Advertisement

__السنهوري - الوسيط في شرح القانون المدني_ ج 3_ نظرية الالتزام بوجه عام_ الأوصاف _ الحوالة_ الانقضاء_

 الوسيط
في شرح القانون المدني
( 3 )
نظرية
الالتزام بوجه عام

الأوصاف – الحوالة – الانقضاء


تأليف
عبد الرزاق أحمد السنهوري

دكتور في العلوم القانونية ودكتور في العلوم السياسية والاقتصادية
ودبلومية من معهد القانون الدولي بجامعة باريس

1958

ملتزمة النشر والطبع
مكتبة النهضة المصرية
9 شارع عدلي باشا – القاهرة





$ 1 $
القسم الأول
أوصاف الالتزام
( Modalites des Obligations )


$ 3 $
ترتيب البحث
الالتزام البسيط والالتزام الموصوف : عند ما بسطنا آثار الالتزام في القسم الثاني من الجزء من الوسيط كنا نواجه الالتزام في صورته البسيطة ، فهو التزام بسيط لم يلحقه وصف ما . ولكن الالتزام قد تلحقه أوصاف متنوعة في عناصره المختلفة . وعناصر الالتزام ثلاثة : ( 1 ) رابطة قانونية ( juris vinculum ) تربط المدين بالدائن . ( 2 ) محل الالتزام ( objet de l'obligation ) وهو الشيء الذي يلتزم المدين بأدائه للدائن . ( 2 ) طرفا الالتزام ( sujet de I'obligation ) وهما الدائن والمدين . والالتزام الذي بسطنا آثاره فيما تقدم هو الالتزام في صورته البسيطة في كل عنصر من هذه العناصر : الرابطة القانونية فيه وجودها محقق ونفاذها فوري ، وله محل واحد ، وكل من طرفيه واحد لا يتعدد . ولكن قد يلحق الالتزام في أحد هذه العناصر الثلاثة وصف ( modalite ) يكون من شأنه ان يعدل من هذه الآثار ، فيكون الالتزام موصوفاً ( 1 ) .
وهذا الوصف إما أن يلحق العنصر الأول من عناصر الالتزام ، رابطة المديونية ، فتعلق هذه الرابطة على شرط ويصبح وجودها غير محقق ، ويسمى هذا الوصف بالشرط ( condition ) . أو يتراخى نفاذ الرابطة إلى أجل ، ويسمى $ 4 $ هذا الوصف بالأجل ( terme ) . فعندنا إذن لعنصر رابطة المديونية وصفان : الشرط الأولج .
وإما أن يلحق الوصف العنصر الثاني من عناصر الالتزام ، وهو المحل . فلا يكون هذا المحل واحداً ، بل يتعدد ( pluralite d'objets ) . والتعدد إما أن يكون جميعاً ( conjoint ) ، أو تخييرياً ( alternatif ) ، أو بدلياً ( facultatif ) . فعندنا إذن لعنصر المحل أوصاف ثلاثة : وصف الجمع في الالتزام متعدد المحل ( obligation conjointe ) ، ووصف التخيير في الالتزام التخيري ( obligation ) ، ووصف البدل في الالتزام البدلي ( obtigation facultative ) .
وإما أن يلحق الوصف العنصر الثالث من عناصر الالتزام ، فيتعدد أحد الطرفين الدائن أو المدين أو يتعدد كلاهما ( pluralite de sujets ) . وتعدد كل من الدائن والمدين قد يكون من غير تضامن أو يكون بطريق التضامن ( solidarite ) . وقد يتعدد الدائن أو المدين في التزام يكون غير قابل للانقسام ( solidarite ) . فعندنا إذن لعنصر طرفي الالتزام أوصاف ثلاثة : تعدد الطرفين في غير تضامن ( 2 ) ، وتعددهما بطريق التضامن ، وعدم القابلية للانقسام ( 3 ) .
2- موضوعات هذا القسم : فالكلام إذن في أوصاف الالتزام يكون في ثلاثة أبواب متعاقبة :
الباب الأول – في الشرط والأجل :
الباب الثاني – في تعدد محل الالتزام : الالتزام متعددة المحل ، والالتزام التخييري ، والالتزام البدلي .
الباب الثالث : في تعدد طرفي الالتزام : التعدد بغير تضامن ، والتعدد بطريق التضامن ، وعدم القابلية للانقسام ( 4 ) .
$ 5 $
الباب الأول
الشرط والأجل
3- التقنين المدني الجديد والتقنين المدني السابق : احتوى التقنين المدني الجديد على نصوص عدة في كل من الشرط والأجل .
فقد عالج الشرط ، في المواد من 265 إلى 270 ، علاجاً إذا كان قد اقتصر فيه على القواعد الأساسية ، فقد رتب هذه القواعد ترتيباً منطقياً واحكم وضعها ، ولكنه لم يخرج فيما وضعه من القواعد عما احتواه التقنين المدني السابق . وقد استبقى التقنين الجديد التصوير اللاتيني للشرط ، لاسيما فيما يتعلق بأثره الرجع .
وعالج الأجل ، في المواد من 271 إلى 274 ، علاجاً ضبط به حدود أحكام الأجل ، وهذب في نصوص التقنين السابق ، وكانت هذه أكثر اقتضاب فيما يتعلق بالأجل منها فيما يتعلق بالشرط . فأزال التقنين الجديد في نصوصه ما علق بالنصوص القديمة من غموض وإبهام ، لاسيما في أسباب انقضاء الأجل ، وفي تعجيل الوفاء بالدين ، وفيما جرى به العرف من الدفع عند المقدرة أو الميسرة ( 5 ) .
$ 7 $
والشرط هو أمر مستقبل غير محقق الوقوع ، يترتب على وقوعه وجود الالتزام أو زواله . فإذا كان وجود الالتزام هو المترتب على وقوع الشرط ، كان الشرط واقفاً . أما إذا كان الالتزام قد وجد فعلا وكان زواله هو المترتب على وقوع الشرط ، كان الشرط فاسخاً .
والأجل هو أمر مستقبل محقق الوقوع ، يترتب على وقوعه نفاذ الالتزام أو انقضاؤه . فإذا كان نفاذ الالتزام هو المترتب على حلول الأجل ، كان الأجل واقفاً . أما إذا كان الالتزام قد صار نافذاً فعلا وكان زواله هو المترتب على وقوع الشرط ، كان الشرط فاسخاً .
والأجل هو أمر مستقبل محقق الوقوع ، يترتب على وقوعه نفاذ الالتزام أو انقضاؤه . فإذا كان نفاذ الالتزام هو المترتب على حلول الأجل ، كان الأجل واقفاً . أما إذا كان الالتزام قد صار نافذا فعلا وكان زواله هو المترتب على حلول الأجل ، كان الأجل فاسخاً .
فالفرق الجوهري ما بين الشرط والأجل هو إذن تحقق الوقوع ، وعدم تحققه : كلاهما أمر يقع في المستقبل ( 6 ) ، ولكن الأجل محقق الوقوع ، أما الشرط فوقوعه غير محقق ( 7 ) .
وتتناول في فصلين متعاقبين الشرط والأجل .
$ 8 $
الفصل الأول
الشرط ( 8 )
( la Condition )
4- قيام الشرط والآثار التي تترتب عليه : تبحث في الشرط أمرين :
( أولاً ) قيام الشرط ، ونعني بذلك : ( 1 ) مقومات الشرط ( 2 ) نوعى الشرط الواقف والفاسخ ( 3 ) المصدر المنشيء للشرط وأي الحقوق يلحقها وصف الشرط .
( ثانياً ) ما يترتب على الشرط بعد قيامه من الآثار .
$ 9 $
الفرع الأول
قيام الشرط
المبحث الأول
مقومات الشرط
5 – النصوص القانونية : تنص المادة 265 من التقنين المدني على ما يأتي :
" يكون الالتزام معلقاً على شرط إذا كان وجوده أو زواله مترتباً على أمر مستقبل غير محقق الوقوع " .
وتنص المادة 266 على ما يأتي :
" 1- لا يكون الالتزام قائما إذا علق على شرط غير ممكن أو على شرط مخالف للآداب أو النظام العام ، هذا إذا كان الشرط وافقا . أما إذا كان فاسخا فهو نفسه الذي يعتبر غير قائم " .
" 2- ومع ذلك لا يقوم الالتزام الذي علق على شرط فاسخ مخالف للآداب أو النظام العام ، إذا كان هذا الشرط هو السبب الدافع للالتزام " .
وتنص المادة 267 على ما يأتي :
" لا يكون الالتزام قائما إذا علق على شرط واقف يجعل وجود الالتزام متوقفا على محض إرادة الملتزم " ( 9 ) .
$ 10 $
وتقابل هذه النصوص في التقنين المدني السابق المادة 013 / 157 ( 10 ) .
وتقابل في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المواد 265 – 267 – وفي التقنين المدني الليبي المواد 252 – 254 – وفي التقنين المدني العراقي المواد 285 – 287 وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المواد 81 – 87 ( 11 ) .
ويستخلص من النصوص المتقدمة الذكر أن للشرط مقومات ثلاثة : ( 1 ) فهو $ 12 $ أمر مستقبل ( 2 ) غير محقق الوقوع ( 3 ) وغير مخالف للنظام العام ولا للآداب . وهناك مقوم رابع ، هو أن الشرط أمر عارض إضافي يمكن تصور الالتزام بدونه . وهذه ظاهرة عامة في أوصاف الالتزام ، ولكنا أثرنا أن نذكرها في الشرط لأهميتها بالنسبة إليه ، إذ هي التي تميز بين الحق المشروط والحق الاحتمالي .
ونستعرض الآن هذه المقومات الأربعة .
1- أمر مستقبل
6 – يجب أن يكون الشرط أمراً مستقبلا : يجب أن يكون الشرط أمراً مستقبلا ( evenement future ) . فإذا وعد شخص آخر بجائزة إذا عثر على مال له مفقود ، أو وعد أب ولده بجائزة إذا نجح في الامتحان ، أو وعد الأب ابنه بان يهب له منزلا إذا تزوج لهيئ له أمر سكناه ، فكل من العثور على المال المفقود والنجاح في الامتحان والزواج أمر مستقبل ، ومن ثم كان كل من الالتزام بالجائزة أو الهبة التزاماً معلقاً على شرط ، إذ يتوقف وجوده على تحقق هذا الشرط .
وإذا أوصى زوج لزوجته بدار تسكنها على أن تتفرغ لتربية أولادها منه فلا تتزوج بعده وإلا فسخت الوصية ، أو باع شخص أحد متجريه واشترط على المشترى أن يكون البيع مفسوخاً إذا نافسه في المتجر الآخر الذي استبقاه ، فكل من الزواج في المثل الأول ومن المنافسة في المثل الثاني أمر مستقبل ، ومن ثم كانت الالتزامات المترتبة على كل من الوصية والبيع معلقة على شرط ، إذ يتوقف زوالها على تحقق هذا الشرط .
7- لا يجوز أن يكون الشرط أمراً ماضيا أو حاضرا : فلا بد إذن أن يكون الشرط أمراً مستقبلا . أما إذا كان أمراً ماضياً أو حاضراً فهو ليس بشرط ، حتى لو كان طرفا الالتزام يجهلان وقت التعامل ما إذا كان الأمر الماضي قد وقع أو لم يقع ، أو ما إذا كان الأمر الحاضر واقعاً أو غير واقع . فلو أن الواعد بالجائزة ، في المثل المتقدم ، وقت أن وعد بها كان الموعود له قد عثر على المال المفقود ولا يعلم الواعد ذلك ، فالتزام الواعد بالجائزة التزام منجز غير معلق على شرط ، وهو واجب الوفاء في الحال . ولو أن الأب الذي وعد ابنه بجائزة إذا نجح في الامتحان كان وقت أن وعد بها لا يعلم أن نتيجة الامتحان قد ظهرت بالفعل وأن ابنه قد رسب ، فالتزام الأب بإعطاء ابنه الجائزة التزام لم يوجد ولن يوجد ، فهو التزام غير موجود أصلاً منذ البداية وليس التزاماً معلقاً على شرط . ولو أن الأب وقت أن وعد ابنه بان يهب له منزلا إذا تزوج كان لا يعلم أن ابنه قد تزوج فعلا ، فالتزام الأب بالهبة يكون التزاماً منجزاً غير معلق على شرط ، وهو واجب الوفاء في الحال ( 12 ) .
واعتقاد الملتزم ، في الأمثلة المتقدمة ، أن التزامه معلق على شرط بينما هو التزام منجز ، بل اعتقاد الطرفين معاً ، المدين والدائن ، أن الشرط لم يتبين مآله بعد وأن الالتزام معلق على شرط ، لا يؤثر في أن الالتزام منجز لو كان $ 14 $ هذا الأمر قد تحقق فعلا قبل وجود الالتزام ، أو في أن الالتزام غير موجود أصلاً لو كان هذا الأمر لم يتحقق ( 13 ) .
8 – قد يكون الأمر المستقبل أمراً إيجابيا أو أمراً سلبيا – والأمر المستقبل الذي ينطوي عليه الشرط قد يكون أمراً إيجابياً أو أمراً سلبياً . فالاب الذي التزم بان يهب ابنه داراً إذا تزوج قد علق التزامه على شرط هو زواج ابنه ، وهذا أمر ايجابي . والزوج الذي يوصى لامرأته بدار على شرط إلا تتزوج بعده قد علق الوصية على شرط هو عدم زواج امرأته ، وهذا أمر سلبي .
ولا فرق في الحكم بين ما إذا كان الشرط أمراً إيجابياً أو أمراً سلبياً ، ولا يكاد يكون للتفرقة أهمية عملية إلا من ناحية تقدير الوقت الذي يعتبر فيه الشرط قد تحقق أو تخلف . ففي الشرط الايجابي تحدد عادة مدة قصيرة إذا لم يتحقق الشرط فيها اعتبر متخلفاً ، وفي الشرط السلبي تكون المدة عادة طويلة فالزوجة الموصى لها بالدار بشرط إلا تتزوج بعد موت زوجها عليها إلا تتزوج طول حياتها .
على أن الأمر الواحد – كما يقول بودري وبارد ( 14 ) - قد تكون له ناحية ايجابية وناحية سلبية وهو هو لم يتغير ، فيستطاع وضعه في صورة شرط ايجابي أو في صورة شرط سلبي . فإذا التزم شخص لآخر ، وعلق التزامه على شرط هو أن يعيش الملتزم له خارج مدينة القاهرة حتى يبعده عن ملاهيها ، فقد وضع الشرط في صورة أمر ايجابي . ويستطيع أن يضع نفس الشرط في صورة أمر سلبي إذا اشترط على الملتزم له إلا يعيش في مدينة القاهرة .
$ 15 $
2- غير محقق الوقوع
9 – يجب أن يكون الشرط غير محقق الوقوع : تقول الفقرة الأولى من المادة 286 من التقنين المدني العراقي : " يشترط لصحة التعليق أن يكون مدلول فعل الشرط معدوماً على خطر الوجود ، لا محققاً ولا مستحيلا " . وهذا تعبير استعير من الفقه الإسلامي لهذا المقوم من مقومات الشرط . فالشرط يجب أن يكون أمراً غير محق الوقوع ، وهذا الشك في وقوع الأمر هو لب الشرط والصميم فيه .
فإذا كان الأمر محقق الوقوع ، فإنه لا يكون شرطاً . وكذلك لا يكون شرطاً أمر مستحيل الوقوع . وإنما يكون الشرط أمراً محتمل الوقوع ، لا محققاً ولا مستحيلا ( 15 ) .
10 – لا يكون شرطا الأمر محقق الوقوع : فإذا كان الأمر مستقبلا ولكنه محقق الوقوع ، فإنه لا يكون شرطاً ، بل يكون أجلاً كما سبق القول . فإذا أضاف الملتزم التزامه إلى موسم الحصاد ، كان الالتزام مقترناً بأجل لا معلقاً على شرط ، لأن موسم الحصاد في المألوف من شؤون الدنيا لابد آت ، فالأمر هنا محقق الوقوع ، فيكون أجلاً لا شرطاً .
$ 16 $
ويكون الأمر محقق الوقوع أجلاً حتى لو لم يكن موعد وقوعه محققاًَ ، كالموت . فإذا التزم المشتري بان يدفع للبائع ثمناً هو إيراد مرتب طول حياته ، فقد جعل المشتري لالتزامه أجلاً فاسخاً هو موت البائع ، والموت أمر محقق وإن كان لا يعرف متى يقع . والتزام شركة التأمين على الحياة بان تدفع مبلغ التأمين إلى ورثة المؤمن عليه عند موته هو التزام مضاف إلى أجل واقف لا معلق على شرط واقف ( 16 ) .
على أن الموت قد يكون شرطاً إذا اقترن بملابسات تجعله غير محقق الوقوع في نطاق هذه الملابسات . فإذا وهب شخص داراً لاثنين على التعاقب بشرط إلا تنتقل الدار إلى الثاني إلا إذا عاش بعد موت الأول ، فإن الهبة الأولى تكون معلقة على شرط فاسخ هو أن يموت الموهوب له الأول قبل موت الموهوب له الثاني ، وتكون الهبة الثانية معلقة على شرط واقف هو أن يعيش الموهوب له الثاني بعد موت الموهوب له الأول . فالموت في هاتين الهبتين شرط لأجل ، إذ اقترن بملابسات جعلته في كل منهما غير محقق الوقوع . هو محقق الوقوع في ذاته ، ولكن أن يموت أحد الموهوب لهما قبل الآخر هذا هو الأمر غير محقق الوقوع ، فيصبح الموت في نطاق هذه الملابسات شرطاً لا أجلاً .
11- لا يكون شرطا الأمر مستحيل الوقوع : كذلك لا يكون شرطاً الأمر مستحيل الوقوع . فإذا علق الملتزم وجود التزامه على أمر مستحيل استحالة مطلقة ، فإن الالتزام لا يوجد أصلاً . ويجب أن تكون الاستحالة مطلقة ، أي أن يستحيل تحقق الشرط بالوسائل المعروفة للإنسان . فإذا وعد شخص آخر بإعطائه جائزة إذا وصل إلى القمر كانت هذه الاستحالة مطلقة ، لأن وسائل الطيران المعروفة حتى اليوم تعجز عجزاً مطلقاً عن الوصول إلى القمر ، وإن كان العلماء يتحدثون عن إمكان ذلك في المستقبل .
أما إذا كانت الاستحالة نسبية فإنها لا تعيب الالتزام ، بل يكون في هذه الحالة قائماً يتوقف وجوده أو زواله على تحقق الشرط . وتعتبر الاستحالة نسبية إذا غلب على الظن أن تقدم المعارف البشرية تجعل الشرط غير مستحيل الوقوع ، $ 17 $ وإن كان لم يقع حتى اليوم . فيجوز لشخص أو لهيئة أو تعد بمنح جائزة ، إذا استطاع الموعود له أن يجد علاجاً لبعض الأمراض المستعصية التي يوجد لها علاج حتى اليوم .
وكما تكون الاستحالة طبيعية كما رأينا في الأمثلة المتقدمة ، قد تكون أيضاً قانونية ( 17 ) . فالالتزام المعلق على شرط أن يبيع المشترط عليه تركة مستقبلة ، أو على شرط أن يتزوج محرماً ، أو على شرط أن يطلق زوجته إذا كان الطلاق غير جائز في شريعته ، لا يكون التزاماً قائماً ، لأنه علق على شرط مستحيل استحالة مطلقة . والاستحالة هنا استحالة قانونية لا استحالة طبيعية ، إذ بيع التركة المستقبلة باطل ، وباطل كذلك الزواج من المحرم ، والطلاق محرم في شريعة المشترط عليه ( 18 ) .
12 – الشرط الإرادي : وهناك شرط ممكن الوقوع ، ولكن وقوعه يتعلق بإرادة أحد طرفي الالتزام ، الدائن أو المدين . ذلك أن الشرط – من حيث تعلقه بإرادة طرفي الالتزام – قد يكون شرطاً لا علاقة له بهذه الإرادة أصلاً ، فهو شرط متروك للصداقة ( condition casuelle ) ، مثل ذلك تعليق الالتزام على $ 18 $ شرط وصول الطائرة سليمة إلى مطار الوصول . وقد يكون شرطاً متعلقاً بإرادة أحد طرفي الالتزام ( condition potestative ) ، كالزواج فهو متعلق بإرادة من يشترط عليه الزواج . وقد يكون شرطاً مختلطاً ( condition mixte ) يتعلق بإرادة أحد طرفي الالتزام وبعامل خارجي معها كمجرد الصدفة أو إرادة الغير ، وذلك كالزوج من شخص معين فهذا شرط متعلق بإرادة من اشترط عليه الزواج وبارادة من اشترط الزواج منه ( 19 ) .
وكل من الشرط المتروك للصدفة والشرط المختلط شرط صحيح ، لأنه أمر لا هو محقق الوقوع ولا هو مستحيل الوقوع ، إذ أن وقوعه لا يتعلق بمحض إرادة تحكمية ، وهو حتى إذا تعلق بإرادة أحد طرفي الالتزام فإنه في الوقت ذاته يتعلق بأمر خارج عن هذه الإرادة يجعل وقوعه محتملا ، لا محققاً ولا مستحيلا ً .
أما الشرط الإرادي فهو إما أن يكون شرطاً إرادياً بسيطاً ( condition simplement potestative أو شرطاً إرادياً محضاً ( condition purement potestative ) . فالشرط الإرادي البسيط يتعلق بإرادة أحد طرفي الالتزام ، ولكن هذه الإرادة ليست مطلقة ، بل هي مقيدة بظروفها وملابساتها . فالزواج شرط إرادي يتعلق بإرادة الدائن أو المدين ولكن إرادة المشترط عليه الزوج ليست مطلقة ، إذا الزواج أمر تحوط به الظروف والملابسات الاجتماعية والاقتصادية .
ويقال مثل ذلك عن شرط النجاح في الامتحان ، بل أن هذا الشرط يكاد يكون شرطاً مختلطاً فهو يتعلق بالإرادة وبظروف أخرى قد لا يكون للشخص سلطان عليها . ومن ثم يكون الشرط الإرادي البسيط شرطاً صحيحاً ، سواء تعلق بإرادة الدائن أو بإرادة المدين .
بقى الشرط الإرادي المحض ، وهذا إما أن يتعلق بمحض إرادة الدائن أو بمحض إرادة المدين . فإن تعلق بمحض إرادة الدائن كان شرطاً صحيحاً ، وكان الالتزام قائماً معلقاً على إرادة الدائن ، إن شاء تقاضى المدين الشيء الذي ألزمه به ، وإن شاء أحله من التزامه . أما أن تعلق الشرط بمحض إرادة المدين ، فإن كان $ 19 $ شرطاً فاسخاً ، كأن يلتزم المدين حالا ويجعل فسخ هذه الالتزام معلقاً على إدارته المحضة ، كان الشرط صحيحاً وكان الالتزام قائماً ، لأن الالتزام لم يعلق وجوده على محضر إرادة المدين ، فهو إذن قد وجد ، وإنما استبقى المدين زمامه في يده ، إن شاء أبقاه وإن شاء فسخه ( 20 ) . وإن كان الشرط المتعلق بمحض إرادة المدين شرطاً واقفاً ، كأن يلتزم المدين إذا أراد ، أو يلتزم إذا رأى ذلك معقولا أو مناسباً ( 21 ) ، $ 20 $ فهذا شرط يجعل عقدة الالتزام منحلة منذ البداية ، إذ أن الالتزام قد علق وجوده على محض إرادة المدين ، إن شاء حقق الشرط ومن هنا يكون الشرط محقق الوقوع بمشيئة المدين ، وإن شاء جعله يتخلف ومن هنا يكون الشرط مستحيل الوقوع بمشيئة المدين أيضاً ( 22 ) . ومن ثم يكون هذا الشرط باطلا ، $ 21 $ ويسقط كل التزام معلق على شرط واقف هو محض إرادة المدين . وهذا ما تقرره المادة 267 مدني ، إذا تقول كما رأينا : " لا يكون الالتزام قائما إذا علق على شرط واقف يجعل وجود الالتزام متوقفا على محض إرادة الملتزم ( 23 ) .
3 – غير مخالف النظام العام أو الآداب
13 – الشرط المخالف للنظام العام : وقد يكون الشرط مخالفاً للنظام العام ، فيكون في هذه الحالة باطلا ولا يقوم الالتزام الذي علق وجوده عليه .
وأمثلة الشروط المخالفة للنظام العام كثيرة متنوعة . فإذا علق الملتزم التزامه على إلا يتزوج الدائن إطلاقاً ، كان الشرط مخالفاً للنظام العام إذا لم يكن هناك غرض مشروع يرمي إليه المشترط من وراء هذا الشرط . فإذا رمى مثلا إلى منع زوجته بعد موته من الزواج غيرة منه وأثرة ، فالشرط باطل لمخالفته للنظام العام . $ 22 $ أما إذا رمى إلى جعل زوجته بعد موته تتفرغ لتربية أولادها منه لا يشغلها زوج آخر ، فالشرط صحيح والالتزام قائم .
كذلك الشرط القاضي بألا يحترف المشترط عليه مهنة معينة يكون باطلا لمخالفته للنظام العام ، ما لم يكن هناك غرض مشروع يرمى إليه المشترط ، كأن تكون المهنة المحرمة مهنة وضعية ترزى بالكرامة ، أو أن يكون المشترط قد أراد أن يحمى نفسه حماية مشروعة من منافسة المشترط عليه .
وإذا اشترطت الزوجة غير المسلمة أن تكون أولادها من زوجها المسلم على دينها هي لا على دين زوجها وإلا كان لها حق الطلاق من زوجها ، فإن هذا الشرط باطل لمخالفته النظام العام .
وإذا اشترطت الزوجة المسلمة على زوجها إلا يطلقها ، فإن الشرط باطل لمخالفته للنظام العام ، وللزوج بالرغم من هذا الشرط أني طلق زوجته لسبب مشروع وفي غير تعنت . ولكن يجوز للزوجة أن تشترط مبلغاً من المال تعويضاً لها عما يصيبها من الضرر إذا طلقها زوجها ، وفي هذه الحالة ينظر إن كان الطلاق لغير سبب مشروع فالشرط صحيح ويجب دفع التعويض . وإلا فالشرط بالطل والتعويض غير مستحق .
وشرط عدم تعدد الزوجات الذي قد تشترطه الزوجة على زوجها المسلم ، وإلا صارت مطلقة منه أو أعطاها تعويضاً ، شرط صحيح في نظرنا وليس مخالفاً للنظام العام . ولكن لا يجوز أن تشترط الزوجة على زوجها المسلم إلا يتزوج غيرها وإلا كان الزواج الآخر باطلا أو كانت الزوجة الأخرى هي الطالقة ( 24 ) .
ويمكن التمييز بين شرط مخالف للنظام العام وشرط مستحيل استحالة قانونية ، وإن كان كل من الشرطين باطلا . فاشتراط عدم الزواج قد يكون شرطاً مخالفاً للنظام العام ولكنه شرط غير مستحيل ، أما اشتراط الزواج من محرم فشرط مستحيل استحالة قانونية وهو في الوقت ذاته مخالف للنظام العام لأن الاستحالة القانونية كثيراً ما ترجع إلى مخالفة النظام العام .
$ 23 $
14- الشرط المخالف للآداب : وقد يكون الشرط مخالفاً للآداب ، فيكون باطلا أيضاً ، ويسقط الالتزام الذي علق عليه قيامه . فإذا التزم شخص نحو آخر بمبلغ من النقود بشرط أن يقوم بارتكاب عمل غير مشروع ، فإن الشرط يكون مخالفاً للآداب ويكون باطلا كما قدمنا . وكذلك الحكم إذا اشترط على شخص إلا يرتكب جريمة ، أو أن يمحو آثار جريمة ارتكبت كأن يعيد مخطوفاً أو يرد مسروقاً ، أو اشترط عليه أن يقوم بعمل واجب عليه قانوناً على أن يتناول أجراً على القيام به كأن تدخل الزوجة في طاعة زوجها أو أن يمتنع الزوج عن معاشرة غير زوجته أو أن يكف شخص عن التشهير بشخص آخر ونحو ذلك ، فكل هذه شروط تعتبر مخالفة للآداب لأنها جزاء مادي على القيام بالواجب ، والواجب يتعين القيام به دون جزاء ( 25 ) .
4- أمر عارض
15 – الشرط أمر عارض : ويدخل في مقومات الشرط ، بحكم أنه وصف يلحق الحق بعد تكوينه ، أنه أمر عارض يلحق عنصراً جوهرياً من عناصر الحق .
ويترتب على أن الشرط يلحق عنصراً جوهرياً من عناصر الحق أن كلا $ 24 $ من الحق المضمون برهن والحق غير معين القيمة والحق التبعي لا يعتبر حقاً معلقاً على شرط ، لأن الوصف هنا لا يلحق عنصراً جوهرياً من عناصر الحق ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
أما أن الشرط أمر عارض فمعناه أنه وصف يدخل على الحق بعد تمام هذا الحق وتكامل عناصره ، فيكون الشرط أمراً عارضاً لا يساهم في تكوين الحق ذاته ، بل يضاف إليه بعد تكوينه ، ويمكن تصور قيام الحق بدونه . فالشرط إذن ، باعتباره أمراً عارضاً ، قد يوجد وقد لا يوجد . وهو إذا وجد فالحق يصبح موصوفاً ، وإذا لم يوجد فالحق يقوم بالرغم من ذلك ، لأنه استكمل عناصره ، ويكون حقاً غير موصوف أي حقاً بسيطاً منجزاً ( 26 ) .
16 – التمييز بين الحق المشروط والحق الاحتمالي : ومن هنا يجيء التمييز بين الحق المشروط ( droit conditionnel ) والحق الاحتمالي ( droit eventual ) . فالوصف في الحق المشروط أمر عارض يلحق الحق بعد تكامل عناصره كما قدمنا ( 27 ) . أما الوصف في الحق الاحتمالي فأمر غير عارض ، ذلك أن الحق الاحتمالي هو حق ينقصه عنصر من عناصره الجوهرية ، والوصف في الحق الاحتمالي هو بالذات نقصان هذا العنصر الجوهري .
ومن الأمثلة على الحق الاحتمالي ما يأتي : ( 1 ) حق الشفيع قبل أن يعلن $ 25 $ إدارته في الأخذ بالشفعة ، إذ الشفيع قبل إعلان هذه الإرادة ليس له حق كامل ، بل مجرد حق احتمالي . ولا يصبح هذا الحق الاحتمالي حقاً كاملا إلا إذا أعلن الشفيع إدارته في الأخذ بالشفعة ، فالحق الاحتمالي هنا قد نقصه عنصر من العناصر الجوهرية هو إعلان هذه الإرادة . ولا يعتبر هذا الإعلان شرطاً ، بل هو عنصر من عناصر الحق كما قدمنا . ( 2 ) حق الموصى له قبل أن يموت الموصى ، وهنا أيضاً لا يكون للموصلى له إلا حق احتمالي قد نقصه عنصر من العناصر الجوهرية للحق الكامل هو موت الموصى . ولا يعتبر هذا الموت شرطاً ، بل هو عنصر من عناصر الحق . ( 3 ) الحق المترتب على حساب جار قبل أن يدفع صاحب الحساب أو يقبض شيئاً ، فالحق هنا حق احتمالي ينقصه عنصر من العناصر الجوهرية للحق الكامل هو الدفع أو القبض ، ليتكون رصيد دائن أو مدين للحساب الجاري ، فيصبح الحق كاملا لا مجرد حق احتمالي . ولا يعتبر الدفع أو القبض شرطاً ، بل هو عنصر من عناصر الحق .
ونرى من ذلك أن هناك فرقين أساسيين بين الحق المشروط والحق الاحتمالي :
( أولاً ) يمكن تصور قيام الحق المشروط دون الشرط ، إذ الشرط أمر عارض كما قدمنا . أما الحق الاحتمالي فحق ينقصه عنصر من العناصر الجوهرية حتى يكون حقاً كاملا كما سبق القول ، ومن ثم لا يمكن تصور هذا الحق الكامل دون هذا العنصر الجوهري .
( ثانياً ) إذا تحقق الشرط في الحق المشروط ، كان لتحققه أثر رجعي على الوجه الذي سنفصله فيما يلي . أما إذا استكمل الحق الاحتمالي العنصر الجوهري الذي ينقصه فأصبح حقاً كاملا ، فإنه يصبح حقاً كاملا دون أثر رجعي . ومن ثم يوجد الحق الكامل من وقت استكمال العنصر الجوهري ، لا من وقت وجود الحق الاحتمالي ( 28 ) .
$ 26 $
المبحث الثاني
نوعا الشرط
الشرط الواقف والشرط الفاسخ
1- الشرط الواقف
( condition suspensive )
17 – ما هو الشرط الواقف : رأينا أن المادة 265 / 1 مدني تنص على أن " يكون الالتزام معلقا على شرط إذا كان وجوده أو زواله مترتبا على أمر $ 27 $ مستقبل غير محقق الوقوع " . فإذا كان وجود الالتزام متوقفاً على الشرط ، بحيث إذا تحقق الشرط وجد الالتزام وإذا تخلف لم يوجد ، فإن الشرط يكون في هذه الحالة شرطاً واقفاً ( condition suspensive ) . فالشرط الواقف هو إذن الشرط الذي يتوقف على تحققه وجود الالتزام ، فإن تخلف لم يخرج الإلتزام إلى الوجود . مثل ذلك أن يعلق الواهب هبته لابنه على شرط أن يتزوج ، فالزواج هنا شرط واقف ، إذا تحقق وتزوج الإبن فقد وجد التزام الأب بالهبة ، وإذا تخلف للشرط ولم يتزوج الإبن فإن التزام الأب بإعطاء هبة لا بنه لا يوجد .
18 – الشرط الواقف المستحيل والشرط الواقف المخالف للنظام العام أو الآداب : وتنص الفقرة الأولى من المادة 266 مدني كما رأينا ، على أنه " لا يكون الالتزام قائما إذا علق على شرط غير ممكن أو على شرط مخالف للآداب أو النظام العام ، هذا إذا كان الشرط وافقا . . . . " . وقد استعرضنا أمثلة للشرط المستحيل وللشرط المخالف للنظام العام أو الآداب ، فإذا كان الشرط في هذه الأحوال واقفاً غير فاسخ فالشرط باطل كما قدمنا . والالتزام الذي علق وجوده على الشرط يعتبر هو أيضاً غير قائم ، لأن وجوده معلق على شرط مستحيل أو غير مشروع ، فلن يتحقق هذا الشرط أو لا ينبغي أن يتحقق ، ومن ثم لا يوجد الالتزام .
$ 28 $
19 – الشرط الواقف الإرادي المحض – إحالة : وقد رأينا أن الشرط إذا تعلق بمحض إرادة المدين ، وكان شرطاً واقفاً غير مترتب على عقد ملزم للجانبين ، فإن الالتزام لا يوجد للأسباب التي قدمناها ( 29 ) .
2- الشرط الفاسخ
( Condition resolutoire )
20 – ما هو الشرط الفاسخ : رأينا أن الفقرة الأولى من المادة 265 مدني تقضي بأن يكون الالتزام معلقا على شرط إذا كان وجوده أو زواله مترتبا على أمر مستقبل غير محقق الوقوع . ورأينا أن وجود الالتزام إذا كان مترتباً على الشرط ، فهذا الشرط واقف ، أما إذا كان زوال الالتزام هو المتوقف على الشرط ، فهذا الشرط فاسخ . مثل الشرط الفاسخ نزول الدائن عن جزء من حقه بشرط أن يدفع المدين الأقساط الباقية كل قسط في ميعاده ، فالشرط هنا شرط فاسخ ، وإذا تخلف بأن يتأخر المدين في دفع الأقساط الباقية ، اعتبر نزول الدائن عن جزء من الدين كأن لم يكن ( 30 ) . والالتزام المعلق على شرط فاسخ يوجد في الحال وينفذ ، ولكن زواله هو الذي يعلق على الشرط ، فإذا تحقق الشرط زال الالتزام واعتبر كأن لم يكن ، أما إذا تخلف الشرط فقد أصبح الالتزام باتاً ( 31 ) . ونرى من ذلك أن الالتزام المعلق على شرط فاسخ هو $ 29 $ في حقيقته التزام زواله معلق على شرط واقف ، فإن الشرط في الواقع من الأمر $ 30 $ واقف في جميع الأحوال : يقف وجود الالتزام أو يقف زواله ، ففي الحالة الأولى يسمى شرطاً واقفاً ، وفي الحالة الثانية يسمى شرطاً فاضحاً ( 32 ) .
وقد تدق في بعض الأحوال معرفة ما إذا كان الشرط واقفاً أو فاسخاً ، كما فيا لبيع المعلق على شرط موافقة الغير على البضاعة المبيعة ، فهل الشرط هنا واقف ولا يتم البيع إلا إذا وافق الغير على البضاعة ، أو هو شرط فاسخ وينفذ البيع في الحال على أن يفسخ إذا لم يوافق الغير على البضاعة ؟ يرجع الأمر في ذلك إلى تبين إرادة الطرفين ، ويستخلص قاضي الموضوع هذه الإرادة من الظروف والملابسات ، فإن تبين أن نية الطرفين قد انصرفت إلى أن يكون الشرط واقفاً أو إلى أن يكون فاسخاً التزم هذه النية وحكم على مقتضاها ( 33 ) .
ويلاحظ أن كل شرط فاسخ يتضمن وجود شرط واقف ، سوا كان ذلك في الالتزام أو في الحق العيني . فمن التزم بهبة على أن تفسخ إذا رزق ولداً ، كان مديناً بالهبة تحت شرط فاسخ ، فينفذ التزامه فوراً ويعطي الموهوب له الهبة ، وكذلك الموهوب له يصبح مديناً تحت شرط واقف هو نفس الشرط الفاسخ بالنسبة إلى الواهب . فإذا رزق الواهب ولداً فتحقق الشرط ، فإن تحققه كشرط فاسخ يزيل التزام الواهب بالهبة فيستردها من الموهوب له ، وتحققه كشرط واقف يوجد التزام الموهوب له برد الهبة إلى الواهب فيردها إليه . وكذلك الحكم في الحق العيني كحق الملكية إذا علق على شرط فاسخ ، فإن الشيء الواحد يصبح له مالكان ، أحدهما مالك تحت شرط فاسخ والآخر مالك تحت شرط واقف ، والشرط الفاسخ بالنسبة إلى الأول هو نفس الشرط الواقف بالنسبة إلى الثاني ، فإذا ما تحقق هذا الشرط فقد انفسخت ملكية الأول وقامت ملكية $ 31 $ الثاني ، أما إذا تخلف الشرط فقد سقطت ملكية الثاني وأصبحت ملكية الأول ملكية باتة ( 34 ) .
21 – الشرط الفاسخ المستحيل والشرط المخالف للنظام العام أو الآداب : رأينا أن المادة 266 مدني تنص على أنه : " 1- لا يكون الالتزام قائما إذا علق على شرط غير ممكن أو على شرط مخالف للآداب أو النظام العام ، هذا إذا كان الشرط وافقا . أما إذا كان فاسخا فهو نفسه الذي يعتبر غير قائم .
2- ومع ذلك لا يقوم الالتزام الذي علق على شرط فاسخ مخالف للآداب أو النظام العام ، إذا كان هذا الشرط هو السبب الدافع للالتزام " .
ويتبين من هذا النص أن الشرط الفاسخ إذا كان مستحيلا أو مخالفاً للنظام العام أو للآداب ، كان باطلا كما قدمنا . ولما كان الالتزام المعلق على شرط فاسخ التزاماً نافذاً فوراً وزواله هو المعلق على الشرط الفاسخ ، ولما كان هذا الشرط الفاسخ معتبراً كأنه لم يكن لبطلانه ، فهو إذن لن يتحقق . ويترتب على ذلك أن الالتزام المعلق على شرط فاسخ مستحيل أو مخالف للنظام العام أو الآداب يكون التزاماً باتاً غير معلق على شرط ما ( 35 ) ، وليس التزاماً مهدداً بالزوال كما هو شأن الالتزام المعلق على شرط فاسخ صحيح .
على أن الشرط الفاسخ المخالف للنظام العام أو الآداب قدي كون هو السبب الدافع إلى الالتزام ( 36 ) ، فإذا التزم شخص بترتيب إيراد مدى الحياة لامرأة $ 32 $ على أن تعاشره معاشرة غير شرعية ، وعلى أن ينفسخ التزامه إذا هي انقطعت عن معاشرته ، كان الشرط الفاسخ هنا باطلا لمخالفته للآداب ، واعتبر غير قائم . وكانت القاعدة العامة تقتضي أن يبقى الالتزام بترتيب الإيراد قائماً ، بعد سقوط الشرط . ولكن لما كان هذا الشرط في الفرض الذي نحن بصدده هو السبب الذي دفع المدين إلى أن يلتزم بترتيب الإيراد ، فإن سقوط الشرط يسقط الالتزام معه ، كما تقضي بذلك الفقرة الثانية من المادة 266 مدني على ما رأينا . فيسقط ، في وقت معاً ، شرط المعاشرة غير المشروعة والالتزام بترتيب الإيراد ( 37 ) .
$ 33 $
22 – الشرط الفاسخ الإرادي المحض - إحالة : وقد قدمنا أن الشرط الإرادي المحض من جانب المدين يجعل الالتزام غير موجود إذا كان شرطاً واقفاً . ورأينا كذلك أن هذا الشرط الإرادي المحض من جانب المدين يجعل الالتزام غير موجود إذا كان شرطاً واقفاً . ورأينا كذلك أن هذا الشرط الإرادي المحض من جانب المدين إذا كان شرطاً فاسخاً فإنه لا يسقط الالتزام ، بل يبقى الالتزام قائماً معلقاً على هذا الشرط الإرادي ، ومن ثم ينفذ فوراً ، ويكون للمدين الخيار بعد ذلك في الإبقاء عليه إن شاء أو في إسقاطه فيزول .
المبحث الثالث
مصدر الشرط
وأي الحقوق يلحقها وصف الشرط
1 – مصدر الشرط
23 – مصدر الشرط هو الإرادة أو التصرف القانونين : بعد أن عرفنا ما هو الشرط وما هي مقوماته وأنواعه ، بقى أن نبحث ما هي المصادر التي ينشأ عنها .
وقد رأينا في الأمثلة المتقدمة أن الشرط مصدره الإرادة ، فالملتزم هو الذي يتفق مع الملتزم له أن يكون الالتزام معلقاً على شرط واقف أو على شرط فاسخ . بل إن الشرط يكون مصدره إرادة الملتزم وحدها إذا كان الالتزام نفسه هو وليد هذه الإرادة ، فالملتزم بإرادته المنفردة كما يملك أن يلتزم التزاماً منجزاً خالياً من أي شرط ، يملك كذلك أن يعلق التزامه على شرط ، واقفاً كان الشرط أو فاسخاً .
وقد تكون الإرادة مصدر الشرط إرادة صريحة أو إرادة ضمنية ( 38 ) . $ 34 $ والشرط المتولد من إرادة ضمنية هنا هو غير الشرط الفاسخ الضمني المفترض في العقود الملزمة للجانبين ، كما سبق القول ( 39 ) .
ولما كان الشرط مصدره في العادة هو الإرادة ، فقد دفع ذلك كثيراً من الفقهاء إلى القول بأن الشرط إنما هو وصف في الإرادة لا في الالتزام ، فيجب إلحاقه بنظرية التصرف القانوني لا بنظرية الالتزام في ذاته ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
24 – هل يكون الشرط مصدره القانون : على أن هناك أوضاعاً قانونية يذهب بعض الفقهاء إلى إنها معلقة على شرط مصدره القانون . ويسوقون من الأمثلة على ذلك الوصية ، فهي كما يقولون تصرف قانونين معلق بحكم القانون ذاته على شرط واقف هو أن يعيش الموصى له بعد موت الموصى . ويقولون كذلك أن حق الورثة في الميراث معلق على شرط واقف هو أن يموت المورث قبلهم . كذلك حق الشفيع في المشفوع فيه يقولون إنه أيضاً معلق على شرط واقف هو إعلان الشفيع إدارته في الأخذ بالشفعة .
على أن الشرط الذي يفرضه القانون في الأمثلة المتقدمة وأمثالها ليس شرطاً بمعناه الصحيح . فقد قدمنا أن الشرط أمر عارض ، لا يلحق الحق إلا بعد تكامل عناصره ، فيضاف إليه ، ويمكن تصور الحق بدونه . أما في الأمثلة التي قدمناها ، فالشرط عنصر من عناصر الحق ذاته ، ولا يتصور قيام الحق بدونه . وإنما هو $ 35 $ وضع معين يقرره القانون ، ويرتب عليه نتائج معينة ، وليس له أثر رجعي ( 40 ) .
فالشرط إذن ليس له مصدر إلا الإرادة ( 41 ) . ولكنه وصف يلحق الحق نفسه لا الإرادة التي هي مصدره ، ومن ثم يكون جزءاً من نظرية الالتزام في ذاته لا من نظرية التصرف القانوني ( 42 ) .
$ 36 $
2- الحقوق التي يلحقها وصف الشرط
25 – يلحق الشرط الحقوق الشخصية والحقوق العينية على السواء : والشرط وصف يلحق محل الحقوق ، سواء كانت هذه الحقوق شخصية أو عينية . فيلحق الشرط الالتزام أي الحق الشخصي . ويلحق كذلك الحق العيني ، فيكون هذا الحق معلقاً على شرط واقف أو على شرط فاسخ ، ويكون للشرط في هذه الحالة كل خصائص الشرط الذي يلحق الحق الشخصي .
26 – الحقوق التي لا يلحقها وصف الشرط : على أن الحقوق التي يلحقها وصف الشرط هي الحقوق المالية . أما الحقوق المتعلقة بالأحوال الشخصية فهي غالباً لا تقبل التعليق على الشرط . والحجر والإذن بالتجارة للصبي المميز والنسب ، كل هذه تنشيء حقوقاً وحالات قانونية لا يرد عليها الشرط وصفاً ( 43 ) .
الفرع الثاني
ما يترتب على الشرط من الآثار
27 – التمييز بين مرحلتين : حتى نتبين بوضوح ما يترتب على الشرط من الآثار يجب أن نميز بين مرحلتين : ( 1 ) مرحلة التعليق ، وهي المرحلة التي يكون فيها الشرط قائماً لا يعلم هل يتحقق أو يتخلف ، ولذلك يكون الالتزام فيها معلقاً ، ومن ثم سمينا هذه المرحلة بمرحلة التعليق . ( 2 ) مرحلة ما بعد التعليق ، وهي المرحلة التي يتبين فيها مآل الشرط هل تحقق أو تخلف ، ولتحققه آثار تختلف عن آثار تخلفه في كل من الشرط الواقف والشرط الفاسخ .
$ 37 $
المبحث الأول
أثر الشرط في مرحلة التعليق
1 – الشرط الواقف
28 – النصوص القانونية : تنص المادة 268 من التقنين المدني على ما يأتي :
" إذا كان الالتزام معلقا على شرط واقف ، فلا يكون نافذا إلا إذا تحقق الشرط . أما قبل تحقق الشرط ، فلا يكون الالتزام قابلا للتنفيذ القهري ولا للتنفيذ الاختياري ، على أنه يجوز للدائن أن يتخذ من الإجراءات ما يحافظ به على حقه " ( 44 ) .
وحكم هذا النص فيما يتعلق بمرحلة التعليق كان معمولا به في عهد التقنين المدني السابق دون أن يشتمل هذا التقنين على نص في ذلك .
ويقابل النص في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السورى المادة 268 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 255 ، وفي التقنين المدني العراقي المادة 288 ، وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المواد 93 إلى 95 ( 45 ) .
$ 38 $
29 – مراتب الحق من حيث الوجود والنفاذ : ويتبين من النص المتقدم الذكر أن الالتزام المعلق على شرط واقف ، وهو في مرحلة التعليق ، لا يكون نافذاً ، بل هو لا يكون موجوداً وجوداً كاملا ( 46 ) . ويمكن القول إن الحق ، من حيث الوجود والنفاذ ، يتدرج بين مراتب سبع : ( 1 ) مرتبة الحق المعدوم ، وهو ما لا وجود له ولا يحتمل وجوده . ( 2 ) مرتبة الحق الاحتمالي ، وهو ما لا وجود له ويحتمل وجوده ، فهو معدوم على خطر الوجود . ( 3 ) مرتبة الحق المعلق على شرط واقف ، وهو حق موجود فعلا ولكنه غير كامل الوجود . ( 4 ) مرتبة الحق المؤجل ، وهو حق موجود وجوداً كاملا ولكنه غير نافذ . ( 5 ) مرتبة الحق المعلق على شرط فاسخ ، وهو حق موجود وجوداً كاملا وهو في الوقت ذاته حق نافذ ، ولكنه موجود على خطر الزوال . ( 6 ) مرتبة الحق المقترن بأجل فاسخ ، وهو حق موجود وجوداً كاملا وهو نوافذ إلى أجل ثم ينقضى بانقضاء هذا الأجل . ( 7 ) مرتبة الحق المنجز ، وهو حق موجود وجوداً كاملا وهو نافذ إلى غير أجل .
ويخلص من ذلك أن الحق المعلق على شرط واقف هو : ( 1 ) حق موجود ( 47 ) ( 2 ) ولكن وجوده غير كامل .
$ 40 $
30 – الحق المعلق على شرط واقف حق موجود : وآية وجوده تظهر فيما يأتي :
( 1 ) ينتقل هذا الحق من صاحبه إلى الغير بالميراث وغيره من أسباب انتقال الحقوق . فالحق المعلق على شرط واقف يورث ، ويجوز لصاحبه أن يوصى به ، وأن يتصرف فيه بالبيع والهبة والرهن وغير ذلك من أنواع التصرف ، بل يجوز لصاحب هذا الحق أن ينزل عنه بإرادته المنفردة فيزول . وتنص المادة 94 من تقنين الموجبات والعقود اللبناني على " أن الموجب الذي عقد على شرط التعليق وما زال الشرط فيه معلقاً يمكن التفرغ عنه بوجه خاص أو بوجه عام " ، أي يمكن أن ينتقل بسبب خاص كالوصية والبيع والهبة ، أو بسبب عام كالميراث .
( 2 ) يجوز لصاحب الحق على شرط واقف أن يجري الأعمال المادية اللازمة لصيانته من التلف . ولا يجوز للمدين تحت شرط واقف أن يقوم بأي عمل من شأنه أن يمنع الدائن من استعمال حقه عند تحقق الشرط ، أو يزيد هذا الاستعمال صعوبة . وكل تصرف من جانب المدين يضر بحقوق الدائن عند تحقق الشرط لا يعتد به ، وذلك فيما عدا الحقوق التي كسبها الغير بحسن نية ( م 95 لبناني ) ( 48 ) .
( 3 ) يجوز لصاحب الحق المعلق على شرط واقف أن يقوم بالأعمال التحفظية اللازمة للمحافظة على حقه ، كوضع الأختام وتحرير قوائم الجرد وقيد الرهون الرسمية وتجديد القيد والتدخل في القسمة ورفع دعاوى تحقيق الخطوط ووضع الحراسة على الأعيان ( 49 ) . بل يجوز له أن يستعمل الدعوى غير المباشرة ودعوى الصورية ، وقد سبق بيان ذلك عند الكلام في هاتين الدعويين ( 50 ) .
$ 41 $
( 4 ) يجوز لصاحب الحق المعلق على شرط واقف أن يدخل في التوزيع ، ويطلب إن يختص بمبلغ يقابل قيمة حقه مع حفظ هذا المبلغ في خزانة المحكمة وتعليق قبضه إياه على تحقق الشرط ( 51 ) . ويجوز أن يوزع المبلغ على الدائنين التالين بشرط إن يقدموا كفالة تضمن رده في حالة تحقق الشرط ( 52 ) . ولكن لا يجوز لصاحب الحق المعلق على شرط واقف حجز ما لمدينه لدى الغير ولا أن يقوم بأي حجز تحفظي آخر ، لأن حقه غير حال الأداء ولا محقق الوجود ( م 543 و م 604 مرافعات ) ، ولكن إذا حجز دائن آخر على ما للمدين لدى الغير كان للدائن تحت شرط واقف أن يدخل في التوزيع على النحو الذي سبق ذكره ( 53 ) .
31 – الحق المعلق على شرط واقف وجوده غير كامل : ولكن الحق المعلق على شرط واقف إذا كان موجوداً ، فإن وجوده ناقص لم يتكامل ، ولا يتكامل إلا إذا تحقق الشرط . ومن ثم يفقد هذا الحق الناقص ، في مرحلة التعليق ، مزايا الحق الكامل من وجوه عدة ، نذكر من بينها :
( 1 ) لا يكون الحق المعلق على شرط واقف قابلا للتنفيذ القهري وهو في حالة التعليق . فلا يستطيع الدائن تحت شرط واقف أن يقتضى جبراً من المدين الدين المعلق على هذا الشرط . بل لأي جوز للدائن تحت شرط واقف أن يستعمل الدعوى البولصية وهي توطئة وتمهيد مباشر للتنفيذ القهري ، فقد قدمنا أن حق الدائن $ 42 $ في الدعوى البولصية يجب أن يكون مستحق الأداء والحق المعلق على شرط واقف غير مستحق الأداء .
( 29 لا يجوز للدائن تحت شرط واقف أن يتقاضى حقه برضاء المدين عن طريق التنفيذ الاختياري . ليس ثمة بطبيعة الحال ما يمنع المدين تحت شرط واقف من أن يفي بالدين قبل تحقق الشرط ، ولا ما يمنع الدائن من تقاضي هذا الحق ، ولكن هذا الوفاء يكون وفاء بغير المستحق ، فإذا كان المدين قد وفى الدين وهو يعتقد خطأ أن الدين غير معلق على شرط أو أن الشرط قد تحقق ، جاز له استرداده وفقاً للقواعد العامة في دفع غير المستحق ( 54 ) .
( 3 ) لما كان الحق المعلق على شرط واقف غير مستحق الأداء لأن وجوده لم يتكامل ، فإن التقادم المسقط لا يرسي بالنسبة إليه ما دام حقاً معلقا ًن ولا يسري التقادم إلا إذا تكامل وجود الحق وأصبح نافذا ًوذاك بتحقق الشرط .
( 4 ) إذا كان الحق المعلق على شرط واقف هو حق الملكية ، كان لهذا الحق مالكان : مالك تحت شرط واقف وهو الذي انتقلت له الملكية إلى المالك تحت شرط واقف ( 55 ) . فالمالك تحت شرط واقف حقه غير كامل الوجود كما قدمنا ، أما حق المالك تحت شرط فاسخ فهو كامل الوجود . ومن ثم كان لهذا المالك أن يدير العين ، واني تصرف فيها ، وأن يطهر العقار ، وهو الذي يتحمل هلاك العين ، ويستطيع دائنوه أن ينفذوا بحقوقهم عليها ( 56 ) .
$ 43 $
2- الشرط الفاسخ
32 – الحق المعلق على شرط فاسخ حق موجود نافذ : قدمنا أن الحق المعلق على شرط اسخ حق موجود وجوداً كاملاً ، وهو في الوقت ذاته حق نافذ ، ولكنه حق موجود على خطر الزوال .
فصاحب هذا الحق يملكه حالا ، وله أن يديره وأن يتصرف فيه كما سبق القول ، ولكن تصرفاته تكون على خطر الزوال كحقه ، فإذا ما تحقق الشرط الفاسخ ، زال حقه وزالت معه جميع التصرفات التي أجراها فيه .
على أن هناك من الأعمال التي يقوم بها صاحب الحق المعلق على شرط فاسخ ما يبقى حتى بعد تحقق الشرط ، وهي أعمال الإدارة المقترنة بحسن النية ، وسيأتي بيان ذلك .
وقد قدمنا أن المالك تحت شرط فاسخ هو الذي يتحمل تبعة هلاك العين ، وهو الذي يطهر العقار المرهون ، ويستطيع دائنوه أن ينفذوا بحقوقهم على العين المملوكة تحت شرط فاسخ ويكون هذا التنفيذ معلقاً إلغاؤه على تحقق الشرط ( 57 ) .
ويستطيع المالك تحت شرط فاسخ أن يحسب مدة حيازته للعين في التقادم ، فإذا أكمل المدة ملك العين بالتقادم تجاه المالك الحقيقي ولحساب المالك تحت شرط واقف ، فإذا ما تحقق الشرط رجعت العين ، بعد أن تمت مدة التقادم ، لا إلى المالك الأصلي بل إلى المالك تحت شرط واقف ( 58 ) .
$ 44 $
ويستطيع المالك تحت شرط فاسخ أن يباشر دعاوى الملكية ودعاوى الحيازة بالنسبة إلى العين التي يملكها تحت هذا الشرط ، كما يستطيع أن يدفع عن نفسه كمالك أي اعتداء يقع على ملكيته .
وإذا كانت العين المملوكة تحت شرط فاسخ نصيباً شائعاً ؛ جاز للمالك تحت شرط فاسخ أن يطلب القسمة ، فإذا ما تمت كانت نافذة في حقه وفي حق المالك تحت شرط واقف في حالة تحقق هذا الشرط . ذلك أن القسمة إجراء من إجراءات الإدارة التي تبقى قائمة حتى بعد تحقق الشرط الفاسخ . ولكن يجوز للمالك تحت شرط واقف أن يتدخل في إجراءات القسمة حتى يمنع أي غش أو تواطؤ بين الشركاء . ويستوى فيما قدمناه أن تكون القسمة قسمة قضائية أو قسمة رضائية ( 59 )
$ 45 $
أما الدائن تحت شرط فاسخ ، أي من له حق شخصي معلق على هذا الشرط ، فإن حقه يكون حالا واجب الأداء ، ويستطيع أن يتقاضاه من المدين طوعاً أو كرها ، أي بطريق التنفيذ الاختياري أو بطريق التنفيذ الجبري .
33 – ولكن الحق المعلق على شرط فاسخ موجود على خطر الزوال : على أن الحق المعلق على شرط فاسخ معرض للزوال ، وهو يزول فعلا بتحقق الشرط . فإذا كان الدائن تحت شرط فاسخ قد استوفى الدين من مدينه ، ثم تحقق الشرط ، جاز للمدين أن يسترد ما دفع وفقاً للقواعد العامة في دفع غير المستحق ( 60 ) .
ولا يستطيع صاحب الحق المعلق على شرط فاسخ ، كما قدمنا ، أن يأتي من الأعمال ما من شأنه أن يعوق الجانب الآخر – صاحب الحق المعلق على شرط واقف – من استعمال حقه إذا نفذ هذا الحق بتحقق الشرط ( 61 ) .
$ 46 $
المبحث الثاني
أثر الشرط بعد انتهاء مرحلة التعليق
34 – مسائل البحث : إذا انتهت مرحلة التعليق فإن مآل الشرط يتبين ، فهو إما أن يتحقق ,غما أن يتخلف . وسواء تحقق أو تخلف فلكل منذ لك أثره ، في حالتي الشرط الواقف والشرط الفاسخ . ويكون لتحقق الشرط ، واقفاً كان أو فاسخاً ، أثر رجعي في الكثرة الغالبة من الأحوال .
فنتكلم إذن في المسائل الآتية : ( 1 ) كيف يتحقق الشرط أو يتخلف . ( 2 ) أثر تحقق الشرط أو تخلفه في حالتي الشرط الواقف والشرط الفاسخ . ( 3 ) الأثر الرجعي للشرط .
1- كيف يتحقق الشرط أو يتخلف
35 – العغبرة بإرادة طرفي الالتزام في تحقق الشرط أو تخلفه : تنص المادة 1175 من التقنين المدني الفرنسي على أنه " يجب أن يكون تحقق الشرط على الوجه الذي يظهر أن الطرفين قد أرادا وقصدا أن يكون ( 62 ) " . وليس لهذا النص مقابل في التقنين المدني المصري ، ولكنه تطبيق للقواعد العامة ، فيمكن الأخذ بحكمه في مصر دون حاجة إلى نص في ذلك .
وقاضي الموضوع هو الذي يقدر الوجه الذي يريد الطرفان أن يكون عليه تحقق الشرط ، وذلك بالرجوع إلى نيتهما ، فيقضي بأن الشرط قد تحقق أو تخلف ، ولا معقب على حكمه . فإذا كان الشرط عملا يجب القيام به ، نظر القاضي هل قصد الطرفان أن يقوم به شخص معين بالذات كما إذا كان عملا فنياً لشخصية القائم به $ 47 $ اعتبار ملحوظ ، أو قصدا أن يقوم به أي شخص كما إذا كان عملا لا عبرة فيه بشخصية القائم به . كذلك يقدر القاضي ما إذا كان الشرط يقبل التجزئة بحيث إن تحقق جزء منه قابله جزء من الالتزام المشروط ، أو أنه لا يقبل التجزئة فأما أن يتحقق كله وإلا عد متخلفاً . وقد يكون الشرط هو تحقيق غاية ، كما إذا كان زواجاً اشترط على الدائن أن يعقده ، فعلى الدائن أن يعقد هذا الزواج حتى يتحقق الشرط ، وليس له أن يحتج بأنه قد بذل جهده في عقد الزواج ولكنه لم يوفق ، فالشرط هنا هو تحقيق غاية هي عقد الزواج ، فإذا لم تتحقق هذه الغاية ، مهما تكن هذه الأسباب لعدم تحققها ولو كانت أسباباً قاهرة ، اعتبر الشرط متخلفاً . كما قد يكون الشرط هو بذل عناية ، فعند ذلك يجب من يطلب منه بذل هذه العناية إلا يدخر وسعاً في تحقيق الغرض المقصود ، ولكن ليس عليه أن يتحقق هذا الغرض .
وإذا تحقق الشرط أو تخلف ، فقد تحدد مصيره على وجه نهائي لا سبيل إلى الرجوع فيه . فإذا كان الشرط مثلا الزواج في خلال مدة معينة ، وتم الزواج في خلال هذه المدة ، فقد تحقق الشرط ولو وقع الطلاق بعد ذلك . وإذا لم يتم الزواج في خلال المدة المعينة ، فقد تخلف الشرط ولو تم الزواج بعد انتهاء هذه المدة ( 63 ) .
36 – الشرط الذي حدد لتحققه أو لتخلفه وقت معين : وتصن المادة 1176 من التقنين المدني الفرنسي على أنه " إذا علق الالتزام على شرط هو أن يقع أمر في وقت معين ، فإن الشرط يعتبر متخلفاً إذا انقضى الوقت دون أن يقع هذا الأمر . فإذا لم يحدد لوقوع الأمر وقت ، جاز أن يتحقق الشرط في أي وقت ولا يعتبر متخلفاً إلا إذا أصبح من المؤكد أنه لن يقع " ( 64 ) . وتنص المادة 1177 $ 48 $ من نفس التقنين على أنه " إذا علق الالتزام على شرط هو إلا يقع أمر في وقت معين ، فإن الشرط يتحقق إذا انقضى الوقت دون أن يقع هذا الأمر . وهو يتحقق كذلك قبل انقضاء الوقت إذا أصبح من المؤكد أنه لن يقع . فإذا لم يحدد وقت ، فإن الشرط لا يتحقق إلا عندما يصبح مؤكداً عدم وقوع الأمر " ( 65 ) . ولا مقابل لهذه النصوص في التقنين المدني المصري ، ولكن يمكن الأخذ بأحكامها دون حاجة إلى نص لأنها ليست إلا تطبيقاً للقواعد العامة .
ومثل الشرط الذي يقع في وقت معين أن يعلق الملتزم التزامه على عودة ابنه الغائب في ميعاد يضربه ، فيقول إذا عاد ابني الغائب في خلال ثلاث سنوات مثلا . وقد لا يعين ميعاداً ، فيقتصر على أن يقول إذا عاد ابني الغائب . ومثل الشرط الذي لا يقع في وقت معين أن يلعق الملتزم التزامه على انعدام خلف له ويضرب لذلك ميعاداً ، فيقول إذا لم يولد لي ولد في خلال سنتين مثلا . وقد لا يعين ميعاداً ، فيقتصر على أن يقول إذا لم يولد لي ولد .
فإذا علق الملتزم التزامه على شرط أن يعود ابنه الغائب في خلال ثلاث سنوات ، فإن هذه المدة التي عينها تكون أحد عناصر الشرط ، ولا يتحقق الشرط إلا إذا عاد ابنه في خلال هذه المدة . فإذا انقضت دون إني عود فإن الشرط يتخلف ، حتى لو عاد الإبن بعد ذلك بمدة وجيزة . ولا يجوز للقاضي أن يمد المدة ، توقعاً لعودة الإبن الغائب في أجل قريب . وتسري المدة في حق القاصر وناقص الأهلية ولول م يكن له ولي ، لأنها ليست مدة تقادم حتى يرد عليها الوقف ، كذلك لا يجوز قطعها كما تقطع مدة التقادم ( 66 ) . ويتخلف الشرط أيضاً ، حتى قل انقضاء المدة المعينة ؛ متى أصبح من المؤكد أن الإبن الغائب $ 49 $ لن يعود ، بأن يموت مثلا قبل انقضاء المدة ( 67 ) . أما إذا عاد الإبن الغائب في خلال ثلاث سنوات ، فقد تحقق الشرط ، ويبت في ذلك قاضي الموضوع دون معقب على حكمه . وإذا كان الشرط غير مقترن بمدة محددة ، بل كان مقتصراً على اشتراط عودة الإبن الغائب ، فهو لا يتحقق إلا إذا عاد الإبن . ولكنه يتحقق بعودة الإبن في أي وقت ، حتى لو كان ذلك بعد موت الملتزم ؛ فإن التزامه المعلق على شرط ينتقل إلى ورثته ، ويبقى معلقاً بعد انتقاله إلى الورثة حتى يعود الإبن الغائب . ولا يتخلف الشرط في هذه الحالة إلا إذا أصبح من المؤكد أن الإبن الغائب لن يعود في أي وقت ، ويكون ذلك إما بالتحقق من وفاته ، وإما بانقضاء مدة طويلة من الزمن تصبح معها وفاته أمراً يبلغ حد اليقين . ويجوز كذلك ، عند عدم تعيين مدة يتحقق في خلالها الشرط ، أن يعين القاضي مدة معقولة ، مستخلصاً إياها من نية الطرفين ومن ظروف التعاقد وملابساته ( 68 ) .
وما قدمناه ينطبق على الشرط السلبي : إلا يقع أمر في خلال مدة معينة . فإذا علق الملتزم التزامه على شرط إلا يولد له ولد في خلال سنتين ، فإن الشرط يكون قد تحقق إذا انقضت هذه المدة ( 69 ) دون أن يرزق ولداً ، حتى لو رزق الولد بعد انقضاء المدة بوقت وجيز . بل أن الشرط يكون قد تحقق – وقد نصت على ذلك صراحة المادة 1177 فرنسي – حتى قبل انقضاء المدة إذا أصبح مؤكداً أن الملتزم لن يولد له ولد ، بان ثبت عقمه مثلا أو مات قبل انقضاء المدة . أما إذا رزق الملتزم ولداً في خلال السنتين ، فإن الشرط يكون قد تخلف ، حتى لو مات الولد بعد ذلك ولو كان موته قبل انقضاء السنتين . وإذا كان الشرط غير مقترن بمدة ، بل كان مقتصراً على إلا يولد للملتزم ولد ، فإن الشرط يتخلف إذا رزق الملتزم ولداً في أي وقت إلى أن يموت . ويتحقق $ 50 $ الشرط إذا أصبح من المؤكد إلا يولد له ولد ، بان أصبح عقيما مثلا أو ماتت زوجته وكان الشرط أن يكون الولد منها ( 70 ) .
37 – تحقق الشرط أو تخلفه بطريق الغش : وتنص المادة 1178 من التقنين المدني الفرنسي على أنه " يعتبر الشرط قد تحقق إذا كان المدين بالتزام معلق على هذا الشرط هو الذي منع تحققه " ( 71 ) . وليس لهذا النص مقابل في التقنين المدني المصري ، ولكن المشروع التمهيدي لهذا التقنين كان قد احتوى على نص مقابل هو المادة 388 من هذا المشروع ، وكانت تجري على الوجه الآتي : " 1- يعتبر الشرط قد تحقق إذا كحان الطرف الذي له مصلحة في أن يتخلف في حال بطريق الغش دون تحققه . 2 – لا أثر للشرط الذي تحقق إذا كان تحققه قد وقع بغش الطرف الذي له مصلحة في أن يتحقق " . والنص كما نرى أكثر استيعاباً وأوسع شمولا من نص التقنين المدني الفرنسي ( 72 ) . ولكنه $ 51 $ حذف في لجنة المراجعة " فمكان استخلاص حكمه من القواعد العامة " ( 73 ) .
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لهذا المشروع في هذا صدد هذا النص ما يأتي : " تواجه هذه المادة فرضين : أولهما يعرض حيث يحول ذو المصلحة في تخلف الشرط دون تحققه بطريق الغش ، كما هو الشأن في المدين بالتزام معلق على شرط موقف أو الدائن بالتزام معلق على شرط فاسخ . وفي مثل هذا الفرض يعتبر الشرط قد تحقق ولو أنه لا يزال متخلفاً في حكم الواقع ، جزاء ما وقع من غش المدين أو الدائن بحسب الأحوال . والثاني يعرض حيث يعمد ذو المصلحة ، على نقيض ما وقع في الفرض الأول ، إلى تحقيقي الشرط بطريق الغش ، كما هو الشأن في الدائن بالتزام معلق على شرط موقف ( كالمستأمن إذا انتحر أو تسبب في الحريق عمداً ) ، والمدين بدين معلق على شرط فاسخ . ولا يرتب تحقق الشرط في هذا الفرض أثراً ما ، بل يبرأ المدين من التزامه ، أو يظل مرتبطاً به نهائياً ، رغم تحقق الشرط الموقف أو الفاسخ . ومن الواضح أن إقرار هذا الحكم قصد به إلى قمع ما يقع من غش من المدين أو الدائن بحسب الأحوال " ( 74 ) .
وواضح أن ذا المصلحة من الطرفين في تخلف الشرط إذا حال دون تحققه بطريق الغش ، كالمدين تحت شرط واقف يحول دون تحقق هذا الشرط حتى لا ينفذ التزامه ( 75 ) ، أو الدائن تحت شرط فاسخ يحول دون تحقق هذا الشرط حتى يصبح حقه باتا لا يفسخ ، يكون قد عمل على نقض ما تم من جهته ، ومن سعى إلى نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه . وكذلك الحال في ذي المصلحة من الطرفين في تحقق الشرط إذا عمل على تحقيقه بطريق الغش ، كالمدين تحت شرط فاسخ يعمل على تحقيق هذا الشرط حتى يفسخ التزامه ، وكالدائن تحت شرط $ 52 $ واقف يعمل على تحقيق الشرط حتى يصبح حقه نافذاً . في جميع هذه الأحوال يكون هناك خطأ من الطرف الذي عمل على تخلف الشرط أو على تحققه ، فيجب عليه التعويض عن خطأه . وخير تعويض هو أن يعتبر الشرط الذي عمل على تخلفه قد تحقق ، أو الشرط الذي عمل على تحققه قد تخلف ، فهذا هو التعويض العيني للخطأ الذي ارتكبه .
ولكن لا بد أن يكون قد ارتكب خطأ في الحيلولة دون تحقق الشرط أو دون تخلفه ، ولا يكفي أن يكون بمجرد عمله قد حال دون ذلك من غير أن ينطوي هذا العمل على خطأ . فلو أن المؤجر التزم نحو المستأجر أن يؤجر له طابقاً آخر من الدار إذا بقى في الطابق الأول الذي أجره له مدة معينة ، ثم تأخر المستأجر عن دفع أجرة الطابق الأول مما دعا المؤجر أن يستصدر حكماً عليه بالاخلاء قبل انقضاء المدة المعينة ، فلا يقال في هذه الحالة أن المؤجر قد عمل ، بإخراج المستأجر من الطابق الأول ، على تخلف الشرط مما يؤدي إلى اعتباره متحققاً . ذلك أن المؤجر لم يرتكب خطأ في إخراج المستأجر من الطابق الأول ، بل المستأجر هو الذي ارتكب الخطأ بتأخره عن دفع الأجرة . وإذا التزم شخص نحو ابنه بإعطائه مبلغاً من المال إذا لم يبن له داراً ، فإن الأب يستطيع إني بني الدار للابن فيتخلف الشرط بذلك ، ولا يعتبر الأب مخطئاً في العمل على تخلف الشرط ( 76 ) . وإنما يعتبر الطرف قد أخطأ في العمل على تحقق الشرط ، ومن ثم يعتبر الشرط متخلفاً ، في الفرض الآتي : شخص تعهد بإعطاء إيراد مرتب لشخصين طول حياتهما ، على أن من يموت منهما قبل الآخر يرتد إيراده إلى صاحبه ، فيجمع هذا بين الايرادين . فإذا قتل أحد هذين الشخصين الآخر ، فإنه يكون بذلك قد عمل غشاً على تحقيق الشرط الذي يترتب على تحققه أن يرتد له إيراد الشخص المقتول ، ومن ثم يعتبر الشرط متخلفاً جزاء له على غشه ، ولا يرتد له هذا الإيراد ( 77 ) . كذلك $ 53 $ إذا أحرق المؤمن على الحريق المكان الذي أمنه ، فإنه لا يستحق مبلغ التأمين .
على أنه ليس من الضروري ، بعد أن حذف نص المادة 388 من المشروع التمهيدي وكان يشترط أن تكون الحيلولة دون تحقق الشرط أو تخلفه بطريق الغش ، أن تكون الحيلولة حتما بهذا الطريق . بل يكفي أن يكون هناك خطأ في جانب من حال دون تحقق الشرط أو دون تخلفه ، ولو لم يصل هذا الخطأ إلى درجة التعمد والغش . فإذا تعهد صاحب مصنع لموظفيه بان يعطيهم تعويضاً عن مصروفات انتقالهم إلى المصنع إذا لم يقدم لهم عربة خاصة تنقلهم إليه ، فإن مجرد تأخر أحد الموظفين عن إدراك العربة الخاصة يكون خطأ ، ويكون قد عمل على تحقيقي الشرط بخطأ منه ، فلا يستحق تعويضاً عن مصروفات انتقاله إلى المصنع بوسائله الخاصة ( 78 ) .
$ 54 $
ولا يطلب من الطرف ذي الشأن إلا أن يثبت أن الطرف الآخر قد حال بخطأه دون تحقق الشرط أو دون تخلفه ( 79 ) .
ولكن يجوز للطرف الآخر أن يثبت أنه بالرغم من خطأه فإن الشرط ما كان ليتحقق أو ما كان ليتخلف ، وفي هذه الحالة لا يجوز اعتبار الشرط متحققاً أو متخلفاً ما دام الخطأ ليس هو السبب الحقيقي في تخلفه أو في تحققه ( 80 ) .
2- أثر تحقق الشرط أو تخلفه
38 – الشرط الواقف – النصوص القانونية : رأينا أن المادة 268 من التقنين المدني المصري تنص في صدرها على ما يأتي : " إذا كان الالتزام معلقا على شرط واقف ، فلا يكون نافذا إلا إذا تحقق الشرط . أما قبل تحقق الشرط " ( 81 ) .
فإذا تحقق الشرط الواقف إذن نفذ الالتزام المعلق عليه ، وكان قبل تحقق الشرط موقوفاً كما رأينا ( 82 ) . فيجوز بعد تحقق الشرط للدائن أن ينفذ بحقه اختياراً أو إجباراً ، وله أن يستعمل الدعوى البوليصة تمهيداً لهذا التنفيذ . ولا يرد ما قبضه ، لأنه قبض ما هو مستحق له . ويسري التقادم في حق الالتزام $ 55 $ منذ تحقق الشرط ، وكان لا يسري حال تعلقه . وقد تقدم بيان كل ذلك هذا ويعتبر الالتزام بتحقق الشرط موجوداً ، لا منذ تحقق الشرط فحسب ، بل منذ نشوء الالتزام ( 83 ) ، وهذا هو الأثر الرجعي لتحقق الشرط وسيأتي بيانه . ويستخلص من ذلك أنه إذا تم العقد معلقاً على شرط واقف ، لم يجز لأحد المتعاقدين أن يرجع في تعاقده ما بين تمام العقد وتحقق الشرط ، فإن الشرط إذا تحقق اعتبر العقد قد تم وترتبت عليه جميع آثاره منذ انعقاده لا منذ تحقق الشرط ( 84 ) .
أما إذا تخلف الشرط الواقف ، فإن الالتزام الذي كان معلقاً على هذا الشرط – وكان له وجود ناقص كما قدمنا – ينمحي ويصبح كأن لم يكن ، ولا يعتبر له وجود ، لا كامل ولا ناقص ، منذ البداية ، وهذا هو الأثر الرجعي لتخلف الشرط . وينبني على ذلك أن المدين إذا لم يكن قد وفى شيئاً من الالتزام كان غير ملزم بالوفاء أصلاً ، وإذا كان قد وفى شيئاً فإنه يسترده ( 85 ) . وينبني على ذلك أيضاً أن الدائن إذا كان قد تصرف في الشيء ، فإن تخلف الشرط الواقف يلغي جميع تصرفاته لأنها جميعها كانت معلقة على هذا الشرط الواقف كما قدمنا ( 86 ) .
39 – الشرط الفاسخ – النصوص القانونية : تنص المادة 269 من التقنين المدني على ما يأتي :
" 1 - يترتب على تحقق الشرط الفاسخ زوال الالتزام ويكون الدائن ملزما برد ما أخذه ، فإذا استحال الرد لسبب هو مسئول عنه وجب عليه التعويض " .
$ 56 $
2- على أن أعمال الإدارة التي تصدر من الدائن تبقي نافذة رغم تحقق الشرط " ( 87 ) .
ونرى من ذلك أنه إذا تحقق الشرط الفاسخ ، فإن تحققه يزيل الالتزام المعلق عليه ، فيعتبر هذا الالتزام كأن لم يكن منذ البداية بفضل الأثر الرجعي . $ 57 $ وينفسخ الالتزام بقوة القانون ، دون حاجة إلى حكم أو إعذار ، ويترتب على ذلك ما يأتي : ( 1 ) لا حاجة لطلب الفسخ ، ومن باب أولى لاستصدار حكم به ، ولكن إذا حصل نزاع وجب الالتجاء إلى القضاء ، لا ليقضى بالفسخ كما يفعل في فسخ العقد الملزم للجانبين إذا أخل أحد المتعاقدين بالتزامه ، بل يلقرر أن العقد قد انفسخ ، ولا يجوز له أن يمنح أية مهلة . ( 2 ) يجوز لكل ذى مصلحة التمسك بانفساخ العقد ، فيستطيع دائنوا البائع بعد انفساخ عقد المشتري أن يحجزوا على المبيع مباشرة بمجرد تحقق الشرط الفاسخ . ( 3 ) لا يجوز للطرفين باتفاقهما أن ينزلا عن الفسخ ، إذ يعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه ، ولا بد من إبرام عقد جديد ينعقد من وقت إبرامه .
وبتحقق الشرط الفاسخ تسقط جميع التصرفات التي صدرت من الدائن تحت شرط فاسخ ، ولا تبقى إلا أعمال الإدارة على الوجه الذي سنبينه فيما يلي . وإذا كان الدائن قد استوفى الدين ، وتحقق الشرط الفاسخ ، فعليه أن يرده للمدين ، وإذا استحال الرد لغير سبب أجنبي ، كان عليه أن يعوض المدين عما أصابه من الضرر . أما إذا رجعت الاستحالة إلى سبب أجنبي ، فقد انقضى الالتزام بالرد ، ولا محل للتعويض في هذه الحالة . والالتزام بالرد مبنى على أساس دفع غير المستحق ، فإنه لما تحقق الشرط الفاسخ بأثر رجعي ، تبين أن الشيء الذي دفعه المدين للدائن لم يكن مستحقاً ، فكان له الحق في استرداده .
وإذا تخلف الشرط الفاسخ ، فإن الالتزام الذي كان معلقاً عليه وكان على خطر الزوال يصبح باتاً غير معرض للزوال ، وتصبح جميع تصرفات الدائن تحت شرط فاسخ هي أيضاً باتة غير قابلة للنقض . أما تصرفات الطرف الآخر التي كانت معلقة على شرط واقف ، ولم يتحقق هذا الشرط بتخلف الشرط الفاسخ ، فإنها تزول بأثر رجعي كما قدمنا . ويتم كل ذلك بمجرد تخلف الشرط الفاسخ دون حاجة إلى حكم أو إعذار ، كما رأينا ذلك في حالة تحقق هذا الشرط .
40 – أعمال الإدارة في حالة تحقق الشرط الفاسخ : قدمنا أن جميع تصرفات الدائن تحت شرط فاسخ تسقط بتحقق الشرط فيما عدا أعمال الإدارة . وقد نصت على ذلك صراحة ، كما رأينا ، الفقرة الثانية من المادة 269 إذ تقول : $ 58 $ " على أن أعمال الإدارة التي تصدر من الدائن تبقى نافذة رغم تحقق الشرط " . وقد ورد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي :
" أما ما يصدر من الدائن من أعمال الإدارة فيظل قائماً رغم تحقق الشرط ، ذلك أن هذه الأعمال لا تؤثر في الحقوق التي استقرت نهائياً من جراء تحقق الشرط . ثم أنه من الاهمية بمكان أن يكفل لها ما ينبغي من الاستقرار . وغنى عن البيان أن بقاء الأعمال التي تقدمت الإشارة إليها مشروط بحسن نية من صدرت عنه وعدم تجاوزه المألوف في حدود الإدارة . فإذا كان عمل الإدارة إجارة مثلا ، وجب إلا تجاوز مدتها ثلاث سنوات " ( 88 ) .
والمثل المألوف لأعمال الإدارة هو الإيجار . ويدخل في أعمال الإدارة أيضاً قبض الأجرة وبيع الثمار والمحصولات وقيد الرهن وتجديد القيد وتسجيل العقد ونحو ذلك . بل يدخل في أعمال الإدارة ، فلا ينفسخ بتحقق الشرط الفاسخ ، القسمة وتطهير العقار . فإذا أجرى المالك قسمة العين الشائعة التي يملكها تحت شرط فاسخ ، فإن هذه القسمة ، سواء كانت قضائية أو رضائية ، لا تنفسخ بتحقق الشرط ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . وكذلك الأمر فيما يتعلق بتطهير العقار إذا كان مثقلا برهن وأجرى المالك تحت شرط فاسخ تطهيره ، فلا يعود مثقلا بالرهن حتى لو تحقق الشرط الفاسخ ( 89 ) . كما تقدم القول .
ولكن يشترط لبقاء أعمال الإدارة بالرغم من تحقق الشرط الفاسخ أمران : ( 1 ) أمر ذاتي ، هو حسن نية صاحب الحق المعلق على شرط فاسخ ، فيجب إلا يتخذ من أعمال الإدارة ذريعة يتوسل بها إلى تعطيل حق الطرف الآخر إذا تحقق الشرط الفاسخ . ( 2 ) وأمر موضوعي ، هو إلا يجاوز في أعمال الإدارة الحد المألوف ، فلا يعقد إجارة لمدة تجاوز ثلاث سنوات ، ولا يبيع إلا الموجود من المحصولات فيمتنع عليه بيع المحصولات المستقبلة لسنين قادمة ، وهكذا .
$ 59 $
والسبب في بقاء أعمال الإدارة واضح ، لأن هذه الأعمال ضرورية ويجب القيام بها في وقتها المناسب ، ويجب أن يكون لها من الاستقرار ما يكفل لها البقاء حتى يتيسر اجراؤها . ولما كان صاحب الحق المعلق على شرط فاسخ هو الذي يملك الإدارة ، فقد يسر له القانون مهمته بان أبقى أعماله قائمة حتى بعد تحقق الشرط الفاسخ ، ما دام قد توافر فيها الشرطان المتقدمان .
3 – الأثر الرجعي لتحقق الشرط
41 – النصوص القانونية : تنص المادة 270 من التقنين المدني على ما يأتي :
" 1- إذا تحقق الشرط استند أثره إلى الوقت الذي نشأ فيه الالتزام ، إلا إذا تبين من إرادة المتعاقدين أو من طبيعة العقد أن وجود الالتزام ، أو زواله ، إنما يكون في الوقت الذي تحقق فيه الشرط " .
" 2- ومع ذلك لا يكون للشرط أثر رجعي ، إذا أصبح تنفيذ الالتزام قبل تحقق الشرط غير ممكن لسبب أجنبي لا يد للمدين فيه ( 90 ) " .
ويقابل هذا النص في التقنين المدني السابق المواد 105 / 159 و 106 / 160 و 269 مكررة / 340 ( 91 ) . ولا فرق في الحكم بين التقنينين .
$ 60 $
ويقابل النص في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المادة 270 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 257 ، وفي التقنين المدني العراقي 290 ، وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المواد 95 و 96 و 98 و 99 ( 92 ) .
$ 61 $
وهذه المسألة هي من أهم المسائل في الشرط . ويختلف الشرط عن الأجل بوجه خاص في أن للشرط أثراً رجعياً ليس للأجل ( 93 ) ، وفي أن الشرط أمر غير محقق الوقوع والأجل أمر محقق .
ونتكلم ، في الأثر الرجعي للشرط ( 94 ) ، في المسائل الآتية : ( 1 ) الأساس الذي يقوم عليه مبدأ الأثر الرجعي وتقدير هذا المبدأ . ( 2 ) ما يترتب من النتائج على الأثر الرجعي . ( 3 ) ما يستثنى من إعمال الأثر الرجعي .
42 – الأساس الذي يقوم عليه مبدأ الأثر الرجعي – تقدير هذا المبدأ : اشرنا فيما قدمناه إلى أن لتحقق الشرط ، سواء كان الشرط واقفاً أو فاسخاً ، أثراً رجعياً . وهذا ما تقوله صراحة المادة 270 مدني ، فهي كما رأينا تقرر أنه إذا تحقق الشرط استند إلى وقت الذي نشأ فيه الالتزام .
ونبدأ ببيان الأساس الذي يقوم عليه مبدأ الأثر الرجعي ، وقد تشعبت الآراء في بيان هذا الأساس .
فمن الفقهاء من يذهب إلى أن الأثر الرجعي لتحقق الشرط ليس إلا مجرد افتراض وهمي ( fiction ) من جانب المشرع ، الغرض منه تفسير بعض $ 62 $ النتائج التي تترتب على تحقق الشرط ، ومن ثم لا يجوز التوسع في إعمال هذا الأثر الرجعي ، بل يجب قصره على الأحوال التي قصد المشرع صراحة أو ضمناً أن يكون لتحقق الشرط فيها هذا الأثر ( 95 ) . ولكن هذا الرأي لا يحل الإشكال ، إذ يبقى أن نعرف لماذا افترض المشرع هذا الافتراض الوهمي في النتائج التي رتبها على تحقق الشرط .
ومن الفقهاء من يذهب إلى أن الأثر الرجعي لتحقق الشرط ليس إلا تعبيراً ملائماً للقول بأن تحقق الشرط ليس من شأنه إلا تثبيت حق كان موجوداً من قبل ، وهذا التثبت ( Confirmation ) هو كل المقصود بالأثر الرجعي افتراضاً وهمياً من جانب المشرع ، بل هو استجابة الحقيقة واقعة ، فالحق المعلق على شرط موجود منذ وجود الاتفاق ، وما تحقق الشرط بمنشيء له بل هو تثبيت لوجوده ( 96 ) . ولكن يؤخذ على هذا الرأي أنه يقتصر على تفسير الشرط الواقف دون الشرط الفاسخ . ويؤخذ عليه ، حتى في تفسيره للشرط الواقف ، أنه يفرض أن الحق المعلق على شرط واقف موجود منذ البداية وتحقق الشرط إنما يقتصر على تثبيته ، وهذا التفسير مصادرة على المطلوب ، فإن وجود الحق منذ البداية لم نقل به إلا لأن للشرط أثراً رجعياً ، فلا يجوز أن يفسر هو نفسه هذا الأثر الرجعي ( 97 ) .
ويذهب كولان وكابيتان إلى أن الأثر الرجعي للشرط ليس إلا تطبيقاً للمبدأ القاضي بأن فاقد الشيء لا يعطيه ( nemo plus juris ad alium transferre potest quam ipso habet ) . فصاحب الحق المعلق على شرط واقف أو على شرط فاسخ لا يستطيع أن يتصرف في هذا الحق إلا تحت الشرط الواقف $ 63 $ أو الشرط الفاسخ ، وإلا أعطى أكثر مما يملك ( 98 ) . ولكن هذا التفسير لا يكفي لتأسيس الأثر الرجعي ، فإذا كان المالك تحت شرط فاسخ لا يستطيع أن ينقل للغير أكثر مما يلمك ، فإن هذا لا يمنعه من أن ينقل ما يملك . وهو يملك حقاً معلقاً على شرط فاسخ ، فيستطيع أن ينقله ، حتى إذا ما تحقق الشرط لم ينتج أثره إلا من وقت تحققه لا منذ البداية . فالمبدأ القاضي بأن فاقد الشيء لا يعطيه لا يقتضي حتما الأخذ بمبدأ الأثر الرجعي لتحقق الشرط ( 99 ) .
وقد ذهب بعض رجال الفقه الحديث إلى إنكار الأثر الرجعي للشرط ، إذ يرونه مجافياً للواقع ، ومعطلا لحرية تصرف المالك في ملكه ، وضاراً بالغير إذ يبقى على الدوام مهدداً بهذا الأثر الرجعي ، وبذلك تتعقد المعاملات ولا تستقر الحقوق ( 100 ) . وقد عمدت بعض التقنينات الحديثة فعلا إلى إنكار أن $ 64 $ يكون لتحقق الشرط أثر رجعي ، كما فعل التقنين الألماني وتقنين الالتزامات $ 65 $ السويسري ( 101 ) . ولم يستبق الأثر الرجعي إلا التقنينات اللاتينية ، وقد سار على نهجها التقنين المصري ، القديم ( 102 ) والجديد .
والصحيح في نظرنا أن فكرة الأثر الرجعي لتحقق الشرط تستجيب في أكثر الأحوال لظروف التعاقد وللنية المحتملة للمتعاقدين . وذلك أن المتعاقدين لا يعرفان وقت التعاقد إن كان الشرط يتحقق أو لا يتحقق ، ولو أنهما كانا يعرفان ذلك لما علقا العقد على الشرط ولجعلاه عقداً بسيطاً منجزاً ( 103 ) . فيمكن إذن في كثير من الاطمئنان تفسير نيتهما على أنهما إنما أرادا أن يسندا أثر العقد إلى وقت التعاقد لا إلى وقت تحقق الشرط .
ومن أجل ذلك لم يجعل المشرع مبدأ الأثر الرجعي من النظام العام فلا تجوز مخالفته ، بل جعل للمتعاقدين الحق في أن يفصحا عن نيتهما ، فإن كانا لا يريدان أن يجعلا للشرط أثراً رجعياً فليس عليهما إلا أن يبينا ما أرادا ، وعند ذلك لا يكون لتحقق الشرط أثر رجعي ، لأن النية الحقيقية للمتعاقدين قد تعارضت مع النية المحتملة ، ولا شك في أن الأولى تنسخ الثانية . وليس على المتعاقدين $ 66 $ ضير من الأثر الرجعي ما داما يقصدان هذا الأثر ، ولا على الغير ضير من ذلك أيضاً ما دامت قواعد الشهر تحمى الغير من المفاجآت ( 104 ) . ويستطيع المشرع أن يفرض أن إرادة المتعاقدين قد انصرفت إلى الأثر الرجعي إلا إذا ظهر العكس ، كما فعل التقنينان الفرنسي والمصري . كما يستطيع أن يفرض انهما أرادا الأثر الفوري إلا إذا ظهر العكس ، كما فعل التقنينان الألماني والسويسري . والفروق العملية ما بين الطريقتين فروق محدودة ، فكل طريقة تقرر أصلاً ثم تستثنى منه ، وتكادان تتفقان على حدود الأصل والاستثناء . ولكن الأفضل التمشي مع النية المحتملة للمتعاقدين ، وجعل الأصل هو الأثر الرجعي لتحقق الشرط . لذلك نرى أن التقنين المدني الجديد لم يخطئ في استبقائه لمبدأ الأثر الرجعي على غرار التقنينات اللاتينية ، مع تقييد هذا الأصل باستثناءات تقتضيها حاجات التعامل ( 105 ) . وهذا ما ننتقل الآن إلى بيانه .
$ 67 $
43 – ما يترتب من النتائج على الأثر الرجعي لتحقق الشرط : ونشير إلى بعض من النتائج الهامة التي تترتب على الأثر الرجعي لتحقق الشرط فيما يأتي :
( 1 ) التصرفات التي تصدر من صاحب الحق المعلق على شرط واقف تصبح ، عند تحقق الشرط ، نافذة منذ البداية ( 106 ) . فلو أن مالكاً لعين تحت شرط واقف باع هذه العين أو رهنها ، ثم تحقق الشرط الواقف ، فإنه يتحقق بأثر رجعي لا بالنسبة إلى المالك تحت شرط واقف وحده ، بل أيضاً بالنسبة إلى المشتري منه أو المرتهن . فيعتبر المالك تحت شرط واقف بعد تحقق الشرط مالكا للعين منذ البداية ( 107 ) ، ويترتب على ذلك أنه يعتبر مالكا للعين وقت أن باعها للغير أو رهنها . ومن ثم تنتقل الملكية إلى المشتري أو ينشأ حق الرهن للدائن المرتهن لا من وقت تحقق الشرط الواقف ، بل من وقت التعاقد مع المالك ( 108 ) . وعكس ذلك هو $ 68 $ الذي يترتب على الأثر الرجعي لتحقق الشرط الفاسخ . فلو أن مالكاً تحت شرط فاسخ تصرف في العين ببيع أو برهن ، ثم تحقق الشرط الفاسخ بأثر رجعي فاعتبر أنه لم يكن مالكاً منذ البداية ، فإن البيع الذي صدر منه أو الرهن يكون قد صدر من غير مالك ، فلا تنتقل الملكية الىالمشتري ، ولا ينشأ حق الرهن للدائن المرتهن . ويلاحظ أن هذا الحكم الأخير ، في حالة المنقول ، يخفف من حدته قاعدة أخرى هي القاعدة التق تقضي بأن الحيازة في المنقول سند الملكية . فلو كان المبيع أو المرهون منقولا ، وكان البائع أو الراهن مالكاً تحت شرط فاسخ ، ثم تحقق الشرط بأثر رجعي ، فزالت عن المالك الملكية منذ البداية ، فإن المشتري أو الدائن المرتهن ، وإن اعتبر أنه تعامل مع غير مالك فلا ينتقل إليه الحق بالعقد ، ينتفع من جهة أخرى بقاعدة الحيازة في المنقول ، فينتقل إليه الحق بالحيازة .
