى عليها" -لا عليهما- ثم ها هي ذي "يحمى عليها" فلننتظر حتى تصهر.. لقد صهرت، فلتبدأ العملية الرهيبة: هذه هي الجباه تكوى.. لقد فرغوا من الكي في الجباه. فلتحرك الأجسام للجنوب. هذه هي الجنوب تكوى.. لقد فرغوا من الكي في الجنوب. فلتحرك الأجسام للظهور. هذه هي الظهور تكوى.. تمهل. فلم ينته العرض بعد.. هناك التقريع والتأنيب، عند الانصراف المتخيل ليتناول العذاب جماعة أخرى من الصف الطويل: {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} .
ج- ومرة تكون الإطالة بتفصيل الحركات وتعددها، وبالتكرار الذي تخيله الألفاظ معًا:
{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} .
فهذا مشهد عنيف صاخب؛ حافل بالحركة المتكررة. هذه ثياب من النار تقطع وتفصل. وهذا حميم يصب من فوق الرؤوس، يصهر به ما في البطون والجلود، وهذه مقامع من حديد، وهذا هو العذاب يشتد، ويتجاوز الطاقة؛ فيهب "الذين كفروا" من الوهج والحميم، والضرب الأليم، يهمون بالخروج من هذا "الغم".
وها هم أولاء يردون بعنف: {ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق} . ويظل
(1/137)
الخيال يكرر هذه الصورة من أولى حلقاتها إلى أخيرتها، حتى يصل إلى حلقة الخروج ثم الرد العنيف، ليبدأ العرض من جديد!
د- ومرة تكون الإطالة بوقف حركة المشهد، وإخلائه من كل ما يشعر بالحركة. فهذا "ظالم" يقف يوم القيامة، وكأنما هو واقف وحده على المسرح، يبدئ ويعيد في الندم؛ حتى لتهم بأن تقول له: كفى يا أخانا فلا فائدة! مع أن المدة التي يستغرقها قصيرة نسبيًّا؛ ولكن يخيل إليك أنها طويلة طويلة:
{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} .
فهذا الندم الطويل، والتذكر لما مضى، مصحوبًا بالنغمة الطويلة الممطوطة، والموسيقى المتموجة المديدة، يخيل إليك الطول، ولو أن اللفظ نسبيًّا قليل. وإطالة موقف الندم تتسق مع التأثير الوجداني المطلوب.
وشبيه بموقف الندم، موقف الاعتراف. فها هم أولاء جماعة من المجرمين يسألون. {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر} فيكون الجواب:
{لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} .
وكانت حسبهم أن يقولوا: كنا كافرين أو مكذبين. ولكن هنا يحسن الاعتراف بالتفصيل.
هـ- وقد تشترك الوسائل الماضية كلها في إطالة عرض المشهد.
(1/138)
فيستخدم النسق اللفظي، وتذكر التفصيلات. ويوقف عرض المشهد في بعض حلقاته، كما في هذا النموذج الفريد:
{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} .
{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} .
ففي هذا العرض إطالة في التفصيلات، وإطالة في التعبيرات، وإطالة في النغمات، ووقف لبعض الحلقات. وتنسيقًا للجو كله تجيء السلسلة التي "ذرعها سبعون ذراعًا"، فتكون إحدى طرائق التطويل بالتخييل!
(1/139)
5- ومن نماذج الإطالة المقصودة مواقف الموازنة بين صورتين متقابلتين: إحداهما في الحياة الدنيا، والأخرى في يوم القيامة على النحو التالي:
{إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ، إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ، يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ، وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} .
{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ، وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} .
{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} .
إن هذا التطويل يتناول مشهدين: مشهد النعيم العظيم، الذي يتمتع به المقربون. ومشهد السخرية التي كانت تنالهم من المجرمين.
وكلما زاد المشهدان طولا -وهذا المشهد الأخير بصفة خاصة- كانت المفاجأة في النهاية أوقع، عندما يقول: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} . وهذا هو المقصود.
6- وتطول المواقف التي تعرض فيها قدوة في الإيمان، يؤثر طول عرضها في الوجدان، ويدعو المشاهدين إلى أن يشاركوا المؤمنين عبادتهم وصفاتهم المعروضة على الأنظار، وذلك في القرآن كثير، نختار منه هذا المثال:
(1/140)
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} .
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} .
فمن ذا الذي لا تحدثه نفسه في أثناء هذا المشهد الطويل الثابت، الفائض بالخشوع والخضوع، الحافل بالتأثر العميق. وفي أثناء هذا الرد العظيم المفصل لتضحيات المؤمنين، وللجزاء الذي ينتظرهم يوم الدين.. من ذا الذي لا تحدثه نفسه أن يسلك مع "أولي الألباب" هؤلاء، يدعو دعاءهم، ويخشع خشوعهم ويستجيب له ربه معهم، فيناله مثل ما ينالهم؟
ومثل هذه الصورة الآدمية الحية كثير، حيثما قصد القرآن إلى
(1/141)
التأثير بالقدوة في الوجدان والضمير.
وهكذا تتكشف للناظر في القرآن آفاق وراء آفاق، من التناسق والاتساق: فمن نظم فصيح. إلى سرد عذب. إلى معنى مترابط. إلى نسق متسلسل. إلى لفظ معبر. إلى تعبير مصور. إلى تصوير مشخص. إلى تخييل مجسم. إلى موسيقى منغمة. إلى اتساق في الأجزاء. إلى تناسق في الإطار. إلى توافق في الموسيقى. إلى افتنان في الإخراج ...
وبهذا كله يتم الإبداع، ويتحقق الإعجاز.
(1/142)
القصة في القرآن:
القصة في القرآن عملا فنيًّا مستقلا في موضوعه وطريقة عرضه، وإدارة حوادثه -كما هو الشأن في القصة الفنية الحرة، التي ترمي إلى أداء غرض فني طليق -إنما هي وسيلة من وسائل القرآن الكثيرة إلى أغراضه الدينية. والقرآن كتاب دعوة دينية قبل كل شيء؛ والقصة إحدى وسائله لإبداع هذه الدعوة وتثبيتها.
شأنها في ذلك شأن الصور التي يرسمها للقيامة وللنعيم والعذاب، وشأن الأدلة التي يسوقها على البعث وعلى قدرة الله، وشأن الشرائع التي يفصلها والأمثال التي يضربها.. إلى آخر ما جاء في القرآن من موضوعات.
وقد خضعت القصة القرآنية في موضوعها، وفي طريقة عرضها، وإدارة حوادثها، لمقتضى الأغراض الدينية؛ وظهرت آثار هذا الخضوع في سمات معينة سنعرض لها بعد قليل. ولكن هذا الخضوع الكامل للغرض الديني، ووفاءها بهذا الغرض تمام الوفاء، لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها. ولا سيما خصيصة القرآن الكبرى في التعبير. وهي التصوير.
وقد لاحظنا من قبل أن التعبير القرآني يؤلف بين الغرض الديني والغرض الفني، فيما يعرضه من الصور والمشاهد. بل لاحظنا أنه يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني، فيخاطب حاسة الوجدان الدينية، بلغة الجمال الفنية. والفن والدين صنوان في
(1/143)
أعماق النفس وقرارة الحس. وإدراك الجمال الفني دليل استعداد لتلقي التأثير الديني، حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع، وحين تصفو النفس لتلقي رسالة الجمال.
وقد أوردنا في فصل "التصوير الفني" نموذجين من القصة، عملت فيهما الريشة المعجزة عملها، وهي تعرضهما عرضًا أخاذًا.
وقد وعدنا هناك بتفصيل البحث في القصة. فلنأخذ الآن في هذا التفصيل1.
__________
1 هذا التفصيل على طوله يعد موجزًا للبحث الكامل الذي كنت أعددته. وأرجو أن يخرج هذا البحث الكامل في حلقة من سلسلة "مكتبة القرآن" إن شاء الله.
(1/144)
أغراض القصة:
سيقت القصة في القرآن لتحقيق أغراض دينية بحتة كما أسلفنا؛ وقد تناولت من هذه الأغراض عددًا وفيرًا من الصعب استقصاؤه؛ لأنه يكاد يتسرب إلى جميع الأغراض القرآنية؛ فإثبات الوحي والرسالة، وإثبات وحدانية الله، وتوحد الأديان في أساسها، والإنذار والتبشير، ومظاهر القدرة الإلهية، وعاقبة الخير والشر، والعجلة والتريث، والصبر والجزع، والشكر والبطر، وكثير غيرها من الأغراض الدينية، والمرامي الخلقية، قد تناولته القصة، وكانت أداة له وسبيلًا إليه.
فإذا نحن استعرضنا هنا أغراض القصة القرآنية، فإنما نثبت أهم هذه الأغراض وأوضحها، ونترك استقصاءها وتتبعها:
(1/144)
1- كان من أغراض القصة إثبات الوحي والرسالة. فمحمد -صلى الله عليه وسلم- لم يكن كاتبًا ولا قارئًا، ولا عرف عنه أنه يجلس إلى أحبار اليهود والنصارى؛ ثم جاءت هذه القصص في القرآن -وبعضها جاء في دقة وإسهاب- كقصص إبراهيم، ويوسف وموسى وعيسى. فورودها في القرآن اتخذ دليلا على وحي يوحى..
والقرآن ينص على هذا الغرض نصًّا في مقدمات بعض القصص أو في ذيولها.
جاء في أول سورة "يوسف":
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} .
وجاء في سورة "القصص" قبل عرض قصة موسى:
{نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
وبعد انتهائها:
{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} .
وجاء في سورة "آل عمران" في أثناء عرضه لقصة مريم:
(1/145)
{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} .
وجاء في سورة "ص" قبل عرض قصة آدم:
{قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ، إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} .
وجاء في سورة "هود" بعد قصة نوح:
{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} .
2- وكان من أغراض القصة: بيان أن الدين كله من عند الله، من عهد نوح إلى عهد محمد. وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة، والله الواحد رب الجميع؛ وكثيرًا ما وردت قصص عدد من الأنبياء مجتمعة في سورة واحدة، معروضة بطريقة خاصة، لتؤيد هذه الحقيقة. ولما كان هذا غرضًا أساسيًّا في الدعوة، فقد تكرر مجيء هذه القصص، على هذا النحو، مع اختلاف في التعبير، لتثبيت هذه الحقيقة وتوكيدها في النفوس. نضرب لذلك مثلا ما جاء في سورة "الأنبياء":
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ1 وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ
__________
1 في وصف التوراة بأنها "الفرقان" ما يساعد على هذا التقريب بين الدينين حتى في صفة الكتاب، فالفرقان اسم كذلك للقرآن.
(1/146)
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ، وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} ؟
{وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ..} إلى قوله: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ، وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ، وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} .
{وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ، وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} .
{وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} .
{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ، وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ
(1/147)
فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} .
{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} .
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} .
{وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ، وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} .
{وَذَا النُّونِ 1 إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} .
{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} .
{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا 2 فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا
__________
1 يونس صاحب الحوت.
2 مريم.
(1/148)
وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} .
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} ..
وهذا هو الغرض الأصيل، من هذا الاستعراض الطويل.
وغيره من الأغراض الأخرى، يأتي عرضًا وفي ثناياه..
3- وكان من أغراض القصة بيان أن الدين كله موحد الأساس -فضلا على أنه كله من عند إله واحد- وتبعًا لهذا كانت ترد قصص كثير من الأنبياء مجتمعة كذلك. مكررة فيها العقيدة الأساسية، وهي الإيمان بالله الواحد على نحو ما جاء في سورة "الأعراف":
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ... إلخ.
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ... إلخ.
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ... إلخ.
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ... إلخ.
فهذا التوحيد لأساس العقيدة، يشترك فيه جميع الأنبياء في جميع الأديان، وترد قصصهم مجتمعة في هذا السياق. لتأكيد ذلك الغرض الخاص.
4- وكان من أغراض القصة بيان أن وسائل الأنبياء في الدعوة موحدة، وأن الاستقبال قومهم لهم متشابه -فضلًا على أن الدين من
(1/149)
عند إله واحد، وأنه قائم على أساس واحد -وتبعًا لهذا كانت ترد قصص كثير من الأنبياء مجتمعة أيضًا، مكررة فيها طريقة الدعوة، على نحو ما جاء في سورة "هود":
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ، فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} ... إلى أن يقول: {وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} وإلى أن يقولوا له: {يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .. إلخ.
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ، يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ} ... إلى قوله: {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} ... إلخ.
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ
(1/150)
مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ، قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} ... إلخ.
5- وكان من أغراض القصة بيان الأصل المشترك بين دين محمد ودين إبراهيم بصفة خاصة، ثم أديان بني إسرائيل بصفة عامة؛ وإبراز أن هذا الاتصال أشد من الاتصال العام بين جميع الأديان، فتكررت الإشارة إلى هذا في قصص إبراهيم وموسى وعيسى:
{إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} . {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} ، {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} ، {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ... } إلى أن يقول: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} .
6- وكان من أغراض القصة بيان أن الله ينصر أنبياءه في النهاية ويهلك المكذبين، وذلك تثبيتًا لمحمد، وتأثيرًا في نفوس من يدعوهم إلى الإيمان: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ
(1/151)
وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين} . وتبعًا لهذا الغرض كانت ترد قصص الأنبياء مجتمعة، مختومة بمصارع من كذبوهم. ويتكرر بهذا عرض القصص كما جاء في سورة "العنكبوت":
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ، فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} .
{وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} إلى أن يقول: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ... إلخ.
{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ... } إلى أن يقول: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} .
{وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} .
(1/152)
{وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} .
{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
وتلك هي النهاية الواحدة للمكذبين.
7- وكان من أغراض القصة تصديق التبشير والتحذير، وعرض نموذج واقع من هذا التصديق كالذي جاء في سورة "الحجر": {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ... } .
فتصديقًا لهذا وذلك جاءت القصص على النحو التالي:
{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} ... إلخ.
وفي هذه القصة تبدو "الرحمة".
ثم: {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ، قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ، وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ
(1/153)
الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ... } إلخ.
وفي هذه القصة تبدو "الرحمة" في جانب لوط، ويبدو "العذاب الأليم" في جانب قومه المهلكين.
ثم: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ، وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .
وفي هذه القصة يبدو "العذاب الأليم" للمكذبين.
وهكذا يصدق الأنبياء، ويبدو صدقه في هذا القصص الواقع، بهذا الترتيب.
8- وكان من أغراض القصة بيان نعمة الله على أنبيائه وأصفيائه، كقصص سليمان وداود وأيوب وإبراهيم ومريم وعيسى، وزكريا ويونس وموسى، فكانت ترد حلقات من قصص هؤلاء الأنبياء تبرز فيها النعمة في موقف شتى، ويكون إبرازها هو الغرض الأول، وما سواه يأتي في هذا الموضع عرضًا.
9- وكان من أغراض القصة، تنبيه أبناء آدم إلى غواية الشيطان، وإبراز العداوة الخالدة بينه وبينهم منذ أبيهم آدم، وإبراز هذه العداوة عن طريق القصة أروع وأقوى، وأدعى إلى الحذر الشديد من كل هاجسة في النفس تدعو إلى الشر، وإسنادها إلى هذا العدو الذي لا يريد بالناس الخير!
ولما كان هذا موضوعًا خالدًا، فقد تكررت قصة آدم في مواضع شتى.
10- وكان القصة أغراض أخرى متفرقة. منها:
(1/154)
بيان قدرة الله على الخوارق: كقصة خلق آدم. وقصة مولد عيسى. وقصة إبراهيم والطير الذي آب إليه بعد أن جعل على كل جبل منه جزءًا. وقصة {الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} .
وقد أحياه الله بعد موته مائة عام.
وبيان عاقبة الطيبة والصلاح، وعاقبة الشر والإفساد. وكقصة ابني آدم. وقصة صاحب الجنتين. وقصص بني إسرائيل بعد عصيانهم. وقصة سد مأرب. وقصة أصحاب الأخدود.
وبيان الفارق بين الحكمة الإنسانية القريبة العاجلة، والحكمة الكونية البعيدة الآجلة. كقصة موسى مع "عبد من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا" وسنعرضها بالتفصيل في مناسبة أخرى.
إلى آخر هذه الأغراض الوعظية، التي كانت تساق لها القصص فتفي بمغزاها.
(1/155)
آثار خضوع القصة للغرض الديني:
خضعت القصة في القرآن للغرض الديني -كما أسلفنا- فترك هذا الخضوع آثارًا واضحة في طريقة عرضها، بل في مادتها. ونحن نعرض فيما يلي، أوضح هذه الآثار:
أ- لقد كان أول أثر لهذا الخضوع أن ترد القصة الواحدة -في معظم الحالات- مكررة في مواضع شتى. ولكن هذا التكرار لا يتناول القصة كلها- غالبًا- إنما هو تكرار لبعض حلقاتها، ومعظمه إشارات سريعة لموضع العبرة فيها؛ أما جسم القصة كله،
(1/155)
فلا يكرر إلا نادرًا. ولمناسبات خاصة في السياق، كما ضربنا له مثلا عند الكلام على أغراض القصة.
وحين يقرأ الإنسان هذه الحلقات المكررة ملاحظًا السياق الذي وردت فيه يجدها مناسبة لهذا السياق تمامًا، في اختيار الحلقة التي تعرض هنا أو تعرض هناك، وفي طريقة عرضها كذلك. ويجب أن نذكر دائمًا أن القرآن كتاب دعوة دينية، وأن التناسق بين حلقة القصة التي تعرض والسياق الذي تعرض فيه هو الغرض المقدم. وهذا يتوافر دائمًا، ولا يخل بالسمة الفنية إطلاقًا.
على أن هناك ما يشبه أن يكون نظامًا مقررًا في عرض الحلقات المكررة من القصة الواحدة -يتضح حين تقرأ بحسب ترتيب نزولها- فمعظم القصص يبدأ بإلإشارة مقتضبة، ثم تطول هذه الإشارات شيئًا فشيئًا، ثم تعرض حلقات كبيرة تكون في مجموعها جسم القصة -وقد تستمر الإشارات المقتضية فيما بين عرض هذه الحلقات الكبيرة عند المناسبات- حتى إذا استوفت القصة حلقاتها، عادت هذه الإشارات هي كل ما يعرض منها.
ونضرب مثالًا على هذا النظام، قصة موسى. إذا إنها أشد القصص في القرآن تكرارًا، فهي من هذه الوجهة تعطي فكرة كاملة عن هذا التكرار.
