Advertisement

__السنهوري - الوسيط في شرح القانون المدني_ ج 2_ نظرية الالتزام بوجه عام_ الإثبات_ آثار الالتزام_




الوسيـــط
فـى شـرح القانـون المدنــي

الجزء الثانى

نظريـة
الإلتـزام بوجـه عــام

الإثبــات ـ آثــار الإلتـــزام

دار القلــــم
بيـروت ـ لنبـان
$1خطـة البحـث

1ـ إقامة نظرية الإلتزام على فكرة التصرف القانونـي
والواقعة القانونية

1ـ التصرف القانوني والواقعة القانونية والتمييز فيما بينهمـا : إتجـه الفقـه الحديث إلى العناية بالتمييز بين التصرف القانوني (acte juridque) والواقعـة القانونية أو المادية (fait juridique, mqteriel) بعد أن أحس الأهمية البالغة لهذا التمييز (1) .

فالتصرف القانونى هو الإرادة تتجه إلى إحداث أثر قانونى معين ، فيرتب القانون عليها هذا الأثر. مثل ذلك العقد ، فهو تصرف قانونى يقوم على تطابق إرادتين ، وقد ينشئ الحقوق الشخصية أو يكسب الحقوق العينية . ومثل ذلك أيضا الوصية ، فهى تصرف قانونـى يقوم على إرادة منفردة ، ويكسب الحقوق العينية . والوفاء والإبراء ، الأول تصرف قانونى يقوم على تطابق إرادتين ، والثانى تصرف قانونى يقوم على إرادة منفـردة ، وكلاهما يقضى الحقوق الشخصية والنزول عن حق انتفاع أو حق ارتفاق أو حق رهـن ، وهو إرادة منفردة ، يقضى الحقوق العينية وإجازة العقد القابل للإبطال ، وقبول المنتفع لما إشترط فى مصلحتـه، وإقرار رب العمل لتصرف الفضولى ، كل هذه تصرفـات قانونيـة ، وفيها جميعا نرى إرادة منفردة تتجه لإحداث أثر قانونى : تصحيـح العقـد القابـل للإبطـال ، أو تأكيد الحق الشخصى الناشئ من الاشتراط لمصلحة الغير وجعله غير قابل للنقـص ، أو تحويـل الفضولـى إلـى وكيـل ، ونـرى من ذلـك أن التصـرف القانوني ، سواء قام علـى تطابـق إرادتيـن أو قـام عـلى إرادة منفـردة ، قـد ينشئ $2الحقوق الشخصية ، وقد يكسب الحقوق العينية ، وقد يقضيها جميعاً ، وقد يرتب آثاراً قانونية أخرى .

والواقعة القاونية هى واقعة مادية يرتب القانون عليها أثراُ . وقد رأينا فى الجزء الأول من هذا الكتاب أنها قد تكون واقعة طبيعية لا دخل لإرادة الإنسان فيها كالموت ، وقد تكون واقعة إختيارية حثت بإرادة الإنسان كالبناء والغراس . وإذا كانت واقعة إختيارية ، فقد يقصد الإنسان من ورائها إحداث الأثر القانونى المترتب عليها كالاستيلاء والحيازة وقد لايقصد الإنسان من ورائها إحداث الأثر القانونى المترتب عليها كالاستيلاء والحيازة ، وقد لا يقصد هذا الأثر كدفق غير المستحق ، وقد يقصد عكس هذا الأثر كالعمل غير المشروع . وسواء كانت الواقعة القانونية طبيعية أو إختيارية ، وسواء قصد أثرها القانونى أو لم يقصد أو قصد عكسه ، فهى دائما واقعة مادية ، وليست إرادة كما هى الحال فى التصرف القانونى . وقد تنشئ الواقعة القانونية الحقوق الشخصية ، كما هو الأمر فى العمل غير المشروع والإثـراء بلا سبب . وقـد تكسب الحقـوق العينية ، كما هو الأمـر فى الحيازة والمـوت
( الميراث) وقد تقضى الحقوق الشخصية ، كما فى إتحاد الذمة . وقد تقضى الحقوق العينية ، كما فى الترك (abandon) . وقد تحدث آثاراً قانونية أخرى ، كما فى القرابة وهى مانع من موانع الزواج ، وفى الجوار ويحد من إستعمال حق الملكية ، وفى نزع الحيازة وتيرتب عليه قطع التقادم ، وفى حالة القصر ويترتب عليها وقف التقادم ، وفى إلحاق المنقول بالعقار لخدمته ويحول المنقول إلى عقار بالتخصيص . فالواقعة القانونية ، كالتصرف القانونى ، قد ينشئ الحقوق الشخصية ، وقد كسب الحقوق العينية ، وقد يقضيها جمعيـاً ، وقد يرتب آثار قانونية أخرى .

والمقابلة فيما بين التصرف القانوني والواقعة القانونية هى ، كما قدمنا ، مقابلة ما بين الإرادة والعمل المادى . فحيث تمحضت الإرادة لإحداث أثر قانونى فأحثه القانون ، فثم تصرف قانونى . وحيث وقع عمل مادى ولو خالطته الإرادة فرتب عليه القانون أثراً ، فثم واقعة قانونية . وقد أشرنا فى الجزء الأول من هذا الكتاب إلى ما يتوسط التصرف القانونى والواقعة القانوينة من واقعة مختلطة كالاستيلاء ، وواقعة مركبة كالشفعة .



$3 2ـ التصرف القانونى والواقعة القانونية هما المصدران اللذان ينشئان كل الحقوق وكل الروابــط القــانونيـة : رأينا فيما قدمناه كيف أن التصرف القانونى والواقعة القانونية يمتدان إلى آفاق واسعة ، ويحلقان فى جميع نواحى القانون . فهما المصدران اللذان ينشئان الحق الشخصى ، هما المصدران اللذان يكسبان الحق العينى ، وهما اللذان يقضيان كلا من الحق الشخصى والحق العينى ، ويرتبان فوق ذلك آثاراً أخرى غير كسب الحقوق وقضائها . ولا ينحصر أثرهما فى دائرة المعاملات المالية ، بل يجاوزها إلى دائرة الأحوال الشخصية . ولا يقفان عند حدود القانون الخاص ، بل إن لهما أثراً بالغ الأهمية فى ميدان القانون العام . فأية ناحية من نواحى القانون استعرضتها إلا وتجد التصرف القانونى جمعيه يتلخص فى مسألتين : الحق ومصدره . وإلى اليوم نحن نرتب مسائل القانون من ناحية الحق ، فنجعل هذه المسائل تتجمع حول الحق اشخصى وحول الحق العينى ، ونقسم مباحث القانون إلى قسمين رئيسيين ، أحدهما يتناول نظرية الالتزام والعقود أى الحقوق الشخصية ، والأخر يتعلق بالحقوق العينية من أصلية وتبعية . وهذا هو الترتيب التقليدى الذى جرى عليه التقنين المدنى الجديد . فهل حان الوقت لنختط خطة أخرى ، فنرتب مسائل القانون من ناحية مصدر الحق ، لا من ناحية الحق ذاته ؟ ومصدر الحق هو التصرف القانونى والواقعة القانونية كما رأينا ، فتتوزع جميع مسائل القانون عليهما ، وتنقسم مباحث القانون إلى قسمين رئيسيين غير القسمين الأولين ، أحدهما يختص بنظرية التصرف القانونى والآخر بنظرية الواقعة القانونية ؟

هذا ما ينادى به بعض الفقهاء ، وما حاوله فى مدى ضيق محدود ، وفى غير حظ كبير من التوفيق ، لجنة تنقيح التقنين المدنى الفرنسى (2) . وقبل أن تتخذ موقفاً فى هذه المسألة الدقيقة ، ننظر كيف يكون ترتيب مسائل القانون إذا نحن أقمنا هذا الترتيب على فكرة التصرف القانونى والواقعة القانونيـة .

$4 3ـ ترتيب مسائل القانون على أساس فكرة التصرف القانوني والواقعة القانونية :

ونرسم هنا الخطوط الرئيسية لترتيب جديد لمسائل على أساس فكرة التصرف القانونى والواقعة القانونية ، بدلا من قيامه على فكرة الحق الشخصى والحق العينى ، لنرى ما يؤدى إليه هذا التقسيم الجديد من النتائج .
وقد سبق أن رسمنا الخطوط الرئيسية لهذا الترتيب الجديد على النحو الآتى(3) :
تقسم مسائل القانون المدنى فى المعاملات إلى قسمين رئيسيين : القسم الأول فى التصرف القانونى والقسم الثانى فى الواقعة القانونية . ويتفرع كل من هذين القسمين إلى بابين : الباب الأول فى أركان التصرف أو أركان الواقعة ، والباب الثانى فى آثار كل منهما .

وتعالج فى باب أركان التصرف القانونى المسائل الآتية (1) الإرادة ومظهر التعبير عنها ـ الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة (2) الشكل (3) الأهلية (4) عيوب الإرادة (5) أوصاف الإرادة من شرط وأجل وتضامن وعدم قابلية للانقسام (6) المحل وتعدده من محل تخييرى ومحل بدلى (7) السبب ، وهنا يدرس التصرف المجرد (8) إثبات التصرف القانونى.

وتعالج فى باب آثار التصرف القانونى : ( ا ) الآثار بالنسبة إلى الأشخاص ( ب ) الآثار بالنسبة إلى الموضوع . وفى الآثار بالنسبة إلى الأشخاص تعالج المسائل الآتية : (1) النيابة فى التعاقد (2) الاشتراط لمصلحة الغير والتعهد عن الغير (3) الخلف الخاص (4) الخلف العام (5) الدائن ـ وفى الآثار بالنسبة إلى الموضوع تعالج المسائل الآتية : (1) إنشاء الإلتزام ( العقد والإرادة المنفردة ) (2) نقل الالتزام ( حوالة الحق وحوالة الدين ) . (3) إنهاء الالتزام ، ويبحث هنا الوفاء ( بما يتضمنه من تنفيذ عينى وتعويض وإكـراه مالى ) كما يبحث التجديد والإبراء ، لأن هذه الأسباب الثلاثة لانقضاء الالتزام هى تصرفات قانونية (4) إنشاء الحق العينى ونقله وإنهاؤه ( العقد والوصية والتنازل ) (5) أى أثر قانونى آخر كالآثار التى تترتب على الأعذار والأجازة وإقرار العقد .


$5 وتعالج فى باب أركان الواقعة القانونية المسائل الآتية : (1) التمييز الدقيق ما بين الواقعة القانونية والتصرف القانونى (2) الوقائع البسيطة والمركبة والمختلطة (3) محاولة حصر الوقائع القانونية (4) إثبات الواقعة القانونية .
وتعالج فى باب آثار الواقعة القانونية المسائل الاتية : (1) إنشاء الالتزام ، وهنا تبسط القواعد المتعلقة بالعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والوقائع الأخرى التى يرتب القانون عليها إنشاء الالتزام (2) إنهاء الالتزام ، وهنا تبسط القواعد المتعلقة بالمقاصة واتحاد الذمة واستحالة التنفيذ والتقادم ، لأن هذه الأسباب الأربعة لانقضاء الالتزام هى وقائع مادية (3) إنشاء الحق العينى ونقله وإنهاؤه ، وهنا تبسط القواعد المتعلقة بالاستيلاء والميراث والالتصاق والشفعة والحيازة والتقادم (4) اى أثر قانونى آخر ، كقطع التقادم بترك الحيازة ووقفه لمانع قانونى وانتقال الرهن إلى التعويض بهلاك العين المرهونة .

4ـ مزايا هذا الترتيب وعيوبه : ولا شك فى أن هذا الترتيب الجديد يحدث انقلاباً خطيراً فى الخطط المألوفة لمعالجة هذه المسائل. فهناك مسائل تقاربت بعد أن كانت متباعدة ، كما هو الأمر فى الجمع ما بين الإرادة وأوصافها من شرط وأجل وتضامن وعدم قابلية للانقسام ، وكما هو الأمر فى التقريب ما بين المحل وتعدده من محل تخييرى ومحل بدلى ، وفى هذا كله وضوح أكبر . وهناك مسائل تباعدت بعد أن كانت متقاربة ، كما هو الأمر فى التباعد ما بين مصادر الالتزام إذ العقد والإرادة المنفردة يعالجان فى التصرف القانونى والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب يعالجان فى الواقعة القانونية ، وفى هذا تنسيق أدق ، وكما هو الأمر فى التباعد ما بين اسباب انقضاء الالتزام فالوفاء والتجديد والإبراء أسباب انفصلت عن أسباب أخرى مماثلة هى المقاصة واتحاد الذمة واستحالة التنفيذ والتقادم ، وهذا التشتيت لأجزاء الموضوع الواحد ينطوى على شئ من الغموض ز ومن ثم كانت هذه التغييرات الأساسية من شأنها ، كما قدمنا ، أن تطمس معالم النظريات المأولفة . وهى تختلف فى حظها من التوضيح ، فبعضها يجعل الغامض واضحاً ، وبعضها يقلب الواضح غامضاً على أن شيئاً فـى وسـط هذه التحويرات الخطـيرة يبرز فـى وضوح . هو أنه لا يمكن الاستغناء مطلقاً عن نظرية للالتزام فـى ذاته ، لنبين حقوق $6 الدائن فى أموال مدينه ، ولتقرر أن مجموع هذه الأموال ضمان عام للدائن ، ولتحدد ما للدائن من دعاوى بالنسبة إلى هذه الأموال . كما لا يمكن الاستغناء عن استعراض الحقوق العينية ، الأصلية منها والتبعية ، حقاً حقاً ، لتقرير مقومات كل حق وخصائصه وآثاره(4) .
ونحن ممن يؤمنون بأن نظرية التصرف القانونى والواقعة القانونية لا بد من صياغتها نظرية شاملة تنتظم جميع نواحى القانون ، بل نحن من العاملين على ذلك والمساهمين فيه بما فى الجهد من طاقة . ولكن حتى اليوم لم يوفق الفقه المصرى ولا الفقه الفرنسى إلى صياغة هذه النظرية . لذلك لا نرى بداً ـ فى الحالة الحاضرة للفقه ـ من إلتزام الترتيب التقليدى لمسائل القانون ، وإقامة هذا الترتيب على فكرة الحق الشخصى والحق العينى لا على فكرة التصرف القانونى والواقعة القانونية . وهذا ما جرينا عليه فى الجزء الأول من هذا الكتاب ، فعالجنا مصادر الالتزام ، وجمعنا فى صعيد واحد ما بين التصرف القانونى فى العقد والإرادة المنفردة وبين الواقعة القانونية فى العمل غيرالمشروع والإثراء بلا سبب .

2ـ الرجوع إلى التقسيم التقليدى ـ مصادر الالتزام
والالتزام فى ذاته

5ـ نظرية الالتزام ـ مصادر الالتزام والالتزام فى ذاته :
سنبقى إذن أمناء على التقسيم التقليدى ، ما دامت نظرية التصرف القانونى والواقعة القانونية لم تتم صياغتها . فالمعاملات المدنية تدور كلها حول قسمين ريسيين : الحق الشخصى (نظرية الالتزام) والحق العينى .
ونظرية الالتزام بدورها تتناول مصادر الالتزام ـ وقد فرغنا من معالجتها ـ ثم الالتزام فى ذاته ، وهو ما نعالجه الآن .


$7 6ـ الالتزام فى ذاته : والالتزام فى ذاته ـ مجرداً عن مصدره ـ هو موضوع دراستنا فى الجزئين الثانى والثالث من هذا (الوسيط) .

ذلك أن الالتزام ـ أيا كان مصدره ـ يمكن النظر إليه فى ذاته من حيث إنه يولــد آثاراً قانونية ، سواء فى صورته البسيطة أو فى صورة أخـرى معدلـة بما يلحـقه مـن الأوصاف ، ومن حيث جواز انتقاله من دائن إلى دائن أو من مدين إلى مدين ، ومن حيث انقضاؤه فإن مصير كل التزام إلى الزوال . وقيل هذا وذاك يجب إثبات الالتزام إذا وقع فيه نزاع حتى يتمكن الدائن من المطالبة به .
فيجتمع لنا إذن أقسام خمسة : (1) آثار الالتزام (2) أوصاف الالتزام (3) انتقال الالتزام (4) انقضاء الالتزام (5) إثبات الالتزام .

7ـ تقديم قسم الإثبات : ونبدأ بقسم الإثبات ، ثم تعقبه الأقسام الأخرى .

وقد قدمنا الإثبات على غيره من الأقسام ـ خلافاً للمألوف لأن الإثبات إنما ينصب على مصادر الالتزام لا على الالتزام ذاته . وقد فرغنا من معالجة هذه المصادر ، فيكون منطقياً أن نعالج عقب ذلك مباشرة طرق إثباتها . بل إن الإثبات لا ينصب على مصادر الالتزام فحسب ، إذاهو يتناول التصرف القانونى والواقعة القانونية فى مجموعهما وفيما يترتب عليهما من توليد جميع الآثار القانونية فى كل نواحى القانون . فنظرية الإثبات إذن نظرية عامة ، مثلها فى ذلك مثل التصرف القانونى والواقعة القانونية . ومكانها الطبيعى إنما هو فى القسم العام من التقنين . فإذا لم يتيسر ، لأسبـاب عمليـة سيأتـى ذكرهــا ، معالجتها فى مكانها الطبيعى ، ولم يتيسر كذلك معالجتها قبل نظرية الالتزام ـ وقد كان هذا أيضاً منطقياً إذ هى تتناول إثبات الحقوق الشخصية والحقوق العينية على السواء ـ فلا أقل من معالجتها ، بعد أن وضعت فى نظرية الالتزام ، عقب مصادر الالتزام ، طبيعياً ، قبل أن نتكلم فى آثار الالتزام وأوصافه وانتقاله وانقضائه ، أن نبين كيف يثبت وجود هذا الالتزام إذا نوزع فيه .

$8 فالترتيب الذى سنجرى عليه فى معالجة هذه الأقسام الخمسة هو إذن البدء ، بالإثبات ، ويعقبه الآثار فالأوصاف فالانتقال فالانقضاء . وحن فى هذا نتابع تبويب التقنين المدنى الجديد ، فيما عدا تقديم قسم الإثبات على الأقسام الأخرى للاعتبارات التى قدمناها .

8 ـ موضوعات هذا الجزء الثانى من الوسيط ك وقد كان منطقياً ان نجمع هذه الأقسام الخمسة فى جزء واحد ، لنقابل بذلك مصادر الالتزام ، وقد عولجت فى الجزء الأول ، بالالتزام فى ذاته ويتناول هذه الأقسام الخمسة . ولكننا تبينا أن جزئاً واحداً يضيق بجميع هذه الأقسام . فلم يسعنا إلا أن نفرد الجزء الثانى من الوسيط لقسمين منها ـ قسم الاثبات وقسم الآثار ـ مرجئين الأقسـام الثلاثـة الأخـرى ـ الأوصـاف والانتقـال والانقضـاء ـ لمعالجتها فى الجزء الثالث .




















$9 القســـــم الأول
الاثبــــات


















$10


























$11 خطة البحث
9ـ نقدم للإثبات بنظرة عامة فى تعريفه ومكانه فى القانون والمبادئ الرئيسية التى تقوم عليها قواعده . ونستعرض فى القسم الثانى من هذه المقدمة مسائل الإثبات الثلاث : محل الإثبات ومن يحمل عبئه وطرقه المختلفة .
فإذا ما تهيأت للقارئ فكرة عامة عن الإثبات فى جملته ، عالجنا مسائله بالتفصيل فى أبواب ثلاثة . نبحث فى الباب الأول منها الكتابة ، وفى الباب الثانى البينة والقرائن القضائية ، وفى الباب الثالث الإقرار واليمين والقرائن القانونية ويدخل فيها حجية الأمخر المقضى . وسنبين فى نهاية المقدمة الأساس الذى يقوم عليه هذا التبويب .


















$ 12
































$13 مقدمــة(5)
1 ـ نظرية عامة فى الإثبات
أولا ـ تعريف الاثبات وأهميته ومكانه فى القانون
1 ـ تعريف الاثبات وأهميته :
10ـ تعريف الاثبات : الإثبات ـ بمعناه القانونى ـ هو إقامة الدليل
$14 أمام القضاء ، بالطرق التى حددها القانون ، على وجود واقعة قانونية ترتبت آثارها(6) .
11ـ ما يستخلص من هذا التعريف ـ أهمية الاثبات : ويستخلص من هذا التعريف الأمور الأربعة الآتية :
(1) الإثبات بمعناه القانونى هو غير الإثبات بمعناه العام . فالإثبات بالمعنى العام يتخصص بأن يكون أمام القضاء ولا بأن يكون بطرق محددة . بل هو طليق من هذه القيود. فالباحث فى التاريخ يستجمع أدلته على صحة الوقائع التاريخية التى يقررها من المستندات التى تحت يده او من أية طريقة أخرى يراها كافية للإثبات. وهذا هو شأن الباحث فى أى علم . وقد غلب على العلم فى تطوراته الأخيرة أن تكون أدلته تجريبية ، يتلمسها الباحث فى المعامل وعن طريق الاستقصاء وبالاستخلاص الصحيح من الإحصاءات الدقيقة . فالإثبات التاريخى ، والإثبات العلمى ، والإثبات بوجه عام ، لا ترد عليه قيود الإثبات القضائى .

ويختلف الإثبات القضائى عن الإثبات غير القضائى من وجوده . فالإثبات القضائى مقيد فى طرقه وفى قيمة كل طريقة منها . أما الإثبات غير القضائى فلا قيد عليه كما قدمنا. والإثبات القضائى متى استقام ملزم للقضاى ، فيتعين عليه ان يقضى بما يؤدى إليه هذا الإثبـات مـن النتـائج القانونيـة ، وإلا كـان فـى إمتنـاعه نكـول عـن أداء العدالـة
(deni de justice) . أما الإثبات غير القضائى فلا يتعين فيه على الباحث أن يأخذ بنتائج محددة ، بل هو حر فى البحث . ثم إن ما ثبت عن طريق القضاء يصبح حقيقة قضائية يجب التزامها ولا يجوز الانحراف عنها ، وهذا ما يسمى بحجية الأمر المقضى (autorite de la chose jugee). أما ما ثبت بطريق علمى أو بأى طريق آخر فإنه لا يعتبر حقيقة ثباتة لا تتغير




، فكثيراً $15 ما يستبين أن الحقائق العلمية ليست إلا فروضاً غير دقيقة ، ثم ينكشف بعد ذلك خطؤها ، ويقوم مقامها حقائق أخرى هى أيضا قابلة للتغيير(7) .
(2) ولما كان الإثبات بمعناه القانوتى هو إقامة الدليل أما القضاء بالطرق التى حددها القانون ، وكان الإثبات القضائى مقيداً إلى هذا الحد ، فإن الحقيقة القضائية تصبح غير متفقة حتما مع الحقيقة الواقعية ، بل كثيراً ما تنفرج مسافة الخلف ما بين الحقيقتين ، وتجافى إحادهما الأخرى . وفى هذا ما يجعل الحقيقة القضائية فى بعض الحالات منعزلة عن الواقع ، بل بعيدة عن الحق ، أقرب إلى أن تكون مصطلحاً فنياً منها حقيقة واقعية(8) . وسنعود إلى هذا المعنى فى موضع آخر .
(3) ولما كان الإثبات القضائى إنما ينصب على وجود واقعة قانونية ترتبت آثارها ، فمحل الإثبات إذن ليس هو الحق المدعى به ولا أى أثر قانونى آخر يتمسك به المدعى فى دعواه ، وإنما هو المصدر القانونى الذى ينشئ هذا الحق أو هذا الأثر . والواقعة القانونية التى هى محل الإثبات يقصد بها هنا معناها العام ، أى كل واقعة أو تصرف قانونى يرتب القانون عليه أثراً معيناً . فالعمل غير المشروع واقعة مادية يرتب القانون عليها التزاماً بالتعويض . والعقد تصرف قانونى يرتب القانون عليه الالتزام الذى اتفق عليه المتعاقدان . وكل من العمل غير المشروع والعقد واقعة قانونية يرتب القانون عليها أثراً ، وهى ـ أى هذه الواقعة القانونية ـ دون الأثر الذى يترتب عليها ، التى تكون محلا للإثبات . ونسعود إلى هذه المسألة ببيان أوفى(9) .

$ 16 (4) وما دام الإثبات القضائى هو إقامة الدليل أمام القضاء على الواقعة التى يرتب القانون عليها أثراً ، فمعنى ذلك أن هذه الواقعة إذا أنكرها الخصم لا تكون حقيقة قضائية إلا عن طريق هذا الإثبات القضائى . فالحق الذى ينكر على صاحبه ، ولا يقام عليه دليله القضائى ، ليست له قيمة عملية ، فهو والعدم سواء من الناحية القضائية . قد يكون للحق وجود قانونى حتى لو لم يقم عليه الدليل القضائى ، وقد ينتج هذا الوجود بعض الاثار القانونية ، ولكن هذا من الندرة بحيث لا يقام له وزن ولا يحسب له حساب .

ومن ثم تتبين أهمية الإثبات القضائى من الناحية العملية . (( فالحق ـ كما تقول المذكرة الإيضاحية لمشروع التقنين المدنى الجديد(10) ـ يتجرد من قيمته مالم يقم الدليل على الحادث المبدئ له ، قانونيا كان هذا الحادث أو مادياً ، والواقع أن الدليل هو قوام حياة الحق ومعقد النفع منه )) . (( ونظرية الإثبات من أهم النظريات القانونية واكثرها تطبيقاً فى الحياة العملية . بل هى النظرية التى لا تنقطع المحاكم عن تطبيقها كل يوم فيما يعرض لها من أقضية )) (11) .

ب ـ مكان الاثبات فى القانون
12ـ انقسام الشرائع إلى طوائف ثلاث : يتنازع قواعد الإثبات مكانان ، مكان فى التقنين المدنى وآخر فى تقنين المرافعات . ذلك أن لهذه القواعد ناحيتين ، ناحية موضوعية هى التى تحدد طرق الإثبات المختلفة وقيمة كل طريقة منها ومن الذى يقع عليه عبء الإثبـات ومـاذا يقـوم بإثباته ، وناحية شكلية هى التى تحدد ما يتبع من الإجراءات فى تقديم طـرق الإثبـات فللشهـادة $17 وللأوراق المكتوبة والطعن فيها وللخبرة ولتحليف اليمين ولغير ذلك من طرق الإثبات إجراءات معينة رسمها القانون(12) .

وقد انقسمت الشرائع فى مكان الإثبات إلى طوائف ثلاث . بعضها يجمع قواعد الإثبات فى ناحيتيها الموضوعية والشكلية ويضعها جميعاً فى تقنين المرافعات ، كما فعل القانون الألمانى والقانون السويسرى(13) . وبعضها يضع القواعد الموضوعية فى التقنين المدنى والقواعد الشكلية فى تقنين المرافعات ، كما فعل القانون المصرى والقانون الفرنسى وأكثر الشرائع اللاتينية(14) . وطائفة ثالثة تفرد قواعد الإثبات جميعاً الموضوعية منها والشكلية بقانون خاص ، كما فعل
$18 القانون الإنجليزى فيما أسماء بقانون الإثبات (law of evidence) وكما فعل القانون السورى فيما أسماه بقانون البينات(15) .

13 ـ بروز القواعد الموضوعية فى الإثبات ووجوب بقائها فى التقنين المدنى : وتقضى سلامة النظر فى هذه المسألة بتخطى الشرائع التى تضع قواعد الإثبات بناحيتيها الموضوعية والشكلية فى تقين المرافعات . قد توضع هذه القواعد كلها فى التقنين المدنى تغليباً للناحية الموضوعية على الناحية الشكلية فيلتئم شملها(16) . وقد توزع بين التقنين المدنى وتقنين المرافعات كما تقضى بذلك طبيعة كل طائفة من هذه القواعد . وقد تنفرد بمكان خاص تنعزل به عن سائر التقنينات حتى لا تطغى ناحية من الناحيتين على الأخرى . ولكن أن يستقل بها جميعاً تقنين المرافعات فهذا ما لا وجه للنظر فيه (17) . ولا يجوز تغليب الناحية $19 الشكلية على الناحية الموضوعية فالناحية الموضوعية من قواعد الإثبات هى دون شك الناحية البارزة : تعيين طرق الإثبات وتحديد قيمها وتحميل عبء الإثبات لأحد الخصمين ، هذا هو اللب فى قواعد الإثبات ، وهذه كلها مسائل موضوعية . ثم إن الناحية الشكلية من قواعد الإثبات قد لا تعرض إطلاقا ، ويقع ذلك عند إعداد طرق الإثبات فيما يعد منها مقدماً (prevue preconstituee) . وقع ذلك أيضا إذا لم يترافع الخصمان فيما تنزعا فيه إلى القضاء بل سويا النزاع بنهما بطريق ودى لا حاجة فيه إلى الإجراءات التى رسمها القانون لتقديم الأدلة(18) .

ومتى خلص أن دليل الحق تغلب فيه النزعة الموضوعية غلبة طاهرة ، كان المكان الطبيعى للقواعد التى تحكم هذا الدليل هو التقنين المدنى . فالدليل على الواقعة التى تنشئ الحق أقرب إلى أن يكون وضعاً شكلياً لهذه الواقعة . ولا يوجد فرق كبير من الناحية العملية بين عقد شكلى وعقد رضائى لا يجوز إثباته إلا بالكتابة . فالكتابة ضرورية فى الحالتين ، وإن كانت الكتابة فى العقد الشكلى تتميز بأنها ترسم على نحو خاص وبأنها واجبة لذاتها فلا يقوم
$20 مقامها الإقرار أو اليمين كما يصح ذلك فى الكتابة المطلوبة للإثبات وبأن الطرفين لا يجوز لهما الاتفاق على تعديل الشكل كما يجوز ذلك فى طرق الإثبات على النحو الذى سنبينه فيما يلى(19) . ولكن يبقى بعد ذلك أن الكتابة للإثبات ضرورية من الناحية العملية ضرورة الكتابة للشكل . ويخلص من هذا أن القواعد التى تحكم الكتابة للإثبات يجب أن يكون مكانها بجانب القواعد التى تحكم الكتابة للشكل ، وأن قواعد الإثبات كقواعد الشكل يجب أن يكون مكان كل طائفة منهما هو التقنين المدنى(20) .

14 ـ مكان قواعد الاثبات الموضوعية فى التقنين المدنى ك على أن مكان قواعد الإثبات ، الموضوعية منها على الأقل ، فى التتقنين المدنى لا يتفق فيه النظر . فالتقنين المدنى الفرنسى وضعها بين القواعد التى تحكم نظرية العقد ، ولا شك فى أن مكان غير مناسب إذ أن قواعد الإثبات تسرى على العقد $21 وعلى غيره من مصادر الالتزام الأخرى(21) . والتقنين المدنى المصرى ـ القديم والجديد ـ وضع هذه القواعد فى النظرية العامة للالتزام(22) ، وهذا مكان أليق . وقد يقال إن نظرية الإثبات ليست مقصورة على الالتزام ، بل هى نظرية عامة شاملة تتناول مصادر الالتزام ومصادر الحق العينى ومصادر روابط الأسرة ، ولا تقف عند المصادر فحسب إذ هى تحكم أيضا أسباب انقضاء روابط الأسرة ، ولا تقف عند المصادر فحسب إذ هى تحكم أيضا أسباب انقضاء الحقوق وكل سبب آخر ينشئ أثراً قانونياً ، بل هى تجاوز منطقة القانون المدنى إلى غيرها من مناطق القوانين الأخرى (23) . ولكن التقنين المدنى المصرى غلب الناحية العملية وآثرها على الناحية العلمية . فالإثبات كما رأينا ينصب على اى سبب ينشئ أثراً قانونيا ، وهذه الأسباب يمكن حصرها فى الواقعة القانونية والتصرف القانونى . فيكون المكان المنطقى للإثبات على هذا الوجه هوفى القسم العام منالتقنين المدنى حتى تنبسط قواعده على جميع نواحى هذا القانون وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ولكن الناس قد ألفت أن تبحث عن قواعد الإثبات فى النظرية العامة للالتزام . ثم إن هناك قواعد خاصة لإثبات الحقوق العينية وضعها التقنين المدنى الجديد فى مكانها من نظرية الحيازة . فأصبحت قواعد $22 الإثبات الواردة فى نظرية الالتزام هى القواعد العامة للإثبات تسرى على الحقوق الشخصية والحقوق العينية على السواء . وتختص الحقوق العينية ، بالإضافة إلى ذلك ، بقواعد أخرى هى الواردة فى نظرية الحيازة . وفى هذا توزيع لقواعد الإثبات ، إذا لم يكن دقيقاً من الناحية العلمية ، ، فانه يستقيم من الناحية العملية ، وقد جرت به العادة ، وألفته الناس ، فلم يجد التقنين المدنى الجديد محلا للعدول عنه(24) .

جـ ـ مقابلة سريعة بين النصوص التقنين المدنى الجديد ونصوص التقنين المدنى القديم فى قواعد الإثبات

15 ـ ترتيب التقنين القديم : لا يكاد التقنين المدنى الجديد يكون قد استحدث شيئاً هاماً فى قواعد الإثبات عن تلك التى كان التقنين القديم يقررها . وقد قدمنا أن مكان هذه القواعد فى التقنين الجديد بقى هو عين مكانها فى التقنين القديم .

$23 وكانت نصوص التقنين القديم غير مرتبة . فقد بدأت بنص فى شأن عبء الإثبات . ثم بينت المواطن التى يجب الإثبات فيها بالكتابة وتلك التى يجوز الإثبات فيها بالبينة وبالقرائن . وعرضت بعد ذلك لإثبات التخلص من الدين بتسليم السند وبوجوده تحت يد المدين وبالشروع فى الوفاء . ثم عادت لجواز إثبات أصل الدين بدفع الفوائد . ثم عرضت لليمين المتممة ثم لليمين الحاسمة . ثم رجعت إلى تعريف المحررات الرسمية والمحررات العرفية مع بيان حجية كل منهما وبيان حجية التاريخ ومتى يكون تاريخاً ثابتاً . ثم عرضت للتأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين ومدى حجية هذا التأشير . وعادت بعد ذلك إلى تحديد قيمة صور الأوراق الرسمية . وانتقلت فجأة إلى حجية الأمر المقضى . ثم عرضت للإقرار . وانتهت بنص يطلق الإثبات فى المواد التجارية .

16 ـ ترتيب التقنين الجديد : أما التقنين الجديد(25) فقد رتب قواعد الإثبات ترتيباً منطقياً فى الباب السادس من الكتاب الأول . فقدم لهذه القواعد بنص فى تحميل عبء الإثبات . وفى فصول خمسة عرض للإثبات بالكتابة ، فالإثبات بالكتابة عرف الورقة الرسمية وبين حجيتها وحجية صورها ، ثم عرف الورقة العرفية وبين حجيتها وحجية التاريخ وثبوته ، ثم انتقل لقيمة بعض الأوراق العرفية فى الإثبات فعرض للرسائل والبرقيات ودفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية والتأشير على السند بما يفيد براءة المدين . وفى الإثبات بالبينة بين متى يجوز ذلك ومتى لا يجوز . وفى الإثبات بالقرائن عرف القرينة القانونية $24 وبين حجيتها ، وانتقل إلى حجية الأمر المقضى كقرينة قانونية ، وإلى حجية الحكم الجنائى بالنسبة إلى القضاء المدنى ، ثم عرض للقرائن القضائية . وفى الإثبات بالإقرار عرف الإقرار ، وحدد حجيته ، وبين متى يتجزأ . وفى الإثبات باليمين عرض لليمين الحاسمة ، ثم لليمين المتممة .

17 ـ لم يستحدث التقنين الجديد شيئاً جوهرياً فى قواعد الإثبات : وفى غير هذا الترتيب المنطقى المتسق لم يستحدث التقنين الجديد شيئاً جوهرياً فى قواعد الإثبات . بل اقتصر التنقيح على بعض المسائل التفصيلية ، مع تهذيب فى العبارة والأسلوب ، وتوضيح لما كان مقتضياً أو مبهماً ، وحتى فيما زاده التقنين الجديد من الأحكام ، كتحديد الورقة الرسمية والورقة العرفية ودفاتر التجار والأوراق المنزلية وجواز منع توجيه اليمين الحاسمة وجواز إثبات الحنث فيها ، لم يستحدث قواعد جديدة ، ولكنه اقتصر على تقنين القضاء المصرى فى هذه المسائل(26) . وسنعود إلى كل مسألة فى موضعها .

18 ـ سريان قواعد الاثبات من حيث الزمان : ومهما يكن من أمر ، فهناك بعض أحكام تفصيلية استحدثها التقنين الجديد كما قدمنا . فنذكر فى هذه المناسبة المبدأ العام فى سريان قواعد الإثبات من حيث الزمان . لنرى متى تسرى القواعد الجديدة بوجه عام ، تاركين تفصيل سريان كل قاعدة إلى موضعها من هذا الكتاب .

أما القواعد الموضوعية للإثبات ، وهى تلك التى تعين طرق الإثبات وتبين متى يجوز قبولها وتحدد قيمة كل منها ، فالقانون الذى يطبق هو القانون الذى كان سارياً وقت نشوء الحق المراد إثباته . فلو كان هذا القانون يجيز الإثبات بالبينة مثلا ، جاز هذا الإثبات حتى لو كان القانون الجديد وقت رفع الدعوى لا يجيز الإثبات إلا بالكتابة . والعكس صحيح على خلاف فى الرأى (27) . وتطبيقاً لهذا $25 المبدأ نصت المادة التاسعة من التقنين المدنى الجديد على أن (( تسـرى فـى شــأن الأدلة $26 التى تعد مقدما النصوص المعمول بها فى الوقت الذى أعد فيه الدليل أو فى الوقت الذى كان ينبغى في إعداده ))(28) .

أما الإجراءات التى تتبع فى سلوك طريق الإثبات ، فهذه يسرى عليها القانون القائم وقت نظر الدعوى ولو كان جديداً ، لأن قوانين الإجراءات الجديدة تسرى على الماضى(29) .

ثانياً ـ المبادئ الرئيسية التى تقوم عليها قواعد الاثبات

19 ـ مبادئ ثلاثة : يقوم الإثبات على مبادئ رئيسية ثلاثة :
( أ ) فهو نظام قانونى (systeme legal) ، أى تنظمه قواعد يقررها القانون .
(ب ) ويكون القاضى فيه محايداً ، وهذا هو مبدأ حياد القاضى (neutralite du juge) .
(ج ) أما الخصوم فيقومون فيه بالدور الإيجابى ، وهذا هو حق الخصم فى الإثبات (droit a la prevue) .

والواقع ـ كما سنرى ـ أن هناك تعاوناً وثيقاً فى الإثبات بين القانون والقاضى والخصوم . فالقانون يبين طرق افثبات ويحدد قيمة كل منها . والقاضى يطبق القواعد التى يقررها القانون فى ذلك ، ويتمتع فى تطبيقها بشئ غير قليل من حرية التقدير . والخصوم هم الذين عليهم أن يقدموا الأدلة على صحة دعاواهم ، ذلك على الوجه الذى رسمه القانون ، ولكل خصم الحق فى مناقشة الأدلة التى يقدمها خصمه وفى تنفيذها وفى إثبات عكسها .
ونستعرض الآن هذه المبادئ الثلاثة .

$27 أ ـ مبدأ النظام القانونى للإثبات ـ مذاهب ثلاثة

20 ـ الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية ـ العدالة والاستقرار : رأينا فيما تقدم أن الحقيقة القضائية قد تبتعد عن الحقيقة الواقعية ، بل قد تتعارض معها . ورأينا أن السبب فى ذلك أن الحقيقة القضائية لا تثبت إلا من طريق قضائى رسمه القانون . وقد يكون القاضى من أشد الموقنين بالحقيقة الواقعية ، وقد يعرفها بنفسه معرفة لا يتطرق إليها الشك ، ولكن ينعدم أمامه الطريق القانونى لإثباتها فلا يجد بداً من إهدارها والأخذ بسبل القانون فى الإثبات ، ومن ثم قد تتعارض الحقيقة القضائية مع الحقيقة الواقعية .

والقانون فى تمسكه بالحقيقة القضائية دون الحقيقة الواقعية إنما يوازن بين اعتبارين : اعتبار العدالة فى ذاتها ويدفعه إلى تلمس الحقيقة الواقعية بكل السبل ومن جميع الوجوه حتى تتفق معها الحقيقة القضائية ، وإعتبار إستقرار التعامل ويدفعه إلى تقييد القاضى فى الأدلة التى يأخذ بها وفى تقدير كل دليل فيحدد له طرق الإثبات وقيمة كل طريق منها ، حتى يأمن جوره إذا مال إلى الجور ، أو فى القليل حتى يحد من تحكمه ، فلا تختلف القضاة فيما يقبلون من دليل وفى تقدير قيم الأدلة فى الأقضية المتماثلة .

21 ـ مذاهب ثلاثة فى الاثبات : ويمكن فى الموازنة ما بين الاعتبارين اللذين تقدم ذكرهما ـ اعتبار العدالة واعتبار استقرار التعامل ـ أن نتصور قيام مذاهب ثلاثة فى الإثبات : (1) مذهب يميل إلى اعتبار العدالة ولو بالتضحية فى استقرار التعامل ، وهذا هو المذهب الحر أو المطلق (systeme libre) . (2) ومذهب يستمسك باستقرار التعامل ولو على حساب العدالة، فيقيد القانون الإثبات أشد التقييد حتى يستقر التعامل ، وهذا هو المذهب القانونى أو المذهب المقيد (systeme legal) . (3) ومذهب ثالث هو بين بين ، يزن ما بين الاعتبارين ، فيعتد بكل منهما ، ولا يضحى أحدهما لحساب الآخر ، وهذا هو المذهب المختلط (systeme mixte) .








$28 22 ـ المذهب الحر أو المطلق : أما المذهب الحر أو المطلق ففيه ، كما قدمنا ، لا يرسم القانون طرقاً محددة للإثبات يقيد بها القاضى ، بل يترك الخصوم أحراراً يقدمون الأدلة التى يستطيعون إقناع القاضى بها ، ويترك القاضى حراً فى تكوين اعتقاده من أى دليل يقدم إليه . وهذا المذهب يقرب كثيراً ما بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية لمصلحة العدالة . وقد اعتنقته بعض الشرائع فى بدء تطورها ، واعتنقه بعض رجال الفقه الإسلامى(30) ، ولا تزال الشرائع الجرمانية والشرائع الأنجلوسكسونية ( القانون الألمانى والقانون السويسرى والقانون الإنجليزى والقانون الأمريكى ) تأخذ به إلى حد كبير .
ولكن حظ العدالة فى هذا المذهب ظاهرى أكثر منه حقيقياً . فهو قد يقرب الحقيقة القضائية من الحقيقة الواقعية إلى مدى واسع ، ولكن بشرط أن يؤمن من القاضى الجور والتحكم . فاذا جار القاضى أو تحكم فى تعيين طرق الإثبات وتحديد قيمها ، ابتعدت الحقيقة القضائية عن الحقيقة الواقعية أكثر من ابتعادها فى المذهب القانونى أو المقيد ز وننتقل الآن إلى هذا المذهب .

$29 23 ـ المذهب القانونى أو المقيد : ففى المذهب القانونى أو المقيد يرسم القانون طرقاً محددة تحديداً دقيقاً لإثبات المصادر المختلفة للروابط القانونية ، ويجعل لكل طريق قيمته ، ويتقيد بكل ذلك الخصوم والقاضى . (( وهذا المذهب ـ كما جاء فى الموجز(31) ـ على ما فيه من دقة حسابية تكفل ثبات التعامل ، يباعد ما بين الحقائق الواقعة والحقائق القضائية ، فقد تكون الحقيقة الواقعة ملء السمع والبصر ، ولكنها لا تصبح حقيقة قضائية إلا إذا استطيع إثباتها بالطرق التى حددها القانون )) . وقد تغلب فى الفقه الإسلامى المذهب القانونى فى الإثبات . فيجب فى الإثبات بالبينة شهادة شاهدين ، ولا يكتفى بشاهد واحد إلا فى حالات استثنائية(32) ، وإذا توافر نصاب الشهادة وجب الأخذ بها دون أن يكون للقاضى حرية فى التقدير ، ويتفاوت نصاب الشهادة من واقعة إلى أخرى فى حدود مقدرة تقديراً يكاد يكون حسابياً(33) .

24 ـ المذهب المختلط : والمذهب المختلط يجمع بين الإثبات المطلق والاثبات المقيد . (( وأشد ما يكون إطلاقاً ـ كما جاء فى الموجز(34) ـ فى المسائل الجنائية ، ففيها يكون الاثبات حراً يتلمس القاضى وسائل الاقناع فيه من أى دليل يقدم إليه ، شهادة كانت أو قرينة أو كتابة أو أى دليل آخر . ثم يتقيد الاثبات بعض التقيد فى المسائل التجارية مع بقائه حراً فى الأصل . ويتقيد بعد ذلك إلى حد كبير فى المسائل المدنية فلا يسمح فيها إلا بطرق محددة للإثبات تضيق وتتسع متمشية فى ذلك مع الملابسات والظروف . وهذا المذهب الثالث هو خير المذاهب جميعاً ، فهو يجمع بين ثباتالتعامل بما احتوى عليه من قيود ، وبين اقتراب الحقيقة الواقعة من الحقيقة القضائية بما أفسخ فيه للقاضى من حرية التقدير . وقد أخذ القانون المصرى بهذا المذهب مقتفياً فى ذلك أثر
$30 الشرائع اللاتينية كالقانون الفرنسى والقانون الايطالى والقانون البلجيكى )) .
ويلاحظ على هذا المذهب أمران : (1) أن اقتراب الحقيقة القضائية من الحقيقة الواقعية فيه لا يصل إلى حد يجعل للأدلة قوة قطعية ، فلا تزال للإدلة فيه حجة ظنية ، ولا تزال الحقيقة القضائية هى مجرد احتمال راجح idée de probabilite وليست حقيقة قاطعة . ولابد من الناحية العملية الاكتفاء بالحجج الظنية ما دامت راجحة ، لأن اشتراط الحجج القاطعة يجعل باب الاثبات مقفلا أمام القاضى . (2) أن المذهب المختلط يتفاوت فى نظام قانونى عنه فى نظام آخر ، فهو يضع من القيود على حرية القاضى فى تلمس الدليل قليلا أو كثيراً على قدر متفاوت يختلف باختلاف النظم القانونية . فمن النظم ما تقلل من هذه القيود حتى يشتد التقارب ما بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية فيرجح حظ العدالة ، ومنها ما يزيد فى القيود ولو ابتعدت الحقيقة القضائية عن الحقيقة الواقعية حتى يستقر التعامل . وخير هذه النظم ما وازن بين الاعتبارين فى كفتى الميزان ، حتى لا ترجح كفة وتشيل أخرى .

ب ـ مبدأ حياد القاضى (35)

25 ـ موقف القاضى من الاثبات فى كل من المذاهب الثلاثة : ويتصل بما تقدم موقف القاضى من الاثبات . فهو فى المذهب الحر أو المطلق موقف إيجابى ، ينشط القاضى فيه إلى توجيه الخصوم ، واستكمال ما نقص فى الأدلة ، واستيضاح ما أبهم منها . وهو فى المذهب القانونى أو المقيد موقف سلبى محض ، لا يعدو القاضى فيه أن يتلقى أدلة الاثبات كما يقدمها الخصوم دون أى تدخل من جانبه ، ثم يقدر هذه الأدلة طبقاً للقيم التى حددها القانون ، فإذا رأى الدليل ناقصاً أو مبهماً فليس له أن يطلب إكماله أو توضيحه ، بل يجب عليه أن يقدره كما هو فى الحالة التى قدمه فيها الخصوم . وهو فى المذهب
$31المختلط ينبغى أن يكون موقفاً وسطاً بين الايجابية والسلبية ، ولكنه يجب أن يكون أقرب إلى الايجابية منه إلى السلبية ، فيباح للقاضى شئ من الحرية فى تحريك الدعوى وفى توجيه الخصوم وفى استكمال الأدلة الناقصة وفى استيضاح ما أبهم من وقائع الدعوى . ولا يتعارض ذلك مع تقييد القاضى بأدلة قانونية معينة وبتحديد قيم هذه الأدلة ، فإن هذا التقييد يجب أن تقابله حرية القاضى فى تقدير وزن كل دليل فى حدود قيمته القانونية ، حتى يستجلى الحقائق واضحة كاملة(36) .

أما منع القاضى من القضاء بعلمه فليس فرعاً عن مبدأ حياد القاضى ، بل هو النتيجة المترتبة على حق الخصوم فى مناقشة أى دليل يقدم فى القضية ، وسنرى ذلك فيما يلى .

26 ـ مبدأ حياد القاضى فى القوانين اللاتينية والقانون المصرى : قد رأينا أن القوانين اللاتينية ، والقانون المصرى معها ، قد اتخذت المذهب المختلط فى الاثبات . وهة مع ذلك لا توسع على القاضى فى حرية توجيهه للدعوى واستخلاص الحقائق من أدلتها القانونية إلا إلى مدى محدود ؛ فالقاضى يستطيع مثلا أن يحيل الدعوى على التحقيق من تلقاء نفسه ، كما يستطيع أن يعين خبيراً ، وله أن يطلب إحضار الخصوم شخصياً (Comparution Personnelle) ، وأن يوجه إلى أحدهما اليمين المتممة (serment suppletif) .(37) وقد زاد تقنين المرافعات المصرى الجديد فى إيجابية موقف القاضى من الاثبات فخوله سلطة فى توجيه الدعوى فيما يتصل بالآثار التى تترتب على عدم قيد المدعى لدعواه ، وبشطب الدعوى عند تخلف الخصوم عن الحضور ، وبوقف الدعوى لمدة معينة عند اتفاق الخصوم على ذلك ، وبسقوط الخصومة لا نقطاعها بوفاة أحد الخصوم أو بزوال أهليته أو انتهاء صفته أو وقفها بفعل المدعى أو تقصيره ، ويتقادم الخصومة بخمس سنوات بدلا من خمس عشرة ، وبإدخال القاضى$32 من تلقاء نفسه من لم يكن طرفاً فى الخصومة ليرد الدعوى إلى وضعها الطبيعى بعد أن انحرف بها عنت الخصوم أو إهمالهم ، وباجراءات التحقيق فاذا أحيلت الدعوى على التحقيق أو عين فيها خبير أو طعن فيها بالتزوير لم يعد سير التحقيق أو السير فى نظر الموضوع موقوفاً على طلب تعجيل يتقدم به الخصم صاحب المصلحة(38) .

ج ـ مبدأ دور الخصوم الايجابى ـ الحق فى الاثبات

27 ـ حق الخصوم فى مناقشة الادلة التى تقدم فى الدعوى ـ لا يجوز للقاضى أن يقضى بعلمه : على أنه مهما يكن من قدر الحرية التى تطلق للقاضى فى الاثبات ، فلا جدال فى أن أى دليل يقدمه الخصم فى الدعوى يجب أن يعرض على الخصوم جميعاً لمناقشته ن ويدلى كل برأيه فيه ، يفنده أو يؤيده ، والدليل الذى لا يعرض على الخصوم لمناقشته لا يجوز الأخذ به(39) . ولا يجوز للمحكمة أن تأخذ بدليل نوقش فى قضية أخرى ما لم يناقش فى القضية القائمة(40) .

$33وهذا مبدأ جوهرى من مبادئ التقاضى ، حتى لا تبقى الخصومة مجهلة ، وحتى تتكافأ فرص الخصوم فى الدعوى . ومن ثم كان للخصم حق طلب التأجيل للإطلاع على المستندات المقدمة من خصمه والرد عليها ( م 108 مرافعات ) .

ولايجوز للقاضى أن يقوم بمعاينة مكان النزاع فى غيبة الخصوم ودون أن يدعوهم لحضور المعاينة ومن غير إصدار قرار باجرائها . ولكن يكفى أن يعرض الدليل على الخصوم لمناقشته ، فإذا لم يريدوا مناقشته فعلا فقد نزلوا عن حقهم فى ذلك وصح الأخذ بالدليل(41) . كذلك لا يجوز للقاضى ان يأتى بأدلة من عنده لم تقدمها الخصوم ، إلا إذا تراضوا عليها وقبلوا مناقشتها(42) .

ويترتب على حق الخصوم فى مناقشة الأدلة التى تقدم فى الدعوى أنه لا يجوز للقاضى أن يقضى بعلمه . ذلك أن علم القاضى هنا يكون دليلا فى القضية ، ولما كان للخصوم حق مناقشة هذا الدليل اقتضى الأمر ان ينزل القاضى منزلة الخصوم ، فيكون خصما وحكماً ، وهذا لا يجوز(43) . وقد رأينا فيما تقدم أن امتناع القاضى$34عن القضاء بعلمه لا يرجع إلى موقفه المحايد فى الاثبات ، فان حياد القاضى لا يتعارض ضرورة مع القضاء بعلمه ، وإنما يرجع إلى ما نذكره هنا من حق الخصوم فى مناقشة الدليل(44) .

وهذا الدور الايجابى للخصوم فى الاثبات ، وما يستتبعه من حقهم فى مناقشة الأدلة ، تنظمه قواعد أربع : (1) حق الخصم فى الاثبات (2) حق الخصم الآخر فى إثبات العكس (3) لا يجوز لأى خصم أن يصطنع دليلا لنفيه (4) ولا يجوز إجباره على تقديم دليل ضد نفسه . ونقول كلمة عن كل من هذه القواعد .

28 ـ حق الخصم فى الاثبات : على الخصم أن يثبت ما يدعيه أما القضاء بالطرق التى بينها القانون . فموقفه فى الاثبات موقف إيجابى . وليس هذا واجباً عليه فحسب ، بل هو أيضاً حق له . فللخصم أن يقدم للقضاء جميع ما تحت يده أو ما يستطيع إبرازه من الأدلة التى يسمح بها القانون تأييداً لما يدعيه . فان لم يمكنه القاضى من ذلك كان هذا إخلالا بحقه ، وكان سبباً للطعن فى الحكم بالنقض .

ويتقيد حق الخصم فى الاثبات بقيود ثلاثة : (1) لا يجوز للخصم أن يثبت ما يدعيه إلا بالطرق التى حددها القانون . فلا يجوز له أن يثبت بالبينة مالا يجوز إثباته إلا بالكتابة ، ولا يجوز له أن يوجه اليمين الحاسمة إلى خصمه حيث يكون متعنتاً فى توجيهها . ويجب فيما يسمح له به القانون من طرق الاثبات أن يتقدم بما عنده$35 من الأدلة طبقاً للأوضاع وللإجراءات التى رسمها له القانون . (2) كذلك لا يجوز للخصم أن يطلب إثبات واقعة لم تتوافر فيها الشروط الواجبة ، إذ يجب أن تكون الواقعة متعلقة بالدعوى منتجة فى دلالتها جائزة الاثبات قانوناً . وسنفصل هذه اشروط فيما يلى . (3) ويبقى للقاضى بعد كل ذلك حرية واسعة فى تقدير قيمة الأدلة التى تقدم بها الخصم ، فيرى ما إذا كانت شهادة الشهود مقنعة ، ويقدر إذا قدم الخصم ورقة ما يترتب على الكشط والمحو والتحشير وغير ذلك من العيوب المادية فى هذه الورقة من إسقاط قيمتها فى الاثبات أو إنقاصها ( م 260 مرافعات ) ، وإذا كانت وقائع الدعوى ومستنداتها كافية لاقتناعه بصحة الورقة التى تقدم بها الخصم الآخر أو بتزويرها فله أن يمتنع عن السير فى إجراءات التزوير التى طلبها الخصم الذى طعن بالتزوير فى هذه الورقة ( م 290 مرافعات ) ، بل له ولو لم يدع أمامه بالتزوير أن يحكم من تلقاء نفسه برد أية ورقة وبطلانها إذا ظهر له بجلاء من حالتها أو من ظروف الدعوى أنها مزورة ( م 290 مرافعات ) ، كما أن له أن يعدل عما أمر به من إجراءات الاثبات أو ألا يأخذ بنتيجة هذه الاجراءات ( م 165 مرافعات ) ، وإذا رأى أن الدعوى ليست فى حاجة إلى استجواب فإن له أن يرفض طلب الاستجواب الذى يتقدم به الخصم ( م 168 مرافعات ) .

وحق الخصم فى الإثبات يقابله واجب يلقى على عاتق الخصم الآخر ، بل على عاتق الغير ، فى ألا يعطل هذا الحق بعنت منه أو سوء نية . ويصل هذا الواجب إلى مدى بعيد ، فيفرض فى بعض الحالات على الخصم الآخر أو الغير أن يتقدم مستندات فى حوزته لتمكين المدعى من إثبات حقه ، وسنعود إلى هذا الواجب بالتفصيل فيما يلى .

29 ـ حق الخصم الآخر فى إثبات العكس : وكل دليل يتقدم به الخصم لإثبات دعواه يكون للخصم الآخر الحق فى نقضه وإثبات عكس ما يدعيه الخصم . وتطبيقاً لهذه القاعدة نصت المادة 192 من تقنين المرافعات على أن (( الاذن لأحد الخصوم باثبات واقعة بشهادة الشهود يقتضى دائماً أن يكون للخصم الآخر الحق فى نفيها بهذه الطريق )) . وإذا كان الدليل الذى قدمه الخصم ورقة مكتوبة ، فان كانت ورقة عرفية كان للخصم الآخر أن ينكر خطه أو $36إمضاءه أو أن يطعن فى الورقة بالتزوير، وإن كانت ورقة رسمية كان للخصم الآخر أن يطعن فيها بالتزوير . وفى جميع الأحوال يجوز للخصم الآخر ـ فيما لا يتحتم فيه الطعن بالتزوير ـ أن يثبت عكس ما هو ثابت ضده بالكتابة على أن يكون إثبات العكس بكتابة مماثلة وفقاً للأحكام التى قررها القانون . وإذا كان الدليل المقدم قرينة قضائية ، فللخصم الآخر أن يدحض هذه القرينة بقرينة مثلها أو بأى طريق آخر . وكذلك الحال فى القرينة القانونية ، فان الأصل فيها جواز إثبات العكس ، أما القرائن القانونية التى لا تقبل إثبات العكس فنادرة ولابد فى منع إثبات العكس فيها من نص فى القانون .

وحتى الاقرار واليمين يتصور فيهما تطبيق هذه القاعدة . فاذا تمسك الخصم بالاقرار الصادر من الخصم الآخر ، جاز لهذا الخصم الآخر أن يتمسك ببطلان هذا الاقرار لعدم الأهلية أو لغير ذلك من العيوب . وإذا وجه الخصم اليمين الحاسمة للخصم الآخر ، جاز لهذا الخصم الآخر أن يرد على خصمه اليمين .

ويتبين من كل ذلك أن الأصل فى الدليل الذى يقدمه الخصم تمكين الخصم الآخر من نقضه ، وأن حق الخصم فى إثبات ما يدعيه يقابله حق الخصم الآخر فى إثبات العكس .

30 ـ لا يجوز لأى خصم أن يصطنع دليلا لنفسه : الأصل أن الدليل الذى يقدم ضد الخصم يكون صادراً منه حتى يكون دليلا عليه . فالورقة المكتوبة حتى تكون دليلا على الخصم يجب أن تكون بخطه أو بإمضائه . وإذا كانت الورقة ليست دليلا كاملا واقتصر أمرها على أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، فانه يجب كذلك أن تكون صادرة من الخصم الذى يراد الاثباتضده على التفصيل الذى سنبينه فيما بعد .

ومن ثم لا يجوز أن يكون الدليل الذى يتمسك به الخصم صادراص مه هو أو أن يكون من صنعه ، فمن البداهة أن الشخص لا يستطيع أن يصطنع دليلا بنفسه لنفسه . ((ولو يعطى الناس بدعواهم ـ كما جاء فى الحديث الشريف ـ لا دعى $37أناس دماء رجال وأموالهم))(45) . فلا يجوز إذن أن يكون الدليل يقدمه الخصم على صحة دعواه مجرد أقواله وادعاءاته ، او أن يكون ورقة صادرة منه ، أو مذكرات دونها بنفسه . وتطبيقاً لذلك نصت الفقرة الأولى من المادة 972 من التقنين المدنى على أنه ((ليس لأحد ان يكسب بالتقادم على خلاف سنده ، فلا يستطيع أحد أن يغير بنفسه لنفسه سبب حيازته ولا الأصل الذى تقوم عليه هذه الحيازة)) . وهذه القاعدة فرع عن مبدأ أعم وأشمل ، هو أن الشخص لا يستطيع أن يخلق بنفسه لنفسه سبباً لحق يكسبه ، ومن استعجل الشئ قبل أوانه عوقب بحرمانه . فالوارث الذى يقتل مورثه يحرم من إرثه ، وإذا كان التأمين على حياة شخص غير المؤمن له برئت ذمة المؤمن من التزاماته متى تسبب المؤمن له عمداً فى وفاة ذلك الشخص أو وقعت الوفاة بناء على تحريض منه ، وإذا كان التأمين على الحياة لصالح شخص غير المؤمن له فلا يستفيد هذا الشخص من التأمين إذا تسبب عمداً فى وفاة الشخص المؤمن على حياته أو وقعت الوفاة بناء على تحريض منه (م 757 مدنى) . ويعتبر الشرط قد تحقق إذا كان الطرف الذى له مصلحة فى أن يتخلف قد حال بطريق الغش دون تحققه ، وكذلك لا أثر للشرط الذى تحقق إذا كان تحققه قد وقع بغش الطرف الذى له مصلحة فى أن يتحقق ( م 388 من مشروع التقنين المدنى الجديد ) .

على أن القانون نص فى بعض الحالات ، لمبررات قدرها المشرع ، على جواز أن يتمسك الشخص بدليل صدر منه هو . من ذلك ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 397 من التقنين المدنى من أن ((دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار ، غير أن البيانات المثبتة فيها عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضى أن يوجه اليمين المتممة إلى أى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة )) . ومن ذلك ما نص عليه التقنين التجارى من أن دفتر التاجر قد يكون حجة له على التاجر ، إذ تقضى المادة 17 من هذا التقنين بأنه ((يجوز للقضاة قبول الدفاتر التجارية لأجل الاثبات فى دعاوى التجار المتعلقة بمواد تجارية إذا كانت تلك الدفاتر مستوفية للشروط المقررة قانوناً )) . ومن ذلك أخيراً ما نصت عليه المادة $38 257 من تقين المرافعات ـ فى حالة امتناع الخصم من تقديم ورقة يلزمه القانون بتقديمها ـ من أنه ((إذا لم يقم الخصم بتقديم الورقة فى الموعد الذى حددته المحكمة . . اعتبرت صورة الورقة التى قدمها خصمه صحيحة مطابقة لأصلها ، فان لم يكن خصمه قد قدم صورة منالورقة جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكلها أو بموضوعها))(46) .

31 ـ لا يجوز اجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسن الا فى حالات معينة : قدمنا أن لا يجوز للخصم أن يصطنع دليلا لنفسه . ويقابل ذلك أنه لا يجوز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه (Nemo tenetur edere contra se) . فكما أن الخصم لا يستفيد من دليل صنعه لنفسه ، كذلك هو لا يضار بتقديم دليل ضد نفسه(47) .

غير أن بداهة القاعدة الأولى تفوق وضوح القاعدة الثانية . فقد رأينا أن حق الخصم فى الاثبات قد يصل فى بعض الحالات إلى حد إجبار خصمه أو الغير على تقديم دليل فى حوزته . لذلك كانت هذه القاعدة الثانية فى حاجة إلى إمعان فى النظر .

فمن الممكن القول إن من امتنع من الخصوم دون حق أن يستجيب لطالبات خصمه من تقديم مستندات فى حوزته ، أو جعل بفعله غثبات الدعوى مستحيلا بأن امتنع مثلا عن تقديم دليل تحت يده لا يمنع القانون من تقديمه ، جاز أن يخسر دعواه ، وذلك بطريق القياس على من جعل بفعله تحقق الشرط الذى علق $39 عليه التزامه مستحيلا فان القانون يفترض أن الشرط قد تحقق(48) . بل إن الغير أيضا ـ لا الخصم وحده ـ قد يلقى عليه واجب المعاونة فى الاثبات . فيطلب شاهداً فى الدعوى ويجب عليه الادلاء بشهادته فاذا تخلف عن الشهادة جاز الحكم عليه بالغرامة ، وإذا كانت تحت يده مستندات جازت مطالبته بابرازها بين يدى القضاء(49) .

وقد تصل بعض الشرائع إلى حد أن نفرض بنص خاص التزاماً قانونياً على من يجوز أو يحرز شيئاً أو مستنداً يكون للغير مصلحة فى عرضه لاثبات أمر يدعيه أن يعرض هذا الشئ أو يقدم هذا المستند للقضاء للكشف عما يمكن أن يتضمنه من وجوه إثبات الأمر المدعى به . ويرفع بهذا الالتزام القانونى دعوى تسمى بدعوى العرض (action ad exhibendum) (50) . وقد نص على هذه $40 الدعوى كل من القانون الألمانى والقانون السويسرى والمشروع الفرنسى الايطالى . وأخذ بها القضاء الفرنسى دون نص ، يبنيها تارة على وحدة المصلحة أو الشركة فى المستند (communaute d`interet, communaute de titre) (51) لاسيما إذا كان هذا المستند عقداً ، ويبنها طوراً على مصلحة العدالة (justice interet de la) (52) . وستخلص من أحكام القضاء الفرنسى أنه يجعل للخصم حق الاثبات ، ويلقى على خصمه واجب المعاونة فى ذلك ما استطاع إليه سبيلا ، ما دام لا يوجد مانع قانونى كوجوب الاحتفاظ بسر المهنة(53) . فإذا لم يقم الخصم بواجبه فى المعاونة ، وعطل على خصمه حقه فى الاثبات ، اعتبر فى منزلة من قام الدليل ضده ، وخسر الدعوى(54) .
أما فى مصر ، فقبل صدور التقنين المدنى الجديد وتقنين المرافعات الجديد ، $41 كان القضاء يذهب إلى عدم إجبار الخصم على أن يقدم دليلا يرى أنه ليس فى مصلحته(55) . إلا أنه إذا طلب الخصم تكليف خصمه بتقديم ورقة تحت يده وامتنع عن تقديمها ، فهذا الامتناع يكون محل اعتبار من المحكمة بحسب دلالته المحتملة ، ولا يتحتم اعتباره تسليما بادعاء الطالب(56) ، وللمحكمة أن تقضى لمصلحة الخصم الذى يرجح لديها أنه هو الحق(57) ، ولها أن تستخلص من امتناع الخصم دليلا للحكم ضده (58) . $42 وقد كان المشروع الابتدائى للتقنين المدنى الجديد يحتوى على نص يقرر دعوى العرض (action ad exhibendum) ويفصل أحكامها على غرار المشروع الفرنسى الايطالى ، فحذف فى لجنة المراجعة لأنه أدخل فى باب المرافعات ، وكان هذا النص ( المادة 273 من المشروع الابتدائى ) يجرى على الوجه الآتى : ((1ـ كل من حاوز شيئاً أو أحرزه يلتزم بعرضه على من يدعى حقاً متعلقاً به متى كان فحص الشئ ضرورياً للبت فى الحق المدعى به من حيث وجوده ومداه ، فاذا كان الأمر متعلقاً بسندات أو أوراق أخرى ، ففقاضى أن يأمر بعرضها على ذى الشأن وبتقديمها عند الحاجة إلى القضاء ، ولو كان ذلك لمصلحة شخص لا يريد إلا أن يستند إليها فى غثبات حق له ، 2ـ على أنه يجوز للقاضى أن يرفض إصدار الأمر بعرض الشئ إذا كان لمن أحرزه مصلحتة مشروعة فى الامتناع عن عرضه ، 3ـ ويكون عرض الشئ فى المكان الذى يوجد فيه وقت طلب العرض ، ما لم يعين القاضى مكاناً آخر ، وعلى طالب العرض أن يقوم بدفع نفقاته مقدماً , وللقاضى أن يعلق عرض الشئ على تقديم كفالة تضمن لمن أحرز الشئ تعويض ما قد يحدث له من ضرر بسبب العرض )) (59) .
ولم يتضمن تقنين المرافعات الجديد هذا النص بالرغم من أن حذفه من مشروع التقنين المدنى كان بسبب أنه أدخل فى باب المرافعات كما تقدم القول . على أن تقنين المرافعات تضمن طائفة من النصوص لالزام الخصم بتقديم ورقة $43 تحت يده ، فنصت المادة 253 على أنه ((يجوز للخصم فى الحالات الآتية أن يطلب إلزام خصمه بتقديم أية ورقة منتجة فى الدعوى تكون تحت يده : (1) إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمها أو تسليمها (2) إذا كانت مشتركة بينه وبين خصمه ، وتعتبر الورقة مشتركة على الأخص غذا كانت محررة لمصلحة الخصمين أو كانت مثبتة لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة(60) (3) إذا استند إليها خصمه فى أية مرحلة من مراحل الدعوى(61) )) . وأولى هذه الحالات ـ حالة ما إذا كان القانون يجيز المطالبة بتقديم الورقة أو تسليمها ـ مثلها ما نصت عليه المادة 16 من التقنين التجارى من أنه (( لا يجوز للمحكمة فى غير المنازعات التجارية أن تأمر بالاطلاع على الدفترين المتقدم ذكرهما ( اليومية والمراسلات ) ولا على دفتر الجرد إلا فى مواد الأموال المشاعة أو مواد الشركات وقسمة الشركات وفى حالة الافلاس . وفى هذه الأحوال يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها بالاطلاع على تلك الدفاتر )) . فهذا نص يجيز فى أحوال معينة فى المنازعات التجارية وبعض المنازعات المدنية وهو الشيوع والتركة وقسمة الشركات والافلاس ـ أن تأمر المحكمة من تلقاء نفسها بتقديم الدفاتر التجارية والاطلاع عليها لاثبات حق مدعى به ، ولكن النص محدود ـ كما نرى ـ من حيث الأحوال التى يجوز فيها الأمر بتقديم المستند ومن حيث نوع المستند ذاته . فهو لا ينطبق إلا على بعض الدفاتر التجارية . وكذلك نصت المادة 18 من التقنين التجارى على أنه ((يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها فى أثناء الخصومة بتقديم الدفاتر لتستخرج منها ما يتعلق بهذه الخصومة )) . فهذا نص آخر يجيز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها ، فى جميع المنازعات التجارية والمدنية ، بالاطلاع على جميع الدفاتر التجارية . وهذا النص ، وإن كان مطلقاً من ناحية الأحوال التى $44يجوز فيها الأمر بتقديم المستند ومن حيث نوع المستند ، إلا إنه محدود من حيث الغرض من تقديم المستند . فهذا الغرض مقصور على أن تطلع المحكمة ـ دون أن تطلع الخصوم كما هى الحال فى شأن المادة 16 المتقدمة الذكر ـ على دفاتر التجار لا فى جميع أجزائها بل فى الجزء الذى وردت فيه البيانات المتعلقة بالخصومة . وسنعود إلى المادتين 16 و 18 من التقنين التجارى ببيان أوفى عند الكلام فى دفاتر التجار كطريق من طرق الإثبات .

وتحدد المادة 254 من تقنين المرافعات البيانات الواجب ذكرها فى الطلب الذى يتقدم به الخصم لإلزام خصمه بتقديم الورقة الواجب تقديمها ، فتقول : (( يجب أن يبين فى هذا الطلب : (1) أوصاف الورقة التى تعينها (2) فحوى الورقة بقدر ما يمكن من التفصيل (3) الواقعة التى يستشهد بها عليها (4) الدلائل والظروف التى تؤيد أنها تحت يد الخصم (5) وجه إلزام الخصم بتقديمها )) . وتبين المادة 256 من تقنين المرافعات النتيجة التى ينتهى إليها الطالب فى حالة القدرة على إثبات صحة طلبه وفى حالة العجز عن هذا الإثبات على الوجه الآتى : (( إذا أثبت الطالب طلبه أو أقر الخصم بأن الورقة فى حوزته أو سكت ، أمرت المحكمة بتقديم الورقة فى الحال أو فى أقرب موعد تحدده . وإذا أنكر الخصم ولم يقدم الطالب إثباتاً كافياً لصحة الطلب ، وجب أن يحلف المنكر يميناً بأن الورقة لا وجود لها أو أنه لا يعلم وجودها ولا مكانها وأنه لم يخفها أو لم يهمل البحث عنها ليحرم خصمه من الاستشهاد بها )) . وتذكر المادة 257 من تقنين المرافعات جزاء عدم تقديم الورقة أو الامتناع عن حلف اليمين ، فتقول : (( إذا لم يقم الخصم بتقديم الورقة فى الموعد الذى حددته المحكمة أو امتنع عن حلف اليمين المذكورة ، اعتبرت صورة الورقة التى قدمها خصمه صحيحة مطابقة لأصلها ، فان لم يكن خصمه قد قدم صورة من الورقة جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكلها أو بموضوعها )) . وقد سبق أن أوردنا هذا النص كحالة يجوز فيها أن يتمسك الشخص بدليل صدر منه هو . وتجرى المادة 259 من تقنين المرافعات الأحكام السابقة على إلزام الغير بتقديم ورقة تحت يده على النحو الآتى : (( يجوز للمحكمة أثناء سير الدعوى ، ولو أمام محكمة الاستئناف ، أن تأذن فى إدخال الغير لإلزامه بتقديم ورقة تحت يده ، وذلك فى الأحوال ومع مراعاة الأحكام والأوضاع المنصوص عليها فى المواد السابقة )) .

$45وهذه النصوص كلها مستحدثة فى تقنين المرافعات الجديد ، وقد أخذت عن تقنين المرافعات الألمانى ( م 386 وما بعدها ) وعن تقنين المرافعات التركى (م 326 وما بعدها)(62) . وهى على كل حال أضيق فى نطاقها من دعوى العرض التى حذف نصها من مشروع التقنين المدنى . فهى لا تجيز إلزام الخصم أو الغير بتقديم ورقة تحت يده هى مستند فى الدعوى إلا فى أحوال ثلاث ذكرتها المادة 253(63) . أما نص مشروع التقنين المدنى المحذوف فقد كان يجيز إلزام الخصم أو الغير بتقديم المستند الذى فى حوزته حتى فى غير هذه الأحوال الثلاث ، متى ثبت أن فحص هذا المستند ضرورى للبت فى الحق المدعى به ، ويرجع تقدير هذه الضرورة إلى القاضى . هذا إلى أن النص المحذوف عام يتناول المستندات وسائر الأشياء الأخرى . (( فيجوز مثلا ـ كما جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى(64) ـ لمالك الشئ المسروق أن يطالب من يشتبه فى حيازته له بعرضه عليه ليتثبت من ذاتيته . ويجوز كذلك لوارث المهندس أن يطلب تمكينه من معاينة الترميمات التى أجراها مورثه حتى يتسنى له أن يعين مدى حقف فى الأجر بعد أن آل إليه هذا الحق من طريق الميراث . فإذا كان الشئ الذى يطلب عرضه سنداً أو وثيقة فيلاحظ أمران : أولهما أن فحص الوثيقة قد يكون ضرورياً لا للبت فى وجود الحق المدعى به وتعيين مداه ، بل لمجرد الاستناد إليها فى إثبات $46 حق للطالب . والثانى أن للقاضى أن يأمر عند الاقتضاء بتقديم الوثيقة للمحكمة لا مجرد عرضها على الطالب . فيجوز مثلا لمشترى الأرض ، إذا تعهد بالوفاء بما بقى من ثمن آلة زراعية ملحقة بها ، أن يطلب عرض الوثائق الخاصة بتعيين القدر الواجب أداؤه من هذا الثمن . ويجوز كذلك لموظف يدعى أنه عزل تعسفياً أن يطلب تقديم ملف خدمته للقضاء ليستخلص منه الدليل على التعسف )) .

وإذا كانت نصوص تقنين المرافعات الجديد ضيقة من حيث نطاقها ، فهى على العكس من ذلك واسعة من حيث ترتب الجزاء عليها ، وقد رأينا أن الخصم أو الغير إذا لم يقم بتقديم الورقة اعتبرت صورة الورقة التى قدمها الخصم المدعى صحيحة مطابقة لأصلها ، فان لم يكن هذا قد قدم صورة الورقة جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكلها أو بموضوعها . وهذا أقص جزاء يمكن أن يترتب على الشخص إذا أخل بالتزامه القانون من تقديم مستند تحت يده .

2 ـ مسائــل الاثبـــات

32 ـ مسائل ثلاث : مسائل الإثبات بوجه عام ثلاث :
( أولا ) محل الإثبات (objet de la prevue) .
( ثانياً ) عبء الإثبات (charge de la preuvem onus probandi) .
( ثالثاً ) طرق الإثبات (proceedes de la prevue) .
ونتناول هذه المسائل الثلاث متعاقبات .

أولا ـ محــل الإثبـــات

ا ـ ما هو محل الإثبات :

33 ـ محل الاثبات هو مصدر الحق وليس الحق ذاته : قدمنا ان محل الإثبات ليس هو الحق المدعى به ، شخصياً كان هذا الحق أو عينياً ، بل هو المصدر الذى ينشئ هذا الحق .


$47والمصادر التى تنشئ الحقوق ، أيا كانت ، لا تعدو أن تكون إما تصرفاً قانونياً(acte juridique) وإما واقعة قانونية (fait juridique) على النحو الذى بيناه فيما تقدم .

34 ـ بل هو مصدر أية رابطة قانونية : والمدعى به لا يقتصر على أن يكون قيام حق ، بل قد يكون انقضاء هذا الحق ، مثل ذلك أن يرفع شخص على آخر دعوى بدين وثبت وجوده ، فيدفع المدعى عليه الدعوى بانقضاء الدين ، ففى هذا الدفع يصبح المدعى عليه مدعيا ويقع عليه عبئ إثبات انقضاء الدين . ومثل ذلك أيضاً أن يرفع شخص على مالك عقار دعوى ثبوت حق انتفاع له على هذا العقار أو حق ارتفاق وثبت هذا الحق ، فيدفع المدعى عليه الدعوى بانقضاء حق الانتفاع أو حق الارتفاق . وفى جميع هذه الأحوال يكون المدعى به فى الدفع ليس وجود الحق ، شخصيا كان أو عينياً ، بل زواله . وزوال الحق كوجوده يرجع إما إلى تصرف قانونى وغما إلى واقعة قانونية فمحل الإثبات هنا أيضاً هو التصرف القانونى أو الواقعة القانونية .

وقد يكون المدعى به ليس وجود حق أو زواله ، بل وصفاً قانونيا يلحق وجود الحق أو زواله ، أى يلحق التصرف القانونى أو الواقعة القانونية . أما ما يلحق الواقعة القانونية فمثله أن تكون الواقعة المتمسك بها عملا غير مشروع ثم توصف بأن الدافع لارتكابها هو الدفاع الشرعى عن النفس ، فهذا الوصف أيضاً هو واقعة قانونية يجب إثباته على النحو الذى تثبت به الواقعة القانونية الأصلية . وأما ما يلحق بالتصرف القانونى ـ غير الأوصاف المعروفة المعدلة لآثار الالتزام ـ فمثله أن يكون التصرف عقدا ويتمسك الخصم بأنه باطل أو بأنه قابل للابطال أو بأنه قد فسخ . وأسباب البطلان منها ما يرجع للتراضى ومنها ما يرجع للمحل ومنها ما يرجع للسبب ، وهذه كلها جزء من التصرف القانونى تثبت على النحو الذى يثبت به . وأسباب القابلية للإبطال منها ما يرجع للأهلية ومنها ما يرجع لعيوب الإرادة من غلط وتدليس واكراه واستغلال ، وهذه كلها وقائع قانونية تثبت على النحو الذى تثبت به الواقعة القانونية . وأسباب الفسخ قد تكون تصرفاً قانونياً بأن يختار العاقد فسخ العقد بارادته ، وقد تكون واقعة قانونية بألا يقوم العاقد بتنفيذ التزامه فى عقد ملزم للجانبين.



$48 35 ـ محل الاثبات ليس إلا التصرف القانونى أو الواقعة القانونية : ويتبين من ذلك كله أن محل الإثبات لا يعدو أن يكونتصرفاً قانونياً أو واقعة قانونية . فالى هذين مرد نشوء الحق وزواله وتعديله واوصافه القانونية . بل إلى هذين مرد كل الروابط القانونية ، أيا كانت هذه الروابط .

ومن ثم لا معدى لمن يقوم بالإثبات من أن يثبت أحد أمرين . إما تصرفاً قانونياً أو واقعة قانونية(65) . ومتى أثبت ذلك ، كان على القاضى أن يستخلص مما ثبت ما يرتب القانون عليه من الآثار .

36 ـ عنصرا الادعاء ـ الواقع والقانون : فالادعاء بحق أو بأية رابطة قانونية أما القضاء ينقسم إذن إلى عنصرين :

$49(1) عنصر الواقع ، وهو مصدر الحق المدعى به ، أى التصرف القانونى أو الواقعة القانونية التى أنشأت هذا الحق . وهذا العنصر هو وحده الذى يطالب المدعى باثباته . والإثبات هنا يتناول مسائل موضوعية لا رقابة لمحكمة النقض عليها ، إلا فيما يرسمه القانون من قواعد قانونية للإثبات يلتزم القاضى بتطبيقها وفى السماح للخصوم باثبات هذه المسائل . فمثلا إذا رفع المشترى على البائع دعوى بتثبيت ملكيته للعقار الذى اشتراه ، فان ثبوت عقد البيع مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض ، ولكن وجوب غثبات البيع إذا زادت قيمته على عشرة جنيهات بالكتابة أو بما يقوم مقامها مسألة قانونية تخضع لهذه الرقابة . (2) عنصر القانون ، وهو استخلاص الحق من مصدره بعد أن يثبت الخصم هذا المصدر ، أى تطبيق القانون على ما ثبت لدى القاضى من الواقع . وهذا من عمل القاضى وحده ، لا يكلف الخصم إثباته , فالقانون لا يكلف أحداً هذا الإثبات ، بل على القاضى أن يبحث من تلقاء نفسه عن القواعد القانونية الواجبة التطبيق على ماثبت عنده من الواقع فيطبقها . وهو فى تطبيقها يخضع لرقابة محكمة النقض(66) ففى المثل المتقدم ن بعد إثبات عقد البيع بالكتابة ، يكون على القاضى أن يستخلص منه التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية العقار المبيع للمشترى ، وعلى القاضى أن يستخلص أيضاً أن الملكية لا تنتقل فعلا إلى المشترى إلا بتسجيل عقد البيع . وكل هذه مسائل قانونية يقضى بها دون أن يكلف أحداً من الخصمين باثباتها ، فهى ليست محلا للاثبات إذ المفروض أن القاضى هو $50 أول من يعلم القانون وقد ناطت الدولة به تطبيقه . بل إن القاضى لا يستطيع أن يمتنع عن القضاء بحجة أنه لا توجد أحكام قانونية يمكن تطبيقها ، وإن امتنع عد امتناعه نكولا عن أداء العدالة (deni de justice) .

37 ـ تفسير القانون يلحق بعنصر القانون ، ويقع عبؤه على القاضى لا على الخصم : وقد يقع أن تكون أحكام القانون غامضة ، فنكون فى حاجة إلى التفسير . وعلى القاضى أيضاً يقع عبء هذا التفسير لا على الخصم . فالقاضى هو المنوط به تفسير القانون وتطبيقه تطبيقاً صحيحاً على الواقع الذى ثبت أمامه بالطرق القانونية . وإذا كان الخصم يجتهد فى أن يقنع القاضى بتفسير للقانون يكون فى مصلحته ، فليس هذا من جهة الخصم إثباتاً لأحكام القانون ، بل هى محاولة يبذلها لحمل القاضى على أن يفهم القانون الفهم الذى يتفق مع مصحلته . وهى محاولة لم يكلف القانون الخصم بها ، ولم يرسم لها طرقاً معينة كما رسم لإثبات الواقع . وهى بعد محاولة قد تنجح وقد تفشل ، وللقاضى فيها القول الفصل . وآية ذلك أن القاضى فى تفسير القانون يستطيع أن يحكم بعلمه ، وهو لا يستطيع ذلك فى إثبات الواقع . بل هو فى القانون وفى تفسيره لا يحكم إلا بعلمه ، وهذا العلم هو مصدره الوحيد لمعرفة القانون . وغنى عن البيان أنه يستعين فى تحصيل هذا العلم بمراجعة نصوص القانون ، وما وضعه الفقه من شرح لهذه النصوص ، وما قرره القضاء من مبادئ فى تطبيقها . ولكنه فى النهاية يعتمد على فهمه الشخصى لأحكام القانون ، لا يقيده فى ذلك فقه مبسوط أو قضاء سابق . وإنما يكون فى هذا الفهم الشخصى خاضعاً لرقابة المحكمة العليا ، فتعقب على قضائه فيما ترى التعقيب عليه(67) .
$51 38 ـ متى يصبح القانون مسألة موضوعية يتعين على الخصم اثباته ـ العادة الاتفاقية والقانون الاجنبى : على أن القانون يصبح مسألة موضوعية ، فيتعين على الخصم إثباته ، ولا يخضع القاضى فى تطبيقه لرقابة محكمة النقض ، فى موضعين :

( أولا ) إذا كانت هناك قاعدة تقوم على العادة الاتفاقية (usage conventionnel) وتعتبر شرطاً مفترضاً فى العقد لا حاجة إلى التصريح به فتصبح القاعدة فى هذه الحالة شرطاً من شروط العقد ، شأنها فى الإثبات شأن سائر شروط العقد يتعين على من يتمسك بها أن يقوم باثباتها . فاذا سلم بها الخصم الآخر لما استفاض من شهرتها العامة (notoriete publique) ، أخذ بها القاضى كمسألة موضوعية ثابتة . وإن نازع الخصم فيها ، كان على ذى المصلحة من الخصوم أن يثبتها ، ويكون ذلك بجميع الطرق ولو بالبينة أو بقول أهل العلم بها (68) . ذلك أن هذا القاعدة ، وإن كانت تدخل ضمن قانون العقد ، إلا أنها تصبح مسألة واقع لا مسألة قانون ، إذ ترد فى النهاية إلى إرادة المتعاقدين المفترضة ، فهما قد ارتضيا فرضاً ما ألفته الناس فى التعامل من الشروط (69) .

ثم إن المراد إثباته هنا ليس هو أن المتعاقدين قد ارتضيا القاعدة شرطاً من شروطالعقد ، فان التراضى على ذلك مفروغ منه بحكم أن القاعدة تقوم على العادة التى ألفتها الناس فى التعامل ، وإلا لوجب أن يكون إثباتها بالكتابة فيما يجب إثبات التصرف القانونى فيه بهذه الطريقة . ولكن الإثبات ينصب فى هذه الحالة على مجرد وجود العادة الاتفاقية وقيامها المادى (sa materialite) ، وهذه $52 واقعة مادية تثبت بجميع الطرق كما قدمنا . ويخلص من ذلك أن التعرف على القاعدة التى تقوم على العادة الاتفاقية لا يخضع لرقابة محكمة النقض ، بل يصبح مسألة واقع لا تعقيب فيها على محكمة الموضوع .

وهذا بخلاف القاعدة القانونية التى يكون مصدرها العرف (coutume) لا العادة (usage) ، فهذه مسألة قانون تخضع لرقابة محكمة النقض , وقد عارض بارتان(70) بين العادة والعرف من حيث الإثبات . فالعادة ، على ما عرفت ، عنصر من عناصر الواقع ، يتمسك بها الخصم فعليه إثباتها ، كما يفعل فى سائر شروط العقد الصريحة أو الضمنية . أما العرف فقاعدة قانونية . شأنها فى الإثبات شأن القواعد القانوينة التى يكون مصردها التشريع . وليست القاعدة القانونية التى تقوم على العرف فى حاجة إلى الإثبات أكثر من حاجة القاعدة القانونية التى تقوم على التشريع . كلتا القاعدتين قانون واجب التطبيق (opinion juris vel necessitates) يتعين على القاضى البحث عنه من تلقاء نفسه لتطبيقه ، دون حاجاة إلى إثباته من جانب الخصوم(71) .
$53(ثانياً) إذا كان القانون الطبق قانوناً أجنبياً بمقتضى قاعدة من قواعد الإسناد . مثل ذلك أن يطبق القاضى القانون الفرنسى فى الحكم بصحة عقد زواج فرنسى بفرنسية . فهنا توجد مسألتان : (1) مسألة قانون ، هى قاعد افسناد التى تقضى بالرجوع فى الشروط الموضوعية لصحة الزواج إلى قانون كل من الزوجين ، وهى جزء من نصوص التقنين المدنى المصرى (م 12 من التقنين المدنى الجديد) ، ويخضع القاضى فى تطبيقها لرقابة محكمة النقض . (2) ومسألة واقع ، هى أحكام القانون الفرنسى (وهو قانون كل من الزوجين) الخاصة بصحة الزواج ، وهذه تكون محلا للإثبات ، ويكلف الخصم ذو المصلحة إثباتها ، ومتى ثبتت وأخذ بها القاضى فإنه لا يكون خاضعاً لرقابة محكمة النقض فى التعرف على أحكام القانون الأجنبى . وهنا أيضاً نرى أن القانون ـ القانون الأجنبى ـ يصبح مسألة موضوعية يتعين على الخصم إثباته ، ويعتبر فى هذه الحالة واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ، ويدخل فى ذلك رأى أهل العلم بالقانون الأجنبى والنصوص الرسمية لهذا القانون وما يقترن بهذه النصوص من تفسير فقهى وقضائى .

$54 وعلى هذا جرى القضاء المصرى(72) مقتدياً فى ذلك بالقضاء الفرنسى(73) . والفقه فى فرنسا منقسم فى هذه المسألة . فريق يؤيد القضاء الفرنسى لأسباب ترجع فى الغلب إلى اعتبارات عملية إذ لا يتيسر للقاضى فى كثير من الأحوال أن يلم بالقانون الأجنبى(74) . وفريق آخر يعارض القضاء الفرنسى ويعتبر تطبيق قانون أجنبى مسألة قانون لا مسألة واقع ، لأن القانون لا تتحول طبيعته فيصبح واقعاً لمجرد أن قاضياً أجنبياً يطبقه بمقتضى قاعدة إسناد فى قانونه الوطنى (75) . وهناك من الفقهاء من يرى وجوب اعتبار تطبيق القانون الأجنبى مسألة قانون ، ولكنه مع ذلك يقر موقف القضاء الفرنسى للضرورات العملية (76) . والفقه $55 فى مصر منقسم انقسام الفقه فى فرنسا (77) .

ونحن ، مع ذلك ، لا نتردد فى اعتبار تطبيق أحكام القانون الأجنبى مسألة قانون لا مسألة واقع . فان القاضى ، إذا أمره قانونه الوطنى بتطبيق أحكام قانون أجنبى ، وجب أن يعتبر أحكام هذا القانون الأجنبى بالنسبة إلى القضية التى يطبق فيها هذه الأحكام جزءاً من قانونه الوطنى . فعليه إذن أن يبحث من تلقاء نفسه عن أحكام القانون الأجنبى الواجبة التطبيق فى هذه القضية . وله أن يصدر فى هذه الأحكام عن علمه الشخصى . ولا يجوز له أن يمتنع عن تطبيق أحكام القانون الأجنبى عن علمه الشخصى . ولا يجوز له أن يمتنع عن تطبيق أحكام القانون الأجنبى بدعوى عدم إمكان الاهتداء إليها ، وإلا عد امتناعه نكولا عن أداء العدالة (deni de justice) . بل ويكون فى تطبيقه لأحكام القانون الأجنبى ، كما هو فى تطبيقه لقاعدة الاسناد التى أمرته بتطبيق هذه الأحكام ، خاضعاص لرقابة محمة النقض . وتفسر هذه المحكمة القانون الأجنبى ، لا طبقاً لرأيها الشخصى ، بل وافقاص لما تفسره به محاكم البلد الذى ينسب إليه هذا القانون وبخاصة المحكمة العليا منها . ونحن إنما نذهب إلى هذا ارأى لأنه لا يصح أن تتغير طبيعة القانون فيصبح واقعاً ، سواء كان هذا القانون قانوناً وطنياً أو كان $56 قانوناً أجنبياً يأمر القانون الوطنى بتطبيقه فيصبح جزءاً منه فى حدود هذا التطبيق . والذى دعا إلى القول بنزول مرتبة القانون الأجنبى إلى حد أن يكون واقعاً لا قانوناً أمران . ( الأمر الأول ) يرجع إلى التاريخ . فقد كان القانون الأجنبى فى الماضى لا يعامل معاملة القانون الوطنى . وإذا أجيز تطبقه فعلى اعتبار أنه واقع لا قانون . فلا يفترض العلم به ، ولا يبحث القاضى عن أحكامه من تلقاء نفسه بل يجب على الخصم إثباتها ، ولا يحضع القاضى فى تطبيقه هذه الأحكام لرقابة محكمة النقض ، وإذا امتنع عن تطبيقه لم يعد ناكلا عن أداء العدالة . وكان هذا يرجع إلى نظرية عتيقة تقول بأن القانون الأجنبى إنما يطبق على سبيل المجاملة الدولية (ex comitatte gentuum) وقد هجرت هذه النظرية هجراناً تاماً وعفا عليها الزمن ، ففيم الإبقاء على بعض آثارها والاصرار على عدم رد اعتبار القانون الأجنبى ! (78) . (والأمر الثانى) يرجع إلى العمل . فقد يصعب فى بعض الأحوال أن يهتدى القاضى من تلقاء نفسه إلى أحكام القانون الأجنبى ، ومن ثم كان تكليف الخصم باثبات هذه الأحكام تيسيراً لتغيير طبيعة القانون . على أن مهمة القاضى فى هذا الصدد ، بعد انتشار العلم ، لم تصبح من العسر على ما كانت منه فى الماضى . وبعد ، فلا يوجد ما يمنع القاضى من الاستعانة بالخصم صاحب المصلحة فى الاهتداء إلى أحكام القانون الأجنبى ، ومصلحة الخصم أكبر دافع له فى ذلك ، على أن يبقى القاضى هو صاحب القول الفصل فى التعرف على


أحكام القانون الأجنبى ،$57 خاضعاً فى ذلك لرقابة محكمة النقض (79) .

ب ـ الشروط الواجب توافرها فى محل الاثبات :

39 ـ طائفتان من الشروط : والواقعة المراد إثباتها يجب أن تتوافر فيها جملة من الشروط ، يمكن تقسيمها إلى طائفتين : (1) طائفة من الشروط بداهتها تغنى عن الإطالة فيها ، وهى أن تكون الواقعة محددة (determine) وغير مستحيلة (comteste) . (2) وطائفة أخرى نصت عليها المادة 156 من تقنين المرافعات الجديد على الوجه الآتى : (( يجب أن تكون الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالدعوى ، منتجة فيها ، جائزاً قبولها )) .

40 ـ شروط بديهية : : أما أن تكون الواقعة المراد إثباتها محددة فهذا بديهى ، فالواقعة غير المحددة لا يستطاع إثباتها . ولو أن شخصاً طالب بدين أو بملكية وأسس دعواه على عقد لم يحدد ماهيته ، أهو بيع أو صلح أو قسمة أو غير ذلك من العقود التى يصح أن تكون مصدراً للدين أو سبباً للملكية ، فان الواقعة التى يريد إثباتها لا تكون محددة تحديداً كافياً ، فلا يصح السماح باثباتها إلا بعد أن تحدد . وكون الواقعة محددة تحديداً كافياً مسألة موضوعية تخضع لرقابة محكمة النقض (80) .
وأما أن تكون الواقعة المراد إثباتها غير مستحلية ، فهذا أيضاً بديهى ، $58 فالمستحيل لا يصح عقلا طلب إثباته . والاستحالة ترجع إلى أحد أمرين : إما استحالة التصديق عقلا وإما استحالة الإثبات . فالأولى كالعمى يدعى أنه رأى هلال رمضان ، والمنجم يدعى أنه أوتى علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله ، ومجهول النسب يدعى بنوته إلى من لا يكبره فى السن . والثانية ترجع إلى أن الواقعة المراد إثباتها هى فى ذاتها قابلة للتصديق عقلا ولكن لا سبيل إلى إثباتها ، كمن يدعى واقعة مطلقة بأن يقول أنه لم يكذب قط أو أنه يؤدى فريضة الصلاة طوال حياته . فهاتان واقعتان إحاهما سلبية والأخرى إيجابية ، وكلتاهما واقعة مطلقة هى متصورة التصديق ولكن إثباتها مستحيل ، فلا يجوز قبولها واقعة للإثبات . ولا يرجع ذلك إلا إلى أن الواقعة مطلقة اى خالية من التحديد. ومن ثم ترى أن استحالة الاثبات تتلاقى مع عدم التحديد ، ويصبحان شرطاً واحداً . فالواقعة يجب أن تكون محددة كما قدمنا ، فان لم تكن محددة لا يجوز قبولها للإثبات ، لا لأنها غير محددة فحسب ، بل لأنها أيضاً يستحيل إثباتها . ومن ثم نرى أيضاً أن استحالة الإثبات ترجع إلى عدم تحديد الواقعة لا إلى أنها واقعة سلبية . فالواقعة السلبية المحددة ـ كالواقعة الإيجابية المحددة لا يستحيل إثباتها ، فيجوز قبولها للإثبات . مثل ذلك شخص يطالب آخر برد غير المستحق وثبت أنه لم يكن مديناً بما دفعه للمدعى عليه ، فهنا الواقعة السلبية محددة ، وهى عدم المديونية فى دين
معين ، وما على المدعى إلا أن يثبت أن هذا الدين الذى دفعه مصدره عقد باطل أو عقد قد فسخ أو أن الدين قد سبق الوفاء به أو نحو ذلك(81) .








.
$59هذا وكون واقعة المراد إثباتها مستحيلة التصور عقلا أو مستحيلة الإثبات مسألة موضوعية ، ولكن محكمة النقض تستطيع أن تنفذ إلى بسط قدر من الرقابة من طريق القصور فى التسبيب .

ويجب أخيراً أن تكون الواقعة المراد إثباتها غير معترف بها . وهذا أيضاً شرط بديهى ، إذ لا محل لإثبات واقعة معترف بها . فالاعتراف إقرار ، والإقرار كما سنرى إعفاء من الإثبات ، فتكون الواقعة محل الادعاء قد أعفى مدعيها $60 من إثباتها فأصبحت بذلك ثابتة (82) . لذلك يكون الأصح القول إن الواقعة المعترف بها قد أصبحت ثابتة ، لا أنها واقعة غير قابلة للإثبات . ويتضح الفرق بين القولين فى أن الواقعة المعترف بها لا تصبح ثابتة إلا بالنسة إلى المقر إذ الإقرار حجة قاصرة عليه ، أما بالنسبة إلى الغير فلم يقم الدليل عيها ومن ثم يصح إثباتها ، ولو كانت غير قابلة للإثبات لما صح ذلك (83) . وغنى عن البيان أن البت فى كون الواقعة معترفاً بها مسألة موضوعية لا رقابة فيها لمحكمة النقض .

41 ـ شروط أساسية : ونعرض الآن للشروط الأساسية التى ورد ذكرها فى المادة 156 من تقنين المرافعات الجديد ، وهى الشروط الثلاثة الآتية : (1) أن تكون الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالحق المطالب به (pertinent) . (2) أن تكون منتجة فى الإثبات (concluant) . (3) أن تكون جائزة الإثبات قانوناً (admissible) (84) .
$61 42 ـ الواقعة متعلقة بالحق المطالب به : إذا كانت الواقعة المراد إثباتها هى ذاتها مصدر الحق المطالب به ، كما إذا تمسك البائع بعقد البيع لمطالبة بالثمن فيكون عقد البيع هو ذاته مصدر التزام المشترى بالثمن ، فان الواقعة فى هذه الحالة لا يمكن إلا أن تكون معلقة بالحق المطالب به وهو فى الوقت عينه منتجة فى الإثبات . ومن ثم لا يظهر ظهوراً واضحاً أهمية هذين الشرطين ـ كون الواقعة متعلقة بالحق وكونها منتجة فى الإثبات ـ فى هذه الحالة وهو حالة الإثبات المباشر (prevue directe) . وإنما تظهر أهميتهما فى حالة الإثبات غير المباشر (prevue indirecte) ، إذا انصب الإثبات ، لا على الواقعة ذاتها مصدر الحق ، بل على واقعة أخرى قريبة منها . ذلك أن الإثبات غير المباشر يقوم على فكرة تحويل الدليل (deplacement de prevue) من الواقعة الأصيلة إذ يتعذر إثباتها إلى واقعة بديلة هى التى يتيسر فيها الإثبات .

فلا بد فى هذه الحالة ـ حالة الإثبات غير المباشر بتحويل الدليل ـ أن تكون الواقعة البديلة ، وهى الواقعة المراد إثباتها ، لا قريبة (voisin) من الواقعة الأصيلة فحسب ، بل يجب أيضاً أن تكون متصلة (connexe) بها اتصالا وثيقاً . وهذا الاتصال الوثيق هو الذى يجعل الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالحق المطالب به ، إذ أن اتصالها بالواقعة الأصيلة التى هى مصدر الحق يجعل إثباتها متعلقاً باثبات الواقعة الأصيلة ، فيصبح إثبات الواقعة البديلة من شأنه أن يجعل إثبات الواقعة الأصيلة قريب الاحتمال (85) .
مثل ذلك أن يقدم المستأجر مخالصات بأجرة عن جميع المدد السابقة على المدة التى يطالبه المؤجر بأجرتها ، ويرمى من وراء ذلك أن يثبت أنه يدفع الأجرة $62بانتظام ولم يخل بالتزمه طوال المدد السابقة . فهذه واقعة متصلة بواقعة الوفاء بالأجرة عن المدة المطالب بأجرتها ، فهى إذن متعلقة بالدعوى . ولكنها غير منتجة فى الإثبات ، لن دفع الأجرة عن مدد سابقة لا يفيد دفعها عن مدة لاحقة(86) وقد تكون الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالدعوى ومنتجة أيضاً فى الإثبات ، كأن يقدم المستأجر مخالصات بالأجرة عن مدد لاحقة للمدة التى يطالب المؤجر بأجرتها ، فهبذه واقعة ليست هى ذاتها واقعة الوفاء بالجرة المطالب بها بل هى واقعة متصلة بها فهى متعلقة بالدعوى ، ثم هى منتجة فى الإثبات فإن التقنين المدنى الجديد (م 587) يعتبرها قرينة على الوفاء بالأجرة المطالب بها إلا إذا أثبت المؤجر عكس ذلك (87) .

وكون الواقعـة متعلقـة بالدعـوى مسألـة موضوعية لا تخضـع لرقابة محكمـة
النقض (88) .

43 ـ الواقعة منتجة فى الإثبات : رأينا فى المثلة المتقدمةمتى تكون الواقعة متعلقة بالدعوى ومتى تكون منتجة فى الإثبات . فالواقعة المتعلقة بالدعوى هى الواقعة البديلة التىيكون إثباتها من شأنه أن يجعل إثبات الواقعة الأصيلة قريب الاحتمال . والواقعة المنتجة فى الإثبات هى الواقعة البديلة التى يؤدى إثباتها إلى إثبات الواقعة الأصيلة . ويتبين من ذلك أن إنتاج الواقعة فى الإثبات مرتبة أعلى $63من تعلق الواقعة بالدعوى . فكل واقعة متعلقة بالدعوى لا تكون ضرورة منتجة فى الإثبات ، ولكن كل واقعة منتجة فى الإثبات تكون حتماً متعلقة بالدعوى . فمن طالب بملكية عين وتقدم بواقعة التقادم الطويل سبباً لملكية ، إذا أدعى أنه حاز العين مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ، فهذه واقعة منتجة فى الإثبات ، بل هى الواقعة الأصيلة ذاتها ، وهى بالضرورة متعلقة بالدعوى . أما إذا ادعى أن حيازته للعين كانت لمدة تقل عن خمس عشرة سنة ، فهذه واقعة متعلقة بالدعوى ولكنها غير منتجة فى الإثبات .

وقد يقال لماذا يشترط فى الواقعة هذان الشرطان معاً ، وأحدهما ـ وهو الإنتاج ـ يستغرف الآخر ، فكان يكفى أن يشترط وحده ؟ وهذا صحيح من الناحية النظرية . وكن يحسن ، من الناحية العملية ، فصل الشرطين أحدهما عن الآخر . فقد يطلب الخصم إثبات هذه الواقعة قبولا مبدئياً ،حتى إذا تبين فيما بعد أنها غير منتجة فى الإثبات رفض القاضى استمرار السير فى إثبات الواقعة أو أضاف اليها وقائع أخرى تتساند معها . أما إذا أدمج الشرطان فى شرط واحد ، وكان لا بد من أن تكون الواقعة منتجة من مبدأ الأمر ، لم يستطع القاضى قبول إثبات الواقعة قبولا مبدئياً ، فيتعطل بذلك طريق الإثبات (89) .
وكون الواقعة منتجة فى الإثبات مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض إلا من حيث قصور التسبيب . أما إذا بنى عدم الإنتاج فى الإثبات على أسباب قانونية ، كأن كانت الواقعة المراد إثباتها إنما تنسب إذا صحت إلى مالك البناء لا إلى حارسه والمسئول قانوناً هو الحـارس لا المالك ، أصبــح الأمـر متعلقـاً $64بمسألة من مسائـل القانون مما يخضع لرقابــة محكمة النقض (90) .

44 ـ الواقعة جائزة الاثبات قانونا : ويجب أخيراص أن تكون الواقعة جائزة الإثبات قانوناً . والقانون قد لا يجيز إثبات واقعة تحقيقاً لأغراض مختلفة . ومن هذه الأغراض ما يمت إلى النظام العام والآداب ، كالمحافظة على سر المهنة (91) وتحريم دين المقامرة والربا الفاحش وبيع المخدرات وعدم جواز إثبات صحة القذف ونحو ذلك (92) . وقد تمت هذه الأغراض إلى الصياغة الفينة ، كما هو الأمر فى الوقائع التى تصطدم مع قرينة قاطعة قررها القانون . مثل ذلك حجية الأمر المقضى ، فلا يجوز إثبات واقعة مخالفة لما هو ثابت فى حكم قضائى . ومثل ذلك أيضاً أن يطلب حارس الشئ إثبات أنه لم يرتكب خطأ مع أن القانون يقيم مسئوليته على خطأ فى جانبه مفروض فرضاً غير قابل لإثبات العكس (93) . وكون الواقعة جائزة الإثبات قانوناً مسألة قانون تخضع لرقابة محكمة النقض،$65 لأن عدم جواز إثبات الواقعة يرجع دائماً إلى حكم فى القانون يمنع من هذا الإثبات . وهذا بخلاف كون الواقعة متعلقة بالدعوى وكونها منتجة فى الإثبات ، فقد رأينا أنها فى الصل مسائل موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض (94) .

ثانياً ـ عـبء الاثبـات
45 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 389 من التقنين المدنى على ما يأتى :
(( على الدائن إثبات الالتزام ، وعلى المدين إثبات التخلص منه (95) )) .
$66ويقابل هذا النص فى التقنين الدنى السابق المادة 214/278 (96) ـ وفى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى لا شئ (97) ، وفى التقنين المدنى العراقى المواد من 444 إلى 448 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 362 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 376 (98) ـ
$67وفى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1315(99) .

46 ـ أهمية تعيين من يحمل عبء الاثبات من الخصمين : أول تنظيم لقواعد الإثبات يتصل بتعيين من من الخصمين يحمل عبئ الإثبات ، أى من منهما يكلف بالإثبات دون الآخر . وتعيين من يحمل عبء الإثبات من الخصمين يكاد يتوقف عليه ، فى كثير من الأحوال ، مصير الدعوى من الناحية العملية . فقد يكون الحق متراوحاص بينهما ، لا يستطيع أى منهما أن يثبته أو أن ينفيه ، فالقاء عبء الإثبات على أحدهما معناه حكم عليه أو حكم لخصمه (100) .

فيعنينا إذن أن نبين من يحمل عبء الإثبات . وهذه مسألة لها ناحيتان : ناحية المبدأ وناحية التطبيق .

1 ـ عبء الاثبات من ناحية المبدأ :
47 ـ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر : من المبادئ المقررة فى الفقه الإسلامى أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر (101) . وفى$68.القانون المصرى وسائر القوانين الحديثة توجد القاعدة ذاتها ، فالمدعى هو الذى يحمل فى الأًصل عبء الإثبات ، سواء كان دائناً يدعى ثبوت الدائنية أو مديناص يدعى التخلص من المديونية كما تقول المادة 389 .

ولكن يبقى أن نحده على وجه الدقة من هو المدعى .
هو أولا من يرفع الدعوى على الغير يطالبه بحق معين ، فهو مدع فى دعواه هذه ، وعليه عبء إثبات ما يدعيه . فلو أن شخصاً طالب آخر بمبلغ معين ، فعليه أن يثبت مديونية المدعى عليه بهذا المبلغ له ، بأن يثبت مصدر الدين ، تصرفاً قانونياً كوصية أو عقد بيع أو واقعة قانونية كميراث أو شفعة .

$69ولكن ليس من الضرورى أن يكون المدعى هو من يرفع الدعوى . فقد يدفع المدعى عليه الدعوى بدفع فيصبح مدعياً فى هذا الدفع ، وعليه هو يقع عبء إثباته . ففى الأمثلة المتقدمة قد يدفع المدين بأنه وفى دينه ، فعليه إثبات هذا الوفاء . وقد يدفع الحائز للعين بأنه ملكها بالتقادم ، فعليه إثبات ذلك (102) .
فيمكن إذن لأول وهلة أن نقول إن من يحمل عبء الإثبات هو المدعى فى الدعوى والمدعى عليه فى الدفع ، فكلاهما مدع فى دعواه (103) .
(actor incumbit probation. Reus in exceptione actor est)
$70 48 ـ الببينة على من يدعى خلاف الأصل : ولكن هذه القاعدهة تحول بساطتها دون مواجهة الصعوبات التى تعرض فى العمل . فقد يقع أن المدعى ، حتى فى الدعوى التى رفعها , لا يكلف بالإثبات ، بل يكلف به خصمه وفقاً لطبيعة وضع كل منهما . فمن رفع دعوى على جاره يطالبه بسد مطل لا يكلف ـ وهو المدعى فى الدعوى ـ بإثبات أن جازه فتح المطل دون أن يكون له حق ارتفاق يجيز فتح المطل . ففى هذا المثل يقع عبء الإثبات على المدععى عليه لا على المدعى ، لأن طبيعة الوضع تقضى بخلو العقار من حقوق الارتفاق حتى يثبت ذو المصلحة عكس ذلك .

