Advertisement

حرية الرأي في الفقه السياسي الاسلامي


حرية الرأي في الفقه السياسي الاسلامي
د.شهاب سليمان عبدلله
تعد هذه الحرية العمود الفقري للحريات الفكرية ، حيث تحمل في طياتها عدة انواع من
الحريات مثل حرية الصحافة وحرية وسائل النشر والاعلام من اذاعة وتلفزيون ومسرح
وخلافه من ادوات التعبير عن الرأي وهي كذلك تشمل حرية التعليم والتعلم مما تشمله من
حريات نشر الكتب والاراء فهذه الحريات الجزئية تأخذ حجمها ومداها الطبيعي في مدى
وحجم حرية الرأي .
-1 مفهوم حرية الرأي :
هذه الحرية تعد بلا شك من المسائل الجوهرية التي تدخل في نطاق حقوق الانسان في الاسلام
والمقصود بها حرية الجهر بالحق واسداء النصح في كل ما يمس الاخلاق والمصالح العامة
والنظام العام في كل ما تعتبره الشريعة الاسلامية فكرًا .
وقد كفل الاسلام هذه الحرية منذ فجر الدعوة بل وجعلها من اوجب واجبات المسلم في
ممارسة حقه في ابداء الرأي والوقوف بصلابة الى جانب العدالة والمساواة – مرتكزات
الاسلام الاولى – وما يقصد انه الحق .
-2 هناك العديد من الادلة النقلية من الكتاب الكريم والسنة والنبوية ما يدل على ذلك منها :
أ- فمن الكتاب : قوله تعالى (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر)( 2). وقوله عز وعلا : (الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة
. ( وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)( 3
ب- ومن السنة : فقد دلت اقوال وافعال وتقريرات النبي صلى الله عليه وسلم عليها ومنها :
-1 (ومن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك
. ( أضعف الايمان)( 4
-2 قوله صلى الله عليه وسلم : (افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) .
-3 سيد الشهداء حمزة ورجل قام الى امام جائر فأمره ونهاه فقتله .
-4 ويقول (....... والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد
الظالم ولتأطرنه على الحق أطرأ ولتقصرنه على الحق قصرًا)
ولم يكتف الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة العامة لحرية الرأي بل كان يحث
اصحابه على ممارسة حرية الرأي معه فكان يستطلع آراءهم في الشئون العامة بل وفي
المسائل الخاصة وكان يأخذ بآرائهم وان خالفت رأيه احيانًا .
ومن هنا تتضح اهمية هذه الحرية من كون الاسلام دعوة اسلامية عالمية يجب ابلاغها الى
كل عقل انساني فمجال عمل الاسلام هو الجنس البشري قاطبة وبدون حرية الرأي لا يمكن
ان تتخذ الدعوة سبيلها الى العالم فاعلان الدعوة الاسلامية وطرح افكارها ومبادئها الرئيسة
يقتضي بداهة حرية الرأي عند الطرفين عند الداعية المسلم وعند الطرف الثاني مهما كان
فكره واعتقاده .
-3 اغراض حرية الرأي :
تحقق حرية الرأي العديد من الاغراض الاخرى للأمة فهي وسيلة لتحقيق التقدم والعدل ورفع
الطغيان والظلم وسوف نعرض لذلك بالتفصيل على البيان ادناه .
أ- حرية الرأي وسيلة للتقدم :
وذلك ان اعلاء كلمة الله يتأتى من التقدم العقلي والفكري للانسان فكلما استنارت الانسانية
وزاد تقدمها كانت كلمة الله ورسالته قائمة وماضية ونافذة فلقد خلق الله ما خلق من اجل
الانسان ومن اجل تقدمه لذا فقد سخر الله الكون ليعمره وعلى ذلك يجب ان تهدف جميع
التصرفات الانسانية الى البناء والوصول بالانسان الى حياة افضل وحظ من السعادة ولكي
يضمن المجتمع مشاركة افراده في تحقيق هذا الهدف – يجب عليه ان يمنحهم الحق في ان
يعبروا عن افكارهم تحقيقًا لهذه الغاية .
