Advertisement

أسباب النزول ت الحميدان 002



الكتاب: أسباب نزول القرآن
المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: 468هـ)
المحقق: عصام بن عبد المحسن الحميدان
قال المحقق: قمت بتوفيق الله وحده بتخريج أحاديث الكتاب تخريجا مستوفى على ما ذكر العلماء أو ما توصلت إليه من خلال نقد تلك الأسانيد
الناشر: دار الإصلاح - الدمام
الطبعة: الثانية، 1412 هـ - 1992 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الكتاب مرتبط بنسخة مصورة لنفس طبعته، وأيضا مرتبط بنسخة شاملة لطبعة أخرى (ط العلمية) التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: إِنْ كَانَ مَا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ.
(1) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَ:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} الْآيَةَ {33} .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ ... .} {35} .
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ بْنُ أَبِي عَمْرٍو النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ شَبِيبٍ الْمَعْمَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إبراهيم بن بالوبه قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُثَنَّى مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَيُصَفِّقُونَ، وَوَصَفَ الصَّفْقَ بِيَدِهِ، وَيُصَفِّرُونَ، وَوَصَفَ صَفِيرَهُمْ، وَيَضَعُونَ خُدُودَهُمْ بِالْأَرْضِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الْآيَةَ {36} .
قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْمُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَبُو جَهْلِ
بْنُ هِشَامٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَنُبَيْهُ وَمُنَبِّهُ ابْنَا حجاج وأبو البحتري بْنُ هِشَامٍ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَزَمْعَةُ بن الأسود والحرث بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ يُطْعِمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جَرَائِرَ.
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/308 - ح: 4648) ومسلم (4/2154 - ح: 2796) وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه (فتح القدير: 2/304) والبيهقي (دلائل النبوة: 3/75) عن أنس رضي الله عنه به.
(2) - ضعيف، لضعف عطية - وهو العوفي -.
(1/236)

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبْزَى: نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، اسْتَأْجَرَ يَوْمَ "أُحُدٍ" أَلْفَيْنِ مِنَ الْأَحَابِيشِ يُقَاتِلُ بِهِمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَى مَنِ اسْتَجَابَ لَهُ مِنَ الْعَرَبِ، وَفِيهِمْ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
فَجِئْنَا إِلَى مَوْجٍ مِنَ الْبَحْرِ وَسْطَهُ أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمُقَنَّعُ
ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَنَحْنُ نَصِيَّةٌ ثَلَاثُ مِئِينَ إِنْ كَثُرْنَا فَأَرْبَعُ
(1) - وَقَالَ الْحَكَمُ بن عتيبة: أنقق أَبُو سُفْيَانَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ "أُحُدٍ" أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ.
(2) - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ رِجَالِهِ: لَمَّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ "بَدْرٍ" فَرَجَعَ فَلُّهُمْ إِلَى مَكَّةَ وَرَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِعِيرِهِمْ، مَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ أُصِيبَ آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَإِخْوَانُهُمْ "بِبَدْرٍ"، فَكَلَّمُوا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ فِي تِلْكَ الْعِيرِ تِجَارَةٌ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا بِهَذَا الْمَالِ الَّذِي أَفْلَتَ عَلَى حَرْبِهِ لَعَلَّنَا نُدْرِكُ مِنْهُ ثَأْرًا بِمَنْ أُصِيبَ مِنَّا، فَفَعَلُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ.
(3) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {64} .
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (9/165) وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ (فتح القدير: 2/307) عن الحكم به، وهو مرسل لا بأس به، ويشهد له: الأثر الآتي:.
(2) - أخرجه ابن جرير (9/160) وابن المنذر وابن أبي حاتم (فتح القدير: 2/307) والبيهقي في "الدلائل" (3/224) من طريق ابن إسحاق عن الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن وعمرو بن سعد بن معاذ به، وهو مرسل صحيح الإسناد، وانظر (تفسير ابن جرير: 9/160) ففيه مراسيل جيّدة شاهدة لهذا.
(3) - أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 12/60 - ح: 12470) وأبو الشيخ وابن مردويه (فتح القدير: 2/324) من طريق إسحاق بن بشر به، وهذا موضوع، آفته إسحاق بن بشر الكاهلي (مجمع الزوائد: 7/28) (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 2/214 - رقم: 734) ، لكن يغني عنه:
* ما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 2/324) عن سعيد بن جبير نحوه، وذكر أنهم ثلاث وثلاثون وهو مرسل، صححه السيوطي (لباب النقول: 113) ولا أراه يصح؛ لأسباب:
1 - قول الحافظ ابن كثير "وفي هذا نظر؛ لأن الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة، وقبل الهجرة إلى المدينة" (تفسير ابن كثير: 2/324) .
2 - أن الثابت في السيرة أن عدد المؤمنين المهاجرين إلى أرض الحبشة ثلاثة وثمانون رجلاً سوى النساء والأبناء ومن بقي بمكة (السيرة النبوية لابن هشام: 1/286، 294) (السيرة النبوية لمحمود شاكر: 101، 102) وإسلام عمر كان بعد ذلك فكيف يكون تمام الأربعين؟.
أن معنى الآية يضعف هذا السبب، فالآية تأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والذين آمنوا معه أن يكون الله وحده حسبهم، في حين أن معنى السبب يوحي بأن معنى الآية: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين مثل عمر. وهذا التفسير مستبعد جدًّا؛ لأن القرآن دائما يقرر أن الاعتماد على الله وحده هو صلب التوحيد، كما قال تعالى: (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله) (الأنفال - 62) وغير ذلك، وقد صح عن الشعبي أنه فسّرها بمثل ما قررنا (ابن جرير: 10/26، وغيره، فتح القدير: 2/325) والله أعلم.
(1/237)

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ والحارث قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ الْمُغَلِّسِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ أَسْلَمَ فَصَارُوا أَرْبَعِينَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} الْآيَةَ {67 - 69} .
قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرَى الرَّأْيَ فَيُوَافِقُ رَأْيَهُ مَا يَجِيءُ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَشَارَ فِي أُسَارَى "بَدْرٍ"، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَنُو عَمِّكَ
(1/238)

افْدِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْتُلْهُمْ، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى}
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأُسَارَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: قَوْمُكَ وَعَشِيرَتُكَ
خَلِّ سَبِيلَهُمْ، وَاسْتَشَارَ عُمَرَ فَقَالَ: اقْتُلْهُمْ، فَفَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} قَالَ: فَلَقِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ فَقَالَ: كَادَ أَنْ يُصِيبَنَا فِي خِلَافِكَ بَلَاءٌ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ "بَدْرٍ" وَجِيءَ بِالْأَسْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ اسْتَبْقِهِمْ وَاسْتَأْنِ بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ عُمَرُ: كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ فَقَدِّمْهُمْ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فِيهِ، ثُمَّ أَضْرِمْ عَلَيْهِمْ نَارًا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُجِبْهُمْ، ثُمَّ دَخَلَ فَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَيُلِينُ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2) وَإِنَّ مِثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ عِيسَى قَالَ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (3) وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ
_________
(1) - إسناده منقطع، فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه (تهذيب التهذيب: 5/75) .
(2) سورة إبراهيم: الآية 36.
(3) سورة المائدة: الآية 118.
(1/239)

مُوسَى، قَالَ: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ... } (1) وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ قَالَ: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (2) " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةٌ أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةٌ، فَلَا يَنْقَلِبَنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبِ عُنُقٍ"، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ
- عَزَّ وَجَلَّ - {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ.
(3) - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُوحٍ قُرَادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ "بَدْرٍ" وَالْتَقَوْا فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا وَأُسِرَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةُ وَالْإِخْوَانُ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمُ الْفِدْيَةَ، فَيَكُونَ مَا أَخَذْنَا مِنْهُمْ قُوَّةً لَنَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ فَيَكُونُوا لَنَا عَضُدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ"، قَالَ: قُلْتُ وَاللَّهِ مَا أَرَى مَا رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنْ أَنْ تُمَكِّنَنِي مِنْ فُلَانٍ - قَرِيبٍ لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ حَمْزَةَ مِنْ فُلَانٍ أَخِيهِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلَاءِ صَنَادِيدُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ، فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ؛ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ عُمَرُ: غَدَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَإِذَا هُمَا يَبْكِيَانِ فَقُلْتُ:
_________
(1) سورة يونس: الآية 88.
(2) سورة نوح: الآية 26.
(3) - أخرجه مسلم (3/1383 - ح: 1763) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 14/102 - ح: 292) وابن جرير (10/31) والبيهقي في "الدلائل" (3/137) وأبو نعيم في "الدلائل" (2/171) من طريق سماك الحنفي به.
(1/240)

يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا يُبْكِيكَ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنَ الْفِدَاءِ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنَ الشَّجَرَةِ " - لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ - وَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ
لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إِلَى قَوْلِهِ: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} مِنَ الْفِدَاءِ {عَذَابٌ عَظِيمٌ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} الْآيَةَ {70} .
قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَعَهُ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ وَكَانَ خَرَجَ بِهَا مَعَهُ إِلَى بَدْرٍ لِيُطْعِمَ بِهَا النَّاسَ، وَكَانَ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ ضَمِنُوا إِطْعَامَ أَهْلِ بَدْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَلَغَتْهُ النَّوْبَةُ حَتَّى أُسِرَ، فَأُخِذَتْ مِنْهُ وَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ، قَالَ: فَكَلَّمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْعَلَ لِيَ الْعِشْرِينَ الْأُوقِيَّةَ الذَّهَبَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنِّي فِدَاءً، فَأَبَى عَلَيَّ وَقَالَ: "أَمَّا شَيْءٌ خَرَجْتَ تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْنَا فَلَا"، وَكَلَّفَنِي فِدَاءَ ابْنِ أَخِي عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنْ فِضَّةٍ، فَقُلْتُ لَهُ: تَرَكْتَنِي وَاللَّهِ أَسْأَلُ قُرَيْشًا بِكَفِّي وَالنَّاسَ مَا بَقِيتُ، قَالَ: "فَأَيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ قَبْلَ مَخْرَجِكَ إِلَى بَدْرٍ وَقُلْتَ لَهَا: إِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فِي وَجْهِي هَذَا فَهُوَ لَكِ وَلِعَبْدِ اللَّهِ وَالْفَضْلِ وَقُثَمَ"؟ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا
_________
(1) - أخرج الحاكم (المستدرك: 3/324، والبيهقي (فتح القدير: 2/328) عن عائشة رضي الله عنها مطولاً بمعناه، وصححه الحاكم، ويشهد له:
* ما أخرجه الطبراني في الأوسط (لباب النقول: 114) وابن جرير (10/35) والبيهقي في "الدلائل" (3/143) وأبو نعيم في "الدلائل" (2/271) عن ابن عباس رضي الله عنهما مختصرًا بمعناه، وإسناده صحيح.
(1/241)

يُدْرِيكَ؟ قَالَ: "أَخْبَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ"، قَالَ: أَشْهَدُ إِنَّكَ لَصَادِقٌ وَإِنِّي قَدْ دفعت إليها ذهبا ولم يطلع عليها أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: فَأَعْطَانِي اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنِّي، كَمَا قَالَ: عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهُمْ يَضْرِبُ بِمَالٍ كَثِيرٍ مَكَانَ الْعِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وَأَنَا أَرْجُو الْمَغْفِرَةَ مِنْ رَبِّي.
(1/242)

سُورَةُ بَرَاءَةَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} {12} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَسَائِرِ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَهُمُ الَّذِينَ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} {17} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَعَيَّرُوهُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَأَغْلَظَ عَلِيٌّ لَهُ الْقَوْلَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: مَا لَكُمْ تَذْكُرُونَ مَسَاوِينَا وَلَا تَذْكُرُونَ، مَحَاسِنَنَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَلَكُمُ مَحَاسِنُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّا لَنَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ، وَنَحْجُبُ الْكَعْبَةَ، وَنَسَقِي الْحَاجَّ، وَنَفُكُّ الْعَانِيَ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - رَدًّا عَلَى الْعَبَّاسِ: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا} الْآيَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} الْآيَةَ {19} .
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْوَزَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ
_________
(1) - أخرجه مسلم (3/1499 - ح: 1879) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/159 - ح: 293) وابن جرير (10/67) وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه (فتح القدير: 2/345) والطبراني في "الأوسط" (1/266 - ح: 423) عن النعمان به، ويشهد له:
* ما أخرجه عبد الرزاق (تفسير ابن كثير: 2/342) وابن جرير (10/67) من وجه آخر عن النعمان به، وإسناده صحيح.
(1/243)

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ الْحَلَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ،
عَنْ أَبِي سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ الْآخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - وَلَكِنِّي إِذَا صَلَّيْتُ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَفَعَلَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ أَبِي تَوْبَةَ.
(1) - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْوَالِبِيِّ: قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ لَقَدْ كُنَّا نَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَنَسَقِي الْحَاجَّ وَنَفُكُّ الْعَانِيَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الْآيَةَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالْقُرَظِيُّ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ وَطَلْحَةَ بْنِ شَيْبَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُمُ افْتَخَرُوا، فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا صَاحِبُ الْبَيْتِ بِيَدِي مِفْتَاحُهُ وَلَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِيهِ وَإِلَيَّ ثِيَابُ بَيْتِهِ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَنَا صَاحِبُ السِّقَايَةِ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا، وَقَالَ عَلِيٌّ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولَانِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ النَّاسِ، وَأَنَا صَاحِبُ الْجِهَادِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَمُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ لِلْعَبَّاسِ: أَلَا تُهَاجِرُ؟ أَلَا
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (10/67) وابن المنذر وابن أبي حاتم (فتح القدير: 2/346) من طريق الوالبي - وهو علي بن أبي طلحة - عن ابن عباس رضي الله عنهما به، وإسناده صحيح كما سبق.
(1/244)

تَلْحَقُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: أَلَسْتُ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْهِجْرَةِ؟ أَلَسْتُ أَسْقِي حَاجَّ بَيْتِ اللَّهِ وَأَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ} الْآيَةَ {23 - 24} .
قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ جَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِأَبِيهِ وَأَخِيهِ وَامْرَأَتِهِ: إِنَّا قَدْ أُمِرْنَا بِالْهِجْرَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُسْرِعُ إِلَى ذَلِكَ وَيُعْجِبُهُ، ومنهم من يتعلق بِهِ زَوْجَتُهُ وَعِيَالُهُ وولده، فيقولون: ناشدناك اللَّهَ أَنْ تَدَعَنَا إِلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَنَضِيعَ، فَيَرِقُّ فَيَجْلِسُ مَعَهُمْ وَيَدَعُ الْهِجْرَةَ، فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ} الْآيَةَ. وَنَزَلَ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} يَعْنِي: الْقِتَالَ وَفَتْحَ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} {34} .
نَزَلَتْ فِي الْعُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كانوا يأخذون الرشاء مِنْ سِفْلَتِهِمْ، وَهِيَ الْمَآكِلُ الَّتِي كَانُوا يُصِيبُونَهَا مِنْ عَوَامِّهِمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الْآيَةَ {34} .
أَخْبَرَنَا أبو إسحاق المقري قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُصَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا؟ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ
الْكِتَابِ، فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ، وَكَتَبَ إلى عثمان يشكو مني، وَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنْ أَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَقَدِمْتُهَا، وَكَثُرَ النَّاسُ عَلَيَّ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ وَكُنْتَ قَرِيبًا،
(1/245)

فَذَلِكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ حُصَيْنٍ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ هُشَيْمٍ.
وَالْمُفَسِّرُونَ أَيْضًا مُخْتَلِفُونَ: فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ عَامَّةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} قَالَ: يُرِيدُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّجَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَافًى قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرَادِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّ الْمَالِ نَكْنِزُ؟ قَالَ: "قَلْبًا شَاكِرًا وَلِسَانًا ذَاكِرًا وَزَوْجَةً صَالِحَةً".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا} الْآيَةَ {38} .
نَزَلَتْ فِي الْحَثِّ عَلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ وَغَزْوَةِ حُنَيْنٍ أَمَرَ بِالْجِهَادِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ وَجَدْبٍ مِنَ الْبِلَادِ وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ، حِينَ أَخْرَفَتِ النَّخْلُ وَطَابَتِ الثِّمَارُ، فَعَظُمَ على الناس غزوة الرُّومِ وَأَحَبُّوا الظِّلَالَ وَالْمُقَامَ فِي الْمَسَاكِنِ وَالْمَالِ، وَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْخُرُوجُ إِلَى الْقِتَالِ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ تَثَاقُلَ النَّاسِ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} {41} .
نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ اعْتَذَرُوا بِالضَّيْعَةِ وَالشُّغْلِ وَانْتِشَارِ الْأَمْرِ، فَأَبَى اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَعْذِرَهُمْ دُونَ أَنْ يَنْفِرُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ
(1/246)

مَطَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ أَبُو طَلْحَةَ: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} فَقَالَ: مَا أَسْمَعُ اللَّهَ عَذَرَ أَحَدًا، فَخَرَجَ مُجَاهِدًا إِلَى الشَّامِ حَتَّى مَاتَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: جَاءَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عَظِيمًا سَمِينًا، فَشَكَا إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ اشْتَدَّ شَأْنُهَا عَلَى النَّاسِ، فَنَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْزَلَ: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى} الْآيَةَ. ثُمَّ أَنْزَلَ فِي الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا} الْآيَةَ. وَقَوْلَهُ تَعَالَى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَرَجَ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ عَلَى ذِي جُدَّةَ أَسْفَلَ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بن أُبيّ بمن تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} الْآيَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي} الْآيَةَ {49} .
نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ لَهُ: "يَا أَبَا
_________
(1) - أخرج الطبراني معناه (المعجم الكبير: 12/122 - ح: 12654) من طريق الضحاك عن ابن عباس، وإسناده ضعيف، ومنقطع (مجمع الزوائد: 7/30) (حاشية المعجم الكبير: 12/122) ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (10/104) من طريق ابن جريج عن ابن عباس نحوه، وإسناده كسابقه ضعيف، ومنقطع.
* ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 11/63 - ح: 11052) عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه دون ذكر الاسم، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/30) بسبب: إبراهيم بن عثمان العبسي، قلت: هو متروك (تقريب التهذيب: 1/39 - رقم: 241) .
(1/247)

وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سَرَارِيَّ وَوُصَفَاءَ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتِ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لا أصبر عنهم فَلَا تَفْتِنِّي بِهِمْ وَائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ عَنْكَ وَأُعِينُكَ بِمَالِي، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: "قَدْ أَذِنْتُ لَكَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَنِي سَلِمَةَ - وَكَانَ الْجَدُّ مِنْهُمْ -: "مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟ " قَالُوا: الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ غَيْرَ أَنَّهُ بَخِيلٌ جَبَانٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ، بَلْ سَيِّدُكُمُ الْأَبْيَضُ الْفَتَى الْجَعْدُ: بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ"، فَقَالَ فِيهِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْحَقُّ لَاحِقٌ ... بِمَنْ قَالَ مِنَّا مَنْ تَعُدُّونَ سَيِّدَا
فَقُلْنَا لَهُ: جَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى الَّذِي ... نُبَخِّلُهُ فِينَا وَإِنْ كَانَ أَنْكَدَا
فَقَالَ وَأَيُّ الدَّاءِ أَدْوَى مِنَ الَّذِي ... رَمَيْتُمْ بِهِ جَدًّا وعالى بها بدا
وَسَوَّدَ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ بِجُودِهِ ... وَحُقَّ لِبِشْرٍ ذِي النَّدَا أَنْ يُسَوَّدَا
إِذَا مَا أَتَاهُ الْوَفْدُ أَنْهَبَ مَالَهُ ... وَقَالَ: خُذُوهُ إِنَّهُ عَائِدٌ غَدَا
وَمَا بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ كُلِّهَا لِلْمُنَافِقِينَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الْآيَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} الْآيَةَ {58} .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 12/290 - ح: 6933) ومسلم (2/744 - ح: 1064 "184") والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/160 - ح: 294) وابن جرير (10/109) والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه (فتح القدير: 2/373) من طريق الزهري عن أبي سلمة به.
(1/248)

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ قَسْمًا إِذْ جَاءَهُ ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ حَرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ أَصْلُ الْخَوَارِجِ، فَقَالَ اعْدِلْ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ " فَنَزَلَتْ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} الْآيَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مَعْمَرٍ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْجَوَّاظِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَقْسِمْ بِالسَّوِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} .
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} الْآيَةَ. نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُؤْذُونَ الرَّسُولَ وَيَقُولُونَ فِيهِ مَا لَا يَنْبَغِي، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَبْلُغَهُ مَا تَقُولُونَ فَيَقَعَ بِنَا: فَقَالَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدٍ نَقُولُ مَا شِئْنَا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنَا بِمَا نَقُولُ، فَإِنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سَامِعَةٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُقَالُ لَهُ نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَكَانَ رَجُلًا أَدْلَمَ أَحْمَرَ الْعَيْنَيْنِ أَسْفَعَ الْخَدَّيْنِ مُشَوَّهَ الْخِلْقَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ الشَّيْطَانَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى نَبْتَلِ بْنِ الْحَارِثِ"، وكان ينم حديث النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمُنَافِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ، فَقَالَ: إِنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَنْ حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ. نَقُولُ مَا شِئْنَا، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَنَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: اجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ جُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ فَأَرَادُوا أَنْ يَقَعُوا فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُمْ غُلَامٌ مِنَ
_________
(1) - أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم (فتح القدير: 2/377) من طريق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما به، وإسناده حسن.
(1/249)

الْأَنْصَارِ يُدْعَى: عَامِرَ بْنَ قَيْسٍ فَحَقَّرُوهُ، فَتَكَلَّمُوا وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. فَغَضِبَ الْغُلَامُ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ وَإِنَّكُمْ لَشَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، فَدَعَاهُمْ فَسَأَلَهُمْ، فَحَلَفُوا أَنَّ عَامِرًا كَاذِبٌ وَحَلَفَ عَامِرٌ أَنَّهُمْ كَذَبَةٌ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُفَرِّقْ بَيْنَنَا حَتَّى تُبَيِّنَ صِدْقَ الصَّادِقِ مِنْ كَذِبِ الْكَاذِبِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ} وَنَزَلَ قَوْلُهُ: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ} الْآيَةَ {64} .
قَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي قُدِّمْتُ فَجُلِدْتُ مِائَةً وَلَا يَنْزِلُ فِينَا شَيْءٌ يَفْضَحُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَقُولُونَ الْقَوْلَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَقُولُونَ: عَسَى اللَّهُ أَنْ لَا يُفْشِيَ عَلَيْنَا سِرَّنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} {65} .
قَالَ قَتَادَةُ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِذْ قَالُوا: يَرْجُو هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشَّامِ وَحُصُونَهَا! هَيْهَاتَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: "احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ" فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: "قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - وقال زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ومحمد بن وهب: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: مَا
رَأَيْتُ مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَ
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (10/119) وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ (فتح القدير: 2/378) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما به موصولاً بالرواية الآتية.
وإسناده جيّد، وهشام بن سعد وإن كان في حفظه شيء، إلا أنه أثبت الناس في روايته عن زيد بن أسلم (تهذيب التهذيب: 11/40) (ميزان الاعتدال: 4/299) .
(1/250)

وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَذَهَبَ عَوْفٌ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ الْقُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ، فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدِ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ وَنَتَحَدَّثُ بِحَدِيثِ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ عَنَّا الطَّرِيقَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَوْزَقِيُّ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الْخَيَّاطُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ دَاوُدَ الْمِهْرَجَانِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَسِيرٍ قُدَّامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْحِجَارَةُ تَنْكُبُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} ؟.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا} الْآيَةَ {74} .
قَالَ الضَّحَّاكُ: خَرَجَ الْمُنَافِقُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى تَبُوكَ، وَكَانُوا إِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ سَبُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ وَطَعَنُوا فِي الدِّينِ، فَنَقَلَ مَا قَالُوا حُذَيْفَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "يَا أَهْلَ النِّفَاقِ مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ"؟ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ إِكْذَابًا لَهُمْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلَا، رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ وَرَجُلًا مِنْ غِفَارٍ، فَظَهَرَ الْغِفَارِيُّ عَلَى الْجُهَيْنِيِّ، فَنَادَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: يَا بَنِي الْأَوْسِ انْصُرُوا أَخَاكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَسَمِعَ بِهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، فَأَرْسَلَ
إِلَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} {74} .
قَالَ الضَّحَّاكُ: هَمُّوا أَنْ يَدْفَعُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ وَكَانُوا قَوْمًا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ
(1/251)

مَعَهُ، يَلْتَمِسُونَ غِرَّتَهُ حَتَّى أَخَذَ فِي عَقَبَةٍ، فَتَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ وَتَأَخَّرَ بَعْضُهُمْ وَذَلِكَ كَانَ لَيْلًا قَالُوا: إِذَا أَخَذَ فِي الْعَقَبَةِ دَفَعْنَاهُ عَنْ رَاحِلَتِهِ فِي الْوَادِي، وَكَانَ قَائِدُهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَسَائِقُهُ حُذَيْفَةَ فَسَمِعَ حُذَيْفَةُ وَقْعَ أَخْفَافِ الْإِبِلِ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِقَوْمٍ مُتَلَثِّمِينَ، فَقَالَ: إِلَيْكُمْ إِلَيْكُمْ يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ؛ فَأَمْسَكُوا، وَمَضَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى نَزَلَ مَنْزِلَهُ الَّذِي أَرَادَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} الْآيَةَ {75} .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بن سهل الحوني قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بن رفاعة السلمي عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ: أَنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ"، ثُمَّ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ تَسِيلَ مَعِيَ الْجِبَالُ فِضَّةً وَذَهَبًا
لَسَالَتْ". فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَئِنْ دَعَوْتَ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا لَأُوتِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (10/130) وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والعسكري وابن منده والبارودي وأبو نعيم وابن مردويه وابن عساكر (فتح القدير: 2/385) والبيهقي في "الدلائل" (5/289 - 292) والطبراني (المعجم الكبير: 8/260 - ح: 7873) من طريق علي بن يزيد به. وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/32) بسبب علي بن يزيد، وهو كما قال وضعفه القرطبي كذلك (الجامع لأحكام القرآن: 8/210) ، ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (10/130) وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 2/386) والبيهقي في "الدلائل" (2/289) من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه مختصرًا وإسناده ضعيف.
(1/252)

حَقَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالًا"، فَاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَنَزَلَ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَتِهَا حَتَّى جَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي جَمَاعَةٍ وَيَتْرُكُ مَا سِوَاهُمَا، ثُمَّ نَمَتْ وَكَثُرَتْ حَتَّى ترك الصلاة إلى الْجُمُعَةَ، وَهِيَ تَنْمُو كَمَا يَنْمُو الدُّودُ حَتَّى تَرَكَ الْجُمُعَةَ، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ؟ " فَقَالُوا: اتَّخَذَ غَنَمًا وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ وَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِهِ، فَقَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ" ثَلَاثًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} وَأَنْزَلَ فَرَائِضَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ وَرَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَكَتَبَ لَهُمَا كَيْفَ يَأْخُذَانِ الصَّدَقَةَ، وَقَالَ لَهُمَا: مُرَّا بِثَعْلَبَةَ وَبِفُلَانٍ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَخُذَا صَدَقَاتِهِمَا، فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا ثَعْلَبَةَ فَسَأَلَاهُ الصَّدَقَةَ وَأَقْرَآهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا جِزْيَةٌ، مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ، مَا أَدْرِي مَا هَذَا؟ انْطَلِقَا حَتَّى تَفْرَغَا ثُمَّ تَعُودَا إِلَيَّ، فَانْطَلَقَا وَأَخْبَرَا السُّلَمِيَّ، فَنَظَرَ إِلَى خِيَارِ أَسْنَانِ إِبِلِهِ فَعَزَلَهَا لِلصَّدَقَةِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُمْ بِهَا، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: مَا يَجِبُ هَذَا عَلَيْكَ وَمَا نُرِيدُ أَنْ نَأْخُذَهُ مِنْكَ، قَالَ: بَلَى خُذُوهُ فَإِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ إِبِلِي. فَأَخَذُوهَا مِنْهُ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ صَدَقَتِهَا رَجَعَا حَتَّى مَرَّا بِثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: أَرُونِي كِتَابَكُمَا حَتَّى أَنْظُرَ فِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ انْطَلِقَا حَتَّى أَرَى رَأْيِي، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَلَمَّا رَآهُمَا قَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ" قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمَا، وَدَعَا لِلسُّلَمِيِّ بِالْبَرَكَةِ، فَأَخْبَرُوهُ بِالَّذِي صَنَعَ ثَعْلَبَةُ وَالَّذِي صَنَعَ السُّلَمِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ أَقَارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى ثَعْلَبَةَ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ
كَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتَّى أَتَى النبيّ عليه الصلاة والسلام فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ صَدَقَتَهُ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ"، فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "هَذَا عَمَلُكَ، قَدْ أَمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي"، فَلَمَّا
(1/253)

أَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَوْضِعِي مِنَ الْأَنْصَارِ فَاقْبَلْ صَدَقَتِي، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا أَقْبَلُهَا؟ فَقُبِضَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَتَاهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْبَلْ صَدَقَتِي، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَا أَبُو بَكْرٍ أَنَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ؟ فَلَمْ يَقْبَلْهَا، وَقُبِضَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ وَلِيَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْبَلْهَا وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَأَنَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ؟ فَلَمْ يَقْبَلْهَا عُثْمَانُ، فَهَلَكَ ثَعْلَبَةُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} الْآيَةَ {79} .
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَالِكِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا: مُرَائِي، وجاء رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا، فَنَزَلَتْ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي قُدَامَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ.
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 3/282 - ح: 1415) ومسلم (2/706 - ح: 1018) والنسائي (جامع الأصول: 2/165) وابن جرير (10/136) والطبراني (المعجم الكبير: 17/200 - ح: 535) من طريق أبي وائل عن أبي مسعود رضي الله عنه به، ويشهد له:
1 - ما أخرجه ابن مردويه (لباب النقول: 121) عن أبي هريرة وأبي عقيل وأبي سعيد الخدري وابن عباس وعميرة بنت سهيل بن رافع بمعناه.
الرواية الآتية:.
(1/254)

(1) - وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ جِئْتُكَ بِنِصْفِهَا فَاجْعَلْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمْسَكْتُ نِصْفَهَا لِعِيَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَفِيمَا أَمْسَكْتَ"، فَبَارَكَ اللَّهُ فِي مَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتَّى أَنَّهُ خَلَّفَ امْرَأَتَيْنِ يَوْمَ مَاتَ، فَبَلَغَ ثُمُنُ مَالِهِ لَهُمَا مِائَةً وَسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَتَصَدَّقَ يَوْمَئِذٍ عَاصِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْعَجْلَانِ بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، "وَجَاءَ أَبُو عُقَيْلٍ الْأَنْصَارِيُّ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِتُّ لَيْلَتِي أَجُرُّ بِالْجَرِيرِ الْمَاءَ حَتَّى نِلْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، فَأَمْسَكْتُ أَحَدَهُمَا لِأَهْلِي وَأَتَيْتُكَ بِالْآخَرِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْثُرَهُ فِي الصَّدَقَاتِ، فَلَمَزَهُمُ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا أَعْطَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَاصِمٌ إِلَّا رِيَاءً، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ غَنِيَّيْنِ عَنْ صَاعِ أَبِي عُقَيْلٍ، وَلَكِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} {84} .
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ إِمْلَاءً، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (10/135) عن قتادة مختصرًا جدًّا، وإسناده صحيح، ويشهد له:
1 - ما أخرجه ابن جرير (10/134) عن ابن عباس نحوه، وإسناده صحيح.
ما أخرجه ابن جرير (10/135) عن عبد الرحمن بن عوف نحوه، وإسناده صحيح.
(2) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/333 - ح: 4670) ومسلم (4/1865 - ح: 2400) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/63 - ح: 297) والنسائي (جامع الأصول: 2/167) وابن ماجه (1/487 - ح: 1523) وابن جرير (10/141) وابن أبي حاتم (فتح الباري: 8/336) والبيهقي في الدلائل (5/287) كلهم من طريق عبيد الله بن عمرعن نافع به، ويشهد له:
الرواية الآتية:.
(1/255)

قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ حَتَّى أُكَفِّنَهُ فِيهِ وأصلي عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ ثُمَّ قَالَ: "آذِنِّي حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ"، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: "أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: أَسْتَغْفِرُ لَهُمْ أَوْ لَا أَسْتَغْفِرُ". ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قُدَامَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
(1) - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ تَحَوَّلْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي صَدْرِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الْقَائِلِ يَوْمَ كَذَا: وكذا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ أَيَّامَهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْتَسِمُ، حَتَّى إِذَا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ:
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/333 - ح: 4671) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/162 - ح: 296) والترمذي (5/279 - ح: 3097) والطبراني (المعجم الكبير: 11/438 - ح: 12244) وابن جرير (10/142) وعبد بن حميد (فتح الباري: 8/335) والنسائي وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم (فتح القدير: 2/389) من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود به، ويشهد لهما:
1 - ما أخرجه ابن جرير (10/141) وابن ماجه (1/488 - ح: 1524) والبزار وابن مردويه (فتح القدير: 2/390) عن جابر رضي الله عنه نحوه. وإسناده صحيح.
ما أخرجه البيهقي في "الدلائل" (5/288) عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه، وإسناده صحيح.
(1/256)

"أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ، إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} لَوْ عَلِمْتُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ" قَالَ: ثُمَّ صَلَّى
- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَشَى مَعَهُ، فَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فُرِغَ مِنْهُ قَالَ: فَعَجِبْتُ لِي وَجَرَاءَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} الْآيَةَ. فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ، وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ. وَكُلِّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا فُعِلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي وَصَلَاتِي مِنَ اللَّهِ؟ وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} {92} .
نَزَلَتْ فِي الْبَكَّائِينَ وَكَانُوا سَبْعَةً: مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ وَصَخْرُ بْنُ خُنَيْسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كعب الأنصاري وعلبة بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَسَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ نَدَبَنَا لِلْخُرُوجِ مَعَكَ، فَاحْمِلْنَا عَلَى الْخِفَافِ الْمَرْقُوعَةِ وَالنِّعَالِ الْمَخْصُوفَةِ نَغْزُو مَعَكَ، فَقَالَ: "لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ"، فَتَوَلَّوْا وَهُمْ يَبْكُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي بَنِي مُقَرِّنٍ: مَعْقِلٍ وَسُوَيْدٍ وَالنُّعْمَانِ (1)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} {97} .
نَزَلَتْ فِي أَعَارِيبَ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ، وَأَعَارِيبَ مِنْ أَعْرَابِ حَاضِرِي الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} {101} .
قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي جُهَيْنَةَ وَمُزَيْنَةَ وَأَشْجَعَ وَأَسْلَمَ وَغِفَارٍ {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ} يَعْنِي
_________
(1) وبقيتهم: عبد الله، عبد الرحمن، عقيل، سنان، وليس في الصحابة سبعة إخوة غيرهم. (تحقيق السيد أحمد صقر لأسباب النزول للواحدي: 258) نشر دار القبلة.
(1/257)

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، وَمُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ وَالْجُلَاسَ بْنَ سُوَيْدٍ، وَأَبَا عَامِرٍ
الرَّاهِبَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} {102، 103} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْوَالِبِيِّ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا قَدْ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَالُوا: نَكُونُ فِي الْكِنِّ وَالظِّلَالِ مَعَ النِّسَاءِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ فِي الْجِهَادِ، وَاللَّهِ لَنُوَثِّقَنَّ أَنْفُسَنَا بِالسَّوَارِي فَلَا نُطْلِقُهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّسُولُ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنَا وَيَعْذِرُنَا، وَأَوْثَقُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِهِمْ فَرَآهُمْ، فَقَالَ: "مَنْ هَؤُلَاءِ؟ " قَالُوا: هَؤُلَاءِ تَخَلَّفُوا عَنْكَ، فَعَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ لَا يُطْلِقُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ الَّذِي تُطْلِقُهُمْ وَتَرْضَى عَنْهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ وَلَا أَعْذِرُهُمْ حَتَّى أُومَرَ بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلفوا عَنِ الْغَزْوِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُمْ وَعَذَرَهُمْ، فَلَمَّا أَطْلَقَهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أَمْوَالُنَا الَّتِي خَلَّفَتْنَا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِهَا عَنَّا وَطَهِّرْنَا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا، فَقَالَ: "مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيْئًا"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} الآية. وقال ابن عباس: كانوا عشرة رهط.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} الْآيَةَ {106} .
نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَمُرَارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ مِنْ بَنِي وَاقِفٍ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (11/10) والبيهقي فى "الدلائل" (5/272) من طريق الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه، إلى قوله: "عن الغزو مع المسلمين" وإسناده صحيح ويشهد له:
* ما أخرجه أبو الشيخ وابن منده في "الصحابة" (لباب النقول: 124) عن جابر نحوه، وقوّاه السيوطي (المصدر السابق) .
(1/258)

[260] قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً..... [107، 108] .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ اتَّخَذُوا مَسْجِدَ قُبَاءَ وَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْتِيَهُمْ، فَأَتَاهُمْ فَصَلَّى فِيهِ، فحسدهم إخوتهم بنوغُنم بْنِ عَوْفٍ، وَقَالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا وَنُرْسِلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ فِيهِ كَمَا صَلَّى فِي مَسْجِدِ إِخْوَانِنَا، وَلْيُصَلِّ فِيهِ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ إِذَا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ قَدْ تَرَهَّبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَتَنَصَّرَ وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَأَنْكَرَ دِينَ الْحَنِيفِيَّةِ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَعَادَاهُ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَبَا عَامِرٍ الْفَاسِقَ، وَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُنَافِقِينَ أَنْ اسْتَعِدُّوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَسِلَاحٍ، وَابْنُوا لِي مَسْجِدًا فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرَ فَآتِي بِجُنْدِ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، فَبَنَوْا لَهُ مَسْجِدًا إِلَى جَنْبِ مَسْجِدِ قُبَاءَ، وَكَانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خِذَامُ بْنُ خَالِدٍ، وَمِنْ دَارِهِ أَخْرَجَ مَسْجِدَ الشِّقَاقِ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وَأَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الْأَزْعَرِ وَعَبَّادُ بْنُ حُنَيْفٍ وَجَارِيَةُ بْنُ عَمْرٍو وَابْنَاهُ مُجَمِّعٌ وَزَيْدٌ وَنَبْتَلُ بْنُ حَارِثٍ وَبَحْزَجٌ وَبِجَادُ بْنُ عُثْمَانَ وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْهُ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْعِلَّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللَّيْلَةِ المطيرة والليلة الشانية، وَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنَا فَتُصَلِّيَ لَنَا فِيهِ، فَدَعَا بِقَمِيصِهِ لِيَلْبَسَهُ فَيَأْتِيَهُمْ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَأَخْبَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - خَبَرَ مَسْجِدِ الضِّرَارِ وَمَا هَمُّوا بِهِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ وَعَامِرَ بْنَ السَّكَنِ وحشيًّا قَاتِلَ حَمْزَةَ، وَقَالَ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمُوهُ وَأَحْرِقُوهُ، فَخَرَجُوا وَانْطَلَقَ مَالِكٌ وَأَخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ فَأَشْعَلَ فِيهِ نَارًا، ثُمَّ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ
وَفِيهِ أَهْلُهُ فَحَرَّقُوهُ وَهَدَمُوهُ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَهْلُهُ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُتَّخَذَ ذَلِكَ كُنَاسَةً
_________
(1) - إسناده ضعيف جدا، من أجل داود بن الزبرقان فإنه متروك (تقريب التهذيب 1/231 - رقم: 11) لكن صحت القصة من طريق آخر:
فأخرج ابن جرير (11/19) وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 2/404) والبيهقي في "الدلائل" (5/263) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه، وإسناده صحيح.
(1/259)

تُلْقَى فِيهَا الْجِيَفُ وَالنَّتْنُ وَالْقُمَامَةُ، وَمَاتَ أَبُو عَامِرٍ بِالشَّامِ وَحِيدًا غَرِيبًا.
(1) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِيكَالَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْأَهْوَازِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ عَرَضُوا المسجد يبنونه ليضاهؤا بِهِ مَسْجِدَ قُبَاءَ - وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ - لِأَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ يَرْصُدُونَهُ إِذَا قَدِمَ لِيَكُونَ إِمَامَهُمْ فِيهِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ بِنَائِهِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا فَصَلِّ فِيهِ حَتَّى نَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، فَأَخَذَ ثَوْبَهُ لِيَقُومَ مَعَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} الْآيَةَ {111} .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَمَّا بَايَعَتِ الْأَنْصَارُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ بِمَكَّةَ وَهُمْ سَبْعُونَ نَفْسًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ، فَقَالَ: "أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ"، قَالُوا: فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَاذَا لَنَا؟ قَالَ: "الْجَنَّةُ". قَالُوا: رَبِحَ الْبَيْعُ لَا نُقِيلُ وَلَا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ}
{113، 114} .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرُوَيْهِ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دخل عليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُ أَبُو
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/341 - ح: 4675) ومسلم (1/54 - ح: 24) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/165 - ح: 300) وابن جرير (11/30) الطبراني (المعجم الكبير: 20/349 - ح: 278) والبيهقي في "الدلائل" (2/342، 343) من طريق ابن شهاب الزهري به.
(2) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/341 - ح: 4675) ومسلم (1/54 - ح: 24) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/165 - ح: 300) وابن جرير (11/30) الطبراني (المعجم الكبير: 20/349 - ح: 278) والبيهقي في "الدلائل" (2/342، 343) من طريق ابن شهاب الزهري به.
(1/260)

جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَقَالَ: "أَيْ عَمِّ قُلْ مَعِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ"، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَابْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"، فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُؤَمَّلٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمَّا اشْتَكَى أَبُو طَالِبٍ شَكْوَاهُ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا، قَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَرْسِلْ إِلَى ابْنِ أَخِيكَ، فَيُرْسِلَ إِلَيْكَ مِنْ هَذِهِ الْجَنَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا تَكُونُ لَكَ شِفَاءً، فَخَرَجَ الرَّسُولُ حَتَّى وَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ جَالِسًا مَعَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَمَّكَ يَقُولُ لَكَ إِنِّي كَبِيرٌ ضَعِيفٌ سَقِيمٌ، فَأَرْسِلْ إِلَيَّ مِنْ جَنَّتِكَ هَذِهِ الَّتِي تَذْكُرُ مِنْ طَعَامِهَا وَشَرَابِهَا شَيْئًا يَكُونُ لِي فِيهِ شِفَاءٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا عَلَى الْكَافِرِينَ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ، فَقَالَ: بَلَّغْتُ مُحَمَّدًا الَّذِي أَرْسَلْتُمُونِي بِهِ فَلَمْ يُحْرِ إِلَيَّ شَيْئًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا عَلَى الْكَافِرِينَ، فَحَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى
أَرْسَلَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِهِ، فَوَجَدَ الرَّسُولَ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْكَافِرِينَ طَعَامَهَا وَشَرَابَهَا"، ثُمَّ قَامَ فِي إِثْرِ الرَّسُولِ حَتَّى دَخَلَ مَعَهُ بَيْتَ أَبِي طَالِبٍ، فَوَجَدَهُ مَمْلُوءًا رِجَالًا فَقَالَ: "خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ عَمِّي"، فَقَالُوا: مَا نَحْنُ بِفَاعِلِينَ مَا أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ مِنَّا إِنْ كَانَتْ لَكَ قَرَابَةٌ، فَلَنَا قَرَابَةٌ مِثْلُ قَرَابَتِكَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ: "يَا عَمِّ جُزِيتَ عَنِّي خَيْرًا كَفَلْتَنِي صَغِيرًا وَحُطْتَنِي كَبِيرًا
(1/261)

جُزِيتَ عَنِّي خَيْرًا، يَا عَمِّ أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَشْفَعُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: "قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ"، فَقَالَ: إِنَّكَ لِي نَاصِحٌ وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرُنِي قُرَيْشٌ عَنْهُ فَيُقَالُ: جَزِعَ عَمُّكَ مِنَ الْمَوْتِ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، قَالَ: فَصَاحَ الْقَوْمُ: يَا أَبَا طالب أن رَأْسُ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ الْأَشْيَاخِ، فَقَالَ: لَا تُحَدِّثُ نِسَاءُ قُرَيْشٍ أَنَّ عَمَّكَ جَزِعَ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لَا أَزَالُ أَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي حَتَّى يَرُدَّنِي"، فاستغفر له بعد ما مَاتَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ مَا يَمْنَعُنَا أَنْ نَسْتَغْفِرَ لِآبَائِنَا وَلِذِي قَرَابَاتِنَا قَدِ اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ، وَهَذَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَغْفِرُ لِعَمِّهِ، فَاسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ حَتَّى نَزَلَ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى}
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَرَجَ
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ فِي الْمَقَابِرِ وَخَرَجْنَا مَعَهُ فَأَمَرَنَا فَجَلَسْنَا، ثُمَّ تَخَطَّى الْقُبُورَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/336) وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 2/411) من طريق ابن جريج عن أيوب بن هانئ به. وضعفه الذهبي (التلخيص بحاشية المستدرك: 2/336) بسبب أيوب (تقريب التهذيب: 1/91 - رقم: 713) .
قلت: وفيه أيضا عنعنة ابن جريج وهو مدلس، ويشهد له:
1 - ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 11/374 - ح: 12049) وابن مردوية (تفسير ابن كثير: 2/393، 394) عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه وضعفه الحافظ ابن كثير: (المصدر السابق وانظر: مجمع الزوائد: 1/117) وهو كما قال.
ما أخرجه ابن جرير (11/31) من طريق العوفي عن ابن عباس مختصرًا وإسناده ضعيف.
(1/262)

فَنَاجَاهُ طَوِيلًا ثُمَّ ارْتَفَعَ نَحِيبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاكِيًا، فَبَكَيْنَا لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ إِنَّهُ أَقْبَلَ إِلَيْنَا فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الَّذِي أَبْكَاكَ؟ فَقَدْ أَبْكَانَا وَأَفْزَعَنَا! فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْنَا فَقَالَ: "أَفْزَعَكُمْ بُكَائِي؟ " فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي أُنَاجِي فِيهِ قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي فِيهِ وَاسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي فِيهِ"، وَنَزَلَ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} "فَأَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الْوَلَدَ لِلْوَالِدَةِ مِنَ الرِّقَّةِ، فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} {122} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عُيُوبَ الْمُنَافِقِينَ لِتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: وَاللَّهِ لَا نَتَخَلَّفُ عَنْ غَزْوَةٍ يَغْزُوهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا سَرِيَّةٍ أَبَدًا، فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسَّرَايَا إِلَى الْعَدُوِّ نَفَرَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا وَتَرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1/263)

سُورَةُ يُونُسَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} الْآيَةَ {2} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا أَنْكَرَتْ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ، وَقَالُوا: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} الْآيَةَ {15} .
قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ. قال مُقَاتِلٌ: وَهُمْ خَمْسَةُ نَفَرٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَمُكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قيس العامري والعاص بْنُ عَامِرٍ قَالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ائْتِ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ عِبَادَةِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا فِيهِ مَا نَسْأَلُكَ.
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (11/58) وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ (فتح القدير: 2/424) من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما به، وإسناده منقطع، فإن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(1/264)

سُورَةُ هُودٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} الْآيَةَ {5} .
نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، وَكَانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلَامِ حُلْوَ الْمَنْظَرِ، يَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا يحب ويطوي بقبله مَا يَكْرَهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ يُجَالِسُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُظْهِرُ لَهُ أَمْرًا يَسُرُّهُ وَيُضْمِرُ فِي قَلْبِهِ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} يَقُولُ يُكْمِنُونَ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} الْآيَةَ {114} .
أَخْبَرَنَا الأستاذ أبو منصورالبغدادي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
_________
(1) - نسب السيد أحمد صقر هذا السبب إلى ابن عباس، والثابت عنه بخلاف ذلك، فقد أخرج البخاري (فتح الباري: 8/349 - ح: 4681) وابن جرير (11/126) من طريق محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم.
(2) - أخرجه مسلم (4/2116 - ح: 2763 "42") والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/181 - ح: 312) وأهل السنن (فتح القدير: 2/533) - وقد استثنى الحافظ ابن كثير منهم أبا داود مع أن أبا داود أخرجه في كتاب الحدود 4/611 - ح: 4468) والطيالسي (منحة المعبود: 2/20 - ح: 1058) والإسماعيلي وعبد الرزاق (فتح الباري: 8/356) وابن جرير 12/80) كلهم من طريق إبراهيم عن علقمة به، ويشهد له: الرواية الآتية.
(1/265)

يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ والأسود، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أن آتيها، وأنا هَذَا فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فأتبعه رجلا ودعاه فَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟
قَالَ: "لَا، بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ.
(1) - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِلَيَّ هَذِهِ؟ قَالَ: "لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي".
(2) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/355 - ح: 4687) والترمذي (5/291 - ح: 3114) وابن جرير (12/81) والطبراني (المعجم الكبير: 10/284 - ح: 10560) من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان. ويشهد له:
1 - ما أخرجه البزار عن ابن عباس نحوه، وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/38) .
حديث معاذ بن جبل الآتي.
(2) - أخرجه الترمذي (5/292 - ح: 3115) وابن جرير (12/82) والطبري المعجم الكبير: (19/165 - ح: 371) والنسائي والبزار (فتح الباري: 8/356) من طريق عثمان بن موهب عن موسى به. وإسناده صحيح، لكن هذه القصة غير القصة السابقة؛ لأن في هذه أن المرأة أتته فأدخلها البيت وفعل ما فعل، وفي تلك أنه فعل ما فعل خارج المدينة.
(1/266)

الْأُمَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَوْهِبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الْيَسَرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْثٍ، فَقَالَتْ: بِعْنِي بِدِرْهَمٍ تَمْرًا، قَالَ: فَأَعْجَبَتْنِي، فَقُلْتُ: إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا هُوَ أَطْيَبُ مِنْ هَذَا فَالْحَقِينِي، فَغَمَزْتُهَا وَقَبَّلْتُهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْأَمْرَ، فَقَالَ: "خُنْتَ رَجُلًا غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَهْلِهِ بِهَذَا؟! " وَأَطْرَقَ عَنِّي فَظَنَنْتُ أَنِّي مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِي أَبَدًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} الْآيَةَ. فَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَلَاهَا عَلَيَّ.
(1) - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّجْزِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَعُبَيْدُ الله بن العاصم وَاللَّفْظُ لِعَلِيٍّ قَالُوا: أَخْبَرَنَا بن سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْنِي تُبَايِعُنِي فَأَدْخَلْتُهَا الدَّوْلَجَ، فَأَصَبْتُ مِنْهَا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ بَعْلُهَا مُغَيَّبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: ائْتِ أَبَا بَكْرٍ فَأَتَاهُ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ لِعُمَرَ وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: ائْتِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسله، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "بَعْلُهَا مُغَيَّبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ " فَقَالَ: نَعَمْ، فَسَكَتَ عَنْهُ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلِي خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَضَرَبَ عُمَرُ صَدْرَهُ وَقَالَ: لَا وَلَا نَعْمَةَ عَيْنٍ وَلَكِنْ لِلنَّاسِ عَامَّةً،
_________
(1) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/180 - ح: 311) وإسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد (تقريب التهذيب: 2/37 - رقم: 3420) ويوسف بن مهران (تقريب التهذيب: 2/382 - رقم: 457) .
(1/267)

فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: "صَدَقَ عُمَرُ".
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ إِلَّا قَدْ أَصَابَهُ مِنْهَا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا،
فَقَالَ: "تَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنًا ثُمَّ قُمْ فَصَلِّ"، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: أَهِيَ لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ فَقَالَ: "بَلْ هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً".
(2) - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أَصَبْتُ مِنِ امْرَأَةٍ غَيْرَ أَنِّي لَمْ آتِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} .
_________
(1) - أخرجه الدارقطني (1/134 - ح: 4) وابن جرير (12/82) والطبراني (المعجم الكبير: 20/137 - ح: 278) والترمذي (5/291 - ح: 3113) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ به. وإسناده منقطع (الجامع الصحيح للترمذي: 5/291 تهذيب التهذيب: 6/262، التعليق المغني على الدارقطني: 1/134) . وتقوّيه روايتا البخاري ومسلم المتقدمتان، والرواية الآتية.
(2) - أخرجه الترمذي (5/290) وابن جرير (12/81) والطبراني (المعجم الكبير: 10/255 - ح: 10482) من طريق إبراهيم عن عبد الرحمن به.
(1/268)

سُورَةُ يُوسُفَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} الْآيَةَ {3} .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ مُسْلِمٍ الصَّفَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} قَالَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} إِلَى قَوْلِهِ: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} الْآيَةَ، فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} (2) قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ تُؤْمَرُونَ بِالْقُرْآنِ.
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (12/90) والحاكم (المستدرك: 2/345) وأبو يعلى (مسند أبي يعلى: 2/87 - ح: 740) من طريق عمرو بن مرة به. وإسناده صحيح، وحسّنه شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 17/40) ، ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (12/90) عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه مختصرًا وإسناده صحيح.
(2) سورة الزمر: الآية 23.
(1/269)

رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
(1) - وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَلَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ مَلَّةً فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} الْآيَةَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُمْ مَلُّوا مَلَّةً أُخْرَى
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوْقَ الْحَدِيثِ وَدُونَ الْقُرْآنِ، يَعْنُونَ الْقَصَصَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} فَأَرَادُوا الْحَدِيثَ فَدَلَّهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْحَدِيثِ، وَأَرَادُوا الْقَصَصَ فَدَلَّهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْقَصَصِ.
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (12/9) عنه بإسناد ضعيف.
(1/270)

سُورَةُ الرَّعْدِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} {13} .
أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْوَاعِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي سَارَةَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ رَجُلًا مَرَّةً إِلَى رَجُلٍ مِنْ فَرَاعِنَةِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُهُ لِي"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَعْتَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُهُ لِي"، قَالَ: فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَدْعُوكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: وَمَا اللَّهُ أَمِنْ ذَهَبٍ هُوَ أَوْ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ مِنْ نُحَاسٍ؟ قَالَ فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، وَقَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ أَعْتَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: "ارْجِعْ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ فَادْعُهُ"، فرجع إليه، فعاد عَلَيْهِ مِثْلَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "ارْجِعْ إِلَيْهِ"، فَرَجَعَ الثَّالِثَةَ فَأَعَادَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْكَلَامَ، فَبَيْنَا هُوَ يُكَلِّمُنِي إِذْ بُعِثَتْ إِلَيْهِ سَحَابَةٌ حِيَالَ رَأْسِهِ فَرَعَدَتْ فَوَقَعَتْ مِنْهَا صَاعِقَةٌ فَذَهَبَتْ بِقِحْفِ رَأْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}
_________
(1) - إسناد الواحدي ضعيف، كما بيّن السيد أحمد صقر، لكن صحت القصة عن أنس رضي الله عنه، من طرق أخرى، فقد أخرجها النسائي (لباب النقول: 130) والبزار (مجمع الزوائد: 7/42) والبيهقي في "الدلائل" (6/283) عنه بإسناد جيد (تفسير ابن كثير: 2/505) وصححها الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/42) .
(1/271)

(1) - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنِ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا فِي عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا أَقْبَلَا يُرِيدَانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ، فَقَالَ: "دَعْهُ فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ"، فَأَقْبَلَ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يا محمد مالي إِنْ أَسْلَمْتُ؟ قَالَ: "لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ"، قَالَ: تَجْعَلُ لِيَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: "لَا، لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ يَجْعَلُهُ حَيْثُ يَشَاءُ"، قَالَ: فَتَجْعَلُنِي عَلَى الْوَبَرِ وَأَنْتَ عَلَى الْمَدَرِ؟، قَالَ: "لَا"، قَالَ: فَمَاذَا تَجْعَلُ لِي؟ قَالَ: "أَجْعَلُ لَكَ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ تَغْزُو عليها"، قال: أو ليس ذَلِكَ إِلَيَّ الْيَوْمَ؟ وَكَانَ أَوْصَى إِلَى أَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ إِذَا رَأَيْتَنِي أُكَلِّمُهُ فَدُرْ مِنْ خَلْفِهِ وَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ، فَجَعَلَ يُخَاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُرَاجِعُهُ، فَدَارَ أَرْبَدُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَضْرِبَهُ، فَاخْتَرَطَ مِنْ سَيْفِهِ شِبْرًا ثُمَّ حَبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَلِّهِ، وجعل عامر يوميء إِلَيْهِ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى أَرْبَدَ وَمَا يَصْنَعُ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمَا بِمَا شِئْتَ"، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَرْبَدَ صَاعِقَةً فِي يَوْمٍ صَائِفٍ صَاحَ فَأَحْرَقَتْهُ، وَوَلَّى عَامِرٌ هَارِبًا وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ دَعَوْتَ رَبَّكَ فَقَتَلَ أَرْبَدَ، وَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا جُرْدًا وَفِتْيَانًا مُرْدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "يَمْنَعُكَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ وَأَبْنَاءُ قَيْلَةَ" - يُرِيدُ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ - فَنَزَلَ عَامِرٌ بَيْتَ امْرَأَةٍ سَلُولِيَّةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ضَمَّ عَلَيْهِ سِلَاحَهُ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ أَصْحَرَ مُحَمَّدٌ إِلَيَّ وَصَاحِبُهُ - يَعْنِي مَلَكَ الْمَوْتِ - لِأُنْفِذَنَّهُمَا بِرُمْحِي، فَلَمَّا رَأَى تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُ أَرْسَلَ مَلَكًا فَلَطَمَهُ بِجَنَاحَيْهِ فَأَذْرَاهُ فِي التُّرَابِ، وَخَرَجَتْ عَلَى رُكْبَتِهِ غُدَّةٌ فِي الْوَقْتِ عَظِيمَةٌ
_________
(1) - أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 10/379 - ح: 1060) وأبو نعيم في "الدلائل" (1/66) من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/41) بسبب عبد العزيز بن عمران، قلت: هو متروك (تقريب التهذيب: 1/511 - رقم: 1142) .
(1/272)

كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، فَعَادَ إِلَى بَيْتِ السَّلُولِيَّةِ وَهُوَ يَقُولُ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ السَّلُولِيَّةِ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ هَذِهِ الْقِصَّةَ: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} حَتَّى بَلَغَ {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} {30} .
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أَرَادُوا كِتَابَ الصُّلْحِ، فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَلِيٍّ: "اكْتُبُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَالْمُشْرِكُونَ: مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا صَاحِبَ الْيَمَامَةِ، يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، وَهَكَذَا كَانَتْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ: نَزَلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ... } الْآيَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ: قُلْ لَهُمْ إِنَّ الرَّحْمَنَ الَّذِي أَنْكَرْتُمْ مَعْرِفَتَهُ {هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} الْآيَةَ {31} .
أَخْبَرَنَا
_________
(1) - قد علمت فيما سبق أن رواية الضحاك عن ابن عباس منقطعة.
(2) - أخرجه أبو يعلى (مسند أبي يعلى: 2/40 - ح: 679) من طريق عبد الجبار به، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/85) وهو كما قال بسبب عبد الجبار (تقريب التهذيب: 1/466 - رقم: 793) وعنعنة عبد الله بن عطاء وهو مدلّس (تقريب التهذيب: 1/434 - رقم: 479) ويشهد له:
1 - ما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه (فتح القدير: 3/86) من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري نحوه، وإسناده ضعيف لضعف العوفي.
2 - ما أخرجه ابن جرير (13/102) وابن مردويه (فتح القدير: 3/86) من طريق العوفي أيضًا عن ابن عباس نحوه، وإسناده ضعيف.
ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 12/109 - ح: 12617) عن ابن عباس نحوه، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/43)
(1/273)

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ الْأَيْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَطَاءٍ مَوْلَاةِ الزُّبَيْرِ قَالَتْ: سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ يَقُولُ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْكَ، وَأَنَّ سُلَيْمَانَ سخر لَهُ الرِّيحُ وَالْجِبَالُ، وَأَنَّ مُوسَى سُخِّرَ لَهُ الْبَحْرُ، وَأَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُسَيِّرَ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ وَيُفَجِّرَ لَنَا الْأَرْضَ أَنْهَارًا فَنَتَّخِذَهَا مَحَارِثَ فَنَزْرَعَ وَنَأْكُلَ، وَإِلَّا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَ لَنَا مَوْتَانَا فَنُكَلِّمَهُمْ وَيُكَلِّمُونَا، وَإِلَّا فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُصَيِّرَ هَذِهِ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحْتَكَ ذَهَبًا فَنَنْحِتَ مِنْهَا وَتُغْنِيَنَا عَنْ رِحْلَةِ الشِّتَاءِ
وَالصَّيْفِ، فَإِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ كَهَيْئَتِهِمْ، فَبَيْنَا نَحْنُ حَوْلَهُ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أَعْطَانِي مَا سَأَلْتُمْ وَلَوْ شِئْتُ لَكَانَ، وَلَكِنَّهُ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ تَدْخُلُوا مِنْ بَابِ الرَّحْمَةِ فَيُؤْمِنَ مُؤْمِنُكُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَكِلَكُمْ إِلَى مَا اخْتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَتَضِلُّوا عَنْ بَابِ الرَّحْمَةِ وَلَا يُؤْمِنُ مُؤْمِنُكُمْ فَاخْتَرْتُ بَابَ الرَّحْمَةِ وَأَنْ يُؤْمِنَ مُؤْمِنُكُمْ، وَأَخْبَرَنِي إِنْ أَعْطَاكُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ كَفَرْتُمْ أَنَّهُ مُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ"، فَنَزَلَتْ: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} حَتَّى قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ وَنَزَلَتْ: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا} {38} .
قَالَ الْكَلْبِيُّ: عَيَّرَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَتْ: مَا نَرَى لِهَذَا الرَّجُلِ هِمَّةً إِلَّا النِّسَاءَ وَالنِّكَاحَ، وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا كَمَا زَعَمَ لَشَغَلَهُ أَمْرُ النُّبُوَّةِ عَنِ النِّسَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1/274)

سُورَةُ الْحِجْرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} {24} .
أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْوَاعِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الطَّاحِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ فِي آخِرِ النِّسَاءِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَقَدَّمُ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِئَلَّا يَرَاهَا، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَكُونُ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ فَإِذَا رَكَعَ قَالَ هَكَذَا، وَنَظَرَ مِنْ تَحْتِ إِبِطِهِ، فَنَزَلَتْ: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ}
_________
(1) 1 - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/189 - ح: 321) والترمذي (5/296 - ح: 3122) وابن ماجه (1/332 - ح: 1046) والطبراني (المعجم الكبير: 12/171 - ح: 12791) والحاكم (المستدرك: 2/353) والطيالسي (منحة المعبود: 2/20 - ح: 1690) وسعيد بن منصور والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة (فتح القدير: 3/128) وابن حبان (موارد الظمآن: 433 - ح: 1749) وابن جرير (14/18) كلهم من طريق نوح بن قيس به، وفي إسناده ضعف، من أجل عمرو بن مالك النكري، وقال الحافظ ابن كثير: "غريب جدا" (تفسير ابن كثير: 2/549) وهو كما قال لأن هذا طعن في صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحاشاهم عن مثله، لا سيما أن أسلوب حكاية القصة يوحي بأن ذلك مشهور بينهم، فكيف يسكت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مثل ذلك؟!.
(1/275)

وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: حَرَّضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي الصَّلَاةِ، فَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَكَانَ بَنُو عُذْرَةَ دُورُهُمْ قَاصِيَةٌ عَنِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: نَبِيعُ دُورَنَا وَنَشْتَرِي دُورًا قَرِيبَةً مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ} {47} .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ الْفَحَّامُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ إِنَّ فُلَانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رضي الله عنهما أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَفِيهِمْ نَزَلَتْ وَفِيمَنْ تَنْزِلُ إِلَّا فِيهِمْ؟، قُلْتُ: وَأَيُّ غِلٍّ هُوَ؟ قَالَ: غِلُّ الْجَاهِلِيَّةِ، إِنَّ بَنِي تَيْمٍ وَعَدِيٍّ وَبَنِي هَاشِمٍ كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ غِلٌّ، فَلَمَّا أَسْلَمَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ تَحَابُّوا فَأَخَذَتْ أَبَا بَكْرٍ الْخَاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُسَخِّنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِهَا خَاصِرَةَ أَبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} {49} .
رَوَى ابْنُ
_________
(1) - أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر (فتح القدير: 3/136) من طريق كثير به، وكثير ضعيف (تقريب التهذيب: 2/131 - رقم: 3) .
(2) - أخرجه ابن جرير (14/27) وابن مردويه (فتح القدير: 3/136) من طريق ابن المبارك عن مصعب بن ثابت عن عاصم بن عبد الله عن عطاء عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به. وإسناده ضعيف بسبب مصعب (تقريب التهذيب: 2/251 - رقم 1150) ويشهد له:
* ما أخرجه الطبراني والبزار وابن مردويه (فتح القدير: 3/137) عن عبد الله بن الزبير نحوه، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/46) .
(1/276)

الْمُبَارَكِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: طَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْبَابِ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ بَنُو شَيْبَةَ وَنَحْنُ نَضْحَكُ فَقَالَ: "أَلَا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ! " ثُمَّ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْحِجْرِ رَجَعَ إِلَيْنَا الْقَهْقَرَى، فَقَالَ: "إِنِّي لَمَّا خَرَجْتُ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِمَ تُقَنِّطُ عِبَادِي؟ {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} {87} .
قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: إِنَّ سَبْعَ قَوَافِلَ وَافَتْ مِنْ بُصْرَى وَأَذْرِعَاتٍ لِيَهُودِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْبَزِّ وَأَوْعِيَةُ الطِّيبِ وَالْجَوَاهِرِ وَأَمْتِعَةُ الْبَحْرِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَمْوَالُ لَنَا لَتَقَوَّيْنَا بِهَا فَأَنْفَقْنَاهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى
هَذِهِ الْآيَةَ، وقال: لَقَدْ أَعْطَيْتُكُمْ سَبْعَ آيَاتٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْقَوَافِلِ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ عَلَى أَثَرِهَا {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} الْآيَةَ.
(1/277)

سُورَةُ النَّحْلِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} الْآيَةَ {1} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} (1) قَالَ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَرُبَتْ فَأَمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتَّى نَنْظُرَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ شَيْءٌ، قَالُوا: مَا نَرَى شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} (2) فَأَشْفَقُوا وَانْتَظَرُوا قُرْبَ السَّاعَةِ، فَلَمَّا امْتَدَّتِ الْأَيَّامُ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا نَرَى شَيْئًا مِمَّا تُخَوِّفُنَا بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} فَوَثَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورفع الناس رؤوسهم، فَنَزَلَ: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} فَاطْمَأَنُّوا، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ"، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ "إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي". وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْأَمْرُ هَاهُنَا الْعَذَابُ بِالسَّيْفِ وَهَذَا جَوَابٌ لِلنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ حِينَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، يَسْتَعْجِلُ الْعَذَابَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} {4} .
نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ حِينَ جَاءَ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتُرَى اللَّهَ يُحْيِي هَذَا بَعْدَمَا قَدْ رَمَّ؟.
_________
(1) سورة القمر آية 1.
(2) سورة الأنبياء آية 1.
(1/278)

نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ يس: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، نَازِلَةٌ فِي
هَذِهِ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} الْآيَةَ {38} .
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: كَانَ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دَيْنٌ، فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ، فَكَانَ فِيمَا تَكَلَّمَ بِهِ: وَالَّذِي أَرْجُوهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُ: وَإِنَّكَ لَتَزْعُمُ أَنَّكَ لَتُبْعَثُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} الْآيَةَ {41} .
نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ بِلَالٍ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابٍ وَعَمَّارٍ وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ أَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ فَعَذَّبُوهُمْ وَآذَوْهُمْ، فَبَوَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ الْمَدِينَةَ.
قوله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ... الْآيَةَ.
[43] ..
نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، أَنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَهَلَّا بَعَثَ إِلَيْنَا مَلَكًا؟.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا} الْآيَةَ {75} .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} فِي هِشَامِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ سِرًّا وَجَهْرًا، وَمَوْلَاهُ أَبُو الْجَوْزَاءِ الَّذِي كَانَ يَنْهَاهُ وَنَزَلَتْ: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (14/75) وابن أبي حاتم (فتح القدير: 3/167) من طريق الضحاك عن ابن عباس به، وإسناده منقطع.
(2) - أخرجه ابن جرير (14/101) وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر (فتح القدير: 3/183) من طريق إبراهيم - النخعي - عن عكرمة به وإسناده صحيح.
(1/279)

فَالْأَبْكَمُ مِنْهُمَا الْكَلُّ عَلَى مَوْلَاهُ هُوَ أُسَيْدُ بْنُ أَبِي الْعِيصِ، وَالَّذِي يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} الْآيَةَ {90} .
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِنَاءِ بَيْتِهِ بِمَكَّةَ جَالِسًا، إِذْ مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَكَشَّرَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ: "أَلَا تَجْلِسُ" فَقَالَ: بَلَى، فَجَلَسَ إِلَيْهِ مُسْتَقْبِلَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُ إِذْ شَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَنَظَرَ سَاعَةً وَأَخَذَ يَضَعُ بَصَرَهُ [حَتَّى وَضَعَ عَلَى يَمِينِهِ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ تَحَرَّفَ عَنْ جَلِيسِهِ عُثْمَانَ إِلَى حَيْثُ وَضَعَ بَصَرَهُ] فَأَخَذَ يُنْغِضُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَسْتَفْقِهُ مَا يُقَالُ لَهُ، ثُمَّ شَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا شَخَصَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ حَتَّى تَوَارَى فِي السَّمَاءِ، وَأَقْبَلَ عَلَى عُثْمَانَ كَجِلْسَتِهِ الْأُولَى، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَا كُنْتُ أُجَالِسُكَ وَآتِيكَ مَا رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ فَعْلَتَكَ الْغَدَاةَ، قَالَ: "مَا رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ؟ " قَالَ: رَأَيْتُكَ شَخَصَ بَصَرُكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعْتَهُ حِينَ وَضَعْتَهُ عَلَى يَمِينِكَ، فَتَحَرَّفْتَ إِلَيْهِ وَتَرَكْتَنِي، فَأَخَذْتَ تُنْغِضُ رَأْسَكَ كَأَنَّكَ تَسْتَفْقِهُ شَيْئًا يُقَالُ لَكَ، قَالَ: "أَوَ فَطِنْتَ إِلَى ذَلِكَ؟ " قَالَ عُثْمَانُ: نَعَمْ، قَالَ: "أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ آنِفًا وَأَنْتَ جَالِسٌ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَاذَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: "قَالَ لِي: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} " قَالَ عُثْمَانُ: فَذَاكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي وَأَحْبَبْتُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} {101، 102} .
نَزَلَتْ حِينَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إن محمدًا عليه الصلاة والسلام سخر بِأَصْحَابِهِ يَأْمُرُهُمُ الْيَوْمَ بِأَمْرٍ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ غَدًا، أَوْ يَأْتِيهِمْ بِمَا هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ، وَمَا هُوَ إِلَّا مُفْتَرٍ يَقُولُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا.
(1/280)

(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} الْآيَةَ {103} .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ الزَّاهِدُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كَانَ لَنَا غُلَامَانِ نَصْرَانِيَّانِ مِنْ أَهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ اسْمُ أَحَدِهِمَا يَسَارٌ وَالْآخَرُ جَبْرٌ، وَكَانَا صَيْقَلَيْنِ يَقْرَآنِ كُتُبًا لَهُمَا بِلِسَانِهِمَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمُرُّ بِهِمَا فَيَسْمَعُ قِرَاءَتَهُمَا، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ يَتَعَلَّمُ مِنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَكْذَبَهُمْ: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} الْآيَةَ {106} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوهُ وَأَبَاهُ يَاسِرًا وَأُمَّهُ سُمَيَّةً وَصُهَيْبًا وَبِلَالًا وَخَبَّابًا وَسَالِمًا فَعَذَّبُوهُمْ، فَأَمَّا سُمَيَّةُ فَإِنَّهَا رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وَوُجِئَ قُبُلُهَا بِحَرْبَةٍ، وَقِيلَ لَهَا: إِنَّكِ أَسْلَمْتِ مِنْ أَجْلِ الرِّجَالِ فَقُتِلَتْ وَقُتِلَ زَوْجُهَا يَاسِرٌ وَهُمَا أَوَّلُ قَتِيلَيْنِ قُتِلَا فِي الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا عَمَّارٌ فَإِنَّهُ أَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
بِأَنَّ عَمَّارًا كَفَرَ، فَقَالَ: "كَلَّا، إِنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إِيمَانًا مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ وَاخْتَلَطَ الْإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ"، فَأَتَى عَمَّارٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: "إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وقال مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ آمَنُوا، فَكَتَبَ إِلَيْهِمُ
_________
(1) - إسناده ضعيف بسبب أبي هشام الرفاعي (تقريب التهذيب: 2/219 - رقم 828) لكن صح الخبر عند ابن جرير (14/120) وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي (فتح القدير: 3/196) من طريق ابن فضيل به، وبذا تصح الرواية.
(2) - لم تصح الرواية عن ابن عباس في هذا، فإنها من طريق العوفي وهو ضعيف (تفسير ابن جرير: 14/122) لكن صحت عن أبي مالك وقتادة مرسلة (تفسير ابن جرير: 14/122) وهو مذهب جمهور المفسرين.
(1/281)

الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ: أَنْ هَاجِرُوا فَإِنَّا لَا نَرَاكُمْ مِنَّا حَتَّى تُهَاجِرُوا إِلَيْنَا، فَخَرَجُوا يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ فَأَدْرَكَتْهُمْ قُرَيْشٌ بِالطَّرِيقِ فَفَتَنُوهُمْ مُكْرَهِينَ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} الْآيَةَ {110} .
قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِسْلَامُهُمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا كَتَبَ بِهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى أَصْحَابِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ ذَلِكَ خَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَرَدُّوهُمْ، فَنَزَلَتْ: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} (2) كتبوا بِهَا إِلَيْهِمْ فَتَبَايَعُوا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ يخرجوا، فإن لحقهم الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَاتَلُوهُمْ حَتَّى يَنْجُوا وَيَلْحَقُوا بِاللَّهِ، فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَاتَلُوهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ وَمِنْهُمْ مَنْ نَجَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا} .
(3) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} الْآيَةَ {125، 127} .
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنْصُورِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ قَالَ:
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (14/123) عنه، بإسناد. صحيح مرسلاً، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله، أخرجه ابن جرير (14/124، 5/148) عنه بإسناد صحيح.
(2) سورة العنكبوت الآية 1، 2.
(3) - أخرجه الدارقطني (4/118 - ح: 47) من طريق إسماعل بن عياش به وضعفه الدارقطني، وهو كما قال؛ لأن إسماعيل بن عياش حمصي شامي - وهو يغلط ويخلط في حديث غير الشاميين - (تقريب التهذيب: 1/73 - رقم: 541، تهذيب التهذيب: 1/323) وقد روى عن عبد الملك أبي غنية وهو كوفي (تقريب التهذيب: 1/518 - رقم: 1307) ويشهد للحديث.
1 - ما أخرجه الدارقطني (4/116 - ح: 42) عن ابن عباس نحوه وإسناده ضعيف.
2 - ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 11/62 - ح: 11051) من وجه آخر عن ابن عباس نحوه، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 6/120) .
3 - الرواية الآتية.
(1/282)

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ قَتْلَى أُحُدٍ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى مَنْظَرًا سَاءَهُ، وَرَأَى حَمْزَةَ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ وَاصْطُلِمَ أَنْفُهُ وَجُدِعَتْ أُذُنَاهُ، فَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ يَحْزَنَ النساء أو يكون سُنَّةٌ بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، لَأَقْتُلَنَّ مَكَانَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ"، ثُمَّ دَعَا بِبُرْدَةٍ فَغَطَّى بِهَا وَجْهَهُ، فَخَرَجَتْ رِجْلَاهُ، فَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْإِذْخِرِ، ثُمَّ قَدَّمَهُ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ جَعَلَ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ فَيُوضَعُ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً، وَكَانَ الْقَتْلَى سَبْعِينَ فَلَمَّا دُفِنُوا وَفُرِغَ مِنْهُمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} فَصَبَرَ وَلَمْ يُمَثِّلْ بِأَحَدٍ.
(1) - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حَمْزَةَ فَرَآهُ صَرِيعًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا كَانَ أَوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنْهُ، وَقَالَ: "وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ بِهِ سَبْعِينَ مِنْهُمْ"، فَنَزَلَتْ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}
_________
(1) - أخرجه ابن سعد والبزار وابن المنذر والطبراني وأبو نعيم في "المعرفة" وابن مردويه (فتح القدير: 3/205) والبيهقي في "الدلائل" (3/288) والحاكم في "المستدرك" (3/197) من طريق صالح المري به. وضعفه الحافط ابن كثير (تفسير ابن كثير: 2/592) وهو كما قال بسبب صالح المري (تقريب التهذيب: 1/358 - رقم: 4) ويشهد له:
1 - الروايات السابقة.
الرواية الآتية.
(1/283)

(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانَ الْمُزَكِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ قُتِلَ حَمْزَةُ وَمُثِّلَ بِهِ: "لَئِنْ ظَفِرْتُ بِقُرَيْشٍ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "بَلْ نَصْبِرُ يَا رَبِّ".
(2) - قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ الْمُشْرِكُونَ بِقَتْلَاهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ تَبْقِيرِ الْبُطُونِ وَقَطْعِ الْمَذَاكِيرِ وَالْمُثْلَةِ السَّيِّئَةِ، قَالُوا حِينَ رَأَوْا ذَلِكَ: لَئِنْ أَظْفَرَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ لَنَزِيدَنَّ عَلَى صَنِيعِهِمْ وَلَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً
_________
(1) - أخرجه ابن المنذر وابن مردويه والطبراني (فتح القدير: 3/200) والبيهقي في "الدلائل" (3/288) من طريق يحيى الحمّاني به. وإسناده ضعيف بسبب يحيى (تقريب التهذيب: 2/352 - رقم: 116) وابن أبي ليلى - وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى - (تقريب التهذيب: 2/184 - رقم: 460) .
(2) - صح هذا الخبر عن أبي بن كعب رضي الله عنه دون ذكر قصة وقوف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حمزة. فقد أخرج الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/192 - ح: 326) والترمذي (5/299 - ح: 3129) والحاكم (المستدرك: 2/359) والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان والطبراني وابن مردويه والضياء في "المختارة" (فتح القدير: 3/205) والبيهقي في الدلائل (3/289) من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون رجلاً ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربين عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فنادى مناد: "إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمَّن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا - سماهم - " فأنزل الله الآية. وسنده جيد.
(1/284)

لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ قَطُّ وَلَنَفْعَلَنَّ وَلَنَفْعَلَنَّ، وَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَمِّهِ حَمْزَةَ وَقَدْ جَدَعُوا أَنْفَهُ وَأُذُنَهُ وَقَطَعُوا مَذَاكِيرَهُ وَبَقَرُوا بَطْنَهُ، وَأَخَذَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ قِطْعَةً مِنْ كَبِدِهِ فَمَضَغَتْهَا ثُمَّ اسْتَرَطَتْهَا لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ
تَلْبَثْ فِي بَطْنِهَا حَتَّى رَمَتْ بِهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهَا لَوْ أَكَلَتْهَا لَمْ تَدْخُلِ النَّارَ أَبَدًا، حَمْزَةُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهِ النَّارَ"، فَلَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى حَمْزَةَ نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ لَمْ يَنْظُرْ قَطُّ إِلَى شَيْءٍ كَانَ أَوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنْهُ، فَقَالَ: "رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ كُنْتَ وَصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعَّالًا لِلْخَيْرَاتِ، وَلَوْلَا حُزْنُ مَنْ بَعْدَكَ عَلَيْكَ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ مَكَانَكَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الْآيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "بَلْ نَصْبِرُ"، وَأَمْسَكَ عَمَّا أَرَادَ، وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَنَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا مَقْتَلَ حَمْزَةَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا وَالِدِي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، فَمَرَرْنَا بِحِمْصَ، فَلَمَّا قَدِمْنَاهَا قَالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ: هَلْ لَكَ أَنْ تَأْتِيَ وَحْشِيًّا نَسْأَلُهُ كَيْفَ كَانَ قَتْلُهُ حَمْزَةَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ شِئْتَ فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْهُ، فَقَالَ لَنَا رَجُلٌ: أَمَا إِنَّكُمَا سَتَجِدَانِهِ بِفِنَاءِ دَارِهِ وَهُوَ رَجُلٌ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَمْرُ، فَإِنْ تَجِدَاهُ صَاحِيًا تَجِدَا رَجُلًا عَرَبِيًّا وَتَجِدَا عِنْدَهُ بَعْضَ مَا تُرِيدَانِ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، قُلْنَا: جِئْنَاكَ لِتُحَدِّثَنَا عَنْ قَتْلِكَ حَمْزَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَمَا
(1/285)

إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمَا كَمَا حَدَّثْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، كُنْتُ غُلَامًا لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ عَمُّهُ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ قَدْ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمَّا سَارَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أُحُدٍ قَالَ لِي جُبَيْرُ
بْنُ مُطْعِمٍ: إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ عَمَّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِعَمِّي طُعَيْمَةَ فَأَنْتَ عَتِيقٌ، قَالَ: فَخَرَجْتُ وَكُنْتُ حَبَشِيًّا أَقْذِفُ بِالْحَرْبَةِ قَذْفَ الْحَبَشَةِ قَلَّمَا أُخْطِئُ بِهَا شَيْئًا، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ خَرَجْتُ أَنْظُرُ حَمْزَةَ وَأَتَبَصَّرُهُ حَتَّى رَأَيْتُهُ فِي عُرْضِ الْجَيْشِ مِثْلَ الْجَمَلِ الْأَوْرَقِ يَهُدُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ هَدًّا مَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَتَهَيَّأُ لَهُ وَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِحَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ لِيَدْنُوَ مِنِّي إِذْ تَقَدَّمَنِي إِلَيْهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَلَمَّا رَآهُ حَمْزَةُ رَحْمَةُ اللَّهِ عليه قال: هاهنا يَا ابْنَ مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَاللَّهِ مَا أَخْطَأَ رَأْسَهُ، وَهَزَزْتُ حَرْبَتِي حَتَّى إِذَا مَا رَضِيتُ مِنْهَا دَفَعْتُهَا إِلَيْهِ فَوَقَعَتْ فِي ثُنَّتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ نَحْوِي فَغُلِبَ، فَتَرَكْتُهُ حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى النَّاسِ، فَقَعَدْتُ فِي الْعَسْكَرِ وَلَمْ يَكُنْ لِي بِغَيْرِهِ حَاجَةٌ إِنَّمَا قَتَلْتُهُ لِأُعْتَقَ، فَلَمَّا قدمت مكة عتقت فَأَقَمْتُ بِهَا حَتَّى فَشَا فِيهَا الْإِسْلَامُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الطَّائِفِ فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُسُلًا وَقِيلَ لِي: إِنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَهِيجُ الرُّسُلَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِي: "أَنْتَ وَحْشِيٌّ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ؟ قَالَ: "أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟ " قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ بَلَغَكَ، قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟ " فَخَرَجْتُ. قَالَ: فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَرَجَ النَّاسُ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ قُلْتُ: لَأَخْرُجَنَّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ حَمْزَةَ، فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ.
(1/286)

سُورَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} الْآيَةَ {29} .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ. قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى الضَّرِيرُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ الْجُهَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ غُلَامٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي تَسْأَلُكَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: "مَا عِنْدَنَا الْيَوْمَ شَيْءٌ"، قَالَ: فَتَقُولُ لَكَ اكْسُنِي قَمِيصَكَ، قَالَ: فَخَلَعَ قَمِيصَهُ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ وَجَلَسَ فِي الْبَيْتِ حَاسِرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} الْآيَةَ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا فِيمَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَتَاهُ صَبِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا قَمِيصُهُ، فَقَالَ لِلصَّبِيِّ: "مِنْ سَاعَةٍ إِلَى سَاعَةٍ يَظْهَرُ كَذَا، فَعُدْ إِلَيْنَا وَقْتًا آخَرَ"، فَعَادَ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ قُلْ لَهُ: أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ الْقَمِيصَ الَّذِي عَلَيْكَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارَهُ وَنَزَعَ قَمِيصَهُ وَأَعْطَاهُ، وَقَعَدَ
_________
(1) - إسناده ضعيف بسبب سليمان الجهني (ميزان الاعتدال: 2/209 - رقم: 3470) وقيس بن الربيع (تقريب التهذيب: 2/128 - رقم: 139) ومعناه غريب كذلك.
(1/287)

عُرْيَانًا، فَأَذَّنَ بلال للصلاة فانتظروه فَلَمْ يَخْرُجْ، فَشَغَلَ قُلُوبَ الصَّحَابَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَرَآهُ عُرْيَانًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} {53} .
نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ شَتَمَهُ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى
بِالْعَفْوِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ} الْآيَةَ {59} .
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْعَلَ الصَّفَا ذَهَبًا وَأَنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الْجِبَالَ فَيَزْرَعُونَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ لَعَلَّنَا نَجْتَبِي مِنْهُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَأَلُوا، فَإِنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَمَا أُهْلِكَ مَنْ قَبْلَهُمْ، قَالَ: "لَا، بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} .
وَرَوَيْنَا قَوْلَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ}
(2) - قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} الْآيَةَ {60} .
أَخْبَرَنَا
_________
(1) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/193 - ج: 327) وابن جرير (15/74) والحاكم (المستدرك: 2/362) والنسائي والبزار والطبراني وابن المنذر وابن مردويه والضياء (فتح القدير: 3/239) والبيهفي في "الدلائل" (2/271) من طريق جعفر بن إياس به. وإسناده صحيح، صححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/50) .
(2) - فيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (15/78) من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، وإسناده ضعيف كما تعلم.
(1/288)

إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن محمد الفقيه قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الزَّقُّومَ فِي الْقُرْآنِ خَوَّفَ بِهِ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا الزَّقُّومُ الَّذِي يُخَوِّفُكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: الثَّرِيدُ بِالزُّبْدِ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنَنَا مِنْهُ لَنَتَزَقَّمَنَّهُ تَزَقُّمًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} يَقُولُ: الْمَذْمُومَةَ {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} الْآيَةَ {73} .
قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلُوهُ شَطَطًا وَقَالُوا: مَتِّعْنَا بِاللَّاتِ سَنَةً وَحَرِّمْ وَادِيَنَا كَمَا حَرَّمْتَ مَكَّةَ شَجَرَهَا وَطَيْرَهَا وَوَحْشَهَا، وَأَكْثَرُوا فِي الْمَسْأَلَةِ فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُجِبْهُمْ، فَأَقْبَلُوا يُكْثِرُونَ مَسْأَلَتَهُمْ وَقَالُوا: إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ فَضْلَنَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَرِهْتَ مَا نَقُولُ وَخَشِيتَ أَنْ تَقُولَ الْعَرَبُ أَعْطَيْتَهُمْ مَا لَمْ تُعْطِنَا فَقُلِ: اللَّهُ أَمَرَنِي بِذَلِكَ، فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُمْ وَدَاخَلَهُمُ الطَّمَعُ، فَصَاحَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ: أَمَا تَرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْسَكَ عَنْ جَوَابِكُمْ كَرَاهِيَةً لِمَا تَجِيئُونَ بِهِ؟ وَقَدْ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَكُفُّ عَنْكَ إِلَّا بِأَنْ تُلِمَّ بِآلِهَتِنَا وَلَوْ بِطَرْفِ أَصَابِعِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا عَلَيَّ لَوْ فَعَلْتُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (15/88) من طريق العوفي عن ابن عباس بمعناه مختصرًا وإسناده ضعيف.
(1/289)

أَنِّي كَارِهٌ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} إِلَى قَوْلِهِ {نَصِيرًا}
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ قُرَيْشًا خَلَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى الصُّبْحِ يُكَلِّمُونَهُ وَيُفَخِّمُونَهُ وَيُسَوِّدُونَهُ وَيُقَارِبُونَهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَأْتِي بِشَيْءٍ لَا يَأْتِي بِهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى كَادَ يُقَارِبُهُمْ فِي بَعْضِ مَا يُرِيدُونَ، ثُمَّ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ} الْآيَةَ {76} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَسَدَتِ الْيَهُودُ مَقَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا بُعِثُوا بِالشَّامِ، فَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَالْحَقْ بِهَا فَإِنَّكَ إِنْ خَرَجْتَ إِلَيْهَا صَدَّقْنَاكَ وَآمَنَّا بِكَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ لِمَا يُحِبُّ مِنْ إِسْلَامِهِمْ، فَرَحَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَرْحَلَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غُنْمٍ: إِنَّ الْيَهُودَ أَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا أَنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ فَالْحَقْ بِالشَّامِ، فَإِنَّ الشَّامَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ وَأَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ، فَصَدَّقَ مَا قَالُوا وَغَزَا غَزْوَةَ تَبُوكَ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا الشَّامَ، فَلَمَّا بَلَغَ تَبُوكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ}
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: هَمَّ أَهْلُ مَكَّةَ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْخُرُوجِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ إِخْبَارًا عَمَّا هَمُّوا بِهِ.
_________
(1) - أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر (فتح القدير: 3/249) والبيهقي في "الدلائل" (5/254) عنه به، قال الحافظ ابن كثير: "وفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالا لقوله تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) وغزاها ليقتص وينتقم من قتل أهل مؤتة من أصحابه" (تفسير ابن كثير: 3/53) وقال أيضا: "وهذا القول ضعيف؛ لأن هذا الآية مكية، وسكنى المدينة كان بعد ذلك" (المصدر السابق) .
(1/290)

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} الْآيَةَ {80} .
قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُوثِقُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُخْرِجُوهُ مِنْ مَكَّةَ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بَقَاءَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَخْرُجَ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} الْآيَةَ {85} .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو لَبِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِنَا نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ فَيَسْتَقْبِلَكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ؛ فَأَتَاهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا تَقُولُ فِي الرُّوحِ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قَامَ، فَأَمْسَكَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُنَزَّلُ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ.
(2) - وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ: اعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ عَنْهُ هَذَا الرَّجُلَ، فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 18/401 - ح: 4721) ومسلم (4/2152 - ح: 2794) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/196 - ح: 333) والترمذي (5/304 - ح: 3141) والنسائي (الفتح الرباني: 18/197) وابن جرير (15/104) وابن مردويه وابن حبان (فتح الباري: 8/401) وأبو نعيم في "الدلائل" (2/126) وابن أبي عاصم في "السنة" (1/263 - ح: 592) كلهم من طريق إبراهيم عن علقمة به.
(2) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/196 - ح: 332) والترمذي (5/304 - ح: 3140) والنسائي وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم (فتح القدير: 3/256) والبيهقي (دلائل النبوة: 2/610) وأبو يعلى (مسند أبي يعلى: 4/381 - ح: 2501) وابن أبي عاصم في "السنة" (1/264 - ح: 595) كلهم من طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس به. وإسناده صحيح، صححه الحاكم والترمذي، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله رجال مسلم (فتح الباري: 8/401) .
(1/291)

وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ الْيَهُودَ اجْتَمَعُوا فَقَالُوا لِقُرَيْشٍ حِينَ سَأَلُوهُمْ عَنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ وَحَالِهِ سَلُوا مُحَمَّدًا عَنِ الرُّوحِ، وَعَنْ فِتْيَةٍ فُقِدُوا فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ، وَعَنْ رَجُلٍ بَلَغَ شَرْقَ الْأَرْضِ وَغَرْبَهَا، فَإِنْ أَجَابَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وَإِنْ أَجَابَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ وَأَمْسَكَ عَنْ بَعْضِهِ فَهُوَ نَبِيٌّ فَسَأَلُوهُ عَنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فِي شَأْنِ
الْفِتْيَةِ: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ} إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ وَأَنْزَلَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي بَلَغَ شَرْقَ الْأَرْضِ وَغَرْبَهَا: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. وَأَنْزَلَ فِي الرُّوحِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} الْآيَةَ {90} .
رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَأَبَا سُفْيَانَ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَأَبَا الْبَخْتَرِيِّ وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ وَأَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وَرُؤَسَاءَ قريش اجتمعوا على ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إِلَى مُحَمَّدٍ وَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حتى تعذروا به، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ إِنَّ أَشْرَافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ، فَجَاءَهُمْ سَرِيعًا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ بَدَا لَهُمْ فِي أَمْرِهِ بَدَاءٌ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا يُحِبُّ رُشْدَهُمْ وَيَعِزُّ عَلَيْهِ تَعَنُّتُهُمْ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ وَعِبْتَ الدِّينَ وَسَفَّهْتَ الْأَحْلَامَ وَشَتَمْتَ الْآلِهَةَ وَفَرَّقْتَ الْجَمَاعَةَ، وَمَا بَقِيَ أَمْرٌ قَبِيحٌ إِلَّا وَقَدْ جِئْتَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ بِهَذَا لِتَطْلُبَ بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا تَكُونُ
(1/292)

بِهِ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَطْلُبُ الشَّرَفَ فِينَا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الرِّئْيُّ الذي يأتيك نراه قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ التَّابِعَ مِنَ الْجِنِّ الرِّئْيَّ بَذَلْنَا أَمْوَالَنَا فِي طَلَبِ الطِّبِّ لَكَ حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ أَوْ نُعْذَرَ فِيكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا بِي مَا تَقُولُونَ، مَا جِئْتُكُمْ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ لِطَلَبِ أَمْوَالِكُمْ وَلَا لِلشَّرَفِ فِيكُمْ وَلَا الْمُلْكِ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ
عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ"، قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ مِنَّا مَا عَرَضْنَا عَلَيْكَ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَضْيَقَ بِلَادًا وَلَا أَقَلَّ مَالًا وَلَا أَشَدَّ عَيْشًا مِنَّا، سَلْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِمَا بَعَثَكَ فَلْيُسَيِّرْ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي ضُيِّقَتْ عَلَيْنَا، وَيَبْسُطْ لنا بلادنا ويجري فِيهَا أَنْهَارًا كَأَنْهَارِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَأَنْ يَبْعَثَ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، وَلْيَكُنْ مِمَّنْ يُبْعَثُ لَنَا مِنْهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخًا صَدُوقًا، فَنَسْأَلُهُمْ عَمَّا تَقُولُ أَحَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ؟، فَإِنْ صَنَعْتَ مَا سَأَلْنَاكَ صَدَّقْنَاكَ وَعَرَفْنَا بِهِ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ اللَّهِ وَأَنَّهُ بَعَثَكَ رَسُولًا كَمَا تَقُولُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا بِهَذَا بُعِثْتُ إِنَّمَا جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، بِمَا بَعَثَنِي بِهِ، فَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ"، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذَا فَسَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ لَنَا مَلَكًا يصدقك، وسله فيجعل لَكَ جِنَانًا وَكُنُوزًا وَقُصُورًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَيُغْنِيكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ فِي الْأَسْوَاقِ كَمَا نَقُومُ وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا أَنَا بِفَاعِلٍ وَمَا أَنَا بِالَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا وَمَا بُعِثْتُ بِهَذَا إِلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا" قَالُوا: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إِنْ شَاءَ فَعَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ فَعَلَ"، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ
(1/293)

وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أُؤْمِنُ بِكَ أَبَدًا حَتَّى تَتَّخِذَ إِلَى السَّمَاءِ سُلَّمًا وَتَرْقَى فِيهِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى تَأْتِيَهَا، وَتَأْتِيَ بِنُسْخَةٍ مَنْشُورَةٍ مَعَكَ وَنَفَرٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أَنَّكَ كَمَا تَقُولُ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أهله حزينًا يبما فَاتَهُ مِنْ مُتَابَعَةِ قَوْمِهِ، وَلِمَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ مِنْهُ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} الْآيَاتِ.
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ قَوْلُهُ: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} أُنْزِلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ؟ قَالَ: زَعَمُوا ذَلِكَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} الْآيَةَ {110} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَهَجَّدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ بِمَكَّةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَدْعُو إِلَهًا وَاحِدًا فَهُوَ الْآنَ يَدْعُو إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ: اللَّهَ وَالرَّحْمَنَ، مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا رَحْمَنَ الْيَمَامَةِ، يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْتُبُ فِي أَوَّلِ مَا يُوحَى إِلَيْهِ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (2) فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ: هَذَا الرَّحِيمُ نَعْرِفُهُ، فَمَا الرَّحْمَنُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (15/121) عن ابن عباس بإسناد ضعيف إلى قوله: يدعو إلهين اثنين.
(2) سورة النمل الآية 30.
(1/294)

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّكَ لَتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ وَقَدْ أَكْثَرَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ هَذَا الِاسْمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} الْآيَةَ {110} .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا وَالِدِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ وَكَانُوا إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ} أي بقراءتكم فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا يَسْمَعُونَ {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي التَّشَهُّدِ، كَانَ الْأَعْرَابِيُّ يَجْهَرُ فَيَقُولُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: كَانَ أَعْرَابٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِذَا سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَلَاتِهِ قَالُوا: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مَالًا وَوَلَدًا وَيَجْهَرُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 13/463 - ح: 749، 8/404 - ح: 4722) ومسلم (1/329 - ح: 446) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/198 - ح: 335) والترمذي (5/306، 307 - ح: 3145، 3146) وابن جرير (15/124) والطبراني (المعجم الكبير: 12/55 - ح: 12454) والنسائي وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والبيهقي (حاشية جامع الأصول: 2/219) من طريق أبي بشرعن سعيد به.
(1/295)

(1) - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِهْرَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَكَرِيَّا الْغَسَّانِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} قَالَتْ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ.
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/405 - ح: 4723) ومسلم (1/329 - ح: 447) وابن جرير (15/122) وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه والنحاس وابن نصر وابن مردويه والبيهقي (حاشية جامع الأصول: 2/219) عن عائشة رضي الله عنها به.
(1/296)

سُورَةُ الْكَهْفِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} الْآيَةَ {28} .
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ إِمْلَاءً فِي "دَارِ السُّنَّةِ" يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي شُهُورِ سَنَةِ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدَوَيْهِ الْحِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مِسْرَحٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ ابْنِ مَشْجَعَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْجُهَنِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: جَاءَ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَذَوُوهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَوْ جَلَسْتَ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ وَنَحَّيْتَ عَنَّا هَؤُلَاءِ وَأَرْوَاحَ جِبَابِهِمْ - يَعْنُونَ سَلْمَانَ وَأَبَا ذَرٍّ وَفُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ عَلَيْهِمْ جِبَابُ الصُّوفِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ غَيْرُهَا - جَلَسْنَا إِلَيْكَ وَحَادَثْنَاكَ وَأَخَذْنَا عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} حَتَّى بَلَغَ {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} يَتَهَدَّدُهُمْ بِالنَّارِ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْتَمِسُهُمْ حَتَّى إِذَا أَصَابَهُمْ فِي مُؤَخَّرِ
_________
(1) 1 - أخرجه ابن جرير (15/156) وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في "الشعب" وأبو الشيخ (فتح القدير: 3/283) من طريق سليمان بن عطاء عن مسلمة به وإسناده ضعيف بسبب سليمان بن عطاء الحراني - أو الجزري - (تقريب التهذيب: 1/328 - رقم: 473) .
(1/297)

الْمَسْجِدِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَمَرَنِي أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَ رِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، مَعَكُمُ الْمَحْيَا وَمَعَكُمُ الْمَمَاتُ".
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} الْآيَةَ {28} .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} قَالَ: نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَعَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَمْرٍ كَرِهَهُ مِنْ طَرْدِ الْفُقَرَاءِ عَنْهُ وَتَقْرِيبِ صَنَادِيدِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} يَعْنِي مَنْ خَتَمْنَا عَلَى قَلْبِهِ عَنِ التَّوْحِيدِ {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} يَعْنِي الشِّرْكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} الْآيَةَ {83} .
قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَاتِ.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} {109} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتِ الْيَهُودُ لَمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" كَيْفَ وقد أوتينا التوارة، ومن أوتي التوارة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا فَنَزَلَتْ: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} الْآيَةَ.
_________
(1) - إسناده ضعيف جدًّا بسبب جويبر (تقريب التهذيب: 1/136 - رقم: 131) والانقطاع بين الضحاك وابن عباس.
(2) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/196 - ح: 332) والترمذي (5/304 - ح: 3140) والحاكم (لباب النقول: 144) وابن أبي حاتم (فتح الباري: 13/445) عن ابن عباس رضي الله عنهما به.
قال الحافظ ابن حجر: رجاله رجال مسلم (فتح الباري: 8/401) . تنبيه: هذا الحديث تكملة لحديث ابن عباس السابق في السؤال عن الروح. (الإسراء: 85) .
(1/298)

(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} الْآيَةَ {110} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي جُنْدُبِ بْنِ زُهَيْرٍ الْعَامِرِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي أَعْمَلُ الْعَمَلَ لِلَّهِ فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا يَقْبَلُ مَا شُورِكَ فِيهِ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(2) - وَقَالَ طَاوُسٌ: قَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُحِبُّ أَنْ يُرَى مَكَانِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنِّي أَتَصَدَّقُ وَأَصِلُ الرَّحِمَ وَلَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَيُذْكَرُ ذَلِكَ مِنِّي وَأُحْمَدُ عَلَيْهِ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ، وَأُعْجَبُ بِهِ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} .
_________
(1) - أخرجه ابن مندة، وأبو نعيم في "الصحابة" وابن عساكر (فتح القدير: 3/318) من طريق السدّي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدّق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لقالة الناس، فلا يريد به الله، فنزلت الآية.
وهذا إسناد مظلم كلهم كذابون، فالحديث باطل.
(2) - أسنده الحاكم (المستدرك: 2/111) من طريق عبد الكريم الجزري عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما به، وإسناده صحيح.
(1/299)

سُورَةُ مَرْيَمَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} {64} .
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمُّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الشَّامِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الرُّسْعَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "يَا جِبْرِيلُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟ " قَالَ فَنَزَلَتْ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} الْآيَةَ كُلَّهَا: قَالَ: كَانَ هَذَا الْجَوَابَ لِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ.
(2) - وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَبْطَأَ الْمَلَكُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: "لَعَلِّي
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/428 - ح: 4731) والترمذي (5/316 - ح: 3158) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/208 - ح: 346) وابن جرير (16/78) والطبراني (المعجم الكبير: 12/33: 12385) والنسائي وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم (حاشية جامع الأصول: 2/238) والبيهقي (دلائل النبوة: 7/60) كلهم من طريق عمر بن ذر عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما به.
(2) - أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم (فتح القدير: 3/345) عنه مرسلاً، ويشهد له:
* ما أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 17/321 - ح: 41) والطبراني (المعجم الكبير: 11/432 - ح: 12224) من طريق أبي كعب مولى ابن عباس عن ابن عباس به, دون ذكر الآية. وأبو كعب مجهول (تعجيل المنفعة: 338 - رقم: 1384) فالإسناد ضعيف.
(1/300)

أَبْطَأْتُ؟ قَالَ: "قَدْ فَعَلْتَ"، قَالَ: "وَلِمَ لَا أَفْعَلُ وَأَنْتُمْ لَا تَتَسَوَّكُونَ وَلَا تَقُصُّونَ أَظَافِرَكُمْ وَلَا تُنَقُّونَ بَرَاجِمَكُمْ"! قَالَ: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلٌ، وَالْكَلْبِيُّ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سَأَلَهُ قَوْمُهُ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَذِي الْقَرْنَيْنِ، وَالرُّوحِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يُجِيبُهُمْ وَرَجَا أَنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَشَقَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَشَقَّةً شَدِيدَةً فَلَمَّا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ لَهُ: "أَبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتَّى سَاءَ ظَنِّي وَاشْتَقْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنِّي كُنْتُ إِلَيْكَ أَشْوَقَ وَلَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ إِذَا بُعِثْتُ نَزَلْتُ وَإِذَا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} الْآيَاتِ {66} .
قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ حِينَ أَخَذَ عِظَامًا بَالِيَةً يَفُتُّهَا بِيَدِهِ وَيَقُولُ: زَعَمَ لَكُمْ مُحَمَّدٌ أَنَّا نُبْعَثُ بَعْدَمَا نَمُوتُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} الْآيَةَ {77} .
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: كَانَ لِي دَيْنٌ عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قَالَ: إِنِّي إِذَا مِتُّ ثم بعثت، جئني وَسَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأُعْطِيكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - إسناده صحيح, ويشهد له الحديث الآتي.
(1/301)

(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا وَكَانَ لِي عَلَى
الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لِي: لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فقلت: لا أكفرحتى تَمُوتَ وَتُبْعَثَ، فَقَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالِي، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِ: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْأَشَجِّ عَنْ وَكِيعٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: كَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ قَيْنًا، وَكَانَ يَعْمَلُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَكَانَ الْعَاصُ يُؤَخِّرُ حَقَّهُ فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ الْعَاصُ: مَا عِنْدِي الْيَوْمَ مَا أَقْضِيكَ، فَقَالَ خَبَّابٌ: لَسْتُ بِمُفَارِقِكَ حَتَّى تَقْضِيَنِي، فَقَالَ الْعَاصُ: يا خباب، مالك؟ مَا كُنْتَ هَكَذَا، وَإِنْ كُنْتَ لَتُحْسِنُ الطَّلَبَ!، فَقَالَ خَبَّابٌ: ذَاكَ أَنِّي كُنْتُ عَلَى دِينِكَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَأَنَا عَلَى الْإِسْلَامِ مُفَارِقٌ لدينك، قال: أو لستم تَزْعُمُونَ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ ذَهَبًا وَفِضَّةً وَحَرِيرًا؟ قَالَ خَبَّابٌ: بَلَى، قَالَ: فَأَخِّرْنِي حَتَّى أَقْضِيَكَ فِي الْجَنَّةِ - اسْتِهْزَاءً - فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا إِنِّي لَأَفْضَلُ فِيهَا نَصِيبًا مِنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} يَعْنِي الْعَاصَ، الْآيَاتِ.
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/429 - ح: 4732) ومسلم (4/2153 - ح: 2795) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/210 - ح: 350) والترمذي (5/318 - ح: 3162) والنسائي (الفتح الرباني: 18/211) وعبد الرزاق (تفسير ابن كثير: 3/135) وابن جرير (16/91, 92) وابن مردويه (فتح الباري: 8/429) والطبراني (المعجم الكبير: 4/76 - ح: 4651) كلهم من طريق الأعمش به.
(1/302)

سُورَةُ طه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} {1، 2} .
قَالَ مُقَاتِلٌ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "إِنَّكَ لَشَقِيٌّ بِتَرْكِ دِينِنَا. وَذَلِكَ لِمَا رَأَيَاهُ مِنْ طُولِ عِبَادَتِهِ وَشِدَّةِ اجْتِهَادِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَسْكَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَصَلَّوْا، فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا لِيَشْقَى بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {طه} يَقُولُ: يَا رَجُلُ {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}
(2) - قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} الآية {131} .
أخبرنا أحمد بن
_________
(1) - إسناده ضعيف جدًّا, من أجل حال جويبر, ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (16/102) وابن مردويه (لباب النقول: 146) من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه, وإسناه ضعيف.
(2) - أخرجه ابن جرير (16/169) والطبراني (المعجم الكبير: 1/312 - ح: 989) وابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطي وأبو نعيم (فتح القدير: 3/395) من طريق موسى بن عبيدة عن يزيد به.
وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 4/126) وهو كما قال بسبب موسى بن عبيدة (تقريب التهذيب: 2/286 - رقم: 1483) هذا من جهة الإسناد, ومن جهة المتن ضعَّفه ابن عطية بأن الآيه مكّية والحادثة مدنية في آخر عمر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الجامع لأحكام القرآن: 11/262) .
(1/303)

مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ضَيْفًا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَانِي فَأَرْسَلَنِي إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ يَبِيعُ طَعَامًا، يَقُولُ لَكَ
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّهُ نَزَلَ بِنَا ضيف ولم يلق عِنْدَنَا بعض الذي نصلحه، فَبِعْنِي كَذَا وَكَذَا مِنَ الدَّقِيقِ أَوْ أَسْلِفْنِي إِلَى هِلَالِ رَجَبٍ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: لَا أَبِيعُهُ وَلَا أُسْلِفُهُ إِلَّا بِرَهْنٍ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَمِينٌ فِي السَّمَاءِ أمين في الأض، وَلَوْ أَسْلَفَنِي أَوْ بَاعَنِي لَأَدَّيْتُ إِلَيْهِ، اذْهَبْ بِدِرْعِي"، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَعْزِيَةً لَهُ عَنِ الدُّنْيَا {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} الْآيَةَ.
(1/304)

سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} {101} .
أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الْمَاوَرْدِيُّ قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ نُوحٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو رُزَيْنٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آيَةٌ لَا يَسْأَلُنِي النَّاسُ عَنْهَا، لَا أَدْرِي أَعَرَفُوهَا فَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهَا، أَوْ جَهِلُوهَا فَلَا يَسْأَلُونَ عَنْهَا؟ قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} (2) شَقَّ عَلَى قريش، فقالوا: أيشتم آلِهَتَنَا؟ فَجَاءَ ابْنُ الزِّبَعْرَى فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا يَشْتُمُ آلِهَتَنَا، قَالَ: فَمَا قَالَ؟ قَالُوا: قَالَ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} قَالَ: ادْعُوهُ لِي، فَلَمَّا دُعِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا شَيْءٌ لِآلِهَتِنَا خَاصَّةً أَوْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا، بَلْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: خُصِمْتَ وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ - يَعْنِي
_________
(1) - أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 12/153 - ح: 12739) وإسناده حسن، ويشهد له:
* ما أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/385) والفريابي وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 3/ 431) عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه, وإسناده صحيح.
(2) سورة الأنبياء الآية 98.
(1/305)

الْكَعْبَةَ - أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عِبَادٌ صَالِحُونَ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدٌ صَالِحٌ وَأَنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صَالِحٌ، قَالَ: "بَلَى"، قَالَ: فَهَذِهِ بَنُو مَلِيحٍ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَهَذِهِ النَّصَارَى يَعْبُدُونَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذِهِ الْيَهُودُ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، قَالَ: فَصَاحَ أَهْلُ مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} الْمَلَائِكَةُ
وَعِيسَى وَعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ {أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} .
(1/306)

سُورَةُ الْحَجِّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} الْآيَةَ {11} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَعْرَابٍ كَانُوا يَقْدَمُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ مُهَاجِرِينَ مِنْ بَادِيَتِهِمْ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَإِنْ صَحَّ بِهَا جِسْمُهُ وَنُتِجَتْ فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَكَثُرَ ماله وما شيته رَضِيَ عَنْهُ وَاطْمَأَنَّ، وَقَالَ: مَا أَصَبْتُ مُنْذُ دَخَلْتُ فِي دِينِي هَذَا إِلَّا خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَعُ الْمَدِينَةِ وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً وَأُجْهِضَتْ رِمَاكُهُ وَذَهَبَ مَالُهُ وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ، أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتَ مُنْذُ كُنْتَ عَلَى دِينِكَ هَذَا إِلَّا شَرًّا، فَيَنْقَلِبُ عَلَى دِينِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} الْآيَةَ.
(2) - وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ وَمَالُهُ وَوَلَدُهُ وَتَشَاءَمَ بِالْإِسْلَامِ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَقِلْنِي، فَقَالَ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُقَالُ"، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أُصِبْ فِي دِينِي هَذَا خَيْرًا، أَذْهَبَ بَصَرِي وَمَالِي وَوَلَدِي، فَقَالَ: "يَا يَهُودِيُّ إِنَّ الْإِسْلَامَ يَسْبِكُ الرِّجَالَ كَمَا تَسْبِكُ النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ"، قَالَ: وَنَزَلَتْ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
_________
(1) - أخرج معناه البخاري (فتح الباري: 8/ 442 - ح: 4742) وابن أبي شيبة والإسماعيلي وابن أبي حاتم (فتح الباري: 8/ 443) وابن مردويه (فتح القدير: 3/ 442) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) - أخرجه ابن مردويه (فتح القدير: 3/ 442) (فتح الباري: 8/ 443) عنه, وإسناده ضعيف.
(1/307)

يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} الْآيَةَ {19} .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَنَزَلَتْ: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} فِي هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ: حَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ.
(2) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قيس عن عُبَادٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَفِي مُبَارَزَتِنَا يَوْمَ بَدْرٍ: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} إِلَى قَوْلِهِ {الْحَرِيقِ}
(3) - قال ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ أولى بالله معكم وَأَقْدَمُ مِنْكُمْ كُتُبًا وَنَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِاللَّهِ، آمَنَّا بمحمد عليه الصلاة والسلام وَآمَنَّا بِنَبِيِّكُمْ وَبِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ، فَأَنْتُمْ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/ 443 - ح: 4743) ومسلم (4/2323 - ح: 3033, وهو آخر حديث في صحيحه) وابن جرير (17/99) والطبراني (المعجم الكبير: 3/164 - ح: 2953) والبيهقي في "الدلائل" (3/72) من طريق أبي مجلزعن قيس عن أبي ذر رضي الله عنه به, ويشهد له: الرواية الآتية.
(2) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/386) والنسائي وعبد بن حميد وأبو نعيم (فتح الباري: 8/ 444) والبيهقي في "الدلائل" (3/73) من طريق أبي مجلز عن قيس عن عليّ رضي الله عنه به, وإسناده صحيح.
(3) - أخرجه ابن جرير (17/99) عن ابن عباس من طريق العوفي, وإسناده ضعيف.
(1/308)

تَعْرِفُونَ نَبِيَّنَا ثُمَّ تَرَكْتُمُوهُ وَكَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا، وَكَانَتْ هَذِهِ خُصُومَتَهُمْ فِي رَبِّهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} الْآيَةَ {39} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ يُؤْذُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَزَالُونَ يَجِيئُونَ مِنْ بين مضروب ومجشوج، فَشَكَوْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُ لَهُمْ: "اصْبِرُوا فإني لم أؤمر بِالْقِتَالِ" حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أُخْرِجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَنَهْلَكَنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} الْآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} {52} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَلِّيَ قَوْمِهِ عَنْهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ، تَمَنَّى فِي نَفْسِهِ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَا يُقَارِبُ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ، وَذَلِكَ لِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِهِمْ، فَجَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي نَادٍ مِنْ أَنْدِيَةِ قُرَيْشٍ كَثِيرٍ أَهْلُهُ، وَأَحَبَّ يَوْمَئِذٍ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ يَنْفِرُونَ عَنْهُ، وَتَمَنَّى ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَلَغَ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} (1) أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ لِمَا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ وتمناه، تلك الغزانيق الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى، فَلَمَّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ فَرِحُوا، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قراءته فقرأ السوة كُلَّهَا، وَسَجَدَ فِي آخِرِ السُّورَةِ فَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ بِسُجُودِهِ وَسَجَدَ جَمِيعُ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ إِلَّا سَجَدَ، إِلَّا الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَأَبَا أُحَيْحَةَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، فَإِنَّهُمَا أَخَذَا حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ وَرَفَعَاهَا إِلَى جَبْهَتِهِمَا
وَسَجَدَا عَلَيْهَا، لِأَنَّهُمَا كَانَا
_________
(1) سورة النجم: الآية 19، 20.
(1/309)

شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَلَمْ يَسْتَطِيعَا السُّجُودَ، وَتَفَرَّقَتْ قُرَيْشٌ وَقَدْ سَرَّهُمْ مَا سَمِعُوا وَقَالُوا: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، فَقَالُوا: قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ لَكِنَّ آلِهَتَنَا هَذِهِ تَشْفَعُ لَنَا عِنْدَهُ، فَإِنْ جَعَلَ لَهَا مُحَمَّدٌ نَصِيبًا فَنَحْنُ مَعَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: مَاذَا صَنَعْتَ؟ تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ الله سبحانه وتعالى، وَقُلْتَ مَا لَمْ أَقُلْ لَكَ! فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُزْنًا شَدِيدًا وَخَافَ مِنَ اللَّهِ خَوْفًا كَبِيرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: نَدِمَ محمد عليه الصلاة والسلام عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ مَنْزِلَةِ آلِهَتِنَا عِنْدَ اللَّهِ. فَازْدَادُوا شَرًّا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَهْلٌ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {أَفَرَأَيْتُمُ
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (17/133) وابن المنذر وابن أبي حاتم (فتح القدير: 3/ 463) من طريق عثمان عن سعيد به, وهو مرسل صحيح الإسناد, ويشهد له:
1 - ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبيرة 12/53 - ح: 1245) والبزار وابن مردويه والضياء (فتح القدير: 3/ 463) عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه, وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/115) .
2 - ما أخرجه ابن جرير (17/132) عن أبي العالية مرسلاً بإسناد صحيح نحوه.
3 - ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 9/21 - ح: 8316) عن عروة بن الزبير مرسلاً بمعناه, وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/70 - 72) .
4 - ما أخرجه ابن جرير (17/131) عن محمد بن كعب مرسلاً مطوّلاً بمعناه, وإسناده ضعيف.
قال الحافظ ابن كثير: "ولم أرها مسندة من وجه صحيح" (تفسير ابن كثير: 3/229) ووافقه الشوكاني (فتح القدير: 3/ 462) إلا أن الحافظ ابن حجر قال: كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا (لباب النقول: 150) .
قلت: وهو كذلك, إلا أنها وإن ثبتت نقلاً, فهي باطلة عقلاً وشاذة متنًا, لأنها قدح في الرسالة, وانظر للمزيد (نصب المجانيق للألباني, حياة محمد لمحمد حسين هيكل) .
(1/310)

اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} (1) فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقَ الْعُلَى وإن شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَجَى، فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُوا قَدْ ذَكَرَ آلِهَتَنَا، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: اعْرِضْ عَلَيَّ
كَلَامَ اللَّهِ، فَلَمَّا عَرَضَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَلَمْ آتِكَ بِهِ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} .
_________
(1) سورة النجم الآية 19، 20.
(1/311)

سورة المؤمنون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} {1} .
أخبرنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ إِمْلَاءً قَالَ: أَخْبَرَنَا حاجب بن أحمد الطوسي قال: أخبرنا محمد بْنُ حَمَّادٍ الْأَبِيوَرْدِيُّ قال: أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ يُونُسُ الْأَيْلِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: كَانَ إِذَا أُنْزِلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنَا عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ" ثُمَّ قَرَأَ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} إِلَى عَشْرِ آيَاتٍ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَطِيعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
(1) - قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} {2} .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ العطار قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/393) وابن مردويه والبيهقي (فتح القدير: 3/ 475) من طريق أيوب به, وإسناده صحيح. وأخرجه ابن جرير (18/3) وسعيد بن منصور والبيهقي (فتح القدير: 3/ 475) عن ابن سيرين مرسلا, وإسناده صحيح.
(1/312)

أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الثَّقَفِيُّ قال: أخبرنا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَ: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} {14} .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ منجوف قال: أخبرنا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَافَقْتُ رَبِّي فِي أَرْبَعٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ صَلَّيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (2) وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ عَلَى نِسَائِكَ حِجَابًا فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (3) وَقُلْتُ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَتنتهُنّ أو ليبدله اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} (4) الْآيَةَ، وَنَزَلَتْ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} فَقُلْتُ: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ فَنَزَلَتْ: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} .
_________
(1) - لا يخفى أن وجود علي بن زيد بن جدعان في الإسناد يضعفه.
أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/394) وابن جرير (18/34) والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 3/ 494) وابن حبان (موارد الطمآن: 434 - ح: 1753) من طريق يزيد النحوي به, وإسناده حسن, ويشهد له: قول ابن عباس الآتي.
(2) سورة البقرة: الآية 125.
(3) سورة الأحزاب: الآية: 53.
(4) سورة التحريم: الآية 5.
(1/313)

(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ} الْآيَةَ {76} .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن عبد الله بن محمد الضبي قال: أخبرنا
أبو العباس السياري قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ حَاتِمٍ قال: أخبرنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ لَقَدْ أَكَلْنَا الْعِلْهِزَ، - يَعْنِي الْوَبَرَ بِالدَّمِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}
(2) - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَتَى ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ وَهُوَ أَسِيرٌ فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَلَحِقَ بِالْيَمَامَةِ فَحَالَ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ وَبَيْنَ الميرة من يمامة وَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى قُرَيْشًا بِسِنِي الْجَدْبِ حَتَّى أَكَلُوا الْعِلْهِزَ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ أَلَيْسَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ؟ قَالَ: "بَلَى"، فَقَالَ: قَدْ قَتَلْتَ الْآبَاءَ بِالسَّيْفِ وَالْأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أسنده ابن جرير (18/34) وأبو نعيم (فتح القدير: 3/95) والبيهقي في "الدلائل" (4/81) من طريق علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما به, وإسناده جيد.
(2) - أسنده ابن جرير (18/34) وأبو نعيم (فتح القدير: 3/95) والبيهقي في "الدلائل" (4/81) من طريق علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما به, وإسناده جيد.
(1/314)

سُورَةُ النُّورِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} الْآيَةَ {3} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِيهِمْ فُقَرَاءُ لَيْسَتْ لَهُمْ أَمْوَالٌ، وَبِالْمَدِينَةِ نِسَاءٌ بَغَايَا مُسَافِحَاتٌ يَكْرِينَ أَنْفُسَهُنَّ، وَهُنَّ يَوْمَئِذٍ أَخْصَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَرَغِبَ فِي كَسْبِهِنَّ نَاسٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا تَزَوَّجْنَا مِنْهُنَّ فَعِشْنَا مَعَهُنَّ إِلَى أَنْ يُغْنِيَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ، فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَحُرِّمَ فِيهَا نِكَاحُ الزَّانِيَةِ صِيَانَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي نِسَاءٍ بَغَايَا مُتَعَالِنَاتٍ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَكُنَّ كَثِيرَاتٍ وَمِنْهُنَّ تِسْعٌ صَوَاحِبُ رَايَاتٍ، لَهُنَّ رَايَاتٌ كَرَايَاتِ الْبَيْطَارِ يُعْرَفْنَ بِهَا: أُمُّ مَهْزُولٍ جَارِيَةُ السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ، وَأُمُّ عُلَيْطٍ جَارِيَةُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَحَنَّةُ الْقِبْطِيَّةُ جَارِيَةُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَمُزْنَةُ جَارِيَةُ مَالِكِ بْنِ عَمِيلَةَ بْنِ السَّبَّاقِ، وَجَلَالَةُ جَارِيَةُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَأُمُّ سُوَيْدٍ جَارِيَةُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ، وَشَرِيفَةُ جَارِيَةُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَفَرْسَةُ جَارِيَةُ هِشَامِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَفَرْتَنَا جَارِيَةُ هِلَالِ بْنِ أَنَسٍ، وَكَانَتْ بُيُوتُهُنَّ تُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ
_________
(1) - أخرج معناه ابن جرير (18/56) عن عبد الله بن عمرو بن العاص بإسناد صحيح, ويشهد له:
1 - ما أخرجه ابن جرير (18/57) عن ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد صحيح.
ما أخرجه ابن جرير أيضا (18/57) عن مجاهد وقتادة والزهري نحوه, وهي مراسيل صحيحة الإسناد.
(1/315)

