Advertisement

__السنهوري - الوسيط في شرح القانون المدني_ ج 1_ نظرية الالتزام بوجه عام_ مصادر الالتزام_(1)




الوسيط
في
شرح القانون المدني الجديد

نظرية
الالتزام بوجه عام

مصادر الالتزام

العقد – العمل غير المشروع – الاثراء بلا سبب – القانون

تأليف
عبد الرازق أحمد السنهوري

دكتور في العلوم القانونية ودكتور في العلوم السياسية والاقتصادية
ودبلوميه من معهد القانون الدولي بجامعة باريس





1952
دار النشر للجامعات المصرية
16 شارع عدلي باشا – تليفون 40995
القاهرة


كلمة افتتاحية
هذا هو الوسيط أقدمه بين يدى رجال القانون أقوى ما أكون أملا فى أن يملأ فراغا وأن يسد حاجة. وقد اعتزمت فيه بمشيئة الله أن أشرح القانون المدنى الجديد.
والوسيط هو الوسط ما بين الوجيز والمبسوط . ولئن جعل الله في العمر بقية ، وأمدنى بعون من عنده ، أخرجت بعد الوسيط الوجيز ، ثم استعنت برفقة من زملائى في إخراج المبسوط . فتتم بذلك حلقات ثلاث ، ينتظمها عقد واحد . والوسيط هو واسطة هذا العقد . تجمله فيصبح وجيزاً . وتفصله فيصير مبسوطاً. ومن أجل ذلك اخترت أن أبدأ به . فهو أوفى من الوجيز فى سد حاجات العلم والعمل . وهو أدنى من المبسوط للباحث الذى لا يملك غير وقت محدود.
***
وبعد فطابع القانون المدنى الجديد الاعتدال . فهو يرضى الاستقرار ، ويطاوع التطور . والاستقرار يتمثل فى وصل الحاضر بالماضى . والتطور يترآى فى تطلع الحاضر إلى المستقبل .
***
وإيذاناً بأن الحاضر متصل بالماضى ، عمدت فى هذا الكتاب إلى أمرين :
( أولهما ) أننى طفقت أشير إلى القضاء والفقه المصريين فى عهد القانون المدنى القديم كما لو كانا قد نبتا فى عهد القانون المدنى الجديد . وترانى أشير إليهما دون أن أشعر القارئ بأن القانون المدنى قد تغير ، ودون أن أنبه إلى أن القضاء والفقه اللذين أستند إليهما قد قاما فى عهد القانون المدنى القديم . وأوردت بذلك أن أدل على أن ما كان يصلح قضاء وفقهاً فى الماضى لا يزال صالحاً حتى اليوم . فالسلسلة لم تنقطع حلقاتها ، والعهد الحاضر لا يزال متصلا بالعهد الماضى أوثق الاتصال . وتعمدت أن أنقل عن كتابى فى نظرية العقد وعن كتابى الآخر فى النظرية العامة للالتزامات كثيراً مما اشتملا عليه من الآراء الفقهية ومن قضاء المحاكم المصرية ، فى العبارات ذاتها التى وردت فى الكتابين ، بعد توفير ما ينبغى من الملاءمة ليساير الكتاب الجديد أحكام القانون الجديد . كل ذلك حتى أصل الحاضر بالماضى ، وحتى أثبت من طريق عملى أن الكتاب الذى كان يصلح مرجعاً فى القانون القديم لا يزال صالحاً فى كثير من نواحيه مرجعاً فى القانون الجديد لم يؤذن بثورة ، ولم يحدث انقلاباً . وإذا كنت قد رجعت عن بعض الآراء الفقهية التى سبق لى أن اعتنقتها فى الكتابين اللذين أسلفت ذكرهما ، فتلك سنة العقل البشرى ، لا يقيم على خطة واحدة من النظر . فهو لا يستطيع أن يستوعب الحقائق مطلقة . ويدرك اليوم ما لم يكن بقادر على إدراكه بالأمس .
ولما كان القانون الجديد – فيما استحدث من النصوص والأحكام – لا يزال بكراً لم يرد فيه قضاء أو فقه ، فقد استعضت عنهما بما نقلت من الأعمال التحضيرية . فأرخت كل نص من نصوص القانون الجديد منذ كان النص فى المشروع التمهيدى ، متعقباً إياه وقد انتقل إلى المشروع النهائى ، ثم إلى مجلس النواب ، ثم إلى لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ ، ثم إلى مجلس الشيوخ ، حتى أصبح هو نص القانون الجديد . نقلت ما جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى صدد هذه النصوص . واعتمدت فى كل ذلك على مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدنى الجديد التى أصدرتها وزارة العدل فى أجزاء سبعة .
وكنت إذا ما استحدث القانون الجديد تغييراً ، أعنى كل العناية بالإشارة إلى هذا التغيير ، فأرسم حدوده ، وأبين مداه ، وأستطرد عند الحاجة إلى بحث سريان الحكم الجديد من حيث الزمان ، فأذكر ما عسى أن يكون للنص المستحدث من أثر رجعى ، وبخاصة ما يكون له من أثر فورى ، وفقاً للنظريات الحديثة .
( والأمر الثانى ) أننى جعلت الفقه والقضاء الفرنسيين هما ، من بين سائر النظم القانونية الأجنبية ، النظام الأجنبى الذى رجعت إليه ، كما كانت الحال فى عهد القانون المدنى القديم . على أن القضاء الفرنسى لم أشر إليه إلا حيث أتابع التطور التاريخي لبعض المبادئ القانونية ، وإلا حيث استكمل به القضاء المصرى . وقد تعمدت أن يكون قضاؤنا المصرى هو الأصل الذي يرجع إليه ، فيكون هو القضاء البارز فى جميع نواحى الكتاب ، لا يغنى عنه القضاء الفرنسى ، بل لا يقف إلى جانبه إلا حيث تقوم الحاجة . لم أفعل ذلك زراية بالقضاء الفرنسى أو غضاً من شأنه ، وإلا فهو القضاء الذى نزلنا ضيوفاً فى ساحته الواسعة ، وعشنا زمناً فى رحباته الفسيحة . ولكن آن للضيف أن يعود إلى بيته ، بعد أن أقامه على عمد قوية . والقضاء المصرى فى مدى خمسة وسبعين عاماً قطع شوطاً بعيداً فى طريق التقدم ، حتى أصبح من حقه أن يظفر باستقلاله . وقد صار من الكثرة والتنوع بحيث يجد الباحث فيه لكل مسألة مرجعاً . وبلغ فى الذاتية شأواً أبعد ما بلغ الفقه المصرى . فمن واجبه الآن أن يضطلع بمسئولياته كاملة.
***

هذا عن اتصال الحاضر بالماضى . أما عن تطلع الحاضر إلى المستقبل ، فآيته أن القانون المدنى الجديد يفتتح عهداً جديداً .
يتمثل ذلك فى هذه النهضة التشريعية المباركة التى بدأت منذ سنة 1936 ، وقد أرسى أساسها على ماهر باشا باللجان التى ألفها لوضع مشروعات للتقنينات الرئيسية ، فناظرت هذه الحركة المثمرة المباركة قرينتها التى نبتت ستين عاماً قبلها وانتهت إلى وضع التقنينات المصرية الحديثة التى قامت عليها حياتنا القانونية ولا تزال تقوم على بعض منها حتى اليوم . فما أشبه الليلة بالبارحة ! لقد دخلت مصر بالأمس ، وفى نهضتها التشريعية الأولى ، عالم القانون الحديث ، فخطت خطوة حاسمة فى مدارج تطورها القانونى. وهى اليوم ، فى نهضتها التشريعية الثانية ، تخطو خطوة حاسمة أخرى ، فتتبوأ مكاناً مستقلا فى الأسرة العالمية للقانون.
وإذا كانت مصر قد استقلت بتشريعها ، فقد آن لها أن تستقل أيضاً بقضائها وبفقهها. وأن هذا العهد الجديد ، الذى افتتحه القانون المدنى الجديد ، لتعلن فيه مصر أنها قد اعتزمت أن يكون لها قضاء ذاتى وفقه قومى.
هذه هى المرحلة الجديدة التى تخطوها مصر ، وهذه هى الآفاق الجديدة التى تطالع بها رجال القانون فى هذا العهد الجديد .
لقد ظفر التشريع المصرى بالاستقلال فى سنة 1937 ، وكانت معاهدة مونتريه هى صك استقلاله . وظفر القضاء المصرى بالتوحيد بعد انقضاء فترة الانتقال وزوال المحاكم المختلطة . فعلى القضاء المصرى تقع تبعات جسيمة ينبغى له أن ينهض بها . وعلى الفقه المصرى أن يكون الرائد للقضاء المصرى ، يمهد له السبيل ، ويعبر له الطريق.
وإذا كان القانون المدنى الجديد قد اقتبس نصوصاً من بعض المصادر الأجنبية ، فليست هذه ، فى الكثرة الغالبة منها ، غير مصادر استئناس للصياغة . أما الغالبية العظمى من أحكامه فمستمدة من أحكام القانون المدنى القديم ومن المبادئ التى أقرها القضاء المصرى طوال سبعين سنة كاملة .
وقد كتبت منذ ثمانية عشر عاماً فى كتاب (( نظرية العقد )) : (( علينا أولاً أن نمصر الفقه ، فنجعله فقهاً مصرياً خالصاً ، نرى فيه طابع قوميتنا ، ونحس أثر عقليتنا ، ففقهنا حتى اليوم لا يزال ، هو أيضا ، يحتله الأجنبى ، والاحتلال هنا فرنسى . وهو احتلال ليس بأخف وطأة ، ولا بأقل عنتاً ، من أى احتلال آخر . لا يزال الفقه المصرى يتلمس فى الفقه الفرنسى الهادى المرشد ، لا يكاد يتزحزح عن أفقه ، أو ينحرف عن مسراه ، فهو ظله اللاصق ، وتابعه الأمين . فإذا قدر لنا أن نستقل بفقهنا ، وأن نفرغه فى جو مصرى ، يشب فيه على قدم مصرية ، وينمو بمقومات ذاتية ، بقى علينا أن نخطو الخطوة الأخيرة ، فنخرج من الدائرة القومية إلى الدائرة العالمية ، ونؤدى قسطاً مما تفرضه علينا الإنسانية ضريبة فى سبيل تقدم الفقه العالمى ، أو ما اصطلح الفقهاء على تسميته بالقانون المقارن )).
واليوم يسعدنى أن أنقل هنا ما أدليت به أمام اللجنة التشريعية بمجلس النواب ، وهى تنظر مشروع القانون الجديد : (( أن النصوص التشريعية الواردة فى هذا المشروع لها من الكيان الذاتى ما يجعلها مستقلة كل الاستقلال عن المصادر التى أخذت منها . ولم يكن الغرض من الرجوع إلى التقنينات الحديثة أن يتصل المشروع بهذه التقنينات المختلفة اتصال تبعية فى التفسير والتطبيق والتطور ، فإن هذا ، حتى لو كان ممكناً ، لا يكون مرغوباً فيه ، فمن المقطوع به أن كل نص تشريعى ينبغى أن يعيش فى البيئة التى يطبق فيها ، ويحيا حياة قومية توثق صلته بما يحيط به من ملابسات ، وما يخضع له من مقتضيات ، فينفصل انفصالا تاماً عن المصدر التاريخى الذى أخذ منه ، أيا كان هذا المصدر . وقد حان الوقت الذى يكون لمصر فيه قضاء ذاتى وفقه مستقل . ولكل من القضاء والفقه ، بل على كل منهما ، عند تطبيق النص أو تفسيره ، أن يعتبر هذا النص قائماً بذاته ، منفصلا عن مصدره ، فيطبقه أو يفسره تبعاً لما تقتضيه المصلحة ، ولما يتسع له التفسير من حلول تفى بحاجات البلد ، وتساير مقتضيات العدالة . وبذلك تتطور هذه النصوص فى صميم الحياة القومية ، وتثبت ذاتيتها ، ويتأكد استقلالها ، ويتحقق ما قصد إليه واضعو المشروع من أن يكون لمصر قانون قومى ، يستند إلى قضاء وفقه لهما من الطابع الذاتى ما يجعل أثرهما ملحوظاً فى التطور العالمى للقانون )) .
تطور النصوص فى صميم الحياة القومية : هذه هى مهمة القضاء والفقه فى مصر منذ اليوم . ولا عذر لهما إذا هما تخليا عن هذه التبعة الخطيرة ، وتركا الاجتهاد إلى التقليد .
وإن القانون المصرى الجديد ليؤذن بعهد جديد لا فى مصر فحسب ، بل أيضاً فى البلدين الشقيقين العربيين ، سورية والعراق . ويكفى أن يكون هذا الشرح للقانون المصرى الجديد هو فى الوقت ذاته شرح للقانون السورى الجديد ، فما بين القانونين إلا فروق طفيفة أشرت إليها فى حواشى هذا الكتاب . وهو أيضاً مرجع أساسى لشرح القانون العراقى الجديد ، فقد قام هذا القانون على مزاج موفق من الفقه الإسلامى والقانون المصرى الجديد . وقد حان الوقت ليتعاون الفقهاء المصريون مع زملائهم فقهاء سورية وفقهاء العراق ، ويتكاتفوا جميعاً لإرساء أساس قوى (( للقانون المدنى العربى )) ، يكون قوامه الفقه الإسلامى ، قانون المستقبل لبلاد العروبة جميعاً .
وإذا كنا نشعر اليوم بنزعة محمودة إلى تثبيت ذاتيتنا وتأكيد استقلالنا ، بعد أن صلب عودنا وشببنا عن الطوق ، فإن الواجب يقتضينا أن نذكر ذكر المعترف بالفضل والجميل ما نحن مدينون به للفقه الأجنبى ، وبخاصة للفقه الفرنسى . فقد كان هذا الفقه التكئة التى عليها نرتكز ، والنور الذى به نهتدى ، ولا زلنا مغمورين بفيضه حتى اليوم .
***
هذا والكتاب الذى أقدمه إلى القراء هو من طلائع الشروح للقانون المدنى الجديد . فلابد أن يكون بعيداً عن حد الكمال . وما أعجلنى إلى إخراجه إلا علمى بأن الغاية بعيدة ، وأن العمر قصير ، وأن الكمال لله وحده .
وقد تفضل صديقى الأستاذ الفاضل مصطفى كامل إسماعيل فكفل تصحيح (( التجارب )) ، فعاون بذلك على إخراج الكتاب معاونة مشكورة ، تخففت بها من مشقة بالغة . جزاه الله عنى خير الجزاء .
وإذا كان هذا الكتاب ليس إلا خطوة متواضعة نحو استقلال الفقه المصرى ، وقد بدت بشائر هذا الاستقلال قبل ذلك فى كتب ورسائل قيمة لزملاء هم فى الذروة من فقه القانون المدنى ، فإنى أرجو أن يكون الكتاب ، فى هذاالحيز المحدود ، قد أوفى بقليل من الغرض ، وملأ شيئاً من الفراغ ، وسد بعضاً من الحاجة .
وبالله المستعان .
أبريل سنة 1952







نظرة
فى
التقنين المدنى الجديد

كيف وضع ، وكيف يكون تفسيره
وما استحدث من أحكام ، وما يرسم من اتجاهات عامة

1- تنقيح التقنين المدنى : كيف قامت فكرة التنقيح ، وكيف حققت .
2- القواعد التى قام عليها التنقيح : كيف عولجت عيوب التقنين القديم – مصادر التنقيح وطرق التفسير فى التقنين الجديد .
3- الفروق الجوهرية ما بين التقنين الجديد والقديم : ما استحدث التقنين الجديد من أحكام ، وما قننه وكان مغمولا به من قبل .
4- الاتجاهات العامة للتقنين الجديد : موقف التقنين الجديد من الاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة – التقنين الجديد بين الاستقرار والتطور وبين الفرد والجماعة .


( 1 )

تنقيح التقنين المدنى
( كيف قامت فكرة التنقيح ، وكيف حققت )

1- كيف قامت فكرة التنقيح

1 ) عيوب التقنين المدنى القديم (1)
العيوب الموضوعية :
يكتنف الظروف التى وضع فيها التقنين المدنى القديم شيء من الغموض ، إذا لم يختلف عنه أعمال تحضيرية تبين لنا كيف وضع ، والظروف التى وضع فيها ، والسياسة التشريعية التى توخيت فى وضعه .
والمعروف أن واضع التقنين المدنى المختلط هو الأستاذ مانوري Manoury . كان محامياً فرنسياً يقيم فى الإسكندرية . واتخذه نوبار باشا أمين سر له . ثم عينه بعد ذلك أمين سر للجنة الدولية التى كانت تدرس مشروع إنشاء المحاكم المختلطة فى مصر ، وعهد إليه فى وضع التقنينات المختلطة فى سنة 1872 ، فانتهى من وضعها فى العام التالى ( سنة 1873 ) .
وقد اقتبس مانورى التقنين المدنى المختلط من التقنين المدنى الفرنسى ، فاختصر هذا التقنين اختصاراً مخلا فى كثير من المواطن . ونقل بعض المسائل عن القضاء الفرنسى وعن التقنين المدنى الإيطالى القديم الذى صدر فى سنة 1866 . ولم يغفل الشريعة الإسلامية فنقل عنها بعض الأحكام . وصدر التقنين المدنى المختلط فى 28 من يونيه سنة 1875 . ثم شكلت لجنة من بعض كبار المترجمين – كان فيهم محمد قدرى ( باشا ) وحسين فخرى ( باشا ) وبطرس غالى ( باشا ) – وقامت اللجنة بترجمة هذا التقنين وسائر التقنينات المختلطة إلى اللغة العربية .
وما لبثت حكومة ذلك العهد ، بعد إذ استقرت المحاكم المختلطة ، أن تطلعت إلى إصلاح القضاء الوطنى وتنظيمه على غرار القضاء المختلط . وكان ناظر الحقانية إذ ذاك محمد قدرى باشا . فتألفت فى أواخر سنة 1880 لجنة لوضع لائحة لمحاكم وطنية نظامية ، كان من بين أعضائها الأستاذ موريوندو Moriondo وهو محام إيطالى عين قاضياً فى محكمة الإسكندرية المختلطة فى سنة 1875 ، وبقى فى القضاء المختلط حتى وصل إلى منصب وكيل محكمة الاستئناف المختلطة ، وتوفى سنة 1911 . وقامت هذه اللجنة بوضع لائحة لترتيب المحاكم الوطنية الجديدة صدرت فى 17 من نوفمبر سنة 1881 . وقام أعضاء اللجنة فى الوقت ذاته بوضع تقنينات لهذه المحاكم ، صيغت كلها على مثال التقنينات المختلطة . وكان من نصيب الأستاذ موريوندو أن يضع التقنين المدنى الوطنى ، فنقله نقلا يكاد يكون حرفياً من التقنين المدنى المختلط . واشترك محمد قدرى باشا مع الأستاذ موريوندو فى وضع هذا التقنين .
ثم شبت الثورة العرابية ، فوقفت حركة الإصلاح القضائى . ولما أخمدت الثورة أعادت الحكومة النظر فى لائحة سنة 1881 ، وأصدرتها معدلة فى 14 من يونيه سنة 1883 . ثم أصدرت التقنين المدنى الوطنى فى 28 من أكتوبر سنة 1883 ، فالتقنينات الخمسة الأخرى فى 13 من نوفمبر سنة 1883 . وقد وضعت هذه التقنينات الوطنية كلها باللغة الفرنسية ، ثم ترجمت إلى اللغة العربية . وقام بالترجمة يوسف وهبه ( باشا ) مسترشداً بترجمة التقنينات المختلطة التى سبقت الإشارة إليها . وراجعت الترجمة لجنة شكلت لهذا الغرض (2) .
وقد سجلت قوانين (( الإصلاح )) المختلطة والوطنية فى تاريخ التقنين المصرى مرحلة تقدم واسعة فى العهد الذى صدرت فيه ، وقضت على كثير من مساوئ الماضى . ولكن البلاد بقيت تسير إلى الأمام ، فتطورت المدينة ، واستدار الزمن ، وتقدم فن التقنين ، وأصبحت مصر لا تقنع اليوم بما كانت تقنع به بالأمس ، وأخذت عيوب هذه التقنينات تظهر شيئا فشيئا . وبحسبى أن أشير هنا إشارة موجزة إلى عيوب التقنين المدنى القديم .
وأول ما يعيب هذا التقنين أنه محض تقليد للتقنين الفرنسى العتيق . فجمع بين عيوب التقليد وعيوب الأصل الذى قلده . والتقنين الفرنسى قد قدم به العهد ، وهو اليوم متخلف عن العصر الذى يعيش فيه قرناً ونصف قرن . وفى خلال هذه الأجيال الطويلة ارتقى التقنين المقارن إلى مدى جعل التقنين الفرنسى فى الصف الأخير من التقنينات الحديثة . فهناك مسائل ذات خطر كبير نبتت فى العهود الأخيرة ، ونمت وازدهرت فاحتوتها تقنينات القرن العشرين ، ولا نجد لها أثراً فى التقنين الفرنسى ، وقد ولد فى فجر القرن التاسع عشر ، ولا فى تقنيننا المدنى الذى أخذ عنه . فمبدأ التعسف فى استعمال الحق ، ونظرية الاستغلال ، ونظام المؤسسات ، وتنظيم الملكية فى الشيوع ، وعقود التزام المرافق العامة ،وعقد التأمين ، وحوالة الدين ، والإعسار المدنى ، كل هذه المسائل الخطيرة لا نعثر على نص واحد فيها لا فى التقنين الأصيل ولا فى التقنين المقلد . وحتى فيما احتواه هذان التقنينان من النظريات والأحكام ، نرى الكثير منها ناقصاً مبتورا . ويكفى أن نشير إلى أهم نظرية فى القانون المدنى وهى نظرية الالتزام ، وإلى أهم باب فيها وهو باب المصادر ، حتى يظهر بجلاء أن أحكام العقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب وردت فى التقنينين غامضة مقتضبة . فلا نجد فى أحكام العقد شيئاً عن النيابة فى التعاقد ، ولا عن الإرادة المنفردة ، ولا عن عقود الإذعان ، ولا عن الدفع بعدم تنفيذ العقد ، ولا عن الحق فى الحبس ، بل نحن لا نجد فى مسألة من أدق مسائل العقد ، وهى مسألة تكوينه ، إلا صمتا محيرا . فلا نص يبين كيف يصدر الإيجاب ، ومتى يكون ملزماً ، وإلى أى وقت ، وكيف يقترن به القبول ، ومتى وأين يتم التعاقد فيما بين الغائبين . ولا نجد فى المسئولية التقصيرية إلا عدداً قليلا من النصوص تسكت عن أهم المسائل فى هذه المسئولية . أما فى الإثراء بلا سبب فلا يوجد نص واحد يضع القاعدة العامة فى هذا الموضوع الخطير (3) .
ولم يقتصر التقنين المصرى على نقل عيوب التقنين الفرنسى ، بل زاد عليها عيوباً من عنده . وهو إذا كان قد تجنب عيوب هذا التقنين فى بعض المسائل ، كما فعل فى ترتيبه لمصادر الالتزام وفى عيوب الرضاء والهبة المستترة والتضامن فى المسئولية التقصيرية والمصروفات الفاحشة فى بيع الوفاء وامتياز المقاول من الباطن ، إلا أن ما زاده من العيوب أربى بكثير على ما تجنبه منها .
ففى تقنيننا المدنى القديم فضول واقتضاب . وفيه غموض وتناقض . ثم هو يقع فى كثير من الأخطاء الفاحشة .
أما أن التقنين القديم فه فضول واقتضاب فيكفى أن نتصفحه لنتبين ذلك فى وضوح . فهو فى حق الملكية ، أهم الحقوق العينية ، يقتصر على نصين اثنين ، يتحدث فى الثانى منهما عن حق المؤلف ويحيل فيه إلى قانون خاص . وهو مع ذلك يتناول حق الانتفاع ، أقل الحقوق العينية خطراً وأضيقها انتشاراً فى مصر ، فإذا به يفيض فى نصوصه إفاضة لا يفسرها إلا أنه يقلد التقنين الفرنسى تقليداً أعمى ، حيث حق الانتفاع فى فرنسا من الحقوق العينية الواسعة الانتشار بسبب قانون الميراث . ثم هو فى نظرية الالتزام يفيض فى المسائل التى لا حاجة للإفاضة فيها كما فعل فى الالتزامات التخييرية والالتزامات التى يكون القانون مصدرها ، ويقتضب فى المسائل التى هي فى أشد الحاجة إلى البيان والتفصيل كما فعل فى تكوين العقد وفى الاشتراط لمصلحة الغير وفى الدعوى البوليصية وفى المسئولية التقصيرية وفى الإثراء بلا سبب .
وفى التقنين القديم غموض وتناقض . يتفشى الغموض فى كثير من نصوصه الجوهرية . ويكفى الرجوع إلى النصوص المتعلقة بالدعوى غير المباشرة والدعوى البوليصية والالتزام الطبيعى والشرط الجزائى والمحل والسبب والاشتراط لمصلحة الغير والتضامن وعمل الفضولى والحيازة ، لنتبين أن هذه النصوص قلقة غامضة لا تخلص إلى معنى مستقر ثابت . أما التناقض ما بين أحكام التقنين القديم فهو أمر غير نادر الوقوع . إذ بينما يحمل المشترى تبعة الهلاك فى بيع المثليات قبل التسليم ، نرى البائع هو الذى يحمل هذه التبعة بوجه عام . وقد ساير التقنين القديم التقنين الفرنسى فى الأولى ،ونقل عن الشريعة الإسلامية فى الثانية . وبينما لا يجوز للمدين المتضامن أن يتمسك بالمقاصة التى وقعت لغيره من المدينين المتضامنين ، إذا به يجوز له أن يتمسك بها بقدر حصته فى الدين . وفى الوقت الذى يجيز فيه التقنين القديم الاشتراط لمصلحة الغير دون قيد ، إذا به يقرر فى عبارة عامة وفى غير احتراز أن العقود لا تترتب عليها منفعة لغير عاقديها . وينزل بالحد الأقصى للفوائد الاتفاقية إلى 9 فى المائة ، ولكنه يرتفع به فى عقد القرض إلى 12 فى المائة . ولم يسلم التقنين المدنى الوطنى من أن يتناقض فى بعض أحكامه مع التقنين المدنى المختلط . فالتقنين الوطنى يشترط فى حوالة الحق رضاء المدين ، ويكتفى التقنين المختلط بإعلانه . ويبيح التقنين الوطنى بيع المحصولات قبل أن تنبت ، ويحرم التقنين المختلط هذا البيع . ويجعل التقنين الوطنى أقصى مدة الاسترداد فى بيع الوفاء خمس سنين ، وينقص التقنين المختلط هذه المدة إلى سنتين .
وهناك سلسلة من الأخطاء وقع فيها التقنين القديم . منها أنه أغفل أهم شرط فى التملك بالتقادم القصير ، وهو شرط حسن النية . ونقل أحكام بيع المريض مرض الموت عن الشريعة الإسلامية فوقع فى غلطتين : نظر إلى مال البائع وقت البيع والصحيح أن ينظر إليه وقت الموت ، وقضى بأن العبرة بقيمة المبيع والصحيح أن العبرة بالقدر المحابى به . وقرر أحكاماً غريبة فى النفقات نقلها عن القانون الفرنسى وهى تتنافر مع أحكام الشريعة الإسلامية ، فجعل الزوجة تنفق على زوجها ، بل تنفق على زوجة أبى زوجها . وذكر أن ملكية المبيع المعين بالنوع تنتقل بالتسليم ، والصحيح أنها تنتقل بالتعيين . وجعل الشرط الجزائى التزاماً تخييرياً ، والصحيح أنه يخرج من نطاق الالتزامات التخييرية . ورتب على الوفاء مع الحلول أن الدين ينقضى ويحل محله دين جديد ، والصحيح أن للدين يبقى مع انتقاله إلى دائن جديد . وزعم التقنين المدنى المختلط أن القسمة منشئة للحق ، والصحيح أن القسمة كاشفة لا منشئة .
العيوب الشكلية :
وفى التقنين القديم – إلى هذه العيوب الموضوعية – عيوب شكلية ترجع إلى تبويبه وإلى ازدواج لغته . فتبويبه واضح العيوب . إذ هو يجمع فى كتاب أول بين الأموال والحقوق العينية الأصلية ، وكان الواجب فصل الأموال عن الحقوق العينية ، فالأموال محل للحقوق العينية وللحقوق الشخصية على السواء . ويفصل فى كتابين مستقلين بين نظرية الالتزام والعقود المسماة ، ولا محل لهذا الفصل فالعقود المسماة تتصل بنظرية الالتزام أوثق الاتصال . ويخصص كتاباً رابعاً لما يسميه بحقوق الدائنين ، ويخلط فيه بين التأمينات العينية وإثبات الحقوق العينية ودفاتر التسجيل ، بل هو لا يذكر من التأمينات العينية الرهن الحيازى ويورده دون غيره فى العقود المسماة . ولا يشتمل على باب تمهيدى لمصادر القانون ولتطبيقه فى الزمان والمكان ، ولغير ذلك من المسائل العامة .
وعيوب التبويب التفصيلى لا تقل عن عيوب التبويب العام . ففى الكتاب المخصص للحقوق العينية الأصلية نرى قيود الملكية واردة على أنها حقوق ارتفاق ، ولا نرى أثراً للملكية فى الشيوع ولا للقسمة إلا بعيداً عن هذا الكتاب فى المكان المخصص للشركات وفى قانون المرافعات ( م 621/711 مرافعات ) . ونرى قاعدة جوهرية كالقاعدة التى تقضى بأن الحيازة فى المنقول سند الملكية موزعة توزيعاً غريباً بين التملك بالعقد ( م 46/68 ) والتملك بالتقادم ( م 86-87 /115 – 116 ) وإثبات الحقوق العينية ( م 607 – 608/ 733-734 ). وليس ثمة أثر لأي ترتيب منطقى أو عملى لوحظ فى تسلسل أسباب كسب الملكية .وفى الكتاب الثانى المخصص لنظرية الالتزام نرى نظرية الالتزام فى ذاته مشطورة شطرين توسطت بينهما أبواب ثلاثة خصصت لمصادر الالتزام . فالباب الأول من هذا الكتاب يتناول أثر الالتزام وما يدخل عليه من أوصاف . والباب الثانى يتناول أول مصادر الالتزام وهو العقد . والباب الثالث يخلط بين مصدرين مستقلين كان الواجب فصل أحدهما عن الآخر ، وهما الإثراء بلا سبب والعمل غير المشروع . والباب الرابع يفيض فى المصدر الأخير للالتزام وهو القانون ، مع أن هذا المصدر هو أقل المصادر حاجة إلى الانفراد بباب مستقل ، بله الإفاضة فى نصوصه . ثم يعود الباب الخامس إلى نظرية الالتزام فى ذاته ، فيتناول أسباب انقضائه ويرتبها ترتيباً غير منطقى . ويمضى الباب السادس فى إثبات الالتزام . أما انتقال الالتزام – ولا يعرف القانون القديم منه إلا حوالة الحق دون حوالة الدين – فلا تراه فى هذا الكتاب أصلا ، وإنما تجده منزوياً فى الفصل الأخير من فصول عقد البيع . وفى الكتاب الثالث الذى خصص للعقود المسماة تجد هذه العقود قد وردت واحداً بعد الآخر فى غير ترتيب واضح . فيأتى بعد البيع الإيجار وهو يمزج ما بين إيجار الأشياء وعقد المقاولة وعقد العمل . ثم يرد عقد الشركة فعقد العارية ويمتزج فيه القرض بعارية الاستعمال . وهكذا تتابع العقود دون ترتيب ، فتخلص من الوديعة إلى الكفالة، ثم إلى الوكالة ، فالصلح ، فرهن الحيازة ، فالغاروقة ! أما الكتاب الرابع فقد قدمنا أنه مزيج غريب يجمع ما بين حق الدائن العادى فى التنفيذ على أموال مدينه ، ومن ثم ترد إشارة إلى الدعوى البوليصية (م 556/680 ) ، والتأمينات العينية ، وهذه لا ترد كاملة ، فالرهن الحيازى يرد فى العقود المسماة كما رأينا ، وقواعد التسجيل القديمة ، وترد تحت عنوان إثبات الحقوق العينية ، ثم أحكام تفصيلية فى دفاتر التسجيل .
وليس الأمر مقصوراً على التبويب العام والتبويب التفصيلى ، فإن الترتيب الداخلى لأحكام كل باب وكل فصل لم يراع فيه تسلسل منطقى أو اعتبار عملى ، ولا حاجة للخوض فى ذلك .
أما ازدواج لغة التقنين القديم فأمره مشهور . وضع هذا التقنين فى الأصل باللغة الفرنسية ، ثم ترجم إلى اللغة العربية ، فكان من ذلك أن وجد أمام المحاكم الوطنية نص أصلى – يقابله نص رسمى ، وكثيراً ما يتناقض النصان . مثل ذلك التدليس ، يشترط النص العربى أن يكون صادراً من أحد المتعاقدين ولا يشترط النص الفرنسى ذلك ، والصحيح هو النص الفرنسى ، فقد أراد المشرع المصرى أن يتجنب عيباً فى القانون الفرنسى بأن يجعل التدليس الصادر من الغير كالإكراه الصادر من الغير عيباً فى الرضاء . وإعذار المدين ، يقرر النص العربى أن الإنذار فيه يجب أن يكون رسمياً ولا يتطلب النص الفرنسى ذلك ، والصحيح هنا هو النص العربى . والوفاء مع الحلول ، لا يشير النص العربى فيه إلى دين جديد يحل محل دين قديم ويصرح النص الفرنسى بذلك ، والصحيح هنا أيضاً هو النص العربى . واسترداد الحصة الشائعة ، لا يشترط النص العربى فى الشركاء أن يكونوا أصليين ويشترط ذلك النص الفرنسى ، والصحيح هو النص الفرنسى (4) . فأنت ترى قدر الاضطراب الذى يقع من ازدواج لغة التشريع ومن عدم اضطراد القاعدة فى الأخذ بأى النصين ، فتارة يؤخذ بالنص العربى ، وأخرى بالنص الفرنسى . هذا إلى أن الترجمة العربية ، وهى النص الرسمى ، يقع كثيراً أن تكون ترجمة خاطئة لم تتحر الدقة فيها (5) .
ب ) التنقيح الشامل :
هذه هى عيوب التقنين القديم أشرنا فى إيجاز لأن الكثير منها معروف . وتقنين على هذا القدر من العيوب لا يجوز التردد فى القول بوجوب تنقيحه ، وبتنقيحه تنقيحاً شاملاً . فالتنقيح الجزئي لا يجدى فى إصلاح عيوب انتشرت فى جميع ثنايا التقنين ، وشاعت فى كل أجزائه . وقد كان التنقيح الشامل هو المبدأ المقرر فى جميع اللجان التى توالت على تنقيح هذا التقنين ، يبرز هذا فى وضوح من الرجوع إلى أعمال هذه اللجان ، ومن الرجوع إلى المذكرة الرسمية التى كانت أصلا فى تأليف اللجان جميعاً .
والتقنينات متى قدمت ، وطال بها العهد ، واختلف عليها الزمن ، لا يجدى فيها الترفيع . وبحسبك أن تنظر إلى التقنين المدنى النمساوى ، وقد وضع فى سنة 1810 ، ثم نقح تنقيحاً جزئياً فى أوائل الحرب العالمية الأولى ، تراه رثاً مهلهلا يطالعك فيما بين ثناياه القديمة البالية بقطع مرقعة تلمح فيها الجدة ، فتعجب من هذا الازدواج الغريب ما بين القديم والجديد ، ويفجؤك منه ضروب من المفارقات وانعدام التنسيق والانسجام . وهذا هو السر فى عدم انتشاره وجهل الناس به ، مع أنه من أهم التقنينات الجرمانية . ويكفى أن تقارن بينه وبين التقنينين الجرمانيين الآخرين ، الألمانى والسويسرى ، حتى تتبين أنهما يبزانه كثيراً فى التماسك والانسجام ، وإحكام الحبك ، وكمال الصنعة .
وقد عمد واضعو المشروع الفرنسى الإيطالى إلى التنقيح الشامل دون التنقيح الجزئى ، فطلعوا على الناس بأثر تشريعى جليل . وهكذا صنع الإيطاليون عند ما نقحوا تقنينهم المدنى فى العهد الأخير ، فجاء تنقيحهم شاملا جامعاً . وهذا هو ما اعتزم الفرنسيون أن يصنعوا ، فهم اليوم ينقحون تقنينهم المدنى العتيق تنقيحاً شاملا ، بدأوا العمل فيه منذ سنة 1945 – فإذا كان كل من التقنين الإيطالى والتقنين الفرنسى فى هذه الحاجة إلى التنقيح الشامل ، وقد نقح أولهما فعلا وأخذ الثانى طريقه إلى التنقيح ، فما أولى التقنين المصرى بالتنقيح الشامل وهو الذى جمع إلى عيوبه الذاتية عيوب الأصل الذى حاكاه .
والآن وقد تم التنقيح ، واستوى التقنين الجديد متخذاً مكانه بين التقنينات الحديثة ، أيريبك منه أن جاء تنقيحه تنقيحاً شاملاً ؟ وهل كان يجدى فيه التنقيح الجزئي ؟ وأين كانت النصوص الجديدة تجد مكانها بين نصوص التقنين القديم ، وهى لا تقل فى العدد عن هذه ، وكلها بين نص واضح الضرورة ونص محقق النفع ؟ ثم أما كان التنقيح الجزئى يفرض بقاء التقنين على تقسيمه القديم بما حواه من عيوب ، وعلى تبويه الأصلى بما شابه من نقص ، وعلى ترتيبه المعهود بما اعتوره من خلل ! (6) .
جـ ) الظروف التى نبتت فيها فكرة التنقيح :
نبتت فكرة تنقيح التقنين المدنى منذ عهد بعيد . وقد كان التقنين القديم منذ صدوره محلا لتعديلات جزئية متفرقة (7) .
وألفت لجنة أثناء الحرب العالمية الأولى للنظر فى إلغاء الامتيازات الأجنبية ، وكان فيما فكرت فيه تنقيح القانون المدنى .
على أن التنقيح الشامل لم يكن محلا للتفكير فى تلك العهود . ولكن التطورات العميقة التى ساقها الحرب العالمية الأولى ما لبثت أن جعلت هذه المسألة الخطيرة تطرح على بساط البحث . فناقشها كبار المشتغلين بالقانون المصرى من الأجانب فى ذلك الوقت ، نذكر منهم أربعة : الأستاذ بيولاكازيللى (8) والأستاذ مسينا (9) والأستاذ والتون (10) والأستاذ بواييه (11) . فكان الأولون من خصوم التنقيح الشامل ، والأخيران من أنصاره (12) .
وأول تصريح رسمى حاسم فى اعتزام الحكومة تعديل التقنين المدنى والتقنينات الأخرى تعديلا شاملا ورد فى الخطاب الذى ألقاه وزير الحقانية فى عيد الاحتفال الخمسينى بالمحاكم الوطنية فى سنة 1933 (13) . وعلى أثر ذلك انطلق الشعور العام الذى كان سائدا فى ذلك الوقت بين رجال القانون من المصريين ، فنادوا بوجوب تنقيح التقنين المدنى تنقيحاً شاملاً (14) .
ثم توالت الأحداث السياسية ، وأخذت الحرب العالمية الثانية تقترب ، ومال الإنجليز إلى عقد معاهدة مع مصر استعداداً لهذه الحرب . وقبل أن تعقد معاهدة سنة 1936 ، توقعت الوزارة التى كانت قائمة فى الحكم إذ ذاك – وزارة على ماهر باشا – أن هذه المعاهدة لابد أن تعرض للامتيازات الأجنبية ، وأن تقضى بإلغائها . فقدرت بحق أن إلغاء هذه الامتيازات يقتضى تعديل التقنينات المصرية التى وضعت على عجل وقت إنشاء المحاكم المختلطة ، ونقلت نقلا يكاد يكون حرفياً إلى المحاكم الوطنية عند إنشائها . فأخذت للأمر أهبته ، وشكلت لجنتين ، إحداهما لتعديل التقنين المدنى والتقنين التجارى وتقنين المرافعات ، والأخرى لتعديل التقنين الجنائى وتقنين الإجراءات الجنائية .
2 – كيف حققت فكرة التنقيح
( اللجان التى تعاقبت على تنقيح القانون المدنى )
اللجنة الأولى :

وكل إذن إلى إحدى اللجنتين اللتين أشرنا إليهما تنقيح القانون المدنى تنقيحاً شاملا . وكانت هذه اللجنة برياسة مراد سيد أحمد باشا ، وأعضاؤها سبعة غير الرئيس (15) وقد شكلت بقرار من مجلس الوزراء صدر فى أول مارس سنة 1936 . وحدد المجلس عامين للجنة لكى تتم فى خلالهما أعمالها ، واشترط تفرغ أعضاء اللجنة ومعاونيهم للمهمة التى نيطت بهم تفرغاً تاماً فى نظير مكافآت مالية تعوضهم عن جهودهم .
وعقدت اللجنة الأولى في المدة ما بين 21 من مارس سنة 1936 ، تاريخ افتتاح عملها الرسمى ، و 26 من مايو سنة 1936 ، تاريخ حلها ، عشر جلسات وزعت فى خلالها العمل على الأعضاء ، وانتهت إلى إقرار بعض النصوص التمهيدية فى القانون المدنى على أساس المشروع الذى تقدم به الأستاذ لينان دى بلفون أحد أعضائها ، وهى تتعلق بمصادر القانون وبتنازع القوانين . وقد استبقى المشروع التمهيدى للقانون المدنى الجديد من هذه النصوص أربعة هى المواد الأولى فيه ، وكذلك استبقى مشروعاً قدمه للجنة الأستاذ لينان دى بلفون فى الأشخاص المعنوية والجمعيات والمؤسسات بعد إدخال بعض تعديلات فيه .
ولكن اللجنة الأولى لم تكد تقضى فى عملها شهرين حتى صدر قرار من مجلس الوزراء فى 26 من مايو سنة 1936 بحلها اقتصاداً فى النفقات ! وكان ذلك على أثر تغير الوزارة . وقد أنجزت هذه اللجنة – عدا النصوص التمهيدية فى القانون المدنى التى سبقت الإشارة إليها – ما يقرب من ثمانين مادة من القانون التجارى تتعلق كلها بالكمبيالة وأوراق الصرف (16) .

اللجنة الثانية :
وبقى العمل معطلا بعد حل اللجنة الأولى إلى أن صدر فى 20 من نوفمبر سنة 1936 قرار من مجلس الوزراء بتشكيل اللجنة الثانية برياسة كامل صدقى ( باشا ) ومعه عشرة أعضاء (17) ، على أسس تغاير الأسس التى قامت عليها اللجنة الأولى ، فلم تحدد لنهاية العمل مدة وألغى نظام التفرغ والمكافآت . وقد خرج من اختصاص هذه اللجنة قانون المرافعات المدنية ، وعهد إليها فضلا عن القانون المدنى وقانون التجارة البرى والبحرى ، وبوضع قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين .
وعقدت اللجنة الثانية فى المدة ما بين 20 من نوفمبر سنة 1936 تاريخ تشكيلها و 21 من يونيه سنة 1938 تاريخ حلها ما يقرب من عشرين جلسة ، انتهت فيها إلى الموافقة على النصوص التمهيدية والنصوص المتعلقة بالموطن والشفعة والكفالة . وقد استبقى المشروع التمهيدى للقانون المدنى الجديد من هذه الأعمال النصوص المتعلقة بالشفعة بعد مراجعتها والنصوص المتعلقة بالكفالة بعد إدخال تعديلات جوهرية فيها (18) .
اللجنة الثالثة والأخيرة :
وفى 16 من يونية سنة 1938 تقدم وزير العدل أحمد خشبة باشا – وكانت الوزارة قد تغيرت – بمذكرة إلى مجلس الوزراء أبان فيها أن تجاه المشتغلين بصناعة التشريع يكشف عن ضعف إيمانهم بصلاحية نظام اللجان للبدء بأعمال التقنين ، كما أن التجربة فى أكثر البلاد تقطع بفسادها وبأفضلية إسناد مهمة وضع التقنين إلى أحد رجال القانون ، حتى إذا فرغ من وضع مشروع تمهيدى طرح هذا المشروع على الرأى العام ، فإذا اجتمعت ملاحظات الأفراد والهيئات عليه عهد به إلى لجنة تتولى مناقشته وتقويم عوجه . واقترح وزير العدل أن يعهد فى وضع المشروع التمهيدى للقانون المدنى إلى اثنين من المشتغلين بالقانون يختار أحدهما من المصريين والآخر من الأجانب ، على أن يتفرغا لعملهما ويتماه فى مدى ستة شهور .
وفى 21 من يونية سنة 1938 وافق مجلس الوزراء على ما جاء بمذكرة وزير العدل ، فحلت اللجنة الثانية بهذا القرار . وفى 28 من يونيه سنة 1938 أصدر وزير العدل ، تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء ، قراراً بإسناد مهمة وضع المشروع التمهيدى للقانون المدنى لاثنين من رجال القانون ، أحدهما الأستاذ إدوار لامبير من أكبر رجال الفقه فى فرنسا ، والثانى مؤلف هذا الكتاب (19) .
وإلى هذا الإجراء الحكيم الذى اتخذه وزير العدل – لجنة قليلة العدد لا تجاوز اثنين تتفرغ لعملها تفرغاً تاماً (20) – يرجع الفضل فى إنجاز المشروع التمهيدى فى قرابة عامين ، وقد بلغت مواد هذا المشروع 1591 مادة ، وتم طبعه فى سنة 1942 (21) . وعرضته وزارة العدل للاستفتاء على رجال القضاء وأساتذة القانون ومختلف الهيئات القانونية والمالية ، وظل معروضا للاستفتاء زهاء ثلاث سنوات (22)
وفى 29 من مارس سنة 1945 شكلت لجنة برياسة مؤلف هذا الكتاب وعضوية أربعة من رجال القانون (23) ، تعاونها هيئة فنية (24) ، لمراجعة المشروع فى ضوء ما تم من الاستفتاء وما قدم من الملاحظات . وحدد لها موعد ستة أشهر لإنجاز مهمتها . وقد عقدت لجنة المراجعة هذه أولى جلساتها فى أول أبريل سنة 1945 وانتهت من مراجعة المشروع التمهيدى فى 21 من نوفمبر سنة 1945 .
وأرسل المشروع النهائى إلى مجلس الوزراء فى 22 من نوفمبر سنة 1945 (25) ، وهو يشتمل على 1253 مادة (26) ، وصدر مرسوم بعرضه على البرلمان فى 4 من ديسمبر سنة 1945 (27) .
وعرض المشروع على مجلس النواب ، بعد أن أحيل على (( لجنة الشؤون التشريعية )) برياسة حضرة النائب المحترم علي أيوب بك وكيل المجلس (28) ، فأقره ، وقد استغرق نظره بالمجلس ولجنته التشريعية زهاء ستة شهور ، من 17 ديسمبر سنة 1945 إلى 27 مايو سنة 1946 (29) .
وأحيل المشروع بعد ذلك إلى مجلس الشيوخ ، فقرر فى 3 من شهر يونية سنة 1946 إحالته إلى لجنة خاصة سميت لجنة القانون المدنى ، برياسة حضرة الشيخ المحترم محمد محمد الوكيل بك وكيل المجلس (30) . ودرست اللجنة المشروع دراسة مستفيضة مدة عامين ، استمعت فى خلالهما إلى كثير من الآراء تقدمت إليها من جهات مختلفة (31) .

وأحالت المشروع بعد أن أقرته إلى مجلس الشيوخ (32) فأقره المجلس فى 28 من شهر يونيه سنة 1948 (33) . وأحيل ثانية إلى مجلس النواب لإقرار التعديلات التى رأى مجلس الشيوخ إدخالها ، فأقرها مجلس النواب فى 5 من شهر يولية سنة 1948 .
وفى 16 من شهر يوليه سنة 1948 صدر المرسوم بالتصديق عليه وإصداره . ونشر فى الجريدة الرسمية بتاريخ 29 من شهر يوليه سنة 1948 على أن يعمل به ابتداء من 15 أكتوبر سنة 1949 ، أي من اليوم الذى توحد فيه القضاء المصرى بزوال النظام المختلط ، وبلغ عدد مواده 1149 مادة (34) .
وفى 24 من شهر أكتوبر سنة 1948 صدر قرار وزير العدل بتشكيل لجنة برياسة الأستاذ سليمان حافظ بك وكيل وزارة العدل وعضوية تسعة من رجال القانون (35) لجمع الأعمال التحضيرية للتقنين المدنى الجديد ونشرها على جمهور المشتغلين بالقانون .
وقد أنجزت اللجنة مهمتها ، بعد أن جمعت المذكرة الإيضاحة للمشروع التمهيدى والمحاضر والتقارير المختلفة(36) ، ووزعت ما ورد فى هذه الوثائق على نصوص التقنين .
ووقعت مجموعة الأعمال التحضيرية فى أجزاء سبعة (37) ، هى التى ننقل عنها فى هذا الكتاب ما نرى ضرورة الإشارة إليه من هذه الأعمال (38) .

(2)

القواعد التى قام عليها التنقيح
كيف عولجت عيوب التقنين القديم – مصادر التنقيح وطرق التفسير
فى التقنين الجديد
1- كيف عولجت عيوب التقنين القديم
( استعراض عالم للتقنين الجديد )

كان الهم الأول لواضعى التقنين الجديد هو أن يعالجوا عيوب التقنين القديم سواء فى الشكل أو فى الموضوع .
1- كيف عولجت العيوب الشكلية :
رأينا أن التقنين القديم كان معيباً فى تبويبه ، ومعيباً فى ازدواج لغته وضعف أسلوبه . فلننظر كيف عولجت هذه العيوب فى التقنين الجديد .
( أولاً ) التبويب :
مشتملات التقنين الجديد : كان الأمر الأول الذى نظر فيه واضعو المشروع ، وهم يستفتحون عملهم ، هو أن يبحثوا كيف يكون تقسيم التقنين الجديد ، وكيف يبوب ، وكيف ترتب نصوصه فى كل باب ، وبتعبير آخر : ما هى الخطة Plan التى يوضع التقنين الجديد على مقتضاها . وذلك بعد أن وضح أن الخطة التى قام عليها التقنين القديم ، بما تحويه من عيوب وما يشوبها من نقص ، لا تصلح أن يقوم عليها التقنين الجديد .
ولكنهم ما لبثوا أن تبينوا أن هذا السؤال يسبقه سؤال آخر ، هو : أيشتمل التقنين الجديد على كل موضوعات القانون المدنى ، فيحتوى قانون الأسرة كما يحتوى قانون المعاملات ؟ قامت صعوبات واضحة حالت دون أن يندرج فى التقنين الجديد أحكام الأسرة ، فإن هذه الأحكام ليس مصدرها فحسب الشريعة الإسلامية ، بل إن لها مصادر أخرى دينية ، وهى لم توحد فى كل أجزائها بالنسبة إلى جميع المصريين . وحدت فى أحكام الصغير والمحجور ، ووحدت إلى حد كبير فى أحكام الميراث والوصية ، ولكنها لم توحد فى الزواج والطلاق والنسب . فرأى واضعو المشروع ألا يربكوا التقنين المدنى الجديد بعقبات يتعذر تذليلها ، واعتزموا الاقتصار على أحكام المعاملات . واستظهروا فيما رسموه لأنفسهم من ذلك اتجاهات واضحة بدت فى كثير من التقنينات الحديثة . فهذا التقنين البولونى ، والتقنين اللبنانى، والتقنين السوفييتى فى المعاملات ، بل والتقنين السويسرى فى الالتزامات ، وكلها من أحدث التقنينات وأشهرها ، لم يندرج فيها قانون الأسرة ، وظل هذا القانون وحده ، أو هو وقانون الحقوق العينية ، منفصلا عن سائر أجزاء القانون المدنى . فلا تثريب إذن على واضعى التقنين الجديد إذا هم أبقوا قانون الأسرة منفصلا ، وملابسات هذا القانون معروفة(39) .
قسم عام للتقنين الجديد : وإذ رسم واضعو التقنين الجديد حدود هذا التقنين ومدى ما يشتمل عليه من موضوعات ، برز أمامهم سؤال جديد فرضته سياسة التقسيم والتبويب . فهل يكون للتقنين الجديد قسم عام على غرار هذا القسم الذى اشتمل عليه التقنين الألمانى ، وسايره فيه كثير من التقنينات الحديثة ؟ كان أمام واضعى التقنين الجديد مثلان متعارضان : مثل التقنين الألمانى وما تبعه من تقنينات أخرى ، ومثل التقنين الفرنسى وسائر التقنينات اللاتينية .
فالتقنينات اللاتينية لا تشتمل عادة على قسم عام ، وإنما تجتزئ بفصل تمهيدى قصير يتناول مصادر القانون وبعض قواعد موجزة فى تنازع القوانين أما التقنين الألمانى فقد حوى قسما عاما مسهبا اشتمل على مائتين وأربعين نصا ، تناول فيها كثيراً من الموضوعات العامة ، وخصص كثيراً من هذه النصوص لنظرية العمل القانونى ( acte juridique ) فعرض فيها لتفصيلات كثيرة مما يندرج عادة فى النصوص الخاصة بالعقد . وكذلك فعل التقنين الصينى ، وقد اشتمل قسمه العام على 152 مادة . وحذا حذو التقنين الألمانى التقنين الأرجنتينى ( 331 مادة ) والتقنين البرازيلى ( 174 مادة ) وتقنين السوفييت ( 51 مادة ) . وهذه التقنينات جميعها تناولت فى هذا القسم العام جانباً من المسائل العامة كمصادر القانون والتعسف فى استعمال الحق والشخص الطبيعى والشخص المعنوى وتقسيم الأموال ، وأضافت إلى ذلك نصوصاً كثيرة فى نظرية العمل القانونى .
لم يتردد واضعو التقنين الجديد طويلا بين هذين المثلين . فقد رأوا أن مثل التقنينات اللاتينية من حيث الاكتفاء بفصل قصير فى الأحكام العامة لم يعد هو المثل المتبع فى التقنينات الحديثة . ولكنهم لم يأخذوا بمثل التقنين الألمانى كاملا ، ولم يدرجوا فى القسم العام نصوصاً تتناول أحكام العمل القانونى . فإن أصلح مكان لهذه النصوص فى تقنين ذى صبغة عملية هو الفصل الذى يخصص للعقد . ذلك أن العقد هو أهم الأعمال القانونية . فإذا ذكرت أحكامه فى القسم العام بعنوان العمل القانونى ، أصبح واضعو المشروع بين أن يغفلوا هذه الأحكام فى الفصل المخصص للعقد ، فيفقد هذا الفصل أهم الأحكام التى تندرج عادة فيه ، وبين أن يعيدوا ذكرها ، فيكون هذا تكراراً لما سبق . والخطة العملية فى ذلك هو أن تذكر هذه الأحكام فى الفصل المخصص للعقد ، ويحال عليها فيما يخص الأعمال القانونية الأخرى . هكذا فعل تقنين الالتزامات السويسرى ، وقد آثر التقنين الجديد مسايرته فى هذه الخطة العملية الحكيمة (40) .
وما كان بعد ذلك من مسائل عامة فقد احتواها الباب التمهيدى للتقنين الجديد . ويشتمل هذا الباب على ثمانية وثمانين نصا ، تناولت فى الفصل الأول منها القانون وتطبيقه ، فعددت مصادر القانون ، وقررت مبدأ التعسف فى استعمال الحق ، وذكرت الوقاعد الخاصة بتنازع القوانين من حيث الزمان ومن حيث المكان . وتناولت فى الفصل الثانى الأشخاص ، ففصلت أحكام الشخص الطبيعى وأحكام الشخص المعنوى بما يندرج فيه من جمعيات ومؤسسات . وخصصت الفصل الثالث لتقسيم الأشياء والأموال .
التقسيم الرئيسى للقانون الجديد : وبعد أن فرغ واضعو التقنين الجديد من تحديد مشتملات الباب التمهيدى ، كان عليهم أن يرسموا للتقنين تقسيماته الرئيسية . وقد توخوا فى هذا التقسيم أن يعالجوا عيوب التقنين القديم . فقد قدمنا :
( أولاً ) أن التقنين القديم جمع فى الكتاب الأول بين الأموال والحقوق العينية الأصلية ، وكان الأولى فصل هذه عن تلك ، فإن الأموال تكون محلا للحقوق العينية الحقوق الشخصية على السواء . وهذا ما فعله التقنين الجديد . فقد وضع تقسيم الأموال فى الباب التمهيدى ، فهيأ بذلك للفكرة الصحيحة من أن المال يصلح محلا للحقوق المالية كافة .
( ثانياً ) أن التقنين القديم فصل فى قسمين مستقلين نظرية الالتزام عن العقود المسماة ، ولم يكن هناك محل لهذا الفصل ، فالعقود المسماة إنما هى تطبيق من تطبيقات نظرية الالتزام . وقد توخى التقنين الجديد أن يجمع بين نظرية الالتزام والعقود المسماة فى قسم واحد ، جعله القسم الأول من التقنين . والبدء بنظرية الالتزام فى التقنين الجديد هو خير من البدء بالحقوق العينية الأصلية فى التقنين القديم . فإن نظرية الالتزام هى مفتاح القانون المدنى ، بل هى مفتاح القانون بوجه عام . فالبدء بها أمر تستوجبه البداهة ، وتقتضيه طبيعة الأشياء .
( ثالثا ) أن التقنين القديم خلط فى كتابه الرابع ، الذى عنونه بحقوق الدائنين ، بين التأمينات العينية وإثبات الحقوق العينية ودفاتر التسجيل . وقد تجنب التقنين الجديد هذا الخلط ، فترك إثبات الحقوق العينية ودفاتر التسجيل لقانون خاص هو قانون الشهر العقارى ، توقعاً للإصلاح الجوهرى الذى سيتم فى هذا الموضوع بعد إدخال السجل العقارى . واستبقى من هذه الموضوعات التأمينات العينية ، فجعلها بعنوان الحقوق العينية التبعية فى كتاب رابع ، يجئ بعد الكتاب الثالث فى الحقوق العينية الأصلية . وجمع بين الكتابين فى قسم واحد – هو القسم الثانى – لما بينهما من الصلة الوثيقة . وأورد التأمينات العينية كاملة ، فأدرج فيها رهن الحيازة على خلاف ما فعل التقنين القديم ، وحذف منها الحبس إذ لم يعتبره حقا عينيا .
ويخلص من ذلك أن التقسيم الرئيسى للتقنين الجديد يفضل كثيراً من ناحية المنطق تقسيم التقنين القديم . فالتقنين الجديد يبدأ بباب تمهيدى . ثم ينقسم إلى قسمين ، أحدهما للحقوق الشخصية ، والثانى للحقوق العينية . ويتجزأ القسم الأول إلى كتابين ، أحدهما لنظرية الالتزام ، والثانى للعقود المسماة . وكذلك يتجزأ القسم الثانى إلى كتابين آخرين ، أحدهما للحقوق العينية الأصلية ، والثانى للحقوق العينية التبعية .
التبويب التفصيلي للتقنين الجديد : وفى تبويب الأقسام الرئيسية ، يفضل التقنين الجديد التقنين القديم .
فالكتاب الأول من التقنين الجديد ، الذى خصص لنظرية الالتزام ، لوحظ فى تبويبه تجنب العيوب التى وقع فيها التقنين القديم . وقد تقدم أن هذا التقنين بدأ بنظرية الالتزام فى ذاته ، ثم تركها ، قبل أن يفرغ منها ، إلى مصادر الالتزام . فتناول العقد ، ثم جمع بين مصدرين مستقلين كان الواجب فصل أحدهما عن الآخر ، هما العمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ثم هو ، بعد أن يفرغ من مصادر الالتزام ، يعود إلى نظرية الالتزام فى ذاته ، فيتناول أسباب انقضائه ، ويورد هذه الأسباب فى غير ترتيب منطقى ثم يختم نظرية الالتزام بباب مشوش فى طرق إثباته . ويترك انتقال الالتزام – ولا يعرف منه إلا إحدى صورتيه – إلى جهة منزوية فى الفصل الأخير من عقد البيع . أما التقنين الجديد فيبوب الكتاب الأول فى نظرية الالتزام تبويباً منطقياً عملياً فى وقت واحد ، فيجعل الباب الأول من هذا الكتاب لمصادر الالتزام . ويورد هذه المصادر مرتبة ترتيباً علمياً حديثاً فيبدأ بالعقد ، ويتناول أركانه فآثاره فانحلاله . وينتقل بعد ذلك إلى الإرادة المنفردة (41) فالعمل غير المشروع فالإثراء بلا سبب ، فالقانون . وهو فى كل فصل من هذه الفصول يرتب النصوص ترتيباً تتسلسل الأحكام فيه تسلسلا يمليه المنطق والعمل . ثم يجعل الباب الثانى لآثار الالتزام فيتناول التنفيذ العينى ، والتنفيذ بطريق التعويض ، ويعرض بعد ذلك لما يكفل حقوق الدائنين العاديين ، فيتناول الدعوى غير المباشرة والدعوى البوليصية ودعوى الصورية والحق فى الحبس والإعسار المدنى . وهذا الباب على ما فى تنسيقه من مشقة ، قد رتبت نصوصه ترتيبا قل أن تجد له نظيراً فى التقنينات الحديثة . ثم يعرض الباب الثالث للأوصاف المعدلة لأثر الالتزام فيتناول الشرط والأجل ثم ينتقل إلى تعدد محل الالتزام فيتكلم فى الالتزام التخييرى والالتزام البدلى ، وإلى تعدد طرفى الالتزام فيتكلم فى التضامن وعدم القابلية للانقسام . ثم يخصص الباب الرابع لانتقال الالتزام ، فيتناول حوالة الحق ثم حوالة الدين ، فيستكمل بذلك نقصا فى القانون القديم كان ملحوظا . ثم يعرض الباب الخامس لانقضاء الالتزام ، فيرتب أسباب الانقضاء ترتيباً عملياً معقولا . ويختم التقنين الجديد نظرية الالتزام بباب سادس فى إثبات الالتزام (42) .
والكتاب الثانى من التقنين الجديد خصص للعقود المسماة . وقد قدمنا أن التقنين القديم أورد هذه العقود فى غير ترتيب واضح . أما التقنين الجديد فقد بوبها تبويباً تسهل متابعته . فجعل الباب الأول للعقود التى تقع على الملكية ، وتناول فيه البيع فالمقايضة فالهبة فالشركة فالقرض فالصلح . وجعل الباب الثانى للعقود التى تقع على الانتفاع ، وتناول فيه الإيجار فالعارية .وجعل الباب الثالث للعقود الواردة على العمل ، وتناول فيه المقاولة والتزام المرافق العامة فعقد العمل فالوكالة فالوديعة فالحراسة . وجعل الباب الرابع لعقود الغرر ، وتناول فيه المقامرة والرهان فالمرتب مدى الحياة فعقد التأمين . وختم أبواب الكتاب الثانى بباب خامس فى عقد الكفالة .
والكتاب الثالث من التقنين الجديد خصص للحقوق العينية الأصلية . وقد تقدم أن التقنين القديم فى هذا الموضوع خلط بين قيود الملكية وحقوق الارتفاق ، ولم يعرض الملكية فى الشيوخ ، ولم يراع أى ترتيب منطقى أو عملى فى إيراد أسباب كسب الملكية . أما التقنين الجديد فجعل الباب الأول من هذا الكتاب لحق الملكية . فتكلم فى حق الملكية بوجه عام ، متناولا نطاق هذا الحق ووسائل حمايته والقيود التى ترد عليه مميزاً إياها عن حقوق الارتفاق ، ثم خصص للملكية الشائعة نصوصاً مستفيضة ، وفصل أحكامها تفصيلا مبيناً ، وانتقل بعد ذلك إلى أسباب كسب الملكية فأوردها فى ترتيب ذى صبغة عملية . فالملكية إما أن تكسب ابتداء بالاستيلاء ، أو تنتقل من مالك إلى آخر . ويكون ذلك تارة بسبب الموت فى الميراث والوصية ، وطوراً ما بين الأحياء فى الالتصاق والعقد والشفعة والحيازة (43) . وجعل الباب الثانى للحقوق المتفرعة عن حق الملكية ، فتناول هذا الباب حق الانتفاع فحق الحكر ، فحق الارتفاق .
والكتاب الرابع من التقنين الجديد خصص للحقوق العينية التبعية ، وهى التأمينات العينية . فوردت هذه التأمينات فى أبواب أربعة ، الباب الأول فى الرهن الرسمى ، والثانى فى حق الاختصاص ، والثالث فى رهن الحيازة ، والرابع فى حقوق الامتياز .
كل هذا والتقنين الجديد ، فى الترتيب التفصيلى لكل باب من أبوابه ، يجرى ، خلافاً للتقنين القديم ، على نحو من التسلسل المنطقى ومن وضوح الفكرة بحيث يسهل على الباحث أن يدرك ما ينتظم مسائله المتعاقبة من ارتباط وتناسق ، وبحيث تتيسر له متابعته فى غير عناء .
( ثانيا ) اللغة والأسلوب :
ولا شك فى أن التقنين الجديد ، فى لغته وفى أسلوبه التشريعى ، أرقى من التقنين القديم . فقد أفاد من رقى لغة القانون وأسلوبه فى مصر طوال سبعين عاما حتى لقد أصبح التقنينان القديم والجديد يمثلان عصرين مختلفين جد الاختلاف فى اللغة وفى الأسلوب .
نضيف إلى ذلك أن التقنين الجديد خلا من عيب ازدواج اللغة . فالنص العربى هو النص الرسمى والنص الأصلى فى وقت معا .
وبرئ التقنين الجديد من هذا الضعف فى التعبير وهذه الركاكة فى الأسلوب ، اللذين كانا ينزلان بكثير من نصوص التقنين القديم إلى منزلة العامى من الألفاظ . ولم تعد المصطلحات القانونية تضطرب فيه وتتعارض ، بل إن المصطلح القانونى ليرد فى جميع النصوص لفظا واحدا لا يتبدل ولا يتغير .
ب- كيف عولجت العيوب الموضوعية :
وقد عالج التقنين الجديد العيوب الموضوعية التى كانت متفشية فى التقنين القديم . فاستحدث أحكاما جديدة ، واستوفى مسائل ناقصة ، وجمع نصوصا متناثرة .
استحدث التقنين الجديد أحكاما كانت تنقص التقنين القديم . من ذلك القواعد المتعلقة بتنازع القوانين من حيث الزمان والمكان ، والشخصية المعنوية وما يتصل بها من تنظيم للجمعيات والمؤسسات ، وحوالة الدين ، والتزام المرافق العامة ، وعقد العمل ، وعقد التأمين ، وعقد الهبة ، والحكر ، وإيجار الوقف . ويسبق هذا كله فى الأهمية موضوعان جديدان كنا فى أشد الحاجة إليهما ، هما تنظيم الإعسار المدنى وتصفية التركة .
واستوفى التقنين الجديد مسائل كانت فى التقنين القديم شديدة الاقتضاب على مالها من خطر . من ذلك القواعد المتعلقة بتكوين العقد ، والدعوى البوليصية ، والاشتراط لمصلحة الغير ، والمسئولية العقدية ، والمسئولية التقصيرية ، والحراسة ، والملكية الشائعة ، ورهن الحيازة ، وحق الاختصاص .
وجمع التقنين الجديد فى بعض الموضوعات ما تناثر من أحكامها فى جهات متفرقة ، فلم شتاتها ، وعرضها جملة واحدة بحيث يتكشف ما بين أجزائها من صلات وثيقة . من ذلك موضوع الحيازة ، وحقوق الارتفاق ، وحقوق الامتياز ، والحق فى الحبس ، والنيابة فى التعاقد .
ونكتفى هنا بهذه الإشارة . وسنتناول بالتفصيل هذه المسائل عند الكلام فى الفروق الجوهرية ما بين التقنين الجديد والقديم .
2- مصادر التنقيح وطرق التفسير فى القانون الجديد
يعنينا أن نبين هنا المصادر التى استقى منها التنقيح ، وأن نرسم إلى جانب كل مصدر السياسة التى يتوخاها القاضى والفقيه فى تفسير النصوص التى استقيت من هذا المصدر .
ومصادر التنقيح ثلاثة :
أ- أولها وأهمها نصوص التقنين المدنى القديم ، بعد أن هذبت ، وأضيف إليها أحكام القضاء المصرى طوال سبعين سنة ، بقى فيها هذا القضاء يعمل فى تفسير هذه النصوص وتطبيقها . والنصوص التى استقيت من هذا المصدر تكاد تستغرق ثلاثة أرباع التقنين الجديد . ومن ثم نرى أن هذا القانون لم يحدث انقلاباً فى المعاملات المدنية . فلا تزال القواعد المدنية القديمة ، كما بسطها التقنين القديم وقررها القضاء ، هى السائدة فى التقنين الجديد .
ب- وثانى هذه المصادر هو الفقه الإسلامى . فقد استبقى التقنين الجديد ما أخذ التقنين القديم عن هذا الفقه ، وأضاف مسائل جديدة إلى ما سبق أخذه .
جـ- وثالث هذه المصادر هى التقنينات الحديثة . فقد استحدث القانون الجديد موضوعات أخذها عن هذه التقنينات ، واستأنس فى موضوعات أخرى بما تميزت به هذه التقنينات من تقدم فى الصياغة ورقى فى الأسلوب التشريعى . فانتفع إلى مدى بعيد بالتقدم العظيم الذى بلغه فن التقنين المدنى الحديث .
أ- نصوص التقنين المدنى القديم وأحكام القضاء المصرى
أولاً – ما الذى استقاه التقنين الجديد من هذا المصدر :
قدمنا أن نصوص التقنين القديم وأحكام القضاء المصرى هى أهم مصدر استقى منه التقنين الجديد (44) .
وقد هذب التقنين الجديد نصوص التقنين القديم فى بعض النظريات العامة : كالغلط والسبب والاشتراط لمصلحة الغير والفضالة ، وفى بعض المسائل التفصيلية : كوقف التقادم والبيع فى مرض الموت والغلط فى عقد الصلح .
وقنن التقنين الجديد أحكام القضاء المصرى فى بعض النظريات العامة وفى بعض المسائل التفصيلية كذلك . فمن النظريات العامة التى قننها التعسف فى استعمال الحق ، وتكوين العقد ، والاستغلال ، والحوادث الطارئة ، والالتزام الطبيعى ، والتهديدات المالية ، والصورية ، والملكية الشائعة ، والأعمال القانونية الصادرة فى مرض الموت، وشرط عدم التصرف . ومن المسائل التفصيلية وجوب المطالبة القضائية بالفوائد ، والشرط الجزائى ، وتجديد الحساب الجارى ، وتقادم الاستحقاق فى الوقف ، واستمرار الشركة مع القصر ، وضمان المؤجر للعيوب الخفية ، وحريق العين المؤجرة ، وحقوق الجوار ، ورهن الحصة الشائعة .
وقد قدمنا أن الكثرة الغالبة من نصوص التقنين الجديد قد استقيت من هذا المصدر إذ أن التقنين الجديد قد أبقى على كل ما هو صالح من مبادئ التقنين القديم ، بعد أن هذب صياغة هذه النصوص ، وأضاف إليها ما انتهى إليه اجتهاد القضاء فى تطبيق هذه المبادئ .وقد أبرزت لجنة للقانون المدنى بمجلس الشيوخ هذا المعنى فى تقريرها إذ تقول: (( إن المصادر التى استمد منها المشروع أحكامه هى التقنين الحالى القديم وما صدر فى شأنه من أحكام المحاكم المصرية أولا . وما من نص من نصوص هذا التقنين إلا وأشير إليه فى معرض إيضاح النص المقابل له فى المشروع فى المذكرات الإيضاحية التى قدمتها وزارة العدل ، وما من مبدأ استقر القضاء على الأخذ به فى تفسير هذه النصوص إلا عرضته هذه المذكرات . وهى فى الحالين تنوه بالإبقاء على الحكم الوارد فى النص ، أو بالتعديل الذى آثرت إدخاله على صياغته تمشياً مع أحكام القضاء أو آراء الفقه ، أو بالإضافة التى رأت إثباتها أخذاً بهذه الآراء أو تلك الأحكام . فالمشروع من هذه الناحية قد أبقى على كل ما هو صالح من قواعد التقنين الحالى وإن كان قد هذب صياغتها تهذيباً يتلاءم مع تطور اللغة الاصطلاحية فى مصر وأساليب الصياغة فيها . وهو بهذه المثابة قد احتفظ بالقواعد العامة التى تضمنها هذا التقنين فى الجملة ، وأضاف إليها ما اجتهد القضاء فى إقراره على أساس هذه المبادئ . فلا هو يقطع الصلة بين الماضى والحاضر ، ولا هو يضيع ثروة القضاء من المبادئ والتقاليد ، وإنما هو على النقيض من ذلك يضفى على ما استقر من الأوضاع فى الماضى صبغة جديدة من الإصلاح تبرئه من العيوب التى خالطته ، وتكفل الانتفاع منه على أمثل وجه (45) )) .
ثانياً : كيف تفسر النصوص التى استقيت من القضاء المصرى والتقنين المدنى القديم :
ويعنينا أن نبين هنا فى وضوح أن النصوص التى استقيت من هذا المصدر يجب أن تفسر فى ضوء القضاء والفقه اللذين نشآ فى مصر فى ظل التقنين القديم ، وبذلك يتصل الحاضر بالماضى ، ولا تنقطع سلسلة التطور . وسيرى القارئ أننا نشير فى هذا الكتاب إلى القضاء المصرى الذى نبت فى عهد التقنين القديم ، مستندين إليه فى تفسير النصوص الجديدة ، كما لو كان هذا القضاء قد صدر فى عهد التقنين الجديد مفسراً لهذه النصوص . بل ولا نتكلف عناء التنبيه إلى أن القضاء الذى نستشهد به إنما هو قضاء قد صدر تطبيقاً للنصوص القديمة ، فإلى هذا الحد انعدمت المغايرة بين القديم والجديد .
ونستعرض أمثلة تبين كيف تفسر نصوص التقنين الجديد بالرجوع إلى القضاء والفقه القديمين ، ونختار توخياً للإيجاز أمثلة أربعة ، هى النصوص المتعلقة بالاستغلال ، وبالاشتراط لمصلحة الغير ، وبالتهديد المالى ، وبالشرط الجزائي .
1- الاستغلال :
كان القضاء المصرى فى ظل التقنين القديم يقف حائراً أمام ظاهرة اجتماعية كانت فى أشد الحاجة إلى علاج تشريعى . فقد كانت أقضية ترفع أمامه عن الزوج يبلغ سن الشيخوخة ، وينبذ امرأته الأولى ليتزوج من أخرى يقع تحت سلطانها ، فينزل لها أو لأولاده منها عن كل ماله . وكانت أقضية ترفع أمامه عن الولد يضيق عليه أبوه ، ثم يموت الأب عن مال كثير يطلق الإبن يده فيه فيبدده ، والمرابون يستكتبون ضحيتهم العقود الباهظة متوسلين إلى ذلك بمختلف الذرائع والحيل . وكانت أقضية ترفع أمامه عن الزوجة تسلم زمامها إلى هواها ، وتضحى الطائل من المال يبتزه الزوج ليخلى لها السبيل إلى الزواج من غيره . هذه الأقضية وغيرها كانت ترفع أمام القضاء المصرى ، فكان يلجأ فيها إلى حلول يهديه إليها اجتهاده دون عون من النصوص التشريعية . فتارة يلجأ إلى نظرية الإغواء والتسلط على الإرادة ( seduction , capitation) وليس لها سند تشريعى ، وطوراً يذهب إلى نظرية الإكراه وضوابط الإكراه تضيق بهذه الأقضية ، بل لقد ذهب فى حالة من هذه الحالات إلى الأخذ بنظرية الخلع فى الفقه الإسلامى . ومهما يكن من أمر هذا الاضطراب والتقلقل ، فقد كان القضاء المصرى سليم الفطرة ، حسن التقدير ، إذ كان ينظر دائماً بعين الريبة إلى العقود التى تبرم فى مثل هذه الظروف ، فيبطلها أو ينقص منها . ولم يكن يعوزه إلا أن يثبت على أساس قانونى يقوم على نص تشريعى . فأتى التقنين الجديد بهذا النص . وهذا ما تقوله المادة 129 .
(( 1- إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر ، وتبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بيناً أو هوى جامحاً ، جاز للقاضى بناء على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو أن ينقص التزامات هذا المتعاقد )) .
(( 2- ويجب أن ترفع الدعوى بذلك خلال سنة من تاريخ العقد ، وإلا كانت غير مقبولة )) .
(( 3- ويجوز فى عقود المعاوضة أن يتوفى الطرف الآخر دعوى الإبطال إذا عرض ما يراه القاضى كافياً لرفع الغبن )) .
ولسنا هنا فى مقام شرح هذا النص وما ينطوى عليه من مسائل تفصيلية . وبحسبنا أن نذكر أن أدق مشكلة يثيرها هى تحديد ما يريده المشرع (( بالطيش البين والهوى الجامح )) . ولا نتردد فى القول بأن القاضى عند تحديده للمعنى المقصود من هذه العبارة يجب أن يسترشد بالقضاء السابق ، وأن يستعرض أمامه الأقضية التى رفعت فعلا أمام المحاكم ، فلا يلبث أن يتمثل صورة الشيخ الذى وقع تحت سلطان امرأته الجديدة ، وصورة الشاب الذى أصبح ألعوبة فى أيدى المرابين ، وصورة الزوجة التى غلبها هواها على أن تستبدل زوجاً بزوج . هذه صور من الحياة المصرية يتمثلها القاضى وهو يطبق هذا النص ، فيصبح المعنى أمامه محدداً واضحاً . وهو بعد ليس فى حاجة إلى أن يطوف بخياله بلاداً غير مصرية ينقل عنها نماذج هى أجنبية عنا ولا صلة لنا بها . وهو ليس فى حاجة بوجه خاص إلى أن يرجع إلى التقنين الألمانى أو التقنين السويسرى أو التقنين البولونى وكل هذه تقنينات ورد فيها نص مماثل لنصنا المصرى ، فإن البلاد التى تطبق فيها هذه التقنينات غريبة عنا ، ومجتمعها الأجنبى يغاير مجتمعنا المصرى ، وإذا كان نص تقنينا الجديد يماثل فى الأسلوب والصياغة نصوص هذه التقنينات ، فليس هذا معناه أن القاضى المصرى يلتزم تفسير القضاة الأجانب مع ما يوجد من تفاوت فى الأوساط الاجتماعية وفى العادات والتقاليد . ومن ثم نرى ضرورة التزامنا لقضائنا السابق والسير على المبادئ التى سبق أن قررتها المحاكم المصرية فى وسطنا المصرى .
2- الاشتراط لمصلحة الغير :
ويتميز هذا المثل عن سابقة بأن التقنين القديم كان يشتمل على نص فيه . فكانت المادتان 137/198 من هذا القانون تنصان على أن (( من عقدت على ذمته مشارطة بدون توكيل منه ، فله الخيار بين قبولها أو رفضها )) . فكان النص القديم غامضاً مضطرباً ، يتردد بين الاشتراط لمصلحة الغير والتعهد عن الغير والفضالة . فجاء التقنين الجديد واضحاً دقيقاً ، ونصت المادة 154 منه على ما يأتى :
(( 1- يجوز للشخص أن يتعاقد باسمه على التزامات يشترطها لمصلحة الغير إذا كان له فى تنفيذ هذه الالتزامات مصلحة شخصية ، مادية كانت أو أدبية )) .
(( 2- ويترتب على هذا الاشتراط أن يكسب الغير حقاً مباشراً قبل المتعهد بتنفيذ الاشتراط يستطيع أن يطالبه بوفائه ، ما لم يتفق على خلاف ذلك . ويكون لهذا المتعهد أن يتمسك قبل المنتفع بالدفوع التى تنشأ عن العقد )) .
(( 3- ويجوز كذلك للمشترط أن يطالب بتنفيذ ما اشترط لمصلحة المنتفع ، إلا إذا تبين من العقد أن المنتفع وحده هو الذى يجوز له ذلك )) .
فكيف يفسر القاضى هذا النص ؟ وإذا أثار تطبيقه ، بالرغم من وضوحه ، مسائل تقتضى حلا ، فأين يتلمس القاضى هذا الحل ؟ وإذا عرض مثلا ما يقتضى تحديد الدفوع التى يجوز للمتعهد أن يتمسك بها قبل المنتفع ، أو تحديد المصلحة الشخصية التى تكون للمشترط إذا كانت مصلحة أدبية ، أو تحديد مدى الحق المباشر الذى يكسبه الغير والأساس القانونى الذى يقوم عليه هذا الحق ، فبأى مصدر يسترشد القاضى فى حل هذه المسائل ؟ لا نتردد فى القول بأنه يتعين على القاضى أن يسترشد فى كل ذلك بالقضاء المصرى السابق وبالفقه المصرى السابق ، وسيجد هذا القضاء والفقه غنين زاخرين بالمبادئ القانونية ، والتأصيلات الفقهية ، والحلول التفصيلية ، فى هذا الموضوع الخطير . وسيجد أنه بالرغم من أن نصوص التقنين الجديد تختلف اختلافاً بيناً عن نص التقنين القديم من حيث الدقة والوضوح ، فإن تطبيق النصوص الجديدة لا يترتب عليه غير النتائج ذاتها التى كانت ترتب على تطبيق النص القديم الحائر لمضطرب . وسيجد أن الفرق بين الوضعين القديم والجديد يكاد ينحصر فى أننا كنا فى الوضع القديم تستقى القواعد القانونية الخاصة بالاشتراط لمصلحة الغير من القاء والفقه رأساً وكنا لا نجد غناء فى النص التشريعى ، فكان قانوننا فى هذا الموضوع الخطير يكاد يكون قانونا غير مكتوب . أما الآن ، وفى ظل التقنين الجديد ، سنطبق عين المبادئ التى كنا نطبقها فى الماضى ، ونلتزم الحلول التفصيلية ذاتها ، ولكننا نلتمس هذه المبادئ والحلول ، لا فى قضائنا وفقهنا فحسب ، بل نجد الكثير منها واضحاً فى تشريعنا الجديد ، وقد أصبح قانوننا مكتوباً مقننا فى موضوع من أهم موضوعات القانون المدنى. ولعل هناك فرقاً آخر بين الوضعين القديم والجديد . ففى الوضع القديم ، ونحن نلتمس الحلول فى ثنايا ما تراكم من أحكام القضاء وآراء الفقهاء ، لم تكن هذه الحلول تخلص لنا ثابتة مستقرة ، فالقضاء لم يكن يخلو من تردد ، والفقه لم يكن يسلم من خلاف . أما فى الوضع الجديد ، والحلول الرئيسية قد وردت فيها نصوص تشريعية واضحة قاطعة ، فلا معنى للتردد ولا محل للخلاف ، وقد خلصت لنا الحلول فى أهم المسائل منحمسة بينة ، متسمة بطابع من الثبات والاستقرار .
3- التهديد المالى :
والتهديد المالى من الأمثلة البارزة التى قنن فيها التقنين الجديد أحكام القضاء المصرى . ولم يكن التقنين القديم يشتمل على نص فى هذا الموضوع . فصاغ القضاء المصرى نظرية التهديد المالى على هدى من القضاء الفرنسى ، وسلك فى ذلك سبيلا هو محض اجتهاد لا سند له من التشريع . فاستمد التقنين الجديد من هذا القضاء المصرى النصوص التى أوردها فى هذا الشأن على الوجه الآتى :
نصت المادة 213 على أنه : (( 1- إذا كان تنفيذ الالتزام عيناً غير ممكن أو غير ملائم إلا إذا قام به المدين نفسه ، جاز للدائن أن يحصل على حكم بإلزام المدين بهذا التنفيذ وبدفع غرامة تهديدية إن امتنع عن ذلك . 2- وإذا رأى القاضى أن مقدار الغرامة ليس كافياً لإكراه المدين الممتنع عن التنفيذ ، جاز له أن يزيد فى الغرامة كلما رأى داعياً للزيادة )) .
ونصت المادة 214 على أنه : (( إذا تم التنفيذ العينى أو أصر المدين على رفض التنفيذ ، حدد القاضى مقدار التعويض الذى يلزم به المدين ، مراعياً فى ذلك الضرر الذى أصاب الدائن والعنت الذى بدا من المدين )) .
وهذه النصوص التى استقيت من القضاء المصرى السابق يرجع القاضى بداهة ، فى تفسيرها وفى تحديد مراميها ، إلى هذا القضاء بالذات ، فهو مصدرها المباشر . ولا شأن له بالتقنينات الأجنبية ، ولو اتفقت نصوصها مع هذه النصوص من حيث الأسلوب والصياغة . فإن واضع التقنين الجديد إنما استأنس من هذه التقنينات بالأسلوب التشريعى والصياغة الشكلية . وإذا كانت هذه التقنينات الأجنبية هى المصدر الشكلى لهذه النصوص ، فإن مصدرها الموضوعى هو القضاء المصرى السابق .
بيد أن تقنين القضاء المصرى السابق على الوجه الذى قدمناه لم يكن محض ترديد لأحكام هذا القضاء فقد اشتملت النصوص الجديدة على مزايا نجملها فيما يأتى .
أولا – أقامت هذه النصوص أساساً تشريعياً لنظرية التهديد المالى ، ولم يكن هذا الأساس موجوداً من قبل (46) .
ثانيا – حددت النصوص تحديداً تشريعياً حاسماً ، لا يدع مجالا للاضطراب الذى يغلب أن يكون طابع الأحكام القضائية ، النطاق الذى تطبق فيه نظرية التهديد المالى ، والوقت الذى يصفى فيه مركز المدين . أما النطاق فمداه هو حيث يقتضى تنفيذ الالتزام تدخل المدين تدخلا شخصيا يكون التنفيذ بدونه غير ممكن أو غير ملائم . وأما الوقت الذى يصفى فيه مركز المدين فهو الوقت الذى يتخذ فيه موقفاً نهائياً ، إما بوفاء التزامه وإما بالإصرار على عدم الوفاء (47) .
ثالثا – وصلت النصوص بنظرية التهديد المالى إلى مداها لتحقيق الغرض المقصود منها ، وذلك من وجهين : الوجه الأول أن النصوص تقضى ، إذا رأى القاضى أن مقدار الغرامة ليس كافياً لإكراه المدين الممتنع عن التنفيذ ، بجوار الزيادة فى الغرامة التهديدية ، وذلك بقصد التغلب على ممانعة المدين . والوجه الثانى أن القاضى عند تحديده مقدار التعويض الذى يلزم به المدين لا يقتصر على مراعاة الضرر الذى أصاب الدائن ، بل يجب أيضاً ، كما جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ، (( أن يراعى فى هذا التقدير ما يكون من أمر ممانعة المدين تعنتاً باعتبار هذه الممانعة عنصراً أدبياً من عناصر احتساب التعويض ، وفى هذا النطاق يتمثل لب نظام الغرامات المالية ومعقل القوة فيه (48) )) .
4- الشرط الجزائى :
والشرط الجزائى مثل رابع فى أن التقنين الجديد استقى نصوصه من القضاء المصرى السابق . وهو يختلف عن الأمثلة السابقة فى أن القضاء الذى فتن هنا ليس بالقضاء الذى كان يستند إلى نص تشريعى غامض مضطرب ، كما هو الأمر فى الاشتراط لمصلحة الغير ، ولا بالقضاء الاجتهادى الذى لا سند له من التشريع ، كما هو الأمر فى نظريتى الاستغلال والتهديد المالى ، وإنما هو قضاء اجتهادى كان يجرى على عكس النص التشريعى ويتعارض معه تعارضاً صريحاً . فقد كانت المادتان 123/181 من القانون القديم تنصان على أنه : (( إذا كان مقدار التضمين فى حالة عدم الوفاء مصرحاً به فى العقد أو فى القانون فلا يجوز الحكم بأقل منه ولا بأكثر )) . والنص صريح كما ترى ، وهو بعد مأخوذ من نصوص التقنين الفرنسي ( م 1152 فرنسي ) ، وهى أيضاً صريحة فى هذا المعنى . ومع ذلك فقد كان كل من القضاءين الوطنى والمختلط يقضى بما يتعارف مع صريح النص ، ولا يحكم بشئ من التعويض المتفق عليه إذا لم يكن هناك ضرر أصاب الدائن . بل ذهب القضاء الوطنى إلى مدى أبعد ، إذ كان يقضى ، حتى مع وجود الضرر ، بتخفيض التعويض المتفق عليه إلى حد يتعادل فيه مع مقدار الضرر .
فعمد التقنين الجديد إلى تقنين القضاء المصرى فى هذا الصدد . ونصت المادة 224 على ما يأتى :
(( 1- لا يكون التعويض الاتفاق مستحقاً إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أى ضرر )) .
(( 2- ويجوز للقاضى أن يخفض هذا التعويض إذا أثبت المدين أن التقدير كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة ، أو أن الالتزام الأصلى قد نفذ فى جزء منه )) .
(( 3- ويقع باطلا كل اتفاق يخالف أحكام الفقرتين السابقتين )) .
وهذا النص يجب أن يرجع فى تطبيقه وتفسيره إلى القضاء المصرى السابق الذى أسلفنا الإشارة إليه ، شأنه فى ذلك شأن سائر النصوص التى تقنن هذا القضاء .
على أن النص يجمع إلى مزية تقنين القضاء السابق مزايا أخرى نجملها فيما يأتى :
( أولا ) أزال التعارض بين القضاء والنصوص التشريعية . أما التعارض ما بين القضائين الوطنى والمختلط فقد زال بزوال المحاكم المختلطة .
( ثانيا ) أصل أحكام الشرط الجزائى تأصيلا قانونياً صحيحاً ، وبناها على أساس سليم . (( فليس الشرط الجزائى فى جوهره – وهذا ما تقوله المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى (49) – إلا مجرد تقدير اتفاقى للتعويض الواجب أداؤه . فلا يعتبر بذاته مصدراً لوجوب هذا التعويض ، بل للوجوب مصدر آخر ، قد يكون التعاقد فى بعض الصور ، وقد يكون العمل غير المشروع فى صور أخرى . فلابد لاستحقاق الجزاء المشروط إذن من اجتماع الشروط الواجب توافرها للحكم بالتعويض ، وهى الخطأ والضرر والإعذار )) . وهذا التأصيل الصحيح هو الذي يفسر جواز عدم الحكم بالشرط الجزائى إذا انتفى الضرر ، وجواز تخفيضه إذا قل الضرر . فما دام الضرر هو شرط واجب للجزاء المتفق عليه ، (( فهو بذاته – كما تقول هنا أيضاً المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى (50) – مناط تقدير الجزاء الواجب أداؤه . ويترتب على هذا أن انتفاء الضرر يستتبع سقوط الجزاء المشروط ، ويقع عبء إثبات ذلك على عاتق المدين . وإذا كانت قيمة الضرر أقل من مقدار الجزاء المشروط وجب إنقاص هذا المقدار حتى يكون معادلا لتلك القيمة )) .
( ثالثا ) جعل النص هذه الأحكام من النظام العام ، فلا يجوز الاتفاق على ما يخالفها . وبذلك أمن المدين تعسف الدائن ، وتوقى أن يفرض عليه هذا الاتفاق المخالف الذى لا يلبث أن يصبح شرطاً من الشروط المألوفة عند التعاقد (clauses de style) .
هذه الأمثلة التى سقناها – وهى قليل من كثير – تنهض جميعاً للدلالة على أمور ثلاثة :
أولا – أن الكثرة الغالبة من نصوص التقنين الجديد ، وقد استقيت من القضاء المصرى ومن التقنين القديم ، يرجع القاضى فى تطبيقها وفى تفسيرها مباشرة إلى القضاء المصرى السابق .
ثانيا – أن التقنينات الأجنبية الحديثة ، إذا اتفقت فى بعض نصوصها مع نصوص التقنين الجديد التى استقيت من القضاء المصرى ، فإن هذا لا يعنى الرجوع إلى هذه التقنينات فى تطبيق هذه النصوص وفى تفسيرها . فهى ليست إلا مصادر شكلية لهذه النصوص استؤنس بها فى الصياغة والأسلوب . أما لمصدر الموضوعى فهو القضاء المصرى السابق . وسيرى القارئ أننا فى هذا الكتاب لم نشر إلى التقنينات الأجنبية إلا فى مناسبات قليلة ، ولم تكن الإشارة بقصد الرجوع إلى هذه التقنينات فى تفسير النصوص ، بل لعقد مقارنات بين قانوننا والقوانين الأجنبية فى بعض المواطن التى تجدى فيها المقارنة ، أو لتتبع نظام من النظم القانونية فى تطوراته التاريخية .
ثالثا – أن التقنين الجديد ، فى استقائه من التقنين القديم ومن أحكام القضاء المصرى السابق الكثرة الغالبة من نصوصه ، لم يقتصر على ترديد القديم من النصوص ومن الأحكام القضائية ، بل هو قد هذب النصوص القديمة تهذيباً أبرأها به من عيوبها التى كانت محل الشكوى ، وقنن القضاء المصرى تقنينا حسم به الخلاف فى مواطنه ، وأكسب الأحكام القانونية شيئاً من الثبات والاستقرار ، ويسر للباحث التعرف على هذه الأحكام .
ب- الفقه الإسلامى
أولا – ما الذى استقاه التقنين الجديد من هذا المصدر :
للفقه الإسلامى مكان ملحوظ بين المصادر الثلاثة التى استقى منها تنقيح القانون المدنى . فقد استبقى التقنين الجديد ما اشتمل عليه التقنين القديم من أحكام أخذه عن الفقه الإسلامى . واستحدث أحكاماً جديدة أخذها عن هذه الفقه . وجعل ، بعد ذلك كله ، الفقه الإسلامى مصدراً رسمياً للقانون المدنى ، يأتى بعد النصوص التشريعية والعرف ، ويتقدم مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة (51) .
1- القديم من الفقه الإسلامى لذى استبقاه التقنين الجديد :
كان التقنين القديم يشتمل على أحكام أخذها عن الفقه الإسلامى ، فاستبقاه التقنين الجديد بعد التقنين الجديد بعد أن هذب النصوص القديمة وصحح ما انطوت عليه من أخطاء .
فيبع المريض مرض الموت ، والأهلية ، والشفعة ، والهبة ، وسداد الدين قبل إيلولة التركة للورثة ، والغبن فى بيع القاصر ، وخيار الرؤية ، وتبعة الهلاك فى البيع ، وغرس الأشجار فى العين المؤجرة ، والأحكام المتعلقة بالعلو والسفل ، وبالحائط المشترك ، ومدة التقادم ، كل هذه موضوعات اشتمل عليها التقنين القديم واستبقاها التقنين الجديد بعد أن هذبها وصحح فيها .
وقد هذب التقنين الجديد بوجه خاص الأحكام المتعلقة بتصرفات المريض مرض الموت وبالهبة وبسداد الدين قبل أيلولة التركة للورثة .
فقد صحح النصوص الخاصة ببيع المريض مرض الموت من الأخطاء التى تسربت إليها فى التقنين القديم إذ جعل العبرة بالقدر المحابى به لا بقيمة المبيع ، ونظر إلى قيمة المبيع وقت الموت لا وقت البيع . ولم يقتصر من تصرفات المريض على البيع ، بل أورد فى النصوص المتعلقة . بالوصية أحكاماً تناولت تصرفات المريض بوجه عام نقلها عن الفقه الإسلامى والقضاء المصرى . فنصت المادة 916 على أن : (( 1- كل عمل قانونى يصدر من شخص فى مرض الموت ويكون مقصوداً به التبرع ، يعتبر مضافا إلى ما بعد الموت ، وتسرى عليه أحكام الوصية أيا كانت التسمية التى تعطى لهذا التصرف . 2- وعلى ورثة من تصرفوا أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجميع الطرق ، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتا .
3- وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم فى مرض الموت ، اعتبر التصرف صادرا على سبيل التبرع ، ما لم يثبت من صدر له التصرف عكس ذلك . كل هذا ما لم توجد أحكام خاصة تخالفه )) . ونصت المادة 917 على أنه : (( إذا تصرف شخص لأحد ورثته ، واحتفظ بأية طريقة كانت بحيازة العين التى تصرف فيها وبحقه فى الانتفاع بها مدى حياته ، اعتبر التصرف مضافا إلى ما بعد الموت ، وتسرى عليه أحكام الوصية ، ما لم يقم دليل يخالف ذلك )) .
كذلك فعل التقنين الجديد فى عقد الهبة . فقد نقل أحكام التقنين القديم المتعلقة بها . ولم يكتف بذلك ، فإن هذه الأحكام كانت مقتضبة ، وكانت مقصورة على الشكل دون الموضوع ، فأورد أحكام الهبة كاملة من حيث شكلها ومن حيث موضوعها . واستمد الأحكام الموضوعية من الفقه الإسلامى .
ولم يقتصر التقنين الجديد على الأخذ بالمبدأ القاضى بألا تركة إلا بعد سداد الدين – وقد كان التقنين القديم يجعل المبدأ مفهوماً فى ثنايا نصوصه – بل عمد إلى هذا المبدأ الخطير فنظمه تنظيما دقيقاً وفصل الإجراءات التى تكفل تطبيقه ، وهى إجراءات عملية كانت الحاجة إليها ملحة ، فسد بذلك فراغاً كبيراً .
2- الجديد من الفقه الإسلامى الذى استحدثه التقنين الجديد :
وقد استحدث التقنين الجديد أحكاماً أخرى استمدها من الفقه الإسلامى .
وبعض هذه الأحكام العامة التى أخذ بها النزعة الموضوعية التى نراها تتخلل كثيراً من نصوصه . وهذه هى نزعة الفقه الإسلامى والقوانين الجرمانية ، آثرها التقنين الجديد على النزعة الذاتية التى هي طابع القوانين اللاتينية ، وجعل الفقه الإسلامى عمدته فى الترجيح .
ومن هذه المبادئ أيضاً نظرية التعسف فى استعمال الحق . لم يأخذها التقنين الجديد عن القوانين الغربية فحسب، بل استمدها كذلك من أحكام الفقه الإسلامى . ولم يقتصر فيها على المعيار الشخصى الذى اقتصرت عليه أكثر القوانين ، بل ضم إليها معياراً موضوعياً فى الفقه الإسلامى يقيد استعمال الحق بالمصالح المشروعة وبتوفى الضرر الجسيم الذى قد يصيب الغير من استعماله .
وكذلك الأمر فى حوالة الدين ، أغفلتها القوانين اللاتينية ، ونظمتها القوانين الجرمانية متفقة فى ذلك مع الفقه الإسلامى . فأخذ بها التقنين الجديد .
ومبدأ الحوادث الطارئة (imprevision) أخذ به بعض التقنينات الحديثة . فرجح التقنين الجديد الأخذ به استناداً إلى نظرية الضرورة ونظرية العذر فى الفقه الإسلامى .
ومن الأحكام التى استحدثها التقنين الجديد مسائل تفصيلية كما قدمنا ، اقتبسها من الفقه الإسلامى . ومن هذه المسائل الأحكام الخاصة بمجلس العقد . وبإيجار الوقف ، وبالحكر ، وبإيجار الأراضى الزراعية ، وبهلاك الزرع فى العين المؤجرة ، وبانقضاء الإيجار بموت المستأجر وفسخه للعذر ، وبوقوع الإبراء من الدين بإرادة الدائن وحده .
3- الفقه الإسلامى أصبح مصدراً رسمياً للقانون المدنى :
وقد نصت المادة الأولى من التقنين الجديد على أنه (( إذا لم يوجد نص تشريعى يمكن تطبيقه حكم القاضى بمقتضى العرف ، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية ، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة )) .
ويتبين من ذلك أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرسمى الثالث للقانون المدنى المصرى . وهى إذا أتت بعد النصوص التشريعية والعرف ، فإنها تسبق مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة . ولا شك فى أن ذلك يزيد كثيراً فى أهمية الشريعة الإسلامية ، ويجعل دراستها دراسة علمية فى ضوء القانون المقارن أمراً ضرورياً لا من الناحية النظرية الفقهية فحسب ، بل كذلك من الناحية العملية التطبيقية . فكل من الفقيه والقاضى أصبح الآن مطالبا أن يستكمل أحكام القانون المدنى ، فيما لم يرد فيه نص ولم يقطع فيه عرف ، بالرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامى . ويجب عليه أن يرجع إلى هذه الأحكام قبل أن يرجع إلى مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة . بل لعل أحكام الشريعة الإسلامية ، وهى أدق تحديدا وأكثر انضباطا من مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة ، هى التى تحل محل هذه المبادئ والقواعد، فتغنينا عنها فى كثير من المواطن (52) .
ثانياً – كيف تفسر النصوص استقيت من الشريعة الإسلامية وكيف تستخلص منها الأحكام باعتبارها مصدراً رسمياً .
أما النصوص التى نقلها التقنين الجديد عن الشريعة الإسلامية ، فأصبحت نصوصاً تشريعية وأصبح الفقه الإسلامى مصدراً تاريخياً لها ، فهذه نرجع فى تفسيرها إلى مصدرين رئيسيين :
المصدر الأول – هو القضاء المصرى فيما يوجد له تفسير فى هذا القضاء . والقضاء المصرى غنى بالمبادئ والأحكام فى موضوعات كمرض الموت والشفعة والحكر وإيجار الوقف . فعلى من يفسر نصوص القانون الجديد الواردة فى هذه الموضوعات وأمثالها أن يرجع إلى هذا القضاء فيما استقر عليه من المبادئ .
والمصدر الثانى – هو ما جاء فى كتب الفقه الإسلامى ، وبخاصة فى تفسير ما لا يوجد له تفسير فى القضاء المصرى . والرجوع إلى الفقه الإسلامى فى كتبه المعتمدة واجب أيضا عندما يراد استخلاص الأحكام من الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدراً رسميا للقانون المدنى .
وفى رأينا أنه حيث ينبغى الرجوع إلى الفقه الإسلامى فى كتبه المعتمدة ، سواء أكان هذا الفقه هو المصدر الرسمى التى تستمد منه الأحكام أم كان هو المصدر التاريخى الذى تفسر فى ضوئه النصوص التشريعية ، يجب أن يراعى أمران جوهريان :
الأمر الأول – هو عدم التقيد بمذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامى . فكل مذاهب الفقه يجوز الرجوع إليها والأخذ منها . ولا محل للوقوف عند أرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة ، بل ولا للتقيد بالمذهب الحنفى فى جملته . ولعلنا نذهب إلى مدى أبعد ، فنقول أنه لا موجب للتقيد بالمذاهب الأربعة المعروفة ، فهناك مذاهب أخرى ، كمذهب الزيدية ومذهب الإمامية ، يمكن الانتفاع بها إلى حد بعيد .
والأمر الثانى – هو أن يراعى فى الأخذ بأحكام الفقه الإسلامى التنسيق ما بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التى يقوم عليها التشريع المدنى فى جملته . فلا يجوز الأخذ بحكم فى الفقه الإسلامى يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ ، حتى لا يفقد التقنين المدنى تجانسه وانسجامه . وفيما قدمناه من الرخصة فى الأخذ بمذاهب الفقه جميعا ، دون تمييز بين مذهب ومذهب ، ما يجعل تحقيق هذا التنسيق ميسوراً ، فلا يضل الباحث فى تفصيلات الفقه الإسلامى ، ولا يختار منها إلا ما يتسق مع المبادئ العامة للتشريع المدنى (53) .
جـ - التقنينات الحديثة
أولاً – ما الذى استقاه التقنين الجديد من هذا المصدر :
والمصدر الثالث الذى استقى منه التقنين الجديد بعض أحكامه ، والكثير من صيغه وعباراته ، هو التقنين الحديث . فقد حرص واضعو التقنين الجديد على أن ينتفعوا انتفاعا كاملا بكل خطوة خطتها التقنينات الحديثة فى طريق الكمال من ناحية الأسلوب الفنى والصياغة التشريعية .
وقد رتبت هذه التقنينات الحديثة فانتظمتها أقسام ثلاثة : القسم الأول التقنينات اللاتينية قديمها وحديثها . فالقديم يأتى على رأسه التقنين الفرنسى ، ومعه التقنين الإيطالى القديم ، والتقنين الأسبانى ، والتقنين البرتغالى ، والتقنين الهولندى . والحديث يشتمل على التقنين التونسى والمراكشى ، والتقنين اللبنانى ، والمشروع الفرنسى الإيطالى ، والتقنين الإيطالى الجديد . والقسم الثانى التقنينات الجرمانية ، وأهمها التقنين الألمانى ، والتقنين السويسرى ، والتقنين النمساوى . والقسم الثالث تقنينات متخيرة استقت من كلتا المدرستين اللاتينية والجرمانية . وأهم هذه التقنينات التقنين البولونى ، والتقنين البرازيلى ، والتقنين الصينى ، والتقنين اليابانى .
ولكل من هذه التقنينات مزايا وعيوب (54) وقد توخى التقنين الجديد أن ينتفع بمزاياها وأن يتوقى عيوبها . وهذا كله فى حدود تقاليدنا القانونية وما استقر عليه قضاؤنا وفقهنا . وأكثر ما رجع إليه التقنين الجديد ، من هذه التقنينات ، خمسة : المشروع الفرنسى الإيطالى ، والتقنين الإيطالى الجديد ، والتقنين السويسرى ، والتقنين الألمانى ، والتقنين البولونى ، فالتقنين الجديد ، وإن كان قد اتخذ التقنينات اللاتينية أساسا له إلا أنه لم يلتزمها وحدها ، بل رجع أيضا إلى التقنينات الجرمانية .
وقد رجع التقنين الجديد إلى هذه التقنينات الحديثة فى بعض النواحى الموضوعية . ولكنه رجع إليها أكثر ما رجع فى نواحى الصياغة والأسلوب .
أما النواحى الموضوعية فأهمها بعض النظم القانونية التى كانت تنقص القانون القديم ، كالمؤسسات وحوالة الدين والإعسار ، وبعض المسائل التفصيلية التى أخذت عن التقنينات الحديثة ، كمسئولية عديم التمييز والمسئولية عن الآلات الميكانيكية والنصوص الخاصة بالحوادث الطارئة وبإدارة الملكية فى الشيوع وبملكية الأسرة وباتحاد ملاك الطبقات . وجارى التقنين الجديد فوق ذلك ، كما قدمنا ، التقنينات الجرمانية والفقه الإسلامى فى إيثار المعايير الموضوعية على المعايير الذاتية فى كثير من المسائل .
وأما نواحى الصياغة والأسلوب فقد أفاد منها التقنين الجديد أكبر الفائدة . ولكن واضعى هذا التقنين حرصوا كل الحرص ، وهم فى سبيل الانتفاع من التقنينات الحديثة فى الصياغة والأسلوب ، على أن يحققوا أمرين : أولهما أن تكون العبارات التى استعيرت من التقنينات الأجنبية لم تقتبس إلا لأنها تؤدى ، فى أمانة ووضوح ، المعانى التى قصدوا إلى نقلها عن القضاء المصرى وعن نصوص التقنين القديم . والأمر الثانى أنهم فيما استعاروه من صيغ وعبارات عن التقنينات الحديثة تجنبوا أن يقع أى تنافر فيما بين أجزاء التقنين ، وحرصوا على أن تنصهر هذه العناصر كلها فى بوتقة واحدة ، وأن ينتظم حباتها جميعاً عقد واحد .
ثانيا – كيف تفسر النصوص التى استقيت من التقنينات الحديثة :
أهم مبدأ ينبغى أن ننبه له الباحث فى تفسير التقنين المدنى الجديد هو أن نصوص هذا التقنين التى استمدت من التقنينات الأجنبية يجب أن تفصل فصلا تاما عن مصادرها الأجنبية ، فلا يرجع إلى هذه المصادر فى تطبيقها وتفسيرها. هذه النصوص التشريعية قد اندمجت فى تقنين قائم بذاته ، فأصبح لها من الكيان الذاتى ما يجعلها مستقلة كل الاستقلال عن المصادر التى أخذت منها . وإنما يجب الرجوع فى تفسير هذه النصوص إلى مصادرها الموضوعية من قضاء قصرى سابق ومن فقه مصرى تقليدى ومن نصوص تشريعية قديمة . هذه هى المصادر الأولى التى يجب أن يرجع إليها فى التفسير . وقد ألححنا فى التنبيه على ذلك عندما تكلمنا فى القضاء المصرى كمصدر أول استقى منه تنقيح التقنين المدنى . أما التقنينات الأجنبية فلا يرجع إليها إلا لأغراض علمية بحتة ، كالموازنة بين الشرائع المختلفة ، وكاستقصاء التطور التاريخى لنظام قانونى معين .
هذا المبدأ الجوهرى الذى نقرره يفرض نفسه على كل باحث فى التقنين الجديد للأسباب الآتية :
1- أن الكثرة الغالبة من النصوص المستمدة من التقنينات الحديثة إن هى فى الواقع من الأمر ، إلا تقنين لما جرى عليه القضاء المصرى ، أو إصلاح لعيوب فى نصوص التقنين القديم . ولم يقصد من الاستئناس بصياغة التقنينات الحديثة ومن محاكاة أسلوبها التشريعى إحداث أى تغيير فى الأحكام التى تضمنتها نصوص التقنين القديم أو جرى بها القضاء المصرى . وقد تكررت الإشارة إلى ذلك (55) .
2- أن القليل الباقى من النصوص المستمدة من التقنينات الحديثة ، وهى التى طرقت موضوعات جديدة لم تكن موجودة فى التقنين القديم ، لم تنقل هذه الموضوعات على علاتها من مصادرها الأجنبية . بل إن هذه النصوص قد محصت قبل نقلها إلى التقنين الجديد ، وعدلت بحيث تتسق مع سائر النصوص . فهى أقرب إلى أن تكون جزءاً أصيلا متماسكا من أجزاء هذا التقنين ، تسرى فيه روحه ، وينبسط عليه ما ينتظم سائر الأجزاء من وحدة وانسجام (56) .
3- أن أية محاولة يراد بها تفسير النصوص المستمدة من التقنينات الحديثة بالرجوع إلى هذه التقنينات هى محاولة مقضى عليها بالفشل . فإن هذه التقنينات كثيرة متنوعة ، ولكل تقنين نهجه وشرعته ، وله فقهه وقضاؤه ، وكثيراً ما يقع بينها التعارض والتنافر . فكيف يجوز أن نرجع فى تفسير تقنين متماسك الأجزاء ، متسق النواحى ، إلى مصادر متضاربة متناقضة (57) ! .
4- أن هذا الذى نقرره من وجوب أن يكون للنصوص التشريعية كيان ذاتى ، لتعيش فى البيئة التى تطبق فيها ، ولتتوثق صلتها بما يحيط بها من ملابسات ، ولتتطور تبعا لما تقتضيه الحاجات المتجددة المتغيرة ، هو ما يقول به سالى وغيره من أقطاب القانون (58) ، وهذه هى خير مدرسة نعرفها فى تفسير النصوص التشريعية .
5- أن هذا الذى نقرره هو أيضا ما قصد إليه صراحة واضعو التقنين الجديد . نتبين ذلك فى وضوح تام من الأعمال التحضيرية ، ونراه مذكورا فى مبادئ التفسير التى أدلى بها أمام مجلس الشيوخ ، ونلقاه مرددا فى تقرير اللجنة التشريعية بمجلس النواب ، وفى تقرير لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ .
أما مبادئ التفسير التى أدلى بها أمام مجلس الشيوخ فقد جرت على الوجه الآتى : (( أولا )) أن الغالبية العظمى من أحكام هذا المشروع مستمدة من أحكام القانون الحالى ومن المبادئ التى أقرها القضاء المصرى طوال السبعين سنة الماضية ، ومطابقة للقواعد القانونية التى جرى عليها القضاء والفقه فى مصر . وهذا هو المصدر الذى يرجع إليه عند تفسير هذا القانون . وأما الصادر الأجنبية فليست إلا مصادر استئناس للصياغة وحدها . ( ثانيا ) أن الأحكام التى اشتقت أصلا من الشريعة الإسلامية يرجع فى تفسيرها إلى أحكام هذه الشريعة ، مع ملاحظة ما جاء فى المادة الأولى من المشروع من اعتبار الشريعة الإسلامية مصدراً رسميا من مصادر القانون ومن أن للقاضى أن يرجع إلى أحكام الشريعة الإسلامية كلما كان هناك محل لذلك . ( ثالثا ) أما الأحكام القليلة التى اشتقت من تقنينات أجنبية فى موضوعات جديدة مستقلة ( المؤسسات ، حوالة الدين ، ملكية الأسرة ، اتحاد الملاك ، الإعسار المدنى ، تصفية التركات ) فقد روعى فى وضعها أن تكون متمشية مع البيئة المصرية ، متفقة مع العرف والعادات ، متناسقة مع سائر أحكام المشروع . وبذلك تكون قد انعزلت من مصادرها وأصبح لها كيان ذاتى قوامه تساندها مع غيرها من نصوص ، ويرجع فى تفسيرها إلى النصوص ذاتها وما درج عليه القضاء فى مثل هذه الأحوال (59) )) .
وأما ما جاء فى تقرير اللجنة التشريعية بمجلس النواب فى هذا الصدد ، فهذا هو : (( ولا يسع اللجنة ، وهى تختتم تقريرها ، إلا أن تسجل الكلمة القيمة التى أدلى بها مندوب الحكومة بعد الانتهاء من بحث المشروع وهى : أن النصوص التشريعية الواردة فى هذا المشروع لها من الكيان الذاتى ما يجعلها مستقلة كل الاستقلال عن المصادر التى أخذت منها . ولم يكن الغرض من الرجوع إلى التقنينات الحديثة أن يتصل المشروع بهذه التقنينات المختلفة اتصال تبعية فى التفسير والتطبيق والتطور ، فإن هذا حتى لو كان ممكنا ، لا يكون مرغوبا فيه . فمن المقطوع به أن كل نص تشريعى ينبغى أن يعيش فى البيئة التى يطبق فيها ، ويحيا حياة قومية توثق صلته بما يحيط به من ملابسات ، وما يخضع له من مقتضيات ، فينفصل انفصالا تاما عن المصدر التاريخى الذى أخذ منه ، أيا كان هذا المصدر . وقد حان الوقت الذى يكون لمصر فيه قضاء ذاتى وفقه مستقل . ولكل من القضاء والفقه ، بل على كل منهما ، عند تطبيق النص أو تفسيره ، أن يعتبر هذا النص قائما بذاته ، منفصلا عن مصدره ، فيطبقه أو يفسره تبعا لما تقتضيه المصلحة ، ولما يتسع له التفسير من حلول تفى بحاجات البلد ، وتساير مقتضيات العدالة . وبذلك تتطور هذه النصوص فى صميم الحياة القومية ، وتثبت ذاتيتها ، ويتأكد استقلالها ، ويتحقق ما قصد إليه واضعو المشروع من أن يكون لمصر قانون قومى يستند إلى قضاء وفقه لهما من الطابع الذاتى ما يجعل أثرهما ملحوظا فى التطور العالمى للقانون )) .
(( وترحب اللجنة بهذه الفرصة الطيبة التى ستتاح للقضاء والفقه فى مصر ، عند تطبيق هذه النصوص وتفسيرها ، فى أن يجد المكان الفسيح للاجتهاد والاستنباط بعد أن انفك عنهما غل القيد بمتابعة قانون واحد معين فى نصوصه التشريعية وفى قضائه وفقهه ، بل بعد أن أصبحا فى حل ، وقد انفصلت النصوص عن مصادرها ، من التقيد بمتابعة أى قانون معين ، فخرجا بذلك من باب التقليد الضيق إلى ميدان الاجتهاد الفسيح (60) .
وهذا ما جاء أخيراً فى تقرير لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ : (( أما ما يقال عن صعوبة التفسير وإلزام القاضى بالرجوع إلى فقه دول متعددة للوقوف على مفهوم نص معين ، فترى اللجنة أن النصوص متى أدمجت فى التقنين انعزلت عن مصادر الاستئناس ، وأصبح لها كيان ذاتى قوامه تساندها مع غيرها من نصوص هذا التقنين ، وأثرها فى البيئة التى تعيش فيها ، وانفعالها بظروف هذه البيئة . فما نقل من الصيغ أو النصوص عن تشريعات أو تقنينات أجنبية وصل بنصوص أخرى فى المشروع تحددت دلالتها من قبل فى التقنين الحالى وفى الفقه المصرى وأحكام القضاء فى مصر ، وهذا التآلف هو أول بل وأهم عنصر من عناصر التفسير (61) )) .
(3)
الفروق الجوهرية ما بين التقنين القديم والجديد
( ما استحدث التقنين الجديد من أ؛كام ، وما قننه وكان معمولا به من قبل )
***
فى غير ما أضاف التقنين الجديد سداً لنقص بين كان ملحوظا فى التقنين القديم ، وفى غير ما عالج من عيوب كانت بارزة فى النصوص القديمة ، وفى غير التبويب وقد عولجت فيه عيوب التقنين القديم على النحو الذى قدمناه ، لم يحمل التقنين الجديد فى نصوصه وأحكامه شيئاً يغاير ما كان التقنين القديم يتضمن من نصوص وأحكام .
ويمكن رد الفروق الجوهرية ما بين التقنينين القديم والجديد إلى أصلين : الأصل الأول هو ما استحدث التقنين الجديد من أحكام لم يكن معمولا بها من قبل . والأصل الثانى هو ما قنن من أحكام كان معمولا بها من قبل ولكن نصوص التقنين القديم كانت تقص عن تأديتها .
1- ما استحدث التقنين الجديد من أحكام لم يكن معمولا بها من قبل استحدث التقنين الجديد موضوعات كاملة لم يعرض لها التقنين القديم مع شدة الحاجة إليها ، ومسائل أخرى تفصيلية تناثرت فى أبوابه المختلفة .
1- موضوعات كاملة :
هذه الموضوعات هى المؤسسات والإعسار المدنى وحوالة الدين وتصفية التركة .
أولا – المؤسسات ( م 69-80 ) :
لم يكن التقنين القديم يعرف المؤسسات (foundations) . وكان نظام الوقف المعروف يؤدى بعض الأغراض التى وجدت المؤسسات من أجلها ، وبخاصة الوقف الخيرى الذى يرصد مباشرة على جهات البر . ولكن نظام الوقف فى كثير من الحالات يضيق عن الوفاء بأغراض المؤسسات ، حتى أن كثيراً من المؤسسات الاجتماعية والخيرية فى مصر لم يتسع لها هذا النظام ، فاتخذ نظام جمعية عادية على ما فى ذلك من ضيق وحرج ، أو اتخذ بطريق مباشر شكل مؤسسة ، ولم يبال بانعدام النصوص القانونية التى تقرر أحكام المؤسسات . من أجل ذلك أدخل القانون الجديد نظام المؤسسات ، وأورد النصوص التى تقرر أحكامها .
وتتخلص هذه النصوص فى أن المؤسسة شخص اعتبارى يقوم على تخصيص مال لغرض لا ينطوى على ربح مادى . فيدخل فى ذلك أعمال البر والأعمال العلمية والفنية والرياضية والدينية وغير ذلك من أعمال النفع العام . وتختلف المؤسسة عن الجمعية فى أن الأولى تقوم على مال يخصص للغرض المقصود ، أما الأخرى فتقوم على جماعة من الأشخاص تتكون منهم الجمعية . وتختلف المؤسسة عن الوقف فى أن الوقف لا يكون إلا فى العقار ، أما المنقول فلا يوقف منه إلا ما تعورف الوقف فيه . هذا إلى أن الوقف يخضع لنظام لا مرونة فيه ، ولا يتسع لإنشاء مستشفيات وملاجئ ومعاهد وهيئات أخرى يتسع لها نظام المؤسسات بما انطوى عليه من مرونة (62)
وأداة تكوين المؤسسة هى إرادة المؤسس الذى خصص المال . وتفرغ هذه الإرادة فى صورة سند رسمى إذا أنشأ المؤسسة حال حياته ، أو فى صورة وصية إذا كان الإنشاء بعد الموت . ولم يجعل التقنين الجديد إنشاء المؤسسات خاضعاً لموافقة السلطة التنفيذية كما فعل التقنين الألمانى والقانون البلجيكى ، بل لم يجعل لهذه السلطة حق الاعتراض على إنشاء المؤسسات كما أشارت بذلك جمعية البحوث التشريعية فى فرنسا . ولكنه أخضع المؤسسات لرقابة وكلها إلى الجهة التى تعينها السلطة التنفيذية . وقد تكون هذه الجهة هى وزارة الشؤون الاجتماعية أو النيابة العامة أو أية مصلحة أخرى تعين لهذا الغرض . والقضاء هو الحكم ما بين المؤسسة وجهة الرقابة إذا هما اختلفتا فى أمر جوهرى .
وللقضاء أيضا أن يعدل فى النظام الذى تدار به المؤسسة . وله أن يخفف من التكاليف والشروط المقررة فى سند الإنشاء ، بل له أن يغليها إذا كان الإلغاء لازماً للمحافظة على أموال المؤسسة أو ضروريا لتحقيق الغرض من إنشائها . وله أخيرا أن يحكم بإلغاء المؤسسة ذاتها إذا أصبحت فى حالة لا تستطيع معها تحقيق الغرض الذى أنشئت من أجله ، أو إذا أصبح هذا الغرض غير ممكن التحقيق ، أو إذا صار مخالفاً للقانون أو للآداب أو للنظام العام . وفى هذه الأحكام الأخيرة من التوسعة والترخص ما يجعل نظام المؤسسات أكثر مرونة من نظام الوقف .
ثانياً – الإعسار المدنى ( م 249 – 264 ) :
كثيراً ما عرض التقنين القديم للإعسار ، ورتب عليه نتائج خطيرة . ولكنه أغفل تنظيم هذا الإعسار ، فصارت الأمور إلى الفوضى : لا الدائنون بمطمئنين لتصرفات مدينهم المعسر ، ولا هم مطمئنون بعضهم لبعض ، ولا المدين بمطمئن لهم جميعا . فنظم التقنين الجديد الإعسار تنظيما راعى فيه مصلحة الدائن ومصلحة المدين معا ، وتحاشى أن تكون هناك تصفية جماعية لأموال المدين المعسر حتى يجنبه ما يستتبع ذلك عادة من إرهاق وعنت . وراعى فيما يتعلق بالمدين أنه أصبح موكولا إلى نظام أوضح حدودا ، فلم يعد يلحق به وصف الإعسار لمجرد زيادة دينه على ماله، بل يشترط أن تكون أمواله غير كافية لوفاء ديونه مستحقة الأداء ، والقاضى على كل حال لا يشهر إعساره إلا بعد أن يقدر جميع الظروف التى أحاطت به ، سواء أكانت هذه الظروف عامة أم خاصة ، فينظر إلى موارده المستقبلة ومقدرته الشخصية ومسئوليته عن الأسباب التى أدت إلى إعساره ومصالح دائنيه المشروعة وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر فى حالته المالية .
وإذا شهر إعسار المدين فليس من الحتم إن تحل ديونه المؤجلة ، إذ يجوز للقاضى أن يبقى على الأجل ، وله أن يمد فيه ، بل إن للقاضى أن يسير إلى مدى أبعد ، فينظر المدين إلى ميسرة بالنسبة إلى الديون المستحقة الأداء ذاتها . وبهذا تتاح للمدين المعسر تصفية ديونه وديا فى أحسن الظروف ملاءمة . والمدين فى سبيل التصفية يجوز له أن يتصرف فى ماله ولو بغير رضاء الدائنين على أن يكون ذلك بثمن المثل ، وعلى أن يقوم بإيداع الثمن خزانة المحكمة لتوزيعه على الدائنين . وللمدين فوق ذلك ، إذا وقع الدائنون الحجز على إيراداته ، أن يطلب إلى القضاء نفقة يتقاضاها من إيراداته المحجوزة .
هذا هو حال المدين من اليسر فى هذا النظام . أما الدائنون فيكفل لهم نظام الإعسار من الحماية ما لم يكن متاحاً لهم فى ظل التقنين القديم . ذلك أن مجرد تسجيل صحيفة دعوى الإعسار يكون من أثره ألا ينفذ أى اختصاص ، يقع بعد التسجيل على عقارات المدين ، فى حق الدائنين السابقة ديونهم على هذا التسجيل . كذلك لا يسرى فى حق الدائنين أى تصرف للمدين يكون من شأنه أن ينقص من حقوقه أو يزيد فى التزاماته ، كما لا يسرى فى حقهم أى وفاء يقوم به المدين . وتعزيزاً لحماية الدائنين من تصرفات المدين ، قرر التقنين الجديد توقيع عقوبة التبديد على المدين إذا ارتكب عملا من أعمال الغش البين إضراراً بدائنيه .
ويتبين مما قدمناه أن النظام الذى وضعه التقنين الجديد للإعسار يكفل التوفيق بين جميع المصالح المتعارضة ، فهو يحمى المدين من دائنيه ، ويحمى الدائنين من مدينهم ، ويحمى الدائنين بعضهم من بعض .
ثالثاً – حوالة الدين ( م 315 – 322 ) :
لم يكن التقنين القديم يعرف فى انتقال الالتزام إلا حوالة الحق ولم يكن ينظم حوالة الدين مع وضوح الحاجة إليها. فأضاف التقنين الجديد إلى حوالة الحق حوالة الدين جريا على سنن التقنينات الحديثة . هذا إلى أن الفقه الإسلامى قد نظم حوالة الدين تنظيما محكماً دقيقاً ، وإن كان لم ينظم حوالة الحق .
وفى التقنين الجديد تتم حوالة الدين إما باتفاق بين المدين وشخص آخر يتحمل عنه الدين دون حاجة إلى قبول الدائن ، وإما باتفاق بين الدائن وشخص آخر يتحمل قبله الدين دون حاجة إلى قبول المدين . فإذا تمت الحوالة ، جاز للدائن أن يطالب المدين الجديد بالدين ذاته ، وجاز للمدين الجديد أن يتمسك قبل الدائن بالدفوع التى كان للمدين الأصلى أن يتمسك بها . ويضمن المدين الأصلى للدائن أن يكون المدين الجديد موسراً وقت إقرار الدائن للحوالة .
وقد طبق التقنين الجديد حوالة الدين تطبيقاً نافعاً فى حالة تعرض كثيراً فى العمل ، هى حالة بيع العقار المرهون رهناً رسمياً . فإنه يجوز أن يتفق البائع والمشترى على حوالة الدين المضمون بالرهن ليتخلص البائع من الدين المترتب فى ذمته بالحوالة كما تخلص من الرهن ببيع العقار المرهون .
رابعاً – تصفية التركة ( م 876 – 914 ) :
من العيوب البارزة فى التقنين القديم أنه فى الوقت الذى كان يقر فيه القاعدة الشرعية المعروفة التى تقضى بألا تركة إلا بعد سداد الدين ، ولو أنه لم ينص عليها فى عبارة صريحة ، لم يكن يضع نظاماً لتصفية التركة ، حتى يتسلمها الورثة خالية من الديون مادامت التركة لا تنتقل إليهم إلا بعد سدادها . وقد كان إغفال هذا النظام سبباً فى أن يقع القضاء والفقه فى مصر فى كثير من الاضطراب والارتباك ، فأراد التقنين الجديد أن يتلافى هذا النقص الخطير بوضع نصوص مفصلة ينظم بها تصفية التركة .
وبحسبنا هنا أن نحيل القارئ على هذه النصوص ، وهى تعتبر دون ريب من أهم ما استحدثه التقنين الجديد .