وردت هذه القصة في حوالي الثلاثين موضعًا، نذكر أهمها ونهمل بعض المواضع التي ورد فيها الاسم مجردًا. فكيف جاءت في هذه المواضع؟ إنها تسير في المراحل التالية:
1- في سورة الأعلى "السورة الثامنة في النزول" إشارة قصيرة: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} . وإشارة
(1/156)
قريبة منها في النجم "السورة 23".
2- وفي الفجر "السورة العاشرة" إشارة إلى فرعون بدون، ذكر موسى مع عاد وثمود: { ... وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} . وإشارة قريبة منها في سورة البروج "السورة 27".
3- وفي سورة الأعراف "39" بدأ التفصيل الأول للقصة في معرض قصص مشترك مع نوح وهود ولوط وشعيب، اتحدت فيه صيغة الدعوة وصيغة التكذيب، والعقاب الذي أخذ المكذبين.
وقد بدأت القصة هنا برسالة موسى وهارون إلى فرعون، وملئه {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ... } ثم ذكرت معجزة العصا واليد البيضاء. وجمع السحرة.
والمباراة بينهم وبين موسى، وغلبته عليهم، وإيمانهم به. وتعذيب فرعون لبني إسرائيل بعد ذلك. وتسليط الجراد والقمل والضفادع والدم على فرعون وقومه، واستغاثتهم بموسى، وكف الأذى عنهم، وعودتهم لتعذيب بني إسرائيل. ثم خروج هؤلاء من مصر. وبعد الخروج طلبهم من موسى أن يتخذ لهم إلهًا كما للمصريين آلهة، وتذكيره لهم بربهم. ثم ميعاد موسى مع ربه بعد ثلاثين ليلة زيدت إلى أربعين، وطلبه رؤية ربه، ودك الجبل وانصعاق موسى وإفاقته. وعودته إلى قومه حيث وجدهم قد اتخذوا لهم عجلا إلهًا، وغضبه على أخيه. ثم اختيار سبعين رجلا منهم لميقات ربه، وغشيتهم بالجبل لما طلبوا رؤية الله جهرة وإفاقتهم، ثم دعاؤهم بطلب الرحمة، فالرد عليهم بأن الرحمة قد كتبت للمؤمنين الذين يتبعون النبي الأمي..
4- ثم ترد إشارتان للرسالة والتكذيب وإهلاك المكذبين،
(1/157)
في قصص مشترك إحداهما في الفرقان "42" والثانية في مريم "44".
5- وفي سورة طه "45" يبدأ تفصيل آخر. يبدأ من حلقة أسبق من حلقة الرسالة التي ذكرت في "الأعراف" تلك هي رؤية موسى للنار من جانب الطور:
{وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى، إِذْ رَأى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً، فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} .
وبعد أن يكلف الذهاب إلى فرعون، يحاور ربه ليرسل معه هارون، يشد أزره ويكون وزيرًا له، فيذكره الله بنعمته عليه في مولده، ورده إلى أمه -في إشارة سريعة- ثم تسير القصة كما سارت في الأعراف "مع حذف آيات الجراد والقمل والضفادع والدم، وعهد فرعون لبني إسرائيل ونكثه. ومع زيادة حلقة وهي إلى السامري هو الذي صنع العجل، وتفصيل قصة صنعه. ويذكر الميعاد بسرعة ويغفل الميقات".
6- وفي سورة الشعراء "47" تبدا القصة من حلقة الرسالة، وتسير في الخطوات التي سارت فيها إلى حلقة الخروج، ولكنها تزيد هنا أمرين: الأول ذكر موسى أنه قتل رجلا من المصريين فهو يخشى أن يؤخذ به، وتذكير فرعون له بأنه قد ربي فيهم وليدًا وفعل هذه الفعلة ومضى. والثاني ذكر انفلاق البحر كالطود العظيم.
وهذا وذلك مع تنويع في الحوار بين فرعون وموسى، وإثبات إلهه بصفاته. وتنويع في الحوار مع السحرة كذلك.
(1/158)
7- ثم تذكر في سورة النمل "48" حلقة التكذيب، والعقاب مجملة مع قصص مشترك.
8- وفي سورة القصص "49" تبدأ القصة من أول حلقة فيها: من مولد موسى في إبان اضطهاد قومه. فوضعه في التابوت وإلقائه في البحر. والتقاط آل فرعون له، وتحريم المراضع عليه. وقول أمه لأخته أن تقص أثره. ومعرفتها بأمره، وإشارتها على آل فرعون بمرضع للطفل هي أمه. ثم كبره. ثم قتله للمصري، ومحاولته قتل آخر، وتهديده إياه بإفشاء سر القتلة الأولى. ونصح رجل له بالهرب وقد جاءه من أقصى المدينة يسعى. وخروجه إلى أرض مدين. والتقائه ببني شعيب، وسقيه لهما، وإعجاب إحداهما به، وحضها أبيها على استخدامه، وعمله مع شعيب. وزواجه بابنته حسب شرطه. ثم انفصاله عنه وذهابه بأهله. ثم رؤيته النار "التي بدأ منها القصة في سورة طه". ثم تسير القصة كما سارت هناك، بزيادة واحدة وهي تهكم فرعون في قوله: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} !. وتنتهي عند حلقة غرق فرعون، بعد خروج موسى.
9- ثم في سورة الإسراء "50" إشارة سريعة إلى إغراق فرعون، والتمكين لبني إسرائيل.
10- وفي سورة يونس "51" عرض قصير -في وسط قصص مشترك- لبيان عاقبة التكذيب. وقد ذكرت فيه حلقة السحرة باختصار، وتجاوز بني إسرائيل البحر، واتباع فرعون لهم وغرقه. ولكن زاد في حلقة الغرق أن يقول: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ} ! فكان الرد عليه:
(1/159)
{آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} . وهي زيادة لا ترد إلا في هذا الوضع.
11- ثم في سورة هود "52" إشارة إلى الإهلاك بعد التكذيب في صدد قصص مشترك.
12- وفي سورة غافر -أو المؤمن- "60" تعرض حلقة الحوار بين فرعون وموسى. ولكن يزيد في هذا الحوار قول فرعون: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} . وظهور رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، يشير عليهم ألَّا يقتلوه، فقد يكون على صراط مستقيم. وهي زيادة لا ترد في غير هذا الموضع.
13- وفي سورة فصلت "61" إشارة سريعة. وكذلك في سروة الزخرف "63" إشارتان سريعتان. ولكن يزيد هنا أن فرعون يقول:
{أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} .
وهي زيادة لا ترد إلا في هذه السورة.
14- وفي سورة الذاريات "67" إشارة خاطفة إلى إرسال موسى إلى فرعون بسلطان مبين، وتكذيبه وإهلاكه.
15- وفي الكهف "69" تعرض حلقة مقابلة موسى لعبد من عباد الله أوتي من لدنه رحمة وعلم علمًا. وقد طلب إليه موسى أن يصحبه ليستفيد من علمه، فأخبره أنه لن يصبر معه ليعلمه، فوعده موسى أن يصبر، ثم لم يستطع معه صبرًا؛ لأن الرجل أخذ
(1/160)
في تصرفات لا يدرك كنهها موسى، ولا يعرف لها مغزى. فشرح له الرجل العالم سرها وافترقا. وهي حلقة تذكر مرة واحدة.
16- ثم في سورتي إبراهيم والأنبياء "72، 73" إشارتان سريعتان. المهم في ثانيتهما وصف التوراة بأنها "فرقان" على نحو ما سبق في هذا التفصيل.
17- ويأتي تفصيل آخر في سورة البقرة "87" في معرض تذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، ومقابلتهم هذه النعم بالمماطلة والجحود -وفي هذا المعرض تكرر بعض الحلقات التي سبقت في قصة موسى- ومن ذلك إعطاؤهم المن والسلوى، ولكن يزيد هنا تبطرهم على هذه النعم، وطلبهم أطعمة منوعة بدل المن والسلوى.
ثم حلقة البقرة التي أمرهم الله بذبحها، فجعلوا يتلكأون، ويسألون عن صفاتها ويتمحلون فيها، حتى استنفدوا المعاذير، {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} . وهي -كما ترى- حلقة جديدة لم تذكر من قبل أصلًا.
18- وفي سورة النساء "92" إشارة إلى طلبهم أن يروا الله جهرة للتدليل على عنتهم ومحالهم.
19- وفي سورة المائدة "112" تذكر حلقة وقوفهم على أبواب الأرض المقدسة لا يدخلون:
{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} ! ... إلى قوله: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ
(1/161)
إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} .
ويتركهم هنالك في التيه فلا يأتي بعد ذلك ذكر لموسى. ولا يذكر عن بني إسرائيل إلا تفرقهم وعداؤهم للمسيح والمسلمين.
هذه القصة أشد القصص تكرارًا في القرآن. وقد رأينا من هذا الاستعراض نوع التكرار؛ وأنه -فيما عدا ستة مواضع- إشارات وعظية إلى القصة اقتضاها السياق؛ أما الحلقات الأساسية فلم تكرر تقريبًا؛ وإذا كررت حلقة منها جاءت بشيء جديد في تكرارها. وهذه القصة نموذج للقصص الأخرى، وعلى ضوئها ندرك أن ليس في القصص القرآني ذلك التكرار المطلق، الذي يخيل لبعض من يقرأون القرآن، بلا تدقيق ولا إمعان.
"ب" وكان من آثار خضوع القصة في القرآن للغرض الديني -غير التكرار- أن تعرض بالقدر الذي يكفي لأداء هذا الغرض، ومن الحقة التي تتفق معه؛ فمرة تعرض القصة من أولها، ومرة من وسطها، ومرة من آخرها؛ وتارة تعرض كاملة، وتارة يكتفي ببعض حلقاتها، وتارة تتوسط بين هذا وذاك، حسبما تكمن العبرة في هذا الجزء أو ذاك. ذلك أن الهدف التاريخي لم يكن من بين أهداف القرآن الأساسية كالهدف القصصي سواء؛ فسارت القصة وهدفها الأول هو الهدف الديني، على النحو التالي:
1- نجد قصصًا تعرض منذ الحلقة الأولى: حلقة ميلاد بطلها؛ لأن في مولده عظة بارزة، وذلك مثل:
(1/162)
قصة آدم "منذ خلقه" وفيها مظهر لقدرة الله، وكمال علمه، ونعمته على آدم وبنيه. وفي حادثة إبليس معه بما فيها من أغراض دينية أشرنا من قبل إليها.
ومثل مولد عيسى ابن مريم: وهو يعرض تفصيل كامل، ذلك أن مولده هو الآية الكبرى في حياته؛ وحول هذا المولد قام الجدل كله؛ وعنه تفرعت كل قضايا المسيحية قبل الإسلام وبعده.
وقصة مريم: فقد نذرت لله وهي في بطن أمها، وتولى كفالتها زكريا؛ ثم رزقت منذ مولدها رزقًا حسنا من عند الله، فكانت {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ...
ثم تطوى حلقاتها حتى تأتي حلقة ميلاد عيسى. وهي الحلقة الهامة الثانية في حياتها.
وقصة موسى: لأن لمولده في عهد اضطهاد بني إسرائيل، وتذبيح الذكور من أطفالهم، ونجاته هو من ذلك مع وجوده بين آل فرعون أنفسهم ... قيمة خاصة في بيان رعاية الله له، وإعداده إعدادًا خاصًّا للمهمة التي سينهض بها. ثم تذكر من حياته حلقاتها ذات المغزى.
وإسماعيل وإسحاق تعرض حلقة مولدهما؛ لأن في هذا المولد عبرة. فأولهما رزقة إبراهيم على الكبر، وأسكنه -على الرغم منه- بجواز البيت المحرم، والثاني بشر به وامرأته عجوز. وقد بلغ من الكبر عتيًّا.
(1/163)
وكذلك يذكر مولد يحيى لزكريا؛ بعد أن وهن منه العظم واشتعل الرأس شيئًا.
2- ونجد قصصًا أخرى تعرض من حلقة متأخرة نسبيًّا:
فيوسف تبدأ قصته صبيًّا. فمن هذه الحلقة يرى الرؤيا التي تسير حياته كلها، وتؤثر في مستقبلة جميعًا، إذ يرى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين؛ فيدرك أبوه مغزاها ويقربه إليه، فيغار إخوته منه ... ثم تسير القصة في طريقها المرسوم بعد هذه الرؤيا.
وإبراهيم تبدأ قصته فتى ينظر في السماء فيرى نجمًا، فيظنه إلهه، فإذا أفل قال: لا أحب الآفلين. ثم ينظر مرة أخرى فيرى القمر، فيظنه ربه؛ ولكنه يأفل كذلك، فيتركه ويمضي. ثم ينظر إلى الشمس فيعجبه كبرها، ويظنها -ولا شك- إلهًا!
ولكنها تخلف ظنه هي الأخرى، فيفيء إلى ربه الذي لا يرى ... ويدعو أباه وقومه إلى هذا الإله الواحد فلا يجيبونه، فيحطم أصنامهم في غفلة منهم حيث يقولون: {سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} ويهمونه بإحراقه، فينجيه الله منهم: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} .
وتبدأ قصة داود وهو في مقتبل الشباب. تبدأ بحلقة صراعه لجالوت -وهو فارس ضخم مشهور- فيغلب عليه داود؛ لأن الله ينصره. ومن هنا تبدأ قصته.
ولعل سليمان كان في مثل سن أبيه حينما جلس معه يحكم في قضية الحرث. {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} .
(1/164)
ولقد كان هذا الحكم المبكر دلالة على ما أعده الله لسليمان من تدبير الملك الأكبر.
3- ثم نجد قصصًا لا تعرض إلا في حلقة متأخرة جدًّا.
فنوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وكثيرون غيرهم، لا تعرض قصصهم إلا عند حلقة الرسالة، وهي الحلقة الوحيدة التي تعرض من حياتهم؛ لأنها أهم حلقة منها، والعبرة كامنة فيها.
هذا كله من ناحية الابتداء. وأما من ناحية الإطناب والإيجاز فهما كذلك خاضعان لما في حلقات القصة من عظة وأهمية.
نضرب لذلك الأمثال فيما يلي:
1- قصة كقصة موسى تذكر بجميع حوادثها وتفصيلاتها، منذ مولده -بل قبل مولده- إلى وقوفه بقومه أمام الأرض المقدسة، حيث كتب عليهم التيه أربعين سنة، جزاءً وفاقًا؛ لأن في كل حلقة من حلقات القصة غرضًا دينيًّا يبرز، وله صلة بأهداف القرآن العليا.
وكذلك قصة عيسى -مع شيء من الاختصار في حلقاتها الوسطى- يذكر مولده بتفصيل كامل. تذكر معجزاته بتوفية. وتذكر قصته مع الحواريين حين طلبوا المائدة فأنزلت إليهم. وتذكر حلقة تكذيبه ومحاولة صلبه ورفعه، وتفرق قومه من بعده. ويزاد عليها تصوير موقفه يوم القيامة يسأله الله: إن كان قد قال لقومه: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، فيتبرأ من ذلك إليه، ويذكر أنه دعاهم لله وحده، وأنه يدع أمرهم لله إن يشأ يرحمهم، وإن يشأ يعذبهم.
ومنذ أن تبدأ قصة يوسف تسير مفصلة حتى تنتهي. فما يقع
(1/165)
له مع إخوته، وما يحدث له في مصر بعد شرائه وتربيته، ومراودة امرأة العزيز له. وسجنه، وتعبيره رؤيا خادمي الملك، ثم تعبيره رؤيا الملك. وخروجه، وولايته "على خزائن الأرض" "وزارتي المالية والتموين"! ومجيء إخوته ودعوتهم، ومجيء أخيه وعودة إخوته لأبيهم بدونه. وكمال القصة بقدوم أبيه وأهله.. كلها تفصل تفصيلًا دقيقًا؛ لأن التفصيل مقصود، أولًا: لإثبات الوحي والرسالة كما أسلفنا، وثانيًا: لأن لهذه التفصيلات قيمتها الدينية في القصة.
وقصة إبراهيم لا تعرض من أولها؛ ولكن تعرض منها حلقات شتى: حلقة إيمانه التي أسلفنا، ومحاورته لأبيه وقومه، وتحطيم الأصنام، واعتزاله أباه وقومه. وهبة إسماعيل وإسحاق له، ورؤياه أنه يذبح ابنه، وافتداؤه. وبناء الكعبة والتأذين في الناس للحج. وطلبه من ربه برهانًا على إحياء الموتى، لا ليؤمن فقد آمن، ولكن ليطمئن قلبه، حيث أمره الله أن يأخذ أربعة من الطير، فيضمهن إليه، ثم يجعل على كل جبل منهن جزءًا، ثم يدعوهن فيأتين إليه سعيًا.. إلخ..
ومن قصة سليمان تعرض كذلك حلقات مطولة: حكمه في الحرث. وملكه. وفتنته بالخيل الجياد، واستغفاره الله من هذه الفتنة. وتسخير الشياطين والرياح له: ثم فتنته الأخرى التي لا يذكر القرآن سببها -وتذكر التوراة أنها المرأة- وقصته مع النملة ومع الهدهد ومع بلقيس. وموته وهو متكئ على عصاه والشياطين لا تعلم.. وما في ذلك كله من مغازي مقصودة.
2- وهناك قصص متوسطة التفصيل:
فقصة نوح تذكر منها تفصيلات رسالته، ودعوته لقومه واستكبارهم
(1/166)
عنها. وحلقة صنع السفينة. وحلقة الطوفان، وغرق ابنه، ودعائه الله أن يحييه، وعدم استجابته له؛ لأنه ليس من أهله، ولو كان ابنه؛ لأنه عمل غير صالح!
وقصة آدم تفصل تفصيلا في نشأته، وخطيئته، وهبوطه، وتوبته، واستجابة الله له.
وقصة مريم يطنب فيها عند مولدها، وعند مولد عيسى.
وقصة داود تنال شيئًا من التفصيل، لا يبلغ تفصيل قصة سليمان، ولكنه يتناول حلقات كثيرة منها.
3- وهناك قصص قصيرة:
فقصص هود وصالح ولوط وشعيب -مع تكرارها- قصيرة؛ لأنها تعرض عند حلقة الرسالة وحدها، فتتضمن الرسالة والحوار مع قومهم، وتكذيب هؤلاء القوم، ثم إهلاكهم جميعًا.
وقصة إسماعيل تذكر عند مولده، وعند افتدائه من الذبح، وعند اشتراكه في بناء الكعبة مع أبيه، في اختصار نسبي، في هذه الحلقات جميعًا.