الْمَوَاخِيرَ، لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ وَلَا يَأْتِيهِنَّ إِلَّا زَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَوْ مُشْرِكٌ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ، فَأَرَادَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نِكَاحَهُنَّ لِيَتَّخِذُوهُنَّ مَأْكَلَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَنَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الجبار قال: أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا "أُمُّ مَهْزُولٍ " كَانَتْ تُسَافِحُ، وَكَانَتْ تَشْتَرِطُ لِلَّذِي يَتَزَوَّجُهَا أَنْ تَكْفِيَهُ النَّفَقَةَ، وَأَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ}
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} الْآيَةَ {6} .
أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ قال:
_________
(1) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/217 - ح: 359) وابن جرير (18/56) وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي (فتح القدير: 4/6) والطبراني (مجمع الزوائد: 7/74) من طريق الحضرمي به, قال الشيخ أحمد البنا: "في إسناده الحضرمي, وهو مجهول" (الفتح الرباني: 18/218) وانظر (تهذيب التهذيب: 2/394) .
(2) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 17/25 - ح: 50) وابن جرير (18/65) وأبو داود (2/688 - ح: 2256) وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 4/11) من طريق عباد بن منصور عن عكرمة به, وفيه عنعنة عباد وهو مدلّس (تقريب التهذيب: 1/393 - رقم: 107) ويشهد له:
1 - ما أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/449 - ح: 4747) وأبو داود (2/686 - ح: 2254) والترمذي (5/331 - ح: 3179) وابن ماجه (1/668 - ح: 2067) والدارقطني (3/277 - ح: 122) من طريق هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه.
ما أخرجه مسلم (2/1134 - ح: 1496) عن أنس مختصرًا بمعناه.
(1/316)

أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْفَاسِقُونَ} قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْأَنْصَارِ: أَهَكَذَا أُنْزِلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَلَا تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إلا بكرًا وما طَلَّقَ امْرَأَةً قَطُّ فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا عَلَى أَنْ
يَتَزَوَّجَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَكِنْ قَدْ تَعَجَّبْتُ أَنْ لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعِ قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهِيجَهُ وَلَا أُحَرِّكَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَا آتِي بِهِمْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ من أرضه عشيًّا فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَرَأَى بِعَيْنِهِ وَسَمِعَ بأذنه فلم يهيجه حتى أصبح وغدا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي عَشِيًّا فَوَجَدْتُ عِنْدَهَا رَجُلًا فَرَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: الْآنَ يَضْرِبُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ وَيُبْطِلُ شَهَادَتَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ هِلَالٌ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي مِنْهَا مَخْرَجًا، فَقَالَ هِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أَرَى مَا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْكَ مِمَّا جِئْتُكَ بِهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ بِضَرْبِهِ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ عَرَفُوا ذَلِكَ فِي تَرَبُّدِ جِلْدِهِ، فَأَمْسَكُوا عَنْهُ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْوَحْيِ، فَنَزَلَتْ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} الْآيَاتِ كُلَّهَا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "أَبْشِرْ يَا هِلَالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا"، فَقَالَ هِلَالٌ: قَدْ كُنْتُ أَرْجُو ذَاكَ مِنْ رَبِّي، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ. قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
(1/317)

مُحَمَّدِ بن سنان المقري قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ المثنى قال: أخبرنا أَبُو خيثمة قال: أخبرنا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وَإِنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، وَاللَّهِ لَأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ أَوْ قَتَلَ
قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ افْتَحْ"، وَجَعَلَ يَدْعُو، فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} الْآيَةَ. فَابْتُلِيَ بِهِ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَلَاعَنَا، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الْخَامِسَةَ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، فَذَهَبَتْ لِتَلْتَعِنَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَهْ" فَلَعَنَتْ، فَلَمَّا أَدْبَرَتْ قَالَ: "لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا"، فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} الْآيَاتِ {11 - 20} .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن محمد المقري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن علي المقري قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزهراني قال:
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 5/269 - ح: 2661) ومسلم (4/2129 - ح: 2770) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 22/116 - ح: 939) والترمذي (5/332 - ح: 3180) وابن جرير (18/71) والطبراني (المعجم الكبير: 23/50 - 55 - ح: 133) والبيهقي في الدلائل (4/64 - 71) كلهم من طريق الزهري به. وللمزيد من تفاصيل القصة راجع:
1 - تفسير ابن جرير (18/71 - 76) .
2 - تفسير ابن كثير (3/271 - 272) .
3 - فتح الباري (8/ 455 - 481) .
معجم الطبراني الكبير (23/50 - 133) .
(1/318)

أخبرنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زوج النبيّ عليه الصلاة والسلام حِينَ قَالَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وكلهم حدثني طائفة مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا وَوَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا: ذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ؛
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذلك بعدما نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأَنْزِلُ فِيهِ مَسِيرَنَا حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غزوته وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ أُذِنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ وَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ. وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِي كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي، فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَّلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُهْبَلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللحم إنما يأكلهن الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَّلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا ووجدت عقدي بعد ما اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُوا إِلَيَّ فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَدْلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيَّ الْحِجَابُ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَاللَّهِ
(1/319)

مَا كَلَّمَنِي بِكَلِمَةٍ وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِيَّ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُهَا شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا
يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ"، فَذَلِكَ يُحْزِنُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ حتى خرجت بعد ما نَقِهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أم مسطح قيل الْمَنَاصِعِ وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بكر الصديق - رضي الله عنه - وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنَةُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بيتي حين فزعنا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَمَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟ قَالَتْ: أي هنتاه أو لم تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " قُلْتُ: تَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأَنَا أُرِيدُ حِينَئِذٍ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ سبحان الله، أو قد تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ؟. قَالَتْ: فبكيت تلك الليل حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ
(1/320)

الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُمْ أَهْلُكَ وَمَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرِيرَةَ فَقَالَ: "يَا بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ شَيْئًا يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ " قَالَتْ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ
إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ، فَقَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي"؛ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا ففعلنا أمرك، قال: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ معاذ: كذبت لعمرالله، لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أسيد بن الحضير وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لنقتلنه، إنك منافق تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. فَثَارَ الْحَيَّانِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا وَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ جَلَسَ، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ
(1/321)

فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ"، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا قَالَ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا
أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ هَذَا وَقَدِ اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ فَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يعلم أني منه بريئة لتصدقني، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا مَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (1) قال: ثم تحولت واضطجعت على فراشي، قال: وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْزِلَهُ وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى على نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأخذه مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ، قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ، وَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: "أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ"، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي بَرَّأَنِي، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} الْعَشْرَ الْآيَاتِ. فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ وَفَقْرِهِ - وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ
_________
(1) سورة يوسف الآية 18.
(1/322)

تَعَالَى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} إِلَى قَوْلِهِ {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} الْآيَةَ {16} .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ قال أخبرنا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عروة أن عاثشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَدَّثَتْهُ بِحَدِيثِ الْإِفْكِ، وَقَالَتْ فِيهِ وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ حِينَ أَخْبَرَتْهُ امْرَأَتُهُ وَقَالَتْ: يَا أَبَا أَيُّوبَ أَلَمْ تسمع بما تحدث النَّاسُ؟ قَالَ: وَمَا يَتَحَدَّثُونَ؟ فَأَخْبَرَتْهُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَقَالَ: مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سبحانك هذا بهذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ لِابْنِ عَبَّاسٍ
_________
(1) - أخرجه الطبراني وأبو بكر الآجريّ (فتح الباري: 13/344) من طريق عطاء به, وإسناده ضعيف بسبب عطاء وقد عنعن (تقريب التهذيب: 2/23 - رقم: 199) ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (18/77) وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر (فتح القدير: 4/15) من طريق ابن إسحاق عن أبيه عن رجال من بني النجار نحوه, وفيه عنعنة ابن إسحاق.
(1/323)

عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَمُوتُ، وَعِنْدَهَا ابْنُ أَخِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكِ وَهُوَ مِنْ خَيْرِ بَنِيكِ، فَقَالَتْ: دَعْنِي مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ تَزْكِيَتِهِ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقِيهٌ فِي دِينِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَأْذَنِي لَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْكِ وَلْيُوَدِّعْكِ، فَقَالَتْ فَأْذَنْ لَهُ إِنْ شِئْتَ، فَأَذِنَ لَهُ،
فَدَخَلَ ابْنُ عباس ثم سلم وجلس، فَقَالَ: أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ يَذْهَبَ عَنْكِ كُلُّ أَذًى وَنَصَبٍ أَوْ قَالَ وَصَبٍ فَتَلْقِي الْأَحِبَّةَ محمدًا عليه الصلاة والسلام وَحِزْبَهُ، أَوْ قَالَ وَأَصْحَابَهُ، إِلَّا أَنْ يُفَارِقَ الرُّوحُ جَسَدَهُ، كُنْتِ أَحَبَّ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَرَاءَتَكِ مِنْ فوق سبع سموات فَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَسْجِدٌ إِلَّا وَهُوَ يُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَسَقَطَتْ قِلَادَتُكِ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ فَاحْتَبَسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنْزِلِ وَالنَّاسُ مَعَهُ فِي ابْتِغَائِهَا، أَوْ قَالَ فِي طَلَبِهَا حَتَّى أَصْبَحَ النَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} (1) (2) الْآيَةَ. فَكَانَ فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ لِلنَّاسِ عَامَّةً فِي سَبَبِكِ، فَوَاللَّهِ إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ، فَقَالَتْ: دَعْنِي يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ هَذَا فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا.
(3) - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} الْآيَةَ {27 - 29} .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّينَوَرِيُّ قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ سختويه قال: أخبرنا عُمَرُ بْنُ ثَوْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يوسف القريابي قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَكُونُ فِي بَيْتِي عَلَى حَالٍ لَا أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي عَلَيْهَا أَحَدٌ لَا وَالِدٌ وَلَا وَلَدٌ،
_________
(1) سورة النساء: الآية 43.
(2) سورة المائدة: الآية 6.
(3) - أشعث بن سوّار ضعيف (تقريب التهذيب: 1/79 - رقم: 600) .
(1/324)

فَيَأْتِي الْأَبُ فَيَدْخُلُ عَلَيَّ، وَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي وَأَنَا عَلَى
تِلْكَ الْحَالِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} الْآيَةَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْخَانَاتِ وَالْمَسَاكِنَ فِي طُرُقِ الشَّامِ لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} الْآيَةَ {33} .
نَزَلَتْ فِي غُلَامٍ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى يُقَالُ لَهُ "صُبَيْحٌ" سَأَلَ مَوْلَاهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَكَاتَبَهُ حُوَيْطِبٌ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ وَوَهَبَ لَهُ مِنْهَا عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَدَّاهَا، وَقُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فِي الْحَرْبِ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} الْآيَةَ {33} .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطوسي قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ حمدان قال: أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فَابْغِينَا شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.
(2) - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى قال: أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي
أويس قال: أخبرنا مَالِكٌ، عَنِ
_________
(1) - أخرجه مسلم (4/2320 - ح: 3029) وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي (فتح القدير: 4/31) من طريق الأعمش به, ويشهد له: الرواية الآتية:.
(2) - إسناده صحيح, وهو مرسل, وقل فيما بعده مثله.
(1/325)

ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} نَزَلَتْ فِي "مُعَاذَةَ" جَارِيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ.
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوليد قال: أخبرنا عَبْدُ الأعلى قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ إسحاق قال: حدثني الزُّهْرِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَتْ "مُعَاذَةُ" جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ وكانت مسلمة، وكان يَسْتَكْرِهُهَا عَلَى الْبِغَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
(1) - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الفقيه قال: أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ البغوي قال: أخبرنا دَاوُدُ بْنُ عمرو قال: أخبرنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا "مُسَيْكَةُ"، فَكَانَ يُكْرِهُهَا عَلَى الْبِغَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي "مُعَاذَةَ" وَ"مُسَيْكَةَ" جَارِيَتَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الْمُنَافِقِ كَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَا لِضَرِيبَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُؤَاجِرُونَ إِمَاءَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ قَالَتْ مُعَاذَةُ لِمُسَيْكَةَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ: فَإِنْ يَكُ خَيْرًا فَقَدِ اسْتَكْثَرْنَا مِنْهُ، وَإِنْ يَكُ شَرًّا فَقَدْ آنَ لَنَا أَنْ نَدَعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي سِتِّ جَوَارٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كَانَ يُكْرِهُهُنَّ عَلَى الزِّنَا
_________
(1) - أخرجه مسلم (4/2320 - ح: 3029 "27") وأبو داود (2/733 - ح: 2311) والحاكم (المستدرك: 2/397) والنسائي (تفسير ابن كثير: 2/288) وابن جرير (18/103) كلهم عن جابر به. وزاد مسلم: وأخرى يقال لها أميمة.
(1/326)

وَيَأْخُذُ أُجُورَهُنَّ، وَهُنَّ مُعَاذَةُ، وَمُسَيْكَةُ، وَأُمَيْمَةُ، وَعَمْرَةُ، وَأَرْوَى، وَقُتَيْلَةُ، فَجَاءَتْ إِحْدَاهُنَّ ذَاتَ
يَوْمٍ بِدِينَارٍ وَجَاءَتْ أُخْرَى بِبُرْدٍ، فَقَالَ لَهُمَا: ارْجِعَا فَازْنِيَا، فَقَالَتَا: وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ قَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَحَرَّمَ الزِّنَا، فَأَتَيَا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشكيتا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرزاق قال: أخبرنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَسِيرًا، وَكَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا "مُعَاذَةُ"، وَكَانَ الْقُرَشِيُّ الْأَسِيرُ يُرَاوِدُهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَكَانَتْ تَمْتَنِعُ مِنْهُ لِإِسْلَامِهَا، وَكَانَ ابْنُ أُبَيٍّ يُكْرِهُهَا عَلَى ذَلِكَ وَيَضْرِبُهَا لِأَجْلِ أَنْ تَحْمِلَ مِنَ الْقُرَشِيِّ فَيَطْلُبَ فِدَاءَ وَلَدِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} قَالَ أَغْفِرُ لَهُنَّ مَا أُكْرِهْنَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الْآيَةَ {48} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الْآيَةُ وَالَّتِي بَعْدَهَا نَزَلَتَا فِي "بِشْرٍ" الْمُنَافِقِ وَخَصْمِهِ الْيَهُودِيِّ حِينَ اخْتَصَمَا فِي أَرْضٍ، فَجَعَلَ الْيَهُودِيُّ يَجُرُّهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ الْمُنَافِقُ يَجُرُّهُ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَيَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنَا، وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عِنْدَ قَوْلِهِ: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الْآيَةَ {55} .
رَوَى الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ بَعْدَمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ خَائِفًا هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانُوا بِهَا خَائِفِينَ،
(1/327)

يُصْبِحُونَ فِي السِّلَاحِ وَيُمْسُونَ فِي السِّلَاحِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ وَنَضَعُ فِيهِ السِّلَاحَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَنْ تَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الْمَلَأِ الْعَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَتْ فِيهِمْ حَدِيدَةٌ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَوَضَعُوا السِّلَاحَ وَأَمِنُوا ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ فَكَانُوا آمِنِينَ كَذَلِكَ فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَتَّى وَقَعُوا فِيهِ وَكَفَرُوا النِّعْمَةَ، فَأَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْخَوْفَ وَغَيَّرُوا، فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا بِهِمْ.
(1) - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بن الحسين النقيب قال: أخبرنا جدِّي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بْنِ الْحَسَنِ النصرأباذي قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدارمي قال: أخبرنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ واقد قال: أخبرنا أَبِي عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعب قال: لما قدم النبيّ عليه الصلاة والسلام وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ وَآوَتْهُمُ الْأَنْصَارُ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، فَكَانُوا لَا يَبِيتُونَ إِلَّا فِي السِّلَاحِ وَلَا يصبحون إلا في لأمتهم، فقالوا: ترون أَنَّا نَعِيشُ حَتَّى نَبِيتَ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ لَا نَخَافُ إِلَّا اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} يَعْنِي بِالنِّعْمَةِ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ شَاذَانَ، عَنِ الدَّارِمِيِّ.
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 1/ 401) وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والضياء في "المختارة" (فتح القدير: 4/ 49) والبيهقي في الدلائل (6/3) من طريق الربيع عن أبي العالية عن أبي بن كعب به. وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/83) .
(1/328)

(1) - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الْآيَةَ {58} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُلَامًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ مُدْلِجُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقْتَ الظَّهِيرَةِ لِيَدْعُوَهُ، فَدَخَلَ فَرَأَى عُمَرَ بِحَالَةٍ كَرِهَ عُمَرُ رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا وَنَهَانَا فِي حَالِ الِاسْتِئْذَانِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ مَرْثَدٍ كَانَ لَهَا غُلَامٌ كَبِيرٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فِي وَقْتٍ كَرِهَتْهُ، فَأَتَتْ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إِنَّ خَدَمَنَا وَغِلْمَانَنَا يَدْخُلُونَ عَلَيْنَا فِي حَالٍ نَكْرَهُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} الْآيَةَ {61} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} (3) تَحَرَّجَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى وَالْعُمْيِ وَالْعُرْجِ، وَقَالُوا: الطَّعَامُ أَفْضَلُ الْأَمْوَالِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَالْأَعْمَى لَا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعَامِ
_________
(1) - أسنده ابن منده (الإصابة: 3/395) من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما به, وهو حديث باطل إسناده مظلم.
(2) - أخرجه عنه ابن جرير (18/128) وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي (فتح القدير: 4/55) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه: لما أنزل الله "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل, والطعام من أفضل الأموال, فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد, فكف الناس عن ذلك, فنزلت الآية, إسناده صحيح, ويشهد له:
* ما أخرجه البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن النجار (فتح القدير: 4/56) عن عائشة رضي الله عنها بمعناه, وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/83) والسيوطي (لباب النقول: 161) . وهناك مراسيل كثيرة تشهد لهذا, وانظر (تفسير ابن جرير: 18/129, فتح القدير: 4/56) .
(3) سورة النساء الآية 29.
(1/329)

الطَّيِّبِ، وَالْأَعْرَجُ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُزَاحَمَةَ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْمَرِيضُ لَا يَسْتَوْفِي الطَّعَامَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: كَانَ الْعُرْجَانُ وَالْعُمْيَانُ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْأَصِحَّاءِ، لِأَنَّ النَّاسَ يَتَقَذَّرُونَهُمْ وَيَكْرَهُونَ مُؤَاكَلَتَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يُخَالِطُهُمْ فِي طَعَامِهِمْ أَعْمَى وَلَا أَعْرَجُ وَلَا مَرِيضٌ تَقَذُّرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَرْخِيصًا لِلْمَرْضَى وَالزَّمْنَى فِي الأكل من ييوت مِنْ
سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَا يُطْعِمُونَهُمْ ذَهَبُوا بِهِمْ إِلَى بيوت آبائهم وأماتهم أَوْ بَعْضِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي هذه الآية، وكان أَهْلُ الزَّمَانَةِ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ أَنْ يَطْعَمُوا ذَلِكَ الطَّعَامَ لِأَنَّهُ أَطْعَمَهُمْ غَيْرُ مَالِكِيهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا يَذْهَبُونَ بِنَا إِلَى بُيُوتِ غَيْرِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الحافظ قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى قال: أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيس قال: حدثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ كَانُوا إِذَا خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعُوا مَفَاتِيحَ بُيُوتِهِمْ عِنْدَ الْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ وَالْمَرِيضِ وَعِنْدَ أَقَارِبِهِمْ، وَكَانُوا يَأْمُرُونَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا فِي بُيُوتِهِمْ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا وَيَقُولُونَ: نَخْشَى أَنْ لَا تَكُونَ أَنْفُسُهُمْ بِذَلِكَ طَيِّبَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} الْآيَةَ {61} .
قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي حَيٍّ مِنْ كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَيْثِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ الطَّعَامَ وَحْدَهُ، فَرُبَّمَا قَعَدَ الرَّجُلُ وَالطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ
(1/330)

مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الرَّوَاحِ، وَالشَّوْلُ حُفَّلٌ وَالْأَحْوَالُ مُنْتَظِمَةٌ تَحَرُّجًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ، فَإِذَا أَمْسَى وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا أَكَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ إِلَّا مَعَ ضَيْفِهِمْ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا كَيْفَ شَاءُوا جَمِيعًا مُتَحَلِّقِينَ أَوْ أَشْتَاتًا مُتَفَرِّقِينَ.
(1/331)

سُورَةُ الْفُرْقَانِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} الْآيَةَ {10} .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ فرقد قال: أخبرنا إِسْحَاقُ بْنُ بشر قال: أخبرنا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا عَيَّرَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفَاقَةِ وَقَالُوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ مُعَزِّيًا لَهُ، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَبُّ الْعِزَّةِ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} " أَيْ: يَبْتَغُونَ الْمَعَاشَ فِي الدُّنْيَا قَالَ: فَبَيْنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَحَدَّثَانِ إِذْ ذَابَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى صَارَ مِثْلَ الْهُرْدَةِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهُرْدَةُ؟ قَالَ: "الْعَدَسَةُ"، فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مالك ذُبْتَ حَتَّى صِرْتَ مِثْلَ الْهُرْدَةِ" قَالَ: "يَا مُحَمَّدُ فُتِحَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فُتِحَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُعَذَّبَ قَوْمُكَ عِنْدَ تَعْيِيرِهِمْ إياك بالفاقة"، وأقبل النَّبِيُّ وَجِبْرِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ يَبْكِيَانِ، إِذْ عَادَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى حَالِهِ، فَقَالَ: "أَبْشِرْ يَا مُحَمَّدُ هَذَا رِضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ قَدْ أَتَاكَ بِالرِّضَا مِنْ رَبِّكَ"، فَأَقْبَلَ رِضْوَانُ حَتَّى سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "يَا مُحَمَّدُ: رَبُّ
_________
(1) - ضعيف جدًّا, لضعف جويبر, وانقطاع السند بين ابن عباس والضحاك.
(1/332)

الْعِزَّةِ يُقْرِئُكَ السلام" - ومعه سقط مِنْ نُورٍ يَتَلَأْلَأُ - "وَيَقُولُ لك ربك: هذا مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الدُّنْيَا مَعَ مَا لَا يَنْتَقِصُ لَكَ مِمَّا عِنْدِي فِي الْآخِرَةِ مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ" فَنَظَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
إِلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ فَقَالَ: "تَوَاضَعْ لِلَّهِ"، فَقَالَ: "يَا رِضْوَانُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، الْفَقْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ وَأَنْ أَكُونَ عَبْدًا صَابِرًا شَكُورًا"، فَقَالَ رِضْوَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "أَصَبْتَ أَصَابَ اللَّهُ بِكَ"، وَجَاءَ نِدَاءٌ مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأْسَهُ، فَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا إِلَى الْعَرْشِ، وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَنَّةِ عَدْنٍ أَنْ تُدَلِّيَ غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِهَا عَلَيْهِ عِذْقٌ عَلَيْهِ غُرْفَةٌ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ بَابٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ بَصَرَكَ"، فَرَفَعَ فَرَأَى مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ وَغُرَفَهُمْ، فَإِذَا مَنَازِلُهُ فَوْقَ مَنَازِلِ الْأَنْبِيَاءِ فَضْلًا لَهُ خَاصَّةً، وَمُنَادٍ يُنَادِي: "أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ؟ " فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "رَضِيتُ، فَاجْعَلْ مَا أَرَدْتَ أَنْ تُعْطِيَنِي فِي الدُّنْيَا ذَخِيرَةً عِنْدَكَ فِي الشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَيُرْوَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَنْزَلَهَا رِضْوَانُ: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} الْآيَةَ {27} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: كَانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَحْضُرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُجَالِسُهُ وَيَسْتَمِعُ إِلَى كَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ، فَزَجَرَهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: وَكَانَ عُقْبَةُ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَأَسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ إِنْ تابعت محمدًا عليه الصلاة والسلام، وَكَفَرَ وَارْتَدَّ لِرِضَا أُمَيَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - عطاء ضعيف.
(1/333)

(1) - وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ كَانَا مُتَحَالِفَيْنِ، وَكَانَ عُقْبَةُ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا إِلَيْهِ أَشْرَافَ قَوْمِهِ، وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا النَّاسَ، وَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى طَعَامِهِ، فَلَمَّا قَرَّبَ الطَّعَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا أَنَا بِآكِلٍ مِنْ طَعَامِكَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ"، فَقَالَ عُقْبَةُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَعَامِهِ، وَكَانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ غَائِبًا، فَلَمَّا أُخْبِرَ بِقِصَّتِهِ قَالَ: صَبَأْتَ يَا عُقْبَةُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا صَبَأْتُ وَلَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأَبَى أَنْ يَطْعَمَ مِنْ طَعَامِي إِلَّا أَنْ أَشْهَدَ لَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ يخرج من بيت وَلَمْ يَطْعَمْ، فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ، فَقَالَ أُبَيٌّ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَرْضَى عَنْكَ أَبَدًا إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ فِي وَجْهِهِ وَتَطَأَ عُنُقَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عُقْبَةُ، فَأَخَذَ رَحِمَ دَابَّةٍ فَأَلْقَاهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لَا أَلْقَاكَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ إِلَّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ"، فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُبَارَزَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمَّا بَزَقَ عُقْبَةُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَ بُزَاقُهُ فِي وَجْهِهِ فَتَشَعَّبَ شُعْبَتَيْنِ، فَأَحْرَقَ خَدَّيْهِ وَكَانَ أَثَرُ ذَلِكَ فِيهِ حَتَّى مَاتَ.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} {68 - 70} .
إِلَى آخِرِ
_________
(1) - أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في "الدلائل" (الدر المنثور: 6/250) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما به, وصححه السيوطي.
(2) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/549 - ح: 4810) ومسلم (1/113 - ح: 122) وأبو داود (4/ 465 - ح: 4273) والحاكم (المستدرك: 2/ 403) وابن جرير (19/26) وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي (حاشية جامع الأصول: 2/337) من طريق يعلى بن مسلم به, ويشهد له:
* ما أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/ 494 - ح: 4765) ومسلم (4/2318 - ح: 23 "19") وابن جرير (19/27) عن ابن عباس بمعناه.
(1/334)

الْآيَاتِ. أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ
قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عيسى قال: أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزعفراني قال: أخبرنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أتوا محمدًا عليه الصلاة والسلام فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَتْ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورًا رَحِيمًا} رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ عَنْ حَجَّاجٍ.
أَخْبَرَنَا محمد بن ناصر بْنُ يَحْيَى الْمُزَكِّي قال: أخبرنا وَالِدِي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثقفي قال: أخبرنا إِبْرَاهِيمُ الْحَنْظَلِيُّ ومحمد بن صباح قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ"، قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"، قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقًا لِذَلِكَ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ يَحْيَى وَمُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جعفر قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبراهيم قال: أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إسحاق قال: أخبرنا الْحَارِثُ بْنُ الزبير قال: أخبرنا أَبُو رَاشِدٍ مَوْلَى اللِّهْبِيِّينَ، عَنْ
_________
(1) - ضعيف بسبب عنعنة ابن جريج وهو مدلس (تقريب التهذيب: 1/520 - رقم: 1324) والانقطاع بين عطاء وابن عباس (العجاب لابن حجر "خ": ورقة 3 ب) (تهذيب التهذيب: 7/213) ويشهد له:
* ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبير 11/197 - ح: 11480) من طريق أبين بن سفيان عن عطاء عن ابن عباس به, وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/100) والسيوطي (لباب النقول: 185) وهو كما قالا, لضعف أبين (ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي: 14 - رقم: 285) والانقطاع بين عطاء وابن عباس.
(1/335)

سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَتَى وَحْشِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأَجِرْنِي حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى غَيْرِ جِوَارٍ، فَأَمَّا إِذْ أَتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأَنْتَ فِي جِوَارِي حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" قَالَ: فَإِنِّي أَشْرَكْتُ بِاللَّهِ وَقَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَزَنَيْتُ، هَلْ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنِّي تَوْبَةً؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى نَزَلَ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَتَلَاهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: أَرَى شَرْطًا فَلَعَلِّي لَا أَعْمَلُ صَالِحًا، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (1) فَدَعَا بِهِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَلَعَلِّي مِمَّنْ لَا يَشَاءُ، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فنزلت: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} (2) فَقَالَ: نَعَمْ الْآنَ لَا أَرَى شَرْطًا فَأَسْلَمَ.
_________
(1) سورة النساء: الآية 48 و116.
(2) سورة الزمر: الآية 53.
(1/336)

سُورَةُ الْقَصَصِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} الآية {56} .
أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشيرازي قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خمروية قال: أخبرنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الخزاعي قال: أخبرنا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعَاوِدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} (2) الْآيَةَ، وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/506 - ح: 4772) ومسلم (1/54 - ح: 24) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/165 - ح: 300) وابن جرير (20/59) والطبراني (المعجم الكبير: 20/349 - ح: 820) والبيهقي في "الدلائل" (2/342, 343) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه به, ويشهد له: الرواية الآتية.
(2) سورة التوبة: الآية 113.
(1/337)

يَشَاءُ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(1) - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشيباني قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ قَالَ: أخبرنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمِّهِ: "قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ إِنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ الْحِيرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الزَّجَّاجَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} {57} .
_________
(1) - أخرجه مسلم (1/55 - ح: 25) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/227 - ح: 370) والترمذي (5/341 - ح: 3188) وابن جرير 20/58) والبيهقي في "الدلائل" (2/344) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه به, ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (20/59) وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما نحوه, وإسناده جيد (لباب النقول: 165) .
(2) - أخرج النسائي (لباب النقول: 165) وابن جرير (20/60) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في الحارث بن نوفل وإسناده ضعيف, بسبب عنعنة ابن جريج, ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (20/60) من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما بمعناه, دون تحديد, وإسناده ضعيف.
(1/338)

نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَقُولُ حَقٌّ، لَكِنْ يَمْنَعُنَا مِنِ اتِّبَاعِكَ أن العرب تخطفنا مِنْ أَرْضِنَا لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى خِلَافِنَا وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ} {61} .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سليمان
قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَازِمٍ الإيلي قال: أخبرنا بَدَلُ بْنُ المحبر قال: أخبرنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَأَبِي جَهْلٍ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي عَمَّارٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي جَهْلٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} {68} .
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ جَوَابًا لِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ حِينَ قَالَ فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (1) أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَبْعَثُ الرُّسُلَ بِاخْتِيَارِهِمْ.
_________
(1) سورة الزخرف: الآية 31.
(1/339)

سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ} الْآيَتَيْنِ {1، 2} .
قَالَ الشَّعْبِيُّ نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ كَانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أَقَرُّوا بِالْإِسْلَامِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ إِقْرَارٌ وَلَا إِسْلَامٌ حَتَّى تُهَاجِرُوا، فَخَرَجُوا عَامِدِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَاتَّبَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَآذَوْهُمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ وَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ أَنْ قَدْ نَزَلَتْ فِيكُمْ آيَةُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالُوا: نَخْرُجُ فَإِنِ اتَّبَعَنَا أَحَدٌ قَاتَلْنَاهُ، فَخَرَجُوا فَاتَّبَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَاتَلُوهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ وَمِنْهُمْ مَنْ نَجَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} (1) الْآيَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ نَزَلَتْ فِي مِهْجَعٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ رَمَاهُ عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ: "سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ مِهْجَعٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ"، فَجَزِعَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ وَامْرَأَتُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} الْآيَةَ {8} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ قَالَتْ لَهُ أُمُّهُ حَمْنَةُ: يَا سَعْدُ بَلَغَنِي أَنَّكَ صَبَوْتَ فَوَاللَّهِ لَا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ مِنَ الضِّحِّ وَالرِّيحِ وَلَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَرْجِعَ إِلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبَّ وَلَدِهَا
_________
(1) سورة النحل: الآية 110.
(1/340)

إِلَيْهَا، فَأَبَى سَعْدٌ، فَصَبَرَتْ هِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ تَأْكُلْ وَلَمْ تَشْرَبْ وَلَمْ تَسْتَظِلَّ بِظِلٍّ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا، فَأَتَى
سَعْدٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي فِي لُقْمَانَ (1) وَالْأَحْقَافِ (2) .
(3) - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْغَازِي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حمدان قال: أخبرنا أَبُو يعلى قال: أخبرنا أَبُو خيثمة قال: أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ موسى قال: أخبرنا زهير قال: أخبرنا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيَّ، قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ لَا تُكَلِّمُهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ وَمَكَثَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ.
(4) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي} الْآيَةَ {8} .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَافِظِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يعلى قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ رَاشِدٍ الضبي قال: أخبرنا مَسْلَمَةُ بْنُ علقمة قال: أخبرنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا بَرًّا بِأُمِّي، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ قَالَتْ: يَا سَعْدُ مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي قَدْ أَحْدَثْتَ؟ لَتَدَعَنَّ دينك هذا أولا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى أَمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي فَيُقَالَ: يَا قَاتِلَ أُمِّهِ، قُلْتُ: لَا تَفْعَلِي يَا أُمَّاهْ فَإِنِّي لَا أَدَعُ
_________
(1) سورة لقمان: الآية 14.
(2) سورة الأحقاف: الآية 15.
(3) - أخرجه مسلم (4/1877 - ح: 1848) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 22/249 - ح: 193) والترمذي (5/341 - ح: 3189) والنسائي (فتح القدير: 4/195) وأبو يعلى (مسند أبي يعلى: 2/116 - ح: 782) من طريق سماك بن حرب عن مصعب بن سعد عن أبيه به, ويشهد له: الرواية الآتية.
(4) - إسناده لا بأس به.
(1/341)

دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ، قَالَ: فَمَكَثَتْ يَوْمًا لَا تَأْكُلُ فَأَصْبَحَتْ قَدْ جَهِدَتْ، قَالَ:
فَمَكَثَتْ يَوْمًا آخَرَ وَلَيْلَةً لَا تَأْكُلُ، فَأَصْبَحَتْ قد اشْتَدَّ جَهْدُهَا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: تَعْلَمِينَ وَاللَّهِ يَا أُمَّهْ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا مَا تَرَكْتُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ، إِنْ شِئْتِ فَكُلِي وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَأْكُلِي، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ ... .} الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} {10} .
قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَإِذَا أَصَابَهُمْ بَلَاءٌ مِنَ اللَّهِ وَمُصِيبَةٌ فِي أَنْفُسِهِمُ افْتَتَنُوا.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِمَكَّةَ كَانُوا يُؤْمِنُونَ، فَإِذَا أُوذُوا رَجَعُوا إِلَى الشِّرْكِ.
(1) - وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى بَدْرٍ فَارْتَدُّوا وَهُمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} (2) الْآيَةَ.
(3) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} الْآيَةَ {60} .
أَخْبَرَنَا أَبُو
_________
(1) - إسناده صحيح, أخرجه ابن جرير مطوّلاً (20/86) .
(2) سورة النساء: الآية 97.
(3) - أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر (فتح القدير: 4/212) من طريق الجراح بن منهال - وقع في المطبوعة "حجاج" وهو خطأ - عن الزهري به. قال البيهقي "هذا إسناد مجهول, والجراح بن منهال ضعيف" (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار: 4/178) وضعفه الحافظ ابن كثير (تفسير ابن كثير: 3/ 420) والسيوطي (لباب النقول: 167) وهو كما قالا, ولينتبه إلى أن الزهري المذكور ليس هو ابن شهاب, بل هو عبد الرحمن بن عطاء الزهري (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 13/359) (تهذيب التهذيب: 6/231, 469) , وقد قيّمه الحافظ ابن حجر بلفظ مقبول (تقريب التهذيب: 1/ 492 - رقم: 1049) وهذه الدرجة عنده, لا يعتبر بها إلا إذا توبعت, ولم يتابع الزهري فهو ضعيف, هذا من جهة المسند, ومن جهة المتن, قال القرطبي: "وهذا ضعيف, يضعفه أنه عليه السلام كان يدخر لأهله قوت سنتهم, اتفق عليه البخاري ومسلم" (الجامع لأحكام القرآن: 13/360) .
(1/342)

بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حيان قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الجمال قال: أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ البجلي قال: أخبرنا يَزِيدُ بْنُ هارون قال: أخبرنا الجرّاح بْنُ مِنْهَالٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ - وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطَاءٍ - عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ يَلْقُطُ مِنَ التَّمْرِ وَيَأْكُلُ، فَقَالَ: "يَا ابن عمر مالك لَا تَأْكُلُ؟ " فَقُلْتُ: لَا أَشْتَهِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "لَكِنِّي أَشْتَهِيهِ، وَهَذِهِ صبيحة رابعة ما ذقت طَعَامًا، وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يَخْبَئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ وَيَضْعُفُ الْيَقِينُ؟ " قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْنَا حَتَّى نَزَلَتْ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
(1/343)

سورة الروم
بسم الله الرحمن الرحيم
قَوْلُهُ تَعَالَى: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} الْآيَاتِ {1 - 3} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: بَعَثَ كِسْرَى جَيْشًا إِلَى الرُّومِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُسَمَّى شَهْرَيَرَازَ، فَسَارَ إِلَى الرُّومِ بِأَهْلِ فَارِسَ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَهُمْ وَخَرَّبَ مَدَائِنَهُمْ وَقَطَّعَ زَيْتُونَهُمْ، وَقَدْ كَانَ قَيْصَرُ بَعَثَ رَجُلًا يُدْعَى يُحَنَّسَ فَالْتَقَى مَعَ شَهْرَيَرَازَ بِأَذْرِعَاتٍ وَبُصْرَى وَهِيَ أَدْنَى الشَّامِ إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ، فَغَلَبَ فَارِسُ الرُّومَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ بِمَكَّةَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُ أَنْ يَظْهَرَ الْأُمِّيُّونَ مِنَ الْمَجُوسِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الرُّومِ، وفرح الكفار وشتموا، فَلَقُوا أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: إِنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَالنَّصَارَى أَهْلُ كِتَابٍ وَنَحْنُ أُمِّيُّونَ، وَقَدْ ظَهَرَ إِخْوَانُنَا مِنْ أَهْلِ فَارِسَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الرُّومِ، وَإِنَّكُمْ إِنْ قَاتَلْتُمُونَا لَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
(1) - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ قال: أخبرنا الحرث بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، فَأُعْجِبَ الْمُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} إِلَى قَوْلِهِ: {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} قَالَ: يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ.
_________
(1) - في إسناده عطية العوفي وهو ضعيف.
(1/344)

سُورَةُ لُقْمَانَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} {6} .
قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ تَاجِرًا إِلَى فَارِسَ فَيَشْتَرِي أَخْبَارَ الْأَعَاجِمِ فَيَرْوِيهَا وَيُحَدِّثُ بِهَا قُرَيْشًا وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثِ عَادٍ وَثَمُودَ، وَأَنَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وَإِسْفِنْدِيَارَ وَأَخْبَارِ الْأَكَاسِرَةِ، فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ وَيَتْرُكُونَ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي شِرَاءِ الْقِيَانِ وَالْمُغَنِّيَاتِ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خزيمة قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا عَلِيُّ بْنُ حجر قال: أخبرنا مِشْمَعِلُ بْنُ مِلْحَانَ الطَّائِيُّ، عَنْ مُطَّرِحِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زُحَرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لَا يَحِلُّ تَعْلِيمُ الْمُغَنِّيَاتِ وَلَا بَيْعُهُنَّ وَأَثْمَانُهُنَّ حَرَامٌ"، وَفِي مِثْلِ هَذَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْغِنَاءِ إِلَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ شَيْطَانَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَلَى هَذَا الْمَنْكِبِ وَالْآخَرُ عَلَى هَذَا الْمَنْكِبِ، فَلَا يَزَالَانِ يَضْرِبَانِ بِأَرْجُلِهِمَا حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْكُتُ".
(1/345)

(1) - وَقَالَ ثُوَيْرُ بْنُ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ
اشْتَرَى جَارِيَةً تُغَنِّيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي} {15} .
نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} {15} .
نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ أَسْلَمَ أَتَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - آمَنْتَ وصدقت محمدًا عليه الصلاة والسلام؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَعَمْ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لِسَعْدٍ: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} {27} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: سَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ، فَأَنْزَلَ الله بمكة: {ويسئلونك عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ أَحْبَارُ الْيَهُودِ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ بَلَغَنَا عَنْكَ أَنَّكَ تَقُولُ: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} أَفَتَعْنِينَا أَمْ قَوْمَكَ؟ فَقَالَ: "كُلًّا قَدْ عَنَيْتُ"، قَالُوا: أَلَسْتَ تَتْلُو فِيمَا جَاءَكَ أَنَّا قد أوتينا التوارة وَفِيهَا عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "هِيَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قَلِيلٌ، وَلَقَدْ آتَاكُمُ اللَّهُ تَعَالَى مَا إِنْ عَمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ بِهِ"، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ تَزْعُمُ هَذَا؟ أنت تَقُولُ: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذَا عِلْمٌ قَلِيلٌ وَخَيْرٌ كَثِيرٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} الْآيَةَ.
_________
(1) - إسناده ضعيف بسبب ثوير (تقريب التهذيب: 1/121 - رقم: 54) ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (21/ 41) من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه, وإسناده ضعيف.
(1/346)

قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} {34} .
نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَارِثَةَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ حَفْصَةَ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنِ السَّاعَةِ وَوَقْتِهَا، وَقَالَ: إِنَّ أَرْضَنَا أَجْدَبَتْ، فَمَتَى يَنْزِلُ الْغَيْثُ وَتَرَكْتُ امْرَأَتِي حُبْلَى فَمَاذَا تَلِدُ؟ وَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ وُلِدْتُ فَبِأَيِّ أَرْضٍ أَمُوتُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمْدَانُ السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ قَالَ؟ حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِفَرَسٍ لَهُ يَقُودُهَا عَقُوقٍ وَمَعَهَا مُهْرٌ لَهَا يَتْبَعُهَا، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟: قَالَ: "أَنَا نَبِيُّ اللَّهِ"، قَالَ: وَمَنْ نَبِيُّ اللَّهِ؟ قَالَ: "رَسُولُ اللَّهِ"، قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "غَيْبٌ وَلَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ"، قَالَ: مَتَى تُمْطِرُ السَّمَاءُ؟ قَالَ: "غَيْبٌ وَلَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ"، قَالَ: مَا فِي بَطْنِ فَرَسِي هَذِهِ؟ قَالَ: "غَيْبٌ وَلَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ"، قَالَ: أَرِنِي سَيْفَكَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيْفَهُ فَهَزَّهُ الرَّجُلُ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَمَا إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَطِيعَ الَّذِي أَرَدْتَ"، قَالَ: وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ قَالَ: أَذْهَبُ إِلَيْهِ فَأَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ، ثُمَّ أَضْرِبُ عُنُقَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حذيفة قال: حدثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، لَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ،
وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَنْزِلُ الْغَيْثُ إِلَّا اللَّهُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ.
(1/347)

سُورَةُ السَّجْدَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} {16} .
قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِيمَنْ نَزَلَتْ، فَقَالَ: كَانَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلُّونَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إِلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - أَخْبَرَنَا أبو إسحاق المقري قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينوري قال: أخبرنا مُوسَى بْنُ محمد قال: أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ علويه قال: أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عيسى قال: أخبرنا الْمُسَيَّبُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} الْآيَةَ. كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ فَلَا نَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا حَتَّى نُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي الْمُتَهَجِّدِينَ الَّذِينَ يَقُومُونَ اللَّيْلَ إِلَى الصَّلَاةِ.
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (21/63) وأبو داود (2/79 - ح: 1322) وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي (فتح القدير: 4/255) من طريق سعيد عن قتادة به, وإسناده جيد, ويشهد له:
* ما أخرجه الترمذي (5/346 - ح: 3196) وابن جرير (21/63) وابن أبي حاتم وابن مردويه ومحمد بن نصر (فتح القدير: 4/254) من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أنس بمعناه, وصححه الترمذي, وجوّده محقق جامع الأصول (جامع الأصول: 2/303) .
(1/348)

وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ قال: أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْفَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السّرّاج قال: أخبرنا قُتَيْبَةُ بْنُ سعيد قال: أخبرنا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَدْ أَصَابَنَا الْحَرُّ فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَبُهُمْ مِنِّي فَدَنَوْتُ مِنْهُ،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْبِئْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ويباعدني عن النَّارِ، قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ؛ وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِأَبْوَابِ الخير كلها"، فقال: قُلْتُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ، وَقِيَامُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى"؛ قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا} الْآيَةَ {18} .
نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْفَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَنَانٍ الأنماطي قال: أخبرنا حُبَيْشُ بْنُ مُبَشِّرٍ الفقيه قال: أخبرنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ موسى قال: أخبرنا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَا أَحَدُّ مِنْكَ سِنَانًا، وَأَبْسَطُ مِنْكَ
_________
(1) - أخرجه أبو الفرج الأصبهاني وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر (فتح القدير: 4/255) من طريق عبيد الله بن موسى عن ابن أبي ليلى به, وإسناده ضعيف بسبب ابن أبي ليلى (تقريب التهذيب: 2/184 - رقم: 460) .
(1/349)

لِسَانًا، وَأَمْلَأُ لِلْكَتِيبَةِ مِنْكَ؛ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اسْكُتْ فَإِنَّمَا أَنْتَ فَاسِقٌ، فَنَزَلَ: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} قَالَ: يَعْنِي بِالْمُؤْمِنِ عَلِيًّا، وَبِالْفَاسِقِ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ.
(1/350)

سُورَةُ الْأَحْزَابِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} الْآيَةَ {1} .
نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي الْأَعْوَرِ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ السُّلَمِيِّ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ بَعْدَ قِتَالِ أُحُدٍ، فَنَزَلُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَقَدْ أَعْطَاهُمُ النبيّ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُكَلِّمُوهُ، فَقَامَ مَعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَطُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنَا اللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ، وَقُلْ إِنَّ لَهَا شَفَاعَةً وَمَنْفَعَةً لِمَنْ عَبَدَهَا وَنَدَعْكَ وَرَبَّكَ، فَشَقَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِئْذَنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي قَتْلِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْأَمَانَ، فَقَالَ عُمَرُ: اخْرُجُوا فِي لَعْنَةِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} {4} .
نَزَلَتْ فِي جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ الْفِهْرِيِّ، وَكَانَ رَجُلًا لَبِيبًا حَافِظًا لِمَا سَمِعَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا حَفِظَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إِلَّا وَلَهُ قَلْبَانِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ لِي قَلْبَيْنِ أَعْقِلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ
_________
(1) - أخرج ابن جرير (21/74) من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رجل من قريش يسمى من دهيه ذا القلبين, فأنزل الله الآية, وإسناده ضعيف, ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (21/74, 75) عن عكرمة ومجاهد نحوه, وسماه مجاهد: رجل من بني فهر, وهما مرسلان ضعيفان.
(1/351)

مِنْهُمَا أَفْضَلَ مِنْ عَقْلِ مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ وَفِيهِمْ يَوْمَئِذٍ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ، تَلَقَّاهُ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ مُعَلِّقٌ إِحْدَى نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ وَالْأُخْرَى فِي رِجْلِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مَعْمَرٍ مَا حَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: قَدِ انْهَزَمُوا، قَالَ: فَمَا بَالُكَ إِحْدَى نَعْلَيْكَ فِي يَدِكَ وَالْأُخْرَى فِي رِجْلِكَ؟
قَالَ: مَا شَعَرْتُ إِلَّا أَنَّهُمَا فِي رِجْلِي، وَعَرَفُوا يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ قَلْبَانِ لَمَا نَسِيَ نَعْلَهُ فِي يَدِهِ. "
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} {4} .
نَزَلَتْ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ كَانَ عَبْدًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْتَقَهُ وَتَبَنَّاهُ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَلَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَتِ الْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأَةَ ابْنِهِ وَهُوَ يَنْهَى النَّاسَ عَنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثققي قال: أخبرنا قُتَيْبَةُ بْنُ سعيد قال: أخبرنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَتْ فِي الْقُرْآنِ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ أَسَدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} الْآيَةَ {23} .
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 6/21 - ح: 2805) ومسلم 3/1512 - ح: 1903) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/235 - ح: 380) والترمذي (5/348 - ح: 3200) وابن جرير (21/93) والطيالسي (منحة المعبود: 2/22 - ح: 1967) وابن سعد والنسائي والبغوي وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم (فتح القدير: 4/273) والبيهقي (دلائل النبوة: 3/244) كلهم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس به, ويشهد له: الرواية الآتية.
(1/352)

قَالَ: أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هاشم قال: أخبرنا بَهْزُ بْنُ أسد قال: أخبرنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ - وَبِهِ سُمِّيتُ
أَنَسًا - عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِ لَمَّا قَدِمَ وَقَالَ: غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهِ لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: أَيْ سَعْدُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَاهُ بَيْنَ الْقَتْلَى بِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ بالسيف وطعنة بالرمح ورمية بالسهم، وَقَدْ مَثَّلُوا به، وما عَرَفْنَاهُ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} قال: وكنا نَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ.
(1) - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزبيبي قال: أخبرنا بندار قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ بُنْدَارٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} {23} .
نَزَلَتْ فِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، فَقَالَ، رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "اللَّهُمَّ أَوْجِبْ لِطَلْحَةَ الْجَنَّةَ".
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/518 - ح: 4783) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري به.
(1/353)

(1) - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَصْرٍ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا العباس بن إسماعيلى الرقي قال: أخبرنا إسماعيلى بْنُ يَحْيَى الْبَغْدَادِيُّ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قال: قالوا: أخبرنا عَنْ طَلْحَةَ. فَقَالَ: ذَلِكَ امْرُؤٌ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مالك قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حدثني أبي: أخبرنا وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى طَلْحَةَ فَقَالَ: "هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ".
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} الْآيَةَ {33} .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حيان قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عاصم قال: أخبرنا أَبُو الرَّبِيعِ الزهراني قال: أخبرنا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الثوري قال: أخبرنا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} قَالَ: نَزَلَتْ فِي خَمْسَةٍ: فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ والحسين عليهم السلام.
_________
(1) - هذا موضوع, آفته إسماعيل بن يحيى - التيمي - (ميزان الاعتدال: 1/253 - رقم: 965) , وكون طلحة ممن قضى نحبه ثابت بطرق عديدة ("السنة" لابن أبي عاصم بتحقيق الألباني: 2/612, 613 - ح: 1399 - 1402) (فضائل الصحابة للإمام أحمد: 2/746 - ح: 1297) لكن لا يكفي هذا سببا للنزول.
(2) - أخرجه ابن جرير (22/5) والطبراني (المعجم الكبير: 3/51 - ح: 2673) وابن مردويه والخطيب (فتح القدير: 4/279) من طريق عطية - العوفي - عن أبي سعيد به, وإسناده ضعيف بسبب عطية, وقد وردت أحاديث صحيحة تنص على أن هؤلاء هم أهل بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, لكن لم يصرح فيها بأن هذا سبب النزول (تفسير ابن كثير: 3/ 483 - 486) (تفسير ابن جرير: 22/5 - 7) .
(1/354)

أَخْبَرَنَا أبو سعيد النصروي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ القطيعي قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قال: أخبرنا ابْنُ نمير قال: أخبرنا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءِ
بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَذْكُرُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي بَيْتِهَا، فَأَتَتْهُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِبُرْمَةٍ فِيهَا خَزِيرَةٌ، فَدَخَلَتْ بِهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: "ادْعِي لِي زَوْجَكِ وَابْنَيْكِ"، قَالَتْ: فجاء علي وحسن وحسين، فدخلوا فجلسوا يَأْكُلُونَ مِنْ تِلْكَ الْخَزِيرَةِ وَهُوَ عَلَى مَنَامَةٍ لَهُ، وَكَانَ تَحْتَهُ كِسَاءٌ خَيْبَرِيٌّ، قَالَتْ: وَأَنَا فِي الْحُجْرَةِ أُصَلِّي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} قَالَتْ: فَأَخَذَ فَضْلَ الْكِسَاءِ فَغَشَّاهُمْ بِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ يَدَيْهِ فَأَلْوَى بِهِمَا إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ هؤلاء أهل بيت وَخَاصَّتِي وَحَامِيَتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا"، قَالَتْ: فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي الْبَيْتَ فَقُلْتُ: وَأَنَا مَعَكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ، إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ".
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السراج قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ يعقوب قال: أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عفان قال: أخبرنا أَبُو يَحْيَى والحماني، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُوسَى الْقُرَشِيِّ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ}
أَخْبَرَنَا عَقِيلُ بن محمد الجرجاني فيما أجاز لي لفظًا قال: أخبرنا المعافى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جرير قال: أخبرنا ابْنُ حميد قال: أخبرنا يَحْيَى بْنُ واضح قال: أخبرنا الْأَصْبَغُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ
_________
(1) - إسناده ضعيف جدًّا, من أجل صالح بن موسى (تقريب التهذيب: 1/363 - رقم: 57) وخصيف (تقريب التهذيب: 1/224 - رقم: 126) .
(1/355)

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} قَالَ: لَيْسَ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ إِنَّمَا هِيَ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَكَانَ عِكْرِمَةُ يُنَادِي بِهَذَا فِي السُّوقِ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} الْآيَةَ {35} .
قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ لَمَّا رَجَعَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ مَعَهَا زَوْجُهَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَتْ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: هَلْ نَزَلَ فِينَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قُلْنَ لَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النِّسَاءَ لَفِي خَيْبَةٍ وَخَسَارٍ، قَالَ: "وَمِمَّ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ: لِأَنَّهُنَّ لَا يُذْكَرْنَ بِالْخَيْرِ كَمَا يُذْكَرُ الرِّجَالُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} إِلَى آخِرِهَا.
وَقَالَ قَتَادَةُ لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ
_________
(1) - لم يصح في شيء من الروايات أنها نزلت في أسماء, بل الثابت أنها نزلت إما بسبب سؤال أم عمارة الأنصارية, أو أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنهما.
أما الأولى: فقد أخرج الترمذي (5/354 - ح: 3211) والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن نصور وعبد بن حميد وابن مردويه (فتح القدير: 4/283) والطبراني (المعجم الكبير: 25/31, 32 - ح: 51 - 53) من طريق عكرمة عن أم عمارة ذلك, وحسنه الترمذي, والحافظ ابن حجر في "الأمالي" (حاشية المعجم الكبير للطبراني: 25/31) وهو كما قالا: (انظر حاشية جامع الأصول: 2/357) .
وأما الثانية: فقد أخرج الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/238 - ح: 384) والحاكم (المستدرك: 2/416) وابن جرير (22/9) والطبراني (المعجم الكبير: 23/294 - ح: 655) والنسائي وابن المنذر وابن مردويه (فتح القدير: 4/283) من طريق عبد الرحمن بن شيبة عن أم سلمة رضي الله عنها ذلك, وصححه الحاكم, وهو كما قال, وحسنه الحافظ ابن حجر في "الأمالي" (حاشية معجم الطبراني الكبير: 23/293) ويشهد له:
1 - ما أخرجه ابن جرير (22/8) وغيره (فتح القدير: 4/283) عنها به, وإسناده صحيح.
ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 23/263 - ح: 554) (23/298 - ح: 665) عنها بمعناه بأسانيد صحيحة.
(1/356)

عَلَيْهِنَّ فَقُلْنَ: ذُكِرْتُنَّ وَلَمْ نُذْكَرْ، وَلَوْ كَانَ فِينَا خَيْرٌ لَذُكِرْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} الْآيَةَ {51} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ حِينَ غَارَ بَعْضُ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وآذينه بالغيرة فطلبن زِيَادَةَ النَّفَقَةِ، فَهَجَرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ شَهْرًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ مَنِ اخْتَارَتِ الدُّنْيَا وَيُمْسِكَ مِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَتِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ
وَرَسُولَهُ عَلَى أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يُنْكَحْنَ أَبَدًا، وَعَلَى أَنْ يُؤْوِيَ إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيُرْجِيَ مِنْهُنَّ إِلَيْهِ من يشاء، فرضين بِهِ قَسَمَ لَهُنَّ أَوْ لَمْ يَقْسِمْ، أو فضل بعضهم عَلَى بَعْضٍ بِالنَّفَقَةِ وَالْقِسْمَةِ وَالْعِشْرَةِ، وَيَكُونَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فَرَضِينَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ مَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ التَّوْسِعَةِ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْقِسْمَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ السقطي. قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الحلواني قال: أخبرنا يَحْيَى بْنُ معين قال: أخبرنا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَا نَزَلَتْ: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} يَسْتَأْذِنُنَا إِذَا كَانَ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا، قَالَتْ مُعَاذَةُ: فَقُلْتُ: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ إِلَيَّ لَمْ أُؤْثِرْ أَحَدًا عَلَى نَفْسِي. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ عَبَّادٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ أَشْفَقْنَ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ فَقُلْنَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا مِنْ مَالِكَ وَنَفْسِكَ مَا شِئْتَ وَدَعْنَا عَلَى حَالِنَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
(1) - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/524 - ح: 4788) ومسلم (2/85 - ح: 1464) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/242 - ح: 388) والنسائي (الفتح الرباني: 18/243) وابن جرير (22/19) من طريق هشام بن عروة عن أبيه به.
(1/357)

مُحَمَّدِ بْنِ نعيم قال: أخبرنا محمد بن يعقوب الأخرم قال: أخبرنا محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا مُحَاضِرُ بْنُ الْمُوَدِّعِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لِنِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَرَى رَبَّكَ يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ. رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} الْآيَةَ {53} .
قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللَّهِ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَوْلَمَ عَلَيْهَا بِتَمْرٍ وَسَوِيقٍ وَذَبَحَ شَاةً، قَالَ أَنَسٌ: وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ بِحَيْسٍ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَدْعُوَ أَصْحَابَهُ إِلَى الطَّعَامِ فَدَعَوْتُهُمْ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَجِيئُونَ فَيَأْكُلُونَ فَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ الْقَوْمُ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ دَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ. فَقَالَ: "ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ" فَرَفَعُوا فَخَرَجَ الْقَوْمُ وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ أَنْفَارٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ، فَأَطَالُوا الْمُكْثَ، وَتَأَذَّى مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ شَدِيدَ الْحَيَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا.
(1) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ مجاشع قال: أخبرنا
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/527 - ح: 4791) ومسلم (2/1050 - ح: 1428 "92") والطبراني (المعجم الكبير: 24/ 46 - ح: 125) من طريق المعتمر به, ويشهد له:
1 - ما أخرجه مسلم (2/1052 - ح: 1428 "95") والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/245 - ح: 392) والترمذي (5/357 - ح: 3218) والنسائي (جامع الأصول: 2/315) وابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير (3/504) من طريق عثمان الجعد عن أنس نحوه.
2 - ما أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/528 - ح: 4794) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/246 - ح: 393) من طريق حميد عن أنس نحوه.
3 - ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 11/ 439 - ح: 12244) عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهما نحوه.
وله شواهد أخرى انظرها في (تفسير ابن كثير: 3/504 , 505) , (تفسير ابن جرير: 22/26 - 28) .
(1/358)

عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النرسي قال: أخبرنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، دَعَا الْقَوْمَ فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ. قَالَ: فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ، فَلَمْ يَقُومُوا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ وَقَامَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ وَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
جَاءَ فَدَخَلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ فَرَجَعَ وَإِنَّهُمْ قَامُوا وَانْطَلَقُوا، فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، قَالَ: وَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنْزَلَ الله تعالى: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ} الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَبِيبٍ الْحَارِثِيِّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الخليل قال: أخبرنا هِشَامُ بْنُ عمار قال: أخبرنا الْخَلِيلُ بْنُ موسى قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ مَرَّ عَلَى حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِهِ فَرَأَى فِيهَا قَوْمًا جُلُوسًا يَتَحَدَّثُونَ، ثُمَّ عَادَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ دُونِي، فَجِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ كُلَّهُ، فَقَالَ: لَئِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا لَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ
(1/359)

فِيهِ قُرْآنًا، فَأَنْزَلَ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} الْآيَةَ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ منيب قال: أخبرنا يَزِيدُ بْنُ هارون قال: أخبرنا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الْحِجَابِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عن حميد.
(2) - أخبرني أَبُو حَكِيمٍ الْجُرْجَانِيُّ فِيمَا أَجَازَنِي لَفْظًا قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ القاضي قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ جرير قال: أخبرنا يَعْقُوبُ بْنُ إبراهيم قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَطْعَمُ وَمَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَأَصَابَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَ عَائِشَةَ وَكَانَتْ مَعَهُمْ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ.
(3) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} {53} قَالَ ابْنُ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/168 - ح: 4483, 8/527 - ح: 4790) والإمام أحمد في "المسند" (الفتح الرباني: 18/76 - 167) وفي "فضائل الصحابة" (1/315 - ح: 434) وابن جرير (22/28) والنسائي وابن المديني وأبو حاتم (تفسير ابن كثير: 1/169, 170) من طريق حميد عن أنس به.
(2) - هذا مرسل, والأصح ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" (مجمع الزوائد: 7/93) وابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير: 3/505) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت آكل مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قعب (قدح مقعر) فمرّ عمر فدعاه فأكل, فأصابت إصبعه إصبعي, فقال: حسّ (كلمة توجع) , لو أطاع فيكن ما رأتكن عين, فنزلت الآية. وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/93) والسيوطي (لباب النقول: 178) وهو كما قالا.
(3) - أخرج ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير: 3/505) من طريق مهران عن سفيان عن داود عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعده. ولم يعين, وإسناده ضعيف, بسبب مهران - العطار - (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 8/351 - رقم: 1391) (ميزان الاعتدال للذهبي: 4/196 - رقم: 8828) .
(1/360)

عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ سَادَةِ قُرَيْشٍ: لَوْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَتَزَوَّجَتْ عَائِشَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَنْزَلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرٍو النَّيْسَابُورِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بن أحمد المخلدي قال: أخبرنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عيسى قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى قال: أخبرنا أَبُو حذيفة قال: أخبرنا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَرَفْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ فَنَزَلَتْ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ العدل قال: أخبرنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الوشاء قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصولي قال: أخبرنا الرِّيَاشِيُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْمَهْدِيَّ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ، فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} آثَرَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الرُّسُلِ، وَاخْتَصَّكُمْ بِهَا مِنْ بَيْنِ الْأَنَامِ، فَقَابِلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِالشُّكْرِ.
سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عُثْمَانَ الْحَافِظَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْإِمَامَ سَهْلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: هَذَا التَّشْرِيفُ الَّذِي شَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} أَبْلَغُ وَأَتَمُّ مِنْ تَشْرِيفِ آدَمَ بِأَمْرِ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي ذَلِكَ التَّشْرِيفِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ عَنِ الْمَلَائِكَةِ
(1/361)

بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَتَشْرِيفٌ صَدَرَ عَنْهُ أَبْلَغُ مِنْ تَشْرِيفٍ تختصّ به بالملائكة مِنْ غَيْرِ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ، وهذا الَّذِي قَالَهُ سَهْلٌ مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْلِ الْمَهْدِيِّ، وَلَعَلَّهُ رَآهُ وَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ وَشَرَحَهُ وَقَابَلَ ذَلِكَ بِتَشْرِيفِ آدَمَ، فَكَانَ أَبْلَغَ وَأَتَمَّ مِنْهُ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي الصَّحِيحِ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سفيان قال: أخبرنا مسلم قال: أخبرنا قُتَيْبَةُ وَعَلِيُّ بْنُ حجر قالا: أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} {43} .
قَالَ مُجَاهِدٌ: لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الْآيَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَيْرٍ إِلَّا أَشْرَكَنَا فِيهِ، فَنَزَلَتْ: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} {58} .
قَالَ عَطَاءٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَأَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَارِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ مُتَبَرِّجَةً فَضَرَبَهَا وَكَرِهَ مَا
رَأَى مِنْ زِينَتِهَا فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا تَشْكُو عُمَرَ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ فَآذَوْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُؤْذُونَهُ وَيُسْمِعُونَهُ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الزُّنَاةِ الَّذِينَ كَانُوا يَمْشُونَ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ يَتْبَعُونَ النِّسَاءَ إِذَا بَرَزْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِنَّ، فَيَرَوْنَ الْمَرْأَةَ فَيَدْنُونَ مِنْهَا فَيَغْمِزُونَهَا، فَإِنْ سَكَتَتِ اتَّبَعُوهَا، وَإِنْ زَجَرَتْهُمُ انْتَهَوْا عَنْهَا، وَلَمْ يَكُونُوا يَطْلُبُونَ إِلَّا الْإِمَاءَ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ تُعْرَفُ الْحُرَّةُ مِنَ الْأَمَةِ إِنَّمَا
(1/362)

يَخْرُجْنَ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، فَشَكَوْنَ ذَلِكَ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا:
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} الْآيَةَ {59} .
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المؤذّن قال: أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ الفقيه قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الجنيد قال: أخبرنا زِيَادُ بْنُ أيوب قال: أخبرنا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: كَانَتْ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِلَى حَاجَاتِهِنَّ، وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَعَرَّضُونَ لَهُنَّ وَيُؤْذُونَهُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَتِ الْمَدِينَةُ ضَيِّقَةَ الْمَنَازِلِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذَا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجْنَ، يَقْضِينَ الْحَاجَةَ وَكَانَ فُسَّاقٌ مِنْ فُسَّاقِ الْمَدِينَةِ يَخْرُجُونَ، فَإِذَا رَأَوُا الْمَرْأَةَ عَلَيْهَا قِنَاعٌ قَالُوا: هَذِهِ حُرَّةٌ فَتَرَكُوهَا، وَإِذَا رَأَوُا الْمَرْأَةَ بِغَيْرِ قِنَاعٍ قَالُوا: هَذِهِ أَمَةٌ، فَكَانُوا يُرَاوِدُونَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1/363)

سُورَةُ يس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} الْآيَةَ {12} .
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: كَانَ بَنُو سَلِمَةَ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "إِنَّ آثَارَكُمْ تُكْتَبُ فَلِمَ تَنْتَقِلُونَ؟ ".
(1) - أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّرْقِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: شَكَتْ بَنُو سَلِمَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعْدَ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "عَلَيْكُمْ مَنَازِلَكُمْ فَإِنَّمَا تُكْتَبُ آثَارُكُمْ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} {78} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَظْمٍ حَائِلٍ قَدْ بَلِيَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتُرَى اللَّهُ يحيي هذا بعدما قَدْ رَمَّ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، وَيَبْعَثُكَ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}
_________
(1) - أخرجه البزار (تفسير ابن كثير: 3/566) من طريق سعيد به, وإسناد صحيح.
(1/364)

(1) - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ:
حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: أَنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الْجُمَحِيَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَظْمٍ حَائِلٍ فَفَتَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا بَعْدَمَا أَرَمَّ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا وَيُمِيتُكَ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
_________
(1) - مرسل, صحيح الإسناد, ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (23/21) عن قتادة مرسلاً نحوه بإسناده صحيح.
(1/365)

سُورَةُ ص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ... .} {5} .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَارِمٍ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ، فَجَاءَتْ قُرَيْشٌ وَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَ رَأْسِ أَبِي طَالِبٍ مَجْلِسُ رَجُلٍ، فَقَامَ أَبُو جَهْلٍ كَيْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ، فَشَكَوْهُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا تُرِيدُ مِنْ قَوْمِكَ؟ قَالَ: "يَا عَمِّ إِنَّمَا أُرِيدَ مِنْهُمْ كَلِمَةً تَذِلُّ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ بِهَا الْعَجَمُ"، قَالَ: وَمَا الْكَلِمَةُ؟ قَالَ: "كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ"، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، فَقَالُوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا؟ قَالَ: فَنَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} حَتَّى بَلَغَ {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ}
_________
(1) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/258 - ح: 408) والترمذي (5/365 - ح: 3232) والحاكم (المستدرك: 2/ 432) وابن جرير (23/79) والنسائي وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه (فتح القدير: 4/ 418) والبيهقي في "الدلائل" (2/345) وأبو يعلى (مسند أبي يعلى: 4/ 455 - ح: 2583) كلهم من طريق الثوري عن الأعمش عن يحيى - وفيه خلاف - به, وإسناده صحيح.
(1/366)

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ، قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لِلْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمُ الصَّنَادِيدُ وَالْأَشْرَافُ: امْشُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا قَدْ عَلِمْتَ مَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءُ، وَإِنَّا أَتَيْنَاكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَأَرْسَلَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ يَسْأَلُونَكَ ذَا السَّوَاءِ فَلَا تَمِلْ كُلَّ الْمَيْلِ عَلَى قَوْمِكَ، فَقَالَ: "وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ " قَالُوا: ارْفُضْنَا
وَارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنَا وَنَدَعُكَ وَإِلَهَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَتُعْطُونِي كَلِمَةً وَاحِدَةً تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ؟ " فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: لِلَّهِ أَبُوكَ لَنُعْطِيَنَّكَهَا وَعَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، فَنَفَرُوا مِنْ ذَلِكَ، وَقَامُوا فَقَالُوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا، كَيْفَ يَسَعُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ؟! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} .
(1/367)

سُورَةُ الزُّمَرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ} الْآيَةَ {9} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(2) - وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.
(3) - وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا} الْآيَةَ {17} .
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَنْفَارٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُمْ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ.
قَوْلُهُ تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} {17 - 18} .
قَالَ
_________
(1) - رواية عطاء عن عباس منقطعة في غير البقرة وآل عمران, كما جزم الحافظ ابن حجر.
(2) - أسنده ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير: 4/ 47) وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في "الحلية" وابن عساكر (فتح القدير: 4/ 454) من طريق أبي خلف الخراز عن يحيى البكّاء عن ابن عمر به, وإسناده ضعيف, بسبب يحيى (تقريب التهذيب: 2/358 - رقم: 175) .
(3) - أخرجه ابن سعد (لباب النقول: 184) وابن مردويه وابن عساكر (فتح القدير: 4/ 454) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله, وإسناده ضعيف جدا.
(1/368)

عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - آمَنَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَّقَهُ، فَجَاءَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَسَأَلُوهُ، فَأَخْبَرَهُمْ بِإِيمَانِهِ فَآمَنُوا، وَنَزَلَتْ فِيهِمْ: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} قَالَ: يُرِيدُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} الْآيَةَ {22} .
نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي لَهَبٍ وَوَلَدِهِ، فَعَلِيٌّ وَحَمْزَةُ مِمَّنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وَأَبُو لَهَبٍ وَأَوْلَادُهُ الَّذِينَ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} الْآيَةَ {23} .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفريابي قال: أخبرنا إِسْحَاقُ بْنُ راهويه قال: أخبرنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ القرشي قال: أخبرنا خَلَّادٌ الصَّفَّارُ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ}
قَوْلُهُ تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} الْآيَةَ {53} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ قَالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ وَقَدْ عَبَدْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/345) وابن جرير (12/90) من طريق عمرو بن مرة به, وإسناده صحيح.
(1/369)

(1) - وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَنَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا ثُمَّ فُتِنُوا وَعُذِّبُوا فَافْتَتَنُوا، فَكُنَّا نَقُولُ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا أَبَدًا، قَوْمٌ أَسْلَمُوا ثُمَّ تَرَكُوا دِينَهُمْ بِعَذَابٍ عُذِّبُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ، وَكَانَ عُمَرُ كَاتِبًا، فَكَتَبَهَا إِلَى عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأُولَئِكَ النَّفَرِ فَأَسْلَمُوا وَهَاجَرُوا.
(2) - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْكَازِرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ سلام قال: أخبرنا الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بن جبير بحدث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وتدعو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَاهُ كَفَّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
(3) - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِئُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خُرْجَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (24/11) من طرق ابن إسحاق عن نافع عنه به, وفيه عنعنة ابن إسحاق, لكن يتحسّن بشواهده لأن ابن إسحاق صرّح بالتحديث فيها, وستأتي في الرواية بعد القادمة.
(2) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/549 - ح: 4810) ومسلم (1/113 - ح: 122) والحاكم (المستدرك: 2/ 403) وأبو داود (4/ 465 - ح: 4273) وابن جرير (19/26) والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي (حاشية جامع الأصول: 2/37) من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما به.
(3) - إسناده حسن, ويشهد له:
* ما أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/ 435) عنه بنحوه وإسناده صحيح.
(1/370)

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العلاء قال: أخبرنا يُونُسُ بْنُ بكير قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ إسحاق قال: أخبرنا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ
عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعْنَا إِلَى الْهِجْرَةِ اتَّعَدْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَقُلْنَا: الْمِيعَادُ بَيْنَنَا الْمُنَاصِفُ مِيقَاتُ بَنِي غِفَارٍ، فَمَنْ حُبِسَ مِنْكُمْ لَمْ يَأْتِهَا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صَاحِبُهُ، فَأَصْبَحْتُ عِنْدَهَا أَنَا وَعَيَّاشٌ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ وَفُتِنَ فَافْتَتَنَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَكُنَّا نَقُولُ: مَا اللَّهُ بِقَابِلٍ مِنْ هَؤُلَاءِ تَوْبَةً، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا، فَأَنْزَلَ الله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} إِلَى قَوْلِهِ: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُ بِهَا إِلَى هِشَامٍ، قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَيُرْوَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ، وَذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي آخِرِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الحارثي قال: أخبرني أَبُو الشَّيْخِ الحافظ قال: أخبرنا ابْنُ أَبِي عاصم قال: أخبرنا ابْنُ نمير قال: أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ بَلَغَكَ أَنَّ اللَّهَ يَحْمِلُ الْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ؟ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} الْآيَةَ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِ الْأَرْضِ وَجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنَ الْخَلَائِقِ وَالشَّجَرِ قُدْرَةَ أَحَدِنَا عَلَى مَا يَحْمِلُهُ بِإِصْبَعِهِ، فَخُوطِبْنَا بِمَا نَتَخَاطَبُ فِيمَا بَيْنَنَا لِنَفْهَمَ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أَيْ إِنَّهُ يَقْبِضُهَا بقدرته.
(1/371)

سورة فصلت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} الْآيَةَ {22}
أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سعيد قال: أخبرنا أُمَيَّةُ بْنُ بسطام قال: أخبرنا يَزِيدُ بْنُ زريع قال: أخبرنا رَوْحٌ عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ} الْآيَةَ. قَالَ: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيفٍ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ، أَوْ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ ثَقِيفٍ فِي بَيْتٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ نَجْوَانَا أَوْ حَدِيثَنَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ سَمِعَ بَعْضَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ بَعْضَهُ، قَالُوا: لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ سَمِعَ كُلَّهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ} الْآيَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرٍو، كِلَاهُمَا، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ.
(2) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/561 - ح: 4816) ومسلم (4/2141 - ح: 2775) وعبد الرزاق (فتح الباري: 8/562) والترمذي (5/375 - ح: 3248) وابن جرير (24/69) والطبراني (المعجم الكبير: 10/140 - ح: 10138) وابن أبي عاصم في "السنة" (1/279 - ح: 629) والطيالسي (منحة المعبود: 2/23 - ح: 1972) كلهم من طريق منصور عن مجاهد به, ويشهد له: الرواية الآتية:
(2) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/263 - ح: 416) والترمذي (5/375 - ح: 3249) والطبراني (المعجم الكبير 10/139 - ح: 1034) والنسائي والبغوي (الفتح الرباني: 18/264) وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه وابن المنذر والبيهقي (حاشية جامع الأصول: 2/344) من طريق الأعمش به, وإسناده صحيح, ويشهد له:
1 - ما أخرجه مسلم (4/2142 - ح: 2775) والإمام أحمد (عزاه له ابن كثير في تفسيره: 4/97, ولم أجده في الفتح الرباني بعد البحث) والترمذي
(5/376) وابن جرير (24/70) والطبراني (المعجم الكبير: 10/138 - ح: 10132) وابن أبي عاصم في "السنة" (1/378 - ح: 626) من
طريق عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة عن ابن مسعود بمثله.
2 - ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 10/140 - ح: 10136) من طريق الأعمش, عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود نحوه,
وإسناده صحيح.
(1/372)

أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ
قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ المثنى قال: أخبرنا أَبُو خيثمة قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ حازم قال: أخبرنا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فجاء ثلاثة أنفار كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ قرشي وختناه ثقيفان، أَوْ ثَقَقِيٌّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَتَرَوْنَ الله سمع كَلَامَنَا هَذَا؟ فَقَالَ الْآخَرُ: إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا سَمِعَ، وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ، وَقَالَ الْآخَرُ إِنْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ عَلَيْهِ: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} الْآيَةَ {30} .
قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ بَنَاتُهُ وَهَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وَقَالَتِ الْيَهُودُ: رَبُّنَا اللَّهُ وَعُزَيْرٌ ابْنُهُ وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ بِنَبِيٍّ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَبُّنَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ واستقام.
(1/373)

سورة الشورى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} {23} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ كَانَتْ تَنُوبُهُ نَوَائِبُ وَحُقُوقٌ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ لِذَلِكَ سَعَةٌ، فَقَالَ الْأَنْصَارُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ هَدَاكُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِكُمْ، تَنُوبُهُ نَوَائِبُ وَحُقُوقٌ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ لِذَلِكَ سَعَةٌ، فَاجْمَعُوا لَهُ مِنْ أَمْوَالِكُمْ مَا لَا يَضُرُّكُمْ، فَأْتُوهُ بِهِ لِيُعِينَهُ عَلَى مَا يَنُوبُهُ فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَتَوْا بِهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ ابْنُ أُخْتِنَا وَقَدْ هَدَانَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْكَ وَتَنُوبُكَ نَوَائِبُ وَحُقُوقٌ، وَلَيْسَ لَكَ عِنْدَهَا سَعَةٌ فَرَأَيْنَا أَنْ نَجْمَعَ لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا شَيْئًا فَنَأْتِيَكَ بِهِ فَتَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى مَا يَنُوبُكَ وَهَا هُوَ ذَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ فِي مَجْمَعٍ لَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَرَوْنَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُ عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ أَجْرًا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرج الطبراني (المعجم الكبير: 12/33 - ح: 12384) من طريق عثمان أبي اليقظان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
قالت الأنصار فيما بينهم: لو جمعنا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مالاً, فبسط يده لا يحول بينه وبين أحد, فأتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: يا رسول الله, إنا أردنا أن نجمع لك من أموالنا, فأنزل الله الآية. وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 103) والسيوطي (لباب النقول: 188) وابن حجر (فتح الباري: 8/564) ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (25/16) وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 4/536) من طريق مقسم عن ابن عباس بمعناه وضعفه الحافظ ابن كثير (تفسير ابن كثير: 4/112) وابن حجر (فتح الباري: 8/564) والشوكاني (فتح القدير: 4/536) .
(1/374)

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} الْآيَةَ {27} .
نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ تَمَنَّوْا سَعَةَ الدُّنْيَا وَالْغِنَى. قَالَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ: فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَذَلِكَ أَنَّا نَظَرْنَا إِلَى أَمْوَالِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فَتَمَنَّيْنَاهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - قَالَ: أخبرنا أَبُو عُثْمَانَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قال: أخبرنا حيوة قال: أخبرني أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ يَقُولُ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِ الصُّفَّةِ: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أَنَّ لَنَا الدُّنْيَا، فَتَمَنَّوُا الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} الْآيَةَ {51} .
وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَا تُكَلِّمُ اللَّهَ وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَمَا كَلَّمَهُ مُوسَى وَنَظَرَ إِلَيْهِ؟ فَإِنَّا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَمْ يَنْظُرْ مُوسَى إلى الله"، وأنزلت هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (25/19) وابن المبارك وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن, أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في "الشعب" (فتح القدير: 4/537) من طريق أبي هانئ الخولاني عن عمرو بن حريث به, وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/104) والسيوطي (فتح القدير: 4/537) وهو كما قالا, ويشهد له:
* ما أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/ 445) عن علي رضي الله عنه مثله, وإسناده صحيح.
(1/375)

سُورَةُ الزُّخْرُفِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا} الْآيَةَ {57} .
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى ابْنِ عَفْرَاءَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِقُرَيْشٍ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا خَيْرَ فِي أَحَدٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ"، قَالُوا: أَلَيْسَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ عَبْدًا نَبِيًّا وَعَبْدًا صَالِحًا، فَإِنْ كَانَ كَمَا تَزْعُمُ فَهُوَ كَآلِهَتِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا} الْآيَةَ. وَذَكَرْنَا هَذِهِ الْقِصَّةَ وَمُنَاظَرَةَ ابْنِ الزِّبَعْرَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} (2) .
_________
(1) 1 - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/266 - ح: 419) والطبراني (المعجم الكبير: 12/154 - ح: 12740) وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 4/564) من طريق عاصم به, وإسناده لا بأس به (مجمع الزوائد: 7/104) .
(2) سورة الأنبياء: الآية 98.
(1/376)

سُورَةُ الدُّخَانِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} {49} .
قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ، وَذَلِكَ أنه قال: أبو عدني مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَنَا أَعَزُّ مَنْ بَيْنَ جَبَلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَقِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا جَهْلٍ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَقَدْ عَلِمْتَ أَنِّي أَمْنَعُ أَهْلِ الْبَطْحَاءِ، وَأَنَا الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، قَالَ: فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَذَلَّهُ وَعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وَنَزَلَ فِيهِ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} .
_________
(1) - أسنده ابن جرير (25/80) عنه, بإسناد صحيح.
(1/377)

سُورَةُ الْجَاثِيَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} {14} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: يُرِيدُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَاصَّةً، وَأَرَادَ بِالَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَزَلُوا فِي غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا الْمُرَيْسِيعُ، فَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ غُلَامَهُ لِيَسْتَقِيَ الْمَاءَ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: غُلَامُ عُمَرَ قعد على قفّ الْبِئْرِ فَمَا تَرَكَ أَحَدًا يَسْتَقِي حَتَّى مَلَأَ قِرَبَ النَّبِيِّ وَقِرَبَ أَبِي بَكْرٍ وَمَلَأَ لِمَوْلَاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَمَا قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، فَبَلَغَ قَوْلُهُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَاشْتَمَلَ بِسَيْفِهِ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثعالبي قال: أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلَّوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى الْعَطَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن زيادة الْيَشْكُرِيُّ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} (2) (3) قَالَ يَهُودِيٌّ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ "فِنْحَاصُ": احْتَاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ بِذَلِكَ اشْتَمَلَ عَلَى سَيْفِهِ وَخَرَجَ فِي طَلَبِهِ، فَجَاءَ
_________
(1) - إسناده هالك, بسبب اليشكري (تقريب التهذيب: 2/162 - رقم: 226) (ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي: 273 - رقم: 3718) فهو كذاب, والعجب من السيد أحمد صقر كيف سكت عنه؟.
(2) سورة البقرة: الآية 245.
(3) سورة الحديد: الآية 11.
(1/378)

جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ لَكَ: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} وَاعْلَمْ أَنَّ عُمَرَ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى سَيْفِهِ وَخَرَجَ فِي
طَلَبِ الْيَهُودِيِّ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي طَلَبِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: "يَا عُمَرُ ضَعْ سَيْفَكَ"، قَالَ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّكَ أُرْسِلْتَ بِالْحَقِّ قَالَ: "فَإِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} " قَالَ: لَا جَرَمَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا يُرَى الْغَضَبُ فِي وَجْهِي.
(1/379)

سُورَةُ الْأَحْقَافِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} الْآيَةَ {9} .
قَالَ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُهَاجِرُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ وَشَجَرٍ وَمَاءٍ، فَقَصَّهَا عَلَى أَصْحَابِهِ، فَاسْتَبْشَرُوا بِذَلِكَ وَرَأَوْا فِيهَا فَرَجًا مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ مَكَثُوا بُرْهَةً لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى نُهَاجِرُ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي رَأَيْتَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} يَعْنِي لَا أَدْرِي أَخْرُجُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي أَوْ لَا؟ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي مَا أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} الْآيَةَ {15} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: أُنْزِلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَذَلِكَ أَنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وَهُمْ يُرِيدُونَ الشَّامَ فِي التِّجَارَةِ، فَنَزَلُوا مَنْزِلًا فِيهِ سِدْرَةٌ، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ظِلِّهَا وَمَضَى أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَاهِبٍ هُنَاكَ يَسْأَلُهُ عَنِ الدِّينِ، فَقَالَ لَهُ: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي فِي ظِلِّ السِّدْرَةِ؟ فَقَالَ: ذَاكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،
_________
(1) - قد علمت أن هذا الإسناد واهٍ بمرّة، بغض النظر عمن أخرجه.
(1/380)

قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ نَبِيٌّ، وَمَا اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا أَحَدٌ بَعْدَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ إِلَّا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللَّهِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِ أَبِي بَكْرٍ الْيَقِينُ وَالتَّصْدِيقُ، فَكَانَ لَا يُفَارِقُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَسْفَارِهِ وَحُضُورِهِ، فَلَمَّا نُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَبُو بَكْرٍ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً أَسْلَمَ وَصَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} (1) .
_________
(1) سورة النمل: الآية 19.
(1/381)

سُورَةُ الْفَتْحِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي قال: أخبرنا وَالِدِي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الحراني قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَا: نَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي شَأْنِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} {1} .
أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ السَّامَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الفامي قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثقفي قال: أخبرنا أَبُو الأشعث قال: أخبرنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ نُسُكِنَا فَنَحْنُ بَيْنَ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ، أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا كُلِّهَا".
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْيَهُودَ شَتَمُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ لَمَّا
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/ 459) والبيهقي (دلائل النبوة: 4/159) من طريق ابن إسحاق عن الزهري به.
وفيه عنعنة ابن إسحاق, وباقي رجاله ثقات, ويتقوى بشواهده الكثيرة في الصحيحين وغيرهما (فتح الباري: 7/ 441, 442) (8/583) .
(1/382)

نَزَلَ قَوْلُهُ: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} (1) وَقَالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ رَجُلًا لَا يَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِهِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}
(2) - قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ} الْآيَةَ {5} .
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بن محمد المقري قال: أخبرنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَدِينِيُّ قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّقَطِيُّ قال: أخبرنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، فَمَا لَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} الْآيَةَ.
(3) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ أَبِي حَفْصٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الموصلي قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمر قال: أخبرنا يَزِيدُ بْنُ زريع قال: أخبرنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنس قال: أنزلت هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} عِنْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ نَزَلَتْ وَأَصْحَابُهُ مُخَالِطُونَ الْحُزْنَ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نُسُكِهِمْ وَنَحَرُوا الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعِهَا"، فَلَمَّا تَلَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَنَا مَا يَفْعَلُ بِكَ، فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ} الْآيَةَ.
_________
(1) سورة الأحقاف: الآية 9.
(2) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 7/ 450 - ح: 4172) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/276 - ح: 428) والترمذي (5/386) وابن جرير (26/ 44) والبيهقي في "الدلائل" (4/158) من طريق همام عن قتادة عن أنس به ويشهد له: الرواية الآتية:
(3) - أخرجه ابن جرير (26/ 44) من طريق سعيد به, وإسناده صحيح.
(1/383)

(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} الْآيَةَ {24} .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ قال: أخبرنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمْ أُسَرَاءَ فَاسْتَحْيَاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}
(2) - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا ثَلَاثُونَ شَابًّا عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ فَثَارُوا فِي وُجُوهِنَا، فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَبْصَارِهِمْ وَقُمْنَا إِلَيْهِمْ فَأَخَذْنَاهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "هَلْ جِئْتُمْ فِي عَهْدِ أَحَدٍ؟ وَهَلْ جَعَلَ لَكُمْ أَحَدٌ أَمَانًا؟ " فَقَالُوا: اللَّهُمَّ لَا، فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرجه مسلم (3/1442 - ح: 1808) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/276 - ح: 429) وأ بو داود (3/137 - ح: 2688) والترمذي (5/386 - ح: 3264) وابن جرير (26/59) وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه (فتح القدير: 5/25) والبيهقي في "الدلائل" (4/141) من طريق حماد عن ثابت عن أنس به. ويشهد له: الرواية الآتية:
(2) - أسنده الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/277 - ح: 430) وابن جرير (26/58) والحاكم (المستدرك: 2/ 460) والنسائي وابن مردويه وأبو نعيم (فتح القدير: 5/52) عن عبد الله بن مغفل به, وإسناده جيّد.
(1/384)

سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} {1} .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُكْبَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ قال: أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ قال: أخبرنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي، وَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ.
قَوْلُهُ - عز وجل - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الْآيَةَ {2} .
نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ كَانَ فِي أُذُنِهِ وَقْرٌ، وَكَانَ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ، وَكَانَ إِذَا كَلَّمَ إِنْسَانًا جَهَرَ بِصَوْتِهِ، فَرُبَّمَا كَانَ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَتَأَذَّى بِصَوْتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/592 - ح: 4847) وابن جرير (26/76) والترمذي (5/387 - ح: 3266) والنسائي (جامع الأصول: 2/360) من حديث ابن أبي مليكة عن ابن الزبير به.
(1/385)

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو
الْقَاسِمِ البغوي قال أخبرنا قَطَنُ بْنُ نسير قال: أخبرنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضبعي قال: أخبرنا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} قَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ "هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قَطَنِ بْنِ نُسَيْرٍ.
(1) - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا: أَبُو بكر وعمر رفع أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي. وَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} الْآيَةَ {3} .
قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} تَأَلَّى أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يُكَلِّمَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا كَأَخِي السِّرَارِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي بَكْرٍ: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ}
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْأَحْمَسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُخَارِقٌ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {إِنَّ الذين يغضون أصواتكم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/590 - ح: 4845) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/278 - ح: 431) مرسلاً هكذا, وقد سبق وصله في الرواية الأولى.
(1/386)

امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُكَلِّمَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا كَأَخِي السِّرَارِ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} {4} .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الدَّقَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَتَكِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ الطفاوي قال: حديثنا أَبُو مُسْلِمٍ الْبَجَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ يَقُولُ: أَتَى نَاسٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَلَّمُوا فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ وَهُوَ فِي الْحُجْرَةِ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِي جُفَاةِ بَنِي تَمِيمٍ، قَدِمَ وَفْدٌ مِنْهُمْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، فَنَادَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَرَاءِ حُجُرَتِهِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّ مَدْحَنَا زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمَّنَا شَيْنٌ، فَآذَى ذَلِكَ مِنْ صِيَاحِهِمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّا جِئْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ نُفَاخِرُكَ، وَنَزَلَ فِيهِمْ:
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (26/77) والطبراني (المعجم الكبير: 5/239 - ح: 5123) وابن راهويه ومسدد وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 5/61) من طريق داود عن أبي مسلم به.
وإسناده ضيف بسبب داود, لكن يتحسن بشواهده, وهي:
1 - ما أخرجه الترمذي (5/387 - ح: 3267) وابن جرير (26/77) وابن المنذر وابن أبي حاتم ابن مردويه (فتح القدير: 5/61) عن البراء
بمعناه وذكر منهم الأقرع بن حابس التميمي, وحسنه الترمذي, وهو كما قال.
2 - ما أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/281 - ح: 433) وابن جرير (26/77) والطبراني (المعجم الكبير: 1/27 - ح: 878) والبغوي
وابن مردويه (فتح القدير: 5/61) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع نحوه, وصححه السيوطي (لباب النقول: 196) .
(1/387)

{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} وَكَانَ فِيهِمُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ.
(1) - وَكَانَتْ قِصَّةُ هَذِهِ الْمُفَاخَرَةِ عَلَى مَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ
قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ السَّدُوسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَادَوْا عَلَى الْبَابِ: يَا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إِلَيْنَا، فَإِنَّ مَدْحَنَا زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمَّنَا شَيْنٌ، فَسَمِعَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: "إِنَّمَا ذَلِكُمُ اللَّهُ الَّذِي مَدْحُهُ زَيْنٌ وَذَمُّهُ شَيْنٌ"، فَقَالُوا: نَحْنُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ جِئْنَا بِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا نُشَاعِرُكَ وَنُفَاخِرُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا بِالشِّعْرِ بُعِثْتُ وَلَا بِالْفِخَارِ أُمِرْتُ وَلَكِنْ هَاتُوا"، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ لِشَابٍّ مِنْ شَبَابِهِمْ قُمْ فَاذْكُرْ فَضْلَكَ وَفَضْلَ قَوْمِكَ، فَقَامَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا خَيْرَ خَلْقِهِ، وَآتَانَا أَمْوَالًا نَفْعَلُ فِيهَا مَا نَشَاءُ، فَنَحْنُ مِنْ خَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَمِنْ أَكْثَرِهِمْ عُدَّةً، وَمَالًا وَسِلَاحًا، فَمَنْ أَنْكَرَ عَلَيْنَا قَوْلَنَا فَلْيَأْتِ بِقَوْلٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِنَا، وَفِعَالٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ فِعَالِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: "قُمْ فَأَجِبْهُ"، فَقَامَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأُؤْمِنُ بِهِ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا الْمُهَاجِرِينَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ أَحْسَنَ النَّاسِ وُجُوهًا وَأَعْظَمَهَمْ أَحْلَامًا - فَأَجَابُوهُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا أَنْصَارَهُ وَوُزَرَاءَ رَسُولِهِ وَعِزًّا لِدِينِهِ، فَنَحْنُ نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ
_________
(1) - إسناده هالك بسبب معلّى بن عبد الرحمن الواسطي (تقريب التهذيب: 2/265 - رقم: 1280) فهو متّهم بالوضع, وهنا أيضًا أخذ السيد أحمد صقر يُحقّق الرواية دون بيان درجتها.
(1/388)

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا مَنَعَ مِنَّا نَفْسَهُ وَمَالَهُ، وَمَنْ أَبَاهَا قَتَلْنَاهُ، وَكَانَ رُغْمُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى علينا هينًا، قول قولي هذا وأستغفرالله لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ لِشَابٍّ مِنْ شُبَّانِهِمْ: قُمْ يَا فُلَانُ فَقُلْ أَبْيَاتًا تَذْكُرُ فِيهَا فَضْلَكَ وَفَضْلَ قَوْمِكَ، فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا ... فِينَا الرُّءُوسُ وَفِينَا تُقْسَمُ الرُّبَعُ
وَنُطْعِمُ النَّاسَ عِنْدَ الْقَحْطِ كُلِّهِمُ ... مِنَ السَّدِيفِ إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ الْقَزَعُ
إِذَا أَبَيْنَا فَلَا يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ ... إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ
قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَالَ: وَمَا يُرِيدُ مِنِّي وَقَدْ كُنْتُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ بِشَاعِرِهِمْ وَخَطِيبِهِمْ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَأَجَابَهُمْ وَتَكَلَّمَ شَاعِرُهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْكَ تُجِيبُهُ. فَجَاءَ حَسَّانُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجِيبَهُ فَقَالَ حَسَّانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْهُ فَلْيُسْمِعْنِي مَا قَالَ. فَأَنْشَدَهُ مَا قَالَ، فَقَالَ حَسَّانُ:
نَصَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَالدِّينَ عَنْوَةً ... عَلَى رَغْمِ بَادٍ مِنْ مَعَدٍّ وَحَاضِرِ
أَلَسْنَا نَخُوضُ الْمَوْتَ فِي حَوْمَةِ الْوَغَى ... إِذَا طَابَ وِرْدُ الْمَوْتِ بَيْنَ الْعَسَاكِرِ
وَنَضْرِبُ هَامَ الدَّارِعِينَ وَنَنْتَمِي ... إِلَى حَسَبٍ مِنْ جِذْمِ غَسَّانَ قَاهِرِ
فَلَوْلَا حَيَاءُ اللَّهِ قُلْنَا تَكَرُّمًا ... عَلَى النَّاسِ بِالْخَيْفَيْنِ هَلْ مِنْ مُنَافِرِ
فَأَحْيَاؤُنَا مِنْ خَيْرِ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى ... وَأَمْوَاتُنَا مِنْ خَيْرِ أَهْلِ الْمَقَابِرِ
قَالَ: فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُ لِأَمْرٍ مَا جَاءَ لَهُ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ قُلْتُ شِعْرًا فَاسْمَعْهُ، فَقَالَ: هَاتِ، فَقَالَ:
أَتَيْنَاكَ كَيْمَا يَعْرِفَ النَّاسُ فَضْلَنَا ... إِذَا فَاخَرُونَا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَكَارِمِ
وَإِنَّا رُءُوسُ النَّاسِ فِي كُلِّ مَعْشَرٍ ... وَأَنْ لَيْسَ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ كَدَارِمِ
وَإِنَّ لَنَا الْمِرْبَاعَ فِي كُلِّ غَارَةٍ ... تَكُونُ بِنَجْدٍ أَوْ بِأَرْضِ التَّهَائِمِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "قُمْ يَا حَسَّانُ فَأَجِبْهُ". فَقَامَ حَسَّانُ، فَقَالَ:
بَنِي دَارِمٍ لَا تَفْخَرُوا إِنَّ فَخْرَكُمُ ... يَعُودُ وَبَالًا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَكَارِمِ
(1/389)

هَبِلْتُمْ عَلَيْنَا تَفْخَرُونَ وَأَنْتُمُ ... لَنَا خَوَلٌ مِنْ بَيْنِ ظِئْرٍ وَخَادِمِ
وَأَفْضَلُ مَا نِلْتُمْ مِنَ الْمَجْدِ وَالْعُلَى ... رِدَافَتُنَا مِنْ بَعْدِ ذِكْرِ الْأَكَارِمِ
فَإِنْ كُنْتُمْ جِئْتُمْ لِحَقْنِ دِمَائِكُمْ ... وَأَمْوَالِكُمْ أَنْ تُقْسَمُوا فِي الْمَقَاسِمِ
فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا وَأَسْلِمُوا ... وَلَا تَفْخَرُوا عِنْدَ النَّبِيِّ بِدَارِمِ
وَإِلَّا وَرَبِّ الْبَيْتِ مَالَتْ أَكُفُّنَا ... عَلَى هَامِكُمْ بِالْمُرْهَفَاتِ الصَّوَارِمِ
قَالَ: فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَمُؤْتًى لَهُ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هَذَا الْأَمْرُ، تَكَلَّمَ خَطِيبُنَا فَكَانَ خَطِيبُهُمْ أَحْسَنَ قَوْلًا، وَتَكَلَّمَ شَاعِرُنَا فَكَانَ شَاعِرُهُمْ أَشْعَرَ، ثُمَّ دَنَا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا يَضُرُّكَ مَا كَانَ قَبْلَ هَذَا"، ثُمَّ أَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَسَاهُمْ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} .
قوله - عز وجل - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} الْآيَةَ {6 - 8} .
نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ مُصَدِّقًا وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْقَوْمُ بِهِ تَلَقَّوْهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ فَحَدَّثَهُ الشَّيْطَانُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ فَهَابَهُمْ، فَرَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُوا صَدَقَاتِهِمْ وَأَرَادُوا قَتْلِي، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَمَّ أَنْ يَغْزُوَهُمْ، فَبَلَغَ الْقَوْمَ رُجُوعُهُ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا: سَمِعْنَا بِرَسُولِكَ، فَخَرَجْنَا نَتَلَقَّاهُ وَنُكْرِمُهُ وَنُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا قَبِلْنَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَبَدَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَخَشِينَا أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا رَدَّهُ مِنَ الطَّرِيقِ كِتَابٌ جَاءَهُ مِنْكَ بِغَضَبٍ غَضِبْتَهُ عَلَيْنَا، وَإِنَّا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَأَنْزَلَ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} يَعْنِي الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ.
(1/390)

(1) - أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّاذْيَاخِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدغولي قال: أخبرنا سَعِيدُ بْنُ مسعود قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ سابق قال: أخبرنا عِيسَى بْنُ دينار قال: أخبرنا أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِثَ بْنَ ضِرَارٍ يَقُولُ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَدَخَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ وَأَقْرَرْتُ فَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ، فَأَقْرَرْتُ بِهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ، فَتُرْسِلُ لِإِبَّانِ كَذَا وَكَذَا لِآتِيَكَ بِمَا جَمَعْتُ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا جَمَعَ الْحَارِثُ بْنُ ضِرَارٍ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهُ وَبَلَغَ الْإِبَّانَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَبَسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ، فَلَمْ يَأْتِهِ، فَظَنَّ الْحَارِثُ أن قَدْ حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَدَعَا سَرَوَاتِ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ وَقَّتَ لِي وَقْتًا لِيُرْسِلَ إِلَيَّ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخُلْفُ، وَلَا أَرَى حَبْسَ رَسُولِهِ إِلَّا مِنْ سَخْطَةٍ، فَانْطَلِقُوا فَنَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ. وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنَّ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بعض الطريق، فرق فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْحَارِثَ مَنَعَنِي
_________
(1) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/282 - ح: 434) والطبراني (المعجم الكبير: 3/310 - ح: 3395) وابن أبي حاتم وابن منده وابن مردويه (فتح القدير: 5/62) من طريق عيسى بن دينار به, وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/109) والسيوطي (لباب النقول: 196) ولا أراه يصح, بل أمثل أحواله أن يكون حسنًا, بسبب دينار الخزاعي وهو مقبول (تقريب التهذيب: 1/237 - رقم: 69) أي: ضعيف إلا إذا توبع, وقد توبع في أحاديث أخرى ضعيفة (مجمع الزوائد: 7/110) (تفسير ابن جرير: 26/78) , وعلى فرض ثبوته, فلا أرى متنه صحيحًا, وذلك لما فيه من اتهام لبعض صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد زكّاهم الله تعالى, وزكّاهم رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ولا أدعي أنهم معصومون عن الخطأ, كلا, ولكن لا يمكن أن يبلغ خطؤهم أن ينزل فيه قرآن, يتلى إلى يوم القيامة, فإن هذا من دواعي بُغض الناس لهم وهو أمر يقرب من الكفر والعياذ بالله, والله تعالى أعلم.
(1/391)

الزَّكَاةَ، وَأَرَادَ قَتْلِي، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَعْثَ إِلَى الْحَارِثِ، وَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ فَاسْتَقْبَلَ الْبَعْثَ وَقَدْ فَصَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَهُمُ الْحَارِثُ فَقَالُوا: هَذَا الْحَارِثُ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ قَالَ لَهُمْ إِلَى مَنْ بُعِثْتُمْ؟ قَالُوا: إِلَيْكَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ
عُقْبَةَ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ، قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟ " قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ رَسُولَكَ. وَلَا أَتَانِي وَلَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتَبَسَ عَلَيَّ رَسُولُكَ خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ سَخْطَةً مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! قَالَ: فَنَزَلَتْ في الحجرات: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} الْآيَةَ {9} .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ الْمُقْرِئُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَوْصِلِيُّ قال: أخبرنا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَكِبَ حِمَارًا وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ، فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَغَضِبَ لِكُلٍّ وَاحِدٍ منهما أصحابه، وكان بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهُ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 4/297 - ح: 2691) ومسلم 3/1424 - ح: 1799) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/274 - ح: 435) وابن جرير (26/81) من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس به.
(1/392)

أُنْزِلَتْ فِيهِمْ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ.
قَوْلُهُ - عز وجل - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ} الْآيَةَ {11} .
نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرٌ فَكَانَ إِذَا أَتَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو سعوا لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَى جَنْبِهِ، فَيَسْمَعَ مَا يَقُولُ، فَجَاءَ يَوْمًا وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ مَجَالِسَهُمْ فَجَعَلَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَيَقُولُ: تَفَسَّحُوا، تَفَسَّحُوا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: قَدْ أَصَبْتَ مَجْلِسًا فَاجْلِسْ، فَجَلَسَ ثَابِتٌ مُغْضَبًا، فَغَمَزَ الرَّجُلَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا فُلَانٌ؟ فَقَالَ ثَابِتٌ: ابْنُ فُلَانَةَ؟ وَذَكَرَ أُمًّا كَانَتْ لَهُ يُعَيَّرُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَنَكَّسَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ اسْتِحْيَاءً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} {11} .
نَزَلَتْ فِي امْرَأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَخِرَتَا مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا رَبَطَتْ حَقْوَيْهَا بِسَبَنِيَّةٍ - وَهِيَ ثَوْبٌ أَبْيَضُ - وَسَدَلَتْ طَرَفَهَا خَلْفَهَا فَكَانَتْ تَجُرُّهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ انْظُرِي إِلَى مَا تَجُرُّ خَلْفَهَا كَأَنَّهُ لِسَانُ كَلْبٍ، فَهَذَا كَانَ سُخْرِيَتَهَا. وَقَالَ أَنَسٌ: نَزَلَتْ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَيَّرْنَ أُمَّ سَلَمَةَ بِالْقِصَرِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النِّسَاءَ يُعَيِّرْنَنِي وَيَقُلْنَ: يَا يَهُودِيَّةُ بِنْتَ يَهُودِيَّيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "هَلَّا قُلْتِ: إِنَّ أَبِي هَارُونُ وَإِنَّ عَمِّي مُوسَى وَإِنَّ زَوْجِي مُحَمَّدٌ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} {11} .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
_________
(1) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/285) وابن جرير (26/84) عن أبي جبيرة به, وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/111) ويشهد له:
* ما أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/284 - ح: 436) والبخاري في "الأدب المفرد" (121 - ح: 331) وابن جرير (26/84) والطبراني (المعجم الكبير: 22/390 - ح: 968, 969) والحاكم (المستدرك: 2/ 463) وأهل السنن وأبو يعلى وابن المنذر والشيرازي في "الألقاب" وابن السني وابن مردويه والبيهقي في "شعب الإيمان" (فتح القدير: 5/66) وابن حبان (موارد الظمآن: 436 - ح: 1761) من طريق داود عن الشعبي قال: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك ... وذكر نحوه, وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7/111) وهو كما قال, وأما قول العسكري: حديث قيس والشعبي عن أبي جبيرة مرسل (تهذيب التهذيب: 12/52) فلا أرى له وجهًا, وذلك لتصريح الشعبي بالتحديث كما سبق.
(1/393)

إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَجَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ المروزي قال: أخبرنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جَبِيرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنْ أَبِيهِ وَعُمُومَتِهِ، قَالُوا: قَدِمَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَدْعُو الرَّجُلَ يَنْبِزُهُ، فَيُقَالُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَكْرَهُهُ. فَنَزَلَتْ: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} الْآيَةَ {13} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وَقَوْلُهُ فِي الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يُفْسِحْ لَهُ ابْنُ فُلَانَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَنِ الذَّاكِرُ فُلَانَةَ؟ " فَقَامَ ثَابِتٌ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "انْظُرْ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ"، فَنَظَرَ فَقَالَ: "مَا رَأَيْتَ يَا ثَابِتُ؟ " فَقَالَ: رَأَيْتُ أَبْيَضَ وَأَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، قَالَ: "فَإِنَّكَ لَا تَفْضُلُهُمْ إِلَّا فِي الدِّينِ وَالتَّقْوَى"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا حَتَّى أَذَّنَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدِ بن أبي العيص: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَبَضَ أَبِي حَتَّى لَمْ يَرَ هَذَا الْيَوْمَ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: أَمَّا وَجَدَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ هَذَا
(1/394)

الْغُرَابِ الْأَسْوَدِ مُؤَذِّنًا؟! وَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ شَيْئًا يُغَيِّرْهُ، وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنِّي لَا أَقُولُ شَيْئًا أَخَافُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ رَبُّ السَّمَاءِ، فَأَتَى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا، فَدَعَاهُمْ وَسَأَلَهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَأَقَرُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَزَجَرَهُمْ عَنِ التَّفَاخُرِ بِالْأَنْسَابِ والتكاثر بالأموال والازدراء بِالْفُقَرَاءِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانَ الْمُزَكِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الاستراباذي قال: أخبرنا أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ قال: أخبرنا أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ الْمَكِّيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ رَقَى بِلَالٌ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ فَأَذَّنَ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، أَهَذَا الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ يُؤَذِّنُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ يَسْخَطِ اللَّهُ هَذَا يُغَيِّرْهُ، فَأَنْزَلَ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} .
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ بِبَعْضِ الْأَسْوَاقِ بِالْمَدِينَةِ وَإِذَا غُلَامٌ أَسْوَدُ قَائِمٌ يُنَادِي عَلَيْهِ بَيَّاعٌ فِيمَنْ يَزِيدُ، وَكَانَ الْغُلَامُ يَقُولُ: مَنِ اشْتَرَانِي فَعَلَى شَرْطٍ، قِيلَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: لَا يَمْنَعُنِي مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، وَكَانَ يَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَفَقَدَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: "أَيْنَ الْغُلَامُ؟ " فَقَالَ: مَحْمُومٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "قُومُوا بِنَا نَعُودُهُ"، فَقَامُوا مَعَهُ فَعَادُوهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَالَ لِصَاحِبِهِ: "مَا حَالُ الْغُلَامِ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْغُلَامَ لِمَا بِهِ، فَقَامَ وَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بُرَحَائِهِ، فَقُبِضَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ، فَدَخَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: هَجَرْنَا دِيَارَنَا وَأَمْوَالَنَا وَأَهْلِينَا فَلَمْ يَرَ أَحَدٌ مِنَّا فِي حَيَاتِهِ وَمَرَضِهِ وَمَوْتِهِ مَا لَقِيَ هَذَا الْغُلَامُ، وَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: آوَيْنَاهُ وَنَصَرْنَاهُ وَوَاسَيْنَاهُ بِأَمْوَالِنَا فَآثَرَ عَلَيْنَا عَبْدًا حَبَشِيًّا،
(1/395)

فَأَنْزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} يَعْنِي أَنَّكُمْ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ وَامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَرَاهُمْ فَضْلَ التَّقْوَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} الْآيَةَ {14} .
نَزَلَتْ فِي أَعْرَابٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ فِي سَنَةٍ جَدْبَةٍ فَأَظْهَرُوا الشَّهَادَتَيْنِ وَلَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فِي السِّرِّ، وَأَفْسَدُوا طُرُقَ الْمَدِينَةِ بِالْعُذُرَاتِ وَأَغْلُوا أَسْعَارَهَا، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَيْنَاكَ بِالْأَثْقَالِ وَالْعِيَالِ وَلَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا قَاتَلَكَ بَنُو فُلَانٍ، فَأَعْطِنَا مِنَ الصَّدَقَةِ، وَجَعَلُوا يَمُنُّونَ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه (فتح القدير: 5/69) عن عبد الله بن أبي أوفى أن ناسا من العرب قالوا: يا رسول الله, أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان, فأنزل الله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) الآية ولم يعيّن الناس. حسّنه السيوطي (لباب النقول: 199) , وقد وردت روايات بتعيينهم, فأخرج النسائي والبزار وابن مردويه (فتح القدير: 5/69) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم بنو أسد, وإسناده صحيح (تفسير ابن كثير: 4/219) إلا أن في سماع أبي عون من سعيد بن جبير كلام (تهذيب التهذيب: 9/322 - رقم: 532) , ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (26/89) عن مجاهد مثله.
(1/396)

سُورَةُ ق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} {38} .
قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَاسْتَرَاحَ يَوْمَ السَّابِعِ وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَهُمْ يُسَمُّونَهُ يَوْمَ الرَّاحَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السري قال: أخبرنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْيَهُودَ أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَتْ عن خلق السموات وَالْأَرْضِ فَقَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَمَا فِيهِنَّ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَخَلَقَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الشَّجَرَ وَالْمَاءَ وَخَلَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ النُّجُومَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ"، قَالَتِ الْيَهُودُ: ثُمَّ مَاذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ"، قَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ لَوْ تَمَّمْتَ ثُمَّ اسْتَرَاحَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَتْ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} .
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/543) من طريق أبي سعد البقال عن عكرمة به, وإسناده ضعيف بسبب البقال (تقريب التهذيب: 1/305 - رقم: 252) ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (26/111) عن أبي بكر رضي الله عنه نحوه, وإسناده ضعيف, بسبب ابن حميد (تقريب التهذيب: 2/156 - رقم: 159) .
(1/397)

سُورَةُ النَّجْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} الْآيَةَ {32} .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحسن قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ سعد قال: أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا هَلَكَ لَهُمْ صَبِيٌّ صَغِيرٌ: هُوَ صِدِّيقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "كَذَبَتِ الْيَهُودُ مَا مِنْ نَسَمَةٍ يَخْلُقُهَا اللَّهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ إِلَّا أَنَّهُ شَقِيٌّ أو سعيد"، فأنزل اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةَ: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} إِلَى آخِرِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} الْآيَاتِ {33 - 34} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَالْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ كَانَ يَتَصَدَّقُ وَيُنْفِقُ فِي الْخَيْرِ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ: مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعُ؟ يُوشِكُ أَنْ لَا يَبْقَى لَكَ شَيْءٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ لِي ذُنُوبًا وَخَطَايَا، وَإِنِّي أَطْلُبُ بِمَا أَصْنَعُ رِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيَّ وَأَرْجُو عَفْوَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَعْطِنِي نَاقَتَكَ بِرَحْلِهَا وَأَنَا أَتَحَمَّلُ عَنْكَ ذُنُوبَكَ كُلَّهَا، فَأَعْطَاهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَأَمْسَكَ عَنْ بَعْضِ مَا كَانَ يَصْنَعُ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ
_________
(1) - أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 2/75 - ح: 1368) وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم (فتح القدير: 5/115) من طريق ابن لهيعة به, وقد ضعّف ابن لهيعة من جهة حفظه بعد اختلاطه.
(1/398)

وَتَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} فَعَادَ عُثْمَانُ إِلَى أَحْسَنِ ذَلِكَ وَأَجْمَلِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ قَدِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى دِينِهِ فَعَيَّرَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ لَهُ: لِمَ تَرَكْتَ دِينَ الْأَشْيَاخِ وَضَلَّلْتَهُمْ وَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: إِنِّي خَشِيتُ عَذَابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إِنْ هُوَ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَرَجَعَ إِلَى شِرْكِهِ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذَابَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فأعطى الذي ع (1) هـ بَعْضَ مَا كَانَ ضَمِنَ لَهُ ثُمَّ بَخِلَ وَمَنَعَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} {43} .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الفضل قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المقدمي قال: أخبرتنا دَلَالُ بنت أبي المندل قال حَدَّثَتْنَا الصَّهْبَاءُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا"، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عليه السلام بقوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "ما تلقاني خَطَوْتُ أَرْبَعِينَ خطوة حتى أتاني جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: ائْتِ هَؤُلَاءِ وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} .
(1/399)

سُورَةُ الْقَمَرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} {1} .
أَخْبَرَنَا أَبُو حَكِيمٍ عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ إِجَازَةً بِلَفْظِهِ أَنَّ أَبَا الْفَرَجِ الْقَاضِي أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قال: أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الْمَقْدِسِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حماد قال: أخبرنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ سَحَرَكُمْ، فَاسْأَلُوا السُّفَّارَ فَسَأَلُوهُمْ فَقَالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ}
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} {47 - 49} .
إِلَى {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إملاء قال: أخبرنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الكعبي قال: أخبرنا
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (27/50) والبيهقي (دلائل النبوة: 2/266) وإسناده صحيح, وشواهده كثيرة جدًّا (انظر: تفسير ابن كثير: 4/261, 262, الدر المنثور: 7/670 - 672) .
(2) - أخرجه مسلم (4/2046 - ح: 2656) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/291 ح: 446) والترمذي (5/398 - ح: 3290) وابن ماجه (1/32 - ح: 83) وابن جرير (27/65) والبيهقي في "الشعب" والبخاري في "خلق أفعال العباد" (الصحيح المسند للوادعي: 151) وابن أبي عاصم في "السنة" (1/155 - ح: 349) من طريق سفيان عن زياد به.
(1/400)

حَمْدَانُ بْنُ صَالِحٍ الأشج قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رواد قال: أخبرنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَتْ قُرَيْشٌ يَخْتَصِمُونَ فِي الْقَدَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ
يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ.
(1) - قَالَ الشَّيْخُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَارِثِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْحَافِظُ بِجُرْجَانَ قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ جَنْدَلٍ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُبَيٍّ بِخُرَاسَانَ يَقُولُ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّقْرِ الْحَافِظَ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ عُفَيْرَ بْنَ مَعْدَانَ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ}
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْفَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الطَّنَافِسِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا بَحْرٌ السَّقَّاءُ عَنْ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، عَنْ عَطَاءٍ
_________
(1) - أخرجه ابن عدي في "الكامل" (2017/5) من طريق عفير بن معدان به, وإسناده ضعيف بسبب عفير (ميزان الاعتدال: 3/83 - رقم: 5979) , ويشهد له:
1 - ما أخرجه البزار (مجمع الزوائد: 117/7) عن عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه موقوفًا, وضعفه الهيثمي.
ما أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 11/97 - ح: 11163) عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله, وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7 /117) .
(1/401)

قَالَ: جَاءَ أُسْقُفُّ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ الْمَعَاصِيَ بِقَدَرٍ، وَالْبِحَارَ بِقَدَرٍ، وَالسَّمَاءَ بِقَدَرٍ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ تَجْرِي بِقَدَرٍ، فَأَمَّا الْمَعَاصِي فَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَنْتُمْ خُصَمَاءُ اللَّهِ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا
أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْعَلَاءِ أَخُو أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَعْدَةَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} قَالَ: "أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أُنَاسٍ مِنْ آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يُكَذِّبُونَ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى". أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَعْقِلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَةَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أُسَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَضَرْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمُونِي أَنْطَلِقُ فِي الْقَدَرِ فَغُلُّونِي فإني مجنون، فوالذين نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ إِلَّا فِيهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} .
(1/402)

سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} {28} .
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ: نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى وَجٍّ - وَهُوَ وَادٍ مُخْصِبٌ بِالطَّائِفِ - فَأَعْجَبَهُمْ سِدْرُهُ، فَقَالُوا: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ هَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} {13} .
قَالَ عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} بَكَى عُمَرُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ مَنْ يَنْجُو مِنَّا قَلِيلٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ فَقَالَ: "يَا عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا قُلْتَ، فَجَعَلَ ثُلَّةً مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةً مِنَ الْآخِرِينَ" فَقَالَ عُمَرُ: رَضِينَا عَنْ رَبِّنَا وَنُصَدِّقُ نَبِيَّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مِنْ آدَمَ إِلَيْنَا ثُلَّةٌ، وَمِنِّي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُلَّةٌ، وَلَا يَسْتَتِمُّهَا إِلَّا سُودَانٌ مِنْ رُعَاةِ
_________
(1) 1 - أخرجه ابن عساكر (لباب النقول: 203) من طريق عروة بن رويم عن جابر رضي الله عنه قال: لما نزلت "ثلة من الأولين وقليل من الآخرين" قال عمر: يا رسول الله, ثلة من الأولين وقليل منا؟ فأمسك آخر السورة سنة, ثم نزلت (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) . قال الحافظ ابن كثير: في إسناده نظر (تفسير ابن كثير: 284 / 4) وتبعه السيوطي (لباب النقول: 203) ويشهد له:
* ما أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/293 - ح: 450) وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 5 /151) عن أبي هريرة رضي الله عنه بمعناه وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7 /118) والسيوطي (لباب النقول: 203) .
(1/403)

الْإِبِلِ مِمَّنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} {82} .
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا
أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْدَانُ السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رسول الله عليه وسلم: "أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} حَتَّى بَلَغَ {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فِي سَفَرٍ فَنَزَلُوا مَنْزِلًا وَأَصَابَهُمُ الْعَطَشُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ دَعَوْتُ لَكُمْ فَسُقِيتُمْ فَلَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ سُقِينَا هَذَا الْمَطَرَ بِنَوْءِ كَذَا؟ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا بِحِينِ الْأَنْوَاءِ، قَالَ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَهَاجَتْ رِيحٌ ثُمَّ هَاجَتْ سَحَابَةٌ فَمُطِرُوا، حَتَّى سالت الأودية، وملأوا الْأَسْقِيَةَ، ثُمَّ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ يَغْتَرِفُ بِقَدَحٍ لَهُ وَهُوَ يَقُولُ: سُقِينَا بِنَوْءِ كَذَا وَلَمْ يَقُلْ هَذَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجِيزِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَعَمْرُو بْنُ
_________
(1) 2 - أخرجه مسلم (1/ 84 - ح: 73) والطبراني (المعجم الكبير: 198 /12 - ح: 12882) وابن المنذر وابن مردويه (فتح القدير: 5/163) من طريق عكرمة بن عمار به.
(1/404)

سَوَّادٍ السَّرْحِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن وهب قالوا: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فريق بها كافر، يقول: الكوكب وبالكوكب"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ وَعَمْرِو بْنِ سَوَّادٍ.
(1/405)

سُورَةُ الْحَدِيدِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} الْآيَةَ {10} .
رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَةَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلِيطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَفْصٍ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلَيْهِ عباءة قد خلها عَلَى صَدْرِهِ بِخِلَالٍ، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَقْرَأَهُ مِنَ اللَّهِ السَّلَامَ وَقَالَ: "يا محمد مالي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عباءة قد خلها عَلَى صَدْرِهِ بِخِلَالٍ؟ " فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ أَنْفَقَ مَالَهُ قَبْلَ الْفَتْحِ عَلَيَّ"، قَالَ: "فَأَقْرِئْهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ السَّلَامَ، يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ " فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ عَلَى رَبِّي أَغْضَبُ؟ أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} الْآيَةَ {16} .
قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ سَأَلُوا سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالُوا: حَدِّثْنَا عما في التوارة، فَإِنَّ فِيهَا الْعَجَائِبَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ.
(1/406)

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا
عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ مُسْلِمٍ الصَّفَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} (1) فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثَتْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} (2) قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ يُؤْمَرُونَ بِالْقُرْآنِ، قَالَ خَلَّادٌ: وَزَادَ فِيهِ آخَرُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ ذَكَّرْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} .
_________
(1) سورة يوسف: الآية 3.
(2) سورة الزمر: الآية 23.
(1/407)

سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} الْآيَةَ {1} .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْلَى شَبَابِي وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي حَتَّى إِذَا كَبِرَ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أشكو إليك. قال: فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيِّ، عَنْ مُطَيْرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ.
(2) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2 / 481) وابن جرير (28/ 5) وابن ماجه (1/ 666 - ح: 2063) وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي (فتح القدير: 5 /183) وابن أبي عاصم في "السنة" (1/278 - ح: 625) من طريق تميم بن سلمة عن عروة به, وإسناده صحيح, ويشهد له: الرواية الآتيه:
(2) - أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا (فتح الباري: 13/372) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/ 298 - ح: 457) والحاكم (المستدرك: 4812) والنسائي (حاشية جامع الأصول: 2/379) وابن جرير (28/5) عن تميم به, وإسناده صحيح.
(1/408)

