Advertisement

الإتقان في علوم القرآن 005



الكتاب: الإتقان في علوم القرآن
المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)
المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة: 1394هـ/ 1974 م
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] فَائِدَةٌ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ إِلَّا مُضَرِيُّ.
قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ هَذَا مِنْ أَجِلِّ اللُّغَاتِ.
مَسْأَلَةٌ
اخْتُلِفَ فِي نُقَطِ الْمُصْحَفِ وشكله، وقال: أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو الْأُسُودِ الدُّؤَلِيُّ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقِيلَ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَقِيلَ: نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ اللَّيْثِيُّ
وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْهَمْزَ وَالتَّشْدِيدَ وَالرَّوْمَ وَالْإِشْمَامَ الْخَلِيلُ
وَقَالَ قَتَادَةُ: بَدَءُوا فَنَقَّطُوا ثُمَّ خَمَّسُوا، ثُمَّ عَشَّرُوا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: أَوَّلُ مَا أَحْدَثُوا النُّقَطَ عِنْدَ آخَرِ الْآيِ، ثُمَّ الْفَوَاتِحِ وَالْخَوَاتِمِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِمَّا أُحْدِثُ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا النُّقَطَ الثَّلَاثَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدِ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَرِّدُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَخْلِطُوهُ بِشَيْءٍ
وَأَخْرَجَ عَنِ النَّخْعِيُّ أَنَّهُ كَرِهَ نَقْطَ الْمَصَاحِفِ
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَرِهَ النَّقْطَ وَالْفَوَاتِحَ وَالْخَوَاتِمَ
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا كَرِهَا التَّعْشِيرِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْعَوَاشِرَ وَالْفَوَاتِحَ وَتَصْغِيرَ الْمُصْحَفِ وَأَنْ يُكْتَبَ فِيهِ سُورَةُ كَذَا وَكَذَا.
(4/184)

وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَنَّهُ أُتِيَ بِمُصْحَفٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ سُورَةُ كَذَا وَكَذَا آيَةٍ، فَقَالَ امْحُ هَذَا فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَكْرَهُهُ
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْجُمَلَ فِي الْمُصْحَفِ، وَفَاتِحَةَ سُورَةِ كَذَا وَخَاتِمَةَ سُورَةِ كَذَا
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالنَّقْطِ فِي الْمَصَاحِفِ التي تتعلم فيها الغلماء، أَمَّا الْأُمَّهَاتُ فَلَا
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: تُكْرَهُ كِتَابَةُ الْأَعْشَارِ، وَالْأَخْمَاسِ وَأَسْمَاءِ السُّوَرِ وَعَدَدِ الْآيَاتِ فِيهِ لِقَوْلِهِ: "جَرِّدُوا الْقُرْآنَ"، وَأَمَّا النَّقْطُ فَيَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ صُورَةٌ فَيُتَوَهَّمُ لأجلها مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ قُرَآنًا، وَإِنَّمَا هِيَ دَلَالَاتٌ عَلَى هَيْئَةِ الْمَقْرُوءِ فَلَا يَضُرُّ إِثْبَاتُهَا لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ آدَابِ الْقُرْآنِ أَنْ يُفَخَّمَ، فَيَكْتُبُ مُفَرَّجًا بِأَحْسَنِ خَطٍّ فَلَا يَصَغَّرُ وَلَا تقرمط حُرُوفَهُ، وَلَا يُخْلَطُ بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ كَعَدَدِ الْآيَاتِ وَالسَّجَدَاتِ وَالْعَشَرَاتِ وَالْوُقُوفِ وَاخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ وَمَعَانِي الْآيَاتِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا بَأْسَ بِنَقْطِ الْمَصَاحِفِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِشَكْلِهِ
وَقَالَ: النَّوَوِيُّ نَقْطُ الْمُصْحَفِ وَشَكْلُهُ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّهُ صِيَانَةٌ لَهُ مِنَ اللَّحْنِ وَالتَّحْرِيفِ
وَقَالَ ابن مجاهد: ينبغي ألا يُشْكَلَ إِلَّا مَا يُشْكِلُ
وَقَالَ الدَّانِيُّ: لَا أَسْتَجِيزُ النَّقْطَ بِالسَّوَادِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّغْيِيرِ لِصُورَةِ الرَّسْمِ، وَلَا أَسْتَجِيزُ جَمْعَ قِرَاءَاتٍ شَتَّى فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، لِأَنَّهُ مِنْ
(4/185)

أَعْظَمِ التَّخْلِيطِ وَالتَّغْيِيرِ لِلْمَرْسُومِ، وَأَرَى أَنْ تَكُونَ الْحَرَكَاتُ وَالتَّنْوِينُ وَالتَّشْدِيدُ وَالسُّكُونُ وَالْمَدُّ بِالْحُمْرَةِ، وَالْهَمَزَاتِ بِالصُّفْرَةِ
وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الشَّافِي: مِنَ الْمَذْمُومِ كِتَابَةُ تَفْسِيرِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ بَيْنَ أَسْطُرِهِ.
فَائِدَةٌ
كَانَ الشَّكْلُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ نُقَطًا فَالْفُتْحَةُ نُقْطَةٌ عَلَى أَوَّلِ الْحَرْفِ، وَالضَّمَّةُ عَلَى آخِرِهِ، وَالْكَسْرَةُ تَحْتَ أَوَّلِهِ، وَعَلَيْهِ مَشَى الدَّانِيُّ وَالَّذِي اشْتُهِرَ الْآنَ الضَّبْطُ بِالْحَرَكَاتِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الْحُرُوفِ، وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْخَلِيلُ، وَهُوَ أَكْثَرُ وَأَوْضَحُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فَالْفَتْحُ شَكْلُهُ مُسْتَطِيلَةٌ فَوْقَ الْحَرْفِ، وَالْكَسْرُ كَذَلِكَ تَحْتَهُ وَالضَّمُّ وَاوٌ صُغْرَى فَوْقَهُ وَالتَّنْوِينُ زِيَادَةُ مِثْلِهَا، فَإِنْ كَانَ مُظْهَرًا- وَذَلِكَ قَبْلَ حَرْفِ حَلْقٍ- رُكِّبَتْ فَوْقَهَا، وإلا تابعت بَيْنَهُمَا، وَتَكْتُبُ الْأَلِفُ الْمَحْذُوفَةُ وَالْمُبْدَلُ مِنْهَا فِي مَحَلِّهَا حَمْرَاءَ، وَالْهَمْزَةُ الْمَحْذُوفَةُ تُكْتَبُ هَمْزَةً بِلَا حِرَفٍ حَمْرَاءَ أَيْضًا، وَعَلَى النُّونِ وَالتَّنْوِينِ قَبْلَ الْبَاءِ عَلَامَةُ الْإِقْلَابِ "م" حَمْرَاءُ، وَقَبْلَ الْحَلْقِ سكون وتقرأ عِنْدَ الْإِدْغَامِ وَالْإِخْفَاءِ، وَيُسَّكَنُ كُلُّ مُسَكَّنٍ وَيُعَرَّى الْمُدْغَمُ، وَيُشَدَّدُ مَا بَعْدَهُ إِلَّا الطَّاءِ قَبْلَ التَّاءِ، فيكتب عليها السكون، نحو "فرطت"، وَمَطَّةُ الْمَمْدُودِ لَا تُجَاوِزُهُ.
فَائِدَةٌ
قَالَ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ: قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: جَرِّدُوا الْقُرْآنَ، يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
(4/186)

أَحَدُهُمَا: جَرِّدُوهُ فِي التِّلَاوَةِ وَلَا تَخْلِطُوا بِهِ غَيْرَهُ
وَالثَّانِي: جَرِّدُوهُ فِي الْخَطِّ مِنَ النُّقَطِ وَالتَّعْشِيرِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْأَبْيَنُ أَنَّهُ أَرَادَ: لَا تَخْلِطُوا بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ، لِأَنَّ مَا خَلَا الْقُرْآنَ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ إِنَّمَا يُؤْخَذُ عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسُوا بِمَأْمُونِينَ عَلَيْهَا.
فَرْعٌ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَرِهَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَأَخْرِجَ مِثْلَهُ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ
وَاخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَرِهَا بَيْعَ الْمَصَاحِفِ وَشِرَاءِهَا وَأَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَى كِتَابَتِهَا
"وَأَخْرَجَ عن محمد بن سرين: انه كره بَيْعَ الْمَصَاحِفِ وَشِرَاءِهَا وَأَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَى كِتَابَتِهَا".
وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِالثَّلَاثَةِ وَأَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الْمَصَاحِفِ فَقَالَ لَا بَأْسَ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ أُجُورَ أَيْدِيهُمْ
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الْمُصْحَفِ، قَالَ: لَا بَأْسَ إِنَّمَا تَبِيعُ الْوَرَقَ
(4/187)

وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَدِّدُونَ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ
وَأَخْرَجَ عَنِ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْمُصْحَفُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوَرَّثُ
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ: أَعِنْ أَخَاكَ بِالْكِتَابِ أوهب لَهُ
وَأَخْرَجَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اشْتَرِ الْمَصَاحِفَ وَلَا تَبِعْهَا
وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَصَاحِفِ، وَرَخَصَّ فِي شِرَائِهَا
وَقَدْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلسَّلَفِ، ثَالِثُهَا كَرَاهَةُ الْبَيْعِ دُونَ الشِّرَاءِ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ عِنْدَنَا، كَمَا صَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَنَقَلَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الثَّمَنَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الدَّفَّتَيْنِ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُبَاعُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَدَلٌ مِنْ أُجْرَةِ النَّسْخِ انْتَهَى
وَقَدْ تَقَدَّمَ إِسْنَادُ الْقَوْلَيْنِ إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُمَا مَعًا
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْمَصَاحِفِ، إِنَّمَا يَبِيعُ الْوَرَقَ وَعَمَلَ يَدَيْهِ.
فَرْعٌ
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ: الْقِيَامُ لِلْمُصْحَفِ بِدْعَةٌ لَمْ تُعْهَدْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ مِنَ اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ وَعَدَمِ التَّهَاوُنِ بِهِ.
(4/188)

فَرْعٌ
يُسْتَحَبُّ تَقْبِيلُ الْمُصْحَفِ لِأَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَفْعَلُهُ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَلِأَنَّهُ هَدِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَشَرَعَ تَقْبِيلَهُ كَمَا يُسْتَحَبُّ تَقْبِيلُ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ
وَعَنْ أَحْمَدَ ثَلَاثُ رُوَايَاتٍ: الْجَوَازُ وَالِاسْتِحْبَابُ، وَالتَّوَقُفُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِفْعَةٌ وَإِكْرَامٌ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ قِيَاسٌ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ فِي الْحَجَرِ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
فَرْعٌ
يُسْتَحَبُّ تَطْيِيبُ الْمُصْحَفِ، وَجَعْلُهُ عَلَى كُرْسِيٍّ، وَيَحْرُمُ تَوَسُّدُهُ، لِأَنَّ فِيهِ إِذْلَالًا وَامْتِهَانًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَذَا مَدَّ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْهِ
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ، عَنْ سُفْيَانَ، أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعَلَّقَ الْمَصَاحِفُ وَأَخْرَجَ عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا لِلْحَدِيثِ كَرَاسِيَّ كَكَرَاسِيِّ الْمَصَاحِفِ.
فَرْعٌ
يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ بِالْفِضَّةِ إِكْرَامًا لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ تَفْضِيضِ الْمَصَاحِفِ فَأَخْرَجَ إِلَيْنَا مُصْحَفًا فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّهُمْ جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ، وَأَنَّهُمْ فَضَّضُوا الْمَصَاحِفَ، عَلَى هَذَا أَوْ نَحْوِهِ وَأَمَّا بِالذَّهَبِ فَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ، وَخَصَّ بَعْضُهُمِ الْجَوَازَ بِنَفْسِ الْمُصْحَفِ، دون غلافه المنفضل عَنْهُ وَالْأَظْهَرُ التَّسْوِيَةُ.
(4/189)

فَرْعٌ
إِذَا احْتِيجَ إِلَى تَعْطِيلِ بَعْضِ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ لِبِلًى وَنَحْوِهِ، فَلَا يَجُوزُ وَضْعُهَا فِي شَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ وَيُوطَأُ، وَلَا يَجُوزُ تَمْزِيقُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْطِيعِ الْحُرُوفِ وَتَفْرِقَةِ الْكَلِمِ، وَفِي ذَلِكَ إِزْرَاءٌ بِالْمَكْتُوبِ كذا قال الْحَلِيمِيُّ
قَالَ: وَلَهُ: غَسْلُهَا بِالْمَاءِ، وَإِنْ أَحْرَقَهَا بِالنَّارِ فَلَا بَأْسَ؛ أَحْرَقَ عُثْمَانُ مَصَاحِفَ كَانَ فِيهَا آيَاتٌ وَقِرَاءَاتٌ مَنْسُوخَةٌ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ
وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْإِحْرَاقَ أَوْلَى مِنَ الْغَسْلِ، لِأَنَّ الْغُسَالَةَ قَدْ تَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ وَجَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِامْتِنَاعِ الْإِحْرَاقِ، لِأَنَّهُ خِلَافَ الِاحْتِرَامِ، وَالنَّوَوِيُّ بِالْكَرَاهَةِ
وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفَيَّةِ أَنَّ الْمُصْحَفَ إِذَا بَلِيَ لَا يُحْرَقُ، بَلْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ وَيُدْفَنُ، وَفِيهِ وَقْفَةٌ لِتَعَرُّضِهِ لِلْوَطْءِ بِالْأَقْدَامِ.
فَرْعٌ
رَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: لَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ: مُصَيْحِفٌ وَلَا مُسَيْجِدٌ، مَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ عَظِيمٌ.
فَرْعٌ
مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ تَحْرِيمِ مَسِّ الْمُصْحَفِ لِلْمُحْدِثِ، سَوَاءٌ كَانَ
(4/190)

أَصْغَرَ أَمْ أَكَبْرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} وَحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ.
خَاتِمَةٌ
رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: "سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرَهُنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا أَوْ أَجْرَى نَهْرًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ غَرَسَ نَخْلًا أَوْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ من بعد موته، أوورث مُصْحَفًا".
(4/191)

النَّوْعُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ: فِي مَعْرِفَةِ تَفْسِيرِهِ وَتَأْوِيلِهِ وَبَيَانِ شَرَفِهِ وَالْحَاجَةِ إِلَيْهِ
التَّفْسِيرُ "تَفْعِيلٌ" مِنَ الْفَسْرِ، وَهُوَ الْبَيَانُ وَالْكَشْفُ، وَيُقَالَ: هُوَ مَقْلُوبٌ السَّفَرِ، تَقُولُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ، وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّفْسِرَةِ، وَهِيَ اسْمٌ لِمَا يَعْرِفُ بِهِ الطَّبِيبُ الْمَرَضِ وَالتَّأْوِيلُ أَصْلُهُ مِنَ الْأَوَّلِ وَهُوَ الرُّجُوعُ، فَكَأَنَّهُ صَرَفَ الْآيَةَ إِلَى مَا تَحْتَمِلُهُ مِنَ الْمَعَانِي وَقِيلَ مِنَ الْإِيَالَةِ وَهِيَ السِّيَاسَةُ، كَأَنَّ الْمُؤَوِّلَ لِلْكَلَامِ سَاسَ الْكَلَامَ وَوَضَعَ الْمَعْنَى فِيهِ موضعه
واختلف في التفسير أو التأويل، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَطَائِفَةٍ: هُمَا بِمَعْنًى: وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ قَوْمٌ حَتَّى بَالَغَ ابْنُ حَبِيبٍ النَّيْسَابُورِيُّ، فَقَالَ: قَدْ نَبَغَ فِي زَمَانِنَا مُفَسِّرُونَ لَوْ سُئِلُوا عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ مَا اهْتَدَوْا إِلَيْهِ
وَقَالَ الرَّاغِبُ: التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنَ التَّأْوِيلِ؛ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْأَلْفَاظِ وَمُفْرَدَاتِهَا وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعَانِي وَالْجُمَلِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالتَّفْسِيرُ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا
وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّفْسِيرُ بَيَانُ لَفْظٍ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالتَّأْوِيلُ تَوْجِيهُ لَفْظٍ مُتَوَجِّهٍ إِلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهَا، بِمَا ظَهَرَ مِنَ الْأَدِلَّةِ
وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: التَّفْسِيرُ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ اللَّفْظِ هَذَا، وَالشَّهَادَةُ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ عَنَى بِاللَّفْظِ هَذَا، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَصَحِيحٌ، وَإِلَّا فَتَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ، وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَالتَّأْوِيلُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُحْتَمِلَاتِ بِدُونِ الْقَطْعِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى اللَّهِ
(4/192)

وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ التَّغْلِبِيُّ: التَّفْسِيرُ بَيَانُ وَضْعِ اللَّفْظِ إِمَّا حَقِيقَةً، أَوْ مَجَازًا، كَتَفْسِيرِ الصِّرَاطِ: بِالطَّرِيقِ وَالصَّيِّبِ: بِالْمَطَرِ وَالتَّأْوِيلُ تَفْسِيرُ بَاطِنِ اللَّفْظِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَوَّلِ وَهُوَ الرُّجُوعُ لِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ فَالتَّأْوِيلُ إِخْبَارٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُرَادِ وَالتَّفْسِيرُ إِخْبَارٌ عَنْ دَلِيلِ الْمُرَادِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ يَكْشِفُ عَنِ الْمُرَادِ وَالْكَاشِفُ دَلِيلٌ، مِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} ، تَفْسِيرُهُ أَنَّهُ مِنَ الرَّصْدِ، يُقَالَ رَصَدْتُهُ رَقَبْتُهُ، وَالْمِرْصَادُ "مِفْعَالٌ" مِنْهُ وَتَأْوِيلُهُ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّهَاوُنِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَالْغَفْلَةِ عَنِ الْأُهْبَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْعَرْضِ عَلَيْهِ، وَقَوَاطِعُ الْأَدِلَّةِ تَقْتَضِي بَيَانَ الْمُرَادِ مِنْهُ، عَلَى خِلَافِ وَضْعِ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ
وَقَالَ الْأَصْبِهَانِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: اعْلَمْ أَنَّ التَّفْسِيرَ فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ كَشْفُ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَبَيَانُ الْمُرَادِ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ الْمُشْكَلِ وَغَيْرِهِ، وَبِحَسَبِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ وَغَيْرِهِ، وَالتَّأْوِيلُ أَكْثَرُهُ فِي الْجُمَلِ، وَالتَّفْسِيرُ إِمَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي غَرِيبِ الْأَلْفَاظِ نَحْوَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ، وَالْوَصِيلَةِ، أَوْ فِي وَجِيزٍ يَتَبَيَّنُ بِشَرْحٍ، نَحْوَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ، وَإِمَّا فِي كَلَامٍ مُتَضَمِّنٍ لِقِصَّةٍ لَا يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهَا، كَقَوْلِهِ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} وَقَوْلُهُ: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} ؛ وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ مَرَّةً عَامًا وَمَرَّةً خَاصًّا، نَحْوَ الْكُفْرُ الْمُسْتَعْمَلُ تَارَةً فِي الْجُحُودِ الْمُطْلَقِ، وَتَارَةً فِي جُحُودِ الْبَارِئِ عَزَّ وَجَلَّ خَاصَّةً، وَالْإِيمَانُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي التَّصْدِيقِ الْمُطْلَقِ تَارَةً وَفِي تَصْدِيقِ الْحَقِّ أُخْرَى، وَإِمَّا فِي لَفْظٍ مُشْتَرِكٍ بَيْنَ مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، نَحْوَ لَفْظِ "وَجَدَ" الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْجِدَّةِ وَالْوَجْدِ وَالْوُجُودِ
وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّفْسِيرُ يَتَعَلَّقُ بِالرِّوَايَةِ، وَالتَّأْوِيلِ يَتَعَلَّقُ بِالدِّرَايَةِ
(4/193)

وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ: التَّفْسِيرُ مَقْصُورٌ عَلَى الِاتِّبَاعِ وَالسَّمَاعِ وَالِاسْتِنْبَاطُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالتَّأْوِيلِ
وَقَالَ قَوْمٌ: مَا وَقَعَ مُبِينًا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَمُعَيَّنًا فِي صَحِيحِ السُّنَّةِ سُمِّيَ تَفْسِيرًا، لِأَنَّ مَعْنَاهُ قَدْ ظَهَرَ وَوَضَحَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ إِلَيْهِ بِاجْتِهَادٍ وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَرَدَ لَا يَتَعَدَّاهُ، وَالتَّأْوِيلُ مَا استنبطه العلماء العاملون لِمَعَانِي الْخِطَابِ الْمَاهِرُونَ فِي آلَاتِ الْعُلُومِ
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الْبَغْوَيُّ وَالْكَوَاشِيُّ: التَّأْوِيلُ صَرْفُ الْآيَةِ إِلَى مَعْنَى مُوَافِقٍ لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ، غَيْرَ مُخَالِفٍ للكتاب والسنة من طَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّفْسِيرُ فِي الِاصْطِلَاحِ علم نزول الآيات وشئونها وَأَقَاصِيصِهَا، وَالْأَسْبَابِ النَّازِلَةِ فِيهَا ثُمَّ تَرْتِيبِ مَكِّيِّهَا وَمَدَنِيِّهَا، وَمُحَكِّمِهَا وَمُتَشَابِهِهَا، وَنَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا، وَخَاصِّهَا وَعَامِّهَا، وَمُطْلِقِهَا وَمُقَيَّدِهَا، وَمُجَمِّلِهَا وَمُفَسَّرِهَا، وَحَلَالِهَا وَحَرَامِهَا وَوَعْدِهَا وَوَعِيدِهَا، وَأَمْرِهَا وَنَهْيِهَا، وَعِبَرِهَا وَأَمْثَالِهَا
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: التَّفْسِيرُ عِلْمٌ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَأَحْكَامِهَا الْإِفْرَادِيَّةِ وَالتَّرْكِيبِيَّةِ، وَمَعَانِيهَا الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا حَالَةُ التَّرْكِيبِ وَتَتِمَّاتٍ لِذَلِكَ، قَالَ: فَقَوْلُنَا "عِلْمٌ" جِنْسٌ، وَقَوْلُنَا: "يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ" هُوَ عِلْمُ الْقِرَاءَةِ، وَقَوْلُنَا: وَمَدْلُولَاتِهَا أَيْ مَدْلُولَاتِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَهَذَا مَتْنُ عِلْمِ اللُّغَةِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْعِلْمِ، وَقَوْلُنَا: "وَأَحْكَامِهَا الْإِفْرَادِيَّةِ وَالتَّرْكِيبِيَّةِ"، هَذَا يَشْمَلُ عِلْمَ التَّصْرِيفِ وَالْبَيَانِ وَالْبَدِيعِ وَقَوْلُنَا وَمَعَانِيهَا الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا حَالَةُ التَّرْكِيبِ يَشْمَلُ مَا دَلَالَتُهُ بِالْحَقِيقَةِ، وَمَا دَلَالَتُهُ بِالْمَجَازِ، فَإِنَّ التَّرْكِيبَ قَدْ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ شَيْئًا وَيَصُدُّ
(4/194)