وقصة يعقوب تذكر في سياق قصة يوسف؛ وتذكر مرة أخرى:
{إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ} .
وقد أفردت هذه الحلقة هنا لأهميتها في بيان التوحيد الذي أوصى به يعقوب.
4- وهناك قصص متناهية في القصر:
فقصة زكريا تذكر عند مولد يحيى: وعند كفالته لمريم.
(1/167)
وقصة أيوب تذكر عند مس الضر له، ثم استغاثته بالله وشفائه ورد أهله إليه. وقصة يونس تذكر عند ابتلاع الحوت له ثم نبذه بالعراء، ورسالته لقومه وإيمانهم به.
5- وقصص يشار إليها ولا يذكر شيء عنها -إلا وصفًا خاطفًا لأصحابها: كقصص إدريس واليسع وذي الكفل؛ وطائفة أخرى لا تذكر إلا أسماؤهم في صدد استعراض سجل الأنبياء.
6- فأما القصص الأخرى المتفرقة كقصة أصحاب الأخدود. وأهل الكهف. وابني آدم. وصاحب الجنتين. وأصحاب الجنة، وسد مأرب. والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ... وهي القصص الوعظية البحتة، فتعرض بالقدر الذي يبلغ العظة، وقد استعرضنا بعضها سلفًا، وسنستعرض البعض الآخر لحقًا.
فنكتفي هنا بهذا البيان عنها. إنما نريد أن نبين أن القصة القرآنية تعرض بالقدر الذي يتفق مع الغرض الديني منها. وقد بلغنا من ذلك ما أردنا.
"ج" وكان من أثر خضوع القصة للغرض الديني أن تمزج التوجيهات الدينية بسياق القصة، قبلها وبعدها وفي ثناياها كذلك.
فأما ما يذكر من التوجيهات قبلها فقد ذكرنا منه مثالين فيما مضى. أولًا: التنبيه إلى دلالة القصص على الوحي بها، كما في قصة يوسف وقصة آدم. وثانيًا: مجيء القصص مصدقة للإنباء مثل: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} ثم سرد القصص التي على الرحمة والتي تدل على العذاب.
وأما ما يذكر منه بعدها، فقد ذكرنا منه كذلك مثالين فيما
(1/168)
مضى: أولًا التنبيه إلى دلالة القصص على الوحي بها، كما في أعقاب قصة موسى في سورة القصص، وما في أعقاب قصة نوح في سورة هود. وثانيًا: التنبيه إلى أن عقاب الله عادل، وأنه لا يأخذ القوم إلا بعد الإنذار، كالذي ورد في سورة العنكبوت عقب قصص الأنبياء مجتمعة:
{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
والذي يتتبع قصص القرآن يجد عقب كل قصة تعقيبًا دينيًّا يناسب العبرة فيها.
وأما ما يذكر من التوجيهات في ثناياها، فنضرب منه الأمثال هنا:
1- {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
فيضع في سياق القصة: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاس} وفي نهايتها: {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
(1/169)
2- وفي قصة سليمان مع بقليس يقول الهدهد:
{إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} .
كل هذا يقوله هدهد في ثنايا القصة، ليهتدي الآدميون بهداه فيما يقول!
3- وفي قصة يوسف مع خادمي الملك. يفسر لهما الرؤيا ثم يقول:
{ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} .
وهكذا لا يسير سياق القصة إلا وفي ثناياه تلك التوجيهات، زيادة على المغزى الذي تؤدي إليه بحوادثها دون توجيهاتها.
والقارئ لقصص القرآن يجد هذه التوجيهات منثورة في ثناياها على هذا النحو أو على نحو سواه؛ ولكنه يجدها بكثرة ووفرة، تدل على الغرض الأساسي من سياق القصة، وهو الغرض الديني أولًا وقبل جميع الأغراض.
(1/170)
الدين والفن في القصة:
قلنا: إن خضوع القصة للغرض الديني، لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها. فالآن نقول: إنه كان من أثر هذا الخضوع بروز خصائص فنية بعينها تحسب في الرصيد الفني للقصة في عالم الفنون الطليق؛ وتصدق ما قلناه في أول ذا الفصل من أن القرآن "يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني، فيخاطب حاسة الوجدان الدينية، بلغة الجمال الفنية".
ونحن نستعرض فيما يلي هذه الخصائص الفنية التي نسميها "مظاهر التنسيق الفني في القصة".
أ- كان من أغراض القصة في القرآن إثبات وحدة الإله، ووحدة الدين، ووحدة الرسل، ووحدة طرائق الدعوة، ووحدة المصير الذي يلقاه المكذبون، على نحو ما بيَّنَّا في أول هذا الفصل.
فنشأ عن خضوع القصة لهذه الأغراض أن يعرض شريط الأنبياء والرسل الداعين إلى الإيمان بدين واحد، والإنسانية المكذبة بهذا الدين الواحد، مرات متعددة بتعدد هذه الأغراض؛ وأن ينشئ هذا ظاهرة التكرار في بعض المواضع. ولكن هذا أنشأ جمالًا فنيًّا من ناحية أخرى، ذلك أن عرض هذا الشريط يخيل للمتأمل أنه نبي واحد، وأنها إنسانية واحدة، على تطاول الأزمان والآماد: كل نبي يمر وهو يقول كلمته الهادية، فتكذبه هذه الإنسانية الضالة، ثم يمضي، ويجيء تالية فيقول الكلمة ذاتها ويضمي؛ وهكذا ...
(1/171)
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِين} .
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ، قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ، فَأَنْجَيْنَاهُ
(1/172)
وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} .
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ، فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ، وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ، وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ، فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ، وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ، قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ، وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} إلخ ...
وكلما تكرر هذا الاستعراض، كان هناك مجال لتملي هذا الشريط، الذي يقف مرة عند كل نبي، ثم يمضي في عرضه مطردًا ... حتى يقف محمد أمام كفار قريش، فإذا هو يقول تلك القولة الواحدة، وإذا هم يردون ذلك الرد المكرور. وفي تأمل الشريط على هذا النحو جمال فني أكيد.
(1/173)
ب- وكان من آثار خضوع القصة للغرض الدين أن تعرض منها الحلقات التي تقتضيها هذه الأغراض. وقد نشأ عن هذا ما يشبه أن يكون نظامًا عامًّا. ذلك أن آخر حلقة تعرض -بحسب ترتيب السور- تتفق مع أظهر غرض ديني صيغت القصة من أجله، وفي الوقت ذاته يتفق هذا الختام مع الأصول الفنية؛ ويبدو كأنه ختام فني لذاته، لا للعرض الديني من ورائه.
وقد لاحظنا من قبل في قصة موسى أن آخر ذكر لها يرد في سورة المائدة، والحلقة التي تعرض فيها هي حلقة التيه. فهؤلاء بنو إسرائيل قد أغدق الله عليهم نعمته، وأملى لهم في رحمته؛ ثم ها هم أولاء في النهاية لا يحافظون على النعمة، ولا يدخلون الأرض المقدسة، وقد جهد موسى ما جهد لردهم إليها؛ فيكون تأديبهم على هذا المطال، تركهم في التيه لا مرشد لهم ولا معين، حتى يأتي الأجل المعلوم.
ذلك غرض ديني بحت. ولكن ترى كان هناك ختام فني أجمل من مشهد التيه، في نهاية ذلك الجهد الجهيد، وبعد ذلك التردد الشديد؟ إن مشهد التيه هو المشهد الفني الأنسب، لو كانت القصة مطلقة من جميع القيود.
فلنتتبع هذه الظاهرة في قصص أخرى.
1- هذه قصة إبراهيم ترد في حوالي العشرين موضعًا، ثم يكون آخر موضع ترد فيه هو "سورة الحج" "103"، فتعرض منها الحلقة التالية:
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ
(1/174)
بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} .
فهنا -من الوجهة الدينية- ربط بين شعائر الحج في الإسلام وشعائره في دين إبراهيم: وذلك غرض -كما قلنا- مقصود؛ وقد ورد في ختام السورة نفسها آخر ذكر لإبراهيم في قوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} . ولكن لننظر من الوجهة الفنية البحتة، أكان هناك مشهد تختم به قصة إبراهيم، أليق من مشهده يؤذن في الناس للحج؛ وهو باني البيت، ومودع طفلة إسماعيل هناك قبل البناء؟ إنه أليق ختام فني بلا جدال، ولو لم يكن الغرض الديني هو الذي اقتضاه.
2- وهذه قصة عيسى بن مريم ترد ورودًا أساسيًّا في ثمانية مواضع، وآخر حلقة منها تعرض في سورة المائدة "112" على النحو التالي:
{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
فهذا الختام هو ختام ديني، وختام فني في آن واحد، لقصة
(1/175)
كقصة عيسى. مولده عجيب، وعن هذا المولد نشأت شبهات تأليهه، وحول هذه النقطة المعقدة ثارت المشكلات. فها هو ذا في اللحظة الأخيرة أمام خالقه يعترف بعبوديته، ويشهد بما قاله لقومه. ويفوض الأمر فيهم إلى الله العزيز الحكيم.
الفن يقتضي هذا الختام، حين تساق القصة مساقها في القرآن.
3- وقصة آدم، تختم في كل مرة بالهبوط، فإذا زادت فإنما تزيد استغفار آدم من ذنبه وقبوله عند ربه؛ ثم لا تزيد على ذلك شيئًا مما وقع له في الأرض بعدها -كما تزيد التوراة مثلًا- ذلك أن الهدف الديني يتم بهبوط آدم من الجنة جزاء لاتباعه مشورة عدوه القديم، ونسيانه لأمر ربه الكريم.
أما الفن فيجد في هذا الختام كل ما يبغيه الفنان: الهبوط من الجنة، وترك القصة مفتوحة بعد هذا للخيال يتبع آدم المسكين، وزوجه في الأرض غريبين لم يعرفا أقطارها، ولم يتعودا حياتها، وليس لهما من خبرة بالمعاش فيها.. إلى آخر ما يتملاه الخيال من مشاهد وفروض، يقضي على جمالها الفني كل إسهاب في القصة بعد هذا الختام.
4- وقصة سليمان ترد في ثلاثة مواضع، وآخر سورة ترد فيها هي سورة الأنبياء "73"، وتذكر منها الحلقة التالية:
{وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ، وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ
(1/176)
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} .
وهنا غرض ديني من أغراض قصة سليمان الكثيرة. ولكن قد يبدو أن الختام الفني هنا لم يتفق مع الغرض الديني، وأن مشهد سليمان متكئًا على عصاه بعد موته قد يكون هو الختام الفني المطلوب.
وهذا المشهد يصلح ولا شك؛ ولكن مشهد الحكم والحكمة هنا له قيمته الفنية أيضًا في حياة سليمان. فهو "سليمان الحكيم" كما يلقب، وهو "سليمان الملك". وفي هذا الحكم المبكر شاهد بالحكمة الموهوبة، وإرهاص للملك العريض. ثم هي طريقة من طرق العرض، أن تنتهي قصة البطل بمشهد من مشاهد طفولته أو صباه، ذي علاقة وثيقة بمحور قصته من البدء للختام.
5- وحتى القصص المشتركة بين عدد من الأنبياء -وأغراضها الدينية معلومة- قد اتسق آخر عرض لها مع الخاتمة الفنية في اختصار:
{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ، وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ، وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} .
وذلك ختام واقعي، وختام ديني، وختام فني في آن.
6- أما قصة يوسف فكان فيها توافق في الختام من نوع خاص يتفق مع القصة في الابتداء، فقد بدأت القصة برؤيا يوسف فختمت بتحقق هذه الرؤيا، وسجود إخوته له وأبويه، ولم يحظ خطوة وراء
(1/177)
هذا كما فعلت التوراة؛ لأن الغرض الديني قد تحقق، وتحقق معه للقصة أجمل ختام.
ج- وكان من مقتضى الأغراض الدينية للقصة أن تتساوق مع الوسط الذي تعرض فيه؛ فأنشأ التساوق نوعًا من التناسق الفني الذي عرضنا له في فصل خاص، تناولنا فيه سائر ألوان التصوير في القرآن.
أما مظهره في سياق القصة، فقد ذكرنا نموذجًا منه آنفًا عند ذكر أغراض القصة. ذلك في مثال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} ثم التعقيب على هذا بقصص تصدق هذا الإنباء.
فالآن نذكر له نماذج أخرى، يتفق فيها الغرض الديني، والتناسق الفني تمام الاتفاق:
1- في سورة الأعراف عرض قصة آدم على النحو التالي:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ، قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ
(1/178)
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ، قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ، وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ، قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} .
ثم يستمر السياق، فيدعو بني آدم بعد هذه القصة أن يحذروا الشيطان: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} .. ثم يستطرد إلى يوم القيامة حيث يستعرض موقف المؤمنين الذين اتبعوا هدى الله، وموقف الكافرين الذين اتبعوا غواية الشيطان، حتى ينتهي الاستعراض إلى دخول
(1/179)
هؤلاء النار ودخول أولئك الجنة، حيث يناديهم "رجال الأعراف" على النحو الذي ذكرناه في "فصل التصوير الفني" هناك: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} وحيث ينادون من الملأ الأعلى: {أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} عن دار النعيم. وكأنما استحقوا الإياب وأورثوا الجنة؛ لأنهم عصوا الشيطان، بعد أن كان اتباعه سبب الخروج.
وفي هذه "الأوبة" تناسق في العرض مع ذلك "الخروج" كان مكانه هناك في فصل "التناسق"، فهو بلا شك من مستوى ذلك الطراز.
ومثل هذا التناسق ملحوظ في القصص، نكتفي منه بهذا المثال، ليقرأ القارئون على هداه سائر القصص في القرآن.
(1/180)
الخصائص الفنية للقصة:
ثم نعرض بعد ذلك للخصائص الفنية العامة، التي تحقق الغرض الديني للقصة عن طريق الجمال الفني. إذ إن هذا الجمال يجعل ورودها إلى النفس أيسر، ووقعها في الوجدان أعمق. والبحث على هذا النحو يتناول أربع ظواهر فنية لها حساب معلوم في الدراسة الفنية للقصة الحرة في عالم الفنون.
أ- أولى هذه الخصائص الفنية تنوع طريقة العرض.
وقد لاحظنا في قصص القرآن أربع طرائق مختلفة للابتداء في عرض القصة، على النحو التالي:
(1/180)
1- مرة يذكر ملخصًا للقصة يسبقها، ثم يعرض التفصيلات بعد ذلك من بدئها إلى نهايتها. وذلك كطريقة قصة "أهل الكهف" فهي تبدأ هكذا:
{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} .
ذلك ملخص للقصة؛ ثم تتبعه تفصيلات تشاورهم قبل دخولهم الكهف. وحالتهم بعد دخوله، ونومهم، ويقظتهم. وإرسالهم واحدًا منهم ليشتري لهم طعامًا، وكشفه في المدينة، وعودته، وموتهم، وبناء المعبد عليهم، واختلاف القوم في أمرهم.... إلخ. فكأن هذا التلخيص كان مقدمة مشوقة للتفصيلات.
2- ومرة تذكر عاقبة القصة ومغزاها؛
ثم تبدأ القصة بعد ذلك من أولها وتسير بتفصيل خطواتها. وذلك كقصة موسى في سورة القصص. وهي تبدأ هكذا:
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
(1/181)
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} .
ثم يمضي في تفصيلات قصة موسى: مولده ونشأته ورضاعه وكبره وقتله المصري وخروجه ... كما فصلنا من قبل. فكأن هذه المقدمة، التي تكشف الغاية من القصة كانت تمهيدًا مشوقًا لمعرفة الطريقة التي تتحقق بها هذه الغاية المرسومة المعلومة.
وقريب من هذا النحو قصة يوسف، فهي تبدأ بالرؤيا يقصها يوسف على أبيه فينبئه أبوه بأن سيكون له شأن عظيم. هكذا: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} .
ثم تسير القصة بعد ذلك، وكأنما هي تأويل للرؤيا، ولما توقعه يعقوب من ورائها؛ حتى إذا تحققت أنهى القصة، ولم يسر فيها كما سارت التوراة بعد هذا الختام الفني الدقيق.
3- ومرة تذكر القصة مباشرة بلا مقدمة ولا تلخيص، ويكون في مفاجآتها الخاصة ما يغني. مثل ذلك قصة مريم عند مولد عيسى، ومفاجآتها معروفة، وسنعرضها بالتفصيل في مناسبة آتية. وكذلك قصة سليمان مع النمل والهدهد وبلقيس. وسنعرضها أيضًا.
4- ومرة يحيل القصة تمثيلية. فيذكر فقط من الألفاظ ما
(1/182)
ينبه إلى ابتداء العرض؛ ثم يدع القصة تتحدث عن نفسها بوساطة أبطالها. وذلك كالمشهد الذي عرضناه من قصة إبراهيم وإسماعيل في فصل التصوير:
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل} هذه إشارة البدء ... أما ما يلي ذلك فمتروك لإبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} إلى نهاية المشهد الطويل. ولهذا نظائره في كثير من قصص القرآن.
ب- وثانية هذه الخصائص تنوع طريقة المفاجأة.
1- فمرة يكتم سر المفاجأة عن البطل وعن النظارة، حتى يكشف لهم معًا في آن واحد. مثال ذلك قصة موسى مع العبد الصالح العالم في سورة الكهف، فهي تجري هكذا:
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا، فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا، قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا
(1/183)
قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} .
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} .
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} .
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} .
فإلى هنا نحن أمام مفاجآت متوالية، لا نعلم لها سرًّا، وموقفنا منها كموقف بطلها موسى. بل نحن لا نعرف من هو هذا الذي يتصرف تلك التصرفات العجيبة ولا ينبئنا القرآن باسمه، تكملة للجو الغامض الذي يحيط بنا. وما قيمة اسمه؟ إنما يراد به أن يمثل الحكمة الكونية العليا، التي لا ترتب النتائج القريبة على المقدمات المنظورة، بل تهدف إلى أغراض بعيدة لا تراها العين المحدودة.
(1/184)
فعدم ذكر اسمه يتفق مع هذه الشخصية المعنوية التي يمثلها. وإن القوى المجهولة لتتحكم في القصة منذ نشأتها؛ فها هو ذا موسى يريد أن يلقى هذا الرجل الموعود، فيمضي في طريقه ولكن فتاه ينسى غداءهما عند الصخرة، وكأنما نسيه ليعودا، فيجد هذا الرجل هناك؛ وكان لقاؤه يفوتهما لو سارا في وجهتها، ولو لم تردهما الأقدار إلى الصخرة كرة أخرى.. كل الجو غامض مجهول، وكذلك اسم الرجل الغامض مجهول.