ب- مسائل تفصيلية متنوعة :
إلى جانب هذه الموضوعات الكاملة استحدث التقنين الجديد أحكاماً أخرى تفصيلية نتعقب أهمها فيما يأتى :
فى الباب التمهيدى : عددت المادة الأولى مصادر القانون ، فذكرت الفقه الإسلامى من بينها ولا شك فى أن هذا كسب جديد للشريعة الإسلامية ، لم تظفر به إلا فى التقنين الجديد .
وفى الكتاب الأول : وهو الكتاب الذى خصص للالتزامات بوجه عام استحدث التقنين الجديد (63) عدا نظرية الحوادث الطارئة ( م 147 ) مسئولية عديم التمييز ، فنص على أنه إذا وقع الضرر من شخص غير مميز ، ولم يكن هناك من هو مسئول عنه ، أو تعذر الحصول على تعويض من المسئول ، جاز للقاضى أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل ، مراعياً فى ذلك مركز الخصوم ( أنظر م 164 فقرة 2 ) . واستحدث كذلك مسئولية مبنية على خطأ مفروض فرضاً لا يقبل إثبات العكس عن الآلات الميكانيكية وعن الأشياء التى تتطلب حراستها عناية خاصة ( أنظر م 178 ) وأجاز فى المادة 170 للقاضى ، إذا لم يتيسر له وقت الحكم أن يعين مدى التعويض تعييناً نهائياً ، أن يحتفظ للمضرور بالحق فى أن يطالب فى خلال مدة معينة بإعادة النظر فى التقدير .
وفى آثار الالتزام ، أجاز فى المادة 203 ( فقرة 2 ) للمدين إذا كان فى التنفيذ العينى إرهاق له ، أن يقتصر على دفع تعويض نقدى إذا كان ذلك لا يلحق بالدائن ضرراً جسيما . وأجازت المادة 219 أن يتم إعذار المدين عن طريق البريد على الوجه المبين فى تقنين المرافعات . أما فى الفوائد ، فقد استحدث التقنين الجديد ( م 226 – 227 ) أحكاماً هامة ترمى إلى الحد منها مجاراة للنزعة فى القوانين الحديثة ، فخفض السعر القانونى للفوائد إلى 4% فى المسائل المدنية وإلى 5% فى المسائل التجارية ، وخفض السعر الاتفاقى إلى 7% . ونص صراحة على أنه يتعين رد ما دفع زائداً على هذا المقدار . وأخذ بيد المدين فى حالتين أعفاه فيهما من دفع الفوائد أو خفض منها : الحالة الأولى هى حالة ما إذا تسبب الدائن بسوء نية وهو يطالب بحقه فى إطالة أمد النزاع ، فللقاضى أن يخفض الفوائد قانونية كانت أو اتفاقية ، أو لا يقضى بها إطلاقا ، عن المدة التى طال فيها النزاع بلا مبرر ( م 229 ) . والحالة الأخرى هى حالة ما إذا رسا المزاد فى العين المحجوز عليها وفاء للدين ، فلا يكون الدائنون مستحقين لفوائد التأخير إلا إذا كان الراسى عليه المزاد ملزما بدفع فوائد الثمن أو كانت خزانة المحكمة ملزمة بهذه الفوائد ، على ألا يجاوز ما يتقاضاه الدائنون من فوائد فى هذه الحالة ما هو مستحق منها قبل الراسى عليه المزاد أو خزانة المحكمة ( م 230 ) وفى هذا رفق واجب بالمدين . واستكمالا للقيود الهامة التى فرضها التقنين الجديد على الفوائد ، نصت المادة 232 على أنه لا يجوز فى أية حال أن يكون مجموعة الفوائد التى يتقاضاها الدائن أكثر من رأس المال ، ونصت كذلك على تحريم الفوائد المركبة تحريماً تاماً . وأدخل التقنين الجديد تعديلا هاماً على قواعد الدعوى البوليصية ، فنص فى المادة 240 على أنه متى تقرر عدم نفاذ التصرف استفاد من ذلك جميع الدائنين الذين صدر هذا التصرف إضراراً بهم . وكان التقنين القديم لا يجعل أحداً يستفيد من هذه الدعوى غير الدائن الذى باشرها . ورد التقنين الجديد ( م 246 ) الحق فى الحبس إلى تكييفه القانونى الصحيح ، فجعله دفعاً بعدم التنفيذ ، لا حقا عينيا كما كان يذهب إليه التقنين القديم ، فأزال هذا التكييف الصحيح ما كان يعترض الحق فى الحبس من صعوبات ترجع إلى القواعد الخاصة بشهر الحقوق العينية ، ومكن من تعميم هذا الحق فى جميع صوره المنطقية عن طريق رده إلى قاعدة عامة ، بعد أن كان مقصوراً فى التقنين القديم على حالات معينة ذكرت على سبيل الحصر .
وفى حوالة الحق ، جعلت الحوالة تتم دون حاجة إلى رضاء المدين ( م 303 ) وكان التقنين القديم – الوطنى دون المختلط – يشترط هذا الرضاء . وكان فى هذا تعطيل للتعامل لا مبرر له ، وتخلف عن التمشى مع القوانين الحديثة تحت أثر وهم خاطئ أن هذا هو حكم الفقه الإسلامى ، والحق أن هذا الفقه غير مسئول عن هذا العيب ، لأنه لا يعرف حوالة الحق أصلا . وقد توهم بعض الفقهاء المصريين أن ما يسميه الفقه الإسلامى فى دقة تامة بحوالة الدين ، ويشترط فيه رضاء المدين ، هو هذا الذى نسميه نحن فى قوانيننا الحديثة بحوالة الحق ، والفرق ظاهر بين الحوالتين .
وفى انقضاء الالتزام ، جعل التقنين الجديد الإبراء يتم بإرادة الدائن وحدها دون حاجة إلى رضاء المدين ( م371 ) وكان التقنين القديم يشترط هذا الرضاء ، وفى هذا التجديد رجوع إلى قواعد الفقه الإسلامى . أما التقادم فقد جعلت مدته ثلاث سنوات فى الالتزامات التى تنشأ من مصادر غير تعاقدية ، كالالتزامات التى تنشأ من العمل غير المشروع وتلك التى تنشأ من قواعد الإثراء بلا سبب كالفضالة واسترداد ما دفع دون حق . وقد نحى التقنين الجديد فى هذا التجديد منحى التقنينات الحديثة . والحكمة فى ذلك ظاهرة ، فإن الالتزام الذى يفرضه القانون على المدين فرضا ولا يرجع فيه إلى إرادته لا يجوز أن يبقى فى الذمة أكثر من ثلاث سنوات من وقت العلم به ، بخلاف ما ارتضاه المدين بإرادته من الالتزامات التى تعاقد عليها ، فهذه تدوم خمس عشرة سنة . وجعل التقنين الجديد الحق فى إبطال العقد لنقص فى الأهلية أو لعيب من عيوب الرضاء يتقادم هو أيضا بثلاث سنوات ، حتى يستقر التعامل ولا يبقى سيف الإبطال مصلتا على العقود يتهددها بالزوال مدة طويلة .
وفى الكتاب الثانى : وهو الكتاب الذى خصص للعقود المسماة ، أدخل التقنين الجديد فى البيع تعديلين متفاوتين فى الأهمية . أولهما يجعل دعوى الضمان فى العيوب الخفية لا تسقط إلا بسنة كاملة ( م 452 ) وكانت فى التقنين القديم تسقط بثمانية أيام وهى مدة شديدة القصر . والتعديل الثانى ، وهو أهم بكثير من التعديل الأول ، حرم بيع الوفاء تحريما باتا ( م 465 ) ، وهذه هى نهاية الشوط فى مراحل التطور لهذا البيع . فقد كان من قبل جائزا دون قيد . ولما استكثر التعامل منه ضروبا هى رهن حيازة مستتر يخفى الربا الفاحش ، حرمه المشرع المصرى فى صورته الساترة للرهن . وقد دلت التجارب على أن بيوع الوفاء فى مصر ليست إلا رهونا مستترة ، فأبطلها التقنين الجديد جميعا ، فى صورتيها الساترة والسافرة .
وفى عقد الشركة أدخل التقنين الجديد تعديلا فى حالة ما إذا كانت حصة أحد الشركاء مقصورة على عمله . فقد كان التقنين القديم يجعل نصيب هذا الشريك فى الربح أقل الأنصبة ، وقد يكون عمله هو النشاط الجوهرى الذى تقوم عليه الشركة . فنصت المادة 514 ( فقرة ثالثة ) من التقنين الجديد على أن هذا الشريك يقدر نصيبه فى الربح والخسارة تبعا لما تفيده الشركة من عمله ، وهذا هو الحكم العادل .
وكان التقنين القديم – جريا على سنن القانون الفرنسى ومن قبله القانون الرومانى – يسمى طائفة من العقود هى القرض والعارية والوديعة ورهن الحيازة ، عقودا عينية ويجعلها لا تتم إلا بالتسليم . وعينية هذه العقود بقية تخلفت عن القانون الرومانى . فقد كان هذا القانون لا يسلم بأن رضاء المتعاقدين وحده كاف لانعقاد العقد فى غير طائفة معينة من العقود سماها عقوداً رضائية . وكان يتطلب فى كل طائفة من طوائف العقود الأخرى ركنا غير الرضاء يختلف باختلاف كل طائفة . فكان يقتضى فى طائفة العقود العينية ركن التسليم . والآن وقد أصبح رضاء المتعاقدين كافيا لانعقاد العقد فى غير طائفة العقود الشكلية ، فقد زالت الحكمة فى اشتراط العينية فى بعض العقود ، ولم يعد هناك مسوغ لبقائها ، وقد اختفت فعلا فى كثير من التقنينات الحديثة . واختفت كذلك فى التقنين الجديد (64) .
وفى عقد القرض استحدث التقنين الجديد حكما هاماً ، فنص فى المادة 544 على أنه إذا اتفق على الفوائد ، كان للمدين إذا انقضت ستة أشهر على القرض ، أن يعلن رغبته فى إلغاء العقد ورد ما اقترضه ، على أن يتم الرد فى أجل لا يجاوز ستة أشهر من تاريخ هذا الإعلان ، وفى هذه الحالة يلزم المدين بأداء الفوائد المستحقة عن الستة الأشهر التالية للإعلان ، ولا يجوز بوجه من الوجوه إلزامه بأن يؤدى فائدة أو مقابلا من أى نوع بسبب تعجيل الوفاء ، ولا يجوز الاتفاق على إسقاط حق المقترض فى الرد ، أو الحد منه .
وفى عقد الإيجار استحدث التقنين الجديد تعديلا هاما ، فجعل التزام المؤجر التزاما إيجابياً هو أن يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة ( م 588 ) ، وكان التزام المؤجر فى التقنين القديم التزاماً سلبياً يقتصر على ترك المستأجر ينتفع بالعين . واقتضى هذا التعديل الجوهرى نصاً صريحاً فى التقنين الجديد ( م576 ) يلزم المؤجر بضمان العيوب الخفية . كذلك حذف التقنين الجديد نصاً كان موجوداً فى التقنين القديم ، يقضى أن يكون إثبات عقد الإيجار بالكتابة ، إذ لا يوجد مسوغ لهذا الخروج على القواعد العامة .
وعلى النقيض من عقد الإيجار ، يقتضى عقد الكفالة تشددا من ناحية الإثبات ، فإن الكفيل يكون متبرعا فى أكثر الأحيان ، ويغلب أن يكون قد تورط فى كفالة لا تلبث أن تعود عليه بالغرم ، ومن ثم وجب التثبت من رضائه بالكفالة . فنص التقنين الجديد على أن هذا العقد لا يثبت إلا بالكتابة ، ولو كان من الجائز إثبات الالتزام المكفول بالبينة ( م773 )
وفى الكتاب الثالث : وهو الكتاب الذى خصص للحقوق العينية الأصلية ، استحدث التقنين الجديد تعديلات هامة فى حق الملكية وأسباب كسبها .
فأجاز لكل مالك أن يجبر جاره على وضع حدود لأملاكهما المتلاصقة ، وتكون نفقات التحديد شركة بينهما ( م813 ) ، وقيد المطل المنجرف بأن يكون على مسافة تقل عن خمسين سنتيمترا من حرف المطل ( م 820 ) . ووضع قواعد لإدارة المال الشائع جعل فيها الحكم لأغلبية الشركاء إذا تعنتت الأقلية ووقفت حجر عثرة فى سبيل الإصلاح ( م 828 ) ، وجعل الحكم لأغلبية الشركاء كذلك حتى لو قررت هذه الأغلبية ، فى سبيل تحسين الانتفاع بالمال الشائع ، من التغييرات الأساسية والتعديل فى الغرض الذى أعدله المال الشائع ما يخرج عن حدود الإدارة المعتادة ( م 829 ) ، بل وحتى لو قررت التصرف فى المال الشائع مستندة فى ذلك إلى أسباب قوية ( م 832 ) . وقصرت المادة 833 حق استرداد الحصة الشائعة على المنقول ، أما العقار فاكتفى فيه بالشفعة ، وبذلك حدد التقنين الجديد تحديدا عمليا واضحا نطاق كل من نظامين متقاربين ، أخذ أحدهما من التقنين الفرنسى وهو حق الاسترداد ، وأخذ الآخر من الفقه الإسلامى وهو الشفعة . وأدخل التقنين الجديد فى الملكية الشائعة نظامين جديدين ، هما نظام ملكية الأسرة ( م851 – 855 ) ونظام اتحاد ملاك طبقات البناء الواحد ( م862 – 869 ) . أما النظام الأول فالغرض منه تنظيم إدارة المال الشائع ما بين أعضاء الأسرة الواحدة تنظيما من شأنه أن يجعل هذه الإدارة ميسرة . فأجيز الاتفاق على إنشاء ملكية للأسرة تبقى مدة تطول إلى خمس عشرة سنة لا يجوز فى خلالها لأحد من الشركاء أن يطلب القسمة. وجعل للشركاء الحق فى تعيين واحد منهم لإدارة المال الشائع ، وأعطى لهذا المدير سلطة واسعة تصل إلى حد أن يدخل على ملكية الأسرة من التغيير فى الغرض الذى أعدله المال المشترك ما يحسن طرق الانتفاع به . وهذا النظام يستجيب لحاجة من حاجات المجتمع المصرى فى الريف . فكثيراً ما تستبقى الأسرة الأرض شائعة بين الورثة بعد موت المورث ، ويتولى الإدارة كبير الأسرة . فأوجد التقنين الجديد نظاماً مستقرا لهذه الحالة . والنظام الآخر – نظام اتحاد الملاك – يراد به تيسير السبيل للأوساط من الناس أن ينشئوا مساكن تكون ملكا لهم ، فأجيز تكوين اتحاد لبناء المساكن أو مشتراها وتوزيع ملكية طبقاتها على أعضاء الاتحاد ، كما أجيز لملاك طبقات البناء أن يكونوا اتحادا فيما بينهم . ويضع الاتحاد ، فى كل من هاتين الصورتين ، نظاماً لضمان حسن الانتفاع بالعقار المشترك ، ويكون له مأمور يتولى تنفيذ قراراته وفى هذا تيسير لإدارة المرافق المشتركة للمبانى ذوات الطبقات ، وتشجيع على إنشاء هذه المبانى ، مما يعين على التفريج من أزمة المساكن فى المدن المكتظة بالسكان .
وفى الاستيلاء كسبت للملك ، اشترط التقنين الجديد فيمن يحيى الأرض الموات بقصد تملكها أن يكون مصرياً ( م874 فقرة 3 ) ولم يكن هذا الشرط واجبا فى التقنين القديم .
وفى الالتصاق ، إذا أقام شخص منشآت على أرض الغير وكان يعتقد بحسن نية أن له الحق فى إقامتها ، خير صاحب الأرض بين أن يدفع قيمة المواد وأجرة العمل أو أن يدفع مبلغاً يساوى ما زاد فى ثمن الأرض بسبب هذه المنشآت . وقد استحدث التقنين الجديد هنا حكماً ، فأجاز فى الفقرة الثانية من المادة 925 لصاحب الأرض ، إذ كانت المنشآت قد بلغت حدا من الجسامة يرهقه ، أن يطلب تمليك الأرض لمن أقام المنشآت نظير تعويض عادل . وفى حالة أخرى ، إذا كان مالك الأرض وهو يقم عليها بناء قد جار بحسن نية على جزء من الأرض الملاصقة ، أجازت المادة 928 للمحكمة إذا رأت محلا لذلك أن تجبر صاحب هذه الأرض على أن ينزل لجاره عن ملكية الجزء المشغول بالبناء وذلك فى نظير تعويض عادل .
وفى الشفعة ، عالج التقنين الجديد نقصاً فى التقنين القديم ، فأباحت المادة 940 لمن يريد الأخذ بالشفعة أن يعلن رغبته فيها فى خلال خمسة عشر يوما من تاريخ الإنذار الرسمى الذى يوجهه إليه البائع أو المشترى ، وإلا سقط حقه . وكان التقنين القديم يسقط حق الشفيع أيضا إذا لم يعلن الرغبة فى خلال حقه . وكان التقنين القديم يسقط حق الشفيع أيضا إذا لم يعلن الرغبة فى خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ علمه بالبيع ، وكانت واقعة العلم هذه تثير منازعات كثيرة من ناحية الإثبات ، فوقف التقنين الجديد عند الإنذار الرسمى دون العلم . وضيق التقنين الجديد حق الأخذ بالشفعة عما كان الأمر عليه فى التقنين القديم وذلك من نواح عدة : أوجب فى خلال ثلاثين يوماً من إعلان الرغبة فى الأخذ بالشفعة أن يودع الشفيع خزانة المحكمة كل الثمن الحقيقى الذى حصل به البيع ( م942 ) وأن يقيد دعوى الشفعة بالجدول ( م943 ) ، واسقط الحق فى الأخذ بالشفعة بمقتضى المادة 948 إذا انقضت أربعة أشهر من يوم تسجيل عقد البيع ( وفى التقنين القديم إذا انقضت ستة أشهر ) أو نزل الشفيع عن هذا الحق ولو قبل البيع ( وفى التقنين القديم لم يكن يعتد بنزول الشفيع عن الحق قبل البيع ) ، كما لم يجز الأخذ بالشفعة ، بمقتضى المادة 939 ، إذا وقع البيع بين الأصول والفروع أو بين الزوجين أو بين الأقارب لغاية الدرجة الرابعة أو بين الأصهار لغاية الدرجة الثانية ( وفى التقنين القديم لم يكن يجوز الأخذ بالشفعة بين الأصول والفروع أو بين الزوجين أو بين الأقارب لغاية الدرجة الثالثة ) .
وفى الكتاب الرابع : وهو الكتاب الذى خصص للتأمينات العينية ، عالج التقنين الجديد فى الرهن الرسمى رهن الحصة الشائعة ، فنصت المادة 1039 على أن الرهن الصادر من جميع الملاك لعقار شائع يبقى نافذا أيا كانت النتيجة التى تترتب على قسمة العقار فيما بعد أو على بيعه لعدم إمكان قسمته ، وإذا رهن أحد الشركاء حصته الشائعة فى العقار أو جزءا مفرزاً من هذا العقار ، ثم وقع فى نصيبه عند القسمة أعيان غير التى رهنها ، انتقل الرهن بمرتبته إلى قدر من هذه الأعيان يعادل قيمة العقار الذى كان مرهونا فى الأصل . وهذا الحكم الجديد من شأنه أن يطمئن مرتهن الحصة الشائعة على ضمانه . وميز التقنين الجديد (م1033 ) بين رهن ملك الغير ويقع قابلا للإبطال ، ورهن المال المستقبل ويقع باطلا . وأجاز للدائن ( م1067 ) أن يطلب بيع العقار المطلوب تطهيره دون أن يكون مضطرا إلى زيادة العشر كما كان الأمر فى التقنين القديم .
ولم يلغ التقنين الجديد حق الاختصاص ، ولكنه قلل من عيوبه إلى حد بعيد . فأوجب أن يكون حق الاختصاص، ولكنه قلل من عيوبه إلى حد بعيد . فأوجب أن يكون بيد الدائن حكم واجب التنفيذ (م1085 فقرة 1 ) . وأجاز لكل ذى مصلحة أن يطلب إنقاص الاختصاص إلى الحد المناسب إذا كانت الأعيان التى رتب عليها هذا الحق تزيد قيمتها على ما يكفى لضمان الدين ( م1094 فقرة 1 ) ، ولم يستلزم ، من ناحية أخرى ، أن يقدم الدائن صورة رسمية من الحكم للحصول على حق الاختصاص ، بل اكتفى بشهادة من قلم الكتاب مدون فيها منطوق الحكم ( م1089 ) وهذه الشهادة يمكن الحصول عليها فى يوم صدور الحكم .
وسد التقنين الجديد ثغرة فى التقنين القديم بإيجاد حق امتياز للمقاولين وللمهندسين المعماريين ( م1148 ) . وقد عجل قانون الشهر العقارى إصلاحاً آخر ، بأن جعل حق امتياز بائع العقار ورهن الحيازة العقارى خاضعين لنظام القيد دون نظام التسجيل .
هذه هى أهم الأحكام التى استحدثها التقنين الجديد . وغنى عن البيان أن أى حكم منها لا يسرى على الماضى ، ولا يطبق إلا فيما يستجد من الوقائع منذ 15 أكتوبر سنة 1949 تاريخ نفاذ التقنين الجديد . وقد يثير عدم سريان هذه الأحكام على الماضى مشاكل نعالجها فى مواضعها من هذا الكتاب .
2- ما قنن التقنين الجديد من أحكام كان معمولا بها من قبل
وهذه طائفتان . طائفة هى الأحكام التى قررها القضاء المصرى دون نص فى ظل التقنين القديم ، وهى أحكام على درجة كبيرة من الأهمية والخطر ، ولم تكن مقننة فقننها التقنين الجديد . والطائفة الثانية أحكام كان منصوصا عليها فى التقنين القديم ، ولكن النصوص كانت إما معيبة فهذبها التقنين الجديد ، أو مدسوسة فى مكان غير التقنين المدنى فنقلها التقنين الجديد إلى مكانها الصحيح .
أ- الأحكام التى قررها القضاء المصرى فى ظل التقنين القديم دون نص فقننها التقنين الجديد :
هذه الأحكام تبلغ أكثر من نصف نصوص التقنين الجديد . فقد انتفع هذا التقنين انتفاعا بعيد المدى بالقضاء المصرى السابق ، من وطنى ومختلط ، وقنن المبادئ الهامة التى أقرها هذا القضاء فى خلال سبعين عاما عمل فيها فى ظل التقنين القديم .
ففى الباب التمهيدى ، وردت نصوص صريحة فى نظرية التعسف فى استعمال الحق وفى الأشخاص الطبيعية والاعتبارية وفى الجمعيات . وهذه المسائل لم يكن التقنين القديم يتناولها ، ولكن القضاء المصرى كان قد أقر مبادئها ووضع أسسها .
وفى نظرية الالتزام ، أخذ التقنين الجديد بأحكام القضاء المصرى فى طائفة كبيرة من النصوص . ففى العقد والعمل القانونى نقل عن القضاء المصرى كيف تتوافق الإرادتان ، وكيف يتعاقد الغائبان ، وأورد نصوصا صريحة فى مبادئ كان القضاء المصرى قد أقرها ، كالنيابة فى التعاقد ، والعقد الابتدائى ، والعربون ، والاستغلال ، وإنقاص العقد، وتحويله ، والخلف الخاص ، وعقود الإذعان ، والتعهد عن الغير ، والدفع بعدم تنفيذ العقد ، والوعد بجائزة . وفى مصادر الالتزام غير العقد نقل عن القضاء مسائل كثيرة ، كعلاقة السببية فى المسئولية التقصيرية ، وأسباب دفع المسئولية ، وطرق التعويض المختلفة ، واجتماع التقادم المدنى والتقادم الجنائى ، ونظرية الإثراء بلا سبب . كذلك قنن التقنين الجديد للقضاء المصرى فى مسائل أخرى غير مصادر الالتزام ، كالالتزام الطبيعى ، والالتزام باتخاذ الحيطة ، ونظرية التهديد المالى ، والخطأ المشترك ، والاتفاق على الإعفاء من المسئولية ، والضرر المباشر ، والضرر الأدبى ، والمطالبة القضائية بالفوائد ، وجواز تخفيض الشرط الجزائى إذا كان مبالغا فيه إلى درجة كبيرة ، ودعوى الصورية ، والوفاء بمقابل ، وتجديد الحساب الجارى ، والإنابة ، وتقادم الريع ، وتقادم الاستحقاق فى الوقف ، وبدء سريان التقادم، ووقفه ، وانقطاعه ، والنزول عنه ، وتحديد الورقة الرسمية والورقة العرفية ، ودفاتر التجار ، والأوراق المنزلية ، وجواز منع توجيه اليمين الحاسمة ، وجواز إثبات الحنث فيها .
وفى العقود المسماة ، قنن التقنين الجديد أحكام القضاء فى البيع بالتقسيط ، وفى إقرار المشترى بالاستحقاق ، وفى ضمان صلاحية المبيع ، وفى تقديم الشريك نفوذه حصة فى الشركة ، وفى القواعد التى تنظم إدارة الشركة ، وفى المسئولية عن ديون الشركة ، وفى استمرار الشركة مع القصر ، وفى إثبات الصلح بالكتابة ، وفى ضمان المؤجر للعيوب الخفية ، وفى حريق العين المؤجرة ، وفى التحسينات التى يستحدثها المستأجر ، وفى أثر موت المستأجر فى انقضاء عقد الإيجار ، وفى انتهاء الإيجار بالحوادث الطارئة وبانتقال الموظف وبهلاك الزرع ، وفى عدم إنقاص أجر الوكيل إذا دفع طوعا بعد تنفيذ الوكالة ، وفى نائب الوكيل ، وفى مسئولية الموكل عن الضرر الذى يصيب الوكيل ، وفى تعدد الوكلاء ، وفى وديعة الفنادق ، وفى كفالة ناقص الأهلية ، وفى تزاحم الدائن مع الكفيل فى الرجوع على المدين . كما أورد التقنين الجديد عقوداً كاملة كان القضاء المصرى قد أقر مبادئها الأساسية ، كعقد التزام المرافق العامة ، وعقد العمل ، وعقد التأمين .
وفى الحقوق العينية الأصلية ، نقل التقنين الجديد عن القضاء المصرى حقوق الجوار ، وحق الشرب والمسيل ، وحق المرور ، والحائط المشترك ، وشرط عدم التصرف ، وكثيراً من أحكام الملكية الشائعة ، والقسمة ، والشيوع الإجبارى ، وملكية الطبقات ، والتصرفات الصادرة فى مرض الموت ، وتزاحم الشفعاء ، وحق السكنى ، والقيود التى تحد من حق مالك العقار فى البناء عليه كيف شاء .
وفى التأمينات العينية ، نقل التقنين الجديد أحكام القضاء المصرى فى شرط تملك الرهن عند عدم الوفاء ، وفى نزول الدائن المرتهن عن مرتبته ، وفى الحائز للعقار المرهون ، وفى بعض أحكام التطهير ، وفى منع حق الاختصاص بعد إعسار المدين أو موته ، وفى رهن الدين رهن حيازة ، وفى ترتيب حقوق الامتياز ، وفى التفصيلات المتعلقة بامتياز المؤجر وامتياز صاحب الفندق .
ب- الأحكام التى كانت تقوم على نص تشريعى :
نصوص كانت معيبة فهذبت : كان التقنين القديم يشتمل على نصوص معيبة فهذبها التقنين الجديد . من ذلك النصوص المتعلقة بتقسيم الأشياء والأموال ، والنصوص التى وردت فى الغلط ، وفى السبب ، وفى البطلان ، وفى الاشتراط لمصلحة الغير ، وفى مسئولية المكلف بالرقابة ، وفى مسئولية المتبوع ، وفى دفع غير المستحق ، وفى الفضالة ، وفى الدعوى غير المباشرة ، وفى الدعوى البوليصية ، وفى الحق فى الحبس ، وفى التضامن ، وفى المقاصة ، وفى وقف التقادم ، وفى البيع فى مرض الموت ، وفى عقد المقاولة ، وفى الحراسة ، وفى القيود القانونية الواردة على حق الملكية ، وفى نظرية الحيازة ، وفى نظرية حق الارتفاق .
نصوص كانت فى مكان آخر فنقلت إلى التقنين المدنى : نقل التقنين الجديد هذه النصوص إليه ووضعها فى مكانها الصحيح . من ذلك النص على مصادر القانون ، وكان وارداً فى لائحة المحاكم الوطنية . وأحكام الأهلية والهبة وإيجار الوقف والحكر ، وكان الباحث يلتمسها فى كتب الفقه الإسلامى . وأحكام العرض الحقيقى والإيداع والحوالة بين حجزين وإجراءات حق الاختصاص والبقاء فى الشيوع لمدة معينة ، وهذه الأحكام كانت محشورة بين نصوص تقنين المرافعات . وقسمة المورث ، وقد وردت نصوصها فى قانون الوصية . والشفعة ، وكانت قد فصلت عن التقنين المدنى وصدر بها قانون خاص (65) .

( 4 )
الاتجاهات العامة للتقنين الجديد
( موقف التقنين الجديد من الاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة )
( التقنين الجديد بين الاستقرار والتطور ، وبين الفرد والجماعة )
***
أ- موقف التقنين الجديد
من الاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة
يحسن ، حتى نرسم موقف التقنين الجديد من الاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة ، أن نبين أولا أهم هذه الاتجاهات . ويمكن ردها إلى اتجاهين رئيسيين : ( الاتجاه الأول ) يتعلق بالمدى الذى يسلم به تقنين معين بمبدأ سلطان الإرادة ، والحد الذى يفصل فى هذا التقنين ما بين المنطقة التى تنظمها الإرادة والمنطقة التى ينظمها القانون . ( والاتجاه الثانى ) يتعلق بمقدار ما ينطوى عليه تقنين معين من نزعة ذاتية tendance subjective ، ومقدار ما ينطوى عليه من نزعة موضوعية tendance objective ، وأية نزعة من هاتين النزعتين هى المتغلبة على الأخرى فى هذا التقنين . وهذا الاتجاه الرئيسى الثانى ينطوى على اتجاهات متنوعة . ذلك أن النزعة الذاتية أو النزعة الموضوعية للتقنين تفرض عليه موقفاً معيناً إزاء تنازع نظريات متعارضة فى أمور ثلاثة : (1) الأمر الأول – أى المذهبين نختار فى تصوير الالتزام : المذهب الشخصى أو المذهب المادى ؟ (2) والأمر الثانى – أية النظريتين نختار فى التعبير عن الإرادة : نظرية الإرادة الباطنة أو نظرية الإرادة الظاهرة ؟ (3) والأمر الثالث – حظ التصرف المجرد acte abstrait بالنسبة إلى التصرف المسبب ، وهل يجوز أن يكون للأول مكان يحتله بجوار المكان الذى يحتله الثانى؟ فالنزعة الذاتية تفرض اختيار المذهب الشخصى للالتزام ، وتؤثر نظرية الإرادة الباطنة ، ولا تجعل للتصرف المجرد مكانا ملحوظاً إلى جانب التصرف المسبب . أما النزعة الموضوعية فعلى النقيض من ذلك تختار المذهب المادى للالتزام ، وتؤثر نظرية الإرادة الظاهرة ، وتجعل للتصرف المجرد مكانا ملحوظا إلى جانب التصرف المسبب .
ومن ثم فالاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة يمكن جمعها حول المسائل الأربع الآتية : (1) مبدأ سلطان الإرادة . (2) النظرية الشخصية والنظرية المادية للالتزام . (3) نظرية الإرادة الباطنة ونظرية الإرادة الظاهرة . (4) التصرف المسبب والتصرف المجرد .
ويقال عادة إن هذه الاتجاهات العامة فى جملتها تفصل ما بين التقنينات اللاتينية والتقنينات الجرمانية . فالأولى مشبعة بروح الفردية بالنسبة إلى مبدأ سلطان الإرادة فتأخذ به إلى مدى بعيد ، أما الأخرى فمشبعة بروح الجماعة فتضع قيوداً كثيرة على هذا المبدأ . والأولى تأخذ بالنظرية الشخصية للالتزام ، بينما تأخذ الأخرى بالنظرية المادية . وتؤثر الاولى نظرية الإرادة الباطنة ، بينما تؤثر الأخرى نظرية الإرادة الظاهرة . والتصرف المسبب هو القاعدة فى التقنينات الأولى ، أما التقنينات الأخرى فتبرز إلى جانب التصرف المسبب التصرف المجرد وتضع له نظرية عامة .
على أن هذا القول يلقى على عواهنه دون تمحيص . وهو إذا صدق فإنما يصدق فى الناحية الفقهية أكثر مما يصدق فى الناحية التشريعية . ذلك أنه لا يوجد تقنين حديث انحاز انحيازاً مطلقاً إلى أحد الاتجاهين ، ونبذ بتاتا الاتجاه الآخر . فالتقنين الألمانى – وهو عنوان التقنينات الجرمانية – احترم مبدأ سلطان الإرادة إلى مدى بعيد ، واعتد بالعنصر الشخصى فى الالتزام ، وأخذ بالإرادة الباطنة فى كثير من النواحى ، وعرف التصرف المسبب فاعتبره باطلا إذا كان مخالفاً للآداب ، وجعله قابلا للإبطال إذا شاب الإرادة عيب . والتقنن الفرنسى – وهو عنوان التقنينات اللاتينية – يضع قيوداً كثيرة على مبدأ سلطان الإرادة ، ويعتد فى بعض الحالات بالعنصر المادى فى الالتزام ، ويأخذ بالإرادة الظاهرة فى بعض النواحى ، ويعرف التصرف المجرد ولو على سبيل الاستثناء . فالفصل ما بين التقنينات الجرمانية والتقنينات اللاتينية فى هذه الاتجاهات لا يجوز أن يكون فصلا تاماً . والذى يمكن أن يقال فى هذا الصدد أن نزعة التقنينات الجرمانية أقرب إلى اتجاهات منها إلى اتجاهات أخرى ، وعلى العكس من ذلك التقنينات اللاتينية ، ولكن دون أن نستبعد هذه الاتجاهات الأخرى استبعاداً تاماً عن كل من النظامين (66) .
أضف إلى ما تقدم أن القوانين اللاتينية تأثرت فى الخمس عاما الأخيرة ، منذ ظهور التقنين الألمانى ، بالنزعة الجرمانية تأثراً كبيراً . وقامت حركة تهدف إلى هذا الغرض ، حمل سالى (Saleilles) لواءها فى مسهل القرن العشرين . وبرز هذا الطابع فى التقنينات اللاتينية الحديثة التى ظهرت فى القرن الحالى . ترى ذلك واضحا فى التقنين التونسى والمراكشى ، وفى التقنين اللبنانى ، وفى المشروع الفرنسى الإيطالى ، وفى التقنين الإيطالى الجديد ، وفى تقنينات أخرى متخيرة كالتقنين البولونى والتقنين البرازيلى والتقنين الصينى . وكان من أثر ذلك أن أصبحت هناك فروق محسوسة بين التقنين المدنى الفرنسى أو تقننن نابليون ( Code civil francais, Code Napoleon ) والقانون المدنى الفرنسى (Droit civil francais) وانفرجت مسافة الخلف بينهما (67) .
أما التقنين المصرى الجديد فقد بدأ فى مشروعه التمهيدى يتأثر تأثراً ظاهراً بنزعة القوانين الجرمانية . ولكن هذا التأثر أخذ يخف تدرجا فى المراحل التالية ، وقد خف بنوع خاص فى المشروع النهائى أمام لجنة المراجعة ، ثم فى المشروع الذى أقرته لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ . وهو فى الصورة الأخيرة التى صدر بها قد انحاز انحيازا نهائياً إلى النظام اللاتينى . وإذا كانت هناك بقايا من النزعة الجرمانية لا تزال موجودة (68) ، فذلك هو القدر الذى تأثرت فى حدوده القوانين اللاتينية ذاتها فقها وتشريعاً بالنزعة الجرمانية . وقد تأثر تبعاً لها التقنين المصرى الجديد ، حتى صح أن يقال إن هذا التقنين لا يزال منتميا للنظام اللاتينى لا فى دائرة التقنين المدنى الفرنسى بالذات ، ولكن فى دائرة أوسع هى دائرة القانون المدنى الفرنسى المتأثر ببعض النزعات الجرمانية (69) .
وإذن لم يخرج التقنين المصرى الجديد على تقاليده اللاتينية ، بل بقى محتفظا بها . والزعم بأن هذا القانون قد أحدث ثورة وانقلابا فى الأوضاع المدنية التى كانت قائمة قبله زعم لا يقوم على أساس . فلا ثورة ولا انقلاب ، ولكن تسجيل لما تم فعلا من تأثر النظريات اللاتينية بالنظريات الجرمانية . وقد استبقى التقنين الجديد النظام اللاتينى أساسا له. ولكن النظام اللاتينى الذى استبقاه ليس هو ذلك النظام الذى ساد التقنين المدنى الفرنسى فى مقتبل القرن التاسع عشر ، بل النظام الذى تطور مسايراً للحاجات العملية وتخطى أعناق السنين حتى وصل إلى منتصف القرن العشرين . فالقول بالثورة والانقلاب قول يخالف الواقع ، وينطوى على تجاهل لما تم من تطور فى النظم اللاتينية فى مدى قرن ونصف قرن .
وونظر الآن فى ضوء ما قدمناه إلى موقف التقنين الجديد من هذه الاتجاهات العامة التى أسلفنا ذكرها .
1- مبدأ سلطان الإرادة :
وقف التقنين الجديد من مبدأ سلطان الإرادة موقفاً معتدلا . فلا هو انتقص منه إلى حد أن جعله يفنى فى سلطان المشرع وسلطان القاضى ، إذ لا يزال الأصل أن الإرادة حرة تحدث من الآثار القانونية ما تتجه إلى إحداثه ، ولا هو تركه يطغى فيستبد بإنشاء العلاقات القانونية وبتحديد آثارها دون نظر إلى المصلحة العامة وإلى مقتضيات العدالة .
استبقى القيود التى كان التقنين القديم يرسمها حدودا لسلطان الإرادة . فلا تزال هناك عقود شكلية روعى فى شكليتها اعتبارات تمت للنظام العام ، أو تتجه لحماية أطراف العقد أنفسهم . ولا تزال العقود الرضائية ذاتها محصورة فى نطاق النظام العام والآداب . ولا تزال الحدود المادية للغبن فى بعض العقود قائمة كما فى بيع عقار القاصر وإبحار الوقف ، بل زاد التقنين الجديد عليها عقد القسمة إذا زاد الغبن فيه على الخمس ( م 845 ) .
واستحدث قيودا جديدة طاوع فيها التطور الاجتماعى والاقتصادى للقانون طوال العصور الأخيرة ، بل سجل فى بعضها ما كان القضاء المصرى ذاته قد وصل إليه من حلول عن طريق هذا التطور .
فقيد من سلطان الإرادة عند تكوين العقد ، بأن وسع من نطاق الغبن ، وحوره من نظرية مادية جامدة تقتصر على عقود معينة ، إلى نظرية ذاتية مرنة تتناول جميع العقود . فرسم بذلك للإرادة حدودا جديدة لا تتعداها ، ومنع أن يستغل المتعاقد طيشاً أو هوى آنسه فى المتعاقد الآخر حتى لو رضى هذا بما وقع عليه من غبن ، إذ أن إرادته فى هذه الحالة لا تكون صحيحة ، ولا يرتب القانون عليها أثرها ( أنظر المادة 129 ) . ومثل الاستغلال الإذعان ، رسم التقنين الجديد له أيضا حدودا لسلطان الإرادة عند تكوين العقد ، وذلك إذا كان قبول المتعاقد يقتصر على مجرد التسليم بشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل مناقشة فيها . وإذا كان المتعاقد فى حالة الاستغلال يستغل فى المتعاقد الآخر ظروفاً شخصية خاصة ، فهو فى حالة الإذعان يستغل فيه ظروفاً اقتصادية عامة ، والمتعاقد المغبون مذعن فى الحالتين . ومن ثم قيد القانون من سلطان الإرادة فى حالة الإذعان كما قيد منها فى حالة الاستغلال . فقضى بأنه إذا تم العقد بطريق الإذعان ، وكان قد تضمن شروطاً تعسفية ، جاز للقاضى أن يعدل هذه الشروط أو أن يعفى الطرف المذعن منها ، وذلك وفقا لما تقضى به العدالة ( أنظر المادة 149 ) (70) بل إن التقنين الجديد سار فى الحد من سلطان الإرادة إلى مدى أبعد . فألزم ، كما قدمنا فى إدارة المال الشائع وفى التصرف فيه ، أقلية الملاك فى الشيوع أن تخضع لإرادة الأغلبية ( أنظر المواد 828 و 829 و 832 ) ، وجعل زمام الإدارة فى يد الأغلبية إذا كون ملاك طبقات البناء الواحد اتحادا فيما بينهم ( أنظر المواد 864 و 865 و 866 و 867 ) (71) وفى هذا كله خروج على مبدأ سلطان الإرادة ، ولكن التقنين الجديد ضحى بهذا المبدأ رعاية لمصلحة أعلى هى أن يكفل للمال الشائع إدارة حسنة يقتضيها الصالح المشترك لجميع الملاك فى الشيوع . ولم يقتصر التقنين الجديد على إحلال إرادة المشرع محل إرادة المتعاقد كما رأينا فى الأمثلة السابقة ، بل زاد على ذلك أن أحل فى بعض الحالات إرادة القاضى محل إرادة المتعاقد كما سنرى ( أنظر المادة 95).
وقيد من سلطان الإرادة عند تنفيذ العقد ، فجعل نظرية الحوادث الطارئة وقت هذا التنفيذ تقابل نظريتى الاستغلال والإذعان وقت تكوين العقد ، ونص فى الفقرة الثانية من المادة 147 على أنه (( إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن فى الوسع توقعها ، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدى ، وإن لم يصبح مستحيلا ، صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة ، جاز للقاضى ، تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحةالطرفين ، أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول . ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك )) . وطبق هذه النظرية تطبيقا خاصا فى عقدى الإيجار والمقاولة . فنص فى الفقرة الأولى من المادة 608 على أنه (( إذا كان الإيجار معين المدة ، جاز لكل من المتعاقدين أن يطلب إنهاء العقد قبل انقضاء مدته إذا جدت ظروف خطيرة غير متوقعة من شأنها أن تجعل تنفيذ الإيجار من مبدأ الأمر أو فى أثناء سريانه مرهقاً )) ( أنظر أيضاً المادة 602 فقرة 2 والمادة 609 ) . ونص فى الفقرة الرابعة من المادة 658 على أنه (( إذا أنهار التوازن الاقتصادى بين التزامات كل من رب العمل والمقاول بسبب حوادث استثنائية عامة لم تكن فى الحسبان وقت التعاقد ، وتداعى بذلك الأساس الذى قام عليه التقدير المالى لعقد المقاولة ، جاز للقاضى أن يحكم بزيادة الأجر أو بفسخ العقد )) . وكجواز إنقاص الالتزام الذى أصبح مرهقاً لحوادث طارئة جواز تخفيض التعويض في الشرط الجزائي إذا تبين عند تنفيذ العقد أن التعويض المتفق عليه يزيد كثيرا على الضرر الذي وقع فعلا ، وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 24 على أنه " يجوز للقاضي أن يخفض هذا التعويض إذا اثبت المدير أن التقدير كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة " . ومثل ذلك أيضاً أن يقتصر المدين على دفع تعويض نقدي إذا تبين أن في التنفيذ العيني إرهاقاً له ، وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 203 على انه " إذا كان في التنفيذ العيني ارهاق للمدين ، جاز له أن يقتصر على دفع تعويض نقدي إذا كان ذلك لا يلحق بالدائن ضرراً جسيماً " . ونصت الفقرة الثانية من المادة 1018 ، وهي تضع الجزاء على مخالفة القيود التي تحد من حق مالك العقار في البناء ، على أن " كل مخالفة لهذه القيود تجوز المطالبة بإصلاحها عينا ، ومع ذلك يجوز الاقتصار على الحكم بالتعويض إذا رأت المحكمة ما يبرر ذلك " . ومثل ذلك اخيراً ما رتبه التقنين الجديد على تغير الظروف في تعديل حق الإرتفاق وفي إنهائه . فنص في الفقرة الثانية من المادة 1023 ، في صدد النهي عن إبدال موضع آخر بالموضع المعين أصلاً لاستعمال حق الإرتفاق ، على ما يأتي : " ومع ذلك إذا كان الموضع الذي عين أصلاً من أصبح من شأنه أن يزيد في عبء الإرتفاق ، أو أصبح الإرتفاق مانعاً من إحداث تحسينا في العقار المرتفق به ، فلمالك هذا العقار أن يطلب نقل الإرتفاق إلى موضع آخر من العقار ، أو إلى عقار آخر مملكه هو أو يملكه أجنبي إذا قبل الأجنبي ذلك ، كل هذا متى كان استعمال الإرتفاق في وضعه الجديد ميسوراً لمالك العقار المرتفق بالقدر الذي كان ميسوراً به في وضعه السابق " . ونص في المادة 1029 على أن " لمالك العقار المرتفق به أن يتحرر من الإرتفاق كله أو بعضه إذا فقد الإرتفاق كل منفعة للعقار المرتفق أو لم تبق له غير فائدة محدودة لا تتناسب البتة مع الأعباء الواقعة على العقار المرتفق به " ( أنظر أيضاً المادتين 1024 و 1025 ) .
كل هذه قيود على سلطان الإرادة استحدثها التقنين الجديد – وقد سبقه القضاء المصري إلى بعض منها – فخفف بهذا التجديد من النزعة الفردية التي كانت تميز التقنينات اللاتينية ، والتي كان من شأنها أن تطلق مبدأ سلطان الإرادة إلى مدى بعيد قد يتعارض مع العدالة والمصلحة . ولم يجاوز التقنين الجديد حدود الاعتدال في تقييد هذا المبدأ ، إذ هو فيما قيده به قد جارى النزعة الحديثة المتمشية ، لا في التقنينات الجرمانية وحدها بل وفي التقنينات اللاتينية الحديثة ذاتها ، فساير بذلك تطوراً محموداً سجله العصر الحاضر لهذه التقنينات ( 72 ) .
ب - النظرية الشخصية والنظرية المادية للالتزام :
سنرى عند الكلام في نظرية الالتزام أن هناك مذهبين يختلفان في النظرة إلى الالتزام . فالمذهب الشخصي يرى أن الأمر الجوهري فيه هو ما يقوم من رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين . وهذه هي نظرية القانون الرومانين وعنها أخذت القوانين اللاتينية . أما المذهب المادي فينظر إلى محل الالتزام باعتبار انه هو العنصر الأساسي فيه ، وينزل عنصر الرابطة الشخصية إلى المكان الثاني ، فيصبح الالتزام في نظر هذا المذهب عنصراً مالياً أكثر منه علاقة شخصية . وهذه هي النظرية الجرمانية ، قال بها جييرك ومن نحا نحوه من فقهاء الألمان متأثرين في ذلك بالتقاليد الجرمانية القديمة ، ونابذين تقاليد القانون الروماني .
والمذهب المادي يفسر تفسيراً منطقياً صحيحاً كيف يبقى الالتزام رغم تغير اطرافه . لو أن الالتزام ، في عنصره الجوهري ، رابطة شخصية ، لزال بزوال هذه الرابطة ، ولما أمكن أن يتغير الدائن في حوالة الحق ، والمدين في حوالة الدين ، دون أن يتغير الالتزام ذاته . ويفسر المذهب كذلك تفسيراً منطقياً صحيحاً كيف يجوز أن ينشأ الالتزام دون دائن . والالتزامات التي تنشأ دون دائن تقع كثيراً في الحياة العملية ، فمن ذلك التزام الواعد بجائزة ، والتزام المتعهد لمصلحة شخص غير معين أو شخص غير موجود في الاشتراط لمصلحة الغير ، والتزام من يوقع السند لحامله ، فلو أن الالتزام ليس في جوهره إلا رابطة شخصية بين دائن ومدين ، لما صح أن ينشأ التزام دون أن يوجد الدائن والمدين معا وقت نشوء الالتزام ، حتى تقوم الرابطة بينهما .
وقد كانت التقنينات اللاتينية ، بالرغم من اعتناقها للمذهب الشخصي في الالتزام ، تفسح مجالا لبعض تطبيقات المذهب المادي ، فتعترف بحوالة الحق دون حوالة الدين ، وبالسند لحامله ، وتطور فيها الاشتراط لمصلحة الغير حتى أصبح من المستطاع الاشتراط لمصلحة شخص غير معين ولمصلحة شخص مستقبل . ولما احتك المذهب المادي ببالمذهب الشخصي سارت التقنينات اللاتينية في تطورها ، فاعترف بعضها بحوالة الدين إلى جانب حوالة الحق ، ونص بعضها على جواز الوعد بجائزة لشخص غير معين .
وقد وقف التقنين الجديد هنا أيضاً موقف الاعتدال فم يغرق في الأخذ بالمذهب المادي ، ولكنه من جهة أخرى سجل ما تم فعلا من تطور نحو هذا المذهب بحكم تأثر النظريات اللاتينية بالنظريات الجرمانية .
فهو أولاً استبقى التطبيقات القديمة للمذهب المادي ، فاعترف بحوالة الحق ( أنظر المواد 303 – 314 ) ، واقر ما وصل إليه الفقه والقضاء منذ عهد طويل من جواز الاشتراط لمصلحة شخص مستقبل أو جهة مستقبلة أو لمصلحة أو جهة لم يعينا وقت العقد متى كان تعيينهما مستطاعاً وقت أن ينتج العقد أثره ( أنظر المادة 156 ) .
وهو ثانياً سجل ما تطورت إليه التقنينات اللاتينية في ناحية المذهب المادي إلى أقصى مدى وصل إليه هذا التطور حتى لا يكون متخلفاً عن عصره فنظم إلى جانب حوالة الحق حوالة الدين ( أنظر المواد 315 – 322 ) ، ونص صراحة على أن من وجه للجمهور وعدا بجائزة يعطيها عن عمل معين التزم بإعطاء الجائزة لمن قام بهذا العمل ، ولو قام به دون نظر إلى الوعد بالجائزة أو دون علم بها ( أنظر المادة 162 ) .
وهو بعد هذا وذاك لم يهجر المذهب الشخصي للالتزام ، ولم يخرج على تقاليده خروجاً لا تبرره المصلحة العملية . فلا يزال الالتزام رابطة ما بين شخصين ، ولا يزال الالتزام الارادي يقوم على الإرادة المشتركة للدائن والمدين ، وعن طريق هذه الإرادة تتسرب العوامل النفسية والخقية . فيجب أن تكون الإرادة حرة مختارة ، لا إكراه يعيبها ولا استغلال . ويجب أن تكون على هدى ، لا غلط يشوبها ولا تدليس . وجعل التقنين الجديد لعقود الاذعان أحكاماً خاصة ، وافسح جانباً للظروف الطارئة غير المتوقعة ، مما سبق بيانه . أما الالتزام غير الإرادي فلا يزال هو أيضاً رابطة ما بين شخصين إلى حد أن الدائن بتعويض عن ضرر أدبي لا ينتقل حقه إلى ورثته إلا إذا كان هذا التعويض قد تحدد بمقتضى اتفاق بينه وبين المسئول أو كان قد طالب به أمام القضاء ( أنظر المادة 222 ) . وفي هذا اعتراف صريح بالعامل الشخصي في الالتزامات غير العقدية .
ج – نظرية الإرادة الباطنة ونظرية الإرادة الظاهرة
سنرى في هذا أيضاً ، عند الكلام في نظرية العقد ، أن هناك مذهبين يختلفان في النظرة إلى الإرادة . فمذهب الإرادة الباطنة – وهو المذهب اللاتيني – يقف عند الإرادة النفسية ، أما التعبير المادي عن هذه الإرادة فليس إلا قرينة عليها تقبل إثبات العكس . ومذهب الإرادة الظاهرة – وهو المذهب الجرماني – يقف عند التعبير عن الإرادة ، ويعتبره هو الإرادة ذاتها ، إذ التعبير هو المظهر الاجتماعي للإرادة والقانون إنما يعنيه الظواهر الاجتماعية دون الظواهر النفسية ، هذا إلى أن التعبير عن الإرادة هو الشيء المادي الذي يقف عنده المتعاملون ويطمئنون إليه في تعاملهم .
ولم تسلم التقنينات اللاتينية من أثر المذهب الإرادة الظاهرة ، كما لم تسلم التقنينات الجرمانية من أثر لمذهب الإرادة الباطنة . ويعنينا في هذا الصدد أن نبين أن التقنين الجديد بقى في حظيرة التقنينات اللاتينية . فالأصل عنده هو الأخذ بالإرادة الباطنة ، ولكنه مع ذلك يأخذ بالإرادة الظاهرة إلى الحد الذي يقتضيه استقرار التعامل . وهو في هذا قد تأثر بالنزعة الجرمانية الموضوعية تأثر التقنينات اللاتينية ذاتها بهذه النزعة ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
أخذ التقنين الجديد بالإرادة الظاهرة ، ابتغاء استقرار التعامل ، في تكوين العقد وفي تفسيره .
ففي تكون العقد سار إلى حد أن أقام العقد في بعض الحالات على الإرادة الظاهرة . فهو ينص في المادة 91 على أن التعبير عن الإرادة ينتج أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه . ويترتب على ذلك أن من وجه إليه إيجاب فقبله ثم عدل ، ولكن القبول وصل إلي علم الموجب قبل أن يصل العدول ، يرتبط بالعقد ، لا على أساس إرادته الحقيقية التي عدل عنها ، بل على أساس إرادته الظاهرة وهي وحدها التي اقترن بها الإيجاب . كذلك تنص المادة 92 من القانون الجديد على أنه " إذا مات من صدر منه التعبير عن الإرادة أو فقد أهليته قبل أن ينتج التعبير أثره فان ذلك لا يمنع من ترتب هذا الأثر عند اتصال التعبير بعلم من وجه إليه " . ولا يستقيم هذا الحكم على أساس الإرادة الباطنة الكامنة في النفس ، وهي الإرادة التي تموت بموت صاحبها وتزول بفقده لأهليته ، بل على أساس الإرادة الظاهرة التي انفصلت عن صاحبها فأصبحت مستقلة عنه ، وتبقى حتى بعد موته أو بعد فقده لأهليته . ويقرر التقنين الجديد أن غلط أحد المتعاقدين لا يكون سبباً في إبطال إلا إذا كان المتعاقد الآخر قد وقع في الغلط ذاته أو كان على علم به أو اكن من السهل عليه أن يتبينه ( م 120 ) . ويترتب على ذلك انه إذا كان الغلط قد انفرد به المتعاقد الأول ، ولم يقع فيه المتعاقد الآخر ، ولم يعلم به ولم يكن من السهل عليه أن يتبينه ، فإن العقد يكون صحيحاً ، لا على أساس الإرادة الحقيقية للمتعاقد الأول ، فان هذه الإرادة قد شابها غلط فجعلها فاسدة ، ولكن على أساس إرادته الظاهرة التي اطمأن إليها المتعاقد الآخر واعتمد عليها في ترتيب شئونه . ويقرر التقنين الجديد أيضاً انه إذا صدر التدليس من غير المتعاقدين ، فليس للمتعاقد المدلس عليه أن يطلب إبطال العقد ، ما لم يثبت أن المتعاقد الآخر كان يعلم أو كان من المفروض حتما أن يعلم بهذا التدليس ( م 126 ) . ويقرر في صدد الإكراه ما قرره في صدد التدليس ، فينص على أنه إذا صدر الإكراه من غير المتعاقدين ، فليس للمتعاقد المكره أن يطلب إبطال العقد ، ما لم يثبت أن المتعاقد الآخر كان يعلم أو كان من المفروض حتما أن يعلم بهذا الإكراه . فإذا كان المتعاقد الآخر لا يعلم بوقوع التدليس أو الإكراه ، وكان في الوقت ذاته يتعذر عليه أن يعلم ذلك ، فان العقد يكون صحيحاً ، لا على أساس الإرادة الحقيقية للمتعاقد الأول ، فإن هذه الإرادة قد أفسدها التدليس أو الإكراه ، ولكن على أساس إرادته الظاهرة التي اعتمد عليها المتعاقد الآخر ( 73 ) .
وفي تفسير العقد يمكن القول أن التقنين الجديد قد أخذ من طريق غير مباشر بالإرادة الظاهرة في العقود التي تكون عبارتها واضحة . فقد نص في الفقرة الأولى من المادة 150 على أنه " إذا كانت عبارة العقد واضحة ، فلا يجوز الانحراف عنها من طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين " . صحيح أن عبارة العقد الواضحة تؤخذ على إنها تعبير أمين عن الإرادة الحقيقية ، وفي التزام هذه العبارة للتعرف على إرادة المتعاقدين التزام للإرادة الحقيقية لا الإرادة الظاهرة . ولكن وراء هذا الافتراض حقيقة ملموسة ، هي إننا إنما نستخلص الإرادة الحقيقة من الإرادة الظاهرة ، ولا يجوز لنا أن ننحرف عن هذا للتعرف على تلك . فنحن في الواقع من الأمر نأخذ بالإرادة الظاهرة ، وإن كنا نفعل ذلك تحت ستار أن الإرادة الظاهرة هي الإرادة الحقيقية ذاتها .
ويتبين مما قدمناه أن التقنين الجديد قد أخذ بالإرادة الظاهرة في بعض الفروض ، سواء كان ذلك في تكوين العقد أو في أثناء تفسيره . فساغ له من وجه أن ينص في المادة 89 على أن العقد يتم " بمجرد أن يتبادل طرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين " ، فجعل التعبير عن طريق التعرف على الإرادتين وما يقوم بينهما من تطابق . ولكن لا يجوز السير في هذا الطريق إلى مدى أبعد مما تحتمله النصوص فليس صحيحاً أن التقنين الجديد أخذ بالإرادة الظاهرة كقاعدة عامة . وإذا كان قد أخذ بها في بعض الفروض ، فقد صدر في ذلك عن اعتبار مشروع هو تحقيق استقرار التعامل . وهو إذا جعل التعبير طريق التعرف على الإرادة فإنما أراد عن طريق هذه العلاقة المادية التعرف على الإرادة الحقيقية بالقدر الذي يمكن التعرف عليها ، ولم يرد الأخذ بالإرادة الظاهرة التي تقف عند ظاهر التعبير . وإلا فالواضح أن التقنين الجديد قد أخذ بالإرادة الباطنة ، أو الإرادة الحقيقية للمتعاقدين ، كقاعدة عامة ، وفي مواطن شتى ، سواء كان ذلك عند تكوين العقد أو عند تفسيره .
ففي تكوين العقد ، لم يعتد بالإرادة إلا في معدنها الحقيقي ، حرة مختارة غير مضللة ولا واهمة ، فمحصها من الغلط والتدليس والإكراه والاستغلال ، بل إنه تعقبها في مظان ما قد تخضع له من ضغط كما فعل في عقود الاذعان . ثم سار في استصفاء الإرادة الحقيقية واستكناه ما تتجه إليه من غايات مستترة إلى مدى أبعد ، إذ اعتد لا بالإرادة وحدها بل أيضاً بالباعث الذي كان دافعاً لها . وهذه هي نظرية السبب أخذ التقنين الجدي بها كاملة ، وفي الأخذ بهذه النظرية انحياز واضح للإرادة الباطنة .
وفي تفسير العقد ، أخذ التقنين الجديد أيضاً بالإرادة الباطنة ، إذا كانت عبارات العقد غير واضحة . فنص في الفقرة الثانية من المادة 150 على أنه " إذا كان هناك محل لتفسير العقد ، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعني الحرفي للألفاظ ، مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل ، وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين ، وفقا للعرف الجاري في المعاملات " . فالأصل إذن في تفسير العقد هو البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين ، أي تلمس الإرادة الحقيقية . وإذا كان التقنين الجديد يضع معايير موضوعية للبحث عن هذه الإرادة الحقيقية كطبيعة التعامل والعرف الجاري في المعاملات ، فإن هذه المعايير ليست إلا طرقاً للنفاذ إلى الإرادة الحقيقية للمتعاقدين على نحو منضبط يمكن الاطمئنان إليه .
والذي يخلص لنا من متابعة التقنين الجديد أن الأصل في الإرادة هي الإرادة الباطنة . ولكن هذه الإرادة في بعض الأحوال ، تبعاً لمقتضيات الاستقرار في التعامل ، تتجسم في المظهر الذي اتخذ للتعبير عنها ، فتصبح هي الإرادة الظاهرة ، وتقوم عندئذ على أساس من الثقة المشروعة التي يولدها هذا المظهر في نفوس المتعاملين . ( 74 ) وإذا كان التقنين الجديد قد سار في طريق الإرادة الظاهرة إلى مدى أبعد مما فعل التقنين الفرنسي : فإن له في ذلك أسوة بالتقنين اللاتينية الحديثة التي خطت هي أيضاً خطوات واسعة في هذا الطريق . ومهما يكن من أمر اقتراب التقنين الجديد من الإرادة الظاهرة ، فهو على كل حال لم يبلغ في ذلك مبلغ التقنين الألماني والتقنينات الجرمانية الأخرى ، ولا يزال في هذا الصدد باقياً في حظيرة التقنينات اللاتينية المتطورة .
د – التصرف المسبب والتصرف المجرد :
سنرى عند الكلام في نظرية السبب أن هذه النظرية هي المحك الذي تتميز به التقنينات ذات الصبغة الذاتية عن التقنينات ذات الصبغة الموضوعية . فالتقنينات الأولى تأخذ بنظرية نفسية للسبب ، وتفسح له مجالا واسعاً ، ولا تقر التصرف المجرد عن سببه إلا في حدود ضيقة . أما التقنينات الأخرى فتأخذ بنظرية موضوعية للسبب ، ولا تفسح له إلا مكاناً محدوداً ، وتتوسع في إقرار التصرف المجرد ، وترده إلى قاعدة عامة .
وسنرى أن القانون الفرنسي قد خطا في النظرية السبب خطوات واسعة ، واستبدل القضاء الفرنسي بالنظرية التقليدية الضيقة ، وهي نظرية موضوعية ، نظرية حديثة جعلت السبب هو الباعث الذي دفع إلى التعاقد ، فحورته إلى فكرة نفسية مخصبة . واشترط في كل تصرف أن يكون مقروناً بسببه ، فلا يكون التصرف مجرداً ( abstrait ) إلا في حالات استثنائية يقتضيها استقرار التعامل ، وينص عليها القانون بذواتها .
وعلى النقيض من ذلك كان موقف التقنينات الجرمانية . فعندها أن السبب فكرة موضوعية بحتة . وقد احتفظت هذه التقنينات في نظرتها هذه بصبغتها الموضوعة السائدة . ومن ثم أقرت التصرف المجرد في حالات كثيرة . فجعلت عقود انتقال الملك عقوداً مجردة تنقل الملك بصرف النظر عن صحة العقود التي أنشأت الالتزامات بنقل الملكية . وجعلت كثيرا من العقود التي تنشيء الالتزام عقوداً مجردة تصح ولو لم يكن لها سبب أو كان سببها غير مشروع ، وذلك كحوالة الحق وحوالة الدين والتنازل عن الحق الشخصي والإنابة في الوفاء . بل سارت في هذا الطريق إلى مدى أبعد ، فرسمت خطوطاً رئيسية للتصرف المجرد ، وردته إلى قاعدة عامة ، ونصت على انه يجوز بوجه عام تجريد الالتزام من سببه ، فيتخذ صورة التعهد المجر بالوفاء ( promesse abstraite de paiement ) أو الاعتراف المجرد بالدين ( reconnaissance abstraite de dette ) .
فإلى أي المذهبين انتمي التقنين الجديد ؟ هنا نراه انحاز انحيازاً تاماً إلى مذهب التقنينات اللاتينية . فأخذ بنظرية السبب كما يأخذ بها القضاء الفرنسي : نظرية نفسية واسعة تنفذ منها العوامل الذاتية والأدبية إلى مدى بعيد ، وتتغلغل في الصميم من العلاقات القانونية . وبالرغم من أن التقنين الجديد أخذ في بعض الحالات بمعايير موضوعية ، إلا انه وقف في نظرية السبب عند المعيار الذاتي ، ولم يتزحزح في ذلك عن تقاليد التقنينات اللاتينية . فالتقنين المصري الجديد سببي ( causaliste ) كالتقنين المصري القديم ، وكالتقنين الفرنسي ، وهو يتعارض في هذا إلى حد بعيد مع التقنينات الجرمانية . وهو كالتقنين الفرنسي يستوجب أن يكون لكل التزام مقرونا بسببه ، ويشترط أن يكون السبب مشروعاً وإلا بطل العقد ، ولا يبقر الالتزام المجرد إلا في حدود ضيقة ، فلا يضع له قاعدة عامة كما فعلت التقنينات الجرمانية ، بل لا يعترف به إلا في حالات معينة يقتضيها الاستقرار في التعامل ، ويفرد لهذه الحالات نصوصاً خاصة .
ومن ثم نرى أن التقنين الجديد في هذا الصدد بقي كعادته في حظيرة التقنينات اللاتينية . بل إنه هنا التزم هذه الحظيرة في أضيق دودها ، ولم يتأثر لا كثيراً ولا قليلا بالتقنينات الجرمانية .
2 - التقنين الجديد بين الاستقرار والتطور وبين الفرد والجماعة
طابع التقنين الجديد هو الاعتدال . رأيناه معتدلا فيما قدمنا . يتوسط في الأخذ بمبدأ سلطان الإرادة ، فيأخذ به بعد أن يحيطه بقيود كثيرة . ويتوسط بين المذهب الشخصي والمذهب لامادي للالتزام ، فيستبقي المذهب الشخصي بعد أن يأخذ بما في المذهب المادي من نتائج عملية نافعة . ويتوسط بين الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة ، فيصدر عن الإرادة الباطنة ، ولكنه يأخذ بالإرادة الظاهرة حيث يقتضي ذلك استقرار التعامل . ثم هو يأخذ بنظرية السبب كاملة ، ولا يقر التصرف المجرد إلا في حدود معتدلة معقولة .
فالتقنين الجديد يعد حق من القوانين المتخيرة ( eclectique ) ، وإن بقى بوجه عام في حظيرة التقنينات اللاتينية كما قدمنا .
وهو ، فيما نحن فيه هنا ، يقف أيضاً موقف المتخير المعتدل ، فيتخذ سبيله قواماً بين الاستقرار والتطور ، وبين الفرد والجماعة .
1 - التقنين الجديد بين الاستقرار والتطور :
يهدف التقنين الجديد إلى أن يكون قانوناً حياً عمليا . والقانون الحي العملي ينبغي أن يحمل في طياته عوامل التطور حتى يبقى حياًً ، وعوامل الاستقرار حتى يكون عملياً .
عوامل التطور في التقنين الجديد :
أهم هذه العوامل هي هذه المعايير المرنة التي جعلها التقنين الجديد في مكان القواعد الجامدة ، وهذه السلطة التقديرية الواسعة التي أعطاها للقاضي .
1 - المعايير المرنة :
ورث التقنين الجديد عن التقنين القديم بعض القواعد الجامدة التي لم يكن هناك بد من الاحتفاظ بها . مثل ذلك الغبن في بيع عقار لشخص لا تتوافر فيه الأهلية وقد قدر بما يزيد على خمس قيمة العقار ( م 425 ) ، والفوائد القانونية والاتفاقية وقدر لها سعر معلوم لا تجاوزه ( م 226 – 227 ) ، والقاعدة التي تقضي بأنه إذا عدل من دفع العربون فقده وإذا عدل من قبضه رد ضعفه ( م 103 فقرة 2 ) وقد نقلها التقنين الجديد عن القضاء والعرف ، والقاعدة التي استحدثها من جواز نقض عقد القسمة إذا لحق أحد المتقاسمين غبن يزيد على الخمس ( م 845 ) . هذه القاعدة الجامدة التي تضع للمسألة حلا واحداً ثابتاً لا يتغير مهما تغيرت الظروف والملابسات ، والتي تقف في بعض المسائل عند رقم معلوم لا تحدي عنه ، قد نكون فقي حاجة إليه في قليل من الحالات لاستقرار التعامل وثباته على وتيرة واحدة . ولكن لا يجوز الاستكثار من مثل هذه القواعد الجامدة فإنها تقف عقبة في طريق التطور . وخير منها معايير مرنة يضعها المشرع هادياً للقاضي ، يسترشد بها هذا فيما يعر له من الأقضية ، ولا يتقيد فيها بحل واحد لا ينحرف عنه ، بل تتغاير الحلول وتتفاوت بتغير الظروف وتفاوت الملابسات ( 75 ) .
وهذا مثل لمعيار مرن استبدله التقنين الجديد بقاعدة جامدة كانت موجودة في التقنين القديم . فقد كانت المواد 291 – 292 / 364 - 366 من التقنين القديم تنص على جواز فسخ البيع إذا وقع على أشياء بيعت جملة واحدة ثم ظهر إنها اقل من القدر المتفق عليها أو أكثر . ثم نصت المادتان 292 / 367 من هذا التقنين على أنه لا يجوز للمشتري فسخ البيع في هذه الأحوال " إلا إذا كان الغلط زائداً على نصف عشر الثمن المعين " . فنبذ التقنين الجديد هذه القاعدة الجامدة التي تقف عند نسبة معينة من الثمن ، واستبدل بها معياراً مرناً ، إذ نص في الفقرة الأولى من المادة 433 على أنه " لا يجوز للمشتري أن يطلب فسخ العقد لنقض في المبيع إلا إذا أثبت أن هذا النقص من الجسامة بحيث أو انه كان يعلمه لما أتم العقد " . وكذلك يكون الحكم فيما لو وجد المبيع زائداً على المقدار المتفق عليه ( م 433 فقرة 2 ) . وظاهر أن المعيار الجديد يفضل القاعدة القديمة ، إذ به يتمكن القاضي من الملاءمة ما بين ظروف كل قضية والحل القانوني الذي يناسبها ، فقد يكون النقص أو الزيادة في المبيع أكثر من نصف العشر ويرفض القاضي أن يحكم بفسخ العقد ، وقد يكون اقل ويجيب القاضي المشتري إلى طلب الفسخ ، وذلك كله تبعاً للملابسات والظروف في كل قضية بذاتها .
وقد أكثر التقنين الجديد من هذه المعايير المرنة إذ هي من أهم عوامل التطور . ونكذر هنا بعضا منها .
فمن ذلك معيار الجوهري ، وقد عرفته المادة 121 بأنه الغلط الذي يبلغ حدا ، الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام العقد لو لم يقع في هذا الغلط . وظاهر أن هناك فرقاً كبيرا بين هذا المعيار المرن وبين القاعدة القديمة التي كانت تشترط أن يكون الغلط واقعاً في مادة الشيء . ومن ذلك أيضاً معيار التدليس الجسيم ، وقد قضت الفقرة الأولى من المادة 125 بأنه يجوز إبطال العقد للتدليس إذا كانت الحيل التي لجأ إليها أحد المتعاقدين أو نائب عنه من الجسامة بحيث لولاها لما أبرم الطرف الثاني العقد . ومثل معيار التدليس الجسيم معيار الرهبة القائمة على أساس ، إذ تقضي المادة 127 بأنه يجوز إبطال العقد للإكراه إذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد الآخر في نفسه دون حق وكانت قائمة على أساس ، وتكون الرهبة قائمة على أساس إذا كانت ظروف الحال تصور للطرف الذي يدعيها أن خطراً جسيماً محدقاً يهدده هو أو غيره في النفس الو الجسم الو الشرف أو المال . وفي الاستغلال اتخذ التقنين الجديد معيار التأثير الدافع إلى التعاقد ، فلا يتحقق الاستغلال إلا إذا تبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بينا أو هو جامحاً ( م 129 فقرة أولى ) . وكذلك في السبب اتخذ التقنين الجديد معيار الباعث الدافع إلى التعاقد وإن كان لم يصرح به في النص . وفي جواز الرجوع في الهبة اتخذ معيار العذر المقبول ، فأجاز للواهب أن يطلب من القضاء الترخيص له في الرجوع متى كان يستند في ذلك إلى عصر مقبول ولم يوجد مانع من الرجوع ( م 500 فقرة 2 ) .
كل هذه معايير مرنة تتفاوت الحلول التي تؤدي إليها بتفاوت الظروف التي تطبق فيها ، وبخاصة إذا لوحظ أن جميع المعايير التي ذكرناها هي معايير ذاتية يراعي في تطبيقها حالات نفسية يكشف عنها القاضي في كل شخص بذاته ، وقد صرحت بهذا المعنى الفقرة الثالثة من المادة 127 في صدد الإكراه ، فقضيت بأنه " ويراعي في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف أخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه " . وسنرى أن هناك معايير أخرى موضوعية في التقنين الجديد تجمع بين مرونة المعيار وثبات القاعدة .
2 - سلطة القاضي التقديرية :
وعامل آخر في التقنين الجديد يفسح أمامه المجال للمرونة والتطور ، هو هذه السلطة التقديرية الواسعة التي جعلها للقاضي . رأيناها في تطبيق هذه المعايير المرنة التي تقدم ذكرها ، ونراها الآن فيما فوض فيه القاضي من تطبيق أحكام القانون وفقاً للمناسبات ، وما أعطي في ذلك من سلطة تقديرية ، تصل به في بعض الحالات إلى استكمال ما فات المتعاقدين أن يتفقا عليه ، بل والى تعديل ما تم عليه الاتفاق فيما بينهما . وإذا كان التقنين الجديد لم يبلغ في ذلك مدى ما بلغ التقنين السويسري إذ جعل القاضي مشرعاً فيما لم يرد فيه نص ، بل وقف عند حدود معقولة تمنع من الخلط بين وظيفة التشريع ووظيفة القضاء ، إلا انه مع ذلك سار شوطاً بعيداً في سبيل أن يجعل للقاضي من سلطان التقدير ما ييسر له أن يجعل أحكام القانون متمشية مع مقتضيات الظروف . فتكون أحكام القانون بذلك أداة طيعة في يد القاضي يطور بها القانون تطويراً مستمراً ، ويواجه بها ما يتغير من ملابسات وأحوال . ونورد أمثلة لما اشتمل عليه التقنين الجديد من نصوص تجعل للقاضي هذه السلطة التقديرية ، وهي سلطة تمكنه في بعض الحالات من أن يستكمل شروط العقد وان يعدل فيها عند الاقتضاء .
فمن النصوص التي تفسح للقاضي من سلطاته التقديرية ، هذه التي تجعل له حرية واسعة في تقدير التعويض المستحق للشخص المضرور ، وذلك في حالة الدفاع الشرعي ، فمن جاوز في هذا الدفاع القدر الضروري أصبح ملزماً بتعويض تراعي فيه مقتضيات العدالة ( م 166 ) ، وفي حالة الضرورة ، فمن سبب ضررا للغير ليتفادى ضرراً أكبر لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً ، ( م 168 ) ، وفي تحديد طريقة التعويض ، فيعين القاضي هذه الطريقة تبعاً للظروف ، ويصح أن يكون التعويض مقسطاً كما يصح أن يكون إيراداً مرتباً ويقدر بالنقد ، على انه يجوز للقاضي تبعاً للظروف وبناء على طلب المضرور أن يأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه أو أن يحكم بأداء أمر معين متصل بالعمل غير المشروع ( م 171 ) . ويقدر القاضي ، عند عدم النص ما إذا كان هناك التزام طبيعي ( م 200 ) . وللقاضي أن يعين الميعاد المناسب لحلول أجل الدين إذا كان لوفاء مشترطاً عند المقدرة أو الميسرة ( م 272 ) . وله أن ينظر المدين إلى أجل معقول أو آجال ينفذ فيها التزامه ( م 346 فقرة 2 ) . وله أن يمنع توجيه اليمين الحاسمة إذا كان الخصم متعسفاً في توجيهها ( م 410 فقرة 1 ) . وإذا التصق منقولان لمالكين مختلفين بحيث لا يمكن فصلها دون تلف ولم يكن هناك اتفاق بين المالكين ، قضت المحكمة في الأمر مسترشدة بقواعد العدالة ، ومراعية في ذلك الضرر الذي حدث وحالة الطرفين وحسن نية كل منهما ( م 931 ) . ويجوز للقاضي بناء على طل بالمالك أن يقرر ما يراه مناسباً للوفاء بالمصروفات الضرورية والنافعة ، وله أن يقضي بأن يكون الوفاء على أقساط دورية ( م 982 ) .
ومن النصوص ما يجيز للقاضي أن يستكمل شروط العقد وان يعدل في الشروط المتفق عليها . فإذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد ، واحتفظا بمسائل تفصيلية يتفقان عليها فيما بعد ، ولم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها ، اعتبر العقد قد تم ، وإذا قام خلاف في المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها فان المحكمة تفصل فيها طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة ( م 95 ) . وإذا اتفق على أجر للوكالة كان هذا الأجر خاضعا لتقدير القاضي ( م 709 فقرة 2 ) . وقد رأينا انه يجوز للقاضي في الاستغلال أن ينقص التزامات المتعاقد المغبون ( م 129 ) ، وان تنقص من العقد إذا كان في شق منه باطلا ( م 143 ) ، وان يحوله إلى عقد آخر توافرت أركانه إذا كان في الصورة التي هو عليها باطلا وتبين أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام العقد الآخر ( م 144 ) ، وان يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول في حالة الحوادث الطارئة ( م 147 فقرة 2 ) ، وان يعدل الشروط التعسفية في عقود الإذعان ( م 149 ) ، وان يقضي بالتعويض النقدي إذا كان التعويض العيني مرهقاً ( م 203 فقرة 2 ) ، وان يخفض التعويض المتفق عليه في الشرط الجزائي إذا كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة ( م 224 فقرة 2 ) .
عوامل الاستقرار في التقنين الجديد :
أهم هذه العوامل هي المعايير الموضوعية التي أكثر التقنين الجديد منها ، ثم الأخذ بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة في بعض الحالات .
1 - المعايير الموضوعية :
رأينا فيما قدمناه كيف أن التقنين الجديد يكثر من اتخاذ المعايير المرنة التي تعين على التطور ، وبقي الآن أن نرى كيف أن الكثرة الغالبة من هذه المعايير هي معايير موضوعية لا معايير ذاتية كالتي سبق أن ذكرناها . وقد أريد بذلك إيجاد نوع من التعادل بين التطور والاستقرار . فالمعيار الموضوعي ، من حيث هو معيار عامل للتطور ، ومن حيث هو موضوعي عامل للاستقرار . والموضوعية ، وهي صنو للإرادة الظاهرة ، بل هي الأصل الذي تنتمي إليه هذه الإرادة ، من أكبر عوامل الاستقرار . وهي من مميزات التقنين الجديد . وقد أراد هذا التقنين أن يتخفف من حدة النزعة الذاتية التي تميز التقنينات اللاتينية ، فأخذ بالإرادة الظاهرة وبالموضوعية معاً ، ولكن بقدر متفاوت ، إذ أقل من الأخذ بالإرادة الظاهرة واكثر من الأخذ بالموضوعية ، إلى حد انه عندما كان في بعض المسائل يتخذ معايير ذاتية لم يتخذها معايير ذاتية محضة بل رسم لها ضوابط موضوعية ليضفى عليها شيئاً من الثبات والاستقرار . ونأتي بأمثلة من نصوص التقنين الجديد لمعايير موضوعية ، ثم لمعايير ذاتية لها ضوابط موضوعية .
فمن المعايير الموضوعية معيار بكثر التقنين الجديد من ذكره ، وهو معيار " عناية الشخص المعتاد " . ويرجع هذا المعيار إلى عهد القانون الروماني ، فهو معروف فيه ، شائع في نواحيه المختلفة . ذكره التقنين الجديد كأصل من أصول الالتزام بعمل ، فنص في الفقرة الأولى من المادة 211 على انه إذا كان المطلوب من المدين هو أن يحافظ على الشيء أو أن يقوم بإدارته أو أن يتوخى الحيطة في تنفيذ التزامه ، فإن المدين يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي ولو لم يتحقق الغرض المقصود . ثم طبقه في نواح متفرقة ، في العقود وفي غيرها . فالشريك في عقد الشركة عليه أن يبذله من العناية في تدبير مصالح الشركة ما يبذله في تدبير مصالحه الخاصة ، إلا إذا كان منتدبا للإدارة بأجر فلا يجوز له أن ينزل في ذلك عن عناية الرجل المعتاد ( م 521 فقرة 2 ) . والمستأجر في عقد الإيجار يجب عليه أن يبذل من العناية في استعمال العين المؤجرة وفي المحافظة عليها ما يبذله الشخص المعتاد ( م 583 فقرة 1 ) . والمستعير في عقد العارية عليه أن يبذل في المحافظة على الشيء المعار العناية التي يبلها في المحافظة على ماله دون أن ينزل في ذلك عن عناية الرجل المعتاد ( م 641 فقرة 1 ) . والعامل في عقد العمل يجب عليه أن يبذل في تأدية العمل من العناية ما يبذله الشخص المعتاد ( م 685 ( أ ) ) . والوكيل في عقد الوكالة يجب عليه ، إذا كانت الوكالة بغير أجر ، أن يبذل في تنفيذها العناية التي يبذلها في أعماله الخاصة دون أن يكلف في ذلك أزيد من عناية الرجل المعتاد ، فإن كانت بأجر وجب عليه أن يبذل دائماً في تنفيذها عناية الرجل المعتاد ( م 704 ) . والمودع عنده في عقد الوديعة يجب عليه إذا كانت الوديعة بغير أجر أن يبذل من العناية في حفظ الشيء المودع ما يبذله في حفظ ماله دون أن يكلف في ذلك أزيد من عناية الرجل المعتاد ، أما إذا كانت الوديعة باجر فيجب أن يبذل في حفظ الوديعة عناية الرجل المعتاد ( م 720 ) . والحارس في الحراسة الاتفاقية أو القضائية يلتزم بالمحافظة على الأموال المعهود إليه حراستها وبإدارة هذه الأموال ، ويجب أن يبذل في كل ذلك عناية الرجل المعتاد ( م 734 فقرة 1 ) . والفضولي يجب عليه أن يبذل في القيام بالعمل عناية الشخص المعتاد ( م 192 ) – ومن المعايير الموضوعية ، ما نص عليه التقنين الجديد في الاستغلال ، إذ لا يجوز الطعن في العقد بهذا الوجه إلا إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر ( م 129 فقرة 1 ) . وما نص عليه في الخلف الخاص ، من أن الالتزامات والحقوق المتصلة بالشيء تنتقل إليه في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته ( م 146 ) . وما نص عليه في المسئولية عن الغير ، من أن الشخص يكون مسئولا عن كل من يجب عليه قانوناً أو اتفاقاً رقابته وكان في حاجة إلى الرقابة بسبب قصره أو بسبب حالته العقلية أو الجسمية ( م 173 فقرة 1 ) . وما نص عليه في المسئولية عن الأشياء ، من أن الشخص يكون مسئولا إذا تولى حراسة أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة ( م 178 ) ( 76 ) . وما نص عليه في تحديد الضرر المباشر ووجوب التعويض عنه ، من أن التعويض يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر في الوفاء به ، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعة الدائن أن يتوقاه ببذل جهد معقول ( م 221 ) . وما نص عليه في تحديد العيب الخفي في الشيء المبيع ، من انه عيب ينقص من قيمة الشيء أو من نفعه بحسب الغاية المقصودة مستفادة مما هو مبين في العقد أو مما هو ظاهر من طبيعة الشيء أو الغرض الذي أعدله ( م 447 فقرة 1 ) . وما نص عليه في الإيجار ، من وجوب أن يكون استغلال المستأجر للأرض الزراعية موافقاً لمقتضيات الاستغلال المألوف ( م 613 ) . وما نص عليه في التزام المرافق العامة ، من أن ملتزمي هذه المرافق إذا اثتبوا القوة القاهرة جاز لهم أن يدفعوا مسئوليتهم عما يصيب المرفق من عطل أو خلل يزيد على المألوف في مدته أو في جسامته ( م 673 فقرة 2 ) .
ومن المعايير الذاتية المحددة بضوابط موضوعية ، ما نص عليه التقنين الجديد في الفقرة الثانية من المادة 150 من وجوب البحث في تفسير العقد عن النية المشتركة للمتعاقدين – وهذا هو معيار ذاتي – مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقاً للعرف الجاري في المعاملات – وهذه هي ضوابط موضوعية . وما نص عليه في تحديد العذر المقبول للرجوع في الهبة – وهو معيار ذاتي كما قدمنا ، بضوابط موضوعية ، منها أن يخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب بحيث يكون هذا الإخلال جحوداً كبيراً من جانبه ، وأن يصبح الواهب عاجزاً عن أن يوفر
لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية ( م 501 ) . وما نص عليه في مواضع كثيرة متفرقة في اشتراط العلم ، من أن الشخص يكون عالماً بالشيء – وهذا معيار ذاتي – أو أن يكون من المفروض حتما أن يعلم به – وهذا ضابط موضوعي ( أنظر المادتين 104 و 106 في النيابة والمواد 120 و 126 و 128 في الغلط والتدليس والإكراه ) ، وما نص عليه في الغلط في المادة 124 ، من انه ليس لمن وقع في غلط أن يتمسك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية – وهذا معيار ذاتي – ويبقى بالأخص ملزماً بالعقد الذي قصد إبرامه إذا اظهر الطرف الآخر استعداده لتنفذ هذا العقد – وهذا ضابط موضوعي .
2 - الإرادة الظاهرة :
والى جانب المعايير والضوابط الموضوعية ، أخذ التقنين الجديد في بعض الحالات بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة توخياً لاستقرار التعامل . كما أخذ في حالات أخرى بالتصرف المجرد ، وهو ضرب من الإرادة الظاهرة ، للغرض ذاته . وقد تقدم بيان ذلك كله .
ب - التقنين الجديد بين الفرد والجماعة :
وقف التقنين الجديد بين الفرد والجماعة موقوفاً معتدلا عادلا . فلم يضح الفرد لمصلحة الجماعة ، ولم يسخر الجماعة لخدمة الفرد . ونبين هنا كيف حمي الفرد ، وكيف حمي الجماعة .
حماية التقنين الجديد للفرد :
لم يقصر التقنين الجديد في حماية الفرد ، ولم يتهاون في أن يفسح للحرية الفردية مجالا معقولا ، سواء كان ذلك في نطاق العقد أو في نطاق الملكية .
ففي نطاق العقد ، أقر مبدأ سلطان الإرادة بالرغم مما أورد عليه من قيود تقدم بيانها . فلا يزال الفرد حراً في أن يتعاقد ، ولا تزال إرادته هي التي تنشئ العقد ، وهي التي ترتب آثاره ، فيتم العقد بمجرد أن يتبادل طرفاه التعبير عن ارادتين متطابقتين ، فإذا تم فهو شريعة المتعاقدين . ولا يزال العقد هو أحد المصادر الرئيسية للالتزامات ، ولم ينزل عن مكانته . وإذا كانت مصادر أخرى كالعمل غير المشروع قد ارتفعت إلى منزلة العقد ، فإن ذلك لم ينتقص من أهمية العقد ولا من خطه . وإذا كنا قد بعدنا ، بما ورد على الإرادة من قيود لمصلحة كل من الجماعة والفرد ، عن مذهب الفردية المتطرفة التي كانت سائدة في أوائل القرن التاسع عشر ، والتي تشبع بها التقنين المدني الفرنسي عند صدوره ، فإن التقنين الجديد لا يزال يحترم إرادة الفرد ، ويقر ما تتجه إلى تحقيقه من آثار ، في حدود معقولة مقبولة ، في عصر تطور فيه مذهب الفردية تطوراً خطيراً ونزل فيه عن كثير من مظاهر الغلو .
وفي نطاق الملكية ، استبقى التقنين الجديد الملكية الفردية ، وحماها من الاعتداء فلمالك الشيء وحده حق استعماله واستغلاله والتصرف فيه ، وله الحق في كل ثماره ومنتجاته وملحقاته ، ولا يجوز أن يحرم أحد ملكه إلا في الأحوال التي يقررها القانون ، وبالطريقة التي يرسمها ، ويكون ذلك في مقابل تعويض عادل . والمالك حر التصرف في ملكه ، إذا شاء نزل عنه إلى غيره بمقابل أو بغير مقابل ، وإذا شاء استبقاه ينتقل عنه بعد موته إلى ورثته ولمن أوصى لهم . وخفف التقنين الجديد من بعض قيود كانت تثقل الملكية في التقنين القديم . من ذلك الحق في الشفعة ، ضيق منه وأحاطه بقيود جديدة . ومن ذلك الحكر ، قصر مداه ، وقيد نطاقه ، فلا يجوز التحكير لمدة تزيد على ستين سنة ، ولا يجوز ترتيب حكر على أرض غير موقوفة .
فالتقنين الجديد يحمي الفرد إذن من مظهرين رئيسيين من مظاهر نشاطه : حريته في التعاقد وحريته في التملك .
حماية التقنين الجديد للجماعة :
ولكن القانون الجديد يتمشى مع روح عصره ، ويساير التطورات الخطيرة التي اعتورت مذهب الفردية . وآية ذلك تراها أيضاً في نطاق العقد وفي نطاق الملكية .
ففي نطاق العقد ، قيد التقنين الجديد سلطان الإرادة إلى مدى بعيد ، فهو محوط بكثير من القيود لمصلحة الجماعة سبق بيانها تفصيلا فيما أسلفناه . ويتميز التقنين الجديد في هذا الصدد بأنه التزم في العلاقات التعاقدية حماية الجانب الضعيف . فحيث يختل التوازن بين طرفي العقد ، ويقف احدهما مغلول اليد أمام الطرف الآخر ، فإن الجماعة يعنيها أن تحمى الطرف الضعيف وهو يواجه الطرف القوي ن وأن تقيله من عثاره . رأينا التقنين الجديد يفعل ذلك في عقود الإذعان ، وفي نظرية الاستغلال ، وفي نظرية الحوادث الطارئة ، وفي عقد العمل ، وفي عقد التأمين ، وفي أحكام أخرى كثيرة سبق ذكرها . ومن ثم نرى أن التقنين الجديد طابعه حماية المدين ، وهو في ذلك على النقيض من التقنين القديم الذي كان يمعن في حماية الدائن . ففي فوائد الدين لم يقتصر التقنين الجديد على تخفيض سعر الفوائد القانونية والاتفاقية ، بل أضاف إلى ذلك قيوداً كثيرة في تقاضي الفوائد ذكرناها تفصيلا فيما تقدم ( انظر المواد 229 و 230 و 232 و 544 ) .
ثم إنه قيد إلى مدي بعيد من حق الدائن في الاختصاص بعقار المدين . فجعل هذا الحق ، كما رأينا ، لا يجوز الحصول عليه إلا إذا كان بيد الدائن حكم واجب التنفيذ ( م 5801 فقرة 1 ) . ولم يجز بعد موت المدين أخذ اختصاص على عقار فى التركة ( م 5801 فقرة 2 ) . ولم يجز الاحتجاج على الدائنين الذين يكون لهم حقوق سابقة على تسجيل صحيفة دعوي الإعسار بأي اختصاص يقع على عقارات المدين بعد هذا التسجيل ( م 256 فقرة 2 ) . وأجاز ، كما قدمنا ، لكل ذى مصلحة أن يطلب إنقاص الاختصاص إلى الحد المناسب إذا كانت الأعيان التي رتب عليها هذا الحق تزيد قيمتها على ما يكفى لضمان الدين ( م 1049 فقرة 1 ) .
وفى نطاق الملكية ، قفز التقنين قفزة واسعة فى جعل الملكية وظيفة اجتماعية أكثر منها حقاً فردياً . بل إن المشروع التمهيدي صرح بذلك فى أحد نصوصه ، فذكر فى المادة 1162 منه أن لمالك الشيء مادام ملتزماً حدود القانون أن يستعمله وأن ينتفع به وأن يتصرف فيه دون أي تدخل من جانب الغير ، بشرط أن يكون ذلك متفقا مع ما لحق الملكية من وظيفة اجتماعية . ولم تحذف هذه العبارة الأخيرة فى المشروع النهائي قصداً إلى حذف حكمها . بل لأنها ، كما جاء فى الأعمال التحضيرية ( 77 ) ، بالإيضاحات الفقهية ، وأن فى التطبيقات التى أوردها المشروع فى النصوص التالية ما يغنى عنها " . وقد تضمنت النصوص التالية فعلا من القيود على حق الملكية ما يجعل هذا الحق وظيفة اجتماعية روحاً ومعنى . فأوجبت المادة 807 على المالك ألا يغلو على استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار . وتكفلت المواد 808 - 824 بإيراد سلسلة من القيود على حق الملكية ، فى الشرب والمجرى والمسيل وحق المرور والحائط المشترك والمطلات وشرط عدم التصرف وما إلى ذلك من القيود القانونية والاتفاقية . بما يغل يد المالك فى استعمال ملكه لا للمصلحة العامة فحسب ، بل أيضاً لمصلحة الجيران ، وبما يبرز فكرة التضامن الاجتماعي متغلغة في الصميم من نظام الملكية . وترى ذلك أيضاَ فيما قدمناه فى نظام الشيوع وكيف جعل التقنين الجديد الكلمة العليا لأغلبية الملاك حتى يخضع الأقلية لحكم التضامن ( م 828 و 829 و 832 ) . وقد اسلفنا وترى ذلك فى ملكية الأسرة ( م 851 - 855 ) ، وفى ملكية الطبقات ( م 856 - 861 ) .وقد أسلفنا الإشارة إلي كل ذلك .
وبعد ، فهذا طرف من القيود التي يضعها التقنين الجديد على حرية التعاقد وعلى حف الملكية . وتبين من ذلك أن هذا التقنين قد خطا خطوات واسعة فى سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية . وما هو فى هذا إلا مرآة لعصره ، تنعكس عليه صور التطورات العميقة التى مر بها القانون فى خلال قرن ونصف قرن ، منذ صدور التقنين المدني الفرنسي ذى النزعة الفردية .
***
ويأبى التقنين الجديد أن يكون متخلفاً عن عصره . وما هو إلا صورة صادقة لمدنية الجيل الذى ظهر فيه .
الكتاب الأول
من القانون المدني الجديد
* * *
الالتزامات بوجه عام
كلمة تمهيدية
فى التعريف بالالتزام
* * *
1 - تحديد مركز الالتزام فى القانون المدنى
1 - أقسام القانون المدنى : ينقسم القانون المدنى - وهو القانون الذي ينظم علاقات الأفراد ببعضها ببعض - إلي قسمين رئيسين : قسم الأحوال الشخصية وقسم المعاملات .
فقواعد الأحوال الشخصية هى التى تنظم علاقة الفرد بأسرته . وقواعد المعاملات هى تنظم علاقة الفرد بغيره من الأفراد من حيث المال .
والمال فى نظر القانون يتكون من حقوق .
والحق في المعاملات مصلحة ذات قيمة مالية يقرها القانون للفرد . وهو إما حق العينى أو حق شخصى .
والحق الشخصى هو الالتزام : ويسمي حقاً إذا نظر إليه من جهة الدائن ، وديناً إذا نظر إليه من جهة المدين .
2 - الحق العينى والحق الشخصى : الحق العينى ( ( droit reel هوسلطة معينة يعطيها القانون لشخص معين على شىء معين . أما الحق الشخصى ( ( droit personnel فهو رابطة مابين شخصين ، دائن ومدين ، يخول الدائن بمقتضاها مطالبة المدين بإعطاء شىء أو بالقيام بعمل بالامتناع عن عمل .
ولازال التمييز ما بين الحق العينى والحق الشخصى من أهم المسائل الرئيسية فى القانون المدني . ولم تجد محاولات بعض الفقهاء فى هدم هذا التقسيم . وهؤلاء الفقهاء فريقان : فريق يقرب الحق العينى من الحق الشخصى ، وفريق لآخر على النقيض من ذلك يقرب الحق الشخصي من الحق العينى .
3 - تقريب الحق العينى من والحق الشخصى : أما الفريق الأول ، وعلى رأسهم الأستاذ بلانيول ، فيرى أن الحق العينى هو كالحق الشخصي رابطة مابين شخصين . لأن القانون إنما ينظم الروابط ما بين الأشخاص . ولا يمكن أن يقال فى الحق العينى إنه رابطة مابين الشخص والشيء ، لأن الرابطة إنما تكون بين الشخص والشخص . ففى هذا إذن يتفق الحق العينى مع الحق الشخصى . ويتفق معه أيضاً على أنه يشتمل مثله على عناصر ثلاثة : موضوع الحق والدائن هو المالك ، والمدين هم الناس كافة غذ يجب عليهم جميعاً احترام هذا الحق . فالحقان إذن يتماثلان من حيث الطبيعة والعناصر . وإنما يختلفان في شيء غير جوهري هو جانب المدين .دائماً هم جميع الناس عدا الدائن ، ولهذا يمكن اعتبار الحق العينى حقا شخصياً عاماً من حيث المدين ( passivement universel ) . أما في الحق الشخصي فالمدين هو شخص أو أشخاص معينون بالذات .
هذا ما يقوله الفريق الأول . وظاهر أنهم يقصدون هدم التميز ما بين الحق العينى والحق الشخصي من وراء جعل الحق العينى هو الذي يماثل الحق الشخصى . ولا جدال في أنه من الخطأ أن يقال إن الحق العينى رابطة ما بين الشخص والشيء . فالرابطة لا توجد إلا بين الشخص والشخص كما يقول بلانيول . ولذلك قلنا في تعريف الحق العينى إنه " سلطة لشخص على شىء " ، ولم نقل إنه " رابطة ما بين شخص وشيء " . وأما القول بأن الحق العينى هن حق شخصي عام من حيث المدين ففيه مغالطة لا تخفى عند التعمق في النظر . إذا لحق الشخصي فيه أيضاً هذا الجانب العام من حيث المدين ، وتلزم الناس كافة باحترامه . فإذا أحل أحد بهذا الالتزام ، بأن حرض المدين مثلا على أن يمتنع عن القيام بما تعهد به ، كان مسئولا ووجب عليه التعويض . ولكن الحق الشخصى يزيد على الحق العينى شيئا جوهوياً يميزه عنه ، هو الجانب الخاص من حيث المدين إلي هذا الجانب العام الذي تقدم ذكره . ففى كل حق شخصى يوجد مدين معين ، أو مدينون معينون ، هم الذين يباشر الدائن سلطته على الشىء موضوع الحق بوساطتهم ، ولا وجود لهؤلاء فى الحق العينى . وهذا فرق جوهري ما بين الحقين تترتب عليه نتائج هامة سيأتي ذكرها ( 78 ) .
4 - تقريب الحق العينى من والحق الشخصى : وهناك الفريق الثاني وهو الذي يحاول هدم التمييز من وراء جعل الحق الشخصى كالحق العينى . وعلى رأس هذا الفريق الأستاذان سالي ( saleilles ) ولا مبير ( Lambrt ) . ويتلخص رأيهما فى أن الحق الشخصى هو كالحق العيني عنصر من عناصر الذمة المالية ( patrimoine ) يتصرف فيه صاحبه ، فيبيعه ويهبه ويرهنه ويجرى فيه سائر التصرفات . وقد حان الوقت الذي ينظر فيه إلي الحق الشخصى لا باعتبار أنه رابطة ما بين ، بل باعتبار أنه عنصر مالي ، وهذا ما يقتضيه تقدم المعاملات وسرعة تداول الأموال . فتتجرد القيمة المالية للحق الشخصى عن شخص الدائن وعن المدين ، وبذلك يقترب الحق الشخصى من الحق العينى . وهذا هو المذهب المادي فى الالتزام ، وسنعود إليه فيما يلى .
ونحن لا ننكر على المذهل المادي للالتزام انتشاره ومسايرته للتطور القانوني الحديث . لكننا مع ذلك لا نراه يهدم التمييز ما بين الحق العينى والحق الشخصى . فمن الممكن أن ينظر إلى الالتزام نظرة مادية باعتبار موضوعه لا باعتبار أشخاصه ، ويكون فى هذا تقريب بينه وبين الحق العينى . ولكن ذلك لا ينفى أن هناك فرقاً جوهرياً ما بين الحقين حتى إذا نظر إليهما معاً من حيث موضوعهما . فالدائن فى الحق العينى يستعمل سلطة عير مباشرة على موضوع الحق دون وسيط بينهما ، بخلاف الحق الشخصى فليس للدائن فيه إلا سلطة غير مباشرة على الشيء موضوع الحق ، ولا يستعمل هذه السلطة إلا بوساطة المدين .
5 - بقاء التمييز ما بين الحقين قائما : يبقى إذن التمييز ما بين الحق الشخصى والحق العيني قائماً بأهميته . فالحق العيني سلطة مباشرة للشخص على الشيء ، والحق الشخصي رابطة مابين شخصين . والظاهرة المهمة في الحق العيني هي تحديد الموضوع ، أما في الحق الشخصي فتحديد المدين . ويزيد الحق الشخصي على الحق العيني عنصراً أساسياً هو وجود مدين معين يباشر بوساطته الدائن سلطته على الشيء موضوع الحق .
6 - نتائج هذا التمييز : وهذا التمييز ما بين الحقين لا يزال تمييزا جوهرياً في كل القوانين التي اشتقت من القانون الروماني . وتترتب عليه نتيجتان هامتان : 1 - لما كان الحق العيني سلطة مباشرة على الشيء ، فلصاحبه حق تتبع هذا الشيء ( droit de suite ) في يد أي شخص انتقلت إليه ملكيته .
2 - وله أيضاً ، إذا كان الحق العيني حق ضمان كالرهن . أن يتقدم على جميع الدائنين الشخصيين في تقاضى حقه من الشيء ( droit de preference ) ، فإن هؤلاء ليست لهم إلا سلطة مباشرة على هذا الشيء ( 79 ) .
2 - المذهبان الشخصي والمادي في الالتزام
7 – الرابطة القانونية ما بين الدائن والمدين : تبين مما قدمناه أن الحق الشخصي ، أي الالتزام ، يقوم على رابطة قانونية ما بين الدائن والمدين ، ويسميها الرومان : juris vinculum .
ولم تثبت هذه الرابطة على حلا واحدة ، بل إنها تطورا . فكانت في أول أمرها سلطة تعطي للدائن على جسم الممدين العلى ماله ، وكان هذا هو الذي يميز بين الحق العيني والحق الشخصي ، فالأول سلطة تعطي للشخص على شيء ، والثاني سلطة تعطي للشخص على شخص آخر . وكانت سلطة الدائن على المدين سلطة واسعة ، يدخل فيها حق الإعدام وحق الاسترقاق وحق التصرف . ثم تلطفت هذه السلطة فصارت مقصورة على التنفيذ البدني بحبس المدين مثلا . ولم يصل الدائن إلي التنفيذ على مال المدين إلا بعد تطور طويل . فأصبح للالتزام ، منذ عند الرومان ، مظهران : مظهر باعتباره رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين ، ومظهر باعتباره عنصراً مالياً يقوم حقاً لذمة الدائن ، ويترتب ديناً في ذمة المدين .
ولا يزال الالتزام محتفظاً بهذين المظهرين إلي الوقت الحاضر وإن اختلفت المذاهب فيه . فمذهب يغلب الناحية الخصية ، وهو المذهل الفرنسي التقليدي الموروث عن القانون الروماني ، ومذهل يعلب الناحية المالية وهو المذهل الألماني الحديث .
8 – المذهل الشخصي في الالتزام : أما المذهل الشخصي ( theorie subjective ) فيري الأمر الجوهري في الالتزام هو أنه رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين . وهذا ما حمل الأستاذ بلانيول على أن يزيد في تعريف الالتزام فكرة الرابطة الشخصية . فهو يعرف الالتزام بأنه علاقة قانونية ما بين شخصين بمقتضاها يكون لأحدهما وهو الدائن الحق فى تقاضي شيء معين من الآخر وهو المدين .
وأشهر من قال بالمذهب الشخصي من فقهاء الألمان سافيني ( savigny ) . فقد كان يري الالتزام رابطة شخصية تخضع المدين للدائن ، وقي صورة مصغرة من الرق . فالسلطة ( Herrschaft ) التي تمنح لشخص علي شخص آخر قد تستغرق حرية من يخضع لهذه السلطة ، وهذا هو الرق الكامل والملكية التامة . وقد لا تتناول السلطة إلا بعض هذه الحرية وإلا تمتد إلا إلي جزء من تشاط المدين ، فيترتب من ذلك حق للدائن فريب من حق الملكية ولكنه ليس إياها . فهو حق خاص بعمل معين من أعمال المدين ، وهذا ما نسميه بالالتزام . فالالتزام إذن هو سلطة معينة تمنح لشخص على شخص آخر . وتكون الملكية والالتزام في نظر سافيني شيئين من طبيعة واحدة ، ولا يختلفان إلا في الدرجة ، ففي الملكية يكون الخضوع كلياً ، وهو جزئي في الالتزام ، ولكنه موجود في الحالين .
9 – المذهب المادي في الالتزام : يتبين مما تقدم أن نظرية سافيني وهي مطبوعة بطابع القانون الروماني ، تجعل من الالتزام رابطة شخصية وثيقة ، رابطة خضوع قريب من الرق ، وتنسجها على طراز من حق الملكية .
هذه النظرية قام في وجهها فقهاء الألمان ، وعلى رأسهم جييرك ( Gierke ) ، وأبوا أن تستقر في الفقه الألماني بعد أن عملوا على تحرير قانونهم من النظريات الرومانية وغلبوا النظريات الجرمانية الأصل عليها . وقد بين جييرك أن الفكرة الجرمانية في الالتزام لا تقف عند الرابطة الشخصية كما كان الأمر في القانون الروماني ، بل تنظر إلي محل الالتزام وهو العنصر الأساسي ، وتجرده من الرابطة الشخصية ، حتى يصبح الالتزام عنصراً مالياً أكثر منه علاقة شخصية ، فينفصل الالتزام بذلك عن شخص الدائن وعن شخص المدين ، ويختلط بملحة فيصبح شيئاً ماديا العبرة فيه بقيمته المالية ( 80 ) . هذه هي النظرية المادية ( theorie objective ) للالتزام ، أم تقتصر علي ألمانيا ، فقد نشرها عي فرنسا نقلا عن المدرسة الألمانية سالي ( saleilles ) ، وهو يعتبر زعيم هذا المذهب في فرنسا ولو أن المذهب لم يسد في الفقه الفرنسي .
10 - النتائج العملية للمذهب المادي : وليس المذهب المادي مجرد مذهب نظري ، بل هو خصب في نتائجه الملية . فإن النظر إلي الالتزام باعتباره الاقتصادية في العصر الحاضر من تبسيط علي المعاملات وتيسير بها ، حني يكسب تداول الأموال مرونة تستلزمها هذه النظم ، بعد أن اشتدت حركة الإنتاج وانتشرت الصناعات الكبيرة . فالنظرية المادية تضعف الصلة ما بين محل الالتزام وشخصي الدائن والمدين . وينبني على هذا نتائج عملية هامة نذكر منها اثنتين :
( أولا ) لما كانت العبرة في الالتزام بمحله دون أشخاصه ، أصبح من السهل أن نتصور تغير أشخاص الالتزام ، ليس من دائن إلي آخر فحسب ، وهذا ما يسلم به التقيني الفرنسي ذاته مع أنه قد أخذ بالمذهب الشخصي ، بل أيضاً من مدين إلي آخر ، فيوجد إلي جانب حوالة الحق ( ( cession de creance حوالة الدين ( ( cession de dette . وهذا ما اعترفت به التقنينات المشبعة بالمذهب المادي ، كالتقنين الألماني والتقنين السويسري ، وعلى أثرهما سار التقنين المدني الجديد ، وقد ساير في ذلك الشريعة الإسلامية وقي تعترف بحوالة الدين . أما التقنين المدني القديم فكان على غرار القانون الفرنسي لا يعترف إلا بحوالي الحق .
( ثانياً ) لما كانت الرابطة الشخصية ليست هي الأمر الجوهري في الالتزام ، فمن الممكن أن نتصور وجود التزام دون دائن وقت نشوءه ، فيستند الالتزام إلي المدين وحده . ولو كانت الرابطة الشخصية قي العنصر الأول ، لما أمكن تصور التزام ينشأ دون أن يكون هناك وقت نشوئه دائن ومدين ،لأن الالتزام هو الرابطة الشخصية فيما بين هذين . فإذا لم يوجد أحدهما امتنع وجود هذه الرابطة , أما إذا أخذنا بالمذهب المادي أمكن تصور التزام يقع عبئاً في مال المدين دون أن يكون هناك دائن يقتضي المدين هذا العبء وقت وجود الالتزام ، ويكفي أن نوجد الدائن وقت التنفيذ ، ففي هذا الوقت فقط تظهر الضرورة في أن يتقدم دائن يستوفي المدين التزامه . ولاشك في أن تحليل الالتزام على هذا الوجه يفسر كثيراً من المسائل القانونية التي لا يمكن تفسيرها إذا تقدينا بالمذهب الشخصي . ونذكر من هذه المسائل ما يأتي :
( 1 ) التزام المدين بإرادته المنفردة لغير دائن معين : هناك حالات عملية نري فيها شخصاً يلتزم بمجرد إرادته لغير دائن معين . مثل ذلك شخص يعد بجائزة من عثر علي شيء ضائع . فالواعد هنا قد التزم بإرادته المنفردة ووجد الالتزام دون دائن ، وهو التحليل العلمي الصحيح ، لا يتفق إلا مع المذهب المادي ويستعصى على المذهب الشخصي الذي يأبي إلا أن يوجد الدائن وقت نشوء الالتزام .
( 2 ) نظرية الاشتراط لمصلحة الغير : إذا طبقت هذه النظرية في حالة عقد التأمين لمصلحة شخص غير معين أو شخص لما يوجد وقت نشوء الالتزام ، كما إذا أمن شخص على حياته لمصلحة أولاده ولم يكن له ولد وقت التأمين ، فإن الالتزام في هذه الحالة ينشأ دون أن وجد الدائن . ولا يمكن تفسير التزام مثل هذا إذا تقيدنا بالمذهب الشخصي . فلا يستطاع إذن تفسيره إلا طبقا للمذهل المادي .
( 3 ) السند لحامد : من يوقع هذا السند يلتزم لدائن عير معروف هو حامل السند . فهنا أيضاً نشأ الالتزام دون دائن ، ولا يفسر ذلك إلا المذهب المادي .
11 – تقرير المذهبين الشخصي والمادي : لا شك في أن النظرية المادية من شأنها أن تؤدي إلي نتائج عملية خطيرة الشأن أن تؤدي إلي نتائج عملية خطيرة الشأن رأينا جانباً منها ، وأدركنا كيف أنها تتمشي مع النظم الاقتصادية القائمة في الوقت الحاصر ومع سرعة تداول المال وتيسير سبل المعاملات . لذلك يجب الاحتفاظ بالمرونة التي يكسبها هذا المذهب لنظرية الالتزام .
على أنه لا يجوز في الوقت ذاته إغفال المذهل الشخصي . فلا يزال الالتزام رابطة فيما بين شخصين . ولا يزال لشخصية المدين والدائن أثر كبير في تكوين الالتزام وتنفيذه . فقد رأينا أنه لا بد من ودود طرفي الالتزام وقت التنفيذ على الأقل . وسنري أن نية الطرفين – وهذا شيء نفسي – يؤثر تأثيراً كبيراً في وجود الالتزام صحيحاً وفي تنفيذه على الوجه المطلوب . والنية قي السبيل الذي تتسرب منه العوامل الخلقية إلي القواعد القانونية . ونضيف إلي ما تقدم أن شخصية المدين بنوع خاص ضرورية في الالتزام ، لا عند تنفيذه فحسب ، بل أيضاً عند نشوئه ، وهذا ما يعترف به المذهل المادي ذاته . ووجود مدين معين في الالتزام إنما قو هذا ما يعترف به المذهب المادي ذاته . ووجود مدين معين في الالتزام إنما قو هذا الذي يقوم عليه الفرق الجوهري ما بين الحق الشخصي والحق العيني . فقد سبق أن أشرنا إلي أن سلطة الدائن على الشيء في الحق سلطة غير مباشرة يستعملها الدائن بواسطة المدين ، وهذا ما يجعل من غير المستطاع إغفال الرابطة الشخصية في الالتزام .
والتقنين المدني الجديد ، إذا كان قد أخذ من المذهل المادي نتائج علمية هامة ، لم يهجر في الوقت ذاته المذهل الشخصي ، بل استبقاه في كثير من آثاره . وقد سبقت الإشارة إلي ذلك .
3 – اختيار تعريف للالتزام
12 - القانون المدني القديم وتعريف القانون الفرنسي : بعد هذه النظرة العامة للالتزام يمكن الآن أن نختار تعريفاً له . ونذكر قبل ذلك تعريف القانون المدني القديم وتعريف القانون الفرنسي . فقد كانت المادتان 90 / 144 من القانون المدني القديم تنصان على أن " التعهد قو ارتباط قانوني الغرض منه هو حصول منفعة لشخص الغرض منه هو حصول منفعة لشخص بالتزام المتعهد بعمل شيء معين أو بامتناعه عنه " . والقانون القديم كان يسمي الالتزام " تعهداً " . ولفظ " الالتزام " أدق ، لأن التعهد قد يفهم على أنه التزام مصدره العقد دون غيره من المصادر الأخرى .
وقد ورد تعريف الالتزام في القانون الفرنسي عرضاً في صدد تعريف العقد . فنصت المادة 1101 من هذا القانون علي أن " العقد اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو أكثر نحو شخص آخر أو أكثر بإعطاء شيء أو بالقيام تعمل أو بالامتناع عن عمل " . وتعريف القانون الفرنسي يقرب من تعريف القانون المدني القديم في أن كلا منهما ينص أن محل الالتزام قد يكون إعطاء شيء ، (donner  ) ، أي نقل ملكية أو حق عيني . والقانون المدني القديم يدخل الالتزام بإعطاء شيء في دائرة الالتزام تعمل .
13 – التعريف الذي ورد في المشروع التمهيدي للتقنين المدني : الجدير : وقد كان المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد ، في المادة 121 ، يعرف الالتزام على الوجه الآتي " الالتزام حالة قانونية بمقتضاها يجب على الشخص أن ينقل حقاً عينياً أو أن يقوم بعمل أو أن يمتنع عن عمل " .
وقد ورد في المذكرة الإيضاحية لهذا المشروع ، تعليقاً على هذا النص ، ما يأتي ( 81 ) " كان في الوسع تعريف الالتزام بأنه علاقة قانونية أو رابطة من رواب القانون ، ولا سيما أن هذا هو التعريف التقليدي الذي ورد في التقنين المصري الحالي ( م 90 / 144 ) . بيد أنه يخشي من سياق التعريف على هذا الوجه أن يكون في ذلك قطع برأي معين في مسألة حظها من الخلاف في الفقه الحديث غير قليل . والواقع أن تعريف الالتزام بأنه رابطة قانونية إنما هو اعتناق للمذهب الشخصي ، مع ا ن الطابع المادي للالتزام أخذ يتزايد نصيبه من البروز في التشريع الحديث . وقد آثر المشروع أن يعرف الالتزام بأنه حالة قانونية تأكيداً لهذه النزعة الحديثة . وقي تعد نزعة الشريعة لغراء في تصويرها بفكرة الالتزام . ويراعي من ناحية أخري أن ذكر الدائن قد أغفل في التعريف إغفالا تاماً ولم يذكر إلا المدين . وهذا وجه آخر من وجوه التصوير المادي لالتزام . فالالتزام ، مجرداً من الدائن ، مرتبطاً بالمدين وحده ، إنما يكون عنصراً سلبياً من عناصر الذمه المالية أكثر منه علاقة قانونية تربط ما بين شخصين . وينهض لتوجيه هذا النظر ما استقر عله العمل . فمن الميسور عملا تصور التزام ليس له دائن وقت نشوئه ، والاشتراط لمصلحة الغير حافل بالتطبيقات التي يمكن أن تساق في هذا الصدد على أن الطابع الشخصي لم يهمل إهمالا تاماً . فالالتزام ، كما هو مدكور في التعريف ، يستتبع بالضرورة وجود شخص ملزم هو المدين . ومؤدي ذلك أن لكل التزام مديناً يعتبر شخصه عنصراً جوهرياً من عناصره ، وهذا هو نصيب الطابع الشخصي من فكرة الالتزام " .
وقد رؤى حذف هذا النص في المشروع النهائي تجنباً التعريفات بقدر الإمكان فيما لا ضرورة لتعريفه وتحرزاً من تأكيد الطابع المادي الالتزام في نص تشريعي تأكيداً قد يجعله يطغي على الطابع الشخصي . فالتعريف الذي ورد في المشروع التمهيدي أليق أن يكون مكانه الفقه لا التشريع ( 82 ) .
14 – التعريف الذي تختاره : وفي رأينا أن خير تعريف للالتزام ، في المرحلة التي وصل إليها من التطور في الوقت الحاضر ، هو التعريف الذي يبرز المسألتين الآتيتين :
( أولا ) أن للالتزام ناحية مادية كما أن له ناحية شخصية . فهو حالة قانونية تربط شخصاً معيناً .
( ثانياً ) أنه ليس ضرورياً أن يوجد الدائن منذ نشوء الالتزام .
وعندنا أن التعريف الآتي يفي بهذا الفرق :
" الالتزام حالة قانونية يرتبط بمقتضاها شخص معين بنقل حق عيني أو بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل " .
4 – أهمية نظرية الالتزام
وتأثرها بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والأدبية
14 – أهمية نظرية الالتزام : بعد ما قدمنا من تحديد لنظرية الالتزام بقي أن ندل على ما لهذه النظرية من شأن وخطر . فهي من القانون المدني ، بل ومن القانون عامة ، بمثابة العمود الفقري من الجيم . ويجعل لها تارد ( ( tarde في علم القانون مكان نظرية القيمة في علم الاقتصاد السياسي . ويجد علماء القانون فيها مجالا فسيحاً للسمو بالمنطق القانوني إلي أرفع مكان . بل قد يبالغ بعض الفقهاء فيغفل ما تشتمل عليه هذه النظرية من حقائق اجتماعية واقتصادية وأدبية ، ويجردها من كل ذلك ، ويبرزها قواعد فنية خالية إلا من المنطق المحض ، قريبة من المسائل الرياضية والعلوم الطبيعية . بل أن البعض قد غالي إلي حد أن وضع لها أسساً رياضية يضاهي بها النظريات الهندسية .
16 – تطور النظرية : على أنه إذا صح أن نظرية الالتزام هي أصلح النظرية قانونية ميداناً للتفكير المنطقي ، و أذا صح أيضاً أنها أولي النظريات قابلية للتوحيد في شرائع الأمم المختلفة لوحدة أصلها التاريخي ولسيادة المنطق فيها ، فليس بصحيح ما يزعم بعض الفقهاء من أن هذه النظرية لم تتطور ، بل بقيت ثابتة على الزمن ، تلقيناها عن الرومان كنا هي دون تعيير يذكر . والصحيح أن نظرية الالتزام تطروا تطوراً كبيراً منذ عهد الرومان إلي النوم . وقد تأثرت في تطورها بعوامل اجتماعية واقتصادية وأدبية .
17 - تأثر النظرية بالعوامل الاجتماعية : فالنظريات الاشتراكية وما في منحاها من النظريات الأخرى أثرت في نظرية الالتزام تأثيراً واضحاً . هذا عقد العمل ، وقد أخذ يزدحن بالقواعد والأحكام التي تهدف إلي حماية العمال وإلى إعطائهم من الحقوق ما لم يكن لهم من قبل كطرية الاجتماع وحق تكوين النهابات وحق الإضرات . وهذه نظرية العقد ذاتها ، وقد أخذت قوة الإلزام في العقد تبني فيها على التضامن الاجتماعي أكثر مما تقوم على إرادة الفرد . وهذه عقود الإذعان ، وقد أخذت الدولة تتدخل في تنظيمها حتى لا تترك جانب المستهلك دون حماية وهو الجانب الضعيف . وهذه نظرية الغبن ، وقد أخذت تتسع في القوانين الحديثة حتى أصبحت نظرية عامة تنطبق على جميع العقود على خلاف ما كانت تقضي به النظريات الفردية من وجوب ترك الفرد حراً في تعاقده يلتزم تما أراد مهما أصابه من غبن في ذلك .
18 – تأثر النظرية بالعوامل الاقتصادية : كذلك كان للعوامل الاقتصادية تأثير كبير في نظرية الالتزام . فقد كان من شأن السرعة في تداول المال أن أخذ المذهب المادي لالتزام يبرز إلي جانب المذهب الشخصي كما قدمنا . وحدت ظاهرة اقتصادية أخرى هي استغلال القوات الطبيعية استغلالا اقتصادياً مما أدي إلي استعمال مختلف الآلات الميكانيكية . وكان لهذا أثره في نظرية الالتزام ، فقد اقترن تقدم الآلات وكثرة استعمالها بمخاطر جمة تستهدف لها الناس ، وكان هذا سبباً في تأسيس المسئولية على الخطأ المفروض ، بل وفي خلق نظرية تحمل التبعة . وكان من ذلك أيضاً أن اتسع نطاق عقد التأمين بأنواعه المختلفة ، فوسع من نظرية الاشتراط لمصلحة الغير حتى بدت في ثوب جديد . وظاهرة اقتصادية ثالثة كان لها أثرها ي نظرية الالتزام قي تجمع رؤوس الأموال للإنتاج على أثر تقدم الصناعة ، وكان من وراء ذلك أن جدت نظريات في تنظيم النشاط الاقتصادي ، وأدى ازدياد هذا النشاط إلى خلق أنواع جديدة من العقود لم تكن معروفة من قبل ، كالعقود الجماعية والعقود النموذجية وعقود التزام المرافق العامة . هذا إلى أن المشاكل الاقتصادية بعد الحربين العالميتين الاخيرتين قد خلقت نظريات قانونية جديدة . نرى هذا في نظرية الظروف الطارئة ، وفي نظرية الوفاء بعملة نقص سعرها وما يتصل بذلك من " شرط الذهب " ، وفي التسعير الجبري للسلع والأجر .
19 – تأثر النظرية بالعوامل الأدبية : أما تأثير العوامل الأدبية في نظرية الالتزام فهو قديم . فالنظرية التي تقضى بان الغش يفسد العقود ، ونظرية التعسف في استعمال الحق ، والمبدأ القاضي بأنه لا يجوز الاتفاق على ما يخالف الآداب والنظام العام ، كل هذه نظريات مشبعة بالروح الأدبية ، وهي تقوم على محاربة سوء النية والضرب على أيدي العابثين بالأخلاق والآداب العامة . وهناك الالتزامات الطبيعية ، وهي التزامات تمت بصلة متينة إلى قواعد الأخلاق ، يعترف بها القانون ويضع لها نوعاً من الجزاء ، فتمتزج المثل الأدبية بالقواعد القانونية حتى تصبح شيئا واحداً . هذا إلى أن المصادر غير التعاقدية للالتزام إنما تقوم على أساس متين من القواعد الأدبية . فالالتزام بالتعويض عن العمل الضار يستند إلى التزام بوجوب الامتناع عن الأضرار بالغير دون حق . كذلك مبدأ الإثراء بلا سبب يمنع الشخص من أن ينتفع على حساب غيره . والالتزامات التي ينشئها القانون ، كالتزامات الجوار والتزامات أفراد الأسرة بعضهم نحو بعض ، هي في الواقع أوامر ونواه أدبية تقضي بوجوب العطف على الجار والكف عن إيذائه والبر بذوى القربى والأرحام . فإذا قلنا أن القانون إنما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر لا نكون مبالغلين في هذا القول ، ونكون قد دللنا في الوقت ذاته على أن القانون والأخلاق شيئان متلازمان .
20 – ترتيب موضوعات الكتاب : بعد هذه الإلمامة العجلى بالالتزام نبدأ الكلام في مصادره ، ونقدم لذلك بكلمة في ترتيب هذه المصادر ، ثم نستعرضها في أبواب أربعة :
الباب الأول : في العقد .
الباب الثاني : في العمل غير المشروع .
الباب الثالث : في الإثراء بلا سبب .
الباب الرابع : في القانون .