( 2 ) إذا باع شخص عقاراً تحت شرط واقف ، فأصبح هو نفسه مالكاً تحت شرط فاسخ ، ثم نزع دائن مرتهن للبائع ملكية العقار ، وتحقق الشرط بعد ذلك ، فإن الأثر الرجعي لتحققه يجعل المشتري مالكاً منذ البيع لا منذ تحقق الشرط ، فإن كان الدائن المرتهن الذي نزع الملكية لم يقيد حقه إلا بعد تسجيل البيع ، فإن نزع الملكية لا ينفذ في حق المشتري . أما إذا كان الرهن قد قيد قبل تسجيل البيع ، فإنه يكون نافذاً في حق المشتري ، فينفذ في حقه أيضاً نزع الملكية ( 109 ) .
$ 69 $
وإذا كان بيع العقار معلقاً على شرط فاسخ ، ونزع ملكية العقار دائن مرتهن للمشتري تحت شرط فاسخ ، وتحقق الشرط ، فإن نزع الملكية لا ينفذ في حق البائع الذي استعاد ملكيته بأثر رجعي بمجرد تحقق الشرط ، فلا ينفذ في حقه الرهن الذي رتبه المشتري ، ومن ثم لا ينفذ في حقه نزع الملكية ( 110 ) .
( 3 ) إذا كان المدين تحت شرط واقف قد اعتقد خطأ أن الشرط قد تحقق فوفى بالدين ، فقد قدمنا أن له أن يسترده وفقاً للقواعد العامة في دفع غير المستحق . ولكن جواز الاسترداد مقصور على المرحلة التي يكون فيها الشرط معلقاً ، فإذا ما تحقق الشرط فإنه يتحقق بأثر رجعي ، ويتبين أن المدين وقت أن دفع كان مديناً فعلاً ، فلا يستطيع إني سترد ما وفاه ( 111 ) .
وعكس ذلك هو الذي يترتب على الأثر الرجعي لتحقق الشرط الفاسخ . فلو أن المدين أدى للدائن تحت شرط فاسخ حقه ، فإنه يكون مؤدياً لدين مستحق عليه فلا يستطيع إني سترده ما دام الشرط معلقاً . فإذا تحقق الشرط زال حق الدائن بأثر رجعي ، وكان للمدين أن يسترد ما دفع ، إذا يتبين أنه وقت أن دفع لم يكن مديناً فيكون قد دفع غير المستحق .
( 4 ) إذا ارتهن دائن تحت شرط واقف عقاراً ضماناً لدينه ، وقيد الرهن قبل تحقق الشرط ، فإن مرتبة الرهن تكون من يوم قيده لا من يوم تحقق الشرط ، $ 70 $ إذ يعتبر الدين موجوداً وقت قيد الرهن بفضل الأثر الرجعي لتحقق الشرط ( 112 ) .
( 5 ) يعتبر عقد التأمين على الحياة عادة معلقاً على شرط واقف هو دفع القسط الأول من التأمين ، فإذا دفع المؤمن عليه هذا القسط تحقق الشرط بأثر رجعي . واعتبر عقد التأمين نافذاً من وقت التعاقد لا من وقت تحقق الشرط . فلو أن شخصاً امن على حياته ، ثم مات قبل حلول القسط الأول ، ودفع هذا القسط من تركته ، فإن عقد التأمين يعتبر نافذاً قبل وفاة المؤمن على حياته ، ومن ثم يكون مبلغ التأمين مستحقاً .
( 6 ) للدائن تحت شرط واقف ، إذا تحقق الشرط ، أن يطعن بالدعوى البولصية في تصرفات مدينه ، حتى ما كان منها سابقاً على تحقق الشرط ، فإن حقه يعتبر ، بفضل الأثر الرجعي ، موجوداً منذ الاتفاق عليه لا منذ تحقق الشرط ، ومن ثم يعتبر سابقاً على تصرف المدين ( 113 ) .
( 7 ) إذا كسب شخص حقاً معلقاً على شرط واقف ، في ظل تشريع معين ، وقبل تحقق الشرط صدر تشريع جديد من شأنها أن يؤثر في هذا الحق ، ثم تحقق الشرط ، فإن التشريع الذي يسري هو التشريع القديم لا التشريع الجديد ، إذ يعتبر الحق ، بفضل الأثر الرجعي ، موجوداً منذ البداية أي منذ أن كان التشريع القديم سارياً ( 114 ) .
$ 71 $
44 – الاستثناءات من مبدأ الأثر الرجعي لتحقق الشرط : هذه الاستثناءات ذكرتها النصوص صراحة ، وهي أربعة ( 115 ) :
( 1 ) فقد قدمنا أن الفقرة الثانية من المادة 269 مدني تقضي بأن أعمال الإدارة التي تصدر من الدائن تبقى نافذة رغم تحقق الشرط الفاسخ . وكان مقتضى الأثر الرجعي لتحقق الشرط الفاسخ أن تسقط هذه الأعمال ، ولكنها تبقى نافذة بالرغم من تحقق الشرط ما دامت قد تمت بحسن نية في الحدود المألوفة للإدارة ، وقد تقدم بيان ذلك ( 116 ) . ومن أعمال الإدارة كما رأينا ، الإيجار لمدة لا تزيد على ثلاث سنوات ، وقبض الأجرة وقبض المحصولات والثمار ( 117 ) ، وبيعها ، وقيد الرهن ، وتجديد القيد ، وقسمة العين الشائعة ، وتطهير العقار المرهون ( 118 ) .
( 2 ) ثم أن المادة 270 مدني أوردت ، كما رأينا ، ثلاثة استثناءات أخرى من مبدأ الأثر الرجعي لتحقق الشرط : ( ا ) إذا تبين من إرادة المتعاقدين $ 72 $ انهما استبعدا الأثر الرجعي . ( ب ) إذا كانت طبيعة العقد تستعصى على الأثر الرجعي . ( ج ) إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن لسبب أجنبي قبل تحقق الشرط .
أما أن إرادة المتعاقدين قد تستبعد الأثر الرجعي ، فهذا هو الذي يتفق مع الأساس الصحيح الذي يقوم عليه الأثر الرجعي فيما قدمناه . فقد أسلفنا أن الأثر الرجعي إنما يقوم على نية المتعاقدين المحتملة ، فإذا تعارضت هذه النية مع النية الحقيقية ، فلا شك في أن النية الحقيقية هي التي يعمل بها . ومن ثم يكون للمتعاقدين أن يستبعدا ، صراحة أو ضمنا ، كل أثر رجعي للشرط . على أنه يجب التشدد في الاستخلاص النية الضمنية للمتعاقدين في استبعاد الأثر الرجعي ، فإن القانون صرف نيتهما المحتملة إلى استبقاء هذا الأثر ، ولا بد من قيام دليل واضح على انهما قصدا العكس ( 119 ) .
( 3 ) وأما ما يرجع إلى طبيعة العقد فأهم تطبيق لذلك هو العقد الزمني . ففي عقد الإيجار أو عقد العمل أو عقد التوريد إذا كان العقد معلقاً على شرط فاسخ ، وبقى منفذاً مدة من الزمن ثم تحقق الشرط ، فإن طبيعة الأشياء هنا تستعصى على الأثر الرجعي ، إذ لا يمكن الرجوع في الزمن ، وما تم من العقد يبقى ، ولا يفسخ العقد إلا عن المستقبل ( 120 ) .
( 4 ) وأما ما يرجع إلى صيرورة تنفيذ الالتزام غير ممكن لسبب أجنبي قبل تحقق الشرط ، فنميز بين ما إذا كان الشرط واقفاً أو فاسخاً . فإن كان واقفاً ، كما لو كان المالك لعين معينة قد باعها تحت شرط واقف وهلكت العين $ 73 $ في يده لسبب أجنبي قبل تحقق الشرط ، فيستوي هنا أن يكون للشرط أثر رجعي أو لا يكون . ذلك أنه إذا جعل له أثر رجعي ، وتبين أن العين قد هلكت وهي في ملك المشتري ولكن قبل أن يتسلمها ، فإن تبعة الهلاك تكون على البائع في القانون المصر ، كما لو لم يكن للشرط أثر رجعي ( 121 ) . أما في القانون الفرنسي فالأمر يختلف ، لأن تبعة الهلاك قبل التسليم في هذا القانون على المشتري ، فلا يكون للشرط أثر رجعي حتى لا تنتقل الملكية إلى المشتري ، فيبقى الهلاك على البائع ( 122 ) . أما إذا كان الشرط فاسخاً ، كما لو كان المشتري تحت شرط فاسخ تسلم العين المبيعة وهلكت في يده لسبب أجنبي ، ثم تحقق الشرط الفاسخ ، فإن مقتضى الأثر الرجعي أن العين تعتبر عند هلاكها مملوكة للبائع فتهلك عليه ، ولكن النص صريح في وجوب استبعاد الأثر الرجعي في هذه الحالة ، وتهلك العين على المشتري لا على البائع .
$ 74 $
الفصل الثاني
الأجل ( 123 )
( Le terme )
45 – قيام الأجل والآثار التي تترتب عليه : نبحث في الأجل ، كما بحثنا في الشرط ، أمرين :
( أولاً ) قيام الأجل ، ونعني بذلك كما عنينا في الشرط : ( 1 ) مقومات الأجل ( 2 ) نوعى الأجل الواقف والفاسخ ( 3 ) المصدر المنشيء للأجل وأي الحقوق يلحقها وصف الأجل .
( ثانياً ) ما يترتب على الأجل بعد قيامه من الآثار .
وسنسير ، بقدر الإمكان ، في الأجل على نفس الترتيب والسياق الذي سرنا عليه في الشرط ، حتى نتبين الموافقات بينهما والمفارقات .
$ 75 $
الفرع الأول
قيام الأجل
المبحث الأول
مقومات الأجل
46 – النصوص القانونية : تنص المادة 271 من التقنين المدني على ما يأتي :
" 1- يكون الالتزام لأجل إذا كان نفاذه أو انقضاؤه مترتبا على أمر مستقبل محقق الوقوع " .
" 2- ويعتبر الأمر محقق الوقوع متى كان وقعه محتما ، ولو لم يعرف الوقت الذي يقع فيه " .
وتنص المادة 272 على ما يأتي :
" إذا تبين من الالتزام أن المدين لا يقوم بوفائه إلا عند المقدرة أو الميسرة ، عين القاضي ميعادا مناسبا لحلول الأجل ، مراعيا في ذلك موارد المدين الحالية والمستقبلة ، ومقتضيا منه عناية الرجل الحريص على الوفاء بالتزامه " ( 124 ) .
$ 76 $
ولا مقابل لهذه النصوص في التقنين المدني السابق ولكن الأحكام كان معمولا بها دون نص .
وتقابل هذه النصوص في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المادتين 271 – 272 ، وفي التقنين المدني الليبي المادتين 258 – 259 ، وفي التقنين المدني العراقي المادتين 291 و 297 ، وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المادة 100 ( 125 ) .
ويستخلص من هذه النصوص أن الأجل الذي يقترن به الالتزام هو أمر مستقبل محقق الوقوع يترتب على وقوعه نفاذ الالتزام أو انقضاؤه . فمقومات $ 77 $ الأجل إذن ثلاثة : ( 1 ) فهو أمر مستقبل كالشرط ( 2 ) وهو محقق الوقوع ، بخلاف الشرط فهو غير محقق الوقوع كما قدمنا ( 3 ) وهو أمر عارض يضاف إلى الالتزام بعد أن يستوفى عناصره الجوهرية ، وهو في ذلك كالشرط لأنه وصف مثله .
وغنى عن البيان أن المقوم الرابع للشرط – وهو أن يكون غير مخالف للنظام العام والآداب – لا يرد في الأجل ، لأن الأجل ميعاد لا يتصور فيه إلا أن يكون مشروعاً .
1 – أمر مستقبل
47 – يجب أن يكون الأجل أمراً مستقبلا : الأجل كالشرط يجب أن يكون أمراً مستقبلاً . وهو ، كما يدل عليه اسمه ، ميعاد يضرب لنفاذ الالتزام أو لانقضائه . ويكون عادة تاريخاً معيناً يختار في التقويم . فإذا تعهد المقترض للمقرض بوفاء القرض في تاريخ معين ، أو تعهد المشتري للبائع أن يدفع الثمن على أقساط في مواعيد معينة ، أو تعهد المقاول لرب العمل أن يتم العمل الموكول إليه في وقت معين ، فكل من التزام المقترض بوفاء القرض والتزام المشتري بدفع الثمن والتزام المقاول بتسليم العمل مقترن بأجل أو بآجال يترتب على حلوله نفاذ الالتزام .
وقد ينشأ الالتزام منجزاً ، ثم يضاف إليه أجل بعد ذلك ، فينقلب موصوفاً ، ولكن يبقى الالتزام هو نفسه لم يتجدد ( 126 ) .
48 – لا يجوز أن يكون الأجل أمراً ماضياً أو حاضراً : والأجل ، كالشرط أيضاً ، لا يجوز أن يكون أمراً ماضياً أو حاضراً ، وإلا فهو ليس بأجل ، حتى لو كان طرفا الالتزام يجهلان وقت التعامل أن الأجل الذي يضربانه للمستقبل هو أجل قد حل . فلو أن شخصاً ضرب أجلاً لنفاذ التزامه $ 78 $ قدوم أول قافلة من الحجيج ، وكان يجهل أن القافلة قد قدمت فعلا قل أن يلتزم ، أو هي آخذه في القدوم وهو يلتزم ، فإن التزامه لا يكون مقترناً بأجل ، بل ينشأ منذ البداية التزاماً منجزاً واجب الأداء في الحال . ولو عين الملتزم أجلاً لتنفيذ التزامه موت شخص معين ، ويكون هذا الشخص قد مات قبل ذلك دون أن يعلم الملتزم ، فإن الالتزام ينشأ في هذه الحالة منجزاً حال الأداء ( 127 ) .
2- أمر محقق الوقوع
49 – يجب أن يكون الأجل محقق الوقوع : تقول الفقرة الأولى من المادة 271 مدني أن الأجل يجب أن يكون أمراً مستقبلا محقق الوقوع . وهذا واضح ، فالأجل يكون عادة ، كما قدمنا ، ميعاداً في التقويم ، تاريخاً معيناً يقع في يوم معين من شهر معين من سنة معينة . وهذا الميعاد لا بد واقع في المألوف من الحياة ، وندع ما لا يدخل في حساب الناس كأن تقع كارثة تبيد الأرض ومن عليها فلا يأتي ذلك اليوم الموعود .
وكون الأجل أمراً محقق الوقوع هو الفرق الجوهري ما بين الأجل والشرط ، وهو الفرق الذي تتفرع عنه كل الفروق الأخرى . فقد رأينا أن الشرط أمر غير محقق الوقوع ، ومن ثم كان الحق المعلق على شرط حقاً ناقصاً غير مؤكد الوجود ، ومن ثم أيضاً كان للشرط أثر رجعي . أما الأجل فأمر محقق الوقوع ، فالحق المقترن بأجل حق موجود كامل ، وليس للأجل أثر رجعي ( 128 ) .
50 يصح أن يكون ميعاد حلول الأجل مجهولا : على أنه إذا كان ضرورياً أن يكون الأجل محقق الوقوع ، فليس من الضروري أن يكون ميعاد وقوعه معلوماً . فقد يكون هذا الميعاد مجهولا ، ومع ذلك يبقى الأجل محقق الوقوع ، فيكون أجلاً لا شرطاً . وهذا ما تقضي به الفقرة الثانية من المادة 271 $ 79 $ مدني فهي تقول : " ويعتبر الأجل محقق الوقوع متى كان وقوعه محتماً ولو لم يعرف الوقت الذي يقع فيه " . ويسمى الأجل في هذه الحالة أجلاً غير معين ( terme incertain ) بالمقابلة للأجل المعين ( terme certain ) الذي يعرف ميعاد حلوله .
والمثل المألوف للأجل غير المعين هو الموت ، فهو أمر محقق الوقوع ، ولكن لا يدري أحد متى يأتي ، ومن ثم كان أجلاً غير معين . وعلى ذلك فالتزام شركة التأمين على الحياة أن تدفع مبلغ التأمين عند موت المؤمن على حياته التزام مقترن بأجل واقف غير معين هو الموت . وإذا التزم المقترض أن يرد مبلغ القرض عند موته ، فيؤخذ من تركته ، جاز ذلك ، وكان التزامه برد القرض مقترنا بأجل واقف غير معين هو الموت . ولا يعتبرهذا تعاملا في تركة مستقيلة فإن المقترض قد التزم في الحال وفي ماله الحاضر ، وإنما ضرب أجلاً لتنفيذ التزامه هو موته ، والموت كما قدمنا أجل غير معين ( 129 ) .
ويمكن تصور أمثلة أخرى غير الموت للأجل غير المعين . فهناك أمور محققة وقوعها في المألوف من شؤون الحياة ، ولكن لا يعلم موعد وقوعها . من ذلك رجوع الحجيج من بيت الله الحرام قافلين إلى بلادهم ، فهذا أمر معتاد وقوعه ، ولكن رجوع القوافل قافلة بعد أخرى أمر قد لا يعلم موعد وقوعه بالضبط . فلو التزم شخص إلى أجل هو موعد رجوع القافلة الأولى من الحجيج ، كان هذا التزاماً مقترناً بأجل غير معين . أما إذا التزم لأحد الحجاج وعلق التزامه على رجوع الدائن من الحج ، فهذا شرط لا أجل ، إذ أن رجوع حاج بالذات من الحجج أمر غير محقق الوقوع ، فقد يموت في الطريق .
كذلك إذا التزم أحد الموردين بتوريد الأغذية إلى مستشفى أو إلى مدرسة عند انتهاء بنائها ، فهذا أيضاً التزام مقترن بأجل غير معين ، إذا أن الانتهاء من البناء أمر محقق الوقوع في المعتاد من شؤون الحياة ، ولكن موعده غير معلوم على وجه التحقيق .
$ 80 $
والتزام الطالب أن يدفع المصروفات المدرسية عند افتتاح الدراسة قد يكون التزاماً مقترناً بأجل غير معين ، إذا كان موعد افتتاح الدراسة وقت الالتزام لم يحدد . وكذلك الحال في التزامه أن يدفع رسوم الامتحان عند حلول ميعاده ، إذا كان ميعاد الامتحان لم يحدد وقت الالتزام ( 130 ) .
والتزام المدين بالوفاء عند الميسرة أو عند المقدرة ( م 272 مدني ) ينطوي على ضرب من الأجل الواقف ، وهو أيضاً أجل غير معين ، وسنعود إلى هذه المسألة بالتفصيل فيما يلي .
$ 81 $
والفرق بين الشرط والأجل غير المعين واضح ، فالشرط أمر غير محقق الوقوع ، أما الأجل غير المعين فأمر محقق الوقوع في ذاته ولكن ميعاد وقوعه وحده هو غير المحقق ( 131 ) .
3 – أمر عارض
51 – الأجل عنصر عارض في الالتزام لا عنصر جوهري : والأجل ، كالشرط وككل وصف آخر من أوصاف الالتزام . عنصر عارض في الالتزام لا عنصر جوهري . وهو لا يقترن بالالتزام إلا بعد أن يستوفى الالتزام جميع عناصره الجوهرية ، ويأتي الأجل بعد ذلك عنصراً إضافيا يقوم الالتزام بغيره ، ويتصور بدونه ، ولا يحتاج إليه في قيامه بذاته .
فإذا التزم شخص إلى أجل ، فإن التزامه يكون قد استوفى جميع عناصره الجوهرية ، من رابطة ومحل وسبب ، قبل إني ضاف إليه الأجل . ثم يأتي الأجل $ 82 $ بعدذ لك يقترن به ، ويعدل من آثاره . فبعد أن كان الأصل في الالتزام أن يكون منجزاً واجب الأداء في الحال وأن يبقى أثره دائماً ، إذا بالأجل يعدل من ذلك ، إما بأن يجعل الالتزام متراخى النفاذ إلى وقت معين ، وإما بأن يجعل الالتزام محدود البقاء غير دائم الأثر .
52 – الأجل في العقود الزمنية : ويترتب على أن الأجل عنصر عارض في الالتزام على الوجه المتقدم ، لا عنصر جوهري ، نتيجة هامة كثيراً ما يغفل الفقه الإشارة إليها . فقد سبق أن عرضنا للعقود الزمنية contrats successifs وهي عقود تتميز عن غيرها بأن الزمن عنصر الجوهري فيها ، بحيث يكون هو المقياس الذي يقدر به محل العقد . " ذلك أن هناك أشياء – كما جاء في الجزء الأول من الوسيط ( 132 ) - لا يمكن تصورها إلا مقترنة بالزمن . فالمنعة لا يمكن تقديرها إلا بمدة معينة . والعمل إذا نظر إليه في نتيجته ، أي إلى الشيء الذي ينتجه العمل ، كان حقيقية مكانية ، ولكن إذا نظر إليه في ذاته فلا يمكن تصوره إلا حقيقة زمانية ، مقترناً بمدة معينة . ومن ثم فعقد الإيجار عقد زمني لأنه يقع على المنفعة ، والزمن عنصر جوهري فيه لأنه هو الذي يحدد مقدار المنعفة المعقود عليها . وعقد العمل لمدة معينة ، عقد زمني ، لأن الخدمات التي يؤديها العامل لا تقاس إلا بالزمن ، فالزمن عنصر جوهري فيه إذ هو الذي يحدد مقدار المحل المعقود عليه . وهناك من الأشياء ما يتحدد في المكان فيكون حقيقة مكانية ، ولكن المتعاقدين يتفقان على تكرار أدائه مدة من الزمن لسد حاجة تتكرر . فهو في ذاته يقاس بالمكان ، ولكن المتعاقدين اتفقا على أن يقاس بالزمان . مثل ذلك عقد التوريد ، يلتزم به أحد المتعاقدين أن يورد للمتعاقد الآخر شيئاً معيناً يتكرر مدة من الزمن . فمحل ا لعقد هنا – وهو الشيء المعين الذي اتفق على توريده – يقاس في ذاته بالمكان ، ولكن المتعاقدين اتفقا على أن يتكرر مرات مدة من الزمن ، فجعلاه يقاس ، كالمنفعة والعمل ، بالزمان لا بالمكان . فالمعقود عليه في كل من عقد الإيجار وعقد التوريد هو الزمن ، أو هو شيء يقاس بالزمن . ولكن المعقود عليه في عقد الإيجار يقاس بالزمن طبيعة ، أما $ 83$ المعقود عليه في عقد التوريد فيقاس بالزمن اتفاقاً . ومن ثم ينقسم العقد الزمني إلى عقد ذي تنفيذ مستمر ( contrat a exe cution continue ) كعقد الإيجار وعقد العمل لمدة معينة ، وعقد ذي تنفيذ دوري ( contrat a execution periodique ) كعقد التوريد وعقد الإيراد المؤبد أو الإيراد مدى الحياة ( 133 ) " .
وقد درج الفقه على اعتبار هذه العقود الزمنية عقوداً مقترنة بآجال فاسخة . ولكننا إذا طبقنا القاعدة التي تقضي بأن الأجل إنما هو عنصر عارض في الالتزام لا عنصر جوهري ، تبين أن العقد الزمني لا يمكن أن يكون عقداً مقترناً بأجل ، لأن الأجل عنصر جوهري فيه كما قدمنا إذ هو محل التعاقد ذاته ، ولا يصح أن يكون الوصف هو أحد العناصر الجوهرية في العقد ( 134 ) ، وقد سبق ذكر ذلك عند الكلام في الشرط .
وآية ذلك أن العقد الزمني إذا انعدم فيه الأجل ، فإنه يكون باطلا لانعدام المحل . ولو كان الأجل وصفاً وكان باطلا ، لكان من الجائز أن يسقط الأجل ويبقى العقد ، كما هي الحال في الشرط . وقد ورد في التقنين المدني الفرنسي تطبيق لهذه القاعدة في عقد الإيراد المرتب مدى الحياة ، وهو عقد زمني المدة فيه هي حياة من رتب له الإيراد . فإذا تعهد شخص لآخر بأن يؤدي إلى شخص ثالث إيراداً مرتباً مدى الحياة ، ثم تبين أن صاحب الإيراد كان قد مات قبل العقد ، فإن الأجل هنا – وهو المحل – يكون قد انعدم ، ويكون العقد باطلا . وهذا ما تقضي به المادة 1974 من التقنين المدني الفرنسي ، فهي تنص على أن " كل إيراد رتب مدى الحياة لمصلحة شخص يكون قد مات وقت العقد $ 84 $ لا يكون له أي أثر ( 135 ) " . بل تضيف المادة 1975 من نفس التقنين ما يأتي : " وكذلك يكون الحكم إذا رتب العقد إيراداً لمصلحة شخص أصيب بمرض مات بسببه في خلال عشرين يوماً من وقت العقد ( 136 ) " .
ويترتب على ما تقدم أن الآجال الفاسخة – والأجل الفاسخ يكون عادة في عقد زمني – ليست بوجه عام آجالا بالمعنى الصحيح . ويكاد يخرج الأجل الفاسخ كله من بين أوصاف الالتزام ، فلا يبقى إلا الأجل الواقف . وسنعود إلى هذه المسألة عند الكلام في الأجل الفاسخ .
المبحث الثاني
نوعا الأجل
1- الأجل الواقف
( Terme suspensif )
53 – ما هو الأجل الواقف : رأينا أن الفقرة الأولى من المادة 271 مدني تنص على أن " يكون الالتزام لأجل إذا كان نفاذه أو انقضاؤه مترتبا على أمر مستقبل محقق الوقوع " .
فإذا كان نفاذ الالتزام هو المترتب على الأجل ، كان الأجل واقفاً ، إذ هو يقف الالتزام عن أن ينفذ وعن أن يصبح مستحق الأداء إلى حين انقضاء الأجل ( 137 ) .
$ 85 $
والامثلة على الأجل الواقف كثيرة . فالمقترض يقترن التزامه برد القرض إلى المقرض بأجل واقف . وكل من المستأجر والمستعير والمودع عنده يقترن التزامه برد العين المؤجرة أو المعارة أو المودعة بأجل واقف ، غير أن الأجل في الوديعة لمصلحة الدائن وهو في العارية لمصلحة المدين وفي الإيجار لمصلحة الاثنين معاً . والمرتهن حيازة يقترن التزامه برد العين المرهونة إلى الراهن بأجل واقف هو الوفاء بالدين المضمون بالرهن ( 138 ) . وإذا تعهد المشتري بدفع الثمن على أقساط ، كان التزامه مقترناً بآجال واقفة متعاقبة . وكذلك إذا تعهد المقاول أن يسلم ما تعهد بعمله إلى رب العمل في وقت معين ، كان التزامه هذا مقترناً بأجل واقف . وقد سبقت الإشارة إلى كل ذلك .
54 – التزام المدين بالوفاء عند الميسرة أو عند المقدرة التزام مقترن بأجل واقف : رأينا المادة 272 مدني تنص على أنه : " إذا تبين من الالتزام أن المدين لا يقوم بوفائه إلا عند المقدرة أو الميسرة ، عين القاضي ميعادا مناسبا لحلول الأجل ، مراعيا في ذلك موارد المدين الحالية والمستقبلة ، ومقتضيا منه عناية الرجل الحريص على الوفاء بالتزامه ( 139 ) " .
والمفروض في الحالة التي نحن بصددها أن المدين إنما ضرب أجلاً للوفاء بدينه ، ولم يجعل الدين معلقاً على شرط . ذلك أنه يحتمل أن يكون قد قصد تعليق الوفاء بالدين على شرط الميسرة أو المقدرة ، وعند ذلك يصبح الوفاء بدينه معلقاً على شرط واقف ، وهو أمر غير محقق الوقوع ، فإذا أيسر وتحققت $ 86 $ مقدرته على الوفاء ، تحقق الشرط ووجب أن يفي بالدين . أما إذا لم يوسر ولم تتحقق مقدرته على الوفاء طول حياته ، فقد تخلف الشرط وسقط عنه الالتزام بالوفاء ( 140 ) . كما يحتمل أن يكون المدين قد قصد أن يضرب أجلاً للوفاء بدينه ، هو ميسرته أو مقدرته على الوفاء . وفي هذه الحالة يكون المدين قد قصد أن يفي بدينه على كل حال ، أما عند الميسرة أو المقدرة ، وأما عند الموت إذا لم يواته اليسار حال حياته . فالأجل هنا أجل غير معين ، وهو أقرب حادثين غير معينين ، اليسار أو الموت .
وإذا قام شك فيما إذا قصد المدين ضرب أجل للوفاء أو أراد تعليق الوفاء على شرط ، فالمفروض أنه قصد الأجل لا الشرط ، لأن العقد يفسر عند الغموض بما يعطيه الأثر الأقوى ( 141 ) . فإذا ادعى المدين أنه أراد الشرط لا الأجل ، فعليه هو إثبات ذلك .
ومتى تبين أن المدين إنما أراد الأجل لا الشرط ، كان للدائن الحق في أن يطالب بتحديد موعد للوفاء . ولما كان الموعد هو ميسرة المدين أو مقدرته على الوفاء بدينه ، فإن لم يتفق الطرفان على موعد معين لذلك ، جاز للقاضي أن يتلمس من ظروف القضية وملابساتها موعداً يحدده ، هو الموعد الذي يقدر فيه أن المدين أصبح موسراً أو قادراً على الوفاء بدينه ( 142 ) . وقد أمدته المادة 272 مدني ببعض عناصر التقدير ، فذكرت من بين هذه العناصر : ( 1 ) موارد المدين الحالية ، أي ما عند المدين من مآل موجود فعلا وقت النظر في الدعوى . $ 87 $ ( 2 ) موارد المدين المستقبلة ، أي ما يتوقع القاضي أن يكون عند المدين من مآل في المستقبل ، فإن كان له إيراد يكسبه من عمل أو وظيفة أو مهنة ، قدر القاضي هذا الإيراد في المستقبل مسترشداً بالماضي . ( 3 ) أن يقتضى من المدين عناية الرجل الحريص على الوفاء بالتزامه ، وهذا عنصر معنوي بخلاف العنصرين المتقدمين فهما من العناصر المادية . وهو بالرغم من أنه معنوي عنصر موضوعي لا ذاتي ، فالقاضي لا يقتضى من المدين عنايته الذاتية ، بل يقتضيه عناية الرجل الحريص على الوفاء بما عليه من الديون . ويكون ذلك بان يقدم المدين وفاء الدين على كثير من مطالبه ، فإن لم يقدمه على حاجياته الضرورية ، فلا أقل من تقديمه على حاجياته الأخرى ( 143 ) . فإذا عجز القاضي في أي وقت من حياة المدين ، عن تحديد موعد الوفاء بتعيين اليوم الذي يصبح فيه المدين موسراً أو قادراً على الوفاء بدينه ، تربص به حتى الموت ( 144 ) . فإذا مات المدين حل دينه حتما ، وقد مات معسراً فيشارك الدائن سائر الدائنين في استيفاء حقه من التركة مشاركة الغرماء ( 145 ) .
وتعيين ميعاد يصبح فيه المدين موسراً أو قادراً على الوفاء بدينه مسألة واقع $ 88 $ لا يخضع فيها قاضي الموضوع لرقابة محكمة النقض ، ولكن حلول الدين عند أقرب الاجلين – الميسرة أو الموت – مسألة قانون تخضع لرقابة المحكمة العليا .
2- الأجل الفاسخ
( Terme extinctif )
55 – ما هو الأجل الفاسخ : رأينا أن الالتزام يكون لأجل إذا كان نفاذه أو انقضاؤه مترتباً على أمر مستقبل محقق الوقوع ( م 271 / 1 مدني ) . ورأينا أن نفاذ الالتزام إذا كان هو المترتب على الأجل ، فالأجل يكون واقفاً . ونقول الآن أنه إذا ترتب على حلول الأجل انقضاء الالتزام – لا نفاذه – فالأجل يكون فاسخاً .
ولما كان الأجل بنوعيه ليس له أثر رجعي ، وكانت كلمة " الفسخ " في عبارة " الأجل الفاسخ " قد تشعر بأن للأجل الفاسخ أثراً رجعياً كما في الشرط الفاسخ ، فقد تجنب الفرنسيون هذه الكلمة وأطلقوا على الأجل الفاسخ عبارة " الأجل المنهي " ( 146 ) ( terme extinctif ) . أما التقنين المدني المصري فقد استبقى عبارة " الأجل الفاسخ " ( أنظر المادة 274 / 2 مدني ) .
56 – هل يوجد أجل فاسخ ؟ : أما أن التقنين المدني المصري قد تصور وجود الأجل الفاسخ ، فهذا ما لا ريب فيه . فقد وردت الإشارة إليه في موضعين : ففي الفقرة الأولى من المادة 271 مدني ورد أن الالتزام يكون لأجل " إذا كان نفاذه أو انقضاؤه مترتباً على أمر مستقبل محقق الوقوع " ، وإذا ترتب انقضاء الالتزام على حلول الأجل فهذا الأجل يكون فاسخاً . ثم ذكر التقنين صراحة عبارة " الأجل الفاسخ " في الفقرة الثانية من المادة 274 ، إذ قال أنه " يترتب على انقضاء الأجل الفاسخ زوال الالتزام " ( 147 ) .
$ 89 $
وإذا استعرضنا الأمثلة التي تورد عادة على إنها أمثلة للأجل الفاسخ نجدها واردة في العقود الزمنية . فالمؤجر الذي يتعهد بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مدة الإيجار ، والعامل الذي يلتزم نحو رب العمل أن يعمل مدة معينة ، ومن يتعهد بتوريد الأغذية لمدرسة أو لمستشفى مدة معينة ، ومن يتعهد بدفع إيراد لآخر مدى حياته ، وصاحب حق الانتفاع الذي ينتفع بالعين ما دام حيا أو لمدة معينة ، كل هذه أمثلة لحقوق وردت في عقود زمنية . وقد قدمنا أن العقد الزمني لا يمكن أن يقال عنه إنه مقترن بأجل فاسخ ، لأن الأجل عنصر جوهري فيه ( 148 ) .
على إننا نرى أنه إذا كان صحيحاً أن العقد الزمني لا يجوز أن يقال عنه أنه مقترن بأجل فاسخ للأسباب التي قدمناها ، فغير صحيح أن الأجل الفاسخ لا يوجد ضرورة إلا في عقد زمني . فهناك عقود تقترن بآجال فاسخة ولا تكون عقوداً زمنية ، وفي هذه العقود ليس الزمن عنصراً جوهرياً بل عنصراً عارضاً ، ومن ثم أجلاً فاسخاً بالمعنى الصحيح . هذه العقود ليست كثيرة في العمل ، كما هو الشأن في العقود الزمنية ، ولكنها موجودة إلى حد يبرر استبقاء الأجل الفاسخ إلى جانب الأجل الواقف ، كما فعل التقنين المدني المصري .
نذكر الأمثلة التي تحضرنا لهذه العقود :
( 1 ) إذا فتح مصرف لعمليه اعتماداً بمبلغ معين لمدة سنة مثلا ، فمبلغ الاعتماد $ 90 $ هنا ، وهو محل العقد ، لا يقاس بالزمن أي بالسنة التي فتح فيها الاعتماد ، إذ هو لا يتغير بتغير هذا الزمن فلا يزيد إذا زاد ولا ينقص إذا نقص . وفي رأينا أن العقد هنا ليس عقداً زمنياً إذ الزمن ليس عنصراً جوهرياً فيه ، ومع ذلك يقترن التزام المصرف بفتح الاعتماد بأجل فاسخ هو مدة السنة ، فإذا انقضت هذه المدة انقضى التزام المصرف بفتح الاعتماد ( 149 ) .
ويخلص مما قدمناه أن المصرف يكون ملتزماً بوضع المبلغ تحت تصرف العميل ، وهذا الالتزام مقترن بأجل فاسخ هو سنة من وقت فتح الاعتماد . وليس الأجل هنا محلا معقوداً عليه ، بل عنصراً عارضاً ، يمكن تصور العقد بدون هز ويكون المصرف في هذه الحالة ملزماً بوضع المبلغ تحت تصرف العميل فوراً ، ويأخذه العميل في الحال فيكون قرضاً بسيطاً ، وإنما سمى القرض هنا بفتح الاعتماد لإضافة الأجل الفاسخ السالف الذكر .
( 2 ) إذا فتح مصرف لمقاول حساباً جارياً عن مقاولة معينة وحدد لإقفال الحساب ستة أشهر مثلا ، ففي هذه الحالة قد تعهد المصرف بالخصم والإضافة في الحساب الجاري عن المبالغ التي تضم وتخصم لحساب المقاولة المذكورة ، وقرن التزامه بأجل فاسخ هو مدة الستة الأشهر . وليست هذه المدة عنصراً جوهرياً في الالتزام ، بل العنصر الجوهري هو المقاولة المعينة التي فتح من أجلها الحساب $ 91 $ الجاري . فيكون العقد هنا عقداً غير زمني ، ومع ذلك يكون قد اقترن بأجل فاسخ ( 150 ) .
( 3 ) إذا تعهد طبيب بعلاج أفراد أسرة لمدة سنة على أن يأخذ الأجر عن كل مرة يعالج فيها مريضاً ، فإن التزامه بالعلاج قد اقترن بأجل فاسخ ، هو مدة السنة ، ولكن هذه المدة ليست عنصراً جوهرياً في العقد ما دام الطبيب يتقاضى أجره لا بحساب المدة بل بحساب مرات العلاج . فالزمن هنا ليس مقياساً للمعقود عليه ، وهو مع ذلك أجل فاسخ ( 151 ) .
( 4 ) إذا تعهدت شركة بصيانة سيارة أو مصعد أو نحو ذلك من الآلات التي تحتاج إلى الصيانة لمدة سنة مثلا ، على أن تتقاضى أجرها عن كل عملية من عمليات الصيانة ، فإن الالتزام هنا يكون مقترناً بأجل فاسخ ليس عنصراً جوهرياً فيه ( 152 ) .
( 5 ) إذا تعهدت شركة التأمين أن تؤمن ، لمدة معينة ، عدداً غير معين من الأخطار يمكن تعيينه شيئاً فشيئاً بإقرارات متتابعة من جهة المؤمن له ، فقد اختلف في تكييف هذا العقد ، ومن رأى بعض الفقهاء أن العقد ليس بالعقد الزمني ، ومع ذلك فقد اقترن بأجل فاسخ ( 153 ) .
ويمكن القول بوجه عام أنه يتفق – وإن كان ذلك لا يحدث كثيراً – أن يقترن العقد بأجل فاسخ لا يكون عنصراً جوهرياً فيه ، فلا يكون العقد في هذه الحالة عقداً زمنياً ، ويكون الأجل الذي اقترن به العقد أجلاً فاسخاً بالمعنى الصحيح . ونحن إذ نتكلم فيما يلي عن الأجل الفاسخ ينصرف قولنا إلى هذه العقود على وجه التخصيص . على أنه لا مانع من إطلاق تعبير " الأجل الفاسخ " على المدة في العقود الزمنية ، في شيء من التجوز ، فإن الأحكام لا تتغير سواء اعتبر الأجل الفاسخ في العقود الزمنية أصلاً أو اعتبر وصفاً .
$ 92 $
المبحث الثالث
مصادر الأجل
وأي الحقوق يلحقها وصف الأجل
1 – مصادر الأجل
57 – مصادر الأجل الاتفاق والقانون والقضاء . يغلب أن يكون مصدر الأجل هو الاتفاق . ويتميز الأجل عن الشرط في أن له مصدرين آخرين : القانون والقضاء .
وفي الفقه الفرنسي ينتظم الأجل الذي مصدره الاتفاق والأجل الذي مصدره القانون اسم واحد ، فيطلق عليهما معاً " الأجل المستحق قانوناً " terme de droit ليقابل الأجل الذي مصدره القضاء ويسمى " الأجل المتفضل به " terme de grace ( 154 ) ، أو " نظرة الميسرة " وهي التسمية التي درج عليها الفقه المصري .
58 – الاتفاق مصدر للأجل : يغلب ، كما قدمنا ، أن يكون مصدر الأجل هو اتفاق الطرفين . فيتفق البائع مع المشتري مثلا على تأجيل دفع الثمن إلى ميعاد معين ، أو على دفعه أقساطاً في مواعيد يتفق عليها ، أو يتفقان على تأخير تسليم المبيع إلى أجل ( 155 ) . ويتفق المؤجر مع المستأجر على أن تكون مدة الإيجار وقتاً معينا ينتهي بانقضائه العقد ، وهذا هو الأجل الفاسخ في العقد الزمني ، ولا يعتبر أجلاً بالمعنى الصحيح كما قدمنا .
$ 93 $
وقد تفرض الأكثرية الأجل الإتفاقي على الأقلية في بعض حالات استثنائية ، كما إذا اتفقت أغلبية دائني التفليسة على تأجيل بعض ديون المفلس .
وكما يكون الاتفاق مصدر الأجل صريحاً ، يصح أن يكون كذلك ضمنياً يستخلص من الظروف والملابسات . فإذا تعهد صانع بصنع أثاث معين دون أن يتفق على أجل لتسليم الأثاث ، فالمفروض أن التزام الصانع بالتسليم مقترن بأجل واقف هو المدة المعقولة لصنع هذا الأثاث . ويلجأ القاضي في تعيين هذه المدة ، عند النزاع ، إلى المألوف في هذه الصناعة . وإذا اتفق عامل النقل مع صاحب بضاعة على نقل بضاعته من مدينة إلى أخرى دون أن يتفق معه على أجل ، فإن الأجل هنا أيضاً مفروض ، ويعينه القاضي عند النزاع بالمدة المألوفة لنقل هذه البضاعة بالوسائل التي يملكها عامل النقل ( 156 ) .
59 – القانون مصدر للأجل : وقد يكون نص القانون هو مصدر الأجل . ويقع أن يحدد القانون الموت أجلاً أو حداً أقصى للأجل ، كما فعل ( م 741 / 1 مدني ) في الإيراد المرتب مدى الحياة فقد جعل له أجلاً هو الموت ، وكما فعل ( م 754 مدني وما بعدها ) في التأمين على الحياة فبالموت يحل دفع مبلغ التأمين عادة ، وكما فعل ( م 993 / 1 مدني ) في حق المنفعة فإنه ينقضي حتما بالموت إن لم ينقض قبل ذلك بانقضاء مدة معينة .
ويقع كذلك أن يحدد نص القانون الأجل بمدة معينة من الزمن ، أجلاً واحداً أو حداً أقصى للأجل . فقد قضت المادة 673 من تقنين المرافعات بالزام الراسي عليه المزاد في التنفيذ العقاري بأن يودع الثمن خزانة المحكمة خلال ثلاثة $ 94 $ الأشهر التالية لصيرورة البيع نهائياً . وقضت المادة 563 من التقنين المدني بأنه إذا عقد الإيجار دون اتفاق على مدة ، فيعتبر الإيجار منعقداً للفترة المعينة لدفع الأجرة ، وينتهي بانقضاء هذه الفترة بناء على طلب أحد المتعاقدين إذا هو نبه على المتعاقد الآخر بالإخلاء في مواعيد معينة مبينة في النص ، والأجل هنا أجل فاسخ في عقد زمني . ونصت المادة 559 مدني على أنه " لا يجوز لمن لا يملك إلا حق الإدارة أن يعقد إيجارا تزيد مدته على ثلاث سنوات إلا بترخيص من السلطة المختصة " ، وهذا هنو حد أقصى للأجل الفاسخ في عقد زمني . ونصت الفقرة الثانية من المادة 526 مدني في صدد مدة عقد الشركة على أنه " إذا انقضت المدة المعينة أو انتهى العمل ، ثم استمر الشركاء يقومون بعمل من نوع الأعمال التي تألفت لها الشركة ، امتد العقد سنة فسنة بالشروط ذاتها " . وقد حددت الفقرة الثانية من المادة 678 مدني حداً أقصى لعقد العمل يلزم العامل فيه بالخدمة ، فنصت على أنه " إذا كان عقد العمل لمدة حياة العامل أو رب العمل أو لأكثر ن خمس سنوات ، جاز للعامل بعد انقضاء خمس سنوات أن يفسخ العقد دون تعويض على أن ينظر رب العمل إلى ستة أشهر " . وحدد القانون مدة قصوى لملكية الأسرة لمدة لا تزيد على خمس عشرة سنة . . . وإذا لم يكن للملكية المذكورة أجل معين ، كان لكل شريك أن يخرج نصيبه منها بعد ستة أشهر من يوم أن يعلن إلى الشركاء رغبته في إخراج نصيبه " . وحدد كذلك الحد الأقصى للبقاء في الشيوع ، فنصت المادة 834 مدني على أن " لكل شريك أن يطالب بقسمة المال الشائع ما لم يكن مجبرا على البقاء فى الشيوع بمقتضى نص أو اتفاق ، ولا يجوز بمقتضى الاتفاق أن تمنع القسمة إلى أجل يجاوز خمس سنين ، فإذا كان الأجل لا يجاوز هذه المدة نفذ الاتفاق فى حق الشريك وفى حق من يخلفه " . وحدد كذلك حداً أقصى لمدة حق الحكر ، فنصت المادة 999 مدني على أنه " لا يجوز التحكير لمدة تزيد على ستين سنة فإذا عينت مدة أطول أو أغفل تعيين المدة أعتبر الحكر معقوداًُ لمدة ستين سنة " .
وقد تصدر تشريعات استثنائية تمهل المدينين في دفع ديونهم ، وتمنحهم $ 95 $ آجالا ، أو توقف الوفاء بالديون moratoires ( 157 ) ويكون ذلك عادة عقب نشوب حرب يكون من شأنها قلب الموازين الاقتصادية ، أو عقب أزمات اقتصادية يخشى معها خراب المدينين إذا هم اخذوا بدفع ديونهم في المواعيد المحددة ، كما وقع ذلك في التسويات العقارية التي صدرت بها تشريعات تنظمها مصر .
60- القضاء مصدر للأجل : وقد يكون القضاء هو مصدر الأجل ، ويسمى الأجل القضائي في الفقه المصري بنظرة الميسرة .
والأصل في نظرة الميسرة ( delai de grace ) أن المدين ، إذا كان يجب عليه الوفاء بدينه في الميعاد المتفق عليه ، إلا أنه إذا استدعت حالته الرأفة به ، ولم يلحق الدائن من التأجيل ضرر جسيم ، ولم يمنع من التأجيل نص في القانون ، يجوز للقاضي ، بهذه الشروط الثلاثة ، أن يمنح المدين أجلاً أو آجالا معقولة يفي فيها بدينه . وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 346 مدني على هذا الحكم صراحة إذ تقول : " على أنه يجوز للقاضي في حالات استثنائية ، إذا لم يمنعه نص في القانون ، أن ينظر المدين إلى أجل معقول أو أجال ينفذ فيها التزامه ، إذا استدعت حالته ذلك ولم يلحق الدائن من هذا التأجيل ضرر جسيم " .
ونظرة الميسرة ، كنظرية الظروف الطارئة ، يراد بها التخفيف من عبء التزام المدين الجدير بالرأفة ، وهي تخفف العبء من حيث الإفساح في أجل الوفاء ، كما تخفف الظروف الطارئة العبء من حيث تحديد مقدار الدين ( 158 ) .
ونظرة الميسرة أجل واقف يمنحه القاضي كما رأينا ، ولكنه يختلف في أحكامه عن أحكام الأجل الواقف التي سنوردها ، وبخاصة من ناحية مسقطات الأجل ، اختلافاً كبيراً . ونساير التقنين المدني ، فلا نبحث نظرة الميسرة هنا ، بل عند الكلام في انقضاء الالتزام عن طريق الوفاء ، إذ يجب على المدين أن يفي الدين في ميعاده إلا إذا نظره القاضي إلى أجل ( 159 ) .
$ 96 $
2- الحقوق التي يحلقها وصف الأجل
61 – الحقوق الشخصية والحقوق العينية عدا حق الملكية : والأجل وصف يلحق بوجه عام الحقوق الشخصية والحقوق العينية على السواء ، أياً كان مصدر هذه الحقوق . فحق المنفعة أياً كان مصدره مقترن بأجل فاسخ حده الأقصى هو الموت كما قدمنا . كذلك حق الحكر لا يجوز أن تزيد مدته على ستين سنة .
غير أن هناك حقا عينيا واحداً – هو حق الملكية – لا يجوز أن يقترن بأجل واقف أو فاسخ . ذلك أن طبيعة حق الملكية تقتضي أن يكون هذا الحق أبديا ، بل هو يتأبد في انتقاله من مالك إلى مالك ، فلا يصح إني قترن بأجل فاسخ لأن هذا يتعارض مع أبديته ، ولا بأجل واقف إذ يقابل هذا الأجل أجل فاسخ في الجهة الأخرى ( 160 ) .
$ 97 $
62 – الحقوق التي يلحقها وصف الأجل : فالحقوق المالية ، عدا حق الملكية ، تقبل الاقتران بالأجل كما قدمنا . أما الحقوق المتعلقة بالأحوال الشخصية فلا تقبل الاقتران بالأجل ، كما لا تقبل التعليق على الشرط . فالزواج إلى أجل أو مقترناً بأجل واقف لا يجوز ، وكذلك الطلاق والحجر والإذن بالتجارة والحقوق المتولدة من النسب ونحو ذلك من الحقوق .
الفرع الثاني
ما يترتب على الأجل من الآثار
63 – النصوص القانون : تنص المادة 274 من التقنين المدني على ما يأتي :
" 1- إذا كان الالتزام مقترنا بأجل واقف ، فانه لا يكون نافذا إلا في الوقت الذي ينقضي فيه الأجل ، على أنه يجوز للدائن حتى قبل انقضاء الأجل أن يتخذ من الإجراءات ما يحافظ به على حقوقه ، وله بوجه خاص أن يطالب بتأمين إذا يخشى إفلاس المدين أو إعساره واستند في ذلك إلى سبب معقول " .
" 2- ويترتب على انقضاء الأجل الفاسخ زوال الالتزام ، دون أن يكون لهذا الزوال اثر رجعي ( 161 ) " .
ولا مقابل لهذا النص في التقنين المدني السابق ، ولكن الأحكام التي يقضي بها كان معمولا بها دون حاجة إلى نص .
$ 98 $
ويقابل النص في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المادة 274 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 261 ، وفي التقنين المدني العراقي المادة 293 ، وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المواد 108 و 111 و 117 و 118 ( 162 ) .
$ 99 $
64 – قبل حلول الأجل وعند حلول الأجل : ويتبين من النص المتقدم أنه هنا أيضاً ، كما في الشرط ، يجب أن نميز بين مرحلتين : ( 1 ) المرحلة السابقة على حلول الأجل ، أي وقت قيام الأجل . ( 2 ) ومرحلة حلول الأجل ، وهذه المرحلة لا تحتمل إلا صورة واحدة هي أن يحل الأجل فعلا . ويختلف الشرط عن الأجل في ذلك بأن مرحلة ما بعد التعليق تحتمل تحقق الشرط أو تخلفه ، لأن الشرط ، خلافاً للأجل ، أمر غير محقق الوقوع .
المبحث الأول
الآثار قبل حلول الأجل
1- الأجل الواقف
65 – الحق المقترن بأجل واقف حق موجود وهو كامل الوجود : والحق المقترن بأجل واقف هو حق موجود كالحق المعلق على شرط واقف ، بل هو أقوى وجوداً ، إذ الحق المعلق على شرط واقف حق ناقص كما رأينا ، أما الحق المقترن بأجل واقف فهو كامل الوجود .
ويترتب على وجود الحق المقترن بأجل واقف من النتائج ما سبق أن رتبناه على وجود الحق المعلق على شرط واقف ، ويزيد نتائج أخرى مستمدة من كمال وجوده .
فمن النتائج المستمدة من محض الوجود ما يأتي :
( 1 ) ينتقل هذا الحق من صاحبه إلى الغير بالتصرف والميراث وغير ذلك من أسباب انتقال الحقوق ، على التفصيل الذي قررناه بالنسبة إلى الحق المشروط .
( 2 ) يجوز لصاحب هذا الحق أن يجري الأعمال المادية اللازمة لصيانته من التلف . ولا يجوز لمن عليه الحق أن يقوم بأي عمل من شأنه أن يمنع استعمال الحق عند حلول أجله أو يزيده صعوبة ، وذلك كله على التفصيل الوارد في الحق المشروط .
$ 100 $
( 3 ) يجوز لصاحب هذا الحق أن يقوم بالأعمال التحفظية اللازمة للمحافظة على حقه ، كوضع الأختام وتحرير قوائم الجرد وقيد الرهون الرسمية وتجديد القيد والتدخل في القسمة ووضع الحراسة على الأعيان ورفع دعاوى تحقيق الخطوط ( 163 ) ورفع الدعوى غير المباشرة ودعوى الصورية ، دون الدعوى البولصية لأن الحق غير مستحق الأداء . وله بوجه خاص – كما تقول المادة 274 / 1 مدني – أن يطالب بتأمين إذا خشى – مستنداً في ذلك إلى سبب معقول ولا يكفي مجرد الخشية الذاتية إذا لم تكن مستندة إلى سبب يبررها – إفلاس المدين أو إعساره . فإذا لم يقدم المدين التأمين ، ترتب على ذلك سقوط الأجل ، قياسا على حكم المادة 274 مدني وسيأتي ذكرها ( 164 ) . وقد قدمنا كل ذلك في الحق المشروط ( 165 ) .
$ 101 $
( 4 ) يجوز لصاحب هذا الحق أن يدخل في التوزيع ، بل إذا كان التوزيع نتيجة إفلاس المدين أو إعساره ، فإن الأجل الواقف يسقط كما سنرى ، ويستوفى الدائن حقه باعتبار أنه حال مستحق الأداء .
ومن النتائج المستمدة من كمال الوجود – ويزيد فيها الحق المقترن بأجل على الحق المشروط – ما يأتي :
( 1 ) يسقط الأجل الواقف ، ويصبح الحق المؤجل مستحق الأداء ، إذا شهر إفلاس المدين أو إعساره .
( 2 ) بل إن المدين إذا اضعف بفعله التأمينات التي أعطاها للدائن ، أو لم يقدم ما وعد به من تأمين ، فإن الأجل يسقط كذلك على تفصيل سنذكره فيما بعد .
( 3 ) بل إن ضعف التأمين أو الخشية من إفلاس المدين أو إعساره خشية تستند إلى سبب معقول ، ولو رجع ذلك إلى سبب خارج عن إرادة المدين ، يكفي لإسقاط الأجل ، إلا إذا قدم المدين تأمينا كافياً .
( 4 ) وإذا هلك الشيء محل الحق المؤجل بسبب أجنبي قبل حلول الأجل ، كان الهلاك على الدائن لا على المدين ، لأن الشيء قد أصبح حقاً مؤكداً له فيهلك عليه ، بخلاف ما رأيناه في الشرط . فإذا هلكت العين المؤجرة في يد المستأجر قبل حلول أجل ردها ، أو هلكت الوديعة في يد حافظ الوديعة قبل انقضاء أجل الوديعة ، كان الهلاك على الدائن ، أي المؤجر أو المودع . أما إذا كان العقد بيعاً فقد رأينا أن العين تهلك على البائع ، فإذا حدد أجل لتسليم العين المبيعة إلى المشتري ، وهلكت العين قبل التسليم ، فالهلاك على البائع لا على المشتري أي على المدين لا الدائن ( 166 ) ، وهذا هو حكم العقد إذا كان ناقلا للملكية .
66 – ولكنه حق غير نافذ : على أن الحق المقترن بأجل واقف ، إذا كان حقاً موجوداً كامل الوجود ، فإنه مع ذلك حق غير نافذ . وتقول المادة $ 102 $ 274 / 1 مدني أن هذا الحق " لا يكون نافذاً إلا في الوقت الذي ينقضي فيه الأجل " .
ومن النتائج التي تترتب على عدم نفاذه إلى حين حلول الأجل ما يأتي :
1- لا يجوز للدائن أن يجبر المدين على أداء الدين المؤجل قبل حلول الأجل ، فإن هذا الدين لا يقبل التنفيذ الجبري ما دام الأجل قائماً ( 167 ) .
2 – وكذلك لا يقبل الدين المؤجل التنفيذ الاختياري ، فإذا أداه المدين قبل حلول الأجل اختياراً ، ولكن عن غلط معتقداً أن الأجل قد حل أو معتقداً أن الدين حال غير مؤجل ، جاز له أن يسترده من الدائن ما دام الأجل لم يحل وفقاً لأحكام استرداد غير المستحق . على أنه يجوز للدائن – بل ويلزم بذلك $ 103 $ إذا كان الأجل قد حل قبل الاسترداد – أن يقتصر على رد ما استفاده بسبب الوفاء المعجل بشرط إلا يزيد ذلك على ما لحق المدين من ضرر طبقاً لقواعد الإثراء بلا سبب . فإذا كان الدين الذي عجله المدين نقوداً ، التزم الدائن أن يرد الفائدة بالسعر القانوني أو الإتفاقي عن المدة التي كانت باقية لحلول الأجل . وقد كان هناك رأي في عهد التقنين المدني السابق يذهب إلى أن الدين المؤجل إذا عجل ، ولو عن غلط ، لا يسترد ، لأن المدين يكون قد دفع ما هو مستحق عليه ، إذ الدين المؤجل – خلافاً للدين المعلق على شرط – موجود كامل الوجود ( 168 ) . ولكن التقنين المدني الجديد حسم هذا الخلاف بنص صريح ، $ 104 $ هو المادة 183 وتنص على أنه " 1- يصح كذلك استرداد غير المستحق ، إذا كان الوفاء قد تم تنفيذا الالتزام لم يحل اجله وكان الموفي جاهلا قيام الأجل .
2- على أنه يجوز للدائن أن يقتصر على رد ما استفادة بسبب الوفاء المعجل في حدود ما لحق المدين من ضرر . فإذا كان الالتزام الذي لم يحل اجله نقودا ، التزام الدائن أن يرد للمدين فائدتها بسعرها القانوني أو الاتفاقي عن المدة الباقية لحلول الأجل ( 169 ) " . ويبرر هذا الحكم أن المدين قد عجل الدين عن غلط وهو يجهل قيام الأجل ، والأجل يقابله منفعة ، فإذا كان قد دفع المستحق فيما يتعلق بالدين ذاته لأن الدين المؤجل موجود كما قدمنان إلا أنه دفعه قبل حلول الأجل ، فكان له أن يسترد المنفعة التي تقابل الأجل وهذه غير مستحقة ، وبهذا تقضي المادة 183 كما رأينا ( 170 ) .
وغنى عن البيان أن المدين إذا دفع الدين المؤجل قبل حلول الأجل وهو عالم بقيامه ، فأنه يعتبر متنازلا عن الأجل ، والتنازل من مسقطات الأجل كما سنرى ، وبذلك يصبح الدين حالا مستحق الأداء ، فلا يسترد شيئاً من الدائن في هذه الحالة .
3 – ولما كان الدين المؤجل غير نافذ وغير مستحق الأداء ، فإن المقاصة القانونية لا تقع بينه وبين دين آخر مستحق الأداء للمدين على الدائن ، لأن المقاصة القانونية لا تكون إلا في دينين مستحقي الأداء ، ولأن التنفيذ الجبري ممتنع في الدين المؤجل والمقاصة القانونية ضرب من التنفيذ الجبري ( 171 ) .
$ 105 $
4- ولما كان الدين المؤجل غير مستحق الأداء ، فإنه لا يجوز للدائن صاحب هذا الحق أن يوقع به حجزاً تحفظياً تحت يد مدين مدينه ، ولا يجوز أن يوقع به أي حجز تحفظي آخر ( 172 ) ، فإن الحجوز التحفظية ، طبقاً لصريح نص المادتين 543 و604 من تقنين المرافعات ، تقتضي أن يكون الدين المحجوز به محقق الوجود حال الأداء ، والدين المؤجل إذا كان محقق الوجود فهو غير حال الأداء ( 173 ) .
5- ولا يجوز للدائن إذا كان حقه مؤجلا أن يستعمل الدعوى البولصية ، لأن هذه الدعوى تقتضي أن يكون حق الدائن مستحق الأداء . ويلاحظ أن إعسار المدين ، وهو شرط في الدعوى البولصية ، لا يؤدي إلى إسقاط الأجل ، إذ الأجل لا يسقط إلا بشهر إعسار المدين كما سنرى . وإذا شهر إعسار المدين ، لم يعد الدائن في حاجة إلى رفع الدعوى البولصية ، إلا إذا كان ذلك بالنسبة إلى تصرف صدر من المدين قبل شهر الإعسار ، وعند ذلك يرفع الدائن الدعوى البولصية بموجب حق مستحق الأداء اسقط شهر الإعسار أجله .
6 – ولما كان الدين المؤجل لا يستحق الأداء إلا عند حلول الأجل ، فإن التقادم المسقط لا يسري في حقه ما دام الأجل قائماً ، ولا يسري إلا منذ حلول الأجل ( 174 ) .
$ 106 $
7 – كذلك لا يجوز للدائن إذا كان حقة مؤجلا أن يحبس حقاً للمدين عنده ، فإن الحبس لا يكون إلا لدين مستحق الأداء ، وقد سبق بيان ذلك ( 175 ) .
2- الأجل الفاسخ
67 – الحق المقترن بأجل فاسخ موجود ونافذ : وهنا نتجوز فنعتبر العقود الزمنية مقترنة بأجل فاسخ ، لأنها هي الكثرة الغالبة في هذا الميدان من الناحية العملية .
وتمكن المقارنة ما بين الحق المقترن بأجل فاسخ والحق المعلق على شرط فاسخ في أنهما يتفقان في الوجود والنفاذ ، ويختلفان في أن الحق المعلق على شرط فاسخ حق موجود على خطر الزوال كما قدمنا ، أما الحق المقترن بأجل فاسخ فحق مؤكد الزوال عند حلول الأجل ، فهو اضعف في هذه الناحية من الحق المعلق على شرط فاسخ ، ولكنه أقوى منه في ناحية أخرى إذ أنه عندما يزول لا يزول بأثر رجعي كالحق المعلق على شرط فاسخ بل لا بد أن يوجد مدة من الزمن .
فصاحب الحق المقترن بأجل فاسخ يملكه حالا ، وله أن يديره ، وأن يتصرف فيه بجميع أنواع التصرفات الجائزة ، وتنفذ جميع تصرفاته فوراً ولكن في حدود حقه وهو حق محدود بأجله فهو حق مؤقت ضرورة . فالمستأجر مثلا تستطيع أن يتصرف في حقه بالإيجار من الباطن وبالتنازل عن الإيجار لغيره ، ويكون ذلك بطبيعة الحال في حدود الإيجار الأصلي .
والدائن بأجل فاسخ له حق حال واجب الأداء ، ويستطيع أن يتقاضاه من المدين طوعاً أو كرهاً ، أي بطريق التنفيذ الاختياري أو بطريق التنفيذ القهري . $ 107 $ وله أن يوقع حجز ما للمدين لدى الغير والحجوز التحفظية الأخرى ، وأن يستعمل الدعوى البولصية ، وأن يحبس ما تحت يده للمدين حتى يستوفى حقه . ولما كان هذا الحق واجب الأداء ، فإن التقادم المسقط يسري ضده منذ نشوئه ( 176 ) .
68 – ولكن الحق المقترن بأجل فاسخ مؤكد الزوال : وهذا هو المعنى الجوهري للأجل الفاسخ ، فالحق المقترن به حق مؤقت بطبيعته ، وينتهي حتماً بانتهاء الأجل .
ويترتب على ذلك أن جميع تصرفات صاحب الحق المقترن بأجل فاسخ تكون مقيدة بحدود هذا الحق ، فهي مؤقتة مثله ، إذ لا يستطيع الشخص أن ينقل إلى غيره أكثر مما له .
المبحث الثاني
الآثار عند حلول الأجل
1 – كيف يحل الأجل
69 – أسباب ثلاثة لحلول الأجل : يحل الأجل بأحد أسباب ثلاثة : ( 1 ) بانقضائه ( 2 ) أو بسقوطه ( 3 ) أو بالنزول عنه ممن لهم مصلحة فيه ( 177 ) .
ولا يتصور في الأجل ، كما أمكن التصور في الشرط ، أنه قد يتخلف ، فالأجل كما عملنا أمر محقق الوقوع .
$ 108 $
70 – حلول الأجل بانقضائه : أول سبب لحلول الأجل – وفقاً كان الأجل أو فاسخاً – هو انقضاؤه ، وهذا هو السبب الطبيعي المألوف . وقد كان المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد يشتمل على نص في هذه المسألة ، هو المادة 394 من هذا المشروع ، وكانت تجري على الوجه الآتي : " 1 – يحل الأجل إذا تحقق الأمر المنتظر أو انقضى الميعاد المضروب . 2 – إذا جعل مبدأ سريان الأجل من وقت وقوع أمر معين ، فلا يحسب اليوم الذي يقع فيه هذا الأمر عند حساب الأجل . 3 – إذا كان الميعاد بالأيام ، فيحسب اليوم من منتصف الليلة إلى منتصف الليلة التالية . وإذا كان بالأسابيع أو بالشهور أو بالسنين ، فإنه ينقضي في اليوم الذي يتفق في تسميته أو في تاريخه مع اليوم الذي بدا فيه الميعاد ، فإن لم يوجد مثل هذا اليوم في الشهر الأخير فإن الأجل ينقضي في اليوم الأخير من هذا الشهر . وإذا كان الأجل نصف شهر ، فتكون مدته خمسة عشر يوماً مهما كان عدد أيام الشهر " . وقد حذفت لجنة المراجعة هذه المادة " لأنها تتضمن حكماً تفصيلياً لا ضرورة له ( 178 ) " .
وغنى عن البيان أن النص المحذوف ليس إلا تطبيقاً تفصيلياً للقواعد العامة ، ومن ثم تسري أحكامه بالرغم من حذفه استناداً إلى هذه القواعد . فيحل الأجل بوقوع الأمر المنتظر الذي ضرب أجلاً ، كرجوع القافلة الأولى من الحجيج وقد قدمت في يوم معين ، فيحل الأجل برجوعها في هذا اليوم .
وإنما يحل الأجل عادة بانقضاء الميعاد المضروب ، لأن الأجل أكثر ما يكون تاريخاً في التقويم كما قدمنا . فإذا حدد تاريخ معين – يوم أول يناير سنة 1958 مثلا – فإن الأجل يحل في هذا ليوم بالذات ، ولكن يحدث أن يحدد الأجل بوقت معين ينقضي من وقت وقوع أمر معين ، كعشرة أيام من وقت بيع القطن ، فلا يحسب اليوم الذي بيع فيه القطن ، وتعد عشرة أيام من بعده ، وعند انتهاء اليوم العاشر يحل الأجل .
$ 109 $
وقد يجعل الأجل أياماً أو أسابيع أو شهوراً أو سنين . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لهذا المشروع في صدد هذه المسألة ما نكتفي بنقله هنا : " ويراعى أن أخص ما يعرض في هذا الشأن تعيين مبدأ سريان الأجل وموعد انقضائه . فلا يدخل في حساب الأجل اليوم الذي يقع فيه الأمر الذي يضاف إليه بدء سريانه . فإذا جعل الأجل مثلا ثلاثة أيام بعد الوصول من رحلة ، فلا يدخل يوم الوصول في حساب هذا الأجل . ولتعيين موعد انقضاء الأجل يحسب اليوم من منتصف الليلة إلى منتصف الليلة التالية إذا كان الميعاد بالأيام . أما إذا كان الميعاد بالأسابيع أو بالشهور أو بالسنين ، فإنه ينقضي في اليوم الذي يتفق في اسمه ( الخميس مثلا ) أو في تاريخه ( كأول يناير مثلا ) مع اليوم الذي بدأ فيه الميعاد ، بعد حساب عدد الأسابيع أو الشهور أو السنين . فإذا جعل الأجل مثلا ثلاثة أسابيع تبدأ من الخميس الثاني من شهر مارس ، كان موعد انقضائه الخميس الأول من شهر ابريل . وإذا جعل ثلاثة أشهر تبدأ من 20 فبراير ، كان موعد انقضائه 20 مايو . وإذا جعل ثلاث سنوات تبدأ من 28 فبراير سنة 1939 ، كان موعد انقضائه 28 فبراير سنة 1942 . وإذا كان الأجل شهرين يبدأ من 30 ديسمبر سنة 1939 ، انقضى في 29 فبراير سنة 1940 ، لأن اليوم المقابل لليوم الذي بدأ فيه سريان الميعاد لا نظير له في الشهر الأخير ، وعلى هذا النحو ينقضي الميعاد في آخر يوم من فبراير أي في اليوم التاسع والعشرين لوقوع هذا الشهر في سنة كبيسة . وإذا كان الأجل نصف شهر ، اعتبرت مدته خمسة عشر يوماً مهما كان عدد أيام الشهر . فإذا جعل الأجل نصف شهر يبدأ من منتصف ليل أول فبراير ، اعتبر منقضياً في منتصف ليل 15 فبراير . وإذا جعل بدء سريان هذا الأجل منتصف ليل يوم 20 مارس ، انقضى في منتصف ليل 4 ابريل . ويراعى في جميع الأحوال أنه إذا كان آخر يوم من أيام الأجل يوم عطلة ، أو يوماً لا يتيسر فيه تنفيذ الالتزام من جراء أمر يقتضيه القانون ، فلا ينقضي الميعاد إلا في اليوم التالي ( 179 ) " .
$ 110 $
71 – حلول الأجل بسقوط – نص قانونين : وقد يحل الأجل ، قبل انقضائه ، بالسقوط . وتنص المادة 273 من التقنين المدني في هذا الصدد على ما يأتي :
" يسقط حق المدين في الأجل : "
" 1- إذا شهر إفلاسه أو إعساره وفقا لنصوص القانون " .
" 2- إذا أضعف بفعله إلى حد كبير أعطي الدائن من تأمين خاص ، ولو كان هذا التأمين قد أعطي بعقد لاحق أو بمقتضى القانون ، هذا ما لم يؤثر الدائن أن يطالب بتكملة التأمين ، أما إذا كان إضعاف التأمين يرجع إلى سبب لا دخل لإرادة المدين فيه ، فان الأجل يسقط ما لم يقدم المدين للدائن ضمانا كافيا " .
" 3- إذا لم يقدم للدائن ما وعد في العقد بتقديمه من التأمينات ( 180 ) " .
$ 111 $
ويقابل هذا النص في التقنين المدني السابق المادة 102 / 156 ، وتكاد الأحكام تكون واحدة في التقنين ( 181 ) .
ويقابل في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المادة 273 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 260 ، وفي التقنين المدني العراقي المادتين 295 – 296 ، وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المادتين 113 – 114 ( 182 ) .
$ 112 $
والمفروض هنا أن الأجل أجل واقف ، أما الأجل الفاسخ فله أسباب يسقط بها في أحوال معينة وردت فيها نصوص خاصة ( 183 ) .
ويتبين من النص المتقدم الذكر أن الأجل الواقف يسقط بأحد أسباب ثلاثة :
( 1 ) شهر إفلاس المدين أو إعساره ( 2 ) إضعاف التأمينات ( 3 ) عدم تقديم التأمينات التي وعد بها المدين . يضاف إلى هذه الأسباب أسباب أخرى في حالات خاصة ، كالموت وتطهير العقار المرهون . ونستعرض كل هذه الأسباب فيما يلي :
72 – سقوط الأجل لشهر إفلاس المدين أو إعساره : كان الأجل يسقط ، في عهد التقنين المدني السابق ، بشهر إفلاس المدين . وكذلك كان يسقط بإعسار المدين إعساراً فعلياً ( 184 ) ، لأن هذا التقنين لم يكن يعرف نظام الإعسار $ 113 $ القانونين ( 185 ) . لذلك كان سقوط الأجل أكثر ما يلاحظ في حالة شهر الإفلاس لأنها حالة نظمها القانون بإجراءات ظاهرة ، أما الإعسار الفعلي فكان أمراً خفياً لا يظهر للناس ، فقل أن يكون سبباً في سقوط الأجل ( 186 ) .
والآن بعد أن نظم التقنين المدني الجديد حالة الإعسار القانونين ووضع لها إجراءات ظاهرة ، أصبح من اليسير في هذا التقنين تطبيق الحكم القاضي بإسقاط الأجل في حالة الإعسار كما يطبق الحكم القاضي بإسقاط الأجل في حالة الإفلاس ( 187 ) .
$ 114 $
ويلاحظ أن المادة 255 مدني تقضي ، عندما يحل الدين بشهر الإعسار ، بخصم مقدار الفائدة الاتفاقية أو القانونية عن المدة التي سقطت بسقوط الأجل ، وتقضي كذلك بأنه " يجوز للقاضي أن يحكم ، بناء على طلب المدين وفي مواجهة ذوي الشأن من دائنيه ، بإبقاء الأجل أو مدة بالنسبة إلى الديون المؤجلة ، كما يجوز له أن يمنح المدين أجلاً بالنسبة إلى الديون الحالة ، إذا رأى أن هذا الإجراء تبرره الظروف وانه خير وسيلة تكفل مصالح المدين والدائنين جميعاً " . وقد تقدم بيان ذلك .
كذلك للمدين بعد إنهاء حالة الإعسار أن يطلب إعادة الديون التي كانت قد حلت بسبب شهر الإعسار ولم يتم الوفاء بها إلى أجلها السابق ، متى كان أدى جميع ما حل من أقساطها ، كما سبق القول عند الكلام في الإعسار ( 188 ) .
وغنى عن البيان أن مجرد الإعسار الفعلى ، في عهد التقنين المدني الجديد ، لا يكفي لإسقاط الأجل ، بل لا بد من أن يكون الإعسار إعساراً قانونيناً قد شهر بموجب الإجراءات التي قررها القانون في هذا الصدد .
73 – سقوط الأجل لاضعاف التأمينات : ويشترط في هذا السبب من أسباب سقوط الأجل أن يكون للدين المؤجل تأمين خاص ، فلا يكفي أن يضعف المدين الضمان العام للدائنين وهو يتناول أمواله في جملتها ( 189 ) ، بان يتصرف في بعض من ماله ( 190 ) ولو إلى حد الإعسار ، فإن علاج ذلك هو $ 115 $ أن يطلب الدائن شهر إعسار المدين ، فإذا شهر الإعسار سقط الأجل ، ولكنه يسقط بسبب شهر الإعسار لا بسبب إضعاف التأمينات . ولا يجوز للدائن في هذه الحالة ، قبل شهر الإعسار ، أن يستعمل الدعوى البولصية ما دام الأجل قائماً لم يسقط ، فقد قدمنا أن الدعوى البولصية تقتضي أن يكون الحق مستحق الأداء .
فلا بد إذن من إني كون هناك للدين المؤجل تأمين خاص ( 191 ) ، كرهن أو امتياز . ولا يهم مصدر هذا التأمين ، فقد يكون نفس العقد الذي نشا منه الدين المؤجل ، بان يكون رهناً رسمياً أو رهن حيازة أخذه الدائن ضماناً لحقه في العقد الذي أنشأ هذا الحق . وقد يكون مصدر الرهن عقداً لاحقاً لعقد الدين أو لمصدره أياً كان هذا المصدر ، بان اتفق الدائن مع مدينه بعد ثبوت الدين في ذمة المدين على رهن لضمان هذا الدين . وقد يكون مصدر التأمين الخاص القانون كحق امتياز يكون ضامناً للدين المؤجل ( 192 ) ، كما إذا كان البائع $ 116 $ قد أجل الثمن وله امتياز على المبيع فاضعف المشتري هذا التأمين الخاص ( 193 ) . ولا يتصور أن يكون هذا التأمين الخاص هو حق اختصاص مصدره القضاء ، فإن المفروض فيما نحن بصدده أن الدين مؤجل ، والدين المؤجل لا يمكن أن يضمنه حق اختصاص ، إذ حق الاختصاص لا يؤخذ إلا بموجب حكم واجب التنفيذ ، وهذا يفترض حتما أن الدين مستحق الأداء ( 194 ) .
ثم لا بد من أن يكون هذا التأمين الخاص قد ضعف على حد كبير ، ومعنى ذلك أن يكون قد ضعف إلى حد أن أصبح أقل من قيمة الدين ، كما ذكر ذلك صراحة في لجنة المراجعة عند عرض المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد ( 195 ) . إما أن يضعف ضعفاً يسيراً ، ويبقى بالرغم من ذلك كافياً لضمان الدين كفاية ملحوظة ، فذلك لا يبرر سقوط الأجل ( 196 ) .
$ 117 $
فإذا توافر هذان الشرطان – وجود تأمين خاص وإضعاف هذا التأمين إلى حد كبير – يبقى بعد ذلك أن نميز بين فرضين .
( 1 ) فأما أن يكون هذا الإضعاف قد حدث بفعل المدين ، أي بخطأه ولا يشترط أن يتعمد المدين أضعاف التأمين الخاص ، بل يكفي أن يكون قد قصر في المحافظة عليه حتى ضعف ( 197 ) . وفي هذه الحالة يسقط الأجل ، إلا إذا اختار الدائن أن يطالب المدين بتكملة التأمين حتى يبلغ ما كان عليه قبل أضعاف المدين له . ولا يكتفي الدائن هنا بالطالبة بتامين كاف ، بل يطلب تكملة التأمين الأصلي ، فقد كان هذا التأمين من حقه والمدين هو الذي أضعفه بخطأه . وهذا الخيار مرهون بإرادة الدائن لا بإرادة المدين ، فإذا اختار الدائن تكملة التأمين $ 118 $ وأكمله المدين بقى الأجل على حاله ولم يسقط ، أما إذا يختر تكملة التأمين فإن الأجل يسقط ويحل الدين ( 198 ) . ومن ثم يكون التزام المدين في هذه الحالة التزاماً تخييراً ، الخيار فيه للدائن ، فإن الدائن يكون بالخيار إما أن يطالب المدين بالدين فوراً لسقوط الأجل وإما أن يطالب بتكملة التأمين ( 199 ) . ويلاحظ أن الدين الذي حل بسقوط الأجل في هذه الفرض لا ينتقص منه ما يقابل الأجل ، لأن سقوط الأجل هنا كان بسبب خطأ المدين ( 200 ) .
( 2 ) وأما أن يكون أضعاف التأمين الخاص يرجع إلى سبب لا دخل لإرادة المدين فيه . فهو لم يحدث بخطأ منه ، بل حدث بفعل أجنبي أو بقوة $ 119 $ قاهرة أو حادث فجائي . فعند ذلك يسقط الأجل أيضاً كجزاء على ضعف التأمينات إلى هذا الحد الكبير الذي سبقت الإشارة إليه ، إلا أن المدين يستطيع أن يتوقى سقوط الأجل بأن يقدم للدائن تأميناً كافياً لدينه يعوض عليه ما ضعف من التأمينات الأولى ( 201 ) . والالتزام هنا تخييري أيضاً ، ولكن الخيار فيه للمدين لا للدائن على عكس الصورة السابقة ( 202 ) . والسبب واضح ، فإن ضعف التأمينات لم يكن بخطأ المدين فترك الأمر مرهوناً بإرادته ، فأما أن يسلم بسقوط الأجل وإما أن يختار تقديم تأمين كاف . والمطلوب من المدين هنا هو تقديم هذا التأمين الكافي ، وليس تكملة التأمين الأصلي كما في الحالة السابقة . فقد يكون التأمين الأصلي تزيد قيمته كثيراً على الدين ، فلا يطلب من المدين أن يبلغه الحد الذي كان عليه ، بل يكفي أن يبلغه حداً يجعله تأميناً كافياً ولو لم يصل إلى حد التأمين الأصلي . وقد كان المشروع التمهيدي يقتضي إني كمل المدين التأمين الأصلي ، ولكن لجنة المراجعة عدلت النص واكتفت بان يقدم المدين " ضماناً كافياً " ( 203 ) . ويلاحظ أن الدين الذي حل بسقوط الأجل ، في هذه الحالة ، ينتقص منه ما يقابل الأجل ، لأن سقوط الأجل لم يكن بخطأ المدين ( 204 ) .
$ 120 $
وقد طبق التقنين المدني الجديد هذه الأحكام تطبيقاً تشريعياً في حالة ما إذا كان التأمين الخاص رهناً رسمياً أو رهناً حيازياً . ففي حالة الرهن الرسمي نصت المادة 1048 مدني ( وتقابلها المادة 562 / 686 من التقنين المدني السابق وهي تشتمل على نفس الحكم ) على ما يأتي : " 1- إذا تسبب الراهن بخطئه فى هلاك العقار المرهون أو تلفه ، كان الدائن المرتهن مخبرا بين أن يقتضي تأمينا كافيا أو أن يستوفى حقه فورا . 2- فإذا كان الهلاك أو التلف قد نشأ عن سبب أجنبى ولم يقبل الدائن بقاء الدين بلا تأمين ، كان المدين مخبرا بين أن يقدم تأمينا كافيا أو أن يوفى الدين فورا قبل حلول الأجل ( 205 ) . وفى الحالة الأخيرة إذا لم يكن للدين فوائد فلا يكون للدائن حق إلا فى استيفاء مبلغ يعادل قيمة الدين منقوصا منها الفوائد بالسعر القانونى عن لمدة ما بين تاريخ الوفاء وتاريخ حلول الدين . 3- وفى جميع الأحوال إذا وقعت أعمال من شأنها أن تعرض العقار المرهون للهلاك أو التلف أو تجعله غير كاف للضمان ، كان للدائن أن يطلب إلى القاضى وقف هذه الأعمال واتخاذ الوسائل التى تمنع وقوع الضرر " . وفي حالة رهن الحياة قضت الفقرة الثانية من المادة 1022 مدني بان تسرى على رهن الحيازة أحكام المادة 1048 سالفة الذكر .
74 – سقوط الأجل لعدم تقديم المدين لتامين وعد به : وهنا يسقط الأجل بخطأ المدين ، إذ يكون قد التزام للدائن بتقديم تأمين خاص لدينه ، ثم أخل بهذا الالتزام ولم يقدم التأمين الموعود به ( 206 ) . فيسقط الأجل في هذه الحالة $ 121 $ دون أن ينتقص من الدين شيء في مقابلة سقوط الأجل ، لأن الأجل ، كما قدمنا ، قد سقط بخطأ المدين . ويستطيع الدائن ، بعد سقوط الأجل وحلول الدين واستصدار حكم واجب التنفيذ به ، أن يحصل بموجب هذا الحكم على حق اختصاص على عقارات المدين ، يحل محل التأمين الخاص الذي كان المدين قد وعده به دون أن يفى بوعده .
ويلاحظ أن الدائن ذا الحق المؤجل ، حتى لو لم يكن له تأمين خاص أصابه ضعف ، وحتى لو لم يكن موعوداً بتأمين خاص لم يقدم ، له أن يطالب المدين بتامين خاص إذا خشى إفلاسه أو إعساره واستند في ذلك إلى سبب معقول ( م 274 / 2 مدني ) . فإذا لم يقدم المدين التأمين الخاص الذي يوجبه القانون ، كان هذا سبباً في سقوط الأجل ، قياساً على حالة التأمين الموعود به والذي لم يقدم ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( 207 ) . فالالتزام بتقديم تأمين خاص قد يكون مصدره الاتفاق أو القانون ، ويكون مصدره القانون في الحالة التي نحن بصددها . وأياً كان مصدره ، فإن الإخلال به يكون سبباً في سقوط الأجل ( 208 ) .
$ 122 $
75 – سقوط الأجل لأسباب أخرى : قدمنا أن موت المدين ( 209 ) قد يكون سبباً لسقوط الأجل . وقد ورد نص صريح في كل من التقنين المدني العراقي ( م 296 ) وتقنين الموجبات والعقود اللبناني ( م 114 ) يقضي بأن الدين يحل بموت المدين إلا إذا كان مضموناً بتأمينات عينية . أما في التقنين المدني المصري فالأصل أن الدين لا يحل بموت المدين ، بل يبقى الدين مؤجلا في التركة . ومع ذلك إذا عين للتركة مصف ( أنظر المادة 876 مدني وما بعدها ) فإنه يجوز للمحكمة ، بناء على طلب جميع الورثة ، أن تحكم بحلول الدين المؤجل وبتعيين المبلغ الذي يستحقه الدائن ، مراعية في ذلك إعلان الدائن بسقوط الأجل – بشرط أن يكون قد انقضى منه ستة أشهر على الأقل – وأداء الفوائد المستحقة عن ستة الأشهر التالية للإعلان ، هذا إذا كان في الأجل مصلحة للدائن ( م 894 و م 544 مدني ) . أما إذا لم تجمع الورثة على طلب حلول الدين المؤجل ، فإن الدين يبقى مؤجلا علىحاله ، وتتولى المحكمة توزيع الديون المؤجلة وتوزيع أموال التركة على الورثة ، بحيث يختص كل وارث من جملة ديون التركة ومن جملة أموالها بما يكون في نتيجة معادلا لصافي حصته في الإرث ( 210 ) .
ويسقط الأجل أيضاً بموجب نصوص قانونية في حالات خاصة ، كما في التطهير ( أنظر المادة 1064 مدني وما بعدها ) .
وسنرى أنه إذا كان الأجل قضائياً – نظرة الميسرة – فأنه يسقط الأسباب أخرى فوق التي قدمناها ، فيسقط بالمقاصة القانونية ، ويسقط كذلك باقتدار المدين على الوفاء بدينه ، ويسقط أخيراً إذا نفذ أحد الدائنين الآخرين بحقه على أموال المدين . وسيأتي بيان ذلك عند الكلام في نظرة الميسرة ( 211 ) .
$ 123 $
وهناك حالة هي عكس الحالة التي يسقط فيها الأجل ، إذ فيها يحل الأجل فعلا ولكن لا يعتبر مع ذلك أنه قد حل لأن حلوله إنما حدث بطريق الغش من الدائن ( 212 ) . ويقع ذلك في التأمين على الحياة إذا انتحر الشخص المؤمن على حياته ، فإن الدائن في هذه الحالة يتعجل حلول الأجل بانتحاره عمداً ، فلا يعتبر الأجل قد حل ، وتبرأ ذمة المؤمن من التزامه بدفع مبلغ التأمين . وقد ورد في هذا الحكم نص صريح في التقنين المدني ، فنصت الفقرة الأولى من المادة 756 على أن " تبرأ ذمة المؤمن من التزامه بدفع مبلغ التأمين إذا انتحر الشخص المؤمن على حياته " . كذلك إذا كان الدائن بمبلغ التأمين هو شخص غير المؤمن علىحياته ، فإنه لا يستحق مبلغ التأمين إذا تسبب عمداً في موت المؤمن على حياته ، لأنه يكون قد تعجل غشاً حلول الأجل ، فيعتبر الأجل غير حال بالرغم من حلوله فعلا . ويستوي في ذلك أن يكون التأمين على حياة شخص غير المؤمن له أو يكون لصالح شخص غير المؤمن له . وتنص المادة 757 مدني في هذا الصدد على ما يأتي : " 1- إذا كان التأمين على حياة شخص غير المؤمن له ، برثت ذمة المؤمن من التزاماته متى تسبب المؤمن له عمداً فى وفاة ذلك الشخص ، أو وقعت الوفاة بناء على تحريض منه . 2- وإذا كان التأمين على الحياة لصالح غير المؤمن له ، فلا يستفيد هذا الشخص من التأمين إذا تسبب عمداً فى وفاة $ 124 $ الشخص المؤمن على حياته ، أو وقعت الوفاة بناء على تحريض منه . فإذا كان ما وقع من هذا الشخص مجرد شروع فى إحداث الوفاة ، كان للمؤمن له الحق فى أن يستبدل بالمستفيد شخصاً آخر ، ولو كان المستفيد قد قبل ما اشتراط لمصلحته من تأمين " .
76 – حلول الأجل بالنزول عنه ممن له مصلحة فيه : وقد يحل الأجل قبل انقضائه ، لا بسقوطه في الأحوال التي تقدم ذكرها ، بل بالنزول عنه ممن له مصلحة فيه ، المدين أو الدائن .
لذلك ينبغي ، لمعرفة ما إذا كان النزول عن الأجل صحيحاً ، أن نتبين من له مصلحة فيه من الطرفين ، هل هو المدين أو هو الدائن ، وأيهما كانت له المصلحة يجوز له النزول عن الأجل لأنه إنما ينزل عن مصلحة له ( 213 ) .
وقد كان المشرع التمهيدي يشتمل على نص في هذه المسألة هو نص المادة 397 ، وكانت تجري على الوجه الآتي : " 1- يفترض في الأجل أنه ضرب لمصلحة المدين ، إلا إذا تبين من العقد أو من نص في القانون أو من الظروف أنه ضرب لمصلحة الدائن أو لمصلحة الطرفين معاً . 2 – إذا تمحض الأجل لمصلحة أحد الطرفين ، جاز لهذا الطرف أن يتنازل عنه بإرادته المنفردة " ( 214 ) . وقد حذفت $ 125 $ هذه المادة في لجنة المراجعة " لأن حكمها مستفاد من تطبيق المبادئ العامة " ( 215 ) ، من أجل ذلك يكون هذا الحكم واجب التطبيق بالرغم من حذف النص . وقد ورد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي شرح واف لهذا الحكم نقتصر على إيراده فيما يلي : " قد يضرب الأجل لمصلحة المدين وحده ، كما هو الشأن في عارية الاستهلاك بغير فائدة وعارية الاستعمال ، أو لمصلحة الدائن وحده ، كما هي الحال في الوديعة ( 216 ) . أو لمصلحة الدائن والمدين معاً ، كما يقع ذلك في القرض بفائدة . ويفترض عند الشك أن الأجل مضروب لمصلحة المدين وحده ( 217 ) . ومع ذلك فقد يستفاد من العقد كما يقع ذلك في القرض $ 126 $ بفائدة ( 218 ) ، أو من نص القانون كما هو الشأن في حق الانتفاع والإيراد المرتب مدى الحياة ، أو من الظروف كما هي الحال في ودائع المصارف ، إن الأجل قد ضرب لمصلحة الدائن أو لمصلحة الدائن والمدين معاً . فإذا كان الأجل مضروباً لمصلحة الدائن والمدين معاً ، فلا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالتنازل عنه ، بل يشترط لذلك تراضيهما . أما إذا كان الأجل على نقيض ذلك مضروباً لمصلحة أحد الطرفين ، فلمن شرط الأجل لمصلحته ، دائناً كان أو مديناً ، أن ينزل عنه بإرادته المنفردة . وتفريعاً على هذه القواعد لا تجوز الإقالة من الاجازة ( وهي لمصلحة الطرفين ) قبل انتهاء الأجل إلا بتراضى المؤجر والمستأجر ، ويجوز للمستعير في عارية الاستعمال ( وهي لمصلحة المستعير وحده ) أن يرد الشيء قبل الأجل المحدد ، ويجوز للمودع ( والوديعة لمصلحته وحده ) أن يطالب برد ما استودع قبل انقضاء الأجل الإيداع " ( 219 ) .
$ 127 $
على أن التقنين المدني – استثناء من الأحكام المتقدم ذكرها – وضع قاعدة في القرض بفائدة أجاز فيها للمدين ، دون رضاء الدائن ، أن ينزل عن الأجل بشروط معينة ، مع أن الأجل مقرر لمصلحة كل من المدين والدائن ، فكان الواجب إلا يجوز للمدين وحده أن ينزل عنه بغير رضاء الدائن ، وذلك إمعاناً من المشرع في كراهية الربا . وقد وضع القانون لحق المدين في النزول عن الأجل دون رضاء الدائن شروطاً فيها بعض التعويض على الدائن : ( 1 ) أن يكون قد انقضى على القرض ستة أشهر على الأقل يتقاضى فيها الدائن الفوائد المستحقة . ( 2 ) أن يعلن المدين الدائن برغبته في إسقاط الأجل ورد ما اقترضه . ( 3 ) أن يتم الرد فعلا في أجل لا يجاوز ستة أشهر من تاريخ هذا الإعلان . ( 4 ) أن يؤدي الدائن للمدين فوائد ستة الأشهر التالية للإعلان ( 220 ) . وهذا ما تنص عليه المادة 544 مدني في هذا الصدد : " إذا اتفق على الفوائد ، كان للمدين إذا انقضت سنة أشهر على القرض أن يعلن رغبته في إلغاء العقد ورد ما اقترضه ، على أن يتم الرد في أجل لا يجاوز ستة اشهر من تاريخ هذا الإعلان ، وفي هذه الحالة يلزم المدين بأداء الفوائد المستحقة عن ستة الأشهر التالية للإعلان ، ولا يجوز بوجه من الوجوه إلزامه بأن يؤدي فائدة أو مقابلا من أي نوع بسبب تعجيل الوفاء ، ولا يجوز الاتفاق على إسقاط حق المقترض في الرد أو الحد منه " ( 221 ) .
2- ما يترتب من الأثر على حلول الأجل
77 – الأجل الواقف : إذا حل الأجل الواقف ، بانقضائه أو بسقوطه أو بالنزول عنه على النحو الذي بيناه ، أصبح الحق نافذاً ، ووجب على المدين القيام بتنفيذه بعد أن يعذره الدائن ( 222 ) ، لأن حلول الأجل وحده لا يكفي $ 129 $ لأعذار المدين كما سبق القول ( 223 ) .
ويترتب على أن حق الدائن يصبح نافذاً بحلول الأجل عكس النتائج التي رتبناها على عدم نفاذ الحق قبل حلول الأجل . فيجوز للدائن أن يجبر المدين على أداء الدين ، ويقبل من المدين الوفاء الاختياري فلا يسترد ما دفعه لأنه دفع ديناً مستحق الأداء ، ويجوز للدائن أن يحجز بموجبه تحت يد مدين المدين كما يجوز له توقيع الحجوز التحفظية الأخرى ، وله أن يستعمل الدعوى البولصية ، ويسري في حق الدين الذي حل أجله التقادم المسقط ، وللدائن أن يحبس به ديناً في ذمته للمدين ( 224 ) .
$ 130 $
وليس لحلول الأجل الواقف أثر ارجعي كما هو الأمر في تحقق الشرط الواقف . فلا يعتبر الحق نافذاً من وقت الاتفاق ، بل من وقت حلول الأجل . وهذا مستفاد من أن الأجل أمر محقق الوقوع ، ويتفق في الوقت ذاته مع نية الطرفين ( 225 ) .
78 – الأجل الفاسخ : وهنا أيضاً نتجوز فنعتبر أن العقود الزمنية مقترنة بأجل فسخ . فإذا حل الأجل ، بانقضائه أو بسقوطه ( 226 ) أو بالنزول عنه ، فإن الحق ينقضي من تلقاء نفسه بحلول الأجل دون حاجة إلى حجم يصدر بذلك ( 227 ) . ويجوز للطرفين مد الأجل غير مرة ، ولكن المد يكون باتفاق جديد ( 228 ) .
ويترتب على أن الحق يزول بحلول الأجل أن جميع التصرفات التي أجراها صاحب الحق تزول بزواله ، فالإيجار من الباطن والتنازل عن الإيجار مثلا يزولان بزول الإيجار الأصلي . ويزول الحق بحلول الأجل حتى لو كان قد انتقل من الدائن إلى خلف عام أو إلى خلف خاص .