عَنِ الْحَمْلِ عَلَيْهِ صَادٌّ، فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَجَازُ وَقَوْلُنَا: "وَتَتِمَّاتٍ لِذَلِكَ"، هُوَ مِثْلَ مَعْرِفَةِ النَّسْخِ وَسَبَبِ النُّزُولِ وَقِصَّةٍ تُوَضِّحُ بَعْضَ مَا أُبْهِمَ فِي الْقُرْآنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: التَّفْسِيرُ عِلْمٌ يُفْهَمُ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَانَ مَعَانِيهِ، وَاسْتِخْرَاجِ أَحْكَامِهِ وَحِكَمِهِ، وَاسْتِمْدَادِ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ وَعِلْمِ الْبَيَانِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَاتِ، وَيَحْتَاجُ لِمَعْرِفَةِ أَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ والمنسوخ".
فصل: في وجه الحاجه إلى التفسير
أما وَجْهُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا خَاطَبَ خَلْقَهُ بِمَا يَفْهَمُونَهُ، وَلِذَلِكَ أَرْسَلَ كُلَّ رَسُولٍ بِلِسَانِ قومه، أنزل كِتَابَهُ عَلَى لُغَتِهِمْ، وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى التَّفْسِيرِ لِمَا سَيَذْكُرُ بَعْدَ تَقْرِيرِ قَاعِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَضَعَ مِنَ الْبَشَرِ كِتَابًا فَإِنَّمَا وَضَعَهُ لِيُفْهَمَ بِذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْحٍ، وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى الشُّرُوحِ لِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:
أَحَدُهَا: كَمَالُ فَضِيلَةِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ لِقُوَّتِهِ الْعِلْمِيَّةِ يَجْمَعُ الْمَعَانِيَ الدَّقِيقَةَ فِي اللَّفْظِ الْوَجِيزِ فَرُبَّمَا عُسِرَ فَهْمُ مُرَادِهِ فَقَصَدَ بِالشَّرْحِ ظُهُورَ تِلْكَ الْمَعَانِي الْخَفِيَّةِ وَمِنْ هُنَا كَانَ شَرْحُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ تَصْنِيفَهُ أَدَلَّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ شَرْحِ غَيْرِهِ لَهُ.
وَثَانِيهَا: إِغْفَالُهُ بَعْضَ تَتِمَّاتِ الْمَسْأَلَةِ أَوْ شُرُوطٍ لَهَا اعْتِمَادًا عَلَى وُضُوحِهَا أَوْ لِأَنَّهَا مِنْ عِلْمٍ آخر فيحتاج الشارع لِبَيَانِ الْمَحْذُوفِ وَمَرَاتِبِهِ.
(4/195)

وَثَالِثُهَا: احْتِمَالُ اللَّفْظِ لِمَعَانٍ كَمَا فِي الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ وَدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ فَيَحْتَاجُ الشَّارِحُ إِلَى بَيَانِ غَرَضِ الْمُصَنِّفِ وَتَرْجِيحِهِ وَقَدْ يَقَعُ فِي التَّصَانِيفِ مالا يَخْلُو عَنْهُ بَشَرٌ مِنَ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ أَوْ تَكْرَارِ الشَّيْءِ أَوْ حَذْفِ الْمُبْهَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ الشَّارِحُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ فِي زَمَنِ أَفْصَحِ الْعَرَبِ وَكَانُوا يَعْلَمُونَ ظَوَاهِرَهُ وَأَحْكَامَهُ أَمَّا دَقَائِقُ بَاطِنِهِ فَإِنَّمَا كَانَ يَظْهَرُ لَهُمْ بَعْدَ الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ مَعَ سُؤَالِهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَكْثَرِ كَسُؤَالِهِمْ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} فَقَالُوا: وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} وَكَسُؤَالِ عَائِشَةَ عَنِ الْحِسَابِ الْيَسِيرِ فَقَالَ: "ذَلِكَ الْعَرُضُ" وَكَقِصَّةِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَأَلُوا عَنْ آحَادٍ مِنْهُ وَنَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَى مَا كَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الظَّوَاهِرِ لِقُصُورِنَا عَنْ مَدَارِكِ أَحْكَامِ اللُّغَةِ بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ فَنَحْنُ أَشَدُّ النَّاسِ احْتِيَاجًا إِلَى التَّفْسِيرِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ تفسيره بعضه يكون من قبل بسط الْأَلْفَاظِ الْوَجِيزَةِ وَكَشْفِ مَعَانِيهَا وَبَعْضُهُ مِنْ قِبَلِ تَرْجِيحِ بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ عَلَى بَعْضٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْخُوَيِّيُّ: عِلْمُ التَّفْسِيرِ عَسِيرٌ يَسِيرٌ أَمَّا عُسْرُهُ فَظَاهِرٌ مِنْ وُجُوهٍ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ كَلَامُ مُتَكَلِّمٍ لم يصل النَّاسُ إِلَى مُرَادِهِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ وَلَا إِمْكَانِ الوصول إليه بخلاف الْأَمْثَالِ وَالْأَشْعَارِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُمَكِّنُ عِلْمَهُ مِنْهُ إِذَا تَكَلَّمَ بِأَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَتَفْسِيرُهُ عَلَى وَجْهِ الْقَطْعِ لَا يُعْلَمُ
(4/196)

إِلَّا بِأَنْ يَسْمَعَ مِنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ إِلَّا فِي آيَاتٍ قَلَائِلَ فَالْعِلْمُ بِالْمُرَادِ يُسْتَنْبَطُ بِأَمَارَاتٍ وَدَلَائِلَ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يَتَفَكَّرَ عِبَادَهُ فِي كِتَابِهِ فَلَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْمُرَادِ فِي جَمِيعِ آيَاتِهِ.
فصل: في شرف التَّفْسِيرِ
وَأَمَّا شَرَفُهُ فَلَا يَخْفَى قَالَ تَعَالَى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} قَالَ الْمَعْرِفَةُ بِالْقُرْآنِ نَاسِخُهُ وَمَنْسُوخُهُ وَمُحْكَمُهُ وَمُتَشَابِهُهُ وَمُقَدَّمُهُ وَمُؤَخَّرُهُ وَحَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَأَمْثَالُهُ
وَأَخْرَجَ ابن مردويه من طريق جويبر عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} قَالَ الْقُرْآنَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْنِي تَفْسِيرَهُ فَإِنَّهُ قَدْ قَرَأَهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} قَالَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالْفِكْرَةُ فِيهِ وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةَ
وَقَالَ تَعَالَى: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ}
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: مَا مَرَرْتُ بِآيَةٍ فِي كِتَابِ
(4/197)

اللَّهِ لَا أَعْرِفُهَا إِلَّا أَحْزَنَتْنِي لِأَنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ} وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ تُعْلَمَ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَمَا أَرَادَ بِهَا وَأَخْرَجَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُحْسِنُ تَفْسِيرَهُ كَالْأَعْرَابِيِّ يَهُذُّ الشِّعْرَ هَذًّا
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: "أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ وَالْتَمِسُوا غَرَائِبَهُ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: لِأَنْ أُعْرِبَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْفَظَ آيَةً وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ إِذَا سَافَرْتُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَعْرَبْتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَفَعَلْتُ"
وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ أَجْرُ شَهِيدٍ"
قُلْتُ: مَعْنَى هَذِهِ الْآثَارِ عِنْدِي إِرَادَةُ الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْإِعْرَابِ عَلَى الْحُكْمِ النَّحْوِيِّ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي سَلِيقَتِهِمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَعَلُّمِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ النَّقِيبِ جَنَحَ إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ وَقَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْإِعْرَابَ الصِّنَاعِيَّ، وَفِيهِ بُعْدٌ
(4/198)

وَقَدْ يَسْتَدِلُّ لَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ السِّلَفِيُّ فِي الطُّيُورِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ يَدُلَّكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ"
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَأَجَلُّ الْعُلُومِ الثَّلَاثَةِ الشَّرْعِيَّةِ
قَالَ الْأَصْبَهَانِيُّ: أَشْرَفُ صِنَاعَةٍ يَتَعَاطَاهَا الْإِنْسَانُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ شَرَفَ الصِّنَاعَةِ إِمَّا بِشَرَفِ مَوْضُوعِهَا مِثْلَ الصِّيَاغَةِ فَإِنَّهَا أَشْرَفُ مِنَ الدِّبَاغَةِ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الصِّيَاغَةِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَهُمَا أَشْرَفُ مِنْ مَوْضُوعِ الدِّبَاغَةِ الَّذِي هُوَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ وَإِمَّا بِشَرَفِ غَرَضِهَا مِثْلَ صِنَاعَةِ الطِّبِّ فَإِنَّهَا أَشْرَفُ مِنْ صِنَاعَةِ الْكُنَاسَةِ لِأَنَّ غَرَضَ الطِّبِّ إِفَادَةُ الصِّحَّةِ وَغَرَضَ الْكُنَاسَةِ تَنْظِيفُ الْمُسْتَرَاحِ وَإِمَّا لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا كَالْفِقْهِ فَإِنَّ الْحَاجَةَ إِلَيْهِ أَشَدُّ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى الطِّبِّ إِذْ ما من واقعة من الْكَوْنِ فِي أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ إِلَّا وَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى الْفِقْهِ لِأَنَّ بِهِ انْتِظَامُ صَلَاحِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ بِخِلَافِ الطِّبِّ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ
إِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَصِنَاعَةُ التَّفْسِيرِ قَدْ حَازَتِ الشَّرَفَ مِنَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَوْضُوعِ فَلِأَنَّ مَوْضُوعَهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ يَنْبُوعُ كُلِّ حِكْمَةٍ وَمَعْدِنُ كُلِّ فَضِيلَةٍ فِيهِ نبأ ما قبلكم وخبر مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ لَا يَخْلُقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْغَرَضِ فَلِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ هُوَ الِاعْتِصَامُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَالْوُصُولُ إِلَى السَّعَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي لَا تَفْنَى وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ شِدَّةِ الْحَاجَةِ فَلِأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ عَاجِلِيٍّ أَوْ آجِلِيٍّ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الدِّينِيَّةِ وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
(4/199)

النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الْمُفَسِّرِ وآدابه
قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَنْ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، طَلَبَهُ أَوَّلًا مِنَ الْقُرْآنِ فَمَا أُجْمِلَ مِنْهُ فِي مَكَانٍ فَقَدْ فُسِّرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَا اخْتُصِرَ فِي مَكَانٍ فَقَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ وَقَدْ أَلَّفَ ابْنُ الْجَوْزِيُّ كِتَابًا فِيمَا أُجْمِلَ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعٍ وَفُسِّرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ وَأَشَرْتُ إِلَى أَمْثِلَةٍ مِنْهُ فِي نَوْعِ الْمُجْمَلِ فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ طَلَبَهُ مِنَ السُّنَّةِ فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُوَضَّحَةٌ لَهُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} فِي آيَاتٍ أُخَرَ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَّا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ"، يَعْنِي السنة، فإن لم يجده في السُّنَّةِ رَجَعَ إِلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ أَدْرَى بِذَلِكَ لِمَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْقَرَائِنِ وَالْأَحْوَالِ عِنْدَ نُزُولِهِ وَلِمَا اخْتَصُّوا بِهِ مِنَ الْفَهْمِ التَّامِّ وَالْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: إِنَّ تَفْسِيرَ الصَّحَابِيِّ الَّذِي شَهِدَ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الطَّبَرِيُّ فِي أَوَائِلِ تَفْسِيرِهِ: الْقَوْلُ فِي أدوات الْمُفَسِّرِ: اعْلَمْ أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ صِحَّةُ الِاعْتِقَادِ أَوَّلًا وَلُزُومُ سُنَّةِ الدِّينِ فَإِنَّ مَنْ كَانَ مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي دِينِهِ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الدُّنْيَا فَكَيْفَ عَلَى الدِّينِ ثُمَّ لَا يُؤْتَمَنُ مِنَ الدِّينِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ عَالِمٍ فَكَيْفَ يُؤْتَمَنُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِالْإِلْحَادِ أَنْ يَبْغِيَ الْفِتْنَةَ وَيُغِرِّ النَّاسَ بِلَيِّهِ وَخِدَاعِهِ كَدَأْبِ
(4/200)

الْبَاطِنِيَّةِ وَغُلَاةِ الرَّافِضَةِ وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِهَوًى لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَحْمِلَهُ هَوَاهُ عَلَى مَا يُوَافِقُ بِدَعَتِهِ كَدَأْبِ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ يُصَنِّفُ الْكِتَابَ فِي التَّفْسِيرِ وَمَقْصُودُهُ منه الإيضاح الساكن لِيَصُدَّهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ السَّلَفِ وَلُزُومِ طَرِيقِ الْهُدَى وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اعْتِمَادُهُ عَلَى النَّقْلِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَصْحَابِهِ وَمَنْ عَاصَرَهُمْ وَيَتَجَنَّبُ الْمُحْدَثَاتِ وَإِذَا تَعَارَضَتْ أَقْوَالُهُمْ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بينهما فَعَلَ نَحْوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَأَقْوَالُهُمْ فِيهِ تَرْجِعُ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَأْخُذُ مِنْهَا مَا يَدْخُلُ فِيهِ الْجَمِيعِ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَطَرِيقِ الْأَنْبِيَاءِ فَطَرِيقُ السُّنَّةِ وَطَرِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَرِيقُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَأَيُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَفْرَدَهُ كَانَ مُحْسِنًا وَإِنْ تَعَارَضَتْ رَدَّ الْأَمْرَ إِلَى مَا ثَبَتَ فِيهِ السَّمْعُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَمْعًا وَكَانَ لِلِاسْتِدْلَالِ طَرِيقٌ إِلَى تَقْوِيَةِ أَحَدِهَا رَجَّحَ مَا قَوِيَ الِاسْتِدْلَالُ فِيهِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي مَعْنَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ يُرَجِّحُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا قَسَمٌ وَإِنْ تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ فِي الْمُرَادِ عَلِمَ أَنَّهُ قَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَيُؤْمِنُ بِمُرَادِ اللَّهِ مِنْهَا وَلَا يَتَهَجَّمُ عَلَى تَعْيِينِهِ وَيُنْزِلُهُ مَنْزِلَةَ الْمُجْمَلِ قَبْلَ تَفْصِيلِهِ وَالْمُتَشَابِهِ قَبْلَ تَبْيِينِهِ: وَمِنْ شرطه صِحَّةِ الْمَقْصِدِ فِيمَا يَقُولُ لِيَلْقَى التَّسْدِيدَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} وَإِنَّمَا يَخْلُصُ لَهُ الْقَصْدُ إِذَا زَهِدَ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ إِذَا رَغِبَ فِيهَا لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يتوسل به إلى عرض يَصُدُّهُ عَنْ صَوَابِ قَصْدِهِ وَيُفْسِدُ عَلَيْهِ صِحَّةَ عَمَلِهِ وَتَمَامُ هَذِهِ الشَّرَائِطِ أَنْ يَكُونَ مُمْتَلِئًا مِنْ عِدَّةِ الْإِعْرَابِ لَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ وُجُوهِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ إِذَا خَرَجَ بِالْبَيَانِ عَنْ وَضْعِ اللِّسَانِ إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا فَتَأْوِيلُهُ تَعْطِيلُهُ وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضُهُمْ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} ، إِنَّهُ مُلَازِمَةُ
(4/201)

قَوْلِ اللَّهِ وَلَمْ يَدْرِ الْغَبِيُّ أَنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ حُذِفَ مِنْهَا الْخَبَرُ وَالتَّقْدِيرُ: اللَّهُ أَنْزَلَهُ انْتَهَى. كَلَامُ أَبِي طَالِبٍ
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي كِتَابٍ أَلَّفَهُ فِي هَذَا النَّوْعِ: يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ لِأَصْحَابِهِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كَمَا بَيَّنَ لَهُمْ أَلْفَاظَهُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا وَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: حَدَّثَنَا الذين كانوا يقرؤون الْقُرْآنَ كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يَتَجَاوَزُوهَا حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا وَلِهَذَا كَانُوا يَبْقَوْنَ مُدَّةً فِي حِفْظِ السُّورَةِ وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ الرَّجُلَ إِذَا قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ جَدَّ فِي أَعْيُنِنَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ
وَأَقَامَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حِفْظِ الْبَقَرَةِ ثَمَانِ سِنِينَ أَخْرَجَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} وَتَدَبُّرُ الْكَلَامِ بِدُونِ فَهْمِ مَعَانِيهِ لَا يُمْكِنُ
وَأَيْضًا فَالْعَادَةُ تَمْنَعُ أَنْ يَقْرَأَ قَوْمٌ كِتَابًا فِي فَنٍّ مِنَ الْعِلْمِ كَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَلَا يَسْتَشْرِحُونَهُ فَكَيْفَ بِكَلَامِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ عِصْمَتُهُمْ وَبِهِ نَجَاتُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ وَقِيَامُ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَلِهَذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ قليل جِدًّا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ التَّابِعِينَ أَكْثَرَ مِنْهُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بعدهم
(4/202)

وَمِنَ التَّابِعِينَ مَنْ تَلَقَّى جَمِيعَ التَّفْسِيرِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَرُبَّمَا تَكَلَّمُوا فِي بَعْضِ ذَلِكَ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالْخِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيلٌ وَغَالِبُ مَا يَصِحُّ عَنْهُمْ مِنَ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلَافِ تَنَوُّعٍ لَا اخْتِلَافِ تَضَادٍّ وَذَلِكَ صنفان أحدهما أن يعبر وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنِ الْمُرَادِ بِعِبَارَةٍ غَيْرَ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي الْمُسَمَّى غَيْرَ الْمَعْنَى الْآخَرِ مَعَ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى كَتَفْسِيرِهِمْ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ بَعْضٌ بِالْقُرْآنِ أَيِ اتِّبَاعُهُ وَبَعْضٌ بِالْإِسْلَامِ فَالْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا نَبَّهَ عَلَى وَصْفٍ غَيْرِ الْوَصْفِ الْآخَرِ كما أن لفظ "صراط" يُشْعِرُ بِوَصْفٍ ثَالِثٍ
وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَشَارُوا إِلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ لَكِنْ وَصَفَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ مِنْهُمْ مِنَ الِاسْمِ الْعَامِّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَتَنْبِيهَ الْمُسْتَمِعِ عَلَى النَّوْعِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ مِثَالُهُ مَا نُقِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا} الآية فَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ يَتَنَاوَلُ الْمُضَيِّعَ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُنْتَهِكَ لِلْحُرُمَاتِ وَالْمُقْتَصِدُ يَتَنَاوَلُ فَاعِلَ الْوَاجِبَاتِ وَتَارِكَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالسَّابِقُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ سَبَقَ فَتَقَرَّبَ بِالْحَسَنَاتِ مَعَ الْوَاجِبَاتِ فَالْمُقْتَصِدُونَ أَصْحَابُ الْيَمِينِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
ثُمَّ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَذْكُرُ هَذَا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: السَّابِقُ الذي يصلي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ وَالظَّالِمُ
(4/203)

لِنَفَسِهِ الَّذِي يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ إِلَى الِاصْفِرَارِ، أَوْ يَقُولُ السَّابِقُ الْمُحْسِنُ بِالصَّدَقَةِ مَعَ الزَّكَاةِ وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ فَقَطْ وَالظَّالِمُ مَانِعُ الزَّكَاةِ
قَالَ: وَهَذَانِ الصِّنْفَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي تَنَوُّعِ التَّفْسِيرِ تَارَةً لِتَنَوُّعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَتَارَةً لِذِكْرِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْمُسَمَّى هُوَ الْغَالِبُ فِي تَفْسِيرِ سَلَفِ الْأُمَّةِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ مُخْتَلِفٌ
وَمِنَ التَّنَازُعِ الْمَوْجُودِ عَنْهُمْ مَا يَكُونُ اللَّفْظُ فِيهِ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ إِمَّا لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا فِي اللُّغَةِ كَلَفْظِ "قسورة" الَّذِي يُرَادُ بِهِ الرَّامِي وَيُرَادُ بِهِ الْأَسَدُ ولفظ "عسعس" الَّذِي يُرَادُ بِهِ إِقْبَالُ اللَّيْلِ وَإِدْبَارِهِ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُتَوَاطِئًا فِي الْأَصْلِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ أَوْ أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ كَالضَّمَائِرِ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} الآية وَكَلَفْظِ الْفَجْرِ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَأَشْبَاهِ ذلك فمثل هذا قد يجوز أن يراد كُلَّ الْمَعَانِي الَّتِي قَالَهَا السَّلَفُ وَقَدْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ
فَالْأَوَّلُ إِمَّا لِكَوْنِ الْآيَةِ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ فَأُرِيدَ بِهَا هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرِكِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ به معنياه وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُتَوَاطِئًا فَيَكُونُ عَامًّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمُخَصِّصِهِ مُوجَبٌ فَهَذَا النَّوْعُ إِذَا صَحَّ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَانَ مِنَ الصِّنْفِ الثَّانِي
وَمِنَ الْأَقْوَالِ الْمَوْجُودَةِ عَنْهُمْ- وَيَجْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ اخْتِلَافًا- أَنْ يُعَبِّرُوا عَنِ الْمَعَانِي بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ كَمَا إِذَا فَسَّرَ بَعْضُهُمْ "تُبْسَلَ" بِ "تُحْبَسَ"، وَبَعْضُهُمْ بِ "تُرْتَهَنَ" لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَرِيبٌ مِنَ الْآخَرِ
ثُمَّ قَالَ: فَصْلٌ وَالِاخْتِلَافُ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى نَوْعَيْنِ: مِنْهُ مَا مُسْتَنَدُهُ
(4/204)