مصادر الحق
مقدمة
في ترتيب مصادر الالتزام
21 – تعريف مصدر الالتزام : المقصود بمصدر الالتزام هنا هو السبب القانونين الذي أنشأ الالتزام . فالتزام المشتري بدفع الثمن مصدره عقد البيع . والتزام المتسبب في ضرر بتعويضه مصدره العمل غير المشروع . والتزام الأب بالنفقة على عياله مصدره نص في القانون .
22 – الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام : تذكر القوانين اللاتينية عادة أن مصادر الالتزام خمسة : العقد ( contrat ) ، وشهب العقد ( quasi - contrat ) ، والجريمة ( delit ) ، وشبه الجريمة ( quasi - delit ) ، والقانون ( loi ) .
فالعقد هو توافق ارادتين على إنشاء التزام ، كعقد البيع يتفق بمقتضاه البائع والمشتري على إنشاء التزامات ، منها ما هو في جانب البائع كالالتزام بنقل الملكية والالتزام بضمان التعرض ، ومنها ما هو في جانب المشتري كالالتزام بدفع الثمن .
وشبه العقد هو عمل اختياري مشروع ينشأ عنه التزام نحو الغير ، وقد ينشأ عنه أيضاً التزام مقابل في جانب لك الغير ( أنظر المادة 1371 من القانون المدني الفرنسي ) . مثل ذلك الفضولي ، فهو يقوم مختاراً بعمل يريد به مصلحة الغير دون أن يتعاقد معه على ذلك ، فيلتزم بان يستمر في العمل الذي بدأه وبأن يقدم حساباً عنه ، ومصدر هذا الالتزام هو العمل الاختياري المشروع الذي قام به . وقد ينشأ عن هذا العمل التزام آخر من جانب رب العمل ، فيلتزم هذا في حالة ما إذا أحسن الفضولي القيام بالعمل الذي أخذه على عاتقه بان يراد ما أنفقه الفضولي من مصروفات ضرورية ونافعة ، وبأن ينفذ ما عقده الفضولي من التزامات في سبيل القيام بمهمته ( أنظر المادة 1375 من القانون المدني الفرنسي ) .
والجريمة هي عمل ضار يأتيه فاعله متعمدا الأضرار بالغير ، كما إذا اتلف شخص عمداً مالا مملوكاً لغيره ، فينشأ عن هذا العمل الضار التزام في جانب فاعله بان يعوض عن المال الذي أتلفه .
وشبه الجريمة عمل يصيب الغير بالضرر كالجريمة ، ولكنه يختلف عنها في أنه غير مصحوب بنية الأضرار بالغير ، بل يأتيه فاعله عن إهمال وعدم احتياط ، فيلتزم بتعويض الضرر كما في الجريمة . فإذا قاد شخص سيارة بسرعة غير معتادة ، وتسبب عن ذلك أن دهس شخصاً في الطريق ، فإنه يلتزم بتعويض المصاب أو ورثته عن الضرر الذي أحدثه .
والقانون قد يكون أخيراً مصدراً للالتزام فينشئه في حالات معينة ، كما في التزامات أفراد الأسرة بعضها لبعض من نفقة ورضاع وحضانة ووصاية وقوامة إلى غير ذلك ، وكما في التزامات الجار نحو جاره .
هذه هي مصادر الالتزام ، وتذكر عادة على الترتيب المتقدم . وقد اتفق علماء الفقه الحديث على انتقاد هذا الترتيب ، ولكنهم اختلفوا في الترتيب الذي يجب الأخذ به ، ثم استقرت جمهرتهم على ترتيب معين .
وحتى تستوب هذه المسألة الهامة نبحث أولاً من أين اتي هذا الترتيب الذي قدمناه ، ثم تبين وجوه النقد فيه ، وتخلص من ذلك إلى الترتيب الحديث لمصادر الالتزام .
1 – من أين الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام
23 – القانون الروماني : لم يرد هذا الترتيب في القانون الروماني في عهده المدرسي ، فقد كان هذا القانون يرجع الالتزامات إلى نوعين من المصادر : الجريمة ( delicta ) وتنحصر في جرائم محددة ، والعقد ( contractus ) ويشتمل على عقود معينة على سبيل الحصر ، ثم إلى مصادر أخرى للالتزامات التي لا تنشأ من الجريمة ولا من العقد ، وهي مصادر مختلفة متفرقة لم يحاول القانون الروماني ترتيبها ، واسمها " الأسباب المختلفة " ( variae causarum figurae ) .
هذا هو ترتيب القانون الروماني لمصادر الالتزام في عهده المدرسي . ولم يكن فيه شيء عن شبه العقد ولا عن شبه الجريمة . ولكن جاييس Gaius ، أحد فقهاء الرومان المعروفين ، رأى أن يضع الالتزامات التي تنشا من أعمال غير مشروعة إلى جانب الالتزامات التي تنشا من أعمال غير مشروعة إلى جانب الالتزامات التي تنشأ من الجرائم المحددة المعروفة ، بجامعة أن كلا من النوعين ينشأ من عمل غير مشروع ( 83 ) . والذي كان جاييس يعنيه هو اعتبار هذه الالتزامات كأنها تنشأ من جريمة ، لا من حيث مصدرها ، لأنها لا تنشأ من جريمة في الواقع من الأمر ، بل من حيث أثرها ، إذ هي في حكمها كالالتزامات التي تنشأ من الجرائم ، فلا تنتقل إلى ورثة المدين ويصح أن تجاوز حد الضرر الذي أحدثه العمل . والفرق واضح بين المعنيين ، إذ أن الشبه في المعنى الأول يقع على المصدر ، ويقع في المعنى الثاني على الأثر . وكان جاييس يقول عن هذه الالتزامات أن المدين فيه يلتزم كما لو كان يلتزم بجريمة ( quasi ex delicto tenetur ) . ورأى جاييس أيضاً أن يضع الالتزامات التي تنشأ من أعمال مشروعة إلى جانب الالتزامات التي تنشأ من العقود المعينة المعروفة ( 84 ) ، ويقصد المعنى الذي قصد إليه في الأعمال غير المشروعة ، فهي التزامات يلتزم بها المدين كما لو كان يلتزم بعقد ، فليست إذن في مصدرها تنشأ من شبه العقد ، بل هي التزامات كتلك التي تنشأ من العقد من ناحية الأثر . وإلا فالفرق كبير بين العقد وما يسمي يشبه العقد ، فالأول توافق إرادتين ، والثاني لا وجود لهذا التوافق فيه ، بل قد لا توجد الإرادة فيه أصلاً ، وكان يقول عن هذه الالتزامات إن المدين فيها يلتزم كما لو كان يلتزم بعقد ( quasi ex contractu tenetur ) .
ولم يلبث الفرق الدقيق بين المعنيين أن زاد دقة وغموضاً ، حتى ورد فيما كتبه جاييس نفسه ونقله عنه جستنيان ( justinien ) شيء من الخلط بينهما .
على أنه يلاحظ أن كلا من جاييس وجستنيان لم يستعمل لفظي " شبه العقد " و " شبه الجريمة " اللذين استعملهما بوتييه ( Pothier ) والقانون الفرنسي من بعده . وقد أخذ هذان اللفظان مدلولا آخر غير الي كان يعنيه جاييس من اللفظين المقابلين لهما في ترتيبه . وسنبين ذلك فيما يلي .
24 – القانون الفرنسي القديم : أما ترتيب مصادر الالتزام في القانون الفرنسي القديم فتاريخه تحوير مستمر للنظيرة الرومانية حتى خرجت عن معناها الصحيح . ولم يلبث التعبير الروماني ( quasi ex delicto ) و ( quasi ex contractu ) أن انقلب فأصبح ( ex quasi delicto ) و ( ex quasi contractu ) . ولكن المعنى في أول الأمر لم يتغير واقتصر التحوير على اللفظ ، وإن كان " شبه العقد " اتسع نطاقه فأصبح يشمل مسائل أخرى كالقوامة والميراث .
وفي عهد أصحاب الحواشي ( glossateurs ) صارت مصادر الالتزام العقد وملحق العقد والجريمة وملحق الجريمة ومصادر أخرى متفرقة ( variae causarum figurae ) . فاستبقى " المحشون " المصادر الأربعة التي عرفت عند جاييس وجستنيان ، وزادوا عليها هذه المصادر المتفرقة التي جعلوها مستقلة عن ملحق العقد وملحق الجريمة حتى ينسبوا إليها الالتزامات التي لا يمكن ارجاعها إلى مصدر من المصادر الأربعة الأولى كما في دعوى الاسترداد بسبب السرقة ( condictio furtive ) .
أما المدرسة البارتولية فقد حملها روح التحليل المنطقي التي اشتهرت بها على بحث الأساس الذي بنيت عليه الالتزامات الناشئة من " ملحق العقد " . وكان رأي بارتول ( Bartole ) أن ملحق العقد هذا ليس مبنيا على إرادة حقيقية أو مفترضة ، بل هو مبنى على إرادة وهمية خلقها القانون . وهذه هي الخطوة الأولى في تقريب " ملحق العقد " من العقد واخراج هذا التعبير الأول عن المعنى الذي قصد إليه الرومان .
ثم تلى ذلك الخطوة الثانية ، وأصبح " ملحق العقد " يتضمن إرادة مفترضة تقربه من العقد الذي يتضمن إرادة حقيقية . وهكذا ابتعدنا عن النظرية الرومانية وانفرجت مسافة الخلف بين النظريتين . فالنظرية الرومانية كانت ترى " ملحق العقد " هو العمل المشروع الذي ليس بعقد ، أي أن الفركة الأساسية فيه هي أن تنتفي عنه صفة العقد . أما الآن " فالملحق بالعقد " هو عمل مشروع يقرب من العقد في أن كلا منهما ليس عملا مشروعاً فحسب ، بل هو أيضاً مبنى على إرادة : حقيقية في العقد ومفترضة في ملحق العقد . ومن ثم لصقت صفة العقد بملحق العقد ، وأصبح هذا " شبه عقد " .
ثم أتي فوتييه فجعل مصادر الالتزام خمسة : العقد وشبه العقد والجريمة وشبه الجريمة والقانون .
25 – قانون نابليون : وانتقل الترتيب الذي أتى به بوتييه إلى قانون نابليون على علاته . فجعل هذا القانون مصادر الالتزام خمسة هي المصادر ذاتها التي قال بها بوتييه .
وسلم كثير من فقهاء القانون المدني الفرنسي في أول الأمر بهذا الترتيب ، ولم يعرضوا له بنقد ، بل جعلوه أساساً لتعليقاتهم وشروحهم .
2 - نقد الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام
26 – نقد الأستاذ بلانيول ( 85 ) : يرى الأستاذ بلانيول ( Planiol ) أن تقسيم العمل غير المشروع باعتباره مصدراً للالتزام إلى جريمة وشبه جريمة ، بحسب وجود نية التعمد أو انعدامها ، لا أهمية له ، لا من حيث نشوء الالتزام ولا من حيث ما يترتب عليه من الأثر . فشبه الجريمة ينشيء التزاماً كالجريمة سواء بسواء ، والتعويض يدفع كاملا في الحالتين .
أما شبه العقد فهو في نظر الأستاذ بلانيول تعبير مضلل . ذلك أن أصحاب الترتيب التقليدي يزعمون أن شبه العقد قريب من العقد في أنه عمل إرادي ، وبعيد عن الجريمة وشبه الجريمة في أنه عمل مشروع . والواقع عكس ذلك تماماً ، فشبه العقد بعيد عن العقد لأنه غير إرادي ، وقريب من الجريمة وشبه الجريمة لأنه غير مشروع .
أما أن شبه العقد عمل غير إرادي ، فيظهر هذا من أن الالتزام الناشيء من شبه العقد ليس على أية صورة من الصور وليد الإرادة – بله توافق الإرادتين – فهو قد ينشأ رغم إرادة الملتزم ، لذلك لا يشترط توافر الأهلية فيه ، بينما يشترط توافرها في المتعاقد لأن التزامه لا ينشأ إلا بإرادته . وإذا كنا في شبه العقد قد تصادف عملا ارادياً في مبدأ الأمر ، كما إذا أقام شخص بناء على أرض الغير فينشأ التزام في ذمة صاحب الأرض بان يرد ما أثرى به على حساب صاحب البناء ، فإن هذا العمل الارادي ليس هو الذي خلق الالتزام ، وليس من صدرت منه هذه الإرادة هو الملتزم ، بل الملتزم هو الشخص الذي لم تصدر منه أية إرادة ، وهو صاحب الأرض الذي فوجئ بالبناء مقاماً على أرضه .
وأما أن شبه العقد عمل غير مشروع ، فيظهر هذا إذا تعمقنا في تحليل الالتزام الذي ينشأ من شبه العقد . فإننا نقف عادة عند العمل الذي يبدأ به شبه العقد . وهذا العمل مشروع دون شك . فمن يدفع ديناً غير موجود أو يقيم بناء على أرض الغيار يقوم بأعمال مشروعة . ولكن هذا العمل المشروع ليس هو الذي ينشيء الالتزام ، فإن الملتزم ليس هو الشخص الذي دفع الدين أو أقام البناء ، ومعروف أن سبب الالتزام يتصل بشخص المدين لا بشخص الدائن . فإذا أردنا أن نعرف سبب الالتزام ملتمسين إياه متصلا بشخص المدين ، وجدنا أن هذا السبب في الحالتين المتقدمتين وفي الحالات الأخرى المماثلة يرجع إلى إثراء المدين دون سبب على حساب الدائن ، فوجب عليه أن يرد للدائن ما أثرى به على حسابه . فالإثراء دون حق هو إذن مصدر الالتزام ، وهو عمل غير مشروع .
ويتبين من ذلك أن شبه العقد ليس بالعمل الإرادي ولا بالعمل المشروع كما يزعمون .
27 – رأي الأستاذ بلانيول في ترتيب مصادر الالتزام : ثم يقدم الأستاذ بلانيول أساس لترتيب آخر ، فيذهب إلى أن للالتزام مصدرين اثنين : العقد والقانون . ويرد شبه العقد والجريمة وشبه الجريمة جميعاً إلى القانون . ذلك أن الالتزامات التي تنشأ من هذه المصادر الثلاثة ليست إلا التزامات جزائية قامت بسبب الإخلال بالتزامات قانونية . ففي شبه العقد يثري شخص على حساب غيره ، فيخل بالتزام قانونين هو ألا يثري دون حق على حساب الغير ، وينشأ عن الإخلال بهذا الالتزام القانونين التزام جزائي هو رد ما أثرى به . وفي الجريمة وشبه الجريمة يحدث شخص ، بخطأه العمد أو غير العمد ، ضرراً للغير ، فيخل بالتزام قانونين هو إلا يضر الغير بخطأه ، وينشأ عن الإخلال بهذا الالتزام القانوني التزام جزائي هو تعويض الضرر الذي أحدثه .
والذي يميز هذه الالتزامات الجزائية هو إنها ليست كالالتزامات القانونية درءاً لضرر قد يقع في المستقبل ، بل هي تعويض عن ضرر قد وقع في الماضي على أنه يلاحظ أنه هذه الالتزامات الجزائية إنما هي في الواقع الالتزامات القانونية ذاتها قد استحالت إلى تعويض ، على الوجه الذي نراه في الإلتزمات التعاقدية عندما تستحيل هي أيضاً إلى تعويض إذا لم يكن تنفيذها عيناً . فكل التزام غير تعاقدي يكون التزاماً قانونياً ، إما في صورته الأصلية ، وإما في صورة استحال فيها إلى تعويض . وهو في الصورة الأولى يراد به درء ضرر قد يقع ، وفي الصورة الثانية يراد به التعويض عن ضرر قد وقع .
28 – تقدير رأي الأستاذ بلانيول في ترتيب مصادر الالتزام : هذا هو الرأي الذي يقدمه الأستاذ بلانيول في ترتيب مصادر الالتزام . وهو رأي خلاب ، بسيط المظهر ، سهل الفهم . ولكن حظه من الابتداع أقل مما يظهر لأول وهلة . فقد سبقه تولييه ( Toulier ) ( 86 ) إلى نقد الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام نقداً جدياً ، وبين في وضوح وجلاء : ( أولاً ) أن مصادر الالتزام لا تعدو أن تكون الاتفاق أو القانون . ( ثانياً ) أن الالتزامات التي يكون مصدرها القانون أما أن تستند إلى القانون رأساً وإما أن تنشأ على اثر عمل صادر من المدين أو الدائن . ( ثالثاً ) أن ما يسميه القانون بشبه العقد إنما يرجع إلى قاعدة عادلة هي عدم مشروعية الإثراء على حساب الغير ، وأن المشرع كما ألزم من يأتي بعمل غير مشروع تعويض الضرر الذي يحدث من هذا العمل ، ألزم كذلك من يثري بعمل مشروع على حساب غيره أن يرد إلى هذا الغير ما أثرى به على حسابه ، وهذا تقابل منطقي عادل .
ولكن بلانيول كان مبتدعا عندما أوجد الصلة بين الالتزامات القانونية والالتزامات التي تنشأ من الجريمة وشبه الجريمة وشبه العقد . فهذه الالتزامات الأخيرة كما يقول ما هي إلا التزامات قانونية استحالت إلى تعويض مالي . وكان مبتدعا كذلك عندما ارجع كل هذه الالتزامات غير التعاقدية إلى فكرتين اساسيتين : درء خطر قد يقع ، أو التعويض عن ضرر قد وقع .
على أنه بالرغم من روعة ما في هذا التحليل من جدة وبساطة ، فليس فيه ما يلقى كثيراً من الضوء على ترتيب مصادر الالتزام . إذ نكاد نكون بعد نظرية بلانيول حيث كنا قبلها ، لم نتقد م خطوة كبيرة إلى الأمام . فهي أقرب إلى التعليل منها إلى التحليل ، لأنها توضح علة وجود الالتزامات أكثر مما تبين مصدر نشوئها .
هذا هو بوجه إجمالي موضع الضعف في نظرية الأستاذ بلانيول . وإذا أردنا نقد تفاصيلها أخذنا عليها ما يأتي :
( أولاً ) إذا صح أن القانون مصدر لكل الالتزامات غير التعاقدية ، فهو مصدر غير مباشر بالنسبة إلى بعضها ، ومصدر مباشر بالنسبة إلى بعض آخر ( 87 ) . وكان الأولى أن يبرز العمل كما برز العقد مصدراً مستقلا من مصادر الالتزام .
( ثانياً ) بالغ الأستاذ بلانيول في تأكيده بأن شبه العقد عمل غير مشروع ، مع أن القول بأنه عمل مشروع لا يخلو من الوجاهة . ذلك أن المثرى على حساب الغير إنما يلتزم بعمل إذا نظرنا إليه في أصله كان مشروعاً ، وإذا نظرنا إليه في نتيجته كان غير مشروع . فهو عمل يتسبب عنه إثراء على حساب الغير . فيبقى العمل في ذاته مشروعاً وإن تسببت عنه نتيجة غير مشروعة .
على أنه من الانصاف أن يقال أن لبلانيول فضلا كبيراً في توجيه نظر الفقهاء إلى عيوب الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام . وقد اجمع الفقهاء ، على اثر الحملة التي قام بها ، على نقد هذا الترتيب ، وما لبثوا أن هجروه إلى ترتيب حديث ، ننتقل الآن إليه .
3 – الترتيب الحديث لمصادر الالتزام
29 – القانون المدني القديم : نص القانون المدني القديم في المادتين 93 / 147 على أن " التعهدات إما أن تكون ناشئة عن اتفاق أو عن فعل أو عن نص القانون " . وهذا الترتيب خير بكثير من الترتيب الذي أتى به القانون الفرنسي . فقد تجنب أكثره وجوه النقد التي توجه إلى الترتيب الأخير ، فلم يفرق بين الجريمة وشبه الجريمة ، ولم يجعل ما يسمي " بشبه العقد " مصدراً للالتزام ، بل جمع المصادر التي وزعها القانون الفرنسي بين شبه العقد والجريمة وشبه الجريمة في مصدر واحد وأسماه " فعلا " ( fait ) ، وأبقى العقد والقانون مصدرين مستقلين .
وكل ما يمكن أن يوجه للقانون المصري القديم من النقد أنه لم يبين ما ينطوي تحت كلمة " الفعل " من معان . فالفعل إما أن يكون من شأنه أن يفقر الدائن دون حق ، وهذا هو العمل غير المشروع . وإما أن يكون من شأنه أن يغني المدين دون سبب ، وهذا هو الإثراء بلا سبب . وهكذا يتكشف عن " الفعل " مصدران لا مصدر واحد ، كان فصل أحدهما عن الآخر أجلى بياناً وأوسع إحاطة .
30 – التقنينات الحديثة والفقه الحديثة : وإذا رجعنا إلى التقنينات الحديثة ، كالتقنين الألماني والتقنين السويسري والمشروع الفرنسي الإيطالي والتقنين الإيطالي الجديد ، وأردنا أن نستخلص منها ما توخته من ترتيب لمصادر الالتزام ، أمكن أن يقال في شيء من التعميم إن المصادر التي أقرتها هذه التقنينات خمسة : العقد والإرادة المنفردة والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون .
ويشترك هذا الترتيب الحديث مع الترتيب القديم في مصدرين هما العقد والقانون . أما الجريمة وشبه الجريمة فيجتمعان في " العمل غير المشروع " . وشبه العقد في الترتيب القديم يقابله الإثراء بلا سبب وريد الحديث الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام .
وهذا الترتيب هو الذي أخذ به أكثر الفقهاء في الفقه الحديث ( 88 ) .
31 – التقنين المدني الجديد : ويلاحظ أن التقنينات الحديثة لا تورد في نص خاص مصادر الالتزام مرتبة هذا الترتيب الخماسي الذي تقدم ذكره ، بل إن هذا الترتيب يستخلص من التبويب الذي اتخذته هذه التقنينات . وعلى هذا النحو جرى التقنين المدني الجديد ، فلم يورد نصاً خاصاً يقر فيه أي ترتيب معين ، بل اقتصر على عرض مصادر الالتزام المختلفة في فصول متعاقبة ، مرتبة على النحو المتقدم ، وقد ورد في هذا الصدد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ما يأتي :
" والواقع أن تحدث التقنينات ، ولاسيما ما كان منها جرماني النزعة . لا يورد في النصوص تقسيما للمصادر . بل إن المشروع الفرنسي الإيطالي ذاته ، على شدة تأثره بالنزعة اللاتينية ، انتهى إلى الإعراض عن كل تقسيم فقهي ، ونعي على التقسيم الذي اتبعه التقنين الفرنسي قصوره وفساده ومجانبته للمعقول . وقد برر واضعو المشروع الفرنسي الإيطالي إعراضهم عن كل تقسيم ونبذهم للأحكام الحالية الواردة في المادة 1370 من التقنين المدني الفرنسي والمادة 1097 من التقنين المدني الإيطالي بان التقسيم الذي اتبعه هذان النصان أليق بأغراض التعليم منه بأغراض النصوص التشريعية . واستطرد التقرير الخاص بالمشروع المتقدم ذكره قائلا : " والخلاصة أن الفقه بوسعه أن يجري على التقسيم التقليدي أو أن يحل محله تقسيماً أكثر اتفاقاً مع المعقول ، والنتيجة أن إسقاط التقسيم من المشروع قد ازال من النصوص عقبة تحول دون حرية اجتهاد الفقه في الإبداع والتصور " . وقد رؤى من الأنسب اقتفاء اثر المشروع الفرنسي الإيطالي وتقنينات حديثة أخرى ، فلم يقتصر الأمر على الإعراض عن التقسيم البالي الذي اتبعه التقنين الفرنسي العتيق ، بل جاوز ذلك إلى العدو عن إقرار أي تقسيم رسمي في النصوص . وعلى هذا النحو قنع المشروع بعرض مصادر الالتزام المختلفة دون أن يجهد في ردها إلى أقسام جامعة شاملة في نص خاص . فعمد ، نسجاً على منوال أحدث التقنينات ، إلى البدء بأحكام العقد والإرادة المنفردة ( 89 ) ، ثم تناول العمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ، وانتهى بالالتزامات التي تنشأ مباشرة من نص القانون ( 90 ) " .
32 – أساس علمي لترتيب مصادر الالتزام ومصادر الحقوق بوجه عام : تبين مما تقدم أن التقنينات الحديثة جعلت مصادر الالتزام خمسة : العقد والإرادة المنفردة والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون .
وهذا الترتيب تغلب فيه الناحية العملية ، وينقصه الأساس العلمي الذي يرتكز عليه . فلا يكفي أن نقول إن هذه هي مصادر الإلتزام ، بل يجب إرجاع هذه المصادر إلى أصول علمية منطقية .
ونحن إذا أردنا أن نرجع مصادر الالتزام إلى ترتيب منطقي ، وفهمنا أن المراد بالمصدر هو السبب القانونين الذي ينشيء الالتزام ، وجدنا عند التأمل أن الأسباب القانونية التي تنشيء الالتزامات ليست مقصورة على هذه الدائرة – دائرة الحقوق الشخصية – بل هي تتناول أيضاً الحقوق العينية ، بل تجاوز قانون الأموال إلى قانون الأسرة ، بل هي تحلق في سماء القانون ، وتنشيء كل العلاقات القانونية أو تؤثر فيها ، سواء كانت هذه العلاقات ترجع إلى القانون الخاص أو إلى القانون العام .
ومن الواضح أن السبب الذي ينشيء علاقة قانونية أو يؤثر فيها هو أمر يجد فيحدث تعديلا في العلاقات القانونية الموجودة . ولو كان لنا أن نتصور أن الأرض كفت عن الدوران ، وأن كل مخلوق عليها ركن إلى السكون أمكن أن نقول إن العلاقات القانونية تبقى على حالها دون تغير في الوقت الذي تجمد فيه كل حركة . فإذا حدثت بعد ذلك أية حركة ، فقد يكون من شأنها أن تعدل في هذه العلاقات . هذه الحركة التي وقعت نسميها " بالواقعة " . فإذا كان من شأنها أن تنتج أثراً قانونياً سميت " بالواقعة القانونية " ( fait juridique ) . وهي إما أن تكون راجعة لإرادة الإنسان ، وإما ألا ترجع لهذه الإرادة .
فهبوب العواصف ، وانفجار البراكين ، ودوران الأرض ، كل هذه وقائع لا ترجع لإرادة الإنسان ، بل هي من عمل الطبيعة . وقد تؤثر في العلاقات القانونية الموجودة : هبوب العواصف أو انفجار البراكين قد يكون قوة قاهرة تعفى المدين من التزامه . ودوران الأرض حول نفسها يعين ساعات تنفيذ الالتزام في عقد العمل . ودورانها حول الشمس يحصي عدد السنين اللازمة للتملك بالتقادم .
والوقائع التي ترجع لإرادة الإنسان أكثرها أعمال مادية ، قد يريد صاحبها أن يحدث بها أثراً في الروابط القانونية الموجودة أو لا يريد ذلك . فهو يأكل ويمشي ويتحدث ويعاشر الناس ويجاملهم ، وهو لا يريد عادة من وراء هذا أن يؤثر في علاقاته القانونية . ولكن هذه العلاقات قد تتأثر دون أن تتجه إرادته إلى شيء من ذلك . فإذا أكل شيئاً لا يملكه أصبح مسئولا عن تعويض المالك . وإذا مشي دون حيطة فأتلف شيئاً وجب عليه أن يعوض عما اتلف . وإذا تحدث فذكر مثالب للغير فقد يكون هذا سباً أو قذفاً يجعله مسئولا . وإذا جامل الغير فقام ببعض شؤونهم فقد يجد نفسه ملزماً باتمام ما بدأ به ويكون دائناً لهذا الغير بمقدار ما كلفه العمل . ويلاحظ أنه في الوقائع المتقدمة قد قام الشخصي بأعمال مادية اختيارية ، أراد النتائج التي ترتبت عليها في بعض الفروض ، ولكنه في أكثر الفروض لم يرد شيئاً من هذه النتائج .
وهناك من الوقائع التي ترجع لإرادة الإنسان ما ليس بأعمال مادية ، بل هي أعمال إرادية . ونريد بالعمل الإرادي هنا عمل الإرادة المحضة تتجه إلى إحداث نتائج قانونية معينة . مثل هذه الوقائع تسمي إعمالاً قانونية ( actes juridiques ) تمييزاً لها عن الأعمال المادية . ومنها ما يرجع لإرادة الشخص منفرداً كالوصية والوقف والوعد بجائزة ( الجعالة ) ، ويسمي بالعمل القانونين الصادر من جانب واحد ( acte juridique unilateral ) ، ومنها ما يرجع لارادته مقرونة بارادة طرف آخر ، وهذا هو العقد ( acte juridique bilateral, contrat ) .
من ذلك نرى أن الوقائع هي مصادر الروابط القانونية . والوقائع إما أن تكون طبيعية ( faits naturels ) أو اختيارية ( faits rolontaires ) . والوقائع الاختيارية إما أن تكون إعمالاً مادية ( actes materielgs ) أو إعمالاً قانونية ( actes juridiques ) . والأعمال القانونية إما أن تكون صادرة من جانب واحد ( actes juridiques ) . والأعمال القانونية إما أن تكون صادرة من جانب واحد ( actes unilatreaux ) أو صادرة من الجانبين ( actes bilatreaux, contrats ) والقانون من وراء كل ذلك محيط ، فهو الذي يحدد الآثار القانونية التي تترتب على الوقائع والأعمال جميعاً .
ويلاحظ في هذا الترتيب إننا تدرجنا من الأعم إلى الأخص . فالوقائع القانونية تشمل الوقائع الطبيعية والوقائع الاختيارية ، والوقائع الاختيارية تشمل الأعمال المادية والأعمال القانونية . والأعمال القانونية تشمل الأعمال الصادرة من جانب واحد والأعمال الصادرة من الجانبين .
33 – تطبيق هذا الترتيب على مصادر الحقوق العينية : المعروف أن أسباب كسب الحقوق العينية سبعة : الاستيلاء والميراث والوصية والالتصاق والعقد والشفعة والحيازة .
فإذا رتبنا هذه الأسباب على النحو الذي قدمناه كان منها الوقائع الطبيعية ، وهي الميراث وأسباب الأخذ بالشفعة والتقادم . ومنها الأعمال المادية ، وهي الاستيلاء والالتصاق والحيازة . ومنها الأعمال القانونية ، بعضها عمل صادر من جانب واحد وهي الوصية وإعلان الرغبة في الأخذ بالشفعة ، وبعض آخر عمل صادر من الجانبين ، وهو العقد ( 91 ) .
34 – تطبيق الترتيب على مصادر الالتزام : ونطبق هذا الترتيب العلمي على مصادر الالتزام . فالوقائع الطبيعية كالجوار والقرابة يرتب عليها القانون التزامات معينة لاعتبارات ترجع للعدالة والتضامن الاجتماعي . لذلك يصح إسناد هذه الالتزامات للقانون مباشرة فيكون هو مصدرها .
والأعمال المادية قسمان : القسم الأول أعمال غير مشروعة تصدر من المدين فتفقر الدائن دون حق فيلتزم المدين بالتعويض ، ومصدر هذا الالتزام هو العمل المادي الضار . والقسم الثاني أعمال مشروعة تغني المدين على حساب الدائن فيلتزم المدين أن يرد ما اغتنى به ، ومصدر هذا الالتزام هو العمل المادي النافع .


الباب الأول

العقد
Le Contrat
تمهيد
35 – مسائل ثلاث : نمهد للكلام في العقد بكلمات ثلاث : إحداها في تعريف العقد ، والثانية في مبدأ سلطان الإرادة ، والثالثة في تقسيم العقود .
* * *
1 – تعريف العقد
36 – الاتفاق والعقد : يميز بعض الفقهاء بين الاتفاق والعقد .
فالاتفاق ( convention ) هو توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهائه . فالاتفاق على إنشاء التزام مثله عقد البيع ، ينشيء التزامات في جانب كل من البائع والمشتري . والاتفاق على نقل التزام مثله الحوالة ، تنقل الحق أو الدين من دائن لدائن آخر أو من مدين لمدين آخر . والاتفاق على تعديل التزام مثله الاتفاق على اقتران أجل بالالتزام أو إضافة شرط له . والاتفاق على إنهاء التزام مثله الوفاء ينتهي به الدين .
والعقد ( contrat ) اخص من الاتفاق ، فهو توافق إرادتين على إنشاء التزام أو على نقله . ومن ذلك يتضح أن كل عقد يكون اتفاقاً . أما الاتفاق فلا يكون عقداً إلا إذا كان منشئاً لالتزام أو ناقلا له . فإذا كان يعدل الالتزام أو ينهيه فهو ليس بعقد .
وقد نقل القانون المدين الفرنسي هذا التفريق بين العقد والاتفاق عن بوتييه ودوما ، إذ عرف العقد في المادة 1101 بأنه اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص أو عدة أشخاص آخرين بإعطاء شيء أو بفعله أو بالامتناع عن فعله . فالعقد إذن بمقتضى هذا التعريف اتفاق ينشيء التزاماً ، فهو نوع ( espece ) والاتفاق جنس ( genre ) له . ويلاحظ أن التعريف الذي أورده القانون الفرنسي يجمع بين تعريف العقد وتعريف الالتزام ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
37 – لا أهمية للتمييز بين الاتفاق والعقد : ولا نرى أهمية للتمييز بين الاتفاق والعقد . ونتفق في هذا مع أكثر الفقهاء . وإذا كان الفقهاء الذين يقولون بالتمييز يرون أهمية له من حيث الأهلية ، فهي تختلف في العقد عنها في الاتفاق ، فإنه يلاحظ على هذا الرأي أن الأهلية تختلف باختلاف العقود ذاتها ، فهي في عقود التبرع مثلا غيرها في عقود المعاوضة ، ومع ذلك لم يقل أحد إن هناك فرقاً ما بين الهبة والبيع من حيث أن كلا منهما عقد لمجرد أن الأهلية تختلف في أحدهما عنها في الآخر .
وكان المشروع التمهيدي يورد تعريفاً للعقد لا يميز فيه بينه وبين الاتفاق . فنصت المادة 122 من هذا المشروع على أن " العقد اتفاق ما بين شخصين أو أكثر على إنشاء رابطة قانونية أو تعديلها أو إنهائها " . وهذا هو تعريف المشروع الفرنسي الإيطالي في المادة الأولى منه . وقد قصد من إيراد هذا التعريف في المشروع نفي كل تفرقة بين العقد والاتفاق وجعلهما شيئاً واحد كما صرحت بذلك المذكرة الإيضاحية ( 92 ) . وإذا كان هذا التعريف قد حذف في المشروع النهائي فإن هذا الحذف لا يعني عدولا عن عدم التمييز بين الاتفاق والعقد ، بل كان الحذف مجاراة لسياسة تشريعية هي تجنب الإكثار من التعريفات الفقهية ( 93 ) .
لذلك نرى أن يعرف العقد بأنه توافق إرادتين على إحداث اثر قانونين سواء كان هذا لااثر هو إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهاؤه .
38 – وجوب الاتفاق على إحداث اثر قانونين : والمهم في العقد أن يكون هناك اتفاق على إحداث اثر قانوني . فإذا لم يكن المراد إحداث هذا الأثر فليس هناك عقد بالمعنى القانونين المقصود من هذه الكلمة . ويتبين ذلك من الظروف والملابسات .
فقد يدعو شخص آخر إلى وليمة ، في نطاق المجاملات الاجتماعية ، فيقبل المدعو ، ولا يقصد الطرفان من هذا الاتفاق أن ينشئا التزاماً قانونياً فيما بينهما . فإذا تخلف المدعو أو عدل الداعي لم تترتب على ذلك مسئولية في جانب من اخل منهما بوعده . ولكن قد يكون تقديم الطعام التزاماً قانونيناً إذا قصد المتعاقدان ذلك . ويتبين قصدهما من الظروف . فإذا اتفقت شركة مع مستخدم عندها على أن تقدم له الغذاء أثناء عمله في جهة نائية ، أو تعهد صاحب الفندق أن يقدم الطعام للنزيل ، فهذا التعهد ذو اثر قانوني وهو ملزم للمتعهد .
وقد يتبرع صديق لصديقه بتقديم خدمة مجانية دون أن يقصد الالتزام قانوناً بتقديم هذه الخدمة . فإذا وعد مزارع جاره أن يقدم له المعونة دون مقابل في حصاد زرعه ، أو تقدم طبيب لمعالجة صديق له دون اجر ، أو عرض شخص على صديقه أن يستصحبه في سيارته ، فلا تنطوي هذه الاتفاقات على معنى الإلزام . وإنما يكون الإلزام إذا قصد إليه الطرفان . فالطبيب الذي تعهد أن يعالج فقيراً دون اجر يلتزم قانوناً بذلك .
وقد تقوم اتفاقات بين أعضاء الأسرة لا يقصد بها عقد التزامات قانونية . فالولد الذي يعمل مع أبيه في صناعته ، والزوجة التي تعين زوجها في تجارته ، والأب الذي يعد ابنه بجائزة إذا نجح في الامتحان ، لا يقصد أي منهم أن يرتبط ارتباطاً ملزماً . ولكن إذا قام هذا القصد ترتب على قيامه الارتباط القانوني . فقد يعمل الولد أجيراً عند أبيه ، وقد تشارك الزوجة زوجها في تجارته ، وقد يعد شخص بجائزة من يقدم خير تصميم لمبنى يريد إقامته فيفوز ابنه المهندس بالجائزة .
39 – تحديد منطقة العقد : وليس كل اتفاق يراد به إحداث اثر قانونين يكون عقداً . بل يجب أن يكون هذا الاتفاق واقعاً في نطاق القانون الخاص وفي دائرة المعاملات المالية .
فالمعاهدة اتفاق بين دولة ودولة ، والنيابة اتفاق بين النائب وناخبيه ، وتولية الوظيفة العامة اتفاق بين الحكومة والموظف . ولكن هذه الاتفاقات ليست عقوداً إذ هي تقع في نطاق القانون العام : الدولي والدستوري والإداري .
والزواج اتفاق بين الزوجين ، والتبني في الشرائع التي تجيزه اتفاق بين الوالد المتبني والولد المتبني . ولكن يجر إلا تدعي هذه الاتفاقات عقوداً وإن وقعت في نطاق القانون الخاص ، لأنها تخرج عن دائرة المعاملات المالية .
فإذا وقع اتفاق في نطاق القانون الخاص وفي دائرة المعاملات المالية فهو قعد . تستوي في ذلك العقود التي يقف فيها المتعاقدان على قدم المساواة وتلك التي يذعن فهيا أحد المتعاقدين للأخر ، والعقود التي توفق ما بين مصالح متعارضة وتلك التي تجمع ما بين مصالح متوافقة ، والعقود الذاتية ( actes subjectifs ) وتلك التي تنظم أوضاعاً مستقرة ( actes - regle, actes - condition ) وكان بعض فقهاء القانون العام يريدون إخراج عقود الإذعان ( contrats d'adhesion ) والعقود التي تجمع ما بين المصالح المتوافقة كعقد الشركة ، والعقود التي تنظم اوضاعاً مستقرة كالعقود الجماعية ( contrats collectives ) ، من منطقة العقد . ولكن هذا الرأي لم يسد في القانون المدني .
40 – المذهبان الشخص والمادي في العقد : سبق أن أشرنا إلى مذهبين في الالتزام ، أحدهما شخصي ينظر إلى الالتزام كرابطة شخصية ، والآخر مادي ينظر إليه كقيمة مالية . هذان المذهبان نراهما أيضاً في العقد . فالمذهب الشخصي يرى العقد وليد الإرادة الباطنة أو الإرادة النفسية . والمذهب المادي يراه وليد الإرادة الظاهرة أو الإرادة المادية .
والقوانين اللاتينية ، هنا أيضاً ، هي التي تذهب مذهباً شخصياً في العقد ، وتأخذ بنظرية الإرادة الباطنة ( volonte interne ) ، وعندها أن العبرة بإرادة المتعاقدين التي يكنانها في الضمير ، وما التعبير المادي عن هذه الإرادة إلا مجرد دليل يكشف عنها . فإن اتفق هذا التعبير مع الإرادة الحقيقية أخذ به ، وإلا فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني .
أما القوانين الجرمانية فتأخذ في كثير من الأحوال بالإرادة الظاهرة ( volonte externe, declaration de volonte ) ، وتقف عند التعبير عن الإرادة ، ولا شأن لها بالإرادة الحقيقية ، فالتعبير المادي عن الإرادة ليس مجرد لدليل عليها ، بل هو الإرادة ذاتها : الإرادة في ثوبها الاجتماعي حيث يمكن التعرف عليها . وهذا المظهر المادي هو المظهر الذي يجب الوقوف عنده ، ما دام العقد ينشيء روابط اجتماعية . ولا عبرة بالإرادة التي تنطوي عليها النفس ، فهي من الظواهر النفسية ، لا يعبأ القانون بها وهو ينظم الروابط الاجتماعية . وسنعود إلى هذا الموضوع ببيان أو في فيما يلي .
2 - مبدأ سلطان الإرادة
( Autonomie de la Volonte )
41 – عرض عام للمبدأ : يذهب أنصار هذا المبدأ إلى أن الإرادة لها السلطان الأكبر في تكوين العقد وفي الآثار التي تترتب عليه ، بل وفي جميع الروابط القانونية ولو كانت غير تعاقدية .
وعندهم أن النظام الاجتماعي يرتكز على الفرد . فهو الغاية ، ولخدمته يسخر المجموع . والفرد لا يستكمل شخصيته إلا بالحرية ، بل إن مظهر هذه الشخصية هي الإرادة الحرة المستقلة . وكما أن رجال الفلسفة يجعلون التفكير أية الشخصية من الناحية الفلسفية ، فإن رجال القانون من أنصار هذا المبدأ يتخذون الإرادة أية الشخصية من الناحية القانونية . ولما كان الفرد يعيش في المجتمع ، ولما كانت الغاية الأولى هي احترام حريته وإرادته ، كان من الواجب أن تكون روابطه بغيره من أفراد المجتمع أساسها الإرادة الحرة . فلا يخضع لواجبات إلا إذا كان قد ارتضاها مختاراً . وكل التزام أساسه الرضاء والاختيار يتمشي مع القانون الطبيعي ، لأن هذا القانون إنما يقوم على الحرية الشخصية ووجوب احترامها . فالإرادة الحرة هيب إذن مبدأ القانون ، والغاية التي ينتهي إليها . وما المهمة التي يضطلع بها القانون إلا تحقيقي حرية كل فرد بحيث لا تتعارض هذه الحرية مع حريات الآخرين . هذا التوازن ما بين الحريات جميعاً هو ما يجب على المشرع أن يعني به . وليس عليه بعد ذلك أن يرى ما إذا كان النشاط الفردي الحر يتفق مع ما تقتضيه مبادئ الأخلاق ، ولا عليه أن يرى إلى أي حقد يتفق صالح المجموع مع صالح الفرد ، فالفرد لا المجموع هو الذي يحميه القانون .
هذا المبدأ كان له حظ كبير من الأثر في القانون الحديث بعد انتشار المذهب الفردي على اثر تطور النظم الاقتصادية . ولكن استمرار هذه النظم في التطور ، وظهور الصناعات الكبيرة ، واختلال التوازن بين القوى الاقتصادية ، مهد للمذاهب الاشتراكية سبيل الانتشار ، فقامت هذه المذاهب معارضة للمذاهب الفردية ، وكان من ذلك أن انتكص مبدأ سلطان الإرادة ، وجعل خصومه يمعنون في نقده ، حتى قام أخيراً فريق من المعتدلين يضعون الأمور في حدودها المعقولة .
فنحن نتبع في بحثنا هذه المراحل الأربع ، فنرى كيف نشأ هذا المذهب ، وما بلغ إليه من المدى عند بلوغه ذروته ، وكيف رجع القهقري بعد ذلك ، ثم كيف وضع الأمر في نصابه المعقول . ولا تزعم بذكر هذه المراحل إنها تحققت عملا في التاريخ ، وإلا فإن سلطان الإرادة الكامل لم يتحقق في أية مرحلة منها على النحو الذي يصفه أنصار المبدأ المتطرفون . وإنما نعني أن هناك تطوراً في منحي التفكير الاجتماعي نقسمه إلى مراحل توخياً للإيضاح في بسط هذه الآراء . ونحن في ذلك لا نؤرخ وقائع اجتماعية ، بل نتتبع تطور نظريات ومذاهب .
42 – كيف نشأ مذهب سلطان الإرادة : لم يعترف القانون الروماني في أي عصر من عصوره بمذهب سلطان الإرادة كاملا . بدأت العقود فيه تكون شكلية تحوطها أوضاع معينة من حركات وإشارات وألفاظ وكتابة . أما مجرد توافق إرادتين ( nudum pactum ) فلا يكون عقداً ولا يولد التزاماً . فكان المدين يلتزم لا لسبب سوى أنه استوفى الأشكال المرسومة ، ويكون التزامه صحيحاً حتى لو كان السبب الحقيقي الذي من اجله التزم لم يوجد أو لم يتحقق أو كان غير مشروع أو كان مخالفاً للآداب . فالعقد الشكلي كان عقداً مجرداً صحته تستمد من شكله لا من موضوعه . ولكن الحضارة الرومانية ما لبثت أن تطورت وتعقدت سبل الحياة . فكان من ذلك توزيع العمل ، والحاجة إلى كثرة التبادل ، ووجوب السرعة في المعاملات . واقترن هذا كله يتقدم في التفكير القانونين أدى إلى التمييز بين الشكل والإرادة ف يالعقد وإعطاء الإرادة قسطاً من الأثر القانوني . ودعا هذا إلى اعتبار الاتفاق موجوداً بمجرد توافق الإرادتين ، والشكل ليس إلا سبباً قانونياً ( causa civilis ) للالتزام قد توجد أسباب غيره . ومن ثم ظهر إلى جانب العقود الشكلية العقود العينية والعقود الرضائية والعقود غير المسماة . وانتصر مبدأ سلطان الإرادة في دائرة العقود الرضائية . وانتصر بعد ذلك في بعض عقود أخرى عرفت بالعقود البريطورية ( pactes pretoriens ) والعقود الشرعية ( pactes legitimes ) . ولكن القانون الروماني لم يقرر في أية مرحلة من مراحله مبدأ سلطان الإرادة في العقود بوجه عاز . بل ظلت الأوضاع بعد أن تهذبت هي التي تخلق العقد بقدر اختلف قوة وضعفاً بحسب تطور القانون واتساع نطاق التبادل والمعاملات . وبقى العقد اللفظي ( contrat verbal ) إلى آخر عهود القانون الروماني هو القالب الذي يصبون فيه ما تبدو الحاجة إليه من الاتفاقات غير المعروفة حتى تصبح ملزمة .
أما في العصور الوسطى فلم تنقطع الشكلية وتستقل الإرادة بتكوين العقد إلا تدرجاً . وقد استمرت الشكلية في أوضاعها السابقة الذكر إلى نهاية القرن الثاني عشر . ثم أخذت تتحور ، وكانت متجهة إلى التناقص . وأخذت الإرادة يقوى أثرها في تكوين العقد شيئاً فشيئاً . وساعد على هذا التطور عوامل أربعة :
1 - تأثير المبادئ الدينية وقانون الكنيسة : فكان المتعاقد إذا اقسم على احترام عقده ، ولو لم يفرغه في شكل مخصوص ، عد الحنث باليمين خطيئة يعاقب عليها . بل كان مجرد عدم الوفاء بالوعد خطيئة دينية . وسهل الانتقال من فكرة العقوبة إلى فكرة الإلزام المدني حتى أصبح مجرد الاتفاق يجوز تنفيذه بدعوى ( action ex nudo pacto ) أمام المحاكم الكنيسة .
2 - إحياء القانون الروماني والتأثر به : ونحن نعلم أن القانون الروماني كان قد وصل في تطوره من حيث استقلال الإرادة إلى حد كبير بمختلف عقوده الملزمة . وتوسعوا في تفسير تلك الروح ، وفهموا خطأ أن القانون الروماني يقرر مبدأ سلطان الإرادة . فساعد ذلك على قبول هذا المبدأ . وأصبحت القاعدة في القانون الفرنسي القديم هي ما كان استثناء في القانون الروماني .
3 - العوامل الاقتصادية : بعد أن زاد النشاط التجاري وقويت حركة التعامل اقتضى الأمر إزالة ما يعوق المبادلات التجارية من الأوضاع والأشكال . فكانت المحاكم التجارية الإيطالية في القرن الرابع عشر تقضي طبقاً لقواعد العدالة . والعدالة لا تميز بين العقد الشكلي ومجرد الاتفاق من حيث الإلزام .
4 - العوامل السياسية : وكان ذلك بطريق التدرج في بسط نفوذ الدولة ، وتدخلها شيئاً فشيئاً في الروابط القانونية بين الأفراد ، والأخذ في حماية العقود التي تتم بمجرد الاتفاق . وكان من شان ذلك أن هجرت الأوضاع القديمة ، وحل محلها أشكال أخرى أقل إغراقاً في الفطرية والسذاجة .
وما جاء القرن السابع عشر حتى أصبح مبدأ سلطان الإرادة ثابتاً مقرراً . وما كان اثر الدين يضعف حتى حل محله ما انتشر من نظريات اقتصادية وفلسفية وسياسية ، وكلها مشبعة بروح الفردية ، وقد بلغت أوجها في القرن الثامن عشر ، وهي تشيد بوجود قانون طبيعي مبنى على حرية الفرد ووجوب استقلال إرادته وتسيير هذه الإرادة لكل ما في الحياة من نظم اقتصادية واجتماعية . وقد قام الفزيوقراطيون ( physiocrates ) ينادون بالحرية الاقتصادية قانوناً طبيعياً ، ويذهبون إلى أنه لو تركت الناس أحراراً في نشاطهم الاقتصادي وفتحت أبواب المنافسة بينهم ، فلا تلبث الأمور أن تستقر ، وتتحدد الأسعار من طريق المنافسة والعرض والطلب ، لا من طريق تحكمي يمليه المشرع . ومعنى هذا أن الإرادة وحدها هي التي يجب أن تسيطر في الميدان الاقتصادي ، وأن العقود لا تخضع في تكوينها وفي الآثار التي تترتب عليها إلا الإرادة المتعاقدين . وصحب هذه النظريات الاقتصادية نظريات فلسفية وسياسية حمل لواءها روسو ( rousseau ) في كتابه المعروف بالعقد الاجتماعي ( contrat social ) ، فكانت حرية الفرد واستقلال إرادته هي المحور الذي يدور عليه تفكير ذلك العصر . وقد تلقت الثورة الفرنسية هذه النظريات وقامت عليها ، وسلمتها إلى المشرعين في أوائل القرن التاسع عشر ، فوضع قانون نابليون على أساس تقديس حرية الفرد والإمعان في احترام إرادته .
43 – مدى ما وصل إليه مبدأ سلطان الإرادة : استقر هذا المبدأ وصار دعامة تبنى عليها النظريات القانونية . وهو بعد أن تمشي فيه المنطق القانونين أصبح يشتمل على اصلين : ( أولاً ) كل الالتزامات ، بل كل النظم القانونية ، ترجع في مصدرها إلى الإرادة الحرة . ( ثانياً ) لا تقتصر الإرادة على أن تكون مصدر الالتزامات ، بل هي أيضاً المرجع الأعلى فيما يترتب على هذه الالتزامات من آثار .
فالإرادة الحرة هي التي تهيمن على جميع مصادر الالتزام . وهذه الإرادة تتجلى قوية في العقد . فالمتعاقدان لا يلتزمان إلا بارادتيهما . ولا يلتزم أحد بعقد لم يكن طرفاً فيه ، كما لا يكسب أحد حقاً من عقد لم يشترك فيه . أما نظرية الاشتراط لمصلحة الغير فتبدو ضيقة محدودة في قانون نابليون ، ولم يحصل التوسع فيها إلا في العهد الأخير . فالعقد إذن يرتكز على الإرادة ، بل هو يتمحض إرادة خالصة إذا قلنا أن إرادة المدين وحدها هي التي تلزمه . وسنرى ذلك عند الكلام في الإرادة المنفردة . وشبه العقد مبنى على إرادة مفروضة . والجريمة وشبه الجريمة مردهما إلى الإرادة الحرة . والقانون نفسه إذا رتب التزامات فإنما هو يفترض في ترتيبها أن الملتزم ارتضاها في ذمته التزاماً .
وليس سلطان الإرادة مقصوراً على توليد الالتزامات وحدها ، بل أيضاً يولد كل الحقوق الأخرى . فالملكية مبنية على حرية الإرادة ، بل هي الحرية في مظهرها الملموس المادي . وحقوق الأسرة مبنية على عقد الزواج أي على الإرادة . والميراث مبنى على وصية مفروضة . وطرق التنفيذ الإجباري ذاتها ترتكز على الإرادة الحرة ، فهي طرق وإن كانت إجبارية قد ارتضاها المدين وقت الاستدانة . بل العقوبة الجنائية لا مبرر لمشروعيتها إلا في الإرادة ، فالمجرم الذي خرج على المجتمع قد ارتضى مقدماً أن يناله الجزء . ذلك لأن القانون ما هو إلا وليد الإرادة ارتضاه الناس بأنفسهم أو بممثليهم واختاروا الخضوع لسلطانه ، والمجتمع البشري ذاته ، اليست دعامته هذا العقد الاجتماعي الذي نادى به روسو ومن قبله من الفلاسفة والمفكرين !
وكما أن منشأ الالتزامات يرجع للإرادة الحرة ، كذلك الأثر الذي يترتب على الالتزام ، فهو خاضع للإرادة أيضاً . ولهذا الأصل ناحيتان :
الناحية الأولى أن كل ما ارتضاه الملتزم ديناً في ذمته يكون صحيحاً وينتج أثره لأن التزامه إنما بنى على إرادته . فلا يصح أن نقيد من اثر العقد بدعوى أن هناك غبناً لحق أحد المتعاقدين ما دام قد ارتضى هذا الغبن . والعامل الذي يتعاقد مع رب العمل حراً مختاراً يجب عليه أن ينفذ ما التزم به ، ولا يحتج بان الشروط التي ارتضاها جائرة . وليس المهم في العقد أن يكون هناك تعادل بين الشيئين المتبادلين ، بل يكفي أن يكون التعادل بين الشخصين المتعاقدين وقد توفر كل منهما على حريته وإرادته المستقلة . والأصل في الإنسان الحرية واستقلال الإرادة ، ولا يكون الأمر غير ذلك إلا في حدود رسمها القانون ، كان يكون المتعاقد قاصراً في السن أو في العقل ، أو يكون ضحية غلط أو إكراه أو غش . أما في غير هذه الحدود فالإنسان حر مستقل في إرادته . فإذا التزم بشيء كان العدل أن يقوم بما التزم به . أما ما يقال عن التضامن الاجتماعي والتعسف في استعمال الحقوق وقواعد العدالة والنظام العام ، فهذه الأشياء لا ينبغي أن تغرق في التحديد من سلطان الإرادة . وإذا كانت قواعد العدالة والنظام العام تعني شيء ، فلا أحق بعنايتها من سلطان الإرادة والتسليم بأثره كاملا في تفسير العقد وترتيب نتائجه القانونية .
والناحية الثانية من هذا الأصل أن العقد ، وقد تم بتوافق إرادتين مستقلتين ، لا يجوز تعديله إلا بتوافق هاتين الإرادتين . فلا يستقل أحد من المتعاقدين بتعديله ، ولا يجوز للقاضي نفسه بدعوى إتباع قواعد العدالة أن يعدل فيه أو أن يضيف إليه ما ليس منه .
4 – انتكاص مبدأ سلطان الإرادة ( نقد المبدأ ) : إذا ارجعنا انتصار مبدأ سلطان الإرادة إلى عوامل اقتصادية ، وهي العوامل التي أدت إلى انتشار روح الفردية ف يالقرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، فهذه العوامل ذاتها بعد أن تطورت ، وقامت الصناعات الكبيرة ، وتاسست الشركات الضخمة ، ونظمت طوائف العمال على اثر اختلال التوازن بين القوات الاقتصادية ، مما أدى إلى انتشار روح الاشتراكة وقيامها في وجه المذاهب الفردية ، هذه العوامل كما قلنا كان من شانها أن تنقص من سلطان الإرادة . فيكون هذا المبدأ قد قام على أساس اقتصادي ، وانتكص متأثراً بعوامل اقتصادية .
ويتولى خصوم المبدأ تفنيد النتائج التي وصل إليها أنصاره . فيقولون إن جعل الإرادة مصدراً لكل الحقوق فيه إغراق في نواح ووهم في نواح أخرى . فالالتزامات التعاقدية ذاتها وهي مبنية على توافق إرادتين لا تستند إلى محض الإرادة الداخلية ، والمتعاقد لا يتقيد بتعاقده لأنه أراد ذلك فحسب ، بل هناك اعتبارات اجتماعية ترجع للثبات والاستقرار الواجب توافرها في المعاملات والثقة التي يولدها التعاقد في نفوس المتعاقدين ، وهي التي تستند إليها قوة الإلزام في العقود . وقد لا يتم اتحاد حقيقي بين الإرادتين عند التعاقد ، ومع ذلك فاتحادهما حكما يكفي ما دام التعاقد قد ولد ثقة مشروعة يترتب على الإخلال بها ضرر . وما العقد إلا نظام من النظم الاجتماعية يراد به تحقيق التضامن الاجتماعي وتوجيه الإرادة في هذا السبيل ، وليس الغرض منه تحقيق ما للإرادة من سلطان . وهناك نظرية ألمانية لا تحفل بالإرادة الباطنة ولا تجعل لها سلطاناً ، بل تنظر إلى الإرادة الظاهرة لأنها وحدها الشيء المحسوس كحقيقة اجتماعية ، وهي التي يؤبه لها لأنها تولد الثقة المشروعة .
أما إسناد مصادر الالتزام الأخرى إلى الإرادة فالحجة فيه أوهي . وقد تبين أن ما يسمى بشبه العقد لا يشبه العقد في شيء من حيث استناده إلى الإرادة كما أن الجريمة وشبه الجريمة إنما يتولد الالتزام فيهما من القانون ، وهو التزام يترتب على عكس مقتضى إرادة من صدر منه العمل غير المشروع ، فإن هذا لم يرد أن يلتزم بعمله ، بل أراد النقيض من ذلك ، فيلزمه القانون رغماً عن إرادته ، فأين نحن هنا من سلطان الإرادة ! ولقد كانت نظرية سلطان الإرادة عائقاً يحول دون الأخذ بمسئولية المجنون والطفل والأخذ بالمسئولية المادية وهذه مذاهب تطورت إليها الشرائع الحديثة ، وفي الأخذ بها إلى مدى معين إرضاء للعدالة ، ومطاوعة لأسباب الاستقرار ، وسير في طريق التقدم .
وإذا تركنا الالتزامات جانباً ونظرنا إلى الحقوق الأخرى التي يزعمون أن مصدرها الإرادة ، رأينا أن وهم القائلين بهذا الرأي هنا أيضاً يتجسم . فالملكية ليست إرادة المالك ، بل إن هذه الإرادة يرد عليها قيود متعددة ترجع إلى التضامن الاجتماعي ، وبخاصة ما يتصل منه بمراعاة حسن الجوار . وليس الميراث مبنياً على وصية مفترضة ، بل الواقع من الأمر أن الميراث سبق الوصية في التطور التاريخي ، وأساسه اشتراك الأسرة في ملكية الأموال . أرأيت لو كان المورث طفلا أو مجنوناً أكان يصح الزعم بان ميراثه وصية مفترضة وهو لا يستطيع أن يترك وصية صريحة ! كذلك روابط الأسرة لم ينظمها عقد الزواج ، فإن هذا العقد إنما وضع الزوجين في مركز قانونين نظمه المشرع نفسه طبقاً لصالح المجتمع وصالح الأسرة ، ولا دخل لإرادة الزوجين في ذلك . أما القول بان المجرم قد ارتضي توقيع العقوبة عليه فهو قول أقرب إلى التهكم منه إلى الحقيقية ، وإلا فأي مجرم رأى في العقوبة جزاء ارتضاه لنفسه ! إنما العقوبة ترجع في مشروعيتها إلى اعتبارات اجتماعية لا دخل لإرادة المجرم فيها .
45 – وضع الأمور في نصابها – إلى أي حد تسيطر الإرادة على العقود : تبين من نقد مبدأ سلطان الإرادة أن الخطأ الذي وقع فيه أنصار هذا المبدأ هو اتخاذه مبدأ مطلقاً في كل نواحي القانون . وهذه المبالغة كانت سبباً في مبالغة تعارضها ، وقام خصوم المبدأ هم أيضاً يقولون بنبذه مرة واحدة . وبين الامعان في إطلاق المبدأ إلى أوسع مدى والمبالغة في رده إلى أضيق الحدود ، وجد المعتدلون مجالا لوضع الأمور في نصابها الصحيح .
ونحن إذا توخينا الاعتدال وجانبنا التطرف ، تبينا أن الإرادة لا سلطان لها في دائرة القانون العام . فالروابط الاجتماعية التي تخضع لهذا القانون إنما تحددها المصلحة العامة لا إرادة الفرد . أما العقد الاجتماعي المزعوم فقد أصبح نظرية عتيقة مهجورة .
وإذا انتقلنا إلى دائرة القانون الخاص ، فما يتعلق منها بالأسرة لا مجال للإرادة فيه إلا بقدر محدود . فعقد الزواج ، وهو الأساس الذي ترتكز عليه الأسرة ، مصدره إرادة المتعاقدين ، ولكن الآثار التي تترتب على العقد ليست خاضعة للإرادة ، بل ينظمها القانون طبقاً لمصلحة الأسرة والمجتمع . وكذلك بقية روابط الأسرة لا شأن للإرادة فيها .
وما يتعلق من دائرة القانون الخاص بالأموال نرى الإرادة تنشط فيها تدرجاً . وهي في الحقوق العينية اضعف نشاطاً منها في الحقوق الشخصية . فإن الحقوق العينية ، وإن كانت الإرادة مصدراً لكثير منها ، حقوق محصورة لا تستطيع الإرادة أن تخلق شيئاً جديداً فيها . ثم إن آثار هذه الحقوق لا تخضع لإرادة الأفراد إلا نادراً ، بل إن القانون هو الذي يتولى في الغالب تحديد مداها .
ولكن الإرادة في الحقوق الشخصية لها مجال واسع ، فهي مصدر لكثير من هذه الحقوق ، وهي التي ترتب آثارها . ومع ذلك لا نريد أن نبالغ في أهمية الإرادة حتى في الحقوق الشخصية . فإنها إذا كانت من أهم المصادر لهذه الحقوق نف ذلك لا يمنع من أن يوجد بجانبها مصادر أخرى قد تعدلها في الأهمية كالعمل غير المشروع ، أو تقرب منها كالإثراء بلا سبب .
وإذا خلصنا إلى الالتزامات التعاقدية وجدنا الإرادة تجول في هذا الميدان أوسع ما تكون خطي وابعد ما تكون مدى . ولكن حتى في هذا الميدان ، إذا نظرنا إلى الإرادة من حيث إنها ترتب أحكام الالتزامات التعاقدية ، وجدنا إنها محدودة في ذلك بقيود النظام العام والآداب . بل إن إرادة الفرد – حتى في داخل هذه القيود – يضعف أثرها في بعض العقود التي تضع نظاماً ثابتة للطوائف والجماعات ، كما في الجمعيات والشركات والنقابات ، فهذه تنظيمها الجماعة التي تنتمي إليها ولا تعتد في تنظيمها بإرادة كل فرد من أفرادها . وهناك عقود الجماعة ( contrats collectfs ) ، كعقد العمل الجامع ( contrat collecolf du travail ) ، وصلح أغلبية الدائنين مع المفلس ، نرى فيها الأقلية تخضع لإرادة الأغلبية . كذلك توجد قيود على حرية الإرادة ترجع لاختلال التوازن بين القوى الاقتصادية وأنصار القانون للجانب الضعيف ، كما نرى في تشريع العمال وفي عقود الإذعان وفي نظرية الاستغلال وهي نظرية تتوسع تدرجاً في القوانين الحديثة حتى تتناول كل العقود ثم إن الإرادة وهي في دائرة كل هذه القيود لا تزال خاضعة أيضاً لشكلية تتطلبها بعض العقود حماية للمتعاقد الذي يقدم على أمر خطير كما في الهبة والرهن الرسمي . وهي تخضع كذلك لقواعد الشهر حماية للغير حسن النية . وتخضع أخيراً لقواعد الإثبات وهي قواعد من شانها أن تقيد سلطان الإرادة من الناحية العملية .
هذه هي الحدود التي يرسمها القانون في الوقت الحاضر ميداناً لسلطان الإرادة . فهو يعترف بهذا السلطان ، ولكن يحصره في دائرة معقولة ، تتوازن فيها الإرادة مع العدالة والصالح العام .
3 - تقسيم العقود
46 – تقسيمات مختلفة : ذكر القانون المدني الفرنسي بعض تقسيمات للعقود في غير استقصاء . والتقسيم أقرب إلى عمل الفقيه منه إلى عمل المشرع . ؟؟ لم يعرض له القانون المدني المصري ، لا القديم ولا الجديد ( 94 ) . كذلك لم تعرض له التقنينات الحديثة كالتقنين الألماني والتقنين السويسري .
ويمكن تقسيم العقد عدة تقسيمات إذا نظر إليه من وجهات مختلفة .
فالعقد من حيث التكوين إما أن يكون عقداً رضائياً ( contrat cousensuel ) أو عتداً شكلياً ( ontrat solomel ) أو عقداً عينياً ( contrat reel ) .
وهو من حيث الموضوع إما أن يكون عقداً مسمي ( contrat nomme ) أو عقداً غير مسمي ( contrat innomme ) . وإما أن يكون عقداً بسيطاً ( contrat simple ) أو عقداً مختلطاً ( contrat mixte ) .
وهو من حيث الأثر إما أن يكون عقداً ملزماً للجانبين ( contrat synal lamgatique , bilateral ) أو عقداً ملزماً لجانب واحد ( contrat unilateral ) . وإما أن يكون عقد معاوضة ( contrat a titre onereux ) أو عقد تبرع ( contrat a titre gratuity ) .
وهو من حيث الطبيعة إما أن يكون عقداً محدداً ( contrat commutative ) أو عقداً احتمالياً ( contrat aleatoire ) . وإما أن يكون عقداً فورياً ( contrat instantane ) أو عقداً زمنياً ( contrat successif ) .
1- العقد الرضائي والعقد الشكلي والعقد العيني
47 - العقد الرضائي : هو ما يكفي في انعقاده تراضي المتعاقدين ، أي اقتران الإيجاب بالقبول . فالتراضي وحده هو الذي يكون العقد . وأكثر العقود في القانون الحديث رضائية ، كالبيع والإيجار . وقد تقدم أن القانون لم يبلغ هذه القاعدة طفرة ، بل تطور إليها تدرجاً .
ولا يمنع العقد من أن يكون رضائياً أن يشترط في إثباته شكل مخصوص . إذ يجب التمييز بين وجود العقد وطريقة إثباته . فما دام يكفي في وجود العقد رضاء المتعاقدين فالعقد رضائي ، حتى لو اشترط القانون لإثباته كتابة أو نحوها . والفائدة العملية من هذا التمييز أن الكتابة إذا كانت لازمة لإثبات ( ad probatinum ) فإن العقد غير المكتوب يجوز إثباته بالإقرار أو اليمين . أما إذا كانت الكتابة ركناً شكلياً في العقد ( ad solennitatem ) فإن العقد غير المكتوب يكون غير موجود حتى مع الإقرار أو اليمين .
48 - العقد الشكلي : هو ما لا يتم بمجرد تراضي المتعاقدين ، بل يجب لتمامه فوق ذلك إتباع شكل مخصوص يعينه القانون . وأكثر ما يكون هذا . الشكل ورقة رسمية يدون فيها العقد . ولم يبق في القانون الحديث إلا عدد قليل من العقود الشكلية ، الغرض من استبقاء شكليتها هو في الغالب تنبيه المتعاقدين إلى خطر ما يقدمون عليه من تعاقد ، كما في الهبة والرهن ( 95 ) .
وقد تقدمت الإشارة إلى أن العقود بدأت تكون شكلية في القديم ، وتطورت بعد ذلك إلى أن صار أكثرها رضائياً والقليل هو الشكلي . وتختلف الشكلية الحديثة عن الشكلية القديمة في إنها أكثر مرونة . وتختلف عنها أيضاً ، وبوجه خاص ، في إنها لا تكفي وحدها في تكوين العقد . فالشكلية الحديثة ، إذا كانت لازمة ، فهي ليست بكافية ، بل لا بد أن تقترن بإرادة المتعاقدين . فالإرادة هي التي يقع عليها الشكل . أما الشكلية القديمة فكانت وحدها هي التي تكون العقد ، لذلك كان لا يجوز الطعن فيها بالغلط أو التدليس أو الإكراه أو غير ذلك من الدفوع الموضوعية . فالشكلى إذن كان هو العقد لا الإرادة ( 96 ) .
49 – العقد العيني : هو عقد لا يتم بمجرد التراضي ، بل يجب لتمام العقد فوق ذلك تسليم العين محل التعاقد . ولا يكاد يوجد في القانون المدني الجديد مثل للعقد العيني إلا هبة المنقول ، فهذه قد تكون عقداً شكلياً إذا تمت بورقة رسمية ، وقد تكون عقداً عينياً إذا تمت بالقبض ( م 488 من القانون المدني الجديد ) . ولكن ليس هناك ما يمنع من أن يتفق المتعاقدان على أن العقد لا يتم إلا إذا قام أحدهما بتنفيذ شطر من التزامه . ففي عقود التأمين يشترط أحياناً إلا يتم العقد إلا بعد أن يدفع المؤمن له القسط الأول ، والشرط صحيح في هذه الحالة ، ويكون العقد عينياً ولكن العينية هنا مصدرها الاتفاق لا القانون .
أما القانون المدني القديم فكان يسير على نهج القانون الفرنسي ، ويجعل إلى جانب هبة المنقول عقوداً عينية أخرى أربعة : القرض والعارية والوديعة ورهن الحيازة . وكلا القانونين ورث عينية هذه العقود الأربعة عن القانون الروماني دون مبرر . فقد كانت هذه العينية مفهومة في القانون الروماني حيث كانت العقود في الأصل شكلية . ثم استغنى عن الشكل بالتسليم في بعض العقود ، وهذه هي العقود العينية . ولم يسلم بأن التراضي وحده كاف لانعقاد العقد إلا في عدد محصور من العقود سمي بالعقود الرضائية . أما اليوم فقد أصبح التراضي ، كقاعدة عامة ، كافياً لانعقاد العقد ، فلم يعد هناك مقتضى لإحلال التسليم محل الشكل . وقد قللت بعض التقنينات الحديثة عدد هذه العقود العينية ، فاستبقى القانون الألماني منها القرض ورهن الحيازة ، ولم يستبق قانون الالتزامات السويسري إلا رهن الحيازة وحده .
2 - العقد المسمى والعقد غير المسمى
50 – العقد المسمى : هو ما خصصه القانون باسم معين وتولى تنظيمه لشيوعه بين الناس في تعاملهم . والعقود المسماة في القانون الجديد إما أن تقع على الملكية ، وهي البيع والمقايضة والهبة والشركة والقرض والصلح ، وإما أن تقع على المنفعة وهي الإيجار وعارية الاستعمال . وإما أن تقع على العمل وهي المقاولة والتزام المرافق العامة وعقد العمل والوكالة والوديعة والحراسة . ويضاف إلى ذلك عقود الغرر وهي المقامرة والرهان والمرتب مدى الحياة وعقد التأمين ، ثم عقود التأمينات الشخصية والعينية وهي الكفالة والرهن الرسمي ورهن الحيازة .
ويلاحظ أن العقد المسمى ، في غير النصوص التفصيلية التي تولت تنظيمه ، يخضع للقواعد العامة التي يخضع لها سائر العقود .
51 – العقد غير المسمى : هو ما لم يخصه القانون باسم معين ولم يتولى تنظيمه ، فيخضع في تكوينه وفي الآثار التي تترتب عليه للقواعد العامة التي تقررت لجميع العقود ، شأنه في ذلك شأن العقد المسمى . ولكنه لما كان أقل شيوعاً لم يفصل المشرع أحكامه اكتفاء بتطبيق القواعد العامة ( 97 ) .
وتتفاوت التقنينات فيما تسميه من العقود وتفصل أحكامه . وقد كان القانون المدني القديم لا ينظم عقد التزام المراق العامة ولا المقامرة والرهان ولا عقد التأمين ، ويقتضب اقتضابا مخلا تنظيم عقود المقاولة والعمل والحراسة . فعالج القانون الجديد هذه الأمور . ولا زالت هناك عقود غير مسماة صالحة لأن تنظيم فتصبح عقوداً مسماة كعقد النشر وعقد التوريد وعقد الأشغال العامة وعقد النزول في الفندق .
ومن الأمثلة على العقود غير المسماة أن يتفق شخص مع آخر على أن يثبت له ميراثاً يستحقه وأن ينفق على هذا العمل في نظير جزء من هذا الميراث يأخذه إذا وفق في إثبات الإرث ( contrat de revelation de suecession ) ، وأن يتفق شخص مع آخر على أن يبيع الأول شيئاً مملوكاً للثاني وأن يعجل له مبلغاً معيناً وما زاد من الثمن على هذا المبلغ يحتفظ به لنفسه . والعقد بين مدير المسرح والممثلين ، وبينه وبين الظارة ، واتفاق إدارة إحدى المستشفيات مع مدرسة طبية على أن يضع المستشفى تحت تصرف المدرسة بعضاً من الأسرة تستخدم للتعليم الطبي ، واتفاق التاجر مع صاحب مصرف على أن يقدم له معلومات عن الحالة المالية لتاجر آخر ، والعقد بين المصور أو الرسام مع الشخص الذي يصوره أو يرسمه ، كل هذه عقود غير مسماة ( 98 ) .
2- العقد البسيط والعقد المختلط
52 – العقد البسيط : هو ما اقتصر على عقد واحد ولم يكن مزيجاً من عقود متعددة . وقد يكون العقد البسيط عقداً مسمى كالبيع والإيجار ، كما يكون عقدا غير مسمى كالعقد الذي توضع بمقتضاه أسرة تحت تصرف مدرسة طبية .
53 – العقد المختلط : هو ما كان مزيجا من عقود متعددة اختلطت جميعاً فأصبحت عقداً واحدا . مثل ذلك العقد بين صاحب الفندق والنازل في ( contrat d'hotellerie ) ، فهو مزيج من عقد إيجار بالنسبة إلى المسكن ، وبيع بالنسبة إلى المأكل ، وعمل بالنسبة إلى الخدمة ، ووديعة بالنسبة إلى الأمتعة .
وليس هناك من أهمية كبيرة في امتزاج عدة عقود في عقد مختلط . فإن هذا العقد إنما تطبق عليه أحكام العقود المختلفة التي يشتمل عليها . على أن قد يكون من المفيد في بعض الأحيان أن يؤخذ العقد المختلط كوحدة قائمة بذاتها ، وذلك إذا تنافرت الأحكام التي تطبق على كل عقد من العقود التي يتكون منها . ففي هذه الحالة يجب تغليب أحد هذه العقود باعتباره العنصر الأساسي ، كما في عقد التليفون ، وهو يدور بين عقد العمل والإيجار ، فغلب القضاء المصري فيه عنصر عقد العمل ورفض دعوى استرداد الحيازة التي رفعها مشترك قطعت عنه المواصلة التليفونية ( 99 ) ، وكما في العقد الموصوف بأنه إيجار ابتداء وبيع انتهاء ( location – vente ) ، وهو يدور بين البيع والإيجار ، فحسم القانون الجديد ( م 430 ) النزاع في شأنه وجعله بيعاً .
4 - العقد الملزم للجانبين والعقد الملزم لجانب واحد
54 – العقد الملزم للجانبين : هو العقد الذي ينشيء التزامات متقابلة في ذمة كل من المتعاقدين ، كالبيع يلتزم البائع فيه بنقل ملكية المبيع في مقابل أن يلتزم المشتري بدفع الثمن . والظاهرة الجوهرية في العقد الملزم للجانبين هو هذا التقابل القائم ما بين التزامات أحد الطرفين والتزامات الطرف الآخر .
55 – العقد الملزم لجانب واحد : هو العقد الذي لا ينشيء التزامات إلا في جانب أحد المتعاقدين فيكون مدينا غير دائن ، ويكون المتعاقد الآخر دائناً غير مدين . مثل ذلك الوديعة غير المأجورة يلتزم بمقتضاها المودع عنده نحو المودع أن يتسلم الشيء المودع وأن يتولى حفظه وأن يرده عيناً ، دون أن يلتزم المودع بشيء نحو المودع عنده .
والعقد الملزم لجانب واحد ( contrat unilateral ) هو كسائر العقود لا يتم إلا بتوافق إرادتين . وهذا بخلاف العمل القانونين الصادر من جانب واحد ( acte juridique unilateral ) فإنه يتم بإرادة واحدة ويكون التعبير بلفظ " جانب واحد " ( unilateral ) إذا اقترن بالعقد يعتبر فيه اثر العقد لا تكوينه ، وإذا اقترن بالعمل القانونين يلحظ فيه تكوين العمل القانوني لا أثره .
56 – أهمية هذا التقسيم : ولهذا التقسيم أهمية كبيرة ترجع إلى أن العقد الملزم للجانبين ينشيء التزامات متقابلة ، وهذا التقابل ( interdependence ) يؤدى إلى نتائج هامة لا نراها في العقد الملزم لجانب واحد حيث لا وجود للتقابل . ونذكر من هذه النتائج ما يأتي :
( 1 ) في العقد الملزم للجانبين إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ ما في ذمته من التزام كان للمتعاقد الآخر أن يفسخ العقد . وهذا ما يسمي عادة بالشرط الفاسخ الضمني ( condition resolutoire tacite , lex commissoria ) ، إذ هو شرط مفهوم في كل عقد ملزم للجانبين ( أنظر المادة 157 من القانون المدني الجديد ) أما في العقد الملزم لجانب واحد كالوديعة فلا محل لهذا الفسخ ، لأن المقصود منه هو أن يتحلل الطرف الآخر من التزامه ولا التزام عليه حتى يطلب التحلل منه ، فبقى أن يطلب تنفيذ الالتزام الثابت في ذمة الطرف الأول ( 100 ) .
( 2 ) في العقد الملزم للجانبين إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ ما في ذمته من التزام كان للمتعاقد الآخر ، بدلا من أن يطلب فسخ العقد ، أن يمتنع عن تنفيذ التزامه . فإذا طولب بالتنفيذ دفع دفع بوقفه حتى يقوم الطرف الأول بتنفيذ التزامه هو ( أنظر المادة 161 من القانون المدني الجديد ) . وهذا ما يسمونه بالدفع بعدم تنفيذ العقد ( exception non adimpleti contractus ) . أما في العقد الملزم لجانب واحد فلا محل لهذا الدفع ، لأن المتعاقد الآخر لم يتعلق في ذمته التزام حتى يطلب وقف تنفيذه .
( 3 ) في العقد الملزم للجانبين يطبق المبدأ القاضي بأن تحمل التبعة ( risqué ) يكون على المتعاقد الذي استحال تنفيذ التزامه . ويتخلص هذا المبدأ في أنه إذا استحال على أحد المتعاقدين تنفيذ التزامه لسبب خارج عن إرادته فإن الالتزام ينقضي بسبب استحالة التنفيذ ، وينقضي مع الالتزام المقابل له ، فينفسخ العقد من تلقاء نفسه ( أنظر المادة 159 من القانون المدني الجديد ) . ويكون المتعاقد الذي استحال تنفيذ التزامه قد تحمل تبعة هذه الاستحالة . أما في العقد الملزم لجانب واحد فإن الذي يتحمل التبعة هو المتعاقد الآخر لا المتعاقد الذي استحال تنفيذه التزامه . ذلك لأن هذا المتعاقد ينقضي التزامه بسبب استحالة تنفيذه ، ولا يعوض المتعاقد الآخر عن ذلك شيئاً لأنه لم يتعلق في ذمته التزام مقابل يسقط بسقوط الالتزام الأول ، فيكون هو الذي تحمل التبعة .
( 4 ) في العقد الملزم للجانبين يعتبر التزام أحد المتعاقدين سبباً ( cause ) لالتزام المتعاقد الآخر وفقاً للنظرية التقليدية في السبب ، وذلك للتقابل القائم ما بين الالتزامين . أما في العقد الملزم لجانب واحد فلا يوجد التزام مقابل يمكن اعتباره سبباً .
57 – العقد الملزم للجانبين غير التام contrat synallagma tique imparfait ) وكان القانون الروماني يعرف نوعا من العقود هو وسط بين العقد الملزم للجانبين والعقد الملزم لجانب واحد ، وكان يسميه بالعقد الملزم للجانبين غير التام . وهو عقد ملزم في الأصل لجانب واحد ، ولكن الجانب الآخر يلتزم بعد نشوء العقد بسبب غير العقد ، وذلك كالوديعة إذا التزم المودع بتعويض ما أصاب المودع عنده من الضرر بسبب الشيء المودع أو برد المصروفات الضرورية التي أنفقت في حفظ الشيء من الهلاك .
والصحيح أن العقد الملزم للجانبين غير التام إنما هو عقد ملزم لجانب واحد . وما عسى أن ينشأ من التزام بعد ذلك في جانب الدائن لم ينشأ من العقد ، بل هو التزام مصدره سبب آخر : العمل غير المشروع في حالة التعويض عن الضرر ، والإثراء بلا سبب في حالة رد المصروفات الضرورية . ولقد كان هذا التقسيم مفهوماً في القانون الروماني لأن العقود الملزمة للجانبين ودها هي التي كانت تعتبر في هذا القانون عقوداً يجب توافر حسن النية في تنفيذها ( de bonne foi ) ، أما العقود الملزمة لجانب واحد فكانت تعتبر عقوداً حرفية التنفيذ ( de droit street ) . فكان من المفيد أن توصف العقود الملزمة لجانب واحد بأنها عقود ملزمة للجانبين ولو على نحو غير تام حتى يتيسر اشتراط حسن النية في التنفيذ . ولكن هذه الفكرة الرومانية لم تعد قائمة في القانون الحديث ، وأصبحت كل العقود – سواء كانت ملزمة للجانبين أو ملزمة لجانب واحد – يجب أن يتوافر في تنفيذها حسن النية . فلم تعد هناك فائدة في أن تتسم العقود الملزمة لجانب واحد بسمة العقود الملزمة للجانبين .
5 – عقد المعاوضة وعقد التبرع
58 – عقد المعاوضة : هو العقد الذي يأخذ فيه كل من المتعاقدين مقابلا لما اعطاه . فالبيع عقد معاوضة بالنسبة إلى البائع لأنه يأخذ الثمن في مقابل إعطاء المبيع ، وبالنسبة إلى المشتري لأنه يأخذ المبيع في مقابل إعطاء الثمن . والقرض بفائدة عقد معاوضة بالنسبة إلى المقرض ، لأنه يأخذ الفوائد في مقابل إعطاء الشيء لأجل ، وبالنسبة إلى المقترض لأنه يأخذ الشيء لأجل في مقابل إعطاء الفوائد . وعقد الكفالة معاوضة بالنسبة إلى الدائن المكفول ، لأنه أخذ كفالة في مقابل إعطاء الدين ، وهو بالنسبة إلى الكفيل يكون تبرعاً إذا لم يأخذ أجراً على كفالته إذ يكون قد أعطى دون أن يأخذ . ومن ذلك يتضح أن العقد الواحد قد يكون معاوضة بالنسبة إلى أحد المتعاقدين وتبرعا " بالنسبة إلى المتعاقد الآخر ، ذلك لأن المعاوضة لا يشترط فيها أن يكون المعاوض قد أعطى المقابل للمتعاقد الآخر ، كما أن التبرع لا يشترط فيه أن يكون المتبرع قد تبرع للمتعاقد الآخر .
59 – عقد التبرع : هو العقد الذي لا يأخذ فيه المتعاقد مقابلا لما أعطاه ، ولا يعطي المتعاقد الآخر مقابلا لما أخذه . فالعارية عقد تبرع بالنسبة إلى المعير لأنه لا يأخذ شيئاً من المستعير في مقابل الشيء المعار ، وبالنسبة إلى المستعير لأنه لا يعطي شيئاً للمعير في مقابل الانتفاع بالشيء المعار . وكذلك الهبة دون عوض والقرض والوديعة والوكالة ، إذا كانت هذه العقود الثلاثة دون مقابل ، كلها عقود تبرع على النحو الذي قدمناه . ومن ذلك يتبين أن العقود الملزمة للجانبين بعضها معاوضة كالإيجار ، وبعضها تبرع كالعارية . كذلك العقود الملزمة لجانب واحد بعضها تبرع كالهبة دون عوض ، وبعضها معاوضة كالكفالة إذا أخذ الكفيل أجراً من المدين .
ومن المفيد أن نميز في عقود التبرع بين عقود التفضل والهبات . فعقود التفضل ( actes de bienfaisance ) يولي المتبرع فيها المتبرع له فائدة دون أن يخرج عن ملكية ماله . فالعارية عقد تفضل لأن المعير يتبرع بمنفعة العين دون أن يخرج عن ملكيتها . والوديعة عقد تفضل لأن المودع عنده يتبرع بعمله لا بماله . أما الهبات ( actes de liberalite ) فيخرج فيها المتبرع عن ملكية ماله ، كعقد الهبة يخرج فيها الواهب عن ملكية الموهوب . ويتبين من ذلك أن الهبات اشد خطورة من عقود التفضل ، ولذلك تحوط المشرع فاشترط في الهبة شكلا خاصاً .
60 – أهمية هذا التقسيم : والتمييز بين عقد التبرع – تفضلا كان أو هبة – وعقد المعاوضة له نتائج هامة ، نذكر منها ما يأتي :
( 1 ) تكون مسئولية المتبرع اخف عادة من مسئولية المعاوض ، فمسئولية المودع عنده أيسر من مسئولية المستأجر . كما أن مسئولية المتبرع له اشد عادة من مسئولية المعاوض ، فمسئولية المستعير اشد من مسئولية المستأجر . فهذه العقود الثلاثة – الوديعة والإيجار والعارية – تتفاوت فيها مسئولية المتعاقدين قوة وضعفاً ، وتتدرج من الضعف إلى القوة طبقاً لماذاا كان المتعاقد يتبرع كالمودع عنده ، أو يعاوض كالمستأجر ، أو يتلقى التبرع كالمستعير .
( 2 ) الغلط في الشخص يؤثر في عقود التبرع . وهو لا يؤثر في عقود المعاوضة إلا إذا كان شخص المتعاقد محل اعتبار ، كما في الشركة والمزارعة .
( 3 ) يجوز الطعن في عقود التبرع بالدعوى البوليصية دون حاجة إلى إثبات سوء نية من تلقى التبرع . فإذا وهب المدين المعسر آخر شيئاً من ماله ، جاز للدائن الطعن في هذا التصرف ولو لم يثبت سوء نية الموهوب له . أما في عقود المعاوضة كالبيع ، فلا بد من إثبات سوء النية .
6 - العقد المحدد والعقد الاحتمالي
61 – العقد المحدد : هو العقد الذي يستطيع فيه كل من المتعاقدين أن يحدد وقت تمام العقد القدر الذي أخذ والقدر الذي أعطى ، حتى لو كان القدران غير متعادلين . فبيع شيء معين بثمن معين عقد محدد ، سواء كان الثمن يعادل قيمة المبيع أو لا يعادله ما دامت قيمة المبيع ومقدار الثمن يمكن تحديدهما وقت البيع .
62 – العقد الاحتمالي : هو العقد الذي لا يستطيع فيه كل من المتعاقدين أن يحدد وقت تمام العقد القدر الذي أخذ أو القدر الذي أعطى ، ولا يتحدد ذلك إلا في المستقبل تبعاً لحدوث أمر غير محقق الحصول أو غير معروف وقت حصوله . فالبيع بثمن هو إيراد مرتب مدى الحياة عقد احتمالي ، لأن البائع وإن كان يعرف وقت البيع القدر الذي أعطي لا يستطيع أن يعرف في ذلك الوقت القدر الذي أخذه ، إذ الثمن لا يتحدد إلا بموته والموت أمر لا يعرف وقت حصوله . والمشتري أيضاً كالبائع يباشر عقداً احتمالياً ، فهو يعرف القدر الذي أخذه ، ولكنه لا يعرف القدر الذي أعطي وهو الثمن الذي لا يمكن تحديده وقت البيع لما سبق بيانه . ومن العقود الاحتمالية الشائعة عقود التأمين وعقود الرهان والمقامرة ( 101 ) .
هذا وقد يظن لأول وهلة أن تقسيم العقد إلى محدد واحتمالي لا يكون إلا في عقود المعاوضة ، وليس في عقود التبرع إلا عقود محددة . ولكن الصحيح أن عقد التبرع قد يكون احتمالياً إذا كان الموهوب له لا يستطيع أن يحدد وقت تمام العقد القدر الذي يأخذ ، كما إذا وهب شخص لآخر إيراداً مرتباً طول حياته .
63 – أهمية هذا التقسيم : والتمييز بين العقد المحدد والعقد الاحتمالي له أهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية . أما من الناحية القانونية فأهميته محدودة . ومن أهم نتائجه أمران :
( 1 ) أساس العقود الاحتمالية هو ذلك الاحتمال ( alea ) في المكسب أو الخسارة . فلو أتضح أن هذا الاحتمال غير موجود في الواقع ، وإن حسبه المتعاقدان موجوداً ، فالعقد باطل ، كما إذا باع شخص منزلا بإيراد يعطي لشخص ثالث طول حياته ، فإذا بهذا الشخص قد مات قبل وقوع البيع .
( 2 ) لا يؤثر الغبن عادة في العقود الاحتمالية ، لأن الأساس الذي بنيت عليه هذه العقود هو كما تقدم غبن احتمالي يتحمله أحد المتعاقدين ( 102 ) .
7 - العقد الفوري والعقد الزمني ( 103 )
64 – العقد الفوري : هو العقد الذي لا يكون الزمن عنصراً جوهرياً فيه ، فيكون تنفيذه فورياً ولو تراخي التنفيذ إلى أجل أو إلى آجال متتابعة .
فبيع شيء يسلم في الحال بثمن يدفع في الحال عقد فوري ، لأن عنصر الزمن هنا معدوم ، إذ أن كلا من المبيع والثمن يسلم في الحال ، فهو عقد فوري التنفيذ .
وقد يكون البيع بثمن مؤجل ويبقي مع ذلك فورياً . ذلك لأن الزمن إذا كان قد تدخل هنا فهو عنصر عرضي لا دخل له في تحديد الثمن ( 104 ) . فالبيع بثمن مؤجل عندما يحين وقت تنفيذه ، يكون فوري التنفيذ . وليس الأجل إلا موعداً يتحدد به وقت التنفيذ ، ولا يتحدد به مقدار الثمن .
وقد يكون البيع بثمن مقسط ويبقى مع ذلك فورياً . إذ الثمن الذي يدفع أقساطاً ليس إلا ثمناً مؤجلا إلى آجال متعددة . وليست هذه الآجال إلا عناصر عرضية في العقد لا يتحدد بها مقدار الثمن . ويكون العقد في هذه الحالة فوري التنفيذ ، جزءاً جزءاً ، عندما يحين وقت التنفيذ لكل جزء منه .
وقد يكون الأجل الذي يضرب للتنفيذ إجبارياً ، لا اختيارياً كما في الأمثلة المتقدمة ، ويبقي مع ذلك عنصراً عرضياً لا يتحدد به المحل المعقود عليه ، فيكون العقد في هذه الحالة فوري التنفيذ . مثل ذلك النجار يتفق مع العميل على أن يصنع له دولاباً . فصنع الدولاب لا بد أن يستغرق زمناً ، ولكن هذا الزمن – وهو أجل إجباري – لا يتحدد به محل العقد . والأجل الإجباري هنا كالأجل الاختياري هناك ، كلاهما عنصر عرضي لا يقاس به المعقود عليه . ويكون عقد الاستصناع في المثل الذي قدمناه فوري التنفيذ عند ما يحين وقت تنفيذه ، أي بعد أن يتم صنع الدولاب .
ويتبين مما تقدم أن العقد الفوري يتحدد محله مستقلا عن الزمن ، وأن الزمن إذا تدخل فيه فإنما يتدخل عنصراً عرضياً لا عنصراً جوهرياً ، لتحديد وقت التنفيذ لا لتحديد المحل المعقود عليه . ذلك أن محل العقد الفوري – أرضا كان أو بناء أو عرضواً أو نقداً أو غير ذلك – إنما يمتد في المكان لا في الزمان ، أي أن له جرماً إذا هو قيس فإنما يقاس يجيز مكاني لا بمقياس زماني ، أو هو – كما يقول الدكتور عبد الحي حجازي في رسالته المعروفة – حقيقة مكانية لا حقيقة زمانية . وإنما سمي بالعقد الفوري ، ولم يسم بالعقد المكاني ، لأن الظاهرة الجوهرية فيه ليست هي في إثبات المكان له ، بل في نفي الزمان عنه .
65 – العقد الزمني : هو العقد الذي يكون الزمن عنصراً جوهرياً فيه ، بحيث يكون هو المقياس الذي يقدر به محل العقد . ذلك أن هناك أشياء لا يمكن تصورها إلا مقترنة بالزمن . فالمنعة لا يمكن تقديرها إلا بمدة معينة . والعمل إذا نظر إليه في نتيجته ، أي إلى الشيء الذي ينتجه العمل ، كان حقيقية مكانية ، ولكن إذا نظر إليه في ذاته فلا يمكن تصوره إلا حقيقة زمانية ، مقترناً بمدة معينة .
ومن ثم فعقد الإيجار عقد زمني لأنه يقع على المنفعة ، والزمن عنصر جوهري فيه لأنه هو الذي يحدد مقدار المنعفة المعقود عليها . وعقد العمل لمدة معينة ، عقد زمني ، لأن الخدمات التي يؤديها العامل لا تقاس إلا بالزمن ، فالزمن عنصر جوهري فيه إذ هو الذي يحدد مقدار المحل المعقود عليه .
وهناك من الأشياء ما يتحدد في المكان فيكون حقيقة مكانية ، ولكن المتعاقدين يتفقان على تكرار أدائه مدة من الزمن لسد حاجة تتكرر . فهو في ذاته يقاس بالمكان ، ولكن المتعاقدين اتفقا على أن يقاس بالزمان . مثل ذلك عقد التوريد ، يلتزم به أحد المتعاقدين أن يورد للمتعاقد الآخر شيئاً معيناً يتكرر مدة من الزمن . فمحل ا لعقد هنا – وهو الشيء المعين الذي اتفق على توريده – يقاس في ذاته بالمكان ، ولكن المتعاقدين اتفقا على أن يتكرر مرات مدة من الزمن ، فجعلاه يقاس ، كالمنفعة والعمل ، بالزمان لا بالمكان . فالمعقود عليه في كل من عقد الإيجار وعقد التوريد هو الزمن ، أو هو شيء يقاس بالزمن . ولكن المعقود عليه في عقد الإيجار يقاس بالزمن طبيعة ، أما المعقود عليه في عقد التوريد فيقاس بالزمن اتفاقاً .
ومن ثم ينقسم العقد الزمني إلى عقد ذي تنفيذ مستمر ( contrat a exe cution continue ) كعقد الإيجار وعقد العمل لمدة معينة ، وعقد ذي تنفيذ دوري ( contrat a execution periodique ) كعقد التوريد وعقد الإيراد المؤبد أو الإيراد مدى الحياة .
66 – أهمية هذا التقسيم : ترجع خصائص العقد الزمني إلى فكرة جوهرية هي أن المعقود عليه في هو الزمن . والزمن إذا مضي لا يعود . فإذا نفذ العقد الزمني حيناً من الزمن ، وأريد لسبب أو لآخر الرجوع في العقد استحال ذلك ، فإن الفترة من الزمن الذي نفذ فيها العقد قد انقضت ، وما نفذ من العقد أصبح تنفيذه نهائياً لا يمكن الرجوع فيه . أما العقد الفوري فلا يقوم على الزمن ، وإذا نفذ في جزء منه جاز الرجوع فيما تم تنفيذه . ويترتب على هذا الفرق الجوهري فيما بين العقد الزمني والعقد الفوري نتائج هامة ، نذكر منها ما يأتي :
( 1 ) الفسخ في العقد الفوري ينسحب أثره على الماضي ، لأنه يجوز الرجوع فيه . أما الفسخ في العقد الزمني فلا ينسحب أثره على الماضي لأن ما نفذ منه لا يمكن إعادته .
( 2 ) إذا وقف تنفذ العقد الفوري ، فإن هذا الوقف لا يؤثر في التزامات المتعاقدين من حيث الحكم بل تبقى هذه الالتزامات كاملة كما كانت قبل الوقف . أما العقد الزمني فوقف تنفيذه يترتب عليه النقص في كمه وزوال جزء منه ، إذ تمحي آثاره في خلال المدة التي وقف تنفيذه فيها . لأن هذه المدة لا يمكن تعويضها بعد أن فاتت بل قد يترتب على وقف العقد الفوري انتهاؤه إذا كانت مدة الوقف تزيد على المدة المحددة للعقد أو تساويها .
( 3 ) العقد الزمني تتقابل فيه الالتزامات تقابلا تاما ًن لا في الوجود فحسب بل أيضاً في التنفيذ ، فما تم منها في جانب يتم ما يقابله في الجانب الآخر . ففي عقد الإيجار الأجرة تقابل الانتفاع ، فإذا انتفع المستأجر مدة معينة التزم بدفع الأجرة بقدر المدة التي انتفع فيها . أما في العقد الفوري فإن التقابل إذا كان تاماً في الوجود فهو غير تام في التنفيذ . ففي عقد البيع بثمن مقسط إذا تقابل المبيع والثمن من حيث الوجود ، فليس من الضروري أن يتقابلا من حيث التنفيذ ، ويجوز أن يدفع المشتري أقساطاً من الثمن لا يأخذ ما يقابلها من المبيع ، ويلجأ إلى فسخ البيع فيسترد ما دفعه من الثمن .
( 4 ) الإعذار شرط لاستحقاق التعويض في العقد الفوري في أكثر الأحوال . أما في العقد الزمني فالاعذار ليس بضروري إذا تاخر الملتزم عن تنفيذ التزامه الزمني ، لأن ما تأخر فيه لا يمكن تداركه لفوات الزمن ، فلا فائدة ترتجي من الإعذار .
( 5 ) العقد الزمني لا يمكن إلا أن يكون ممتداً مع الزمن ، وبقدر ما يمتد يكون تغير الظروف محتملا ، ومن ثم كانت العقود الزمنية هي المجال الطبيعي لنظرية الظروف الطارئة . أما العقود الفورية فلا يمكن أن تنطبق عليها هذه النظرية إلا إذا كان تنفيذها مؤجلا ( 105 ) .
67 – ترتيب البحث في العقد : الآن وقد فرغنا من التمهيد للكلام في العقد ، ننتقل إلى البحث فيه . ونرتب البحث على النحو الذي سار عليه القانون المدني الجديد ، فنتناول في فصول ثلاثة :
1 - أركان العقد .
2 - آثار العقد .
3 - انحلال العقد .