الأصفهاني قال: أخبرنا عَبْدَانُ بْنُ أحمد قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سعيد. قال: أخبرنا يَحْيَى بْنُ عِيسَى الرملي قال: أخبرنا الْأَعْمَشُ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَوَسَّعَ لِسَمْعِ الْأَصْوَاتِ كُلِّهَا، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ فَكَلَّمَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا فِي
جَانِبِ الْبَيْتِ لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ} الْآيَةَ {2} .
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنْصُورِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ النيسابوري قال: أخبرنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الأشعث قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ بكار قال: أخبرنا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّهُ سَأَلَ قَتَادَةَ عَنِ الظِّهَارِ قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي حِينَ كَبِرَ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الظِّهَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَوْسٍ: "أَعْتِقْ رقبة"، فقال: مالي بِذَلِكَ يَدَانِ، قَالَ: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ"، قَالَ: أَمَا إِنِّي إِذَا أَخْطَأَنِي أَنْ لَا آكُلَ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ كَلَّ بَصَرِي، قَالَ: "فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا"، قَالَ لَا أَجِدُ إِلَّا أَنْ تُعِينَنِي مِنْكَ بِعَوْنٍ وَصِلَةٍ، قَالَ: فَأَعَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ لَهُ، وَاللَّهُ رَحِيمٌ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ عِنْدَهُ مِثْلَهَا؛ وَذَلِكَ لِسِتِّينَ مِسْكِينًا.
_________
(1) - إسناده ضعيف, من أجل سعيد بن بشير (تقريب التهذيب: 1/292 - رقم: 130) لكن صح ذلك موقوفًا على قتادة, أخرجه ابن جرير (28/3) عنه بإسناد صحيح مرسلا, ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (28/3) عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه, وقواه الحافظ ابن كثير (تفسير ابن كثير: 4/ 320) .
(1/409)

(1) - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن مُحَمَّدُ بن عبد الله بن زكريا قال: أخبرنا محمد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى بْنِ يُوسُفَ حدثنا أبو الأصبع الحراني قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ
مَسْلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي خُوَيْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ وَكَانَتْ عِنْدَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ أَخِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَكَلَّمَنِي بِشَيْءٍ وَهُوَ فِيهِ كَالضَّجِرِ، فَرَادَدْتُهُ فَغَضِبَ فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ خَرَجَ فِي نَادِي قَوْمِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَرَاوَدَنِي عَنْ نَفْسِي، فَامْتَنَعْتُ مِنْهُ، فَشَادَّنِي فَشَادَدْتُهُ فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ الضَّعِيفَ، فَقُلْتُ: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لَا تَصِلُ إِلَيَّ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيَّ وَفِيكَ بِحُكْمِهِ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْكُو مَا لَقِيتُ، فَقَالَ: زَوْجُكِ وَابْنُ عَمِّكِ اتَّقِي اللَّهَ وَأَحْسِنِي صُحْبَتَهُ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكَفَّارَةِ، قَالَ: "مُرِيهِ فَلْيَعْتِقْ رَقَبَةً"، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ رَقَبَةٌ يَعْتِقُهَا، قَالَ: "مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ"، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: "فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا"، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ ما يطعم، قال: "بَلَى سَنُعِينُهُ بِعَرْقٍ مِنْ تَمْرٍ مِكْتَلٍ يَسَعُ ثَلَاثِينَ صَاعًا"، قَالَتْ: قُلْتُ: وَأَنَا أُعِينُهُ بِعَرْقٍ آخَرَ، قَالَ: "قَدْ أَحْسَنْتِ فَلْيَتَصَدَّقْ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى} {8} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ
_________
(1) - فيه عنعنة ابن إسحاق.
(1/410)

دُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَنْظُرُونَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَيَتَغَامَزُونَ بِأَعْيُنِهِمْ، فَإِذَا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ نَجْوَاهُمْ قَالُوا: مَا نَرَاهُمْ إِلَّا وَقَدْ بَلَغَهُمْ عَنْ أَقْرِبَائِنَا وَإِخْوَانِنَا الَّذِينَ خَرَجُوا فِي السَّرَايَا قَتْلٌ أَوْ مَوْتٌ أَوْ مُصِيبَةٌ أَوْ هَزِيمَةٌ، فَيَقَعُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ وَيُحْزِنُهُمْ، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَقَدُمَ أَصْحَابُهُمْ وَأَقْرِبَاؤُهُمْ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ وَكَثُرَ، شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَتَنَاجَوْا دُونَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ وَعَادُوا إِلَى مُنَاجَاتِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} {8} .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْفَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السراج قال: أخبرنا قُتَيْبَةُ بْنُ سعيد قال: أخبرنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ نَاسٌ مَنِ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقُلْتُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ وَفَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَهْ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتَ تَرَى مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: "أَلَسْتِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَا يَقُولُونَ؟ أَقُولُ: وَعَلَيْكُمْ"، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ}
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 10/ 449 - ح: 6024) ومسلم (4/ 1706 - ح: 2165 "11") والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/ 29 - ح: 458) وابن جرير (28 /11) والبغوي وابن أبي حاتم (الفتح الرباني: 18/299) من طريق الأعمش عن أبي الضحى به, ويشهد له:
1 - ما أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/299 - ح: 459) وعبد بن حميد والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في "الشعب" (فتح القدير: 5 /1 87) عن عبد الله بن عمرو نحوه, وجوّد الهيثمي إسناده (مجمع الزوائد: 7 /122) .
2 - الرواية الآتية.
(1/411)

مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَرَدَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ سَلَّمَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ قَالَ السام عليكم، رُدُّوهُ"، فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: قُلْتَ السَّامُ عَلَيْكُمْ؟ " قال: نعم، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ: "إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ، أَيْ عَلَيْكَ ما قلت"، ونزل قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ
يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} الْآيَةَ {11} .
قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصُّفَّةِ وَفِي الْمَكَانِ ضِيقٌ وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْرِمُ أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَقَدْ سُبِقُوا إِلَى الْمَجْلِسِ، فَقَامُوا حِيَالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أرجلهم ينتظرون أَنْ يُوَسَّعَ لَهُمْ فَلَمْ يُفْسِحُوا لَهُمْ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ: "قُمْ يَا فُلَانُ وَأَنْتَ يَا فُلَانُ"، فَأَقَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ بِقَدْرِ النَّفَرِ الَّذِي قَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَعَرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَرَاهِيَةَ فِي وُجُوهِهِمْ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ صَاحِبَكُمْ يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ؟ فَوَاللَّهِ مَا عَدَلَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ: قَوْمٌ أَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ وَأَحَبُّوا الْقُرْبَ مِنْ نَبِيِّهِمْ أَقَامَهُمْ وَأَجْلَسَ مَنْ أَبْطَأَ عَنْهُمْ مَقَامَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} الآيتان {12 - 13} .
قَالَ
_________
(1) - أخرج ابن جرير (28 /15) وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 5/91) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وذاك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى شقّوا عليه, فأراد الله أن يخفف عن نبيه, فلما قال ذلك صبر كثير من الناس وكفّوا عن المسألة, فأنزل الله الآية. وإسناده صحيح.
(1/412)

مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَغْنِيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُكْثِرُونَ مُنَاجَاتَهُ وَيَغْلِبُونَ الْفُقَرَاءَ عَلَى الْمَجَالِسِ حَتَّى كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ مِنْ طُولِ جُلُوسِهِمْ وَمُنَاجَاتِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ عِنْدَ الْمُنَاجَاةِ،
فَأَمَّا أَهْلُ الْعُسْرَةِ فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أَهْلُ الْمَيْسَرَةِ فَبَخِلُوا وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَتِ الرُّخْصَةُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَآيَةً مَا عَمِلَ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أحد بعدي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} كَانَ لِي دِينَارٌ فَبِعْتُهُ بِدَرَاهِمَ، وَكُنْتُ إِذَا نَاجَيْتُ الرَّسُولَ تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ حَتَّى نَفِدَ، فَنُسِخَتْ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} الآية
قَوْلُهُ عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} الْآيَاتِ {14 - 18} .
إِلَى قَوْلِهِ: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} وقال السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَلٍ الْمُنَافِقِ كَانَ يُجَالِسُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَرْفَعُ حَدِيثَهُ إِلَى الْيَهُودِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِهِ، إِذْ قَالَ: يَدْخُلُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبَّارٍ وَيَنْظُرُ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ وَكَانَ أَزْرَقَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ؟ " فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "فَعَلْتَ"، فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ مَا سَبُّوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَاتِ.
(1) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/ 482) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/299 - ح: 460) وابن جرير (28 /17) والطبراني (المعجم الكبير. 12/7 - ح: 12307) والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 5/194) والبيهقي في "الدلائل" (5/282) كلهم من طريق سماك به, وإسناده صحيح.
(1/413)

جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ محمد الفريابي، أخبرنا أَبُو جعفر النفيلي، أخبرنا زُهَيْرُ بن معاوية، أخبرنا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي ظِلِّ
حُجْرَةٍ من حجره وعند نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ كَادَ الظِّلُّ يَقْلِصُ عَنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ إِنْسَانٌ يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَتَاكُمْ فَلَا تُكَلِّمُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ أَزْرَقُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَلَّمَهُ، فَقَالَ: "عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ " نَفَرٌ دَعَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَانْطَلَقَ الرجل فدعاهم، فحلفو بِاللَّهِ وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَفَّانَ، عَنْ عَمْرٍو الْعَنْقَزِيِّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الْآيَةَ {22} .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا قُحَافَةَ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَكَّهُ أَبُو بَكْرٍ صَكَّةً شَدِيدَةً سَقَطَ مِنْهَا، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أو فعلته؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَلَا تَعُدْ إِلَيْهِ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ السَّيْفُ قَرِيبًا مِنِّي لَقَتَلْتُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَتَلَ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْجَرَّاحِ يَوْمَ أُحُدٍ.
_________
(1) - أخرج الحاكم (المستدرك: 3/265) والطبراني (المعجم الكبير: 1 /17 - ح: 360) وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي (فتح القدير: 5/194) عن عبد الله بن شوذب بمعناه مرسلاً, وإسناده جيد (حاشية المعجم الكبير للطبراني: 1 /117) (الإصابة لابن حجر: 2/253,252) .
(1/414)

وَفِي أَبِي بَكْرٍ دَعَا ابْنَهُ يَوْمَ بدر إلى البزار، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أكن في الرحلة الْأُولَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: "مَتِّعْنَا بِنَفْسِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَمَّا تَعْلَمُ أَنَّكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ سَمْعِي وَبَصَرِي"، وَفِي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَتَلَ أَخَاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ. وَفِي عُمَرَ قَتَلَ خَالَهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ قَتَلُوا عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ
أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}
(1/415)

سُورَةُ الْحَشْرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} الآية {2} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي بَنِي النَّضِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَالَحَهُ بَنُو النَّضِيرِ عَلَى أَنْ لَا يُقَاتِلُوهُ وَلَا يُقَاتِلُوا مَعَهُ، وَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذلك مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدْرًا وَظَهَرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَتْ بَنُو النَّضِيرِ: وَاللَّهِ إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي وَجَدْنَا نعته في التوارة لَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ، فَلَمَّا غَزَا أُحُدًا وَهُزِمَ الْمُسْلِمُونَ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَأَظْهَرُوا الْعَدَاوَةَ لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم صالحهم عن الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الحافظ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى، أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُنَّ صَاحِبَنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ - وَهِيَ الْخَلَاخِلُ - شَيْءٌ، فَلَمَّا بَلَغَ
_________
(1) - أخرجه البيهقي في "الدلائل" (3 /178) من طريق معمر عن الزهري به, وإسناده صحيح, ويشهد له:
* ما أخرحه لحاكم (المستدرك: 2 / 483) وابن مردويه (فتح القدير: 5 /198) والبيهقي في "الدلائل" (3 /1 78) عن عائشة رضي الله عنها بمعناه وصححه الحاكم وهو كما قال.
(1/416)

كِتَابُهُمُ الْيَهُودَ أَجْمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ على الغدر، وأرسلوا إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك وَلْيَخْرُجْ مِنَّا ثَلَاثُونَ حَبْرًا حَتَّى نَلْتَقِيَ بِمَكَانٍ نَصَفٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ لِيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ كُلُّنَا، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَخَرَحَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ، حَتَّى إِذَا بَرَزُوا فِي بِرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ قَالَ بَعْضُ الْيَهُودِ لِبَعْضٍ: كَيْفَ تَخْلُصُونَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ كُلُّهُمْ يُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهُ؟ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ كَيْفَ نَفْهَمُ وَنَحْنُ سِتُّونَ رَجُلًا؟ اخْرُجْ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ وَنُخْرِجُ إِلَيْكَ ثَلَاثَةً مِنْ عُلَمَائِنَا إِنْ آمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ كلنا وصدقناك. فخرح النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَخَرَجَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَاشْتَمَلُوا عَلَى الْخَنَاجِرِ وَأَرَادُوا الْفَتْكَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَتِ امْرَأَةٌ نَاصِحَةٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى أَخِيهَا وَهُوَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَ مَا أَرَادَ بَنُو النضير من الْغَدْرَ برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأقبل أخوها سريعًا حتى أدرك النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فساره بخبرهم، فرجع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَمَّا كَانَ من الغد عدا عَلَيْهِمْ بالكتائب فحاصرهم فقاتلهم حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ إِلَّا الْحَلْقَةَ وَهِيَ السِّلَاحُ، وَكَانُوا يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ فَيَأْخُذُونَ مَا وَافَقَهُمْ مِنْ خَشَبِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} حَتَّى بَلَغَ {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الْآيَةَ {5} .
وَذَلِكَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَ بِبَنِي النَّضِيرِ وَتَحَصَّنُوا فِي حُصُونِهِمْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ وَإِحْرَاقِهَا، فَجَزِعَ أَعْدَاءُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالُوا: زَعَمْتَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّكَ تُرِيدُ الصَّلَاحَ، أَفَمِنَ الصَّلَاحِ عَقْرُ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ وَقَطْعُ النَّخِيلِ؟ وَهَلْ وَجَدْتَ فِيمَا زَعَمْتَ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْكَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ وَخَشُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَسَادًا، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَقْطَعُوا فَإِنَّهُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْطَعُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
(1/417)

{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الْآيَةَ. تَصْدِيقًا لِمَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ وَتَحْلِيلًا لِمَنْ قَطَعَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ قَطْعَهُ وَتَرْكَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن إسحاق الثققي، أخبرنا قتيبة، أخبرنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَقَ نَخْلَ النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ.
(2) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو يحيى الرازي، أخبرنا سَهْلُ بن عثمان، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَقَ وَهِيَ البويرة ولها بقول حَسَّانُ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
وَفِيهَا نَزَلَتِ الْآيَةُ: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا عبد الله، أخبرنا سَلْمُ بن عصام أخبرنا رستة، أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن مهدي، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ ميمون التمار، أخبرنا جُرْمُوزٌ عَنْ حَاتِمٍ النَّجَّارِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَنَا أَقُومُ فَأُصَلِّي، قَالَ: "قَدَّرَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ أَنْ تُصَلِّيَ"، قَالَ: أَنَا أَقْعُدُ،
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/629 - ح: 4884) ومسلم (3 /1265 - ح: 1746) وأبو داود (3 /8 7 - ح: 2615) والترمذي (5 / 408 - ح: 3302) وابن ماجه (2/948 - ح: 2844) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/301 - ح: 461) من طريق الليث بن سعد عن نافع به, ويشهد له: الرواية الآتية.
(2) - أخرجه مسلم (3 /1365 - ح: 1746 "30") وابن جرير (28/23) من طريق موسى بن عقبة عن نافع به.
(1/418)

قَالَ: "قَدَّرَ اللَّهُ لَكَ أَنْ تَقْعُدَ"، قَالَ: أَنَا أَقُومُ إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ فأقطعها، قال: "قدرالله لَكَ أَنْ تَقْطَعَهَا"، قَالَ: فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لُقِّنْتَ حُجَّتَكَ كَمَا لُقِّنَهَا إِبْرَاهِيمُ على قومه، وأنزل اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} يَعْنِي الْيَهُودَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} الْآيَةَ {9} .
رَوَى جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ: أَنَّ الْأَنْصَارَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَرْضَ نِصْفَيْنِ، قَالَ: "لَا، ولكنهم يكفونكم المؤونة وَتُقَاسِمُونَهُمُ الثَّمَرَةَ وَالْأَرْضُ أَرْضُكُمْ"، قَالُوا: رَضِينَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ}
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} {9} .
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي الجهم السبيعي، أخبرنا نَصْرُ بْنُ علي الجهضمي، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنَ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَذَهَبَ بِهِ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: لَا إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَنَوِّمِيهِمْ فَإِذَا نَامُوا فَأْتِينِي بِهِ، فإذا وضعت فأطفئ السِّرَاجَ، قَالَ: فَفَعَلَتْ وَجَعَلَ الْأَنْصَارِيُّ يُقَدِّمُ إِلَى ضَيْفِهِ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ غَدَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "لَقَدْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا أَهْلُ السَّمَاءِ" وَنَزَلَتْ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ. وَرَوَاهُ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/631 - ح: 4889) ومسلم (4 /1624 - ح: 2054) والترمذي (5 / 409 - ح: 3304) وابن جرير (28/29) من طريق فضيل به.
(1/419)

مُسْلِمٌ عَنْ
أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ وَكِيعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله السليطي أخبرنا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عِيسَى بْنِ محمد المروزي، أخبرنا الْمُسْتَجِيرُ بن الصلت، أخبرنا الْقَاسِمُ بْنُ الحكم العُرني، أخبرنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَارِبِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أُهْدِيَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسُ شَاةٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي فُلَانًا وَعِيَالَهُ أَحْوَجُ إِلَى هَذَا مِنَّا، فَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يبعث به واحدًا إِلَى آخر حتى تداوله سَبْعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ حَتَّى رَجَعَتْ إِلَى الْأَوَّلِ، فَنَزَلَتْ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2 / 484) وابن مردويه والبيهقي في "الشعب" (فتح القدير: 5/202) من طريق عبيد الله بن الوليد به, وضعفه الذهبي في "التلخيص" (حاشية المستدرك: 2 / 484) بسبب عبيد الله بن الوليد الوصافي (تقريب التهذيب: 1/540 - رقم: 1519) , وهو كما قال.
(1/420)

سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الْآيَةَ {1} .
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَذَلِكَ أَنَّ سَارَةَ مَوْلَاةَ أَبِي عَمْرِو بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهَا: "أَمُسْلِمَةً جِئْتِ؟ " قَالَتْ: لَا، قَالَ: "فَمَا جَاءَ بِكِ؟ " قَالَتْ: أَنْتُمْ كُنْتُمُ الْأَهْلَ وَالْعَشِيرَةَ وَالْمَوَالِيَ، وَقَدِ احْتَجْتُ حَاجَةً شَدِيدَةً فَقَدِمْتُ عَلَيْكُمْ لِتُعْطُونِي وَتَكْسُوَنِي، قَالَ لَهَا: "فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ شَبَابِ أَهْلِ مَكَّةَ"، وَكَانَتْ مُغَنِّيَةً، قَالَتْ: مَا طُلِبَ مِنِّي شَيْءٌ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَحَثَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَكَسَوْهَا وَحَمَلُوهَا وَأَعْطَوْهَا، فَأَتَاهَا حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ وَكَتَبَ مَعَهَا إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَأَعْطَاهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ تُوَصِّلَ الْكِتَابَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَتَبَ فِي الْكِتَابِ: مِنْ حَاطِبٍ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُكُمْ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَخَرَجَتْ سَارَةُ وَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا فَعَلَ حَاطِبٌ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا وَعَمَّارًا وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَأَبَا مَرْثَدٍ وَكَانُوا كُلُّهُمْ فُرْسَانًا، وَقَالَ لَهُمُ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ فِيهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَخُذُوهُ مِنْهَا وَخَلُّوا سَبِيلَهَا، فَإِنْ لَمْ تَدْفَعْهُ إِلَيْكُمْ فَاضْرِبُوا عُنُقَهَا"، فَخَرَجُوا حَتَّى أَدْرَكُوهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَقَالُوا لَهَا: أَيْنَ الْكِتَابُ؟ فَحَلَفَتْ بِاللَّهِ مَا مَعَهَا مِنْ كِتَابٍ، فَفَتَّشُوا مَتَاعَهَا فلم يجدوا معا كِتَابًا، فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ مَا كَذَبَنَا وَلَا كَذَّبْنَا، وَسَلَّ سَيْفَهُ، وَقَالَ: أَخْرِجِي الْكِتَابَ وَإِلَّا وَاللَّهِ لَأُجَرِّدَنَّكِ وَلَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ أَخْرَجَتْهُ مِنْ ذُؤَابَتِهَا وَكَانَتْ قَدْ خَبَّأَتْهُ فِي
(1/421)

شَعْرِهَا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهَا وَرَجَعُوا بِالْكِتَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى حَاطِبٍ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: "هَلْ تَعْرِفُ الْكِتَابَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَمَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَفَرْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا غَشَشْتُكَ مُنْذُ نَصَحْتُكَ، وَلَا أَحْبَبْتُهُمْ مُنْذُ فَارَقْتُهُمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا وَلَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، وَكُنْتُ غَرِيبًا فِيهِمْ وَكَانَ أَهْلِي بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَشِيتُ عَلَى أَهْلِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ بِهِمْ بَأْسَهُ وَأَنَّ كِتَابِي لَا يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا. فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَذَرَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُمْ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ".
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن الحسن بْنُ عَمْرٍو، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الربيع، أخبرنا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا وَالزُّبَيْرُ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ: "انطلقوا حتى تأتؤا روضة خاخ فإت فِيهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ" فَخَرَجْنَا تُعَادِي بِنَا خَيْلُنَا فَإِذَا نَحْنُ بِظَعِينَةٍ فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ. فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَقُلْنَا لَهَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/633؛ - ح: 4890) ومسلم (4 /1941 - ح: 2494) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 14 /110 - ح: 311) وأهل السنن إلا ابن ماجه (تفسير ابن كثير: 4/345) وابن جرير (28/38) وابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير: 4/345) والبيهقي في "الدلائل" (5 /17) كلهم عن سفيان به.
(1/422)

الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟ " فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً
مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ نَفْسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَاتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِمَكَّةَ قَرَابَةٌ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا، وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُهُ شَاكًّا فِي دِينِي وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "إِنَّهُ قَدْ صَدَقَ"، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، وَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَجَمَاعَةٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سفيان.
[423] قوله عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ [6] . .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ اقْتِدَاءٌ بِهِمْ فِي مُعَادَاةِ ذَوِي قَرَابَاتِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَادَى الْمُؤْمِنُونَ أَقْرِبَاءَهُمُ الْمُشْرِكِينَ فِي اللَّهِ وَأَظْهَرُوا لَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَرَاءَةَ، وَعَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى شِدَّةَ وَجْدِ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَنْ أَسْلَمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَصَارُوا لَهُمْ أَوْلِيَاءَ وَإِخْوَانًا، وَخَالَطُوهُمْ وَنَاكَحُوهُمْ، وَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَلَانَ لَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَبَلَغَهُ ذَلِكَ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَقَالَ: ذَاكَ الْفَحْلُ لَا يُقْرَعُ أَنْفُهُ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2 / 485) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/301 - ح: 463) وابن جرير (28/43) والبزاز وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في "ناسخه" وابن مردويه (فتح القدير: 5/214) والطيالسي (منحة المعبود 2/24 - ح: 1982) وابن عدي (الكامل: 6/2359) من طريق مصعب به, وإسناده ضعيف, بسبب مصعب (تقريب التهذيب: 2/251 - رقم: 1150) وأصل القصة ثابت في الصحيحين وغيرهما دون ذكر الآية (فتح الباري: 5/333 - ح: 2620) (صحيح مسلم: 2/696 - ح: 1003) (الفتح الرباني: 19 / 4 0 - ح: 22) عن أسماء رضي الله عنها.
(1/423)

مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ
الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أبو يعلى، أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بن الحجاج، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِهَدَايَا: ضِبَابٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَلَمْ تَقْبَلْ هَدَايَاهَا وَلَمْ تُدْخِلْهَا مَنْزِلَهَا، فَسَأَلَتْ لَهَا عَائِشَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} الْآيَةَ. فَأَدْخَلَتْهَا مَنْزِلَهَا وَقَبِلَتْ مِنْهَا هَدَايَاهَا. رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْغَزَّالِ، عَنِ ابْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} الْآيَةَ {10} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَى أَهْلَ مَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ الْكِتَابِ وَخَتَمُوهُ، فَجَاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْكِتَابِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةَ، فَأَقْبَلَ زَوْجُهَا وَكَانَ كَافِرًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ رُدَّ عَلَيَّ امْرَأَتِي، فَإِنَّكَ قَدْ شَرَطْتَ لَنَا أَنْ تَرُدَّ عَلَيْنَا مَنْ أَتَاكَ مِنَّا وَهَذِهِ طِينَةُ الْكِتَابِ لَمْ تَجِفَّ بَعْدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن
_________
(1) - إسناده صحيح, ويشهد له:
* ما أخرجه الطبراني (تفسير ابن كثير: 4/350) وابن مردويه (فتح الباري: 7/454) عن عبد الله بن أبي أحمد بمعناه وسمى المرأة: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط, مرسل, وصححه السيوطي (لباب النقول: 211) .
(1/424)

الفضل، أخبرنا أحمد بْنُ محمد بن الحسن الحافظ، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا الحسن بْنُ الرَّبِيعِ بن الخشاب، أخبرنا ابن إِدْرِيسَ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَكْتُبُ كِتَابًا إِلَى ابْنِ هُنَيْدَةَ صَاحِبِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، فَلَمَّا هَاجَرْنَ النِّسَاءُ أَبَى اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُرْدَدْنَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ إِذَا هُنَّ امْتُحِنَّ، فَعَرَفُوا أَنَّهُنَّ إِنَّمَا جِئْنَ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ بِرَدِّ صَدَقَاتِهِنَّ إِلَيْهِمْ إِذَا احْتُبِسْنَ عَنْهُمْ إِنْ هُمْ رَدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةَ مَنْ حُبِسْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، قَالَ: وَذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النِّسَاءَ وَرَدَّ الرِّجَالَ.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} الْآيَةَ {13} .
نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يُخْبِرُونَ الْيَهُودَ بِأَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ وَيُوَاصِلُونَهُمْ فَيُصِيبُونَ بِذَلِكَ مِنْ ثِمَارِهِمْ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ.
(1/425)

سُورَةُ الصَّفِّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} {1} .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن يحيى، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الصَّنْعَانِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: قَعَدْنَا نفر من صحاب النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُلْنَا: لَوْ نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تبارك وتعالى علمناه، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} {2} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا وَأَنْفُسَنَا، فَدَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
_________
(1) 1 - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/304) والترمذي (5 / 412 - ح: 3309) والحاكم (المستدرك: 2/7229 487) وابن حبان والبيهقي (فتح القدير: 5/218) وابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير: 4/356) والطبراني وأبو يعلى (الفتح الرباني: 18/304) والدارمي (الصحيح المسند: 158) من طريق يحيى بن أبي كثير به, وإسناده صحيح, ولئن كان يحيى مدلِّسا (تقريب التهذيب: 2/356 - رقم: 158) فقد صرّح بالتحديث في رواية ابن أبي حاتم, وبذا تصح الرواية, ويشهد لها:
1 - ما أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/303 - ح: 466) من طريق آخر عن عبد الله بن سلام نحوه, وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري: 8/641) وغيره (الفتح الرباني: 18/304) .
ما أخرجه ابن جرير (28/55) وغيره (فتح القدير: 5/221) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه, إلا أنه ذكر نزول قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون", وإسناده صحيح.
(2) - انظر رواية ابن جرير السابقة.
(1/426)

الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ
فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} الْآيَةَ. فَابْتُلُوا يَوْمَ أُحُدٍ بِذَلِكَ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} .
(1/427)

سُورَةُ الْجُمُعَةَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم
(1) - قوله - عز وجل - {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} {11} .
أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بن عطية، أخبرنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ قَدْ قَدِمَتْ مِنَ الشَّامِ، فَخَرَجُوا إِلَيْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُصَيْنٍ.
(2) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الطَّلْحِيُّ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عمران الشاشي، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن يونس أخبرنا عَبْثَرُ بن القاسم، أخبرنا حُصَيْنٌ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُمُعَةِ، فَمَرَّتْ عِيرٌ تَحْمِلُ الطَّعَامَ فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/643 - ح: 4899) وابن جرير (28/68) والدارقطني (2 / 4 - ح: 5) من طريق حصين به, ويشهد له: الرواية الآتية.
(2) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/643 - ح: 4899) ومسلم (2/590 - ح: 863) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/305 - ح: 468) والترمذي (5/414 - ح: 3311) وابن جرير (28/68) من طريق حصين به.
(1/428)

آيَةُ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَرِيرٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَائِدَةَ كِلَاهُمَا عَنْ حُصَيْنٍ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ جُوعٌ وَغَلَاءُ سِعْرٍ، فَقَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ فِي تِجَارَةٍ مِنَ الشَّامِ، وَضُرِبَ لَهَا طَبْلٌ يُؤْذِنُ النَّاسَ بِقُدُومِهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ
النَّاسُ وَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْكُمْ لَسَالَ بِكُمُ الْوَادِي نَارًا".
(1/429)

سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} {7} .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عبدان قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ محمد الحافظ، أخبرنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد المحبوبي، أخبرنا سَعِيدُ بن مسعود، أخبرنا عُبَيْدُ اللَّهِ بن موسى، أخبرنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَزْدِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مَعَنَا نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَكُنَّا نَبْتَدِرُ الْمَاءَ، وَكَانَ الْأَعْرَابُ يَسْبِقُونَا، فَيَسْبِقُ الْأَعْرَابِيُّ أَصْحَابَهُ فَيَمْلَأُ الْحَوْضَ وَيَجْعَلُ حَوْلَهُ الْحِجَارَةَ وَيَجْعَلُ النِّطْعَ عَلَيْهِ
_________
(1) - أخرجه الترمذي (5/ 415 - ح: 3313) والحاكم (المستدرك: 2/488) والطبراني (المعجم الكبير: 5/210 - ح: 5041) وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي (فتح القدير: 5/232) كلهم من طريق إسرائيل به وإسناده حسن, وألفاظهم فيه متقاربة, ويشهد له:
1 - ما أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/647 - ح: 4903) ومسلم (4/2140 - ح: 2772) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/306) والنسائي (تفسير ابن كثير: 4/371) والطبراني (المعجم الكبير: 5/213 - ح: 5050) من طريق زهير عن أبي إسحاق عن زيد نحوه.
2 - ما أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/644 - ح: 4900) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/306 - ح: 469) والترمذي (5 / 415 - ح: 3312) والطبراني (المعجم الكبير: 5/214 - ح: 5051) وابن جرير (28/70) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد نحوه.
3 - ما أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/646 - ح: 4902) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/307 - ح: 470) والترمذي (5 /17 - ح: 3314) والنسائي (تفسير ابن كثير: 4/370) والحاكم (المستدرك: 289) وابن جرير (28/71) من طريق محمد بن كعب القرظي عن زيد نحوه.
(1/430)

حَتَّى يَجِيءَ أَصْحَابُهُ، فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ لِتَشْرَبَ، فَأَبَى أَنْ يَدَعَهُ الْأَعْرَابِيُّ فَانْتَزَعَ حَجَرًا فَفَاضَ الْمَاءُ، فَرَفَعَ الْأَعْرَابِيُّ خَشَبَةً فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْأَنْصَارِيِّ فَشَجَّهُ، فَأَتَى الْأَنْصَارِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ، فَأَخْبَرَهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ثُمَّ قَالَ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، يَعْنِي الْأَعْرَابَ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيُخْرِجِ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَأَنَا رِدْفُ عَمِّي: فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، فَأَخْبَرْتُ عَمِّي، فَانْطَلَقَ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَلَفَ وَجَحَدَ
وَاعْتَذَرَ، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَّبَنِي، فَجَاءَ إِلَيَّ عَمِّي فَقَالَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنْ مَقَتَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَّبَكَ الْمُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الْغَمِّ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى أَحَدٍ قَطُّ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ أَتَانِي فَعَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} حَتَّى بَلَغَ {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} حَتَّى بَلَغَ {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ}
قال أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَأَصْحَابُ السِّيَرِ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَنَزَلَ عَلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِمْ يُقَالُ لَهُ: الْمُرَيْسِيعُ، فَوَرَدَتْ وَارِدَةُ النَّاسِ وَمَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَجِيرٌ لَهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ يُقَالُ لَهُ: جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ يَقُودُ فَرَسَهُ، فَازْدَحَمَ جَهْجَاهٌ وَسِنَانٌ الْجُهَنِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَوْفٍ مِنَ الْخَزْرَجِ عَلَى الْمَاءِ، فَاقْتَتَلَا، فَصَرَخَ الْجُهَنِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَصَرَخَ الْغِفَارِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، فَأَعَانَ جَهْجَاهًا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يُقَالُ لَهُ "جُعَالٌ"؛ وَكَانَ فَقِيرًا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: وَإِنَّكَ لَهُنَاكَ! فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ؟! وَاشْتَدَّ لِسَانُ جُعَالٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَأَذَرَنَّكَ، وَيَهُمُّكَ غَيْرُ هَذَا شَيْءٌ؟. وَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، إِنَّا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ
(1/431)

الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. يَعْنِي بِالْأَعَزِّ نَفْسَهُ، وَبِالْأَذَلِّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ؛ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْ جُعَالٍ وَذَوِيهِ فَضْلَ الطَّعَامِ، لَمْ يَرْكَبُوا رِقَابَكُمْ، وَلَأَوْشَكُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ بِلَادِكُمْ؛ فَلَا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - وَكَانَ حَاضِرًا وَيَسْمَعُ ذَلِكَ -، فَقَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ الذَّلِيلُ الْقَلِيلُ
الْمُبَغَّضُ فِي قَوْمِكَ، وَمُحَمَّدٌ فِي عِزٍّ مِنَ الرَّحْمَنِ، وَمَوَدَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَاللَّهِ لَا أُحِبُّكَ بَعْدَ كَلَامِكَ هَذَا.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: اسْكُتْ، فَإِنَّمَا كُنْتُ أَلْعَبُ. فَمَشَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "إِذَنْ تَرْعَدُ لَهُ أُنُفٌ كَبِيرَةٌ بِيَثْرِبَ". فَقَالَ عُمَرُ: فَإِنْ كَرِهْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَقْتُلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَمُرْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَوْ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، أَوْ عُبَادَةَ بْنَ بِشْرٍ - فَلْيَقْتُلُوهُ. فَقَالَ: "إِذَنْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ".
وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: "أَنْتَ صَاحِبُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي بَلَغَنِي؟ " فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مَا قُلْتُ شَيْئًا مِنْ هَذَا قَطُّ، وَإِنَّ زَيْدًا لَكَاذِبٌ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ فِي قَوْمِهِ شَرِيفًا عَظِيمًا؛ فَقَالَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا، لَا تُصَدِّقْ عَلَيْهِ كَلَامَ غُلَامٍ مِنْ غِلْمَانِ الْأَنْصَارِ عَسَى أَنْ يَكُونَ وَهِمَ فِي حَدِيثِهِ فَلَمْ يَحْفَظْ. فَعَذَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفَشَتِ الْمَلَامَةُ فِي الْأَنْصَارِ لِزَيْدٍ وَكَذَّبُوهُ، وَقَالَ لَهُ عَمُّهُ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمسلمون ومَقَتُوك. فاستحيَى زَيْدٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدْنُوَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فقال له: أوَ مَا
(1/432)

بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ؟ قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ إِنْ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. قَالَ أُسَيْدٌ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - وَاللَّهِ تُخْرِجَنَّهُ إِنْ شِئْتَ، هُوَ وَاللَّهِ الذَّلِيلُ، وَأَنْتَ الْعَزِيزُ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ارْفُقْ بِهِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِكَ وَإِنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظِمُونَ لَهُ الْخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ؛
وَإِنَّهُ لَيَرَى أَنَّكَ سَلَبْتَهُ مُلْكًا.
وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لِمَا بَلَغَكَ عَنْهُ؛ فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ رَأْسَهُ! فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الْخَزْرَجُ مَا بِهَا رَجُلٌ أَبَرَّ بِوَالِدَيْهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إِلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَمْشِي فِي النَّاسِ، فَأَقْتُلَهُ، فَأَقْتُلَ مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ، فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "بَلْ نُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا".
وَلَمَّا وَافَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: جَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ لِمَا بِي مِنَ الْهَمِّ وَالْحَيَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ فِي تَصْدِيقِي وَتَكْذِيبِ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُذُنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: "يَا زَيْدُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَدَّقَكَ وَأَوْفَى بِأُذُنِكَ "، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى أَنَاخَ عَلَى مَجَامِعِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا أَنْ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ قَالَ ابْنُهُ: وراءك، قال: مالك؟ وَيْلَكَ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُهَا أَبَدًا إِلَّا بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلْتَعْلَمِ الْيَوْمَ مَنِ الْأَعَزُّ مِنَ الْأَذَلِّ، فَشَكَا عَبْدُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا صَنَعَ ابْنُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ "أَنْ خَلِّ عَنْهُ حَتَّى يَدْخُلَ" فَقَالَ: أَمَا إِذْ جَاءَ أَمْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَنَعَمْ، فَدَخَلَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وَبَانَ كَذِبُهُ قِيلَ لَهُ: يَا أَبَا حُبَابٍ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَتْ فِيكَ آيٌ شِدَادٌ فَاذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَلَوَى رَأْسَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ} الْآيَةَ.
(1/433)

سُورَةُ التَّغَابُنِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم
قوله - عز وجل - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} الْآيَةَ {14} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ مَنْعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ وَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَذْهَبَ فَتَدَعَ أَهْلَكَ وَعَشِيرَتَكَ وَتَصِيرَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرِقُّ لَهُمْ وَيُقِيمُ وَلَا يُهَاجِرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحمد الشيباني، أخبرنا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى بن حازم، أخبرنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بن بجير، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عمر المقدمي، أخبرنا أَشْعَثُ بْنُ عبد الله، أخبرنا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ فَيَلُومُهُ أَهْلُهُ وَبَنُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} قَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وهؤلاء الَّذِينَ مَنَعَهُمْ أَهْلُهُمْ عَنِ الْهِجْرَةِ لَمَّا هَاجَرُوا وَرَأَوُا النَّاسَ قَدْ فَقِهُوا فِي الدِّينِ هَمُّوا أَنْ يُعَاقِبُوا أَهْلِيهِمُ الَّذِينَ مَنَعُوهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (28/ 81) مرسلاً عن إسماعيل به, وإسناده صحيح, ويشهد له:
* ما أخرجه الترمذي (5/419 - ح: 3317) وابن جرير (28 /80) والحاكم (المستدرك: 2 / 490) والطبراني (المعجم الكبير: 11/ 275 - ح: 11720) والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 5/239) من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس بمعناه, وهي الرواية الآتية, وإسناده ضعيف بسبب اضطراب رواية سماك عن عكرمة (تقريب التهذيب: 1/332 - رقم: 519) .
(1/434)

سُورَةُ الطَّلَاقِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ - عز وجل - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} الْآيَةَ {1} .
رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَفْصَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَقِيلَ لَهُ: رَاجِعْهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَهِيَ مِنْ إِحْدَى أَزْوَاجِكَ وَنِسَائِكَ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَاجِعَهَا وَيُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضُ حَيْضَةً أُخْرَى، فَإِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إِنْ شَاءَ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا.
أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ الشَّالَنْجِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد الحيري، أخبرنا مُحَمَّدُ بن زنجويه، أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن يحيى، أخبرنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} {2 - 3} .
نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسَرُوا ابْنًا لَهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، وَقَالَ: إِنَّ العدو أسر بني
(1/435)

وَجَزِعَتِ الْأُمُّ فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "اتَّقِ اللَّهَ وَاصْبِرْ، وَآمُرُكَ وَإِيَّاهَا أَنْ تَسْتَكْثِرَا مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"،
فَعَادَ إِلَى بَيْتِهِ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنِي وَإِيَّاكِ أَنْ نَسْتَكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَتْ: نِعْمَ مَا أَمَرَنَا بِهِ، فَجَعَلَا يَقُولَانِ، فَغَفَلَ الْعَدُوُّ عَنِ ابْنِهِ، فَسَاقَ غَنَمَهُمْ وَجَاءَ بِهَا إِلَى أَبِيهِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ آلَافِ شَاةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
(1) - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ السكوني، أخبرنا عُبَيْدُ بْنُ كَثِيرٍ العامري، أخبرنا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بن آدم أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عَمَّارُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} فِي رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ كَانَ فَقِيرًا خَفِيفَ ذَاتِ الْيَدِ كَثِيرَ الْعِيَالِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "اتَّقِ اللَّهَ وَاصْبِرْ"، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: مَا أَعْطَاكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: مَا أَعْطَانِي شَيْئًا، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَاصْبِرْ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ ابْنٌ لَهُ بِغَنَمٍ وَكَانَ الْعَدُوُّ أَصَابُوهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنْهَا وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "إِيَّاكَهَا".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} {4} .
قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} الْآيَةَ. قَالَ خَلَّادُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا عِدَّةُ الَّتِي لَا تَحِيضُ، وَعِدَّةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ، وَعِدَّةُ الْحُبْلَى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2 / 492) من طريق عبيد بن كثير به قال فيه الذهبي: "حديث منكر" (حاشية المستدرك: 2 / 492) قلت: وذلك بسبب عبيد بن كثير فهو متروك (ميزان الاعتدال: 3/22 - رقم: 5438) , وله شواهد أخرى ضعيفة (لباب النقول: 216) .
(1/436)