ثم يأخذ السر في التجلي، فيعلمه النظارة حين يعلمه موسى:
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} .
وفي دهشة السر المكشوف يختفي الرجل كما بدا. لقد يخطر للأذهان الدهشة بعد أن تصحو أن تسأل: من هذا؟ ولكنها لن تتلقى جوابًا. لقد مضى في المجهول، كما خرج من المجهول، فالقصة تمثل الحكمة الكبرى، وهذه الحكمة لا تكشف عن نفسها إلا بمقدار، ثم تبقى مجهولة أبدًا.
(1/185)
ذلك أفق من آفاق التناسق كذلك، كان موضعه في فصل التناسق هنالك. فليرده القارئ بنفسه إلى تلك الآفاق!
2- ومرة يكشف السر للنظارة، ويترك أبطال القصة عنه في عماية؛ وهؤلاء يتصرفون وهم جاهلون بالسر، وأولئك يشاهدون تصرفاتهم عالمين. وأغلب ما يكون ذلك في معرض السخرية، ليشترك النظارة فيها، منذ أول لحظة، حيث تتاح لهم السخرية من تصرفات الممثلين!
وقد شاهدنا مثلا من ذلك قصة أصحاب الجنة:
{إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلا يَسْتَثْنُونَ، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} .
وبينما نحن نعلم هذا، كان أصحاب الجنة يجهلونه:
{فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ، فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ، أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ، وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} .
وقد ظلمنا نحن النظارة نسخر منهم، وهم يتنادون ويتخافتون، والجنة خاوية كالصريم؛ حتى انكشف لهم السر أخيرًا بعد أن شبعنا تهكمًا وسخرًا: {قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} وذلك جزاء من يحرم المساكين!
فهذا لون من التناسق كذلك، يضاف إلى نظائره هنالك.
3- ومرة يكشف بعض السر للنظارة، وهو خاف على البطل في موضع، وخاف على النظارة وعن البطل في موضع آخر؛ في
(1/186)
القصة الواحدة. مثال ذلك قصة عرش بلقيس الذي جيء به في غمضة، وعرفنا نحن أنه بين يدي سليمان، في حين أن بلقيس ظلت تجهل ما نعلم: {فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} ! فهذه مفاجأة عرفنا نحن سرها سلفًا. ولكن مفاجأة الصرح الممرد من قوارير، ظلت خافية علينا وعليها حتى فوجئنا بسرها معها، حينما {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} وسنذكر القصة بالتفصيل بعد قليل.
4- ومرة لا يكون هناك سر، بل تواجه المفاجأة البطل والنظارة في آن واحد، ويعلمان سرها في الوقت ذاته: وذلك كمفاجآت قصة مريم، حين تتخذ من دون أهلها حجابًا، فتفاجأ هناك بالروح الأمين في هيئة رجل، فتقول: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} . نعم إننا عرفنا قبلها بلحظة أنه "الروح" ولكن الموقف لم يطل فقد أخبرها: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا} . وقد فوجئنا كذلك معها إذ أجاءها المخاض إلى جذع النخلة {قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} ... إلخ.
ج- وثالثة الخصائص الفنية في عرض القصة: تلك الفجوات بين المشهد والمشهد، التي يتركها تقسيم المشاهد و"قص" المناظر، مما يؤديه في المسرح الحديث إنزال الستار، وفي السينما الحديثة انتقال الحلقة؛ بحيث تترك بين كل مشهدين أو حلقتين فجوة
(1/187)
يملؤها الخيال، ويستمتع بإقامة القنطرة بين المشهد السابق والمشهد اللاحق.
وهذه طريقة متبعة في جميع القصص القرآني على وجه التقريب، ويمكن أن تلحظ فيما عرضناه من القصص قبلًا. أما في هذه المناسبة فنضرب عليها مثلا من قصة يوسف: فالقصة قد قسمت ثمانية وعشرين مشهدًا، فلنعرض بعض مشاهدها:
لقد قام إخوة يوسف وهو على خزائن الأرض، في سنوات الجدب، يطلبون القمح، فطلب إليهم أن يحضروا أخاهم الآخر -شقيقه- فأحضروه -على كره من أبيه- ثم وضع صواع الملك في رحله وأخذ به رهينة، باسم أنه سارق، ليبقيه يوسف عنده!
ثم ها هم أولاء إخوته ينتحون جانبًا ليتشاوروا في أمرهم، وقد أبى عليهم يوسف أن يأخذ أحدهم مكانه:
{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} .
وهنا يسدل الستار، لنلتقي بهم في مشهد آخر لا في مصر ولا في الطريق، ولكن أمام أبيهم، وقد قالوا له ما وصاهم به أخوهم دون أن نسمعهم يقولونه. إنما يرفع الستار مرة أخرى لنجد أباهم يخاطبهم:
(1/188)
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} .
ويسدل الستار.
وهنا نرى مشهدًا آخر بين يعقوب وبنيه، نراه قد ابيضت عيناه من الحزن، وهو دائم الحسرة على يوسف، وأبناؤه يستنكرون عليه هذا كله:
{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا1 أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} .
وهنا يسدل الستار، ويطوون الطريق لا نعلم عنهم فيه شيئًا، إنما يرفع الستار فنجدهم في مصر أمام يوسف:
{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} ... وهكذا.
وتسير قصص أهل الكهف ومريم وسليمان على النسق نفسه، وسنعرضها بالتفصيل في الفقرة التالية.
__________
1 ذائبًا من الهم والحزن.
(1/189)
التصوير في القصة:
وأخيرًا نخصص هذا العنوان للخصيصة الرابعة، أبرز الخصائص الفنية في القصة، وأشدها اتصالًا بموضوع هذا الكتاب "التصوير الفني في القرآن" فلقد سبق أن قلنا: إن التعبير القرآني يتناول القصة بريشة التصوير المبدعة التي يتناول بها جميع المشاهد والمناظر التي يعرضها، فتستحيل القصة حادثًا يقع ومشهدًا يجري، لا قصة تروى ولا حادثًا قد مضى.
فالآن نقول: إن هذا التصوير في مشاهد القصة ألوان: لون يبدو في قوة العرض والإحياء، ولون يبدو في تخييل العواطف والانفعالات. ولون يبدو في رسم الشخصيات. وليست هذه الألوان منفصلة، ولكن أحدها يبرز في بعض المواقف، ويظهر على اللونين الآخرين، فيسمى باسمه. أما الحق فإن هذه اللمسات الفنية كلها تبدو في مشاهد القصص جميعًا.. وهنا يوضح المثال، ما لا يوضحه المقال.
استعرضنا من قبل قصة أصحاب الجنة. ومشهد إبراهيم وإسماعيل أمام الكعبة. ومشهد نوح وابنه في الطوفان.. وكلها أمثلة لقوة العرض والإحياء، حتى ليظن القارئ أن المشهد حاضر يحس ويرى. على نحو ما بينا. أما الآن فنضيف مثلا جديدًا.
ها نحن أولاء نشهد "أهل الكهف" يتشاورون في أمرهم بعدما اهتدوا إلى الله بين قوم مشركين:
(1/190)
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقً ا} .
بهذا ينتهي المشهد، ويسدل الستار، أو تنقطع الحلقة على أحدث الطرق التي اهتدى إليها المسرح والسينما في القرن العشرين. فإذا رفع الستار مرة أخرى، وجدناهم قد نفذوا ما استقر عليه رأيهم، فها هم أولاء في الكهف. ها هم أولاء نراهم رأي العين. فما يدع التعبير هنا شكا في أننا نراهم يقينًا:
{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} ...
أنقول: إحياء المشهد؟ إن المسرح الحديث بكل ما فيه من طرق الإضاءة ليكاد يعجز عن تصوير هذه الحركة المتماوجة، "واللفظة ذاتها تصور مدلولها" وتجاوزهم عند مغيبها فلا تقع عليهم.
ولقد تستطيع السينما بجهد أن تصور هذه الحركة العجيبة التي تصورها الألفاظ في سهولة غريبة.
(1/191)
ثم لننظرهم {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْه} . إن الألفاظ لتقوم بالمعجزة مرة أخرى، فنتقل هيئتهم وحركتهم كأنما تشخص وتتحرك على التوالي:
{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} .
وهكذا تضطلع الألفاظ بالتصوير وبالحركة في كل هذه السهولة.
وفجأة تدب فيهم الحياة، فلننظر ولنسمع:
{وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} .
وهكذا هو المشهد الثالث -أو بقية المشهد الثاني- فهم قد استيقظوا، فكان أول ما يسألون عنه: كم لبثتم؟ فيكون الجواب لبثنا يومًا أو بعض يوم. وإنا لنعلم أنهم لبثوا أطول من ذلك جدًّا، فقد عرفنا ملخص قصتهم قبل تفصيلها. أما هم فجائعون معجلون
(1/192)
عن التحقق؛ ثم إنهم مؤمنون، فليكن مظهر إيمانهم أن يقولوا: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُم} . وهم متخوفون أن ينفضح أمرهم، فهم يوصون رسولهم أن يتلطف ولا يشعرن بهم أحدًا، لئلا يعرف القوم مقرهم فيرجموهم أو يعيدوهم في ملتهم. أما نحن فنعرف أن لا أحد هناك يرجمهم أو يردهم عن دينهم. ولكن لنتتبع هذا الرسول في المشهد الثالث:
أين هو هذا المشهد؟ هنا فجوة متروكة للخيال. فنحن لا نجد إلا أن أمرهم كشف وعثر الناس عليهم. وإن كان الناس يؤمئذ مؤمنين لا كافرين:
{وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا} .
وهنا يبرز الغرض الديني من القصة؛ ولكن النصيب الفني كذلك قد استوفى، فللخيال أن يتصور ماذا حدث عندما ذهب رسولهم وعندما كشف أمره أيضًا.
وهنا كذلك فجوة أخرى. فهم قد ماتوا فيما يظهر. بل ماتوا فعلا. والقوم خارج الكهف يتنازعون ويتشاورون في شأنهم، على أي دين كانوا؟
{إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} .
وهنا فجوة ثالثة. فليتخذ الخيال هذا المسجد عليهم. أما الناس
(1/193)
بعد أن انتهى الأمر، فها هم ألاء -كعادة الناس- يتناقلون أخبارهم، ويتجادلون في عددهم، وعدد السنين التي انقضت عليهم:
{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} .
لقد طواهم المجهول بعد أن تمت الحكمة الدينية من بعثهم، فليوكل سرهم إلى المجهول أيضًا:
{قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} .
ثم تتهيأ المناسبة للتوجيهات الدينية المعهودة، فنحن في أعقاب قصة البعث، والقدرة الإلهية والاستئثار بالغيب، فهنا يقول:
{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} .
ويذكر لهذا التوجيه سبب خاص بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكن تفصيل هذا السبب لا يعنينا هنا، إنما هو مظهر عام من التوجيه الديني في ثنايا القصص وأعقابها، وفي اللحظة النفسية المناسبة: وههنا مناسبة كبرى وفي النهاية خبر محقق عن مدى لبثهم، وهو المهم في القصة، أما عددهم فليبق سرًّا معهم: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} . وهذا
(1/194)
الخبر فرصة أخرى للتوجيه الديني.
{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} .
لقد استطردنا في تتبع جميع خصائص القصة التي عرضت هنا. ولكن مما لا شك فيه أن "قوة العرض والإحياء" هي السمة البارزة في مشاهد القصة جميعًا. وأن هذا اللون هو الذي يطبعها؛ ويغلب فيها على الألوان الأخرى.
والآن إلى اللون الثاني منألوان التصوير في القصة: تصوير العواطف والانفعالات وإبرازها.
لقد عرضنا من قبل قصة صاحب الجنتين وصاحبه الذي يحاوره؛ وقصة موسى مع رجل {مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} وكلتاهما تصور العواطف المختلفة، وتبرزها بجانب رسم الشخصيات وإحياء المشاهد. فالآن نضيف إليهما قصة أخرى تفصيلًا. نضيف إليهما قصة مريم عند ميلاد عيسى:
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} .
فها هي ذي في خلوتها، مطمئنة إلى انفرادها، يسيطر على وجدانها ما يسيطر على الفتاة في حمامها! ولكن ها هي ذي تفاجأ
(1/195)
مفاجأة عنيفة تنقل تصوراتها نقلة بعيدة، ولكنها بسبب ما هي فيه أيضًا: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} إنها انتفاضة العذراء المذعورة يفجؤها رجل في خلوتها، فتلجأ إلى استثارة التقوى في نفسه: {إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} .
ولئن كنا نحن نعلم أنه "الروح الأمين"، فإنها هي لا تعلم إلا أنه رجل. وهنا يتمثل الخيال تلك الفتاة الطيبة البريئة، ذات التقاليد العائلية الصالحة، وقد تربت تربية دينية وكفلها "زكريا" بعد أن نذرت لله جنينًا ... هذه هي الهزة الأولى.
{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا} .
تم ليتمثل الخيال مرة اخرى مقدار الفزع والخجل، وهذا الرجل الغريب -الذي لم تثق بعد بأنه رسول ربها، فقد تكون حيلة فاتك يستغل طيبتها- يصارحها بما يخدش سمع الفتاة الخجول، وهو أنه يريد أن يهب لها غلامًا. وهما في خلوة وحدهما.
وهذه هي الهزة الثانية.
ثم تدركها شجاعة الأنثى تدافع عن عرضها:
{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} .
هكذا. صراحة، وبالألفاظ المكشوفة. فهي والرجل في خلوة، والغرض من مباغتته لها قد صار مكشوفًا -فما تعرف هي بعد كيف يهب لها غلامًا، وما يخفف من روع الموقف أن يقول لها: {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} فقد تكون هذه خدعة فاتك كما قلنا -فالحياء إذن ليس يجدي، والصراحة هنا أولى.
(1/196)
{قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} .
ثم ماذا؟
هنا نجد فجوة من فجوات القصة؛ فجوة فنية كبرى، تترك للخيال يتصورها كما يهوى. ثم تمضي القصة في طريقها، لنرى هذه العذراء المسكينة في موقف آخر أشد هولًا:
{فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} .
وهذه هي الهزة الثانية.
فلئن كانت في الموقف الأول تواجه الحصانة والتربية والأخلاق، بينهما وبين نفسها، فهي هنا وشيكة أن تواجه المجتمع بالفضيحة؛ ثم هي تواجه آلامًا جسدية بجانب الآلام النفسية، تواجه الألم الجسمي الحاد الذي "أجاءها" إجاءة إلى جذع النخلة، وهي وحيدة فريدة، تعاني حيرة العذراء في أول مخاض، ولا علم لها بشيء، ولا معين لها في شيء. فإذا هي قالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} فإننا لنكاد نرى ملامحها، ونحس اضطراب خواطرها، ونلمس مواقع الألم فيها:
{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} .
(1/197)
وهذه هي الهزة الرابعة. والمفاجأة العظمى. وإنا لنكاد نحن -لا مريم- نهب على الأقدام وثبًا، روعة من هذه الهزة وعجبًا: طفل ولد للحظة، يناديها من تحتها، ويمهد لها مصاعبها، ويهيئ لها طعامها. إلا إنها الهزة الكبرى!
ونحسبها قد دهشت طويلًا، وبهتت طويلا، قبل أن تمد يدها إلى جذع النخلة تهزة ليساقط عليها رطبًا جنيًّا -لتتأكد على الأقل، ويطمئن قلبها لما تواجه به أهلها- ولكن هنا فجوة تترك للخيال أن يقيم عندها قنطرة، ويعبرها ...
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} .
فلتطمئن الآن مريم، ولتنتقل الهزات النفسية إلى سواها. {قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} .
إن الهزة لتطلق ألسنتهم بالسخرية والتهكم على "أخت هارون"! وفي تذكيرها بهذه الأخوة ما فيه من مفارقة، فهذه حادثة في هذا البيت لا سابقة لها.
{مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} .
"فأشارت إليه". ويبدو أنها كانت مطمئنة لتكرار المعجزة هنا؛ أما هم فما عسى أن نقول في العجب الذي يساورهم، والسخرية التي تجيش بها نفوسهم، وهم يرون عذراء تواجههم بطفل، ثم تتبجح فتشير إليه ليسألوه عن سرها: {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} .
ولكن ها هي ذي المعجزة المرتقبة:
(1/198)
{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} .
لولا أننا قد جربنا من قبل، لوثبنا على أقدامنا فزعًا، أو لسمرنا في مواضعنا دهشًا، أو لفغرنا أفواهنا عجبًا؛ ولكننا جربنا؛ فلتفض أعيننا بالدمع مع التأثر، ولترتفع أكفنا بالتصفيق من الإعجاب. وفي هذه اللحظة يسدل الستار، والعين تدمع للانتصار، والأيدي تدوي بالتصفيق. وفي هذه اللحظة نسمع في لهجة التقرير، وفي أنسب فرصة للإقناع والاقتناع:
{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} .
لقد برز الغرض الديني هنا، وبرزت مشاهد القصة. ولكن ما لا شك فيه أن قوة إبراز العواطف والانفعالات هي الغالبة، وأنهذا اغللون هو الذي يطبعها، ويغلب فيها على الألوان الأخرى.
(1/199)
رسم الشخصيات في القصة:
والآن نتحدث عن اللون الثالث من ألوان التصوير في القصة؛ ولكننا نفرده عنها، وإن كان واحدًا منها، وذلك هو رسم الشخصيات وإبرازها.
لقد عرضنا من قبل قصة صاحب الجنتين وصاحبه، وقصة موسى وأستاذه. وفي كل منهما نموذجان بارزان. والأمثلة على هذا اللون من التصوير هي القصص القرآني كله، فتلك سمة بارزة في هذا القصص، وهي سمة فنية محضة -وهي بذاتها غرض للقصص الفني الطليق- وها هو ذا القصص القرآني، ووجهته الأولى هي الدعوة الدينية، يلم في الطريق بهذه السمة أيضًا، فتبرز في قصصه جميعًا، ويرسم بضع "نماذج إنسانية" من هذه الشخصيات، تتجاوز حدود الشخصية المعنية إلى الشخصية النموذجية. فلنستعرض بعض القصص على وجه الإجمال، ولنعرض بعضها على وجه التفصيل.