الفصل الأول
أركان العقد
68 – مصر أركان العقد : العقد يقوم على الإرادة ، أي تراضي المتعاقدين . والإرادة يجب أن تتجه إلى غاية مشروعة ، وهذا هو السبب . فالعقد إذن ركنان : التراضي والسبب ( 106 ) .
وأما المحل فهو ركن في الإلتزام لا في العقد . ولكن أهميته لا تظهر إلا في الالتزام الذي ينشأ من العقد .فإن محل الالتزام غير التعاقدي يتولى القانون تعيينهن فليس ثمة احتمال أن يكون غير مستوف للشروط . أما محل الالتزام التعاقدي فإن المتعاقدين هما اللذان يقومان بتعيينه ، فوجب أن يراعيا استيفاءه للشروط التي يتطلبها القانون . ومن ثم فالمحل يذكر عادة مقترنًا بالعقد .
فنحن نبحث القواعد التي يقوم عليها التراضي والمحل والسبب ، وكذلك الجزء الذي يترتب على هذه القواعد وهو البطلان . ويتناول بحثنا إذن المسائل الآتية :
1 - التراضي .
2 - المحل .
3 - السبب .
4 - البطلان .
الفرع الأول
التراضي
69 – وجود التراضي وصحة : يوجد التراضي بوجود إرادتين متوافقتين . وإذا كان وجود هاتين الإرادتين يكفي لوجود العقد ، فإنه لا يكفي لصحته ، بل يجب حتى يكون العقد صحيحًا أن تكون الإرادتان المتوافقتان صحيحتين فنبحث إذن :
1 - وجود التراضي .
2 - صحة التراضي .
المبحث الأول
وجود التراضي
70 - التراضي هو تطابق إرادتين : نصت المادة 89 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :
" يتم العقد بمجرد أن يتبادل طرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين؛ مع مراعاة ما يقرره القانون فوق ذلك من أوضاع معينة لانعقاد العقد ( 107 ) " .
فالتراضي إذن هو تطابق إرادتين ( 108 ) . والمقصود بالإرادة هنا الإرادة التي تتجه لإحداث أقر قانوني معين هو إنشاء الالتزام .
71 - أركان الإرادة ( أو العمل القانوني ) : والإرادة بهذا التحديد هي العمل القانوني ( acte juridique ) . والعمل القانوني كما رأينا أعم من العقد . فكان المنطق يقضي بأن يكون بحث العقد داخلا ضمن بحث العمل القانوني ، لا العكس . ولكن الناحية العملية تتغلب هنا . فالعقد هو العمل القانوني الأكثر شيوعا في التعامل . والقواعد التي تنطبق على العقد هي ذات القواعد التي تنطبق على العمل القانوني ، إذا استثنينا منها تلك التي يقتضيها توافق الإرادتين ، كما سنبين ذلك عند الكلام في الإرادة المنفردة ، أي في العمل القانوني الصادي من جانب واحد . ومن ثم فأركان العمل القانوني هي بعينهها أركان العقد : إرادة صحيحة ، أي إرادة صادرة من ذى أهلية وخالية من العيوب ، تقع على محل مستوف لشروطه ، وتتجه لتحقيق سبب مشروع .
72 - اتجاه الإرادة لأحداث أثر قانوني : ويعنينا هنا وجود الإرادة والمقصود بهذا أن تصدر الإرادة من صاحبها بنية إحداث أثر قانوني هو إنشاء الالتزام .
ويترتب على ذلك بداهة أن الإرادة لا يمكن أن تصدر من شخص معدوم الإرادة ، كالطفل غير المميز والمجنون ومن فقد الوعي لسكر أو مرض ومن انعدمت إرادته الذاتية تحت تأثير الإيحاء ونحو ذلك .
ولا عبرة بالإرادة التي لم تتجه لإحداث أثر قانوني ، كما في المجاملات الاجتماعية وفي التبرع بتقديم خدمات مجانية وفي الاتفاقات التي تقوم فيما بين أفراد الأسرة ، وقد تقدم بيان هذا .
كذلك لا يعتقد بإرادة الهازل ولا بالإرادة الصورية ولا بالإرادة المعلقة على محض المشيئة ولا بالإرادة المقترنة بتحفظ ذهني ، فإن الإرادة في جميع هذه الأحوال لم تتجه اتجاهًا جديًا لإحداث أثر قانوني ( 109 )
73 - كيف يتم التعاقد :
والتعاقد يتم بتعبير كل من المتعاقدين عن إرادته على النحو الذي قدمناه ويتوافق الإراتين . وقد يمرا لتعاقد بمرحلة تمهيدية لا يكون العقد فيها باتًا ، ويتحقق ذلك في الاتفاق الابتدائي وفي العربون .
فيخلص إذن للبحث المسائل الآتية : ( 1 ) التعبير عن الإرادة . ( 2 ) توافق الإرادتين ( 3 ) مرحلة تمهيدية في التعاقد : الاتفاق الابتدائي والعربون .
المطلب الأول
التعبير عن الإرادة
74 - تعبير الأصيل وتعبير النائب : قد يصدر التعبير عن الإرادة من الأصيل في التعاقد وقد يصدر من نائب عنه . فتتلكلم : ( أولاً ) في التعبير الصادر من الأصيل ، و ( ثانيًا ) في التعبير الصادر من النائب ، أي النيابة في التعاقد .
1 ـ التعبير الصادر من الأصيل
75 - الإرادة ومظهر التعبير التعبير عنها : يجب التمييز بين الإرادة الكامنة في النفس والمظهر الخارجي للتعبير عنها .
أما الإرادة الكامنة في النفس فهي عمل نفسي ينعقد به العزم على شيء معين ( 110 ) .
وما دامت الإرادة عملا نفسيًا فإنه لا يعلم بها من الناس إلا صاحبها ، ولا يعلم بها غيره إلا إذا عبر عنها بأحد مظاهر التعبير .
76 – التعبير الصريح والتعبير الضمني : نصت المادة 90 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :
" 1 – التعبير عن الإرادة يكون باللفظ وبالكتابة وبالإشارة المتداولة عرفًا ، كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكا في دلالته على حقيقة المقصود " .
" 2 – ويجوز أن يكون التعبير عن الإرادة ضمنيا إذا لم ينص القانون أو ينفق الطرفان على أن يكون صريحًا ( 111 ) " .
ونرى من ذلك أن التعبير عن الإرادة ـ وهو مظهرها الخارجي وعنصرها المادي المحسوس ـ يكون تارة تعبيرًا صريحًا وطورًا تعبيرًا ضمنيًا .
ويكون التعبير عن الإرادة صريحا إذا كان المظهر الذي اتخذه ـ كلاما أو كتابة أو إشارة أو نحو ذلك ـ مظهرًا من موضوعًا في ذاته للكشف عن هذه الإرادة حسب المألوف بين الناس . فالتعبير الصريح قد يكون بالكلام ، وذلك بإيراد الألفاظ الدالة على المعنى الذي تنطوي عليه الإرادة . وقد يؤدي اللسان هذه الألفاظ مباشرة وقد يؤديها بالواسطة كالمخاطبة التليفونية وكإيفاد رسول لا يكون نائبًا . وقد يكون التعبير الصريح بالكتابة في أي شكل من أشكالها ، عرفية كانت أو رسمية ، في شكل سند أو كتاب أو نشرة أو إعلان ، موقعا عليها أو غير موقع ، مكتوبة باليد أو بالآلة الكاتبة أو بالآلة الطابعة أو بأية طريقة أخرى ، أصلا كانت أو صورة . وبديهي أن الإثبات بالكتابة يتطلب شروطا أشد مم يتطلبه التعبير بالكتابة . ويكون التعبير الصريح أيضًا بالإشارة المتداولة عرفا ، فإشارة الأخرس غير المبهمة تعبير صريح عن إرادته ، وأية إشارة من غير الأخرس تواضعت الناس على أن لها معنى خاصا يكون تعبيرا صريحا عن الإرادة ، كهز الرأس عموديًا دلالة على القبول وهزها أفقيا أو هز الكتف دلالة على الرفض . ويكون التعبير الصريح أخيرًا باتخاذ أي موقف آخر لا تدع ظروف الحال شكا في دلالته على حقيقة المقصود ، فعرض التاجر لبضائعه على الجمهور مع بيان أثمانها يعتبر إيجابًا صريحًا ( 112 ) .
ووقوف عربات الركوب ونحوها في الأماكن المعدة لذلك عرض صريح على الجمهور . ووضع آلة ميكانيكية لتأدية عمل معين كميزان أو آلة لبيع الحلوى أو لتوزيع طوابع البريد أو نحو ذلك ، كل هذا يعد تعبيرًا صريحًا ( 113 ) .
ويكون التعبير عن الإرادة ضمنيا إذا كان المظهر الذي اتخذه ليس في ذاته موضوعًا للكشف عن الإرادة ، ولكنه مع ذلك لا يمكن تفسيره دون أن يفترض وجود هذه الإرادة ، مثل ذلك أن يتصرف شخص في شيء ليس له ولكن عرض عليه أن يشتريه . فذلك دليل على أنه قبل الشراء إذ يتصرف تصرف المالك . وكالموعود بالبيع يرتب حقا على العين الموعود ببيعها ( 1 ) ، وكالدائن يسلم سند الدين للمدين فهذا دليل على أنه أراد انقضاء الدين ما لم يثبت عكس ذلك . وكالمستأجر يبقى في العين المؤجرة بعد نهاية الإيجار ويصدر منه عمل يفهم على أنه يراد به تجديد الإيجار ( أنظر م 599 ) ، وكالوكيل يقبل الوكالة بتنفيذها ، وكمدير ملعب يعد للتمثيل رواية عرضها مؤلف عليه ( 114 ) .
وأي مظهر من مظاهر التعبير الصريحة أو الضمنية يكفي بوجه عام في التعبير عن الإرادة ، مع مراعاة أن هناك عقودًا شكلية سبقت الإشارة إليها تستلزم أن يتخذ التعبير مظهرًا خاصًا؛ في شكل معين ، ومع مراعاة أن هناك قواعد للإثبات تستوجب الكتابة في كثير من الفروض ، ولكن الكتابة في هذه الحالة الأخيرة مظهرًا للتعبير عن الإرادة بل طريقًا لإثبات وجودها بعد أن سبق التعبير عنها . ومع ذلك فهناك أحوال يجب أن يكون التعبير عن الإرادة فيها تعبيرًا صريحًا ، ولا يكتفي بالتعبير الضمني . وهي أحوال يراد فيها عادة تنبيه العاقد قبل التعاقد إلى وجه الخطر فيما هو مقدم عليه ، فلا يبرم الأمر إلا بعد التروي وإلا بعد أن تصدر منه إرادة صريحة . وهذا نوع من الشكلية المهذبة . وهذه الأحوال إما أن ينص عليها المشرع أو يتفق عليها المتعاقدان . مثل الذي ينص عليه المشرع حجية الدفاتر والأوراق المنزلية لا تقوم إلا في إحدى حالتين ، أن يذكر المدين فيها صراحة أنه استوفى دينًا أو أن يذكر صراحة أنه قصد بما دونه في هذه الأوراق أن تقوم مقام السند ( أنظر م 398 ) ، وبائع التركة يرد للمشتري ما استولى عليه منها ما لم يكن عند البيع قد اشترط صراحة عدم الرد ( أنظر م 457 ) ، وبراءة ذمة المستأجر الأصلي نحو المؤجر إذا صدر من هذا قبول صريح بالتنازل عن الإيجار أو بالإيجار من الباطن ( أنظر م 597 ) ( 115 ) . وقد يتفق المتعاقدان على أن يتخذ مظهر التعبير عن الإرادة شكلاً خاصًا أن يكون تعبيرًا صريحًا أو يكون بالكتابة أو بكتابة رسمية ، وفي هذه الأحوال ينفذ الاتفاق فلا يوجد التعبير إلا في الشكل المتفق عليه وقد سبق بيان ذلك ( 116 ) .
وكل ما قدمنا عن التعبير الصريح والتعبير الضمني كان معمولا به قضاء دون نص في ظل القانون القديم ( 117 ) .
77 – الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة ( 118 ) ـ تمهيد : إذا لم تختلف الإرادة الداخلية عن مظهرها الخارجي ، فسيان الأخذ بالإرادة الباطنة أو بالإرادة الظاهرة ما دام الإثنتان متطابقتين . أما إذا اختلفتا ـ كما إذا أمضى شخص عقدًا مطبوعًا يتضمن شرطًا كان لا يقبله لو فطن له ، وكشخص ينزل في فندق على شروط لا يعملها ولكنها مكتوبة ومعلقة في غرفته ، وكمن يوصي على أثاث منزلي بطريق التأشير على بيان مطبوع فإذا به يؤشر على أثاث غرفة نوم وهو يريد أثاث غرفة استقبال ـ فالقاعدة المعروفة في القوانين اللاتينية أن الإرادة الباطنة هي التي يؤخذ بها . ولكنها نظرية حديثة كان للألمان الضلع الأكبر فيها ، تأخذ بالإرادة الظاهرة ، ومن هنا اختلفت المدرسة الألمانية مع المدرسة الفرنسية في العقد كما اختلفتا في الالتزام وكما اختلفتا في نظرتهما العامة للعلاقات القانونية . فالأولى تقف أمام المظاهر المادية المحسوسة فنظرتها موضوعية ( objectif ) ، والأخرى تنفيذ إلى البواطن النفسية فنظرتها ذاتية ( subjectif ) ، فإذا اقتصرنا على العقد رأينا المدرسة الفرنسية تأخذ بالإرادة الباطنة ، وتأخذ المدرسة الألمانية بالإرادة الظاهرة .
78 - نظرية الإرادة الباطنة ( volonte interne ) :
وهي تبحث عن الإرادة فيما تنطوي عليه النفس . أما مظهر التعبير عن الإرادة فليس إلا قرينة عليها تقبل إثبات العكس . فإذا قام دليل من جهة أخرى على أن المظهر المادي لا يتفق مع الإرادة النفسية ، فالعبرة بهذه لا بذاك . وإذا تعذر الوصول إلى معرفة الإرادة النفسية عن طريق الجزم ، فما على القاضي إلا أن يتعرفها عن طريق الافتراض . فالإرادة الحقيقة أولاً ، وإلا فالإرادة المفترضة ـ ولكنها ـ حقيقية أو مفترضة ـ هي الإرادة الباطنة لا الإرادة الظاهرة : الإرادة الحرة المختارة في معدنها الحقيقي ، غير متأثرة لا بغش ولا بإكراه ولا بغلط .
79 - نظرية الإرادة الظاهرة ( Volonte externe, declaration de volounte ) : في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بحث من بحثهم إلى أن هذه الإرادة النفسية لا يجوز أن يكون لها أثر في القانون فهي شيء كامن في النفس ، والإرادة التي تنتج أثرا هي الإرادة في مظهرها الاجتماعي ، لا في مكمنها وهي تختلج في الضمير . ولا تأخذ الإرادة مظهرًا اجتماعيًا إلا عند الإفصاح عنها . فالعبرة بهذا الإفصاح ، إذ هو الشيء المادي الذي يستطيع القانون أن يحيط به وأن يرتب أحكامه ، دون حاجة إلى تحسس ما تنطوي عليه النفس من نيات . فإن القانون ظاهرة اجتماعية لا ظاهرة نفسية ، والإرادة الباطنة لا وجود لها إلا في العالم النفسي فإذا أريد أن يكون لها وجود في العالم الاجتماعي ، وجب أن تتجسم في المظهر المادي لها ، وهو ما يستطاع إدراكه . وفي هذا استقرار للتعامل ، وطمأنينة لمن يسكن بحق إلى ما يظهر أمامه من إرادة لا يستطيع التعرف عليها إلا من طريق التعبير عنها ، فلا يحتج عليه بعد ذلك بأن من تعاقد معه كان ينطوى على نية أخرى غير التي تستخلص من الطريق الذي اختاره للتعبير عن هذه النية ( 119 ) .
ولا يشترط أصحاب نظرية الإرادة الظاهرة طريقًا خاصًا لمظهر التعبير ، فأي مظهر من هذه المظاهر يصح عندهم . وقد يكون هذا المظهر تعبيرا صريحًا أو تعبيرًا ضمنيًا ، وقد يكون مجرد السكوت في أحوال خاصة مظهرًا من مظاهر التعبير . والمهم عندهم ألا تقتصر الإرادة على عمل نفسي ، بل تبرز إلى العالم المادي في علامة ظاهرة ، هي التي نقف عندها ، ونقدر الإرادة بقدرها .
وهم لا يكتفون من المظهر الخارجي للإرادة بأن يكون مجرد دليل عليها ـ دليل يقبل إثبات العكس إذا تبين من الظروف أن التعبير الخارجي لا يتفق مع الإرادة الداخلية ـ ولو اكتفوا بذلك لاتفقوا مع أصحاب نظرية الإرادة الباطنة . ولكنهم يذهبون إلى مدى أبعد ، ويعتبرون هذا المظهر الخارجي هو العنصر الأصلي للإرادة ، فيجب الوقوف عنده . وإذا كان لا بد من اعتباره دليل على الإرادة الداخلية ، فهو دليل لا يقبل إثبات العكس . فلا يسمع لشخص يدعي أنه أضمر غير ما أمظهر ، ما دام قد أراد هذا التعبير الذي اختاره لإرادته ( 120 ) .
80 - موقف القانون الجديد : وقد سبق القول إن القانون الجديد انحرف انحرافًا بسيطًا عن تقاليد القانون القديم في أمر الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة فلم يجمد في الوقوف عند الإرادة الباطنة ، بل تزحزح قليلا نحو الإرادة الظاهرة حتى يكفل الاستقرار في التعامل ، على أنه لم يبلغ مبلغ القانون الألماني في اقترابه من الإرادة الظاهرة كما سبق أن بينا . وإذا جاز أن يقال إن القانون الألماني قد أكمل نظرية الإرادة الظاهرة بنظرية الإرادة الباطنة ، فإن القانون الجديد يكون قد أكمل نظرية الإرادة الباطنة بنظرية الإرادة الظاهرة .
81 – متى ينتج التعبير عن الإرادة أثره : والتعبير عن الإرادة ـ سواء كان صريحًا أو ضمنيًا ـ وسواء اعتد فيه بالإرادة الباطنة أو بالإرادة الظاهرة ـ لا ينتج أثره إلا في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه . وهذا ما تقضى به المادة 91 من القانون المدني الجديد ، فهي تنص على ما يأتي : " ينتج التعبير عن الإرادة أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ما لم يقم الدليل على عكس ذلك " ( 121 ) ولا نظير لهذا النص في القانون المدني القديم .
ولإيضاح ذلك يجب التمييز بين وجود التعبير وجود فعليًا ووجوده وجودًا قانونيا . فالتعبير يكون له وجود فعلى بمجرد صدوره من صاحبه ، ولكنه ولا يكون له وجود قانوني إلا إذا وصل إلى علم من وجه إليه . العبرة في التعبير بوجوده القانوني لأن هذا الوجود وحده هو الذي تترتب عليه الآثار القانونية للتعبير . وهذا هو المعنى المقصود من إنتاج التعبير لأثره ( Efficacite ) .
فإذا كان التعبير عن الإرادة إيجابًا مثلا فإنه لا ينتج أثره إلا إذا وصل إلى علم المتعاقد الآخر الذي يوجه إليه الإيجاب . ومتى وصل إلى علمه أنتج أثره . ومعنى ذلك أن الإيجاب من وقت العلم يعتبر قائمًا لا يجوز العدول أثره . ومعنى ذلك أن الإيجاب من وقت العلم يعتبر قائمًا لا يجوز العدول عنه ، وكان قبل العلم أي قبل أن ينتج أثره يجوز فيه العدول ، ولكن هذا ليس معناه أن الإيجاب الذي أصبح من وقت العلم قائمًا لا يجوز العدول عنه ، هو إيجاب ملزم لا يجوز الرجوع فيه . فإن الإيجاب الذي لا يجوز العدول عنه ، يجوز مع ذلك الرجوع فيه ، ما لم يكن ملزمًا .و حتى يكون الإيجاب ملزمًا . وحتى يكون الإيجاب ملزما يجب توافر شروط معينة سيأتي الكلام فيها . ومن ذلك يتبين أن العدول لا يكون إلا قبل أن يستكمل الإيجاب وجوده القانوني ، أما الرجوع فلا يكون إلا بعد أن يستكمل الإيجاب هذا الوجود بشرط ألا يكون ملزمًا ، فإذا كان ملزما فلا يجوز العدول عنه ولا الرجوع فيه . و إذا كان التعبير عن الإرادة بول مثلا ، فإنه كذلك لا ينتج أثره إلا من وقت علم الموجب به . وأثره القبول أكثر وضوحًا من أثر الإيجاب ، فإن القبول إذا أنتج أثره كان هذا الأثر هو تمام العقد . ومن ذلك يتبين أن القبول إذا صدر فلا يتم به العقد إلا من وقت وصوله إلى علم الموجب ، وهذه هي نظرية العلم التي سنراها في التعاقد بين الغائبين .
وقد جاءت المادة 91 بقرينة قانونية على العلم لما قد ينطوي عليه من خفاء ، فقضت بأن وصول التعبير قرينة على العلم به ، لأن العادة جرت أن الناس إذا وصل إليهم شيء أحاطوا به علمًا وقت وصوله . على أن هذه القرينة القانونية ليست قاطعة ، فيجوز لمن وصل إليه التعبير أن يثبت أنه لم يعلم به بالرغم من وصوله ، وهو الذي يحمل عبء الإثبات ( 122 ) .
ويتبين مما تقدم أن القانون الجديد قطع في أمر كان القانون القديم فيه مترددًا ، غذ جعل التعبير عن الإرادة ينتج أثره من وقت العلم به ، وكان القضاء في القانون القديم يتردد بين وقت إعلان التعبير ووقت تصديره ووقت وصوله ووقت العلم به ، وسنرى ذلك عند الكلام في التعاقد بين الغائبين .
82 - الموت وفقر الأهلية - أثرهما في التعبير عن الإرادة : وقد قدمنا أن التعبير عن الإرادة يكون له وجود فعلى من وقت صدوره من صاحبه ، وهذا الوجود الفعلي يبقى له حتى لو مات صاحبه أو فقد أهليته . وهنا اعتبر القانون الجديد أن التعبير عن الإرادة قد انفصل عن صاحبه ما دام قد تم له الوجود الفعلي . فلا يسقط بموت من صدر منه التعبير ولا بفقده لأهليته وفي هذا ضرب من الأخذ بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة التي تبقى كامنة في نفس صاحبها وتموت بموته وتزول بفقده لأهليته . وإذ اعتبر القانون الجديد ذلك . فقد رتب على هذا الاعتبار نتيجة هامة خالف فيها القانون القديم . فجعل التعبير يبقى بعد الموت أو فقد الأهلية ، بل ويستكمل وجود القانوني بوصوله إلى علم من وجه إليه . وهذا ما تقضى به المادة 92 من القانون الجديد ، فهي تنص على ما يأتي : " إذا مات من صدر منه التعبير عن الإرادة أو فقد أهليته قبل أن ينتج التعبير أثره ، فإن ذلك لا يمنع من ترتب هذا الأثر عند اتصال التعبير يعلم من وجه إليه ، هذا ما لم يتبين العكس من التعبير أو من طبيعة التعامل ( 123 ) " .
وقد كان القضاء المصري في ظل القانون القديم يجري على أن موت صاحب الإرادة أو فقده لأهليته قبل أن تنتج الإرادة أثرها يستتبع سقوط الإرادة ( 124 ) .
ويرجع هذا في رأينا إلى أن القانون القديم لم يكن يستطيع أن يتصور انفصال الإرادة عن صاحبها ، فهو لا يراها إلا إرادة كامنة في النفس تموت بموت صاحبها وتزول بفقده لأهليته . ولا شك في أن حكم القانون الجديد في هذه المسألة يفضل حكم القانون القديم من حيث استقرار التعامل . والمثل الآتي بوضح ذلك : شخص في مصر كتب لآخر في فرنسا يعرض عليه صفقة ، فقلها الآخر ، ولكنه مات قبل أن يصل القبول إلى علم الموجب ، ولم يكن هذا عند وصول القبول إليه يعلم بموت صاحبه . العقد في هذه الحالة يتم وفقًا للقانون الجديد ، وكان لا يتم في ظل القانون القديم . وظاهر أن القول بتمام العقد هو الذي يتفق مع استقرار التعامل ، فإن الموجب لا مأخذ عليه إذا هو اطمأن إلى تمام الصفقة ورتب شؤونه على هذا الاعتبار ( 125 ) " .
ويجب على ورثة القابل في هذه الحالة ( وعلى القيم في حالة فقد الأهلية ) وقد تم العقد أن يقوموا بتنفيذه في الحدود التي تلتزم بها الورثة بعقود مورثهم ( 126 ) . وغنى عن البيان أن العقد لا يتم في المثل المتقدم إذا تبين من الإيجاب أو من طبيعة التعامل أن شخص القابل هو محل الاعتبار . فإذا قصد الموجب ـ وبان هذا القصد في إيجابه صراحة أو ضمنًا ـ أن العقد لا يتم إلا مع القابل بالذات ، أو كان الأمر المعقود عليه تستعصى طبيعته أن يقوم بتنفيذه غير القابل شخصيًا ، كما إذا كان هذا فنانًا وعرض عليه القيام بعمل يدخل في فنه ، فإن القبول يسقط بموت القابل ( 127 ) .
كل هذا بخلاف من وجه إليه القبول ، فإنه إذا فقد أهليته أو مات قبل وصول القبول إلى علمه فإن العقد لا يتم ، لأن القبول في هذه الحالة لا يمكن أن ينتج أثره ، إذ هو لن يصل إلى علم من وجه إليه بعد أن مات ، فيبقى الإيجاب دون قبول ولا يتم العقد ( 128 ) .
2 - النيابة في العقد ( * )
( التعبير الصادر من النائب )
83 ـ تمهيد : التعبير الصادر من النائب ـ من حيث إنه تعبير عن الإرادة ـ يخضع لجميع القواعد التي أسلفناها ـ فيكون صريحًا أو ضمنيًا ـ ويرد فيه الأخذ بالإرادة الباطنة أو الإرادة الظاهرة ، وينتج أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ولا يسقط بموت النائب أو فقده لأهليته ، كل ذلك على التفصيل الذي قدمناه . وهو ـ من حيث إنه تعبير يصدر من النائب لا من الأصيل ـ يقتضينا الكلام في نظرية النيابة .
والنيابة ( representation ) هي حلول إرادة النائب محل إرادة الأصيل مع انصراف الأثر القانوني لهذه الإرادة إلى شخص الأصيل كما لو كانت الإرادة قد صدرت منه هو ( 129 ) .
والنيابة – بالنسبة إلى المصدر الذي يحدد نطاقها – تكون أما نيابة قانونية إذ كان القانون هو الذي يحدد هذا النطاق ، كما في الولي والوصي والقيم والسنديك والحارس القضائي والفضولي والدائن الذي يستعمل حق المدين . واما أن تكون نيابة اتفاقية إذا كان الاتفاق هو الذي يتولى تحديد نطاقها ، ويتحقق هذا في عقد الوكالة ( 130 ) .
والفكرة الجديدة التي اهتدى إليها الفقه الحديث في موضوع النيابة هي أن من ينوب عن غيره إنما يحل إرادته هو محل إرادة من ينوب عنه . وقد هجر الرأي القديم الذي كان يذهب إلى أن النائب إنما يتقمس شخص الأصيل ، فيتكلم بلسانه ويعبر عن إرادته . وأصبح الفقه الحديث يذهب إلى أن التعبير الذي يصدر من النائب إنما هو تعبير عن إرادة النائب لا عن إرادة الأصيل ، وذلك بالقدر الذي لا يتلقى فيه النائب من الأصيل تعليمات محددة فينفذها كما تلقاها ، إذ يكون في هذه الحدود معبراً عن إرادة الأصيل لا عن إرادته هو ( 131 ) . والخصوصية في التعبير الذي يصدر من النائب مترجما عن إرادته هو أن هذا التعبير ينتج أثره لا في شخص صاحبه كما هو الحال في كل تعبير عن الإرادة ، بل في شخص غيره وهو الأصيل .
والنيابة لا تتحقق إلا بشروط معينة ، ولها آثار خاصة . وقد ينوب شخص واحد عن طرفي العقد فتحل إرادته محل ارادتهما معاً ، أو يتعاقد أصيلاً عن نفسه نائبا عن غيره ، فيبدو في الفرضين أن الشخصي يتعاقد مع نفسه ، وهذه حالة هامة من أحوال النيابة نفردها بالذكر .
فنتلكم اذن في مسائل ثلاث : ( ا ) شروط تحقق النيابة ( ب ) آثار النيابة ( ج ) تعاقد الشخص مع نفسه .
ا – شروط تحقق النيابة
84 – حصر هذه الشروط : حتى تكون هناك نيابة يجب :
( أولاً ) أن تحل إرادة النائب محل إرادة الأصيل .
( ثانياً ) وان تجري إرادة النائب في الحدود المرسومة للنيابة .
( ثالثاً ) وان يكون التعامل باسم الأصيل لا باسم النائب .
الشرط الأول – حلول إرادة النائب محل إرادة الأصيل :
85 – النائب والرسول : تقدم القول أن النائب إنما يعبر عن إرادته هو لا عن إرادة الأصيل ، فهو ليس بمجرد وسيط بين الأصيل والغير يقتصر على نقل إرادة كل منهما إلى الآخر ، وإلا كان رسولا ( messager ) . وهناك فرق بين التعاقد بنائب والتعاقد برسول . ففي الحالة الأولى يتعاقد الأصيل بنائب عنه ، ويعتبر التعاقد بين حاضرين إذا جمع النائب والمتعاقد الآخر مجلس واحد ، والعبرة بإرادة النائب فلا يصح أن يكون مجنوناً أو غير مميز ، ويعتد بالعيوب التي تلحق هذه الإرادة . أما في الحالة الثانية فالأصيل يتعاقد بنفسه ، والتعاقد يكون بين غائبين حتى لو جمع الرسول والمتعاقد الآخر مجلس واحد ، والعبرة بإرادة الأصيل إذ الرسول يعبر عن هذه الإرادة فيصح أن يكون مجنوناً أو غير مميز ما دام يقدر مادياً على نقل هذه الإرادة ويستطيع تبليغ الرسالة صحيحة ، ولا ينظر في عيوب الرضاء إلى إرادة الرسول بل إلى إرادة المرسل .
86 – العبرة بارادة النائب وبنيته : ومن ذلك نرى أن مجرد الوساطة لا تكفي لتحقيق النيابة ، بل يجب لتحقيقها أن يكون النائب معبراً عن إرادته هو لا عن إرادة من ينوب عنه . ويترتب على ذلك : ( 1 ) أن عيوب الرضاء ينظر فيها إلى إرادة النائب لا إلى إرادة الأصيل . فإذا وقع النائب في غلط أو تدليس أو إكراه كان العقد قابلا للإبطال ، ولا يعترض على هذا بأن إرادة الأصيل لم يشبها عيب من هذه العيوب . كذلك يعتد بالتدليس والإكراه الصادرين من النائب فتصبح إرادة من تعاقد معه معيبة . وإذا وقع التدليس أو الإكراه من الأصيل فإنه يؤثر كذلك في صحة العقد ، لأن التدليس والإكراه يؤثران في صحة العقد حتى لو وقعا من الغير فاولى أن يؤثرا في صحة العقد إذا وقعا من الأصيل . ( 2 ) أن حسن النية وسوءها يتلمسان عند النائب لا عند الأصيل ، وذلك في الأحوال التي يرتب فيها القانون اثرا على ذلك . فإذا كان النائب حسن النية وتعامل مع مدين معسر ، فلا يجوز لدائني هذا المدين الطعن في التصرف بالدعوى البوليصية . أما إذا كان الناب سيء النية وتواطأ مع المدين المعسر ، فللدائنين الطعن في التصرف حتى لو كان الأصيل حسن النية .
وقد ينظر في بعض الفروض إلى نية الأصيل . ويتحقق ذلك إذا كان النائب يتصرف وفقاً لتعليمات محددة صدرت له من الأصيل . فإذا وكل شخص آخر في شراء شيء معين بالذات ، وكان الموكل يعلم بما فيه من العيب والوكيل يجهل ذلك ، فلا يجوز في هذه الحالة للموكل أن يرجع على البائع بدعوى العيب . ونرى أن هذا القدر في اعتبار نية الأصيل كاف في تعيين الدور الذي يقوم به كل من الأصيل والنائب في إبرام العقد . فالأصل أن العقد ينعقد بإرادة النائب لا بإرادة الأصيل ، على أن إرادة الأصيل تكون محل اعتبار فيما يختص بعلمه وفيما يوجه فيه النائب ، إذ أن النائب في هذه الحالة يكون بمثابة الرسول ( 132 ) .
وقد أورد القانون الجديد كل هذه الأحكام ، فنص في المادة 104 على ما يأتي :
" 1 – إذا تم العقد بطريق النيابة ، كان شخص النائب لا شخص الأصيل هو محل الاعتبار عند النظر في عيوب الإرادة أو في اثر العلم ببعض الظروف الخاصة أو افتراض العلم بها حتما . "
" 2 – ومع ذلك إذا كان النائب وكيلا ويتصرف وفقاً لتعليمات معينة صدرت له من موكله ، فليس للموكل أن يتمسك بجهل النائب لظروف كان يعلمها هو أن كان من المفروض حتما أن يعملها ( 133 ) " .
ولم يكن في القانون القديم مقابل لهذا النص ، ولكن القضاء والفقه في مصر كانا يعملان دون نص بمقتضى هذه الأحكام ( 134 ) .
87 – أما الأهلية فينظر فيها للأصيل : ولا يؤخذ من أن النائب إنما يعبر عن إرادته أنه يجب أن تتوافر فيه الأهلية اللازمة للعقد الذي يباشره نيابة عن الأصيل . ذلك لأن العقد إذا كان ينعقد بإرادة النائب فإنه ينتج أثره في شخص الأصيل ، فالأصيل لا النائب هو الذي يجب أن تتوافر فيه الأهلية للعقد ( 135 ) .
وإذا كانت الأهلية تشترط في الأصيل ، فهي لا تشترط في النائب كما قدمنا . فيصح أن ينوب قاصر أو محجور عليه في بيع منزل مملوك لشخص تتوافر فيه أهلية التصرف ( 136 ) . ولكن النائب يجب أن يكون أهلاً لأن تصدر منه إرادة مستقلة لأنه يعبر عن إرادته هو ، فيجب إذن أن يكون مميزا ولو كان قاصراً . ولكن إذا كان الوكيل قاصراً جاز له أن يطلب إبطال عقد الوكالة ، فلا يرجع الموكل عليه إلا بدعوى الإثراء بلا سبب أو بدعوى الفضالة ( 137 ) .
وكل هذا ما لم تكن النيابة قانونية . فإن القانون في هذا النوع من النيابة هو الذي اضفى على النائب صفته ، وهو الذي يعين أهليته وأهلية الأصيل . فيجوز أن يكون الأصيل قاصراً – مميزاً أو غير مميز – كما يجوز أن يطلب من النائب كمال الأهلية ، ويتحقق هذا في الوصاية والقوامة .
الشرط الثاني – استعمال النائب إرادته في الحدود المرسومة للنيابة :
88 – مجاوزة النائب لحدود نيابته : وإذا كان النائب يعبر عن إرادته هو لا عن إرادة الأصيل ، فإنه يجب أن يعبر عن هذه الإرادة في حدود نيابته ، وهي الحدود التي عينها القانون أو الاتفاق . فإذا جاوز هذه الحدود فقد صفة النيابة ولا ينتج العمل الذي قام به أثره بالنسبة إلى الأصيل .
على أن العمل ينتج استثناء أثره بالنسبة إلى الأصيل إذا كان الغير الذي نعامل مع التائب حسن النية ، أي لا يعلم بمجاوزة حدود النيابة ، وكانت لديه أسباب قوية تدعوه إلى الاعتقاد بأن النائب قد تعاقد في حدود نيابته . مثل ذلك أن يكون النائب قد خولت له نيابة مستمرة ، كعملاء التأمين ومديري الشركات ووكلاء الدوائر ، وان يكون العمل الذي قام به يدخل عادة في حدود نيابته . ومثل ذلك أيضاً أن يبقى الأصيل سند النيابة في يد النائب بعد انتهاء النيابة ، فيتعامل الغير مع النائب الذي انتهت نيابته مطمئناً إلى هذا السند ( 138 ) .
وقد اشتمل القانون الجديد على نصين هما تطبيقان للمبدأ المتقدم . ( أولهما ) هو الخاص بحالة انقضاء النيابة وكان النائب ومن تعاقد معه يجهلان هذا الانقضاء . فنصت المادة 107 على أنه " إذا كان النائب ومن تعاقد معه يجهلان معا وقت العقد انقضاء النيابة ، فإن أثر العقد الذي يبرمه ، حقاً كان أو التزاماً ، يضاف إلى الأصيل أو خلفائها ( 139 ) " . مثل ذلك أن يعزل الأصيل النائب دون أن يعلم هذا بالعزل ، أو أن يموت الأصيل دون أن يعلم النائب بموته ، فيتعاقد النائب مع الغير دون أن يعلم الغير بعزل النائب أو بموت الأصيل . ( والنص الثاني ) ورد في عقد الوكالة ، إذ تنص المادة 703 على ما يأتي : " - الوكيل ملزم بتنفيذ الوكالة دون أن يجاوز حدودها المرسومة .
2 - على أن له أن يخرج عن هذه الحدود متى كان من المستحيل عليه أخطار الموكل سلفاً وكانت الظروف يغلب معها الظن بأن الموكل ما كان إلا ليوافق على هذا التصرف ، وعلى الوكيل فى هذه الحالة أن يبادر بإبلاغ الموكل خروجه عن حدود الوكالة ( 140 ) " .
89 - إقرار الأصيل لهذه المجاوزة : فإذا جاوز النائب حدود النيابة لوم ينتج العمل الذي قام به أثره في حق الأصيل في إحدى الصور المتقدمة الذكر ، ولم يكن من المستطاع اعتبار النائب فضولياً لعدم توافر شروط الفضالة ، اعتبر الأصيل أجنبياً عن هذا العمل . ورجع الغير على النائب بالتعويض إذا كان له محل .
ولكن قد يقر الأصيل العمل المجاوز لحدود النيابة ، فيصبح كأنه قد تم في حدودها ، ويتقيد به الأصيل والغير من وقت التعاقد لا من وقت الإقرار ( 141 ) .
الشرط الثالث – تعامل النائب باسم الأصيل :
90 - الاسم المستعار الو المسخر ( prete - nom ) : ولا يكفي أن يكون النائب معبراً عن إرادته في حدود النيابة ، بل يجب أيضاً أن يكون تعامله مع الغير باسم الأصيل . فلو تعامل الوكيل باسمه لما كانت هناك نيابة ، وتكون الوكالة مقصورة على علاقة الوكيل بالموكل ، وهذا هو ما يعرف بالاسم المستعار أو المسخر . ومن ثم يضاف اثر العقد إلى الوكيل دائناً أو مدينا ولا يضاف إلى الموكل . ويرجع الموكل على الوكيل بمقتضى عقد الوكالة الذي تم بينهما .
ومع ذلك يضاف اثر العقد إلى الأصيل في حالتين : ( 1 ) إذا كان من المفروض حتما أن الغير يعلم بوجود النيابة . ( 2 ) أو كان يستوي عند الغير أن يتعامل مع الأصيل أو النائب . وقد اشتملت المادة 106 من القانون المدني الجديد على هذه الأحكام . فنصت على ما يأتي : " إذا لم يعلن العاقد وقت إبرام العقد أنه يتعاقد بصفته نائباً ، فان اثر العقد لا يضاف إلى الأصيل ، دائنا أو مدينا ، إلا إذا كان من المفروض حتما أن من تعاقد مع النائب يعلم بوجود النيابة ، أو كان يستوي عنده أن يتعامل مع الأصيل أو النائب " ( 142 ) .
91 – التعاقد باسم الأصيل : فيجب إذن وقت أن يتعاقد النائب مع الغير أن يتعامل باسم الأصيل ولحسابه . وهذه النية قد يفصح عنها ، أو قد تفهم ضمناً من الظروف ، كما إذا باع مستخدم بضاعة مخدومة في محل هذا المخدوم ، وكالخادم يتعاقد عن سيده ، وكقبطان السفينة يتعاقد عن صاحبها .
والتعاقد باسم الأصيل يجب أن يتحقق أيضاً عند الغير الذي يتعاقد مع النائب . فإذا كان النائب يعمل باسم الأصيل ، ولكن الغير يتعامل معه في شخصه ، فالنيابة لا تقوم ، والعقد لا يتم ، لا مع شخص النائب لأنه لا يتعامل لنفسه ، ولا مع الأصيل لأن الغير لا يقصد التعامل معه . ولكن إذا كان النائب يعمل باسمه والغير يتعامل باسم الأصيل ، أضيف العقد إلى الأصيل في الحالتين اللتين نصت عليهما المادة 106 ، وقد تقدم ذكرهما .
ب – آثار النيابة
92 – العلاقة فيما بين النائب والغير : النائب يعمل باسم الأصيل كما قدمنا ، فاثر العقد لا يلحقه هو بل يلحق الأصيل . ويترتب على ذلك أن النائب لا يستطيع أن يطالب الغير بحق من الحقوق التي أنشأها العقد ، إلا إذا ثبتت له النيابة في تنفيذ العقد كما ثبتت له في إبرامه . كذلك لا يقوم في ذمة النائب التزام بالعقد . ولكن إذا كان النائب لا يلتزم بالعقد ، فإن هذا لا يمنع من أن يلتزم بخطأه ، حتى إذا قصر في أداء مهمته صار مسئولا عن هذا التقصير ، إما نحو الغير الذي تعاقد معه ، وإما نحو الأصيل نفسه ، وإما نحو الاثنين معاً .
93 - العلاقة فيما بين النائب والأصيل : يحدد هذه العلاقة المصدر الذي أنشأ النيابة : الوكالة أو القانون .
94 – العلاقة فيما بين الأصيل والغير : تتولد علاقة مباشرة فيما بين الأصيل والغير ، ويختفي شخص النائب من بينهما . فهما المتعاقدان ، وهما اللذان ينصرف إليهما اثر العقد . وهذه هي الخطوة التي وقف دونها القانون الروماني . وهي الخصيصة المميزة للنيابة في القوانين الحديثة ، انتهى إليها منطق النيابة في تطورها ، وقضت بها النصوص الصريحة . فقد نصت المادة 105 من القانون المدني الجديد على أنه " إذا ابرم النائب في حدود نيابته عقداً باسم الأصيل ، فإن ما ينشأ عن هذا العقد من حقوق والتزامات يضاف إلى الأصيل " . ( 143 )
فيكسب الأصيل الحقوق التي تولدت له من العقد ، ويطالب الغير بها دون وساطة النائب .
كذلك يكسب الغير الحقوق التي تولدت له من العقد ، ويرجع بها مباشرة على الأصيل .
ج – تعاقد الشخص مع نفسه ( * )
95 – نظرة عامة : متى سلمنا أنه يجوز حلول إرادة محل أخرى بطريق النيابة ، أمكن أن نسلم أن شخصا واحدا يكون نائبا عن غيره وأصيلاً عن نفسه ، أو أن يكون نائبا عن كل من المتعاقدين ، فيجمع في الحالتين طرفي العقد في شخصه . ولا يكون ثمة إلا إرادة واحدة هي إرادة ذلك الشخص وقد حلت إرادتين ( 144 ) .
وقد اختلفت الشرائع في موقفها من هذه المسالة . فمنها ما يحرم في الأصل تعاقد الشخص مع نفسه ، كالقانون الألماني والمشروع الفرنسي الايطالي والشرعية الإسلامية والشريعة الانجليزية والقانون المصري الجديد . ومنها ما يبيحه بوجه عام ، كالقانون السويسري والقانون الفرنسي والقانون المصري القديم . ولكن لا توجد شريعة أطلقت التحريم أو الإباحة . فالشرائع التي حرمت تعاقد الشخص مع نفسه أباحته في فروض معينة ، والشرائع التي أباحته حرمته في ظروف استثنتها ، وكان من شان التوسع في الاستثناء عند الفريقين ، خضوعاً لمقتضيات الحياة العملية ، أن تقربت الشرائع التي تحرم الشرائع التي تبيح .
96 – تعاقد الشخص مع نفسه في القانون القديم : لم يرد في القانون القديم نص عام يحرم تعاقد الشخص مع نفسه أو يبيحه . فنزع الفقه إلى الاجتهاد ، وميز بين أن يكون الشخص الذي يتعاقد مع نفسه ينوب عن أحد طرفي العقد ويتقدم أصيلاً عن نفسه وان يكون نائباً عن الطرفين . ذلك أنه جعل العبرة في منع هذا التعاقد أو أباحته وجود خطر يهدد مصلحة الأصيل أو انعدام هذا الخطر ، فيمنع التعاقد عند تحقق الخطر ويباح عند انتفائه . ومن هنا جاء التمييز بين شخص يتعاقد مع نفسه لنفسه وآخر يتعاقد مع نفسه لغيره . فالخطر متحقق في الحالة الأولى بالنسبة إلى بعض العقود ذات الأهمية كالبيع ونحوه فتمتنع مباشرة هذه العقود ، أما بالنسبة إلى العقود الأخرى فتجوز مباشرتها . ولا يتحقق الخطر في الحالة الثانية إلا في بعض عقود استثنائية كالصلح ، فيباح تعاقد الشخص مع نفسه إلا في هذه الحالات الاستثنائية ( 145 ) .
97 – تعاقد الشخص مع نفسه في القانون الجديد :
أما القانون الجديد فقد أورد نصا عاما يحرم تعاقد الشخص مع نفسه إلا في بعض الحالات . إذ قضت المادة 108 بأنه " لا يجوز لشخص أن يتعاقد مع نفسه باسم من ينوب عنه ، سواء أكان التعاقد لحسابه هو أم لحساب شخص أخر دون ترخيص من الأصيل . على أنه يجوز للأصيل في هذه الحالة أن يجيز التعاقد . كل هذا مع مراعاة ما يخالفه ، مما يقضي به القانون أو قواعد التجارة . " ( 146 )
فالأصل إذن أن تعاقد الشخص مع نفسه لا يجوز ، سواء في ذلك تعاقد الشخص لحساب نفسه كما إذا كان موكلا في بيع مال فاشتراه لنفسه ( 147 ) ، أو تعاقد لحساب غيره وهو نائب عن طرفي العقد كما لو كان موكلا في بيع مال فاشتراه لشخص وكله في الشراء . ذلك أنه يتحكم بإرادته وحده في مصلحتين متعارضتين ، وهذا التعارض في الحالة الثانية لم يحسب حسابه أحد من الأصيلين ، وهو في الحالة الأولى تعارض مع مصلحته الشخصية ذاتها ، فلا تتيسر الحماية الواجبة لمصلحة الأصيل في كلتا الحالتين ( 148 ) .
وهناك رأي يذهب إلى أن تعاقد الشخص مع نفسه في القانون الجديد قابل للإبطال لمصلحة الأصيل ولذلك ترد عليه الإجازة ، وقد تقرر هذا بمقتضى نص خاص . وقد كنا من القائلين بهذا الرأي وقررناه في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ( 149 ) . ولكن تبينا بعد التأمل أن تحريم تعاقد الشخص مع نفسه إنما يقوم على قرينة قانونية هي أن الشخص إذا اناب عن غيره في التعاقد فهو لا يقصد التوسع في هذه الانابة إلى حبد أن يبيح للنائب أن يتعاقد مع نفسه أصيلاً أو نائبا عن شخص آخر ، لما ينجم عن هذا الموقف من تعارض في المصالح . فإذا ما تعاقد النائب مع نفسه بالرغم من ذلك كان مجاوزاً لحدود النيابة ، يكون شأنها شأن كل وكيل جاوز حدود نيابته ، فلا يكون عمله نافذاً في حق الأصيل إلا إذا اجازه . وهذا ما يقضي به صراحة نص المادة 108 .
على أن هذه القرينة القانونية قابلة لإثبات العكس ، فيجوز للأصيل أن ينقضها وان يرخص مقدما للنائب في التعاقد مع نفسه . وفي هذه الحالة يعمل النائب في حدود نيابته إذا تعاقد مع نفسه ، يكون عمله نافذا في حق الأصيل . وهذا ما صرحت به أيضاً المادة 108 سالفة الذكر .
وتنقض هذه القرينة القانونية كذلك إذا وجد نص في القانون أو قضت قواعد التجارة بجواز تعاقد الشخص مع نفسه . مثل النص القانوني ما قضى به قانون المحاكم الحسبية الجديد في المادة 20 وهي توجب الحصول على إذن المحكمة لتصرف الوصي في مال القاصر – ومن باب أولى إذا كان هذا التصرف لنفسه – وفي إيجار مال القاصر لنفسه ، وقد عدد النص طائفة معينة أخرى من التصرفات . أما بالنسبة إلى الولى فتجيز الشريعة الإسلامية أن يشتري الأب مال ولده أو يبيع ماله من ولده بمثل القيمة أو بيسير الغبن ، ويقاس على البيع غيره من التصرفات ( 150 ) . ومثل ما تقضي به قواعد التجارة تعامل الوكيل بالعمولة باسم طرفي التعاقد وفقاً لقواعد القانون التجاري ( 151 ) .
ويستخلص مما قدمناه أن الجزاء في تعاقد الشخص مع نفسه لا يلتمس في نظرية البطلان ، بل في نظرية مجاوزة النائب لحدود نيابته .
المطلب الثاني
توافق الإرادتين
98 – التمييز بين حالتين : لم يعرض القانون القديم بنص إلى هذا الموضوع الذي يعد من أدق موضوعات العقد ، بل ترك الأمر فيه للفقه والقضاء . وهذا بخلاف التقنينات الحديثة كالتقنين الألماني وتقنين الالتزامات السويسري والمشروع الفرنسي الإيطالي ، فقد ورد فيها نصوص على جانب عظيم من الأهمية ، نسج على موالها القانون الجديد ، وهي تبين كيف يصدر الإيجاب ومتى يكون ملزماً ، والى أي وقت ، وكيف يقترن به القبول ، سواء أكان المتعاقدان حاضرين مجلس العقد أم كانا غير موجودين في مجلس واحد .
ونستعرض كلا من هاتين الحالتين : ( 1 ) حالة ما إذا ضم المتعاقدين مجلس واحد ( 2 ) وحالة التعاقد فيما بين الغائبين .
1- المتعاقدان في مجلس واحد
99 – الإيجاب والقبول : تقدم أنه لا يد لتمام العقد من صدور إيجاب من أي من المتعاقدين ح يعقبه قبول مطابق له من المتعاقد الآخر . فنتكلم في مسائل ثلاث : ( أولاً ) صدور الإيجاب ) ثانياً ) اقترانه بالقبول ( ثالثاً ) حالات خاصة في القبول .
1- صدور الإيجاب :
المراحل التي يمر بها الإيجاب :
100 – المفاوضات : من يصدر منه الإيجاب لا يستقر به الرأي في العادة على أن يصدر إيجاباً باتاً إلا بعد مفاوضات ( 152 ) قد تطول . ويعتبر من قبل المفاوضات أن يعرض شخص التعاقد دون أن يحدد أركانه . كان يضع إعلاناً ينبئ أنه يعرض منزلا للبيع أو للإيجار دون أن يذكر الثمن أو الأجرة . وإذا كانت شخصية المتعاقد محل اعتبار ، فلا يعد إيجاباً بل تفاوضاً أن يعرض شخص التعاقد حتى لو بين أركان العقد ، أما إذا لم يكن هناك اعتبار لشخصية المتعاقد عد هذا إيجاباً . وكان المشروع التمهيدي يشتمل على نص ( م 134 ) يقي بأن عرض البضائع مع بيان ثمنها يعتبر إيجاباً ، أما النشر والإعلان وبيان الأسعار الجاري التعامل بها وكل بيان آخر متعلق بعروض أو طلبات موجهة للجمهور أو للأفراد فلا يعتبر عند الشك إيجاباً وإنما يكون دعوة إلى التفاوض ( 153 ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه لا يعد إيجاباً باتاً ، بل يكون من قبيل المفاوضات ، أن يعرض شخص على آخر القيام بعمل دون أن يتضمن العرض الشروط والتفاصيل اللازمة ( 154 ) .
والقانون لا يرتب في الأصل على هذه المفاوضات أثراً قانونياً ، فكل متفاوض حر في قطع المفاوضة في الوقت الذي يريد . ولا مسئولية على من عدل ، بل هو لا يكلف إثبات أنه قد عدل لسبب جدى . وليست المفاوضات إلا عملا مادياً لا يلزم أحداً . لذلك لا يعد السمسار نائباً لأنه إنما يمهد للمفاوضات وهي عمل مادي لا عمل قانوني .
على أن العدول عن المفاوضات قد يرتب مسئولية على من قطعها إذا اقترن العدول بخطأ منه . ولكن المسئولية هنا ليست مسئولية تعاقدية مبنية على العدول بل هي مسئولية تقصيرية مبنية على الخطأ . والمكلف بإثبات الخطأ هو الطرف الآخر الذي أصابه ضرر من العدول ، فإذا اثبت مثلا أن من قطع المفاوضات لم يكن جاداً عند الدخول فيها ، أو كان جادا ولكن لم يخطره بالعدول في الوقت المناسب ، وأنبنى على ذلك أن فاتته صفقة رابحة ، كان له الحق في المطالبة بتعويض .
101 – الإيجاب المعلق : وقد تنتهي المفاوضات إلى إيجاب معلق ، كأن يعرض شخص التعاقد بثمن معين مع الاحتفاظ بتعديل هذا الثمن طبقا لتغير الأسعار ، فيكون الإيجاب الذي صدر منه بالثمن الذي عينه معلقاً على شرط عدم تغير الأسعار ، أو أن يعرض شخص على الجمهور شيئاً ذا كمية محدودة يعين ثمنه فيتم العقد مع من قبل أولاً وتراعى الأسبقية في القبول حتى ينفد الشيء . ومن هذا يتبين أن الإيجاب المعلق هو إيجاب لا مفاوضة ، ولكنه إيجاب لا ينفذ إلا إذا تحقق الشرط الذي علق عليه .
102 - الإيجاب البات :
فإذا خرج الإيجاب من دور المفاوضة ومن دور التعليق أصبح إيجاباً باتاً . وتقرير ما إذا كان الإيجاب قد وصل إلى هذا الدور النهائي هو من مسائل الواقع لا من مسائل القانون . فينفصل فيه قاضي الموضوع طبقا لظروف كل قضية ولا معقب على حكمة .
القوة الملزمة للإيجاب :
103 - في القانون القديم : لم يرد في القانون القديم نص يبين ما إذا كان الموجب يبقى ملزماً بالبقاء على إيجابه المدة الكافية لاقتران القبول بالإيجاب . فكان القضاء يذهب إلى أن للموجب أن يعدل عن إيجابه ما دام الإيجاب لم يقترن بالقبول ( 155 ) . ولكنه مع ذلك ذهب إلى أن الإيجاب المقرون بأجل يلزم الموجب بالبقاء على إيجابه طول هذا الأجل ، سواء حدد الأجل صراحة أو ضمناً ، وبنى هذا لا على أساس الإرادة المنفردة بل على أساس أن هناك عقداً تم بين الموجب والموجب له يلزم الأول بألا يعدل عن إيجابه المدة المحددة ، وقد تم هذا العقد بقبول ضمني من الموجب له أو بسكوته لأن هذا الأجل في مصلحته ( 156 ) . وذهب القضاء أيضاً إلى أن عدول الموجب عن إيجابه في وقت غير مناسب قد يجعل للموجب له حقاً في التعويض على أساس المسئولية التقصيرية ( 157 ) .
أما الفقه فكان يقول أيضاً مع القضاء بأن الإيجاب يلزم مدة الأجل ، ولكنه كان يتقلب في تفسير هذه القوة الملزمة بين هذه النظريات الثلاث : نظرية الإرادة المنفردة ، ونظرية العقد الضمني ، ونظرية المسئولية التقصيرية ( 158 ) .
104 - في القانون الجديد : وأتى القانون الجديد فأقر الوضع على أساس نص تشريعي . فقضت المادة 93 بما يأتي : " إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد . 2 - وقد يستخلص الميعاد من ظروف الحال أو من طبيعة المعاملة ( 159 ) " . فالإيجاب المقترن بميعاد للقبول ملزم للموجب طبقا لنص القانون الجديد . ولم نعد بعد هذا النص في حاجة إلى البحث عن الأساس الذي تقوم عليه هذه القوة الملزمة ، فالنص صريح في أن الإيجاب وحده هو الملزم ، أي أن الإلزام يقوم على الإرادة المنفردة طبقا لنص القانون ، وهذه هي إحدى الحالات التي نص القانون الجديد على أن الإرادة المنفردة تكون فيها مصدراً للالتزام .
ويكون تحديد الميعاد الذي يبقى فيه الإيجاب ملزماً صريحاً في الغالب . ولكن يقع أحياناً أن يستفاد هذا التحديد ضمنا من ظروف التعامل أو من طبيعته . فإذا عرض مالك آلة أن يبيعها تحت شرط التجربة ، فمن الميسور أن يستفاد من ذلك أنه يقصد الارتباط بإيجابه طوال المدة اللازمة للتجربة . وعند النزاع في تحديد الميعاد يترك التقدير للقاضي ( 160 ) . وإذا صدر الإيجاب لغائب دون أن يحدد ميعاد للقبول ، فإن الموجب يبقى ملتزماً إلى الوقت الذي يتسع لوصول قبل يكون قد صدر في وقت مناسب وبالطريق المعتاد ، وله أن يفرض أن إيجابه قد وصل غير متأخر ( 161 ) . فهنا أيضاً يوجد ميعاد ضمني ، إذ قضت طبيعة المعاملة ، والإيجاب قد صدر لغائب ، أن يتربص الموجب مستبقيا إيجابه إلى أن ينقضي الميعاد الذي يتسع عادة لوصول القبول إليه فيما لو كان الموجب له قد أرسل هذا القبول دون إبطاء لا تبرره الظروف ومع افتراض أن الإيجاب قد وصل في الميعاد المقدر لوصوله ( 162 ) .
ويبقى الموجب ملتزماً بالبقاء على إيجابه المدة التي حددها ، وما لم يكن إيجابه قد سقط برفض الطرف الآخر له قبل انقضاء هذه المادة كما سيأتي .
أما إذا لم يحدد الموجب أية مدة للقبول ، فإن إيجابه يبقى قائما ، ولكنه لا يكون ملزما ، بل يجوز له الرجوع فيه أي وقت شاء ما دام أنه لم يقترن بالقبول .
ومن ثم نتبين أن الإيجاب قد يكون قائما ملزما ، وقد يكون قائما غير ملزم ، فالقيام غير الإلزام ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
سقوط الإيجاب :
105 – الإيجاب القائم الملزم : فإذا كان الإيجاب قائماً ملزماً فإنه يسقط في حالتين :
( الحالة الأولى ) هي أن يرفض الموجب له الإيجاب ، فيسقط حتى لو لم تنقض المدة التي يكون فيها ملزماً ، ويتخذ رفض الإيجاب صوراً مختلفة ، فهو تارة يكون رفضاً محضاً ، وطوراً يكون قبولا يتضمن تعديلا في الإيجاب ( م 96 وسيأتي ذكرها ) ، وثالثة يكون إيجاباً جديداً يعارض الإيجاب الأول .
( الحالة الثانية ) هي أن تنقضي المدة التي يكون فيها الإيجاب ملزماً ، فيسقط ، وينتهي الإلزام والقيام في وقت واحد . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : " يظل الموجب مرتباً بإيجابه في خلال الميعاد المحدد للقبول متى حدد له ميعاد ، سواء في ذلك أن يصدر الإيجاب لغائب أو لحاضر . فإذا انقضى الميعاد ولم يصل القبول ، فلا يصبح الإيجاب غير لازم فحسب بعد أن فقد ما توافر له من الإلزام ، بل هو يسقط سقوطاً تاماً . وهذا هو التفسير المعقول لنية الموجب ، فهو يقصد ألا يبقى إيجابه قائماً إلا في خلال المدة المحددة ما دام قد لجأ إلى التحديد . وقد يتصور بقاء الإيجاب قائماً بعد انقضاء الميعاد ولو أنه يصح غير لازم ، ولكن مثل هذا النظر يصعب تمشيه مع ما يغلب في حقيقة نية الموجب . ويراعى أن القول بسقوط الإيجاب عند انقضاء الميعاد يستتبع اعتبار القبول المتأخر بمثابة إيجاب جديد . وهذا هو الرأي الذي أخذ به المشروع في نص لا حق . وغنى عن البيان أن الإيجاب الملزم يتميز في كيانه عن الوعد بالتعاقد ، فالأول إرادة منفردة والثاني اتفاق إرادتين ( 163 ) " .
106 – الإيجاب القائم غير الملزم : وإذا كان الإيجاب قائماً غير ملزم – وهذا لا يكون إلا في التعاقد ما بين حاضرين في مجلس العقد – فإنه يسقط أيضاً في حالتين :
( الحالة الأولى ) إذا عدل عنه الموجب قبل انفضاض مجلس العقد .
( الحالة الثانية ) إذا انفض مجلس العقد ولو لم يعدل عنه الموجب .
وسنرى تفصيل كل ذلك عند الكلام في مجلس العقد ( أنظر م 94 ( 164 ) ) .
107 – القبول بعد سقوط الإيجاب إيجاب جديد : وإذا سقط الإيجاب على النحو الذي قررناه فيما تقدم ، فكل قبول يأتي بعد ذلك يكون متأخراً ، ولا يعتد به على اعتبار أنه قبول لإيجاب سابق . ولكن يصح كما رأينا أن يكون هذا القبول المتأخر إيجاباً جديدا موجهاً لمن صدر منه الإيجاب الأول الذي سقط ، فإذا قبله هذا تم العقد .
نرى ذلك في حالة ما إذا رفض الإيجاب بقبول يتضمن تعديلا في الإيجاب أو بإيجاب جديد يعارض الإيجاب الأول . ونرى ذلك كما قدمنا في حالة ما إذا صدر قبول بعد انقضاء المدة التي يكون فيها الإيجاب ملزماً ( 165 ) . ونرى ذلك أيضاً في حالة ما إذا صدر قبول بعد عدول الموجب عن إيجابه . ونرى ذلك أخيراً في حالة ما إذا صدر قبول بعد انفضاض مجلس العقد . ففي هذه الحالات الأربع – وهي الحالات التي رأينا أن الإيجاب يسقط فيها – إذا صدر القبول بعد سقوط الإيجاب فلا يعتد به قبولا ، ولكنه يعدل إيجاباً جديداً .
ب – اقتران الإيجاب بالقبول
108 – الميعاد الذي يصح فيه القبول – مدة قيام الإيجاب : يصح القبول ما دام الإيجاب قائما . وقد عددنا فيما تقدم الحالات التي يسقط فيها الإيجاب . ونستخلص منها أن الإيجاب المقترن بأجل للقبول صريح أو ضمني يبقى قائماً طول مدة الأجل ، سواء كان التعاقد بين حاضرين أو غائبين . فيجوز في أي وقت في خلال الأجل أن يصدر القبول فيقترن به الإيجاب .
أما إذا كان التعاقد بين حاضرين في مجلس واحد ، ولم يقترن الإيجاب بأجل للقبول ، فإن الإيجاب يبقى قائماً – ويجوز أن يقترن بالقبول – ما دام مجلس العقد لم ينفض . فإذا انفض سقط الإيجاب وامتنع ؟؟؟؟؟ .
109 – مجلس العقد : يبقى الآن أن نبين ما هو المقصود بمجلس العقد . جاء هذا التعبير في المادة 94 من القانون المدني الجديد ، وهذا نصها : " 1 - إذا صدر الإيجاب في مجلس العقد ، دون أن يعين ميعاد القبول ، فان الموجب يتحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فورا ، وكذلك الحال إذا صدر الإيجاب عن شخص إلى آخر بطريق التليفون أو بأي طريق مماثل .
2 - ومع ذلك يتم العقد ، واو لم يصدر القبول فورا ، إذا لم يوجد ما يدل على أن الموجب قد عدل عن إيجابه في الفترة ما بين الإيجاب والقبول ، وكان القبول قد صدر قبل أن ينفض مجلس العقد ( 166 ) " .
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : " إن الإيجاب إذا وجه لشخص حاضر وجب أن يقبله من فوره . وينزل الإيجاب الصادر من شخص إلى آخر بالتليفون أو بأية وسيلة مماثلة منزلة الإيجاب الصادر إلى شخص حاضر . وقد اخذ المشروع في هذه الصورة عن المذهب الحنفي قاعدة حكيمة ، فنص على أن العقد يتم ولو لم يحصل القبول فور الوقت إذا لم يصدر قبل افتراق المتعاقدين ما يفيد عدول الموجب عن إيجابه في الفترة التي تقع بين الإيجاب والقبول . وقد رؤى من المفيد أن يأخذ المشروع في هذه الحدود بنظرية الشريعة الإسلامية في اتحاد مجلس العقد ( 167 ) " .
ويتبين من هذا أن الموجب له ، إذا اتحد مجلس العقد حقيقة أو حكماً ( كما في التعاقد بالتليفون أو بأي طريق مماثل ) ، يجب عليه كمبدأ عام أن يصدر قبوله فوراً بمجرد صدور الإيجاب ، فلا يفصل وقت ما بين الإيجاب والقبول . وهذا الوضع – وهو مأخوذ من القوانين الحديثة ( 168 ) - يقتضي أن الإيجاب لا يكاد يقوم حتى يسقط ، وفي هذا من الضيق والحرج ما لا يخفى . فلطف القانون الجديد من حدة هذا الوضع بالالتجاء إلى الشريعة الإسلامية ، وجعل الإيجاب يبقى قائماً ما دام مجلس العقد لم ينقض . ومجلس العقد هو المكان الذي يضم المتعاقدين . وليس الملحوظ فيه هو المعنى المادي للمكان ، بل الملحوظ هو الوقت الذي يبقى فيه المتعاقدان منشغلين بالتعاقد دون أن يصرفهما عن ذلك شاغل آخر . فإذا اجتمع شخصان في مجلس واحد ، واصدر احدهما إيجاباً للآخر ، فليس من الضروري أن يكون القبول فوراً ، بل يجوز أن يبقى الموجب له يتدبر الأمر شيئا من الوقت ، حتى إذا عقد العزم على القبول فعل ذلك . ويكون قبوله صحيحاً بشرطين : ( الشرط الأول ) أن يبقى كل من المتعاقدين منشغلا بالتعاقد . فإذا انصرف أي منهما إلى شيء غيره اعتبر مجلس العقد في انفض ، وسقط الإيجاب . و ( الشرط الثاني ) أن يبقى الموجب على إيجابه ، فلا يرجع فيه أثناء المدة التي يبقى فيها مجلس العقد قائماً .
ولا شك في أن الوضع على هذا الأساس المستمد من الشريعة الإسلامية قد أصبح وضعاً عملياً معقولا ، ولم تعد الفورية في القبول لازمة ، بل يجوز فيه التراخي مدة معقولة لا ينشغل فيها المتعاقدان بغير العقد ويبقى فيها الموجب على إيجابه . وهذا هو ف ينظرنا خير تفسير لقواعد الفقه الإسلامي في مجلس العقد ( 169 ) .
110 – لا تحتيم في القبول : ومتى قام الإيجاب ولم ينقض الميعاد الذي يصح فيه القبول ، فإن الموجب له يكون بالخيار بين قبول الإيجاب أو رفضه ولا يتحتم عليه أن يقبل ، وإلا قام العقد على الإيجاب وحده .
ومهما يكن من بداهة هذا الحكم ، فإن ظروفاً قد تجعل الموجب له ملزماً بالقبول . ويتحقق ذلك إذا كان هو الذي دعا الموجب إلى التعاقد معه . وقد كان المشروع التمهيدي يشتمل على نص في هذا المعنى حذف اكتفاء بتطبيق القواعد العامة ، فكانت المادة 136 من هذا المشروع تنص على أنه " يجوز لمن وجه إليه الإيجاب أن يرفضه ، ما لم يكن قد دعا إليه ، فلا يجوز له في هذه الحالة أن يرفض التعاقد إلا إذا استند إلى أسباب مشروعة ( 170 ) " .
والتطبيقات العملية لهذا النص كثيرة متنوعة . فهناك طوائف من الناس تستحث غيرها على الإيجاب وتدعوهم إليه ، كالتجار في النشرات والإعلانات وقوائم الأسعار التي يوجهونها إلى الجمهور ، وكأصحاب الفنادق والمطاعم يفتحون أبوابهم للطارق ، وكأرباب الصناعات يدعون العمال إلى العمل في صناعاتهم . فإذا استجيبت هذه الدعوة إلى التعاقد ، كانت الاستجابة إيجاباً يمتاز عما عداه من ضروب الإيجاب بأن من وجه إليه لا يجوز له أن يرفضه لغير سبب مشروع . وقد عللت المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي هذا الحكم العادل بما يأتي : " وليس هذا الأثر القانوني إلا نتيجة للحالة التي أنشأها صاحب الدعوة ، بل وتطبيقا من تطبقات مبدأ جامع هو مبدأ إساءة استعمال الحق أو التعسف في استعماله . على أن الإساءة في هذا الفرض ترد على مجرد رخصة من الرخص ، وهذه خصوصية تسترعى الانتباه . وقد تعمد المشروع إغفال تعيين الجزاء الذي يترتب على الرفض التعسفي ، فمثل هذا الرفض يرتب مسئولية لا شك فيها . فيجوز أن يقتصر التعويض على مبلغ من المال إذا كان هذا الجزاء كافياً . ويجوز للقاضي في بعض الفروض أن يذهب إلى ما هو ابعد ، فيعتبر أن العقد قد تم على سبيل التعويض إذا كان في الظروف ما يوجب ذلك ( 171 ) " .
111 – كيف يطابق القبول الإيجاب : وإذا كان الموجب له لا يتحتم عليه القبول على النحو الذي قدمناه ، إلا أنه إذا اختار أن يقبل وجب أن يكون قبوله مطابقاً للإيجاب مطابقة تامة ، وان يكون متفقا كل الاتفاق مع الموجب في جميع المسائل التي تناولها الإيجاب . وقد كان المشروع التمهيدي يشتمل على نص في هذا المعنى رؤى حذفه اكتفاء بتطبيق المبادئ العامة . فكانت المادة 137 من هذا المشروع تنص على أنه " لا يتم العقد ما لم يتفق الطرفان على كل المسائل التي تفاوضا فيها بشأن هذا العقد . أما الاتفاق على بعض هذه المسائل فلا يكفي لالتزام الطرفين ، حتى لو اثبت هذا الاتفاق في ورقة مكتوبة ( 172 ) " .
على أنه ليس من الضروري لإبرام العقد أن يتم الاتفاق على جميع المسائل مسألة مسألة . فقد نصت المادة 95 من القانون الجديد على ما يأتي : " إذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد ، واحتفظا بمسائل تفصيلية عليها فيما بعد ولم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها ، اعتبر العقد قد تم . وإذا قام خلاف على المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها ، فان المحكمة تقضي فيها طبقا لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة ( 173 ) " . والذي يسترعي النظر في الحالة التي جاء فيها هذا النص هو أن المتعاقدين قد حددا مسائل لم يتم الاتفاق عليها واحتفظا بها لتكون محلا للاتفاق فيما بعد ، وبالرغم من إنهما لم يتفقا عليها بعد ذلك ، إلا أن العقد يعتبر قد تم . والذي يبرر هذا الحكم هو أن هذه المسائل ليست جوهرية في العقد ، وان القانون قد افتراض أن نية المتعاقدين انصرفت إلى إبرام العقد حتى لو قام خلاف بينهما على هذه المسائل ، ما دام إنهما لم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها . فتسيراً لنية المتعاقدين على هذا الوجه المعقول أباح القانون للقاضي أن يقضي فيما اختلفا فيه طبقا لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة . وهذا أيضاً أمر يسترعى النظر ، فإن مهمة القاضي في هذه الحالة تخرج عن المألوف من عمله ، فهو لا يقتصر على تفسير ما اتفاق عليه المتعاقدان ، بل يجاوز ذلك إلى تدبير ما اختلفا فيه ، فهو إذن يساهم في صنع العقد ( 174 ) . ويوجه هذا الحكم فيما انطوى عليه من جرأة أنه ما دام المفروض أن المتعاقدين قد أرادا إبرام العقد ولو لم يتفقا على هذه المسائل غير الجوهرية ، استتبع ذلك أن نفرض أيضاً إنهما أراد أن يحل القاضي محلهما ليبت فيما اختلفا فيه ، لأن هذا هو السبيل الوحيد للملاءمة بين ما اتفقا عليه من إبرام العقد وما اختلفا فيه من المسائل . فإذا اتفق المؤجر والمستأجر مثلا على المسائل الجوهرية في عقد الإيجار ، فتراضيا على العين المؤجرة والأجرة والمدة وسائر الشروط الجوهرية ، واختلفا فيمن يتحمل ضريبة الخفر أو أجرة البواب أو اشتراك المياه ، وهي عادة مبالغ زهيدة ، ولم يشترطا أن العقد لا يتم إلا إذا اتفقا أيضاً على هذه المسألة التفصيلية ، كان من المستساغ أن يفترض القانون أن المتعاقدين قد أرادا إبرام عقد الإيجار ، وإنهما تركا للقاضي أن يبت في هذه المسألة غير الجوهرية طبقا للعرف إذا لم يستطيعاهما أن يصلا فيها إلى اتفاق . فالأمر إذن لا يعدو أن يكون تفسيرا لنية المتعاقدين ،بحيث لو قام دليل على أن نيتهما لم تنصرف إلى ذلك ، وإنهما لم يقصدا إبرام العقد إلا بعد الاتفاق الكامل حتى على هذه المسائل التفصيلية ، لوجب استبعاد النص ، ولنحتم على القاضي أن يقضي بأن عقد الإيجار لم يبرم ما دام أن المتعاقدين لم يتفقا على جميع المسائل التي تناولاها ، جوهرية كانت أو تفصيلية ( 175 ) .
فالقبول إذن يجب أن يكون مطابقا للإيجاب على النحو الذي قدمناه . أما إذا كان غير مطابق له ، بل اختلف عنه زيادة أو نقصا أو تعديلا ، فإن العقد لا يتم ، ويعتبر مثل هذا القبول رفضاً يتضمن إيجاباً جديدا . فإذا طلب البائع ثمنا للمبيع ألفاً تدفع فوراً ، وقبل المشتري أن يدفع الألف على أن يزيد البائع في المبيع ، أو قبل أن يدفع في المبيع وحده ثمانمائة ، أو قبل أن يدفع فيه وحده ألفاً ولكن بالتقسيط ، لم يتم البيع ، واعتبر هذا القبول إيجاباً جديداً من المشتري . وهذا الحكم هو الذي تنص عليه المادة 96 من القانون الجديد إذ تقضي بما يأتي : " إذا اقترن القبول بما يزيد في الإيجاب أو يقيد منه أو يعدل فيه ، اعتبر رفضا يتضمن إيجاباً جديدا ( 176 ) " .
ج – حالات خاصة في القبول
الحالة الأولى – مجرد السكوت قد يكون قبولا : ( * )
112 - المبدأ العام : لا محل للكلام في السكوت باعتباره معبراً عن الإيجاب ، فإنه لا يتصور أن يكون مجرد السكوت إيجاباً . ولكن هل يجوز أن يكون قبولا ؟
يمكن القول بوجه عام إن السكوت في ذاته ، مجرداً عن أي ظرف ملابس له ، لا يكون تعبيراً عن الإرادة ولو قبولا ، لأن الإرادة عمل ايجابي والسكوت شيء سلبي ، ويقول فقهاء الشريعة الإسلامية : " لا ينسب لساكت قول " . وليس السكوت إرادة ضمنية ، فإن الإرادة الضمنية تستخلص من ظروف ايجابية تدل عليها كما سبق القول . أما السكوت فهو العدم ( 177 ) ، وأولى بالعدم أن تكون دلالته الرفض لا القبول . وهذا هو المبدأ العام ، يقول به الفقه والقضاء في مصر وفي غيرها من البلاد ( 178 ) .
113 – الاستثناء : على أن هذا المبدأ العام يقيد منه استثناءات اقرها القضاء المصري في ظل القانون القديم ، وأكدها القانون الجديد في نص صريح ، فقضت المادة 98 بما يأتي :
1 - إذا كانت طبيعة المعاملة أو العرف أو غير ذلك من الظروف تدل على أن الموجب لم يكن لينتظر تصريحا بالقبول ، فان العقد يعتبر قد تم ، إذا لم يرفض الإيجاب في وقت مناسب .
2 - ويعتبر السكوت عن الرد قبولا ، إذا كان هناك تعامل سبق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل ، أو إذا تمخض إيجاب لمنفعة من وجه إليه ( 179 ) " .
فالاستثناء إذن هو أن يعتبر السكوت قبولا إذا أحاطت به ظروف ملابسة من شانها أن تجعله يدل على الرضاء ( 180 ) . هذه الظروف الملابسة ضرب لها القانون الجديد الأمثلة الآتية :
( 1 ) إذا كان العرف التجاري الذي جرى عليه العمل قضي بأن السكوت يدل على الرضاء ( 181 ) ، كما إذا أرسل المصرف بيانا لعمليه عن حسابه في المصرف ، وذلك أن عدم الاعتراض على هذا البيان يعد إقراراً له ( 182 ) ، أو كانت طبيعة المعاملة تقضي بذلك ، كما إذا أرسل التاجر البضاعة لمن طلبها وأضاف في " الفاتورة " شروط مستجدة سكت عنها المشتري ولم يبادر إلى رفضها ( 183 ) .
( 2 ) إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين كما إذا اعتاد عميل استيراد البضائع التي يريدها من تاجر بالكتابة إليه فيرسل له التاجر ما يريد دون أن يؤذنه بالقبول . فإذا طلب العميل شيئاً وظل التاجر ساكتاً كعادته كان للعميل أن يعتبر هذا السكوت رضاء وأن التاجر سيرسل له ما طلب كما عودة ( 184 ) . وقد يكون هناك عقد سابق بين الطرفين ، فيستخلص السكوت قبولا إذا كان العقد الجديد من مكملات تنفيذ العقد السابق ، أو معدلا له ، أو فاسخاً ( 185 ) .
( 3 ) إذا تمحض الإيجاب لمنفعة من وجه إليه وسكت هذا ، فيعتبر سكوته رضاء ، كالهبة التي لا تشترط فيها الرسمية تعرض على الموهوب له فيسكت ، وكعارية الاستعمال تعرض على المستعير فيلزم الصمت ( 186 ) .
وليس فيما تقدم إلا امثلة لم ترد على سبيل الحصر ، فكل سكوت تلازمه ملابسات تدل على الرضاء فهو " سكوت ملابس " ( 187 ) ( silence circonstancie ) ، ويعتبر قبولا ، كما إذا علم الموكل بمجاوزة الوكيل حدود الوكالة فإن سكوته إجازة ، وكالمالك الحقيقي في بيع ملك الغير إذا علم بالبيع وسكت دون عذر كان سكوته إقراراً للبيع . في كل هذا لو كان الساكت أراد أن يعترض لتكلم ، ولكنه سكت في معرض الحاجة إلى الكلام ، ويقول فقهاء الشريعة الإسلامية هنا أيضاً : " السكوت في معرض الحاجة بيان " .
الحالة الثانية – تنفيذ العقد قد يقوم مقام القبول :
114 – يعتبر القضاء المصري أن التنفيذ الاختياري للإيجاب يقوم مقام القبول ، فيتم العقد به ، ويعتبر قبولا ضمنياً ( 188 ) . أما الزمان والمكان اللذان يتم فيها العقد فيتبع في شأن تحديدهما القواعد العامة إذ لا يوجد نص خاص في ذلك . وتقضي القواعد العامة – على ما سنرى – أن العقد يتم وقت أن يعلم الموجب بهذا التنفيذ الاختياري وفي المكان الذي علم فيه ذلك ( م 97 ) ، ما لم يوجد اتفاق بين المتعاقدين يحدد وقتاً أو مكاناً آخر ، كأن يتضح من إرادة الموجب أنه قصد أن يتم العقد من وقت التنفيذ وفي مكانه فيقوم الموجب له بالتنفيذ وفقاً لهذه الإرادة .
وكانا لمشروع التمهيدي يشتمل على نص في هذه المسألة ، فكانت المادة 143 من هذا المشروع تقضي بأنه " إذا تبين من إرادة الموجب أو من طبيعة التعامل أو من مقتضى العرف أن تنفيذ العقد يقوم مقام القبول ، فإن العقد يعتبر قد تم في الزمان وفي المكان اللذين بدأ فيهما التنفيذ . ويجب في هذه الحالة المبادرة بإخطار الطرف الآخر ببدء التنفيذ " . ولكن هذا النص حذف في المشروع النهائي ، حذفته لجنة المراجعة لأنه " من التفصيلات التي لا ضرورة لها ( 189 ) " . على أن النص لو استبقى لبقى وقت تمام العقد ومكانه محددين بحصول التنفيذ لا بعلم الموجب به متى اتضح ذلك ، لا من إرادة الموجب فحسب ، بل أيضاً من طبيعة التعامل أو من مقتضى العرف ، ولوجب على الموجب له أن يبادر بإخطار الموجب ببدء التنفيذ ، ولا يكون هذا الأخطار إلا إبلاغاً للقبول الضمني الذي صدر منذ أن وقع البدء بالتنفيذ ( 190 ) .
الحالة الثالثة – القبول في عقود المزاد :
115 – هناك عقود تتم في بعض الأحيان لا من طريق الممارسة ، بل من طريق المزايدة . واهم هذه العقود البيع والإيجار . فالبيع الجبري عن طريق القضاء أو عن طريق الإدارة يتم بالمزاد . وكذلك البيوع التي تجريها المحاكم الحسبية . وقد يقع البيع الاختياري كذلك بطريق المزاد إذا اختار البائع هذا الطريق . وكثيرا ما تؤجر الجهات الحكومية ووزارة الأوقاف أراضي وعقارات بطريق المزاد . ويعنينا في العقود التي تتم بالمزايدة أن نعرف متى يتم الإيجاب ومتى يتم القبول . فقد بظن أن طرح الصفقة في المزاد هو الإيجاب ، والتقدم بالعطاء هو القبول . وليس هذا صحيحاً . فإن طرح الصفقة في المزاد لا يعدو أن يكون دعوة إلى التعاقد عن طريق التقدم بعطاء ، والتقدم بعطاء هو الإيجاب . أما القبول فلا يتم إلا برسو الم 1زاد ، ويكون هو إرساء المزاد على من يرسو عليه . وهذا هو الذي جرى عليه القضاء المصري في ظل القانون القديم ، فقد كان يعتبر التقدم بالعطاء إيجاباً لا قبولا ، ويرتب على ذلك جواز الرجوع فيه قبل إرساء المزاد ( 191 ) .
وأكد هذا المبدأ القانون الجديد بنص صريح . فقضت المادة 99 بما يأتي : " لا يتم العقد في المزايدات إلا برسوم المزاد ، ويسقط العطاء بعطاء يزيد عليه ولو كان باطلا ( 192 ) " . والعطاء يكون باطلا إذا صدر مثلا من شخص لا يجوز له التعاقد في الصفقة المطروحة في المزاد ، كقاض يتقدم بعطاء في مزاد لبيع عين متنازع عليها إذا كان نظر النزاع يقع في اختصاصه . ويكون قابلا للإبطال إذا صدر مثلا من قاصر أو محجور عليه . فإذا بطل العطاء في الحالين لم يبطل أثره وهو إسقاط العطاء الذي تقدمه .
الحالة الرابعة – القبول في عقود الإذعان ( * ) :
116 – دائرة عقود الإذعان : قد يكون القبول مجرد إذعان لما يمليه الموجب ، فالقابل للعقد لم يصدر قبوله بعد مناقشة ومفاوضة ، بل هي في موقفه من الموجب لا يملك إلا أن يأخذ أو أن يدع . ولما كان في حاجة إلى التعاقد على شيء لا غناء عنه ، فهو مضطر إلى القبول . فرضاؤه موجود ، ولكنه مفروض عليه . ومن ثم سميت هذه العقود بعقود الإذعان ( 194 ) . هذا الضرب من الإكراه ليس هو المعروف في عيوب الإرادة ، بل هو إكراه متصل بعوامل اقتصادية أكثر منه متصلا بعوامل نفسية .
ويتبين مما تقدم أن عقود الإذعان لا تكون إلا في دائرة معينة تحددها الخصائص الآتية : ( 1 ) تعلق العقد بسلع أو مرافق تعتبر من الضروريات بالنسبة إلى المستهلكين أو المنتفيعن . ( 2 ) احتكار الموجب لهذه السلع أو المرافق احتكاراً قانونياً أو فعلياً ، أو على الاقل سيطرته عليها سيطرة تجعل المنافسة فيها محدودة النطاق . ( 3 ) صدور الإيجاب إلى الناس كافة وبشروط واحدة وعلى نحو مستر أي لمدة غير محددة . ويغلب أن يكون في صيغة مطبوعة تحتوى على شروط منفصلة لا تجوز فيها المناقشة وأكثرها لمصلحة الموجب ، فهي تارة تخفف من مسئولية التعاقديية وأخرى تشدد في مسئولية الطرف الآخر ، وهي في مجموعها من التعقيد بحيث يغم فهمها على أوساط الناس .
وأمثلة هذه العقود كثيرة : فالتعاقد مع شركات النور والماء والغاز ، ومع مصالح البريد والتلغراف والتلفون ، وعقد النقل بوسائله المختلفة من سكك حديدية وكهربائية وبواخر وسيارات وطيارات وغير ذلك ، والتعاقد مع شركات التامين بأنواعه المتعددة ، وعقد العمل في الصناعات الكبرى ، كل هذا يدخل في دائرة عقود الإذعان . ومن ثم نرى أن القبول في هذه العقود هو كما قدمنا إذعان . فالموجب يعرض إيجابه في شكل بات نهائي لا يقبل مناقشة فيه ، فلا يسع الطرف الآخر إلا أن يقبل إذ لا غنى له عن التعاقد ، فهو محتاج إلى الماء والنور والغاز ، وكثيرا ما تعرض له حاجة إلى الاتصال بالناس عن طريق التراسل ولا بد له من التنقل والسفر في بعض الأحايين ، وهو مضطر إلى العمل ليكسب ما يقوم بأوده . وقد نصت المادة 100 من القانون الجديد على هذا المعنى في العبارات الآتية : " القبول في عقود الإذعان يقتصر على مجرد التسليم بشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل مناقشة فيها ( 195 ) " .
117 – طبيعة عقود الإذعان : وقد انقسم الفقهاء في طبيعة عقود الإذعان إلى مذهبين رئيسيين . فبضعهم يرى أن عقود الإذعان ليست عقودا حقيقية ، ويذهب فريق آخر إلى إنها لا تختلف عن سائر العقود .
أما الفريق الأول – وعلى رأسهم الأستاذ سالي وتابعه في ذلك فقهاء القانون العام مثل ديجيه وهوريو – فينكر على عقود الإذعان صبغتها التعاقدية ، إذ أن العقد توافق إرادتين عن حرية واختيار ، أما هنا فالقبول مجرد إذعان ورضوخ . فقعد الإذعان أقرب إلى أن يكون قانونا أخذت شركات الاحتكار الناس باتباعه فيجب تفسيره كما يفسر القانون ، ويرعى في تطبيقه مقتضيات العدالة وحسن النية ، وينظر فيه إلى ما تستلزمه الروابط الاقتصادية التي وضع لتنظيمها . ويرى الأستاذ ديموج ، ويتفق في هذا مع فقهاء القانون العام ، أن عقد الإذعان هو مركز قانوني منظم ( institution ) يجب أن يعني في تطبيقه بصالح العمل أولاً ، ثم بما يستحق الحماية من صالح كل من طرفي العقد .
ويرى الفريق الثاني – وهم غالبية فقهاء القانون المدني – أن عقد الإذعان عقد حقيقي يتم بتوافق إرادتين ، ويخضع للقواعد التي تخضع لها سائر العقود . ومهما قيل من أن أحد المتعاقدين ضعيف أمام الآخر ، فإن هذه ظاهرة اقتصادية لا ظاهرة قانونية ، وعلاج الأمر لا يكون بإنكار صفة العقد على عقد حقيقي ، ولا بتمكين القاضي من تفسير هذا العقد كما يشاء بدعوى حماية الضعيف ، فتضطرب المعاملات وتفقد استقرارها ، بل أن العلاج الناجع هو تقوية الجانب الضعيف حتى لا يستغله الجانب القوي . ويكون ذلك بإحدى وسيلتين أو بهما معاً : الأولى وسيلة اقتصادية فيجتمع المستهلكون ويتعاونون على مقاومة التعسف من جانب المحتكر ، والثانية وسيلة تشريعية فيتدخل المشرع – لا القاضي - لينظم عقود الإذعان .
118 – حكم عقود الإذعان في القانون القديم والجديد : وقد كانت الحماية في مصر ، في ظل القانون القديم ، حماية قضائية . فكان القضاء من جهة يعتبر عقود الإذعان عقوداً حقيقية واجبة الاحترام ( 196 ) ، فيحترم الشروط لمطبوعة ف يعقد الإيجار ( 197 ) ، وفي عقود التأمين ( 198 ) ، ويلزم من يتعامل مع شركة باحترام لوائحها المطبوعة ( 199 ) ، ومن يتعاقد مع مصلحة السكك الحديد بمراعاة نظمها ولوائحها ( 200 ) . ويقيد المستخدم في عقد العمل باحترام لوائح الخدمة التي يخضع لها ( 201 ) . إلا أن مع ذلك يغلب الشروط المكتوبة على الشروط المطبوعة ( 202 ) ، ويبطل الإعفاء الإتفاقي من المسئولية ( 203 ) ، ويفسر الالتزام في مصلحة الطرف المذعن ( 204 ) ، وينسخ الإرادة السابقة بالإرادة اللاحقة ( 205 ) .
وجاء القانون الجديد فجعل الحماية تشريعية ، ونظم بنصوص خاصة عقد التزام المرافق العامة وعقد العمل وقد التأمين . وأتى بنصوص عامة لتنظيم عقود الإذعان كافة ، فجعل بذلك للقضاء المصري في ظل القانون القديم سنداً تشريعياً في عهد القانون الجديد ، ومهد أمامه الطريق ليخطو خطوات أوسع في حماية الجانب المذعن . وندع النصوص الخاصة في العقود التي سلفت الإشارة إليها تدرس في مواضعها . ونقتصر هنا على إيراد النصوص العامة .
فقد نصت المادة 149 على أنه " إذا تم العقد بطريق الإذعان ، وكان قد تضمن شروطا تعسفية جاز للقاضي أن يعدل هذه الشروط أو أن يعفي الطرف المذعن منها ، وذلك وفقا لما تقضي به العدالة . ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك ( 206 ) " . وهذا النص في عمومه وشموله أداة قوية في يد القاضي يحمى بها المستهلك من الشروط التعسفية التي تفرضها عليه شركات الاحتكار . والقاضي هو الذي يملك حق تقدير ما إذا كان الشرط تعسفياً ، ولا معقب لمحكمة النقض على تقديره ما دامت عبارة العقد تحتمل المعنى الذي أخذ به . فإذا كشف شرطاً تعسفياً في عقد إذعان ، فله أن يعدله بما يزيل اثر التعسف ، بل له أن يلغيه ويعفى الطرف المذعن منه ، ولم يرسم المشرع له حدوداً في ذلك إلا ما تقتضيه العدالة . ولا يجوز للمتعاقدين أن ينزعا من القاضي سلطته هذه باتفاق خاص على ذلك ، فإن مثل هذا الاتفاق يكون باطلا لمخالفته للنظام العام ، ولو صح للجأت إليه شركات الاحتكار وجعلته شرطاً مألوفاً ( clause de style ) في عقودها .
ونصت المادة 151 على ما يأتي : " 1 – يفسر الشك في مصلحة المدين .
2 - ومع ذلك لا يجوز أن يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الإذعان ضاراً بمصلحة الطرف المذعن ( 207 ) " . وقد ورد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي ويراعى من ناحية أخرى أن الأصل أن يفسر الشك في مصلحة المدين عند غموض عبارة التعاقد غموضاً لا يتيح زواله . وقد استثنى المشروع من حكم هذا الأصل عقود الإذعان ، فقضى أن يفسر الشرك فيها لمصلحة العاقد المذعن ، دائناً كان أو مديناً . فالمفروض أن العاقد الآخر ، وهو أقوى العاقدين ، يتوافر له من الوسائل ما يمكنه من أن يفرض على المذعن عند التعاقد شروطاً واضحة بينة . فإذا لم يفعل ذلك اخذ بخطأه أو تقصيره وحمل تبعته ، لأنه يعتبر متسبباً في هذا الغموض من وجه : أنظر المادة 1288 من التقنين الاسباني وكذلك المادة 915 من التقنين النمساوي وهي تنص على أن إبهام العبارة يفسر ضد من صدرت منه ( 208 ) " .
الحالة الخامسة – القبول في عقود الجماعة وفي العقود النموذجية :
119 – تضمن المشروع التمهيدي نصين ن احدهما خاص بعقود الجماعة ( contrats collectives ) ، والثاني بالعقود النموذجية ( contrats – type ) .
فكانت المادة 146 من المشروع التمهيدي تنص على أنه " في عقود الجماعة يتم القبول برضاء الأغلبية ، وترتبط الأقلية بهذا القبول " . ومثل عقود الجماعة عقد العمل الجماعي ( contrat collectif du travail ) ، وهو العقد الذي ينظم شروط العمل ما بين طائفة أصحاب الأعمال وطائفة العمال . ويتم الإيجاب والقبول فيه برضاء الأغلبية من كل من الطائفتين . وترتبط الأقلية بالعد . وهنا نرى أن كل فرد من الأقلية قد ارتبط بعقد لم يقبله ولم يكن طرفاً فيه ، وأصبح لا يستطيع الانحراف في عقد فردي عن نصوص العقد الجماعي . وفي هذا خروج بين على القواعد المدنية ، يعلله أن عقود الجماعة أقرب إلى القوانين منها إلى العقود ، وهي على كل حال تنشيء مراكز قانونية منظمة ( institutions ) .
وكانت المادة 147 من المشروع التمهيدي تنص على أنه " إذا وضعت السلطة العامة أو أية هيئة نظامية أخرى نموذجاً لأحد العقود ، فإن من يبرم هذا العقد ويحيل على النموذج يتقيد بالشروط على الوردة فيه " . والعقد النموذجي هو الذي تضعه سلطة عامة أو أية هيئة نظامية أخرى ، كعقود الإيجار النموذجية التي تضعها وزارة الأوقاف أو المجالس البلدية أو النقابات . ويقضى النص السالف الذكر بأن من يتعاقد محيلا في تعاقده على عقد نموذجي يتقيد بالشروط الواردة فيه ، لأن الإحالة عليه تفترض أن المتعاقد قط اطلع على ما ورد فيه من الشروط وارتضاها .
وقد حذف هذان النصان في المشروع النهائي ، حذف الأول لأن مكانه يحسن أن يكون في تشريع خاص ، وحذف الثاني لوضوح الحكم الوارد فيه ( 209 ) .
2 – المتعاقدان لا يجمعهما مجلس واحد
( التعاقد بالمراسلة أو فيما بين الغائبين ) ( * )
( Contrat par correspondence ou entre absents )
120 – تحديد الموضوع : فرضنا فيما قدمناه أن التعاقد يتم بين حاضرين ، سواء تم التعاقد بينهما مباشرة أو تم بوساطة نائب عن أي منهما . ولكن يحدث كثيراً أن يتم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مجلس واحد ، ويتم ذلك بالمرسالة ، بأية طريقة من طرقها المختلفة : البريد أو البرق أو رسول خاص لا يكون نائباً أو غير ذلك ( 210 ) .
وليس الذي يميز ما بين الفرضين في حقيقة الأمر هو أن يجمع المتعاقدين مجلس العقد أو إلا يجتمعا في مجلس واحد ، بل إن المميز هو أن تفصل فترة من الزمن بين صدور القبول وعلم الموجب به . ففي التعاقد ما بين حاضرين تمنحي هذه الفترة من الزمن ، ويعلم الموجب بالقبول في الوقت الذي يصدر فيه . أما في التعاقد ما بين غائبين فإن القبول يصدر ثم تمضي فترة من الزمن هي المدة اللازمة لوصول القبول إلى علم الموجب ، ومن ثم يختلف وقت صدور القبول عن وقت العلم به .
والذي يؤكد ما تقدم أننا نستطيع أن نتصور تعاقداً ما بين غائبين لا يفصل زمن فيه ما بين صدور القبول والعلم به ، كالتعاقد بالتلفون ، وعندئذ تنطبق قواعد التعاقد ما بين حاضرين على ما سنرى . ونستطيع أن نتصور تعاقداً ما بين حاضرين يفصل زمن فيه ما بين صدور القبول والعلم به ، وعندئذ تنطبق قواعد التعاقد ما بني غائبين ، ويكفى لتحقق ذلك أن نتصور أن امتلعاقدين افترقا بعد صدور الإيجاب المزم وقبل صدور القبول ثم صدر القبول بعد ذلك وأتى من صدر منه القبول بنفسه يبلغ الموجب قبوله ( 211 ) .
فالعبرة ليست إذن باتحاد المجلس أو اختلافه ، بل بتخلل فترة من الزمن بين صدور القبول والعلم به ( 212 ) .
121 – ماذا يترتب على هذا التحديد – زمان العقد ومكانه : ومتى وضعنا المسألة على النحو الذي قدمناه تبين في الحال ماذا يترتب على هذا الوضع : فما دام أن هناك فترة من الزمن تفصل ما بين صدور القبول والعلم به ، وجب التساؤل متى إذن يتم العقد ؟ أوقت صدور القبول أما وقت العلم به ظ فإذا تعين الوقت الذي يتم فيه العقد تعين أيضاً المكان الذي يتم فيه : يتم في المكان الذي يوجد فيه الموجب إذا قلنا إن العقد لا يتم إلا إذا علم الموجب بالقبول ، ويتم في المكان الذي يوجد فيه من صدر منه القبول إذا قلنا إن العقد يتم بمجرد صدور القبول .
فرمان العقد هو الذي حدد مكان ، وهذا هو الأصل . وقد يختلف مكان العقد عن زمانه في بعض الفروض ، أهمها التعاقد بالتلفون . ففيه لا يفصل زمن ما بين صدور القبول والعلم به كما رأينا . فهو من ناحية الزمان بمثابة تعاقد ما بين حاضرين . أما من ناحية المكان فالمتعاقدان في جهتين مختلفتين ، فتجري في تعيينه قواعد التعاقد ما بين غائبين ( 213 ) .
وعلينا الآن أن نبحث متى يتم العقد ما بين غائبين وفي أي مكان . ونستعرض في ذلك الفقه والقوانين الأجنبية ، ثم ننتقل إلى أحكام القانون المصري .
أ - الفقه والقوانين الأجنبية
122 – مذاهب أربعة في الفقه : الفقه في البلاد التي ليس فيها تشريع يعين الزمان والمكان اللذين يتم فيهما العقد – كما في فرنسا وفي مصر في ظل القانون القديم – منقسم متشعب الرأي ، وذلك بالرغم من أهمية تعيين زمان العقد ومكانه على ما سنرى .
وذلك أن خاصية التعاقد بالمرسالة فيما بين غائبين هي كما قدمنا الفترة من الزمن التي تفصل ما بين صدور القبول والعلم به ( 214 ) . فإذا قلنا أن العبرة في تمام العقد هي بتلاقي الإرادتين نو فإن العقد يتم وقت صدور القبول ، ففي هذا الوقت كان الإيجاب قائماً وصدر القبول متلافياً معه . وإذا قلنا بل العبرة بالوقت الذي يعلم فيه المتعاقدان معاً بهذا التلاقي ، فإن صدور القبول لا يكفي ، بل يجب أن يعلم الموجب بالقبول وهو باق على إيجابه .
والحق أن التعاقد إذا تم بين غائبين تعذر العثور على وقت يعلم فيه المتعاقدان معاً بتلاقي الإرادتين . فلا يكفي أن يعلم الموجب بصدور القبول ، بل يجب أيضاً أن يعلم القابل بهذا العلم ، وهكذا . وهذا هو الدور ، وهو ممتنع . بل إن تلاقي الإرادتين في التعاقد ما بين غائبين لا يمكن الجزم به . فقد يعدل الموجب عن إيجابه ولا يصل هذا العدول إلى علم الموجب إلا بعد وصول القبول إلى علمه . وفي الحالتين يتم العقد ، وفي الحالتين لا تتلاق الإرادتان ( 215 ) .
فليس يعنيه إذن في التعاقد ما بين الغائبين أن يعلم المتعاقدان معاً بتلاقي الإرادتين ، بل ولا بأن تتلاقى الإرادتان فعلا ، فإن هذا وذاك قد يتعذر تحققه كما قدمنا . ولا يبقى أمامنا – وقد صدر القبول في وقت متقدم على الوقت الذي علم فيه الموجب بهذا القبول – إلا أن نختار بين الوقتين ح وقت صدور القبول وقت العلم به .
فإذا نحن وقفنا عند صدور القبول ، فعلينا أن نختار بين الوقت الذي أعلن فيه القابل قبوله – وهذا هو مذهب إعلان القبول ( systeme de declaration ) – والوقت الذي يخرج فيه هذا القبول من يده في طريقه إلى الموجب إذ هو لا يملك استرداده بعد ذلك – وهذا هو مذهب تصدير القبول ( systeme d'expedition ) .
وإذا نحن جاوزنا صدور القبول إلى العلم به ، فعلينا أيضاً أن نختار بين الوقت الذي يصل فيه القبول إلى الموجب فنفرض علمه – به – وهذا هو مذهب تسلم القبول ( systeme de reception ) – والوقت الذي يعلم فيه الموجب فعلا بالقبول – وهذا هو مذهب العلم بالقبول ( systeme d'information ) .
هذه هي مذاهب أربعة ، لكل مذهب منها أنصار يقولون به .
123 – مذهب إعلان القبول : أما أنصار مذهب إعلان القبول فيقولون أن نظريتهم هي المنطبقة على القواعد العامة ، فالعقد توافق إرادتين ومتى أعلن الطرف الآخر قبوله للإيجاب المعروض عليه فقد توافقت الإرادتان وتم العقد . هذا إلى أن المذهب يتفق مع مقتضيات الحياة التجارية من وجوب السرعة في التعامل .
ويؤخذ على هذا المذهب خروجه على القواعد العامة من ناحيتين . فليس من الضروري أن تكون الإرادتان متوافقتين بإعلان القبول ، إذ يجوز أن يعدل الموجب ولا يصل عدوله إلى القابل إلا بعد صدور القبول . كذلك ليس من الصحيح أن القبول ينتج أثره بمجرد صدوره . فالقبول إرادة ، والإرادة لا تنتج أثرها إلا من وقت العلم بها .
124 – مذهب تصدير القبول : وأنصار هذا المذهب يتفقون في الواقع مع أنصار المذهب الأول ، فهم يكتفون بإعلان القبول ، ولكنهم يشترطون أن يكون هذا الإعلان نهائيا لا رجوع فيه . ولا يكون ذلك إلا إذا كان من صدر منه القبول قد بعث فعلا بقبوله إلى الموجب بحيث لا يملك أن يسترده ، بأن ألقاه في صندوق البريد أو سلمه لعامل البرق فبعث به أو أبلغه لرسول انطلق ليخبر به الموجب .
ويؤخذ على هذا المذهب أنه إذا كان إعلان القبول كافياً لتمام العقد ، فليس من القانون ولا من المنطق أن يزيده التصدير أية قيمة قانونية . على أن القبول المصدر يمكن استرداده كما تقضي بذلك لوائح البريد في كثير من البلاد ، والكتاب في البريد ملك للمرسل حتى يتسلمه المرسل إليه .
125 – مذهب تسليم القبول : وأنصار هذا المذهب يرون أن القبول لا يكون نهائياً بتصديره إذ يمكن استرداده وهو في الطريق ، وهو لا يكون نهائياً لا يسترد إلا إذا وصل إلى الموجب . ففي هذا الوقت يتم العقد ، سواء علم الموجب أو لم يعلم . على أن وصول القبول إلى الموجب قرينة على علم هذا به .
ومن ذلك نرى أن مذهب تسليم القبول يتذبذب بين مذهبي التصدير والعلم . فهو بين أن يكون قد اخذ بمذهب التصدير مستأنياً إذ لا يرى التصدير باتاً حتى يصل القبول إلى الموجب ، وبين أن يكون قد اخذ بمذهب العلم متعجلا إذ يجعل وصول القبول قرينة على هذا العلم .
والمذهب من حيث أنه صورة معدلة لمذهب التصدير لا يزيد في قيمته عن هذا ، فإن وصول القبول إلى الموجب دون علمه به لا يزيد إعلان القبول شيئاً من الناحية القانونية . وإذا قيل أن الكتاب يصبح ملكاً للمرسل إليه ، فإن المقصود من هذا هو الملكية المادية ، أما الملكية المعنوية فتبقى للمرسل .