$ 131 $
ويكون انقضاء الحق بحلول الأجل دون أثر رجعي ، بخلاف ما قررناه في تحقق الشرط الفاسخ ، فيعتبر الحق قد انقضى من وقت حلول الأجل لا من وقت الاتفاق ، وبذلك يتميز الحق المقترن بأجل فاسخ عن الحق المعلق على شرط فاسخ ، فالحق الأول يعتد بوجوده قبل حلول الأجل ، أما الحق الآخر فيعتبر قد زال منذ البداية وكأنه لم يكن . وقد أشارت الفقرة الثانية من المادة 274 مدني صراحة إلى انعدام الأثر الرجعي لحلول الأجل الفاسخ ، فنصت على أنه " يترتب على انقضاء الأجل الفاسخ زوال الالتزام ، دون أن يكون لهذا الزوال اثر رجعي ( 229 ) .
***
79 – مقارنة بين الشرط والأجل : بعد أن بسطنا أحكام كل من الشرط والأجل ، نعقد مقارنة موجزة بينهما . فهناك موافقات ، كما أن هناك مفارقات .
أما الموافقات الجوهرية فتتخلص في أمرين :
( ا ) أن كلا من الشرط والأجل أمر مستقبل .
( 2 ) وأن كلا منهما ينقسم إلى واقف وفاسخ ، هذا مع التجوز المعهود في الأجل الفاسخ فيما يتعلق بالعقود الزمنية .
وأما المفارقات الجوهرية فتتلخص في الأمور الآتية :
( 1 ) الشرط أمر غير محقق الوقوع ، أما الأجل فأمر محقق الوقوع .
( 2 ) الحق المعلق على شرط واقف حق موجود ولكنه ناقص ، أما الحق لمقترن بأجل واقف فحق موجود كامل الوجود .
( 3 ) الحق المعلق على شرط فاسخ حق موجود على خطر الزوال ، أما الحق المقترن بأجل فاسخ فحق مؤكد الزوال .
( 4 ) لتحقق الشرط ، كقاعدة عامة ، أثر رجعي ، أما حلول الأجل فليس له هذا الأثر .
$ 132 $
وترد كل هذه الفروق إلى فكرة واحدة ، هي أن الشرط أمر غير محقق الوقوع : ومن ثم فالحق المعلق على شرط واقف حق ناقص ، والحق المعلق على شرط فاسخ حق على خطر الزوال ، ولتحقق الشرط أثر رجعي تأولا لنية الطرفين أمام أمر غير محقق الوقوع . والأجل أمر محقق الوقوع . ومن ثم فالحق المقترن بأجل واقف حق كامل الوجود ، والحق المقترن با<ل فاسخ حق مؤكد الزوال ، وليس لحلول الأجل أثر رجعي إذ لا محل لتأول نية الطرفين على هذا الوجه أمام أمر محقق الوقوع .
$ 133 $
الباب الثاني
تعدد محل الالتزام
80 الالتزام متعدد المحل والالتزام التخييري والالتزام البدلي : قد يتعدد محل الالتزام ، فيكون هذا التعدد وصفاً ( modalite ) في الالتزام ( 230 ) . والالتزام الموصوف على هذا النحو أنواع ثلاثة : ( 1 ) التزام متعدد المحل ( obligation conjointe ) ( 2 ) والتزام تخييري ( obligation alternative ) ( 3 ) والتزام بدلى ( obligation facultative ) ( 231 )
$ 134 $
فالالتزام متعدد المحل هو التزام واحد ولكنه ذو محل متعدد ، كالمتقايض يلتزم بإعطاء المتقايض معه أرضا ومعدلا ( solute ) للمقايضة هو مبلغ من النقود في مقابل أن يعطيه المتقايض الآخر داراً . فهنا يلتزم المتقايض الأول بإعطاء المتقايض معه أرضا ومبلغاً من النقود ، فالتزامه واحد مصدره عقد المقايضة ، وهو في الوقت ذاته متعدد المحل لأن المدين ملتزم أن يعطي شيئين لا شيئاً واحداً : الأرض ومبلغ النقود . وليس هذا النوع من الوصف أثر كبير في الالتزام ، ولا توجد فروق هامة ما بين الالتزام متعدد المحل والالتزام ذى المحل الواحد . ففي الالتزامين يجب على المدين إن يؤدى للدائن محل الالتزام كاملا إذا كان واحداً ، أو جميع محال الالتزام إذا كان متعددة ، ولا تقبل التجزئة في الوفاء ( paiement partiel ) ، فلا تجوز تأدية جزء من المحل الواحد أو محل من المحال المتعددة دون رضاء الدائن . والهلاك الجزئي – بان يهلك جزء من المحل الواحد أو من المحال المتعددة حكمه واحد في الالتزامين ، وينقسم في كل منهما الثمن أو المقابل أياً كان على الجزء الهالك والجزء الباقي وفقاً لأحكام الهلاك الجزئي . ويجوز فسخ العقد في الحالتين إذا بقى جزء من المحل الواحد أو من المحال المتعددة دون وفاء ( 232 ) . على أن الالتزام ذا المحل الواحد يكون عقاراً أو منقولا تبعاً لطبيعة هذا المحل ، ففي المثل المتقدم يكون التزام المتقايض الآخر – وقد التزم بإعطاء دار – عقاراً . أما الالتزام ذو المحل المتعددة فيكون عقاراً أو منقولا تبعاً لطبيعة المحال المتعددة جميعاً ، وقد يكون بعضها عقاراً وبعضها منقولا كما في حالة المتقايض إذا التزم بإعطاء أرض ومبلغ من النقود ، فيكون الالتزام لا عقاراً محضاً ولا منقولا محضاً بل هو مختلط ( mixte ) بعضه عقار وبعضه منقول ( 233 ) .
$ 135 $
والالتزام التخييري هو التزام متعدد المحل ، ولكن واحداً فلقط من هذه $ 136 $ المحال المتعددة هو الواجب الأداء ، لا المحال جميعاً كما في الصورة السابقة . فإذا التزم شخص لآخر بإعطائه إما أرضاً أو سيارة ، كان الالتزام هنا تخييرياً ، وكان محل الالتزام هو الأرض أو السيارة بحسب اختيار المدين أو الدائن ، وليس المحل هو الأرض والسيارة معاً .
يبقى الالتزام البدلي ، وهو التزام غير متعدد المحل على النحو السابق ، بل له محل واحد ، ولكن يستطيع المدين إن يؤدي شيئاً آخر بدلا منه فيقضي بذلك التزامه . فإذا التزم شخص لآخر بإعطائه داراً ، واحتفظ لنفسه بالحق في أن يعطيه إذا شاء أرضاً بدلا من الدار ، كان الالتزام بدلياً . وهنا يكون محل الالتزام شيئاً واحداً هو الدار ، ولكن يجوز للمدين أن يستبدل بالدار الأرض للوفاء بالتزامه ، ولا يستطيع الدائن أن يرفض هذا الوفاء .
$ 137 $
ونرى مما تقدم أن هناك تدرجاً تصاعدياً في تعدد المحل ما بين الالتزام البدلي والالتزام التخييري والالتزام ذى المحل المتعدد . ففي الالتزام البدلي محل الالتزام ( objet in obligatione ) ، واحد ، ولكن يوجد شيء آخر يحل محله عند الوفاء ( objet in facultate solutionis ) . ويرقى الالتزام التخييري مرتبة في تعدد المحل ، فمحل الالتزام متعدد – شيئان أو أكثر لا شيء واحد – ولكن الواجب الأداء من هذه الأشياء المتعددة هو شيء واحد . ثم يرقى الالتزام ذى المحل المتعدد المرتبة العليا في تعدد المحل ، فمحل الالتزام متعدد – شيئان أو أكثر – والواجب الأداء هو كل هذه الأشياء المتعددة ( 234 ) .
ولما كان الالتزام ذو المحل المتعدد لا يكاد يفارق الالتزام ذا المحل الواحد ، وتكاد تكون أحكام كل منهما واحدة ، فإنه لا توجد أهمية خاصة لأفراده بالبحث ( 235 ) . والذي يجب أن يفرد بالبحث – لأن الوصف فيه ذو أثر بالغ – هو الالتزام التخييري ثم الالتزام البدلي ، ونبحثهما في فصلين متعاقبين .
$ 138 $
الفصل الأول
الالتزام التخييري ( 236 )
( Obligation alternative )
81 – قيام وصف التخيير وأحكامه : التخيير بين محلين أو أكثر للالتزام الواحد وصف يقوم بالالتزام كما قدمنا . فيجب أن نعرف ما هو ، ومن أي مصدر ينشأ ، ومن طرفي الالتزام يثبت له الخيار . ثم نعرف بعد ذلك ما هي أحكام الالتزام التخييري .
فنبحث إذن مسألتين : ( 1 ) قيام وصف التخيير ( 2 ) أحكام الالتزام التخييري ( 237 ) .
الفرع الأول
قيام وصف التخيير
82 – النصوص القانونية : تنص المادة 275 من التقنين المدني على ما يأتي :
" يكون الالتزام تخييريا إذا شمل محله أشياء متعددة تبرأ ذمة المدين براءة $ 139 $ تامة إذا أدي واحد منها ، ويكون الخيار للمدين ما لم ينص القانون أو يتفق المتعاقدان على غير ذلك " ( 238 ) .
ويقابل هذا النص المادة 96 / 150 من التقنين المدني السابق ( 239 ) .
ويقابل في التنقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري المادة 275 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 262 ، وفي التقنين المدني العراقي المادة 298 ، وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المادة 56 ( 240 ) .
$ 140 $
ويستخلص من النص المتقدم أن وصف التخيير يقوم متى شمل محل الالتزام أشياء متعددة تبرأ ذمة المدين براءة تامة إذا أدى واحداً منها ، وأن خيار التعيين يكون في الأصل للمدين إلا إذا قضى المصدر الذي ينشأ منه – الاتفاق أو القانون – بأن الخيار يكون للدائن أو للغير .
فنبحث إذن : ( 1 ) متى يقوم وصف التخيير ( 2 ) من له خيار التعيين ومصدر هذا الخيار .
1 – متى يقوم وصف التخيير
83 – ( ا ) تحديد منطقة الالتزام التخييري : ليكون الالتزام تخييريا فيقوم به وصف التخيير ، يجب توافر شروط ثلاثة : ( 1 ) يتعدد محل الالتزام فيكون للالتزام محلان أو أكثر . ( 2 ) ويتوافر في كل محل منها الشروط الواجب توافرها في المحل . ( 3 ) ويكون الواجب الأداء ، حتى تبرأ ذمة المدين براءة تامة من التزامه ، محلا واحداً من هذه المحال المتعددة .
84 – ( 1 ) تعدد محل الالتزام : يجب أن يكون محل الالتزام متعدداً كما قدمنا . فيصح أن يلتزم البائع للمشتري أن يبيع منه الدار أو الأرض . ويصح $ 141 $ أن يلتزم الشريك بتقديم حصته في الشركة مبلغاً من النقود أو أرضا أو سيارة أو أسهماً أو سندات أو غير ذلك . ونرى من ذلك أن محل الالتزام قد يكون شيئين ، وقد يكون أكثر من شيئين ( 241 ) . كذلك يصح أن يكون شيئاً غير معين بالذات $ 142 $ كالنقود ، أو عيناً معينة عقاراً أو منقولا . ويصح أن يجمع التعدد هذه كلها ، فيكون محل الالتزام نقوداً وعقاراً ومنقولا . بل يصح إني كون محل الالتزام $ 143 $ عملا أو امتناعاً عن عمل . ويصح أن يجتمع كل هؤلاء في الالتزام الواحد ، فيلتزم الشريك مثلا بتقديم حصته للشركة مبلغاً من النقود أو أرضا أو عملا يقوم به لمصلحة الشركة أو امتناعاً عن الاتجار فيما تقوم به الشركة من عمل ( 242 ) .
فأي أداء يصلح أن يكون محلا للالتزام يمكن – إذا اقترنت به اداءات أخرى من نوعه أو من غير نوعه – أن يكون محلا للالتزام التخييري – والمهم هو أن يتعدد هذا المحل ، فلا يقتصر على أداء واحد .
85 – ( 2 ) توافر الشروط في كل من الاداءات المتعددة : ويجب أن يتوافر في كل أداء من الاداءات المتعددة للالتزام التخييري جميع الشروط الواجب توافرها في محل الالتزام ، لاحتمال أن يقع الاختيار على أي أداء منها فيصبح هو المحل الوحيد ، ويكون متوافراً فيه الشروط اللازمة . فيجب أن يكون كل أداء موجوداً إذا كان شيئاً ، أو ممكناً إذا كان عملا أو امتناعاً عن عمل . ويجب أيضاً أن يكون الأداء معيناً أو قابلا للتعيين ، وأن يكون صالحاً للتعامل فيه ، وأن يكون مالا متقوماً ، وأن يكون التعامل فيه مشروعاً .
فإذا كان الالتزام التخييري محله شيئان فقط ، وكان أحدهما لم تتوافر فيه الشروط المتقدمة الذكر ، وتوافرت في الشيء الآخر هذه الشروط ، فإن الالتزام لا يكون له إلا محل واحد هو هذا المحل الذي توافرت فيه الشروط ، ويكون الالتزام بسيطاً غير تخييري ( 243 ) .
وقد نصت المادة 1192 من التقنين المدني الفرنسي صراحة على هذا $ 144 $ الحكم إذا تقول : " يكون الالتزام بسيطاً ، ولو عقد فى صورة التزام تخييرى ، إذا كان أحد الشيئين محل الالتزام لا يمكن أن يكون محلاً له ( 244 ) " . وتنص المادة 61 من تقنين الموجبات والعقود اللبنانى على الحكم فيما إذا كان شئ واحد من الأشياء المتعددة هو الذى يمكن تنفيذه دون الأشياء الأخرى ، فتقول : " إذا كان أحد المواضيع وحده قابلاً للتنفيذ ، فالموجب يكون أو يصبح من الموجبات البسيطة " . والحكم كما نرى ظاهر البداهة ، فلا حاجة للنص عليه ، إذ يمكن استخلاصه فى يسر من تطبيق القواعد العامة .
والعبرة ، فى معرفة ما إذا كانت الشروط الواجبة متوافرة فى الأداءات المتعددة للالتزام التخييرى ، تكون بوقت نشوء هذا الالتزام . فإن توافرت الشروط فى هذا الوقت ، كان الالتزام تخييرياً ، حتى لو أصبحت الأداءات بعد ذلك لا تصلح كلها أو بعضها محلاً للالتزام . وعلى النقيض من ذلك ، إذا لم تتوافر الشروط إلا فى أداء منها ، كان الالتزام بسيطاً منذ البداية ومحله هذا الأداء الذى توافرت فيه الشروط ، ولا ينقلب تخييرياً حتى لو أصبحت الأداءات الأخرى بعد ذلك متوافراً فيها الشروط الواجبة ( 245 ) .
86 - ( 3 ) محل واحد من المحال المتعددة هو الواجب الأداء : وإذا كان للالتزام التخييرى محال متعددة ( in obligatione ) ، فإن محلاً واحداً منها فقط هو الواجب الأداء ( in debitione ) ، أو كما تقول المادة 275 مدنى فى صدرها : " تبرأ ذمة المدين براءة تامة إذا أدى واحداً منها " .
وينبنى على ذلك أمران : ( أولهما ) أنه قبل اختيار المحل الواجب الأداء ، يكون كل من المحال المتعددة ممكناً طلبه ، فيقوم التضامن بين هذه المحال على غرار التضامن الذى يقوم بين المدنيين المتضامنين . فكما إن كل مدين متضامن $ 145 $ تمكن مطالبته بكل الدين فإذا وفاه انقضى ، كذلك أى محل من المحال المتعددة للالتزام التخييرى تمكن المطالبة به فإذا وفى انقضى الالتزام . فالتخيير إذن هو ضرب من التضامن ما بين الأشياء شبيه بالتضامن ما بين الأشخاص ، هو تضامن عينى موضوعى ( solidarite reelee et objective ) إلى جانب تضامن المدينين الشخصى الذاتى ( solidarite personnelle et subjective ) . والتضامن العينى من شأنه ، كالتضامن الشخصى ، أن يقوى ضمان الدائن ، فإذا أصبح تنفيذ محل من المحال المتعددة للالتزام التخييرى مستحيلاً جاز أن ينفذ محل آخر ، فيتسع بذلك مجال التنفيذ ويقوى ضمان الدائن ( 246 ) . والأمر الثانى ) أنه بعد اختيار المحل الواجب الأداء يصبح هذا وحده هو محل الالتزام ، وينقلب الالتزام التخييرى عند ذلك التزاماً بسيطاً ليس له إلا محل واحد .
ويستتبع ذلك أن المحال المتعددة للالتزام التخييرى تكون فى الكثرة الغالبة من الأحوالى متعادلة فى قيمتها ، ما دام أن تنفيذ أى محل منها يغنى عن تنفيذ المحال الأخر . غير أن هذا ليس بضرورى ، فقد تتفاوت قيم المحال إذا تفاوتت شروط أدائها . مثل ذلك أن يلتزم شخص نحو آخر بأن يبيع له الدار بألفين أو الأرض بألف ، فتكون قيمة الأرض نصف قيمة الدار . وقد يعد شخص آخر بإقراضه ألفاً بفوائد سعرها 5% أو خمسمائة بفوائد سعرها 6% . بل قد لا تتفاوت شروط الأداء ومع ذلك تكون القيم متفاوتة ، فقد يكون المبلغ الموعود بإقراضه هو ألف أو ألفان على حسب اختيار المدين ويكون سعر الفائدة فى الحالتين 5% ( 247 ) .
87 - ( ب ) تمييز الالتزام التخييرى عن حالات أخرى تشتبه به : وحتى يتم تحديد منطقة الالتزام التخييرى فى وضوح توجد بعض الحالات التى تشتبه بالالتزام التخييرى وليست إياه . فنستعرض الشرط الجزائى والالتزام $ 146 $ المعلق على شرط واقف والالتزام بشئ غير معين . أما الالتزام متعدد المحل ( obligation conjointe ) فقد سبق التمييز بينه وبين الالتزام التخييرى . وسنبحث عند الكلام فى الالتزام البدلى ما يوجد بينه وبين الالتزام التخييرى من فروق .
88 - ( أ ) التمييز بين الالتزام والشرط الجزائى : الشرط الجزائى هو تقدير اتفاقى للتعويض المستحق ، غذ أخل المدين بالتزامه ولم يقم بتنفيذه تنفيذاً عينياً . فالشرط الجزائى إذن ليس إلا تعويضاً مستحقاً عن عدم التنفيذ العينى . وهو – ككل تعويض – لا يمكن أن يكون إلى جانب التنفيذ العينى أحد محلى التزام تخييرى . ذلك أنه لى الالتزام التخييرى يمكن للمدين أو للدائن ، بحسب الأحوال ، أن يختار أحمد المحلين فيوفيه للطرف الآخر ، ولا يستطيع هذا الطرف الآخر أن يرفض الوفاء . أما فى التعويض فالأمر مختلف ، غ أن المدين لا يستطيع أن يختار التعويض دون التنفيذ العينى ، إذا كان هذا التنفيذ ممكناً طالب به الدائن . كذلك لا يجوز للدائن أن يختار التعويض دون التنفيذ العينى ، إذا كان التنفيذ العينى ممكناً وعرضه المدين . فالتعويض ليس محلاً لالتزام تخييرى ، بل إن له مقوماته الذاتية ، وقد سبق بيان ذلك فى الجزء الثانى من الوسيط .
ومما يبزر الفرق بين الالتزام التخييرى والالتزام المصحوب بشرط جزائى أنه إذا كان الالتزام المصحوب بشرط جزائى قد أصبح تنفيذه العينى مستحيلاً بسبب أجنبى لا يد للمدين فيه ، فإن الالتزام ينقضى ولا يكون الشرط الجزائى مستحقاً . أما فى الالتزام التخييرى ، إذا أصبح تنفيذ أحد محلى هذا الالتزام مستحيلاً بسبب أجنبى ، فسنرى أن المحل الثانى يصبح مستحقاً ، على خلاف الشرط الجزائى . كذلك إذا كان المحل الأصلى للالتزام المصحوب بشرط جزائى لا يصلح أن يكون محلاً لعدم توافر الشوط الواجبة فيه ، فإن الالتزام يسقط ويسقط معه الشرط الجزائى . وهذا بخلاف الالتزام التخييرى ، فإنه إذا كان أحد محليه لا يصلح أن يكون محلاً للالتزام أصبح المحل الآخر هو المتسحق ( 248 ) .
$ 147 $
89 - ( 2 ) التمييز بين الالتزام التخييرى والالتزام المعلق على شرط واقف : ولا يجوز أن يكيف الالتزام التخييرى بأن كلا من محالة المتعددة واجب الأداء معلقاً على شرط اختياره ، وقد كان بعض الفرنسيين يذهبون إلى ذلك ( 249 ) . ذلك أن الالتزام المعلق على شرط واقف قد علق على أمر غير محقق الحصول ، أما الاختيار فى الالتزام التخييرى – اختيار محل ما – فهو أمر محقق لابد من حصوله ، وإذا هو لم يحصل ممن له حق الاختيار بالذات ، فإنه لابد حاصل ممن أقامه القانون مقامه : القاضى فى حالة ما إذا كان الخيار للمدين ، والمدين فى حالة ما إذا كان الخيار للدائن ( 250 ) .
وينبنى على ما تقدم أن الالتزام التخييرى هو التزام محقق الوجود منذ البداية ، أما الالتزام المعلق على شرط واقف غير محقق الوجود وهو لن يوجد فعلاً إذا ما تحقق الشرط . وهناك فرق آخر ما بين الالتزامين ، فإنه إذا هلك محل الالتزام الشرطى بسبب أجنبى قبل تحقق الشرط كانت تبعة الهلاك على المدين كما سبق القول ، أما التبعة فى هلاك أحد محال الالتزام التخييرى فهى على الدائن ( 251 ) .
90 - ( 3 ) التمييز بين الالتزام التخييرى والالتزام بشئ غير معين بالذات : والالتزام التخييرى ليس التزاماً بشئ غير معين بالذات . فقد يلتزم شخص أن يبيع لآخر مائة أردب من القمح ، ومحل الالتزام هنا هو شئ غير معين بالذات حتى لو عين البائع المخزن الذى أودع فيه قمحه وذكر أن مائة الأردب ستؤخذ من هذا القمح . كذلك يعتبر التزاماً بشئ غير معين بالذات $ 148 $ التزام من يبيع فرساً غير معين من خيوله الموجودة بالاصطبل ، أو يبيع بقرة غير معينة من قطيع البقر الذى يملكه . فالمبيع فى جميع هذه الأحوال شئ غير معروف يؤخذ من بين أشياء معروفة .
والفرق بين أن يلتزم الشخص بإعطاء شئ معين من بين أشياء معينة – وهذا هو الالتزام التخييرى – وبين أن يلتزم بإعطاء شئ غير معروف من بين أشياء معروفة ، أن الأشياء محل الالتزام التخييرى هى أشياء معينة بذاتها ، كل شئ منها قد عين تعييناً كافياً حتى لا يختلط بغيره ، واحد هذه الأشياء المعينة بالذات سيكون محل الالتزام إذا تم اختياره . أما فى الالتزام بإعطاء شئ غير معروف من بين أشياء معروفة ، فإن هذه الأشياء المعروفة ليست معينة بذواتها كما هى معينة فى الالتزام التخييرى ، بل هى قد عينت بأنها الخيول التى فى الاصطبل دون أن تعين هذه الخيول فرساً فرساً ، أو هى قطيع البقر الذى يملكه البائع دون أن تعين رؤوس هذا القطيع رأساً راساً ( 252 ) .
وينبنى على هذا الفرق أمور ثلاثة : ( 1 ) فى الالتزام بشئ غير معين بالذات ، إذا فرز فرس من الاصطبل أو بقرة من القطيع بعد إعذار المشترى ، ثم هلك الشئ المفرز ، فإن هلاكه لا يكون على المشترى ، بل يجب فرز فرس آخر أو بقرة أخرى لتسليمها إليه أما إذا اختير أحد محال الالتزام التخييرى ، ولم يتسلمه المشترى بعد إعذاره ، فإن الهلاك يكون عليه لا على البائع ( 253 ) . ( 2 ) فى الالتزام بشئ غير معين بالذات ، إذا فرز المبيع ، انتقلت ملكيته إلى المشترى من وقت الفرز لا من وقت البيع . أما فى الالتزام التخييرى ، فإنه إذا اختير محل الالتزام ، انتقلت ملكيته من وقت البيع لا من وقت الاختيار ، وسنرى أن الاختيار يستند إلى الماضى ( 254 ) . ( 3 ) فى الالتزام بشئ غير معين بالذات ، إذا كان أحد الخيول مثلاُ هو ملك المشترى ، ولكنه عندما فرز $ 149 $ ليكون هو الفرس المبيع لم يعد ملكاً له ، فإن البيع يصح . أما فى الالتزام التخييرى ، إذا باع شخص فرساً من بين عدة خيول معينة بذواتها ، وكان أحدها ملكاً للمشترى ثم لم يعد ملكاً له ، واختير ليكون محلاً للالتزام ، فإن الالتزام لا يصح لأن هذا المحل لم يكن قد توافرت فيه الشروط الواجبة وقت نشوء الالتزام إذ كان ملكاً للمشترى ( 255 ) .

2 - من له خيار التعين ومصدر هذا الخيار
91 - من له خيار التعيين : رأينا أن العبارة الأخيرة من المادة 275 مدنى تقول : " ويكون الخيار للمدين ما لم ينص القانون أو يتفق المتعاقدان على غير ذلك " .
فإذا كان هناك التزام تخييرى ، ولم يبين الطرفان من له الخيار ولم ينص القانون على ذلك ، فإن الخيار يكون للمدين لا للدائن . وهذا هو الأصل العام ، فإن الاتفاق عند الشك يفسر لمصلحة المدين ( 256 ) .
$ 150 $
ولكن يجوز أن يتفق الطرفان على أن يكون الخيار للدائن لا للمدين ، وهذا يقتضى اتفاقاً خاصاً فلا يصح افتراضه . على أن هذا الاتفاق قد يكون صريحاً أو ضمنياً ، فلا يشترط التقنين المدنى المصرى الاتفاق الصريح ( 257 ) .
كذلك يجوز ، إذا كان مصدر الخيار هو نص فى القانون ، أن يجعل النص الخيار للدائن لا للمدين . وقد فعل القانون ذلك عندما نصت الفقرة الثانية من المادة 273 مدنى على أنه إذا أضعف المدين بفعله تأميناً خاصاً ، فللدائن الخيار بين أن يطالب باستيفاء حقه قبل حلول أجله أو أن يطالب بتكملة التأمين ( 258 ) . ففى هذا الالتزام التخييرى ينص القانون على أن الخيار للدائن .
ومتى كان الخيار للمدين فإنه يستطيع أن يعرض الوفاء بالمحل الذى يختاره من محال الالتزام المتعددة ، ويكون عرضه صحيحاً . أما إذا كان الخيار للدائن فلا يستطيع المدين أن يعرض ما يختاره هو ، بل يجب عليه أن يعرض الوفاء بأى محل يختاره الدائن ( 259 ) .
ولا نرى ما يمنع من أن يتفق الطرفان على أين يكون الخيار لأجنبى ، ويكون الأجنبى فى هذه الحالة إما خبيراً فنياً يستشيره أحد الطرفين فيكون الخيار فى الحقيقة لهذا الطرف يستعمله بعد استشارة الخبير ، أو يكون الأجنبى غير منتم لأحد الطرفين فيقرب من أن يكون حكماً بينهما يتفقان عليه عندما لا يستطيعان الاتفاق على أن يكون الخيار لأحد منهما . ويساعد على تقرير هذا الحكم أن نص التقنين المدنى المصرى لا يقول – كما تقول المادة 1190 من التقنين المدنى الفرنسى – إن الخيار للمدين ما لم يتفق المتعاقدان على أن يكون الخيار للدائن ، بل تقول إن الخيار للمدين ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك ( 260 ) .
$ 151 $
92 - مصدر الخيار : ويمكن أن نستخلص مما تقدم أن مصدر خيار التعيين إما أن يكون الاتفاق كما هو الغاب ، وإما أن يكون نصاً فى القانون .
ففى الكثرة الغالبة من الأحوال يكون مصدر الالتزام التخييرى العقد أو التصرف القانونى بوجه عام ، فيلتزم المدين بإرادته أن يؤدى للدائن شيئاً من أشياء متعددة . وعند ذلك يتكفل الاتفاق أو التصرف القانونى بتعيين من له الخيار ، المدين أو الدائن ، فإذا سكت عن هذا التعيين كان الخيار للمدين كما قدمنا .
وقد يكون مصدر الالتزام التخييرى نصاً فى القانون . وقد رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 273 مدنى تنص على سقوط الأجل إذا كان المدين قد أضعف بفعله إلى حد كبير ما أعطى الدائن من تأمين خاص ، ولو كان هذا التأمين قد أعطى بعقد لاحق أو بموجب القانون ، هذا ما لم يؤثر الدائن أن يطالب بتكملة التأمين . أما إذا كان إضعاف التأمين يرجع إلى سبب لا دخل لإرادة المدين فيه ، فإن الأجل يسقط ما لم يقدم المدين للدائن ضماناً كافياً ( 261 ) . ورأينا أن الفقرتين الأولى والثانية من المادة 1048 مدنى تطبيقان هذه الأحكام على الرهن الرسمى فتنصان على أنه " 1 - إذا تسبب الراهن بخطأه فى هلاك العقار المرهون أو تلفه ، كان الدائن المرتهن مخيراً بين أن يقتضى تأميناً كافياً أو أن يستوفى حقه فوراً . 2 - فإذا كان الهلاك أو التلف قد نشأ عن سبب أجنبى ولم يقبل الدائن بقاء الدين بلا تأمين ، كان المدين مخيراً بين أن يقدم تأميناً كاياً أو أن يوفى الدين فوراً قبل حلول الأجل " ( 262 ) . ونرى من ذلك أن هذه النصوص تنشئ التزامين تخييريين : ( 1 ) الالتزام الأول هو التزام المدين الذى أضعف بفعله ما أعطى الدائن من تأمين خاص ، فيلتزم إما بدفع الدين فوراً أو بتكملة التأمين ، والخيار هنا للدائن بنص $ 152 $ القانون . ( 2 ) والالتزام الثانى هو التزام المدين ، إذا كان إضعاف التأمين يرجع إلى سبب أجنبى ، بدفع الدين فوراً أو بتقديم تأمين كاف ، والخيار هنا للمدين بنص القانون كذلك ( 263 ) . وقد تقدم بيان هذا عند الكلام فى الأجل ( 264 ) .
$ 153 $
الفرع الثانى
أحكام الالتزام التخييرى
93 - تعيين المحل الواجب الأداء وتحمل التبعة : يثير الالتزام التخييرى من ناحية ما يجب أن يسرى عليه من أحكام ، مسألتين : ( 1 ) كيف يتم تعيين المحل الواجب الأداء من بين المحال المتعددة للالتزام . ( 2 ) ماذا يكون الحكم لو أن بعض هذه المحال أو كلها هلك قبل أن يتم اختيار 3 المحل الواجب الأداء .
فنتكلم إذن فى تعيين المحل الواجب الأداء وفى أحكام الهلاك .
1 - تعيين المحل الواجب الأداء
94 - النصوص القانونية : تنص المادة 276 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - إذا كان الخيار للمدين وامتنع عن الاختيار ، أو تعدد المدينون ولم يتفقوا فيما بينهم ، جاز للدائن أن يطلب من القاضى تعيين أجل يختار فيه المدين أو يتفق فيه المدينون ، فإذا لم يتم ذلك تولى القاضى بنفسه تعيين محل الالتزام " .
" 2 - أما إذا كان الخيار للدائن وامتنع عن الاختيار ، أو تعدد الدائنون ولم يتفقوا فيما بينهم ، عين القاضى أجلاً إن طلب المدين ذلك ، فإذا انقضى الأجل انتقل الخيار إلى المدين ( 265 ) " .
$ 154 $
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ( 266 ) .
ويقابل هذا النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى المدنى التقنين السورى المادة 276 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 263 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادتين 299 - 300 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المواد 57 - 60 و 64 - 65 ( 267 ) .
$ 155 $ $ 156 $
فأمامنا إذن حالتان : حالة ما إذا كان الخيار للمدين وحالة ما إذا كان الخيار للدائن . وسواء كان الخيار للمدين أو للدائن ، فإن التعيين متى تم يستند إلى الماضى ، فيعتبر الالتزام التخييرى منذ البداية التزاماً بسيطاً ذا محل واحد هو المحل الذى تم اختياره . فنتكلم فى كل من هذه المسائل الثلاث .
95 - التعيين إذا كان الخيار للمدين : إذا كان الخيار للمدين ، فإنه يستعمل خياره ، وفقاً لقواعد العامة ، بإعلان إرادته فى أنه اختار محلاً معيناً من المحال المتعددة لالتزامه التخييرى . وهذه الإرادة تعتبر تصرفاً قانونياً من جانب واحد ، وهى ككل إرادة لا تحدث أثرها إلا إذا وصلت إلى علم الدائن ( م 91 مدنى ) .وقبل وصولها إلى علم الدائن يستطيع المدين أن يعدل عنها إلى إرادة أخرى يختار بها محلاً آخر ، بشرط أن تصل هذه الإرادة الأخرى إلى علم الدائن قبل وصول الإرادة الأولى . وكل هذا إنما هو تطبيق للقواعد العامة ( 268 ) .
كذلك يستطيع المدين أن يكشف عن إرادته فى تعيين المحل الواجب الأداء فى عن طريق التنفيذ . فهو متى عمد إلى تنفيذ محل من المحال المتعددة لالتزامه التخييرى ، اعتبر هذا التنفيذ – ولو كان تنفيذاً جزئياً – بمثابة إعلان عن إرادته الاختيار . ويتعين على هذا النحو المحل الواجب الأداء ، ولا يجوز عندئذ للمدين إلا أن يمضى فى التنفيذ ما دام قد بدأه ، ولا يستطيع العدول عن تنفيذ محل إلى تنفيذ محل آخر . وكالتنفيذ الفعلى العرض الحقيقى ، فإذا عرض المدين على الدائن عرضاً حقيقياً ، وفقاً للإجراءات المقررة ، أحد محال الالتزام التخييرى ، اعتبر هذا إعمالاً لحق الخيار . وحتى لو رجع المدين فى العرض ، بقى التعيين قائماً ، باعتبار أن العرض قد تضمن التعيين النهائى لمحل الالتزام ( 269 ) .
$ 157 $ $ 158 $
ويغلب أن يحدد الطرفان ميعاداً يستعمل فى خلاله الخيار . بل إن التقنين المدنى العراقى يوجب تحديد ميعاد ، فإن الفقرة الأولى من المادة 299 من هذا التقنين تنص على أنه " يلزم فى خيار التعيين تحدي المدة التى يكون فيها الخيار " . فإذا حدد ميعاد ، وجب أن يعلن المدين اختياره فيه ، فإذا انقضى الميعاد دون أن يعلن المدين اختياره ، تولى القاضى الاختيار على النحو الذى سنبينه . أما إذا لم يحدد ميعاد للاختيار ، فيكون للدائن ، إذا لم يعمل المدين حق خياره فى وقت معقول ( 270 ) ، أن يلجأ إلى القاضى ليحدد أجلاً للمدين يختار فيه ، بحيث إذا انقضى هذا الأجل ولم يختر المدين ، تولى القاضى الاختيار بنفسه كما سيأتى .
وعلى أية صورة أعمل المدين حق الخيار ، فإن خياره يجب أن يقع على واحد من المحال المتعددة لالتزامه التخييرى ، ولا يجوز أن يعدوها جميعاً إلى شئ آخر . ويجب ، إلى ذلك ، أن يختار واحداً بأكمله من هذه المحال ، فلا يجوز أن يختار جزءاً من أجدها جزءاً من محل آخر ، فإن هذا التلفيق تأباه طبيعة الالتزام التخييرى . وقد نص التقنين المدنى الفرنسى على هذا الحكم ، غذ تقول المادة 1199 من هذا التقنين : " يستطيع المدين الوفاء بالتزامه بتسليمه أحد الشيئين المتهعد بهما ، ولكنه لا يستطيع إجبار الدائن أن يتسلم جزءاً من أحد هذين الشيئين وجزءاً من الشئ الآخر " ( 271 ) . وهذا الحكم بديهى ، وليمكن استخلاصه من تطبيق القواعد العامة دون الحاجة إلى نص ( 272 ) .
وإذا كان الالتزام التخييرى التزاماً زمنياً ينفذ فى آجال دورية ، $ 159 $ كما إذا تعهد مورد الأغذية أن يورد أغذية لإحدى المدارس أو لأحد المستشفيات فى مواعيد دورية ، على أن يترك له الخيار فى توريد صنف أو أكثر من أصناف متعددة من الأغذية ، فإنه يجوز للمورد أن يختار أصنافاً معينة فى أجل من هذه الآجال الدورية ، ثم يختار أصنافاً أخرى غير الأصناف التى اختارها أولاً فى أجل آخر ، وهذا ما لم يتبين من إرادة الطرفين أو من ظروف التعاقد أنه متى اختار صنفاً معيناً فى أجل تقيد به فى الآجال التالية . وهذا الحكم أيضاً بديهى يمكن استخلاصه دون نص من تطبيق القواعد العامة ، وقد نص عليه صراحة تقنين الموجبات والعقود اللبنانى ( 273 ) .
وإذا مات المدين قبل أن يعمل خياره ، انتقل حق الخيار إلى الورثة ، وليس فى هذا إلا تطبيق للقواعد العامة ( 274 ) . وقد نص على هذا الحكم صراحة " كل من التقنين المدنى العراقى ( م 300 ) وتقنين الموجبات والعقود اللبنانى ( م 59 ) . وإذا تعدد المدينون ، سواء عن طريق تعدد الورثة أو بأن كان المدينون فى الأصل متعددين ، وجب أن يتفق الجميع على اختيار أحد محا الالتزام التخييرى . فإذا لم يتفقوا ، اعتبروا فى حكم الممتنعين عن إعمال حق الخيار .
وحكم امتناع المدين عن إعمال حق الخيار هو ما قررته العبارة الأخيرة من الفقرة الأولى من المادة 276 مدنى ( 275 ) : أن يتولى القاضى بنفسه تعيين محل الالتزام فالدائن يطلب غلى القاضى أولاً تعيين أجل يختار فيه المدين أو يتفق فيه المدينون إذا تعددوا أصلاً أو تعددت الورثة . فإذا انقضى هذا الأجل دون أن يختار المحل الواجب الأداء ، مسترشداً فى ذلك بإرادة الطرفين المشتركة ، وبخاصة إرادة المدين إذا $ 160 $ كان يستطيع وحده أن ينفرد بالاختيار ولم يفعل ، ومسترشداً أيضاً بظروف التعاقد وبغير ذلك من الملابسات . ولا ينتقل الخيار هنا إلى الدائن ، حتى لا يوضع المدين تحت رحمته ( 276 ) . وهذا بخلاف ما إذا كان الخيار للدائن وابى أن يعمل حقه فيه ، فسنرى أن الخيار فى هذه الحالة ينتقل إلى المدين ، إذ يغتفر من تحكم المدين ما لا يغتفر من تحكم الدائن ( 277 ) .
96 - التعيين إذا كان الخيار للدائن : وما قدمناه من الأحكام فيما إذا كان الخيار للمدين يسرى ، فيما عدا مسائل قليلة ، على الحالة التى يكون فيها الخيار للدائن ، إذا كان مشترياً مثلا ، واحتفظ لنفسه بحق اختيار شئ اشتراه من بين عدة أشياء ، بأن تكون هذه الأشياء من أصناف أو أحجام أو $ 161 $ أو ألوان مختلفة ويريد أن ينتفى الصنف أو الحجم أو اللون الذى يلائمه . فيستطيع أن يعمل خياره عن طريق إرادة يعلنها إلى المدين ، وتحدث أثرها عندما تصل إلى علم المدين فيتعين المحل الواجب الأداء . وله أن يرجع فيها ، ويحل محل الاختيار الأول اختياراً آخرا إذا وصل هذا الاختيار الآخر إلى علم المدين قبل وصول الاختيار الأول . وبمجرد أن تصل إرادة الدائن إلى علم المدين ، فإن المدين يصبح فى حل من التصرف فى سائر محال الالتزام التى لم يقع عليها اختيار الدائن ، ولا يحتجز الدائن إلا المحل الذى وقع عليه الاختيار ( 278 ) .
كذلك يستطيع الدائن أن يعمل حقه فى الخيار عن طريق التنفيذ الفعلى ، بأن يقبض من المدين محلاً معيناً من المحال المتعددة أو يطالبه بأداء محل معين . ويعتبر التنفيذ الجزئى – بأن يقبض جزءاً من محل معين مثلاً – بمثابة التنفيذ الكلى من حيث إعمال حق الخيار ، فلا يستطيع الدائن بعد أن قبل التنفيذ الجزئى فى محل معين إلا أن يمضى فى التنفيذ إلى غايته فى نفس هذا المحل .
ولابد أن يختار الدائن فى الميعاد المحدد إذا حدد ميعاد ، وإلا ففى ميعاد معقول . فإن امتنع عن الاختيار ، جاز للدائن أن يلجأ إلى القاضى على الوجه الذى سنبينه .
كذلك يجب أن يختار الدائن محلاً من المحال المتعددة للالتزام التخييرى ، فلا يختار شيئاً آخر خارجاً عن هذا النطاق . وليس له أن يختار جزءاً من محل وجزءاً من محل آخر ، حكمه فى ذلك حكم المدين الذى يكون له الخيار .
وإذا كان الالتزام التخييرى زمنياً أو ينفذ فى آجال دورية ، جاز للدائن – المدرسة أو المستشفى فى مثل مورد الأغذية الذى سبق إيراده – أن يختار صنفاً فى أجل وصنفاً آخر فى أجل بعده ، على النحو الذى بيناه فى حالة ما إذا كان الخيار للمدين .
$ 162 $
وإذا مات الدائن انتقل الخيار لورثته . وإذا تعدد الدائنون أو تعددت الورثة وجب أن ينفق الجميع على اختيار شئ واحد ، وإلا عدوا ممتنعين عن استعمال حق الخيار .
وحكم امتناع الدائن عن استعمال حق الخيار هو ما قررته العبارة الأخيرة من الفقرة الثانية من المادة 276 ( 279 ) : أن ينتقل الخيار إلى المدين . فالمدين يطلب من القاضى أولاً أن يعين أجلاً يختار فيه الدائن ، أو يتفق فيه الدائنون المتعددون أو الورثة ، فإذا انتقضى الأجل دون أن يختار الدائن أو دون أن يتفق الدائنون المتعددون أو الورثة ، فهنا – خلافاً للحالة التى يكون فيها الخيار للمدين على ما قدمنا – ينتقل الخيار من الدائن إلى المدين ، وهذا بموجب نص صريح فى التقنين المدنى المصرى ( 280 ) . ولو لم يوجد هذا النص ، لما أمكن تقرير هذا الحكم ، ولوجب – كما هو الأمر فى القانون الفرنسى ( 281 ) - أن يتولى القاضى هنا أيضاً الاختيار بنفسه ( 282 ) .
ويلاحظ أن الخيار إذا كان لأجنبى ، طبقت فى حقه الأحكام المتقدمة . لكن إذا امتنع الأجنبى عن الخيار ، تولى القاضى الاختيار بنفسه تطبيقاً للقواعد $ 163 $ العامة ، ولا ينتقل الخيار إلى المدين لأن انتقال الخيار إلى من ليس له حق الخيار يقتضى نصاً خاصاً ، فإن لم يوجد النص وجب أن يتولى القضاء الاختيار .
97 - استناد تعيين المحل إلى الماضى : وأياً كان الشخص الذى يثبت له حق الخيار ، فإنه متى أعمل حقه واختار المحل الواجب الأداء على النحو الذى قدمناه ، صار هذا المحل وحده هو محل الالتزام ، وانقلب الالتزام التخييرى التزاماً بسيطاً ذا محل واحد هو المحل الذى وقع عليه الاختيار ( 283 ) .
ويستند هذا التعيين بأثر رجعى إلى الماضى ، أى أن المحل الذى وقع عليه الاختيار يعتبر منذ نشوء الالتزام هو المحل الوحيد ، ويعتبر الالتزام بسيطاً لا تخييرياً منذ نشوئه لا منذ إعمال حق الاختيار . وليس هذا الاستناد إلى الماضى $ 164 $ يرجع إلى أن المحل المعين كان محلاً للالتزام معلقاً على شرط واقف هو أن يقع عليه الاختيار ، فقد قدمنا أن الالتزام التخييرى ليس بالتزام شرطى ( 284 ) وإنما يرجع الاستناد إلى أن المحل الذى عين كان منذ البداية محلاً للالتزام ، إلا أن هذه المحلية كانت شائعة بينه وبين المحال الأخرى ، فبتعيينه تركزت المحلية فيه ، واعتبر هو المحل الوحيد منذ بدء الالتزام . وهذا ما يسميه الفقه الألمانى بالتركز ( concentration ) ، ويفسرون به الاستناد إلى الماضى ، مفرقين بين الالتزام التخييرى والالتزام الشرطى . فعند الألمان ليس للشرط بوجه عام أثر رجعى . كما قدمنا ، أما التعيين فى الالتزام التخييرى فله أثر رجعى ( 285 ) .
ويترتب على هذا الأثر الرجعى والاستناد إلى الماضى نتائج هامة نذكر منها ما يأتى :
( 1 ) تتحدد طبيعة الالتزام التخييرى منذ البداية بالتعيين الذى سيتم بعد نشوء الالتزام ، والذى يستند إلى وقت نشوئه . فإذا كانت محال الالتزام التخييرى بعضها عقا وبعضها منقول أو بعضها قابل للتجزئة وبعضها غير قابل لها ، ثم تعيين من بينها المحل الواجب الأداء فإذا هو عقار مثلاً أو هو شئ غير قابل للتجزئة ، اعتبر الالتزام التخييرى منذ البداية التزاماً بسيطاً عقارياً أو التزاماً بسيطاً غير قابل للتجزئة ( 286 ) .
( 2 ) إذا كانت محال الالتزام التخييرى نقل ملكية أشياء متعددة ، ووقع الاختيار على شئ واحد من هذه الأشياء ، وكان نقل الملكية يتم بمجرد نشوء $ 165 $ الالتزام كما فى المنقول المعين بالذات ، فإن ملكية الشئ الذى وقع عليه الاختيار تعتبر قد انتقلت منذ نشوء الالتزام لا منذ إعمال حق الخيار ، ويعتبر الدائن مالكاً للشئ منذ البداية ( 287 ) .
( 3 ) إذا شهر إفلاس المدين أو إعساره فى الفترة ما بين نشوء الالتزام وإعمال حق الخيار ، فما دام الدائن يعتبر مالكاً للشئ منذ نشوء الالتزام ، فإنه يستطيع أن يسترده من التفليسة أو من مال المعسر دون أن يشاركه فيه سائر دائنى المدين ( 288 ) .
( 4 ) إذا تصرف الدائن فى الشئ فى الفترة ما بين نشوء الالتزام وإعمال حق الخيار ، ثم وقع الاختيار على هذا الشئ ، اعتبر الدائن أنه قد تصرف فى ملكه منذ تاريخ هذا التصرف . وإذا كان الشئ عقاراً وسجل التصرف قبل إعمال حق الخيار ، انتقلت الملكية إلى المتصرف إليه بالتسجيل وفى تاريخ سابق على إعمال حق الخيار ( 289 ) .
$ 166 $
2 - أحكام الهلاك
98 - النصوص القانونية : تنص المادة 277 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" إذا كان الخيار للمدين ، ثم استحال تنفيذ كل من الأشياء التى اشتمل عليها محل الالتزام ، وكان المدين مسئولاً عن هذه الاستحالة ولو فيما يتعلق بواحد من هذه الأشياء ، كان ملزماً بأن يدفع قيمة آخر شئ استحال تنفيذه " ( 290 ) .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق فيض من النصوص تبسط فيها هذا التقنين ، مفصلاً أحكام تحمل تبعة الهلاك ، وهى المواد 97 / 151 و 99 / 153 و 100 / 154 ( 291 ) .
$ 167 $
ويقابل النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 277 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 264 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 301 ، وفى تقنين الموجبات والقعود اللبنانى المواد 61 - 3 و 66 - 67 ( 292 ) .
ويتبين من النص السالف الذكر أن التقنين المدنى المصرى اقتصر على إيراد الحكم فى صورة واحدة من صور استحالة تنفيذ بعض أو كل الأشياء المتعددة $ 168 $ التى اشتمل عليها محل الالتزام التخييرى . وقد ورد فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ، بياناً لذلك ، ما يأتى : " يواجه هذا النص حكم استحالة تنفيذ أمر أو أكثر من الأمور التى يرد التخيير عليها . ورغم أن هذا الحكم محدود الأهمية من الناحية العملية ، فقد جرت التقنينات اللاتينية على الإسهاب بشأنه ، فأوردت نصوصاً كثيرة ليست فى جملتها إلا تطبيقات بينة للقواعد العامة . على أن المشروع لم ير مجاراة هذه التقنينات ، بل اجتزأ بنص واحد واجه فيه فرضاً ليس لتطبيق القواعد العامة فيه حظ موفور من الوضوح " ( 293 ) .
ويحسن أن نستعرض الصور المنطقية الحالية ما إذا استحال تنفيذ كل أو بعض الأشياء المتعددة التى اشتم عليها الالتزام التخييرى ، مطبقين فى كل صورة منها القواعد العامة لنصل إلى الحل الواجب الاتباع فى مصر ، وستأتى الصورة التى عرض لها النص ضمن هذه الصور .
وتوخياً للوضوح نفرض أن هذه الأشياء المتعددة هما شيئان معينان بالذات ، وأن عينا منهما أو الاثنين معاً قد هلكا . وما نقوله فيما إذا كان المحل أحد عينين معينين بالذات يصلح لمنا إذا كان المحل يشمل أكثر من عينين أو يشمل عملاً أو امتناعاً عن عمل . ومن ثم نحصر الصور النطقية فيما يأتى : ( 1 ) خلاك الشيئين معاً بسبب أجنبى ، سواء كان الخيار للمدين أو الدائن . ( 2 ) هلاك الشيئين أو أحدهما والخيار للمدين . ( 3 ) هلاك الشيئين أو أحدهما والخيار للدائن . وفى الصورتين الأخيرتين المفروض طبقاً أن نستبعد من كل منهما حالة ما إذا هلك الشيئان معاً بسبب أجنبى ، فهذه حالة قد استغرقتها الصورة الأولى .
99 - هلاك الشيئين معاً بسبب أجنبى : هذه الحالة نتخفف منها منذ البداية ، لأن تطبيق القواعد العامة فيها واضح كل الوضوح .فما دام الشيئان – أو الأشياء جميعاً – قد هلكت بسبب أجنبى ، فقد استحال تنفيذ الالتزام ، وانقضى الالتزام التخييرى بسبب هذه الاستحالة ( م 373 ) مدنى ، سواء فى ذلك كان الخيار للمدين أو كان الخيار للدائن ( 294 ) .
$ 169 $
100 - هلاك الشيئين أو أحدهما والخيار للمدين : نستبعد بداهة حالة ما إذا هلك الشيئان معاً بسبب أجنبى ، فقد مضى القول فيها . وتبقى إذن الصور الآتية :
( 1 ) هلك أحد الشيئين دون الآخر بسبب أجنبى : مقتضى تطبيق القواعد العامة أن الالتزام يتركز محله فى الشئ الباقى ، فليس للمدين إلا أن يختاره إذ ليس أمامه غيره ( 295 ) . وإذا شمل المحل عدة أشياء هلك أحدها ، كان للمدين أن يعين محل الالتزام شيئاً من بين الأشياء الباقية .
$ 170 $
( 2 ) هلك أحد الشيئين دون الآخر بخطأ المدين : ما دام المدين هو الذى له حق الخيار ، فلا مناص من اعتبار الشئ الذى هلك بخطأه هو الشئ الذى لم يختره ، فلا يبقى أمامه إلى الشئ الباقى – أو أحد الأشياء الباقية يتولى اختياره – فيؤديه للدائن محلاً للالتزام ( 296 ) .
( 3 ) هلك أحد الشيئين دون الآخر بخطأ الدائن : ما دام الخيار بيد المدين فقد كان له أن يختار الشئ الذى هلك بخطأ الدائن أو الشئ الآخر ، فيبقى على خياره ما بين تأدية الشئ الآخر – أو شئ من الأشياء الأخرى فى حالة لتعدد – للدائن مع الرجوع عليه بقيمة الشئ الذى هلك بخطأه ، أو أن يعتبر الشئ الذى هلك بخطأ الدائن هو الشئ الواجب الأداء فتبرأ ذمته من الدين ولا يرجع على الدائن بشئ ( 297 ) .
( 4 ) هلك الشيئان معاً وكان هلاك أحدهما بخطأ المدين : إذا هلك الشئ الأول بخطأ المدين ، وكان الخيار له ، فإن هلاك هذا الشئ بخطأه يجعل محل الالتزام يتركز فى الشئ الآخر . فإن هلك هذا الشئ الآخر بسبب أجنبى ، فلا يزال هناك خطأ منسوب إلى المدين ، إذ هو بخطأه الأول جعل الالتزام $ 171 $ متركزاً فى الشئ الآخر ، ولو أنه لم يرتكب هذا الخطأ لما هلك الشئ الأول ولبقى بعد هلاك الشئ الآخر محلاً للالتزام . ومن ثم يعتبر هلاك الشئ الآخر منسوباً إلى المدين حتى لو كان الهلاك بسبب أجنبى ، فعليه أن يدفع قيمته للدائن . ولو تعددت الأشياء وهلكت كلها ، مع هلاك أحدهما بخطأ المدين ، فإن الالتزام يتركز فى آخر شئ منها ، ويعتبر هلاكه – ولو بسبب أجنبى – منسوباً إلى المدين ، فيجب علية دفع قيمته ( 298 ) .
وإذا كان الشئ الذى هلك بخطأ المدين هو الشئ الثانى بعد هلاك الشئ الأول بسبب أجنبى ، فإن الالتزام بعد هلاك الشئ الأول بسبب أجنبى يكون قد تركز فى الشئ الثاننى ، وقد هلك بخطأ المدين فوجب عليه دفع قيمته ( 299 ) .
ومن ثم يجب على المدين فى جميع الأحوال أن يدفع للدائن قيمة آخر شئ هلك . وهذه الصورة هى إحدى الصورتين اللتين عرض لهما نص المادة 277 سالفة الذكر ، وقد كشفنا عن وجه الخلفاء فى الحكم الوارد فى شأنها .
( 5 ) هلك الشيئان معاً وكان هلاك كل منهما بخطأ المدين : وهذه هى الصورة الأخرى التى عالجتها المادة 277 مدنى . وفى هذه الصورة أيضاً ينطبق نفس الحكم الذى قدمناه فى الصورة المتقدمة . فقد هلك الشئ الأول بخطأ المدين ، فتركز الالتزام فى الشئ ، فهلك بخطأ المدين أيضاً ، فوجب عليه دفع قيمته . ولو تعددت الأشياء وهلك الشئ الأخير منها بخطأ المدين ، وجب عليه كذلك دفع قيمته بعد أن تركز الالتزام فيه ( 300 ) .
$ 172 $
( 6 ) هلك الشيئان معاً وكان هلاك أحدهما بخطأ الدائن : ومن ثم يكون هلاك الشئ الآخر بسبب أجنبى . فإن كان الشئ الذى هلك أولا هو الذى هلك بسبب أجنبى ، فقد تركز محل الالتزام فى الشئ الآخر الذى هلك بخطأ الدائن ، ولما كان الدائن قد أهلكه بخطأه فيكون بمثابة من استوفاه ، وتبرأ ذمة المدين من الالتزام ( 301 ) . أما إذا كان الشئ الذى هلك أولاً هو الذى هلك بخطأ الدائن ( 302 ) ، فللمدين ، وله الخيار ، أن يختار الشئ الآخر ، وإذ هلك هذا الشئ الآخر بسبب أجنبى فقد برئت ذمة المدين بهلاكه ، ثم يرجع المدين على الدائن بقيمة الشئ الأول الذى هلك بخطأه .
( 7 ) هلك الشيئان معاً وكان هلاك كل منهما بخطأ الدائن : للمدين فى هذه الصورة أن يختار الشئ الذى يؤديه فتكون ذمته قد برئت بهلاكه ، ويرجع بقيمة الشئ الآخر على الدائن . ولو تعددت الأشياء اختار المدين الشئ الذى بهلاكه تبرأ ذمته ، ورجع بقيمة بقية الأشياء على الدائن ( 303 ) .
$ 173 $
101 - هلاك الشيئين أو أحدهما والخيار للدائن : هنا أيضاً نستبعد حالة ما إذا هلك الشيئان معاً بسبب أجنبى ، فقد بينا حكمها فيما تقدم ، وعرفنا أن الالتزام ينقضى بسبب هذا الهلاك . فتبقى الصور المقابلة للصور التى عالجناها فى حالة ما إذا كان الخيار للمدين :
( 1 ) هلك أحد الشيئين دون الآخر بسبب أجنبى : هنا – كما فى الصورة المقابلة – يتركز الالتزام فى الشئ الذى يبقى ، ويتعين على الدائن أن يختاره وإذا تعددت الأشياء وهلك أحدها بسبب أجنبى ، فللدائن أن يختار شيئاً من الأشياء الباقية ( 304 ) .
( 2 ) هلك أحد الشيئين دون الآخر بخطأ المدين : ما دام الدائن هو الذى له حق الخيار ، فله أن يختار الشئ الهالك فيرجع بقيمته ، أو يختار الشئ أو أحد الأشياء الباقية فيستأديها عيناً من المدين ( 305 ) .
( 3 ) هلك أحد الشيئين دون الآخر بخطأ الدائن : للدائن أن يختار ، فإن $ 174 $ اختار الشئ الذى هلك بخطأه فقد برئت ذمة المدين بهلاكه . وأن اختار الشئ الآخر ، فعليه أن يدفع قيمة الشئ الهالك للمدين ( 306 ) .
( 4 ) هلك الشيئان معاً وكان هلاك أحدهما بخطأ المدين : إذا اختار الدائن الشئ الذى هلك بخطأ المدين ، رجع عليه بقيمته . أما إذا اختار الشئ الذى هلك بسبب أجنبى ، لم يرجع بشئ على المدين إذ برئت ذمته بهلاك الشئ بالسبب الأجنبى . لذلك لا يتردد الدائن فى اختيار الشئ الذى هلك بخطأ المدين ، حتى يرجع عليه بقيمته ( 307 ) .
( 5 ) هلك الشيئان معاً وكان هلاك كل منهما بخطأ المدين : لما كان الخيار للدائن ، فله أن يختار أحد الشيئين فيرجع بقيمته على المدين إذ هلك بخطأه ( 308 ) .
$ 175 $
( 6 ) هلك الشيئان معاً وكان هلاك أحدهما بخطأ الدائن : إذا اختار الدائن الشئ الذى هلك بخطأه ، برئت ذمة المدين من الدين ولم يرجع على الدائن بشئ . أما إذا اختار الدائن الشئ الذى هلك بسبب أجنبى ( 309 ) ، فقد برشت ذمة المدين أيضاً بهلاك الشئ بالسبب الأجنبى ثم يرجع المدين على الدائن بقيمة الشئ الذى هلك بخطأه . ومن ثم لا يتردد الدائن فى اختيار الشئ الذى هلك بخطأه حتى لا يرجع عليه المدين بشئ .
( 7 ) هلك الشيئان معاً وكان هلاك كل منهما بخطأ الدائن : لما كان الخيار للدائن ، فله أن يختار أحد الشيئين ، وإذ هلك الشئ الذى اختاره بخطأه فيكون بمثابة من استوفاه وتبرأ ذمة المدين . ثم يرجع المدين بقيمة الشئ الآخر على الدائن إذ هلك هو أيضاً بخطأه ( 310 ) .
$ 176 $
الفصل الثانى
الالتزام البدلى ( 311 )
102 - قيام وصف البدل وأحكامه : نبحث هنا – كما بحثنا فى الالتزام التخييرى – قيام وصف البدل وأحكام الالتزام البدلى . ونسير فى البحث على الخطة نفسها التى اتبعناها عند الكلام فى الالتزام التخييرى ، حتى تتضح الفروق ما بين هذين النوعين من الالتزام .
$ 177 $
الفرع الأول
قيام وصف البدل
103 - النصوص القانونية : تنص المادة 278 من التقنين المصرى المدنى على ما يأتى :
" 1 - يكون الالتزام بدلياً إذا لم يشمل محله إلا شيئاً واحداً ولكن تبرأ ذمة المدين إذا أدى بدلاً منه شئياً آخر " .
" 2 - والشئ الذى يشمله محل الالتزام ، لا البديل الذى تبرأ ذمة المدير بأدائه ، هو وحده محل الالتزام وهو الذى يعين طبيعته ( 312 ) " .
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، ولكن الحكم كان مطبقاً دون نص .
ويقابل النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 278 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 265 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 302 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادتين 68 - 69 ( 313 ) .
$ 178 $
ويستخلص من النص المتقدم أن وصف البدل يقوم متى شمل محل الالتزام شيئاً واحداً ولكن تبرأ ذمة المدين إذا أدى بدلاً منه شيئاً آخر ، وأن خيار البدل يكون دائماً للمدين بخلاف الالتزام التخييرى فالخيار فيه يكون للمدين أو للدائن .
فنبحث إذن : ( 1 ) متى يقوم وصف البدل ( 2 ) ثبوت خيار البدل للمدين ومصدر هذا الخيار .
1 - متى يكون وصف البدل
104 - تحديد منطقة الالتزام البدلى : حتى يكون الالتزام بدليا يجب أن يكون له محل واحد هو المحل الأصلى ، ويقوم مقام هذا المحل الأصلى شئ آخر هو البديل ( 314 ) . مثل ذلك أن يقرض الدائن المدين مبلغاً من النقود ، ويتفق معه على أنه يستطيع عند حلول الأجل ، إذا لم يشأ أن يرد مبلغ القرض ، أن يعطيه بدلاً منه داراً أو أرضاً معينة ، فيكون مبلغ النقود هو المحل الأصلى والدار أو الأرض هى البديل . وما لعربون فى البيع إلا بدل يأخذه البائع أو المشترى إذا اتفقا على أن يكون العربون وسيلة للرجوع فى البيع ، وسيأتى بيان ذلك ( 315 ) .
$ 179 $
ويجب أن يتوافر فى المحل الأصلى جميع الشروط الواجب توافرها فى محل الالتزام ، وإلا كان الالتزام باطلاً . أما البديل فإن توافرت فيه الشروط أمكن أن يقوم مقام الأصل ، وإلا سقط هو وبقى الالتزام بمحله الأصلى قائماً ، ولكن يصبح التزاماً بسيطاً ذا محل واحد دون بديل .
ونرى من ذلك أن الالتزام البدلى – بخلاف الالتزام التخييرى – هو ضمان للمدين لا ضمان للدائن . فالمدين يكون فى سعة من أمره بأداء البدل دون المحل ، كما تتركز فى المحل الآخر فى الالتزام التخييرى ، بل تبرأ ذمة المدين . ومن ثم يكون البدل دائماً لمصلحة المدين إذ تبرأ ذمته بأدائه ، ولا يكون ذد مصلحته إذ لا تتركز فيه المحلية إن أصبح المحل الأصلى غير صالح لأن يكون محلاً .
ونرى من ذلك أيضاً أن البدل ليس محلاً للالتزام ، فليس هو الشئ الذى يمكن الدائن المطالبة به ( in obligatione ) ، وقد تقدم بيان ذلك . ويستخلص من هذا أن هناك تعادلاً – فى نظر طرفى الالتزام أو فى نظر القانون حسب مصدر وصف البدل – ما بين المحل الأصلى وبدله ، إذ أن البدل يقوم مقام المحل الأصلى فى الوفاء .
105 - تمييز الالتزام البدلى عن حالات أخرى تشبه به : وفى تحديد منطقة الالتزام البدلى يحسن أن نميز ما بين هذا لالتزام والتزامات أخى تشتبه به . وأول هذه الالتزامات هو الالتزام التخييرى الذى تقدم ذكره . ثم نميزه بعد ذلك عن الشرط الجزئى ، ونقارنه بالعربون .
106 - التمييز بين الالتزام البدلى والالتزام التخييرى : رأينا فيما تقدم أن الالتزام البدلى له محل واحد تمكن المطالبة به ، والشئ الآخر ليس محلاً للالتزام بل هو بديل عنه فى الوفاء . أما الالتزام التخييرى فمحله متعدد ، وكل من الأشياء المتعددة يعتبر محلاً للالتزام وتمكن المطالبة به متى وقع عليه الاختيار . فالالتزام التخييرى متعدد محل الالتزام ، أما الالتزام البدلى فهو متعدد محل الوفاء . ويتفرع على هذا الفرق الجوهرى الفروق الآتية :
$ 180 $
( 1 ) إذا طالب الدائن المدين بالتزام بدلى ، فإنه لا يستطيع المطالبة إلا بالمحل الأصلى ، فهو وحده محل الالتزام . وعند ذلك يجوز للمدين أن يؤدى هذا المحل الأصلى ، وله إن شاء أن يؤدى عوضاً عنه الشئ البديل ، فتبرأ ذمته بتأديته كما تبراً بتأدية المحل الأصلى . أما المدين فله أن يعرض على الدائن إما المحل الأصلى وإما الشئ البديل ، وهو إذا عرض ابتداء الشئ البديل كان عرضه صحيحاً مبرئاً للذمة . وقد رأينا فى الالتزام التخييرى أن الخيار إذا كان للدائن فله أن يطالب بأى من محال الالتزام ، وإذا كان للمدين فله أن يعرض أياً منها .
( 2 ) إذا هلك فى الالتزام البدلى المحل الأصلى بسبب أجنبى فقد انقضى الالتزام ، ولا يمنع من انقضائه أن البدل لا يزال قائماً ممكناً تأديته ، ذلك أن محل الالتزام هو المحل الأصلى لا الشئ البديل ، وقد هلك المحل الأصلى فانقضى الالتزام بهلاكه . أما إذا هلك الشئ البديل ، فإن الالتزام يبقى قائماً على محله الأصلى ، ولكن المدين يفقد ميزة البدل فى الوفاء ، وينقلب الالتزام البدلى التزاماً بسيطاً ( 316 ) . وهذا بخلاف الالتزام التخييرى ، فإنه إذا هلك فيه أحد الشيئين محل الالتزام بسبب أجنبى لا ينقضى ، كما ينقضى الالتزام البدلى ، بل تتركز المحلية فى الشئ الآخر .
وهذا هو الفرق أيضاً ما بين الالتزام البدلى والالتزام التخييرى فيما إذا كان المحل الأصلى منذ البداية لا يصلح أن يكون محلاً لهلاكه أو لاستحالته أو لعدم توافر أى شرط من شروط المحل فيه ، فيسقط الالتزام البدلى . أما الالتزام التخييرى فينقلب إلى التزام بسيط ذى محل واحد ، إذ تتركز المحلية فى الشئ الآخر الذى توافرت فيه شروط لمحل ( 317 ) .
( 3 ) فى الالتزام البدلى تتحدد طبيعة الالتزام بطبيعة المحل الأصلى لا بطبيعة الشئ البديل ، فيكون الالتزام البدلى منذ البداية عقاراً أو منقولاً قابلاً للتجزئة أو غير قابل لها ، تبعاً لما إذا كان المحل الأصلى عقاراً أو منقولاً ، $ 181 $ أو لما كان قابلاً للتجزئة أو غير قابل لها . كذلك يتحدد اختصاص المحكمة بقيمة المحل الأصلى منذ البداية ( 318 ) . وهذا بخلاف الالتزام التخييرى ، فقد رأينا أن طبيعته لا تتحدد إلا بعد أن يتم اختيار المحل الذى يكون واجب الأداء ، وكذلك لا يتحدد اختصاص المحكمة إلا بتعيين المحل الذى يكون واجب الأداء ، وكذلك لا يتحدد اختصاص المحكمة إلا بتعيين المحل الذى يقع عليه الاختيار .
( 4 ) الخيار فى الالتزام البدلى هو دائماً للمدين ، أما فى الالتزام التخييرى فتارة يكون للمدين وطوراً يكون للدائن ، بل قد يكون لأجنبى ( 319 ) .
( 5 ) الوفاء فى التزام البدلى ليس له أثر رجعى ، ولا ينقلب هذا الالتزام بالوفاء إلى التزام بسيط منذ البداية . وهذا بخلاف الالتزام التخييرى ، فقد رأينا أن إعمال حق الخيار فيه يستند إلى الماضى ، وينقلب الالتزام التخييرى إلى التزام بسيط منذ البداية ( 320 ) .
107 - التمييز بين الالتزام البدلى والشرط الجزائى : قدمنا أن الشرط الجزائى هو تعويض قدره الطرفان بدلاً من القاضى ، فله إذن طبية التعويض . والتعويض ليس بالتزام تخييرى ، لأن الدائن لا يستطيع اختياره إذا عرض المدين $ 182 $ التنفيذ العينى ، كما لا يستطيع المدين اختياره إذا اختار الدائن التنفيذ العينى وكان ممكناً . وليس التعويض كذلك بالالتزام البدلى ، فإن المدين لا يستطيع أن يؤدى التعويض بدلاً من التنفيذ العينى إذا كان التنفيذ العينى لا يزال ممكناً ، وهذا هو الفرق ما بين الالتزام البدلى والشرط الجزائى ( 321 ) ، وقد تقدم بيان ذلك .
108 - الالتزام البدلى والعربون : أما العربون فهو والالتزام البدلى ، فى رأينا ، سواء ، ولا فرق بينهما إذا كان العربون قد اتفق عليه ليكون وسيلة للرجوع فى العقد لا لتأكيد البتات . ذلك أن العربون فى هذه الحالة يتيح الفرصة للمدين أن يؤديه بدلاً من التزامه الأصلى ، فتبرأ ذمته بتأديته ، ويقوم العربون فى الوفاء مقام المحل الأصلى . فالمشترى مثلاً ، إذا كان قد دفع عربوناً ، يكون ملتزماً التزاماً أصلياً بتنفيذ الصفقة فيعطى الثمن ويأخذ المبيع ، ويستطيع أن يبرئ ذمته من هذا الالتزام بتركة العربون للبائع ، إذا كان قد أخذ عربوناً ، يكون ملتزماً التزاماً أصلياً بتنفيذ الصفقة ، فيعطى المبيع ويأخذ الثمن ، ويستطيع أن يبرئ ذمته من هذا الالتزام برد العربون مبلغ معادل له للمشترى ، أى أنه يؤدى المبلغ المعادل للعربون بديلاً عن تأدية المحل الأصلى لالتزامه ( 322 ) . وقد سبق أن بينا كل ذلك ( 323 ) .
2 - ثبوت خيار البدل للمدين ومصدر هذا الخيار
109 - ثبوت خيار البدل للمدين : خيار البدل يكون دائماً للمدين كما قدمنا ، وهذا بخلال خيار التعيين فى الالتزام التخييرى فقد رأينا أنه قد يكون $ 183 $ للمدين أو للدائن أو لأجنبى . وثبوت خيار البدل للمدين مستفاد من تعريف الالتزام البدلى ، فهو التزام يستطيع فيه المدين أن يبرئ ذمته بوفاء شئ بديل عن المحل الأصلى . فهو وحده – لا الدائن – الذى يختار محل الوفاء ، إذ هو يفى بالمحل الأصلى إن لم يختر الشئ البديل . أما الدائن فليس له ، كما رأينا ، أن يطالب إلا بالمحل الأصلى ، ومتى أدى له برئت ذمته المدين ، ولا يستطيع الدائن أن يطالب بالبدل عوضاً عن المحل الأصلى .
110 - مصدر خيار البدل : ومصدر خيار البدل ، كمصدر خيار التعيين ، هو الاتفاق أو نص فى القانون ( 324 ) .
ففى كثير من الأحوال يكون مصدر خيار البدل هو الاتفاق ، ويتحقق ذلك بنوع خاص فى العربون كما قدمنا .
وقد يكون مصر الالتزام البدلى نصاً فى القانون ، ونورد أمثلة لذلك :
( 1 ) قضت الفقرة الأولى من المادة 129 مدنى ، فى حالة استغلال أحد المتعاقدين فى المتعاقد الآخر طيشاً بيناً أو هوى جامحاً ، بأن للقاضى ، بناء على طلب المتعاقد المغبون ، أن يبطل العقد أو أن ينقص التزامات هذا المتعاقد . ثم نضيف الفقرة الثالثة من نفس المادة ما يأتى : " ويجوز فى عقود المعاوضة أن يتوقى الطرف الآخر دعوى الإبطال إذا عرض ما يراه القاضى كافياً لرفع الغبن " ويؤخذ من ذلك أن المتعاقد الذى استغل صاحبه يصبح مديناً بالتزام أصلى ، هو إعادة ما أخذ – بعد إبطال العقد – واسترداد ما دفع . ولكن القانون هيأ للمدين هنا بديلاً إذا وفىّ به قام هذا الوفاء مقام تأدية المحل الأصلى ، فللمدين أن يتوقى دعوى الإبطال إذا هو عرض ما يراه للقاضى كافياً لرفع الغبن ، وهذا القدر الكافى لرفع الغبن ليس إلا البديل الذى قرره القانون ليقوم الوفاء به مقام الوفاء بالمحل الأصلى .
( 2 ) تنص المادة 441 مدنى على أن " يثبت حق المشترى فى الضمان ( ضمان استحقاق المبيع ) ولو اعترف وهو حسن النية للأجنبى بحقه أو تصالح معه على هذا $ 184 $ الحق دون أن ينتظر فى ذلك صدور حكم قضائى ، متى كان قد أخطر البائع بالدعوى فى الوقت الملائم ودعا أن يحل محله فيها فلم يفعل . كل ذلك ما لم يثبت البائع أن الأجنبى لم يكن على حق فى دعواه " . وتضيف المادة 442 مدنى ما يأتى : " إذا توقى المشترى استحقاق المبيع كله أو بعضه بدفع مبلغ من النقود أو بأداء شئ آخر ، كان للبائع أن يتخلص من نتائج الضمان بأن يرد للمشترى المبلغ الذى دفعه أو قيمة ما أداه مع الفوائد القانونية وجميع المصروفات " . فهنا للمشترى ، بعد استحقاق المبيع ، أن يرجع على البائع بضمان الاستحقاق ، ويصبح البائع مديناً للمشترى بهذا الضمان ، وهذا هو المحل الأصلى لالتزامه . ويستطيع أن يبرئ ذمته من هذا الدين إذا هو أدى ، بدلاً منه ، ما دفعه المشترى للمستحق توقياً لاستحقاق المبيع كله أو بعضه ، ويعتبر هذا الأداء هو الشئ البديل الذى يقوم مقام المحل الأصلى فى الوفاء .
( 3 ) تنص المادة 469 فقرة أولى مدنى على أنه " إذا كان الحق المتنازع فيه قد نزل عنه صاحبه بمقابل إلى شخص آخر ، فللمتنازل ضده أن يتخلص من المطالبة إذا هو رد إلى المتنازل له الثمن الحقيقى الذى دفعه مع المصروفات وفوائد الثمن من وقت الدفع " . فهنا المدين بحق متنازع فيه ملتزم التزاماً أصلياً نحو المتنازل له بمحل الدين المتنازل عنه ، وهذا هو المحل الأصلى . ولكنه يستطيع أن يبرئ ذمته بأداء بديل عن هذا المحل الأصلى ، هو مقدار ما دفعه المتنازل له من ثمن ومصروفات مع فوائد الثمن من وقت الدفع .
( 4 ) تنص المادة 845 مدنى على أنه " 1 - يجوز نقض القسمة الحاصلة بالتراضى إذا أثبت أحد المتقاسمين أنه قد لحقه منها غبن يزيد على الخمس ، على أن تكون العبرة فى التقدير بقيمة الشئ وقت القسمة . 2 - ويجب أن ترفع الدعوى خلال السنة التالية للقسمة . وللمدعى عليه أن يقف سيرها ويمنع القسمة من جديد إذا أكمل للمدعى نقداً أو عيناً ما نقص من حصته " . فهنا المتقاسم الذى غبن المتقاسم معه بأكثر من الخمس ملتزم التزاماً أصلياً بأن يرد العين المقسومة إلى الشيوع بعد نقض القسمة . لكن القانون هيأ له بديلاً من هذا المحل الأصلى لالتزامه ، هو أن يكمل للمتقاسم المغبون نقداً أو عيناً ما نقص من حصته ، فإذا أدى ما نقص قام الوفاء به مقام الوفاء بالمحل الأصلى .
$ 185 $
( 5 ) تنص المادة 1119 مدنى فقرة أولى على أنه " إذا كان الشئ المرهون مهدداً بالهلاك أو التلف أو نقص القيمة بحيث يخشى أن يصبح غير كاف لضمان حق الدائن ولم يطلب الراهن رده إليه مقابل شئ آخر يقوم بدله ، جاز للدائن أو الراهن أن يطلب من القاضى الترخيص له فى بيعه بالمزاد العلنى أو بسعره فى البورصة أو السوق " . فإذا اقتصرنا على التزام الراهن هنا ( 325 ) ، وجدنا أن الراهن ملتزم التزاماً أصلياً ببيع العين المرهونة رهن حيازة فوراً بالمزاد أو بسعر البورصة أو السوق ، بناء على ترخيص القاضى ، لينتقل حق الدائن من العين المرهونة إلى ثمنها ( م 1119 فقرة ثانية ) . ولكن القانون هيأ له بديلاً من ذلك هو أن يقدم بدل العين المرهونة عيناً أخرى تكون كافية لضمان حق الدائن ، ومتى قدم هذه العين قام تقديمه لها مقام تنفيذ الالتزام الأصلى ( 326 ) .
$ 186 $
الفرع الثانى
أحكام الالتزام البدلى
111 - تعيين محل الأداء وتحمل التبعة : بالرغم من أهمية الالتزام البدلى ، فإن أحكامه ليست من التعقيد بالقدر الذى رأيناه فى أحكام الالتزام التخييرى . لذلك لن يطول القول فى تعيين محل الأداء وفى أحكام الهلاك فى الالتزام البدلى ، كما طال فى الالتزام التخييرى .
1 - تعيين محل الأداء
112 - ما الذى يطالب به الدائن : ليس أن يطالب فى الالتزام البدلى ، كما رأينا ، إلا بالمحل الأصلى . وليس له أن يطالب بالبديل ، فإن هذا البديل ليس محلاً للالتزام حتى تجوز المطالبة به .
ومن ثم تتعين منذ البداية طبيعة الالتزام البدلى ، فهو عقار أو منقول بحسب طبيعة المحل الأصلى ، وهو قابل للتجزئة أو غير قابل لها بحسب طبيعة هذا المحل أيضاً ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
ويتعين كذلك اختصاص المحكمة منذ البداية ، فالدائن يطالب بالمحل الأصلى إذا كان عقاراً أمام محكمة العقار تبعاً لقيمة هذا الشئ ، حتى لو كان البديل منقولاً وأيا كانت قيمة هذا البديل .
113 - ما الذى يدفعه المدين : أما الذى يدفعه المدين فهو فى الأصل أيضاً المحل الأصلى الذى يطالب به الدائن . ولكنه يستطيع ، كما قدمنا ، أن يبرئ ذمته بدفع البديل ، ومتى دفعه فقد انقضى الالتزام .
ولكن لا يجوز للمدين أن يدفع جزءاً من المحل الأصلى وجزءاً من البديل ، كما لا يجوز ذلك فى الالتزام التخييرى . وللدائن أن يرفض الوفاء على هذا الوجه ، فأما أن يأخذ المحل الأصلى بأكمله ، وإما أن يأخذ البديل بأكمله .
$ 187 $
وإذا مات الدائن ، فليس لورثته المطالبة إلا بالمحل الأصلى كمورثهم ، ولكن يجوز للمدين أن يفى لهم بالبديل كما كان يستطيع ذلك مع مورثتهم . أما إذا مات المدين ، فإن لورثته الحق فى الوفاء بالبديل وتبرأ التركة من الدين بالوفاء به ، كما كان المدين يستطيع ذلك حين حياته ( 327 ) .
وإذا كان الالتزام البدلى التزاماً زمنياً أو دورياً ، فإن المدين يستطيع فى كل أداء أن يفى بالبديل عوضاً عن المحل الأصلى أو يؤدى المحل الأصلى كما يشاء . وإذا فى بالبديل مرة ، فله أن يؤدى المحل الأصلى مرة ثانية ، ثم يوفى بالبديل مرة ثالثة ، وهكذا . وذلك كله ما لم يتبين من إرادة الطرفين ومن الظروف والملابسات أن المدين إذا أدى المحل الأصلى أو وفى بالبديل مرة فقد تقيد بذلك فى المرات الأخرى المتعاقبة .
وإذا أعلن المدين إرادته أنه يريد الوفاء بالبديل دون أن يدفعه بالفعل ، فإن ذلك لا يمنعه عند الوفاء من أن يؤدى المحل الأصلى ، ذلك أنه لا يتحدد محل الوفاء إلا عند الوفاء الفعلى . كذلك إذا أعلن قبل الوفاء أنه يؤدى المحل الأصلى ، فلا يمنعه ذلك من أن يوفى بالبديل عند الوفاء .
ولا يمكن القول ، إذا وفى المدين بالبديل ، أن محل الالتزام قد تبدل فأصبح هو الشئ البديل عوضاً عن المحل الأصلى . بل إن الالتزام ، يبقى على محله الأصلى ، ويعتبر الوفاء بالبديل بمثابة الوفاء بمقابل ، ولا يقوم البديل مقام المحل الأصلى فى المحلية ، وإنما يقوم مقامه فى الوفاء وحده . ونرى من ذلك أنه لا محل لبحث الاستناد فى حالة الالتزام البدلى ، ولا يمكن القول إن الوفاء بالبديل يقلب الالتزام البدلى إلى التزام بسيط محله البديل منذ البداية ، بل إن الالتزام $ 188 $ البدلى يبقى بالرغم من الوفاء بالبدل التزاماً بدلياً ، وليس البدل إلا مقابلاً للوفاء فيه .
2 - أحكام الهلاك
114 - هلاك المحل الأصلى : إذا هلك المحل الأصلى بسبب أجنبى ، فقد انقضى الالتزام وبرئت ذمة المدين . ولا تتركز المحلية فى البديل ، كما تركزت ، فيما يتعلق بالالتزام التخييرى ، فى الشئ الباقى على ما أسلفنا .
أما إذا هلك المحل الأصلى بخطأ المدين ، فإن الدائن لا يطالب المدين إلا بالتعويض عن هذا المحل ، دون أن يستطيع المطالبة بالبدل ، فليس البدل كما قدمنا محلاً للالتزام . وإنما يجوز للمدين أن يتوقى دفع التعويض بأن يوفى بالبديل ، فيبرئ هذا الوفاء ذمته من الدين ، وقد كان قادراً على أن يفعل ذلك قبل هلاك المحل الأصلى ، فهو على فعله بعد الهلاك أقدر .
وإذا هلك البديل بعد هلاك المحل الأصلى ، سواء كان هلاك البديل بخطأ المدين أو بغير خطأه ، فأن الواجب على المدين هو التعويض عن المحل الأصلى لا التعويض عن البديل ، فإن المحل الأصلى هو وحده محل الالتزام ، والبدل لا يقوم مقامه فى الوفاء إلا إذا كان موجوداً .
وإذا هلك المحل الأصلى بخطأ الدائن ، فإن الدائن يكون بمثابة من استوفى حقه . ولكن يجوز للمدين فى هذه الحالة أن يوفى بالبديل ، ثم يطالب الدائن بقيمة المحل الأصلى الذى هلك بخطأه .
115 - هلاك البديل : أما إذا هلك البديل بسبب أجنبى أو بخطأ المدين ، فإن الالتزام لا ينقضى كما قدمنا ، بل يبقى قائماً على محله الأصلى . فإن المحل الأصلى وحده هو محل الالتزام ، وهو باق فيبقى معه الالتزام . ولكن الالتزام البدلى ينقلب بهلاك البديل التزاماً بسيطاً ، ليس لمحله بديل عند الوفاء .
$ 189 $
وإذا هلك المحل الأصلى بعد هلاك البديل ، فإن كان هلاك المحل الأصلى بسبب أجنبى فقد انقضى الالتزام ، وإن كان بخطأ المدين فإن الدائن يقاضى قيمة المحل الأصلى لا قيمة البديل على النحو الذى بيناه فيما تقدم .
وإذا هلك البديل بخطأ الدائن ، بقى الالتزام قائماً ، على محل الأصلى فيطالب الدائن المدين بهذا المحل ، ويرجع المدين على الدائن بقيمة البديل الذى هلك بخطأه . ولكن لما كان المدين يستطيع أن يوفى بالبديل عوضاً عن المحل الأصلى ، فإنه فى هذه الحالة يستطيع أن يمتنع عن الوفاء بالمحل الأصلى وأن يعتبر نفسه قد وفى الدين بالبديل ، إذ أن الدائن بعد أن أهلك البديل بخطأه يكون بمثابة من استوفاه .
$ 190 $
الباب الثالث
تعدد طرفى الالتزام
116 - صور التعدد – الالتزام متعدد الأطراف والالتزام التضامنى والالتزام غير القابل للانقسام : قد يلحق الالتزام وصف التعدد فى طرفيه ، أحدهما أو كليهما . ولهذا التعدد صور ثلاث :
( 1 ) فأما أن يتعدد طرفا الالتزام أو أحدهما فى غير تضامن ما بين الأطراف المتعددين ، فيتعدد الدائن ، أو يتعدد المدين ، أو يتعدد كل من الدائن والمدين ، دون أن تربط الأطراف المتعددين رابطة خاصة تجعلهم متضامنين فى الحق أو فى الدين . ويسمى الالتزام فى هذه الحالة بالالتزام متعدد الأطراف ( Obligation conjointe ) .
( 2 ) وإما أن يتعدد طرفا الالتزام أو أحدهما فى تضامن ما بين الأطراف المتعددين . ويسمى الالتزام فى هذه الحالة بالالتزام التضامنى ( Obligation solidaire ) . فإذا كان المتعدد هو الدائن ، كان هناك تضامن ما بين الدائنين وهو تضامن إيجابى ( solidarite active ) . أما إذا كان المتعدد هو المدين ، وهذا هو الغالب ، كان هناك تضامن ما بين المدينين وهو تضامن سلبى ( solidarite passive ) .
( 3 ) وإما أن يتعدد طرفا الالتزام أو أحدهما فى التزام لا يتجزأ تنفيذه ويسمى الالتزام فى هذه الحالة بالالتزام غير القابل للانقسام ( obligation indivisible ) ( 328 ) .
$ 191 $
والصورتان الثانية والثالثة – التضامن وعدم القابلية للانقسام – لا يتحققان بمجرد تعدد الأطراف ، بل لا بد من توافر شروط خاصة لتحقق كل منها . أما الصورة الأولى فتتحقق بمجرد تعدد طرفى الالتزام الناشئ من مصدر واحد ومن ثم كان الأصل فى الالتزام الذى تتعدد أطرافه أن يكون التزاماً متعدد الأطراف ، لا التزاماً تضامنياً ولا التزاماً غير قابل للانقسام . فالتضامن وعدم القابلية للانقسام لا يفترضان ، بل لابد لهما من شروط خاصة كما قدمنا . على أن الغالب الذى يكثر وقوعه فى العمل هو الالتزام التضامنى ثم الالتزام غير القابل للانقسام .
ونبحث فى فصول ثلاثة متعاقبة الالتزام متعدد الأطراف والالتزام التضامنى والالتزام غير القابل للانقسام .
$ 192 $
الفصل الأول
الالتزام متعدد الأطراف
( obligation disjointe )
117 - وحدة المصدر وتعدد الأثر : إذا تعدد فى الالتزام طرفه ولم تتحقق فيه شروط التضامن أو شروط عدم القابلية للانقسام ، كان التزاماً متعدد الأطراف كما قدمنا . والالتزام متعدد الأطراف هو التزام واحد من حيث المصدر ، متعدد من حيث الأثر فينقسم على أطرافه . وهذا بخلاف الالتزام التخييرى ، فهو واحد من حيث المصدر وواحد أيضاً من حيث الأثر فيتوحد بالنسبة إلى محله ( 329 ) .
فنتكلم إذن فى الالتزام متعدد الأطراف من حيث مصدر التعدد ومن حيث الأثر الذى يترتب على هذا التعدد .
1 - مصدر التعدد فى الالتزام متعدد الأطراف
118 - القانون والإدارة : أكثر ما يكون مصدراً لتعدد الأطراف فى الالتزام هو القانون ، سواء فى ذلك تعدد الدائنين أو تعدد المدينين . ولكن قد لا يكون القانون هو مصدر التعدد ، بل يكون المصدر هو إرادة طرفى الالتزام .
119 - القانون مصدر التعدد : ويقع ذلك أكثر ما يقع فى الميراث . فإن الدائن إذا مات آل الحق الذى له فى ذمة مدينه إلى ورثته ، ويكونون فى أكثر الأحوال متعددين . فيصبح الحق ، بعد أن كان له دائن واحد ، له دائنون $ 193 $ متعددون هم الورثة ، وسنرى أن الحق فى هذه الحالة ينقسم على الورثة كل بقدر نصيبه فى الميراث ( 330 ) . كذلك إذا مات المدين وترك ورثه متعددين ، فإن الدين – فى القانون الفرنسى لا فى الشريعة الإسلامية ( 331 ) – ينتقل إلى ورثته ، فيصبح ذا مدينين متعددين ينقسم عليهم الدين كل بقدر نصيبه فى الميراث .
$ 194 $
وقد ينص القانون ، فى غير الميراث ، على تعدد أطراف الالتزام . من ذلك ما تقضى به الفقرة الأولى من المادة 523 مدنى ، فهى تنص على ما يأتى : " إذا لم تف أموال الشركة بديونها ، كان الشركاء مسئولين عن هذه الديون فى أموالهم الخاصة ، كل منهم بنسبة نصيبه فى خسائر الشركة ، ما لم يوجد اتفاق على نسبة أخرى . ويكون باطلاً كل اتفاق يعفى الشريك من المسئولية عن ديون الشركة " .
فهذا نص يجعل لالتزام الشركة المدينة – إلى جانب المدين الأصلى وهو الشركة – مدينين متعددين هم الشركاء ، وقد جعلهم النص مسئولين ، عندما لا تفى أموال الشركة بوفاء الالتزام ، فى أموالهم الخاصة كل بقدر نصيبه فى الخسارة . وكان الأصل ألا يكون هؤلاء الشركاء مسئولين عن ديون الشركة فى أموالهم الخاصة ، لأن الشركة شخص معنوى وهو وحده المسئول عن ديونه ، لولا النص الذى أوردناه . وما دام القانون قد أوجد هؤلاء المدينين المتعددين ، فالأصل ألا يكون بينهم تضامن وأن ينقسم الالتزام عليهم . وهذا حكم يستمد من المبادئ العامة ، دون حاجة إلى أن ينص عليه القانون . غير أن المادة التالية ، وهى المادة 524 مدنى ، أكدت هذا الحكم مع تحوير فيه إ قضت بما يأتى : " 1 - لا تضامن بين الشركاء فيما يلزم كل منهم من ديون الشركة ، ما لم يتفق على خلاف ذلك . 2 - غير أنه إذا أعسر أحد الشركاء ، وزعت حصته فى الدين على الباقين كل بقدر نصيبه فى الخسارة " . فهنا نص القانون صراحة على عدم التضامن بين المدينين المتعديين ، ولكنه استبعد نتيجة ؟؟؟؟ نتائج عدم التضامن . ذلك أن عدم التضامن من المدينين يؤدى إلى انقسام الدين عليهم ، فإذا أعسر أحدهم لم يتحمل الباقى هذا الإعسار ، ويتحمله الدائن . ولكن النص يقضى صراحة بأن الميدين يكونون مسئولين عن إعسار أى منهم ، بالرغم من انقسام الالتزام عليهم . فإذا أعسر أحدهم وزعت حصته على الباقين ، كل بقدر نصيبه فى تحمل الخسارة .
ويلاحظ فى الأمثلة المتقدمة أن الدين نشأ ابتداء لصالح دائن واحد أو فى ذمة مدين واحد ، ثم خلفه عليه الورثة أو الشركاء فتعدد الدائنون أو المدينون . ويصح أن ينشأ الدين منذ البداية لصالح دائنين متعددين أو فى ذمة مدينين $ 195 $ متعددين . فإذا قبض أحد الورثة غلة التركة ، كان مديناً لسائر الورثة بأنصبتهم فى هذه الغلة ، فينشأ الدين ابتداء لصالح دائنين متعددين . وإذا أوصى شخص بمبلغ من النقود لآخر يأخذه من تركته ، فإن الورثة وهم يمثلون التركة يكونون مدينين متعددين منذ البداية فى هذا الالتزام الموصى به .
120 - الإرادة مصدر التعدد : وقد تكون الإرادة هى مصدر تعدد الدائنين أو المدينين . فإذا باع الشركاء فى الشيوع الدار التى بينهم ، أو باعت الورثة عيناً من أعيان التركة ، فالأصل أن يكون للالتزام بالثمن الذى نشأ فى ذمة المشترى دائنون متعددون ، هم الشركاء فى الشيوع أو الورثة ، وما لم يشترط هؤلاء الدائنون التضامن فيما بينهم انقسم الحق عليهم كل بنسبة نصيبه فى المبيع . وسنرى أن هذه هى إحدى حالات الدين المشترك فى الفقه الإسلامى ، ولكن التقنين المدنى المصرى بخلاف التقنين المدنى العراقى لم يأخذ بنظام الدين المشترك ، فينقسم الدين على الدائنين كما قدمنا . وإذا اشترى عدة أشخاص داراً واحدة على الشيوع صفقة واحدة ، فإن الالتزام بالثمن يكون له مدينون متعددون هم هؤلاء المشترون ، وينقسم الالتزام عليهم كل بقدر نصيبه فى الدار ، ولا يكون هناك تضامن بينهم إلا إذا اشترطه البائع عليهم .
ويلاحظ فى الأمثلة المتقدمة – حيث كان مصدر تعدد الدائنين أو المدينين هى الإرادة – أن الدين قد نشأ وله أطراف متعددون منذ البداية .
2 - الأثر الذى يترتب على التعدد فى الالتزام متعدد الأطراف
121 - انقسام الالتزام على أطرافه : الأثر الذى يترتب على التعدد ، إذا كان الالتزام متعدد الدائنين أو متعدد المدينين دون تضامن فيما بينهم ، أن الالتزام ينقسم بحكم القانون على الدائنين المتعددين أو على المدينين المتعددين ، كل بالقدر المتفق عليه أو بالقدر الذى يعينه القانون . فالاتفاق يعين نصيب كل مشتر من المشترين المتعددين للدار إذا اشتروها صفقة واحدة دون تضامن فيما بينهم ، فيلتزم كل منهم بحصة من الثمن تساوى مقدار نصيبه $ 196 $ فى الدار حسب الاتفاق الذى يتم بينهم . والقانون يعين نصيب كل وارث ، إذا ورث الجميع ديناً لصالح التركة ( 332 ) . فإذا لم يعين الاتفاق أو القانون نصيب كل من الدائنين أو المدينين المتعددين ، لم يبق إلا أن ينقسم الالتزام عليهم بحسب الرؤوس أى بأنصبة متساوية ( 333 ) .