1- لنأخذ موسى. إنه نموذج للزعيم المندفع العصبي المزاج. فها هو ذا قد ربي في قصر فرعون، وتحت سمعه وبصره، وأصبح فتًى قويًّا.
{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} .
وهنا يبدو التعصب القومي، كما يبدو الانفعال العصبي.
وسرعان ما تذهب هذه الدفعة العصبية، فيثوب إلى نفسه شأن العصبيين.
{قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} .
(1/200)
{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} وهو تعبير مصور لهيئة معروفة: هيئة المتفزع المتلفت المتوقع للشر في كل حركة. وتلك سمة العصبيين أيضًا.
ومع هذا، ومع أنه قد وعد بأنه لن يكون ظهيرًا للمجرمين.
فلننظر ما يصنع. إنه ينظر {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} مرة أخرى على رجل آخر، {قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} ولكنه يهم بالرجل الآخر كما هم بالأمس، وينسيه التعصب والاندفاع استغفاره وندمه وخوفه وترقبه، لولا أن يذكره من يهم به بفعلته، فيتذكر ويخشى:
{فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} .
وحينئذ ينصح له بالرحيل رجل جاء من أقصى المدينة يسعى، فيرحل عنها كما علمنا.
فلندعه هنا لنلتقي به في فترة ثانية من حياته بعد عشر سنوات، فلعله قد هدأ وصار رجلا هادئ الطبع حليم النفس.
كلا! فها هو ذا ينادي من جانب الطور الأيمن: أن ألق عصاك، فألقاها فإذا هي حية تسعى. وما يكاد يراها حتى يثب جريًا، لا يعقب ولا يلوي. إنه الفتى العصبي نفسه ولو أنه قد صار رجلا؛ فغيره كان يخاف نعم، ولكن لعله كان يبتعد منها، ويقف ليتأمل هذه العجيبة الكبرى.
ثم لندعه فترة أخرى، لنرى ماذا يصنع الزمن في أعصابه.
(1/201)
لقد انتصر على السحرة، وقد استخلص بني إسرائيل، وعبر بهم البحر، ثم ذهب إلى ميعاد ربه على الطور، وإنه لنبي، ولكن ها هو ذا يسأل ربه سؤالا عجيبا {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} ثم حدث ما لا تحتمله أية أعصاب إنسانية -بله أعصاب موسى.
{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} ...
عودة العصبي في سرعة واندفاع!
ثم ها هو ذا يعود، فيجد قومه قد اتخذوا لهم عجلا إلهًا، وفي يديه الألواح التي أوحاها الله إليه، فما يتريث وما بني {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} وإنه ليمضي منفعلًا يشد رأس أخيه ولحيته ولا يسمع له قولًا:
{قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} .
وحين يعلم أن "السامري" هو الذي فعل الفعلة، يلتفت إليه مغضبًا، ويسأله مستنكرًا. حتى إذا علم سر العجل:
{قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} .
هكذا في حنق ظاهر وحركة متوترة.
(1/202)
فلندعه سنوات أخرى.
لقد ذهب قومه في التيه ونحسبه قد صار كهلًا حينما افترق عنهم، ولقي الرجل الذي طلب إليه أن يصحبه ليعلمه مما آتاه الله علمًا.
ونحن نعلم أنه لم يستطع أن يصبر حتى ينبئه بسر ما يصنع مرة ومرة ومرة، فافترقا ... !
تلك شخصية موحدة بارزة، ونموذج إنساني واضح في كل مرحلة من مراحل القصة جميعًا.
2- تقابل شخصية موسى شخصية إبراهيم. إنه نموذج الهدوء، والتسامح والحلم: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيب} .
فها هو ذا في صباه يخلو إلى تأملاته، يبحث عن إلهه: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} .
وما يكاد يصل إلى هذا اليقين، حتى يحاول في بر وود أن يهدي إليه أباه، في أحب لفظ وأحياه.
(1/203)
{يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} .
ولكن أباه ينكر قوله ويغلظ له في القول، ويهدده تهديدًا: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} .
فلا يخرجه هذا العنف عن أدبه الجم، ولا عن طبيعته الودود؛ ولا يجعله ينفض يديه من أبيه:
{قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} .
ثم ها هو ذا يحطم أصنامهم -ولعله العمل الوحيد العنيف الذي يقوم به- ولكنه إنما تدفعه إلى هذا رحمة أكبر. عسى أن يؤمن قومه إذا رأوا آلهتهم جذاذًا، وعلموا أنها لا تدفع عن نفسها الأذى. ولقد كادوا يؤمنون فعلا. {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} . ولكنهم عادوا فهموا بإحراقه، وحينئذ {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} .
ولقد اعتزلهم عهدًا طويلا مع النفر الذي آمن معه، ومنهم ابن أخيه لوط.
(1/204)
وفي كبرته وهرمه يرزقه الله بإسماعيل؛ ولكن يقع له ما يحتم عليه أن يبعد ابنه وأمه عنه "والقرآن لا يتعرض لهذا وقع" فيغلبه الطبع الرضي على الحنو الأبوي؛ ويدركه إيمانه بربه، فيدعهما بجوار بيته. وهناك ينادي ذلك النداء الخاشع المنيب: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} .
ثم ما يكاد هذا الطفل يشب، ويصبح فتى، حتى يرى في المنام أنه يذبحه؛ فيغلبه الإيمان الديني العميق، على الحب الأبوي العميق؛ ويهم بإطاعة الإشارة، لولا أن يرفق به ربه، فيفديه بذبح عظيم.
وهكذا تتكشف الوقائع في القصة والمحاورات عن شخصية مميزة الملامح واضحة السمات: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيب} .
3- ويوسف: إنه نموذج الرجل الواعي الحصيف.
فها هو ذا يلقى العنت من مراودة امرأة العزيز له فيأبى.
إنه في بيت رجل يؤويه، فليحذر مواضع الحرج جميعًا. ومع ذلك يكاد يضعف: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ} 1.
__________
1 أرى أن الهم هنا كان متبادلًا في اللحظة الأولى، ثم رأى برهان ربه فثاب إلى نفسه.
ولست أرى أن الهم ثم الترك مما يتعارض مع عصمة الأنبياء. فيكفيه عصمة أن لم يفعل. ومتعلق "لولا" ليس هو "وهم بها" حتى يكون ممتنعًا. إنما هو محذوف مفهوم مما بعده وهو فراره منه وقد قميصه من دبر. ولا داعي لأي تأويل آخر.
(1/205)
وهنا تبرز "المرأة" في حالة من أنكر حالاتها، وفي دفعة من دفعات غريزتها: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ} . وتقع المفاجأة التي يحذرها: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَاب} وهنا تدرك المرأة غريزتها أيضًا، فتجد الجواب حاضرًا، إنها تتهم الفتى: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} ولكنها امرأة تعشق، فهي تخشى عليه الردى، فتشير بالعقاب المأمون: {إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} !
وغير يوسف كانت تناله "اللخمة" ولكن يوسف الواعي يجيب صادقًا: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} ويستشهد بقميصه المقدود من الخلف. ويجد من يؤيده في استشهاده من أهل المرأة ذاتها:
{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} ... فيوسف إذن بريء.
ويلغط نساء المدينة بالقصة -كعادة النساء في كل مكان وزمان- وإنها لقصة تجد لديهن اهتمامًا ورواجًا؛ فتبرز "المرأة" في زوج العزيز مرة أخرى. إنها تدعوهن إلى حفلة، وبينما هن منهمكات في تناول الطعام والسكاكين في أيديهن -فقد كانت مصر متحضرة يأكل أهلها في الصحاف، ويستخدمون السكاكين- تخرج عليهن يوسف، فيبهتن ويؤخذن، ويجرحن أيديهن تجريحًا شديدًا {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} ... إنهن لنساء، وإنها لامرأة، وإنها لتعرف كيف تفحم النساءّ!
(1/206)
{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} فلن يسكت اللغط وفي المدينة نسوة.
وها هو ذا يفسر الرؤيا لصاحبي الملك في السجن، فإذا عرف أن أحدهما سينجو وأنه سيعود إلى خدمة سيده، لم ينس يوسف الواعي أن يطلب إليه ذكره عند ربه:
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} .
ولكن الساقي ينسى. {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} حتى يرى الملك رؤياه، ويعجز عن تفسيرها المفسرون، فيذكر الساقي يوسف، ويأتي إليه ليفسر الرؤيا، فيجد لها تفسيرًا، فيطلبه الملك ليراه.
وهنا يظهر الرجل الحصيف. لقد دخل السجن ظلمًا، وإن حوله للغطًا، وإنه لن يأمن إذا خرج أن يرد إلى السجن كما دخل إليه أول مرة؛ فهو ينتهز الفرصة المناسبة للحصول على الضمان والبراءة: {قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} . ويسألهن الملك، فيجبن بالحقيقة، وترى امرأة العزيز أن تبرئه أيضًا، فالظاهر أنها كانت قد أسنت. إذ نحن نرجع أنها فعلت فعلتها وهي في الأربعين أو فوقها، فهي فعلة امرأة مكتملة في نهاية المرحلة؛ فإذا أضفنا إلى سنها "بضع سنين" كانت في الخمسين أو قرب الخمسين. فلا ضير حينئذ من كشف الماضي الدفين: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} .
وفي تعقيب يوسف على هذا يبدو الرجل الحصيف المقتصد
(1/207)
في التعبير، الذي لا يبالغ في شيء، إنما يضع الاحتمالات والاحتياطات لكل حالة:
{ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء} 1.
فإذا رأى أنس الملك به وارتياحه لتأويله؛ وسمع منه قوله: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِين} لم يدع الفرصة تذهب بل {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} فيجاب إلى طلبه في أنسب الظروف.
ويدل تصرف يوسف في سني الخصب والجدب على مهارة واضحة في الإدارة والاقتصاد، فقد أشرف على المالية والتموين أربع عشرة سنة، لا على تموين مصر وحدها، بل على تموين البلاد القريبة المجاورة، التي أجدبت كذلك، وجاءت مصر تستجدي الخبز والحياة سبع سنين.
ثم إذا جاء إخوته فعرفهم وهم له منكرون، جعل حصوله منهم على أخيه، ثمنًا لحصولهم على القوت، فإذا جاءوه بأخيه وأراد احتجازه {جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} فإذا أنكروا السرقة، وطلبوا تفتيشهم، وأخذ من تظهر الكأس في أمتعته ثمنًا للكأس، تبدت الحصافة
__________
1 في قول يوسف ذاته هنا ما يؤيد تفسيرنا الذي أسلفنا، فالنفس أمارة بالسوء ولقد أمرته، فما يبرئ نفسه من الأمر، ولكنه استعصم، ورأى برهان ربه فأمسك، وهي عصمة لا شك فيها بعد الفتنة التي تعرض لشبيهة لها نبي الله داود كذلك في قصة النعجة الواحدة والتسع والتسعين نعجة.
(1/208)
{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} وتركهم يعودون بدونه؛ ثم يرتدون بأوعيتهم إليه، فيكشف لهم في هذه المرة عن نفسه، بعد أن يلقي عليهم هذا الدرس، وبعد أن يحملهم تلك المشقة!
وهذه كلها تصرفات الرجل الواعي الحصيف.
4- وكنا نود أن نعرض شخصية آدم وشخصية إبليس هذا العرض المفصل، ولكننا نكتفي بالإجمال فيهما؛ لأن لدينا قصة أخرى سنعرضها تفصيلًا.
إن شخصية آدم في قصص القرآن لنموذج "للإنسان" بكل مقوماته وخصائصه. ومن أظهر تلك المقومات والخصائص ذلك الضعف البشري الأكبر الذي يجمع كل نواحي الضعف الأخرى.
فيها الضعف أمام الرغبة في الخلود. وقد لمس إبليس موضع الضعف هذا فاستجاب له آدم واستجابت له حواء: {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} . فالإنسان الفاني حريص على الخلود أبدًا، فلما لم ينله كما مناه الشيطان، ظل وسيظل يحاوله بمختلف الطرق. بالنسل وبالذكر وبالخيال، فإن لم ينفعه هذا كله نفعه الدين الذي يضمن له البعث مرة أخرى، ويضمن له نوعًا من الخلود أيضًا!
أما شخصية إبليس فهي شخصية الشيطان وكفى....!
5- والآن نعرض أشد القصص إبرازًا للسمات الشخصية فيما
(1/209)
نرى، وأدخلها في الفن الخالص كذلك، مع وقائها التام بالغرض الديني.
إنها قصة سليمان مع بلقيس. وكلاهما شخصية واضحة فيما: شخصية "الرجل" وشخصية "المرأة". ثم شخصية "الملك النبي" وشخصية "الملكة". فلننظر كيف يبرز أولئك جميعًا.
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} .
فهذا هو المشهد الأول. فيه "الملك الحازم" و"النبي العادل" و"الرجل الحكيم". إنه الملك يتفقد رعيته، وإنه ليغضب لمخالفة النظام، والتغيب بلا إذن. ولكنه ليس سلطانًا جائرًا، فقد يكون للغائب عذره، فإن كان فبها. وإلا فالفرصة لم تفت، وليعذبنه عذابًا شديدًا أو ليذبحنه.
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} .
__________
1 المخبوء.
(1/210)
فهذا هو المشهد الثاني -عودة الغائب- وهو يعلم حزم الملك وشدة بطشه فهو يبدأ حديثه بمفاجأة يعدها للملك تبرر غيبته، وافتتاحها يضمن إصغاء الملك إليه: "أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين". فأي ملك لا يستمع، وأحد رعيته الصغار يقول له: "أحطت بما لم تحط به! " ثم ها هو ذا الغائب يعرض النبأ مفصلا، وإنه ليحسن إصغاء الملك له، واهتمامه بنبئه؛ فهو يطنب فيه، وهو يتفلسف، فينكر على القوم: "ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض". وإنه حتى هذه اللحظة لفي موقف المذنب، فالملك لم يرد عليه بعد. فهو يلمح بأن هناك إلهًا "هو رب العرش العظيم" ليطامن الملك من عظمته الإنسانية، أمام هذه العظيمة الإلهية!
{قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} .
فهذا هو المشهد الثاني في شطره الأخير. فيه الملك الحازم العادل. فالنبأ العظيم لم يستخف "الملك" وهذا العذر لم ينه قضية الجنيد المخالف للنظام، والفرصة مهيأة للتحقيق، كما يصنع "النبي" العادل، والرجل "الحكيم".
ثم ها نحن أولاء -النظارة- لا نعلم شيئًا مما في الكتاب، إن شيئًا منه لم يذع قبل وصوله إلى الملكة! فإذا وصل فهي التي تذيعه. ويبدأ المشهد الثالث:
{قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} .
(1/211)
وها هي ذي "الملكة" تطوي الكتاب، وتوجه إلى مستشاريها الحديث:
{قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} .
وكعادة العسكريين في كل زمان ومكان، لا بد أن يظهروا استعدادهم العسكري في كل لحظة. وإلا أبطلوا وظيفتهم. مع تفويض الأمر للرياسة العليا كما يقتضي النظام والطاعة:
{قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} .
وهنا تظهر "المرأة" من خلف "الملكة"، والمرأة التي تكره الحرب والتدمير، والتي تنضي سلاح الحيلة والملاينة قبل سلاح القوة والمخاشنة، والتي تتهيأ في صميمها لمواجهة "الرجل" بغير العداء والخصام!
{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} .
ويسدل الستار هنا، ليرفع هناك عند سليمان:
{فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
(1/212)
والآن لقد رد الرسل بهديتهم، فلندعهم في الطريق قافلين.
إن سليمان النبي لملك، وإنه كذلك لرجل. وإن "الملك" ليدرك من تجاربه أن هذا الرد العنيف سينهي الأمر مع ملكة لا تريد العداء -كما يبدو من هديتها له- وأنها ستجيب دعوته على وجه الترجيح، بل التحقيق، وهنا يستيقظ "الرجل" الذي يريد أن يبهر "المرأة" بقوته وبسلطانه "وسليمان هو ابن داود صاحب التسع والتسعين نعجة الذي فتن في نعجة واحدة"1. فها هو ذا يريد أن يأتي بعرش الملكة قبل أن تجيء. وأن يمهد لها الصرح من قوارير "وإن كانت القصة تبقى الصرح سرًّا -حتى عنا نحن النظارة- لتفاجئنا به مع بلقيس في المشهد الأخير":
{قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} .
ولكن الأهداف الدينية لا تريد أن يكون للجن قوة، ولو كانوا من جن سليمان. فها هو ذا رجل من المؤمنين -عنده علم من الكتب- تفوق قوته قوة ذلك العفريت!
__________
1 في قصة داود في القرآن إشارة إلى فتنته بامرأة -مع كثرة نسائه- فأرسل الله إليه ملكين يتخاصمان عنده {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} ... وعرف داود أنها الفتنة {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب} .
(1/213)
{قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} ..
وهنا فجوة كما تغمض العين، ثم تفتح:
{فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} .
لقد استيقظ "النبي" في نفس سليمان، أمام نعمة الله التي تتحقق على يدي عبد من عباد الله؛ وهنا يستطرد سليمان في الشكر على النعمة بما يحقق الغرض الديني للقصة.
ثم ها هو ذا "الرجل" يستيقظ في سليمان مرة أخرى:
{قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ} .
وهنا يتهيأ المسرح لاستقبال الملكة؛ ونمسك نحن أنفاسنا في ارتقاب مقدمها:
{فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} ...
ثم ماذا؟ إن الملكة لم تسلم بعد من هذه المفاجأة -فيما يبدو:
{وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} .
وهنا تتم المفاجأة الثانية للملكة ولنا معها:
(1/214)
{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
وهكذا كانت بلقيس "امرأة" كاملة: تتقي الحرب والتدمير؛ وتستخدم الحيلة والملاطفة، بدل المجاهرة والمخاشنة؛ ثم لا تسلم لأول وهلة. فالمفاجأة الأولى تمر فلا تسلم؛ فإذا بهرتها المفاجأة الثانية، وأحست بغريزتها أن إعداد المفاجأة لها دليل على عناية "الرجل" بها، ألقت السلاح، وألقت بنفسها إلى الرجل الذي بهرها، وأبدى اهتمامه بها، بعد الحذر الأصيل في طبيعة المرأة، والتردد الخالد في نفس حواء!