ب- حرية الرأي في الميدان السياسي اداة لاصلاح الحكم :
وهنا تظهر الاهمية القصوى لحرية الرأي عندما توجه السلطة العامة باعتبارها اداة المجتمع
في تحقيق آماله واهدافه والحكم الصالح يفترض قيام السلطة على تحقيق مصالح العباد
واحراز التقدم في كافة المجالات ولا تستطيع السلطة القيام بهذه المهمة دون ان تتعرف على
رغبات المواطنين في هذه الاهداف وفي سبيل تحقيقها .
لهذا اباح الاسلام حرية الرأي وحض عليها ولا اجد في هذا المقام ادق من تعبيره عليه
الصلاة والسلام حيث قال (قل الحق ولو كان مرًا) وقد كذب علي بن ابي طالب في عهده الى
. ( احد عماله في مصر يقول (....... وليكن آثر اعوانك اقولهم بمر الحق لك)( 8
كل ما سلف ذكره يؤكد ويدعم حق النقد وابداء الرأي واعطاء صاحبه مكانة عظيمة في
مواجهة الحكام وما اكتسب الرأي – ولو كان نقدًا – هذه المكانة العظيمة الا لانه وسيلة
لاصلاح الحكم ايا كان في اي قطاع كان ولا يقتصر فقط على الحاكم السياسي .
ومن اجل ذلك فإن الاسلام لا يعترف بذات مصونة لا تمس بل ان الجميع امام الشرع سواء
اذا فلا يملك احد الحجر على ما يقول غيره بل يجب تمحيص ما يقول وهذه بيئة ينبغي ان
تسود فيها حرية الرأي ويعظم فيها النقد بيئة تسود فيها المساواة التامة بين الراعي والرعية
ويسود فيها التسامح الحر .
وعلى ذلك فإن اضطهاد الآراء منشؤه سقوط هذه المساواة بين الناس وان يعتقد الراعي في
نفسه النزاهة عن الخطأ او يزين له من حوله من الحواريين ذلك او يجعلونه اساسًا من اسس
العلاقة بينه وبين الناس حينئذ يكون التضييق على الآراء والافكار ويضطر الناس الى اعلان
ما لا يؤمنون بصحته ويتظاهرون بقبولها ويكون من نتاج ما تقدم انقسام وجدان الامة فتؤمن
بآراء وتعلن غيرها امام السلطة خشية بطشها فإذا استقر في وجدانها هذا الانقسام ادى ذلك
إلى انمائه في نفوسهم واقبالهم على التظاهر بطاعة الحاكم خلاصًا من عسفه جاء في الحديث
الصحيح عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (شر الناس من وادعه الناس
لاتقاء شره) .
ويقول ابن خلدون (ان الملك اذا كان قاهرًا باطشًا بالعقوبات منقبًا عن عورات الناس تسلمهم
الخوف والذل ولاذوا بالكذب والمكر والخديعة فتخلفوا بها وفسدت بصائرهم واخلاقهم وربما
. ( خذلوه في مواطن المدافعات .. ففسدت الحماية بفساد النيات)( 10
ج- حرية الرأي وسيلة لرد الظلم والطغيان :
وهي وفقًا لهذا المفهوم تأتي في مقدمة الوسائل المتاحة لرد الظلم فإن للرعية أن تقدر
تصرفات راعيها فحيث كانت صحيحة اجازها وحيث كانت باطلة حمل الراعي على العدول
عنها بما هو مشروع له من مقاومة من جانب الراعي / حتى وان لم يكن الحاكم طاغيًا فإن
الاسلام أباح للمسلمين الرد عليهم إذا خرجوا عن الحدود التي رسمها لهم الشرع في ممارسة
احكامهم وتصرفاتهم .