ومن ثم فإن القول بأن المدعى هو الذى يحمل عبء الإثبات لا يستقيم فى جميع الفروض ، فوجب إذن البحث عنقاعدة تكون أكثر انضباطاً (104) . وقد وضعت قاعدة فى هذا الصدد من شقين ، تستجيب لطبائع الأشياء . فقيل إن من يتمسك بالثابت أصلا لا يكلف باثباته ، أما من يدعى خلاف الأصل فعليه هو يقع عبء إثبات ما يدعيه(Onus probandi incumbit ei qui dicit) . ذلك $71أن من يتمسك بالثابت أصلا ، وإن كان من الجائز ألا يكون على حق من ناحية الواقع والعدالة ، إلا إنه من ناحية القانون ومن أجل استقرار التعامل يجب أن يحمى ، فيترك على الأصل دون أن يتكلف عناء أى إثبات (105) . وهذا هو الشق الأول من القاعدة . أما من يدعى خلاف الأصل فهو يستحدث جديداً لا تدعمه قرينة بقاء الأصل على أصله ، فعليه أن يثبت هذا الجديد حتى يتمتع بحماية القانون . وهذا هو الشق الثانى (106) .

49 ـ فى نطاق الحقوق الشخصية الأصل هو براءة الذمة : وفى نطاق الحقوق الشخصية الأصل هو براءة الذمة من كل التزام . فمن يتمسك بالأصل لا إثبات عليه . ومن يدعـى خلاف الأصل ، بأن يدعى دينـاً فى ذمـة الغير قبلـه ، عليه أن يثبت مصـدر هذا الدين (107) . فمن ادعى أنه أقرض آخر مبلغاً من المال عليه أن يثبت عقد القرض . ومن طالب آخر بثمن مبيع عليه أن يثبت عقد البيع . والشريك الذى يطالب شريكه بنصيبه فى الخسارة عليه أن يثبت عقد الشركة وأن يثبت مقدار الخسارة التى لحقتها (108) . $72ويتفرع على ذلك مواقف عدة يختار القانون فيها وضعاً يعبره هو الأصل ، فمن تمسك به لا يكلف بإثبات شئ ، ومن ادعلا خلافه فعليه عبء الإثبات . مثل ذلك الأهلية ، فالأصل أن كل شخص أهل للتعاقد ما لم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون ( م109 مدنى ) (109) . ومثل ذلك أيضاً عيوب العقد ، فالأصل أن يكون العقد سليما من العيوب ، ومن يدعى أن بالعقد عيباً عليه إثباته . ومثل ذلك أخيراً إجازة العقد القابل للابطال ، فالأصل عدم إجازة العقد ، ومن يدعى أنه أجيز عليه أن يثبت هذه الاجازة (110).

50 ـ وفى نطاق الحقوق العينية الأصل هو الظاهر : وفى نطاق الحقوق العينية الأصل هو الظاهر . فالحائز للعين لا يطالب باثبات ملكيتها لأن الظاهر هو أن الحائز مالك . والخارج الذى يدعـى ملكية العيـن هـو الذى يدعـى خـلاف ذلـك ، فعليـه هـو يقـع عبء الاثبات (111) . ومن ثم كان الحائز هو المدعى$73عليه دائماً فى دعوى الملكية (112) . وذلك ما لم يتبين من مستندات المدعى أن الظاهر يؤيد دعواه وينفى دفاع المدعى عليه ، فعندئذ ينتقل عبء إثبات الملكية إلى المدعى عليه (113) .

$74وكذلك الظاهر أن حق الملكية خال من أن يثقل بحق عينى . فالمالك إذا تمسك بهذا الظاهر لا يطالب باثباته . ومن يدعى خلاف الظاهر ، بأن يدعى مثلا أن له حق ارتفاق (114) أو حق انتفاع أو حق رهن على العين ، كان عليه هو أن يثبت قيام لحق الذى يدعيه ، ولو كان مدعى عليه فى الدعوى الأصلية ، لأنه يدعى خلاف الظاهر(115) .

51 ـ والثابت فرضاً كالثابت أصلا وكالثابت ظاهراً : وقد يحل محل الأصل فى نطاق الحقوق الشخصية ومحل الظاهر فى نطاق الحقوق العينية وضع يفرض القانون وجوده عن طريق قرينة قانونية يقيمها . فيكون الثابت فرضاً كالثابت أصلا وكالثابت ظاهراً .
مثل ذلك أن يرفع المضروو دعوى تعويض على المكلف برقابة قاصر صدر منه عمل غير مشروع أصاب المدعى بالضرر . وقد كان القياس يقتضى أن يثبت المدعى ، فوق العمل غير المشروع الصادر من القاصر ، تقصيراً من المكلف بالرقابة فى تأدية واجبه . ولكن القانون فرض أن هذا التقصير قد وقع منه بمقتضى قرينة قانونية أقامها ضده ( م173 فقرة 3 مدنى ) . فلا يكلف المدعى إثبات التقصير ، وينتقل عبء الإثبات إلى المدعى عليه فيثبت أنه قام بواجب الرقابة أو أن الضرر كان لابد واقعاً ولو قام بهذا الواجب بما ينبغى من العناية . وكذلك الحال فى مسئولية حارس الآلات الميكانيكية أو الأشياء التى تتطلب حارستها عناية خاصة ، كل هؤلاء فرض القانون فى جانبهم التقصير ، فمدعى التعويض لا يكلف بإثبات تقصيرهم ، بل لا يسمح لهم القانون أن يثبتوا أنهم قاموا بواجب العناية لأن قرينة التقصير هنا قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس $75 (المواد 176 و 177 فقرة أولى و178 من التقنين المدنى) . والمدعى بدين لا يكلف إثبات سببه المشروع ، لأن القانون فرض أن يكون لكل دين سبب مشروع ، وينتقل هنا عبء الإثبات إلى المدين فعليه أن يثبت هو أن الدين سببه غير مشروع ( م 137 فقرة 1مدنى ).
كذلك يعتبر السبب المذكور فى العقد هو السبب الحقيقى ، حتى يقيم المدين الدليل على ما يخالف ذلك (م 137 فقرة 2 مدنى) . والتأشير على سند بما يستفاد منه براءة ذمة المدين قرينة على الوفاء ، فينتقل عبء الإثبات من المدين إلى الدائن ، وعلى هذا أن يثبت أن المدين لم يقم بوفاء الدين (م 399 مدنى) .

وفى نطاق الحقوق العينية ، إذا فرضت قيود معينة تحد من حق مالك العقار فى النباء عليه ، فالمدعى الذى يرفع دعوى على المالك متمسكاً بأن هذه القيود هى حقوق ارتفاق لا مجرد التزامات شخصية لا يكلف باثبات ذلك ، لأن القانون أقام قرينة على أن هذه القيود هى حقوق ارتفاق ، فاذا أراد المالك أن ينفى أنها حقوق ارتفاق وأنها ليست إلا التزامات شخصية انتقل إليه هو عبء هذا الإثبات (م 1018 فقرة 1مدنى) .


ومن هذه المثلة نرى أن القرينة القانونية إذا كانت قابلة لإثبات العكس إنما تنقل عبء الإثبات ممن يتمسك بها إلى خصمه ، أما إذا كانت غير قابلة لإثبات العكس فانها تعفى من يتمسك بها من الإثبات إعفاء نهائياً ولا تقتصر على نقل عبء الإثبات (116) .

$76 52 ـ كذلك تكون البينةعلى من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا : ومن يتمسك بما هو ثابت أصلا أو ظاهراً أو فرضاً يمكن أن نقول إنه يتمسك بما هو ثابت حكماً . وهو لا يكلف بالإثبات كما قدمنا ، بل من يدعى خلاف ما هو ثابت حكماً . وهو لا يكلف بالإثبات كما قدمنا ، بل من يدعى خلاف ما هو ثابت حكماً هو الذى يحمل عبء الاثبات . كذلك الحال








فيمن يتمسك بما هو ثابت فعلا (117) ، لا يكلف هو أيضاً بالاثبات ، وإنما يحمل عبء الاثبات من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا . والثابت فعلا هو ما أقام الخصم الدليل عليه بالطرق القانونية ، حقيقة أو ضمناً .

مثل ذلك دائن يرفع دعوى الدين على مدينه ، فيدعى خلاف الأصل وهو براءة الذمة كما قدمنا ، فعليه إذن عبء إثبات الدين . فاذا ما أثبته حقيقة بسند مكتوب مثلا ، فلا يجوز للمدين أن يدعى وفاء الدين ، أى خلاف ما هو ثابت حقيقة ، إلا إذا حمل عبء إثبات ما يدعيه.

ولو أن المدين فى المثل الذى قدمناه لم يكلف المدعى باثبات الدين حقيقة ، بل دفع الدعوى بالمقاصة ، كان هذا بمثابة إقرار ضمنى منه بالدين ، فيكون الدين ثابتاً ضمناً. وعلى المدين إثبات عبء انقضاء الدين بالمقاصة لأنه يدعى خلاف ما هو ثابت ضمناً .


$77 ومن ثم ثرى أن البينة تكون على من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا ، حقيقة كان هذا الثبوت أو ضمناً .

53 ـ استخلاص مبدأ عام فيمن يحمل عبء الاثبات : ونستطيع بعدما قدمناه أن نضع المبدأ الآتى : كل من يتمسك بالثبات حكماً ـ أصلا أو ظاهراً أو فرضاً ـ أو بالثابت فعلا ـ حيقة أو ضمنا ـ لا يقع عليه عبء الإثبات . وإنما يقع عبء الإثبات على من يدعى خلاف الثابت حكماً أو فعلا ، لأنه يدعى خلاف الأصل أو الظاهر أو المفروض أو الثابت ، فوجب أن يحمل عبء إثبات ما يدعيه (118) . وغنى عن البيان أن تحديد من يحمل عبء الإثبات مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض .

ب ـ عبء الاثبات من ناحية التطبيق :

54 ـ كيف يقوم بالاثبات عملا من يحمل عبئه : متى تعين أى الخصمين يحمل عبء الاثبات ، وفقاً للمبدأ العام الذى قدمناه ، كان هذا الخصم $78 هو المكلف باقامة الدليل بالطرق القانونية على صحة ما يدعيه . فاذا ادعى شخص أنه أقرض شخصاً آخر مبلغاً من المال ، فعليه أن يثبت عقد القرض . ولكن هل معنى ذلك أن يثبت أيضاً أن عقد القرض خال من جميع أسباب البطلان ، وهذه ترجع إلى التراضى والمحل والسبب وإلى الأهلية وعيوب الارادة من غلط وتدليس وإكراه واستغلال ، ثم يثبت بعد ذلك أن العقد بعد أن العقد صحيحاً لم ينقض الدين الذى نشأ عنه بأى سبب من الأسباب كالوفاء والتجديد والمقاصة واتحاد الذمة والابراء ونحو ذلك ، ثم بعد أن يثبت أن الدين لم ينقض يثبت أيضاً أنه لم يلحقه أى تعديل ، وهكذا ! .

من الواضح أن عبء الاثبات ، إذا فسرعلى هذا النحو ، ينوء به الخصم . ولذلك تقضى الضرورة أن يقتصر الخصم على إثبات عقد القرض . وبعد ذلك يستعان بالقرائن التى قدتمناها . فما هو ثابت حكماً أو فعلا لا يكلف باثباته ، ويترتب على ذلك أن القرض متى أثبته الدائن ، كان من الثابت حكماً أنه خال من أسباب البطلان ، فاذا ادعى المدين أن العقد قد لحقه سبب منها فعليه هو أن يثبت ذلك كما أسلفنا . ثم متى ثبت عقد القرض ، أصبح ثابتاً فعلا ، فاذا ادعى المدين خلاف ذلك ، بأن ادعى أن الدين قد انقضى بسبب من أسباب الانقضاء أو أنه قد لحقه أى تعديل ، فعليه هو عبء الاثبات كما تقدم القول (119) .

ونرى من ذلك أن عبء الاثبات لا يقل كاهل أحد الخصمين دون الآخر ، بل هو يوزع بين الخصمين على النحو المتقدم (120) . قد يقع هذا التوزيع بحكم $79 الواقع بمقتضى قرائن قضائية ينقل بها القاضى عبء الاثبات بحسب تقديره من الخصم إلى خصمه ، وقد يقع بحكم القانون بمقتضى قرائن قانونية ينتقل بها عبء الإثبات من خصم إلى آخر وقد يقع أخيراً بحكم الاتفاق بين الطرفين.

55 ـ توزيع عبء الاثبات . بحكم الواقع : فمثل أن يقع التوزيع بحكم الواقع عن طريق قرائن قضائية ما يأتى :

(1) شخص يريد أن يثبت صورية عقد صدر من أب إلى ولده ، فيثبت إلى جانب علاقة البنوة أن الولد وهو صغير السن عديم الكسب ليس له مال ظاهر يسمح بدفع الثمن المذكور فى العقد أنه قد دفع . فتقوم قرينة قضائية على أن واقعة دفع الثمن واقعة صورية . فينق القاضى عبء الإثبات إلى الأب ، ليثبت مصدراً معيناً دفع منه الولد الثمن ، أو أن حقيقة العقد هبة فى صورة بيع وعندئذ يكون له حكم الهبة لا حكم البيع .
(2) شخص يطالب آخر بتعويض لاعتدائه على اختراع له حصل على باءته وسجلها . فعلى المدعى أن يثبت حصوله على البراءة وأنه قام بتسجيلها وفقاً للأوضاع المقررة فى القانون . وعند ذلك ينقل القاضى عبء الاثبات إلى المدعى عليه ليثبت ، إذا استطاع ، أن هذا الاختراع بالرغم من صدور براءة به وتسجيلها ليس بالجديد الذى يستحق الحماية .
(3) أنكر الخصم أن الختم الموقع به على الورقة هو ختمه . فعند ذلك يحمل الخصم الآخر عبء إثبات صحة الختم طبقاً للإجراءات المقررة فى القانون . فاذا أثبت ذلك نقل القاضى عب الإثبات إلى الخصم الأول ، ليثبت كيف وصل ختمه هذا الصحيح إلى الورقة التى عليها التوقيع ، ويكون ذلك عن طريق دعوى $80 التزوير التى يجب أن يسار فيها بطريقها القانونى كما قضت بذلك محكمة النقض ( نقض مدنى 26 أبريل سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 174 ص 346 ) .

(4) شخص يريد أن يثبت أن له حيازة المنزل محل النزاع ، فيقدم مستندات تثبت أنه هو الذى يؤجر المنزل ويقبض أجرته ويدفع ضريبته . فتقوم قرينة قضائية على أنه هو الحائز للمنزل . وعند ذلك ينقل القاضى عبء الإثبات إلى الخصم الآخر ليدحض هذه القرينة القانونية ، بأن يثبت مثلا أن الخصم الأول إنما يؤجر المنزل ويدفع الضريبة لا لحسابه الشخصى بل لحساب المالك الذى يدير هو أعماله . وهكذا ينقل القاضى عبء الاثبات من خصم إلى آخر تبعاً لما يستخلص كل منهما من قرائن يكون من شأنها أن تلقى عبء الإثبات على خصمه .
(5) موظف فصل من وظيفته ، فيرفع دعوى على الحكومة يقول فيها إن فصله كان تعسفياً . ولما كان هو الذى يحمل عبء إثبات التعسف ، فانه يستطيع فى هذا السبيل أن يطلب ضم ملف خدمته ليثبت منه تقدير الرؤساء لكفايته ومن الناحية الخلقية ، نقل القاضى عبء الإثبات إلى الحكومة لتقول هى بدوره لأى سبب بالذات قد فصلته . فان ذكرت الحكومة سبباً معيناً لفصله ، نقل عبء الإثبات إلى المدعى ، لثبت أن هذا السبب غير صحيح أو أنه لا يكفى بفرض صحته لنفى التعسف . وهكذا يتناوب الموظف والحكومة الإثبات إلى أن يعجز أحدهما عن أن يرد عبء الإثبات إلى صاحبه ، فيكون هو المحكوم عليه فى الدعوى .

56 ـ توزيع عبء الاثبات . بحكم القانون : ومثل أن يقع التوزيع بحكم القانون عن طريق قرائن قانونية ما يأتى :
(1) يريد الدائن إثبات إعسار المدين . هنا يتكفل القانون بتحليل عناصر الإثبات وتوزيعها على الخصمين عن طريق إقامة قرائن قانونية . فقد نصت المادة 239 من التقنين المدنى على أنه (( إذا ادعى الدائن إعسار المدين ، فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما فى ذمته من ديون ، وعلى المدين نفسه أن يثبت أن له مالا يساوى قيمة الديون أو يزيد عليها )) . فالدائن إذن يحمل عبء إثبات مقدار ما فى $81 ذمة المدين من ديون . وعندئذ ينتقل عبء الإثبات إلى المدين ، ويكون عليه أن يثبت أن له مالا يفى بمجموع هذه الديون . وبمقدار كثرة الديون التى يستطيع الدائن إثباتها فى ذمة المدين يثقل عبء المدين فى إثبات أن ماله يفى بديونه . فان عجز عن هذا الإثبات اعتبر معسراً .

(2) يريد الحائز أن يثبت أنه كسب الملكية بالتقادم ، أى أن يثبت أن حيازته استمرت المدة التى حددها القانون لتمام التقادم . هنا أيضاً يتكفل القانون بتوزيع عناصر الإثبات على الخصمين . فقد نصت المادة 971 من التقنين المدنى على أنه (( إذا ثبت قيام الحيازة فى وقت سابق معين وكانت قائمة حالا ، فان ذلك يكون قرينة على قيامها فى المدة ما بين الزمنين ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك )) . فالحائز يحمل عبء إثبات أن حيازته بدأت فى وقت معين وأنها قائمة حالا . وهنا يقيم القانون قرينة على أن الحيازة استمرت قائمة فى المدة ما بين الزمنين . وينتقل بذلك عبء الإثبات إلى الخصم الآخر . ويكون عليه أن يثبت أنها انقطعت فى هذه المدة .

(3) إذا أمن شخص على حياته ، ثم انتحر ، برئت ذمة المؤمن ( شركة التأمين ) من التزامه بدفع مبلغ التأمين إلى المستفيد . ومع ذلك لا تبرأ مة المؤمن من هذا الالتزام إذا كان سبب الانتحار يرجع إلى فقدان إرادة المنتحر . فاذا مات المؤمن على حياته وادعت شركة التأمين أنه مات منتحراً فبرئت ذمتها من الالتزام بدفع مبلغ التأمين إلى المستفيد ، فان القانون هنا أيضاً يوزع عبء الإثبات على كل من شركة التأمين والمستفيد . فقد نصت الفقرتان الأوليان من المادة 756 من التقنين المدنى على ما يأتى: (( (1) تبرأ ذمة المؤمن من التزامه بدفع مبلغ التأمين إذا انتحر الشخص المؤمن على حياته . ومع ذلك يلتزم المؤمن أن يدفع لمن يؤول إليهم الحق مبلغاً يساوى قيمة احتياطى التأمين . (2) فاذا بأكمله. وعلى المؤمن أن يثبت أن المؤمن على حياته مات منتحراً ، وعلى المستفيد أن يثبت أن المؤمن على حياته كان وقت انتحاره فاقد الإراده )) . فشركة التأمين تحمل إذن عبء إثبات أن المؤمن على حياته قد انتحر . وعندئذ يفرض القانون فرضاً قابلا لإثبات العكس أن الانتحار كان بارادة المنتحر ، وأن هذا لم يكن فاقد الإرادة وقت انتحاره . فينتقل عبء
( م 6 الوسيط جـ 2 )


$82 الإثبات إلى المستفيد . وعليه أن يثبت ، حتى يستحق مبلغ التأمين بأكمله ، أن المنتحر كان وقت انتحاره فاقد الإرادة (121) .

(4) عقد أبرم بطريق المرسلة . ولكن الموجب ادعى أنه عدل عن إيجابه قبل أن يتم العقد . فعلى الخصم الآخر أن يثبت أن العقد قد تم إبرامه ـ أى أن الموجب قد علم بالقبول ـ قبل هذا العدول . ويوزع القانون عبء الإثبات بين الخصمين ، إذ تنص المادة 91 من التقنين المدنى على ما يأتى : (( ينتج التعبير عن الإرادة أثره فى الوقت الذى يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك )) . فعلى الخصم الآخر الذى قبل الإيجاب أن يثبت أن قبوله وصل إلى الموجب فى وقت سابق على الوقت الذى علم فيه بعدول الموجب عن إيجابه . وعند ذلك يفرض القانون أن الموجب قد علم بالقبول وقت وصوله إليه . فينتقل عبء الإثبات إلى الموجب . وعليه أن يثبت أنه بالرغم من وصول القبول إليه قبل عدوله عن الإيجاب ، إلا أنه لم يعلم به إلا بعد عدوله وعلم الخصم الآخر بهذا العدول .

(5) باع شخص مالا يملكه . وبعد موته نازع ورثة البائع المشترى فى أن الثمن المذكور فى عقد البيع صورى ، وأن البيع قد صدر فى مرض الموت فيكون وصية ، ومن ثم لا ينفذ إلا من ثلث التركة . يوزع القانون عبء الإثبات هنا أيضاً بين الورثة والمشترى. فقد نصت الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 916 على ما يأتى : (( 2 ـ وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجتميع الطرق ، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً. 3 ـ وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم فى مرض الموت ، اعتبر التصرف صادراً على سبيل التبرع ، ما لم يثبت من صدر له التصرف عكس ذلك . كل هذا ما لم توجد أحكام خاصة تخالفه )) . فالورثة إذن يحملون عبء إثبات أن البيع قد صدر فى مرض الموت . ومتى أثبتوا ذلك قامت قرينة قانونية على أن العقد مقصود به التبرع وأن ثمناً ما لم يدفع . وعند ذلك ينتقل عبء الإثبات إلى المشترى . وعليه أن يثبت أنه دفع للبائع ثمناً لا يقل عن قيمة المبيع بمقدار يجاوز$83 ثلث التركة ، وإلا فان البيع ، فيما تجاوز فيه زيادة قيمة البيع على الثمن ثلث التركة ، لا يسرى فى حق الورثة ( م477 مدنى) .

ونرى من الأمثلة التقدمةأن كل قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس ليست فى الواقع إلا توزيعاً لعبء الإثبات بين الخصمين ، يتكفل به القانون .

ونرى كذلك مما سبق بيانه أن من يحمل عبء الاثبات ليس مطالباً فى الواقع من الأمر باثبات كامل قاطع . ولا هو يكلف ـ على عكس ما ذهب إليه الأستاذان أوبرى ورو (122) ـ باثبات كل عنصر من العناصر التى تتكون


$84 منها الواقعة مصدر الحق المدعى به . وليست الحقيقة القضائية التى يتولى إثباتها بالحقيقة المطلقة التى لا يداخلها الشك . فالقانون لا يطلب المستحيل . وإنما يكتفى ممن يحمل عبء الاثبات أن يقنع القاضى بأن الأمر الذى يدعيه أمر مرجح الوقوع بحيث يكون من المعقول التسليم بوقوعه فعلا ، وينفى القاضى ما بقى من شك يحوم حول الأمر بأن ينقل عبء الاثبات إلى الخصم الآخر ، ليثبت أنه ، بالرغم من الظواهر التى ترجح وقوع الأمر ، توجد قرائن أخرى تجعل الراجح مرجوحاً . ثم يرد عبء الاثبات إلى الخصم الأول ، ليهدم هذه القرائن.
$85 بقرائن أخرى تعيد للأمر كفة الرجحان . وهكذا يتقاذف الخصمان الكرة ، كل منهما يدفعها إلى صاحبـه ، إلى أن يعجـز أحهمـا عن ردها ، فتسقط من يده ، ويسجـل علـى نفسـه الخسارة (123) .

فلا نبالغ إذن فى القول بفداحة الاثبات . فان الخصم يتخفف من هذا العبء بأمرين : (أولا) بتحليل الواقعة المراد إثباتها إلى عناصر متعددة يتوزع بين الخصمين عبء إثباتها ، فيقوم كل منهما بنصيبه فى هذا العبء . (ثانياً) بعدم مطالبة الخصم ـ فى العناصر التى يكلف باثباتها ـ باثبات قاطع يصل بها إلى درجة الحقيقة المطلقة . بل يكفى أن يثبت رجحانها . وهذا هو شأن الحقيقة القضائية ، لا يقدر لها أن تصل إلى مرتبة الاطلاق (124) .
$86 57 ـ تعيين من يقع عليه عبء الاثبات بحكم الاتفاق ( التعديل الاتفاقى لقواعد عبء الاثبات ) : وغنى عن البيان أن القواعد التى قدمناها فى عبء الإثبات قل أن تعتبر من النظام العام ، لأن الكثير منها لم يوضع إلا لحماية الخصوم . فمن الجائز إذن ، ما لم يوجد نص يقض بغير ذلك ، عند ما يضع القانون .



$87 قرينة قانونية تنقل عبء الاثبات إلى الخصم معين حماية للخصم الآخر ، أن يتفق الطرفان مقدماً على إلغاء هذه القرينة ، وإعادة عبء الاثبات إلى من كان ينتفع بها ، فينزل بذلك عن الحماية التى منحها له القانون ، ويكون فى هذا تعديل اتفاقى لقواعد عبء الاثبات ، وهو صحيح قانوناً .
ونأتى بأمثلة لذلك : (1) الأصل فى الضرر الذى يحدثه الحيوان أن حارس الحيوان هو المسئول عنه ، إلا إذا أثبت هذا أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبى (م 176 مدنى) ولكن يجوز الاتفاق مقدماً على نقل عبء الاثبات إلى.
$88 المضرور . فيصح أن يتفق شخصان شريكان فى مرعى واحد على أن كل ضرر يقع من مواشى أحدهما على مواشى الآخر لا يكون الأول عنه إلا إذا أثبت الآخر خطأ فى جانبه . (2) الأصل أن أمين النقل مسئول عن الضرر الذى يحدث أثناء النقل للشخص أو الشئ الذى ينقله ، والمسئولية هنا مسئولية عقدية ، فعلى أمين النقل إذن يقع عبء الإثبات. ولكن يحوز الاتفاق مقدماً ـ ما لم يكن هذا شرط إذعان ـ على نقل عبء الإثبات من أمين النقل إلى المتعاقد معه ، فيصبح هذا هو المكلف باثبات خطأ فى جانب أمين النقل على أساس المسئولية العقدية لا المسئولية التقصيرية . (3) إذا جاوز الضرر قيمة التعويض الاتفاقى (الشرط الجزائى) ، فلا يجوز للدائن أن يطالب بأكثر من هذه القيمة إلا إذا أثبت أن المدين قد ارتكب غشاً (م 231 مدنى) . ولكن يجوز للطرفين أن يتفقا مقدماً على نقل عبء الإثبات من الدائن إلى المدين ، فيكون للدائن أن يطالب بقيمة الضرر التى جاوزت قيمة الشرط الجزائى ما لم يثبت المدين أنه لم يرتكب غشاً. (4) المستأجر مسئول عن حريق العين المؤجرة إلا إذا أثبت أن الحريق نشأ عن سبب لا يد له فيه (م584 فقرة 1مدنى) ولكن يجوز للطرفين أن يتفقا مقدماً على نقل عبء الإثبات المؤجر خطأ فى جانبه (125) ، وبذلك يتحول التزام المستأجر من التزام بحقيق غاية إلى التزام ببذل عناية (126) .

وكما يقع التعديل الاتفاقى لقواعد عبء الإثبات مقدماً قبل حصول النزاع على النحو الذى قدمناه ، كذلك يصح أن يقع هذا التعديل أثناء النزاع . فيجوز لخصم لم يكن فى الأصل مكلفاً باثبات واقعة أن يتطوع لإثباتها ، فاذا أجابه القاضى إلى طلبه فليس له بعد ذلك أن يحتج بأنه غير مكلف قانوناً بالإثبات . ذلك أن تطوعه لإثبات الواقعة مع سكوت خصمه يكون بمثابة اتفاق بينهما على نقل عبء الإثبات إليه ، فيلزمه أن يضطلع بهذا العبء . وقد قضت محكمة النقض بأن القواعد التى تبين على أى خصم يقع عبء الإثبات لا تتصل بالنظام العام ، ولذا يجوز الاتفاق على مخالفتها ، وإذن فمتى كان الطاعن قد طلب من$89 المحكمة احالة الدعوى على التحقيق لإثبات ما يدعيه ، فليس له أن ينعى بعد ذلك على الحكم باجابته إلى ما طلب ، حتى ولو كان فيما طلب متطوعاً لاثبات ما هو غير ملزم بحمل عبئه (127) .

ثالثاً ـ طرق الاثبات

1ـ ما هى طرق الاثبات (سلطة الخصوم وسلطة محكمة النقض فى شأنها)
58 ـ طرق الاثبات التى رسمها القانون واجراءاتها وقوو كل طريق منها : رسم القانون طرق افثبات المختلفة . وهو ستة : (1) الكتابة ecrit (2) الشهادة أو البينة temoignage (3) القرائن presomptions (4) الاقرار aveu (5) اليمين serment (6) المعاينة constatation .
ونبادر إلى استبعاد المعاينة من بين موضوعات القانون المدنى ، إذ هى لا تنطوى إلا على إجراءات اصطلح على جعلها كلها من مباحث قانون المرافعات ، سواء فى ذلك ما تعلق منها بانتقال المحكمة للمعاينة visite des lieux (م 185 ـ 188 مرافعات ) أو ما تعلق بالمعاينة الفنية التى يقوم بها الخبراء (expertise) (128) (م 225ـ $90 252 مرافعات ) . فتكون طرق الاثبات التى تعالج فى القانون المدنى هى الخمسة الأولى . وتعيين هذه الطرق وتحديد قيمة كل طريق منها من مسائل القانون المدنى ، أما الإجراءات التى رسمها القانون للسير فى كل طريق فمن مسائل قانون المرافعات ولا شأن لنا بها هنا .
والكتابة من أقوى طرق الإثبات ، ولها قوة مطلقة إذ يجوز أن تكون طريقاً لاثبات الوقائع القانونية والتصرفات القانونية دون تمييز كما سنرى ولم تكن لها هذه القوة قديماً ، بل كان المقام الأول للشهادة فى وقت لم تكن فيه الكتابة منتشرة بل كانت الغلبة للأمية ، فكان الاعتماد على الرواية دون القلم . هكذا كان الأمر فى الفقه الإسلامى وفى سائر الشرائع . ثم أخذت الكتابة تنتشر ، وساعد على ذلك اختراع الطباعة ، فعلت الكتابة على الشهادة وصار لها المقام الأول . ومن مزايا الكتابة أن يمكن إعدادها مقدماً للإثبات منذ نشوء الحق دون التربص إلى وقت المخاصمة فيه ، ولذلك سميت بالدليل المعد prevue preconstituee . وقد أوجبها القانون بوجه عام طريقاً للإثبات فى الأحوال التى يمكن فيها إعدادها مقدماً ، وهى الأحوال التى يكون فيها مصدر الحق تصرفاص قانونياً ، فان التصرف القانونى يسهل اعداد كتابة لإثباته من وقت صدوره . أما الواقعة القانونية ، وهى عمل مادى ، فقد لا يتيسر إعداد كتابة لإثباتها ، لذلك يجوز بوجه عام إثباتها بجميع طرق الإثبات لا بالكتابة وحدها . ومن مزايا الكتابة أيضاً أنها لا يتطرق إليها من عوامل الضعف ما يتطرق إلى الشهادة ، فالشهود يجوز عليهم الكذب ، وعوزهم الدقة على كل حال ، وتتعرض ذاكرتهم للنسيان . على أن الكتابة ، إذا خلت مما يلحق الشهادة من كذب$91 .أو اضطراب أو نسيان ، لا تخلو هى أيضاً من احتمال التزوير . وقد رسم قانون المرافعات إجراءات معينة للطعن فى الكتابة بالانكار أو بالتزوير (م253 ـ 291 مرافعات ) .

أما الشهادة أو البينة فقد كانت من أقوى الأدلة فى الماضى كما قدمنا ، ثم تزلت للأسباب التى بيناها إلى مكان أدنى . فهى طريق للإثبات ذو قوة محدودة ، إذ لا يجوز إثبات التصرفات القانونية بها إلا فى حالات استثنائية ، ولا يثبت بها إلا الوقائع القانونية لأنها أعمال مادية فجاز إثباتها بالبينة لموقع الضرورة (129) . وقد حاطها المشرع بضمانات عدة ، فرسم إجراءات دقيقة لسماع الشهود ( م189 ـ 224 مرافعات ) ، وفرض عقوبة على شهادة الزور ، وترك للقاضى التقدير الأعلى فى الأخذ بها إذا أقنعه أو فى اطراحها إذا هو لم يقتنع .

أما القرائن فهى طريق للإثبات غير مباشر ، لأن الخصم لا يثبت فيها الواقعة ذاتها محل النزاع بل واقعة أخرى متصلة بها يرى القانون أو القاضى أن فى إثباتها إثباتاً للواقعة الأولى ـ وهو الواقعة محل النزاع ـ إثباتاً غير مباشر . والقرائن قسمان : قرئان قانونية يقررها القانون بنص فيه ، وقرائن قضائية يستنبطها القاضى من وقائع الدعوى وظروفها وله حرية واسعة فى تقديرها . والقرائن القانونية إما أن تكون قرئان بسيطة تقبل إثبات العكس ، أو قرائن قاطعة لا يجوز إثبات عكسها (130) . أما القرائن القضائية فكلها قابلة لإثبات العكس . وإذا كانت $92 القرائن تنطوى فى كثير من الأحوال على وقائع مادية ملموسة لا يتطرق إليها الكذب أو الاضطراتب كما يتطرق إلى الشهادة ، إلا أنها تقوم على أساليب دقيقة من الاستنباط لا يؤمن فيها العثار . ومن ثم جعلت القرائن ، من حيث قوتها فى الاثبات ، بمنزلة الشهادة ذات قوة محدودة ، ولايجوز قبولها إلا حيث تقبل الشهادة . ولم يرسم قانون المرافعات للقرائن إجراءات معينة ، فجميع الأحكام الخاصة بها أحكام موضوعية وهى متناثرة فى جميع نواحى القانون .
أما الاقرار فانه إذا صدر من الخصم على نفسه بحق لخصمه ، لا يكون فى الواقع من الآمر طريقاً لاثبات هذا الحق ، بل إعفاء من إثباته ، ونزولا من الخصم المقر عن حقف فى مطالبة خصمه باثبات ما يدعيه . ولما كان الاقرار نزوى عن حق المطالبة بالاثبات ، فهو من جهة يقبل فى الوقائع المادةي والتصرفات القانونية على السواء ، وهو من جهة أخرى يكون حجة قاصرة على المقر دون غيره ، فهو وحده الذى نزل عن حق المطالبة بالاثبات ، وقد يكذب فى إقراره فيقر بشئ فى حق نفسه تخلصاً مما هو أشد أو إلحاقاً للضرر بغيره . وقد رسم قانون المرافعات إجراءات خاصة تمهد للإقرار ، هى إجراءات استجواب الخصوم .
$93 (interrogatoire) واستحضارهم شخصياً أمام القاضى (comparution persnnelle) ( م 166 ـ 174 مرافعات ) .
174 مرافعات) .
بقيت اليمن . ويمكن القول منها إنها طريق للإثبات من وجوه أربعة : إذا إذا حلفها من وجهت إليه فقد ثبت حقه بيمينه ، وإذا نكل دون أن يردها فقد ثبت حق خصمه بنكو له ، وإذا ردها إلى الخصم فحلف فقد ثبت حق الخصم بيمينه ، وإذا ردها إلى الخصم فلم يحلف فقد ثبت حقه بنكول خصمه . على أن الواقع من الأمر أن اليمين كالإقرار ليست طريقاً للإثبات ، لأن توجيه اليمين إلى الخصم أو ردها عليه إنما هو احتكام إلى ذمته ، فان حلف كان هذا تحملا للحق ، وإن نكل كان هذا بمثابة الإقرار . ومن ثم يقبل توجيه اليمين فى الوقائع المادية والتصرفات القانونية على السواء ، شأن اليمين فى ذلك شأن الإقرار . وقد رسم قانون المرافعات الإجراءات اللازمة فى تحليف اليمين (م 175 ـ 184 مرافعات ) .
ونرى مما تقدم أن القانون قد عين طرق الإثبات المختلفة ، وحدد لكل طريق قوته ، بمقتضى قواعد وضعها لذلك (131) . فهل تعتبر هذه القواعد من النظام العام لا سلطان للخصوم عليها ، أم هى قواعد قابلة للتعديل بالاتفاق فيما بين الخصوم ؟ هذا ما ننتقل الآن إليه .

$94 59 ـ الاتفاقات الخاصة بطريق الاثبات (132) : يذهب الفقه الفرنسى إلى القول ببطلان هذه الاتفاقات . وحجته فى ذلك أن طرق الاثبات تتعلق بحسن تنظيم القضاء والتعرف على خير السبل التى يهتدى بها القضاة إلى الحقائق ، ومن ثم تكون القواعد التى تعين هذه الطرق وتحدد قوة كل منها قواعد تتعلق بالنظام العام ، ولا يجوز للخصوم الاتفاق على مخالفتها (133) . بل يذهب فريق من الفقهاء فى فرنسا إلى بطلان الاتفاقات المعلقة بقواعد الاثبات كافة ، ليس فحسب القواعد المتعلقة بطرق الاثبات ، بل أيضاً القواعد المتعلقة بتحديد الواقعة المراد إثباتها وبتعيين من من الخصوم يحمل عبء الاثبات (134) ، وهى القواعد التى سبق أن قررنا أنها لا تتعلق بالنظام العام . ولكن القضاء الفرنسى يذهب إلى القول بصحة الاتفاقات الخاصة بطرق الاثبات كغيرها التى تتعلق بعبء الاثثبات وبالواقعة المراد إثباتها . ولا يستثنى من ذلك إلا الاتفاقات الخاصة بقواعد لا يختلف أحد فى أنها متعلقة بالنظام العام ، كالقواعد الخاصة باثبات الميلاد والوفاة والزواج وإثبات النسب والقوعد الخاصة بوجوب مناقشة الأدلة التى يقدمها الخصوم وبقوة الأوراق الرسمية ونحو ذلك (135) . وينهض لتوجيه الرأى الذى يذهب إليه القضاء الفرنسى اعتباران : أولهما أن الأصل فى موقف القاضى من الدعوى الحياد كما تقدم القول ، والخصمان هما اللذان يقفان موقفاً إيجابياً ، فلهما أن يسيرا على القواعد التى رسمها القانون للإثبات ، ولكن لا عليهما أن يخالفا هذه القواعد باتفاق بينهما إلى قواعد أخرى يريانها أقرب إلى أداء العدالة $95 ومحيص الحقائق (136) . والاعتبار الثانى أن إثبات الحق لا يزيد فى الخطر عن الحق ذاته ، وما دام صاحب الحق يستطيع النزول عنه ، فيكف لا يستطيع الاتفاق مع خصمه على طريق معين لاثبات هذا الحق !

ومن ثم فقد حكم القضاء الفرنسى بصحة الاتفاق الخاص بإثبات براءة ذمة الوكيل بطرق أيسر من تلك التى رسمها القانون فى القواعد العامة للإثبات وفى القواعد الخاصة بعقد الوكالة (137) . وحكم أيضاً بجواز الاتفاق على الاثبات بطريق أيسر مما قرره القانون : كالبينة بديلا من الكتابة (138) ، أو بطريق أصعب (139) ، أو بطريق لم يرسمه القانون (140) ، وهذا ما لم يكن هناك اعتبار واضح من النظام العام (141) .
أما فى مصر فيمكن القول بأن الفقه يذهب إلى أن أكثر قواعد الاثبات لا تعتبر من النظام العام . وكان القضاء ، فى ظل القانون القديم ، يميز بين الاتفاق على الاثبات بالكتابة حيث يبيح القانون الاثبات بالبينة ، وهذا اتفاق جائز مستساغ ، وبين الاتفاق على الاثبات بالبينة حيث يحتم القانون الاثبات بالكتابة ، وهذا كان القضاء يجيزه إذا تم بعد وقوع الخصومة ولا يجيزه إذا أبرم مقدماً قبل $96 وقوع الخصومة . وسنعود إلى هذه المسألة ببيان أوفى (142) .

والذى يعنيان هنا أن نبينه هو أنه يمكن القول إجمالا إن قواعد الاثبات ليست من النظام العام لما سبق ذكره من الاعتبارات التى سقناه فى توجيه القضاء الفرنسى . يوجد حقاً من هذه القواعد ما توحى طبيعته أنه من النظام العام ، كأن تكون الورقة الرسمية حجة على الناس كافة إلى أن يطعن فيها بالتزوير ، وكأن تكتون الورقة العرفية حجة على الغير فى تاريخها الثابت ، وكحجية القرائن القانونية القاطعة فى كثير من الأحوال . ولكن أكثر القواعد لا تعتبر من النظام العام ، فيصح الاتفاق على ما يخالفها . ومن ثم يجوز الاتفاق على نقل عبء الاثبات كما قدمنا . ويجوز الاتفاق أيضاً على ألا تكون للرسائل الموقع عليها ولا للرقيات ولا للدفاتر والأوراق المنزلية قوة الورقة العرفية من حيث الاثبات ( م396 و398 مدنى ) .ويجوز بوجه عام الاتفاق على عدم إعمال القرائن القانونية البسيطة وهى التى تقبل إثبات العكس . ويجوز أخيراً الاتفاق على أن يكون الاثبات بالكتابة حيث يجيز القانون الاثبات بالبينة، أو أن يكون الاثبات بالبينة حيث يحتم القانون الاثبات بالكتابة (143) ، وهذه هى المسألة التى سنتناولها ببيان واف عند الكلام فى قوة البينة والقرائن فى الاثبات .

$97 60 ـ سلطة محكمة النقض فيما يتعلق بطرق الاثبات : تعيين طرق الإثبات ، وبيان متى يجوز استعمال كل منها ، وتحديد قوة كل طريق من هذه الكرق ، هذه جميعها مسائل قانون تخضع لرقابة محكمة النقض . ولكن متى قبل القاضى طريق افثبات الذى رسمه القانون فى الوضع الذى أجازه فيه وجعل أنه قوته المحددة قانوناً ، فان تقدير مبلغ اقتناع القاضى بالدليل يعتبر من المسائل الموضوعية التى لا تعقيب لمحكمة النقض عليها (144) . وأخص ما يظهر ذلك فى قوة الإقناع التى تسمد من شهادة الشهود ، وفى القرائن القضائية التى يستنبطها القاضى من وقائع الدعوى وظروفها ، ما دام قاضى الموضوع قد بين فى حكمه الاعتبارات المعقولة التى أسس عليها الحكم ، ولم يعتمد واقعة بغير سند ، ولم يستخلص من الوقائع نتيجة غير مقبولة عقلا . فان بنى حكمه على واقعة لا سند لها ، أو استخلص نتيجة غير مقبولة عقلا ، كان حكمه معيباً وتعين تقضه (145) .
$98 ب ـ تقسيم طرق الاثبات ( تقسيمات خمسة )

61 ـ طرق مباشرة وطرق غير مباشرة : يمكن أن تنقسم طرق الإثبات إلى طرق مباشرة (preuves directes) وطرق غير مباشرة (preuves indirectes) .
فالطرق المباشرة هى التى تنصب دلالتها مباشرة على الواقعة المراد إثباتها . وهذه هى الكتابة والبينة . فالكتابة تسجل الواقعة المراد إثباتها بالذات ، سواء $99 كانت تصرفاً قانونياً كما هو الغالب أو كانت واقعة قانونية ، فتكون طريقاً مباشراً لإثبات هذه الواقعة . والشهود إذا انصبت شهادتهم على صحة الواقعة المراد إثباتها بالذات ، تصرفاً قانونياً كانت أو واقعة قانونية ، يثبتون هذه الواقعة بطريق مباشر . ويلاحظ أن المعاينة والخبرة طريقان مباشران للإثبات ، بل هما الطريقان اللذان يتصلان اتصالا مادياً مباشراً بالواقعة المراد إثباتها ، ولكنهما من مباحث قانون المرافعات كما قدمنا .

والطرق غير المباشرة هى التى لا تنصب دلالتها مباشرة على الواقعة المراد إثباتها ، ولكن تستخلص من طريق الاستنباط . وهذه هى القرائن وافقرار واليمين . أما القرائن فقد قدمنا أن الإثبات فيها لا ينصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، بل على واقعة أخرى متصلة بها اتصالا وثيقاً ، بحيث يعتبر إثبات الواقعة الثانية ( الواقعة البديلة ) إثباتاً للواقعة الأولى (الواقعة الأصيلة) استنباطاً .ومن ثم تنطوى القرائن على استبدال (deplacement) محل آخر فى الإثبات بالمحل الأصلى . فهى إذن تثبت المحل الأصلى ـ أى الواقعة المراد إثباتها ـ بطريق غير مباشر . وكل من الإقرار واليمين لا يعتبر طريقاً مباشراً للإثبات ، فهو وإن تناول $100 . الواقعة المراد إثباتها بالذات ، إلا أن صحة هذه الواقعة لا تستخلص منه مباشرة بل عن طريق الاستنباط . فالإقرار لا يثبت صحة الواقعة المراد إثباتها مباشرة ، بل هو يعفى الخصم من إثباتها ، فتصبح ثابتة بطريق غير مباشر . وكذلك اليمين ، إذ هى احتكام إلى ذمة الخصم ، فان حلف لم يكن هذا معناه أن الواقعة التى حلف عليها هى صحيحة حتما ، بل تعتبر صحيحة نزولا على مقتضى الاحتكام ، وإن نكل كان نكوله بمثابة إقرار يعفى خصمه من الاثبات ، ففى حالة الحلف يكون خصمه قد أعفاه من الاثبات ، وفى حالة النكول يكون هو الذى أعفى خصمه ، وفى الحالتين تكون الواقعة المراد إثباتها قد ثبتت بطريق غير مباشر . ولما كان الإعفاء من الإثبات ، سواء فى الاقرار أو فى اليمين ، مقصوراً على الخصمين ، قان حجية الإقرار واليمين حجية قاصرة عليهما غير متعدية إلى الغير . أما حجية القرائن فهى حجية متعدية (146) .

62 ـ طرق مهيأة وطرق غير مهيأة : ويمكن أيضاً تقسيم طرق الإثبات إلى طرق مهيأة (preuves preconstituees) وطرق غير مهيأة (preuves casuelles) .
فالطرق المهيأة هى التى أعدها صاحب الشأن مقدماً لإثبات حقه فى حالة المنازعة فيه . والطرق المهيأة هى عادة الكتابة ، يعدها صاحب الشأن مقدماً لإثبات تصرف قانونى كعقد بيع ، أو لإثبات واقعة قانونية كميلاد أو موت أو ميراث . لذلك تسمى الكتابة فى هذه الحالة سنداً (acte) لأنها أعدت لتكون دليلا يستند إليه عند قيام النزاع .
والطرق غير المهيأة هى التى لا تهيأ مقدماً ، بل تتهيأ وقت قيام النزاع فى الحق المراد إثباته . وكل طرق الإثبات فيما عدا الكتابة تكون عادة طرقاً غير مهيأة . فالشهود لا تعد فى العادة إلا عند قيام النزاع . والقرائن لا تستخلص من وقائع القضية وظروفها إلا أما القاضى وهو ينظر الدعوى . وكذلك الإقرار واليمين ، لا يجديان إلا إذا كانا فى مجلس القضاء وقت نظر النزاع . أما الإقرار غير القضائى $101 فان ثبت بالكتابة كانت الكتابة فى هذه الحالة دليلا مهيأ ، وإن ثبت بالبينة فالعبرة بها وهى عادة دليل غير مهيأ (147) ، وغنى عن البيان أن المعاينة والخبرة دليلا لا يتهيئان إلا بعد قيام النزاع ونظر الدعوى أمام القضاء .

على أن الدليل المهيأ قد يصبح دليلا مهيأ إذا أعده صاحب الشأن مقدماً ، وذلك كالبينة فقد يعد صاحب الحق مقدماً شهوداً على حقه وقت نشوئه ليهيء الدليل على هذا الحق إذا توزع فيه . وكذلك الدليل المهيأ قد يصبح دليلا غير مهيأ إذا لم يعد فى الأصل ليكون دليلا للاثبات ، وذلك كدفاتر التجار فهى قد أعدت أصلا لضبط معاملات التجار ولكن قد تستخدم عرضاً كدليل للإثبات . ومن ثم لا تسمى الكتابة سنداً (acte) إلا إذا كانت دليلا مهيأ .

63 ـ طرق ذات حجية ملزمة وطرق ذات حجية غير ملزمة : ويمكن كذلك تقسيم طرق الاثبات إلى طرق حجيتها ملزمة وطرق حجيتها غير ملزمة .
فالطرق ذات الحجية الملزمة هى الطرق التى حدد القانون مبلغ حجيتها ولم يتركها لمحض تقدير القاضى . وهذه هى الكتابة والاقرار واليمين والقرائن القانونية . وبعض هذه الأدلة حجيتها قاطعة لا تقبل إثبات العكس ، وهى اليمين والقرائن القانونية القاطعة . وبعضها حجيتها غير قاطعة فتقب لإثبات العكس ، وهذه هى الكتابة إذ تقبل الانكار والطعن بالتزوير ، والاقرار إذ يجوز للمقر أن يثبت أن إقراره غير صحيح ، والقرائن القانونية البسيطة ، إذ يجوز دحضها باثبات ما يخالفها .

والطرق ذات الحجية غير الملزمة هى البينة والقرائن القضائية . وقد قدمنا أن حجية هذين الطريقين غير ملزمة للقاضى ، فهو حر فى تكوين مبلغ اقتناعه بشهادة وفى استنباط القرائن القضائية من وقائع الدعوى وظروفها ، ولا رقابة عليه لمحكمة النقض فى ذلك (148) .

$102 64 ـ طرق أصلية وطرق تكميلية وطرق احتياطية : وتنقسم أيضاً طرق الاثبات إلى طرق أصلية وطرق تكميلية وطرق احتياطية .
فالطرق الأصيلة هى الدلة التى تقوم بذاتها دون أن تكون مكملة لأدلة موجودة . وهى قد تكون كافية وحدها ، كالكتابة وكالبينة والقرائن القضائية فى الوقائع القانونية وفى الصرفات القانونية التى لا تزيد قيمتها على عشرة جنيهات . وقد تكون غير كافية ولابد من استكمالها بطرق تكميلية ، كمبدأ الثبوت بالكتابة فهو طريق أصلى ولكنه غير كاف ولابد من استكماله بالبينة أو بالقرائن القضائية أو بهما معاً (149) .

والطرق التكميلية هى الأدلة التى لا تقوم بذاتها ، بل تكون مكملة لأدلة موجودة . وذلك كالبينة والقرائن القضائية واليمين المتممة ، فهذه يستكمل لها مبدأ الثبوت بالكتابة فى التصرفات القانونية التى تزيد قيمتها على عشرة جنيهات . ويلاحظ أن البينة والقرائن القضائية قد تكون طرقاً أصلية ، وذلك فى الوقائع القانونية وفى التصرفات القانونية التى لا تزيد قيمتها على عشرة جنيهات كما سلف القول ، وقد تكون طرقاً تكميلية ، وذلك فى التصرفات القانونية التى تزيد قيمتها على عشرة جنيهات عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة كما قدمنا . ويلاحظ أيضاً أن البينة والقرائن القضائية قد تكون أدلة بدلية لا تكميلية ، فتحل محل الكتابة لا تكملها ، وذلك فى حالة وجود مانع يحول دون الحصول على دليل كتابى أو يحول دون تقديمه بعد الحصول عليه . ويلاحظ أخيراً أن اليمين المتممة يستكمل بها لا مبدأ الثبوت بالكتابة فحسب ، بل أيضاً أى تدليل أصلى آخر يراه القاضى فى حاجة إلى استكمال كالبينة والقرائن القضائية فى الوقائع القانونية وفى التصرفات القانونية إذا لم تزد قميتها على عشرة جنيهات .
والطرق الاحتياطية هى الطرق التى يلجأ إليها الخصم عندما يعوزه أى طريق
$103 آخر . وهذه هى الإقرار واليمين الحاسمة . فاذا عدم الخصم الدليل على دعواه ، لم يقى أمامه إلا أن يلجأ إلى استجواب خصمه عساه يحصل على إقرار منه ، أو أن يوجه إليه اليمين الحاسمة وبذلك يحتكم إلى ضميره . والطرق الاحتياطية قد تسعف فى بعض الأحيان وهذا هو القليل النادر ، ولكنها فى الكثرة الغالبة من الأحوال تقضى على من لجأ إليها . ولذلك لا يلجأ إليها الخصم إلا فى الضرورة الصوى ، عندما تلجئه الحاجة الملحة إليها . وهى فى الواقع ليست طرقاً للإثبات ، بل طرقاً للاعفاء من الإثبات كما قدمنا (150) .

65 ـ طرق ذات قوة مطلقة وطرق ذات قوة محدودة وطرق معفية من الاثبات : وتنقسم أخيراً طرق الإثبات إلى طرق ذات قوة مطلقة وطرق ذات قوة محدودة وطرق معفية من الاثبات :

أما الطرق ذات القوة المطلقة فى الاثبات فهى الطرق التى تصلح لاثبات جميع الوقائع ، سواء كانت وقائع مادية أو تصرفات قانونية ، وأيا كانت قيمة الحق المراد إثباته . ولا يوجد من الطرق التى نعالجها ما هو ذو قوة مطلقة فى الاثبات على هذا النحو إلا الكتابة ، فهى تصلح لاثبات جميع الوقائـع المادية وجميع التصرفـات القانونية مهما بلغت قيمـة الحق (151) .

والطرق ذات القوة المحدودة فى الاثبات هى الطرق التى تصلح لاثبات بعض الوقائع القانونية دون بعض ، فهى إذن محدودة القوة . وهذه هى البينة والقرائن القضائية ، إذ هى لا تصلح لإثبات التصرفات القانونية إذا زادت قميتها على عشرة جنيهات إلا فى حالات استثنائية معينة . وكذلك اليمين المتممة طريق للإثبات ذات قوة محدودة فهى لا تصلح إلا لإتمام دليل ناقص .
$104 والطرق المعفية من الاثبات هى الاقرار واليمين الحاسمة والقرائن القانونية ، وقد تقدم بيان ذلك . ولما كانت هذه الطرق تعفى من الاثبات ، فهى تصلح للاعفاء من إثبات أية واقعة مادية أو أى تصرف قانونى مهما بلغت قيمته ، فهى من هذه الناحية ذات قوة مطلقة(152) .

وهذا التقسيم هو أهم التقسيمات تجميعاً ؛ إذ هو يرتكز على ما لكل طريق من قوة فى الاثبات ، والقوة فى الاثبات هى التى تخلع علىكل طريق قيمته وتميزه من الطرق الأخرى . لذلك نتخذه أساساً لاستعراض طرق الاثبات المختلفة فى أبواب ثلاثة :

الباب الأول ـ فى طرق الاثبات ذات القوة المطلقة : الكتابة .
الباب الثانى ـ فى طرق الاثبات ذات القوة المحدودة : البينة والقرائن القضائية (153).
الباب الثالث ـ فى الطرق المعفية من الاثبات : الاقرار واليمين والقرائن القانونية .











$105 الباب الأول
طرق الاثبات ذات القوة المطلقة
الـكتابة
66 ـ الورقة والسند والتصرف : يقوم لبس فى لغة القانون الفرنسية من شأنه أن يخلط ما بين التصرف وأداة إثباته ، فالشيئان يطلق عليهما لفظ واحد ، هو لفظ (acte) . وقد تسرب هذا اللبس إلى لغة القانون العربية ، فأطلق لفظ (( العقد )) على التصرف ، ثم استعمل اللفظ عينه فى أداة إثباته فقيل ((عقد رسمى)) و ((عقد عرفى)) وقصد بذلك الورقة الرسمية أو العرفية الورقة التى تعد لإثبات التصرف (154) .
وحتى لا يقوم هذا اللبس نقصر لفظ (( العقد )) على الوع المعروف من التصرفات القانونية . أما أداة الإثبات فلها لفظان فى اللغة العربية : السند والورقة . ولما كان لفظ ((الورقة)) أعم فى المعنى من لفظ ((السند)) إذ السند معناه كما قدمنا الورقة المعد للاثبات ، أى الدليل المهيأ (prevue preconstituee) ، فالأولى أن نقف عند لفظ ((الورقة)) ، فنستعمل هذا اللفظ فى الأجلة الكتابية جميعاً ، سواء أعدت للإثبات أو لم تكن معدة . ونقول ((الورقة الرسمية )) ((والورقة العرفية)) ، قاصدين بذلك الدليل الكتابي الذى يثبت به التصرف ولو لم يكن معداً للإثبات ، كالرسائل والبرقيات والدفاتر التجارية . وفرق ما بين التصرف والورقة المثبتة له ، فقد يكون التصرف صحيحاً والورقة باطلة ، $106 وعلى العكس من ذلك قد يكون التصرف باطلا الورقة صحيحة (155) .
67 ـ أنواع الاوراق وقوتها فى الاثبات : والأوراق ـ كأداة للإثبات ـ قسمان : (1) أوراق رسمية (actes authentiques) ، ويقوم بتحريرها موظف عام محتص وفقاً لأوضاع مقررة . وهى كثيرة متنوعة : منها الأوراق الرسمية المدنية كتلك التى تثبت العقود والتصرفات المدنية ، ومنها الأوراق الرسمية العامة كالقرارات الإدارية والقوانين والمعاهدات ،ومنها الأوراق الرسمية القضائيةكعرائض الدعوى وأوراق المحضرين ومحاضر الجلسات والأحكام ـ (2) أوراق عرفية (actes sous seing prive) ، ويقوم بتحريرها الأفراد فيما بينهم . وهى نوعان : (1) أوراق معدة للإثبات كالأوراق المعدة لإثبات التصرفات القانونية من بيع وإيجار ونحوهما وتسمى أيضاً (( بالسندات )) (ب) وأوراق غير معدة للإثبات كدفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية والرسائل والرقيات .
والكثرة الغالبة من الأوراق الرسمية والعرفية هى (( سندات )) أو أوراق معدة للإثبات ، فهى دليل مهيأ (prevue preconstituee) ، وقد تقدم ذكر ذلك (156) . والأصل أن الورقة التى تعد لإثبات تصرف تكتب عقب إبرام هذا التصرف ، فالمتبايعان مثلا يبرمان عقد البيع فيما بينهما ثم يعدان ورقة لإثباته . ولكن يقع كثيراً أن المتعاقدين يبرمان العقد وقت كتابة الورقة والتوقيع عليها ، ولا يعتبر العقد قد تم إلا بالتوقيع . بل ليس ما يمنع أن تكتب ورقة إعداد $107 لإثبات تصرف لم يتم إبرامه ، فلا يعتبر العقد فى هذه الحالة قد أبرم بمجرد كتابة الورقة ولو وقعت . وقد قضت محكمة استئناف أسيوط فى هذا المعنى بأن (( التعاقد لا يعتبر تاماً ملزماً بمجرد تدوين نصوصه كتابة ولو حصل التوقيع عليها ، بل إنه لا بد من قيام الدليل على تلاقى إرادة المتعاقدين على قيام الالتزام ونفاذه ، وهذا ما يقتضى تسليم السند المثبت له لصاحب الحق فيه ، بحيث لو تبين أنه لم يسلم إليه مطلقاً لما صلح هذا الالتزام ، كما أنه إذا تبين أنه قد تحرر مكتوب بالتعاقـد ولكنه سلم لأميـن فانه يتعين البحث فى ظروف وشـروط تسليـم ذلـك المكتـوب للأمين )) (157) .
والأوراق ـ رسمية كانت أو عرفية ـ لها حجية فى الإثبات يحددها القانون ، وهى تتفاوت قوة وضعفا . وأقوى الأوراق فى الإثبات هى الأوراق الرسمية . فهى حجة على الناس كافة على الوجه الذى سنبينه فيما بعد . أما الأوراق العرفية المعدة للإثبات فقوتها أقل من قوة الأوراق الرسمية ، إذ هى لا تنهض حجة إذا أنكرها من صدرت منه ، وعند ذلك يرسم القانون إجراءات معينة لتحقيق صحة صدورها (158) . وسنعود إلى هذه المسألة فى موضعها ببيان أوفى . والأوراق العرفية غير المعدة للإثبات لا يكون لها من الحجية إلا القدر الذى يعينه القانون ، كما هو الأمر فى شأن الرسائل والبرقيات ودفاتر التجار .
وحجية الأوراق ـ رسمية كانت أو عرفية ـ لا تقتصر على ما تثبته هذه الأوراق عن طريق التقرير (disposition) ، بل تتناول أيضاً ما تثبته عن طريق الاخبار (enunciation) إذا اتصل اتصالا مباشراً بما تثبته عن طريق التقرير . وفى هذا المعنى تنص المادة 1320 من التقنين المدنى الفرنسى على ما يأتى : (( تكون الورقة ـ رسمية كانت أو عرفية ـ حجة على الطرفين حتى فيما لم تذكره إلا على سبيل الاخبار ، ما دام الاخبار متصلا اتصالا مباشراً بما ذكر على سبيل التقرير ، أما إذا كان الاخبار أجنبياً عن التقرير ، فلا يصلح إلا مبـدأ
ثبوت $108 بالكتابة (159) . والورقة المعدة للإثبات إنما أعدت أصلا لتثبت ما قرره الطرفان من بيع أو إيجار أو وفاء أو تجديد أو غير ذلك من التصرفات القانونية ، وهذا هو ما تثبته الورقة عن طيق التقرير . ثم إنه قد يرد فى الورقة ذكر لبعض الوقائع ليست هى التى أعدت الورقة أصلا لإثباتها ، ولكنها تتصل بها ، وقد ذكرت على سبيل التمهيد والإيضاح . وتأتى الأساتذة بلانيول وريبير وجابولد (160) بمثلين لما يذكر فى الورقة على سبيل الأخبار : (1) ورقة أعدت لإثبات دين قديم ، وذكر فيها على سبيل الأخبار أن فوائد هذا الدين مدفوعة إلى يوم تحرير الورقة . فهذا الاخبار له صلة مباشرة بالدين الذى أعدت الورقة لإثباته على سبيل التقرير ، ومن ثم يكون للإخبار هنا حجية كاملة ، فهو دليل كتابى على الوفاء بفوائد الدين إلى اليوم الذى حررت فيه الورقة . (2) ورقة أعدت لتجديد مرتب (rente) عن طريق تغير المدين ، فذكر فيها على سبيل الإخبار صلته بالمرتب قبل التجديد صلة غير مباشرة ، ولا يصلح دليلا كاملا لمجرد أن المدين الجديد قد تعهد بدفع المرتب مستقبلا ، ومن ثم لا يكون الإخبار هنا إلا مبدأ ثبوت بالكتابة يجب استكماله بالبينة أو بالقرائن .

68 ـ الفروق ما بين الورقة الرسمية والورقة العرفية : وقبل أن نفصل الكلام فى الورقة الرسمية والورقة ، نورد هنا أبرز ما بينهما من فروق . فالورقة الرسمية تختلف عن الورقة العرفية من ناحية الشكل ومن ناحية $109 الحجية فى الإثبات ومن ناحية القـوة فـى التنفيذ .
1 ـ فمن ناحية الشكل : يشترط فى الورقة الرسمية أن يقوم بتحريرها موظف عام مختص وفقاً لأوضاع مقررة . أما الورقة العرفية فالشرط الوحيد لصحتها هو توقيع المدين ، هذا إذا كانت معدة للإثبات ، أما إذا لم تكن معدة فلا ضرورة حتى لهذا التوقيع .
2 ـ ومن ناحية الحجية فى الإثبات : كل من الورقة الرسمية والروقة العرفية حجة على الكافة ( أولا ) من حيث صدورها من موقعها . ولكن الورقة الرسمية لا تسقط حجيتها هنا إلا من طريق الطعن بالتزوير ، أما الورقة العرفية الرسمية لا تسقط حجيتها هنا إلا من طريق الطعن بالتزوير ، أما الروقة العرفية فيكفى فيها إنكار الخط أو التوقيع . (ثانياً) من حيث صحة ما ورد فيها . ولكن الورقة الرسمية حجة إلى حد الطعن بالتزوير فيما ورد على لسان الموظف العام أنه علمه بنفسه ، أما صحة ما قرره رواية عن الغير فيجوز دحضها باثبات العكس وفقاً للقواعد المقررة ، وتاريخ الورقة الرسمية يعتبر صحيحاً إلى حد الطعن بالتزوير . والورقة العرفية يجوز دحض صحة ما ورد فيها جميعاً باثبات العكس ، لا فرق فى ذلك بين ما قرر موقها أنه علمه بنفسه وما قرره رواية عن الغير ، وتاريخ الورقة العرفية يكون حجة على موقعيها ولكنه لا يكون حجة على الغير إلا إذا كان تاريخاً ثابتاً .
3 ـ ومن ناحية القوة في التنفيذ الورقة الرسمية يمن النفيذ بها مباشرة دون حاجة إلى حكم ، ويكون ذلك بالصورة التنفيذية للورقة (161) . فيستطيع البائع مثلا أن ينفذ بالثمن بموجب الصورة التنفيذية للبيع الرسمى ، كما يستطيع المشترى أن ينفذ بحقه فى تسلم المبيع . ولا يجوز الشروع فى التنفيذ قبل إعلان الورقة الرسمية إلى الخصم ، ويشتمل الإعلان على تكليف المدين بالوفاء وبيان $110المطلوب منه (م 460 مرافعا) . هذا هو تنبيه بالوفاء (commandement) لا مجرد إنذار (summation) . وينبنى على ذلك أن للمدين أن يعارض فى هذه التنبيه ، وأن يتقدم بوجوه الطعن التى يتمسك بها إلى المحكمة المختصة . وإذا بدئ فى تنفيذ الورقة الرسمية جاز للمدين رفع إشكال فى التنفيذ لوقفه ، ويكون ذلك أمام محكمة الموضوع ( م 479 مرافعات ) . أما الورقة العرفية فليست لها ، على خلاف الورقة الرسمية ، قوة تنفيذية . فاذا كان سند الدين ورقة عرفية ورفض المدين تنفيذ التزاماته طوعاً ، فانه لا يمكن إجباره على التنفيذ حى لو كان معترفا ً بالورقة ، إلا إذا حصل الدائن على حكم قابل للتنفيذ ، والحكم لا الورقة هو الذى ينفذ (162) . وتفصيل القول فى الأوراق من ناحية القوة فى التنفيذ هو من مباحث قانون المرافعات .
وننتقل الآن إلى تفصيل البحث فى الأوراق الرسمية ثم فى الأوراق العرفية على التعاقب .
$111الفصل الأول
الأوراق الرسمية

69 ـ ناحيتان : نتناول تفصيل البحث فى الأوراق الرسميةمن ناحيتين :
(أولا) من ناحية شروط صحتها .
(ثانيا) من ناحية حجيتها فى الإثبات .

الفـرع الأول
الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة الرسمية
70 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 390 من التقنين المدنى على ما يأتى :
(( 1 ـ الورقة الرسمية هى التى يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوى الشأن ، وذلك طبقاً الأوضاع القانونية وفى حدود سلطته واختصاصه )) .
(( 2 ـ فإذا لم تكسب هذه الورقة صفة الرسمية ، فلا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية متى كان ذوو الشأن قد وقعوها بامضاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم (163) .
$112 ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 226/291 (164) .
ويقابل فى التقنينات المدينة العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 5 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 450 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادتين 154و155 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 377 (165) ـ
$113 ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين 1317و1318 (166)
$114 ويتبين من نص المادة 390 من نالتقين المدني المصرى أن هناك شروطاً ثلاثة يجب توافرها لتكون الورقة الرسمية صحيحة (167) .
( أولا ) أن يقوم بكتابة الورقة أو بتلقيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة .
( ثانياً ) أن يكون هذا الموظف أو الشخص مختصاً من حيث الموضوع ( في حـدود سلطته ) ومن حيث المكان ( في اختصاصه ) .
( ثالثاً ) أن يراعى في توثيق الورقة الأوضاع التى قررها القانون (168) .


ونتناول بالبحث كلا من هذه الشروط الثلاثة ، ثم نبحث جزاء الإخلال بأى منها .
المبحث الأول
صدور الورقة الرسمية من موظف عام أو شخص مكلف . بخدمة عامة
71 ـ كيف تصدر الورقة الرسمية ونوعا البيانات التي تتضمنها :
تقول المادة 390 أن الورقة الرسمية هى التى يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوى الشأن . وترجمت هذه $115 العبارة الأخيرة ، في الترجمـة الفرنسية التى قامت بها وزارة العدل للتقنين المدني الجديد ، على الوجه الآتي :
"…constate… des faits qui ont eu lieu en sa presene ou des declarations a lui faites par les interesses".
ومعناها : (( ... يثبت ... الوقائع التى حدثت في حضوره والأقوال التى ألقيت إليه من ذوى الشأن )) .
فالورقة الرسمية يكون صدورها إذن من الموظف العام بأن يكون هو الذي يحررها . وليس من الضرورى أن تكون مكتوبة بخطه ، بل يكفى أن يكون تحريرها صادراً باسمه . ويجب على كل حال أن يوقعها بامضائه .
ويثبت فيها نوعين من البيانات : (1) ما تم على يديه . أي أنه يثبت في الورقة الرسمية جميع الوقائع التى وقعت تحت نظره وبمشهد منه خاصة بالتصرف الذى يوثقه . فيثبت حضور ذوى الشأن ، وما قام به كل منهم كأن يكون المشترى مثلا سلم الثمن كله أو بعضه للبائع أمام الموثق ، وحضور الشهود أمامه مع ذكرهم بأسمائهم ، وتاريخ تحرير الورقة الرسمية ، وتلاوته الصيغة الكاملة للورقة ومرفقاتها مع بيان الأثر القانونى المترتب عليها ، وقيام ذوى الشأن والشهود بتوقيعها ، وغير ذلك من الوقائع التى تمت بمحضر منه وتحت بصره . (2) ما تلقاه من ذوى الشأن من أقوال وبيانات وتقريرات فى شأن التصرف القانوني الذي تشهد به الوقة ، أى ما وقع تحت سمعه . فالبائع مثلا قرر أنه باع عيناً بحدود معينة بثمن معين وتعهد بالتزامات معينة ، وقرر المشترى أنه قبل شراء هذه العين بهذا الثمن وأنه من جهته تعهد بالتزامات معينة ، وهكذا .
وسنرى فيما يلى أن التمييز بين هذين النوعين من البيانات ـ ما وقع تحت بصره وما وقع تحت سمعه ـ له أهمية كبيرة من ناحية حجية الورقة الرسمية ، فالنوع الأول له حجية مطلقة إلى حد الطعن بالتزوير ، والنوع الثانى يجوز دحض وصحته باثبات العكس .
72 ـ موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة : والموظف العام هو شخص عينته الدولة للقيام بعمل من أعمالها ، سواء آجرته على هذا العمل كالموثق ، أو لم تؤجره كالعمدة .
$116 ويتنوع الموظفون العامون بتنوع الأوراق الرسمية فالموظف الذى يقوم بتحرير التصرفات هو المأمور الرسمى أو الموثق ، والموظف الذى يقوم بكتابة الأحكام هو القاضى ، والموظف الذى يثبت ما يدور في جلسة القضاء من إجراءات ومرافعات هو كاتب الجلسة ، والموظف الذى يقوم باعلان أوراق المرافعات المختلفة وتنفيذ الأحكام والأوراق الرسمية هو المحضر.
ويبقى الموظف عاماً حى لو كان يعمل في إدارة حكومية يقوم عادة بعملها الشركات في البلاد الأخرى . كمصلحة السكك الحديدية ومصلحة البريد . ويترتب على ذلك أن أوراق النقل الخاصة بمصلحة السكك الحديدية وحوالات البريد تعتبر أوراقاً رسمية ، ويكون التزوير فيها جناية لا جنحة . وكذلك حال الموظفين الذين يعملون في إدارة الأموال الخاصة لدولة ( مصلحة الأملاك ) ، فتعتبر الوراق التى يكتبونها أوراقاً رسمية . وموظفوا وزارة الأوقاف والأشخاص المعنوية العامة الأخرى كالجامعات ودار الكتب ومجالس المديريات والمجالس البلدية والقروية ، كل هؤلاء يعتبرون موظفين عامين .
وليس من الضرورى أن يكون من تصدر منه الورقة الرسمية موظفاً عاما، بل يكفى أن يكون مكلفاً بخدمة عامة ، وهذا تعديل في المشروع التمهيدى للتقنين المدني الجديد أجرته لجنة المراجعة . فالمأذون يقوم بتحرير عقود الزواج وإشهادات الطلاق . والخبير يقوم بتحرير محضر بأعماله وتقرير يقدمه عن المهمة التى انتدب لها ، وكذلك القسيس فيما يتعلق بزواج المسيحيين ، وقضاة المجالس الملية وكتبتها فيما تيعلق بأحكام هذه المجالس وبمحاضر حلساتها . وهؤلاء ليسو موظفين عامين ، ولكنهم أشخاص مكلفون بخدمة عامة .
73 ـ الموظفون العامون الذين كانوا يقومون بالتوثيق قبل النظام الحالى : أنشئ النظام الحالي : أنشئ النظام الحالى للتوثيق في مصر بمقتض قانون رقم 68 لسنة 1947 ، وعمل به من أول يناير سنة 1948 . وقبل أن نبسط أحكام هذا القانون ، نذكر فى إيجاز من هم الموظفون العامون الذين كانوا يقومون بالتوثيق فى مصر قبل النظام الحالى ، أى إلى آخر شهر ديسمبر سنة 1947 . كان المنوط به القيام بتوثيق العقود والأوراق الرسمية في مصر جهات ثلاثاً :
$117(1) كتاب المحاكم المختلطة الكلية : وكانوا يعتبرون بمثابة موثقين للعقود ويسمون (greffiers-notaires) فيوثقون جميع أنواع التصرفات . ويستوى أن يكون أصحاب الشأن من المصريين أو الأجانب ، إذ كان اختصاص المحاكم المختلطة يمتد إلى الفريقين . والصيغة التنفيذية التى كان قلم كتاب المحكمة المختلطة يضعها على الورقة الرسمية يجعلها صالحة للتنفيذ على المصريين والأجانب جميعاً . فاذا كان التنفيذ على مصريين قام به محضر من المحاكم الوطنية . وإن وجد صالح أجنبى قام بالتنفيذ محضر من المحاكم المختلطة .
(2) قضاة المحاكم الشرعية أو من يحيل هؤلاء القضاة عليه التوثيق من كتاب هذه المحاكم : والأوراق الرسمية التى كانت المحاكم الشرعية توثقها تسمى ((إشهادات )) ، وهى العقود والتصرفات التى تقرها الشريعة الإسلامية ، سواء كانت تتعلق بالأحوال الشخصية كالوصية والهبة والوقف ـ أما إشهادات الزواج والطلاق فكانت ولا تزال من اختصاص المأذونين الشرعيين ـ أو كانت تتعلق بالمعاملات المالية كالبيع والقسمة والوكالة . ويستوى هنا أيضاً أن يكون أصحاب الشأن من المصريين أو من الأجانب . ولم تكن المحاكم الشرعية تضع الضيغة التنفيذية على ما توثقه من إشهادات إذ لم يكن بها محضرون للتنفيذ . وكانت الجهة التى تضع الصيغة التنفيذية على إشهادات المحاكم الشرعية هى المحاكم الوطنية إذا كان ذوو الشأن جميعاً مصريين ، ويقوم بالتنفيذ محضر من هذه المحاكم . أما إذا كان بين ذوى الشأن أجنبى ، فالجهة التى كانت تضع الصيغة التنفيذية هى المحاكم المختلطة ، ويقوم بالتنفيذ محضر منها . ولا يزال ، حتى بعد نفاذ النظام الجديد ، للمحاكم الشرعية اختصاص فى التوثيق سنذكره فيما يلى .
(3) كانت المادة 47 من اللائحة القديمة لترتيب المحاكم الأهلية تنص على أنه (( يلزم أن يكون بطرف كتبة المحاكم الابتدائية دفاتر للرهونات والتسجيل والقيد ، ويجب عليهم تحرير كافة العقود والمشارطات ، وتكون العقود التي يحررونها في قوة العقود الرسمية، ويحفظ أصلها بقلم كتاب المحكمة )) . ولكن هذا النص لم يعمل به ، وبقى معطلا إلى أن دخل النظام الجديد للتوثيق . ولم يعين بالمحاكم الأهيلية موظفون للتوثيق ولم تنظم له سجلات ، فيما عدا بعض المسائل الخاصة بقبول الإقرارات الرسمية وحق الاختصاص والشفعة . وقد جرى العمل على $118 توثيق أكثر التصرفات في المحاكم المختلطة ، وتوثيق بعضها لا سيما الوقف فى المحاكم الشرعية .
74 ـ الموظفون العامون الذين يقومون بالتوثيق فى النظام الحالى : ظهر في العمل عيوب تعدد جهات التوثيق على النحو الذي أسلفناه . فصدر قانون رقم 68 لسنة 1947 ، بتاريخ 29 يونية سنة 1947 ( الوقائع المصرية عدد 3 يوليه سنة 1947 ) ، والمعمول به من أول يناير سنة 1948 ، يوحد جهات التوثيق ويعيد تنظيمه . وتقول المذكرة الإيضاحية لهذا القانون : (( وإذا كانت هذه الحالة (169) لم تعد موافقة لظروف العصر ، فقد اتجه الرأى من زمن إلى وضع نظام ثابت للتوثيق تتوحد به جهاته وتنتظم شؤونه على وجه يكفل تحقيق الطمأنينة التامة على الحقوق واستقرار المعاملات )) .
وقد قضى قانون التوثيق ولائحته التنفيذية بتوحيد جميع جهات التوثيق فى جهة واحدة ، ليست هى أياً من المحاكم المتقدمة الذكر ، بل هى مكاتب مستقلة (170) تتولى توثيق المحررات التى يقضى القانون بأن يطلب المتعاقدون توثيقها . $119 وتتولى توثيق جميع هذه المحررات ، عدا ما كان مها متعلقاً بالوقف (171) والأحوال الشخصية للمسلمين (172) فيبقى توثيقها كما كان للمحاكم الشرعية(173) . أما التوثيق من اختصاص هذه المكاتب الموحدة . ولكن غير المسلمين من الأجانب يكون لهم الخيار فى توثيق أوراقهم المتعلقة بالأحوال الشخصية بين مكاتب التوثيق أو جهاتهم القنصيلة ، إذ الشكل فى قواعد القانون الدولى الخاص قد يخضع للقانون الوطنى المشترك (م 20 مدنى ) كما يخضع لقانون البلد الذى تمت فيه أو قانون الموضوع أو قانون موطن المتعاقدين (174) .
$120 أما الموظفون العامون الذين يقومون بالتوثيق فى النظام الجديد فهم ـ عدا قضاة المحاكم الشرعية وكتبتها والمأذونين الشرعيين فيما يتعلق بالوقف والأحوال الشخصية للمسلمين ، وعدا القنصليات الأجنبية عند اخيارها فيما يتعلق بالأحوال الشخصية لغير المسلمين الأجانب ـ موظفون معينون لهذا الغرض ، إذ تنص المادة الأولى من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على أن (( يقوم بالتوثيق موثقون وموثقون مساعدون يعينون بقرار من وزير العدل )) .
ويتبين مما تقدم أن الذين يقومون بالتوثيق فى مصر هم ، كقاعدة عامة ، موظفون عامون يعينهم وزير العدل . وكانوا قبل ذلك أيضاً موظفين عامين يعينهم وزير العدل فى المحاكم المختلطة وفى الحاكم الشرعية . أما فى فرنسا فيقوم بالتوثيق طائفة تسمى (( بالموثقين )) (notaries) ، ولهم نظم خاصة ، وماض بعيد ، وتقاليد قوية . وهم ليسو بالموظفين الذين يتقاضون أجراً من الدولة ، بل يؤجرون على أعمالهم من أصحاب الشأن ، شأنهم فى ذلك شأن المحامين ومحضرى القضايا (avoues) وسائر أصحاب المهن المنظمة رسمياً (officiers ministeriels) ، ويوجد لهم نظير فى بعض البلاد العربية يسمى بالكاتب العدل . وأقرب نظير لهم فى مصر هم المأذونون الشرعيون ، إذ لا يتقاضى هؤلاء أجراً من الدولة ، وإن كان إختصاصهم محصوراً فى دائرة الأحوال الشخصية للمسلمين وفى بعض نواحيها ، فيضيق اختصاصهم كثيراً بل ويختلف عن اختصاص الموثقين فى فرنسا (175) .
$121 المبحث الثاني
اختصاص الموظف من حيث الموضوع ومن حيث المكان
المطلب الأول
اختصاص الموظف من حيث الموضوع
75 ـ المقصود (( بالسلطة )) فى نص المادة 390 : لا يكفى لصحة الورقة الرسمية أن يوقم بتحريرها موظف عام ، بل يجب أيضاً أن يكون هذا $122 الموظف مختصاً بكتابتها من حيث الموضوع . وتشترط المادة 390 السابق إيرادها أن يكون الموظف العام قد عمل (( فى حدود سلطته واختصاصه )) . وفى رأينا أن المقصود (( بالسلطة )) فى هذا النص جملة أمور : (1) ولاية الموظف العام من حيث قيامها (2) أهلية الموظف العام من حيث عدم قيام مانع شخصى به يجعله غير صالح لتوثيق ورقة بالذات (3) الاختصاص الموضوعى للموظف العام من حيث نوع الأوراق

الرسمية التى يجوز له أن يقوم بتوثيقها . وهذا كله يدخل فى (( سلطة )) الموظف العام (176) . أما (( الاختصاص )) فنرى قصره على الاختصاص المكانى الذى سننتقل إليه فيما يلى (177) :
ونستعرض هذه الأمور الثلاثة متعاقبة : الولاية والأهلية والاختصاص الموضوعى .
76 ـ الولاية : يجب أن تكون ولاية الموظف المختص قائمة (178) وقت تحرير الورقة الرسمية . فاذا كان قد عزل من وظيفته ، أو وقف عن عمله ، أو نقل منه ، أو حل غيره محله على أى وجه آخر ، فان ولايته تزول ، ولا يجوز له مباشرة علمه ، وتكون الورقة التى يحررها عندئذا باطلة للإخلال بشرط من شروط صحتها (179) . وعلى أنه إذا كان الموظف لم يعلم بالعزل أو الوقف أو النقل أو انتهاء الولاية ، وكان ذوو الشأن هم أيضاً حسنى النية لا يعلمـون بشـئ من ذلك ، $123 فان الورقة الرسمية التى يحررها الموظـف فى هذه الظروف تكون صحيحة رعاية للوضع الظاهر المصحوب بحسن النية (180) .
وتطبيقاً لحماية الوضع الظاهر يكفى أيضاً أن يكون الموظف قد ولى وظيفته ولو فى الظاهر ، حتى لو كان تعيينه فى هذه الظيفة قد وقع مخالفاً للقانون ، فانه فى هذه الحالة يعتبر موظفاً فعلياً (fonctionnaire de fait) ، أى موظفاً من حيث الواقع . ويعتبر أيضاً موظفاً فعلياً الموظف الذى عينته سلطة غير شرعية قد استقر سلطانها ، كحكومة الثورة أو حكومة دولة أجنبية غازية . ففى جميع هذه الأحوال يكون توثيق الموظف المعين تعييناً باطلا أو المولى من قبل سلطة غير شرعية توثيقاً صحيحاً ، تطبيقاً لنظرية الموظف الفعلى وهى نظرية معروفة فى القانون الإدارى (181) .
77 ـ الاهلية (182) : متى ثبت للموثق الولاية على النحو المتقدم ، وجب أن يكون ، بالنسبة إلى كل ورقة رسمية يوثقها ، أهلا لتوثيقها . وهو فى الأصل أهل لتوثيق جميع الأوراق الرسمية التى تدخل فى اختصاصه . غير أن اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق سلبته الأهلية فى أية ورقة رسمية بالذات تكون له فيها مصلحة شخصية أو تربطه بأصحاب الشأن فيها صلة معينة من قرابة أو مصاهرة . فنصت المادة الرابعة من هذه اللائحة على أنه (( لايجوز للموثق أن يباشر توثيق محرر يخصه شخصياً أو تربطه وأصحاب الشأن فيه صلة مصاهرة أو قرابة لغاية الدرجة الرابعة )) .
فلا يجوز إذن أن يكون الموثق نفسه طرفاً فى الورقة الرسمية التى يوثقها ، بائعاً أو مشترياً فى عقد بيع مثلا ، أو وكيلا أو موكلا فى عقد وكالة ، أو نحو ذلك . $124 ولا يجوز له ذلك لا بنفسه ولا بشخص مسخر عنه ، كأن يكون البائع أو المشترى يبيع أو يشترى لحسابه ولو بغير توكيل ظاهر . ولا يجوز بوجه عام أن تكون له مصلحة شخصية مباشرة فى الورقة التى يوثقها ، كأن يكون شريكاً لذوى الشأن فى الصفقة التى تثبتها الورقة الموثقة (183) ، فان المادة الرابعـة من اللائحة التنفيذية ، عند ما سلبته الأهلية فى الحالات التى نصت عليها ، كان ذلك (( لرفع مظنة المحاباة أو التأثير فى إرادة أحد المتعاقدين )) كما تقول المذكرة الإيضاحية لهذه اللائحة ، ومظنة المحاباة أو التأثير قائمة إذا وجدت للموثق فى الورقة التى يوثقها مصلحة شخصية مباشرة . وجزاء ذلك بطلان الورقة الرسمية ، حتى فى الأجزاء التى لا مصلحة للموثق فيها .
كذلك لا يجوز أن يكون بين الموثق وأصحاب الشأن صلة قرابة أو مصاهرة لغاية الدرجة الرابعة ، دفعاً لمظنة المحاباة أو التأثير . فلا يجوز للموثق أن يوثق بيعاً مثلا يكون فيه البائع أو المشترى فرعاً أو أصلاً له لغاية الدرجة الرابعة ، بدخول الغاية ، أو يكون أخاً أو أختاً أو فرعاً لأيهما كذلك . ومثل القرابة المصاهرة . فلا يجوز أولا ـ ولو من غير نص صريح فى المادة الرابعة من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق ـ أن يوثق الموثق لزوجته أو لزوجه . ثم لا يجوز له بعد ذلك أن يوثق لأحد من أقارب زوجته أو زوجه لغاية الدرجة الرابعة على النحو الذى قدمناه ، لقيام صلة المصاهرة بين الموثق وهؤلاء (184) .
$125 وتنص المادة الثامنة من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على أنه (( لا يجوز توثيق محرر إلا بحضور شاهدين كاملى الأهلية مقيمين بالمملكة المصرية ولهما إلمام بالقراءة والكتابة ولا صالح لهما فى المحرر المطلوب توثيقه ولا تربطهما بالمتعاقدين أو بالموثق صلة مصاهرة أو قرابة لغاية الدرجة الرابعة )) . فيجب إذن ألا يكون بين الموثق وشاهدى الورقة الرسمية صلة قرابة أو مصاهرة لغاية الدرجة على النحو الذى قدمناه فيما يتعلق بأصحاب الشأن فى الورقة الرسمية ، فهم والشاهدان




من هذه الناحية بمنزلة سواء (185) . ولكن لا يشترط انتفاء صلة القرابة أو المصاهرة لغاية الدرجة الرابعة فيما بين الشاهدين نفسيهما .
78 ـ الاختصاص الموضوعى : ويجب أن يكون الموثق مختصاً من الناحية الموضوعية بنوع الورقة الرسمية التى يقوم بتوثيقها . والموثق ، طبقاً للمادة الأولى من قانون التوثيق ، مختص بتوثيق جميع المحررات التى يقضى القانون أو يطلب المتعاقدون توثيقها . فلك تصرف قانونى يشترط القانون فيه ورقة رسمية ، كالهبة والرهن الرسمى ، يختص الموثق بتوثيقه . وكذلك جميع التصرفات القانونية التى لا يشترط فيها القانون ورقة رسيمة ، بل تكون تصرفات رضائية ويجوز إثباتها فى ورقة عرفية ، كالبيع والإيجار والوكالة والقسمة والصلح ، يجوز لأصحاب الشأن إثباتها فى ورقة رسمية ، وعندئذ يكون الموثق مختصاً بتوثيقها . ولا يخرج من الاختصاص الموضوعى للموثق إلا الوقف والأحوال الشخصية للمسلمين فهذه يكون التوثيق فيها من اختصاص المحاكم الشرعية $126 قضاة وكتبة ومن اختصاص المأذونين كما سبق القول ، وإلا الأحوال الشخصية للأجانب غير المسلمين فهذه يكون التوثيق فيها جوزاً لا وجوباً من اختصاص القنصليات الأجنبية ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ويترتب على ما تقدم أنه لا يجوز ، وفقاً لوقاعد الاختصاص الموضوعى ، أن يوثق القاضى الشرعى عقد بيع ، ولا المأذون عقد هبة ، ولا الموثق حجة وقف .
وفى الحدود المتقدمة الذكر يقوم الموثق ، فيما يتعلق بتوثيق الأرواق الرسمية ، بما يأتى : (1) تلقى المحررات وتوثيقها (2) إثباتها فى الدفاتر المعدة لذلك (3) حفظ أصولها ،ن وموافاة المكتب الرئيسى بصور منها ، وإعطاء ذوى الشأن صورها ، وإعداد فهارس لها (4) وضع الصيغة التنفيذية على صور المحررات الرسمية الواجبة التنفيذ (186) .

المطلـب الثانـي
اختصاص الموظف من حيث المكان
79 ـ الاختصاص المكانى : ولا يكفى أن يكون الموثق مختصاً من حيث الموضوع ، بل يجب أيضاً أن يكون مختصاً من حيث المكان . وقد نصت المادة الرابعة من قانون التوثيق على أنه (( لا يجوز للموثق أن يباشر عمله إلا فى دائرة اختصاصه )) . فلكل مكتب للتوثيق دائرة معينة يقوم فى حدودها الموثقون ومساعدوهم المعينون فى هذا المكتب بتوثيق الأوراق الرسمية التى يطلب إليهم توثيقها .
ونبادر إلى القول بأن هذا الاختصاص المكانى إنما يفيد مكتب التوثيق وحده ، أى أن الموثقين ومساعديهم الملحقين بمكتب معين لا يجوز لهم مباشرة عملهم خارج دائرة اختصاصهم . ولكن أصحاب الشأن من يطلبون توثيق $127 أوراقهم غير مقيدن بدائرة اختصاص معينة ، فيجوز لشخص مقيم بأسوان أن يطلب إلى مكتب للشهر فى القاهرة أو فى طناطا أو فى أية جهة أخرى توثيق أية ورقة رسمية يريد توثيقها . فالقيد المكانى يرد إذن على مكاتب التوثيق ولا يرد على أصحاب الشأن . فلا يجوز لموظفى مكتب التوثيق أن يوثقوا ورقة رسمية إلا فى الدائرة المكانية لاختصاصهم . بل يجب أن يكون التوثيق فى مكتب التوثيق بالذات ، وفى مواعيد العمل الرسمية ، إلا إذا كان أحد أصحاب الشأن فى حالة لا تسمح له بالحضور إلى الكتب ، فيجـوز عندئذ للموثق أن ينتقل إلى محل إقامته لإجراء التوثيق وذلك بعد دفـع الرسـم المقرر للانتقال ، وعليه

إثبات هذا الانتقال فى الدفاتر المعدة لذلك (187) .

80 ـ انتشار مكاتب التوثيق فى أنحاء البلاد : ومكاتب التوثيق ، وفقاً للنظام الجديد ، منتشرة فى جميع أنحاء الدولة . ولكل مكتب منها دائرة معينة لاختصاصه الكانى . ويعين عدد هذه الكاتب ومقر كل منها واختصاصه المكانى بقرار من وزير العدل (188) .
وقد صدر فعلا قرار من وزير العدل فى 21 من شهر أكتوبر سنة 1947 ـ عمل به من أول يناير سنة 1948 تاريخ تنفيذ قانون الشهر ـ يقضى بإنشاء مكاتب للتوثيق فى جميع عواصم المديريات والمحافظات (189) ، ويتناول اختصاص كل مكتب منها المديرية أو المحافظة التى تقع فى دائرتها (190) .





$128 ثم أنشئ لكل مكتب منها فروع فى مختلف الجهات التى بها محاكم جزئية أو مأموريات للشهر العقارى (191) .
فأصبح الاختصاص المكانى لكل مكتب للتوثيق ، بفضل هذا التنظيم ، محدداً معروفاً . وأصبحت هذه المكاتب وفروعها منتشرة فى كل مكان وجد فيه سابقاً قلم للتوثيق (( حتى لا يتكبد جمهور المتعاملين مشقة فى الانتقال إلى المكتب الواقع فى عاصمة المديرية لإجراء ما كان يتم فى المحاكم الجزئية أو الشرعية فى المراكز وامتنع عليها إجراؤه اعتباراص من تاريخ تنفيذ النظام الجديد )) (192) .
المبحـث الثالـث
مراعاة الأوضاع التى قررها القانون
81 ـ الاوضاع والاجراءات التى قررها قانون التوثيق ولائحته التنفيذية : لما كان التوثيق فى مصر ، فى الكثرة الغالبة منه ، تقوم به مكاتب التوثيق ، فنبسط هنا الأوضاع والإجراءات التى قررها قانون التوثيق ولائحته التنفيذية فى توثيق الأوراق الرسمية (193) .


$130 ويمكن تقسيم هذه الأوضاع والإجراءات إلى مرحل ثلاث :
( المرحلة الأولى ) مرحلة ما قل التوثيق : دفع الرسم والتثبت من أهلية المتعاقدين ورضائهم .
( المرحلة الثانية ) مرحلة التوثيق : ما يراعى فى كتابة الورقة الرسمية والشهود وتلاوة الورقة وتوقعها .
( المرحلة الثالثة ) مرحلة ما بعد التوثيق : حفظ الأصول وتسليم الصور .

82 ـ مرحلة ما قبل التوثيق : لا يقوم الموثق بتوثيق ورقة رسمية إلا إذا دفع الرسم المستحق عنها ( م3 لائحة تنفيذية ) . فاذا ما دفع الرسم وجب على الموثق قبل إجراء التوثيق أن يتأكد من شخصية المتعاقدين بشهادة شاهدين بالغين عاقلين معروفين له ، أو أن تكون شخصيتهما ثابتة بمستند رسمى ( م 7 لائحة تنفيذية ) ، وذلك تحاشياً للتلاعب وتفادياً من وقوع التزوير ما أمكن ( المذكرة الإيضاحية للائحة التنفيذية ) . ثم يجب بعد ذلك أن يتثبت من أهلية المتعاقدين ورضاهئهم . وله أن يطلب ـ إثباتاص لأهلية المتعاقدين ـ تقديم ما يؤيد تلك الأهلية من مستندات كشهادة ميلاد أو شهادة طبية أو أى مستند آخر ( م 5 لائحة تنفيذية ) . والمقصود بالأهلية هنا البلوغ والعقل وعدم وجود مانع قانونى لدى أحد المتعاقدين ، كأن يباشر وصى أو قيم التعاقد على مال قاصر أو محجور عليه بدون إذن فى ذلك من الجهة المختصة ( المذكرة الإيضاحية للائحة التنفيذية ) . وإذا تم التعاقد بوكيل ، فعلى الموثق أن يتأكد من أن مضمون الورقة المطلوب توثيقها لا يجاوز حدود الوكالة ( م6 لائحة تنفيذية ) .
فاذا اتضح للموثق عدم توافر الأهلية أو الرضاء لذى المتعاقدين ، أو إذا كانت الورقة الرسمية المطلوب توثيقها ظاهرة البطلان كما إذا كانت تثبت بيعاً على أرض موقوفة وقفاً خيرياً ، كان للموثق أن يرفض التوثيق وأن يعيد الورقة إلى ذوى الشأن بكتاب موصى عليه مع إبداء الأسباب ( م6 قانون التوثيق ) . ولا شك أن منح الموثق هذه السلطة من مقتضيات ما توخاه قانون التوثيق من ضبط المحررات ومراعاة صحتها والدقة فيها ، لما تتمتع به من خصائص ومميزات . ولا يتحقق ذلك إذا كانت وظيفة الموثق تنحصر فى تلقى إرادة ذوى الشأن ، دون التأكد منها $131 أو مراجعتهم فيها ( المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق ) . ولمن رفض توثيق ورقته أن يتظلم إلى قاضى الأمور الوقتية بالمحكمة التى يقع مكتب التوثيق فى دائراتها فى خلال عشرة أيام من إبلاغ الرفض إليه . ويكون التظلم بعريضة يبين فيها أوجه تظمله . وله أن يطعن فى القرار الذى يصدره قاضى الأمور الوقتية أمام غرفة المشورة بالمحكمة الابتدائية . وقرار القاضى باجراء التوثيق أو رفضه وكذلك قرار غرفة المشورة فى هذا الشأن لايجوز حجية الأمر المقضى فى موضوع المحرر ( م 7 قانون التوثيق ) (194) .

83 ـ مرحلة التوثيق : فاذا تم التثبت من أهلية ذوى الشأن ورضائهم على الوجه المبين فيما تقدم ، انتقل الموثق إلى توثيق الورقة الرسمية ذاتها . ويجب أن تكون مكتوبة بخط واضح غير مشتمل على إضافة أو تحشير أو كشط ، وذلك لإبعاد كل شبهة عن المحرر ، وإذا اقتضى الأمر إضافة أو حذفاً فيجب ذكر ذلك فى آخر المحرر موقعاً عليه من ذوى الشأن أو وكلائهم من المحامين ، ويكتفى الموثق بمراجعتها وتلاوتها والاستيقاع والتوقيع عليها كما سيأتى .

أما البيانات التى تتضمنها الورقة فهى نوعان : ( أولا ) البانات الخاصة بموضوع الورقة ، أى البيانات الخاصة بالبيع أو الرهن أو الوكالة أو غير ذلك من التصرفات التى قصد إثباتها فى الورقة . ( ثانياً ) البيانات العامة التى يجب ذكرها في كل ورقة رسمية أياً كان موضوعها ، وهذه هى :

(1) ذكر السنة والشهر واليـوم والسـاعة التـى تم فيهـا التوثيـق ويكـون ذلـك بالأحـرف (2) اسـم الموثـق ولقبه ووظيفته (3) بيان ما إذا كان التوثيق قد تم فـى


$132 المكتب أو فى أى مكان آخر (4) أسماء الشهود (195) (5) أسماء أصحاب الشأن وأسماء آبائهم وأجدادهم لآبائهم وصناعاتهم ومحال ميلادهم وإقامتهم ، وأسماء وكلائهم ، ومن تقضى الحال بوجودهم للمعاونة فيما إذا كان أحد ذوى الشأن ضريراً أو ضعيف البصر أو أبكم أو أصم إذ يجب فى هذه الحالة على الموثق أن يتأكد من إستعانته بمعين يوقع المحرر معه (196) .
ويجب أن تكون الورقة مكتوبة باللغة العربية . فاذا كان أحد المتعاقدين يجهل هذه اللغة أو لا يعرفها معرفة كافية ، استعان الموثق بمترجم يقدمه المتعاقدون ويكون محل ثقتهم . ويجب أن يوقع المترجم الورقة مع المتعاقدين والشهود والموثق ، ويجب ذكر اسمه من بين من تقضى الحال بوجودهم للمعاونة (197) .

$133 فاذا تم كل ذلك ، وجب على الموثق قبل توقيع ذوى الشأن على الورقة التى توثق أن يتلو عليهم الصيغة الكاملة للورقة ومرفقاتها ، وأن يبين لهم الأثر القانوني المترتب عليها دون أن يؤثر فى إرادتهم . فاذا كانت الورقة مكونة من عدة صفحات ، وجب عليه أن يرقم صفحاتها (198) .
فاذا تمت التلاوة على هذا النحو ، وقع الموثق هو وأصحاب الشأن والشهود ـ وكذلك عند الاقتضاء المترجم ومن استعان به ذو الشأن إذا كان ضريراً أو ضعيف البصر أو أبكم أو أصم ـ الورقة صفحة صفحة وكذلك المرفقات (199) .
84 ـ مرحلة ما بعد التوثيق : وأهم ما فى هذه المرحلة هو حفظ الأصول وتسليم الصور . فيحفظ بمكتب التوثيق أصول الأوراق الرسمية التى توثق على حسب أرقامها فى ملفات خاصة بكل سنة ( م18 اللائحة التنفيذية ) . ولا يجوز أن تنقل من مكاتب التوثيق هذه الأصول ولا الدفاتر أو الوثائق المتعلقة بها . على أنه يجوز للسلطات القضائية الاطلاع عليها . فاذا أصدرت سلطة قضائية قراراً بضم أصل ورقة رسمية موثقة إلى دعوى منظورة أمامها ، وجب أن ينتقل القاضى المنتدب إلى المكتب ويحرر بحضوره صورة مطابقة لأصل الورقة الرسمية ، ويعمل بذيلها محضر يوقعه القاضى والموثق وكاتب المحكمة ، ثم يضم الأصل إلى ملف النزاع ، وتقوم الصورة مقام الأصل لحين رده ( م10 اللائحة التنفيذية ) (200) . ويتولى المكتب غرسال صورة من كل ورقة رسمية تم $134 توثيقها إلى المكتب الرئيسى بالقاهرة لحفظنا فيه ( م20 اللائحة التنفيذية والمادة 2 بند 4 من قانون التوثيق ) .
ولا تسلم صورة الورقة الرسمية التى تم توثيقها إلا لأصحاب الشأن . ولا تنسخ الصورة لتسليمها لأصحاب الشأن إلا بعد دفع الرسم . ويوضع على هذه الصورة رقم التوثيق وتاريخه وصيغة التسليم وتاريخها ، ويوقعها الموثق ، ويوضع عليها خاتم المكتب ، ويؤشر الموثق على أصل الورقة بالتسليم ويوقع هذا التأشير ( م 8 فقرة أولى من قانون التوثيق وم 19 اللائحة التنفيذية ) . ويجوز تسليم صورة من الورقة الرسمية للغير بعد الحصول على إذن من قاضى الأمور الوقتية بالمحكمة التى يقع مكتب التوثيق فى دائرتها ( م8 فقرة 2 من قانون التوثيق ) .
وإذا كانت الورقة الرسمية واجبة التنفيذ ، وسلمت منها الصورة التنفيذية ، وضع مكتب التوثيق عليها الصيغة التنفيذية ( م 2 بند 3 قانون التوثيق ) . ثم لا يجوز تسليم صورة تنفيذية ثانية إلا بقرار من قاضى الأمور المستعجلة ( م9 قانون التوثيق ) (201) .
$135 المبحث الرابع
جزاء الاخلال بشرط من هذه الشروط

85 ـ الجزاء هو البطلان : بينا فيما تقدم الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة الرسمية . فاذا اختل شرط من هذه الشروط ، كانت الورقة الرسمية باطلة كورقة رسمية .
ويترتب على ذلك أنه إذا كان الذى قام بتوثيق الورقة ليس موظفاً عاماً ، أو كان موظفاً عاماً ولكنه عند توثيقه للورقة كان قد عزل أو وقف عن عمله أو نقل أو حل محله أحد آخر لأى سبب ، فان الورقة التى وثقها فى جميع هذه الأحوال تكون باطلة . وقد قدمنا أن الموظف الفعلى (fonctionnaire de fait) إذا وثق ورقة رسمية كان توثيقه صحيحاً وفقاً لنظرية معروفة فى القانون الإدارى . وقدمنا كذلك أن الموظف العام إذا كان قد عزل أو وقف أو نقل ولم يكن يعلم بانقطاع ولايته وقت توثيق الورقة الرسمية ، وكان أصحاب الشأن غير عالمين أيضاً بذلك أى كانوا حسنى النية ، فان الورقة تكون صحيحة .
ويترتب على ذلك أيضاً أن الموظف العام إذا لم تكن له سلطة فى التوثيق ، بأن كانت له مصلحة شخصية مباشرة فى الورقة الموثقة ، أو ربطته بأصحاب الشأن أو بالشهود قرابة أو مصاهرة لغاية الدرجة الرابعة ، أو وثق ورقة من نوع لا اختصاص له فيه ، فوثق مثلا حجة وقف كان الواجب أن يكون موثقها هو القاضي الشرعى أوكاتبه ، و وثق القاضى الشرعى عقد بيع أو نحو ذلك ، فان الورقة تكون باطلة فى جيمع هذه الأحوال . وقد رأينا فيما يتعلق برابطة القرابة أو المصاهرة أن الشهرة العامة قد يكون من شأنها تصحيح الورقة .
ويترتب على ذلك أيضاً أن الموثق إذا قام بتوثيق الورقة فى غير دائرة اختصاصه المكانى ، أو فى غير مكتب التوثيق أو فى غير مواعيد العمل إلا لمانع يبرر انتقاله ، كانت الورقة باطلة (202) .

$136 ويترتب على ذلك أخيراً أن الأوضاع والإجراءات الواجب مراعاتها فى توثيق الورقة إذا لم تراع كانت الورقة باطلة . ولكن هنا يجب التمييز بين الأوضاع والإجراءات الجوهرية وتكون هى التى جزاؤها البطلان ، وبين الأوضاع والإجراءات غير الاجوهرية ولا يترتب البطلان عليها . ويعتبر من الأوضاع والإجراءات الجوهرية البيانات العامة الواجب ذكرها فى الورقة الرسمية ـ تاريخ التوثيق واسم الموثق وأسماء أصحاب الشأن والشهود (203) ـ وكذلك حضور الشاهدين وقت توثيق الورقة ، وحضور المترجم عند الاقتضاء وحضور المعين بالنسبة إلى المصاب باحدى العاهات الثلاث ، وكون التوثيق باللغة العربية ، وإثبات أن الورقة الرسمية قد تليت وأن الأثر القانونى للورقة قد بين لأصحاب الشأن (204) ، والتوقيعات التى نص عليها (205) . ولا يعتبر جوهرياً ، فلا يترتب عليه البطلان ، عدم دفع الرسم (206) ، وعدم تثبت الموثق من شخصية المتعاقدين عن طريق شاهدين أو عن طريق مستند رسمى (207) ومجاوزة الورقة لحدود الوكالة إذا كان التعاقد بوكيل (208) ، وترقيم الصفحات صفحة صفحة (209) ، والإضافة والتحشير والكشط (210) .

76 ـ ما يترتب على البطلان : قلنا إذا اختل شرط من شروط صحة الورقة الرسمية ترتب على ذلك بطلان الورقة ، فما الذى يترتب على هذا البطلان ؟
الأصـل أن الورقـة الرسميـة إذا كانـت باطلـة تكـون جميـع أجزائهـا باطلـة ،
$137 فلا يبطل جزء ويصح جزء . فاذا كان للموثق مصلحة شخصية مباشرة فى الورقة مثلا ، فان الورقة تكون كلها باطلة ولا يقتصر البطلان على الجزء الذى يثبت للموثق فيه هذه المصلحة الشخصية المباشرة . وإذا لم يوقع أحد الشهود على الورقة ، أو لم يوقع المترجم أو المعين ، ومن باب أولى إذا لم يوقع الموثق أو أحد أصحاب الشأن ، كانت الورقة كلها باطلة حى تاريخها ، مع أن التاريخ لم يقع فيه بطلان . ومن ثم لا يعتبر التاريخ ثابتاً ، بل يكون تاريخاً عرفياً لا حجية فيه على الغير .
على أنه يجب التمييز بين الورقة التى تثبت التصرف القانونى والتصرف القانونى ذاته . فاذا كانت الورقة باطلة ، فلا يستدعى ذلك حتما أن يكون التصرف القانونى باطلا . بل يبقى هذا التصرف قائماً وإن كان إثباته عن طريق الورقة الرسمية قد انعدم . وقد يصح إثباته عن طريق آخر غير الكتابة ، بل قد يصح إثباته بالورقة الرسمية الباطلة ذاتها إذا صحت كورقة عرفية على النحو الذى سنبينه فيما يلى . ويستثنى مما قدمناه الفرض الذى يكون فيه التصرف القانوني شكلياً ، أى يجب لانعقاده أن يكتب فى ورقة رسمية كالهبة والرهن الرسمى ، فعندئذ تصبح الورقة الرسمية ركناً فى التصرف ، فاذا كانت باطلة بطل التصرف ذاته (211) .
وكذلك الأمر فيما إذا اتفق المتعاقدان على أن يكون تعاقدهما بورقة رسمية إذا ما قد قصدا أن تكون الرسمية ركناً فى العقد .
وقد يقع ان الورقة الرسمية يكون ظاهرها الصحة ، ثم يطعن بالتزوير فى جزء من أجزائها ، ويتبين من إجراءات الطعن أن هذا الجزء مزور ، فهل ينبنى على ذلك أن تصبح الورقة الرسمية كلها باطلة كورقة رسمية ؟ مثل ذلك أن يذكر الموثق فى الورقة الرسمية أن المشترى دفع الثمن أمامه للبائع ، ويتبين بعد الطعن بالتزوير فى هذه العبارة أن المشترى لم يدفع شيئاً أمام الموثق . ومثل ذلك أيضاً $138 أن يطعن بالتزوير فى تاريخ الورقة أو فى توقيعات بعض الشهود أو بعض ذوى الشأن ، ويتبين من إجراءات الطعن بالتزوير أن هذه الاجزاء فعلا مزورة . نرى في مثل هذه الأحوال التمييز بين ما إذا كان الجزء من الورقة الذى ثبت تزويره جوهرياً لصحة الورقة الرسمية فتكون الورقة باطلة فى جميع أجزائها ، وبين ما إذا كان هذا الجزء غير جوهرى فتبقى الأجزاء الأخرى للورقة الرسمية صحيحة ، ففى المثلين المتقدمين ، إذا ثبت تزوير العبارة التى تثبت أن المشترى دفع الثمن للبائع فان هذا الجزء وحده هو الذى يفقد قوته فى الإثبات وتبقى سائر أجزاء الورقة الرسمية صحيحة محتفظة بقوتها فى الإثبات ، أما إذا ثبت أن تاريخ الورقة أو توقيع أحد الشهود أو أحد أصحاب الشأن مزور فان هذا الجزء الذى ثبت تزويره جوهرى لصحة الورقة الرسمية ومن ثم يكون الورقة باطلة فى جميع أجزائها .