وهنا يسدل الستار. فما في القصة من الوجهة الدينية، ولا من الوجهة الفنية زيادة لمستزيد، وإلا أن يحاول عقدًا أخرى فنية بحتة، لا تتصل بالغرض الديني ولا تساوقه. وإنه لحسب قصة دينية وجهتها الدين وحده، أن تبرز هذه الانفعالات النفسية، وأن ترسم هذه "النماذج الإنسانية"، وأن تعرضها هذا العرض، وتنسقها ذلك التنسيق.
وبهذا البيان نختم فصل القصة في القرآن، وفيها وراء ذلك متسع لمن شاء البيان.
(1/215)
نماذج إنسانية:
رسم القرآن في خلال تعبيره عن الأغراض الدينية المختلفة عشرات من "النماذج الإنسانية" في غير القصص. رسمها في سهولة ويسر واختصار، فما هي إلا جملة أو جملتان حتى يرتسم "النموذج الإنساني" شاخصًا من خلال اللمسات، وينتفض مخلوقًا حيًّا خالد السمات!
تارة تكون هذه النماذج صورة للجنس الإنساني كله، وتارة تكون صورة لأفراد منه مكرورين، وهي في كلتا الحالتين نماذج خالدة، لا يخطئها الإنسان في كل مجتمع، وفي كل جيل.
ولقد جاءت هذه الآيات لمناسبات خاصة، ولرسم نماذج شخصية واقعة. ولكن المعجزة الفنية في التصوير، جعلت هذه النماذج أبدية خالدة؛ تتخطى الزمان والمكان، وتتجاوز القرون والأجيال.
ونحن نستعرض هنا بعض هذه النماذج استعراضًا سريعًا -على طريقة عرضها في القرآن- وقد أسلفنا بعضًا منها في فصل "التصوير الفني"، ومكانها كان في الواقع هناك، فما هي إلا لمسات الريشة الخالقة في التصوير؛ ولكنها تمت إلى النماذج القصصية بسبب، لذلك آثرنا أن ننقلها إلى هنا من هناك:
(1/216)
1- من النماذج الإنسانية التي تصور الجنس كله:
{وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} .
تجتمع لهذا النموذج السريع كله عناصر الصدق النفسي، والتناسق الفني. فالإنسان هكذا حقًّا: حين يمسه الضر، وتتعطل فيه دفعة الحياة، يتلفت إلى الخلف، ويتذكر القوة الكبرى، ويلجأ عندئذ إليها؛ فإذا انكشف الضر، وزالت عوائق الحياة، انطلقت الحيوية الدافعة في كيانه، وهاجت دواعي الحياة فيه، فلبى دعاءها المستجاب، و"مر" كأن لم يكن بالأمس شيء!
إن الحياة قوة دافعة إلى الأمام، لا تلتفت أبدًا إلى الوراء، إلا حين يعوقها حاجز عن الجريان.
وأما التناسق الفني فيها فهو في تلك الإطالة في صور الدعوة عند الضر: {دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} ، ثم في ذلك الإسراع عند كشف الضر: {مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} . إن هاتين الصورتين تمثلان بالضبط وقوف التيار عن الجريان أمام الحاجز القوي، فقد يطول هذا الوقوف ويطول، فإذا فتح الحاجز تدفق التيار في سرعة، و"مر" كأن لم يقف قبل أصلًا.
يرسم هذا النموذج مرات كثيرة في القرآن، ولكنه يرسم من جوانب مختلفة، تلتقي عند النقطة الأساسية، ثم تسير في طرائق شتى. ذلك مثل:
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا} أو {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا
(1/217)
مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أو {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} .
ومثلها كثير في ثنايا القرآن.
وهكذا يصور هذا النموذج الخالد من زوايا النفس الإنسانية الكثيرة، ومن ملابسات حياته المتعارضة. وكلها تلتقي في النهاية عند الحقيقة النفسية الكبرى: الإنسان في قوته -على اختلاف مظاهرها وألوانها- مندفع إلى الأمام، مغتر بالقوة مستجيب للحيوية -بشتى طرائق الاستجابة- حتى يوجد الحاجز -على اختلاف أنواع الحواجز- فينظر إلى الخلف نظرات متباينات!
2- ومن النماذج الإنسانية الخاصة: ذلك المخلوق الضعيف العقيدة. يتمسك بعقيدته ما ناله الخير منها، فإذا أوذي فيها تزعزع وحاد عنها، مثاله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ... } إلخ ومثاله مع شيء من التحوير:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} !
3- ومن الناس من يعتز بالحق إذا كان من عمله، فإذا جاء بالحق غيره، انقلب عليه، وتنكر له:
{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا
(1/218)
مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ 1 عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} !
وقريب من هؤلاء أولئك الذين لا يعرفون إلا مصلحته، ولا يسعون للحق إلا حين تنكشف لهم هذه المصلحة. تلك هي الخطة وهذا هو المبدأ:
{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} . .!
4- ومن الناس من ينفر من الحق، ويكره أن يطلع عليه؛ لأن نفسه تجمع المكابرة والضعف جميعًا. المكابرة التي تصد عن الحق، والضعف الذي لا يستطيع المواجهة:
{يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} !.
5- وبعضهم ينفر من الحق في هذه الصورة الفريدة:
{فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} 2.
وهي صورة حافلة بالحركة، داعية إلى السخرية.
6- وكم من النماذج نراها كل يوم فنتلو:
__________
1 يطلبون أن يأتيهم فتح من الله، ونصر بنبي يخرج منهم في آخر الزمان.
2 الأسد.
(1/219)
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} !.
إنها لصورة بارعة وسخرية لاذعة.
7- وهؤلاء الذين لا يفعلون شيئًا {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} ! إنهم لكثيرون جدًّا في كل زمان وفي كل مكان!
8- وكم من الذين يأكلون على جميع الموائد، ويتظاهرون بأنهم أولياء كل فريق، وبأنهم ضروريون لكل فريق:
{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ؟!
9- ونموذج المكابرة العجيبة يتجلى في هذين النصين -وقد سبقا في التصوير الفني:
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} . {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} !.
10- ونموذج الذي يخاف ولا يستحيي:
{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} .
(1/220)
11- ونموذج المنافق الضعيف، الذي لا يقوى على احتمال تبعة الرأي، ولا يسلم بالحق، وكل همه ألا يواجه البرهان:
{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا} .
وإنك لتكاد تراهم الآن، وهم ينصرفون متخالفين!
12- ونموذج ضعف الهمة وقصر العزيمة، واعتياد التخلف وكذب الاعتذار:
{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} !.
13- ومن الناس نموذج يجتمع فيه الخداع والغفلة، ويظن نفسه أريبًا وحشو جلده تغفيل؛ وإنه ليعمل العمل يظنه يؤذي به غيره، وهو لا يؤذي به إلا نفسه:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} !
14- ثم ألا تجد الصنف التالي من الناس في كل مكان، في عترسة ويتبجح وغفلة:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} !
(1/221)
15- والنموذج الذي يريد الحياة بأي ثمن، ويريدها حياة كيفما تكن، ويحرص عليها حتى ليقبل في سبيلها ما لا يقبله ذو شمم:
{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} .
بهذا التجهيل والتنكير، وبهذا التحقير والتصغير!
16- والجامدون على القديم كأنهم بعض المتحجرات:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} ؟.
17- والجماعة المتفرقة التي لا تجمع على رأي، ولا تحافظ على عهد:
{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} ؟.
18- والذين يجادلون بالحق وبالباطل، وفيما يعلمون وما لا يعلمون، ألا يضيق بهم الإنسان صدرًا في كل مكان:
{هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أو: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ} !.
وفي الوصف الأخير يرسم صورة محسوسة لتكبر المتنطع في المجادلة وهو يثني عطفه و"يتقنزح"!
19- والذين يتباطأون عن البذل والتضحية في ساعة العسرة، فإذا أصيب الباذلون بالشر حمدوا لأنفسهم حصافتها، وإن أصابوا
(1/222)
خيرًا جزاء جهادهم ندم أصحابنا أو ودوا لو كانوا بذلوا:
{وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
20- وجماعة من الناس يختلف باطنهم عن ظاهرهم، حتى لكأنما شخصان في شخص:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} .
21- والذين لا يعرفون ربهم إلا في ساعة الموت فيتوبوا: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} .
22- والأغبياء المغلقون الذين يسمعون وكأنهم لا يسمعون: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا} ؟!.
ولكن في الإنسانية خيرًا، فهي لم تعدم النماذج الطيبة الشجاعة الكريمة الصابرة الباذلة:
(1/223)
23- من هؤلاء:
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} .
24- ومنهم: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} .
25- ومنهم: {الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
26- {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} .
27- والذين {يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا} .
28- وجماعة: {الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .
29- وكذلك الذين {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} .
(1/224)
30- وجماعة: {الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ... } وأمثالهم في الإنسانية كثير.
هذه نماذج أثبتناها هكذا، متناثرة بغير ترتيب، تناثرها في أطواء المجتمع في كل زمان ومكان. وقد صورها التعبير القرآني شاخصة. لا تخطئها العين في هذه البشرية المتشابهة على ممر الأزمان.
(1/225)
المنطق الوجداني:
واجه الإسلام ما تواجهه كل دعوة من الإنكار، وجادل عن دعوته من تصدوا لجدالها. ولما كان القرآن هو كتاب هذه الدعوة، فقد تضمن الكثير من الجدل. فكيف تراه قد جادلهم؟ أي الوسائل سلك، وأي الأدلة اختار؟
قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة يجب أن ننظر في المهمة الأولى التي جاء لها القرآن.
لقد جاء القرآن لينشئ عقيدة ضخمة -عقيدة التوحيد- بين قوم يشركون بالله آلهة أخرى، ويكون من العجب العاجب عندهم أن يقول لهم قائل: إن الله واحد:
{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} !
ولقد ننظر نحن اليوم إلى هذه القضية نظرة أخرى؛ ولقد نضحك من هذه الطفولة البادية في هذه المقالة، ولكن لا مفر من أن ننظر إلى المسألة على وضعها يومذاك، حيث كان التوحيد يتلقى بكل هذا العجب في ذلك الزمان.
ولم يكن كل من واجههم القرآن بدعوته من هؤلاء العرب السذج المشركين بالله. لقد كان هناك أهل الكتاب. وهؤلاء كانوا يكرهون
(1/226)
أنا يأتي دين جديد يعفي على دينهم، وينزل على رجل ليس منهم، ولو كان هذا الدين متفقًا مع دينهم في الأساس:
{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ... } .
ويجب أن نلاحظ كذلك أن هذا الاتفاق كان في أصول الدين، لا في عقائد أهله حينئذاك. فهؤلاء اليهود كانوا يقولون: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّه} وهؤلاء النصارى كانوا يقولون: {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} وهؤلاء وهؤلاء يقولون: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه} أو يقولون: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} . كما يحكي القرآن عنهم في شتى المناسبات.
فهؤلاء وأولئك على السواء كانت مهمة الإسلام بالقياس إليهم هي إنشاء عقيدة جديدة في الحقيقة. وعلى هذا وذلك تكون وظيفة القرآن الأولى، هي إنشاء هذه العقيدة الضخمة. عقيدة التوحيد. على النحو الجديد.
ونقول: عقيدة ضخمة -وإن كانت تبدو لنا اليوم بديهية أو كالبديهية- فليس من السهل على هذه الإنسانية التي تعلقت منذ طفولتها بشتى قوى الطبيعة، وشتى أطياف المجهول؛ ولابست حياتها آلاف الظواهر الخارقة، وآلاف الوجدانات الباطنة.. أن تتخلى عن هذا الشتيت العميق في ضمائرها، وأن تهرع إلى إله واحد يسيطر على كل هذه القوى.
وحقيقة إن الإسلام لم يكن أول دين يدعو إلى التوحيد. ولكن لقد وجدت الأديان كلها من العنت بسبب دعوة التوحيد مثلما
(1/227)
لاقى الإسلام. على أن التوحيد الذي دعا إليه الإسلام كان توحيدًا تجريديًّا مطلقًا، أمعن في التجريد من كل توحيد قبله؛ فهو أشد معارضا لما وقر في النفوس من التجسيم، والتشبيه من كل أديان التوحيد.
كانت وظيفة القرآن إذن أن ينشئ هذه العقيدة الخالصة المجردة. وموطن العقيدة الخالد هو الضمير والوجدان -موطن كل عقيدة لا العقيدة الدينية وحدها- واقرب الطرق إلى الضمير هو البداهة، وأقرب الطرق إلى الوجدان هو الحس. وما الذهن في هذا المجال إلا منفذ واحد من منافذ كثيرة؛ وليس هو على أية حال أوسع المنافذ، ولا أصدقها ولا أقربها طريقًا.
وبعض الناس يكبرون من قيمة هذا الذهن في هذه الأيام، بعدما فتن الناس بآثار الذهن في المخترعات والمصنوعات والكشوف. وبعض البسطاء من أهل الدين تبهره هذه الفتنة، فيؤمن بها ويحاول أن يدعم الدين بتطبيق نظرياته على قواعد المنطق الذهني، أو التجريب العلمي!
إن هؤلاء -في اعتقادي- يرفعون الذهن إلى آفاق فوق آفاقه. فالذهن الإنساني خليق بأن يدع للمجهول حصته، وأن يحسب له حسابه. لا يدعو إلى هذا مجرد القداسة الدينية. ولكن يدعو إليه اتساع الآفاق النفسية، وتفتح منافذ المعرفة. "فالمعقول" في عالم الذهن و"المحسوس" في تجارب العلم ليسا هما كل "المعروف" في عالم النفس. وما العقل الإنساني -لا الذهن وحده- إلا كوة واحدة من كوى النفس الكثيرة. ولن يغلق إنسان على نفسه هذه المنافذ، إلا وفي نفسه ضيق، وفي قواه انحسار، لا يصلح بهما للحكم في هذه الشؤون الكبار.
(1/228)
فلندع الذهن يدبر أمر الحياة اليومية الواقعة، أو يتناول من المسائل ما هو بسبب من هذه الحياة. فأما العقيدة، فهي في أفقها العالي هناك، لا يرقى إليه إلا من يسلك سبيل البداهة، ويهتدي بهدي البصيرة، ويفتح حسه وقلبه، لتلقي الأصداء والأضواء.
ولقد آمن بالبداهة والبصيرة -وما زال يؤمن- العدد الأكبر من المؤمنين بكل دين وعقيدة في الوجود؛ ولقد ظل علماء الكلام في الإسلام قرونًا كثيرة، يبدئون ويعيدون في الجدل الذهني حول مباحث التوحيد، فلم يبلغوا بذلك شيئًا مما بلغه المنطق القرآني في بضع سنين. فلننظر الآن في هذا المنطق البديهي الميسور.
لقد عمد القرآن دائمًا إلى لمس البداهة، وإيقاظ الإحساس، لينفذ منهما مباشرة إلى البصيرة، ويتخطاهما إلى الوجدان. وكانت مادته هي المشاهد المحسوسة، والحوادث المنظورة، أو المشاهد المشخصة، والمصائر المصورة. كما كانت مادته هي الحقائق البديهية الخالدة، التي تتفتح لها البصيرة المستنيرة، وتدركها الفطرة المستقيمة.
أما طريقته فكانت هي الطريقة العامة: طريقة التصوير والتشخيص، بالتخييل والتجسيم. على النحو الذي فصلناه في الفصول الماضية جميعًا. "ونحن نستخدم هنا كلمة التجسيم بمعناها الفني لا بمعناها لا بمعناها الديني بطبيعة الحال. إذ الإسلام هو دين التجريد والتنزيه".
كان هذا هو المنطق الوجداني الذي جادل به القرآن وناضل، وكسب المعركة في النهاية.
(1/229)
في هذا المنطق اشتركت الألفاظ المعبرة، والتعبيرات المصورة، والسور الشاخصة، والمشاهد الناطقة، والقصص الكثيرة، التي تحدثنا عنها حتى الآن.
وكل ما عرض من مشاهد القيامة وصور النعيم والعذاب، يعد في جملة هذا المنطق الذي يلمس الحس، ويوقظ الخيال، فيلمس البصيرة، ويوقظ الوجدان، ويهيئ النفس للاقتناع والإذعان.
ثم سلك القرآن غير الصور النفسية والمعنوية، وغير القصص الكثيرة، وغير مشاهد القيامة وصور النعيم والعذاب ... سلك غير هذا كله طريق الجدل التصويري في المنطق الوجداني الذي نفرد له هذا الفصل الآن.
وطبيعي إن الذي يهمنا -في هذا البحث- ليس موضوع الجدل، ولكن طريقة التعبير عنه. فالطريقة التصويرية التي سلكها هي التي تجعله من عناصر بحثنا، إذ الجانب الفني وحده في القرآن هو موضوعنا الوحيد؛ ولا شأن لنا هنا بما عداه من مباحث القرآن.
كانت المشكلة الأولى التي واجهها الإسلام -كما قلنا- هي مشكلة التوحيد مع جماعة تنكر هذا التوحيد أشد الإنكار، وتعده إحدى الأعاجيب الكبار. فلننظر كيف حاجهم في هذه القضية المعقدة.
لقد تناولها ببساطة ويسر، وخاطب البداهة والبصيرة، بلا تعقيد كلامي ولا جدل ذهني:
{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا
(1/230)
آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} .
أو: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} .
هكذا في بساطة البداهة، التي لا ترى في السماوات والأرض فسادًا، إنما ترى نظامًا محكمًا، يوحي بأن المدبر واحد، قادر عالم حكيم.
وهذه الصورة التي يخيلها -لو كان هناك آلهة- {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} وإنها لصورة مضحكة، أن ينحاز كل فريق من المخلوقات إلى إله، وأن يأخذ كل إله مخلوقاته ويذهب. إلى أين؟ لا ندري؛ ولكننا نتخيل هذه الصورة فنضحك من فكرة تعدد الآلهة، إذا كانت نتيجتها هي هذه النتيجة!
ثم ماذا يصنع أولئك الآلهة الآخرون؟ هذه هي الأرض، وتلك هي السماء. فما آثارهم هنا أو هناك؟
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
ثم هذه صورة الخلق ومظاهر القدرة التي تراها الحواس، وتدركها البديهية، وتتملَّاها البصائر:
(1/231)
{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
وهكذا تشترك مشاهد الأرض والسماء، مع ما يقع لهم من الأحداث كل يوم، مع الأحاسيس الفطرية التي تلجئ الإنسان إلى القوة الكبرى عند الشدة.. تشترك في مخاطبة الحس والخيال، ولمس البصيرة والوجدان، لتركيز عقيدة التوحيد في النفوس.