ومتى انقسم الالتزام على الدائنين أو المدينين المتعددين ، أصحب بموجب هذا الانقسام التزامات متعددة لصالح الدائنين المتعددين أو فى ذمة المدينين المتعددين ، ويكون كل التزام من هذه الالتزامات المتعددة مستقلاً عن الالتزامات الأخرى ( 334 ) .
122 - النتائج التى تترتب على انقسام الالتزام : وتترتب على انقسام الالتزام وصيرورته التزامات متعددة مستقلة على النحو الذى بسطناه نتائج هامة ، نذكر منها :
أولاً – إذا انقسم الالتزام على دائنين متعددين :
( 1 ) كل دائن لا يستطيع أن يطالب المدين إلا بنصيبه ، ولا يستطيع المدين أن يدفع له أكثر من نصيبه .
$ 197 $
( 2 ) قطع التقادم أو وقفه أو الإعذار أو المطالبة القضائية ، إذا تم من جانب أحد الدائنين ، يسرى أثره بالنسبة إليه وحده دون غيره من الدائنين الآخرين ، فينقطع التقادم أو يقف لصالحه وحده ، ويعتبر المدين معذراً بالنسبة إليه وحده ، وتسرى فوائد التأخير المترتبة على المطالبة القضائية له وحده .
( 3 ) إذا أبطل الدين أو فسخ أو انقضى بالنسبة إلى أحد الدائنين ، لم يؤثر ذلك فى حقوق الباقين ، بل يبقى كل منهم دائناً بقدر نصيبه ، ولا ينتقل إليهم نصيب الدائن الذى أبطل دينه أو فسخ .
( 4 ) إذا وفى المدين أحد الدائنين ثم أعسر ، لم يرجع باقى الدائنين الذين لم يستوفوا أنصبتهم على الدائن الذى استوفى نصيبه ، إذ كل حق مستقل عن الحقوق الأخرى كما قدمنا .
ثانياً - إذا انقسم الالتزام على مدينين متعددين :
( 1 ) كل مدين لا يكون ملتزماً إلا بنصيبه ، ولا يستطيع الدائن أن يطالبه بأكثر من ذلك .
( 2 ) قطع التقادم أو وقفه أو الإعذار أو المطالبة القضائية ، إذا تم ضد أحد المدينين ، يقتصر أثره على هذا المدين ولا يتعداه إلى المدينين الآخرين .
( 3 ) إذا أبطل دين أحد المدينين أو فسخ أو انقضى أو ارتكب أحد المدنين خطأ ، فإن أثر ذلك يقتصر على هذا المدين ، فلا يكون المدينون الآخرون مسئولين عن نصيب من أبطل دينه أو فسخ أو يكونون مسئولين عن خطأه . وإذا كان هناك شرط جزائى يتناول جميع الدين ، فالمسئول من المدينين بموجب هذا الشرط الجزائى هو وحده الذى يطالب به وبمقدار نصيبه منه فقط .
( 4 ) إذا أعسر أحد المدينين ، لم يتحمل إعساره الباقون ، والدائن هو الذى يتحمل هذا الإعسار ( 335 ) .
$ 198 $
وانقسام الدين ، بما يجر من النتائج على النحو المتقدم ، يجعل الدين ضعيف الأثر . ومن ثم يؤثر الناس عند التعامل توقى هذه النتائج ، باشتراط أن يكون الالتزام تضامنياً أو غير قابل للانقسام ( 336 ) .
$199$
الفصل الثانى
الالتزام التضامنى ( 337 )
( obligation solidaire )

123 - التضامن بين الدائنين والتضامن بين المدينين : قدمنا أن الطرف المتعدد فى الالتزام التضامنى قد يكون هو الدائن فيكون هناك تضامن بين الدائنين ، وقد يكون هو المدين فيكون هناك تضامن بين المدينين . والتضامن بين المدينين هو الأكثر وقوعاً فى العمل .
وسواء كان التضامن بين الدائنين أو بين المدينين ، فهو أحد طرق الضمان للدين ، بل هو أبلغ فى الضمان من الكفالة . ذلك أن الدائن فى الكفالة – إذا $ 200 $ لم يكن الكفيل متضامناً مع المدين – لا يستطيع أن يرجع إلا على المدين الأصلى أولاً ، فإذا لم يستوف حقه منه رجع على الكفيل . أما فى التضامن فالدائن يستطيع أن يرجع على أى مدين متضامن بكل الدين ، هذا إذا كان التضامن بين المدينين . فإذا كان التضامن بين الدائنين فأى دائن متضامن يستطيع أن يطالب المدين بكل الدين ، ومن جهة أخرى فإن وفاء المدين لأى دائن متضامن بكل الدين مبرئ لذمته بالنسبة إلى سائر الدائنين ( 338 ) ، وهذا ما يجعل التضام ما بين الدائنين أقرب إلى أن يكون ضماناً للمدين منه ضماناً للدائن كما سنرى .
والتضامن بنوعيه يقتضى بوجه عام أن تكون هناك شركة أو فى القليل اشتراك فى المصلحة ( communaute d'interets ) بين الأطراف المتضامنين ، وهذه المصلحة المشتركة هى التى تبرر أحكام التضامن ( 339 ) .
ويصح أن يجتمع فى التزام واحد تضامن الدائنين وتضامن المدينين ، فيكون الالتزام تعدد الدائنين مع تضامنهم ومتعدد المدينين مع تضامنهم أيضاً . ويجوز فى هذه الحالة لأى دائن أن يطالب أى مدين بكل الدين ، كما يجوز لأى مدين أن يفى لى دائن بكل الدين ، فالوفاء من أى مدين لى دائن يقضى الدين بالنسبة إلى سائر المدينين وإلى سائر الدائنين ( 340 ) .
الفرع الأول
التضامن بين الدائنين
( Solidarite entre creanciers - Solidarite active )
124 - مباحث ثلاثة : نبحث فى التضامن بين الدائنين :
( أولاً ) مصدر هذا التضامن .
( ثانياً ) والآثار التى تترتب عليه .
( ثالثاً ) ثم نعرض لصورة خاصة لدين يقوم فيه ضرب من التضامن بين $ 201 $ الدائنين ، وهى الصورة المعروفة فى الفقه الإسلامى بالدين المشترك ، وقد نقلها عنه التقنين المدنى العراقى دون التقنين المدنى المصرى ( 341 ) .
المبحث الأول
مصدر التضامن بين الدائنين
125 - النصوص القانونية : تنص المادة 279 من التقنين المدنى المصرى على ما يأتى :
" التضامن بين الدائنين أو بين المدينين لا يفترض ، وإنما يكون بناء على اتفاق أو نص فى قانون " ( 342 ) .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادتين 107 / 161 و108 / 162 ( 343 ) .
$ 202 $
ويقابل فى التقنينات المدينة العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 279 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 266 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 315 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 12 ( 344 ) .
126 - التضامن بين الدائنين مصدره الاتفاق أو الإرادة بوجه عام : بالرغم من أن نص المادة 279 سالفة الذكر قد شمل التضامن بين الدائنين والتضامن بين المدينين وقضى بأن مصدر التضامن يكون بناء على اتفاق أو نص فى القانون ، فلا يتوهم من ذلك أن التضامن بين الدائنين هو كالتضامن بين المدينين يكون بناء على اتفاق أو نص فى القانون . فالتضامن بين الدائنين لا يكون مصدره إلا الاتفاق أو الوصية ، أى الإدارة بوجه عام ، ولا يكون مصدره القانون ( 345 ) .
$ 203 $
والتضامن بين الدائنين نادر الوقع فى العمل . وأكثر ما يقع عندما يكون هناك مدينون متضامنون ثم ينقلبون إلى دائنين متضامنين . مثل ذلك أن يبيع ثلاثة ستين قنطاراً من القطن ويتضامنون فى الالتزام بالتسليم ، ثم لا يدفع المشترى الثمن ، فيكونون دائنين بالتضامن فى المطالبة بفسخ البيع . وكذلك لو كان العقد هبة وأراد الواهبون المتضامنون الرجوع فى الهبة ، فإنهم يكونون دائنين متضامنين فى هذا الرجوع . ويصح أن يكون مصدر تضامن الدائنين الوصية ، فيوصى شخص لأشخاص متعددين بمبلغ من النقود يستوفونه من تركته ويجعلهم متضامنين فى المطالبة بهذا المبلغ ( 346 ) ، وهنا نشأ التضامن الإيجابى منذ البداية ولم ينعكس عن تضامن سلبى ( 347 ) .
$ 204 $
والسبب فى ندرة التضامن بين الدائنين أن مضار هذا التضامن تربى على فوائده . فإن الدائنين إذا اشترطوا التضامن بينهم لا يكسبون من وراء ذلك إلا أن أى دائن منهم يستطيع المطالبة بكل الدين ، كما يستطيع المدين أن يوفيه إياه كله . وهذا الكسب لا يعد شيئاً مذكوراً إلى جانب ما يتعرض له الدائنون من الخطر ، فإن أى دائن منهم يستطيع أن يقبض الدين كله ، فتبرأ ذمة المدين بهذا الوفاء ، فإن أى دائن منهم يستطيع أن يقبض الدين كله ، فتبرأ ذمة المدين بهذا الوفاء ، وليس لسائر الدائنين إلا الرجوع كله بنصيبه على الدائن الذى استوفى الدين ، فإذا هو أعسر تحملوا تبعة إعساره ، وفى هذا من الخطر ما فيه . أما ما أفادوه من التضامن فيستطيعون الوصول إليه من غير هذا الطريق ، فإنهم يملكون عند حلول الدين أن يعطوا أياً منهم توكيلاً بقبض كل الدين ( 348 ) . على أنه يلاحظ أن التقنين المدنى الجديد قد تخفف بعض الشئ من مضار التضامن بين الدائنين ، $ 205 $ بأن نص فى الفقرة الأولى من المادة 280 على جواز ممانعة الدائنين فى أن يوفى المدين الدين لأحدهم ، كما لو كان التضامن ينطوى على وكالة يجوز الرجوع فيها ، وسيأتى بيان ذلك .
127 - التضامن بين الدائنين لا يفترض : ولما كان التضامن بين الدائنين مصدره الإرادة أو الاتفاق ، فإنه لا يجوز افتراض وجوده ، وما لم توجد إرادة واضحة لإخفاء فيها بإنشاء هذا التضامن فإنه لا يقوم . فإذا باع مثلاً ثلاثة أشخاص داراً لهم فى الشيوع ، ولم يتشرطوا على المشترى التضامن بينهم فى وضوح ، فلا يستخلص من شيوع الدار بين البائعين أنهم متضامنون فى تقاضى الثمن ، بل ينقسم الثمن عليهم كل بقدر نصيبه فى الدار المبيعة . كذلك إذا كان المشترى قد اشترط على البائعين التضامن فى التزاماتهم نحوه ، فإن ذلك لا يؤخذ منه ضرورة أنهم متضامنون فى حقوقهم عليه ، بل لابد من اشتراط التضامن فى الحقوق كما اشترط فى الالتزامات ( 349 ) .
على أنه لا يفهم من ذلك أن التضامن لابد أن يرد فيه شرط صريح ، فقد يستخلص ضمناً من الظروف والملابسات ( 350 ) ، ولكن يجب ألا يكون هناك شك فى أنه مشترط .
وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا المعنى ما يأتى : " ومن الأصول3 المقررة أن التضامن بنوعيه لا يفترض . وليس يقصد بذلك إلى وجود اشتراطه بضريح العبارة ، فقد تنصرف إليه الإرادة ضمناً ، ولكن ينبغى أن تكون دلالة الاقتضاء فى مثل هذه الحالة واضحة لا خفاء فيها . فإذا اكتنف الشك هذه الدلالة ، وجب أن يؤول لنفى التضامن لا لإثباته " ( 351 ) . وليس من $ 206 $ الضرورى ، فى الشرط الصريح ، أن يستعمل لفظ " التضامن " ، فأى لفظ يؤدى هذا المعنى يكفى ، كأن يشترط الدائنون أن يكون لأى دائن منهم أن يطالب المدين بكل الدين ، أو يشترط المدين أنه يستطيع الوفاء بكل الدين لأى من الدائنين .
ولا يفترض التضامن بين الدائنين حتى فى المسائل التجارية ، بل يجب اشتراطه فى وضوح ( 352 ) . وحتى فى شركة التضامن ، إذا كان كل الشركاء يديرون الشركة ، وأمكن لكل منهم أن يستوفى من مدينى الشركة ما عليهم من ديون لها ، فإن ذلك لا يعنى أن الشركاء دائنون بالتضامن ، بل إن كل شريك إنما يعمل باسم الشركة ، والشركة وحدها هى التى تستوفى ديونها عن طريق وكيل عنها هو أحد الشركاء ( 353 ) .
128 - وحدة المحل وتعدد الروابط : والتضامن بين الدائنين على النحو الذى سبق ذكره يجعل الالتزام متعدد الروابط ولكنه موحد المحل . أما أن الالتزام يكون متعدد الروابط ، فذلك بأن كل دائن متضامن تربطه بالمدين رابطة مستقلة عن الروابط التى تربط المدين بالدائنين المتضامين الآخرين ، فتعدد الدائنين المتضامنين يستتبع تعدد الروابط . وأما أن الالتزام يكون موحد المحل ، فذلك هو الذى يحفظ للالتزام وحدته بالرغم من تعدد الدائنين ، ولو أن الدائنين المتعديين لم يكونوا متضامنين لما احتفظ الالتزام بوحدته ولكان التزاماً $ 207 $ متعدد الأطراف ينقسم على الدائنين المتعددين التزامات مستقلة بعضها عن بعض كما بينا فيما تقدم ( 354 ) .
وبحسبنا هنا أن نبين أهم المظاهر لتعدد الروابط بالرغم من وحدة المحل ( 355 ) :
( 1 ) يجوز أن تكون الرابطة التى تربط أحد الدائنين المتضامين بالمدين موصوفة وتكون الروابط الأخرى بسيطة . فيجوز أن يكون أحد الدائنين المتضامنين دائناً تحت شرط أو إلى أجل ، ويكون سائر الدائنين المتضامنين حقوقهم منجزة . كما يجوز أن تكون إحدى الروابط معلقة على شرطن ورابطة أخرى مقترنة بأجل . وإلى هذا تشير الفقرة الأولى من المادة 281 مدنى إذ تنص على أنه " يجوز للدائنين المتضامنين ، مجتمعين أو منفردين ، مطالبة المدين بالوفاء ، ويراعى فى ذلك ما يلحق رابطة كل دائن من وصف يعدل أثر الدين " .
( 2 ) يجوز أن تكون إحدى الروابط قد شابها عيب والروابط الأخرى غير معيبة . فيجوز أن يكون أحد الدائنين المتضامنين قاصراً فكون رابطته قابلة للإبطال لنقص الأهلية ، أو يجوز أن تكون إرادته قد شابها غلط أو تدليس أو إكراه فتكون رابطته قابلة للإبطال لهذا العيب دون الروابط الأخرى ، أو يجوز أخيراً أن تكون إحدى الروابط دون غيرها قابلة للفسخ .
( 3 ) يجوز أن تنقضى إحدى الروابط وتبقى مع ذلك الروابط الأخرى ، وسيأتى تفصيل ذلك فيما يلى .
المبحث الثانى
الآثار التى تترتب على تضامن الدائنين
129 - العلاقة ما بين الدائنين والمدين والعلاقة فيما بين الدائنين بعضهم ببعض : يجب ، فى بيان الآثار التى تترتب على تضامن الدائنين ، التمييز بين أمرين : ( 1 ) العلاقة بين الدائنين المتضامنين والمدين . ( 2 ) وعلاقة الدائنين المتضامين بعضهم ببعض .
$ 208 $
المطلب الأولى
العلاقة بين الدائنين المتضامنين والمدين
130 - النصوص القانونية : تنص المادة 280 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - إذا كان التضامن بين الدائنين ، جاز للمدين أن يوفى الدين لأى منهم ، إلا إذا مانع أحدهم فى ذلك " .
" 2 - ولا يجوز للمدين إذا طالبه أحد الدائنين المتضامنين بالوفاء أن يحتج على هذا الدائن بأوجه الدفع الخاصة بغيره من الدائنين ، ولكن يجوز له أن يحتج على الدائن المطالب بأوجه الدفع الخاصة بهذا الدائن بأوجه الدفع المشتركة بين الدائنين جميعاً " .
وتنص المادة 282 على ما يأتى :
" 1 - إذا برئت ذمة المدين قبل أحد الدائنين المتضامين بسبب غير الوفاء ، فلا تبرأ ذمته قبل باقى الدائنين إلا بقدر حصة الدائن الذى برئت ذمة المدين قبله " .
" 2 - ولا يجوز لأحد الدائنين المتضامين أن يأتى عملاً من شأنه الإضرار الدائنين الآخرين " ( 356 ) .
$ 209 $

وتقابل هذه النصوص فى التقنين المدنى السابق المادة 107 / 161 ( 357 ) .
وتقابل فى التقنيات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المواد 280 - 282 ، وفى التقنين المدنى الليبى المواد 267 - 269 ، وفى $ 210 $ التقنين المدنى العراقى المواد 316 - 318 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المواد 11 و13 - 19 ( 358 ) .
$ 211 $
131 - استخلاص المبادئ الأساسية : ويستخلص من هذه النصوص المبادئ الأساسية الثالثة الآتية :
أولاً – لأى دائن متضامن مطالبة المدين بكل الدين ، وللمدين أن يفى بكل الدين لأى مدين متضامن ، والوفاء بكل الدين لأى مدين متضامن يبرئ ذمة المدين من الدين نحو سائر الدائنين ( م280 - 281 مدنى ) .
ثانياً – أما أسباب انقضاء الالتزام الأخرى ، من تجديد ومقاصة واتخاذ ذمة وإبراء وتقادم ، فإنها إذا تحققت بالنسبة إلى أحد الدائنين المتضامين ، اقتصر أثرها على حصة هذا الدائن ، ولا يحتج المدين بأيها على سائر الدائنين إلا بمقدار هذه الحصة ( م282 / 1 مدنى ) .
ثالثاً – ولا يجوز لأى من الدائنين المتضامنين أن يأتى عملاً من شأنه أن يضر بسائرهم ، ولكن إذا أتى عملاً من شأنه أن يفيدهم أفادوا منه ( م282 / 2 مدنى ) .
والأصل فى ذلك أن ك دائن متضامن يعتبر ، فى استيفاء الدين من المدين ، أصيلاً عن نفسه فى حصته ونائباً عن سائر الدائنين فى حصصهم ، فيكون استيفاؤه للدين مبرئاً لذمة المدين نحو سائر الدائنين . أما فى أساب الانقضاء الأخرى ، فليس الدائن نائباً عن الدائنين الآخرين ، بل هو أصيل عن نفسه فحسب ، وما يقع من هذه الأسباب يقتصر عليه وحده ولا يتعداه إلى سائر الدائنين . ثم إن نيابة كل دائن عن سائر الدائنين تقوم أيضاً فى كل عمل من $ 212 $ شأنه أن يفيد هؤلاء الدائنين ، دون الأعمال التى يكون من شأنها أن تضر بهم ( 359 ) .
فعندنا إذن مسائل ثلاث نتناولها بالبحث على التعاقب : ( 1 ) انقضاء الدين بالوفاء ( 2 ) انقضاء الدين بأسباب أخرى غير الوفاء ( 3 ) أعمال الدائن التى من شأنها أن تفيد سائر الدائنين أو أن تضر بهم .
1 - انقضاء الدين بالوفاء
132 - للمدين أن يوفى أى دائن كل الدين : وهذا ما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة 280 مدينى كما رأينا ، إذ تقول : " إذا كان التضامن بين الدائنين ، جاز للمدين أن يوفى الدين لأى منهم " . فللمدين إذن أن يختار أى دائن من الدائنين المتضامين فيوفيه كل الدين ، وليس لم اختاره المدين من الدائنين أن يرفض استيفاء الدين كله ، بل ليس له أن يقتصر على قبض نصيبه من هذا الين ويرفض قبض الباقى ، وإنما عليه أن يقبض كل الدين . وهذه هى الميزة الجوهرية للتضامن بين الدائنين ، فإن هذا التضامن كما قدمنا أقرب أن يكون ضماناً للمدين منه ضماناً للدائنين المتضامنين ، إذ يستطيع المدين $ 213 $ أن يوفى أحد هؤلاء الدائنين الدين كله دون أن يضطر إلى تجزئة الدين وإعطاء كل دائن نصيبه . وإذا رفض الدائن الذى اختاره المدين قبض الدين ، جاز للمدين أن يعرضه عليه عرضاً حقيقياً طبقاً للإجراءات المقررة للعرض الحقيقى . ومتى قبض الدائن الدين أو تمت إجراءات العرض ، برئت ذمة المدين من الدين ، لا فحسب قبل الدائن الذى قبض الدين وحده ، بل قبله وقبل سائر الدائنين .
وكما أن الدائن لا يستطيع أن يفرض على المدين وفاء جزئياً بحصته من الدين فقط ، كذلك لا يستطيع المدين أن يفرض على الدائن أى وفاء جزئى ولو بقدر حصة هذا الدائن ، بل إنه إذا أراد إجباره على قبول الوفاء وجب عليه أن يعرض الدين كالماً غير منقوص .
وهذا لا يمنع بداهة من أن يتفق المدين مع الدائن على أن يفى له بنصيبه وحده فى الدين ، ومتى قبل الدائن منه هذا الوفاء ، برئت ذمة المدين بقدر هذا النصيب ، وصار لأى دائن آخر من الدائنين المتضامنين أن يطالب المدين بالدين بعد أن يستنزل منه نصيب الدائن الذى استوفى حصته ( 360 ) . فإذا ما استوفاه على هذا النحو ، كان لكل دائن آخر – عدا الدائن الذى استوفى نصيبه طبعاً – أن يرجع بنصيبه على من قبض الدين ( 361 ) .
133 - ما لم يمانع أحد الدائنين : وتقضى الفقرة الأولى من المادة 280 مدنى ، كما رأينا ، بأنه يجوز للمدين أن يفى بكل الدين لأى من الدائنين " إلا إذا مانع أحدهم فى ذلك " . وقد كانت هذه العبارة الأخيرة الواردة فى النص نتيجة تحوير غريب فى لجنة مجلس الشيوخ ، كان من شأنه أن يقلب المعنى $ 214 $ الذى كان المشروع التمهيدى قد قصد إليه . فقد كان نص هذا المشروع على الوجه الآتى : " . . . جاز للمدين أن يوفى الدين وفاء صحيحاً لأى من الدائنين المتضامنين ، إلا إذا قام دائن آخر بإجراءات تمنع المدين من ذلك " . وكان المقصود من هذه العبارة هو عين ما ذهب إليه التقنين المدنى الفرنسى فى الفقرة الأولى من المادة 1198 ، وهى تنص على أنه " يكون للمدين الخيار فى أن يوفى الدين لواحد أو لآخر من الدائنين المتضامنين ، ما دام لم يمنعه من ذلك مطالبة أحد الدائنين له بالوفاء ( 362 ) " . فيكون المعنى المقصود فى المشروع التمهيدى أن للمدين أن يوفى كل الدين لأى دائن يختاره من الدائنين المتضامنين ، إلا إذا طالبه بالدين دائن آخر ، واتخذ هذا الدائن إجراءات للمطالبة تمنع المدين من الوفاء لغيره ( 363 ) . ويؤكد ذلك ما ورد فى هذا الشأن فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ، فهى تقول : " وليس يقتصر الأمر على تخويل كل من الدائنين المتضامنين حق اقتضاء الدين بأسره من المدين ، بل للمدين كذلك أن يبرئ ذمته بالوفاء لأيهم ، ما لم يقم أحدهم بما يحول دون ذلك . فإذا اتخذ أحد الدائنين قبل المدين إجراءات المطالبة ، تعين عليه أن يقوم بالوفاء لمن باشر هذه الإجراءات وغيره من الدائنين الذين أصبحوا طرفاً فيها " ( 364 ) .
ولكن لجنة مجلس الشيوخ لم تلفت إلى المعنى المقصود ، وظنت أن عبارة $ 215 $ " إلا إذا قام دائن آخر بإجراءات تمنع المدين من الوفاء " يقصد بها مجرد الممانعة من دائن آخر أن يفى المدين للدائن الذى اختاره وذلك عن طريق إجراءات يتخذها الدائن الممانع ، فحورت العبارة بحيث أصبحت : " إلا إذا مانع أحدهم فى ذلك " ، " لأن المقصود كما تقول اللجنة ، هو الاكتفاء بمجرد اعتراض أحد الدائنين المتضامنين على وفاء الدين لدائن آخر ، فى حين أن عبارة : إلا إذا قام دائن آخر بإجراءات تمنع المدين من ذلك ، قد توحى بأن الأمر يتطلب اتخاذ إجراءات رسمية معينة ، على أن المسألة لا تعدو مجرد الاعتراض ، ومن المفهوم أن الاعتراض يثبت وفقاً للقواعد العامة فى الإثبات " ( 365 ) .
وواضح أن لجنة مجلس الشيوخ قلبت بهذا التحوير المعنى المقصود ، فلم يعد الأمر فى التقنين المدنى المصرى ، كما هو فى التقنين المدنى الفرنسى وغيره من التقنينات ، أن يطالب دائن متضامن آخر المدين بالوفاء فيتعين عندئذ على المدين أن يوفى الدين لهذا الدائن دون الدائن الذى اختاره هو . بل صار الأمر على الوجه الآتى : إذا اختار المدين دائناً متضامناً ليوفى الدين له ، جاز لأى دائن آخر أن يعترض على هذا الوفاء فيمنعه . ولكن ذلك لا يعنى أن المدين يتعين عليه أن يوفى الدين كله للدائن المعترض ، فليس هذا الدائن أولى بالوفاء له من الدائن الذى اختاره المدين . ونرى فى هذه الحالة أن الدائن الذى يعترض على الوفاء لغيره يكون قد نقض الوكالة المستخلصة من التضامن ، والتى بموجبها كان للدائن الذى اختاره المدين أن يقبض نصيب الدائن المعترض ، فيتعين على المدين أن يعطى لهذا الدائن نصيبه ، وألا يوفى للدائن الذى اختاره إلا نصيبه وأنصبة الدائنين الآخرين الذين لم يعترضوا ، ولهؤلاء أن يرجعوا على هذا الدائن كل بنصيبه . فنوفق بذلك بين حق الدائن المعترض من جهة وحق الدائن الذى اختاره من جهة أخرى ( 366 ) . وقد زال بهذا التحوير غير المقصود $ 216 $ عيب من عيوب التضامن بين الدائنين ، وأصبح لأى دائن متضامن أن يتوقى نتيجة تضامنه مع الدائنين الآخرين إذا اختار المدين غيره للوفاء ، فما عليه إلا أن يعترض فيستوفى نصيبه رأساً من المدين ، دون أن يعرض نفسه لإعسار الدائن الذى اختاره المدين . وقد وقف التقنين المدنى المصرى بهذا الحكم – عندما تتعارض رغبة المدين فى الوفاء لدائن معين مع رغبة دائن آخر فى أن يستوفى هو الدين – موقفاً وسطاً بين التقنين المدنى الفرنسى الذى يقدم رغبة الدائن على رغبة المدين والتقنين المدنى الألمانى الذى يقدم رغبة المدين على رغبة الدائن ، فأن هذا التقنين الأخير فى المادة 4528 منه لا يمنع المدين من أن يوفى الدين كله للدائن الذى اختاره بالرغم من مطالبة دائن آخر باستيفاء الدين ( 367 ) .
والاعتراض الذى يصدر من الدائن الممانع لا يشترط فيه شكل خاص ، كما تذكر لجنة مجلس الشيوخ ، فيصح أن يكون بإنذار رسمى على يد محضر ، $ 217 $ ويصح أن يكون مجرد إخطار كتابى أو شفوى ، على أن يكلف الدائن الممانع بإثباته ، ويكون الإثبات خاضعاً للقواعد العامة التى تتطلب الكتابة فيما إذا كان نصيب الدائن الممانع يزيد على عشرة جنيهات . ويوجه الاعتراض إلى المدين ، حتى يمتنع من وقت وصول الاعتراض إليه من دفع نصيب الدائن المعترض إلى أى دائن آخر من الدائنين المتضامنين . وعلى الدائن المعترض أن يبين فى اعتراضه مقدار هذا النصيب ، تحت مسئوليته ، حتى يحتجزه المدين له .
134 - لا يحول التضامن دون انقسام الدين بين ورثة الدائن المتضامن : وتنص الفقرة الثانية من المادة 280 مدنى ، كما رأينا ، على ما يأتى : " ومع ذلك لا يحول التضامن دون انقسام الدين بين ورثه أحد الدائنين المتضامنين ، إلا إذا كان الدين غير قابل للانقسام " . ومقتضى هذا الحكم أنه إذا مات أحد الدائنين المتضامنين عن ورثة متعددين ، فإن الدين ينقسم عليهم كل بقدر نصيبه فى الميراث ، وذلك فيما يختص بالعلاقة بينهم وبين المدين . وقد كان المدين يستطيع أن يوفى الدين كله لمورثهم قبل موته على النحو الذى سبق بيانه ، وكان المورث يستطيع أن يطالب المدين بالدين كله على النحو الذى سيأتى بيانه . ولكن بعد موت المورث لا يستطيع المدين أن يفى لأحد الورثة من الدين كله إلا بنسبة نصيبه فى الميراث ، ولا يستطيع هذا الوارث أن يطالب المدين بالوفاء إلا بنسبة هذا النصيب . فلو أن الدائنين المتضامنين كانوا أربعة ، وكان الدين ستمائة ، ومات أحد الدائنين المتضامنين عن ورثة ثلاثة بأنصبة متساوية فى الميراث ، فإن كل وارث منهم يستوفى من الدين مائتين فقط . فإذا ما استوفاها رجع عليه كل من الدائنين المتضامنين الثلاثة الآخرين بخمسين ، ويستبقى الوارث خمسين هى نصيبه فى الإرث من حصة مورثه فى الدين ، وقد بلغت هذه الحصة مائة وخمسين ( 368 ) .
$ 218 $
هذا إذا كان الدين قابلاً للانقسام . أما إذا كان غير قابل له ، فإنه لا ينقسم على الورثة ، بل يجوز للمدين أن يوفى الدين كله لأى وارث من ورثة الدائن المتضامن الذى مات ، كما يجوز لأى وارث أن يطالب المدين بكل الدين . فإذا استوفى أحد الورثة الدين كله ، أعطى منه لكل دائن متضامن الحصة التى له فى الدين ، ثم أعطى لكل وارث نصيبه فى الإرث من حصة المورث . ففى المثل المتقدم ، إذا قبض أحد الورثة الدين كله وهو ستمائة ، أعطى لكل من الدائنين المتضامنين الثلاثة الآخرين مائة وخمسين ، فيبقى معه مائة وخمسون هى حصة مورثه ، يعطى منها خمسين لكل من الوارثين الآخرين ، ويستبقى لنفسه خمسين هى نصيبه فى الإرث من حصة مورثه .
وكثيراً ما يشترط فى التضامن بين الدائنين أن يكون الدين قابل للانقسام ( 369 ) ، توقياً من انقسامه على ورثه الدائنين ، وتيسيراً على المدين أن يوفى الدين كله لأى من الدائنين المتضامنين ولأى من ورثة هؤلاء ( 370 ) .
135 - ولأى دائن مطالبة المدين بكل الدين : وكما يجوز للمدين أن يوفى الدين كله لأى دائن متضامن على النحو الذى سبق بيانه وهذه هى فائدة التضامن بالنسبة إلى المدين ، كذلك يجوز لأى متضامن أن يطالب المدين بالدين كله وهذه هى فائدة التضامن بالنسبة إلى الدائنين المتضامنين . وقد $ 219 $ نصت الفقرة الأولى من المادة 281 مدنى ، كما رأينا ، صراحة على هذا الحكم إذ تقول : " يجوز للدائنين المتضامنين ، مجتمعين أو منفردين ، مطالبة المدين بالوفاء ، ويراعى فى ذلك ما يلحق رابطة كل دائن من وصف يعدل من أثر الدين " .
فإذا طالب أحد الدائنين المتضامنين المدين بالوفاء ، وجب على المدين أن يفى له بالدين كله ، ويجوز لهذا الدائن إجبار المدين على ذلك . ومتى استوفى الدائن الدين ، فإن ذمة المدين تبرأ منه بالنسبة إلى الدائن الذى استوفى الدين وبالنسبة إلى سائر الدائنين . ذلك أن التضامن ، كما قدمنا ، يجعل لكل دائن صفة فى استيفاء الدين كله ، بالأصالة عن نفسه وبالوكالة عن غيره من الدائنين المتضامنين . والمخالصة التى يعطيها من استوفى الدين من الدائنين تنفذ فى حقهم جميعاً ، ولو لم تكن ثابتة التاريخ .
وللدائنين المتضامنين أن يطالبوا مجتمعين المدين بالوفاء ، وفى هذه الحالة يتعين على المدين أن يوفى كلاً منهم نصيبه فى الدين .
وعندما يطالب الدائن المتضامن المدين بكل الدين ، يجب عليه ، كما تقول الفقرة الأولى من المادة 281 مدنى ، أن يراعى ما يلحق رابطته بالمدين من وصف يعدل من أثر الدين . فإذا كانت هذه الرابطة معلقة عرى شرط واقف أو مقترنة بأجل ، وجب على الدائن ألا يطالب المدين إلا عند تحقق الشرط وإلا عند حلول الأجل . وقد تكون رابطة أحد الدائنين معلقة على شرط ، ورابطة مدين ثان مقترنة بأجل ، ورابطة مدين ثالث منجزة ، فالأول لا يطالب بالدين إلا عند تحقيق الشرط ، والثانى لا يطالب به إلا عند حلول الأجل ، وللثالث أن يطالب به فوراً ( 371 ) .
$ 220 $
136 - أوجه الدفع التى يحتج بها على الدائن المطالب : تنص الفقرة الثانية من المادة 281 مدنى ، كما رأينا ، على ما يأتى : " ولا يجوز للمدين إذا طالبه أحد الدائنين المتضامنين بالوفاء أن يحتج على هذا الدائن بأوجه الدفع الخاصة بغيره من الدائنين ، ولكن يجوز له أن يحتج على الدائن المطالب بأوجه الدفع الخاصة بهذا الدائن وبأوجه الدفع المشتركة بين الدائنين جميعاً " . فإذا طالب أحد الدائنين المتضامنين المدين بالوفاء ، على الوجه الذى بيناه فيما تقدم ، كان للمدين أن يدفع هذه المطالبة بأوجه الدفع الخاصة بالدائن المطالب وبأوجه الدفع المشتركة بين الدائنين جميعاً ، وليس له أن يدفع المطالبة بأوجه الدفع الخاصة بغير الدائن المطالب من الدائنين .
أما أوجه الدفع الخاصة بالدائن المطالب ، فمثلاً أن تكون الرابطة التى تربط المدين بهذا لدائن مشوبة بعيب فى رضاء المدين لغلط أو تدليس أو إكراه ، أو تكون هذه الرابطة قابلة للفسخ ، أو تكون قد انقضت لمقاصة وقعت بين المدين وهذا الدائن أو تجديد أو إبراء أن تقادم أو نحو ذلك ، وهذه جميعاً يحتج بها المدين على الدائن ، وسنرى تفصيلها فيما يلى .
وأما أوجه الدفع المشتركة بين الدائنين جميعاً ، فمثلها أن يكون العقد الذى أنشأ الالتزام التضامنى باطلاً فى الأصل أو قابلاً للإبطال لنقض فى أهلية المدين أو لعيب فى رضاه من شأنه أن يحتج به على جميع الدائنين ، أو أن يكون العقد قابلاً للفسخ بالنسبة إلى هؤلاء جميعاً ، أو أن يكون المدين قد وفى الدين جميعه لدائن آخر غير الدائن المطالب فبرئت ذمته نحو الجميع على الوجه الذى قدمناه . فهذه الأوجه كلها يحتج بها المدين ، ويدفع بها مطالبة الدائن .
ولا يحتج المدين بأوجه الدفع الخاصة بدائن غير الدائن المطالب ، كما سبق القول . مثل ذلك تدليس أو إكراه صدر من دائن آخر ، أو سبب للفسخ قائم فى جانب دائن آخر ، أو مقاصة أو إبراء أو تجديد أو تقادم وقع بالنسبة إلى دائن آخر إلا فيما يتعلق بحصة هذا الدائن ( 372 ) .
$ 221 $
2 - انقضاء الدين بأسباب أخرى غير الوفاء
137 - المبدأ العام ( تذكرة ) : رأينا أن الفقرة الأولى من المادة 282 مدنى تنص على أنه " إذا برئت ذمة المدين قبل أحد الدائنين المتضامنين بسبب غير الوفاء ، فلا تبرأ ذمته قبل باقى الدائنين إلا بقدر حصة الدائن الذى برئت ذمة المدين قبله " . وقد قدمنا أن الأصل فى ذلك أنه إذا كان كل دائن متضامن وكيلاً عن سائر الدائنين فى استيفاء الدين إذ أن هذا الاستيفاء فى مصلحتهم جميعاً فيرجعون على الدائن كل بحصته فى الدين ، فإنه بالنسبة إلى أسباب الانقضاء الأخرى لا يعتبر الدائن المتضامن وكيلاً عن سائر الدائنين ، بل يكون أصيلاً عن نفسه فحسب . فإذا انقضى الالتزام بسبب من أسباب الانقضاء غير الوفاء . وقام هذا السبب بأحد الدائنين المتضامنين ، برئت ذمة المدين بالنسبة إلى سائر الدائنين من حصة هذا الدائن وحده ، وبقيت مشغولة بباقى الدين . وذلك لأن أسباب الانقضاء الأخرى غير الوفاء لا تفيد سائر الدائنين كالوفاء ، فلا يجوز أن يضاروا بها ( 373 ) .
ونستعرض الآن أسباب الانقضاء المختلفة لنطبق قفى شأنها هذا المبدأ . وقد طبقه التقنين المدنى الجديد تطبيقاً تشريعياً فى التضامن بين المدينين لكثرة وقوعه ، واقتصر فى التضامن بين الدائنين على إيراد المبدأ لندرة هذا التضامن $ 222 $ فى العمل كما قدمنا ( 374 ) .
138 - التجديد : فإذا جدد أحد الدائنين المتضامنين الدين مع المدين ، إما بتغيير محل الدين أو مصدره أو بتغيير المدين أو بتغيير الدائن نفسه ، فإن التجديد يقضى حصة الدائن فى الدين بالنسبة إلى سائر الدائنين . ولأى دائن آخر أن يرجع على المدين ببقية الدين بعد أن يستنزل حصة الدائن الذى وقع منه التجديد ، فلا تبرأ ذمة المدين إذن نحو سائر الدائنين إلا بقدر حصة هذا الدائن ( 375 ) . فإذا ما رجع دائن آخر على المدين بالدين على الوجه المذكور ، فإن المدين يكون قد دفع كل الدين أولاً عن طريق التجديد ، ثم دفعه مرة أخرى منقوصاً منه حصة الدائن الذى وقع منه التجديد ، فيرجع على هذا الدائن بما دفعه فى المرة الأخرى فإن هذا هو القدر الذى دفعه زائداً على ما فى ذمته .
وهذا الحكم يختلف قليلاً عن الحكم المقابل له فى التضامن السلبى ، حيث تنص المادة 286 مدنى على أنه " يترتب على تجديد الدين بين الدائن وأحد المدينين المتضامنين أن تبرأ ذمة باقى المدينين ، إلا إذا احتفظ الدائن بحقه قبلهم " ( 376 ) . وسيأتى تفصيل ذلك فيما يلى .
$ 223 $
139 - المقاصة : وإذا وقعت مقاصة ما بين أحد الدائنين المتضامنين والمدين ، فإن هذه المقاصة لا تقضى الدن بالنسبة إلى سائر الدائنين المتضامنين إلا بقدر حصة الدائن الذى وقعت مع المقاصة . فلا يجوز إذن للمدين أن يتمسك قبل الدائنين بالمقاصة التى وقعت مع واحد منهم إلا بقدر حصة هذا الدائن ( 377 ) ، ثم يرجع المدين على الدائن الذى وقعت مع المقاصة بما دفعه للدائنين الآخرين زائداً عما فى ذمته . وهذا هو أيضاً حكم المقاصة فى التضامن السلبى ( انظر م287 مدنى ) .
140 - إتحاد الذمة : وإذا اتحدت ذمة أحد الدائنين المتضامنين بذمة المدين ، بأن ورث المدين أحد هؤلاء الدائنين ، فإن اتحاد الذمة لا يقضى الدين بالنسبة إلى سائر الدائنين المتضامنين إلا بقدر حصة الدائن الذى وقع معه $ 224 $ اتحاد الذمة ، فلا يتمسك المدين باتحاد الذمة إلا بقدر حصة هذا الدائن ( 378 ) .
وهذا هو أيضاً كحم اتحاد الذمة فى التضامن السلبى ( انظر م288 مدنى ( 379 ) ) .
141 - الإبراء : وإذا أبرأ أحد الدائنين المتضامنين المدين ، لم تبرأ ذمة المدين نحو سائر الدائنين المتضامنين إلا بقدر حصة الدائن الذى صدر منه الإبراء . ويرجع أى دائن آخر على المدين ببقية الدين بعد أن يستنزل نصيب هذا الدائن . وهذا هو أيضاً حكم الإبراء فى التضامن السلبى ( انظر المادة 289 / 1 مدنى ( 380 ) ) .
$ 225 $
142 - التقادم : وإذا تقادم الدين بالنسبة إلى أحد الدائنين المتضامنين ولم يتقادم بالنسبة إلى الآخرين – بأن كان الآخرون مثلاً قد علق حقهم على شرط واقف أو أضيف إلى أجل ، فلم يسر التقادم بالنسبة إليهم إلا بعد سريانه بالنسبة إلى الدائن الأول ذى الحق المنجز ، فلنقضى حق هذا بالتقادم دون أن تنقضى حقوق أولئك – فإن المدين لا يحتج على سائر الدائنين الذين لم ينقص حقهم بالتقادم إلا بقدر حصة الدائن الذى قضى التقادم حقه ( 381 ) . وهذا هو أيضاً حكم التقادم فى التضامن السلبى ( انظر المادة 292 / 1 مدنى ( 382 ) ) .
$ 226 $
3 - أعمال الدائن التى من شأنها تقع سار الدائنين أو الإضرار بهم
143 - المبدأ العام ( تذكرة ) : رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 282 مدنى تنص على ما يأتى : " ولا يجوز لأحد الدائنين المتضامنين أن يأتى عملاً من شأنه الإضرار بالدائنين الآخرين " . وقد قدمنا أن الأصل فى ذلك أن وكالة كل دائن متضامن عن سائر الدائنين المتضامنين إنما تقوم فى كل عمل من شأنه أن ينفعهم ، وهى لا تقوم فى أى عمل من شأنه أن يضر بهم . وهذا جد معقول ، فإن الدائنين المتضامنين إذا وكل كل منهم الآخر فإنما يوكله فيما ينفعه لا فيما يضره . والمبدأ ذاته متبع أيضاً فى التضامن السلبى كما سنرى .
ونطبقه الآن – كما طبقه المشرع فى صدد التضامن السلبى – على نوعين من الأعمال : ( 1 ) أعمال من شأنها نفع الدائنين الآخرين فيسرى أثرها فى حقهم ، ونستعرض منها قطع التقادم ووقفه وإعذار المدين ومطالبته مطالبة قضائية والصلح معه صلحاً يفيد الدائنين وإقراره بالدين والحكم الذى يصدر لصالح أحد الدائنين . ( 2 ) وأعمال من شأنها الإضرار بالدائنين الآخرين فلا يسرى أثرها فى حقهم ، ونستعرض منها إعذار الدائن والخطأ الذى يصدر منه والصلح مع المدين صلحاً يضر الدائنين ونكول الدائن عن اليمين وتوجيه اليمين للمدين والحكم الذى يصدر لصالح المدين .
144 - الأعمال النافعة : إذا قطع أحد الدائنين المتضامنين التقادم ينقطع لصالح سائر الدائنين المتضامنين ، لأن الدائن الذى قطع التقادم يعتبر وكيلاً عنهم فى هذا العمل الذى يفيدهم جمعياً ( 383 ) . وعكس ذلك هو حكم قطع التقادم فى التضامن السلبى ، إذا قطع الدائن التقادم ضد أحد المدينين $ 227 $ المتضامنين ، فإن قطع التقادم ضده لا يضر بالمدينين الآخرين ( انظر المادة 29 / 2 مدنى ) . وإذا كان سريان التقادم موقوفاً بالنسبة إلى أحد الدائنين المتضامنين ، بأن كان مثلاً ناقص الأهلية وليس له ولى ، فإنه لا يوقف بالنسبة إلى باقى الدائنين ممن لا يقوم بهم سبب لوقف التقادم ( 384 ) .
وإذا أعذر أحد الدائنين المتضامنين المدين ، اعتبر المدين معذراً لصالح سائر الدائنين المتضامنين ، لأن الإعذار عمل يفيدهم جميعاً . وكذلك إذا طالب الدائن المدين مطالبة قضائية بالفوائد ، فإن الفوائد تسرى أيضاً لصالح سائر الدائنين . والحكم عكس ذلك فى التضامن السلبى ، فإنما يعتبر مفيداً للدائن يكون ضاراً بالمدين ( انظر المادة 293 / 2 مدنى ) .
وإذا صالح أحد الدائنين المتضامنين المدين ، وتضمن الصلح إقرار المدين بالدين أو رتب فى ذمته التزاماً أو زاد فى التزامه ، فإن هذا الصلح يفيد منه باقى الدائنين ( 385 ) . ( انظر فى التضامن السلبى المادة 294 مدنى ) .وإذا أقر المدين لأحد الدائنين المتضامنين بالدين ، أفاد سائر الدائنين من هذا الإقرار ، بخلاف ما إذا أقر أحد الدائنين للمدين فإن هاذ الإقرار لا يسرى فى حق الباقين ( انظر فى التضامن السلبى المادة 295 / 1 مدنى ) .
وإذا صدر حكم على المدين لصالح أحد الدائنين المتضامنين ، جاز للدائنين المتضامنين الباقين أن يتمسكوا بهذا الحكم لصالحهم ، إلا إذا كان الحكم مبيناً على سبب خاص بالدائن الذى صدر الحكم لصالحه ( انظر فى التضامن السلبى المادة 296 / 2 مدنى ) ( 386 ) .
$ 228 $
145 - الأعمال الضارة : أما إذا أعذر المدين أحد الدائنين المتضامنين ، فإن هذا الإعذار لا يسرى فى حق الباقين ، لأن هذا عمل من شأنه الإضرار بهم وهم لم يوكلوا الدائن المعذر فى عمل يضرهم ( انظر فى التضامن السلبى المادة 293 / 2 مدنى ) .
وإذا ارتكب أحد الدائنين المتضامنين خطأ استوجب مسئوليته قبل المدين ، فإن هذا الخطأ لا يتعدى أثره إلى سائر الدائنين المتضامنين ولا يكونون مسئولين عنه ، ولا يكون أى دائن متضامن مسئولاً إلا عن فعله ( انظر فى التضامن السلبى المادة 293 / 1 مدنى ) .
وإذا صالح أحد المتضامنين المدين وكان الصلح ينطوى على نزول من الدائن عن بعض حقه ، فإن هذا الصلح لا يسرى فى حق الدائنين المتضامنين الآخرين ، ولا يعد هؤلاء نازلين عن بعض حقهم إلا إذا قبلوا هذا الصلح ( انظر فى التضامن السلبى المادة 294 مدنى ) ( 387 ) .
وفى توجيه اليمين ، إما أن يوجه المدين اليمين لأحد الدائنين المتضامنين أو يوجه أحد الدائنين المتضامنين اليمين للمدين . ففى الحالة الأولى ، إذا حلف الدائن المتضامن أفاد من حلفه الباقون ، وإذا نكل لم يضار الباقون بنكوله . وفى الحالة الثانية ، إذا حلف المدين لم يضار الدائنون الآخرون بحلفه ، وإذا نكل أفاد من نكوله الدائنون الآخرون ( انظر فى التضامن السلبى المادة 259 / 2 و3 مدنى ) .
$ 229 $
وإذا صدر حكم ضد أحد الدائنين المتضامنين لصالح المدين ، فإن هذا الحكم لا يحتج به ضد سائر الدائنين المتضامنين ( انظر فى التضامن السلبى المادة 296 / 1 مدنى ) ( 388 ) .
وهكذا يضطرد المبدأ الذى قدمناه : ما كان من عمل يفيد سائر الدائنين فإنهم يفيدون منه ، وما كان من عمل يضرهم فإنهم لا يضارون به .
المطلب الثانى
علاقة الدائنين المتضامنين بعضهم ببعض
146 - النصوص القانونية : تنص المادة 283 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - كل ما يستوفيه أحد الدائنين المتضامنين من المدين يصير من حق الدائنين جميعاً ويتحاصون فيه " .
" 2 - وتكون القسمة بينهم بالتساوى ، إلا إذا وجد اتفاق أو نص يقضى بغير ذلك " ( 389 ) .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 107 / 161 ( 390 ) .
$ 230 $
ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 283 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 270 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 319 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المواد 20 - 22 ( 391 ) .
147 - انقسام الدين فى علاقة الدائنين بعضهم ببعض : إذا كان الدين لا ينقسم على علاقة الدائنين المتضامنين بالمدين ، بل يجوز لأى دائن استيفاء كل الدين من المدين ويجوز للمدين دفع الدين كله لأى دائن ، فإن الدين فى علاقة الدائنين بعضهم ببعض ينقسم . وما يستوفيه أحد الدائنين المتضامنين من الدين يصير من حق الدائنين جميعاً ، منقسماً بينهم لكل منهم حصته ( م283 / 1 مدنى ) .
$ 231 $
وهذه القاعدة تسرى أياً كانت طريقة الدائن فى استيفاء الدين . فيجوز أن يستوفيه رأساً من المدين ، كما يجوز أن يستوفيه من كفيل للمدين . أو من محال عليه إذا حول المدين الدائن بحق للمدين على الغير وهذه هى حوالة الحق ، أو حوله بالدين على مدين آخر وهذه هى حوالة الدين ( 392 ) .
وتسرى القاعدة أيضاً أياً كان المقدار الذى استوفه الدائن : كل الدين أو بعضه . فإذا كان قد استوفى بعض الدين ، جاز لكل دائن آخر أن يرجع عليه رجوعاً جزئياً بقدر حصته فى هذا لبعض . أما إذا اتفق الدائن مع المدين على أن يفى له بحصته وحده فى الدين ، فقد قدمنا أن هذا الاتفاق يصح ، وتبرأ ذمة المدين بقدر هذه الحصة ، ويكون لأى دائن آخر أن يطالب المدين ببقية الدين بعد أن يستنزل حصة الدائن الذى استوفى حصته ( 393 ) ، وإن كان هناك رأى يذهب إلى أن الدائنين الآخرين لهم حتى فى هذه الحالة الرجوع على المدين الذى قبض حصته كل بنسبة حصته فى الدين ( 394 ) ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ( 395 ) .
$ 232 $
148 - الأساس القانون لرجوع كل دائن بحصته : ويجب أن نلتمس الأساس القانون لرجوع كل دائن بحصته فى العلاقة التى قام التضامن على أساسها بين الدائنين المتضامنين . فهم ولا شك شركاء فى مصلحة واحدة . فقد يكونون ملاكاً على الشيوع لدار باعوها معاً متضامنين فى استيفاء الثمن من المشترى . فعقد البيع الذى أنشأ الالتزام بالثمن وأنشأ فى الوقت ذاته علاقة التضامن ما بين البائعين يمكن أن تستخلص منه ، فى هذه الحالة ، وكالة ضمنية صادرة من كل بائع للبائعين الآخرين فى استيفاء الثمن نيابة عنه وبتوكيله . فإذا أمكن استخلاص ذلك – وهو ممكن فى أكثر الأحوال – كان أساس الرجوع هو عقد الوكالة الضمنى المستخلص من رابطة التضامن ( 396 ) .
وإذا لم يمكن استخلاص وكالة ضمنية ، فإن قبض أحد الدائنين لجميع الدين إنما يكون أصالة فى حصته ، وفضالة فى حصص سائر الدائنين . فيرجع هؤلاء على الدائن الذى استوفى الدين ، كل بقدر حصته ، على مقتضى قواعد الفضالة .
وسنرى فى التضامن السلبى أن المدين المتضامن ، إذا وفى كل الدين ، رجع على المدينين المتضامنين كل بقدر حصته ، إما بدعى شخصية تقوم على الوكالة أو الفضالة كما فى التضامن الإيجابى ، وإما بدعوى الحلول فيحل المدين الذى وفى الدين محل الدائن فى الدين الذى وفاه . ولا تتصور دعوى الحلول فى التضامن الإيجابى ، فإن هذه الدعوى لا تكون إلا لمدين دفع الدين ويريد الرجوع على المدينين الآخرين فيحل محل الدائن فى هذا الرجوع ، ولا شئ من ذلك فيما نحن فيه .
وتقو المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى بيان الأسس الذى يقوم عليه حق الرجوع ما يأتى : " وليس يبقى بعد ذلك سوى بيان الأساس الفقهى الذى يقوم عليه رجوع الدائنين المتضامنين فيما بينهم . وغنى عن البيان أن دعوى الحلول ، لا يتصور أن تتخذ أساساً فى هذا الشأن . فالأمر سينحصر إذن فى $ 233 $ الدعوى الشخصية ، وهى تؤسس على ما يكون بين هؤلاء الدائنين من علاقات سابقة ، قد يكون مصدرها وكالة أو فضالة " ( 397 ) .
149 - كيف تتعين حصة كل دائن متضامن : يغلب أن يكون هناك اتفاق سابق بين الدائنين المتضامين يعين لكل دائن حصته فى الدين . وقد يتولى القانون هذا التعيين إذا لم يكن هناك اتفاق . فإذا أغفل البائعون فى الشيوع مثلاً تعيين نصيب كل منهم فى الثمن ، فإن القواعد القانونية تقضى بأن الثمن ينقسم بينهم كل بنسبة حصته فى الدار الشائعة المبيعة .
بل إن القواعد القانونية قد تقضى بأن يكون أحد الدائنين المتضامنين هو وحده صاحب المصلحة فى الدين ، وذلك إذا كان الدائنون الآخرون ليسو إلا وكلاء سخرهم للعمل بالنيابة عنه ، وجعلهم دائنين متضامنين معه . ففى مثل هذه الحالة إذا كان الذى استوفى الدين من المدين هو الدائن صاحب المصلحة فيه ، فليس لأحد من الآخرين حق الرجوع عليه بشئ . أما إذا كان الذى استوفى الدين هو دائن آخر ، فإن صاحب المصلحة فى الدين يرجع عليه بكل ما قبض ، لأنه هو وحده صاحب الدين ( 398 ) .
فإذا لم يوجد اتفاق بين الدائنين أو نص فى القانون ، لم يبق إلا اعتبار الدائنين المتضامنين متساوين جميعاً فى حصصهم ، وقسم الدين بينهم بحسب الرؤوس ( parts viriles ) ، وهذا ما تقضى به الفقرة الثانية من المادة 283 مدنى ( 399 ) .
$ 234 $
" فلو فرض – كما تقول فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى – أن أحد دائنين ثلاثة استوفى كل الدين ، وكان مقداره 300 جنيه ، تعيين انقسام المبلغ بينهم بالتساوى ، فيكون لكل من الدائنين الآخرين أن يرجع على الدائن الأول بمبلغ مائة جنيه . ولو فرض أن هذا الدائن أعسر إعساراً جزئياً لا ياح معه إلا أداء نصف ديونه ، تحمل الدائنان الآخران تبعة هذا الإعسار كل بنسبة نصف نصيبه ( فيحصل كل منهما على خمسين جنيهاً بدلاً من مائة ، ولا يتحمل المدين تبعة إعسار الدائن وهذه هى فائدة التضامن بالنسبة إليه ) . وكذلك يكون الحكم لو أن المدين نفسه هو الذى أعسر ولم يتيسر لمن طالبه من الدائنين المتضامنين إلا استيفاء نصف الدين أى مبلغ 150 جنيه ، فلا يكون لكل من الدائنين الآخرين فى هذه الحالة أن يستوفى إلا مبلغ خمسين جنيهاً ، وعلى هذا النحو يتحمل الدائنون الثلاثة تبعة هذا الإعسار كل بنسبة النصف من نصيبه " ( 400 ) .
المبحث الثالث
صورة خاصة من التضامن بين الدائنين
( الدين المشترك )
150 - الدين المشترك صورة خاصة من التضامن بين الدائنين يعرفها الفقه الإسلامى والتقنين المدنى العراقى دون التقنين المدنى المصرى وسائر التقنينات المدنية العربية : وهناك صورة خاصة من التضامن بين الدائنين لا تصل إلى المدى الذى رسمناه فيما تقدم ، بل تقصر عنه فى بعض النواحى ، وهذه الصورة الخاصة هى ما يعرفه الفقه الإسلامى تحت اسم " الدين $ 235 $ المشترك ( 401 ) " . وقد نقلها عن الفقه الإسلامى – وعن المجلة بنوع خاص – التقنين المدنى العراقى ، ولم ينقلها التقنين المدنى المصرى ولا التقنينات المدنية العربية الأخرى . ومن ثم يكون هذا البحث مقصوراً ، من ناحية التطبيق ، على التقين المدنى العراقى دون غيره من التقنينات المدنية العربية .
ونبحث الدين المشترك كما بحثنا التضامن بين الدائنين ، فنستعرض : ( أولاً ) مصدر الدين المشترك ( ثانياً ) الآثار التى تترتب على الاشتراك فى الدين .
$ 236 $
المطلب الأول
مصدر الدين المشترك
151 - نص فى التقنين المدنى العراقى : تنص المادة 303 من التقنين المدنى العراقى على ما يأتى :
" 1 - يكون الدين مشتركاً بين عدة دائنين إذا نشأ من سبب واحد ، وكان غير متجزئ إما لوحدة الصفقة أو لسبق الاشتراك فى المال الذى نشأ عنه الدين " .
" 2 - فيعتبر ديناً مشتركاً ثمن المبيع المشترك بين اثنين أو أكثر ، وثمن الشيئين ولو كانا غير مشتركين ، ما دام البيع فى الحالتين قد صدر صفقة واحدة من غير تعيين ثمن حصة كل واحد . ويعتبر ديناً مشتركاً كذلك الدين الآيل بالإرث إلى عدة ورثة ، وقيمة المال المشترك إذا استهلك ، وبدل القرض المستقرض من مال مشترك " .
ويتبين من هذا النص أن الدين المشترك بين عدة دائنين له مصدر واحد $ 237 $ لا يتعدد . ويجب إلى جانب ذلك أن يكون هناك اشتراك فى الدين بين الدائنين ، فما لم يوجد هذا الاشتراك انقسم الدين على الدائنين المتعددين وأصبح ديناً متعدد الأطراف ( obligation conjointe ) على النحو الذى قدمناه .
والاشتراك فى الدين إما أن يرجع إلى طبيعة الأشياء بأن يكون المال الذى نشأ عنه الدين مالاً مشتركاً ( أى شائعاً ) بين الدائنين فينشأ الاشتراك فى الدين من سبق الاشتراك فى المال الذى نشأ عنه الدين ، وإما أن يرجع إلى اتفاق المتعاقدين إذا تعدد الدائنون واتفقوا مع المدين على أن يكون الدين مشتركاً بينهم وذلك بأن يجعلوا الصفقة واحدة .
فهناك إذن مصدران للاشتراك فى الدين : ( 1 ) سبق الاشتراك فى المال الذى نشأ عنه الدين ( 2 ) ووحدة الصفقة . فنتناولهما متعاقبين بالبحث .
152 - سبق الاشتراك فى المال الذى نشأ عنه الدين : فى هذه الصورة يكون هناك مال شائع بين اثنين أو أكثر ويكون هذا المال هو مصدر الدين المشترك .
ويصح فى هذه الحالة أن ينشأ الدين مشتركاً مذ البداية ، ويتحقق ذلك إذا آل دين للتركة إلى ورثة متعددين . فإذا كان للتركة دين فى ذمة مدين لها ، وكان الورثة ثلاثة مثلاً – زوجاً وابناً وبنتاً – فكان للزوج الربع وللابن النصف وللبنت الربع ، كان هذا الدين الذى للتركة ديناً مشتركاً منذ البداية بين الورثة الثلاثة بالحصص المتقدمة الذكر ( 402 ) .
وقد يكون الموجود فى البداية هو المال الشائع لا الدين المشترك ، ثم ينشأ الدين المشترك بعد ذلك عن المال الشائع . مثل ذلك أن يرث ورثة متعددون عيناً من أعيان التركة على الشيوع ويبيع الورثة العين صفقة واحدة ، فالدين بالثمن الذى نشأ عن هذا المال الشائع يكون ديناً مشتركاً بين الورثة المتعددين . وقد يكون سبب الشيوع فى العين سبباً آخر غير الميراث ويبيع الملاك فى الشيوع $ 238 $ العين صفقة واحدة ، فيكون الدين بالثمن هنا أيضاً ديناً مشتركاً بين البائعين المتعددين . وإذا كانت العين الشائعة بين الملاك المتعددين قد أتلفها شخص فوجب عليه التعويض لملاك العين ، فالدين بالتعويض الذى نشأ عن هذا المال الشائع يكون ديناً مشتركاً بين الملاك المتعددين . وإذا أقرض الملاك المتعددون شخصاً مالاً شائعاً بينهم ، فالدين يرد القبض وقد نشأ عن مال شائع يكون ديناً مشتركاً بين المقرضين المتعددين ( 403 ) .
ونرى من الأمثلة المتقدمة أن الدين المشترك فى الصورة التى نحن بصددها هو دين قابل للتجزئة ، ولكن طبيعة الأشياء – أى سبق الاشتراك فى المال – اقتضت أن يبقى الدين مشتركاً بين الدائنين المتعددين .
$ 239 $ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ( غير موجودة )
$ 240 $ وثقوا علاقاتهم بعضهم ببعض أكثر مما وثقوها فيما إذا اتفقوا على الاشتراك فى الدين . وسنرى أن الآثار التى تترتب على الاشتراك فى الدين أقل مدى من تلك التى رأيناها تترتب على التضامن بين الدائن .
المطلب الثانى
الآثار التى تتربت على الاشتراك فى الدين
155 - المبادئ الرئيسية : يترتب على الاشتراك فى الدين ضرب من التضامن بين الدائنين هو فى جملته أقل توثيقاً من التضامن العادى الذى سبق بيانه . ويجب التمييز فى هذا الصدد بين علاقة الدائنين بالمدين وعلاقة الدائنين بعضهم ببعض .
( أولاً ) فمن حيث علاقة الدائنين بالمدين : ينقسم الدين على الدائنين ، ولا يستطيع أى دائن منهم أن يرجع على المدين إلا بحصته فى الدين ، يستوفيها بأى طريق من طرق الاستيفاء ، أى يقضيها بأى سبب من أسباب الانقضاء . وفى هذا يختلف الاشتراك فى الدين عن التضامن بين الدائنين اختلافاً بينا ، فقد رأينا أن الدائن المتضامن يستطيع الرجوع على المدين بكل الدين ، بحصته وبحصص شركائه ، وهؤلاء يرجعون عليه بعد ذلك كل منهم بحصته . وبينا أن هذا هو موضع الضعف فى التضامن ، فهو ضمان للمدين أكثر منه ضماناً للدائن ، إذ المدين تبرأ ذمته بدفع الدين كله لأحد الدائنين ، فإذا ما استوفى هذا كل الدين تعرض شركاؤه لخطر إعساره عند رجوعهم عليه بحصصهم .
وينبنى على أن الدائن فى الدين المشترك لا يرجع على الدين إلا بحصته أن كثيراً من مسائل التضامن فى الحالات التى ينقضى فيها الالتزام التضامنى بسبب غير الوفاء ، كالمقاصة والتجديد واتحاد الذمة والإبراء والتقادم ، لا تعرض فى الدين المشترك ، إذ الدائن فى هذا الدين لا يستوفى إلا حصته ، فلا محل للتساؤل عما إذا كان الدائنون الآخرون يحتج عليهم بانقضاء الدين كله أو بمقدار حصة شريكهم فحسب . ثم إن النيابة التبادلية لا محل لها فى الدين المشترك ، فالدائن فى هذا الدين لا يقبض إلا حصته ، فلا محل للقول بأنه يمثل شركاءه فى قبض $ 241 $ حصصهم . ونرى من ذلك أن كثيراً من الصعوبات التى تقوم فى نظام التضامن لا وجود لها فى نظام الدين المشترك ، وأن هذا النظام يفضل نظام التضامن من حيث علاقة الدائنين بالمدين .
( ثانياً ) أما من حيث علاقة الدائنين بعضهم ببعض ، فهنا تتجلى ذاتية نظام الدين المشترك . وإذا كان هذا النظام لا يخرج كثيراً عن القواعد العامة فى ناحية علاقة الدائنين بالمدين ، فإنه فى علاقة الدائنين بعضهم ببعض ينحرف كثيراً عن هذه القواعد وتبرز مقوماته الرئيسية ، بل هو يقرب فى هذه الناحية من نظام تضامن الدائنين .
فالدائن إذا قبض حصته فى الدين من المدين ، كان للدائنين الآخرين أن يشاركوه فيما قبض كل بنسبة حصته فى الدين ( 404 ) . ثم يرجعون ، وهو معهم ، $ 242 $ على المدين بما بقى لهم فى ذمته . وللدائنين الآخرين أن يتركوا الدائن الذى قبض حصته ويتبعوا المدين بحصصهم ، فإذا كان المدين معسراً عند مطالبتهم إياه كان من حقهم أن يرجعوا على الدائن الذى قبض حصته ليحملوه نصيبه من التبعة عن إعسار المدين . وفى هذه القواعد يتمثل الضمان الذى ينطوى عليه نظام الدين المشترك . فكل دائن إذا قبض حصته لم تخلص له ، بل يبقى ضامناً للدائنين الآخرين حصصهم ويتحمل معهم تبعة إعسار المدين ( 405 ) . وللدائنين الآخرين $ 243 $ فى هذا وسيلتان : فأما أن يشاركوه فى حصته التى قبضها ، وإما أن يرجعوا عليه بالضمان إذا طالبوا المدين بحصصهم فوجدوه معسراً . وهذا ما يسبغ على نظام الدين المشترك قوته من حيث هو ضمان للدائنين . وهذا فى الوقت ذاته موطن الضعف فى هذا النظام ، فالدائن الذى يقبض حصته لا تخلص له الحصة كما قدمنا ، ولا يستطيع أن يطمئن إلى أنه قد استولى على حصته إلا بعد أن يستولى الدائنون الآخرون أيضاً على حصصهم .
ونظام تضامن الدائنين لا يبعد كثيراً عن هذا النظام . فقد رأينا أن الدائن المتضامن إذا قبض من المدين جزءاً من الدين ، حتى لو كان هذا الجزء معادلاً لحصته على خلاف فى الرأى ، جاز للدائنين الآخرين أن يشاركوه فيما قبض كل بنسبة حصته . ورأينا كذلك أن المدين إذا أعسر تحمل كل الدائنين تبعة هذا الإعسار . ففى هذه الأحكام يتلاقى نظام الدين المشترك مع نظام تضامن الدائنين .
156 - جواز الاتفاق على استبعاد الاشتراك فى الدين : ومهما يكن من أمر الدين المشترك ، أو ما ينطوى عليه نظامه من مزايا وعيوب ، فإنه يجوز أن يتفق ذوو الشأن على استبعاد هذا النظام . وقد نصت المادة 314 من التقنين المدنى العراقى على أنه " 1 - فى الدين المشترك يجوز الاتفاق فيما بين الشركاء على أن يكون لكل منهم الحق فى قبض حصته من الدين ، من غير أن يكون لسائر الشركاء الرجوع عليه لو توت حصصهم . 2 - وفى هذه الحالة ينقسم الدين المشترك على الدائنين قسمة تامة ، ويختص كل منهم بحصته فى الدين من غير أن يشاركه فيها غيره بوجه من الوجوه " .
ونظام الدين المشترك ، فى حالة وحدة الصفقة ، ليس فى حالة إلى الاستبعاد ، لأن ذوى الشأن فى هذه الحالة هم الذين أرادوا هذا النظام وعبروا عن هذه الإرادة من طريق وحدة الصفقة ، فإذا كانوا لا يريدونه فليس أيسر عليهم من أن يتجنبوا طريقه . ولكن نظام الدين المشترك فى حالة سبق الاشتراك فى المال الذى $ 244 $ نشأ عنه الدين هو الذى يكون فى حاجة إلى الاستبعاد ، فإن النظام فى هذه الحالة يكون مفروضاً على ذوى الشأن إلا إذا اتفقوا على استبعاده ، كما تقضى المادة 314 من التقنين المدنى العراقى سالفة الذكر .
والاستبعاد يكون باتفاق الدائنين فيما بينهم على أن يستقل كل دائن بحصته فى الدين ، فإذا قبضها لم يشاركه فيها الدائنون الآخرون ، وتخلص له الحصة حتى لو أعسر المدين بعد ذلك ، فلا يكون للدائنين حق الرجوع عليه لتحميله نصيبه فى هذا الإعسار . ومن ثم ينقسم الدين المشترك قسمة تامة على الدائنين ، ويصبح ديناً متعدد الأطراف ( obligation conjointe ) كل دائن له جزء من الدين يستقل به ولا يشاركه فيه الدائنون الآخرون بوجه من الوجوه . وقد لجأ التقنين المدنى العراقى إلى هذه الوسيلة حتى يفتح الطريق أمام ذوى الشأن لتجنب عيوب نظام الدين المشترك إذا شاءوا ذلك ( 406 ) .
ونبحث الآن آثار الاشتراك فى الدين : ( 1 ) من حيث علاقة الدائنين بالمدين ( 2 ) ومن حيث علاقة الدائنين بعضهم ببعض وهى الناحية التى تبرز فيها مقومات الدين المشترك كما قدمنا .
$ 245 $
1 - العلاقة ما بين الدائنين والمدين فى الدين المشترك
157 - المسائل الرئيسية : قدمنا أن كل دائن فى علاقته بالمدين يطالبه بحصته فى الدين وحدها ، فيستوفيها بطريق من طرق الوفاء ، ومن ثم $ 246 $ ينقسم الدين على الدائنين فى علاقتهم بالمدين خلافاً للدين التضامنى . ثم إن علاقة كل دائن بالمدين قد تنقضى بسبب من أسباب انقضاء الالتزام غير الوفاء . ولا تقوم بين الدائنين المشتركين فى الدين أية نيابة تبادلي ، لا فيما يضر ولا فيما ينفع . هذه هى المسائل الرئيسية الثلاث التى نتناولها بالبحث مسألة مسألة ( 407 ) .
158 - الوفاء : لأى دائن أن يطالب المدين بحصته فى المدين كما قدمنا ، ولا يستطيع أن يطالبه بأكثر من حصته ولو كان الدين كله مضموناً بتأمين شخصى أو عينى . كذلك يستطيع المدين أن يفى لأى دائن بحصته فى الدين دون زيادة ( 408 ) ، فتبرأ ذمته من هذه الحصة ، إلا إذا شارك فيها الدائنون الآخرون فعند ذلك يعود الدائن الذى قبض حصته فيطالب المدين بما نقص منها بعد هذه المشاركة . وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 304 من التقنين المدنى العراقى على أنه " إذا كان الدين مشتركاً ، فلكل واحد من الشركاء أن يطلب حصته منه " ( 409 ) . وحصة كل دائن فى الدين تتحدد باتفاق بين الدائنين ، $ 247 $ وقد يكون القانون هو الذى يحددها كما لو كان الدائنون ورثة فى مال شائع وباعوه صفقة واحدة فيكون الثمن ديناً مشتركاً بينهم كل له فيه بنسبة حصته فى الإرث على الوجه الذى يحدده قانون الميراث . فإذا لم يوجد اتفاق أو نص فى القانون يحدد مقدار حصة كل دائن ، فالمفروض أن حصصهم متساوية .
وقد يستوفى الدائن حصته من كفيل أو محال عليه ، بأن يكون للمدين كفيل فيرجع عليه الدائن بحصته ، أو يحيل المدين الدائن بحصته على مدين آخر .
$ 248 $
وتنص المادة 306 من التقنين المدنى العراقى فى هذا الصدد على أنه " إذا أخذ أحد الشركاء من المدين كفيلاً بحصته فى الدين المشترك ، أو أحاله المدين على آخر ، فللشركاء أن يشاركوه فى المبلغ الذى يأخذه من الكفيل أو المحال عليه " . بل يجوز أن يستوفى الدائن حصته بأن يحيل هو شخصاً آخر بهذه الحصة على المدين ، والحوالة هنا تكون حوالة حق لا حوالة دين .
وللدائن كذلك أن يستوفى حصته فى الدين عن طريق الوفاء بمقابل ، فيأخذ من المدين مالاً آخر بحصته ، يشتريه أو يستأجره . وهذا ما تنص عليه المادتان 307 و308 من التقنين المدنى العراقى . فتنص المادة 307 على أنه " إذا اشترى أحد الشركاء بحصته من الدين المشترك مالاً من المدين ، فشركاؤه مخيرون إن شاءوا ضمنوه ما أصاب حصصهم من ثمن ما اشتراه ، وإن شاءوا رجعوا بحصصهم على المدين " . وتنص المادة 308 على أنه " إذا استأجر أحد الشركاء بحصته من المدين المشترك شيئاً ، صار قبضاً لحصته ، ولشركائه الخيار فى تضمنيه ما أصاب حصصهم وفى أتباع المدين " .
159 - انقضاء الدين بأسباب أخرى غير الوفاء : وقد ينقضى التزام المدين بحصة الدائن بسبب آخر غير الوفاء فينقضى الالتزام بالتحديد ، بأن يتفق الدائن مع المدين على تجديد هذه الحصة فى الدين بتغيير المحل أو السبب أو الدائن أو المدين . وينقضى الالتزام بالمقاصة بأن يثبت للمدين فى ذمة الدائن ، قبل وجوب الدين المشترك أو بعده ( م311 من التقنين المدنى العراقى ) ، دين مقابل نشأ عن عقد كأن يكفل الدائن للمدين مديناً للمدين ويرجع المدين عليه باعتباره كفيلاً ( م312 / عراقى ) ، أو نشأ عن عمل غير مشروع كأن يتلف الدائن للمدين مالً فيجب عليه التعويض ( م312 / 1 عراقى ) ، أو نشأ عن أى مصدر آخر ، وتوافرت شروط المقاصة القانونية ، فإن الدينين يتلاقيان قصاصاً فينقضيان . وينقضى الالتزام باتحاد الذمة ، بأن يموت الدائنين ويرثه المدين . وينقضى الالتزام بالإبراء أو بالهبة ، بأن يبرئ الدائن المدين من حصته فى الدين أو يهبه إياها ( م313 عراقى ) ، فينقضى الدين بالإبراء أو بالهبة . وينقضى الالتزام بالتقادم ، وقد تتقادم حصة أحد الدائنين دون أن تتقادم حصص الآخرين بأن يقطع الدائنون الآخرون التقادم ، دون أن $ 249 $ يقطعه الدائن الأول ، فتنقضى حصة هذا الدائن بالتقادم دون أن تنقضى حصص الآخرين .
ويلاحظ أنه فى أسباب الانقضاء المتقدمة الذكر لا ينقضى الدين كله كما قدمنا ، وإنما تنقضى حصة أحد الدائنين ، فلا يعرض فى هذه الحالات ما كان يعرض فى صدد تضامن الدائنين من أن للمدين أن يحتج بمقدار حصة من قام به سبب الانقضاء . ذلك لأن أى دائن فى الدين المشترك لا يطالب المدين إلا بحصته فى الدين ، وليس بكل الدين كما فى تضامن الدائنين ، فلا محل لأن يحتج المدين عليه بانقضاء حصة دائن آخر ما دام الدائن الأول لا يطالب إلا بحصته هو .
وسنرى ، عند الكلام فى علاقة الدائنين بعضهم ببعض ، كيف يرجع الدائنون الآخرون على الدائن الذى انقضت حصته بسبب غير الوفاء .
160 - عدم قيام النيابة التبادلية بين الدائنين : ثم إن الدائنين فى الدين المشترك لا تقوم بينهم نيابة تبادلية كما تقوم فى التضامن على ما قدمنا ، وذلك لا فيما يضر ولا فيما ينفع .
فإذا قطع أحد الدائنين التقادم على المدين ، فإنما يقطعه فى حصته ، ولا ينقطع التقادم بالنسبة إلى حصص الآخرين . وكذلك إذا وقف التقادم بالنسبة إلى أحد الدائنين ، فإنه لا يقف تبعاً ذلك بالنسبة إلى الآخرين .
وكل دائن مسئول وحده عن خطأه ، ولا يسأل عن خطأ الآخرين .
وإذا أعذر أحد الدائنين المدين أو قاضاه ، فإنما يعذره أو يقاضيه فى حصته وحدها ، ولا يتعدى أثر ذلك إلى حصص الدائنين الآخرين . وإذا أعذر المدين أحد الدائنين ، فلا يكون هذا إعذاراً للباقين .
وإذا صالح أحد الدائنين المدين فإنما يصالحه على حصته وحدها ، ولا يضر هذا الصلح الدائنين الآخرين ولا ينفعهم .
وإذا أقر أحد الدائنين للمدين ، أو أقر المدين لأحد الدائنين ، فإن الإقرار يقتصر أثره على المقر ، ولا يفيد الدائنين الآخرين ولا يضرهم ( 410 ) .
$ 250 $
واليمين إذا جهت من أحد الدائنين إلى المدين ، أو وجهت من المدين إلى أحد الدائنين ، فحلف من وجهت إليه اليمين أو نكل ، فإن أثر ذلك كله لا يتعدى إلى الدائنين الآخرين .
والحكم الصادر لمصلحة أحد الدائنين أو ضده لا يسرى فى حق الدائنين الآخرين ، إلا إذا كان الدائنون ورثة فكل منهم يعتبر ممثلاً للآخرين ( 411 ) .
2 - علاقة الدائنين بعضهم ببعض فى الدين المشترك
161 - المسائل الرئيسية : قدمنا أن أيا من الدائنين إذا قبض حصته من الدين المشترك أو استوفاها بأى سبب آخر ، كان للدائنين الآخرين أن يشاركوه فيها عيناً ، أو أن يتبعوا المدين فإن كان معسراً رجعوا على الدائن الذى قبض حصته فحملوه نصيبه فى إعسار المدين . فنتكلم فى حالة ما إذا شارك الدائنون الآخرون الدائن ، ثم فى حالة ما إذا رجعوا عليه بنصيبه فى إعسار المدين .
162 - مشاركة الدائنين الآخرين للدائن فى حصة : تنص الفقرة الثانية من المادة 304 من التقنين المدنى العراقى على ما يأتى : " فإذا قبض أحد الشركاء شيئاً من الدين المشترك ، فالشركاء الآخرون بالخيار ، إن شاءوا شاركوه فيما قبض عيناً ويتبعون هم والقابض المدين بما بقى لكل منهم فى ذمته ، وإن شاءوا تركوا للقابض ما قبضه واتبعوا المدين بحصتهم " . ويتبين من هذا النص أنه إذا قبض أحد الدائنين من المدين شيئاً من الدين المشترك ، سواء كان ذلك بمقدار حصته أو بأقل أو بأكثر ( 412 ) ، كان للدائنين الآخرين أن يشاركوه فيما قبضه عيناً كل بنسبة حصته فى الدين ، فلو فرضنا أن الدين المشترك $ 251 $ تسعمائة وأن الدائنين ثلاثة بحصص متساوية ، وقبض أحدهم من المدين حصته وهى ثلثمائة ، كان لكل من الدائنين الآخرين أن يشارك الدائن الأول فيما قبض فيأخذ منه مائة . وعند ذلك يكون كل من الثلاثة الدائنين قد استوفى من حصته مائة ، ويبقى له مائتان . فإذا فرض أن دائناً منهم استوفى بعد ذلك من المدين مائة وخمسين ، جاز لكل من الدائنين الآخرين أن يشارك هذا الدائن فيما قبض فيأخذ منه خمسين . وعند ذلك يكون كل من الثلاثة الدائنين قد استوفى من حصته مائة وخمسين ، ويبقى له مائة وخمسون . فإذا قبض أحدهم من المدين بعد ذلك مائة وخمسين ، جاز لكل من الآخرين أن يشاركه فيما قبض فيأخذ منه خمسين . وعند ذلك يكون كل من الثلاثة الدائنين قد استوفى من حصته مائتين ، ويبقى له مائة . وهكذا كلما قبض أحد الدائنين من المدين ما بقى من حصته أو جزءاً من ذلك ، جاز للدائنين الآخرين أن يشاركاه فيما قبض على النحو المتقدم الذكر ، حتى يستوفى كل من الثلاثة حصته بأكملها ( 413 ) .
وقد يقبض أحد الدائنين شيئاً من الدين المشترك ويتصرف فيه بالبيع أو الهبة أو غير ذلك من التصرفات أو يستهلكه ، فعند ذلك يكون للدائنين الآخرين – إذا اختاروا مشاركته – أن يرجعوا عليه بالضمان بنسبة حصة كل منهم على الوجه المتقدم الذكر . أما إذا كان المقبوض عيناً وتلفت فى يد القابض بسبب أجنبى ، فإن القابض يعتبر مستوفياً لما قبضه ويحسب عليه من حصته ، ولا يكون للدائنين $ 252 $ الآخرون رجوع عليه ، وإنما يطالبون المدين بحصصهم فى الدين ( 414 ) . وتنص المادة 305 من التقنين المدنى العراقى فى هذا الصدد على ما يأتى : " 1 - إذا قبض أحد الشركاء حصته من الدين المشترك ، وأخرجها من يده بوجه من الوجوه أو استهلكها ، فللشركاء الآخرين أن يضمنوه نصيبهم منها . 2 - أما إذا تلفت فى يده بلا تقصير منه ، فلا يضمن نصيب شركائه فى المقبوض ويكون مستوفياً حقه . وما بقى من الدين بذمة المدين يكون للشركاء الآخرين " .
وما قدمناه من رجوع الدائنين على الدائن الذى قبض شيئاً من الدين المشترك يسرى أياً كانت كيفية استيفاء الدائن لما قبض ، فقد يقبض عن طريق وفاء المدين له للجزء الذى قبضه ، وقد يقبض عن طريق رجوعه على كفيل المدين أو من أحال عليه المدين الدين ( م306 عراقى ) .
أما إذا قبض أحد الدائنين مقابلاً لحصته ، فليس للدائنين الآخرين أن يشاركوه عيناً فيما قبض من المقابل ، بل كل ما لهم هو أن يرجعوا عليه بالضمان بنسبة حصة كل منهم . فإذا اشترى أحد الشركاء بحصته من الدين المشترك مالاً من المدين ، فشركاؤه مخيرون ، إن شاءوا ضمنوه ما أصاب حصصهم من ثمن ما اشتراه ، وإن شاءوا رجعوا بحصصهم على المدين ، وليس لهم أن يشاركوه فى المال المشترى إلا إذا تراضوا على ذلك ( م307 عراقى ) . وإذا استأجر أحد الشركاء بحصته من الدين المشترك شيئاً ، صار قابضاً لحصته ، ولشركائه الخيار فى تضمينه ما أصاب حصصهم أو اتباع المدين ( م308 عراقى ) .
وإذا صالح أحد الدائنين المدين عن حصته من الدين المشترك ، فإن كان بدل الصلح من جنس الدين ، شركاؤه إن شاءوا شاركوه فى المقبوض وإن شاءوا $ 253 $ اتبعوا المدين . وإن كان بدل الصلح من خلاف جنس الدين ، فالشركاء بالخيار أيضاً فى اتباع المدين أو الشريك المصالح ، وللشريك المصالح فى حالة الرجوع عليه الخيار إن شاء سلم إليهم نصيبهم فى المقبوض ( 415 ) وإن شاء دفع إليهم نصيبهم فى الدين ( م 309 عراقى ) .
وإذا مات المدين وورثه أحد الدائنين ( 416 ) ، فالدائنون الآخرون يطالبون تركة المدين كل منهم بمقدار حصته فى الدين . فإن لم تف التركة بحصصهم ، قسمت على الدائنين جميعاً وفيهم الدائن الذى ورث المدين ، بنسبة حصة كل منهم ( م310 عراقى ) ( 417 ) . وبذلك يتحمل كل من الدائنين نصيبه فى إعسار المدين كما سنرى .
وإذا استوفى أحد الدائنين حصته فى الدين المشترك عن طريق المقاصة ، فإذا كان الدين المشترك قد ثبت فى ذمة المدين قبل أن يثبت حقه فى ذمة الدائن ، فإن الدائن يكون قد استوفى حصته من الدين عن طريق الحق الذى ثبت فى ذمته $ 254 $ للمدين ، وللدائنين الآخرين أن يشاركوه فى هذا الحق الذى استوفى به دينه . ويستوى فى ذلك أن يكون الحق الذى ثبت فى ذمة الدائن للمدين مصدره عقد أو عمل غير مشروع أو أى مصدر آخر ، حتى إذا أتلف أحد الشركاء فى دين مشترك مالاً للمدين وتقاصا بحصته ضماناً فلشركائه أخذ نصيبهم منه ( 418 ) . أما إذا كان الدين المشترك قد ثبت فى ذمة المدين بعد أن ثبت حقه فى ذمة الدائن ، فيكون المدين هو الذى استوفى حقه من الدائن بحصة هذا الدائن فى الدين المشترك ، وليس للدائنين الآخرين أن يرجعوا بحصصهم على شريكهم ( 419 ) .
$ 255 $
كذلك إذا كان الدين المشترك قد ثبت فى ذمة المدين قبل أن يثبت حقه فى ذمة الدائن ، ولكن هذا الحق الذى ثبت فى ذمة الدائن لم يكن له مقابل أخذه الدائن من المدين ، كأن كفل الدائن للمدين ديناً واجباً له على شخص آخر وصارت حصته قصاصاً بالدين الذى كفله ، فلا رجوع للدائنين الآخرين على شريكهم ، وإذا رجع الدائن على المكفول عنه وقبض منه مبلغ الضمان لم يكن لشركائه أن يشاركوه فيه ( 420 ) . ومثل ذلك أيضاً ما إذا كان الدائن قد وهب حصته فى الدين المشترك للمدين أو أبرأ ذمته منها ، فإنه لا يكون قد قبض شيئاً من المدين ، فلا رجوع لشركائه عليه . وهذه الأحكام نصت عليها المواد 311 - 313 من التقنين المدنى العراق . فنصت المادة 311 على أنه : " 1 - إذا كان للمدين فى دين مشترك على أحد الشركاء دين خاص به ثابت له قبل وجوب الدين المشترك عليه هذا الشريك . 2 - أما إذا حدث للمدين دين على أحد الشركاء وثبت له ذلك بعد وجوب الدين المشترك عليه وصار دينه قصاصاً به ، فلشركائه الحق فى الرجوع عليه بحصصهم منه " . ونصت المادة 312 على أنه " 1 - إذا أتلف أحدا الشركاء فى دين مشترك مالاً للمدين وتقاصا بحصته ضماناً ، فلشركائه أخذ نصيبهم منه . 2 - أما إذا ضمن للمدين ديناً واجباً له على شخص آخر ، وصارت حصته قصاصاً بالدين الذى ضمنه ، فلا شئ لشركائه عليه . وإذا رجع على المكفول عنه وقبض منه مبلغ الضمان ، لم يكن لشركائه أن يشاركوه فيه " . ونصت المادة 313 على أنه " إذا وهب أحد الشركاء حصته من الدين المشترك للمدين أو أبرأ ذمته منها ، فهبته وإبراؤه صحيحان ، ولا يضمن نصيب شركائه فيما وقب أو أبرأ " . .
ويتبين من النصوص المتقدمة الذكر أن الدائن إما أن يقبض حقه من جنس الدين ، أو يقبض مقابلاً لحصته ، أو تبرأ ذمة المدين من حصته دون أن يقبض $ 256 $ شيئاً . فإذا قبض حصته من جنس الدين ، سواء قبضها من المدين نفسه أو من كفيل أو من محال عليه أو صالح المدين عن حصته وكان بدل الصلح من جنس الدين ، فللدائنين أن يشاركوه عيناً فيما قبض . وإذا قبض الدائن مقابلاً لحصته ، كأن اشترى أو استأجر بحصته مالاً للمدين أو صالح عن حصته وكان بدل الصلح من خلاف جنس الدين ، ومثل ذلك أيضاً ما إذا قبض حصته من جنس الدين ولكنه تصرف فيها أو استهلكها ، فإن الدائنين الآخرين يرجعون عليه بضمان حصصهم إذ ليس فى يده شئ من جنس الدين حتى يشاركوه فيه عيناً . وإذا برئت ذمة المدين من حصة الدائن دون أن يقبض هذا شيئاً ، كأن وفى الدائن ديناً عليه للمدين بحصته فى الدين المشترك فانقضى الدينان قصاصاً أو انقضت حصته فى الدين المشترك قصاصاً بدين مثله للمدين أو وهب حصته للمدين أو أبرأ ذمته منها ، ومثل ذلك أيضاً أن يقبض الدائن حصته فتتلف فى يده بسبب أجنبى فيكون فى حكم من لم يقبض شيئاً ، لم يرجع الدائنون الآخرون عليه بشئ ، فهم لا يشاركونه عيناً إ لا شئ فى يده من جنس الدين حتى تمكن المشاركة فيه ، ولا يرجعون عليه ضماناً إذ هو لم يقبض شيئاً يضمنه لشركائه ، ويعتبر الدائن قد استوفى حصته هو ، ولا يبقى لشركائه إلا أن يتبعوا المدين بحصصهم ( 421 ) .
$ 257 $
ويمكن أن نستخلص من المبادئ المتقدمة حلولاً لمسائل لم يرد فيها نص . من ذلك أن التقنين المدنى العراقى قد أغفل النص على حالتى التجديد والتقادم . ويمكن القول بأنه إذا انقضت حصة أحد الدائنين فى الدين المشترك عن طريق التجديد ، فإن الدائن يكون قد قبض حصته ولكن من غير جنس الدين ، فيرجع عليه شركاؤه بالضمان ، يكون له الخيار إن شاء سلم إليهم أنصبتهم $ 258 $ فى الدين الجديد الذى حل محل حصته وإن شاء دفع إليهم نصيبهم فى الدين المشترك ، وهذا قياساً على الصلح إذا كان بدله من خلاف جنس الين ( انظر المادة 309 عراقى ) . وإذا انقضت حصة أحد الدائنين بالتقادم دون أن تنقضى حصص الدائنين الآخرين ، فإن الدائن لا يكون قد قبض شيئاً ، ومن ثم لا يرجع عليه شركاؤه بشئ ، ويتبعون المدين بحصصهم .
163 - رجوع الدائنين الآخرين على الدائن بنصيبه فى إعسار المدين : وقد يختار الدائنين الآخرون ألا يشاركوا الدائن فى حصته التى قبضها من الدين المشترك ، فيتركوها له ويتبعوا المدين بحصصهم . " فإن اختاروا متابعة المدين – كما تقول الفقرة الثالثة من المادة 304 من التقنين المدنى العراقى – فلا يرجعون على القابض بشئ ، إلا إذا توى نصيبهم ، فيرجعون عندئذ على القابض بحصتهم فيما قبضه ، ويأخذون منه مثل المقبوض لا عينه " . فإذا كان الدين ، كما ذكرنا فى مثل سابق ، تسعمائة ، وكان الدائنون ثلاثة بحصص متساوية ، وقبض أحدهم حصته من الدين وهى ثلثمائة ، ولم يختر الدائنان الآخران أن يشاركا الدائن الأول فى هذه الحصة وتركاها له ، طالب كل منهما المدين بحصته فى الدين وهى ثلثمائه . فإن استوفى كل منهما حصته انقضى الدين جميعاً ، وبرئت ذمة المدين نحو الدائنين الثلاثة ، وخلص للدائن الأول حصته التى قبضها كما خلص لكل من الدائنين الآخرين حصته . أما إذا كان المدين قد أعسر عند مطالبة الدائنين الآخرين له بحصتيهما فى الدين المشترك ، تحمل الدائنون الثلاثة إعسار المدين كل بنسبة حصته ، ومن ثم يجرع الدائنان الآخران بالضمان على الدائن الأول الذى قبض ثلاثمائة ، فيأخذ كل منهما مائة من هذا الدائن – مثلاً لا عيناً لأنهما يرجعان بالضمان لا بالمشاركة فى عين المقبوض – ويبقى للدائن مائة مثلهما . وإذا كان إعسار المدين إعساراً جزياً بحيث أن الدائنين الآخرين لم يخلص لكل منهما إلا نصف حصته أى مائة وخمسون ، فإن الدائنين الثلاثة يتحملون هنا أيضاً إعسار المدين كل بنسبة حصته ، فيرجع الدائنان الآخران بالضمان على الدائن الأول الذى قبض ثلثمائة ، فيأخذ كل منهما خمسين من هذا الدائن ، ويكون كل من الدائنين الثلاثة قد خلص له من حصته فى الدين مائتان بدلاً من ثلثمائة بسبب إعسار المدين هذا الإعسار الجزئى .
$ 259 $
ويستوى أن تنقضى حصة أحد الدائنين فى الدين المشترك بطريق الوفاء أو بأى طريق آخر يستوفى به الدائن مقابلاً لحصته كالوفاء بمقابل والمقاصة والتجديد ، ففى جميع هذه الأحوال يرجع الدائنون الآخرون على هذا الدائن الذى استوفى حصته كاملة بنصيبه فى إعسار المدين ( 422 ) .
وقد يقع أن شركاء الدائن الذى قبض حصته أو أخذ ما يقابلها ، عند رجوعهم عليه لتحميله نصيبه فى إعسار المدين ، يجدونه هو أيضاً معسراً ، فلا مناص فى هذه الحالة من أن يستقلوا هم دونه بتحمل إعسار المدين . ومثل ذلك ما إذا وجد الشركاء شريكهم معسراً عندما أرادوا مشاركته فى حصته التى قبضها ، ثلم لما طالبوا المدين بحصصهم وجدوه هو أيضاً معسراً ، فلا مناص من أن يتحملوا وحدهم ، هنا أيضاً ، إعسار المدين .