87 ـ قيمة الورقة الرسمية الباطلة : قدمنا أن الفقرة الثانية من المادة 390 تقضى بأن الورقة إذا لم تكسب صفة الرسمية فلا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية متى كان ذوو الشأن قد وقعهوها بامضاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصباعهم .
والورقة لا تكسب صفة الرسمية إذا كانت باطلة لسبب من الأسباب التى قدمناها . يستوى فى ذلك ورقة لم يوقعها الموثق ، وورقة وقعها موثق مسلوب الولاية ، وورقة وقعها موثق غير مختص موضوعاص بتوثقها ، وهذه حالات يمكن القول أن الورقة فيها تكون منعدمة كورقة رسمية . ويستوى فى ذلك أيضاً ورقة وثقها موثق ثبتت له الولاية والاختصاص الموضوعى ولكن نقصه الاختصاص المكانى ، وورقة اختل فيها إجراء جوهرى كما إذا شهد عليها شاهد واحد لا شاهدان ، وهذه حالات لا يمكن القول أن الورقة فيها تكون منعدمة ولكنها تكون قطعاً باطلة كورقة رسمية . لم يفرق التقينين المصرى الجديد بين هذيه الفرضين ـ فرض انعدام الورقة كورقة رسمية وفرض بطلانها ـ ففيهما معاً لا تكسب الورقة صفة الرسمية ، ومن ثم لا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية إذا كانت موقعة من أصحاب الشأن . وهذا حكم بديهى فى القانون المصرى ، فان الورقة فى الاحوال التى قدمناها ، إذا كانت قد فقدت شرطاً $139 من شروط الصحة لقيامها كورقة رسمية ، فانها مع ذلك قد استوفت شروط الورقة العرفية . فهى ورقة مكتوبة وقعها من صدرت منه ، والتوقيع وحده كاف لصحة الورقة العرفية فى التقنين المصرى ومن ثم تكون لها حجية الورقة العرفية ، فتعتبر صادرة ممن وقعها ما لم يطعن فيها بالإنكار ( م 394 مدنى ) (212) . وهذا ضرب من ضروب التحول (conversion) شبيه بتحول التصرف الباطل إلى تصرف آخر صحيح توافرت فيه أركانه وشروط صحته ( م 144 مدنى ) ، فالورقة الرسمية الباطلة قد تحولت هنا إلى ورقة عرفية صحيحة لتوافر شروط صحة الورقة العرفية فيها . ولكن لا يكون تاريخها تاريخاً ثابتاُ كما قدمنا .
هذا الحكم البديهى لم يكن فى حاجة إلى نص ، فما هو إلا تطبيق للقواعد العامة . ويقطع فى ذلك أن التقنيـن القديـم لم يكـن يتضمـن نصـاً فـى هـذا المعـنى ، ومـع ذلك فقـد كـان الحكـم فيـه هـو عيـن الحكـم الذى قدمنـاه (213) . ومـا كنـا لنسهـب

$140 فى هذه المسألة لولا أن المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهدى للتقنين المدنى الجيد أوردت عبارات يفهم منها وجوب إعمال نوع من التمييز بين الورقة الرسمية المنعدمة ـ حيث يكون الموظف العام غير مختص موضوعاً أو حيث تكون له مصثلحة شخصية مباشرة أوحيث يكون قد أغفل التوقيع على الورقة أو نحو ذلك ـ وفى هذه الحال تبطل الورقة كورقة رسمية ثم لا تكون لها قيمة الورقة العرفية ، وبين الورقة الرسمية الباطلة ـ إذا لم يكن للموثق مثلا اختصاص فى توثيقها من حيث المكان ـ وفي هذه الحالة تبطل الورقة كذلك كورقة رسمية ولكن تكون لها قيمة الورقة العرفية (214) .

وهذا التمييز يقوم حقاً في التقنين املدنى الفرنسى . والسبب في ذلك أن هذا التقنين لا يكتفي في صحة الورقة العرفية أن تكون موقعة من أصحاب الشأن ، ب يشرط فوق ذلك ، كما سنرى ، تعدد النسخ الأصلية في العقوج الملزمة للجانبين وكتابة كل الإلتزام بالحروف لا بالأرقام مع اعتماد المدين لها بخصه في القود الملزمة لجانب واحد . فإذا كانت الورقة الرسمية الموقع عليها من أصحاب الشأن باطلة ، لم يكن التوقيع عليها وحده كافياً لإعتبارها بمنزلة الورقة العرفيـة ، $141 إذ ينقصها شرط آخر هو تعدد النسخ أو اعتماد المدين . ومن ثم كان جعل مثل هذه الورقة الرسمية الباطلة بمنزلة الورقة العرفية لا بد فيه من نص هو الذي ينشئ لها هذه القيمة . وقد وجد فعلا هذا النص في التقنين المدني الفرنسي في المادة 1318 على النحو الآتي : (( الورقة التي لا تكسب صفة الرسمية بسبب عدم اختصاص الموظف العام أو بسبب عدم أهليته أو بسبب عيب في الشكل تكون لها قيمة الورقة العرفية إذا كانت موقعة من ذوى الشأن )) (215) . ولما كان هذا النص منشئاً ، فهو الذي يضفى على الورقة الرسمية الباطلة قيمة الورقة العرفية ، ولولاه لما كانت لها هذه القيمة من تلقاء نفسها ، فقد عمد الفقه الفرنسي إلى عدم التوسع في تفسيره ، وميز بين ورقة رسمية منعدمة(216) ، حيث لا يكون للورقة وجود أصلا فلا تصلح أن تكون ورقة عرفية(217) ، وبين ورقة رسمية باطلة(218) حيث توجد وتكون لها قيمة الورقة العرفية ، ولو أن شرط تعدد النسخ أو إعتماد المدين ينقصها ، وذلك بفضل نص المادة 1318 الذى أنشأ لها هذه القيمة .
هذا التمييز هو إذن مستساغ في التقنين الفرنسي . ولكنه غير مستساغ في التقنين المصري . فقد قدمنا أن الورقة العرفية في هذا التقنين لا يشترط في صحتها إلا توقيع أصحاب الشأن ، دون حاجة إلى تعدد النسخ أو إلى إعتماد المدين . فمتى وجد هذا التوقيع على الورقة الرسمية الباطلة ، أيا كن سبب بطلانها ، ولو $142 كانت ورقة رسمية منعدمة ، فقد إستوفت شرط صحة الورقة العرفية وصار لها قيمتها ، لا بفضل نص منشئ كما في التقنين الفرنسي ، بل بفضل تطبيق القواعد العامة ، وليست الفقرة الثانية من المادة 390 إلا كاشفة عن هذا التطبيق ولم تكن هناك حاجة إليها كما سبق القول . فمن أين إذن أتت المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى بهذا التمييز ؟ .

الواقع من الأمر أنه هذا تمييز لا يستقيم في التقنين المصرى . والمذكرة الإيضاحية في القول به جد خاطئة . والسبب في هذا الخطأ أن مشروعاً أولياً للتقنين المصرى في الإثبات كان يحوى شروطاً للورقة العرفية هى نفس شروط التقنين الفرنسى . ومن ثم كان التمييز مستساغاً في هذا المشروع الأولى كما هو مستساغ في التقنين الفرنسي وقد كتبت المذكرة الإيضاحية للمشروع الأولى على هذا الأساس . ثم عدل المشروع الأولى ، ورجع المشروع التمهيدى للتقنين المصرى إلى الاكتفاء بتوقيع المدين لصحة الورقة العرفية وأغفل الشرط الآخر ، فلم يعد التمييز مستساغاً في هذا الوضع . ولكنه بقى مع ذلك بارزاً في المذكرة الإيضاحية التى أدمجت كما هى في مجموعة الأعمال التحضيرية ، وكان ذلك سهواً ، إذ كان من الواجب حذف هذا التمييز بعد تعديل المشروع الأولى على الوجه الذى أشرنا إليه(219) .
$143الفرع الثاني
حجية الورقة الرسمية في الإثبات

88 ـ افتراض صحة الرسمية : متى كانت المظاهر الخارجية للورقة تنبئ أنها ورقة رسمية ، اعتبرت كذلك إلى أن يثبت ذو المصلحة أنها ليست لها صفة الرسمية لبطلانها أو لتزويرها ، ولا يكون ذلك إلا عن طريق الطعن بالتزوير إلا إذا جاز إثبات البطلان عن طريق آخر .
وبذلك يتم للورقة الرسمية السليمة في مظهرها قرينتان : قرينة بسلامتها المادية ، وأخرى بصدورها من الأشخاص الذين وقعوا عليها وهم الموظف العام وأصحاب الشأن(220) . فهى إذن ، حتى يطعن فيها بالتزوير ، حجة بسلامتها المادية وبصدروها ممن صدرت منه دون حاجة إلى الإقرار بها . وهذا علا خلاف الورقة العرفية ، فسنرى أنها لا تكون حجة بما فيها قبل الإقرار بها(221) .
لكن إذا كانت المظاهر الخارجية للورقة تدل في ذاتها على أن بها تزويراً واصحاً كوجود كشط فيها أو حبر مختلف في اللون أو نحو ذلك ، أو على أنها $144 ورقة رسمية باطلة كعدم توقيعها من الموثق أو من أصحاب الشأن أو كوضوح أن الموثق غير مختص موضوعاً بتوثيقها ، جاز للقاضى أن يرد الورقة ، بإعتبارها مزورة باطلة(222) . وقد نصت المادة 260 من تقنين المرافعات على ما يأتي : (( للمحكمة أن تقدر ما يترتب على الكشط والمحو والتحشير وغير ذلك من العيوب المادية في الورقة من إسقاط قيمتها في الإثبات أو إنقاصها . وإذا كانت صحة الورقة محل شك في نظر المحكمة ، جاز لها من تلقاء نفسها أن تدعو الموظف الذى صدرت عنه أو الشخص الذى حررها ليبدى ما يوضح حقيقة الأمر فيها )) (223) .

89 ت مسائل ثلاث في حجية الورقة الرسمية : فإذا خلص للورقة صفتها الرسمية على النحو المتقدم ، كان لها في أصلها وفي صورها ، حجية في الإثبات إلى مدى بعيد ، فيما بين الطرفين ، وبالنسبة إلى الغير .
فنتكلم إذن في مسائل ثلاث : (1) حجية الورقة الرسمية فيما بين الطرفين (2) حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير (3) حجية الورقة الرسمية فيما يتعلق بصورها .

المبحث الأول
حجية الورقة الرسمية فيما بين الطرفين
90 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 391 من التقنين المدني على ما يأتي :
(( الورقة الرسمية حجة على الناس كافة بما دون فيها من أمور قام بـها محـررها $145 في حدود مهمته أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً )) (224) .
ويقابل هذا النص في التقنين المدني القديم المادة 226/291(225) ـ ويقابل في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في قانون البينات السورى المادة السادسة ، وفي التقنين المدنى العراقي المادة 451 ، وفي تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني المواد من 156 إلى 159 ، وفي التقنين المدني الليبى المادة 378(226) ـ
$146 ويقابل في التقنين المدني الفرنسي المادة 1319(227) .
ويتبين من هذه النصوص :
( أولا ) أن الورقة الرسمية حجة على الناس كافة . وسنتناول هنا حجيتها فيما بين الطرفين ، على أن تكلم فيما يلى في حجيتها بالنسبة إلى الغير .
( ثانياً ) أن الورقة الرسمية حجة بما دون فيها من أمور قام بها محررها في حدود مهمته أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً . ويتضح من هذا أن هناك نوعين من البيانات في الورقة الرسمية : (1) بيانات تكون للورقة الرسمية فيها حجية إلى أن يطعن في الورقة بالتزوير $147 (2) بيانات دون ذلك فى القوة ، فهى ككل بيان يثبت في ورقة مكتوبة يعتبر صحيحاً حتى يوقم الدليل على ما يخالفه (228) . وقد كان المشروع التمهيدى يتضمن فقرة في هذا المعنى حذفت في لجنة الشيوخ اكتفاء بتطبيق القواعد العامة . فعلينا إذن أن نبحث : (1)
91 ـ حجية الورقة الرسمية حتى يطعن فيها بالتزوير : تكون للورقة الرسمية حجية في الإثبات حتى يطعن فيها بالتزوير ، وذلك فيما دون فيها من أمور قام بها الموثق في حدود مهمه أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره . فهناك إذن طائفتان من البيانات لها هذه الحجية : بيانات عن الأمور التى قام بها الموثق في حدود مهمته ، وبيانات عن أمور وقعت من ذوى الشأن في حضوره.
أما الأمور التى قام بها الموثق في حدود مهمته وبينها فى الورقة الرسمية التى وثقها فكثيرة . من ذلك تأكده من شخصية المتعاقدين بشهادة شاهدين أو بستند رسمى ، وتثبته من أهلية المتعاقدين ورضائهما ، وصدور الكتابة منه ، والبيانات العامة التى أثبتها في الورقـة وهـى التاريخ (229) واسم الموثق وبيان ما إذا كان التوثيق قد تم في المكتب أو في مكان آخر وحضور شاهدين واسم كل منهما وحضور أصحاب الشأن وأسماؤهم وحضور المترجم والمعين عند الاقتضاء وتلاوته الورقة لذوى الشأن والتوقيعات التى تحملها الورقة(230) .
$148 أما البيانات عن الأمور التى وقعت من وذى الشأن فى حضوره فأكثرها يتعلق بموضوع الورقة الرسمية التى قام بتوثيقها ، أي البيانات الخاصة بهذه الورقة بالذات . فإن كان الموضوع بيعاً ، فإن الموثق يثبت في الورقة أن البائع قرر أنه يبيع والمشترى دفع الثمن إلى البائع أمام الموثق فيذكر الموثق ذلك في الورقة الرسمية . كل هذه البيانات التى وقعت من ذوى الشأن في حضور الموثق وأثبتها في الورقة ، بعد أن أدركها بالسمع أو بالبصر de visu aut de auditi ، تكون لها ححية في الإثبات إلى أن يطعن فيها بالتزوير(231) .
وسواء كانت البيانات متعلقة بالأمور التى قام بها الموثق أو بالأمور التى وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، فلا بد حتى تثبت لها هذه الحجية أن تكون في حدود مهمة الموثق . فإذا خرجت عن هذه الحدود ، كأن أثبت الموثق أن أصحاب الشأن أقارب أو أن أحدهم يبلغ كذا من العمر أو أنهم قرروا أمامه أنهم أجانب أقاموا مدة معينة في البلاد ، فلا تكون لهذه البيانات حجية لأنها لا تدخل في مهمة الموثق(232) .
$149 وقد حصرت على هذا النحو في دائرة محدودة البيانات التى تكون لها حجية لا تدحض إلا إذا لجأ من ينكرها إلى طريق الطعن بالتزوير . ذلك أن طريق الطعن بالتزوير طريق معقد محفوف بالمصاعب والمخاطر ، وقد رسم له تقنين المرافعات إجراءات ومواعيد دقيقة شدد فيها من التزامات الطاعن بالتزوير، وفرض عليه غرامة إذا حكم بسقوط ادعائه أو برفض هذا الادعاء(233). وليس أمام من تحتم عليه الطعن بالتزوير إلا سلوك هذا الطريق ، فليس له أن يستجوب خصمته تمهيداً للحصول على إقرار منه ، ولا أن يوجه له اليمين الحاسمة ، ولا أن يطلب إحالة الدعوى على التحقيق بغير الطريق المرسوم للطعن بالتزوير ، $150 ولا أن يطلب إثبات وقائع تتعارض مع البيانات الثابتة بالورقة الرسمية حتى لو كان يتمسك بمدبأ ثبوت بالكتابة ويريد أن يستكمله بالبينة أو بالقرائن(234) .
$151 وله أن يطعن بالتزوير في أية حالة كانت عليها الدعوى ، ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف(235) ، ولكن لا لأول مرة أمام محكمة النقض ، وذلك كله بشرط ألا يكون الطعن بالتزوير كيدياً(236) .
92 ـ حجة الورقة الرسمية حتى يقوم الدليل على العكس أما ما أثبته الموثق في الورقة الرسمية باعتباره وارداً على لسان ذوى الشأن من بيانات ، فلا تصل الحجية فيه إلى حد الطعن بالتزوير . بل يعتبر ما ورد من ذلك صحيحاً في ذاته إلى أن يثبت صاحب المصلحة عكسه بالطرق المقررة فى قواعد الإثبات(237) . ومن هذه القواعد أه لا يجوز إثبات عكس ما بالورقة المكتوبة إلا بالكتابة أو بمبدأ ثبوت بالكتابة مستكملا بالبينة أو بالقرائن . فلا يجوز إذن إثبات عكس ما ورد في الورقة الرسمية على لسان ذوى الشأن إلا إذا كانت هناك كتابة تثبت هذا العكس ، أو القليل مبدأ ثبوت بالكتابة تعززه البينة أو القرائن(238) .
$152 والأصل في هذه المسألة أن كل طعن في بيان وارد بورقةرسمية ، يتضمن مساساً بأمانة الموثق وصدقه ، لا يكون إلا عن طريق الطعن بالتزوير كما رأينا . ذلك أن اختيار الموظف العام خاضع لشروط تتوافر بها الثقة فيه ، وهو معرض لعقوبات قاسية فيما إذا أحل بهذه الثقة(239) . أما الطعن الذى لا يتضمن مساساً بأمانة الموثق أو بصدقه فيكفى فيه إثبات العكس على النحو الذى قررناه .
ومن ثم يكون البيان المتعلق بتأكد الموثق من شخصية المتعاقدين وبتثبته من أهليتهما ورضائهما لا يجوز إنكاره إلا بطريق الطعن بالتزوير كما قدمنا . ولكن إذا اقتصر المدعى على إنكار شخصية المتعاقدين أو إنكار توافر الأهلية فيهما أو إنكار أن رضاءهما صحيح غير مشوب بعيب ، دون أن يتعرض لتثبت الموثق من كل ذلك ، جاز أن يثبت ما يدعيه بالطرق المقررة دون حاجة إلى الطعن بالتزوير ، لأن المدعى لا تشكك في ذمة الموثق ، إذ هو يسلم أن الموثق قد تأكد من كل ذلك ، ولكن بالرغم من هذا التأكد فإنه قد أخطأ عن حسن نية .
وكذلك البانات العامة التى يثبتها الموثق بعضها لا يجوز إنكاره بتاتاً إلا بطريق الطعن بالتزوير ، كتاريخ الورقة الرسمية الذى يعتبر تاريخاً ثابتاً كما قدمنا ، واسم الموثق ، وبيان ما إذا كان التوثيق قد تم في المكتب أو في مكان آخر ، وحضور الشهود ، وحضور أضحاب الشأن ، والتوقيعات ، وقد تقدم ذكر ذلك . أم حقيقة أسماء أصحاب الشأن وأسماء الشهود وحقيقة ألقابهم وصناعاتهم ومحال إقامتهم ، فما قرروه من ذلك فى الورقة الرسمية له ناحيتان : واقعة التقرير في ذاته أى صحة الأسماء والألقاب والصناعات ومحال الإقامة وهذه يكفى فيها إثبات العكس لأن الإنكار في هذا كله لا يمس أمانة الموثق إذ هو لم يكتب إلا ما قرره هؤلاء على عهدتهم ، صادقين كانوا أو كاذبين .
$153 ثم إن البيانات الخاصة بموضوع الورقة الرسمية لها أيضاً ناحيتان : واقعة التقرير ـ أي أن أصحاب الشأن قرروا أمام الموثق كذا وكذا ـ وهذه لها حجية إلى حد الطعن بالتزوير ، ثم صحة التقرير في ذاته وهذه يجوز إنكارها وإثبات العكس لأن ذلك لا يمس أمانة الموثق . مثل ذلك أن يثبت الموثق أن أحد المتعاقدين قرر أنه باع للمتعاقد الآخر داراً وقرر المتعاقد الآخر أنه اشترى هذه الدار ، فواقعة التقرير من بيع وشراء لها حجية إلى حد الطعن بالتزوير ، ولكن هذا لا يمنع ذا المصلحة ، وهو لا يتعرض لواقعة التقرير في ذاتها ولا يمس بذلك أمانة الموثق ، من أن يتمسك بأن هذا البيع صورى بالرغم من أن المتعاقدين قررا أمام الموثق غير ذلك ، وله أن يثبت هذه الصورية بالطرق المقررة قانوناً دون حاجة إلى الطعن بالتزوير . ولو أثبت الموثق أن المشترى دفع أمامه الثمن وقدره كذا إلى البائع ، فواقعة دفع مبلغ قدره كذا له حجية إلى حد الطعن بالتزوير ، ولكن هذا ذا المصلحة من إثبات أن الدفع بالرغم من صحة واقعته فى ذاتها كان دفعاً صورياً ، بأن كانت النقود هى نقود البائع وأعطاها للمشترى ليسلمها هذا له أمام الموثق(240) ، أو بأن النقود التى دفعها المشترى أمام الموثق أعادها له البائع بعد خروجهما ، وله أن يثبت ذلك بالطرق المقررة قانوناص دون حاجة إلى الطعن بالتزوير لأنه لا يمس في اعائه هذا أمانة الموثق(241) .
$154 وكذلك قيام التصرف القانونى ذاته وصحته التى تفترض توافر الأهلية والخلو من عيوب الرضاء ووجود محل صالح وسبب مشروع ، ونفاذ التصرف القانوني فيما بين الطرفين وفي حق الغير ، كل ذلك لا شأن له بما قرره الموثق من وقع التصرف ، فلكل ذى مصلحة أن ينازع في أية مسألة من هذه وعليه إثبات ما يدعيه وفقاً للقواعد المقررة قانوناً(242) .

المبحث الثاني
حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير
93 ـ قاعدة عامة : رأينا أن المادة 391 من التقنين المدني تقضى بأن الورقة الرسمية حجة على الناس كافة. فهى إذن حجة بما جاء فيها ، لا على أصحاب الشأن وحدهم ، بل هى أيضاً على الغير(243) .
وقد رأينا فيما تقدم كيف تكون حجة على أصحاب الشأن ، فبسطنا متى تقوم هذه الحجية إلى حد الطعن بالتزوير ومتى تقوم حتى يقدم الدليل على العكس .
ونستعرض هنا بالنسبة إلى الغير ما قدمناه بالنسبة إلى أصحاب الشأن ، فنذكر متى تكون الورقة الرسمية حجة على الغير إلى حد الطعن بالتزوير ، ومتى تكون حجة على الغير حتى يقوم الدليل على العكس .


$155 94 ـ حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير إلى حد الطعن بالتزوير :
قد تكون هناك محل للاحتجاج على الغير بالورقة الرسمية . مثل ذلك مدين يبيع داراً له بورقةرسمية ، ويدعى الدائن أن هذا البيع الرسمى لم يصدر من مدينه ليتمكن بذلك من التنفيذ بحقه على الدار المبيعة . ومثل ذلك أيضاً مؤجر العقار يبيعه بورقة رسمية ، ويدعى المستأجر أن البيع لم يصدر من المؤجر وذلك حتى يقى في العين المؤجرة فلا يخرجه منها المشترى بالرغم من أن عقد الإيجار غير ثابت التاريخ (244) . أو يثبت مؤجر العقار الذى باعه الخالصة بالأجرة عن مدة مستقبلة فى ورقة رسمية ، فينكر المشترى صدور هذه المخالصة من المؤجر ليتمكن بعد أن يستبقى المستأجر فى العين من مطالبته بهذه الأجرة(245) .
فى هذه الفروض وغيرها تكون للورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير عين الحجية التى لها فيما بين الطرفين على النحو الذى قدمناه . فيستطيع المشترى من المدين ، فى المثل الأول ، أن يحتج بالبيع الرسمى على دائن البائع ، ولا يجوز للدائن ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر ما ورد فى الورقة الرسمية من أمور قام بها الموثق فى حدود مهمته أو بيانات وقعت من ذوى الشأن فى حضوره ، كصدور البيع من المدين وتاريخ الورقة الرسمية وحضور الشهود وصحة التوقيعات وما ذكره الموثق من أن المشترى دع أمامه الثمن إلى المدين وغير ذلك من الأمور التى فصلناها فيما تقدم فى صدد الكلام فى حجية الورقة الرسمية فيما بين الطرفين . كذلك فى المثل الثاني لا يجوز للمستأجر ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر ما ورد فى ورقة البيع الرسمية الصادرة من المؤجر على النحو الذى قدمناه . وفى المثل الثالث لا يجوز للمستأجر ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر ما ورد فى ورقة البيع الرسمية الصادرة من المؤجر على النحو الذى قدمناه . وفى المثل الثالث لا يجوز للمشترى ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر المخالصة بالأجرة الصادرة من المؤجر إلى المستأجر .
وظاهر من الأمثلة التى قدمناها أن الغير الذى يحتج عليه بالورقة الرسمية هو نفس الغير الذى يحتج عليه بالتصرف القانوني ، فهو في المثلين الأولين الدائن وفى المثل الأخير الخلف الخاص.
ولما كان التصرف القانونى سارياً في حقه ، فقد $156 وجب إثباته بالنسبة إليه ، فيثبت بالورقة التى أثبت فيها التصرف على النحو الذى قدمناه(246) .
95 ـ حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير حتى يقوم الدليل على العكس : ولكن حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير ، كحجيتها فيما بين الطرفين ، لا تمنع الغير من إنكار صحة الوقائع التى أثبتها الموثق فى ذاتها ، دون أن يتعرض فى ذلك لأمانة الموثق أو صدقه . ولا يحتاج فى ذلك إلى الطعن بالتزوير ، بل يكفى أن يقيم الدليل على العكس بالطرق المقررة قانوناً . وله أن ينازع فى صحة التصرف أو فى نفاذه فى حقه وفقاً للقواعد التى قررها القانون . فدائن البائع له أن يطعن بالصورية في البيع الرسمى الصادر من مدينه ، وأن يثبت هذه الصورية بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن لأنه من الغير(247) . كذلك المستأجر له أن يطعن بالصورية فى البيع الرسمى الصادر من المؤجر ، وأن يثبت الصورية بجميع الطرق لأنه من الغير ، وله أيضاً دون أن يطعن فى البيع $157 بالصورية أن يتمسك بأنه لا يسرى فى حقه لأن عقد الإيجار ثابت التاريخ الصادرة من المؤجر إلى المستأجر بالصورية على النحو الذى قدمناه ، كما يستطيع باسم البائع أن يطعن فيها بالغلط أو بالتدليس أو بالإكراه أو بنقص الأهلية أو بغير ذلك من العيوب التى تشوب التصرف القانوني .
ونرى من ذلك أن حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير هى ذات حجيتها فيما بين الطرفين . وكل ما ذكرناه هناك يسرى هنا(248) .
$158 المبحث الثالث
حجية الورقة الرسمية فيما يتعلق بالصور
96 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 392 من التقنين المدني على ما يأتى :
(( 1 ـ إذا كان أصل الورقة الرسمية موجوداً ، فان صورتها الرسمية ، خطية كانت أو فوتوغرافية ، تكون حجة بالقدر الذى تكون فيه مطابقة للأصل )) .
(( 2 ـ وتعتبر الصورة مطابقة للأصل ، ما لم ينازع فى ذلك أحد الطرفين . وفى هذه الحالة تراجع الصورة على الأصل )) .
وتنص المادة 393 على ما يأتى :
(( إذا لم يوجد أصل الورقة الرسمية ، كانت الصورة حجة على الوجه الآتى :
ا ) يكون للصور الرسمية الأصلية ، تنفيذية كانت أو غير تنفيذية ، حجية الأصل متى كان مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل . ب ) ويكون للصور الرسمية المأخوذة من الصور الأصلية الحجية ذاتها ، ولكن يجوز فى هذه الحالة لكل من الطرفين أن يطلب مراجعتها على الصورة الأصلية التى أخذت منها . جـ ) أما ما يؤخذ من صور رسمية للصور المأخوذة من الصور الأصلية فلا يعتد به إلا لمجرد الاستئناس تبعاً للظروف )) (249) .
$159 ويقابل هذان النصان فى التقنين المدنى القديم المادة 231/ 296(250) ـ ويقابلان فى القنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادتان السابعة والثامنة ، وفى التقنين المدنى العراقى المواد من 452 إلى 454 ، وفى تقنين $160 أصول المحاكات المدنية اللبناني المواد من 173 إلى 176 ، وفى التقنين المدني الليبى المادتين 379 و 380 (251) ـ ويقابلان فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين $161 1334 و 1335(252) .
$162 97 ـ الأصل والصورة : وتعرض هذه النصوص لحجية صور الورقة الرسمية . ذلك أن كل ما قدمناه فى حجية الورقة الرسمية إنما يرد فى حجية أصل الورقة لا فى حجية صورها . والرفق بين الأصل والصورة أن الأصل هو الذى يحمل التوقيعات إذ أن جميع من وقعوا الورقة الرسمية إنما وقعوا على الأصل ، هذا إلى أن الأصل هو الورقة بعينها التى صدرت من الموثق . أما صورة الورقة الرسمية فهى لا تحمل التوقيعات وليست هى التى صدرت من الموثق ، بل هى منقولة عن الأصل بواسطة موظف عام مختص ، فهى من هذه الناحية ورقة رسمية ولكن رسميتها فى أنها صورة لا فى أنها أصل (253) . والمفروض أنها مطابقة للأصل مطابقة تامة ، بما ورد فى الأصل من بيانات وما يحمله من توقيعات .
ولا فرق بين الصورة الخطية والصورة الفوتوغرافية ما دامـت كلتاهمـا صـورة $163 رسمية ، بل لعل الصورة الفوتوغرافية هى الأدق من الناحية الفعلية(254) .
أما إذا كانت صورة الورقة الرسمية ليست هى ذاتها صورة رسمية بل صورة عرفية ، فليست لها أية حجية .
وتقل حجية الصورة الرسمية عن حجية الأصل . ولبيان ذلك يجب أن نميز بين فرضين : (أولا) إذا كان الأصل موجوداً (ثانياً) إذا كان الأصل غير موجود(255) .
98 ـ حجة الصورة إذا كان الأصل موجوداً : بينا فيما تقدم أن أصل الورقة الرسمية يبقى محفوظاً فى مكتب التوثيق الذى وثق الورقة . ومن ثم كانت الحالة الغالبة فى حجية اصورة هى حالة ما إذا كان الأصل موجوداً ، إذ قل أن ينعدم هذا الأصل .
وإذن يشترط لقيام هذا الفرض شرطان : (1) أن يكون أصل الورقة الرسمية موجوداً حتى يمكن الرجوع إليه عند الحاجة . (2) أن تكون الورقة التى يحتج بها ليست هى هذا الأصل ، بل صورة من الأصل . ولكن يشترط فى هذه الصورة أن تكون صورة رسمية ، فلو كانت صورة عرفية فلا يعتد بها كما قدمنا . ويكفى أن تكون صورة رسمية ، دون حاجة إلى أن تكون صورة مأخوذة من الأصل بطريق مباشر . فقد تكون مأخوذة مباشرة من الأصل ، وفى هذه الحالة قد تكون هى الصورة التنفيذية (grosse) أوتكون صورة أولى بسيطة (expedition) . وقد تكون مأخوذة من صورة مأخوذة من الأصل ، أو من صورة مأخوذة عن صورة من الأصل ، أياً كان عدد الصور الرسمية التى توسطت بينها وبين الأصل . فما دام الأصل (minute) موجوداً فإنه يكفى فى الصورة أن $164 تكون صورة رسمية فحسب ، إذ يمكن دائماً مضاهاتها على الأصل .
ومتى توافر هذان الشرطان ، كان للصورة الرسمية ، خطية كانت أو فوتوغرافية، حجية فى الإثبات بفضل قرينة قانونية وردت في الفقرة الثانية من المادة 390، إذ قضى هذا النص بأن (( تعتبر الصورة مطابقة للأصل ، ما لم ينازع فى ذلك أحد الطرفين ، وفى هذه الحالة تراجع الصورة على الأصل )) .
ومن ذلك يتبين أن القرينة هنا قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس .
فهى أولا قرينة قانونية على المطابقة . وصاحب المصلحة يقتصر على تقديم الصورة . وهى التى تكون معه غالباً ، دون الأصل المودع فى مكتب التوثيق . وعند ذلك يعتبرها القاضى مطابقة للأصل دون أى تحقيق ، ويجعل لها حجية الإثبات التى للأصل على التفصيل الذى قدمناه . ولكن الحجية هنا إنما تأتى من افتراض مطابقة الصورة للأصل ، فهى إذن حجية مستمدة من الأصل لا من الصورة .
وهى ثانياً قرينة قابلة لإثبات العكس . فللخصم أن ينازع فى مطابقتها للأصل . ومجرد المنازعة يكفى لإسقاط القرينة(256) .
وعند ذلك يتعين على المحكمة تحقيق $165 مطابقة الصورة المقدمة لأصلها . وتصدر لهذا الغرض قراراً بضم الأصل إلى ملف الدعوى ، وينتقل القاضى المنتدب إلى مكتب التوثيق ، ويحرر بحضوره صور مطابقة للأصل ويحرر بذيلها محضر يوقعه القاضى والموثق وكاتب المحكمة ، ثم يضم الأصل إلى ملف النزاع ، وتقوم الصورة مقام الأصل إلى ملف الدعوى أمكن للمحكمة مضاهاة الصورة عليه ، فان وجدت مطابقة للأصل ثبتت لها حجيته ، وإلا استبعدت وبقى الأصل هو المستند فى الدعوى بحجيته المعروفة .
وهذا الذى قررناه فى شأن حجية الصورة الرسمية إذا كان الأصل موجوداً هو ما كان متبعاً دون نص فى التقنين المدنى السابق(257) .
$166 99 ـ حجية الصورة إذا كان الأصل غير موجود : هذا يميز التقنين المدنى الجديد (م 393) بين حالات ثلاث : (1) حالة الصور الرسمية الأصلية ، أى الصور الرسمية المأخوذة مباشرة من الأصل . (2) حالة الصور الرسمية المأخوذة من الصور الرسمية الأصلية (3) حالة الصور الرسمية المأخوذة من الصور الرسمية للصور الرسمية الأصلية .
وأصل الورقة الرسمية لا يفقد إلا نادراً كما قدمنا ، إذ هو دائماً محفوظ فى مكتب التوثيق أو فى قلم كتاب المحكمة الذى وثقه وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ولكن يقع أن يفقد الأصل إذا قدم العهد به ، أو قبل ذلك بسبب حريق أو سرقة أو أى عارض آخر . ويقع على الخصم المتمسك بالصورة عبء إثبات فقد الأصل(258) .
100 ـ حجية الصور الرسمية الأصلية : وهذه كما قدمنا الصور الرسمية التى تنقل مباشرة من الأصل (original, minute) وتشمل : (أولا) الصورة التنفيذية ، وهى الصورة الرسمية التى تنقل مباشرة من الأصل وتوضع عليها الصيغة التنفيذية ، ولا تعطى إلا لأصحاب الشأن ، ومرة واحدة ، فلا يجوز تسليم صورة تنفيذية ثانية إلا بقرار من قاضى الأمور المستعجلة ( م 9 قانون التوثيق ) . ويسميها الفرنسيون (grosse) لأنها تكتب بحروف مكبرة ، بخلاف الأصل والصور الأخرى فهى تكتب بحروف عادية . ( ثانياً ) الصورة الأصلية الأولى (premiere expedition) ، وهى التى تنقل من الأصل عقب التوثيق لإعطائها لذوى الشأن دون أن توضع عليها الصيغة التنفيذية . وهى لا تعطى إلا لذى شأن(259)، ويؤشر الموثق بالتسليم فى أصل المحرر ويوقع هذا التأشير ( م 8 قانون التوثيق و م 19 لائحة قانون التوثيق ) . ( ثالثاً ) الصورة الأصلية البسيطة (simple expedition) ، وتنقل هى أيضاً مباشرة من الأصل ، $167 ولكنها لا تنقل إلا بعد التوثيق بمدة من الزمن . ويجوز دائماً إعطاؤها لذوى الشأن . ولا يجوز إعطاؤها للغير إلا بعد الحصول على إذن من قاضى الأمور الوقتية بالمحكمةالتى يقع مكتب التوثيق فى دائرتها ( م 8 قانون التوثيق ) . ( رابعاً ) الصورة الرسمية التى تحرر بحضور القاضى المنتدب عند صدور قرار من سلطة قضائية بضم الأصل إلى ملف الدعوى . وهو صورة تحرر مطابقة للأصل ، ويحرر بذيلها محضر يوقعه القاضى والموثق وكاتب المحكمة ، وتقوم مقام الأصل إلى حين رده كما سبق القول ( م 10 فقرة 2 قانون التوثيق ) .
هذه كلها صور رسمية أصلية ، ولها جميعاً حجية واحدة هى حجية الأصل المفقود ، وذلك متى كان مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل(260) . أما إذا كان المظهر الخارجى للصورة يبعث على الشك فى أن يكون $168 قد عبث بها ، كما إذا وجد كشط أو محو أو تحشير أو نحو ذلك ، فان الصورة تسقط حجيتها فى هذه الحالة(261) .
ويتبين من ذلك أن الصورة الرسمية الأصلية سليمة المظهر الخارجى تكون لها حجية الأصل على النحو الذى قدمناه . وتستمد هذه الحجية ، لا من الأصل فهو غير موجود فرضاً ، بل منها ذاتها(262) ، وذلك بالرغم من أنها لا تحمل توقيع الخصم ولا تمكن مضاهاتها على الأصل المفقود . ومن ثم ندرك ما ينطوى عليه هذا الحكم من جرأة . ومن أجل هذا اتجه رأى لجنة مجلس الشيوخ فى البداية إلى استبعاد ، (( لأن فى بقائه خطورة إذ قد تكون الورقة خالية من الشوائب فى مظهرها

الخارجى ولكنها لا تطابق الأصل ، وعدم وجود هذا $169 الأصل سيكون حائلا دون تحقيق صحتها ، وإعطاؤها قوة الأصل فيه خطورة كبيرة )) . ولكن اللجنة عدلت عن هذا الرأة ، واستبقت الحكم بعد استيثاقها م أنه هو الحكم الصحيح ، وإن كان يعتبر استثناء من القواعد العامة(263) .
101 ـ حجية الصور الرسمية المأخوذ من الصورة الرسمية الأصلية : وهذه ليست الصور الرسمية الأصلية (expeditions) التى نقلت مباشرة من الأصل ، بل هى صور رسمية نقلت من الصور الرسمية الأصلية . فهى لا تعتبر صوراً من الأصل إلا بطريق غير مباشر .
ولذلك لا يجوز أن تكون لها حجية أكبر من حجية الصور الأصلية التى هى ليست إلا صوراً منها ، وبشرط أن تكون الصور الأصلية موجودة حتى إذا طلب أحد الطرفين مضاهاتها على أصلها أمكن ذلك . ومن ثم لا تكون للصورة المأخوذة من الصورة الأصلية حجية مستمدة من ذاتها ، بل هى تقتصر على التمتع بقرينة المطابقة للصورة حجية مستمدة من ذاتها ، بل هى تقتصر على التمتع بقرينة المطابقة للصورة الأصلية ، وتنتفى القرينة بمجرد إنكار أحد الطرفين لهذه المطابقة(264) ، وعندئذ يتعين إحضار الصورة الأصلية للمضاهاة . فان وجدت الصورة الثانية مطابقة لها ، كانت لها حجيتها على التفصيل الذى قدمناه فى حجية الصور الأصلية ، ذلك أن هذه الحجية مستدمة كما قدمنا من الصورة الأصلية لا من الصورة الثانية . أما إذا وجدت الصورة الثانية غير مطابقة للصورة الأصلية ، استبعدت تلك واستبقيت الصورة الأصلية وهى التى تكون لها الحجية فى كل حال .
بقى فرض ما إذا كانت الصورة الأصلية غير موجودة فلا تمكن مضاهاة الصورة الثانية عليها. ونرى فى هذه الحالة ، أما سكوت النص ، ألا تكون للصورة الثانية حجية محددة ، ولا


يعتد بها إلا لمجرد الاستئناس ، شأنها فى ذلك $170 شأن صور الصور المأخوذة من الصور الأصلية ، وهى التى ننتقل الآن إليها(265) .
102 ـ حجية صور الصور المأخوذة من الصور الأصلية : وهنا تتعدد الحلقات ، وتنفرج المسافة ما بين الصورة والأصل . فالصورة التى يحتج بها ليست إلا صورة لصورة مأخوذة من الصورة الأصلية ز فهى بالنسبة إلى الأصل صورة الصورة ، أى الصورة الثالثة .
فان كانت الصورة الأصلية موجودة وجب اسحضارها ، وهى التى تثبت لها حجية الأصل على التفصيل الذى قدمناه . بل إن الصورة الثالثة لا تتمتع بقرينة مطابقتها للصورة الأصلية فانها تتمتع بقرينة مطابقتها للأصل ، وقد تقدم ذكر ذلك . وسواء كانت الصورة الثالثة مطابقة للصورة الثانية فى حالة وجود هذه أو غير مطابقة ، فهذا لا أهمية له ، بل لا فائدة من تحقيق هذه المطابقة . والمهم هو مطابقة الصورة الثالثة للصورة الأصلية إن وجدت هذه .
فان كانت الصورة الأصلية هى أيضاً مفقودة كالأصل ، فان الصورة الثالثة ـ طابقت


الصورة الثانية أو لم تطابق ـ لا تكون لها حجية ، ولا يعتد بها $171 إلا لمجرد الاستئناس تبعاً للظروف ، باعتبارها مجرد قرينة(266) فهى إذن لا تصلح حتى مبدأ ثبوت بالكتابة .
ومن ثم يتبين أن الصورة الثالثة ـ ومن باب أولى أية صورة دونها(267) ـ لا حجية لها فى ذاتها . فان وجدت الصورة الأصلية ، كانت الحجية لهذه الصورة . وإن كانت الصورة الأصلية مفقودة ، سواء وجدت الصورة الثانية أو لم توجد ، فلا يعتد بالصورة الثالثة إللا لمجرد الاستئناس كما قدمنا(268) .
103 ـ أحكام التقنين المدنى السابق : أما التقنين المدنى السابق فقد تضمن نصاً واحداً فى هذه المسألة . فقد كانت المادة 231/296 تنص على أنه : (( إذا قدم الخصم صور سندات غير صروها الواجبة التنفيذ وهى صورها الأولى ، ولم يقدم الأصل ، وكانت الصور المذكورة محررة بمعرفة أحد المأمورين العمومين ، فللقاضى النظر في درجة اعتماد تلك الصور . وعلى كل حال فانها تعتبر فى مقام مبادئ الثبوت بالكتابة )) . والنص الفرنسى لهذه المادة فى القانون الأهلى أدق من هذا النص العربى ، فقد كان يجرى على الوجه الآتى .
''La valeur probante des copies de titres autres que les expeditions ececutoires ou premieres expeditions, quand ces copies auront ete faites par des officieres publics, sera appreciee par le juge si l'original n'est pas represente , ces copies vaudront au moins un commencement de prevue par ecrit". ويتبين من المقابلة بين النصين العربى والفرنسى أن هناك خلافاً فيما بينهما . فالنص العربى يجعل الصور التنفيذية هى الصور الأولى ، إذ يقول : (( غير $172 صورها الواجبة التنفيذ وهى صورها الأولى )) . أما النص الفرنسى فيجعل الصور الأولى شيئاً غير الصور التنفيذية ، إذ يقول (Ecpeditions executoires ou premieres expeditions) والصحيح هو النص الفرنسى ، فالصور الأولى ، كما تكون صوراً تنفيذية ، قد تكون صوراً غير تنفيذية ، وقد سبق ذكر ذلك ، والتقنين المدنى الفرنسى ، وهو الأصل الذى نقل عنه التقنين المدنى السابق ، صريح فى هذا التمييز(269) . فيجب إذن الأخذ بالنص الفرنسى للتقنين المدنى السابق . وهو يميز بين حالتين : (1) حالة الاحتجاج بالصورة التنفيذية أو بالصورة الأولى غير التنفيذية ، وسكوت التقنين عن حكم هذه الحالة معناه أن لكل من الصورتين حجية الأصل(270) (2) حالة الاحتجاج بصورة أصلية بسيطة ، أى بصورة أصلية غير الصورة التنفيذية وغير الصورة الأولى ، وفى هذه الحالة ينظر القاضى فى تقدير قمتها ولا ينزل بها عن مرتبة مبدأ الثبوت بالكتابة ، أى قد يعتبرها دليلا كاملا ، وقد يعتبرها مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة أو بالقرائن(271) .
$173 ولم يعرض التقنين السابق للحالتين الأخريين اللتين عرض لها التقنين الجديد : الصورة الثانية والصورة الثالثة . ويبدو أن الصورة الثانية فى التقنين السابق ـ وهى صورة الصورة الأصلية ـ كانت لها حجية الصورة الأصلية على التفصيل المتقدم فى هذا التقنين بشرط أن تكون الصورة الأصلية موجودة وأن تكون صورتها مطابقة لها ، إذ ليس فى هذا إلا تطبيق للقواعد العام وهى نفس القواعد التى قررها التقنين الجديد . أما الصورة الثالثة ، وهى صورة الصورة الأصلية ، فتقتصر قيمتها على مجرد الاستئناس بها كقرنية بسيطة ، وذلك ما لم توجد الصورة الأصلية فتكون عندئذ الحجية لها لا لصورة صورتها . وهذا هو أيضاً تطبيق للقواعد العامة ، وقد قرر التقنين الجديد هذا الحكم كما رأينا(272) .
ويتبين من ذلك أنه لا يوجد خلاف بين التقنين الجديد والتقنين إلا فى حالة واحدة ، هى حالة الصورة الأصلية البسيطة (simple expedition) عند فقد الأصل . ففى التقنين الجديد تكون لهذه الصورة حجية الأصل إذا كان $174 مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل ، أما فى التقنين القديم فقد يكون لهذه الصورة حجية الأصل وقد تنزل إلى مرتبة إلى مرتبة مبدأ الثبوت بالكتابة وفقاً لتقدير القاضى . والقانون الذى يسرى هو القانون الذى أخذت الصورة الأصلية البسيطة فى ظله ، فان أخذت قبل 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 سرى التقنين القديم ، وإلا فالتقنين الجديد هو الذى يسرى .

$175 الفصل الثاني
الأوراق العرفية

104 ـ الأوراق العرفية المعدة للإثبات والأوراق العرفية غير المعدة للإثبات : يمكن تقسيم الأوراق العرفية التى تكون لها حجية فى الإثبات إلى قسمين :
(القسم الأول) أوراق أعـدت مقدمـاً للإثبـات ، فهـى أدلـة مهيأة (preuves preconstituees) ولذلك تكون موقعة ممن هى حجة عليه .
(والقسم الثاني) أوراق لم تعد مقدماً للأثبات ، ولكن القانون يجعل لها حجية فى الإثبات إلى مدى معين ، فهى أدلة عارضة (preuves casuelles) . وأكثر هذه الأوراق لا تكون موقعة ممن هى حجة عليه ، وذلك كدفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية . وبعضها قد يكون موقعاً وان لم يعد فى الأصل للأثبات ، وذلك كالرسائل وأصول البرقيات(273) .




ونتكلم فى كل من هذيه القسمين من الأوراق .
الفـرع الأول
الأوراق العرفية المعدة للإثبات
105 ـ شروط صحتها وحجيتها فى الإثبات : نتناول بحث الأوراق العرفية المعدة للإثبات ، كما بحثنا الأوراق الرسمية ، من ناحيتين : (1) الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة العرفية (2) حجية الورقة العرفية فى الإثبات .

$176 المبحث الأول
الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة العرفية
106 ـ التوقيع هو الشرط الوحيد فى القانون المصرى : الورقة العرفية المعدة للإثبات لا يشترط فى صحتها إلا توقيع من هى حجية عليه(274) . فإذا كان العقد ملزماً للجانبين كالبيع ، وأثبت فى ورقة عرفية ، وجب توقيع كل من البائع والمشترى . وإذا كان ملزماً لجانب واحد كالوديعة ، وجب توقيع المودع عنده . وإذا كان مخالصة بالدين ، وجب توقيع الدائن . وهكذا .
ويكون التوقيع عادة بالإمضاء . ويجوز أن يكون ـ لا سيما بالنسبة إلى $177 الأمين ـ بالختم(275) أو ببصمة الأصبع(276) . والختم لا يزال منتشراً فى مصر ، وفى القرى بوجه خاص ، لانتشار الأمية . وعيبه أن التقليد فيه أيسر منه فى $178 الإمضاء . أما بصمة الأصبع فأكثر دقة(277) . ولا يشترط فى الإمضاء أو الختم أن يوضع بالإسم الثابت فى ورقة الميلاد ، بل يكفى أن يوقع صاحب الشأن بالاسم الذى اعتاد أن يوقع به(278) .
ويوضع التوقيع عادة فى آخر الورقة حتى يكون منسحباً على جميع البيانات المكتوبة الورادة فيها . ولكن ليس من الضرورى توقيع الإضافات والإحالات وما إليها كما هو الأمر فى الورقة الرسمية ، ويترك غير الموقع منها لتقدير القاضى من ناحية قوة الإثبات ، ولذلك يكون الأفضل توقيعها قطعاً للشك .
ويجب على صاحب الشأن أن يوقع بنفسه . فاذا وقع الورقة باسمه شخص كأمين سر أو مدير مكتب أو نحو ذلك ، فالتوقيع لا يصح والورقة باطلة لا حجية لها(279) . أما البيانات المكتوبة ـ ولابد من الكتابة إذ الورقة العرفية هى ورقة مكتوبة ـ فيصبح أن تكون بخط المدين أو الدائن أو أجنبى . وله أن يكتبها بأية لغة ، حتى بلغة اصطلاحية معروفة من أصحاب الشأن ، فاللغة العربية ليست ضرورية كما هو الأمر فى الورقة الرسمية . ويجوز أن تكون الكتابة باليد أو بالطباعة بالآلة الكتابة أو بالفوتوغرافيا أو بأية طريقة أخرى ( أنظر المادة 145 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني ) . وإذا كانت الكتابة باليد ، صح أن تكون بالمداد أو بالقلم الرصاص أو بأية مادة كاتبة أخرى . وكثير من الأوراق العرفية ، كعقود الإيجار والمخالصات وعقود التأمين واشتراكات المياه والنور وكثير من $179 عقود الإذعان ، تكون مطبوعة ، ويقتصر أصحاب الشأن بوجه عام على ملء الفراغ الذى يخصص العقد المقصود إبرامه .
ولا يشترط فى صحة الورقة العرفية أن تكون مؤرخة ، إلا فى حالات معينة نص عليها القانون كالكمبيالة والسند الأذنى والشيك والتظهير . ولكن التاريخ فى الورقة العرفية بيان من البيانات الهامة ، فقل أن يغفله أصحاب الشأن ، وإلا شق عليهم بعد ذلك إثباته . بل إن تاريخ الورقة العرفية لا يكون حجة على الغير إلا إذا كان ثابتاً كما سنرى .
ويتبن مما قدمناه أن التوقيع هو الشرط الوحيد لصحة الورقة العرفية . فاذا لم يوضع التوقيع على الورقة ، لم تكن لها حجية فى الإثبات ( انظر المادة 143 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ) ـ ذلك أن الورقة العرفية إنما تستمد حجيتها من التوقيع وحده . والورقة العرفية غير الموقعة لا تصلح حتى مبدأ ثبوت بالكتابة ، إلا إذا كانت مكتوبة بخط المدين . وإذا تعددت التوقيعات ، فليس من الضرورى أن توضع جميعها فى وقت واحد ، بل كل من وقع على الورقة يكون قد ارتبط بها(280) ، إلا إذا تبين من الظروف أصحاب الشأن إنما أرادوا ألا يرتبطوا إلا بتوقيعهم جميعاً(281) .
وغنى عن البيان أن الورقة العرفية إذا كانت باطلة فلا يؤدى بطلانها إلى بطلان التصرف القانونى ذاته الذى قصد بالورقة أن تثبته ، بل يبقى هذا التصرف قائماً ويصح أن يكون جائز الإثبات بطرق أخرى .
107 ـ قيمة التوقيع على بياض : وقد يضع صاحب الشأن توقعيه على الورقة العرفية قبل كتابتها قبل كتابتها، فيقال عندئذ إنه وقع على بياض (blanc seing).

ويكون قد قصد بذلك أن يعهد إلى الطرف الآخر أن يكتب فوق التوقيع البيانات التى اتفق معه على عناصرها الجوهرية وترك إليه استكمال تفصيلاتها على أسس معينة . مثل ذلك أن يوقع شخص شيكاً على بياض لمصلحة شخص آخر له معه حساب جار ، ويعهد إليه أن يضع الرغم الدال على قيمة الشيك بمقدار ما على موقع الشيك من رصيد الحساب الجارى بعد تصفيته . ومن ثم يكون من وقع على بياض قد وثق فى صاحبه واطمأن إلى أمانته ، ومن هنا يجئ الخطر فى التوقيع على بياض إذا خان الأمانة من اؤتمن .
ومهما يكن من أمر فان التوقيع على بياض صحيح . وهو من شأنه أن يكسب البيانات التى ستكتب بعد ذلك فوق هذا التوقيع حجية الورقة العرفية ، فان هذه الحجية تستمد كما قدمنا من التوقيع لا من الكتابة ، فيستوى أن تكون الورقة قد كتبت قبل التوقيع أو بعده . والمهم أن من يوقع الورقة يوقعها بخطه ، ويقصد من توقيعها أن يرتبط بالبيانات التى سترد فى الورقة .
على أن من يؤتمن على هذا التوقيع يجب عليه أنت يرعى الأمانة ، فلا يضع فى الورقة بيانات غير ما اتفق عليه مع الموقع ، وإلا عوقب جنائياً (282) .
أما الناحية المدنية ، فعبء إثبات تسليم الورقة الموقعة على بياض وخيانة من تسلمها يقع على من وضع توقيعه على بياض . ويراعى فى ذلك القواعد المقررة فى الإثبات . ذلك أنه إذا ما كتبت الورقة البيضاء بعد التوقيع عليها ، أصبحت قيمتها فى الإثبات قيمة الورقة العرفية التى لم توقع إلا بعد أن تمت كتابتها . ولكن يبقى للمدين الحق فى أن يثبت أنه إنم سلم توقيعه على بياض للدائن وأن ما كتبه هذا فـوق التوقيع لم يكن هـو المتفـق عليـه بينهـما . ويكـون إثبـات ذلك طبقـاً للقواعـد العامـة ، أى أنـه لا يجـوز إثبات عكس المكتوب إلا بالكتابة


$181 كما سنرى(283) . فإذا استطاع هذا الإثبات ، فقدت الورقة حجيتها فيما بينهما . ولكنها لا تفقد هذه الحجية بالنسبة إلى الغير حسن النية ، فمن تعامل مع متسلم الورقة معتقداً أنها ورقة صحيحة ، فحولت إليه مثلا ، جاز له أن يتمسك بحجية الورقة فى حق من وقع على بياض(284) ، ويرجع الموقع ، على من أساء استعمال توقيعه(285) .
ولكن إذا كان التوقيع على بياض ذاته قد تم الحصول عليه من غير علم صاحب التوقيع ، ولم يقصد الموقع أن يسلم توقيعه على بياض إلى من أساء استعمال هذا التوقيع ، بل حصل عليه هذا خلسة ، كان التوقيع نفسه غير صحيح ، وكانت الورقة باطلة ، وعوقب من أساء استعمال التوقيع بعقوبة التزوير ( م340 عقوبات ) (286) . ولصاحب التوقيع أن يثبت هذا الإختلاس بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن ، لأنه إنما يثبت غشاً . فاذا ما أثبت ذلك فان الورقة تسقط حجيتها فى حقه بعدأن انكشف بطلانها على ما قدمنا . بل إن الغير حسن النية الذى تعامل مع المختلس على أساس أن الورقة صحيحة لا يستطيع أن يتمسك بحجية الورقة فى حق صاحب التوقيع ، ذلك أن صاحب التوقيع لم يسلم توقيعه على بياض للمختلس ، كما فعل ف الحالة السابقة ، بل اختلس منه التوقيع اختلاساً ، فلا يمكن أن ينسب إليه أى إهمال(287) .
108 ـ شرطـان آخـران لصحـة الورقـة العرفيـة فـى التقنيـن المدنى الفرنسى : ويشترط التقنيـن المدنـى الفرنسـى لصحـة الورقـة العرفية ، فـوق التوقيـع،



$182 شرطين آخرين لم يشترطهما التقنين المدنى المصرى(288) .
أما الشرط الأول فقد نصت عليه المادة 1325 من التقنين المدنى الفرنسى(289) ، إذ تقضى بأن الأوراق العرفية التى تثبت عقوداً ملزمة للجانبين لا تكون صحيحة إلا إذا تعددت نسخها(290) بقدر تعدد أطراق العقد ذوى المصالح المستقلة(291) ، ويجب أن يذكر فى كل نسخة عدد النسخ التى حررت من هذا السند . فاذا كان العقد بيعاً مثلا ، وكان كل من البائع والمشترى شخصاً واحداً ، فانه يجب أن يكتب من عقد البيع نسختان ، إحداهما للبائع والخرى للمشترى ، فاذا تعدد النسخ التى تعطى للبائعين أو تعطى للمشترين بقدر تعددهم ، حتى يحتفظ كل متعاقد بنسخة لنفسه(292) .
$183 ثم إن لا يكفى تعدد النسخ ، بل يجب أيضاً ، كما قدمنا ، أن يذكر فى كل نسخة عدد النسخ التى حررت ، وذكر هذا العدد موقعاً عليه من الخصم هو الذى يثبت تعدد النسخ وفقاً لما يتطلبه القانون حتى فى حالة امتناع هذا الخصم عن تقديم النسخة التى احتفظ بها . فاذا لم تتعدد النسخ ، أو لم يذكر عددها فى كل نسخة ، كانت الورقة العرفية باطلة كدليل للإثبات(293) . ولا يوجد نص فى التقنين المدنى المصرى كما قدمنا ـ لا فى القديم ولا فى الجديد ـ يقابل نص المادة 1325 من التقنين المدنى الفرنسى المتقدمة الذكر . فلا يشترط إذن فى القانون المصرى تعدد النسخ فى العقود الملزمة للجانبين ، وإذا كتبت نسخة واحدة كانت دليلا كتابياً كاملا يجوز لكل من المتعاقدين أن يتمسك به(294) . ولكن الضرورة العملية تقضى فى أكثر الأحيان أن تكتب نسخ بقدر عدد المتعاقدين ذوى المصالح المتعارضة ، حتى يحتفظ كل متعاقد بنسخة لنفسه دليلا على حقه(295) .
وأما الشرط الثانى فقد نصت عليه المادة 1326 من التقنين المدنى الفرنسى ، إذ تقضى بأن الأوراق العرفية التى تثبت عقوداً ملزمة لجانب واحد يجب إما أن $184 تكتب كلها بخط المدين ، أو فى القليل أن يكتب المدين بخطه قيمة الالتزام ـ حروفاً لا أرقاماً ـ مسبوقة بعبارة يعتمد بها المدين التزامه ، وتكون عادة إحدى هاتين العبارتين : Bom pour أو approuve pour ، ثم يوقع المدين بإمضائه هذه العبارة ، وهذا التوقيع ينسحب على الاعتماد وعلى مشتملات الورقة فى وقت واحد(296) . والعقود الملزمة لجانب واحد التى تخضع لهذا الشرط هى العقود التى يكون محل الالتزام فيها مبلغاً من النقود أو جملة من الأشياء المثلية التى تعد أو تقاس أو توزن أو تكال ، حتى يستطاع تقدير محل الالتزام برقم هو الذى يكتبه المدين بخطه حروفاً(297) . ولا مقابل لهذا النص أيضاً فى التقنين المصرى ، لا القديم ولا الجديد ، فلا يكون هذا الشرط لازماً لصحة الورقة العرفية فى مصر .
وتقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ، دون سائر التقنينات العربية ، يشترط فى الورقة العرفية هذين الشرطين اللذين يشترطهما التقنين الفرنسى ( أنظر المادتين 146 و147 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ) .
المبحث الثانى
حجية الورقة العرفية فى الإثبات

109 ـ مسائل ثلاث : تجرى هنا ـ فى حجية الورقة العرفية ـ $185 على ما جرينا عليه هناك فى حجية الورقة الرسمية . فنتكلم فى حجية الورقة العرفية فى الإثبات فيما بين الطرفين ، ثم فى حجيتها فى الإثبات بالنسبة غلى الغير ، ثم فى حيجة صور الورقة العرفية فى الإثبات .
ولا محل للكلام فى افتراض عرفية الورقة كما تكلمنا فى افتراض رسميتها . ذلك أن الرسمية لها أوضاع وإجراءات إذا اختلت بطلت الورقة ، فكان من ذلك أنه متى كانت مظاهرها الخارجية تنبئ بأنها ورقة رسمية اعتبرت كذلك ، وافترض أن هذه الأوضاع والإجراءات قد روعيت حتى يثبت ذو المصلحة أنها لم تراع . أما الورقة العرفية فلا يشترط لصحتها مراعاة أوضاع وإجراءات معينة ، فلا محل إذن لافتراض أن هذه الأوضاع والإجراءات قد روعيت(298) .

المطلب الأول
حجية الورقة العرفية فيما بين الطرفين
110 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 394 من التقنين المدنى على ما يأتى :
(( تعتبر الورقة العرفية صادرة ممن وقعها ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة . أما الوارث أو الخلف فلا يطلب منه الإنكار ، ويكفى أن يحلف يميناً بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هى لمن تلقى عنه الحق)) (299) .
$186 ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى القديم المادة 227/ 292(300) ـ ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادتين 9 و10 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 455 ، وفى تقنين أصول المحاكمت المدنية اللبنانى المواد 149 ـ 151 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 381(301) ـ
$187 ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المواد 1322 ـ 1324(302) .
ويتبين من هذه النصوص : ( أولا ) أن الورقة العرفية حجة على الناس كافة ، فيما بين الطرفين وبالنسبة إلى الغير . وسنبحث حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى $188 الغير فيما يلى . ( ثانياً ) فيما بين الطرفين ، تكون للورقة العرفية ، من حيث صدورها ممن وقع عليها ، حجية قائمة إلى أن ينكرها صاحب التوقيع . ومن حيث صحة ما ورد بها من الوقائع فى ذاتها ، تكون للورقة العرفية حجية قائمة إلى أن يثبت العكس . وهذه هى قوة الورقة العرفية فى الإثبات فيما بين الطرفين . ونتناول الآن هذه المسألة بشقيها .
111 ـ حجية الورقة العرفية من حيث صدورها ممن وقع عليها : إذا احتج ذو شأن بورقة عرفية على من تحمل توقيعه ، فان صاحب التوقيع إما أن يعترف بأن التوقيع له وأن الورقة صادرة منه ، وإما أن ينكر أن الورقة كلها أو بعضها صادرة منه ، وإما إن يخرج بالسكوت عن الاعتراف أو الإنكار . ومقتضى نصى المادة 394 السابقة الذكر أن السكوت هو بمثابة الاعتراف . وإذا أراد صاحب التوقيع أن ينفى صدور الورقة منه ، فعليه أن ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أ بصمة .
فإذا اعترف صاحب التوقيع بصدور الورقة منه ، أو سكت ولم ينكر صراحة صدورها(303)، اعتبرت الورقة صادرة منه ، واعتبر التوقيع توقيعه والخط المنسوب إليه خطه ، وتصبح الورقة العرفية ، من حيث صدورها ممن وقع عليها ، فى قوة $189 الورقة الرسمية . ولا يجوز لصاحب التوقيع أن يعود بعد ذلك إلى الإنكار ، إلا أن يطعن بالتزوير(304) .
أما إذا أنكر صراحة توقيعه أوخطه ، فأنكر بذلك أن الورقة كلها أو بعضها صادرة منه ، فعلى المحتج بالورقة عبء إثبات صدورها من صاحب التوقيع ، وذلك بأن يطلب إحالة الورقة على التحقيق(305) . وفقاً لإجراءات رسمها تقنين المرافعات فى تحقيق التوقيع والخطوط .
$190 والإنكار إنما يرد على الأوراق العرفية ، أما ادعاء التزوير فيرد على جميع الأوراق الرسمية والعرفية (م 261 مرافعات) . ومعنى ذلك أن الورقة العرفية تحتمل الطعن بالتزوير والإنكار . فلصاحب التوقيع أن يكون هو المهاجم ، فيطعن فى الورقة العرفية بالتزوير ، ويقع عليه عندئذ عبء الإثبات . وله كما بينا ، أن يقتصر على إنكار الورقة ، فيلجأ المحتج بها إلى إجراءات تحقيق الخطوط ، ويقع عليه لاعلى صاحب التوقيع عبء الإثبات . أما إذا كانت الورقة رسمية ، ويقع عليه لا على صاحب التوقيع عبء الإثبات . أما إذا كانت الورقة رسمية ، فلا يستطيع صاحب التوقيع إنكار صدروها منه إلا إذا طعن فى الورقة بالتزوير كما قدمنا(306) . والذى يبرر هذا الفرق في الحكم بين الورقة الرسمية والورقة العرفية أن الورقة الرسمية تحمل توقيع الموظف العام الذى وثقها ، وفى هذا الموظف من الضمانات وعليه من المسئولية ما يسمح بافتراض صحة صدور الورقة الرسمية من صاحب التوقيع . فاذا أراد هذا أن ينكر صدور الورقة منه ، فعليه هو عبء الإثبات ولا سبيل له إلا الطعن بالتزوير . أما الورقة العرفية فلا يتوافر فيها هذه الضمانات ، بل هى ورقة تحمل توقيعاً يقول المتمسك بها أنه توقيع خصمه ، فاذا أنكر هذا الخصم $191 لم يكن عليه هو أن يحمل عبء الإثبات ، بل المتمسك بالورقة هو الذى يحمل هذا العبء فيثبت أن الورقة صادة حقاً صادرة حقاً من صاحب التوقيع عن طريق إجراءات تحقيق الخطوط(307) . وإذا أنكر صاحب التوقيع صدور الورقة العرفية منه ، ثم أثبت التحقيق $192 أنه هو الذى وقعها ، صارت هذه الورقة العرفية ، كالورقة التى اعترف بها أو سكت عن إنكارها ، فى قوة الورقة الرسمية . وفى جميع الأحوال ، سواء $193 اعترف بالورقة أو سكت عن إنكارها أو أنكرها وأثبت التحقيق صدورها منه ، يجوز له أن يطعن فى هذه الورقة العرفية بالتزوير ، كما
يجوز له ذلك فى الورقة $194 الرسمية ، ويحمل هو عبء إثبات تزويرها(308) .
112 ـ حجية الورقة العرفية من حيث صحة الوقائع التى وردت بها : ويجب التمييز بين صدور البيانات المدونة فى الورقة العرفية ممن وقعها (realite materielle) ـ وهذه كما رأينا تقوم عليها قرينة مؤقتة تسقط بمجرد إنكار الورقة دون حاجة إلى الطعن بالتزوير ـ وبين صحة هذه البيانات فى ذاتها (sincerite morale) ، وهل هى وقائع جدية أو هى صورية . فاذا كانت الورقة العرفية تثبت مثلا أن بيعا صدر من شخص إلى آخر وأن المشترى قبض الثمـن ، افترض أن هذه الوقائـع جميعهـا جديـة غير صورية ، وكان ذكرها فى الورقة $195 العرفية قرينة على أنها صحيحة . ولكنها قرينة يجوز دحضها باثبات العكس(309) . فلصاحب التوقيع أن يثبت فى مواجهة الطرف الآخر أن البيع صورى أو أن الثمن لم يقبض . ولا يقتصر صاحب التوقيع هنا على الإنكار ـ كما فعل عندما أنكر صدور الورقة منه ـ بل يقع عليه عبء إثبات العكس طبقاً للقواعد العامة . ومن هذه القواعد أنه لا يجوز ، بالنسبة إلى الطرف الآخر ، إثبات ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة .
ويدخل فى صحة الوقائع صحة تاريخ الورقة العرفية . فالتاريخ الذى تحمله هذه الورقة تفترض صحته ، حتى يثبت صاحب التوقيع أنه غير صحيح وأن حقيقته كذا ، ولا يثبت هنا أيضاً ما يخالف المكتوب إلا بالكتابة(310) .
كذلك قيام التصرف القانونى فى ذاته ، من صحة ونفاذ وغير ذلك ، كل هذا ينفتح باب الطعن فيه أمام صاحب التوقيع ، ولا يمنعه اعترافه بصدور الورقة منه من أن يطعن فى التصرف القانونى ـ لا فى الورقة ـ بالغلط أو بالتدليس أو بالإكراه أو بعدم مشروعية السبب أو بأى موضوعى أو شكلى آخر .

$196 المطلب الثانى
حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير
113 ـ تعريف مبدئى للغير : الغير هنا ـ كالغير فى حجية الورقة الرسمية ـ هو كل شخص يجوز أن يسرى فى حقه التصرف القانونى الذى تثبته الورقة ، ومن ثم يصح أن يحتج عليه بهذه الورقة كدليل على التصرف الذى يراد أن يسرى فى حقه . وهو بوجه عام الخلف العام والخلف الخاص والدائن .
وسنرى أن (( الغير )) تضيق دائرته فى حجية تاريخ الورقة العرفية(311) .
ونستعـرض حجيـة الورقـة العرفيـة بالنسبـة إلى الغـير ـ كمـا استعرضناها فيما بين الطرفيـن ـ ( ا ) من حيث صحـة صدورهـا من صاحب التوقيـع . ( ب ) ومـن



$197 حيث صحة الوقائع التى وردت بالورقة . ونضيف مسألة ثالثة لها هنا أهميـة خاصـة : ( جـ ) ومن حيث صحة التاريخ الذى تحمله الورقة .

114 ـ ( ا ) حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير من حيث صدورها ممن قوع عليها : هى نفس الحيجة فيما بين الطرفين على النحو الذى قدمناه . فتعتبر الورقة العرفية ، بالنسبة إلى الخلف العام ( الوارث والموصى له بجزء من التركة ) والخلف الخاص والدائن ، صادرة من صاحب التوقيع إلى أن ينكر ـ صاحب التوقيع لا الغير ـ صدروها منه دون حاجة إلى أن يطعن فيها بالتزوير(312) . أما إذا اعترف بالورقة أو سكت ، فقد أصبحت الورقة حجية عليه وعلى الغير معاً ، وإذ أراد هو ، أو أراد الغير ، إنكارها بعد ذلك فلا سبيل إلا الطعن بالتزوير(313) .
وإذا احتج بالورقة العرفية بعد موت صاحب التوقيع على الوراث أو الموصى له أو الخلف الخاص أو الدائن ، فان هؤلاء لا يطلب منهم إنكار صريح ، كما كان يطلب من صاحب التوقيع ، لإسقاط حجية الورقة العرفية ، بل يتكفى من أى منهم ، حتى لا تكون الورقة حجة عليه إلا بعد التحقيق ، أن يحلف يميناً بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هى لمن تلقى عنه الحق .

$198 وهذا بعد كل ما يستطيع أن يؤكده ، فلا يطلب منه أكثر من ذلك(314) .
115 ـ ( ب ) حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير من حيث صحة الوقائع التى وردت بها : وهنا الحجية أيضاً هى نفس الحجية فيما بين الطرفين على النحو الذى قدمناه . فللوارث مثلا أن يثبت صورية الورقائع الورادة فى الورقة العرفية وفقاً للقواعد المقررة فى للإثبات. وكذلك يفعل الخلف الخاص والدائن ، ويلاحظ هنا أن كلا من هذين يعتبر من الغير فى الصورية ، فله أن يثبتها بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن(315) .
ولهؤلاء جميعاً أن يدفعوا التصرف القانونى الذى تثبته الورقة العرفية بجميع الدفوع الموضوعية والشكلية التى كانت لصاحب التوقيع . فلهم أن يطلبوا إبطال $199 التصرف لنقص الأهلية أو للغلط أو التدليس أو الاكراه أو الاستغلال ، ولهم أن يدفعوا ببطلان التصرف لعدم مشروعية المحل أو السبب أو لعدم استيفاء الشكل ، ولهم أن يتمسكوا بانقضاء الالتزام بالوفاء أو بغيره من أسباب الانقضاء ، إلى غير ذلك من الدفوع .
أما صحة التاريخ الذى تحمله الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير فله شأن آخر ، وهو م ننتقل الآن إليه .
116 ـ ( جـ ) حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير من حيث صحة التاريخ الذى تحمله الورقة : هذه هى أهم مسألة فى حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير . فالورقة العرفية تحمل تاريخاً معيناً ، يفترض فيما بين الطرفين أنه هو التاريخ الصحيح حتى يثبت العكس . فهل للتاريخ هذه الحجية بالنسبة إلى الغير ؟
ظاهر أن هذا لا يمكن التسليم به . فقد يكون الطرفان متواطئين فى تقديم التاريخ أو فى تأخيره لتحقيق غرض معين . يتواطآن فى تقديم التاريخ حتى يتفاديا مثلا الطعن بالدعوى البولصية من دائن تاريخ سنده متقدم على البيع الذى تشهد به الورقة العرفية فيقدمان تاريخ الورقة حتى يكون البيع أسبق من سند الدائن فلا يستطيع هذا أن يطعن فى البيع بالدعوى البوليصية . أويقدمان تاريخ البيع حتى لا تطعن الورثة بأنه وقع فى مرض الموت . وقد يتواطآن فى تأخير التاريخ حتى يتفاديات الطعن فى التصرف بنقص الأهلية ، فيؤخرا تاريخ الورقة ليخفيا أن أحد المتعاقدين كان قاصراً وقت التعاقد(316) .
فالمعقول إذن ألا يكون تاريخ الورقة العرفية حجة على الغير إلا إذا كان ثابتاً على وجه قاطع ، وعلى هذا جرى نص القانون . وحتى نتناول هذه المسألة بالبحث نستعرض أولا نص القانونن ، ثم نحدد ثانياً من هو المقصود بالغير ، ثم نبين ثالثاً ما هى الأوراق العرفية التى تخضع لتطبيق القاعدة ، ثم نتكلم أخيراً فى الطرق التى يصبح بها التاريخ ثابتاً فى هذه الأوراق.


$200 117 ـ ( أولا ) النصوص القانونية : تنص المادة 395 من التقنين المدنى على ما يأتى :
(( 1 ـ لا تكون الورقة العرفية حجة على الغير فى تاريخها إلا منذ أن يكون لها تاريخ ثابت . ويكون تاريخ الورقة ثابتاً : ( ا ) من يوم أن تقيد بالسجل المعد لذلك ( ب ) من يوم أن يثبت مضمونها فى ورقة أخرى ثابتة التاريخ ( جـ ) من يوم أن يؤشر عليها موظف عـام مختص ( د ) من يوم وفاة أحد ممن لهم على الورقة أثر معترف به من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة ، أو من يوم أن يصبح مستحيلا على أحد من هؤلاء أن يكتب أو يبصم لعلة فى جسمه ، وبوجه عام من يوم وقوع أى حادث آخر يكون قاطعاً فى أن الورقة قد صدرت قبل وقوعه )) .
(( 2 ـ ومع ذلك يجوز للقاضى تبعاً للظروف ألا يطبق حكم هذه المادة على الخالصات)) (317) .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى القديم المادتين 228 ـ 229/293 ـ 294(318)
$201 ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 11 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 456 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادة 152 ، وفى التقنين المدنى للمملكة المتحدة الليبية الادة 382(319)
ـ ويقابل $202 فى التقنين المدنى الفرنسى 1328(320) .
118 ـ ( ثانياً ) من هو المقصود (( بالغير )) فى تاريخ الورقة العرفية : ليس (( الغير )) بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية هو نفس (( الغير )) بالنسبة إلى حجية البيانات الأخرى الواردة فى هذه الورقة . فقد رأينا أن الغير فى الحالة الثانية هو بوجه عام الخلف العام والخلف الخاص والدائن ، أى كل شخص يجوز ان يحتج عليه بها . أما الغير بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية فهو أخص من ذلك . ويجب أن نستمد تحديد منطقته من الوضع الذى هو فيه .
ويحسن قبل أن نحدد هذا (( الغير )) أن نحدد أولا من لا يعتبر (( غيراً )) ، ثم ننتقل بعد ذلك إلى تحديد (( الغير )) .
119 ـ من لا يعتبر (( غيراً )) بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية : لا يعتبر (( غيراً )) ، فيحتج عليه بتاريخ الورقة العرفية وذلك إلى أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ ، كل من كان ممثلا فى التصرف الذى تشهد به الورقة . ومن ثم لا يعتبر (( غيراً )) :
(1 ) الطرفان فى الورقة العرفية ، فهذان يكون التاريخ العرفى للورقة حجة عليهما . فاذا كان أحدهما قاصراً أو محجوراً عليه ، واتفق الطرفان على تأخير التاريخ حتى لا ينكشف أن التصرف قد صدر وقت القصر ، أو على تقديمه حتى لا ينكشف أن التصرف قد صدر وقت القصر، أو على تقديمه حتى لا ينكشف أن التصرف قد صدر وقت الحجر ، كان التاريـخ المؤخر أو المقدم حجة عليهما ، إلا أن يثبت ذو المصلحة منهما أن التاريخ غير صحيح . ولما كان $203 تأخير التاريخ أو تقديمه قد وقع هنا تهرباً من أحكام القانون ، فانه يجوز إثبات ذلك بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن(321) .
(2) الأصيل إذا كان أحد أطراف الورقة العرفية هو نائبه ، سواء كانت النيابة اتفاقية كالوكيل أو قضائية كالحارس القضائى أو قانونية كالولى والوصى والقيم . فتاريخ الورقة العرفية التى يوقعها النائب يكون حجة على الأصيل ولو لم يكن تاريخاً ثابتاً ، إلا إذا أثبت الأصيل عدم صحة التاريخ وأنه قدم مثلا حتى لا ينكشف أن التصرف صدر فى وقت كانت النيابة فيه قد انقضت ، وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن بسبب ما انطوى عليه تقديم التاريخ من الغش . وهو لا يعتبر (( غيراً )) لأنه كان ممثلا فى التصرف الذى أبرمه النائب لحسابه ، فيكون التاريخ العرفى لهذا التصرف حجة عليه إلى أن ثبت أنه غير صحيح(322) .
(3) الوراث وكل خلف عام كالموصى له بحصة من التركة . ذلك أن الخلف العام يعتبر مثلا فى جميع العقود التى يبرمها السلف ، فتسرى فى حقه هذه التصرفات أياً كان تاريخها إلى يوم موت المورث . وما دام أنه كان ممثلا فى التصرف ، فلا يعتبر (( غيراً )) بالنسبة إلى تاريخه . فالبيع المدون فى ورقة عرفية الصادر من المورث يكون حجة فى تاريخه العرفى على الوراث كما هو حجة على المورث ، ومن ثم لا تعتبر العين المبيعة جزءاً من التركة يمتد إليها حق الوراث(323) . وإذا باع شخص داراً بورقة عرفية غير ثابتة التاريخ ، وكان هذا التاريخ يكون حجة على السفيه وعلى ورثته جميعاً ، ولا يستطيع أحد منهم أن ينقضى هذه الحجية إلا إذا أثبت أن التاريخ قد قدم عمداً حتى يصور البيع واقعاً فى وقت لم يكن فيه البائع محجوراً عليه ، وأن التاريخ الحقيقى كان بعد تسجيل قرار الحجر ( م 114 ـ 115 مدنى ) . ولما كان تقديم التاريخ فى هذه الحالة يعتبر غشاً ، فيجوز للوارث إثبات عدم صحته بجميع الطرق(324) .
$205 والوارث لا يعتبر (( غيراً )) بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية كما قدمنا ، يستوى فى ذلك أن يدفع البيع الصادر من مورثه بمقولة إنه صدر بعد تسجيل قرار الحجر للسفه ، أو بمقولة أنه صدر من المورث وهو فى مرض الموت . فى الحالتين معاً يكون التاريخ غير الثابت حجة عليه . وفى الحالتين معا يستطيع أن يثبت عدم صحة التاريخ بجميع طرق الإثبات ، ما دام أن هذا التاريخ قد قدم غشاً لإخفاء أن البيع إنما صدر بعد تسجيل قرار الحجر أو صدر فى مرض الموت . ولا يعتد ـ فى صدد حجية التاريخ ـ بأن الوارث فى حالة الحجر إنما يهاجم البيع باعتباره خلفاً لمورثه فيستمد منه هذا الحق كما لو كان المورث هو الذى يهاجم البيع ، وهو فى حالة مرض الموت إنما يهاجم البيع بمقتضى حق له خاص (droit proper) استمده من القانون ضد المشترى والمورث جميعاً . لا يعتد بهذا الفرق ، قلنا ، فى صدد حجية التاريخ ، وإنما يعتد به فى صدد سريان البيع . فاذا أثبت الوارث أن البيع قد صدر بعد تسجيل قرار الحجر ، جاز له ، باسم مورثه ، أن يطلب إبطال البيع للسفه . أما إذا أثبت أن البيع قد صدر فى مرض الموت ، جاز له ، باسمه هو لا باسم مورثه ، أن يطلب عدم سريان البيع فى حقه فيما زاد على ثلث التركة . وهذا بخلاف حجية التاريخ ، فيستوى فيها أن يهاجم الوراث التصرف الصادر من مورثه المحجور بمقتضى حق استمده منه وخلفه عليه ، أو يهاجم التصرف الصادر من مورثه وهو فى مرض الموت بمقتضى حق شخصى استمده من القانون . ففى الحالتين توافرت له المصلحة فى مهاجمة التصرف . وإذا كانت هذه المصلحة قد استمدها من مورثه فى الحالة الأولى ومن شخصه فى الحالة الثانية ، فان هذا لا يمنع من أنه ليس (( غيراً )) فى الحالتين ، فيحتج عليه فيهما معاً بالتاريخ العرفى للتصرف الصادر من مورثه $206 إلى أن يثبت أن هذا التاريخ غير صحيح(325) .
والذى أوقع اللبس فى هذه المسألة هو الخلط ما بين (( الغيرية )) فى سريان التصرف (( والغيرية )) فى ثبوت التاريخ . فالوارث ، فى تصرفات مورثه الصادرة فى مرض الموت ، يعتبر (( غيرا )) من ناحية سريان هذه التصرفات فى حقه ، فهى لا تسرى عليه فيما يجاوز ثلث التركة . ولا يعتبر (( غيراً )) من ناحية ثبوت التاريخ ، $207 فيحتج عليه بالتاريخ العرفى للتصرف الصادر من مورثه إلى أن يثبت أن هذا التاريخ غير صحيح(326) .
أما القضاء المصرى فى هذه المسألة فهو متردد مضطرب . بدأ يأخذ بالرأى الصحيح . ثم رجع عنه إلى الرأى الخاطئ . ثم وقف بين الرأيين : فهو من الناحية العملية على هدى من أمره إذ يجعل تاريخ التصرف الصادر فى مرض الموت حجة على المورث إلى أن يثبت عدم صحته ، وهو من الناحية الفقهية يبدو أنه خلط ـ ولا يزال يخلط ـ بين (( الغيرية )) فى سريـان التصرف و (( الغيرية )) فى ثبوت التاريخ(327) .
$208 وتأثر التقنين المصرى الجديد بهذا القضاء فى مرحلته الأخيرة . فنصت الفقرة الثانية من المادة 916 على ما يأتى : (( وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجميع $209 الطرق . ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً )) . فالأصل أن الوارث يحتج عليه بتاريخ التصرف الصادر من مورثه ، ولو لم $210 يكن هذا التاريخ ثابتاً . ولكن إذا ادعى أن التصرف قد صدر من مورثه وهو فى مرض الموت ، كانت له مصلحة فى إثبات عدم صحة التاريخ وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن ، لما ينطوى عليه تقديم تاريـخ التصـرف $211 من غش أريد به الإخلال بحقه الشخصى فى الميراث . إلى هنا ونص التقنين الجديد مستقيم . لكن تأتى بعد ذلك العبارة الأخيرة :( ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً )) (328) . وهى عبارة غير صحيحة على إطلاقها . إن أريد بها ـ كما هو ظاهر العبارة ـ إن التاريخ العرفى للتصرف الصادر من المورث لا يحتج به على الورثة ، فهذا غير صحيح , وقد رأينا أن هذا التاريخ حجة على الوارث إلى أن يثبت عدم صحته . وإن أريد بها ـ كما هو التأويل المستخلص من سياق النص ـ أن التاريخ العرفى لا يحتج به على الوارث إلى الحد الذى يمنعه من إثبات العكس بل يجوز له ما دام التاريخ غير ثابت أن $212 يقيم الدليل على عدم صحته ، فهذا صحيح ، ولكن فيم الحاجة إلى إيراد هذا