ومثل هذا كثير جدًّا في القرآن، مكرر -مع تنوعه- تكرر صور القيامة، ومشاهد النعيم والعذاب، فكلها في الحقيقة منطق وجداني يدخل في هذا الباب.
وكانت المشكلة الثانية هي مشكلة البعث واليوم الآخر، مع
(1/232)
جماعة تقول: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} . بل إنها لترى في حكاية البعث من العجب، أشد مما ترى في حكاية الإله الواحد، إنها لتظن من يقول بهذا القول مجنونًا فما يمكن أن يتحدث بهذا إلا المجانين!
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} ؟
إلى هذا الحد من الغرابة كانوا يتلقون حكاية البعث. فكيف جادلهم في هذا الشأن العجيب؟!
إنه عرض عليهم صور الخلق الظاهرة الخفية؛ وبسط لهم نشأة الحياة في الأرض عامة وفي الإنسان خاصة؛ ليروا أن الذي بدأ الخلق يستطيع أن يعيده:
{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} .
وبطريقة التصوير المعهودة راح يعرض عليهم مشاهد الحياة في الأرض وفي الإنسان:
{قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ، فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا
(1/233)
وَقَضْبًا 1، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا 2، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا 3، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} .
أو:
{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ، وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
وهكذا يعرض عليهم في كل مرة مشاهد مألوفة: محسوسة أو معروفة، تطالع حواسهم في كل لحظة، وتواجه بديهتهم في كل نظرة، وتتصل بحياتهم ومعاشهم، وتلمس شعورهم ووجدانهم،
__________
1 نباتًا.
2 ملتفة.
3 مرعى.
(1/234)
وتسلك طريقها هينة إلى نفوسهم. وهو يوجههم إلى هذه المشاهد بعرضها عليهم كأنها مشاهد جديدة -وإن مشاهد الطبيعة لجديدة أبدًا عند من ينظر إليها بحس مرهف وعين مفتوحة- دون أن يثير ذلك الجدل الذهني، الذي قد يعتمد على المهارة، أكثر مما يعتمد على الحقيقة.
ولقد يتخطى منطقة الذهن كلها، ومنطقة الحواس جميعها، ليتصل مباشرة بمكمن العقيدة؛ حيث تتصل النفس مباشرة بالمجهول؛ وتجهد في غموضه وبعده عن الحس والذهن ملاذًا ومتاعًا مجتمعين! ولكنه حتى في هذا يختار طريقة التصوير والتخييل:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} ؟.
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} .
{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .
(1/235)
وهكذا يوقع هذا التصوير والتخييل في النفس، تلك الرهبة التي تحسها أمام المجهول؛ وتلك اللذة التي تستشعرها، وهي تجول في ذلك العالم الخفي حيث:
{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} وحيث: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} .
وقد لا يكون الغيب هكذا بعيدًا. لقد يكون محسوسًا، ولكنه مجهول؛ فهو كذلك يلمس الوجدان، ويثبت القدرة الكونية، ويملأ النفس بالإيمان:
{إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} .
فهذا يدل العلم بكل خفي. وهو دليل وجداني واقع، لا يكد الذهن في فهمه وتخريجه.
ومثل هذا في محيط أوسع. وبتصوير أروع:
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} .
ففي هذه الكلمات القلائل، تعبير قوي رهيب عن شمول علم الإله، مختار له أفضل الألفاظ المعبرة، والعبارات المصورة.
فليس مجرد تعبير عن معنى العلم الدقيق الشامل أن يقال: {وَمَا
(1/236)
تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} . {وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ} . {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِس} . إنما هي صورة تخييلية مدهشة. وإن الخيال ليرود آفاق الدنيا كلها، ومجاهلها جميعًا، ليتتبع هذه الأوراق الساقطة، وتلك الحبات المخبوءة المشمولة في مجاهلها ومخابئها بعلم الله؛ ثم يرتد إلى النفس، فيغمرها بالجلال والخشوع، ويتوجه بها إلى الله الذي يشمل بعلمه هذه المجاهل والآفاق.
ذلك هو المنطق الوجداني، والجدل التصويري. فأين منه ذلك الجدل الذهني الذي ظل علماء الكلام يبدئون فيه ويعيدون قرونًا من الزمان؟
نضرب هنا مثلًا واحدًا من الجدل الذهني الذي عزف عنه القرآن. ذلك حين قال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} أو ما هو مثلها في المعنى. فوجد المشركون من العرب في هذا مجالًا لجدل ذهني رخيص ظنوا أنهم يحرجون به محمدًا مع أهل الكتاب. قالوا: وعيسى بن مريم؟ هؤلاء جماعة من قومه يؤلهونه. أيدخل جهنم هو الآخر؟
فكان الرد الحكيم: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} .
فهذا مثل من المنطق الذهني. صحيح من وجهة قواعد المنطق. ولكن أين هو من المنطق السليم، ومن الحقيقة الطبيعية البسيطة؟
لم يكطن المنطق الذهني ليصل إلى شيء لو اتبعه القرآن؛ لا لأن ما فيه من حقائق لا تثبت لهذا المنطق؛ ولكن لأن العقيدة لا ينشئها هذا الجدل. إنها دائمًا في أفق أعلى من هذه الآفاق. وما
(1/237)
يعيب العقيدة أن يكون عمل الذهن فيها محدودًا. فما الذهن إلا قوة صغيرة محدودة، تتعلق باليوميات، وما هو بسبب من اليوميات.
لقد لمس القرآن الوجدان؛ واتبع في ذلك طريقة التصوير؛ فبلغ الغاية بمادته وطريقته، وجمع بين الغرض الديني والغرض الفني، من أقرب طريق ومن أرفع طريق.
(1/238)
طريقة القرآن:
يخلص لنا من جميع المباحث السابقة، أن للقرآن طريقة موحدة في التعبير؛ يتخذها في أداء جميع الأغراض على السواء، حتى أغراض البرهنة والجدل. تلك هي طريقة التصوير التشخيصي بوساطة التخييل والتجسيم.
فلننظر الآن في تقويم هذه الطريقة، من حيث هي طريقة فنية من طرق الآداء -وذلك هو مجال بحثنا في هذا الكتاب- فالأهداف الدينية التي جاء القرآن لتحقيقها، والموضوعات الإلهية والتشريعية التي تناولها ... كل أولئك مباحث ليست من همنا هنا؛ وإذا كان بعضها قد جاء عرضًا في ثنايا الفصول الماضية، فإنما جئنا به لننظر كيف تناوله القرآن، وكيف سلك في التعبير عنه.
وبعض الناس حين ينظر في هذه الموضوعات، ويرى ما فيها من دقة وعظمة، وصلاحية ومرونة، وإحاطة وشمول، يحسبها ميزة القرآن الكبرى، ويحسب أن طريقة التعبير القرآنية تابعة لها، وأن الإعجاز كله كامن فيها؛ كما أن بعضهم يفرق بين المعاني وطريقة الأداء، ويتحدث عن إعجاز القرآن في كل منهما على انفراد.
أما نحن فنريد أن نقول: إن الطريقة التي اتبعها القرآن في التعبير، هي التي أبرزت هذه الأغراض والموضوعات؛ فهي كفاء
(1/239)
هذه الأغراض والموضوعات.
ولا يردنا هذا إلى تلك المباحث العقيمة حول اللفظ والمعنى -وقد استغرقت من النقاد العرب ما استغرقت منذ أن أثارها الجاحظ، فزعم أن المعاني ملقاة على قارعة الطريق؛ ثم تابعه في البحث ابن قتيبة وقدامة، وأبوهلال العسكري وغيرهم مخالفين ومؤيدين- وإنا لنحسب أن "عبد القاهر" قد وصل فيها إلى رأي حاسم حين انتهى في "دلائل الإعجاز" إلى أن اللفظ وحده، لا يتصور عاقل أن يدور حوله بحث من حيث هو لفظ، إنما من حيث دلالته يدور البحث فيه، وأن المعنى وحده لا يتصور عاقل أن يدور حوله بحث من حيث هو خاطر في الضمير، إنما من حيث إنه ممثل في لفظ يدور البحث فيه. وأن المعنى مقيد في تحديده بالنظم الذي يؤدي به، فلا يمكن أن يختلف النظمان، ثم يتحد المعنى تمام الاتحاد.
لم يصغ "عبد القاهر" القضية هذه الصياغة المختصرة، فنحن نترجم عنه؛ وإلا فقد استغرق فيها كتابًا لا نستطيع نقله هنا، ولا نقل فقرات منه كالتي نقلناها في أول هذا الكتاب، بذلك الأسلوب المعقد الذي رأيناه هناك.
ولكن له فضله العظيم في تقرير هذه القضية. ولو خطا خطوة واحدة في التعبير الحاسم عنها، لبلغ الذروة في النقد الفني. فنقول نحن عنه: إن طريقة الأداء حاسمة في تصوير المعنى؛ وإنه حيثما اختلفت طريقتان للتعبير عن المعنى الواحد اختلفت صورتا هذا المعنى في النفس والذهن. وبذلك تربط المعاني وطرق الأداء ربطًا لا يجوز الحديث بعده عن المعاني والألفاظ، كل على انفراد.
(1/240)
فلن يبرز المعنى الواحد إلا في صورة واحدة؛ فإذا تغيرت الصورة تغير المعنى بمقدارها. وقد لا يتأثر المعنى الذهني العام في ذاته، ولكن صورته في النفس والذهن تتغير، وهي المعول عليها في الفن -وإذ التعبير في الفن للتأثير- فإذا اختلف الأثر الناشئ عنه، فالمعنى المنقول مختلف بلا مراء!
وننتهي من هذا البيان، إلى فضل الطريقة التصويرية في القرآن. فهذه الطريقة هي التي جعلت للمعاني والأغراض والموضوعات القرآنية، صورتها التي نراها، ومن هذه الصورة كانت قيمتها الكبرى. فهي في هذه الصورة غيرها في أية صورة أخرى. كما أسلفنا.
ونحب أن نزيد المسألة إيضاحًا بالنماذج، وإن كانت قد تفرقت في ثنايا الكتاب، وتفرق التعليق عليها في مواضعها بما يفيد مزية الطريقة القرآنية فيها؛ ولكننا هنا في معرض التلخيص الأخير، ولدينا من النماذج الكثير.
لقد كانت السمة الأولى للتعبير القرآني هي اتباع طريقة تصوير المعاني الذهنية والحالات النفسية، وإبرازها في صور حسية، والسير على طريقة تصوير المشاهد الطبيعية، والحوادث الماضية، والقصص المروية، والأمثال القصصية، ومشاهد القيامة، وصور النعيم والعذاب، والنماذج الإنسانية.. كأنها كلها حاضرة شاخصة. بالتخييل الحسي الذي يفعهما بالحركة المتخيلة.
فما فضل هذه الطريقة على الطريقة الأخرى، التي تنقل المعاني والحالات النفسية في صورتها الذهنية التجريدية، وتنقل الحوادث
(1/241)
والقصص أخبارًا مروية، وتعبر عن المشاهد والمناظر تعبيرًا لفظيًّا، لا تصويرًا تخييليًّا؟
يكفي لبيان هذا الفصل، أن نتصور هذه المعاني كلها في صورتها التجريدية، وأن نتصورها بعد ذلك في الهيئة الأخرى التشخيصية:
إن المعاني في الطريقة الأولى تخاطب الذهن والوعي، وتصل إليهما مجردة من ظلالها الجميلة. وفي الطريقة الثانية تخاطب الحس والوجدان، وتصل إلى النفس، من منافذ شتى: من الحواس بالتخييل. ومن الحس عن طريق الحواس، ومن الوجدان المنفعل بالأصداء والأضواء. ويكون الذهن منفذًا واحدًا من منافذها الكثيرة إلى النفس، لا منفذها المفرد الوحيد.
ولهذا الطريقة فضلها ولا شك في أداء الدعوة لكل عقيدة؛ ولكننا إنما ننظر إليها هنا من الوجهة الفنية البحتة. وإن لها من هذه الوجهة لشأنًا. فوظيفة الفن الأولى هي إثارة الانفعالات الوجدانية؛ وإشاعة اللذة الفنية بهذه الإثارة، وإجاشة الحياة الكامنة بهذه الانفعالات، وتغذية الخيال بالصور لتحقيق هذا جميعه ... وكل أولئك تكفله طريقة التصوير والتشخيص للفن الجميل: وإليك المثال فوق ما ضربنا من أمثال:
1- معنى النفور الشديد من دعوة الإيمان ينقل إليك في صورته التجريدية هكذا: إنهم لينفرون أشد النفرة من دعوة الإيمان. فيتملى الذهن وحده معنى النفور في برود وسكون.
ثم ينقل إليك في هذه الصورة العجيبة: "فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة؛ فرت من قسورة؟ " فتشترك مع
(1/242)
الذهن حاسة النظر، وملكة الخيال، وانفعال السخرية، وشعور الجمال: السخرية من هؤلاء الذين يفرون كما تفر حمر الوحش من الأسد؛ لا لشيء إلا؛ لأنهم يدعون إلى الإيمان! والجمال الذي يرتسم في حركة الصورة حينما يتملاها الخيال في إطار من الطبيعة، تشرد فيه هذه الحمر يتبعها "قسورة" المرهوب!
فللتعبير هنا ظلال حوله، تزيد في مساحته النفسية -إذا صح هذا التعبير!
2- ومعنى عجز الآلهة التي كان العرب يعبدونها من دون الله، يمكن أن يؤدى في عدة تعبيرات ذهنية مجردة، كأن يقال: إن ما تعبدون من دون الله لأعجز عن خلق أحقر الأشياء. فيصل المعنى إلى الذهن مجردًا باهتًا.
ولكن التعبير التصويري يؤديه في هذه الصورة:
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} !
فيشخص هذا المعنى ويبرز في تلك الصورة المتحركة المتعاقبة: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} هذه درجة. {وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} وهذه أخرى. {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} وهذه ثالثة ... أرأيت إلى تصوير الضعف المزري، وإلى التدرج في تصويره، بما يثير في النفس السخرية اللاذعة، والاحتقار المهين؟
ولكن. أهذه مبالغة؟ وهل البلاغة فيها هذا الغلو؟
كلا! فهذه حقيقة واقعة بسيطة. إن هؤلاء الآلهة "لن يخلقوا
(1/243)
ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه} . والذباب صغير حقير، ولكن الإعجاز في خلقه هو الإعجاز في خلق الجمل والفيل. إنها معجزة "الحياة" يستوي فيها الجسيم والهزيل. فليست المعجزة في صميمها هي خلق الهائل من الأحياء. إنما هي خلق الخلية الصغيرة كالهباء.
ولكن الإبداع الفني هنا هو في عرض هذه الحقيقة في صورة تلقي ظلال الضعف عن خلق أحقر الأشياء؛ والجمال الفني هنا هو في تلك الظلال التي تضفيها محتويات الصورة، وفي الحركة التخييلية في محاولة الخلق، وفي التجمع له، ثم في محاولة الطيران خلف الذباب لاستنقاذ ما يسلبه، وهم وأتباعهم عاجزون عن هذا الاستنقاذ!
3- ويعبر عن حالة تخلي الأولياء عن أوليائهم أمام هول القيامة بهذه الصيغة التجريدية: لقد تناكر الأصفياء، وتنابز الأولياء، وتخلي المتبوعون عن التابعين حينما شاهدوا الهول يوم الدين. فيكون من أدق التعبيرات التي تصاغ. ولكن أين هذا التعبير الذهني من هذا الاستعراض المفعم بالحياة:
{وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ، وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ
(1/244)
قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
ففي هذا الاستعراض يتجسم للخيال مشهد من ثلاث فرق:
الضعفاء: الذين كانوا ذيولًا للأقوياء وهم ما يزالون في ضعفهم، وقصر عقولهم، وخور نفوسهم. يلجأون إلى الذين استكبروا في الدنيا، يسألونهم الخلاص من هذا الموقف، ويعتبون عليهم إغواءهم في الحياة؛ متمشين في هذا مع طبيعتهم الهزيلة وضعفهم المعروف.
والذين استكبروا. وقد ذلت كبرياؤهم، وواجهوا مصيرهم. وهم ضيقو الصدور بهؤلاء الضعفاء، الذين لا يكفيهم ما يرونهم فيه من ذلة وعذاب. فيسألونهم الخلاص، وهم لا يملكون لذات أنفسهم خلاصًا، أو يذكرونهم بجريمة إغوائهم لهم حيث لا تنفع الذكرى. فما يزيدون على أن يقولوا لهم في سأم وضيق: {لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُم} .
والشيطان: بكل ما في شخصيته من مراوغة ومغالطة، واستهتار وتبجح، ومكر "وشيطنة". يعترف لأتباعه -الآن فقط- بأن الله وعدهم وعد الحق، وأنه هو وعدهم فأخلفهم. ثم يمضهم ويؤلمهم، وهو ينفض يديه من تبعاتهم:
{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} .
لا بل يزيد في تبجحه، فيقول:
{إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} .
حقًّا. إنه لشيطان!
(1/245)
وإن هذا لإبداع في تصوير الموقف الفريد، الذي يتخلى فيه التابع عن المتبوع، ويتنكر المتبوع للتابع، حيث لا يجدي أحدًا منهم أن يتخلى أو يستمسك؛ ولكنها طبيعة كل فريق، تبرز عارية أمام الهول العظيم.
وإن الشيطان هنا لمنطقي مع نفسه، ومع الصورة التي يرسمها القرآن له. وإلا فما يكون شيطانًا بغير هذه التلاعب والتبجح والإنكار!
وهكذا تصل إلى نفس تلك الأصدقاء كلها، وتلك الظلال جميعها، من وراء التعبير المصور المشخص. فأين يقع التعبير الذهني، من هذا التصوير الفني؟
4- ويقال: إن أعمال الذين كفروا لا حساب لها ولا وزن، وأنهم يخدعون أنفسهم حين يظنونها شيئًا؛ أو أنهم في ضلال دائم، لا مخرج لهم منه، ولا هادي لهم فيه. فيؤدي المعنى إلى الذهن حيث يركد هناك.
ولكنه يحيا ويتحرك، ويجيش به الحس والخيال، حين يؤدى في هذه الهيئة التصويرية:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .
{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .
هنا صور فنية ساحرة، فيها روح القصة، وفيها تخييل قوي ...