الفرع الثانى
التضامن بين المدينين
( Solidarite entre debiteurs – Solidarite passive )
164 - أهمية الموضوع لكثرة وقوعه فى العمل : التضامن بين المدينين يقع كثيراً فى الحياة العملية . وهو ، وإن كان يعتبر من الناحية النظرية وضعاً استثنائياً إذ الأصل كما قدمنا إذا تعدد المدينون ألا يكونوا متضامنين ، إلا أن الاستثناء من الناحية العملية قد طغى على الأصل ، وقلّ أن نجد دائناً له مدينون متعددون فى التزام واحد ولا يشترط تضامنهم ، بل إن كثيراً ما تتولى نصوص القانون نفسه مهمة إنشاء هذا التضامن .
والواقع من الأمر أن التضامن بين المدينين يعتبر أقوى ضرب من ضروب الكفالة الشخصية . فالدائن إذا أخذ كفيلاً بحقه ، وكان الكفيل غير متضامن $ 260 $ مع المدين ، كانت هذه هى المرتبة الدنيا من الكفالة الشخصية ، لأن الدائن لا يستطيع الرجوع على الكفيل إذا طلب الكفيل التجريد إلا بعد الرجوع على المدين . فإذا اشترط الدائن تضامن الكفيل مع المدين ، وصل إلى مرتبة أعلى من الكفالة الشخصية ، لأنه يستطيع أن يرجع ابتداء على الكفيل ، ولكن لا يزال التزام الكفيل تابعاً لالتزام المدين الأصلى ، وهذا يجر إلى نتائج تنزيل بالكفيل فى درجة المديونية عن الأصيل . فإذا جعل الدائن الاثنين مدينين أصليين واشترط تضامنها ، وصل بذلك إلى المرتبة العليا من الكفالة الشخصية ، إذ يستطيع أن يرجع ابتداء على أيهما شاء مع تعادلهما فى مرتبة المديونية ، فيصبح للدائن مدينان بدلاً من مدين واحد ، كل منهما ملتزم نحوه بالدين جميعه .
فبقد ما رأينا لتضامن الدائنين من مضار نرى مزايا لتضامن المدينين ، وندرة التضامن بين الدائنين فى العمل لا يعدلها إلا كثة وقوع التضامن بين المدينين . على أن كل من هذين النوعين من التضامن يقوم على أسس واحدة : وحدة الالتزام مع تعدد الروابط ، وكفالة متبادلة مصحوبة بمصلحة مشتركة ، تسوغ قيام وكالة هى أيضاً متبادلة ولكن فيما ينفع لا فيما يضر ( 423 ) . ومن ثم سنتوخى فى بحث التضامن بين المدينين نفس الخطة التى اتبعناها فى بحث التضامن بين الدائنين ، فنتكلم : ( 1 ) فى مدر التضامن بين المدينين ( 2 ) ثم فى الآثار التى تتربت على هذا التضامن . ولكننا هنا سنكون أكثر إسهاباً وتفصيلاً ، لأهمية الموضوع وكثرة وقوعه فى العمل كما قدمنا .
المبحث الأول
مصدر التضامن بين المدينين
165 - التضامن بين المدينين مصدره الاتفاق أو نص فى القانون : رأينا أن مصدر التضامن بين الدائنين هو الاتفاق ، ولا توجد حالة من هذا $ 261 $ النوع من التضامن يكون مصدرها القانون . أما التضامن بين المدينين ، فمصدره إما الاتفاق وإما نص فى القانون . وهناك كثير من حالات التضامن السلبى القانون هو الذى تولى بنفسه إنشاء التضامن فيها بين المدينين المتعدين فى التزام واحد ، دون أن يكون لإرادة طرفى الالتزام دخل فى ذلك .
ولذلك تكون المادة 279 من التقنين المدنى – وهى التى تقضى بأن " التضامن بين الدائنين أو المدينين لا يفترض ، وإنما يكون بناء على اتفاق أو نص فى القانون ( 424 ) " - أكثر انطباقاً على التضامن السلبى منها على التضامن الإيجابى ، ففى التضامن السلبى نجد أن المصدر حقاً هو الاتفاق أو نص القانون ، أما التضامن الإيجابى فلا مصدر له إلا الاتفاق ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
المطلب الأول
الاتفاق كمصدر للتضامن بين المدينين
166 - الاتفاق على تضامن المدينين لا يفترض : أكثر ما يقوم تضامن المدينين على اتفاق بينهم وبين الدائن ، عندما يكونون جميعاً ملتزمين $ 262 $ بدين واحد ، فيشترط عليهم الدائن تضامنهم جميعاً فى هذا الدين . ويصح أن يكون ذلك فى العقد ذاته الذى أنشأ الدين ، أو بعد ذلك . فإذا باع شخص داره إلى ثلاثة ، جاز له أن يشترط فى عقد البيع ذاته تضامن المشترين الثلاثة فى الوفاء بالثمن ، كما يجوز له أن يتفق معهم على هذا التضامن فى عقد منفصل تال لعقد البيع ( 425 ) .
وسواء كان الاتفاق على التضامن واقعاً فى العقد الذى أنشأ الدين أو كان تالياً له ، فإنه لا يجوز افتراض وجود التضامن دون الاتفاق على ذلك اتفاقاً واضحاً لا شك فيه ( 426 ) ، كما هى الحال فى التضامن بين الدائنين فيما قدمنا . فلو أن البائع فى المثل المتقدم باع الدار فى الشيوع للثلاثة على السواء صفقة واحدة ، دون أن يعين حصة كل واحد منهم فى الدار أو فى الثمن ، لم يجز أن يستخلص من ذلك أن الثلاثة متضامنون فى الوفاء بالثمن ، لأن التضامن لا يفترض ، ولوجب القول عند عدم تعيين حصة كل منهم أن الثالثة متساوون فى الحصص ، فلكل منهم ثلث الدار فى الشيوع ، وعلى كل منهم ثلث الثمن بعد انقسام الدين عليهم . فإذا أراد البائع أن يكونوا متضامنين ، وجب عليه أن يشترط التضامن بينهم فى وضوح لا خفاء فيه ، فإن التضامن أمر خطير ، فإذا لم يشترطه الدائن فى جلاء تام ، فسر العقد لمصلحة المدينين وكان الأصل هو عدم تضامنهم ( 427 ) .
$ 263 $
ولا يفهم هنا فى التضامن بين المدينين ، كما لا يفهم هناك فى التضامن بين الدائنين على الوجه الذى سبق بيانه ، أن التضامن لا بد أن يرد فيه شرط صريح ، بل يصح أن يكون الشرط ضمنياً ( 428 ) ، ولكن يجب أن يكون هذا الشرط الضمنى موجوداً فعلاً فلا يجوز افتراضه ( 429 ) .
والشرط إذا كان صريحاً ليس من الضرورى أن يرد بلفظ " التضامن " ، بل يكفى أن تستعمل عبارة تفيد هذا المعنى ، كأن يشترط الدائن على المدينين أن يكون كل واحد منهم مسئولاً أمامه عن كل الدين ، أو أن له الرجوع على أى منهم بكل الدين ، أو أن جميع المدينين متكافلون فى الدين جمعيه على وجه التساوى ، أو نحو ذلك من العبارات التى لا تدع شكاً فى أنه قصد الاتفاق معهم على التضامن ( 430 ) .
وقد يكون شرط التضامن ضمنياً كما قدمنا . والشرط الضمنى غير الشرط المفترض ، فالتضامن لا يجوز أن يقوم على شرط مفترض ، ولكن يجوز أن يقوم على شرط ضمنى . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا استخلصت محكمة الموضوع من اتفاق أربعة شركاء فى إجارة على أن يكون الإيجار من الباطن بمعرفتهم جميعاً وتحصيل الأجرة بواسطة فلان وكيل اثنين منهم هما أخوان وبإشراف الشريكين الآخرين ، وأن ترسل المبالغ المحصلة للمؤجر الأصلى خصماً من الأجرة ، وأن تحفظ جميع المستندات تحت يد واحد مهم ( أحد الأخوين ) ، وأن يكون لباقى الشركاء أن يأخذوا بياناً بما يهمهم على أن يقدم الحساب فى نهاية كل سنة ، إذا هى استخلصت من عبارات هذا الاتفاق على ضوء ما ذكرته من الاعتبارات والظروف القائمة فى الدعوى أن فلاناً المذكور لم يكن وكيلاً عن الشريكين الآخرين ، وأن الأخوين يجب لذلك اعتبارهما مسئولين قبلهما عن المبالغ التى حصله هذا الوكيل ولو لم يكونا قد قبضاها منه ، $ 264 $ فإنها إنما تكون قد فصلت فى مسألة موضوعية لا شأن لمحكمة النقض بها . ثم إذا هى استخلصت من عبارات الاتفاق ومن ظروف الدعوى أيضاً أن الأخوين إنما قصدا تضمين باقى الشركاء بأن يتحمل كل منهما المسئولية المترتبة على ما يقع من هذا الوكيل ، فإن هذا الاستخلاص يكون سائغاً والحكم عليهما بالتضامن يكون فى محله ( 431 ) . وقضت محكمة الاستئناف الوطنية بأنه إذا تعهد شخصان بدين واحد لدائن واحد وكان تعهد كل منهما بعقد على وحدة ، كانا ملزمين بذلك الدين بالتضامن ( 432 ) . على أنه لا يكفى لاستخلاص الشرط الضمنى للتضامن أن تكون الظروف مرجحة له ، بل يجب أن تكون مؤكده له لا تدع سيلاً للشك فيه كما قدمنا . فقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان الثابت من جميع ظروف الدعوى ووقائعها أن زيداً قد أدار الأطيان التى اشتراها بكر بإذن شفوى صدر منه فى حضرة أحد أبنائه ( عمرو ) مقابل أجر معين ، وأنه لما توفى بكر عند منصف السنة الزراعية استمر زيد بتكليف من عمرو وحده فى إدارتها لنهاية السنة ، ولم يقل عمرو إنه كان وكيلاً عن أختيه الوارثتين الأخريين حين كلف زيداً بالاستمرار فى إدارة الأطيان ، ولم تدع هاتان الأختان أنهما وكلتا أخاهما عنهما ، فلا يجوز اعتبار زيد وعمرو مسئولين بالتضامن عن نتيجة حساب إدارة الأطيان ، بل يسأل زيد وحده عن هذا الحساب قبل كل من الورثة ( 433 ) .
$ 265 $
ويترتب على عدم جواز افتراض التضامن ما يأتى : ( 1 ) على من يدعى قيام التضامن أن يثبت وجوده . ( 2 ) عند الشك فى قيام التضامن ، يعتبر التضامن غير قائم . ( 3 ) الحكم الذى يقضى بتضامن المدينين ، دون أن يبين مصدر هذا التضامن ، وهل هو اتفاق أو نص فى القانون ، وإذا كان اتفاقاً هل هو اتفاق صريح أو اتفاق ضمنى ، وإذا كان اتفاقاً ضمنياً كيف استخلص قاضى الموضوع من عبارات التعاقد وظروفه وجوده الذى لا شك فيه ، يكون حكماً قاصراً يتعين نقضه ( 434 ) .
167 - إثبات الاتفاق مصدر التضامن : وشرط التضامن ، صريحاً كان أو ضمنياً ، يجب إثباته ، وعلى الدائن الذى يدعى تضامن مدينيه عبء هذا الإثبات ( 435 ) .
$ 266 $
ويثبت شرط التضامن طبقاً للقواعد العامة فى الإثبات . فإن كان الالتزام المدعى التضامن فيه بين المدينين يزيد على عشرة جنيهات ، لم يجز إثباته إلا بالكتابة أو بما يقوم مقامها . فإن وجد مبدأ ثبوت بالكتابة مثلاً ، جازت تكملته بالبينة أو بالقرائن . وإذا كان الالتزام لا يزيد على عشرة جنيهات ، جاز الإثبات فى هذه الحالة بالبينة أو بالقرائن .
ونرى من ذلك أن التضامن يجوز إثباته فى بعض الأحوال بالقرائن . ولا يتعارض هذا مع القاعدة التى قدمناها من أن التضامن لا يفترض . فافتراض التضامن معناه أن وجود التضامن مجرد افتراض ، أما إثبات التضامن بالقرائن فمعناه أن شرط التضامن موجود فعلاً وأن وجوده ثابت بالقرائن ( 436 ) .
168 - التضامن بين المدينين فى المسائل التجارية : والتضامن بين المدينين لا يفترض فى المسائل التجارية كما هو لا يفترض فى المسائل المدنية ، وهذا على خلاف ما جرى عليه الفقه والقضاء فى فرنسا من أن التضامن يفترض فى المسائل التجارية دون المسائل المدنية .
هناك من الفقهاء الفرنسيين من يذهب إلى أن التضامن فى القانون الفرنسى لا يفترض فى المسائل التجارية ، فهى والمسائل المدنية سواء فى ذلك ، وأبرز من قال بهذا الرأى لوران ( 437 ) . ولكن الكثرة الغالبة من فقهاء فرنسا ( 438 ) ، والقضاء الفرنسى معهم ( 439 ) ، يذهبون جميعاً إلى أن التضامن يفترض فى المسائل $ 267 $ التجارية على خلاف المسائل المدنية . فإذا اشترى تاجران صفقة تجارية واحدة دون أن يشترط عليها البائع أن يكونا متضامنين ، فإنهما مع ذلك يكونان متضامنين فى أداء الثمن للبائع ، إلا إذا استبعدا التضامن بشرط خاص . فالأصل إذن فى فرنسا قيام التضامن فى المسائل التجارية ما لم ينص المتعاقدان عى استبعاده ، ويبررون ذلك بأن التقاليد منذ عهد القانون الفرنسى القديم قد استقرت على افتراض التضامن فى المسائل التجارية ، نزولاً على مقتضيات الائتمان التجارى وما يستتبع ذلك من توفير أساب الثقة بالتجار ، فيحصلون من وراء هذه الثقة على الضمان الكافى ( 440 ) .
$ 268 $
ولا يزال هناك خلاف بين الفقهاء الفرنسيين ( 441 ) هل التضامن فى العقود التجارية مصدره العرف التجارى القديم فيقوم التضامن لمجرد أن العقد تجارى ( 442 ) ، أو أن هذا التضامن إنما هو تفسير لنية المتعاقدين ، فإذا اتضح من الظروف وجوب استبعاد هذه النية لم يكن هناك محل لقيام التضامن ، كما إذا أمنت شركتان للتأمين شيئاً واحداً وتعهدت كل منهما أن تؤمن نصفه فلا محل لافتراض أن نيتهما انصرفت إلى قيام التضامن بينهما ( 443 ) .
ولا يقتصر الأمر فى فرنسا على افتراض التضامن فى العقود التجارية ، بل هناك من الفقهاء من يتوسع فيه فيمده إلى كل التزام تجارى ، أياً كان مصدره ، عقد أو عمل غير مشروع أو إثراء بلا سبب ، فإن هذا التوسع هو الذى تقتضيه حاجات الائتمان التجارى ( 444 ) . على أن التضامن عن العمل غير المشروع مقرر فى فرنسا كقاعدة تقليدية لا فى المسائل التجارية فحسب ، بل أيضاً فى المسائل المدنية . وقد ساير القضاء الفرنسى هذه النزعة فى التوسع ( 445 ) ، وظهر ذلك بنوع خاص فى توسعه فى تقرير التضامن بين أعضاء مجالس إدارة الشركات ( 446 ) .
أما فى مصر فقد كان الرأى الغالب فى الفقه والقضاء فى عهد التقنين المدنى $ 269 $ السابق هو أن التضامن لا يفترض حتى فى المسائل التجارية ( 447 ) . ولا نرى أن التقنين المدنى الجديد قد استحدث جديداً فى هذا الصدد ، فلا تزال القاعدة التى تقضى بأن التضامن لا يفترض دون تمييز بين المسائل المدنية والمسائل التجارية موجودة فى التقنين الجديد كما كانت موجودة فى التقنين القديم ، ولا يزال التقنين التجارى قائماً كما هو ينص فى حالات خاصة على التضامن ، مما يستخلص منه بمفهوم المخالفة التجارى بالنص على حالات معينة يقوم فيها التضامن إذا كان من شأن التضامن أن يقوم فى جميع المسائل التجارية من غير استثناء ( 448 ) .
ومن ثم لا يفترض فى مصر قيام التضامن بين التجار ، لا فى العقود التجارية ولا فى الالتزامات التجارية ما بين التجار التى يكون مصدرها الإثراء بلا سبب . $ 270 $ وإنما يقوم التضامن بين التجار فى الحالات التى ورد فيها نص فى القانون ، وقد ودت نصوص مختلفة بهذا المعنى فى التقنين التجارى سنذكر أهمها فيما يلى . كذلك يقوم التضامن فى الالتزامات المدنية والتجارية على السواء التى يكون مصدرها عملاً غير مشروع ، وتقضى بذلك المادة 169 مدنى كما سيأتى ، ويسرى هذا الحكم بوجه خاص على المسئولية التقصيرية لأعضاء مجالس إدارة الشركات ( 449 ) .
وفيما عدا الحالات التى ورد فيها نص فى القانون يقضى بالتضامن ، لا يقوم التضامن بين التجار فى مصر ، كما قدمنا ، دون شرط يقضى به . على أن هذا الشرط الذى يقضى بالتضامن يمكن استخلاصه فى المسائل التجارية بأيسر مما يستخلص فى المسائل المدنية ، وذلك لسببين : ( أولاً ) إذا أراد الدائن إثبات شرط التضامن فى المسائل التجارية ، فإن جميع طرق الإثبات تكون مفتوحة أمامه ، فيستطيع أن يثبته بالبينة ، بل بالقرائن وحدها ، ولو زادت قيمة الالتزام على عشرة جنيهات ، وذلك وفقاً للقواعد العامة للإثبات فى المواد التجارية . ( ثانياً ) وعندما يريد الدائن أن يثبت شرط التضامن عن طريق القرائن ، فمن أهم هذه القرائن أن يكون الالتزام قائماً بين التجار فى مسألة تجارية ، فإن هذا وحده يمكن اعتباره قرينة هامة ، إذا عززتها قرائن أخرى أمكن قاضى الموضوع أن يستخلص قيام التضامن فى المسائل التجارية فى كثير من اليسر .
$ 271 $
المطلب الثانى
نص القانون كمصدر للتضامن بين الدائنين
169 - نصوص متناثرة فى التقنينات والتشريعات المختلفة : وليس الاتفاق وحده هو مصدر التضامن السلبى ، بل كثيراً ما يقوم التضامن بين المدينين بموجب نص فى القانون كما قدمنا . وإذا قام التضامن على نص فى القانون لم يجز أن يقاس عليه غيره ، فإن أحوال التضامن القانونى مذكورة على سبيل الحصر ( 450 ) .
والنصوص التى تقيم التضامن السلبى كثيرة متناثرة فى نواحى التقنينات والتشريعات المختلفة . وأهم هذه النصوص نجدها فى التقنين المدنى والتقنين التجارى والتقنين الجنائى وتقنين المرافعات . ونورد طائفة منها على سبيل التمثيل .
ففى التقنين المدنى نجد المادة 169 الخاصة بالتضامن فى المسئولية عن العمل غير المشروع ، والمادة 192 الخاصة بتضامن الفضوليين إذا تعددوا ، والمادة 651 الخاصة بتضامن المهندس والمقاول فى مسئوليتهما عن تهدم البناء ، والمادة 707 الخاصة بتضامن الوكلاء إذا تعددوا ، والمادة 708 الخاصة بتضامن الوكيل مع نائبه ، والمادة 712 الخاصة بتضامن الموكلين إذا تعددوا ، والمادة 795 الخاصة بتضامن الكفلاء فى الكفالة القضائية وفى الكفالة القانونية .
وفى التقنين التجارى نجد المواد 22 و23 و29 و30 وهى خاصة بتضامن الشركاء فى شركة التضامن وفى شركة التوصية ، والمادة 57 وهى خاصة بتضامن مديرى الشركة المساهمة ، والمواد 117 ، و119 و137 وهى خاصة بتضامن الساحب الكمبيالة والمحيل والكفيل ، والمادة 254 وهى خاصة بتضامن وكلاء التفليسة عند التعدد . وفى التقنين البحرى نجد المادة 23 وهى خاصة بتضامن الكفيل مع من رسا عليه مزاد السفينة .
$ 272 $
وفى تقنين المرافعات نجد المادة 357 وهى خاصة بالتضامن فى مصروفات الدعوى .
وفى التقنين الجنائى نجد المادة 44 وهى خاصة بالتضامن فى الغرامات النسبية .
ونكتفى بهذا القدر من النصوص . ويمكن تقسيم الالتزامات التضامنية التى تشتمل عليها إلى التزامات مدنية والتزامات تجارية ، ثم ترتيب الالتزامات المدنية بحسب مصدرها فمنها ما هو مصدره العقد ، ومنها ما هو مصدره العمل غير المشروع ، ومنها ما هو صدره الإثراء بلا سبب ، ومنها ما هو مصدره القانون ( 451 ) . ونقول كلمة عن كل منها بهذا الترتيب ، ونقتصر فى هذه الكلمة على إبراز فكرة التضامن ، أما النص من ناحية موضوعه فيشرح فى مكانه .
170 - التزامات مدنية مصدرها العقد : هذه هى الالتزامات الناشئة من عقد المقاولة ومن عقد الوكالة .
ففى عقد المقاولة تنص المادة 651 / 1 و2 على ما يأتى : " ( 1 ) يضمن المهندس المعمارى والمقاول متضامنين ما يحدث خلال عشر سنوات من تهدم كلى أو جزئى فيما شيدوه من مبانى أو ؟؟؟؟؟ من منشآت ثابتة أخرى ، وذلك ولو كان القدم ناشئاً عن عيب فى الأرض ذاتها أو كان رب العمل قد أجاز إقامة المنشآت المعيبة ، ما لم يكن المتعاقدان فى هذه الحالة قد أرادا أن تبقى هذه المنشآت مدة أقل من عشر سنوات . ( 2 ) ويشمل الضمان المنصوص عليه فى الفقرة السابقة ما يوجد فى المبانى والمنشآت من عيوب يترتب عليها تهديد متانة البناء وسلامته " . وظاهر أن مسئولية كل من المهندس المعمارى والمقاول نحو رب العمل عن سلامة البناء إنما هى مسئولية تعاقدية نشأت من عقد المقاولة ذاته . ولما كان التضامن فى الالتزامات التعاقدية - ومنها المسئولية التعاقدية ذاتها – لا يفترض كما سبق $ 273 $ القول ، فكان لابد من شرط فى عقد المقاولة أو نص فى القانون ليقيم التضامن بين المهندس المعمارى والمقاول فى هذه المسئولية ، فوجد النص المتقدم الذكر وهو يغنى عن الشرط . ومن ثم يكون المهندس المعمارى والمقاول متضامنين فى المسئولية نحو رب العمل عن سلامة البناء حتى لو لم يوجد شرط يقضى بالتضامن فى عقد المقاول ، فنص القانون هو الذى يقيم هذا التضامن .
وفى عقد الوكالة تنص المادة 707 / 1 مدنى على أنه " إذا تعدد الوكلاء كانوا مسئولين بالتضامن متى كانت الوكالة غير قابلة للانقسام ، أو كان الضرر الذى أصاب الموكل نتيجة خطأ مشترك . على أن الوكلاء ، ولو كانوا متضامنين ، لا يسألون عما فعله أحدهم مجاوزاً حدود الوكالة أو متعسفاً فى تنفيذها " . وهنا التزامات الوكيل ومسئوليته عن تنفيذ هذه الالتزامات منشؤها جميعاً عقد الوكالة ، فإذا تعدد الوكلاء بقيت التزامات كل منهم ناشئة من هذا العقد . فلا يقوم التضامن بينهم إذن ، من غير شرط ، إلا بنص فى القانون ، وهو النص المتقدم الذكر . وقد اشترط النص وحدة العمل الذى تنشأ عنه المسئولية ، بأن يكون تنفيذ الوكالة غير قابل للانقسام فيكون الوكلاء وقد اشتركوا فى التنفيذ قد قاموا بعمل واحد لا يقبل التجزئة ، أو بأن يكون التنفيذ متكوناً من أعمال متفرقة ولكن الوكلاء قد اشتركوا فى عمل واحد من هذه الأعمال فارتكبوا خطأ مشتركاً . وغنى عن البيان أنه لو انفرد أحد الوكلاء بمجاوزة حدود الوكالة أو انفرد بالتعسف فى تنفيذها ، استقل وحده بالمسئولية ، لأن الوكلاء الآخرين لم يشتركوا معه فى العمل الذى أوجب مسئوليته فلا يكونون متضامنين معه ، بل لا يكونون مسئولين أصلا . ثم تنص المادة 708 / 1 مدنى على أنه " إذا أناب الوكيل عنه غيره فى تنفيذ الوكالة دون أن يكون مرخصاً له فى ذلك ، كان مسئولاً عن عمل النائب كما لو كان هذا العمل قد صدر منه هو ، ويكون الوكيل ونائبه فى هذه الحالة متضامنين فى المسئولية " . وإذا كانت مسئولية الوكيل قد نشأت من عقد الوكالة ، فإن مسئولية النائب نحو الموكل لم تنشأ من هذا العقد لأن الوكالة لا ترخص فى تعيين نائب فلا يربط النائب بالموكل عقد ما ، وتكون مسئوليته نحو الموكل مسئولية تقصيرية . وكان مقتضى أن تكون مسئولية الوكيل تعاقدية ومسئولية النائب تقصيرية ألا يقوم بينهما تضامن ( solidarite ) بل يقوم $ 274 $ تضامم ( obligation in solidum ) على ما سنرى ، ولكن النص صريح فى إنشاء التضامن بين الوكيل ونائبه بما يستتبع التضامن نتائج أصلية ونتائج ثانوية ( 452 ) . وتنص أخيراً المادة 712 مدنى على أنه " إذا وكل أشخاص متعددون وكيلاً واحداً فى عمل مشترك ، كأن جميع الموكلين متضامنين قبل الوكيل فى تنفيذ الوكالة ، ما لم يتفق على غير ذلك " . وهنا نرى أن الالتزام بتنفيذ الوكالة والقيام بهذا العمل المشترك مصدره عقد الوكالة ، فالتضامن دون شرط فى العقد لا يقوم إلا بنص فى القانون ، وهو النص المتقدم الذكر ( 453 ) .
171 - التزامات مدنية مصدرها العمل غير المشروع : تنص المادة 169 مدنى على أنه " إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار كانوا متضامنين فى التزامهم بتعويض الضرر ، وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوى ، إلا إذا عين القاضى نصيب كل منهم فى التعويض " . وهذا نص من النصوص الجوهرية فى التضامن ، له أهمية بالغة ومدى واسع فى التطبيق ، فهو يقضى بالتضامن فى المسئولية عن أى عمل غير مشروع . وواضح أن العمل غير المشروع قد أسبح فى العصر الحاضر مصدراً هاماً من مصادر الالتزام ، وهو يكاد يدانى العقد فى $ 275 $ أهميته . فوضع النص مبدأ عاماً هو التضامن فى المسئولية التقصيرية ، بخلاف المسئولية التعاقدية وجميع الالتزامات الناشئة عن العقد فقد رأينا أن التضامن فيما لا يفترض ، بلا يجب لقيامه شرط أو نص فى القانون ( 454 ) . بل إن افتراض التضامن فى المسئولية التقصيرية بموجب النص المتقدم الذكر أقوى من افتراضه فى خصوص العقد إذا قام التضامن فيه على نص فى القانون ، ذلك أن افتراضه فى العقد بموجب نص لا يمنع من جواز الاتفاق على استبعاده ، إذ لا يعتبر $ 276 $ التضامن هنا من النظام العام . فيجوز إذن أن يشترط فى عقد المقاولة إلا يكون المهندس المعمارى والمقاول متضامنين فى المسئولية ، وفى عقد الوكالة إلا يكون الوكلاء المتعددون أو الوكيل ونائبه أو الموكلون المتعددون متضامنين فى المسئولية . أما التضامن فى المسئولية التقصيرية فهو من النظام العام ، ولا يجوز الاتفاق على ما يخالفه ( 455 ) .
وقد سبق أن عاجلنا التضامن فى المسئولية التقصيرية ( 456 ) ، فنجتزى هنا بالإشارة إلى أنه حتى يقوم التضامن بين المسئولين المتعددين عن عمل غير مشروع يجب أن تتوافر شروط ثلاثة : ( 1 ) أن يكون كل واحد منهم قد ارتكتب خطأ ( 2 ) وأن يكون الضرر الذى أحدثه كل منهم بخطأه هو ذات الضرر الذى أحدثه الآخرون ، أى أن يكون الضرر الذى وقع منهم هو ضرر واحد ( 457 ) . ولا يلزم بعد ذلك أن يكون هناك تواطؤ ما بين المسئولين ، أو أن ترتكب الأخطاء فى وقت واحد ( 458 ) . ولا ضرورة لأن تكون الأخطاء عملاً واحداً أو جريمة واحدة ( 459 ) ، فقد يكون أحدهما عماداً والآخر غير عمد ، وقد تختلف جسامة الأخطاء فيقترن خطأ جسيم $ 277 $ بخطأ يسير ، وقد تختلف طبيعة الأخطاء فيكون أحد الخطأين جنائياً ويكون الثانى مدنيا ، أو يكون أحدهما عملاً ويكون الآخر امتناعاً عن عمل ( 460 ) . وقد تكون الأخطاء كلها ثابتة أو مفترضة ، أو يكون بعضها ثابتاً وبعضها مفترضاً .
ومتى تعدد المسئولون عن عمل غير مشروع على هذا لنحو ، كانوا جميعاً متضامنين فى المسئولية ، فيستطيع المضرور أن يطالبهم جميعاً بالتعويض ، كما يستطيع أن يختار منهم من يشاء ويطالبه بالتعويض كاملاً . ويرجع من دفع التعويض على الباقى ، كل بقدر نصيبه حسب جسامة الخطأ الصادر منه ( 461 ) . فإن تعادلت الأخطاء فى الجسامة ، أو لم يمن تعيين مقدار الجسامة فى كل خطأ ، كان نصيب كل منهم فى التعويض مساوياً لنصيب الآخر ، وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوى ( 462 ) .
ويلحق بالتضامن فى المسئولية عن العمل غير المشروع تضامن المحكوم عليهم فى الغرامات النسبية التى حكم عليهم بها ، وإن كانت الغرامة تختلف عن التعويض فى أنها عقوبة ، ولكنها عقوبة مالية ، وفى هذه الصفة المالية وفى أنها جزاء على عمل غير مشروع تتلاقى مع التعويض . وقد نصت المادة 44 من تقنين العقوبات على أنه " إذا حكم على جملة متهمين بحكم واحد بجريمة واحدة ، فاعلين كانوا أو شركاء ، فالغرامات يحكم بها عى كل منهم على انفراده ، خلافاً للغرامات النسبية فإنه يكونون متضامنين فى الإلزام بها ، ما لم ينص الحكم على خلاف $ 278 $ ذلك " . والأصل فى العقوبات أن تكون شخصية لا تضامن فيها ، والغرامة عقوبة وكان ينبغى أن تكون شخصية ، ولكن المشرع هنا خرج على هذا المبدأ العام فقارب بين الغرامة والتعويض ، وأجاز التضامن فى الغرامة فى حالة معينة هى أن تكون هذه الغرامة نسبية . والغرامة النسبية غرامة لا يعين المشرع مقدراً محدداً لها ، بل يجعلها تناسب ما حصل عليه الجنائى من الجريمة التى ارتكبها ، وأكثر ما تكون عقوبة تكميلية . نصت المادة 108 / 1 عقوبات على أن " من رشا موظفاً والموظف الذى يرتشى ومن يتوسط بين الراشى والمرتشى يعاقبون بالسجن ، ويحكم على كل منهم بغرامة تساوى قيمة ما أعطى أو وعد به " . ونصت المادة 112 عقوبات على أن " كل مت تجارى من مأمورى التحصيل أو المندوبين له أو الأمناء على الودائع أو الصيارفة المنوطين بحساب نقود أو أمتعة على اختلاس أو إخفاء شئ من الأموال الأميرية أو الخصوصية التى فى عهدته ، أو من الأوراق الجارية مجرى النقود ، أو غيرها من الأوراق والسندات والعقود ، أو اختلس شيئاً من الأمتعة المسلمة إليه بسبب وظيفته ، يحكم عليه فضلاً عن رد ما اختلسه بدفع غرامة مساوية لقيمة ذلك ، ويعاقب بالسجن " . ومع ذلك قد تكون الغرامة النسبية عقوبة أصلية ، فقد نصت المادة 204 عقوبات ، فى حالة من يأخذ مسكوكات مزورة أو مغشوشة بصفة أنها جيدة ويتعامل بها ، على ما يأتى : " ومع ذلك من استعمل تلك المسكوكات بعد أن تحققت له عيوبها يجازى بدفع غرامة لا تتجاوز ستة أمثال المسكوكات المتعامل بها " . فإذا تعدد المحكوم عليهم فى إحدى الجرائم المتقدمة الذكر ، كانوا جميعاً متضامنين فى الغرامة المحكوم بها ، إلا إذا نص فى حكم الإدانة على تقسيم الغرامة فيما بينهم دون تضامن . والنص على التقسيم جوازى للقاضى ، فإن لم ينص عليه كان التضامن قائماً بين المحكوم عليهم بحكم القانون . إلا أنه يلاحظ فى جريمة الرشوة أنه يتعين على القاضى أن يحكم على كل من المرتشى والراشى والوسيط بغرامة تساوى قيمة الرشوة ، فهنا التضامن إجبارى من جهة ، ومن جهة أخرى لا تنقسم الغرامة الواحدة على المحكوم عليهم بل كل منهم يدفع الغرامة كاملة ولا يرجع بشئ منها على أحد من شركائه .
$ 279 $
172 - التزامات مدنية مصدرها الإثراء بلا سبب : وتنص الفقرة الثالثة من المادة 192 مدنى على ما يأتى : " وإذا تعدد الفضوليون فى القيام بعمل واحد ، كانوا متضامنين فى المسئولية " . وهذا التضامن نظير للتضامن الذى قررته المادة 707 / 1 إذا تعدد الوكلاء فيما مر ، والفضولى أقرب ما يكون إلى الوكيل . وعلى الفضولى التزامات أربعة : المضى فى العمل الذى بدأ به ، وإخطار رب العمل بتدخله بجرد أن يستطيع ذلك ، وبذل عناية الشخص المعتاد فى القيام بالعمل ، وتقديم حساب لرب العمل مع رد ما استولى عليه بسبب الفضالة . وأغلب هذه الالتزامات مصدرها القانون ، بناها على عمل مادى صدر من الفضولى ( 463 ) . ولكن يوجد بين هذه الالتزامات التزام – هو رد الفضولى لما استولى عليه بسبب الفضالة – يمكن القول بأن مصدره هو الإثراء بلا سبب . ففى هذا الالتزام لو تعدد الفضولى يقوم التضامن بين الفضوليين المتعددين بموجب النص المتقدم الذكر . وفى الالتزامات الأخرى التى مصدرها القانون يقوم التضامن بين الفضوليين المتعديين بموجب النص نفسه ( 464 ) ، وهذه أمثلة على الالتزامات الدنية التى مصدرها القانون تضاف إلى أمثلة أخرى سنوردها فيما يلى .
وتنص المادة 795 مدنى على أنه " فى الكفالة القضائية أو القانونية يكون الكفلاء دائماً متضامنين " . والكفالة القانونية هى ما ينص القانون على وجوب تقديمها ، ومن ذلك ما نصت عليه المادة 467 من تقنين المرافعات من أن " النفاذ المعجل واجب بقوة القانون للأحكام الصادرة فى المواد التجارية ، سواء أكانت قابلة للمعارضة أم للاستئناف أم طعن فيها بهاتين الطريقتين وذلك بشرط تقديم كفالة " . والكافلة القضائية هى ما يجعل القانون للقاضى جواز أن يحكم بها ، ومن ذلك ما نصت عليه المادة 470 من تقنين المرافعات من أنه " يجوز الأمر بالنفاذ المعجل ، بكفالة أو بدونها ، سواء أكان الحكم قابلاً للمعارضة أم للاستئناف $ 280 $ أم طعن فيه بهاتين الطريقتين ، فى الأحوال الآتية : ( 1 ) إذا كان الحكم مبيناً على سند عرفى لم يجحده المحكوم عليه ( 2 ) إذا كان الحكم صادراً فى دعاوى الحيازة ( 3 ) إذا كان الحكم صادراً لمصلحة طالب التنفيذ فى منازعة متعلقة به " . فالمادة 795 مدنى سالفة الذكر ، فى كل من الكفالة القانونية والكفالة القضائية ، نصت على تضامن الكفيل مع المكفول ( أى طالب التنفيذ ) وعلى تضامن الكفلاء فيما بينهم إذا تعددوا . وظاهر أن مصدر الالتزام بتقديم الكفيل ، قانونيناً كان أو قضائياً ، هو القانون . أما مصدر التزام الكفيل نفسه فهو عقد كفالة بينه وبين المكفول له أى الخصم المحكوم عليه لصالح الخصم طالب التنفيذ . وأما ما تضامن فيه الكفيل مع المكفول ومع الكفلاء الآخرين إذا تعددوا فهو التزام برد ما استولى عليه المكفول عن طريق الحكم المشمول بالنفاذ المعجل فيما إذا ألغى الحكم ، ومصدر هذا الالتزام هو الإثراء بلا سبب .
173 - التزامات مدنية مصدرها القانون : نضيف إلى التزامات الفضولى التى مصدرها القانون فيما قدمناه التزام المحكوم عليهم بمصروفات الدعوى . فقد نصت المادة 357 من تقنين المرافعات على أن " يحكم بمصاريف الدعوى على الخصم المحكوم عليه فيها ، ويدخل فى هذه المصاريف مقابل أتعاب المحاماة . وإذا تعدد المحكوم عليهم ، جاز الحكم بقسمة المصاريف مقابل أتعاب المحاماة . وإذا تعدد المحكوم عليهم ، جاز الحكم بقسمة المصاريف بينهم بالسوية أو بنسبة مصلحة كل منهم فى الدعوى على حسب ما تقدره المحكمة ، ولا يلزمون بالتضامن فى المصاريف إلا إذا كانوا متضامنين فى أصل التزامهم المقضى به " . فهنا التزم المحكوم عليهم بمصروفات الدعوى بموجب نص فى القانون هو النص الذى ذكرناه ، وقد أوجب هذا النص ذاته تضامن المحكوم عليهم بالمصروفات إذا تعددوا فى حالة واحدة هى أن يكونوا متضامنين فى أصل التزامهم المقضى به ، فمتى كانوا متضامنين فى هذا الالتزام كانوا أيضاً متضامنين فى مصروفات الدعوى التى قضى فيها عليهم بوفاء التزامهم ( 465 ) . وفى غير هذه $ 281 $ الحالة تنقسم المصروفات عليهم دون تضامن ، كل بنسبة مصلحته فى الدعوى حسب تقدير المحكمة أو بالتساوى فيما بينهم ( 466 ) .
174 - التزامات تجارية وبحرية : وهناك التزامات نص فيها لتقنين التجارى والتقنين البحرى على قيام التضامن بين المدينين .
ففى الشركات نصت المادة 22 منا التقنين التجارى على أن " الشركاء فى شركة التضامن متضامنون لجميع تعهداتها ، ولو لم يحصل وضع الإمضاء عليها إلا من أحدهم ، إنما يشترط أن يكون هذا الإمضاء بعنوان الشركة " . فهنا نص القانون على أن الشركاء فى شركة التضامن مسئولون بالتضامن فى أموالهم الشخصية عن جميع التزامات الشركة ( 467 ) . ونصت المادة 23 تجارى على أن " شركة التوصية هى الشركة التى تقعد بين شريك واحد أو أكثر مسئولين $ 282 $ ومتضامنين وبين شريك واحد أو أكثر يكونون أحصاب أموال فيها وخارجين عن الإدارة ويسمون موصين " . ونت المادة 29 تجارى على أنه " إذا أذن أحد الشركاء الموصين بدخول اسمه فى عنوان الشركة ، خلافاً لما هو منصوص عليه فى المادة 26 ، فيكون ملزوماً على وجه التضامن بجميع ديون وتعهدات الشركة " . ففى شركة التوصية إذن يوجد شركاء مسئولون بالتضامن عن جميع ديون الشركة ، ويدخل فى هؤلاء الشركاء الموصون إذا أذنوا بدخول أسمائهم فى عنوان الشركة . وتضيف المادة 30 تجارى حالة أخرى يكون فيها الشركاء الموصون مسئولين بالتضامن عن ديون الشركة فتقول : " وكذلك إذا عمل أى واحد من الشركاء الموصين عملاً متعلقاً بإدارة الشركة يكون ملزوماً على وجه التضامن بديون الشركة وتعهداتها التى تنتج من العمل الذى أجراه . ويجوز أن يلزم الشريك المذكور على وجه التضامن بجميع تعهدات الشركة أو بعضها على حسب عدد وجسامة أعماله ، وعلى حسب ائتمان الغير له بسبب تلك الأعمال " . ونصت المادة 57 تجارى على أن " يلزم إعلان المشارطة الابتدائية لشركة المساهمة ونظامها والأمر المرخص بإيجادها ، ويكون إعلان ذلك بتعليقه فى المحكمة الابتدائية مدة الوقت المعين آنفاً ونشره فى إحدى الجرائد . وإن لم يحصل ذلك ألزم مديرو الشركة بديونها على وجه التضامن ، ووجب عليهم التعويضات أيضاً " . فهذه حالة نص فيها القانون على تضامن مديرى الشركة المساهمة فى المسئولية عن ديونها إذا وقع منهم تقصير فى واجبهم من إعلان الشركة ونظامها والأمر المرخص بإيجادها . هذا ويلاحظ أن الشركة المدنية لا تضامن بين الشركاء فيها فيما يلزم كلا منهم من ديون الشركة ، ما لم يتفق على خلاف ذلك ( م524 / 1 مدنى ) .
وفى الكمبيالات تنص المادة 117 من التقنين التجارى ( 468 ) على ما يأتى : ساحب " الكمبيالة والمحيلون المتناقلون لها يكونون مسئولين على وجه التضامن عن القبول والدفع فى ميعاد الاستحقاق " . فهذا نص فى القانون يقيم التضامن بين ساحب الكمبيالة والمحيلين المتعاقبين لها فى مسئوليتهم عن قبول المسحوب عليه للكمبيالة $ 283 $ وعن دفعه إياها فى ميعاد الاستحقاق . فإذا لم يقبل المسحوب عليه الكمبيالة ، وأعلن بروتستو عدم القبول رسمياً ، " وجب – كما تقول المادة 119 تجارى – على المحليين المتناقلين والساحب على وجه التعاقب أن يقدموا كفيلاً ضامناً لدفع قيمة الكمبيالة فى الميعاد المستحق الدفع ، أو يدفعوا قيمتها مع مصاريف البروتستو ومصاريف الرجوع ، ولا يكون الكفيل متضامناً إلا مع من كفله سواء كان الساحب أو المحيل " . ثم إن المادة 137 تجارى تنص أيضاً على أن " ساحب الكمبيالة وقابلها ومحيلها ملزمون لحاملها بالوفاء على وجه التضامن ( 469 ) " .
وفى الإفلاس نصت المادة 254 تجارى على أن وكلاء الدائنين ( أى السنديك إذا تعدد ) متضامنون فيما يتعلق بإجراءات إدارتهم " .
وفى بيع السفينة نصت المادة 23 / 1 من التقنين البحرى على أنه " يجب على الراسى عليه مزاد السفينة من أية حمولة كانت أن يدفع فى ظرف أربع وعشرين ساعة من وقت مرسى المزاد ثلث الثمن الذى رسا به المزاد عليه أو يسلمه إلى صندوق المحكمة ، ويؤدى كفيلاً معتمداً بالثلثين يكون له محل بالقطر المصرى ويضع إمضاءه مع المكفول على السن ، ويكونان ملزمين على وجه التضامن بدفع الثلثين المذكورين فى ميعاد أحد عشر يوماً من يوم مرسى المزاد ( 470 ) " .
$ 284 $
المطلب الثالث
وحدة المحل وتعدد الروابط – الالتزام التضامنى ( Obligation in solidum )
175 - وحدة المحل وتعدد الروابط : والتضامن بين المدينين ، كالتضامن بين الدائنين ، يجعل الالتزام متعدد الروابط ولكنه موحد المحل ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( 471 ) .
فتعدد المدينين من شأنه أن يجعل الروابط متعددة ، فالدائن يرتبط بكل مدين بموجب رابطة مستقلة عن الروابط التى تربطه بالمدينين الآخرين . ومظاهر التعدد فى روابط المدينين بالدائن فى التضامن السلبى هى نفس مظاهرها فى روابط الدائنين بالمدين فى التضامن الإيجابى ، على ما مر . ويترتب على ذلك :
( 1 ) يجوز أن تكون إحدى هذه الروابط موصوفة والأخرى بسيطة ، كما يجوز أن يلحق إحدى الروابط وصف ويلحق رابطة أخرى وصف آخر . ومن ثم يصح أن يكون أحد المدينين المتضامنين مديناً تحت شرط ، والآخر التزامه منجز أو مضاف إلى أجل . فلا يطالب الدائن المدين تحت شرط إلا عند تحقق الشرط ، ولا المدين المؤجل دينه إلا عند حلول الأجل ، ويطالب فوراً من كان دينه منجزاً . وإلى هذا تشير الفقرة الأولى من المادة 285 مدنى إذ تقول : " يجوز للدائن مطالبة المدينين المتضامنين بالدين مجتمعين أو منفردين ، ويراعى فى ذلك ما يلحق رابطة كل مدين من وصف يعدل من أثر الدين " . ويجوز أيضاً ، على هذا النحو ، أن يكون مكان الأداء لأحد المدينين غير مكان الأداء للمدينين الآخرين ( 472 ) .
$ 285 $
( 2 ) ويجوز أن يشوب إحدى الروابط عيب فى الإرادة أو نقص فى الأهلية وتكون الروابط الأخرى غير مشوبة بشئ من ذلك ، كما يجوز أن تكون إحدى الروابط باطلة والروابط لأخرى صحيحة ، أو يكون بعضها باطلاً وبعضها قابلاً للإبطال وبعضها صحيحاً . فكل رابطة من الروابط المتعددة تستقل بعيوبها . ثم إن بعض الروابط قد يكون قابلاً للفسخ ، وبعض آخر لا يقبل الفسخ .
( 3 ) ويجوز أخيراً أن تنقضى إحدى الروابط دون أن تنقضى الروابط الأخرى . وسنرى ذلك فى أسباب انقضاء الالتزام بغير الوفاء ، فتنقضى إحدى الروابط بالمقاصة مثلاً مع بقاء الروابط الأخرى قائمة .
ولكن لما كان المدينون جميعاً متضامنين فى دين واحد ، فإنه بالرغم من تعدد روابطهم مع الدائن يكون الالتزام موحد المحل ، فالروابط متعددة والمحل واحد . ووحدة المحل هذه هى التى تحتفظ للالتزام بوحدته رغماً من تعدد المدينين ، وإلا لانقسم الدين على هؤلاء المدينين ولكان التزاماً متعدد الأطراف ( obligation conjointe ) من ناحية المدين كما سبق القول . وتعدد الروابط ووحدة المحل فى التضامن السلبى هما ، كما فى التضامن الإيجابى ، المحور الذى تدور عليه جميع أحكام التضامن كما سنرى .
176 - الالتزام التضامنى ( 473 ) ( obligation in solidum ) : وإذا كان الالتزام التضامنى obligation solidaire متعدد الروابط ولكنه موحد المحل ، فإنه أيضاً موحد المصدر . فإذا كان التضامن مصدره الاتفاق ، فإن الالتزام التضامنى الذى يجمع ما بين المدينين المتضامنين هو التزام محله واحد وهو الدين ، ومصدره واحد وهو العقد . وإذا كان التضامن مصدره نص فى القانون ، كما فى التزام الوكلاء المتعددين أو الالتزام عن عمل غير مشروع ، فإن مصدر الالتزام التضامنى هو عقد وكالة واحد أو عمل غير مشروع صدر من أشخاص $ 286 $ متعددين فأحدث ضرراً واحداً ( 474 ) .
ولكن قد يتعدد مصدر الالتزام مع بقاء محله واحداً . مثل ذلك ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 792 مدنى من أنه " إذا كان الكفلاء قد التزموا بعقود متوالية ، فإن كل واحد منهم يكون مسئولاً عن الدين كله ، إلا إذا كان قد احتفظ لنفسه بحق التقسيم " . فهنا وجد كفلاء متعددون ، وكل منهم قد التزم فى عقد مستقل بكفالة دين واحد ، فالروابط التى تربط الكفلاء المتعددين بالدائن روابط متعددة إذ كل كفيل منهم تربطه بالدائن رابطة مستقلة ، ومصدر التزام كل كفيل هو أيضاً متعدد إذ التزم الكفلاء بعقود متوالية ، ولكن الدين الذى التزم كل بأدائه هو دين واحد : الروابط إذن متعددة ، والمصدر متعدد ، والمحل واحد . فلا يكون هؤلاء الكفلاء ملتزمين بطريق التضامن ، لأن التضامن يقتضى أن يكون المصدر واحداً لا متعدداً كما قدمنا . ولكن لما كان كل منهم ملزماً بنفس الدين ، فقد تضامت ذممهم جميعاً فى هذا الدين الواحد دون أن تتضامن ، فالالتزام يكون التزاماً تضاممياً ( obligation in solidum ) لا التزاماً تضامنياً ( obligation solidaire ) ( 475 ) .
$ 287 $
والذى يميز الالتزام التضاممى عن الالتزام التضامنى أن المدينين المتضامين فى الالتزام الأول لا تجمعهم وحدة المصلحة المشتركة كما تجمع المدينين المتضامنين فى الالتزام الثانى . ذلك أن التضامن يقتضى كما قدمنا وحدة المصدر ، ووحدة المصدر هذه هى التى تفترض وجود المصلحة المشتركة بين المدينين المتضامنين . أما فى الالتزام التضاممى فالمصدر متعدد ، فلا محل إذن لافتراض وجود مصلحة مشتركة بين المدينين المتضامنين . وفى المثل المتقدم التزم كل كفيل بعقد مستقل ، فلم تكن هناك مصلحة مشتركة ما بين هؤلاء الكفلاء المتعددين ، وإنما يجمعهم كلهم دين واحد ، فكل منهم ملتزم بأدائه .
ولهذا التمييز أهمية كبيرة فى تعيين الآثار التى تترتب على التضامم فى الالتزام وتلك التى تترتب على التضامن فيه . أما الآثار التى تترتب على التضامم فتقتصر على ما تقتضيه طبيعة الموقف ، إذ كل من المدينين مدين بنفس الدين وبكل الدين . فيترتب على ذلك بداهة أن الدائن يستطيع أ ، يطالب أى مدين منهم بكل الدين ، وإذا هو استوفاه من أحدهم برئت ذمة الآخرين . كذلك يستطيع أى مدين منهم أن يوفى الدائن كل الدين ، فتبرأ بذلك ذمة الآخرين . أما فيما $ 288 $ يتعلق برجوع المدينين المتضامنين بعضهم على بعض ، فهذا يتوقف على ما بينهم من علاقة . فالكفلاء الذين كفلوا مديناً واحداً بعقود متوالية ، إذا وفى أحدهم الدين كله للدائن برئت ذمة الكفلاء الآخرين من هذا الدين نحو الدائن ، ولكن يجوز للكفيل الذى دفع الدين أن يرجع بكل الدين على المدين الأصلى . أما إذا وفى المدين الدين لدائنه فإنه لا يرجع على أحد من الكفلاء ، لأنه إنما دفع دين نفسه .
والآثار التى تترتب على التضامن فى الالتزام ، حيث يفترض وجود المصلحة المشتركة ما بين المدينين المتضامنين ، أبعد مدى من ذلك . فسنرى أن أى مدين متضامن تمكن مطالبته بكل الدين ، وإذا وفاه برئت ذمة الآخرين ، ويكون له فى الغالب حق الرجوع عليهم كل بقدر نصيبه . ولا يقتصر الأمر على ذلك ، إذ أن هناك مصلحة مشتركة ما بين المدينين المتضامنين كما قدمنا ، وهذه المصلحة هى التى تبرر مبدأ أساسياً فى التضامن يقضى بأن كل مدين متضامن يمثل الآخرين فيما ينفعهم لا فيما يضرهم ، ولولا وجود هذه المصلحة المشتركة لما كان هناك محل لتمثيل المدينين الآخرين لا فيما يضر ولا فيما ينفع .
ومن أجل ذلك لا يقوم هذا التمثيل فى الالتزام التضاممى حتى فيما ينفع ، إذ لا توجد مصلحة مشتركة ما بين المدينين المتضامين . فإذا أعذر أحد الكفلاء المتوالين الدائن ، لم يكن الدائن معذراً بالنسبة إلى الكفلاء الآخرين . وإذا صدر حكم لمصلحة أحد هؤلاء الكفلاء لم يستفد منه الباقون . وقل مثل ذلك فى سائر الآثار التى تدعى بالآثار الثانوية ( Effets secondaires ) للتضامن ، والتى سيأتى بيانها تفصيلا فيما يلى ( 476 ) :
177 - أمثلة للالتزام التضاممى فى القانون المصرى : وقد أوردنا مثالا واحداً للالتزام التضاممى ، هو التزام الكفلاء المتعددين بعقود متوالية ، ونعزز هذا المثال بأمثلة أخرى :
$ 289 $
( 1 ) إذا كان الدائن بالنفقة الواجبة قانوناً يستطيع أن يطالب بها مدينين متعددين ، بأن تكون النفقة واجبة قانوناً على كل منهم ، استطاع مستحق النفقة أن يرجع بها على أيهم ، ويكون الجميع مدينين متضامين ، لأنه جميعاً مسئولون عن دين واحد . فالمحل واحد ، ولكن الروابط متعددة ، وكذلك المصدر متعددة إذ كل من هؤلاء المدينين تربطه بالدائن رابطة من القرابة تختلف عن رابطة القرابة التى تربط الدائن بالآخرين وهذه الرابطة هى مصدر التزامه بدينه النفقة .
( 2 ) قد يكون اثنان مسئولين عن دين واحد بموجب مصدرين مختلفين ، بأن يكون أحدهما مسئولا بموجب عقد ويكون الآخر مسئولا بمقتضى القانون . مثل ذلك ما نصت عليه المادة 30 من التقنين البحرى من أن " كل مالك لسفينة مسئول مدنياً عن أعمال القبودان وبوفاء ما التزم به القبودان المذكور فيما يختص بالسفينة وتسفيرها " . فقد قرر هذا النص مسئولية مالك السفينة عن أعمال القبودان غير المشروعة وعن التزاماته التعاقدية فيما يختص بالسفينة وتسفيرها " . فقد قرر هذا النص مسئولية مالك السفينة عن أعمال القبودان غير المشروعة وعن التزاماته التعاقدية فيما يختص بالسفينة وتسفيرها . أما مسئولية مالك السفينة عن أعمال القبودان غير المشروعة فهذه مسئولية المتبوع عن التابع فى نطاق المسئولية التقصيرية ،ولذلك يكون الاثنان متضامنين فى هذه المسئولية عن العمل غير المشروع وفقاً لأحكام المادة 169 مدنى ، ويكون هذا مثلا للتضامن فى الالتزام لا للتضامم فيه . ولكن مسئولية مالك السفينة عما يبرمه القبودان من عقود خاصة بالسفينة وتسفيرها ، فهذه مسئولية تضاممية لا تضامنية ، لأن التضامن فى المسئولية العقدية لابد فيه من نص القانون ، والنص هنا مقصور على جعل مالك السفينة مسئولا عن وفاء ما التزم به القبودان ولم يصرح بقيام التضامن بينهما ، أى أنه اقتصر على جعل كل من المالك والقبودان مسئولا عن نفس الدين وهذا هو التضامم .
( 3 ) كذلك يقوم الالتزام التضاممى فى المسئولية العقدية عن الغير . وتتحقق هذه المسئولية إذا استخدم المدين بعقد شخصاً غيره فى تنفيذ التزامه العقدى ، فيكون مسئولا عقدية عن خطأ هذا الشخص فى تنفيذ العقد ( 477 ) .
$ 290 $
فالمؤجر مسئول عن تنفيذ التزاماته العقدية الناشئة عن عقد الإيجار نحو المستأجر ، وقد يعهد إلى بواب بتنفيذ بعض من هذه الالتزامات ، فإذا قصر البواب فى تنفيذها ، بأن أهمل مثلاً فتسبب عن إهماله أن سُرق المستأجر ، أو أضاع المراسلات الموجهة إلى هذا المستأجر ، كان هذا خطأ يستوجب مسئولية البواب . ولما كان المؤجر مسئولاً هو أيضًا عن هذا الخطأ مسئولية عقدية ، فالالتزام واجب أيضًا على المؤجر بمقتضى مسئوليته عن البواب . فهذا التزام واحد ، له مدينان ، ولا يمكن القول بأنهما متضامنان ، فالتضامن مع المؤجر فى مسئوليته ، العقدية لابد فيه من نص . ولكن مميزات الالتزام التضاممى قد توافرت هنا : محل واحد وروابط متعددة ومصادر متعددة ، فدين التعويض محله واحد بالنسبة إلى كل من المؤجر والبواب ، وهناك رابطتان مختلفتان ، إحداهما تربط المستأجر بالمؤجر ، والأخرى تربط المستأجر بالبواب . ومصدر التزام البواب خطأه التقصيرى ، أما مصدر التزام المؤجر فمسئوليته العقدية عن الغير ( 478 ) .
( 4 ) فى المثلين المتقدمين رأينا أن شخصين يلتزمان بدين واحد بموجب مصدرين مختلفين ، فمالك السفينة مسئول عن تنفيذ العقد الذى $ 291 $ أبرمه القبودان ، وهنا التابع ـ أى القبودان ـ هو الذى أبرم العقد ، فيصبح المتبوع مسئولاً عن تنفيذه ، والمؤجر مسئول عن خطأ البواب فى تنفيذ عقد الإيجار ، وهنا ـ على خلاف الحالة الأولى ـ المتبوع هو الذى أبرم العقد والتابع هو الذى ينفذه ، ويمكن أن نتصور حالة ثالثة يكون فيها الشخصان مستقلين أحدهما عن الآخر ، فلا تابع ولا متبوع ، ويكونان مسئولين عن دين واحد بموجب مصدرين مختلفين ، وليكن هذان المصدران خطأين أحدهما عقدى والآخر تقصيرى ، " فإذا تعاقد عامل فنى مع صاحب مصنع ـ كما كتبنا فى الجزء الأول من الوسيط ـ أن يعمل فى مصنعه مدة معينة ، وأخل بتعهده فخرج قبل انقضاء المدة ليعمل فى مصنع آخر منافس بتحريض من صاحبه ، كان العامل الفنى وصاحب المصنع المنافس مسئولين معًا نحو صاحب المصنع الأول ، كل منهما عن تعويض كامل ، وتفسير ذلك لا يرجع إلى تعدد المسئولين عن أخطاء تقصيرية ، بل يرجع إلى أن العامل الفنى مسئول عن تعويض كامل لأنه أخل بالتزامه العقدى ، وصاحب المصنع المنافس مسئول أيضًا عن تعويض كامل لأنه ارتكب خطأ جعله مسئولاً ، فيكون كل منهما مسئولاً عن تعويض ضرر واحد تعويضًا كاملاً . وهذه ليست مسئولية بالتضامن ( Solidarite ) بل هى مسئولية مجتمعية ( تضاممية in Solidum ) ( 479 ) . وكذلك يكون الحكم إذا كان كل من الخطأ العقدى والخطأ التقصيرى غير عمد ، كما إذا ارتكب أمين النقل وهو ينقل بضاعة خطأ بأن سار بسرعة كبيرة ، فاصطدم بسيارة أخرى ارتكب سائقها هو أيضًا خطأ بأن كان يسير من جهة الشمال ، فخطأ أمين النقل هنا خطأ عقدى غير عمد وخطأ الغير ( سائق السيارة الأخرى ) خطأ تقصيرى غير عمد ، ومع ذلك يكون أمين النقل والغير مسئولين معًا مسئولية مجتمعة ( تضاممية ) . ويلاحظ فى المثلين المتقدمين أن مرتكب الخطأ العقدى لا يكون مسئولاً إلا عن الضرر $ 292 $ المتوقع ، أما مرتكب الخطأ التقصيرى فيكون مسئولاً أيضًا عن الضرر غير المتوقع مادام ضررًا مباشرًا ، فالمسئولية المجتمعة ( التضاممية ) إنما تقوم بينهما فيما يشتركان فى التعويض عنه وهو الضرر المتوقع ، وينفرد مرتكب الخطأ التقصيرى بالمسئولية عن الضرر غير المتوقع . والفرق بين المسئولية بالتضامن ( Solidarite ) والمسئولية المجتمعية ( تضاممية in Solidum ) أن التضامن يختص بأحكام لا تشاركه فيها المسئولية المجتمعة ( التضاممية ) ، فالمسئولون بالتضامن يمثل بعضهم بعضًا فيما ينفع لا فيما يضر . فإذا تصالح الدائن مع أحد المسئولين بالتضامن ، وتضمن الصلح الإبراء من الدين أو براءة اذمة منه بأية وسيلة أخرى استفاد منه الباقون ، أما إذا كان من شأن هذا الصلح أن يرتب فى ذمتهم التزامًا أو يزيد فيما هم ملتزمون به فإنه لا ينفذ فى حقهم إلا إذا قبلوه ( م 294 مدنى ) . وإذا أقر أحد المسئولين المتضامنين بالدين فلا يسرى هذا الإقرار فى حق الباقين ، وإذا نكل أحد المسئولين المتضامنين فحلف فإن المسئولين الآخرين يستفيدون من ذلك ( م 295 مدنى ) ، وإذا صدر حكم على أحد المسئولين المتضامنين فلا يحتج بهذا الحكم على الباقين ، أما إذا صدر الحكم لصالح أحدهم فيستفيد منه الباقون إلا إذا كان الحكم مبنيًا على سبب خاص بالمسئول الذى صدر الحكم لصالحه ( م 296 مدنى ) ، وإذا أعذر الدائن أحد المسئولين ، أما إذا أعذر أحد المسئولين المتضامنين الدائن فإن باقى المسئولين يستفيدون من هذا الأعذار ( م293 فقرة 2 مدنى ) . . هذه الأحكام هى خاصة بالمسئولية التضامنية دون المسئولية المجتمعة ( التضاممية ) ، ومن ثم تقوم هذه الفروق بين المسئوليتين " ( 480 ) .
$ 294 $
المبحث الثاني
الآثار التي تترتب علة تضامن المدينين
178 – العلاقة بين الدائن والمدينين وعلاقة المدينين بعضهم ببعض : هنا أيضا نبحث ، كما بحثنا في تضامن الدائنين ، أمرين : ( 1 ) العلاقة بين الدائن والمدينين ( 2 ) وعلاقة المدينين بعضهم ببعض .
المطلب الأول
العلاقة بين الدائن والمدينين
179 – المبادئ الأساسية : المبادئ الأساسية التي تقوم عليها العلاقة ما بين الدائن والمدينين في التضامن السلبي هي نفس المبادئ التي تقوم عليها العلاقة ما بين المدين والدائنين في التضامن الإيجابي :
( أولا ) فللدائن مطالبة أي مدين متضامن بكل الدين . ولأي مدين متضامن الوفاء بكل الدين للدائن . ووفاء أحد المدينين بكل الدين يبرئ ذمة المدينين الآخرين نحو الدائن ( م 284 – 285 مدني ) . ويرجع هذا المبدأ إ لي فكرة وحدة المحل ، فالدائن يستطيع أن يطالب بالكل ، كما يستطيع أي مدين أن يفي بالكل ، لأن الكل في هذه الحالة شئ واحد .
( ثانياً ) أما أسباب الانقضاء الأخرى غير الوفاء ، من تجديد ومقاصة واتحاد ذمة وإبراء وتقادم ، فإنها إذا تحققت بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين اقتصر أثيرها عليه دون أن تتعدى سائر المدينين ، ولا يحتج أي من هؤلاء بها إلا بقدر حصة المدين الذي قام به سبب الانقضاء ( م 286 – 292 / 1 مدني ) . ويرجع هذا المبدأ إلى فكرة تعدد الروابط ، فكل مدين تربطه بالدائن رابطة تتميز عن روابط المدينين الآخرين ، فإذا انقضت هذه الرابطة بسبب غير الوفاء لم بترتب على ذلك انقضاء الروابط الأخرى .
$ 295 $
( ثالثاً ) ولا يجوز لأي مدين متضامن أن يأتي عملا من شأنه أن يضر بباقي المدينين ، ولكن إذا أتى عملا من شأنه أن ينفعهم أفادوا منه ( م 292 / 2 – 296 مدني ) . ويرجع هذا المبدأ إلي فكرة النيابة التبادلية ، فكل مدين يمثل الآخرين فيما ينفع لا فيما يضر . وهذا ما جرت العادة بتسميته الآثار الثانوية ( secondaireseffets ) للتضامن ( 481 ) .
فنتكلم إذن هنا ، كما تكلمنا في التضامن الإيجابي ، في مسائل ثلاث : ( 1 ) انقضاء الدين بالوفاء ( 2 ) انقضاء الدين بأسباب أخرى غير الوفاء ( 3 ) الآثار الثانوية للتضامن بين المدينين .
1 – انقضاء الدين بالوفاء
180 – النصوص القانونية : تنص المادة 284 من التقنين المدني على ما يأتي :
" إذا كان التضامن بين المدينين ، فإن وفاء أحدهم بالدين مبرئ لذمة الباقين " .
وتنص المادة 285 على ما يأتي :
" 1 – يجوز للدائن مطالبة المدين مجتمعين أو منفردين ، ويراعي في ذلك ما يلحق رابطة كل مدين من وصف يعدل من أثر الدين " .
" 2 – ولا يجوز للمدين الذي يطالب الدائن بالوفاء أن يحتج بأوجه الدفع $ 296 $ الخاصة بغيره من المدينين ، ولكن يجوز له أن يحتج بأوجه الدفع الخاصة به وبالأوجه المشتركة بين المدينين جميعاً ( 482 ) " .
وتقابل هذه النصوص في التقنين المدني السابق المواد 108 / 162 – 164 و 109 / 165 و 112 / 168 ( 483 ) .
وتقابل في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في التقنين المدني السوري $ 297 $ المادتين 284 – 285 ، وفي التقنين المدني الليبي المادتين 271 – 322 ، وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المواد 23 و 25 – 29 ( 484 ) .
$ 298 $
181 – لأي مدين متضامن أن يوفي الدائن كل الدين : وهذا ما تنص عليه المادة 284 مدني ، وكما رأينا ، إذ تقول : إذا كان التضامن بين المدينين ، فإن وفاء أحدهم بالدين مبرئ لذكة الباقين " . فأي مدين إذن يستطيع أن يفي الدين كله للدائن ، ولا يستطيع الدائن أن يرفض الأستيفاء ، كما لا يستطيع أن يفرض على المدين ألا يوفيه إلا حصته في الدين إذا أصر المدين على الوفاء بالدين كله ( 485 ) . وهذا ما لم يتفقا على أن يدفع المدين للدائن حصته في الدين فقط ، فعند ذلك يكون للدائن أن يرجع على أي مدين آخر بالدين من استنزال حصة المدين المدفوعة ( 486 ) . وكما لا يجبر المدين على أ ، يوفي حصته فقط كذلك لا يستطيع $ 299 $ هو أن يجبر الدائن على استيفاء هذه الحصة إذا أصر الدائن على أن يستوفى الدين كله .
وإذا وفي المدين الدين كله للدائن ، برئت ذمه سائر المدينين المتضامنين . ويكون للمدين الذي وفي الدين الرجوع عليهم كل بقدر حصته على الوجه الذي سنبينه فيما يلي . وإذا رفض الدائن أن يستوفى الدين كله من أي مدين متضامن ، كان لهذا المدين أن يعرض الدين عرضاً حقيقاً وقفاً للإجراءات المقررة ، ومتى تم هذا العرض برئت ذمة كل المدينين المتضامنين .
182 – وللدائن أن يستوفى الدين كله من أي مدين متضامن : وهذا ما يقرره صدر الفقرة الأولى من المادة 285 مدني ، كما رأينا ، إذ يقول " يجوز للدائن مطالبة المدينين المتضامنين بالدين مجتمعين أو منفردين " . فللدائن أن يختار أن مدين متضامن – أكثرهم ملاءة أو أيسرهم وفاء أو من يشاء منهم فكلهم متضامنون في الدين – ويطالبه بالدين جميعه لا فحصب منه فحسب ( 487 ) . وهذا يرجع كما قدمنا إلى وحدة المحل في الالتزام التضامني ، وهذا هو أيضاً أهم أثر للتضامن السلبي ، فإن هذا النوع من التضامن مقرر في الأصل لمصلحة الدائن ، بل هو يفوق في الضمان الكفالة ولو كان الكفيل متضامنا كما سبق القول ( 488 ) .
ويبقى للدائن حقه في الرجوع بكل الدين على أي مدين يختاره حتى لو كان له تأمين عيني كرهن أو حق امتياز ، فله بالرغم من وجود هذا التأمين أن يرجع علة المدين الذي اختاره قبل أن يرجع علة العين المرهونة أو المثقلة بحق الامتياز وهذا حتى لو كانت هذه العين مملوكة لغير هذا المدين ( 489 ) . ذلك أن القانون لم $ 300 $ يحتم على الدائن أن يرجع أولا على العين المحملة بالضمان العيني ( 490 ) ، فقد يحد الدائن أن الدعوة الشخصية آلت يطالب بها المدين المتضامن بالدين كله أيسر حمال وأقل كلفة وأبسط في الإجراءات من الدعوى العينية التي يرجع بها بمقتضى التأمين العيني ( 491 ) .
وليس للمدين إذا طالبه الدائن بالدين كله ، أن يقتصر على دفع حثته في الدين ( 492 ) ، فإنه بالنسبة إلى الدائن قد انشغلت ذمته بكل الدين ولا يستطيع أن يجزئ الوفاء . وقد رأينا نظيرا لهذا الحكم في حالة ما إذا كان المدين هو الذي يتقدم من تلقاء نفسه ، ومن غير مطالبة من الدائن ، بدفع حصته في الدين ، فإن الدائن لا يجبر على قبول الوفاء الجزئي ( 493 ) .
183 – مراعاة ما يلحق رابطة كل مدين من وصف ولما كان الالتزام التضامني ، إلى جانب أنه وحد المحل ، متعدد الروابط ، فإن هذه الروابط المتعددة قد يكون بعضها موصوفا والبعض غير موصوف ، وقد يكون الرصف الذي يلحق رابطة منها غير الوصف الذي الرابطة الأخرى ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك . فيجوز أن يكون أحد المدينين المتضامنين مدينا تحت شرط واقف ، ويكون مدين آخر دينه مضاف إلى أجل ويكون مدين ثالث دينه منجز . ففي هذه الحالة لا يستطيع الدائن أن يرجع على المدين الأول $ 301 $ إلا إذا تحقق الشرط ، ولا على المدين الثاني إلا عند حلول الأجل ، ويجوز له الرجوع فورا على المدين الثالث . وإلى هذا تشير المادة 284 مدني إذ تقول : " ويراعي في ذلك ما يلحق رابطة كل مدين من وصف يعدل من أثر الدين " . وقد تقدم مثل ذلك في التضامن الإيجابي .
وقد يطرأ الوصف على الرابطة بعد تمام التعاقد ، فيمنح الدائن أن يتمسكوا بهذا الأجل ، كما لا يتمسك المدين في التضامن الإيجابي بالأجل الذي يمنحه له أحد الدائنين المتضامنين في حق الدائنين الآخرين ( 494 ) . وإذا كان الدائن ، عند ما يبرئ أحد المدينين المتضامنين من التضامن ، يستبقه حقه في الرجوع على الباقين بكل الدين ( م 290 مدني ) ، فأولى أن يستبقى حقه في الرجوع فورا على الباقين إذا هو أجل الدين لأحدهم .
184 – إدخال المدينين المتضامنين الآخر بن في الدعوى ودخولهم فيها : إذا طالب الدائن أحد المدينين المتضامنين بكل الدين على الوجه الذي أسلفناه ، كان لهذا المدين أن يدخل في الدعوى باقي المدينين المتضامنين أو بعضهم ، حتى إذا حكم عليه بكل الدين حكم له على كل من لآخرين بقدر حصته ( 495 ) . ولا يجوز للدائن أن يعارض في ذلك فيقد نصت المادة 143 من تقنين المرافعات على أن " للخصم أن يدخل في الدعوى من كان يصح اختصامه فيها عند رفعها ، ويتبع في اختصام الغير الأوضاع المعتادة في التكليف بالحضور " ( 496 ) . ويتعين $ 302 $ على المحكمة إجابة إلى طلبه وتأجيل الدعوى لإدخال باقي المدينين ، إذا كان المدين قد كلفهم بالحضور خلال ثمانية أيام من تاريخ رفع الدعوى عليه من الدائن ، أو إذا كانت الثمانية الأيام المذكورة لم تنقض قبل الجلسة المحددة لنظر الدعوى ، وفيما عدا ذلك يكون التأجيل لإدخال باقي المدينين المتضامنين جوزياً للمحكمة ( م 146 مرافعات ) . ويقضي في الدعوى الأصلية المرفوعة من الدائن على المدين وفي طلب هذا المدين للرجوع على باقي المدينين بحكم واحد كلما أمكن ذلك ، وإلا فصلت المحكمة في الرجوع على باقي المحكمة في الرجوع على باقي المدينين بعد الحكم في الدعوى الأصلية إذا اقتضى الفصل في الرجوع إجراءات طويلة للتثبت من الحكم في الدعوى الأصلية إذا اقتضى الفصل في الرجوع إجراءات طويلة للتثبت من حصة كل مدين في الدين " ( م 147 مرافعات ) .
بل أن للمحكمة من تلقاء نفسها ، دون طلب من المدين ، أن تأمر بإدخال باقي المدينين المتضامنين في الدعوي ، فقد نصت المادة 144 من تقنين المرافعات على أن " للمحكمة ولو من تلقاء نفسها أن تأمر بإدخال : ( ا ) . . . ( ب ) من تربطه بأحد الخصوم رابطة تضامن أو حق أو التزام لا يقبل التجزئة . . . وتعين المحكمة ميعادا بحضور من تأمر بادخاله ومن يقوم الخصوم بإعلانه " . وهذا حكم مستحدث في تقنين المرافعات الجديد .
وكما يجوز إدخال باقي المدينين المتضامنين في الدعوى ، يجوز كذلك أن يتدخلوا هم من تلقاء أنفسهم ، ليرعوا حقوقهم وليمنعوا ما قد يقع من تواطؤ بين الدائن والمدين المرفوعة عليه الدعوى . وقد نصت المادة 153 من تقنين المرافعات على أنه " يجوز لكل ذي مصلحة أن يتدخل في الدعوى منضما لأحد الخصوم أو طالبا الحكم لنفسه بطل مرتبط بالدعوى " وتنص المادة 155 من نفس التقنين علة أن " تحكم المحكمة على وجه السرعة في نزاع يتعلق بقبول الطلبات العارضة أو التدخل . ولا يترتب على الطلبات العارضة أو التدخل إرجاء الحكم في الدعوى الأصلية متى كانت صالحة للحكم فيه . وتحكم المحكمة في موضوع الطلبات العارضة أو في طلبات التدخل مع الدعوى الأصلية كلما $ 303 $ أمكن ذلك ، وإلا سبقت الطلب العارض أو طلب التدخل للحكم فيه بعد تحقيقه ( 497 ) " .
185 - مطالبة مدين بعد آخر : وإذا اختار الدائن مدينا متضامنا ويطالبه بكل الدين ، ثم رأى بعد ذلك أن يوجه مطالبته لمدين متضامن آخر ظهر له فيما بعد أكثر جدوي أو أيسر أو بداله أي سبب آخر لهذه المطالبة الجديدة ،ئء فإن المطالبة الأولى للمدين الأول لا تمنع من مطالبة المدين الآخر . فللدائن إذن أن يدخل المدين الآخر خصما في الدعوي الأولى ويطلب الحكم على الاثنين بالدين متضامنين فيه ، وله أن يترك دعواه الأولى ويرفع دعوى جديدة على المدين الآخر يطالبه فيها وحده بكل الدين ( 498 ) .
وإذا فرض أن الدائن استمر في مطالبة المدين الأول ولم يستطع من وراء هذه المطالبة أن يحصل منه إلا على جزئ من الدين ، فإنه يستطيع أن يطالب أي مدين آخر بالباقي من الذي نبعد استنزال الجزء الذي استوفاه من المدين الأول . وهذا هو الحكم حتى لو كان المدين الآخر الذي يرجع عليه الدائن مفلسا ، فإن الدائن لا يدخل في التفليسة إلا بالباقي من المدين بعد استنزال ما استوفاه من المدين الأول ، ثم إن ما يبقي له بعد الرجوع على التفليسة يرجع به على أي من المدينين الآخرين أو على سائرهم ، حتى لو حصل الصلح مع المفلس . كذلك يدخل في التفليسة المدين المتضامن الذي وفي الدين بقدر ما وفاه علن المفلس . وهذه الأحكام تنص عليها صراحة المادة 349 من التقنين التجاري إذ تقول : " إذا استوفى المداين الحامل لسند متضامن فيه المفلس وغيره بعضا من دينه قبل الحكم باشهار الإفلاس ، فلا يدخل في روكية التفليسة إلا بالباقي بعد استنزال ما أيتوفاه ويبقى حقه في المطالبة بالباقي محفوظا له على الشريك أو الكفيل ، ويدخل الشريك أو الكفيل المذكور في روكية المفلس بقدر ما دفعه وما دفعة عنه $ 304 $ . وللمداين مطالبة الشركاء في الدين بتمام دينة ولو حصل الصلح مع المفلس ( 499 ) " .
186 - مطالبة المدينين المتضامنين مجتمعين : وإذا كان للدائن أن يطالب أي مدين متضامن منفرداً بكل الدين ، فما لا شك فيه أن له أيضاً أن يطالبهم جميعاً بكل الدين فيوجه إليهم المطالبة مجتمعين . وتقول المادة 285 مدني ، كما رأينا في هذا الصدد " يجوز للدائن مطالبة المدينين المتضامنين بالدين مجتمعين . . " . ويستطيع أيضاً أن يوجه المطالبة إلى فريق منهم دون فريق ( 500 ) . وقد رأينا أن أي مدين متضامن وجه إليه الدائن المطالبة وحده يستطيع أن يدخل الباقي في الدعوى وأن الباقي يستطيعون أن يدلوا في الدعوى من تلقاء أنفسهم ، هذا إذا لم يستعمل الدائن حقه في مطالبتهم مجتمعين على النحو الذي بيناه .
ومتى اجتمع المدينون المتضامنون أو بعضهم في الدعوي ، فإن الحكم يصدر عليهم بالدين متضامنين فيه ( 501 ) ، فيستطيع الدائن بموجب هذا الحكم أن ينفذ $ 305 $ على أي منهم بكل الدين ، ويبقى لمن نف عليه بكل الدين حق الرجوع على الآخرين .
وإذا رفع الدائن الدعوى عليهم جميعاً ، جاز له رفعها في أية محكمة تكون مختصة بنظر الدعوى بالنسبة إلى واحد منهم أياً كان ، إذ تنص الفقرة الثانية من المادة 55 من تقنين المرافعات على أنه " إذا تعدد المدعى عليهم ، كان الاختصاص للمحكمة التي يقع بدائرتها موطن أحدهم " . أما إذا رفع الدعوي على كل منهم في المحكمة التي بها موطنه فتفرقت الدعاوي ، جاز لكل مدين أن يطلب إحالة دعواه إلى المحكمة التي رفعت أمامها أول دعوى ، فتتجمع على هذا النحو جميع الدعاوي أمام المحكمة واحدة ، ثم يضم بعضها إلى بعض حتى لا تتضارب الأحكام ( 502 ) . وإذا رفع الدائن دعاوي مستقلة على المدينين المتضامنين أمام محكمة واحدة ، جاز للخصوم ، وجاز للخصوم ، وجاز للمحكمة من تلقاء نفسها ، أن تأمر بضم هذه الدعاوي بعضها إلى بعض ليصدر فيها حكم واحد ( 503 ) .
178 - هل ينقسم الدين بين ورثة المدين المتضامن : رأينا في التضامن الإيجابي أن الفقرة الثنية من المادة 280 مدني تنص على ما يأتي : " ومع ذلك لا يحول التضامن دون انقسام الدين بين ورث أحد الدائنين المتضامنين ، إلا إذا كان الدين غير قابل للانقسام " ( 504 ) . وقد كان المشروع التمهيدي للمادة 284 ( 505 ) تنص الفقرة الثانية منها ، في صدد التضامن السلبي ، على ما يأتي : " ومع ذلك لا يحول التضامن دون انقسام الدين دين ورثه أحد المدينين المتضامنين ، إلا إذا كان الدين غير قابل للانقسام " ( 506 ) ، فكان هناك $ 306 $ تقابل بين النصين . ولكن إذا كان هذا التقابل يصح في القانون الفرنسي ، حيث ينتقل الدين إلى ورثة المدين وينقسم عليهم كل بقدر حصته في الميراث ( 507 ) ، فإنه لا يصح ف مصر حيث تقضي مبادئ الشريعة الإسلامية في الميراث " ( 508 ) .
فإذا مات أحد المدينين المتضامنين ، بقيت تركته مشغولة بالدين جميعه ، ويزور للدائن أن يرجع عليها به كاملا ( 509 ) ، ثم ترجع التركة على باقي المدينين المتضامنين كل قدر حصته في الدين كما كان يفعل المورث لو بقة حياً . ومن ثم يكون الدين في التضامن السلبي ، بفضل القاعدة الشرعية التي تقضي بألا تركة إلا بعد سداد الدين ، غير منقسم علة ورثة المدين ، دون حادة إلى أن يكون الدين نفسه غير قابل للانقسام ( 510 ) .
$ 307 $
188 – أوجه الدفع التي يحتج بها المدين المتضامن : وتنص الفقرة الثانية من المادة 285 مدني ، كما رأينا ، على ما يأتي : " ولا يجوز للمدين الذي للمدين الذي يطالبه الدائن بالوفاء أن يحتج بأوجه الدفع الخاصة بغيره من المدينين ، ولكن يجوز له أن يحتد بأوجه الدفع الخاصة به وبالأوجه المشتركة بين المدينين جميعاً " . وقد رأينا نصاً مقابلا لهذا النص في التضامن الايجابي ( 511 ) .
فإذا طالب الدائن أحد المدينين المتضامنين بالوفاء ، كان لهذا المدين أن يحتد بأوجه الدفع الخاص به وبأوجه الدفع الخاصة بمدين آخر .
أما أوجه الدفع الخاصة بالمدين المطالب بالوفاء فكثيرة متنوعة ، ذكرنا ما يقابلها في التضامن الإيجابي . فقد تكون الرابطة التي تربط هذا المدين بالدائن مشوبة بعيب في الرضاء لغلط أو تدليس أو لإكراه ، أو بنقص في أهلية المدين . أو تكون هذه الرابطة قابلة للفسخ ، فيطالب المدين بفسخها . أو تكون قد انقضت بسبب غير الوفاء ، كالمقاصة واتحاد الذمة والإبراء والتقادم ، وهذه جميعها يحتد بها المدين الذي قام السبب من جهته ويدفع بها مطالبة الدائن كما سنرى .
وأما أوجه الدفع المشتركة بين الدائنين جميعاً فكأن يكون العقد الذي أنشأ الالتزام التضامني باطلا في الأصل ، لانعدام رضاء المدينين جميعاً أو لعدم توافر شروط المحل أو السبب أو لعيب في الشكل . أو يكون العقد قابلا للإبطال لصالح جميع المدينين ، بأن يكون قد وقع علهم جميعاً إكراه أو تدليس أو وقعوا جميعاً في غلط . أو يكون العقد قابلا للفسخ ، بأن يكون الدائن مثلا لم يف بما تعهد به كأن كان بائعاً لم يسلم المبيع للمشترين المتضامنين في الثمن ، فيكون لكل من هؤلاء المدينين المتضامنين حق المطالبة بفسخ البيع . أو يكون أحد المدينين قد وفي الدين كله فبرئت ذمة الجميع ، ويكون لكل منهم أن يحتج بهذا الوفاء على الدائن .
$ 308 $
ولا يحتج المدين المطالب بالوفاء بأوجه الدفع الخاصة بغيره من المدينين المتضامنين ( 512 ) ، كما إذا وقع تدليس أو إكراه على غيره أو وقع غيره في غلط فلا يحتج هو بذلك ( 513 ) . وكما إذا كان غيره ناقص الأهلية ،فلا يحتج هو بنقص أهليه هذا المدين . وكما إذا كان التزام غيره معلقاً على شرك أو مضافاً إلى أجل ، فلا يتمسك هو بهذا الدفع . وكما إذا قام سبب للفسخ بغيره ، فلا يطالب هو بالفسخ . وكما إذا قام سبب غير الوفاء لانقضاء التزام غيره ، فلا يحتج هو بهذا السبب إلا بقدر حصة هذا المدين على الوجه الذي سنفصله فيما يلي ( 514 ) .
2 – انقضاء الدي بأسباب أخري غير الوفاء
189 – المبدأ العام : في التضامن السلبي ، كما في التضامن الإيجابي ، إذا برئت ذمة أحد المدينين المتضامنين قبل الدائن بسبب غير الوفاء ، ولم تبرأ ذمة $ 309 $ الباقين إلا بقدر حصة المدين الذي برئت ذمته ( 515 ) . وقد وضع التقنين المدني هذا المبدأ العام في صدد التضامن الإيجابي ، واقتصر عليه فيما يتعلق بهذا النوع من التضامن دون أن يطبقه تفصيلا على الأسباب المختلفة لا نقضاء الالتزام . أما في التضامن السلبي فقد عمد ، دون أن يصرح بالمبدأ ، إلى تطبيقه تكبيهاً تفصيلياً على هذه الأسباب ، لما لهذا التطبيق التفصيلي من أهمية عملية .
وقد قدمنا أن الأصل في ذلك أن روابط الدائن بالمدينين المتضامنين روابط متعددة ، وقد تنقضي رابطة منها بسبب غير الوفاء ولا تنقضي الروابط الأخرى إلا بقدر حصة من انقضت رابطته ، فلا يستطيع باقي المدينين أن يحتجوا على الدائن إلا بقدر هذه الحصة ، ويبقون ملزمين بدفع باقي الدين .
ونستعرض مع التقنين المدني الجديد أسباب انقضاء الالتزام المختلفة غير الوفاء مع النصوص الشريعة الخاصة بكل سبب . وأسباب الانقضاء التي عرض لها التقنين الجديد هي التجديد والمقاصة واتحاد الذمة والإبراء والتقادم ( 516 ) .
$ 310 $
190 – التجديد : تنص المادة 286 من التقنين المدني على ما يأتي : " يترتب على تجديد الدين بين الدائن وأحد المدينين المتضامنين أن تبرأ ذمة باقي المدينين ، إلا إذا احتفظ الدائن بحقه قبلهم ( 517 ) " .
$ 311 $
ونفرض هنا أن الدائن اتفق مع أحد المدينين المتضامنين على تجديد الدين . وهذا التجديد إما أن يكون بتغيير الدين ، إذا اتفق الطرفان على أن يستبدلا بالالتزام الأصلي التزاماً جديداً يختلف عنه في محله أو في مصدره . وإما أن يكون بتغيير المدين ، إذا اتفق الدائن مع أجنبي على أن يكون هذا الأجنبي مديناً مكان المدين الأصلي وعلى أن تبرأ ذمة المدين الأصلي دون حادة إلى رضاءه ، أو إذا حصل المدين على رضاء الدائن بشخص أجنبي قبل أن يكون هو المدين الجديد . وإما أن يكون بتغيير الدائن ، إذا اتفق الدائن والمدين وأجنبي على أن يكون هو الدائن الجديد .
وسواء كان التجديد بتغيير الدين أو بتغيير المدين أو بتغيير الدائن ، فإنه يترتب عليه أن ينقضي الالتزام الأصلي بتوابعه وأن ينشأ مكانه التزام جديد ( م 356 / 1 مدني ) . وتنص الفقري الثانية من المادة 356 مدني على ما يأتي : " ولا ينتقل إلى الالتزام الجديد التأمينات التي كانت تكفل الالتزام الأصلي ، إلا بنص في القانون ، أو إلا إذا تبين من الاتفاق أو من الظروف أن نية المتعاقدين قد انصرفت إلى ذلك " . ثم تنص المادة 358 مدني على أنه " لا ينتقل إلى الالتزام الجديد الكفالة عينية كانت أو شخصية ولا التضامن ، إلا إذا رضي بدلك الكفلاء والمدينون المتضامنون " .
ونري من هذه النصوص أن التجديد يقضي الدين القديم على وجه قاطع ويقيم مكانه ديناً جديداً يختلف في صفاته وفي توابعه وفي تأميناته عن الدين القديم . ومن أهم تأمينات الدين القديم هو هذا التضامن الذي كان قائماً بين المدينين جميعاً ، فينقضي بانقضاء الدين القديم . بل لا ينقضي التضامن وحده ، وإنما ينقضي الالتزام التضامني ذاته بالتجديد ، فتبرأ ذمة المدينين المتضامنين جميعاً : لا ذمة المدين الذي أجرى التجديد مع الدائن فحسب ، بل أيضاً تبرأ ذمة باقي المدينين المتضامنين .
وهذه نتيجة بعيدة المدى ، يبررها أن التجديد حاسم في قضاء الدين القديم بكل مشخصاته ومقوماته ، وفي إحلال دين جديد محله لا يشترك مع الدين القديم في شيء من هذه المشخصات والمقومات . ويستخلص من ذلك أن الدائن الذي جدد الدين مع أحد المدينين المتضامنين يفترض فيه أن نيته قد انصرفت إلى $ 312 $ قضاء الدين القديم وما يستتبع ذلك من براءة ذمة جميع المدينين المتضامنين ، واقتصر على الدين الجديد يحل محل الدين القديم . فإذا كان يريد استبقاء الدين القفي ذمة باقي المدينين المتضامنين ، أمكنه قبل أن يجري التجديد أن يتفق مع هؤلاء المدينين على بقاء الدين القديم في ذمتهم . وعند ذلك لا ينقضي الدين القديم إلا بالنسبة إلى المدين الذي جدد الدين معه ، ويبقي هذا الدين في ذمة باقي المدينين . وله حصة المدين الذي أجرى معه التجديد ، فيتفق التجديد عندئذ في الحكم مع سائر أسباب انقضاء الالتزام بغير الوفاء على ما سنرى . بل يتفق حكمه هنا في التذمن السلبي مع حكمه هناك في التضامن الإيجابي ، وقد رأينا في التضامن الإيجابي أنه إذا جدد الدين بين أحد الدائنين المتضامنين والمدين فلا يجوز للمدين أن يحتد بهذا التجديد على باقي الدائنين المتضامنين إلا بقدر حصة الدائن الذي أجرى التجديد معه ( 518 ) .
وإذا أراد الدائن أينقل التضامن إلى الدين الجديد ، فعليه أن يحصل على موافقة باقي المدينين المتضامنين على أن يلتزموا متضامنين بهذا الدين . فإذا لم يوافقوا على ذلك وكان الدائن قد اشترط لتمام التجديد موافقتهم ، فإن التجديد لا ينعقد ، ويظل الالتزام التضمني القديم قائماً ( 519 ) .
أما إذا كان الدائن لم يتفق مع باقي المدينين ، لا على أن يبقوا ملتزمين بالدين القديم ، ولا على أن يتضامنوا في الالتزام بالدين الجديد ، بل أجرى التجديد دون قيد ولا شرط ، فقد افترض المشرع افتراضاً معقولا أن نية الدائن قد انصرفت إلى إبراء ذمة المدينين المتضامنين من الالتزام التضامني القديم . على أن هذا الافتراض قابل للدحض ، فيجوز للدائن وقت إجراء التجديد أن يفصح عن نيته بأنه لا يقصد من هذا التجديد أن يبرئ ذمة باقي المدينين المتضامنين ، بل قصد $ 313$ أن يبرئ ذمة المدين الذي أجرى معه التجديد هو وحده من الدين القديم . فيكون الدائن بذلك قد احتفظ بحقه قبلهم – أي قبل باقي المدينين المتضامنين – كما هو صريح نص العبارة الأخيرة من المادة 286 مدني . ويستوي الحكم في هذه الحالة منع الحكم في حالة ما إذا كان الدائن قد اتفق مع باقي المدينين المتضامنين على بقاء الدين القديم في ذمتهم ، وهي الحال التي ذكرناها فيم تقدم .فسواء اتفق الدائن مع باقي المدينين المتضامنين على بقاء الدين القديم في ذمتهم ، أو اقتصر على مجرد الاحتفاظ بالدين القديم في ذمتهم دون اتفاق معهم ، فالحكم واحد في الحالتين : ينقضي الدين القديم بالنسبة إلى المدين الذي أجرى التجديد وحده ، ويبقى هذا الدين في ذمة الباقين ، ويكون للدائن أن يرجع على أي من هؤلاء بالدين بعد استنزال حصة المدين الذي أجرىمعه التجديد . ويتفق عندئذ حكم التحديد م حكم سائر أسباب انقضاء الالتزام بغير الوفاء ، كما يتفق حكم التجديد في التضامن السلبي مع حكم التجديد في التضامن الإيجابي ( 520 ) .
191 – المقاصة : تنص المادى 287 من التقنين المدين على ما يأتي : " لا يجوز للمدين المتضامن أن يتمسك بالمقاصة التي تقع بين الدائن ومدين متضامن آخر . إلا بقدر حصة هذا المدين " ( 521 ) .
$ 314$
والمفروض هنا أن مقاصة قانونية وقعة بين الدائن وأحد المدينين المتضامنين في الالتزام التضامني . ونفرض لتصور ذلك أن هذا الالتزام مقداره $ 315$ ثلثمائة ، وأن المدينين المتضامنين ثلاثة حصصهم في الدين متساوية ، وظهر أن للأول منهم على الدائن ثلثمائة – سواء كان هذا الدين لا حقاً للالتزام التضمني أو سابقاً عليه – فوقعت المقاصة بينه وبين الدائن .
فإذا رجع الدائن على المدين الأول الذي وقعت معه المقاصة ، تمسك هذا بانقضاء الدين قصاصاً . فيعتبر الدين منقضياً ، لا بالنسبة إلى هذا المدين وحده ، بل بالنسبة إليه وإلى المدين المدينين الآخرين ما دام الدائن قد طالب المدين الأول . ويكون لهذا المدين أن يرجع على شريكيه في الدين كل منهما بمائة ، لأنه يكون في حكم من وفي الدين ، وقد وفاه فعلا بطريق المقاصة ، فله حق الرجوع .