$ 213 $
ونرى من ذلك أن الدائن العادي هد يعنيه التاريخ الذي صدر فيه تصرف مدينه ، ولكن لا ليكون " غيراً " ما دام المدين قد مثله في هذا التصرف ، بل لأن له مصلحة تخول له ، مع بقاء التاريخ العرفي حجة عليه ، أن يثبت عدم صحته . ويتحقق ذلك في دعويين : الدعوى غير المباشرة والدعوى البولصية .
أما في الدعوى غير المباشرة فالدائن يطال بحق لمدينه المعسر ، تعمد هذا المدين عدم المطالبة به إضراراً بدائنه ، أو في القليل أهمل في المطالبة غير مبال بما يترتب على هذا الإهمال من مساس بالضمان العام الذي لدائنه على أمواله . هنا يتقدم الدائن ، نائباً عن المدين والنيابة أضفيت عليه بحك القانون ، لمطالبة مدين مدينه بهذا الحق . فهو يعمل بمقتضى ماله من ضمان عام على أموال مدينه ، ولا يزال باقياً في هذه المرحلة التمهيدية لم يجتزها إلى مرحلة التنفيض ، ومن ثم لا يكون الدائن في هذه الحالة " غيراً " إلى تاريخ الأوراق العرفية الصادرة من مدينه إلى مدين المدين . فإذا تقدم مدين المدين ، في الدعوى غير المباشرة ، بورقة عرفية صادرة من المدين تفيد إبراءه من الدين مثلا ، كان التاريخ العرفي لهذه الورقة حجة على الدائن كما هو حجة على المدين . فالدائن ليس " عيراً " بالنسبة إلى تاريخ هذه الورقة ، ولا يشترط أن يكون هذا التاريخ ثابتاً ليكون حجة عليه ، وذلك لسببين : أولهما أن الدائن إنما يعمل نائبا عن المدين فما يحتج به على المدين يحتج به على الدائن . والسبب الثاني أن الدائن في الدعوى غير المباشرة لم يفعل غير أن يحافظ على ضمانه العام ، فهو لم ينتقل كما قدمنا إلى مرحلة التنفيذ كما هو شأن الدائن الحاجز الذي انتقل بالحجز إلى هذه المرحلة ، فإذا سلم أن الدائن الحاجز يصبح بالحجز " غيراً " كما سنرى ، فإن ذلك لا يستتبع أن يكون الدائن الذي يباشر الدعوى غير المباشرة من " الغير " ( 329 ) . على أنه يلاحظ أن الدائن إذا لم يكن $ 214 $ " غيراً " في الدعوى غير المباشرة ، وأنه يحتج عليه بالتاريخ العرفي للورقة المثبتة للأبراء الصادرة من مدينه ، إلا أنه يستطيع – كما يستطيع المدين – أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ وأنه قدم حتى يقع الإبراء في وقت سابق على رفع الدعوى غير المباشرة . وله في هذه الحالة أن يثبت تقديم التاريخ بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن لما انطوى عليه من الغش . وعمد ذلك يستطيع أن يطعن في الإبراء بالدعوى البولصية ليجعله غير سار في حقه
$ 215 $
 . وننتقل الآن إلى الدعوى البولصية . وفيها أيضاً لا يعتبر الدائن من " الغير " . فهو ، وإن لم يكن يعمل في هذه الدعوى – كما كان يعمل في الدعوى غير المباشرة – كنائب عن المدين ، بل يعمل باسمه الشخصي ، إلا أنه لا يزال دائناً عادياً لم ينتقل بعد إلى مرحلة التنفيذ . صحيح هو يعمل بمقتضى حق خاص أعطاه له القانون ، ولكن شأنه في ذلك هو شأن الوارث الذي طعن في تصرفات مورثه الصادرة في مرض الموت ، كلاهما يعمل بمقتضى حق خاص به وهذا الحق الخاص هو الذي تقوم عليه مصلحته في الطعن . ولا يزال الدائن الذي يباشر الدعوى البولصية واقفاً عند مرحلة التمهيد للتنفيذ ، شأنه في ذلك شأن الدائن الذي يباشر الدعوى غير المباشرة ، كلاهما يعمل بمقتضى حق الضمان العام ، وكلاهما دون مرتبه الدائن لحاجز الذي انتقل بالحجز إلى مرحلة التنفيذ . وفي المثال المتقدم إذا أبرأ المدين مدينه من الدين بورقة عرفية تاريخها غير ثابت ، كان هذا التاريخ حجة على الدائن ، لا عند مباشرته الدعوى غير المباشرة فحسب ، بل أيضاً عند مباشرته للدعوى البولصية . ويستطيع الدائن هنا أيضاً أن يثبت عدم صحة التاريخ ، بجمع الطرق ، ليصل إلى إثبات أن تاريخ الإبراء متأخر – لا عن تاريخ مباشرته للدعوى غير المباشرة كما كان يفعل عندما كان يباشر هذه الدعوى – بل عن تاريخ نشوء حقه وهو الآن يباشر الدعوى البولصية .ونرى من ذلك أن الدائن في الدعوى البولصية ليس " غيراً " ، فيحتج عليه بالتاريخ العرفي لتصرف مدينه ، إلى أن يثبت عدم صحته ( 330 ) . ونطبق هذا الحكم على مثل آخر : $ 216 $ يبيع المدين بورقة عرفية سيارة يملكها ، فيطعن الدائن في هذا التصرف بالدعوى البولصية . فلا الدائن يعتبر " غيراً " بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ، ولا المشترى يعتبر " غيراً " بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية فلما قدمناه . وينبني على ذلك أن هذا التاريخ يكون حجة عليه ولو لم يكن ثابتاً ، وذلك إلى أن يقيم الدليل على أنه قد قدم غشاً ليكون سابقا علي حقه تفادياً للدعوى
البولصية . وأما أن المشترى لا يعتبر " غيرا " بالنسبة إلى تاريخ نشوء حق الدائن ، فذلك لأن المشترى قد تركز حقه في السيارة التي اشتراها ولم يتركز حق الدائن في هذه السيارة بالذات ، إذ هي لا تعدو $ 217 $ أن تكون داخلة في ضمانه العام وليس له عليها حتى الآن حق الدائن الحاجز . فليس ثمة تعارض بين حق الدائن وحق المشترى الذي تركز في السيارة بعينها ، وهذا التعارض شرط في " الغير كما سنرى . وينبني على أن المشترى لا يعتبر " غيراً " بالنسبة إلى تاريخ نشوء حق الدائن أن هذا التاريخ يكون ، هو أيضاً ، حجة عليه ولو لم يكن ثابتاً ، وذلك إلى أن يقيم الدليل على أنه قد قدم غشاً ليكون سابقاً على تاريخ بيع السيارة تمكينا للدائن من مباشرة الدعوى البولصية ( 331 ) .
$ 218 $
120 – من يعتبر " غيراً " بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية :
بعد أن استعرضنا من لا يعتبر " غيراً " بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ، ننتقل الآن إلى من يعتبر " غيراً . ونبادر إلى القول إن " الغير " ، الذي يتطلب القانون أن يكون تاريخ الورقة العرفية ثابتاً ليكون حجة عليه ، يجب ألا يكون ممثلا في التصرف الذي تشهد به الورقة . وقد رأينا أن الأصيل والوارث والدائن العادي : كلهم ممثلون في التصرف فلا يعتبرون من " الغير "
ولم يبق الآن إلا الخلف الخاص ، وهو من انتقل إليه من السلف مال معين بالذات . ويسرى في حقه ، كما رأينا في الجزء الأول من هذا الوسيط ( 332 ) ، تصرفات السلف المتعلقة بهذا المال إذا كانت سابقة على انتقال المال إلى الخلف ، ولا تسري إذا كانت لاحقة . فتاريخ التصرف إذن له أهمية بالغة ، بل هو المحور الذي يدور عليه سريان التصرف في حق الخلف أو عدم سريانه . ولما كان من اليسير على السلف أن يضيع على الخلف حقه ، بأن يعطي لغيره حقاً يتعارض مع هذا الحق ، وحتى يجعل تصرفه سارياً على الخلف يؤخر تاريخ التصرف بحيث يصبح سابقاً على تاريخ انتقال المال للخلف ، لذلك اشترط القانون ، تفادياً لهذا الغش الذي يعظم صرره بقد ما يسهل وقوعه وبقدر ما يصعب تجنبه ، أن يكون تاريخ التصرف ثابتاً حتى يحتج به على الخلف .
فالغير إذن في تاريخ الورقة العرفية هو الخلف الخاص . والخلف الخاص هو الذي يتلاءم وضعه مع " الغيرية " فيما نحن بصدده : شخص يخلف آخر في مال معين بالذات ، وتكون تصرفات السلف نافذة في حقه على هذا المال قبل تاريخ معين ، فلا يكون تاريخ هذه التصرفات حجة عليه إلا إذا كان ثابتاً وسابقاً على هذا التاريخ .
ويلحق بالخلف الخاص ، في هذه " الغيرية " ، الدائن إذا تركز حقه في مال للمدين معين بالذات . فيصبح " غيراً " بالنسبة إلى تاريخ التصرفات التي تصدر من المدين في هذا المال . ولا يتركز حق الدائن في مال للمدين معين بالذات إلا إذا حجز الدائن على هذا المال . والحجز هو الحلقة الأولى في مرحلة التنفيذ . أما $ 219 $ قبل الحجز ، حتى لو باشر الدائن الدعوى غير المباشرة أو الدعوى البولصية ، فإنه لا يزال في مرحلة سابقة على مرحلة التنفيذ ، وإن كانت تمهد لها . ذلك أن الدائن في الدعوى غير المباشرة وفي الدعوى البولصية لم يتركز حقه بعد على مال للمدين معين بالذات ، بل هو لا يزال يستعمل حقه في الضمان العام على أموال مدينه ، فلا يعتبر من الغير كما قدمنا . فإذا انتقل إلى مرحلة التنفيذ بأن حجز على المال الذي باشر بالنسبة إليه الدعوى غير المباشرة أو الدعوى البولصية اعتبر من الغير . ووضعه ، كوضع الخلف الخاص ، يتلاءم مع هذه " الغيرية " . فهو مثله قد تركز حقه في مال معين بالذات هو المال الذي حجزه ويخشى من تلاعب المدين في هذا المال بالتصرف فيه وتقديم تاريخ التصرف ليصير سابقاً على الحجز ، فاشترط القانون ليسرى التصرف في حق الدائن الحاجز أن يكون ثابت التاريخ وسابقاً على تاريخ الحجز .
أما الدائن لمدين شهر إفلاسه أو إعساره فهذا لم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ ، ومن ثم لا يكون غيراً بالنسبة إلى تاريخ التصرفات التي تصدر من مدينه المفلس أو المعسر .
ونرى من ذلك أن الغير ، بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ، هو الخلف الخاص ، ويلحق به الدائن الحاجز ( 333 ) ، ولا تعتبر غيراً دائن المدين المفلس أو المعسر . فنتكلم في كل من هؤلاء .
$ 220 $
121 – الخلف الخاص يعتبر من الغير : نفرض أن صاحب سيارة باعها من آخر بعد ثابت التاريخ . فالمشتري يكون ، في هذه السيارة ، خلفاً $ 221 $ خاصاً للبائع . ولا يحتج عليه بأي تصرف آخر في السيارة يصدر من البائع إذا كان تاريخه غير ثابت . فلو أن بائع السيارة باعها مرة أخرى إلى مشتر ثان ، فإن المشتري الأول يكون من الغير بالنسبة إلى تاريخ هذا التصرف . ومن ثم فإن تاريخ البيع الثاني إذا كان عرفياً لا يحتج به بتاتاً على المشترى الأول ، ويفرض فرضاً غير قابل لإثبات العكس أن هذا البيع الثاني قد صدر بعد البيع الأول ، حتى لو كان تاريخه سابقاً على ذلك . وإذا كان تاريخ البيع الثاني ثابتاُ ، احتج به على المشتري الأول . فإن كان سابقاً على تاريخ عقده ، فضل المشترى الثاني ، و إلا فضل المشترى الأول ( 334 ) . فإذا لم يكن تاريخ البيع الأول ثابتاً ، وكان البيع الثاني تاريخه هو الثابت ، فضل المشترى الثاني لأنه هو الذي تعتبر " غيراً " بالنسبة إلى تاريخ البيع الأول ، ولا يكون هذا التاريخ حجة عليه لأنه تاريخ غير ثابت . فإذا لم يكن أي من البيعين تاريخ ثابت ، لم يعتبر أن من المشتريين " غيراً " فيحتج على كل منهما بالتاريخ العرفي الصادر للآخر ، ولكن يكون لكل منهما أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ ليدل بذلك على أنه هو صاحب التاريخ الأسبق . وغنى عن البيان إن كل هذا إنما يكون إذا لم يسلم البائع السيارة لأحد من المشتريين ، فإن تسلمها أحدهما ملكها ، إما بعقد البيع إذا كان هو السابق ، وإما بالحيازة في المنقول إذا كان هو اللاحق .
وقد أورد التقنين المدني جملة من التطبيقات التشريعية للخلف الخاص الذي يعتبر من الغير ، نذكر منها :
1 – نصت الفقرة الأولى من المادة 604 على أنه " إذا انتقلت ملكية العين المؤجرة اختياراً أو جبراً إلى شخص آخر ، فلا يكون الإيجار نافذاً في حق هذا الشخص إذا لم يكن له تاريخ ثابت سابق على التصرف الذي نقل الملكية " . فهنا انتقلت ملكية العين المؤجرة إلى خلف خاص ، فلا يحتج عليه بتاريخ الإيجار إلا إذا كان ثابتاً .
2 – نصت المادة 1117 على أنه " يشترط لنفاذ رهن المنقول في حق الغير ، $ 222 $ إلى جانب انتقال الحيازة ، أن يدون العقد في ورقى ثابتة التاريخ يبين فيها المبلغ المضمون بالرهن والعين المرهونة بياناً كافياً ، وهذا التاريخ الثابت يحدد مرتبة الدائن المرتهن " . فإذا ارتهن المنقول دائنان ، متعاقبان ، كان كل منهما " غيراً " بالنسبة إلى تاريخ الآخر ، فلا يحتج عليه إلا بالتاريخ الثابت ، ومن ثم كان التاريخ الثابت هو الذي يحدد مرتبة الدائن المرتهن .
3 – نصت المادة 305 في حوالة الحق على أنه " لا تكون الحوالة نافذة قبل المدين أو قبل الغير إلا إذا قلبها المدين أو أعلن بها ، على أن نفاذها قبل الغير بقبول المدين يستلزم أن يكون هذا القبول ثابت التاريخ " . فالمحال له خلف خاص في الحق الذي انتقل إليه من المحيل ، ولا يحتج عليه في حوالة أخرى صادرة من المحيل إلا بالتاريخ الثابت لهذه الحوالة . فإن تمت الحوالة الأخرى بإعلان إلى المدين فهذا الإعلان تاريخه ثابت لا محالة . وإن تمت بقبول المدين ، فالتاريخ الثابت لهذا القبول هو الذي يعتد به .
4 – نصت المادة 1123 على أنه " 1 – لا يكون رهن الدين نافذاً في حق المدين إلا بإعلان هذا الرهن إليه أو بقبوله له وفقاً للمادة 305 – 2 – ولا يكون نافذاً في حق الغير إلا بحيازة المرتهن لسند الدين المرهون ، وتحسب للرهن مرتبته من التاريخ الثابت للإعلان أنو القبول " . وليس رهن الدين إلا تطبيقا لحوالة الحق . فصاحب الحق يتصرف فيه بالحوالة بيعاً أو رهناً أو بأي تصرف آخر . وهنا أيضاً المحال له ، وهو الدائن المرتهن ، خلف خاص في الحق إلا بالتاريخ الثابت على النحو الذي قدمناه في حوالة الحق .
ويحسن ، قبل أن نترك " الخلف الخاص " ، أن نلاحظ أننا لم نجعله في الأمثلة التي قدمناها خلفاً خاصاً في عقار ، بل عيناه مشترياً أو مرتهناً لمنقول أو دين لأن العقار يستلزم إجراءات أخرى غير ثبوت التاريخ ، هي التسجيل أو القيد ، وسنرى أنه يشترط في التجرد " للغيرية " ألا يكون القانون قد تطلب إجراءات أخرى إلى جانب التاريخ الثابت ( 335 ) .
$ 223 $
133 – الدائن الحاجز يعتبر من الغير : قدمنا أن الدائن الحاجز ، في المال المحجوز ، يكون في وضع الخلف الخاص على هذا المال . وهو إن لم يكن كالخلف الخاص ذا حق عيني في المال المحجوز إذ لا يزال حقه شخصياً ، إلا أنه ركز حقه في هذا المال بالحجز ، وأصبح القانون يحميه من تصرفات مدينه التالية للحجز كما يحمي الخلف الخاص ( 336 ) . ومن ثم يصبح " غيراً " في تاريخ الورقة العرفية الصادرة من المدين لتشهد على تصرفه في المال المحجوز ، فلا يحتج عليه بهذا التاريخ إلا إذا كان ثابتاً ، ولا يحتج عليه بالتاريخ العرفي ، بل يفرض فرضاً غير قابل لإثبات العكس أن هذا التاريخ تال للحجز فلا ينفذ التصرف في حقه حتى لو كان التاريخ العرفي المدون في الورقة سابقاً على الحجز ويستوي فيما قدمناه أن يكون الحجز على منقول أو على دين للمدين في ذمة الغير ( حجز ما للمدين لدى الغير ) أو على عقار .
أما في الحجز على المنقول فتنص المادة 508 من تقنين المرافعات على أنه " تصبح الأشياء محجوزة بمجرد ذكرها في محضر الحجز ولو لم يعين عليها حارس " . فكل تصرف يصدر من المدين في المال المحجوز بعد حجزه على هذا النحو لا يكون تاريخه حجه على الدائن الحاجز إلا إذا كان ثابتاً وسابقاً على توقيع الحجز . فإن $ 224 $ كان التاريخ غير ثابت ، أو كان ثابتاً ولكنه تال لتوقيع الحجز ، فإن التصرف لا ينفذ في حق الدائن الحاجز .
وفي حجز ما للمدين لدى الغير يحصل الحجز بإعلان إلى المحجوز لديه ينهاه فيه الدائن عن الوفاء بما في يده إلى المحجوز عليه أو تسليمه إياه ( م 547 مرافعات ) . ومن ذلك الوقت يصبح الدائن الحاجز " غيراً " ، وكل تصرف يصدر من المدين في الحق المحجوز لا يكون تاريخه حجة على الدائن الحاجز إلا إذا كان ثابتاً سابقاً على توقيع الحجز . فإذا أبرز المحجوز لديه ورقة عرفية تتضمن إبراءه من الدين أو قبولا منه بحوالة صدرت من المحجوز عليه أو غير ذلك من التصرفات وكان تاريخ هذه الورقة العرفية غير ثابت أو كان ثابتاً ولكنه تال لتوقيع الحجز ، فإن التصرف لا ينفذ في حق الدائن الحاجز . وهناك رأي يذهب إلى لا أن الدائن الحاجز في حجز ما للمدين لدى الغير لا يعتبر " غيراً " ، ولكن هذا الرأي أصبح اليوم مرجوحاً بعد صدور التقنين المدني الجديد وفيه نصان يقضيان يجعل الدائن الحاجز في مرتبة تضاهي مرتبة الخلف الخاص مع مراعاة طبيعة حقه من أنه ليس بحق عيني . النص الأول يجعل الدائن الحاجز يشترط مع المحال له إذا سبق حجزه الحوالة ، إذ تقضي الفقرة الأولى من المادة 314 بأنه " إذا وقع تحت يد المحال عليه حجز قبل أن تصبح الحوالة نافذة في حق الغير ، كانت الحوالة بالنسبة إلى الحاجز بمثابة حجز آخر " . وهذا النص ، وكان موجوداً في تقنين المرافعات القديم ، يعتبر فوق ذلك أن الدائن الحاجز هو من الغير بالنسبة إلى المحال له . والنص القاني يجعل حجز ما للمدين لدى الغير مانعاً من المقاصة بالدين المحجوز ، إذ تقضي المادة 367 بأنه " 1 – لا يجوز أن تقع المقاصة اضراراً بحقوق كسبها الغير 2 – فإذا أوقع الغير حجزاً تحت يد المدين ، ثم أصبح المدين دائناً لدائنه ، فلا يجوز له أن يتمسك بالمقاصة أضراراً بالحاجز " . ولا يكون ذلك إلا إذا كان للدائن الحاجز حق كسبه على الدين المحجوز يمنع من وقوع المقاصة ، وهذا الحق قذ صرح به النص : " حقوق كسبها الغير " ، وهو ذاته الذي يجعل الدائن الحاجز في مرتبة تضاهي مرتبة الخلف الخاص مع مراعاة طبيعة حقه من أنه حق شخصي لا حق عيني كما قدمنا ( 337 ) .
$ 225 $ وفي الحجز على العقار يكسب الدائن الحاجز على العقار المحجوز حقوقا صريحة واضحة تجعله في مرتبة الخلف الخاص وتمنحه الحماية ذاتها فيعتبر " غيراً " ، $ 226 $ ولا يحتج عليه بتاريخ التصرف الصادر من المدين إلا إذا كان ثابتا . فإن كان التاريخ غير ثابت ، أو كان ثابتا ولكنه تال للحجز ، لم يسر التصرف في حق الدائن الحاجز ، شأنه في ذلك شأن الخلف الخاص . وتطبيقا لهذه القاعدة تنص الفقرة الأولى من المادة 615 من تقنين المرافعات على أنه " يترتب على تسجيل التنبيه اعتبار العقار محجوزاً " . ثم تنص الفقرة الأولى من المادة 616 من هذا التقنين على أنه " لا ينفذ تصرف المدين أو الحائز في العقار ولا يما يترتب عليه من رهو أو اختصاص أو امتياز في حق الحاجزين ولو كانوا دائنين عاديين ، ولا في حق الدائنين المشار إليهم في المادة 637 ، ولا الراسي عليه المزاد ، إذا كان التصرف أو الرهن أو الاختصاص أو الامتياز قد حصل شهره بعد تسجيل تنبيه نزع الملكية " ( 338 ) ثم تنص المادة 621 على أن " عقود الإيجار الثابتة التاريخ قبل تسجيل التنبيه تنفذ في حق الحاجزين والدائنين المشار إليهم في المادة 637 والراسي عليه المزاد ، وذلك بغير إخلال بأحكام القانون المتعلقة بعقود الإيجار الواجبة الشهر . أما عقود الإيجار غير الثابته التاريخ قبل تسجيل التنبيه $ 227 $ فلا تنفذ في حق من ذكروا إلا إذا كانت من أعمال الإدارة الحسنة . وتنص أخيراً المادة 624 على أن " المخلصات عن الأجرة المعجلة والحوالة بها يحتج بها على الدائن الحاجز والدائنين المشار إليهم في المادة 637 والراسي عليه المزاد ، إذا كانت ثابتة التاريخ قبل تسجيل التنبيه ، وذلك بغير الا بأحكام القانون المتعلقة بالمخالصات الواجبة الشهر ، فإذا لم تكن ثابتة التاريخ قبل تسجيل التنبيه فلا يحتج بها إلا لمدة سنة " ( 339 ) .
ويلاحظ أن الدائن المرتهن في الرهن الرسمي ، في خصوص الإيجار الصادر من الراهن وفي خصوص المخالصات عن الأجرة المعجلة والحوالة بها ، يعامل معاملة الدائن الحاجز ( م 1045 و 1064 مدني ) ، لأن الراهن لا تغل يده بالرهن الرسمي عن إيجار العقار المرهون ولا عن قبض الأجرة المعجلة والحوالة بها ، فيصبح شأن الدائن المرتهن في هذه التصرفات شأن الدائن العادي ، وكالدائن العادي أيضاً لا يكون له حق خاص على العقار المرهون يتعارض مع الإيجار وقبض الأجرة والحوالة بها إلا إذا بدأ التنفيذ فيجل التنبيه ( 340 ) . أما الدائن المرتهن في الرهن الحيازي فيعليه أن يستثمر الشيء المرهون استثماراً كاملا ويتولى إدارته ( م 1104 و 1106 مدني ) ، ومن ثم يتعارض وضعه هذا مع حق الراهن في افجار وقبض الأجرة ، فيعتبر " غيراً " في هذه التصرفات منذ تسلم الشيء المرهون ، ولا يحتج عليه بالتاريخ إلا إذا كان ثابتاً ( 341 ) .
$ 228 $
123 – الدائن إذا أفلس مدينه أو أعسر لا يعتبر من الغير : متى أفلس المدين التاجر وشهر إفلاسة ، رفعت يده عن إرادة أمواله ( م 216 تجاري ) وتصرفاته ، في خلال المدة السابقة على الحكم بشهر الإفلاس منذ العشرة الأيام السابقة على تاريخ توقفة عن الدفع ، الخاصة بتبرعات أو بوفاء دون غير حالة على أي وجه كان هذا الوفاء أو بوفاء ديون حلى بغير النقود أو الأوراق التجارية أو بترتيب حقوق رهن أو اختصاص على أمواله ، تكون كلها باطلة ( م 227 تجاري ) . أما وفاء الديون الحالة بنقود أو أوراق تجارية و المعاوضات فتكون قابلة للإبطال إذا وقعت بعد تاريخ التوقف عن الدفع 228 تجاري ) – ولكن بالرغم من كل ذلك لا نرى أن دائن التفليسة يعتبر من الغير في التصرفات $ 229 $ المصادرة من المدين المفلس . فالحكم بشهر الإفلاس ليس إلا تمهيداً للتنفيذ الجماعي . ودائن المفلس ، لمجرد شهر إفلاي مدينه ، لم يدخل بعد في مرحلة التنفيذ ، كما دخل الدائن الحاجز . والإفلاس لا يعدل الحجز ، وكل ما نتج عنه أن غلت يد المفلس في إدارة أمواله ، وحل محله الدائنون الذين تكتلوا في مجموعة يمثلها السنديك . وهذا لا يغير من مركزهم كدائنين عاديين لم يصلوا بعد إلى مرحلة التنفيذ ، فهم لا يزالون يستعملون حقهم العام في الضمان ، شأنهم في ذلك شأن الدائن الذي يباشر الدعوى البولصية .
ومن ثم يكون التاريخ العرفي للتصرفات الصادرة من المدين المفلس حجة على دائنيه ، ولو كانت تصرفات مدنية ( أي غير تجارية ) . ويكون لهؤلاء ، بداهة ، الحق في إثبات عدم صحة هذا التاريخ وإثبات التاريخ الحقيقي لهذه التصرفات فيعطي عندئذ لكل تصرف حكمه القانوني : ما صدر في المدة المشتبه فيها ، وما صدر بعد توقف المدين عن الدفع ، وما صدر بعد الحكم بشهر الإفلاس ( 342 ) .
$ 230 $
وكالإفلاس الإعسار . وقد نصت المادة 257 من التقنين المدني على أنه " متى سجلت صحيفة دعوى الإعسار ، فل يسري في حق الدائنين أي تصرف للمدين يكون من شأنه أن ينقص من حقوقه أو يزيد في التزاماته ؛ كما لا يسرى في حقهم أي وفاء يقوم به المدين " . ويتبين من ذلك أن حكم شهر الإعسار له أثر حكم شهر الإفلاس في غل يد المدين عن التصرف في أمواله . ولكننا لا نرى – هنا أيضاً – أن دائن المدين المعسر يعتب من الغير في التصرفات الصادة رمن مدينه . فالحكم بشهر الإعسار ، كالحكم بشهر الإفلاس ، ليس إلا تمهيداً للتنفيذ ، ولم يدخل الدائنون بعد في مرحلة التنفيذ لمجرد الحكم بشهر إعسار مدينهم . بل لعل إنعدام " الغيرية " في الإعسار أولى منه في الإفلاس ، إذ ليس في الإعسار تصفية جماعية كما في الإفلاس ، بل يبقى كل دائن موكولا إلى الأجراءات الفردية التي يتخذها وحده ، فلا يتكتل الدائنون في مجموعة يمثلها السنديك . وما الإعسار ، على الوجه الذي نظم به في التقنين المدني الحديد ، إلا الدعوى البولصية ، أحكم تنظيمها ، ورتبت مراحلها ، وحددت مواعيدها ، ويسر فيها عبء الإثبات ، فانضبطت آثارها ، ووضحت معالمها . فإذا كان الدائن في الدعوى البولصية لا يعتبر من " الغير " كما قدمنا ، فليس غريباً إلا يعتبر أيضاً من " الغير " في الإعسار . ومن ثم يكون التاريخ العرفي للتصرف الصادر من المدين المعير حجه على دائنه . ويكون للدائن الحق في إثبات التاريخ الحقيق لهذا التصرف ، فإن كان لاحقاً لتسجيل صحيفة دعوى الإعسار ، لم يسر في حقه ( 343 ) .
$ 231 $
124 – الشروط الواجب توافرها في توافرها في " الغير " : ويخلص مما قدمناه أن " الغير " في ثبوت التاريخ آل يعدو أن يكون الخلف الخالص أو الدائن الحاجز . ويشترط في ً الغير " ، خلفاً كان أو دائناً ، شروط ثلاثة :
( 1 ) أن يكون هو نفسه ذا تاريخ ثابت . وقد رأينا فيما أسلفناه أن الخلف الخاص ، حتى لا يحتج عليه بغير التاريخ الثابت ، يجب أن يكون تاريخه هو ثابتاً ، فإذا تنازع المشتريان للمنقول ، ولم يكن أي من المشتريين أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ فإذا لم يكن " الغير " خلفاً خاصاً ، كان دائناً حاجزاً ، ومن الواضح أن الدائن الحاجز له دائما تاريخ ثابت .
$ 232 $
( 2 ) أن يكون القانون آل يتطلب إجراءات أخرى غير ثبوت التاريخ . ومن أجل ذلك تركنا عمداً ، كنا سبقت الإشارة ، عند الكلام في الخلف الخاص ، مشتري العقار والمرتهن له . ذلك أن القانون يتطلب في بيع العقار إجراء آخر هو التسجيل ، وفي رهن العقار إجراء آخر هو القيد . ومن ثم كانت المفاضلة بين المشتريين لعقار واحد ليست بالأسبقية في التاريخ الثابت بل بالأسبقية في التسجيل ، وكان المفاصلة بين المرتهنين لعقار واحد ليست هي أيضاً بالأسبقية في التاريخ الثابت بل بالأسبقية في القيد .
$ 233 $
( 3 ) أن يكون " الغير " ، خلفاً كان أو دائناً ، حسن النية فإذا أسرع المشتري الثاني للمنقول في إثبات تاريخ البيع الصادر له وهو يعلم أن البيع الأول سابق على عقده وأن لم يكن ثابت التاريخ ، فالمفاضلة لأول وهله بين المشتريين تقضى بتفضيل المشتري الثاني ثابت التاريخ على المشترى الأول غير ثابت التاريخ . ولكن إذا استطاع المشترى الأول أن يثبت علم المشترى الثاني وقت شرائه المنقول بسبق بيعه من آخر ، فإنه يثبت بذلك أن المشترى الثاني ليس حسن النية ، فيختل في هذا المشترى الثاني شرط من شروط " الغير " ومن ثم يحتج عليه بتاريخ البيع الأول وأن لم يكن ثابتاً ( 344 ) .
$ 234 $
125 – ( ثالثاً ) الأوراق العرفية التي تخضع لقاعدة ثبوت التاريخ : يخضع لقاعدة ثبوت التاريخ كل ورقة عرفية تعد للإثبات مقدماً كدليل كامل ، على أن يكون الدليل الكتابي واجباً ، وعلى أن يستثنى من ذلك الخالصات .
ومن ثم لا تسرى هذه القاعدة في الأحوال الآتية :
1 – إذا لم تكن هناك ورقة عرفية أصلا لإثبات التصرف القانوني . وذلك كما لو وجد تصرف قانون غير مكتوب وأشير إليه في البيانات الواردة في ورقة رسمية ، فلا يقال إن لهذا التصرف القانون تاريخاً ثابتاً هو تاريخ الورقة الرسمية ، لأن التصرف دانه غير ثابت في ورقة عرفية .
2 –إذا كانت هناك ورقة عرفية دليلا كتابياً على التصرف ، ولكن هذه الورقة لم تعد مقدماً للإثبات . فدفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية لا تسرى عليها قاعده ثبوت التاريخ . أما الرسائل فإذا أعدت مقدماً للإثبات سرت عليها القاعدة ، وكذلك إذا لم تعد مقدماً للإثبات متى مصلحة أن تكون دليلا كتابياً $ 235 $ كاملا فإنها تخضع لقاعدة ثبوت التاريخ استثناء مما تقدم ( 345 ) .
3 – إذا كانت هناك ورقة عرفية ، ولكنها ليست دليلا كاملا . وذلك كمبدأ الثبوت بالكتابة ، فهو ، كقاعدة عامة لا يشترط فيه التاريخ الثابت على النحو المقرر في الدليل الكامل ، ليكون حجة على الغير . وسنعود إلى هذه المسألة عند الكلام في مبدأ الثبوت بالكتابة ( 346 ) .
$ 236 $ 4 – إذا كانت هناك ورقة عرفية تعتبر دليلا كاملا ، ولكن الدليل الكتابي يكون غير واجب . ويتحقق ذلك في المسائل التجارية ، فهذه يجوز فيها دائما الإثبات بالبينة والقرائن ، فإذا وجدت ورقة عرفية اتخذت دليلا كتابياً فلا يشترط أن يكون تاريخها ثابتاً ليكون حجة على الغير ( 347 ) . ويتحقق ذلك أيضاً في الورقة العرفية المعدة لإثبات التزام قيمته لا تزيد على عشرة جنيهات ، لأن الإثبات الكتابي هنا أيضاً غير واجب ( 348 ) . ويتحقق ذلك أخيراً فيما إذا كانت الورقة العرفية تثبت واقعة مادية لا تصرفاً قانونياً ، أو تصرفاً قانونياً يسرى في حق الغير باعتباره واقعة مادية ( 349 ) ، ففي إثبات الوقائع المادية لا يجب الدليل الكتابي .
5 – إذا كان الورقة العرفية التي يقدمها الخصم دليلا كتابياً كاملا هي مخالصة من دين ، فلا يشترط في المخالصات التاريخ الثابت لتكون حجة على الغير بتاريخها . وقد كان القضاء المصرى فلي ظل التقنين المدني القديم ( 350 ) ، وكذلك $ 237 $ القضاء في فرنساً ، يستثني المخالصات من قاعدة ثبوت التاريخ ، لما في اشتراط التاريخ الثابت في الخالصات من صعوبات عملية ( 351 ) . فمن اشترى داراً مؤجرة سرى في حقه المخالصات بالأجرة الصادرة من البائع للمستأجر ولو لم تكن ثابتة التاريخ ، إلا إذا كانت الأجرة عن مدة مستقبلة تزيد على ثلاث سنوات فيشترط التسجيل . والدائن الذي يحجز تحت يد مدين المدين حجز ما للمدين لدى الغير يحتج عليه بالتاريخ العرفي للمخالصات الصادرة من المدين ، فتسرى هذه المخلصات في حقه إذا كان تاريخها سابقاً على الحجز ( 352 ) . وفي جميع الأحوال يجوز للغير الذي يحتج عليه بالتاريخ العرفي للمخالصة أن يثبت بجميع الطرق أن هذا التاريخ غير صحيح وأنه قدم أو أخر غشاً من طرفي الخالصة للاضرار بحقه . وقد أقر التقنين المدني الجديد هذا الاستثناء بنص صريح ، فنصت الفقرة الثانية من المادة 395 على أنه " يجوز للقاضي ، تبعاً للظروف ، ألا يطبق حكم هذه المادة على الخالصات " . فجعل النص التقدير إلى القاضي في خصوص الخالصات ، إن رأى أن هناك صعوبات عملية كافية تمنع من توافر التاريخ الثابت لم يطلبه ، و إلا أخضع الخالصات كغيرها من الأوراق العرفية على الغير ( 353 ) و ( 354 )
$ 238 $
126 – ( رابعاً ) الطرق القانونية التي يصبح بها التاريخ ثابتاً :
الأصل أن التاريخ العرفي للورقة جزء من هذه الورقة العرفية ، فمضمونه هو أيضاً جزء من الاتفاق الذي تشهد به هذه الورقة . فطرفا الورقة قد اتفقا ، فيما اتفقا عليه ، على أن يكون تاريخ اتفاقهما هو كذا . ومن ثم كان هذا التاريخ العرفي حجة عليهما ، شأنه شأن سائر أجزاء الاتفاق ( 355 ) . ولكل منهما أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ بالطرق المقررة قانوناً كما سبق القول . أما الغير ، على التحديد الذي يسطناه ، فهذا التاريخ العرفي ، بالنسبة إلى الغي ر ، ليس صحيحاً . ولا يستطيع الطرفان إثبات التاريخ الصحيح في مواجهة الغير إلا بطريق من الطرق التي عينها القانون ، وهي الطرق التي يصبح بها التاريخ ثابتاً فيكون حجة على الغير .
$ 239 $
وقد ذكر التقنين الجديد من هذه الطرق خمسة على وجه التحديد ، ثم عم أحد هذا التخصيص فذكر أن التاريخ يكون ثابتا من يوم وقوع أي حادث آخر فيكون قاطعا في أن الورقة قد صدرت قبل وقوعه . ومن ثم يكون التاريخ ثابتا على وجه من الوجوه الآتية :
( 1 ) من يوم أن تقيد الورقة العرفية بالسجل المعد لذلك . وقد نظمت اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق الطريق العادي لإثبات التاريخ على هذا الوجه . فنصت المادة 31 من هذه اللائحة على أن تقوم مكاتب التوثيق بعد أداء الرسم المقرر بإثبات تاريخ المحررات العرفية بكتابة محضر يثبت فيه تاريخ تقديم المحرر ورقم إدراجه في الدفتر المعد لذلك ، ويختم بخاتم المكتب ، ويوقعه الموثق . ذلك أن هناك في مكتب التوثيق دفتراً تدرج فيه المحررات التي أثبت تاريخها بأرقام متتابعة ، ويبين في هذا الدفتر أسماء ذوى الشأن ومحال إقامتهم وموضوع المحرر وأداء الرسم ، ويوقعه الموثق وصاحب الشأن عند تسلم المحرر ( م 32 من اللائحة ) ، كما يوجد فتر هجائي للفهارس ( م 33 من اللائحة ) . ويسلم مكتب التوثيق شهادة لمن يطلبها بحصول إثبات تاريخ الورقة العرفية ( م 34 من اللائحة ) .
هذه هي الإجراءات العادية لإثبات التاريخ من طريق قيد الورقة العرفية بسجل معد لذلك . وتوجد طرق أخرى لقيد الورقة العرفية في سجل رسمي فيكون تاريخها ثابتا من يوم هذا القيد ، نذكر منها طريقين : التصديق على التوقيعات والتسجيل .
وقد نظم قانون التوثيق أيضاً التصديق على التوقيعات . فقضت المادة 21 من لائحته بأن يقوم الموثق بالتصديق على توقيعات ذوى الشأن في المحررات العرفية ، بحضور شاهدين بالغين عاقلين معروفين له يتأكد بشهادتهما من شخصية ذوي الشأن . ويوقع هؤلاء أمام الموثق على الورقة العرفية ، ويكتب الموثق محضراً في ذيل الورقة يذكر فيه أسماءهم ومحال إقامتهم وحصول التوقيع منهم أمامه وأسماء الشهود ومهنهم ومحال إقامتهم . ويوقع هذا المحضر الشهود والموثق ، ثم يوضع عليه خاتم المكتب ورقم إدراجه في دفتر تدرج فيه محاضر التصديق على التوقيعات بأرقام متتابعة ( م 24 – 25 من اللائحة ) . وعند إتمام $ 240 $ التصديق تسلم الورقة العرفية إلى صاحب الشأن ، ويصبح تاريخ المحضر المدون بذيلها هو تاريخها الثابت .
والتسجيل إجراء آخر لإثبات التاريخ ، عن طريق قيد الورقة العرفية في سجل معد لذلك . وهنا القيد يكون كاملا ، ويتم التسجيل الآن بالتصوير الفوتوغرافي . فكل ورقة عرفية مسجلة تكون ثابتة التاريخ من يوم تسجيلها على الأقل . بل إنه لما كان التسجيل لا يكون إلا بعد التصديق على التوقيع ، فتاريخ الورقة المسجلة يثبت من يوم التصديق على التوقيع ، ولا يتأخر إلى يوم التسجيل .
( 2 ) من يوم أن يثبت مضمون الورقة العرفية في ورقة أخرى ثابتة التاريخ وذلك بأن تذكر الورقة العرفية ، مع تحديد موضوعها تحديداً معيناً لها مانعاً للبس ، في ورقة رسمية – لأن الورقة الرسمية ثابتة التاريخ بحكم رسميتها كما قدمنا – أو في أية ورقة عرفية تكون ثابتة التاريخ بوجه من الوجوه القانونية . وعند ذلك تكسب الورقة العرفية تاريخاً ثابتاً هو التاريخ الثابت للورقة الأخرى التي جرى فيها ذكر الورقة الأولى ( 356 ) . مثل ذلك أن يذكر في ورقة تثبت عقد بيع – رسمية $ 241 $ وعرفية مصدق فيها على التوقيع – توكيل عرفي صادر من البائع إلى وكيل بيع بالنيابة عنه ، فهذا التوكيل العرفي إذا كانت غير ثابت التاريخ يصبح ، بذكره في ورقة البيع ثابتة التاريخ ، ذا تاريخ ثابت هو تاريخ ورقة البيع ( 357 ) .
( 3 ) من يوم أن يؤشر على الورقة العرفية موظف عام مختص . مثل ذلك أن تقدم الورقة العرفية في قضية فيؤشر عليها القاضي أو كاتب الجلسة ، أو تقدم في تحقيق فيؤشر عليها المحقق ، أو تقدم في جرد رسمي فيؤشر عليها مندوب الجرد ، أو تقدم لصرف نقود بها فيؤشر عليها مندوب الخزانة العامة . وتكسب المراسلات المسجلة تاريخاً ثابتاً هو تاريخ ختم مصلحة البريد إذا أمكن التثبت منه بالرجوع إلى السجلات الرسمية التي سجلت فيها هذه المراسلات . أما المراسلات غير المسجلة فلا يثبت تاريخها من ختم مصلحة البريد ، لأنه لا توجد سجلات رسمية يمكن الرجوع إليها للتثبت من صحة التاريخ . والتاريخ الذي يضعه المحكمون في أحكامهم لا يعتبر تاريخاً ثابتاً ( 358 ) ، وكذلك تأشير الخبير على ورقة عرفية وذكره الورقة في محضر أعماله لا يكسبها تاريخاً ثابتاً ، لأن المحكمين والخبراء لا يعتبرون موظفين عامين ولا يمكن التثبت من صحة التاريخ الذي وضعوه على الورقة العرفية ( 359 ) . هذا ما لم يكن الخبير موظفاً عاماً ، كما هو شأن الخبراء والموظفين في وزارة العدل .
( 4 ) من يوم وفاة أحد ممن لهم على الورقة العرفية أثر معترف به من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة أصبع . أما الخط والامضاء المعترف بصدروهما من الشخص المتوفى فأمرهما واضح ، ذلك أن الورقة العرفية التي تحمل خطاً أو إمضاء لشخص متوفي لا بد أن تكون قد صدرت قبل وفاة هذا الشخص ، فتاريخها $ 242 $ ثابت من وقت الوفاة ( 360 ) . ويستوي أن يكون الشخص المتوفى طرفاً في الورقة أو شاهد أو كفيلا أو غير ذلك ، فالحكمة قائمة في جميع هذه الأحوال ( 361 ) . على أن مجرد وجود خط لشخص متوفى في الورقة لا يكفي لإثبات التاريخ ، بل يجب أيضاً أن تكون الورقة قد وقعت منذ وجود هذا الخط ، إذ يحتمل أن يعهد إلى شخص في كتابة ورقة عرفية فيكتبها ، ولكنها تبقى مشروعاً دون توقيع إلى أن يتوفى الكاتب ، ثم يوقع ذوو الشأن الورقة بعد وفاته ، فلا تكون الورقة ثابتة التاريخ من يوم الوفاة . وهذا ما لم تكن الورقة تعتبر دليلا من غير توقيع ، كالتأشير على سند الوفاء .
بقى الختم وبصمة الاصبع . أما أن الختم يثبت تاريخ الورقة التي تحمل بصمته ، فأمر كان مقرراً في التقنين المدني الأهلي السابق ، وتابعه في ذلك التقنين المدني الجديد . وهو محل للنظر ، إذ أن بقاء الختم بعد وفاة صاحبه واحتمال التوقيع بهذا الختم بعد الوفاة شيء يقع . وقد كان التقنين المدني المختلط لا يذكر أن ختم المتوفى يثبت تاريخ الورقة العرفية ( 362 ) . ومهما يكن من أمر فإنه يجوز ، بالرغم من وجود بصمة الختم في الورقة ، إثبات أن التوقيع بالختم لم يتم إلا بعد الوفاة ( 363 ) . $ 243 $ وبصمة الاصبع أدق من بصمة الختم ، فهي أقرب إلى إثبات تاريخ الورقة العرفية التي تحمل هذه البصمة لشخص متوفى . على أن احتمال توقيع الورقة العرفية ببصمة شخص متوفى بعد وفاته لا يزال قائماً وإن كان احتمالا بعيداً ، وهو أبعد على كل حال من احتمال التوقيع بالختم بعد وفاة صاحبه ( 364 ) .
( 5 ) من يوم أن يصبح مستحيلا على أحد ممن لهم على الورقة العرفية أثر معترف به من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة اصبع أن يكتب أو يبصم لعلة في جسمه . والمثل المألوف لهذه الحالة أن تبتر يد شخص في تاريخ معروف ، فتكون الورقة العرفية التي وقعها بيده قبل أن تبتر ذات تاريخ ثابت هو تاريخ هذا البتر . وهذا صحيح بالنسبة إلى الخط والامضاء وبصمة الاصبع . أما الختم فيمكن التوقيع به بعد بتر اليد ، بل بعد بتر اليدين معاً ، إذ يجوز أن يوقع به غير صاحبه ، فلا تكسب الورقة منه تاريخاً ثابتاً في المثال المتقدم . وقد تكون العلة في الجسم التي تستحيل معها الكتابة شيئاً آخر غير البتر كالشلل .
وقد عمم التقنين المدني الجديد بعد التخصيص كما قدمنا ، فذكر أن الورقة العرفية تكون ثابتة التاريخ من يوم وقوع أي حادث آخر – غير الحوادث التي تقدم ذكرها – يكون قاطعاً في أن الورقة قد صدرت قبل وقوعه . مثل ذلك الجنون العارض ، فقد يوقع شخص سليم العقل ورقة عرفية ، ثم يصاب بالجنون بعد ذلك ، فمن يوم ثبوت عزله في مستشفى أو في مكان آخر يكون تاريخ الورقة ثابتاً ، مع أن الجنون ليس علة في الجسم – وهذا ما اقتصر النص على ذكره – بل هو علة في العقل ( 365 ) .
$ 244 $
وقد كان التقنين المدني السابق يفسره الفقه والقضاء على النحو الذي قدمناه . فهو ، بالرغم من أنه لم يورد في المادة 299 / 294 إلا بعض طرق إثبات التاريخ – قيد الورقة في سجل عام واثر معترف به لشخص متوفى وتأشير على الورقة من موظف عام مختص – فإن هذه الطرق لم تحمل على إنها وردت على سبيل الحصر . ومن ثم لا يكون هناك فرق بين التقنين القديم والتقنين الجديد في طرق إثبات التاريخ ( 366 ) .
$ 245 $
أما التقنين المدني الفرنسي فقد اقتصر على طرق ثلاثة لإثبات التاريخ ، ذكرها على سبيل الحصر ، وهي :
( 1 ) تسجيل الورقة العرفية وفقاً لإجراءات معينة ( enregistrement ) ( 2 ) ذكر مضمون الورقة العرفية في ورقة رسمية ( 3 ) توقيع معترف به من شخص متوفى ، طرفاً كان أو شاهداً ( 367 ) .
ومت ثبت التاريخ على وجه من الوجوه المتقدمة الذكر في التقنين المدني المصري ، صار هذا التاريخ الثابت هو الحجة على الغير ، لا التاريخ العرفي الذي يسبقه . ولكن تصبح حجيته على الغير أقوى من حجية التاريخ العرفي على طرفي الورقة ، ذلك أن الغير لا يستطيع أن يدحض حجية التاريخ الثابت $ 246 $ إلا عن طريق الطعن بالتزوير ، أما من كان طرفاً في الورقة فيستطيع أن يدحض حجية التاريخ العرفي بإثبات أن هذا التاريخ غير صحيح دون حاجة إلى الطعن بالتزوير . وإذا قام تنازع بين ورقتين لهما تاريخ ثابت في يوم واحد ، فإن أمكن تعيين الورقة الأسبق فضل صاحبها . ويتحقق ذلك إذا كان طريق ثبوت التاريخ بالقيد في السجل ، وعينت ساعة القيد أو أعطيت الورقتان رقمين مسلسلين ، فالورقة الأسبق في الساعة أو في الرقم المسلسل هي التي يفضل صاحبها . وإذا لم يمكن تعيين الورقة الأسبق ، كما لو كانت الورقتان قد وقعهما شخص واحد توفى واتخذ تاريخ وفاته تاريخاً ثابتاً لكل من الورقتين نف صاحب الورقة المكلف بإثبات أسبقيته يتقدم عليه صاحب الورقة الأخرى لأن الأول قد عجز عن إثبات هذه الأسبقية ( 368 ) .
المطلب الثالث
حجية الورقة العرفية فيما يتعلق بالصور
127 – الأصل ألا حجية لصور الأوراق العرفية : رأينا فيما تقدم أن صور الأوراق الرسمية لها قوة متفاوتة في الإثبات ، مع أن الصورة لا تحمل توقيع من صدرت منه الورقة والتوقيع هو الذي تتركز فيه قوة الإثبات . وتعليل ذلك كما رأينا يرجع إلى أن صورة الورقة الرسمية هي أيضاً ورقة رسمية يقوم بتحريرها موظف رسمي مختص ، فتضفى عليها رسميتها من الثقة ما يجعل لها قيمة في الإثبات تتفاوت قوة وضعفاً .
أما صورة الورقة العرفية فليست لها في الأصل أية قيمة في الإثبات ، ولو كمبدأ ثبوت بالكتابة . فهي لا تحمل توقيع من صدرت منه الورقة . وهي في الوقت ذاته ليست ورقة رسمية حتى تضفي عليها رسميتها شيئاً من الثقة . ولا قيمة لصورة الورقة العرفية إلا بمقدار ما تهدي إلى الأصل إذا كان موجوداً ، فيرجع إليها ، وتكون الحجية للأصل لا الصورة . أما إذا كان الأصل غير $ 247 $ موجود ، فلا سبيل للاحتجاج بالصورة ، لما قدمناه من إنها لا تحمل التوقيع ومن إنها ليست ورقة رسمية ، ولجواز أن تكون الصورة محرفة أو أن يكون الأصل مزوراً فلا يتيسر الاهتداء إلى التوزير بالاقتصار على الصورة ( 369 ) . وهذا صحيح حتى لو كانت الصورة المأخوذة من الأصل صورة فوتوغرافية ( 370 ) .
وغني عن البيان أن صور الصور للورقة العرفية ليست لها هي أيضاً ، من باب أولى ، أية قيمة في الإثبات .
$ 248 $
128 – استثناءان تكون فيهما لصورة الورقة العرفية قيمة في الإثبات : على أن هناك استثنائينمن المبدأ الذي قدمناه تكون فيهما لصورة الورقة العرفية قيمة معينة في الإثبات :
( الاستثناء الأول ) في حالة التسجيل ، فقد تكون لصورة الورقة المسجلة قيمة في الإثبات ( 371 ) . ونميز في ذلك بين عهدين : العهد السابق على قانون التسجيل ( رقمي 18 و 19 لسنة 1923 ) وعهد قانون التسجيل ( الذي حل محله القانون رقم 114 لسنة 1946 الخاص بالشهر العقاري ) .
ففي العهد الأول كان التسجيل يتم بنقل صورة حرفية من الورقة المقدمة للتسجيل في سجل عام ، ثم يختم الأصل بختم يدل على حصول التسجيل ويعاد إلى صاحبه . فإذا أعطيت صورة من الورقة المسجلة كانت هذه الصورة رسمية ، لأن موظفاً عاماً مختصاً كان هو الذي ينقل هذه الصورة ، لا عن الأصل فهو عند صاحبه كما قدمنا ، ولكن عن الصورة الرسمية لهذا الأصل العرفي وهي الصورة المدونة في السجل العام . ولما كانت صورة الصورة هذه هي صورية رسمية لصورة رسمية ، فقد كان القضاء في البداية يعتد بها ، في حالة فقد الأصل ، كدليل كامل أو على الأقل كمبدأ ثبوت بالكتابة ( 372 ) . ثم رجع عن ذلك ، وأنكر حجية هذه الصورة الرسمية حتى كمبدأ ثبوت بالكتابة ، لما رأى ما لجأ إليه بعض الناس ، من تقديم أوراق مزورة للتسجيل وإعدام الأصل المزور ، والتقدم بعد ذلك بصورة رسمية منقولة عن الصورة المدونة في السجل العام ، فلا يظهر التزوير لا في صورة الصورة ولا في الصورة الأصلية ، إذ أن الموظف العام لم يكن من اختصاصه ولا $ 249 $ فى إمكانه التحقق من سلامة الأوراق التى تقدم للتسجيل( 373 ) .
وفى العهد الثانى ، عهد قانون التسجيل ثم الشهر العقارى وهو العهد الحالى ، اتخذ المشرع احتياطات دقيقة . وتتخلص هذه الاحتياطات فى وجوب التصديق على التوقيع قبل تسجيل المحرر ، وفى هذا ضمان كاف لعدم تزوير الأوراق ولصحة صدورها من موقيعها ، ثم فى طريقة التسجيل ذاتها فقد صار الأصل هو الذى يحفظ بمكتب الشهر ويعطى لأصحاب الشأن صور فوتوغرافية من هذا الأصل . هذه الصور الفوتوغرافية ، التى تمكن إعادة أخذها فيما بعد منقولة دائماً عن الأصل وإعطاؤها لأصحاب الشأن إذا احتاجوا إليها ، هى صور رسمية دقيقة من أصل محفوظ فى مكتب السجل العقارى ، فقيمتها فى الإثبات لا شك فيها . ذلك أنه إذا كان الأصل موجوداً وهو الغالب ، ولم ينازع الخصم فى مطابقة الصورة الفوتوغرافية للأصل ، اكتفى بالصورة دليلا كاملا فى الإثبات ( 374 ) . فإن نازع الخصم فى المطابقة ، أمكنت مضاهاة الصورة على الأصل المحفوظ بمكتب الشهر ، وكانت الحجية للأصل لا للصورة . أما إذا فقد الأصل – وهذا نادر ولكنه يقع $ 250 $ أحياناً لقوة قاهرة كحريق أو سرقة - فإن دقة الصورة الفوتوغرافية ورجحان سلامة الأصل من التزوير بعد التصديق على التوقيع ، كل ذلك يسمح بإعطاء هذه الصورة الفوتوغرافية قوة إثبات كاملة أو فى القليل يجعلها مبدأ ثبوت بالكتابة( 375 ) .
( الاستثناء الثانى ) فى حالة ما إذا كانت صورة الورقة العرفية مكتوبة بخط المدين ، فتكون لهذه الصورة بعض القيمة فى الإثبات . ويلاحظ أن هذه الصورة المكتوبة بخط المدين لا تحمل توقيعه ، وإلا صارت إما نسخة ثانية ، لا مجرد صورة ، فتكون لها حجية الأصل كالنسخة الأولى ، وإما سنداً مؤيداً ( Acte Recognitif ) وسيأتى بيان قيمته فى الإثبات . فالصورة التى نحن بصددها هى إذن مكتوبة بخط $ 251 $ المدين ولا تحمل توقيعه ، ويمكن فى هذه الحالة اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة لأنها صادرة من المدين ما دامت بخطة ، وتستكمل بالبينة أو القرائن( 376 ) .
على أنه ليس من الضرورى أن تكون صورة الورقة العرفية مكتوبة بخط المدين نفسه لاعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة ، بل يكفى أن تكون صادرة من نائب المدين . مثل ذلك أن يعلن محضر – وهو نائب المعلن - ورقة عرفية إلى المعلن إليه . فالصورة التى يتركها المحضر بخطه ( أو المفروض أنها بخطة لأنها صادرة منه ) تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة يتمسك به الخصم ضد المعلن ، إذ أن هذه الصورة مكتوبة بخط نائب المدين وهو المحضر ، فكأنها صادرة من المدين( 377 ) .
129 - السند المؤيد وقيمته فى الإثبات : وبين الأصل والصورة يوجد سند ، لا هو مجرد صورة ( Copie ) لأنه يحمل توقيع المدين ، ولا هو نسخة ثانية ( Exemplaire ) من الأصل لأنه غير معاصر للأصل بل يكتب بعده . فهو إذن اضعف من الأصل ، وأقوى من الصورة . هذا هو السند المؤيد أو السند الجديد ( Acte Recognitif, Titre Nouvel ) وهو سند يتضمن إقراراً بحق سبق إثباته فى محرر يسمى بالسند الأصلى ( Acte Primordial ) . ويتميز السند المؤيد عن مطلق الإقرار بالحق بأنه لا يتضمن إقراراً على إطلاقه ، بل يشير إلى أن الحق المقر به قد سبق إثباته فى سند أصلى . ومن ثم إذا تعارض السند المؤيد مع السند الأصلى ، كان السند الأصلى هو المعتبر . ولو كان السند المؤيد إقراراً محضاً لأخذ به دون السند الأصلى( 378 ) .
والسند المؤيد ، على هذا النحو ، يصلح من الناحية القانونية لقطع التقادم ، ومن الناحية العملية لتوفير دليل الإثبات عند فقد السند الأصلى إذا كان هذا $ 252 $ معرضاً للفقد . ويغلب أن يكون ذلك فى الديون الطويلة الآجال وفى الإيرادات المؤيدة ، حيث يحتاج الدائن من وقت إلى آخر أن يحصل على سند مؤيد لسنده الأصلى لقدم العهد بالسند الأصلى ، فيقطع التقادم ويجدد الدليل( 379 ) .
وقد تضمن التقنين المدنى الفرنسى نصاً يقرر قيمة السند المؤيد فى الإثبات . فنصت المادة 1337 من هذا التقنين على ما يأتى : " السندات المؤيدة لا تعفى من تقديم السند الأصلى ، إلا إذا كان نص السند الأصلى قد دون خصيصاً فى السند المؤيد . وما اشتمل عليه السند المؤيد زائداً على السند الأصلى إذا وجدت جملة من السندات المؤيدة المتطابقة ، تدعمها الحيازة ، ويكون تاريخ أحد هذه السندات يرجع إلى ثلاثين سنة " ( 380 ) .
ويتبين من هذا النص أن السند المؤيد ، فى التقنين الفرنسى ، لا يصلح فى ذاته دليلا كاملا . وهناك فرضان : ( الفرض الأول ) أن السند الأصلى موجود . وفى هذه الحالة لا يكون السند المؤيد دليلا أصلا ، بل يجب على الدائن إبراز السند الأصلى . فإذ كان هناك خلاف بينه وبين السند المؤيد فالعبرة بالسند الأصلى ، إلا إذا تبين من الظروف أن السند المؤيد ليس فى حقيقته إلا تجديداً للدين فتكون العبرة بالدين الجديد . ( الفرض الثانى ) أن السند الأصلى غير موجود . وفى هذه الحالة لا يكون للسند المؤيد قوة فى الإثبات كدليل كامل( 381 ) ، ولكنه يكون مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة $ 253 $ وبالقرائن . ومع ذلك قد لا يكون دليلا كاملا فى حالتين :
( 1 ) إذا كان نص السند الأصلى مدوناً بأكمله فى السند المؤيد .
( 2 ) إذا تعددت السندات المؤيدة ، وكانت متطابقة ، ودعمتها الحيازة ، وكان أحدها يرجع تاريخه إلى ثلاثين سنة على الأقل . فيجوز للقاضى فى هذه الحالة ، إذا كان السند الأصلى قد قد ، أن يعد السندات المؤيدة دليلا كاملا ، ويترك ذلك إلى تقديره . وهذه الأحكام ينتقدها الفقه فى فرنسا ( 382 ) ، لأنها لا تتفق مع القواعد العامة .
فإن هذه تقضى –وهذا ما يجب إتباعه فى مصر ما دام لا يوجد نص فى هذه المسألة - بأنه إذا وجد سند مؤيد لسند سابق ، اعتد بالسند المؤيد كدليل إثبات كامل ، إذ هو موقع من المدين وليس مجرد صورة لورقة عرفية ، سواء فى ذلك أشتمل على نص السند الأصلى أو لم يشتمل ، وتعددت السندات المؤيدة أيا كان تاريخها أو لم تتعدد . ولكن لما كان السند المؤيد يشير إلى سند أصلى ، فالمفروض أن السند المؤيد مطابق للسند الأصلى ، إلى أن يثبت المدين العكس بإبرازه السند الأصلى . وبهذا تقضى المادة 292 من المشروع الفرنسى الإيطالى . وقد كان المشروع التمهيدى للتقنين الجديد يحتوى على نص مماثل ، إذ كانت المادة 537 من هذا المشروع تنص على ما يأتى : " السند المؤيد لسند سابق يكون حجة على المدين . على أنه يجوز للمدين أن يثبت عدم صحة هذا السند بتقديم السند الأصلى " . ولكن لجنة المراجعة حذفت هذا النص ، ويغلب أن يكون ذلك اكتفاء بالقواعد العامة( 383 ) .
$ 254 $
الفرع الثانى
الأوراق العرفية غير المعدة للإثبات
130 - بيان هذه الأوراق : رأينا فيما تقدم أن الورقة العرفية التى تعد للإثبات لا تكون دليل إثبات كامل إلا إذا كان موقعاً عليها ، وأن التوقيع هو الذى يضفى على الورقة حجيتها . على أنه توجد بعض أوراق عرفية لم تعد مقدماً للإثبات ، ومع ذلك يجعل لها القانون بنص خاص حجية معينة ، ولا يشترط فيها أن يكون موقعاً عليها .
وقد نص التقنين المدنى الجديد على أربعة أنواع هذه الأوراق العرفية غير المعدة للإثبات معينة ، وهى :
( 1 ) الرسائل والبرقيات .
( 2 ) دفاتر التجار .
( 3 ) الدفاتر والأوراق المنزلية .
( 4 ) التأشير ببراءة ذمة المدين( 384 ) .
$ 255 $
المبحث الأول
الرسائل والبرقيات
131 - النصوص القانونية : تنص المادة 396 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - تكون للرسائل الموقع عليها قيمة الورقة العرفية من حيث الإثبات " .
" 2 - وتكون للبرقيات هذه القيمة أيضاً إذا كان أصلها المودع فى مكتب التصدير موقعاً عليها من مرسلها ، وتعتبر البرقية مطابقة لأصلها حتى يقوم الدليل على عكس ذلك " .
" 3 - وإذا أعدم أصل البرقية ، فلا يعتد بالبرقية إلا لمجرد الاستئناس " ( 385 ) .
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنية العربية الأخرى : فى قانون البيانات السورى المادة 12 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 457 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المواد 162 - 166 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 383( 386 ) – ولا يوجد فى التقنين المدنى الفرنسى نص مقابل .
$ 256 $
ونتكلم فى قيمة الرسالة ( Lettre Missive ) فى الإثبات ، ومتى يحتج بها المرسل إليه ، ومتى يحتج بها الغير ، ثم فى قوة البرقية فى الإثبات .
132 - قيمة الرسالة فى الإثبات : تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : " لم يعرض تقنين من التقنينات ( 387 ) للرسائل بوصفها ضرباً من ضروب الأدلة الكتابية ، وقد يلتمس للتقنين $ 257 $ الفرنسى بعض العذر فى إغفالها إذا روعى أن التعامل بالرسائل كان فى سنة 1804 بالغ الندورة . . . بيد أنه من المسلم أن التعامل بالرسائل أخذ يتزايد نصيبه من الأهمية ، تحى أصاب من سعة النطاق بسطة جديرة بالاعتبار . وليس شك فى أن هذا الضرب من التعامل قد اضطرد بوجه خاص فى المسائل التجارية ، لكن المتعاملين من التجار لم يستشعروا ضرورة لحكم تشريعى جديد نظراً لانتفاء قيود الإثبات فى هذه المسائل . على أن التعامل بالرسائل شمل الروابط المدنية أيضاً ، ومن عجب أن يستشعر واضعو المشروع الفرنسى الإيطالى ضرورة تشبيه البرقية بالورقة العرفية المادة 484 دون أن يشيروا إلى الرسائل " ( 388 ) .
وقد كان الفقه والقضاء فى مصر ( 389 ) ، فى ظل التقنين السابق وبالرغم من انعدام النص ، يذهبان إلى أن الرسالة متى وصلت إلى المرسل إليه صارت ملكه ، وله أن يستخدمها كدليل إثبات على حق يدعيه عند المرسل ، حتى لو تضمنت سراً فيخير المرسل بين أن يقدم الرسالة إلى القضاء بالرغم من احتوائها لهذا السر أو أن ييسر له المرسل الإثبات من طريق آخر غير الرسالة . وقد ترتفع السرية عن الرسالة بعد وجودها إذا نشرت وعرفها الجمهور ولو عن طريق دعوى جنائية انتهت بحكم بالبراءة( 390 ) . ثم إن ما ورد فى الرسالة إذا كان بخط المدين أو كان موقعاً عليه منه يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة أو دليلا كاملا ، على أن يترك ذلك إلى تقدير القاضى ، فإن الرسالة ليست فى الأصل معدة للإثبات ، وما يدونه المرسل بها لا يلتزم فيه من الاحتياط ما يلتزمه فى الورقة العرفية التى تعد مقدماً للإثبات ، فيجب أن يكون هذا محلا للاعتبار( 391 ) .
$ 258 $
أما التقنين الجديد فلم يترك الأمر إلى تقدير القاضى ، بل نص صراحة على أن " تكون للرسائل الموقع عليها قيمة الورقة العرفية من حيث الإثبات " ( 392 ) . وكان التقنين الجديد جريئاً فى إيراده لهذا النص ، فلم يسبقه إليه تقنين آخر كما تقول المذكرة الإيضاحية . وقد سلب القاضى حريته فى التقدير ، فلم يعد هذا يستطيع ، إذا رأى أن المرسل لم يحتط فى رسالته ولم يقصد إلى أن ينتج جميع الآثار القانونية التى تترتب على ما كتبه فى هذه الرسالة ، أن يرفع عن الرسالة حجيتها أو أن ينتقض من هذه الحجية كما كان يستطيع فى ظل التقنين السابق . فمتى كانت الرسالة موقعة من المرسل ، استوفت شرائط الورقة العرفية ، وصار $ 259 $ بها حجيتها ، حتى لو كانت لم تستوف شرطاً جوهرياً هو أن تكون قد أعدت مقدماً للإثبات فإن هذا الإعداد السابق من شأنه أن يفرض على المرسل الاحتياط والتمعن . بالرغم من ذلك أصبحت الرسالة الموقعة فى التقنين الجديد ، كما قدمنا ، بمنزلة الورقة العرفية المعدة للإثبات ، ولها قيمة الدليل الكامل . فهى حجة على المرسل من حيث صدورها منه ، إلا أن ينكر توقيعه أو خطه على النحو الذى قدمناه فى الأوراق العرفية المعدة للإثبات . وهى أيضاً حجة على المرسل بصحة المدون فيها ، إلا أن يثبت العكس بالطرق المقررة ، وهو لا يستطيع أن يثبت ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة . وهى أخيراً حجة على المرسل من حيث قيام التصرف القانونى الذى تشهد به الرسالة ، على أن له أن يدفع هذا التصرف بجميع الدفوع الموضوعية والشكلية التى يسمح بها القانون( 393 ) .
$ 260 $
والذى لا يزال يفرق فى نظرنا بين الرسالة الموقعة والورقة العرفية المعدة للإثبات ، حتى فى ظل التقنين الجديد ، هو أن القاضى عند تفسيره للعبارات الواردة فى الرسالة الموقعة –إذا كانت هذه الرسالة لم تعد مقدماً للإثبات ويندر أن تعد لهذا الغرض فى غير المسائل التجارية - لابد أنه ملق بالا إلى أن كاتب هذه العبارات لم يصطنع الحيطة المألوفة عند من يقصد أن يرتبط بعباراته ارتباطاً قانونياً ، فيفسر الرسالة بما يتلاءم مع الجو الذى كتبت فيه .
أما إذا كانت الرسالة غير موقعة ولكنها مكتوبة بخط المرسل ، فهى تصلح مبدأ ثبوت بالكتابة كما كان الأمر فى التقنين السابق . وصورة الرسالة لا حجية لها كصورة أية ورقة عرفية( 394 ) .
133 - متى يجوز للمرسل إليه أن يحتج بالرسالة : من حق المرسل إليه أن يقدم الرسالة إلى القضاء ليستخلص منها دليلا لصالحه ضد المرسل متى كانت له مصلحة مشروعة فى ذلك ( 395 ) . فإذا تضمنت الرسالة اتفاقاً تم بينه وبين $ 261 $ المرسل ، أو التزاماً تعهد به المرسل ، أو مخالصة ، أو إبراء ، أو إقراراً ، أو نحو ذلك ، كان للمرسل إليه مصلحة مشروعة فى أن يقدم الرسالة دليلا على ما تقدم . وكذلك إذا تضمنت الرسالة جريمة فى حق المرسل غليه كتهديد أو احتيال أو قذف أو سب ، أو كانت دليلا على جريمة هو مجنى عليه فيها كجريمة الزنا ( 396 ) ، كان له أن يقدمها إلى القضاء دليلا للإثبات .
على ألا يكون فى كل هذا انتهاك لحرمة السرية . فإذا كانت هناك سرية تنتهك ، ولم ينبه المرسل غليه المرسل حتى ييسر له الإثبات من طريق آخر على النحو الذى سبق أن بيناه ، فلا يجوز للمرسل إليه أن يقدم الرسالة إلى القضاء ، وإن فعل جاز للمرسل أن يطلب استبعادها ، وله الرجوع على المرسل غليه بالتعويض ( 397 ) .
$ 262 $
وينتقل حق المرسل إليه فى الرسالة كدليل إثبات إلى ورثته من بعده . فلهم استعمالها كخلف له فى نفس الحدود التى يجوز فيها ذلك للمرسل إليه : لمصلحة مشروعة وبشرط عدم انتهاك حرمة السرية .
وهذه الأحكام إنما هى تطبيق للقواعد العامة ، وكان معمولا بها فى ظل التقنين السابق .
134 - متى يجوز للغير أن يحتج بالرسالة : ولا يقتصر حق الاحتجاج بالرسالة على المرسل إليه وورثته ، بل يمتد هذا الحق إلى الغير ، وهو كل شخص غير المرسل إليه وورثته تكون له مصلحة مشروعة فى الاحتجاج بها . مثل ذلك أن تتضمن الرسالة إقراراً من المرسل يفيد الغير ، أو تتضمن اشتراطا لمصلحة هذا الغير . ذلك أن حق الاحتجاج بالرسالة ليس مستمداً من أنها ملك للمرسل إليه ومن أنه فى الاحتجاج بها إنما يستعمل ملكه ، ولكنه مستمد من أن الرسالة تنطوى على دليل إثبات ، فمن كان فى حاجة إلى هذا الدليل لإثبات دعواه أمام القضاء جاز له أن يطلب تقديم الرسالة . ويتبين من ذلك أن حق الاحتجاج بالرسالة مستمد ، لا من حق الملك ، بل من الحق فى الإثبات وهو الحق الذى رسمنا مداه فيما تقدم( 398 ) .
وهو حق ضيق فى التشريع المصرى . فقد رأينا أن تقنين المرافعات الجديد ( م 253 ) يجيز للخصم – وهو هنا الغير – أن يطلب إلزام خصمه – وهو هنا المرسل إليه إذا كانت الدعوى قائمة بينه وبين الغير – بتقديم أية ورقة منتجة فى الدعوى ، ومن ذلك الرسالة التى تتضمن دليلا لمصلحة الغير ، إذا كانت الرسالة محررة لمصلحة الخصمين أو كانت مثبتة لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة أو استند إليها خصمه فى أية مرحلة من مراحل الدعوى . ويجب فوق ذلك ألا يكون فى $ 263 $ تقديم الرسالة انتهاك لحرمة السرية ، وإلا وجب أيضاً استئذان المرسل قبل تقديمها ، هذا ما لم يكن المرسل نفسه هو الخصم الذى طلب تقديم الرسالة .
وهذا كله ول كانت الرسالة فى يد المرسل إليه كما هو الغالب . ولكنها قد تقع فى يد الغير الذى له مصلحة مشروعة فى الاحتجاج بها . فإن وقعت فى يده بطريقة غير مشروعة ، كأن كان قد أخذها خلسة أو احتيالا ( 399 ) ، فلا يجوز له تقديمها بتاتاً ، وإذا قدمها وجب استبعادها . أما إذا وقعت فى يده بطريقة مشروعة ( 400 ) ، فلا يجوز له كذلك تقديمها إلا بإذن المرسل إليه مالك الرسالة ، ما لم يكن له فيها حق الإثبات فى الأحوال التى قدمناها فيجوز له تقديمها بغير إذن المرسل إليه ( 401 ) . وفى جميع الأحوال لا يجوز تقديم الرسالة إذا كان فى تقديمها انتهاك لحرمة السرية إلا بعد استئذان المرسل ( 402 ) ، . ولا تعتبر الرسالة سرية لمجرد أنها موجهة لشخص غير الذى يحتج بها ( 403 ) ، بل السرية ترجع إلى موضوع الرسالة نفسه ، وقاضى الموضوع هو الذى يقدر ذلك ( 404 ) .
135 - قوة البرقية فى الإثبات : والبرقية قوتها فى الإثبات كقوة الرسالة الموقعة ، بشرط أن يكون أصل البرقية المودع فى مكتب التصدير موقعاً عليه $ 264 $ من المرسل . ذلك أن البرقية هى أصل وصورة . فالأصل يكتبه المرسل عادة بخطه ويوقعه ، وهو يحفظ فى مكتب التصدير لمدة معينة هى ثلاثة أشهر من تاريخ صدور البرقيات الداخلية وعشرة شهور من الشهر التالى لصدور البرقيات الخارجية وخمسة عشر شهراً من الشهر التالى لصدور البرقيات اللاسلكية ( 405 ) . والصورة يكتبها عامل البرق الذى يتلقى البرقية فى مكان وصولها ، ويرسل بها إلى المرسل إليه . فلا يكون إذن فى حيازة المرسل إليه كدليل للإثبات إلا هذه الصورة . وهى فى ذاتها ، كصورة لورقة عرفية ، ليست لها قيمة فى الإثبات . وإنما تفترض مطابقتها للأصل ما دام الأصل لا يزال موجوداً بمكتب التصدير . فإذا ادعى المرسل أن هذه المطابقة غير متوافرة ، فعليه أن يطلب من " مصلحة التلغرافات " تقديم الأصل ، وتضاهى عليه الصورة . فإن تحقق التطابق ، أن للبرقية حجية الورقة العرفية : من حيث صحة صدورها من مرسلها إلى حد الإنكار ، ومن حيث صحة الوقائع الواردة بها إلى حد إثبات العكس ، ومن حيث قيام التصرف القانونى الذى تشهد به مع جواز دفعه بجميع الدفوع الموضوعية والشكلية ، وكذلك من حيث جواز تمسك المرسل إليه وتمسك لغير بالبرقية على النحو الذى بسطناه فى الرسالة . ولكن هذه الحجية مستمدة ، لا من الصورة ، بل من الأصل الذى وجدت الصورة مطابقة له . ويعتبر تاريخ البرقية تاريخاً ثابتاً ، لأن خاتم المكتب الذى يختم به الأصل يحمل تاريخ الإرسال ويمكن التأكد من صحة التاريخ بالرجوع إلى دفتر معد لذلك ( 406 ) . فإذا لم تكن الصورة مطابقة للأصل ، فالعبرة بالأصل الموقع من المرسل لا بالصورة التى يكون التحريف قد تسرب إليها من عامل البرق .
أما إذا كان الأصل الموقع عليه قد أعدم بعد انقضاء المدة المعينة( 407 ) ، $ 265 $ أو كان غير موجود بأن سرق أو احترق أو ضاع أو فقد لأى سبب آخر ، فلا عبرة بالصورة ، لأن الحجية إنما هى كما قدمنا مستمدة من الأصل . ولا تصلح الصورة فى هذه الحالة إلا لمجرد الاستئناس ، وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الثالثة من المادة 396 وقد تقدم ذكرها . ولا تعتبر الصورة مبدأ ثبوت بالكتابة لأنها ليست بخط المرسل ، ولا يعتد بأنها صدرت من موظف عام لأنه ليس من شأنه أن يتحقق من شخصية مرسل البرقية ، ويقع كثيراً أن يكتب البرقية ويتولى إرسالها شخص غير صاحبها( 408 ) .
بقيت حالة ما إذا كان الأصل غير موقع عليه من المرسل . وهذه تخضع للقواعد العامة ، إذ لم يرد نص خاص فى شأنها . وتقضى القواعد العامة فى هذه الحالة أن تكون العبرة بالأصل لا بالصورة كما قدمنا . فإذا لم يوجد الأصل عبر الموقع ، فالصورة لا تصلح إلا لمجرد الاستئناس وفى كثير من الحذر لأن الأصل لم يوقع عليه . وإذا وجد الأصل غير الموقع ، فهو أيضاً لا يكون دليلا كاملا لانعدام التوقيع ، ولكنه قد يكون مبدأ ثبوت بالكتابة إذا كان مكتوباً بخط المرسل( 409 ) .
$ 266 $
على أن الأحكام نفسها التى أوردها التقنين الجديد فى شأن البرقيات ليست إلا تطبيقاً للقواعد العامة ، وقد كان معمولا بها فى ظل التقنين السابق دون نص( 410 ) .
المبحث الثانى
دفاتر التجار
136 - النصوص القانونية : تنص المادة 397 من التقنين على ما يأتى :
" 1 - دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار ، غير أن البيانات المثبتة فيها عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضى أن يوجه اليمين المتممة إلى أى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة " .
" 2 - وتكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار ، ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه " ( 411 ) .
$ 267 $
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق . ولكن التقنين التجارى أشتمل على نصوص طبقها القضاء واستخلص منها الأحكام التى تضمنتها المادة 397 من التقنين المدنى الجديد ، فيما عدا حكماً واحداً استحدثته هذه المادة وهو الحكم الخاص بالبيانات الواردة فى دفاتر التاجر متعلقة بما ورده لغير التاجر ، وقد نقل هذا الحكم عن المادة 1329 من التقنين المدنى الفرنسى .
ويقابل هذا النص فى التقنينات العربية : فى قانون البينات السورى المواد 14 و 17 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 458 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المواد 170 – 172 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة 384 ( 412 ) ، $ 268 $ ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين 1329 و 1330( 413 ) .
المطلب الأول
الدفاتر التجارية
137 - مسألتان : نبحث هنا : ( أولا ) ما هى الدفاتر التجارية وكيف تنظم ( ثانياً ) متى يجوز للقاضى الأمر بتقديمها ومتى يجوز له الأمر بالإطلاع عليها .
$ 269 $
138 - ما هى الدفاتر التجارية وكيف تنظم : لا نطيل فى بحث هذه المسألة فهى من مسائل القانون التجارى . وبحسبنا هنا أن نذكر أن التقنين التجارى أوجب على التجار ، تنظيما لحساباتهم وتيسيراً عليهم فى الإثبات ، أن يمسكوا دفاتر معينة كانت ، بحسب المواد 11 - 13 من التقنين التجارى التى ألغاها القانون رقم 388 لسنة 1953 ، ما يأتى ( 414 ) :
( 1 ) دفتر اليومية : ( Livre - Journal ) : كانت المادة 11 من التقنين التجارى تنص على أنه " يجب على كل تاجر أن يكون له دفتر يومية يشتمل على بيان ما له وما عليه من الديون يوماً فيوماً ، وعلى بيان أعمال تجارته ، وبيان ما اشتراه أو باعه أو قبله أو أحاله من الأوراق التجارية ، وعلى بيان جميع ما قبضه وما دفعه . ويكون مشتملا أيضاً على المبالغ المنصرفة على منزله شهراً فشهراً إجمالا بغير بيان لمفرداتها " .
ونرى من ذلك أن دفتر اليومية هذا يدون فيه التاجر كل العمليات التى يجريها فى يومه ، دون تمييز بين ما هو متعلق بتجارته وما هو غير متعلق بها ، حتى الهبات والصدقات والتبرعات ، وحق المبالغ المنصرفة على منزلة وإن كان يذكرها إجمالا شهراً فشهراً . ولكن أهم ما يدون فى دفتر اليومية هو ما يتعلق $ 270 $ بأعمال التجارة ، فيدون التاجر ، يوماً فيوماً ، ما اشتراه أو باعه ، وما قبضه أو دفعه ، وما استجده من حقوق أو استحدثه من ديون ، وما قبله من الأوراق التجارية أو أحاله منها ، وكل بيان بأى عمل تجارى آخر أجراه .
( 2 ) دفتر المراسلات ( Livre - copie des lettres ) : وكانت المادة 12 من التقنين التجارى تنص على أنه " يجب على التاجر أن يقيد فى دفتر مخصوص صور ما يرسله من الخطابات المتعلقة بالأشغال ، وأن يجمع ما يرد إليه منها فى كل شهر ويضعه فى ملف على حدته " .
والأمر هنا مقصور على المراسلات المتعلقة بأعمال التجارة؛ دون المراسلات المتعلقة بالشؤون الخاصة . فيقيد التاجر فى دفتر المراسلات صور جميع المراسلات التى أصدرها متعلقة بعمله التجارى ، سواء كانت خطابات أو برقيات أو قوائم ( Factures ) أو تذاكر نقل ( lettres de voiture ) أو تذاكر شحن ( Connais – sements ) أو غير ذلك . ويحتفظ بما يتلقاه من مراسلات ، أى بالأصول ذاتها ، جامعاً ما يرد إليه منها كل شهر فى ملف على حدة ( en liasse ) . وهذه المراسلات –ما أصدره وما تلقاه - قد تكون مصدراً لإثبات كثير من العقود والأعمال التجارية .
( 3 ) دفتر الجرد ( livre des inventaires ) : وكانت المادة 13 من التقنين التجارى تنص على أنه " يجب على كل تاجر أن يجرد كل سنة أمواله المنقولة والثابتة ، ويحصر ما له وما عليه من الديون ، ويقيد صورة قائمة الجرد المذكور فى دفتر بعد ذلك زيادة على الدفترين المذكورين فى المادتين السابقتين " .
فالجرد إذن هو حصر سنوى لأموال التاجر المنقولة والثابتة ، وكذلك حصر سنوى لما للتاجر وما عليه من الديون . وتقيد صورة من قائمة هذا الجدر فى دفتر الجرد( 415 ) .
$ 271 $
وكانت المادة 14 من التقنين التجارى تنص على أنه " يجب أن تكون هذه الدفاتر خالية م كل فراغ أو بياض أو كتابة فى الحواشى ، عدا ما يترك من البياض فى الدفتر الذى تقيد فيه صور الخطابات بطريق الطبع . ويلزم قبل بدء الكتابة فى اليومية ودفتر الجرد أن تنمر كل صحيفة منهما ، وتوضع على كل ورقة بدون مصاريف علامة المأمور الذى تعينه المحكمة الابتدائية لذلك ، وفى آخر كل سنة يضع هذه المأمور أيضاً فى الدفترين المذكورين وفى دفتر صور الخطابات التأشير اللازم بحضور التاجر الذى يقدمها ، بدون أن يجوز للمأمور المذكور بأى وسيلة كانت الإطلاع على مضمون الدفاتر المقدمة له ولا حجزها عنده " . وقد قصد بتنمير الصفحات منع التاجر من إعدام بعض هذه الصفحات ، ومن وضع علامة ( Paraphe ) المأمور –ويكون غالباً رئيس قلم الكتاب بالمحكمة - عليها منع التاجر من تحشير صفحات جدد إلا إذا زور علامة المأمور فيعاقب على جريمة التزوير ، ومن وضع التأشير فى نهاية الدفتر منع التاجر من إضافة صفحات جديدة إلا إذا عرض نفسه هنا أيضاً لعقوبة التزوير . وتنص المادة 15 من التقنين التجارى على أن " الدفاتر التى يجب على من يشغل بالتجارة اتخاذها لا تكون حجة أمام المحاكم ما لم تكن مستوفية للإجراءات السالف ذكرها " . فإذا استوفت الدفاتر التجارية هذه الإجراءات ، كانت منتظمة ، وكان لها من الحجية ما سنذكره فيما يلى . على أن الدفاتر غير المنتظمة ، وهى التى لم تستوف هذه الإجراءات كلها أو بعضها ، لا يزال لها بعض الحجية كما سنرى .
هذا وقد ألغى المشرع المصرى ، بمقتضى القانون رقم 388 لسنة 1953 المنشور فى الوقائع المصرية ( العدد 64 مكرر الصادر فى 6 أغسطس سنة 1953 ) ، المواد 11 - 14 من التقنين التجارى وهى المواد التى تقدم ذكرها ، واستبدال بها نصوصاً جديدة تنظم دفاتر التجار تنظيما أدق وأكثر مسايرة للنظم الحديثة فى إدارة الأعمال . وقد أصبح بموجب هذا القانون الجديد واجباً على التاجر أن يمسك من الدفاتر التجارية العدد الذى تستلزمه طبيعة تجارته وأهميتها ، بحيث $ 272 $ لا يقل عدد هذه الدفاتر عن اثنين : ( 1 ) دفتر اليومية الأصلى وتقيد فيه جميع العمليات المالية التى يقوم بها التاجر وكذلك مسحوباته الشخصية . ويتم هذا القيد يوماً فيوماً . ويجوز استعمال دفاتر يومية مساعدة ، ويكتفى فى هذه الحالة بتقييد إجمالى للعمليات فى دفتر اليومية الأصلى فى فترات منتظمة من واقع هذه الدفاتر . ( 2 ) دفتر الجرد : وتقيد فيه تفاصيل البضاعة الموجودة فى آخر السنة المالية ، أو بيان إجمالى عنها إذا كانت التفاصيل واردة بدفاتر وقوائم مستقلة . وعند ذلك تعتبر هذه الدفاتر والقوائم جزءاً متمما للدفتر المذكور . ويحتفظ التاجر بصور من المراسلات والبرقيات التى يصدرها وبأصول ما يرد إليه منها ، ويقوم هذا مقام دفتر المراسلات . وقد استبقى قانون سنة 1953 تنمير الصفحات وتوقيع الموثق الواقع فى دائرة اختصاصه المحل التجارى ( بدلا من رئيس قلم كتاب المحكمة ) على كل ورقة( 416 ) .
$ 273 $
فالقانون التجارى إذن ألزم التجار اتخاذ دفاتر منتظمة يسجلون فيها ما لهم من الحقوق وما عليهم من الديون ، ويقيدون جميع ما يرتبط بأعمالهم التجارية . وقد جعل لعدم انتظام هذه الدفاتر جزائين : جزاء مدنياً هو سلب هذه الدفاتر من كثير من قوتها فى الإثبات ، وجزاء جنائياً إذا أفلس التاجر ودفاتره غير منتظمة( 417 ) .
139 - تقديم دفاتر التجار والإطلاع عليها : ولما كان من أهم أغراض دفاتر التجار هو أن تكون أدلة للإثبات ، فقد نص التقنين التجارى على وسيلتين لتحقيق هذا الغرض : أولاهما تقديم هذه الدفاتر ( Representation ) والأخرى الإطلاع عليها ( Communication )( 418 ) .
أما التقديم ، فقد نصت عليه المادة 18 من التقنين التجارى على الوجه الآتى : " يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها فى أثناء الخصومة بتقديم الدفاتر لتستخرج منها ما يتعلق بهذه الخصومة " . وهذه الوسيلة جائزة فى جميع المنازعات التجارية والمدنية ، سواء كان الخصم الآخر تاجراً أو غير تاجر ، لإطلاق النص . $ 274 $ وللمحكمة أن تلجأ إليها من تلقاء نفسها دون طلب من الخصوم . والغرض منها محدود : هو أن تطلع المحكمة –دون الخصوم - على دفاتر التاجر ، لا فى جميع أجزائها ، بل فى الجزء الذى وردت فيه البيانات المتعلقة بالخصومة . وقد تطلع المحكمة على هذا الجزء بنفسها ، أو بواسطة خبير تندبه لذلك وهو الغالب . ويقع إطلاع المحكمة أو الخبير على الدفتر بحضور التاجر صاحبه وتحت رقابته . ويجوز للمحكمة ، إذا كانت الدفاتر التى أمرت بتقديمها فى مكان بعيد ، أن تطلب من أقرب محكمة القيام بهذه المهمة ( Commission Rogatoire ) فتقوم بها وتحرر تقريراً بذلك ترسله إلى المحكمة الأولى ( 419 ) .
وأما الإطلاع ، فقد نصت عليه المادة 16 من التقنين التجارى على الوجه الآتى : " لا يجوز للمحكمة ، فى غير المنازعات التجارية ، أن تأمر بالإطلاع على الدفترين المتقدم ذكرهما ( اليومية والمراسلات ) ولا على دفتر الجرد إلا فى مواد الأموال المشاعة أو مواد التركات وقسمة الشركات وفى حالة الإفلاس . وفى هذه الأحوال يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها بالإطلاع على تلك الدفاتر " . والإطلاع أوسع مدى من التقديم ، وأشد خطراً . فيستطيع هذا أن يطلع على جميع محتوياتها بما قد تشتمل عليه من أسرار . ولكنه أضيق نطاقاً : فإنه إذا جاز للمحكمة أن تأمر بالإطلاع من تلقاء نفسها دون طلب من الخصم وهذه هى الحال فى التقديم ، فإنها لا تأمر بذلك إلا فى المنازعات التجارية وفى بعض المنازعات المدنية . وينتقد فقهاء القانون التجارى إطلاق حرية المحكمة فى الأمر بالإطلاع فى جميع المنازعات التجارية ، لأن فى الإطلاع إفشاء لسر التاجر ، وكان الواجب فى نظرهم أن يلتزم المشرع المصرى نص المادة 14 من التقنين المدنى الفرنسى وهى لا تجيز الإطلاع إلا فى مواد التركات والذمم المشتركة الناشئة عن الزواج بمقتضى نظام اختلاط الأموال وقسمة الشركات والإفلاس( 420 ) . ولكن لا مناص من احترام النص الصريح ، وأجازه الأمر بالإطلاع : ( أولا ) فى جميع المنازعات التجارية . ( ثانياً ) فى بعض المنازعات $ 275 $ المدنية ، وهذه هى :
( 1 ) مواد الأموال المشاعة : والنص الفرنسى لهذه العبارة هو : Communaute أى نظام اختلاط الأموال ، وليس الشيوع ( indivision ) . فإذا نزوج . فإذا نزوج التاجر على مقتضى نظام اختلاط الأموال ( regime de communaute ) ، ودخل متجره فى الذمة المشتركة ، ثم انحلت رابطة الزوجية ووجبت تصفية هذه الذمة ، جاز للمحكمة أن تأمر بإطلاع الخصم –الزوجة أو ورثتها أو الزوج أو ورثته - على الدفاتر التجارية ليقرر نصيبه من الذمة المشتركة( 421 ) .
( 2 ) مواد التركات : فإذا توفى التاجر وقام نزاع بين ورثته – على تقسيم التركة ، جاز للمحكمة إلزام الورثة الذين يحوزون دفاتر مورثهم التجارية بإطلاع بقية الورثة عليها ، حتى يستطيع كل منهم أن يقدر نصيبه من التركة . وهذا الحق مقصور على الورثة والموصى لهم بحصة من التركة ، دون الموصى له بعين معينة أو الأجنبى .
( 3 ) قسمة الشركات : فإذا انحلت الشركة ، جاز للمحكمة أن تأمر بإطلاع كل شريك على الدفاتر التجارية للشركة ليتبين مقدار نصيبه . وهذا الحق مقصور على الشركاء ، فلا يشمل دائنى الشركة . وقد نصت المادة 519 من التقنين المدنى الجديد ، بالنسبة إلى الشركاء المدنية ، على أن " الشركاء غير المديرين ممنوعون من الإدارة ، ولكن يجوز لهم أن يطلعوا بأنفسهم على دفاتر الشركة ومستنداتها ، وكل اتفاق على غير ذلك باطل " . ويسرى هذا النص على الشركاء المتضامنين والشركاء موصين فى شركات التوصية البسيطة والشركات عموماً فى شركات المحاصة ، أما الشركاء المساهمون سواء فى شركات المساهمة أو شركات التوصية بالأسهم فلا يجوز لهم طلب الإطلاع على دفاتر الشركة لكثرة عددهم ولتفادى تعطيل أعمال الشركة أو ذيوع أسرارها ، ومع ذلك يجوز للمحكمة استثناء أن تأمر بإطلاع الشريك المساهم على دفاتر الشركة متى كانت له مصلحة جدية فى هذا الإطلاع ( 422 ) . ونصت المادة 691 من التقنين المدنى الجديد على أنه " 1 . إذا نص العقد على أن يكون للعامل فوق الأجر المتفق عليه أو بدلا منه حق فى جزء من أرباح رب العمل ، أو فى نسبة مئوية من جملة الإيراد أو من مقدار الإنتاج أو من قيمة ما يتحقق من وفر أو ما شاكل ذلك ، وجب على رب العمل أن يقدم إلى العامل بعد كل $ 276 $ جرد بياناً بما يستحقه من ذلك . 2 - ويجب على رب العمل فوق هذا أن يقدم إلى العامل ، أو إلى شخص موثوق به يعينه ذوو الشأن أو يعينه القاضى ، المعلومات الضرورية للتحقق من صحة هذا البيان ، وأن يأذن له فى ذلك بالإطلاع على دفاترة " . ومن ذلك نرى أن حق إطلاع الشركاء على دفاتر الشركة ثابت لهم فى أحوال ثلاثة : إذا انحلت الشركة ، أو وهى قائمة للشركاء غير المديرين ، أو عند اشتراط أن يكون للعامل جزء من الأرباح أو الإيراد أو مقدار الإنتاج أو نحو ذلك . 4 - حالة الإفلاس . فللسنديك الحق فى الإطلاع على دفاتر المفلس حتى يتمكن من تأدية مهمته . ولا يجوز للدائن ، بصفته الفردية ، أن يطلب هذا الإطلاع ، إلا إذا عين مراقباً – هذا ويمكن الآن إضافة حالة خامسة ، إذ يجوز لمصلحة الضرائب الإطلاع على دفاتر الممولين لتقدير الضريبة على الأرباح التجارية والصناعية ( قانون رقم 14 لسنة 1939 )( 423 ) .
وإذا أمرت المحكمة بتقديم أو بالإطلاع عليها ، وامتنع الخصم من تنفيذ أمر المحكمة ، فإن المادة 257 من تقنين المرافعات الجديد تجيز للمحكمة أن تستخلص من هذا الامتناع معنى الاعتراف بالدين . وكذلك يجوز للمحكمة أن تجبر الخصم على التنفيذ بطريق التهديد المالى ( Astreintes )( 424 ) .
المطلب الثانى
قوة الدفاتر التجارية فى الإثبات
140 - حجية الدفاتر التجارية : لدفاتر التجار حجية فى الإثبات حددها $ 277 $ القانون . وتتلخص هذه الحجية فى مسألتين :
( 1 ) دفتر التاجر حجة عليه .
( 2 ) وقد يكون حجة له .
141 - دفتر التاجر حجة عليه : رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 397 من التقنين المدنى تقضى بأن " تكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار ، ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه " .
فالقاعدة الجوهرية فى هذه المسألة إذن أن دفتر التاجر حجة عليه . ذلك أن هذا الدفتر هو بمثابة إقرار منه مكتوب . والتاجر إما أن يكون قد كتبه بخطه أو بإملائه ، أو فى القليل كتب الدفتر بإشرافه وتحت رقابته ، فهو صادر منه على كل حال . ونم ثم يكون هذا الدفتر حجة عليه ، سواء كان خصمه تاجراً فى نزاع تجارى أن يرد فى دفتر يومية التاجر أو فى دفتر المراسلات بيان بأن تاجر جملة ورد له مقداراً معيناً من البضاعة بسعر معين ، فهذا البيان حجة على التاجر صاحب الدفتر لمصلحة تاجر الجملة ، وسنرى أن دفتر تاجر الجملة فى مثل هذا النزاع قد يضاهى هو أيضاً على دفتر التاجر الأول . ومثل أن يكون الخصم تاجراً فى نزاع مدنى أن يرد فى دفتر اليومية مثلا بيان عن صفقة عقدها التاجر مع تاجر مثله وقبل فيها شراء عقار بثمن معين ، فهذا البيان يكون حجة على التاجر المشترى لمصلحة التاجر البائع ، والنزاع هنا مدنى لأن يتعلق بشراء عقار فى غير عمل تجارى . ومثل أن يكون الخصم غير تاجر أن يرد فى دفتر يومية التاجر مثلا بيان بتوريد سلعة بثمن معين إلى عميل له غير تاجر ، فهذا البيان حجة على التاجر ، وليس حجة على العميل إلا إذا توافرت شروط معينة سيأتى ذكرها فيما يلى .
على أننا إذ نقرر أن دفتر التاجر حجة عليه على النحو الذى قدمناه ينبغى ألا نغفل أن فى هذا خروجاً على القواعد العامة فى الإثبات من ناحيتين :
( 1 ) أن دفتر التاجر ورقة عرفية غير موقعة من التاجر ، بل يغلب ألا تكون مكتوبة بخطه ، وقد يقع فيه من الأخطاء ما لا قبل للتجار بملافاته .
( 2 ) أن هذا $ 278 $ الدفتر هو فى حوزة التاجر ، ويلزمه القانون كما رأينا أن يقدمه ليستخلص منه دليل ضده ، فهو إذن يجبر على أن يقدم دليلا على نفسه . من أجل هذا روعى هذا الدليل أمران :
( الأمر الأول ) أنه جوازى للقاضى ، فله أن يأخذ به وله أن يطرحه . والمادة 17 من التقنين التجارى ، وسيرد ذكرها ، صريحة فى معنى الجواز( 425 ) . والقاضى يأخذ بهذا الدليل إذا وقع فى نفسه أنه ارتفع عن الشبهات ، كأن تكون الدفاتر منتظمة ، وأن يكون الدفتر الذى ورد فيه الدليل من الدفاتر الإلزامية التى تمكن مضاهاتها بنظائرها عند التاجر الآخر ، وأن يلمس القاضى العناية والدقة فى إمساك الدفتر ، بل قد يكون البيان مكتوباً بخط التاجر نفسه . على أنه يجب ألا يفهم من ذلك أن الدفتر إذا كان اختيارياً ( 426 ) ولم يكن مكتوباً بخط التاجر لا يستخلص القاضى منه دليلا ضده ، فإن هذا جائز ، وتقدير الأمر مرده إلى القاضى نفسه ومبلغ اقتناعه بقوة الدليل . بل إن الدفاتر قد لا تكون منتظمة ، وبالرغم من أن المادة 15 من التقنين التجارى تقضى بأن الدفاتر لا تكون حجة أمام المحاكم ما لم تكن مستوفية للإجراءات ( 427 ) ، فإن القاضى قد يقتنع بالبيان الوارد فى الدفتر لأنه لا يشعر بأى افتعال بل يبعث على الاطمئنان ، فيأخذ بهذا الدليل( 428 ) .
$ 279 $
وكل ما يترتب على عدم انتظام الدفتر قانوناً هو أن القاضى يستطيع أن يجزئ الدليل . فإذا كان قد ورد فى دفتر غير منتظم أن التاجر استورد بضاعة معينة وقد دفع ثمنها ، فهذا البيان دليل ضده على أنه استورد البضاعة ، ولكن يجوز لمن ورد البضاعة أن يستبعد من هذا الدليل ما يتعلق بدفع الثمن ، فيكون بذلك قد أثبت من الدفتر نفسه أن البضاعة وردت ، وعلى التاجر صاحب الدفتر أن يثبت أن الثمن قد دفع . أما لو كان الدفتر منتظما ، فقد قضت المادة 397 من التقنين المدنى بأنه لا يجوز لمن يريد أن يستخلص منه دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيه ويستبعد ما كان مناقضاً لدعواه . ففى المثل المتقدم ، فى حالة انتظام الدفتر ، يجب على من ورد البضاعة أن يأخذ البيان الوارد فى الدفتر كاملا ، فيكون هذا البيان دليلا على توريد البضاعة وعلى دفع الثمن فى وقت واحد . فإن أنكر مورد البضاعة أنه قبض الثمن ، فعليه هو –لا على التاجر صاحب الدفتر المنتظم - أن يثبت ذلك( 429 ) .
( والأمر الثانى ) أن القاضى إذا رأى أن يأخذ بالدليل المستخلص من الدفتر ، فإن لصاحب الدفتر ، ولو كان دفتره منتظما ، أن يثبت عكس ما ورد فيه ، وذلك بجميع الطرق حتى بالبينة أو بالقرائن . ولا يعترض على هذا الحكم بأنه لا يجوز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة ، فإن الوارد بالدفتر ليس دليلا كاملا لأنه ورقة عرفية غير موقعة كما قدمنا ، وإنما هو قرينة قابلة لإثبات العكس ، هذا إلى أنه إذا كان النزاع تجارياً فإن جميع طرق الإثبات جائزة فيه( 430 ) .
$ 280 $
142 - قد يكون دفتر التاجر حجة له : الأصل أن الشخص لا يجوز له أن يصطنع دليلا لنفسه ، حتى لو كان تاجراً ، وحتى لو كنت دفاتره منتظمة . فكل ما ورد فى دفتر التاجر ، كقاعدة عامة ، لا يصلح أن يكون دليلا له لأنه صادر منه . بل هو لا يكون مبدأ ثبوت بالكتابة لأنه غير صادر من خصمه . وإنما يكون دليلا ضده هو على النحو الذى قدمناه . ومع ذلك فقد أباح القانون أن يكون دفتر التاجر حجة له استثناء فى حالتين اثنتين :
( الحالة الأولى ) فى الدعاوى التجارية ما بين تاجر وتاجر ( 431 ) . وقد رأينا أن فى هذه الدعاوى يكون دفتر التاجر حجة عليه ، لا فيها فحسب بل وفى الدعاوى التجارية ما بين تاجر وغير تاجر وفى الدعاوى المدنية إطلاقاً . فإذا وقفنا من هذه الأنواع الثلاثة عند الدعاوى التجارية ما بين تاجر وتاجر ، وقررنا أن دفتر التاجر يكون حجة عليه ، وجب أن نستكمل الحكم فنقرر أن دفتر التاجر –فى الدعاوى التجارية ما بين تاجر وتاجر - كما يكون حجة عليه قد يكون حجة له . وتنص المادة 17 من التقنين التجارى فى هذا الصدد على ما يأتى : " ويجوز للقضاة قبول الدفاتر التجارية لأجل الإثبات فى دعاوى التجار المتعلقة بمواد تجارية إذا كانت تلك الدفاتر مستوفية للشروط المقررة قانوناً " . ففى المثل الذى قدمناه إذا ورد فى دفتر يومية التاجر أو فى دفتر المراسلات مثلا بيان بأن تاجر جملة ورد له مقداراً معيناً من البضاعة بسعر معين ، فهذا البيان كما قدمنا حجة على التاجر صاحب الدفتر لو كان هو الذى ينكر وقوع الصفقة أو لا يسلم بكمية البضاعة أو بمقدار الثمن . وقد يكون هذا البيان نفسه حجة له على تاجر الجملة لو أن هذا التاجر الأخير هو الذى ينكر شيئاً من ذلك . والأخذ بهذا الدليل على هذا النحو متروك لتقدير القاضى ، فإن النص لا يوجب الأخذ به بل يقول : " يجوز للقضاة قبول الدفاتر التجارية " .
ومما ييسر على القاضى الأخذ بهذا الدليل حجة للتاجر أن الدعوى تجارية $ 281 $ ما بين تاجر وتاجر ، فعند تاجر الجملة هو أيضاً دفاتر تجارية ورد فيها البيان الوارد فى دفاتر التاجر الأول . فما على القاضى إلا أن يضاهى ما بين الدفاتر . فإن تطابقت اطمأن إلى هذا التطابق فى الأخذ بالدليل . وإن لم تتطابق ، فإن كانت دفاتر أحد التاجرين منتظمة رجح أن يأخذ القاضى بها . ومع ذلك قد يأخذ بالدفاتر غير المنتظمة فى هذا البيان بالذات ، ويرجحها على الدفاتر المنتظمة . وإن كانت دفاتر كل من التاجرين منتظمة أو غير منتظمة ، كان القاضى حراً فى أن يأخذ بدفاتر هذا أو بدفاتر ذاك ، وقد لا يأخذ بهذه ولا بتلك ، ويتلمس الدليل من طريق آخر ( 432 ) .
ويلاحظ فيما قدمناه أمران :
( 1 ) أن القاضى قد يأخذ بدفتر غير منتظم لتاجر حجة له ، مع أن المادة 17 من التقنين التجارى تشترط لجواز قبول الدفاتر للإثبات أن تكون منتظمة . وقد قدمنا أن هذا الشرط لم يراع عند ما أخذ القاضى بالدفتر غير المنتظم حجة على التاجر ، فلا يراعى هنا أيضاً عند أخذه بالدفتر غير المنتظم حجة للتاجر متى رأى أن البيان يبعث على الاطمئنان ولا يشعر بأى افتعال ، فإن كل هذه البيانات ليست إلا قرائن بسيطة لا تقيد القاضى فى الأخذ بها .
( 2 ) ولما كانت البيانات قرائن بسيطة ، فإنه يجوز دائماً ، عند أخذ بيان فى دفتر تاجر حجة له ، أن يثبت خصمه عكس هذا البيان بجميع الطرق ، حتى بالبينة والقرائن لما قدمناه من الاعتبارات .
( الحالة الثانية ) فى دعوى التاجر على غير التاجر بالنسبة إلى البيانات الواردة فى دفتر التاجر عما ورده لغير التاجر . وقد رأينا أن الفقرة الأولى من المادة 397 تقول فى هذا الصدد ما يأتى : " دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار ، غير أن البيانات المثبتة فيما عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضى أن يوجه اليمين المتممة إلى أى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة " .
$ 282 $
فالأصل إذن ألا يكون دفتر التاجر حجة له ، لا على التاجر ، ولا على غير التاجر من باب أولى ( 433 ) . على أنه كما جاز استثناء أن يكون دفتر التاجر حجة له على التاجر فيما قدمناه ، يجوز كذلك استثناء أن يكون دفتر التاجر حجة له على غير التاجر ولكن بشروط أشد ، إذ يجب توافر الشروط الآتية :
( 1 ) أن يكون محل الالتزام سلعة وردها التاجر لعميله غير التاجر ، كالخباز يورد الخبز " والبقال " يورد " خزين " المنزل ( 434 ) .
( 2 ) أن يكون الالتزام مما يجوز إثباته بالبينة بالنسبة إلى العميل غير التاجر ، أى لا تجاوز قيمته عشرة جنيهات . وهذا الشرط أضافته لجنة المراجعة ، فقد كان المشروع التمهيدى لا يشتمل عليه محتذياً فى ذلك التقنين الفرنسى ( م 1329 ) . وقانون البينات السورى ( م 14 ) لا يشتمل هو أيضاً على هذا الشرط .
( 3 ) أن يكمل الدليل باليمين المتممة يوجهها القاضى إلى التاجر الذى يحتج بدفتره ، فلا تجوز التكملة هنا بالبينة أو بالقرائن ( 435 ) .
فإذا توافرت هذه الشروط ، فإنه يبقى بعد ذلك أمران :
( 1 ) أن الأخذ بهذا الدليل جوازى للقاضى ، فله أن يأخذ به أو لا يأخذ ، كما هى الحال فى سائر الأدلة التى تستخلص من دفاتر التجار . وهو لا يأخذ به غالباً إذا كان الدفتر غير منتظم .
( 2 ) أن للقاضى أن يسمح لغير التاجر بنقض الدليل المستخلص ضده من دفتر التاجر ، ويكفى فى هذا النقض البينة أو القرائن . بل إن للقاضى بأن يستنبط من القرائن فى نقض هذا الدليل ما يكتفى معه بتوجيه اليمين المتممة $ 283 $ إلى غير التاجر لا إلى التاجر ، لتفنيد الدليل لا لتأييده ( 436 ) .
ويلاحظ أن هذا الحكم وحده –دون سائر الأحكام التى قدمناها - هو الذى استحدثه التقنين المدنى الجديد ، نقلا عن التقنين المدنى الفرنسى ( 437 ) .
المبحث الثالث
الدفاتر والأوراق المنزلية
143 - النصوص القانونية : تنص المادة 398 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" لا تكون الدفاتر والأوراق المنزلية حجة على من صدرت منه إلا فى الحالتين الآتيتين " :
" أ - إذا ذكر فيها صراحة أنه استوفى ديناً " .
" ب - إذا ذكر صراحة أنه قصد بما دونه فى هذه الأوراق أن تقوم مقام $ 284 $ السند لن أثبتت حقاً لمصلحته ( 438 ) " . ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق .
ويقابل النص فى التقنين المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 18 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 459 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادة 169 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 385( 439 ) . ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1331( 440 ) .
$ 285 $
ويتبين من هذه النصوص أن الدفاتر والأوراق المنزلية لا تكون بوجه عام حجة لصاحبها . ولكنها قد تكون حجة عليه . فعندنا مسائل ثلاث :
( 1 ) ما هى الدفاتر والأوراق المنزلية .
( 2 ) الدفاتر والأوراق المنزلية لا تكون حجة لصاحبها .
( 3 ) الدفاتر والأوراق المنزلية قد تكون حجة على صاحبها .
144 - ما هى الدفاتر والأوراق المنزلية : الدفاتر والأوراق المنزلية تشمل ما ألف الناس تدوينه فى مذكرات خاصة عن شؤونهم المالية و المنزلية : ما قبضوه أو دفعوه من مال ، وما أنفقوا على معيشتهم ، وما قاموا به من ضروب التعامل ، وما ارتبطوا به من التزامات ، وما لهم من حقوق عند غيرهم وما عليهم من ديون ، وما ينوون القيام به من أعمال ومشروعات .
وليس لهذه الدفاتر والأوراق المنزلية شكل خاص أو أغراض معينة أو أسماء معروفة كما رأينا ذلك فى دفاتر التجار . ولا يلتزم أحد بتدوين هذه الدفاتر والأوراق أو بحفظها كما يلتزم التجار بإمساك الدفاتر التجارية على النحو الذى بيناه .
فتارة تكون الأوراق المنزلية دفاتر كاملة منظمة كدفاتر الحساب ، وهذه تبعث عادة على الاطمئنان عند تقدير قوتها فى الإثبات . وطوراً تكون فى صورة " أجندات " ويوميات . وأخرى تكون فى صورة مذكرات بعضها يكتب فى دفاتر وبعضها فى أوراق منثورة . وهذه الدفاتر والأوراق قد تكون موقعة من صاحبها ، والغالب ألا تكون موقعة . والأصل أن صاحبها يكتبها بخطه ، ولكن قد يعهد فى كتبابتها إلى أمين سر خاص أو إلى كاتب فى خدمته . وقد تكتب بالمداد أو بالرصاص أو بالآلة الكاتبة . والبارز فى شأنها أنها دفاتر وأوراق خاصة كتبها صاحبها ، دون أن يتقيد بشكل معين ، محتفظاً بها للرجوع إليها عند الاقتضاء( 441 ) .
$ 286 $
145 - الدفاتر والأوراق المنزلية لا تكون حجة لصاحبها : والأصل أن أحداً لا يستطيع أن يصطنع دليلا لنفسه . ونم ثم لا تكون هذه الدفاتر والأوراق المنزلية حجة لصاحبها ، إذ هى صادرة منه . بل هى لا تكون مبدأ ثبوت بالكتابة لمصلحته ، لأنها غير صادرة من خصمه . فإذا قدم الدائن دليلا على حقه دفتراً منزلياً أثبت فيه هذا الحق ، أو قدم المدين دليلا على براءة ذمته من الدين ورقة منزلية أثبت فيها أنه وفى به ، فلا يجوز أن يؤخذ هذا دليلا لا على وجود الحق ولا على براءة الذمة ، بل لا يجوز اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة كما قدمنا ( 442 ) . ويترتب على ذلك أن المدين إذا دفع بتقادم الدين ، فلا يجوز لدائنه أن يتمسك بانقطاع التقادم بحجة أنه أثبت فى أوراقه المنزلية أن المدين كان يقوم بدفع أقساط الدين أو بدفع فوائده مما يعد اعترافاً بالدين قاطعاً للتقادم ( 443 ) .
على أنه قد يقع أن يكون ما دون فى الأوراق المنزلية قرينة قضائية على صحة ادعاء الدائن ، كما لو كان طبيباً واعتاد أن يدون فى مذكراته الخاصة على نحو منظم ما يقوم به نم زيارات للمرضى ، ولو فيما يجاوز نصاب البينة لقيام المانع الأدبى . ولا تعدو القرينة هنا أن تكون قيمة قضائية يؤخذ بها أو لا يؤخذ ، وهى على كل حال قابلة لإثبات العكس ( 444 ) . ثم إنه يجوز أن يقبل الخصم الاحتكام $ 287 $ برضاه إلى ما دون فى مذكرات خصمه وأوراقه المنزلية ، فإذا كانت هذه المذكرات والأوراق قد دونت بقدر كاف من العناية والدقة جاز أن تكون دليلا لصاحبها( 445 ) .
وليس فى كل ما قدمناه إلا تطبيق للقواعد العامة لا حاجة فيه إلى نص . ولم يشتمل التقنين القديم ولا التقنين الجديد ( 446 ) على نص فى ذلك . فالأحكام فى هذه المسألة واحدة فى ظل التقنيين .
146 - الدفاتر والأوراق المنزلية قد تكون حجة على صاحبها : أما أن تكون الدفاتر والأوراق المنزلية حجة على صاحبها ، فهذا جائز من ناحيتين : ناحية تطبيق القواعد العامة وناحية وجود نص خاص يقضى بذلك .
ولكن قد نتساءل –قبل الدخول فى هذه التفصيلات - كيف يتأتى أن يبرز الشخص دفاتر وأوراقاً منزلية تكون حجة عليه ، وهو لا يجبر أن يقدم دليلا على نفسه؟ يحدث ذلك ، بحكم القانون ، فى الحالات التى يجوز فيها للخصم إلزام خصمه بتقديم أية ورقة منتجة فى الدعوى تكون تحت يده . ويتحقق هذا فى حالة ما إذا كانت الأوراق المنزلية مشتركة بين الخصمين كما هو الأمر فى التركات والشركات ، وفى حالة ما إذا كان الخصم قد استند إليها فى أية مرحلة $ 288 $ من مراحل الدعوى ( م 253 من تقنين المرافعات ) . ويحدث ذلك أيضاً ، بحكم الواقع ، فى محضر حصر التركة ، إذ يدون فى المحضر عادة ما ورد من بيانات فى دفاتر المورث وأوراقه المنزلية عما له من حقوق وما عليه من ديون وعن بعض التفصيلات التى تتعلق بتركته . وفى غير ذلك لا يجوز إلزام الشخص بتقديم دفاتره وأوراقه المنزلية أو الأمر بالإطلاع عليها ، كما جاز فى دفاتر التجار على ما رأينا ( 447 ) .