ومن الامور اللافتة للنظر ان الخلفاء الراشدين انفسهم كانوا يسعدون بممارسة الرعية لنقدهم
وتقويمهم ان هم جنحوا عن جادة الصواب مهما وصلت هذه المقاومة وهذا النقد من افراط
.(11)
فلقد كان ابو بكر الصديق رضي الله عنه يخطب في الناس قائ ً لا (.... ان رأيتموني على حق
فأعينوني وان رأيتموني على باطل فقوموني .... اطيعوني ما اطعت الله فيكم ... وهذا عمر
بن الخطاب يوصي رعيته بقوله "إن رأيتم في اعوجاجًا فقوموني فيرد عليه احد الرعية شاهرًا
سيفه : والله يا عمر لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا .. فيقول : الحمد لله الذي جعل في
امة عمر من يقوم اعوجاجه بسيفه" وبالمثل كان عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث يقول
( اني اتوب وانزع ... والله لئن ردني الى الحق عبد اسود لاذلن ذل العبيد )( 12
هذه الامثلة وغيرها كثير تعطي الانطباع الاكيد في مدى امتثال رجال السلطة الاوائل في اول
عهد الاسلام للاوامر الواردة في المصادر النقلية حول وجوب احترام وتقدير حرية الرأي قولا
و فعلا والاحتذاء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تطبيق هذه الحرية وتقديره لها من
خلال افعاله واقواله سالفة الذكر .
فحرية الرأي إذا مكانها بين الاحكام الشرعية في الشريعة الاسلامية باعتبارها اساسًا ونقطة
ارتكاز لمبادئ شرعية رئيسة مقررة مثل الشورى والامر بالمعروف والنهي عن المنكر
والبيعة وخلافها من احكام السياسة الشرعية فبدون وجود حرية رأي حقيقية لا يمكن ان تقوم
شورى صحيحة و يصبح الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مسألة شكلية مفرغة من
المضمون والمحتوى وتصبح البيعة عملية نفاق او اذلال لأن الامور تتطلب ابداء الآراء وان
اختلفت الاساليب بين الشورى والبيعة و الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وعليه فإن اهمية هذه الحرية تتضاعف لاتصالها الوثيق بكل ما يمس الافراد والسلطات على
تعددها في الدولة فحرية الرأي تكفل تبادل الافكار والآراء وهذا ما يؤدي الى تلافي الاخطاء
والسلبيات الى اقل قدر ممكن من قبل الافراد والسلطات على حد سواء .
-4 القيود المفروضة على حرية الرأى
الاهمية الكبرى المفروضة على هذه الحرية تفرض وجود قدر من الضوابط التى تشهل
ممارستها وتتلخص اهم هذه القيود فى الآتى :
أ- ان يكون المقصود منها هو النصيحة لله ولرسولة ولأئمة المسلمين ، كما صحت بذلك
السنة ، ففى الحديث الشريف "الدين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله قال لله
. ( ولرسولة ولأئمة المسلمين وعامتهم " ( 13
أما ان يكون الرأى لمجرد التشهير بالحكام و الاساءة اليهم والانتقام منهم وحمل الناس
على التجرؤ عليهم ونحو ذلك من الاغراض غير المشروعة التى لايراد بها وجة الله
تعالى ولاخير المنصوح ، ولا تحقيق المصلحة العامة، فذلك ليس من الدين فى شىء بل
. ( هو وقوع فى اعراض الناس وقد حرمة الدين وحذر منه ( 14
ب – يجب باستمرار التامس الاعذار للمخالف فيها وهو مجال للاختلاف ، لأن رأينا ليس
اولى من رأيه مادامت المسألة اجتهادية . وبناء عليه فليس فى الاسلام ايضًا حمل الناس
وقسرهم على اتباع الآراء ، والمعتقدات الشخصية ، فلا الزام إلا بحكم الشرع .