(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بن عبدان قال: أخبرنا أبو الأزهر، أخبرنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَمْرِو بْنِ سَالِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عِدَّةُ النِّسَاءِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْمُطَلَّقَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ نِسَاءً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَقُلْنَ قَدْ بَقِيَ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا شَيْءٌ، قَالَ: "مَا هُوَ؟ " قَالَ: الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَذَوَاتُ الْحَمْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ} إِلَى آخِرِهَا.
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2 / 492) وابن جرير (28/91) وابن جرير (28/91) وابن راهويه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي (فتح القدير: 5/244) من طريق مطرف عن أبي عثمان به, وإسناده صحيح.
(1/437)

سُورَةُ التَّحْرِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم
(1) - قوله - عز وجل - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} الْآيَةَ {1} .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ منصور الطوسي، أخبرنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بن مهدي أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ إسماعيل المحاملي، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ قال: حدثني إِسْحَاقُ بن محمد، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ وَلَدِهِ مَارِيَةَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَوَجَدَتْهُ حَفْصَةُ مَعَهَا، فَقَالَتْ: لِمَ تُدْخِلُهَا بَيْتِي؟ مَا صَنَعْتَ بِي هَذَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِكَ إِلَّا مِنْ هَوَانِي عَلَيْكَ.
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (28/102) والطبراني (المعجم الكبير: 12/117 - ح: 12640) والبزار, وضعّفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 5 /178) وابن كثير (تفسير ابن كثير: 4/390) , لكن صحت القصة من طرق أخرى:
1 - فأخرج الحاكم (المستدرك: 2 / 4 93) والنسائي وابن مردويه (فتح القدير: 5/251) عن أنس رضي الله عنه مختصرًا بمعناه, دون تسمية الأمة, وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري: 9/376) ومحقق جامع الأصول (حاشية جامع الأصول: 2 / 410) .
2 - وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في سريته, وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7 /126) والسيوطي (لباب النقول: 217) .
3 - وأخرج الضياء المقدسي في "المختارة" عن عمر نحوه, وصححه الحافظ ابن كثير (تفسير ابن كثير: 4/386) .
4 - وأخرجه سعيد بن منصور (فتح الباري: 8/657) وابن جرير (28 /100) عن مسروق مرسلاً نحوه, وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري: 9/376) .
وأخرج ابن جرير (28 /100) عن زيد بن أسلم مرسلاً نحوه, وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري: 9/376) .
(1/438)

فَقَالَ لَهَا: "لَا تَذْكُرِي هَذَا لِعَائِشَةَ، هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ قَرِبْتُهَا"، قَالَتْ حَفْصَةُ: وَكَيْفَ تَحْرُمُ عَلَيْكَ وَهِيَ جَارِيَتُكَ؟ فَحَلَفَ لَهَا: لَا يَقْرَبُهَا وَقَالَ لَهَا: "لَا تُذْكُرِيهِ لِأَحَدٍ"، فَذَكَرَتْهُ لِعَائِشَةَ، فَآلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا وَاعْتَزَلَهُنَّ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} الْآيَةَ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ الحسن الفريابي، أخبرنا مِنْجَابُ بن الحارث، أخبرنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ، فَعَرَفْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ، فَسَقَتْ مِنْهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرْبَةً قُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ؟ وَسَأَقُولُ ذَلِكَ، وَقَوْلِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ ذَلِكَ، قَالَتْ تَقُولُ سَوْدَةُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَكِدْتُ أَنْ أُبَادِئَهُ بِمَا أَمَرَتْنِي بِهِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: "لَا"، قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ، قَالَ: "سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ"، قَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ؟ قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: "لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ"، تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ، قُلْتُ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 9/374 - ح: 5268) ومسلم (2 /1101 - ح: 1474 "21") وأبو داود (4 /106 - ح: 3715) والنسائي (جامع الأصول: 2/397) من طريق هشام بن عروة به, ولم يذكروا كلهم نزول الآية, لكن ورد ذكر نزول الآية عند البخاري وأبي داود في بعض ألفاظ الحديث.
(1/439)

لَهَا: اسْكُتِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ أَبِي الْمَغْرَاءِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أحمد، أخبرنا الحسن بْنُ مُحَمَّدِ بن مصعب، أخبرنا يَحْيَى بن حكيم، أخبرنا أبو داود، أخبرنا عَامِرٌ الْخَزَّازُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ كانت لها خؤولة بِالْيَمَنِ، وَكَانَ يُهْدَى إِلَيْهَا الْعَسَلُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْتِيهَا فِي غَيْرِ يَوْمِهَا يُصِيبُ مِنْ ذَلِكَ الْعَسَلِ، وَكَانَتْ حفصة وعائشة متواخيتين عَلَى سَائِرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى: أَمَا تَرَيْنَ إِلَى هَذَا؟ قَدِ اعْتَادَ هَذِهِ يَأْتِيهَا فِي غَيْرِ يَوْمِهَا يُصِيبُ مِنْ ذَلِكَ الْعَسَلِ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَخُذِي بِأَنْفِكِ، فإذا قال: مالك؟ قولي: أحد مِنْكَ رِيحًا لَا أَدْرِي مَا هِيَ، فَإِنَّهُ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَتْ بأنفها فقال: "مالك؟ " قالت: ريحًا أحد مِنْكَ وَمَا أَرَاهُ إِلَّا مَغَافِيرَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ إِذَا وجدها، ثم إذ دَخَلَ عَلَى الْأُخْرَى قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَقَدْ قَالَتْ لِي هَذَا فُلَانَةُ، وَمَا هَذَا إِلَّا مِنْ شَيْءٍ أَصَبْتُهُ فِي بَيْتِ سَوْدَةَ، وَوَاللَّهِ لَا أَذُوقُهُ أَبَدًا". قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ في هذا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ}
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} الْآيَةَ {4} .
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن الدارقطني، أخبرنا الْحُسَيْنُ بن إسماعيل، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شبيب قال: حدثني أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ
_________
(1) - أخرجه الطبراني (المعجم الكبير: 11/117 - ح: 11226) وابن المنذر وابن أبي حاتم (فتح القدير: 5/251) وابن مردويه (فتح الباري: 9/376) من طريق أبي عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما به, وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7 /127) والسيوطي (لباب النقول: 217) , ولا أراه يصح, بل هو حسن, من أجل حال أبي عامر الخزاز (تهذيب التهذيب: 4/391 - رقم: 658) .
(1/440)

أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَجَدَتْ حَفْصَةُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ فِي يَوْمِ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: لَأُخْبِرَنَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ قَرِبْتُهَا" فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ذَلِكَ، فَعَرَّفَ حَفْصَةَ بَعْضَ مَا قَالَتْ: فَقَالَتْ لَهُ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ: {نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} فَآلَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} الْآيَةَ.
(1/441)

سُورَةُ الْمُلْكِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم
قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} الْآيَةَ {13} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَنَالُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَبَّرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا قَالُوا فِيهِ وَنَالُوا مِنْهُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ لِئَلَّا يَسْمَعَ إِلَهُ مُحَمَّدٍ.
(1/442)

سُورَةُ الْقَلَمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} {4} .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بن حيان، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نصر الجمال، أخبرنا جَرِيرُ بن يحيى، أخبرنا حُسَيْنُ بْنُ علوان الكوفي، أخبرنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ أَحَدٌ أَحْسَنَ خُلُقًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا دَعَاهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا قَالَ: "لَبَّيْكَ" وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
قوله - عز وجل - {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الْآيَةَ {51} .
نَزَلَتْ حِينَ أَرَادَ الْكُفَّارُ أَنْ يَعِينُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُصِيبُوهُ بِالْعَيْنِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ وَلَا مِثْلَ حُجَجِهِ، وَكَانَتِ الْعَيْنُ فِي بَنِي أَسَدٍ حَتَّى إِنْ كَانَتِ النَّاقَةُ السَّمِينَةُ وَالْبَقَرَةُ السَّمِينَةُ، تَمُرُّ بِأَحَدِهِمْ فَيُعَايِنُهَا ثُمَّ يَقُولُ: يَا جَارِيَةُ خُذِي الْمِكْتَلَ وَالدِّرْهَمَ فَأْتِينَا بِلَحْمٍ مِنْ لَحْمِ هَذِهِ، فَمَا تَبْرَحُ حَتَّى تَقَعَ بِالْمَوْتِ فَتُنْحَرَ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ يمكث لا يأكل يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ يَرْفَعُ جَانِبَ خِبَائِهِ فَتَمُرُّ بِهِ النَّعَمُ فَيَقُولُ: مَا رُعِيَ الْيَوْمَ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ. فَمَا تَذْهَبُ إِلَّا قَرِيبًا حَتَّى يَسْقُطَ مِنْهَا طَائِفَةٌ وَعِدَّةٌ، فَسَأَلَ الْكُفَّارُ هَذَا الرَّجُلَ أَنْ يُصِيبَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَيْنِ وَيَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ.
(1/443)

سُورَةُ الْحَاقَّةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم
(1) - قوله - عز وجل - {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} {12} .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بن جعفر، أخبرنا الْوَلِيدُ بن أبان، أخبرنا العباس الدوري، أخبرنا بِشْرُ بن آدم، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ صَالِحَ بْنَ هَيْثَمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعَلِّمَكَ وَتَعِيَ وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَعِيَ"، فَنَزَلَتْ: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (29/36) وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر وابن النجار (فتح القدير: 5/282) من طريق بشر بن آدم به, قال الحافظ ابن كثير: لا يصح (تفسير ابن كثير: 4 / 413) .
(1/444)

سُورَةُ الْمَعَارِجِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} الْآيَاتِ {1} .
نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ حِينَ قَالَ: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} (2) الْآيَةَ، فَدَعَا عَلَى نَفْسِهِ وَسَأَلَ الْعَذَابَ، فَنَزَلَ بِهِ مَا سَأَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا، وَنَزَلَ فِيهِ: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلَّا} {38 - 39} .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَمِعُونَ كَلَامَهُ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، بَلْ يُكَذِّبُونَ بِهِ وَيَسْتَهْزِءُونَ وَيَقُولُونَ: لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ لَنَدْخُلَنَّهَا قَبْلَهُمْ، وَلَيَكُونَنَّ لَنَا فِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرج النسائي (تفسير ابن كثير: 4 / 418) وابن أبي حاتم وعبد بن حميد والفريابي (الدر المنثور: 8/277) من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة, وإسناده صحيح, وأخرجه الحاكم (المستدرك: 2/502) عن سعيد بن جبير مرسلا.
(2) سورة الأنفال: الآية 32.
(1/445)

سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} {1 - 4} .
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: أخبرني أبي، أخبرنا الأوزاعي، أخبرنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي"، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عز وجل - {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ.
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} {11 - 24} .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحِذَامِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الله بن نعيم، أخبرنا محمد بْنُ عَلِيٍّ الصَّغَانِيُّ،
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/ 676 - ح: 4922) ومسلم (1/ 144 - ح: 161 "257") والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18 / 48 - ح: 113) وابن جرير (29/90) وأبو يعلى (مسند أبي يعلى: 3 / 451 - ح: 1948) من طريق يحيى به, ويشهد له:
* ما أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/251) وأبو بكر الآجريّ (الشريعة: 440) وأبو نعيم في "الدلائل" (1/69) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة نحوه, وإسناده صحيح.
(2) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/506) والبيهقي في " الدلائل" (فتح القدير: 5/328) من طريق عبد الرزاق به, وإسناده صحيح.
(1/446)

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبراهيم الدبري، أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرَأَ عَلَيْهِ
الْقُرْآنَ وَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ وَكَارِهٌ، قَالَ: وَمَاذَا أَقُولُ؟ فَوَاللَّهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجَزِهَا وَبِقَصِيدِهَا مِنِّي، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لِمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ وَإِنَّهُ ليعلو ولا يُعْلَى، قَالَ: لَا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ، قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ، فَقَالَ: هَذَا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} الْآيَاتِ كُلِّهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ كَانَ يَغْشَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَتَّى حَسِبَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ يُسْلِمُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّ قُرَيْشًا تَزْعُمُ أَنَّكَ إِنَّمَا تَأْتِي مُحَمَّدًا وَابْنَ أَبِي قُحَافَةَ تُصِيبُ مِنْ طَعَامِهِمَا، فَقَالَ الْوَلِيدُ لِقُرَيْشٍ: إِنَّكُمْ ذَوُو أَحْسَابٍ وَذَوُو أَحْلَامٍ، وَإِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، وَهَلْ رَأَيْتُمُوهُ يُجَنُّ قَطُّ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: تَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَاهِنٌ وَهَلْ رَأَيْتُمُوهُ يَتَكَهَّنُ قَطُّ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: تَزْعُمُونَ أَنَّهُ شَاعِرٌ هَلْ رَأَيْتُمُوهُ يَنْطِقُ بِشِعْرٍ قَطُّ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَتَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَذَّابٌ، فَهَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْكَذِبِ؟ قَالُوا: لَا، قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلْوَلِيدِ: فَمَا هُوَ؟ فَتَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ نَظَرَ وَعَبَسَ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا سَاحِرٌ، وَمَا يَقُولُهُ سِحْرٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} .
(1/447)

سُورَةُ الْقِيَامَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} {3} .
نَزَلَتْ فِي عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَتَى يَكُونُ وَكَيْفَ يَكُونُ أَمْرُهَا وَحَالُهَا؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَقَالَ: لَوْ عَايَنْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ أُصَدِّقْكَ يَا محمد ولم أؤمن به، أو يجمع اللَّهُ هَذِهِ الْعِظَامَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
سُورَةُ الْإِنْسَانِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا} {8} .
قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أبي طالب - رضي الله عنه - نَوْبَةً أَجَّرَ نَفْسَهُ يَسْقِي نَخْلًا بِشَيْءٍ مِنْ شَعِيرٍ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، وَقَبَضَ الشَّعِيرَ وَطَحَنَ ثُلُثَهُ، فَجَعَلُوا مِنْهُ شَيْئًا لِيَأْكُلُوهُ، يُقَالُ لَهُ: الْخَزِيرَةُ، فَلَمَّا تَمَّ إِنْضَاجُهُ، أَتَى مِسْكِينٌ فَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ الطَّعَامَ، ثُمَّ عَمِلَ الثُّلُثَ الثَّانِيَ، فَلَمَّا تَمَّ إِنْضَاجُهُ أَتَى يَتِيمٌ فَسَأَلَ فَأَطْعَمُوهُ، ثُمَّ عَمِلَ الثُّلُثَ الْبَاقِيَ، فَلَمَّا تَمَّ إِنْضَاجُهُ أَتَى أَسِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَطْعَمُوهُ، وَطَوَوْا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، فَأُنْزِلَتْ فيه هذه الآية.
(1/448)

سُورَةُ عَبَسَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} {1 - 2} .
وَهُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُنَاجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأَبَا جَهِلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأُبَيًّا وَأُمَيَّةَ ابْنَيْ خَلَفٍ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَرْجُو إِسْلَامَهُمْ، فَقَامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي، مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ؛ وَجَعَلَ يُنَادِيهِ وَيُكَرِّرُ النِّدَاءَ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مُشْتَغِلٌ مُقْبِلٌ عَلَى غَيْرِهِ، حَتَّى ظَهَرَتِ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَطْعِهِ كَلَامَهُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: "يَقُولُ هَؤُلَاءِ الصَّنَادِيدُ إِنَّمَا أَتْبَاعُهُ الْعُمْيَانُ وَالسِّفْلَةُ وَالْعَبِيدُ"، فَعَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْرَضَ عَنْهُ وَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ يُكَلِّمُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَاتِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ، وَإِذَا رَآهُ يَقُولُ: "مَرْحَبًا بِمَنْ عَاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي".
(1) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَصَاحِفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: هَذَا مَا قَرَأْنَا عَلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة قالت: أنزل {عَبَسَ وَتَوَلَّى} فِي ابن أم مكتوك الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/ 514) وابن جرير (30/ 32) والترمذي (5 / 432 - ح: 3331) وأبو يعلى (تفسير ابن كثير: 4 / 470) وابن مردويه (فتح القدير: 5/386) من طريق يحيى عن هشام عن أبيه عن عائشة به, وإسناده صحيح. وأخرجه الإمام مالك (الموطأ برواية يحيى بن يحيى: 136 - ح: 476) عن عروة مرسلاً به.
(1/449)

فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْشِدْنِي، وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ رِجَالٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِينَ، فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ {عَبَسَ وَتَوَلَّى} رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْحِيرِيِّ، عَنِ
الْعَتَّابِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ يَحْيَى.
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} {37} .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرَاسَةَ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنُحْشَرُ عُرَاةً؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} .
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (30/39) من طريق عائذ به, وإسناده ضعيف, بسبب عائذ (ميزان الاعتدال: 2/363 - رقم: 4100) .
(1/450)

سُورَةُ التَّكْوِيرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} {29} .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدُوسٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنِ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} قَالَ أَبُو جَهْلٍ: ذَلِكَ إِلَيْنَا إِنْ شِئْنَا اسْتَقَمْنَا وَإِنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
(1/451)

سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} {1} .
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ النَّقِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بشير قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ الْقُرَظِيُّ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ تُجَّارٌ يُطَفِّفُونَ، وَكَانَتْ بِيَاعَاتُهُمْ كَشِبْهِ الْقِمَارِ: الْمُنَابَذَةُ وَالْمُلَامَسَةُ وَالْمُخَاطَرَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى السُّوقِ وَقَرَأَهَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَبِهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: "أَبُو جُهَيْنَةَ" وَمَعَهُ صَاعَانِ يَكِيلُ بِأَحَدِهِمَا وَيَكْتَالُ بِالْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
_________
(1) - أخرجه النسائي (لباب النقول: 228) وابن ماجه (2/748 - ح: 2223) وابن جرير (30/58) من طريق الحسين بن واقد به, صححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري: 8/ 696) والسيوطي (لباب النقول: 228) وحسّنه البوصيري في زوائد ابن ماجه (سنن ابن ماجه: 2/748) .
(1/452)

سُورَةُ الطَّارِقِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ} {1 - 3} .
نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى النبيَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأتحفه بخبر وَلَبَنٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ يَأْكُلُ إِذِ انْحَطَّ نجم فامتلأ ما ثُمَّ نَارًا، فَفَزِعَ أَبُو طَالِبٍ وَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟ فَقَالَ: "هَذَا نَجْمٌ رُمِيَ بِهِ وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ"، فَعَجِبَ أَبُو طَالِبٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
(1/453)

سُورَةُ اللَّيْلِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلَاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بن هارون، أخبرنا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الله الترقفي، أخبرنا حَفْصُ بن عمر، أخبرنا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ وَدَخَلَ الدَّارَ فَصَعِدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا الرَّجُلُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "اذْهَبْ"، وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ وَقَالَ: "تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فَرْعُهَا فِي دَارِ فُلَانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ؟ " فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لَقَدْ أَعْطَيْتُ، وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهَا نَخْلَةٌ أَعْجَبُ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ فَلَقِيَ رَجُلًا كَانَ يَسْمَعُ الْكَلَامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ فَقُلْتُ:
_________
(1) - أخرجه ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير: 4/519) من طريق حفص بن عمر عن الحكم به, قال الحافظ ابن كثير: "وهو حديث غريب جدا" (المصدر السابق) قلت: وفي إسناده حفص بن عمر العدني, وهو ضعيف (تقريب التهذيب: 1/188 - رقم: 458) .
(1/454)

يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا؟ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أن أُعطَى لها مَا لَا أَظُنُّهُ أُعْطِيَ. قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لَقَدْ جِئْتَ بِعَظِيمٍ، تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً؟ ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أُعْطِيكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ لِي إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ
فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ فَقَالَ: "إِنَّ النَّحْلَةَ لَكَ وَلِعِيَالِكَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الحارثي، أخبرنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بن أبان أخبرنا مُحَمَّدُ بن إدريس، أخبرنا مَنْصُورُ بْنُ أبي مزاحم، أخبرنا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اشْتَرَى بِلَالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خلف ببردة وعشرة أَوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَأَعْتَقَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الْآيَاتِ {5 - 6} .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الهيثم الأنباري، أخبرنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بن شاكر، أخبرنا قبيصة، أخبرنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ.
(1/455)

(1) - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بن حنبل، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن أيوب، أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِابْنِهِ أَبِي بَكْرٍ: يَا بُنَيَّ أَرَاكَ تَعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أَنَّكَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقْتَ رِجَالًا جَلَدَةً يَمْنَعُونَكَ وَيَقُومُونَ دُونَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَتِ إِنِّي إِنَّمَا أريد ما أُرِيدُ، قَالَ: فتحدث ما أنزل هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إِلَّا فِيهِ وَفِيمَا قَالَهُ أَبُوهُ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَذَكَرَ مَنْ سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَبْتَاعُ الضَّعَفَةَ مِنَ الْعَبِيدِ فَيَعْتِقُهُمْ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ لَوْ كُنْتَ تَبْتَاعُ مَنْ يَمْنَعُ ظَهْرَكَ، قَالَ: مَا مَنْعَ ظَهْرِي أُرِيدُ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ بِلَالًا لَمَّا أَسْلَمَ ذَهَبَ إلى الأصنام فسلح عَلَيْهَا وَكَانَ عَبْدًا لِعَبْدِ اللَّهِ بن جدعان، فشكى إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مَا فَعَلَ، فَوَهَبَهُ لَهُمْ وَمِائَةً مِنَ الْإِبِلِ يَنْحَرُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ، فَأَخَذُوهُ وَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ فِي الرَّمْضَاءِ وَهُوَ يَقُولُ أَحَدٌ أَحَدٌ، فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "يُنْجِيكَ أَحَدٌ أَحَدٌ"، ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَنَّ بِلَالًا يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ، فَحَمَلَ أَبُو بَكْرٍ رِطْلًا مِنْ ذَهَبٍ فَابْتَاعَهُ بِهِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إِلَّا لِيَدٍ كَانَتْ لِبِلَالٍ عِنْدَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} .
_________
(1) - أخرجه الحاكم (المستدرك: 2/525) وابن جرير (30 /142) وابن عساكر (فتح القدير: 5 / 454) من طريق ابن إسحاق به, وإسناده حسن بشواهده, وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند الحاكم, وانظر شواهده في: (لباب النقول: 230) (فتح القدير: 5 / 454) .
(1/456)

سُورَةُ الضُّحَى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} {1 - 3} .
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ الحسن السراج، أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى بن معاذ، أخبرنا أبو حُذيفة، أخبرنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبٍ قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أرى سيطانك إِلَّا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَ: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ زُهَيْرٍ.
(2) - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي حاتم، أخبرنا أَبُو سعيد الأشجّ،
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8/710 - ح: 4950) ومسلم (3 /1422 - ح: 1797 "115") والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/328 - ح: 497) والترمذي (هـ / 442 - ح: 33445) والنسائي وابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير: 4/522) وابن جرير (30 /148) والطبراني (المعجم الكبير: 2 /186 - ح: 1709 - 1712) كلهم من طريق سفيان عن الأسود عن جندب به, ووردت تسمية المرأة عند الحاكم (المستدرك: 2/527) وابن جرير (30/220) وهي: أم جميل, امرأة أبي لهب.
(2) - أخرجه ابن جرير (30 /148) والبيهقي في "الدلائل" (7/60) من طريق هشام عن أبيه به, وهو مرسل صحيح الإسناد, ويشهد له:
* ما أخرجه ابن جرير (فتح الباري: 8/711) عن عبد الله بن شداد نحوه, وصححه الحافظ ابن حجر (المصدر السابق) قال الحافظ ابن حجر "الذي يظهر أن كلا من أم جميل وخديجة قالت ذلك, لكن أم جميل عبرت بلفظ: شيطانك, وخديجة عبرت بلفظ: ربك, أو صاحبك. وقال أم جميل شماتة, وخديجة توجعًا (فتح الباري: 8/711) . وأما الحافظ ابن كثير فقد قال: "ولعل ذكر خديجة ليس محفوظا (تفسير ابن كثير: 4/522) . قلت: ولا يخفى أن حديث أم جميل أقوى بكثير من الآخر.
(1/457)

أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ
لَهُ خَدِيجَةُ: قَدْ قَلَاكَ رَبُّكَ لِمَا يَرَى مِنْ جَزَعِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرحمن الدغولي، أخبرنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بن يونس، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ، وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ فَمَاتَ، فَمَكَثَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيَّامًا لَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: "يَا خَوْلَةُ، مَا حَدَثَ فِي بَيْتِي؟ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَأْتِينِي! " قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ. فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُرْعَدُ لَحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرِّعْدَةُ فَقَالَ: "يَا خَوْلَةُ دَثِّرِينِي"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(2) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} {4 - 5} .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
_________
(1) - أخرجه الطبراني وابن أبي شيبة (لباب العقول: 230) من طريق حفص بن سعيد به, قال الهيثمي: "في إسناده من لا يعرف" (مجمع الزوائد: 7 /138) وتبعه الحافظ ابن حجر (فتح الباري: 8/710) والسيوطي (لباب النقول: 230) .
(2) - أخرجه ابن جرير (30 /149) والطبراني (المعجم الكبير: 10/337 -: 10650) من طريق الأوزاعي به, وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7 /139) وهو كما قال, ويشهد له:
* ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" (فتح القدير: 5 / 459) والبيهقي في "الدلائل" (7/61) عن ابن عباس نحوه, وحسنه السيوطي (لباب النقول: 231) .
(1/458)

أَبِي الْحَسَنِ الْمُسَيَّبِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ محمد الضبي قال: حدثني أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحسن العسقلاني، أخبرنا عِصَامُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حدثني أبي، أخبرنا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي
عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} قَالَ: فَأَعْطَاهُ أَلْفَ قَصْرٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ لُؤْلُؤٍ وترابه مِسْكٌ فِي كُلِّ قَصْرٍ مِنْهَا مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} {6} .
أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بن أحمد، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زياد النيسابوري، أخبرنا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بن يحيى، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الله الحجبي، أخبرنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: يَا رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلِي مِنْهُمْ مَنْ سَخَّرْتَ لَهُ الرِّيحَ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى بن مَرْيَمَ، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ"، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ " قَالَ: "قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ"، قَالَ: "أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ " قَالَ: "قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ" قَالَ: "أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ " قَالَ: "قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ" قَالَ: "أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ " قَالَ: "قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ".
(1/459)

سُورَةُ الْعَلَقِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ذَكَرْنَا نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ هذا الكتاب. [باب القول في أول ما نزل] .
(1) - قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ {17} .
نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يزيد الخوزي، أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بن سفيان، أخبرنا أَبُو سعيد الأشجّ، أخبرنا أَبُو خَالِدِ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟! فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَبَرَهُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرَ مِنِّي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
_________
(1) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/329 - ح: 498) والترمذي (5 ح: 3349) وابن جرير (30 /164) والطبراني (المعجم الكبير: 12 /137 - ح: 12693) وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي (فتح القدير: 5/471) من طريق ابن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس به, وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7 /139) وهو كما قال.
(1/460)

سُورَةُ الْقَدْرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وقوله تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} الآية {1 - 3} .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن حبان، أخبرنا أَبُو يحيى الرازي، أخبرنا سهل العسكري، أخبرنا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ، فَتَعَجَّبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} قَالَ: خَيْرٌ مِنَ الَّتِي لَبِسَ فِيهَا السِّلَاحَ ذَلِكَ الرجل.
(1/461)

سورة إذا زلزلت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مطر، أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذهلي، أخبرنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ؟ نَزَلَتْ: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَاعِدٌ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ " قَالَ: أَبْكَانِي هَذِهِ السُّورَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لَوْ أَنَّكُمْ لَا تُخْطِئُونَ وَلَا تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهِ أُمَّةً مِنْ بَعْدِكُمْ يُخْطِئُونَ وَيُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} {7 - 8} .
قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ كَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِيهِ السَّائِلُ فَيَسْتَقِلُّ أن يعطيه الثمرة وَالْكِسْرَةَ وَالْجَوْزَةَ، وَيَقُولَ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا نُؤْجَرُ عَلَى مَا نُعْطِي وَنَحْنُ نُحِبُّهُ، وَكَانَ الْآخَرُ يَتَهَاوَنُ بالذنب اليسير الكذبة وَالْغِيبَةِ وَالنَّظْرَةِ وَيَقُولُ: لَيْسَ عَلَيَّ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، إِنَّمَا أَوْعَدَ اللَّهُ بِالنَّارِ عَلَى الْكَبَائِرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يُرَغِّبُهُمْ فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْخَيْرِ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكْثُرَ، وَيُحَذِّرَهُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الذَّنْبِ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكْثُرَ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} إِلَى آخِرِهَا.
(1/462)

سُورَةُ الْعَادِيَاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَ مُقَاتِلٌ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً إِلَى حَيٍّ مِنْ كِنَانَةَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ، فَتَأَخَّرَ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: قُتِلُوا جَمِيعًا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} يَعْنِي: تِلْكَ الْخَيْلَ.
(1) - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ محمد البستي، أخبرنا مُحَمَّدٍ بن مكي، أخبرنا إِسْحَاقُ بن إبراهيم، أخبرنا أَحْمَدُ بن عبدة، أخبرنا حَفْصُ بن جميع، أخبرنا سِمَاكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث خيلا فأسهبت شَهْرًا لَمْ يَأْتِهِ مِنْهَا خَبَرٌ، فَنَزَلَتْ: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} ضَبَحَتْ بِمَنَاخِرِهَا، إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَمَعْنَى أَسْهَبَتْ: أَمْعَنَتْ فِي السُّهُوبِ: وَهِيَ الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ جَمْعُ سَهْبٍ.
_________
(1) - أخرجه الحاكم (لباب النقول: 234) والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (فتح القدير: 5 / 484) من طريق سماك عن عكرمة به, ورواية سماك عن عكرمة مضطربة, كما سبق بيانه.
(1/463)

سُورَةُ التَّكَاثُرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} {1 - 2} .
قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي حَيَّيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي سهم كان بينهم لحاء فتعاند السَّادَةَ وَالْأَشْرَافَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ، فَقَالَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ: نَحْنُ أَكْثَرُ سَيِّدًا وَأَعَزُّ عَزِيزًا وَأَعْظَمُ نَفَرًا، وَقَالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهُمْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ قَالُوا: نَعُدُّ مَوْتَانَا حَتَّى زَارُوا الْقُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتَاهُمْ فَكَثَرَهُمْ بَنُو سَهْمٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ عَدَدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَبَنُو فُلَانٍ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، أَلْهَاهُمْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتُوا ضُلَّالًا.
سُورَةُ الْفِيلِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ وَقَصْدِهِمْ تَخْرِيبَ الْكَعْبَةِ، وَمَا فَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ مِنْ إِهْلَاكِهِمْ وَصَرْفِهِمْ عَنِ الْبَيْتِ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ.
(1/464)

سُورَةُ قُرَيْشٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ وَذِكْرِ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسماعيل الهاشمي، أخبرنا سَوَادَةُ بن عليّ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بكر الزهري، أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بن ثابت، أخبرنا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَ قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِصَالٍ لم يعطها أحد قَبْلَهُمْ ولا يعطيها أحد بَعْدَهُمْ: إِنَّ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ، وإن الْحِجَابَةَ فِيهِمْ، وَإِنَّ السِّقَايَةَ فِيهِمْ، وَإِنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وَنُصِرُوا عَلَى الْفِيلِ، عبدوا اللَّهَ سَبْعَ سِنِينَ لم يعبده أحدًا غَيْرُهُمْ، وَنَزَلَتْ فِيهِمْ سُورَةٌ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا أَحَدٌ غَيْرُهُمْ {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ}
سُورَةُ الْمَاعُونِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} {1 - 2} .
قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَنْحَرُ كُلَّ أُسْبُوعٍ جَزُورَيْنِ، فَأَتَاهُمْ يَتِيمٌ فَسَأَلَهُ شَيْئًا فَقَرَعَهُ بِعَصَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}
(1/465)

سُورَةُ الْكَوْثَرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَدْخُلُ، فَالْتَقَيَا عِنْدَ بَابِ بَنِي سَهْمٍ وَتَحَدَّثَا وَأُنَاسٌ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فِي الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا دَخَلَ الْعَاصُ قَالُوا لَهُ: مَنِ الَّذِي كُنْتَ تُحَدِّثُ؟ قَالَ: ذَاكَ الْأَبْتَرُ، يعني النبيّ صلوات الله وسلامه عليه، وَكَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مِنْ خَدِيجَةَ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ مَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنٌ: أَبْتَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هذه السورة.
(1) - وأخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بن الفضل، أخبرنا مُحَمَّدُ بن يعقوب، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عبد الجبار، أخبرنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ قَالَ: كَانَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ إِذَا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ أَبْتَرُ لَا عَقِبَ لَهُ، لَوْ هَلَكَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ وَاسْتَرَحْتُمْ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ يَمُرُّ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُ: إِنِّي لَأَشْنَؤُكَ وَإِنَّكَ لَأَبْتَرُ مِنَ الرِّجَالِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
_________
(1) - مرسل, ويشهد له: ما أخرجه ابن جرير (30/212) عن سعيد بن جبير وقتادة مرسلاً مثله, وإسناده صحيح إليهما.
(1/466)

سُورَةُ الْكَافِرُونَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - نَزَلَتْ فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَاتَّبِعْ دِينَنَا وَنَتَّبِعُ دِينَكَ، تَعْبُدُ آلِهَتَنَا سَنَةً وَنَعْبُدُ إِلَهَكَ سَنَةً، فَإِنْ كَانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمَّا بِأَيْدِينَا كُنَّا قَدْ شَرَكْنَاكَ فِيهِ وَأَخَذْنَا بِحَظِّنَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بِأَيْدِينَا خَيْرًا مِمَّا فِي يَدِكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنَا فِي أَمْرِنَا وَأَخَذْتَ بِحَظِّكَ، فَقَالَ: "مَعَاذَ اللَّهِ أَنَّ أُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَفِيهِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى فَرَغَ مِنَ السُّورَةِ، فَأَيِسُوا مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
_________
(1) 1 - أخرج معناه ابن جرير (30/214) وابن أبي حاتم والطبراني (فتح القدير: 5/508) عن ابن عباس مختصرا, وضعفه الحافظ ابن حجر (فتح الباري: 8/733) .
(1/467)

سُورَةُ النَّصْرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نَزَلَتْ فِي مُنْصَرَفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَعَاشَ بَعْدَ نُزُولِهَا سَنَتَيْنِ.
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَذِّنُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُقْرِئُ؛ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بن سفيان، أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن سلام، أخبرنا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كيسان قال: حدثني أَبِي، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} قَالَ: "يَا عَلِيُّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَيَا فَاطِمَةُ قَدْ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا".
(1/468)

سُورَةُ تَبَّتْ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بن أحمد، أخبرنا مُحَمَّدُ بن حماد، أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا فَقَالَ: "يَا صَبَاحَاهُ"، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فقالوا له: مالك؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، ألهذا دعوتنا جمعيا؟! فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} إِلَى آخِرِهَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.
(2) - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بكر الفقيه، أخبرنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مبشر الواسطي، أخبرنا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بن المقدام، أخبرنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "يَا آلَ غَالِبٍ، يَا آلَ لُؤَيٍّ، يَا آلَ مُرَّةَ، يَا آلَ كِلَابٍ، يَا آلَ عبد مناف، يا آل قُصَيٍّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَلَا مِنَ
_________
(1) - أخرجه البخاري (فتح الباري: 8 /837 - ح: 4971) ومسلم (1 /193 - ح: 08) والإمام أحمد (الفتح الرباني: 18 / 4 32 - ح: 521) والترمذي (5/ 451 - ح: 3363) والنسائي (الفتح الرباني: 18 / 432) وابن جرير (30/218) والبيهقي (دلائل النبوة: 2 /181) من طريق الأعمش به.
(2) - إسناده ضعيف جدا.
(1/469)

الدُّنْيَا نَصِيبًا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ لِهَذَا دَعَوْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ}
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بن عبدان، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بن هاشم، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بن نمير، أخبرنا الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (1) أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّفَا فَصَعِدَ عَلَيْهِ ثُمَّ نَادَى: "يَا صَبَاحَاهُ"، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ بَيْنِ رَجُلٍ يَجِيءُ وَرَجُلٍ يَبْعَثُ رَسُولَهُ، فَقَالَ: "يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي لُؤَيٍّ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بسفح هذا الجيل تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ صَدَّقْتُمُونِي؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ مَا دَعَوْتَنَا إِلَّا لِهَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}
_________
(1) سورة الشعراء: الآية 214.
(1/470)

سُورَةُ الْإِخْلَاصِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: جَاءَ نَاسٌ مَنِ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: صِفْ لَنَا رَبَّكَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ نَعْتَهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَأَخْبِرْنَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ وَمِنْ أَيِّ جِنْسٍ هُوَ؟ مِنْ ذَهَبٍ هُوَ أَمْ نُحَاسٍ أَمْ فِضَّةٍ؟ وَهَلْ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ؟ وَمِمَّنْ وَرِثَ الدُّنْيَا وَمَنْ يُوَرِّثُهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ وَهِيَ نِسْبَةُ اللَّهِ خَاصَّةً.
(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ محمد الزاهد، أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ بنت منيع، أخبرنا جَدِّي أَحْمَدُ بن منيع، أخبرنا أَبُو سعد الصغاني، أخبرنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لرسول الله صلي اله عليه وسلم انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} قَالَ: فَالصَّمَدُ الَّذِي {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلَّا سَيَمُوتُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إِلَّا سَيُورَثُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَثُ، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ وَلَا عِدْلٌ وَ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (2)
_________
(1) - أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: 18/243 - ح: 522) وابن جرير (30/221) والترمذي (5/ 451 - ح: 3364) والحاكم (المستدرك: 2/540) وابن عدي (الكامل: 6/2231) والبخاري في تاريخه وابن خزيمة والبغوي وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي (فتح القدير: 5/513) وابن أبي عاصم (السنة: 1/297 - ح: 663) من طريق أبي سعد الصّغاني عن أبي جعفر به, وضعفه الألباني (السنة بتحقيقه: 1/297) وهو كما قال, بسبب أبي سعد - وهو محمد بن ميسّر الجعفي - (تقريب التهذيب: 2/212 - رقم: 756) ويشهد له: الرواية الآتية.
(2) سورة الشورى: الآية 11.
(1/471)

(1) - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، أَخْبَرَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ
جَابِرٍ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَنَزَلَتْ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إِلَى آخِرِهَا.
_________
(1) - أخرجه ابن جرير (30/221) وأبو يعلى وابن المنذر والطبراني في "الأوسط" وأبو نعيم والبيهقي (فى القدير: 5/514) عن جابر به, وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد: 7 /146) وهو كما قال بسبب مجالد بن سعيد (تقريب التهذيب: 2/229 - رقم: 919) .
(1/472)

الْمُعَوِّذَتَانِ [471] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ.... إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. [1: 5]
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ... إِلَى آخِرِ السُّورَةِ]
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ غُلَامٌ مِنَ الْيَهُودِ يَخْدُمُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأتت إِلَيْهِ الْيَهُودُ، وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَخَذَ مُشَاطَةَ رَأْسِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِدَّةَ أَسْنَانٍ مِنْ مُشْطِهِ، فَأَعْطَاهَا الْيَهُودَ فَسَحَرُوهُ فِيهَا، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ، ثُمَّ دَسَّهَا فِي بِئْرٍ لَبَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهَا ذَرْوَانُ، فَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَثَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ ولبث سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يُرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يأتيهن، وجعل يذوب وَلَا يَدْرِي مَا عَرَاهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِهِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: طُبَّ، قَالَ: وَمَا الطُّبُّ؟ قَالَ: سِحْرٌ، قَالَ: وَمَنْ سَحَرَهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ، قَالَ: وَبِمَ طَبَّهُ؟ قَالَ: بِمُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ. والجفّ: قِشْرُ الطَّلْعِ، والراعوفة: حَجَرٌ فِي أَسْفَلِ الْبِئْرِ يقوم عليه المائح، فَانْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَمَا شَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَنِي بِدَائِي"، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَنَزَحُوا مَاءَ تِلْكَ الْبِئْرِ كَأَنَّهُ نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، ثُمَّ رَفَعُوا الصَّخْرَةَ وَأَخْرَجُوا الْجُفَّ، فَإِذَا فِيهِ مُشَاطَةُ رَأْسِهِ وَأَسْنَانُ مُشْطِهِ، وَإِذَا فِيهِ وَتَرٌ مَعْقُودٌ فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةً مَغْرُوزَةً بِالْإِبَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَجَعَلَ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِفَّةً حَتَّى انْحَلَّتِ الْعُقْدَةُ الْأَخِيرَةُ، فقام كأنما نشط مِنْ عِقَالٍ، وَجَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ وَمِنْ حَاسِدٍ وَعَيْنٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ"، فَقَالُوا: يَا رسول الله أو لا نأخذ الْخَبِيثَ فَنَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: "أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا". فَهَذَا مِنْ حِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ.
(1/473)

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ
الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَوْصِلِيُّ، أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ وَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: "أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ " قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَتَانِي مَلَكَانِ"، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ في الصحيحين.

تَمَّ كِتَابُ أَسْبَابِ نُزُولِ الْقُرْآنِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْمَنَّانِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ.
(1/474)