أما إذا أريد بالتسلم أن يكون قرينة على العلم ، فإن كانت القرينة قاطعة اعوزها النص ، وإن كانت غير قاطعة فقد المذهب استقلاله واختلط بمذهب العلم بالقبول ، وهو المذهب الرابع الذي نتولى الآن بحثه .
126 - مذهب العلم بالقبول : والواقع أن المذهبين الرئيسيين هما مذهب إعلان القبول ومذهب العلم بالقبول ، وما عداهما فمتفرع عنهما ، ويرد إليهما . ولمذهب العلم بالقبول أنصار كثيرون . وهم لا يكتفون من القبول بإعلانه ، بل يشترطون علم الموجب به ، شأن كل إرادة يراد بها أن تنشيء أثراً قانونياً ، فهي لا يترتب عليها هذا الأثر إلا إذا علم بها من هي موجهة إليه . وهم يتخذون من وصول القبول قرينة على علم الموجب ، ولكنها قرينة قضائية يؤخذ بها أو لا يؤخذ ، وهي على كل حال تقبل إثبات العكس .
127 - النتائج التي تترتب على الأخذ بمذهب دون آخر : ونقارن الآن بين المذهبين الرئيسيين ، مذهب الإعلان ومذهب العلم ، في النتائج التي تترتب على الأخذ بمذهب منهما دون الآخر ، فيتبين الفرق بينهما فيما يأتي :
1 - إذا عدل الموجب عن إيجابه ووصل العدول إلى العلم القابل بعد إعلان القبول وقبل علم الموجب به ، فإن العقد يتم وفقاً لمذهب الإعلان ، ولا يتم وفقاً لمذهب العلم . كذلك من صدر منه القبول لو عدل عن قبوله وصول العدول إلى الموجب غير متأخر عن وصول القبول ، فإن العقد يتم وفقاً لمذهب الإعلان ، ولا يتم وفقاً لمذهب العلم .
2 - إذا كان العقد بيعاً واقعاً على منقول معين بالذات ، فإن ملكيته تنتقل إلى المشتري من وقت تمام العقد ، وتكون الثمار للمشتري من ذك الوقت أي من وقت العلم بالقبول إذا أخذنا بمذهب العلم ، أو من وقت إعلان القبول إذا أخذنا بمذهب الإعلان . وكعقد البيع أي عقد آخر ناقل للملكية .
3 - هناك مواعيد تسري من وقت تمام العقد كمواعيد التقادم بالنسبة إلى الالتزامات المنجزة التي تنشأ من العقد . فتسري هذه المواعيد من وقت العلم بالقبول وفقاً لنظرية العلم ، ومن وقت إعلان القبول وفقاً لنظرية الإعلان .
4 - في الدعوى البوليصية لا يستطيع الدائن الطعن في عقد صدر من مدينه إضراراً بحقه إلا إذا كان هذا العقد متأخراً في التاريخ عن الحق الثابت له في ذمة المدين . فلو أن هذا الحق قد ثبت في ذمة المدين في الفترة ما بين إعلان القبول والعلم به في العقد الذي يريد الدائن الطعن فيه ، فإنه يجوز للدائن الطعن في العقد وفقاً لنظرية العليم ، ولا يجوز له ذلك وفقاً لنظرية الإعلان .
5 - العقود التي صدرت من تاجر شهر افلاسه يتوقف نصيبها من الصحة والبطلان علىمعرفة وقت تمامها . ويختلف حظ هذه العقود بحسب ما إذا كانت قد تمت قبل المدة المشتبه فيها أو في أثناء هذه المدة أو بعد التوقف عن الدفع أو بعد شهر الافلاس . فتهم إذن معرفة وقت تمام العقد في مثل هذه الفروض ، فقد يعلن القبول في مرحلة من هذه المراحل ويحصل العلم به في مرحلة أخرى ، فيختلف الحكم على العقد باختلاف المذهب الذي يؤخذ به .
6 - تقضي قواعد القانون الدولي الخاص بأن القانون الذي يخضع له العقد هو القانون الذي أراده المتعاقدان وفقاً لنظرية سلطان الإرادة . ويكون هذا القانون عادة هو قانون الجهلة التي تم فيها العقد ( lex loci contractu ) . فإذا تم عقد بين شخصين ، وكان من صدر منه الإيجاب موجوداً في مصر وعلم بالقبول فيها ، ومن صدر منه القبول كان موجوداً في فرنسا وقت صدور القبول ، فإن العقد يخضع للقانون المصري إذا أخذنا بمذهب العلم ، ويخضع للقانون الفرنسي إذا أخذنا بمذهب الإعلان . والأخذ بأي المذهبين في تحديد المكان يحدد الزمان كذلك .
7 - قد يكون ارتكاب جريمة في بضع الفروض متوفقاً على تمام عقد مدني ، كجريمة التبديد فإنها تتم بتمام عقد البيع الذي يتصرف بموجبه المبدد في الأشياء التي كان مؤتمناً عليها . فيهم أن نعرف في أي مكان تم عقد البيع ، فإن هذا المكان هو الجهة التي وقعت فيه الجريمة ، ومحكمة هذه الجهة هي المحكمة المختصة بالنظر في التبديد . فإذا فرض أن المبدد وقت أن باع كان في بلد غير البلد الذي كان فيه المشتري ، فإن المحكمة المختصة تكون محكمة هذا البلد أو ذلك تبعاً للمذهب الذي يؤخذ به . وهذا المذهب هو الذي يعين أيضاً وقت تمام العقد .
128 - القوانين الأجنبية : وتأخذ بعض التقنينات الأجنبية الحديثة بمذهب العلم بالقبول . اخذ مبه التقنين الألماني ( م 130 ) ، والمشروع الفرنسي الإيطالي ( م 2 فقرة أولى ) ، والتقنين التجاري الإيطالي ( م 36 ) ، والتقنين الإسباني ( م 262 فقرة ثانية ) .
ويأخذ تقنين الالتزامات السويسري بمذهب تصدير القبول ( م 10 ) . ويأخذ التقنين المدني السوري الجديد بمذهب إعلان القبول ، فقد نصت المادة 98 من هذا التقنين على أنه " يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول ، ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بغير ذلك " . ونجد هنا أحد الفروق القليلة بين القانونين السوري والمصري ( 216 ) .
أما في فرنسا حيث لا يوجد نص تشريعي ، فالقضاء منقسم بين مذهبي إعلان القبول والعلم بالقبول . وتقضي محكمة النقض الفرنسية بأن تحديد وقت تمام العقد ومكانه مسألة يرجع فهيا إلى نية المتعاقدين ، وهي مسألة موضوعية لا رقابة لمحكمة النقض عليها ( 217 ) .
ب – أحكام القانون المصري
129 – القانون القديم : لم يشتمل القانون القديم على نص تشريعي في هذا الموضوع . فانقسم القضاء فيه ، سواء في ذلك القضاء الوطني أو القضاء المختلط .
أما القضاء الوطني فكان يميل إلى الأخذ بمذهب العلم بالقبول في المسائل المدنية على الأقل ( 218 ) .
وانقسم القضاء المختلط بين مذهبي العلم والإعلان ( 219 ) .
وبقى الفقه في مصر حائراً حيرة القضاء . ولكنه اتجه أخيراً إلى الأخذ بمذهب العلم بالقبول ( 220 ) .
130 – القانون الجديد : أما القانون الجديد فقد حسم هذا الخلاف الطويل بنصوص تشريعية واضحة ، اخذ فيها بمذهب العلم بالقبول . فهو قد وضع المبدأ الأساسي في تعيين الوقت الذي ينتج فيه التعبير عن الإرادة أثره ، فنص في المادة 91 على أنه " ينتج التعبير عن الإرادة أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك " . وقد مر الكلام في هذا النص . ثم طبق هذا المبدأ في نص خاص بالتعاقد فيما بين الغائبين . فقضت المادة 97 بما يأتي :
" 1 - يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول ، ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بغير ذلك .
2- ويفترض أن الموجب قد علم بالقبول في المكان وفي الزمان اللذان وصل إليه فيهما هذا القبول ( 221 ) " .
ويتبين من هذا النص أن القانون الجديد ترك تعيين المكان والزمان اللذين يتم فيهما العقد فيما بين الغائبين إلى اتفاق المتعاقدين . وتحديد ما إذا كان المتعاقدان قد اتفقا على شيء في هذا الصدد وما هو الشيء الذي اتفقا عليه يعتبر من المسائل الموضوعية ، فلا رقابة فيه لمحكمة النقض .
أما إذا لم يتفق المتعاقدان على شيء ولم يوجد نص قانوني خاص ، فيعتبر العقد قد تم في المكان والزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول . وهذا هو مذهب العلم بالقبول اخذ به القانون الجديد في صراحة ووضوح . وهو في هذا لم يزد على أن طبق المبدأ الأساسي الذي سبقت الإشارة إليه من أن الإرادة لا تنتج أثرها إلا في الوقت الذي تتصل فيه بعلم من وجهت إليه ، أي بعلم الموجب . ومن اجل ذلك يجب تفسير الفقرة الثانية من المادة 97 على أن الحكم الذي اوردته ليس إلا تطبيقاً لهذا المبدأ . فيكون وصول القبول قرينة على العلم به . وهي قرينة قانونية لأنها وردت في نص قانوني ، ولكنها قرينة غير قاطعة ، فيجوز إثبات العكس . وإذا كان النص لم يصرح بجواز إثبات العكس ، فإن هذا فمهوم من الرجوع إلى المبدأ الأساسي الذي ورد في العبارة الأخيرة من المادة 91 ، وهي تقضي بأن وصول التعبير عن الإرادة يعتبر " قرينة على العلم به ما لم يقم الدليل على عكس ذلك " – وقد رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 97 ليست إلا تطبيقا لهذا المبدأ الأساسي ، فينبغي أن تفسر على مقتضاه .
وقد تقضى النصوص القانونية في حالات خاصة ، كما قدمنا ، بتعيين المكان والزمان اللذين يتم فيهام العقد على غير الوجه المتقدم ، فتتبع هذه النصوص ، مثل ذلك ما ورد في المادة 599 من تجدد الإيجار تجداً ضمنياً ببقاء المستأجر في العين المؤجرة بعد انتهاء الإيجار بعلم المؤجر ودون اعتراض منه ، فيتم التجديد ببقاء المستأجر في العين دون حاجة أن يعلم بأن المؤجر لا يعترض على هذا البقاء ( 222 ) .
المطلب الثالث
مرحلة تمهيدية في التعاقد
( الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي والعربون )
131 – تعاقد غير نهائي : عالجنا فيما قدمناه كيف يتم التعاقد ، ووصلنا في ذلك إلى مرحلته النهائية ، فرأينا كيف يتم العقد على نحو بات نهائي . ولكن قد يسبق مرحلة التعاقد النهائي مرحلة تمهيدية تؤدي على وجه محقق أو غير محقق إلى المرحلة النهائية . وأبرز الصور لهذه المرحلة التمهيدية الوعيد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي والعربون .
1 – الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي ( * )
( Promesse de contrat – Contrat preliminaire )
( Avant – contrat )
132 – الصور العملية للوعد بالتعاقد وللاتفاق الابتدائي : الوعد بالتعاقد كثير الوقوع في الحياة العملية : يتوقع شخص حاجته في المستقبل إلى ارض بجوار مصنعه أو منزله ، أو هو الآن في حاجة إليها ولكن لا يستطيع شراءها فوراً ، فيكتفي بالتعاقد مع صاحب هذه الأرض على أن يتعهد هذا ببيع الأرض له إذا أبدى رغبته في الشراء في مدة معينة ، فيتقيد صاحب الأرض بالعقد دون أن يتقيد به الطرف الآخر . يقوم المستأجر بإصلاحات هامة في العين المؤجرة ، ويحصل قبل قيامه بهذه الإصلاحات من المالك على وعد ببيع العين له إذا رغب شراءها في خلال مدة الإيجار حتى ينتفع بهذه الإصلاحات انتفاعاً كاملاً . يعد المالك من تسلم الشيء بشرط مذاقه أن يبيعه إياه إذا هو أعلن رغبته في الشراء في مدة معينة ، وهذا ما يسمى ببيع المذاق ( م 422 ) . يؤجر المالك العين ويشترط على المستأجر أن يشتريها إذا هو أبدى رغبته في البيع في خلال مدة الإيجار ، وهذا هو الوعد بالشراء يقابل الوعد بالبيع في الصور المتقدمة . يفتح مصرف حساباً جارياً لعميل قبل أن يقرضه شيئاً ، فيكون هذا وعداً من المصرف بالإقراض عندما يريد العميل أن يقترض . ويلاحظ في كل هذه الصور – الوعد بالبيع والوعد بالشراء والوعد بالإقراض – أن العقد ملزم لجانب واحد هو الواعد ، أما الموعود له فلم يلتزم بشيء .
على أن هناك صوراً أخرى للوعد بالتعاقد يكون فهيا ملزما للجانبين : يريد شخصان التعاقد ولكنهما لا يستطيعان ذلك فوراً . يمنعهما من ذلك مثلا إجراءات لا بد منها في إبرام العقد النهائي كاستخراج مستندات ضرورية أو الحصول على إذن من المحكمة الشرعية أو المحكمة الحسبية أو نحو ذلك . أو يمنعهما ضرورة الكشف عن العقار لتبين ما عسى أن يثقله من الحقوق العينية . أو يمنعهما أن هناك مصروفات كثيرة يقتضيها إبرام العقد النهائي وشهره وهما لا يستطيعان الاضطلاع بها في الحال ( 223 ) . هذه بعض أمثلة من الموانع التي تحول دون إبرام العقد النهائي فوراً . ولكن المتعاقدين قد قرر قرارهما على إبرام العقد ، ويريدان التقيد به منذ الآن ، فيمضيان اتفاقاً ابتدائياً يعد كل منهما فيه الآخر بأن يمضي العقد النهائي في مدة تعين في الاتفاق . وهذا هو الاتفاق الابتدائي ، وهو وعد بالتعاقد ، ولكنه وعد ملزم للجانبين .
ولننظر الآن كيف ينعقد الوعد بالتعاقد ، في صورتيه الملزمة لجانب واحد والملزمة للجانبين ، وما الذي يترتب عليه من الآثار .
أ – كيف ينعقد الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي
133 – الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي ، عقد كامل لا مجرد إيجاب . ولكنه عقد تمهيدي لا عقد نهائي . وعلى هذين الأساسين ترتكز كل القواعد التي سنقررها في هذا الموضوع .
وأول ما يستخلص من ذلك أن الوعد بالتعاقد ، وكذلك الاتفاق الابتدائي ، وسط بين الإيجاب والتعاقد النهائي . وبيان هذا أن الواعد بالتعاقد – بالبيع مثلا – يلتزم بأن يبيع الشيء الموعود ببيعه إذا أبدى الطرف الآخر رغبته في الشراء . وهذا أكثر من إيجاب ، لأنه إيجاب قد اقترن به القبول فهو عقد كامل . ولكن كلا من الإيجاب والقبول لم ينصب إلا على مجرد الوعد بالبيع – أو على بيع تمهيدي في حالة الاتفاق الابتدائي – ولذلك يكون الوعد بالتعاقد ، وكذلك الاتفاق الابتدائي ، مرحلة دون التعاقد النهائي ، وهو خطوة نحوه .
134 – ما الذي يجب الاتفاق عليه في الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي : تنص الفقرة الأولى من المادة 101 من القانون المدني الجديد على أن " الاتفاق الذي يعد بموجبه كلا المتعاقدين أو إحداهما بإبرام عقد معين في المستقبل لا ينعقد ، إلا إذا عينت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه ، والمدة التي يجب إبرامه فيها ( 224 ) " . وهذا الحكم نتيجة منطقية من أن كلا من الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي هو خطوة نحو التعاقد النهائي ، فوجب أن يكون السبيل مهيأ لإبرام العقد النهائي بمجرد ظهور رغبة الموعود له في الوعد بالتعاقد الملزم لجانب واحد ، أو بمجرد حلول الميعاد في الاتفاق الابتدائي الملزم للجانبين .
والمسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه هي أركان هذا العقد . فإن كان بيعاً وجب أن يتفق الطرفان على المبيع والثمن ( 225 ) . وإن كان شركة وجب أن يتفقا على المشروع المالي الذي تكونت من اجله الشركة وعلى حصة كل شريك . وإن كان مقايضة وجب أن يتفقا على الشيئين اللذين يقع فيهما التقايض؛ وهكذا . فإذا لم يتم الاتفاق على جميع هذه المسائل ، فإن الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي لا ينعقدان .
وتعيين المدة التي يجب في خلالها إبرام العقد الموعود به ضروري أيضاً لانعقاد الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي . وهذا التعيين قد يقع صراحة على مدة محددة أو قابلة للتحديد ، وقد يقع دلالة كما إذا كان العقد الموعود به لا يجدي تنفيذه بعد فوات وقت معين ، فهذا الوقت هو المدة التي يجب في خلالها إبرام هذا العقد . وإذا اتفق الطرفان على أن تكون المدة هي المدة المعقولة ، وكان في عناصر القضية ما ينهض لتحديد هذه المدة ، جاز الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي لأن المدة هنا تكون قابلة للتحديد ، وإذا اختلف الطرفان على تديدها تكفل القاضي بذلك .
135 – الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي في العقود الشكلية : وإذا كان العقد الموعود به عقداً شكلياً ، كالهبة والرهن الرسمي والشركة ، فإن الشكل الذي يعتر ركناً فيه – ورقة رسمية أو ورقة مكتوبة – يعتبر أيضاً ركنا في الوعد بالتعاقد وفي الاتفاق الابتدائي . وهذا ما تقضي به صراحة الفقرة الثانية من المادة 101 ، فهي تنص على أنه " إذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين ، فهذا الشكل تجب مراعاته أيضا في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد ( 226 ) " .
فإذا لم يستوف الوعد بالتعاقد أو الاتفاق الابتدائي الشكل المطلوب وقع باطلا ( 227 ) . فالوعد بالرهن الرسمي إذا لم يفرغ في ورقة رسمية كان باطلا ، ولا يجوز إجبار الواعد على تنفيذ وعده تنفيذاً عينياً بأن يجبر على إبرام الرهن الرسمين لأن هذا يقتضي تدخلا شخصياً من الواعد لإتمام رسمية الرهن ، وإجباره على هذا التدخل الشخصي ممتنع . ولا يجوز كذلك أن يقوم الحكم على الواعد بالتنفيذ مقام الرهن الرسمي لأن الوعد بالرهن باطل كما قدمنا ، ولانه لو جاز ذلك لأمكن بطريق ملتو أن يصل الطرفان إلى إبرام رهن رسمي دون ورقة رسمية ، إذ يقتصران على وعد بالتعاقد غير رسمي يصلان به إلى حكم يقوم مقام الرهن الرسمي .
ولكن يجوز أن يؤدي الوعد بالرهن الرسمي غير المفرغ في ورقة رسمية إلى النتيجة الآتية : يعتبر عقداً غير معين ثم بإيجاب وقبول وفقاً لمبدأ سلطان الإرادة ، وتب التزاماً شخصياً في ذمة الواعد . ولما كان هذا الالتزام يتعذر تنفيذه معيبنا ، فلا يبقى إلا التعويض يحكم به على الواعد ، ويجوز أن يؤخذ به حق اختصاص فيؤدي عملا إلى نتيجة قريبة من الرهن الرسمي . كما يجوز الحكم بسقوط اجل القرض الذي كان يراد ضمانه بالرهن ، وأخذ حق اختصاص بمبلغ القرض ( 228 ) .
136 – شروط الانعقاد والصحة في العقد الموعود به ومتى تراعى في الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي : ولما كان الوعد هو خطوة نحو العقد النهائي ، فإن شروط هذا العقد من حيث الانعقاد والصحة قد تكون مطلوبة في عقد الوعد ذاته . ذلك أنه ، كما قدمنا ، لا يحول في الوعد دون الوصول إلى العقد النهائي إلا ظهور رغبة الموعود له إذا كان الوعد ملزماً لجانب واحد ، أو حلول الميعاد لإبرام العقد النهائي إذا كان الوعد ملزماً للجانبين ( أي اتفاقا ابتدائياً ) .
ويترتب على ذلك أن الوعد إذا كان ملزماً للجانبين ، فإن الأهلية المطلوبة لإبرام العقد النهائي في كل من الطرفين تكون مطلوبة أيضاً في الاتفاق الابتدائي . أما إذا كان الوعد ملزماً لجانب واحد ، فتقدر الأهلية بالنسبة إلى الواعد وقت الوعد ، فيجب أن يكون أهلاً للتعاقد النهائي في هذا الوقت حتى لو فقد الأهلية وقت التعاقد النهائي بأن حجر عليه مثلا ( 229 ) . وعيوب الإرادة بالنسبة إلى الواعد تقدر وقت الوعد أيضاً لأنه لا يصدر منه رضاء بعد ذلك إذ أن التعاقد النهائي يتم بمجرد ظهور رغبة الموعود له . أما اهلاية الموعود له فتقدر وقت التعاقد النهائي لا وقت الوعد ، فيصح أن يكون قاصراً وقت الوعد بشرط أن تتوافر فيه الأهلية وقت ظهور رغبته ، ذلك لأنه ل يلتزم بشيء وقت الوعد وإنما يلتزم عند التعاقد النهائي . على أنه يجب أن تتوافر فيه أهلية التعاقد – أي التمييز – وقت الوعد لأن الوعد عقد كامل كما قدمنا وهو أحد طرفيه . أما عيوب الإرادة فتقدر بالنسبة إليه وقت الوعد ووقت التعاقد النهائي معاً ، إذ أنه يصدر منه رضاء في كل من هذين الوقتين ، فيجب أن يكون رضاؤه في كل منهما صحيحاً .
وسواء كان الوعد ملزماً لجانب واحد أو ملزماً للجانبين فإن مشروعية المحل والسبب يكفي توافرها وقت التعاقد النهائي ، حتى إذا لم تكن متوافرة وقت الوعد .
4 - الآثار التي تترتب على الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي
137 - مرحلتان يفصلهما حلول الميعاد أو ظهور الرغبة : إذا انعقد الوعد صحيحاً على النحو الذي قدمناه ، فإن الأثر الذي يترتب عليه يجب أن نميز فيه بين مرحلتين . فإذا كان الوعد ملزماً للجانبين ( اتفاقاً ابتدائياً ) فإن حلول الميعاد المضروب لإبرام العقد النهائي هو الذي يفصل ما بين هاتين المرحلتين . أما إذا كان الوعد ملزماً لجانب واحد فإن الذي يفصل بينهما هو ظهور رغبة الموعود له في التعاقد النهائي .
138 – قبل حلول الميعاد أو ظهور الرغبة : ففي المرحلة التي تسبق حلول الميعاد أو ظهور الرغبة لا يكسب الوعد إلا حقوقاً شخصية ولا يرتب إلا التزامات ، حتى لو كان التعاقد النهائي من شأنها أن ينقل حقاً عينياً كما في البيع .
يتبين ذلك في الاتفاق الابتدائي ( الوعد الملزم للجانبين ) ، فإن كلا من الطرفين يكون ملزما ًن في المرحلة التي تسبق حلول الميعاد المضروب لإبرام العقد النهائي ، بإبرام هذا العقد عند حلول الميعاد ، وهذا التزام بعمل . ويتبين ذلك أيضاً في الوعد الملزم لجانب واحد ، فإن الواعد وحده يترتب في ذمته التزام شخصي أن يقوم بوعده عند ظهور رغبة الموعود له ، وهذا أيضاً هو التزام بعمل ، أما الموعود له فلا يلتزم بشيء .
فإذا كان العقد النهائي المراد إبرامه هو عقد بيع ، وتم اتفاق ابتدائي ملزم للجانبين على عقده ، أو تم وعد ملزم لجانب واحد ، فإن الموعود له بالبيع في الحالتين لا يكسب في هذه المرحلة إلا حقاً شخصياً في ذمة الواعد ، ولا تنتقل إليه ملكية الشيء الموعود ببيعه . ويترتب على ذلك أمران لا يخلوان من أهمية عملية :
( أولاً ) يبقى الواعد مالكاً للشيء . فله أن يتصرف فيه إلى وقت التعاقد النهائي ، ويسرى تصرف الواعد في حق الموعود له متى توافرت الشروط المتعلقة بالشهر بالنسبة إلى العقار . فإذا باع العين وسجل البيع ، فليس للموعود له إلا الرجوع بتعويض على الواعد .
( ثانياً ) إذا هلك الشيء قضاء وقدراً تحمل الواعد تبعة هلاكه ، لا لأنه لم يسلمه إلى المتعاقد الآخر فحسب كما في العقد النهائي ، بل أيضاً لأنه لا يزال المالك . ولكنه لا يكون مسئولا عن الضمان نحو الموعود له إذ المفروض أن الشيء قد هلك قضاء وقدراً ( 230 ) .
139 - بعد حلول الميعاد أو ظهور الرغبة : أما المرحلة الثانية فتحل . في الاتفاق الابتدائي الملزم للجانبين ، بحلول الميعاد المحدد لإبرام العقد النهائي . فإذا حل هذا الميعاد التزم كل من الطرفين بإجراء العقد النهائي ، وجاز إجباره على التنفيذ عيناً على النحو الذي سنبينه فيما يلي . ومتى وقع التعاقد النهائي التزم كل من المتعاقدين بأحكامه ( 231 ) .,
وتحل المرحلة الثانية في الوعد الملزم لجانب واحد بظهور رغبة الموعود له في إبرام العقد الموعود به وذلك في خلال المدة المتفق عليها . فإذا لم تظهر هذه الرغبة قبل انقضاء المدة سقط الوعد بالتعاقد . أما إذا ظهرت ، صراحة أو ضمناً كأن تصرف الموعود له في الشيء الموعود ببيعه إياه . فإن التعاقد النهائي يتم بمجرد ظهور هذه الرغبة ولا حاجة لرضاء جديد من الواعد ( 232 ) ويعتبر التعاقد النهائي قد تم وقت ظهور الرغبة لا من وقت الوعد .
وإذا اقتضى إبرام العقد النهائي تدخلا شخصياً من الواعد ، في حالتي الوعد الملزم للجانبين والوعد الملزم لجانب واحد ، كما إذا كان هذا العقد بيعاً واقعاً على عقار ولزم التصديق على إمضاء البائع تمهيداً للتسجيل ، فامتنع البائع عن ذلك ، جاز استصدار حكم ضده ، وقام الحكم متى حاز قوة الشيء المقضي مقام عقد البيع ، فإذا سجل انتقلت ملكية العقار إلى المشتري . ويستثنى من هذه القاعدة العقد الشكلي إذا لم يكن الوعد به قد استوفى الشكل المطلوب ، فقد قدمنا أن الحكم فيه لا يقوم مقام العقد ، بل يقتصر القاضي على الحكم بالتعويض . أما إذا كان الوعد بعقد شكلي قد استوفى الشكل الواجب ، فإن الحكم في هذه الحالة يقوم مقام العقد . وهذه الأحكام نص عليها القانون المدني الجديد صراحة في المادة 102 ، فهي تقضي بأنه " إذا وعد شخص بإبرام عقد ثم نكل وقاضاه المتعاقد الآخر طالبا تنفيذ الوعد ، وكانت الشروط اللازمة لتمام العقد وبخاصة ما يتعلق منها بالشكل متوافرة ، قام الحكم متي حاز قوة الشيء المقضي به مقام العقد ( 233 ) " .
2 - العربون
( Les arrhes )
140 – العربون ودلالته في القوانين الأجنبية : يتفق أحياناً أن يدفع أحد المتعاقدين للأخر عند إبرام العقد مبلغاً من المال – يكون عادة من النقد – يسمى العربون . وأكثر ما يكون ذلك في عقد البيع وفي عقد الإيجار ، فيدفع المشتري للبائع أو المستأجر للمؤجر جزءاً من الثمن أو من الأجرة . ويكون غرض المتعاقدين من ذلك إما حفظ الحق لكل منهما في العدول عن العقد بأن يدفع من يريد العدول قدر هذا العربون للطرف الآخر ، وإما تأكيد العقد والبت فيه عن طريق البدء في تنفذه بدفع العربون .
وقد انقسمت القوانين الأجنبية بين هاتين الدلالتين المتعارضتين . فالقوانين اللاتينية بوجه عام تأخذ بدلالة العدول ( 234 ) ، أما القوانين الحرمانية فتأخذ بدلالة البت ( 235 ) . وغنى عن البيان أن كلتا الدلالتين قابلة لإثبات العكس ، فإذا تبين من اتفاق المتعاقدين أو من الظروف أن المقصود من العربون هو غير ما يؤخذ من دلالته المفروضة وجب الوقوف عند ما أراده المتعاقدان .
141 – العربون في القانون المدني القديم : لم يرد نص عن هذه المسألة في القانون المدني القديم ، فكان القضاء المصري يتردد بين الدلالتين ( 236 ) . وكان في ذلك يأخذ بنية المتعاقدين ( 237 ) . ويفسر هذه النية عند غموضها في ظل العرف الجاري . والظاهر أن العرف في مصر يميزيين البيع والإيجار . ففي البيع تكون دلالة العربون في العقد الابتدائي جواز العدول وفي العقد النهائي التأكيد والبت ( 238 ) . أما في الإيجار فالعربون دليل على التأكيد والبت لا على جواز العدول ، ويعتبر تعجيلا لجزء من الأجرة تنفيذاً للعقد .
142 – العربون في القانون المدني الجديد : اخذ القانون المدني الجديد ، حسما للخلاف والتردد ، بدلالة جواز العدول . ومن هنا كان العقد المقترن بعربون مرحلة غير باتة في التعاقد النهائي ، إذ يجوز العدول عنه .
وقد نصت المادة 103 من القانون الجديد على ما يأتي :
1 - دفع العربون وقت إبرام العقد يفيد أن لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه ، إلا إذا قضي الاتفاق بغير ذلك .
2 - فإذا عدل من دفع العربون وقت ، فقده . وإذا عدل من قبضه ، رد ضعفه . هذا ولو لم يترتب على العدول أي ضرر ( 239 ) " .
ويتبين من هذا النص أنه إذا دفع عربون وقت إبرام العقد ، ولم يتفق المتعاقدان صراحة أو ضمناً على أنه إنما دفع لتأكيد البتات في التعاقد ، كان دفعه دليلا على أن المتعاقدين ارادا أن يكون لكل منهما الحق في العدول عن العقد ، يستوى في ذلك البيع والإيجار وأي عقد آخر . فإذا لم يعدل أحد منهما عن العقد في خلال المدة التي يجوز له فيها العدول ، أصبح العقد باتاً ، واعتبر العربون تنفيذاً جزئياً له ، ووجب استكمال التنفيذ . أما إذا عدل أحد المتعاقدين عنه في المدة التي يجوز له فيها ذلك ، وجب على من عدل أن يدفع للطرف الآخر قدر العربون جزاء العدول . فإذا كان هو الذي دفع العربون فإنه يفقده ، ويصبح العربون حقاً لمن قبضه . أما إذا كان الطرف الذي عدل هو الذي قبض العربون ، فإنه يرده ويرد مثله ، أي يرد ضعفيه ( 240 ) ، للطرف الآخر ، حتى يكون بذلك قد دفع قيمة العربون جزاء عدوله عن العقد . ويلاحظ أن النص يرتب التزاماً بدفع قيمة العربون في ذمة الطرف الذي عدل عن العقد ، لا تعويضاً عن الضرر الذي أصاب الطرف الآخر من جراء العدول ، فإن الالتزام موجود حتى لو لم يترتب على العدول أي ضرر كما هو صريح النص ، بل تفسيراً لنية المتعاقدين ، فقد فرض المشرع أن المتعاقدين أرادا إثبات حق العدول لكل منهما في نظير الالتزام بدفع قدر العربون فجعلا العربون مقابلا لحق العدول . وفي هذا يختلف العربون عن الشرط الجزائي ، فإن هذا الشرط تقدير اتفق عليه المتعاقدان لقيمة التعويض عن الضرر الذي ينشأ عن الإخلال بالعقد ، ومن ثم جاز للقاضي تخفيض هذا التقدير إذا كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة ، بل جاز له إلا يحكم به أصلاً إذا لم يلحق الدائن أي ضرر . وسيأتي بيان ذلك عند الكلام في الشرط الجزائي ( 241 ) .
أما إذا اتفق المتعاقدان صراحة أو ضمناً على أن دفع العربون إنما كان لتأكيد العقد لا لإثبات حق العدول ، وجبت مراعاة ما اتفقا عليه . فلا يجوز لأحد منهما العدول عن العقد ، ولكل منهما مطالبة الآخر بتنفيذه . ويعتبر العربون تنفيذا جزئياً يجب استكماله . وتجري على العقد الذي أبرم القواعد العامة التي تجري على سائر العقود من جواز المطالبة بالتنفيذ العيني أو بالتعويض أو بالفسخ . وإذا فسخ العقد وترتب على الفسخ تعويض ، فليس من الضروري أن يقدر التعويض بقدر العربون ، فقد يكون أكثر أو أقل بحسب جسامة الضرر .
المبحث الثاني
صحة التراضي
143 – الأهلية وعيوب الإرادة : كل ما قدمناه إنما هو في وجود التراضي . ولا يكفي أن يكون التراضي موجوداً ، بل يجب أيضاً أن يكون صحيحاً . والتراضي لا يكون صحيحاً إلا إذا كان صادراً من ذي أهلية ولم نكن إرادة أحد المتعاقدين مشوبة بعيب ( 242 ) . وعيوب الإرادة هي الغلط والتدليس والإكراه والاستغلال .
ونبدأ بالكلام في الأهلية ، ثم في عيوب الإرادة .
المطلب الأول
الأهلية ( * )
( La capacite )
144 – القانون القديم والقانون الجديد : اقتصر القانون القديم في الأهلية على الإحالة إلى قانون الأحوال الشخصية بعد أن ميز بين الأهلية المقيدة والأهلية المطلقة ( م 129 – 130 / 189 – 190 قديم ) ، ثم ذلك أن الجزاء مع نقص الأهلية هو أبطال العقد ( م 131 – 132 / 191 – 192 قديم ) .
أما القانون الجديد فقد عرض لأحكام الأهلية في شيء من التفصيل ، فاشتركت نصوصه مع نصوص قانون المحاكم الحسبية ( قانون رقم 99 لسنة 1947 الصادر في 13 يوليه سنة 1947 ) في كثير من الأحكام التي تطبق على جميع المصريين ، مسلمين أو غير مسلمين ، وهذا شطر من قانون الأحوال الشخصية تم توحيده للمصريين كافة . أما الأجانب فتطبق عليهم قوانين الجنسيات التي ينتمون إليها لأن الأهلية تعتبر من الأحوال الشخصية ( م 11 جديد ) ( 243 ) .
ونبحث في ايجاز النظرية العامة في الأهلية ، ثم ننتقل إلى الأحكام التي وردت عنها في القانون الجديد .
1 – النظرية العامة في الأهلية
145 – أهلية الوجوب : يميز الفقهاء بين أهلية الوجوب ( capacite de jouissance ) وأهلية الأداء ( capacite d'exercice ) .
ويعرف علماء أصول الفقه الإسلامي أهلية الوجوب بأنها صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه . وأهلية الوجوب بهذا التعريف هي في الواقع الشخص ذاته منظوراً إليه من الناحية القانونية . فالشخص ، سواء كان شخصاً طبيعاً أو شخصاً اعتبارياً ، إنما ينظر إليه القانون من ناحية أنه صالح لأن تكون له حقوق وعليه واجبات . فكل إنسان – بعد أن أبطال الرق – شخص قانوني تتوافر فيه أهلية الوجوب . وتثبت له هذه الأهلية من وقت ميلاده ، بل وقبل ذلك من بعض الوجوه عندما يكون جنيناً ، إلى وقت موته ، بل وبعد ذلك إلى حين تصفية تركته وسداد ديونه . وكذلك الشخص الاعتباري شخص قانوني تتوافر فيه أهلية الوجوب ، لأن الشخصية الاعتبارية ليست في الواقع إلا القابلية لامتلاك الحقوق وتحمل الواجبات .
فإذا انعدمت أهلية الوجوب انعدمت الشخصية معها ، وذلك كالجنين يولد ميتاً ، وكالميت بعد سداد ديونه ، وكجماعة من الناس ليست له شخصية معنوية ، وكالشركة بعد أن تصفى ، وكالرقيق في القوانين التي كانت تبيح الرق ، وكمن يحكم عليه بالموت المدني في القوانين التي كانت تبيح ذلك ، وكالراهب في قوانين بعض الطوائف الدينية ( 244 ) .
146 – أهلية الأداء : وأهلية الأداء هي صلاحية الشخص لاستعمال الحق . ويقع أن تتوافر للشخص أهلية الوجوب دون أهلية الأداء ، فيكون مستمتعاً بالحق ، وهذه هي أهلية الوجوب ، دون أن يستطيع استعماله بنفسه ، وهذه هي أهلية الأداء . ويتبين من ذلك أنه يمكن فصل أهلية الوجوب عن أهلية الأداء فصلا تاماً . والذي يعنينا هنا هو أهلية الأداء ، فإذا أطلقنا الأهلية كانت هي المقصودة .
ويمكن تقسيم العقود من حيث الأهلية إلى أقسام أربعة : 1 – عقود اغتناء ، وهي عقود يغتني من يباشرها دون أن يدفع عوضاً لذلك كالهبة بالنسبة إلى الموهوب له . 2 – عقود إدارة ، وهي عقود ترد على الشيء لاستغلاله كالايجار بالنسبة إلى المؤجر . 3 – عقود تصرف ، وترد على الشيء للتصرف فيه بعوض كالبيع بالنسبة إلى كل من البائع والمشتري . 4 – عقود تبرع ، وترد على الشيء للتصرف فيه بغير عوض كالهبة بالنسبة إلى الواهب .
فمن توافرت فيه الأهلية كاملة كان صالحاً لمباشرة هذه الأقسام الأربعة من العقود . ومن كان ناقص الأهلية فهو لا يصلح إلا لمباشرة بعض هذه الأقسام ، كالصبي المميز يصلح لمباشرة عقود الاغتناء وعقود الإدارة ، ولا يصلح وحده لمباشرة عقود التصرف ، ولا يصلح أصلاً لمباشرة عقود التبرع . وقد تكون الأهلية معدومة كما هي حال الصبي غير المميز ، فهو لا يصلح لمباشرة أي قسم من هذه الأقسام الأربعة .
147 – تحميص الأهلية بتمييزها عن غيرها مما يلتبس بها : الأهلية مناطها التمييز ، لأن الإرادة لا تصدر إلا عن تمييز فمن كان كامل التمييز كان كامل الأهلية ، ومن نقص تمييزه كانت أهليته ناقصة ، ومن انعدم تمييزه انعدمت أهليته .
ويجب التفريق بين الأهلية والولاية على المال . فالأهلية هي ما عرفنا . أما الولاية على المال فهي نفاذ الأعمال القانونية على مال الغير . مثل ذلك الولي والوصي والقيم والوكيل عن الغائب ، كل هؤلاء لهم الأولية على مال الصغير والمحجور والغائب ، فلا يقال إن الولي له أهلية التصرف في مال الصغير ، بل يقال إن له ولاية التصرف في هذا المال . فالولاية صلاحية بالنسبة إلى مال الغير ، أما الأهلية فصلاحية بالنسبة إلى مال الشخص نفسه .
كذلك يجب التفريق بين عدم الأهلية وعدم قابلية المال للتصرف . فالقاصر غير أهل للتصرف في ماله ، ويرجع ذلك لنقص في التمييز عنده . أما من وقف ماله فلا يستطيع التصرف فيما وقفه ، لا لنقص في الأهلية عنده راجع إلى نقص في التمييز ، بل لعدم قابلية المال الموقوف ذاته للتصرف .
ويجب التفريق أخيراً بين عدم الأهلية والمنع من التصرف . فقد يمنع شخص من التصرف لمصلحة مشروعة ، ولا يرجع ذلك لنقص في التمييز عند الشخص الممنوع كما في نقص الأهلية ، ولا لعدم قابلية المال للتصرف . مثل ذلك منع الشخص من أن يبيع ماله في مرض الموت إلا في حدود معينة ، وقد روعيت في ذلك مصلحة الورثة ، ومنع الزوجة في بعض الشرائع من التصرف إلا بإذن زوجها ، وقد روعيت في ذلك مصلحة الشركة المالية ما بين الزوجين ورئيسها الزوج . فإذا زال المانع صح التصرف ، كما إذا اجازت الورثة في الحالة الأولى أو انفصمت عرى الزوجية في الحالة الثانية . ويلاحظ أن المنع من التصرف يلحق الشخص ، أما عدم القابلية للتصرف فيلحق المال ( 245 ) .
148 – الأصل في الشخص أن يكون ذا أهلية : والمفروض في الشخص أن يكون كامل الأهلية ما لم يسلب القانون أهليته أو يحد منها . وهذا ما قضت به المادة 109 إذ نصت على أن " كل شخص أهل للتعاقد ما لم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون ( 246 ) " .
فعبء إثبات عدم الأهلية يقع على من يدعيه ( 247 ) . فإذا نجح في إثبات عدم أهليته كان له أن يبطل العقد الذي صدر منه . ولا يجوز للطرف الآخر أن يحتج بأنه كان يعتقد أنا لمتعاقد معه ذو أهلية ( 248 ) . أما إذا لجأ ناقص الأهلية إلى طرق احتيالية ليخفي نقص الهليته ، فمع أن له أن يطلب إبطال العقد لنقص الأهلية ، إلا أنه يكون مسئولا عن التعويض للغش الذي صدر منه . وهذا ما تقضي به المادة 119 إذ تنص على أنه " يجوز لناقص الأهلية أن يطلب أبطال العقد ، وهذا مع عدم الإخلال بالزامه بالتعويض إذا لجأ إلى طرق احتيالية ليخفى نقص أهليته ( 249 ) " . ولا يكفى لتطبيق هذا النص أن يقتصر ناقص الأهلية على التأكيد بأنه كاملها ، بل يجب أن يستعين ، وهو يؤكد كمال أهليته ، بطرق احتيالية كأن يقدم شهادة ميلاد مزورة ليثبت أنه بلغ سن الرشد . وهذا الذي قضى به النص الصريح في القانون الجديد كان القضاء المصري يعمل به في ظل القانون القديم تطبيقاً للقواعد العامة ( 250 ) .
149 – أحكام الأهلية من النظام العام : وأحكام الأهلية من النظام العام ، فلا يجوز أن يعطي شخص أهلية غير متوافرة عنده ، ولا أن يوسع عليه فيما نقص عنده منها . كما لا يجوز الحرمان من أهلية موجودة أو الانتقاص منها . وكل اتفاق على شيء من ذلك يكون باطلا . وإلى تشير المادة 48 من القانون الجديد إذ تنص على أنه " ليس لأحد النزول عن أهليته ولا التعديل في أحكامها " .
2 – أحكام الأهلية
في القانون المدني الجديد وقانون المحاكم الحسبية
150 – العوامل التي تتاثر بها الأهلية : لما كانت أهلية الأداء مناطها التمييز كماقدمنا ، فهي تتأثر بالسن دائماً . وقد تتأثر بعوارض تعق أو لا تقع في شأنها أن تؤثر في التمييز ، كالجنون والعتة والغفلة ( 251 ) .
أ – تأثر الأهلية بالسن
151 – الأدوار الطبيعية في حياة الإنسان : الأدوار الطبيعية التي يمر بها الإنسان من وقت أن يولد إلى أن يموت ادوار ثلاثة : 1 – من وقت ولادته إلى سن التمييز 2 – من سن التمييز إلى سن البلوغ . 3 – من سن البلوغ إلى الموت .
152 – الصبي غير المميز : تقدر سن التمييز بسبع سنوات . وكل من لم يبلغ السابعة يعتبر فاقداً للتمييز معدوم الأهلية ( م 45 فقرة 2 ) . وقد نصت المادة 110 على أنه " ليس للصبي غير المميز حق التصرف في ماله ، وتكون جميعه تصرفاته باطلة ( 252 ) " . فالصبي غير المميز لا يستطيع أن يباشر أي عقد . وليس هذا مقصوراً على عقود التبرع وعقود التصرف وعقود الإدارة ، بل يمتد أيضاً إلى عقود الاغتناء ، فلا يستطيع الصبي غير المميز أن يقبل الهبة لأنه فاقد التمييز ، فلا تكون لارادته اثر .
وتثبت الولاية على ماله لوليه ثم لوصيه .
وولى الصغير هو الأب ثم الجد الصحيح . وبهذا تقضي المادة 7 من قانون المحاكم الحسبية إذ تنص على أن " للأب ثم للجد الصحيح ( 253 ) الولاية على مال القاصر ، وعليه القيام بها ، ولا يجوز أن يتنحى عنها إلا بإذن المحكمة " . فإذا لم يكن للصغير ولي ، ولم يعين الأب وصياً مختاراً ( 254 ) ، تعين المحكمة وصياً ، وهذا ما تقضي به المادة 15 من قانون المحاكم الحسبية إذ تنص على أنه " إذا لم يكن للقاصر أو الحمل المستكن وصى مختار تعين المحكمة وصياً " .
أما الحدود التي يتصرف في نطاقها الولي والوصي في مال القاصر فمرسومة في قانون المحاكم الحسبية وفي قواعد الشرعية الإسلامية . وإلى هذا تشير المادة 118 من القانون المدني الجديد إذ تنص على أن " التصرفات الصادرة من الأولياء والأوصياء والقوات تكون صحيحة في الحدود التي يرسمها القانون ( 255 ) " . وكذلك تنص المادة 47 من هذا القانون على أنه " يخضع فاقدو الأهلية وناقصوها بحسب الأحوال لأحكام الولاية أو الوصاية أو القوامة بالشروط ووفقاً للقواعد المقررة في القانون " .
فللولى أن يباشر عن الصغير أهلية الاغتناء وأهلية الإدارة وأهلية التصرف ، حتى بالغبن اليسير ، ولكن الغبن الفاحش لا يجوز . أما أهلية التبرع فلا يستطيع الولى أن يباشرها ، إلا أن يكون التبرع لأداء واجب إنساني أو عائلي وأذنت به المحكمة ، ( أنظر المادة ) من قانون المحاكم الحسبية ) . ويجوز للمحكمة أن تحد من ولاية الولي أو أن تسلبه إياها " إذا أصبحت أموال القاصر في خطر بسبب سوء تصرف الولي أو لأي سبب آخر أو خيف عليها منه " ( م 10 من قانون المحاكم الحسبية ) .
وولاية الوصى – اختاره الأب أو أقامه القاضي – أضيق من ولاية الولى . فهو يباشر عن الصغير أهلية الاغتناء فيقبل عنه الهبات ، إلا إذا كانت مقترنة بشرط فيجب إذن المحكمة في القبول أو الرفض . ويباشر أهلية الإدارة ، ولكن لا بد من إذن المحكمة : في إيجار عقار القاصر لمدة أكثر من ثلاثة سنوات في الأراضي الزراعية ولمدة أكثر من سنة في المباني ، وفي إيجار عقار القاصر لمدة تمتد إلى ما بعد بلوغه سن الرشد لأكثر من سنة ، وفي استثمار الأموال ، وتصفيتها ، واقتراض المال للقاصر ، وفي الإنفاق من مال القاصر على من تجب عليه نفقهم إلا إذا كانت النفقة مقضياً بها من جهة ، وفي الوفاء بالالتزامات التي تكون على التركة أو على القاصر ما لم يكن قد صدر بها حكم واجب التنفيذ ، وفيما يصرف في تزويج القاصر . ( أنظر في كل ذلك المادة 20 من قانون المحاكم الحسبية ) . ويباشر أهلية التصرف ولكن لا بد دائماً من إذن المحكمة ، سواء كان التصرف في أموال القاصر بالبيع أو الشراء أو المقايضة أو الشركة أو الإقراض أو الرهن أو أي نوع آخر من أنواع التصرفات الناقلة للملكية أو المرتبة لحق عيني . ويدخل في ذلك تحويل الديون التي تكون للقاصر ، وقبول الحوالة عليه . والتنازل عن التأمينات أو إضعافها . والصلح والتحكيم ، ورفع الدعاوى إلا ما يكون في تأخير رفعها ضرر بالقاصر أو ضياع حق له . ( أنظر في كل ذلك المادة 20 من قانون المحاكم الحسبية ) . أما أهلية التبرع فلا يستطيع الوصى أن يباشرها ولو بإذن المحكمة ، وإلى هذا تشير المادة 18 من قانون المحاكم الحسبية إذ تنص على أن " تصرف الوصى في مال القاصر بطريق التبرع الباطل " .
153 – الصبي المميز : يعتبر الصبي مميزاً من وقت بلوغه سن التمييز أي سن السابعة إلى وقت بلوغه سن الرشد أي سن الإحدى والعشرين . وتنص المادة 6 على أنه " كل من بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد ، وكل من بلغ سن الرشد وكان سفيهاً أو ذا غفلة ، يكون ناقص الأهلية وفقاً لما يقرره القانون " ويقرر القانون في المادة 111 أحكام تصرفات الصبي المميز على النحو الآتي :
" إذا كان الصبي مميزا كانت تصرفاته المالية صحيحة متى كانت نافعة نفعا محضا ، وباطلة متى كانت ضارة ضرراً محضاً " .
2 - أما التصرفات المالية الدائرة بين النفع والضرر ، فتكون قابلة للأبطال لمصلحة القاصر ، ويزول حق التمسك بالأبطال إذا أجاز القاصر التصرف بعد بلوغه سن الرشد ، أو إذا صدرت الإجازة من ولية أو من المحكمة يحسب الأحوال وفقا للقانون ( 256 ) " .
ويتبين من ذلك أن الصبي المميز له أهلية الاغتناء ، فيستطيع قبول الهبات لأن ذلك نافع له نفعاً محضاً . وليست له أهلية التبرع ولا يستطيع أحد أن يباشرها عنه إلا في الحدود التي قدمناها ، فلا يستطيع أن يهب شيئاً من ماله لأن ذلك ضار به ضرراً محضاً . أما أهلية الإدارة وأهلية التصرف ، وهي الأعمال الدائرة بين النفع والضرر ، فلا يملكها ، ولكن يباشرها عنه الولى أو الوصي في الحدود المتقدم ذكرها في حالة الصبي غير المميز .
ويستثنى من الأحكام المتقدم ذكرها الصبي المميز إذا بلغ الثامنة عشرة من عمره . فقد نصت المادة 112 على أنه " إذا بلغ الصبي المميز الثامنة عشرة من عمره وأذن له في تسلم أمواله لإدارتها ، أو تسلمها بحكم القانون ( 257 ) ، كانت أعمال الإدارة الصادرة منه صحيحة في الحدود التي رسمها القانون ( 258 ) " . والقانون هنا هو قانون المحاكم الحسبية . وقد نص في المادة الثانية منه على ما يأتي : " ليس للقاصر أن يتسلم أمواله قبل بلوغ سن الرشد ، ومع ذلك فإذا بلغ الثامنة عشرة من عمره جاز له بإذن من المحكمة أن يتسلم كل هذه الأموال أو بعضها لإدارتها بعد سماع أقوال الوصي . وإذا رفضت المحكمة الإذن لا يجوز له أن يجدد طلبه قبل مضى سنة من وقت صدور القرار النهائي بالرفض " . وتكفلت المادة الثالثة برسم الحدود التي يتصرف في نطاقها الصبي المأذون ، فنصت على أن " للقاصر المأذون له أن يباشر أعمال الإدارة بما في ذلك أعمال الصيانة الضرورية لحفظ الأموال المسلمة إليه . ويدخل في أعمال الإدارة كل عمل من أعمال التصرف تقتضيه هذه الإدارة كبيع الحاصلات وشراء ما يلزم للزراعة ( 259 ) . ولا يجوز له بغير إذن من المحكمة أن يزاول أعمال التجارة أو أن يؤجر المباني أو الأراضي الزراعية لمدة تزيد على سنة . وكذلك ليس له أن يستوفى حقاً أو أن يوفى ديناً إلا إذا ترتبا على أعمال اداراته . ولا يجوز له أن يتصرف في صافي دخله إلا بالقدر اللازم لسد نفقاته ومن تلزمه نفقتهم قانوناً . ويعتبر القاصر المأذون له كامل الأهلية فيما أذن له به وفي التقاضي فيه ( 260 ) " .
ويستثنى كذلك الصبي المميز في إدارة ماله الذي كسبه من عمله الخاص متى بلغ السادسة عشرة . فقد نصت المادة السادسة من قانون المحاكم الحسبية على أن " للقاصر متى بلغ السادسة عشرة الحق في أن يتولى إدارة ماله الذي كسبه من عمله الخاص . ولا يكون ضامناً لديونه الناشئة عن هذه الإدارة إلا بقدر ذلك المال دون غيره من أمواله الأخرى " .
154 – البالغ الرشيد : تقضي المادة 44 من القانون المدني الجديد بأن " 1 - كل شخص بلغ سن الرشد متمتعا بقواه العقلية ، ولم يحجر عليه ، يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية . 2 - وسن الرشد هي إحدى وعشرون سنة ميلادية كاملة ( 261 ) " . وهذه السن عامة لجميع المصريين ، مسلمين أو غير مسلمين . فمتى بلغ القاصر هذه السن غير مجنون ولا معتوه وغير محكوم عليه باستمرار الولاية أو الوصاية لسبب من أسباب الحجر أصبح رشيداً أي كامل الأهلية . أما إذا كان قبل بلوغه هذه السن قد حكم عليه باستمرار الولاية أو الوصياة لجنون أو عته أو غفلة أو سفه ( 262 ) ، أو لم يحكم عليه ولكنه بلغ السن مجنوناً أو معتوهاً . فتستمر الولاية عليه أو الوصاية يحسب الأحوال ( 263 ) . ويترتب على ذلك أنه إذا بلغ السن وكان ذا غفلة أو سفيهاً ولم يكن قد حكم عليه باستمرار الولاية أو الوصاية للغفلة أو السفه ، فإنه يصبح رشيداً كامل الأهلية ، وإذا أريد الحجر عليه بعد ذلك وجب استصدار حكم بالحجر ، وتختار المحكمة له قيما قد يكون غير الولى أو الوصى .
فإذا بلغ القاصر سن الحادية والعشرين رشيداً كملت أهليته . وكان له بلك أهلية اغتناء وأهلية الإدارة وأهلية التصرف وأهلية التبرع ، يباشر كل ذلك بنفسه . ويسلمه وليه أو وصيه ماله ليكون حر التصرف فيه . وكل دعوى للقاصر على وصيه ( أو للمحجور عليه على قيمه ) تكون متعلقة بأمور الوصاية ( أو القوامة ) تسقط بمضى خمس سنوات من التاريخ الذي انتهت فيه الوصاية ( القوامة ) : أنظر م 36 من قانون المحاكم الحسبية . كذلك يقع باطلا كل تعهد أو مخالصة يحصل عليها الوصي من القاصر الذي بلغ سن الرشد إذا صدرت المخالصة أو التعهد قبل الفصل نهائياً في الحساب ( أنظر المادة 35 من قانون المحاكم الحسبية ) .
على أنه قد يصيب الشخص بعد بلوغه سن الرشد عارض من عوارض الأهلية ، وهي التي سنتكلم عليها فيما يلي .
4 - تأثر الأهلية بعوامل أخرى غير السن
( عوارض الأهلية )
155 – حصر عوارض الأهلية : قد بلغ الإنسان سن الرشد ، ولكن أهليته تتأثر بعد ذلك بعارض يرجع إلى التمييز . والعوارض أربعة : الجنون ، والعته ، والغفلة ، والسفه . ويلاحظ أن السفه إنما هو نقص في التمييز في دائرة التصرفات المالية ، ولذلك اندرج بين عوارض الأهلية .
وسنرى أن من يغيب غيبة منقطعة يقام عنه وكيل ، ومن حكم عليه بعقوبة جنائية ينصب قيم عليه ، ومن أصيب بعاهات معينة يعين له مساعد قضائي . وهذا كله لا يدخل في الأهلية ، لأنه لا يرجع إلى التمييز بل يقوم على أسباب أخرى ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
156 – المجنون : نصت المادة 113 من القانون المدني الجديد على أن " المجنون والمعتوه وذا الغفلة والسفيه تحجر عليهم المحكم ، وترفع الحجر عنهم ، وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في القانون ( 264 ) " . والقانون المقصود هنا هو أيضاً قانون المحاكم الحسبية . وقد قضت المادة 42 منه بأنه " يحكم بالحجر إلى البالغ للجنون أو للعته أو للغفلة أو للسفه ، ولا يرفع الحجر إلا بحكم " . فالمجنون تحجر عليه المحكمة وتنصب له قيما ، إلا إذا كان قد حكم باستمرار الولاية أو الوصاية عليه قبل بلوغه سن الرشد أو بلوغ هذه السن مجنوناً فتبقى ولاية وليه أو وصيه .
وأهلية المجنون معدومة لأنه فاقد التمييز ، وتصرفاته القانونية تقع باطلة لانعدام الإرادة . وإلى هذا تشير المادة 114 من القانون المدني الجديد إذ تنص على ما يأتي :
" 1 - يقع باطلا تصرف المجنون والمعتوه ، إذا صدر التصرف بعد تسجيل قرار الحجر " .
2 - أما إذا صدر التصرف قبل تسجيل قرار الحجر فلا يكون باطلا إلا إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد ، أو كان الطرف الآخر على بينة منها ( 265 ) " .
فالمجنون تصرفاته بعد تسجيل الحجر باطلة . وتصرفاته قبل تسجيل الحجر صحيحة ما دامت حالة الجنون غير شائعة وغير معروفة من الطرف الآخر ، فإذا شاعت أو عرفها الطرف الآخر كان التصرف باطلا .
وولاية القيم على المجنون كولاية الوصى على الصغير ، يباشر القيم وحده من التصرفات ما يباشره الوصي وحده ، ويستأذن المحكمة في التصرفات التي يستأذن فيها الوصي ، ولا يستطيع مباشرة التصرفات التي لا يستطيع مباشرة التصرفات التي لا يستطيع مباشرتها الوصي . وكالقيم على المجنون وصيه . أما الولي على المجنون فمثل الولى على الصغير من حيث سعة الولاية .
157 – المعتوه : والمعتوه كالمجنون يحجر عليه وينصب له قيم إذا لم يكن له ولى أو وصى والقيم على المعتوه ووليه ووصيه كالقيم على المجنون ووليه ووصيه من حيث مدى الولاية .
أما المعتوه نفسه فقد يكون غير مميز فتكون أهليته معدومة ، شأنه في ذلك شأن الصغير غير المميز والمجنون . ( 266 ) وقد يكون مميزاً فتكون عنده أهلية الصبي المميز و قد سبق بيان ذلك ( 267 ) .
158 – ذو الغفلة والسفيه : نصت الفقرة الأولى من المادة 115 من القانون المدني الجديد على أنه " إذا صدر تصرف من ذى الغفلة أو من السفيه بعد تسجيل قرار الحجر سري على هذا التصرف ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام " . ويتضح من ذلك أن ذا الغفلة والسفيه يحجر عليهما وينصب لهما قيم . وتكون أهليتهما بعد تسجيل قرار الحجر ناقصة كأهلية الصبي المميز ، فتثبت لهما أهلية الاغتناء ، وتتقيد أهلية الإدارة وأهلية التصرف بالقيود التي سبق ذكرها في الصبي المميز ، وتنعدم أهلية التبرع .
واستثنى في أهلية التصرف نوعان من التصرفات هما الوقف والوصية ، فهذان يكونان صحيحين إذا صدرا من السفيه أو ذى الغفلة وأذنته المحكمة فيهما . وتقضي الفقرة الأولى من المادة 116 بهذا الحكم إذ تنص على أن " يكون التصرف المحجور عليه لسفه أو غفلة بالوقف أو بالوصية صحيحاً متى أذنته المحكمة في ذلك " . كذلك يجوز للمحجور عليه للسفه أو الغفلة أن يتسلم أمواله كلها أو بعضها لإدارتها على النحو الذي رأيناه في الصبي المميز الذي بلغ الثامنة عشرة وفي الحدود التي سبق ذكرها هناك . وإذا كانت الفقرة الثانية من المادة 116 مقصورة في هذا الصدد على السفيه إذ تنص على أن " تكون أعمال الإدارة الصادرة من المحجور عليه لسفه المأذون له بتسلم أمواله صحيحة في الحدود التي رسمها القانون " ، فإن المادة 43 من قانون المحاكم الحسبية تشمل كلا من السفيه وذى الغفلة إذ تنص على أنه " يجوز للمحجور عليه للسفه أو الغفلة أن يقف أمواله أو يوصى بها متى أذنته المحكمة بذلك ، وكذلك يجوز له بإذن من المحكمة أن يتسلم أمواله كلها أو بعضها لإدارتها ، فإذا أذنته المحكمة بذلك سرت عليه أحكام المواد 3 و 4 و 5 من هذا القانون ( 268 ) " .
هذا هو حكم تصرفات السفيه وذى الغفلة بعد تسجيل قرار الحجر . أما التصرفات الصادرة قبل تسجيل قرار الحجر فهي في الأصل صحيحة ، لأن انتقاص الأهلية لا يثبت إلا بالحجر . وهذا هو رأي الإمام أبي يوسف ، خلافاً لرأي الإمام محمد الذي يذهب إلى أن الحجر للسفه يثبت بقيام السبب نفسه لا بحكم القاضي . ولا يسري الحجر في حق الغير إلا من وقت تسجيل القرار الصادر به وفقاً للمبادئ العامة . ولا يحتج الغير بعدم علمه بالحجر متى كان القرار مسجلا ( 269 ) .
لكن يقع كثيرا أن السفيه أو ذا الغفلة يتوقع الحجر عليه فيعمد إلى تبديد أمواله بالتصرف فيها إلى من يتواطأ معه على ذلك ، أو أن ينتهز الغير هذه الفرصة فيستصدر منه تصرفات يستغله بها ويبتز أمواله . ففي هاتين الحالتين – حالة التواطؤ وحالة الاستغلال – يكون تصرف السفيه أو ذى الغفلة باطلا إذا كان من أعمال التبرع ، أو قابلا للإبطال إذا كان من أعمال التصرف أو أعمال الإدارة . وهذا ما استقر عليه القضاء المصري في ظل القانون القديم ( 270 ) ، وأكده القانون الجديد في الفقرة الثانية من المادة 115 إذ تنص على ما يأتي : " أما التصرف الصادر قبل تسجيل قرار الحجر فلا يكون باطلا أو قابلا للإبطال إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ ( 271 ) " .
وينصب القيم على السفيه وذى الغفلة على النحو الذي ينصب به القيم على المجنون والمعتوه أو يعين به الوصى على القاصر . ولا تستمر الولاية أو الوصاية على القاصر إذا بلغ سفيها أو ذا غفلة ، بل يجب الحجر عليه ونصب قيم له كما قدمنا . وولاية القيم على مال السفيه وذى الغفلة كولايته على مال المجنون والمعتوه وكولاية الوصى على مال القاصر ، وقد تقدم ذكر ذلك ( 272 ) .
159 – الغائب والمحكوم عليه بعقوبة جناية : وهناك حالتان تلحقان عادة بالأهلية ، ولكنهما لا يتصلان بها إلا من حيث مظاهر الحجر وإقامة نائب عن المحجور ، وهما حالتا الغائب والمحكوم عليه بعقوبة جناية .
فالغائب ، كما نصت المادة 50 من قانون المحاكم الحسبية ، " هو كل شخص كامل الأهلية لا تعرف حياته أو مماته ، أو تكون حياته محققة ولكنه هجر موطنه راضياً أو مرغماً وحالت ظروف قاهرة دون إدارته شؤونه بنفسه أو بوكيل عنه مدة أكثر من سنة ، وترتب على ذلك أن تعطلت مصالحه أو مصالح غيره " . ويتبين من ذلك أن الغائب شخص كامل الأهلية كما هو صريح النص ، ولكن الضرورة قضت بإقامة وكيل عنه يدير شؤون حتى لا تتعطل مصالحه ومصالح الناس . ويلاحظ أن القانون استعمل لفظ " الغائب " لا لفظ " المفقود " لأن اللفظ الأول ينطوي على معنى اعم من المعنى الذي ينطوي عليه اللفظ الثاني . فالمفقود في الشريعة الإسلامية هو من يختفى بحيث لا يعرف احي هو أم ميت ، أما الغائب فهذا وغيره ممن تكون حياته محققة ولكنه بعد عن موطنه بحيث لم يعد يستطيع أن يدير شؤونه بنفسه . وقد قضت المادة 51 من قانون المحاكم الحسبية بأنه " إذا ترك الغائب وكيلا عاماً تحكم المحكمة بتثبيته متى توافرت فيه الشروط الواجب توافرها في الوصي ، وإلا عينت غيره " . ثم قضت المادة 53 من هذا القانون بأن " يسري على الوكيل عن الغائب حكم المادة 33 من هذا القانون ، وفيما عدا ما استثنى بنص صريح في هذا الفصل يسري على الغيبة ما يسرى على الوصاية من أحكام أخرى " . وقضت المادة 52 من القانون ذاته بأن " تنتهي الغيبة بزوال سببها أو بموت الغائب أو بالحكم من جهة الأحوال الشخصية المختصة باعتباره ميتاً وفقاً لأحكام المرسوم بقانون رقم 52 سنة 1929 " .
أما المحكوم عليه بعقوبة جناية فتقضى أحكام قانون العقوبات ( م 25 ) بأن يكون محجوراً عليه مدة تنفيذ العقوبة ، ويختار قيما تصد عليه المحكمة ، أو يعين القيم المحكمة المدنية الكلية التي يقع في دائرتها محل إقامته إذا لم يختر أحداً . ويتولى القيم إدارة ماله . أما أعمال التصرف فلا بد فيها من إذن المحكمة المدنية وإلا كانت باطلة .
ومن ذلك نرى أن الحجر على المحكوم عليه لا يرجع لنقص أهليته ، فهو كامل الأهلية لأنه كامل التمييز وإنما وقع الحجر عليه لاستكمال العقوبة من جهة ، وللضرورة من جهة أخرى ( 273 ) .
160 - المساعدة القضائية : وقد استحدث قانون المحاكم الحسبية في مصر نظام المساعدة القضائية ( assistance judiciaire ) . ونقله القانون المدني الجديد ، فنص في المادة 117 على ما يأتي :
" 1 - إذا كان الشخص أصم أبكم ، أو أعمي أبكم ، وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته ، جاز للمحكمة أن تعين له مساعدا قضائيا يعاونه في التصرفات التي تقتضي مصلحته فيها ذلك " .
" 2 - ويكون قابلا للإبطال كل تصرف من التصرفات التي تقررت المساعدة القضائية فيها ، متي صدر من الشخص الذي تقررت مساعدته قضائيا بغير معاونة المساعد ، إذا صدر التصرف بعد تسجيل قرار المساعدة ( 274 ) " .
أما قانون المحاكم الحسبية فقد نص في المادة 47 على أنه " إذا كان الشخص أصم أبكم ، أو أعمى أصم ، أو أعمى أبكم ، وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته ، جاز للمحكمة أن تعين له مساعداً قضائياً يعاونه في التصرفات التي تقتضي مصلحته فيها ذلك " . ونصت المادة 48 من هذا القانون على أنه " يكون قابلا للإبطال كل تصرف من التصرفات التي تقررت المساعة فيها يصدر من الشخص الذي حكم بإقامة مساعد قضائي له بغير معاونة هذا المساعد ، إذا صدر هذا التصرف بعد تسجيل الحكم بتقرير المساعدة " . ونصت المادة 49 من القانون ذاته على أنه " يسري في تعيين المساعد القضائي وفي عزله ما يسري في تعيين القيم وعزله من أحكام . وكذلك تسري على المساعدة الأحكام الأخرى الخاصة بالقوامة " .
ويتبين من مجموع هذه النصوص أن المساعدة القضائية إنما تتقرر لاجتماع عاهتين في الجسم من عاهات ثلاث : العمى ، والبكم ، والصمم . والسبب فيها ليس نقص الأهلية ، فإن التمييز الكامل متوافر عند من تقرر له المساعدة القضائية ، ولكن هو العجز الطبيعي عن التعبير عن الإرادة كما صرحت بذلك النصوص السابق ذكرها .
والمساعدة القضائية تتقرر لتصرف بالذات أو المجموع من التصرفات المعينة ، وينظر في ذلك إلى ظروف من تقررت مساعدته وإلى خطر ما تقررت المساعدة القضائية فيه أو إلى وقته . فإذا وقع تصرف من ذلك بغير معاونة المساعد ، كان التصرف قابلا للإبطال لمصلحة من تقررت له المساعدة ، إذا صدر بعد تسجيل الحكم بتقرير المساعدة .
والمساعد القضائي يعين ويعزل وفقاً للأحكام التي تتبع في تعيين القيم وعزله ، وتسري عليه الأحكام الخاصة بالقوامة .
المطلب الثاني
عيوب الإرادة
( Vices du consentement )
161 – حصر عيوب الإرادة : أشتمل المشروع التمهيدي على نص هو المادة 166 من هذا المشروع ، حذف في المشروع النهائي ، وقد جرى بما يأتي : " لكل من شاب رضاءه غلط أو تدليس أو انتزع رضاؤه بالإكراه أو باستغلال حاجة له أن يطلب أبطال العقد وفقاً للأحكام التالية ( 275 ) " .
ويتبين من ذلك أن عيوب الإرادة هي الغلط والتدليس والإكراه والاستغلال . ولا بد في هذا الصدد من التمييز بني إرادة معيبة وإرادة غير موجودة فالإرادة المعيبة هي إرادة موجودة ، ولكنها صدرت من شخص غير حر في إرادته أو على غير بينة من أمره . فإرادته تعلقت بمحلها تعلقاً حقيقياً ومن ثم فهي موجودة ، ولكنها ما كانت تتعلق به لو أنها كانت على هدى أو كانت مختارة ومن ثم فهي معيبة . أما الإرادة غير الموجودة فمجرد مظهر خارجي يوهم إنها موجودة ، ولكنه في الواقع من الأمر لا ينطوي على إرادة تعلقت بمحلها . وما يصدر من المجنون أو السكران أو الصبي غير المميز لا يعتبر إرادة ، إذ أن أحداً من هؤلاء لا يميز ما يفعل . وكذلك الإشارة الطائشة تصدر عن غير قصد لا يتكون إرادة ، ولو صدرت من شخص عاقل . ويترتب على هذا التمييز الجوهري أن العقد الذي يقوم على إرادة غير موجودة لا يكون له وجود ، أو هو عقد باطل . أما العقد الذي يقوم على إرادة معيبة فهو موجود لأن الإرادة موجودة ، ولكن يجوز للمتعاقد الذي شاب إرادته عيب أن يبطله ، فهو عقد قابل للإبطال . وسنرى تفصيل ذلك فيما يلي .
وتتصل نظرية عيوب الإرادة بنظرية سلطان الإرادة اتصالا وثيقاً . فإرادة الفرد ، ولها المقام الأول في توليد الروابط القانونية وفي ترتيب آثارها ، يجب أن تكون على هدى مختارة ، وإلا فالإرادة المشوبة بعيب من العيوب المتقدمة ليست إرادة صحيحة ، فلا يكون لها سلطان كامل .
ونتولى الآن بحث عيوب الإرادة متعاقبة : الغلط فالتدليس فالإكراه فالاستغلال .
1 – الغلط ( * )
( L ' erreur )
162 – تعريف الغلط : يمكن تعريف الغلط بأنه حالة تقوم بالنفس تحمل على توهم غير الواقع . وغير الواقع أما أن يكون واقعة غير صحيحة يتوهم الإنسان صحتها ، أو واقعة صحيحة يتوهم عدم صحتها . والغلط بهذا التعريف الشامل ينتظم كل أنواع الغلط ، ولا يقف عند نوع معين منها . والذي نريده هنا هو غلط يصيب الإرادة ، فينبغي أن نمحص هذا النوع من الغلط بتمييزه عن غيره من الأنواع الأخرى وبرسم الدائرة التي تحصر نطاقه حتى نستطيع بعد ذلك أن نبين قواعده وأحكامه .
163 – الغلط المانع : وأول نوع من الغلط نستبعده من دائرة بحثنا هو ما يسمى عادة بالغلط المانع ( erreur - obstacle ) . وهو غلط يقع ، طبقاً لنظرية تقليدية في الفقه الفرنسي ، في ماهية العقد ، كما إذا عطى شخص لآخر نقوداً على أنه قرض وأخذها الآخر على إنها هبة ، أو في ذاتية المحل ، كما لو كان شخص يملك سيارتين من صنفين مختلفين فباع احداهما والمشتري يعتقد أنه يشتري الأخرى ، أو في السبب ، كما إذا اتفق الورثة مع الموصي لهم على قسمة العين الشائعة بينهم ثم يتضح أن الوصية باطلة .
وظاهر أن هذا النوع يعدم الإرادة ولا يقتصر على أن يعيبها . ففي الأمثلة التي قدمناها لم تتوافق الإرادتان على عنصر من العناصر الأساسية : ما هية العقد أو المحل أو السبب . فالتراضي إذن غير موجود ، والعقد باطل أي منعدم . وهذا هو الذي يدعونا لاستبعاد الغلط المانع من دائرة البحث ، فهو يتصل بوجود التراضي لا بصحته ، ونحن الآن في صدد صحة التراضي بعد أن فرغنا من الكلام في وجوده .
164 – اختلاف الإرادة الظاهرة عن الإرادة الباطنة : وقد تختلف الإرادة الظاهرة عن الإرادة الباطنة ، فيؤخذ بإحداهما دون الأخرى كما بينا فيما تقدم . والكلام في الإرادتين وفرق ما بينهما ليس كلاماً في عيوب الإرادة ( 276 ) ، بل كلام في الإرادة ذاتها ، أي في وجودها لا في صحتها . فيجب استبعاد هذه المسألة أيضاً من دائرة البحث ( 277 ) .
165 – الغلط في النقل أو في التفسير : والغلط الذي يعنينا بحثه هنا هو الغلط الذي يقع وقت تكون الإرادة ( erreur sur la formation de la volonte ) وهناك غلط لا يعيب الإرادة يجب كذلك استبعاده من دائرة البحث ، وهو غلط يقع في وقت نقل الإرادة إذا نقلت على غير وجهها ، وهذا ما يسمى بالغط في النقل ( erreur de transmission ) ، أو يقع في تفسيرها إذا فهمها من توجهت إليه على غير حقيقتها ، وهذا ما يسمى بالغلط في التفسير ( erreur d'interperetation ) . والفرق بين الغلط الذي يقع وقت تكون الإرادة والغلط الذي يقع في النقل أو في التفسير أن الغلط الأول هو حالة تقوم بنفس من صدرت منه الإرادة ، أما الغلط الآخر فحالة تقوم بنفس من توجهت إليه الإرادة ( 278 ) .
166 – الغلط الذي يعيب الإرادة : ويبقى ، بعد استيعاب ما قدمناه من أنواع الغلط ، الغلط الذي يصيب الإرادة ، وهو الذي يعنينا بحثه ويجب أن نرسم له دائرة واضحة المعالم . فهو من جهة غلط يقع في تكون الإرادة لا في نقلها ولا في تفسيرها ، وهو من جهة أخرى لا يعدم الإرادة كما هو الأمر في الغلط المانع ، ولا يختلط بوجودها ذاته كما هو الأمر في الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة .
وإذا كان الغلط الذي يعيب الإرادة لا يجوز أن يقع على ركن من أركان العقد وإلا اعدم التراضي كما رأينا ، إلا أنه يجب مع ذلك أن يكون غلطاً جوهرياً حتى يعيب الإرادة . ثم أن الغلط هو أمر نفسي يستكن في الضمير ، فوجب لاستقرار التعامل إلا يستقل به المتعاقد الذي وقع في الغلط ، بل يتصل به المتعاقد الآخر على وجه من الوجوه حتى يمكن الاعتداد به .
خلص لنا من ذلك أن الغلط الذي يعيب الإرادة يجب أن يكون : ( أولاً ) غلطاً جوهرياً واقعاً على غير أركان العقد . ( ثانياً ) غلطاً لا يستقل به أحد المتعاقدين بل يتصل به المتعاقد الآخر .
فتتكلم إذن في المسالتين الآتيتين : 1 – متى يكون الغلط جوهرياً وعلى أي شيء يقع . 2 – كيف يتصل المتعاقد الآخر بالغلط ( 279 ) .
أ – متى يكون الغلط جوهرياً وعلى أي شيء يقع
167 – معيار الغلط الجوهري في القانون الفرنسي وكيف تطور من معيار موضوعي إلى معيار ذاتي : ورث الفقه الفرنسي التقليدي عن القانون الفرنسي القديم تقسيم الغلط من حيث تأثيهر في صحة العقد إلى أنواع ثلاثة : غلط يجعل العقد باطلا وهو الغلط المانع الذي سبقت الإشارة إليه ، وغلط يجعل العقد قابلا للإبطال لمصلحة العاقد الذي وقع في الغلط ، وغلط لا يؤثر في صحة العقد . وقد سبق أن بينا الحالات الثلاث التي يكون فيها الغلط مانعاً فيجعل العقد باطلا . أما الغلط الذي يجعل العقد قابلا للإبطال فيكون في حالتين : ( 1 ) غلط يقع في مادة الشيء محل الالتزام الناشيء من العقد ، وهو ما تعبر عنه المادة 1110 من القانون المدني الفرنسي بالغلط الواقع في مادة الشيء ذاتها ( substance meme de la chose ) . ( 2 ) غلط يقع في شخص المتعاقد إذا كانت شخصيته محل اعتبار في العقد . والغلط الذي لا يؤثر في صحة العقد يكون في أحوال أربع : 1 – غلط في وصف لا يتعلق بمادة الشيء محل الالتزام . 2 – غلط في قيمة الشيء محل الالتزام . 3 – غلط في شخص المتعاقد إذا لم تكن شخصيته محل اعتبار في العقد . 4 – غلط في الباعث على التعاقد .
ولكن القضاء في فرنسا لم يأخذ بهذه النظرية التقليدية . وجاري الفقه الحديث القضاء في ذلك . فلم يأخذ بالتقسيم الثلاثي للغلط ، إذ استبعد النوع الأول وهو الغلط الذي يجعل العقد باطلا ، لأنه يتصل بوجود التراضي لا بصحته كما قدمنا . وهدم الحاجز ما بين النوعين الثاني والثالث ، فإن التمييز ما بين هذين النوعين قد قام على قواعد جامدة تضيق بما تقتضيه الحياة العملية ، وخير منها معيار مرن يمكن تطبيقه على الحالات المتنوعة . فمن الغلط ما يقع في قيمة الشيء أو في الباعث على التعاقد ومع ذلك يؤثر في صحة العقد لأنه كان هو الدافع إلى التعاقد . ومن الغلط ما يقع في مادة الشيء ومع ذلك لا يؤثر في صحة العقد لأنه لم يكن هو الدافع . فالعبرة إذن ليست بان الغلط وقع في مادة الشيء أو في قيمته ، بل العبرة بأن الغلط كان غلطاً جوهرياً ( essentielle ) ، أي بأنه كان هو الدافع الرئيسي إلى التعاقد ( la raison principale et determinte ) فلا تكون هناك حالات محددة يؤثر فيها الغلط في صحة العقد وحالات أخرى محددة كذلك لا يؤثر فيها الغلط ، بل تهدم هذه القواعد الضيقة ، وتزول الحواجز ما بين حالات وأخرى ، ونستبدل معياراً بقاعدة ، ويصبح الغلط مؤثراً في صحة العقد متى كان هو الدافع إلى التعاقد ، وذلك في جميع الحالات ، تبعاً لملابسات كل حالة وظروفها الخاصة .
وتطور الفقه الفرنسي من الأخذ بمعيار موضوعي إلى الأخذ بمعيار ذاتي نهاه واضحاً في تفسير عبارة " الغلط في مادة الشيء ذاتها " الواردة في المادة 1110 من القانون الفرنسي . فقد بدا الفقهاء الفرنسيون في العهد الأول يفسرون هذه العبارة تفسيراً حرفياً ، ويذهبون إلى أن المراد بذلك هو الغلط الذي يتعلق بالمادة التي يتكون منها الشيء ، ومادة الشيء هي مجموعة الخصائص التي تدخله في جنس معين وتميزه عن الأجناس الأخرى . ويقدمون عادة المثل الذي أتى به يوتييه : شخص اشترى ( شمعدان ) من نحاس مطلى بالفضة وهو يعتقد أنه من فضة خالصة ( 280 ) . ثم أخذ الفقهاء في عهد ثان يعدلون عن هذه الفكرة الموضوعية بإدخال عامل ذاتي في تحديد هذا النوع من الغلط . وأول من سار من الفقهاء في هذا الطريق هما الأستاذان أوبرى ورو ( 281 ) ، فقد أخذا في الأصل بالمذهب الموضوعي كقاعدة عامة ، فذهبا إلى أن المراد بمادة الشيء هي العناصر المادية التي تكونه والخواص التي تميزه من الأشياء الأخرى طبقاً للمتعارف بين الناس ، ولكنهما اضافا إلى ذلك جواز أن يتفق المتعاقدان على توافر صفة معينة في الشيء فتصبح هذه الصفة جوهرية بالنظر إلى غرض المتعاقدين لا بالنظر إلى مادة الشيء من حيث هي . ثم هجر الأستاذ لوران ، في عهد ثالث ، المعيار الموضوعي وأخذ بالمعيار الذاتي جملة واحدة ، فذهب إلى أن نية المتعاقدين وحدها هي التي تحدد مادة الشيء والأوصاف المعتبرة فيه ( 282 ) . واقتفى سائر الفقهاء اثر لوران في هذا المنحى ، فذهب الأستاذان بودري وبارد إلى أن المراد بمادة الشيء هي الأوصاف الرئيسية التي اعتبرها المتعاقدان أو أحدهما في ذلك الشيء والتي ما كان التعاقد يتم بدونها ( 283 ) ، وذهبت الأستاذة بلانيول وكولان وكايبتان وجوسران إلى هذا الرأي ( 284 ) .
فالعبرة إذن ، طبقا للمعيار الذاتي ، بالأوصاف المعتبرة في نظر المتعاقدين لا بالخصائص التي تكون مادة الشيء في ذاته ، فقد يشتري شخص شيئاً على أنه أثر تاريخي ويعتقد في الوقت ذاته أنه مصنوع من ذهب فيتضح أنه مصنوع من ( البرونز ) ، فهذا غلط في " مادة الشيء " ، ولكنه بحسب نية المشتري ليس غلطا في الصفة المعتبرة عنده ، فما دام الشيء الذي اشتراه هو الأثر التاريخي الذي يقصده ، فلا يعنيه بعد ذلك إن كان من ذهب أو من معدن آخر . وقد استبدل الفقه والقضاء في فرنسا بعبارة " مادة الشيء " ( substance de la chose ) عبارة أخرى اشتقاها من الكلمة ذاتها هي الصفة الجوهرية ( qualite substantielle ) ، أي الصفة التي اعتبرها المتعاقد في الشيء . والمعيار الذاتي ما هو في الواقع إلا نتيجة منطقية لمبدأ سلطان الإرادة ، فما دامت إرادة العاقد هي التي تنشيء الرابطة القانونية فيجب الأخذ بهذه الإرادة في حقيقتها وعلى وجهها الصحيح ، لا معيبة بما تأثرت به من غلط أو غير ذلك من العيوب .
168 – معيار الغلط الجوهري في القانون المصري معيار ذاتي : وبالمعاير الذاتي أيضاً أخذ الفقه والقضاء في مصر منذ عهد القانون القديم . وقد أسعفها في ذلك نصوص هذا القانون ذاتها ، فقد كانت المادتان 134 / 194 من القانونين الوطني والمختلط تنصان على أن " الغلط موجب لبطلان الرضاء متى كان واقعاً في أصل الموضوع المعتبر في العقد " ، وجاء في النص الفرنسي للقانون المصري القديم : " متى كان واقعاً في الناحية الرئيسية التي كانت محل اعتبار في الشيء " ( le rapport principal sous lequel la chose ete envisage dans le contrat ) . فالنصوص كما نرى تذهب بوضوح إلى الأخذ بالمعيار الذاتي ، وقد نقلت لا عن نصوص القانون الفرنسي بل عن القضاء والفقه في فرنسا بعد التطور الذي أسلفنا ذكره ( 285 ) .
وجاء القانون الجديد مؤيداً للمعيار الذاتي وصريحاً في وجوب الأخذ به . فقد نصت المادة 120 على أنه " إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له أن يطلب إبطال العقد . . . ( 286 ) " . صم نصت المادة 121 على أنه : " 1 - يكون الغلط جوهريا إذا بلغ حدا من الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام العقد لو لم يقع في هذا الغلط . 2 - ويعتبر الغلط جوهريا على الأخص . أ - إذا وقع في صفة للشيء تكون جوهرية في اعتبار المتعاقدين ، أو يجب اعتبارها كذلك لما يلابس العقد من ظروف ولما ينبغي في التعامل من حسن النية . ب - إذا وقع في ذات التعاقد أو في صفة صفاته ، وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي في التعاقد ( 287 ) " .
ويتبين من هذه النصوص أن القانون الجديد قد أخذ بالمعيار الذاتي . فالغلط الجوهري عنده هو الغلط الذي يبلغ ، في نظر المتعاقد الذي وقع في الغلط ، حداً من الجسامة بحيث كان يمتنع عن إبرام العقد لو لم يقع في الغلط . فهو إذا وقع في صفة للشيء وجب أن تكون هذه الصفة جوهرية في اعتبار المتعاقدين ، وإذا وقع في ذات المتعاقد أو في صفة من صفاته وجب أن تكون تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي في التعاقد .
على أن الأخذ بالمعيار الذاتي يقتضي أن يكون المعيار متعلقاً بحالة نفسية قد يدق الكشف عنها في بعض الأحيان . لذلك اتخذ القانون الجديد قرينة موضوعية لتنم عن هذه الحالة النفسية ، فقضى بأن صفة الشيء تكون جوهرية ، ليس فحسب إذا اعتبرها المتعاقدان جوهرية وفقاً لما انطوت عليه نيتهما بالفعل ، بل أيضاً إذا وجب أن يكونا قد اعتبراها جوهرية وفقاً لما لابس العقد من ظروف ولما ينبغي في التعامل من حسن النية . فالظروف الموضوعية للعقد ووجوب أن يسود التعامل حسن النية يهديان – إذا لم نهتد من طريق آخر – إلى تعرف نية المتعاقدين . فإذا اشترى شخص من تاجر في الآثار قطعة ظنها أثرية ، ثم اتضح إنها ليست كذلك ، فمن حق المشتري أن يقيم من واقعة أنه تعامل مع تاجر الآثار قرينة على نيته ، وأن يتخذ من هذه القرينة ذاتها دليلا على نية المتعاقد الآخر ، وأن يتمسك بما ينبغي أن يسود التعامل من حسن النية فلا يكلف نفسه أن يتحقق من الصفة الأثرية للقطعة ما دام قد اشتراها من تاجر في الآثار ، بل كان الواجب على هذا أن ينبه المشتري إلى أن القطعة ليست أثرية لو كان عالماً بذلك .
169 – على أي شيء يقع الغلط : والغلط الجوهري ، على النحو الذي اسلفناه ، يصح أن يقع ، لا في صفة الشيء وفي الشخص فحسب ، بل أيضاً في القيمة وفي الباعث ( 288 ) . والعبرة بأنه غلط جوهري ، لا بأنه وقع في هذا أو في ذاك . ونستعرض الآن الغلط في هذه الأحوال المختلفة .
170 – الغلط في صفة جوهرية في الشيء : إذا طبقنا معيار الغلط الجوهري على الغلط في وصف الشيء ، فإن الغلط لا يؤثر في صحة العقد إلا إذا كان هو الدافع الرئيسي إلى التعاقد كما قدمنا . وفي القضاء المصري في ظل القانون القديم – والقانون الجديد أتى مؤكداً للقانون القديم كما اسلفنا – أمثلة كثيرة على ذلك . فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الترخيص الذي أعطته الحكومة في استغلال أرض كانت تعتقد إنها لا تحتوي إلا على كميات صغيرة جداً من الملح يجوز إبطاله إذا تبين أن هذه الأرض تحتوي على كميات كبيرة يمكن استغلالها بسهولة ( 289 ) . وقضت بأن بيع الأوراق المالية الصادرة من شركة حكم ببطلانها يجوز إبطاله للغلط الذي وقع فيه المشتري بشأن صفة جوهرية في الشيء المبيع ( 290 ) . وقضت بأنه إذا باع شخص أرضا على أنها تحد من الجهة البحرية بشارع عرضه خمسة أمتار ، وتبين بعد ذلك أن هذا الشارع لا وجود له مما يجعل الأرض محصورة من جهاتها الأربع ولا منفذ لها يؤدي إلى الطريق العام ، فإن البيع يجوز إبطاله يسبب الغلط الواقع في صفة جوهرية في الشيء المبيع ( 291 ) . وقضت بأن بيع قماش على أنه قابل لأن يغسل ثم يتبين أنه غير قابل لذلك يجوز إبطاله للغلط في صفة جوهرية في الشيء ( 292 ) . وقضت بأن بيع شيء على أنه قديم مع أنه مجرد تقليد للقديم يجوز إبطاله للغلط في صفة جوهرية في الشيء المبيع ، ولا يلتزم المشتري برفع دعوى الإبطال في ثمانية أيام من وقت العلم بالحقيقة لأن هذا هو ميعاد رفع الدعوى في ضمان العيوب الخفية ، أما هنا فالدعوى دعوى أبطال للغلط ( 293 ) . وقضت بأنه يعتبر غلطاً في صفة جوهرية في الشيء قبول حوالة حق مع اعتقاد أن الحق مضمون برهن ، ويتبين بعد ذلك أن الرهن قد سقط قيده وأن العقار المرهون بيع إلى الغير ، فشرط عدم ضمان المحيل يبطل في هذه الحالة ( 294 ) . ولكن لا يعتبر غلطاً في صفة جوهرية في الشيء المبيع أن يقع خطأ في بيان حدود الأرض المبيعة ما دامت نمرة الأرض في خريطة فك الزمام قد ذكرت صحيحة وكان يمكن تمييز الأرض ومعرفتها من وراء ذلك ( 295 ) . ولا يعتبر غلطاً يجعل العقد قابلا للإبطال أن يتضح أن الأرض المبيعة محصورة إذا لم يذكر البائع أن لها منفذاً بل بين حدودها وموقعها وكانت معرفتها مستطاعة بذلك ( 296 ) .
171 – الغلط في شخص المتعاقد : وإذا طبقنا معيار الغلط الجوهري على الغلط في شخص المتعاقد ، فإن الغلط لا يؤثر في صحة العقد إلا إذا وقع في ذات المتعاقد أو في صفة من صفاته وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي في التعاقد كما هو نص المادة 121 . مثل هذا الغلط إنما يقع في العقود التي تكون فيها شخصية المتعاقد محل اعتبار كعقود التبرع بوجه عام وبعض عقود المعاوضة . وهو قد يقع في ذات المتعاقد إذا كانت هي محل الاعتبار ، كالغلط في شخص الموهوب له أن الوكيل أو المزارع أو الشريك . وقد يقع في صفة جوهرية من صفات المتعاقد كانت هي الدافع إلى التعاقد كأن يهب شخص لآخر مالا معتقداً أن هناك رابطة قاربة تربطه به فيتضح أن الأمر غير ذلك ، وكأن يؤجر شخص منزلا لامرأة يعتقد أن سلوكها لا ريبة فيه فيتضح إنها امرأة تحترف العهارة حتى لو لم تكن تباشر مهنتها في المنزل ، وكأن يتعاقد شخص مع أحد الفنيين ( مهندس أو صانع في عمل يقتضي مهارة فنية ) وهو يعتقد أنه يحمل شهادة فنية فيتضح أنه لا يحملها وانه غير ماهر في فنه ( 297 ) . وتقدير ما إذا كانت شخصية المتعاقد أو صفته كانت هي محل الاعتبار وهي التي دفعت إلى التعاقد مسألة من مسائل الواقع لا من مسائل القانون ، ينظر فيها إلى ظروف الدعوى مما يمكن أن يستدل به على نية المتعاقدين . فالمعيار ذاتي . وهو المعيار الذي يطبق في جميع نواحي نظرية الغلط .
172 – الغلط في القيمة : رأينا أن النظرية التقليدية لا تقيم لهذا الغلط وزناً فلا تجعله يؤثر في صحة العقد . أما إذا سايرنا النظرية الحديثة وهي التي أخذ بها القانون المصري ، وطبقنا معيار الغلط الجوهري على الغلط في القيمة ، وجب أن نقول إن الغلط في قيمة الشيء إذا كان هو الدافع الرئيسي إلى التعاقد يجعل العقد قابلا للإبطال . فإذا باع شخص سهماً بقيمته الفعلية ، وكان يجهل أن هذا السهم قد ربح جائزة كبيرة ، كان له أن يطلب إبطال البيع للغلط في قيمة الشيء الذي باعه . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة ، في قضية اتفق فيها صاحب البضاعة مع صاحب السفينة على أن يكون سعر نقل البضاعة إما بحساب حجمها أو بحساب وزنها طبقاً لما يختاره صاحب السفينة ، وطلب هذا أن يكون السعر بحساب الحجم فتبين أن حساب الحجم يزيد على حساب الوزن ثمانية أضعاف ، ولم يكن صاحب البضاعة يدرك ذلك بدليل أنه رفض الاتفاق مع صاحب سفينة أخرى على سعر يقل كثيراً عن السعر الذي يطالب به ، بأن صاحب البضاعة في هذه الحالة يجوز له أن يطلب إبطال عقد النقل ( 298 ) .
173 – الغلط في الباعث : تقدم القول إن النظرية التقليدية تميز بين الغلط في السبب والغلط في الباعث ، فتجعل الأول يبطل العقد بطلاناً مطلقاً ، وتجعل الثاني لا اثر له في صحة العقد . والنظرية التقليدية عندما نميز بين السبب والباعث تنظر إلى السبب في نظريته التقليدية أيضاً فيكون هو الغرض المباشر الذي يقصد الملتزم الوصول إليه من وراء التزامه . فإذا اتفق الورثة مع الموصى له على قسمة العين الشائعة بينهم ، ثم يتضح أن الوصية باطلة أو إنها سقطت بعدول الموصي ، كان هناك غلط في السبب بمعناه التقليدي ، فإن الورثة قصدوا من التزامهم بعقد القسمة غرضاً مباشراً هو إفراز نصيبهم من نصيب الموصى له باعتبار أن هذا يملك بالوصية حصة في العين ، وتبين أنه لا يملك شيئاً ، فهذا غلط في السبب ( 299 ) . أما الغلط في الباعث ، وهو الذي لا يؤثر في صحة العقد طبقاً للنظرية التقليدية ، فمثله أن يبيع شخص عيناً وهو مريض ويعتقد أنه في مرض الموت ، ثم يشفى المرض ، لهو لا يستطيع أن يطعن في البيع بدعوى أنه صدر منه وهو في مرض الموت لأن هذا الطعن لا يقبل إلا من الورثة وبشرط أن ينتهي المرض بالموت ، ولا يستطيع أن يطعن في البيع بالغلط في الباعث ولو أن الدافع له إلى التعاقد هو اعتقاده وقت البيع أنه يموت . فإذا تركنا النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة ، وطبقنا معيار الغلط الجوهري ، كان الغلط في الباعث في هذا المثل غلطاً جوهرياً يجيز للبائع أن يطلب إبطال البيع ( 300 ) .
ونرى من ذلك أن التمييز يبقى قائماً بين الغلط في السبب والغلط في الباعث ما دمنا نحتفظ بالنظرية التقليدية في السبب ولو هجرنا النظرية التقليدية في الغلط . فلا يزال الغلط في السبب بمعناه التقليدي يجعل العقد باطلا ، أما الغلط في الباعث فيجعل العقد قابلا للإبطال وفقاً للنظرية الحديثة في الغلط ، ولا يؤثر في صحة العقد وفقاً للنظرية التقليدية .
أما إذا هجرنا النظرية التقليدية في السبب إلى النظرية الحديثة ، فإن الغلط في السبب يختلط بالغلط في الباعث ، ويصبحان شيئاً واحداً ، ولا يكون ثمة محل للقول بأن الغلط في السبب يجعل العقد باطلا والغلط في الباعث يجعل العقد قابلا للإبطال . ويتعين الأخذ بأحد الأمرين : إما أن يكون الغلط في كل من السبب والباعث – فهما شيء واحد في النظرية الحديثة في السبب – من شأنه أن يجعل العقد باطلا ، وإما أن يكون هذا الغلط من شأنه أن يجعل العقد قابلا للإبطال . ولا يجوز التفريق بينهما في الحكم . وقد وقف كثير من الفقهاء حائرين عند هذه المسألة الدقيقة ، يتحسسونها ولكن لا يجرؤون على قول حاسم فيها . فهم يقولون بالنظرية الحديثة في السب ويخلطونه بالباعث ، ويقولون بالنظرية الحديثة في الغلط ويجعلون معياره الغلط الجوهري ولو وقع في الباعث ، ولكنهم يقفون عند هذا ويبقون على التمييز فيما بين الحالتين ، فيجعلون الغلط في السبب من شأنه أن يجعل العقد باطلا ، والغلط في الباعث من شأنه أن يجعل العقد قابلا للإبطال . فيترتب على هذا التناقض خلط عجيب ما بين منقطتي السبب والغلط ، إذ تبقى منطقة مشتركة فيما بينهما يتنازعها كل منهما ، فإذا سمينا هذه المنطقة بالسبب المغلوط ( cause erronee ) كان العقد باطلا ، وإذا سميناها بالغلط في الباعث ( erreur sur le motif ) كان العقد قابلا للإبطال ( 301 ) .
هذا التناقض المعيب توقاه القانون المصري الجديد . فهو قد أخذ بالنظرية الحديثة في كل من الغلط والسبب ، وانبنى على ذلك وجود هذه المنطقة المشتركة فزحزحها من منطقة السبب إلى منقطة الغلط ، وجعل نظرية الغلط وحدها هي التي تنطبق أحكامها على هذه المنطقة ، فيكون الغلط في كل من السبب والباعث من شأنه أن يجعل العقد قابلا للإبطال . ولا يكون هناك محل للقول بأن السبب المغلوط يجعل العقد باطلا ، فالسبب الذي يجعل العقد باطلا في القانون الجديد هو السبب غير المشروع وحده ( 302 ) .
174 – الغلط في الواقع والغلط في القانون : وفي كل ما قدمناه من تطبيقات لمعيار الغلط الجوهري ، سواء وقع الغلط في الشيء أو الشخص أو القيمة أو الباعث ، لا نفرق بين ما إذا كان الغلط هو غلط في الواقع أو غلط في القانون . فما دام جوهرياً ، أي مادام هو الذي دفع إلى التعاقد ، فإنه يجعل العقد قابلا للإبطال . وهذا ما تنص عليه صراحة المادة 122 من القانون المدني الجديد إذ تقضي بما يأتي : " يكون العقد قابلا للإبطال لغلط في القانون إذا توافرت فيه شروط الغلط في الواقع طبقا للمادتين السابقتين ، هذا ما لم يقض القانون بغيره ( 303 ) " . ولم يكن القانون القديم يشتمل على نص في هذه المسألة ، ولكن القضاء والفقه في مصر سارا على أن الغلط في القانون كالغلط في الواقع يجعل العقد قابلا للإبطال ( 304 ) .
والذي كان يلبس الأمر في هذه المسألة وقت قيام القانون القديم غير مشتمل على نص فيها هو وجود قاعدة أخرى معروفة تقضي بان الجهل بالقانون لا يقبل عذراً ، أو كما يقولون : " لا يفرض في أحد أنه يجهل القانون " ( Nul n'est cense ignorer la loi ) . ولكن مجال تطبيق هذه القاعدة لا يكون إلا حيث توجد أحكام قانونية تعتبر من النظام العام ، فيجب على جميع الناس مراعاتها ولا يجوز لأحد أن يخل بها بدعوى أنه يجهلها ، ويفترض أن كل شخص يعرف هذه الأحكام ، وإلا لما أمكن تطبيقها تطبيقاً منتجا لو أفسحنا جانب العذر في ذلك . ويدخل في هذه الأحكام القوانين الجنائية وبعض من القوانين المدنية وهي التي تعتبر من النظام العام . مثل ذلك أن يقرض شخص آخر بفائدة تزيد على 7 في المائة وهو يجهل أن الحد الأقصى للفوائد هو 7 في المائة ، فليس للمقرض في هذه الحالة أن يطلب إبطال عقد القرض بدعوى الغلط في القانون وانه ما كان يقرض نقوده لو علم بان الحد الأقصى للفائدة لا يزيد على 7 في المائة ، بل يبقى القرض صحيحاً وتنقص الفائدة إلى 7 في المائة . أما إذا كان الغلط واقعاً في مسألة قانونية لا تعتبر من النظام العام ، فلا شك في أنه يمكن الاحتجاج بهذا الغلط والتمسك به لطلب إبطال العقد ، إلا إذا نص القانون على غير ذلك كما فعل في عقد الصلح حيث تنص المادة 556 على أنه " لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون ( 305 ) " .
ومن المفيد أن نطبق هذا المبدأ على جميع أنواع الغلط التي سبق تفصيلها . فالغلط في القانون الواقع في صفة جوهرية في الشيء مثله أن يتعهد شخص بدفع دين طبيعي وهو يعتقد أن هذا الدين ملزم له مدنياً ، فيجوز له في هذه الحالة أن يطلب إبطال التعهد . ومثل الغلط في القانون الواقع في شخص المتعاقد أن يهب رجل لمطلقته مالا وهو يعتقد أنه استردها لعصمته جاهلا أن الطلاق الرجعي ينقلب بائناً بانتهاء العدة فلا ترجع إلى عصمته إلا بعقد جديد . ومثل الغلط في القانون الواقع في القيمة أن يبيع وارث حصته في التركة وهو يحسب أنه يرث الربع فإذا به يرث النصف . ومثل الغلط في القانون الواقع في الباعث ما قضت به محكمة الاستئناف المختلطة من أنه إذا اعترف الوارث بحق للغير في التركة معتقداً أن القانون الوطني هو الواجب التطبيق ، ثم تبين بعد ذلك أن القانون الإيطالي هو الذي يطبق ، وأن دعوى الغير ليست صحيحة طبقاً لهذا القانون ، فإن رضاء الوارث يكون مشوباً بغلط في القانون ( 306 ) .
ب – كيف يتصل المتعاقد الآخر بالغلط
175 – الغلط المشترك : لم نعرض في كل ما قدمناه إلا للمتعاقد الذي وقع في الغلط ، فهو الذي نطبق في شأنه المعيار الذاتي ، معيار الغلط الجوهري . ولكن هل يبقى المتعاقد الآخر بعيداً عن هذا الغلط ، غير متصل به على وجه من الوجوه ، والمعيار كما قدمنا ذاتي ، وكثيراً ما يكون جاهلا بأمر هذا الغلط بل ويكون غير متوقع له ؟ إننا إذا قلنا بذلك تزعزع التعامل ، ولم يأمن أي متعاقد أن يرى العقد الذي اطمأن إليه قد انهار بدعوى الغلط يقدمها الطرف الآخر ، وهو بعد لم يدخل في سريرته فيعلم إن كان رضاؤه قد صدر عن غلط !