أما إذا اختار الدائن أن يطالب بالدين أحد المدينين الآخرين ، فليس للمدين المطالب أن يتمسك بالمقاصة التي وقعت مع المدين الأول إلا بقدر حصة هذا المدين ( 522 ) ، أي بمدار مائة من ثلثمائة ، وعليه أن يوفي الدائن $ 316$ مائتين ، ثم يرجع على المدين الثالث بمائة هي حصته في الدين ، ولا يرجع على المدين الأول بشيء لأنه لم يدفع شيئاً لحسابه ( 523 ) . فيكون المدين الثاني في نهاية الأمر قد تحمل حصته في الدين وهي مائة ، وكذلك المدين الثالث قد تحمل مائة ، حصته في الدين ، برجوع المدين الثاني عليه كما قدمنا . وبقية المدين الأول الذي وقعت معه المقاصة ، فهذا قد استنزل الدائن حصته في الدين وهي مائة عندما رجع على المدين الثاني . فينتهي أمر الدائن مع المدين الأول إلى الوضع الآتي : عليه لهذا المدين ثلثمائة ، وله مائه هي التي استنزلها من الالتزام التضمني ، فتقع المقاصة بمقدار المائة ، ويبقي للمدين الأول على الدائن مائتان . فيستوفي المدين الأول المائتين من الدائن ، بعد أن نزل له عن مائه هي حصته في الدين الذي تضامن فيه مع شريكيه ( 524 ) .
$ 317$
192 - اتحاد الذمة : تنص المادة 288 من التقنين المدني على ما يأتي : " إذا اتحدت الذمة بين الدائن وأحد مدينيه المتضامنين ، فإن الدين لا ينقضي بالنسبة إلى باقي المدينين إلا بقدر حصة المدين الذي اتحدت ذمته مع الدائن " ( 525 ) .
وقد تتحد الذمة بين الدائن وأحد مدينيه المتضامنين ، ونستعرض في ذلك صورتين :
( الصورة الأولى ) أن يموت الدائن فيرثه هذا المدين . ونفرض أن الدين ثلثمائة ، وأن المدنين المتضامنين الثلاثة حصصهم متساوية كما في المثال السابق ، وأن المدين الذي ورث الدائن هو الوارث الوحيد . فتكون الذمتان قد اتحدتا في شخص المدين ، وانقضى الدين باتحاد الذمة . فإذا اعتبر المدين نفسه مديناً فد وفي الالتزام التضامني عن نفسه وعن المدينين الآخرين عن طريق اتحاد الذمة ، كان له أن يرجع على شريكيه كل بمقدار حصته ، فيرجع بمائة على كل $ 318$ منهما . وإذا اعتبر المدين نفسه قد ورث الدائن فأصبح دائناً مكانه في الالتزام التضامني – وهذا هو أفضل الاعتبارين بالنسبة إليه – كان له أن يطالب أنا من المدينين المتضامنين الآخرين بالدين بعد أن يستنزل حصته هو فيه ، فيستوفي من أن منهما مائتين ، ويرجع المدين الذي وفي المائتين على شريكه بحصته في الدين وهي مائة . وهذا ما يقضي به نص المادة 288 سالفة الذكر .
( الصورة الثانية ) أن يموت المدين فيرثه الدائن . ولو كان الوارث ينتقل إليه دين مورثه ، لا تحدث الذمتان ، ولكنهما تتحدان هنا في شخص الدائن وبقدر حصة المدين في الدين . ويبقى للدائن بعد ذلك أن يطالب أيا من المدينين المتضامنين الباقيين بمائتين ويكون بذلك قد استنزل حصة المدين الذي ورثة وهي مائة . ونصل إلى نفس النتيجة علمياً لو طبقنا أحكام الشريعة الإسلامية ، حيث لا ينتقل إلى الوارث دين مورثه . ذلك أن الدائن في هذه الحالة ، ولو لم ينقض الدين باتحاد الذمة وبقيت التركة مسئولة عنه ؛ لا يستطيع أن يطالب أيا من المدينين المتضامنين الآخرين بأكثر من مائتين ، إذ لو طالبه بكل الدين وهو ثلثمائة لجاز للمدين أن يطلب استنزال مائة هي حصة التركة التي ورثها الدائن ( 526 ) .
$ 319$
193 – الابراء : تنص المادة 289 من التقنين المدني على ما يأتي : " 1 – إذا أبرأ الدائن أحد المدينين المتضامنين ، فلا تبرأ ذمة الباقين إلا إذا صرح الدائن بذلك " .
" 2 – فإذا لم يصدر منه هذا التصريح ، لم يكن له أن يطالب باقي المدينين المتضامنين إلا بما يبقى من الدين بعد خصم حصة المدين الذي أبرأه ، إلا أن يكون قد احتفظ بحقه في الرجوع عليهم بكل الدين . وفي هذه الحالة يكون بهم حق الرجوع على المدين الذي صدر الإبراء لصالحة بحصته في الدين " .
وتنص المادة 290 على ما يأتي :
" إذا أبرأ الدائن أحد المدينين المتضامنين من التضامن ، بقى حقه في الرجوع على الباقين بكل الدين ، ما لم يتفق على غير ذلك " .
وتنص المادة 291 على ما يأتي :
" 1 – في جميع الأحوال التي يبرئ فيها الدائن أحد المدينين المتضامنين سواء أكان الإبراء من الدين أم من التضامن ، يكون لباقي المدينين أن يرجعوا عند الاقتضاء على هذا المدين بنصيبه في حصة المعسر منهم وفقاً للمادة 298 " .
" 2 – على أنه إذا أخلى الدائن المدين الذي أبرأه من كل مسئولية عن الدين ، فإن الدائن هو الذي يتحمل نصيب هذا المدين في حصة المعسر " ( 527 ) .
$ 320$ $ 321$ وهذه للنصوص تواجه حالتين :
( الحالة الأولى ) أن يبرئ الدائن أحد المدينين المتضامنين من الدين . فإذا اقتصر الدائن على هذا الإبراء ، ولم يصرح بغير ذلك ، افترض أنه أراد إبراء ذمة هذا المدين وحده ، فلا يستطيع أن يطالبه بشيء بعد هذا الإبراء ، ولكنه يستطيع أن يطالب كلا من المدينين الآخرين بالدين بعد أن يستنزل حصة المدين الذي أبرأه ( 528 ) . ففي المثال السابق – الدين ثلثمائة والمدينون المتضامنون ثلاثة حصصهم متساوية – إذا أبرأ الدائن أحد المدينين ، كان له أن يطالب أيا من المدينين الآخرين بمائتين ، ومن وفى منهما المائتين يرجع على الآخر بمائة هي حصته من الدين ( 529 ) . فإذا كان هذا الآخر معسراً ، كان للمدين الذي وفى المائتين أن يرجع على المدين الذي أبرأ الدائن بنصيبه في حصة المعسر وهو خمسون ، ما لم يتضح أن الدائن عند ما أبرأ هذا المدين أراد أن يخليه من كل مسئولية عن الدين ، ففي هذه الحالة يتحمل الدائن نفسه صيب هذا المدين في حصة المعسر ، ولا يستطيع مطالبة المدين غير المعسر بالمائتين كلها بل يطالبه بمائة وخمسين .
$ 322$
ولكن يجوز للدائن عند إبرائه المدين أن يصح بما انصرفت إليه نيته بالنسبة إلى المدينين الآخرين . فقد يصرح أنه أراد بابرائه لأحد المدينين أن يبرئ الباقين ، وعند ذلك ينقضي الدين بالإبراء بالنسبة إليهم جميعا ، ولا يستطيع الدائن بعد ذلك أن يطالب أحداً منهم بشيء ، ولا رجوع لأحد منهم على الآخرين . وقد يصرح ، على النقيض من ذلك ، أنه لم يرد بابرائه للمدين أن يبرئ الباقين ، وعند ذلك ينقضي الدين بالإبراء بالنسبة إليهم جميعا ، ولا يستطيع الدائن بعد ذلك أن يطالب أحداً منهم بشيء ، ولا رجوع لأحد منهم على الآخرين . وقد يصرح ، على النقيض من ذلك ، أنه لم ير
بابرائه للمدين أن يبرئ المدينين الآخرين حتى من حصة المدين الذي أبرأه ، وأنه يحتفظ لنفسه بحق الرجوع عليهم بكل الدين . وفي هذه الحالة لا يطالب الدائن المدين الذي أبرأه بشيء ، لكنه يستطيع أن يطالب أيا من المدينين الآخرين بكل الدئن ، أي بثلثمائة ، ولمن دفع منهما أن يرجع على الآخر بمائه وهي حصته من الدائن ، ويرجع كذلك على المدين الأول الذي أبرأه الدائن بمائه وهي حصته من الدين هو أيضا . فكأن إبراء الدائن للمدين مع احتفاظه بحقه في مطالبة الآخرين بكل الدين لا يعفي المدين من دفع حصته ، ولكن لا للدائن ، بل للمدين الذي وفي كل الدين . وقد يجد المدين الذي وفي كل الذين شريكه الآخر معسراً فيرجع في هذه الحالة على المدين الأول الذي أبرأه الدائن بنصيبه في حصة المعسر ، وهي خمسون ، فيكون مجموع ما يرجع به عليه مائه وخمسين . وهذا ما لم يتضح أن الدائن عندما أبرأ المدين الأول أراد أن يخليه من كل مسئولية عن الدين ، فعند ذلك يتحمل الدائن نفسه نصيب هذا المدين في حصة المعسر ، كما يتحمل أيضا حصة هذا المدين في الدين ما دام قد أخلاه من كل مسئولية عنه ، ولا يستطيع أن يطالب المدين غير المعسر إلا بمائه وخمسين هي حصته من الدين أضيف إليها نصيبه ف حصة المعسر ( 530 ) .
( الحالة الثانية ) أن يبرئ الدائن أحد المدينين المتضامنين من التضامن فقط ( 531 ) . فعندئذ لا يستطيع أن يطالبه إلا بحصته في الدين ، وهي المائة ( 532 ) . ولكنه يستطيع أن يطالب كلا من المدينين الآخرين بكل الدين ، أي بثلثمائة ، ومتى وفي أحدهما الدين كله رجع علة المدين الآخر بمائه وهي حصته في الدين ، ثم رجع على المدين الأول الذي أبرأه الدائن بمائه وهي حصته في الدين كذلك فإذا كان المدين الآخر معسراً ، رجع المدين الذي وفى الدين كله على المدين الأول الذي أبرأه الدائن بنصيبه في حصة المعسر تضاف إليه حصته هو في الدين ، فيرجع عليه بمائة وخمسين ( 533 ) . وقد يتفق الدائن عند إبرائه للمدين الأول من التضامن ، مع هذا المدين أو مع غيره من المدينين أو معهم جميعاً ، على أن يرجع على أي من المدينين الآخرين بالدين بعد استنزال حصة المدين الذي أبرأه من التضامن ، فيرجع عندئذ على أي منهما بمائتين ، ويرجع المدين الذي وفي المائتين على المدين الآخر بحصته في الدين وهي مائة . فاذا كان هذا المدين الآخر معسراً ، رجع المدين الذي وفى المائتين على المدين الذي أبرأه الدائن من $ 324 $ التضامن بنصيبه في حصة المعسر ( 534 ) . كل هذا ما لم يتضح أن الدائن عندما أبرأ المدين من التضامن أراد أين يخيله من كل مسئولية عن الدين فيما عدا حصته منه ، فعندئذ ذلك يتحمل الدائن نفسه نصيب هذا المدين في حصة المعسر ، ولا يرجع على المدين الموسر إلا بمائه وخمسين ( 535 ) .
ويلاحظ أن الإبرائء تصرف قانوني كالتجديد ، ومن ثم يتسع فيهما ، كما رأينا ، أن تتجه الإرادة لإلى نيات مختلفة . فيقف المشروع عند إحدى هذه النيات يفترض وجودها ، إلا إذا قام الدليل على وجود نيه أخرى . وهذا بخلاف أسباب الانقضاء الأخرى – المقاصة واتحاد الذمة واستحالة التنفيذ والتقادم – فهذه كلها وقائع مادية لا تتسع إلا لحكم واحد لا يتغير ، كما رأينا في المقاصة واتحاد الذمة واستحالة التنفيذ ، وكما سنرى في التقادم ( 536 ) .
$ 325$
194 – التقادم : تنص الفقرة الأولى من المادة 292 من التقنين المدني على ما يأتي :
" إذا انقضى الدين بالتقادم بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين ، فلا يستفيد من ذلك باقي المدينين إلا بقدر حصة هذا المدين ( 537 ) " .
$ 326 $
ويمكن أن نتصور انقضا الدين بالتقادم بالنسبة لإلى أحد المدينين المتضامنين دون الآخرين في فروض مختلفة . من ذلك أن يكون الدائن قد قطع التقادم بالنسبة إلى المدينين المتضامنين ما عدا واحداً منهم أغفل أن يقطع التقادم بالنسبة إليه ، وسنرى أن قطع التقادم بالنسبة إلى بعض المدينين المتضامنين لا يعتبر قطعا للتقادم بالنسبة إلى إلي الآخرين . فيستمر التقادم في سريانه بالنسبة إلى هذا المدين ، وقد يكتمل دون أن يكتمل التقادم الذي انقطع بالنسبة إلى المدينين الآخرين . ومن ذلك أيضا أن يكون أحد المدينين المتضامنين دينه مؤجل ، والثاني دينه معلق على شرط ، والثالث منجز ، فلا يسرى التقادم بالنسبة إلى الأولين إلا $ 327 $ بعد حلول الأجل وإلا بعد تحقق الشرط ، ويسرى التقادم فورا بالنسبة إلى الثالث فيكتمل في وقت لم يكتمل فيه بالنسبة إلى الأولين .
فإذا وقع ذلك ، وانقضي الدين بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين دون أن ينقضي بالنسبة إلى الآخرين ، فإن الدائن لا يستطيع أن يطالب من انقضى دينه بالتقادم بالنسبة إلى الآخرين ، فإن الدائن لا يستطيع أن يطالب من انقضى دينه بالتقادم بشيء بعد انقضاء دينه . ولكن يستطيع مطالبة أيام من المدينين الآخرين الذين لمينقضي دينهم بالدين بعد أن يستنزل منه حصة المدين الذي انقضى دينها بالتقادم . ففي المثل السابق – الدين ثلثمائة والمدينون المتضامنون ثلاثة حصصهم متساوية – إذا انقضى دين الأول بالتقادم ، فان الدائن يرجع على أي من المدينين الآخرين بمائتين ، ومن دفع منهما المائتين يرجع على الآخر بمائة وهي حصته في الدين ( 538 ) .
فإذا كان من دفع المائتين عند رجوعه على الآخر بالمائة وجده معسراً ، فإنه يرجع على المدين الذي انقضي دينه بالتقادم بنصيبه في حصة المدين المعسر ، أي يرجع عليه بخمسين ، ويتحمل هو في النهاية مائة وخمسين هي حصته في الدين أضيف إليها نصيبه هو في حصة المدين المعسر . ولا يعترض على هذا $ 328 $ الحكم بأن المدين الذي انقضي دينه بالتقادم لا يجوز الرجوع عليه بشيء بعد أن انقضى دينه ، ذلك لأن المدين الذي دفع المائتين لا يرجع عليه بالدين القديم الذي انقضي دينه بالتقادم ، إذا هو أمن مطالبة الدائن له ، فإنه لا يأمن رجوع مدين آخر يطالبه بنصيبه في حصة مدين معسر ، ولا يستطيع أن يتخلص من هذه المطالبة بالرغم من تقادم دينه الأصلي .
3 – الآثار الثانوية للتضامن بين المدينين
195 – المبدأ العام : قدمنا أن للتضامن آثاراً ثانوية ( ( secondaireseffetsترجع إلى قيام نيابة تبادلية بين المدينين المتضامنين ،بموجبها يكون كل مدين متضامن ممثلا للآخرين ونائبا عنهم فيما يضرهم ( 539 ) .
$ 329$ وقد يطبق التقنين المدني هذا المبدأ العام تطبيقات تشريعية مختلفة :
( 1 ) فإذا انقطعت مده التقادم أو وقف سريانه بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين ، لم يضر ذلك بباقي المدينين ولم يجز للدائن أن يتمسك بقطع التقادم أو بوقفه قبلهم .
( 2 ) وإذا ارتكب أحد المدينين المتضامنين خطأ في تنفيذ التزامه يستوجب مسئوليته ، لم يضر ذلك بباقي المدينين .
$ 330 $
( 3 ) وإذا أعذر الدائن أحد المدنيين المتضامنين أو طالبة مطالبة قضائية أثراً بالنسبة إليهم . لكن إذا أعذر أحد المدينين المتضامنين الدائن ، نفع هذا باقيهم وأفادوا من هذا الأعذار .
( 4 ) وإذا تصالح الدائن مع أحد المدينين المتضامنين وتضمن الصلح الإبراء من الذين أو براءة الذمة منه بأية وسيلة أخرى أو أى نفع للمدين ، أفاد الباقون من ذلك . أما إذا كان من شأن هذا الصلح أن يرتب فى ضمة المدين التزاماً جديداً أو يزيد فيما هو ملتزم به أو يسوئ مركزه على أية صورة من الصور ، فإن هذا الصلح لا يضر الباقين ولا ينفذ فى حقهم إلا إذا قبلوه .
( 5 ) وإذا أقر أحد المدينين المتضامنين بالدين ، لم يضر هذا الإقرار بباقى المدينين واقتصرت حجيته على المقر دون أن تسرى فى حق الباقين . أما إذا أقر الدائن لأحد المدينين المتضامنين ، أفاد الباقون من إقراره .
( 6 ) وإذا وجه الدائن اليمين إلى أحد المدينين المتضامنين دون غيره فحلف ، أفاد باقى المدينين من ذلك . أما إذا نكل ، لم يضار بنكوله الباقون . كذلك إذا وجه أحد المدينين المتضامنين اليمين إلى الدائن فحلف ، لم يضار بذلك باقى المدينين . أما إذا نكل ، أفاد من نكوله الباقون .
( 7 ) وإذا صدر حكم على أحد المدينين المتضامنين ، لم يسر هذا الحكم فى حق الباقين ولم يحتج به عليهم . أما إذا صدر الحكم لصالح أحدهم ، أفاد الباقون منه ، إلا إذا كان الحكم مبنياً على سبب خاص بالمدين الذى صدر الحكم لصالحه ( 540 ) .
هذه هى التطبيقات التشريعية للمبدأ العام السالف الذكر ، نستعرضها على التعاقب تفصيلا فيما يلى . وقد سبقت الإشارة إلى أن هذه الآثار الثانوية للتضامن السلبى لا تحدث فيما أسميناه بالالتزام التضامنى ( ( Obligation in solidum ، ففى هذا الالتزام لا تكون هناك نيابة تبادلية بين المدينين المتعددين ، إذ لا توجد $ 331 $ رابطة مشتركة بينهم أكثر من أن كلا منهم مدين بنفس الدين . فإذا أعذر أحدهم الدائن لم يفد الباقون من ذلك ، وإذا أعذر الدائن أحدهم لم يسر الإعذار فى حق الباقين . وإذا أقر الدائن لأحدهم لم يفد الباقون من الإقرار ، وإذا أقر أحدهم للدائن لم يسر الإقرار فى حق الباقين . وقل مثل ذلك فى سائر الآثار الثانوية .
196 - انقطاع التقادم أو وقفه بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين :
تنص الفقرة الثانية من المادة 292 من التقنين المدنى على ما يأتى :

$ 331 $
" وإذا انقطعت مدة التقادم أو وقف سريانه بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين ، فلا يجوز للدائن أن يتمسك بذلك قبل باقى المدينين ( 541 ) " .
$ 332 $
قد يقطع الدائن التقادم بالنسبة إلى أحد المدينين المتقاضين ن بأن يطالبه بالدين مطالبة قضائية أو يرسلاليه تنبيهاً ( Commandement ) او يوقع عليه $ 333 $ حجراً أو يحصل منه على إقرار بالدين أو يقوم بأى عمل آخر من الأعمال التى تقطع التقادم ( م 383 - 384 مدنى ) . ولما كان هذا المدين لا يمثل باقى المدينين ولا ينوب عنهم فى الأعمال التى تضر بهم ، وكان قطع التقادم ضاراً بهم إذ إن من مصلحتهم أن يستمر التقادم فى سريانه ولا ينقطع ، فان التقادم فى هذه الحالة لا ينقطع إلا بالنسبة إلى المدين الذى قطع الدائن التقادم معه وحده ، ويستمر التقادم سارياً بالنسبة إلى الباقى حتى يكتمل . ومن ثم جاز أن يكتمل التقادم فى حق بعض المدينين المتضامنين دون أن يكتمل فى حق بعض آخر ، كما رأينا فيما تقدم . ومن أجل ذلك أيضاً إذا أراد الدائن أن يقطع التقادم فى حق جميع المدينين المتضامنين ، وجب عليه أن يتخذ إجراء قطع التقادم بالنسبة إلى كل منهم $ 334 $ حتى ينقطع التقادم فى حق الجميع ( 542 ) . وقد قمنا مثل ذلك فى التضامن الإيجابى ولكن بنتيجة عكسية ، فإذا قطع أحد الدائنين المتضامنين التقادم فى حق المدين ، أفاد هذا العمل باقى الدائنين . وانقطع التقادم لمصلحة الجميع ( 543 ) .
وقد يقف التقادم بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين دون الباقى ويتحقق ذلك مثلا بأن تكون زوجة دائنة لزوجها ومعه مدينون آخرون متضامنون فى نفس الدين ، أو بأن يكون قاصر دائنا لوصيه ومع الوصى مدينون آخرون متضامنون . ففى هذه الحالة يقف التقادم بين الزوجة وزوجها لقيام المانع الأدبى ( م 382 / 1 مدنى ) ، وبين القاصر ووصيه لقيام علاقة الأصيل بالنائب ( م 382 / 1 مدنى ) . ولما كان وقف التقادم ضاراً بالمدينين المتضامنين الآخرين ، فان المدين الذى وقف التقادم فى حقه لا يكون ممثلا للباقين فيما يضرهم ، ومن ثم لا يقف التقادم فى حق المدينين المتضامنين الآخرين وإن وقف فى حق الزوج وفى حق الوصى . هذا إلى أن أسباب وقف التقادم متصلة بشخص طرفى الالتزام ، فيقتصر أثرها عليهما . فلابد إذن من أن يقوم سبب وقف التقادم فى حق كل مدين متضامن على حدة ، حتى يقف فى حق الجميع . ومن هنا جاز أيضاً أن يكتمل التقادم بالنسبة إلى بعض المدينين المتضامنين ، دون أن يكتمل بالنسبة إلى بعض آخر ، بأن يكون موقوفاً بالنسبة إلى هذا البعض وحده . إما فى التضامن الإيجابى ، فقد رأينا أنه إذا قام بأحد الدائنين المتضامنين سبب لوقف التقادم ، فأن التقادم يقف بالنسبة إليه وحده دون سائر الدائنين المتضامنين ، وإن كان وقف التقادم يفيدهم وكان ينبغى وفقاً للمبدأ العام أن يتعدى أثره إليهم ، ولكن لما كانت أسباب وقف التقادم متصلة بشخص طرفى الالتزام ، فان الأثر يقتصر على من قام بشخصه سبب الوقف ( 544 ) .
$ 335 $
هذا وقد يقع أن يتمسك بعض المدينين المتضامنين بالتقادم دون بعض آخر ، فى غير صورتى انقطاع التقادم ووقفه . إذ يجوز أن يكتمل التقادم بالنسبة إلى جميع المدينين المتضامنين ، ويستطيع كل منهم أن يدفع بسقوط الدين بالتقادم ، ولكن لما كان لا يجوز للمحكمة أن تقضى بالتقادم من تلقاء نفسها بل يجب أن يدفع به المدين ( م 387 مدنى ) ، فقد يترك بعض المدينين المتضامين هذا الدفع فلا يسقط الدين بالتقادم بالنسبة إليهم . وفى هذه الحالة يكون ترك الدفع بالتقادم من بعض المدينين ضاراً بالباقى ، فلا يسرى فى حقهم ، ويجوز أن يدفعوا هم بالتقادم بالرغم من ترك الآخرين لهذا الدفع . وقد كان فى التقنين المدنى السابق نص صريح فى هذا المعنى ، وهو يقضى بأنه " إذا ترك أحد المدينين المتضامنين أو المدين الأصلى حقه فى التمسك بمضى المدة الموجبة لتخلصه من الدين ، فلا يضر ذلك بباقى المدينين المتضامنين وبالكفيل الذين تخلصوا من التزامهم بمضى المدة " ( 207 / 227 مدنى قديم ) . ولكن لما كان هذا الحكم ليس إلا تطبيقا للمبدأ العام السالف الذكر ، فإنه واجب التطبيق دون نص فى عهد التقنين المدنى الجديد ( 545 ) .
$ 336 $
197 - خطأ أحد المدينين المتضامنين فى تنفيذ التزام : تنص الفقرة الأولى من المادة 293 مدنى على ما يأتى :
" لا يكون المدين المتضامن مسئولا فى تنفيذ الالتزام إلا عن فعله ( 546 ) . وهذا تطبيق آخر لاستبعاد مبدأ النيابة التبادلية فيما يضر . فالمفروض أن أحد المدينين المتضامنين قد ارتكب خطأ فى تنفيذ التزامه جعله مسئولا عن التعويض أمام الدائن ، فهذا الخطأ يكون هو وحده المسئول عنه ، ولا يتعدى أثره إلى باقى المدينين . بل يكون كل من هؤلاء مسئولا عن تنفيذ الالتزام تنفيذاً عينياً ، دون أن يكون مسئولا عن التعويض الناشئ عن خطأ المدين المتضامن الذى وقع فى هذا الخطأ . وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : " تتمثل فى المادة 417 ( م 293 مدنى ) أوضح $ 337 $ تطبيق من تطبيقات قاعدة استبعاد النيابة التبادلية حيث يسئ إعمالها إلى مركز المدينين المتضامنين ، والإبقاء عليها حيث يفضى ذلك إلى توفير نفع لهم ، فكل مدين من المدينين المتضامنين لا يسأل فى تنفيذ الالتزام إلا عن فعله ، فإذا وقع من أحدهم خطأ جسيم ، ووقع من الثانى خطأ يسير ، وامتنع على الثالث أن يفى بالتزامه من جراء سبب أجبنى ، كانت تبعة الأول أشد وقراً من تبعة الثانى ، وبرئت ذمة الثالث وحده . وقد طبقت المادة 1205 من التقنين المدنى الفرنسى هذا الحكم ، فقضت بأنه إذا هلك الشىء الواجب أداؤه بخطأ واحد أو أكثر من المدينين المتضامنين ، أو بعد إعذار المسئول أو المسئولين منهم ، فلا يسقط عن سائر المدينين المتضامنين التزامهم بالوفاء بثمن هذا الشىء ( 547 ) . ومع ذلك فلا يلزم هؤلاء بالتعويض . وللدائن فقط أن يقتضى التعويض من المدينين الذين ترتب الهلاك على خطأهم أو الذين أعذروا من قبل ( 548 ) " .
ولتصوير ما ورد فى المذكرة الإيضاحية نفرض أن ثلاثة باعوا متضامنين شيئا لمشتر واحد ، فهؤلاء الثلاثة مدينون بالتضامن بتسليم الشىء إلى المشترى . فإذا كان اثنان منهم منوطا بهما حفظ الشىء إلى وقت تسليمه ، وقصر واحد منهما فى حفظه تقصيراً جسيما حتى هلك . وقصر الآخر فى الحفظ تقصيرا يسيرا ، أما الثالث فلم يكن منوطا به حفظ الشىء كما قدمنا ، فان الثلاثة يكونون متضامنين فى رد الثمن إلى المشترى ، وفقا لأحكام المادة 437 مدنى والتى تقضى بأنه إذا هلك البيع قبل التسليم لسبب لا يد للبائع فيه ، انفسخ البيع واسترد المشترى الثمن ثم أن المدينين اللذين ارتكاب تقصيرا فى حفظ الشىء يكونان متضامنين فى تعويض المشترى ، فوق رد الثمن ، عن التقصير اليسير الذى ارتكبه الثانى منهما . ويكون الأول ، وهو الذى ارتكب الخطأ الجسيم ، مسئولا وحده عن تعويض إضافى $ 338 $ بسبب تقصيره الجسيم . ثم إن المشترى إذا رجع على المدين الثالث بكل الثمن ، ورجع على المدين الثانى بكل التعويض الناشئ عن التقصير اليسير ، ورجع على المدين الأول بالتعويض الإضافى الناشئ عن التقصير الجسيم ، فإن المدين الثالث ، ولم يصدر منه أى تقصير ، يرجع بالثمن الذى رده للبائع على المدينين الأول والثانى كل بقدر حصته ، ثم يرجع المدين الثانى على المدين الأول بحصته فى التعويض عن التقصير اليسير ، ولا يرجع المدين الأول بشىء على أحد فى التعويض الإضافى الذى استحق عليه بسبب تقصيره الجسيم ، فهذا فعله هو فيستقل بنتائجه ، ولا يشترك معه أحد فى المسئولية الناجمة عنه ( 549 ) .
وهذا هو أيضا الحكم ، كما رأينا ، فى التضامن الإيجابى . فإذا ارتكب أحد الدائنين المتضامنين خطأ ، كان وحده المسئول عنه دون سائر الدائنين .
198 – الإعذار والمطالبة والقضائية : تنص الفقرة الثانية من المادة 293 مدنى على ما يأتى :
" وإذا أعذر الدائن أحد المدينين المتضامنين أو قاضاه ، فلا يكون لذلك أثر بالنسبة إلى باقى المدينين . أما إذا أعذر أحد المدينين المتضامنين الدائن ، فإن باقى المدينين يستفيدون من هذا الإعذار ( 550 ) " .
$339 $
وهنا أيضا يضطرد تطبيق المبدأ العام . فإذا أعذر الدائن أحد المدينين المتضامنين ، كان لهذا الإعذار نتائج قانونية بسطناها فى الجزء الثانى من الوسيط منها أن يستحق التعويض على المدين المعذر الذى تخلف عن تنفيذ التزامه ، ومنها أن يتحمل هذا المدين المعذر تبعة هلاك الشىء الواجب التسليم للدائن . ولما كانت هذه النتائج القانونية ضارة بالمدينين المتضامنين الآخرين ، فإن أعذار المدين المتضامن لا يسرى أثره فى حقهم . فإذا أعذر الدائن أحد المدينين المتضامنين ، كان هو وحده الذى يحمل تبعة هلاك الشىء ، وكان هو وحده المسئول عن التعويض أما المدينون الآخرون فلا يسألون عن التعويض ، ولا يحملون تبعة الهلاك وإذا أراد الدائن أن يحملهم جميعا هذه النتائج ، وجب عليه أن يعذرهم $ 340 $ كلهم ، ولا يقتصر على إعذار واحد منهم فقط . وهذا هو نفس الحكم فى التضامن الإيجابى كما رأينا ، فإذا أعذار المدين أحد الدائنين المتضامنين ، لم يسر أثر هذا الإعذار فى حق الدائنين الآخرين ( 551 ) .
ولكن إذا أعذر أحد المدينين المتضامنين الدائن ، فان هذا الإعذار تترتب عليه نتائج قانونية ، أهمها أن الشىء ، إذا كانت تبعة هلاكه على المدين ، فبعد أن يعذر المدين الدائن ، تنتقل تبعة هلاكه إلى الدائن ، فإذا فرض أن أشخاصا ثلاثة باعوا عينا معينة بالذات لمشتر واحد ، وتضامنوا جميعا فى الالتزام بتسليمها إلى المشترى ، فتبعة هلال العين قبل التسليم يتحملها البائعون الثلاثة ( م 437 مدنى ) . فإذا أعذر أحد البائعين المتضامنين المشترى يدعوه لتسلم العين وتأخر المشترى فى تسلمها ، ثم هلكت العين بسبب أجنبى ، فإن المشترى هو الذى يحمل تبعة الهلاك ، فلا يسترد الثمن إذا كان قد دفعه ويلتزم بدفعه إذا كان لم يدفعه ، وذلك لا بالنسبة إلى البائع الذى صدر منه الإعذار وحده ، بل أيضا بالنسبة إلى البائعين الآخرين اللذين لم يصدر منهما الإعذار . وتعليل هذا الحكم هو أن إعذار المدين المتضامن للدائن تفيد نتائجه المدينين الآخرين – بعكس إعذار الدائن لأحد المدينين المتضامنين – ومن ثم يفيد المدينون الآخرون من هذا الإعذار ، ويتعدى أثره إليهم . وهذا هو أيضا الحكم ، كما رأينا ، فى التضامن الإيجابى فأعذار أحد الدائنين المتضامنين للمدين يفيد سائر الدائنين ( 552 ) .
وقد يقوم الدائن بمطالبة أحد المدينين المتضامنين مطالبة قضائية بالدين . ولهذا المطالبة القضائية آثار قانونية مختلفة ، نذكر منها أنها تقطع التقادم ، وأنها تجعل الفوائد تسرى . ولما كانت هذه النتائج ضارة بالمدينين الآخرين ، وكان المدين الذى طولب مطالبة قضائية لا يمثل الآخرين فيما يضرهم ، لذلك لا تتعدى آثار هذه المطالبة إلى باقى المدينين المتضامنين . فيكون المدين الذى طولب قضائياً هو وحده الذى ينقطع فى حقه التقادم ، وهو وحده الذى تسرى $ 341 $ فى حقه الفوائد القانونية ( 553 ) . وإذا أراد الدائن أن يجعل هذه النتائج تسرى فى حق الآخرين ، وجب عليه أن يطالب كلا منهم على حدة مطالبة قضائية بالدين ، أو أن يجمعهم كلهم فى مطالبة قضائية واحدة ( 554 ) .
199 - الصلح مع أحد المدينين المتضامنين : تنص المادة 294 مدنى على ما يأتى :
إذا تصالح الدائن مع أحد المدينين المتضامنين وتضمن الصلح الإبراء من الدين أو براءة الذمة منه بأية وسيلة أخرى ، واستفاد منه الباقون . أما إذا كان من شأن هذا الصلح أن يرتب فى ذمتهم التزاماً أو يزيد فيما هم ملتزمون به ، فإنه لا ينفذ فى حقهم إلا إذا قبلوه " ( 555 ) .
$ 342 $
والمفروض هنا أن الالتزام التضامنى متنازع فيه بين الدائن وجميع المدينين المتضامنين ، فعمد الدائن إلى الصلح مع أحد المدينين . فهذا الصلح قد يتخذ اتجاهاً فى مصلحة المدينين المتضامنين ، وقد يتخذ اتجاهاً ليس فى مصلحتهم .
فان اتخذ اتجاهاً فى مصلحة المدينين المتضامنين ، بأن نزل الدائن فيه عن جزء من الدين ، أو نزل عن فوائده أو عن بعضها ، أو نزل عن شروط كانت تحيط الدين أو عن بعضها ، أو تضمن فى أية صورة من الصور تخفيفاً من أعباء الدين ، فإن هذا الصلح من شأنه أن يفيد سائر المدينين . ولما كان المدين الذى وقع معه الصلح يمثل الباقين فيما ينفعهم ، فإن أثر هذا الصلح يتعدى إليهم ويفيدون منه ، ويجوز لهم الاحتجاج به على الدائن ولو لم يكونوا أطرافاً فيه ( 556 ) . وهذا هو أيضا حكم التضامن الإيجابى فيما قدمناه ، فإذا تصالح أحد الدائنين المتضامنين مع المدين بما يفيد الباقى ، استطاع هؤلاء أن يحتجوا بهذا الصلح ( 557 ) .
أما إذا كان الصلح فقد اتخذ اتجاهاً ضد مصلحة المدينين المتضامنين ، بأن سلم المدين الذى وقع معه الصلح بأكثر طلبات الدائن ، أو زاد فى الالتزام الأصلى ، أو أضاف إليه التزاماً جديداً ، وبوجه عام إذا سوأ مركزه عما كان قبل النزاع ، فإنه لا يعتبر ممثلا لباقى المدينين فيما يضرهم من ذلك ، ولا يسرى أثر هذا الصلح فى حقهم إلا إذا قبلوه وأصبحوا هم كذلك أطرافاً فيه . وهذا $ 343 $ هو أيضا حكم التضامن الإيجابى ، فأن الصلح الذى يعتقده أحد الدائنين المتضامنين مع المدين ويكون ضاراً بصالح باقى الدائنين لا يسرى فى حقهم ( 558 ) .
ويتضح من ذلك أن المدينين المتضامنين الآخرين هم الذين يكونون الحكم فيما إذا كان الصلح فى مصلحتهم أو فى غير مصلحتهم ، إذ يجوز لهم أن يقبلوه أو يرفضوه ، وهم يقبلونه إذا قدروا أنه فى مصلحتهم ، ويرفضونه إذا قدروا غير ذلك ( 559 ) .
200 - إقرار أحد المدينين المتضامنين أو إقرار الدائن : تنص الفقرة الأولى من المادة 295 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" إذا أقر أحد المدينين المتضامنين بالدين ، فلا يسرى هذا الإقرار فى حق الباقين " . ( 560 ) .
$ 344 $
والمفروض هنا أن الدائن ليس لديه طريق للإثبات يكون مقبولا فى حق المدينين المتضامنين ، كالكتابة ، أو البيئة والقرائن فيما تجوز فيه . أما الإقرار فقد رأينا فيما قدمناه عند الكلام فى الإثبات أنه حجة قاصرة على المقر ، فلا يتعدى أثره إلى غيره . هذا إلى أن المدين المتضامن عندما يقر بالدين يأتى بعمل يضر ببقية المدينين ، وهو لا يمثلهم فيما لا يضر ، ومن ثم لا يسرى إقراره فى حقهم . ولابد للدائن من إثبات حقه فى مواجهة المدينين الآخرين بغير إقرار المدين الأول ، فإما أن يحصل على إقرار من كل مدين على حدة يكون حجة عليه ، وإما أن يثبت الدين بطريق يسرى فى حق الجميع كما سبق القول . وهذا هو أيضا حكم التضامن الإيجابى ، فقد أرينا أن إقرار أحد الدائنين المتضامنين لا يسرى فى حق الباقين ( 561 ) .
وعلى العكس من ذلك إذا أقر الدائن لأحد المدينين المتضامنين ، فإن هذا الإقرار يفيد الباقى ، ويكون المدين المتضامن وهو يتلقى إقرار الدائن ممثلا لباقى المدينين فيستطيع هؤلاء أن يتمسكوا بالإقرار ولو كان غير صادر فى مواجهتهم ( 562 ) . وهذا هو أيضا حكم التضامن الإيجابى ، فقد رأينا أن المدين إذا أقر لأحد الدائنين المتضامنين جاز للدائنين الآخرين أن يتمسكوا بهذا الإقرار ( 563 ) .
201 – حلف اليمين أو النكول عنها : تنص الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 295 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 2 - وإذا نكل أحد المدينين المتضامنين عن اليمين أو وجه إلى الدائن يميناً حلفها ، فلا يضار بذلك باقى المدينين " .
$ 345 $
" 3 - وإذا اقتصر الدائن على توجيه اليمين إلى أحد المدينين المتضامنين فحلف ، فإن المدينين الآخرين يستفيدون من ذلك " ( 564 ) .
والمفروض هنا أن الدائن اقتصر على مدين متضامن واحد ، وهنا يمكن أن نتصور حالتين : فإما أن يوجه الدائن اليمين إلى المدين المتضامن ، وإما أن يوجه المدين المتضامن اليمين إلى الدائن .
$ 346 $
ففى الحالة الأولى التى يوجه فيها الدائن اليمين إلى المدين المتضامن ، إما أن يحلف المدين وإما أن ينكل . فان حلف ، فإن هذا الحلف من شأنه أن يفيد باقى المدينين ، فيستطيع هؤلاء أن يتمسكوا به ، ولو لم يكونوا هم الذين حلفوا ( 565 ) .
وهذا ما تقضى به الفقرة الثالثة من المادة 295 . وإن نكل المدين الذى وجهت إليه اليمين . فإن هذا يكون بمثابة الإقرار ، وقد رأينا أن الإقرار حجة قاصرة على المقر فلا يسرى فى حق المدينين الآخرين ، هذا إلى أن النكول عمل ضار بباقى المدينين فلا يكون المدين الذى نكل ممثلا لهم فيه ولا يسرى عليهم نكوله ، وهذا ما تقضى به الفقرة الثانية من المادة 295 . وهذا هو أيضاً حكم التضامن الإيجابى ، فقد رأينا أنه إذا وجه المدين اليمين إلى أحد الدائنين المتضامنين فنكل لم يضر نكوله بباقى الدائنين . ( 566 ) .
وفى الحالة الثانية التى يوجه فيها المدين المتضامن اليمين إلى الدائن ، إما أن يحلف الدائن وإما ، ينكل . فان حلف ، فإذن هذا الحلف عمل يضر بسائر المدينين الذين لم يخاطروا بتوجيه اليمين إلى الدائن ، فيكون المدين الذى وجه اليمين غير ممثل لهم فى هذا التوجيه ، ولا يتعدى إليهم أثر حلف الدائن لليمين ولا يضارون بذلك ، وهذا ما تقضى به الفقرة الثانية من المادة 295 . وإن نكل الدائن عن اليمين التى وجهها إليه المندين المتضامن ، فإن نكوله يكون بمثابة إقرار منه . وهذا الإقرار – إذا لم يكن فى شئ خاص بالمدين الذى وجه اليمين دون غيره – نافع لسائر المدينين المتضامنين ، فيستطيع هؤلاء أن يتمسكوا بهذا النكول ، ولو لم يكونوا هم الذين وجهوا اليمين . ولم يرد نص صريح فى هذه الصورة ، ولكن الحكم الذى أوردناه ليس إلا تطبيقاً للمبدأ العام ، فيؤخذ به دون نص . وقد رأينا فى التضامن الإيجابى أنه إذا وجه أحد الدائنين المتضامنين اليمين إلى المدين فحلف ، فإن هذا الحلف وهو يضر بالدائنين الآخرين لا يسرى $ 347 $ فى حقهم أما إذا نكل فإن النكول يفيدهم فيستطيعون أن يتمسكوا به ( 567 ) .
202 - صدور حكم على أحد الدائنين المتضامنين أو صالحه : تنص المادة 296 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - إذا صدر حكم على أحد المدينين المتضامنين ، فلا يحتج بهذا الحكم على الباقين " .
2 - أما إذا صدر الحكم لصالح أحدهم ، فيستفيد منه الباقون ، إلا إذا كان الحكم مبنيا على سبب خاص بالمدين الذى صدر الحكم لصالحه " . ( 568 ) .
وأخيرا يورد ، هنا ، التقنين المدنى تطبيقا للمبدأ العام السالف الذكر فى حالة صدور حكم على أحد المدينين المتضامنين أو صالحه .
فإذا صدر حكم على أحد المدينين المتضامنين وحده ، دون أن يكون باقى $ 348 $ المدينين المتضامنين داخلين فى الدعوى ، فإن هذا أمر ضار بهم ، فلا يسرى الحكم فى حقهم ولا يحتج عليهم به ( 569 ) . ويجب على الدائن إما أن يدخل باقى المدينين المتضامنين فى الدعوى ليصدر الحكم فى مواجهتهم ، أو أن يرفع عليهم دعوى أو دعاوى أخرى ليكون الحكم سارياً فى حق من رفع عليه الدعوى ( 570 ) . وهذا هو أيضا حكم التضامن الإيجابى ، فقد رأينا أنه إذا صدر حكم على أحد الدائنين المتضامنين لم يكن هذا الحكم ساريا فى حق الدائنين الآخرين ( 571 ) ويلاحظ أنه إذا جمع الدائن كل المدينين المتضامنين فى الدعوى ، وصدر حكم ضدهم ، فأن الطعن فى هذا الحكم من أحد المدينين المتضامنين يفيد الباقى ( 572 ) . $ 349 $ وإذا صدر فى الطعن حكم ضد المدين الذى رفع الطعن ، لم يضار الباقون به ، وكان لكل منهم حق الطعن فى الحكم الأول إذا كان طريق الطعن لا يزال مفتوحاً أمامه ( 573 ) .
وإذا صدر حكم لصالح أحد المدينين المتضامنين ، دون أن يكون باقى المدينين المتضامنين داخلين فى الدعوى ، فإن هذا أمر نافع لهم ، فيفيدون منه ويستطيعون أن يحتجوا بهذا الحكم ( 574 ) . وهذا ما لم يكن الحكم الذى صدر لمصلحة المدين $ 350 $ المتضامن مبنيا على سبب خاص به كأن يكون الدين بالنسبة إليه قد شابه سبب من أسباب البطلان ، فعند ذلك يصدر الحكم بإبطال الدين بالنسبة إليه وحده ، دون أن يتعدى أثر الحكم إلى المدينين المتضامنين الآخرين . ومثل ذلك أيضا أن يكون دين المدين المتضامن معلقا على شرط ولم يتحقق الشرط ، فالحكم الصادر بزوال الدين لتخلف الشرط لا يتعدى أثره إلى المدينين الآخرين الذين كانت ديونهم منجزة ( 575 ) . وهذا هو أيضا حكم التضامن الإيجابى ، فقد رأينا أنه إذا صدر حكم لصالح أحد الدائنين المتضامنين أفاد منه الباقون ( 576 ) . ويلاحظ أنه إذا جمع الدائن كل المدينين المتضامنين فى الدعوى ، وصدر حكم لصالحهم ، فإن الطعن فى هذا الحكم من الدائن بالنسبة إلى أحد منهم لا يضر الباقين ( 577 ) ، وإذا حصل الدائن فى الطعن على حكم لصالحه يغلى الحكم الأول ، فإن هذا الحكم لا يسرى فى حق الباقين الذين لم يدخلوا فى هذا الطعن ( 578 ) .
$ 351 $
المطلب الثانى
علاقة المدينين المتضامنين بعضهم ببعض
203 – النصوص القانونية : تنص المادة 297 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - إذا وفى أحد المدينين المتضامنين كل الدين ، فلا يجوز له أن يرجع على أى من الباقين إلا بقدر حصته فى الدين ، ولو كان بماله من حق الحلول قد رجع بدعوى الدائن " .
" 2 - وينقسم الدين إذا وفاه أحد المدينين حصصا متساوية بين الجميع ، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضى بغير ذلك " .
$ 351 $
وتنص المادة 298 على ما يأتى :
" إذا أعسر أحد المدينين المتضامنين ، تحمل تبعة هذا الإعسار المدين الذى وفى بالدين وسائر المدينين الموسرين ، كل بقدر حصته " .
وتنص المادة 299 على ما يأتى :
" إذا كان أحد المدينين المتضامنين هو وحده صاحب المصلحة فى الدين ، فهو الذى يتحمل به كله نحو الباقين ( 579 ) " .
وتقابل هذه النصوص فى التقنين المدنى السابق المادة 115 / 171 ( 580 ) .
وتقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المواد 297 - 299 - وفى التقنين المدنى الليبى المواد 284 – 286 – وفى التقنين $ 353 $ المدنى العراقى المادتين 334 – 335 - وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المواد 39 - 41 ( 581 ) .
وتبين من هذه النصوص أنه إذا وفى أحد المدينين المتضامنين الدائن كل الدين ، كان له حق الرجوع على المدينين المتضامنين معه . وحق الرجوع هذا إما أن يكون بالدعوى الشخصية ، أو بدعوى الحلول . وسواء كان الرجوع بهذه الدعوى أو بتلك ، فإن الدين ينقسم على المدينين المتضامنين ، والأصل أن ينقسم حصصاً متساوية بين الجميع ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضى بغير ذلك . وأيا كانت حصة المدين المتضامن عند انقسام الدين على الجميع ، فإن كل مدين متضامن موسر يتحمل نصيبه فى حصة المعسر من المدينين المتضامنين ، وذلك بنسبة حصته هو فى الدين . على أنه قد يتبين أن واحداً أو أكثر من المدينين هم أصحاب المصلحة فى الدين ، فعند ذلك لا ينقسم الدين على الباقى ، ويتحمل أصحاب المصلحة وحدهم كل الدين فى علاقتهم بالمدينين الآخرين .
فعندنا إذن مسائل خمس نبحثها على التعاقب :
(1) متى يكون للمدين المتضامن حق الرجوع على المدينين المتضامنين الآخرين .
(2) الأساس القانونى لهذا الرجوع : الدعوى الشخصية ودعوى الحلول .
(3) انقسام الدين على المدينين المتضامنين وتعيين حصة كل منهم .
(4) تحمل الموسرين من المدينين المتضامنين لحصص المعسرين منهم .
(5) تحمل أصحاب المصلحة فى الدين وحدهم بكل الدين .
$ 354 $
وهذه هى المسائل التى بحثناها فى التضامن الإيجابى إلا أنها تحتاج إلى مزيد من التفصيل فى التضامن السلبى لأهميته العملية كما سلف القول .
204 - متى يكون للمدين المتضامن حق الرجوع على المدينين المتضامنين الآخرين : التضامن لا يقوم إلا فى العلاقة ما بين الدائن والمدينين المتضامنين . أما فى علاقة المدينين بعضهم ببعض ، فإن الدين ينقسم عليهم ، ويكون لمن وفى منهم الدين للدائن حق الرجوع على الآخرين ، كل بقدر حصته كما سيأتى .
وحق الرجوع يثبت للمدين إذا وفى كل الدين ، كما جاء فى صدر المادة 297 $ 355 $ سالفة الذكر ويفى المدين المتضامن الدين كله للدائن إما لأن الدائن طالبه بذلك بموجب التضامن كما رأينا فيما تقدم ( 582 ) ، وإما لأن المدين المتضامن تقدم من تلقاء نفسه بوفاء الدين كله للدائن وقد سبق أن ذكرنا أن الدائن فى هذه الحالة لا يستطيع أن يرفض هذا الوفاء .
وليس من الضرورى ، حتى يثبت حق الرجوع للمدين ، أن يكون المدين قد وفى الدين فعلا ، بل يكفى أن يكون قد قضى الدين نحو الدائن بطريق يقوم مقام الوفاء ( 583 ) . فيجوز أن يكون قد وفاه الدين بمقابل ( 584 ) . ويجوز أن يكون قد وفاة الدين بطريق المقاصة ، ولكن يشترط فى ذلك أن يكون الدائن قد طالب بالدين هذا المدين بالذات الذى قام به سبب المقاصة ، فعند ذلك يتمسك المدين بانقضاء الدين بالمقاصة فينقضى الدين ، وتبرأ ذمته منه كما تبرأ ذمة المدينين المتضامنين الآخرين ، فيرجع على هؤلاء كل بقدر حصته . أما إذا طالب الدائن بالدين مدينا متضامناً آخر غير الذى قام به سبب المقاصة ، ولم يستطع هذا المدين الآخر أن يتمسك بالمقاصة إلا بقدر حصة المدين الذى وقعت معه ، وعليه أن يدفع للدائن الدين بعد أن يستنزل منه هذه الحصة ، ثم يكون له بعد $ 356 $ ذلك حق الرجوع على المدينين الآخرين . كذلك قد يوفى المدين المتضامن الدين بطريق التجديد ، وقد رأينا أنه ما لم يحتفظ الدائن بحقه قبل المدينين الآخرين فان ذمة هؤلاء تبرأ بالتجديد الذى وقع ( م 286 مدنى ) ، وعند ذلك يكون للمدين الذى وقع منه التجديد حق الرجوع على المدينين الآخرين كل بقدر حصته . ويجوز أن يوفى المدين المتضامن الدين بطريق اتحاد الذمة ، فان كان المدين هو الذى ورث الدائن . فقد رأينا أنه يجوز له أن يرجع باعتباره مديناً وفى الدين على باقى المدينين المتضامنين كل بقدر حصته . أما الإبراء فليس بوفاء للدين ، ولا هو طريق يقوم مقام الوفاء . وقد رأينا أن الدائن إذا أبرأ المدين ، فإما أن يرجع على المدينين الآخرين بالدين بعد أن يستنزل حصة المدين الذى أبرأه ، وإما أن يطالب أياً منهم بكل الدين ، وإما ألا يطالب أياً منهم بشىء ، وفى كل هذه الأحوال لا يرجع المدين الذى أبرأه الدائن بشىء على المدينين الآخرين ( 585 ) . وكذلك إذا تقادم الدين بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين ، لم يعتبر هذا وفاء يجيز لهذا المدين أن يرجع على المدينين ، لأنه هو لم يدفع الدين أو مقابلا له ، وقد رأينا أن الدائن فى هذه الحالة يستطيع أن يطالب أياً من المدينين الآخرين بالدين بعد أن يستنزل حصة من تقادم دينه ( 586 ) .
وحتى يكون للمدين المتضامن حق الرجوع على المدينين الآخرين ، يجب أن يكون الوفاء الذى قام به للدائن قد عاد عليهم بالفائدة ، أى أن يكون هو الذى أبرأ ذمتهم نحو الدائن ، فلو أن المدين المتضامن لم يخطر المدينين الآخرين بأنه وفى عنهم الدين ، وقام أحد منهم بوفاء الدين للدائن مرة ثانية وهو لا يعلم أن المدين الأول قد وفاه ، ثم أخطر سائر المدينين بأنه قد وفى الدين ، فان حق الرجوع يثبت لهذا المدين الذى وفى الدين مرة ثانية دون المدين الأول ( 587 ) .
$ 357 $
وليس من الضرورى حتى يكون للمدين المتضامن حق الرجوع على المدينين الآخرين أن يكون قد وفى للدائن كل الدين . فيجوز أن يفى ببعض الدين إذا قبل الدائن منه هذا الوفاء الجزئى ، ومع ذلك يكون له الرجوع على المدينين الآخرين ، كل بنسبة حصته فى الدين ، فيما دفعه للدائن .
على أنه يجوز للمدين كما قدمنا أن يتفق مع الدائن على أن يدفع له حصته فى الدين أو جزءاً منها ، ففى هذه الحالة لا يرجع المدين الذى اقتصر على دفع حصته أو على دفع جزء منها بشىء على المدينين الآخرين ، ويرجع الدائن على هؤلاء بالباقى من الدين بعد أن يستنزل ما دفعه له المدين . أما إذا دفع المدين أكثر من حصته ، فله الرجوع على المدينين الآخرين بما دفعه زائدا على هذه الحصة ، ويساهم هؤلاء فى ذلك كل بنسبة حصته فى الدين ، ويرجع الدائن عليهم بما بقى من الدين بعد أن يستنزل كل ما دفعه المدين له ( 588 ) .
$ 358 $
205 - الأساس القانونى لرجوع المدين – الدعوى الشخصية ودعوى الحلول : والآن نبين الأساس القانونى الذى يقوم عليه رجوع المدين المتضامن على المدينين المتضامنين الآخرين عند وفائه للدائن بالدين ، فهو $ 359 $ يرجع إما بالدعوى الشخصية ( action personnelle ) وإما بدعوى الحلول ( action en subrogation ) .
يرجع بالدعوى الشخصية إذا نظرنا إلى سابق علاقته بالمدينين المتضامنين الآخرين ، فهم فى الغالب جميعاً أصحاب مصلحة مشتركة فى الدين . فإذا أدى واحد منهم الدين عن الباقى ، فهو إما أن يكون وكيلا عنهم فيرجع عليهم بدعوى الوكالة ( م 710 مدنى ) ، وإما أن يكون فضولياً يعمل لمصلحتهم فيرجع عليهم بدعوى الفضالة ( م 195 مدنى ) . وكل من دعوى الوكالة ودعوى الفضالة دعوى شخصية تسمح للمدين الذى وفى الدين أن يرجع على كل من المدينين الآخرين بقدر حصته فيه . ومزية هذه الدعوى الشخصية هى أنها تجعل للمدين الحق فى تقاضى فوائد عما دفعه للدائن زائداً على حصته لحساب المدينين الآخرين من يوم الدفع . ذلك أن المدين إذا رجع بدعوى الوكالة ، فإن المادة 710 مدنى تقضى بأنه " على الموكل أن يرد للوكيل ما أنفقه فى تنفيذ الوكالة التنفيذ المعتاد ، مع الفوائد من وقت الإنفاق " . وإذا هو رجع بدعوى الفضالة ، فإن المادة 195 مدنى تقضى بأن " يكون رب العمل ملزماً بأن ينفذ التعهدات التى عقدها الفضولى لحسابه ، وأن يعوضه عن التعهدات التى التزم بها ، وأن يرد له النفقات الضرورية والنافعة التى سوغتها الظروف مضافا إليها فوائدها من يوم دفعها " . وليست الفوائد التى يتقاضها المدين المتضامن من المدينين الآخرين هى الفوائد التى ينتجها المدين الأصلى ، فهذه يستردها المدين مع أصل الدين وتلحق به ، ولكنها فوائد مستقلة يتقاضها بالسعر القانونى أو بالعسر الاتفاقى إذا كان هناك اتفاق على ذلك – على مجموع المبالغ ، من رأس مال وفوائد ومصروفات ، التى أدها للدائن زائدا على حصته فى الدين ( 589 ) . فيتقاضها حتى لو كان الدين الذى وفاه للدائن لا ينتج فوائد أصلا ( 590 ) .
$ 360 $
ويرجع المدين المتضامن الذى وفى الدين بدعوى الحلول ( 591 ) ، أى بدعوى الدائن الذى وفاه الدين وقد حل محله فيه ، وهذا بموجب المادة 326 مدنى وتنص على أنه " إذا قام بالوفاء شخص غير المدين ، حل الموفى محل الدائن الذى استوفى حقه فى الأحوال الآتية : ( 1 ) إذا كان الموفى ملزماً بالدين مع المدين أو ملزما بوفائه عنه . . . . " . والمدين المتضامن الذى وفى الدين ملزم به مع المدينين الآخرين ، فإذا وفاه للدائن حل محله فيه عند الرجوع على المدينين الآخرين . ومزيه دعوى الحلول هذه ا ، المدين المتضامن إذا رجع بها تكون له التأمينات ذاتها التى كانت الدائن ، بعد أن حل محله ، إذ هو يرجع بنفس الدين الذى وفاه بما له من ضمانات ، لا بدعوى شخصية مستمدة من الوكالة أو الفضالة . وهذا الحكم تنص عليه صراحة المادة 329 مدنى إذ تقول : " من حل قانونا أو اتفاقا محل الدائن كان له حقه ، بما لهذا الحق من خصائص ، وما يلحقه من توابع ، وما يكلفه من تأمينات ، وما يرد عليه من دفوع ، ويكون هذا الحلول بالقدر الذى أداه من ماله من حل محل الدائن " .
على أن الدعوى الشخصية ، إذا كانت دعوى الحلول تمتاز عنها فى التأمينات ، تمتاز هى على دعوى الحلول فى أمرين : ( 1 ) إذا رجع المدين بالدعوى الشخصية كان له أن يتقاضى فوائد عن المبالغ التى دفعها للدائن زائدا على حصته فى الدين كما سبق القول أما دعوى الحلول فلا يتقاضى فيها المدين إلا فوائد الدين الأصلى التى يكون قد فعها للدائن ، إذا كان من شأن هذا الدين ان ينتج فوائد ( 592 ) . ( 2 ) يسرى التقادم بالنسبة إلى الدعوى الشخصية من وقت وفاء المدين الدين للدائن ، فواقعة الوفاء هذه هى مصدر الدعوى الشخصية . أما بالنسبة $ 361 $ إلى دعوى الحلول ، فإن التقادم كان ساريا من وقت حلول الدين الذى وفاه المدين ، وبديهى أن هذا الوقت متقدم على وقت الوفاء ، فتتقادم دعوى الحلول قبل أن تتقادم الدعوى الشخصية لو كانت مدة التقادم المقررة قانونا لكل من الدعويين مدة واحدة ( 593 ) .
206 - انقسام الدين على المدينين المتضامنين وتعيين حصة كل منهم :
قدما أن التضامن لا يقوم إلا فى العلاقة ما بين الدائن والمدينين المتضامنين ، أما فى علاقة المدينين بعضهم ببعض فلا يقوم التضام ، وإنما ينقسم الدين بينهم كل بقدر حصته ( 594 ) .
وينقسم الدين على المدينين المتضامنين على الوجه المتقدم الذكر ، حتى لو كان المدين الذى وفى الدين " بماله من حق الحلول قد رجع بدعوى الدائن " ، كما تقول العبارة الأخيرة من الفقرة الأولى من المادة 297 مدنى . وقد كان منطق دعوى الحلول يقتضى أن يرجع المدين بما كان يرجع به الدائن نفسه ، أى يرجع بكل الدين على أى مدين متضامن آخر بعد أن يستنزل حصته هو من الدين ، ولكن العمل بمقتضى هذا المنطق يؤدى إلى سلسلة من دعاوى للرجوع لا مبرر لها . فلو أن المدينين المتضامنين كانوا مثلا خمسة حصصهم فى الدين متساوية ، $ 362 $ وكان الدين خمسمائة ، ووفى أحدهم كل الدين للدائن ، وحل محله فيه ، فإن منطق دعوى الحلول يقتضى كما قلنا أن يرجع المدين الذى وفى الدين على أحد المدينين المتضامنين الأربعة بأربعمائة ، وهذا الثانى يرجع على الثالث بثلثمائة ، وهذا الثالث يرجع على الرابع بمائتين ، وهذا الرابع يرجع على الخامس بمائة . فالأولى من الناحية العلمية أن يقسم المدين الأول منذ البداية الدين على المدينين الأربعة ، ويرجع على كل منهم بمائة . ولا ضير عليه من هذا التقسيم ، فإنه إذا وجحد أحدهم معسراً رجع على الثلاثة الموسرين بنصيب كل منهم فى حصة المعسر كما سنرى هذا إلى أن المنطق الذى أوردناه لدعوى الحلول يعارضه منطق آخر للدعوى نفسها . ذلك أن المدين الذى وفى الدين فى المثل المتقدم إذا رجع على أحد المدينين الأربعة بأربعمائة ، كان لهذا المدين الثانى بعد أن يدفع الأربعمائة للمدين الأولى أن يحل هو أيضاً محل الدائن قبل هذا المدين الأول بالذات بعد أن يستنزل حصته من الدين ، فيرجع عليه بثلثمائة . فيكون المدين الأولى قد استوفى من المدين الثانى أربعمائة ثم وفاة ثلثمائة فى دعويين متتابعتين ، فخلص له من كل ذلك مائة ، فالأولى إذن أن يستوفى هذه المائة منذ البداية وفى دعوى واحدة ( 595 ) .
إذن ينقسم الدين – سواء كان الرجوع بالدعوى الشخصية أو بدعوى الحلول – على المتضامنين كل بقدر حصته ، ولا يرجع المدين الذى وفى الدين كله على أن مدين آخر إلا بمقدار هذه الصحة . ويبقى بعد ذلك أن نرى كيف $ 363 $ تتعين حصص المدينين المتضامنين فى الدين . هنا تقول الفقرة الثانية من المادة 297 مدنى " وينقسم الدين إذا وفاه أحد المدينين حصصاً متساوية بين الجميع ، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضى بغير ذلك " .
فإذا وجد اتفاق بين المدينين المتضامنين ، منذ نشوء الدين ، على تعيين حصة كل منهم فيه ، وجب العمل بهذا الاتفاق . وقد يكون ضمنيا ، كما إذا أشترى ثلاثة داراً فى الشيوع ، للأول النصف وللثانى الثلث وللثالث السدس ، وتضاموا فى دفع الثمن للبائع ، فينقسم الدين بينهم بنسبة حصة كل منهم فى الدار . ويجب على كل حال إثبات الاتفاق وفقاً للقواعد العامة فى الإثبات ، فإذا أراد أحد المدينين إثبات مقدار حصة مدين آخر فى الدين وكانت قيمة هذه الحصة تزيد على عشرة جنيهات ، وجب الإثبات بالكتابة أو بما يقوم مقامها ( 596 ) .
وإذا لم يوجد اتفاق وكلن وجد نص فى القانون يرسم طريقة تعيين حصة كل مدين متضام ، وجب اتباع النص من ذلك أن الورثة إذا استدانوا للإنفاق على مصلحة التركة ، وكانوا متضامتين فى الدين ، فالقانون يعين حصة كل منهم فى الدين بقدر حصته فى الميراث . ومن ذلك أيضا ما نصت عليه المادة 169 مدنى من أنه " إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار ، كانوا متضامنين فى التزامهم بتعويض الضرر ، وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوى ، إلا إذا عين القاضى نصيب كل منهم فى التعويض " فيجوز إذن للقاضى ، بموجب هذا النص القانونى ، أن يعين حصة كل من المسئولين عن العمل الضار فى التعويض الذى يلتزمون به ، على حسب جسامة خطأ كل منهم ومدى ما أحدثه بفعله من الضرر ( 597 ) .
$ 364 $
فإذا لم يوجد اتفاق أو نص فى القانون يعين حصة كل من المدينين المتضامنين فى الدين لم يبق إلا جعل حصص المدينين جميعاً متساوية ، إذ لا مبرر لجعل حصة أكبر من الأخرى ، ويفترض تساويهم فى مصلحتهم المشتركة فى الدين ( 598 ) .
207 - تحمل الموسرين من المدينين المتضامنين لحصص المعسرين منهم :
رأينا أن المادة 298 مدنى تنص على أنه : " إذا أعسر أحد المدينين المتضامنين تحمل تبعة هذا الإعسار المدين الذى وفى بالدين وسائر المدينين الموسرين كل بقدر حصته " . وهنا تبرز فكرة التضامن ما بين المدينين ، فتلامس حتى علاقة المدينين فيما بينهم ذلك أنهم ، حتى فى علاقتهم بعضهم ببعض ، يتضامنون فى تحمل حصة المسعر منهم . ولكن هذه الحصة تنقسم بينهم بنسبة الحصة الأصلية لكل منهم فى الدين ، فلا يرجع المدين الذى وفى كل الدين على أى من المدينين الموسرين إلا بمقدار حصته وبنصيبه فقط فى حصة المعسر . فلو أن المدينين المتضامنين كانوا ثلاثة حصصهم فى الدين متساوية ، وكان الدين ثلثمائة ، ودفعه واحد منهم ، فإنه يرجع على كل من الاثنين الآخرين بمائة فلو كان واحد منهما معسراً رجع الدافع على الموسر بمائة وخمسين ، مائة هى حصة الموسر فى الدين وخمسين هى نصيبه فى حصة المعسر ( 599 ) . وقد قدمنا أنه إذا أبرأ الدائن أحد المدينين المتضامنين من الدين أو من التضامن ، فإن هذا المدين – ما لم يخله الدائن من المسئولية 0 يتحمل هو أيضا نصيبه فى حصة . المعسر والى هذا كله تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى حين تقول : " وإذا أعسر أحدهم تحمل تبعة هذا الإعسار سائر المدينين ، حتى من قام منهم بالوفاء بالدين . وقد تقدمت الإشارة $ 365$ إلى أن من أبرئ من المدينين المتضامنين من الدين أو من التضامن يتحمل نصيبه فى تبعة الإعسار ( 600 ) " .
ويذهب الفقه فى فرنسا إلى أن العبرة فى قيام الإعسار تكون بالوقت الذى وفى فيه المدين المتضامن الدين للدائن ، فقد نشأ حقه فى الرجوع على المدينين المتضامنين ، بما فى ذلك تقسيم حصة المعسر على الموسرين ، فى هذا الوقت . فإذا كان المدينون المتضامنون الآخرون موسرين جميعا وقت الوفاء للدائن ، وتأخر المدين الذى وفى الدين فى الرجوع عليهم حتى أعسر واحد منهم ، فالمدين الذى وفى الدين هو وحده الذى يتحمل حصة هذا المعسر جزاء تأخره فى الرجوع عليه ( 601 ) . ويبدو أن هذا الرأى محل للنظر . فقد يطالب الدائن أحد المدينين المتضامنين بالدين ، فيبادر هذا المدين إلى إدخال باقى المدينين المتضامنين معه فى الدعوى ليحكم على كل بحصته فى الدين ، ويكون المدينون جميعا موسرين وقت تنفيذ الدائن بالدين كله على أموال من رفع عليه الدعوى . ثم يعسر أحد المدينين قبل أن يتمكن المدين الذى وفى الدين من استيفاء حصة هذا المدين الذى أعسر . فهنا لا يمكن ان ينسب أى تقصير إلى المدين الذى وفى الدين ، وليس من العدل أن يتحمل وحده حصة المدين المعسر . من أجل ذلك نرى التحفظ فى الرأى الذى يذهب إليه الفقه الفرنسى ، فيكون الأصل فى الإعسار أن يقوم وقت الوفاء للدائن ، فإذا وقع بعد هذا الوقت ، تحمل المدين الذى وفى الدين وحده حصة المعسر ، إلا إذا أثبت أنه لم يقصر إطلاقا فى المحافظة على حقه ضد المدين المعسر ( 602 ) .
$ 366 $
208 – تحمل أصحاب المصلحة فى المدين وحدهم بكل الدين : رأينا أن المادة 299 مدنى تنص على أنه " إذا كان أحد المدينين المتضامنين هو وحده صاحب المصلحة فى الدين فهو الذى يتحمل به كله نحو الباقين " . ويظهر من هذا النص أن هناك حالة لا يكون فيها المدينون المتضامنون جميعا أصحاب المصلحة فى الدين ، بل يكون واحد منهم أو أكثر ( 603 ) هم أصحاب المصلحة دون الآخرين . فماذا يكون ، فى هذه الحالة ، شأن هؤلاء الآخرين الذين ليست لهم مصلحة فى الدين ، أى ليسوا هم المدينين الحقيقيين ، ومع ذلك يتضامنون فى الدين مع أصحاب المصلحة فيه؟ إنهم يكونون لا شك كفلاء لأصحاب المصلحة ، وأصحاب المصلحة وحدهم هم المدينون الحقيقيون أو المدينون الأصليون . يبقى أن ننظر لماذا لم يبرز هؤلاء وأولئك فى الوضع القانونى المألوف ، مدنين أصليين وكفلاء ، بل برزوا جميعا مدينين متضامنين؟ يسوقنا هذا إلى إيراد عجالة سريعة فى تاريخ الكفالة .
لم يكن القانون الرومانى القديم يعرف الكفالة فى وضعها الحديث ، ولم يكن متصوراً فى صناعة هذا القانون أن شخصا آخر يلتزم بنفس الدين الذى التزم به المدين دون أن يكون مديناً أصلياً معه ، لا مجرد مدين تابع . فلم يكن هناك بد ، إذا أريد أن أن يكون للمدين كفيل ، من أن يلتزم الكفيل بالدين التزاماً أصلياً كما التزم المدين . ولما كان التضامن معروفا منذ زمن قديم وقد سبق الكفالة – بل هو الأصل الذى نشأت الكفالة عند ( 604 ) – فقد استخدم لتأدية أغراض الكفالة . فالكفيل كان إذن ، فى القانون الرومانى القديم ، مدينا متضامناً مع المدين $ 367 $ الأصلى . ثم ما لبث القانون الرومانى أن تطور ، وبدت معالم الكفالة تتبين شيئاً فشيئا ، فأعطى للكفيل حق التقسيم إذا تعدد ، ثم أعطى له حق تجريد المدين ثم اعترف فى النهاية أن التزامه ليس التزاما أصلياً بل هو التزام تابع لالتزام المدين المكفول ( 605 ) . على أن مقتضيات الائتمان استوجبت أن تتنوع الكفالة لتزيد توثيقا للدين ، فرجعت فى تنوعها إلى ما كانت عليه من قبل ، وأصبحت فى الوقت الحاضر تنطوى على صور متدرجة .
فأبسط صورها واضعها توثيقاً للدين هى ، كما أشرنا إلى ذلك فى مكان آخر ( 606 ) ، أن يكفل الكفيل المدين دون أن يتضامن معه ، ودون أن يتضامن من الكفلاء الآخرين . فيكون الكفيل فى هذه الصورة مديناً تابعاً ، له حق تجريد المدين الأصلى ، وله حق التقسيم مع الكفلاء الآخرين .
ثم تأتى صورة ثانية للكفالة هى أقوى فى توثيق الدين فيكفل الكفيل المدين دون أن يتضامن معه ، ولكنه يتضامن مع الكفلاء الآخرين . وهنا يبقى الكفيل مدينا تابعاً ، ويبقى له حق تجريد المدين ، ولكن ليس له حق التقسيم مع الكفلاء الآخرين الذين تضامن معهم .
ثم تأتى صورة ثالثة للكفالة تزيد قوة فى توثيق الدين ، هى أن يكفل الكفيل المدين ويتضامن معه كما يتضامن مع الكفلاء الآخرين . وهنا يبقى الكفيل مديناً تابعاً ، ولكن ليس له حق التقسيم مع الكفلاء الآخرين لأنه متضامن معهم ، وليس له كذلك حق تجريد المدين لأنه أيضا متضامن معه .
ثم تأتى الصورة الأخيرة للكفالة ، وهى أقوى الصور جميعا فى مراتب التوثيق . فيكفل الكفيل الدين فيما بينه وبين المدين ولكنه يتقدم إلى الدائن مدينا متضامنا مع المدين الأصلى ، ومتضامناً مع الكفلاء الآخرين ، الذين يتقدمون هم أيضا مدينين متضامنين مع المدين . وهكذا تعود الكفالة إلى ما كانت عليه فى عهدها القديم ، ولكن لأسباب لا ترجع إلى الصناعة القانونية كما كان الأمر فى القانون $ 368 $ الروماني القديم ، بل ترجع إلى اعتبارات عملية هي الوصول في توثيق الدين إلى أبعد غاياته . وهنا لا يكون للكفيل حق التقسيم مع الكفلاء الآخرين ، ولا حق تجريد المدين ، بل هو لا يبقى مديناً تابعاً ، وإنما يكون مديناً اصلياً متضامنا مع المدين المكفول .
هذه الصورة الأخيرة هي التي تعنينا هنا ، إذ نرى أمامنا فيها مدينين متضامنين متعددين في دين واحد ، ولكن واحداً ( أو أكثر ) من هؤلاء المدينين هو صاحب المصلحة في الدين ، أي هو المدين الأصلي ، والباقي ليسو إلا كفلاء عنه ، ولاكنهم تقدموا إلى الدائن بوصفهم جميعاً مدينين اصليين متضامنين ( 607 ) . والمبدا الأساسي في هذه الحالة هو التمييز ما بين علاقة هؤلاء المدينين المتضامنين بالدائن إذ تسرى قواعد التضامن ، وعلاقتهم بعضهم ببعض إذ تسرى قواعد الكفالة .
ففي علاقتهم بالدائن ، تسرى قواعد التضامن دون قواعد الكفالة . ومن ثم لا يكون لهم حق تقسيم الدين بينهم ولا حق تجريد المدين الأصلي ، بل يكون كل منهم مسئولا قبل الدائن عن كل الدين . كذلك لا يكون لا يمنهم أن يتمسك بالدفوع الخاصة بغيره ولو كان هذا الغير هو المدين الأصلي ، بل لا يتمسك إلا بالدفوع الخاصة به وبالدفوع المشتركة بينهم جميعا ( 608 ) . ولا تبرا ذمة أي منهم بقدر ما أضاعه الدائن بخطأه من الضمانات ، كما تبرأ ذمة الكفيل $ 369 $ ( م 784 مدني ) ( 609 ) . ولا تبرأ ذمة أي منهم إذا لم يقم الدائن باتخاذ الإجراءات ضد المدين الأصلي خلال ستة أشهر من إنذار الدائن بذلك ، كما تبرأ ذمة الكفيل ( م 785 / 2 مدني ) . ولا يسقط حق الدائن في الرجوع عليهم حتى لو أفلس المدين الأصلي ولم يتقدم الدائن في تفليسته ، كما يسقط حقه في الرجوع على الكفيل ( م 786 مدني ) . وإذا كان هناك تأمين عيني خصص لضمان الدين ، جاز مع ذلك للدائن أن ينفذ على أموالهم قبل التنفيذ على الأموال التي خصصت لهذا التأمين ، ولا يجوز بالنسبة إلى الكفيل التنفيذ على أمواله إلا بعد التنفيذ على الأموال المخصصة للتأمين ( م 791 مدني ) ( 610 ) .
$ 370 $
أما فى علاقتهم بعضهم ببعض ، فقواعد الكفالة هى التى تسرى دون قواعد التضامن . وقد قدمنا أنه يجب على أى منهم قبل أن يقوم بوفاء الدين أن يخطر المدين الأصلى ، وإلا سقط حقه فى الرجوع على هذا المدين إذا كان هذا وقد وفى الدين أو كانت عنده وقت الاستحقاق أسباب تقضى ببطلان الدين أو بانقضائه ، فإذا لم يعارض المدين الأصلى فى الوفاء ، بقى لمن وفى الدين حقه فى الرجوع عليه ، ولو كان المدين قد دفع الدين أو كانت لديه أسباب تقضى ببطلانه أو بانقضائه وهذا هو نفس الحكم الذى يسرى على الكفيل ، من حيث وجوب إخطاره المدين قبل أن يقوم بوفاء الدين ( م 798 مدنى ) ( 611 ) . ولكن الذى يعنينا أن نبينه هنا وهى المسألة التى نريد الوقوف عندها – هو أن هؤلاء المدينين المتضامنين ، وقد ارتدوا كفلاء فى علاقتهم بالمدين الأصلى ، لا يتحملون بشىء من الدين شأن كل كفيل إذ لا مصلحة لهم فيه ، بل المدين الأصلى صاحب المصلحة هو الذى يتحمل بالدين كله . فإذا كان الدائن قد طالب المدين الأصلى بالدين فدفعه ، لم يرجع هذا المدين بشىء على المدينين المتضامنين معه إذ هم ليسوا إلا كفلاء عنه . أما إذا كان الدائن قد طالب أياً من هؤلاء المدينين المتضامنين غير المدين الأصلى بالدين فدفعه ، رجع الدافع بالدين كله على المدين الأصلى كما يفعل الكفيل الذى وفى المدين فى رجوعه على المدين ، ولم ينقسم الدين على سائر المدينين المتضامنين . وهذا ، كما رأينا ، ما تنص عليه صراحة المادة 299 مدنى ، إذ تقضى بأنه إذا كان أحد المدينين المتضامنين هو وحده صاحب المصلحة فى الدين ، فهو الذى يتحمل به كله نحو الباقين . فيتحمل المدين الأصلى إذن بالدين كله ، سواء طالبه به الدائن فدفعه دون أن يرجع بشىء على المدينين الآخرين ، أو طالب به الدائن مديناً آخر فدفعه ورجع به كله على المدين الأصلى . وإلى هذا تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى إذ تقول : " ولكن إذا $ 371 $ كان أحد المدينين هو وحده صاحب المصلحة فى الدين ، فهو الذى يتحمل به كله فى صلته بالباقين . فلو أقيم الدليل على أن مديناً من المدينين المتضامنين هو المدين الأصلى وأن الآخرين ليسو سوى كفلاء – فى حدود صلتهم بعضهم ببعض لا فى حدود صلتهم بالدائن – وجب أن يتحمل هذا المدين الدين كله ، فإذا وفى لم يكن له حق الرجوع على الباقين ، وإذا قام بالوفاء مدين آخر كان لهذا المدين أن يرجع عليه بالدين كله " ( 612 ) . ويخلص من هذه العبارة أنه يفترض فى الأصل أن المدينين المتضامنين المتعددين كلهم أصحاب مصلحة فى الدين ، فإذا أدعى أحد منهم أن واحداً أو أكثر من هؤلاء المدينين هم وحدهم أصحاب المصلحة فى الدين ، فعليه يقع عبء الإثبات . وعليه أن يثبت ذلك وفقاً للقواعد العامة فى الإثبات ، فلا يجوز أن يثبت إلا بالكتابة أو بما يقوم مقامها أن بعض المدينين المتضامنين فى دين تزيد قيمته على عشرة جنيهات هم وحدهم أصحاب المصلحة فيه ( 613 ) .
ويلاحظ أنه إذا كان أصحاب المصلحة فى الدين أكثر من واحد ، فإن المدين الذى وفى الدين دون أن يكون ذا مصلحة فيه يرجع على أى من أصحاب المصلحة بكل الدين ، إذ كل من هؤلاء مدين أصلى . وهذا هو الحكم فيما إذا كان للمدينين المتضامنين المتعددين كفيل وفى الدين عنهم ، فقد نصت المادة 801 مدنى على أنه " إذا تعدد المدينون فى دين واحد وكانوا متضامنين ، فكفيل الذى ضمنهم جميعاً أن يرجع على أى منهم بجميع ما وفاة من الدين " ( 614 ) . وينقسم الدين بين أصحاب المصلحة فيه ، فإذا وفى أحدهم الدين كله ، سواء بدفعه مباشرة للدائن أو بوفائه لمدين غير ذى مصلحة قام بدفعه للدائن ، رجع على الباقى من أصحاب المصلحة كل بقدر حصته فى الدين .
$ 372 $
وإذا دفع مدين غير ذى مصلحة فى الدين كل الدين للدائن بناء على مطالبته إياه ، وأراد الرجوع على أصحاب المصلحة فى الدين فوجدهم جميعاً معسرين ، رجع عند ذلك على المدينين غير أصحاب المصلحة كل بقدر حصته فى الدين ( 615 ) . فإن لم يكن متفقاً على تعيين حصة كل منهم ، كانوا جميعاً متساوين فى الحصص .
$ 373 $
الفصل الثالث
الالتزام غير القابل للانقسام ( 616 ) .
( Obligation indivisible )
209 - تقسيم الموضوع : نبحث الالتزام غير القابل للانقسام ، كما بحثنا الالتزام التضامنى ، على الوجه الآتى : ( أولا ) أسباب عدم قابلية الالتزام للانقسام ، وهذا يقابل فى الالتزام التضامنى مصادر التضامن . ( ثانيا ) الآثار التى تترتب على قابلية الالتزام للانقسام ( 617 ) .
$ 374 $
الفرع الأول
أسباب عدم قابلية الالتزام للانقسام
210 - النصوص القانونية : تنص المادة 300 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" يكون الالتزام غير قابل للانقسام " :
( أ ) إذا ورد على محل لا يقبل بطبيعته أن ينقسم " .
( ب ) إذا تبين من الغرض الذى رمى إليه المتعاقدان أن الالتزام لا يجوز تنفيذه منقسما ، أو إذا انصرفت نية المتعاقدين إلى ذلك ( 618 ) .
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 116 / 172 ( 619 ) .
ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 300 - وفى التقنين المدنى الليبى المادة 287 – وفى التقنين المدنى العراقى المادة 376 - وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 70 ( 620 ) .
$ 375 $
ويتبين من هذا النص أن عدم القابلية للانقسام يرجع إما لطبيعة محل الالتزام ، وإما للاتفاق ( 621 ) .
211 - عدم القابلية للانقسام يرجع على طبيعة المحل : عنى ديمولان ( Dumoulin ) ، وهو من فقهاء القانون الفرنسى القديم البارزين ، عناية خاصة بموضوع الالتزام غير القابل للانقسام ، وله فيه تقسيمات مشهورة ، لعلها ساعدت على تعقيد هذا الموضوع أكثر مما أدت إلى تبسيطه .
على أن من تقسيماته ما بقى حتى اليوم معمولا به . من ذلك أنه يميز فى عدم القابلية للانقسام الذى يرجع إلى طبيعة المحل بين صورتين :
( الصورة الأولى ) صورة عدم التجزئة المطلقة ( Indivisibilitè absolue ) أو عدم التجزئة الحتمية ( Indivisibilitè nècessaire ) ، وتتحقق عندما يكون محل الالتزام بطبيعته غير قابل أصلا للانقسام ، فعدم الانقسام يرجع إلى أصل الحلقة لا إلى عارض من عمل الإنسان .
فإذا كان الالتزام محله نقل حق عينى ، فالأصل فيه أنه يكون قابلا للانقسام ، إما انقساماً طبيعيا ( division matèrielle ) كما إذا كان المدين ملتزماً بنقل ملكية عشرين أردباً من القمح فيمكن انقسام هذا الالتزام انقساماً طبيعياً إلى أجزاء متعددة ، وإما انقساماً معنويا
( division intellectuelle ) كما إذا كان المدين ملتزماً $ 376 $ بنقل ملكية منزل فإن هذا الالتزام يمكن أن ينقسم انقساماً معنويا إلى نقل ملكية نصف المنزل فى الشيوع وربعه وخمسه وهكذا ( 622 ) . غير أن هناك حقين عينيين لا يقبلان الانقسام بطبيعتهما القانونية ، وهما حق الارتفاق وحق الرهن $ 377 $ فمن يلتزم بترتيب حق ارتفاق أو ترتيب حق رهن لا يستطيع أن يجزئ التزامه ، ويكون الالتزام فى هاتين الحالتين غير قابل للانقسام بصفة مطلقة أو بصفة حتمية ( 623 ) .
وإذا كان الالتزام محله القيام بعمل كالالتزام بتسليم شىء ، فإنه قد يكون طبيعته قابلا للانقسام وقد لا يكون . فإذا تعهد شخص بتسليم أرض ، فإنه يستطيع أن يجزئ التزامه إذ الأرض قابلة بطبيعتها للتجزئة ، فيمكن أن يسلم جزءاً من الأرض ثم يسلم جزءاً آخر وهكذا . أما إذا تعهد بتسليم حيوان حى ، حصان مثلا ، فإنه لا يستطيع أن يجزئ التزامه ، إذ الحيوان الحى كل لا يتجزأ عند التسليم . صحيح أنه تجوز تجزئته فى نقل ملكيته ، فتنتقل ملكية نصف الحصان أو ربعه ، ولكن الالتزام بتسليم الحصان هو التزام غير قابل للانقسام ، وعدم القابلية للانقسام هنا يرجع إلى أصل الحلقة فهو مطلق أو حتمى . كذلك التزام البائع بضمان الاستحقاق التزام غير قابل للانقسام ، ويرجع ذلك إلى طبيعة محل الالتزام . وقل مثل هذا فى التزام المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة ( 624 ) . وغنى عن البيان أن الالتزام بالقيام بعمل ، حتى إذا كان فى طبيعته غير قابل للانقسام ، يصبح قابلا للانقسام إذا تحول إلى تعويض نقدى ( 625 ) .
وإذا كان الالتزام محله الامتناع عن عمل ، فأكثر ما يكون أنه غير قابل للانقسام ، إذ أى عمل يأتيه المدين مخالفا لالتزامه يعتبر خرقاً للالتزام . فإذا تعهد بائع المتجر لمشتريه ألا ينافسه فى حدود معينة ، فأية منافسة يقوم بها البائع $ 378$ فى الحدود المتفق عليها تعتبر خرقاً للالتزام ، ولا يستطيع البائع أن يقوم بالتزامه من عدم المنافسة إلا قياماً غير مجزأ وغير قابل للانقسام بامتناعه أصلا عن المنافسة . على أن يمكن أن نتصور أن الالتزام بعدم المنافسة يكون قابلا للانقسام استثناء . فإذا كانت أعمال المنافسة التى التزم بها البائع قد فصلت وقسمت إلى أعمال معينة يضمها كلها التزام واحد ، بأن اشترط المشترى مثلا على بائع المتجر ألا يقيم متجراً آخر منافسا ، وألا يصرف عملاء المتجر عنه ، وألا ينتزع منه مستخدميه ، فمن الممكن فى هذه الحالة أن يقوم البائع بجزء من التزامه ويخل بجزء آخر ، فيمتنع مثلا عن إقامة متجر مماثل ولكنه ينتزع مستخدمى المتجر ، ويكون الالتزام بالامتناع عن عمل فى هذه الحالة قابلا للانقسام ( 626 ) .
( الصورة الثانية ) صورة عدم التجزئة النسبية ( indivisibilitè relative ) أو عدم التجزئة الطبيعية ( indivisiblitè naturelle ) . وتتحقق عندما يكون محل الالتزام غير قابل للانقسام لا بأصل خلقته ، بل لعارض من عمل الإنسان . مثل ذلك الالتزام بتسليم متجر ، فإن المتجر وهو محل الالتزام إذا كان قابلا للانقسام بطبيعته إذ تمكن تجزئة عناصره المختلفة من مكان وسلع وعملاء وحقوق وديون وما إلى ذلك ، إلا أنه جعل بعمل الإنسان كلا غير قابل للتجزئة ، فلا يمكن تسليم بعضه دون بعض . كذلك الالتزام ببناء منزل هو أيضا التزام غير قابل للانقسام ، لا بأصل خلقته ، وإلا فمن الممكن أن نتصور تجزئة بناء المنزل ، فيقوم بتشييد حيطانه مقاول ، ويقوم بعمل أبوابه ونوافذه مقاول ثان ، ويقوم بتجهيزه بالأدوات الصحية مقاول ثالث وهكذا . ولكن الالتزام عندما يقع $ 379 $ على بناء منزل فى مجموعه ، فقد جعل محل الالتزام كلا غير قابل للتجزئة ، ولا يعتبر الالتزام قد نفذ إلا إذا تم بناء المنزل بأكمله ( 627 ) .
212 - عدم القابلية للانقسام يرجع إلى الاتفاق : ويكون الالتزام أيضا غير قابل للانقسام ، كما تقول الفقرة ( ب ) من المادة 300 مدنى " إذا تبين من الغرض الذى رمى إليه المتعاقدان أن الالتزام لا يجوز تنفيذه منقسما ، أو إذا انصرفت نية المتعاقدين إلى ذلك " . فمحل الالتزام يكون إذن بطبيعته قابلا للانقسام ، ولكن المتعاقدين أراده غير قابل للانقسام بالاتفاق فيما بينهما . وعدم التجزئة عنا تسمى عدم تجزئة اتفاقية ( indivisibilitè conventionnelle ) أو عدم تجزئة عرضية ( indiv . accidentelle ) ،أو عدم تجزئة فى التنفيذ ( indiv . solutione tantum ) والإرادة إما أن تكون صريحة أو ضمنية .
فالإرادة تكون صريحة إذا اشترط الدائن على المدين صراحة فى العقد الذى أنشأ الالتزام ألا يجوز تنفيذه منقسما ، بل يجب تنفيذه باعتباره كلا غير قابل للتجزئة . وأكثر ما يقع ذلك فى الالتزامات التضامنية عندما يريد الدائن ألا ينقسم الالتزام على ورثة أحد من المدينين المتضامنين أو عندما يريد الدائنون المتضامنون ألا ينقسم الالتزام على ورثة أى منهم فيشترط إلى جانب التضامن فى الالتزام عدم قابلية للانقسام ( 628 ) . وقد رأينا فى التضامن أن الالتزام ينقسم على الورثة ما لم يشترط عدم قابليته للانقسام . وكثراً ما يشترط فى نظم الشركات التجارية أن السهم يكون غير قابل للتجزئة بالنسبة إلى الشركة ، فلا يجوز أن يمثل السهم أمام الشركة ، إلا شخص واحد ( 629 ) .
وتكون الإرادة ضمنية إذا تبين مثلا أن الغرض الذى يرمى إليه المتعاقدان يجعل الالتزام غير قابل فى تنفيذه للتجزئة . فمن اشترى أرضاً ليبنى عليها مدرسة $ 380 $ أو مستشفى أو داراً ، وكان البناء يقتضى كل هذه المساحة من الأرض المبيعة ، وقد دخل ذلك فى حساب المتعاقدين ، فإن الأرض وإن كانت قابلة للتجزئة بطبيعتها ، إلا أنها فى هذه الحالة لا تمكن تجزئتها بالنسبة إلى الغرض الذى رمى إليه المشترى ، وقد علم به البائع ، وكان محل اتفاق ضمنى بينهما . كذلك إذا تعهد شخص بإقراض آخر مبلغاً من النقود ليسترد عيناً أو ليشفع فيها ، وكان هذا المبلغ كله ضروريا للاسترداد أو للأخذ بالشفعة ، فإن الالتزام هنا لا يتجزأ طبقاً للغرض الذى رمى إليه المتعاقدان ( 630 ) .
$ 381 $
الفرع الثانى
الآثار التى تترتب على عدم قابلية الالتزام للانقسام
213 - تعدد المدينين أو تعدد الدائنين : تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى : " لا تظهر أهمية عدم قابلية الالتزام للانقسام إلا حيث يتعدد المدينون أو الدائنون ، إما ابتداء عند إنشاء الرابطة القانونية ، وإما بعد ذلك إذا تعدد ورثة من كان بمفرده طرفا من طرفى الالتزام . أما حيث لا يتعدد الدائن ولا المدين ن فيتعين الوفاء بالالتزام كاملا دون تبعيض ، منقسما كان أو غي قابل للانقسام ، وللدائن أن يرفض الوفاء الجزئى ( 631 ) .
والواقع من الأمر أنه مادام كل من الدائن والمدين واحداً ، فسواء كان الالتزام قابلا للانقسام أو غير قابل له ، فليست هناك أية أهمية عملية لهذا التمييز ، إذ أن الالتزام – قابلا للانقسام أو غير قابل له – يكون دائما فى تنفيذه غير قابل للانقسام . ولا يستطيع المدين أن يجزئ تنفيذه ، وأن يجبر الدائن على قبول وفاء جزئى ، ولو كان الالتزام قابلا لهذه التجزئة . فإذا كان على المدين مبلغ من النقود ، وحل أجل الدين ، لم يستطع المدين أن يجبر الدائن على أن يقبل جزءاً من هذا المبلغ ، مع أن النقود قابلة للتجزئة ( 632 ) .
وإنما تتبين أهمية التمييز بين الالتزام القابل للانقسام والالتزام غير القابل له ، إذا تعدد المدين أو تعدد الدائن . فإذا تعدد المدين فى التزام ، فالأصل أن ينقسم $ 382 $ الالتزام على المدينين ( 633 ) ، إلا إذا كان غير قابل للانقسام ، فعندئذ يكون كلا لا يقبل التجزئة . وعلى كل مدين أدواؤه كاملا للدائن ، حتى لو لم يكن هناك تضامن بين المدينين . كذلك إذا تعدد الدائن ، فالأصل أيضا أن ينقسم الالتزام على المدينين ، إلا إذا كان غير قابل للانقسام ، فعندئذ يستطيع كل دائن أن يطالب المدين بالدين كله ، حتى لو لم يقم تضامن بين الدائنين .
ومن ثم يجب تعدد المدينين أو الدائنين ، حتى تظهر الآثار التى تترتب على عدم القابلية للانقسام . وهذا ما يدعو إلى جعل عدم القابلية للانقسام وصفاً متعلقاً ، لا بمحل الالتزام ، بل بأطرافه ( 634 ) . والتعدد إما أن يوجد منذ البداية عند نشوء الالتزام وإما أن يطرأ بعد نشوء الالتزام وقبل تنفيذه ، بأن يموت الدائن أو المدين ويترك ورثة متعددين ، أو بأن يحول الدائن أو المدين جزءاً من الدين إلى محال له أو محال عليه ، فيتعدد الدائنون أو المدينون لا عن طريق الميراث بل عن طريق الحوالة .
فنستعرض إذن : ( أولا ) تعدد المدينين ( ثانياً ) تعدد الدائنين .