النَّقْلُ فَقَطْ وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَنْقُولُ إِمَّا عَنِ الْمَعْصُومِ أَوْ غَيْرِهِ وَمِنْهُ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ ومنه مالا يُمْكِنُ ذَلِكَ وَهَذَا الْقِسْمُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ صَحِيحِهِ مِنْ ضَعِيفِهِ عَامَّتُهُ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَذَلِكَ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي لَوْنِ كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَاسْمِهِ وَفِي الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ مِنَ الْبَقَرَةِ وَفِي قَدْرِ سَفِينَةِ نوح وخشيها وَفِي اسْمِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْأُمُورُ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهَا النَّقْلُ فَمَا كَانَ مِنْهُ مَنْقُولًا نَقْلًا صَحِيحًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلُ وَمَا لَا بِأَنْ نقل عن أهل الكتاب كَكَعْبٍ وَوَهْبٍ- وَقَفَ عَنْ تَصْدِيقِهِ وَتَكْذِيبِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إذ حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ"
وَكَذَا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَمَتَى اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ لَمْ يكن يعض أَقْوَالِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ وَمَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ نَقْلًا صَحِيحًا فَالنَّفْسُ إِلَيْهِ أَسْكَنُ مِمَّا يُنْقَلُ عَنِ التَّابِعِينَ لِأَنَّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ أَقْوَى وَلِأَنَّ نَقْلَ الصَّحَابَةِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَقَلُّ مَنْ نَقْلِ التَّابِعِينَ
وَمَعَ جَزْمِ الصَّحَابِيِّ بِمَا يَقُولُهُ كَيْفَ يُقَالَ: إِنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَدْ نُهُوا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ!
وَأَمَّا الْقَسَمُ الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ فَهَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: "ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ: التَّفْسِيرُ وَالْمَلَاحِمُ وَالْمَغَازِي" وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْمَرَاسِيلُ
وَأَمَّا مَا يُعْلَمُ بِالِاسْتِدْلَالِ لَا بِالنَّقْلِ فَهَذَا أَكْثَرُ مَا فِيهِ الْخَطَأُ مِنْ جِهَتَيْنِ حَدَثَتَا بَعْدَ تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعَيْهِمْ بِإِحْسَانٍ فَإِنَّ التَّفَاسِيرَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا
(4/205)

كَلَامُ هَؤُلَاءِ صِرْفًا لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ مِثْلَ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرازق والفريابي ووكيع وعبد وَإِسْحَاقَ وَأَمْثَالِهِمْ أَحَدِهِمَا قَوْمٌ اعْتَقَدُوا مَعَانِي ثُمَّ أَرَادُوا حَمْلَ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا. وَالثَّانِي: قَوْمٌ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ بِمُجَرَّدِ مَا يُسَوِّغُ أَنْ يُرِيدَهُ مَنْ كَانَ مِنَ النَّاطِقِينَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْمُتَكَلَّمِ بِالْقُرْآنِ وَالْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وَالْمُخَاطَبِ بِهِ فَالْأَوَّلُونَ رَاعَوُا الْمَعْنَى الَّذِي رَأَوْهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى مَا تَسْتَحِقُّهُ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ مِنَ الدَّلَالَةِ وَالْبَيَانِ وَالْآخَرُونَ رَاعَوْا مُجَرَّدَ اللَّفْظِ وَمَا يَجُوزُ أَنْ يريد بِهِ الْعَرَبِيُّ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى مَا يَصْلُحُ لِلْمُتَكَلِّمِ وَسِيَاقِ الْكَلَامِ ثُمَّ هَؤُلَاءِ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُونَ فِي احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي اللُّغَةِ كَمَا يَغْلَطُ فِي ذَلِكَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلِينَ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُونَ فِي صِحَّةِ الْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ الْقُرْآنَ كَمَا يَغْلَطُ فِي ذَلِكَ الْآخِرُونَ وَإِنْ كَانَ نَظَرُ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْمَعْنَى أَسْبَقَ وَنَظَرُ الْآخَرِينَ إِلَى اللَّفْظِ أَسْبَقَ وَالْأَوَّلُونَ صِنْفَانِ تَارَةً يَسْلُبُونَ لَفْظَ الْقُرْآنِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَأُرِيدَ بِهِ وَتَارَةً يَحْمِلُونَهُ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُرَدْ بِهِ وَفِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ يكون مَا قَصَدُوا نَفْيَهُ أَوْ إِثْبَاتَهُ مِنَ الْمَعْنَى باطلا فيكون خطرهم فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ وَقَدْ يَكُونُ حَقًّا فَيَكُونُ خَطَؤُهُمْ فِي الدَّلِيلِ لَا فِي الْمَدْلُولِ فَالَّذِينَ أَخْطَئُوا فِيهِمَا مِثْلَ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ اعْتَقَدُوا مَذَاهِبَ بَاطِلَةً وَعَمَدُوا إِلَى الْقُرْآنِ فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى رَأْيِهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَا فِي رَأْيِهِمْ وَلَا فِي تَفْسِيرِهِمْ وَقَدْ صَنَّفُوا تَفَاسِيرَ عَلَى أُصُولِ مَذْهَبِهِمْ مِثْلَ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ الْأَصَمِّ وَالْجِبَائِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَالرُّمَّانِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْعِبَارَةِ يَدُسُّ الْبِدَعَ فِي كَلَامِهِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ كَصَاحِبِ الْكَشَّافِ وَنَحْوِهِ حَتَّى إِنَّهُ يَرُوجُ عَلَى خَلْقِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ كَثِيرٌ مِنْ تَفَاسِيرِهِمُ الْبَاطِلَةِ وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ وَأَمْثَالِهِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ، وَأَسْلَمُ
(4/206)

مِنَ الْبِدْعَةِ وَلَوْ ذَكَرَ كَلَامَ السَّلَفِ الْمَأْثُورِ عَنْهُمْ عَلَى وَجْهِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَنْقُلُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ التَّفَاسِيرِ وَأَعْظَمِهَا قَدْرًا ثُمَّ إِنَّهُ يَدَعُ مَا يَنْقُلُهُ عَنِ السَّلَفِ وَيَذْكُرُ مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِمْ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ قَرَّرُوا أُصُولَهُمْ بِطُرُقٍ مَنْ جِنْسِ مَا قَرَّرَتْ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ أُصُولَهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَى السُّنَّةِ مَنِ الْمُعْتَزِلَةِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةَ إِذَا كَانَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ تَفْسِيرٌ وَجَاءَ قَوْمٌ فَسَّرُوا الْآيَةَ بِقَوْلٍ آخَرَ لِأَجْلِ مَذْهَبٍ اعْتَقَدُوهُ وَذَلِكَ الْمَذْهَبُ لَيْسَ مِنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ صَارَ مُشَارِكًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي مِثْلِ هَذَا وَفِي الْجُمْلَةِ مَنْ عَدَلَ عَنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَفْسِيرِهِمْ إِلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ بَلْ مُبْتَدِعًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِهِ وَمَعَانِيهِ كَمَا أَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَأَمَّا الَّذِينَ أَخْطَئُوا فِي الدَّلِيلِ لا الْمَدْلُولِ فَمِثْلُ كَثِيرٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وَالْوُعَّاظِ وَالْفُقَهَاءِ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِمَعَانٍ صَحِيحَةٍ فِي نَفْسِهَا لَكِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِثْلَ كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ السُّلَمِيُّ فِي الْحَقَائِقِ فَإِنْ كَانَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مَعَانٍ بَاطِلَةٌ دَخَلَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ تَيْمِيَةَ مُلَخَّصًا وَهُوَ نَفِيسٌ جدا.
فصل في أمهات مآخذ التفسير
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي البُّرْهَانِ لِلنَّاظِرِ فِي الْقُرْآنِ لِطَلَبِ التَّفْسِيرِ مَآخِذُ كَثِيرَةٌ أُمَّهَاتُهَا أَرْبَعَةٌ:
الْأَوَّلُ: النَّقْلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا هُوَ الطِّرَازُ الْمُعَلِّمُ لَكِنْ يَجِبُ الْحَذِرُ مِنَ الضَّعِيفِ مِنْهُ وَالْمَوْضُوعِ فَإِنَّهُ كَثِيرٌ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: ثَلَاثُ
(4/207)

كُتُبٍ لَا أَصْلَ لَهَا: الْمَغَازِي وَالْمَلَاحِمُ وَالتَّفْسِيرُ، وقال الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: مُرَادُهُ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَسَانِيدُ صِحَاحٌ مُتَّصِلَةٌ وَإِلَّا فَقَدَ صَحَّ من ذَلِكَ كَثِيرٌ كَتَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ فِي آيَةِ الْأَنْعَامِ وَالْحِسَابِ الْيَسِيرِ بِالْعَرْضِ وَالْقُوَّةِ بِالرَّمْيِ فِي قَوْلِهِ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}
قلت: الذي صح من ذَلِكَ قَلِيلٌ جِدًّا بَلْ أَصْلُ الْمَرْفُوعِ مِنْهُ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ وَسَأَسْرُدُهَا كُلَّهَا آخِرَ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الثَّانِي: الْأَخْذُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَإِنَّ تَفْسِيرَهُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْفُوعِ إِلَى النبي كَمَا قَالَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ يحتمل ألا يَرْجِعَ إِلَيْهِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ لَا الرَّأْيِ
قُلْتُ: مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ نَازَعَهُ فِيهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا فِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ أَوْ نَحْوَهُ مِمَّا لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَاكِمَ نَفْسَهُ صَرَّحَ بِهِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ فَقَالَ: وَمِنَ الْمَوْقُوفَاتِ تَفْسِيرُ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ إِنَّ تَفْسِيرَ الصَّحَابَةِ مُسْنَدٌ فَإِنَّمَا يَقُولُ فِيمَا فِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ خَصَّصَ هُنَا وَعَمَّمَ فِي الْمُسْتَدْرَكِ فَاعْتَمَدَ الْأَوَّلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي الرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَ ابْنُ عُقَيْلٍ الْمَنْعَ وَحَكَوْهُ عَنْ شُعْبَةَ لَكِنَّ عَمَلَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى خِلَافِهِ فَقَدْ حَكَوْا
(4/208)

فِي كُتُبِهِمْ أَقْوَالَهُمْ لِأَنَّ غَالِبَهَا تَلَقَّوْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَرُبَّمَا يُحْكَى عَنْهُمْ عِبَارَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْفَاظِ فَيَظُنُّ مَنْ لَا فَهْمَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مُحَقَّقٌ فَيَحْكِيهِ أَقْوَالًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَكَرَ مَعْنًى مِنَ الْآيَةِ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ عِنْدَهُ أَوْ أَلْيَقَ بِحَالِ السَّائِلِ وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ يُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ وَنَظِيرِهِ وَالْآخَرُ بِمَقْصُودِهِ وَثَمَرَتِهِ وَالْكُلُّ يؤول إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ غَالِبًا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ فَالْمُتَأَخِّرُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ عَنِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ إِنِ اسْتَوَيَا فِي الصِّحَّةِ عَنْهُ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ الْمُقَدَّمُ.
الثَّالِثُ: الْأَخْذُ بِمُطْلَقِ اللُّغَةِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ وَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ، لَكِنْ نَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُرْآنِ يُمَثِّلُ لَهُ الرَّجُلُ بِبَيْتٍ مِنَ الشعر فقال: ظَاهِرُهُ الْمَنْعُ وَلِهَذَا قَالَ: بَعْضُهُمْ فِي جَوَازِ تفسيره الْقُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. وَقِيلَ: الْكَرَاهَةُ تُحْمَلُ عَلَى صَرْفِ الْآيَةِ عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَى مَعَانٍ خَارِجَةٍ مُحْتَمَلَةٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا الْقَلِيلُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا يُوجَدُ غَالِبًا إِلَّا فِي الشِّعْرِ وَنَحْوِهِ، وَيَكُونُ الْمُتَبَادِرُ خِلَافَهَا.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: لَا أَوُتَى بِرَجُلٍ غَيْرِ عَالِمٍ بِلُغَةِ الْعَرَبِ يُفَسِّرُ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالًا.
الرَّابِعُ: التَّفْسِيرُ بِالْمُقْتَضَى مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ وَالْمُقْتَضَبِ مِنْ قُوَّةِ الشَّرْعِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَعَا بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَبَّاسٍ، حَيْثُ قَالَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ"، وَالَّذِي عَنَاهُ عَلِيٌّ بِقَوْلِهِ: "إِلَّا فَهْمًا يُؤْتَاهُ الرَّجُلُ فِي الْقُرْآنِ" وَمِنْ هُنَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ، فَأَخَذَ
(4/209)

كُلٌّ بِرَأْيِهِ عَلَى مُنْتَهَى نَظَرِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، وَقَالَ: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ،وَقَالَ: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}
فَأَضَافَ الْبَيَانَ إِلَيْهِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ، فَأَصَابَ فَقَدْ أخطأ"، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وَقَالَ: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: هَذَا إِنْ صح، فإن ما أَرَادَ –وَاللَّهُ أَعْلَمُ – الرَّأْيَ الَّذِي يَغْلِبُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الَّذِي يَسْنِدُهُ بُرْهَانٌ، فَالْقَوْلُ بِهِ جَائِزٌ.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، وَإِنْ صَحَّ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ: فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فسبيله أن يرجع في تفسيره أَلْفَاظِهِ إِلَى أَهْلِ اللُّغَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ وَمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى بَيَانِهِ إِلَى أَخْبَارِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ شَاهَدُوا تَنْزِيلَهُ وَأَدَّوْا إِلَيْنَا مِنَ السُّنَنِ مَا يَكُونُ بَيَانًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}
فما ورد بيانه عن صَاحِبِ الشَّرْعِ فَفِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ فِكْرَةٍ مِنْ بَعْدِهِ وَمَا لَمْ يَرِدْ عَنْهُ بَيَانُهُ فَفِيهِ حِينَئِذٍ فِكْرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَهُ لِيَسْتَدِلُّوا بِمَا وَرَدَ بَيَانُهُ عَلَى مَا لَمْ يَرِدْ
قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ: مَنْ قَالَ فِيهِ بِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ مِنْهُ بِأُصُولِ الْعِلْمِ وَفُرُوعِهِ فَيَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لِلصَّوَابِ إِنْ وَافَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ غَيْرَ مَحْمُودَةٍ
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْمُتَوَرِّعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ،
(4/210)

وامتنع من أَنْ يَسْتَنْبِطَ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِاجْتِهَادِهِ ولو صحبتها الشَّوَاهِدُ وَلَمْ يُعَارِضْ شَوَاهِدَهَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَهَذَا عُدُولٌ عَمَّا تُعُبِّدْنَا بِمَعْرِفَتِهِ مِنَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} وَلَوْ صَحَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَمْ يَعْلَمْ شيء إلا بِالِاسْتِنْبَاطِ وَلَمَا فَهِمَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى سِوَى لَفْظِهِ وَأَصَابَ الْحَقَّ فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ وَإِصَابَتُهُ إتفاق إذا الْغَرَضُ أَنَّهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ لَا شَاهِدَ لَهُ وَفِي الْحَدِيثِ "الْقُرْآنُ ذَلُولٌ ذُو وُجُوهٍ فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ
فَقَوْلُهُ: "ذَلُولٌ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُطِيعٌ لِحَامِلِيهِ تَنْطِقُ بِهِ أَلْسِنَتُهُمْ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُوَضِّحٌ لِمَعَانِيهِ حَتَّى لَا تُقَصِّرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الْمُجْتَهِدِينَ
وَقَوْلُهُ: "ذُو وُجُوهٍ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مِنْ أَلْفَاظِهِ مَا يحتمل وجوها من التَّأْوِيلِ وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ وُجُوهًا مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ
وَقَوْلُهُ: "فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْحَمْلُ عَلَى أَحْسَنِ مَعَانِيهِ وَالثَّانِي أَحْسَنُ مَا فِيهِ مِنَ الْعَزَائِمِ دُونَ الرُّخَصِ وَالْعَفْوِ دُونَ الِانْتِقَامِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ فِي كِتَابِ الله تعالى
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: النَّهْيُ إِنَّمَا انْصَرَفَ إِلَى الْمُتَشَابِهِ مِنْهُ لَا إِلَى جَمِيعِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا نَزَلَ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ فلو لم يجز التَّفْسِيرُ لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ بَالِغَةً فَإِذَا كَانَ كذلك جاز لِمَنْ عَرَفَ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَأَسْبَابِ النُّزُولِ أَنْ يُفَسِّرَهُ وَأَمَّا
(4/211)

مَنْ لَمْ يَعْرِفْ وُجُوهَ اللُّغَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَسِّرَهُ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا سَمِعَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ وَلَوْ أَنَّهُ يَعْلَمُ التَّفْسِيرَ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنَ الْآيَةَ حُكْمًا أَوْ دَلِيلُ الْحُكْمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَوْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ كَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْمَعَ فِيهِ شَيْئًا فَلَا يَحِلُّ وَهُوَ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: حَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّأْيَ مَعْنِيٌّ بِهِ الْهَوَى فَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلًا يُوَافِقُ هَوَاهُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَأَصَابَ فَقَدَ أَخْطَأَ لِحُكْمِهِ عَلَى الْقُرْآنِ بِمَا لَا يَعْرِفُ أَصْلَهُ وَلَا يَقِفُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْأَثَرِ وَالنَّقْلِ فِيهِ
وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا مَنْ قَالَ فِي مُشْكَلِ الْقُرْآنِ بِمَا لا يعرف من مذهب الْأَوَائِلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِسُخْطِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْآخَرُ- وَهُوَ الْأَصَحُّ- مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلًا يَعْلَمُ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُهُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ وَالْكَوَاشِيُّ وَغَيْرُهُمَا: التَّأْوِيلُ صَرْفُ الْآيَةِ إِلَى مَعْنًى مُوَافِقٍ لِمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِالتَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} قِيلَ: شَبَابًا وَشُيُوخًا وَقِيلَ: أَغْنِيَاءُ وَفُقَرَاءُ وَقِيلَ: عُزَّابًا وَمُتَأَهِّلِينَ
وَقِيلَ: نُشَّاطًا وَغَيْرَ نُشَّاطٍ وَقِيلَ: أَصِحَّاءَ وَمَرْضَى وَكُلُّ ذَلِكَ سَائِغٌ وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُهُ
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الْمُخَالِفُ لِلْآيَةِ وَالشَّرْعِ فَمَحْظُورٌ لِأَنَّهُ تَأْوِيلُ الْجَاهِلِينَ، مِثْلَ تَأْوِيلِ الرَّوَافِضِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} أَنَّهُمَا عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} يَعْنِي الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ
(4/212)

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ هَلْ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ الْخَوْضُ فِيهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَاطَى تَفْسِيرَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَدِيبًا متسما فِي مَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ لِمَنْ كَانَ جَامِعًا لِلْعُلُومِ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُفَسِّرُ إِلَيْهَا وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ عِلْمًا:
أَحَدُهَا: اللُّغَةُ لِأَنَّ بِهَا يُعْرَفُ شَرْحُ مُفْرَدَاتِ الْأَلْفَاظِ وَمَدْلُولَاتِهَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ قَالَ: مْجَاهِدٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِلُغَاتِ الْعَرَبِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَلَا يَكْفِي فِي حَقِّهِ مَعْرِفَةُ الْيَسِيرِ مِنْهَا فَقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ وَالْمُرَادُ الْآخَرُ
الثَّانِي: النَّحْوُ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْإِعْرَابِ فَلَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِهِ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ يَلْتَمِسُ بِهَا حَسَنَ الْمَنْطِقِ وَيُقِيمُ بِهَا قِرَاءَتَهُ فَقَالَ حَسَنٌ فَتَعَلَّمْهَا فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقْرَأُ الآية فيعيى بِوَجْهِهَا فَيَهْلِكُ فِيهَا
الثَّالِثُ: التَّصْرِيفُ لِأَنَّ بِهِ تُعْرَفُ الْأَبْنِيَةُ وَالصِّيَغُ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَمَنْ فَاتَهُ عِلْمُهُ فَاتَهُ الْمُعْظَمُ لِأَنَّ "وَجَدَ" مَثَلًا كَلِمَةٌ مُبْهَمَةٌ فَإِذَا صَرَّفْنَاهَا اتَّضَحَتْ بِمَصَادِرِهَا
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} ، جَمْعُ "أُمٍّ"، وَأَنَّ النَّاسَ
(4/213)

يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأُمَّهَاتِهِمْ دون آبائهم، قال: وهذا غلط أوجبه جهل بِالتَّصْرِيفِ فَإِنَّ "أُمًّا" لَا تُجْمَعُ عَلَى "إِمَامٍ"
الرَّابِعُ: الِاشْتِقَاقُ لِأَنَّ الِاسْمَ إِذَا كَانَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ مَادَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِهِمَا كَالْمَسِيحِ هَلْ هُوَ مِنَ السِّيَاحَةِ أَوِ الْمَسْحِ!
الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ: الْمَعَانِي وَالْبَيَانُ وَالْبَدِيعُ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ بِالْأَوَّلِ خَوَاصَّ تَرَاكِيبِ الْكَلَامِ، مِنْ جِهَةِ إِفَادَتِهَا الْمَعْنَى وَبِالثَّانِي خَوَاصَّهَا مِنْ حَيْثُ اخْتِلَافِهَا بِحَسَبِ وُضُوحِ الدَّلَالَةِ وَخَفَائِهَا، وَبِالثَّالِثِ وُجُوهَ تَحْسِينِ الْكَلَامِ وَهَذِهِ الْعُلُومُ الثَّلَاثَةُ هِيَ عُلُومُ الْبَلَاغَةِ وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الْمُفَسِّرِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَاعَاةِ مَا يَقْتَضِيهِ الْإِعْجَازُ وَإِنَّمَا يُدْرِكُ بِهَذِهِ الْعُلُومِ
قال السَّكَّاكِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ شَأْنَ الْإِعْجَازِ عَجِيبٌ يُدْرَكُ وَلَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ كَاسْتِقَامَةِ الْوَزْنِ تُدْرَكُ وَلَا يُمْكِنُ وَصْفُهَا وَكَالْمِلَاحَةِ وَلَا طَرِيقَ إِلَى تَحْصِيلِهِ لِغَيْرِ ذَوِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ إِلَّا التَّمَرُّنُ عَلَى عِلْمَيِ الْمَعَانِي والبيان وقال ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ: اعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْفَصِيحِ وَالْأَفْصَحِ وَالرَّشِيقِ وَالْأَرْشَقِ مِنَ الْكَلَامِ أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالذَّوْقِ وَلَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ جَارِيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بَيْضَاءُ مُشْرَبَةٌ بِحُمْرَةٍ دَقِيقَةُ الشَّفَتَيْنِ نَقِيَّةُ الثَّغْرِ كَحْلَاءُ الْعَيْنَيْنِ أَسِيلَةُ الْخَدِّ دَقِيقَةُ الْأَنْفِ مُعْتَدِلَةُ الْقَامَةِ وَالْأُخْرَى دُونَهَا فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْمَحَاسِنِ لَكِنَّهَا أَحْلَى فِي الْعُيُونِ وَالْقُلُوبِ مِنْهَا وَلَا يُدْرَى سَبَبُ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُعْرَفُ بِالذَّوْقِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ وَهَكَذَا الْكَلَامُ نَعَمْ يَبْقَى الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ أَنَّ حُسْنَ الْوُجُوهِ وَمَلَاحَتَهَا وَتَفْضِيلَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ يُدْرِكُهُ كُلُّ مَنْ لَهُ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ وَأَمَّا الْكَلَامُ فَلَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالذَّوْقِ وَلَيْسَ كُلُّ مَنِ اشْتَغَلَ بِالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْفِقْهِ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الذَّوْقِ وَمِمَّنْ يَصْلُحُ لِانْتِقَادِ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا أَهْلُ الذَّوْقِ هُمُ
(4/214)

الَّذِينَ اشْتَغَلُوا بِعِلْمِ الْبَيَانِ وَرَاضَوْا أَنْفُسَهُمْ بِالرَّسَائِلِ وَالْخُطَبِ وَالْكِتَابَةِ وَالشِّعْرِ وصارت لهم بذلك دربة وَمَلَكَةٌ تَامَّةٌ فَإِلَى أُولَئِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ فِي مَعْرِفَةِ الْكَلَامِ وَفَضْلِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنْ حَقِّ مُفَسِّرِ كِتَابِ اللَّهِ الْبَاهِرِ وَكَلَامِهِ الْمُعْجِزِ أَنْ يَتَعَاهَدَ بَقَاءَ النَّظْمِ عَلَى حُسْنِهِ وَالْبَلَاغَةِ عَلَى كَمَالِهَا وَمَا وَقَعَ بِهِ التَّحَدِّي سَلِيمًا مِنَ الْقَادِحِ
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْرِفَةُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ بِأَوْضَاعِهَا هِيَ عُمْدَةُ التَّفْسِيرِ الْمُطَّلِعِ عَلَى عَجَائِبِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ قَاعِدَةُ الْفَصَاحَةِ وَوَاسِطَةُ عِقْدِ الْبَلَاغَةِ
الثَّامِنُ: عِلْمُ القراءات لأن بِهِ يُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ النُّطْقِ بِالْقُرْآنِ وَبِالْقِرَاءَاتِ يَتَرَجَّحُ بَعْضُ الْوُجُوهِ الْمُحْتَمَلَةِ عَلَى بَعْضٍ.
التَّاسِعُ: أُصُولُ الدِّينِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ بِظَاهِرِهَا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالْأُصُولِيُّ يؤول ذَلِكَ وَيَسْتَدِلُّ عَلَى مَا يَسْتَحِيلُ وَمَا يَجِبُ وَمَا يَجُوزُ
الْعَاشِرُ: أُصُولُ الْفِقْهِ إِذْ بِهِ يُعْرَفُ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالِاسْتِنْبَاطِ
الْحَادِي عَشَرَ: أَسْبَابُ النُّزُولِ وَالْقَصَصِ إِذْ بِسَبَبِ النُّزُولِ يُعْرَفُ مَعْنَى الْآيَةِ الْمُنَزَّلَةِ فِيهِ بِحَسَبِ مَا أُنْزِلَتْ فِيهِ
الثَّانِي عَشَرَ: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ لِيُعْلَمَ الْمُحْكَمُ مِنْ غَيْرِهِ
الثَّالِثَ عَشَرَ: الْفِقْهُ
الرَّابِعَ عَشَرَ: الْأَحَادِيثُ الْمُبَيِّنَةُ لِتَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبْهَمِ
الْخَامِسَ عَشَرَ: عِلْمُ الْمَوْهِبَةِ وَهُوَ عِلْمٌ يُوَرِّثُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ: "مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"
(4/215)

قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: وَعُلُومُ الْقُرْآنِ وَمَا يستنبط مِنْهُ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ قَالَ: فَهَذِهِ الْعُلُومُ- الَّتِي هِيَ كالآية لِلْمُفَسِّرِ لَا يَكُونُ مُفَسِّرًا إِلَّا بِتَحْصِيلِهَا فَمَنْ فَسَّرَ بِدُونِهَا كَانَ مُفَسِّرًا بِالرَّأْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِذَا فَسَّرَ مَعَ حُصُولِهَا لَمْ يَكُنْ مُفَسِّرًا بِالرَّأْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ
قَالَ: وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ كَانَ عِنْدَهُمْ عُلُومُ الْعَرَبِيَّةِ بِالطَّبْعِ لَا بِالِاكْتِسَابِ وَاسْتَفَادُوا الْعُلُومَ الْأُخْرَى مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قُلْتُ: وَلَعَلَّكَ تَسْتَشْكِلُ عِلْمَ الْمَوْهِبَةِ وَتَقُولُ هَذَا شَيْءٌ لَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْإِنْسَانِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَنْتُ مِنَ الْإِشْكَالِ وَالطَّرِيقُ فِي تَحْصِيلِهِ ارْتِكَابُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ وَالزُّهْدِ
قَالَ فِي البُّرْهَانِ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلنَّاظِرِ فَهْمُ مَعَانِي الْوَحْيِ وَلَا يَظْهَرُ لَهُ أَسْرَارُهُ وَفِي قَلْبِهِ بِدْعَةٌ أَوْ كِبْرٌ أَوْ هَوًى أَوْ حُبُّ الدُّنْيَا أَوْ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَنْبٍ أَوْ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بِالْإِيمَانِ أَوْ ضَعِيفُ التَّحْقِيقِ أَوْ يَعْتَمِدُ عَلَى قَوْلِ مُفَسِّرٍ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ أَوْ رَاجَعٌ إِلَى مَعْقُولِهِ وَهَذِهِ كُلُّهَا حُجُبٌ وَمَوَانِعُ بَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ
قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: يَقُولُ أَنْزِعُ عَنْهُمْ فَهْمَ الْقُرْآنِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقِ عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ التَّفْسِيرُ: أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ وَجْهٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ وَتَفْسِيرٌ تَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى
(4/216)

ثُمَّ رَوَاهُ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ بِلَفْظِ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ: حَلَالٌ وَحَرَامٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ وَتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ الْعَرَبُ وَتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ الْعُلَمَاءُ وَمُتَشَابِهٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَاذِبٌ
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي البُّرْهَانِ: فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا تَقْسِيمٌ صَحِيحٌ فَأَمَّا الَّذِي تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فَهُوَ الَّذِي يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى لِسَانِهِمْ وَذَلِكَ اللُّغَةُ وَالْإِعْرَابُ فَأَمَّا اللُّغَةُ فَعَلَى الْمُفَسِّرِ مَعْرِفَةُ مَعَانِيهَا وَمُسَمَّيَاتِ أَسْمَائِهَا وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْقَارِئَ ثُمَّ إِنْ كَانَ مَا تتضمنه أَلْفَاظُهَا يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ كَفَى فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالِاسْتِشْهَادُ بِالْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الْعِلْمَ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَفِيضَ ذَلِكَ اللَّفْظُ وَتَكْثُرَ شَوَاهِدُهُ مِنَ الشِّعْرِ
وَأَمَّا الْإِعْرَابُ فَمَا كَانَ اخْتِلَافُهُ مُحِيلًا لِلْمَعْنَى وَجَبَ عَلَى الْمُفَسِّرِ وَالْقَارِئِ تَعَلُّمُهُ لِيَتَوَصَّلَ الْمُفَسِّرُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ وَيَسْلَمَ الْقَارِئُ مِنَ اللَّحْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحِيلًا لِلْمَعْنَى وَجَبَ تَعَلُّمُهُ عَلَى الْقَارِئِ لِيَسْلَمَ مِنَ اللَّحْنِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُفَسِّرِ لِوُصُولِهِ إِلَى الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ
وَأَمَّا مَا لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهْلِهِ فَهُوَ مَا تَتَبَادَرُ الْأَفْهَامُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ مِنَ النُّصُوصِ الْمُتَضَمِّنَةِ شَرَائِعَ الْأَحْكَامِ وَدَلَائِلَ التَّوْحِيدِ وَكُلُّ لَفْظٍ أَفَادَ مَعْنًى وَاحِدًا جَلِيًّا يُعْلَمُ أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَلْتَبِسُ تَأْوِيلُهُ إِذْ كَلُّ أَحَدٍ يُدْرِكُ مَعْنَى التَّوْحِيدِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ "لَا" مَوْضُوعَةٌ فِي اللُّغَةِ لِلنَّفْيِ "وإلا" لِلْإِثْبَاتِ
(4/217)

وَأَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْحَصْرُ، وَيَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ونحوها من "الأوامر" طلب إيجاب المأمور به في الوجود وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ صِيغَةَ "افْعَلْ" لِلْوُجُوبِ فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَسَمِ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ يَدَّعِي الْجَهْلَ بِمَعَانِي أَلْفَاظِهِ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالضَّرُورَةِ
وَأَمَّا مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْغُيُوبِ نَحْوَ الْآيِ الْمُتَضَمِّنَةِ قِيَامَ السَّاعَةِ وَتَفْسِيرَ الرُّوحِ وَالْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ وَكُلَّ مُتَشَابِهٍ فِي الْقُرْآنِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ فَلَا مَسَاغَ لِلِاجْتِهَادِ فِي تَفْسِيرِهِ وَلَا طَرِيقَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ بِنَصٍّ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ الْحَدِيثِ أَوْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى تَأْوِيلِهِ
وَأَمَّا مَا يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ وَيَرْجِعُ إِلَى اجْتِهَادِهِمْ فَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ التَّأْوِيلِ وَذَلِكَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ
وَكُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا فَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْعُلَمَاءِ الِاجْتِهَادُ فِيهِ وَعَلَيْهِمُ اعْتِمَادَ الشَّوَاهِدِ وَالدَّلَائِلِ دُونَ مُجَرَّدِ الرَّأْيِ فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ أَظْهَرَ وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْخَفِيُّ وَإِنِ اسْتَوَيَا- وَالِاسْتِعْمَالُ فِيهِمَا حَقِيقَةٌ لَكِنْ فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ أَوْ عُرْفِيَّةٌ وَفِي الْآخَرِ شَرْعِيَّةٌ- فَالْحَمْلُ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ اللُّغَوِيَّةِ كَمَا فِي {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} وَلَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا عُرْفِيَّةً وَالْآخَرِ لُغَوِيَّةً فَالْحَمْلُ عَلَى الْعُرْفِيَّةِ أولى لأن الشرع ألزم، فَإِنْ تَنَافَى اجْتِمَاعُهُمَا، وَلَمْ يُمْكِنْ إِرَادَتُهُمَا بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ، كَالْقُرْءِ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ،
(4/218)

اجْتَهَدَ فِي الْمُرَادِ مِنْهُمَا بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَمَا ظَنَّهُ فَهُوَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ فَهَلْ يَتَخَيَّرُ فِي الْحَمْلِ عَلَى أيهما شاء أو يأخذ بِالْأَغْلَظِ حُكْمًا أَوْ بِالْأَخَفِّ؟ أَقْوَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَافَيَا وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَيَكُونُ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْإِعْجَازِ وَالْفَصَاحَةِ إِلَّا إِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ أَحَدِهِمَا إِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَيُنَزَّلُ حَدِيثُ "مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النار" عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ:
أحدها: تَفْسِيرُ اللَّفْظِ لِاحْتِيَاجِ الْمُفَسِّرِ لَهُ إِلَى التَّبَحُّرِ فِي مَعْرِفَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ
وَالثَّانِي: حَمْلُ اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ لِاحْتِيَاجِ ذَلِكَ إِلَى مَعْرِفَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُلُومِ وَالتَّبَحُّرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَمِنَ علم الْأُصُولِ مَا يُدْرَكُ بِهِ حُدُودُ الْأَشْيَاءِ وَصِيَغُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ وَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ وَالْمُطْلَقُ والمقيد والمحكم والمتشابه والظاهر والمؤول وَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَالصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ وَمِنَ الْفُرُوعِ مَا يُدْرَكُ بِهِ الِاسْتِنْبَاطُ، والاستدلال على هذا أَقَلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ يَحْتَمِلُ كَذَا وَلَا يَجْزِمُ إِلَّا فِي حُكْمٍ اضْطُرَّ إِلَى الْفَتْوَى بِهِ فَأَدَّى "اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ" فَيَجْزِمُ مَعَ تَجْوِيزِ خِلَافِهِ عند الله انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ النَّقِيبِ جُمْلَةُ مَا تَحَصَّلَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ:
أحدها: التَّفْسِيرُ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْعُلُومِ الَّتِي يَجُوزُ مَعَهَا التَّفْسِيرُ
الثَّانِي: تفسير المتشابه لا يعلمه إلا الله.
(4/219)

الثالث: التَّفْسِيرُ الْمُقَرِّرُ لِلْمَذْهَبِ الْفَاسِدِ بِأَنْ يُجْعَلَ الْمَذْهَبُ أَصْلًا وَالتَّفْسِيرُ تَابِعًا، فَيَرُدُّ إِلَيْهِ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا.
الرَّابِعُ: التَّفْسِيرُ بِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ كَذَا عَلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ
الْخَامِسُ: التَّفْسِيرُ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالْهَوَى
ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ عُلُومَ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: عِلْمٌ لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ وَهُوَ مَا اسْتَأْثَرَ بِهِ مِنْ عُلُومِ أَسْرَارِ كِتَابِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ كُنْهِ ذَاتِهِ وَغُيُوبِهِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْكَلَامُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِجْمَاعًا.
الثَّانِي: مَا أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ مِنْ أَسْرَارِ الْكِتَابِ وَاخْتَصَّهُ بِهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ الْكَلَامُ فِيهِ إِلَّا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، قَالَ: وَأَوَائِلُ السُّوَرِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَقِيلَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
الثَّالِثُ: عُلُومٌ عَلَّمَهَا اللَّهُ نَبِيَّهُ مِمَّا أَوْدَعَ كِتَابَهُ مِنَ الْمَعَانِي الْجَلِيَّةِ وَالْخَفِيَّةِ وَأَمَرَهُ بِتَعْلِيمِهَا وَهَذَا يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ الْكَلَامُ فِيهِ إِلَّا بِطَرِيقِ السَّمْعِ وَهُوَ أَسْبَابُ النُّزُولِ وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَالْقِرَاءَاتُ وَاللُّغَاتُ وَقِصَصُ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَأَخْبَارُ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْحَوَادِثِ وَأُمُورُ الْحَشْرِ وَالْمَعَادِ وَمِنْهُ مَا يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاسْتِخْرَاجِ مِنَ الْأَلْفَاظِ وَهُوَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ وَهُوَ تَأْوِيلُ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي الصِّفَاتِ وَقِسْمٌ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ وَالْإِعْرَابِيَّةِ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْأَقْيِسَةِ وَكَذَلِكَ فُنُونُ الْبَلَاغَةِ وَضُرُوبُ الْمَوَاعِظِ والحكم والإشارات لَا يَمْتَنِعُ اسْتِنْبَاطُهَا مِنْهُ وَاسْتِخْرَاجُهَا لِمَنْ لَهُ أَهْلِيَّةٌ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ عَاصَرْنَاهُ إِلَى أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ مُضْطَرٌّ
(4/220)

إِلَى النَّقْلِ فِي فَهْمِ مَعَانِي تَرْكِيبِهِ بِالْإِسْنَادِ إِلَى مُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَضْرَابِهِمْ وَأَنَّ فَهْمَ الْآيَاتِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ
قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ ذَلِكَ: الْحَقُّ أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ مِنْهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّقْلِ كَسَبَبِ النُّزُولِ وَالنَّسْخِ وَتَعْيِينِ الْمُبْهَمِ وَتَبْيِينِ الْمُجْمَلِ ومنه مالا يَتَوَقَّفُ وَيَكْفِي فِي تَحْصِيلِهِ الثِّقَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ قَالَ وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِي اصْطِلَاحِ كَثِيرٍ عَلَى التفرقة بين التفسير والتأويل والتمييز بين المنقول والمستنبط ليحمل عَلَى الِاعْتِمَادِ فِي الْمَنْقُولِ وَعَلَى النَّظَرِ فِي الْمُسْتَنْبَطِ
قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ قِسْمَانِ قَسَمٌ وَرَدَ تَفْسِيرُهُ بِالنَّقْلِ وَقِسْمٌ لَمْ يَرِدْ
وَالْأَوَّلُ: إِمَّا أَنْ يَرِدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أو الصحابة أو رؤوس التَّابِعِينَ فَالْأَوَّلُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ صِحَّةِ السَّنَدِ وَالثَّانِي يُنْظَرُ فِي تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ فَإِنْ فَسَّرَهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ فَهِمَ أَهْلُ اللِّسَانِ- فَلَا شَكَّ فِي اعْتِمَادِهِمْ- أَوْ بِمَا شَاهَدَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْقَرَائِنِ فَلَا شَكَّ فِيهِ وَحِينَئِذٍ إِنْ تَعَارَضَتْ أَقْوَالُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَذَاكَ وَإِنَّ تَعَذَّرَ قُدِّمَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَّرَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ" وَقَدْ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ زَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ لِحَدِيثِ "أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ" وَأَمَّا مَا وَرَّدَ عَنِ التَّابِعِينَ فَحَيْثُ جَازَ الِاعْتِمَادُ فِيمَا سَبَقَ فَكَذَلِكَ هُنَا وَإِلَّا وَجَبَ الِاجْتِهَادُ
وَأَمَّا مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ فَهُوَ قَلِيلٌ وَطَرِيقُ التَّوَصُّلِ إِلَى فَهْمِهِ النَّظَرُ إِلَى مُفْرَدَاتِ الْأَلْفَاظِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا بِحَسَبِ السِّيَاقِ وَهَذَا
(4/221)

يَعْتَنِي بِهِ الرَّاغِبُ كَثِيرًا فِي كِتَابِ "الْمُفْرَدَاتِ" فَيَذْكُرُ قَيْدًا زَائِدًا عَلَى أَهْلِ اللُّغَةِ فِي تَفْسِيرِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ اقْتَضَاهُ السِّيَاقُ انْتَهَى.
قُلْتُ: وَقَدْ جَمَعْتُ كِتَابًا مُسْنَدًا فِيهِ تَفَاسِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةُ فِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ مَا بَيْنَ مَرْفُوعٍ وَمَوْقُوفٍ وَقَدْ تَمَّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ وَسَمَّيْتُهُ: "تَرْجُمَانَ الْقُرْآنِ" وَرَأَيْتُ وَأَنَا فِي أَثْنَاءِ تَصْنِيفِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ تَحْتَوِي عَلَى بِشَارَةٍ حَسَنَةٍ.
تَنْبِيهٌ
مِنَ الْمُهِمِّ مَعْرِفَةُ التَّفَاسِيرِ الْوَارِدَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ بِحَسَبِ قِرَاءَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَرِدُ عَنْهُمْ تَفْسِيرَانِ فِي الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ مُخْتَلِفَانِ فَيُظَنُّ اخْتِلَافًا وَلَيْسَ بِاخْتِلَافٍ وَإِنَّمَا كُلُّ تَفْسِيرٍ عَلَى قِرَاءَةٍ وَقَدْ تَعَرَّضَ السَّلَفُ لِذَلِكَ فَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} مِنْ طَرِيقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ "سُكِّرَتْ" بِمَعْنَى "سُدَّتْ" وَمِنْ طُرُقٍ أَنَّهَا بِمَعْنَى "أُخِذَتْ"
ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَنْ قَرَأَ "سُكِّرَتْ" مُشَدِّدَةً فَإِنَّمَا يَعْنِي "سُدَّتْ" وَمَنْ قَرَأَ "سُكِرَتْ" مُخَفَّفَةً فَإِنَّهُ يَعْنِي "سُحِرَتْ"
وَهَذَا الْجَمْعُ مِنْ قَتَادَةَ نَفِيسٌ بَدِيعٌ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ الَّذِي تَهْنَأُ بِهِ الْإِبِلُ
وَأَخْرَجَ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، وَلَيْسَا بِقَوْلَيْنِ،
(4/222)