ان حرية المعارضة ماهى إلا نتيجة طبيعية لحرية الرأى وبالتالى اذا استقامت حرية
الرأى فى أمة وسادت حرية الكلمة فلابد ان يتبع ذلك وجود نوع من المعارضة مادامت
تمثل قواعد ومبادىء اساسية لنظام الحكم الاسلامى ، والمعارضة فى الاسلام لاتعنى
رفض كل شىء لمجرد المعارضة او حبًا فى المخالفة او مجرد الانتساب الى فرقة من
الفرق او حزب بحيث يصبح الفرد مخالفًا ومعارضًا للرأي الآخر مهما كان صوابًا
ومستقيمًا وإنما المعارضة في الاسلام تعني تصحيح الخطأ وطرح البديل وتكاتف الايدي
. ( من اجل الصالح العام في حدود الاصول العامة للشريعة الاسلامية ( 15
حيث يقول صلى الله عليه وسلم (يكون احدكم امعة يقول انا مع الناس ان احسن الناس
احسنت وان اساءوا اسأت ولكن وطنوا انفسكم ان احسن الناس ان تحسنوا وان اساءوا ان
. ( تجتنبوا اساءتهم)( 16
ومما تجدر الاشارة اليه ان المعارضة في الاسلام وهي معارضة مواقف وجزئيات
وليست معارضة مبادئ واصول فهي لا تهدف اص ً لا الى ازاحة السلطة الحاكمة للحلول
محلها ، وانما تهدف الى كشف الخطأ وبيان وجه الصواب باعتبار ان ابداء الرأي حق
وواجب حرض الاسلام عليه بقوله صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده
فإن لم يستطع فبلسانه وان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان) دون الخروج على مبدأ
المشروعية لأن الحكم يستمد وجوده الشرعي من البيعة من عامة المسلمين باعتبارها عقدًا
بين الطرفين .
ج- يجب على المرء وهو يبدي رأيه أن يكون متخلقًا بأخلاق الاسلام وآدابه فلا يخوض
في اعراضهم ولا يسبهم او يلصق بهم النقائض بحجة حريته في ابداء رأيه فالانسان حر
دائمًا ما لم تتحول حريته الى فساد واضرار وحتى تكون الحرية بناءه وليترتب على
تبليغها اثرها ولا تنقلب الى فوضى .
وهكذا تبدو منافع حرية الرأي التي هي بحق معيار القول بالتقدم والتخلف لأمة من الامم
باعتبار أن المناقشة هي شرط لا ريب فيه لاحداث اي نهضة سياسية وعلمية واقتصادية
وفنية وان اعتبارات المنفعة ودرء المفسدة ينبغي ان تعلو على اي اعتبار يعارضها وفق
الاسس والضوابط التي سلفت الاشارة اليها .
-5 حرية الرأي والاحزاب السياسية :
قد يكون التعبير عن الرأي في صورة فردية وذلك بأن يعبر كل شخص عن رأيه دونما
ارتباط بالاخرين وقد كانت هذه الصورة معروفة على الاقل في بداية البعثة النبوية
وامتدت لتشمل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم كما يمكن التعبير عن الرأي من خلال
جماعة منظمة او هيئة يتعاون افرادها معًا بصفة مستمرة خاصة وان نزعة حب الانضمام
او الانضواء تحت لواء احدى الجماعات هي احدى نزعات النفس البشرية وفي هذا يقول
عليه الصلاه والسلام (عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) فتلك الغريزة
هي التي جعلت من الانسان مخلوقًا اجتماعيًا .
وبالتالي فإن التعددية السياسية وفي مفهومها العام هي تنوع مؤسس على تمييز
وخصوصية ولذلك فهي لا يمكن ان توجد وتأتي الا في مقابلة كل ذلك في اطار من
الوحدة وبهذا المنهاج يكون طريق النظر الاسلامي الى قضية التعددية التي يراها قانون
التنوع الاسلامي في اطار الوحدة الاسلامية ( 18 ) وفي هذا الاطار يمكن ان توجد
المعارضة الفعالة الناصحة للحاكم او المعينة له و الداعمة والطامحة في ذات الوقت الى
الوصول الى السلطة وبالصورة المشروعة لتحقيق رسالة الله الى البشر وفق المبادئ
سالفة الذكر الا ان المعارضة الفعالة تستدعي التنظيم والتنظيم يستدعي وجود جماعة
مختارة من المسلمين تراقب الافراد والجماعة والحاكم لتحاسبهم على الخطأ .