فإذا تقدمت الأوراق المنزلية إلى القضاء عن طريق من الطرق المتقدمة ، فإن القواعد العامة تقضى بأن ما ورد فيها من البيانات قد يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضد صاحبها إن كانت قد كتبت بخطه . وقد يعتبرها القضاء دليلا كاملا إذا كانت تحمل توقيع صاحبها وكانت لا تدع مجالا للتشكك فى صحتها . فالأمر متروك لتقدير القضاء ، إذ قد لا يطمئن القاضى إلى حجية ورقة منزلية لم تعد للإثبات وقد وقعها صاحبها على عجل أو عن خطأ أو قبل أن يتم الأمر الذى ورد البيان فى شأنه ( 448 ) . وفى كل هذا لا فرق ما بين التقنين الجديد والقديم ( 449 ) .
ولكن التقنين الجديد استحدث –فوق ما تقدم ذكره - نصاً يقضى بأن الدفاتر والأوراق المنزلية تكون حجة على من صدرت منه فى حالتين :
( 1 ) إذا ذكر فيها صراحة أنه استوفى دينا .
( 2 ) وإذا ذكر صراحة أنه قصد بما دونه $ 289 $ فى هذه الأوراق أن تقوم مقام السند لمن أثبتت حقاً لمصلحته ( 450 ) .
والجديد فى هذا النص أنه ليس من الضرورى أن تكون الأوراق وفى هاتين الحالتين تحمل توقيع صاحبها ، وإلا جاز أن يكون ذلك دليلا كاملا بالتطبيق للقواعد العامة من غير حاجة إلى نص خاص . بل ليس من الضرورى أن تكون هذه الأوراق مكتوبة بخط صاحبها ، ويكفى أن تكون مكتوبة بخط أمين سره أو كاتب عنده أو مدير لأعماله ، بل قد تكون مكتوبة بخط المدين الذى كتب البيان لصالحه إذا كان قد فعل ذلك تحت بصر الدائن وبموافقته . وبالرغم من أن الأوراق غير موقعة ولا مكتوبة بخط صاحبها ، فهى تصلح مع ذلك أن تكون دليلا كاملا ضده باستيفاء الدين أو بالمديونية . وهذا هو وجه الاستثناء من القواعد العامة ، ومن ثم قامت الحاجة إلى نص خاص ينشئ هذا الحكم .
ولابد فى تطبيق هذه الاستثناء من أن يذكر صاحب الأوراق صراحة أنه استوفى الدين إذا كان دائناً ، أو أنه قصد أن يعترف بدين عليه لا يوجد به سند فى يد الدائن وأن تقوم الأوراق مقام هذا السند غير الموجود إذا كان مديناً . ولا يكفى أن يفهم ذلك ضمناً من البيان الذى يكتبه ولو كان موقعاً منه ( 451 ) . وإذا ذكر صراحة أنه استوفى الدين ، ثم محا ما كتبه أو شطبه بحيث أصبح غير مقروء ، فإن حجية البيان تزول . أما إذا بقى البيان المشطوب مقروءاً ، فإنه يستمر حافظا لحجيته . وهذا بخلاف البيان الذى يذكر فيه صاحبه صراحة أنه يعترف بدين عليه وقد قصد أن تقوم الأوراق مقام السند ، فإن محو هذا البيان أو شطبه يزيل حجيته ، سواء أصبح البيان غير مقروء أوب قى مقروءاً . والفرق بين الحالتين أن الاعتراف بالدين أمر ذو خطر ، فأى محو أو شطب يلحقه يكفى لإزالة حجيته حتى لو بقى مقروءاً بعد المحو أو الشطب ( 452 ) . وإذا كان البيان $ 290 $ المكتوب تتعارض أجزاؤه وينقض بعضها بعضاً ، كان على القاضى أن يفسره بما يزل هذا التعارض ( 453 ) . ولا تجوز تجزئة البيان والأخذ بجزء منه دون جزء ، فإذا جاء فى البيان أن الدائن قد استوفى الدين مقاصة فلا يجوز أن يتمسك المدين بأن الدين قد استوفى نقداً ، بل يجب أن يستبعد البيان بجملته ويتقدم لإثبات أنه وفى الدين نقداً( 454 ) .
على أن الحجية التى أضفاها القانون على البيان الوارد فى الأوراق المنزلية ليست مطلقة . بل يجوز لصاحب هذه الأوراق أن يثبت أن البيان الوارد فيها غير صحيح ، وأنه إنما كتب خطأ أو قبل أن يتم الأمر الذى ورد البيان فى شأنه أو نحو ذلك . ويجوز إثبات ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبينة أو بالقرائن . ولا يقال هنا إنه لا يجوز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة ، فإن البيان المكتوب ليس ورقة عرفية موقعة ولمي عرض مقدماً للإثبات ، فيجوز إثبات عكسه بغير الكتابة . وسنعود إلى هذه المسألة بتفصيل أوفى( 455 ) .
المبحث الرابع
التأشير ببراءة ذمة المدين
147 - النصوص القانونية : تنص المادة 399 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - التأشير على سند بما يستفاد منه براءة ذمة المدين حجة على الدائن $ 291 $ إلى أن يثبت العكس ، ولو لم يكن التأشير موقعاً منه ، ما دام السند لم يخرج قط من حيازته " .
" 2 - وكذلك يكون الحكم إذا أثبت الدائن بخطه دون توقيع ما يستفاد منه براءة ذمة المدين فى نسخة أصلية أخرى للسند أو فى مخالصة ، وكانت النسخة أو المخالصة فى يد المدين " ( 456 ) .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 230 / 295( 457 ) .
$ 292 $
ويقابل فى التقنين المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 19 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 460 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 167 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 386( 458 ) – ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1332( 459 ) .
$ 293 $
148 - حالتان : ويستخلص من نص التقنين الجديد –وقد احتذى فيه نص التقنين المدنى الفرنسى - أن التأشير على سند بما يفسر براءة ذمة المدين ، دون توقيع من الدائن ، يكون قرينة على الوفاء . وهى بعد قرينة قابلة لإثبات العكس . والذى يقف بالدائن عادة عن التوقيع هو أن يكون الوفاء جزئياً . فيدفع المدين الفوائد أو قسطاً من الدين ، ومن ثم يكتفى الدائن بالتأشير بذلك إما فى سند الدين الذى بيده ، وإما فى نسخة أصلية أخرى للسند فى يد المدين ، وإما فى مخالصة يحتفظ بها المدين ليؤشر فيها الدائن تباعاً بما يقوم به المدين من دفعات متوالية( 460 ) . ولا يوقع الدائن هذا التأشير ببراءة ذمة المدين ( 461 ) انتظاراً $ 294 $ للوفاء ببقية الدين ، فإذا تم الوفاء بالدين كله أعطى المدين مخالصة نهائية ، أو سلمه سند الدين ( 462 ) . على أن هذا لا يمنع من أن يكون التأشير ببراءة ذمة المدين من الدين كله .
وقد رأينا أن نص التقنين الجديد يميز بين حالتين : ( 1 ) التأشير على سند فى يد الدائن . ( 2 ) التأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين . فنبحث كلا منهما .
$ 295 $
المطلب الأول
التأشير على سند فى يد الدائن
149 - شرطان : يشترطن حتى تتوافر الحجية للتأشير على سند فى يد الدائن ، شرطان : ( 1 ) أن يكون هناك تأشير ببراءة ذمة المدين على سند الدين . ( 2 ) أن يبقى السند دائماً فى حيازة الدائن .
150 - الشرط الأول – تأشيرة ببراءة ذمة المدين على سند الدين : يجب أن يكون التأشير مكتوباً فى سند الدين ذاته . فإذا كتب فى روق أخرى غير هذا السند ، فى صورة للسند أو فى ورقة مستقلة عنه ، لم تقم قرينة الوفاء . ذلك أن أصل السند هو الذى يحتج به الدائن ، ويطالب المدين بمقتضاه . فالتأشير ببراءة ذمة المدين فى هذا الأصل بالذات يمنع الدائن أن يبرز السند لمطالبة المدين به دون أن يكون التأشير ببراءة ذمة المدين ثابتاً فى نفس السند الذى يطالب به . أما إذا كتب التأشير فى صورة للسد أو فى ورقة مستقلة عنه ، فإنه يسهل على الدائن إخفاء هذه أو تلك ، ثم يطالب المدين بمقتضى السند الأصلى وهو لا يحمل أى تأشير . ولهذا يحرض المدين على أن يكون التأشير فى سند الدين ذاته . ومن هنا تقوم قرينة الوفاء .
ويكتب التأشير فى أى مكان من السند ، فى ذيله أو على هامشه أو فى ظهره أو فى أى مكان آخر ( 463 ) .
$ 296 $
ويكون مضمون هذا التأشير هو براءة ذمة المدين . وأية عبارة تفيد هذا المعنى تكفى ، فلا يشترط لفظ معين . فالتأشير بأن ذمة المدين قد برئت من الدين ، أو أبرئت ، أو أن الدين قد انقضى ، أو أنا لمدين قد قام بالوفاء ، أو أنه قد تخالص ، أو أنه قام بوفاء مبلغ كذا ، أو بوفاء قسط معين ، أو نحن ذلك من العبارات التى تفيد براءة ذمة المدين براءة كلية أو جزئية ، كل هذا يصلح أن يكون تأشيراً بالمعنى المقصود .
ولا يكون التأشير موقعاً من الدائن كما قدمنا ، وإلا لصلح أن يكون دليلاً كاملاً دون حاجة إلى نص . وكونه غير موقع من الدائن هو الذى يكشف عن وجه الاستثناء فى هذه المسألة ، إذ يكون القانون قد جعل من ورقة صادرة من شخص معين دليلاً كاملاً على هذه الشخص مع أن الورقة غير موقعة منه .
بل ليس ضرورياً أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن . وهذا هو أيضاً حكم التقنين المدنى السابق ( م 230 / 295 ) ( 464 ) . أما التقنين المدنى الفرنسى ( م 1332 فقرة أولى ) فقد اشترط أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن ( 465 ) . ولم ير التقنين المدنى المصرى الجديد – أسوة بالتقنين المدنى المصرى القديم – أن يضع هذا $ 297 $ الشرط ، وذلك لعدم انتشار الكتابة انتشاراً كافياً . ومن ثم يصح أن يكون التأشير مكتوباً بخط أجنبى ، بل بخط المدين نفسه ، ما دام السند فى حيازة الدائن كما سيأتى . ولكن إذا لم يكن من الضرورى أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن ، فإنه يجب على الأقل أن يكون مكتوباً بإملائه أو بموافقة منه حتى يكون صادراً عنه ويكون هناك محل لقيام القرينة على الوفاء . ويفرض دائماً أن التأشير قد كتب برضاء الدائن ، حتى يثبت هو أنه كتب بغير رضائه .
وسواء كتب التأشير بخط الدائن أو كتب بخط غيره ، فقد يحدث أن هذا التأشير يمحى أو يشطب ( 466 ) . فهل تزول قوة التأشير فى الإثبات بهذا المحو أو الشطب ، أو هى تبقى بالرغم من ذلك؟ انقسم الفقه الفرنسى فى هذه المسألة ( 467 ) . وقد $ 298 $ تأ أثيرت المسألة فى لجنة المراجعة فرؤى تركها للقواعد العامة . ويبدو أن التأشير الممحو أو المشطوب يجب أن يبقى حافظاً لقوته فى الإثبات ، فتقوم قرينة الوفاء بالرغم من المحو أو الشطب . والدائن هو الذى يثبت أن القرينة فى الحقيقة غير قائمة ( 468 ) ، بأن يثبت أن المحو أو الشطب كان بسبب مشروع ، كأن يكون قد كتب التأشير مقدماً متوقعاً الوفاء فلم يتم ، فمحا التأشير تبعاً لذلك . ولو قلنا بالرأى الآخر ، وبأن التأشير تزول قوته بالمحو أو الشطب ، لسهل على الدائن بعد التأشير ببراءة ذمة المدين فى سنده بيده وفى حيازته أن يمحو هذا التأشير أو يشطبه ( 469 ) .
151 - الشرط الثانى - بقاء الند دائماً فى حيازة الدائن : ويجب حتى تقوم قرينة الوفاء أن يكون سند الدين الذى يحمل التأشير باقياً فى يد الدائن ، لم يخرج قط من حيازته . فإذا كان قد خرج من حيازته ولو لحظة واحدة ، منع ذلك من قيام قرينة الوفاء ، إذ يحتمل أن التأشير – وقد رأينا أنه لا يشترط فيه أن يكون بخط الدائن – قد كتب بخط أجنبى أو بخط المدين نفسه فى هذه اللحظة بالذات التى خرج فيها السند من حيازة الدائن . فإذا ما استرد الدائن حيازة السند ، لم تبق له حيلة فى التأشير إلا المحو أو الشطب ، وقد رأينا أنهما لا يزيلان قرينة الوفاء ( 470 ) .
$ 299 $
وقد كان التقنين المدنى السابق لا يشترط هذا الشرط ، وهو فى الوقت ذاته لا يشترط – كما رأينا – أن يكون التأشير بخط الدائن . فقد كانت المادة 230 / 295 من هذا التقنين ، وقد سبق ذكرها ، تجرى على الوجه الآتى :
" التأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين منه يكون حجة على الدائن ولو لم يكن ممضى منه ، إلا إذا أثبت الدائن خلاف ذلك ( 471 ) " . ومن ثم كان الخطر كبيراً فى ظل هذا التقنين السابق من قيام قرينة الوفاء على غير أساس من الواقع . فكان لا يبقى أمام الدائن إلا دحض القرينة بالدليل العكسى بعد قيامها . والظاهر أنه كان يكفيه فى ذلك أن يثبت أن السند قد خرج من حيازته فترة من الزمن ، حتى ينتقل عبء الإثبات إلى المدين ليثبت أن التأشير لم يكتب فى اللحظة التى خرج منه سند الدين من حيازة الدائن ( 472 ) . ولما كان التقنين الجديد قد استحدث شرط بقاء السند فى حيازة الدائن ، فالعبرة بتاريخ خروج السند $ 300 $ من حيازة الدائن لمعرفة القانون الذى يسرى . فإن كان السند قد خرج من حيازة الدائن قبل يوم 15 من أكتوبر سنة 1949 ، فالتقنين القديم هو الذى يسرى ، ولا يمنع خروج السند من حيازة الدائن أن تقوم قرينة الوفاء وفقاً لهذا التقنين . وإن كان السند قد خرج من حيازة الدائن فى تاريخ غير سابق على 15 من أكتوبر سنة 1949 ، فالتقنين الجديد هو الذى يسرى ، وتسقط قرينة الوفاء .
وفى جميع الأحوال التى يسرى فيها التقنين الجديد ، يفترض دائماً أن السند لم يخرج من حيازة الدائن . فإذا ادعى هذا أنه خرج من حيازته فى أية لحظة ، فعليه عبء إثبات ذلك . وعلى هذا الوجه يتيسر إثبات واقعة مطلقة كالواقعة التى نحن بصددها ( 473 ) . وإذا تمكن الدائن من إثبات أن السند خرج من حيازته فإنه يكون بذلك قد أثبت عدم قيام قرينة الوفاء ، ولم يقتصر على دحضها بالدليل العكسى بعد قيامها ( 474 ) .
152 - حجية التأشير على السند إذا توافر الشرطان : وردت الفقرة الأولى من المادة 399 من التقنين المدنى نصاً خاصاً يقرر حجية هذا التأشير . ولكن قبل أن نعرض لهذا النص الخاص ، نبادر إلى القول إن التأشير على سند الدين بما يفيد براءة ذمة المدين قد تكون له حجية معينة إذا طبقت القواعد العامة فى الإثبات بقطع النظر عن هذا النص الخاص . فهو إذا كان مكتوباً بخط الدائن . أمكن أن يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضده ، ولو لم يتوافر فيه الشرطان اللذان تقدم ذكرهما . مثل ذلك أن يكتب الدائن بخطه التأشير ببراءة ذمة المدين فى ورقة مستقلة عن سند الدين أو فى صورة لهذا السند ، أو أن يكتب هذا التأشير بخطه فى سند الدين ذاته ولكن يخرج هذا السند من حيازته . ففى هذه الأحوال لا يكون التأشير دليلاً كاملاً ضد الدائن ، لأن الشرطين اللذين تطلبهما القانون فى ذلك لم يتوافرا . ولكن هذا التأشير ، ما دام أنه مكتبو بخط الدائن ، يصح اعتباره $ 301 $ مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمله المدين بالبينة أو بالقرائن ليثبت أنه قد وفى الدين ( 475 ) .
أما إذا توافر الشرطان على النحو الذى تقدم ذكره ، فإن التأشير على سند الدين يكون حجة كاملة على الدائن ، ولا حاجة للمدين باستكمالها ليثبت أنه وفى الدين . ويقع عبء الإثبات هنا على الدائن لا على المدين ، فهو الذى عليه أن يدحض قرينة الوفاء التى قامت باستيفاء التأشير لشرطيه ، فإذا لم يدحضها بالدليل العكسى فقد تم للمدين إثبات أنه قد قام بوفاء الدين .
وعندنا أن حجية التأشير تقوم على أساس ورقة عرفية غير موقعة ، هى هذا التأشير ذاته . ولا يمنع ذلك من القول بأن هذه الورقة العرفية يستخلص القانون منها قرينة على وفاء الدين ، وهى قرينة قابلة لإثبات العكس . فإذا نحن قلنا إن القرينة هنا قرينة قانونية بسيطة ، وقلنا إنها فى الوقت ذاته تقوم على ورقة عرفية غير موقعة ، فلا تعارض ما بين القولين . فجميع الأوراق العرفية غير الموقعة – دفاتر التجار والأوراق المنزلية وغيرها – هى فى هذا الوضع : أوراق عرفية غير موقعة تستخلص منها قرائن قانونية بسيطة ( 476 ) .
فمتى وجد التأشير على سند الدين مستوفياً لشرطيه ، استخلصت منه قرينة قانونية بسيطة على وفاء المدين بالدين . وكان التأشير حجة على الدائن ، ولكنها حجة قابلة للدحض . ذلك أن علة الاعتداء بهذا التأشير هى أن الدائن يقر فى سند الدين ذاته أن استوفى حقه ، وهذا الإقرار هو بمثابة " إقرار غير قضائى لا يمكن استبعاده من السند الذى يتقدم به لاستيداء حقه " ( 477 ) . ولكن يجوز مع ذلك هذا الإقرار غير مطابق للواقع . وتورد المذكرة الإيضاحية $ 302 $ للمشروع التمهيدى مثلاً لذلك فيما " لو سلم الدائن السند لوكيل فوضه فى استبقاء الدين ، فهو يؤشر على هذا السند بالتخالص قبل أن يسلمه لوكيله ، ويقوم هذا برده إليه بما سبق أن دون فيه من تأشيرات فيما إذا تخلف المدين عن الوفاء عند المطالبة ( 478 ) . فيرجع سند الدين فى هذه الحالة وهو يحمل تأشير الدائن ببراءة ذمة المدين ، دون أن يكون الدائن قد استوفى الدين . ومن ذلك نرى أن القرينة هنا قد يقوم من الواقع دليل على عكسها . ومن أجل ذلك عندما أقام القانون هذه القرينة ، جعل حجيتها قابلة للدحض ( 479 ) . فيجوز للدائن ، بالرغم من التأشير ببراءة ذمة المدين ، أن يقيم الدليل على العكس ، أى على أن ذمة المدين لا تزال مشغولة بالدين .
وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبينة أو بالقرائن . ولا يعترض $ 303 $ عليه أنه يثبت ما يخالف الكتابة بغير الكتابة ، فإن التأشير الذى يثبت عكسه هنا هو ورقة عرفية غير موقعة يجوز إثبات عكسها بجميع الطرق ( 480 ) ، وسيأتى تفصيل ذلك .
المطلب الثانى
التأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين
153 - شرطان : يشترط هنا أيضاً ، حتى تتوافر الحجية للتأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين ، شرطان : ( 1 ) أن يكون هناك بخط الدائن تأشير ببراءة $ 304 $ ذمة المدين على نسخة أصلية أخرى لسند الدين أو على مخالصة ( 2 ) أن تقع نسخة السند أو المخالصة فى حيازة المدين .
154 - الشرط الأول – تأشير بخط الدائن على نسخة أصلية للسند أو على مخالصة بباءة ذمة المدين : يجب أن يكون التأشير هنا مكتوباً إما فى نسخة أصلية لسند الدين تكون بيد المدين وإما فى مخالصة يحتفظ بها المدين . والنسخة الأصلية ( double ) لسند الدين ليست صورة ( copie ) للسند ، بل هى أصل ( original ) كسند الدين ذاته . ويفهم من ذلك أن سند الدين كتب من نسختين أصليتين إحداهما بيد الدائن والأخرى بيد المدين . وفى هذه النسخة الأصلية الأخرى التى بيد المدين يقع تأشير الدائن . وفى هذا المعنى تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى : " ويراعى أن المشروع قد عنى فى النص باستظهار ما يقصد بكلمة نسخة ، فليس يقصد بها مجرد صورة أخرى من سند الدين ، وإنما شفعت هذه الكلمة بنعت أصلية " تعييناً لدلالة المقصود " ( 481 ) . غنى عن البيان أن عبارة " النسخة الأصلية " قد تسربت إلى التقنين المصرى من التقنين المدنى الفرنسى ، إذ يشترط هذا التقنين الأخير أن يكون سند العقد الملزم للجانبين من نسخ أصلية متعددة كما رأينا . فقى عقد البيع توجد نسخة من العقد فى يد الباع ونسخة أخرى فى يد المشترى . فإذا دفع المشترى قسطاً من الثمن ، أشر البائع فى نسخة المشترى ببراءة ذمة المدين من هذا القسط . وهذا ما يقع أيضاً فى مصر بحكم الضرورة لا بمقتضى النص ، بل كان النص موجوداً كما رأينا فى المشروع الأول الذى سبق المشروع التمهيدى . ويصح أن يقع التأشير ، لا على النسخة الأخرى لسند الدين ، بل على مخالصة أعدت لتسجيل ما يقوم المدين بدفعه واحتفظ بها المدين إثباتاً لهذا الوفاء ( 482 ) .
ويتبين من ذلك أن التأشير إذا وقع على صورة للسند أو على رقة أخرى $ 305 $ مستقلة عن نسخة السند ، وأمكن اعتبار هذه أو تلك بمثابة مخالصة أعدت لتسجيل ما يقوم المدين بدفعه ، كان التأشير صحيحاً وقامت قرينة الوفاء ( 483 ) .
ويكتب التأشير فى أى مكان من الورقة ، وبأية عبارة تفيد معنى براءة الذمة ، ولا يكون موقعاً عليه من الدائن ، وذلك كله على النحو الذى قدمناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن .
ولكن التأشير هنا يجب أن يكون بخط الدائن ، وهذا على خلاف ما قررناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن من جواز أن يكون هذا التأشير بخط غير خطه . وهذا هو أيضاً حكم التقنين المدنى الفرنسى ( م 1332 ) ، بل إن هذا التقنين يشترط كما رأينا أن يكون التأشير دائماً بخط الدائن ، سواء وقع على سند فى حيازة المدين أو قع على سند فى حيازة الدائن . أما التقنين المدنى المصرى السابق فالأرجح أنه لم يكن يدخل فى حسابه ، عندما أورد المادة 230 / 295 ، إلا التأشير على سند فى حيازة الدائن ، وقد ترك التأشير بخط الدائن على سند فى حيازة المدين تسرى عليه القواعد العامة ، وسنعود إلى هذه المسألة بعد قليل .
واشتراط أن التأشير على سند فى حيازة المدين يكون بخط الدائن أمر واضح ، إذا لو سمح القانون أن يكون التأشير بخط غير الدائن ، لسهل على المدين ، والسند فى حيازته ، أن يستكتب أى شخص عبارة الإبراء ، فتقوم قرينة الوفاء على غير أساس من الواقع . فقوة القرينة إذن هى فى أن التأشير بالإبراء قد كتب بيد الدائن واحتفظ به المدين .
وإذا أنكر الدائن خطه ، وجب على المدين أن يلجأ إلى إجراءات تحقيق الخطوط لإثبات أن التأشير بخط الدائن ( 484 ) . فإذا ما ثبت ذلك ، جاز للدائن بعد $ 306 $ هذا أن يسلك طريق الطعن بالتزوير ( 485 ) .
وإذا محى التأشير أو شطب ، زالت قوته فى الإثبات . ذلك أن السند موجود فى حيازة المدين ، فلا يمكن حمل المحو أو الشطب إلا على أن الوفاء لم يتم ، فمحا الدائن التأشير أو شطبه ، وقبل منه المدين ذلك بأن احتفظ بالسند فى يده والتأشير فيه ممحو أو مشطوب ( 486 ) . وهذا بخلاف ما رأيناه فى المحو أو الشطب عندما يكون السند فى حيازة الدائن ، فقد تقدم أن الفقه الفرنسى منقسم فى هذه المسألة ، ورجحنا الرأى القائل بأن المحو أو الشطب لا يزيل قوة الإثبات التى للتأشير .
155 - الشرط الثانى – وقوع نسخة السند أو المخالصة فى حيازة المدين : والأصل أن نسخة السند أو المخالصة التى أشر عليها الدائن بخطه تكون فى حيازة المدين . ولكن لا يشترط هنا أن تكون باقية دائماً فى حيازته ، بل يكفى أن تكون قد وقعت فى حيازته ولو خرجت بعد ذلك من يده . ذلك أن التأشير يجب أن يكون بخط الدائن كما قدمنا ، فوقوع هذا التأشير بخط الدائن فى حيازة المدين ولو لحظة واحدة يكفى لقيام قرينة الوفاء . ومتى قامت القرينة على هذا الوجه ، كان للدائن أن يدحضها كما سنرى .
والذى يقع عادة أن المدين يبرز الورقة التى تحمل تأشير الدائن بخطه ليحتج بها . فيكون بذلك قد أثبت أنها قد وقعت فى حيازته . أما إذا لم تكن الورقة فى يده ، واستطاع أن يحصل على أمر بتقديمها فقدمت ، فعليه أن يثبت أنها وقعت فى حيازته وقتاً ما حتى تقوم قرينة الوفاء .
156 - حجية التأشير إذا توافر الشرطان : هنا أيضاً نبادر إلى القول إن هذا التأشير ، ولو لم يتوافر شرطاه ، له حجية معينة إذا طبقت القواعد العامة $ 307 $ فى الإثبات ، بقطع النظر عن نص المادة 399 من التقنين المدنى . فهو ما دام مكتوباً بخط الدائن يصح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، ولو لم يتوافر فيه ما قدمناه من الشروط الأخرى . مثل ذلك أن يكتب التأشير فى نسخة أصلية ثالثة ليست فى حيازة الدائن ولا فى حيازة المدين ، أو أن يعجز المدين عن إثبات أن الورقة التى كتب فيها التأشير قد وقعت فى حيازته ، أو نحو ذلك . ففى هذه الأحوال لا يصلح التأشير دليلاً كاملاً ، ولكن يصح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة أو بالقرائن .
أما إذا توافر الشرطان على النحو الذى تقدم ذكره ، فإن التأشير يكون دليلاً كاملاً ضد الدائن ، ولا حاجة للمدين باستكماله ليثبت أنه وفى الدين ، وذلك بمقضتى نص خاص هو نص المادة 399 . وحجية التأشير تقوم هنا أيضاً على أساس ورقة عرفية غير موقعة هى هذا التأشير ذاته ، على النحو الذى قدمناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن .
ثم إن علة الاعتداد بالتأشير هنا هى أن هذا التأشير قد كتب بخط الدائن نفسه ، وقد ترك الورقة التى تحمل التأشير فى يد المدين ، فتركه إياها فى يد من له مصلحة فى الاحتجاج بها قرينة على أنه استوفى الدين . فالتأشير فى هذه الحالة " يكون فى الواقع بمثابة مخالصة تبقى فى يد المدين " ( 487 ) . ولكن هذه القرينة ، هنا أيضاً ، قد يقوم من الواقع دليل على عكسها ( 488 ) . فقد يتصور – كما تقو المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى – " أن يكون الدائن قد سلم المخالصة $ 308 $ لوكيل مفوض فى استيفاء الدين ، ولما كان من واجب مثل هذا الوكيل أن يرد إلى الموكل المخالصة التى تسلمها إذا لم يتم له استيفاء الدين ، فالمفروض أن الدائن يحتفظ بهذه المخالصة لأنه لم يستوف حقه من المدين " ( 489 ) . فإذا سلم الوكيل ، بالرغم من ذلك ، المخالصة للمدين ولم يستوفى منه الدين ، وعجز عن استرداد المخالصة ، فإنها ، وهى تحمل تأشير الدائن ، تكون فى يد المدين دون أن يكون هذا قد برئت ذمته . وفى هذا دليل من الواقع يدحض القرينة .
من أجل ذلك عندما أقام القانون هذه القرينة ، جعل حجيتها هنا أيضاً قابلة للدحض . فيجوز للدائن ، بالرغم من تأشيره بخطه ببراءة ذمة المدين ،أن يقيم الدليل على العكس ، فيثبت أن ذمة المدين لا تزال مشغولة بالدين .
وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبنية أو بالقرائن . ذلك أن التأشير الذى يثبت عكسه هو ورقة عرفية غير موقعة يجوز إثبات عكسها بجمع الطرق ، وقد تقدم بيان ذلك .
157 - التأشير على سند فى حيازة المدين فى التقنين المدنى السابق : قدمنا أن المادة 230 / 295 من التقنين المدنى السابق كانت تنص على أن " التأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين منه يكون حجة على الدائن ولو لم يكن ممضى منه ، إلا إذا أثبت الدائن خلاف ذلك " . وكان بعض الفقهاء فى مصر ( 490 ) يذهب إلى أن هذا النص يشمل الحالتين اللتين وردتا بعد ذلك فى المادة 399 من التقنين المدنى الجديد : حالة التأشير على سند فى حيازة الدائن وحالة التأشير على سند فى حيازة المدين . ولكن يصعب القول إن المقصود من عبارة " سند الدين " التى وردت فى نص التقنين السابق هو سند آخر غير السند الذى يحتفظ الدائن به عادة فى حيازته ، وأن هذه العبارة مقصود بها أيضاً " نسخة أصلية $ 309 $ أخرى للسند " . فالأرجح أن يكون المقصود هو النص على حالة واحدة من الحالتين ، هى حالة التأشير على سند الدين وهو فى حيازة الدائن ، وأن الحالة الأخرى قد تركت للقواعد العامة تسرى عليها . ويزيد هذا الترجيح قوة أن نلاحظ أن نص التقنين المدنى السابق لم يشترط أن يكون التأشير بخط الدائن ، مع أن قرينة الوفاء فى التأشير على سند فى حيازة المدين إنما تستمد من أن هذا التأشير يكون بخط الدائن . وهذا الرأى الذى نرجحه هو الرأى الذى سار عليه الفقه فى مصر ( 491 ) .
ومن ثم يكون التقنين المدنى الجديد قد استحدث حكماً لم يكن موجوداً فى التقنين القديم ، بأن جعل للتأشير بخط الدائن على سند فى حيازة المدين حجية كاملة ، ولم يقتصر على اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة كما تقضى بذلك القواعد العامة فى الإثبات . فإذا أشر الدائن بخطه على سند فى حيازة المدين ببراءة ذمته ، فإن كان التأشير قد كتب فى تاريخ سابق على يوم 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 فإن التقنين القديم هو الذى يسرى ، ولا يكون هذا التأشير إلا مبدأ ثبوت بالكتابة . أما إذا كان التأشير قد كتب فى تاريخ بعد ذلك ، فإن التقنين الجديد يسرى فى هذه الحالة ، ويعتبر التأشير دليلاً لا حاجة إلى استكماله بدليل آخر ، على النحو الذى بيناه فيما تقدم .
$ 310 $
الباب الثانى
طرق الإثبات ذات القوة المحدودة
البينة والقرائن القضائية
158 - طرق الإثبات ذات القوة المحدودة – اليمين المتممة ( إحالة ) : قدمنا أن طرق الإثبات ذات القوة المحدودة هى البينة والقرائن القضائية واليمين المتممة .
ونبادر إلى القول أن اليمين المتممة ، لشدة اتصالها باليمين الحاسمة ، ستعاجل معها فى موضع آخر . ونستبقى هنا للبحث البينة والقرائن القضائية .
159 - تعادل البينة والقرائن القضائية من حيث قوة الإثبات : وقد جعل القانون البينة والقرائن القضائية طريقين متعادلين من حيث قوتهما القانونية فى الإثبات . فما يمكن إثباته بأحد الطريقين يستطاع إثباته بالطريق الآخر . وكلا الطريقين أضعف من الكتابة ذات القوة المطلقة فى الإثبات .
وقد رأينا أن البينة والقرائن القضائية لا تكون طرقاً أصلية فى الإثبات إلا فى نطاق محدود . وتكون ، غير ذلك ، طرقاً تكميلية عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة ، وطرقاً بديلة عند وجود مانع يحول دون الحصول على دليل كتابى أو يحول دون تقديمه بعد الحصول عليه .
ويتبين من كل ذلك أن البينة والقرائن ذات قوة محدودة فى الإثبات . فنبحث أولاً ما هى البينة والقرائن . ثم نبين بعد ذلك قوتهما المحدودة .
$ 311 $
الفصل الأول
البينة والقرائن القضائية
الفرع الأول
البينة
( أو الشهادة )
160 - معنيان للبينة : البينة لها معنيان : ( 1 ) معنى عام ، وهو الدليل أياً كان ، كتابة أو شهادة أو قرائن . فإذا قلنا : البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ، فإنما نقصد هنا البينة بهذا المعنى العام . ( 2 ) معنى خاص ، وهو شهادة الشهود دون غيرها من الأدلة . وقد كانت الشهادة فى الماضى هى الدليل الغاب ، وكانت الأدلة الأخرى من الندرة إلى حد أنها لا تذكر إلى جانب الشهادة ، فانصرف لفظ " البينة " إلى الشهادة دون غيرها . ونقصد هذا المعنى الخاص عندما نقول : مالاً تزيد قيمته على عشرة جنيهات يجوز إثباته بالبينة والقرائن .
وإذا قلنا البينة ، قلنا نقصد معناها الخاص ، ونقصرها على الشهادة . ونتكلم هنا : ( أولاً ) فى أنواع البينة . ( ثانياً ) فى سلطة القاضى الواسعة فى تقدير البينة . ( ثالثاً ) فى القواعد التى تتبع فى سماع البينة .
المبحث الأول
أنواع البينة
161 - الشهادة ( temoignage ) : الأصل فى الشهادة أن تكون شهادة مباشرة ، فيقول الشاهد ما وقع تحت بصره أو سمعه . فالذى يميز الشاهد إذن هو أنه يشهد على وقائع عرفها معرفة شخصية ( ex propriis sensibus ) . وهو يحصل $ 312 $ معرفته الشخصية للواقعة ، إما لأنه رآها بعنيه ، كما إذا كان قد شهد حادثا من حوادث السيارات فجاء إلى مجلس القضاء يشهد بما رأى . وإما لأنه سمعها بأذنه ، كما إذا كان قد حضر مجلس العقد وسمع البائع يتعاقد مع المشترى ، فجاء إلى مجلس القضاء يشهد بما سمع . وإما لأنه رأى وسمع ، كما إذا سمع المقرض يتعاقد مع المقترض ورآه يعطيه مبلغ القرض ( 492 ) .
وتكون الشهادة عادة شفوية ، يدلى بها الشاهد فى مجلس القضاء مستمداً إياها من ذاكرته . وقد نصت المادة 216 من تقنين المرافعات على أن " تؤدى الشهادة شفاهاً ، ولا تجوز الاستعانة بمفكرات مكتوبة إلا بإذن المحكمة أو القاضى المنتدب ، وحيث تسوغ ذلك طبيعة الدعوى " . ومع ذلك فقد نصت المادة 205 من تقنين المرافعات على أن " من لا قدره له على الكلام يؤدى الشهادة ، إذا أمكن أن يبين مراده ، بالكتابة أو بالإشارة " .
ويدعى الشاهد عادة إلى مجلس القضاء ليقول ما رآه أو سمعه من الوقائع المتعلق بالدعوى . ومع ذلك قد يكتفى ، فى ظروف استثنائية ، بتلاوة شهادته المكتوبة أو بضم هذه الشهادة المكتوبة إلى ملف القضية للاعتداد بها ( 493 ) .
وإذا كانت الشهادة المباشرة هى الصورة الغالبة للشهادة ، فإنه يوجد مع ذلك إلى جانبه : ( 1 ) الشهادة السماعية ( temoignage indirect ) ( 2 ) والشهادة بالتسامع ( commune renommee ) ( 3 ) والشهادة بالشهرة العامة ( acte de notoriete ) .
162 - الشهادة السماعية : أى الشهادة غير المباشرة ، وتسمى أيضاً $ 313 $ بالشهادة فى الدرجة الثانية ( 494 ) ( temoignage du second degre ) . وتختلف عن الشهادة الأصلية أو الشهادة المباشرة أو الشهادة فى الدرجة الولى – وهى الشهادة التى سبق ذكرها – فى أن الشاهد هنا يسهد بما سمع رواية عن غيره ، ومن ثم كانت الشهادة سماعية .
والشاهد ، سواء كانت شهادته أصلية أو سماعية ، يشهد عن واقعة معينة بالذات . ولكنه فى الشهادة الأصلية يشهد أنه رأى هذه الواقعة بعينه إن كانت مما يرى ، أو سمعها بأذنه إن كانت مما يسمع . أما فى الشهادة السماعية ، هو يشهد أنه سمع الواقعة يرويها له شاهد يكون هو الذى رآها بعينه أو سمعها بأذنه . مثل ذلك أن يشهد شخص أمام القضاء أنه سمع شخصاً آخر يروى له حادث السيارة وقد رآه بعينيه ، أو سمع شخصاً آخر يورى له التعاقد على البيع أو على القرض وقد سمعه بأذنه . فالشهادة السماعية هى إذن شهادة على الشهادة ( 495 ) .
والشهادة السماعية جائزة حيث تجوز الشهادة الأصلية ( 496 ) . ويقدر القاضى قيمتها كما يقدر الشهادة الأصلية . وقد يراها تعدل الشهادة الأصلية فى القيمة . ولكن الغالب أن تكون الشهادة السماعية دون الشهادة الأصلية من حيث اقتناع القاضى بها ( 497 ) .
$ 314 $
163 - الشهادة بالتسامع : والشهادة بالتسامع غير الشهادة السماعية . فهى شهادة بما تتسامعه الناس ( oui - dire ) ، لا تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، بل على الرأى الشائع فى جماهير الناس عن هذه الواقعة . وقد رأينا الشهادة السماعية تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، ولكن لا على أن الشاهد رآها بعينه أو سمعها بأذنه ، بل على أنه سمعها تروى له ممن رآها بعينه أو سمعها بأذنه . فالشهادة السماعية يمكن إذن تحرى مبلغ الصدق فيها ، وصاحبها يحمل مسئولية شخصية فيما سمعه بنفسه عن غيره من الرواية عن واقعة معينة بالذات . أما الشهادة بالتسامع فصاحبها لا يروى عن شخص معين ولا الواقعة بالذات ، بل يشهد بما تتسامعه الناس عن هذه الواقعة وما شاع بين الجماهير فى شأنها ، فهى غير قابلة للتحرى ولا يحمل صاحبها مسئولية شخصية فيما شهد به ( 498 ) .
ومن ثم كانت الشهادة بالتسامع غير مقبولة إلا فيما نص عليه القانون . وقد نص التقنين المدنى الفرنسى على قبول الشهادة بالتسامع فى حالتين : ( 1 ) حالة الزوجة ، بعد انتهاء النظام المشترك للأموال ( communaute ) بينها وبين زوجها ، وهى تريد تمييز مالها الخاص ( patrimoine propre ) عن المال المشترك ( patrimoine commun ) ، وذلك إذا لم يوجد محضر جرد ( م 1415 وم 1504 مدنى فرنسى ) . ( 2 ) حالة ورثة أى من الزوجين ، بعد موته ، يريدون تحديد المال المشترك ( patrimoine commun ) فى مواجهة الزوج الآخر الذى ظل باقياً على قيد الحياة ، وذلك أيضاً إذا لم يوجد محضر جرد ( م 1442 مدنى فرنسى ) . ويذهب فريق من الفقهاء الفرنسيين إلى قصر قبول الشهادة بالتسامع على هاتين $ 315 $ الحالتين دون غيرهما ( 499 ) . ويرى بعض آخر أن يقيس عليهما كل حالة أخرى يراد فيها إثبات منقولات بأعيانها فى مواجهة من كان مكلفاً بحصرها فى محضر جرد وقصر فى ذلك ( 500 ) . أما فى مصر فالقضاء المختلط كان بوجه عام لا يقبل الشهادة بالتسامع فى المسائل المدينة ( 501 ) . أما فى المسائل التجارية ، وكذلك فى الأحوال التى يقبل فيها الإثبات بالبينة أو بالقرائن ، فتقبل الشهادة بالتسامع على سبيل الاستئناس وباعتبار أنها مجرد قرينة بسيطة لا يؤخذ بها إلا فى كثير من الحذر والاحتياط ( 502 ) . وفى الفقه الإسلامى لا تقبل الشهادة إلا فى مسائل معينة ، عدوا منها خمساً هى الشهادة بالنسب وبالموت وبالنكاح وبالدخول وبولاية القاضى ، ثم أضافوا إليها خمساً هى أصل الوقف وشرائطه والعتق والولاء والمهر ( 503 ) . ولا نرى ما يمنع من الأخذ بأحكام الفقه الإسلامى فى هذه المسألة تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة الأولى من التقنين المدنى ، وهى تقضى بأنه $ 316 $ " إذا لم يوجد نص تشريعى يمكن تطبيقه ، حكم القاضى بمقتضى العرف ، فإذا لم يوجد ، فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية " .
$ 317 $
وإذا قبلت الشهادة بالتسامع ، فهى كالشهادة الأصلية والشهادة السماعية تضع فى سماعها للقواعد التى تخضع لها الشهادة بوجه عام ( 504 ) .
164 - الشهادة بالشهرة العامة : أما الشهادة بالشهرة العامة فليست بشهادة بالمعنى الصحيح . بل هى ورقة مكتوبة ، تحرر أمام جهة رسمية ، تدون فيما وقائع معينة ، تشهد بها شهود يعرفون هذا الوقائع عن طريق الشهرة العامة .
وفى مصر يمكن اعتبار إعلام الوراثة ومحضر حصر التركة وتقرير غيبة المفقود من قبيل هذه الأوراق . فهى تحرر أمام جهات رسمية ، المحكمة الشرعية أو مندوب من المحكمة الحسبية أو غير ذلك ، وتدون فيها أسماء الورثة أو أعيان التركة أو واقعة غياب المفقود ، وذلك بناء على شهادة طائفة من الناس يشهدون وفقاً لما عرفوه عن طريق الشهرة العامة .
وفى فرنسا ينص القانون على جواز استعمال مثل هذه الأوراق كأدلة . من ذلك أنه إذا تعذر على أحد الزوجين عند عقد زواجه أن يحصل على شهادة ميلاده ، كان له أن يقدم عوضاً عنها شهادة تحمل اسمه ولقبه وصناعته ومحل $ 318 $ إقامته وتاريخ ميلاده بقدر الإمكان وغير ذلك من البيانات بناء على أقوال شهود ثلاثة يعرفون ذلك عن طريق الشهرة العامة ويدلون بشهادتهم عنها أمام قاضى الصلح ( انظر م 71 من التقنين المدنى الفرنسى ) . ومن ذلك أيضاً إجراءات إعلان غيبة المفقود ، تتضمن تحقيقاً تأمر المحكمة بإجرائه فى مواجهة النيابة العامة ، قد تسمع فيه شهود يدلون بما عرفوه من طريق الشهرة العامة عن ظروف اختفاء المفقود ، ثم يصدر بعد ذلك حكم بإعلان غيبته ( 505 ) . ويكشف العمل فى فرنسا عن كثرة الأحوال التى يلتجأ فيها إلى الحصول على وثائق تقوم على أساس الشهادة بالشهرة العامة ، وذلك فوق الأحوال التى نص عليها القانون . مثل ذلك الإعلام بثبوت الوراثة يدون فيه عدد الورثة وصفاتهم إذا لم يوجد محضر جرد . ومثل ذلك أيضاً الشهادة التى تسجل أن الميت قد مات دون وارث له حق محفوظ فى التركة ( heritier a reserve ) ( 506 ) .
فالشهادة بالشهرة العامة تفترض وجود موظف عام ، موثق أو قاض أو نحو ذلك ، تدلى أمامه الشهود بمعلوماتهم عن الواقعة المراد إثباتها . ويجب أن يكون للشهود معرفة شخصية بهذه الواقعة ، ولكن لا عن طريق محدد ، بل عن طريق الشهرة العامة ( 507 ) . فالمعرفة الشخصية بالواقعة ، لا الشهرة العامة فى ذاتها ، هى التى تقوم عليها قوة الإثبات فى هذه الشهادة . والشهرة العامة إنما تجعل منها شهادة جماعية ( temoignage collectif ) عن طريق تحقيق سريع أمام قاض أو موظف عامة بإجراءات لا تختلف إلا من ناحية الشكل عن إجراءات التحقيق المعتاد ( 508 ) . وللشهادة بالشهرة العامة قوة فى الإثبات يحدده القانون فى كل حالة على حده .
$ 319 $
المبحث الثانى
سلطة القاضى الواسعة فى تقدير البينة
165 - البينة أضعف من الكتابة : قدمنا أن الشهادة كانت فى الماضى من أقوى الأدلة ، بل كانت هى الدليل الغالب فى وقت لم تكن فيه الكتابة منتشرة ، وكانت الأمية متفشية ، وكان العلم بالرواية واللسان لا بالكتابة والقلم ، حتى كانت الشهادة هى التى تستأثر باسم " البينة " دلالة على أن لها المقام الأول فى البينات ( 509 ) . فلما انتشرت الكتابة ، وتقلص ظل الأمية ، بدأت الكتابة تسود ، ثم أخذت المكان الأول فى الإثبات ، ونزلت البينة إلى المكان الثانى لما تنطوى عليه من عيوب ظاهرة . فالبينة تقوم على أمانة الشهود ، والشهود حتى إذا هم لم يكذبوا معرضون للنسيان ، ثم إن الدقة تنقصهم . هذا إلى أنه إذا أفسح المجال للإثبات بالبينة ، وأصبح اعتماد القضاء عليها ، كثرت القضايا الكيدية لسهولة الحصول على شهود زور يشهدون بالباطل . أما الكتابة فكفتها راجحة ، ومتى كانت بعيدة عن التزوير ، فهى أدق أداء وأكثر ضبطاً للواقع . ثم هى لا يرد عليها النسيان ، فهى دليل هيئ مقدماً ليحيط بالواقعة المراد إثباتها إحاطة شاملة ، لأنها إنما أعدت لهذا الغرض ( 510 ) .
$ 320 $
من أجل ذلك أنزل القانون البينة دون منزلة الكتابة ، لا فحسب من ناحية أن جعل البينة ذات قوة محدودة فى الإثبات ، بل أيضاً بأن جعل للقاضى بالنسبة إلى البينة سلطة تقدير واسعة ، هى أكبر بكثير من سلطته بالنسبة إلى الكتابة ( 511 ) . فالقاضى ينظر ، أولاً ، هل الإثبات بالبينة فى الأحوال التى يجيزها القانون مستساغ؟ فإذا كان مستساغاً نظر ، ثانياً ، هل الوقائع المراد إثباتها بالبينة متعلقة بالحق المدعى به ومنتجة فى إثباته؟ وهو فى ذلك يتمتع بسلطة تقدير أوسع مما له فى الإثبات بالكتابة . فإذا ما قدر بعد كل ذلك أن يسمع البينة ، كان له ، أخيراً ، سلطان واسع فى تقدير ما إذا كانت البينة التى سمعها مقنعة فى الإثبات .
166 - تقدير ما إذا كان الإثبات بالبينة مستساغاً : قد يكون الإثبات بالبينة جائزاً قانوناً ، ولكن يبقى بعد ذلك للقاضى سلطة تقديرية فى السماح به . فقد يكون فى القضية من القرائن والأدلة الأخرى ما يغنى عن البينة . وعلى النقيض من ذلك قد تكون الوقائع المراد إثباتها بعدية الاحتمال بحيث لا يرى القاضى سبيلاً إلى الاقتناع بالبينة فى إثباتها ( 512 ) . وقد تكون هذه الوقائع $ 321 $ قد طال عليها العهد بحيث يتعذر إثباتها بالبنية فى جميع هذه الأحوال يرى القاضى أن البينة غير مستساغة ، فلا يسمح بها بالرغم من أن القانون يجيزها فى الإثبات ( 513 ) .
ومن ثم نرى أنه لا يكفى أن يجيز القانون الإثبات بالبينة فى بعض الأحوال ، بل يجب أيضاً أن يكون الإثبات بالبينة مستساغاً حسب تقدير القاضى . ولا يخضع $ 322 $ القاضى فى تقديره هذا لرقابة محكمة النقض ( 514 ) .
167 - تقدير ما إذا كانت الوقائع متعلقة بالحق ومنتجة فى الإثبات : هنا أيضاً يتمتع القاضى بسلطة تقدير واسعة لا يتمتع بها فى الإثبات بالكتابة .
ذلك أن الكتابة المعدة للإثبات تشتمل عادة على الوقائع المتعلقة بالحق المدعى به والتى تكون منتجة فى الإثبات ، لأنها إنما أعدت للوفاء بهذه الأغراض . فلا يكون هناك للقاضى مجال واسع فى تقدير ذلك . أما فى الإثبات بالبينة فيتسع المجال للقاضى فى تقدير ما إذا كانت الوقائع التى استدعيت الشهود من أجلها متعلقة بالدعوى ومنتجة فى الإثبات . فإن الغالب أن تكون الشهود لم تعد للشهادة من قبل ، فإذا توخوا الأمانة فى شهادتهم فهم لا يشهدون إلا على الوقائع التى يتفق أن يكونوا قد رأوها أو سمعوها ، وهذه الوقائع قد تكون متعلقة بالحق المدعى به ، وقد لا تكون متعلقة به . وإذا كانت متعلقة ، فقد تكون منتجة فى الإثبات أو لا تكون . كل هذا متروك لتقدير القاضى ، وهو فى هذا التقدير يتمتع بسلطة واسعة لا يخضع فيها لرقابة محكمة النقض ( 515 ) ، كما قدمنا عند الكلام فى الشروط الواجب توافرها فى الواقعة التى تكون محلاً للإثبات .
168 - تقدير ما إذا كانت البينة كافية : ثم إن القاضى ، إذا رأى الإثبات بالبينة مستساغاً ، وقدر أن الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالحق المدعى به ومنتجة فى الإثبات ، وسمع الشهود فى هذه الوقائع ، فإن له بعد ذلك كله سلطة واسعة فى تقدير ما إذا كانت شهادة هؤلاء الشهود كافية فى إثبات هذه الوقائع .
وهو فى ذلك لا يتقيد بعدد الشهود ، ولا بجنسهم ، ولا بسنهم . فقد يقنعه شاهد واحدا ، ولا يقنعه شاهدان أو أكثر . قد يصدق المرأة ، ولا يصدق الرجل . $ 323 $ وقد تكون شهادة صبى صغيراً أبلغ فى إقناعه من شهادة رجل كبير ( 516 ) .
وقد كان للشهادة فى القديم نصاب محدد : رجلان ، أو رجل وامرأتان ، أو شهود أربعة ، أو نحو ذلك ( 517 ) . فزال هذا النصاب ، لا فى المسائل الجنائية فحسب ، بل أيضاً فى المسائل المدنية والتجارية . وكذلك زالت ضرورة تزكية الشهود ، فلم يعد الشاهد يزكيه شاهد آخر ، بل الذى يزكيه هو مبلغ ما يبعثه فى نفس القاضى من الاطمئنان إلى دقته ، والثقة فى أمانته ( 518 ) .
$ 324 $
والقاضى يقدر ما إذا كانت البينة كافية . وله فى ذلك سلطان كامل ، لا يخضع هنا أيضاً لرقابة محكمة النقض ( 519 ) .
ويتبين مما تقدم أن البينة حجة ليست مقيدة فحسب ، بل هى أيضاً غير ملزمة وغير قاطعة . ولكنها حجة متعدية ، أى أن الوقائع التى تثبت بطريقها تعتبر ثابتة ، لا على من أقيمت فى مواجهته فحسب ، بل أيضاً بالنسبة إلى جميع من يتأثر بالحكم الذى صدر فى الدعوى .
المبحث الثانى
القواعد التى تتبع فى سماع البينة
169 - من مباحث قانون المرافعات : أما القواعد التى تتبع فى سماع الشهود فهى من مباحث قانون المرافعات . ونجتزئ هنا ببيان كيف تحال القضية إلى التحقيق لسماع الشهود ، وكيف تسمع الشهود ، متوخين الإيجاز .
170 - كيف تحال القضية إلى التحقيق لسماع الشهود : فى الأحوال التى يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة ، ويرى القاضى أن هذا الإثبات مستساغ على النحو الذى بيناه ، يجوز للمحكمة ، من تلقاء نفسها متى رأت فى ذلك فائدة $ 325 $ للحقيقة أو بناء على طلب الخصم ، أن تأمر بالإثبات بالبينة ( 520 ) . والحكم الذى يصدر بإحالة القضية إلى التحقيق لسماع الشهود يجب أن يبين فى منطوقه كل واقعة من الوقائع المأمور بإثباتها ، واليوم الذى يبدأ فيه التحقيق ، والميعاد الذى يجب أن يتم فيه ( م 189 - 191 مرافعات ) . وهذا هو ما يسمى بالتحقيق الفرعى ( enquete incidente ) .
171 - كيف تسمع الشهود : يكون التحقيق – سماع الشهود – أمام المحكمة . ويجوز لها ، إذا خيف التعطيل ، أن تندب أحد قضاتها لإجرائه ( م 193 مرافعات ) .
والإذن لأحد الخصوم فى إثبات واقعة بشهادة الشهود يقتضى دائماً أن يكون للخصم الآخر الحق فى نفيها بهذا الطريق ( م 192 مرافعات ) . وفى هذا ضمان كبير اتخذ ضد تحيز الشهود أو ضعف ذاكرتهم أو عدم دقتهم عن طريق إيجاد $ 326 $ ضرب من التوازن بين شهود الإثبات وشهود النفى ( 521 ) . وتقضى المادة 194 من تقنين المرافعات بأن التحقيق يستمر إلى أن يتم سماع جميع شهود الإثبات والنفى فى الميعاد ، ويجرى سماع شهود النفى فى نفس الجلسة التى سمعت فيها شهود الإثبات إلا إذا حال دون ذلك مانع . ويلاحظ أن تقنين المرافعات الجديد استوحى نظام المرافعات الشرعية فى حصر الدليل ، فأوجب أن يكون للتحقيق ميعاد لا يجوز مدة أكثر من مرة واحدة ( م 195 مرافعات ) ، ولم يجز سماع شهود بناء على طلب الخصوم بعد انقضاء ميعاد التحقيق ، وإن جاز ذلك بأمر المحكمة ( م 196 مرافعات ) ( 522 ) .
ولابد من تحليف الشاهد اليمين قبل أداء الشهادة ، وإلا كان التحقيق باطلاً ( م 212 مرافعات ) ( 523 ) . وإذا رفض الشاهد الحضور امتنع بغير برر قانونى عن أداء اليمين أو عن الإجابة ، حكم عليه بغرامة ، ويجوز للمحكمة إصدار أمر بإحضاره ( م 199 وم 201 مرافعات ) .
ولا يجوز رد الشاهد ولو لكان قريباً أو صهراً لأحد الخصوم ، إلا أن يكون غير قادر على التمييز بسبب حداثة أو هرم أو مرض أو لأى سبب آخر ( م 203 مرافعات ) .
وتثبت إجابات الشهود فى المحضر . ولا يجوز للشاهد أن يفشى سر وظيفته أو سر مهنته إلا بإذن خاص ، ولا لأحد الزوجين أن يفشى سر الزوجية ولو بعد انقضائها بغير رضاء الزوج الآخر ( م 206 - 209 مرافعات ) .
وبمجرد انتهاء التحقق والفراغ من سماع الشهود تحدد أقرب جلسة لنظر $ 327 $ الدعوى ( م 221 مرافعات ) ( 524 ) .
الفرع الثانى
القرائن القضائية
172 - النصوص القانونية : تنص المادة 407 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" يترك لتقدير القاضى استنباط كل قرينة لم يقررها القانون . ولا يجوز الإثبات بهذه القرائن إلا فى الأحوال التى يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة ( 525 ) " .
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق . ولكن المادة 215 / 280 من هذا التقنين كانت تبيح الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زادت قيمته على عشرة جنيهات . وكذلك كانت المادة 117 / 282 تبيح الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زادت قيمته على عشرة جنيهات إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة . فدل ذلك على أن البينة والقرائن متلازمان ، فما يجوز إثباته بالأولى يجوز إثباته بالثانية ، وهذا بالرغم من أن بعض النصوص كانت تكتفى بذكر البينة دون القرائن ( م 220 - 221 / 285 - 286 ) .
$ 328 $
ويقابل هذا النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى م 92 : وفى التقنين المدنى العراقى المادة 505 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 310 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 395 ( 526 ) .
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1353 ( 527 ) .
173 - تعريف القرينة – نوعان من القرائن : عرفت المادة 1349 من التقنين المدنى الفرنسى القرائن بوجه عام بأنها هى " النتائج $ 329 $ التى يستخلصها القانون أو القاضى من واقعة معلومة لمعرفة واقعة مجهولة "
" Les presomptions sont des consequences que la loi ou le magistrate tire d'un fait connu a un fait inconnu "
فهى إذن أدلة غير مباشرة ، إذ لا تقع الإثبات فيها على الواقعة ذاتها مصدر الحق ، بل على وقاعة أخرى إذا ثبتت أمكن أن يستخلص منها الواقعة المراد إثباتها . وهذا ضرب من تحويل الإثبات ( deplacement de preuve ) من محل إلى آخر ، وسنعود إلى ذلك فيما بعد . مثل ذلك أن تكون الزوجية قرينة عى الصورية ، فالواقعة المعلومة هى قيام الزوجية بين المتعاقدين ، ويستدل القاضى من هذه الواقعة الثابتة على الواقعة المراد إثباتها ، وهى صورية العقد المبرم ما بين الزوجين . ومثل ذلك أيضاً أن يكون وجود سند الدين فى يد المدين قرينة على الوفاء ، فالواقعة المعلومة هى وجود سند الدين فى يد المدين ، ويستدل القاضى من هذه الواقعة على واقعة الوفاء . ومثل ذلك أخيراً أن يكون التصرف فى مرض الموت قرينة على التصرف وصية ، فالواقعة المعلومة هى إبرام التصرف فى مرض الموت ، ويستدل القاضى منها على أن هذا التصرف وصية .
والقرائن ، كما قدمنا ، إما قرائن قانونية أو قرائن قضائية . فالقرائن القانونية ( presomptions legales, presomptions de droit ) هى التى ينص عليها القانون . وهى ليست طريقاً للإثبات ، بل هى طريق يعفى من الإثبات ، فسنبحثها إذن مع الإقرار واليمين . والقرائن القضائية ( presomptions juduciaires, presomptions du fait de l'homme, presomptions simples ) هى التى تترك لتقدير القاضى يستخلصها من ظروف القضية وملابساتها ، وهى وحدها موضع هذا البحث .
ونبحث : ( أولاً ) عناصر القرينة القضائية وسلطة القاضى فى تقديرها ( ثانياً ) تكييف القرائن بوجه عام وتحولها من قرائن قضائية إلى قرائن قانونية .
المبحث الأول
عناصر القرينة القضائية وسلطة القاضى فى تقديرها
174 - عنصران للقرينة القضائية : للقرينة القضائية عنصران : $ 330 $ ( 1 ) واقعة ثابتة يختارها القاضى من بين وقائع الدعوى ، وتسمى هذه الواقعة بالدلائل أو الأمارات ( indices ) . وهذا هو العنصر المدى للقرينة . ( 2 ) عملية استنباط يقوم بها القاضى ، ليصل من هذه الواقعة الثابتة إلى الواقعة المراد إثباتها . وهذا هو العنصر المعنوى للقرينة .
175 - واقعة ثابتة يختارها القاضى : قد يستخلص القاضى الدليل – إذا لم يوجد إقرار أو يمين أو قرينة قانونية – لا من ورقة مكتوبة ، ولا من بينة تسمع ، ولكن من ظروف القضية وملابستها ، أو كما يقول التقنين المدنى العراقى ( م 505 ) من قرائن يستخلصها من ظروف الدعوى بعد أن يقتنع بأن لها دلالة معينة . وسبيله إلى ذلك أن يختار بعض الوقائع الثابتة أماه فى الدعوى . قد يختارها من الوقائع التى كانت محل مناقشة بين الخصوم . وقد يختارها من ملف الدعوى ، ولو من تحقيقات باطلة . بل قد يختارها من أوراق خارج الدعوى ، كتحقيق إدارى أو محاضر إجراءات جنائية ولو كانت هذه المحاضر قد انتهت بالحفظ ( 528 ) .
وقد تكون الواقعة التى اختارها القاضى ثابتة بالبينة ( 529 ) أو بورقة مكتوبة ( 530 ) ، $ 331 $ أو بيمين نكل الخصم عن حلفها ( 531 ) ، أو بإقرار من الخصم ( 532 ) ، أو بقرينة أخري دلت علي الواقعة التي تستنبط منها القرينة ( 533 ) ، أو بجملة من الطرق مجتمعه ( 534 ) .
$ 332 $ يقف القاضي إذن عند واقعة يختارها تثبت عنده ، ولتكن واقعة قرض ثبتت بورقة مكتوبة أو ببينة أو بقرينة أو بغير ذلك . والقاضي حر في اختيار الواقعة التي يقف عندها ، إذ يراها أكثر مواتاة للدليل وأيسر في استنباط القرينة .
176 - استنباط الواقعة المراد إثباتها من الواقعة الثابتة : ويبدأ بعد ذلك أشق مجهود يبذله القاضي في استخلاص الدليل . إذ عليه أن يستنبط من هذه الواقعة الثابتة الدليل عل الواقعة التي يراد إثباتها ، فيتخذ من الواقعة المعلومة قرينة علي الواقعة المجهولة . ففي المثل المتقدم لا يكون القاضي متعنتا إذا هو استخلص من واقعة القرض التي اختارها أن المقترض كان في حاجة إلي المال عندما عقد القرض ، فإذا أدعي أنه اشتري ، بعد القرض بأيام قليلة وقبل أن يفي بالقرض ، دارا من المقرض بثمن يزيد كثيرا علي مبلغ القرض ، ودفع له الثمن في الحال ، كانت هذه الوقائع متعارضة مع دلالة الواقعة الثابتة . فإذا طعن شخص في عقد البيع الصادر من المقرض إلي المقترض بأنه بيع صوري ، أو دفع بصورية دفع الثمن ، كان للقاضي أن يستخلص من واقعة القرض وحاجة المقترض إلي المال وتعارض هذه الحاجة مع دفعه ثمنا كبيراً يزيد كثيراً علي مبلغ القرض ، كان له أن يستخلص من كل ذلك قرينة علي أن المقترض لم يدفع إلي المقرض ، فتكون هذه القرينة القضائية دليلا علي الصورية .
$ 333 $ سلطة القاضي وساعة في التقدير : وقد رأينا فيما تقدم أن للقاضي سلطة واسعة في استنباط القرائن القانونية . فهو حر في اختيار واقعة ثابتة ، من بين الوقائع المتعددة التي يراها أمامه ، لاستنباط القرينة منها ، ثم هو واسع السلطات في تقدير ما تحمله هذه الواقعة من الدلالة ، وهذا هو الاستنباط . وفيه تختلف الأنظار ، وتتفاوت المدارك . فمن القضاة من يكون استنباطه سليما فيستقيم له الدليل ، ومنهم من يتجافي استنباطه مع منطق الواقع . ومن ثم كانت القرينة القضائية من أسلم الأدلة من حيث الواقعة الثابتة التي تستنبط منها القرينة ، ومن أخطرها من حيث صحة الاستنباط واستقامته ( 535 ) .
والقاضي ، فيما له من سلطان واسع في التقدير ، قد تقنعه قرينة واحدة قوية الدلالة ، ولا تقنعه قرائن متعددة إذا كانت هذه القرائن ضعيفة متهافتة ( 536 ) . وأما ما يذكره التقنين المدني الفرنسي ( م 1353 ) من وجوب اجتماع قرائن قوية الدلالة دقيقة التحديد ظاهرة التوافق ، فليس إلا من قبيل توجيه القاضي ( 537 ) . ويبقي حق التقدير النهائي في ذلك له . ولا تعقب عليه محكمة النقض في $ 334 $ هذا التقدير ( 538 ) ، ما دامت القرينة التي اعتبرها دليلا علي ثبوت الواقعة تؤدي عقلا إلي ثبوتها ( 539 ) .
178 - لا يجوز أن يثبت بالقرائن القضائية إلا ما يجوز إثباته بالبينة : ونري مما تقدم أن الإثبات بالقرائن القضائية لا يخلو من الخطر فالقاضي ، كما رأينا ، يتمتع في استنباط القرينة القضائية بحرية واسعة ، في ميدان تتفاوت فيه الأفهام ، وتتباين الأنظار . فليس ثمة من استقرار كاف في وزن الدليل ، وما يراه قاض قرينة منتجة في الإثبات لا يري قاض آخي فيه شيئا .
من أجل ذلك كانت القرينة القضائية ، كدليل إثبات ، دون منزلة الكتابة ، فهي تتساوي في منزلتها مع البينة ( 540 ) . ولا يجوز الإثبات بقرينة قضائية إلا $ 335 $ حيث ييجوز الإثبات بالبينة ( 541 ) . ( م 407 مدني ) ( 542 ) .
$ 336 $ ولا يفوتنا هنا أن نشير إلي ما سبق أن ذكرناه في عبء الإثبات من أن هذا العبء ينتقل في الواقع من خصم إلي خصم وفقا للقرائن القضائية التي يستخلصها القاضي من ظروف الدعوي . فالقاضي يأخذ بالقرائن القضائية ، لا للإثبات الكامل فحسب ، بل أيضا لنقل عبء الإثبات من جانب إلي جانب ، ثم لرده إلي الجانب الأول ( 543 ) .
والقرينة القضائية كالبينة حجة متعدية غير ملزمة ، وهي أيضا كالبينة غير قاطعة ، غذ هي دائما تقبل إثبات العكس ، إما بالكتابة أو بالبينة أو بقرينة مثلها أو بغير ذلك ، فهي من هذه الناحية كالقرينة القانونية غير القاطعة .
المبحث الثاني
تكييف القرائن بوجه عام وتحولها من قرائن قضائية إلي قرائن قانونية
176 - تكييف القرائن بوجه عام : القرينة ليست إلا نقل الإثبات من الواقعة المراد إثباتها بالذات إلي واقعة أخري قريبة منها ، إذا ثبتت اعتبر ثبوتها دليلا علي صحة الواقعة الأولي .
ويقلو بارتان في هذا المعني : " تقتضي طبيعة الأمور أن نستبدل بإثبات الواقعة مصدر الحق المدعي به ، وهي واقعة يتعذر إثباتها ، إثبات واقعة أخري قريبة منها ( voisin ) ومتصلة بها ( connexe ) ويطلب الخصم من القاضي أن يستخلص من صحة الواقعة الثانية ، عن طريق استنباط يطول أو يقصر ، صحة $ 337 $ الواقعة الأولي التي لا يتمكن من إثباتها بطريق مباشر ، فيتحول محل الإثبات علي نحو ما وهذا ما اقترح تسميته بتحول الإثبات ( deplacement de prevue ) وهو من الخصائص الجوهرية للإثبات القضائي " ( 544 ) .
ففي القرينة القضائية القاضي هو الذي يختار هذه الواقعة القريبة المتصلة بالواقعة المراد إثباتها . أما في القرينة القانونية فالقانون هو الذي يتولي هذا الاختيار ( 545 ) .
وهذه الواقعة القريبة المتصلة - وهي الأمارة ( indice ) - لا تعطي للقاضي إلا علما ظنيا . وبالاستنباط ينتقل القاضي من العلم الظني إلي العلم اليقيني ( de la vraisemblanca a la certitude ) ، ومن الراجح إلي المحقق ( de la probabilite au reel ) ( 546 ) .
180 - تحول القرائن القضائية إلي قرائن قانونية : يقول بارتان هنا أيضا : " أن القرينة القانونية ليست في الواقع من الأمر إلا قرينة قضائية قام القانون بتعميمها وبتنظيمها " ( La presumption legale n est au fand qu une presumption de fait generalisee et systematisee par la loi ) وهذا صحيح من حيث التكييف والتأصيل . فالقرينة القانونية ليست في الأصل إلا قرينة قضائية تواترت واضطرد وقوعها ، فاستقر عليها القضاء . ومن ثم لم تصبح هذه القرينة متغيرة الدلالة من قضية إلي أخري ، فرأي المشرع في اضطرادها واستقرارها ما يجعلها جديرة بأن ينص علي توحيد دلالتها ، فتصبح بذلك قرينة قانونية ( 547 ) .
$ 338 $ والأمثلة علي ذلك كثيرة ، نذكر بعضها :
يشترط في نجاح الدعوي البوليصية في المعاوضات أن يكون المدن معسراً ، وأن يكون هناك تواطؤ بين المدين ومن تصرف له . فكان إعسار المدين تقوم عليه ، في ظل التقنين المدني السابق ، قرينة قضائية ، تحولت في التقنين المدني الجديد إلي قرينة قانونية ، إذ تنص المادة 239 من هذا التقنين علي أنه " إذا ادعي الدائن إعسار المدين ، فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما في ذمته من ديون ، وعلي المدين نفسه أن يثبت أن له ما لا يساوي قيمة الديون أو يزيد عليها " .
وكانت هناك ، في ظل التقنين السابق ، سلسلة من القرائن القضائية تقوم دليلا علي غش المدين وتواطئه مع من تصرف له بعوض . وقد تحولت هذه القرائن القضائية إلي قرائن قانونية في التقنين المدني الحالي ، إذ تنص المادة 238 من هذا التقنين علي أنه " إذا تنص المادة 238 من هذا التقنين علي أنه " إذا كان تصرف المدين بعوض اشترط لعدم نفاذه في حق الدائن أن يكون منطويا علي غش من المدين ، وأن يكون من صدر له التصرف علي علم بهذا الغش . ويكفي لاعتبار التصرف منطويا علي الغش أن يكون قد صدر من المدين وهو عالم أنه معسر ، كما يعتبر من صدر له التصرف عالما بغش المدين إذا كان قد علم أن هذا المدين معسر " .
وجري القضاء ، في ظل التقنين المدني السابق ، علي اعتبار الوفاء بقسط من الأجرة قرينة قضائية علي الوفاء بالأقساط السابقة ( 548 ) . واضطرد هذا القضاء واستقر ، فارتفعت هذه القرينة القضائية في التقنين المدني الجديد إلي منزلة القرينة القانونية ، إذ نصت المادة 587 من هذا التقنين علي أن " الوفاء بقسط من الأجرة قرينة علي الوفاء بالأقساط السابقة علي هذا القسط ، حتي يقوم الدليل علي عكس ذلك " .
وقد يقع ، علي النقيض من ذلك ، أن قرينة قانونية تنزل إلي قرينة قضائية ، $ 339 $ كما وقع في القرينة المستفادة من وجود سند الدين في يد المدين .فقد كان التقنين المدني السابق ( م 219 / 284 )يجعله قرينة قانونية علي الوفاء ، إلي أن يقيم الدائن دليل علي العكس ( م 220 / 285 ) ولن يستبق التقنين المدني الجديد هذا النص ، نزلت هذه القرينة القانونية إلي مرتبة القرينة القضائية .
وبالرغم من أن القرينة القضائية والقرينة القانونية من طبيعة واحدة من حيث التكييف والتأصيل ، إلا أنهما تختلفان من حيث مهمة كل منهما . فالقرينة القضائية طريق إيجابي من طرق الإثبات أما القرينة القانونية فهي ، كما قدمنا ، إعفاء من الإثبات ، مؤقت أو دائم وفقا لما إذا كانت القرينة تقبل إثبات العكس أو لا تقبل ذلك ( 549 ) .
$ 340 $ الفصل الثاني
قوة البينة والقرائن في الإثبات
181 - قوة مطلقة وقوة محدودة : تقضي المادة 400 من التقنين المدني بأن التصرف القانوني ، في غير المواد التجارية ، لا يجوز إثباته بالبينة إذا زادت قيمته علي عشرة جنيهات أو كان غير محدد القيمة .
فالقوة المحدودة في الإثبات للبينة والقرائن إنما هي في ميدان التصرفات القانونية المدنية . ويستخلص من ذلك أن للبينة والقرائن قوة مطلقة في الإثبات خارج هذا الميدان . فتكون لها هذه القوة المطلقة في الوقائع القانونية المادية ( faits juridiques materiels ) وفي التصرفات القانونية التجارية ( actes juridiques commerciaux ) .
الفرع الأول
قوة الإثبات المطلقة للبينة والقرائن
المبحث الأول
الوقائع القانونية المادية
182 - طبيعة الوقائع المادية تستعصي علي فرض الكتابة للإثبات : هناك فرق واضح بين التصرف القانوني والواقعة المادية .
فالتصرف القانوني إرادة تتجه إلي إحداث أثر قانوني معين فيرتب القانون عليها هذا الأثر ، ولما كانت هذه الإرادة لها مظهر خارجي هو التعبير ، فإن القانون اقتضي ألا يكون إثبات هذا التعبير ، كقاعدة عامة ، إلا عن طريق الكتابة ، وذلك لاعتبارين أساسيين : ( 1 ) لأن التعبير عن إرادة تتجه لإحداث أثر قانوني أمر دقيق ، قد يغم علي الشهود فلا يدركون معناه ، ولا يؤدون الشهادة $ 341 $ فيه بالدقة الواجبة ، وسنعود إلي هذا الاعتبار عند الكلام في إثبات التصرف القانوني . ( 2 ) والتصرف القانوني ، فوق ذلك ، هو الذي تستطاع تهيئة الدليل الكتابي ( prevue preconstituee ) عليه وقت وقوعه ، ومن ثم كان اشتراط الكتابة لإثباته أمرا ميسوراً .
أما الواقعة المادية فلا يقوم في شأنها أي من الاعتبارين المتقدمين . فهي تحدث ، وتراها الناس ، فلا تختلف أفهامهم كثيرا في روايتها كما وقعت ، إذ هي ليست من الدقة والتعقيد بالمنزلة التي رأيناها للتصرف القانوني . وهب أن واقعة مادية كانت من الدقة بحيث تختلف أفهام الناس في إدراكها ، فهل يكون ميسوراً تسجيلها بالكتابة عند وقوعها؟ قليل من الوقائع هو الذي يتيسر فيه ذلك . وقد عمد المشرع إلي الخطير من هذه الوقائع ، كالميلاد والموت ، فأوجب تسجيله بالكتابة علي نحو خاص ( 550 ) . أما الكثرة الغالبة من الوقائع المادية التي تحدث آثاراً قانونية فلا يتيسر إثباتها بالكتابة . فيكفي إذن إثباتها بالبينة وبالقرائن . بل بنفتح في إثباتها جميع أبواب الإثبات ، وبخاصة باب المعاينة فهو من أرحب الأبواب للوقوف عليها ( 551 ) .
183 - أنواع الوقائع المادية : والوقائع المادية التي تحدث آثاراً قانونية كثيرة متنوعة .
$ 342 $ منها ما يكون مصدراً للالتزام ، كالعمل غير المشروع ( 552 ) . والبناء والغراس في الإثراء علي حساب الغير ، والقيان بأعمال مادية في الفضالة ، والجوار والقرابة في الالتزامات القانونية .
ومنها ما يكون سببا لكسب الحقوق العينية ، كالموت والميلاد في الميراث ( وهذان يراعي في إثباتهما أوضاع خاصة كما قدمنا ) ، والحيازة ، والاستيلاء ، والبناء والغراس في الالتصاق ، ومضي الزمن في التقادم ، والجوار في الشفعة .
ومنها ما يحدث آثاراً قانونية أخري ، كانتزاع الحيازة في قطع التقادم ، واستعمال حقوق الارتفاق بعد تركها ، وتنفيذ الالتزامات عن طريق أعمال مادية ( 553 ) . والعمل بالإعسار أو بالفقه( 554 ) أو بالعيوب الخفية أو بالبيع في $ 343 $ الشفعة ( 555 ) أو بغير ذلك من الوقائع ( 556 ) ، والتواطؤ ، والغلط والتدليس ( 557 ) والإكراه والاستغلال ، والعرف إذا كان ملحوظا في العقد .
فالقاعدة العامة في هذه الوقائع المادية ، التي أوردنا بعض أمثلة منها ، أنه يجوز إثباتها بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن . فللبينة والقرائن إذن ، في ميدان الوقائع المادية ، قوة مطلقة في الإثبات تستوي في ذلك مع الكتابة ، بل قد تزيد عليها من ناحية الحاجة إليها .
184 - وقائع مادية تستوقف النظر : وهناك حالات للوقائع المادية تحتاج إلي إمعان في النظر .
فهناك وقائع مختلطة ( faits mixtes ) ، يقوم فيها العمل المادي إلي جانب التصرف القانوني ، وذلك كالوفاء والإقرار ، فهذه حكمها في الإثبات حكم التصرفات القانونية لا تثبت فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة . أما الاستيلاء $ 344 $ فواقعة مختلطة ، ولكن يغلب فيها طابع العمل المادي ، ومن ثم تثبت بالبينة والقرائن .
وهناك وقائع مركبة ( faits complexes ) ، كالشفعة وهذه تجتمع فيها جملة من الوقائع : الجوار وهو واقعة مادية تثبت بجميع الطرق ، وبيع العين المشفوع فيها وهو بالنسبة إلي الشفيع واقعة مادية أيضا تثبت بجميع الطرق ، وإرادة الأخذ بالشفعة وهذا تصرف قانونية لا يثبت إلا بالكتابة بل لا بد من طريق خاص في التعبير عن الإرادة هنا بينه القانون .
والحيازة واقعة مادية ( 558 ) ، ولكن قد يداخلها تصرف قانوني . فإذا أراد المالك أن يثبت أن الحائز للعين هو مستأجر منه ، وجب عليه أن يثبت عقد الإيجار بالكتابة إذا زاد علي النصاب . أما إذا أراد إثبات أن الحائز لا يقوم بأعمال الحيازة لحسابه الشخصي بل باعتباره مستأجراً فلا يستطيع التملك بالتقادم ، كان كل من الحيازة والإيجار واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( 559 ) .
$ 345 $ والغير في التصرف القانوني يجوز له إثبات هذا التصرف بجميع الطرق لأنه ليس طرفا فيه ، فهو بالنسبة إليه واقعة مادية ( 560 ) . وحتي فيما بين المتعاقدين قد يقع ليس فيما إذا كان المطلوب إثباته تصرفا قانونيا فلا يثبت إلا بالكتابة ، أو واقعة مادية فتثبت بجميع الطرق ( 561 ) .
$ 346 $ وفي الإخلال بالتزام عقدي ، يجوز إثبات العمل المادي الذي كون واقعة $ 347 $ الإخلال بجميع الطرق لأنه واقعة مادية ( 562 ) . أما العقد الذي أخل به فهو تصرف قانوني ، لا يجوز إثباته فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة .
وفي التبديد وغيره من الجرائم التي تستند إلي عقود مدنية ، لا يجوز إثبات هذه العقود فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة . ومن ثم نري أن الإخلال بالتصرف القانوني قد يكون واقعة مادية ، وأن الجريمة قد تنطوي علي تصرف قانوني ( 563 ) .
$ 348 $ وقطع التقادم إذا تم بواقعة مادية ، كالعودة إلي استعمال حق الارتفاق ، يثبت بجميع الطرق وإذا تم بتصرف قانوني ، كالاعتراف بحق الارتفاق أو دفع الفوائد والأقساط ، فلا يجوز الإثبات فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة ( 564 ) .
والشركة الفعلية ( societe de fait ) واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( 565 ) .
ودفع غير المستحق تصرف قانوني يجب إثباته بالكتابة فيما زاد علي النصاب ( 566 ) .
وأعمال الفضالة بالنسبة إلي رب العمل وقائع مادية يجوز لهذا إثباتها بجميع الطرق ، حتي لو كان من بين هذه الأعمال تصرف قانوني قام به الفضولي . ولا يجوز إثبات هذا التصرف القانوني ، فيما بين الفضولي ومن تعاقد معه ، إلا بالكتابة فيما زاد علي النصاب ( 567 ) .
$ 349 $ المبحث الثاني
التصرفات القانونية التجارية
185 - جواز الإثبات بالبينة بالقرائن في التصرفات القانونية التجارية : رأينا أن المادة 400 من التقنين المدني تستثني المواد التجارية من وجوب الإثبات بالكتابة إذا زادت قيمة التصرف علي عشرة جنيهات . فالتصرف القانوني التجاري إذن يجوز إثباته بالبينة وبالقرائن ، حتي لو كانت قيمته تزيد علي عشرة جنيهات أو كان غير محدد القيمة .
وقد كانت المادة 234 / 299 من التقنين المدني السابق تنص علي هذا الحكم فتقول : " عقود البيع والشراء وغيرها من العقود في المواد التجارية يجوز إثباتها ، بالنسبة للمتعاقدين وغيرهم ، بكافة طرق الثبوت ، بما فيها الإثبات بالبينة وبقرائن الأحوال " . واكتفي التقنين المدني الجديد باستبعاد المواد التجارية في المادة 400 من وجوب الإثبات بالكتابة علي النحو الذي قدمناه ، فلم يورد نصا يقابل المادة 234 / 299 من التقنين المدني السابق تجنبا للتكرار .
والسبب في إباحة الإثبات بالبينة وبالقرائن في المسائل التجارية ، أيا كانت قيمة التصرف القانوني ، هو ما يقتضيه التعامل التجاري من السرعة وما يستلزمه من البساطة . وما يستغرقه من وقت قصير في تنفيذه ( 568 ), علي أن هناك من المسائل التجارية ما لا يستقيم إلا بالكتابة مثل ذلك الأوراق التجارية ، لم يقتصر القانون فيها علي اشتراط الكتابة ، بل اشترط في الكتابة أن تستوفي شروطا معينة . كذلك فعل في المسائل التجارية التي تستغرق وقتا طويلا وتنطوي علي أهمية خاصة ، كما هو الأمر في عقود الشركات التجارية ( م 40 - 46 تجاري ) ، وفي عقود بيع السفن ( م 3 بحري ) ، وفي إيجارها ( م 91 بحري ) ، وفي التأمين عليها أو علي البضائع ( م 174 بحري ) ، وفي القروض البحرية ( م 150 بحري ) $ 350 $ علي أن الإثبات بالبينة وبالقرائن في المسائل التجارية أمر جوازي للقاضي ، كما هو شأن الإثبات بالبينة وبالقرائن في أية مسألة أخري . فقد رأينا ان القاضي يقدر ما إذا كان الإثبات بالبينة وبالقرائن مستساغا ، ثم يقدر بعد ذلك ما إذا كانت البينة أو القرائن المقدمة للإثبات بهما غير مستساغ . وله أن يقدر أن هذا الإثبات لابد من تعزيزه بالكتابة ، وبخاصة بما هو مدون في الدفاتر التجارية لاسيما إذا كانت التصرفات المراد إثباتها ذات قيمة كبيرة أو كانت مما يصعب ضبطه بغير الكتابة وله سلطة واسعة في تقدير ما إذا كانت البينة أو القرائن المقدمة للإثبات كافية لاقناعة بصحة الواقعة المدعي بها ( 569 ) . ويجوز لأصحاب الشأن ، علي كل حال ، أن يتفقوا علي أن يكون الإثبات فيما بينهم في المسائل التجارية بالكتابة ، فتكون الكتابة عندئذ واجبة لأن إباحة الإثبات بالبينة وبالقرائن في التصرفات التجارية ليست قاعدة من النظام العام ، فيجوز الاتفاق علي ما يخالفها ، وسنعود إلي هذه المسألة .
$ 351 $ 186 - العبرة بنوع التعامل وصفة الخصوم لا بالمحكمة المختصة : والقانون التجاري هو الذي يبين متي يعتبر التصرف القانوني تجاريا ، فيجوز إثباته بالبينة أو بالقرائن أيا كانت قيمته ( 570 ) .
وقد يقع التصرف القانوني بين شخصين ويعتبر بالنسبة إلي كل منهما تصرفا مدنيا ، كالمزارع يبيع جزءاً من محصوله إلي المستهلك . فالإثبات هنا لا يجوز أن يكون بالبينة أو بالقرائن إلا فيما لا يجاوز النصاب .
وقد يقع التصرف بين شخصين ويعتبر بالنسبة إلي كل منهما تصرفا تجاريا ، كصاحب المصنع يبيع سلعته من التاجر . فالإثبات يجوز أن يكون هنا بالبينة أو بالقرائن ، أيا كانت قيمة التصرف .
وقد يقع التصرف بين شخصين فيكون بالنسبة إلي أحدهما تصرفا مدنيا وبالنسبة إلي الآخر تصرفا تجاريا ، كالمزارع يبيع محصوله من التاجر ، وكالمستهلك يشتري من تاجر التجزئة ، وكعقد النشر بين المؤلف والناشر ، وكعقد النقل بين المسافر أو صاحب البضاعة وأمين النقل ، وكعمليات المصارف بين العميل والمصرف . وهذا ما يسمي بالتصرف المختلط . ففي هذه الحالة تسري القواعد المدنية في الإثبات علي من كان التصرف مدينا بالنسبة إليه ، فلا يجوز بالبينة أو بالقرائن إثبات تسليم الثمن إلي المزارع ولا تسليم السلعة إلي من اشتري من تاجر التجزئة ولا تسليم الأرباح إلي المؤلف ولا تسليم البضاعة إلي صاحبها من أمين النقل ولا العمليات المصرفية ضد العميل إلا فيما لا يجاوز النصاب . وتسري القواعد التجارية في الإثبات علي من كان التصرف تجاريا بالنسبة إليه ، فيمكن إثبات تسليم المحصول للتاجر ، وتسليم الثمن لتاجر التجزئة ، ومقدار أرباح المؤلف ضد الناشر ، وتسليم البضاعة لأمين النقل ، والعمليات المصرفية ضد المصرف ، بالبينة أو بالقرائن ، أيا كانت قيمة الالتزام ( 571 ) . $ 352 $ والعربة بنوع التعامل لا بالمحكمة المختصة . فقد يطرح نزاع تجاري أمام محكمة $ 353 $ المدنية ، فنتبع قواعد الإثبات التجارية . وقد يطرح نزاع مدني أمام محكمة تجارية ، فنتبع قواعد الإثبات المدنية ( 572 ) .
187 - جميع المسائل التجارية يجوز إثباتها بالبينة وبالقرائن ، حتي فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها : ومتي ثبت للتصرف الصفة التجارية علي الوجه الذي قدمناه ، جاز إثباته ، كما سبق القول ، بالبينة وبالقرائن ، أيا كانت قيمة التصرف ، حتي لو كان الأمر يتعلق بجريمة تنطوي علي عقد مدني كجريمة التبديد ، فيجوز إثبات عقد الودية مثلا بجميع الطرق أيا كانت قيمة الشيء المودع ( 573 ) .
ومن باب أولي يجوز إثبات الوقائع المادية في المسائل التجارية بجميع طرق الإثبات . مثل ذلك أن يصاب عامل في مصنع ، فلهذا العامل أن يثبت مسئولية صاحب المصنع بجميع الطرق .
بل يجوز أيضا ، إذا كان التصرف القانوني التجاري ثابتا بالكتابة ، إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها بالبينة وبالقرائن ( 574 ) . وسنعود إلي هذه المسألة في موضع آخر .
$ 354 $ الرفع الثاني
قوة الإثبات المحدودة للبينة والقرائن
188 - القاعدة العامة والاستثناءات : رأينا فيما تقدم أن للبينية والقرائن قوة مطلقة في إثبات الوقائع المادية والتصرفات القانونية التجارية . وتبقي ، بعد ذلك ، التصرفات القانونية المدنية . وهذه ليس للبينة والقرائن فيها إلا قوة إثبات محدودة وقد وضع القانون في ذلك قاعدة عامة ، ثم أورد عليها استثناءات معينة .
$ 355 $ أما القاعدة فهي ذات شقين : ( أولا ) لا يجوز إثبات التصرفات القانونية المدنية ، إذا زادت قيمته علي عشرة جنيهات ، إلا بالكتابة . ( ثانياً ) وحتي إذا كان التصرف القانوني المدني لا تزيد قيمته علي شعرة جنيهات ، فإنه إذا كان ثابتا بالكتابة ، لم يجز إثبات ما يخالف هذه الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة . ونري من ذلك أن هذه القاعدة العامة تضيق من نطاق الإثبات بالبينة والقرائن ، وتجعل قوة هذين الطريقين في الإثبات محدودة فلا يجوز أن تثبت بهما التصرفات المدنية التي تزيد قيمتها علي عشرة جنيهات ، بل وتلك التي لا تزيد قيمتها علي هذا المقدار إذا كانت مكتوبة ويراد إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، وغني عن البيان أن هذا الميدان الذي استبعد فيه الإثبات بالبينة وبالقرائن ذو نطاق واسع ، فهو يستغرق الكثرة الغالبة من التصرفات المدنية التي تكون عادة محلا للتقاضي . ومن ثم كانت البينة والقرائن ذات قوة في الإثبات جد محدودة في ميدان التصرفات القانونية المدنية .
علي أن هذين الطريقين تعود لهما المطلقة في الإثبات في الاستثناء الذي أورده القانون علي القاعدة العامة التي أسلفناها . وهو استثناء له أيضا شقان : ( أولا ) يجوز مع ذلك الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زاد علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها إذا كان هناك مبدأ ثبوت بالكتابة . ( ثانياً ) ويجوز أيضا الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زاد علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها إذا وجد مانع من الحصول علي الكتابة أو من تقديمها بعد الحصول عليها . ونري من ذلك أن البينة والقرائن ، وقد كانت قوتهما محدودة في القاعدة العامة ، انطلقنا في الاستثناء ، وأصبح من الجائز إثبات جميع التصرفات المدنية بهما عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة أو عند قيام المانع ( 575 ) .
ونبحث الآن القاعدة العامة ثم الاستثناءات .
$ 356 $ المبحث الأول
القاعدة العامة
189 - الأصل التاريخي لهذه القاعدة : نبتت هذه القاعدة في القانون الفرنسي القديم ، وقد كان هذا القانون كغيره من القوانين القديمة ( 576 ) ، يجعل البينة هي الأصل في الإثبات ، فيجوز إثبات أي التزام بها أيا كانت قيمته ( 577 ) .
وبقيت هذه الحال سائدة إلي أن انتشرت الكتابة ، وبدأ الناس يألفون تدوين عقودهم ومعاملاتهم . فصدر قانون في فبراير سنة 1566 ، سمي " أمر مولان " ( Ordonnance Moulins ) ، تقضي المادة 56 منه بوجوب تدوين المعاملات $ 357 $ التي تزيد قيمتها علي مائة جنيه فرنسي في ورقة رسمية أمام موثق العقود ، وذلك نظراً للشكوي التي ترددت من عيوب الإثبات بالشهادة . وهذه الورقة هي وحدها التي تكون دليلا للإثبات ، دون أن تقبل البينة فيما يجاوز هذا الدليل الكتابي ، أو فيما يدعي أنه اتفق عليه قبل كتابة الدليل أو في أثناء كتابته أو بعد الكتابة ( avant icelui lors et depuis ) ولا يخل هذا الحكم بجواز إثبات التعامل في ورقة عرفية . وبعد مائة عام من صدور هذا الأمر صدر أمر آخر يؤكده في سنة 1667 ، وهو قانون لويس الرابع عشر في الإصلاح القضائي ، ويقضي بوجوب تدوين المعاملات التي تزيد قيمتها علي مائة جنيه ، ولو كانت ودائع اختيارية ، في أوراق رسمية أو عرفية . ولا يقبل الإثبات بالبينة لما يخالف ما اشتملت عليه هذه الأوراق أو يجاوزه ، ولا لما يدعي أنه اتفق عليه قبل الكتابة أو في أثنائها أو بعدها ، ولو لم تجاوز القيمة مائة جنيه ، دون أن يخل ذلك بما قد جري العمل عليه أمام القضاة والقناصل في المسائل التجارية ( 578 ) .
وبقي هذا النص معمولا به في القانون الفرنسي القديم . ثم نقله التقنين المدني الفرنسي نقلا يكاد يكون حرفيا ، فنصت المادة 1341 من هذا التقنين علي أنه " يجب إعداد ورقة رسمية أو عرفية لإثبات الأشياء التي تزيد قيمتها علي مائة وخمسين فرنكا ، ولو كانت ودائع اختيارية ولا تقبل البينة فيما يخالف أو يجاوز مشتملات هذه الأوراق ، أو فيما يدعي أنه وقع قبل كتابتها أو في أثناء الكتابة أو بعدها ، $ 358 $ ولو كانت القيمة تقل عن مائة وخمسين فرنكا . وهذا كله دون إخلال بأحكام قوانين التجارة ( 579 ) " .
وقد جعل قانون نابليون نصاب البينة مائة وخمسين فرنكا ، وكانت في القانون الفرنسي القديم مائة جنيه وقيمتها كانت تبلغ نحوا من ألفين من الفرنكات . وقد نزل نصاب البينة إلي هذا المقدار نظراً لزيادة انتشار الكتابة كما قال جوبير ( jaubert ) في تقريره عن هذا النص( 580 ) .ثم نقصت قيمة الفرنك فصدر قانون أول أبريل سنة 1928 يرفع نصاب البينة إلي خمسمائة فرنك . ثم هبطت قيمة الفرنك بعد ذلك هبوطا جسيما ، فصدر قانون 21 فبراير سنة 1948 يرفع النصاب مرة أخري إلي خمسة آلاف من الفرنكات وفي مصر قرر نصاب البينة منذ التقنين المدني السابق بعشرة جنيهات . ولم يتغير هذا النصاب في التقنين الجديد ، وإن كانت قيمة العملة قد نزلت نزولا كبيراً ، للمعادلة ما بين هذا النزول الكبير وزيادة انتشار الكتابة .
ونري مما تقدم أن " أمر مولان " كان هو نقطة التحول عن البينة إلي الكتابة . وقد ذكر الأمر لهذا التحول سببين : ( أولهما ) ما تنطوي عليه الشهادة من خصر ، ليس فحسب من حيث فساد ذمة الشهود ، بل أيضا من حيث ضعف ذاكرتهم واحتمال تطرق السهو النسيان إليها . ( والثاني ) ما يستتبع السماح بالبينة في الإثبات من كثرة القضايا التي ترفعها الناس اعتمادا علي سهولة اصطياد الشهود وشرائهم عند الضرورة ، وما يترتب علي ذلك من ازدحام المحاكم بالقضايا وتراكم هذه القضايا وتعقدها وطول إجراءاتها . ويضيف " بارتان " سببا ثالثاً هو ما ينطوي $ 359 $ عليه التصرف القانوني من دقة تضييق بها الشهادة . فالشهود قد يستطيعون رواية مادية ، أما أن يرددوا عبارات تم بها التصرف القانوني ترديداً صادقا أمنيا بهذا ما ينوء به كاهل الكثرة الغالبة من الشهود ( 581 ) .
190 - هل تعتبر هذه القاعدة العامة بشقيها من النظام العام : بقي ، قبل الدخول في تفصيلات هذه القاعدة العامة ، أن نبين هل هي تعتبر $ 360 $ من النظام العام . فإنها إذا اعتبرت كذلك ، لم يجز الاتفاق علي أن يكون الإثبات بالكتابة فيما لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، ولا أن يكون الإثبات بالبينة فيما تزيد قيمته علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها . ثم يكون للمحكمة أن تقضي بهذه الأحكام من تلقاء نفسها ، ولا تعتد بنزول الخصوم عنها ، ويجوز التمسك بها لأول مرة أمام محكمة النقض . ونبحث هذه المسألة الهامة في القانون الفرنسي ، ثم في القانون المصري .
القانون الفرنسي : الفقه والقضاء في فرنسا مختلفان فيما إذا كانت هذه القاعدة تعتبر من النظام العام . فالفقه الفرنسي يذهب إلي وجوب اعتبارها من النظام العام ( 582 ) . كما يبدو من الأسباب التي ذكرت في أمر مولان ( Moulins ) وهو أول سند تشريعي لهذه القاعدة . والفقه ، وهو يأخذ في شبه إجماع ( 583 ) . بهذا الرأي ، يستند إلي الحجتين الآتيتين : ( أولا ) أن القانون في تنظيمه طرق الإثبات إنما يبغي الوصول إلي خير الحلول لحسم النزاع ما بين الأفراد ، ومن ثم فهو يمس تنظيم القضاء نفسه ، وتنظيم القضاء يعتبر من النظام العام ( 584 ) . ( ثانياً ) أن $ 361 $ الاعتبار الأساسي الذي استند إليه المشرع في تحريم البينة إلا في حدود ضيقة هو أن السماح بها يفسح المجال للإكثار من رفع القضايا وازدحام المحاكم بها اعتماداً علي تصيد الشهود وشرائهم عند الاقتضاء ، وهذا الاعتبار تعتبر من النظام العام أنه بالنظام العام ( 585 ) . ويرتب الفقه الفرنسي علي أن القاعدة تعتبر من النظام العام أنه لا يجوز الاتفاق علي الإثبات بالبينة أو بالقرائن فيما تزيد قيمته علي النصاب ، أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ولو لم تزيد قيمته علي النصاب . كذلك لا يجوز الاتفاق علي الإثبات بالكتابة فيما لا تزيد قيمته علي النصاب ( 586 ) . ويستوي في ذلك أن يكون الاتفاق ما بين الخصوم علي ما يخالف القاعدة واقعا قبل رفع النزاع إلي المحكمة أو بعد رفعة ، ففي الحالتين يكون الاتفاق باطلا لمخالفته للنظام العام ( 587 ) . وللقاضي أن يحكم من تلقاء نفسه ، دون طلب من الخصوم بل بالرغم $ 362 $ من تنازلهم أو من اتفاقهم علي العكس ، بوجوب تطبيق الأحكام التي تقضي بها هذه القاعدة . وللخصوم أن يتمسكوا بهذا الأحكام ، ولو لأول مرة ، أمام محكمة النقض .
أما القضاء الفرنسي فيذهب ، في شبه إجماع كذلك ، إلي أن القاعدة وإن كانت تتعلق بالمصلحة العامة إلا أنها ليست من النظام العام ( 588 ) . وذلك للاعتبارين الآتيين : ( أولا ) أن الإثبات إنما يتناول حقوقا فردية للخصوم ، وللخصم أن ينزل عن حقه ، فيملك من باب أولي أن يتفق مع خصمه علي طريق إثباته ( 589 ) .( ثانياً ) أن موقف القاضي في الإثبات هو موقف الحياد التام ، والخصوم وحدهم هم الذين يقومون بالنشاط الإيجابي في الإثبات . فهلم إذا شاءوا أن يعينوا بالاتفاق فيما بينهم الطرق التي يثبتون بها حقوقهم دون تدخل من القاضي . ولا $ 363 $ بتدخل المشرع ، فيرسم طرق الإثبات ، إلا إذا لم يتفق الخصوم ، صراحة أو ضمنا ، علي شيء من ذلك ( 590 ) .
ويرتب القضاء الفرنسي علي أن القاعدة لا تعتبر من النظام العام عكس النتائج التي يرتبها الفقه الفرنسي علي أن القاعدة تعتبر من النظام العام . فيجوز الاتفاق علي الإثبات بالبينة أو بالقرائن فيما تزيد قيمته علي النصاب ، أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ولو لم تزد قيمته علي النصاب ( 591 ) . ويجوز الاتفاق كذلك علي الإثبات بالكتابة فيما لا تزيد قيمته علي النصاب( 592 ) .ويستوي في هذا الجواز أن يكون الاتفاق واقعا قبل رفع النزاع إلي المحكمة أو بعدها ( 593 ) . وليس للقاضي أن يحكم من تلقاء نفسه بوجوب تطبيق الأحكام التي تقضي بها هذه القاعدة إذا نزل الخصوم عن التمسك بها صراحة أو ضمنا ، أو حتي إذا اقتصر الخصم علي عدم الاعتراض علي خصمه وهو يخالفها في إثبات ما يدعيه ( 594 ) . وليس للخصوم أن يتمسكوا بهذا الأحكام لأول مرة أمام محكمة النقض ( 595 ) .
$ 364 $ القانون المصري : أما في مصر ، وفي عهد التقنين المدني السابق ، فقد كان الفقه والقضاء متفقين علي أن القواعد المتعلقة بطرق الإثبات ، إذا كانت تجيز البينة ، لا تعتبر من النظام العام ، فيجوز للطرفين أن يتفقا علي أن الإثبات لا يكون إلا بالكتابة حتي لو لم تزد قيمة الالتزام علي عشرة جنيهات ( 596 ) . $ 365 $ إذا كانت قواعد الإثبات تتطلب الكتابة : فقد كان هناك رأي يعتبر هذه القواعد من النظام العام ، فلا يجوز الاتفاق مقدما علي الإثبات بالبينة ، بل لا يجوز نزول أحد الطرفين عن حقه في الإثبات بالبينة حتي لو قبلها الخصمان( 597 ) . وكان هناك رأي ثان يميز بين الحالتين ، فلا يجيز الاتفاق مقدما علي جواز الإثبات بالبينة ، ولكنه يجيز تراضي الخصمين أثناء رفع الدعوي علي قبول البينة في الإثبات إذ يكون قد تبين لهما مدي النزاع وأهميته ( 598 ) . وكان $ 366 $ هناك رأي ثالث لا يعتبر هذه القواعد من النظام العام ، دون تمييز بين حالة وحالة ، فيجيز تراضي الخصمين علي قبول البينة أثناء رفع الدعوي ، بل ويجيز الاتفاق مقدما علي الإثبات بالبينة ، فعنده أن جميع القواعد المتعلقة بطرق الإثبات ، سواء كانت تحتم الكتابة في الإثبات أو تجيز الإثبات بالبينة ، ليست $ 367 $ من النظام العام ( 599 ) .
أما التقنين المدني الجديد فقد حسم ، فيما نري ، هذا الخلاف . فقد قضت الفقرة الأولي من المادة 400 من هذا التقنين بعدم جواز الإثبات بالبينة إذا كان التصرف القانوني تزيد قيمته علي عشرة جنيهات أو كان غير محدد القيمة ، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك . فأجاز التقنين الجديد صراحة الاتفاق علي جواز الإثبات بالبينة في تصرف قانوني تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ( 600 ) ، $ 368 $ فبالأولي يجوز الاتفاق علي وجوب الإثبات بالكتابة في تصرف قانوني لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات( 601 ) . كما يجوز الاتفاق علي الإثبات بالبينة فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها . وم دام الاتفاق مقدما علي كل ذلك جائزاً ، فمن الجائز أيضا ، من باب أولي ، أن يتم الاتفاق علي كل ذلك بعد رفع النزاع . وقد يفهم مثل هذا الاتفاق دلالة من عدم اعتراض الخصم علي طريق الإثبات الذي لجأ إليه خصمه ، ومن مساهمته في هذا الطريق بمناقشته للشهود في التحقيق أو بطلبه استدعاء شهود للنفي أو بأي عمل آخر . ولا يجوز للقاضي من تلقاء نفسه رفض الإثبات بالبينة حيث يوجد القانون الإثبات بالكتابة ، من غير طلب من الخصوم . كما لا يجوز أن تثار المخالفة للقواعد المتعلقة بطرق الإثبات لأول مرة أمام محكمة النقض ، إذا لم تكن أثيرت قبل ذلك أمام محكمة الموضوع . ويجوز ، أخيرا ، الاتفاق علي الإثبات بالبينة دون القرائن ، أو علي الإثبات بالقرائن جون البينة ، وذلك فيما تزيد قيمته علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ( 602 ) .
وننتقل الآن إلي القاعدة العامة في كل من شقيها .
$ 369 $ المطلب الأول
لا تقبل البينة أو القرائن في تصرفات قانونية تزيد قيمتها علي عشرة جنيهات
191 - النصوص القانونية : تنص المادة 400 من التقنين المدني الجديد علي ما يأتي :
" 1 - في غير المواد التجارية ، إذا كان التصرف القانوني تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، أو كان غير محدد القيمة ، فلا تجوز البينة في إثبات وجوده أو انقضائه ، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك " .
" 2 - ويقدر الالتزام باعتبار قيمته وقت صدور التصرف . ويجوز الإثبات بالبينة إذا كانت زيادة الالتزام علي عشرة جنيهات لم تأت إلا من ضم الفوائد والملقحات إلي الأصل " .
" 3 - وإذا اشتملت الدعوي علي طلبات متعددة ناشئة عن مصادر متعددة ، جاز الإثبات بالبينة في كل طلب لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، ولو كانت هذه الطلبات في مجموعها تزيد علي هذه القيمة ، ولو كان منشؤها علاقات بين الخصوم أنفسهم أو تصرفات من طبيعة واحدة . وكذلك الحكم في كل وفاء $ 370 $ لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ( 603 ) " .
وتنص المادة 401 علي ما يأتي :
" لا يجوز الإثبات بالبينة ولو لم تزد القيمة علي عشرة جنيهات : "
" أ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . " .
" ب - إذا كان المطلوب هو الباقي أو هو جزء من حق لا يجوز إثباته إلا بالكتابة " .
" جـ - إذا طالب أحد الخصوم في الدعوي بما تزيد قيمته علي عشرة جنيها ، ثم عدل عن طلبه إلي ما لا يزيد علي هذه القيمة ( 604 ) .
$ 371 $ وتقابل هذه النصوص المادتين 215 - 216 / 280 - 281 من التقنين المدني السابق ( 605 ) .
وتقابل في التقنينات المدنية العربية الأخري : في قانون البينات السوري المواد 52 إلي 55 ، وفي التقنين المدني العراقي المواد 486 إلي 489 ، وفي تقنين أصول المحاكمات المدني اللبناني المواد 241 إلي 246 ، وفي التقنين الليبي المادتين 387 - 388 ( 606 ) . وتقابل في التقنين المدني الفرنسي $ 372 $ المواد 1341 - 1346 ( 607 ) .
ويخلص من نصوص التقنين المدني المصري أن التصرف القانوني لا يجوز إثباته بالبينة أو بالقرائن إلا إذا كانت قيمة الالتزام الناشيء عن هذا التصرف $ 373 $ لا يزيد علي عشرة جنيهات مصرية . فإن كانت القيمة تزيد علي عشرة جنيهات ، فلا يجوز الإثبات إلا بالكتابة ، إلا إذا وجد اتفاق أو نص في القانون يجيز الإثبات بالبينة أو بالقرائن . أما الاتفاق ، فقد قدمنا أن القاعدة ليست من النظام العام ، فيجوز الاتفاق علي أن يكون الإثبات بالبينة أو بالقرائن فيما يزيد علي عشرة جنيهات ، كما يجوز الاتفاق علي أن يكون الإثبات بالكتابة فيما لا يجاوز عشرة جنيهات . وأما النص ، فهناك نصوص قانوني تجيز الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما يزيد علي عشرة جنيهات ، كما إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة أو وجد مانع من الحصول علي الكتابة أو من تقديمها بعد الحصول عليها وسنري تفصيل ذلك . كما توجد نصوص توجب الإثبات بالكتابة فيما لا يجاوز عشرة جنيهات ، من ذلك عقد الصلح ( م 552 مدني ) وعقد الكفالة ( م 773 ) وعقد إنشاء ملكية الأسرة ( م 851 مدني ) واتفاق التحكيم ( م 821 مرافعات ) والشركات التجارية ( م 40 و 46 تجاري ) وشروط استخدام قبودان السفينة وضباطها وملاحيها ( م 65 بحري ) وعقد إيجار السفينة ( م 90 بحري ) وعقد التأمين البحري ( م 174 بحري ) ( 608 ) . فإذا لم يوجد اتفاق أو نص ، فالقاعدة هي $ 374 $ ما قدمنا ( 609 ) . ويقتضي الأمر إذن أن نبحث مسألتين : ( أ ) كيف نحدد التصرفات القانونية المدنية التي تسري عليها هذه القاعدة . ( ب ) كيف نحدد قيمة الالتزامات شئة عن هذه التصرفات لنري هل تزيد علي عشرة جنيهات أو لا تزيد عليها .
1 - تحديد التصرف القانوني
192 - الاتفاقات والعقود : تسري القاعدة المتقدم ذكرها علي جميع التصرفات القانونية المدنية . فهي إذن لا تسري علي الوقائع المادية ولا علي التصرفات القانونية التجارية كما تقدم القول( 610 ) .
ويدخل في التصرفات القانونية المدنية جميع الاتفاقات والعقود ، أيا كان الأثر الذي يترتب عليها .
فتدخل العقود والاتفاقات التي تنشيء الالتزام أو تنقل الحق العيني ، كالبيع والقرض والإيجار والمقاولة والوكالة والعارية والوديعة( 611 ) والوعد بالبيع $ 375 $ أو بالشراء وغير ذلك من العقود والاتفاقات الملزمة للجانبين أو الملزمة لجانب واحد .
كما تدخل العقود والاتفاقات التي تقضي الالتزام أو تنقله ، كالوفاء والتجديد ( 612 ) وحوالة الحق وحوالة الدين ( 613 ) .
كما تدخل العقود والاتفاقات التي تحدث أي أثر قانوني آخر ، كالاتفاق علي تأجيل الدين ، أو إضافة شرط له ، أو إلغاء شرط فيه ، أو النزول عن جزء منه ، أو الاتفاق علي فوائد للدين أو إنقاصها أو زيادتها أو إلغائها ، أو الاتفاق علي إعطاء تأمين بالدين كرهن أو كفالة ، أو الحلول الاتفاقي .
وقد قدمنا أن القانون يتطلب ، في بعض الأحوال ، فوق الكتابة ، شكلا خاصا كالرسمية ، ويكون هذا الشكل ضروريا ، لا فثبات العقد فحسب ، بل أيضا لانعقاده ، وذلك كالهبة والرهن الرسمي . وقد يكون مجرد الكتابة ، ولو عرفية ، ضرورية لانعقاد العقد لا لإثباته فحسب ، وذلك كعقد الشركة ( م 507 ) وقد تكون الكتابة لازمة لإثبات العقد أيا كانت قيمته ، وليست لازمة لانعقاده ، وذلك كالصلح والتحكيم . ومن ذلك نري أن العقد قد يشترط لانعقاده كتابة رسمية ، أو كتابة عرفية ، وقد تكون الكتابة لازمة لإثبات العقد لا لانعقاده ، تارة في جميع الأحوال ، وطوراً فيما يجاوز عشرة جنيهات ( 614 ) .
$ 376 $ 193 - التصرفات القانونية الصادرة عن إرادة منفردة : ولا يقتصر سريان القاعدة علي العقود والاتفاقات التي تتم بإرادتين متوافقتين . ملزمة للجانبين أو ملزمة لجانب واحد ، بل تسري القاعدة أيضا علي كل تصرف قانوني ولو كان صادراً عن إرادة منفردة . ويرجع ذلك إلي أن كل تصرف قانوني - إرادة كان أو أكثر - يمكن إعداد الدليل عليه مقدما ، فهو قابل للدليل المهيأ ( Preuve preconstituee ) ، ومن ثم اشترط القانون في إثباته الكتابة إذا زادت قيمته علي عشرة جنيهات ( 615 ) .
$ 377 $ فتسري القاعدة إذن علي الإيجاب الملزم ، والقبول ، والوعد بجائزة ، والإجازة ( confirmation ) ، والإقرار ( ratification ) والاعتراف بدين طبيعي ، والإقرار بالدين ، والإبراء في التقنين المدني الجديد ، وقبول المنتفع في الاشتراط لمصلحة الغير ، وقبول الغير في التعهد عن الغير ، وفسخ العقد ، وإلغائه إذا كان غير محدد المدة كما في الإيجار والوكالة والعارية والوديعة ، واستعمال حق الخيار في الالتزامات التخييرية ، والرجوع في الهبة ، والنزول عن حق عيني كحق الانتفاع وحق الارتفاق وحق الرهن ، والنزول عن الشفعة ، واعتماد الحساب ، والتنبيه بالإخلاء .