من أجل ذلك قال كثير من الفقهاء أن الغلط الفردي لا يكفي ، بل يجب أن يكون الغلط مشتركاً بين المتعاقدين ( erreur commune ) . ذلك أن المتعاقد إذا وقع في غلط جوهري واشترك معه المتعاقد الآخر في هذا الغلط ، ثم تبينت الحقيقة وطلب المتعاقد الأول إبطال العقد ، فمن العدل أن يقره المتعاقد الآخر على بطلان العقد لسبب هو نفسه قد اشترك فيه ، ولا يعود هناك وجه للتذمر من تقلقل المعاملات وعدم استقرارها . فإذا فرضنا مثلا أن شخصاً باع لآخر صورة على إنها من صنع مصور مشهور ، وجب أن يكون كل من البائع والمشتري يعتقد أن الصورة هي من صنع هذا المصور حتى يجوز للمشتري طلب إبطال البيع للغلط إذا تبين أن الصورة ليست من صنعه . أما إذا كان المشتري وحده هو الذي يعتقد ذلك دون البائع ، فلا يكون هذا الغلط مشتركاً ، ولا يجعل البيع قابلا للإبطال حتى لا يفاجأ البائع بدعوى إبطال العقد وهو لا يعلم شيئاً عن الغلط الذي وقع فيه المشترى .
هذه هي نظرية الغلط المشترك ، وهذه هي الحجج التي يقدمها انصار هذه النظرية للتدليل على صحة نظرهم . ولكننا لا نشك بالرغم مما يقدمون من حجج ، أن النظرية لا تتمشى مع المنطق ، ولا تتفق مع العدالة ، ثم هي ليست ضرورية لتحقيق الغرض العملي المقصود وهو استقرار المعاملات إذ يمكن الوصول إلى هذا الغرض من طريق آخر .
أما أن النظرية لا تتمشى مع المنطق فظاهر ، لأن الغلط يفسد رضاء من وقع فيه ، ولا يمنع فساد هذا الرضاء كون المتعاقد الآخر لم يشترك في الغلط . فيجب منطقياً إبطال العقد إذا شاب رضاء أحد المتعاقدين غلط كان هو الدافع له إلى التعاقد ، سواء وقع المتعاقد الآخر في هذا الغلط أو لم يقع .
وأما أن النظرية لا تتفق مع العدالة ، فيظهر ذلك إذا فرضنا أن الغلط لم يكن مشتركاً ، ولكن المتعاقد الذي صدر منه رضاء صحيح كان يعلم بالغلط الذي وقع فيه المتعاقد الآخر ، وتركه مسترسلا في غلطه دون أن ينبهه إلى ذلك . فالغلط في مثل هذه الحالة يكون فردياً ، وليس من شأنها أن يبطل العقد طبقاً لنظرية الغلط المشترك . ويترتب على ذلك أنه ما لم يكن هناك تدليس من المتعاقد الأول ، ولنفرض أنه وقف موقفاً سلبياً محضاً ، فإن العقد يكون صحيحاً لا مطعن فيه . وبديهي أن هذه النتيجة تصطدم مع العدالة ، فإنه إذا كان عدلا أن يبطل العقد في حالة اشتراك الطرفين في الغلط ، فالأولى أن يبطل العقد إذا انفرد أحد المتعاقدين بالغلط وكان الآخر يعلم ذلك ولم ينبهه إليه .
وأما أن النظرية ليست ضرورية لاستقرار التعامل ، فإن ذلك يظهر في وضوح لو اخذنا بنظرية الغلط الفردي ، واقتصرنا على اشتراط أن يكون المتعاقد الآخر متصلا بهذا الغلط على الوجه الذي سنبينه فيما يلي .
176 – الغلط الفردي الذي يتصل به المتعاقد الآخر : يكفي إذن أن يكون الغلط فردياً ( 307 ) . ولكن إذا كان المتعاقد الآخر لم يشترك في هذا الغلط وجب ، حتى تمتنع مفاجأته بدعوى الغلط ، أن يكون على علم به أو أن يكون من السهل عليه أن يتبينه . وهذا ما تقضي به المادة 120 من القانون الجديد ، فهي تنص على أنه " إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري ، جاز له أن يطلب إبطال العقد أن كان المتعاقد الآخر قد وقع مثله في الغلط ، أو كان على علم به ، أو كان من السهل عليه أن يتبينه ( 308 ) " .
وتعليل ذلك أن الغلط إذا لم يكن مشتركاً ، وقاجأ المتعاقد الذي وقع في الغلط المتعاقد الآخر بعدوى الغلط ، ولزم أن تبطل العقد ، فإن المتعاقد الآخر حسن النية لا ذنب له في ذلك ، والمخطئ هو المتعاقد الأول الذي أهمل في كشف نيته ولم يجعل المتعاقد الآخر يتبين أو يستطيع أن يتبين ما شاب إرادته من غلط . فوجب عليه التعويض ، وخير تعويض في هذه الحالة هو بقاء العقد صحيحاً ( 309 ) . ولا يستقيم هذا التعليل إلا إذا كان المتعاقد الآخر لا علم له بالغلط وليس من السهل عليه أن يتبينه . أما إذا كان عالماً بالغلط وانه هو الدافع إلى التعاقد فلا حق له في الشكوى من إبطال العقد لأنه يكون سىء النية . وإذا لم يكن عالماً بالغلط ولكن ولكن كان من السهل عليه أن يتبينه وأن يتبين أنه هو الدافع إلى التعاقد ، فلا حق هل كذلك في الشكوى من إبطال العقد لأنه يكون مقصراً ( 310 ) . ويخلص لنا من كل ذلك أن الغلط الجوهري لا يجعل العقد قابلا للإبطال إلا إذا كان غلطاً مشتركاً ، أو كان غلطاً فردياً يعلمه المتعاقد الآخر أو يسهل عليه أن يتبينه .
فإذا تحددت نظرية الغلط في على هذا النحو فإنها لا تتنافى مع استقرار التعامل ، ذلك لأن المتعاقد الذي وقع في الغلط لا يدع للمتعاقد الآخر سبيلا للزعم بأنه فوجئ بطلب إبطال العقد . فقد ثبت ( 311 ) أن هذا المتعاقد الآخر كان مشتركاً في الغلط ، أو كان يعلم به ، أو كان من السهل عليه أن يتبينه . وهو في الأولى حسن النية ولكن مقتضى حسن نيته أن يسلم بإبطال العقد ، وهو في الثانية سيء النية والإبطال جزاء لسوء نيته ، وهو في الثالثة مقصر وتعويض التقصير الإبطال ( 312 ) .
وغنى عن البيان إننا إذا اشترطنا أن يكون المتعاقد الآخر متصلا بالغلط على النحو المتقدم ، فإن ذلك يعني أن يكون على بينة أيضاً من أن هذا الغلط الجوهري هو الدافع إلى التعاقد كما سبق القول ( 313 ) .
ويتبين مما قدمناه أنه لا تبقى إلا حالة واحدة لا يكفي فيها الغلط الفردي لإبطال العقد ، هي ألا يتمكن المتعاقد الذي وقع في الغلط من إثبات أن المتعاقد الآخر كان مشتركا في هذا الغلط أو كان يعلم به أو كان من السهل عليه أن يتبينه ( 314 ) .
177 - تطبيق الغلط الذي يتصل به المتعاقد الأخذ على أحوال الغلط المختلفة : ويحسن أن نطبق نظرية الغلط الذي يتصل به المتعاقد على أحوال الغلط المختلفة – الغلط في الشيء والغلط في الشخص والغلط في القيمة والغلط في الباعث – حتى نتبين أن هذه النظرية تكفل استقرار التعامل على نحو مرضى .
فإذا كان الغلط في الشيء ، وكان في صفة اعتبرها أحد المتعاقدين ولتكن مثلا أن الشيء الذي اشتراه أثرى ، وجب على المشتري إذا طلب إبطال العقد أن يثبت أن الشيء الذي ظنه اثريا ليس إلا مجرد تقليد وانه لم يكن ليشتريه لو كان قد علم بحقيقته . ثم يثبت إلى جانب ذلك أن البائع كان يظن مثله أن الشيء أثرى وأن هذه الصفة هي التي دفعت المشتري إلى الشراء ، أو يثبت أن البائع كان على بينة من أن الشيء غير أثرى وكان مع ذلك يعلم ، أو من السهل عليه أن يعلم ، أن المشتري إنما انساق إلى الشراء لأنه كان يظن أن الشيء أثرى . واثبات كل ذلك يكون يسيراً لو عنى المشتري وقت التعاقد أن يبين أنه إنما يشتري الشيء لأنه أثرى . فإذا هو لم يبين ذلك فقد يتيسر الإثبات من القرائن والظروف ، كارتفاع الثمن إلى درجة لا تجعل قيمة الشيء المقلد متناسبة بتاتاً مع هذا الثمن ، وكالمهنة التي اتخذها البائع لنفسه إذا فرض أن هذا البائع مهنته الاتجار في الأشياء الأثرية .
وإذا كان الغلط في الشخص ، كمن يهب لآخر مالا وهو يعتقد أنه ابن له غير شرعي ثم يظهر عدم صحة ذلك ، فللواهب أن يطلب إبطال الهبة للغلط ، ولكن يجب عليه أن يثبت إلى جانب الغلط الدافع أحد أمرين : أما أن الموهوب له أكان يشاطر الواهب الاعتقاد بأنه أبن غير شرعي له وأن هذا كان هو الدافع إلى الهبة وإما أن الموهوب له مع علمه بأنه ليس ابن الواهب كان يعلم ، أو يسهل عليه أن يعلم ، بالوهم الذي قام في ذهن الواهب وأن هذا الوهم هو الذي دفعه إلى التبرع .
وإذا كان الغلط في القيمة ، كما إذا باع شخص لآخر سهماً بقيمته الفعلية وهو لا يعلم أن هذا السهم قد ربح جائزة كبيرة ، استطاع البائع أن يطلب إبطال الهبة للغلط ، ولكن يجب عليه أن يثبت إلى جانب الغلط الدافع أحد المرين : إما أن الموهوب له كان يشاطر الواهب الاعتقاد بأنه ابن غير شرعي له وأن هذا كان هو الدافع إلى الهبة ، وإما أن الموهوب له مع عمله بأنه ليس ابن الواهب كان يعلم ، أو يسهل عليه أن يعلم ، بالوهم الذي قام في ذهن الواهب وأن هذا الوهم هو الذي دفعه إلى التبرع .
وإذا كان الغلط في القيمة ، كما إذا باع شخص لآخر سهماً بقيمته الفعلية وهو لا يعلم أن هذا السهم قد ربح جائزة كبيرة ، استطاع البائع أن يطلب إبطال البيع للغلط ، ولكن عليه أن يثبت أن المشتري كان يجهل مثله أن السهم قد ربح الجائزة ، أو أن هذا المشتري مع علمه بربح الجائزة كان يعلم ، أو يسهل عليه أن يعلم ، بجهل البائع لذلك . ولا شك في أن مجرد بيع السهم بقيمته الفعلية دون حساب للجائزة كاف وحده ليكون قرينة على أن المشتري كان إما مشتركاً في الغلط ، وإما عالما به ، وإما على الأقل كان من السهل عليه أن يتبينه .
وإذا كان الغلط في الباعث ، كما إذا باع مريض شيئاً وهو يعتقد أنه في مرض الموت ثم شفى ، كان للبائع في هذه الحالة أن يطلب إبطال البيع للغلط إذا هو اثبت أن المشتري كان يعتقد هو أيضاً أن البائع في مرض الموت ، أو أن المشتري يعلم ، أو يسهل عليه أن يعلم ، أن البائع كان يعتقد أنه في مرض الموت وأن هذا الاعتقاد هو الذي دفع المريض إلى البيع . وقد تقوم تفاهة الثمن مع خطورة المرض قرينة على ذلك .
ويتضح من التطبيقات المتقدمة أن القول بالغلط الفردي لا يصطدم مع استقرار التعامل متى روعيت قواعد الإثبات التي بينها .
178 – التمسك بالغلط على وجه يتعارض مع حسن النية : وقد أشتمل القانون الجديد على نص من شأنها أن يخفف من حدة الطابع الذاتي في الغلط . فقضت المادة 124 بما يأتي : " 1 - ليس لمن وقع في غلط أن يتمسك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية . 2 - ويبقي بالأخص ملزما بالعقد الذي قصد إبرامه ، إذا أظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هذا العقد ( 315 ) " .
ويتبين من هذا النص أن أي تمسك بالغلط ، إذا تعارض مع حسن النية ، يكون غير جائز . فإذا اشترى شخص أرضا وهو يعتقد أن لها منفذاً إلى الطريق العام ، ثم يتضح إنها محصورة ، فيعرض عليها البائع النفقات التي يقتضيها حصوله على حق المرور إلى الطريق العام مما يحقق له كل الأغراض التي قصد إليها ، فيأبى إلا إبطال العبي ، جاز أن يكون التمسك بالغلط في هذه الحالة متعارضاً مع ما يقضي به حسن النية ، فلا يجاب المشتري إلى طلبه . ويمكن اعتبار هذا الحكم تطبيقاً من تطبيقات نظرية التعسف في استعمال الحق .
وقد أورد الشق الثاني من النص تطبيقاً من أهم تطبيقات هذا المبدأ . فقضى بأن المتعاقد الذي وقع في الغلط يبقى ملزماً بالعقد الذي قصد إبرامه إذا اظهر الطرف الآخر استعدادها لتنفيذ هذا العقد . فإذا باع شخص سهماً بقيمته الفعلية ، وكان يجهل أن هذا السهم قد ربح جائزة كبيرة ، يبقى مع ذلك ملزماً بالبيع إذا نزل له المشتري عن هذه الجائزة . وإذا تعاقد شخص مع قاصر وهو يعتقد أنه بلغ سن الرشد ، فليس له أن يتمسك بالغلط إذا أجاز الوصي العقد . وإذا اشترى شخص شيئاً وهو يعتقد أنه أثرى ، فإنه يظل مرتبطاً بالعقد إذا عرض البائع أن يعطيه الشيء الأثري الذي قصد شراءه ( 316 ) .
2 – التدليس ( * )
( Le dol )
179 – علاقة التدليس بالغلط : التدليس هو إيقاع المتعاقد في غلط يدفعه إلى التعاقد . فالعلاقة إذن وثيقة ما بين التدليس والغلط . والتدليس لا يجعل العقد قابلا للإبطال إلا للغلط الذي يولده في نفس المتعاقد .
والتدليس بهذا التحديد يختلف عن الغش ( fraude ) ، لأن التدليس إنما يكون في أثناء تكوين العقد ، أما الغش فقد يقع بعد تكوين العقد ، أو يقع خارجاً عن دائرة العقد . وكذلك يختلف التدليس المدني ( dol civil ) عن التدليس الجنائي ( dol penal ) وهو النصب ( escroquerie ) بان الطرق الاحتيالية في النصب عنصر مستقل قائم بذاته ، وتكون عادة اشد جسامة من الطرق الاحتالية المستعملة في التدليس المدني كما سنرى ( 317 ) .
ولما كان التدليس يؤدي إلى الغلط ويختلط به كما قدمنا ، فنبدأ بتحديد عناصر التدليس ، ثم نبين أن نظرية الغلط تغني عن نظرية التدليس .
ا – عناصر التدليس
180 - عنصران : تنص المادة 125 من القانون الجديد على أنه " 1 - يجوز إبطال العقد للتدليس إذا كانت الحيل التي لجأ إليها أحد المتعاقدين ، أو نائب عنه ، من الجسامة بحيث لولاها لما أبرم الطرف الثاني العقد . 2 - ويعتبر تدليسا السكوت عمدا عن واقعة أو ملابسة ، إذا ثبت أن المدلس عليه ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو هذه الملابسة ( 318 ) " . وهذه المادة تقابل المادتين 136 / 196 من القانون القديم اللتين جرتا على الوجه الآتي : " التدليس موجب لعدم صحة الرضاء إذا كان رضاء أحد المتعاقدين مترتباً على الحيل المستعملة له من المتعاقد الآخر بحيث لولاها لما رضى " . ولا فرق ما بين القانونين الجديد والقديم إلا في ناحية الصياغة والأسلوب وفي النص صراحة في القانون الجديد على التدليس السلبي .
وتنص المادة 126 من القانون الجديد على أنه " إذا صدر التدليس من غير المتعاقدين ، فليس للمتعاقد المدلس عليه أن يطلب أبطال العقد ، ما لم يثبت أن التعاقد الآخر كان من المفروض حتما أن يعلم بهذا التدليس ( 319 ) " . وهذا النص لا مقابل له في القانون القديم ، وقد حسم إشكالاً كان قائماً سنفصله فيما بعد .
ويستخلص من هذه النصوص أن للتدليس عنصرين ( 320 ) : 1 – استعمال طرق احتيالية ، وهذا هو العنصر الموضوعي . 2 – تحمل على التعاقد ، وهذا هو العنصر النفسي . وهذان العنصران كافيان ، ولا أهمية بعد ذلك لما إذا كان التدليس قد صدر من أجل المتعاقدين أو من الغير ( 321 ) .
181 – استعمال طرق احتيالية : الطرق الاحتيالية تنطوي على جانبين : جانب مادي هو الطرق المادية التي تستعمل للتأثير في إرادة الغير ، وجانب معنوي هو نية التضليل للوصول إلى غرض غير مشروع .
فالطرق المادية لا تقتصر عادة على مجرد الكذب ، بل كثيراً ما يصحب الكذب أعمال مادية تدعمه لإخفاء الحقيقة عن المتعاقد ، ويجب أن تكون هذه الأعمال كافية للتضليل حسب حالة كل متعاقد ، فالمعيار هنا ذاتي . والأمثلة كثيرة : فهناك شركات وجمعيات تتخذ لها من مظاهر الإعلان ما لا يتفق مع حقيقتها لتخدع الناس في أمرها . وهناك أفراد يظهرون بمظهر اليسار والسعة أو يتخذون لأنفسهم صفات منتحلة . وهناك من يخفى المستندات ، ومن يصطنعها ، ومن يزور فيها ، حتى يحمل الغير على التعاقد معه على الوجه الذي يريد ( 322 ) . ولا يكفي مجرد المبالغة في القول ولو وصلت المبالغة إلى حد الكذب ما دام أن ذلك مألوف في التعامل ، كالتاجر يروج لبضاعته فينتحل لها أحسن الأوصاف ( 323 ) .
على أنه لا يشترط في التدليس المدني أن تكون الطرق الإحتيالية مستقلة عن المكذب ، قائمة بذاتها ، كما يشترط ذلك في النصب الجنائي . ففي بعض الأحوال يكفي الكذب ذاته طريقاً احتيالية في التدليس ( 324 ) . فالمهم إذن في الطرق الإحتيالية ليس إنها طرق مستقلة تقوم بذاتها لتسند الكذب ، بل أن يكون المدلس قد ألبس على المتعاقد وجه الحق فحمله على التعاقد تضليلاً ، واختار الطريق الذي يصلح لهذا الغرض بالنسبة إلى هذا المتعاقد . فمن الناس من يصعب التدليس عليه فتنصب له حبائل معقدة ، ومنهم من يسهل غشه فيكتفي في التدليس عليه بمجرد الكذب ( 325 ) .
بل قد يكون التدليس عملا سلبياً محضاً . فكفي مجرد الكتمان ( reticence ) طريقاً أحتيالياً . والأصل أن الكتمان لا يكون تدليساً ، إلا أن هناك أحوالاً يكون فيها أمر من الأمور واجب البيان ، فيلتزم المتعاقد الذي يعلم هذا الأمر بالإفضاء به ، ويعد تدليساً منه أن يكتمه . وتارة يكون الالتزام بالإفضاء مصدره نص في القانون ( 326 ) . وطوراً يكون مصدره الاتفاق الصريح . ولكن في كثير من الأحيان يكون المصدر هو هذه القاعدة القانونية العامة التي تقضي بعدم جواز الغش ، وذلك بأن يستخلص من الظروف أن امراً هاماً يؤثر في التعاقد إلى درجة كبيرة ، ويدرك أحد المتعاقدين خطره ، ويعرف أن المتعاقد الآخر يجهله ، ومع ذلك يكتمه عنه ، فيحمله بذلك على التعاقد ( 327 ) . وهذا ما نصت عليه صراحة الفقرة الثانية من المادة 125 إذا قضت بأن " يعتبر تدليساً السكوت عمداً عن واقعة أو ملابسة إذا ثبت أن المدلس عليه ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو هذه الملابسة " . ومن ذلك نرى أن الكتمان يكون تدليساً إذا توافرت الشروط الآتية في الأمر الذي بقى مكتوماً : ( 1 ) أن يكون هذا الأمر خطيراً بحيث يؤثر في إرادة المتعاقد الذي يجهله تأثيرا جوهرياً ، ( 2 ) أن يعرفه المتعاقد الآخر ويعرف خطره ، ( 3 ) أن يتعمد كتمه عن المتعاقد الأول ، ( 4 ) إلا يعرفه المتعاقد الأول أو يستطيع أن يعرفه من طريق آخر ( 328 ) . وأكثر ما يكون الكتمان تدليساً في عقود التأمين ( 329 ) .
بقى الجانب المعنوي وهو نية التضليل للوصول إلى غرض غير مشروع . فإذا انعدمت نية التضليل لا يكون هناك تدليس ، كالتاجر يبرز ما يعرضه في أحسن صورة ، وهو لا يقصد التضليل بل يريد استهواء الناس ( 330 ) . وقد توجد نية التضليل ولكن يقصد بها الوصول إلى غرض مشروع ، كما إذا استعمل المودع طرقاً إحتيالية للحصول من المودع عنده ، وتبين أنه شخص غير أمين ، على إقرار بالوديعة ( 331 ) .
182 – التدليس هو الدافع إلى التعاقد : ويجب أن يكون التدليس هو الدافع إلى التعاقد . وقاضي الموضوع هو الذي يبت في ذلك ، فيقدر مبلغ اثر التدليس في نفس العاقد المخدوع ليقرر ما إذا كان هذا التدليس هو الذي دفعه إلى التعاقد ، ويسترشد في ذلك بما تواضع عليه الناس في تعاملهم وبحالة المتعاقد الشخصية من سن وذكاء وعلم وتجارب ( 332 ) .
ويميز الفقه عادة بين التدليس الدافع ( dol principal ) ، وهو التدليس بالتحديد الذي قدمناه ، والتدليس غير الدافع ( dol incident ) ، وهو تدليس لا يحمل على التعاقد وإنما يغرى بقبول شروط أبهظ ( 333 ) ، فلا يكون سبباً في إبطال العقد ، بل يقتصر الأمر فيه على تعويض يسترد به العاقد المخدوع ما غرمه بسبب هذا التدليس وفقاً لقواعد المسئولية التقصيرية ( 334 ) . وهذا التمييز منتقد . ذلك أن التدليس الذي يغرى على التعاقد بشروط أبهظ هو تدليس دفع إلى التعاقد بهذه الشروط ، ولا يمكن فصل الإرادة في ذاتها عن الشروط التي تحركت الإرادة في دائرتها . فالتدليس هنا أيضاً يعيب الإرادة ، والعاقد المخدوع بالخيار بين أن يبطل العقد أو أن يستبقيه مكتفياً بتعويض عما أصابه من الضرر بسبب التدليس . وهو إذا اختار الإبطال بقى في دائرة العقد ، وإذا اختار التعويض انتقل إلى دائرة المسئولية التقصيرية . وكل تدليس له هذان الوجهان ، سواء في ذلك ما سمى بالتدليس غير الدافع وما سمى بالتدليس الدافع ( 335 ) .
183 – التدليس صادر من المتعاقد الآخر أو من الغير – القانون المدني القديم : كانت المادتان 136 / 196 من القانون المدني القديم ، في نصهما العربي ، تقضيان كما رأينا بأن " التلديس موجب لعدم صحة الرضاء إذا كان رضاء أحد المتعاقدين مترتباً على الحيل المستعملة له من المتعاقد الآخر بحيث لولاها لما رضى " . وكان هذا النص العربي يتفق مع القانون المدني الفرنسي الذي ينص صراحة على أن التدليس يجب أن يكون صادراً من المتعاقد الآخر ( م 1116 ) . لذلك كان الفقه والقضاء في مصر يذهبان إلى أن التدليس يجب أن يكون صادراً من المتعاقد الآخر ، تمشياً مع النص العربي المشار إليه ومع نص القانون الفرنسي ( 336 ) . وكذلك الفقه يعلل هذا الحكم الشاذ بأن التدليس إذا صدر من الغير فلا يجوز أن يكون سبباً في إبطال العقد ، إذ ليس من العدل أن يجزي المتعاقد الآخر بالإبطال عن ذنب اقترفه الغير ، وللعاقد المخدوع أن يرجع على الغير الذي صدر منه التدليس بتعويض عما أصابه من الضرر . وليست هذه الحجة بمقنعة . فإن التدليس ، سواء صدر من المتعاقد الآخر أو صدر من الغير ، يعيب الإرادة . وما دمنا نأخذ بالمعيار الذاتي وننظر لا إلى التدليس في ذاته بل إلى ما احدثه من الأثر في نفس المتعاقد ، فإن الواجب عدم التفريق بين تدليس صدر من المتعاقد الآخر وتدلس صدر من الغير ، لأن العاقد المخدوع مضلل في الحالتين ، وقد صدرت إرادته على غير هدى ، فلا يجوز أن يلتزم بمثل هذه الإرادة . والواقع أن هذا التمييز ليست له علة منطقية ، وهو يرجع في الأصل لأسباب خاصة بالقانون الروماني ( 337 ) . وبالرغم من زوال هذه الأسباب فقد تلقى القانون الفرنسي القديم القاعدة ميراثاً من التقاليد ، وانتقلت منه إلى القانون الفرنسي الحديث . وإلا فما الفرق بين الإكراه والتدليس من هذه الناحية ، والمقرر أن الإكراه يبطل العقد سواء صدر من المتعاقد الآخر أو من الغير ، لأنه يعيب الإرادة في الحالتين ( 338 ) .
ولعل ضعف الحجة في وجوب التمييز بين التدليس الصادر من الغير والتدليس الصادر من المتعاقد الآخر هو الذي حمل القضاء والفقه في فرنسا وفي مصر على الانتقاص من هذا التمييز والعمل على هدمه بالإكثار من الاستثناء فيه . فاستقر الرأي على ألا تمييز بين تدليس صادر من الغير وتدليس صادر من المتعاقد الآخر ، وأن كليهما يعيب الإرادة ، في الأحوال الآتية : ( 1 ) إذا كان التصرف القانوني الذي داخله التدليس تصرفاً قانونياً صادراً من جانب واحد ( 2 ) في الهبات لأن الهبة يجب أن تتمحض عن نية التبرع خالصة ، فإذا داخلها التدليس ولو صدر من الغير كان مبطلا لها ( 3 ) في المعاوضات إذا صدر التدليس من نائب المتعاقد الآخر أو من الغير إذا كان متواطئاً مع المتعاقد الآخر ، أو إذا صدر التدليس من الغير وكان المتعاقد الآخر يعلم بهذا التدليس أو كان في استطاعته أن يعلم به .
وكان الفقه المصري يستطيع أن يجد في القانون المدني القديم سنداً على أن التدليس يعيب الرادة حتى لو صدر من الغير ، إذا هو رجع إلى النص الفرنسي للمادتين 136 / 196 ، فإن الترجمة الدقيقة لهذا النص هي ما يأتي " التدليس يعيب الإرادة إذا كانت الحيل المستعملة ضد المتعاقد جسيمة بحيث إنه لولاها لما رضى " . فلم يميز النص بين تدليس يصدر من المتعاقد الآخر وتدليس يصدر من الغير ، بل أطلق فجعل التدليس يعيب الإرادة في الحالتين ( 339 ) . ولو أخذ الفقه والقضاء في مصر بهذا التفسير الوجيه لاستغنيا به عن سلوك الطريق الطويل الملتوي الذي سلكه الفقه والقضاء في فرنسا ، ولذهبا مباشرة إلى الحل الصحيح عن طريق النص الصريح .
184 – القانون المدني الجديد في التدليس الصادر من الغير : هذا ما فعله القانون الجديد . فقد تجنب التناقض الذي وقع فيه القانون ولقدم ، ونص صراحة في المادة 126 ، كما سبق القول ، على أنه " إذا صدر التدليس من غير المتعاقدين فليس للمتعاقد المدلس عليه أن يطلب إبطال العقد ما لم يثبت أن المتعاقد الآخر كان يعلم ، أو كان من المفروض حتما أن يعلم ، بهذا التدليس ( 340 ) " . وقد نص القانون الجديد على مثل هذا في الإكراه ( أنظر المادة 128 ) ، فسوى بحث ما بين الإكراه والتدليس في ذلك ( 341 ) .
وإذا كان التدليس الصادر من الغير يعيب الإرادة متى كان المتعاقد الآخر يعلم ، أو كان من المفروض حتما أن يعلم ، بالتدليس ، بقى الفرض الذي يكون فيه المتعاقد الآخر غير عالم بالتدليس وغير مستطيع أن يعلم به . وحتى هنا يجوز إبطال العقد للغلط إذا اثبت العاقد المخدوع أن العاقد الآخر كان مشتركا معه في الغلط الذي وقع فيه من جراء هذا التدليس ، أو أن هذا المتعاقد الآخر كان يعلم أو كان يستطيع أن يعلم بهذا الغلط . فإذا لم يثبت شيئا من ذلك ، فإن العقد لا يكون باطلا لا للتدليس وللغلط . وهذا عدل ، لأننا إذا أبطلنا العقد في هذه الحالة فللمتعاقد الآخر وهو حسن النية أن يطلب تعويضاً ، وخير تعويض هو بقاء العقد صحيحاً . وهذا تطبيق آخر لقيام العقد على سبيل التعويض ، لا على الإرادة الحقيقية للمتعاقد ( 342 ) ، وقد سبقت الإشارة إلى تطبيقات من هذا القبيل .
ب – نظرية الغلط تغني عن نظرية التدليس
185 – الغلط يغني عن التدليس في النظرية الحديثة : قدمنا أن التدليس من شأنها أن يوقع المتعاقد في غلط ، فإذا كان رضاؤه معيباً فإنما يكون ذلك بسبب الغلط الذي أوقع فيه التدليس . ومع ذلك فإن النظرية التقليدية للتدليس إذا وضعت بجانب النظرية التقليدية للغلط تجعل دائرة التدليس أوسع من دائرة الغلط . فهناك أحوال لا يكفي فيها الغلط لإبطال العقد ، كالغلط في الباعث والغلط في القيمة ، فإذا اقترن بالغلط تدليس دافع ، كان التدليس لا الغلط هو السبب في إبطال العقد ( 343 ) . ومن ذلك نرى أن طبقاً للنظرية التقليدية لا يغني الغلط عن التدليس . بل يجب الحرص على التمييز بين التدليس والغلط ، فإنه إذا كان كل تدليس يحدث في النفس غلطاً ، فإن الاقتصار على هذا الغلط مجرداً عن التدليس لا يكفي لإبطال العقد في كل الأحوال .
أما في النظرية الحديثة ، فالغلط يغني عن التدليس . ولا يمكن في هذه النظرية أن يوجد عقد يبطل للتدليس دون أن يكون قابلا لأن يبطل للغلط في الوقت ذاته . والتدليل على ذلك هين . فالتدليس لا يبطل العقد إلا إذا كان دافعاً ، وهو إنما يبطل العقد لما يوقع في نفس المتعاقد من الغلط . فالغلط الناشيء عن التدليس المبطل للعقد لما يوقع في نفس المتعاقد من الغلط . فالغلط الناشيء عن التدليس المبطل للعقد لا بد أن يكون غلطاً دافعاً ، والغلط الدافع يبطل العقد دائماً حتى لو وقع في الباعث أو في القيمة . فنرى من ذلك أن كل عقد يبطل للتدليس يمكن في الوقت ذاته أن يبطل للغلط ، وأن نظرية الغلط تغني إذن عن نظرية التدليس ( 344 ) .
186 – ولكن التدليس لا يغني عن الغلط : ذلك أن التدليس إذا لم يوقع في نفس المتعاقد غلطاً فلا أثر له في صحة العقد ، ولا تترتب عليه إلا مسئولية عن التعويض إذا انطوى على خطأ تقصيري وأحدث ضرراً . ولا يمكن أن نتصور عقداً لا يبطل للغلط ويبطل مع ذلك للتدليس . فالعبرة إذن بالغلط لا بالتدليس . وإذا كان الغلط يغني عن التدليس ، فإن التدليس لا يغني عن الغلط .
على أنه إذا وقع المتعاقد في غلط من شأنها أن يبطل العقد ، فإن هناك فرقاً عملياً في هذه الحالة بين أن يكون الغلط مصحوباً بالتدليس أو أن يكون غير مصحوب به . ويظهر أثر هذا الفرق في أمرين : ( أولاً ) يسهل إثبات الغلط حيث يكون مصحوباً بالتدليس ، فإن الطرق الإحتيالية تكون غالباً طرقاً مادية يسهل إثباتها ، فيثبت الغلط تبعاً لذلك . أما إذا لم يصحب الغلط تدليس ، فإنه يصبح أمراً نفسياً ليس من الميسور إثباته . ( ثانياً ) إذا كان الغلط مصحوباً بتدليس ، فإن التدليس يكون سبباً في إلزام المدلس بالتعويض ، وذلك إلى جانب إبطال العقد ، إذا نجم عن التدليس ضرر ( 345 ) . أما الغلط غير المصحوب بالتدليس فجزاؤه إبطال العقد ، ولا محل للتعويض إلا إذا ثبت خطأ في جانب المتعاقد الذي علم بالغلط أو كان يستطيع أن يعلم به .
وظاهر أن كلا من هذين الأمرين عملي محض ، ولا صلة له بأثر الغلط في صحة العقد ( 346 ) . وقد آثر القانون الجديد مع ذلك أن يستبقى التدليس إلى جانب الغلط جرياً على التقاليد ، لا سيما إذا اقترنت بهذه الفروق العملية .
3 – الإكراه ( * )
( La violence )
187 – الرهبة هي التي تفسد الرضاء : الإكراه ضغط تتأثر به إرادة الشخص فيندفع إلى التعاقد . والذي يفسد الرضاء ليست هي الوسائل المادية التي تستعمل في الإكراه ، بل هي الرهبة التي تقع في نفس المتعاقد . كما أن الذي يفسد الرضاء في التدليس ليست هي الطرق الإحتيالية ، بل ما تحدثه هذه الطرق في نفس المتعاقد من التضليل والوهم .
188 – الإكراه الذي يفسد الرضاء والإكراه الذي يعدمه : والإكراه وأن كان يفسد الرضاء على النحو المتقدم ، إلا أنه لا يعدمه . فالمكره إرادته موجودة ، ولو انتزعت منه هذه الإرادة رهبة ، لأنه خير بين أن يريد أو أن يقع به المكروه الذي هدد به ، فاختار اهون الضررين وأراد ، إلا أن الإرادة التي صدرت منه هي إرادة فاسدة ، لأنها لم تكن حرة مختارة .
وإنما يعدم الإكراه الرضاء إذا انتزع الرضاء عنوة لا رهبة ، كما إذا امسك المكره بيد المكره وأجرى القلم في يده بالتوقيع على التزام . ففي هذه الحالة يكون العقد باطلا لانعدام الرضاء .
189 – الإكراه هو أيضاً عمل غير مشروع : وينبغي أن تنظر إلى الإكراه – كما نظرنا إلى التدليس – من ناحيتين : الناحية التي يكون الإكراه فيها عيباً من عيوب الإرادة فيبطل العقد ، والناحية التي يكون الإكراه فيها عملا غير مشروع فتترتب عليه المسئولية عن التعويض . وسنرى فيما يلي هاتين الناحيتين في الإكراه .
190 – النصوص القانونية : وكان القانون القديم يشتمل على نص واحد في الإكراه هو نص المادتين 135 / 195 ، وهو يقضى بأنه " لا يكون الإكراه موجباً لبطلان المشارطة إلا إذا كان شديداً ، بحيث يحصل منه تأثير لذوى التمييز مع مراعاة سن العاقد وحالته والذكورة والأنوثة " . وهذا النص يفضل نصوص القانون الفرنسي التي نقل عنها ، إذا تجنب الخوض في كثير من التفصيلات التي عرضت لها هذه النصوص ( 347 ) ، واقتصر على وضع معيار مرن . إلا أنه خلط ما بين معيار موضوعي هو معيار ذي التمييز ( personne raisonnable ) ومعيار ذاتي هو معيار العاقد بالذات . وقد نقل هذا الخلط عن القانون الفرنسي ( 348 ) .
أما القانون الجديد فقد تجنبت نصوصه هذا الخلط ، فاقتصرت على المعيار الذاتي وهو المعيار الصحيح ، وعرضت لعناصر الإكراه في نصين ، هما لمادتان 127 و 128 .
وتنص المادة 127 على ما يأتي :
" 1 - يجوز إبطال العقد للإكراه إذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد الآخر في نفسه دون حق وكانت قائمة على أساس .
2 - وتكون الرهبة قائمة على أساس إذا كانت ظروف الحال تصور للطرف الذي يدعها أن خطرا جسيما محدقا يهدده هو أو غيره في النفس أو الجسم أو الشرف أو المال .
3 - ويراعي في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف أخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه ( 349 ) " .
وتنص المادة 128 على ما يأتي :
" إذا صدر الإكراه من غير المتعاقدين ، فليس للمتعاقد المكره أن يطلب إبطال العقد ، ما لم يثبت أن المتعاقد الآخر كان يعلم أو كان من المفروض حتما أن يعلم بهذا الإكراه ( 350 ) " .
191 – عنصران للإكراه : ويستخلص من هذه النصوص أن عناصر الإكراه ، كعناصر التدليس ، اثنان : 1 – استعمال وسائل للإكراه تهدد بخطر جسيم محدق ، وهذا هو العنصر الموضوعي . 2 – رهبة في النفس يبعثها الإكراه فتحمل على التعاقد ، وهذا هو العنصر النفسي .
وهذان العنصران كافيان ، ولا يهم بعد ذلك ما إذا كان الإكراه صادراً من أحد المتعاقدين ، أو من الغير ، أو من ظروف خارجية تهيأت مصادفة .
ونتناول بالبيان كلا من العنصري الموضوعي والنفسي ، وننتقل بعد ذلك إلى الجهة التي صدر منها الإكراه هل هي أحد المتعاقدين . أو الغير أو مجرد المصادفة ( 351 ) .
1 – استعمال وسائل للإكراه تهدد بخطر جسيم محدق
192 – تحليل هذا العنصر : لا بد من استعمال وسائل للإكراه تقع على الحس أو على النفس . فتهدد المتعاقد المكره ، أو شخصاً عزيزاً عنده ، بخطر جسيم محدق بالنفس أو بالمال . ووسائل الإكراه تكون في العادة غير مشروعة يقصد بها الوصول إلى غرض غير مشروع . وقد تستعمل وسائل مشروعة للوصول إلى غرض غير مشروع فيتحقق الإكراه : من ذلك أن يستغل صاحب الحق المطالبة بحقه لابتزاز فائدة غير مشروعة من المدين ، ومن ذلك أيضاً أن يستغل صاحب الشوكة والنفوذ الأدبي شوكته ونفوذه ليحقق غرضاً غير مشروع .
فنتكلم إذن فيما يأتي : ( 1 ) الإكراه الحسي والإكراه النفسي ( 2 ) الخطر الجسيم المحدق بالنفس أو بالمال إذا هدد المتعاقد نفسه ( 3 ) هذا لخطر إذا هدد غير المتعاقد ( 4 ) المطالبة بحق كوسيلة للإكراه ( 5 ) الشوكة والنفوذ الأدبي .
193 – الإكراه الحسي والإكراه النفسي : وسائل الإكراه أما أن تقع على الجسم ، كالضرب المبرح والإيذاء بأنواعه المختلفة ، وهذا ما يسمى بالإكراه الحسي ( violence physique ) لنه يقع على الحس ، وهو نادر لاسيما في الأوساط المتحضرة . وإما أن تكون الوسيلة تهديداً بإلحاق الأذى دون إيقاعه بالفعل أو إحداثاً لألم نفسي ، وهذا ما يسمى الإكراه النفسي ( violence morale ) لأنه يوقع في النفس رهبة أو ألماً ، وهذا هو الإكراه الأكثر وقوعاً في الحياة العملية . وليس هناك فرق بين الإكراه الحسي والإكراه النفسي ، فكل وسيلة من وسائل الإكراه ، سواء وقعت على الجسم أو على النفس ، تفسد الرضاء وتجعل العقد قابلا للإبطال .
194 – خطر جسيم محدق بالنفس أو بالمال يهدد المتعاقد نفسه : ولكن لما كان الإكراه النفسي هو الأكثر وقوعاً كما قدمنا ، فإن كلامنا ينصرف في الغالب إليه . وهو الذي يوقع في نفس المتعاقد المكره أن خطراً جسيما محدقاً يهدده هو أو غيره في النفس أو الجسم أو الشرف أو المال ( 352 ) " .
فالخطر يجب أن يكون جسيما ، والعبرة في جسامة الخطر بحالة المكره النفسية . فلو كانت وسائل الإكراه التي استعملت غير جدية ، ولكنها مع ذلك أوقعت الرهبة في نفس المكره وصورت له أن خطراً جسيماً يهدده ، فإن هذا يكفي لإفساد الرضاء . وذلك كما إذا هدد شخص آخر بعمل من أعمال الشعوذة ، كأن يلحق الأذى بمواشيه من طريق السحر " والتعزيم " ، أو هدده بأن له قدرة على " الربط والحل " ، أو نحو ذلك مما يقع كثيراً في الأوساط القروية الساذجة .
والخطر يجب أن يكون محدقاً ( imminent ) أي وشيك الوقوع . فلو كان التهديد بخطر يتراخى وقوعه إلى أجل يتمكن معه المتعاقد من اتخاذ الحيطة لنفسه ، فإن هذا التهديد لبس من شأنه عادة أن يوقع في النفس الرهبة التي تفسد الرضاء . على أن الأمر منوط بحالة المتعاقد النفسية ، فقد ننبعث في نفسه رهبة من التهديد بخطر بعيد الأجل ، فيكفي هذا لإفساد الرضاء . فالعبرة إذن بوقوع الرهبة حالا في نفس المتعاقد ، لا بأن الخطر حال أو محدق ( 353 ) .
والخطر إما أن يصيب المتعاقد في جسمه أو نفسه ، كخطر يقع على حياته أو على سلامة أعضائه أو الم نفسي ينزل به . وإما أن يقع على شرفه واعتباره بين الناس أو على الثقة فيه لا سيما إذا كانت مهنته تقتضي التوفر على هذه الثقة كما في التجارة . وإما أن يقع على ماله ، كما إذا هدد في مزروعاته بالإتلاف أو في داره بالحريق . فالخطر الذي يقع على أي شيء يحرص المتعاقد على سلامته يكفي لتحقق الإكراه .
195 – الخطر يهدد الغير : وليس من الضروري أن يهدد الخطر المتعاقد المكره نفسه ، فقد يهدد شخصاً غيره عزيزاً عليه فيعتبر الإكراه متحققاً بذلك . وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الثانية من المادة 127 التي تقدم ذكرها ، فهي تجيز أن يهدد الخطر الجسيم المحدق المتعاقد المكره نفسه " أو غيره " . وقد كان المشروع التمهيدي للقانون الجديد يشترط أن يكون الغير هو أحد أقارب المتعاقد ( 354 ) ، ولكن رؤى بحق في المشروع النهائي العدول عن هذا الشرط . فليس صحيحاً أن الأقارب هم كل الناس الذين ينزلهم الشخص منزلة نفسه ، فهناك الزوج والزوجة ، والخطيب والخطيبة ، بل والأصدقاء ، قد يكون فيهم من يعزهم الشخص إعزازاً يجعله يتأثر مما يتعرضون له من الخطر إلى حد أن تفسد إرادته تحت تأثير الخوف الذي يقع في نفسه من جراء ذلك . وليس صحيحاً كذلك أن كل الأقارب ينزلهم الشخص منزلة نفسه ، ويتأثر من الخطر الذي يهددهم تأثراً يفسد رضاه . والأولى أن يترك تقدير ذلك للظروف ، فلا يذكر فريق معين من الناس على زعم إنهم هم الاعزاء دون غيرهم . وإنما ينظر القاضي في كل حالة إلى ظروفها الخاصة ، ويقدر علاقة المتعاقد بمن يهدده الخطر ، هل هي علاقة وصلت إلى الحد الذي يجعل المتعاقد يتأثر من هذا الخطر بحيث تفسد إرادته فيبطل العقد ، لا فرق في ذلك بين قريب وزوج وخطيب وصديق ( 355 ) .
196 – المطالبة بحق كوسيلة للإكراه : والإكراه يتحقق عادة باستعمال وسائل غير مشروعة للوصول إلى غرض غير مشروع . فتهدد شخص بقتله أو بإحراق منزله إذا لم يمض التزاماً ، أو بقتل ولد له اختطفه المكره إذا لم يمض تعهداً بدفع الفدية ، أو بالتشهير به إذا لم يتعهد بدفع قدر من المال ، كل هذه الوسائل غير مشروعة للوصول إلى غرض غير مشروع .
أما إذا كانت الوسائل مشروعة في ذاتها ويراد بها الوصول إلى غرض مشروع ، بأن يضغط شخص على إرادة شخص آخر من طريق المطالبة يحق له عليه ، ولا يقصد بهذا الضغط إلا الوصول إلى حقه ، فلا يبطل العقد للإكراه ، كالدائن يهدد المدين بالتنفيذ على ما له إذا لم يعطه تأميناً على عين بالذات ، فيعطيه المدين رهناً ، فلا يبطل عقد الرهن في هذه الحالة ، لأن الوسائل التي استعملت للضغط على إرادة المدين وسائل مشروعة ولا يقصد بها الدائن إلا الوصول إلى حقه وهو غرض مشروع . وكذلك إذا هدد شخص آخر بتقديمه بلاغاً إلى النيابة العامة يتهمه فيه بالتبديد إذا لم يكتب له سنداً بما أودعه عنده من مال ، فهذا الإقرار الصادر منه لا يبطل للإكراه ، لأن الوسائل التي استعملت مشروعة ويراد بها الوصول إلى غرض مشروع هو إثبات حق موجود . وكذلك إذا هددت الزوجة زوجها بأن تحبسه في نفقتها أن لم يستند ويعطها ما تنفقه ، فلا يبطل عقد القرض للإكراه . هذا ونص القانون الجديد صريح في أن الإكراه لا يتحقق إلا إذا كانت الرهبة قد بعثت " دون حق " في نفس المتعاقد المكره ( 356 ) .
على أنه إذا استعملت الوسائل المشروعة للوصول إلى غرض غير مشروع ، واستغل الدائن قيام حقه في المطالبة فضغط على إرادة مدينه ، لا للوصول إلى حقه فحسب ، بل ليبتز من المدين ما يزيد على حقه ، فإن الإكراه يتحقق ويبطل العقد . فمن فاجأ شخصاً متلبساً بجريمة ، فاستغل هذا الظرف واضطر إلى كتابة سند بمبلغ كبير من المال لاحق له فيه ، جاز إبطال العقد للإكراه . أما إذا استكتبه سنداً بمبلغ هو مقدار ما أصابه من الضرر بسبب ارتكاب الجريمة ، فإن الغرض هنا مشروع والعقد صحيح . وإذا هدد دائن مدينه بأن يعلن إفلاسه وابتغى من وراء ذلك الحصول على مال أكثر من حقه ، كان هذا إكراهاً ، أما إذا حصل على حقه فإن الغرض يكون مشروعاً ولا يكون هناك إكراه ( 357 ) .
197 – الشوكة والنفوذ الأدبي : ومجرد الشوكة والنفوذ الأدبي الذي قد يكون لشخص على آخر ، سواء ارتبطا بصلة النسب كما بين الأب وولده ، أو اتصلا برابطة الزوجية أو المصاهرة ، أو لم يتصلا بشيء من ذلك كما بين الوصي والقاصر إذا لم يكونا من ذوي القربى وبين الأستاذ والطالب وبين ذى النفوذ الديني والمتدين وبين الريس والمرؤوس ، لا يكفي عادة ليكون وسيلة للإكراه ، ذلك أن استعمال النفوذ الأدبي والشوكة أمر مشروع ما دام القصد من ذلك الوصول إلى غرض مشروع ( 358 ) .
أما إذا قصد الوصول إلى غرض غير مشروع ، فلا يوجد في هذه الحالة ما يمنع من الطعن في العقد بالإكراه ( 359 ) . ولا شك في أن موقف الزوجة من زوجها والزوج ذو شوكة على زوجته ، وموقف الولد من أبيه وهو يخفض له جناح الذل من الرحمة ، وموقف المتدين من رئيس ديني والدين ذو اثر عميق في النفس ، وموقف المرؤوس من رئيسه وفي يد هذا إبقاؤه في العمل أو فصله ، كل هذه مواقف قد تتأثر فيها إرادة الشخص إلى حد كبير ، وليس من الصواب أن يقال إن الشخص يتعاقد مختاراً فيها . فإذا أريد بالعقد وصول إلى غرض غير مشروع ، كعقد التزام باهظ يثقل كاهل الملتزم . أو ما كان يرضاه لولا موقفه ممن يتعاقد معه ، فإن العقد يجوز إبطاله للإكراه ( 360 ) .
ب – رهبة تحمل على التعاقد
198 – وجوب الأخذ بالمعيار الذاتي : قدمنا أن المادة 127 من القانون الجديد تقضي بأنه يجوز إبطال العقد للإكراه إذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد الآخر في نفسه دون حق ز . . ويراعى في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه هذا الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف آخر من شأنها أن يؤثر في جسامة الإكراه . وهذا النص قاطع في أن القانون الجديد يأخذ في الإكراه بمعيار ذاتي محض . وقد كان القانون القديم ( م 135 / 195 ) يخلط بين المعيار الذاتي والمعيار الموضوعي مقلداً في ذلك القانون الفرنسي كما سبق القول ( 361 ) .
ولا شك في أن القانون الجديد أحسن صنعاً بالاقتصار على المعيار الذاتي وعدم الخلط بينه وبين المعيار الموضوعي ، فإن الإكراه ، كالغلط وكسائر عيوب الرضاء ، ظاهرة من الظواهر النفسية لا يجوز الأخذ فيها بغير المعيار الذاتي ( 362 ) . وهذا ما جرى عليه القضاء والفقه في مصر حتى في ظل القانون القديم ( 363 ) . وهذا هو أيضاً ما أخذت به الشريعة الإسلامية ( 364 ) والقوانين الأجنبية الحديثة ( 365 ) .
فيجب إذن أن تكون الرهبة التي بعثها إلى نفس المتعاقد المكره التهديد بخطر جسيم محدق في النفس أو الجسم أو الشرف أو المال رهبة قد ضغطت على إرادته بحيث أصبح مسلوب الحرية لا اختيار له فيما أراد ، وأن هذه الرهبة هي التي حملته على التعاقد ودفعته إليه دفعاً . فالرهبة إذن تكون قد افسدت إرادته ، وهذه هي المسألة الجوهرية التي يجب الوقوف عندها ، واليها ترد سائر المسائل في الإكراه . وما تقدم ذكره من وجوب التهديد بخطر في النفس أو الجسم الو الشرف أو المال ، ومن أن الخطر يجب أن يكون جسيماً محدقاً ، إنما هو المظهر المادي للرهبة التي انبعثت في نفس المتعاقد المكره فحملته على التعاقد . وليس الخطر الجسيم المحدق مقصوداً لذاته ، بل للنتيجة التي يؤدي إليها من وقوع الرهبة في النفس ، وأن تكون هذه الرهبة هي التي دفعت إلى التعاقد ، مراعى في ذلك الحالة الشخصية للمتعاقد المكره . وهذا هو المعنى المقصود من الأخذ بالمعيار الذاتي ( 366 ) .
199 – تطبيق المعيار الذاتي : فالواجب إذن النظر إلى حالة المتعاقد الشخصية ، فنتعرف إلى أي حد هو يتأثر بالرهبة والخوف ، وندخل في اعتبارنا كل العوامل التي يكون من شأنها تكييف نفسيته ، من جنس وسن وحالة اجتماعية وحالة صحية وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه كما تقول الفقرة الثالثة من المادة 127 .
فالأنثى غير الذكر . والصبي الصغير غير الشاب القوي ، وهذا غير الهرم البالي . والقروى الساذج غير المدني المتحضر . والعصبي غير الهادئ المزاج . والضعيف غير القوى . والمريض غير المعافي . والجاهل غير المتعلم . والغبي غير الذكي . وهكذا . ويجب الاضداد أيضاً إلى جانب الحالة الشخصية بالظروف والملابسات ، فالخطر قد يحدث رهبة في نفس المتعاقد وهو في جهة قاصية بعيدة عن الناس ولا يحدثه وهو في مدينة آهلة بالسكان وعلى مقربة من رجال الأمن . وقد يخشى منفرداً ما لا يخشاه وهو في جماعة من الناس . وقد يكون الخوف اشد وقعاً في نفسه ليلا منه نهاراً . فالمكان والزمان وغيرهما من الظروف والملابسات تؤثر في تكييف جسامة الخطر في نفس المتعاقد ( 367 ) .
ومعرفة ما إذا كانت الرهبة هي التي دفعت فعلا إلى التعاقد مسألة واقع لا رقابة لمحكمة النقض عليها ( 368 ) . وينظر في تقديرها إلى العوامل التي سبق بيانها . ووجوب الاعتداد بهذه العوامل من مسائل القانون التي تعقب عليها محكمة النقض ( 369 ) .
ج – الجهة التي صدر منها الإكراه
200 – الإكراه الصادر من المتعاقد الآخر والإكراه الصادر من الغير : كان القانون القديم يميز بين الإكراه والتدليس إذا صدرا من الغير . فالإكراه الصادر ، الغير يؤثر في صحة العقد ، أما التدليس الصادر من الغير فلا اثر له في ذلك . وكان هذا موضعاً للنقد سبقت الإشارة إليه . أما القانون الجديد فقد نبذ هذا التمييز ، وجعل الحكم سواء في الحالتين . فعالج بذلك عيباً ظاهرة من عيوب القانون القديم .
والأصل أن الإكراه يفسد الإرادة كما قدمنا . وسواء صدر الإكراه من أحد المتعاقدين أو صدر من الغير فإن اثر الإكراه من حيث هو عيب في الرضاء لا يختلف ، والإرادة تكون فاسدة في الحالتين . أما من حيث أن الإكراه عمل غير مشروع ، فإن المسئول عن هذا العلم هو المكره ، وهو في إحدى الحالتين غير في الحالة الأخرى .
والذي يعنينا هنا هو الإكراه بوصفه عيباً في الرضاء . وفلا فرق إذن بين إكراه يصدر من أحد المتعاقدين وإكراه يصدر من الغير : كلاهما يفسد الإرادة ويجعل العقد قابلا للإبطال ( 370 ) .
إلا أن هذا الحكم منوط بتوافر شرط هو ذات الشرط الذي أوردناه في التدليس . فالإكراه الصادر من الغير لا يجعل العقد قابلا للإبطال إلا إذا اثبت المتعاقد المكره أن المتعاقد الآخر كان يعلم ، أو كان من المفروض حتما أن يعلم ، بهذا الإكراه . ذلك أن الإكراه إذا صدر من الغير ، ولم يكن المتعاقد الآخر يعلم به أو يفرض حتما أنه يعلم به ، واختار المتعاقد المكره إبطال العقد ، فإنه يصح للمتعاقد حسن النية أن يطالبه بالتعويض ، وخير تعويض هنا هو استبقاء العقد صحيحاً ، فيقوم في هذه الصورة أيضاً لا أساس من الإرادة الحقيقية ، بل على أساس من التعويض . وهذا هو عين ما قررناه في التدليس ( 371 ) .
ويلاحظ أن الإكراه في هذه الصورة الأخيرة ، حيث يبقى العقد صحيحاً لحسن نية المتعاقد الآخر ، إذا لم ينتج أثره كعيب من عيوب الرضاء ، فإنه ينتج أثره كعمل غير مشروع ، ويكون للمكره أن يطالب الغير الذي صدر منه الإكراه بتعويض ما أصابه من الضرر ( 372 ) .
201 – الإكراه الصادر عن ظروف تهيأت مصادفة ( حالة الضرورة ) : وقد يصدر الإكراه لا من أحد المتعاقدين ولا من الغير ، ولكن من ظروف تهيأت مصادفة لا يد لأحد فيها ، واقتصر المتعاقد على الإفادة منها واستغلالها لحمل من وقع تحت تأثير هذه الظروف على التعاقد ، كما إذا تقدم شخص لإنقاذ آخر من خطر الغرق أو الحريق أو القتل أو نحو ذلك وحصل منه قبل إنقاذه على تعهد بإعطائه مقداراً جسيما من المال ثمناً لهذا الإنقاذ ، وكما لو اتفق جراح مع مريض على إجراء عملية في نظير أجر باهظ مبالغ فيه .
وقد ذهبت النظرية التقليدية في الإكراه إلى التمييز ما بين هذا الفرض والفرض الذي يصدر فيه الإكراه من الغير . فإن الإكراه الصادر من الغير يقصد به الضغط على المتعاقد حتى ينتزع منه الرضاء ، ومن ثم يؤثر في صحة العقد . أما الفرض الذي نحن بصدده فالظروف الضاغطة على الإرادة قد تهيأت مصادفة ، ولم يكن الغرض منها الضغط على إرادة المتعاقد ، ولم يفعل المتعاقد الآخر إلا أنه استغلها عند تعاقده . ولما كانت النظرية التقليدية تشترط في الإكراه أن ينتزع الرضاء ، وقد ورد فعلا لفظ " الانتزاع " ( extorque ) في المادة 1109 من القانون المدني الفرنسي ، فإنها لا تجعل الإكراه الذي تهيأت ظروفه مباشرة ذا اثر في صحة العقد ( 373 ) .
ولكن هذا التمييز الذي تأخذ به النظرية التقليدية لا مبرر له ، وهو اثر من آثار القانون الروماني بقى في القانون الفرنسي بعد أن زالت مقتضياته ( 374 ) . والصحيح أن الإكراه متحقق في كلا الفرضين . وما دامت إرادة المتعاقد لم تكن حرة ، بل صدرت تحت تأثير الضغط ، فالإرادة فاسدة ، سواء في ذلك أن يكون مصدر الضغط هو المتعاقد الآخر أو أجنبي أو ظروف خارجية لا يد لا حد فيها ، فاثر الضغط في إرادة المتعاقد واحد في كل هذه الأحوال . فإذا تعرض شخص لخطر الموت ، وتقدم لإنقاذه شخص اشترط أن يأخذ مبلغاً جسيماً من أجل ذلك ، فلا فرق ، من حيث حرية إرادة المدين ، إذا كان مصدر الخطر الذي يتهدده هو من فعل الدائن أو من عمل الغير أو نتيجة الصدفة ، وما دام الدائن قد علم بالظروف الخارجية واستغله فالعقد قابل للإبطال . كذلك الطبيب الذي يستغل خطورة المرض ، فيضطر المريض إلى الالتزام بمبلغ جسيم اجرا للعلاج لا يتناسب البتة مع الأجر الذي يؤخذ عادة ، إنما يتعاقد مع شخص قد فقد حرية الإرادة ، ويجب أن يبطل العقد في هذه الحالة ، ومن ينقذ سفينة على وشك الغرق تلقاء تعهد باهظ من ربان السفينة ليس له أن يتمسك بهذا التعهد لأن الإرادة قد أفسدها الإكراه .
وقد أشتمل المشروع التمهيدي للقانون الجديد على نص صريح في هذا الموضوع يميز بين ما إذا كان المتعاقد الآخر حسن النية ولم يقصد أن يستغل المتعاقد المهدد بخطر تهيأت ظروفه مصادفة ، أو كان سيء النية وأراد استغلال هذه الظروف . ففي الحالة الأولى وحدها لا يكون للمتعاقد المكره حق إبطال العقد ( 375 ) ، ويستخلص من مفهوم المخالفة أن الإكراه يكون سبباً لإبطال العقد في الحالة الثانية . وهذا التمييز معقول ويجب الأخذ به في ظل القانون الجديد . وإذا كان المشروع النهائي قد اغفل هذا النص فلم يكن ذلك لأنه أراد مخالفة حكمه ، بل هو قد اعتمد على القواعد العامة في تقرير هذا الحكم ( 376 ) ، وبخاصة على قواعد الاستغلال . وسنرى ذلك فيما يلي .
4 – الاستغلال ( * )
( L'exploitation )
202 – الاستغلال والغبن : الغبن هو المظهر المادي للاستغلال . ويمكن تعريف الغبن بأنه عدم التعادل بين ما يعطيه العاقد وما يأخذه .
ويستخلص من هذا التعريف : ( 1 ) أن الغبن لا يتصور إلا في عقود المعاوضة غير الاحتمالية . أما عقود المعاوضة الاحتمالية وعقود التبرع فلا يتصور فيها الغبن ، لأن الأولى طبيعتها تقضي بوقوع الغبن على أحد المتعاقدين ، ولان الثانية يعطي فيها أحد المتعاقدين ولا يأخذ فلا محل للكلام عن عدم التعادل بين ما أخذ وما أعطى ( 377 ) . ( 2 ) أن الغبن يقدر وقت تمام العقد ، فينظر إلى التعادل في هذا الوقت ، ولا عبرة بتغير القيم بعد ذلك . ( 3 ) أن الغبن يصعب الاحتراز منه ، فلا بد من التسامح في الغبن اليسير والوقوف عند الغبن الفاحش ، وبهذا التمييز العملي يقول الفقه الإسلامي .
203 – تطور الغبن من نظرية مادية للغبن إلى نظرية نفسية للاستغلال : والغبن مشكلة اجتماعية لم يهتد القانون إلى حلها حلا مرضياً . فهي قائمة على اعتبارات اقتصادية وأدبية غير ثابتة ، فإذا ساد المدنية مذهب الفردية وما يتبعه من سيطرة مبدأ سلطان الإرادة ، رأينا القانون لا يقم للغبن وزناً . ثم إذا تطورت المدنية وضعف مذهب الفردية ومبدأ سلطان الإرادة ، تدخل القانون لمنع الغبن .
كان الرومان متشبعين بروح الفردية ، ومن أجل ذلك لم يكن القانون الروماني يعبأ بالغبن . ولما ساد الدين المسيحي أوروبا في القرون الوسطى ، انتكصت روح الفردية . وإذا كان مذهب سلطان الإرادة أخذ في الظهور منذ ذلك الوقت ، فإن رجال الكنيسة قيدوا هذا المبدأ بالعدالة وبحماية الضعيف من استغلال القوى ، وتوسعوا في نظرية الغبن ، فحرموا الربا في عقود القرض ، وحددوا للسلع أثمانها وللعمل اجره ، وهذا ما كانوا يسمونه بالثمن العدل ( juste prix ) وبالأجر العدل ( juste salaire ) . وعنيت الشريعة الإسلامية بحالة معينة من حالات الغبن وهي العقود الربوية ، فحرمت الربا وتعقبته في جميع مظان وجوده . ثم عادت روح الفردية وساد مبدأ سلطان الإرادة ، فضاق من تحريم الغبن ما كان قد اتسع . وعادت القوانين لا تعتد بالغبن إلا في أحوال معينة . وقويت هذه النزعة في الثورة الفرنسية ، فألغت الصورة حتى تعيين الحد الأقصى للفائدة وحتى تحريم الغبن في بيع العقار . وورث القانون المدني الفرنسي ، ومن ورائه القانون المدني المصري القديم ، هذه التقاليد ، فجاءت أحكامها ضيقة في الغبن . وقد التزم القانونان نظرة مادية للغبن . فالغبن فيهما لا يؤثر في صحة العقود إلا في حالات استثنائية نص عليها ، والعبرة في الغبن بالقيمة المادية للشيء لا بالقيمة الشخصية بالنسبة إلى المتعاقد ، والغبن عيب قائم بذاته مستقل عن عيوب الرضاء ، وهو عيب في العقد لا عيب في الرضاء ، وآيته إلا يكون هناك تعادل بين قيمة ما أعطى المتعاقد وقيمة ما أخذ على أن يصل الاختلال في التعادل إلى رقم محدود . واظهر حالة للغبن في القانون المدني المصري القديم حالة البيع إذا وقع على عقار القاصر ( م 336 – 337 / 19 – 4204 ) . وهناك حالات أخرى كانت منتثرة في نواحي هذا القانون ، كالفائدة لا يزيد حدها الأقصى على 8 في المائة ، وكعقد الوكالة يجوز فيه أن يعاد النظر في اجر الوكيل .
وقد تطورت هذه النظرية المادية في الغبن إلى نظرية نفسية في الاستغلال أخذ بها أكثر التقنينات الحديثة . والفرق ما بين النظريتين يتخلص في أمرين : ( أولاً ) في النظرية الأولى ينظر إلى قيمة الشيء نظرة مادية لا نظرة شخصية ، فالعبرة بقيمة الشيء في حد ذاته ، وتحدد هذه القيمة تبعاً للقوانين الاقتصادية وأهمها قانون العرض والطلب . أما في النظرية الأخرى فالعبرة بالقيمة الشخصية وهي قيمة الشيء في اعتبار المتعاقد ، إذ قد يكون الشيء تافها في ذاته كبيراً في نظر من يريد الحصول عليه لاعتبارات ترجع لظروف شخصية . ويترتب على النظرة المادية لقيمة الشيء أنه إذا اختل التعادل في العقد بالنظر إلى هذه القيمة ، فإن الغبن يتحقق حتى لو لم يختل التعادل بالنظر إلى القيمة الشخصية للشيء ، فقد يكون المتعاقد على بينة من قيمة الشيء المادية ولكن يشتريه بثمن اكبر ، غير مخدوع ولا مضطر ، لأن قيمته الشخصية تعدل الثمن الذي بذله . في مثل هذه الحالة يعتبر المتعاقد ، طبقاً للنظرية المادية ، مغبوناً ما دام التعادل قد اختل بالنسبة إلى القيمة المادية ، مع أنه كان عالماً بهذه القيمة ولم يخدع في أمرها ولم يضطر إلى التعاقد ، أي أنه لم يكن ضحية غلط أو تدليس أو إكراه . فالغبن إذن في النظرية المادية هو كما قدمنا عيب مستقل قائم بذاته ، وهو عيب يقع في العقد لا في الرضاء . أما الذي يترتب على النظرة الشخصية لقيمة الشيء فهو إلا يكون هناك غبن إلا إذا رضى المتعاقد أن يدفع ثمناً هو اكبر من هذه القيمة الشخصية ، وهو لا يفعل ذلك إلا إذا كان واهماً في قيمته ، أو مخدوعاً فيها ، أو مضطراً إلى التعاقد ، ولا يكون هذا إلا نتيجة طبش أو رعونة أو عدم تجربة أو عوز أو حاجة . ومعنى ذلك أن الغبن لا يتحقق في مثل هذه الحالة إلا إذا وقع المتعاقد فيما يقرب من الغلط أو التدليس أو الإكراه . فلا يكون الغبن إذن في النظرية الشخصية عيباً مستقلا قائماً بذاته وواقعاً في العقد ، بل هو مظهر من مظاهر عيوب الرضاء . ( اثانيا ) ودرجة الاختلال في التعادل ينظر إليها في النظرية الأولى نظرة مادية ، فهي درجة محددة ، بل هي رقم مرصود . فالغبن الذي يزيد على الخمس كما في الشريعة الإسلامية والقانون المصري ، أو الربع كما في القانون الفرنسي بالنسبة إلى القسمة ، أو النصف كما كان الأمر في القانون الفرنسي القديم ، أو سبعة أجزاء من اثنى عشر كما في القانون الفرنسي بالنسبة إلى بيع العقار ، هو الغبن الذي يعتد به ويستوجب الجزاء ابطالا أو تكملة . وقد يكون الغبن فاحشاً من الناحية الشخصية ، بالنسبة إلى ظروف المتعاقد الخاصة ، ولكنه لا يبلغ القدر المحدد من الناحية المادية ، فلا يعتد به في هذه الحالة ولا يؤثر في صحة العقد . أما النظرية الشخصية فتتخذ في تحديد درجة الاختلال في التعادل معياراً مرناً ، فهي لا تحدد رقما يجب أن يصل الغبن إليه ، بل تترك ذلك لظروف كل حالة ، ويكفى أن يصل الاختلال في التعادل ما بين القيمتين إلى حد باهظ .
وعني عن البيان أن النظرية المادية فيها مزية التحديد ، وفي هذا ضمان لاستقرار التعامل ، إذ يمكن للوهلة الأولى أن نتعرف هل في العقد غبن ، ولا يقتضى ذلك أكثر من عملية حسابية تقدر بها قيمة الشيء المادية ، وننسب هذه القيمة إلى الثمن ، فإن وصل الغبن إلى القدر المحدد اعتد به . ولكن عيب النظرية المادية هو عدم مرونتها ، فهي من الدقة الحسابية بحيث لا تصلح حلا عادلا لمسائل اجتماعية يتغلب فيها العنصر النفسي ، وتختلف ظروفها فتختلف الحلول المناسبة لهذه الظروف . وقاعدة واحدة جامدة تطبق تطبيقاً حسابياً على جميع المسائل ، ودون نظر إلى الفروق ما بين مسألة وأخرى ، تكون قاعدة ظالمة رغما ًمن مظهر خداع فيها للعدالة .
وقد اعتنقت التقنينات الحديثة النظرية النفسية ، وجعلت من الغبن نظرية عامة تنطبق على جميع العقود . فقضى القانون المدني الألماني في المادة 138 ببطلان التصرف القانوني الذي يستغل به الشخص حاجة الغير أو خفته أو عدم تجربته ليحصل لنفسه أو لغيره ، في نظير شيء يؤديه ، على منافع مالية تزيد على قيمة هذا الشيء ، بحيث يتبين من الظروف أن هناك اختلالا فادحاً ( disproportion choquante ) في التعادل ما بين قيمة تلك المنافع وقيمة هذا الشيء . وتقضى المادة 21 من قانون الالتزامات السويسري بأنه في حالة اختلال التعادل اختلالا واضحاً ( disproportion evidente ) ما بين تعهد أحد المتعاقدين وتعهد المتعاقد الآخر ، يجوز للمتعاقد المغبون في غضون سنة أن يعلن بطلان العقد ويسترد ما دفعه ، إذا كان قد دفع إلى هذا الغبن من طريق استغلال حاجة وقع فيها أو خفة أو عدم تجربة . وتقضي المادة 22 من المشروع الفرنسي الإيطالي بأنه إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين بعيدة عن كل تعادل ( hors de toute proportion ) مع ما حصل عليه بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر ، بحيث يفترض تبعاً للظروف أن رضاءه لم يصدر عن اختيار كاف ، جاز للقاضي بناء على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو أن ينقص الالتزامات ( 378 ) .
204 – القانون المصري الجديد : وقد ساير القانون المصري الجديد التقنينات الحديثة واخذ بالنظرية النفسية في الاستغلال ، فنص في المادة 129 على ما يأتي :
" 1 - إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر ، وتبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشا بينا أو هوى جامحا ، جاز للقاضي بناء على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو ينقص التزامات هذا المتعاقد " .
" 2 - ويجب أن ترفع الدعوى بذلك خلال سنة من تاريخ العقد ، وإلا كانت غير مقبولة " .
" 3 - ويجوز في عقود المعاوضة أن يتوفى الطرف الآخر دعوى الأبطال ، إذا عرض ما يراه القاضي كافيا لرفع الغبن ( 379 ) " .
وقد حرص القانون الجديد على أن ينص في المادة 130 على أن " يراعى في تطبيق المادة السابقة ( م 129 ) عدم الإخلال بالأحكام الخاصة بالغبن في بعض العقود أو بسعر الفائدة ( 380 ) " . والعقود التي يشير إليها أهمها عقد البيع إذا اشترطت فيه الفائدة والشرط الجزائي . وسيأتي بيان ذلك عند الكلام في هذه العقود . والمهم أن الغبن في هذه الحالات قام على أساس النظرية المادية ، فلم يعتبر عيباً في الرضاء بل عيباً في العقد ، واعتد في الشيء بقيمته المادية لا بقيمته الشخصية ، ووقفت النصوص في بعض هذه الحالات عند رقم محدد التزمته عند تقدير الغبن .
فإذا تركنا جانباً حالات الغبن المتقدم ذكرها روجعنا إلى الاستغلال في نظريته العامة التي تتناول جميع العقود ، وهي النظرية الشخصية التي تضمنها نص المادة 129 سالفة الذكر ، رأينا أن للاستغلال عناصر متى توافرت ترتب الجزاء الذي نص عليه القانون .
فنحن نتكلم : ( أولاً ) في عناصر الاستغلال . و ( ثانياً ) في الجزاء الذي يترتب عليه .
ا – عناصر الاستغلال
205 – العنصران الموضوعي والنفسي : للاستغلال عنصران ، أحدهما موضوعي وهو اختلال التعادل اختلالا فادحاً ، والآخر نفسي وهو استغلال ضعف في نفس المتعاقد .
206 – العنصر الموضوعي : أوردت المادة 129 العنصر الموضوعي للاستغلال في العبارة الآتية : " إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر " . وهذا هو اختلال التعادل اختلال فادحاً كما قدمنا .
ففي عقد البعي ، لا يشترط التعادل بين التزامات البائع والتزامات المشتري ، فقد يغبن أحد المتعاقدين ولا يمنع الغبن من صحة البيع . ولكن إذا اختل التعادل اختلالا فادحاً بين قيمة المبيع الذي التزم به البائع والثمن الذي التزم به المشتري ، فإن العنصر الموضوعي للاستغلال يتحقق .
وفي الوعد بالبيع ، إذا كان الواعد قد التزم مثلا ببيع منزل كبير القيمة لقاء ثمن زهيد ، بحيث يكون التعادل بين التزام الواعد ببيع المنزل وما حصل عليه من فائدة بوعده هذا وهو الثمن الزهيد قد اختل اختلالا فادحاً ، فإن العنصر الموضوعي للاستغلال هنا أيضاً يتحقق .
وفي الحالة الأولى يكون الاختلال الفادح واقعاً بين التزامات أحد المتعاقدين والتزامات المتعاقد الآخر . وفي الحالة الثانية يقع الاختلال الفادح بين التزامات المتعاقد وما حصل عليه من فائدة بموجب العقد .
والعبرة في تقدير قيمة الشيء بقيمته الشخصية بالنسبة إلى المتعاقد ، لا بقيمته المادية في ذاته . فقد تكون القيمة المادية لمنزل أربعة آلاف ، فيرغب شخص في شرائه بخمسة آلاف لأن قيمة المنزل بالنسبة إليه تبلغ هذا الثمن . فالعبرة هنا بالقيمة الثانية دون الأولى . ولو اشتراه الراغب فيه بخمسة آلاف أو بمبلغ اكبر بحيث لا يكون الاختلال فادحاً بين ما دفعه وما اعتبر قيمة شخصية للمنزل ، فإن العنصر الموضوعي للاستغلال لا يتحقق ، أما إذا دفع ثمناً عالياً يزيد كثيراً على هذه القيمة الشخصية ، كأن دفع ثمانية آلاف مثلا ، جاز القول بأن الاختلال في التعادل اختلال فادح .
فالفداحة في اختلال التعادل معيارها مادي كما نرى . ولكن هذا المعيار ليس رقما ثابتاً ، بل هو معيار متغير تبعاً للظروف في كل حالة . فقد تتحقق الفداحة بثمانية آلاف في المثل المتقدم ، وقد تتحقق بمبلغ أقل ، وقد لا تتحقق إلا بمبلغ اكبر . والقاضي هو الذي يقد بأي مبلغ تتحقق . وينظر في ذلك إلى ظروف كل من المشتري والبائع وإلى جميع الملابسات الأخرى . فالمسالة هنا مسألة واقع لا مسألة قانون ، ومحكمة النقض لا رقابة لها في ذلك إلا من حيث قصور التسبيب ، فإذا بينت محكمة الموضوع الظروف التي جعلتها تقدر أن الاختلال في التعادل فادح م وكان بيانها في ذلك كافياً ، فلا تعقيب لمحكمة النقض . وعبء الإثبات يقع على عاتق المتعاقد المغبون ، فهو الذي عليه أن يثبت الفداحة في اختلال التعادل .
وأكثر ما يكون الاختلال فادحاً في عقود المعاوضة المحددة ( contrats commutatifs ) ففيها يأخذ المتعاقد ويعطي ، وهو يعرف على وجه محدد مقدار ما أخذ ومقدار ما أعطى ، سواء في ذلك أخذ لنفسه أو أخذ لغيره كما في الاشتراط لمصلحة الغير . ولكن قد يقع ذلك أيضاً في العقود الاحتمالية ( 381 ) ، وهي عقود تنطوي على احتمال المكسب والخسارة كما هو معروف . إذ ينبغي أن يكون هناك نوع من التعادل معقول بين احتمال المكسب وقيمته من جهة واحتال الخسارة وقيمتها من هة أخرى . فإذا كان احتمال الخسارة في جانب أحد المتعاقدين ارجح بكثير من احتمال المكسب ، وكان مقدار الخسارة في الوقت ذاته لا يقل كثيراً عن مقدار المكسب ، كان الاختلال في التعادل فادحاً . فلو أن شخصاً امن منزله من الحريق ، وكان المنزل بعيداً كل البعد عن التعرض لخطر الحريق ولم يؤمنه صاحبه إلا تلبية لطلب دائن ارتهن المنزل ، واشترطت شركة التأمين أن يدفع المؤمن له اقساطاً سنوياً عالية ، احتمال خسارتها أرجح بكثير من احتمال احتراق المنزل فتقاضى تعويض عنه هو مبلغ التأمين ، ولم يكن هناك فرق كبير بين مقدار القسط السنوي وبين مبلغ التأمين ذاته ، ففي مثل هذا العقد الاحتمالي وهو عقد التأمين قد يتحقق أن يكون الاختلال في التعادل ما بين التزامات المؤمن له والتزامات شركة التأمين اختلالا فادحاً .
ولا يمكن القول في عقود التبرع إن هناك اختلالا فادحاً في التعادل ، لأن المتبرع يعطي ولا يأخذ . ولكن الاستغلال بالرغم من ذلك يقع في التبرعات كما يقع في المعاوضات . بل هو اشد وطأة في الأولى منه في الثانية . وإذا جاز أن يتحقق الاستغلال فيما يختل فيه التعادل ، فإن الاستغلال يكون أكثر تحققاً فيما لا تعادل فيه أصلاً . والفقرة الثالثة من المادة 129 من القانون الجديد ، وهي تجيز في عقود المعاوضة توقى دعوى الإبطال بتكملة البدل ، تفيد ضمناً أن الاستغلال قد يقع في غير عقود المعاوضة أي في عقود التبرع ( 382 ) . أما كيف يقع الاستغلال في التبرعات فإن ذلك سهل التصور ، بل هو كثير الوقوع فعلا . فقد يتبرع شخص بجميع ماله – ويغلب أن يتم ذلك عن طريق هبة في صورة بيع – لزوجته الثانية وأولاده منها ، مضيعاً بذلك على زوجته الأولى وأولاده منها ميراثهم الشرعي ، ويكون هذا التبرع قد صدر نتيجة لاستغلال زوجته الأولى ضعفه أو هواه . وهنا لا يقال أن التعادل مختل اختلالا فادحاً . بل يقال إنه غير موجود أصلاً ، فالمتبرع أعطى دون مقابل ، وهو لم يرض بهذا التبرع إلا نتيجة استغلال لطيشه البين أو لهواه الجامح .
بل قد يجاوز الاستغلال العقود إلى التصرفات القانونية الصادرة من جانب واحد ، كما إذا أوصى شخص بجميع ما يملك الايصاء به لشخص استغل فيه طيشاً بينا أو هوى جامحاً ، فالوصية هنا يعيبها الاستغلال ، وهي ليست عقداً بل عملا قانونياً صادراً من جانب واحد .
207 – العنصر النفسي : أما العنصر النفسي للاستغلال فقد اوردته المادة 129 في العبارة الآتية : " وتبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بيناً أو هوى جامحاً " . وكان المشروع التمهيدي لهذا النص يجري على الوجه الآتي : " بحيث يكون مفروضاً تبعاً للظروف أن الطرف المغبون قدا ستغلت حاجته أو طيشه أو عدم خبرته أو ضعف إدراكه ، أو بحيث يتبين بوجه عام أن رضاءه لم يصدر عن اختيار كاف " . ثم أصبح نص المشروع النهائي كما يأتي : " وتبين أن المتعاقد المغبون قد استغل طيشه أو حاجته أو عدم خبرته أو ضعف إدراكه ، أو تبين بوجه عام أن رضاءه لم يصدر عن اختيار كاف " . ويلاحظ أن المشروعين التمهيدي والنهائي قد توسعا فيما يصح أن يستغل في المتعاقد المغبون : الحاجة والطيش وعدم الخبرة وضعف الإدراك . بل ذهبا إلى مدى أبعد ، فصرحا بان العبرة في كل هذا إلا يكون رضاء المتعاقد المغبون قد صدر عن اختيار كاف . والمشروعان فيما توسعا فيه يتفقان مع التقنينات الأجنبية الحديثة التي تضمنت نصوصاً عامة في الاستغلال ، وقد سبقت الإشارة إليها ، ورأيناها تستعمل الألفاظ ذاتها . ولكن عندما عرض المشروع النهائي على لجنة مجلس الشيوخ اثرت اللجة إلا تتوسع في الاستغلال توسع التقنينات الأجنبية ، وأن تقتصر فيما يصح أن يستغل على الطيش والهوى ، مع اشتراط أن يكون الطيش بيناً والهوى جامحاً ، إمعاناً في تضييق الدائرة التي يطبق الاستغلال فيها ، خشية من التحكم ، ورغبة في انضباط التعامل واستقراره ( 383 ) .
فالعنصر النفسي في الاستغلال ينحصر إذن في أن أحد المتعاقدين يستغل في المتعاقد الآخر طيشاً بيتاً أو هوى جامحاً . وفي القضاء المصري أمثلة بارزة على ذلك . فكثيراً ما يعمد رجل طاعن في السن إلى الزواج من امرأة لا تزال في مقتبل عمرها ، وليس من النادر أن تعمد الزوجة إلى استغلال ما تلقاها عند زوجها من هوى ، فتستكتبه من العقود لنفسها ولأولادها ما تشاء ، وقد أسلفنا الإشارة إلى ذلك . وقد تتزوج امرأة غنية من زوج شاب عن ميل وهوى ، فيعمد الزوج إلى استغلال الزوجة وابتزاز مالها عن طريق عقود يمليها عليها . وقد تشتري امرأة حريتها من زوج قديم تؤثر عليه زوجاً جديداً ، فيطلقها الزوج القديم لقاء مبلغ طائل من المال . وقد يلقى الطيش والنزق بشاب ورث مالا كثيراً في أيدي المرابين والمستغلين ، فيستكتبونه من العقود ما يجرده من الكثير من إله ، وهم يستغلون في ذلك نزقه الشديد وطيشه البين . كل هذه أمثلة ننتزعها من حياتنا المصرية لندلل بها على أن الاستغلال ليس بالأمر النادر ، بل هو شيء يقع في الحياة ، وإذا وقع كان القضاء في اشد الحاجة إلى نص يعالج به ما يعرض له من الاقضية في ذلك ( 384 ) . وهو إذا ترك إلى القواعد العامة يتلمس العلاج في عيب بالذات من عيوب الرضاء ، أو يتلمسه في قواعد العدالة ، كما كان يفعل من قبل في ظل القانون القديم ، فإنه لا يلبث أن يضطرب عليه الأمر ، ويكون بين أن يفسر النصوص على غير ما وضعت له ، أو أن يتحرر منها فينفلت إلى تيه ليست فيه معالم مستقرة ولا ضوابط يسترشد بها في خطاه .
ويلاحظ أن هذا العنصر النفسي يقتضى أن يكون المتعاقد المغبون " لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بيناً أو هوى جامحاً " . ومعنى هذا أن يكون الاستغلال قد وقع من المتعاقد الآخر ، وأن يكون هذا لاستغلال هو الذي دفع المتعاقد المغبون إلى التعاقد . ويترتب على ذلك أمران : ( أولهما ) أن إرادة المستغل تكون إرادة غير مشروعة ، فإنها انصرفت إلى استغلال المتعاقد المغبون ، وهذا عمل غير مشروع ( 385 ) . وإذا كان المستغل لا يد له فما أصاب المتعاقد المغبون من طيش أو هوى ، إلا أنه قد استغل فيه ما أصاب من ذلك ، وهذا ما يجعل الاستغلال قريباً من الإكراه إذا تهيأت ظروفه مصادفة على ما مر بنا ( 386 ) . ( والأمر الثاني ) أن إرادة المتعاقد المغبون تكون إرادة معيبة ، فهي إرادة ضلل بها الطيش البين أو ضغط عليها الهوى الجامح ، وقد دفع بها الاستغلال إلى التعاقد ، فالمعيار هنا معيار نفسي كما هو الأمر في سائر عيوب الرضاء .
ووقوع الاستغلال دافعاً إلى التعاقد مسألة واقع لا مسألة قانون ، فلا تعقيب عليها من محكمة النقض . ولكن الوصف القانوني لوقائع الاستغلال ، وأن ما يصح استغلاله مقصور على الطيش البين والهوى الجامع ، مسألة قانون تبسط عليها محكمة النقض رقابتها .
وعلى المتعاقد المغبون يقع عبء إثبات هذا العنصر النفسي ، إذا هو عنصر مستقل عن العنصر المادي ، لا مستخلص منه ولا مفروض . والنص صريح في هذا المعنى إذ يقول : " وتبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بيناً أو هوى جامحاً " . وهذا بخلاف نص المشروع التمهيدي الذي يجعل العنصر النفسي مفروضاً بوجود العنصر المادي فيقول : " بحيث يكون مفروضاً تبعاً للظروف أن الطرف المغبون قد استغلت حاجته . . . " .
208 – علاقة الاستغلال بعيوب الرضاء : قدمنا أن العنصر النفسي يقتضى أمرين : أن إرادة المتعاقد المستغل تكون إرادة غير مشروعة ، وأن إرادة المتعاقد المغبون تكون إرادة معيبة .
فإذا نحن اعتبرنا الأمر الأول ، كان العقد الذي أملاه الطرف المستغل عقداً غير مشروع . وإذا نحن اعتبرنا الأمر الثاني ، كان هذا العقد ذاته – الذي لم يرض به الطرف المغبون إلا عن ضلال من طيشه أو ضغط من هواه – عقداً قد داخله عيب من عيوب الرضاء .
بالاعتبار الأول أخذ القانون الألماني ( م 138 ) ، وجعل عقد المستغل باطلا بطلاناً مطلقاً لمنافاته للآداب ( 387 ) . وبالاعتبار الثاني أخذت التقنينات الحديثة الأخرى ومعها القانون المصري الجديد ، وجعلت العقد قابلا للإبطال أو الإنقاص لعيب في إرادة المتعاقد المغبون ( 388 ) .
ويعنينا هنا أن نقف عند الاعتبار الثاني ، وهو الذي أخذ به قانوننا المصري الجديد مقتفياً في ذلك اثر المشروع الفرنسي الإيطالي وكثير من التقنينات الحديثة . فالاستغلال ، وفقاً لهذا الاعتبار ، لا ينظر إليه على أساس أنه عمل غير مشروع صادر من الطرف المستغل ، بل على أساس أنه عمل من شانها أن يعيب إرادة الطرف المغبون . ذلك أن المتعاقد المغبون إذا هو استغل فيه طيشه البين كان مضللا ، وكان العيب الذي يداخل إرادته أقرب ما يكون إلى التدليس الو الغلط . وإذا ما استغل فيه هواه الجامح ، كان العيب الذي يداخل إرادته أقرب ما يكون إلى الإكراه . والأمر في كل ذلك واضح ، فإن المتعاقد المغبون لا يتصور أن يكون قد قبل هذا الغبن فالاحش الذي يختل به التعادل بين ما أخذ وما أعطى اختلالا فادحاً ، إلا أن يكون قد وقع في تدليس أو غلط في حالة الطيش البين ، أو أن يكون ضحية إكراه في حالة الهوى الجامع . ولكن الغلط والتدليس والإكراه في حالات الاستغلال عيوب لا تتميز تميزاً كافياً حتى يقام الدليل عليها ، بل هي عيوب مفترضة ، ويكفي في افتراضها أن يقام الدليل على الاستغلال بعنصريه المادي والنفسي . لذلك لم يقتصر الجزاء فيها على قابلية العقد للإبطال ، بل وضع بديلا عن هذا الجزاء في بعض الأحوال جزاء آخر هو قابلية العقد للانقاص ، وجعلت المدة التي ترفع فيها دعوى الإبطال أو دعوى الإنقاص سنة واحدة من تاريخ العقد . فخالفت دعوى الإبطال للاستغلال ، بهذا وذلك . دعاوى الإبطال الأخرى التي تترتب على الغلط والتدليس والإكراه . وهذا ما نتولى الآن بيانه .
ب - الجزاء الذي يترتب على الاستغلال
209 – دعويان : إذا توافرت شروط الاستغلال التي أسلفنا ذكرها " جاز للقاضي ، بناء على طلب المتعاقد المغبون ، أن يبطل العقد أو أن ينقص التزامات هذا المتعاقد " . ويتبين من ذلك أن القانون يرتب على الاستغلال إحدى دعويين : دعوى إبطال ، ودعوى إنقاص .
وسواء طلب المتعاقد المغبون الإبطال أو طلب الإنقاص ، فإنه يجب أن يرفع دعواه في " خلال سنة من تاريخ العقد وإلا كانت غير مقبولة " ( م 129 فقرة ثانية ) . والسنة هنا ميعاد لرفع الدعوى لا مدة للتقادم ، فإذا انقضت السنة دون أن يرفع المتعاقد المغبون دعواه ، ورفعها بعد ذلك ، كانت الدعوى غير مقبولة كما يقضي بذلك صريح النص . ويقال عادة في هذا الصدد أن السنة ميعاد إسقاط ( decheance ) لا ميعاد تقادم ( prescription ) . والفرق بين الميعادين أن ميعاد الإسقاط لا ينقطع ولا يقف ، بخلاف ميعاد التقادم فيرد عليه الانقطاع والوقف . وتبدأ السنة من وقت تمام العقد ، وتحسب بالتقويم الميلادي ( م 3 من القانون الجديد ) .
والحكمة في أن القانون جعل ميعاد رفع الدعوى في الاستغلال مدة قصيرة ، وجعله ميعاد إسقاط لا ينقطع ولا يقف ، هي الرغبة في حسم النزاع بشأن العقود التي يداخلها الاستغلال ، فلا يبقى مصري العقد معلقاً مدة طويلة على دعوى مجال الادعاء فيها واسع فسيح . وفي هذا حماية للتعاقد واستقرار للتعامل . أما دعوى الإبطال في الغلط والتدليس والإكراه فسنرى إنها لا تسقط إلا بثلاث سنوات أو بخمس عشرة سنة على حساب الأحوال ( م 140 ) ، وهذه المدة هي فوق ذلك مدة تقادم لا ميعاد إسقاط ، فيجوز أن تطول إذا قام بها سبب من أسباب الانقطاع أو الوقف . والعلة في ذلك أن الطعن في العقد بالغلط أو بالتدليس أو بالإكراه أمر من الميسور نسبياً تبين وجه الحق فيه ولو طال الزمن إلى ما بعد السنة ، فإن كلا من الغلط والتدليس والإكراه شيء يستطاع التثبت من وجوده بأيسر مما يستطاع التثبت من وجود الاستغلال ( 389 ) .
210 – دعوى الإبطال : وإذا اختار المتعاقد المغبون دعوى الإبطال جاز للقاضي أن يجيبه إلى طلبه فيبطل العقد إذا رأى أن الاستغلال عاب رضاء المتعاقد المغبون إلى حد أن افسد هذا الرضاء . وأن المتعاقد المغبون لم يكن ليبرم العقد أصلاً لولا هذا الاستغلال . أما إذا رأى القاضي أن الاستغلال لم يفسد الرضاء إلى هذا الحد ، وأن المتعاقد المغبون كان دون استغلال يبرم العقد لو أن التزاماته لم تكن باهظة ، رفض القاضي إبطال العقد ، معاوضة كان أو تبرعاً ، واقتصر على إنقاص الالتزامات الباهظة على الوجه الذي سيأتي بيانه . والخيار ما بين إبطال العقد وانقاص الالتزامات يسترشد فيه القاضي بملابسات القضية وظروفها ، فالمسالة إذن مسألة واقع لا معقب عليها من محكمة النقض .
ودعوى الإبطال للاستغلال يجري عليها أحكام دعاوى الإبطال الأخرى ، وسيأتي ذكر هذه الأحكام عند الكلام في بطلان العقد . ولكنها تتميز عن سائر هذه الدعاوى في أمرين .
( الأمر الأول ) المدة التي ترفع فيها الدعوى ، وقد مر ذكر ذلك .
( والأمر الثاني ) أن الطرف المستغل يجوز له أن يتوقى الحكم بالابطال عقود المعاوضات إذا هو غرض على الطرف المغبون ما يراه القاضي كافياً لرفع الغبن . وقد نصت الفقرة الثالثة من المادة 129 على هذا الحكم فقالت : " ويجوز في عقود المعاوضة أن يتوقى الطرف الآخر دعوى الإبطال إذا عرض ما يراه القاضي كافياً لرفع الغبن " . فإذا كان العقد معاوضة كالبيع ، وطلب البائع المغبون إبطاله للاستغلال ، جاز للمشتري أن يعرض زيادة في الثمن ترفع الغبن عن البائع . فإذا رأى القاضي أن الزيادة التي عرضها المشتري تكفي لرفع الغبن ، اكتفى بها وامتنع عن إبطال العقد . ومقدار الزيادة الذي يكفي لرفع الغبن يرجع إلى تقدير القاضي . ولا يشترط أن تكون الزيادة بحيث تجعل الثمن معادلا لقيمة الشيء . بل يكفي أن تكون بحيث تجعل الغبن الذي يتحمله البائع لا يصل إلى حد الغبن الفاحش . وينظر القاضي في تقدير ذلك إلى ملابسات القضية وظروفها ، ولا تعقب عليه محكمة النقض ما دام التسبيب وافياً . وغنى عن البيان أن ما قدمناه من دفع زيادة ترفع الغبن لتوقى دعوى الإبطال لا ينطبق على عقود التبرع ، فإن من تلقى التبرع لم يدفع أي مقابل تصح زيادته لرفع الغبن .
211 – دعوى الإنقاص : وإذا اختار المتعاقد المغبون إنقاص التزاماته الباهظة ورفع من بادئ الأمر دعوى الإنقاص ، أو رفع دعوى الإبطال ولكن القاضي رأى الاقتصار على إنقاص التزاماته ، قضى بانقاص هذه الالتزامات إلى الحد الذي لا يجعلها باهظة ( 390 ) . وهذا أيضاً موكول لتقدير القاضي ينظر فيه وفقاً لملابسات القضية وظروفها ، كما هو الشأن في الزيادة التي يعرضها الطرف المستغل لرفع الغبن فيما مر بنا . والمسالة هنا أيضاً مسألة واقع لا رقابة لمحكمة النقض عليها . ففي البيع المشوب بالاستغلال إذا رفع البائع المغبون عوى الإنقاص ، أو رفع دعوى الإبطال ولكن رؤى الاقتصار على الإنقاص ، جاز للقاضي أن ينقص من المبيع القدر الذي يراه كافياً لرفع الغبن الفاحش عن البائع ولا يشترط هنا أيضاً أن يكون الباقي من المبيع معادلا للثمن . بل يكفي إلا يكون هناك غبن فاحش إذا قوبل هذا الباقي بالثمن .
ولا يجوز وقت النظر في إنقاص التزمات البائع الباهظة أن يعدل القاصي عن إنقاص التزامات البائع إلى الزيادة في التزمات المشتري ، بان يزيد في مقدار الثمن بدلا من أن ينقص في قدر المبيع : فإن نص القانون لا يجير ذلك ، ولانه إذا كان إنقاص مقدار المبيع لا يؤذى البائع بل يرفع عنه الغبن ، فإن الزيادة في الثمن قد تؤذي المشتري إلى حد أن يؤثر العدول عن الصفقة . وإنما تجوز الزيادة في الثمن إذا رغب المشتري نفسه في ذلك بان ترفع عليه دعوى الإبطال فيتوقاها بعرض زيادة في الثمن يراها القاضي كافية لرفع الغبن كما مر .
ويجوز الإنقاص في عقود التبرع التي داخلها الاستغلال كما يجوز الإبطال ، وينقص القاضي التبرع إلى الحد الذي ينتفى معه اثر الاستغلال .
212 – دفع ما وجه من اعتراض على نظرية الاستغلال : خشى كثيرون من هذا النص العام الذي ورد في القانون الجديد عن الاستغلال ، ورأوا فيه ما يعرض التعامل إلى التقلقل وعدم الاستقرار ، وحسبوا أنه سيكون مصدراً لكثير من المنازعات والدعاوى . ولا نرى ما يبرر هذا التخوف ، فإن القضاء المصري قد واجه فعلا اقضية الاستغلال في الأمثلة التي قدمناها ، وعالجها بالقدر الذي استطاع عن طريق تطبيق القواعد العامة . وقد رأينا أن القواعد العامة لا تكفي هنا ، وأن نصاً عاماً في الاستغلال ، لاسيما إذا شمل هذا النص حالات الاستهواء أيضاً ، تفرضه الضرورة وتوجبه مقتضيات التعامل . فيواجه القاضي ما يعرض له فعلا من حالات الاستغلال بنص صالح تنضبط به المعاملات ، وتنقطع معه أسباب الخلاف والتردد .
والغريب أن خصوم نظرية الاستغلال يناقض بعضهم بعضاً . ففريق منهم يرى أن هذا النص العام في الاستغلال سيكون مصدراً لكثرة المنازعات والدعاوى ( 391 ) . وفريق آخر يقول على النقيض من ذلك أن النص نادر التطبيق ، وأن اقضية الاستغلال التي طرحت أمام المحاكم في البلاد التي اشتملت قوانينها على هذا النص كانت من القلة بحيث أصبح النص عديم الجدوى ( 392 ) . وسنرى ما يصير إليه الأمر في مصر بعد أن تطبق المحاكم المصرية النص الذي أشتمل عليه القانون الجديد ( 393 ) .
الفرع الثاني
المحل
( L' Objet )
213 – تعريف محل الالتزام : محل الالتزام هو الشيء الذي يلتزم المدين القيام به . والمدين يلتزم كما قدمنا أما بنقل حق عيني أو بعمل أو بالامتناع عن عمل .
والالتزام بنقل حق عيني إنما هو التزام بعمل . ولكن لما كان الأصل أن هذا لالتزام يتم تنفيذه بمجرد نشوته ، فقد صار من المألوف أن يقال إن محل الالتزام بنقل حق عيني هو هذا الحق العيني ذاته . فإذا كان الحق العيني حق ملكية امتزج بالشيء الملوك وأصبحا شيئاً واحداً ، فصار الالتزام بنقل الملكية محله هو الشيء ذاته الذي تنتقل ملكيته .
214 – الشروط الواجب توافرها في محل الالتزام : يستخلص من نصوص القانون الجديد ( م 131 – 135 ) أن محل الالتزام يجب أن يكون : ( 1 ) موجوداً إذا كان شيئاً ( أي محلا لالتزام بنقل حق عيني ) ، أو ممكناً إذا كان عملا أو امتناعاً عن عمل . ( 2 ) معيناً أو قابلا للتعيين . ( 3 ) قابلا للتعامل فيه ( 394 ) .
المبحث الأول
المحل موجود أو ممكن
1 – المحل موجود
215 – معنى الوجود : إذا كان الالتزام محله نقل حق عيني ، فالشيء الذي تعلق به هذا الحق يجب أن يكون موجوداً . والمعنى المقصود من الوجود هو أن يكون الشيء موجوداً وقت نشوء الالتزام أن أن يكون ممكن الوجود بعد ذلك .
وقد يقصد المتعاقدان أن يقع الالتزام على شيء موجود فعلا لا على شيء ممكن الوجود . فإذا لم يكن الشيء موجوداً في هذه الحالة – حتى لو أمكن وجوده في المستقبل – فإن الالتزام لا يقوم . كذلك يكون الحكم إذا وجد الشيء ثم هلك قبل نشوء الالتزام . أما إذا هلك بعد نشوء الالتزام ، فإن الالتزام يكون قد قام وقت نشوئه على محل موجود ، ويكون العقد بعد ذلك قابلا للفسخ إذا تسبب عن هلاك الشيء عدم قيام أحد المتعاقدين بما التزم به .
فإذا لم يقصد المتعاقدان أن يقع الالتزام على شيء موجود فعلا وقت نشوء الالتزام ، جاز أن يقع الالتزام على شيء يوجد في المستقبل .
216 – المحل المستقبل : رأينا أنه يجوز التعاقد على محل مستقبل . وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 131 من القانون المدني الجديد صراحة على ذلك إذ تقول : " يجوز أن يكون محل الالتزام شيئاً مستقبلا ( 395 ) " . وقد يبدو أن هذا النص بديهي ، فهو يردد حكماً تقضي به القواعد العامة ، إذ ليس في هذه القواعد ما يمنع من أن يكون المحل الاقبل للتعيين غير موجود وقت نشوء الالتزام إذا كان من شأنه أن يوجد أو أن يكون من الممكن وجوده في المستقبل . ولكن النص مع ذلك أتى بحكم يخالف المعروف من قواعد الفقه الإسلامي ( 396 ) ، فإن هذه القواعد تقضي بأن التعامل لا يصح إلا في شيء موجود ، فبيع المعدوم باطل ، واستثنى السلم ، وجاء الإيجار وهو بيع منافع مستقبلة على خلاف القياس . وقد تأثر القانون المدني المختلط القديم بقواعد الفقه الإسلامي فنص في المادة 330 على ان " بيع اثمار الشجر قبل انعقادها والزرع قبل نباته باطل ( 397 ) " . من أجل ذلك حرص القانون الجديد على اباحة التعامل في الأشياء المستقبلة بنص صريح ( 398 ) .
ويترتب على ذلك أنه يجوز بيع المحصولات المستقبلة قبل أن تنبت ، بثمن مقدر جزافاً أو بسعر الوحدة . وقد قضى القانون الجديد على أما كان من خلاف في هذا بين القانون الوطني والقانون المختلط ، ويترتب على ذلك أيضاً أنه يصح أن يبيع شخص من آخر منزلا لم يبدأ بناءه على أن تنتقل ملكية المنزل إلى المشتري عند تمام البناء . فهذا بيع شيء مستقبل محقق الوجود . وقد يكون الشيء المستقبل محتمل الوجود كما إذا باع شخص نتاج ماشية قبل وجودها ، فالنتاج قد يوجد وقد لا يوجد ، والبيع هنا يكون معلقاً على شرط يتحقق إذا وجد النتاج ( 399 ) .
والواقع من الأمر أن التعامل في الشيء المستقبل كثير الوقوع في الحياة العملية . فكثيراً ما يقع أن يبيع صاحب مصنع قدراً معيناً من مصنوعاته دون أن يكون قد اتم صنعها ، بل لعله لا يكون قد بدا في ذلك ، وقد يبيع مزارع محصولات أرضه قبل ظهورها كما رأينا . ويبيع مؤلف مؤلفه قبل أن يتمه ، بل قبل أن يبدأه . وينزل مقاول عن الأجر في مقاولة لم ترس عليه بعد . هذه كلها عقود واقعة على شيء مستقبل ، وهي صحيحة .
على أن القانون قد يحرم لاعتبارات خاصة ضروباً من التعامل في الشيء المستقبل ، كما فعل عندما جعل باطلا رهن المال المستقبل رهناً رسمياً ( م 1033 فقرة 2 ) أو رهنا حيازياً ( م 1098 ) وقد يحرم جميع ضروب التعامل في نوع خاص من المال المستقبل كما فعل عند ما حرم التعامل في التركة المستقبلة ، وهذا ما ننتقل الآن إليه .
217 – التركة المستقبلة : نصت الفقرة الثانية من المادة 131 من القانون الجديد على ما يأتي : " غير أن التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة باطل ولو كان برضاه ، إلا في الأحوال التي نص عليها في القانون ( 400 ) " . وهذه القاعة ترجع في أصلها الأول إلى القانون الرومانين فقد كان هذا القانون يعد التعامل في التركات المستقبلة مخالفاً للآداب لأن من يتعامل في تركة شخص لا يزال حياً إنما يضارب على موته ، ويعده كذلك مخالفاً للنظام العام إذ هو خليق أن يغري ذا المصلحة بالتعجيل بموت المورث . فالرومان عندما حرموا التعامل في التركة المستقبلة كانوا ينظرون إلى مصلحة المورث ، لذلك كانوا يبيحونه إذا اشترك هذا في العقد . أما القوانين الحديثة فتحرم هذا التعامل لا لمصلحة المورث وحده ، بل لمصلحته ولمصلحة الوارث معاً ، فإن الوارث التي يتعامل في تركة مستقبلة يغلب أن يكون نزفاً لا يقف عند تبديد ما يصل إلى يده من المال في الحال بل يبدد كذلك ما يحتمل أن يملكه في المستقبل . فتحريم هذا التعامل تقرر حماية له من نزقه . لذلك كان التحريم مطلقاً ، لا يرتفع حتى لو رضى المورث خلافاً للقانون الروماني . وجزاء التحريم إذن هو البطلان المطلق بما يستتبعه هذا البطلان من نتائج قانونية .