(1/246)
وهي بعد في حاجة إلى ريشة مبدعة، لو أريد تصويرها بالألوان، وإلى عدسة يقظة، لو أريد تصويرها بالحركات.
بل أين هي الريشة، أو أين هي العدسة، التي تستطيع أن تبرز هذه الظلمات:
{فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} ؟
أو تصور الظمآن، يسير وراء السراب {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} ووجد مفاجأة عجيبة -لم تكد تخطر له على بال- {وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَه} وفي سرعة خاطفة تناوله {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} ؟.
فإذا ذكرنا الغرض الديني الذي رسمت له هذه الصورة، فلنذكر معه المتاع الفني الطريف، في هذا التصوير الحي الجميل.
5- ومن هذا الوادي تصوير معنى الضلال بعد الهدى، وضياع الجهد معه سدى، تلك الصور الحية المتتابعة:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} .
{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا
(1/247)
فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
إن هنا حشدًا من الصور المتتابعة في شريط متحرك: هؤلاء هم قد أوقدوا النار فأضاءت. وفجأت يذهب الله بنورهم، ويخيم حولهم الظلام.. أو ها هي ذي العاصفة: صيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق. وهؤلاء هم مذعورون يتوقعون الصاعقة، ويخافون الموت، فيجعلون أصابعهم في آذانهم؛ وما تغني الأصابع في الآذان؛ ولكنها حركة الغريزة في هذا الأوان. وها هو ذا البرق يخطف البصر، ولكنه ينير الطريق لحظة، فهم يخطون على ضوئه خطوه. وها هو ذا ينقطع فيظلون واقفين، لا يدرون كيف يخطون..
لو سجلت عدسة الصور المتحركة مشهدًا كهذا، بما فيه من الحركة والتتابع، لكانت موفقة كل التوفيق. فكيف والمنظر هنا تسجله الألفاظ، فلا تنقص منه حركة واحدة تستطيع عدسة الصور المتحركة إثباتها؟ لا بل تتيح للنفس متعة أشهى، بأن تدع للخيال عملًا؛ وهو يرسم الصور ويمحوها؛ ويصنع الحركات ويتبعها؛ ويرسم الظلال ويشهدها. والنفس تجيش، والوجدان ينفعل، والقلب يسرع في النبضات، تحت تأثير ماذا؟ تحت تأثير الكلمات!
ومن تمام القول في طريقة القرآن التصويرية أن نجمل هنا ما تفرق في مواضع مختلفة في الكتاب عن الخيال التي يبثها التعبير في التصوير، فهي سمة بارزة فيه، تحدد نوع التصوير ومستواه.
إن المعاني الذهنية والحالات المعنوية، لم تستبدل بها صور
(1/248)
فحسب؛ ولكن اختيرت لها صور حية، وقيست بمقاييس حية. ومرت من خلال وسط حي1.
فهول الساعة العظيم يصور في ذهول المرضعات عما أرضعن، وتخلي الحاملات عن حملهن، وترنح السكارى وما هم بسكارى، ويقاس بمدى فعل الهول في هذه النفوس الآدمية، لا بالألفاظ والأوصاف التجريدية.
أو يصور في فرار المرء من أخيه وأمه أبيه، وفصيلته التي تؤويه، حيث يكون {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} . فهو يقاس بأثره في النفس الإنسانية لا بالمقاييس الأخرى الوصفية.
فإذا اشتركت الجوامد في تصوير هذا الهول خلعت عليها الحياة أو أشرك معها الأحياء: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} فهي حية ترتجف كالآدميين. أو {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} فالسماء المنفطرة بجوارها الأطفال الشيب ...
وهول الطوفان يصور في الطبيعة، وإلى جانبها يصور في والد وولده: ذلك ناج في السفينة ملهوف على فلذة كبده، وهذا يحرقه الطوفان حيث: {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} . وإن الهول هنا ليكاد يكون أعظم من الهول في الطبيعة: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} فما كان الموج في المشهد إلا إطارًا للهول النفسي الذي يفرق بين الابن وأبيه، ويفصم الصلة التي لا تقصمها الأهوال!
__________
1 كان للأستاذ العقاد فضل توجيهي إلى إفراد هذه السمة القرآنية بالإشارة، بعد ما ورد منها في ثنايا الكتاب من أمثلة متفرقة.
(1/249)
وآلام العذاب الشديد في الآخرة، تبدو من خلال صرخات إنسانية، تلقي ظلها من خلال التعبير:
{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} . {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} .
ووخزات الخزي في هذا اليوم، لا توصف بالألفاظ، ولكن تبرز من وسط آدمي حي:
{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} .
وصرخات الندم يهتف بها لسان إنسان، يندم بعد فوات الأوان:
{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا ... } .
وتسرب الإيمان نراه من خلال نفس بشرية في قصة إبراهيم:
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ... } .
والحض على الجهاد يأتي في تصوير موقف المؤمنين والكافرين: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} .
وهو تصوير يفرق بين حقيقة الموقفين تفرقة حاسمة في بضع
(1/250)
كلمات، ويقيس الفوارق بنفوس الفريقين وما ينتظرها من مآل.
ولا نعود إلى استعراض ما استعرضنا من الصور في شتى الفصول؛ فحسبنا هذا القدر لبيان نوع التصوير القرآني، وتوضيح معنى الحياة في هذا التصوير. الحياة التي تنقل الأثر من الحس إلى أعماق النفس؛ لأنها تنتقل من كائن حي، إلى كائن حي، في وسط حي، فتتغلغل في أعماق الضمير من خلال التعبير والتصوير.
وسمة ثالثة في تعبير القرآن:
إن هذه الريشة المبدعة ما مسَّت جامدًا إلا نبض بالحياة، ولا عرضت مألوفًا إلا بدا جديدًا. وتلك قدرة قادرة، ومعجزة ساحرة، كسائر معجزات الحياة!
الصبح مشهد مألوف مكرور، ولكنه في تعبير القرآن حي لم تشهده من قبل عينان. إنه {الصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس} .
والليل آن من الزمان معهود، ولكنه في تعبير القرآن حي جديد {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْر} . وهو يطلب النهار في سباق جبار {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} .
والظل ظاهرة تشهد وتعرف، ولكنه في تعبير القرآن نفس نحس وتتصرف: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ} .
والجدار بنية جامدة كالجلمود، ولكنه في تعبير القرآن يحس ويريد: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} !.
والطير بنية حية ولكنها مألوفة لا تلفت الإنسان. أما في تعبير القرآن فمشهد رائع يثير الجنان:
(1/251)
{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} .
والأرض والسماء، والشمس والقمر. والجبال والوديان. والدور العامرة. والآثار الداثرة، والنبات والحيوان. والأشجار والأفنان.. كل أولئك أحياء. أو مشاهد تخطاب الأحياء. فليس هناك جامد ولا ميت بين الجوامد والأشياء!
تلك طريقة القرآن. وإنها لفن قائم وحدهن إزاء المعاني والأغراض. وهو في أفقه الرفيع، كفاء تلك المعاني، وصنو هذه الأغراض.
(1/252)
الطبعة الثالثة من هذا الكتاب:
منذ سبعة أعوام صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب. وأحمد الله على أن صادفه التوفيق. فقوبل من الأوساط الأدبية والعلمية والدينية على السواء مقابلة طيبة. إن دلت على شيء، فإنما تدل على أن الدين لا يقف في طريق البحوث الفنية، والعلمية التي تتناول مقدساته تناولا طليقًا من كل قيد. وعلى أن البحوث الفنية والعلمية لا تصدم الدين، ولا تخدشه حينما تخلص فيها النية، وتتجرد من الحذلقة والادعاء. وأن حرية الفكر لا تعني حتمًا مجافاة الدين، كما يفهم بعض المقلدين في التحرر، حين يرون الجفوة بين الدين والفن والعلم في أوروبا لظروف تاريخية خاصة بالقوم هناك؛ فينقلونه نقلا إلى العالم الإسلامي، الذي لم تقع الجفوة بين الدين والعلم والفن فيه في يوم من أيام التاريخ!
هذه الظاهرة يهمني تسجيلها هنا بمناسبة الطبعة الثالثة لهذا الكتاب.
وظاهرة أخرى يهمني تسجيلها كذلك عن "طريقة التصوير في التعبير"، وهل هي القاعدة الأولى في أسلوب القرآن؟
وهذا السؤال قد أجبت عنه في مقدمة كتاب "مشاهد القيامة في القرآن" في هذه السطور:
(1/253)
"هذه القضية لدى كل ما يؤكدها من الإحصاء الدقيق لنصوص القرآن. فالقصة، ومشاهد القيامة، والنماذج الإنسانية، والمنطق الوجداني في القرآن، مضافًا إليها تصوير الحالات النفسية، وتشخيص المعاني الذهنية، وتمثيل بعض الوقائع التي عاصرت الدعوة المحمدية ... تؤلف على التقريب أكثر من ثلاثة أرباع القرآن من ناحية الكم. وكلها تستخدم طريقة التصوير في التعبير. فلا يستثنى من هذه الطريقة إلا مواضع التشريع، وبعض مواضع الجدل، وقليل من الأغراض الأخرى التي تقتضي طريقة التقرير الذهني المجرد. وهي على كل حال محصورة فيما يوازي ربع القرآن.
"فليس هنالك من شطط حين أقول: إن التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن.
"وإذا وفقني الله فأصدرت الحلقات التالية من هذه المكتبة -مكتبة القرآن- وهي "القصة بين التوراة والقرآن" و"النماذج الإنسانية في القرآن"، فسيجد الناس مصداق هذه القضية بين أيديهم، وتستريح إليها ضمائرهم، كما استراح إليها ضميري".
وإنه ليسرني أن أعلم أن هذا الكتاب كان لفتة إلى طريقة التصوير في التعبير القرآني؛ أتاحت للكثيرين من دارسي القرآن، ومن أساتذة المدارس أن يجدوا سمة التصوير الفنية في مواضع كثيرة لم ترد في كتابي؛ وأن يستروحوا فيها جمالًا فنيًّا خالصًا يستخلصونه بأنفسهم، ويلتذونه بشعورهم، ويطبقونه على الشعر والنثر الفني في غير القرآن.
وليس بالقليل أن يشعر كاتب أن الطريقة التي اهتدى إليها
(1/254)
في إدراك الجمال الفني صارت ملكًا للكثيرين. فإنها لسعادة روحية أرى أن أفصح عنها تحدثًا بنعمة الله.
وبهذه المناسبة أرى أن هناك إيضاحًا واجبًا ينبغي أن يقال، بعد ما بدأت كلمة "الفن" يساء استخدامها، أو يساء فهمها، أو يساء تأويلها في مجال القرآن.
وإني لأعترف بأنني حين اتخذت عنوان: "التصوير الفني في القرآن" لهذا الكتاب منذ سبع سنوات، لم يكن لها في نفسي إلا مدلول واحد: هو جمال العرض، وتنسيق الأداء، وبراعة الإخراج. ولم يجعل في خاطري قط أن "الفني" بالقياس إلى القرآن معناه: الملفق، أو المخترع، أو القائم على مجرد الخيال! ذلك أن دراستي الطويلة للقرآن لم يكن فيها ما يلجئني إلى هذا الفهم أو هذا التأويل.
وأنا أجهر بهذه الحقيقة الأخيرة، وأجهر معها بأنني لم أخضع في هذا لعقيدة دينية تغل فكري عن الفهم؛ بل دفعني إليها أنني لم أجد مبررًا لسواها؛ وعلى العكس وجدت أن احترام العقل البشري ذاته هو الذي يحتم علي ألا أتجاوز به طاقته، وألا أجدف به في مجاهيل، ليس عليها لدي من دليل!
وإني لأعجب لم تنصرف كلمة "الفني" حتمًا إلى الخيال الملفق، والابتداع الذي لا يسنده الواقع، والاختراع الذي يخرج على المعقول؟
لماذا؟
ألا يمكن أن تعرض الحقائق الواقعة عرضًا فنيًّا وعرضًا علميًّا؛
(1/255)
ثم تبقى لها في الحالتين صفتها الأساسية من الصدق والواقعية؟
ألأن "هوميروس" كان يصوغ إلياذته وأوذيسته من الأساطير؟
ألأن كتاب الرواية والأقصوصة والتمثيلية في أوروبا لم يكونوا يتوخون الوقائع الحقيقية في فنهم الطليق؟
إن هذا فن. ولكنه ليس الفن كله. فالحقيقة تصلح أن تعرض عرضًا فنيًّا كاملًا. وليس من العسير أن نتصور هذا، متى خلصنا لحظة من "العقلية المترجمة" التي نعيش بها، ومتى خلصنا تصورنا من النماذج الغربية البحتة، ونظرنا إلى الاصطلاحات نظرة موضوعية شاملة.
إن تحرر العقل لا يستدعي حتمًا التهجم والتوقع والشطط؛ ولنجرد القرآن من كل قداسة دينية، ثم لننظر إليه كمصدر تاريخي بحت. فماذا نجد؟ نجد أننا لا نملك كتابًا آخر، لا أثرًا تاريخيًّا آخر في تاريخ البشرية كلها، توافرت له أسباب التحقيق العلمي البحتة، كما توافرت لهذا الكتاب.
وبديهي أننا لا نملك في إثبات صحة الحوادث التي تحدث بها القرآن، أو عدم صحتها إلا وسيلتين اثنتين. ولكن واحدة منهما ليست قطعية، وليس لها من قوة الثبوت ما للقرآن.
إحدى الوسيلتين اللتين في أيدينا: الأسانيد التاريخية الأخرى.
فإذا نحن جردنا القرآن من قداسته -كما قلت- فإنه ككتاب تاريخي، يكون أقوى إسنادًا من الوجهة العلمية البحتة من كل مرجع تاريخي آخر في الوجود ... راوي هذا الكتاب هو "محمد بن عبد الله"، وهو رجل يعترف خصومه قديمًا وحديثًا بأنه رجل صادق، ولا يشذ على هذا إلا شذاذ أفاكون متعصبون! وقد
(1/256)
جمع هذا الكتاب بطريقة علمية لا يطعن فيها أحد، حتى السادة المستشرقون الذين يؤمن بهم عندنا من لا يحبون أن يؤمنوا بالأديان!
ومثل هذا التحقيق العلمي لم يتهيأ لكتاب آخر، لا من الكتب المقدسة، ولا من الكتب التاريخية؛ ولا من الآثار التاريخية أيضًا؛ فالكتب المقدسة الأخرى، قد انقضت فترات طويلة بين حياة أصحابها وعصر تدوينها، ولم ترو بالإسناد الذي روي به القرآن. والكتب التاريخية والآثار التاريخية لا ترتفع فوق مستوى الشبهات.
وليست هناك حادثة تاريخية واحدة في تاريخ البشرية تعد يقينية يقينًا علميًّا خالصًا.
إذن لا تجوز محاكمة القرآن -ككتاب تاريخي بحت- إلى أي كتاب تاريخي آخر، أو أي سند تاريخي، ليس له من قوة الثبوت ما لكتاب القرآن.
والوسيلة الأخرى التي بين أيدينا هي العقل. ولست أتردد في التصريح بأن احترام العقل البشري ذاته، يوجب عليه أن يفسح للمجهور مجاله، وأن يحسب له حسابه. لا عن طريق الإيمان الديني، ولكن عن طريق التفكير العقلي. وإن العقل البشري ليسقط احترامه حين يدَّعي أنه يعلم كل شيء. وهو لا يعلم نفسه، ولا يدري كيف يدرك المدركات!
وليس في هذا إنكار للفكر الإنساني وحريته؛ ولكن فيه احترامًا لهذا الفكر، بمعرفة قدره ومجاله.
وإذا كان رجال الدين في أوروبا -لا الدين ذاته- قد وقفوا في طريق حرية البحث العلمي -حتى في العالم المادي- فنشأت عداوة جارفة بين رجال الفكر ورجال الدين، فلا يجوز أبدًا أن
(1/257)
ننقل الموضوع برمته إلى الشرق، وإلى الإسلام، فيكون مظهر حرية الفكر الوحيد عندنا، هو التهجم والتقحم، بلا سند إلا هذا السند الذي يتجاوز دائرته. فهذا نفسه هو التقليد المعيب، الذي يدل على أن حرية الفكر هذه زي من أزياء "المودة" نقلده تقليد القرود!
وبعد فلست أنكر أن صعوبات اعترضت طريقي، وأنا أبحث موضوع "القصة في القرآن" و"مشاهد القيامة في القرآن".
أهذا كله مسوق على أنه حاصل واقع؟ أم إن بعضه مسوق على أنه صور وأمثال؟
ووقفت طويلا أمام هذه الصعوبات. ولكنني لم أجد بين يدي حقيقة واحدة من حقائق التاريخ أو حقائق التفكير، أطمئن إلى يقينتها وقطعيتها، فأحاكم القرآن إليها. وما كان يجوز لدي أن أحاكم القرآن إلى ظن أو ترجيح.
لم أكن في هذه الوقفة رجل دين تصده العقيدة البحتة عن البحث الطليق. بل كنت رجل فكر يحترم فكره عن التجديف والتلفيق.
فإذا وجد سواي هذه الحقيقة التي يحاكم إليها القرآن، فأنا على استعداد أن أستمع إليه، في هدوء واطمئنان. أما قبل أن توجد، فإنه يكون من الخفة والطيش، إن لم يكن من احتقار "الفكر"، وتعريضه للمهانة -أن يقضي الإنسان برأي، يكذب به هذا الكتاب، ولو لم يكن له نصيب من عقيدة أو دين.
(1/258)
الفن في القرآن: إبداع في العرض، وجمال في التنسيق، وقوة في الأداء. وشيء من هذا كله لا يقتضي أنه يعتمد على الخيال والتلفيق والاختراع. متى استقامت النفوس وصحت الأفهام!
سيد قطب
(1/259)
المحتويات:
الصفحة
5 الإهداء
7 لقد وجدت القرآن
11 سحر القرآن
17 منبع السحر في القرآن
25 كيف فهم القرآن
36 التصوير الفني
71 التخييل الحسي والتجسيم
87 التناسق الفني
143 القصة في القرآن
144 أغراض القصة
155 آثار خضوع القصة للغرض الديني
171 الدين والفن في القصة
180 الخصائص الفنية للقصة
190 التصوير في القصة
199 رسم الشخصيات في القصة
216 نماذج إنسانية
226 المنطق والوجداني
239 طريقة القرآن
253 هذا الكتاب
(1/260)