عل أن هناك تصرفات قانونية بإرادة منفردة يتطلب القانون فيها شكلا خاصا لانعقادها ، لا لإثباتها فحسب ، وذلك كالإعذار ( م 219 مدني ) ، وعرض الدين علي الدائن ( م 334 - 340 مدني ) ( 616 ) ، وتطهير العقار ( م 1065 - 1066 مدني ) ، والأخذ بالشفعة ( م 942 ) ( 617 ) .
2 - تحديد قيمة الالتزام
194 - نصاب البينة عشرة جنيهات : حتي يجوز إثبات التصرف القانونية بالبينة أو بالقرائن ، يجب ألا تزيد قيمة الالتزام علي عشرة جنيهات مصرية . وهذه القيمة هي ذاتها التي كان التقنين المدني السابق قد حددها ، لم يزدها التقنين الجديد بالرغم من أن قيمة العملة قد نقصت كثيرا عن ذي قبل وكان التفكير قد اتجه ، في لجنه المراجعة ، إلي رفع هذا النصاب إلي عشرين جنيها . ولكن عدل عن ذلك واستبقي النصاب كما هو ، عشرة جنيهات . ومعني ذلك أن النصاب قد نزل ، في الحقيقة ، بانخفاض قيمة العملة ، إلي أقل من الربع ، ويبر ذلك انتشار التعليم في البلاد . وقد رأينا أن استبقاء نصاب البينة في هذا المستوي المنخفض حمل المشرع علي أن يبيح الاتفاق علي الإثبات بالبينة حيث تكون الكتابة لازمة ، وسنري كذلك ، ولنفس السبب ، أن تقدير قيمة الالتزام في التقنين الجديد ينظر فيه إلي أصل الالتزام دون ضم الفوائد والملحقات ، وأن الدعوي إذا اشتملت علي طلبات متعددة ناشئة عن مصادر متعددة فلا تضم هذه الطلبات بعضها إلي بعض بل تبقي البينة جائزة في كل طلب لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات .
وقد التزمت التقنينات المدنية العربية الأخري نصابا مماثلا . فالنصاب في التقنين المدني العراقي عشرة دنانير ، وفي التقنين المدني للمملكة المتحدة الليبية عشرة جنيهات ، وفي قانون البينات السور مائة ليرة ، وهذه قيم تتقارب كثيراً مع قيمة النصاب في التقنين المدني المصري . أما في تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني فالنصاب أقل كثيراً ، إذ هو خمس وخمسون ليرة .
وكان النصاب في القانون الفرنسي القديم مائة جنيه . ثم نقص في تقنين نابليون إلي مائة وخمسين فرنكا بسبب انتشار الكتابة . ولما نزلت قيمة العملة ، رفع النصاب إلي خمسمائة فرنك بقانون صدر في أول أبريل سنة 1928 ، ثم إلي خمسة آلاف من الفرنكات بقانون صدر في 21 من فبراير سنة 1948 ، $ 379 $ وقد تقدم ذكر ذلك ( 618 ) .
وقد يكون محل الالتزام مبلغا من النقود ، فيسهل عندئذ تحديد قيمته وإذا كان النقد أجنبيا حول إلي نقد مصري بسعره وقت صدور التصرف القانوني لا وقت المطالبة .
وإذا كان محل الالتزام شيئا غير النقود ، قدر القاضي قيمته وقت صدور التصرف لا وقت المطالبة ، دون أن يتقيد في ذلك بتقدير المدعي ، وله عند الحاجة أن يستعين بخبير . فإذا طالب المدعي بأمتعة أو أثاث مثلا أودعها عند المدعي عليه ، وقدرها بعشرة جنيهات أو أقل ، ومن ثم طلب إثبات الوديعة بالبينة ، وعارض المدعي عليه متمسكا بأن الأثاث المدعي به هو ملكه وأنه لو صحت فإن قيمة الأثاث تبلغ أكثر من عشرة جنيهات فلا يجوز إثبات الوديعة بالبينة ، فللقاضي في هذه الحالة أن يعين خبيراً لتقدير قيمة الأثاث وقت إبرام عقد الوديعة لا وقت رفع الدعوي ( 619 ) . ومتي عينت القيمة وقت إبرام العقد ، $ 380 $ فلا عبرة بما يطرأ عليها بعد ذلك من نقص أو زيادة ( 620 ) .
أما إذا كان الالتزام غير محدد القيمة كدعوي تقديم حساب لا يعرف بعد رصيده ( 621 ) ، فإنه لا يجوز الإثبات هنا بالبينة أو بالقرائن ، ويعتبر الالتزام غير محدد القيمة كالالتزام الذي تزيد قيمته علي عشرة جنيهات فلا يجوز إثباته إلا بالكتابة .
195 - العبرة بقيمة الالتزام وقت صدور التصرف لا وقت المطالبة : وقد رأينا فيما تقدم أن العبرة بقيمة الالتزام وقت صدور التصرف لا وقت المطالبة . وهذا هو الحكم الذي يتفق مع طبائع الأشياء . ذلك أن الدليل الكتابي المطلوب فيما تزيد قيمته علي عشرة جنيهات هو دليل مهيأ يجب $ 381 $ إعداده مقدما عند صدور التصرف . فلا يستطيع الدائن إلا أن يقف عند هذا الوقت لمعرفة ما إذا كان واجبا عليه إعداد هذا الدليل ( 622 ) .
وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الثانية من المادة 400 ، فقد رأينا أنها تقضي بأن " يقدر الالتزام وقت صدور التصرف " ( 623 ) . ومن ثم فالعبرة ليست بما يطلبه المدعي وقت رفع الدعوي أو بعد رفعها ، بل بقيمة الالتزام وقت صدور التصرف .
ويترتب علي ذلك نتيجتان أساسيتان : ( الأولي ) أن المدعي إذا طالب بمبلغ أكبر من عشرة جنيهات علي أساس تصرف قانوني قيمته وقت صدوره لا تزيد علي عشرة جنيهات ، جاز الإثبات بالبينة وبالقرائن . ( والثانية ) أن المدعي إذا طالب بمبلغ لا يزيد علي عشرة جنيهات علي أساس تصرف قانوني تزيد قيمته وقت صدوره علي عشرة جنيهات ، لم يجز الإثبات بالبينة أو بالقرائن بل وجب تقديم دليل كتابي .
196 - النتيجة الأولي – المطالبة بأكثر من عشرة جنيهات علي أساس تصرف قيمته لا تزيد علي عشرة جنيهات : رأينا أن الإثبات هنا يجوز أن يكون بالبينة وبالقرائن ، لأن العبرة بالقيمة وقت صدور التصرف لا وقت المطالبة . ويتفرع علي ذلك المسائل الآتية :
( 1 ) تقضي الفقرة الثانية من المادة 400 من التقنين المدني بأنه : " يجوز الإثبات بالبينة ( وبالقرائن ) إذا كانت زيادة الالتزام علي عشرة جنيهات لم تأت إلا من ضم الفوائد والملحقات إلي الأصل " . فهنا لا تزيد قيمة الالتزام وقت صدور $ 382 $ التصرف علي عشرة جنيهات . ومن ثم يكون من حق الدائن الإثبات بالبينة وبالقرائن ، ولو طالب المدين بأزيد من عشرة جنيهات إذا كانت هذه الزيادة إنما أتت من ضم مصروفات الدين وفوائده إلي أصله . إذ العبرة بقيمة الالتزام في أصله وقت صدور التصرف ، وهذه القيمة لا تزيد علي عشرة جنيهات ، ولا يحسب ما يضاف إلي هذا الأصل من ملحقات وفوائد ( 624 ) .ولو قلنا بغير ذلك لكان في هذا القول بعض الحرج علي الدائن . ويكفي أن نفرض أن الدائن أقرض المدين تسعة جنيهات بفائدة 7% لمدة سنة واحدة . فمن حق هذا الدائن أن يعتمد في إثبات حقه علي البينة والقرائن ، وليس عليه أن يحصل علي دليل كتابي ، فأن أصل الدين تسعة جنيهات ، بل إن أصل الدين وفوائده لمدة السنة لا تزيد كلها علي عشرة جنيهات . فإذا استمهل المدين الدائن في سداد الدين سنة أخري وقبل الدائن ، كان مجموع الدين وفوائده في نهاية السنتين أكثر من عشرة جنيهات . فإذا نحن لم نقتصر علي أصل الدين في حساب نصاب البينة ، بل ضممنا إلي الأصل الفوائد ، لما جاز الإثبات بالبينة في هذه الحالة .
ويذهب التقنين المدني الفرنسي ( م 1342 ) في هذه المسألة مذهبا آخر . فهو إمعانا منه في كراهية الإثبات بالبينة ، يقضي بضم الملحقات والفوائد إلي الأصل في حساب نصاب البينة . ففي المثل المتقدم ما دام القرض وفوائده لمدة السنة - ومجموع ذلك كان معلما للدائن منذ صدور عقد القرض - لا يزيد علي نصاب البينة ، فلا عليه أن يغفل كتابة سند بالدين إذ له أن يعتمد في إثبات حقه علي البين’ . أما إذا رضي بتأجيل الدين سنة أخري ، فأصبح مجموع الأصل والفوائد يزيد في نهاية السنتين علي نصاب البينة ، فقد كان عليه وقت أن رضي بالتأجيل أن يشترط لذلك كتابة سند بالدين وفوائده لأنه لم يعد يستطيع الإثبات بالبينة بعد التأجيل . وأما الفوائد التي لا تستحق إلا بعد رفع الدعوي فهذه لا تضم $ 383 $ إلي الأصل في حساب النصاب ، لأنها لم تكن معروفة ولا تمكن معرفتها وقت صدور التصرف ( 625 ) .
والحكم الذي أورده التقنين المدني المصري الجديد في عدم ضم الفوائد والملحقات إلي الأصل ، وخالف به حكم التقنين المدني الفرنسي ، منقول عن المشروع الفرنسي الإيطالي ، وهو أيسر في حساب النصاب وأقرب إلي المنطق ويوازن في الوقت ذاته مستوي النصاب المنخفض كما تقدم القول ( 626 ) .
$ 384 $ ( 2 ) لو أن شركة محاصة – وتخضع في الإثبات للقواعد العامة – كان رأس مالها لا يزيد علي عشرة جنيهات ، وكان ربح أحد الشركاء من هذه الشركة أكثر من عشرة جنيهات ، وطالب الشريك بهذا الربح وكان عليه أن يثبت وجود الشركة ، جاز له أن يثبت وجودها بالبينة وبالقرائن ، ولو أن المبلغ الذي يطالب به أكثر من عشرة جنيهات . ذلك أنه يؤسس مطالبته علي عقد شركة لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، والعبرة بالقيمة وقت صدور التصرف ، لا بالمبلغ المطالب به وقت رفع الدعوي ( 627 ) .
$ 385 $ ( 3 ) لو أن عقداً لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات أخل به المدين ، فرجع الدائن بتعويض يزيد علي عشرة جنيهات بسبب هذا الإخلال ، جاز له أن يثبت وجود العقد بالبينة وبالقرائن ، ولو أنه يطالب بمبلغ يزيد علي عشرة جنيهات ، لأنه يؤسس طلبه علي عقد لا تزيد قيمته علي نصاب البينة ( 628 ) .
$ 386 $ النتيجة الثانية – المطالبة بما لا يزيد علي عشرة جنيهات علي أساس تصرف يزيد علي عشرة جنيهات : العبرة هنا أيضا ، كما قدمنا ، بقيمة التصرف القانوني لا بالمبلغ المطالب به ، ومن ثم لا يجوز في هذه الحالة الإثبات بالبينة وبالقرائن ، بل يجب تقديم دليل كتابي ، لأن قيمة التصرف تزيد علي عشرة جنيهات . ويتفرع علي ذلك المسائل الآتية :
( 1 ) تقضي المادة 401 بند ( ب ) من التقنين المدني الجديد بأنه لا يجوز الإثبات بالبينة ( ولا بالقرائن ) ، ولو تم تزد القيمة المطالب بها علي عشرة جنيهات ، " إذا كان المطلوب هو الباقي أو هو جزء من حق لا يجوز إثباته إلا بالكتابة " . فلو اقترض شخص عشرين جنيها ، وكان الوفاء بالقرض مقسطا علي أربعة أقساط متساوية مقدار كل قسط منها خمسة جنيهات ، وطالب الدائن المدين بأحد هذه الأقساط وكان عليه أن يثبت عقد القرض ، فلا يجوز أن يثبته بالبينة أو بالقرائن ، ولو أنه لا يطالب إلا بخمسة جنيهات ، لأنه يؤسس طلبه علي تصرف قانوني قيمته وقت صدوره تزيد علي عشرة جنيهات ، فكان عليه أن يعد دليلا كتابيا لإثباته . وهذا أيضا صحيح ولو كان القسط المطالب به هو القسط الأخير ، فالاعتبارات التي بني عليها الحكم في الحالة الأولي متحققة في هذه الحالة ، فيكون الحكم واحداً في الحالتين ( 629 ) .
( 2 ) تقضي المادة 401 بند ( جـ ) من التقنين المدني الجديد بأنه لا يجوز الإثبات بالبينة ( ولا بالقرائن ) " إذا طالب أحد الخصوم في الدعوي بما تزيد $ 387 $ قيمته علي عشرة جنيهات ، ثم عدل عن طلبه إلي ما لا يزيد علي هذه القيمة " . فهنا قد أسس المدعي دعواه علي تصرف قانوني تزيد قيمته علي عشرة جنيهات وطالب بهذه القيمة ، فلا يجوز له الإثبات بالبينة أو بالقرائن حتي لو أنقص بعد ذلك ما يطالب به إلي ما لا يزيد علي نصاب البينة . إذ العبرة ليست بما يطالب به ، بل بقيمة التصرف القانوني الذي يؤسس عيه دعواه( 630 ) . وغني عن البيان $ 388 $ أن المدعي إذا كان قد أخطأ عند رفع الدعوي في تقدير قيمة التصرف القانوني بأكثر من عشرة جنيهات ، وأدرك خطأه بعد ذلك فصحح دعواه وجعل قيمة ما يطالب به لا يزيد علي عشرة جنيهات وهو قيمة التصرف القانوني بعد التصحيح ، فإن الإثبات بالبينة وبالقرائن جائز في هذه الحالة ( 631 ) .
( 3 ) لو أن النزاع انحصر في مبلغ لا يزيد علي عشرة جنيهات ، ولكنه يقوم علي تصرف قانوني تزيد قيمته علي هذا المبلغ ، فالإثبات بالبينة أو بالقرائن غير جائز ، إذ العبرة ليست بالمبلغ المتنازع عليه بل بقيمة التصرف القانوني المتخذ بتسليم حصان قال أن اشتراه منه بمبلغ ثلثمائه فرنك ( لنقل ثلاثين جنيها ) وسلم البائع بصدور البيع منه ، ولكنه قال إن الثمن الذي اتفق عليه كان أربعمائة فرنك ( لنقل أربعين جنيها ) فهنا لا يجوز للمشتري إثبات أن الثمن كان ثلاثين جنيها بالبينة أو بالقرائن ، ولو أن النزاع بينه وبين المشتري قد انحصر في مبلغ عشرة جنيهات هو الفرق بين الثمن الذي يدعيه والثمن الذي يدعيه البائع ( 632 ) .
198 - اشتمال الدعوي علي طلبات متعددة : رأينا أن الفقرة الثالثة من المادة 400 من التقنين المدني تنص علي أنه " إذا اشتملت الدعوي علي طلبات متعددة ناشئة عن مصادر متعددة ، جاز الإثبات بالبينة في كل طلب لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، ولو كانت هذه الطلبات في مجموعها تزيد علي هذه القيمة ، ولو كان منشؤها علاقات بين الخصوم أنفسهم أو تصرفات من طبيعة واحدة وكذلك الحكم في كل وفاء لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات " .
$ 389 $ وليس في هذا الحكم من جديد ، فالمفروض ان هناك بين شخصين ديونا متعددة نشأت عن مصادر متعددة ، ولو كانت طبيعة هذه المصادر واحدة كأن كانت كلها عقود قرض ولكن كل عقد منها متميز عن العقد الآخر . ففي هذه الحالة يستقل كل دين بطريقة إثباته ، ما دام متميزاً عن الديون الأخري في قيمته وفي مصدره . فإذا كانت قيمته لا تزيد علي عشرة جنيهات جاز الإثبات بالبينة وبالقرائن ، وإلا فلا يجوز إلا الدليل الكتابي ولا يحول دون سريان هذا الحكم أن يكون الدائن قد جمع هذه الديون وطالب بها كلها في دعوي واحدة ، فزادت قيمة المجموع علي عشرة جنيهات . فلا يزال كل دين منها متميزا عن الديون الأخري كما قدمنا ، وكان الدائن يستطيع أن يرفع بكل دين دعوي مستقلة ، فيجوز له فيها الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما لا يزيد علي عشرة جنيهات . فلا يتغير الحكم إذا هو جمع الديون في دعوي واحدة اختصاراً في الإجراءات . كذلك لا يحول دون سريان الحكم أن يكون كل دين من هذه الديون مصدره تصرف قانوني من طبيعة واحدة ، ما دام كل تصرف منها متميزاً عن التصرف الآخر ، وذلك كبيع أو إيجاز فيما إذا طالب الدائن المدين بأثمان مبيعات أو بأجور أعيان مؤجرة . ففي هذه الحالة أيضا يبقي كل دين متميزاً عن الديون الأخري ، فيجوز إثباته بالبينة وبالقرائن إذا لم تزد قيمته علي عشرة جنيهات ( 633 ) .
كذلك إذا كان الدين عشرين جنيها مثلا ، ووفي المدين جزءاً منه لا يزيد علي عشرة جنيهات ، سواء كان ما وفاه هو بعض الدين أو هو الجزء الباقي من الدين ، فإن المدين يستطيع إثبات هذا الوفاء الجزئي بالبينة وبالقرائن . ذلك أن الوفاء هو ذاته تصرف قانوني متميز عن مصدر الدين الموفي به ، فتسري في إثباته القواعد التي تسري في إثبات مصدر الدين فإن كانت القيمة الموفي بها ، $ 390 $ ولو كان هذا الوفاء جزئيا ، لا تزيد علي عشرة جنيهات ، جاز الإثبات بالبينة وبالقرائن . وكل وفاء جزئي آخر تصرف قانوني مستقل عن السابق وعن اللاحق . فإذا أريد إثبات جملة من الوفاءات الجزئية ، كل منها لا تزيد قيمته علي بالبينة وبالقرائن ، كما جاز ذلك في إثبات الطلبات المتعددة الناشئة عن مصادر متعددة ولو كان منشؤها تصرفات من طبيعة واحدة بين الخصوم أنفسهم كما سبق القول . ومن ثم يتميز إثبات الدين عن إثبات وفائه . فالدين لا تجوز تجزئته لإثبات كل جزء منه لا يزيد علي عشرة جنيهات بالبينة وبالقرائن ، مادام الدين في مجموعه يزيد علي هذه القيمة . أما الوفاء فالعبرة فيه ، لا بأصل الدين ، لا بل بالقدر الموفي به ، فتجوز تجزئة الدين في الوفاء به إلي أجزاء كل منها لا يزيد علي عشرة جنيهات ، وإثبات كل وفاء جزئي بالبينة وبالقرائن ( 634 ) . $ 391 $ هذا هو ما قرره التقنين المدني الجديد بنص صريح ، فأجاز كما رأينا إثبات طلبات المتعددة الناشئة عن مصادر متعددة بالبينة في كل طلب لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ولو كانت هذه الطلبات في مجموعها تزيد علي هذه القيمة . وقد كان هذا هو الحكم أيضا في عهد التقنين المدني السابق ، وهو علي كل حال لا يعدو أن يكون تطبيقا للقواعد العامة ( 635 ) .
ولكن مع وضوح هذا الحكم لم يأخذ التقنين المدني الفرنسي به ، بل ذهب مذهبا آخر ، إمعانا منه في كراهية الإثبات بالبينة وتضييقا للخناق علي من يحاول التهرب من الإثبات الكتابي . فقضي في المادة 1345 بأنه إذا اشتملت الدعوي $ 392 $ علي طلبات متعددة ، لم يقم علي أي منها دليل كتابي ( 636 ) ، وكان مجموع هذه الطلبات يزيد علي خمسة آلاف فرنك ، فلا يجوز الإثبات بالبينة ، حتي لو قرر المدعي أن هذه الطلبات تولدت من مصادر متنوعة ونشأت في أوقات مختلفة ، إلا أن تكون حقوقا انتقلت إليه بطريق الميراث أو الهبة أو غير ذلك من أشخاص متعددين . ويبرر الفقهاء في فرنسا هذا النص بأنه أريد به أن يسد الطريق علي الدائن الذي يطالب مدينه بمبلغ يزيد علي خمسة آلاف فرنك ، ولكي يستطيع الإثبات بالبينة وبالقرائن يجزيء مطالبته إلي مبالغ متعددة ، كل مبلغ منها لا يزيد علي خمسة آلاف فرنك ، ويزعم أنها ديون قد تولدت من مصادر متنوعة ونشأت في أوقات مختلفة ، ويتقدم لإثبات ذلك بشهادة الشهود أو بدلالة القرائن . فيمنعه القانون من ذلك ، ويلزمه في هذه الحالة بتقديم دليل كتابي ، مفترضا أن الدين واحد ، وهو يزيد علي نصاب البينة . ولا ضير بعد ذلك علي الدائن ، حتي لو لم يكن الدين واحداً . ويكفيه في الاحتياط أن يطلب من مدينة دليلا كتابيا كلما تجمعت ديون في ذمة هذا المدين يزيد مجموعها علي نصاب البينة ( 637 ) . ولما كان التقنين الفرنسي حذراً إلي هذا الحد ، فقد قاده حذره أن ينتقل من هذه الخطوة إلي خطوة أخري أبعد منها ، فأوجب في المادة 1346 علي الدائن أن يجمع كل طلباته التي لم يقم عليها دليل كتابي كامل ، أيا كان مصدرها ، فيرفع بها دعوي واحدة ، فإذا هو أغفل دينا منها كان مستحقا وقت رفع الدعوي ، لم تقبل منه ، بعد ذلك ، الدعوي بهذا الدين ( 638 ) .
$ 393 $ ولم ير التقنين المصري الجديد ، ومن قبله التقنين المدني المصري القديم ، ما يدعو إلي كل هذا الحذر الذي استتبع كل هذا التعقيد . فسكت التقنين القديم ولم يورد نصا مماثلا للنص الذي رأيناه في التقنين المدني الفرنسي . ونص التقنين الجديد صراحة علي الرجوع إلي القواعد العامة في هذه المسألة حتي لا يقع أي لبس فيها ( 639 ) . وإذا حاول الدائن أن يتهرب من الدليل الكتابي بتجزئة الدين $ 394 $ الواحد ، وهو ما أراد التقنين الفرنسي أن يتوفاه ، فإن الباب مفتوح أمام المدين لإثبات هذا التحايل بجميع الطرق ( 640 ) .
المطلب الثاني
لا تقبل البينة أو القرائن فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها
199 - النصوص القانونية : تنص المادة 401 ( بند 1 ) من التقنين المدني علي ما يأتي :
" لا يجوز الإثبات بالبينة ولو لم تزد القيمة علي عشرة جنيهات : ( أ ) فيما يخالف أو يجاوز ما أشتمل عليه دليل كتابي ( 641 ) .
$ 395 $ ولا مقابل لهذا النص في التقنين المدني السابق ، ولكن الحكم كان مطبقا دون نص ( 642 ) .
ويقابل النص في التقنينات المدنية العربية الأخري : في قانون البينات السوري المادة 55 ، وفي التقنين المدني العراقي المادة 489 ، وفي تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني المادة 153 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 388 ( 643 ) . ويقابل في التقنين المدني الفرنسي المادة 1341 ( 644 ) .
$ 396 $ 200 - تاريخ القاعدة وشروطها : وتحريم إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها إلا بالكتابة قاعدة قديمة تمتد جذورها إلي القانون الروماني . ثم تغلبت البينة في العصور الوسطي علي ما قدمنا . ثم عادي كفة الكتابة إلي الرجحان ، فرفعها أمر مولان ( Moulins ) في سنة 1566 إلي الصدارة بين طرق الإثبات علي النحو الذي قدمناه . ولكن هذا الأمر لم يحرم إلا إثبات ما يجاوز الكتابة بغير الكتابة ، وفيما يزيد علي مائة جنيه وهو نصاب البينة إذ ذاك . ثم أتي أمر سنة 1667 فوسع الحكم ، وحرم إثبات ما يجاوز الكتابة أو ما يخالفها بغير الكتابة حتي فيما لا يزيد علي نصاب البينة . وبذلك رجحت كفة الكتابة رجحانا كبيراً ، فهي مطلوبة فيما يزيد علي نصاب البينة ، وحتي في حدود هذا النصاب إذا تعارضت مع البينة وجب الأخذ بها ونبذ البينة . فانقلب الوضع بذلك ، وبعد أن كانت البينة فوق الكتابة ( فemonins passent letters ) أصبحت الكتابة فوق البينة ( letters passent temoins ) ، وقد سبقت الإشارة إلي ذلك ( 645 ) .
وقد قدمنا أن القاعدة التي نحن بصددها ليست إلا الشق الثاني من قاعدة أعم ، $ 397 $ وهي القاعدة التي بوجوب الإثبات بالكتابة فيما يزيد علي نصاب البينة وفيما يخالف الكتابة أو يجاوزها . ويمكن حصر شروط تطبيق هذا الشق الثاني من القاعدة في أربعة : ( 1 ) أن تكون هناك كتابة أعدت للإثبات ( 2 ) أن يراد إثبات ما يخالف هذه الكتابة أو يجاوزها ( 3 ) أن يكون الإثبات مقصوراً علي العلاقة بين المتعاقدين فلا يتعدي إلي الغير ( 4 ) ألا يكون هناك احتيال علي القانون ( fraude a la loi ) .
201 - الشرط الأول – وجود كتابة أعدت للإثبات : يجب أن تكون هناك كتابة قد أعدت للإثبات . والكتابة المعدة للإثبات هي الكتابة التي وقع عليها المدين ، رسمية كانت أو عرفية .
أما الأوراق التي لم تعد للإثبات ، كالدفاتر التجارية والأوراق المنزلية ، فيجوز إثبات ما يخالفها أو ما يجاوزها بالبينة أو بالقرائن . ولكن إذا كانت هذه الأوراق موقعا عليها وأريد بها الإثبات ، كما هو الغالب في المراسلات ، فإنها تعتبر في حكم الكتابة المعدة للإثبات ، ولا يجوز إثبات ما يخالفها أو ما يجاوزها إلا بالكتابة ( 646 ) .
$ 398 $ كذلك يجوز إثبات ما يخالف مبدأ الثبوت بالكتابة أو ما يجاوزه بالبينة أو بالقرائن ، لأن مبدأ الثبوت بالكتابة لا يكون عادة موقعا عليه وإلا كان دليلا كتابيا كاملا ، والمطلوب في القاعدة التي نحن بصددها ألا يهدم الدليل الكتابي الكامل بالبينة أو بالقرائن( 647 ) .
ثم يجب أخيرا أن يكون الثابت بالكتابة التزاما غير تجاري . ذلك أن الالتزامات التجارية يجوز إثباتها ، كما رأينا ، بالبينة وبالقرائن ، أيا كانت قيمتها ، ولو زادت علي عشرة جنيهات . فكذلك يجوز إثبات ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها في المسائل التجارية بالبينة وبالقرائن ، أيا كانت قيمة الالتزام ( 648 ) . وقد تقدم ذكر ذلك .
فمتي كانت هناك كتابة معدة للإثبات ، وكانت دليلا كتابيا كاملا ، في غير التزام تجاري ، فقد توافر الشرط الأول ، أيا كانت قيمة الالتزام الثابت بهذا الدليل الكتابي الكامل ، ولو كانت هذه القيمة لا تزيد علي عشرة جنيهات . ومن ثم لا يجوز إثبات ما يخالف ورقة مكتوبة لا تزيد قيمتها علي عشرة جنيهات ، ولا إثبات ما يجاوزها ، بالبينة أو بالقرائن ، ولو أن هذا الدليل كان جائزاً $ 399 $ ابتداء لإثبات وجود التصرف لو لم توجد ورقة مكتوبة ( 649 ) . بل إن القاعدة التي نحن بصددها لا تظهر فائدتها إلا إذا كانت قيمة الالتزام لا تزيد علي عشرة جنيهات ، فتمتنع البينة والقرائن حيث كانت تجوز لولا هذه القاعدة . أما إذا كانت قيمة الالتزام تزيد علي عشرة جنيهات فالقاعدة لا تقول جديداً ، لأن الإثبات بالبينة أو بالقرائن في هذه الحالة ممنوع من الأصل ، سواء في ذلك لا توجد كتابة أصلا أو توجد ويراد إثبات ما يخالفها أو يجاوزها ( 650 ) .
وإذا أريد إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، فلا بد من أن يكون الإثبات بالكتابة كما قررنا . ولكن يجوز أن يحل محل الكتابة مبدأ ثبوت بالكتابة معزز بالبينة أو بالقرائن ، فإن هذا النوع من الإثبات يرد استثناء من قاعدة الدليل الكتابي بشقيها كما سنري .
202 - الشرط الثاني : إثبات ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها : ونتكلم : ( أولا ) فيما يخالف الكتابة ( ثانياً ) فيما يجاوز الكتابة ( ثالثاً ) فيما لا يعتبر مخالفا للكتابة أو مجاوزاً لها .
أولا - ما يخالف الكتابة لا يجوز إثباته إلا بالكتابة : إذا أريد إثبات ما يخالف ورقة رسمية ، فيما يقرر الموظف العام أنه وقع تحت بصره أو سمعه ، فقد رأينا أنه لا بد في ذلك من الطعن بالتزوير . أما إذا أريد إثبات ما يخالف الورقة الرسمية في غير ذلك ، أو إثبات ما يخالف مشتملات الورقة العرفية أيا كانت فهذا جائز ، عل أن يكون الدليل علي ما يخالف الكتابة هو أيضا دليل كتابي ، ولو كان ذلك مبدأ ثبوت بالكتابة معززاً بالبينة أو بالقرائن كما قدمنا . ومثل إثبات ما يخالف الكتابة أن يتقدم الخصم لإثبات أنا ما ورد في الورقة من أن الثمن المدفوع هو مبلغ كذا بيان غير صحيح ، والصحيح أن المبلغ المذكور في الورقة هو مبلغ أكبر $ 400 $ - لمنع الشفعة مثلا - أو هو مبلغ أقل لتخفيض رسوم التسجيل مثلا ، فإذا كان الخصم هو أحد طرفي العقد لم يجز له إثبات ذلك إلا بالكتابة . ومثل ذلك أيضا أن يريد البائع إثبات أن البيع المكتوب بيع صوري ، فلا يستطيع ذلك إلا بالكتابة ، وهي هنا ورقة الضد ( contre – letter ) ومثل ذلك أخيراً أن يوجد سند مكتوب يثبت أن في ذمة المدين التزاما قيمته مائة جنيه مثلا ، فلا يستطيع المدين أن يثبت بالبينة أو بالقرائن أن حقيقة الالتزام خمسون جنيها لا مائة ، وكذلك الأمر لو أن الثابت في السند التزام قيمته عشرة جنيهات وأراد المدين أن يثبت بالبينة أو بالقرائن أن حقيقة الالتزام خمسة لا عشرة فلا يستطيع ( 651 ) .
ثانياً – ما يجاوز الكتابة لا يجوز إثباته إلا بالكتابة : ولا يجوز للخصم أن يثبت ما يجاوز الكتابة إلا بالكتابة . مثل ذلك أن يتقدم المدين لإثبات أن الالتزام المكتوب ، وهو منجز ، علق بعد ذلك علي شرط أو اقترن بأجل . أما إذا كان الالتزام قد كتب معلقا علي شرط أو مقترنا بأجل وأراد الدائن أن يثبت أنه التزام منجز ، فهذا يكون إثباتا لما يخالف الكتابة ، ولا يكون هو أيضا إلا بالكتابة كما رأينا . ومثل ذلك أيضا أن يكون القرض المكتوب لم يذكر فيه أنه قرض بالفائدة ، وأراد الدائن أن يثبت أن هناك فائدة متفقا عليها ، فلا يجوز إثبات ذلك إلا بالكتابة ، حتي لو كانت الفائدة وأصل الدين معها لا يزيد علي عشرة جنيهات ، لأن هذا إثبات لما يجاوز الكتابة . أما إذا ذكر في القرض المكتوب سعر للفائدة ، وأراد الدائن أن يثبت أن السعر المتفق عليه هو أكبر مما ذكر ، أو أراد المدين أن يثبت أن هذا السعر أقل ، فهذا إثبات لما يخالف الكتابة ، ولا يكون هو أيضا إلا بالكتابة كما قدمنا . كذلك لا يجوز إثبات تجديد التزام ( novation ) ثابت في ورقة مكتوبة إلا بالكتابة ، ولو كانت قيمة الالتزام الجديد ، أو كانت قيمة كل من الالتزامين الجديد والقديم ، لا تزيد علي عشرة جنيهات ، لأن هذا إثبات لما يجاوز الالتزام المكتوب . وبوجه عام لا يجوز إثبات اتفاق إضافي فوق ما هو ثابت بالكتابة إلا بالكتابة ، سواء ادعي $ 401 $ ان هذا الاتفاق الإضافي قد تم قبل الكتابة أو تم في أثنائها أو تم بعدها ، علي حد تعبيرا التقنين المدني الفرنسي ( م 1341 ) ( 652 ) .
ثالثاً - ما لا يعتبر مخالفا للكتابة أو مجاوزاً لها لا يتحتم إثباته بالكتابة : أما إذا أريد إثبات شيء متعلق بما هو ثابت بالكتابة ، ولكنه لا يخالفها ولا يجاوزها ، فإن إثبات ذلك يكون وفقا للقواعد العامة ، ولا تتحتم الكتابة . فيجوز إثبات الوقائع المادية ، وكذلك إثبات التصرفات القانونية إذا لم تزد قيمتها علي عشرة جنيهات ، بالبينة وبالقرائن . مثل ذلك إثبات انقضاء الالتزام الثابت بالكتابة ، فهذه واقعة لا تخالف الكتابة ولا تجاوزها ، بل هي تؤكدها ،إذ انقضاء الالتزام ينطوي دلالة عل وجوده . فإذا كان انقضاء الالتزام قد تم بتنفيذ أعمال مادية ، كبناء منزل أو نقل بضاعة أو القيام بخدمة معينة ، فإن هذه الأعمال تثبت بالبينة وبالقرائن ولو كانت قيمة الالتزام تزيد علي عشرة جنيهات . أما إذا كان انقضاء الالتزام قد تم بتصرف قانوني ، كوفاء مبلغ من النقود ، فإن هذا الوفاء يثبت بالبينة أو بالقرائن إذا لم يزد المبلغ الموفي به علي عشرة جنيهات حتي لو كان مجموع الدين أكثر من ذلك أو كان الدين ثابتا بالكتابة ( 653 ) . $ 402 $ وكالوفاء الإبراء ، فهو تصرف قانوني يقضي الدين ، ويثبت بالبينة وبالقرائن إذا لم تزد قيمته علي عشرة جنيهات . كذلك في المقاصة ، يجوز للمدين إثبات الحق الذي له في ذمة دائنه ، ليوقع المقاصة بمقداره ، بالبينة وبالقرائن ، إذا كانت قيمة هذا الحق لا تزيد علي عشرة جنيهات ، حتي لو كان الدين الذي تقع فيه المقاصة ثابتا بسند مكتوب أما تجديد الدين المكتوب فقد رأينا أنه يعتبر مجاوزاً لما هو ثابت بالكتابة ، فلا يجوز إثباته إلا الكتابة ( 654 ) .
$ 403 $ كذلك يجوز إثبات وقائع مادية يكون من شأنها تفسير العبارات الغامضة ، أو التوفيق فيا بينها إذا كانت متعارضة ( 655 ) ، أو تحديد ما ورد مطلقا في الورقة المكتوبة ، وذلك بالبينة وبالقرائن ، فليس في هذا إثبات لما يخالف الكتابة أو يجاوزها ( 656 ) . وكذلك الأمر في إثبات الظروف والملابسات المادية التي أحاطت بكتابة العقد ( 657 ) .
ويجوز أيضا إثبات عيب من عيوب الإرادة كالغلط والتدليس والإكراه ، في سند مكتوب ، بالبينة وبالقرائن ، فليس في ذلك إثبات لما يخالف الكتابة ، لأن الكتابة ليست دليلا علي صحة التصرف حتي يعتبر الطعن في صحته مخالفا لها . وقد قدمنا أن عيوب الإرادة إنما هي وقائع مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( 658 ) .
$ 404 $ ويجوز أخيرا إثبات التاريخ الذي كتبت فيه الورقة ، فيما بين الطرفين ، بالبينة وبالقرائن ، إذا لم يكن مكتوبا ، حتي لو كانت قيمة الالتزام تزيد علي عشرة جنيهات أو كان التزاما مكتوبا ، فليس في هذا إثبات لما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، بل هو إثبات لواقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق . أما إذا كان تاريخ الورقة مكتوبا هو أيضا ، فلا يجوز إثبات عدم صحته إلا بالكتابة . وأما بالنسبة إلي الغير فلابد من التاريخ الثابت عل الوجه الذي تقدم ذكره( 659 ) .
203 - الشرط الثالث - الإثبات مقصور علي العلاقة فيما بين المتعاقدين : وكل ما قدمناه من وجوب الإثبات بالكتابة فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها إنما يكون في العلاقة ما بين المتعاقدين ، إذ هما اللذان كانا يستطيعان الحصول علي الكتابة منذ البداية . وكالمتعاقدين الخلف العام .
أما الغير فيجوز له الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، كما أن له إثبات وجود التصرف نفسه بالبينة وبالقرائن ولو زادت قيمته علي عشرة جنيهات كما سبق القول ، ففي الحالتين يعتبر التصرف بالنسبة إليه وهو من الغير واقعة مادية يجوز إثباتها أو إثبات ما يخالفها أو يجاوزها بجميع الطرق .
فإذا باع شخص عقاراً من آخر ، وكتب في عقد البيع أن الثمن ألف جنيه مثلا ، وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة ، فإن له أن يثبت أن حقيقة الثمن ثمانمائة لا ألف - أي يثبت ما يخالف الكتابة - بالبينة وبالقرائن ، لأن من الغير في عقد البيع الذي يعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية .
$ 405 $ وفي العقد الصوري الثابت بالكتابة ، تثبت الصورية فيما بين المتعاقدين بالكتابة حتي لو كانت قيمة العقد لا تزيد علي عشرة جنيهات . أما الغير - وهو هنا الدائن والخلف الخاص - فله أن يثبت الصورية بالبينة وبالقرائن ، حتي لو كان العقد الصوري مكتوبا وحتي لو كانت قيمته تزيد علي عشرة جنيهات ( 660 ) .
$ 406 $ وسنعود إلي هذه المسألة تفصيلا عند الكلام في دعوي الصورية .
$ 407 $ الشرط الرابع - ألا يكون هناك احتيال علي القانون ( 661 ) : وحتي فيما بين المتعاقدين ، يشترط في تطبيق القاعدة التي تقضي بوجوب الإثبات بالكتابة فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ألا يكون هناك احتيال علي القانون $ 408 $ ( fraude a la loi ) والسبب في ذلك أنه متي وجد احتيال علي القانون ، فيجب تيسير كشفه وإباحة إثباته بجميع الطرق ، حتي يلقي جزاءه الحق . ويستوي في هذا أن يكون من يريد إثبات الاحتيال من الغير أو يكون أحد المتعاقدين ممن اشترك في الاحتيال بنفسه ويريد الآن الكشف عنه . ففي الحالتين يقضي النظام العام بضرورة فضح هذا الاحتيال ، ومن ثم أبيح ، حتي للمتعاقد نفسه بعد أن اشترك فيه ، أن يثبته بجميع الطرق ولو بالبينة أو بالقرائن ( 662 ) .
ولما كان الاحتيال علي القانون ليس إلا تواطؤاً ما بين المتعاقدين علي مخالفة قاعدة قانونية تعتبر من النظام العام وإخفاء هذه المخالفة تحت ستار تصرف مشروع ، فقد وضح من ذلك أن من الطبيعي أن يتخذ هذا الاحتيال مظهر الصورية . فيكون هناك تصرف غير مشروع هو التصرف الحقيقي الذي وقع الاتفاق عليه ، يستره تصرف مشروع هو التصرف الظاهر الذي يقع الطعن فيه . والجديد هنا أن الطاعن في التصرف الظاهر - أي التصرف الصوري - ليس هو الغير ، وإلا كان من حقه أن يثبت الصورية بجميع الطرق دون حاجة إلي التذرع بالاحتيال علي القانون . ولكن الطاعن هو المتعاقد نفسه ، ويريد أن يثبت صورية العقد المكتوب بالبينة وبالقرائن ، وكان الأصل ألا يستطيع $ 409 $ إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة ، لولا أنه يتذرع بأن هناك احتيالا علي القانون ( 663 ) .
ولم يرد في التقنين المدني نص علي هذا الحكم ( 664 ) . غير أن القضاء أجمع علي الأخذ به في اضطراد مستقر ، وطبقه في حالات كثيرة .
من ذلك أن يكون سبب الدين قماراً ، ويكتب المتعاقدات أنه قرض فيجوز للمدين في هذه الحالة أن يثبت ما يخالف المكتوب بالبينة وبالقرائن ، ليدل علي أن السبب الحقيقي للدين هو القمار لا القرض ( 665 ) .
$ 410 $ ومن ذلك أن يخفي العقد ربا فاحشا ، ويكتب المتعاقدان سببا غير ذلك ، فيجوز للمدين أن يثبت الربا الفاحش - وهو يخالف المكتوب - بالبينة وبالقرائن ( 666 ) .
وقضت محكمة النقض بأن الوارث الذي يطعن في تصرف صادر من مورثه في صورة بيع منجز بأن حقيقته وصية ، وأنه قصد به الاحتيال علي قواعد الإرث المقررة شرعاً إضراراً بحقه فيه ، يجوز له إثبات هذا الاحتيال بأي طريق من الطرق القانونية ، فلا علي المحكمة فيما تقضي به من إحالة الدعوي إلي التحقيق لتمكين الطاعنين في التصرف من إثبات حقيقة الواقع فيه بشهادة الشهود ( 667 ) .
كذلك يجوز إثبات ما يخالف الكتابة بالبينة وبالقرائن إذا كان السبب الحقيقي الذي تخفيه الكتابة هو صدور العقد أثناء الحجر علي المدين ( 668 ) ، أو قيام علاقة غير شرعية بين المدين والدائن ( 669 ) ، أو تخفيض ثمن المبيع هربا من بعض رسوم التسجيل ( 670 ) . أو التحايل علي إخفاء الرهن في صورة البيع هربا من قانون $ 411 $ الخمسة الأفدنة ( 671 ) ، أو هربا من ضرورة اتخاذ إجراءات التنفيذ ( 672 ) ، أو تمييز بعض الورثة علي بعض آخر ( 673 ) ، أو غير ذلك من الأسباب غير المشروعة المخالفة للنظام العام ( 674 ) .
علي أنه يجب أن يعزز الإدعاء بوجود تحايل علي القانون قيام قرائن قوية تجعل وقوعه محتملا ، حتي يمكن الترخيص بعد ذلك في إثبات هذا التحايل بالبينة وبالقرائن علي وجه حاسم ( 675 ) .
وننتهي من معالجة هذه المسألة بملاحظتين :
الملاحظة الأولي أنه لا يكفي للترخيص في إثبات ما يخالف الكتابة بالبينة وبالقرائن أن يدعي المتعاقد صورية العقد أيا كان سبب هذه الصورية ، بل يجب أن يكون هذا السبب غير مشروع لمخالفته للنظام العام . أما إذا كان السبب مشروعا فلا يجوز للمتعاقد أن يثبت صورية العقد المكتوب إلا بالكتابة ( 676 ) ، وقد تقدمت الإشارة إلي ذلك .
$ 412 $ والملاحظة الثانية أن الحكم الذي نحن بصدده - الإثبات بالبينة وبالقرائن لوجود تحايل علي القانون – وإن كانت تطبيقاته في الكثرة الغالبة منها ترد كما رأينا في نطاق إثبات ما يخالف الكتابة ، وقد عالجناه في هذا المكان لهذا السبب ، إلا أن ذلك لا يمنع من ورود تطبيقات له في نطاق إثبات وجود التصرف القانوني نفسه ، فيكون استثناء واردا علي الشق الأول من قاعدة وجوب الدليل الكتابي . ويقع ذلك عند إثبات الوفاء ، فمن وفي بدين غير مشروع ، وأراد استرداد ما وفي به ، جاز له أن يثبت الوفاء - وهو تصرف قانوني - بالبينة وبالقرائن ، ولو زادت قيمته علي عشرة جنيهات ، لوجود تحايل علي القانون ( 677 ) .
المبحث الثاني
الاستثناءات
205 - نوعان من الاستثناءات : قدمنا أن هناك أحوالا استثنائية يجوز فيها الإثبات بالبينة وبالقرائن ، حتي لو زادت قيمة الالتزام علي عشرة جنيهات ، وحتي لو كان المراد إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها . فتكون هذه الأحوال إذن استثناء من قاعدة وجوب الدليل الكتابي بشقيها . $ 413 $ وهذه الاستثناءات ، كما أسلفنا القو نوعان :
( النوع الأول ) أحوال يقوم فيه دليل كتابي غير كامل يجعل وجود التصرف القانوني المدعي به قريب الاحتمال ، وهذا الدليل الكتابي غير الكامل يسمي مبدأ الثبوت بالكتابة ( commencement de prevue par ecrit ) .
( والنوع الثاني ) أحوال يقوم فيها مانع ، إما من الحصول علي دليل كتابي ، وإما من تقديم هذا الدليل بعد الحصول عليه لفقده بسبب أجنبي ( 678 ) .
المطلب الأول
مبدأ الثبوت بالكتابة ( 679 )
206 - النصوص القانونية : تنص المادة 402 من التقنين المدني علي ما يأتي :
$ 414 $ " 1 - يجوز الإثبات بالبينة فيما كان يجب إثباته بالكتابة إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة " .
" 2 - وكل كتابة تصدر من الخصم ، ويكون من شأنها أن تجعل وجود التصرف المدعي به قريب الاحتمال ، تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ( 680 ) .
ويقابل هذا النص في التقنين المدني السابق المادة 217 / 282 ( 681 ) .
ويقابل في التقنينات المدنية العربية الأخري : في قانون البينات السوري المادة 56 ، وفي التقنين المدني العراقي المادة 490 ، وفي تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني المادة 242 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 389 ( 682 ) . $ 415 $ ويقابل في التقنين المدني الفرنسي المادة 1347 ( 683 ) .
207 - نطاق مبدأ الثبوت بالكتابة : ويتبين من نص التقنين المدني المصري أنه إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة - بالشروط التي سنفصلها – جاز إثبات التصرف القانوني بالبينة أو بالقرائن أو بهما معا ، أي أن البينة والقرائن تأتي معززة لدليل كتابي ناقص فتكمله ( 684 ) . ومبدأ الثبوت بالكتابة ، معززاً بالبينة أو بالقرائن ، $ 416 $ يكون دليلا كاملا في كل ما كان يجب إثباته بالكتابة . فيكون دليلا كاملا علي : ( 1 ) تصرف قانوني تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ( 2 ) ما يخالف الكتابة أو يجاوزها ( 3 ) تصرف قانوني اشترط القانون بنص خاص أن يكون إثباته بالكتابة كالصلح والكفالة . ولكنه لا يصلح دليلا علي تصرف شكلي كالهبة والرهن الرسمي ، إذ هو لا يحل محل الشكل ، فإن الشكل ذاته ركن في التصرف ( 685 ) .
$ 417 $ 208 - أركان مبدأ الثبوت بالكتابة : وحتي يكون هناك مبدأ ثبوت بالكتابة يجب ، وفقا للنص الذي قدمناه ، أن تتوافر أركان ثلاثة : ( 1 ) أن تكون هناك ورقة مكتوبة . ( 2 ) وأن تكون هذه الورقة صادرة من الخصم الذي يحتج بها علية أو ممن يمثله . ( 3 ) وأن يكون من شأن هذه الورقة أن تجعل وجود التصرف القانوني قريب الاحتمال ( 686 ) .
" 1 - وجود ورقة مكتوبة
209 - الأعمال المادية لا تكون مبدأ ثبوت بالكتابة : لا بد لتوافر الركن الأول من وجود ورقة مكتوبة . أما مجرد الأعمال المادية ، إيجابية كانت أو سلبية ، ولو كانت ثابتة بالبينة أو بالقرائن ، فلا تكفي . ويترتب علي ذلك أن تنفيذ الالتزام ، إذا انطوي علي أعمال مادية محضة كبناء منزل أو نقل بضاعة ، وثبت بغير الكتابة كما هو الشأن في هذه الأعمال إذ تثبت عادة بالبينة أو بالقرائن أو بالمعاينة ، فإنه لا يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة . أما إذا كان تنفيذ الالتزام ينطوي علي تصرف قانوني كالوفاء بمبلغ من النقود ، فلا بد من إثبات $ 418 $ هذا التنفيذ وهو تصرف قانوني بورقة مكتوبة إذا زادت القيمة علي عشرة جنيهات وهذه الورقة – سواء كانت دليلا كتابيا كاملا علي التنفيذ أو لم تكن إلا مبدأ ثبوت بالكتابة - تكون في الوقت ذاته مبدأ ثبوت بالكتابة بالنسبة إلي إثبات وجود الالتزام . فإذا كان الوفاء منصبا علي مبلغ لا يزيد علي عشرة جنيهات وكان هذا هو كل الدين ، فإثبات الوفاء يجوز بالبينة وبالقرائن ، ولكننا في هذه نكون في غير حاجة إلي مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات الالتزام ذاته ، إذ يجوز إثباته هو أيضا بالبينة وبالقرائن .
وقد يكون مبدأ الثبوت بالكتابة أعمالا مادية تسجل بعد ذلك في ورقة مكتوبة ، فعند ذلك تكون هذه الورقة المكتوبة – لا الأعمال المادية - هي مبدأ الثبوت بالكتابة ( 687 ) .
210 - الشروع في الوفاء : وقد كان التقنين المدني السابق ينص في المادة 221 / 286 منه علي أن " الشروع في الوفاء يصح أن يكون عند الاقتضاء سببا للقاضي في أن يأذن بالإثبات بالبينة " . ولم يستبق التقنين الجديد هذا النص ، وقد كانت هناك فائدة في استبقائه ، إذ يتميز في بعض صوره عن مبدأ الثبوت بالكتابة . ذلك أن الشروع في الوفاء قد يكون عملا ماديا محضا ، فيثبت بغير ورقة مكتوبة . وكان في هذه الحالة ، وفقا لنص المادة 221 / 286 من التقنين المدني السابق ، يصلح سببا للقاضي في أن يأذن في الإثبات بالبينة . أما بعد أن أغفل التقنين المدني الجديد إيراد هذا النص ، فلم يعد الشروع في الوفاء يصلح $ 419 $ في هذه الحالة أن يكون مبدأ بالكتابة يجيز الإثبات بالبينة ( 688 ) .
وإذا كان الشروع في الوفاء تصرفا قانونيا كالوفاء بمبلغ من النقود أو دفع الفوائد ، فإن كان المبلغ الموفي به أكثر من عشرة جنيهات فلا بد في إثبات الوفاء من ورقة مكتوبة . وعندئذ تصلح هذه الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات الالتزام ذاته ، دون حاجة إلي استبقاء نص المادة 221 / 286 من التقنين السابق . أما إذا كان المبلغ الموفي به لا يزيد علي عشرة جنيهات ، فيمكن إثبات الوفاء وحده بالبينة أو القرائن دون ورقة مكتوبة . ولكن إثبات الوفاء بالبينة أو بالقرائن في هذه الحالة لا يمكن التذرع به ، كما قدمنا ، لإثبات الالتزام ذاته إذا كان يزيد علي عشرة جنيهات ، حتي في عهد التقنين السابق ، بل يجب للوصول إلي إثبات الالتزام أن يكون الوفاء ثابتا بورقة مكتوبة . وهنا أيضا تصلح هذه الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات الالتزام ذاته دون حاجة إلي استبقاء نص المادة 221 / 286 ( 689 ) .
$ 420 $ ويخلص من ذلك أن المادة 221 / 286 ، إذا كان يستطاع الاستغناء عنها في حالة ما إذا كان الشروع في الوفاء ينطوي علي تصرف قانوني ، فقد كانت هناك فائدة في استبقائها في حالة ما إذا كان الشروع في الوفاء ينطوي علي عمل مادي ( 690 ) .
211 - أية كتابة تصلح مبدأ ثبوت بالكتابة : وكل كتابة تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، أيا كان شكلها وأيا كان الغرض منها .
فسند غير موقع - إذ السند الموقع يكون دليلا كتابيا كاملا - ودفاتر تجارية ، وسجلات وأوراق منزلية ، ومراسلات موقعة كانت أو غير موقعة ، ومؤرخة وموجهة إلي من يحتج بها أو موجهة إلي الغير ما دام يمكن تقديمها إلي القضاء ، وتأشيرات علي سند الدين ، كل هذه تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، هذا إذا لم تكن دليلا كاملا في الحالات التي نص القانون فيها علي ذلك وقد تقدم بيانها .
كذلك يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة محاضر الجرد ، ودفاتر الحساب ، والإيصالات ( 691 ) ، والمخالصات ، والتأشيرات المدونة في هامش الأوراق $ 421 $ والسندات أو في ظهرها ، والمذكرات الشخصية ولو كانت مدونة في أوراق منثورة ، وصور الأوراق الرسمية ، وصور الأوراق العرفية كصورة العقد المسجل ( 692 ) .
وتصلح الأوراق القضائية ونحوها من الأوراق أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، حتي لو كانت أوراقا في قضية أخري ، وذلك كالبيانات المدونة في أسباب الحكم ( 693 ) ، وما ورد في محاضر الجلسات ومحاضر التحقيق ( 694 ) ، والإقرارات التي تدون في مذكرات الخصوم ولو أمضاها الوكلاء عنهم ( 695 ) ، والبيانات التي تقدم لمصلحة الشهر العقاري أو لمصلحة البيد أو للمصالح الحكومية الأخري وتدون في أوراق رسمية ( 696 ) .
$ 422 $ ويجوز أن يستخلص مبدأ الثبوت بالكتابة من مجموع أوراق متفرقة لا من ورقة واحدة ، كما إذا كانت الورقة الصادرة من الخصم تشير إلي ورقة أو أوراق أخري غير صادرة منه ولكنها هي ، دون الأوراق الأخري ، التي تجعل وجود التصرف القانوني قريب الاحتمال ( 697 ) .
212 - السندات الباطلة : والسند الرسمي إذا كان باطلا - أيا كان سبب بطلانه - وكان موقعا من ذي الشأن ، تكون له قيمة الورقة العرفية كما سبق القول . فمن باب أولي يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة إذا لم يكن صالحا لأن يكون دليلا كتابيا كاملا .
أما إذا كان السند الرسمي الباطل غير موقع من ذوي الشأن ، وكان عدم التوقيع راجعا إلي جهل ذي الشأن الكتابة أو عدم استطاعته إياها أو رفضه للتوقيع ، فإنه يصلح كذلك أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ( 698 ) . وقد رأينا أن الورقة الرسمية الباطلة ، إذا كانت غير موقعة من المدين ، لا تكون لها قيمة الورقة العرفية ، حتي لو كان الموثق قد ذكر فيها عجز المدين عن التوقيع ، ولكنها في هذه الحالة تصلح ، كما قدمنا أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة . أما إذا كان السند الرسمي الباطل غير موقع عليه ، لا لجهل بالكتابة أو عدم استطاعة لها أو رفض للتوقيع ، فإنه يكون مجرد مشروع لم يتم ، ولا تكون له قيمة الورقة العرفية ، ولا يصلح كذلك أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة . وإذا كان السند الرسمي الباطل صادراً من عدة مدينين متضامنين ولم يوقعه إلا بعض هؤلاء ، فلا تكون له قيمة $ 423 $ الورقة العرفية ، وكذلك لا يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، لا بالنسبة إلي من لم يوقع لعدم التوقيع ، ولا بالنسبة إلي من وقع لأنه لم يوقع إلا كمدين متضامن مع آخرين فلو صلحت مستنداً ضده لفقده حق الرجوع علي من لم يوقع من هؤلاء المدينين ( 699 ) .
والسند العرافي ، إذا كان باطلا لعدم التوقيع عليه ، يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة إذا كان مكتوبا بخط المدين أو كان صادراً منه أو ممن يمثله ( 700 ) . وكذلك السند العرفي الموقع عليه أو الصادر من المدين ، دون ذكر لمقدار الدين ، يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، فيجوز إثبات الدين بالبينة أو بالقرائن ، ولا يعد هذا إثباتا لما يجاوز الكتابة لأن الكتابة هنا ليست دليلا كتابيا كاملا بل مبدأ ثبوت بالكتابة .
213 - البيانات السلبية - تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب أو امتناعه عن الإجابة : وفي بعض الحالات قد يكون مجرد بيان سلبي ، أي مجرد إغفال ذكر بيان في ورقة مكتوبة ، صالحا لأن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة . وقد قضت محكمة استئناف أسيوط بأن السكوت ، إذا كان ذا دلالة علي الوفاء ، ومرتبطا بورقة متعلقة بالدين ، يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ( 701 ) . وقضت محكمة استئناف مصر بأن مبدأ الثبوت بالكتابة قد ينتج من عدم ذكر أمر في ورقة تحتويه عادة ، كما إذا لم يذكر الورثة في محضر جرد أموال مورثهم دينا من الديون ، فإن هذا يصح اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة في التخلص من هذا الدين ( 702 ) . وقضت محكمة النص الفرنسية بأن عدم ذكر دين متنازع عليه في محضر $ 424 $ جرد قد يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، علي أساس أن محضر الجرد الحالي من ذكر الدين هو الورقة المكتوبة ( 703 ) .
وتفريعا علي هذا المبدأ نصت المادة 173 من تقنين المرافعات الجديد علي أنه " إذا تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب بغير عذر مقبول ، أو امتنع عن الإجابة بغير مبرر قانوني ، جاز للمحكمة أن تقبل الإثبات بشهادة الشهود والقرائن في الأحوال التي ما كان يجوز فيها ذلك " . والورقة المكتوبة في هذه الحالة هي المحضر الرسمي الذي دون فيه تخلف الخصم عن الحضور أو امتناعه عن الإجابة ( 704 ) . $ 425 $ فكأن الواقعة التي يتكون منها مبدأ الثبوت هي واقعة مستقلة عن الكتابة ، ليست الكتابة إلا لإثباتها ( 705 ) .
214 - التاريخ الثابت لمبدأ الثبوت بالكتابة : يميز الفقه في فرنسا بين ورقة عرفية موقع عليها وقد أعدت للإثبات ولكنها لا تصلح إلا مبدأ ثبوت بالكتابة - وذلك كالورقة العرفية التي لم تتعدد نسخها أو لم تحمل عبارة الاعتماد المعروفة - وبين ورقة عرفية لم يوقع عليها ولم تعد للإثبات وتصلح مع ذلك أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة - وذلك كدفاتر التجار والسجلات والأوراق المنزلية والمذكرات الشخصية . ففي الحالة الأولي لا يكون تاريخ الورقة حجة علي الغير إلا إذا كان ثابتا وفقا للطرق التي سبق بيانها في ثبوت التاريخ ، وذلك بالرغم من أن الورقة ليست إلا مجرد مبدأ ثبوت بالكتابة . وفي الحالة الثانية يكون تاريخ الورقة حجة علي الغير دون حاجة إلي أن يكون تاريخا ثابتا ، وللغير أن يثبت أن هذا التاريخ غير صحيح بجميع الطرق لأنه ليس طرفا في الورقة ( 706 ) .
ولما كانت الحالة الأولي لا تتحقق في مصر ، إذ هي ترجع إلي أحكام في التقنين الفرنسي أغفلها التقنين المصري - تعدد النسخ وعبارة الاعتماد - فإنه يمكن القول أن مبدأ الثبوت بالكتابة في القانون المصري يكون تاريخه حجة علي الغير دون حاجة إلي أن يكون ثابتا . والغير الذي ينازع في صحة هذا التاريخ يستطيع أن يثبت عدم صحته بجميع الطرق ، حتي بالبينة أو بالقرائن ، لأنه من الغير وليس طرفا في الورقة التي يحتاج بها عليه كمبدأ ثبوت بالكتابة كما سبق القول .
215 - ما لا يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة : ويتبين مما قدمناه أنه لا يكون هناك مبدأ ثبوت بالكتابة إذا لم تكن هناك ورقة مكتوبة يستند إليها في الإثبات ، $ 426 $ ولو كانت ورقة أغفل فيها ذكر الواقعة المراد إثباتها حيث كان يجب ذكرها وهو ما سميناه بالبيان السلبي فيما تقدم . فأي عمل مادي ، إيجابي أو سلبي ، واي قول لا ينتهي إلي بيانات مدونة – أو مغفلة حيث كان يجب تدوينها - في ورقة مكتوبة ، لا يكون مبدأ ثبوت بالكتابة . ومن ثم لا تكفي الأقوال الشفوية إذا كان لا يمكن إثباتها بالكتابة ، وإن كان يمكن إثباتها بالبينة أو بالقرائن ( 707 ) .
وإذا كان المراد هو إثبات ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها عن طريق مبدأ ثبوت بالكتابة معززاً بالبينة أو بالقرائن ، فلا يصح أن تكون الورقة ذاتها التي يراد إثبات ما يخالفها أو يجاوزها هي مبدأ الثبوت بالكتابة ، بل يجب أن يكون مبدأ الثبوت بالكتابة ورقة أخري صادرة في تاريخ تال لهذه الورقة التي يراد إثبات ما يخالفها أو يجاوزها ( 708 ) .
$ 427 $ رقابة محكمة النقض : وكون هذا الركن الأول - وجود ورقة مكتوبة – قد توافر في مبدأ الثبوت بالكتابة أو لم يتوافر مسألة من مسائل القانون تخضع لرقابة محكمة النقض ( 709 ) .
" 2 - صادرة من الخصم أو ممن يمثله
217 - الورقة صادرة من الخصم : حتي تصلح الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة ، يجب أن تكون صادرة من الخصم الذي يحتج عليه بها ، مدعيا كان في الدعوي التي رفعها أو مدعي عليه في الدفع الذي تقدم به ( 710 ) وصدور الورقة من الخصم إما أن يكون صدورا ماديا ( materiel ) أو صدوراً معنويا ( intellectual ) .
فالصدر المادي يتحقق بأن تكون الورقة بتوقيع الخصم أو بخطه - وأي الشيئين يكفي : التوقيع أو الخط . والورقة التي وقعها الخصم تكون في الغالب دليلا كتابيا كاملا إذا أعدت أصلا لإثبات المدعي به . ولكنها قد لا تكون أعدت لذلك ، واقتصرت علي بيانات تجعل المدعي به قريب الاحتمال ، وعندئذ يكفي لاعتبارها صادرة من الخصم أن تكون بتوقيعه دون أن تكون بخطه ( 711 ) . ولكن يجب أن يكون التوقيع هو التوقيع الصحيح للخصم ، فلا يكفي أن يكون مجرد تأشيرة $ 428 $ ( paraphe ) أو علامة ( marque ) أو توقيع هامشي ( signature marginale ) ( 712 ) . وقد تكون الورقة غير موقع عليها من الخصم ، ولكنها مكتوبة بخطه . وهذا يكفي لاعتبار الورقة صادرة منه ، ولا حاجة إلي التوقيع( 713 ) . وسواء كانت الورقة موقعة من الخصم أو مكتوبة بخطه ، فالواجب في الحالتين أن يكون الخصم غير منكر لتوقيعه أو لخطه . أما إذا أنكر ، فلابد من الالتجاء إلي إجراءات تحقيق الخطوط علي النحو الذي بيناه فيما تقدم ، فإن ظهر من التحقيق أن التوقيع أو الخط هو له اعتبرت الورقة صادرة منه ، وهذا ما لم يطعن فيها بالتزوير وينجح في هذا الطعن ( 714 ) .
والصدور المعنوي يتحقق بأن الخصم - وهو لم يوقع الورقة ولم يكتبها بخطه - يعتبرها كما لو كانت صادرة منه . فقد يكون الخصم أميا فتكتب الورقة بأملائه ( 715 ) ، $ 429 $ وتعتبر في هذه الحالة صادرة منه دون أن يكون قد وقعها أو كتبها بخطه ( 716 ) .وقد تكون الورقة لم تكتب بأملائه ، ولكنه تمسك بها مقراً بما ورد فيها ، كمخالصة صادرة من الخصم الآخر تمسك بها ، فتعتبر كأنها صادرة منه دون أن تكون بتوقيعه أو بخطة ( 717 ) . ويلاحظ أن ارتضاء الخصم للورقة التي لا تحمل توقيعه أو خطه ، واعتبارها صادرة منه ، واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن ( 718 ) . والورقة الرسمية غير الموقع عليها من الخصم قد تعتبر صادرة منه صدوراً معنويا ، وصفة الموظف العام الذي كتب هذه الورقة قد تكفي وحدها ذلك . فالإقرارات والبيانات التي ترد في أسباب الحكم ( 719 ) ، $ 430 $ وتلك التى ترد فى محضر الاستجواب ( 720 ) ، أو فى محضر المعاينة ، كل هذه تعتبر صادرة من الخصم صدوراً معنوياً ، فهى لا تحمل توقيع الخصم أو خطه ، ولكنها مدونة فى أوراق رسمية منسوبة إلى الخصم ، بواسطة موظفين عامين فوق مستوى الشبهات ( 721 ) . وهذا بخلاف الورقة الرسمية الموثقة ، فإنها إذا لم تكن موقعة من الخصم ، ولم يكن عدم التوقيع راجعاً إلى الجهل بالكتابة أو عدم $ 431 $ استطاعتها أو رفض التوقيع ، فلا تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ، لأنها تعتبر فى هذه الحالة مجرد مشروع لم يتم ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( 722 ) .
218 - الورقة صادرة ممن يمثل الخصم : ويصح أن تكون الورقة صادرة ، لا من الخصم نفسه ، بل ممن يمثل الخصم وقت تحرير الورقة . والأدق أن يقال : ممن يمثله الخصم أو ممن يمثل الخصم ( 723 ) .
فمثل من يمثله الخصم المورث . فالورقة الصادرة من المورث تعتبر كأنها صادرة من الوارث ، وتصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة يحتج بها على الوارث كما $ 432 $ كان يحتج بها على المورث . ومثل من يمثله الخصم أيضا المدين إذا استعمل الدائن حقوقه . فالورقة الصادرة من المدين تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة يحتج بها على الدائن ( 724 ) .
ومثل من يمثل الخصم وكيله . فالورقة التى تصدر من الوكيل فى حدود وكالته تعتبر كأنها صادرة من الموكل ، ويحتج بها عليه كمبدأ ثبوت بالكتابة ( 725 ) .
على أنه يجب إثبات عقد الوكالة وفقاً للقواعد العامة $ 433 $ والمحامى يعتبر وكيلاً عن الخصم الذي يترافع عنه . فالإقرارات والبيانات التى كتبها فى مذكراته منسوبة إلى موكله تعتبر صادرة من الموكل ، وتصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة يحتج بها عليه . وهذا هو أيضا شأن ما يدلى به فى مرافعته منسوبا إلى موكله ، ويدون فى محضر الجلسة ، أو فى محضر التحقيق .
كذلك المحضر يعد وكيلاً . فكل إعلان يقوم به المحضر على لسان الخصم يعتبر كأنه صادر من الخصم ، كصحيفة الدعوى والمعارضة فى التنبيه وغير ذلك من أوراق المحضرين ( 726 ) .
ويمثل الولى والوصى والقيم القاصر والمحجور عليه ، فى حدود ولاية كل منهم . فالورقة الصادرة من أحد من هؤلاء ، فى هذه الحدود ، تعتبر كأنها صادرة من القاصر أو المحجور عليه .
219 - مالا يعتبر صادرا من الخصم ولا ممن يمثله : ويتبين مما تقدم أن الورقة ما لم تكون صادرة من الخصم ، أو ممن يمثله الخصم أو ممن يمثله الخصم أو ممن يمثل الخصم ، لا تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، ولا يحتج بها على الخصم .
فالورقة الصادرة من الخصم الآخر لا تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة يحتج بها على الخصم الأول ( 727 ) ، للسبب المتقدم ، ولأن الشخص لا يستطيع أن يصطنع $ 434 $ الدليل لنفسه ( 728 ) .
والورقة الصادرة من الزوج لا يحتج بها على زوجته ، ولا يحتج بالورقة الصادرة من الزوجة على زوجها ، هذا ما لم يكن أحدهما وكيل الآخر وفى حدود هذه الوكالة ( 729 ) .
كذلك لا يحتج بالورقة الصادرة من الإبن على أبيه ، ولا من الأب على ابنه ( 730 ) . ولا يحتج بالورقة الصادرة من أحد الشركاء فى الشيوع على باقى الشركاء ، ولا من أحد المتهمين فى جريمة على شركائه أو الفاعلين الأصليين الآخرين ، ولا من أحد الخصوم فى الدعوى على المنضمين معه فى الخصومة ، ولا من مصفى الشركة على أحد الشركاء ( 731 ) .
كذلك لا يحتج على الخصم بما يصدر عن الغير من إقرارات وبيانات عند استجوابه . ومن ثم لا يجوز استجواب ولا الأمر باستحضار غير الخصم ( 732 ) .
$ 435 $ 220 - رقابة محكمة النقض : وكون الورقة صادرة من الخصم ، أو ممن له صفة فى تمثيل الخصم له أو فى تمثيله للخصم ، هو الركن الجوهرى فى مبدأ الثبوت بالكتابة ، إذ هو الذي يصل الورقة بالخصم ويجعلها حجة عليه . وهذه مسألة من مسائل القانون ، ومن ثم كان البت فيها خاضعاً لرقابة محكمة النقض ، مثلها فى ذلك مثل الركن الأول ( 733 ) .
3 - تجعل المدعى به قريب الاحتمال
221 - معنى قريب الاحتمال : لا يكفى أن تكون الورقة المقدمة كمبدأ ثبوت بالكتابة من شأنها أن تجعل الواقعة المراد إثباتها محتملة ، بل يجب أن تجعل هذه الواقعة مرجحة الحصول ، لا ممكنة الحصول فحسب ( 734 ) .
فإذا توافر ركن قرب الاحتمال على هذا النحو ، فإن مبدأ الثبوت بالكتابة ، هو وحده أيضاً ، لا يكفى دليلا كاملا على صحة الواقعة المراد إثباتها ، كما تقدم القول . بل تجب تكملته بالبينة ، أو بالقرائن ، أو بهما معا .
وليس القاضى مجبراً ، عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة ، أن يحيل الدعوى إلى التحقيق لتكملة الدليل . فقد يرى فى ظروف القضية وملابساتها وفيما يحوطها من القرائن القضائية ما يقنعه بصحة الواقعة المدعى بها ، وتكون القرائن فى هذه الحالة هى التى أكملت مبدأ الثبوت بالكتابة . وقد يقوم من ظروف القضية وملابساتها ما يقنعه بعكس ذلك ، فلا يحتاج أيضا فى هذه الحالة إلى أن يحيل الدعوى إلى التحقيق ، ويزول ما كان لمبدأ الثبوت بالكتابة من أثر كدليل .
$ 436 $ وقد يرى القاضى أن يحيل الدعوى إلى التحقيق لاستكمال مبدأ الثبوت بالكتابة بالبينة أو بالقرائن . وهنا أيضاً يستبقى القاضى سلطته الكاملة فى التقدير فيسمع الشهود ، وقد يقتنع فتصبح عنده الواقعة المدعى بها ، وقد لا يقتنع فيعتبر أن هذه الواقعة لم يقم عليها الدليل ( 735 ) .
222 - قرب الاحتمال مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض : وتقدير ما إذا كان مبدأ الثبوت بالكتابة يجعل الواقعة المدعى بها قريبة الاحتمال مسألة واقع . ومحكمة الموضوع فى تقديرها لهذه المسألة لا تخضع لرقابة محكمة النقض ، فلا يجوز الطعن فى تقديرها أمام هذه المحكمة . وهذا هو الذي انعقد عليه الاجماع ، فقهاً وقضاء ، فى مصر وفى فرنسا ( 736 ) .
$ 437 $ فمن الأركان الثلاثة لمبدأ الثبوت بالكتابة ، يكون الركنان الأولان – وجود ورقة وكونها صادرة من الخصم – من مسائل القانون ، فهما يخضعان لرقابة محكمة النقض . والركن الثالث – قرب الاحتمال – من مسائل الواقع ، لقاضى الموضوع فيها سلطان لا معقب عليه من المحكمة العليا .
223 - ضوابط ثلاثة فى تقدير قرب الاحتمال : ومن يستقرئ الفقه والقضاء يستطيع أن يستخلص ضوابط يستأنس بها فى تقدير ما إذا كان مبدأ الثبوت بالكتابة من شأنه أن يجعل الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال .
وهى ضوابط يستأنس بها قاضى الموضوع ، ولكنه غير مقيد بها قانوناً . وسواء اتبعها أو لم يتبعها ، فتقديره كما قدمنا غير خاضع لرقابة محكمة النقض ( 737 ) .
ذلك أن الورقة التى تقدم على اعتبار أنها مبدأ ثبوت بالكتابة يمكن أن ترد إلى أحد أنواع ثلاثة :
1- ورقة كان من الممكن أن تكون دليلا كتابياً كاملا على الواقعة المراد إثباتها .
2- ورقة لم يكن ممكنا أن تكون دليلا كتابياً كاملا على الواقعة المراد إثباتها ، ولكنها تشير إلى هذه الواقعة .
3- ورقة لم يكن ممكنا أن تكون دليلا كتابياً كاملا على الواقعة المراد إثباتها ، ثم هى لا تشير إلى هذه الواقعة .
$ 438 $ 224 - ورقة كان من الممكن أن تكون دليلا كتابيا كاملا على الواقعة المراد إثباتها : وذلك كالأوراق الرسمية والأوراق العرفية وغيرها من الأوراق التى جعل لها القانون قوة معينة فى الإثبات كدفاتر التجار والسجلات والأوراق المنزلية والرسائل .
وهذه أوراق فى الأصل تكون دليلا كتابيا كاملاً . فإذا نقصها شرط من الشروط التى يتطلبها القانون لم تعد تصلح أن تكون دليلا كاملا ، وانقلبت إلى مبدأ ثبوت بالكتابة ، إذ هى تذكر الواقعة المراد إثباتها ذكر الدليل الكامل ، فلا يكون هناك شك فى أنها تجعل هذه الواقعة قربة الاحتمال . وإذا فاتها أن تكون دليلا كتابياً كاملا لما اعتورها من النقض ، فإنها تصلح فى القليل أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة .
فالورقة الرسمية إذا شابها عيب فى الشكل ، ولم تصلح أن تكون ورقة عرفية ، فإنها تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة . مثل ذلك السند الرسمى الباطل غير الموقع عليه من ذى الشأن ، إذا كان عدم التوقيع راجعاً إلى جهل ذى الشأن الكتابة أو عدم استطاعته إياها أو رفضه للتوقيع ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ( 738 ) " .
وصور الأوراق الرسمية التى لا تصلح دليلا كاملا طبقا لأحكام القانون ، كالصورة الرسمية الأصلية إذا لم يكن مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل ، وصورة الصورة الأصلية إذا كانت الصورة الأصلية غير موجودة على رأى أشرنا إليه فيما تقدم ، تصلح فى الغالب أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة على النحو الذي أسلفنا الإشارة إليه .
والورقة العرفية المكتوبة بخط المدين إذا لم تكن موقعة ، وثبت أن عدم التوقيع لا يرجع إلى رفض المدين لتوقيعها مما يجعلها فى منزله مشروع لم يتم ، تكون مبدأ ثبوت بالكتابة .
$ 349 $ وصور العقود المسجلة تكون مبدأ ثبوت بالكتابة على الوجه الذي ذكرناه فيما تقدم .
ودفاتر التجار ، حين تكون حجة على غير التجار فيا قام التجار بتوريده مع توجيه اليمين المتممة ( م 397 فقرة أولى ) تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، أكمل هنا ، لا بالبينة ولا بالقرائن ، بل باليمين المتممة . وهذا وضع خاص نص عليه القانون .
والأوراق والسجلات المنزلية ، إذا كانت مكتوبة بخط صاحبها دون توقيعه ، وفى غير الحالتين اللتين نص فيهما القانون على أن تكون دليلا كاملا ( م 398 : إذا ذكر أنه استوفى دينا ، أو أن الورقة تقوم مقام السند ) ، تكون مبدأ ثبوت بالكتابة على النحو الذي قدمناه .
والرسائل إذا كانت غير موقعة ، وكذلك الأصل غير الموقع من البرقيات تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة على التفصيل الذي أسلفناه ذكره ( 739 ) .
225 - ورقة لم يكن ممكنا أن تكون دليلا كتابيا كاملا على الواقعة المراد إثباتها ولكنها تشير إلى هذه الواقعة : وهذه الإشارة قد تكون إيجابية أو سلبية .
والأمثلة كثيرة على الإشارة الإيجابية . منها كتاب يرسله شخص إلى آخر ، يتكلم فيه عن بيع أو قرض أو أى عقد آخر ، فيكون هذا الكتاب مبدأ ثبوت بالكتابة ضد صاحبه على وقوع هذا العقد . وكتاب يرسله المدين ، يذكر فيه الدين الثابت فى ذمته دون أن يذكر مقداره وشروطه ، فيكون مبدأ ثبوت بالكتابة على هذا الدين ( 740 ) . وكتاب يكتبه الدائن إلى ورثة مدينه ، يسألهم إذا كان فى أوراق مورثهم شىء يفيد براءة ذمته ، فإذا ما استوثق أن شيئا من ذلك لا يوجد رفع الدعوى يطالب بالدين ، فيعتبر هذا الكتاب الذي أرسله الدائن إلى الورثة $ 440 $ وأشار فيه إلى براءة ذمة المدين مبدأ ثبوت بالكتابة على هذه البراءة ( 741 ) .
$ 441 $ أما أن تشير الورقة إلى الواقعة المراد إثباتها إشارة سلبية فذلك يتحقق على أحد وجهين :
$ 422 $ أ ) إما بأن تثبت الورقة واقعة هى عكس الواقعة المراد إثباتها تماما ، ثم يتبين بعد ذلك تزوير الورقة ، فتنتفى هذه الواقعة العكسية وتصبح الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال . مثل ذلك أن يطالب الدائن مدينه بالدين وليس مع الدائن سند مكتوب ، فيبرز المدين مخالصة مزورة ، فتكون هذه المخالصة بعد أن ثبت تزويرها مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات الدين ( 742 ) . ومثل ذلك أيضا أن يثبت أن تاريخ الورقة مزور وأن التاريخ الصحيح هو ما قرره من ادعى التزوير ، فإن ذلك يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات صحة ما يذهب إليه مدعى التزوير ، إذ أن عكسه قد ثبت تزويره ، فأصبح ما يذهب إليه قريب الاحتمال ( 743 ) .
ب ) وإما أن تكون الورقة المراد اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة من شانها فى الأصل أن تثبت واقعة متنازعاً عليها ، فإذا هى لم تثبتها كان فى ذلك إشارة سلبية إلى أن هذه الواقعة غير صحيح . مثل ذلك أن تجرد تركة المدين الميت بحضور دائنه ولم يذكر الدين فى محضر الجرد ، فخلو المحضر من ذكر هذا الدين مع حضور الدائن وقت الجرد قد يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة على الوفاء ، إذ لو كان الدين لا يزال فى ذمة المدين لما خلا منه محضر الجرد ( 744 ) . ومثل ذلك أيضاً أن يتمسك المدين بأن الدائن أبرأه من الدين ، ويحتج بأن ورثة الدائن بعد موته ، وهم يعلمون بالدين وحقيقة الإبراء منه ، قد اقتسموا التركة ولم يذكروا شيئا فى عقد القسمة عن هذا الدين ، فيعتبر عدم التنويه عنه فى عقد القسمة مبدأ ثبوت بالكتابة على صحة الإبراء ( 745 ) .
$ 443 $ وسواء كانت الإشارة إيجابية أو سلبيا ، فقد قدمنا أنه يجب لاعتبار الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة أن يكون من شأنها جعل الواقعة المراد إثباتها مرجحة الحصول ، لا محتلمة فحسب . فالاتفاق المكتوب ما بين شخصين على جواز إثبات العقود المبرمة بينهما بالبينة لا يصلح مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات عقد أبرم بعد هذا الاتفاق ، إذ أن هذا الاتفاق المكتوب ليس من شأنه أن يجعل العقد المدعى به مرجح الحصول ، ولا يزيد على أن يجعله محتملا ( 746 ) .
226 - ورقة لم يكن ممكنا أن تكون دليلا كتابيا كاملا على الواقعة المراد إثباتها ثم هى لا تشير إلى هذه الواقعة : ويبدو لأول وهلة أن مثل هذه الورقة لا تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، لأنه يبعد أن يكون من شأنها أن تجعل واقعة لا تشير إليها بتاتا – لا إيجاباً ولا سلبا – مرجحة الحصول . ولكن يقع مع ذلك ، فى بعض الأحوال الاستثنائية ، أن مثل هذه الورقة تثبت واقعة أخرى لها ارتباط بالواقعة المراد إثباتها ، ويكون ثبوت هذه الواقعة الأخرى من شأنه أن يجعل الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال . فينتقل الإثبات بذلك من محل إلى آخر ، $ 444 $ وهذا ما عرفناه بتبدل محل الإثبات أو تحوله ( deplacement de preuve ) ويتحقق ذلك فى الأمثلة الآتية :
1 - رفع شخص على آخر دعوى الدين ، فقدم المدعى عليه ورقة تفيد أن المدعى مدين له بعد تاريخ استحقاق الدين المدعى به . فهذه الورقة تصلح مبدأ ثبوت بالكتابة على وفاء الدين المدعى به . ذلك أن المدين لا يبدأ فى العادة أن يكون دائنا لدائنة إلا بعد أن يوفيه الدين الذي عليه . فالورقة تثبت واقعة مديونية الدائن للمدين . والواقعة المراد إثباتها هى وفاء المدين الدين لدائنه .
وثبوت الواقعة الأولى يجعل الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال ( 747 ) .
2 - إذا قرر الدائن المرتهن شطب الرهن ، فإن هذا التقرير يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة على وفاء الدين المضمون بالرهن . ذلك أن الدائن المرتهن لا يرضى عادة بشطب الرهن قبل أن يستوفى حقه . وتقرير الدائن لشطب الرهن ورقة تثبت رضاء الدين بهذا الشطب . والواقعة المراد إثباتها هى وفاء الدين المضمون بالرهن . وثبوت الواقعة الأولى يجعل الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال .
3 - قضت دائرة النقض الجنائية ( 748 ) بأنه إذا أخذ أحد ضباط القرعة قيمة البدل العسكرى من والد أحد المقترعين وبددها ، وزور شهادة معافاة باسم المقترع بالمذكور ، فإن هذه الشهادة المزورة تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة بالنسبة إلى تسلم المبلغ . ذلك أن شهادة المعافاة المزورة تثبت أن قيمة البدل العسكرى $ 445 $ لم يسدد الخزانة الحكومة . وهذه الواقعة تجعل واقعة تسلم الضابط للبدل وتبديده إياه قريبة الاحتمال ( 749 ) .
$ 446 $ المطلب الثانى
قيام المانع من الحصول على الكتابة أو من تقديمها
227 - النصوص القانونية : تنص المادة 403 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" يجوز أيضا الإثبات بالبينة فيما كان يجب إثباته بالكتابة : "
( أ ) إذا وجد مانع مادى أو أدبى يحول دون الحصول على دليل كتابى .
( ب ) إذا فقد الدائن سنده الكتابى لسبب أجنبى لا يد له فيه " ( 750 ) .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادتين 215 / 280 و 218 / 283 ( 751 ) .
ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 57 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 491 ، وفى تقنين أصول المحاكمات $ 447 $ المدنية اللبنانى المادة 242 ، وفى التقنين الليبى المادة 391 ( 752 ) .
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1348 ( 753 ) .
$ 448 $ ويتبين من نص التقنين المدنى المصرى أنه جمع بين حالتين تتميز إحداهما عن الأخرى ، وإن كانتا تشتركان من ناحية قيام المانع فى كل منهما :
( 1 ) حالة قيام المانع من الحصول على الكتابة .
( 2 ) حالة قيام المانع من تقديم الكتابة بعد الحصول عليها ، وذلك لفقدها بسبب أجنبى
1 - قيام المانع من الحصول على الكتابة
228 - المانع المادى والمانع الأدبى : إذا وجد مانع من الحصول على الكتابة لإثبات تصرف قانونى كان الواجب إثباته بالدليل الكتابى ، فلا مناص من النزول عند حكم الضرورة ، والسماح بالبينة والقرائن تحل محل الكتابة فى إثبات هذا التصرف . والمانع وفقاً لنص المادة 403 ( بند 1 ) إما أن يكون مانعاً ماديا أو مانعا أدبيا .
وفى الحالتين – قيام المانع المادى أو قيام المانع الأدبى – يجوز الإثبات بالبينة والقرائن : ( 1 ) فيما تزيد قيمته على عشرة جنيهات . ( 2 ) فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها . ( 3 ) فى كل عقد يتطلب القانون أن يكون إثباته بالكتابة ولم لم تزد قيمته على عشرة جنيهات ، كالصلح والكفالة . أما العقد الشكلى الذي لا ينعقد إلا بورقة رسمية ، كالهبة والرهن الرسمى ، فلا يثبت ، بل لا يوجد ، بغير هذه الورقة الرسمية . وقد مر بيان ذلك عند الكلام فى مبدأ الثبوت بالكتابة $ 449 $ والبينة والقرائن ، فى الصور الثلاث المتقدم ذكرها ، لا تكمل الدليل الكتابى كما كان الأمر فى مبدأ الثبوت بالكتابة – بل تحل محل هذا الدليل لقيام الضرورة ( 754 ) .
والمانع ، ماديا كان أو أدبياً ، واقعة مادية يكلف بإثباتها الخصم الذي يدعيها ، وله أن يثبتها بالبينة والقرائن ، فيجب إذن على الخصم أن يثبت أولا قيام المانع ، ثم يثبت بعد ذلك التصرف القانونى المدعى ، ويثبت هذا وذاك بجميع الطرق ( 755 ) .
وأيا كان المانع ، مادياً أو أدبيا ، فإن تقديره موكول إلى قاضى الموضوع وهو لا يخضع فى ذلك إلى رقابة محكمة النقض ، ما دام يورد فى أسباب حكمه الواقعة التى اعتبرها مانعاً ، ويبين لماذا أضفى عليها هذا الاعتبار . فإن أتى فى ذلك بما هو مستساغ معقول ، حمل تكييفه على الصحة ، وإلا صار ما اعتبره من ذلك كأنه منتزع من غير دليل ( 756 ) .
ونستعرض الآن كلا من المانعين : المادى والمانع الأدبى .
$ 450 $ 1 - المانع المادى
229 - أمثلة على المانع المادى : لم يورد التقنين المدنى الجديد ، ولا التقنين المدنى السابق ، أمثلة على المانع ، ماديا كان أو أدبيا ، كما فعلت بعض التقنينات الأخرى . ونورد هنا بعض ما أوردته هذه التقنينات ، وما أخذ به القضاء والفقه من حالات المانع المادى .
فقد نص التقنين المدنى الفرنسى ( م 1348 ) على بعض هذه الحالات على سبيل التمثيل . فذكر : ( 1 ) الالتزامات التى تنشأ من شبه العقد أو الجريمة أو شبه الجريمة . ( 2 ) الوديعة الاضطرارية التى تقع فى حالات الحريق والتهدم والاضطرابات والغرق ، وكذلك وديعة النزيل فى الفندق ، وذلك كله وفقا لصفة الشخص ولظروف الواقع . ( 3 ) الالتزامات المعقودة عند نزول أحداث غير منظورة لم يكن يستطاع معها كتابة ورقة .
ونص قانون البينات السورى ( م 57 ) على حالتين : ( 1 ) ألا يوجد من يستطيع كتابة السند ( 2 ) أن يكون طالب الإثبات شخصا ثالثاً لم يكن طرفاً فى العقد .
ونص التقنين المدنى العراقى ( م 491 ) على حالة واحدة هى ألا يوجد من يستطيع كتابة السند .
ويضيف الفقه – والقضاء حالات أخرى . منها عيوب الإرادة من غلط وتدليس وإكراه واستغلال . ومنها الاحتيال على القانون ، والسبب غير المشروع ، ومنها الصورية بالنسبة إلى الغير وفيما بين المتعاقدين . ومنها ما جرت العادة أن يعتبر الحصول على دليل كتابى فيه متعذراً .
وننبه بادئ ذى بدء إلى أن هذا كله لم يذكر على سبيل الحصر ، بل على سبيل التمثيل . فيجوز أن توجد إلى جانب هذه الحالات حالات أخرى يقوم فيها المانع المادى من الحصول على دليل كتابى ، بل قد تجد حالات لم تكن موجودة من قبل .
$ 451 $ ونقتصر هنا على تنسيق الأمثلة التى قدمناها وترتيبها ، حتى تتحدد من وراء ذلك فكرة المانع المادى .
ويمكن تقسيم ما قدمناه من الحالات إلى طوائف ست : ( 1 ) الالتزامات التى تنشأ من مصدر غير عقدى ، وعيوب الإرادة . والذى يجمع بين هذه الحالات أنها جميعها فى الواقع من الأمر ليست تصرفات قانونية ، بل هى وقائع مادية ، فهى ليست استثناء من قاعدة وجوب الدليل الكتابى . ( 2 ) أن يكون طالب الإثبات غير طرف فى التصرف القانونى وما يتصل بذلك من الصورية .
( 3 ) الاحتيال على القانون والسبب غير المشروع . ( 4 ) الودائع الاضطرارية ، ويلحق بها ، بالنسبة إلى البلاد التى لم تنتشر فيها الكتابة انتشاراً كافياً ، ألا يوجد من يستطيع كتابة السند . ( 5 ) الأحداث غير المنظورة بوجه عام . ( 6 ) ما جرت به العادة .
230 - الالتزامات غير العقدية وعيوب الإرادة : يذكر التقنين المدنى الفرنسى ( م 1348 ) بين حالات المانع المادى مصادر الالتزامات غير العقدية ، ويعددها على الوجه الذي اختاره فى ترتيب هذه المصادر : شبه العقد والجريمة وشبه الجريمة . ونلاحظ فى هذا الصدد أمرين : ( أولا ) لو فرضنا جدلا أن مصادر الالتزام غير العقدى تصرفات قانونية ، فإن المانع هنا من الكتابة ليس مانعاً خاصاً فى حالة بالذات ، بل هو مانع عام فى جميع هذه الحالات دون تمييز ما بين حالة وحالة . وعندنا أن المقصود بقيام المانع أن يكون هذا المانع ذاتيا يقوم فى حالة بالذات ، لا أن يكون مانعاً موضوعيا يقوم بالنسبة إلى طائفة من الحالات فى جميع أفرادها ( 757 ) .
( ثانياً ) وقبل ذلك ، يجب أن يلاحظ أن المصادر غير العقدية للالتزام ليست تصرفات قانونية إطلاقاً بل هى وقائع مادية ، وقد رأينا أن الدليل الكتابى إنما وضع للتصرفات القانونية دون الوقائع $ 452 $ المادية أما هذه فالأصول فيها أن يكون إثباتها بجميع الطرق ، ويدخل فى ذلك البينة والقرائن والمعاينة كما قدمنا . فلم يكن التقنين المدنى الفرنسى فى أية حاجة إلى استثناء المصادر غير العقدية من قاعدة وجوب الإثبات بالدليل الكتابى ، فهى فى الأصل لم تدخل فى هذه القاعدة حتى تستثنى الظاهرى ، وأحسن التقنين المصرى فى تجنب متابعته فى هذا الخطأ ( 758 ) .
وإذا رتبنا مصادر الالتزام غير العقدية الترتيب الحديث ، وقلنا أنها العمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون ، وجدنا أن العمل غير المشروع يكون دائما عملا مادياً له أركان ثلاثة ، هى الخطأ والضرر وعلاقة السببية ، وكل ركن من هذه يعتبر واقعة مادية يجوز إثباتها بالبنية والقرائن . على أن هناك أعمالا غير مشروعة تقوم على أساس عقود مدنية ، كجريمة التبديد فهذه يجب فى إثباتها إثبات العقد المدنى الذي تقوم عليه ، ولا بد فى إثبات العقد المدنى من مراعاة $ 453 $ قواعد الإثبات المتعلقة بالتصرفات القانونية ، فلا يجوز إثبات ما تزيد قيمته على عشرة جنيهات بالبينة أو القرائن ، سواء فى ذلك كانت المحكمة محكمة مدنية أو محكمة جنائية ، وقد مر ذكر ذلك ( 759 ) .
أما فيما يتعلق بالإثراء بلا سبب ، فالوفاء بغير المستحق يكون عادة تصرفا قانونياً ، لا يجوز إثباته بالبينة أو القرائن إذا زاد المبلغ الموفى به على عشرة جنيهات ( 760 ) . والفضالة ، بالنسبة إلى رب العمل ، هى واقعة مادية يجوز إثباتها بالبينة والقرائن . ولكن الفضولى قد يبرم ، فيما يأتيه من أعمال الفضالة ، تصرفاً قانونياً مع الغير ، ففيما بينه وبين هذا الغير لا يثبت هذا التصرف إلا وفقا لقواعد الإثبات فى التصرفات القانونية . وهذا التصرف نفسه يعتبر ، بالنسبة إلى رب العمل ، واقعة مادية يجوز له إثباتها بجميع الطرق . وأعمال الإثراء بلا سبب الأخرى تكون غالبا أعمالا مادية يجوز إثباتها بالبينة والقرائن ، كالبناء والغراس ، ولكن يقع فى بعض الأحوال أن تكون تصرفات قانونية كمن يوفى دين غيره ويرجع على المدين ، ففى هذا الرجوع تراعى قواعد الإثبات فى التصرفات القانونية ( 761 ) .
أما الوقائع المادية التى ينص القانون على أنها تنشئ التزامات ، فإن إثباتها جائز بجميع الطرق . على أنه يلاحظ أن القرابة لها فى الغالب طرق إثبات خاصة ، وأن الجوار يثبت عادة بالمعاينة .
ثم يذكر الفقه ، فيما يجوز إثباته بالبينة والقرائن لقيام المانع المادى ، عيوب الإرادة من غلط وتدليس وإكراه واستغلال . ولكن هذه أيضاً وقائع مادية ، لا معنى لاستثنائها من قاعدة لا تسرى إلا على التصرفات القانونية . صحيح أن هذه العيوب تلتصق بالإرادة ، أى بالتصرف القانونى ، ولكن التصرف القانونى فى ذاته يثبت وفقا للقواعد العامة ، ومن يدعى وجوده عليه أن يثبته ، فإذا ثبت وجوده كان على من يدعى أن التصرف شابه عيب من هذه العيوب أن يثبت ذلك ، ويجوز له أن يثبت هذا العيب بالبينة والقرائن لأنه واقعة مادية كما قدمنا ( 762 ) .
231 - طالب الإثبات ليس طرفا فى التصرف القانونى ، فإذا استبعدنا ما قدمناه من الوقائع المادية ، واقتصرنا على التصرفات القانونية ، وجب أن نقصر دائرة تطبيق الدليل الكتابى على العلاقة فيما بين طرفى التصرف . فالدليل الكتابى غير مطلوب إلا فى هذا النطاق . أما الغير الذي لم يكن طرفا فى التصرف ، فله أن يثبته ، إذا دعته مصلحة مشروعة إلى هذا الإثبات ، بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن . وليس ذلك راجعاً ، فى نظرنا ، إلى قيام مانع مادى حال دون حصول الغير على الكتابة المثبتة للتصرف . لا شك فى أن هذا المانع المادى موجود ، ولكنه مانع عام يوجد فى كل حالة يكون طالب الإثبات فيها من الغير بالنسبة إلى التصرف القانونى ، وقد قدمنا أن المانع يجب أن يكون خاصاً يوجد فى حالة بالذات . والعلة ، فى نظرنا ، فى أن نبيح للغير أن يثبت تصرفاً قانونياً ليس طرفاً فيه بجميع الطرق ، هى أن هذا التصرف بالنسبة إليه يعتبر واقعة مادية ، والواقعة المادية يجوز إثباتها بجميع الطرق .
وقد رأينا أن الشفيع يستطيع إثبات البيع الذي يأخذ فيه بالشفعة بجميع الطرق ، لأنه من الغير ، فيعتبر البيع بالنسبة إليه واقعة مادية . ورأينا فى الفضالة أن الفوضى فى أعمال فضالته قد يبرم تصرفاً قانونياً مع الغير ، فلرب العمل ، إذا اقتضى الأمر ، أن يثبت هذا التصرف بجميع الطرق ، لأنه لم يكن طرفا فى هذا التصرف ، فيعتبر التصرف بالنسبة إليه واقعة مادية . وقد يتعاقد صاحب المصنع من أحد الفنيين ، فيأتى مصنع منافس ويستخدم هذا الفنى قبل انتهاء خدمته فى المصنع الأول ، فإذا رجع صاحب المصنع الأول على صاحب المصنع الآخر بتعويض ، وطولب أن يثبت عقد استخدام المصنع الآخر لهذا الفنى ، كان له أن يثبت هذا العقد بجميع الطرق ، لأنه ليس طرفا فيه ، فيعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية . والحاجز على مال مدينة قد يضطر إلى إثبات ملكية المدين للمال المحجوز عليه بمقتضى تصرف قانونى لم يكن طرفا فيه ، فيثبت هذا التصرف بجميع الطرق ، إذ هو بالنسبة إليه واقعة مادية . والحاجز على مال مدينة قد يضطر إلى إثبات ملكية المدين للمال المحجوز عليه بمقتضى تصرف قانونى لم يكن طرفياً فيه ، فيثبت هذا التصرف بجميع الطرق ، إذ هو بالنسبة إلى واقعة مادية . ويمكن القول إذن بوجه عام أن كل شخص لم يكن طرفاً فى تصرف قانونى ، وكانت له مصلحة فى إثبات هذا التصرف ، يجوز له الإثبات بجميع الطرق ، لأن التصرف يعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية ( 763 ) .
$ 455 $ كذلك يستطيع الغير ، فى تصرف قانونى مكتوب ، أن يثبت بجميع الطرق ما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، لأن التصرف يعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية . والمثل البارز لذلك هو الصورية . فالعقد الصورى ، فيما بين المتعاقدين ، تصرف قانونى لا يجوز إثبات ما يخالفه – أى إثبات الصورية – إذا كان العقد مكتوباً ، إلا بالكتابة ( 764 ) . أما بالنسبة إلى الغير ، فيجوز له هذا الإثبات بجميع الطرق ، لأن العقد الصورى بالنسبة إليه يعتبر واقعة مادية ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك .
232 - الاحتيال على القانون والسبب غير المشروع : فإذا اقتصرنا على العلاقة فيما بين طرفى التصرف القانونى ، أمكن أيضا أن نتصور جواز أن يثبت أحد الطرفين التصرف القانونى بجميع الطرق ، لا لأن التصرف يعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية فهو تصرف قانونى بالنسبة إلى كل من الطرفين ، بل لأن هناك سبباً غير مشروع ، كربا فاحش أو مقامرة ، يراد إخفاؤه احتيالا على القانون . وقد قدمنا أن الاحتيال على القانون يبيح الإثبات بجميع الطرق ، فهو مبدأ عام يضاهى فى عمومه مبدأ قيام المانع ، ولا يتفرغ عنه . ولذلك يجب ألا نخلط ما بين المبدأين . وقد سبق أن عالجنا مبدأ الاحتيال على القانون وكيف يجيز الإثبات بالبينة والقرائن .
233 - الودائع الاضطرارية وما يلحق بها : وننتقل الآن إلى النطاق الحقيقى لقيام المانع . فهو دائرة العلاقة بين طرفى التصرف القانونى فيما ليس فيه احتيال على القانون ، وذلك بعد أن استبعدنا من هذا النطاق الواقعة المادية فهى ليست بتصرف قانونى ، واستبعدنا الغير الذي يعتبر التصرف القانونى بالنسبة إليه واقعة مادية ، واستبعدنا الاحتيال على القانون وهو يبيح كمبدأ عام مستقل الإثبات بجميع الطرق . وننظر ، فى حدود هذا النطاق الحقيقى ، كيف يحول المانع المادى دون الحصول على الدليل الكتابى .
ونواجه أول ما نواجه الوديعة الاضطرارية ( depot necessaire ) وما يلحق بها . فهنا يقوم مانع مادى يتعذر معه الحصول على الكتابة لإثبات التصرف .
$ 456 $ فمن فوجئ بخطر الحريق أو النهب أو الاضطراب أو التهدم أو الغرق أو نحو ذلك ، فبادر إلى إنقاذ متاعه من هذه الأخطار بإيداعه عند الغير ، لا يجد من الوقت ولا من الظروف التى أحاطت به متسعاً للحصول من المودع عنده على دليل كتابى بالوديعة إذا زادت قيمتها على عشرة جنيهات . وبحسبه أن وجد من يستودعه متاعه فى هذه الظروف الحرجة . فإذا زال الخطر وأراد استرداد متاعه ، وأنكر المودع عن الوديعة ، كان على المودع أن يثبت أولا قيام المانع من الحصول على الدليل الكتابى ، أى الخطر الذي كان يتهدده . وهذه واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق . ثم يجوز له بعد ذلك أن يثبت بالبينة والقرائن عقد الوديعة ذاته .
ويلحق بالوديعة الاضطرارية وديعة النزيل فى الفندق لأمتعته . فقد شبه التقنين المدنى الفرنسى ( م 1348 وم 1352 ) هذه الوديعة بالوديعة الاضطرارية ، من حيث قيام المانع المادى من الحصول على دليل كتابى . أما التقنين المدنى المصرى فقد سكت عن ذلك ، وترك المسألة للقواعد العامة . وقد نصت المادة 727 من التقنين المدنى على أن " 1 - يكون أصحاب الفنادق والخانات وما ماثلها ، فيما يجب عليهم من عناية بحفظ الأشياء التى يأتى بها المسافرون والنزلاء ، مسئولين حتى عن فعل المترددين على الفندق أو الخان . 2 - غير أنهم لا يكونون مسئولين ، فيما يتعلق بالنقود والأوراق المالية والأشياء الثمينة ، عن تعويض يجاوز خمسين جنيها ، ما لم يكونوا قد أخذوا على عاتقهم حفظ هذه الأشياء وهم يعرفون قيمتها ، أو يكونوا قد رفضوا دون مسوغ أن يتسلموها عهدة فى ذمتهم ، أو يكونوا قد تسببوا فى وقوع الضرر بخطأ جسيم منهم أو من أحد تابعيهم " . وظاهر من هذا النص أن مسئولية صاحب الفندق العقدية ، بمقتضى عقد الوديعة ، تختلف عن مسئولية التقصير . فهو مسئول مسئولية عقدية ، بمقتضى عقد الوديعة ، عن المحافظة على الأمتعة التى يأتى بها النزيل . وإثبات عقد الوديعة فى هذه الحالة يكون بجميع الطرق ، لقيام مانع مادى من الحصول على الكتابة . ونلاحظ منذ الآن أن المانع المادى أخذ هنا يتخفف من حدته ، فلم يعد مانعاً مادياً يجعل الحصول على الدليل الكتابى متعذراً كما كان الأمر فى الوديعة الاضطرارية ، بل هو مانع مادى يجعل الحصول على الدليل الكتابى غير مألوف ويتعارض مع ظروف الإيداع . ويقدر ما يتخفف المانع $ 457 $ المادى هنا من حدته ، بقدر ما يفقد من صبغة الخصوص فيه ، ويقرب من أن يكون مانعاً عاماً لا يختص بحالة دون حالة ، لولا أن وديعة نزيل الفندق هى ذاتها حالة متخصصة بين الودائع بوجه عام . وهنا أيضا تتسع الثغرة فى قاعدة الدليل الكتابى لتترك مجالا غير ضيق للإثبات بالبينة . أما فيما يختص بالنقود والأوراق المالية والأشياء الثمينة فمسئولية صاحب الفندق العقدية ، بمقتضى عقد الوديعة الذي يثبت بالبينة والقرائن ، لا تجاوز خمسين جنيها مصرياً . فإن جاوز الضرر هذا المبلغ ، تحولت مسئولية صاحب الفندق إلى مسئولية تقصيرية ، أو بقيت عقدية على حسب الأحوال . وعلى النزيل أن يثبت أحد أمور ثلاثة : ( 1 ) عقد وديعة خاصة ، يتعهد بمقتضى صاحب الفندق بالمحافظة على النقود والأوراق المالية والأشياء الثمينة وهو عارف قيمتها . وهذا العقد لا يجوز فى إثبات البينة أو القرائن لأن قيمته تزيد على عشرة جنيهات . ( 2 ) خطأ من صاحب الفندق ، هو أنه رفض دون مسوغ أن يتسلم النقود أو الأوراق المالية أو الأشياء الثمينة عهدة فى ذممته . وهذا الخطأ واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق . ( 3 ) خطأ جسيما من صاحب الفندق أو من أحد تابعيه ، أياً كان هذا الخطأ ، ولكن لا يكفى أن يكون خطأ عادياً بل أن يكون جسيماً . وهذا الخطأ أيضا واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( 765 ) .
وينص كل من قانون البينات السورى ( م 57 ) والتقنين المدنى العراقى ( م 491 ) صراحة على أنه " يعتبر مانعاً مادياً ألا يوجد من يستطيع كتابة السند " ( 766 ) .
وهنا أيضا يزداد المانع المادى تخففاً من حدته . فيصبح للعرف والبيئة دخل فى تقديره . ففى البلاد التى لم تنتشر فيها الكتابة انتشاراً كافياً قد يتعذر فى بعض الأحوال العثور على شخص يستطيع كتابة السند الذي يراد إعداد كدليل كتابى على التصرف القانونى المعقود . فيقدر القاضى ظروف البيئة فى كل مسألة بالذات ، ليرى إذا كان حقاً قد تعذر العثور على من يكتب السند ، فيقضى بقيام المانع المادى ويرخص فى الإثبات بالبينة . وطالب الإثبات بالبينة هو الذي يحمل $ 458 $ عبء إثبات تعذر العثور على من يكتب السند فى الظروف التى انعقد فيها التصرف القانونى ، ويستطيع إثبات ذلك بالبينة والقرائن لأنه إنما يثبت واقعة مادية . ونلاحظ أن المانع المادى هنا هو مانع خاص ذاتى ، لا مانع عام موضوعى . ولا يعتد به إلا فى القوانين التى تنص عليه . ففى التقنين المصرى ، حيث لا نص ، لا يكون هذا مانعاً يسوغ الإثبات بالبينة والقرائن .
234 - الأحداث غير المنظورة بوجه عام : وقد أضاف التقنين المدنى الفرنسى ( م 1348 بند 3 ) عبارة عم بها ظروف الودائع الاضطرارية ، فأجاز الإثبات بالبينة " عند نزول أحداث غير منظورة لم يكن يستطاع معها كتابة ورقة " . ويجب أن تكون النازلة غير منظورة ، وأن تكون جسيمة بحيث تجعل التعاقد على الالتزام أمراً بلغ حداً من الاستعجال لا يتسع معه الوقت للحصول على سند كتابى . فالقرض الذي يعطى لإسعاف أحد الجنود فى جيش يتقهقر منهزماً ( 767 ) ، وإقراض شخص مالا طرأت الحاجة إليه وهو على وشك السفر ، أو وهو مصاب فى حادث لم يكن يتوقعه ، وإيداع السيارة فى مكان عام حيث لا يوجد من الحراس عدد كاف لتسلم جميع السيارات المودعة ( 768 ) ، وإصابة المودع بشلل فجائى اضطر معه للانتقال إلى المستشفى قبل الحصول على سند كتابى ( 769 ) ، وإيداع صندوق بداخله نقود أثناء قيام البوليس بالتفتيش ( 770 ) ، كل هذه حالات يجوز فيها الإثبات بالبينة والقرائن لقيام المانع المادى الذي يخول دون الحصول على سند كتابى . ويقدر القاضى كل حالة على حدتها ، ليرى هل هناك مانع مادى ، فالمانع إذن خاص ذاتى ، لا عام موضوعى .
235 - ما جرت به العادة : وهنا يتخفف المانع المادى من حدته إلى حد أقصى ، ويزداد اتساع الثغرة فى قاعدة الدليل الكتابى . إذ لا يكون المانع $ 459 $ المادى راجعاً إلى التعذر أصلا ، بل إلى مجرد ما جرت به العادة وألفته الناس فى التعامل . وفى هذا خرق واسع تحدثه البينة فى نطاق الدليل الكتابى . ويزيد فى خطورة الأمر أن المانع يبدأ فى التحول من مانع ذاتى إلى مانع موضوعى ، لولا بقية من الذاتية هى التى تركت لتقدير القاضى لينظر فى كل حالة على حدة هل جرت العادة فى مثلها ألا يؤخذ سند كتابى .
وقد جرت العادة ألا يأخذ السيد من خادمه دليلا كتابيا على ما يعهد إليه به من مال أو متاع . وجرت عادة أصحاب الفنادق والمطاعم والمقاهى ألا يأخذوا دليلا كتابيا على ما يقدمون إلى عملائهم من خدمة ومأكل ومشرب . وجرت عادة التجار ألا يأخذوا دليلا كتابيا على ما يرسلوا إلى المنازل من سلع . وجرت العادة فى الأسواق أن تجرى المبايعات بالشروط المألوفة دون كتابة ، فإذ خرجت الشروط عن نطاق المألوف دونت فى ورقة مكتوبة ( 771 ) .
ويختلط المانع المادى هنا بالمانع الأدبى الذي سنراه فى عرف بعض المهن . ومن الفقهاء من يميز بين عادة عامة تجرى بين فريق كبير من الناس بحيث تعتبر قاعدة قانونية مصدرها العرف ، وهذا هو المانع المادى ، وبين عادة خاصة جرى عليها شخصان فى التعامل فيما بينهما ، مما يمكن اعتباره دليلا على وجود صلة متينة بين المتعاملين تمنع من الحصول على سند مكتوب ، وهذا هو المانع الأدبى( 772 ) . وفى رأينا أن المانع المادى والمانع الأدبى يتلاقيان عند العادة ، ويصعب هنا الفصل فيما بينهما فصلا دقيقا . فالعادة من حيث إنها تضع قاعدة مألوفة للسلوك المتبع يتعذر معها الحصول على دليل كتابى تكون مانعاً مادياً ، ومن حيث إنها تتغلغل فى النفوس إلى حد يحجم معه المتعاملون من طلب دليل كتابى تكون مانعاً أدبيا .
$ 460 $ ب - المانع الأدبى
236 - تقدير المانع الادبى موكول لقاضى الموضوع – اتساع الثغرة فى الدليل الكتابى : وقد يكون المانع أدبياً غير مادى . وتقدير ذلك – كما هو الأمر فى المانع المادى – موكول للقاضى . وتقديره موضوعى لا معقب عليه لمحكمة النقض ( 773 ) كما تقدم القول . ويميل القضاء إلى التوسع فى الموانع الأدبية ، فتتسع بذلك إلى حد بعيد الثغرة فى قاعدة الدليل الكتابى . ويساعد على ذلك أن القضاء لا يميل إلى تحديد ما هو المانع الأدبى ، فيترك القاضى حراً فى تقدير كل حالة على حدتها ، فيحد من صرامة وجوب الحصول على سند مكتوب بعد هبوط قيمة العملة وصعود مستوى الأسعار ( 774 ) .
وأكثر ما ترجع الموانع الأدبية – وفقا لأحكام القضاء – إلى أمور ثلاثة : ( 1 ) الزوجية والقرابة ( 2 ) علاقة الخدمة ( 3 ) العرف المتبع فى بعض المهن .
237 - الزوجية والقرابة : كثيراً ما تقوم علاقة الزوجية أو القرابة مانعاً أدبياً يحول دون الحصول على الدليل الكتابى الذي يتطلبه القانون . فإذا أثبت الخصم هذه العلاقة ( 775 ) ، وقرر القاضى ، وفقاً لظروف كل حالة وملابساتها – ومن ثم يكون المانع الأدبى خاصاً ذاتياً لاعاماً موضوعياً – أنها علاقة كافية لتقوم مانعاً أدبياً يحول دول الحصول على الدليل الكتابى ، أباح للخصم الإثبات بالبينة والقرائن بدلا من الكتابة .