وقد اتفق الفقه على ان المقصود بهذه الجماعة هم اهل الحل والعقد الذين يجب ان تتوافر
فيهم صفات العلم والعدل حتى يكونوا قادرين على تحليل كافة النظم والعلاقات القائمة بين
الحاكم والمحكوم وبالتالي تتسم معارضتها بعمق التحليل وبعد النظر وسداد الرأي وقد
اختلف الفقه في شرعية نظام الاحزاب وانقسم الى رأيين ما بين مؤيد ومعارض وذلك
على التفصيل الآتي :
أ- الرأي المعارض لفكرة الاحزاب :
يذهب هذا الجانب الى ان ابداء الرأي او المعارضة لا بد ان يتم في صورة فردية في
مجلس الشورى الاسلامي حيث لا يمكن ان ينقسم اعضاؤه الى جماعات واحزاب بل يبدي
كل فرد رأيه بصفته الذاتية فإن الاسلام يأبى ان يتحزب اهل الشورى ويكونوا مع اجزائهم
. ( سواء كانت على حق ام على باطل ( 19
ويستند هذا الفريق في رفضه لنظام الاحزاب الى ادلة اهمها :
-1 نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية التي تؤكد وحدة الامة وتحذر من الفرقة
( والشتات .ومن هذه النصوص قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) ( 20
(إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)( 21 ) (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب
ريحكم ( 22 ) و قوله صلى الله عليه وسلم (يد الله مع الجماعة) .
-2 الاسلام يأبى الاحزاب ،لانها تؤدي الى التنازع والانقسام .
اعتبر بعض الفقهاء الاسلام ممن حمل على تكوين الاحزاب واعتبره مؤديًا الى الانقسام
ان حدث من احزاب الخوارج والشيعة وكذلك مثل احزاب السنة والمعتزلة .
-3 الاساس النفسي والتاريخي تعطي كلمة الاحزاب وقعًا غير مستحب فهي عند المسلم .
أو ً لا : تذكره بالموقف التاريخي للاحزاب التي تحالفت لحرب رسول الله وكذلك فإن
القرآن ذكر هذه الاحزاب بصورة غير محببة .
ثانيًا : الملابسات السيئة التي لازمت النظام الحزبي في بعض الدول الاسلامية التي هدف
بعضها الى تمزيق وحدتها والسيطرة على مقدارات الشعوب .
ب- الرأي المؤيد للأحزاب : ويستند هذا الرأي على الحجج الآتية :
-1 الاحزاب من سنن البشر :
حيث يقول الله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين) ويقول
عليه الصلاة والسلام (افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على
اثنتين وسبعين فرقة وستفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة) .
ولما كان الامر كذلك كان الاجدر بالامة الاسلامية ان تقوم هذا الخلاف وتنظمه للاستفادة
منه في صلاح المسلمين فلا شك ان الجهد الجماعي يعطي اكثر من الجهد الفردي
وبالتالي اذا كان الصالح العام في ظل الشريعة الاسلامية هو هدف الجماعات وان افتراق
الامة لا يؤدي في كل الاحوال الى التنازع المنهي عنه وعلى سبيل المثال كان ابن حنبل
يقول عن الامام مالك (اذا ذكر العلماء فما بالك النجم الثاقب وما اجد اعلى من مالك)
وبالتالي ليس صحيحًا ان كل خلاف يؤدي إلى تمزق وفوضى بد ً لا عن الاستقرار فكم
كانت الخلافات اسبابًا في الوصول الى الحقيقة وكشف الاخطاء وعام ً لا من عوامل البناء.
-2 الاحزاب تقوم بعدة وظائف :
اهمها عملية الترشيح لمختلف المناصب السياسية والادارية الكبرى بل والقضائية في
بعض النظم السياسية وهذا يتناسب مع عدم تزكية النفس قال تعالى (فلا تزكوا انفسكم)
26 ) ويقول صلى الله عليه وسلم (انه لا يولي احدًا سأله او حرص عليه) . )
فإذا كانت مشروعية الحاكم تستمد اساسًا من البيعة التي هي صورة من صور الانتخاب
فإنه يصعب اتمام هذه البيعة اذا لم ترشحه الاحزاب وتعرف به لعامة المسلمين وللتأكد من
توافر شروط الامامة فيه .