وكل ضرب من التعامل في تركة مستقبلة باطل ، أياً كان الطرفان ، وأيا كان نوع التعام لز وقد كان هذا هو الحكم أيضاً في القانون المدني القديم ، ولم يستحدث القانون الجديد شيئاً في هذا الصدد . ونعرض الآن لتحديد ما هو المقصود بالتركة المستقبلة ، ومن يكون طرفاً في التعامل فيها ، وضروب التعامل التي ترد عليها .
فالتركة هي مجموع ما للانسان من حقوق وما عليه من ديون وقت موته . فإذا كان الإنسان على قيد الحياة فهذا المجموع من الحقوق والديون منظوراً إليه وقت الموت هو تركته المستقبلة . والتعامل المحرم هو الذي يقع على تركة مستقبلة في مجموعها أو في جزء من هذا المجموع أو في مال معين ينظر فيه إلى أنه يدخل ضمن أموال التركة ( 401 ) . ويستوي أن تأتي التركة من طريق الميراث أو من طريق الوصية ، فكما لا يجوز للوارث أن يتعامل في نصيبه في تركة مستقبلة كذلك لا يجوز للموصى له أن يتعامل فيما أوصى له به مستقبلاً .
أما الطرف الذي يقع منه التعامل في التركة المستقبلة فقد يكون هو الوارث يبيع لأجنبي نصيبه في التركة المستقبلة ( 402 ) . وقد يقع التعامل بين وارث ووارث آخر يتفقان على قسمة ما سيقع في نصيب كل منهما من الميراث ، أو أن يبيع أحدهما نصيبه من الآخر . وقد يكون التعامل بين المورث نفسه ووارث أو أجنبي ، كأن يتفق المورث مع الوارث على إعطائه نصيباً من التركة اكبر أو أقل من نصيبه القانونين ، أو يتفق مع أجنبي على إعطائه نصيباً من التركة يأخذه بعد موته ، إذ أن المورث لا يستطيع أن يفعل هذا أو ذاك إلا عن طريق الوصية وهي تختلف عن هذا الضرب من التعامل في إنها يجوز الرجوع فيها حتى موت الموصى وفي إنها لا تجوز إلا في حدود معينة . والحكمة في تحريم التعامل على الموارث نفسه ترجع إلى أن أحكام الميراث والوصية من النظام العام ، فإذا أبحنا للمورث التعامل في تركته المستقبلة استطاع أن يحيد عن هذه الأحكام ( 403 ) .
وكل ضرب من ضروب التعامل في التركة المستقبلة محرم كما قدمنا . فلا يجوز للوارث أن يبيع ميراثه المستقبل ، أو يهبه ، أو يقسمه ، أو يقايض به ، أو يقدمه نصيباً في شركة ، أو يصالح عليه ، أو ينزل عنه بإرادته المنفردة . بل هو لا يستطيع أن يؤجره ( 404 ) ، أو أن يجري عليه أي نوع من أنواع التعامل إلا ما أجازه القانون بنص صريح ، وذلك كالوصية ( م 915 جديد ) وقسمه المورث ( م 908 – 913 جديد ) .
2 - المحل ممكن
218 – الإمكان يقابل الوجود : رأينا في الالتزام الذي يكون محله نقل حق عيني أن الشيء الذي تعلق به هذا الحق يجب أن يكون موجوداً . أما الالتزام الذي يكون محله عملا أو امتناعاً عن عمل فيجب أن يكون المحل فيه ممكناً . والإمكان هنا يقابل الوجود هناك ، فإذا كان محل الالتزام مستحيلا ، فإن الالتزام لا يقوم ، ويكون العقد باطلا ، لأنه لا التزام بمستحيل . ( a l'impossible nul n'est tenu ) . وقد نصت المادة 132 من القانون المدني الجديد على ذلك إذ تقول : " إذا كان محل الالتزام مستحيلا في ذاته كان العقد باطلا ( 405 ) " .
219 – الاستحالة المطلقة والاستحالة النسبية : والمقصود بالاستحالة هنا الاستحالة المطلقة ، وهي أن يكون الالتزام مستحيلا في ذاته كما تنص المادة 132 ، لا أن يكون مستحيلا بالنسبة إلى الملتزم م فحسب ، فقد يلتزم شخص بعمل فني يكون مستحيلا عليه هو أو يلتزم بأمر يحتاج إلى مقدرة فوق طاقته ، ولكن هذا العمل لا يستحيل القيام به على رجل من أصحاب الفن أو ممن يطيقونه . ففي هذه الحالة يوجد الالتزام ويقوم على محل صحيح ، وإذا كان يستحيل على المدين القيام به فهذه الاستحالة النسبية لا تمنع من قيام الالتزام ، ويكون المدين مسئولا في هذه الحالة عن التعويض لعدم استطاعته القيام بالتزامه ولتسرعه في أن يأخذ على نفسه التزاماً لا يطيقه ، ويجوز فسخ العقد إذا كان ملزماً للجانبين . ولا فرق بين ما إذا كانت هذه الاستحالة النسبية قد سبقت وجود الالتزام أو كانت لاحقة له ، ففي كلتا الحالتين يوجد الالتزام ، ولكن المدين يبرأ من التنفيذ العيني ويكون مسئولا عن التعويض على النحو الذي قدمناه .
أما إذا كانت الاستحالة مطلقة ، وهي ما رجعت إلى الالتزام في ذاته كما رأينا ( 406 ) ، فإنها تمنع من وجود الالتزام إذا كانت سابقة على التعهد بهذا الالتزام ، ولا تمنع من وجوده إذا كانت لاحقة لأن الالتزام قد وجد قبل نشوء الاستحالة وإنما ينقضي بنشوئها بعد أن وجد . فتبرأ ذمة المدين ، ولكن يبقى مسئولا عن التعويض إذا كان هناك تقصير في جانبه ، ويجوز فسخ العقد إذا كان ملزماً للجانبين . ومثل الاستحالة المطلقة أن يتعهد شخص بأن يقوم بعمل يكون قد تم قبل التعهد كما إذا تعهد محام برفع استئناف عن قضية كان الاستئناف قد رفع فيها قبل ذلك ، أو أن يتعهد شخص بالامتناع عن عمل كان قد وقع قبل التعهد .
ويستخلص مما تقدم أن الاستحالة النسبية لا تجعل العقد باطلا سواء أكانت الاستحالة سابقة على وجود العقد أم لاحقة له ، وإنما تجعله في الحالتين قابلا للفسخ إذا كان ملزماً للجانبين لعدم إمكان قيام الملتزم بالتزامه . أما الاستحالة المطلقة فإن كانت سابقة على وجود التعهد فإنها تجعل العقد باطلا ، وإن كانت لاحقة جعلته قابلا للفسخ إذا كان ملزماً للجانبين ( 407 ) .
220 – الاستحالة الطبيعية والاستحالة القانونية : والاستحالة في الأمثلة التي قدمناها استحالة طبيعية – وقد تكون الاستحالة قانونية ، أي ترجع لا إلى طبيعة الالتزام بل إلى سبب في القانون ، كما إذا تعهد محام برفع استئناف عن حكم بعد انقضاء الميعاد القانونين أو نقض في قضية لا يجوز فيها النقض . ففي مثل هذه الفروض ترجع الاستحالة إلى حكم القانون لا إلى طبيعة الالتزام .
والاستحالة القانونية حكمها حكم الاستحالة الطبيعية المطلقة : تمنع وجود لالتزام إذا وجدت قبل التعهد به ، وتنهي الالتزام إذا جدت بعد ذلك وينبني على ما تقدم أن تعهد المحامي برفع الاستئناف إذا صدر بعد انتهاء الميعاد الذي يقبل فيه الاستئناف لا يوجد التزماً في جانبه ، أما إذا صدر قبل الميعاد ولكن المحامي ترك الميعاد ينقضي دون أن يرفع الاستئناف وأصبح رفعه مستحيلا ، فإن الالتزام يوجد أولاً ، ثم يصبح تنفيذه العيني مستحيلا ، فيكون المحامي مسئولا عن التعويض .
المبحث الثاني
المحل معين أو قابل للتعيين
221 – النصوص القانونية : نصت المادة 133 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :
" 1 - إذا لم يكن محل الالتزام معينا بذاته ، وجب أن يكون معينا بنوعه ومقداره وإلا كان العقد باطلا " .
" 2 - ويكفي أن يكون المحل معينا بنوعه فقط إذا تضمن العقد ا يستطاع به تعيين مقداره . وإذا لم يتفق المتعاقدان على درجة الشيء ، من حيث جودته ، ولم يمكن استخلاص ذلك من العرف أو من أي ظرف آخر ، التزم المدين بأن يسلم شيئا من صنف متوسط ( 408 ) " .
ونصت المادة 134 على ما يأتي :
" إذا كان محل الالتزام نقودا ، التزم المدين بقدر عددها المذكور في العقد دون أن يكون لارتفاع قيمة هذه النقود أو لانخفاضها وقت الوفاء أي أثر ( 409 ) " .
ويتبين من هذه النصوص أنه يجب في المحل أن يكون معيناً أو قابلا للتعيين . فإذا كان المحل نقوداً . وجب أن تكون هي أيضاً معينة أو قابلة للتعيين ، أما قيمة هذه النقود إذا تغيرت فليس في الأصل لتغيرها أي اعتبار .
فنتكلم : ( أولاً ) في كيفية تعيين المحل ( ثانياً ) في تعيين محل الالتزام إذا كان نقوداً .
كيفية تعيين المحل
222 – تعيين محل الالتزام إذا كان عملا أو امتناعا عن عمل : إذا التزم شخص أن يقوم بعمل أو أن يمتنع عن عمل وجب أن يكون ما التزم به معيناً . فإذا تعهد مقاول ببناء وجب أن يتعين هذا البناء أو وجب على الأقل أن يكون قابلا للتعيين . وقابليته للتعيين ترجع إلى الظروف التي تستخلص منها نية طرفي الالتزام . فإذا التزم المقاول بان يبني مستشفى أو مدرسة أو منزلا للسكنى أو منزلا للاستغلال أو نحو ذلك ، فإن ظروف التعاقد يصح أن يستخلص منها العناصر اللازمة لتعيين البناء المطلوب . أما إذا اقتصر المقاول على أن يلتزم بإقامة بناء ون أن يعين أي نوع من البناء هو ، كان المحل غير معين وغير قابل للتعيين ، فلا يقوم الالتزام على محل كهذا لأنه في حكم المعدوم .
223 – تعيين محل الالتزام في الشيء موضوع الحق العيني : وإذا كان الالتزام محله نقل حق عيني على شيء ، وجب كذلك أن يكون هذا الشيء معيناً أو قابلا للتعيين . وهنا يجب التمييز بين الشيء المعين بالذات والشيء غير المعين .
فإذا وقع العقد على شيء معين بالذات وجب أن تكون ذاتية الشيء معروفة ، فيوصف الشيء وصفاً يكون مانعاً للجهالة . فإذا باع شخص منزلا ، وجب أن يبين موقع هذا المنزل في أية جهة هو وأن يذكر أوصافه الأساسية التي تميزه عن غيره من المنازل الأخرى . وإذا باع أرضا ، وبج تحديد موقعها وبيان مساحتها وتعيين حدودها . وإذا باع سيارة معينة بالذات ، وجب أن يبين أية سيارة يبيعها وأن يذكر أوصافها المميزة . لاسيما إذا كان البائع عنده أكثر من سيارة واحدة . وقد طبقت المادة 419 من القانون الجديد هذه القاعدة في صدد عقد البيع ، فنصت على أنه " يجب أن يكون المشتري علاماً بالمبيع علماً كافياً . ويعتبر العلم كافياً إذا أشتمل العقد على بيان المبيع وأوصافه الأساسية بياناً يمكن من تعرفه " .
أما إذا كان الشيء غير معين بالذات ، وجب أن يكون معيناً بجنسه ونوعه مقداره ، كان يذكر مثلا أن المبيع قطن من نوع الأشموني وأن مقداره عشرون قنطاراً . فإذا لم يحدد المقدار وجب أن يتضمن العقد ما يستطاع به تحديده ، كما إذا تعهد شخص بأن يورد أغذية معينة النوع لمستشفى معين أو لمدرسة معينة ، فالمقدار اللازم من هذه الأغذية وإن لم يحدد في العقد قابل للتحديد وفقاً لحاجة المستشفى أو المدرسة .
وكثيراً ما يترك تعيين المحل للمألوف أو للعرف ، كما إذا قام متجر بتوريد سلعة لعميل له دون أن يبين الثمن ، أو قام صانع بعمل دون أن يحدد اجره .
وقد يقتصر التعيين على بيان الجنس والنوع والمقدار دون أن تذكر درجة الجودة ودون أن يمكن استخلاصها من العرف أو من ظروف التعاقد ، ففي هذه الحالة يجب أن يكون الصنف متوسطاً ، فلا يكون جيداً حتى لا يغبن المدين ، ولا يكون رديئاً حتى لا يغبن الدائن ( 410 ) .
2 – تعيين محل الالتزام إذا كان نقوداً
224 – تعيين النقود – العملة الورقية ذات السعر القانوني : إذا كان محل الالتزام نقوداً ، وجب أن تكون هي أيضاً معينة بنوعها ومقدارها شأن أي محل للالتزام . فيلتزم المدين مثلا أن يؤدي للدائن مقداراً معيناً من الجنيهات المصرية أو من القروش أو من الملاليم . وتقضي المادة 134 ، كما رأينا ، بأنه إذا كان محل الالتزام نقوداً التزم المدين بقدر عددها المذكور في العقد دون أن يكون لارتفاع قيمة هذه النقود أو لانخفاضها وقت الوفاء أي اثر . ويترتب على ذلك أن المدين يلتزم بأداء المقدار المتفق عليه من النقود ، سواء ارتفعت قيمة النقود أو انخفضت . فإذا ارتفعت كان ارتفاعها لمصلحة الدائن ، وإذا انخفضت كان انخفاضها لمصلحة المدين . وليس من اللازم أن يؤدي المدين النقود من النوع المنصوص عليه في العقد ، جنيهات أو قروشاً أو ملاليم ، بل إن المدين يؤدي دينه عادة بنقد ذى سعر قانوني ( cours legal ) يساوي القدر المتفق عليه ، فيؤديه عملة ورقية إذا تقرر لها سعر قانونين .
والأصل في نظرنا أن العملة الورقية إذا تقرر لها سعر قانونين وجب على الدائن قبولها حتى لو اتفق مع المدين على غير ذلك ، وحتى لو لم يكن لهذه العملة سعر الزامي ( cours force ) . فالسعر القانوني وحده كاف لجعل الدائن يستوفى حقه . ومهما يكن من خلاف في هذه المسألة فإن الخلاف ليست له أهمية عملية إذا لم يكن للعملة الورقية سعر إلزامي ، فإن الدائن الذي يريد الحصول على حقه ذهباً ولا يستوفيه إلا ورقاً يستطيع أن يستبدل الذهب بالورق في أي وقت شاء .
225 – العملة الورقية ذات السعر الالزامي ( شرط الذهب ) : فإذا تقرر للعملة الورقية سعر إلزامي ظهرت خطورة المسألة ، لأن العملة الورقية ذات السعر الالزامي تكون قيمتها الاقتصادية أقل من قيمتها القانونية ، وتنقص هذه القيمة الاقتصادية كلما زاد التضخم ، فإذا استوفى الدائن حقه ورقاً فإنه لا يستطيع أن يستبدل به ذهباً لقيام السعر الالزامي . وقد تكون قيمة الورق قد نزلت نزولا فاحشاً فتصيبه خسارة جسيمة من وراء ذلك . لهذا جرت العادة أن يشترط الدائن استيفاء حقه ذهباً ، وهذا ما يسمى بشرط الذهب ( clause d'or ) . فيكون الدين واجب الوفاء بالذهب ( payable en or ) أو بما يعادل قيمة الذهب ( payable en valeur or ) . فهل يعتبر هذا الشرط صحيحاً ؟ نرى أن ذلك لا يجوز في المعاملات الداخلية . وأن الشرط يكون باطلا لمخالفته للنظام العام . وأن العقد الذي تضمنه هذا الشرط يكون باطلا كذلك إذا تبين أن الشرط كان هو الباعث الرئيسي على التعاقد . ونحن في هذا الرأي نتفق مع القضاء الفرنسي ( 411 ) ومع جمهرة من الفقهاء الفرنسيين ( 412 ) . ومما يؤيد مما ما نذهب إليه أن الغرض من تقرير السعر الإلزامي هو إعطاء الورق قيمة قانونية إلزامية معادلة لقيمة الذهب ، فينعدم الفرق بين الورق والذهب في نظر القانون ، ويجب أيضاً أن ينعدم في نظر الأفراد ، لأن القانون إنما أراد هذا حماية لمصلحة عامة ترجع إلى نظام النقد في البلد وإلى استقرار قيمة العملة وثباتها .
هذا ويلاحظ أن القضاء الفرنسي إنما يبلط " شرط الذهب " في المعاملات الداخلية في فرنسا . أما في المعاملات الخارجية ، وهي التي تقتضي خروج العملة من فرنسا أو دخولها فيها ، كما إذا صدر تاجر في فرنسا بضاعة إلى الخارج أو استورد بضاعة من الخارج ، وكما إذا عقدت دولة قرضاً في أسواق أجنبية ، فإن شرط الذهب " يكون صحيحاً . وذلك لأنه إذا استطاع القانون الفرنسي أن يعتبر قيمة العملة الورقية معادلة لقيمة الذهب فليس هذا التعادل إلا اعتبارياً ، ولا يستقيم هذا الاعتبار إلا في المعاملات الداخلية حيث ينبسط سلطان المشرع ويصبح الأخذ باعتباره واجباً . أما في المعاملات الخارجية فالذهب وحده هو العملة الثابتة ، ولا ينفذ اعتبار المشرع في غير بلده ، وكل اتفاق يشترط الوفاء بالذهب يكون إذن مشروعاً ( 413 ) .
226 – شرط الذهب في القانون المصري : أما في القانون المصري فقد مر القضاء بمرحلتين :
( المرحلة الأولى ) في ظل المرسوم ( القانون ) الصادر في 2 أغسطس سنة 1914 . وقد قضى هذا المرسوم بان يكون للعملة الورقية التي يصدرها البنك الأهلي قيمة الذهب – وهذا هو السعر القانونين – وبأن البنك لا يجبر على إبدال الورق بالذهب – وهذا هو السعر الإلزامي – وبأن ما يدفع من تلك الأوراق ( لا يسبب وبأي مقدار ) يكون دفعاً صحيحاً وموجباً لبراءة الذمة كما لو كان الدفع حاصلا بالعملة الذهبية ، بصرف النظر عما يخالف ذلك من الشروط أو الاتفاقات الحاصلة أو التي تحصل بين أصحاب الشأن ، أي سواء كانت هذه الشروط أو الاتفاقات موجودة قبل صدور المرسوم أو جدت بعد ذلك . والنص كما نرى صريح في أن شرط الذهب باطل إطلاقاً ، ولم يميز المرسوم في ذلك بين المعاملات الداخلية والمعاملة الخارجية ، بل أن هذا التشريع جعل له اثر رجعي ، فهو يبطل شرط الذهب في عقد تم قبل صدوره كما يبطله في عقد تم بعد صدوره .
ولكن بالرغم من صراحة النص انقسم القضاء المصري في شأن شرط الذهب . فبعض الأحكام قضى ببطلانه ، وبعض قضى بصحته ، وبعض جرى على نهج القضاء الفرنسي فميز بين المعاملات الداخلية حيث يكون الشرط باطلا والمعاملات الخارجية حيث يكون الشرط صحيحاً ( 414 ) .
( المرحلة الثانية ) وبقى القضاء المصري يواجه شرط الذهب مضطرباً غير مستقر حتى صدر المرسوم بقانون رقم 45 لسنة 1935 . وقد أراد المشرع المصري بهذا القانون أن يحسم ما نشب من خلاف في تفسير المرسوم الصادر في 2 أغسطس سنة 1914 بصدد المسألة التي قام فيها الخلاف الجوهري ، وهي قيمة شرط الذهب في المعاملات الخارجية أو المعاملات ذات الصبغة الدولية . ذلك لأن المعاملات الداخلية لم يقم في شأنها خلاف جدى ، إذ كان واضحاً أن شرط الذهب يجب أن يكون باطلا في هذه المعاملات . وكذلك يجب أن يكون باطلا في المعاملات الخارجية ، وقد صرح بذلك قانون سنة 1935 ، لأن النص الذي ورد في مرسوم سنة 1914 في بطلان هذا الشرط عام مطلق لا يميز بين المعاملات الداخلية والمعاملات الخارجية كما قدمنا . وتقول المذكرة الإيضاحية لقانون سنة 1935 في هذا الصدد ما يأتي : " . . . ذلك أنه يوجد نص صريح لا يحتمل أي تفرقة بين العقود التي يسري عليها حكمه ، وليس ذلك لأن النص عام فحسب ، بل هو فوق ذلك صريح قاطع . . . فالدفع أياً كان نوعه حتى لو كان سببه التزاماً دولياً داخل بلا شك في عموم هذا النص . وليس من بيل مع مثل هذا النص الذي حدد فيه الشارع مقاصده بكل جلاء ووضوح للأخذ بقضاء المحاكم الفرنسية وقد بنى على اعتبارات خاصة بفرنسا مستمدة من أحوالها الاقتصادية . وذلك هو المعنى والمغزى الصحيح لمرسوم 2 أغسطس سنة 1914 ، ولنفس من شرع حكم ذلك المرسوم أن يزيد مقاصده وضوحاً فيما يتعلق بالاتفاقات الدولية ، وألا يدع أي شك يحوم حول تطبيق القاعدة التي أتى بها مرسوم سنة 1914 والتي تقرر أمراً من أمور النظام العام ، على ذلك النوع من الاتفاقات ، عملا بنص المرسوم المذكور وروحه ، وأخذاً بما اقتضته وتقتضيه مصلحة البلاد العامة ( 415 ) " .
ويتبين من ذلك أن قانون سنة 1935 أراده المشرع أن يكون قانوناً تفسيرياً يسري على الماضي . وهو يتضمن النص الآتي : " تبطل شروط الدفع ذهباً في العقود التي يكون الالتزام بالوفاء فيها ذا صبغة دولية والتي تكون قد قومت بالجنيهات المصرية أو الاسترلينية أو بنقد أجنبي آخر كان متداولا قانوناً في مصر ( الفرنك والجنيه التركي ) ، ولا يترتب عليها أي اثر . ولا يجري هذا الحكم على الالتزام بالوفاء بمقتضى المعاهدات أو الاتفاقات الخاصة بالبريد أو التلغراف أو التليفون " .
ومنذ صدور هذا القانون استقر قضاء المحاكم المصرية على بطلان شرط الذهب في المعاملات الداخلية والمعاملات الخارجية على السواء ( 416 ) .
ولا يزال هذا القانون سارياً إلى اليوم ، لأن القانون المدني الجديد لم يعرض لهذه المسألة ، بل تركها للتشريعات الخاصة باعتبارها من المسائل الاقتصادية المتغيرة ( 417 ) . وقانون سنة 1935 هو التشريع الخاص الذي لا يزال قائماً والذي يرجع إليه في بطلان شرط الذهب ، دون تمييز بين المعاملات الداخلية والمعاملات الخارجية .
المبحث الثالث
المحل قابل للتعامل فيه
( dans le commerce )
( النظام العام والآداب )
227 – متى يعتبر الشيء غير قابل للتعامل فيه : يكون الشيء غير قابل للتعامل فيه ، فلا يصلح أن يكون محلا للالتزام ، إذا كانت طبيعته أو الغرض الذي خصص له يأبى ذلك ، أو إذا كان التعامل فيه غير مشروع .
فالشيء لا يكون قابلا للتعامل فيه بطبيعته إذا كان لا يصلح أن يكون محلا للتعاقد ، كالشمس والهواء والبحر . ويرجع عدم القابلية للتعامل إلى استحالته ( 418 ) .
وقد يصبح التعامل ممكناً في هذه الأشياء من بعض النواحي ، فأشعة الشمس يحصرها المصور ( الفوتوغرافي ) ، والهواء يستعمله الكيمائي في أغراضه ، والبحر يؤخذ من مائة ما يصلح أن يكون محلا للامتلاك . فعند ذلك نصبح الشمس والهواء والبحر قابلة للتعامل فيها من هذه النواحي الخاصة ، وتصلح إذن أن تكون محلا للالتزام .
وقد يكون الشيء غير قابل للتعامل فيه بالنظر إلى الغرض الذي خصص له . فالملك العام لا يصح بيعه ولا التصرف فيه لأنه مخصص لمنفعة عامة ، وتخصيصه هذا يتنافى مع جواز التصرف فيه . والمال الموقوف ، يجعل ريعه لسلسلة من المنتفعين ، يقتضي إلا يجوز التصرف فيه ما دام وقفاً . وعدم القابلية للتعامل هنا نسبي . فالملك العام إذا كان لا يصلح محلا للتصرف فإنه يصلح محلا للإيجار ، كما في شغل جزء من الطريق العام أو منح رخصة لإقامة حمامات أو " كابينات " على شواطئ البحار . والمال الموقوف إذا كان لا يجوز بيعه فإنه يجوز إيجاره . والضابط في كل هذا أن عدم القابلية للتعامل إنما يرجع إلى الغرض الذي خصص الشيء له ، فكل تعامل يتنافى مع هذا الغرض لا يجوز ، أما التعامل الذي لا يتنافى معه فهو جائز .
وقد يكون الشيء غير قابل للتعامل لأن ذلك غير مشروع . وعدم المشروعية يرجع إما إلى نص في القانون أو إلى مخالفة هذا التعامل للنظام العام أو للآداب . على أن نص القانون الذي يمنع من التعامل في الشيء يكون مبنياً على اعتبارات ترجع هي ذاتها إلى النظام العام أو إلى الآداب . فما ورد فيه نص يحرم التعامل فيه إنما هو في الوقت عينه مخالفة للنظام العام أو للآداب أولهما معاً . ووجود النص دليل على عناية المشرع بالأمر فآثر أن يورد له نصاً . أو هو إيضاح في مقام قد يكون عدم النص فيه مؤدياً للغموض ، كالنص الذي يحرم التعامل في التركة المستقبلة . أو هو تحديد لأمر يرى المشرع تحديده ، كما حدد الربا الفاحش . أو هو تحريم لأمر تقضي ظروف البلد الخاصة بتحريمه ، كما حظر المشرع المصري لااتجار في الحشيش والمخدرات وكما حرم ببيع الوفاء . فيمكن القول إذن أن المحل يكون غير مشروع إذا كان مخالفاً للنظام العام أو الآداب ، سواء ورد نص في القانون بتحريمه أو لم يرد . وتقرر المادة 135 من القانون المدني الجديد هذه القاعدة العامة في العبارات الآتية : " إذا كان محل الالتزام مخالفاً للنظام العام أو الآداب كان العقد باطلا ( 419 ) " . فلا يجوز إذن أن يكون الشيء المخالف للنظام العام أو الآداب محلا للالتزام ، ويستتبع ذلك أنه لا يجوز الاتفاق على ما يخالف النظام العام الآداب .
فإذا عرفنا النظام العام والآداب أمكن أن نقرر ما إذا كان نص معين في القانون يعتبر من النظام العام أو الآداب فلا يجوز الاتفاق على ما يخالفه ، وأمكن أيضاً أن نقرر حتى عند انعدام النص ما إذا كان الشيء مخالفاً للنظام العام أو الآداب فلا يصح أن يقوم عليه الالتزام . وهذا ما نتولى الآن بحثه .
228 – النظام العام والآداب ( * ) L'ordre public et les bonnes moeurs : القواعد القانونية التي تعتبر من النظام العام هي قواعد يقصد بها إلى تحقيق مصلحة عامة ، سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية ، تتعلق بنظام المجتمع الأعلى وتعلو على مصلحة الأفراد . فيجب على جميع الأفراد مراعاة هذه المصلحة وتحقيقها ، ولا يجوز لهم أن يناهضوها باتفاقات فيما بينهم ، حتى لو حققت هذه الاتفاقات لهم مصالح فردية ، فإن المصالح الفردية لا تقوم أمام المصلحة العامة . ويلاحظ أن دائرة النظام العام تضيق إذا تغلبت نزعة المذاهب الفردية ، فإن هذه المذاهب تطلق الحرية للفرد ، فلا تتدخل الدولة في شؤونه ، ولا تحميه إذا كان ضعيفاً ، ولا تكبح جماحه إذا كان قوياً ، فإذا تغلبت النزعة الاشتراكية ومذاهب التضامن الاجتماعية اتسعت دائرة النظام العام ، وأصبحت الدولة تقوم بشؤون كانت تتركها للفرد ، وتتولى حماية الضعيف ضد القوى . بل هي تحمي الضعيف ضد نفسه ، كما رأينا ذلك في عقود الإذعان وفي نظرية الاستغلال . ولا تستطيع أن نحصر النظام العام في دائرة دون أخرى ، فهو شيء متغير ، يضيق ويتسع حسب ما يعده الناس في حضارة معينة " مصلحة عامة " . ولا توجد قاعدة ثابتة تحدد " النظام العام " تحديداً مطلقاً يتمشى على كل زمان ومكان ، لأن النظام العام شيء نسبي ، وكل ما تستطيع هو أن نضع معياراً مرناً يكون معيار " المصلحة العامة " ، وتطبيق هذا المعيار في حضارة معينة يؤدي إلى نتائج غير التي نصل إليها في حضارة أخرى ( 420 ) .
والآداب ، في امة معينة وفي جيل معين ، هي مجموعة من القواعد وجد الناس أنفسهم ملزمين باتباعها طبقاً لناموس أدبي يسود علاقاتهم الاجتماعية . وهذا الناموس الأدبي هو وليد المعتقدات الموروثة والعادات المتأصلة وما جرى به العرف وتواضع عليه الناس . وللدين اثر كبير في تكييفه . وكلما اقترب الدين من الحضارة ، كلما ارتفع المعيار الخلقي ، وزاد التشدد فيه . ومن هنا نرى أن العوامل التي تكيف الناموس الأدبي كثيرة مختلفة . فالعادات والعرف والدين والتقاليد وإلى جانب ذلك ، بل في الصميم منه ، ميزان إنساني يزن الحسن والقبح ، ونوع من الإلهام البشري يميز بين الخير والشر ، كل هذه العوامل مجتمعة توجد الناموس الأدبي الذي تخضع الناس له ، ولو لم يأمرهم القانون بذلك . ومعيار الآداب أو " الناموس الأدبي " ليس معياراً ذاتياً يرجع فيه كل شخص لنفسه ولتقديره الذاتي ، بل هو معيار اجتماعي يرجع فيه الشخص لما تواضع عليه الناس . وهو في ذات الوقت معيار غير ثابت ، يتطور تبعاً لتطور الفكرة الأدبية في حضارة معينة فهناك أمور كانت تعتبر مخالفة لأداب فيما مضى ، كالتامين على الحياة والوساطة في الزواج والعرى ، أصبحت الآن ينظر لها نظراً آخر . وهناك بالعكس أمور أصبحت الآن مخالفة للآداب ، كالسترقاق وإدخال المهربات في بلاد أجنبية ، وكانت من قبل غير ذلك ( 421 ) .
ونرى من ذلك أن النظام العام والآداب هما الباب الذي تدخل منه العوامل الاجتماعية والاقتصادية والخلقية ، فتؤثر في القانون وروابطه ، وتجعله يتمشى مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية والخلقية في الجيل والبيئة . وتتسع دائرة النظام العام والآداب أو تضيق تبعاً لهذه التطورات ، وطريقة فهم الناس لنظم عصرهم ، وما تواضعوا عليه من آداب ، وتبعاً لتقدم العلوم الاجتماعية . كل هذا يترك للقاضي يفسره التفسير الملائم لروح عصره ، فالقاضي يكاد إذن يكون مشرعاً في هذه الدائرة المرنة ، بل هو مشرع يتقيد بآداب عصره ونظم أمته الأساسية ومصالحها العامة ( 422 ) . ونحن في العصور الحاضرة نشهد تغلب النزعة الاشتراكية واتساع دائرة النظام العام من ناحية ، ونشهد من ناحية أخرى تأثر القانون المضطرد بالعوامل الخلقية ، حتى صح أن يسمى هذا العصر بعصر تغلغل الروح الاشتراكية والروح الخلقية في القانون ( socialization et moralization du droit ) ( 423 ) . على أن الفكرتين اللتين تسودان النظام العام والآداب ، فتبعثان فيهما الخصب والمرونة والقابلية للتطور هما :
( أولاً ) فكرة المعيار ، فمعيار النظام العام هو المصلحة العامة ، ومعيار الآداب هو الناموس الأدبي ، وهما معياران موضوعيان لا ذاتيان .
( وثانياً ) فكرة النسبية ، فلا يمكن تحديد دائرة النظام العام والآداب إلا في امة معينة ، وفي جيل معين .
وخير سبيل لتحديد ما يراد بالنظام العام والآداب أن نورد تطبيقات عملية لذلك ، فنستعرض اتفاقات تخالف النظام العام ، وأخرى تخالف الآداب ، في عصرنا الحاضر .
المطلب الأول
الاتفاقات التي تخالف النظام العام
229 – روابط القانون العام وروابط القانون الخاص : حاول بعض الفقهاء حصر النظام العام في دائرة روابط القانون العام ، وهذه نظرة فردية متطرفة يكذبها الواقع ، فإن النظام العام يدخل دون شك في روابط القانون الخاص ، ولا يقتصر على دائرة القانون العام . وقد أريد التمييز في روابط القانون الخاص بين روابط الأحوال الشخصية وروابط المعاملات المالية ، فالأولى تعتبر من النظام العام والأخرى لا تعتبر كذلك ، وهذه أيضاً نظرة ضيقة للنظام العام ، فمن روابط المعاملات المالية ما يحقق مصلحة عامة كما يتبين ذلك من التطبيقات التي سنوردها .
1 – روابط القانون العام
230 – أنواع هذه الروابط : القانون العام ينظم روابط الأفراد بالهيئات العامة وروابط الهيئات العامة بعضها ببعض . وهذا التنظيم ينظر فيه إلى المصلحة العامة ، فلا يجوز للأفراد أن يتفقوا على ما يتعارض مع هذه المصلحة تحقيقاً لمصالحهم الفردية .
ويشمل القانون العام فيما يشمله : ( 1 ) القواعد الدستورية والحريات العامة . ( 2 ) النظم الإدارية والمالية . ( 3 ) النظام القضائي . ( 4 ) القوانين الجنائية . ونورد أمثلة لكل فرع من هذه الفروع .
231 – القواعد الدستورية والحريات العامة : فالقاعدة الدستورية التي تقرر حرية الترشيح والانتخاب تعتبر من النظام العام ، ولا يجوز لمشرح أن ينزل عن ترشيحه لمرشح آخر بمقابل أو بغير مقابل ، كما لا يجوز لناخب أن يتفق مع مرشح على إعطائه صوته ، وكل اتفاق من هذا القبيل باطل لمخالفته للنظام العام . كذلك النائب في هيئة تشريعية حر في تكوين رأيه في المسائل التي تعرض على الهيئة التي ينتمي إليها ، فلا يجوز أن يقيد نفسه باتفاق على أن يجعل صوته لرأي معين ، كما لا يجوز له النزول عن عضويته .
والحريات العامة التي قررها الدستور هي أيضاً من النظام العام ، وذلك كالحرية الشخصية . وما يتفرع عنها من حرية الإقامة ، وحرية الزواج ، وحرمة النفس والحرمة الأدبية . وحرية الدين والاعتقاد ، وحرية الاجتماع ، وحرية العمل والتجارة .
فلا يجوز لأحد النزول عن حريته الشخصية ( أنظر المادة 49 من القانون المدني الجديد ) . ولا يجوز لأحد أن يتعهد بخدمة آخر طول حياته أو طول حياة المخدوم ، فإذا كان عقد العمل لمدة حياة العامل أو رب العمل أو لأكثر من خمس سنوات ، جاز للعامل بعد انقضاء خمس سنوات أن يفسخ العقد دون تعويض على أن ينظر رب العمل إلى ستة أشهر ( أنظر الفقرة الثانية من المادة 678 من القانون المدني الجديد ) .
وتنص المادة السابعة من الدستور على أنه " لا يجوز إبعاد مصري من الديار المصرية . ولا يجوز أن يحظر على مصري الإقامة في جهة ما ولا أن يلزم الإقامة في مكان معين إلا في الأحوال المبينة في القانون " ومع ذلك يجوز أن يتقيد شخص بتحديد محل إقامته لمدة معينة إذا كان هناك سبب مشروع لذلك ، كما يجوز أن يتعهد شخص بعدم الإقامة في جهة معينة إذا وجد مبرر قوي لهذا التعهد . وفي الحالتين يكون جزاء الإخلال بالالتزام هو التعويض لا التنفيذ العيني .
وحرية الزواج من النظام العام . فإذا تعهد شخص إلا يتزوج مطلقاً ، كان هذا التعهد في الأصل باطلا ، كما إذا تعهدت امرأة لخليلها السابق إلا تتزوج أصلاً . ومع ذلك قد يكون التعهد صحيحاً إذا وجد سبب مشروع يبرره ، كما إذا تعهدت زوجة لزوجها إلا تتزوج بعد ترملها وكان لها من زوجها أولاد يريد الزوج أن يكفل لهم رعاية أمهم بعد موته . وإذا كان التعهد صحيحاً ، فلا يكون جزاء الإخلال به بطلان الزواج ، بل يدفع المتعهد تعويضا عن إخلاله بالتزامه ، ويغلب أن يكون الجزاء هو حرمان المتعهد من الهبة أو الوصية التي أعطيت له أو من المعاش الذي رتب له . وإذا تعهد شخص بان يتزوج من شخص معين ، فهو غير مقيد بتعهده ، ويجوز له العدول عن هذه الخطبة أو عن هذا التعهد ، ولا يكون مسئولا بمقتضى العقد وإن جاز أن يلتزم بالعمل غير المشروع لفسخه الخطبة في وقت غير لائق أو لارتكابه خطأ .
وللنفس حرمة لا يجوز انتهاكها باتفاقات تتعارض مع سلامتها . فيكون باطلا كل اتفاق يتعهد بمقتضاه شخص أن يعرض سلامته لخطر لا توجبه الضرورة ، كالاتفاق على المبارزة أو الملاكمة أو المصارعة ، وأن كان هناك ميل في الوقت الحاضر إلى إباحة التعاقد في الألعاب الرياضية حتى لو كانت عنيفة كالملاكمة والمصارعة لانتشار هذه الألعاب ورضاء الرأي العام عنها . وكحرمة النفس الحرمة الأدبية لا يجوز انتهاكها . فلا يصح أن تنازل مؤلف عن حقه الأدبي في إدخال ما يراه من التعديل على تأليفه ، حتى لو كان قد نزل عن حقوقه المادية في مؤلفه .
ويكون باطلا كل اتفاق يقيد من حرية الشخص في اعتناق الدين الذي يختاره ، وكل اتفاق يقيد الشخص بعقيدة معينة أو بمذهب معين من مذاهب التفكير .
ولكل شخص الحق في أن يجتمع مع غيره ، في هيئة أو جماعة ، وأن ينتمي إلى ما يشاء من الجمعيات ما دام الغرض الذي تألفت من اجله هذه الجمعيات مشروعاً . وأكثر ما يطبق هذا المبدأ في حالة نقابات العمال ، فلكل عامل الحق في الانضمام إلى النقابة التي يختارها ، وهو حر كذلك في إلا ينضم إلى نقابة ما . على أنه قضى بصحة اتفاق تعهد صاحب العمل بمقتضاه إلا يستخدم من العمال إلا من كان منضما إلى نقابة ، فتقيدت بذلك حرية العامل على نحو ما في أن يبقى بعيداً عن النقابات ( 424 ) .
ولكل شخص الحرية الكاملة في اختيار العمل الذي يتخذه حرفة له وفي القيام بما يشاء من أنواع التجارة . ولا يجوز أن يحرم شخص من هذه الحرية ولو رضى بهذا الحرمان . وأكثر ما ترد القيود الاتفاقية على حرية التجارة والعمل في عقود بيع المتاجر وفي عقود العمل . فإذا باع صاحب المتجر متجره ، فهو ملزم بضمان تعرضه الشخصي بمقتضى عقد البيع ذاته . ولا يجوز له بناء على ذلك أن يدير متجراً آخر ينتزع به عملاء المتجر القديم ، وإلا كان متعرضاً للمشتري ووجب الضمان . ولكن المشتري لا يكتفي عادة بهذا الضمان الذي يقرره القانون ، بل يشترط في عقد البيع أن يكف البائع عن العمل في هذا النوع من التجارة . كذلك كثيراً ما يشترط صاحب العمل على من يستخدمه في عمله إلا يلتحق بعمل مماثل إذا انقطع عن عمله الأول ، فيأمن بذلك على اسرار الصنعة أن يستغلها العامل في مناقسته بعد أن يكون قد ألم بها عنده . فإذا تعهد شخص بألا يعمل في تجارة معينة أو يلتحق بفعل معين ، فقد قيد بذلك من حريته في التجارة والعمل . وقد يكون هذا القيد مخالفاً للنظام العام . وكان القضاء في فرنسا وفي مصر يبطل القيد لمخالفته للنظام العام إذا كان مطلقاً غير محدود لا بزمان ولا بمكان . أما إذا قدي بزمان ، كأن يتعهد الشخص بأن يمتنع عن العمل أو التجارة مدة معينة ، أو بمكان ، كان يلتزم المتهم بالامتناع عن العمل أو التجارة في مكان معين ، كان التعهد صحيحا ( 425 ) . تم بدا ميل من جانب القضاء إلى العدول عن هذه القواعد الجامدة واستبدال معيار مرن بها ، فلا يكون المدار في الصحة والبطلان أن يتقيد التعهد بزمان أو بمكان أو لا يتقيد ، بل المهم أن يكون التعهد معقولا ( raisonnable ) لا تعسف فيه . ولا يكون هناك تعسف إذا كان التعهد لازماً لحماية الدائن من منافسة المدين غير المشروعة حتى لو كان هذا التعهد مطلقاً من كل قيد في الزمان أو في المكان ، ويكون التعهد باطلا إذا ما زاد عن الحد اللازم لهذه الحماية المشروعة حتى لو كان مقيداً في الزمان وفي المكان . فالعبرة إذن بمعقولية التعهد لا بتقييده ( 426 ) . وقد جاء القانون المدني الجديد مؤيداً هذا المعيار المرن ، فاشترط لصحة القيد أن يكون مقصوراً من حيث الزمان والمكان ونوع العمل على القدر الضروري لحماية مصالح رب العمل المشروعة ( م 686 ) ، وإذا اتفق على شرط جزائي في حالة الإخلال بالامتناع عن المنافسة وكان في الشرط مبالغة تجعله وسيلة لإجبار العامل على البقاء في خدمة رب العمل مدة أطول من المدة المتفق عليها كان هذا الشرط باطلا وينسحب بطلانه أيضاً إلى شرط عدم المنافسة في جملته ( م 687 ) ( 427 ) .
323 – النظم الإدارية والمالية : كذلك النظم الإدارية والمالية تحقق مصلحة عامة ، فهي إذن من النظام العام . ولا يجوز للأفراد ، باتفاقات خاصة ، أن يعارضوا تحقيق هذه المصلحة .
فيحرم على الموظف أن يبيع وظيفته أو أن ينزل عنها لآخر ، على أن الوظيفة ذاتها شيء لا يجوز التعامل فيه فلا يصح أن يكون محلا لتصرف ما . كذلك لا يجوز للموظف أن يتعهد لشخص آخر بأن يستقيل من وظيفته ، سواء رمى من وراء هذه الاستقالة إلى تحقيق رغبة لدى هذا الشخص ، أو قصد منها أن يترك له وظيفته خالية حتى يتمكن من الحصول عليها . وكل عقد يرمي إلى جعل الموظف يستفيد من وراء وظيفته ، كأن يتعاقد على شيء متصل بأعمال الوظيفة فيجني من وراء ذلك ربحاً ، يكون عقداً باطلاً لمخالفته للنظام العام . وليس الأمر مقصوراً على الموظف ، فكل وسيط يبذل وساطته في نظير مقابل يحصل عليه للوصول إلى نتيجة تحتم النزاهة في الإدارة أن يكون الوصول إليها دون مقابل أو وساطة إنما يقوم بعمل غير مشروع ، ويكون تعاقده باطلا . فاتفاق الوسيط مع شخص على جعل يأخذه الوسيط إذا مكن هذا الشخص من الحصول على وظيفة أو على رتبة أو على وسام أو على امتياز من الحكومة أو " مقاومة " يرسو " العطاء " عليه فيها أو نحو ذلك يكون اتفاقاً باطلا لمخالفته للنظام العام ( 428 ) . كذلك لا يجوز للموظف أن يقوم بعمل تجاري محرم عليه بل إن هناك من المهن ، كالطب والمحاماة ، ما ينظم تنظيماً إدارياً ، ولا يجوز لمن يمارسها أن يخلط بينها وبين أعمال التجارة ( 429 ) .
وإذا فرض قانون ضريبة وجب دفعها دون زيادة أو نقص . فإذا اتفق البائع والمشتري على ذكر ثمن في عقد البيع أقل من الثمن الحقيقي حتى تؤخذ رسوم التسجيل على الثمن المذكور في العقد ، ففي مثل هذه الحالة تكون العبرة بالثمن الحقيقي لا بالثمن الصوري المكتوب . ولا يجوز كذلك الاتفاق على جعل الملزم بدفع الضريبة شخصاً آخر غير الذي عينه القانون . لكن يجوز أن يتفق المؤجر والمستأجر على أن يقوم الثاني بدفع الضريبة المفروضة على العين المؤجرة بشرط أن يدخل ذلك في حساب الأجرة . ولا يمنع هذا الاتفاق من أن يبقى المؤجر ، إذا كان هو مالك العين ، ملزماً بأداء الضريبة لخزينة الدولة .
وقد رأينا فيما تقدم أن القوانين التي تنظم النقد والعملة تعتبر من النظام العام ، وأن شرط الدفع بالذهب باطل في المعاملات الداخلية والمعاملات الخارجية على السواء ( 430 ) .
233 – النظام القضائي : نظم التقاضي تحقق في مجموعها " مصلحة عامة " ، وكثير من هذه النظم لا تجوز معارضته باتفاقات فردية .
فتحديد اختصاص المحاكم – فيما عدا الاختصاص المحلي - يعتبر من النظام العام . ولا يجوز للخصوم أن يتفقوا على اختصاص محكمة تكون غير مختصة بالنسبة إلى ولايتها أو بالنسبة إلى اختصاصها النوعي ، فيرفعوا قضية من اختصاص المحاكم الشرعية إلى محكمة من المحاكم الوطنية أو قضية من اختصاص المحاكم الابتدائية إلى محكمة جزئية . وقد كان قانون المرافعات الوطني القديم لا يعتبر مسائل الاختصاص النوعي من النظام العام .
وقابلية الحكم للطعن فيه بطريق المعارضة أو الاستئناف أو النقص أو التماس إعادة النظر أو نحو ذلك قد تعتبر من النظام العام . فلا يجوز للخصوم أن يتفقوا على أن المعارضة جائزة في حكم حضوري ، أو أن الاستئناف جائز في حكم لا يقبله . ولكن يجوز الاتفاق على أن الحكم الذي يصدر من محكمة أول درجة لا يستأنف ولا يعارض فيه حتى لو كان قابلا للاستئناف أو للمعارضة ( 431 ) .
234 – القوانين الجنائية : ولا تجوز مخالفة القوانين الجنائية باتفاقات خاصة ، لأن هذه القوانين تعتبر من النظام العام . فيعد باطلا الاتفاق على ارتكاب جريمة أو الاتفاق على عدم ارتكاب جريمة لقاء مبلغ من المال . ويعد باطلا أيضاً الاتفاق الذي يلتزم بمقتضاه شخص بان يتحمل عن آخر ما قد عسى أن يتعرض له من مسئولية جنائية ، والاتفاق التي يلتزم بمقتضاه شخص بان يدفع الغرامات التي يحكم بها جنائياً على شخص آخر . ولا يجوز بمقتضى اتفاق خاص أن تخلق جريمة ليست موجودة في القانون ، كأن يتفق الدائن والمدين على اعتبار عدم وفاء المدين بدينه تبديداً ، فالتبديد لا يكون إلا في عقود معينة مبينة على سبيل الحصر ( 432 ) .
2 – روابط القانون الخاص
235 – الأحوال الشخصية والمعاملات المالية : هذه الروابط أما أن تكون متعلقة بالأحوال الشخصية ، أو داخلة في دائرة المعاملات المالية .
236 – الأحوال الشخصية : كثير من روابط الأحوال الشخصية يحقق مصلحة عامة ويعتبر من النظام العام ، فلا يجوز للأفراد تعديلها باتفاقات فيما بينهم . من ذلك الحالة المدنية للشخص وأهليته وعلاقته بأسرته .
فلا يجوز تعديل الحالة المدنية باتفاق خاص ، كان يتفق شخص مع آخر على تعديل جنسيته أو تغيير اسمه أو التنازل عن بنوته لأبيه أو الصلح على شيء من ذلك . بل إن القانون المدني الجديد حمى بنصوص صريحة الحقوق الملازمة للشخصية من أن يعتدى عليها . فنصت المادة 50 على أنه " لكل من وقع عليه اعتداء غير مشروع في حق من الحقوق الملازمة لشخصيته أن يطلب وقف هذا الاعتداء مع التعويض عما يكون قد لحقه من ضرر " . ونصت المادة 51 على أنه " لكل من نازعه الغير في استعمال اسمه بلا مبرر ، ومن انتحل الغير اسمه دون حق أن يطلب وقف هذا الاعتداء مع التعويض عما يكون قد لحقه من ضرر " . أما إذا أصبح اسم الشخص اسما تجارياً فإنه يكون مالا يجوز النزول عنه وبيعه والتصرف فيه .
وقواعد الأهلية من النظام العام . فلا يستطيع شخص أن ينزل عن أهليته أو يزيد فيها أو ينقص منها باتفاق خاص . وقد نصت المادة 48 من القانون المدني الجديد على أنه " ليس لأحد النزول عن أهليته ولا التعديل في أحكامها " . وكالأهلية الولاية ، فلا يجوز للولي أو الوصي أو القيم أن يزيد أو ينقص من حدود ولايته .
وعلاقة الشخص بأسرته وما له من حقوق وما عليه من واجبات كل هذا يعتبر من النظام العام إذا لم يكن حقوقاً مالية محضة . مثل ذلك الحقوق والواجبات التي تنشأ من عقد الزواج ، فلا يجوز الاتفاق ما بين الزوجين على تعديل ما للزوج من حقوق على زوجته في الطاعة والأمانة الزوجية أو تعديل ما للزوجة من حقوق على زوجها من النفقة والرعاية . ولا يجوز للزوج المسلم أن ينزل عن حقه في الطلاق ( 433 ) . كذلك الحقوق والواجبات التي تنشأ من الأبوة تعتبر من النظام العام . فللأب حق تربية أولاده ، فلا يجوز أن يقيد نفسه باتفاق يحدد طريقة تربية الأولاد أو يلزمه مقدماً باختيار دين معين لهم كان تكون الأولاد على دين الأم مثلا . والنفقات بمختلف أنواعها ، من نفقة الزوجة ونفقة الصغير والنفقة ما بين الأصول والفروع والنفقة ما بين ذوى الأرحام ، تعتبر كلها من النظام العام ، فلا يجوز تنازل الشخص مقدماً عن حقه في مطالبة من تجب عليه النفقة له ، وإن كان يجوز التنازل عن النفقة المتجمدة بعد تجمدها .
237 – المعاملات المالية : ومن روابط المعاملات المالية ما يحقق مصلحة عامة فيعتبر من النظام العام . من ذلك الأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي في البلاد ، فهي تارة تفسح المجال للنشاط الفردي ، وطوراً تحد من هذا النشاط لحماية الجانب الضعيف . ومن ذلك أيضاً الأحكام التي تكفل حماية الغير حسن النية .
فمن الأسس التي تفسح المجال للنشاط الفردي وتكفل تداول المال واستثماره على خير وجه أن حق الملكية لا يجوز أن يقيد المالك في استعماله بغل يده عن التصرف فيه ، وشرط عدم التصرف باطل ما لم يكن مبنياً على باعث مشروع ومقصوراً على مدة معقولة ( م 823 من القانون المدني الجديد ) . ولا يجوز أن يتقيد المالك بالبقاء في الشيوع لمدة تزيد على خمس سنوات ( م 834 من القانون المدني الجديد ) ، لأن الشيوع بعيد عن أن يكون خير الوجوه لاستثمار الملكية .
ومن الأسس التي تكفل حماية الجانب الضعيف ما قرره القانون في صدد عقود الإذعان من جواز تعديل الشروط التعسفية أو الإعفاء منها ، ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك ( م 149 من القانون المدني الجديد ) . وما قرره من إبطال العقد أو إنقاص الالتزامات في حالة الاستغلال ( م 129 من القانون المدني الجديد ) . وما قرره من إنقاص الالتزام المرهق في حالة الحوادث الطارئة ( م 147 من القانون المدني الجديد ) . وما قرره من جواز تخفيض الشرط الجزائي ( م 224 من القانون المدني الجديد ) . وما قرره من عدم جواز الاتفاق على سعر للفائدة أعلى من السعر الذي يسمح به القانون ( م 227 من القانون المدني الجديد ) .
ومن الأحكام التي تحمي الغير حسن النية القواعد التي رسمها القانون لشهر الحقوق العينية ، فيكون باطلا اتفاق البائع مع المشتري على أن تعتبر الحقوق العينية المترتبة على العين المبيعة سارية في حق المشتري ولو لم تشهر هذه الحقوق على الوجه الذي يتطلبه القانون . كذلك لا يتقيد الدائن باتفاقه مع المدين على تنازله مقدماً عن الطعن في تصرفات مدينه بالصورية أو بالدعوى البوليصية . ولا يجوز لشخص أن يشترط عدم ضمان تعرضه الشخصي أو عدم مسئوليته عن الغش الذي يصدر منه . ولا يجوز الإعفاء من المسئولية التقصيرية سواء كانت مبنية على غش أو على خطأ ، ولا الإعفاء من المسئولية العقدية إذا كانت مبنية على غش أو على خطأ جسيم .
المطلب الثاني
الاتفاقات التي تخالف الآداب
238 – العلاقات الجنسية : كل اتفاق على إيجاد علاقات جنسية غير مشروعة باطل لمخالفته للآداب . كذلك يكون باطلا كل تعهد يلتزم بمقتضاه شخص أن يؤجر شخصاً آخر في مقابل إيجاد علاقات جنسية معه ، أو في مقابل استمرار هذه العلاقات ، أو العودة إليها إذا كانت قد انقطعت . أما إذا كان المال الذي يتعهد الشخص بدفعه إنما هو على سبيل التعويض لما أصاب الشخص الآخر من ضرر من جراء العلاقات الجنسية ، فالتعهد صحيح ، بل هو اعتراف بالتزام طبيعي .
239 – بيوت العهارة : وكل اتفاق يتعلق باستغلال بيوت العهارة يعتبر باطلا لمخالفته للآداب ، ولو كانت هذه البيوت قد حصلت على ترخيص إداري . فبيع بيت يدار للعهارة ، وإيجاره ، وشراء مفروشات له ، واستئجار أشخاص ليقوموا بالخدمة فيه ، وإنشاء شركة لاستغلاله ، وإقراض مال للإعانة على إدارته ، كل هذه عقود باطلة لمخالفتها لأداب . وسنرى عند الكلام في السبب أن هذه العقود تكون باطلة كذلك حتى لو وقعت على بيت لم يكن معداً للعهارة وقت صدورها ، إذا تبين أن الباعث لأحد المتعاقدين على التعاقد هو أعداد البيت للعهارة وكان المتعاقد الآخر يعلم بهذا الباعث .
240 – المقاصرة : ويكون باطلا كل اتفاق خاص بمقارمة أو رهان لمخالفته للآداب ، ولمن خسر أن يسترد ما دفعه في خلال ثلاث سنوات من الوقت الي أدى فيه ما خسره ولو كان هناك اتفاق يقضي بغير ذلك ( م 739 من القانون المدني الجديد ) . ويستثنى من ذلك الرهان الذي يعقده فيما بينهم المتبارون شخصياً في الألعاب الرياضية ، ولكن للقاضي ان يخفض قيمة هذا الرهان إذا كان مبالغاً فيه ، ويستثنى أيضاً ما رخص فيه قانوناً من أوراق النصيب ( م 740 من القانون المدني الجديد ) . ويعد باطلا بيع بيت يدار للمقامرة وإيجاره وكل ما يقع عليه من العقود بقصد استغلاله للمقامرة ، سواء في ذلك كان البيع معداً للمقامرة قبل صدور العقد ، ويكون المحل في هذه الحالة مخالفاً للآداب ، أو لم يكن معداً لها ما دام الباعث على التعاقد هو أعداد البيت للمقامرة ، ويكون المخالف للآداب في هذه الحالة هو السبب لا المحل كما رأينا في بيوت العهارة .
241 – أمثلة أخرى لاتفاقات مخالفة للآداب : ويعد مخالفاً للآداب كسب المال من طريق غير شريف . فمن يتقاضى أجراً جزاء القيام بعمل كان يجب عليه القيام به دون اجر لا يستحق هذا الأجر ويكون عقده باطلا ، كمن يتعهد برد وديعة عنده أو مال اقترضه أو شيء سرقه في مقابل اجر يأخذه . كذلك لا يجوز أن يتقاضى شخص أجراً للامتناع عن عمر يجب عليه الامتناع عنه دون اجر ، كمن يتعهد بعدم ارتكاب جريمة في مقابل اجر لذلك . ولا تجوز الخديعة ولا الانحراف عن واجب الذمة في التعامل . فالاتفاق على ألا يعترف شخص بمسئوليته ولو أدى ذلك إلى أن يكذب يكون باطلا لأنه مخالف للآداب . وكان القضاء الفرنسي يبطل الاتفاق الذي يتم ما بين مدير المسرح وجماعة من الناس يسمون بالهتافة ( claque ) يستأجرهم المدير للتصفيق وترويج ما يعرض على المسرح ، لأن مثل هذا الاتفاق من شأنه أن يخدع الجمهور . ثم رجع القضاء عن ذلك ، وأصبح الآن يقضي بصحة هذا الاتفاق لأن الهتافة قد يؤدون خدمة للفن بتشجيعهم للممثلين وأصحاب الفن المبتدئين . ولا يعد باطلا اتفاق أحد النسابة ( genealogiste ) مع وارث على أن يكشف له عن نسبه ليحصل على ميراث يستحقه ، مادام النسابة لم يخدع من تعاقد معه ، بل كشف له عن سر حقيقي كان يجهله .
الفرع الثالث
السبب ( * )
( La Cause )
242 – السبب عنصر متميز عن الإرادة ولكنه متلازم معها : نعرف السبب تعريفاً أولياً بأنه هو الغرض المباشر الذي يقصد الملتزم الوصول إليه من وراء التزامه . والفرق بينه وبين المحل – كما يقال عادة – هو أن المحل جواب من يسأل : بماذا التزم المدين ( Quid debetur ) ، أما السبب فجواب من يسال : لماذا التزم المدين ( Cur debetur ) ( 434 ) .
والسبب بهذا المعنى لا يكون عنصرا في كل التزام ، بل يقتصر على الالتزام العقدي إذا الالتزام غير العقدي لم يقم على إرادة الملتزم حتى يصح السؤال عن الغرض المباشر الذي قصد إليه الملتزم من وراء التزامه .
والسبب كعنصر في الالتزام العقدي دون غيره إنما يتصل أوثق الاتصال بالإرادة . والحق أن السبب ليس هو الإرادة ذاتها ، ولكنه هو الغرض المباشر الذي اتجهت إليه الإرادة . فهو ليس عنصراً من عناصر الإرادة يتوحد معها ، بل هو عنصر متميز عن الإرادة . ولكن لما كانت الإرادة البشرية لا يمكن أن تتحرك دون أن تتجه إلى سبب ، أي دون أن ترمي إلى غرض تهدف لتحقيقه ، لذلك كان السبب ، وإن تميز عن الإرادة ، متصلا بها أوثق الاتصال . فحيث توجد الإرادة يوجد السبب . ولا تتصور إرادة لا تتجه إلى سبب إلا إذا صدرت عن غير وعي ، كإرادة المجنون . ولكننا رأينا أن الإرادة لا يعتد بها إلا إذا صدرت عن وعي وتميز ، فالإرادة المعتبرة قانوناً لا بد لها من سبب .
ويمكن إذن أن نستخلص مما تقدم أن السبب ركن في العقد غير ركن الإرادة . ولكن الركنين متلازمان ، لا ينفك أحدهما عن الآخر ( 435 ) .
243 – السبب والإرادة معنيان متلازمان ولسكن السبب والشكل معنيان متعارضان : وتاريخ نظرية السبب يقوم على الحقيقة الآتية : كلما زاد حظ الإرادة في تكوين العقد ، وضعف حظ الشكل ، زادت أهمية السبب . ذلك لأن الإرادة ، من حيث إنها تحدث آثاراً قانونية ، إذا انطلقت من قيود الشكل ، وجب أن تتقيد بالسبب . وعند ما كان الشكل وحده – دون الإرادة – هو الذي يكون العقد ، لم يكن للسبب من اثر . وبدا السبب في الظهور عندما بدأت الإرادة تتحرر متدرجة من قيود الشكل . وكلما زاد تحررها من هذه القيود زاد رطبها بقيود السبب ، إلى أن تم تحريرها ، فوجدت نظرية السبب كاملة تحل محل الشكل .
ونرى مما تقدم أنه حيث يتغلب الشكل يقل شأن السبب ، وحيث يضعف الشكل يقوى أمر السبب . هكذا كانت الحال في القانون الروماني : فقد بدأ هذا القانون شكلياً ، فلم يكن فيه إذ ذاك للسبب نصيب . ولما أخذ الشكل يتقلص وتظهر العقود الرضائية ، بدا السبب يظهر بظهور الإرادة ليكون قيداً لها بدلا من الشكل . وهكذا كانت الحال في القانون الفرنسي القديم : فإن السبب لم يكد يعرف فيه إلا عندما وصل رجال الكنيسة إلى تقرير الرضائية في العقود . فظهر السبب بعد أن كانت الشكلية تستره ، وبرز قوياً ليحوط الإرادة بقيود تحل محل قيود الشكل ، وهكذا هي الحال في القانون الحديث حيث الشكلية تكاد تنعدم ، فأينعت نظرية السبب وتطورت ، بل لعلها رجعت إلى أصلها قوية كما كانت في القانون الكنسي ، لولا أن العقد المجرد حل محل العقد الشكلي في الانتقاص من سلطان السبب .
244 – علاقة السبب بالمشروعية وبعيوب الإرادة : منذ تحررت الإرادة : منذ تحررت الإرادة من الشكل ، حاطها السبب بقيود على ما قدمنا . وبدأ ذلك يكون لحماية المجتمع عن طريق المشروعية وفي صورة السبب المشروع . فالإرادة حتى تنتج أثرها يجب أن تتجه إلى غرض مشروع لا يتعارض مع النظام العام ولا مع الآداب ، وذلك حماية للمجتمع ، ثم اتخذت نظرية السبب لها هدفاً آخر إلى جانب هذا الهدف الأول ، فصارت تحمى المتعاقد نفسه من هزله ونسيانه ومما قد يقع فيه من غلط أو تدليس أو إكراه . وهكذا بعد أن تحررت الإرادة من الشكلية أخذت تتحرر من العيوب عن طريق نظرية السبب . وبعد أن قامت نظرية السبب لحماية المجتمع ، أخذت تقوم لحماية المجتمع والمتعاقدين جميعاً .
ولعل أول صورة تمثلت لعيوب الإرادة انطبعت في نظرية السبب . ثم أخذت عيوب الإرادة تستقل عن السبب شيئاً فشيئاً ، وتكسب لها كياناً ذاتياً خارجاً عن منطقة السبب . فانفصل الإكراه ، ثم انفصل التدليس . وأصبح السبب الآن لا يختلط إلا بالغلط في منطقة مشتركة ، هي منطقة السبب المغلوط أو الغلط في السبب . وقد أتم القانون المدني الجديد هذا التطور ، ففصل بين الغلط والسبب فصلا تاماً . وأصبح السبب في هذه القانون مقصوراً على السبب المشروع . وهذه الدائرة المحدودة – دائرة السبب المشروع – هي الدائرة الأولى التي نشأ فيها السبب عندما بدا يظهر في القانون الكنسي ، وبذلك رجع السبب سيرته الأولى ، وعاد كما بدا .
245 – تطور العقد من عقد شكلي إلى عقد رضائي مسبب إلى عقد رضائي مجرد : وتاريخ نظرية السبب يهدينا إلى حقيقة أخرى . فيسقرئنا هذا التاريخ أن العقد بدأ عقداً شكلياً ( contrat formel ) حيث السبب لا اثر له كما قدمنا . ثم تطور إلى عقد رضائي ( contrat consensual ) حيث السبب له اكبر الأثر ثم تطور اخيراً إلى عقد مجرد ( contrat abstrait ) حيث انفصلت الإرادة عن سببها ولم يعد للسبب إلا اثر غير مباشر . وسنرى أن القانون المصري الجديد لم يماش هذا التطور إلى نهايته ، ولم يسر في ذلك على نهج القوانين الجرمانية ، بل حرص على أن يبقى في دائرة القوانين اللاتينية ، حيث لايزال العقد رضائياً ، وحيث تشغل نظرية السبب في العقد المكان البارز ، وحيث لا يوجد العقد المجرد إلا في دائرة محدودة ضيقة .
246 – خطة البحث في نظرية السبب : ونستعرض نظرية السبب في مبحثين ، نتعقب في المبحث الأول منهما كيف نشأت نظرية السبب وكيف تطورت ، ونبسط في المبحث الثاني نظرية السبب في القانون الحديث .
المبحث الأول
كيف نشأت نظرية السبب
247 - القانون الروماني والقانون الفرنسي القديم : في هذين القانونين يجب أن نتعقب كيف نشأت نظرية السبب . ولعل نظرية قانونية لا يلقى عليها تاريخ تطورها من الضوء بمقدار ما يلقى التاريخ على نظرية السبب . وسنرى أن القانون الروماني ظل بمعزل عن هذه النظرية إلى مدى بعيد إذ غلبت فيه الشكلية . وقد نبتت النظرية ثم ترعرعت منذ تحررت الإرادة من الشكل في عهد القانون الكنسي كما قدمنا . وتطورت النظرية يعد ذلك تطوراً يغاير طبيعتها ، وانقلبت على يد دوما ( Domat ) ومن سبقه وتلاه من الفقهاء من نظرية نفسية إلى نظرية موضوعية . وبقيت كذلك عهوداً طويلة . وانتقلت على هذا النحو إلى القانون الفرنسي الحديث ، ضعيفة الأثر ، قليلة الجدوى . وسنشهد بعد ذلك كيف أن النظرية استردت جدتها في العهد الأخير ، ورجعت خصبة قوية منذ عادت نظرية نفسية .
المطلب الأول
نظرية السبب في القانون الروماني
1 – العهد القديم
248 – العقود كانت شكلية فلم يسكن للسبب فيها أي اثر : كانت العقود في العهد القديم للقانون الروماني شكلية . فكان العقد ينعقد بأوضاع وأشكال خاصة ، ولم يكن للإرادة أي تدخل في تكوينه . وكانت العقود الشكلية ثلاثة : عقد يتم بوزن صوري ( nexum ) ، ثم ظهر إلى جانبه العقد الكتابي ( litteris ) ويتم بكتابة على نحو خاص ، والعقد اللفظي ( verbis ) ويتم بألفاظ معينة . ولم تكن هذه العقود الشكلية عقوداً بالذات ، بل كانت قوالب تصب فيها العقود . فالبيع والإيجار والقرض والشركة وغير ذلك من العقود كانت توضع في شكل من هذه الأشكال الثلاثة حتى يتم انعقادها . وهذه الأشكال هي التي كان الرومان يدعونها " السبب المدني " ( causa civilis ) . فهي ليست سبباً للالتزام العقدي على النحو المعروف في القانون الحديث ، بل هي سبب لانعقاد العقد ، أو هي الشكل القانوني الذي يجعل العقد يتكون ( 436 ) . وهذا الشكل ضروري في انعقاد العقد ، وهو في الوقت ذاته كاف لانعقاده . فهو ضروري لأن العقد بدونه لا ينعقد . وهو كاف لأنه متى وجد انعقد العقد ، سواء قامت إرادة المتعاقدين إلى جانب الشكل أو لم تقم ، وسواء كانت الإرادة إذا قامت صحيحة أو معيبة ، وسواء اتجهت إلى غرض مشروع أو غرض غير مشروع . فالشكل وحده ، لا الإرادة ، هو الي يوجد العقد .
ومن ثم يتبين أن السبب في هذه العقود الشكلية لم يكن له أي اثر في تكوين العقد ، فسواء وجد أن لم يوجد ، وسواء كان مشروعاً أو غير مشروع ، فإنه لا شأن له بالعقد ، مثله في ذلك مثل الإرادة . ومتى توافر للعقد لشكله القانونين انعقد ، دون نظر إلى الإرادة ، ودون نظر إلى السبب .
249 – وكذلك طرق نقل الملكية كانت شكلية ولم يكن للسبب فيها أي اثر : وكما كانت العقود في العهد القديم شكلية مجردة عن السبب ، كذلك كانت طرق نقل الملكية . فلم تكن الملكية تنتقل بالعقد . بل كان العقد يتلوه وضع خاص هو الذي ينقل الملكية . وكانت هذه الأوضاع هي أيضاً ثلاثة : وضع يتم بأشكال عتيقة ( mancipatio ) ، ووضع يتم بدعوى صورية أمام القضاء ( in jure cession ) ، ووضع مادي يتم بالتسليم ( tradition ) وأي وضع من هذه الأوضاع متى تم تنتقل به الملكية ، دون نظر إلى السبب الذي انتقلت من اجله كبيع أو هبة أو شركة . فإذا باع شرخص من آخر شيئا ، وتم وضع من هذه الأوضاع الثلاثة ينقل به البائع ملكية المبيع إلى المشتري ، انتقلت الملكية ، دون نظر إلى ما إذا كان البيع قد تم أو لم يتم ، ودون نظ رالى ما إذا كان قد تم صحيحاً أو كان فيه عيب .
2 – العهد المدرسي
250 – اختفاء أكثر العقود الشكلية : تطور القانون الروماني بانتشار التجارة وتقدم طرق التعامل ، فاختفت أكثر العقود الشكلية . اختفى عقد الوزن الصوري ( nexum ) بزوال الفائدة التي كان يوليها ، وهي دعوى من دعاوى الرومان القديمة تمكن الدائن من السيطرة على جسم المدين ( manus injection ) . واختفى العقد الكتابي ( litteris ) باختفاء السجلات الخاصة التي كان هذا العقد يدون فيها ، وكان الرومان قبلا يحتفظون بها ، ثم اخذوا يهجرون هذه العادة شيئاً فشيئاً حتى انقرضت ، فانقرض بانقراضها العقد الكتابي .
ولم يبق من القيود الشكلية إلا العقد اللفظي ( verves, stipulation ) لسهولته النسبية وللحاجة إليه إذا حرص المتعاقدان على استبقاء مزايا العقد الشكلي .
251 – بدء ظهور السبب في العقد اللفظي : على أن العقد اللفظي مع بقائه شكلياً لم يخل مع تطور القانون الروماني من أن يتأثر بفكرة السبب . تأثر بها تأثراً غير مباشر في ناحيتين ، ثم تأثر بها تأثراً مباشراً في ناحية الثالثة .
فإذا كان العقد اللفظي سببه غير موجود أو غير مشروع ، فإن العلاج لم يكن بطلان العقد كما هو الأمر في القانون الحديث ، بل كان العقد يبقى صحيحاً ، ولكن المدين يعطي دعوى من دعاوى الاسترداد المعروفة في القانون الروماني ( condictiones sine causa ) يستطيع أن يسترد بها أما أعطاه دون سبب أو بسبب غير مشروع . وهذه الدعوى قد يلجأ إليها المدين كدعوى يرفعها على الدائن أو كدفع يدفع به دعوى الدائن . فهو إذا لجأ إليها كدفع يستطيع أن يتوقى مطالبة الدائن له بالتزام قام على سبب غير صحيح أو لسبب غير مشروع . وإذا لجأ إليها كدعوى يستطيع أن يسترد بها ما دفع للدائن وفاء لهذا الالتزام ، أو أن يتخلص من الالتزام ذاته إذا لم يكن قد وفى به . وسنرى عند الكلام في الإثراء بلا سبب الصور المختلفة الدعوى الاسترداد هذه ( 437 ) . ويلاحظ أن هذه الدعوى كانت من خلق القانون الروماني المدني ( Jus civil ) .
أما القانون البريطوري ( droit pretorien ) فقد جعل للمدين في الحالة المتقدمة دفعاً هو الدفع بالغش ( exception doli ) يستطيع به أن يتوقى مطالبة الدائن ، دون أن يستطيع مهاجمته للتخلص من التزامه أو لاسترداد ما دفع .
هاتان هما الناحيتان اللتان تأثر فيهما العقد اللفظي بفكرة السبب تأثراً غير مباشر . ونقول غير مباشر لأن فكرة السبب لم تعترض العقد عند تكوينه ولم تؤثر فيه تأثيرا مباشراً بأن تمنع نفاذه ، بل بقى العقد صحيحاً نافذاً . ولكن عند تنفيذه تظهر فكرة السبب ، فتوجب الاسترداد أو تمنع التنفيذ ، عن طريق الدعوى أو عن طريق الدفع .
على أن هناك ناحية ثالثة تأثر فيها العقد اللفظي بفكرة السبب تأثراً مباشراً كما أسلفنا القول . وقد كان ذلك في ناحية عقد القرض إذا كان واقعاً على مبلغ من النقود . فقد جرت العادة في القانون الروماني بان يتعهد المقترض برد القرض بعقد لفظي ، ثم بعقد مكتوب يكتب فيه الشرط اللفظي بدلا من التفوه به ، وذلك قبل أن يتسلم مبلغ القرض . فهو قد التزم قبل أن يتسلم شيئاً ، والتزامه صحيح ما دام دق استوفى الشكل المطلوب . فإذا أراد أن يستعين بدعوى الاسترداد . فعليه هو أن يثبت أنه لم يتسلم شيئاً حتى يلتزم برده ، ولا يكلف المقرض بإثبات السبب . وكان من وراء ذلك أن تعسف المقرضون بالمقترضين ، إذ كان هؤلاء يلتزمون مقدماً وقد لا يتسلمون شيئاً أو يتسلمون مبلغاً أقل من المذكور بالعقد ، ويقع عليهم مع ذلك عبء الإثبات إذا أرادوا التخلص من هذا الالتزام . فادخل قانون امبراطوري ( constitution imperiale تعديلا في هذه الأحكام يقضي بأنه إذا التزم المقترض ، واعترف كتابة أنه تسلم مبلغ القرض ، فله أن يقرر بطريق الدعوى أو بطريق الدفع أنه لم يتسلم في الواقع شيئاً ( querela non numeratea pecuniae ) ، وعلى المقرض إذا أراد استيفاء الالتزام أن يثبت أن المقترض قد تسلم القرض . ومعنى هذا أن الدائن في هذه الحالة مكلف أن يثبت وجود سبب للالتزام ، وإلا كان العقد غير نافذ . ومن هنا دخلت فكرة السبب في العقد اللفظي عن طريق مباشر ، فانعدام السبب يمنع نفاذ العقد ، ولا يقتصر على إباحة الاسترداد أو على التخلص من الالتزام بعد أن يصير العقد نافذاً ( 438 ) .
ويلاحظ أنه حتى عند ظهور هذا الأثر المباشر لفكرة السبب في العقد اللفظي ، فإن السبب لم يقم على أساس نفسي متصل بإرادة المتعاقدان بل قام على أساس موضوعي لا صلة له بهذه الإرادة . فهو قد قام على واقعة أن المقترض لم يتسلم القرض ، وأن العدالة تقضي في هذه الحالة إلا يلتزم بشيء نحو المقرض . فالسبب هنا كالسبب في الفرضين السابقين – دعوى الاسترداد والدفع بالغش – إنما قام على اعتبارات تتصل بالعدالة لا بالإرادة . وبقيت الشكلية في العقد اللفظي مانعة من ظهور السبب متصلا بالإرادة . ذلك أن الشكلية والإرادة في القانون الروماني ضدان لا يجتمعان ، وإذا طردت الشكلية الإرادة فإنها تطرد في الوقت ذاته السبب بمعناه النفسي وهو المعنى المتصل بالإرادة .
252 – ظهور السبب في العقود غير الشكلية : وقد ظهر إلى جانب العقود الشكلية في القانون الروماني عقود أخرى غير شكلية ، أهمها العقود العينية والعقود الرضائية والعقود غير المسماة وعقود التبرع . ولما كان أكثر هذه العقود تتدخل الإرادة في تكوينه ، فقد بدأت فكرة السبب تظهر بظهور الإرادة في تكوين العقد .
أما في العقود العينية – وهي القرض والعارية والوديعة والرهن – فإن الإرادة لم تكن ظاهرة ، وكان أساس الإلزام في هذه العقود هو تسليم العين إلى الملتزم ، فهو ملزم بردها لأنه تسلمها وإلا كان مثرياً دون سبب .
وعلى النقيض من ذلك العقود الرضائية – وهي البيع والإيجار والشركة والوكالة – فالإرادة فيها تتدخل في تكوين العقد ، بل هي وحدها كافية بتكوينه . ومن ثم ظهرت فكرة السبب في هذه العقود ظهوراً واضحاً . ففي عقد البيع التزام البائع سبب لالتزام المشتري ، بحيث إذا هلك المبيع قبل البيع فامتنع التزام البائع لانعدام المحل لم يقم التزام المشتري لانعدام السبب . ولكن فكرة السبب في عقد البيع كانت تقف عند هذا الحد ، فلا تجاوز مرحلة تكوين العقد إلى مرحلة تنفيذه ، ويظهر ذلك في امتناع الدفع بعدم التنفيذ وفي امتناع الفسخ وفي تبعة هلاك المبيع ، وكلها أمور ترجع إلى تنفيذ العقد وتتصل بفكرة السبب . فكان لا يجوز للمشتري أن يمتنع عن دفع الثمن حتى إذا امتنع البائع عن تسليم المبيع ، ولا يجوز للبائع أن يمتنع عن تسليم المبيع حتى لو امتنع المشتري عن دفع الثمن ، فالتزام كل المتعاقدين مستقل في تنفيذه عن التزام الآخر . ومن ثم امتنع الدفع بعدم التنفيذ . وإذا كان القانون الروماني جعل للمشتري فيما بعد دعوى الغش ليمتنع عن دفع الثمن حتى يتسلم المبيع ، وجعل للبائع الحق في حبس المبيع حتى يقبض الثمن ، فإن ذلك لم يكن أثراً لعقد البيع ذاته ، بل لاعتبارات ترجع للعدالة ، ولو كان البيع يوجد ارتباطاً بين التزامات كل من المتعاقدين لكان المنطق يقضي بأن تكون دعوى كل منهما ناشئة من عقد البيع ( action ex empto ) ( 439 ) . كذلك لم يكن لأحد من المتعاقدين فسخ البيع إذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه ، بل يبقى البيع ، ويطالب بتنفيذ الالتزام الذي لم ينفذ ، حتى لو كان المتعاقد المطالب بالتنفيذ لم يقم من جانبه بتنفيذ التزامه ، لأن التزام كل من المتعاقدين مستقل في تنفيذه عن التزام الآخر كما قدمنا . وإذا هلك المبيع بعد البيع وقبل التسليم ، كانت تبعة الهلاك على المشتري لا على البائع . وفي هذا إمعان في تأكيد الاستقلال ما بين التزام البائع والتزام المشتري عند التنفيذ . ذلك أنه إذا استحال على البائع لهلاك المبيع تنفيذ التزامه ، بقى المشتري مع ذلك ملزماً بدفع الثمن لاستقلال التزامه عن التزام البائع . ويبدو هذا الحل الروماني قاطعاً في المعنى الذي أسلفناه إذا لاحظنا أن البيع في القانون الروماني لم يكن ينشيء في ذمة البائع التزاماً بنقل الملكية ، ولم يكن المشتري يصبح مالكاً للمبيع بعقد البيع ذاته حتى يقال – كما قيل في القانون الفرنسي – إن المشتري يتحمل تبعة الهلاك لأنه أصبح مالكاً . ومن كل ذلك نرى أنه إذا وجد ارتباط ما بين التزام البائع والتزام المشتري عند تكوين عد البيع حتى صح أن يقال إن كلا منهما سبب للأخر ، فإن هذا الارتباط منعدم عند تنفيذ البيع ، بل يصبح كل التزام في تنفيذه مستقلا كل الاستقلال عن الالتزام الآخر ، وتقف فكرة السبب كما قدمنا عند تكوين البيع ، دون أن تجاوز مرحلة التكوين إلى مرحلة التنفيذ ( 440 ) .
وفي العقود غير المسماة ظهر السبب على الوجه الآتي : في عقد المقايضة مثلا إذا سلم أحد المتقايضين العوض الذي يملكه ، التزم الآخر بتسليم ما يقابله من العوض . وهذا الالتزام الأخير يقوم لا على إرادة الملتزم وحدها ، بل على هذه الإرادة مضافاً إليها أن سببها قد تحقق . ذلك أن سبب إرادة المتعاقد الآخر في أن يلتزم بتسليم ما عنده هو أن يتسلم ما عند المتعاقد الأول ، وقد تسلمه فعلا ، فتحقق السبب . فارادته هنا تؤخذ مقرونة بالسبب لا مجردة عنه ( 441 ) .
وفي الهبة – وهي أهم عقود التبرعات – اعترف القانون الروماني بالسبب إلى حد كبير . فالتبرعات المحضة تقوم على نية التبرع ( animus donandi ) ، وهي السبب في التزام المتبرع . وتترتب على ذلك نتيجة هامة ، هي أنه إذا انعدمت هذه النية انعدم السبب وبطل التبرع . فمن تعهد بوفاء التزام طبيعي معتقداً أنه التزام مدني لا يكون متبرعاً ، ويبطل تعهده لانعدام السبب . والهبة المقترنة بشرط ( donatine sub modo ) يكون الشرط سبباً لها إذا كان هو الدافع إلى التبرع . فإذا لم يقم الموهوب له بتنفيذ الشرط ، كان للواهب أن يسترد هبته بدعوى استرداد ( condition causa data , causa non secuta ) ، وله أيضاً أن يجبر الموهوب له على تنفيذ الشرط . وفي الوصية – وهي إرادة منفردة – اعترف القانون الروماني بالسبب إلى حد أن مزجه بالباعث . فإذا اعتقد الموصى أن وارثه قد مات فأوصى بماله لأجنبي ، وتبين أن الوارث لا يزال حياً ، واستطاع هذا أن يثبت أن الباعث على الوصية هو اعتقاد لموصى أن الوارث قد مات ، فالوصية باطلة لانعدام سببها ( 442 ) .
253 – موقف القانون الروماني من نظرية السبب : ويتبين مماقدمناه أن القانون الروماني اعترف في بعض العقود بفكرة السبب إلى مدى محدود . وهذه العقود هي التي ظهرت فيها الإرادة كعامل من عوامل تكوينها . وحيث تظهر الإرادة يظهر السبب . ولكن الرومان تمثلوا فكرة السبب فكرة موضوعية ( objectif ) لا ذاتية ( subjectif ) ، ونظروا إلى السبب موجوداً في العقد ( intrinseque ) لا خارجاً عنه ( extrinseque ) ، وهو واحد لا يتغير ( invariable ) في النوع الواحد من العقود مهما اختلفت البواعث والدوافع . وإذا كانوا قد توسعوا في السبب فمزجوه بالباعث ، فقد فعلوا ذلك في نطاق ضيق محدود ، وكان ذلك بنوع خاص في بعض التبرعات على النحو الذي بيناه ( 443 ) . وسنرى فيما يلي أن هذا التصوير الروماني هو الذي رجع إليه دوما ( Domat ) ، في صياغته لنظرية السبب .
وننظر الآن كيف تطورت نظرية السبب في القانون الفرنسي القديم ، قبل عهد دوما ومنذ ذلك العهد .
المطلب الثاني
نظرية السبب في القانون الفرنسي القديم
254 – عهدان : بقيت فكرة السبب تتطور تطوراً مستمراً طوال القرون السبعة التي سبقت التقنين المدني الفرنسي ، من القرن الثاني عشر إلى مستهل القرن التاسع عشر .
وفي خلال هذه القرون الطويلة يمكن التمييز بين عهدين يفصل بينهما الفقيه الفرنسي المعروف دوما ( Domat ) في القرن السابع عشر . إذ هو الذي صاغ فكرة السبب نظرية عامة ، بعد أن تهيأت لها عوامل الصياغة طوال القرون التي سبقته . ومنذ صاغ دوما نظرية السبب تبعته الفقهاء في صياغته ، وتناقلت عنه ما كتب ، حتى انتقلت النظرية عن طريق بوتييه ( Pothier ) إلى التقنين المدني الفرنسي .
فنحن نتابع تطور نظرية السبب في كل من هذين العهدين : ( 1 ) عهد ما قبل دوما ( 2 ) العهد الذي بدأه دوما .
1 – نظرية السبب في العهد الذي سبق دوما ( 444 )
255 – الرومانيون والكنسيون : تداول فكرة السبب في هذا العهد فريقان من الفقهاء : فريق الرومانيين ( romanistes ) وفريق الكنسيين ( canonists ) . فالرومانيون رجعوا للفكرة الرومانية في السبب ، وهي فكرة شكلية موضوعية كما قدمنا ، ولذلك لم تتقدم نظرية السبب على أيديهم أكثر مما كانت في القانون الروماني . أما الكنسيون فهم الذين خطوا بفكرة السبب خطوات جبارة ، فانتزعوها من أصلها الروماني إلى أفق أرحب ، وجعلوها فكرة مؤثر فعالة . وننظر الآن كيف كانت فكرة السبب عند كل من الفريقين .
256 – فكرة السبب عند فقهاء الرومانيين : عاد المحشون ( glossateurs ) إلى فكرة السبب الرومانية . وتطلبوا السبب في مختلف العقود . ولكن السبب عندهم كان أمراً شكلياً محضاً ، والمهم ليس هو وجوده بالفعل ، بل هو مجرد ذكره في الورقة المثبته للعقد .
أما البارتوليون ( Bartolistes ) فقد اقتفوا اثر من تقدمهم . وعنوا بنوع خاص بالعقود الملزمة للجانبين ، فأبرزوا الارتباط ما بين الالتزامات المتقابلة في هذه العقود ، ولكنهم مع ذلك التزموا حدود القانون الروماني ، فلم يصلوا إلى حد القول بجواز الفسخ في البيع إذا لم ينفذ أحد المتعاقدين التزامه ، بالرغم من أن منطق الارتباط ما بين الالتزامات المتقابلة كان يقضي عليهم بذلك . وميز البارتوليون ، كما فعل المحشون ، بين السبب والباعث ، فسموا الأول " السبب القريب " ( causa proxima ) وكان المحشون يسمونه " السبب القصدي " ( causa finalis ) ، وسموا الباعث " السبب البعيد " ( causa finalis ) . وجعلوا السبب دون الباعث هو الذي يؤثر في العقد . وهذا التمييز ما بين السبب والباعث غريب عن القانون الروماني ، وقد ابتدعه فريق الفقهاء الرومانيين مستلهمين فيه الفلسفة اليونانية . أما الرومان فكان السبب عندهم هو ما كانوا يسمونه " بالسبب المدني " ( causa civilis ) وهو السبب الإنشائي الذي عرفناه فيما تقدم وهذا شيء آخر غير السبب القصدي الذي عارضه الفقهاء الرومانيون بالباعث .
ويمكن القول بوجه عام إن فريق الفقهاء الرومانيين قد احيوا الفكرة الرومانية في السبب ، ولكنهم كما قدمنا لم يجاوزوا الحدود التي التزمها القانون الروماني . فبقيت فكرة السبب عندهم ، كما كانت عند الرومان ، فكرة موضوعية لا نفسية ، داخلة في العقد لا خارجة عنه ، وهي واحدة لا تتغير في نوع واحد من العقود .
257 – فكرة السبب عند فريق الفقهاء الكنسيين : أما فريق الفقهاء الكنسيين فقد كانوا يقدمون على اعتبارات الصياغة الفنية الرومانية اعتبارات أخرى أولى عندهم بالتقدم ، هي الاعتبارات الأدبية المسيحية . وهذه الاعتبارات الأخيرة كانت تقتضيهم أن يقرروا مبدأين :
المبدأ الأول أن الوفاء بالوعد واجب ، وأن الإخلال به خطيئة . ومن ثم كان المتعاقد يلتزم بمجرد تعهده . فكانت الإرادة عندهم – لا شالك – هي التي تنشئ العقد وتجعله ملزماً . وتدرج الفقهاء الكنسيون في هذا المبدأ حتى اقروا أي عقد يقوم على محض تقابل الإرادتين ، دون حاجة إلى شكل أو تسليم أو تنفيذ أو نحو ذلك مما كان القانون الروماني يتطلبه .
والمبدأ الثاني أن العقد لا يجوز تنفيذه إذا كان يهدف إلى عرض غير مشروع . ذلك أن القيام بعمل غير مشروع يعد خطيئة ، ولا يصح الاحتجاج بان المتعاقد قد ارتبط بالعقد ، والإخلال بما ارتبط به يعد خطيئة هو أيضاً . فالخطيئة ليست في أن يخل بهذا الارتباط ، بل في أن يرتبط بعقد غير مشروع . الارتباط بمثل هذا العقد يعتبر خطيئة ، وتنفيذه يعد خطيئة أخرى . وها نحن نرى إلى أي مدى يسوق هذا المنطق . فالغرض الذي يريد المتعاقد أن يحققه من وراء التزامه هو السبب في تعاقده . وهذا السبب إذا كان غير مشروع جعل العقد باطلا . وإذا كانت الإرادة وحدها تلزم المتعاقد ، إلا أن هذه الإرادة يجب أن تتجه إلى تحقيق غرض مشروع ، وإلا كانت عديمة الأثر . فيبرز أمامنا السبب في صورة أخرى غير الصورة التي ألفناها في القانون الروماني ، شيئاً غير مجرد الصياغة الفنية ، وعاملا نفسياً زاخراً بالقوة ، بعيداً في الأثر . ويبدو لأن في وضوح أن الفقهاء الكنسيين وضعوا إلى جانب الإرادة – بعد أن جردوها من الشكل – الغرض الذي ترمى إلى تحقيقه ، وربطوها به ، فأصبحت الإرادة لا تنفصل عن الغرض الذي تهدف إليه ، وهي إذا تجردت عن الشكل فليست تتجرد عن السبب . والسبب هنا ليس هو هذا السبب الروماني ، الموضوعي ، الداخل في العقد ، والذي يبقى واحداً لا يتغير في نوع واحد من العقود ، بل هو الباعث النفسي ، الخارج عن العقد ، والذي يتغير فيختلف في عقد عنه في العقد الآخر .
ونستطيع أن نستخلص من هذا التحليل الذي ابتدعه الفقهاء الكنسيون أموراً أربعة :
أولاً – أن السبب برز إلى جانب الإرادة بمجرد أن ظهرت الإرادة عاملا أساسياً في تكوين العقد .
ثانياً – أن فكرة السبب تطورت تطوراً خطيراً ، فأصبح السبب هو الباعث الدافع إلى التعاقد .
ثالثاً – أن السبب بهذا المعنى الجديد ل محل الشكل قيداً على الإرادة . فما دام الوعد القائم على الإرادة وحدها ملزماً دون حاجة إلى الشكل ، فلا أقل من أن يكون هذا الوعد متجهاً لتحقيق غاية مشروعة ، ومن هنا استطاع الكنيسون أن يداوروا مبادئ القانون الروماني فلا يتعارضون معه تعارضاً صريحاً ، وأمكنهم أن يتجنبوا ظاهراً القول بأن الاتفاق العاري ( pacte nu ) ملزم وحده ، وأن يستبدلوا بعبارة " الاتفاق العاري " عبارة " الوعد المسبب " ( promesse cause ) فيضيفوا إلى القائمة الرومانية للعقود الملزمة ( pacta vestita ) طائفة جديدة هي طائفة " الوعود المسببة " .
رابعاً – أن السبب إذا كان قد قيد الإرادة من جهة ، فهو قد اطلقها من جهة أخرى ، إذ حررها من الشكل ، وجعلها وحدها ملزمة مادامت تتجه لتحقيق ، غاية مشروعة .
فالكنسيون كما نرى هم الذين ابتدعوا نظرية السبب ، لا بمعناها الروماني الضيق ، بل بمعناها الجديد الواسع .
وإذا كانوا قد جعلوا من نظرية السبب بادئ الأمر أداة قوية لحماية المجتمع عن طريق إبطال العقود التي تتجه لتحقيق أغراض غير مشروعة ، فإنهم ما لبثوا أن جعلوا أيضاً من النظرية ذاتها أداة لحماية الفرد وتحرير اراداته من الغلط والتدليس والغش . ذلك إنهم أضافوا إلى السبب غير المشروع ، في إبطال العقد ، السبب غير الحقيقي . فإذا وقع غلط أو تدليس في الباعث على التعاقد ، كان السبب غير حقيقي ، وبطل العقد . ومن هنا اختلطت نظرية الغلط بنظرية السبب ، وقد أسلفنا الإشارة إلى ذلك عند الكلام في نظرية الغلط .
هذا هو عمل الفقهاء من رجال الكنيسة ، إليه وحده يعود الفضل الأكبر في إيجاد النظرية الصحيحة للسبب . وقد تبع رجال الكنيسة في نظريتهم هذه بعض من الفقهاء المدنيين ( civilistes ) من أمثال لوازيل ( Loysel ) ( 445 ) وديمولان ( Dumoulin ) ، فقالوا بالإرادة وحدها مصدراً لتكوين العقد ، واصلين في هذا ما بين الإرادة والسبب ، وجاعلين للسبب المعنى الذي فهمه الفقهاء الكنسيون . وبقى فقهاء مدنيون آخرون ، من أمثال كونان ( Connan ) ودونو ( Doneau ) محافظين على تقاليد القانون الروماني ، فلا يسلمون بان الاتفاق العاري عقد ملزم ، ولا يفهمون السبب إلا في ضوء الفكرة الرومانية الضيقة . ولكن ما لبث الفريق الأول أن فاز على الفريق الثاني . فاعترف الفقه والقضاء في فرنسا بان الإرادة وحدها ملزمة مادامت الغاية التي تهدف لتحقيقها غاية مشروعة ، فوهم السبب بالمعنى الذي ابتدعه الكنسيون : الباعث الدافع إلى التعاقد . فأبطلت العقود التي تهدف لاستغلال النفوذ ، واعتبرت ديون المقامرة باطلة لعدم مشروعيتها ، وأصبح الباعث يؤثر في التبرعات .
وسارت الأمور على هذا النحو المحمود حتى جاء دوما يصوغ نظرية عامة للسبب . وننظر الآن ماذا فعل هذا الفقيه هو ومن وجاء بعده من الفقهاء .
2 – نظرية السبب منذ عهد دوما إلى عهد التقنين المدني الفرنسي ( 446 )
258 – العوامل الذي أثرت في هذا العهد وفقهاؤه البارزون : جاء دوما في القرن السابع عشر ، وبدأ عهداً جديداً كان من العهود الحاسمة في تاريخ تطور نظرية السبب . والعوامل البارزة التي كانت تؤثر في التفكير القانوني لرجال هذا العهد ثلاثة :
أولاً – انتكاص القانون الروماني وتقلص نفوذه . وقد أصبح تقسيم العقود إلى عقود شكلية وعقود غير شكلية ، وتقسيم العقود غير الشكلية إلى عقود عينية وعقود رضائية وعقود غير مسماة واتفاقات بريطورية واتفاقات شرعية ، كل هذه التقسيمات العتيقة أخذت تهجر فتسير في طريقها إلى الاندثار . على أن فريقاً من الفقهاء المدنيين ( civilistes ) بقوا متأثرين بالنظرية الرومانية في السبب كما قدمنا .
ثانياً – اثر القانون الكنسي . وقد رأينا رجال هذا القانون يتم على أيديهم فتح مبين في ميدان سلطان الإرادة ، فيقولون بان الإرادة وحدها ملزمة ، ويسير وراءهم في ذلك كثير من الفقهاء المدنيين .
ثالثاً – انتشار مبادئ القانون الطبيعي . وقد حمل لواءها جروسييس ( Grctius ) الفقيه الهولندي المعروف . وهي مبادئ توحي بنبذ ما يحوط الإرادة من أوضاع وأشكال رومانية عتيقة ، وتحكم العقل في كل ذلك فلا يتردد في إقصائها وتحرير الإرادة منها .
وهذه العهد الجديد بدأه دوما كما ذكرنا ، وطبعه بطابعه . وبقى اثر هذا الفقيه الفرنسي الكبير حياً في النفوس طوال الاجيال . واقتصر من جاء بعده من الفقهاء على ترديد ما كتبه في نظرية السبب ، دون أن يضيفوا إليها شيئاً يذكر ، غير الاسهاب في بعض التفصيلات . وابرز هؤلاء الفقهاء فقيهان : بريفو دي لاجانيس ( Prevot de la Janes ) وبوتييه ( Pothier ) . ونستعرض أولاً ما كتبه دوما في نظرية السبب ، ثم ننظر ما قاله بعده هذان الفقيهان .
259 – نظرية السبب عند دوما : لم يكن دوما مبتدعاً فيما كتبه في نرظية السبب . بل هو نفسه لم يكن يشعر أنه يقول شيئاً جديداً عندما كان يقرر هذه النظرية في كتابه " القوانين المدنية " . كان يبسطها بسطاً موجزاً ، دون مناقشة أو بحث ، كما يبسط أمراً من الأمور المقررة في عصره ، فلا يرى نفسه في حاجة إلى تمحيص ما يورده من الآراء أو الدفاع عنها باعتبار إنها آراء جديدة . لذلك كان من المبالغة أن يقال – كما قال كثيرون – إن دوما له حظ كبير من الابتداع في نظرية السبب . بل نحن لا نشارك أصحاب النظرية التقليدية في السبب ، من أمثال الفقهي الكبير كابيتان ، رأيهم من أن دوما له فضل عظيم في دعم نظرية السبب على أساس صحيح . فعندنا أن دوما قد أساء إلى نظرية السبب أكثر مما أحسن ، وعاق تطورها الطبيعي ، وأعادها إلى وضعها الروماني نظرية قاحلة مجدبة . والغريب أن دوما قد انقاد في هذا ، لا لحكم العقد وقواعد المنطق التي ألفها وسار عليها في كتابه ( 447 ) ، بل إلى البقية من اثر القانون الروماني التي تسربت إلى القانون الفرنسي القديم على أيدي الفقهاء الرومانيين ( romanistes ) وفريق من الفقهاء المدنيين ( civilistes ) الذين تأثروا بالأولين .
على أن لدوما مزيتين لا ينكران في هذا الشأن : ( اولاهما ) هذه النظرة الشاملة التي احاط بها موضوع السبب ، فصاغ منه نظرية عامة محبوكة الأطراف لم تكن قبله قد نسقت على النحو الذي قام به هو . كانت هناك أحجار مهيأة للبناء ، فشيد منها دوما بناء مدعما متماسكاً ، هو الذي انتقل منه إلى من بعده من الفقهاء ، ثم منهم إلى أصحاب النظرية التقليدية التي ظلت سائدة طوال القرن الماضي . ( والمزية الثانية ) أن دوما سجل في وضوح كامل ما وصل إليه عصره في تحرير الإرادة من الشكل والرسوم والأوضاع . فقد كانت التقسيمات الرومانية العتيقة لأصناف العقود قد دالت دولتها ، وزالت التفرقة بين الاتفاق العاري غير الملزم والعقود والاتفاقات الملزمة ، وأصبح كل اتفاق ملزماً . ويقرر الفقهي الكبير هذه الحقائق في عبارات جلية واضحة فيقول في كتابه " القوانين المدنية " ( 448 ) : " كل اتفاق ، سواء أكان له اسم معين أم لم يكن ، ينتج أثره دائماً ويلزم بما تم الاتفاق عليه . . . ولم يعد هناك محل لأن نبسط ما كان القانون الروماني يقيمه من فروق بين العقود التي لها اسم معين والعقود التي لا اسم لها . فهذه التمييزات التي تنطوي على دقة زائفة لم تعد مقبولة في عرف عصرنا ، وهي مدعاة للاضطراب من غير ما فائدة " . ويلاحظ أن دوما يقرر أن الإرادة وحدها ملزمة على اعتبار إنها حقيقة مقررة في عصره ، لا تحتاج إلى تمحيص أو مناقشة . فقد كانت القاعدة التي تقرر أن " الاتفاق وحده ملزم " ( Solus consensus obligat ) قد ظفرت في النهاية ، وفاز أنصارها على معارضيها من الفقهاء المدنيين المتأثرين بالقانون الروماني .
أما العيب الجوهري في نظرية دوما فهو أنه تأثر في هذه النظرية ، كما قدمنا ، بالفقهاء المدنيين الذين ظلوا أمناء للقانون الرومانين فنقل عنهم النظرية الرومانية الضيقة ( 449 ) . وهنا يتولانا شيء من العجب . فإن دوما ، وهو من أنصار المنطق والقانون الطبيعي ، وقد رأيناه يقول بالإرادة وحدها مصدراً للالتزام فيطاوع في ذلك الفقهاء المدنيين المتأثرين بالقانون الكنسي ، يرجع القهقري عندنا يتولى بسط نظرية السبب ، فلا يسير في منطقة إلى مداه ، ولا يقول مع هؤلاء الفقهاء المدنيين أنفسهم إن الإرادة بعد أن أطلقت من عقال الشكل وجب أن تتقيد بالغرض الذي اتجهت إلى تحقيقه فيكون الباعث هو السبب ، يأبى دوما أن يكون منطقياً في نظرته للإرادة والسبب ، ويرجع إلى الفكرة الرومانية ، فيجعل من السبب أمراً موضوعياً داخلياً لا يتغير في نوع واحد من العقود ! وقد يعلل ذلك أن دوما آثر دقة الصياغة الرومانية فجرى على منوالها ، ولكنه أضاع بذلك على القانون خصوبة النظرية الكنسية في السبب وما لها من مدى بعيد وأثر بالغ .
وهذا ما يقوله دوما وهو يبسط نظرية السبب ، بعد أن يقسم العقود أقساماً أربعة ، الثلاثة الأولى هي عقود معاوضة والقسم الأخير خصص لعقود التبرع : " في الأقسام الثلاثة الأولى من العقود يجري التعامل دو أن يكون فيه أي تبرع ، ويكون التزام أحد المتعاقدين هو الأساس لالتزام الآخر . وحتى في العقود التي يظهر أن شخصاً واحداً فيها قد التزم ، كما في اقتراض مبلغ من النقود ، قد سبق التزام المقترض ما وجب أن يعطيه إياه الطرف الآخر حتى يتكون العقد . وعلى ذلك فالالتزام الذي ينشأ من مثل هذه العقود لمصلحة أحد المتعاقدين يوجد سببه دائماً في جانب الآخر . ويكون الالتزام باطل إذا لم يكن مبنياً في الواقع على سبب " ( 450 ) . ثم يتابع دوما بسط نظريته ، وينتقل إلى عقود التبرع فيقول : " وفي الهبات . . . يكون التزام الواهب أساسه غرض من الأغراض المعقولة الحقة ، كخدمة أسداها الموهوب له أو أية مزية أخرى فيه أو محض الرغبة في عمل الخير من جانب الواهب . وهذا الغرض يقوم مقام السبب بالنسبة إلى الطرف الذي أخذ ولم يعط شيئاً ( 451 ) " . ويقد يفهم من هذه العبارات الأخيرة من دوما يرى أن السبب في التبرعات قد يكون هو الباعث ، كما كان الأمر في القانون الروماني على ما قدمنا . ولكنه في موضع آخر يعود إلى هذه المسألة فيقول : " يجب في الهبات أن نميز تمييزاً واسعاً ما بين البواعث التي يعلن الواهبون إنها هي أسباب تبرعهم وبين الشروط التي يفرضونها في هباتهم . وذلك لأنه بينما أن الإخلال بالشرط في الهبة المقترنة بشرط يبطلها ، فإن الهبة تبقى قائمة حتى لو تبين أن البواعث التي ذكرت فيها ليست صحيحة . فلو أنه ذكر في هبة إنها تمت لخدمات أسديت أو لتمكين الموهوب له من أن يمتلك شيئاً يريده ، فإن الهبة لا تبطل حتى لو ظهر أنه لم تكن هناك خدمات أسديت أو أن الامتلاك لم يتم . وذلك لأن إرادة من وهب تبقى دائماً قائمةً ، وقد تكون له بواعث أخرى غير التي أعلنها ( 452 ) " . ويستخلص الأستاذ كابيتان من هذه العبارات أن دوما يميز في عقود التبرع بين السبب والباعث ، فالسبب هو الذي يؤثر في صحة التبرع ، أما الباعث فلا اثر له ( 453 ) .