$ 461 $ فعلاقة الزوجية قد تحول – وفقاً لظروف كل حالة – دون الحصول على دليل كتابى لإثبات قرض ما بين الزوجين ، أو لإثبات الوفاء بالدين ، أو لإثبات أى تصرف قانونى آخر ( 776 ) . وكعلاقة الزوجية علاقة المصاهرة ، وقضت محكمة استئناف مصر بأن الموانع الأدبية التى تسمح بالإثبات بالبينة والقرائن تخضع لظروف الدعوى أيضا لا لشدة القرابة وحدها ، فإذا زوجت سيدة ابن خالتها من ابنتها بغير مهر ، وجهزت هى ابنتها ، وأقامت الإبنة وزوجها عندها ليسرها ، هذه الظروف كلها تمنع الزوج أدبيا منعاً قوياً من مطالبة أم زوجته بكتابة إذا أودعها مالا ما أثناء إقامته وزوجته عندها ( 777 ) . وعلاقة الخطبة وحدها قد تكفى فى بعض الأحوال لقيام المانع الأدبى . وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن العرف جرى بين المصريين ، وخصوصا المسلمين منهم ، على أنه بعد الاتفاق على الخطبة ودفع المهر وقبل إتمام الزفاف ، يشترى الجهاز ، فإذا سلم للخاطب ، ولم يتم الزواج ، وطولب به جاز إثبات الدعوى بالبينة ، إذ يوجد فى هذه الظروف مانع أدبى يحول دون الحصول على سند كتابى من الخاطب ( 778 ) .
والعلاقة بين الولد وأبويه كثيراً ما تحول دون الحصول على الدليل الكتابى ، $ 462 $ وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن صلة الأبوة هى من الموانع الأدبية ( 779 ) . وكذلك علاقة الأخوة ، وقد قضت محكمة النقض بأنه مما لا نزاع فيه أن المانع كما يكون مادياً يجوز أن يكون أدبيا ، والتقدير فى ذلك على كل حال لمحكمة الموضوع ، فإذا رأت فى قضية ما ، لعلاقة الأخوة بين الطرفين ، ولاعتبارات شتى أوردتها فى حكمها ، توفر هذا المانع الأدبى المسوغ للإثبات بالبينة ، فلا معقب على ما رأته فى هذا الشأن ( 780 ) . كذلك صلة القرابة بين المتهم وخالته تعتبر مانعا ادبيا من الحصول على الكتابة ( 781 ) . ودرجة القرابة التى تربط المتهم بعمته وقد سلمته سنداً مثبتاً لدين لها على أبنها ، تعتبر مانعاً أدبياً ، لأن الإيداع يدل فى ذاته على أن للمتهم عند عمته منزلة خاصة ، فتكليفا يأخذ إيصال عليه بهذا الإيداع تكليف يتنافر مع هذا الائتمان ( 782 ) . وسواء كانت القرابة قريبة أو بعيدة ، فمحكمة الموضوع هى التى تقدر ، فى كل حالة بالذات ، متى تعتبر هذه القرابة مانعاً أدبياً . وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن حال الصلات العائلية فى ذاتها من حيث تعيين درجة القرابة بالدقة ليست هى التى يترتب عليها بطريقة مطرده المانع الأدبى الذي يحول دون الحصول على كتابة مثبتة للدين أو للتخالص منه ، بل قد يوجد ذلك المانع ولو كانت القرابة بعيدة فى الظاهر ، تبعاً لطبيعة الصلات العادية بين الخصوم من محبة وإخلاص ( 783 ) . وقضت محكمة النقض بأن اعتبار صلة القرابة بين أطراف الخصومة من الموانع الأدبية التى تحول دون الحصول على دليل كتابى هو من الأمور الواقعية التى تستقل بتقديرها محكمة الموضوع بلا معقب عليها من محكمة النقض ( 784 ) .
$ 463 $ وقد تقوم صلات أخرى – غير صلات الزوجية والقربى – تكون مانعاً أدبيا من الحصول على الكتابة . من ذلك صلة الجوار ( 785 ) ، وصلة الوكالة غير المأجورة ( 786 ) . بل إن مجرد العادة ( 787 ) ، أو مركز الشخص الاجتماعى ( 788 ) ، قد يكون مانعاً أدبياً يحول دون الحصول على سند مكتوب .
هذا وقد اختارت بعض التقنينات العربية أن تحدد متى تعتبر صلة القرابة والزوجية مانعاً أدبياً ، فحولت بذلك هذه الصلة من مانع خاص ذاتى إلى مانع عام موضوعى . من ذلك أن نص قانون البينات السورى ( م 57 ) على أنه " تعتبر مانعاً أدبياً القرابة ما بين الزوجين ، أو ما بين الأصول والفروع أو ما بين الحواشى إلى الدرجة الثالثة ، أو ما بين أحد الزوجين وأبوى الزوج الآخر " . $ 464 $ ونص أيضاً تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ( م 242 ) على أنه " يكتفى بمجرد الاستحالة المعنوية ، وهى تنشأ خصوصاً عن العرف المتبع فى بعض المهن ، أو علاقات القربى ما بين الأصول والفروع أو عن الروابط الزوجية " . ونص أخيراً التقنين المدنى العراقى ( م 491 ) على جواز الإثبات بالشهادة فيما كان يجب إثباته بالكتابة " إذا كان العقد مبرماً ما بين الزوجين ، أو ما بين الأصول والفروع ، أو ما بين الحواشى إلى الدرجة الرابعة ، أو ما بين أحد الزوجين وأبوى الزوج الآخر " ( 789 ) .
238 - علاقة الخدمة : والعلاقة ما بين المخدوم والخادم قد لا تسمح ، تبعاً للظروف ، بالحصول على الدليل الكتابى . فخدمة المنازل لا يستطيعون عادة تقديم دليل كتابى على مقدار أجورهم وشروط خدمتهم ( 790 ) ، ولا على ما قدموه لحساب المخدوم من مبالغ صرفوها فى الشؤون المنزلية ( 791 ) . وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن صلة الخادم بسيده وطول خدمته عنده يعتبر من المواقع الأدبية ( 792 ) .
وكذلك العلاقة ما بين رب العمل والعامل قد لا تسمح هى أيضاً ، تبعاً للظروف ، بأن يكون هناك دليل كتابى . مثل ذلك العلاقة ما بين صاحب المصنع وعامله ( 793 ) ، والعلاقة ما بين رب العمل وكاتبه ( 794 ) ، والعلاقة ما بين والد التلميذ والمعلم ( 795 ) ، والعلاقة ما بين خادم الفندق ومخدومه ( 796 ) .
$ 465 $
239 - عرف بعض المهن : وتقضى الظروف فى بعض المهن ألا يكون هناك دليل كتابى على التعامل . ويتحقق ذلك بنوع خاص فى مهنة الطب ، فإن الطبيب فى أكثر الظروف لا يحصل على دليل كتابى من المريض بما اتفقا عليه من أجر للعلاج . بل قد لا يتفقان أصلا على الأجر ، ويطلب الطبيب أجره بعد ذلك وفقاً للعرف الجارى ، دون أن يطلب منه تقديم دليل كتابى فيما يزيد على عشرة جنيهات ( 797 ) .
وحائك الملابس لا يأخذ عادة ورقة مكتوبة من عميله ، فيجوز له إثبات حقه فى ذمة العميل بالبينة والقرائن ، حتى لو زادت القيمة على عشرة جنيهات . وله أن يستعين فى ذلك بدفاترة التجارية وفقاً لقواعد الإثبات الخاصة بهذه الدفاتر( 798 ) .
وقد اشرنا فيما قدمناه كيف يلتقى المانع المادى والمانع الأدبى فيما يقضى به العرف فى كثير من الأحوال من جواز الإثبات بالبينة وبالقرائن .
2 - قيام المانع من تقديم الكتابة لفقدها بسبب أجنبى
240 - نطاق تطبيق القاعدة : رأينا ، فيما قدمناه ، قيام مانع مادى أو أدبى يحول دون الحصول على دليل كتابى ، فجاز الإثبات بالبينة والقرائن نزولا عند حكم الضرورة . أما هنا ، فقد حصل الدائن على الدليل الكتابى الذى يقضى به القانون ، ولكنه بعد حصوله على هذا الدليل فقده لسبب أجنبى لابد له فيه . فمكان الضرورة فى هذه الحالة أكثر وضوحاً ، لأن الدليل الكتابى قد وجد فعلا ولكنه ضاع بغير تقصير من الدائن . لذلك يجوز عندئذ أن تحل $ 466 $ البينة والقرائن محل الدليل الكتابى لإثبات :
( 1 ) ما تزيد قيمته على عشرة جنيهات .
( 2 ) ما يخالف الكتابة أو يجاوزها .
( 3 ) أى عقد يشترط القانون أن يكون إثباته بالكتابة ولو لم تجاوز قيمته عشرة جنيهات كالصلح والكفالة .
( 4 ) أى عقد شكلى ، كالهبة والرهن الرسمى على التفصيل الذى سنورده فيما يلى . وفى هذا تختلف هذه القاعدة عن القاعدة السابقة ، فقد رأينا أن قيام المانع لا يجيز إثبات العقد الشكلى بالبينة والقرائن( 799 ) .
241 - أمور ثلاثة يجب إثباتها : ومن يدعى أنه حصل على سند مكتوب ثم فقده بسبب أجنبى ، عليه أن يثبت أموراً ثلاثة :
( 1 ) أنه كان قد حصل فعلا على سند مكتوب . ويجوز أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، لأنه إنما يثبت واقعة مادية ( 800 ) .
$ 467 $
( 2 ) وأن هذا السند قد فقد . وهذه أيضاً واقعة مادية يجوز إثباتها بالبينة بالقرائن( 801 ) .
( 3 ) وأن فقد السند كان بسبب أجنبى لا يد له فيه ، كسرقة أو حريق أو نحو ذلك من الحوادث التى لم يكن يتوقعها ( 802 ) . وهذه أيضاً واقعة مادية يجوز له إثباتها بالبينة والقرائن( 803 ) . ويلاحظ هنا أمران ( أولهما ) أن السبب الأجنبى لا يتشدد فيه التشدد الذى رأيناه فى المسئولية ، فيكفى أن يثبت صاحب السند أنه لم يقصر فى المحافظة عليه حتى يعتبر أنه فقد السند بسبب أجنبى( 804 ) . و( الثانى ) أن إثبات السبب الأجنبى قد يتضمن فى الوقت ذاته إثبات فقد السند . فإذا أثبت $ 418 $ شخص مثلا أن حريقاً لا يد له فيه التهم منزله ، ولم يستطع انتشال أوراقه ومستنداته فاحترقت جميعها ، كان فى هذا إثبات للسبب الأجنبى وإثبات عقد السند المكتوب ما دام قد أثبت أن أوراقه قد احترقت جميعها ( 805 ) .
فإذا استطاع الخصم إثبات هذه الأمور الثلاثة –وكلها يمكن إثباتها بجميع الطرق لأنها وقائع مادية كما رأينا - كان له بعد ذلك أن يثبت الحق الذى يدعيه بالبينة والقرائن ، حتى لو زادت قيمته على عشرة جنيهات ، وحتى لو خالف بهذا الإثبات أو جاوز ما هو ثابت بالكتابة( 806 ) .
242 - التوسع فى القاعدة والتضييق منها : وقاعدة فقد السند بسبب أجنبى يوسع فيها ، فيجوز إثبات تصرف قانونى شكلى ، هبة أو رهن رسمى مثلا ، بالبينة والقرائن إذا ثبت أن هذا التصرف كان فى سند ثم فقد السند بسبب أجنبى . ولكن يجب هنا ، عند إثبات سبق وجود السند ، أن يثبت صاحب الشأن أيضاً أن هذا السند كان مستوفياً للشكل الذى يتطلبه القانون( 807 ) . وتختلف هذه القاعدة ، $ 469 $ كما قدمنا ، عن قاعدة قيام المانع وقاعدة مبدأ الثبوت بالكتابة فى هذا الصدد . فقد رأينا أن العقد الشكلى لا يجوز إثباته بالبينة والقرائن ، حتى عند قيام مانع حال دون الحصول على الكتابة ، وحتى مع وجود مبدأ ثبوت بالكتابة . أما هنا –عند فقد السند بسبب أجنبى - فيجوز إثبات العقد الشكلى بالبينة والقرائن ، لأن السند مفرغاً فى الشكل الذى يتطلبه القانون قد وجد فعلا ، فاستكمل التصرف أركانه وقام صحيحاً ، ثم فقد السند بعد ذلك بسبب أجنبى ليس من شأنه أن يؤثر فى قيام التصرف . ومتى كانت الدعوى أن التصرف القانون قد وجد فعلا مستوفياً لشكله القانونى ، فلا يوجد ما يمنع حينئذ من إثبات سبق هذا الوجود بالبينة والقرائن( 808 ) .
ويضيق فى القاعدة من ناحية أخرى . فقد قضت محكمة النقض الفرنسية بأنه يجوز الاتفاق على عكسها ، مثلها فى ذلك مثل سائر قواعد الإثبات ، وأنه إذا اشترط رب العمل أن العامل لا يجوز له أن ينضم إلى صندوق المعاش إلا إذا أثبت أنه قضى مدة معينى فى خدمة رب العمل ، وأن هذا الإثبات لا يجوز أن يكون إلا من واقع العامل ( Livret de L'ouvrier ) ، أو بمستخرج من سجلات رب العمل ( Extrait des livres du patron ) ، فلا يسمح للعامل أن يثبت أنه قضى المدة المعينة فى الخدمة بطريق آخر غير هذين الطريقين ، حتى لو كان رب العمل لم يحتفظ بسجلاته وكان العامل قد فقد دفتره( 809 ) .
$ 470 $
الباب الثالث
الطرق المعفية من الإثبات
الإقرار واليمين والقرائن القانونية
343 - قوة مطلقة – حجية قاصرة وحجية متعدية : قدمنا ( 810 ) أن الإقرار واليمين والقرائن القانونية تصلح للإعفاء من إثبات أية واقعة مادية أو أى تصرف قانونى مهما بلغت قيمته . فهى من هذه الناحية كالكتابة قوتها مطلقة .
وقدمنا أيضاً ( 811 ) أن الإعفاء من الإثبات فى الإقرار وفى اليمين مقصور على الخصمين ، فحجية الإقرار واليمين غير متعدية إلى الغير ، ومن ثم تكون حجية قاصرة . أما حجية القرائن القانونية فغير مقصورة على الخصمين ، فهى حجية متعدية .
ونعالج هذه الطرق الثلاثة –الإقرار واليمين والقرائن القانونية - متعاقبات فى فصول ثلاثة .
$ 471 $
الفصل الأول
الإقرار
244 - تعريف الإقرار بوجه عام : الإقرار هو اعتراف شخص بحق عليه لآخر ، سواء قصد ترتيب هذا الحق فى ذمته أو لم يقصد ( 812 ) .
فلا يكون إقراراً إنشاء الشخص الحق فى ذمته بتصرف قانونى أو بواقعة قانونية ، كالمشترى يلتزم بدفع الثمن وكمن يرتكب عملا غير مشروع يلتزم بالتعويض ، ذلك أن إنشاء الحق غير الاعتراف به . ولما كان إنشاء الحق بتصرف قانونى يحتاج فى إثباته إلى ورقة مكتوبة إذا كانت قيمة هذا الحق تزيد على عشرة جنيهات ، فهذه الورقة تكون دليل إثبات لا إقراراً ، لأنها أعدت من مبدأ الأمر لتثبت التصرف القانونى ، وتكون فى الغالب معاصرة لنشوئه أو بعد ذلك بوقت قليل . أما إذا كتب المدين إقراراً على نفسه بذات الحق ، فإنه لا ينشئ بذلك حقاً فى ذمته ، ولكنه يقر بوجود هذا الحق بعد أن نشأ( 813 ) . ويكتب المقر إقراره عادة بعد نشوء الحق الذى يقر به بوقت غير قصير ، مدفوعاً إلى ذلك باعتبارات متنوعة . فقد يكتب الإقرار بعد نزاع ينتهى فى تسويته إلى هذا الإقرار ، وقد يكتبه بعد تصفية حساب قديم ، وقد يكتبه حتى يمكن صاحب الحق من ورثته أن يتقاضى حقه قبل قسمة التركة ، وقد يكتبه حتى يمكن صاحب الحق من ورثته أن يتقاضى حقه قبل قسمة التركة ، وقد يكتبه عندما يحس أنه منيته قد دنت ليترك لصاحب الحق إقراراً بحقه فيبرئ ذمته سواء كتب الإقرار فى مرض الموت أو قبل ذلك . أما إذا كان السند المثبت للحق قد ضاع أو قدم عليه العهد ، فكتب المدين سنداً مؤيداً للسند الأصلى ، فهذا ليس إقراراً بل هو السند المؤيد الذى بسطنا أحكامه فيما تقدم . فالورقة المكتوبة إذن قد تكون سنداً أصلياً ، أو سنداً مؤيداً للسند الأصلى ، أو إقراراً مكتوباً بالدين .
$ 472 $
ولا يكون إقراراً ما يسلم به الخصوم اضطراراً على سبيل الاحتياط من طلبات خصمه . فإذا قرر فى مذكرة قدمها استعداده لدفع مبلغ من النقود أقل من المبلغ المدعى به بعد أن أنكر وجود الحق فى ذمته أصلا ، ولكنه يعرض هذا المبلغ على خصمه حسما للنزاع واحتياطاً لما عسى أن تتجه إليه المحكمة من إجابة الخصم إلى بعض طلباته ، فإن هذا لا يكون إقراراً ، لأنه ليس اعترافاً خالصاً بوجود هذا المبلغ فى ذمته ، بل هو تسليم جدلى ببعض المدعى به لحسم النزاع . فهو أقرب إلى أن يكون مشروع صلح يعرضه على الخصم ، حتى إذا قبله هذا انحسم النزاع بينهما( 814 ) .
ولا يكون إقراراً شهادة الشاهد على المدين بوجود الدين فى ذمته ، فإن الشاهد يقر بوجود الحق لا فى ذمته هو بل فى ذمة شخص آخر ( 815 ) .
ولا يكون إقراراً إبداء الخصم رأيه فى الحكم القانونى الذى ينطبق على النزاع ، كأن يقرر أن قانوناً أجنبياً معيناً هو الواجب التطبيق . فهو هنا لا يقر بحق ، ولكنه يدلى برأيه فى حكم قانونى ، وللمحكمة أن تأخذ برأيه أو لا تأخذ ( 816 ) .
وقد يقع الإقرار على الحق فى ذاته ، فيعترف المدين أن فى ذمته لآخر مبلغاً معيناً من المال . أو يقع على المصدر الذى أنشأ هذا الحق ، كأن يعترف بوجود عقد قرض ألزمه بهذا المبلغ من المال . بل قد يقع الإقرار على ادعاء ( Allegation ) أياً كان ، فيعترف المشترى مثلا بما يدعيه على دائن البائع من أنه يعرف إعسار البائع فى الدعوى البولصية التى يرفعها الدائن على كل من البائع والمشترى . $ 473 $ ولذلك يكون من الأدق تعريف الإقرار بأنه اعتراف شخص بإدعاء يوجهه إليه شخص آخر( 817 ) .
ولكن لا يكون هناك إقرار إذا كانت الواقعة المسلم بها ليست محل إدعاء من جانب الخصم ولا محل إنكار من جانب المقر . فإذا بلغ رب العمل عن وقوع حادث لأحد عماله وفقاً لأحكام قانون إصابات العمل ، فلا يعد هذا إقراراً من جانب رب العمل بمسئوليته عن هذا الحادث( 818 ) .
وإذا كان يغلب فى الإقرار أن يقصد المقر أن يؤخذ بإقراره وأن تترتب فى ذمته نتائجه القانونية ، إلا أن وجود هذا القصد عنده لا يشترط لقيام الإقرار . فقد يصدر الإقرار من شخص لمجرد تقرير الواقع دون أن يقصد ، وحتى دون أن يعرف ، النتائج القانونية التى تترتب على هذا الإقرار . بل عن نية الإقرار ذاتها لا تشترط ، فقد يقر الشخص بوقائع لم يكن معترفاً بها وهو فى صدد الدفاع عن حقه ، أو وهو فى صدد استجواب المحكمة أو الخصم له ، دون أن يشعر أنه قد أدلى بأى إقرار . والمهم أن يكون الإقرار قد صدر عن اختيار لا عن إجبار( 819 ) .
$ 474 $
245 - صور الإقرار وشكله : وليس للإقرار شكل خاص ، بل عن له صوراً متعددة . فهو قد يكون صريحاً أو ضمنياً . والصريح قد يكون مكتوباً أو شفوياً . وفى جميع الأحوال يكون الإقرار قضائياً أو غير قضائى .
والغالب أن يكون الإقرار صريحاً . فيكون تقريراً ( declaration ) يصدر من المقر بوقائع يعترف بصحتها . وقد يكون هذا التقرير مكتوباً ، ولا يشترط شكل خاص فى هذه الكتابة . فيجوز أن يكون الإقرار وارداً فى كتاب أو فى برقية أو فى أية رسالة أخرى يوجهها المقر إلى الطرف الآخر . ويجوز أن يكون فى ورقة مستقلة تعطى للمقر له يتخذها سنداً . ويجوز أن يكون وارداً فى صحيفة الدعوى ، أو فى مذكرة يقدمها الخصم المقر للمحكمة ، أو فى طلبات مكتوبة يوجهها الخصم المقر للخصم الآخر . كذلك قد يكون الإقرار شفوياً . فإن كان خارج القضاء ، أمكن الاستشهاد على صدوره بشهود فيما يمكن سماع الشهادة فيه . وإن كان إقراراً قضائيا ، صح أن يكون فى أثناء تحقيق أو استجواب أو فى الجلسة ذاتها ، وفى هذه الأحوال يدون الإقرار فى محضر التحقيق أو محضر الاستجواب أو محضر الجلسة ، فيسهل بذلك التثبت من صدوره ومن مضمونه .
ويندر أن يكون الإقرار ضمنياً أو مستخلصاً من مجرد السكوت . فلا يستخلص من تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب ولا من امتناعه عن الإجابة عند استجوابه من المحكمة أو من الخصم ، فهذا لا يكون إلا بمثابة مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة والقرائن( 820 ) . وقد نصت المادة 166 من تقنين المرافعات ، كما رأينا ، على أن " للمحكمة أن تستجوب من يكون حاضراً من الخصوم ، ولكل منهم أن يطلب استجواب خصمه الحاضر " . ونصت المادة 167 من هذا التقنين على أن " للمحكمة كذلك أن تأمر بحضور الخصم لاستجوابه ، سواء من تلقاء نفسها أو بناء على طلب خصمه ، وعلى من تقرر استجوابه أن يحضر بنفسه الجلسة التى حددها القرار " . ثم نصت المادة 173 على أنه " إذا تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب بغير عذر مقبول ، أو امتنع عن الإجابة بغير مبرر قانونى ، جاز للمحكمة أن تقبل الإثبات بشهادة الشهود والقرائن فى الأحوال $ 475 $ التى ما كان يجوز فيها " ( 821 ) . أما نكول الخصم عن حلف اليمين أو ردها ، ونكول من ردت عليه اليمين عن حلفها ، فإن ذلك يكون بمثابة الإقرار . وفى الحقوق التى تتقادم بسنة واحدة ، كحقوق التجار والصناع والعمال والخدم ، يقوم التقادم على افتراض الوفاء ، ومن ثم يجب على المدين أن يتمسك بالتقادم وأن يحلف اليمين على أنه أدى الدين فعلا ( م 348 مدنى ) . فالامتناع عن التمسك بالتقادم يكون بمثابة إقرار ضمنى بعدم الوفاء ( 822 ) . كذلك دفع دعوى الدائن بأن الدين قد انقضى لسبب غير الوفاء ، كالمقاصة أو الإبراء ، يكون بمثابة إقرار ضمنى بأن الدين لم يوف ، ومن ثم إذا تبين أن الدفع بالمقاصة أو الإبراء غير صحيح لم يجز للمدين أن يلجأ بعد ذلك إلى الدفع بالوفاء( 823 ) .
ثم إن الإقرار ، فى جميع الصور المتقدمة ، قد يكون خارج القضاء ويسمى إقراراً غير قضائى ( Aveu Extrajudiciaire ) ، أو يكون أمام القضاء ويسمى إقراراً قضائياً ( Aveu judiciaire ) .
$ 476 $
246 - الإقرار غير القضائى : لم يعرض التقنين المدنى الجديد ولا التقنين المدنى السابق للإقرار غير القضائى . ومعنى ذلك أن الأمر فيه متروك للقواعد العامة . أما التقنين المدنى الفرنسى فقد ذكر فى المادة 1354 أن الإقرار الذى يحتج به على الخصم إما أن يكون خارج القضاء أو أمام القضاء . ثم نص فى المادة 1355 على أن " الادعاء بصدور إقرار شفوى محض خارج القضاء لا يجدى فى جميع الأحوال التى لا يجوز فيها إثبات الدعوى بالبينة " ( 824 ) . ثم عرض فى المادة 1356 للإقرار أمام القضاء وبين أحكامه ، فذكر أنه حجة كاملة على المقر ، وأنه لا تصح تجزئته ، ولا الرجوع فيه إلا لغلط فى الواقع ( 825 ) . ويستخلص الفقه الفرنسى من أن المادة 1356 من التقنين المدنى الفرنسى بينت أحكام الإقرار القضائى وسكتت عن أحكام الإقرار غير القضائى أن أحكام النوع الأول من الإقرار لا تسرى على النوع الثانى . فالإقرار غير القضائى ليس حجة قاطعة ، ولا هو غير قابل للتجزئة ، ولا غير قابل للرجوع فيه حتى دون إثبات غلط وقع فيه المقر . بل هو موكول إلى القاضى ، يقدر ، وفقاً لظروف الدعوى وملابساتها ، قوته فى الإثبات . فله أن يجعل حجة قاطعة أو أن يجرده من هذه الحجية ، وله أن يرفض تجزئته أو أن يجزئه . وله ألا يقبل الرجوع فيه أو أن يجيز فيه الرجوع ، ولا يخضع فى شيء من ذلك لرقابة محكمة النقض( 826 ) .
$ 477 $
وفى القانون المصرى أيضاً يخضع الإقرار غير القضائى للقواعد العامة كما قدمنا . ومن ثم يحسن التمييز بين إثبات قيامه وبين حجيته فى الإثبات .
فالإقرار غير القضائى يقوم بصدوره من المقر شفوياً أو فى ورقة مكتوبة . أن كان شفوياً ، وأنكره من نسب إليه ، وجب على من يحتج به أن يثبت أولا صدوره من خصمه . ويخضع فى ذلك للقواعد العامة فى الإثبات . وقد نصت المادة 222 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى على أن " الإقرار غير القضائى ، أى الإقرار فى غير مجلس القاضى ، يجب إثباته وفقاً للقواعد العامة المختصة بالإثبات " . فإن كانت قيمة الدعوى لا تزيد على عشرة جنيهات ، جاز له إثبات صدور الإقرار من خصمه بالبينة والقرائن . وإن زادت قيمة الدعوى على هذا المقدار ، لم يجز إثبات صدور الإقرار إلا بالكتابة وفقاً للقواعد المقررة فى هذا الشأن ( 827 ) . على أنه يصح أن المقر يعترف أمام القضاء بالإقرار الشفوى الصادر منه خارج القضاء ، فيصبح الإقرار غير القضائى ثابتاً بإقرار قضائى . ولكنه يبقى مع ذلك إقراراً غير قضائى ، لأن الإقرار هنا ليس إقراراً بالدعوى ذاتها ، بل هو ليس إلا إقراراً غير قضائى ، لأن الإقرار الصادر خارج القضاء ، فيكون أثره محصوراً فى هذا النطاق( 828 ) . ومن ثم يكون أمام القاضى لإثبات الدعوى إقرار غير قضائى ثبت وجوده ، فيقدر قوته فى الإثبات على النحو الذى يقدر به قوة أى إقرار آخر غير قضائى . أما إذا كان الإقرار غير القضائى فى ورقة مكتوبة ، كان هذا الإقرار هو الطريق لإثبات الدعوى ذاتها بعد أن ثبت قيامه بهذه الورقة( 829 ) .
$ 478 $
فإذا ما ثبت قيام الإقرار غير القضائى على النحو الذى قدمناه ، كانت له حجية فى الإثبات تتبع إلى حد كبير الصورة التى قامت به ( 830 ) . فإن قامت به صورة إقرار مكتوب ، فله قوة الكتابة التى تضمنته ، رسمية كانت أو عرفية ، على التفصيل الذى قدمناه فى الكتابة( 831 ) . ومن ثم يكون الإقرار غير القضائى الوارد فى ورقة رسمية له حجية الورقة الرسمية . فهو ، من حيث صدوره من المقر ، له حجية كاملة إلى حد الطعن بالتزوير . ومن حيث صحة الإقرار فى ذاته ، له حجية على المقر ولكن للمقر إثبات عكس ما جاء فى إقراره وأنه لم يكن إلا إقراراً صورياً أو إقراراً متواضعاً عليه بينه وبين خصمه أو نحو ذلك ، على ألا يثبت ذلك إلا بالكتابة لأنه يثبت عكس ما جاء فى ورقة مكتوبة . ومن حيث أثره القانونى ، يخضع الإقرار غير القضائى للقواعد العامة إذا لم يرد فى شأنه نص خاص . فهو حجة على المقر ما لم يثبت عدم صحته على النحو الذى قدمناه ، وهو قابل للتجزئة ، وهو كذلك قابل للرجوع فيه فى الحدود التى تسمح بها القواعد العامة . والمهم فى شأنه أنه لما إقراراً صادراً خارج القضاء فإنه للقاضى سلطة واسعة فى تقدير قوته فى الإثبات ، ذلك أن صاحبه يكون عادة $ 479 $ أقل حيطة فى أمره ، وأقصر تمعناً فى عواقبه ، مما لو كان إقراراً صادراً أمام القضاء( 832 ) . فتجزئته تكون أصعب من تجزئة الإقرار القضائى ، ولا تتقيد بالنص الذى ورد فى هذه المسألة فى شأن الإقرار القضائى ، وذلك حتى يعامل المقر إقراراً غير قضائى فى يسر ، فقد يقر بالدين وبانقضائه عن طريق المقاصة ثم لا يتجزأ إقراره إذا رأى القاضى عدم التجزئة( 833 ) . والرجوع فيه لغط أو تدليس أو إكراه أن نقض فى الأهلية جائز كما هو جائز فى الإقرار القضائى ، $ 480 $ بل يصح الرجوع فيه لغلط فى القانون( 834 ) .
وإذا كان الإقرار غير القضائى مكتوباً فى ورقة عرفية ، كانت له حجية هذه الورقة . فهو ، من حيث صدوره من المقر ، له حجية كاملة ولكن إلى حد الإنكار لا إلى حد الطعن بالتزوير . ونم حيث صحة الإقرار فى ذاته من حيث أثره القانونى ، لا فرق فى ذلك بين الورقة العرفية والورقة الرسمية ، وما قلناه هناك يقال هنا .
وإن قامت بالإقرار غير القضائى صورة إقرار شفوى ، فأمر إثباته كما قدمنا موكول إلى القواعد العامة . ولكن متى اعتبر القاضى أنه قد ثبت وجب أن تكون حجيته فى الإثبات هى نفس حجية الإقرار المكتوب ، ففى الحالتين قد ثبت أن هناك إقراراً غير قضائى قائماً ، فوجب ألا تتغير حجيته فى حالة عما هى فى الحالة الأخرى . ومن ثم يكون لهذا الإقرار حجية كاملة من حيث صحته فى ذاته إلى أن يثبت من نسب إليه الإقرار عدم صحته ، وله الإثبات بجميع الطرق إذا كان الإقرار ذاته قد ثبت بالبينة والقرائن . ويكون لهذا الإقرار أخيراً أثره القانونى وفقاً للقواعد العامة ، فيخضع فى تجزئته وفى جواز الرجوع فيه للقواعد ذاتها التى يخضع لها الإقرار المكتوب( 835 ) .
$ 481 $
247 - الإقرار القضائى : وننتقل الآن إلى الإقرار القضائى ، وهو الذى أفرده التقنين المدنى بالذكر ، وعناه وحده بلفظ " الإقرار " ، وخصمه بقواعد تميزه عن الإقرار غير القضائى( 836 ) .
ونبحث الإقرار القضائى –ونطلق عليه لفظ " الإقرار " دون نعت كما فعل التقنين المدنى - ونتناول فى البحث : ( أولا ) أركانه ، و( ثانياً ) حجيته فى الإثبات .
الفرع الأول
أركان الإقرار
248 - النصوص القانونية : تنص المادة 408 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" الإقرار هو اعتراف الخصم أمام القضاء بواقعة قانونية مدعى بها عليه ، وذلك أثناء السير فى الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة( 837 ) " .
$ 482 $
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، ولكن الحكم كان معمولا به دون نص .
ويقابل النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادتين 93 و 94 ، وفى التقنين المدنى العراقى 461 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 210 ، وفى التقنين المدنى الليبى م 396 ( 838 ) .
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1354 والفقرة الأولى من المادة 1356( 839 ) .
ويتبين من نص التقنين المدنى المصرى أن للإقرار أركاناً أربعة :
( 1 ) اعتراف الخصم .
( 2 ) بواقعة قانونية مدعى عليه بها .
( 3 ) أمام القضاء .
( 4 ) أثناء السير فى الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة ( 840 ) .
$ 483 $
249 - الركن الأول – اعتراف الخصم : الإقرار اعتراف يصدر من المقر . والاعتراف تقرير ( Declaration ) لواقعة معينة على اعتبار أنها حصلت . ولاشك فى أن التقرير على هذا النحو هو عمل مادى ، كالشهادة والكتابة والتوثيق والحلف . فالإقرار إذن فى أصله عمل مادى ، أى واقعة قانونية ( Fait Juridique ) ، وليس بتصرف قانونى ( 841 ) .
ولكن الإقرار من جهة أخرى ، ينطوى على نزول من جانب المقر عن حقه فى مطالبة خصمه بإثبات ما يدعيه ، كما سنبين فيما يلى . والنزول ( Renonciation ) تصرف قانونى من جانب واحد ( Acte Juridique Unilateral ) . فيكون التكييف الصحيح للإقرار إذن هو أنه واقعة مادية تنطوى على تصرف قانون ( 842 ) . فهو واقعة مختلطة ( Fait Mixte ) ، مثله فى ذلك مثل الوفاء ( Paiement ) والاستيلاء ( Occupation ) ، فكلاهما واقعة مادية تنطوى على تصرف قانونى : الوفاء ينطوى على إرادتين متطابقتين فى إنهاء الدين ، والاستيلاء ينطوى على إرادة تملك المال محل الاستيلاء ( 843 ) .
$ 484 $
ولما كان الإقرار واقعة مادية تنطوى على تصرف قانونى ، أى وقاعة مختلطة كما قدمنا ، كان لكل من هاتين الناحيتين فيه – الواقعة المادية والتصرف القانونى – نتائجه القانونية .
فالإقرار من حيث إنه واقعة مادية لا حاجة فى تمامه إلى قبول من الخصم الذى صدر الإقرار لصالحه . وسواء صدر الإقرار أثناء استجواب أو فى الجلسة أو ضمن مذكرات القضية وأوراقها ، فإن مجرد صدوره من صاحبه يجعله قائماً لا يتوقف فى قيامه على قبول من الخصم الآخر . وإذا كان هذا الخصم الآخر يطلب عادة إثبات الإقرار فى المحضر ، فهو يفعل ذلك لا لإظهار قبوله إياه ، بل لتسجيله كما صدر حتى يتيسر الرجوع إليه دون أن يقع اختلاف فى مضمونه ( 844 ) . ويترتب على ذلك أن الإقرار إذا صدر لا يجوز للمقر الرجوع فيه بحجة أن الخصم المقر له لم يظهر بعد قبوله إياه ، إذ الإقرار تام نافذ بمجرد صدوره دون حاجة إلى قبول ( 845 ) .
والإقرار من حيث إنه ينطوى على تصرف قانونى من جانب واحد لا يحتاج أيضاً إلى قبول . ثم إنه يجب لصحته نفس الشروط الواجب توافرها لصحة هذا التصرف القانونى . فالمقر ، كما قدمنا ، إنما ينزل عن حقه فى مطالبة خمسه بإثبات الواقعة التى يدعيها ، وهذا النزول يجعل هذه الواقعة فى غير حاجة إلى الإثبات ، فتصبح مصدراً لالتزام المقر . ومن ثم يشترط لصحة هذا النزول – أى لصحة $ 485 $ الإقرار – ما يشترط لصحة التزام المقر بالواقعة التى أقر بها . فيجب إذن أن يكون المقر أهلاً للالتزام بهذه الواقعة ، وأن تكون إرادته غير مشوبة بعيب من عيوب الإرادة : غلط أو تدليس أو إكراه . فإذا كان المقر يقر بواقعة قرض مثلاً ، وجب أن يكون قد بلغ سن الرشد وألا يكون محجوراً ، حتى يكون أهلاً للالتزام بالقرض الذى أقر به ( 846 ) . ويجب ألا يكون قد وقع فى غلط جوهرى لا فى الواقع ولا فى القانون ( 847 ) . كما لا يجوز أن يكون قد اندفع $ 486 $ إلى إقراره بتدليس أو إكراه ( 848 ) . وهو الذى يحمل عبء إثبات ذلك إذا ادعاه ( 849 ) . فإن أثبت أنه لم يكن أهلاً أو أن إقراره قد شابه غلط جوهرى أو تدليس أو إكراه ، كان الإقرار باطلاً ، وكان له الرجوع فيه ( 850 ) .
كذلك ما دام الإقرار ينطوى على تصرف قانونى ، وما دام هذا التصرف هو النزول عن حق ، فإن الإقرار يكون فى حكم عمل من أعمال التصرف ( acte de disposition ) ، ويجب للتوكيل فيه أن تصدر وكالة خاصة ، فلا تكفى $ 487 $ الوكالة العامة ( 851 ) . وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 702 على هذا الحكم صراحة إذ تقول : " لابد من وكالة خاصة فى كل عمل ليس من أعمال الإدارة ، وبوجه خاص فى البيع والرهن والتبرعات والصلح والإقرار والتحكيم وتوجيه اليمين والمرافعة أمام القضاء ( 852 ) " . ومن ثم لا يصح الإقرار من وكيل عام . ولا يصح الإقرار الصادر من محام ( 853 ) ، ما لم يكن التوكيل الصادر إلى هذا المحامى منصوصاً فيه على تفويضه فى الإقرار ( 854 ) . ولا يشترط تعيين محل الإقرار على وجه التخصيص ( م 702 فقرة 2 مدنى ) . أما الولى والوصى والقيم فيصح إقرارهم عن الأصيل فى الحدود التى يجوز لهم فيها القيام بأعمال $ 488 $ التصرف ، فيشترط إذن فى كثير من الأحوال لصحة هذا الإقرار الحصول على إذن من المحكمة الحسبية ( 855 ) . أما الإقرار بواقعة قانونية فحجته مقصورة عليم ، إلا إذا كانت الواقعة عملاً من أعمال الإدارة المخولة لهم بحكم القانون ( 856 ) .
$ 489 $
وأخيراً ما دام الإقرار ينطوى على تصرف قانونى ، فإنه يرد عليه ما يرد على التصرفات القانونية من احتمال الصورية والتواطؤ ( 857 ) . فقد يكون الإقرار صورياً تواطأ عليه المقر والمقر له أضراراً بحقوق الغير كالدائنين والخلف ، ويجوز لهؤلاء إثبات الصورية بجميع الطرق ولو بالبينة والقرائن ، فإذا أثبتوها لم ينفذ الإقرار فى حقهم ( 858 ) . والإقرار الصادر فى مرض الموت يعتبر فى حكم الوصية ، فلا ينفذ إلا من ثلث التركة ( 859 ) . على أن الإقرار يصح ولو كان خالياً من ذكر سببه السابق عليه ، لأنه ليس منشئاً للحق بل هو مظهر له ، ومن ثم كان حكمه هو ظهور ما أقر به المقر لا ثبوته ابتداء ( 860 ) .
$ 490 $
250 - الركن الثانى – واقعة قانونية مدعى بها : ويجب أن ينصب الإقرار على واقعة قانونية مدعى بها على المقر . ولا يلزم أن تكون هذه الواقعة تصرفاً قانونياً ، بل يصح أن تكون واقعة مادية . ولا يلزم كذلك أن تكون الواقعة مصدراً لحق من الحقوق ، بل أية واقعة يمكن الادعاء بها يجوز فيها الإقرار . وقد رأينا أنه يمكن الادعاء بأية واقعة يترتب عليها أثر قانونى ، كما إذا ادعى الدائن علم المشترى بأعسار المدين البائع فى الدعوى البولصية ، فهذه واقعة يمكن أيضاً أن ينصب عليها الإقرار .
وما دام الإقرار ينطوى على تصرف قانونى كما قدمنا ، وهو ضرب من التصرف فى الشئ المقر به من جانب المقر ، لذلك يجب أن يكون محل الإقرار معيناً تعييناً كافياُ مانعاً من الجهالة الفاحشة . وقد ورد فى التقنين المدنى العراقى $ 491 $ نص صريح فى هذا المعنى ، إذ تقضى الفقرة الأولى من المادة 463 من هذا التقنين بأنه " يشترط ألا يكون المقر به مجهولً جهالة فاحشة ، أما الجهالة اليسيرة فلا تكون مانعاً من صحة الإقرار " ( 861 ) .
ويجب بداهة أن يكون محل الإقرار لا يكذبه ظاهر الحال ، وإلا كان إقراراً صورياً لا قيمة له . وقد ورد فى التقنين المدنى العراقى أيضاً نص على هذا الحكم ، إذ تقضى المادة 465 من هذا التقنين بأنه " يشترط ألا يكذب ظاهر الحال الإقرار ، فلو أقر شخص ببنوة آخر أكبر منه فى السن لا يصح إقراره " ( 862 ) .
ويجب أخيراً أن يكون محل الإقرار مما يجوز التعامل فيه . فالإقرار بشئ مخالف للقانون أو للنظام العام أو للآداب غير صحيح . ويترتب على ذلك أنه لا يصح الإقرار بفوائد تزيد على الحد المسموح به قانوناً ، ولا الإقرار بإيجار منزل للعهارة ، ولا الإقرار باتفاق على ارتكاب جريمة . وهذا لا يمنع من قبول هذا الإقرارات فى المسئولية الجنائية ( 863 ) .
$ 492 $
ويصح الإقرار فى التصرف أيا كانت قيمته ، ولو زادت على نصاب البينة ، فالإقرار كما قدمنا حجيته مطلقة ( 864 ) .
251 - الركن الثالث – أمام القضاء : وهذا الركن هو الذى يميز الإقرار القضائى عن الإقرار غير القضائى ، ويكمله الركن الرابع وهو أن يكون صادراً أثناء السير فى الدعوى .
$ 493 $
فالإقرار الذى لا يصدر أمام القضاء لا يعد إقراراً قضائياً . ويعتبر قضاءا كل جهة نظمها القانون من جهات القضاء ، فلا يقتصر ذلك على القضاء المدنى وحده . ويعتد بالإقرار الصادر أمام القضاء التجارى ، والقضاء الإدارى ، والقضاء الشرعى ، والقضاء الملى . كذلك يعتد بالإقرار الصادر فى دعوى مسئولية مدنية مرفوعة أمام القضاء الجنائى ، وبالإقرار الصادر أمام قاضى التحضير ، وأمام القاضى المنتدب لوضع التقرير فى محكمة القضاء الإدارى والقاضى المنتدب للتحقيق أو للاستجواب . بل إن الإقرار يصدر عادة أثناء الاستجواب ، فوجب أن يكون صحيحاً إذا صدر أمام القاضى المنتدب لهذا الغرض .
ويجب أن يصدر الإقرار أمام محكمة مختصة اختصاصاً موضوعياً على الأقل ( 865 ) .
ويجوز أن يصدر الإقرار أما المحكين ( arbitres ) ( 866 ) .
ولكن الإقرار الصادر أمام النيابة العامة أو النيابة الحسبية أو الخبير أو المحقق الإدارى لا يعتبر إقراراً قضائياً ، لأن هذه الجهات ليست بجهات قضاء ( 867 ) .
252 - الركن الرابع - أثناء سير الدعوى : ولا يكفى أن يصدر الإقرار أمام القضاء ، بل يجب أن يصدر أيضاً فى خلال إجراءات الدعوى التى يكون الإقرار فيها دليل الإثبات . فيصح أن يكون فى صحيفة الدعوى ذاتها ، أو فى المذكرات التى تليها ، أو فى المذكرات التى يرد بها على الدعوى . ويصح أن يكون أمام القاضى المنتدب للتحقيق . وأكثر ما يكون ، كما قدمنا ، فى خلال استجواب تقرره المحكمة . ويجوز أن يصدر أمام المحكمة نفسها فى جلسة من جلسات $ 494 $ المرافعة ، كما تجوز أن يصدر عند إبداء الطلبات الختامية وقبل إقفال باب المرافعة . بل يجوز أن يلى أقفال باب المرافعة فى مذكرات تقدم من الخصوم يرد فيها بعضهم على بعض ، فيصدر من أحد الخصوم إقرار فى مذكرته, وهكذا يجوز أن يصدر الإقرار إلى وقت النطق بالحكم ( 868 ) .
ولكن الإقرار الذى يصدر فى إحدى الدعاوى ، فيكون فيها إقراراً قضائياً ، لا يكون فى دعوى أخرى ، ولو بين الخمسين وفى نفس الواقعة ، له قوة الإقرار القضائى ، ذلك أن الإقرار القضائى مقصور قوته على الدعوى التى صدر فيها ، فإذا تمسك به الخصم المقر له أو الغير فى دعوى أخرى تالية ، كان الإقرار بالنسبة إلى هذه الدعوى التالية إقراراً غير قضائى . فلو أن خصماً أقر لخصمه أنه اشترى من الغير الأرض التى ينازعه فيها ، وكان هذا فى دعوى من دعاوى الحيازة ، فإن إقراره هذا يعد إقراراً قضائياً فى دعوى الحيازة التى صدر فيها الإقرار . ولو أراد الخصم الذى صد ر الإقرار له أن يتمسك بهذا الإقرار فى دعوى الملكية ، وهى غير دعوى الحيازة ، كان له أن يفعل ذلك ولكن على أنه إقرارا غير قضائى ( 869 ) . ويستقيم هذا الحكم مع تأصيل الإقرار من أنه نزول من المقر عن حقه فى مطالبة خصمه بالإثبات ، فقد نزل المقر فى دعوى الحيازة عن مطالبة خصمه بإثبات شرائه للأرض من الغير ، وإذا كان قد نزل عن هذه المطالبة فى دعوى الحيازة فلا يستخلص من هذا نزوله عن المطالبة بهذا الإثبات فى دعوى الملكية . فهو قد نزل عن المطالبة بالإثبات فى دعوى معينة دون غيرها $ 495 $ من الدعاوى ، فأثر النزول يجب أن يكون مقصوراً على هذه الدعوى ( 870 ) .
كذلك الإقرار أمام محكمة غير مختصة من ناحية الولاية أو من ناحية الاختصاص الموضوعى لا يعد إقراراً قضائياً ، بخلاف الإقرار أمام محكمة غير مختصة من ناحية المكان ، ذلك أن أحكام الاختصاص من ناحية الولاية ومن ناحية الموضوع تعد من النظام العام أما أحكام الاختصاص من ناحية المكان فليست كذلك ( 871 ) . فالإقرار أمام محكمة شرعية فى قضية المختص بها هى المحكمة الوطنية لا يكون أمام $ 496 $ هذه المحكمة الأخير إقراراً قضائياً ، بل هو إقرار غير قضائى . والإقرار أمام المحكمة الجزئية فى قضية المختص فيها هى المحكمة الكلية يكون إقراراً غير قضائى بالنسبة إلى هذه المحكمة الأخيرة .
والإقرار خارج إجراءات الدعوى ولو فى الوقت الذى تنظر فيه الدعوى لا يكون إقراراً قضائياً . فلو أن خصماً أرسل كتاباً لخصمه ، أثناء نظر الدعوى القائمة بينهما ، يتضمن إقراراً ، وتمسك الخصم المقر له بهذا الكتاب أمام المحكمة ، فإن الإقرار فى هذه الحالة يعد إقراراً غير قضائى . كذلك يعد إقراراً غير قضائى ما يذكر فى تظلم مرفوع إلى الجهة الإدارية ولو كان هذا التظلم متعلقاً بدعوى كانت مرفوعة وقت تقديم التظلم أمام محكمة مدنية ( 872 ) .
الفرع الثانى
حجية الإقرار
253 - النصوص القانونية : تنص المادة 409 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - الإقرا حجة قاطعة على المقر " .
" 2 - ولا يتجزأ الإقرار على صاحبه ، إلا إذا انصب على وقائع متعددة وكان وجود واقعة منها لا يستلزم حتماً وجود الوقائع الأخرى ( 873 ) " .
$ 497 $
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 233 / 298 ( 874 ) .
ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادتين 100 - 101 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادتين 469 - 470 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادتين 266 - 227 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 397 ( 875 ) .
$ 498 $
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1356 ( 876 ) .
254 - مسائل ثلاث : ويتبين من نص التقنين المدنى السالف الذكر أن الإقرار حجة قاطعة على المقر ، وهو أيضاً حجة قاصرة عليه . ثم إن الإقرار فى الأصل لا يتجزأ على صاحبه ، ومع ذلك يتجزأ الإقرار إذا انصب على وقائع متعددة دون أن يستلزم وجود واقعة منها وجود الوقائع الأخرى .
فعندنا إذن مسائل ثلاث : ( 1 ) الإقرار حجة قاطعة على المقر . ( 2 ) الإقرار حجة قاصرة على المقر . ( 3 ) تجزئة الإقرار .
المبحث الأول
الإقرار حجة قاطعة على المقر
255 - الإقرار حجة قاطعة على المقر لا يقبل إثبات العكس ، وهو ذو أثر كاشف : إذا توافر للإقرار أركانه على الوجه الذى بيناه ، صار إقراراً قضائياً ، وكان حجة قاطعة على المقر . ومعنى ذلك أن الواقعة التى أقر بها الخصم تصبح فى غير حاجة إلى الإثبات ، ويأخذ بها القاضى واقعة ثابتة بالنسبة إلى الخصم الذى أقر بها ( 877 ) . والإقرار لا يكون حجة للمقر لأن الشخص $ 499 $ لا يصطنع الدليل لنفسه ، ولا يكون إلا حجة عليه .
والحجة هنا قاطعة ، لا يجوز إثبات عكسها . ولكن هذا لا يمنع من أن يطعن المقر فى إقراره بأنه صورى تواطأ عليه مع خصمه ، أو أنه وقع نتيجة غلط أو تدليس أو إكراه ، أو أنه صدر منه وهو ناقص الأهلية . فإذا أثبت ذلك بالطرق الجائزة قانوناً بطل الإقرار ، ولا يكون هذا رجوعاً فى إقرار موجود ، بل هو إلغاء لإقرار ظهر بطلانه . أما الإقرار القائم الصحيح فلا يجوز الرجوع فيه ، ولا يجوز إثبات عكسه ، فهو إذن حجة قاطعة على المقر ( 878 ) .
وأثر الإقرار كاشف لا منشئ . وقد قضت محكمة النقض بأن الإقرار لا يكون سبباً لمدلوله ، وإنما هو دليل تقدم الاستحقاق عليه فى زمن سابق . فحكمه ظهور ما أقر به المقر ، لا ثبوته ابتداء ( 879 ) .
256 - تأصيل الحجية القاطعة للإكراه - إعفاء الخصم من الإثبات ونزول عن مطالبته به : واختلف النظر فى تأصيل الحجية القاطعة للإقرار . فالفقيهان أوبرى وروى - ومعهما أكثر الفقهاء – يذهبان إلى أن الإقرار هو قلب لعبء الإثبات ( renversement de la charge de preuve ) ، وبعد أن كان من يدعى وقاعة يطالب بإثباتها ، فإن إقرار خصمه بهذه الواقعة ينقل عبء الإثبات منه إلى المقر . والمقر بعد إقراراه هو الذى يحمل إثبات أن إقراره غير صحيح ، وذلك بالطعن فى الإقرار بوجه من الوجوه التى تقدم ذكرها . ولما كانت $ 500 $ هذه الوجوه يندر تحققها ، فقل أن يكون الإقرار صورياً وقل أن يشوبه عيب أو نقص فى الأهلية ، فإن الإقرار يصبح إذن ، فى الكثرة الغالبة من الأحوال ، ليس قلباً لعبء الإثبات فحسب ، بل إعفاء من الإثبات ( dispense de preuve ) . ذلك أن الخصم إذا ادعى واقعة وجب عليه إثباتها . فإذا أقر إذا ادعى واقعة وجب عليه إثباتها . فإذا أقر خصمه بهذه الواقعة ، كان هذا معناه أنه يعفيه من هذا الإثبات . فتصبح الواقعة ثابتة ، لا لأن دليلاً أثبتها ، بل لأنها فى غير حاجة إلى الإثبات ( 880 ) .
ويضيف بارتان ( 881 ) إلى ذلك أن التأصيل على النحو المتقدم يتضمن حتماً أن المقر ، وهو يعفى خصمه من إثبات ما يدعيه ، ينزل فى الوقت ذاته عن حقه فى مطالبة خصمه بهذا الإثبات . وهذا هو التأصيل الذى وقفن عنده ، عندما قررنا أن الإقرار واقعة قانونية تتضمن تصرفاً قانونياً هو نزول المقر عن حقه فى مطالبة خصمه بالإثبات ( 882 ) .
$ 501 $
257 - قد يكون الإقرار مبدأ ثبوت بالكتابة : وإذا كان الإقرار حجة قاطعة بالوقعة التى تضمنها بالذات ، فإنه يصلح أيضاً أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة لواقعة متصلة بالواقعة التى تضمنها بالذات . وقد سبق إيراد هذه القاعدة وأمثلتها . ويسوق أوبرى ورو لها مثلاً إقرار الزوج بتوكيل زوجته بقبض الفوائد ، فهذا الإقرار حجة قاطعة بالنسبة إلى واقعة التوكيل بقبض الفوائد ، ومبدأ ثبوت بالكتابة بالنسبة إلى واقعة التوكيل بقبض رأس المال ( 883 ) . وسنرى أيضاً فيما يلى أن الإقرار غير القابل للتجزئة – الإقرار الموصف وبعض صور الإقرار المركب – إذا كانت تجزئته غير ممكنه ، فإن هذا لا يحول دون اعتبار مبدأ ثبوت بالكتابة ( 884 ) .
المبحث الثانى
الإقرار حجة قاصر على المقر
258 - الإقرار حجة على المقر والخلف العام ولا يتعدى إلى غيرهما : ولما كان الإقرار هو إعفاء من الإثبات ونزول عن المطالبة بهذا الحق ، فهو من هذه الناحية تصرف قانونى يقتصر أثره على المقر ( 885 ) . ويتعدى أثر الإقرار إلى ورثة المقر بصفتهم خلفاً عاماً له ، فيصح الاحتجاج عليهم بما حواه إقراره ( 886 ) .
$ 502 $
ولا يتعدى أثر الإقرار إلى غير المقر ورثته ( 887 ) . فلا يتعدى إلى الدائن ( 888 ) ، أو الشريك أو الورثة فيما بينهم . فلو أقر أحد الشركاء فى الشيوع بتصرف الشركاء فى الملك الشائع ، كان إقراره بهذا التصرف حجة عليه وحده ، ولا يكون حجة على الشركاء الآخرين الذين لم يصدر منهم إقرار . ولو أقر أحد الورثة بحق على التركة ، فإن إقراره يكون حجة عليه دون سائر الورثة ( 889 ) . ولو أقر أحد المدينين المتضامنين بالدين ، فلا يسرى هذا الإقرار فى حق الباقين ( م 295 فقرة أولى مدنى ) ، ويكون الإقرار حجة قاصرة على المدين الذى صدر منه الإقرار .
والدائن والخلف الخاص ، بخلاف الورثة ، لا يتعدى إليهما أثر الإقرار كما قدمنا . فإذا أقر المدعى عليه فى دعوى استحقاق دار بملكية الدار للمدعى ، لم يكن هذا الإقرار حجة على دائنه ، ويجوز للدائن أن يتدخل فى الدعوى ويثبت بجميع الطرق أن الإقرار غير صحيح ، حتى تبقى الدار لمدينه فيستطيع أن ينفذ عليها بالدين . كذلك إذا كان المدعى عليه فى المثل المتقدم قد باع الدار لآخر ، ثم رفعت عليه دعوى الاستحقاق وأقر بملكية الدار للمدعى ، فإن هذا الإقرار $ 503 $ يكون حجة قاصر عليه دون المشترى ، ويستطيع هذا أن يتدخل فى الدعوى ليثبت أن الإقرار لا صحة له حتى تخلص له ملكية الدار . وفى الحالتين المتقدمتين إذا حكم فى الدعوى بمقتضى إقرار المدعى عليه قبل أن يتدخل الدائن أو المشترى ، فلهذين الاعتراض على الحكم اعتراض الخارج عن الخصومة وفقاً لأحكام المواد 450 إلى 456 من تقنين المرافعات ، لإثبات عدم صحة الإقرار الصادر من المدعى عليه إذ هو حجة قاصر عليه لا تتعدى إليهما ، ذلك أن الدائن أو المشترى كان وقت صدور الحكم ممن يتعدى إليهم الحكم ويعتبر حجة عليهم ، ومن ثم يثبت له حق الاعتراض .
أم الورثة ، فلو مات المدعى عليه بعد الإقرار وقبل الحكم فى الدعوى ، فإن الإقرار لا يكون حجة عليهم ، ولهم أن يثبتوا عدم صحته بجميع الطرق حتى تبقى الدار فى التركة . ولكن إذا صدر الحكم قبل موت المورث وفى مواجهته ، فإنه يسرى على الورثة ولا يثبت لهم حق الاعتراض . ذلك أنهم وقت صدور الحكم ضد مورثهم كان الحكم يسرى فى حقهم باعتبارهم خلفاً عاماً ، فيبقى الحكم سارياً فى حقهم حتى بعد موت المورث وقيام حقهم فى الإرث .
259 - الإقرار لا يكون حجة على المقر لصالحه : ويبقى الإقرار حجة قاصر على المقر حتى بالنسبة إلى المقر لصالحه . ذلك أن الإقرار إذا كان حجة للمقر لصالحه ، فإن لا يكون حجة عليه . فلو أن المدين أقر لدائنه بالدين ، وقال إنه وفاه أو أن الدين سقط بعد ذلك بالمقاصة ، فلا يكون قوله إنه وفاه أو أن الدين سقط بالمقاصة حجة على الدائن ( 890 ) . وهذا ما يعرف بالتجزئة فى الإقرار ، وننتقل الآن إليه .
$ 504 $
المبحث الثالث
التجزئة فى الإقرار
260 - الإقرار البسيط : إذا اقتصر الإقرار على تصديق المدعى للمدعى عليه فى جميع ما ادعاه ، فإن الإقرار يكون فى هذه الحالة إقراراً بسيطاً محضاً ( aveu pur et simple ) ، ولا محل إذن للنظر فيما إذا كان يتجزأ أو لا يتجزأ . فلو أن المدعى قال فى دعواه إنه أقرض المدعى عليه مائة ، فأقر المدعى عليه بأنه اقترض من المدعى المائة ولم يزد على ذلك شيئاً ، كان هذا إقراراً بسيطاً ، وكان حجة قاطعة على المدعى عليه . كذلك إذا قال المدعى إنه أقرض المدعى عليه مائة وفى منها خمسين فأقر المدعى عليه بأنه اقترض من المدعى المائة ووفى منها الخمسين ، أو قال المدعى إنه أقرض المدعى عليه مائة مؤجلة إلى سنتين فأقر المدعى عليه أنه اقترض المائة مؤجلة إلى السنتين ، كان الإقرار فى هاتين الحالتين بسيطاً وكان حجة قاطعة على المدعى عليه . ولا محل هنا للنظر فى تجزئة الإقرار ، فإن الوقائع المدعاة قد أقر المدعى عليه بها جميعاً ولم يضف إليها شيئاً ، ففيم إذن تكون التجزئة .
$ 505 $
261 - الإقرار الموصوف : لكن إذا أقر المدعى عليه ببعض ما ادعاه المدعى دون بعض أو أضاف شيئاً ، فهنا تقوم الحاجة إلى النظر فى التجزئة . ذلك أن المدعى قد يقول فى دعواه إنه أقرض المدعى عليه مائة مؤجلة إلى سنتين كما قدمنا ، وقد حل الأجل فاستحق الدفع . ويقر المدعى عليه بأنه اقترض المائة ولكن مؤجلة إلى ثلاث سنوات لا إلى سنتين ، فلم يحل الأجل ولم يستحق الدفع . فالإقرار هنا لا يكون إقراراً بسيطاً ، بل يكون إقراراً موصوفاً ( aveu qualifie ) . ذلك أن المدعى عليه لم يقر بالدين على الوجه الذى ذكره المدعى ، وهو دين مؤجل إلى سنتين وقد حل أجله فأصبح مستحقاً ، بل أقر بالدين معدلاً أى موصوفاً ، فقال إنه دين مؤجل إلى ثلاث سنوات ولم يحل الأجل فيم يصبح مستحقاً . والوصف هنا هو عدم حلول أجل الدين ، إذ الدائن يطالب بدين حال ، والمدين يقر بدين لم يحل . وقد يطالب الدائن أيضاً بدين منجز ، ويقر المدين بدين معلق على شرط . فكل من الأجل والشرط يعتبر وصفاً للدين ، فهو وصف فى الإقرار ، ولذلك سمى الإقرار موصوفاً .
والذى تجب مراعاته فى الوصف هو أن يكون مقترناً بالدين وقت نشوئه ، لا أن يكون حادثاً جد بعده . والأجل والشرط وصفان يقترنان بالدين وقت نشوئه ، لا يجدان بعده ، ومن ثم يون الإقرار المتضمن لهما إقراراً موصوفاً ( 891 ) .
وحكم الإقرار الموصوف أنه لا يتجزأ على صاحبه . فقد أقر المدين بالدين موجلاً أو معلقاً على شرط ، فأما أن يأخذ الدائن الإقرار كله موصوفاً كما هو ، وإما أن يدعه كله . وليس له أن يجزئه ، فيقتصر على إقرار المدين بالدين ويدع الوصف الذى دخل على الدين من أجل أو شرط . ويمتنع عليه إذن أن يقول إن المدين أقر بالقرض فهو ثابت فى ذمته بإقراره ، وعليه الآن أن يثبت أن القرض موصوف بأجل أو شرط . وإنما للدائن إما أن يأخذ بالإقرار كله ، فيعتبر الثابت هو الدين موصوفاً بالأجل أو الشرط ، وإما أن يطرحه $ 506 $ كله ، فلا يعتبر الدين ثابتاً أصلاً بالإقرار . وعليه إذا أطرح الإقرار أن يحمل عبء إثبات ما ادعاه ، فيعود إلى سيرته الأولى إذ هو مدع يحمل عبء الإثبات . وقد كان بالإقرار الذى أطرحه معفى من هذا العبء . وفى هذه الحالة يتعين على الدائن أن يثبت الدين ، وعلى المدين أن يثبت الأجل أو الشرط ( 892 ) . ويجوز أيضاً أن يتخذ الدائن من الإقرار طريقاً لإثبات القرض فى ذاته ، ثم يثبت هو – لا المدين – أن القرض قد حل أجله أو أنه غير معلق على شرط . وهذا كله مقصود من القول بعدم تجزئة الإقرار . فالدائن بالخيار ، إذا لم يرد الأخذ بالإقرار كله ، بين أن يطرحه كله ويحمل عبئ إثبات دعواه كما لو لم يكن هناك أى إقرار ، وبين أن يستبقى من الإقرار ما هو فى صالحه ويدحض بدليل يقدمه هو ما ليس فى صالحه من الإقرار . والممتنع هو أن يستبقى ما هو فى صالحه ويلقى على المقر عبء إثبات ما ليس فى صالحه ، فإن هذا يعتبر تجزئة للإقرار . ولا تصح التجزئة فى الإقرار الموصوف .
262 - الإقرار المركب : وإذا قال المدعى فى دعواه إنه أقرض المدعى عليه مائة ، وأقر المدعى عليه بأنه اقترض المائة ولكنه وفاها أو وفى $ 507 $ جزءاً منها ، فإن الإقرار هنا يكون إقراراً مركباً ( aveu complexe ) . والفرق بين الإقرار المركب والإقرار الموصوف – وكل منهما يشتمل على واقعة أصلية وواقعة مرتبطة بها – أن فى الإقرار الموصوف تقترن الواقعة المرتبطة بالواقعة الأصلية من وقت نشئو الواقعة الأصلية كما قدمنا . فالأجل أو الشرط قد اقترن بالدين من وقت نشوئه ، أما فى الإقرار المركب فالواقعة المرتبطة لا تقترن بالواقعة الأصلية من وقت نشئوها بل تجد بعدها ، فالإقرار بالدين مع الوفاء به إقرار مركب يتكون من واقعة المديونية وهى الواقعة الأصلية وواقعة الوفاء وهى الواقعة المرتبطة بها ، ولكن واقعة الوفاء لم تقترن بواقعة المديونية من وقت نشوئها ، بل جدت بعدها إذا حصل الوفاء بعد أن وجدت المديونية ( 893 ) .
والأصل فى الإقرار المركب أنه هو أيضاً لا يتجزأ على صاحبه ( 894 ) . فإذا اقر المدين أنه اقترض المائة ولكنه وفاها ، فلا يجوز للدائن إلا أن يأخذ بالإقرار كله أو يطرحه كله ( 895 ) . فإذا أخذ بالإقرار كله برئت ذمة المدين من الدين وخسر الدائن دعواه ، إذ يكون قد ثبت أن الدين كان موجوداً ولكن المدين وفاه . وإذا أطرح الدائن الإقرار كله ، اعتبر الإقرار كأن لم يكن ، وكان على الدائن أن يثبت الدين وعلى المدين أن يثبت الوفاء . ويجوز أيضاً للدائن – كما قدمنا فى الإقرار الموصوف – أن يستبقى الإقرار بالقرض ، ويحمل هو عبء إثبات أن المدين لم يقم بوفائه . والممتنع هو أن يستبقى الإقرار بالقرض ويلقى عبء $ 508 $ إثبات الوفاء على المدين ، فإن هذا يعتبر تجزئة للإقرار حيث لا تصح التجزئة .
وكذلك يكون الحكم فيما إذا أقر المدين بأنه اقترض المائة ولكن الدين انقضى بالتجديد ( 896 ) أو انقضى بالإبراء . ففى هاتين الحالتين لا يتجزأ الإقرار على صاحبه . ولا يجوز للدائن أن يستبقى من الإقرار ما هو فى صالحه ، ويلقى عبء إثبات إما ليس فى صالحه على المدين ، فيستبقى ثبوت القرض بالإقرار ويطلب من المدين إثبات التجديد أو الإبراء ، وعليه أن يأخذ بالإقرار كله فتكون ذمة المدين قد برئت من الدين ، أو يطرحه كله فعليه هو أي يثبت القرض وعلى المدين أن يثبت التجديد أو الإبراء ، أو يستبقى القرض ثابتاً بالإقرار وعليه هو أن يثبت أن التجديد أو الإبراء الذى يدعيه المدين لا صحة له ( 897 ) ، فإذا أطرح الإقرار كله وأراد أن يثبت القرض ، كان له أن يعتبر الإقرار المطرح مبدأ ثبوت بالكتابة للقرض يعززه بالبينة والقرائن ( 898 ) . أما إذا استبقى القرض ثابتاً بالإقرار ، وأراد أن يثبت أن التجديد أو الإبراء لا صحة له ، فلا يجوز فيما يزيد على عشرة جنيهات أن يثبت ذلك إلا بالكتابة ( 899 ) .
فى هذه الأحوال الثلاثة – الإقرار بالمديونية مع وفاء الدين والإقرار بها مع التجديد والإقرار بها مع الإبراء – يوجد إقرار مركب من واقعة أصلية وواقعة مرتبطة بها ، وحكم هذا الإقرار أنه لا يتجزأ على صاحبه كما رأينا . والمشترك فى هذه الأحوال الثلاثة أن الواقعة المرتبطة تستلزم حتماً وجود الواقعة $ 509 $ الأصلية . فالوفاء بالدين يستلزم حتماً وجود الدين قبل ذلك ، وكذلك تجديد الدين والإبراء منه كل منهما يستلزم حتماً سبق وجود دين حصل فيه التجديد أو وقع فيه الإبراء . ومن ثم لا يمكن للواقعتين ، الواقعة الأصلية والواقعة المرتبطة بها ، أن تنفك إحداهما عن الأخرى ، فهما متلازمتان ولا تصح فيهما التجزئة . أما إذا كانت الواقعة المرتبطة لا تستلزم حتماً وجود الواقعة الأصلية ، فلا تلازم ما بين الواقعتين ، ويمكن تصر وقوع إحداهما دون وقوع الأخرى ، ومن ثم كانت التجزئة فيهما جائزة . والمثل المألوف لهذه الحالة هو الإقرار بالقرض مع وقوع المقاصة فيه بدين آخر ( 900 ) . فالمدين هنا قد أقر بالواقعة الأصلية وهى واقعة القرض ، وأضاف إليها واقعة مرتبطة بها وهى وجود دين له على الدائن أوقع المقاصة بين الدينين . وظاهر أنه لا تلازم ما بين الواقعة الأصلية والواقعة المرتبطة ، ومديونية المدين للدائن لا تستلزم حتماً مديونية الدائن للمدين ، كما أن مديونية الدائن للمدين لا تفترض حتماً مديونية المدين للدائن ، إذ أن الدين الذى يدعيه الدائن منفصل عن الدين الذى يدعيه المدين ، ووجود أحدهما لا يستلزم وجود الآخر . ومن ثم كان الفصل بينهما ممكناً ، وصحت التجزئة فى الإقرار . فإذا أقر المدين بالقرض ، ولكنه قال إنه سقط بالمقاصة ، كان للدائن فى هذه الحالة أن يجزئ الإقرار على المدين . فيعتبر الإقرار قائماً فيما هو فى صالحه فقط ، وبذلك يكون القرض ثابتاً بالإقرار ، ولا يكلف الدائن عبء إثباته . أما بقية الإقرار فلا يؤخذ به ، ولا يتقل عبء الإثبات فيه إلى الدائن ، بل المدين هو الذى يكلف بإثباته إذا أصر عليه . ويكون إذن على المدين أن يثبت أن له ديناً فى ذمة الدائن كان سبباً فى وقوع المقاصة . فإن عجز عن إثبات ذلك بقى الإقرار قائماً فى إثبات القرض . ويكون الإقرار قد تجزأ على هذا النحو ، أخذ منه الدائن ما هو فى صالحه ، وألقى عبء إثبات ما ليس فى صالحه على المدين ( 901 ) .
$ 510 $
والمعيار الذى اتخذناه هنا لمعرفة ما إذا كان الإقرار المركب لا يتجزأ على صاحبه أو يجزأ هو معيار تشريعى ذكره التقنين المدنى الجديد كما رأينا فى الفقرة الثانية من المادة 409 حيث يقول : " ولا يتجزأ الإقرار على صاحبه إلا إذا انصب على وقائع متعددة وكان وجود واقعة منها لا يستلزم حتماً وجود الوقائع الأخرى ( 902 ) " . ولا تزال هذه المسألة محل خلاف فى الفقه $ 511 $ الفرنسى ( 903 ) . وكان القضاء المصرى فى عهد التقنين المدنى السابق يطبق هذا $ 512 $ المعيار ( 904 ) . ومهما يكن من أمر فقد أحسن المشرع المصرى صنعاً إذ حسم $ 513 $ الخلاف بنص قاطع ( 905 ) .
263 - رقابة محكمة النقض : ومن الواضح أن مسألة تجزئة الإقرار أو عدم تجزئته مسألة من مسائل القانون تخضع لرقابة محكمة النقض . فإذا جزأت محكمة الموضوع إقراراً لا تصح تجزئته ، أو رفضت تجزئة إقرار تصح تجزئته ، كان حكمها غير سليم ويتعين نقضه . ولكن يجب أن تثار مسألة التجزئة أمام محكمة الموضوع ، فلا يصح أن تثار لأول مرة أمام محكمة النقض ( 906 ) .
$ 514 $
الفصل الثانى
اليمين
264 - اليمين بوجه عام : اليمين قول يتخذ فيه الحالف الله شاهداً على صدق ما يقول أو على إنجاز ما يعد ، ويستنزل عقابه إذا ما حنث . ويستخلص من هذا التعريف أمران :
( 1 ) لا يعتبر اليمين عملاً مدنياً فحسب ، بل هو أيضاً عمل دينى . فالحالف إنما يستشهد الله ، ويستنزل عقابه . ولا يكفى أن يؤكد الإنسان صدق قوله أو وعده ليكون حالفاً ، ما دام لم يستشهد الله على ذلك . وتكون تأدية اليمين بأن يقول الحالف : " أحلف " )م 180 مرافعات ) . ولكن إذا كانت هناك أوضاع مقررة فى دين من يحلف اليمين ، جاز له أن يطلب تأدية اليمين وفقاً لهذه الأوضاع ( م 181 مرافعات ) . وعلى العكس من ذلك إذا كان دين من يحلف يفرض عليه ألا يقسم باسم الله ، بل يقتصر على مجرد التأكيد ، جاز له أن يكتفى بذلك ما دام هذا التأكيد يعتبر يميناً فى دينه .
( 2 ) تكون اليمين إما لتوكيد قول ( probatoire, affirmatif ) أو لتوكيد وعد ( promissoire ) . فاليمن لتوكيد قول هى اليمين التى تؤدى لتوكيد صدق الحالف فيما يقرره . واليمين لتوكيد وعد هى اليمين التى تؤدى لتوكيد إنجاز وعد أخذه الحالف على نفسه ، مثل ذلك اليمين التى يحلفها القضاة ورجال النيابة والخبراء والشهود وبعض الموظفين ( كموظفى السلك الدبلوماسى والقنصلى ) على أن يؤدوا أعمالهم بالأمانة والصدق أو أن يقرروا الحق فيما به يشهدون ( 907 ) .
265 - اليمين القضائية واليمين غير القاضية : والذى يعنينا هنا هى اليمين لتوكيد قول ، لأنها هى اليمين التى تدخل فى منطقة الإثبات . وهى إما أن تكون يميناً قضائية ( serment judiciaire ) تؤدى أمام القضاء ، أو غير قضائية ( serment extrajudiciaire ) تؤدى أو يتفق على تأديتها فى غير مجلس القضاء .
$ 515 $
واليمين غير القضائية ليست لها أحكام خاصة ، بل تتبع فى شأنها القواعد العامة . فإذا اتفق شخصان على أن أحدهما يحلف اليمين على حق مدعى به ، فهذا الاتفاق لا يجوز إثباته بالبينة أو القرائن إلا فى الأحوال التى يجوز فيها ذلك . أما حلف اليمين ذاتها فواقعة مادية يجوز إثباتها بجميع طرق الإثبات . والنتائج التى تترتب على حلف اليمين غير القضائية هى النتائج التى اتفق عليها الطرفان ، ولا يجوز ردها إلا إذا كان هناك اتفاق على ذلك . ويندر أن يلجأ الخصوم إلى الاتفاق على يمين غير قضائية ( 908 ) .
266 - اليمين الحاسمة اليمين المتممة : وإذا وقفنا عند اليمين القضائية ، وهى اليمين الغالبة ، وجدناها نوعين : ( 1 ) اليمين الحاسمة ( serment litis - decisoire ) وهى يمين يوجهها الخصم إلى خصمه يحتكم بها إلى ضميره لحسم النزاع . ( 2 ) اليمين المتممة ( serment suppletoire, suppletif ) ، وهى يمين يوجهها القاضى إلى أى من الخصمين ليستكمل بها الأدلة التى قدمها هذا الخصم .
واليمين الحاسمة ، دون اليمين المتممة ، هى التى كان ينبغى أن تدخل وحدها فى هذا الباب ، لأنها هى التى تعفى من الإثبات . أما اليمين المتممة فهى طريق تكميلى للإثبات ، ولا تعفى منه . ولكن اشتراك اليمينين فى كثير من الأحكام يجعل من المناسب جمعهما فى فصل واحد . فنتكلم فى كل منهما .
الفرع الأول
اليمين الحاسمة
267 - تكييف اليمين الحاسمة : عندما يعوز الخصم الدليل الذى يسمح به القانون لإثبات دعواه ، ولا يقر له خصمه بصحة ما يدعيه ، لا يبقى أمامه إلا طريق واحد يلجأ إليه ، هو أن يحتكم إلى ضمير هذا الحكم . فيوجه إليه $ 516 $ اليمين الحاسمة يطلب إليه حلفها لحسم النزاع ، ولا يملك من وجهت إليه اليمين إلا أن يقبل هذا الاحتكام . وهذا هو الإسعاف الذى يتقدم به القانون إلى الخصم الذى يعوزه الدليل القانونى ، بل هذه هى الكفارة التى يكفر بها القانون عن تشدده فى اقتضاء أدلة قضائية معينة لا يغنى عنها بديل . فالقانون ، إذ يتشدد فى اقتضاء أدلة معينة ، لا يصل إلا إلى الحقيقة القضائية ، وهى بعد حقيقة نسبية ، وذلك سعياً وراء الاستقرار . ولكنه ، بعد أن يقضى واجب الاستقرار ، يرضى جانب العدل ، بتمكين من يعوزه الدليل القضائى من أن يحتكم إلى ضمير خصمه الذى أنكر عليه ما يدعيه من حق ، فيوجه إليه اليمين الحاسمة . فإن حلفها الخصم ، فقد أثبت بذلك أن ضميره راض بإنكار صحة الادعاء ، ولما كان هذا الادعاء لا دليل عليه ، لم يبق بد من الحكم برفضه . وإن نكل ، كان فى هذا النكول إقرار ضمنى بصحة الادعاء ، فوجب الحكم عليه بمقتضى هذا الإقرار ( 909 ) .
ويتبين من ذلك أن توجيه اليمين الحاسمة هو تصرف قانونى ( acte juridique ) ، إذ هو إرادة الخصم الذى يوجه اليمين فى أن يحتكم إلى ضمير خصمه بما يترتب على ذلك من نتائج قانونية . والاحتكام على هذا النحو يعتبر تصرفاً قانونياً يتم بإرادة منفردة ( acte juridique uni??????? ) ، إذ هو ينتج أثره بمجرد توجيه اليمين . وسنرى أن توجيه اليمين يجوز الرجوع فيه إلى أن يقبل الخصم الذى $ 517 $ وجهت إليه اليمين أن يحلف ، ولكن هذا ليس قبولاً لإيجاب ، إذ أن الخصم الذى وجعت إليه اليمين لا يملك إلا أن يقبل الحلف أو أن يرد اليمين على من وجهها ، أى أنه لا يملك إلا قبول الاحتكام إلى ضميره أو أن يحكم هو ضمير الخصم الذى وجه اليمين . ومن ثم لا يكون توجيه اليمين تصرفاً يحتاج إلى قبول ، بل القبول هنا هو لجعل الخصم فى أن يحلف اليمين أو يردها حقاً غير قابل للنقض ، كحق المنتفع فى الاشتراط لمصلحة الغير عندما يقبل ما اشترط لمصلحته . هذا إلى أن توجيه اليمين تصرف شرطى ( acte - condition ) ، لأن الخصم إنما يعلن إرادته فى أن ينتفع بنظام استقل القانون بتقرير أحكامه ، ولا يستطيع الخصم لهذه الأحكام تبديلاً ( 910 ) .
وسنرى أن هذا التكييف لليمين الحاسمة تترتب عليه آثار قانونية هامة . وهو التكييف الذى نقف عنده . والفقه يتردد فى تكييف اليمين الحاسمة بين أنها تحكيم أو صلح ( 911 ) . والذى يقطع فى أنها ليست بصلح أن الصلح يقتضى نزول كل من المتصالحين عن جانب من ادعائه ، ومن يوجه اليمين لا ينزل عن شئ $ 518 $ دون شئ ، فهو إما أن يخسر كل دعواه أو يقضى له بها كلها . فإذا ما خسر دعواه أو كسبها فليس ذلك مترتباً على إرادته ، بل هى النتيجة المحتمة لاحتكامه إلى ضمير خصمه . وضمير الخصم هو الذى حكم : إما بخسارة الدعوى إذا حلف الخصم ، أو بكسبها إذا نلك . وقد ورد فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ما يؤيد هذا التكييف ( 912 ) .
$ 519 $
ثم إن الحلف ذاته هو دون شك واقعة قانونية ، لأنه عمل مادى يترتب عليه أثر قانونى هو الحكم برفض دعوى من وجه اليمين . ورد اليمين تصرف قانونى كتوجيه اليمين ، إذ هو أيضاً احتكام إلى ذمة الخصم . والنكول عن اليمين عمل مادى سلبى ، ولكنه ينطوى على تصرف قانونى ، إذ النكول يتضمن إقرار بدعوى من وجه اليمين أو ردها ، فالنكول والإقرار سواء فى التكييف القانونى . أما اليمين المتممة ، توجيهاً وحلفاً نوكولاً ، فواقعة قانونية ، إذ هى عمل مادى محض ، وهى طريق من طرق الإثبات التكميلية .
268 - مبحثان : وبعد أن كيفنا اليمين الحاسمة على الوجه السالف الذكر ، نتناول هذه اليمين فى مبحثين : ( 1 ) توجيه اليمين الحاسمة ( 2 ) الآثار التى تترتب على توجيهها .
المبحث الأول
توجيه اليمين الحاسمة
269 - مسائل خمس : نبحث ، فى توجيه اليمين الحاسمة ، المسائل الآتية : ( 1 ) من يوجه اليمين الحاسمة ( 2 ) لمن توجه ( 3 ) متى توجه ( 4 ) موضوعها ( 5 ) عدم جواز الرجوع فيها .
المطلب الأول
من يوجه اليمين الحاسمة
270 - النصوص القانونية : تص الفقرة الأولى من المادة 410 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" يجوز لكل من الخصمين أن يوجه اليمين الحاسمة إلى الخصم الآخر ، $ 520 $ على أنه يجوز للقاضى أن يمنع توجيه اليمين إذا كان الخصم متعسفاً فى توجيهها ( 913 ) " .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 224 / 289 ( 914 ) .
ويقابل فى التقنينات المدينة العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادتين 112 و 113 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 471 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدينة اللبنانى المادتين 228 و 229 فقرة أولى ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 399 فقرة 1 ( 915 ) .
$ 521 $
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين 1357 و 1358 ( 916 ) .
271 - أى من الخصمين يستطيع توجيه اليمين : والذى يوجه اليمين الحاسمة هو أى من الخصمين يكون عليه عبء إثبات واقعة قانونية . فالمدعى وعليه عبء إثبات الدعوى ، والمدعى عليه وهو الذى يثبت الدفع ، يستطيع أى منهما أن يوجه اليمين الحاسمة إلى خصمه فيما يجب عليه هو أن يثبته ، فيستبدل بعبء الإثبات الاحتكام إلى ضمير الخصم .
272 - ما يترتب على أن توجيه اليمين تصرف قانونى – الأهلية وعيوب الإرادة والوكالة الخاصة والصورية : ولما كان توجيه اليمين الحاسمة هو كما قدمنا تصرف قانونى ، إذ هو تحكيم لضمير الخصم ، فإنه يجب لصحته $ 522 $ ما يجب لصحة التحكيم . وقد نصت المادة 819 من تقننين المرافعات على أنه " لا يصح التحكيم إلا ممن له الصرف فى حقوقه " . هذا من ناحية الأهلية . ومن ناحية الإرادة يجب أن يكون توجيه اليمين الحاسمة غير مشوب بغلط أو تدليس أو إكراه . ومن ناحية التوكيل فى توجيه اليمين يجب أن تكون هناك وكالة خاصة كما فى التحكيم ، وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 702 من التقنين المدنى على أنه " لابد من وكالة خاصة فى كل عمل ليس من أعمال الإدارة ، وبوجه خاص فى البيع والرهن والتبرعات والصلح والإقرار والتحكيم وتوجيه اليمين والمرافعة أمام القضاء " . ولما كان توجيه اليمين تصرفاً قانونياً كما قدمنا ، فإنه ترد عليه الصورية كما ترد على الإقرار . ومن ثم نرى أن توجيه اليمين ، كالإقرار ، تشترط فيه الأهلية الكاملة ، ويجب أن يكون خالياً من عيوب الإرادة ، ولابد فيه من وكالة خاصة ، وترد عليه الصورية .
فيشترط إذن فى الخصم الذى يوجه اليمين أن يكون كامل أهلية التصرف ( 917 ) . أى أن يكون قد بلغ سن الرشد وألا يكون محجوراً . فالصبى الذى لم يبلغ سن الرشد ، والمحجور عليه لجنون أو عته أو غفلة أو سفه ، لا يجوز لأى منهما أن يوجه اليمين إلا بنائب عنه يملك ذلك . والنائب قد يكون الولى ، وهو يملك توجيه اليمين لأنه يملك التصرف ، والوصى والقيم ، وهذا لا يجوز لهما توجيه اليمين إلا فى الأعمال التى يملكانها وهى أعمال الإدارة ، أما فى أعمال التصرف فلابد فى توجيه اليمين من إذن المحكمة الحسبية ( 918 ) .
$ 523 $
ويشترط أيضاً أن يكون توجيه اليمين غير مشوب بغلط أو تدليس أو إكراه . ويكون توجيه اليمين مشوباً بغلط فى الواقع إذا أخفى الخصم الذى وجهت إليه اليمين عن الخصم الذى وجه اليمين مستنداً صالحاً لإثبات دعوى الخصم الثانى ، فيعتقد هذا ، عن غلط ، ألا سبيل أمامه إلا توجيه اليمين . وقد يكون الغلط فى القانون ، كما إذا اعتقد الخصم الذى وجه اليمين أن البينة ممنوعة قانوناً ، وليست معه كتابة تثبت ما يدعيه ، فوجه اليمين إلى خصمه ، ثم تبين بعد توجيه اليمين أن القانون يجيز البينة . وقد يكون الخصم الذى وجه اليمين إنما وجهها بسبب تدليس وقع عليه من خصمه ، بأن أوهمه هذا مثلاً أن القانون لا يجيز له الإثبات بالبينة فليس أمامه من سبيل غير توجيه اليمين . وقد يكون توجيه اليمين عن إكراه وقع على الخصم خارج مجلس القضاء ، فلم ير بداً من توجيه اليمين إلى خصمه ، ولا يعد إكراهاً أن يجد الخصم نفسه مجرداً من أى دليل على حقه فيضطر إلى توجيه اليمين ثم يستجد بعد ذلك دليل يحصل عليه . وفى جميع الأحوال التى يكون فيها توجيه اليمين مشوباً بغلط أو تدليس أو إكراه ، يعتبر توجيه اليمين غير صححي بصفته تصرفاً قانونياً ، ويجوز لمن وجه اليمين أن يبطله ، حتى بعد أن يقبل الخصم الآخر الحلف ، وحتى بعد أن يحلف .
ويشترط كذلك فيمن يوكل لتوجيه اليمين أن تصدر له وكالة خاصة فى ذلك ، ولا تكفى الوكالة العامة . ومن ثم لا يصح توجيه اليمين من وكيل عام ، ولا يصح من محام ما لم يكن التوكيل الصادر إليه منصوصاً فيه على تفويضه فى توجيه اليمين . ولكن لا يشترط تعيين محل توجيه اليمين على التخصيص ، فيصح التوكيل فى توجيه اليمين فى خصومة معينة دون تحديد ادعاء معين بالذات ( 919 ) .
$ 524 $
ويجوز أخيراً أن ترد الصورية على توجيه اليمين . ويكون ذلك نتيجة لتواطؤ الخصمين إضراراً بحقوق الغير كالدائنين والشركاء والخلف . فيخفى الخصم الأدلة التى يملكها لإثبات حقه ، ويقتصر على توجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه ، فيحلفها هذا ، فيخسر المدعى دعواه ، ويضر بذلك دائنيه وشركاءه والخلف وغيرهم من لهم مصلحة . ويجوز لهؤلاء التدخل فى الدعوى قبل صدور الحكم لمنع الإضرار بحقوقهم . وإذا صدر الحكم ، جاز لهم أن يعارضوا فيه عن طريق اعتراض الخارج عن الخصومة لإثبات التوطؤ . وسنعود إلى هذه المسألة عند بحث حجية اليمين .
373 - رقابة القاضى : وإذا كان لأى الخصمين ممن يحمل عبء الإثبات توجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه ، فإن للقاضى رقابة عليه فى توجيه هذه اليمين . وقد كان القضاء يجعل هذه الرقابة ثابتة للقاضى فى عهد التقنين المدنى السابق ، فيجوز للقاضى تعديل صيغة اليمين تبعاً لوقائع القضية إذا كان ذلك بموافقة الخصم الذى وجهها ( 920 ) ، ويجوز له أيضاً أن يرفض توجيهها إذا رأى أن الدعوى يكذبها ظاهر الحال وأن فى توجيه اليمين تعسفاً ، أو أنها ثابتة بغير يمين ، أو أن اليمين بالصيغة التى وجهت بها غير منتجة ( 921 ) . وقد جاء $ 525 $ فى الموجز ( 922 ) ، وهو يبسط الفقه فى عهد التقنين المدنى السابق ، فى هذا المعنى $ 526 $ ما يأتى : " اليمين الحاسمة يوجهها الخصم لا القاضى . . . ولكن للقاضى أن يرفض توجيه اليمين إذا كانت الواقعة المراد الحلف عليها غير محتمله الصدق أو كذبتها مستندات الدعوى ، أو كانت هذه الواقعة ثابتة دون حاجة إلى الحلف ، فيكون توجيه اليمين فى هذه الأحوال إنما يقصد به الكيد للخصم . كذلك للقاضى أن يرفض توجيه اليمين إذا كان المقصود منها استغلال ورع الخصم الذى توجه إليه وشدة تدينه . على أنه إذا رأى القاضى توجيه اليمين إلى شخص شديد التدين ، فلا يجوز لهذا الخصم الامتناع عن الحلف بحجة أن دينه يمنعه من ذلك ( 923 ) " .
ولم يستحدث التقنين المدنى الجديد شيئاً ، إلا أنه نص صراحة على الحكم المتقدم ، وكان غير منصوص عليه فى التقنين المدنى القديم ، فذكر فى آخر الفقرة الأولى من المادة 410 ما يأتى : " على أنه يجوز للقاضى أن يمنع توجيه اليمين إذا كان الخصم متعسفاً فى توجيهها " ( 924 ) . وكان النص فى المشروع التمهيدى $ 527 $ على أن توجيه اليمين الحاسمة لا يكون إلا بإذن القاضى . ولكن اللجنة التشريعية بمجلس النواب خشيت أن يكون النص على هذا الوجه معناه أن توجيه اليمين الحاسمة يكون دائماً معلقاً على إذن القاضى ، وأرادت اللجنة أن تستبقى للمتقاضين الحق فى توجيه اليمين الحاسمة على أن يكون للقاضى منع توجيهها إذا رأى أنها كيدية وأن الخصم متعسف فى توجيهها ، فعدلت النص على النحو الذى رأيناه ( 925 ) .
ويلاحظ أنه إذا كانت الواقعة المراد التحليف عليها غير محتملة الصدق ، أو كذبتها مستندات الدعوى ، أو كانت غير منتجة ( 926 ) ، أو كانت خالي من الدليل ولكن المدعى وجه اليمين مستغلاً فى ذلك ورع خصمه وتحرجه من الحلف ، كان مدعى هذه الواقعة وهو يوجه اليمين على خصمه متعسفاً فى توجيهها ، فيمنعه القاضى ( 927 ) . أما إذا كانت الواقعة ثابتة دون حاجة إلى $ 528 $ الحلف ، فالذى يتعسف فى توجيه اليمين هو الخصم الآخر ، يوجه اليمين إلى المدعى فى الواقعة الثابتة ليحلف أن له الحق الذى يدعيه ، فلا يقبل القاضى فى هذه الحالة توجيه هذه اليمين ، لأنه يستطيع الحكم بثبوت الحق المدعى بمقتضى الأدلة المقدمة دون حاجة إلى تحليف المدعى أية يمين ( 928 ) .
ورقابة القاضى لمنع التعسف فى توجيه اليمين على النحو الذى بسطناه تعتبر خطوة طيبة نحو إيجابية موقف القاضى من الإثبات ( 929 ) .
$ 529 $
المطلب الثانى
لمن توجه اليمين الحاسمة
274 - توجه اليمين إلى الخصم الذى له حق المطالبة بالإثبات : وتوجه اليمين الحاسمة إلى الخصم الآخر الذى له حق المطالبة بالإثبات ، وتوجيه اليمين إليه تقلب موقفه . فبعد أن كان غير مكلف بشئ وما عليه إلا أن ينتظر من خصمه تقديم الدليل على دعواه فإن لم يقدم هذا الدليل خسر الدعوى وخرج الخصم من القضية منتصراً دون أن يقوم بعمل ، إذا به بعد أن وجهت إليه اليمين يرى نفسه مضطراً إلى قبول احتكام خصمه إلى ضميره ، إذا لم يختر هو بدره أن يحتكم إلى ضمير خصمه برد اليمين عليه . فهو إنما يكسب الدعوى إذا حلف اليمين ، فأصبح إذن مكلفاً بشئ يقوم به حتى يكسب الدعوى ، وقد كان قبل توجيه اليمين إليه غير مكلف بشئ . وإذا نكل عن حلف اليمين ، كان فى هذا معنى الإقرار بحق خصمه ، وقد رأينا أن الإقرار ينطوى على نزول عن حق المطالبة بالإثبات ، وهو الحق الذى كان له قبل توجيه اليمين إليه .
275 - لا توجه اليمين إلا إلى خصم أصلى فى الدعوى : ولا يجوز توجيه اليين إلا إلى خصم أصلى فى الدعوى . فإذا رفع الدائن باسم مدينه دعوى الدين على مدين مدينه ، فلا يجوز للمدعى عليه فى هذه الدعوى أن يوجه اليمين الحاسمة إلى دائن الدائن لأنه ليس إلا نائباً عن الدائن وليس خصماً أصلياً فى الدعوى . فيجب إذن أن يكون توجيه اليمين إلى الدائن ، وهو الخصم الأصلى ، $ 530 $ بعد إدخاله في الدعوى وفقاً للمادة 235 فقرة 2 من التقنين المدني ( 930 ) . ولا توجه اليمين ، في دعوى تقام ضد إحدى الشركات ، إلى شريك انسحب منها فلم يعد خصما ( 931 ) ، ولا إلى شخص ليس خصما في الدعوى ولم موظفاً في الشركة ( 932 ) ، ولا إلى جملة من الشركاء كل شريك يحلف على وقائع لا تخصه هو بل تخص الشركاء الآخرين ( 933 ) . ولا توجه اليمين إلى أحد مديري مصرف إذا كان هذا المدير لا يملك التصرف إلا بالاشتراك مع سائر المديرين ( 934 ) ، ولا إلى الوكيل إذا كانت الواقعة المراد اثباتها منسوبة إلى الأصيل ( 935 ) ، ولا إلى الغير مع إدخاله خصيصاً في الخصومة لحلف اليمين ( 936 ) . وإذا كان الخصم شخصاً معنوياً ، وجهت $ 531 $ اليمين إلى من يمثله ( 937 ) .
276 - توافر أهلية التصرف فيمن يوجه إليه اليمين : ويجب فيمن توجه إليه اليمين أو تتوافر فيه أهلية التصرف فى الحق الذى توجه إليه فيه اليمين ( 938 ) . ذلك أن كل خصم توجه إليه اليمين يجب أن يكون قادراً على الخيار ما بين الحلف والرد والنكول ، ورد اليمين كتوجيهها تشترط فيه أهلية التصرف ، والنكول كالإقرار لا يملكه إلا من ملك التصرف فى الحق . ومن ثم لا يجوز توجيه اليمين إلى صبى لم يبلغ سن الرشد إلا فيما يملك من أعمال الإدارة ، ولا إلى محجور عليه لجنون أو عته أو غفلة أو سفه . ولا يجوز توجيهها إلى النائب عن هؤلاء ، كوصى أو قيم ، إلا عن أعمال صدرت منه شخصياً ( 939 ) أو عن أعمال الإدارة التى يملكها ( 940 ) . أما الولى فيملك التصرف فى مال الصغير ، فيجوز توجيه اليمين إليه .
ويجب أن تتوافر أهلية التصرف فيمن توجه إليه اليمين وقت الحلف ، لا وقت توجه اليمين . فإذا كان أهلا وقت توجيه اليمين ، ثم حجر عليه قبل الحلف ( 941 ) ، فلا يجوز له أن يحلف بعد توقيع الحجر عليه ( 942 ) .
وسنرى أنه إذا جاز التوكل فى توجيه اليمين بمقتضى وكالة خاصة ، فإنه لا يجوز التوكيل أصلاً فى حلف اليمين ، ذلك أن النيابة تجرى فى الاستحلاف ولا تجرى فى الحلف .
$ 532 $
المطلب الثالث
متى توجه اليمين الحاسمة
277 - النصوص القانونية : تنص الفقرة الثانية من المادة 411 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" ويجوز أن توجه اليمين الحاسمة فى أية حالة كانت عليها الدعوى " ( 943 ) .
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، ولكن الحكم كان معمولاً به دون نص ( 944 ) .
ويقابل النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 114 فقرة 2 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 472 ، وفى تقنين أصول المحاكمان المدينة اللبنانى المادة 231 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 400 فقرة 2 ( 945 ) .
$ 533 $
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1360( 946 ) .
278 - توجيه اليمين الحاسمة فى أية حالة كانت عليها الدعوى : ويتبين من نص التقنين المدنى المصرى المتقدم الذكر أنه يمكن توجيه اليمين الحاسمة فى أية حالة كانت عليها الدعوى ، إلى أن يصدر حكم نهائى ( 947 ) . ذلك أن اليمين الحاسمة طريق من طرق الإثبات ، فيمكن الالتجاء إليه بعد تقديم أوجه إثبات أخرى ( 948 ) . بل يجوز بعد إقفال باب المرافعة طلب إعادة فتحها وتوجيه اليمين الحاسمة ( 949 ) . ولكن لا يجوز للخصم توجيهها بعد أن يكون قد قبل من خصمه الإثبات بالبينة ( 950 ) .
ويجوز توجيه اليمين الحاسمة لأول مرة أمام المحكمة الاستئنافية ، فى أية حالة كانت عليها الدعوى ، على الوجه المتقدم الذكر ( 951 ) .
$ 534 $
ولكن لا يجوز توجيه اليمين الحاسمة لأول مرة أمام محكمة النقض ( 952 ) .
279 - يجوز توجيه اليمين الحاسمة على سبيل الاحتياط : يحسن هنا أن نميز بين فروض ثلاثة حتى لا يقع لبس فيما بينها ، ولا يختلط بعضها ببعض :
الفرض الأول أن يقدم الخصم أدلة على ادعائه ، فيفحصها القاضى ولا يقتنع بها . وإذ عرف الخصم منه ذلك ، ينزل عما قدم من أدلة ، ويقتصر على توجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه . وهذا دون شك جائز . وقد قدمنا أنه يجوز للخصم أن يلتجئ إلى اليمين الحاسمة بعد أوجه إثبات أخرى ، وأمام محكمة الاستئناف ، بل يجوز طلب إعادة القضية إلى المرافعة لتوجيه اليمين الحاسمة ( 953 ) .
والفرض الثانى أن يوجه الخصم اليمين الحاسمة إلى خصمه ، ويقول إنه يوجهها ابتداء حتى إذا حلفها الخصم فإنه يحتفظ لنفسه بالحق فى تقديم أدلة أخرى . وهذا دون شكل غير جائز ( 954 ) ، فإنه متى حلف الخصم اليمين ، خسر من وجهها $ 535 $ إليه دعواه ، ولا يسمح له بالرجوع إلى هذه الدعوى على أية صورة كانت كما سنرى . بل إن مجرد قبول الخصم لحلف اليمين الموجهة إليه تمنع من وجه اليمين من الرجوع فى توجيهها ، ومن ثم تمنعه من التقدم بأدلة أخرى .
والفرض الثالث أن يقدم الخصم أدلة على ادعائه ، ويقول إنه على سبيل الاحتياط ، فى حالة ما إذا لم يقتنع القاضى بهذه الأدلة ، يوجه اليمين الحاسمة إلى خصمه ، وهذا هو توجيه اليمين الحاسمة على سبيل الاحتياط ، وهو الفرض الدقيق الذى نقف قليلاً عنده . ونذكر بادئ ذى بدء أن الخصم قد يجد نفسه فى حاجة إلى هذا الاحتياط . فقد يكون الحكم الذى يوشك أن يصدر فى دعواه حكماً نهائياً – بأن كانت الدعوى أمام المحكمة الاستئنافية أو كانت مما لا يجوز الاستئناف فيه – وقد قدم ما وسعته الطاقة أو يقدمه من الأدلة وهو فى شك من مبلغ اقتناع القاضى بها . فيخشى ، إن هو ترك القاضى يفصل فى الدعوى بحالتها هذه ، أن يصدر حكم نهائى برفضها ، فلا يستطيع بعد ذلك أن يوجه اليمين الحاسمة إلى خصمه . لذلك لا يرى له بداً من الاحتياط : يطلب ، فى حالة ما إذا لم يقتنع القاضى بالأدلة المقدمة ، أن تعاد القضية إلى المرافعة لتوجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه . فطلبه إعادة القضية إلى المرافعة ليس طلباً منجزاً كما هى الحال فى الفرض الأول ، بل هو طلب معلق على شرط عدم اقتناع القاضى بالأدلة المقدمة . وقد كان تقنين المرافعات السابق يقضى فى المادة 166 / 187 بأنه لا يجوز التكليف من باب الاحتياط باليمين الحاسمة لأن التكليف بتلك اليمين يفيد ترك ما عداها من أوجه الثبوت للمادة المراد الاستلاف عليها ( انظر أيضاً المادة 255 / 290 من التقنين المدنى السابق ) . وكان يمكن حمل هذا النص على الفرض الثانى دون الفرض الثالث ، فلا يجوز للخصم أن يوجه اليمين الحاسمة إلى خصمه ابتداء ، $ 536 $ مع الاحتفاظ لنفسه ، على سبيل الاحتياط فى حالة حلف الخصم لليمين ، بالحق فى تقدم أدلة أخرى ، ذلك أن التكليف باليمين الحاسمة يفيد ترك ما عداها من أوجه الثبوت الأخرى . ولكن القضاء حمل النص على الفرضين معاً ، وحرم على الخصوم أن يوجه اليمين الحاسمة على سبيل الاحتياط فى أية صورة من الصورتين ( 955 ) . وشاءت صدفة طيبة أن تقنين المرافعات الجديد طلع دون أن يشتمل على نص مماثل للمادة 166 / 187 من تقنين المرافعات السابق ، بحجة أن هذا النص – كما تقول المذكرة التفسيرية لهذا التقنين – يقرر حكماً موضوعياً محله التقنين المدنى . وطلع التقنين المدنى الجديد خالياً هو أيضاً من هذا النص ومن النص الآخر الذى كان يشتمل عليه التقنين المدنى السابق ، إذ كانت المادة 225 / 290 تقضى بأن التكليف باليمين يؤخذ منه أن طالبها ترك حقه $ 537 $ فيما عداها من أوجه الثبوت . فالنص الذى كان القضاء يستند إليه فى تحريم الفرض الثالث هو الآن غير موجود فى التشريع المصرى ( 956 ) . فلا مناص إذن من الرجوع إلى القواعد العامة .
وهذه تحرم دون شك – كما قدنا – الفرض الثانى من الفروض الثلاثة السالفة الذكر . أما الفرض الثالث فلا تثريب على الخصم فيه ، فهو يقدم أدلته ، ويطلب فى الوقت ذاته توجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه إذا لم تقتنع المحكمة بهذه الأدلة . وما دام يستطيع أن يوجه اليمين الحاسمة فى أية حالة كانت عليها الدعوى إلى أن يصدر حكم نهائى ، ففى الفرض الذى نحن بصدده لم يصدر حكم نهائى ، فيجوز له إذن أن يوجه اليمين الحاسمة فى هذه الحالة من حالات الدعوى ( 957 ) .
المطلب الرابع
موضوع اليمين الحاسمة
280 - النصوص القانونية : تنص الفقرة الأولى من المادة 411 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" لا يجوز توجيه اليمين الحاسمة فى واقعة مخالفة للنظام العام . ويجب أن تكون $ 538 $ الواقعة التى تنصب عليها اليمين متعلقة بشخص من وجهت إليه اليمين ، فإن كانت غير شخصية له انصبت اليمين على مجرد علمه بها ( 958 ) " .
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، ولكن الحكم كان معمولاً به دون نص ( 959 ) .
ويقابل النص فى التقنينات المدينة العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 114 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادتين 472 و 479 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدينة اللبنانى المادتين 229 فقرة 2 و 230 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 400 فقرة أولى ( 960 ) .
$ 539 $
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1359 ( 961 ) .
وتنص المادة 175 من تقنين المرافعات على أنه " يجب على من يوجه لخصمه اليمين أن يبين بالدقة الوقائع التى يريد استحلافه عليها ، ويذكر صيغة اليمين بعبارة واضحة جلية " . وتنص المادة 176 من هذا التقنين على أن " للمحكمة أن تعدل صيغة اليمين التى يعرضها الخصم بحيث تتوجه بوضوح ودقة على الواقعة المطلوب الحلف عليها ( 962 ) " .
281 - لا توجه اليمين الحاسمة لمسألة من مسائل القانون : ونذكر منذ البداية أن اليمين الحاسمة لا يجوز أن توجه إلا فى واقعة قانونية ، أى فى مسألة من مسائل الواقع ، لا فى مسألة من مسائل القانون . ذلك أن استخلاص حكم القانون من شأن القاضى وحده لا من شأن الخصوم ، وقد قدمنا أن هؤلاء لا يكلفون بإثبات مسائل القانون . واليمين الحاسمة فى هذه الناحية كالإقرار ( 963 ) .
282 - توجه اليمين الحاسمة فى واقعة قانونية محددة أياً كانت قيمتها : فلا توجه اليمين الحاسمة إذن إلا لمسالة من مسائل الواقع : واقعة قانونية محددة $ 540 $ واضحة . ويجب على ممن يوجه اليمين أن يضع صيغتها ، بحيث يبين بعبارة واضحة دقيقة الواقعة التى يريد استحلاف خصمه عليها . فإذا رأى القاضى أن الصيغة بعوزها الوضوح أو الدقة ، كان له أن يعدل فيها حتى تتحدد الواقعة المطلوب الحلف عليها ( م 175 - 176 مرافعات ) . وفى هذه الحالة لا توجه اليمين إلا بعد أن يوافق الخصم الذى وضع الصيغة الأولى على التعديل الذى أدخل فيها ، فقد يكون هذا التعديل من شأنه أن يحور الصيغة تحويراً يجعلها تنصرف إلى معنى غير الذى أراده ، فلا يرضى بتوجيه اليمين على هذا النحو ( 964 ) ، وقد قدمنا أن توجيه اليمين تحكيم من جانب الخصم لا من جانب القاضى ( 965 ) .
ويصح توجيه اليمين الحاسمة فى أية واقعة قانونية ، أياً كانت قيمتها ، حتى لو جاوزت هذه القيمة نصاب البينة وليس عند المدعى كتابة تثبت مدعاه . فيستطيع ، وقد عجز عن تقديم الدليل الكتابى الذى يتطلبه القانون ، أن يوجه إلى خصمه اليمين الحاسمة ، وهى آخر ملجأ له فى هذه الحالة . أما إذا كان عنده مبدأ ثبوت بالكتابة ، فهو لا يوجه اليمين الحاسمة إلا إذا عجز عن استكمال دليله بالبينة أو القرائن . فإن استطاع ذلك ، أو استطاع إقناع القاضى باستكمال الدليل عن طريق توجيه اليمين المتممة إليه هو ، فإنه حينئذ لا يلجأ إلى توجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه بعد أن توافر لديه الدليل على حقه ( 966 ) .
$ 541 $
283 - عدم مخالفة الواقعة للنظام العام : ويجب أن تكون الواقعة التى يطلب الحلف عليها غير مخالفة للقانون أو النظام العام أو الآداب . ذلك أن توجيه اليمين تحكيم ، كما قدمنا ، وهو الإقرار فى هذا سيان . وقد نصت المادة 819 من تقنين المرافعات على أنه " لا يصح التحكيم إلا ممن له التصرف فى حقوقه ، ولا يصح التحكيم فى نزاع يتعلق بالأحوال الشخصية أو الجنسية ولا فى المسائل التى لا يجوز فيها الصلح " . ومن ثم لا يجوز توجيه اليمين فى وصية تزيد على الثلث ولا فى هبة عقار لم تكتب فى ورقة رسمية لأن الواقعة تحالف القانون . ولا يجوز توجيه اليمين فى النسب ولا فى الجنسية لأن هذا يخالف النظام الآداب . وقس على ذلك عدم جواز توجيه اليمين فى دعوى يدفع فيها بالتقادم إذا لم يكن مبيناً على افتراض الوفاء ( 967 ) ، أن يدفع بعدم جواز سماعها لحجية الأمر المقضى ، أو يطلب فيها إثبات التزام طبيعى مع الحكم بتنفيذه ، أو إثبات اتفاق على ربا فاحش ( 968 ) .
$ 542 $
ولكن إذا وجهت اليمين من الشخص الذى كان ضحية الواقعة غير المشروع لإثبات هذه الواقعة وترتيب حكم القانون عليها ، فإن هذا يجوز ، فيجوز للمقترض أن يوجه اليمين إلى المقرض ليحلف على أن مبلغ القرض الذى يطالب به لا يشتمل على فوائد ربوية فاحشة ، ويجوز للمدين بسند أن يوجه اليمين إلى الدائن ليحلف على أن سبب الدين ليس سبباً غير مشروع كمقامرة أو رهان ( 969 ) .
$ 543 $
284 - يجب أن تكون الواقعة حاسمة فى الدعوى : ولا توجه اليمين الحاسمة إلا فى واقعة حاسمة فى الدعوى ( 970 ) . ذلك أن مهمة هذه اليمين - كما هو ظاهر من اسمها – هى حسم النزاع . وهى بمجرد توجيهها إلى الخصم تقرر مصير الدعوى . فإذا حلفها خسر المدعى دعواه ، وإذا نكل أجيب المدعى إلى طلباته ، وإذا ردها وحلف المدعى كسب الدعوى ، أو ردها ونكل المدعى خس الدعوى . فعلى أى وجه من الوجوه تنتهى اليمين الحاسمة ، فإن النزاع لابد أن ينحسم بها . ومن ثم لا يجوز توجيهها إلى فى الواقعة التى ينحسم بها النزاع . فلا يجوز توجيهها بالنسبة إلى الطلبات الأصلية مع احتفاظ المدعى بالحق ، إذا حلف المدعى عليه ، فى تقديم طلبات احتياطية ( 971 ) . ولا يجوز توجيهها من المقترض إلى المقرض فى أن القرض لا يشتمل على فوائد ربوية إذا كان المقترض يطلب الحكم برفض الدعوى أصلاً لأن القرض لم يتم ( 972 ) .
وغنى عن البيان أن الواقعة الحاسمة فى الدعوى يجب أن تكون الواقعة الأساسية فيها ، فلا يحص توجيه اليمين فى واقعة لا تدخل فى نطاق الدعوى . $ 544 $ مثل ذلك أن ينكر المدعى عليه أنه اقترض المبلغ الذى يطالبه به المدعى ، فلا يجوز توجيه اليمين من المدعى عليه أنه وفى بهذا المبلغ ، ما دام المدعى عليه يقول إنه غير مدين أصلاً ، فلم تدخل واقعة الوفاء فى نطاق ما يدفع به دعوى المدعى . ولا يحص توجيه اليمين فى موضوع الدعوى أمام القضاء المستعجل لأن هذا القضاء لا شأن له بالبت فى الموضوع ، ولكن إذا وجهت اليمين فى واقعة تدخل فى اختصاص القضاء المستعجل أمام هذا القضاء صح ذلك ( 973 ) .
وكون الواقعة التى توجه فيها اليمين داخلة فى الدعوى وحاسمة فيها مسألة واقع لا مسألة قانون ، ومن ثم لا رقابة لمحكمة النقض عليها ( 974 ) .
285 - تعلق الواقعة بشخص من وجهت إليه اليمين – يمين عدم العلم : ويجب أخيراً أن تكون لواقعة متعلقة بشخص من توجه إليه اليمين ( 975 ) . فلا يجوز أن توجه لخصم عن وقائع لا تتعلق بشخصه ( 976 ) ، غلا إذا أريد تحليفه على عدم علمه بهذه الوقائع . فلا توجه اليمين إلى صاحب السيارة $ 545 $ على أن السائق لم يرتكب خطأ كان سبباً فى الحادث الذى وقع إذا لم يكن صاحب السيارة وقت وقوع الحادث مستصحباً للسائق ، وإنما يحلف صاحب السيارة على أنه لا يعلم أن السائق ارتكب خطأ . كذلك لا توجه اليمين إلى وارث على أن مورثه غير مدين بالحق المدعى به ، ولكن يجوز أن يطلب من الوارث أن يحلف على أنه لا يعلم أن مورثه مدين بهذا الحق ، وهذا هو غاية ما يستطيع أن يحلف عليه ( 977 ) .
وفى الحالتين المتقدمتى الذكر إنما يحلف الخصم على عدم العلم لا على البتات ، لأنه يحلف على فعل غيره لا على فعل نفسه ، كما يقول التقنين المدنى العراقى فى الفقرة الأولى من المادة 479 ( 978 ) . ولذلك سيمت هذه اليمين بيمين عدم العلم ( serment de credulite, de credebilite ) ( 979 ) . وهى غير يمين الاستيثاق ( serment liberatoire ) التى سيرد ذكرها عند الكلام فى اليمين المتممة ، وإن $ 546 $ كان يقع الخلط بينهما كثيراً ( 980 ) ، فيمن عدم العلم يمين حاسمة ويمين الاستيثاق الراجع فيها أنها يمين متممة ، وسيأتى بيان ذلك .
$ 547 $
المطلب الخامس
عدم جواز الرجوع فى اليمين الحاسمة
286 - النصوص القانونية : تنص المادة 412 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" لا يجوز لمن وجه اليمين أو ردها أو يرجع فى ذلك متى قبل خصمه أن يحلف " ( 981 ) .
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، ولكن الحكم كان معمولاً به دون نص ( 982 ) .
ويقابل هذا النص فى التقنينات المدينة العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى م 116 فقرة 2 - وفى التقنين المدنى العراقى المادة 476 - وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادة 235 - وفى التقنين المدنى الليبى المادة 401 ( 983 ) . $ 548 $ ويقابل في التقنين المدني الفرنسي المادة 1364 ( 984 ) .
وتنص المادة 177 من تقنين المرافعات على أنه " إذا لم ينازع من وجهت إليه اليمين لا في جوازها ولا في تعلقها بالدعوى ، وجب عليه إن كان حاضراً بنفسه أن يحلفها فوراً أو يردها على خصمه ، وإلا اعتبر ناكلا . ويجوز للمحكمة أن تعطيه ميعاداً للحلف إذا رأت لذلك وجهاً . فإن لم يكن حاضراً وجب تكليفه على يد محضر بالحضور لحلفها بالصيغة التي أقرتها المحكمة وفي اليوم الذي حددته ، فإن حضر وامتنع دون أن ينازع أو تخلف بغير عذر اعتبر ناكلا كذلك " وتنص المادة 178 من تقنين المرافعات أيضاً على أنه " إذا نازع من وجهت إليه اليمين في جوازها أو في تعلقها بالدعوى ، ورفضت المحكمة منازعته وحكمت بتحليفه ، بينت في منطوق حكمها صيغة اليمين ، ويعلن هذا المنطوق للخصم إن لم يكن حاضراً بنفسه ، ويتبع ما نص عليه في المادة السابقة " .
287 – متى يجوز الرجوع في توجيه اليمين الحاسمة وفي ردها : ويتبين من نصوص تقنين المرافعات أن اليمين الحاسمة متى وجهت إلى الخصم ، فله أن ينازع في جواز توجيهها أو في تعلقها بالدعوى . فإن لم ينازع ، أو نازع ورفضت المحكمة منازعته ، حكمت بتحليفه ، وبينت في منطوق حكمها صيغة اليمين المطلوب من الخصم أن يحلفها .
وقد كان من المعقول وقد صدر الحكم بالتحليف – وانقطعت معارضة الخصم فيه فأصبح ملزماً بالحلف أو بالرد وإلا عد ناكلا – أن يصبح ممتنعاً على الخصم الذي وجه هذه اليمين أن يرجع في توجيهها . وهذا هو منطق الوضع الذي صار إليه طالب اليمين : وجه اليمين إلى خصمه ، فصدر حكم بتوجيهها ، $ 549 $ وأصبح خصمه ملزماً إما بالحلف وإما بالرد دون أن يتوقف شئ من ذلك على قبوله ، فكان المنطق يقضى بأن الوقت الذى يعلم فيه الخصم الذى وجهت إليه اليمين بصدور الحكم بتحليفه هو الوقت الذى لا يستطيع فيه الخصم الذى وجه اليمين أن يرجع عن هذا الطلب . أما قبل ذلك فيكون له الرجوع ، ويلجأ فى إثبات الدعوى إلى طرق أخرى غير اليمين ، أو ينزل عن دعواه حتى يتيسر له الحصول على أدلة الإثبات فيرفع الدعوى ثانية إذا كان حقه لم يتقادم .