-3 من التجربة الواقعية :
إن المبادئ الدستورية العامة التي تبناها الاسلام وهي الشورى والحرية والعدالة والمساواة
تصعب حمايتها والحفاظ عليها في نظم تحرم الاحزاب بل ان وجود الاحزاب يضمن لها
هذه المبادئ من خلال ممارستها لنشاطها في حدود الصالح العام واحكام الاسلام .
واذا كان الحاكم في صدر الاسلام قادرًا على الالمام بكل مشاكل عصره الفقهية والسياسية
والادارية فإن الوضع قد تغير في العصر الحالي فالحاكم الآن في حاجة إلى من يسترشد
به ويعضده والاحزاب تقوم بهذا الامر فالشورى والمعارضة وجهان لعملة واحدة هدفها
تبادل الآراء بين الحاكم والمحكوم من اجل الصالح العام .
ونرى ان هذا هو الرأي المناسب ذلك ان الحديث عن تكوين الاحزاب في الاسلام لا يتم
الا بعد الاتفاق على معنى حزب نفسها فالحكم على جواز الامر من عدمه يستند على
تحديد معنى الكلمة .
فالحزب يعني الطائفة من الناس ( 28 ) واذا اضيف الحزب لشخص ما او لجهة فهذا يعني
الطائفة التي تحمل آراء ذلك الشخص او تعاليم تلك الجهة .
وقد وردت كلمة حزب في القرآن الكريم مضافة تارة الى الله سبحانه وتعالى كما في قوله
تعالى (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) ( 29 ) وقوله (رضي
الله عنهم ورضوا عنه اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم الغالبون) ( 30 ) وتارة تجد كلمة
حزب مضافة الى شيطان كما في قوله تعالى (اولئك حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان
هو الخاسرون ) الامر الذي يعني انها كلمة لا تحمل الحسن والقبح في ذاتها ولكنها تتلون
بما اضيفت إليه .
فإذا تبين معنى كلمة حزب فإن الاحزاب ان كانت هي حزب الله في مقابلة حزب الشيطان
فإنه لا يجوز للمسلم الا الانضواء تحت راية حزب الله حزب الشيطان اما بافتراض
تكوين جماعات وطوائف تنتمي كلها لحزب الله مع اختلافات في امور ظنية جزئية فهذا
لا يعني اكثر من صورة المذاهب الفقهية التي اتفق الفقه على جوازها بشرط ان لا يعتقد
كل حزب ضلال الحزب الآخر او ان تتحكم الفتن بين هذه الاحزاب هذا مع التسليم
بوجود بعض الخلافات التي تنشأ بين المسلمين والمعني بالخلافات هنا (الآراء المتعارضة
في الفروع والكيفيات والوسائل لا الكليات) .
اما التنازع والشقاق المنهي عنه تضارب الآراء في صلب العقيدة والاصول القطعية ولهذا
فإنه اذا التزم الحزب الخطوط المرسومة له كان ذا فائدة للناس خاصة اذا كان منظمًا
وقادرًا على ايقاف الظلم واكثر هيبة لدى الحاكم ومهما افترضنا العدالة في الحكام
وامكانية تقبلهم للنصيحة والنقد والمعارضة فلا يجوز الارتكاز على ذلك فلا بد من مراعاة
ضعف البشرية ولا ضمان دون الاعتراف بحق تكوين الاحزاب المعارضة .
كما ان النظام الحزبي يحقق الحل لمشكلة مزمنة وهي كيفية التوفيق بين النهي عن
الخروج على الحاكم خوف الفتنة وبين وجوب قول كلمة الحق مصداقًا للأمر بالمعروف
وبين امكانية التغيير وعدم الوقوع في التهلكة وذلك عن طريق ضمان الانتقال والتداول
السلمي للسلطة من الحزب الحاكم الى الحزب المعارض دون اراقة دم ولا وقوع في
الفتنة .
كما ان للأحزاب في الدول في الدول المتقدمة اجهزتها الفنية اللازمة لتقديم المشورة
العلمية بعد دراسة المشاكل المعقدة في كافة ضروب الحياة الامر الذي لا يستطيع الفرد
القيام به .