ويتبين مما قدمناه أن دوما يشترط قيام السبب في جميع العقود . فالسبب في التزام المتعاقد . فالسبب في التزام المتعاقد في العقود الملزمة للجانبين هو ما يقوم به المتعاقد الآخر ، أي التزامه المقابل ، والسبب في التزام المتعاقد في العقود الملزمة لجانب واحد هو ما قام به المتعاقد الآخر ، أي التسليم التي تم من جانبه في مبدأ الأمر . والسبب في التبرعات هو إرادة المتبرع في أن يتبرع ، أي نية التبرع . ومن ذلك نرى أن نظرية دوما في السبب قامت على الفكرة الرومانية الضيقة ، وتأثرت بأقوال الفقهاء المدنيين احتفظوا بتقاليد القانون الروماني .
260 - نظرية السبب عند خلفاء دوما من الفقهاء : ولم يزد الفقهاء الذين خلفوا دوما في القانون الفرنسي القديم على أن يرددوا ما قاله دوما في نظرية السبب . وابرز هؤلاء الفقهاء ، كما قدمنا ، فقيهان : بريفو دى لا جانس وبوتييه .
كان بريفو دي لاجانس ( Prevot de la Janes ) أستاذاً للقانون في جامعة اورلبان في النصف الأول من القرن الثامن عشر ، وقد توفى في سنة 1749 . ذكر في كتاب له ( 454 ) أن الرضاء يجب أن يكون مبنياً على سبب ( fonde sur quelque cause ) . وعرف السبب بأنه الغرض ( motif ) الذي دفع ا لمتعاقد إلى الالتزام . ولكنه بين ما يريد بكلمة " الغرض " عند الكلام في البيع ، فذكر أن السبب في التزام كل من المتعاقدين هو التزام المتعاقد الآخر المقابل له . فالسبب عنده في العقود الملزمة للجانبين هو السبب ذاته عند دوما ( 455 ) .
أما بوتييه ( Pothier ) الفقيه الفرنسي المعروف – وقد خلف بريفو دي لاجانس في استاذية القانون بجامعة اورليان – فكان أوضح بياناً من سلفه في بسط نظرية السبب ، ولكنه لم يخرج كثيراً عما قاله دوما في هذه النظرية . ذكر في كتاب " الالتزامات " ( 456 ) ما يأتي : " يجب أن يكون لكل التزام سبب شريف ( cause honnete ) . ففي عقود المعاوضة يكون السبب في الالتزام الذي يعقده اد الطرفين هو ما أعطاه له الطرف الآخر ، أو ما يلتزم بإعطائه له ، أو التبعة التي يتحملها . وفي عقود التبرع يكون الجميل الذي يقصد أحد المتعاقدين أن يسديه للأخر سبباً كافياً للالتزام الذي يعقده قبله . أما إذا لم يقم الالتزام على أي سبب ، أو ما يعدل ذلك إذا كان السبب الذي عقد من اجله الالتزام غير صحيح ، فالالتزام باطل ، ويبطل العقد الذي يتضمنه " . ثم ينتقل بوتييه إلى السبب غير المشروع فيقول : " إذا كان السبب الذي عقد من اجله الالتزام سبباً يجرح العدالة أو حسن النية أو الآداب ( cause qui blesse la justice , la bonne foi ou les bonnes moeurs ) ، فالالتزام باطل ، ويبطل العقد الذي يتضمنه ( 457 ) " .
ونرى من ذلك أن بوتييه ردد في وضوح وإسهاب ما سبقه إليه دوما . وإذا كان قد زاد عليه في التفصيل ، ففي المسائل الثلاث الآتية : ( 1 ) لم يكشف بأن يحدد السبب في العقود الملزمة للجانبين والعقود الملزمة لجانب واحد ، بل حدده أيضاً في العقود الاحتمالية وجعله التبعة التي يتحملها المتعاقد . ( 2 ) ذكر في وضوح أن السبب في التبرعات هو نية التبرع ، وكان دوما غير واضح في ذلك وضوحاً كافياً كما رأينا . ( 3 ) أفاض في ذكر السبب غير المشروع وقرنه بالسبب غير الموجود والسبب غير الصحيح ، فوضع الأساس لشروط السبب في النظرية التقليدية ( 458 ) .
وقد نقل قانون نابليون نظرية السبب عن دوما وبوتييه في المواد 1108 و 1131 – 113 . وصارت هذه النصوص هي الأساس الذي تقوم عليه النظرية التقليدية في السبب .
هذا هو تاريخ تطور نظرية السبب ، أوردناه في شيء من التفصيل حتى نتبين أن هذه النظرية قد انتقلت إلى القانون الحديث وهي تحمل أثراً واضحاً من ذكريات ماضيها ، سواء في ذلك النظرية التقليدية أو النظرية الحديثة . وننتقل الآن لبسط نظرية السبب في القانون الحديث .
المبحث الثاني
نظرية السبب في القانون الحديث
261 – ترتيب الموضوع : انتقلت نظرية السبب كما رأينا في القانون الفرنسي القديم إلى قانون نابليون ، فبسطها الفقهاء الفرنسيون على النحو الذي رأيناه عند دوما وبوتييه . وهذه هي النظرية التقليدية في السبب . ولما كانت هذه النظرية عقيمة مجدبة ، إذ هي مشبعة بالفكرة الرومانية الضيقة كما قدمنا ، فقد انتصب لها خصوم اشداء فندوها وزعزعوا الثقة بها وكادوا أن يقضوا على فكرة السبب كركن من أركان اللاتلزام . واثارت هذه الخصومة لنظرية السبب التقليدية فقهاء آخرين قاموا ينتصرون لفكرة السبب في ذاتها ، سواء في صورتها التقليدية أو في صورة أخرى لها معدلة . ولكن القضاء في فرنسا كان بمعزل عن هذه الخصومات الفقهية ، وأخذ من جانبه يعود إلى النظرية الكنسية المخصبة وهي النظرية التي تفسر السبب بالباعث فتجعل للسبب معنى منتجاً فعالا . ومن ثم قامت النظرية الحديثة في السبب على أنقاض النظرية التقليدية ، قامت في أول أمرها على أكتاف القضاء فهو الذي عبد لها الطريق كما رينا ، ثم تبع القه القضاء في ذلك . وقد تلقى القانون المدني الجديد النظرية وهي في مرحلة متقدمة من مراحل تطورها ، فاستكمل حلقات التطور بفصل نظرية السبب عن نظرية الغلط فصلا تاماً وكانا من قبل يتلاقيان في منطقة مشتركة .
فنحن نتكلم : ( أولاً ) في النظرية التقليدية . ( ثانياً ) في النظرية الحديثة . ( ثالثاً ) في نظرية السبب بعد انتقالها إلى القانون المدني الجديد .
المطلب الأول
النظرية التقليدية في السبب
262 – النصوص في القانون المدني الفرنسي وفي القانون المدني المصري القديم : تلقى قانون نابليون نظرية السبب كما بسطها دوما ، وانتقلت منه إلى الفقه الفرنسي . وبقى الفقهاء الفرنسيون يقررون هذه النظرية التقليدية طوال القرن التاسع عشر ( 459 ) . وسنرى ونحن نبسط ما قرروه إنهم لم يبتعدوا عما قرره دوما وبوتييه مما سبق بيانه .
وقد دخلت النظرية التقليدية في نصوص قانون نابليون على النحو الآتي :
نصت المادة 1131 من هذا القانون على أن الالتزام لا ينتج أي اثر إذا لم يكن مبنياً على سبب ( sans cause ) . أو كان مبنياً على سبب غير صحيح ( fausse cause ) ، أو على سبب غير مشروع ( cause illicite ) .
ونصت المادة 1132 على أن الاتفاق يكون صحيحاً ولو لم يذكر سببه .
ونصت المادة 1133 على أن السبب يكون غير مشروع إذا حرمه القانون ، أو إذا كان مخالفاً للآداب أو للنظام العام .
وقد نقل القانون المدني المصري القديم عن قانون نابليون هذه النصوص بعد أن أوجزها في نص واحد على الوجه الآتي :
نصت المادتان 94 / 148 من القانون المدني المصري القديم على أنه " يشترط لصحة التعهدات والعقود أن تكون مبنية على سبب صحيح جائز قانوناً " . والأصل الفرنسي لهذا النص العربي أدق ، فهو يقضي بأن " الالتزام لا يوجد إلا إذا كان له سبب محقق مشروع ( 460 ) " ، فجعل السبب شرطاً في وجود الالتزام لا في صحته فحسب .
ونتناول الآن النظرية التقليدية . فنتكلم أولاً في معنى السبب في هذه النظرية وفي الشروط التي يجب توافرها فيه . ثن نستعرض بعد ذلك الحجج التي تقدم بها خطوء السبب في تقيده ، والحجج التي تقدم بها أنصاره في تأييده .
1 – معنى السبب في النظرية التقليدية والشروط الواجب توافرها فيه
ا - تحديد معنى السبب في النظرية التقليدية
263 – السبب الإنشائي والسبب الدافع والسبب القصدي : تميز النظرية التقليدية بين السبب الإنشائي ( cause efficiente ) والسبب الدافع ( cause impulsive ) والسبب القصدي ( cause finale ) ( 461 ) .
فالسبب الإنشائي هو مصدر الالتزام . وقد عرفنا أن مصادر الالتزام هي العقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون . والسبب بهذا المعنى لا يعنينا هنا ، ويجب أن نستبعده .
والسبب الدافع هو الباعث الذي دفع الملتزم إلى أن يرتب في ذمته الالتزام . فمن يشتري منزلا قد يكون الدافع له على الشراء والالتزام بدفع الثمن هو أن يستغل المنزل ، أو أن يخصصه لسكناه ، أو أن يجعل منه محلا لعمله ، أو أن يديره للعهارة ، أو أن يجعل منه نادياً للمقارمة ، ألخ ألخ . ونرى من ذلك أن الباعث يجمع الخصائص الثلاث الآتية : ( 1 ) هو شيء خارجي عن العقد ( extrinseque ) ، فلا يذكر في الاتفاق ضرورة ، ولا يستخلص حتما من الالتزام . ( 2 ) هو شيء ذاتي للملتزم ( subjectif ) ، إذ يرجع إلى نواياه وما يتأثر به من دوافع . ( 3 ) هو شيء متغير ( variable ) ، لا في كل نوع من العقود فحسب ، بل في كل عقد علىحدة ، فالباعث للمشتري في عقد غير الباعث للمشتري في عقد آخر . ولما كان الباعث لا يمكن ضبطه على وجه التحديد ، فإن النظرية التقليدية تذهب إلى أنه لا تأثير له في وجود العقد ولا في قيام الالتزام . فمهما كان هذا الباعث شريفاً أو غير شريف ، متفقاً مع النظام العام أو مخالفاً له ، فإن العقد صحيح والالتزام قائم .
والسبب القصدي – وهو السبب الذي تقف عنده النظرية التقليدية واذ اطلقت كلمة السبب عنته بهذه الكلمة – يعرف عادة بأنه هو الغاية المباشرة ( fin directe ) أو الغرض المباشر ( but immediate ) الذي يقصد الملتزم الوصول إليه من وراء التزامه . فيختلف السبب عن الباعث في أن السبب هو أول نتيجة يصل إليها الملتزم ( causa proxima ) ، أما الباعث فغاية غير مباشرة ( causa remota ) تتحقق بعد أن يتحقق السبب ، و لا يصل إليها الملتزم مباشرة من وراء الالتزام .
264 – السبب في الطوائف المختلفة للعقود : وتستعرض النظرية التقليدية الطوائف المختلفة للعقود لتحدد السبب – ويفهم دائماً بمعنى السبب القصدي – في كل طائفة منها ، على النحو الذي جرى عليه دوما وبوتييه .
ففي العقود الملزمة للجانبين سبب التزام كل من المتعاقدين هو التزام الآخر . مثل ذلك عقد البيع ، يلتزم البائع فيه بنقل ملكية المبيع ، وسبب هذا الالتزام – أي الغرض المباشر الذي قصد البائع أن يحققه من وراء التزامه بنقل ملكية المبيع – هو التزام المشتري بدفع الثمن . ويلتزم المشتري بدفع الثمن ، وسبب هذا الالتزام – أي الغرض المباشر الذي قصد المشتري أن يحققه من وراء التزامه بدفع الثمن – هو التزام البائع بنقل ملكية المبيع . وقل مثل ذلك في العقود الأخرى الملزمة للجانبين ، كالمقايضة والإيجار وعقد المقاولة وعقد العمل .
وفي العقود الملزمة لجانب واحد ، إذا كان العقد عينياً ، قرضاً كان أو عارية أو وديعة أو رهن حيازة ( 462 ) ، يكون سبب الالتزام المتعاقد الملتزم هو تسلمه الشيء محل التعاقد . فالمقترض يلتزم برد القرض لأنه تسلمه ، وهذا هو الغرض المباشر الذي قصد إلى تحقيقه من وراء التزامه .
وإذا كان العقد الملزم لجانب واحد عقداً رضائياً ، كالوعد بالبيع ، فالظاهر أن سبب الالتزام هو إتمام العقد النهائي ، وهو الغرض المباشر الذي قصد إلى تحقيقه ، وهو بعد سبب محتمل قد يتحقق وقد لا يتحقق ( 463 ) .
وفي عقود التبرع السبب في التزام المتبرع هو نية التبرع ذاتها . فالمتبرع يقصد من وراء التزامه غرضاً مباشراً هو إسداء يمد للموهوب له ، وهذا هو السبب في تبرعه .
265 – خصائص السبب : ويتبين مما تقدم أن خصائص السبب في النظرية التقليدية هي عكس خصائص الباعث . فالسبب شيء داخلي في العقد ( intrinseque ) يستخلص حتما من نوع العقد ومن طبيعة الالتزام ذاته . وهو شيء موضوعي ( objectif ) لا تؤثر فيه نوايا الملتزم . وهو غير متغير ( invariable ) ، فيبقى واحداً في نوع واحد من العقود ، ولا يتغير بتغير البواعث والدوافع .
وهذه الخصائص الثلاث هي عين الخصائص التي رأيناها لصيقة بالسبب في الفكرة الرومانية القديمة .
266 – قيام السبب من وقت تكوين العقد إلى حين تنفيذه : وتحرص النظرية التقليدية على أن تقرر أن قيام السبب واجب من وقت تكوين العقد إلى حين تنفيذه . فإذا قام السبب عند تكوين العقد ، ثم انقطع قبل التنفيذ ، سقط الالتزام . وتظهر أهمية هذا الحكم في العقود الملزمة للجانبين . فإن هذه العقود تتميز بأمور ثلاثة : ( 1 ) إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه جاز للمتعاقد الآخر أن يمتنع عن تنفيذ ما ترتب في ذمته من التزام ، وهذا هو الدفع بعدم التنفيذ . ( 2 ) إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه جاز للمتعاقدين الآخر أن يطلب فسخ العقد ، وهذه هي نظرية الفسخ . ( 3 ) إذا استحال على أحد المتعاقدين تنفيذ التزامه لقوة قاهرة تحمل هو تبعة هذه الاستحالة وسقط التزام المتعاقد الآخر ، وهذه هي نظرية تحمل التبعة . وسنعرض لهذه النظريات بالتفصيل في مواضعها . ويكفي أن نشير هنا إلى أن أصحاب النظرية التقليدية يبنون هذه النظريات الثلاث على فكرة السبب ووجوب بقائه قائماً إلى أن يتم تنفيذ العقد . فإذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه ، أو استحال عليه هذا التنفيذ لقوة قاهرة ، فإن التزام المتعاقد الآخر ينقطع سببه ، ومن ثم يستطيع هذا المتعاقد أن يمتنع عن تنفيذ التزامه ، أو أن يطلب فسخ العقد ، أو أن يجعل المتعاقد الذي استحال تنفيذ التزامه يحمل تبعة هذه الاستحالة بعد سقوط الالتزام الذي انقطع سببه ( 464 ) .
ب – الشروط الواجب توافرها في السبب
267 – شروط ثلاثة : يخلص من النصوص التي أوردناها في القانون المدني الفرنسي وفي القانون المدني المصري القديم أن السبب يجب أن تتوافر فيه شروط ثلاثة : ( 1 ) أن يكون موجوداً . ( 2 ) وأن يكون صحيحاً . ( 3 ) وأن يكون مشروعاً .
268 - وجود السبب : تقول النظرية التقليدية إن كل التزام يجب أن يكون له سبب . ووجود السبب ليس في الواقع شرطاً يجب توافره في شيء ، بل هو الشيء ذاته . وإنما يثار وجود السبب حتى يتقرر أن كل التزام لا يكون له سبب يكون التزاماً غير قائم .
ويغلب في السبب غير الموجود أن يكون سبباً موهوماً وقع غلط في وجوده ، فظن المتعاقدان أن موجود وهو غير موجود . ولكن السبب الموهوم لا يدخل في دائرة هذا الشرط الأول ، بل يدخل في دائرة الشرط الثاني كما سنرى . أما هنا فالمراد بالسبب غير الموجود أن يكون المتعاقدان على بينة من أنه غير موجود ، أي غير واهمين في وجوده . ويصح التساؤل إذن كيف يقدم المتعاقدان على التعاقد لسبب غير موجود وهما عالمان بذلك ؟ تجيب النظرية التقليدية أن هذا يمكن أن يتحقق عند التعاقد وبعد التعاقد .
فهو يتحقق عند التعاقد في فروض مختلفة نذكر منها فرضين : ( 1 ) قد يكره أحد المتعاقدين على إمضاء إقرار بمديونيته وهو غير مدين ، أي لسبب لا وجود له ، كقرض لم يتم ، فيكون كل من المتعاقدين على بينة من أن سبب المديونية غير موجود . وفي هذه الحالة يكون العقد الذي يقر فيه المتعاقد المكره بمديونيته باطلا لانعدام السبب ، ولا يكفي أن يقال أنه قابل للإبطال لما وقع فيه من إكراه ، بل قد لا يكون هناك إكراه ويصدر الإقرار بالمديونية قبل تسلم القرض ، ثم يثبت المقر أنه لم يتسلم القرض أصلاً ، فيكون الإقرار في هذه الحالة باطلا لانعدام السبب . ويستقيم الفرض حتى لو اعتبر الإقرار إرادة منفردة لا عقداً ، فإذن السبب ركن في كل التزام إرادي ولو لم يكن الزاماً عقدياً . ( 2 ) يكون السبب غير موجود ، دون أن يكون هناك وهم أو إكراه ، فيما يسمى بسند المجاملة ( effet de complaisance ) . وصورته أن يلتزم شخص نحو آخر التزاماً صورياً ، فيمضي سنداً لمصلحته ، ويقصد من ذلك أن يعطي الدائن الصوري سنداً يحصل على قيمته من طريق تحويله ، حتى إذا حل ميعاد دفع السند قام الدائن الصوري بتوريد قيمته إلى المدين ، فيدفعها هذا لحامل السند . وبذلك يستطيع الدائن الصوري أن يحصل على ما هو في حاجة إليه من النقود إلى أجل معلوم ، لا من مدينه بالذات ، بل بفضل إمضاء هذا المدين على سند المجاملة . ولا يحتج بانعدام السبب على حامل السند إذا كان حسن النية ، ولكن في العلاقة ما بين المدين ودائنه الصوري يستطيع الأول أن يتمسك ببطلان السند لانعدام السبب ( 465 ) .
ويتحقق انعدام السبب بنوع خاص بعد التعاقد . ويقع ذلك في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه أو استحال عليه هذا التنفيذ لقوة قاهرة ، فإن سبب التزام المتعاقد الآخر يصبح غير موجود بعد أن كان موجوداً عند التعاقد ، وانعدام السبب بعد وجوده في هذه الأحوال هو الذي يبرر نظرية الدفع بعدم التنفيذ ونظرية الفسخ ونظرية تحمل التبعة على ما بينا .
269 – صحة السبب : ويجب أيضاً أن يكون السبب صحيحاً . فالسبب غير الصحيح ( fausse cause ) لا يصلح أن يقوم عليه التزام ، ويرجع عدم صحة السبب إلى أحد أمرين : ( 1 ) إما لأن السبب الظاهر – وهو السبب غير الصحيح – هو سبب موهوم أو مغلوط ( cause erronee ) ( 2 ) وإما لأن السبب الظاهر هو سبب صوري ( cause simulee ) .
والأمثلة على السبب الموهوم كثيرة : وارث يتخارج مع شخص يعتقد أنه وارث معه وهو ليس بوارث ، فيعطيه مبلغاً من النقود حتى يتخلى عن نصيبه في الميراث ، فهذا التخارج باطل لأن سببه موهوم . وارث يمضي إقرارا بدين على التركة ويتبين أن الدائن كان قد استوفى الدين من المورث ، فهذا الإقرار باطل لأن سببه موهوم . وارث يتعهد لموصى له بعين في التركة أن يعطيه مبلغاً من المال في نظير نزوله عن الوصية ، ويتبين بعد ذلك أن الوصية باطلة أو أن الموصى قد عدل عنها ، فتعهد الوارث باطل لأن سببه موهوم . مدين يتفق مع دائنه على تجديد الدين ، فيتبين أن الدين القديم باطل أو أن الدائن قد استوفاه ، فالتجديد باطل لأن سببه موهوم .
بقى السبب الصوري ، والعقد الذي يقوم على سبب صوري لا يكون باطلا لصورية السبب ، فإن الصورية في ذاتها ليست سبباً في البطلان . ولكن إذا اثبت المدين صورية السبب ، فعلى الدائن أن يثبت السبب الحقيقي . ويكون الالتزام قائماً أو غير قائم تبعاً لهذا السبب الحقيقي . فإن كان هذا السبب موهوماً سقط الالتزام لأن السبب الحقيقي موهوم لا لأن السبب الظاهر صوري . وإن كان السبب الحقيقي غير مشروع ، وقد أخفى تحت ستار سبب مشروع كما هو الغالب ، سقط الالتزام أيضاً ، لا لصورية السبب الظاهر ، بل لعدم مشروعية السبب الحقيقي . أما إذا كان السبب الحقيقي مشروعاً غير موهوم ، فإن الالتزام يقوم بالرغم من صورية السبب الظاهر ( 466 ) .
270 – مشروعية السبب : ويجب أخيراً أن يكون السبب مشروعاً . والسبب المشروع هو الذي لا يحرمه القانون ولا يكون مخالفاً للنظام العام ولا للآداب ( 467 ) . وقد بينا معنى المخالفة للقانون أو للنظام العام أو للآداب عند الكلام في المحل غير المشروع . ونبين هنا أن مشروعية السبب ، عند أصحاب النظرية التقليدية ، شرط متميز عن مشروعية المحل ، فقد يكون المحل مشروعاً والسبب غير مشروع . ويتحقق ذلك في فروض مختلفة ، نذكر منها لفروض الثلاثة الآتية :
( أولاً ) إذا تعهد شخص لآخر بارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود يأخذه منه ، فإن التزام الشخص الآخر بدفع النقود محله مشروع ، ولكن سببه – وهو التزام الشخص الأول بارتكاب الجريمة – غير مشروع . فلا يقوم هذا الالتزام ، لا لعدم مشروعية المحل ، بل لعدم مشروعية السبب .
( ثانياً ) كذلك إذا تعهد شخص لآخر بعدم ارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود ، فإن التزام كل من المتعاقدين محله مشروع . فقد تعهد الأول بعدم ارتكاب الجريمة ، وتعهد الثاني بدفع مبلغ من النقود ، وكلا المحلين مشروع . ولكن سبب التزام الأول بالامتناع عن ارتكاب الجريمة هو التزام الثاني بدفع النقود ، وهذا سبب غير مشروع . وسبب التزام الثاني بدفع النقود هو التزام الأول بالامتناع هو ارتكاب الجريمة ، وهذا أيضاً سبب غير مشروع . ومن ذلك نرى أن كلا من الالتزامين لا يقوم لعدم مشروعية السبب ، وهذا بالرغم من أن محل كل منهما مشروع . وكذلك الأمر في كل عقد يلتزم فيه شخص باجازة آخر ليحمله على الالتزام بما يجب عليه دون إجازة ، كالمودع يجيز المودع عنده حتى يرد الوديعة ، وكالمسروق منه يجيز السارق حتى يرد المسروق ، وكالمخطوف وله يجيز الخاطف حتى يرد الولد ، وكمن يخشى أذى دون حق من شخص يجيز هذا الشخص حتى يكف عنه أذاه .
( ثالثاً ) عقد الوساطة في الزواج ( courtage matrimonial ) هو أيضاً عقد سببه غير مشروع ، على أي ، وإن كان المحل مشروعاً . فإذا التزم شخص أن يدفع أجراً لوسيط يبحث له عن زوج يرضاه ، فإن كثيراً من الفقهاء ( 468 ) يقولون إن العقد غير مشروع لأنه يجعل الزواج ضرباً من التجارة . إلا أن محكمة النقض الفرنسية ميزت بين فرضين . فإذا اشترط الوسيط الأجر تم الزواج أو لم يتم ، كان هذا أجراً على العمل لا جائزة على النجاح ، فيكون العقد مشروعاً . أما إذا اشترط الأجر على إلا يأخذه إلا إذا تم الزواج ، فهذا هو الاتفاق الباطل ، لأن الوسيط في هذه الحالة قد يحمل على ركوب طرق من الغش والخديعة حتى يتم زواجاً قد لا يكون في مصلحة الزوجين أن يتم ، ولا مصلحة فيه إلا للوسيط يحصل على أجره الموعود ( 469 ) . والقضاء في مصر غير مستقر ، فقد قضت إحدى المحاكم الوطنية ( 470 ) ببطلان العقد ، لا سيما في بلد كمصر حيث يسهل على " الخاطبة " أن تخدع الزوج ، في أمر زوجته بسبب انعزال المرأة عن الرجل ( 471 ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة ( 472 ) بصحة العقد إذ أن الغرض الذي يرمى إليه مشروع ، فهو ييسر أمر الزواج ، وإذا وقع غش من الوسيط أمكن الرجوع عليه بالطرق القانونية . ونحن نؤثر الأخذ برأي محكمة النقض الفرنسية ، فيكون العقد صحيحاً إذا أخذ الوسيط أجراً على عمله تم الزواج أو لم يتم ، ويكون باطلا إذا لم يأخذ الأجر إلا إذا تم الزواج . فإذا أخذ بهذا الرأي كان الاتفاق مع الوسيط على إعطائه أجراً إذا نجحت وساطته اتفاقاً غير مشروع . وعدم المشروعية هنا يرجع إلى السبب لا إلى المحل ، فإن التزام كل من الفريقين محله مشروع ، أحدهما يلتزم بإعطاء الأجر والثاني يلتزم بالعثور على زوج صالح ، ولكن سبب كل من الالتزامين غير مشروع ، لأنه مما يخالف الآداب والنظام العام أن يلتزم الوسيط بتزويج الطرف الآخر في مقابل اجر ، وأن يلتزم الطرف الآخر بإعطاء الوسيط أجراً في مقابل هذا الزواج .
2 - خصوم السبب وأنصاره .
ا – خصوم السبب
271 – الهجوم على النظرية التقليدية : منذ أن استقرت النظرية التقليدية ، منقولة عن دوما وبوتييه على النحو الذي بسطناه ، بقيت مبعثاً لقلق الفقهاء ، يرون فيها ضيق الأفق وقصور المدى وعقم الإنتاج . وأول من جاهر من الفقهاء بذلك كان الفقيه البلجيكي إرنست ( Ernst ) وكان أستاذاً في جامعة ليبج ، كتب مقالا في سنة 1826 في مجلة ( Bibliotheque du jurisconsulte et do publiciste ) ( 473 ) يبين فيه أن السبب في النظرية التقليدية ليس ركنا متميزاً ، فهو يختلط إما بالمحل في العقود الملزمة للجانبين ، وإما بالرضاء في عقود التبرع ، ويستخلص من ذلك أن السبب لا ضرورة له ، وتغني عنه أركان الالتزام الأخرى . ثم هاجم النظرية بعد ذلك لوران ( Laurent ) ( 474 ) وكورنيل ( cornil ) ( 475 ) ، وهما أيضاً فقيهان بلجيكيان . وتابعهما عدد من الفقهاء الفرنسيين ، هاجموا النرظية مهاجمة عنيفة في رسائلهم ( 476 ) .
ولكن الحملة على نظرية السبب لفتت النظر بنوع خاص عندما انحاز بلانيول إلى خصوم السب ( 477 ) ، ورد الأستاذان بودري وبارد صدرى هذه الحملة ( 478 ) . وكذلك فعل دابان ( Babin ) ( 479 ) ووالتون ( 480 ) .
ونقف عند نقد بلانيول لنظرية السبب التقليدية ، ففيه خلاصة واضحة للحملات التي قام بها خصوم السبب ، وكان هو المعول الفعال في هدمها .
272 – نقد بلانيول لنظرية السبب التقليدية : يقول بلانيول إن نظرية السبب التقليدية نظرية غير صحيحة ، ثم هي غير ذات فائدة .
أما أنها غير صحيحة ، فذلك يظهر إذا استعرضنا السبب في فروضه الثلاثة : العقد الملزم للجانبين والعقد العيني وعقد التبرع . ففي العقد الملزم للجانبين لا يجوز القول ، كما تزعم النظرية التقليدية ، إن سبب أحد الالتزامين المتقابلين هو الالتزام الآخر ، فإن هذا استحالة منطقية ، ذلك أن الالتزامين يولدان في وقت واحد من مصدر واحد هو العقد ، فلا يمكن أن يكون أحدهما سبباً للآخر . لأن السبب يتقدم المسبب ، وهما قد نشأ معاً كما رأينا . وفي العقد العيني يقولون إن سبب الالتزام هو تسليم العين ، ولكن التسليم ليس إلا المصدر الذي كون العقد فأنشأ الالتزام ، فيختلط هنا السبب بالمصدر ويصبحان شيئاً واحداً . وفي عقد التبرع يقولون إن سبب الالتزام هو نية التبرع ، وهذا قول خال من المعنى ، وإلا فأية قيمة لنية التبرع في ذاتها إذا لم تقرن بالعوامل التي دفعت إليها !
وأما أن النظرية غير ذات فائدة ، فلأننا نستطيع الاستغناء عنها بشيء آخر . ففي العقود الملزمة للجانبين يكفي أن نقول إن الالتزامين المتقابلين مرتبطان أحدهما بالاخر بحيث يتوقف مصير كل منهما على مصير الثاني ، وتغني فكرة الارتباط في هذه العقود عن فكرة السبب . وفي العقود العينية وعقود التبرع انعدام السبب بالمعنى المفهوم من النظرية التقليدية هو انعدام التسليم في العقد العيني وانعدام نية التبرع في الهبة ، وهذا معناه انعدام العقد ذاته ، فلسنا إذن في حاجة إلى تعليل عدم قيام الالتزام بانعدام السبب مادام العقد ذاته غير موجود .
ب – أنصار السبب
273 – الدفاع عن فكرة السبب : أما أنصار السبب فكثيرون . منهم من يدافع عن النظرية التقليدية بعد تحويرها ، وعلى رأس هؤلاء كابيتان في كتابه المعروف " السبب في الالتزامات " ( 481 ) . ومنهم من يدافع عن فكرة السبب في ذاتها ، ولكنه يهجر في الدفاع عنها النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة التي وضع القضاء أسسها على ما سنرى .
ونبسط هنا دفاع كابيتان عن النظرية التقليدية ، ثم نشير في ايجاز إلى بعض الفقهاء الذين هجروا النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة .
274 – دفاع كابيتان عن نظرية السبب التقليدية : يمكن القول إن كابيتان هو عميد أنصار النظرية التقليدية للسبب . ولكنه هو في صدد الدفاع عنها قد حورها تحويراً جوهرياً في بعض نواحيها .
فعند كابيتان أن السبب في العقد الملزم للجانبين ليس هو الالتزام المقابل ذاته ، بل هو تنفيذ هذا الالتزام ( 482 ) . ويقول ، رداً على ما أخذه بلانيول على النظرية التقليدية من أن الالتزام الواحد لا يمكن أن يكون سبباً ومسبباً ، إن تنفيذ الالتزام هو السبب فلا يجوز الاعتراض بعد ذلك بأن الالتزام هو السبب والمسبب . ثم يضيف إلى ذلك أنه حتى لو فرض طبقاً للنظرية التقليدية أن سبب الالتزام هو الالتزام المقابل ذاته ، فلا يصح أن يقال مع ذلك إن الشيء الواحد يعتبر سبباً ومسبباً ، إلا إذا فهم السبب بمعنى " السبب الإنشائي " ، فعند ذلك يستحيل منطقياً أن يكون الشيء منشئاً لشيء آخر وناشئاً عنه في أن واحد . ولكن السبب هنا معناه " السبب القصدي " أي الغرض المباشر الذي قصد إليه الملتزم من وراء التزامه ، ويسهل مع هذا المعنى أن نفهم أن الغرض الذي قصد إليه أحد المتعاقدين من وراء التزامه هو التزام المتعاقد الآخر بالذات ، فكل من المتعاقدين قد التزم حتى يلتزم الآخر ، ولا يكون في هذا خروج على المنطق .
أما الالتزام الذي ينشأ من عقد عيني فسببه هو تسليم الشيء كما تقرر النظرية التقليدية . وهذا صحيح في نظر كابيتان في عقود عينية ثلاثة هي القرض والعارية ورهن الحيازة . فإن هذه العقود إذا كانت عينية من حيث الصياغة ، فهي من حيث طبيعتها عقود رضائية ملزمة للجانبين . فالمقرض والمقترض مثلا يتفقان على القرض ، ويتم العقد بالاتفاق ، فيلتزم المقرض بتسليم القرض كما يلتزم المقترض برد مثله . ومن هنا نرى أن التسليم ، إذا رجعنا إلى طبيعة العقد ، ليس هو حتما السبب المنشيء للالتزام ، بل هو الغرض الذي يسعى إليه المقترض من وراء التزامه برد الشيء . فلا يختلط في هذه العقود الثلاثة " السبب الإنشائي " و " السبب القصدي " كما يزعم خصوم نظرية السبب زولا يبقى من العقود العينية إلا الوديعة . وهنا يسلم كابيتان أن الوديعة بطبيعتها عقد عيني ملزم لجانب واحد إذا كانت بغير اجر ، ويرى أن سبب التزام المودع عنده ليس هو تسليم الشيء ، إذ يختلط بذلك السبب الإنشائي بالسبب القصدي ، بل هو رغبة المودع عنده ، وقد قبل أن يحفظ الشيء دون مقابل ، في أن يسدي جميلا للمودع . أما إذا كانت الوديعة باجر فقد أصبحت عقداً ملزماً للجانبين ، وصار سبب كل التزام هو تنفيذ الالتزام الآخر ( 483 ) .
أما في عقود التبرع ، فسبب الالتزام هو نية التبرع ذاتها ( animus donandi ) كما تقرر النظرية التقليدية . ولا تختلط هذه النية بالرضاء كما يقول خصوم السبب . فإن إرادة الواهب يمكن تحليلها على عنصرين : العنصر الأول هو إرادته أن يلتزم ، وهذا هو الرضاء . والعنصر الثاني هو إرادته أن يكون هذا الالتزام دون مقابل على سبيل التبرع ، وهذا هو السبب يتميز عن الرضاء كما نرى . والدليل على ذلك أن العنصر الأول ، وهو الرضاء بالالتزام ، قد يثبت وجوده دون أن يثبت وجود السبب وهو نية التبرع ، كما إذا كتب شخص سنداً بدين في ذمته لآخر ، ثم استطاع أن يثبت أن هذا الدين لا وجود له ، فإنه يبقى بعد ذلك أن يثبت الدائن نية التبرع في جانب المدين حتى يستوفى منه قيمة السند . فهذا مثل نرى فيه رضاء المدين بالالتزام ثابتاً دون أن تكون نية التبرع عنده ثابتة . وعلى أن كابيتان لا يقف عند نية التبرع بل يجاوزها إلى الباعث الدافع فيجعله هو السبب في حالتين : ( 1 ) التبرع إذا اقترن بشرط يتبين أنه هو الذي دفع المتبرع إلى تبرعه ، كما إذا وهب شخص مالا لجمعية خيرية واشترط على الجمعية أن تنشيء بهذا المال مستشفى أو ملجأ ، فإن سبب الهبة في هذه الحالة لا يكون نية التبرع بل هو القيام بالشرط الذي اقترن به التبرع . ( 2 ) الوصية حيث لا توجد إلا إرادة واحدة هي إرادة الموصى ، فلا يجوز الوقوف فيها عند نية التبرع ، بل إن الباعث الذي دفع الموصى إلى تبرعه هو الذي يجب اعتباره سبباً للوصية ، وفي هاتين الحالتين يسلم كابيتان باختلاط الباعث بالسبب .
ومن ذلك نرى أن كابيتان أدخل تحويراً في النظرية التقليدية ، حيث يجعل الباعث يختلط بالسبب في الحالتين المتقدمتين ، وحيث يحدد السبب في العقد الملزم للجانبين بأنه هو تنفيذ الالتزام لا وجوده ، وحيث يحدد السبب في عقد الوديعة غير المأجورة بأنه نية التبرع عند حافظ الوديعة . ولكنه مع ذلك يحتفظ بجوهر النظرية التقليدية ، فيستبقى التمييز بين السبب والباعث ولا يخلط بينهما إلا في فروض نادرة ( 484 ) ، ويجعل المعيار في تحديد السبب موضوعياً لا ذاتياً ، فيكون السبب عنده شيئاً داخلا في العقد لا منفصلا عنه ، وهو واحد لا يتغير في أي نوع من العقود .
275 – أنصار السبب الذين هجروا النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة : وإلى جانب كابيتان قام فقهاء يدافعون عن فكرة السبب ، وينادون بوجوب الاحتفاظ بها ، ويخالفون بذلك بلانيول وغيره من خصوم السبب الذين يقولون بوجوب حذف هذه الفكرة من القانون .
ولكن هؤلاء الفقهاء الذين ينتصرون للسبب ، ومن أبرزهم جوسران وريبير وديموج وبنكاز ، لا يدافعون عن السبب كما هو مبسوط في النظرية التقليدية ، بل يتوسعون فيه ويخلطونه بالباعث ، ويهجرون النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة التي وضع أساسها القضاء الفرنسي ، والتي نتولى الآن بسطها .
المطلب الثاني
النظرية الحديثة في السبب
276 – وجوب التوسع في تحديد السبب : لم يرض القضاء ، وهو الذي يواجه الحياة العملية ، عن النظرية التقليدية في السبب . فهي نظرية ضيقة عقيمة لا غناء فيها . وسار في طريق غير طريق الفقه التقليدي ، وتوسع في تحديد السبب ، فجعله هو الباعث الدافع إلى التعاقد . وقد عاد القضاء بذلك عن غير قصد إلى نظرية السبب عند الكنسيين ، لأنها هي النظرية التي تنتج في العمل . وما لبث الفقه الحديث أن انضم إلى القضاء في نظريته الجديدة ، إذ أدرك مدى ما فيها من خصوبة ومرونة . ولم يكن بد من أن تقترن الإرادة بالباعث الذي يحركها – وهذا هو التصرف المسبب وهو الأصل والقاعدة – أو أن تتجرد عن هذا الباعث . وهذا هو التصرف المجرد ولا يرد إلا على سبيل الاستثناء .
فنحن نتكلم إذن في مسائل ثلاث : ( 1 ) استبعاد النظرية التقليدية . ( 2 ) الأخذ بالنظرية الحديثة وهي تقوم على الباعث الدافع إلى التعاقد . ( 3 ) التصرف المجرد ( acte abstrait ) .
1 – استبعاد النظرية التقليدية
277 – العيب الجوهري في النظرية التقليدية : رأينا أن الصياغة الرومانية الشكلية هي التي ساهمت كثيراً في تكييف نظرية السبب التي نقلها دوما عن الفقهاء المدنيين فأصبحت هي النظرية التقليدية . والعيب الجوهري في هذه النظرية ليس في إنها غير صحيحة . فهي ، حتى لو كانت صحيحة ، عقيمة على كل حال . وهي لا تضيف شيئاً إلى الثروة القانونية ، إذ هي تحدد السبب في أنواع العقود المختلفة تحديداً آلياً . وتتطلب فيه شروطاً ثلاثة . ونستعرض هذه الشروط مطبقة على السبب في صوره المختلفة ، لنثبت أن السبب بهذا المعنى التقليدي الضيق يمكن الاستغناء عنه دون عناء .
278 - كيف نستغني عن السبب الموجود : تحرص النظرية التقليدية على أن تشترط وجود السبب ، وتستخلص من ذلك أن السبب إذا لم يكن موجوداً فإن الالتزام لا يقوم . وتأتي لذلك بمثلين : مثل من أكره على إمضاء التزام ليس له سبب ، ومثل من امضى سند مجاملة عن بينة واختيار .
فإذا اكره شخص على إمضاء سند لسبب لا وجود له ، كقرض لم يتم ، فإن العقد يكون باطلا . ولا يكفي هنا استظهار الإكراه ، فإنه يقتصر على جعل العقد قابلا للإبطال بينما العقد باطل كما قدمنا . ولكن على أي أساس يقوم بطلان العقد ؟ تقول النظرية التقليدية إن الأساس هو انعدام السبب ، إذ الالتزام بالمديونية سببه القرض والقرض لم يتم . على أنه من اليسير أن نصل إلى النتيجة ذاتها عن طريق غير طريق السبب . ذلك إننا إذا اعتبرنا السند تصرفاً صادراً عن إرادة منفردة ، فهو التزام بدفع مبلغ واجب بعقد القرض ، ولما كان هذا المبلغ لا وجود له لأن القرض لم يتم ، فمحل الالتزام معدوم ، ويسقط الالتزام لا لانعدام السبب بل لانعدام المحل . وإذا اعتبرنا السند هو عقد القرض ذاته ، فالتزام المقترض لا يقوم هنا أيضاً لأنه لم يتسلم مبلغ القرض ، ولا بد من أن يتسلم المقترض مبلغ القرض حتى يلتزم برده ، إما لأن القرض عقد عيني لم يتم بالتسليم ، وإما لأن القرض عقد رضائي ( وفقاً للقانون الجديد ) لم يقم فيه المقرض بتنفيذ التزامه ( 485 ) . وفي الحالين يسقط التزام من أمضى السند ، لا لانعدام السبب ، بل لعدم انعقاد القرض أو لعدم تنفيذ الالتزام المقابل .
أما إذا أمضى شخص سند مجاملة لدائن صوري ، فإن قواعد الصورية هنا تكفي وتغنينا عن نظرية السبب . فالسند الصوري . والدين لا وجود له فيما بين الطرفين . أما بالنسبة إلى الغير ( حامل السند ) فيؤخذ بالعقد الظاهر .
على إننا إذا تركنا هذه الأمثلة التفصيلية جانباً ، وأستعرضنا طوائف العقود المختلفة ، زدنا يقيناً أن السبب بالمعنى التقليدي يسهل الاستغناء عنه .
فالالتزام في العقد الملزم للجانبين سببه ، كما تقوم النظرية التقليدية ، الالتزام المقابل . ولكن ما أيسر علينا أن نستبدل بفكرة السبب هذه فكرة الارتباط التي قال بها بلانيول . بل لعل فكرة الارتباط من الناحية الفنية أدق من فكرة السبب . ذلك أن انعدام السبب جزاؤه البطلان كما هو معروف ، فإذا انعدام السبب عند تكوين العقد أو بعد تكوينه كان من الواجب أن يكون الجزاء واحداً في الحالتين . ولكننا نرى أن العقد يبطل في الحالة الأولى ويفسخ في الحالة الثانية ، وفي هذا التفريق عيب فني واضح . أما فكرة الارتباط فأكثر مرونة من فكرة السبب . وهي تسمح بان نقول بالبطلان إذا انعدم أحد الالتزامين المتقابلين عند تكوين العقد ، إذ منطق الارتباط يقضي بأن العقد لا يوجد . وتسمح فكرة الارتباط في الوقت ذاته أن نقول إن نقول إن العقد ينقضي بعد وجوده – أن يفسخ – إذا انقطع أحد الالتزامين المتقابلين بعد أن واجد .
أما في العقود العينية وفي التبرعات فالنظرية التقليدية أقل تماسكاً . إذ تقول هذه النظرية إن العقد العيني سببه التسليم ، فإذا لم يتم التسليم لم يقم الالتزام لانعدام سببه . ومن السهل هنا أن يقال إن الالتزام لا يقوم ، لا لانعدام السبب ، بل لعدم انعقاد العقد العيني . وتقول النظرية التقليدية إن السبب في التبرعات هو نية التبرع ، فإذا لم تكن هذه النية موجودة لم يقم التزام المتبرع لانعدام السبب . ولكن متى ثبت أن المتبرع قد رضى أن يتبرع ، فرضاؤه يتضمن حتمانية التبرع . فإذا تبين أن هذه النية منعدمة ، فذلك لا يكون إلا لأن الرضاء بالتبرع منعدم ، وتكون الهبة باطلة في هذه الحالة لانعدام الرضاء لا لانعدام السبب .
279 – كيف تستغنى عن السبب الصحيح : ومن السهل أيضاً أن تستغني عن السبب الصحيح كما استغنينا عن السبب الموجود . فالسبب غير الصحيح ، كما رأينا ، إما سبب موهوم أو سبب صوري .
وإذا استعرضنا أمثلة السبب الموهوم ، وجدنا أنه يمكن الاستغناء فيها جميعاً عن نظرية السبب بنظرية المحل . فالشخص غير الوارث الذي يتخارج مع وارث يتعامل في حق معدوم . وهذا هو حال دائن التركة الذي يحصل على إقرار بالدين بعد أن استوفاه ، وحال الموصي له الذي يتعامل في الموصى به إذا كانت الوصية باطلة أو كان الموصى قد عدل عنها ، وحال الدائن الذي يجدد ديناً قديماً بعد أن يستوفيه .
أما السبب الصوري فقد رأينا أنه لا يبطل العقد إلا إذا كان يخفي سبباً موهوماً أو سبباً غير مشروع . وقد فرغنا من السبب الموهوم ، فننتقل الآن إلى السبب غير المشروع .
280 – كيف تستغني عن نظرية السبب المشروع : ومن السهل أن نستغنى عن السبب المشروع في العقود الملزمة للجانبين بفكرة الارتباط التي قدمناها . فمن يتعهد بارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود لا يقوم التزامه لعدم مشروعية المحل ، وكذلك لا يقوم الالتزام المقابل لا لعدم مشروعية سببه بل لارتباطه بالتزام غير مشروع . ومن يتعهد بعدم ارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود لا يقوم التزامه لاستحالة المحل ، إذ هو لا يستطيع إنشاء التزام قد وجد بحكم القانون قبل هذا الإنشاء ، وكذلك لا يقوم الالتزام المقابل لا لعدم مشروعية سببه بل لارتباطه بالتزام مستحيل . والتوسيط الذي يتعهد بالنجاح في العثور على زوج صالح في مقابل مبلغ من النقود قد تعهد بأمر غير مشروع لا يتفق مع الآداب ، وكذلك لا يقوم الالتزام المقابل لا لعدم مشروعية سببه بل لارتباطه بالتزام غير مشروع .
أما في العقود العينية والتبرعات ، فإن اشتراط مشروعية السبب غير مفهوم . فالسبب في العقود العينية هو التسليم ، ولا يتصور أن يكون التسليم غير مشروع إلا إذا وقع على محل غير مشروع ، وعند ذلك لا ينعقد العقد لعدم مشروعية المحل لا لعدم مشروعية السبب . والسبب في التبرعات هو نية التبرع ، وكيف يتصور أن يتكون نية التبرع في ذاتها غير مشروعة ! إن وجه الاستحالة في ذلك هو الذي يفسر أن بعض أنصار النظرية التقليدية ، ومنهم كابيتان ، يجنحون إلى اعتبار السبب في التبرعات هو الباعث الدافع إلى التبرع . بل إن القانون الروماني ذاته يعتد بالباعث في الوصايا وبعض الهبات كما أسلفنا .
281 – وجوب استبعاد النظرية التقليدية في أية صورة من صورها : ويتبين مما قدمناه ، أن النظرية التقليدية في السبب نظرية عقيمة . وهي نظرية يمكن استبعادها دون أية خسارة تلحق القانون ، إذ يسهل تخريج جميع النتائج التي يراد أن تترتب عليها وذلك بالرجوع إلى أساس قانونين آخر لا علاقة له بالسبب .
ويستوى في ذلك أن تكون النظرية التقليدية كما هي على أصلها ، أو أن تكون محورة على النحو الذي يقول به كابيتان . وهناك من الفقهاء من يستبقى النظرية التقليدية ، ويقصرها على السبب في الالتزام ، ويضع إلى جانبها نظرية القضاء ، ويجعلها في العقد لا في الالتزام ، وبذلك تمكن المقابلة بين السبب في الالتزام والباعث في العقد ( 486 ) . فهذه صور ثلاث للنظريات التقليدية .
وفي أية صورة من هذه الصور الثلاث لا نرى للنظرية التقليدية نفعاً يخول لها حق البقاء ، إذ يمكن الاستغناء عنها كما رأينا أياً كان الثقوب الذي تلبسه . وما هي إلا اثر من آثار الصياغة الرومانية القديمة ، وقد زالت مقتضيات هذه الصياغة ، فوجب أن تزول معها . ووجب في الوقت الذي تنبذ فيه النظرية التقليدية ألا تنبذ فكرة السبب في ذاتها ، على أن تكون هي الفكرة الخصبة المنتجة التي تقوم على الباعث الدافع إلى التعاقد ، وهي النظرية التي قال بها القضاء الفرنسي . وننتقل الآن إليها .
2 - الأخذ بالنظرية الحديثة آلتي تقوم على الباعث الدافع إلى التعاقد
282 – السبب هو الباعث الدافع إلى التعاقد : لم تستطع النظرية التقليدية أن تواجه الحياة العملية ولم يستطع القضاء وهو الذي يعيش في غمار العمل أن ينتفع بها . لذلك لم يلبث القضاء الفرنسي أن خرج عليها خروجاً صريحاً ، فكسر الحواجز التي إقامتها هذه النظرية ما بين السبب والباعث ، وخلط بينهما خلطاً تاماً ، لا في التبرعات فحسب ، بل فيها وفي سائر العقود . وقد اكسب القضاء نظرية السبب بهذا المنهج مرونة لم تكن لها ، وأصبحت النظرية في يده منتجة نافعة لا غنى عنها ( 487 ) .
فالسبب في نظر القضاء هو الباعث الدافع الموجه ( mobile impulsive et determinant ) للملتزم في أن يلتزم . وما دامت الإرادة قد أصبحت حرة طليقة في أن تنشيء ما تشاء من الالتزامات ، وما دامت الإرادة لا بد لها من باعث يدفعها ، فلا أقل من أن يشترط القانون أن يكون هذا الباعث مشروعاً ، وأن يكون الغرض الذي ترمي الإرادة إلى تحقيقه غرضاً لا يحرمه القانون ولا يتعارض مع النظام العام ولا يتنافى مع الآداب . وبواعث الإرادة كثيرة متنوعة ، منها الدافع وغير الدافع ، ومنها الرئيسي وغير الرئيسي ، فالباعث الدافع الرئيسي هو الذي يعتد به ، ومتى أمكن الكشف عنه وجب الوقوف عنده ، إذ يكون هو السبب . بهذا المنطق الصحيح شق القضاء طريقه إلى النظرية الحديثة ( 488 ) ، وساير الفقه الحديث القضاء في هذا الطريق ( 489 ) .
وها نحن رجعنا ، بفضل ما عند القضاء من إحساس عملي ، إلى نظرية الفقهاء الكنسيين في السبب . وهي النظرية الخصبة المنتجة التي انحرف عنها دوما إلى النظرية التقليدية ، فكان هذا الانحراف سبباً في كل ما أحاط نظرية السبب من اضطراب وما أصابها من عقم طوال القرون الماضية ( 490 ) .
283 – مرونة الباعث وكيف ينضبط : والباعث بالتحديد الذي أسلفناه أكثر مرونة من السبب في النظرية التقليدية . ويكفي أن نعود إلى خصائص السبب ، نضعها إلى جانب خصائص الباعث ، لنرى النقيض إلى جانب النقيض . فقد قدمنا أن السبب معياره موضوعي وهو داخل في العقد لا يتغير في النوع الواحد من العقود ، أما الباعث فمعياره ذاتي وهو خارج عن العقد ويتغير من عقد إلى عقد بتغير المتعاقدين وما يدفعهم من البواعث . وما دام الباعث على هذا القدر من الذاتية والانفصال والتغير ، كان من الواجب أن ينظر كيف ينضبط ، حتى لا يكون مثاراً للتزعزع والقلقلة في التعامل .
ولا يجوز بداهة أن يعتد بالباعث الذي دفع أحد المتعاقدين إلى التعاقد إذا كان هذا الباعث مجهولا من المتعاقد الآخر ، وإلا استطاع أي متعاقد أن يتخلص من التزاماته بدعوى أن الباعث له على التعاقد – وهو أمر مستكن في خفايا الضمير – من شأنه أن يجعل العقد باطلا . فلا بد إذن من صلة وثيقة تربط كلا من المتعاقدين بالباعث ، ولا بد من ضابط يرجع إليه في ذلك . وقد رأينا مثل هذا في الغلط .
فما هو هذا الضابط ؟ أيكفي أن يكون الباعث معلوماً من الطرف الآخر ؟ أو يجب أن يكون متفقاً عليه بين المتعاقدين ؟ أو يصح التوسط بين هذين الحدين ، فيشترط أن يكون الطرف الآخر مساهما في الباعث الذي دفع الطرف الأول إلى التعاقد ، دون أن يصل إلى حد الاتفاق معه عليه ، ودون أن يقف عند حد مجرد العلم به ؟
ونأتي بمثل يوضح هذه المراتب المتدرجة . شخص يقترض نقوداً من آخر ليقامر بها . فالمقرض قد يجهل الغرض الذي أخذ المقترض النقود من اجله ، وفي هذه الحالة لا يعتد بالباعث الذي دفع المقترض إلى التعاقد ( 491 ) . وقد يكون المقرض صديقاً للمقترض ، عالماً بغرضه ، دون أن يقصد بالاقراض تمكين المقترض من الماقمرة ، وهذه هي مرتبة العلم . وقد يكون المقرض مرابياً يستثمر ماله في اقراض المقامرين ، فيكون قد قصد إلى تمكين المقترض من الماقمرة ، وهذه هي مرتبة المساهمة . وقد يكون المقرض هو الشخص الآخر الذي يقامر المقترض معه . فيتفقان على القرض للاستمرار في المقارمة ، وهذه هي مرتبة الاتفاق . فاية مرتبة من هذه المراتب الثلاث يتطلبها القانون حتى يعتد بالباعث ؟
رأينا كابيتان يقول بوجوب الوصول إلى مرتبة الاتفاق ، فلا يعتد بالباعث إلا إذا كان متفقاً عليه بين المتعاقدين ، والاتفاق وحده في نظر كابيتان هو الذي يدخل الباعث في دائرة التعاقد ( dans le champ contractual ) ( 492 ) . ولا شك في أن الفقيه الفرنسي الكبير قد اقترب بهذا القول من النظرية الحديثة في السبب ، ولكن دون أن يدخل في نطاقها ، فإن احداً من أنصار النظرية الحديثة لا يشترط وجوب الاتفاق على الباعث فيما بين المتعاقدين . وإنما هم منقسمون بين مرتبة العلم ومرتبة المساهمة .
أما القضاء الفرنسي فيكتفي بمرتبة العلم ، ويعتد بالباعث الذي دفع المتعاقد إلى التعاقد ، ما دام المتعاقد الآخر يعلم أو يستطيع أن يعلم بهذا الباعث ، كما هي الحال في الغلط . وسنرى بعد قليل تطبيقات مختلفة للقضاء الفرنسي تدور كلها في هذا النطاق .
والفقه يميز بين المعاوضات والتبرعات ، فيتطلب في الأولى مرتبة أعلى . ولكن الفقهاء يختلفون في تحديد هذه المرتبة .
فيذهب جويران إلى أنه يكفي أن يكون الباعث في المعاوضات معلوماً من المتعاقد الآخر ، حتى يكون في هذا وقاية للتعامل من أن يتزعزع . أما في التبرعات فإن الإرادة التي نقف عندها هي إرادة المتبرع وحده ، فهي الإرادة التي تسيطر على التصرف ، سواء في ذلك أن يتم التبرع بتقابل إرادتين كالهبة أو بإرادة واحدة كالوصية . وهو لذلك يعتد بالباعث الذي دفع المتبرع إلى تبرعه ، سواء كان معلوماً من الطرف الآخر أو كان مجهولا منه ( 493 ) .
ويذهب بواجيزان ( Bois - Juzan ) إلى وجوب الوصول إلى مرتبة المساهمة في المعاوضات والاكتفاء بمرتبة العلم في التبرعات . ذلك أن المعاوضات تختلف عن التبرعات في أن الأولى بذل فيها كل من المتعاوضين شيئاً من عنده ، فإرادة كل منهما تقوم بدور أساسي في تكوين العقد . ومن ثم وجب أن تساهم كل إرادة من هاتين الإرادتين في الباعث الذي دفع إلى التعاقد مساهمة ايجابية ، وأن تتعاون الارادتان معاً في تحقيق الغرض غير المشروع . أما في التبرعات فإرادة المتبرع وحدها هي الأساسية ، إذ المتبرع وحده هو الذي بذل . ومن ثم جاز الاقتصار على هذه المرتبة السلبية وهي مرتبة العلم ، فهي كافية لاستقرار التعامل ( 494 ) .
وإذا كان الذي يعنينا في انضباط معيار الباعث هو استقرار التعامل ، فالقضاء الفرنسي على حق فيما ذهب إليه من الاكتفاء بمرتبة العلم ، سواء كان التصرف تبرعاً أو معاوضة .
284 – تطبيقات مقتبسة من القضاء الفرنسي : نستعرض القضاء الفرنسي بعض تطبيقات للسبب مفهوماً بمعنى الباعث الذي دفع إلى التعاقد ، مرجئين القضاء المصري إلى حين الكلام في نظرية السبب في القانون المدني الجديد . ونتبع في هذا الاستعراض التقسيم الثلاثي المعروف للتصرفات إلى عقود ملزمة للجانبين وعقود عينية وتبرعات .
ففي العقود الملزمة للجانبين ، كثيراً ما يبطل القضاء في فرنسا عقوداً يكون الباعث إلى التعاقد فيها غير مشروع ، وإن كان السبب ، بالمعنى الذي تقول به النظرية التقليدية ، مشروعاً في هذه العقود . فالبيع أو الإيجار ، إذا وقع أي منهما على منزل يريد المشتري أو المستأجر إدارته للعهارة ، وكان البائع أو المؤجر عالماً بقصد المشتري أو المستأجر ، يكون باطلا طبقاً لأحكام القضاء الفرنسي . وقد أراد بعض الفقهاء التمييز بين فرضين : ( 19 منزل معد للعهارة يباع أو يؤجر بعد اعداده ، فيعتبر متجراً ( fonds de commerce ) لا مجرد مكان ، وفي هذه الحالة يكون البيع أو الإيجار باطلا لعدم مشروعية السبب وعدم مشروعية المحل معاً . ( 2 ) ومنزل يباع أو يؤجر قبل أن يعد للعهارة ، باعتبار أنه مكان لا متجر منه ولو كان قصد المشتري أو المستأجر أن يديره للعهارة ، وفي هذه الحالة لا يكون العقد باطلا طبقاً للنظرية التقليدية التي تميز بين السبب والباعث ( 495 ) . ولكن القضاء الفرنسي لمي أخذ بهذا التمييز ، فهو يبطل العقد في الفرضين ، جاعلا السبب هو الباعث ، جرياً على النظرية التي يأخذ بها ( 496 ) . ويفعل القضاء الفرنسي ذلك أيضاً في الإمكان الآتي تدار للمقارمة ، فبيع أو إيجار مبنى يراد به أن يكون مكاناً للمقامرة باطل ( 497 ) .
وفي العقود العينية ، يبطل القضاء الفرنسي قرضاً يكون قصد المقترض منه أن يتمكن من المقامرة ويكون المقرض عالماً بهذا القصد ، سواء كان مشتركا معه في المقارمة أو لم يكن ، وسواء كان يفيد منهذه المقارمة أو لم يكن يفيد ( 498 ) . ويبطل القرض أيضاً إذا كان الغرض منه أن يتمكن المقترض من الحصول علىمنزل يديره للعهارة ( 499 ) . أو أن يستبقى صلات غير شريفة تربطه بخليلة له ( 500 ) . وكالقرض رهن الحيازة ( 501 ) .
أما في التبرعات فقد كان القضاء الفرنسي اشد إمعاناً في جعل الباعث هو السبب . ولم يقف عند نية التبرع ، بل اعتد بالباعث على التبرع ، ونقب عن العوامل النفسية التي دفعت المتبرع إلى التجرد عن ماله دون مقابل ، أكان يريد الخير في ذاته ، أم يريد مصلحة خاصة مشروعة ، أم يرمى إلى غرض غير مشروع . فإذا تبين أن الباعث الذي دفع إلى التبرع غير شريف أو غير مشروع أبطل التبرع . والتطبيقات على هذا المبدأ كثيرة متنوعة نذكر أهمها : ( أولاً ) التبرع لولد غير شرعي : يقضي بالقانون المدني الفرنسي بان يكون نصيب الولد غير الشرعي في مال أبويه ، تبرعاً أو ميراثاً ، محصوراً في حدود ضيقة . فإذا زاد التبرع على الحد المفروض كان الإنقاص إلى هذا الحد واجباً .
أما إذا كانت البنوة غير الشرعية ليست ثابتة قانوناً ، فالتبرع جائز ولو زاد على الحد ، ما دام لم يثبت أن التبرع قد كان لولد غير شرعي . ولكن القضاء الفرنسي يبطل التبرع إذا ظهر أن الباعث للمتبرع على تبرعه هي علاقة بنوة غير شرعية ، فيجعل الباعث هو السبب ، ولا يكتفي بإنقاص التبرع إلى الحد الجائز ، بل يبطله جميعه ( 502 ) . ( ثانياً ) تبرع الخليل لخليلته : ويبطل القضاء الفرنسي تبرع الخليل لخليته إذا ثبت أن الباعث على هذا التبرع قد كان لإيجاد هذه العلاقة غير الشريفة أو لاستبقائها أو لإعادتها ( 503 ) . أما إذا كان الباعث على التبرع إنما هو تعويض الخليلة عما أصابها من الضرر بسبب هذه المعاشرة غير الشرعية بعد أن انقطعت ، فالباعث يكون مشروعاً والتبرع يكون صحيحاً ، بل هو في الواقع يعتبر وفاء الالتزام طبيعي ( 504 ) . وقد سبق بيان ذلك عند الكلام في محل الالتزام المخالف للآداب . ( ثالثاً ) تبرع الزوج لزوجته حتى يحملها على أن تنفصل عنه انفصالا ودياً : انفصال الزوجة عن زوجها ( separation des corps ) في القانون الفرنسي لا يكون إلا بعد إتباع إجراءات خاصة ، نص عليها هذا القانون ، أو يكون بالطلاق . وفيما عدا هاتين الحالتين فالاتفاق ما بين الزوجين على أن ينفصل أحدهما عن الآخر ( separation de fait ) دون إتباع الإجراءات المرسومة لذلك يكون غير مشروع . فإذا تبرع الزوج لزوجته حتى يحملها على الرضاء بهذا الانفصال الودي يكون سبب تبرعه ، أو الباعث عليه ، غير مشروع ، ويبطل التبرع ( 505 ) . ( رابعاً ) التبرع المقرون بشرط : إذا اقترن التبرع بشرط غير مشروع ، بطل الشرط ، وبقى التبرع ، وهذا ما تنص عليه المادة 900 من القانون المدني الفرنسي . إلا أن القضاء الفرنسي قد من هذا الحكم بفضل نظريته في السبب . فقد ميز في الشرط الذي يقترن به التبرع بين شرط دافع وشرط غير دافع ، فالثاني وحده هو الذي يطبق عليه نص المادة 900 ويبطل إذا كان غير مشروع مع بقاء التبرع قائماً . أما الشرط الدافع إلى التبرع ، أي الباعث على هذا التبرع ، فقد اعتبره القضاء سبباً لالتزام المتبرع ، ويترتب على ذلك أنه إذا كان غير مشروع ، فإن التبرع جميعه يكون باطلا ، ولا يقتصر الأمر على بطلان الشرط ( 506 ) .
3 – التصرف المجرد
( L'acte abstrait )
285 – التصرف المسبب والتصرف المجرد : قدمنا أن السبب ركن من أركان الالتزام ، لا يقوم الالتزام إلا به ، على فرق ما بين معنى السبب في النظرية التقليدية ومعناه في النظرية الحديثة . وقد كان القانون الروماني لا يعتد بالسبب ولا بالإرادة ذاتها في العقود الشكلية . ثم انتصر مذهب الرضائية في القرون الوسطى على يد الكنسيين ، فأصبحت الإرادة وحدها – مجردة من الشكل – ملزمة . ولكن الإرادة إذا كانت من جهة قد تجردت من الشكل فتحللت من هذا القيد ، فهي من جهة أخرى قد اقترنت بالسبب فاستبدلت قيد السبب بقيد الشكل .
أما الإرادة مجردة من الشكل ومن السبب معاً فلا يمكن أن يسلم بها كقاعدة في قوانين تأخذ بالإرادة الباطنة كالقوانين اللاتينية . فإن الأخذ بالإرادة الباطنة معناه أن تحرر الإرادة من عيوبها وأن تقترن بسببها . ولكن الأخذ بالإرادة الظاهرة يجعل من اليسير أن تباعد ما بينها وبين الإرادة الباطنة ، فتتجرد الإرادة الظاهرة من عيوب الإرادة الباطنة كما تتجرد من السبب الذي حرك هذه الإرادة ، ولا يبقى في مجال التعامل إلا هذه الإرادة الظاهرة المجردة ، وهذا ما يسمى بالتصرف المجرد .
وهناك فائدة كبيرة من تجريد الإرادة الظاهرة على هذا النحو ، إذ بهذا التجريد يصبح التصرف غير قابل للإبطال لا من طريق عيوب الإرادة ولا من طريق عيوب السبب . فالدائن في التصرف المجرد يستطيع أن يتمسك بحقه دون أن يستطيع المدين الدفع بإبطال التصرف لعيب في الإرادة أو لعيب في السبب . وكل ما يستطيع المدين هو أن يرجع بدعوى الإثراء على دائنه ، فيدفع دعواه إذا لم يكن قد وفى الدين ، أو يسترد ما دفع إذا كان قد وفى . ومن ثم يكون التصرف المجرد أداة قوية من أدوات الائتمان ، تشتد حاجة التعامل إليها كلما اشتدت الحاجة إلى الاستقرار . وإذا كان التعامل بتنازعه عاملان ، عامل احترام الإرادة وعامل الاستقرار ، فإن التصرف المسبب يستجيب للعامل الأول ، ويستجيب التصرف المجرد للعامل الثاني . ومنذ انتكصت الشكلية في العقود وساد مذهب الرضائية ، انتصر عامل الإرادة على عامل الاستقرار ، ولم يستطع عامل الاستقرار أن يسترد ما فقد إلا بظهور التصرف المجرد ففيه ينتصر على الإرادة كما رأينا . ومن هنا كان تطور العقد من تصرف شكلي إلى تصرف رضائي ، ثم من تصرف رضائي إلى تصرف مجرد ، تطوراً تعاقب فيه عاملا الاستقرار والإرادة على مراحل متتابعة ، كان الظفر في كل مرحلة منها لأحد العاملين على الآخر . ومن هنا أيضاً كان التصرف المجرد رجوعاً مهذباً إلى التصرف الشكلي ، كلاهما يستجيب لعامل الاستقرار ، ولكن التصرف الشكلي يستجيب إليه في جمعية بدائية ، ويستجيب إليه التصرف المجرد في جمعية متحضرة .
على أن التصرف المجرد – على شدة الحاجة إليه في استقرار التعامل وبخاصة إذا تقدمت التجارة وتشعبت سبلها واحتيج إلى أدوات ائتمان ثابتة – لم يظفر من القوانين اللاتينية ، وهي التي تأخذ بالإرادة الباطنة ، إلا بمكان ضيق محدود . وعلى النقيض من ذلك ظفر التصرف المجرد في القوانين الجرمانية ، وهي التي تأخذ بالإرادة الظاهرة ، بمكان رحب سما فيه إلى مرتبة القاعدة . ولا غرابة في ذلك ، فقد بينا أن التصرف المجرد يتمشى مع الإرادة الظاهرة التي تأخذ بها القوانين الجرمانية ( 507 ) . ويتعارض مع الإرادة الباطنة التي تأخذ بها القوانين اللاتينية .
ويبقى أن نستعرض حظ التصرف المجرد في كل من القوانين الجرمانية والقوانين اللاتينية ويدخل القانون المصري في هذه القوانين الأخيرة .
286 – التصرف المجرد في القوانين الجرمانية : لا نجد في التقنينات الجرمانية نصوصاً تعرض لنظرية السبب عرضاً مباشراً كما تفعل التقنينات اللاتينية . فالتقنين النمساوي لا يشير إلى السبب إلا في المادة 901 ليقرر أن الباعث لا اثر له في صحة عقود المعاوضات إلا إذا جعل منه المتعاقدان شرطاً صريحاً لصحة العقد . والتقنين الألماني لا يعرض للنظرية بنص صريح . وتقنين الالتزامات السويسري لا يعرض لها إلا في صورة عرضية عندما ينص في المادة 17 على أن الاعتراف بالدين صحيح حتى لو لم يذكر سببه . ويعلل ذلك عادة بان هذه التقنينات تأثرت بالقانون الروماني ، وهذا القانون كما رأينا لا يفسح مجالا واسعاً لنظرية السبب إذ أن فكرة السبب فيه فكرة مادية لا تتبين لها نتائج علية إلا في نطاق محدود ، وبخاصة في نطاق دعاوي الإثراء . ولكن بالرغم من أن هذه التقنينات لا تنص على نظرية السبب نرى التصرفات فيها نوعين : النوع الأول هو التصرفات السمببة ( Kausale Rechtsgeschaefte ) وهي اغلب التصرفات المدنية وفيها السبب ركن يجب أن تتوافر فيه شروطه المعروفة فيكون صحيحاً مشروعاً ، والنوع الثاني هو التصرفات المجردة ( Abstrakte Rechtsgeschaefte ) لا يعتد فيها بالسبب ولا بعيوب الإرادة وقد وضعت لها قواعد عامة سيأتي بيانها .
فالسبب لا يزال إذن موجوداً في القوانين الجرمانية ، ولكنه سبب بالمعنى المفهوم في النظرية التقليدية يراد به الغرض الموضوعي المباشر من التعاقد تمييزاً له عن الباعث ، ويشترط فيه أن يكون صحيحاً مشروعاً وإلا بطل العقد . أما الباعث فلا اثر له في صحة العقد ولو كان هو الذي دفع إلى التعاقد ( 508 ) .
وإلى جانب التصرفات المسببة توجد التصرفات المجردة ، وقد أفسح لها مجال واسع كما قدمنا . وهي طائفتان : طائفة عقود انتقال الملكية وطائفة العقود المنشئة للالتزامات .
فالأولى تنتقل بها الملكية – والحق العيني بوجه عام – دون اعتبار للسبب . ذلك أن الملكية في هذه التقنينات لا تنتقل بمجرد نشوء الالتزامات بنقلها ، بل لا بد من تنفيذ هذا الالتزام بطريق عقد آخر هو عقد انتقال الملكية ، فيذهب المتعاقدان إلى المكتب العقاري ويعلنان اتفاقهما ويسجلان هذا الاتفاق في السجل العقاري ( Livre Foncier ) . وعقد انتقال الملكية ، في القانون الألماني بنوع خاص ، عقد مجرد ، تنتقل به الملكية سواء كان العقد المنشيء للالتزام بنقلها صحيحاً أو معيباً . وإذا أتضح بعد ذلك أن العقد كان معيباً وأن الملكية انتقلت دون سبب ، فليس لمن خرج عنها إلا الرجوع بدعوى شخصية على من تلقاها هي دعوى الإثراء بلا سبب . وبذلك يتوافر لهذا العقد مزية الاستقرار والثبات . فما على الشخص حتى يثبت أنه يتعامل مع مالك العقار إلا أن يرجع إلى السجل العقار ، فمن كان اسمه مسجلا فيه كان هو المالك ، ولو كان في ذلك تضحية للمالك الحقيقي – أما التقنين السويسري فلا يمحي الغير الذي اعتمد على السجل العقاري إلا إذا كان حسن النية ( م 973 من التقنين المدني السوري ) . ومن ثم نرى أن التجريد يحتمل التدرج . وتأييداً لذلك نسوق مثلا آخر نأتي به من القانون المصري . فقد قضت المادة 15 من قانون رقم 114 لسنة 1946 الخاص بتنظيم الشهر العقاري بوجوب تسجيل دعاوي استحقاق أي حق من الحقوق العينية أو التأشير بها ، ويترتب على هذا التسجيل أو التأشير أن حق المدعى إذا تقرر بحكم يكون حجة على من ترتبت لهم حقوق عينية ابتداء من تاريخ تسجيل الدعاوى أو التأشير بها ، ولا يكون هذا الحق حجة على الغير الذي كسب حقه بحسن نية قبل التأشير أو التسجيل المشار إليهما . ويتبين من ذلك أن من يتعامل مع غير المالك في عقار وهو حسن النية ، ويسجل عقده قبل أن يسجل المالك دعوى الاستحقاق ، يفضل على المالك وتخلص له ملكية العقار . والقاعدة كما نرى تنطوي على ضرب من التجريد .
والطائفة الأخرى من التصرفات المجردة عقود منشئة للالتزامات . وتشمل : ( أولاً ) حالات معينة بذاتها ، منصوصاً عليها . وهي – عدا الأوراق التجارية والسندات – حوالة الحق وحوالة الدين والتنازل عن الحق الشخصي والإنابة في الوفاء . وفي هذه الحالات يكون العقد مجرداً على النحو الذي رأيناه في عقود انتقال الملكية . فيتم نقل الحق أو الدين ويتحقق التنازل عن الحق الشخصي دون اعتبار للسبب في هذه الحوالة أو في هذا التنازل ، فإذا تبين أن السبب غير موجود أو غير مشروع فليس ثمة إلا الرجوع بدعوى الإثراء . كذلك التزام المناب للمناب لديه بالوفاء التزام مجرد عن السبب ، فلا يستطيع المناب أن يحتج على المناب لديه بما كان له أن يحتج به من دفوع ضد المنيب ( أنظر في التقنين الألماني : م 398 و م 413 لحوالة الحق ، وم 414 وما بعدها لحوالة الدين ، وم 397 للتنازل عن الحق الشخصي ، وم 784 للانابة في الوفاء – وانظر في تقنين الالتزامات السويسري : م 164 وما بعدها لحوالة الحق ، وم 179 فقرة ثالثة لحوالة الدين ، وم 115 للتنازل عن الحق الشخصي ، وم 468 للانابة في الوفاء ) . ( ثانياً ) التعهد المجرد بالوفاء ( promesse abstraite de payer ) والاعتراف المجرد بالدين ( reconnaissance abstraite de dette ) ، وهما الصورتان العامتان للتصرف المجرد . فتضع التقنينات الجرمانية هنا قاعدة عامة للتصرف المجرد ، وتجيز أن يتفق الدائن مع مدينه على أن يكون التزام المدين أو اعترافه بالدين مجرداً . فيوجد الالتزام في ذمته منفصلا عن السبب ، ويقوم هذا الالتزام حتى لو كان السبب غير موجود أو غير مشروع . وليس للمدين إلا دعوى الإثراء إزاء الدائن إذا تبين أن التزامه لم يكن مبنياً على سبب صحيح ، فيتخلص بذلك من التزام موجود أو يسترد ما دفعه وفاء لهذا الالتزام ( 509 ) . واشترطت المادة 780 من التقنين الألماني لصحة الالتزام المجرد أن يكون في ورقة مكتوبة ، إلا إذا كان تصفية لحساب أو عن صلح فلا تشترط الكتابة زولا يشترط تقنين الالتزامات السويسري الكتابة إطلاقاً ( م 17 ) ( 510 ) .
287 - التصرف المجرد في القوانين اللاتينية وفي القانون المصري : أما القوانين اللاتينية ، وهي مشبعة بنظرية السبب كما رأينا ، فلا تسلم بالتصرف المجرد . أو هي على الأقل لا تضع له قاعدة عامة كما فعلت التقنينات الجرمانية . وإذا كان هناك نص في كل من القانونين المصري والفرنسي يقضي بقيام الالتزام ولو لم يذكر سببه ( م 137 من القانون المصري الجديد و م 1132 من القانون الفرنسي ) ، فسنرى أن هذا النص لا يعرض إلا لمسالة من مسائل الإثبات ليلقى عبء الإثبات في السبب على عاتق المدين . وهناك فرق بين التزام مسبب ، يلقى على المدين فيه عبء إثبات انعدام السبب ، والتزام مجرد عن السبب . فالالتزام الأول ، إذا اثبت المدين أنه لا يقوم على سبب مشروع ، يكون العقد فيه باطلا . أما في الالتزام الثاني ، وهو الالتزام المجرد ، فيبقى العقد صحيحاً حتى لو اثبت المدين انعدام السبب أو عدم مشروعيته ، وليس أمام هذا إلا دعوى الإثراء كما سبق القول .
فالالتزام في القوانين اللاتينية هو إذن التزام مسبب . على أن هذه القوانين تقر الالتزام المجرد في حالات معينة منصوص عليها بذاتها ، وهي قليلة العدد . وقد نص القانون التجاري – حيث تشتد الحاجة للالتزام المجرد لاستقرار التعامل وسرعته – على عدد منها ، هي الكمبيالات والسندات تحت الإذن والسندات لحاملها . أما القانون المدني فقد نص على حالتين : التزام المناسب في الوفاء نحو المناب لديه والتزام الكفيل نحو الدائن .
ونقتصر هنا على ما ورد في هذا الصدد في القانون المدني المصري الجديد . فقد نصت المادة 361 على أن " يكون التزام المناب قبل المناب لديه صحيحاً ولو كان التزامه قبل المنيب باطلا أو كان هذا الالتزام خاضعاً لدفع من الدفوع ، ولا يبقى للمناب إلا حق الرجوع على المنيب . كل هذا ما لم يوجد اتفاق يقضي بغيره " ( 511 ) . أما في الكفالة فللكفيل أن يتمسك بجميع الأوجه التي حتج بها المدين ( م 782 مصري جديد ) ، ولكن التزام الكفيل نحو الدائن التزام مجرد لا يتأثر بالعلاقة مابين الكفيل والمدين ، ولا يجوز للكفيل أن يتمسك ضد الدائن بالدفوع التي له أن يتمسك بها ضد المدين . فإذا كفل الكفيل المدين في نظير أن يوفى المدين ديناً آخر عليه مضموناً برهن يثقل عقار الكفيل ، ولم يوف المدين بهذا الدين الآخر ، فإن التزام الكفيل نحو الدائن يبقى قائماً ، ولا يجوز للكفيل أن يدفع دعوى الدائن بان المدين لم يوف بما تعهد به من تخليص عقار الكفيل من الرهن ( 512 ) .
ويتبين مما قدمناه أن القانون المصري قد انحاز انحيازاً تاماً إلى القوانين اللاتينية ، وبقى في حظيرتها كما أسلفنا الإشارة . فاشترط في التصرفات أن تكون مسببة ، ولم يسلم بالتصرف المجرد إلا في حالات معينة بذواتها ( 513 ) .
المطلب الثالث
نظرية السبب في القانون المصري الجديد
288 – مسائل ثلاث : تلقى القانون الجديد النظرية الحديثة في السبب ميراثاً عن القانون القديم والقضاء المصري ، فقد كان الفقه والقضاء في مصر ، قبل صدور القانون الجديد ، قد عبد الطريق لنبذ النظرية التقليدية الضيقة وتلقى النظرية الحديثة الخصبة . ولكن القانون الجديد خطأ خطوة أخرى إلى الإمام ، إذ ارجع السبب سيرته الأولى عندما كان في يد الفقهاء الكنسيين عاملا لحماية المشروعية قبل أن يكون عاملا لتحصين الإرادة من عيوبها . ففصل ما بين منطقة السبب ومنطقة الغلط ، واقتصر في شروط السبب على المشروعية دون الصحة . ثم عرض في نص هام لإثبات السبب .
فنحن نستعرض هنا مسائل ثلاث : ( 1 ) اعتناق القانون الجديد للنظرية الحديثة في السبب . ( 2 ) الفصل ماب ين منطقة السبب ومنطقة الغلط في القانون الجديد . ( 3 ) إثبات السبب .
1 – اعتناق القانون الجديد للنظرية الحديثة في السبب
289 – النصوص القانونية : نص القانون الجديد في المادة 136 على ما يأتي :
" إذا لم يكن للالتزام سبب ، أو كان سببه مخالفا للنظام العام أو الآداب ، كان العقد باطلا ( 514 ) " .
وكان القانون القديم ينص في المادتين 94 / 148 على أنه " يشترط لصحة التعهدات أن تكون مبنية على سبب صحيح جائز قانوناً " .
ونلاحظ منذ الآن الفرق ما بين النصين . فنص القانون القديم يشترط في السبب الصحة والمشروعية . أما نص القانون الجديد فلا يشترط إلا المشروعية ، إذ السبب غير الصحيح يدخل في منطقة الغلط كما قدمنا .
ولم يصرح القانون الجديد فيما أورده من نص بالمعنى الذي يقصده من " السبب " . ولكن لا شك في أنه يعتنق النظرية الحديثة ، وينبذ النظرية التقليدية . فقد كان هذا هو شان القانون القديم ، وهو لا يزيد في صراحة التعبير عن القانون الجديد . وكان الفقه والقضاء في مصر يفسران عبارات القانون القديم على معنى النظرية الحديثة لا على معنى النظرية التقليدية . ولم يقطع القانون الجديد صلته بهذه التقاليد ، بل هو قد تأثر بنوع خاص بتقاليد القضائين المصري والفرنسي . وقد ذكر ذلك صراحة في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي إذ ورد فيها ما يأتي : " لم ينهج المشروع نهج التقنينات الجرمانية بشان نظرية السبب ، بل اختار على النقيض من ذلك مذهب التقنينات اللاتينية وانتصر معها لهذه النظرية . والواقع أن السبب كما يصوره القضاءان الفرنسي والمصري بمعنى الباعث المستحث يدخل في نطاق القانون المدني عنصراً نفسياً من عناصر الأخلاق يحد من نزعته المادية ، وهي بعد نزعة يشتد طغيانها في بعض الأحيان " ( 515 ) . وجاء في موضع آخر من المذكرة الإيضاحية ما يأتي : " يقصد بالسبب معناه الحديث كما يتمثله القضاءان المصري والفرنسي في العصر الحاضر . فهو بهذه المثابة الباعث المستحث في التصرفات القانونية عامة لا فرق في ذلك بين التبرعات والمعاوضات " ( 516 ) .
فالسبب إذن ، في نظر القانون الجديد ، هو الباعث الدافع إلى التعاقد ( cause impulsive ) لا مجرد الغرض المباشر المقصود في العقد ( cause finale ) . وهو أمر نفسي خارج عن العقد يتغير بتغير البواعث . وكل ما أوردناه عن النظرية الحديثة في السبب ينطبق في القانون الجديد . و لا بد في القانون الجديد أيضاً من أن يكون السبب معلوماً من المتعاقد الآخر ، فإذا كان الباعث الذي دفع أحد المتعاقدين إلى التعاقد غير مشروع ، ولم يكن المتعاقد الآخر يعلم بهذا الباعث وليس في استطاعته أن يعلم به ، فعدم المشروعية هنا لا يعتد به ، ويكون العقد صحيحاً ، ويقوم لا على الإرادة الحقيقية فهي غير مشروعة ، ولكن على الإرادة الظاهرة ، شأنه في ذلك شأن العقد الذي يقوم على إرادة معيبة بغلط أو تدليس أو إكراه ولا يعلم المتعاقد الآخر بالعيب ولا يستطيع أن يعلم به ، وقد مر بنا ذلك ( 517 ) .
وهذه النظرية الحدية التي أخذ بها القانون الجديد سبقه إليها ، كما قدمنا ، الفقه والقضاء في مصر . ونعرض الآن لكل منهما .
290 – الفقه في مصر : أخذ بعض الفقهاء في مصر بالنظرية التقليدية في السبب ، ونقولها عن الفقهاء الفرنسيين كما أوردناها فيما تقدم ( 518 ) .
ولكن كثرة الفقهاء جاوزوا النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة ، وهي نظرية القضاء الفرنسي ، فأثروها على النظرية التقليدية ( 519 ) .
وهناك من الفقهاء من قال بازدواج السبب ، فاستبقى النظرية التقليدية وأكملها بالنظرية بالحديثة على غرار التقنين اللبناني ( 520 ) .
ونحن لا نرى مقتضياً لا ستبقاء النظرية التقليدية وتكميلها بالنظرية الحديثة . وقد رأينا فيما قدمناه أن النظرية التقليدية لا نفع فيها والاستغناء عنها ميسور . هذا إلى أن ربط النظريتين إحداهما بالأخرى هو ربط بين نظريتين يختلفان كل الاختلاف في النزعة وفي الأصل التاريخي . وقد رأينا أن إحداهما تسربت إلينا عن الفقهاء الرومانيين في القرون الوسطى وهي تحمل اثر الصنعة الرومانية ، والأخرى تلقيناها عن الفقهاء الكنسيين وقد بنوها على أصول خلقية دينية وبعدوا بها عن الصياغة الرومانية بعد أن حرروا الإرادة من قيودها الشكلية . ففيم إذن الربط بين نظريتين متنافرتين كل هذا التنافر ! وما الجدوى في هذا الربط ، والنظرية التقليدية يمكن الاستغناء عنها ، والنظرية الحديثة فيها وحدها كل الغناء !
291 – القضاء في مصر : والقضاء في مصر كان أكثر تمشياً مع الفقه مع النظرية الحديثة ، فأخذ بها في كثير من أحكامه ، وقد اقتفى في ذلك اثر القضاء في فرنسا .
فقضت محكمة الاستئناف الوطنية في دعوى ثبت فيها أن شخصاً أودع عقداً عند رجل يأتمنه ، فاتفق ابن المودع مع الأمين على أن يسلمه العقد المذكور في مقابل أن يكتب له عقداً ببيع سبعة أفدنة – بان هذا البيع باطل لأن السبب فيه غير مشروع ، وأن الأمين الخائن لا حق له في طلب ملكية العين ولا في الثمن ( 521 ) . ويلاحظ في هذه القضية أن البيع إذا كان جدياً دفع المشتري فيه ثمناً ، كان عقداً ملزماً للجانبين اعتبر السبب فيه هو الباعث الدافع . أما إذا كان ، كما هو الغالب ، هبة في صورة بيع ، كان تبرعاً أبطله القضاء لعدم مشروعية الباعث على اعتبار أن الباعث هو السبب – وقضت هذه المحكمة أيضاً بأنه إذا كان الباعث لتبرع الخليل لخليلته هو استبقاء العلاقة غير الشريفة بينهما كان العقد باطلا ، أما إذا . كان الباعث هو تعويض الخليلة عما أصابها من الضرر بسبب هذه المعاشرة غير الشرعية بعد أن انقطعت فالباعث يكون مشروعاً والتبرع يكون صحيحاً ( 522 ) - وقضت محكمة الزقازيق الكلية بأن القضاء قد جرى على اعتبار الباعث في مرتبة واحدة مع السبب المباشر وذلك في حالة ما إذا كان العاقد الآخر يعلم بهذا الباعث ، ويعتبر الباعث في هذه الحالة أمراً ملاحظاً في العقد وانه بدونه لا يمكن أن يتم العقد ( 523 ) .
على أن النظرية التقليدية في السبب لم تعدم لها مكاناً في القضاء الوطني ، وقد تردد صداها في بعض الأحكام . فقد قضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأنه لا محل للبحث في عقد البيع في الأسباب التي يدعيها البائع كباعث على صدور العقد ، لأن الباعث من الأمور التي لا يلتفت إليها في صحة العقد ، وهو والسبب الصحيح أمران مختلفان لا يصح الخلط بينهما ( 524 ) . وقضت محكمة النقض بان السبب القانونين في عقد القرض هو دفع المقرض نقداً إلى المقترض ، ومن هذا الدفع يتولد الالتزام برد المقابل ، فإذا انتفى السبب هذا المعنى بطل العقد ( 525 ) . ويجوز أن يؤول حكم محكمة استئناف مصر بأن الباعث لم يكن معلوماً من الطرف الآخر فلا يعتد به ، وأن يؤول حكم محكمة النقض بان السبب الذي عنته في حكمها هو السبب المنشيء لعقد القرض .
وقد كان القضاء المختلط أكثر إمعاناً من القضاء الوطني في الأخذ بالنظرية الحديثة في السبب . وإذا كانت محكمة الاستئناف المختلطة قضت في حكم قديم لها ( 526 ) بان الإيجار أو القرض لا يكون باطلا حتى لو كان المستأجر أو المقترض قصد إدارة العين للعهارة أو استعمال المبلغ المقترض في إدارة العين للعهارة ، وحتى لو كان المؤجر أو المقترض عالماً بذلك ، فقد هجرت بعد ذلك هذه النظرية التقليدية ، وأخذت في أحكام كثيرة بالنظرية الحديثة . فقضت بان بيع اسلحة محرم استيرداها إلى مصر يكون باطلا لعدم مشروعية السبب متى كان البائع عالماً بهذا التحريم ( 527 ) . وقضت بان اتفاق البائع والمشتري على الثامن الحقيقي للصفقة ، مع بقائه مخفياً حتى يذكرا ثمناً صورياً أقل من الثمن الحقيقي ، فيتمكن المشتري بذلك من تخفيض رسوم التسجيل بطريق الغش ، يكون اتفاقاً باطلاً لعدم مشروعية السبب ، ولا يستطيع المشتري التمسك بالثمن الحقيقي في مواجهة الشفيع ، كما لا يستطيع البائع التمسك بهذا الثمن في مواجهة المشتري ( 528 ) . وقضت بان عقد القرض يكون باطلا إذا قصد المقترض منه أن يتمكن من المقامرة وكان المقرض عالماً بهذا القصد ( 529 ) ، لكن إذا ثبت أن المقترض لم يستعمل القرض فعلا ي المقامرة فإن الدليل على القصد غير المشروع لا يقوم ويكون عقد القرض صحيحا ( 530 ) . وقضت بان التوكيل المعطي لسمسار لعقد صفقات بقصد المضاربة في البورصة عقد باطل لعدم مشروعية السبب ( 531 ) ، ولكن قصد المضاربة يجب أن يكون معلوماً من السمسار وإلا فلا يعتد به ( 532 ) . وقضت محكمة الإسكندرية التجارية المختلطة بأنه إذا كان الباعث على التبرع استبقاء العلاقة ما بين الخليل وخليلته كان العقد باطلا ، أما إذا كان هو التعويض عما أصاب الخليلة من الضرر بسبب المعاشرة فالباعث مشروع والعقد صحيح ( 533 ) . ولم يكن القضاء المختلط يعتبر التبرع لولد غير شرعي باطلا ، بل يعتبره وفاء لا لتزام طبيعي ، ويعطيه حكم الوصية فيجوز فيما لا يزيد عن الثلث ( 534 ) .
وإذا كان القاضي المصري – لا سيما القضاء الوطني – قد أخذ في الماضي بالنظرية التقليدية في بعض أحكامه ، فلم يعد بعد صدور القانون الجديد محل للأخذ بهذه النظرية . وأصبح من المتعين الآن الأخذ بالنظرية الحديثة التي اعتنقها القانون الجديد ، على ما تصرح به الأعمال التحضيرية فيما قدمناه .
2 – الفصل ما بين منطقة السبب ومنطقة الغلط في القانون الجديد
292 – إبعاد " السبب غير الصحيح " من دائرة السبب إلى دائرة الغلط : قدمنا عند الكلام في نظرية الغلط أن التمييز بين السبب غير الصحيح والغلط في الباعث كان مفهوماً وقت أن كانت النظرية التقليدية في كل من الغلط والسبب قائمة . فالنظرية التقليدية في الغلط كانت تميز بين الغلط في السبب وهو يجعل العقد باطلا ، وبين الغلط في الباعث وهو لا يؤثر في صحة العقد ، والنظرية التقليدية في السبب كانت تميز بين السبب أي الغرض المباشر من الالتزام وهو الذي يعتد به ، وبين الباعث وهو عديم الأثر ، ومن ثم كان مفهوماً أن الغلط في السبب يجعل العقد باطلا وأن الغلط في الباعث لا يؤثر في صحة العقد ، لأن السبب بالمعنى التقليدي ألصق بالعقد من الباعث فالغلط فيه أمر خطير من شأنه أن يعدم العقد ، أما الباعث فأمر خارجي عن العقد فلا يعتد بالغلط فيه .
ثم تطورت نظرية الغلط ، فاستبدلنا بالنظرية التقليدية النظرية الحديثة . وأصبح الغلط في الباعث طبقاً لهذه النظرية الأخيرة يجعل العقد قابلا للإبطال . فإذا نحن واجهنا هذه النظرية الحديثة في الغلط بالنظرية التقليدية في السبب ، بقى الفرق قائماً بين الغلط في السبب بمعناه التقليدي وهو الغرض المباشر من الالتزام وبين الغلط في الباعث وهو أمر خارجي عن العقد ، وأمكن تبرير الفرق في الحكم : فالغلط في السبب اللصيق بالعقد يجعل العقد باطلا ، أما الغلط في الباعث الخارج عن العقد فلا يجعل العقد إلا قابلا للإبطال .
ولكن لما تطورت نظرية السبب هي الأخرى واستبدلنا بالنظرية التقليدية النظرية الحديثة ، وأصبح السبب هو عين الباعث ، لم يعد هناك محل للتمييز بين الغلط في السبب بهذا المعنى الجديد وبين الغلط في الباعث . فكلاهما غلط في الباعث . ووجب إذن أن ندرك أن نظرية الغلط قد اتسعت دائرتها كما اتسعت دائرة نظرية السبب ، حتى تدخلت كل دائرة في الأخرى ، فأصبحت هناك منطقة مشتركة بين الدائرتين يتعين أن نستخلصها لاحداهما ، وإلا وقعنا في المحظور الذي أشرنا إليه عند الكلام في نظرية الغلط ، ووقع خلط عجيب ما بين نظريتي السبب والغلط ، إذ تبقى هذه المنطقة المشتركة فيما بينهما يتنازعها كل منهما ، فإذا سميناها بالسبب غير الصحيح أو السبب المغلوط ( cause erronee ) كان العقد باطلا ، وإذا سميناها بالغلط في الباعث ( erreur sur le motif ) كان العقد قابلا للإبطال ( 535 ) .
لذلك كان لا بد من التأمل فيما صارت إليه الأمور بعد تطور نظرية السبب ونظرية الغلط واستبدال النظرية الحديثة في كل منهما بالنظرية التقليدية . وقد لفت ذلك نظر بعض الفقهاء ، ولكنهم لم يشيروا في ذلك برأي حاسم ( 536 ) .
أما القانون الجديد فقد وقف موقفاً صريحاً من هذه المنطقة المشتركة ما بين السبب والغلط ، واعتبر أن السبب غير الصحيح ( أو السبب المغلوط ) هو والغلط في الباعث شيء واحد ، كلاهما غلط في الباعث كما قدمنا ، وكلاهما يجعل العقد قابلا للإبطال . وبعد أن كانت المنطقة المشتركة المشار إليها يتنازعها كل من السبب والغلط على النحو الذي بيناه ، استخلصها القانون الجديد للغلط ، واختفى من نصوص السبب في القانون الجديد النص الخاص بالسبب غير الصحيح . وهذا النظر تبرره اعتبارات منطقية واعتبارات تاريخية .
أما الاعتبارات المنطقية فترجع إلى أنه بعد أن اتسعت فكرة السبب فأصبح السبب هو الباعث ، فإن الغلط فيه لم يعد هو الغلط في السبب الضيق اللصيق بالعقد الذي تقول به النظرية التقليدية في السبب ، بل صار هو عين الغلط في الباعث الذي تقول به النظرية الحديثة في الغلط . ووجب أن يعطي الغلط في السبب إلى دائرة الغلط ، ولا يصبح هناك محل للكلام عن السبب غير الصحيح في نظرية السبب ، فهو لا يزيد على أن يكون غلطاً في الباعث ، ومحل الكلام عنه إنما يكون في نظرية الغلط . أما الغلط في السبب بمعناه التقليدي فقد قدمنا أنه غلط يمنع من تكوين العقد لانعدام الرضاء أو لانعدام المحل ، فالكلام فيه هو أيضاً لا يكون في نظرية السبب ( 537 ) .
وأما الاعتبارات التاريخية فترجع إلى تاريخ نظرية السبب ، وكيف استخدم الفقهاء الكنسيون هذه الفكرة بعد أن حرروا الإرادة من قيود الشكل على ما قدمنا . فقد رأينا إنهم هم الذين صنعوا نظرية السبب ، وجعلوا منها نظرية خصبة منتجة . وقد استخدموها بادئ الأمر لحماية مصلحة عامة هي المشروعية . ثم أقحموا بعد ذلك على السبب غرضاً آخر بعيداً عن الغرض الأول ، فاستخدموا نظرية السبب لحماية مصلحة خاصة فردية هي تحرير الإرادة من عيب الغلط . فمن وقع في غلط فعه إلى التعاقد ، كمن تعاقد لسبب غير مشروع ، يستطيع أن يتمسك بنظرية السبب . وظاهر أن فكرة الغلط دخيلة على نظرية السبب ، فالأولى تحمي مصلحة خاصة للأفراد ، أما الأخرى فتحمي مصلحة عامة للجماعة . والأولى إلى رجاع نظرية السبب سيرتها الأولى ، فتتمحض لحماية المصلحة العامة . وينتقل السبب غير الصحيح إلى دائرة الغلط ، ولا يبقى في دائرة السبب إلا السبب غير المشروع . وهذا ما فعله القانون الجديد .
293 – لا يوجد للسبب في القانون الجديد إلا شرط واحد هو أن يكون مشروعاً : ومن ثم لا نجد في القانون الجديد عبارة " السبب الصحيح " التي كنا نقرأها في القانون القديم ، فقد اختفت وأخلت باختفائها الميدان للسبب المشروع وحده . وقد رأينا أن المادة 136 من القانون الجديد تنص على أنه إذا لم يكن للالتزام سبب أو كان سببه مخالفاً للنظام العام أو الآداب ، كان العقد باطلا . وكان القانون القديم في المادتين 94 / 148 يتطلب لصحة التعهدات والعقود أن تكون مبنية على سبب صحيح جائز قانوناً .
فلا يشترط إذن في السبب إلا شرط واحد هو أن يكون مشروعاً . ومن أجل المشروعية وحدها قامت نظرية السبب أول ما قامت ، واليها وحدها عادت في القانون الجديد .
والواقع من الأمر أن السبب ، بمعنى الباعث الدافع على التعاقد ، يجب استبقاؤه ، على إلا يستخدم إلا لحماية المشروعية في التعاقد . ذلك أنه هو وحده الذي يستطيع أن يقوم بهذه الحماية في صورة السبب المشروع ، ولا يغني عنه ركن آخر ، لا ركن المحل ولا ركن الرضاء ( 538 ) . ولكن عند هذا الحد يجب أن تقف مهمته ، فلا تجاوز ذلك إلى حماية العاقد ضد الغلط في صورة السبب الصحيح ، فإن نظرية الغلط تغني عندئذ عن نظرية السبب ، بل وتفضلها من حيث الجزاء .
وقد فهم القضاء ، في مصر وفي فرنسا ، وهو يلامس الحياة العملية ، مهمة السبب على هذا الوجه فتراه يكاد يقتصر على السبب غير المشروع في إبطال العقد . وقل أن تجد تطبيقاً قضائياً لما يدعى بالسبب غير الصحيح إذ هو يختلط في العمل بالغلط . ويكفي للتثبت من ذلك استظهار ما أوردناه من أحكام القضاء المصري والفرنسي في السبب لنراها جميعاً قد عرضت للسبب غير المشروع لا للسبب غير الصحيح ( 539 ) . وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن القضاء قد اتجه اتجاهاً عملياً منتجاً في نظرية السبب . وقد قام على هذا النحو بمهمته خير قيام . أما الفقه فلا يزال مطلوباً منه أن يقوم بمهمته هو الآخر ، فيعين القضاء على شق طريقه ، ويصوغ له نظرية جديدة في السبب تتمشى مع مقتضيات العمل . وقد سبق القانون الجديد الفقه إلى ذلك ، فخطا بنظرية السبب خطوة جديدة حاسمة في تاريخ تطوره الحديث . فاتسع أفق السبب بعد هذا الضيق الذي كان ملحوظاً في النظرية التقليدية ، وخلص من الشوائب التي كانت تعتريه من جراء اختلاطه بنظرية غريبة عنه هي نظرية الغلط .
294 – مأخذان على القانون الجديد : على أن هناك مأخذين على القانون الجديد ، تمعا في العبارة التي صدرت بها المادة 136 . فقد جاء في صدر هذه المادة : " إذا لم يكن للالتزام سبب " . فالسبب قد نسب إلى الالتزام ، وكان الأولى أن ينسب إلى العقد إذ هو متلازم مع الإرادة كما رأينا . ثم افترض النص احتمال أن يكون هناك التزام دون سبب ، وهذا احتمال لا يتصور ، فما دمنا نجعل السبب هو الباعث ، فكل إرادة لا بد أن يكون لها باعث إلا إذا صدرت من غير ذي تمييز ( 540 ) .
والعبارة التي ننتقدها أليق بالنظرية التقليدية ، ففي هذه النظرية ينسب السبب إلى الالتزام ويتصور أن يكون غير موجود . ولكن لا يجوز أن يفهم منذ لك أن القانون الجديد قد استبقى النظرية التقليدية ، فإن الأعمال التحضيرية صريحة في أنه قد نبذها واعتنق النظرية الحديثة ( 541 ) .
3 – إثبات السبب
295 – النصوص القانونية : نصت المادة 137 من القانون الجديد على ما يأتي :
" 1 - كل الالتزام لم يذكر له سبب في العقد يفترض أن له سببا مشروعا ، ما لم يقم الدليل على غير ذلك " .
" 2 - ويعتبر السبب المذكور في العقد هو السبب الحقيقي حتى يقوم الدليل على ما يخالف ذلك ، فإذا قام الدليل على صورية السبب فعلي من يدعي أن للالتزام سببا أخر مشروعا أن يثبت ما يدعيه " ( 542 ) .
وهذا النص لا مقابل له في القانون القديم ، ولكنه يقرر أحكاماً غير مستحدثة . فقد كان القضاء المصري يطبقها من قبل . ولم يفعل القانون الجديد إلا أن قننها لما لها من أهمية عملية .
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : " أما فيما يتعلق بإثبات السبب فثمة قاعدتان اساسيتان : ( أولاهما ) افتراض توافر السبب المشروع في الالتزام ولو اغفل ذكره في العقد إلى أن يقوم الدليل على خلاف ذلك . ويكون عبء إثبات عدم وجود السبب أو عدم مشروعيته على عاتق المدين الذي يطعن في العقد . ( والثانية ) افتراض مطابقة السبب المذكور في العقد للحقيقة إلى أن يقيم المدين الدليل على صوريته . فإذا أقيم هذا الدليل وجب على الدائن أن يثبت توافر الالتزام على سبب حقيقي تلحق به صفة المشروعية " ( 543 ) .
ويتبين مما تقدم أن هناك فرضين : ( الأول ) أن يكون السبب غير مذكور في العقد . ( والثاني ) أن يكون هناك سبب ذكر في العقد ( 544 ) . ونستعرض كلا من الفرضين .
296 – السبب غير مذكور في العقد : وهذا هو الفرض الوارد في الفقرة الأولى من المادة 137 . وقد كان المنطق القانوني يقضي بأن الدائن ، وهو المكلف بإثبات الدين ، هو الذي يثبت السبب لأن الد