وَإِنَّمَا الثَّانِي تَفْسِيرٌ لِقِرَاءَةِ مَنْ "قطرآن"، بِتَنْوِينٍ قَطْرٍ وَهُوَ النُّحَاسُ وَ "آنٍ" شَدِيدِ الْحَرِّ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَكَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
وَأَمْثِلَةُ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرَةٌ وَالْكَافِلُ بِبَيَانِهَا كِتَابُنَا "أَسْرَارُ التَّنْزِيلِ" وَقَدْ خَرَّجْتُ عَلَى هَذَا قَدِيمًا الِاخْتِلَافَ الْوَارِدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: {أَوْ لامَسْتُمُ} هَلْ هُوَ الْجِمَاعُ أَوِ الْجَسُّ بِالْيَدِ فَالْأَوَّلُ تَفْسِيرٌ لِقِرَاءَةِ لَامَسْتُمُ وَالثَّانِي لِقِرَاءَةِ {لمَسْتُمُ} وَلَا اخْتِلَافَ.
فَائِدَةٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ لَا يَحِلُّ تَفْسِيرُ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا بِسُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ خَبَرٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ "هَذَا نَصُّهُ"
فَصْلٌ في تفسير الصوفية
وأما كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ فَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ قَالَ: ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ وَجَدْتُ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْوَاحِدِيِّ الْمُفَسِّرِ أَنَّهُ قَالَ: صَنَّفَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ "حَقَائِقَ التَّفْسِيرِ" فَإِنْ كَانَ قَدِ اعتقد أن ذلك تفسيرا فَقَدْ كَفَرَ
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَأَنَا أَقُولُ الظَّنُّ بِمَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْهُمْ إِذَا قَالَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ تَفْسِيرًا وَلَا ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الشَّرْحِ لِلْكَلِمَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانُوا قَدْ سَلَكُوا مَسْلَكَ الْبَاطِنِيَّةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُمْ لِنَظِيرِ مَا وَرَدَ بِهِ
(4/223)

الْقُرْآنُ، فَإِنَّ النَّظِيرَ يُذْكَرُ بِالنَّظِيرِ وَمَعَ ذَلِكَ فياليتهم لَمْ يَتَسَاهَلُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيهَامِ وَالْإِلْبَاسِ! وَقَالَ النَّسَفِيُّ فِي عَقَائِدِهِ: النُّصُوصُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَالْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى مَعَانٍ يَدَّعِيهَا أَهْلُ الْبَاطِنِ إِلْحَادٌ
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِهِ: سُمِّيَتِ الْمَلَاحِدَةُ بَاطِنِيَّةً لِادِّعَائِهِمْ أَنَّ النُّصُوصَ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا بَلْ لَهَا مَعَانٍ بَاطِنِيَّةٌ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْمُعَلِّمُ وَقَصْدُهُمْ بِذَلِكَ نَفْيُ الشَّرِيعَةِ بِالْكُلِيَّةِ
قَالَ: وَأَمَّا مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فِيهَا إِشَارَاتٌ خَفِيَّةٌ إِلَى دَقَائِقَ تَنْكَشِفُ عَلَى أَرْبَابِ السُّلُوكِ يُمْكِنُ التَّطْبِيقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْمُرَادَّةِ فَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَمَحْضِ الْعِرْفَانِ
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ سِرَاجُ الدِّينِ البلقيني عَنْ رَجُلٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} : إِنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ ذَلَّ: أَيْ مِنَ الذُّلِّ ذِي: إِشَارَةٌ إِلَى النفس يشف: من الشفا جَوَابُ "مَنْ" عِ: أَمُرُّ مِنَ الْوَعْيِ فَأَفْتَى بِأَنَّهُ مُلْحِدٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يوضع الْكَلَامَ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ
فِإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ قَالَ الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ
(4/224)

الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ"
وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَرْفُوعًا: "الْقُرْآنُ تَحْتَ الْعَرْشِ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ يُحَاجُّ الْعِبَادَ"
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنْهُ حَرْفٌ إِلَّا لَهُ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ"
قُلْتُ: أَمَّا الظَّهْرُ وَالْبَطْنُ فَفِي مَعْنَاهُ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّكَ إِذَا بَحَثْتَ عَنْ بَاطِنِهَا وَقِسْتَهُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَقَفْتَ عَلَى مَعْنَاهَا
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا عَمِلَ بِهَا قَوْمٌ وَلَهَا قَوْمٌ سَيَعْمَلُونَ بِهَا كَمَا قال ابْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ
الثَّالِثُ: أَنَّ ظَاهِرَهَا لَفْظُهَا وَبَاطِنَهَا تَأْوِيلُهَا
الرَّابِعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ- وَهُوَ أَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ: إِنَّ الْقِصَصَ الَّتِي قَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَمَا عَاقَبَهُمْ بِهِ ظَاهِرُهَا الْإِخْبَارُ بِهَلَاكِ الْأَوَّلِينَ إِنَّمَا هُوَ حَدِيثٌ حَدَّثَ بِهِ، عَنْ قَوْمِ، وَبَاطِنُهَا وَعْظُ الْآخَرِينَ وَتَحْذِيرُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِهِمْ فَيَحِلُّ بِهِمْ مِثْلَ مَا حَلَّ بِهِمْ
وَحَكَى ابْنُ النَّقِيبِ قَوْلًا خَامِسًا: أَنَّ ظَهْرَهَا مَا ظَهَرَ مِنْ مَعَانِيهَا لِأَهْلِ الْعِلْمِ بِالظَّاهِرِ وَبَطْنَهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَسْرَارِ الَّتِي أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَرْبَابَ الْحَقَائِقِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ" أَيْ مُنْتَهًى، فِيمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ مَعْنَاهُ وَقِيلَ: لِكُلِّ حُكْمٍ مِقْدَارٌ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ" لِكُلِّ غَامِضٍ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ مَطْلَعٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَيُوقَفُ عَلَى الْمُرَادِ
(4/225)

بِهِ وَقِيلَ: كُلُّ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ الْمُجَازَاةِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الظَّاهِرُ التِّلَاوَةُ وَالْبَاطِنُ الْفَهْمُ، وَالْحَدُّ أَحْكَامُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْمَطْلَعُ الْإِشْرَافُ عَلَى الْوَعْدِ والوعيد
قُلْتُ: يُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّ الْقُرْآنَ ذُو شُجُونٍ وَفُنُونٍ وَظُهُورٍ وَبُطُونٍ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا تُبْلَغُ غَايَتُهُ فَمَنْ أَوْغَلَ فِيهِ بِرِفْقٍ نَجَا وَمَنْ أَوْغَلَ فِيهِ بِعُنْفٍ هَوَى أَخْبَارٌ وَأَمْثَالٌ وَحَلَالٌ وَحَرَامٌ وَنَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَظَهْرٌ وَبَطْنٌ فَظَهْرُهُ التِّلَاوَةُ وَبَطْنُهُ التَّأْوِيلُ فَجَالِسُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ وَجَانِبُوا بِهِ السُّفَهَاءَ
وَقَالَ ابْنُ سَبُعٍ فِي شِفَاءِ الصُّدُورِ: وَرَدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَفْقُهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَجْعَلَ لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ أَرَادَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فَلْيُثَوِّرَ الْقُرْآنَ
قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ تَفْسِيرِ الظَّاهِرِ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِكُلِّ آيَةٍ سِتُّونَ أَلْفَ فَهْمٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ في فَهْمَ مَعَانِي الْقُرْآنِ مَجَالًا رُحْبًا وَمُتَّسَعًا بَالِغًا وَأَنَّ الْمَنْقُولَ مِنْ ظاهر التفسير وليس يَنْتَهِي الْإِدْرَاكُ فِيهِ بِالنَّقْلِ وَالسَّمَاعَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ التَّفْسِيرِ لِيَتَّقِيَ بِهِ مَوَاضِعَ الْغَلَطِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَّسِعُ الْفَهْمُ وَالِاسْتِنْبَاطُ وَلَا يَجُوزُ التَّهَاوُنُ فِي حِفْظِ التَّفْسِيرِ الظَّاهِرِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُ أَوَّلًا إِذْ لَا يَطْمَعُ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْبَاطِنِ قَبْلَ إِحْكَامِ الظَّاهِرِ وَمَنِ ادَّعَى فَهْمَ أَسْرَارِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَحْكُمِ التَّفْسِيرَ الظَّاهِرَ فَهُوَ كَمَنِ ادَّعَى الْبُلُوغَ إِلَى صَدْرِ الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُجَاوِزَ الْبَابَ انْتَهَى.
(4/226)

وقال الشيخ تاج الدين بن عَطَاءِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ لَطَائِفِ الْمِنِنِ: اعْلَمْ أَنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ لِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ بِالْمَعَانِي الْعَرَبِيَّةِ لَيْسَ إِحَالَةً لِلظَّاهِرِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةَ مَفْهُومٌ مِنْهُ مَا جَلَبَتِ الْآيَةَ لَهُ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ وَثَمَّ أَفْهَامٌ بَاطِنَةٌ تُفْهَمُ عِنْدَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ لِمَنْ فَتَحَ اللَّهُ قَلْبَهُ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْ تَلَقِّي هَذِهِ المعاني منهم أن يَقُولَ لَكَ ذُو جَدَلٍ وَمُعَارِضَةٍ هَذَا إِحَالَةٌ لِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِحَالَةٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ إِحَالَةً لَوْ قَالُوا: لَا مَعْنَى لِلْآيَةِ إِلَّا هَذَا وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ بل يقرؤون الظَّوَاهِرَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا مُرَادًا بِهَا مَوْضُوعَاتُهَا وَيَفْهَمُونَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ما أفهمهم.
فصل: فيما يجب على المفسر
قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجِبُ عَلَى الْمُفَسِّرِ أَنْ يَتَحَرَّى فِي التَّفْسِيرِ مُطَابَقَةَ الْمُفَسَّرِ وَأَنْ يَتَحَرَّزَ فِي ذَلِكَ مِنْ نَقْصٍ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي إِيضَاحِ الْمَعْنَى أَوْ زِيَادَةٍ لَا تَلِيقُ بِالْغَرَضِ وَمِنْ كَوْنِ الْمُفَسِّرِ فِيهِ زَيْغٌ عَنِ الْمَعْنَى وَعُدُولٌ عَنْ طَرِيقِهِ وَعَلَيْهِ بِمُرَاعَاةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ وَمُرَاعَاةِ التَّأْلِيفِ وَالْغَرَضِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ وَأَنْ يُؤَاخِيَ بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَدَاءَةُ بِالْعُلُومِ اللَّفْظِيَّةِ وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ الْبَدَاءَةُ بِهِ مِنْهَا تَحْقِيقُ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ فَيَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ ثُمَّ التَّصْرِيفِ ثُمَّ الِاشْتِقَاقِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ،
(4/227)

فَيَبْدَأُ بِالْإِعْرَابِ، ثُمَّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعَانِي ثُمَّ الْبَيَانِ ثُمَّ الْبَدِيعِ ثُمَّ يُبَيِّنُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ ثُمَّ الاستنباط ثم الإشارات
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي أَوَائِلِ الْبُرْهَانِ: قَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُفَسِّرِينَ أَنْ يَبْدَءُوا بِذِكْرِ سَبَبِ النُّزُولِ وَوَقَعَ الْبَحْثُ فِي أَنَّهُ أَيُّمَا أَوْلَى البداءة بِهِ بِتَقَدُّمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ أَوْ بِالْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّهَا الْمُصَحِّحَةُ لِنَظْمِ الْكَلَامِ وَهِيَ سَابِقَةٌ عَلَى النُّزُولِ
قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْمُنَاسِبَةِ مُتَوَقِّفًا عَلَى سَبَبِ النُّزُولِ كَآيَةِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} فَهَذَا يَنْبَغِي فِيهِ تَقْدِيمُ ذِكْرِ السَّبَبِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْوَسَائِلِ عَلَى الْمَقَاصِدِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى ذَلِكَ فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ وجه الْمُنَاسَبَةِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ جَرَتْ عَادَةُ الْمُفَسِّرِينَ مِمَّنْ ذَكَرَ فَضَائِلَ الْقُرْآنِ أَنْ يَذْكُرَهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّرْغِيبِ وَالْحَثِّ عَلَى حِفْظِهَا إِلَّا الزَّمَخْشَرِيَّ فَإِنَّهُ يَذْكُرُهَا فِي أَوَاخِرِهَا
قَالَ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عُمَرَ الْكِرْمَانِيُّ: سَأَلْتُ الزَّمَخْشَرِيَّ عَنِ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لِأَنَّهَا صِفَاتٌ لَهَا وَالصِّفَةُ تَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ الْمَوْصُوفِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ "حَكَى اللَّهُ" كَذَا فَيَنْبَغِي تَجَنُّبُهُ
قَالَ الإمام أبو نصر الْقُشَيْرِيُّ فِي الْمُرْشِدِ: قَالَ مُعْظَمُ أَئِمَّتُنَا: لَا يُقَالُ: "كَلَامُ اللَّهِ محكي" وَلَا يُقَالَ: "حَكَى اللَّهُ" لِأَنَّ الْحِكَايَةَ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِ الشَّيْءِ وَلَيْسَ لِكَلَامِهِ مِثْلٌ وَتَسَاهَلَ قَوْمٌ فَأَطْلَقُوا لَفْظَ الْحِكَايَةِ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ
(4/228)

وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ إِطْلَاقُ الزَّائِدِ عَلَى بَعْضِ الْحُرُوفِ وَقَدْ مَرَّ فِي نَوْعِ الْإِعْرَابِ
وَعَلَى الْمُفَسِّرِ أَنْ يَتَجَنَّبَ ادِّعَاءَ التَّكْرَارِ مَا أَمْكَنَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ مِمَّا يَدْفَعُ تَوَهُّمَ التَّكْرَارِ فِي عَطْفِ الْمُتَرَادِفَيْنِ نَحْوَ: {لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ} {صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَجْمُوعَ الْمُتَرَادِفَيْنِ يُحَصِّلُ مَعْنًى لَا يُوجَدُ عِنْدَ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ التَّرْكِيبَ يُحْدِثُ مَعْنًى زَائِدًا وَإِذَا كَانَتْ كَثْرَةُ الْحُرُوفِ تُفِيدُ زِيَادَةَ الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ كَثْرَةُ الْأَلْفَاظِ انْتَهَى.
وقال الزركشي في البرهانك: لِيَكُنْ مَحَطَّ نَظَرِ الْمُفَسِّرِ مُرَاعَاةُ نَظْمِ الْكَلَامِ الَّذِي سِيقَ لَهُ وَإِنْ خَالَفَ أَصْلَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لِثُبُوتِ التَّجَوُّزِ
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: عَلَى الْمُفَسِّرِ مُرَاعَاةَ مَجَازِيَّ الِاسْتِعْمَالَاتِ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَظُنُّ بِهَا التَّرَادُفُ وَالْقَطْعُ بِعَدَمِ التَّرَادُفِ مَا أَمْكَنَ فَإِنَّ لِلتَّرْكِيبِ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنَى الْإِفْرَادِ وَلِهَذَا مَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وُقُوعَ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَوْقِعَ الْآخَرِ فِي التَّرْكِيبِ وَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ فِي الْإِفْرَادِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: كَثِيرًا مَا يَشْحَنُ الْمُفَسِّرُونَ تَفَاسِيرَهُمْ عِنْدَ ذِكْرِ الْإِعْرَابِ بِعِلَلِ النَّحْوِ وَدَلَائِلِ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَدَلَائِلِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَدَلَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي تَآلِيفِ هَذِهِ الْعُلُومِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مُسَلَّمًا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ دُونَ اسْتِدْلَالٍ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا ذَكَرُوا ما لا يصح من أسباب نزول وَأَحَادِيثَ فِي الْفَضَائِلِ وَحِكَايَاتٍ لَا تُنَاسِبُ وَتَوَارِيخَ إِسْرَائِيلِيَّةٍ، وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ.
(4/229)

فَائِدَةٌ
قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ شِئْتُ أُوَقِّرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا مِنْ تَفْسِيرِ أُمِّ الْقُرْآنِ لَفَعَلْتُ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يَحْتَاجُ تَبْيِينُ مَعْنَى الْحَمْدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْمُ الْجَلِيلُ الَّذِي هُوَ اللَّهُ وَمَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّنْزِيهِ ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْعَالَمِ وَكَيْفِيَّتِهِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ وَأَعْدَادِهِ وَهِيَ أَلْفُ عَالَمٍ أَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ وَسِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الِاسْمَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ وَمَا يَلِيقُ بِهِمَا مِنَ الْجَلَالِ وَمَا مَعْنَاهُمَا ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ جَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي اخْتِصَاصِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا فَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَوَاطِنِ وَالْأَهْوَالِ وَكَيْفِيَّةِ مُسْتَقَّرِهِ، فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْمَعْبُودِ مِنْ جَلَالَتِهِ وَالْعِبَادَةِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَصِفَتِهَا وَأَدَائِهَا عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَالْعَابِدِ فِي صِفَتِهِ وَالِاسْتِعَانِةِ وَأَدَائِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إِلَى آخَرِ السُّورَةِ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الهداية مَا هِيَ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمُ وَأَضْدَادِهِ وَتَبْيِينِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ وَصِفَاتِهِمْ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا النَّوْعِ وَتَبْيِينِ الْمَرْضِيِّ عَنْهُمْ وَصِفَاتِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ فَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ يَكُونُ مَا قَالَهُ عَلِيٌّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
(4/230)

النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ: فِي غَرَائِبِ التَّفْسِيرِ
أَلَّفَ فِيهِ مَحْمُودُ بْنُ حَمْزَةَ الْكِرْمَانِيُّ كِتَابًا فِي مُجَلَّدَيْنِ سَمَّاهُ "الْعَجَائِبَ وَالْغَرَائِبَ" ضَمَّنَهُ أَقْوَالًا ذُكِرَتْ في معاني آيات مُنْكَرَةً لَا يَحِلُّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا وَلَا ذِكْرُهَا إِلَّا لِلتَّحْذِيرِ مِنْهَا، من ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي "حمعسق": إِنَّ الْحَاءَ حَرْبُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَالْمِيمَ وِلَايَةُ الْمَرْوَانِيَّةِ وَالْعَيْنَ وِلَايَةُ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَالسِّينَ وِلَايَةُ السُّفْيَانِيَّةِ، وَالْقَافَ قُدْوَةُ مَهْدِيٍّ، حَكَاهُ أَبُو مُسْلِمٍ، ثُمَّ قَالَ أَرَدْتُ بِذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فِيمَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ حَمْقَى، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الم: مَعْنَى "أَلِفٍ" أَلِفَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فَبَعَثَهُ نَبِيًّا، وَمَعْنَى "لَامٍ" لَامَهُ الْجَاحِدُونَ وَأَنْكَرُوهُ، وَمَعْنَى "مِيمٍ" مِيمُ الْجَاحِدُونَ الْمُنْكِرُونَ مِنَ الْمُومِ وَهُوَ الْبِرْسَامُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} : إِنَّهُ قَصَصُ الْقُرْآنِ وَاسْتَدَلَّ بِقِرَاءَةِ أَبِي الْجَوْزَاءِ {وَلَكُمْ فِي الْقِصَصِ} ، وَهُوَ بَعِيدٌ بَلْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَفَادَتْ مَعْنًى غَيْرَ مَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ
(4/231)

وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكٍ فِي تَفْسِيرِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ لَهُ صَدِيقٌ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ "قَلْبُهُ"، أَيْ لِيَسْكُنَ هَذَا الصَّدِيقُ إِلَى هَذِهِ الْمُشَاهَدَةِ إِذَا رَآهَا عِيَانًا
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَهَذَا بِعِيدٌ جِدًّا
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} إِنَّهُ الْحُبُّ وَالْعِشْقُ وَقَدْ حَكَاهُ الْكَوَاشِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} إِنَّهُ الذَّكَرُ إِذَا انْتَصَبَ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي مُعَاذٍ النَّحْوِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ} يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ، {نَاراً} أَيْ نُورًا وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، {فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} تَقْتَبِسُونَ الدِّينَ.
(4/232)

النَّوْعُ الثَّمَانُونَ: فِي طَبَقَاتِ الْمُفَسِّرِينَ
تفسير الصحابة
اشْتُهِرَ بِالتَّفْسِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَشَرَةُ: الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وابن مسعود وابن عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ
أَمَّا الْخُلَفَاءُ فَأَكْثَرُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالرِّوَايَةُ عَنِ الثَّلَاثَةِ نَزِرَةٌ جَدًّا وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ تَقَدُّمَ وَفَاتِهِمْ كَمَا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ فِي قِلَّةِ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْحَدِيثِ وَلَا أَحْفَظُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي التَّفْسِيرِ إِلَّا آثَارًا قَلِيلَةً جِدًّا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ الْعَشَرَةَ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَرُوِيَ عَنْهُ الْكَثِيرُ وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: "سلوني فوالله لا تسألوني عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ وَسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ أَبِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ أَمْ فِي سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ"
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مَا مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَلَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَهُ مِنْهُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ
وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ نُصَيْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَحْمَسِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ إِنَّ رَبِّي وَهَبَ لِي قَلْبًا عَقُولًا ولسانا سؤلا
(4/233)

وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَرُوِيَ عَنْهُ أَكْثَرُ مِمَّا رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَنْ نَزَلَتْ وَأَيْنَ؟ نَزَلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ"
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبي البختري، قَالَ: قَالُوا لِعَلِيٍّ: أَخْبِرْنَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: عَلِمَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ ثُمَّ انْتَهَى، وَكَفَى بِذَلِكَ عِلْمًا
وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَهُوَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ الَّذِي دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ": وَقَالَ لَهُ أَيْضًا: "اللَّهُمَّ آتِهِ الْحِكْمَةَ" وَفِي رِوَايَةٍ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ"
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَانْشُرْ مِنْهُ"
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إِنَّهُ كَائِنُ حَبْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِرَاشٍ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نِعْمَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ أَنْتَ"
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: "نِعْمَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ"
(4/234)

وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَمَّى الْبَحْرَ لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَبْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ
وَأَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَنْزِلٍ كان عمر يقول: "ذا كم فَتَى الْكُهُولِ، إِنَّ لَهُ لِسَانًا سؤلا وَقَلْبًا عَقُولًا"
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ يسأله عن {أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فسله ثم تعال أخبرني فذهب فسأله فقال: كانت السموات رَتْقًا لَا تُمْطِرُ وَكَانَتِ الْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ فَفَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ وَهَذِهِ بِالنَّبَاتِ فَرَجَعَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَقُولُ: مَا يُعْجِبُنِي جَرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَالْآنَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ أُوتِيَ عِلْمًا وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: لِمَ يدخل هذا معنا إن لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ فَقَالَ: عُمَرُ إِنَّهُ مِمَّنْ عَلِمْتُمْ وَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رئيت أَنَّهُ دَعَانِي فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَرَنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نَصَرَنَا وَفَتَحَ عَلَيْنَا وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لي: أكذلك تقول يا بن عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ لَا، فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ بِهِ، قَالَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ! "
(4/235)

وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخطاب يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ تَرَوْنَ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} ؟ قَالُوا اللَّهُ أَعْلَمُ فَغَضِبَ عُمَرُ، فَقَالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ فَقَالَ عُمَرُ أَيُّ عَمَلٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لرجل يعمل لطاعة اللَّهِ ثُمَّ بَعَثَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَلَسَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَذَكَرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَتَكَلَّمَ كُلٌّ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ عمر: مالك يا بن عَبَّاسٍ صَامِتٌ لَا تَتَكَلَّمُ! تَكَلَّمْ وَلَا تَمْنَعُكَ الْحَدَاثَةُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فَجَعَلَ أَيَّامَ الدُّنْيَا تَدُورُ عَلَى سَبْعٍ وَخَلَقَ أَرْزَاقَنَا مِنْ سَبْعٍ وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ وَخَلَقَ فوقنا سموات سبعا وَخَلَقَ تَحْتَنَا أَرْضِينَ سَبْعًا وَأَعْطَى مِنَ الْمَثَانِي سَبْعًا وَنَهَى فِي كِتَابِهِ عَنْ نِكَاحِ الْأَقْرَبِينَ عَنْ سَبْعٍ وَقَسَمَ الْمِيرَاثَ فِي كِتَابِهِ عَلَى سَبْعٍ وَنَقَعُ فِي السُّجُودِ مِنْ أَجْسَادِنَا عَلَى سَبْعٍ وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَعْبَةِ سَبْعًا وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ سَبْعًا وَرَمَى الْجِمَارَ بِسَبْعٍ فَأَرَاهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شهر رمضان فتعجب عمر، وقال: وما وَافَقَنِي فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَسْتَوِ شُؤُونُ، رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤَدِّينِي فِي هَذَا كَأَدَاءِ ابْنِ عَبَّاسٍ!
(4/236)

وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّفْسِيرِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً وَفِيهِ رِوَايَاتٌ وَطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْ جَيِّدِهَا طَرِيقُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْهَاشِمِيِّ عَنْهُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ "بِمِصْرَ صَحِيفَةٌ فِي التَّفْسِيرِ رَوَاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ لَوْ رَحَلَ رَجُلٌ فِيهَا إِلَى مِصْرَ قَاصِدًا مَا كَانَ كَثِيرًا" أَسْنَدَهُ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذِهِ النُّسْخَةُ كَانَتْ عِنْدَ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ رَوَاهَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا فِي صَحِيحِهِ كَثِيرًا فِيمَا يُعَلِّقُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَ مِنْهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حاتم وابن المنذر كثير بِوَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي صَالِحٍ وَقَالَ قَوْمٌ لَمْ يَسْمَعِ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ التَّفْسِيرَ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَعْدَ أَنْ عَرَفْتَ الْوَاسِطَةَ وَهُوَ ثِقَةٌ فَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ الْخَلِيلِيُّ فِي الْإِرْشَادِ: تَفْسِيرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْكِبَارُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْ مُعَاوِيَةَ
وَأَجْمَعَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّ ابْنَ أَبِي طَلْحَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ الطِّوَالُ الَّتِي أَسْنَدُوهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ وَرُوَاتُهَا مَجَاهِيلُ كَتَفْسِيرِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي التَّفْسِيرِ جَمَاعَةٌ رَوَوْا عَنْهُ وَأَطْوَلُهَا مَا يَرْوِيهِ بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَفِيهِ نَظَرٌ
(4/237)

وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ كِبَارٍ وَذَلِكَ صَحَّحُوهُ
وَرَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَ جُزْءٍ وَذَلِكَ صَحِيحٌ مُتَّفِقٌ عَلْيِهِ وَتَفْسِيرُ شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ المكي عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبٌ إِلَى الصِّحَّةِ
وَتَفْسِيرُ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ يُكْتَبُ وَيُحْتَجُّ بِهِ
وَتَفْسِيرُ أَبِي رَوْقٍ نَحْوَ جُزْءٍ صَحَّحُوهُ
وَتَفْسِيرُ إِسْمَاعِيلِ السُّدِّيِّ يُورِدُهُ بِأَسَانِيدَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَى عَنْ السُّدِّيِّ الْأَئِمَّةُ مِثْلُ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ لَكِنَّ التَّفْسِيرَ الَّذِي جَمَعَهُ رَوَاهُ أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ وَأَسْبَاطٌ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ أَمْثَلَ التَّفَاسِيرِ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ
فأما ابن جريج فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الصِّحَّةَ، وَإِنَّمَا رَوَى مَا ذَكَرَ فِي كُلِّ آيَةٍ مِنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ
وَتَفْسِيرِ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَمُقَاتِلٌ فِي نَفْسِهِ ضَعَّفُوهُ وَقَدْ أَدْرَكَ الْكِبَارَ مِنَ التَّابِعِينَ، وَالشَّافِعِيُّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ تَفْسِيرَهُ صَالِحٌ انْتَهَى كَلَامُ الْإِرْشَادِ وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ يُورِدُ مِنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ كَثِيرًا مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ هَكَذَا، وَلَمْ يُورِدْ مِنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ شَيْئًا لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يُخَرِّجَ أَصَحَّ مَا وَرَدَ وَالْحَاكِمُ يُخَرِّجُ مِنْهُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ أَشْيَاءَ وَيُصَحِّحُهُ لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ فَقَطْ دُونَ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ هذا لإسناد يَرْوِي بِهِ السُّدِّيُّ أَشْيَاءَ فِيهَا غَرَابَةٌ
(4/238)

وَمِنْ جَيِّدِ الطُّرُقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ طَرِيقُ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ وَهَذِهِ الطَّرِيقُ صَحِيحَةٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَكَثِيرًا مَا يُخَّرِجُ مِنْهَا الْفِرْيَابِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ
وَمِنْ ذَلِكَ طَرِيقُ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ- عَنْهُ، هَكَذَا بِالتَّرْدِيدِ وَهِيَ طرق جَيِّدَةٌ وَإِسْنَادُهَا حَسَنٌ وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كَثِيرًا وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ مِنْهَا أَشْيَاءُ وَأَوْهَى طُرُقِهِ طَرِيقُ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ فَهِيَ سِلْسِلَةُ الْكَذِبِ وَكَثِيرًا مَا يُخَرِّجُ مِنْهَا الثَّعْلَبِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ لِلْكَلْبِيِّ أَحَادِيثُ صَالِحَةٌ وَخَاصَّةً عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالتَّفْسِيرِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ تَفْسِيرٌ أَطْوَلُ مِنْهُ وَلَا أَشْبَعُ وَبَعْدَهُ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ إِلَّا أَنَّ الْكَلْبِيَّ يُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِمَا فِي مُقَاتِلٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الرَّدِيئَةِ وَطَرِيقُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُنْقَطِعَةٌ فَإِنَّ الضَّحَّاكَ لَمْ يَلْقَهُ فَإِنِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنْهُ فَضَعِيفَةٌ لِضَعْفِ بِشْرٍ
وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ كَثِيرًا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فَأَشَدُّ ضَعْفًا لِأَنَّ جُوَيْبِرًا شَدِيدُ الضَّعْفِ مَتْرُوكٌ وَلَمْ يُخَرِّجِ ابْنُ جَرِيرٍ وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ شَيْئًا إِنَّمَا أخرجها ابن مردويه وأبو الشيخ بن حِبَّانَ وَطَرِيقُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَ مِنْهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كَثِيرًا وَالْعَوْفِيُّ ضعيف لبس بِوَاهٍ وَرُبَّمَا حَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَأَيْتُ عَنْ فَضَائِلِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ لأبي عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَاكِرٍ الْقَطَّانِ أَنَّهُ أَخْرَجَ بِسَنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّفْسِيرِ إِلَّا شَبِيهٌ بِمِائَةِ حَدِيثٍ
(4/239)

وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَعَنْهُ نُسْخَةٌ كَبِيرَةٌ يَرْوِيهَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْهُ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْهَا كَثِيرًا وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرَ هَؤُلَاءِ الْيَسِيرُ مِنَ التَّفْسِيرِ كَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَوَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِالْقَصَصِ وَأَخْبَارِ الْفِتَنِ وَالْآخِرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا بِأَنْ يكون مما تَحْمِلُهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَالَّذِي وَرَدَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وَكِتَابُنَا الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ جَامِعٌ لِجَمِيعِ مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ ذَلِكَ
طَبَقَةُ التَّابِعِينَ
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِالتَّفْسِيرِ أَهْلُ مَكَّةَ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ وَغَيْرِهِمْ وَكَذَلِكَ فِي الْكُوفَةِ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُلَمَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي التَّفْسِيرِ مِثْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الَّذِي أَخَذَ عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ انْتَهَى.
فَمِنَ الْمُبَرَّزِينَ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ قَالَ الْفَضْلُ بْنُ مَيْمُونٍ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثِينَ مَرَّةً
عنه أَيْضًا قَالَ عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ عَرْضَاتٍ أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا فِيمَ نَزَلَتْ؟ وَكَيْفَ كَانَتْ؟
وَقَالَ خُصَيْفٌ: كَانَ أَعْلَمُهُمْ بِالتَّفْسِيرِ مجاهد
(4/240)

وقال الثوري: إِذَا جَاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: وَلِهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى تَفْسِيرِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
قُلْتُ: وَغَالِبُ مَا أَوْرَدَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْهُ وَمَا أَوْرَدَهُ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ غَيْرِهِ قَلِيلٌ جِدًّا
وَمِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ خُذُوا التَّفْسِيرَ عَنْ أَرْبَعَةٍ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ أَعْلَمَ التَّابِعِينَ أَرْبَعَةٌ كَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَعْلَمَهُمْ بِالْمَنَاسِكِ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَعْلَمَهُمْ بِالتَّفْسِيرِ وَكَانَ عِكْرِمَةُ أَعْلَمَهُمْ بِالسِّيَرِ وَكَانَ الْحَسَنُ أَعْلَمَهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ
وَمِنْهُمْ عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ عِكْرِمَةَ وَقَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: لَقَدْ فَسَّرْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْعَلُ فِي رِجْلِي الْكَبْلَ وَيُعَلِّمُنِي الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ كُلُّ شَيْءٍ أُحَدِّثُكُمْ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَمِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ
(4/241)

الْخُرَاسَانِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَقَتَادَةُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ وَأَبُو مَالِكٍ وَيَلِيهِمُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي آخَرِينَ
فَهَؤُلَاءِ قُدَمَاءُ الْمُفَسِّرِينَ وَغَالِبُ أَقْوَالِهِمْ تَلَقَّوْهَا عَنِ الصَّحَابَةِ
ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الطَّبَقَةِ أُلِّفَتْ تَفَاسِيرُ تَجْمَعُ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَتَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ وَآدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَرَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ وَعَبْدِ بْنِ حميد وسعيد وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَآخَرِينَ
وَبَعْدَهُمِ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَكِتَابُهُ أَجَلُّ التَّفَاسِيرِ وَأَعْظَمُهَا
ثُمَّ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَأَبُو الشَّيْخِ بن حبان وَابْنُ الْمُنْذِرِ فِي آخَرِينَ وَكُلُّهَا مُسْنَدَةٌ إِلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ وَلَيْسَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَإِنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِتَوْجِيهِ الْأَقْوَالِ وَتَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَالْإِعْرَابِ وَالِاسْتِنْبَاطِ فَهُوَ يَفُوقُهَا بِذَلِكَ
ثُمَّ أَلَّفَ فِي التَّفْسِيرِ خَلَائِقُ فَاخْتَصَرُوا الْأَسَانِيدَ وَنَقَلُوا الْأَقْوَالَ بَتْرًا فَدَخَلَ مِنْ هُنَا الدَّخِيلُ وَالْتَبَسَ الصَّحِيحُ بِالْعَلِيلِ ثُمَّ صَارَ كُلُّ مَنْ يَسْنَحُ لَهُ قَوْلٌ يُورِدُهُ وَمَنْ يَخْطُرُ بِبَالِهِ شَيْءٌ يَعْتَمِدُهُ ثُمَّ يَنْقُلُ ذَلِكَ عَنْهُ مَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ ظَانًّا أَنَّ لَهُ أَصْلًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى تَحْرِيرِ مَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَمَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فِي التَّفْسِيرِ حَتَّى رَأَيْتُ مَنْ حَكَى فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} نَحْوَ عَشَرَةِ أَقْوَالِ وَتَفْسِيرُهَا
(4/242)

بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى هُوَ الْوَارِدُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ حَتَّى قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ
ثُمَّ صَنَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْمٌ بَرَعُوا فِي عُلُومٍ فَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَقْتَصِرُ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى الْفَنِّ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَالنَّحْوِيُّ تَرَاهُ لَيْسَ لَهُ هَمٌّ إِلَّا الْإِعْرَابَ وَتَكْثِيرَ الْأَوْجُهِ الْمُحْتَمَلَةِ فِيهِ وَنَقْلَ قَوَاعِدَ النَّحْوِ وَمَسَائِلِهِ وَفُرُوعِهِ وَخِلَافِيَّاتِهِ كَالزَّجَّاجِ وَالْوَاحِدِيِّ فِي الْبَسِيطِ وَأَبِي حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ
وَالْإِخْبَارِيُّ لَيْسَ لَهُ شُغُلٌ إِلَّا الْقِصَصَ وَاسْتِيفَاءَهَا وَالْإِخْبَارَ عَمَّنْ سَلَفَ سَوَاءٌ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ بَاطِلَةً كَالثَّعْلَبِيِّ
وَالْفَقِيهُ يَكَادُ يَسْرُدُ فِيهِ الْفِقْهَ مِنْ بَابِ الطَّهَارَةِ إِلَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَرُبَّمَا اسْتَطْرَدَ إِلَى إِقَامَةِ أَدِلَّةِ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْآيَةِ وَالْجَوَابِ عَنْ أَدِلَّةِ الْمُخَالِفِينَ كَالْقُرْطُبِيِّ
وَصَاحِبُ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ- خُصُوصًا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ- قَدْ مَلَأَ تَفْسِيرَهُ بِأَقْوَالِ الْحُكَمَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَشِبْهِهَا وَخَرَجَ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى يَقْضِيَ النَّاظِرُ الْعَجَبَ مِنْ عَدَمِ مُطَابَقَةِ الْمَوْرِدِ لِلْآيَةِ قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ: جَمَعَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً طَوِيلَةً لَا حَاجَةَ بِهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا التَّفْسِيرَ
وَالْمُبْتَدِعُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ إِلَّا تَحْرِيفُ الْآيَاتِ وَتَسْوِيَتُهَا عَلَى مَذْهَبِهِ الْفَاسِدِ بِحَيْثُ إِنَّهُ مَتَى لَاحَ لَهُ شَارِدَةٌ مِنْ بَعِيدٍ اقْتَنَصَهَا أَوْ وَجَدَ مَوْضِعًا لَهُ فِيهِ أَدْنَى مَجَالٍ سَارَعَ إِلَيْهِ. قَالَ الْبَلْقِينِيُّ: اسْتَخْرَجْتُ مِنَ الْكَشَّافِ اعتزالا بالمناقيش من قول تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} وَأَيُّ فَوْزٍ أَعْظَمُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ
(4/243)

وَالْمُلْحِدُ فَلَا تَسْأَلُ عَنْ كُفْرِهِ وَإِلْحَادِهِ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَافْتِرَائِهِ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ فِي {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} : مَا عَلَى الْعِبَادِ أَضَرُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَكَقَوْلِهِ فِي سَحَرَةِ مُوسَى مَا قَالَ وَقَوْلُ الرَّافِضَةِ فِي {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} مَا قَالُوا وَعَلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ يُحْمَلُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "إِنَّ فِي أُمَّتِي قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَنْثُرُونَهُ نَثْرَ الدَّقَلِ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ"
فِإِنْ قُلْتَ: فَأَيُّ التَّفَاسِيرِ تُرْشِدُ إِلَيْهِ وَتَأْمُرُ النَّاظِرَ أَنْ يُعَوِّلَ عَلَيْهِ! قُلْتُ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ الَّذِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الْمُعْتَبَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُؤَلَّفْ فِي التَّفْسِيرِ مِثْلُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: كِتَابُ ابْنِ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ مِثْلَهُ
وَقَدْ شَرَعْتُ فِي تَفْسِيرٍ جَامِعٍ لِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ التَّفَاسِيرِ الْمَنْقُولَةِ وَالْأَقْوَالِ الْمَقُولَةِ وَالِاسْتِنْبَاطَاتِ وَالْإِشَارَاتِ وَالْأَعَارِيبِ وَاللُّغَاتِ وَنُكَتِ الْبَلَاغَةِ وَمَحَاسِنِ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ أَصْلًا وَسَمَّيْتُهُ بِ "مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَمَطْلَعِ الْبَدْرَيْنِ" وَهُوَ الَّذِي جَعَلْتُ هَذَا الْكِتَابَ مُقَدِّمَةً لَهُ وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُعِينَ عَلَى إِكْمَالِهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ
وَإِذْ قَدِ انْتَهَى بِنَا الْقَوْلُ فِيمَا أَرَدْنَاهُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلْنَخْتِمْهُ بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّفَاسِيرِ الْمُصَرَّحِ بِرَفْعِهَا إِلَيْهِ غَيْرِ مَا وَرَدَ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ لِتُسْتَفَادَ فَإِنَّهَا مِنَ الْمُهِمَّاتِ.
(4/244)

الْفَاتِحَةُ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ- وَحَسَّنَهُ- وَابْنُ حِبَّانَ في صححيه عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَإِنَّ الضَّالِّينَ النَّصَارَى"
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ قَالَ: الْيَهُودُ قُلْتُ الضَّالِّينَ؟ قَالَ: النَّصَارَى
الْبَقَرَةُ
أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكم فِي مُسْتَدْرَكِهِ- وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} قَالَ: "مِنَ الْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالنُّخَامَةِ وَالْبُزَاقِ"
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تفسيره في إسناده الربعي قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ قَالَ: فَفِي تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ لَهُ نَظَرٌ ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي تَارِيخِهِ قَالَ إِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا الْعَدْلُ؟ قَالَ: "الْعَدْلُ الْفِدْيَةُ" مُرْسَلٌ جَيِّدٌ عَضَّدَهُ إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا.
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ} ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ
(4/245)

عَلَى إِسْتَاهُهُمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرِهِ، فِيهِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: {قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهِ الْقُنُوتُ فَهُوَ الطَّاعَةُ، وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ في الرواية بِسَنَدٍ فِيهِ مَجَاهِيلُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ} ، قال: "يتبعونه حق ابتاعه"
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ، قَالَ: لَا طَاعَةَ إِلَّا فِي الْمَعْرُوفِ لَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا بِلَفْظِ: "لَيْسَ لِظَالِمٍ عَلَيْكَ عَهْدٌ أَنْ تُطِيعَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ- وَصَحَّحَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} قَالَ: عَدْلًا
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالَ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ،
(4/246)

فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالَ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ فَيُقَالُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} ، قَالَ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ فَتُدْعَونَ فَتَشْهَدُونَ لَهُ بِالْبَلَاغِ وَأَشْهَدُ عَلَيْكُمْ قَوْلُهُ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ مَرْفُوعٌ غَيْرُ مُدْرَجٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} يَقُولُ: اذْكُرُونِي يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ بِطَاعَتِي أَذْكُرُكُمْ بِمُغْفِرَتِي.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: انْقَطَعَ قِبَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَرْجَعَ فَقَالُوا: مُصِيبَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: "مَا أَصَابَ المؤمن مما يكره فَهُوَ مُصِيبَةٌ" لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنَّ الْكَافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَيَسْمَعُهَا كُلُّ دَابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دَابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: {وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} يَعْنِي دَوَابَّ الْأَرْضِ"
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِي {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} : قَالَ شَوَّالُ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قَالَ
(4/247)

الرَّفَثُ: التَّعَرُّضُ لِلنِّسَاءِ بِالْجِمَاعِ، وَالْفُسُوقِ: الْمَعَاصِي وَالْجِدَالُ: جِدَالُ الرَّجُلِ صَاحِبَهُ.
أخرج أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَّغْوِ فِي الْيَمِينِ فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: كَلَّا، وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ الثالثة.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرَ اللَّهُ الطَّلَاقَ مَرَّتَيْنِ فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: إمساك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ، من طريق ابن لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الزَّوْجُ".
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ "الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ"
(4/248)

وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ" وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى وَشَوَاهِدُ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ السَّكِينَةُ ريح خجوج
وأخرج ابن مردويه من طريق جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فِي قَوْلِهِ: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} ، قَالَ: الْقُرْآنَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي تَفْسِيرَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ قَرَأَهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ.
آلِ عِمْرَانَ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} قَالَ: هُمُ الْخَوَارِجُ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} ، قَالَ: هُمُ الْخَوَارِجُ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ فقال: مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ وَصَدَقَ لِسَانُهُ وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ وَعَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ فَذَلِكَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ الله: {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} قَالَ: الْقِنْطَارُ أَلْفُ أُوقِيَّةٍ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ".
(4/249)

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} قال: أما من في السموات فَالْمَلَائِكَةُ، وَأَمَّا مَنْ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا كَرْهًا فَمَنْ أُتِيَ بِهِ مِنْ سَبَايَا الْأُمَمِ فِي السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ وَهُمْ كَارِهُونَ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ- وَصَحَّحَهُ- عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَحَسَّنَهُ
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ نُفَيْعٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ فَقَدْ كَفَرَ؟ قَالَ: مَنْ تَرَكَهُ لَا يَخَافُ عُقُوبَتَهُ وَلَا يَرْجُو ثَوَابَهُ نُفَيْعٌ تَابِعِيٌّ وَالْإِسْنَادُ مُرْسَلٌ وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ- وَصَحَّحَهُ- عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} قَالَ: "الْخَيْرُ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ وَسُنَّتِي". مُعْضَلٌ
(4/250)

وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} ، قَالَ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدَعِ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {مُسَوِّمِينَ} قَالَ مُعَلِّمِينَ، وَكَانَتْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عمائم سود، ويوم أحد عمائم حمر أخرج الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعٌ أَقْرَعُ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يعني شدقيه فَيَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ"، ثم تلى هَذِهِ الْآيَةَ: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الْآيَةَ.
النِّسَاءِ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ فِي قَوْلِهِ: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} ، قال: ألا تَجُورُوا وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قَالَ أَبِي: هَذَا حَدِيثٌ خَطَأٌ وَالصَّحِيحُ عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفٌ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قُرِئَ عِنْدَ عُمَرَ: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} فَقَالَ مُعَاذٌ: عِنْدِي تَفْسِيرُهَا تُبَدَّلُ فِي سَاعَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(4/251)

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} قَالَ: إِنْ جَازَاهُ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} الشَّفَاعَةُ فِيمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ مِمَّنْ صَنَعَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ فِي الدُّنْيَا
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَسَأَلَهُ عَنِ الْكَلَالَةِ، فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ الْآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي الصَّيْفِ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} فَمَنْ لَا يَتْرُكُ وَلَدًا وَلَا والد فَوِرْثَتُهُ "كَلَالَةٌ" مُرْسَلٌ
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ، عَنِ الْبَرَاءِ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ "الْكَلَالَةِ فَقَالَ: مَا عَدَا الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ
الْمَائِدَةِ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَدَابَّةٌ وَامْرَأَةٌ كُتِبَ مَلِكًا"
لَهُ شَاهَدٌ مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وصححه عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} ، قال رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي مُوسَى هُمْ قَوْمُ هَذَا.
(4/252)

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} قَالَ عَبَاءَةٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ السُّفْيَانِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ قَوْلُهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى} ،
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ"
وأخرج أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ مِنَ الْكُفَّارِ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ"
الْأَنْعَامِ
أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكٌ إِذَا نَامَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ فَإِنْ أَذَنَ اللَّهُ فِي قَبْضِ رُوحِهِ وقبضه وَإِلَّا رَدَّهُ إِلَيْهِ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} نَهْشَلٌ كَذَّابٌ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ
(4/253)

الْآيَةُ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا لَا يَظْلِمُ! نَفْسَهُ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عن رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} قَالَ: لَوْ أَنَّ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ وَالْمَلَائِكَةَ مُنْذُ خُلِقُوا إِلَى أَنْ فَنُوا صُفُّوا صَفًّا وَاحِدًا مَا أَحَاطُوا بِاللَّهِ أَبَدًا.
وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} ، قَالُوا: كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ؟ قَالَ: نُورٌ يُقْذَفُ بِهِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ وينفسخ، قَالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا قَالَ: الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقَاءِ الْمَوْتِ مُرْسَلٌ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَمُرْسَلَةٌ يَرْتَقِي بِهَا إِلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ أَوِ الْحُسْنِ
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قَالَ: مَا سَقَطَ مِنَ السُّنْبُلِ
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ
(4/254)

نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} ، فَقَالَ: مَنْ أَرْبَى عَلَى يَدِهِ فِي الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ صِحَّةَ نِيَّتِهِ بِالْوَفَاءِ فِيهِمَا لَمْ يُؤَاخَذْ وَذَلِكَ تَأْوِيلُ "وُسْعَهَا"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا} ، قَالَ يَوْمَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ وَأَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. الْأَعْرَافِ
أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} قَالَ: "صَلُّوا فِي نِعَالِكُمْ" لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا قُبِضَتْ رُوحُهُ قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ حَتَّى يَنْتَهِيَ
(4/255)

بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} فَيَقُولُ اللَّهُ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَقَالَ: "أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ" لَهُ شَوَاهِدُ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيِّ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ فَقَالَ: هُمْ أُنَاسٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ آبَائِهِمْ فَمَنَعَهُمْ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مَعْصِيَةُ آبَائِهِمْ وَمَنَعَهُمْ مِنْ دُخُولِ النَّارِ قَتْلُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" لَهُ شَاهَدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا إِنَّهُمْ مُؤْمِنُو الْجِنِّ
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الطُّوفَانُ الْمَوْتُ"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ- وَصَحَّحَاهُ- عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} ، قَالَ: هَكَذَا وَأَشَارَ بِطَرَفِ إِبْهَامِهِ عَلَى أُنْمُلَةِ أُصْبُعِهِ الْيُمْنَى فَسَاخَ الْجَبَلُ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا.
(4/256)

وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ بِلَفْظٍ: "وَأَشَارَ بِالْخِنْصَرِ فَمِنْ نورها جَعَلَهُ دَكًّا"
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْأَلْوَاحُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى كَانَتْ مِنْ سِدْرِ الْجَنَّةِ كَانَ طُولَ اللَّوْحِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ- وَصَحَّحَهُ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: طإن اللَّهَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنُعْمَانَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَشَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ فَقَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى"
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: "أُخِذَ مِنْ ظَهْرِهِ كَمَا يُؤْخَذُ بِالْمُشْطِ مِنَ الرَّأْسِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: شَهِدْنَا"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ- وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ- وَصَحَّحَهُ- عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَمَّا وُلِدَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ- وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ- فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ فَإِنَّهُ يَعِيشُ فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ فَعَاشَ فَكَانَ ذَلِكَ وَحْيُ الشَّيْطَانِ وَأَمْرُهُ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ {خُذِ الْعَفْوَ} ، الْآيَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ الْعَالِمَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ" مُرْسَلٌ.
(4/257)

الْأَنْفَالِ
أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ النَّاسُ؟ قَالَ: أَهْلُ فَارِسَ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ- وَضَعَّفَهُ- عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لِأُمَّتِي: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فَإِذَا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفَارَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} أَلَا وَإِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ فَمَعْنَاهُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ مُعْظَمَ الْقُوَّةِ وَأَنْكَاهَا لِلْعَدُوِّ الرَّمْيُ"
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمَهْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ} قَالَ هُمُ الْجِنُّ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَرِيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا.
(4/258)

بَرَاءَةٌ
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فَقَالَ: "يَوْمُ النَّحْرِ" وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَوْمُ عَرَفَةَ هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ قَالَ اللَّهُ {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} ، قال: "قصر من لؤلؤة فِي ذَلِكَ الْقَصْرِ سَبْعُونَ دَارًا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ فِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِنْ زُمُرُدَةٍ خَضْرَاءَ فِي كُلِّ بَيْتٍ سَرِيرٌ عَلَى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشًا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ عَلَى كُلِّ فراش زوجة من الحور فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مَائِدَةً عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصِيفًا وَوَصِيفَةً وَيُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي كُلِّ غَدَاةٍ مِنَ الْقُوَّةِ مَا يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَجْمَعَ"
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
(4/259)

وَسَلَّمَ وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ، فَأَتَيَا رسول الله فَسَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ مَسْجِدِي
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّنَاءَ فِي الطَّهُورِ فِي قِصَّةِ مَسْجِدِكُمْ فَمَا هَذَا الطَّهُورُ؟ قَالُوا: مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّا نَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، قَالَ: هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "السَّائِحُونَ هُمُ الصَّائِمُونَ"
يُونُسَ
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ صُهَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قولهك {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} : الْحُسْنَى الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى رَبِّهِمْ
وَفِي الْبَابِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} ، قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، الْحُسْنَى: الْجَنَّةُ وَزِيَادَةٌ النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
(4/260)

وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ} قَالَ: الْقُرْآنِ، {وَبِرَحْمَتِهِ} أَنْ جَعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِهِ
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي أَشْتَكِي صَدْرِي، قَالَ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} له شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ نَاسًا يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قَوْمٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالٍ وَلَا أَنْسَابٍ لَا يَفْزَعُونَ إِذَا فَزِعَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنُوا ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ: اللَّهِ {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} قَالَ: الَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ تَعَالَى
وَوَرَدَ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ والترمذي وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، قَالَ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ
(4/261)

مُنْذُ أُنْزِلَتْ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ فَهِيَ بُشْرَاهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَبُشْرَاهُ فِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ" لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا} قالوا دَعَوْا
هُودٍ
أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فَقُلْتُ: مَا مَعْنَى ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَقْلًا، وَأَحْسَنُكُمْ عَقْلًا أَوْرَعُكُمْ عَنْ محارم الله تعالى وأعلمكم بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أَرَ شَيْئًا أَحْسَنَ طَلَبًا، وَلَا أَسْرَعَ إِدْرَاكًا مِنْ حَسَنَةٍ حَدِيثَةٍ لِسَيِّئَةٍ قَدِيمَةٍ: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} .
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ: "إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْحَسَنَاتِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"؟ قَالَ: هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} قال رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَأَهْلُهَا يُنْصِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا"
(4/262)

يُوسُفَ
أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ- وَصَحَّحَهُ- وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهَا يُوسُفُ سَاجِدَةً لَهُ مَا أَسْمَاؤُهَا؟ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَهُ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيِّ فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: خَرَثَانُ وَطَارِقٌ وَالذَّيَّالُ وَذُو الْكِيعَانِ وَذُو الْفَرْعِ وَوَثَّابٌ وَعَمُودَانُ وَقَابِسٌ وَالصَّرُوحُ والمصبح والفيلق والضياء والنور- فقال: اليهودي أي والله أنها لأسمائها وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَعْنِي أَبَاهُ وَأُمَّهُ- رَآهَا فِي أُفُقِ السَّمَاءِ سَاجِدَةً لَهُ فَلَمَّا قَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى أَبِيهِ قَالَ: أَرَى أَمْرًا مُتَشَتِّتًا يَجْمَعُهُ اللَّهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَمَّا قَالَ يُوسُفُ: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا يُوسُفُ اذْكُرْ هَمَّكَ، قَالَ: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي}
الرَّعْدِ
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ- وَحَسَّنَهُ- وَالْحَاكِمُ- وَصَحَّحَهُ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ} قَالَ الدَّقَلُ وَالْفَارِسِيُّ وَالْحُلْوُ وَالْحَامِضُ
(4/263)

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ- وَصَحَّحَهُ- وَالنَّسَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنِ الرَّعْدِ مَا هُوَ؟ قَالَ: "مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ، بِيَدِهِ مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ يَزْجُرُ بِهِ السَّحَابَ، يَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ" قَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قَالَ: "صَوْتُهُ"
وَأَخْرَجَ ابن مردويه، عن عمرو بْنِ بِجَادٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الرَّعْدُ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ وَالْبَرْقُ طَرَفُ مَلَكٍ يُقَالَ لَهُ رُوفِيلُ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "إن ملكا موكل بِالسَّحَابِ يَلُمُّ الْقَاصِيَةَ وَيَلْحُمُ الرَّابِيَةَ فِي يَدِهِ مِخْرَاقٌ فَإِذَا رَفَعَ بَرَقَتْ وَإِذَا زَجَرَ رَعَدَتْ وَإِذَا ضَرَبَ صَعَقَتْ"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ"
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} إِلَّا الشَّقَاوَةَ وَالسَّعَادَةَ وَالْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: {ي يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} قَالَ: "يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ وَيَزِيدُ فِيهِ وَيَمْحُو مِنَ الْأَجَلِ وَيَزِيدُ فِيهِ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ
(4/264)

عَنْ قَوْلِهِ: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} قال: "ذلك لَيْلَةَ الْقَدْرِ يَرْفَعُ وَيَجْبُرُ وَيَرْزُقُ غَيْرَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَالشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبَدَّلُ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "لَأُقِرَّنَّ عَيْنَكَ بِتَفْسِيرِهَا وَلَأُقِرَّنَّ عَيْنَ أُمَّتِي مِنْ بِعْدِي بِتَفْسِيرِهَا الصَّدَقَةُ عَلَى وَجْهِهَا وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَاصْطِنَاعُ الْمَعْرُوفِ تُحَوِّلُ الشَّقَاءَ سَعَادَةً وَتَزِيدُ فِي الْعُمْرِ"
إِبْرَاهِيمَ
أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ- وَصَحَّحَهُ- وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ} قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ}
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَحْسَبُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا
(4/265)

أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} قَالَ: يَقُولُ أَهْلُ النَّارِ: هَلُمُّوا فَلْنَصْبِرْ فَيَصْبِرُونَ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ قال هَلُمُّوا فَلْنَجْزَعْ فَيَبْكُونَ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ قَالُوا: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ}
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} قَالَ هِيَ الْحَنْظَلُ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} قَالَ هِيَ الَّتِي لَا يَنْقُصُ وَرَقُهَا هِيَ النَّخْلَةُ
وَأَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: أين يكون النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ"
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ} قُلْتُ: أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ.
(4/266)

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَزَّارُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ} قَالَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ حَرَامٌ وَلَمْ يُعْمَلْ فِيهَا خَطِيئَةٌ.
الْحِجْرِ
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُخْرِجُ اللَّهُ نَاسًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النار بعدما يَأْخُذُ نِقْمَتَهُ مِنْهُمْ، لَمَّا أَدْخَلَهُمُ النَّارَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ لَهُمُ الْمُشْرِكُونَ تَدَّعُونَ بِأَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَمَا بَالُكُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ فَإِذَا سَمِعَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَذِنَ فِي الشَّفَاعَةِ لَهُمْ فَتَشْفَعُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ حَتَّى يَخْرُجُوا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا رَأَى الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ قَالُوا: يَا لَيْتَنَا كُنَّا مِثْلَهُمْ فَتُدْرِكُنَا الشَّفَاعَةُ فَنَخْرُجُ مَعَهُمْ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ كفروا لو كانون مُسْلِمِينَ} وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَلِيٍّ
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} قَالَ جُزْءٌ أَشْرَكُوا وَجُزْءٌ شَكُّوا فِي اللَّهِ تَعَالَى: وَجُزْءٌ غَفَلُوا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
(4/267)

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ قَالَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَالَ: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} مَا عِضِينَ؟ قَالَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قَالَ عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
النَّحْلِ
أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: {زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ} قال عقارب أمثال النخل الطِّوَالِ يَنْهَشُونَهُمْ فِي جَهَنَّمَ.
الْإِسْرَاءِ
أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّوَادِ الَّذِي فِي الْقَمَرِ، فَقَالَ كَانَا شَمْسَيْنِ
(4/268)

فَقَالَ اللَّهُ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ} فَالسَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتَ هُوَ الْمَحْوُ
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي التَّارِيخِ وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} قال الْكَرَامَةُ الْأَكْلُ بِالْأَصَابِعِ
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} قَالَ يُدْعَى كُلُّ قَوْمٍ بِإِمَامٍ لَهُمْ وَكِتَابِ رَبِّهِمْ
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} قَالَ لِزَوَالِ الشَّمْسِ
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوَالُهَا"
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ- وَصَحَّحَهُ- وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} ، قال: تشهد مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} ، قَالَ: هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي
(4/269)

أَشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي، وَفِي لَفْظٍ: "هِيَ الشَّفَاعَةُ" وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُطَوَّلَةٌ وَمُخْتَصَرَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كيف يحشر النَّاسُ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: "الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ"
الْكَهْفِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم، قال: "السرادق النَّارِ أَرْبَعَةُ أَجْدُرٍ كَثَافَةُ كُلِّ جِدَارٍ مِثْلُ مَسَافَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً"
وَأَخْرَجَا عَنْهُ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} قَالَ: "كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْهُ أَيْضًا عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: {الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} ، التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ، وَالتَّسْبِيحُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
وأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا: "سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، "هُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ"
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ جُنَادَةَ
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أكبر من الْبَاقِيَاتُ الصَّالَحَاتُ"
(4/270)

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُنْصَبُ الْكَافِرُ مِقْدَارَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ كَمَا لَمْ يَعْمَلْ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَرَى جَهَنَّمَ وَيَظُنُّ أَنَّهَا مُوَاقِعَتُهُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً"
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قَالَ: "إِنَّ الْكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ مُصْمَتٍ عَجِبْتُ لمن أيقن بالقدر لما نَصِبَ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ ذَكَرَ النَّارَ كَيْفَ ضَحِكَ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ ذَكَرَ الْمَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ!
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الجنة ومنه تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ".
مَرْيَمَ
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ السَّرِيَّ الَّذِي قَالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} نَهْرٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لِتَشْرَبَ مِنْهُ"
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى نَجْرَانَ فَقَالُوا: أَرَأَيْتَ مَا تَقْرَءُونَ: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا! فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ"
(4/271)

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يُجَاءُ بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون وَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ" ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ في غفلة} -وَأَشَارَ بِيَدِهِ، وَقَالَ؛ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي غَفْلَةٍ
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "غَيٌّ وَأَثَامٌ بِئْرَانِ فِي أَسْفَلِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ فِيهِمَا صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ" قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُمَيَّةَ قَالَ: اخْتَلَفْنَا فِي الْوُرُودِ فَقَالَ بَعْضُنَا: لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَيَذْرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا".
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُنَادِي
(4/272)

فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ الْمَحَبَّةُ فِي الْأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً}
طه
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا وَجَدْتُمُ السَّاحِرَ فَاقْتُلُوهُ ثُمَّ قَرَأَ: {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ، قَالَ: "لَا يُؤَمَّنُ حَيْثُ وُجِدَ" وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} قَالَ عَذَابَ الْقَبْرِ.
الْأَنْبِيَاءِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ: "كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنَ الْمَاءِ"
الْحَجِّ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ"
(4/273)

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ- وَحَسَّنَهُ- عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا سمي الْبَيْتَ الْعَتِيقَ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالْإِشْرَاكِ بالله، ثم تلى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ.}
الْمُؤْمِنُونَ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُرَّةَ الْبَهْزِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِرَجُلٍ: "إِنَّكَ تَمُوتُ بِالرَّبْوَةِ فمات بالرملة" قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: غَرِيبٌ جِدًّا
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} ، هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ؟ قَالَ، لا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ اللَّهَ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} قَالَ تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقْلِصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ.
(4/274)

النُّورِ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي سَوْرَةَ ابْنِ أَخِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا السَّلَامُ فَمَا الِاسْتِئْنَاسُ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحَةٍ، وَتَكْبِيرَةٍ وَتَحْمِيدَةٍ، وَيَتَنَحْنَحُ فَيُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ.
الْفُرْقَانِ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يَحْيَى بن أبي أُسَيْدٍ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم، سئل عن قوله: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ} قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لَيُسْتَكْرَهُونَ فِي النَّارِ كَمَا يُسْتَكْرَهُ الْوَتِدُ فِي الْحَائِطِ
الْقَصَصِ
أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قَالَ: "أَوْفَاهُمَا وَأَبَرَّهُمَا"، قَالَ: وَإِنْ سُئِلْتُ: أَيُّ الْمَرْأَتَيْنِ تَزَوَّجَ؟ فَقُلِ الصُّغْرَى مِنْهُمَا" إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ مَوْصُولَةٌ وَمُرْسَلَةٌ.
(4/275)

الْعَنْكَبُوتِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ- وَحَسَّنَهُ- وَغَيْرُهُمَا عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} قَالَ كَانُوا يَحْذِفُونَ أَهْلَ الطَّرِيقِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ فَهُوَ الْمُنْكَرُ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَ.
لُقْمَانَ
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ وَلَا خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ"، فِي مِثْلِ هَذَا أُنْزِلَتْ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الْآيَةَ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
السَّجْدَةِ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {أَحْسَنَ كُلَّ شيء خلقه} قَالَ: "أَمَا إِنَّ اسْتَ الْقِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ وَلَكِنَّهُ أَحْكَمَ خَلْقَهَا"
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} قَالَ: قِيَامُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ
(4/276)

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائيلَ} ، قَالَ: جَعَلَ مُوسَى هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَفِي قَوْلِهِ: {فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} قَالَ: مِنْ لِقَاءِ مُوسَى رَبَّهُ.
الأحزاب
وأخرج التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}
سَبَأٍ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبَأٍ؛ أَرَجُلٌ هُوَ أَمِ امْرَأَةٌ، أَمْ أَرْضٌ؟ فَقَالَ: بَلْ هُوَ رَجُلٌ، وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ، فَسَكَنَ الْيَمَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَبِالشَّامِ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: "إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ
(4/277)

ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كأنها سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.
فَاطِرٍ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} قَالَ: هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} فأما الذي سَبَقُوا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ اقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحْبَسُونَ فِي طُولِ الْمَحْشَرِ، ثُمَّ هُمُ الَّذِينَ تَلَافَاهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} الآية
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ: أَيْنَ أَبْنَاءُ السِّتِّينَ؟ وَهُوَ الْعُمْرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ}
(4/278)