اما مسألة التنافس بين الاحزاب فقد تنافس الاحزاب يوم السقيفة ( 31 ) على احقية كل منها
في الخلافة وقد كان لكل فريق حجته وقد انتهى الامر كما هو معروف بترشيح سيدنا ابي
بكر الصديق ومبايعته .
وعليه يمكن للأحزاب اذا وظفت التوظيف الصحيح آنف الذكر ان تحقق المقاصد الشرعية
للأمة الضرورية والحاجية والتحسينية .
خاتمة :
الثابت انه لم تتبلور حتى الآن مفاهيم عامة ومحددة للحقوق وللحريات بصفة عامة ولحرية
الرأى بصفة خاصة بأعتبار الاخيرة جزءًا لايتجزأ من مفهوم السلطة إلا من خلال احكام
الشريعة الاسلامية نظرًا لكون الاسلام عقيدة وشريعة يعطى مفهومًا كليًا او شموليًا ليتفرق
بعدئذ فى كافة النواحى الانسانية متدخ ً لا فيها بالتنظيم . لذا كان من الطبيعى ان يكون سباقًا فى
ميدان حقوق الانسان باعتبارها متناسقة مع العبارة بين الفرد والسلطة – مع حاشية هنا لابد
من ايرادها وتتخلص فى ان اوربا لم تعرف هذه المبادئ إلا فى بداية القرن السابع عشر ابان
حرب التحرير الامريكية ومن بعدها الثورة الفرنسية في حين ان الرسالة النبوية التي حملت
مبادىء حقوق الإنسان ظهرت الى الوجود قبل ذلك بقرون عديدة .
وما ينبغى لفت النظر اليه كذلك ان كافة القواعد الدستورية المتعلقة بالسياسة الشرعية ومن
ضمنها تلك المتعلقة بحقوق الانسان لم توضع موضع التطبيق العملى بشكلها الوافى فى عهد
الاسلام الاول . حيث كانت عملية التكامل فى مختلف نواحى المجتمع الاسلامى واضحة
بشكل بارز . وبعد ذلك ساد السلطان المطلق تحت مبررات مختلفة فنظرة سطحية الى ما
عاناه ائمة الفقه الاسلامى والمذاهب الاسلامية من تعذيب واضطهاد تعتبر كافية لتعطى صورة
بذلك .
لذلك فإن التوجه الفكرى الحالى فى السودان و العالم الاسلامى يتعين عليه محاولة إعادة تعيين
هذا الموضوع وبحثة بصورة تتلائم مع اهميتة الحقيقية ، لتحقق التكامل بين احكام الشريعة
الاسلامية فى حلها للمشكل الاقتصادي والاجتماعى والسياسي فى إطار العقيدة الدينية حتى
تأخذ حرية الرأى محلها الصحيح واقعًا ونصًا ، ولتؤدى دورها فى خلق المواطن وتكوين
الانسان الذى يتمتع بقدراتة الذهنية والجسدية بشكل سليم خالى من العقد بعيد عن التأثير
النفسى والفكرى والعاطفى المضاد .
هذا مع ملاحظة الاختلاف فى الاجتهادات داخل الاطار الشرعى وفقا للادلة التوجيهية ليست
عيبًا لأنها لا تمس جوهر الشريعة الاسلامية ومبادئها العامة والقطعية .
الهوامش :
-1 انظر د . محمد محمد اسماعيل فرحات ، مبادىء النظام السياسي ، مط دار الشروق
ط 1991 ، 3 ، ص 62 وفي دستور السودان لسنة 1998 دمجت هذه الحرية مع
حرية الفكر حيث تقرأ ، يكفل للمواطنين حرية التماس اي علم او اعتناق اي مذهب
في الرأي والفكر دون إكراه بالسلطة وتكفل لهم حرية التعبير ونلقى المعلومات و
النشر والصحافة دون ما يترتب عليه من إضرار بالمن او النظام او السلامة او
الاداب وفق ما يفصله القانون ومقابل نص المادة 48 من دستور السودان الملغي لسنة
1973 والمادة 19 من دستور السودان الانتقالي الملغي .