$ 383 $
المبحث الأول
تعدد المدينين فى الالتزام غير القابل للانقسام
214 - النصوص القانونية : تنص المادة 301 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 – إذا تعدد المدينون فى التزام غير قابل للانقسام ، كان كل منهم ملزماً بوفاء الدين كاملا " .
" 2 - وللمدين الذى وفى بالدين حق الرجوع على الباقين ، كل بقدر حصته ، إلا إذا تبين من الظروف غير ذلك ( 635 ) " .
$ 384 $
ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 116 / 172 ( 636 ) .
ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 301 - وفى التقنين المدنى الليبى المادة 228 – فوى التقنين المدنى العراقى المادة 337 - وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المواد 71 و 73 – 74 و 77 - 78 ( 637 ) .
$ 385$
وحتى نقابل ما بين تعدد المدينين فى الالتزام القابل للانقسام والتضامن بين المدينين ، نجرى فى البحث هنا على الخطة التى جرينا عليها هناك ، فنبحث فى الالتزام غير القابل للانقسام : ( 1 ) علاقة الدائن بالمدينين . ( 2 ) وعلاقة المدينين بعضهم ببعض .
المطلب الأول
علاقة الدائن بالمدينين
215 - المبادئ الأساسية : فى علاقة الدائن بالمدينين يكون للالتزام غير القابل للانقسام محل واحد لا يتجزأ . فوحدة المحل يشترك فيها الالتزام غير القابل للانقسام والالتزام التضامنى ، ولكن الأول يزيد على الثانى فى أن هذا المحل الواحد غير قابل للتجزئة .
ويترتب على فكرة وحدة المحل وعدم قابليته للتجزئة ما يأتى :
أولا - فيما يتعلق بالوفاء يستطيع الدائن أن يطالب أيا من المدينين المتعددين بالدين كله ، فإنه دين واحد غير قابل للتجزئة .
ثانياً - وفيما يتعلق بأسباب انقضاء الالتزام الأخرى غير الوفاء ، إذا انقضى الالتزام بأى سبب منها بالنسبة إلى أحد المدينين المتعددين ، فإنه – نظراً لوحدة الالتزام وعدم قابليته للتجزئة – ينقضى بالنسبة إلى الآخرين ، وقد رأينا فى التضامن أن ينقضى بقدر حصة من قام به سبب انقضاء الالتزام .
$ 386 $
ثالثا – ولما كان المدينون المتعددون فى الالتزام غير القابل للانقسام لا يربطهم بعضهم ببعض إلا أن المحل واحد غير قابل للتجزئة ، فهذه رابطة ترجع إلى طبيعة الأشياء ولا تقوم على أساس من النيابة التبادلية ، ومن ثم لا يترتب فى عدم القابلية للانقسام ما كان يترتب فى التضامن على النيابة التبادلية ( 638 ) .
ونتناول بالبحث كل مبدأ من هذه المبادئ الثلاثة .
216 - انقضاء الالتزام غير القابل للانقسام بالوفاء – إمكان الدائن مطالبة أى مدين بالالتزام كله : يجوز للدائن أن يطالب أى مدين بالالتزام غير القابل للانقسام ، فإن محل هذا الالتزام واحد لا يتجزأ ، فأى مدين من المدينين المتعددين تعتبر ذمته مشغولة بالنسبة إلى الدائن بكل الالتزام ( 639 ) . $ 387 $ وكذلك يجوز لأى مدين أن يفى بكل الالتزام للدائن ، ويجبر الدائن على قبول هذا الوفاء ، ولا يستطيع أن يقتصر على قبول حصة المدين فى الالتزام إذا أراد هذا أن يفى بكل الالتزام . ومتى وفى المدين الالتزام كله للدائن . برئت ذمة المدينين الآخرين نحو الدائن بهذا الوفاء .
وإذا طالب الدائن أحد المدينين المتعددين بكل الدين على الوجه الذى قدمناه ، كان لهذا المدين أن يدخل فى الدعوى باقى المدينين حتى يحكم عليهم جميعاً بالدين ، إذا كان الالتزام يمكن لأى مدين تنفيذه ، أو كان لا يمكن تنفيذه غلا بوساطتهم جميعاً . وحتى إذا كان المدين المطالب بالدين هو وحده الذى يمكن استيفاء الدين منه ، كان له أيضاً أن يدخل بقية المدينين فى الدعوى ، حتى يستصدر عليهم أحكاما برجوعه على كل منهم بحصته فى الدين ( 640 ) .
ولكل مدين أن يدفع مطالبة الدائن له بكل الدين بأوجه الدفع الخاصة به وبأوجه الدفع المشتركة بين المدينين جميعاً ، كما فى التضامن . ولكن ، كما فى التضامن أيضا ، لا يجوز له أن يدفع هذه المطالبة بأوجه الدفع الخاصة بمدين آخر غيره فيجوز إذن للمدين أن يدفع بأنه كان نقص الأهلية وقت عقد الدين ، أو أن إرادته قد شابها عيب من غلط أو تدليس أو إكراه ، وهذه أوجه دفع خاصة به . ويجوز له أيضاً أن يدفع بأن الدين قد انقضى بسبب $ 388 $ من أسباب الانقضاء أو أنه باطل لسبب من أسباب البطلان ، أو أنه لم يحل أجله أو يتحقق شرطه ، وهذه أوجه دفع مشتركة بين المدينين . ولا يجوز للمدين أن يدفع بنقص أهلية أو غلط أو تدليس أو إكراه قام بمدين آخر غيره ، فإن هذه أوجه دفع خاصة بغيره من المدينين .
وإذا مات أحد المدينين ، فإن الدين لا ينقسم على ورثته كما كان فى التضامن ( 641 ) ، ويكون كل وارث مسئولا عن الدين بأكمله . ولسنا فى حاجة إلى هذا الحكم إذا طبقنا فى الميراث أحكام الشريعة الإسلامية ( 642 ) ، فإن هذه الأحكام تجعل التركة لا الورثة مسئولة عن الديون ، فيصبح الدين غير قابل للتجزئة سواء كان فى أصله قابلا أو غير قابل للانقسام ( 643 ) .
هذا ويلاحظ أنه إذا استحال محل الالتزام غير القابل للانقسام إلى تعويض نقدى ، أصبح الالتزام قابلا للانقسام ، وينقسم فعلا على المدينين المتعددين ، فقد زالت العقبة التى كانت تحول دون انقسام الدين . أما فى التضامن فيبقى الدين ، حتى لو استحال إلى تعويض نقدى ، غير منقسم وتجوز مطالبة أى مدين بكل التعويض . وإذا كان التعويض مقدراً فى شرط جزائى ، فإنه ينقسم كذلك فى الالتزام غير القابل للانقسام على المدينين المتعددين كما ينقسم التعويض الذى يقدره القاضى ، إلا أنه إذا كان أحد المدينين هو الذى صدر منه خطأ فى الإخلال بالالتزام كان مسئولا عن الشرط الجزائى بأجمعه ، أما الباقون فينقسم عليهم الشرط الجزائى ( أنظر م 1232 و 1233 مدنى فرنسى ( 644 ) ) .
$ 389 $
217 - انقضاء الالتزام غير القابل للانقسام بغير الوفاء : ولما كان محل الالتزام غير قابل للتجزئة كما قدمنا ، فإن انقضاء الالتزام بأى سبب آخر غير الوفاء ، ولو بالنسبة إلى أحد المدينين ، يجعله منقضياً بالنسبة إلى المدينين الآخرين .
فإذا قام أحد المدينين بقضاء الالتزام عن طريق التجديد ، انقضى الالتزام بالنسبة إليه وبالنسبة إلى المدينين الآخرين .
وإذا وقعت مقاصة بين الدائن وأحد الدائنين ، فانقضى الالتزام بالمقاصة بالنسبة إلى هذا المدين ، انقضى أيا بالنسبة إلى باقى المدينين ويستطيع أى من هؤلاء أن يدفع مطالبة الدائن له بالمقاصة التى وقعت مع المدين الأول ، وذلك فى كل الدين ، لا بمقدار حصة المدين الأول فقط كما هو الحكم فى التضامن .
وإذا أتحدث ذمة الدائن بذمة أحد المدينين ، انقضى الدين كله ، لا بالنسبة إلى هذا المدين وحده ، بل أيضاً بالنسبة إلى جميع المدينين . وكان هؤلاء ، فى التضامن ، لا يحتجون باتحاد الذمة إلا بمقدار حصة من أتحدث ذمته فقط .
وإذا أبرأ الدائن أحد المدينين من الالتزام غير قابل للانقسام ، برئت ذمة المدينين الآخرين ، لأن طبيعة الالتزام لا تحتمل أن تبرأ منه ذمة مدين دون ذمة مدين آخر ما دام الالتزام غير قابل للتجزئة .
وكذلك إذا تقادم الدين غي المتجزئ بالنسبة إلى أحد المدينين المتعددين ، تقادم أيضا بالنسبة إلى المدينين الآخرين . أما فى التضامن فان كلا من المدينين المتضامنين لا يحتج بالتقادم الحاصل لغيره . إلا بمقدار حصة هذا المدين فقط ( 645 ) .
$ 390 $
218 - عدم قيام نيابة تبادلية بين المدينين فى الالتزام غير القابل للانقسام : ولما كانت الرابطة التى تربط ما بين المدينين المتعددين فى التزام غير قابل للانقسام هى وحدة المحل غير القابل للتجزئة ، فليس يقوم بينهم ، كما يقوم فى التضامن ، نيابة تبادلية ، لا فيما يضر ولا فيما ينفع . ويترتب على ذلك ما يأتى :
( 1 ) انقطاع التقادم أو وقفه : إذا انقطع التقادم أو ووقف بالنسبة إلى أحد المدينين فى التزام غير قابل للانقسام ، فإن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة تقتضى أن ينقطع التقادم أو يقف بالنسبة إلى المدينين الآخرين ( 646 ) . أما فى التضامن ، فلا ينقطع التقادم أو يقف كما قدمنا ، لانعدام النيابة التبادلية بين المدينين المتضامنين فيما يضر .
( 2 ) خطأ خطأ أحد المدينين : وخطأ أحد المدينين المتعددين فى التزام غير قابل للانقسام لا يتعدى أثره إلى المدينين الآخرين ، بل يقتصر على المدين الذى ارتكب الخطأ فهو وحده يكون مسئولا عنه . وهذا الحكم إنما يترتب على أن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة لا تقتضى أن يتعدى أثر الخطأ الصادر من أحد المدينين إلى المدينين الآخرين ( 647 ) . وهذا هو الحكم أيضا فى التضامن ، إلا أنه $ 391 $ يقوم هناك على أن النيابة التبادلية بين المدينين المتضامنين لا أثر لها فيما يضر المدينين ، كما تقدم القول .
( 3 ) الأعذار والمطالبة القضائية : وإذا أعذر الدائن أحد المدينين المتضامنين فى الالتزام غير القابل للانقسام ، فإن هذا الأعذار لا يسرى فى حق المدينين الآخرين ولا يعتبرون معذرين ، إذ لا توجد نيابة تبادلية فيما بينهم ولا تقتضى طبيعة المحل غير القابل للتجزئة أن يكون أعذار أحد المدينين أعذارا للباقين ( 648 ) وإذا أعذر أحد المدينين فى التزام غير قابل للانقسام الدائن ، لم يفد هذا الأعذار المدينين الآخرين ، لانعدام النيابة التبادلية حتى فيما ينفع ، ولعدم اقتضاء طبيعة المحل غير القابل للتجزئة هذا الحكم ( 649 ) وقد رأينا فى للتضامن أن أعذار الدائن لأحد للدينين المتضامنين لا يكون أعذار للباقين لعدم قيام النيابة التبادلية فيما يضر ، ورأينا أن أعذار أحد المدينين المتضامنين للدائن يفيد المدينين الآخرين لقيام النيابة التبادلية فيما ينفع .
ومطالبة الدائن لأحد المدينين فى التزام غير قابل للانقسام مطالبة قضائية لا تضر المدينين الآخرين ولا تجعل الفوائد تسرى عليهم ( 650 ) ، لانعدام النيابة التبادلية ، ولأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة لا تقتضى هذا الحكم ( 651 ) . وقد رأينا فى التضامن كذلك أن مطالبة أحد المدينين المتضامنين لا تضر بالباقين ، ولكن يرجع السبب فى هذا إلى أن النيابة التبادلية فى التضامن لا تقوم فيما يضر .
( 4 ) الصلح : وإذا صالح أحد المدينين فى التزام غير قابل للانقسام الدائن ، فإن كان فى الصلح إبراء من الدين ، أفاد منه المدينون الآخرون . $ 392 $ ولكن ليس ذلك لأن هناك نيابة تبادلية فيما ينفع كما هو الأمر فى التضامن ، بل لأن الإبراء من الدين وهو غير قابل للتجزئة يتضمن إبراء ذمة المدينين الآخرين ( 652 ) .
وإذا كان الصلح يتضمن زيادة الالتزام أو تسوئه مركز المدين ، لم يتعد أثره إلى المدينين الآخرين إلا إذا قبلوه ، لأن الصلح عقد يقتصر أثره على المتعاقدين ، ولأن طبيعة المحل غير القابل $ 393 $ للتجزئة لا تقتضى أن يتعدى أثر الصلح إلى المدينين الآخرين . وهذا هو الحكم أيضاً فى التضامن ، ولكنه مبنى على انعدام النيابة التبادلية فيما يضر كما قدمنا ( 653 ) .
( 5 ) الإقرار : وإذا أقر أحد المدينين فى التزام غير قابل للانقسام ، فإن إقراره لا يتعدى أثره إلى المدينين الآخرين ، لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر ، ولأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة لا تقتضى أن يسرى الإقرار فى حق المدينين الآخرين . وهذا هو الحكم أيضا فى التضامن ، ولكنه مبنى على انعدام النيابة التبادلية فيما يضر كما رأينا .
وإذا أقر الدائن لأحد المدينين فى التزام غير قابل للانقسام ، فإن كان الإقرار غير متعلق بأمر خاص بهذا المدين بل يتناول الدين ذاته ، فإنه يسرى فى حق المدينين الآخرين ، وذلك لأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة تقتضى ذلك ( 654 ) . وهذا هو الحكم أيضا فى التضامن ، ولكنه مبنى على قيام نيابة تبادلية بين المدينين المتضامنين فيما ينفع .
( 6 ) اليمين : وإذا وجه الدائن اليمين إلى أحد المدينين فى التزام غير قابل للانقسام فحلفها ، وكان اليمين يتعلق بالدين ذاته ، فإن المدينين الآخرين يفيدون من ذلك ، ولكن ليس للسبب الذى ذكرناه فى التضامن من أن هناك نيابة بين المدينين المتضامنين فيما ينفع ، ولكن لأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة تقتضى هذا الحكم . وإذا نكل المدين ، فإن نكوله يكون إقراراً ، وقد قدمنا أن الإقرار لا يتعدى أثره إلى المدينين الآخرين ( 655 ) .
وإذا وجه أحد المدينين فى التزام غير قابل للانقسام اليمين إلى الدائن فحلف ، فإن توجيه اليمين لا يضر بالمدينين الآخرين لأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة لا تقتضى أن يضر توجيه اليمين بالمدينين الآخرين ، وقد رأينا أن السبب فى التضامن يرجع إلى عدم قيام النيابة التبادلية فيما يضر . وإذا نكل الدائن ، انتفع بنكوله المدينون الآخرون ، لأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة تقتضى ذلك ، لا لقيام نيابة تبادلية بين المدينين فيما ينفع كما هو الأمر فى التضامن ( 656 ) .
( 7 ) الحكم : وإذا صدر حكم على أحد المدينين فى التزام غير قابل للانقسام ، وكان الحكم مبنياً على أسباب ترجع إلى الدين ذاته ، فإن أثر الحكم يسرى فى حق المدينين الآخرين ، لأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة تقتضى ذلك . وقد رأينا فى التضامن أنه إذا صدر حكم على أحد المدينين المتضامنين ، لم يحتج بهذا الحكم على الباقين ، وذلك راجع إلى انعدام النيابة التبادلية فيما يضر . هذا وإذا كان الحكم على المدين فى الالتزام غير القابل للانقسام مبنياً على أسباب خاصة بهذا المدين ، فإن أثر الحكم لا يسرى فى حق الباقين ، إذ لا تقضى طبيعة المحل سريانه فى حقهم ( 657 ) .
وإذا صدر الحكم لصالح أحد المدينين فى التزام غير قابل للانقسام ، أمكن الباقين أن يحتجوا به ، لأن هذا هو ما تقتضيه طبيعة المحل غير القابل للتجزئة وهذا هو أيضاً شأن التضامن ، ولكن ذلك يرجع إلى قيام نيابة تبادلية بين المدينين فيما ينفع كما سبق القول ( 658 ) .
$ 394 $
المطلب الثانى
علاقة المدينين بعضهم ببعض
219 - انقسام الدين على المدينين : رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 301 مدنى تقضى بأن " للمدين الذى وفى بالدين حق الرجوع على الباقين ، كل بقدر حصته ، إلا إذا تبين من الظروف غير ذلك " . ولما كان الدين الذى وفاه أحد المدينين للدائن غير قابل للانقسام فرضاً ، فإن رجوع المدين على المدينين الآخرين كل بقدر حصته لا يكون بنفس الدين ، فإنه غير قابل للانقسام ، ولكن بدين شخصى مصدره الوكالة أو الفضالة كما قدمنا فى التضامن . وحتى إذا رجع المدين بنفس الدين بمقتضى دعوى الحلول ، فإن الدين فى علاقة المدينين بعضهم ببعض يصبح قابلا للانقسام ، فإن استعصت طبيعته على التجزئة كان رجوع المدين بحصة فى قيمة الدين لا بصحة فى عينه .
220 - تعيين حصة كل مدين : ويتبع فى تعيين حصة كل مدين ، فر رجوع المدين الذى وفى الدين على باقى المدينين ، القواعد الذى قدمناها فى التضامن . فالأصل أن حصص المدينين جميعاً متساوية ، ما لم يوجد هناك اتفاق أو نص يقضى بغير ذلك .
$ 395 $
وقد يتبين من الظروف – كما تقول العبارة الأخيرة من الفقرة الثانية من المادة 301 مدنى – أن أحد المدينين هو وحده صاحب المصلحة فى الدين ، فيتحمله وحده . فإن كان هو الذى رجع عليه الدائن بكل الدين ، فلا رجوع له على أحد من المدينين الآخرين . وإن كان الدائن قد رجع على غيره ، فإن هذا المدين الأخير الذى وفى الدين يرجع به كله على الدائن صاحب المصلحة فيه دون أن يرجع بشىء على الباقين . وقد تقدم تفصيل ذلك فى التضامن .
221 - إعسار أحد المدينين : كذلك إذا أعسر أحد المدينين فى دين غير قابل للانقسام ، فإن المدينين الباقين يتحمل كل منهم نصيباً فى هذا الإعسار بنسبة حصته فى الدين ، كما رأينا فى التضامن .
فإذا كان محل الالتزام فرساً مثلا ، وأداه للدائن أحد المدينين ، فإنه يرجع على كل مدين آخر بحصته فى قيمة الفرس . فإذا كانت قيمته ستين ، وكان المدينون أربعة حصصهم متساوية ، وأدى الفرس للدائن أحد هؤلاء الأربعة ، فإنه يرجع على كل من المدينين الثلاثة الآخرين بخمسه عشر مقدار حصته فى الدين . فإذا كان أحد الثلاثة معسراً ، تحمل سائر المدينين هذا الإعسار كل بنسبة حصته . فيرجع المدين الذى أدى الفرس للدائن على كل من المدينين الاثنين غير المعسرين بعشرين ، ويتحمل هو العشرين الباقية مثلهما ، ويكون الثلاثة قد اشتركوا فى تحمل حصة المعسر بقدر متساو ( 659 ) .
$ 396 $
المبحث الثانى
تعدد الدائنين فى الالتزام غير القابل للانقسام
222 - النصوص القانونية : تنص المادة 302 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - إذا تعدد الدائنون فى التزام غير قابل للانقسام ، أو تعدد ورثة الدائن فى هذا الالتزام ، جاز لكل دائن أو وراث أن يطالب بأداء الالتزام كاملا . فإذا أعترض أحد الدائنين أو الورثة على ذلك ، كان المدين ملزما بأداء الالتزام للدائنين مجتمعين أو إيداع الشىء محل الالتزام " .
" 2 - ويرجع الدائنون على الدائن الذى استوفى الالتزام ، كل بقدر حصته " ( 660 ) .
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، ولكن الحكم كان معمولا به دون نص .
ويقابل النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 302 – وفى التقنين المدنى الليبى المادة 298 - وفى التقنين المدنى العراقى المادة 338 - وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 72 ( 661 ) .
$ 397 $
ونبحث هنا أيضا ، كما بحثنا فى التضامن بين الدائنين ، علاقة الدائنين بالمدين ثم علاقة الدائنين بعضهم ببعض .
المطلب الأول
علاقة الدائنين بالمدين
223 - المبادئ الأساسية : فى علاقة الدائنين بالمدين يراعى ، هنا أيضاً ، أن الالتزام غير القابل للانقسام له محل واحد لا يتجزأ . ويترتب على فكرة وحدة المحل وعدم قابليته للتجزئة ما يأتى :
أولا - يستطيع أى دائن أن يطالب المدين بكل الدين ، فإنه دين غير قابل للتجزئة . فإذا عارض أحد الدائنين ، وجب على المدين إما الوفاء للكل مجتمعين أو إيداع الشىء محل الالتزام على ذمة الدائنين .
ثانيا - إذا انقضى الالتزام بالنسبة إلى أحد الدائنين بسبب آخر غير الوفاء ، فنظراً لوحدة المحل وعدم قابليته للتجزئة كان ينبغى أن ينقضى الالتزام أيضاً بالنسبة إلى سائر الدائنين . ولكن لما كان للدائنين أن يعارضوا فى استيفاء أحدهم للدين كله ، فسنرى أنه لا يحتج عليهم بسبب الانقضاء إلا بمقدار حصة من قام به هذا السبب على تفصيل سنورده فيما يلى :
ثالثا - لا تقوم بين الدائنين المتعددين فى الالتزام غير القابل للانقسام نيابة تبادلية ، كما تقوم هذه النيابة بين الدائنين المتضامنين . وإنما الذى يربط الدائنين $ 398 $ بعضهم ببعض هى وحدة محل الالتزام غير القابل للتجزئة . فهذا الاعتبار - لا النيابة التبادلية – هو الذى نفق عنده .
224 - انقضاء الالتزام غير القابل للانقسام بالوفاء - إمكان أى دائن مطالبة المدين بالالتزام كله : يجوز لأى دائن من الدائنين المتعددين فى دين غير قابل للانقسام أن يطالب المدين بالدين كاملا ، فإن الالتزام محله واحد لا يتجزأ ، فيعتبر المدين قد انشغلت ذمته به كله نحو أى دائن ( م 302 / 1 مدنى ) . ويستطيع المدين أن يفى بالدين كله لأى دائن من الدائنين المتعددين . ومتى وفى المدين الدين كله لأحد الدائنين ، فإن ذمته تبرأ من الدين نحو الباقين .
ولكن يلاحظ هنا – كما هى الحال فى التضامن الإيجابى – أنه يجوز لأى دائن أن يعترض على أن يوفى المدين بكل الدين لدائن آخر . وتتبع فى شكل الاعتراض وحكمه القواعد التى أسلفناها فى التضامن الإيجابى . ومتى وقع الاعتراض صحيحاً ، فإنه يتعين على المدين ، إذا أراد أن يكون الوفاء مبرئاً لذمته نحو كل الدائنين أن يفى بالدين للكل مجتمعين . فا ، تعذر عليه ذلك ، وجب أن يودع الشىء محل الالتزام على ذمتهم جميعاً ، وفقاً للإجراءات المقررة قانوناً .
وإذا مات أحد الدائنين المتعددين فى الالتزام غير القابل للانقسام ، فإن كان عدم القابلية للانقسام يرجع إلى الاتفاق ، انقسم الدين على ورثة هذا الدائن ، لأن عدم القابلية للانقسام إنما تقررت اتفاقا لمصلحة الدائن ، وقد زالت هذه المصلحة بموته فأصبح من مصلحة ورثته أن ينقسم الدين عليهم ( 662 ) . أما إذا كان عدم القابلية للانقسام يرجع إلى طبيعة المحل ، فالدين بطبيعته يستعصى على أن ينقسم على الورثة ، فيبقى غير قابل للانقسام بالنسبة إلى ورثة كل دائن كما هو غير قابل للانقسام بالنسبة إلى الدائنين جميعاً . وقد نص التقنين المدنى $ 399 $ صراحة على عدم الانقسام بالنسبة إلى ورثة الدائن إذا تعدد الدائنون ، وأغفل النص على عدم الانقسام بالنسبة إلى ورثة المدين إذا تعدد المدينون . والسبب فى ذلك أن قواعد الشريعة الإسلامية فى الميراث تغنى عن النص فى الحالة الأخيرة كما قدمنا ، فان تركة المدين تكون هى المسئولة عن التزامه ، فيبقى الالتزام غير قابل للانقسام حتى لو تعددت ورثة المدين . أما فى الالتزام غير القابل للانقسام إذا تعدد الدائنون ، فقواعد الشريعة الإسلامية فى الميراث لا تغنى عن النص ، فإن هذه القواعد لا تمنع من انقسام حقوق التركة على الورثة فإذا مات الدائن وترك ورثة متعددين ، فان الالتزام الذى له كان من الممكن أن ينقسم على ورثته ، لولا عدم قابليته للانقسام بطبيعته فطبيعة الالتزام هى التى منعت من انقسامه وليست قواعد الميراث ، ومن هنا وجد النص على عدم الانقسام بالنسبة إلى الورثة فى حالة تعدد الدائنين ، ولم يوجد فى حالة تعدد المدينين .
ويلاحظ أن الالتزام غير القابل للانقسام بطبيعته قد يوجد منذ البداية وله دائنون متعددون ، وهذا ما افترضناه حتى الآن . فإذا مات أحد هؤلاء الدائنين وترك ورثة متعددين ، بقى الالتزام غير قابل للانقسام لا بالنسبة إلى كل من الدائنين الأصليين فحسب ، بل أيضا بالنسبة إلى كل وارث من ورثة الدائن الذى مات . وقد يكون الالتزام غير القابل للانقسام بطبيعته له دائن واحد فى بداية الأمر ، فلا تظهر أهمية عدم القابلية للانقسام ما دام هذا الدائن حيا ، فان الالتزام حتى لو كان قابلا للانقسام يكون تنفيذه غير قابل للانقسام ما دام كل من الدائن والمدين واحد كما مر القول . لكن إذا مات هذا الدائن الواحد وترك ورثة متعددين ، ظهرت الأهمية لعدم القابلية للانقسام ، إذ لا ينقسم الالتزام على ورثة الدائن ، بل يستطيع كل وارث أن يطالب المدين بالالتزام كله ، كما يستطيع المدين أن يوفيه كله لأى وراث .
وإذا طالب أى دائن المدين فى دين غير قابل للانقسام بكل الدين ، فإن المدين يستطيع أن يدفع هذه المطالبة بأوجه الدفع المشتركة بين الدائنين جميعاً ، وكذلك بأوجه الدفع الخاصة بهذا الدائن الذى يطالبه ، ولا يستطيع أن يدفع بأوجه الدفع الخاصة $ 400 $ بدائن آخر ، وذلك على الوجه الذى قدمناه فى التضامن الإيجابى ( 663 ) .
وإذا استحال الالتزام غير القابل للانقسام إلى تعويض نقدى ، زالت العقبة التى كانت حول دون انقسامه ، فينقسم فى هذه الحالة على الدائنين المتعددين كما هى الحال فى الالتزام غير القابل للانقسام إذا تعدد المدينون فيما قدمنا ، وخلافاً لما هى الحال فى التضامن الايجابى فإن التعويض النقدى لا ينقسم على الدائنين المتضامنين .
225 - انقضاء الالتزام غير القابل للانقسام بغير الوفاء : لو كان لأى دائن فى الالتزام غير القابل للانقسام أن يطالب باستيفاء الدين كاملا رغ معارضة أى دائن آخر ، لوجب القول هنا - كما قلنا فى الالتزام غير القابل للانقسام عند تعدد المدينين – أن انقضاء الدين بسبب غير الوفاء ولو بالنسبة إلى أحد الدائنين ، يجعله منقضياً بالنسبة إلى الباقى . ولكننا رأينا أنه لا يجوز لأى دائن أن يطالب باستيفاء الدين كاملا ، إذا عارض فى ذلك دائن آخر . ومن ثم إذا انقضى الدين بسبب غير الوفاء بالنسبة إلى أحد الدائنين ، فإن هذا السبب لا يحتج به على الدائنين الآخرين إذا عارضوا فيه إلا بقدر حصة هذا الدائن الذى قام به سبب الانقضاء . فإذا جدد أحد الدائنين الدين ، أو اتحدت ذمته مع المدين ، أو وقعت معه مقاصة ، أو صدر منه إبراء ، أو اكتمل التقادم بالنسبة إليه ، فإن شيئاً من هذا لا يحتج به على الدائنين الآخرين . وليس للمدين أن يتمسك ضد هؤلاء الدائنين بالتجديد أو باتحاد الذمة أو بالمقاصة أو بالإبراء أو بالتقادم ، إلا بقدر حصة الدائن الذى قام به هذا السبب . ولكن لما كان المدين لا يستطيع إلا أن يفى بالدين كله ، إذ الدين غير قابل للتجزئة ، فهو إذا طالبة دائن آخر ، لا يجد بداً من أن يؤدى له الدين كله ، على أن يرجع عليه بما يعادل حصة الدائن الذى قام به سبب الانقضاء ( 664 ) . ثم يرجع $ 401 $ المدين ، بعد ذلك ، على الدائن الذى قام به سبب الانقضاء بما حصل عليه هذا زيادة على حصته .
226 - عدم قيام نيابة تبادلية بين الدائنين فى الالتزام غير القابل للانقسام : فى الدين غير القابل للانقسام لا يربط الدائنين إذا تعددوا – كما لا يربط المدينين إذا تعددوا – نيابة تبادلية ، ولا يرتبطون إلا بوضع طبيعى هو عدم قابلية الدين للانقسام . ويترتب على ذلك نتائج مشابهة لتلك التى رتبناها على عدم قابلية الانقسام عند تعدد المدينين ، ونوجزها فيما يلى :
(1) انقطاع التقادم أو وقفه : إذا قطع أحد الدائنين التقادم على المدين ، أو وقف التقادم بالنسبة إلى أحد الدائنين ، انتفع بذلك سائر الدائنين ، وأعتبر التقادم مقطوعاً أو موقوفاً بالنسبة إليهم ( 665 ) . وهذا هو أيضاً الحكم فى التضامن الإيجابى فيما يتعلق بانقطاع التقادم ، إلا أن علة هذا الحكم فى عدم القابلية للانقسام هى طبيعة الأشياء ، لأن الالتزام غير القابل للانقسام لا يتصور أن ينقطع التقادم فيه أو يقف بالنسبة إلى دائن دون آخر . وأما علة الحكم فى التضامن الإيجابى ، فقيام النيابة التبادلية بين الدائنين المتضامنين فيما ينفع .
(2) خطأ أحد الدائنين : وإذا ارتكب أحد الدائنين خطأ استوجب مسئوليه ، فإن أثر هذا الخطأ لا يتعدى إلى غيره من الدائنين ، ذلك لأن طبيعة $ 402 $ المحل غير القابل للتجزئة لا تقتضى أن يتعدى أثر الخطأ إلى دائن آخر . وهذا هو الحكم أيضا فى التضامن الإيجابى ، ويرجع إلى انعدام النيابة التبادلية فيما يضرز
(3) الإعذار والمطالبة القضائية : وإذا أعذر أحد الدائنين المدين ، لم يكن المدين معذراً بالنسبة إلى الدائنين الآخرين ، لأن عدم القابلية للانقسام لا تقتضى ذلك حتما ( 666 ) . أما فى التضامن الإيجابى ، فقد رأينا أن أعذار أحد الدائنين للمدين يجعل المدين معذراً بالنسبة إلى الباقين ، لقيام النيابة التبادلية فيما ينفع وأعذار المدين لأحد الدائنين المتعددين فى دين غير قابل للانقسام لا يسرى أثره فى حق الدائنين الآخرين ، لأن هذا السريان لا يقتضيه حتما طبيعة المحل غير القابل التجزئة . وهذا هو الحكم أيضا فى التضامن الإيجابى لسبب آخر ، هو انعدام النيابة التبادلية فيما يضر .
وإذا طالب أحد الدائنين فى التزام غير قابل للانقسام المدين مطالبة قضائية ، فان هذه المطالبة لا يسرى أثرها فى حق الدائنين الآخرين ( 667 ) . لأن مد هذا الأثر إلى هؤلاء لا تقتضيه حتما طبيعة المحل غير القابل للتجزئة . والحكم عكس ذلك فى التضامن الإيجابى ، فمطالبة أحد الدائنين للمدين يسرى أثرها بالنسبة إلى باقى الدائنين ، لقيام النيابة التبادلية فيما ينفع .
( 4 ) الصلح : وإذا صالح المدين أحد الدائنين فى دين غير قابل للانقسام وتضمن الصلح إضراراً بحقوق الدائنين الآخرين ، لم يسر عليهم الصلح ، لأن هذا السريان لا تقتضيه طبيعة المحل غير القابل للتجزئة ، ولأن الصلح عقد يقتصر أثره على من كان طرفاً فيه . وهذا هو الحكم أيضا فى التضامن الإيجابى ، ولكن لسبب آخر هو انعدام النيابة التبادلية فيما يضر .
وإذا تضمن الصلح فائدة للدائنين الآخرين فى دين غير قابل للانقسام ، لم ينتفعوا بذلك لأنهم لم يكونوا أطرافاً فى هذا الصلح إلا إذا كان الدائن الذى $ 403 $ عقد الصلح قد اشترط لمصلحتهم فتطبق قواعد الاشتراط لمصلحة الغير . أما فى التضامن الإيجابى فالدائنون الآخرون يفيدون من الصلح ، على أساس قيام نيابة تبادلية فيما ينفع .
( 5 ) الإقرار : وإذا أقر أحد الدائنين فى دين غير قابل للانقسام ، فإن إقراره لا يتعدى أثره إلى سائر الدائنين ، إذ أن هذا التعدى لا تقتضيه طبيعة المحل غير القابل للتجزئة ، ولأن الإقرار حجة قاصة على المقر . وهذا هو الحكم أيضا فى التضامن الإيجابى ، ولكن لسبب آخر هو انعدام النيابة التبادلية فيما يضر .
وإذا أقر المدين لأحد الدائنين فى دين غير قابل للانقسام ، وكان الإقرار يتناول الدين ذاته ، فإن طبيعة المحل غر القابل للتجزئة تقتضى أن يتعدى أثر الإقرار إلى سائر الدائنين فينتفعوا به ( 668 ) . وهذا هو الحكم أيضا فى التضامن الإيجابى ، ولكن لقيام نيابة تبادلية فيما ينفع .
( 6 ) اليمين : وإذا وجه أحد الدائنين فى دين غير قابل الانقسام اليمين للمدين فحلفها ، لم يتعد أثر ذلك إلى سائر الدائنين ، لأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة لا تقتضيه . وهذا هو الحكم أيضا فى التضامن الإيجابى ، لانعدام النيابة التبادلية فيما يضر . أما إذا نكل المدين فى الالتزام غير القابل للانقسام ، فان نكوله يكون بمثابة إقرار ، فان كان متعلقا بالدين ذاته تعدى أثره إلى سائر الدائنين ، لأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة تقتضى ذلك ( 669 ) . والنكول فى التضامن الإيجابى يفيد سائر المدينين ، لقيام النيابة التبادلية فيما ينفع .
وإذا وجه المدين اليمين إلى أجد الدائنين فى دين غي قابل للانقسام فحلها ، وكانت الواقعة متعلقة بالدين ذاته ، فان الحلف يتعدى أثره إلى سائر الدائنين ، لأن هذا هو ما تقتضيه طبيعة المحل غير القابل للتجزئة . وهذا هو أيضا الحكم فى التضامن الإيجابى ، ولكن لقيام النيابة التبادلية فيما ينفع . أما إذا نكل الدائن $ 404 $ فى دين غير قابل للانقسام ، فان نكوله يكون بمثابة إقرار لا يتعدى أثره إلى سائر الدائنين ، لأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة لا تقتضيه ، ولأن الإقرار حجة قاصرة على المقر ( 670 ) . وهذا هو أيضا الحكم فى التضامن الإيجابى ، ولكن لانعدام النيابة التبادلية فيما يضر .
( 7 ) الحكم : وإذا صدر حكم على أحد الدائنين فى دين غير قابل للانقسام : فإن هذا الحكم يحتج به فى حق الدائنين الآخرين ، لأن طبيعة المحل غير القابل للتجزئة تقتضى ذلك
( 671 ) . أما فى التضامن الإيجابى ، فإن هذا الحكم لا يسرى فى حق الدائنين الآخرين ، لانعدام النيابة التبادلية فيما يضر .
وإذا كان الحكم الذى صدر هو لصالح أحد الدائنين فى دين غير قابل للانقسام ، فإن سائر المدينين يفيدون منه ، لأن هذا هو ما تقتضيه طبيعة المحل غير القابل للتجزئة ، إلا إذا كان الحكم مبينا على سبب خاص بالمدين الذى صدر الحكم لصالحه ( 672 ) . وهذا هو أيضا شأن التضامن الإيجابى ، ولكن لقيام نيابة تبادلية فيما ينفع ( 673 ) .
المطلب الثانى
علاقة الدائنين بعضهم ببعض
227 - انقسام الدين على الدائنين : رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 302 مدنى تقضى بأن يرجع الدائنون ، كل بقدر حصته ، على الدائن الذى استوفى الالتزام . والرجوع هنا – كالرجوع فى التضامن وكالرجوع فى عدم $ 405 $ القابلية للانقسام عند تعدد المدينين - يكون إما بالدعوى الشخصية أو بدعوى الحلول . وإذا كان عدم القابلية للانقسام يرجع إلى طبيعة المحل فإن الدين ينقسم حصصاً بين الدائنين لا فى عينه بل فى قيمته .
228 - تعيين حصة كل دائن : وتتعين حصة كل دائن وفقا للقواعد التى أسلفناها فى التضامن وفى عدم القابلية للانقسام عند تعدد المدينين . فالأصل هو تساوى الحصص بين الدائنين ، إلا إذا وجد اتفاق أو نص يقضى بغير ذلك .
وقد يكون أحد الدائنين هو صاحب المصلحة وحده فى الدين ، ويكون الباقون وكلاء عنه فى القبض . فعند ذلك يستقل هذا الدائن بكل الدين فى علاقته بالدائنين الآخرين . فإن كان هو الذى استوفى الدين كله ، فلا يرجع عليه بشىء أحد من الدائنين الآخرين . وان كان غيره هو الذى استوفى الدين ، رجع هو عليه بالدين كله دون أن يشاركه فى الرجوع أحد من الدائنين الآخرين .
229 - إعسار أحد الدائنين أو إعسار المدين : وإذا استوفى أحد الدائنين الدين كله ، ثم أعسر إعساراً جزئيا ، فإن هذا الإعسار يتحمله باقى الدائنين ، كما هو الأمر فى التضامن الإيجابى فيما مر . فإذا كان الدين أربعمائة بين أربعة من الدائنين بحصص متساوية ، واستوفاه أحدهم ثم أعسر بحيث لا يستطيع أن يؤدى إلا نصف ديونه ، فإن كلا من الدائنين الثلاثة الآخرين يرجع على المدين المعسر بنصف حصته أى بخمسين ( 674 ) .
وكذلك يكون الحكم لو أن المدين نفسه هو الذى أعسر ، ولم يتيسر لمن طالبه من الدائنين إلا أن يستوفى منه نصف الدين وهو مائتان ، فلا يكون لكل من الدائنين الثلاثة الآخرين أن يرجعوا على هذا الدائن إلا بنصف حصتهم أى بخمسين $ 406 $ .
$ 406 $
وهذا هو نفس الحكم الذى أوردناه فى التضامن الإيجابى ( 675 ) .
مقابلة ما بين التضامن وعدم القابلية للانقسام
230 - الموافقات والمفارقات : نوجز هنا : بعد أن فرغنا من الكلام فى التضامن وعدم القابلية للانقسام ، وجوه الموافقات ووجوه المفارقات ما بين هذين النظامين .
231 - وجوه الموافقات : ( 1 ) فى كل من النظامين تجوز مطالبة الدائن لأى مدين بكل الدين ، أو مطالبة أى دائن للمدين بكل الدين . كذلك يجوز أن يفى أى مدين بكل الدين للدائن ، أو أن يفى المدين بالدين لأى دائن .
( 2 ) فى كل من النظامين ، بعد الوفاء بالدين ، يرجع المدين الذى وفاه على باقى المدينين ، أو يرجع الدائنون الذين لم يستوفوا الدين على الدائن الذى استوفاه ، كل بقدر حصته فى الدين ، ويكون الرجوع فى جميع الأحوال بالدعوى الشخصية أو بدعوى الحلول . وتتعين حصة كل على أساس التساوى ، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضى بغير ذلك ، أو ما لم يكن أحدهم هو وحده صاحب المصلحة فى الدين . وإذا أعسر أحد منهم ، تحمل كل من الباقين نصيبه فى حصة المعسر بنسبة حصته فى الدين .
232 - وجوه المفارقات : ( 1 ) التضامن الإيجابى مصدره الاتفاق ، والتضامن السلبى مصدره الاتفاق أو القانون . أما عدم القابلية للانقسام فمصدره طبيعة المحل أو الاتفاق .
( 2 ) فى التضامن ، إذا انقضى الدين بسبب غير الوفاء ، فان كلا من $ 407 $ المدينين الآخرين أو الدائنين الآخرين لا يستفيد أو يضار من انقضاء الدين إلا بقدر حصة المدين أو الدائن الذى قام به سبب الانقضاء . أما فى عدم القابلية للانقسام عند تعدد المدينين ، فإن كلا من المدينين الآخرين يستفيد من انقضاء الدين بمقدار الدين كله . وفى عدم القابلية للانقسام عند تعدد الدائنين ، لا يستفيد المدين من انقضاء الدين بالنسبة إلى أى من الدائنين الآخرين ، ولكنه يرجع على الدائن الذى يطالبه بوفاء الدين بما يعادل حصة الدائن الذى قام به سبب الانقضاء .
( 3 ) النيابة التبادلية فى التضامن من قائمة فيما ينفع لا فيما يضر ، وهى غير قائمة أصلا - لا فيما يضر ولا فيما ينفع – فى عدم القابلية للانقسام .
(4) فى التضامن ينقسم الالتزام على الورثة ، ولا ينقسم فى عدم القابلية للانقسام .
(5) فى التضامن ، إذا استحلل الالتزام إلى تعويض نقدى ، بقى غير منقسم على المدينين المتضامنين أو على الدائنين المتضامنين . أما فى عدم القابلية للانقسام ، فإنه ينقسم على المدينين أو على الدائنين ( 676 ) .
$ 408 $
مقابلة ما بين الدين المشترك
وعدم القابلية للانقسام عند تعدد الدائنين
233 - من حيث المصدر : يتفق الدين المشترك والالتزام غير للقابل للانقسام فى أن مصدر كل منهما هو الاتفاق أو طبيعة الأشياء . ولكن الاتفاق فى الدين المشترك إنما يقع على وحدة الصفقة واشتراك الدين ، أما الاتفاق فى الالتزام غير القابل للانقسام فيقع على عدم قابلية الدين للتجزئة لا على مجرد أن يكون دينا مشتركا بين الدائنين . وكذلك طبيعة الأشياء فى الدين المشترك إنما ترجع إلى سبق الاشتراك فى المال الذى نشأ عنه الدين ، ولا ترجع إلى عدم قابلية الدين للتجزئة ، فإن الدين المشترك على العكس من ذلك يكون فى طبيعته قابلا للتجزئة . أما طبيعة الأشياء فى الالتزام غير القابل للانقسام ، فيرجع إلى عدم قابلية الالتزام فى طبيعته للتجزئة .
234 - من حيث الآثار فى علاقة الدائنين بالمدين : فى الدين المشترك لا يطالب أى من الدائنين المدين إلا بحصته فى الدين . ولا تقوم بين الدائنين نيابة تبادلية .
أما فى الالتزام غير القابل للانقسام ، فيجوز لأى من الدائنين أن يطالب المدين بكل الدين لأنه غير قابل للتجزئة ، وذلك ما لم يمانع الدائنون الآخرون فيجب عندئذ الوفاء لهم مجتمعين أو إيداع الشىء محل الدين لذمتهم جميعاً . ولكن يستوى الدين المشترك مع الالتزام غير القابل للانقسام فى عدم قيام نيابة تبادلية بين الدائنين .
235 - من حيث الآثار فى علاقة الدائنين بعضهم ببعض : فى الدين المشترك ، لكل دائن أن يرجع على ما من يقبض من الدائنين حصته فى الدين $ 409 $ بنصيبه فى هذه الحصة ، وله أن يترك الحصة لمن قبضها ويطالب المدين بصحته هو . فإن كان هذا معسراً ، تحمل جميع الدائنين إعساره كل بنسبة حصته فى الدين .
أما فى الالتزام غير القابل للانقسام ، فإن الدائن يستوفى كل الدين لعدم قابليته للتجزئة ، فيرجع عليه كل دائن آخر بحصته فى الدين . فالرجوع فى الالتزام غير القابل للانقسام يكون بالحصة ، أما فى الدين المشترك فيكون فى الحصة . ويستوى الدين المشترك مع الالتزام غير القابل للانقسام عند إعسار المدين ، ففى الحالتين يتحمل الدائنون جميعا هذا الإعسار كل بنسبة حصته فى الدين .
$ 412 $ القسم الثاني
انتقال الالتزام
( Transmission des Obliyations )
$ 413 $ تمهيد
1 - لمحة في التطور التاريخي لانتقال الالتزام
236 - معني انتقال الالتزام : يراد بانتقال الالتزام أن يتحول الالتزام ذاته - سواء نظر إليه باعتباره حقا شخصيا من جهة الدائن أو نظر إليه باعتباره التزاما من جهة المدين - من شخص إلي آخر : من دائن إلي دائن آخر باعتباره حقا شخصيا ، أو من مدين إلي مدين آخر باعتباره التزاما .
ويمسي تحويل الالتزام من دائن إلي دائن آخر بحوالة الحق ( cession de creance ) ، وتحويله من مدين إلي مدين آخر بحوالة الدين ( cession de dette ) فانتقال الالتزام إذن هو حوالته من دائن إلي دائن أو من مدين إلي مدين .
وسواء كانت الحوالة حوالة حق أو حوالة دين ، فإن الذي ينتقل بالحوالة هو الالتزام ذاته بجميع مقوماته وخصائصه : وصفاته وضماناته ودفوعه .
ينتقل الالتزام بجميع صفاته : فلو كان التزاما تجاريا ، أو كان التزاما قابلا للتنفيذ بأن كان مستنداً إلي حكم قضائي أو إلي سند رسمي ، أو كان التزاماً تضامنيا أو غير قابل للانقسام ، أو كان التزاما ينتج للدائن فوائد ، أو نحو ذلك ، فإنه ينتقل إلي الدائن الآخر أو إلي المدين الآخر بهذه الصفات ذاتها .
وينتقل الالتزام بجميع ضماناته : فلو كان التزاما مضمونا برهن رسمي ، أو بحق اختصاص ، أو برهن حيازة ، أو بحق امتياز ، أو بكفالة شخصية ، فإنه ينتقل إلي الدائن الآخر أو إلي المدين الآخر مع التأمين الذي يضمنه . غير أن الكفالة – شخصية كانت أو عينية - لا تنتقل ، فيما يتعلق بحوالة الدين ، إلا برضاء الكفيل كما سنري .
وينتقل الالتزام بجميع الدفوع التي ترد عليه : فلو كان المدين يستطيع أن يدفع الالتزام بسبب من أسباب البطلان ، كانعدام الرضا أو عدم قيام المحل أو عدم مشروعية السبب أو عدم استيفاء الشكل الواجب أو نقص الأهلية $ 414 $ أو عيب من عيوب الإرادة من غلط أو تدليس أو إكراه أو استغلال ، أو كان يستطيع أن يدفع الالتزام بسبب من أسباب الانقضاء كالوفاء أو التجديد أو المقاصة أو اتحاد الذمة أو الإبراء أو التقادم ، فإن هذا المدين يستطيع أن يتمسك بهذا الدفع قبل الدائن الجديد في حوالة الحق ، كما يستطيع المدين الجديد في حوالة الدين أن يتمسك بهذا الدفع قبل الدائن .
237 - كيف يتصور انتقال الالتزام : وانتقال الالتزام علي الوجه المتقدم لا يمكن تصوره إذا كانت الفكرة في الالتزام هي الفكرة القديمة ، أي إذا كان الالتزام هو رابطة شخصية ما بين دائن ومدين . فالرابطة ، بحكم أنها تربط ما بين شخصين بالذات ، لا يتصور أن تنتقل عنهما أو عن أحد منهما دون أن تنجل . وقد كانت فكرة الرابطة الشخصية هي الفكرة السائدة في القانون الروماني ، ثم سادت بعد ذلك عصوراً طويلة في القوانين اللاتينية ، فلم يكن يمكن معها تصور انتقال الالتزام ، لا من دائن إلي دائن آخر ، ولا من مدين إلي مدين آخر .
علي أن استعصاء الالتزام علي الانتقال لم يثبت في هذه القوانين القديمة إلا في انتقاله فيما بين الأحياء ( entre vifs ) . أما انتقال الالتزام إلي الوارث بسبب الموت ( mortis causa ) ، فإن هذه القوانين لم تلبث أن استساغته منذ عهد طويل .
238 - انتقال الالتزام بسبب الموت : قلنا إن القوانين ، حتي القديمة منها ، استساغت انتقال الالتزام بسبب الموت منذ زمن بعيد . فينتقل الالتزام من الدائن عند موته إلي ورثته من بعده ، ويصبح هؤلاء هم الدائنون مكانه . وكذلك ينتقل الالتزام من المدين عند موته إلي ورثته من بعده . ويصبح هؤلاء هم المدينون مكانه . والذي ساعد علي هذا التصور أن تركة المورث تنتقل كمجموع من المال ( universalite ) إلي الورثة ، فيشتمل هذا المجموع من المال علي الالتزامات حقوقا وديونا . وتعتبر شخصية الوارث إنما هي استمرار لشخصية المورث ، فكأن الالتزام لم ينتقل إلي شخص جديد بموت صاحبه ، بل بقي عند صاحبه ممثلا في شخص الوارث .
$ 415 $ هكذا كان تصور القانون الروماني ، وما زال هذا هو تصور الشرائع الغربية . والشريعة الإسلامية نفسها تنقل الالتزام باعتباره حقا من المورث إلي الوارث ، أما الالتزام باعتباره دينا فلا تنقله من المورث إلي الوارث ، بل تبقيه في تركة المورث حتي تفي به التركة ، ثم تنتقل التركة بعد سداد الديون إلي الورثة بما تشتمل عليه من أعيان وحقوق .
ومهما يكن من أمر انتقال الالتزام بسبب الموت ، فإن هناك حدودا تقيد من هذا الانتقال ، أو تحور من الالتزام بعد انتقاله . فهناك التزام يتصل بشخص طرفية اتصالا وثيقا بحيث لا يمكن انتزاعه عنهما ، فلا ينتقل هذا الالتزام بل ينقضي بموت الدائن أو بموت المدين . من ذلك التزامات الموكل والتزامات الوكيل والتزامات الشركاء في شركات الأشخاص ، فإن كلا من عقد الوكالة وعقد شركة الأشخاص يقوم علي اعتبارات شخصية ، بحيث أن العقد بوجه عام ينقضي بموت أحد المتعاقدين ، فلا ينتقل الالتزام - حقا كان أو دينا - من المورث إلي الوارث . كذلك قد يتم انتقال الالتزام ، المورث إلي الوارث ، ولكن الانتقال يحور من الالتزام . وقد يبدو أن الالتزام يتحور في الشرائع الغربية إذا هو انتقل من المدين إلي وارثه ، وقبل الوارث الميراث محتفظًاً بحق التجريد ( benefice d inventaire ) ، فيفصل أموال التركة عن أمواله الشخصية ، ولا يكون مسئولا عن ديون التركة إلا في المال الذي ورثه . فيصبح الالتزام ، بعد أن انتقل إلي الوارث ، لا يمكن التنفيذ به إلا علي أموال التركة التي انتقلت إلي هذا الوارث . ولكن هذا التحوير ليس تحويراً حقيقيا ، فالواقع من الأمر أن الالتزام بقي - من ناحية المال الذي يجوز التنفيذ عليه – كما كان في حياة المورث ، فقد كان عندئذ لا يمكن التنفيذ به إلا علي ماله ، فبقي كما كان ( 677 ) . والتحوير الحقيقي في الالتزام ، وإن لم يكن تحويرا في أساسه ، يقع إذا تعددت الورثة . فإن الالتزام ، حقا كان أو دينا ، ينقسم علي الورثة كل بنسبة حصته $ 416 $ في التركة ( 678 ) ، وهذا ما لم يكن الالتزام في أصله غير قابل للانقسام ( 679 ) كما سبق القول .
239 - انتقال الالتزام ما بين الأحياء : أما انتقال الالتزام بالمعني الذي أسلفناه ، أي انتقال الالتزام ذاته بمقوماته وخصائصه ، ما بين الأحياء ، فلم يكن معروفا في القانون الروماني ، إذ كانت الفكرة التي تصور الالتزام رابطة شخصية تقوم حائلا دون ذلك كما قدمنا . وإذا كان قد أمكن ، في انتقال الالتزام بسبب الموت ، جعل الوارث خلفا عاما للمورث وتصوير هذه الخلافة العامة كأنها استمرار لشخصية المورث ، ففي انتقال الالتزام ما بين الأحياء حيث الخلافة خاصة ، لا يمكن تصوير هذه الخلافة الخاصة حال الحياة ، كما أمكن تصوير الخلافة العامة بعد الموت ، استمراراً لشخصية السلف . ذلك أنه إذا أمكن القول بأن المورث ، وقد زالت شخصيته بالموت ، يتصور استمرارها في شخص الوارث ، فإنه يتعذر القول بأن السلف ، وهو لا يزال حيا ، تستمر شخصيته في شخص خلفه الخاص ( 680 ) .
من أجل ذلك لم يكن ممكنا أن ينتقل الالتزام حال الحياة ، في القانون الروماني ، من دائن إلي دائن آخر ، أو من مدين إلي مدين آخر ، عن طريق حوالة الحق ، أو عن طريق حوالة الدين . ولم يكن ممكنا ، إذا أريد تغيير $ 417 $ شخص الدائن ، إلا تجديد الالتزام بتغيير الدائن ، أو أريد تغيير شخص المدين ، إلا تجديد الالتزام بتغيير المدين . وفي الحالتين ، لم يكن الالتزام ذاته ، بمقوماته وخصائصه ، هو الذي ينتقل من شخص إلي شخص آخر . بل كان الالتزام الأصلي ينقضي بالتحديد ، وينشأ مكانه التزام جديد بمقومات وخصائص غير المقومات والخصائص التي كانت للالتزام الأصلي ، وفي هذا الالتزام الجديد كان يتغير شخص الدائن أو يتغير شخص المدين . علي أن الرمان كانوا يلجأون إلي طريقة أخري لتحويل الالتزام من دائن إلي دائن آخر ، دون تدخل من المدين . فكان الدائن الأصلي يوكل من يريد تحويل الالتزام إليه في قبض الدين باسمه من المدين ، وكان هذا التوكيل ( Procuratio in rem suam ) وسيلة يستطيع بها الوكيل أن يقبض الدين من المدين دون حاجة إلي رضائه بتحويل الدين . ولكن هذه الطريقة لم تكن مأمونة ، فإن الدائن الأصلي كان يستطيع أن يعزل الوكيل قبل أن يقبض الدين ( 681 ) .
وبقي القانون الروماني علي هذه الحال ، دون أن يعرف لا حوالة الحق ولا حوالة الدين . وبقيت الحوالة مجهولة مدة طويلة في القانون الفرنسي القديم ، يتحايلون عليها عن طريق التوكيل بقبض الدين الذي كان القانون الروماني يلجأ إليه ، حتي أصبح هذا الطريق مألوفا ، ومنه دخلت حوالة الحق في القانون الفرنسي القديم ، وأصبح مسلما في هذا القانون إنه يجوز للدائن أن يحول حقه إلي دائن آخر دون حاجة إلي الحصول علي رضاء المدين بالحوالة ، علي غرار التوكيل بالقبض الذي أصبح مفترضا دون نص ، وهذا بالرغم من أن التحليل $ 418 $ القانوني الدقيق – أو كما يقول بوتييه : selon la subtilite du droit ( 682 ) يستعصي علي أن ينتقل الالتزام وهو رابطة شخصية من دائن إلي دائن آخر ( 683 ) .
وساعد علي إمكان انتقال الالتزام من دائن إلي دائن آخر أن فكرة الالتزام باعتباره رابطة شخصية أخذت تتطورن وأخذ العنصر المادي في الالتزام يبرز شيئا فشيئا . فأصبح من السهل أن نتصور أن الالتزام ، باعتباره قيمة مالية لا باعتباره رابطة شخصية ، وبالنسبة إلي موضوعه لا بالنسبة إلي أطرافه ، ينتقل من دائن إلي دائن آخر .
ولكن التطور في القوانين اللاتينية وقف عند هذا الحد . ولم يصل القانون الفرنسي حتي اليوم إلي تنظيم حوالة الدين ، أي انتقال الالتزام من مدين إلي مدين آخر ، وليس هناك من سبيل إلي تغيير المدين في الالتزام إلا عن طريق التجديد أو الإنابة في الوفاء . ذلك أن شخصية المدين في الالتزام أكبر خطراً من شخصية الدائن ، فعلي شخصية المدين ومقدار يساره وحسن استعداده للوفاء بدينه تتوقف قيمة الدين . فلم يكن من السهل التسليم بتحويل الالتزام من مدين إلي مدين آخر دون أن يكون الدائن طرفا في هذا التحويل عن طرق التجديد ، لأن الدائن يأبي أن يتغير عليه المدين دون رضائه ، ويعنيه من تغيير مدينة ما لا يعني المدين من تغيير دائنه ( 684 ) . فبقيت القوانين اللاتينية عند هذه المرحلة من التطور لم تستكمله إلي غايته ( 685 ) ، وذلك مع استثناء التقنين المدني الإيطالي الجديد فقد أقر حوالة الدين عند الكلام في الإنابة في الوفاء ( انظر المادة 1273 من هذا التقنين ) .
$ 419 $ أما التقنينات الجرمانية فقد سارت في التطور إلي نهاية الطريق . وما دامت فكرة الالتزام قد تطورت فأصبح الالتزام قيمة مادية أكثر منه رابطة شخصية ( 686 ) ، ومادام قد أمكن تصور انتقال الالتزام من دائن إلي دائن آخر ، فمات الذي يحول دون التسليم بانتقاله من مدين إلي مدين آخر! ومن ثم يعرف كل من التقنين المدني الألماني ( م 1414 – 1419 ) وتقنين الالتزامات السويسري ( م175 - 183 ) ، إلي جانب حوالة الحق ، حوالة الدين ( Schuldubernahme ) ( 687 ) .
وقد تابع التقنين المدني المصري الجديد - ومعه التقنينات المدنية العربية الأخري ( 688 ) - هذا التطور . وبعد أن كان التقنين المدني السابق لا يعرف ، علي غرار التقنين المدني الفرنسي ، إلا حوالة الحق ، أصبح التقنين المدني الجديد يعرف حوالة الحق وحوالة الدين وقد خصص لهما – تحت عنوان انتقال الالتزام - الباب الرابع من الكتاب الأول في نظرية الالتزام ( 689 ) .
$ 420 $ انتقال الالتزام في الفقه الإسلامي : ويجدر بناء أن ننظر ، بعد هذه العجالة التاريخية ، ماذا كان موقف الفقه الإسلامي من انتقال الالتزام ، وما مدي التطور الذي بلغه في هذه المسألة ( 690 ) .
يعرف الفقه الإسلامي الحوالة ، ومن أهم المميزات له في تنظيمها هو التفريق بين الحوالة المقيدة والحوالة المطلقة ( 691 ) . ويوجد في كل من الحوالتين دائن ومدين ثم أجنبي محال عليه ، وهذا الأجنبي المحال عليه هو الذي يتركز فيه التفريق بين الحوالة المقيدة والحوالة المطلقة .
فإن كان هذا الأجنبي مدينا للمدين أو كان في يده له وديعة أو عين مغصوبة ، $ 421 $ وأراد المدين عن طريق الحوالة الوفاء بالدين الذي في ذمته للدائن بالحق الذي له في ذمة الأجنبي ، فهذه هي الحوالة المقيدة ( 692 ) . وهل أقرب إلي أن تكون طريقا من طرق الوفاء بالدين من أن تكون حوالة بالمعني الدقيق . وتقرها المذاهب جميعا ، علي خلاف بينها في الصياغة القانونية سنذكره فيما يلي :
أما أن كان الأجنبي غير مدين للمدين ، أو كان مدينا ولكن لم تقيد الحوالة بهذا الدين في المذهب الحنفي ، فهذه هي الحوالة المطلقة . ويمكن في الحوالة المطلقة . أن نتصور أن المدين يريد أن يحيل دينه علي الأجنبي ، وهذه هي حوالة الدين بالمعني الدقيق ، ولا يسلم بها الفقه الإسلامي خلافا لما يقال عادة وهي عنده أقرب إلي أن تكون كفالة أو تجديداً ، من أن تكون حوالة للدين وقد قدمنا أن الكفالة في الفقه الإسلامي هي الأصل في التضامن ، والآن نراها الأصل أيضا في الحوالة . ويمكن كذلك في الحوالة المطلقة أن نتصور أن الدائن هو الذي يريد أن يحيل حقه للأجنبي ، وهذه هي حوالة الحق بالمعني الدقيق . وحوالة الحق أيضا لا يسلم بها الفقه الإسلامي بوجه عام ، خلافا لما يقال عادة . ذلك أن الحنفية والشافعية والحنابلة لا يسلمون بهذه الحوالة ، أما المالكية فيسلمون بها في حدود معينة .
وقبل أن نفصل ما أجملناه ، يحسن أن نشير إلي خطأين شائعين ينسبان إلي الفقه الإسلامي في خصوص الحوالة : ( أولا ) ما يرد ذكره عادة في الفقه والقضاء في مصر علي أنه حوالة الحق في الفقه الإسلامي إنما هو حوالة الدين لا حوالة الحق . ( ثانياً ) ليس صحيحاً أن الفقه الإسلامي عرف حوالة الدين ولم يعرف حواله الحق ، وإلا كان هذا بدعا في تطور القانون . فمن غير الطبيعي أن يعرف نظام قانوني حوالة الدين قبل أن يعرف حوالة الحق ، كما أنه من غير الطبيعي أن يسلم نظام قانوني بانتقال الدين بين الأحياء وهو لم يعترف بانتقاله بسبب الموت . فالفقه الإسلامي كان في توره طبيعيا كسائر النظم القانونية : $ 422 $ لم يعرف حوالة الدين ، لا بسبب الموت إذ الدين لا ينتقل إلي الورثة بل يبقي في التركة حتي تقوم بسداده ، ولا بين الأحياء إلا في صورة من صور الكفالة أو التجديد . وعرف حوالة الحق ، بسبب الموت حوالة كاملة إذ الحقوق الشخصية التي للتركة تنتقل إلي الورثة ، وبين الأحياء بقيود معينة وفي مذهب واحد هو المذهب المالكي ( 693 ) .
والآن ننتقل الي تفصيل ما أجملناه ، في غير إطالة إذ لا يتسع المقام هنا للإسهاب . ونتناول حوالة الدين وهي المعنية بلفظ " الحوالة " في الفقه الإسلامي فإذا ذكرت الحوالة قصد بها حوالة الدين دون غيرها ، ثم حوالة الحق ولا يعرف الفقه الإسلامي هذا التعبير ويسمي حوالة الحق بيع الدين أو هبه الدين .
حوالة الدين : يختلف ، في حوالة الدين ، المذهب الحنفي عن المذاهب الثلاثة الأخري . علي أن التمييز بين الحوالة المطلقة والحوالة المقيدة ، وإن كان غير منصوص عليه إلا في فقه المذهب الحنفي ، لا يقل أهمية في المذاهب الثلاثية الأخري عنه في المذهب الحنفي ، بل لعله يزيد كما سنري .
ونبدأ بالمذهب الحنفي : ففي هذه المذهب تتم الحوالة المطلقة برضاء الأطراف الثلاثة ، الدائن والمدين والمحال عليه . ويجوز أن تتم برضاء الدائن والمحال عليه دون المدين ( 694 ) ، ولكن لا يرجع المحال عليه في هذه الحالة علي المدين ، إذا دفع الدين للدائن ، إلا إذا كانت الحوالة بأمر المدين . أما الحوالة المقيدة فلا بد فيها من رضاء الأطراف الثلاثة . وسواء كانت الحوالة مطلقة أو مقيدة ، $ 423 $ فإن الدائن يرجع علي المحال عليه بالدين ، فهل انتقل الدين إلي ذمة المحال عليه بالحوالة؟ هنا تتضارب الآراء في المذهب الحنفي . فعند أبي حنيفة وأبي يوسف ، ينتقل الدين من ذمة المدين إلي ذمة المحال عليه ، فلو أبرأ الدائن المحال عليه منن الدين صح ذلك ولو أبرأ المدين لا يصح ، ولكن الين يعود إلي ذمة المدين إذا توي عند المحال عليه . وعند محمد ، تنتقل المطالبة وحدها دون الدين من المدين إلي المحال عليه ، ويبقي الدين دون المطالبة في ذمة المدين . فلو أراد هذا أن يقضية للدائن ، لا يكون متبرعاً ، لأنه لا يزال مدينا ، ويجبر الدائن علي الاستيفاء . ولو أبرأ الدائن المحال عليه ، لا يرتد الإبراء بالرد ، لأن الدائن إنما أسقط المطالبة لا الدين ، ولا يرجع المحال عليه علي المدين ولو كانت الحوالة بأمره ، لأن الدائن لم يبريء المحال عليه من الدين بل من مجرد المطالبة . وإذا توي الدين عند المحال عليه ، عادت المطالبة إلي المدين واجتمعت عنده مع الدين فيرجع عليه الدائن بالدين نفسه ، ولو كان الدين قد انتقل إلي المحال عليه لما كان للدائن الرجوع بنفس الدين وإنما كان يرجع بالضمان . وعند زفر ، لا ينتقل الدين ولا المطالبة إلي ذمة المحال عليه ، بل تضم ذمة المحال عليه إلي ذمة المدين في المطالبة ، فيكون المحال عليه كفيلا للمدين .
ثم إن الدائن إذا طالب المحال عليه بالوفاء ، وجب هنا أن نميز بين الحوالة المطلقة والحوالة المقيدة . ففي الحوالة المطلقة ، إذا دفع المحال عليه الدين للدائن ، فإن لا يرجع علي المدين إلا إذا كانت الحوالة بأمره كما قدمنا ، ويرجع بالدين نفسه لا بما أدي . وهذا يدل إما علي أن الدين لا يزال باقيا في ذمة المدين كما يقول محمد ، فيرجع المحال عليه به . وإما علي أن الدين قد انتقل مع المطالبة إلي المحال عليه كما يقول أبو حنيفة وأبو يوسف ، فأداه المحال عليه وحل محل الدائن فيه ، فيرجع به علي المدين . وإما علي أن الدين والمطالبة لم ينتقلا عن المدين كما يقو زفر ، ولهذا يرجع المحال عليه بنفس الدين ، كما يرجع الكفيل في الكفالة بما كفل لا بما أدي . أما إذا توي الدين عند المحال عليه - بأن مات هذا مفلسا أو أفلس وهو حي أو جحد الحوالة ولم تكن هناك بينه - فإن الدائن يرجع علي المدين بنفس الدين ( 695 ) . كما سبق القول . وفي الحوالة المقيدة يخصص $ 424 $ الحق الذي للمدين في ذمة المحال عليه لوفاء الدين المحال به ( 696 ) ، دون أن ينتقل هذا الحق للدائن ، بل دون أن يكون رهنا عنده لسببين : ( 1 ) إذا أفلس المدين قبل أن يؤدي المحال عليه الدين للدائن ، فليس الدائن أحق من سائر غرماء المدين بالدين الذي خصص له وقيدت به الحوالة . وعند زفر الدائن أحق من سائر الغرماء ، لأن الدين صار له بالحوالة رهنا ( 697 ) . ( 2 ) ولو توي هذا الدين $ 425 $ عند المحال عليه ( 698 ) ، توي علي المدين لا علي الدائن ، ولا يسقط في مقابلته شيء من الدين المحال به ( 699 ) . وهذان السببان يبينان أن الدين الذي تقيدت به الحوالة لا ينتقل إلي الدائن ولا يكون رهنا عنده .
هذه هي جملة أحكام حوالة الدين - المطلقة والمقيدة - في المذهب الحنفي ، أوجزناها متوخين إبراز المقومات الرئيسية لهذه الحوالة في هذا المذهب . ويبقي أن نضيف إلي ما قدمناها أن التأمينات التي كانت تكفل الدين المحال به وهو في ذمة المدين قبل الحوالة تنقضي بالحوالة عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، ولا تنتقل لتكفل الدين في ذمة المحال عليه ( 700 ) . وننظر بعد ذلك في تأصيل حوالة الدين في $ 426 $ المذهب الحنفي ، أيفي التكييف القانوني الذي يساير المقومات الرئيسة السالفة الذكر . ونبادر إلي القول إن هذا التكييف لا يختلف باختلاف ما إذا كانت الحوالة مطلقة أو مقيدة . وسنراه في المذاهب الثلاثة الأخري يختلف في الحوالة المطلقة عنه في الحوالة المقيدة ، وهذا يؤكد ما سبق أن قررناه من أن التمييز بين الحوالة المطلقة والحوالة المقيدة قد تزيد أهميته في المذاهب الثلاثة الأخري عنها في المذهب الحنفي . وإنما يختلف التكييف في المذهب الحنفي باختلاف ما اعتبر انتقاله بالحوالة إلي المحال عليه ، هل هو الدين والمطالبة معا ، أو المطالبة وحدها ، أو أن المحال عليه لم ينتقل إليه بالحوالة لا الدين ولا المطالبة :
(1) أما عند زفر ، حيث لا ينتقل الدين ولا المطالبة من ذمة المدين إلي ذمة $ 427 $ المحال عليه ، بل تضم ذمة المحال عليه إلي ذمة المدين في المطالبة ، فالأمر واضح ، ولا تعدو حوالة الدين أن تكون كفالة محضة كما قدمنا . فإذا حول المدين دينه حوالة مطلقة ، كان معني هذا عند زفر أنه اتخذ من المحال عليه كفيلا عاديا له ، وبقيت ذمته هو مشغولة بالدين كما كانت . ويكون للدائن أن يرجع إما علي المحال عليه وإما علي المدين كما يشاء ، شأنه في ذلك شأن الدائن في الكفالة يرجع إما علي الكفيل وإما علي المدين . وإذا كانت الحوالة مقيدة ، بقي المحال عليه عند زفر كفيلا للمدين ، وأضيف إلي ذلك أن الدين الذي تقيدت به الحوالة يصبح مرهونا في الدين المحال به ، فيكون المدين قد قدم للدائن ضمانين " كفيلا ورهنا .
(2) وأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، حيث تنتقل المطالبة والدين من ذمة المدين إلي ذمة المحال عليه ، فهذا قول ينبغي ألا يؤخذ علي علاته . والصحيح أن الدين الأصلي قد انقضي ، ومما يقطع في انقضائه انقضاء التأمينات التي كانت تكلفة . وحل محل الدين الأصلي دين جديد في ذمة المحال عليه ، لا تنتقل إليه تأمينات الدين الأصلي كما قدمنا . وتكون حوالة الدين ، مطلقة كانت أو مقيدة ، عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، ليست إلا تجديداً بتغيير المدين فقد استبدل المحال عليه بالمدين الأصلي ( 701 ) . فإذا توي الدين عند المحال عليه ، فسخ التجديد ، وعاد الدين إلي ذمة المدين الأصلي ( 702 ) .
(3) أما عند محمد ، حيث لا ينتقل الدين إلي ذمة المحال عليه وإنما تنتقل المطالبة وحدها ، وحيث لا تنقضي التأمينات بل تبقي علي حالها تكفل الدين الباقي في ذمة المدين ( 703 ) ، فإن حوالة الدين ، مطلقة كانت أو مقيدة ، أقرب إلي $ 428 $ أن تكون كفالة محورة ، ووجه التحوير فيها أن الدائن يرجع علي المحال عليه ( الكفيل ) أولا ، لأن المطالبة انتقلت إليه ولم تبق عند المدين . فإن توي الدين عند المحال عليه ، يرجع الدائن علي المدين الأصلي ، إذ تعود المطالبة بالتوي إلي المدين لتنضم إلي الدين كما كانت . أما في الكفالة العادية فالدائن بالخيار إن شاء طالب المدين الأصلي أولا وإن شاء طالب الكفيل ( 704 ) ، لأن المطالبة بقيت عند المدين وإنما ضمت فيها إلي ذمته ذمة الكفيل ( 705 ) .
( ب ) وننتقل الآن ، في حوالة الدين ، إلي المذاهب الثلاثة الأخري ، المالكية والشافعية الحنابلة . وهنا يجب أن نميز ، منذ البداية ، بين الحوالة المقيدة والحوالة المطلقة . وهذا تمييز جوهري لا تصرح به نصوص هذه المذاهب ، ويرجع ذلك في الغالي إلي أن الفرق بين هاتين الحوالتين كبير إلي حد أن إحداهما – وهي الحوالة المطلقة - ليست بحوالة أصلا كما سنري ، فلا تستحق هذه التسمية حتى لا تكون نوعا ثانياً إلي جانب الحوالة المقيدة . وهذا يعود بنا مرة أخري إلي تأكيد أهمية هذا التمييز في المذاهب الثلاثة .
ففي الحوالة المقيدة – أو الحوالة إطلاقا لأن الحوالة المطلقة لا تدعي في العادة حوالة في المذاهب الثلاثة – يشترط أن يكون للمدين دين في ذمة المحال عليه معادل في الجنس ومساو في المقدار للدين المحال به ، فيوفي المدين الدين الذي في ذمته للدائن بالدين الذي له في ذمة المحال عليه . ومن ثم وجب أن يكون الدين المحال به والدين الذي تقيدت به الحوالة متساويين ، كما قدمنا ، في الصفة $ 429 $ والمقدار ( 706 ) ، فإن اختلفا في شيء من ذلك لم تصح الحوالة ( 707 ) . ويشترط لانعقاد الحوالة المقيدة في المذاهب الثلاثة رضاء كل من الدائن والمدين ، أما رضاء المحال عليه فلا يشترط علي الأرجح ، لأن الدائن يستوفي الدين منه كما كان يستوفيه المدين فلا يتضرر المحال عليه بذلك . بل إن رضاء الدائن عند الحنابلة لا يشترط هو أيضا إذا كان المحال عليه مليئا ، فيكفي إذن عندهم في هذه الحالة إرادة المدين المنفردة . ومتي تمت الحوالة علي هذا النحو ، برئت ذمة المدين نحو الدائن ، وبرئت ذمة المحال عليه نحو المدين ، وصار المحال عليه مدينا للدائن . ولا تنتقل تأمينات الدين المحال به بل تنقضي ( 708 ) ، مما يقطع $ 430 $ في أن هذا الدين قد انقضي ، فليس هو الذي قام في ذمة المحال عليه للدائن . كذلك لا ينتقل إلي الدائن الحق الذي كان للمدين في ذمة المحال عليه للأسباب الآتية : ( 1 ) لا تنتقل أيضا تأمينات هذا الحق لتكفل الحق الذي قام للدائن في ذمة المحال عليه ( 709 ) . ( 2 ) لو كان حق المدين في ذمة المحال عليه قد انتقل إلي الدائن ، فقد كان ينبغي أن يكون للمحال عليه أن يدفع مطالبة الدائن بالدفوع التي كان يدفع بها مطالبة المدين دون الدفوع المستمدة من علاقة المديونية ما بين المدين والدائن ، ولكن في بعض النصوص ما يصرح بعكس ذلك ( 710 ) . ( 3 ) ولو كان هذا الحق $ 431 $ قد انتقل إلي الدائن ، وكان المحال عليه معسراً وقت الحوالة أو أعسر بعد ذلك ، فقد كان ينبغي أن يرجع الدائن علي المدين بالضمان ، ولكن الظاهر من النصوص أن المدين لا يضمن إعسار المحال عليه ( 711 ) . ( 4 ) ولو كان مقدراً لهذا الحق أن ينتقل إلي الدائن ، ولكن لم يتمكن المدين من نقله ، كأن كان الحق ثمنا لمبيع استحق أو كان وديعة فهلكت ، فقد كان ينبغي أن يعتبر الدائن غير مستوف لدينه أو أن الحق لم ينتقل إليه ، فيبقي للدائن دينه في ذمة المدين ، ولكن هذا الحكم لا يظهر في وضوح من النصوص .
ويستوقف النظر علي كل حال أن الحوالة ، في المذاهب الثلاثة ، لا تكون إلا حيث يكون المدين دائنا في الوقت ذاته للمحال عليه بجنس ما عليه وبمقداره ( 712 ) . $ 432 $ أليس من البديهي أن يقال في هذه الحالة إن المدين إنما يوفي ، عن طريق ما يسمي بالحوالة ، الدين الذي عليه للدائن بالحق الذي له في ذمة المحال عليه ، ثم يوفي بهذا الحق الذي استوفاه الدين الذي عليه للدائن ، يختصر هاتين العمليتين في عملية واحدة ، فيقضي الدين الذي عليه بالحق الذي له ، دون أن يستوفي شيئا من مدينة أو يوفي شيئا لدائنه ، بل يقتصر علي أن يحيل دائنه علي مدينة هذا هو الظاهر الواضح . ولكن علي أي أساس أجري المدين كل ذلك؟ لا نري أن المدين حول علي مدينة الدين الذي في ذمته للدائن ، لأن تأمينات هذا الدين لا تنتقل بل تنقضي كما قدمنا . وإنما هو وفي لدائنه ما عليه من الدين من طريق التجديد بتغيير المدين ، فانقضي الدين الأصلي ، وحل محله دين جديد استبدل فيه بنفسه المحال عليه ، ومن ثم لم تنتقل التأمينات إلي هذا الدين الجديد . ولا نري أن المدين حول لدائنه الحق الذي له في ذمة المحال عليه ، لأن تأمينات هذا الحق لا تنتقل بل تنقضي كما قدمنا ، وهذا إلي الأسباب الأخري التي سبق ذكرها والتي تدعو إلي القول بأن هذا الحق لم ينتقل . وإنما هو استوفي من المحال عليه حقه هذا عن طريق التجديد بتغيير الدائن ، فانقضي الحق الأصلي ، وحل محله حق جديد استبدل فيه بنفسه الدائن ، ومن ثم لم تنتقل التأمينات إلي هذا الحق الجديد . فهو باعتباره مدينا قد استبدل بنفسه مدينة ، وهو باعتباره دائنا قد استبدل بنفسه دائنه . وخرج علي هذا النحو عن المديونية والدائنية ، فأسقط كلا من الدين والحق . وأنشأ التزاما جديداً ، إذ وضع مدينة مكانه تجاه دائنه ، كما وضع دائنه مكانه تجاه مدينه ، واستطاع بهذا أن يصل بين مدينه ودائنه ، فيجعل الأول هو المدين للثاني في هذا الالتزام الجديد ( 713 ) . $ 433 $ فالحوالة المقيدة في المذاهب الثلاثة هي إذن ، في نظرنا ، وفاء دين بحق ، عن طريق إسقاط كل من الدين والحق ، وإنشاء التزام جديد يستوفي به المدين الحق وبقي بالدين . فتنتهي إلي تجديد بتغيير الدائن بالنسبة إلي استيفاء الحق ، وإلي تجديد بتغيير المدين بالنسبة إلي الوفاء بالدين .
أما ما يمكن أن نسميه بالحوالة المطلقة في المذاهب الثلاثة ، حيث لا يكون للمدين دين في ذمة المحال عليه ، فهذه ليست حوالة أصلا ، حتي بالاسم ، فقد رأينا ان المذاهب الثلاثة لا تسميها حوالة . فإذا حول المدين دائنه علي أجنبي غير مدين له ، فهو إنما يجعل من هذا الأجنبي كفيلا له . فالحوالة هنا كفالة محضة لا تحوير فيها ، أو هي حمالة كما تقول المالكية ( 714 ) . ولابد من رضاء الدائن والمدين والمحال عليه جميعا بهذا الحوالة . فإذا انعقدت ، اعتبر المحال عليه كفيلا للمدين ، وكان الدائن بالخيار إن شاء طالب المدين وإن شاء طالب المحال عليه ، ولا يتعين أن يطالب المحال عليه أولا كما يتعين ذلك في المذهب الحنفي فيما دعوناه بالكفالة المحورة ( 715 ) .
$ 434 $ حوالة الحق : رأينا في حوالة الدين أن المذهب الحنفي يتميز عن المذاهب الثلاثة الأخري . أما هنا ، في حوالة الحق ، فالمذهب المالكي هو الذي يتميز عن المذاهب الثلاثة الأخري ، الحنفية والشافعية والحنابلة .
أ‌) فنبدأ بالمذهب المالكي : والظاهر أن هذا المذهب يقر حوالة الحق فيما يسمييه بهبة الدين وببيع الدين . ويشترط لانعقاد هبه الدين من غير المدين - وهي حوالة حق عن طريق التبرع - ما يشترط لانعقاد الهبة بوجه عام . فيشترط إذن القبض ، ويتم بالإشهاد أو بتسليم سند الدين أو " ذكر الحق " كما يقول مالك ( 716 ) . ويشترط لانعقاد بيع الدين من غير المدين - وهو حوالة حق عن طريق المعاوضة - ما يشترط لانعقاد البيع بوجه عام . ويشترط إلي جانب ذلك شروط أخري . منها إقرار من عليه الدين بحق الدائن ، فلا يجوز بيع حق متنازع فيه . ومنها التعجيل بالثمن ، وأن يكون الدين المبيع غير طعام ، وأن يكون الثمن من غير جنس المبيع ، وأن يقع البيع لغير خصم المدين حتي لا يكون في البيع إعنات للمدين بتمكين خصمه منه ( 717 ) . ولا تنتقل التأمينات التي كانت $ 435 $ للحق من رهن أو كفالة ، إلا بالشرط وبإقرار الكفيل بالكفالة وإن كان لا يشترط رضاؤه بالحوالة ( 718 ) .
ب‌) وننتقل الآن ، في حوالة الحق ، إلي المذاهب الثلاثة الأخري ، الحنفية والشافعية والحنابلة . فهذه المذاهب جميعا لا تقر حوالة الحق ، ولا تجيز بيع الدين $ 436 $ إلا ممن عليه الدين ، لأن الدين غير مقدور التسليم إلا للمدين نفسه ( 719 ) . علي أن في المذهب الحنفي تحقق كثيرا من الأغراض التي يراد الوصول إليها من وراء حوالة الحق ( 720 ) .
ويخلص من كل ذلك أن الفقه الإسلامي لم يقر حوالة الدين بالمعني المفهوم في الفقه الغربي في أن مذهب من مذاهبه . وقد أقر حوالة الحق بشروط معينة في أحد مذاهبه ، وهو مذهب مالك ، دون المذاهب الأخري . فلم يكن الفقه $ 437 $ الإسلامي إذن بدعا في تطوره كما قدمنا ، ولم يقر حوالة الدين دون أن يقر حوالة الحق ، بل هو قد سار علي السنن المألوفة في التطور ، إذ بدأ بإقرار حوالة الحق بسبب الموت ، ثم بإقرار هذه الحوالة بين الأحياء ولكن في مذهب واحد من مذاهب . ثم وقف تطوره عند ذلك ، فلم يقر حوالة الحق بين الأحياء في المذاهب الأخري ، ولم يقر حوالة الدين أصلا لا بسبب الموت ولا بين الأحياء ( 721 ) .
2 - مقارنة الحوالة بالنظم القانونية التي تقرب منها
241 - النظم القانونية التي تقترب من الحوالة وتشتبه بها : وقبل أن نفصل أحكام الحوالة ، حوالة الحق وحوالة الدين ، نميزها عما يقرب منها في النظم القانونية ويشتبه بها . فهناك غير الحوالة التجديد ( novation ) والإنابة في الوفاء ( delegation ) والوفاء مع الحلول ( Paiement avec subrogation ) $ 438 $ فنقول كلمة موجزة في التمييز بين هذه النظم ونظام الحوالة ( 722 ) ، أما تفصيل هذه النظم فمكانه القسم الثالث من هذا الكتاب عند الكلام في أسباب انقضاء الالتزام .
242 - الحوالة والتجديد : سنري أن الالتزام يتجدد ، إما بتغير الدائن إذا اتفق الدائن والمدين وأجنبي علي أن يكون هذا الأجنبي هو الدائن الجديد ، وإما بتغير المدين إذا اتفق الدائن مع أجنبي علي أن يكون هذا الأجنبي مدينا مكانا المدين الأصلي وعلي أن تبرأ ذمة المدين الأصلي دون حاجة لرضائه ، أو إذا حصل المدين علي رضاء الدائن بشخص أجنبي قبل أن يكون هو المدين الجديد ، وإما بتغير الدين إذا اتفق الدائن والمدين علي أن يستبدلا بالالتزام الأصلي التزاما جديداً يختلف عنه في محله أو في مصدره ( أنظر م 352 مدني ) .
ويعنينا هنا من هذه الصور الثلاث الصورتان الأوليان : التجديد بتغيير الدائن ويقابل حوالة الحق ، والتجديد بتغيير المدين ويقابل حوالة الدين .
فيتفق التجديد مع الحوالة في أن التجديد يتضمن كالحوالة إما تغييراً للدائن وإما تغييراً للمدين .
ولكن التجديد يختلف عن الحوالة في أن التجديد يقضي الالتزام الأصلي ، وينشيء مكانه التزاما جديداً يتغير فيه الدائن أو يتغير المدين . وهذا بخلاف الحوالة كما رأينا ، فإن الالتزام فيها ينتقل هو نفسه ، بجميع مقوماته وخصائصه ، من دائن إلي دائن آخر أو من مدين إلي مدين آخر . ففي الحوالة ينتقل الالتزام $ 439 $ بضمانه وصفانه ودفوعه ، أما في التجديد فيحل محل الالتزام الأصلي التزام جديد بضمانات وصفات ودفوع قد تختلف عن تلك التي كانت للالتزام الأصلي ( 723 ) . وقد نصت المادة 356 مدني علي أنه " 1 - يترتب علي التجديد أن ينقضي الالتزام الأصلي بتوابعه ، وأن ينشأ مكانه التزام جديد . 2 - ولا ينتقل إلي الالتزام الجديد التأمينات التي كانت تكفل تنفيذ الالتزام الأصلي إلا بنص في القانون ، أو إلا إذا تبين من الاتفاق أو من الظروف أن نية المتعاقدين قد انصرفت إلي ذلك " . ثم تنص المادة 358 مدني علي أنه " لا ينتقل إلي الالتزام الجديد الكفالة ، عينية كانت أو شخصية ، ولا التضامن إلا إذا رضي بذلك الكفلاء والمدينون المتضامنون " .
ونري من ذلك أن الحوالة أفضل بكثير من التجديد ، فهي تحتفظ بالالتزام ذاته دون تغيير فيه ، ويبقي لهذا الالتزام ضماناته وصفاته ودفوعه لمصلحة كل من الدائن والمدين ( 724 ) . وقد ذهب التقنين المدني الألماني ، بعد أن نظم كلا من حوالة الحق وحوالة الدين ، إلي حد إلغاء التجديد بتاتا ، سواء بتغيير الدين أو بتغيير الدائن أو بتغيير المدين ، واستعاض عن التجديد بتغيير الدين الوفاء بمقابل ، وعن التجديد بتغيير الدائن حوالة الحق ، وعن التجديد بتغيير المدين حوالة الدين ( 725 ) . والواقع من الأمر أن التجديد لم يعد له . إلي جانب الحوالة ، مكان يذكر ، فإن الحوالة تطغي عليه ويؤثرها الناس في تعاملهم . ولقد كان للتجديد مكان ملحوظ في التقنين المدني السابق ، لأن هذا التقنين لم يكن ينظم حوالة الدين كما سبق القول ، فكان التجديد بتغيير المدين يقوم إلي مدي محدود بمهمة هذا النوع من الحوالة . ولكن بعد أن نظم التقنين المدني الجديد حوالة الدين ، لم يعد للتجديد دور محسوس في التعامل .
$ 440 $ حوالة الدين وإنابة في الوفاء : ويقابل حوالة الدين أيضا الإنابة في الوفاء . وتتم الإنابة إذا حصل المدين علي رضاء الدائن بشخص أجنبي يلتزم بوفاء الدين مكان المدين ( م 359 / 1 مدني ) . ويسمي المدين منيبا ، والدائن منابا لديه ، والأجنبي مناباً .
فإذا كان المدين المنيب قد اتفق مع دائنه المناب لديه ومع الأجنبي المناب أن يتجدد الدين الذي في ذمته للدائن بدين جديد يكون في ذمة الأجنبي المناب للدائن المناب لديه ، فإن هذا يكون تجديداً بتغيير المدين ( م 360 / 1 مدني ) ، وقد سبق أن ذكرنا الفرق بين هذا التجديد وحوالة الدين .
أما إذا لم يتفق المتعاقدون علي التجديد ، فإن الالتزام الذي في ذمة المدين المنيب للدائن المناب لديه يبقي كما هو ، ويضاف إليه التزام جديد ينشأ في ذمة المناب للمناب لديه ( م 360 / 2 مدني ) .
ونري من ذلك الفرق ما بين الإنابة في الوفاء في هذه الصورة الثانية وحوالة الدين . ففي حوالة الدين ينتقل الدين ذاته إلي ذمة مدين آخر ، وفي الإنابة في الوفاء يبقي الدين القديم في ذمة المدين الأصلي وينشأ إلي جانبه دين جديد في ذمة مدين آخر . وهذا الدين الجديد مستقل عن الدين القديم في مقوماته وخصائصه ، حتي أنه لا يتأثر بدفوع الدين القديم ( 726 ) .
244 - حوالة الحق والوفاء مع الحلول : ويقرب الوفاء مع الحلول من حوالة الحق إلي حد كبير . فالوفاء مع الحلول هو أيضا ، كالحوالة ، ينقل الالتزام من دائن إلي دائن آخر يحل محله ، والالتزام الذي ينتقل هو الالتزام ذاته بجميع مقوماته وخصائصه من ضمانات وصفات ودفوع .
ولكن الوفاء مع الحلول هو وفاء للدين يقوم به غير المدين ، فيحل من وفي الدين محل الدائن في نفس الالتزام الذي وفاه . أما حوالة الحق فلا تتضمن $ 441 $ معني الوفاء ، بل معني المضاربة إذا كانت بمقابل ، فإن الدائن ينقل الالتزام إلي دائن آخر في مقابل مال يأخذه عوضا عن حقه ، فهو يبيع الحق لا يستوفيه . وتتضمن حوالة الحق معني التبرع إذا كانت بغير مقابل ، فإن الدائن ينقل الالتزام الي دائن آخر من غير عوض ، فهو يهب الحق لا يستوفيه . وعلي هذا الفرق الجوهري تتركز الفروق الأخري ما بين حوالة الحق والوفاء مع الحلول ، من حيث قيام كل من الحوالة والحلول ، ومن حيث الآثار التي تترتب علي كل منهما .
فمن حيث قيام الحوالة والحلول ، تقوم حوالة الحق علي اتفاق ما بين الدائن الأصلي والدائن الجديد يحول بموجبه الأول للثاني الحق الذي له ، وليس من الضروري رضاء المدين بالحوالة ويكفي إعلانه بها لتكون نافذة في حقه . أما الحلول فتارة يكون بحكم القانون إذا قام بالوفاء شخص غير المدين في حالات معينة ( أنظر المادة 326 مدني وسيأتي تفصيلها في موضعه ) ، وطوراً يكون باتفاق بين الدائن الأصلي والدائن الجديد يستوفي بموجبه الأول حقه من الثاني ويحله محله فيه ( م327 مدني ) ، أو باتفاق بين المدين والدائن الجديد يقترض بموجبه الأول مالا من الثاني يوفي به الدين ويحل المقرض محل الدائن الذي استوفي حقه ، علي أن يذكر في عقد القرض أن المال المقترض قد خصص لوفاء الدين وفي المخالصة أن وفاء الدين كان من هذا المال المقترض ( م328 مدني ) .
ومن حيث الآثار التي تترتب علي كل من الحوالة والحلول ، يرجع الدائن الجديد في حوالة الحق علي المدين بكل الحق ، لأنه يكون إما قد اشتراه من الدائن القديم ، أو ذهب له منه . أما في الوفاء مع الحلول ، فلا يرجع الدائن الجديد إذا كان قد وفي الحق بأقل من قيمته إلا بمقدار ما وفي وليس بكل الحق ، لأنه بعيد عن فكرة المضاربة ، فلا يأخذ إلا مقدار ما أعطي ( 727 ) .
وسنعود ببيان أوفي إلي المقارنة بين الوفاء مع الحلول وحوالة الحق ( 728 ) . وننتقل الآن ، بعد هذه المقارنات العاجلة ، إلي تفصيل أحكام الحوالة بادئين بحوالة الحق ، ونعقبها بحوالة الدين .
$ 442 $ الباب الأول
حوالة الحق ( 729 )
( Cession de creance )
245 - أطراف حوالة الحق : في حوالة الحق ، يتفق الدائن مع أجنبي علي أن يحول له حقه الذي في ذمة المدين ، فيحل الأجنبي محل الدائن في هذا الحق نفسه جميع مقوماته وخصائصه كما قدمنا .
ويسمي الدائن محيلا ( cedant ) لأنه يحيل الأجنبي بالحق الذي له علي المدين ويسمي الأجنبي وهو الدائن الجديد محالا له ( cessionnaire ) لأن الدائن أحاله بحقه .
ويسمي المدين محالا عليه ( cede ) ، لأن الدائن الأصلي أحال عليه الدائن الجديد .
$ 443 $ الأغراض المختلفة لحوالة الحق : وحوالة الحق ، وإن كانت صورتها واحدة لا تتغير ، متنوعة الأغراض والمقاصد . فقد يقصد الدائن أن يبيع حقه من المحال له الدائن الجديد ، وقد يقصد أن يهبه إياه ، أو يرهنه عنده ، أو يوفي به دينا عليه لهذا الدائن الجديد فتكون الحوالة وفاء بمقابل لهذا الدين . والعبرة بالإرادة الحقيقة للمحيل والمحال له ، والتعرف علي هذه الإرادة مسألة واقع تقدرها محكمة الموضوع دون تعقيب عليها من محكمة النقض ( 730 ) .