ولكن نصاً صريحاً فى التقنين المدنى الجديد يقضى ، كما رأينا ، بأنه " لا يجوز لمن وجه اليمين أو ردها أن يرجع فى ذلك متى قبل خصمه أن يحلف " . وهذا النص مصدره المادة 1364 من التقنين المنى الفرنسى ، وتقضى بأن " الخصم الذى وجه اليمين أو ردها لا يجوز له أن يرجع فى ذلك متى أعلن خصمه أنه مستعد لحلف اليمين " . فالنص صريح إذن فى أن من وجه اليمين أو ردها يجوز له الرجوع فى ذلك ما دام خصمه لم يعلن أنه قبل أن يحلف اليمين . فيجوز الرجوع إذن حتى بعد صدور الحكم بتحليف اليمين ، وحتى بعد إعلانه للخصم . ولا يسقط حق الرجوع هذا إلا إذا أعلن الخصم الذى وجهت إليه اليمين أو ردت عليه أنه مستعد للحلف . فإن لم يعلن هذا الاستعداد ، بقى حق الرجوع قائماً حتى يحلف اليمين فعلاً ( 985 ) .
وبالرغم من أن هذا الحكم لا يتفق مع المنطق ، كما قدمنا ، وبالرغم من أن المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى لا تعين على تبريره ( 986 ) ، فإنه الحكم الذى $ 550 $ تقضى به صراحة النص ، وقد جرى عليه الفقه والقضاء فى فرنسا ( 987 ) .
فإذا ما قبل الخصم الحلف ( 988 ) ، ولو كان القبول مقترناً بطلب تعديل اليمين لتكون منتجة فى الإثبات ( 989 ) ، امتنع على الخصم الذى وجه اليمين أو ردها أن يرجع فى ذلك . فإن رجع رفضت دعواه ، لأنه ترك بتوجيه اليمين أو بردها ما عداها من طرق الإثبات ( 990 ) . وذلك كله ما لم يكن توجيه اليمين أو ردها قد شابه غلط أو تدليس أو إكراه ( 991 ) .
$ 551 $
أما قبول الخصم للحف ، أو قبول أن يحلف فعلاً ، فإنه يجوز الرجوع فى توجيه اليمين أو فى ردها ( 992 ) . ولا يشترط فى الرجوع شكل خاص . بل إن استئناف الحكم القاضى بتوجيه اليمين أو بردها يعتبر رجوعاً فى التوجيه أو فى الرد ( 993 ) .
288 - الأثر الذى يترتب على الرجوع فى توجيه اليمين أو فى ردها : وإذا رجع من وجه اليمين فى وقت كان الرجوع فيه جائزاً ، ثم لجأ إلى طرق أخرى لإثبات دعواه فلم يفلح ، جاز له أنه يعود ثانية إلى توجيه اليمين ، ما لم يكن قد نزل نهائياً عن توجيهها وقبل منه خصمه هذا النزول ( 994 ) .
أما إذا رجع من رد اليمين على خصمه فى هذا الرد ، اعتبر رده لليمين كأن لم يكن ، وعادت اليمين موجهة إليه هو ، وتعين عليه أن يحلف وإلا عد ناكلاً ( 995 ) .
المبحث الثانى
الآثار التى تترتب على توجيه اليمين الحاسمة
289 - مسائل أربع : إذا وجهت اليمين الحاسمة إلى الخصم وفقاً للأحكام التى قدمناها ، لم يسع هذا الخصم إلا أحد أمرين : إما أن يحلف اليمين ، وإما أن يردها على من وجهها . فإذا لم يحلف اليمين أو يردها ، عد ناكلاً $ 552 $ خسر الدعوى ( 996 ) . فتوجيه اليمين الحاسمة إلى الخصم يترتب عليه حتماً من جانب هذا الخصم أحد مواقف ثلاثة : ( 1 ) إما أن يحلف اليمين ( 2 ) وإما أن يردها على خصمه ( 3 ) وإما أن يمتنع عن الحلف والرد فيعد ناكلاً . ثم إن لحلف اليمين أو النكول عنها حجية حددها القانون .
فهذه مسائل أربع نتكلم فيها على التعاقب : ( 1 ) حلف اليمين الحاسمة ( 2 ) ردها ( 3 ) النكول عنها ( 4 ) حجيتها .
المطلب الأول
حلف الخصم لليمين الحاسمة
290 - كيفية الحلف : يجب على الخصم الذى وجعت غليه اليمين الحاسمة ، ولم يردها على خصمه ، أن يؤدى اليمين بنفسه ، لأن خصمه قد احتكم إلى ضميره ، فلا يصح أن يوكل غيره فى الحلف . وقد نصت المادة 183 من تقنين المرافعات على هذا الحكم صراحة فقالت : " لا يجوز التوكيل فى تأدية اليمين " . وإذا صح التوكيل فى تحليف اليمين ، فإن التوكيل فى حلفها لا يجوز ، كما قدمنا . وفى هذا المعنى تقول المادة 473 من التقنين المدنى العراقى : " تجرى النيابة فى التحليف ، ولكن لا تجرى فى اليمين " . ( انظر أيضاً المادة 132 من قانون البينات السورى ) .
وتأدية اليمين تكون بأن يقول الخصم : " أحلف " ( 997 ) ، ثم يذكر صيغة اليمين التى أقرتها المحكمة . فإذا كان دين الخصم يفرض أوضاعاً مقررة فى الحلف ، $ 553 $ جاز للخصم أن يطلب تأدية اليمين وفقاً لهذه الأوضاع ( 998 ) . وقد وردت هذه الأحكام صراحة فى تقنين المرافعات . فنصت المادة 180 من هذا التقنين على أن " تكون تأدية اليمين بأن يقول الحالف أحلف ويذكر الصيغة التى أقرتها المحكمة " . ونصت المادة 181 على أنه " لمن يكلف حلف اليمين أن يؤديها وفقاً للأوضاع المقررة فى ديانته إذ طلب ذلك " . ( انظر أيضاً المادتين 129 و 130 من قانون البينات السورى ) .
$ 554 $
ويعتبر فى حلف الأخرس ونكوله إشارته المعهودة إن كان لا يعرف الكتابة ، فإن كان يعرفها فحلفه ونكوله بها ( م 182 مرافعات ) . وقد نصت المادة 478 من التقنين المدنى العراقى على أنه " تعتبر يمين الأخرس ونكوله عن اليمين بإشارته المعهودة " . ( 999 ) ( انظر أيضاً المادة 131 من قانون البينات السورى ) .
$ 555 $
وإذا كان لمن وجهت إليه اليمين عذر يمنعه من الحضور ، انتقل المحكمة أو ندبت أحد قضاتها لتحليفه ( م 179 مرافعات ) .
ويحرر محضر بحلف اليمين ، يوقعه الحالف ورئيس المحكمة أو القاضى المنتدب والكاتب ( م 184 مرافعات ) ( 1000 ) .
291 - ما يترتب على حلف اليمين الحاسمة – النصوص القانونية : تنص المادة 413 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" لا يجوز للخصم أن يثبت كذب اليمين بعد أن يؤدها الخصم الذى وجهت إليه أو ردت عليه . على أنه إذا ثبت كذب اليمين بحكم جنائى ، فإن للخصم الذى أصابه ضرر منها أن يطالب بالتعويض ، دون إخلال بما قد يكون له من حق فى الطعن على الحكم الذى صدر ضده " ( 1001 ) .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 225 / 290 ( 1002 ) .
$ 556 $
ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 120 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 481 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادة 234 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 402 ( 1003 ) .
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1363 ( 1004 ) .
ويؤخذ من نص التقنين المدنى الجديد أن الخصم إذا حل اليمين الحاسمة ، انحسم النزاع نهائياً ، وخسر الخصم الذى وجه اليمين دعواه . ولا يجوز لهذا الخصم أن يعود إلى مخاصمة من حلف اليمين مرة أخرى فى نفس موضوع الحق ليثبت كذب اليمين ( 1005 ) كما لا يجوز له أن يقدم أى وجه آخر للإثبات ( 1006 ) .
$ 557 $
وقد كانت المادة 225 / 290 من التقنين المدنى السابق تنص على أن " التكليف باليمين يؤخذ منه أن طالبها ترك حقه فيما عداها من جميع أوجه الثبوت ( 1007 ) " . وكان الفقه والقضاء فى مصر ، فى ظل هذا النص من التقنين السابق ، لا يجيزان للمدعى ، إذا ثبت أن خصمه حلف كذباً ، أن يطالبه بالتعويض . ويثبت الحلف كذباً عادة فى دعوى جنائية تقام على الحالف . ذلك أن المادة 301 من قانون العقوبات تنص على أن " من ألزم باليمين أو ردت عليه فى مواد مدينة ، وحلف كذباً ، يحكم عليه بالحبس ، ويجوز أن تزاد عليه غرامة لا تتجاوز مائة جنيه مصرى " . وكان كل ما يستطيع الخصم الذى وجه اليمين إلى خصمه ، فحلف كذباً ، الانتفاع به من هذا النص ، فى عهد التقنين المدنى السابق ، هو أن يبلغ ، كأى فرد عادى ، النيابة العامة عن وقوع جريمة حلف يمين كاذبة ، وأن يقدم للنيابة أدلة الإثبات على كذب اليمين بعد أن يكون قد عثر عليها ، بشرط ألا $ 558 $ تكون هذه الأدلة هى البينة أو القرائن إذا كانت قيمة المحلوف تزيد على عشرة جنيهات . والنيابة العامة هى التى ترفع الدعوى الجنائية إذا رأت وجهاً لذلك . أما الخصم الذى وجه اليمين فلا يجوز له أن يرفع دعوى الجنحة المباشرة ، بل ولا أن يدخل مدعياً مدنياً فى الدعوى الجنائية التى ترفعها النيابة العامة . وحتى إذا صدر الحكم الجنائى بالإدانة فى الدعوى التى رفعتها النيابة العامة ، فلم يكن يجوز للخصم الذى وجه اليمين أن يستند إلى هذا الحكم ليطعن فى الحكم المدنى الذى صدر ضده بعد الحلف ، أو أن يرفع دعوى جديدة بحقه بعد أن ثبت كذب اليمين التى حلفها خصمه . بل لم يكن له أن يرفع دعوى تعويض مدنية عن هذه اليمين الكاذبة ، بالرغم من أن دعوى التعويض هذه هى غير دعواه الأولى التى خسرها ( 1008 ) ، وكان ينبغى ألا يصطدم قبول سماعها بحجية الأمر $ 559 $ المقضى لاختلاف السبب والمحل ، ولا أن ترد باتفاق موهوم قيل باستخلاصه من توجيه اليمين على أساس أن توجيه اليمين صلح وهو ليس يصلح كما قدمنا ، أو على أساس أنه اتفاق على الإعفاء من المسئولية التقصيرية والإعفاء الاتفاقى من المسئولية التقصيرية باطل كما هو معروف .
وقد جاء التقنين المدنى الجديد يسير فى اتجاه آخر ، ويصلح من تطرف هذا الرأى . فهو إذا كان يقضى بأنه لا يجوز للخصم أن يثبت كذب اليمين بعد أن يؤديها الخصم الذى وجهت إليه أو ردت عليه ( 1009 ) ، فإنه من جهة أخرى ينص صراحة على جواز أن يحصل الخصم الذى وجه اليمين على تعويض إذا ثبت على من حلف اليمين بحكم جنائى أنه حلف كذباً . فيجوز إذن للخصم الذى وجه اليمين أن يبلغ النيابة العامة أن خصمه حلف اليمين كذباً ، كما كان يستطيع ذلك فى الماضى . ويجوز له فوق ذلك – وهذا ما لم يكن يستطيعه فى الماضى – إذا ثبت كذب اليمين بحكم جنائى ، أن يرفع دعوى مدنية مبتدأة بالتعويض أمام المحاكم المدنية بد صدور الحكم الجنائى . ولكن يبدو من ظاهر النص أنه لا يستطيع ، قبل ثبوت كذب اليمين بحكم جنائى ، أن يدعى مدنياً فى الدعوى الجنائية التى ترفعها النيابة العامة ، ولا يستطيع كذلك من باب أولى أن يرفع دعوى الجنحة المباشرة . وعليه $ 560 $ أن يتربص حتى يصدر حكم جنائى نهائى بكذب اليمين ، ثم يرفع بعد ذلك دعوى التعويض أمام المحاكم المدنية ( 1010 ) .
ولا يفتح له صدور الحكم الجنائى بكذب اليمين باباً جديداً للطعن فى الحكم المدنى الذى صدر ضده بعد حلف هذه اليمين . ولكن إذا كشف الحكم الجنائى عن وجه من وجوه التماس إعادة النظر فى هذا الحكم المدنى ، كأن أثبت أن الخصم الذى حلف اليمين الكاذبة قد وقع منه غش كان من شأنه التأثير فى الحكم المدنى ( م 417 أولا مرافعات ) ، أو كان سبباً فى الحصول على أوراق قاطعة فى الدعوى كان الخصم الذى حلف اليمين الكاذبة قد حال دون تقديمها ( م 417 رابعاً مرافعات ) ، فإنه يجوز للخصم الذى وجه اليمين أن يلتمس إعادة النظر فى الحكم المدنى إذا كان حكماً ابتدائياً ولم ينقض ميعاد الاستئناف . وهذا ما نصت عليه صراحة العبارة الأخيرة من المادة 413 من التقنين المدنى الجديد ، إذن وهى تجعل للخصم الذى وجه اليمين الحق فى ن يطالب بالتعويض ، تجعل له هذا الحق " دون إخلال بما قد يكون له من حق فى الطعن على الحكم الذى صدر ضده ( 1011 ) " وهذا الحق فى الطعن على الحكم المدنى لم يكن موجوداً فى عهد التقنين المدنى $ 561 $ السابق ، وقد استحدثه التقنين المدنى الجديد هو والحق فى المطالبة بالتعويض بدعوى مبتدأة . لذلك لا تكون لهذه الأحكام المستحدثة أثر رجعى ، ولا تسرى إلى على يمين حاسمة صدر حكم بتوجيهها فى تاريخ غير سابق على 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 ميعاد نفاذ التقنين المدنى الجديد ، فإن كان الحكم بتوجيه اليمين قد صدر قبل هذا التاريخ فالتقنين المدنى السابق هو الذى يسرى بأحكامه التى تقدم ذكرها .
المطلب الثانى
رد الخصم لليمين الحاسمة على خصمه
292 - النصوص القانونية : تنص الفقرة الثانية من المادة 410 $ 562 $ من التقنين المدنى على ما يأتى :
" ولمن وجهت إليه اليمين أن يردها على خصمه . على أنه لا يجوز الرد إذا انصبت اليمين على واقعة لا يشترك فيها الخصمان ، بل يستقل بها شخص من وجهت إليه اليمين ( 1012 ) " .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق للمادة 224 / 289 ( 1013 ) .
ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 116 فقرة أولى ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 475 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادة 233 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 399 فقرة 2 ( 1014 ) .
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1362 ( 1015 ) .
$ 563 $
293 - متى يجوز رد اليمين : ويتبين من النص المتقدم الذكر أن اليمين يجوز ردها من الخصم متى وجهت إليه ، وذلك إذا لم يرد الحلف . فمن وجهت إليه اليمين يلتزم إذن التزاماً أصلياً بحلفها ، والتزاماً بدلياً بردها على خصمه . ويترتب على أن الالتزام بالرد هو التزام بدلى لا التزام تخييرى ( 1016 ) أنه إذا وجهت اليمين إلى خصم فأصبح ملتزماً بالحلف أصلاً وبالرد بدلاً ، ثم استحال عليه تنفيذ الالتزام الأصلى وهو الحلف ، بأن مات أو أفلس أو حجر عليه ، فلا يصار إلى الالتزام البدلى وهو رد اليمين ، بل يسقط الالتزامان معاً – الحلف والرد - وتعود الحالة بين من وجه اليمين وورثة من وجهت إليهم إلى ما كانت عليه قبل توجيه اليمين ( 1017 ) . ولو كان الالتزام بالرد التزاماً تخييرياً ، واستحال تنفيذ الالتزام الأصلى وهو الحلف ، لوجب تنفيذ الالتزام التخييرى ، ولاعتبرت اليمين مردودة على الخصم الذى وجهها ( 1018 ) .
294 - شروط رد اليمين : ويشترط فى رد اليمين ما يشترط فى توجيهها ، إذ رد اليمين كتوجيهها تصرف قانونى بإرادة منفردة . فيشترط فى الرد إذن كمال أهلية التصرف ، والخلو من عيوب الإرادة من غلط وتدليس وإكراه ، والخلو من التواطؤ والصورية ، وصدور توكيل خاص إذا فوض الخصم غيره فى الرد . وقد سبق تفصيل ذلك عند الكلام فى توجيه اليمين . ويصبح الرد غير قابل $ 564 $ للرجوع فيه بمجرد قبول الخصم الذى ردت عليه اليمين أن يحلف ، وذلك كما فى توجيه اليمين .
ويشترط أيضاً أن يكون الرد واقعاً على نفس اليمين التى وجهت ، فيجب إذن أن يكون فى واقعة قانونية محددة غير مخالفة للقانون أو النظام العام أو الآداب وحاسمة فى الدعوى . ويشترط ، فوق ذلك ، أن يكون الرد فى واقعة يشترك فيها الخصمان ، فلا يجوز فى واقعة يستقل بها شخص من وجهت إليه اليمين . فإذا وهب رجل لابنه منزلاً واشترط عليه أن يتزوج فى خلال سنة وإلا فسخت الهبة ، ثم رفع دعوى على ابنه بالفسخ ووجه إليه اليمين الحاسمة على أنه تزوج فى خلال السنة ، فلي للابن إلا أن يحلف اليمين فيكسب الدعوى ، أو ينكل فيخسر . ولا يجوز له أن يرد اليمين على أبيه ، ويطلب منه أن يحلف هو على أن الابن لم يتزوج فى خلال السنة ، وذلك لأن واقعة الزواج هذه واقعة لا يشترك فيها الخصمان بل يستقل بها الابن وحده ، فلا يجوز رد اليمين فيها على الأب ( 1019 ) . وقد قضت إحدى المحاكم بأنه إذا وجه الشفيع اليمين للمشترى فى خصوص مقدار ثمن المبيع ، فلا يجوز للمشترى أن يرد اليمين على الشفيع ، لأن هذا أجنبى عن الاتفاق الخاص بالثمن ، فلا يمكنه التأكد من حقيقة مقداره ( 1020 ) .
$ 565 $
295 - أثر رد اليمين : ومتى ردت اليمين ، أصبحت موجهة إلى من كان قد وجهها أول مرة . فينقلب الموقف ، ويصبح هذا هو الملتزم بالحلف ، ثم لا يجوز له رد اليمين ثانية على من ردها عليه ، وإلا لدرنا فى حلقة مفرغة وأجزنا الرد إلى ما لا نهاية . فإن حلف كسب الدعوى ، وإن لم يحلف عدنا كلا وخسر دعواه . ويجرى فى كيفية الحلف وفيما يترتب من الأثر على الحلف والنكول ، فى حالة الرد ، ما يجرى فى حالة توجيه اليمين .
على أن كل هذا مشروط بأن يكون الرد واقعاً على نفس اليمين التى وجهت أولاً كما قدمنا . فإذا عدلت اليمين المردودة ، كان الرد توجيهاً ليمين جديدة يجوز ردها ثانية . مثل ذلك أن يوجه المدعى اليمين إلى المدعى عليه على أنه ليس فى ذمته الدين المدعى به ، فيرد المدعى عليه اليمين معدلاً ، وبدلاً من أن يطلب من المدعى أن يحلف هو على أن الدين فى ذمة المدعى عليه ، يطلب منه الحلف على أنه لم تقع مقاصة بين الدين والمدعى به وحق يقابله فى ذمة المدعى . فإن رد المدعى عليه اليمين معدلة على هذا النحو ، يكون قد اعترف بأن الدين قد قام ابتداء فى ذمته ولكنه انقضى بعد ذلك بالمقاصة . ولما كان هو المطالب بتقديم الدليل على وقوع المقاصة ، ولا دليل عنده على ذلك ، فهو يوجه يميناً أخرى $ 566 $ جديدة إلى المدعى في خصوص وقوعها . ويجوز عندئذ للمدعى أن يرد اليمين الجديدة على المدعى عليه ليحلف أن له حقاً تقع به المقاصة ( 1021 ) .
المطلب الثالث
النكول عن اليمين الحاسمة
296 – النصوص القانونية : تنص المادة 414 من التقنين المدني على ما يأتي :
" كل من وجهت إليه اليمين فنكل عنها دون أن يردها على خصمه ، وكل من ردت عليه اليمين فنكل عنها ، خسر دعواه ( 1022 ) " .
ولا مقابل لهذا النص في التقنين المدني السابق ، ولكن الحكم كان معمولا به دون نص .
ويقابل النص في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في قانون البينات السوري المادة 119 ، وفي التقنين المدني العراقي المادة 480 ، وفي تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني المادة 232 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 403 ( 1023 ) .
$ 567 $
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1361 ( 1024 ) .
297 - ممن يقع النكول : ويتبين من نص التقنين المدنى المصرى أن النكول إما أن يقع ممن وجهت إليه اليمين ابتداء ، فلا يردها على خصمه ولا يحلف فيعتبر ناكلا . وإما أن يقع ممن ردت عليه اليمين ، وقد رأينا أنه لا يستطيع ردها ، فإذا لم يحلفها اعتبر ناكلاً .
298 - كيف يقع النكول : ويقع النكول بعدم الحلف حين يجب الحلف . فالنكول إذن موقف سلبى . وقد نظمه تقنين المرافعات فى المادتين 177 و 178 ( 1025 ) . فميز بين ما إذا كان الحكم بالتحليف قد صدر فى حضور الخصم المكلف بالحلف ، أو صدر وهو غائب .
فإن صدر الحكم وهو حاضر – سواء أكان قد نازع فى جواز اليمين أو فى تعلقها بالدعوى ورفضت المحكمة منازعته أم لم ينازع فى ذلك - فإن صيغة اليمين تكون مبينة فى منطوق الحكم ، ويجب على الخصم أن يحلفها فوراً أو يردها على خصمه ، فإن سكت عن الحلف والرد اعتبر ناكلاً . ويجوز مع ذلك أن تعين المحكمة فى حكمها يوماً معيناً للحلف ، ويعتبر نطقها بالحكم إعلاناً للخصوم على شرط أن يكون ثابتاً بمحضر الجلسة أو الحكم أن المكلف باليمن حاضر شخصياً وقت النطق بالحكم . ويراعى فى تجديد جلسة الحلف ميعاد التكليف $ 568 $ بالحضور ، ما لم يقبل المكلف بالحلف ميعاداً أقصر ويكون قبوله هذا مدوناً بمحضر الجلسة ( 1026 ) . وحضور الوكيل يغنى عن حضور المكلف باليمين ، إذا كان هذا الوكيل ممن يصح إعلان الأصيل فى مواجهته ( 1027 ) .
$ 569 $
وإن كان صدر الحكم بالتحليف فى غيبة المكلف بالحلف ، وجب تكليفه بالحضور على يد محضر لحلف اليمين بالصيغة التى أقرتها المحكمة وفى اليوم الذى حددته . فإن حضر وامتنع عن الحلف والرد دون أن ينازع ، اعتبر ناكلاً . وإن تغيب ، تنظر المحكمة فى سبب غيابه ، فإن اعتبرته عذراً شرعياً جاز لها أن تحدد جلسة أخرى لحلف اليمين ، وإلا اعتبرت غيابة دون عذر شرعى نكولاً ( 1028 ) .
299 - أثر النكول : والنكول يكون بمثابة إقرار ، كما قدمنا ، وتكييفه هو تكييف الإقرار . فإذا نكل الخصم على الوجه المتقدم ذكره ، لم يجز له بعد ذلك أن يطلب السماح له بالحلف من جديد ، بل يحكم عليه عقب نكوله . فإن كان من نكل هو من وجهت إليه اليمين ، كسب من وجه اليمين دعواه . وإن كانت اليمين قد ردت على الخصم الذى وجهها ونكل هذا ، خسر دعواه ، فالدعوى التى يحلف عليها يكسبها المدعى بنكول خصمه ، ويخسرها برد اليمين عليه ونكوله ( 1029 ) .
ويكون الحكم على من نكل مانعاً للمحكوم عليه بعد ذلك أن يثبت صحة الواقعة التى نكل فيها عن الحلف ( 1030 ) و( 1031 ) .
$ 570 $
المطلب الرابع
حجية اليمين الحاسمة
300 - حجية اليمين الحاسمة من حيث الحلف : اليمين الحاسمة ، كالإقرار ، حجيتها قاصر ، كما قدمنا ، سواء فى ذلك عند الحلف أو عند النكول .
أما من حيث الحلف ، فمن وجه اليمين واحتكم بذلك إلى ذمة خصمنه ، كان أثر هذا الاحتكام قاصراً عليه هو وورثته بصفتهم خلفاً عاماً له .
$ 571 $
ولا يتعدى هذا الأثر إلى غير الخصم وورثته . فلا يتعدى إلى الشريك أو الورثة فيا بينهم أو المدين المتضامن . فلو وجه أحد الشركاء فى الشيوع اليمين إلى مدعى استحقاق الملك الشائع ، وحلف هذا ، كانت اليمين حجة على الشريك الذى وجه اليمين دون غيره من الشركاء . ولو وجه أحد الورثة اليمين إلى دائن التركة وحلف ، كانت اليمين حجة على الوارث الذى وجه اليمين دون غيره من الورثة . ولو وجه أحد المدينين المتضامين اليمين إلى الدائن وحلف ، كانت اليمين حجة على المدين الذى وجه اليمين دون غيره من المدينين ( م 295 فقرة 2 مدنى ) .
وإذا ادعى شخص ديناً على آخر ، فوجه المدعى عليه اليمين إلى المدعى فحلف ، كانت اليمين حجة على من وجهها ، ولا تكون حجة على دائنيه إذا طعنوا فى اليمين بالتطواطؤ . وإذا تنازع شخصان على عقار ، وباع أحدهما هذا العقار ، ثم وجه اليمين للمتنازع معه فحلف ، كانت اليمن حجة على من وجهها دون المشترى منه . أما إذا كان حلف اليمين قبل البيع ، كانت اليمين حجة على المشترى ( 1032 ) .
301 - حجية اليمين الحاسمة من حيث النكول : وأما من حيث النكول فحجية اليمين قاصرة قصورها من حيث الحلف . فمن نكل من الشركاء فى الشيوع ، كان نكوله حجة عليه دون سائر الشركاء . ومن نكل من الورثة ، كان نكوله حجة عليه دون سائر الورثة . ومن نكل من المدينين المتضامنين ، كان نكوله حجة عليه دون سائر المدينين ( م 295 فقرة 2 مدنى ) .
302 - تعارض قصور حجية اليمين مع قواعد أخرى : ولكن قد تتعارض القاعدة التى تقضى بقصور حجية اليمين مع قواعد أخرى ، فتتعدى $ 572 $ عند ذلك حجية اليمين . من ذلك أثر القاعدة التى تقضى بأن عمل احد المدينين المتضامنين يفيد الباقين . وقد قضت الفقرة الثالثة من المادة 295 مدنى بأنه " إذا اقتصر الدائن على توجيه اليمين إلى أحد المدينين المتضامين فحلف ، فإن المدينين الآخرين يستفيدون من ذلك " . فهنا تعدت حجية اليمين إلى سائر المدينين المتضامنين ( 1033 ) . ومن ذلك القاعدة التى تقضى بارتباط التزام الكفيل بالتزام الأصيل . فاليمين التى توجه إلى المدين الأصلى فيحلفها تبرئ ذمة الكفيل ، وكذلك اليمين التى توجه إلى الكفيل فى أصل الدين لا فى الكفالة فيحلفها تبرئ ذمة الأصيل ( 1034 ) .
$ 573 $
الفرع الثانى
اليمين المتممة
303 - ما هى اليمين المتممة : اليمين المتممة هى يمين يوجهها القاضى من تلقاء نفسه لأى من الخصمين ، عندنا يرى أن هذا الخصم قدم دليلاً غير كاف على دعواه ، ليتمم الدليل باليمين . وقد جعل القانون للقاضى هذا – على خلاف العادة – دوراً إيجابياً فى الإثبات ( 1035 ) . فأباح له ، إذا لم يقدم أى من الخصمين دليلاً كافياً على ما يدعيه ، أن يختار منهما من يرجح عنده صدق قوله ، فيوجه إليه يميناً يتمم بها أدلته غير الكافية . ومن ثم سميت اليمين باليمين المتممة ( serment suppletif, suppletoire ) .
ونذكر منذ البداية أن اليمين المتممة تختلف اختلافاً جوهرياً عن اليمين $ 574 $ الحاسمة ، فى أن اليمين الأولى يوجهها القاضى لا الخصم ، ولا يوجهها إذا كانت الدعوى خالية من أى دليل ، ولا يتحتم عليه أن يأخذ بما تؤدى إليه من حلف أو نكول فقد يرفض طلب من حلفه ويجيب طلب من نكل . ثم إن مهمة اليمين المتممة غير مهمة اليمين الحاسمة ، فاليمين المتممة إنما توجه لاستكمال أدلة ناقصة ، أما اليمين الحاسمة فتقوم وحدها دليلاً يستبعد أى دليل آخر ( 1036 ) . وسنوعد إلى هذه الفروق بعد أن نفصل أحكام اليمين المتممة .
304 - تكييف اليمين المتممة : وهناك فرق جوهرى آخر بين اليمين المتممة واليمين الحاسمة . فقد رأينا فيما قدمناه أن توجيه اليمين الحاسمة من الخصم إلى خصمه هو تصرف قانونى بإرادة منفردة . أما توجيه اليمين المتممة من القاضى فهو ليس إلا واقعة مادية ، يلجأ إليها القاضى لاستكمال الأدلة . فتتمحض اليمين المتممة إذن طريقاً من طرق الإثبات ذات القوى المحدودة وذات الأثر التكميلى ، ولا تنطوى على أى تصرف قانونى .
ونتكلم فى اليمين المتممة ، كما فعلنا فى اليمين الحاسمة ، فى توجيه اليمين وفى الآثار التى تترتب على توجيهها . ونعقب ذلك بالكلام فى صور خاصة لليمين المتممة : يمين الاستيثاق ويمين الاستظهار ويمين التقويم .
$ 575 $
1 - توجيه اليمين المتممة
305 - النصوص القانونية : تنص المادة 415 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - للقاضى أن يوجه اليمين من تلقاء نفسه إلى أى من الخصمين ليبنى على ذلك حكمه فى موضوع الدعوى أو فى قيمة ما يحكم به " .
" 2 - ويشترط فى توجيه هذه اليمين ألا يكون فى الدعوى دليل كامل ، وألا تكون الدعوى خالية من أى دليل ( 1037 ) " .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 223 / 288 ( 1038 ) .
ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 121 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 482 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادتين 237 و 238 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 404 ( 1039 ) .
$ 576 $
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين 1366 و 1367 ( 1040 ) .
ونبحث هنا أيضاً ، كما بحثنا فى اليمين الحاسمة ، السائل الآتية : ( 1 ) من يوجه اليمين المتممة ( 2 ) لمن توجه ( 3 ) متى توجه ( 4 ) موضوعها ( 5 ) جواز الرجوع فيها .
306 - من يوجه اليمين المتممة : يوجهها القاضى من تلقاء نفسه ، لا الخصم . ولا يتقيد القاضى فى ذلك بطلب الخصوم ، فلو طلبها خصم فللقاضى أن يقدر هذا الطلب ، فيوجهها أو لا يوجهها . وله أن يوجهها ، كما قدمنا ، حتى لو لم يطلب الخصم توجيهها ( 1041 ) .
307 - لمن توجه اليمين المتممة : وتوجه لأى من الخصمين بحسب تقدير القاضى . فإن رأى القاضى أن أحد الخصمين - المدعى أو المدعى عليه – قدم أدلة على ادعائه فى الدعوى أو فى الدفع ( 1042 ) أرجح من أدلة الخصم الآخر وإن كانت فى ذاتها غير كافية ، ورأى إلى جانب ذلك أن هذا الخصم ذا الدليل $ 577 $ الراجح أولى بالثقة فيه والاطمئنان إليه ، وجه إليه هو ، دون الخصم الآخر ، اليمين المتممة ليستكمل أدلته بها . وإن رأى الخصمين متكافئين فى كل ما تقدم ، فالظاهر أنه يوجه اليمين المتممة إلى المطلوب من الخصمين لا الطالب ، لأن الأصل براءة الذمة ( 1043 ) . على أن القاضى فى كل هذا إنما يسير بحسب اقتناعه وبمقدار ما يطمئن إلى أى من الخصمين ، دون أن يتقيد بقاعدة معينة ، فمن من الخصمين رآه أجدر بالثقة حلفه اليمين ( 1044 ) .
ولا تشترط أهلية خاصة فى الخصم الذى توجه إليه اليمين . بل تكفى فيه أهلية التقاضى ، لأن اليمين المتممة ليست تصرفاً قانونياً ، بل هى وسيلة من وسائل التحقيق والإثبات كما قدمنا . وسنرى أنه لا يصح التوكيل فى حلف اليمين المتممة .
ولا يجوز توجيه اليمين المتممة إلى غير خصم أصلى فى الدعوى . فلا توجه إلى الدائن الذى يرفع الدعوى باسم مدينه ، بل توجه إلى هذا المدين بعد إدخاله فى الدعوى ( 1045 ) .
308 - متى توجه اليمين المتممة : توجه فى أية حالة كانت عليها الدعوى ، إلى أن يصدر حكم نهائى حائز لقوة الشئ المقضى . ويجوز توجيهها بعد إقفال باب المرافعة ، فيعيد القاضى القضية إلى المرافعة إذا رأى محلاً لذلك . كما يجوز توجيهها لأول مرة أمام المحكمة الاستئنافية ، فى أية حالة كانت عليها الدعوى على الوجه المتقدم الذكر .
$ 578 $
ولكنها لا توجه إلى خصم إلا لاستكمال أدلته . فيجب إذن – كما يقول النص – ألا يكون فى الدعوى دليل كامل ، وألا تكون الدعوى خالية من أى دليل . أى يجب أن يكون فى الدعوى مبدأ ثبوت ( commencement de preuve ) بالكتابة أو بغير الكتابة على حسب الأحوال ( 1046 ) . ذلك أنه إذا كان فى الدعوى دليل كامل ، لم تصبح هناك حاجة لليمين المتممة ، وقضى لمصلحة صاحب هذا الدليل ( 1047 ) . وإذا كانت الدعوى خالية من أى دليل ، لم يصح توجيه ليمين المتممة لأى من الخصمين ، لأن هذه اليمين لا توجه إلا لاستكمال أدلة ناقصة ، فلا تحل مكان أدلة غير موجودة كما هو شأن اليمين الحاسمة ، وإنما يقضى فى هذه الحالة على الخصم الذى خلت دعواه من أى دليل .
والدليل الناقص الذى تكمله اليمين المتممة يختلف باختلاف ما إذا كان الادعاء يجوز إثباته بالبينة والقرائن أو لابد من الكتابة فى إثباته . فإذا كان الإثبات جائزاً بالبينة والقرائن ، فالدليل الناقص يصح أن يكون بينة أو قرائن ليست كافية لإقناع القاضى فيستكملها باليمين المتممة ، ويكون ذلك فى ادعاء لا تجاوز قيمته عشرة جنيهات وكذلك فى جميع المواد التجارية ( 1048 ) . أما إذا كان $ 579 $ الإثبات بالكتابة واجباً ، فالدليل الناقص يجب أن يكون مبدأ الثبوت بالكتابة ، لا مجرد بينة أو قرائن ، إلا فى الحالات التى تجوز فيها البينة والقرائن بدلاً من الكتابة لمسوغ قانونى ، كما إذا كان هناك مانع من الحصول على الكتابة أو فقدت الكتابة بسبب أجنبى بعد الحصول عليها ( 1049 ) و ( 1050 ) .
$ 580 $
309 - موضوع اليمين المتممة : ولما كانت اليمين المتممة هى لتكملة دليل ناقص ، فالواقعة التى يحلف عليها الخصم هى تلك التى تكمل دليله ليثبت ادعاؤه ، دعوى كان أو دفعاً . فهى إذن لابد أن تكون واقعة غير مخالفة للقانون ولا للنظام العام ولا للآداب ، ويجب أن يكون من شأنها أن تكلم الدليل الناقص فى تقدير القاضى ( 1051 ) .
ويغلب أن تكون الواقعة التى يحلف عليها الخصم اليمين المتممة هى واقعة الادعاء بأجمعها ، كأن يحلف الدائن أن له فى ذمة المدين مبلغ كذا بسبب القرض ، فيستكمل بهذه اليمين مبدأ ثبوت بالكتابة قدمه الإثبات عقد القرض . ولكن لا شئ يمنع من أن تكون الواقعة مجرد قرينة من شأنها ، إذا ثبتت ، أن تضاف إلى أدلة أخرى موجودة فيثبت المدعى به بمجموع هذه الأدلة ( 1052 ) . مثل ذلك أن يحلف المدين يميناً متممة على أنه أقرض الدائن ، بعد حلول الدين المدعى به ، مبلغاً من المال ، ليستخلص من واقعة القرض قرينة تضاف إلى مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات براءة ذمته من الدين المدعى به .
كذلك يغلب أن تكون الواقعة التى يحلف عليها الخصم اليمين المتممة واقعة $ 581 $ شخصية . فإن لم تكن شخصية كان الحلف على عدم العلم ( 1053 ) . ذلك أن اليمين المتممة ، كاليمين الحاسمة ، قد تكون يميناً على عدم العلم . مثل ذلك أن يوجه القاضى اليمين المتممة إلى ورثة المدعى عليه يحلفون أنهم لا يعلمون أن مورثهم قد تسلم الوديعة المدعى بها من المدعى . وليست يمين عدم العلم هذه يمين استيثاق ضرورة ، شأنها فى ذلك شأن يمين عدم العلم الحاسمة ، ولكن يمين الاستيثاق هى التى قد تكون فى بعض صورها يميناً بعدم العلم . وسيأتى تفصيل ذلك عند الكلام فى يمين الاستيثاق .
310 - جواز الرجوع فى اليمين المتممة : واليمين المتممة يجوز الرجوع فيها دائماً . وقد رأينا أن القاضى هو الذى يوجهها . فإذا وجهها إلى أحد الخصمين ، ثم بدا له بعد ذلك أن يرجع ، بأن كشف عن أدلة جديدة أكملت الأدلة الناقصة أو نقضتها فلم يعد هناك مسوغ لتوجيه اليمين المتممة ، جاز له الرجوع . بل يجوز له الرجوع لمجرد أن يكون قد غير رأيه دون حاجة إلى الكشف عن أدلة جديدة ، فقد يعيد النظر فى تقدير الأدلة الموجودة فيراها كاملة وكان يظنها قبل توجيه اليمين ناقصة ، أو لا يرى فيها دليلاً بعد أن كان يظنها أدلة ناقصة ، فيرجع عندئذ عن توجيه اليمين المتممة بعد أن يكون قد وجهها .
وسنرى فيما يلى أنه حتى بعد أن يحلف الخصم اليمين المتممة لا يكون القاضى مقيداً أن يحكم بموجبها ، فقد يرى بعد النظر أن يحم ضد الخصم بعد أن حلف اليمين ، أو يحكم لمصلحته بعد أن نكل .
2 - الآثار التى تترتب على توجيه اليمين المتممة
311 - النصوص القانونية : تنص المادة 416 من تقنين المدنى على ما يأتى :
$ 582 $
" لا يجوز للخصم الذى وجه إليه القاضى اليمين المتممة أن يردها على الخصم الآخر ( 1054 ) " .
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق . ولكن الحكم كان معمولاً به دون نص .
ويقابل النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 124 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 485 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادة 239 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 405 ( 1055 ) .
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1368 ( 1056 ) .
312 - لا خيار لمن وجهت إليه اليمين المتممة فإما الحلف أو النكول : ويتبين من نص التقنين المدنى المصرى ألا خيار لمن وجهت إليه اليمين المتممة ، فهو إما أن يحلف أو ينكل ، ولا يستطيع أن يرد اليمين على الخصم الآخر . ذلك لأن اليمين موجهة إليه من القاضى لا من الخصم الآخر ، ولأنها وسيلة تكميلية لاقتناع القاضى وليست احتكاماً إلى ضمير الخصم حتى يجوز لهذا ردها ليحتكم هو إلى خصمه ( 1057 ) .
$ 583 $
فالخصم الذى وجه إليه القاضى اليمين المتممة لا مناص له إذن من أحد موقفين : الحلف أو النكول ( 1058 ) . ونرى الآن ماذا يترتب من الأثر على كل من هذين الموقفين .
313 - حلف الخصم لليمين المتممة : يحلف الخصم اليمين المتممة بنفسه ، ولا يجوز له أن يوكل أحداً غيره فى الحلف ، شأن اليمين المتممة فى هذا الشأن اليمين الحاسمة . ذلك أن المقصود من الحلف ، فى الحالتين ، هو تأكيد الخصم لما يدعيه مع تعزيز التأكيد بالإيمان . وهو بعد لو ثبت حنثه فى يمينه ، كان معرضاً للعقوبة الجنائية المنصوص عليها فى المادة 301 من قانون العقوبات وقد تقدم ذكرها . ونص هذه المادة غير مقصور على اليمين الحاسمة ، بل يشمل كل يمين يلزم بها الخصم فى المواد المدنية فيحلفها كذباً . ومن ثم يتناول النص ، فوق اليمين الحاسمة ، اليمين المتممة ويمين الاستيثاق وغيرها من الأيمان التى يلزم بها الخصم فى المواد المدنية .
وكل ما ذكرناه فى كيفية حلف اليمين الحاسمة يسرى بالنسبة إلى حلف اليمين المتممة .
والغالب أن الخصم إذا حلف اليمين المتممة قضى لصالحه ، إن يكون بهذا $ 584 $ الحلف قد استكمل الأدلة التى كانت ناقصة ، وأقنع القاضى بصحة ادعائه ولكن إذا ثبت بحكم جنائى كذب اليمين ، جاز للخصم الآخر أن يطالب بتعويض مدنى ، وهذا دون إخلال بالطعن فى الحكم الذى صدر تأسيساً على اليمين المتممة بطريق التماس النظر . وقد رأينا أن هذا كله جائز فى اليمين الحاسمة ، فهو جائز من باب أولى فى اليمين المتممة . بل ويجوز ، فى اليمين المتممة ، أن يدعى الخصم طالب التعويض مدنياً فى الدعوى الجنائية التى ترفعها النيابة العامة ، كما يجوز له أن يرفع دعوى الجنحة المباشرة ( 1059 ) .
على أنه ليس حتماً على القاضى ، بعد أن يحلف الخصم اليمين المتممة ، أن يقضى لصالحه فقد يقع ، كما قدمنا ، أن القاضى ، بعد حلف اليمين وقبل النطق بالحكم ، يقف على أدلة جديدة تقنعه بأن ادعاء الخصم الذى حلف اليمين يقوم على غير أساس ، فيحكم ضده . بل ليس من الضرورى أن يكشف القاضى أدلة جديدة ، فقد يعيد النظر كما أسلفنا فى القضية ، بعد الحلف وقبل الحكم ، فيقتنع بغير ما كان مقتنعاً به عند توجيه اليمين المتممة ، فيقضى ضد من حلف ( 1060 ) .
$ 585 $
بل إن القاضى ليقضى لمصلحة من حلف ، ثم يستأنف الحكم ، فترى محكمة الاستئناف رأياً آخر ، غذ هى لا تتقيد بتوجيه اليمين ولا بحلفها فى المحكمة الابتدائية . فقد ترى ألا محل لتوجيه اليمين المتممة ، لأن الأدلة قد أصبحت كافية ، أو كانت كافية من قبل ، أو أن الأدلة معدومة بحيث لا يجوز توجيه هذه اليمين . وحتى إذا رأت أن توجيه اليمين المتممة كان مستساغاً ، فقد ترى أن الخصم الذى كان يجب أن توجه إليه هذه اليمين هو الخصم الآخر ، فتوجهها له لأول مرة فى الاستئناف ، وتغفل اليمين الأخرى التى كانت المحكمة الابتدائية قد وجهتها . بل قد لا تعدل محكمة الاستئناف عن توجيه اليمين المتممة إلى الخصم الذى وجهتها إليه المحكمة الابتدائية ، ولكنها لا تتقيد بموجبها ولا تقتنع بما اقتنعت به المحكمة الابتدائية ، فلا تقضى لمصلحة من حلف اليمين ( 1061 ) .
314 - نكول الخصم عن اليمين المتممة : أما إذا نكل الخصم الذى وجهت إليه اليمين المتممة ، فإن الأدلة الناقصة التى كان قد قدمها لإثبات ادعائه $ 586 $ تبقى ناقصة كما كانت ، بل إن الريبة لتزداد فى صحة ادعائه بعد أن نكل . من أجل ذلك يغلب أن يقضى ضده ( 1062 ) .
ولكن ليس من المحتم هنا أيضاً أن يقضى ضده . فقد تظهر بعد نكوله أدلة جديدة تكمل أدلته الناقصة ، فيقضى لصالحه بالغرم من النكول . بل قد لا تظهر أدلة جديدة ، ولكن القاضى يعيد النظر فى الأدلة التى كان يحسبها ناقصة ، فيرجع عن رأيه ويقدر أنها أدلة كافية ، فيقضى هنا أيضاً لصالحه .
وإذا حكم القاضى ضد الخصم الذى نكل – كما هو الغالب - فقد يستأنف الخصم هذا الحكم . وعند ذلك يكون لمحكمة الاستئناف من الحرية فى التقدير ما كان للمحكمة الابتدائية . فقد تقضى لصالحة بالرغم من نكوله . وقد توجه إليه اليمين المتممة مرة أخرى ، فيحلفها أو ينكل . وفى الحالتين لها حق التقدير على النحو الذى قدمناه . وقد ترى محكمة الاستئناف أن توجه اليمين المتممة إلى الخصم الآخر ، ثم تقضى له أو عليه ، حلف أو نكل ، وفقاً لما تراه .
ونرى من ذلك أن النكول عن اليمين كحلفها لا يقيد القاضى . فليست اليمين المتممة تحكيماً كاليمين الحاسمة ، بل هى إجراء من إجراءات التحقيق ودليل إثبات تكميلى ذو قوة محدودة .
315 - الفروق الجوهرية بين اليمين الحاسمة اليمين المتممة : وقد آه أن نلخص الفروق الجوهرية بين اليمين الحاسمة واليمين المتممة ، ومردها جميعاً يرجع إلى أن اليمين الحاسمة تحكيم يتقيد به الخصوم والقاضى ، أما اليمين المتممة فوسيلة تكميلية من وسائل التحقيق والإثبات لا يتقيد بها أحد . ويترتب على هذا الأصل الفروق الجوهرية الآتية بين اليمينين :
( أولاً ) اليمين الحاسمة يوجهها الخصم تحت رقابة القاضى . أما اليمين المتممة فيوجهها القاضى وحده .
( ثانياً ) لا يجوز للخصم الرجوع فى اليمين الحاسمة بعد أن يقبلها الخصم $ 587 $ الآخر . وللقاضى أن يرجع عن توجيه اليمين المتممة فى أى وقت بعد توجيهها .
( ثالثاً ) اليمين الحاسمة نتائجها محتمة : يكبس من يحلفها ، ويخسر من ينكل عنها ، أما ليمين المتممة فليست لها نتائج محتمة ، ولا يتقيد القاضى بموجبها حلفها الخصم أو نكل .
( رابعاً ) اليمين الحاسمة يجوز ردها على الخصم الآخر ، أما اليمين المتممة فلا ترد ( 1063 ) .
3 - صور خاصة من اليمين المتممة
( يمين الاستيثاق ويمين الاستظهار ويمين التقويم )
316 - تقسيم لليمين المتممة : كل الذى قدمناه من الأحكام إنما هو عن اليمين المتممة الأصلية . ذلك أن لليمين المتممة صوراً أخرى خاصة ، يدخل فيها على الأحكام التى قدمناها كثير من التحوير .
ويمكن – للإيضاح – تقسيم اليمين المتممة إلى يمين متممة أصلية ( serment suppletif, suppletoire ) ويمين استيثاق ويمن استظهار ( serment liberatoire ) ويمين تقويم ( serment en plaids, ad litem, estimatoire ) .
فاليمين المتممة الأصلية ، كاليمين الحاسمة ، تكون إما على واقعة شخصية وإما على عدم العلم . فإذا كانت على عدم العلم سميت يمين عدم العلم ( serment de credulite, de credibilite ) .
وكل من يمين الاستيثاق ويمين الاستظهار يمين توجه فى أحوال معينة ، على النحو الذى سنبينه ، على أن أحكام اليمين المتممة الأصلية لا تسرى على أى من هاتين اليمينين إلا بعد تحوير كبير . فتوجيه اليمين هنا إجبارى على القاضى ، وهو جوازى فى اليمين المتممة الأصلية . والذى توجه إليه اليمين هنا $ 588 $ هو أحد الخصمين بالذات يعنيه القانون ، واليمين المتممة الأصلية توجه لأى من الخصمين . ولا يملك القاضى هنا إلا أن يقضى لمصلحة من حلف اليمين ، وهو لا يتقيد بذلك فى اليمين المتممة الأصلية . وهذه الفروق تقرب يمين الاستيثاق ويمين الاستظهار من اليمين الحاسمة ، وتبعدهما عن اليمين المتممة ( 1064 ) . ولكن مهمة كل من هاتين اليمينين هى التى تلحقها باليمين المتممة ، إذ هى إتمام دليل يراه القاضى ناقصاً فيريد أن يستكمله بهذه اليمين .
ويمين التقويم يمين خاصة لا توجه إلا فى تقويم شئ معين عند ما يستعصى تقوميه عن طريق آخر . وهى أيضاً تنحرف فى أحكامها عن أحكام اليمين المتممة الأصلية فى أنها لا توجه إلى المدعى ، وفى أن موضوعها لا يكون إلا التقويم .
ونستعرض الآن هذه الصور الخاصة من اليمين المتممة : يمين الاستيثاق ويمين الاستظهار ويمين التقويم ( 1065 ) .
317 - يمين الاستيثاق : هذه اليمين توجه فى أحوال ثلاثة نص عليها القانون ، وفى بعضها تكون يميناً على عدم العلم :
( أولاً ) نصت الفقرة الثانية من المادة 378 من التقنين المدنى على أنه " يجب على من يتمسك بأن الحق قد تقادم بسنة ( 1066 ) أن يحلف اليمين على أنه أدى الدين $ 589 $ فعلا . وهذه اليمين يوجهها القاضى من تلقاء نفسه . وتوجه إلى ورثة المدين أو أوصيائهم ، إن كانوا قصراً ، بأنهم لا يعلمون بوجود الدين أو يعلمون بحصول الوفاء ( 1067 ) " .
فالقانون هنا ، بعد أن جعل بعض الحقوق تتقادم بمدة قصيرة جداً هى سنة فقط ، وجعل من هذا التقادم قرينة على الوفاء ، أراد أن يعزز هذه القرينة – وقد اعتبرها دليلاً غير كامل - بيمين متممة يحلفها المدين على واقعة شخصية له ، هى أداؤه الدين فعلاً . فإذا كان قد مات ، حلفت الورثة ، أو أوصيائهم إن كانت الورثة قصراً ، يمين عدم العلم بأنهم لا يعلمون بوجود الدين ، أو يمين العلم بأنه يعلمون بحصول الوفاء . ونرى من ذلك أن يمين الاستيثاق تكون فى بعض صورها يميناً على واقعة شخصية ، وفى صور أخرى يميناً على عدم العلم ، ونبقى فى الحالتين يمين استيثاق . وقد رأينا كذلك فيما تقدم أن يمين عدم العلم لا تختص بيمين الاستيثاق ، بل هى قد تكون أيضاً فى اليمن الحاسمة وفى اليمين المتممة الأصلية . فلا يجوز إذن الخلط ما بين عدم العلم ويمين الاستيثاق ، وقد سبق أن نبهنا إلى ذلك .
وخصائص يمين الاستيثاق فى الحالة التى نحن بصددها أنها يمين إجبارية ، لابد للقاضى من أن يوجهها إلى المدين أو إلى ورثته . وتوجه إلى هؤلاء دون الدائن . وإذا حلفها من وجهت إليه كسب الدعوى حتما . على أنها تبقى بعد كل ذلك فى نظرنا يميناً متممة لا يميناً حاسمة . فهى تختلف اختلافاً جوهرياً عن اليمين الحاسمة فى أنها ليست هى الدليل الوحيد فى الدعوى ، بل هى دليل تكميلى يعزز الدليل الأصلى وهى قرينة الوفاء المستخلصة من انقضاء سنة على وجود الدين . $ 590 $ على أن هناك رأياً يذهب إلى أن اليمين هنا يمين حاسمة إجبارية يوجهها القاضى من تلقاء نفسه فى حق تقادم بمدة قصيرة . والتقادم يقوم على أساس قرينة الوفاء ، فهى قرينة قانونية قاطعة لا يجوز دحضها إلا بالإقرار أو بالنكول عن هذه اليمين . وسنعود إلى هذا الرأى عند الكلام فى القرائن القانونية القاطعة .
( ثانيا ) نصت المادة 194 / 201 من التقنين التجارى على أن " الأوراق المحررة لأعمال تجارية يسقط الحق فى إقامة الدعوى بها بمضى خمس سنوات . وإنما على المدعى عليهم تأييد براءة ذمتهم بحلفهم اليمين على أنه لم يكن فى ذمتهم شيء من الدين إذا دعوا للحلف . وعلى من يقوم مقامهم أو ورثتهم أن يحلفوا يميناً على أنهم معتقدون حقيقة أنه لم يبق شيء مستحق من الدين " .
فهذا النص أيضاً كالنص السابق يجعل بعض الحقوق التجارية تتقادم بمدة قصيرة هى خمس سنوات . وقد جعل القانون من هذا التقادم قرينة على الوفاء . ولكنه اعتبر هذه القرينة دليلا غير كامل ، فرأى أن يعززها ، إذا طلب الدائن ذلك ، بيمين متممة يحلفها المدين على أن ليس فى ذمته شيء من الدين ، أو يحلفها ورثته ، وهنا يحلفون على أكثر من عدم العلم ، إذ يحلفون على أنهم معتقدون حقيقة أنه لم يبق شيء مستحق من الدين .
ويمين الاستيثاق هذه ليست بإجارية ، ولكن طلبها موكول إلى الدائن لا إلى القاضى . وتوجه إلى المدين أو ورثته دون الدائن . وإذا حلفها من وجهت إليه كسب الدعوى حتما( 1068 ) . ولكنها مع ذلك يمين متممة ، لأنها دليل تكميلى $ 591 $ يعزز دليلا أصلياً فى الدعوى ، هو قرينة الوفاء المستخلصة من انقضاء خمس سنوات على وجود الدين ( 1069 ) .
( ثالثا ) نصت المادة 394 من التقنين المدنى على أن " تعتبر الورقة العرفية صادرة ممن وقعها ، ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة . أما الوارث أو الخلف فلا يطلب منه الإنكار ، ويكفى أن يحلف يميناً بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هى لمن تلقى عن الحق " .
وهذا النص يختلف عن سابقيه . فهو يتكلم عن يمين تتمحض فى أنها يمين على عدم العلم . ثم إنها لا تعزز دليلا أصلياً فى الإثبات ، بل هى تساعد الورثة على اتخاذ موقف المنكر للورقة العرفية . فهى لا تثبت شيئاً ، ولكنها تنشئ موقفاً . بيد أنها على كل حال يمين متممة من نوع خاص ، إذ يستكمل بها من حلفها الشروط $ 592 $ القانونية اللازمة لدفع حجية الورقة العرفية فى الإثبات . ومن هذه الناحية وحدها يمكن اعتبارها ، فى كثير من التجوز ، يمين استيثاق( 1070 ) .
318 - يمين الاستظهار : هذه اليمين لا وجود لها فى التقنين المدنى المصرى ، ومن ثم لا نطبق أحكامها عندنا . وهى موجودة فى التقنين المدنى العراقى ، أخذها عن الفقه الإسلامى( 1071 ) . فقد نصت المادة 484 من هذا التقنين على ما يأتى :
$ 593 $
" تحلف المحكمة من تلقاء نفسها في الأحوال الآتية : أ – إذا ادعى أحد في التركة حقاً وأثبته ، فتحلفه المحكمة يمين الاستظهار على أنه لم يستوف هذا الحق بنفسه ولا بغيره من الميت بوجه ، ولا أبرأه ، ولا أحاله على غيره ، ولا استوفى دينه من الغير ، وليس للميت في مقابلة هذا الحق رهن . ب – إذا استحق أحد المال واثبت دعواه ، حلفته المحكمة على أنه لم يبع هذا المال ، ولم يهبه لأحد ، ولم يخرجه من ملكه بوجه من انلوجوه . ج – إذا أراد المشتري رد المبيع لعيب ، حلفته المحكمة على أنه لم يرض بالعيب صراحة أو دلالة " . ثم نقل قانون البينات السوري ( م 123 ) هذا النص وأضاف إليه حالة رابعة هي : " إذا طالب الشفيع بالشفعة حلفته المحكمة بأنه لم يسقط حق شفعته بوجه من الوجوه " .
وهذه الحقوق المذكورة في النص تجتمع في إنها تنطوي على شيء من الخفاء فمن يدعى في التركة حقاً ، ومعه الدليل الذي يثبت هذا الحق ، لا يواجه خصمه الحقيقي ، وهو الميت ، ليبدي هذا ما عنده من دفوع لهذا الحق . والورثة قد يجهلون هذه الدفوع أو يجهلون بعضها . لذلك عندما يقيم المدعى الدليل على حقه في التركة ، يعتبر القانون هذا الدليل غير كامل ، ويوجب تعزيزه بيمين متممة ، هي يمين الاستظهار ، على أن المدعى لمي ستوف حقه بأية صورة من الصور . والمستحق للمال إنما قدم دليلا نسبياً على الملك . فيبقى أن يعزز هذا الدليل بيمين متممة ، هي يمين الاستظهار ، على أن المال لم يخرج من ملكه بوجه من لاوجه . والمشتري الذي يرد المبيع ليعب ، ويقدم الدليل على هذا العيب ، يحتمل أن يكون قد رضى به . فعليه أن يعزز دليله بيمين متممة ، هي يمين الاستظهار ، على أنه لم يرض بالعيب صراحة أو دلالة . والشفيع عندما يطالب بالشفعة يحتمل أن يكون قد اسقط شفعته فعليه اني عزز مطالبته بيمين متممة ، هي يمين الاستظهار ، على أنه لم يسقط حق شفعته بحال من الأحوال .
فيمين الاستظهار في الأحوال المنصوص عليها إنما هي ، كما نراها ، يمين متممة . ولكنها يمين متممة لها خصائص يمين الاستيثاق : فهي يمين اجبارية ، يوجهها القاضي إلى خصم بالذات يعينه القانون ، وإذا حلفها الخصم كسب حتما دعواه .
319 – يمين التقويم – النصوص القانونية : تنص المادة 417 $ 594 $ من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - لا يجوز للقاضى أن يوجه إلى المدعى اليمين المتممة لتحديد قيمة المدعى به إلا إذا استحال تحديد هذه القيمة بطريقة أخرى " .
" 2 - ويحدد القاضى ، حتى فى هذه الحالة ، حداً أقصى للقيمة التى يصدق فيها المدعى بيمينه( 1072 ) " .
وهذا نص استحدثه التقنين المدنى الجديد . ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 122 ، وفى التقنين المدنى العراقى 483 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادة 240 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 406( 1073 ) . ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1369( 1074 ) .
$ 595 $
وموضوع يمين التقويم هو ، كما نرى من النص ، تقدير قيمة شيء واجب ترد وتعذر رده ، فيقضى بقيمته . مثل ذلك وديعة أو عارية هلكت بتعد ، يقضى بقيمتها للمودع أو المعير . ومثل ذلك أيضاً بيع أو إيجار فسخ ، وتعذر رد المبيع أو العين المؤجرة بتقصير من المشترى أو المستأجر ، فيقضى بالقيمة للبائع أو المؤجر ( 1075 ) . ولكن هذه القيمة استحال تقديرها بأى طريق –ولو بطريق الخبراء على أساس تعيينها بالوصف - فلم يعد مناص من الرجوع فى قيمتها إلى المدعى ، فيوجه إليه القاضى يمين التقويم . ومن هنا نرى أن الخصم الذى توجه إليه هذه اليمين المتممة هو دائماً المدعى الذى يطالب باسترداد الشيء( 1076 ) ، دون المدعى عليه المطلوب منه الرد . ثم أن موضوع اليمين هو دائماً المبلغ الذى يقدر به المدعى قيمة الشيء المطلوب رده ، على ألا يجاوز هذا المبلغ حداً أقصى بعينه القاضى بحسب تقديره وفقاً لما يستلخصه من ظروف الدعوى ( 1077 ) . وفى هاتين الخصيتين تختلف أحكام يمين التقويم عن أحكام اليمين المتممة الأصلية .
$ 596 $
ولكن أحكام هذه اليمين تتفق مع أحكام اليمين المتممة الأصلية فى أنها لا يجوز ردها على الخصم الآخر ، وفى أن القاضى لا يتقيد بموجبها . فللقاضى أن يحكم بأقل من المبلغ الذى حلف عليه الخصم أو بأكثر ، لاسيما إذا قدم أحد الخصمين بعد الحلف عناصر جديدة يستطيع القاضى أن يستهدى بها فى تقدير قيمة الشيء . كذلك للمحكمة الاستئنافية أن تنقص أو تزيد فى المبلغ الذى قضت به المحكمة الابتدائية ( 1078 ) .
ولما كان النص مستحدثاً كما قدمنا ، فلا يكون له أثر رجعى ، وهو لا يسرى بما له من خصائص يختلف فيها عن اليمين المتممة الأصلية ، إلا من 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 ، عن التزامات بالرد نشأت منذ هذا التاريخ .
$ 597 $
الفصل الثالث
القرائن القانونية وحجية الأمر المقضى
320 - موضوعان للبحث : عرض الفصل الثالث فى الإثبات ، من التقنين المدنى ، للقرائن ، فتناول القرائن القانونية ، وذكر من بينها حجية الأمر المقضى وارتباط القاضى المدنى بالحكم الجنائى . ثم تناول القرائن القضائية .
ولما كنا قد فرغنا من الكلام فى القرائن القضائية فيما تقدم ، وتناولنا موضوع ارتباط القاضى المدنى بالحكم الجنائى فى الجزء الأول من هذا الكتاب ( 1079 ) ، فلا يبقى للبحث إلا موضوعان :
( 1 ) القرائن القانونية .
( 2 ) حجية الأمر المقضى ، وهى قرينة من أبرز القرائن القانونية .
ونتناول كلا من هذين الموضوعين .
الفرع الأول
القرائن القانونية
321 - النصوص القانونية : تنص المادة 404 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" القرينة القانونية تعفى من تقررت لمصلحته عن أية طريقة أخرى من طرق الإثبات . على أنه يجوز نقض هذه القرينة بالدليل العكس ، ما لم يوجد نص يقضى بغير ذلك( 1080 ) .
$ 598 $
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق . على أن الأحكام تكاد تكون واحدة فى القانونين القديم والجديد ، إلا أن التقنين الجديد حسم الأمر فى خصوص القرينة القاطعة أو المطلقة ، فقرر ، كما نرى ، أن القرينة لا تكون قاطعة إلا بنص القانون ، أى إلا إذا نص القانون على أنها لا تقبل النقض .
ويقابل النص فى التقنينات العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 89 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 502 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادتين 303 و 306 ، وفى التقنين الليبى المادة 392( 1081 ) .
ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين 1350 و 1352( 1082 ) .
$ 599 $
ونتكلم فى مسالتين :
( 1 ) ركن القرينة القانونية والمهمة التى تقوم بها هذه القرينة .
( 2 ) حجية القرينة القانونية فى الإثبات .
المبحث الأول
ركن القرينة القانونية والمهمة التى تقوم بها هذه القرينة
322 - ركن القرينة القانونية هو نص القانون – القرينة القانونية والقرينة القضائية : قدمنا ، عند الكلام فى القرائن القضائية ، أن للقرينة القضائية عنصرين :
( 1 ) واقعة ثابتة يختارها القاضى وتسمى علامة أو أمارة ( indice ) .
( 2 ) وعملية استنباط يقوم بها القاضى ليصل من هذه الواقعة الثابتة إلى الواقعة المراد إثباتها . وقلنا إن هذين العنصرين هما من عمل القاضى : الواقعة الثابتة هو الذى يختارها ، وعملية الاستنباط هو الذى يجريها . وللقاضى سلطة واسعة فى كل ذلك .
$ 600 $
أما القرينة القانونية فعلى العكس من ذلك لا عمل فيها للقاضى ، بل أن العمل كله للقانون . فركن القرينة القانونية هو نص القانون وحده . فهو الذى يختار العنصر الأول ، أى الواقعة الثابتة . وهو الذى يجرى عملية الاستنباط فيقول : ما دامت هذه الواقعة قد ثبت ، فإن واقعة أخرى معينة تثبت بثبوتها . مثل ذلك ما تنص عليه المادة 91 من التقنين المدنى من أن وصول التعبير عن الإرادة إلى التعبير عن الإرادة . ويستنبط منها القانون واقعة أخرى ، هى العلم بهذا التعبير ، يعتبرها القانون هى أيضاً ثابتة . وقس على ذلك القرائن القانونية التى أقامها التقنين المدنى فى المادتين 238 و 239 وغيرهما من النصوص .
فعنصر القرينة القانونية إذن هو نص القانون ، ولا شيء غير ذلك . ولا يمكن أن تقوم قرينة قانونية بغير نص من القانون . وإذا وجد النص ، فقامت القرينة القانونية ، فإنه لا يمكن أن يقاس عليها قرينة قانونية أخرى بغير نص ، اعتماداً على المماثلة أو الأولوية . بل لابد من نص خاص أو مجموع من النصوص لكل قرينة قانونية ( 1083 ) .
ولا سلطة للقاضى فى القرينة القانونية كما قدمنا . ويغلب أن تكون القرينة $ 601 $ القانونية فى الأصل قرينة قضائية ، انتزعها القانون لحسابه ، فنص عليها ، وحدد مداها ، ونظم حجيتها ، ولم يدع للقاضى فيها عملا ( 1084 ) . فالحقيقة القضائية هنا هى من عمل القانون وحده ، يفرضها على القاضى وعلى الخصوم . وذلك على خلاف الحقيقة القضائية المستمدة من القرينة القضائية ، فهى من عمل القاضى ( 1085 ) .
ومن هنا تتبين خطورة القرائن القانونية . فهى ، وإن كانت تقام على فكرة ما هو راجع الوقوع ( idée de probabilite ) ، يقيمها القانون مقدماً ، ويعممها ، دون أن تكون أمامه الحالة بالذات التى تطبق فيها كما هو الأمر فى القرائن القضائية . ومن ثم تتخلف حالات –تتفاوت قلة وكثرة - لا تستقيم فيها القرينة القانونية( 1086 ) .
$ 602 $
323 - مهمة القرينة القانونية هى الإعفاء من الإثبات : وتختلف القرينة القضائية عن القرينة القانونية فى أن الأولى تعتبر دليلا إيجابياً فى الإثبات ، وإن كانت دليلا غير مباشر . هى أولا دليل إيجابى : لأن الخصم يتوسل بها إلى إثبات دعواه ، وعليه هو أن يستجمع عناصرها ويلم شتاتها ويتقدم إلى القاضى باستنباط الواقعة المراد استخلاصها منها ، والقاضى بعد حر فى مسايرة الخصم ، فقد يسلم بثبوت الواقعة التى هى أساس القرينة وقد لا يسلم ، وقد يقر استنباط الخصم وقد لا يقر ، ولكنه على كل حال ليس ملزماً أن يستجمع هو بنفسه القرائن وأن يستخلص منها دلالتها ، بل على الخصم يقع عبء تقديم القرينة ، وإن كان للقاضى أن يأخذ من تلقاء نفسه بقرينة فى الدعوى لم يتقدم بها الخصم . والقرينة القضائية ثانياً دليل غير مباشر : لأن الواقعة الثابتة ليست هى نفس الواقعة المراد إثباتها ، بل واقعة أخرى قريبة منها ومتعلقة بها ، بحيث إن ثبوت الواقعة الأولى على هذا النحو المباشر يعتبر إثباتاً للواقعة الثانية على نحو غير مباشر .
أما القرينة القانونية فهى ليست دليلا للإثبات ، بل هى إعفاء منه ( Disqense de Preuve ) . فالخصم الذى تقوم لمصلحته قرينة قانونية يسقط عن كاهله عبء الإثبات ، إذا القانون هو الذى تكفل باعتبار الواقعة المراد إثباتها $ 603 $ ثابتة بقيام القرينة ، وأعفى الخصم من تقديم الدليل عليها . وتستوى فى ذلك القرينة القانونية القاطعة والقرينة القانونية البسيطة ، فسنرى أن القرينة القانونية البسيطة هى أيضاً إعفاء من الإثبات ، وأن جواز إقامة الدليل على عكسها ليس إلا نزولا على أصل من أصول الإثبات يقضى بجواز نقض الدليل بالدليل .
والقرينة القانونية تعفى من الإثبات فى الدائرة التى رسمها لها القانون ، ولو فى تصرف قانونى تزيد قيمته على عشرة جنيهات ، أى فى دائرة لا تقبل فيها القرينة القضائية .
324 - ولكن يجب على الخصم إثبات الواقعة التى تقوم عليها القرينة القانونية : على أن القرينة القانونية إذا كانت إعفاء من إثبات الواقعة المراد إثباتها ، فهى ليست إعفاء من إثبات الواقعة التى تقوم عليها القرينة ، والتى يعتبر القانون أن إثباتها هو إثبات للواقعة الأولى .
مثل ذلك أن التقنين المدنى ، فى المادة 587 ، يقضى بأن الوفاء بقسط من الأجرة قرينة على الوفاء بالأقساط السابقة على هذا القسط . فالقانون هنا أقام قرينة قانونية على واقعة الوفاء بقسط سابق من الأجرة ، وأقامها على واقعة الوفاء بقسط لاحق . فواقعة الوفاء بقسط سابق هى الواقعة المراد إثباتها ، وقد اعتبرها القانون ثابتة وأعفى المستأجر من إثباتها . وواقعة الوفاء بقسط لاحق هى الواقعة التى تقوم عليها القرينة ، ولم يعف القانون المستأجر من إثباتها ، بل يجب على هذا أن يثبتها وفقاً للقواعد العامة ( 1087 ) . فإن كان القسط اللاحق لا يزيد على عشرة جنيهات كان للمستأجر أن يثبت الوفاء به جميع الطرق ، وإن زاد على هذا المبلغ لم يجز إثبات الوفاء به إلا بالكتابة .
$ 604 $
325 - فالقرينة القانونية هى نقل الإثبات من محل إلى آخر : ونرى من ذلك أن القرينة القانونية ليست فى الواقع إلا نقلا للإثبات من محله الأصلى إلى محل آخر ( Deplacement de Preuve ) . فالواقعة المراد إثباتها –وهى المحل الأصلى - يزحزح القانون عنها الإثبات ، ويحوله إلى واقعة أخرى قريبة منها . فإذا ثبتت هذه الواقعة الأخرى ، اعتبرت الواقعة الأولى ثابتة بحكم القانون .
326 - الحكمة فى القرائن القانونية : وترجع الحكمة فى النص على القرائن القانونية إلى أمور ، منها ما يتعلق بالمصلحة العامة ، ومنها ما يتعلق بمصالح الأفراد .
أما ما يتعلق بالمصلحة العامة ، فقد يكون ذلك :
( 1 ) لتحقيق هذه المصلحة ، كما هو الأمر فى حجية الأمر المقضى . فقد وضع الشارع قرينة قانونية تقضى بأن الحكم صحيح فيما قضى به ، فلا تجوز العودة إلى مناقشته إلا بطريق من طرق الطعن المقررة . ولو لم يفعل الشارع ذلك لأصبحت الأحكام القضائية مقلقلة مزعزعة ، ولما اطمأن المحكوم له إلى حقه الثابت بالحكم ، فوجب وضع هذه القرينة القانونية تحقيقاً لمصلحة عامة . هى احترام الأحكام ووضع حد للخصومة والنزاع .
( 2 ) لتضييق السبل على من يحاول الاحتيال على القانون . ذلك أن القانون قد يضع أحكاماً يعتبرها من النظام العام ، ويحتاط حتى لا تخالفها الناس فى تعاملها ولو بطريق غير مباشر ، فيضع قرائن قانونية تبطل ضروباً من التعامل تراد بها مخالفة هذه الأحكام . مثل ذلك القاعدة التى تقضى بأن الوصية لا يجوز أن تزيد على ثلث التركة ، قد تحتال الناس على مخالفتها بتسمية الوصية بيعاً أو هبة أو أى تصرف قانونى آخر . فوضع الشارع قرينة قانونية ، فى المادة 916 من التقنين المدنى ، تقضى بأن " كل عمل قانونى يصدر من شخص فى مرض الموت ، ويكون مقصوداً به التبرع ، يعتبر تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت ، وتسرى عليه أحكام الوصية أيا كانت التسمية التى تعطى لهذا التصرف " . فجعل صدور التبرع $ 605 $ فى مرض الموت قرينة على أن التبرع وصية ( 1088 ) .
وأما ما يتعلق بمصالح الأفراد ، فقد يكون ذلك :
( 1 ) لتعذر الإثبات فى بعض الأحوال تعذراً قد يصل على درجة الاستحالة ، فيعمد الشارع إلى وضع قرينة تعفى من هذا العبء . مثل ذلك مسئولية المتبوع عن تابعه ، فهى –كما يقال - مبنية على خطأ مفترض : علاقة التبعية وكون خطأ التابع قد وقع فى حال تأدية وظيفته أو بسبها قد جعلهما الشارع قرينة قانونية على الخطأ الصادر من المتبوع فى الرقابة على أعمال تابعه ، لتعذر إثبات هذا الخطأ فى أكثر الأحوال . ومثل ذلك أيضاً القاعدة التى تقضى بأن الولد للفراش ، فابن المرأة المتزوجة هو ابن زوجها ، والزوجية قرينة قانونية على بنوة الابن لأبيه ، لتعذر إثبات البنوة من الأب ( 1089 ) .
( 2 ) للأخذ بالمألوف المتعارف بين الناس . فإذا جعل الشارع المخالصة بالأجرة عن قسط لاحق قرينة على الوفاء بالقسط السابق ، فذلك لأن المألوف بين الناس فى التعامل هو أن المؤجر لا يعطى المستأجر مخالصة عن قسط لاحق إلا بعد أن يكون قد استوفى جميع الأقساط السابقة ( 1090 ) .
المبحث الأول
حجية القرينة القانونية فى الإثبات
327 - القرينة القانونية القاطعة والقرينة القانونية غير القاطعة : قدمنا أن القرينة القانونية هى إعفاء من الإثبات . فالخصم الذى تقوم القرينة القانونية لصالحه معفى من إثبات الواقعة التى يستخلصها القانون من هذه القرينة .
$ 606 $
ولكن لما كان الأصل هو أن كل دليل يقبل إثبات العكس ، فالدليل الكتابى يقبل إثبات العكس بدليل كتابى مثله ، والبينة تقبل إثبات العكس بينة مثلها أو بدليل كتابى ، والقرائن القضائية تقبل إثبات العكس بقرائن مثلها أو بينة أو بدليل كتابى ، وذلك كله وفقاً لمبدأ أساسى فى الإثبات هو حرية الدفاع ، ( Liberte de defense ) ، فإن هذا يؤدى بنا إلى النتيجة الآتية : كل قرينة قانونية –وقد أثبتت واقعة معينة - تقبل فى الأصل إثبات عكس هذه الواقعة( 1091 ) وإذا كان الدليل الكتابى والبينة –وهما يثبتان الواقعة بطريق مباشر - يقبلان إثبات العكس ، فأولى بالقرينة القانونية –وهى تقتصر على الإعفاء من الإثبات - أن تقبل هى الأخرى إثبات العكس( 1092 ) .
ويتبين من ذلك أن الأصل فى القرينة القانونية أن تكون غير قاطعة ، $ 607 $ أى أنها تقبل إثبات العكس . فإذا هى لم تقبل إثبات العكس ، فذلك هو الاستثناء ( 1093 ) .
فمتى إذن نعتبر استثناء أن القرينة قاطعة؟ يقودنا هذا إلى الكلام فى القرينة القاطعة ثم فى القرينة غير القاطعة .
المطلب الأول
القرينة القانونية القاطعة أو المطلقة
( Presomption irrefragable, absolue, Juris et de Jure )
328 - التقنين المدنى الفرنسى : حاول التقنين المدنى الفرنسى أن يضع معياراً للقرينة القانونية القاطعة ، فنص فى الفقرة الثانية من المادة 1352 على أنه " لا يجوز إثبات ما ينقض القرينة القانونية إذا كان القانون يبطل على أساسها بعض التصرفات أو يجعل الدعوى غير مقبولة ، هذا ما لم يحفظ القانون الحق فى إقامة الدليل العكسى ، وذلك مع عدم الإخلال بما سيتقرر فى خصوص اليمين والإقرار القضائيين " .
ويمثل الفقهاء الفرنسيون للقرينة القانونية التى يبطل القانون على أساسها تصرفاً قانونياً بالمادة 911 من التقنين المدنى الفرنسى ، وتنص على أن " كل تبرع صادر لعديم الأهلية يكون باطلا ، سواء ستر فى صورة عقد معارضة أو صدر لشخص مسخر ( Personne interpose ) . ويعتبر شخصاً مسخراً لعديم الأهلية أبوه وأمه وأولاده وفروعه وزوجه " . فهنا يبطل القانون تصرفاً قانونياً على أساس قرينة قانونية . إذ الهبة تكون باطلة إذا صدرت لعديم الأهلية . ويقيم القانون قرينة قانونية ، إذا صدرت الهبة لأحد من أقارب عديم الأهلية المذكورين فى النص ، على أن الصادر له الهبة هو شخص مسخر لعديم الأهلية ، وتكون الهبة قد صدرت فى الواقع من الأمر لعديم الأهلية نفسه ، ومن ثم تكون باطلة . $ 608 $ فالقرينة القانونية التى نص عليها القانون قد أبطل على أساسها تصرفاً قانونياً هو عقد الهبة . ولذلك تكون هذه القرينة قاطعة لا تقبل إثبات العكس ، فلا يجوز للشخص المسخر ( الاسم المستعار ) الذى تلقى الهبة أن يثبت أنه ليس شخصاً مسخراً لعديم الأهلية وأنه هو المقصود حقيقة بالهبة( 1094 ) . ويمثلون أيضاً بالمادة 472 من التقنين المدنى الفرنسى ، وتنص على أن " كل تعامل بين الوصى والقاصر بعد بلوغه سن الرشد يكون باطلا إذا لم يسبقه تقديم حساب مفصل مصحوب بالسندات المؤيدة له ، ويكون كل هذا ثابتاً بإيصال من ذى الشأن قبل التعامل بعشرة أيام على الأقل " . فالقانون هنا أبطل تصرفا قانونياً ، هو التعامل ما بين الوصى والقاصر بعد بلوغه سن الرشد ، على أساس قرينة قانونية ، هى العلاقة القائمة ما بين الوصى ومحجوره السابق دون أن يقدم لمحجوره السابق فى التعامل الذى جرى بينهما قبل تقديم الحساب . فتكون القرينة القانونية قاطعة لا تقبل إثبات العكس ، ولا يجوز للوصى أن يثبت أن التعامل الذى تم كان تعاملا جدياً لا استغلال فيه .
ويمثل الفقهاء الفرنسيون للقرينة القانونية التى يجعل القانون على أساسها الدعوى غير مقبولة بحجية الأمر المقضى وبالتقادم وبتسليم سند الدين للمدين . فحجية الأمر المقضى تقوم على قرينة قانونية غير قابلة لإثبات العكس ، لأن الدعوى التى تدفع بهذه الحجية لا يجوز سماعها . والتقادم يقوم على قرينة قانونية غير قابلة لإثبات العكس ، لأن الدعوى تكون غير مقبولة إذا دفعت بالتقادم . وتسليم الدائن باختياره سند الدين للمدين قرينة على براءة ذمة المدين ، والقرينة قاطعة لا تقبل إثبات العكس ، لأن الدائن إذا رفع دعوى على مدينه بعد أن سلمه سند الدين ، ودفع المدين بهذه القرينة ، تكون الدعوى غير مقبولة . ومن ثم لا يجوز للمحكوم عليه ، فى حجية الأمر المقضى ، أن يثبت أن الحكم الذى يحتج عليه به غير صحيح . ولا يجوز للدائن ، فى التقادم ، أن يثبت أن الدين $ 609 $ موجود بالرغم من تقادمه . ولا يجوز للدائن ، فى تسليم سند الدين ، أن يثبت عدم براءة ذمة المدين بالرغم من تسلمه للسند .
ويخلص مما تقدم أن القانون إذا أبطل تصرفاً قانونياً أو جعل الدعوى غير مقبولة على أساس قرينة قانونية ، كانت هذه القرينة غير قابلة لإثبات العكس ( 1095 ) .
329 - انتقاد التقنين الفرنسى : وهذا المعيار الذى اختاره التقنين المدنى الفرنسى للقرينة القانونية القاطعة كان محل انتقاد شديد من الفقهاء الفرنسيين ، وبخاصة من جنى ( Geny ) فى كتابه المعروف : العلم والصياغة فى القانون الخاص ( 1096 ) .
فيقول عن الشق الأول من المعيار –إبطال التصرف القانونى على أساس القرينة القانونية - إنه لا يعبر بأمانة عن الغرض الحقيقى للمشرع . فقد أراد هذا أن يجعل القرينة قاطعة ليسد بها السبيل على ضروب التحايل للخروج على نواهى القانونية المبينة على النظام العام ( 1097 ) . وهناك صلة وثيقة بين ما ورد عن إبطال التصرف فى المادة 1350 وما ورد عن ذلك فى المادة 1352 . فقد ذكرت المادة 1350 صراحة فى هذا الصدد التصرفات التى يقرر القانون أنها باطلة مفترضاً أنها أبرمت للاحتيال على أحكامه ، وهذا هو عين ما قصد إليه بذكره إبطال التصرف فى المادة 1352 .
وأما عن الشق الثانى من المعيار –جعل الدعوى غير مقبولة على أساس القرينة القانونية - فيقول جنى إن المقصود بهذا المعيار أن يكون هناك دفع يمنع $ 610 $ من الدخول فى موضوع الدعوى فترفض على هذا الأساس ، لا ألا ترفع الدعوى أصلا فإن أية دعوى ترفع يجب نظرها وإلا كان هذا إنكاراً لداء العدالة . ولما كان الدفع بأية قرينة قانونية –قاطعة كانت أو غير قاطعة - يؤدى إلى عدم الدخول فى الموضوع والوقوف عند هذه القرينة ، كان هذا المعيار إن فهم على المعنى الأول يتناول كل القرائن القانونية القاطعة وغير القاطعة دون تمييز فيما بينها ، وإن فهم على المعنى الثانى فإنه لا يتناول شيئاً منها على الإطلاق( 1098 ) .
330 - الرأى الصحيح : والرأى الذى يبدو صحيحاً ، ويتجه إليه الفقه الفرنسى المعاصر ، فى معيار القرائن القانونية يمكن بسطه على النحو الآتى :
الأصل أن تكون القرينة القانونية يغر قاطعة ، فتقبل إثبات العكس . وهذا شأن كل دليل ينظمه القانون . ولكن هناك قرائن أقامها المشرع لاعتبارات هامة خطيرة ، يحرص كل الحرص على عدم الإخلال بها ، ومن ثم يجعل هذه القرائن غير قابلة لإثبات العكس حتى يستقيم له غرضه . ولا يرجع ذلك ضرورة إلى أن القرينة القانونية هى أكثر انطباقاً على الواقع من غيرها ، بل يرجع لاعتبارات يستقل بتقديرها المشرع ، فهو وحده الذى وضع القرينة القانونية ، وهو وحده الذى يقدر ما إذا كان يجعلها غير قابلة لإثبات العكس . ومن ثم كان واجباً على المشرع عندما يقيم قرينة قانونية ، ويريد أن يحكم تشريعه ، أن ينظر ما إذا كانت الاعتبارات التى اقتضت النص على هذه القرينة هى من الأهمية والخطورة بحيث تستوجب أن تبقى القرينة قائمة فى جميع الأحوال ، فعند ذلك ينص على عدم جواز إثبات العكس . فإن سكت عن ذلك ، كانت القرينة القانونية قابلة لإثبات العكس رجوعاً إلى الأصل ( 1099 ) .
$ 611 $
331 - التقنين المدنى المصرى : وهذا هو عين ما فعله المشرع المصرى فى التقنين المدنى الجديد . إذ نص ، كما رأينا ، فى المادة 404 على أنه " يجوز نقض هذه القرينة ( أى القرينة القانونية ) بالدليل العكسى ، ما لم يوجد نص يقضى بغير ذلك " .
والسياسة التشريعية التى جرى عليها المشرع المصرى فى التقنين المدنى الجديد هى أنه عندما يقف عند قرينة قانونية يريد جعلها قاطعة لا تقبل إثبات العكس ينص على ذلك ، وإن كان النص يأتى بطريق غير مباشر . فعل ذلك فى القرائن القانونية على الخطأ التى تقوم عليها المسئولية عن الحيوان والمسئولية عن الأشياء والمسئولية العقدية ومسئولية المستأجر عن الحريق .
فقد نصت المادة 176 على أن " حارس الحيوان ، ولو لم يكن مالكاً له ، مسئول عما يحدثه الحيوان من ضرر ، ولو ضل الحيوان أو تسرب ، ما لم يثبت الحارس أن وقوع الحادث كان بسبب أجنبى لا يد له فيه " . فأقام المشرع مسئولية حارس الحيوان على قرينة قانونية تفيد خطأ الحارس ، ولم يسمح للحارس أن يزحزح المسئولية عن عاتقه إلا بإثبات السبب الأجنبى . ومقتضى هذا أن الحارس –وقوام مسئوليته الخطأ والضرر وعلاقة السببية فيما بينهما - يستطيع أن ينفى علاقة السببية بإثبات عكسها وهو السبب الجنبى . ولا يستطيع أن ينفى الخطأ لأن قرينته القانونية غير قابلة لإثبات العكس . وعلى هذا المنول جرى فى المسئولية عن الأشياء ( م 178 ) ، وفى المسئولية العقدية ( م 215 ) ، وفى $ 612 $ مسئولية المستأجر عن الحريق ( م 584 )( 1100 ) .
بل إن التقنين المصرى كثيراً ما ينص على أن قرينة قانونية معينة قابلة لإثبات العكس ، فى غير ضرورة ، إذ هى قابلة لإثبات العكس ولو لم ينص على ذلك ، رجوعاً إلى الأصل كما قدمنا . ولكنه يفعل ذلك منعاً للبس . نص فى الفقرة الثالثة من المادة 173 على أن " يستطيع المكلف بالرقابة أن يخلص من المسئولية إذا أثبت أنه قام بواجب الرقابة ، أو أثبت أن الضرر أن يخلص من المسئولية إذا أثبتت أنه قام بواجب الرقابة ، أو أثبت أن الضرر كان لابد واقعاً ولو قام بهذا الواجب بما ينبغى من العناية " . فأقام مسئولية المكلف بالرقابة على قرينة قانونية تفيد الخطأ ، ولكنه نص على جواز نفى الخطأ بإثبات عكس هذه القرينة ويكفى لذلك أن يثبت المكلف بالرقابة أنه قام بواجبه فى هذا الصدد . ونص فى الفقرة الأولى من المادة 137 على أن " كل التزام لم يذكر له سبب فى العقد يفترض أن له سبباً مشروعاً ، ما لم يقم الدليل على غير ذلك " . ونص فى المادة 91 على أن " ينتج التعبير عن الإرادة أثره فى الوقت الذى يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك . وهو بعد أن نص على أن وصول التعبير قرينة على العلم وأن هذه القرينة القانونية قابلة لإثبات العكس ، لم ير حاجة فى أن يعود إلى النص على جواز إثبات العكس ، بعد أن زال كل لبس فى ذلك ، عندما عرض للتعاقد ما بين الغائبين فى المادة 97 ، فنص فى الفقرة الثانية من هذه المادة على أن " يفترض أن $ 613 $ الموجب قد علم بالقبول فى المكان وفى الزمان اللذين وصل إليه فيهما هذا القبول ( 1101 ) " .
وإذا وقفنا عند مسئولية المتبوع عن تابعه ، فرأينا الفقرة الأولى من المادة 174 تنص على أن " يكون المتبول مسئولا عن الضرر الذى يحدثه تابعه بعمله غير المشروع ، متى كان واقعاً منه فى حال تأدية وظيفته أو بسبها " ، ولم نر المشرع بنص على عدم جواز إثبات العكس ، فلا نتوهم أننا أمام قرينة قانونية لم ينص المشرع على عدم جواز إثبات عكسها ، فتكون قابلة لإثبات العكس . فسنرى أن مسئولية المتبوع عن التابع إنما هى قاعدة موضوعية ، وليست قائمة على قرينة قانونية ، والأصل فى القواعد الموضوعية أنها لا تقبل إثبات العكس . كذلك التقادم ، مكسباً كان أو مسقطاً ، لا حاجة فيه إلى النص على عدم جواز إثبات العكس ، لأن الأمر فيه أمر قاعدة موضوعية لا أمر قرينة قانونية ( 1102 ) . وسنعود إلى هذه المسألة ببيان أوفى .
332– القرينة القانونية القاطعة يجوز دحضها بالإقرار واليمين :
وإذا قلنا أن القرينة القانونية القاطعة لا تقبل إثبات العكس ، فليس معنى ذلك أنها لا تدحض أبداً . ذلك أن عدم القابلية للدحض لا يكون إلا للقواعد الموضوعية على ما سنرى . أما القرائن القانونية ، ولو كانت قاطعة ، فهى قواعد $ 614 $ إثبات . وأيا كانت المرتبة التى أرادها المشرع لها فى القطع والحسم . فهى لا تستعصى على أن تدحض بالإقرار واليمين ، ما دام المشرع قد شاء أن يبقيها فى حظيرة قواعد الإثبات ، ولم يرق بها إلى منزلة القواعد الموضوعية . وقد نص على ذلك صراحة التقنين المدنى الفرنسى فى المادة 1352 ، إذ قضى بعدم جواز إثبات ما ينقض القرينة القانونية القاطعة " مع عدم الإخلال بما سيتقرر فى خصوص اليمين والإقرار القضائيين " . وجمهرة الفقهاء فى فرنسا يفسرون هذا النص بأن إثبات عكس القرينة القانونية القاطعة لا يجوز إلا عن طريق الإقرار أو اليمين ( 1103 ) . وهذا الحكم يسرى أيضاً فى القانون المصرى دون نص صريح ، وقد انعقد عليه الاجتماع ( 1104 ) . ذلك أن القرينة القانونية القاطعة لا تزال دليلا من أدلة الإثبات ، بل لا تعدو أن تكون دليلا سلبياً إذ تقتصر على الإعفاء من الإثبات كما قدمنا . فإذا نقضها من تقررت لمصلحته بإقراره أو يمينه . فقد دحضها ، ولم يعد هناك محل لإعفائه من إثبات لم يقبل هو أن يعفى نفسه منه .
وينبنى على ذلك أن المسئول مسئولية قائمة على قرينة قانونية قاطعة - كما فى المسئولية عن الحيوان وعن الأشياء والمسئولية العقدية ومسئولية المستأجر عن الحريق - لا يستطيع أن يثبت عكس هذه القرينة كما قدمنا ، ولكنه يستطيع دحضها بإقرار يصدر من خصمه إلى هذا الخصم فينكل ( 1105 ) .
وقد نصت المادة 378 فقرة أولى من التقنين المدنى على حقوق تتقادم بسنة $ 615 $ واحدة ، ثم أضافت الفقرة الثانية من هذه المادة أنه " يجب على من يتمسك بأن الحق قد تقادم بسنة أن يحلف اليمين على أنه أدى الدين فعلا . . " . وهذا يدل على أن المشرع قد جعل هذا التقادم القصيرة قائماً على قرينة قانونية قاطعة تفيد الوفاء بالحق ، ومن ثم أجاز دحض هذه القرينة بالنكول عن اليمين ، فيجوز من باب أولى دحضها بالإقرار ( 1106 ) .
333 - ما لا يجوز دحضه بالإقرار أو اليمين ليس من القرائن القانونية بل هو من القواعد الموضوعية : على أن الفقه الفرنسى يذهب إلى القرينة القانونية القاطعة إذا كانت قائمة على اعتبارات روعيت فيها المصلحة العامة : كحجية الأمر المقضى والتقادم ، فإنه لا يجوز دحضها ، حتى بالإقرار أو اليمين ، لأن هذه الطريقين لا يجوز قبولهما فيما هو معتبر من النظام العام كما قدمنا ( 1107 ) . فيبقى الحكم قرينة قاطعة على ما قضى به ، حتى لو أقر من صدر الحكم لمصلحته بأنه حكم خاطئ . ويبقى الحق مقضياً أو مكسوباً بالتقادم ، حتى لو أقر من تم التقادم لمصلحته بأن الحق لم يقض أو لم يكسب ، وذلك فيما عدا التقادم المسقط بسنة واحدة الذى تقدم ذكره عند من يراه قائماً على قرينة قانونية ( 1108 ) .
$ 616 $
والصحيح أن القرينة القانونية القاطعة يجوز دائماً دحضها بالإقرار أو اليمين . أما الذى لا يدحض بالإقرار أو اليمين ، كحجية الأمر المقضى والتقادم ، فليس بقرينة قانونية ، بل هو قاعدة موضوعية ، تقوم ، هى أيضاً كالقرينة القانونية ، على فكرة الراجح الغالب الوقوع ( idée de Probabilite ) .
334 - القاعدة الموضوعية والقرينة القانونية : ذلك أنه يجب التمييز فى كثير من العناية بين القاعدة الموضوعية ( regle de fond ) والقرينة القانونية ( 1109 ) . إذ توجد قواعد موضوعية يبنيها المشرع على الكثرة الغالبة من الأحوال فيقلبها إلى حقائق ثابتة ( Probabilites transferees en certitudes ) ، مثلها فى ذلك مثل القرائن القانونية ( 1110 ) . فبلوغ الرشد تتفاوت فيه الناس ، ولا تكون سن الرشد واحدة للجميع ، ولكن المشرع لا يسعه أن يكل تحديد هذه السن –وأهميتها فى التعامل معروفة - إلى الظروف الذاتية لكل إنسان . فوجب أن يجعل بلوغ لجميع الناس عند سن معينة –الحادية والعشرين مثلا - مراعياً فى ذلك الكثرة الغالبة من الأحوال ، متجاوزاً عن التفاوت ما بين إنسان وآخر ، حتى ينضبط التعامل ويستقر ( 1111 ) . وهذا مثل للقاعدة الموضوعية التى يبنيها المشرع على فكرة الراجح الغالب الوقوع .
أما القرينة القانونية فقد قدمنا أنها قاعدة إثبات لا قاعدة موضوعية . خذ مثلا $ 617 $ القرينة القانونية التى تقضى بأنه الوفاء بقسط الأجرة اللاحق دليل على الوفاء بالقسط السابق . هذه قاعدة وضعها المشرع ، لا فى موضوع الحق وهو الوفاء بالأجرة وما يتصل به من أحكام ، بل فى إثباته أى كيف يثبت المستأجر أنه قام بوفاء الأجرة . وقد راعى المشرع فى وضعها –هنا أيضاً - الكثرة الغالبة من الأحوال ، إذ وجد أن المؤجر لا يعطى عادة مخالصة عن قسط لاحق إلا بعد أن يستوفى الأقساط السابقة ، فجعل من الوفاء بقسط لاحق قرينة قانونية على الوفاء بقسط سابق .
335 - كيف يكون التمييز بين القاعدة الموضوعية والقرينة القانونية : والذى يقارب ما بين القاعدة الموضوعية والقرينة القانونية هو –كما قدمنا - أن كلا منهما يقوم على الكثرة الغالبة من الأحوال أو على الراجح الغالب الوقوع . ولذلك يقع اللبس بينهما كثيراً . ولكنهما يختلفان فى أمرين جوهريين :
( الأمر الأول ) أن عامل الراجح الغالب الوقوع يختفى وراء القاعدة القانونية فتستغرقه ، ويكون منها بمثابة العلة ( motif ) من المعلول ، فمتى تقررت القاعدة توارت العلة خلفها ، ولم يعدها بعد ذلك مجال للظهور ( 1112 ) . أما هذا العامل فى القرينة القانونية فهو نفسه موضوع ( objet ) القرينة ، وإنما قامت القرينة لتقريرها ، فيبقى دائماً بازراً لا يختفى وراءها ( 1113 ) .
فإذا قلنا إن الإنسان يبلغ رشده فى الحادية والعشرين ، فقد دفع المشرع إلى تقرير هذه القاعدة الموضوعية أن هذا هو الذى يقع فى العادة . ولكن هذا الدافع ، أو هذه العلة ، تختفى وراء القاعدة ، وسواء وقع هذا فعلا أو لم يقع ، فالإنسان يبلغ رشده –قانوناً - فى الحادية والعشرين ، ولو بلغ – طبيعة - قبل ذلك أو بعد ذلك .
وإذا قلنا إن الوفاء بقسط لاحق دليل على الوفاء بقسط سابق ، فقد راعى المشرع فى ذلك أيضاً أن هذا هو الذى يقع فى العادة ، ولكن هذه العلة لا تختفى وراء القرينة ، بل تبقى بارزة تعمل عملها كما سيأتى .
$ 618 $
فالقانون لا يتقدم بالقرينة القانونية إلا مسببة ( Causee ) ، أما القاعدة الموضوعية فيتقدم بها مجردة ( Abstraite ) .
( والأمر الثانى ) يترتب على الأمر الأول . ذلك أن القاعدة الموضوعية لا تجوز معارضتها بالعلة فى تقريرها ، فقد اختفت هذه العلة واستغرقتها القاعدة . فإذا برز إنسان فى التاسعة عشرة من عمره ، ودل بتفوقه فى الذكاء والعلم أنه أرشد ممن بلغ الحادية والعشرين ، فلا يزال هذا الإنسان قاصراً فى نظر القانون ، مهما بلغت منزلته من التفوق . وإذا وجد ، على العكس من ذلك ، إنسان فى الحادية والعشرين ، وقد بدت عليه علامات القصور العقلى ، فإنه يعتبر بالرغم من ذلك بالغاً سن الرشد ، إلا إذا كان القصور العقلى قد وصل به إلى حد الغفلة أو العته ، فعندئذ يحجر عليه . فالقاعدة الموضوعية قد استغرقت علتها ، ولم يعد للعلة مجال للعمل .
أما القرينة القانونية فتجوز معارضتها بعلتها ، فإن العلة لم تستغرقها القرينة ، بل بقيت إلى جانبها بارزة . فإذا تقدم المؤجر بدليل يثبت أنه ، بالرغم من استيفائه للقسط اللاحق ، لم يستوف القسط السابق ، سمع منه ذلك ، وانهارت قرينة الوفاء بالقسط السابق . ذلك أن القرينة يتقدم بها المشرع مسببة بعلتها كما تقدم القول ، وكون الوفاء بالقسط اللاحق يكون ، فى الكثرة الغالبة من الأحوال ، المؤجر القسط اللاحق دون أن يستوفى القسط السابق . وقد أثبت المؤجر أن حالته هذه تندرج فى القلة من الأحوال لا فى الكثرة ، ففى خصوص هذه الحالة تخلفت القرينة لتخلف علتها ، فلا يعمل بها بعد أن دحضها المؤجر ( 1114 ) .
على أنه لا يجوز أن يفهم من ذلك أن كل قاعدة موضوعية هى قاعدة إجبارية يتحتم تطبيقها ولا يجوز استبعادها ، وأن كل قرينة قانونية تقبل الاستبعاد بالدليل العكسى . فإن فى القواعد الموضوعية ما لا يفرضه المشرع فرضاً حتمياً فى كل الأحوال ، بل ينزل فيه أولا عند إرادة أصحاب الشأن . فإذا قرر المشرع –فى المادة 462 من التقنين المدنى - أن نفقات عقد البيع تكون على المشترى ، فهو $ 619 $ قد قرر بذلك قاعدة موضوعية استغرقت علتها . ولكنه لم يرد إعمال هذه القاعدة إلا عندما لا يكون للمتعاقدين أية إرادة فى هذه المسألة . فإذا لم يكن بينهما اتفاق صريح أو ضمنى أو عرف على أن المصروفات يدفعها غير المشترى ، فالمشترى هو الذى يدفعها ، ما من ذلك بد ، ولا يجوز له أن يرفض دفعها بدعوى أن القاعدة الموضوعية التى تلزمه بها قد تخلفت علتها ، وأن حالته تندرج فى القلة من الأحوال التى لا يدفع فيها المشترى المصروفات ، ما دام لم يتفق مع البائع على ذلك . وهنا نرى أن القاعدة إنما هى قاعدة موضوعية قد استغرقت علتها ( 1115 ) . لكن إذا اتفق المشترى مع البائع اتفاقاً صريحاً أو ضمنياً ، أو قام عرف ، على أن البائع هو الذى يدفع المصروفات ، فالمشرع لا يفرض قاعدته على إرادته المتعاقدين ، وتخلى القاعدة مكانها للاتفاق أو العرف . وهنا نرى أن هذه القاعدة الموضوعية ليست قاعدة إجبارية ( regle imperative ) ، بل هى قاعدة تكميلية ( regle suppletive ) ، لا تهدر الإرادة لتحل محلها ، بل تملأ الفراغ الذى تتركه( 1116 ) .
كذلك ليس صحيحاً أن كل قرينة قانونية تقبل الاستبعاد بالدليل العكسى . فمن القرائن القانونية ما يجعله المشرع قاطعاً لا يجوز أن يستبعد ، حتى يستقيم له غرضه من استقرار التعامل . مثل ذلك ما فعله عندما اتخذ من التقادم بسنة واحدة قرينة قاطعة على الوفاء بحقوق ذكرها فى المادة 378 من التقنين المدنى . فهنا اتخذ التقادم قرينة على الوفاء بحقوق معينة ، كما اتخذ الوفاء بالقسط اللاحق قرينة على الوفاء بالقسط السابق . إلا أنه جعل القرينة الأولى قاطعة ، ولم يجز إثبات عكسها . وجعل القرينة الثانية ، كما رأينا ، قرينة غير قاطعة ، وأجاز إثبات عكسها . ولكن تبقى القرينة الأولى ، ولو كانت قاطعة ، قاعدة للإثبات ، فتوافق فى ذلك القرائن غير القاطعة ، وتفارق القواعد الموضوعية . فالتقادم بسنة قرينة $ 620 $ قاطعة على الوفاء بحق معين ، ولكن هذه القرينة لا تعدو أن تكون طريقاً للإثبات ، أو إعفاء منه على الأصح . ويترتب على ذلك أن الخصم الذى تقررت القرينة القاطعة لمصلحته إذا نزل عنها ، وقال إن الدين باق فى ذمته ، أو نكل عن اليمين التى توجه إليه فى ذلك ، فإن إقراره هذا –الصريح أو الضمنى - يجعل القرينة تنهار ، بالرغم من أنها قاطعة . ومن ثم تكون كل القرائن القاطعة قابلة للدحض بالإقرار أو اليمين كما قدمنا ( 1117 ) .
336 - الانتقال من القاعدة الموضوعية إلى القرينة القانونية ومن القرينة القانونية إلى القاعدة الموضوعية رهن بإرادة المشرع : والانتقال من القاعدة الموضوعة إلى القرينة القانونية ، أو من القرينة القانونية إلى القاعدة الموضوعة ، أمر موكول إلى المشرع . فكل من القاعدة الموضوعة والقرينة القانونية من صنعه . فهو إن شاء جعل ما يقرره من ذلك قاعدة موضوعية ، وإن شاء جعله قرينة قانونية ، وفقاً لما يقدر من الاعتبارات التى تتفاوت فى القوة والضعف فتحمله على المسلك الأول أو على المسلك الثانى . وله كذلك ، إن شاء ، أن يهبط بقاعدة موضوعية إلى قرينة قانونية ، وأن يرتفع بقرينة قانونية إلى قاعدة موضوعية .
وقد هبط المشرع المصرى فعلا بالتقادم ، وهو فى الأصل قاعدة موضوعية ، إلى أن جعله قرينة قانونية فى حالة من حالاته . فعل ذلك كما قدمنا فى التقادم المسقط لحقوق معينة بسنة واحدة ، إذ أجاز دحض القرينة بالإقرار أو اليمين . ولو استبقى التقادم هنا قاعدة موضوعية ، كما هو شأن سائر حالات التقادم المسقط $ 621 $ كل حالات التقادم المكسب ، لما أجاز ذلك .
وارتفع المشرع المصرى بقرينة قانونية إلى منزلة القاعدة الموضوعة ، عندما قرر ، فى المادة 948 من التقنين المدنى ، أن الحق فى الأخذ بالشفعة بانقضاء أربعة أشهر من يوم تسجيل عقد البيع . فقد كان فى وسع المشرع أن يقتصر على جعل انقضاء هذه المدة قرينة قانونية على أن الشفيع قد علم بالبيع ولم يأخذ بالشفعة فسقط حقه . ولكنه لو جعل القاعدة قرينة قانونية على هذا النحو ، لاقتضى ذلك أن يجيز للشفيع دحض هذه القرينة بإقرار المشترى أو يمينه . فإذا اقر المشترى أن الشفيع لا يعلم بالبيع بالرغم من انقضاء أربعة أشهر على تسجيله ، أو نكل عن اليمين التى توجه إليه فى ذلك ، فإن القرينة القانونية القاطعة تنهار ، إذ يدحضها الإقرار أو اليمين ، ويستبقى الشفيع حقه فى الأخذ بالشفعة . من أجل ذلك لم ير المشرع أن يختار هذا الطريق . بل ارتفق بهذه القرينة إلى منزلة القاعدة الموضوعية ، فاستعصت بذلك على النقض ، ولم يجز دحضها حتى بالإقرار أو اليمين . وبمجرد أن ينقضى على تسجيل البيع أربعة أشهر دون أن يأخذ الشفيع بالشفعة فقط سقط حقه ، حتى لو اقر المشترى –صراحة ، أو ضمناً بأن نكل عن اليمين - أن الشفيع لم يعلم بالبيع .
والذى يحمل المشرع على الانتقال بالقاعدة من مرتبة إلى مرتبة أخرى اعتبارات يراها هو ، وتترك إلى محض تقديره كما قدمنا . فقد رأى ، فى التقادم بسنة واحدة ، نظراً لاحتمال أن المدين لم يكن قد وفى بالدين فى هذه المدة القصيرة ، أن يحكم فى ذلك ضميره . فنزل بالقاعدة إلى مرتبة القرينة القانونية القاطعة ، ليجيز دحضها بالإقرار واليمين . وكان يستطيع أن ينزل بها إلى مرتبة أدنى ، فيجعلها قرينة قانونية غير قاطعة يجوز دحضها ، لا بالإقرار واليمين فحسب ، بل أيضاً بجميع الطرق التى قررها القانون ( 1118 ) ورأى ، فى سقوط الشفعة بأربعة اشهر ، أن الشفعة حق غير مرغوب فيه ، وأراد أن يحسم النزاع فى شأنه ، وأن يجعل سقوطه بهذه المدة أمراً لا يحتمل الجدل . فارتفع بالقاعدة إلى أن تكون قاعدة موضوعية ، وجعلها بذلك لا تقبل الدحض حتى بالإقرار أو اليمين .
$ 622 $
337 - قواعد موضوعية تكيف خطأ بأنها قرائن قانونية : ويتبين من كل ذلك وجوب التمييز ما بين القواعد الموضوعية والقرائن القانونية . فكثيراً ما يقع الخلط بينها : تخلط القاعدة الموضوعية الإجبارية بالقرينة القانونية القاطعة ، وتخلط القاعدة الموضوعية التكميلية بالقرينة القانونية غير القاطعة ( 1119 ) .
وقد أسئ فهم بعض القواعد الموضوعية ، فكيف خطا بأنها قرائن قانونية . وجعلت قرائن قاطعة لا يجوز إثبات عكسها . ولما كانت هذه القواعد قواعد إجبارية لا يجوز دحضها حتى بالإقرار واليمين ، مع أن القرائن القاطعة يجوز دائماً دحضها بهذين الطريقين كما قدمنا ، فقد قيل فى تبرير عدم قابليتها للدحض أنها قرائن قانونية قاطعة تتعلق بالنظام العام ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . والصحيح أنها قواعد موضوعية إجبارية ، لا قرائن قانونية قاطعة ، وهذا وحده هو الذى يبرر أنها لا تدحض حتى بالإقرار واليمين . ومن هذه القواعد –عدا حجية الأمر المقضى والتقادم اللذين تقدم ذكرهما - الحيازة فى المنقول ، والتصرف فى مرض الموت ، ومسئولية المتبوع عن التابع( 1120 ) .
فالحيازة فى المنقول قاعدة موضوعية إجبارية ، لا قرينة قانونية . فقد رأى المشرع أن يحمى حائز المنقول حسن النية بسلاح أقوى من سلاح القرينة القانونية ولو كانت قاطعة . ومن ثم أصبح من يحوز المنقول وهو حسن النية ، بفضل هذه القاعدة الموضوعية ، مالكاً له . وأصبحت ملكيته ثابتة مستقرة ، لا يزعزها حتى الإقرار أو اليمين . أراد المشرع أن يستقر التعامل فى المنقول ، وتلك اعتبارات عليا يستقل بتقديرها ، ويملك زمامها ، فيضع من القواعد ما يراه مناسباً لحماية الأوضاع القانونية المختلفة . تارة يكتفى بقرينة قانونية غير قاطعة . وطوراً يجعل القرينة القانونية قاطعة . وأخرى يرتفع عن نطاق القرائن وقواعد الإثبات ، ويرى أن الحماية المناسبة هى قاعدة موضوعية لا تقبل النقض $ 623 $ بحال من الأحوال . هذا هو التدرج فى الحماية ، درجة فوق درجة ، يؤتيها المشرع من يشاء كما يشاء ، وهو فى كل ذلك يتوخى أن يكون لكل وضع قانونى الحماية التى تناسبه . وندرك من ذلك الصلة ما بين القرائن القانونية والقواعد الموضوعية ، فليس بينها من حجاب كثيف ، ولكنها مراحل متدرجة فى الحماية : القرينة القانونية غير القاطعة فى المرتبة الدنيا ، ثم القرينة القانونية القاطعة فى مرتبة أعلى ، ثم القاعدة الموضوعية فى القمة من مدارج الحماية .
وكذلك قل عن التصرف الصادر فى مرض الموت إذا قصد به التبرع . وضع له المشرع ، فى الفقرة الأولى من المادة 916 من التقنين المدنى ، قاعدة موضوعية تجعله تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت . وهى قاعدة لا تقبل النقض ، ولو كان عن طريق الإقرار أو اليمين . والمشرع ليس فى حاجة هنا إلى التصريح بعدم جواز إثبات العكس ، لنه فى صدد قاعدة موضوعية إجبارية ، لا فى صدد قرينة قانونية قاطعة . أما مجرد صدور التصرف فى مرض الموت ، فقد جعل منه المشرع ، فى الفقرة الثالثة من المادة 916 ، قرينة قانونية غير قاطعة تفيد أن التصرف قصد به التبرع ، ما لم يثبت من صدر له التبرع أن التصرف معاوضة .
ومسئولية المتبوع عن التابع لا تقوم على قرينة قانونية قاطعة بالخطأ كما يذهب الكثيرون ، بل هى مبنية على قاعدة موضوعية . وهذه القاعدة تقضى بأن المتبوع مسئول عن التابع على أساس الضمان أو النيابة أو الحلول . فهى مسئولية عن الغير . بل لعلها هى الحالة الوحيدة فى المسئولية عن الغير ( 1121 ) . ولم يجد المشرع حاجة ، وهو فى صدد قاعدة موضوعية إجبارية لا قرينة قانونية قاطعة ، أن ينص على عدم جواز إثبات العكس كما فعل عند ما واجه القرائن القانونية القاطعة فى مسئولية حارس الحيوان ( م 176 مدنى ) وفى مسئولية حارس الأشياء ( م 178 مدنى ) .
والتقادم ، مكسباً كان أو مسقطاً ، عدا التقادم المسقط بسنة واحدة وقد $ 624 $ تقدم ذكره ، قاعدة قانونية إجبارية ، لا قرينة قانونية قاطعة . ومن ثم لا يقبل أن يدحض ، حتى بالإقرار واليمين .
وججية الأمر المقضى لا تستند إلى قرينة قانونية قاطعة . بل هى قاعدة موضوعية ، لا تقبل النقض ، ولو بالإقرار أو اليمين . وقد وضعها التقنين المدنى المصرى –الجديد والقديم - خطأ بين القرائن القانونية ، ونص على عدم جواز نقضها بالدليل العكسى ، فجارى فى ذلك أكثر التقنينات ، ولم يتحرر من هذا الخطأ الشائع ( 1122 ) .
المطلب الثانى
القرينة القانونية غير القاطعة أو النسبية أو البسيطة
( Presomption relative simple, Juris vel juris tantum )
338 - القرينة القانونية غير القاطعة تعفى من الإثبات كالقرينة القانونية القاطعة : القرينة القانونية غير القاطعة تعفى من تقررت القرينة لمصلحته من الإثبات : تعفيه إعفاء تاماً ولا تقتصر على نقل عبء الإثبات إلى خصمه ، شأنها فى ذلك شأن القرينة القانونية القاطعة( 1123 ) .
$ 625 $
مثل ذلك : تنص الفقرة الأولى من المادة 137 من التقنين المدنى على أن " كل التزام لم يذكر له سبب فى العقد يفترض أن له سبباً مشروعاً ، ما لم يقم الدليل على غير ذلك " . فهنا أعفى القانون الدائن من إثبات أن للالتزام الذى يطالب به المدين سبباً مشروعاً ، مع أن السبب المشروع ركن فى الالتزام ، وكان ينبغى أن يقوم الدائن بإثباته . وليس الأمر هنا هو نقل عبء الإثبات على عاتق المدين ، بل إن الدائن –وقد أعفى من الإثبات - يعتبر أنه قدم إثباتاً كاملا على وجود السبب المشروع . وإذا كان النص يقول : " ما لم يقم دليل على غير ذلك " ، فليس ذلك إلا جرياً على الأصل من أن كل دليل تمكن معارضته بدليل ينقضه . فالخصم إذا قدم دليلا كتابياً أو بينة على ما يدعيه فإنه يكون قد قدم دليلا كاملا ، ولكن هذا لا يمنع خصمه من أن يقدم دليلا ينقض دليله . فالدليل العكسى فى القرينة غير القاطعة ليس نتيجة لنقل عبء الإثبات إلى الخصم الآخر ، بل هو تطبيق لأصل من أصول الإثبات يقضى بمقارعة الدليل بالدليل . ومن ثم يكون جواز إثبات العكس فى القرينة غير القاطعة هو استصحاب للأصل ، وعدم جواز ذلك فى القرينة القاطعة هو خروج على الأصل فاقتضى نصاً خاصاً كما قدمنا .
ثم تنص الفقرة الثانية من نفس المادة على أن " يعتبر السبب المذكور فى العقد هو السبب الحقيقى حتى يقوم الدليل على ما يخالف ذلك ، فإذا قام الدليل على صورية السبب ، فعلى من يدعى أن للالتزام سبباً آخر مشروعاً أن يثبت ما يدعيه " . فهنا أيضاً يعفى القانون ال