. -2 سورة آل عمران آية 104
. -3 سورة الحج آية 41
-4 رواة الترمذي علي بن عيسى محمد بن عيسى المتوفى سنة 295 ه تحقيق ابراهيم
عطوة عوض مصطفى البابي الحلبي و أولاده ، ط 1385 ، 1 ه 1965 م ، في
. الفتن ورواه مسلم في باب الإيمان حديث رقم 87
. -5 سنن ابن ماجه كتاب الفتن ، المجلد الثاني ، 1329 حديث رقم 4011
-6 جامع الترمذي كتاب بر الوالدين حديث رقم 2075 شرحه الأحوذي بشرح جامع
145/ الترمذي 6
390/ -7 جامع الترمذي ، كتاب الفتن حديث رقم 2259 شرح الأحوذي 6
-8 تفسير الطبراني عن ابي ذر وحسنة السيوطي في الصغير ، وأنظر في نفس المعنى
قوله عليه الصلاة والسلام ( ألا لا يمنعن رجلا هيبته الناس ان يقول الحق إذا عمله )
راجع سنن ابن ماجة حديث رقم 4007 كتاب الفتن المجلد الثاني ط دار الفكر ص
. 1328
-9 من بحث للشيخ محمد ابو زهرة تحت عنوان المجتمع الاسلامي ( منشورات بأبحاث
. علماء المسلمين . المؤتمر الثالث ، مجمع البحوث الاسلامي ص 446
. -10 المقدمة ط دار الشعب . تحقيق د. علي عبد الواحد ص 169
-11 عبد الحكمي حسن العيلي ، الحريات العامة في النظام السياسي الاسلامي مط دار
الفكر 1974 ص 147
-12 راجع ابي جعفر محمد بن درير الطبري ، تاريخ الرسل والملوك بتحقيق ابو
. 210/ الفضل ابراهيم ط 1387 ، 2 ه - 1967 م دار المعارف بمصر 3
-13 انظر سنن الدرامي لأبي محمد بن عبدالله بن عبد الرحمن المتوفى سنة 552 ه
بتحقيق السيد عبدلله هاشم يماني ط شركة الطباعة الفنية بالقاهرة ص 220 انظر
كذلك فتح الباري رقم 42 باب الإيمان .
. -14 انظر محمد فرحات مباديء النظام السياسي المرجع السابق ص 65
-15 نعمان الخطيب ، موقف الفكر السياسي الاسلامي من الأحزاب السياسية مقال بمجلة
الاسلام اليوم عدد ابريل 1986 م تصدرها المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة
. والعلوم ص 15
3640 حديث رقم 3007 / -16 الترمذي 4
69/ -17 صحيح مسلم ، كتاب الإيمان المرجع السابق 1
3- -18 د . محمد عمارة التعددية و الرؤية الإسلاميه ، دار نهضة مصر 1997 ص 1
بتصرف .
-19 د . عبد الحميد الأنصاري الشورى وأثرها في الديمقراطية ، المكتبة المصرية
للطباعة و النشر ط 3 ص 326 وما بعدها
. -20 سورة آل عمران آية 103
. -21 سورة الانعام آية 159
. -22 سورة الأنفال آية 46
466 وقوله عليه الصلاة و السلام (لا تجتمع أمتي على ضلالة). / -23 سنن الترمذي 4
. -24 سورة هود آية 118
. -25 الترمذي باب افتراق الأمة ، حديث رقم 2778
. -26 سورة النجم آية 23
. 107/ -27 صحيح البخاري باب الأحكام 8
. -28 مختار الصحاح ، للرازي ص 133
. -29 سورة المائدة آية 56
-30 سورة المجادلة آية 22
-31 هي سقيفة بني ساعدة وهي بطن من بطون الخزرج في المدينة و كانت بمثابة دار
الندوة، عادة الأنصار ان يجتمعوا فيها للتشاور وقد امتدح الله مسلك الأنصار في
. 407/ ذلك راجع تفسير الآية 38 من سورة الشورى في الكشاف للزمخشري 3