يس
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} ، قَالَ: "مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ"
وَأَخْرَجَا عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا}
الصَّافَّاتِ
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: {وَحُورٌ عِينٌ} ، قَالَ: "الْعِينُ الضِّخَامُ الْعُيُونِ شُفْرُ الْحَوْرَاءِ مِثْلَ جَنَاحِ النَّسْرِ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدَةِ الَّتِي فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ الَّتِي تَلِي القشر"
قَوْلُهُ: "شُفْرُ" هُوَ بِالْفَاءُ مُضَافٌ إِلَى الْحَوْرَاءِ، وَهُوَ هُدْبُ الْعَيْنِ وَإِنَّمَا ضَبَطْتُهُ وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا لِأَنِّي رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُهْمِلِينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا صَحَّفَهُ بِالْقَافِ وَقَالَ: الْحَوْرَاءُ مِثْلُ جَنَاحِ النَّسْرِ مُبْتَدَأٌ وخبر يعني في السرعة والخفة وَهَذَا كَذِبٌ وَجَهْلٌ مَحْضٌ وَإِلْحَادٌ فِي الدِّينِ وَجُرْأَةٌ عَلَى اللَّهِ ورسوله
(4/279)

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} قَالَ: حَامٌ وَسَامٌ وَيَافِثُ
وَأَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ سَامٌ أَبُو الْعَرَبِ وَحَامٌ أَبُو الْحَبَشِ وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ
وَأَخْرَجَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} قَالَ يَزِيدُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ سعدان: أن رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: "أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ لَيْسَ مِنْهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ" ثُمَّ قَرَأَ: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} .
الزُّمَرِ
أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَفْسِيرِ: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فقال: تَفْسِيرُهَا: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانُ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ والظاهر الباطن بِيَدِهِ الْخَيْرُ يُحْيِي وَيُمِيتُ" الْحَدِيثُ غَرِيبٌ وَفِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه
(4/280)

وسلم أنه سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ} مَنِ الَّذِينَ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أَنْ يُصْعَقَ قَالَ هُمُ الشُّهَدَاءُ.
غَافِرٍ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ، ثُمَّ قَرَأَ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}
فُصِّلَتْ
أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} قَدْ قَالَهَا نَاسٌ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ فَمَنْ قَالَهَا حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقَامَ عَلَيْهَا.
الشُّورَى
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَحَدَّثَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ، وَسَأُفَسِّرُهَا لَكَ يَا عَلِيُّ
(4/281)

مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَضٍ أَوْ عُقُوبَةٍ أَوْ بَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَاللَّهُ أَحْلَمُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ.
الزُّخْرُفِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجدل" ثم تلى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ: "كُلُّ أَهْلِ النَّارِ يَرَى مَنْزِلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ حَسْرَةً فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ المتقين، وَكُلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَرَى مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} فَيَكُونُ لَهُ شُكْرٌ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَالْكَافِرُ يَرِثُ الْمُؤْمِنَ مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ وَالْمُؤْمِنُ يَرِثُ الْكَافِرَ مَنْزِلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
الدُّخَانِ
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ رَبَّكُمْ أَنْذَرَكُمْ ثَلَاثًا: الدُّخَانُ
(4/282)

يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَالزَّكْمَةِ وَيَأْخُذُ الْكَافِرَ فَيَنْتَفِخُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ كُلِّ مَسْمَعٍ مِنْهُ وَالثَّانِيةُ الدَّابَّةُ وَالثَّالِثَةُ الدَّجَّالُ" لَهُ شَوَاهِدُ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَانِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِزْقُهُ وَبَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَكَلَامُهُ فَإِذَا مَاتَ فَقَدَاهُ وَبَكَيَا عَلَيْهِ وتلى: هَذِهِ الْآيَةَ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ} وَذَكَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ عَمَلًا صَالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَصْعَدُ لَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَا مِنْ عَمَلِهِمْ كَلَامٌ طَيِّبٌ وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ فَتَفْقِدُهُمْ فَتَبْكِي عَلَيْهِمْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ فِي غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ" ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ} ثُمَّ قَالَ إِنَّهُمَا لَا يَبْكِيَانِ عَلَى كَافِرٍ
الْأَحْقَافِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} قَالَ الْخَطُّ
الْفَتْحِ
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ
(4/283)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
الْحُجُرَاتِ
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالَ: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ"، قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ؟ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ"
ق
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هل من مزيد، حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ"
الذَّارِيَاتِ
أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً} هِيَ الرِّيَاحُ {فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً} هِيَ السُّفُنُ، {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} هِيَ الْمَلَائِكَةُ وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ مَا قُلْتُهُ.
الطُّورِ
أَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
(4/284)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ" ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الْآيَةَ.
النَّجْمِ
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: تلى رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ؟: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} ثُمَّ قَالَ أَتَدْرِي مَا وَفَّى؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ"
وَأَخْرَجَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ {الَّذِي وَفَّى} ؟ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ
وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} قَالَ: لَا فِكْرَةَ فِي الرَّبِّ
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ: "تَفَكَّرُوا فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ"
(4/285)

الرَّحْمَنِ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} ، قَالَ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، وَيَرْفَعَ قَوْمًا وَيَضَعَ آخَرِينَ
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيبٍ، وَالْبَزَّارُ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهُمَا"
وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلاَّ الأِحْسَانُ} وَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ يَقُولُ هَلْ جَزَاءُ مَنْ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ.
الْوَاقِعَةِ
أَخْرَجَ أَبُو بَكْرٍ النِّجَادُ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: السِّدْرُ فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُؤْذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ:؟ {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} خَضَدَ اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ
(4/286)

شَوْكَةِ ثَمَرَةً، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْبَعْثِ.
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ}
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} ، قَالَ ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، قال: قال رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} عَجَائِزَ كُنَّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا
وَأَخْرَجَ فِي الشَّمَائِلِ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَجُوزٌ، فَوَلَّتْ تَبْكِي قَالَ: أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً}
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عُرُبًا كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ"
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قول الله تعالى: {حُورٌ عِينٌ} ، قَالَ: حُورٌ بِيضٌ عِينٌ، ضِخَامُ الْعُيُونِ شُفْرُ الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ
(4/287)

قلت: أخبرني عن قول تعالى: {كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} ، قَالَ: صَفَاؤُهُنَّ كَصَفَاءِ الدُّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الْأَيْدِي
قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} قَالَ: خَيْرَاتُ الْأَخْلَاقِ حِسَانُ الْوُجُوهِ
قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عن قوله: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} ، قَالَ: رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ
قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قوله: {عُرُباً أَتْرَاباً} قَالَ: هُنَّ اللَّوَاتِي قَبَضَهُنَّ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمْطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا: مُتَعَشَّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ أَتْرَابًا: عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ} ، قال: قال رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} يَقُولُ شُكْرَكُمْ: {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا
الْمُمْتَحَنَةِ
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ- وَحَسَّنَهُ- وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولِ الله صلى
(4/288)

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قَالَ النَّوْحِ
الطَّلَاقِ
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ، طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَغَيَّظَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهُرُ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}
ن
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ وَالْحُوتَ، قَالَ اكْتُبْ قَالَ مَا أكتب؟ قال: كل شيء كائن إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَرَأَ {نْ وَالْقَلَمِ} وَالنُّونُ: الْحُوتُ، وَالْقَلَمُ: الْقَلَمُ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ: "ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، لَوْحٌ مِنْ نُورٍ وَقَلَمٌ مِنْ نُورٍ يَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ مُرْسَلٌ غَرِيبٌ
وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَبْكِي السَّمَاءُ مِنْ عَبْدٍ أَصَحَّ اللَّهُ جِسْمَهُ، وَأَرْحَبَ جَوْفَهُ، وَأَعْطَاهُ
(4/289)

مِنَ الدُّنْيَا مُقْضِمًا، فَكَانَ لِلنَّاسِ ظلوما، فَذَلِكَ الْعُتُلُّ الزَّنِيمُ" مُرْسَلٌ لَهُ شَوَاهِدُ
وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ فِيهِ مُبْهَمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قَالَ: عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ يَخِرُّونَ له سُجَّدًا
سَأَلَ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ، مَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمَ! فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَنِ الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا"
الْمُزَّمِّلِ
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ، قَالَ: مِائَةُ آيَةٍ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: غَرِيبٌ جِدًّا
الْمُدَّثِّرِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَتَصَعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ"
(4/290)

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ- وَحَسَّنَهُ- وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} ، فَقَالَ "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى فَلَا يُجْعَلُ مَعِي إِلَهٌ فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ"
عَمَّ
أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "وَاللَّهِ لَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَحَدٌ حَتَّى يَمْكُثَ فِيهَا أَحْقَابًا، وَالْحُقْبُ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، كُلُّ سَنَةٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا مِمَّا تَعُدُّونَ"
التَّكْوِيرِ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حاتم عن أبي يزيد بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قَالَ: كَوَّرَتْ فِي جَهَنَّمَ: {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} ، قَالَ: فِي جَهَنَّمَ وَأَخْرَجَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قَالَ الْقُرَنَاءُ كُلُّ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ
(4/291)

انفطرت.
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: مَا عَسَى أَنْ يُولَدَ لِي! إِمَّا غُلَامٌ أَوْ جَارِيَةٌ! قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ؟ قَالَ: مَنْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ! إِمَّا أَبَاهُ وَإِمَّا أُمَّهُ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَهْ لَا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنِهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ، {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} قَالَ سَلَكَكَ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "إنما سماهم الْأَبْرَارَ لِأَنَّهُمْ بَرُّوا الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ"
الْمُطَفِّفِينَ
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ- وَصَحَّحَهُ- وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا، كَانَتْ نُكْتَةً سَوْدَاءَ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ مِنْهَا صَقُلَ قَلْبُهُ وَإِنْ زَادَ زَادْتَ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
(4/292)

الِانْشِقَاقِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ" وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ: "لَيْسَ يُحَاسَبُ أَحَدٌ إِلَّا عُذِّبَ" قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالْحِسَابِ وَلَكِنْ ذَاكَ الْعَرْضُ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: "أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ فَيَتَجَاوَزُ لَهُ عَنْهُ إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ هَلَكَ"
الْبُرُوجِ
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَشَاهِدٍ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَمَشْهُودٍ يَوْمُ عَرَفَةَ" لَهُ شَوَاهِدُ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عباس أن رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، صَفَحَاتُهَا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ لِلَّهِ تعالى فيه في كُلَّ يَوْمٍ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ لَحْظَةٍ، يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَيُمِيتُ وَيُحْيِي وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ"
(4/293)

سَبَّحَ
أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} ، قَالَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ، وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} ، قَالَ: هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَالِاهْتِمَامُ بِهَا"
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى} قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَانَ هَذَا- أَوْ كُلُّ هَذَا- فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى"
الْفَجْرِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الْعَشْرَ عَشْرُ الْأَضْحَى، وَالْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ" قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ وَفِي رَفْعِهِ نَكَارَةٌ
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: "الشَّفْعُ الْيَوْمَانِ وَالْوَتْرُ الْيَوْمُ الثَّالِثُ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فَقَالَ: "الصَّلَاةُ بَعْضُهَا شَفْعٌ وَبَعْضُهَا وَتْرٌ"
(4/294)

الْبَلَدِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ قَالَ: عتق النَّسَمَةَ وَفُكَّ الرَّقَبَةَ، قَالَ: أَوْ لَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ قال لا إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تُفْرَدَ بِعِتْقِهَا وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ في عتقها.
الشمس
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى
أَلَمْ نَشْرَحْ
أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي
الزَّلْزَلَةِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} ، قَالَ: أَتُدْرُونَ، مَا "أَخْبَارُهَا"؟
(4/295)

قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَنْ تَشَهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ كَذَا وَكَذَا فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا.
الْعَادِيَاتِ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قال: قال رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إِنَّ الأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} قَالَ: "الْكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رَفْدَهُ"
أَلْهَاكُمُ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عن زيد بن أسلم مُرْسَلًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرِ عَنِ الطَّاعَةِ حَتَّى زُرْتُمُ المقابر حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَوْتُ"
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رُطَبًا وَشَرِبُوا مَاءً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تَسْأَلُونَ عَنْهُ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} قَالَ: "الْأَمْنُ وَالصِّحَّةُ"
(4/296)

الْهُمَزَةِ
أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله وسلم: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} قال مطبقة.
أرأيت {الماعون}
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو يَعْلَى عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} قَالَ هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا
الْكَوْثَرِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر نهر أعطانيه رَبِّي فِي الْجَنَّةِ" لَهُ طُرُقٌ لَا تُحْصَى
النَّصْرِ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: "إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ"،قال رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي"
(4/297)

الصمد
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بُرَيْدَةَ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَهُ، قَالَ: "الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ"
الْفَلَقِ
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطًّى"، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: غَرِيبٌ لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ النسائي عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي، فَأَرَانِي الْقَمَرَ حِينَ طَلَعَ، وَقَالَ: "تَعَوُّذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبَ"
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} ، قَالَ: النَّجْمُ الْغَاسِقُ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ.
النَّاسِ
أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خُرْطُومَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ أَيْ سَكَنَ، وَإِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ"
فَهَذَا مَا حَضَرَنِي مِنَ التَّفَاسِيرِ الْمَرْفُوعَةِ المصرح برفعها صحيحها وَحَسَنِهَا، ضَعِيفِهَا وَمُرْسَلِهَا وَمُعْضَلِهَا، وَلَمْ أُعَوِّلْ عَلَى الْمَوْضُوعَاتِ وَالْأَبَاطِيلِ
(4/298)

وَقَدْ وَرَدَ مِنَ الْمَرْفُوعِ فِي التَّفْسِيرِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ طِوَالٌ تَرَكْتُهَا:
أَحَدُهَا: الْحَدِيثُ فِي قِصَّةِ مُوسَى مع الخضر وفيه تفسير آيات الْكَهْفِ وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وغيره.
والثاني: حَدِيثُ الْفُتُونِ طَوِيلٌ جِدًّا فِي نِصْفِ كَرَّاسٍ يَتَضَمَّنُ شَرْحَ قِصَّةِ مُوسَى وَتَفْسِيرَ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ لَكِنْ نَبَّهَ الْحُفَّاظُ مِنْهُمُ الْمِزِّيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ قَلِيلٌ صَرَّحَ بِعَزْوِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلَقَّاهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ.
الثَّالِثُ: حَدِيثُ الصُّورِ وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ حَدِيثِ الْفُتُونِ يَتَضَمَّنُ شَرْحَ حَالِ الْقِيَامَةِ وَتَفْسِيرَ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ سُوَرٍ شَتَّى فِي ذَلِكَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ وَأَبُو يَعْلَى وَمَدَارُهُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ قَاضِي الْمَدِينَةِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِسَبَبِهِ وَفِي بَعْضِ سِيَاقِهِ نَكَارَةٌ وَقِيلَ إنه جمعه من طرق أو أماكن مُتَفَرِّقَةٍ وَسَاقَهُ سِيَاقًا وَاحِدًا
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ لِأَصْحَابِهِ تَفْسِيرَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ أَوْ غَالِبِهِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ ماجة عن عمر أنه قَالَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ آيَةُ الرِّبَا وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ قَبْلَ أَنْ يُفَسِّرَهَا دَلَّ فَحْوَى الْكَلَامِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُفَسِّرُ لَهُمْ كُلَّ مَا نَزَلَ وَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُفَسِّرْ هَذِهِ الْآيَةَ لِسُرْعَةِ مَوْتِهِ بَعْدَ نُزُولِهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ بِهَا وَجْهٌ
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا كَانَ رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ يُفَسِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا آيًا بَعْدَ عِلْمِهِ إِيَّاهُنَّ مِنْ جِبْرِيلَ"، فَهُوَ
(4/299)

حَدِيثٌ مُنْكَرٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَوَّلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهَا إِشَارَاتٌ إِلَى آيَاتٍ مُشْكِلَاتٍ أُشْكِلْنَ عَلَيْهِ فَسَأَلَ اللَّهُ عِلْمَهُنَّ فأنزله إِلَيْهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ
وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِإِتْمَامِ هَذَا الْكِتَابِ الْبَدِيعِ الْمِثَالِ الْمَنِيعِ الْمَنَالِ الْفَائِقِ بِحُسْنِ نِظَامِهِ عَلَى عُقُودِ اللآل الْجَامِعِ لِفَوَائِدَ وَمَحَاسِنَ لَمْ تَجْتَمِعْ فِي كِتَابٍ قبله في العصور الْخَوَالِ أَسَّسْتُ فِيهِ قَوَاعِدَ مُعِينَةً عَلَى فَهْمِ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ وَبَيَّنْتُ فِيهِ مَصَاعِدَ يُرْتَقَى فِيهَا لِلْإِشْرَافِ عَلَى مَقَاصِدِهِ وَيُتَوَصَّلُ وَأَرْكَزْتُ فِيهِ مَرَاصِدَ تَفْتَحُ مِنْ كُنُوزِهِ كُلَّ بَابٍ مُقْفَلٍ فِيهِ لُبَابُ الْعُقُولِ وَعُبَابُ الْمَنْقُولِ وَصَوَابُ كُلِّ قَوْلٍ مَقْبُولِ مَحَّضْتُ فِيهِ كُتُبَ الْعِلْمِ عَلَى تَنَوُّعِهَا وَأَخَذْتُ زُبْدَهَا وَدُرَّهَا وَمَرَرْتُ عَلَى رِيَاضِ التَّفَاسِيرِ عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهَا وَاقْتَطَفْتُ ثَمَرَهَا وَزَهْرَهَا وَغُصْتُ بِحَارَ فُنُونِ الْقُرْآنِ فَاسْتَخْرَجْتُ جَوَاهِرَهَا وَدُرَرَهَا وَبَقَرْتُ عَنْ مَعَادِنِ كُنُوزٍ فَخَلَّصْتُ سَبَائِكُهَا وَسَبَكْتُ فِقَرَهَا فَلِهَذَا تَحَصَّلَ فِيهِ مِنَ الْبَدَائِعِ مَا تُبَتُّ عِنْدَهُ الْأَعْنَاقُ بَتًّا وَتَجَمَّعَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ مَا تَفَرَّقَ فِي مُؤَلِّفَاتٍ شَتَّى عَلَى أَنِّي لَا أَبِيعُهُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَلَا أَدَّعِي أَنَّهُ جَمَعَ سَلَامَةً كَيْفَ وَالْبَشَرُ مَحَلُّ النَّقْصِ بِلَا رَيْبٍ هَذَا وَإِنِّي فِي زَمَانٍ مَلَأَ اللَّهُ قُلُوبَ أَهْلِيهِ مِنْ الْحَسَدِ وَغَلَبَ عَلَيْهِمُ اللُّؤْمُ حَتَّى جَرَى مِنْهُمْ مَجْرَى الدَّمِ مِنَ الْجَسَدِ.
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ
طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ
لَوْلَا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ
مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ الْعُودِ
قَوْمٌ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْجَهْلُ وطمعهم وَأَعْمَاهُمْ حُبُّ الرِّيَاسَةِ وَأَصَمَّهُمْ قَدْ نَكَبُوا
(4/300)

عَنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَنَسَوْهُ وَأَكَبُّوا عَلَى عِلْمِ الْفَلَاسِفَةِ وَتَدَارَسُوهُ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ مِنْهُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَزِيدَهُ تَأْخِيرًا وَيَبْغِي الْعِزَّ وَلَا عِلْمَ عِنْدِهِ فلا يَجِدْ لَهُ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا:
أتمسى الْقَوَافِي تَحْتَ غَيْرِ لِوَائِنَا
وَنَحْنُ عَلَى أَقْوَالِهَا أُمَرَاءُ!
وَمَعَ ذَلِكَ فلا ترى إلا أنوفا مشمخرة وَقُلُوبًا عَنِ الْحَقِّ مُسْتَكْبِرَةً وَأَقْوَالًا تَصْدُرُ عَنْهُمْ مفتراة مُزَوَّرَةً كُلَّمَا هَدَيْتَهُمْ إِلَى الْحَقِّ كَانَ أَصَمَّ وَأَعْمَى لَهُمْ كَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوَكِّلْ بِهِمْ حَافِظِينَ يَضْبِطُونَ أَقْوَالَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ فَالْعَالِمُ بَيْنَهُمْ مَرْجُومٌ يَتَلَاعَبُ بِهِ الْجُهَّالُ وَالصِّبْيَانُ وَالْكَامِلُ عِنْدَهُمْ مَذْمُومٌ دَاخِلٌ فِي كِفَّةِ النُّقْصَانِ
وَايْمُ اللَّهِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي يَلْزَمُ فِيهِ السُّكُوتُ وَالْمَصِيرُ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ الْبُيُوتِ وَرَدُّ الْعِلْمِ إِلَى العمل لولا مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْأَخْبَارِ "مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
ادْأَبْ عَلَى جَمْعِ الْفَضَائِلِ جَاهِدًا
وَأَدِمْ لَهَا تَعَبُ الْقَرِيحَةِ وَالْجَسَدْ
وَاقْصِدْ بِهَا وَجْهَ الْإِلَهِ وَنَفْعَ مَنْ
بَلَّغْتَهُ مِمَّنْ جَدَّ فِيهَا وَاجْتَهَدْ
وَاتْرُكْ كَلَامَ الْحَاسِدِينَ وَبَغْيَهُمْ
هَمَلًا فَبَعْدَ الْمَوْتِ يَنْقَطِعُ الْحَسَدْ
وَأَنَا أَضْرَعُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَزَّ سُلْطَانُهُ كَمَا مَنَّ بِإِتْمَامِ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يُتِمَّ النِّعْمَةَ بِقَبُولِهِ وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ أتباع رسوله وألا يُخَيِّبَ أَمَلَنَا فَهُوَ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يُخَيِّبُ مَنْ أَمَّلَهُ وَلَا يَخْذِلُ مَنِ انْقَطَعَ عَمَّنْ سِوَاهُ وأم له
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وغفل عن ذكره الغافلون.
تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلواته على أشرف خلقه وتاج رسله محمد وعلى آله وصحبه وسلامه والحمد لله وحده.
(4/301)