$ 444 $ قد يقصد المحيل أن يبيع حقه من المحال له ، وعند ذلك يتقاضي ثمنا لهذا الحق ، ويكون عليه ضمان البائع .وفائدته من ذلك أن يكون في حاجة عاجلة إلي المال ، فيحصل عليه من المحال له ثمنا لحقه الذي لم يحل أجله . وقد يكون الحق من حل أجله ، ولكن قامت صعوبات عملية أمام المحيل للحصول علي حقه من مدينة ، فيحول هذا الحق للمحال له ويكون هذا عادة أقدر علي تقاضي الحق من المدين . أما فائدة المحال له من شراء الحق فهو ما يجنيه من الكسب ، إذ هو لابد في تقدير الثمن مستنزل في القليل فوائد الحق إلي يوم حلوله ، وقد يستنزل مقداراً أكبر إذا قدر أن هناك صعوبات عملية في الحصول علي الحق من المدين وأنه سيتجشم جهداً ومالا ووقتا قبل أن يصل الحق إليه ، فالمحال له يكون عادة في حالة البيع مدفوعا بفكرة المضاربة ( speculation ) ، يستهدف بعض المخاطر سعيا وراء الربح والكسب .
وقد يقصد المخيل أن يهب الحق له ، وتختلف هذه الحالة عن سابقتها كل الاختلاف . فالمحيل مسوق بنية التبرع ، لم تدفعه حاجة إلي المال ، ولم يحفزه علي النزول عن حقه صعوبات في الحصول عليه . وكذلك لا يكون المحال مطويا علي فكرة المضاربة ، فهو يتلقي تبرعاً لا يدفع فيه ثمنا .
وقد يقصد المحيل أن يرهن الحق عند المحال له ( 731 ) ، فقد يكون في حاجة إلي المال وحقه في ذمة مدينة لم يحل أجله ولا يريد بيعه ، فيعمد إلي اقتراض حاجته من المحال له راهنا عنده حقه . فإذا حل أجل القرض ، فأما أن يكون لمحيل مستطيعا رده للمحال له فيفك الرهن عن حقه المرهون ( 732 ) ، وإما ألا $ 445 $ يكون مستطيعا رد القرض فينفذ المحال له علي الحق المرهون وفقا للأحكام المقررة في رهن الدين ( 733 ) ( م 1123 – 1129 مدني ) . بل تجوز حوالة حق واحد مرتين ، الأولي علي سبيل الرهن والأخري علي سبيل البيع ، فيكون حق المحال له المشتري في الحوالة الثانية خاضعا لحق المحال له المرتهن في الحوالة الأولي ( 734 ) .
وقد يكون علي المحيل للمحال له دين سابق أو لا حق للحق الذي له في ذمة مدينه ، ويحل أجل هذا الدين . فلا يجد المحيل أمامه طريقا للوفاء بدينه للمحال له خيراً من أن ينزل له عن حقه في مقابل هذا الدين ، ويرضي المحال له بالحوالة ، فيكون قد استوفي حقه في ذمة المحيل بحق المحيل في ذمة المحال عليه . وهذا هو الوفاء بمقابل ( 735 ) .
$ 446 $ 247 - أركان حوالة الحق والآثار التي تترتب عليها : ونبحث في حوالة الحق في فصلين متعاقبين : ( أولا ) أركان الحوالة - ( ثانياً ) الآثار التي تترتب عليها .
$ 447 $ الفصل الأول
أركان حوالة الحق
248 - أركان حوالة الحق هي أركان الاتفاق بوجه عام : حوالة الحق هي ، كما قدمنا ، اتفاق بين المحيل والمحال له علي تحول حق المحيل الذي في ذمة المحال عليه إلي المحال له . فأركان هذه الحوالة هي أركان أي اتفاق ( convention ) يتم بين طرفين ، وأركان الاتفاق هي نفس أركان العقد .
ومن ثم تكون أركان حوالة الحق هي التراضي والمحل والسبب . ولابد أن يصدر الرضاء من ذي أهلية له حسب العقد الذي تنطوي عليه الحوالة من بيع أو هبة أو رهن أو وفاء بمقابل أو غير ذلك ، وأن يكون خاليا من عيوب الإرادة من غلط وتدليس وإكراه واستغلال ( 736 ) .كذلك يجب أن تتوافر في المحل شرائطه العامة ، ومحل حوالة الحق هو الحق الذي في ذمة المحال عيه للمحيل ، وهناك شرائط خاصة بهذا المحل هي التي سنعرض لها هنا . والسبب في الحوالة هو الباعث الي دفع المحيل والمحال له إلي إبرامها ، أي الباعث الذي دفعهما إلي البيع أو الهبة أو الرهن أو الوفاء بمقابل أو غير ذلك من الإغراض المختلفة التي تحققها الحوالة ( 737 ) .
ونحيل في كل ما قدمناه علي القواعد العامة التي سبق بسطها فيما يتعلق بالعقد ، فحوالة الحق ليست إلا عقداً أو اتفاقا ( 738 ) .ونكتفي هنا ببحث مسألتين :
$ 448 $ ( 1 ) محل الحوالة ، وذلك لبحث الشرائط الخاصة بحوالة الحق التي سبقت الإشارة إليها . ( 2 ) التراضي ، وذلك لتعدد أطراف الحوالة فنري ممن يصدر التراضي ، ومتي تنعقد الحوالة ، ومتي تنفذ في حق المحال عليه وفي حق الغير .
الفرع الأول
محل حوالة الحق
249 - النصوص القانونية : تنص المادة 303 من التقنين المدني علي ما يأتي :
" يجوز للدائن أن يحول حقه إلي شخص آخر . إلا إذا حال دون ذلك نص القانون أو اتفاق المتعاقدين أو طبيعة الالتزام . وتتم الحوالة دون حاجة إلي رضاء المدين " .
وتنص المادة 304 علي ما يأتي :
" لا تجوز حوالة الحق إلا بمقدار ما يكون منه قابلا للحجز ( 739 ) .
وتقابل هذه النصوص في التقنين المدني السابق المادة 349 / 1و2 وطني والمادة 435 مختلط ( 740 ) .
$ 449 $ وتقابل في التقنينات المدنية العربية الأخري : في التقنين المدني السوري المادتين 303 - 304 - وفي التقنين المدني الليبي المادتين 290 - 291 - مدني التقنين المدني العراقي المادتين 362و 364 - وفي تقنين الموجبات والعقود اللبناني المادتين 280 – 281 ( 741 ) .
ويتبين من النصوص المتقدمة أن حوالة الحق محلها حق الدائن ، فهذا الحق الشخصي هو الذي ينتقل بالحوالة من الدائن الأصلي إلي الدائن الجديد .
والأصل أن كل حق شخصي قابل للحوالة ، ومع ذلك لا يكون قابلا لها في بعض حالات استثنائية . فنستعرض الأصل ، ثم نورد الاستئثناءات .
$ 450 $
1 - الأصل العام - الحق الشخصى قابل للحوالة
250 - كل حق شخصى قابل فى الأصل للحوالة : الحق الشخصى ( créance ) أياً كان محله ، قابل فى الأصل للحوالة به من دائنه الأصلى إلى دائن جديد .
ويغلب فى حوالة الحق أن يكون محل هذا الحق مبلغاً من النقود . ولكن يجوز أن يكون محل الحق أشياء مثلية غير النقود ( 742 ) . بل ويجوز أن يكون محل الحق عيناً معينة بالذات ، بشرط أن يكون الحق شخصياً لا عينياً ( 743 ) . مثل ذلك الوعد ببيع دار ، يجعل للموعود له حقاً شخصياً قبل الواعد متعلقاً بهذه الدار ، فيجوز للموعود له أن ينزل عن هذا الحق لشخص آخر ( 744 ) .
كذلك يجوز أن يكون محل الحق عملاً أو امتناعاً عن عمل ( 745 ) . فيجوز للمستأجر ، وهو دائن للمؤجر بتمكينه من الانتفاع بالعين المؤجرة ، أن ينزل $ 451 $ عن حقه إلى شخص آخر ، وهذا هو التنازل عن الإيجار نظمه التقنين المدنى فى المواد 593 - 595 و597 ( 746 ) . ويجوز لمشترى المتجر ، إذا اشترط على بائعه عدم النافسة وهذا التزام بامتناع عن عمل ، أن ينزل عن المتجر الذى اشتراه لشخص آخر ، ويعتبر أنه قد نزل له فى الوقت ذاته عن حقه الشخصى قبل البائع بعدم المنافسة . وإذا اشترط مالك العقار على جاره قيوداً فى البناء ، كمنعه من مجاوزة حد معين فى الارتفاع بالبناء أو فى مساحة رقعته ، وكانت القيود حقوقاً شخصية ، وليست حقوق ارتفاق وفقاً للمادة 1018 مدنى ، فإن هذه القيود تكون التزامات بالامتناع عن عمل ، ويجوز لمالك العقار عند نزلوه عن عقاره لشخص آخر أن ينزل له عنها مع العقار ، بل هى تنتقل حتماً معه وفقاً لقواعد الخلافة الخاصة ( م 146 مدنى ) .
ويستوى كذلك ، فى القابلية للحوالة ، أن يكون الحق مدنياً أو تجارياً ، أو أن يكون الحق مدوناً فى سند مكتوب – حكم قضائى أو سند رسمى أو سند غير رسمى – أو غير مدون أصلاً ، فتجوز حوالة الحقوق التى لا دليل عليها إلا البينة أو القرينة . وكذلك تجوز حوالة الأوراق التجارية من كببيالات وسندات وشيكات وحوالة الأسهم والسندات ، وإن كانت الحوالة فى هذه الأوراق لها إجراءات خاصة كما سنرى .
ويستوى أخيراً ، فى القابلية للحوالة ، أن يكون الحق منجزاً أو معلقاً على شرط ( 747 ) أو مقترناً بأجل ، بل أن أكثر ما ترد الحوالة عليه هى الحقوق المؤجلة ( 748 ) .
$ 452 $
251 - الحقوق المستقبلية : وكما تجوز حوالة الحق المؤجل والحق المعلق على شرط ، كذلك تجوز حوالة الحق المستقبل ( 749 ) . والفرق بين الحق المستقبل ( crénce future ) والحق الشرطى ( céance conditionelle ) هو ، كما قدمنا عند الكلام فى الشرط ، أن الحق الشرطى له وجود قانونى فى الحال ، وإن كان هذا الوجود غير بات وغير كامل ، فإذا ما تحقق الشرط أصبح الوجود باتاً كاملاً وبأثر رجعى من وقت نشوء الحق . وأما الحق المستقبل أو الحق الاحتمالى فليس له وجود قانونى فى الحال ، وإنما هو حق يحتمل وجوده فى المستقبل ، وإذا وجد فليس لوجوده أثر رجعى ، بل يوجد من وقت تحقق الواقعة التى أنشأته . وقد قدمنا أن الشرط فى الحق الشرطى أمر عارض ، وهو وصف يدخل على الحق بعد تمامه وبعد أن تتكامل عناصره . أما الحق الاحتمالى فالواقعة التى تحقق وجوده هى عنصر جوهرى فيه ، وليست أمراً عارضاً كالشرط . فالموصى له قبل موت الموصى حقه مستقبل احتمالى ، والشفيع قبل بيع العقار المشفوع فيه حقه كذلك مستقبل احتمالى ( 750 ) .
ومن ثم كان تصور حالة الحق المستقبل أو الحق الاحتمالى أصعب من تصور حوالة الحق الشرطى . ومن ثم أيضاً ذهب القضاء الفرنسى ، فى بعض أحكامه ، إلى وجوب أن تتحقق عناصر الحق الاحتمالى ولو تحققاً جزئياً ، حتى يكون هذا الحق قابلاً للحوالة ( 751 ) .
$ 453 $
ولكن الفقه الفرنسى بوجه عام ، ومعه كثير من أحكام القضاء فى فرنسا ، ذهب إلى جواز حوالة الحق الاحتمالى حتى قبل أن يتحقق أى عنصر من عناصره ( 752 ) . وهذا هو الرأى الصحيح ، فإن التعامل فى الأشياء المستقبلة جائز ، والحوالة ليست إلا ضرباً من ضروب التعامل ، فتجوز تأسيساً على ذلك حوالة الحق المستقبل أو الحق الاحتمالى .
ويؤيد هذا الرأى فى التقنين المدنى المصرى نصان : ( أولهما ) المادة 948 وتنص على أن " يسقط الحق فى الأخذ بالشفعة . . . إذا نزل الشفيع عن حقه فى الأخذ بالشفيعة ولو قبل البيع " . فهنا النزول – وإن كان إسقاطاً لا حوالة – يرد على حق احتمالى . ( والنص الثانى ) المادة 1040 وتقضى بأنه " يجوز أن يترتب الرهن ضماناً لدين معلق على شرط أو دين مستقبل أو دين احتمالى " . فهنا أيضاً للحق الاحتمالى كيان يسمح بأن يترتب له ضمان ، فيصح إذن أن يكون محلاً للتعامل ( 753 ) .
وقد ذهب القضاء فى مصر إلى جواز أن يحول مالك العقار مقدماً الريع الذى ينتجه عقاره فى المستقبل ، وتكون هذه الحوالة سارية حتى فى حق الدائنين المقيدين قبل الحوالة ( 754 ) . وذهب أيضاً إلى جواز أن يحول المقاول إلى أحد المصارف الأجرة التى ستستحق له فى نظير الأعمال التى سيعهد بها إليه صاحب العمل ، وذلك ضماناً لحساب جار يفتحه له المصرف ( 755 ) .
$ 454 $
252 - حوالة الحقوق الناشئة عن عقود ملزمة للجانبين : فى العقد الملزم للجانبين يكون كل متعاقد دائناً ومديناً فى وقت واحد . ففى عقد الإيجار مثلاً ، المستأجر دائن للمؤجر بتمكينه من الانتفاع بالعين المؤجرة ، ومدين له بالأجرة . وفى عقد التوريد ، المورد دائن بالثمن ، ومدين بتوريد ما تعهد بتوريده . وفى عقد المقاولة ، المقاول دائن بالأجرة ومدين بالعمل . وفى عقد التأمين ، المؤمن له دائن بمبلغ التأمين ، ومدين بالأقساط . وهكذا . فهل يجوز لهؤلاء الدائنين المدنيين أن يحولوا لغيرهم ما لهم من حقوق ، مع استبقاء ما فى ذمتهم من التزامات؟ .
لا شك فى أن يجوز لهم ، فى التقنين المدنى الجديد ، بفضل حوالة الحق وحوالة الدين معاً ، أن يحولوا العقد كله للغير ، فيحولوا حقوقهم وفقاً لأحكام حوالة الحق ، ويحولوا دينهم وفقاً لأحكام حوالة الدين ( 756 ) .
ولكن هل يجوز لدائن من هؤلاء أن يقتصر عى حوالة حقه مع استبقاء الدين فى ذمته؟ هل يجوز للمتسأجر أن يحول حقه بالنسبة إلى العين المؤجرة ، مع استبقاء الأجرة فى ذمته؟ وهل يجوز للمورد أن يحول حقه فى الثمن ، مع بقائه ملتزماً بالتوريد؟ وهل يجوز للمقاول أن يحول حقه فى الجرة ، مع بقائه ملتزماً بالعمل؟ وهل يجوز للمؤمن له أن يحول حقه فى مبلغ التأمين ، مع بقائه ملتزماً بدفع الأقساط؟ .
فى التقنينات التى تجيز حوالة الدين كما تجيز حوالة الحق ، كالتقنين المدنى المصرى الجديد ، لا تقوم حاجة عملية إلى حوالة الحق دون الدين ، فإن الأيسر على ذوى الشأن أن يحولوا الحقوق والديون جميعاً ، أى الالتزامات الناشئة من العقد الملزم من الجانبين . وقد نظم التقنين المدنى المصرى الجديد تنظيماً $ 455 $ تشريعياً حوالة أحد العقود الملزمة للجانبين ، وهو عقد الإيجار ، باسم التنازل عن الإيجار . فأجاز للمستأجر التنازل عن الإيجار ، ولكن أبقاه ضامناً لالتزامات المتنازل له إلا إذا صدر من المؤجر قبول صريح بالتنازل أو استوفى الأجرة مباشرة من المتنازل له دون أن يبدى أى تحفظ فى شأن حقوقه قبل المستأجر الأصلى ( انظر المواد 593 و595 و597 ) مدنى ( 757 ) ) .
ولكن الحاجة العملية إلى الترخيص فى حوالة الحق دون الدين إنما تقوم فى التقنينات التى تنظم حوالة الحق دون أن تنظم حوالة الدين ، كالتقنين المنى الفرنسى ( 758 ) . ففى هذه التقنينات لا يتيسر للمتعاقد ، وهو دائن ومدين فى وقت واحد ، أن يحول دينه ، فهل يستطيع مع ذلك أن يحول حقه؟ دعا إلى التشكك فى هذا الأمر أن الحق والدين فى العقد الملزم للجانبين مرتبطان أحدهما بالآخر ارتباطاً وثيقاً ، حمل بعض الفقهاء على القول بأنه لا فكاك بينهما ، وأنه لا يجوز فصلهما بتحويل أحدهما واستبقاء الآخر ( 759 ) .
والصحيح أنه تجوز حوالة الحق دون الدين فى الأحوال المتقدمة الذكر . وإذا كان الحق والدين مرتبطين أحدهما بالآخر فى العقد الملزم للجانبين ، فليس معنى ذلك أنهما غير قابلين للتجزئة ( 760 ) . وغنى عن البيان أن حوالة الحق دون الدين جائزة فى التقنينات التى تنظم حوالة الدين كما تنظم حوالة الحق كالتقنين $ 456 $ المدنى المصرى ، وإذا كانت حوالة كل من الحق والدين جائزة فى هذه التقنينات ، فأولى أن تجوز حوالة الحق وحده .
253 - حوالة الحقوق المتنازع فيها والحق الشخصى قابل للحوالة حتى لو كان حقاً ينازع فيه المدين . ويعتبر الحق متنازعاً فيه إذا كان موضوعه قد رفعت به دعوى أو قام فى شأنه نزاع جدى ( 761 ) .
وإذا كانت حوالة الحق المتنازع فيه بيعاً ، فقد اعتبر المشرع المشترى ، وهو يتصيد الحقوق المتنازع فيها ، مضارباً قد وصل فى المضاربة حداً لا تحمد معه مسايرته فيه . ومن ثم جعل للمدين الذى ينازع فى هذا الحق أن يتخلص من مطالبة المشترى ، إذا هو رد إليه الثمن الحقيقى الذى دفعه – يكون عادة ثمناً بخساً – مع المصروفات وفوائد الثمن من وقت الدفع ( م 469 مدنى ) . إلا أنه استثنى من هذا الحكم حالات لا تتمحض فيها فكرة المضاربة ، بل يكون للمشترى فى الصفقة التى عقدها مسوغ مشروع ، وذلك إذا كان الحق المتنازع فيه داخلاً ضمن مجموعة أموال بيعت جزافاً بثمن واحد ، أو إذا كان الحق المتنازع فيه شائعاً بين ورثة أو ملاك وباع أحدهم نصيباه للآخر ، أو إذا نزل المدين للدائن عن حق متنازع فيه فى ذمة أجنبى وفاء للدين المستحق فى ذمته ، أو إذا كان الحق المتنازع فيه يثقل عقاراً وبيع الحق لحائز العقار ( 762 ) .
$ 457 $
ولما كان بيع الحقوق المتنازع فيها ليس خاصاً بالحقوق الشخصية ، بل هو عام يشمل الحقوق الشخصية الحقوق العينية على السواء ، متى كانت حقوقاً متنازعاً فيها على النحو الذى أسلفنا ذكره ، ثم هو مقصور على عقد البيع ، فإن هذه المسألة تخرج عن نطاق بحثنا ، فنكتفى هنا بما قدمناه ، وسنبحث المسألة فى تفصيل أو فى عند الكلام فى البيع .
254 - الحقوق العينية لا تكون محلاً لحوالة الحق : وقد قدمنا أن الحق الذى يكون محلاً لحوالة لابد أن يكون حقاً شخصياً . أما الحقوق العينية فتنتقل من صاحبها إلى غيره بطرق وإجراءات أخرى غير الطرق والإجراءات التى تتبع فى حوالة الحقوق الشخصية .
وأهم فرق بين الحق العينى والحق الشخصى فى هذا الصدد أن الحق العينى لا يتعلق بذمة مدين معين بالذات ، ومن ثم يتم نقله وينفذ بالاتفاق بين صاحب الحق ومن يتعاقد معه . أما النفاذ فى ح الغير ، فلا يمكن أن يكون ذلك بإعلان الاتفاق إلى مدين معين كما هو الشأن فى حوالة الحق ، ولكن بإجراءات أخرى . فإذا كان الحق العينى واقعاً على عقار ، حلت إجراءات التسجيل أو القيد محل إجراءات الإعلان . أما إذا كان الحق العينى واقعاً على منقول ، فإن القاعدة التى تقضى بأن الحيازة فى المنقول سند الملكية من شأنها أن تكفل لمن حاز المنقول حقه قبل الغير ( 763 ) .
$ 458 $
2 - الاستثناءات – الحالات التى يكون فيها لحق الشخصى غير قابل للحوالة
255 - متى يكون الحق الشخصى غير قابل للحوالة : قدمنا أن المادة 303 مدنى تقضى بأن الأصل فى الحق الشخصى أن يكون قبلاً للحوالة ، إلا إذا حال دون ذلك نص القانون أو اتفاق المتعاقدين أو طبيعة الالتزام ، وأن المادة 304 مدنى تقضى بأنه لا تجوز حوالة الحق إلا بمقدار ما يكون منه قابلاً للحجز .
فالحق الشخصى لا يكون إذن قابلاً للحوالة : ( 1 ) إذا كانت طبيعة تستعصى على الانتقال من دائن إلى دائن . ( 2 ) إذا نص القانون على عدم قابليته للحوالة ، ويعتبر النص على عدم قابلية الحق للحجز نصاً على عدم قابليته للحوالة بحكم المادة 304 مدنى . ( 3 ) إذا اتفق المتعاقدان على أن الحق لا يجوز تحويله ( 764 ) .
256 - عدم القابلية للحوالة بسبب طبيعة الحق : قد يكون الحق بسبب طبيعته متصلاً اتصالاً وثيقاً بشخص الدائن ، فلا يمكن فى هذه الحالة أن $ 459 $ بنزل عنه إلى شخص آخر . ومن ذلك حق الدائن فى النفقة ، وحقه فى التعويض عن الضرر الأدبى الذى لحق به ما دام لم تحدد التعويض اتفاق أو يطالب به الدائن أمام القضاء ( م 222 / 1 مدنى ) . كذلك يعتبر حق الشريط فى شركة الأشخاص ، وحق المزارع فى المزارعة ، وحق المستأجر فى إيجار اعتبرت فيه شخصيته ، ونحو ذلك من العقود المنظور فيها إلى شخصية المتعاقد ( intuit personce ) ، كل هذه حقوق لا يجوز للدائن تحويلها إلى شخص آخر .
257 - عدم قابلية الحق للحوالة بنص فى القانون أو لعدم قابلية للحجز هناك حقوق شخصية عنى القانون بالنص صراحة على عدم جواز حوالتها ، لاعبتارات ترجع فى الغالب إلى أنه تتصل اتصالاً توثيقاً بشخص الدائن .
من ذلك حق المستعير فى استعمال الشئ المعار ، فقد نصت الفقرة الأولى من المادة 639 مدنى على أنه لا يجوز للمستعير " دون إذن المعير أن ينزل عن الاستعمال للغير ولو على سبيل التبرع " .
ومن ذلك حق المستأجر فى الانتفاع بالعين المؤجرة ، فقد نصت قوانين الإيجار الاستثنائية على عدم جواز تنازل المستأجر عن حقه فى الإيجار بغير أذن كتابى صريح من المالك وإلا جاز للمؤجر طلب الإخلاء ( القانون رقم 121 لسنة 1947 المادة الثانية ) ، وذلك لأن المشرع قد ضمن للمستأجر شخصياً السكن بأجرة مخفضة فلا يجوز لهذا اتخاذ هذه الميزة وسيلة للاستغلال بالنزول للغير عن الإيجار ( 765 ) .
ومن الحقوق التى لا تقبل الحوالة لطائفة معينة من الأشخاص ما نصت عليه المادة 471 مدنى من أنه " لا يجوز للقضاة ولا لأعضاء النيابة ولا للمحامين $ 460 $ ولا لكتبه المحاكم أن يشتروا ، لا بأسمائهم ولا باسم مستعار ، الحق المتنازع فيه كله أو بعضه ، إذا كان النظر فى النزاع يدخل فى اختصاص المحكمة التى يباشرون أعمالهم فى دائرتها ، وإلا كان البيع باطلاً " . فتحريم الحوالة هنا مقصور على عمال القضاء .
وقد قدمنا أن هناك حقوقاً تأبى طبيعتها أن تقبل الحوالة . وقد يتولى القانون بنص منه بيان هذه الحقوق . من ذلك ما نصت عليه المادة 625 مدنى من أنه " لا يجوز لى المزارعة أن ينزل المستأجر عن الإيجار أو يؤجر من الباطن إلا برضاء المؤجر " . ومن ذلك ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 222 مدنى من أنه " يشمل التعويض الضرر الأدبى أيضاً ، ولكن لا يجوز فى هذه الحالة أن ينتقل إلى الغير إلا إذا تحدد بمقتضى اتفاق أو طالب الدائن به أمام القضاء " .
ولحق بالحقوق غير القابلة للحوالة بنص القانون الحقوق غير القابلة للحجز عليها بنص القانون ، وذلك بمقتضى المادة 304 مدنى كما سبق القول . من ذلك ما نصت عليه المادة 486 مرافعات من أنه " لا يجوز الحجز على ما يحكم به القضاء من المبالغ المقررة أو المرتبة مؤقتاً للنفقة أو للصرف منها فى غرض معين ، ولا على المبالغ والأشياء الموهوبة أو الموصى بها لتكون نفقة ، إلا بقدر الربع وفاء لدين نفقة مقررة " . ومن ذلك ما نصت عليه المادة 488 مرافعات من أنه " لا يجوز الحجز على أجور الخدم والصناع والعمال أو مرتبات المستخدمين إلا بقدر الربع ، وعند التزاحم يخصص نصفه لوفاء ديون النفقة المقررة والنصف الآخر لما عداها من الديون " . ومن ذلك ما قضى به القانون من عدم جواز الحجز على مرتبات الموظفين والمستخدمين إلا بقدر الربع فى نفقة أو فى دين مستحق للحكومة بسبب الوظيفة ( 766 ) . وغنى عن البيان أن الحق الذى يكون $ 461 $ غير قابل للحجز عليه فى شق منه فحسب ، لا تمتنع حوالته إلى فى الحدود التى يكون فيها غير قابل للحجز ( 767 ) .
258 - عدم قابلية الحق للحوالة باتفاق المتعاقدين : وقد يتفق المتعاقدان ، الدائن والمدين ، على أنه لا يجوز للدائن حوالة الحق الذى فى ذمة المدين ، أو على أن الحوالة لا تجوز إلا برضاء المدين . ولما كانت قابلية الحق للحوالة ليست من النظام العام ، فإن الاتفاق على عدم قابليته للحوالة جائز ( 768 ) .
من ذلك اشتراط المؤجر على المستأجر ألا ينزل عن الإيجار لغيره ، وتنص المادة 593 مدنى فى هذا الصدد على ما يأتى : " للمستأجر حق التنازل عن الإيجار أو الإيجار من الباطن ، وذلك عن كل ما استأجره أو بعضه ، ما لم يقض الاتفاق بغير ذلك " ( 769 ) .
$ 462 $
وبعد أن جعل التقنين المدنى الجديد حوالة الحق جازة بغير رضاء المدين ، أصبح للمدين ، إذا كان لا يريد الحوالة دون رضائه ، أن يتشرط فى عقد الاتفاق على المدين منذ البداية عدم جواز حوالة هذا الحق . وهذا الشرط جائز معتبر ، لأن النظام العام ، كما قدمنا ، لا يقتضى منعه ( 770 ) . وهذا بخلاف حق التصرف فى الحقوق العينية ، فإن النظام العام يقتضى التضييق من منع التصرف فيها حتى يسه تداول الأموال ( 771 ) . ومن ثم كان شرط منع التصرف فى المال مقيداً بوجوب قيامه على باعث مشروع وبقصره على مدة معقولة . وقد نصت المادة 823 مدنى فى هذا الصدد ما يأتى : " 1 - إذا تضمن العقد أو الوصية شرطاً يقضى بمنع التصرف فى مال ، فلا يصح هذا الشرط ، ما لم يكن مبيناً على باعث مشروع ومقصوراً على مدة معقولة . 2 - ويكون الباعث مشروعاً متى كان المراد بالمنع من التصرف حماية مصلحة مشروعة للمتصرف أو للمتصرف إليه أو للغير . 3 - والمدة المعقولة يجوز أن تستغرق مدى حياة المتصرف أو المتصرف إليه أو الغير " ( 772 ) .
$ 463 $
الفرع الثانى
التراضى فى حوالة الحق
259 - النصوص القانونية : رأينا أن المادة 303 من التقنين المدنى تنص على أنه " يجوز للدائن أن يحول حقه إلى شخص آخر . . . وتتم الحوالة دون حاجة إلى رضاء المدين " .
وتنص المادة 305 على ما يأتى :
" لا تكون الحوالة نافذة قبل المدين أو قبل الغير إلا إذا قبلها المدين أو أعلن بها . على أن نفاذها قبل الغير بقبول المدين يستلزم أن يكون هذا القبول ثابت التاريخ " ( 773 ) .
وتقابل هذه النصوص فى التقنين المدنى السابق المادة 349 أهلى والمواد 435 – 437 مختلط ( 774 ) .
$ 464 $
وتقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى $ 465 $ م 303 و305 - وفى التقنين المدنى الليبى م 290 و292 - وفى التقنين المدنى العراقى م 362 - 363 - وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المواد 280 و282 - 283 ( 775 ) .
$ 466 $
ويتبين من هذه النصوص أن الحوالة تتم بتراضى المحيل والمحال له دون حاجة إلى رضاء المدين ( المحال عليه ) . ولكن لا تنفذ فى حق المحال عليه إلا إذا قبلها أو أعلن بها ، ولا فى حق الغير إلا من تاريخ إعلان المحال عليه أو من التاريخ الثابت لقبوله .
فنبحث أمرين : ( 1 ) انعقاد الحوالة ( 2 ) نفاذ الحوالة فى حق المدين ( المحال عليه ) وفى حق الغير .
1- انعقاد الحوالة
260 - تراضى المحيل والمحال له كاف فى انعقاد الحوالة – لا حاجة إلى رضاء المدين : يكفى فى انعقاد الحوالة تراضى المحيل والمحال له ، أى الدائن الأصلى والدائن الجديد . فإذا رضى الدائن الأصلى أن يحول حقه الذى فى ذمة مدينه إلى شخص آخر ، وقبل هذا الشخص الآخر ، فقد انعقدت الحوالة ، وصال الدائن الأصلى محيلاً والدائن الجديد محالاً له ، وكل ذلك دون حاجة إلى رضاء المدين الذى فى ذمته الحق ، بل يصبح هذا بانعقاد الحوالة محالاً عليه . وهذا ما تنص عليه صراحة المادة 303 مدنى كما رأينا ، مجانية فى ذلك مذهب التقنين الأهلى السابق حيث كان يشتط رضاء المدين ، ومتمشية مع التقنين المختلط السابق وسائر التقنينات الحديثة حيث لا يشترط هذا الرضاء ( 776 ) .
$ 467 $
والسبب فى عدم الحاجة إلى رضاء الدين أن انتقال الحق من دائن إلى آخر ليس من شأنه الإضرار بالمدين إضراراً يستوجب تحتيم رضائه لانعقاد الحوالة . ففى أكثر الأحوال يستوى لدى المدين أن يطالبه شخص أو آخر بالدين الذى فى ذمته . وفى أحوال قليلة قد يعنى المدين أن يطالبه دائنه الأصلى دون أى شخص آخر ، لأنه إنما تعامل معه ، أو لاحتمال أن يكون غيره أشد إلحافاً فى المطالبة . ولكن الضرر الذى ينجم عن ذلك أقل بكثير من الضرر الذى يصيب الدائن من جراء منعه من حوالة حقه عندما تقوم به الحاجة إلى ذلك ، أو عندما يرى فى ذلك فائدة . وما على المدين ، وقت نشوء الدين ، إذا كان يحرض ألا يتغير عليه دائنه ، إلا أن يتفق مع الدائن على عدم جواز الحوالة إلا برضائه ، وقد تقدم القول فى ذلك . أم نفاذ الحوالة فى حق المدين فلا يكون إلا برضائه أو بإعلانه كما سيأتى ( 777 ) .
261 - الحوالة اتفاق رضائى لا يشترط فيه شكل خاص إلى فى الهيئة : والحوالة ، ما لم تكن هبة صريحة ، اتفاق رضائى ( 778 ) . فلا يتشرط $ 468 $ لانعقادها شكل خاص ، بل تنعقد بمجرد توافق الإيجاب والقبول ( 779 ) ، ومن ثم لا يوجد ما يمنع من حوالة حق غير ثابت بالكتابة ( 780 ) . وقد كان المشروع التمهيدى يشتمل على نص فى هذا المعنى ، هو المادة 428 من هذا المشروع ، وكانت تجرى على الوجه الآتى : " 1 - لا يتشرط فى انعقاد الحوالة شكل خاص ، حتى لو كان الحق المحال به مضموناً برهن رسمى أو بأى عينى آخر . 2 - ولكن لا يجوز التمسك قبل الغير بحوالة تأمين عينى إلا إذا حصل التأشير بذلك على هامش للقيد الأصلى لهذا التأمين ( 781 ) " . وقد حذف هذا النص فى لجنة المراجعة ، " لأن الفقرة الأولى منه يمكن استخلاصها من القواعد العامة ، ولأن الفقرة الثانية ورد حكمها فى مكان آخر ( 782 ) " . وغنى عن البيان أنه إذا لم يؤشر بالحوالة فى هامش القيد الأصلى للتأمين ، وانتقلت العين المرهونة إلى حائز ، جاز $ 469 $ لهذا الحائز أن يفى بالدين وفاء صحيحاً للدائن الأصلى ، إذ المفروض أنه يجعل وقوع الحوالة ما دام لم يؤشر بها على هامش القيد ( 783 ) .
أما إذا تمحضت حوالة الحق هبة مباشرة ، فإنها ككل هبة يجب أن تفرغ فى شكلها الرسمى ، ولا تنعقد إلا إذا كانت فى ورقة رسمية . وليس فى هذا إلا تطبيق للقواعد العامة فى الهبة ( 784 ) .
262 - وجوب مراعاة قواعد الإثبات : على أنه تجب مراعاة القواعد العامة فى إثبات الحوالة, فإذا حول دائن حقه ، وهو مائة جنيه مثلاً ، إلى آخر بثمن قدره تسعون جنيهاً ، وذلك بالتراضى بينهما ، فإن المحيل لا يستطيع إثبات التزام المحال له بالثمن ، ولا المحال له يستطيع إثبات التزام المحيل بنقل هذا الحق ، إلا بالكتابة أو بما يقوم مقامها ، ولا يجوز الإثبات بالبينة أو بالقرائن ( 785 ) ، لأن كل التزام من هذين يزيد على عشرة جنيهات . أما إذا كان الحق المحال به هو اثنا عشر جنيهاً وكان ثمن الحوالة عشرة جنيهات مثلاً ، فإن المحيل يستطيع إثبات التزام المحال له بالثمن بالبينة والقرائن لأن الثمن لا يزيد على عشرة جنيهات ، $ 470 $ ولكن المحال له لا يستطيع إثبات التزام المحيل بنقل الحق إلا بالكتابة أو بما يقوم قامها لأن الحقتزيد قيمته على عشرة جنيهات ( 786 ) .
وتبقى هذه القواعد العامة للإثبات هى المعمول بها ، حتى لو أريد إثبات حوالة حق ثابت فى سند اسمى أو فى سند تحت الإذن ، لأن الإجراءات الخاصة بحوالة هذه الحقوق ليست ضرورية إلا لجعل الحوالة نافذة فى حق الغير ، فهى ليست ضرورية لا لانعقاد الحوالة ولا لإثباتها بعد الانعقاد .
263 - تكييف الاتفاق الذى تتم به الحوالة : والاتفاق الذى تتم به الحوالة ما بين المحيل والمحال له هو الذى ينقل الحق من الأول إلى الثانى . ولذلك سمى اتفاقاً ( convention ) ولم يسمى عقداً ( contrat ) ، إذ يذهب بعض الفقهاء إلى أن الاتفاق أعم من العقد ، فهو ينشئ الحقوق وينقلها ويعدلها ويقضيها ، أما العقد فيقتصر على إنشاء الحقوق ( 787 ) . ولما كانت الحوالة تنقل حقاً شخصياً موجوداً من قبل ، ولا شأن لها فى إنشاء هذا الحق ، فهى اتفاق لا عقد . ولكن أكثر الفقهاء لا يرون أهمية عملية للتمييز بين الاتفاق والعقد ( 788 ) .
على أنه يمكن القول من جهة أخرى أن الاتفاق على الحوالة ما بين المحيل والمحال له يبدأ بإنشاء التزام فى ذمة المحيل بنقل حقه الشخصى إلى المحال له ، ويتم تنفيذ هذا الالتزام فوراً بمجرد نشوئه فينتقل الحق إلى المحال له . فإذا صح هذا التكييف ، كانت الحوالة عقداً حتى عند من يذهبون إلى التمييز بين العقد $ 471 $ والاتفاق ، غذ أنها تبدأ بإنشاء التزام بنقل الحق ثم ينتقل الحق تنفيذاً لهذا الالتزام ( 789 ) .
2 - نفاذ الحوالة فى حق المدين وفى حق الغير
264 - معنى صيرورة الحوالة نافذة فى حق المدين وفى حق الغير : قدمنا أن الحوالة تنعقد بالتراضى بين المحيل والمحال له ، دون حاجة إلى رضاء المدين . ولكن انعقاد الحوالة لا يكفى لجعلها نافذة فى حق المدين أو فى حق الغير .
أما أن انعقاد الحوالة لا يكفى لجعلها نافذة فى حق المدين ، فذلك لأن الحوالة تنعقد دون حاجة إلى رضائه ، فيصح أن يكون جاهلاً بوقوعها ، فيعامل دائنه الأصلى على أنه دائنه الوحيد ، ويفى له بالدين أو يقضيه معه بأى سبب من أسباب الانقضاء كالتجديد والمقاصة والإبراء . وينبغى أن يقع هذا التعامل صحيحاً ، وأن يستطيع المدين الاحتجاج به على المحال له ، ومعنى ذلك أن الحوالة لا تكون نافذة فى حق المدين . وإنما تنفذ الحوالة فى حقه إذا كان عالماً بها ، وعندئذ يصبح المحال له هو دائنه الوحيد ، ولا يمجوز له التعامل مع الدائن الأصلى أو الوفاء له بالدين . فهذا هو معنى صيرورة الحوالة نافذة فى حق المدين .
أما معنى صيرورتها نافذة فى حق الغير ، فهذا يقتضى أولاً تحديد معنى " الغير " هنا . يمكن اعتبار المدين " غيراً " من وجه ، وطرفاً فى الحوالة من $ 472 $ وجه آخر . وعلى كل حال فإن المدين له وضع خاص فى الحوالة يجعله بين بين ( 790 ) .
أما الأشخاص الذين يتمحضون " غيراً " فى الحوالة فهم كل شخص كسب حقاً من جهة المحيل على الحق المحال به ، يتعارض مع حق المحال له . فيكون غيراً محال له آخر غير المحال له الأول ، يبتاع الحق المحال به ، أو يوهب له أو يرتهنه مثلاً . كما يكون غيراً دائن المحيل إذا وقع حجزاً على الحق المحال به تحت يد المحال عليه . كذلك إذا شهر إفلاس المحيل أو شهر إعساره ، فدائنوه يصبحون من الغير بالنسبة إلى المحال له ( 791 ) . ومعنى صيرورة الحوالة نافذة فى حق هؤلاء الأغيار هو أنه عند تزاحم المحال له مع أحد منهم – محال له ثان أو دائن حاجز أو دائن المفلس أو المعسر – يقدم المحال له إذا كان تاريخ نفاذ حوالته فى حق هذا الغير سابقاً على تاريخ نفاذ الحوالة الثانية أو الحجز أو الإفلاس أو الإعسار فى حقه هو .
265 - إعلان المدين بالحوالة أو قبوله لها ضرورى لنفاذ الحوالة فى حقه وفى حق الغير : لابد إذن ، لنفاذ الحوالة فى حق المدين المحال عليه ، من أن يعلم بها . وقد اختار القانون لإعلامه بها أحد طريقين : إما إعلانه بهذه الحوالة ، وإما قبوله لها . وقد نصت على ذلك المادة 305 مدنى ، كما رأينا . $ 473 $ ولا فرق بين الطريقين ، فأى منهما يكفى لجعل الحوالة نافذة فى حق المدين ( 792 ) . غير أن النتائج التى تتربت على قبول قد تكون فى بعض الأحوال أبعد مدى من تلك التى تترتب على مجرد الإعلان . من ذلك ما نصت عليه المادة 368 مدنى من أنه : " 1 - إذا حول الدائن حقه للغير وقبل المدين الحوالة دون تحفظ ، فلا يجوز لهذا المدين أن يتمسك قبل المحال له بالمقاصة التى كان له أن يتمسك بها قبل قبوله للحوالة ، ولا يكون له إلا الرجوع بحقه على المحيل . 2 - أما إذا كان المدين لم يقبل الحوالة ولكن أعلن بها ، فلا تمنعه هذه الحوالة من أن يتمسك بالمقاصة " . وسنعود إلى هذه المسألة فيما يأتى .
أما لنفاذ الحوالة فى حق الغير ، فإنه يجب أيضاً إما إعلان المدين الحوالة وإما قبوله لها . ولما كان إعلان المدين بالحوالة لا يصح إلا بورقة رسمية كما سنرى ، فإن هذا الإعلان له تاريخ ثابت حتماً ، ويكون نفاذ الحوالة ، فى حق الغير ، كنفاذها فى حق المدين ، من هذا التاريخ . فإذا تزاحم المحال له مع محال آخر أو مع دائن حاجز مثلاً ، وكانت الحوالة نافذة فى حق الغير من طريق إعلانها للمدين ، فتاريخ هذا الإعلان هو الذى يحدد مرتبتها بالنسبة إلى الحوالة $ 474 $ الثانية أو إلى الحجز . أما إذا كان نفاذ الحوالة فى حق الغير من طريق قبول المدين لها ، فليس من المحتم أن يكون لهذا القبول تاريخ ثابت ، ومن ثم لا تكون الحوالة نافذة فى هذه الحالة فى حق الغير إلا من الوقت الذى يكون فيه للقبول تاريخ ثابت . ونرى من ذلك أن الحوالة ، إذا كان نفاذها من طريق قبول المدين ، تكون نافذة فى حق المدين من وقت هذا القبول ولم لم يكن له تاريخ ثابت ، ولا تكون نافذة فى حق الغير إلا من وقت أن يكون للقبول تاريخ ثابت ، فهى إذن قد تكون نافذة فى حق المدين دون أن تكون نافذة فى حق الغير . وهذا ما نصت عليه المادة 305 مدنى ، فهى تقضى كما رأينا بأنه " لا تكون الحوالة نافذة قبل المدين أو قبل الغير إلا إذا قبلها المدين أو أعلن بها . على أن نفاذها قبل الغير بقبول المدين يستلزم أن يكون هذا القبول ثابت التاريخ " . . وسنعود إلى تفصيل ذلك عند الكلام فى العلاقة ما بين المحال له والغير .
والغرض من هذه الإجراءات – إعلان المدين أو قبوله – مراعاة مصلحة المدين أولاً وذلك حتى يعلم بالحوالة فيمتنع من معاملة الدائن الأصلى ولا يعامل إلا الدائن الجديد ، ومراعاة مصلحة الدائن الجديد ثانياً وذلك حتى يصبح بعد الإعلان أو القبول هو وحده صاحب الحق المحال به تجاه المدين والغير ، ومراعاة مصلحة الغير أخيراً إذ أنه لا يمكن تركيز شهر الحوالة فى جهة خير من جهة المدين ، فهو الذى يطالبه المحال له بالحق ، وهو الذى يستطيع أن يخبر الغير الذى يريد أن يتعامل فى هذا الحق بما إذا كان الدائن قد تصرف فيه من قبل أو أن حجزاً وقع على الحق تحت يده ، ما دام قد قبل هذا التصرف السابق أو أعلن به أو بالحجز ، فيمتنع الغير بعد ذلك عن التعامل مع الدائن فى هذا الحق ( 793 ) .
$ 475 $
266 - إعلان المدين بالحوالة :يصدر هذا الإعلان إما من المحيل أو من المحال له . ولما كان المحال له هو الذي يعنيه قبل غيره أن تكون الحوالة نافذة فى حق المدين وفى حق الغير ، وهو الذي يخشى إن أبطأ فى ذلك أن يعمد المحيل إلى التصرف فى حقه مرة أخرى أو إلى استيفائه من المدين ، لذلك كان الغالب أن يكون هو – لا المحيل إلى التصرف فى حقه مرة أخرى أو إلى استيفائه من المدين ، لذلك كان الغالب أن يكون هو – لا المحيل – الذي يتولى إعلان الحوالة للمدين ( 794 ) . وقد يعنى المحيل إعلان الحوالة ، حتى لا يوقع أحد دائنيه حجزاً تحفظياً تحت يد المدين قبل إعلانها ، فيصبح الحجز نافذاً فى حق المحال له ، ويرجع هذا عليه بالضمان ، ومن ثم يكون المحيل نفسه هو الذي يبادر بإعلان الحوالة درءاً لهذا الخطر ( 795 ) .
ويمكن إعلان المدين بالحوالة فى أى وقت بعد صدورها . ولا يكون الإعلان متأخراً ، إلا إذا سبقه إجراء يمنع من جعله مفيداً . مثل ذلك أن تصدر من المحيل حوالة أخرى تعلن للمدين أو يقبلها ، فمن وقت إعلان الحوالة الثانية أو قبولها لم يعد من المفيد إعلان الحوالة الأولى . ومثل ذلك أيضا توقيع حجز من دائن المحيل تحت يد المدين ، فمن يوم توقيع هذا الحجز لم يعد إعلان الحوالة إلا بمثابة حجز جديد كما سنرى . ومثل ذلك أخيراً شهر إفلاس المحيل أو شهر $ 476 $ إعساره ، فمن ذلك الوقت لا يكون إعلان الحوالة ، ولو صدرت منه قبل شهر الإفلاس أو الإعسار ، مفيداً ، إذ لا يمكن الاحتجاج بالحوالة فى هذه الحالة على دائنى المفلس أو المعسر . ومن ذلك نرى أن للمحال له مصلحة فى التعجيل بإعلان الحوالة إلى المدين ، حتى لا يسبق الإعلان إجراء مماثل لما قدمناه فيعطل حقه ويجعل الحوالة غير نافذة فى حق الغيـر ( 796 ) .
ويجب أن يكون إعلان المدين إعلاناً رسميا على يد محضر ( 797 ) . فلا يكفى الإعلان الشفوى ، بل ولا الإعلان المكتوب ولو فى كتاب مسجل ( 798 ) . وليس من الضرورى أن يتضمن الإعلان نص الحوالة ، بل يكفى أن يشتمل على ذكر وقوع الحوالة مع بيان لشروطها الأساسية ( 799 ) . ومن ثم جاز إعلان الحوالة على هذا الوجه حتى لو كانت شفوية غير مدونة فى ورقة مكتوبة ( 800 ) . وأية ورقة رسمية تشتمل على هذه البيانات وتعلن للمدين تقوم مقام الإعلان ، فيقوم مقام الإعلان صحيفة الدعوى التى يرفعها المحال له على المدين مطالباً إياه بوفاء الحق المحال به ، ومن وقت وصول صحيفة الدعوى إلى المدين يعتبر هذا معلناً بالحوالة فتنفذ فى حقه وفى حق الغير ( 801 ) . ويغنى أيضا عن الإعلان $ 477 $ التنبيه ( 802 ) ، والتقدم فى توزيع ( 803 ) ، وتوقيع المحال له حجراً تحفيظاً تحت يد المدين ( 804 ) .
ويوجه إعلان إعلان الحوالة إلى المدين ( 805 ) ، أو إلى نائبه كممثل الجمعية أو مدير الشركة أو الولى أو الوصى أو القيم ، أو إلى أى شخص تكون له صفة فى وفاء الحق عن المدين ( 806 ) . وإذا كان الحق المحال به حقا مستقبلا ، جاز توجيه $ 478 $ الإعلان إلى جميع الأشخاص الذين يحتمل أن يكونوا مدينين بهذا الحق ( 807 ) .
267 - قبول المدين للحوالة : والطريق الثانى لصيرورة الحوالة نافذة فى حق المدين هو قبوله لها . فإذا صار للقبول تاريخ ثابت ، أصبحت الحوالة نافذة أيضا فى حق الغير كما سبق القول .
والوقت الذي يصح فى خلاله هذا القبول هو نفس الوقت الذي يصح فى خلاله إعلان الحوالة ، فيكون القبول متأخراً إذا سبقه إعلان حوالة أخرى أو حجز تحفظى تحت يد المدين أو قبول منه لحوالة أخرى أو شهر إفلاس المحيل أو شهر إعساره . ويصح صدور القبول وقت صدور الحوالة نفسها وفى نفس الورقة التى دونت فيها الحوالة ، كما يصح صدوره بعد ذلك على الوجه الذي قدمناه ، ولكن لا يصح صدوره قبل صدور الحوالة ( 808 ) .
$ 479 $ ولا يتضمن قبول المدين للحوالة نزولا منه عن الدفوع التى كان له أن يدفع بها مطالبة المحيل ، فهو بالرغم من قبوله للحوالة يستبقى هذه الدفوع ، ويجوز له أن يتمسك بها قبل المحال له كما سنرى . فقبول المحال له للحوالة لا يعنى أكثر من أنه علم بوقوع الحوالة ، فأصبحت سارية فى حقه ، وصار واجباً عليه أن يدفع الدين للمحال له لا للمحيل ، ولكن فى الحدود التى يجب عليه فيها دفع هذا الدين للمحيل . ويستثنى من ذلك أمر واحد سبقت الإشارة إليه ، هو أن الدفع بالمقاصة الذي كان المدين يستطيع أن يتمسك به قبل المحيل لا يجوز التمسك به قبل المحال له إذا قبل المدين الحوالة دون تحفظ ( م 368 / 1 مدنى ) . ولكن هذا لا يمنع المدين من أن يضمن قبوله للحوالة نزولا عن الدفوع التى كانت له قبل المحيل ، فيصبح بهذا القبول البعيد المدى ملتزماً بدفع الدين للمحال له ، ولا يجوز له التمسك قبله بالدفوع التى كان يستطيع التمسك بها قبل المحيل . ولكن مثل هذا القبول لا يفترض ، بل لا بد أن يكون الإطلاق فيه على هذا الوجه واضحاً ، فإن قام ثمة شك فسر القبول لصالح المدين ، واعتبر قبولا للحوالة مع الاحتفاظ بما للمدين من دفوع كان له أن يتمسك بها قبل المحيل ( 809 ) .
فالقبول إذن ، بهذا التحديد ، لا يفيد أكثر من إقرار ( 810 ) من جانب المدين بأنه علم بوقوع الحوالة كما تقدم القول ، ولا يفيد أن المدين أصبح طرفاً فى عقد الحوالة ، فقد أسلفنا أن هذا العقد يتم دون حاجة إلى قبوله . ومن ثم إذا رفض المدين أن يقبل الحوالة ، أمكن الاستغناء عن قبوله بإعلان الحوالة إليه ، فالإعلان كالقبول يفيد حتما علم المدين بوقوع الحوالة ، وهذا هو المقصود من كل من القبول والإعلان .
ويصدر القبول من المدين أو من نائبه أو من أى شخص آخر يمكن أن يوجه إليه الإعلان فيما لو كانت الحوالة قد أعلنت ، وقد تقدم بيان من يوجه $ 480 $ إليه إعلان الحوالة ( 811 ) .
وليس للقبول شكل خاص . فيصح أن يكون فى ورقة رسمية ( 812 ) ، كما يصح أن يكون فى ورقة عرفية ثابتة التاريخ ، أو فى ورقة عرفية غير ثابتة التاريخ . بل يصح ألا يكون مكتوباً أصلا ، فيكون قبولا شفويا . وقد يكون قبولا ضمنياً ، كما يقع فيما إذا دفع المدين بعض أقساط الدين للمحال له ففى هذا قبول ضمنى للحوالة ( 813 ) ، وكما يقع فيما إذا استوفى المؤجر الأجرة مباشرة من المتنازل له عن الإيجار دون أن يبدى أى تحفظ فى شأن حقوقه قبل المستأجر الأصلى ( م 597 ثانياً مدنى ) . ويخضع القبول فى هذه الحالة ، إذا أنكر المدين صدوره منه ، للقواعد العامة فى الإثبات ، فيجوز إثباته بالبينة والقرائن إذا كان الحق المحال به لا يجاوز عشرة جنيهات ، وإلا فلا يجوز إثباته إلا بالكتابة أو بما يقوم مقامها ( 814 ) . كل هذا لنفاذ الحوالة فى حق المدين ، أما لنفاذها فى حق الغير فقد قدمنا أن القبول يجب أن يكون فى ورقة مكتوبة ثابتة التاريخ .
268 - هل يقوم علم المدين بصدور الحوالة مقام الإعلان أو القبول : رأينا فيما قدمناه أن المقصود فى إعلان المدين بالحوالة أو قبوله بها $ 481 $ هو إثبات علمه بوقوعها ، فهل يستخلص من ذلك أنه متى ثبت علم المدين بالحوالة ، ولو من طريق آخر غير الإعلان أو القبول ، تكون الحوالة نافذة فى حقه؟
قد يعلم المدين بوقوع الحوالة دون أن يعلن بها على يد محضر ودون أن يصدر منه قبول بها . فقد يكون الحق المحال به مضموناً برهن رسمى وأشار المحال له على هامش القيد بالحوالة ، فعلم المدين بها من هذا الطريق ( 815 ) . وقد يكون المدين قد حضر مجلس العقد وقت صدور الحوالة ، فعلم بصدورها . وقد يكون أجنبى أخطره ، شفوياً أو كتابة ، بوقوع الحوالة . وأيسر من هذا كله أن يكون المحال له أو المحيل هو الذي تولى بنفسه إخطار المدين بصدور الحوالة ، ولكن لا بإعلان رسمى ، بل شفوياً أو كتابة ولو بكتاب مسجل . فما دام المدين لم يعلن رسمياً على يد محضر ، وما دام لم يصدر منه قبول بالحوالة ، فحتى الكتاب المسجل الذي يخطره فيه المحال له أو المحيل بصدور الحوالة لا يجعل عدمه حاصلا من أحد الطريقين اللذين رسمهما القانون لذلك .
فى جميع هذه الأحوال لا يكون علم المدين بوقوع الحوالة ، كما قدمنا ، حاصلا بالطريق الذي رسمه القانون . فلا يكون هذا العلم ، مهما استطاع ذو المصلحة أن يثبته ، بل ولو أقر به المدين نفسه ، كافياً فى جعل الحوالة نافذة فى حقه ( 816 ) . ذلك أن القانون متى رسم طريقاً محددا للعلم بتصرف معين ، فلا يجوز استظهار العلم إلا بهذا الطريق . فالتسجيل مثلا طريق لشهر انتقال الحقوق العينية العقارية الأصلية ، فلا يكون انتقال هذه الحقوق نافذاً فى حق الغير إلا من طريق التسجيل . والقيد طريق لشهر إنشاء الحقوق العينية العقارية التبعية ، فلا تنفذ هذه الحقوق فى حق الغير إلا بالقيد . وكذلك الإعلان أو القبول طريق لشهر انتقال الحقوق الشخصية ، فلا تكون الحوالة نافذة فى حق المدين وفى حق الغير إلا بالإعلان أو القبول ( 817 ) .
$ 482 $ هذه هى القاعدة ، ولا تحتمل استثناء إلى فى حالة الغش ، فإن العش بطبيعة الحال يفسد أى تصرف ( fraus omnia corrumpit ) . وصورة الغش هنا أن يكون المدين عالما بوقوع الحوالة عن طريق غير طريقى الإعلان والقبول ، ثم يعمد غشا ، متواطئا مع المحيل ، إلى الوفاء له بالدين إضراراً بحقوق المحال له ، وقد يحصل فى مقابل ذلك على منفعة من المحيل كأن ينزل له عن جزء من الدين .
فالوفاء بالدين للمحيل هنا باطل ، أبطله الغش والتواطؤ . ويجوز فى هذه الحالة للمحال له ألا يعتد بهذا الوفاء ، وأن يعلن الحوالة للمدين فتصبح نافذة فى حقه ، ثم يطالبه بعد ذلك بالحق المحال به ، فيوفيه المدين مرة ثانية للمحال له ، وهو فى هذا إنما يتحمل نتيجة غشه ، وليس له إلا الرجوع على المحيل بما دفعه له أول مرة . كذلك الحال فيما إذا حول الدائن حقه إلى شخص آخر ، وقبل إعلان المدين بالحوالة أو قبوله بها تواطأ المحيل مع شخص ثالث وحول له الحق مرة أخرى ، وبادر المحال له الثانى إلى إعلان المدين بالحوالة أو حمله على قبولها ، علم المدين بالحوالة الأولى أو لم يعلم . ففى هذه الحالة أيضاً تواطأ المحيل مع المحال له الثانى ، وتحايلا على جعل الحوالة الثانية نافذة فى حق الغير قبل نفاذ الحوالة الأولى ، فيجوز للمحال له الأول ألا يعتد بالحوالة الثانية التى وقعت غشا له ( 818 ) ، ويبادر إلى إعلان الحوالة الأولى للمدين ويطالبه بدفع الحق المحال به . فإذا لم يكن المدين قد وفى الحق للمحال له الثانى ، فعليه أن يوفيه للمحال له الأول لأن الحوالة الثانية وقعت باطلة للغش كما قدمنا . أما إذا كان المدين قد وفى الحق للمحال له الثانى ، فإن كان شريكاً فى الغش ، فإن هذا الوفاء لا يعتد به وعليه أن يفى الحق مرة أخرى للمحال له الأول على الوجه الذي قدمناه . أما إذا لم يكن شريكا فى الغش ، حتى لو كان مقصراً كل التقصير فى عدم اتخاذه ما ينبغى الاحتيــاط ( 819 ) . ، فإن وفاءه الحق للمحال له الثانى يكون مبرئاً لذمته بعد $ 483 $ أن أصبحت الحوالة الثانية نافذة فى حقه قبل نفاذ الحوالة الأولى ، ولا يجبر على الدفع مرة أخرى للمحال الأول . وليس أمام هذا إلا الرجوع بالتعويض على كل من المحيل والمحال له الثانى اللذين تواطأ على الإضرار بحقوقه ( 820 ) .
$ 484 $ ولكن ليس من الضرورى أن يكون علم المدين بوقوع الحوالة ، من غير الطريقين اللذين رسمهما القانون وهما الإعلان والقبول ، سبباً فى ثبوت الغش فى جانبه . فقد يصل إلى علمه أن الدائن قد حول حقه إلى آخر ، ولكن لا يعلن بالحوالة ولا تعرض عليه لقبولها ، ثم يطالبه الدائن بالدين ، فيقع فى نفسه أن الحوالة التى سمع بها لا حقيقة لها ، فيوفى الدين للدائن ، ولا يكون قد ارتكب $ 485 $ غشاً فى هذا الوفاء ( 821 ) . بل قد يعلم المدين حق العلم بوقوع الحوالة ، من غير الإعلان أو القبول ، ومع ذلك يطالبه الدائن بالدين ويلح فى الطلب ، ولا يكون لدى المدين دليل على صدق الحوالة ، فلا يسعه – بعد أن يخطر المحال له إن كان يعرفه ثم لا يفعل هذا شيئاً لجعل الحوالة نافذة – إلا أن يفى بالدين للدائن ، فلا يكون قد ارتكب غشاً فى هذه الحالة ، ويكون وفاؤه مبرئاً لذمته بالرغم من علمه بالحوالة ( 822 ) .
كذلك ليس من الضرورى أن يكون علم المحال له الثانى بصدور الحوالة الأولى ، من غير طريق الإعلان أو القبول ، سبباً فى ثبوت الغش من جانبه . فقد يظن ، من جراء إبطاء المحال له الأول فى جعل الحوالة نافذة ، أن الحوالة الأولى قد نقضت بفسخ أو إبطال أو مقايلة أو نحو ذلك . بل قد يكون المحال له الثانى موقتاً كل اليقين من صدور الحوالة الأولى ومن أنها لا تزال قائمة ، ولكن لا يثبت الغش مع ذلك فى جانبه ، بأن يكون قد اتفق مع المحيل على الحوالة الثانية قبل أن يعلم بالحوالة الأولى ، ثم يعلم بها ، فلا يسعه فى هذه الحالة إلا أن يبادر إلى المحافظة على حقوقه بأن يجعل الحوالة الثانية نافذة بإعلانها إلى المدين بحمله على قبولها ، وهو فى ذلك لم يرتكب غشاً ، ولم يرد الإضرار بحقوق المحال له الأول ، وإنما أراد دفع الضرر عن نفسه . وهذا هو أيضا شأن الدائن العادى للمحيل إذا كان حقه ثابتاً قبل صدور الحوالة ، فإنه إذا بادر إلى توقيع حجز تحفظى تحت يد المدين ، حتى بعد علمه بصدور الحوالة ، لا يكون قد ارتكب غشاً للإضرار بالمحال له ، وإنما هو يسعى لدفع الضرر عن نفسه ( 823 ) .
$ 486 $
269 - إجراءات خاصة لجعل حوالة بعض الحقوق نافذة فى حق المدين والغير : ما قدمناه من وجوب الإعلان أو القبول لنفاذ الحوالة ينطبق ، كما أسلفنا ، على الحقوق المدنية والتجارية على السواء .
إلا أن هناك أوضاعاً خاصة ، هى فى الأصل أوضاع تجارية ، إذا أسبغت على الحقن تجارياً كان أو مدنياً ، أصبحت له إجراءات خاصة لتكون حوالته نافذة فى حق الغير . فقد يكون سند الحق سنداً اسمياً ( titre nominatif ) ، أو سنداً إذنياً ( titre a ordre ) ، أو سنداً لحامله ( titrue au porteur )
أما السند الإسمي فيشمل الأسهم ( actions ) والسندات ( obligations ) التى تتخذ هذا الوضع ، وهى إما أسهم وسندات للشركات المساهمة أو سندات على الدولة . وحوالة هذه السندات الإسمية تنعقد فيما بين المحيل والمحال له بالتراضى كما هى القاعدة العامة ، إلا أن هذه الحوالة لا تكون نافذة فى حق المدين أو فى حق الغير إلا بقيد الحوالة فى دفتر خاص يحتفظ به المدين : الشركة أو الدولة .
وأما السند الإذنى فيشمل الكمبيالات ( letters de change ) والسندات الإذنية ( billets a ordre ) والشيكات الإذنية ( cheques a ordre ) ، ويشمل كذلك ما ورد فى شأنه نص خاص كبوليصة التأمين ( police dassurance ) وبوليصة الشحن ( connaissement ) وبوليصة التخزين ( recepisse, warrant ) .
وتنعقد حوالة السند الإذنى فيما بين المحيل والمحال له بالتراضى وفقاً للقواعد العامة .
ولكنها لا تكون نافذة فى حق المدين وفى حق الغير إلا بالتطهير ( endossement ) ، وذلك بأن يضع صاحب السند توقيعه فى ظهر السند . ومتى تم تظهير السند الإذنى : ( 1 ) فالمدين لا يجوز له أن يوفى بالدين إلا لحامل السند بالتظهير لا إلى الدائن الأصلى . ( 2 ) وإذا تنازع حامل السند بالتظهير مع آخر حول له السند عن طريق الإعلان أو القبول ، فإن الأول هو الذي يتقدم ، ولو تأخر تاريخ التظهير عن تاريخ الإعلان أو القبول . ( 3 ) ولا يجوز لدائنى المظهر ( أى الدائن $ 487 $ الأصلى ) أن يوقعوا حجزاً تحفظياً تحت يد المدين ( 824 ) .
وأما السند لحامله فيشمل الأسهم والسندات التى تحرر ابتداء لحاملها أياً كان .
ويجوز إضفاء وضع السند لحامله على أى حق تجارى أو مدنى ، وبخاصة على الشيكات . وتنعقد الحوالة فيما بين المحيل والمحال له فى السند لحامله بالتراضى .
وتكون الحوالة نافذة فى حق المدين وفى حق الغير بالتسليم المادة ، فالسندات لحاملها تلحق إذن بالمنقولات المادية ( 825 ) .
وتقتصر على هذا القدر فى هذه المسألة التى تعد من مباحث القانون التجارى .
$ 488 $ الفصل الثانى
الآثار التى تترتب على حوالة الحق
270 - تطبيق القواعد العامة – علاقات متنوعة : حوالة الحق عقد أو اتفاق يخضع فى تكوينه وفى الآثار التى تترتب عليه للقواعد العامة التى تخضع لها العقود والاتفاقات . وقد رأينا ذلك فى تكوين الحوالة ، وهذا هو الأمر أيضا فى الآثار التى تترتب عليها .
فإن كانت حوالة الحق معاوضة – بيعاً أو وفاء بمقابل أو رهناً أو هبه بعوض – فإن الآثار التى تترتب عليها هى الآثار التى تترتب على أى من هذه العقود اشتملت عليه الحوالة . ففى البيع يلتزم المحيل بنقل الحق وبضمان الاستحقاق ، ويلتزم المحال له بدفع الثمن . وقس على ذلك الوفاء بمقابل والرهن والهبة بعوض .
وإن كانت حوالة الحق تبرعاً محضاً ، أى هبة بغير عوض ، ترتب عليها من الآثار ما يترتب على الهبة ، فيلتزم المحيل بنقل الحق وبضمانه إذا أخفى سبب الاستحقاق ، ولا يلتزم المحال له بأداء عوض ما .
هذا هو تطبيق القواعد العامة . غير أن الحق الشخص الذي هو محل الحوالة تقتضى طبيعته الخاصة أن تقوم علاقات متنوعة تتناول المحال له والمحيل والمحال عليه والغير .
فهناك علاقة تقوم بين المحال له والمحيل ، وأخرى تقوم بين المحال له والمحال عليه ، وثالثة تقوم بين المحيل والمحال عليه ، ورابعة تقوم بين المحال له والغير ممن استمد حقاً من المحيل .
فنبحث على التعاقب كلا من هذه العلاقات الأربع .
$ 489 $ الفرع الأول
علاقة المحال له بالمحيل
271 - النصوص القانونية : تنص المادة 307 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" تشمل حوالة الحق ضماناته ، كالكفالة والامتياز والرهن ، كما تعتبر شاملة لما حل من فوائد وأقساط "
وتنص المادة 308 على ما يأتى :
" 1 - إذا كانت الحوالة بعوض فلا يضمن المحيل إلا وجود الحق المحال به وقت الحوالة ، ما لم يوجد اتفاق يقضى بذلك "
" 2 - وإذا ضمن المحيل يسار المدين ، فلا ينصرف هذا الضمان إلا إلى اليسار وقت الحوالة ، ما لم يتفق على غير ذلك " .
وتنص المادة 310 على ما يأتى :
" إذا رجع المحال له بالضمان على المحيل طبقا للمادتين السابقتين ، فلا يلزم المحيل إلا برد ما استولى عليه مع الفوائد والمصروفات ، ولو وجد اتفاق يقضى بغير ذلك " .
وتنص المادة 311 على ما يأتى :
$ 490 $ " يكون المحيل مسئولا عن أفعاله الشخصية ، ولو كانت الحوالة بغير عوض أو لو اشترط عدم الضمان " ( 826 ) .
$ 491 $ وتقابل هذه النصوص فى التقنين المدنى السابق المواد 351 – 353 / 539 - 441 ( 827 ) .
وتقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المواد 307 - 311 - وفى التقنين المدنى اللبى المواد 294 - 298 - وفى التقنين المدنى العراقى المواد 365و 368 - 371 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادتين 284 - 285 / 1 ( 828 ) .
$ 492 $ ويتبين من هذه النصوص أنه فى العلاقة ما بين المحال له والمحيل : ( 1 ) ينتقل الحق المحال به من المحيل إلى المحال له بمجرد انعقاد الحوالة ، وينتقل هذا الحق كما هو بما له من صفات وما يشتمل عليه من ضمانات وتوابع وما يلحق به من دفوع ( 829 ) . ( 2 ) يلتزم المحيل نحو المحال له بالضمان .
أما ما يلتزم به المحال له نحو المحيل فيختلف باختلاف الحوالة . فإن كانت الحوالة بيعاً ، التزم المحال له بدفع الثمن . وإن كانت مقايضة أو وفاء بمقابل ، التزم المحال له بأداء العوض ( 830 ) . وإن كانت هبة ، لم يلتزم المحال بأداء أى عوض ، إلا إذا كانت هبة بعوض فيلتزم بأداء هذا العوض . وإن كانت رهنا ، التزم المحال له – بمقتضى مصدر آخر لا بعقد الحوالة – أن يوفى المحيل الحق الذي يضمنه الرهن ، وهكذا . فالتزام المحال له نحو المحيل يختلف إذن باختلاف الحوالة ، ودراسة هذا الالتزام تدخل فى دراسة العقد الذي اشتملت عليه الحوالة ، فلا شأن لنا به هنا .
وإنما يعنينا أن نبحث ما يلتزم به المحيل نحو المحال له : انتقال الحق المحال به والضمان .
$ 493 $ المبحث الأول
انتقال الحق المحال به من المحيل إلى المحال له
272 - انتقال الحق بصفاته وتوابعه : قلنا إن الحق المحال به ينتقل بالحوالة من المحيل إلى المحال له . والحق الذي ينتقل هو نفس الحق الذي كان فى ذمة المحال عليه للمحيل ، فينتقل إذن بصفاته ودفوعه ، ثم تنتقل معه أيضا توابعه ( 831 ) .
المطلب الأول
انتقال الحق بصفاته ودفوعه
273 - انتقال نفس الحق بمجرد انعقاد الحوالة : بمجرد أن تنعقد الحوالة بين المحيل والمحال له ، أى حتى قبل أن تكون نافذة فى حق المدين وفى حق الغير بالإعلان أو القبول ، ينتقل نفس الحق المحال به من المحيل إلى المحال له ( 832 ) ، وينتقل بكل قيمته حتى لو كان المحال له دفع فيه ثمناً أقل كما هو الغالب ( 833 ) .
ذلك أن الحق المحال به ، وإن كان حقاً شخصياً ، يعتبر منقولا معيناً بالذات ، $ 494 $ فتنتقل ملكيته فيما بين المتعاقدين – أى فيما بين المحيل والمحيل له – بمجرد العقد دون حاجة إلى أى إجراء آخر ( 834 ) .
والحق الذي ينتقل هو نفس الحق الذي كان فى ذمة المدين للمحيل ، فيصبح – بعد أن تصير الحوالة نافذة فى حق المدين – فى ذمة المدين للمحال له . ولما كان الذي ينتقل هو نفس الحق ، فإنه ينتقل بماله منصفات وما عليه من دفوع . فإن كان حقاً مدنياً أو تجارياً ، انتقل بصفته هذه إلى المحال له . وإن كان حقاً قابلاً للتنفيذ بموجب حكم أو سند رسمى ، انتقل إلى المحال له بهذه الصفة أيضا . وإن كان حقاً ينتج فوائد ، انتقل بقابليته لانتاج الفوائد . وهكذا .
كذلك ينتقل الحق بما عليه من دفوع ، فيجوز للمدين أن يتمسك قبل المحال له بنفس الدفوع التى كان يصح له أن يتمسك بها قبل المحيل ، وسيأتى بيان ذلك .
ويترتب على ما قدمناه أنه بعد انعقاد الحوالة ، وقبل صيرورتها نافذة فى حق المدين ، يمتنع على المحيل أن يطالب المدين بالحق المحال به . فإذا وفاه المدين الدين وهو حسن النية لا علم له بالحوالة ، فإن الوفاء يكون صحيحاً مبرئاً للذمة من جانب المدين ، ولكن المحيل يكون مسئولا قبل المحال له بالضمان .
274 – تسليم سند الحق ووسائل إثباته : وانتقال الحق إلى المحال له يقتضى أن يلتزم المحيل بتسليم المحال سند هذا الحق والوسائل التى تؤدى إلى إثباته . وقد كان المشروع التمهيدى للتقنين المدنى الجديد يتضمن نصاً فى هذا المعنى ، فكانت المادة 434 من هذا المشروع ( 835 ) تجرى على الوجه الآتى : " يجب على المحيل أن يسلم إلى المحال له سند الحق المحال به ، وإن يقدم له وسائل إثبات هذا الحق وما هو ضرورى من بيانات لتمكينه من حقه " . وقد $ 495 $ حذف هذا النص فى لجنة المراجعة ( 836 ) ، ولكن حذفه لا يفيد أن حكمه قد نسخ ، ففى تطبيق القواعد العامة غناء عنه .
والذى يقع عادة أن سند الحق هو الذي تدون فيه الحوالة ، ويسلمه المحيل إلى المحال له كمستند لصدور الحوالة ذاتها وكمستند للحق المحال به فى وقت واحد . فإذا كان الحق المحال به غير ثابت بالكتابة ، صحت مع ذلك حوالته كما قدمنا ، وعلى المحيل أن يهيئ للمحال له وسائل إثبات هذا الحق من بينه وقرائن وغير ذلك .
وإذا كان المحال به هو جزء من الحق ، بقى السند مشتركاً بين المحيل والمحال له ( 837 ) .
وسنرى أن توابع الحق تنتقل معه . فإذا كان هناك ضمان للحق المحال به ، وجب على المحيل تمكين المحال له من هذا الضمان ، بأن يعان فى التأشير على هامش القيد إذا كان الضمان هو رهن رسمى أو رهن حيازى عقارى أو حق امتياز عقارى أو حق اختصاص ، وبأن يسلم للمحال له سند الكفالة إذا كان الضمان هو كفيل شخصى .
$ 496 $ المطلب الثانى
انتقال توابع الحق المحال به
275 - انتقال ضمانات الحق : قدمنا أن المادة 307 مدنى تقضى بأن تشمل حوالة الحق ضماناته ، كالكفالة والامتياز والرهن . وهذا طبيعى ، فإن ضمانات الحق هى من توابعه ، ومن شأنها أن تؤكده وتقويه . ولا شك فى أن المحال له اعتمد عليها عندما حول له الحق . فما لم يكن هناك اتفاق خاص بين المحيل والمحال له على عدم انتقال هذه الضمانات أو بعضها ، فإنها تنتقل من غير حاجة إلى ذكر ذلك فى عقد الحوالة بحكم أنها من توابع الحق المحال بــه ( 838 ) .
وقد ذكر النص الكفالة والامتياز والرهن ، ولم يذكر ذلك على سبيل الحصر ، بل على سبيل التمثيل . فكل ضمانات الحق المحال به تتبعه وتنتقل معه إلى المحال له ، سواء كانت هذه الضمانات عينية كالرهن الرسمى وحق الاختصاص والرهن الحيازى وحقوق الامتياز ، أو كانت شخصية كالكفالة والتضامن وعدم القابلية للانقسام .
فإذا كان للحق المحال به كفيل شخصى ، بقى هذا الكفيل ضامناً الحق للمحال له كما كان ضامناً إياه للمحيل ، ولا حاجة لرضائه بالحوالة ( 839 ) إذ هو يكفل المدين ، وشخص المدين هو الذي يعنيه والمدين لم يتغير وإنما تغير الدائن ، شأنه فى ذلك شأن المدين نفسه وقد تغير عليه الدائن دون حاجة إلى رضاه . على أنه لا بد من إعلان الكفيل بالحوالة أو قبوله لها حتى يعلم بها ، فإنه إذا كان لا يعلم بالحوالة ووفى الدين عن المدين كان الوفاء صحيحاً مبرئاً لذمته .
وإذا كان المدينون فى الحق المحال به متعددين وكانوا متضامنين ، فإن الحق ينتقل إلى المحال له قبل هؤلاء المدينين المتضامنين جميعاً ، ولابد من إعلانهم $ 497 $ كلهم بالحوالة أو قبولهم لها حتى تنفذ فى حقهم كما سبق القول . وكذلك الأمر لو كان الدين غير قابل للانقسام وكان مدينوه متعددين ( 840 ) .
276 - انتقال ما حل من فوائد وأقساط : وتقول المادة 307 مدنى أيضا إن حوالة الحق تعتبر شاملة لما حل من فوائد وأقساط . وقد قدمنا أن الحق ينتقل بصفاته إلى المحال له ، فلو كان حقاً مقسطا أو كان حقاً ينتج فوائد ، انتقل على هذه الصفة . ويكون للمحال له فى هذه الحالة الحق فى قبض الفوائد والأقساط التى لم تحل ، ولو كان ذلك عن مدة سابقة على عقد الحوالة ، فلو أن حقاً ينتج فوائد قسطا سنوية ، ويحل القسط الأول منه هو والفوائد فى آخر عام 1957 ، وحول الحق فى آخر شهر يونيه سنة 1957 ، فإن المحال له يستحق أقساط الحق وفوائده ، ويدخل فى ذلك القسط الأول ولو أن بعضه عن نصف سنة سابقة على صدور الحوالة ، ويدخل فى ذلك أيضا فوائد الحق جميعها ولو أن بعضها مستحق عن نصف السنة السابقة على الحوالة .
بل إن المحال له يستحق ما حل فعلا وقت صدور الحوالة من فوائد وأقساط ما دام المحيل لم يقبضه . فلو أن الحوالة فى المثل المتقدم صدرت بعد آخر عام 1957 ، ولم يكن القسط الأول والفوائد قد دفعت قبل صدور الحوالة ، فإن المحال له يستحقها جميعا ولو أنها مستحقة عن مدة كلها سابقة على الحوالة . ذلك أنها تعتبر من توابع الحق المحال به ، فما لم يحتفظ المحيل بها صراحة أو ضمنا ، فإن المفروض أنه قبل أن تنتقل مع الحق المحال به إلى المحال له ، شأنها فى ذلك شأن التوابع الأخرى ( 841 ) .
$ 498 $
277 - انتقال الدعاوى التى تؤكد الحق المحال به دون الدعاوى التى تنافيه : قد يصحب الحق المحال به دعاوى بعضها تؤكده وبعضها تنافيه ، فالدعاوى التى تؤكده هى التى تنتقل معه إلى المحال له لأنها تعتبر من توابع الحق ، أما الدعاوى التى تنافيه فهى تتعارض معه ولا تعتبر من توابعه فلا تنتقل إلا باتفاق خاص بين المحيل والمحال له .
ولإيضاح ذلك نفرض أن البائع قبل أن يستوفى الثمن من المشترى حول هذا الحق إلى آخر وكان البائع يحق له أن يبطل هذا البيع لسبب يرجع أما إلى نقص فى الأهلية أو إلى عيب فى الإرادة كغلط أو تدليس أو إكراه . فهنا صحب الحق المحال به دعويان : الأولى دعوى الفسخ لعدم وفاء المشترى بالثمن ، والأخرى دعوى الإبطال لنقص الأهلية أو للعيب فى الإرادة .
أما دعوى الفسخ فمن شأنها أن تؤكد الحق المحال به ، إذ هى بمثابة ضمان للبائع لاستيفاء حقه من المشترى ، وتعدل حق الامتياز على المبيع . وإذا كان حق الامتياز يكفل للبائع أن يستوفى الثمن ببيع العين المبيعة جبراً على المشترى ، فإن دعوى الفسخ تكفل للبائع أن يسترد العين المبيعة ذاتها ، وقد يكون مجرد التهديد بها كافياً لدفع المشترى إلى الوفاء بالثمن ( 842 ) . ومن ثم تنتقل دعوى الفسخ بالحوالة من المحيل إلى المحال له ( 843 ) ، ويستطيع هذا إذا لم يستوف من المشترى الثمن المحال به أن يفسخ البيع كما لو كان هو البائع ويأخذ العين المبيعة بدلا من الثمن ( 844 ) .
$ 499 $ وأما دعوى الإبطال فإنها تنافى الحق المحال به . ذلك أن البائع إذا حول الثمن ، فهو بهذه الحوالة يؤكد وجوده فى ذمة المشترى ، ومما ينافى هذا التأكيد إبطال البيع – وهو مصدر الالتزام بالثمن – لنقص فى الأهلية أو لعيب فى الإرادة . والبائع ، عند الحوالة بالثمن ، إما أن يكون عارفاً بوجود دعوى الإبطال ، فإقدامه على حوالة الثمن يعتبر إجازة ضمنية للبيع ، وإما أن يكون غير عارف بوجود هذه الدعوى ، فلا يمكن افتراض أنه أراد تحويلها . ومن ثم لا تنتقل دعوى الإبطال مع الحق المحال به ، لأنها لا تعتبر من توابع هذا الحق ، إذ هى لا تؤكد وجوده بل تنفى هذا الوجود . كل ذلك ما لم يكن هناك اتفاق خاص بين المحيل والمحال له على انتقال دعوى الإبطال مع الحق المحال به ( 845 ) .
المبحث الثانى
التزام المحيل بضمان الحق المحال به للمحال له
278 - حالات مختلفة : أول ما يضمن المحيل أفعاله الشخصية ، فإن المادة 311 مدنى تنص كما رأينا ، على أن " يكون المحيل مسئولا عن أفعاله الشخصية ، ولو كانت الحوالة بغير عوض أو لو اشترط عدم الضمان " .
المطلب الأول
ما يضمنه المحيل للمحال له
279 - حالات مختلفة : أول ما يضمن المحيل أفعاله الشخصية ، فإن المادة 311 مدنى تنص كما رأينا ، على أن " يكون المحيل مسئولا عن أفعاله الشخصية ، ولو كانت الحوالة بغير عوض أو لو اشترط عدم الضمان " .
$ 500 $ ثم هو بوجه عام يضمن – عدا أفعاله الشخصية – وجود الحق الذي حوله ، وهذا هو الضمان بحكم القانون ( garantie de droit ) . ويجب التمييز فى ذلك بين ما إذا كانت الحوالة بعوض أو كانت بغير عوض .
وقد يتفق مع المحال له على ضمان أخف أو أشد من هذا الضمان الذي يفرض عليه بحكم القانون ، وهذا هو الضمان الاتفاقى أو الضمان الواقعى ( garanite de fait ) . وهنا أيضا يجب التمييز بين الحوالة بعوض والحوالة بغير عوض .
فتجتمع لنا بذلك الحالات الآتية : ( 1 ) ضمان المحيل لأفعاله الشخصية . ( 2 ) الضمان فى الحوالة بعوض بحكم القانون . ( 3 ) الضمان فى الحوالة بعوض بحكم الاتفاق . ( 4 ) الضمان فى الحوالة بغير عوض بحكم القانون . ( 5 ) الضمان فى الحوالة بغير عوض بحكم الاتفاق .
280 – ضمان المحيل لأفعاله الشخصية : يضمن المحيل للمحال له جميع الأفعال التى تصدر منه بعد صدور لحوالة ويكون من شأنها الانتقاص من الحق المحال به أو زواله .
فيكون مسئولا ، بحكم هذا الضمان ، إذا هو بعد الحوالة ، وقبل صيرورتها نافذة فى حق المدين ، استوفى الحق من هذا الأخير ، سواء كان متواطئاً معه أو غير متواطئ ، وسواء كان المدين يعلم بصدور الحوالة أو لا يعلم . فإن فعل ذلك ، رجع عليه المحال له بالضمان على الوجه الذي سنبينه ، لأن المحيل مسئول عن الفعل الشخصى الذي صدر منه بعد صدور الحوالة ، وهذا الفعل هو استيفاء الحق من المدين .
ويكون مسئولا أيضاً ، بحكم هذا الضمان ، إذا هو بعد الحوالة ، وقبل صيرورتها نافذة فى حق الغير ، تصرف فى الحق المحال به تصرفاً متناقضاً للحوالة الأولى ، بأن باعه مرة أخرى أو رهبه أو رهنه أو أجرى فيه أى تصرف آخر .
فإذا عمد المحيل بعد الحوالة الأولى إلى تحويل الحق مرة أخرى على محال له ثان ، واستطاع هذا المحال له الثانى جعل حوالته نافذة فى حق المحل له الأول ، رجع المحال له الأول على المحيل بالضمان من جراء فعل شخصى صدر منه ، هو تصرفه فى الحق المحال به بعد أن حوله .
$ 501 $
ويكون مسئولا كذلك ، بحكم هذا الضمان ، إذا عمد أحد دائنيه ، بعد صدور الحوالة وقبل صيرورتها نافذة فى حق الغير ، إلى توقيع حجز تحفظى على الحق المحال به وصار هذا الحجز نافذاً فى حق المحال له . فإن المحال له فى هذه الحالة يرجع بالضمان على المحيل بسبب أن الحجز التحفظى ، وإن لم يكن عملا شخصياً صادراً من المحيل نفسه . هو عمل صادر من جهته وبسبب الدين الذى فى ذمته للدائن الحاجز .
والمحيل مسئول عن أفعاله الشخصية التى تصدر بعد الحوالة على النحو الذى قدمناه ، مادامت هذه الأفعال تنتقض من الحق المحال به أو تنتقض من توابعه كرهن أو أى ضمان آخر ( 846 ) . ويستوى فى ذلك أن تكون الحوالى بعوض أو بغير عوض ، وأن يكون الضمان بحكم القانون أو بحكم اتفاق يشدد أو يخفف من عدم الضمان . فالمسئولية هنا ناشئة عن خطأ تقصيرى ، ولا يجوز الاتفاق على استبعاد أو تعديل المسئولية . وهذا ما نصت عليه صراحة المادة 311 مدنى ، كما رأينا ، إذ تقول : " يكون المحيل مسئولا عن أفعاله الشخصية ، ولو كانت الحوالة بغير عوض أو لو اشترط عدم الضمان " ( 847 ) .
$ 502 $
281 - الضمان فى الحوالة بعوض بحكم القانون : إذا كانت الحوالة بعوض ، ولم يكن هناك اتفاق خاص على الضمان بين المحيل له ، فإن المحيل يضمن للمحال له ، بحكم القانون ( 848 ) ، وجود الحق المحال به وقت الحوالة ( 849 ) . وهذا هو ما تقضى به الفقرة الأولى من المادة 308 مدنى ، فقد رأينا أنها تنص على أنه " إذا كانت الحوالة بعوض ، فلا يضمن المحيل إلا وجود الحق المحال به وقت الحوالة ( 850 ) " .
ويكون الحق المحال به غير موجود وقت صدور الحوالة ، فيجب على المحيل $ 503 $ الضمان ، إذا كان مصدر هذا الحق عقداً باطلا ( 851 ) . فإذا كان مصدر الحق عقداً قابلا للابطال لمصلحة لامدين الذى ترتب الحق فى ذمته ، وأبطله هذا فعلا ، صار الحق غير موجود ووجب الضمان على المحيل ، حتى لو كان الحكم بالإبطال قد صدر بعد صدور الجوالة ، لأن للابطال أثراً رجعياً فيعتبر الحق كأنه لم يوجد أصلا ، ومن ثم لا يكون موجوداً وقت صدور الجوالة ( 852 ) . ويجب الضمان أيضاً على المحيل إذا كان الحق المحال به قد انقضى قبل صدور الحوالة بأى سبب من أسباب الانقضاء ، كأن يكون المحيل قد استوفاه أو قضاه بالتجديد أو بالمقاصة أو باتحاد الذمة أو بالإبراء أو أن يكون الحق قد انقضى بالتقادم . أما إذا كان الحق قد انقضى بعد صدور الحوالة بفعل المحيل ، كما إذا كان قد استوفاه أو جدده أو أبرأ منه ذمة المدين بعد أن صدرت منه الحوالة ، فإنه يكون ملتزماً بالضمان ، ولكن بسبب فعل شخصى قد صدر منه على النحو الذى قدمناه . ويصح أيضاً أن يكون الحق المحال به قد انعدم وقت صدور الحوالة ، فيجب الضمان على المحيل ، إذا كان هذا الحق معلقاً على شرط فاسخ ولا يعلم المحال له بهذا الشرط ، ثم تحقق الشرط الفاسخ قبل صدور الحوالة أو بعد صدورها ، فينعدم الحق بأثر رجعى ويتبين أنه لم يكن موجوداً وقت الحوالة ، فيكون المحيل ملتزماً بالضمان . أما لو كان المحال له يعلم أن الحق معلق على شرط فاسخ وقبل الحوالة على هذا الوصف ، ثم تحقق الشرط بعد صدور الحوالة ، فإنه لا يرجع بالضمان على المحيل .
كذلك يكون الحق غير موجود قبل صدور الحوالة ، فيجب على المحيل الضمان ، إذا ظهر أن المحيل كان قد تصرف فيه قبل حوالته ، بأن كان مثلا ، بموجب حوالة سابقة ، قد باعه أو وهبه أو رهنه وأصبحت هذه الحوالة السابقة $ 504 $ نافذة فى حق الغير . أما إذا كان التصرف قد صدر بعد انعقاد الحوالة ولكنه أصبح نافذاً قبل نفاذها ، فإن المحيل يكون ملتزماً بضمان فعله الشخصى على النحو الذى قدمناه ( 853 ) .
وكما يكون المحيل ملتزماً بضمان وجود الحق ، يكون أيضاً ملتزماً بضمان وجود توابعه التى تنتقل معه . فإن كان للحق المحال به تأمين ، كرهن أو امتياز أو كفالة ، ضمن المحيل للمحال له ، بحكم القانون ودون حاجة إلى اتفاق خاص ، هذا التأمين ( 854 ) . وهو لا يضمن إلا وجود التأمين فى ذاته ، أى وجود الرهن أو الامتياز أو الكفالة ، دون أن يضمن كفاية الرهن أو الامتياز أو ملاءة الكفيل إلا إذا كان بينه ومن المحال له اتفاق خاص على ذلك ، وفى هذه الحالة نخرج من نطاق الضمان بحكم القانون إلى نطاق الضمان الاتفاقى ( 855 ) .
وضمان وجود الحق وتوابعه بحكم القانون إنما ينصب على هذا الوجود وقت انعقاد الحوالة . فإذا كان كل من الحق وتوابعه موجوداً فى ذلك الوقت ، فقد برئت ذمة المحيل من الضمان ، ولو انقضى الحق أو شيء من توابعه بعد ذلك بسبب لا يرجع إلى المحيل . مثل ذلك أن يكون الحق قد بدأ التقادم يسرى ضده $ 505 $ قبل صدور الحوالة دون أن يكتمل . فالحق يكون موجوداً وقت الحوالة ولا ضمان على المحيل ، حتى لو أن التقادم اكتمل بعد ذلك وسقط الحق ( 856 ) . كذلك لو كان للحق المحال به تأمين هو رهن رسمى مقيد ، ولم يكن قد مضى على القيد وقت الحوالة عشر سنوات ، فإن الرهن يكون محفوظاً وقت صدور الحوالة ، فلا ضمان على المحيل ، حتى لو انقضت العشر السنوات بعد صدور الحوالة فسقط القيد قل أن يجدده المحال له ( 857 ) .
وما دام المحيل لا يضمن إلا وجود الحق وتوابعه ، فهو لا يضمن يسار المدين ( 858 ) ، إلا إذا كان هناك اتفاق بينه وبين المحال له على هذا الضمان ، وعندئذ نخرج من نطاق الضمان بحكم القانون إلى نطاق الضمان الاتفاقى . ومع ذلك يضمن المحيل يسار المدين دون أن يدخل فى نطاق الضمان الاتفاقى ، إذا كان يعلم أن المدين معسر وقد أخفى غشاً هذا الإعسار عن المحال له ، وهنا يكون الضمان ناشئاً عن الغش لا عن عقد الحوالة ( 859 ) .
وغنى عن البيان أن المحيل إنما يضمن وجود الحق إذا كان غير متنازع فيه . $ 506 $ أما إذا كان الحق متنازعاً فيه وقد حوله بهذا الوصف ، فإنه لا يضمن للمحال له وجوده ، إذ أنه إنما حول إدعاء يحق ولم يحول حقاً محقق الوجود ، فالحوالة هنا عقد احتمالى ( 860 ) .
282 - الضمان فى الحوالة بعوض بحكم الاتفاق : وما قدمناه هو الضمان بحكم القانون فى الحوالة بعوض . ولكن قد يتفق المحيل والمحال له على تخفيف هذا الضمان أو على تشديده .
يتفقان على تخفيف الضمان إذا اشترط المحيل مثلا أنه لا يضمن توابع الحق المحال به . فإذا كان هذا الحق مضموناً برهن ، واشترط المحيل عدم ضمان هذا الرهن ، فإنه لا يكون مسئولا إذا تبين أن الرهن باطل ، أو أنه قابل للإبطال وأبطله الراهن ، أو أنه غير موجود لأى سبب آخر . وتوابع الحق المحال به تنتقل معه كما قدمنا دون حاجة إلى ذكر ذلك فى عقد الحوالة ، ويضمن المحيل ، دون حاجة إلى ذكر ذلك أيضاً ، وجود هذه التوابع . فإذا أراد المحيل ألا يضمن وجودها ، فلابد فى ذلك من اتفاق خاص مع المحال له يقضى بعدم ضمان توابع الحق ، وفى هذا الاتفاق تخفيف للضمان بحكم القانون كما هو ظاهر .
بل قد يصل الاتفاق على تخفيف الضمان بحكم القانون إلى محوه أصلا ، فيشترط المحيل ألا يضمن وجود الحق المحال به ذاته . ويقع ذلك غالباً إذا كان المحيل غير مستوثق من أن الحق الذى يحوله هو حقه ، فيشترط عدم الضمان حتى إذا تبين أن الحق ليس له لم يكن مسئولا عن الضمان ، أو يكون المحيل غير متأكد من أن الحق الذى يحوله غير خال من العيوب ، فيصطنع الحيطة ويشترط عدم الضمان ( 861 ) . ولاشك فى أن المحيل ، باشتراطه عدم الضمان على هذا الوجه ، $ 507 $ يعرض المحال له لخطر له عادة ما يقابله ، فيغلب أن يكون الثمن الذى يتقاضاه أقل بكثير من قيمة الحق المحال به . وقد يستخلص شرط عدم الضمان من الظروف ، فإذا باع المحيل حقاً متنازعاً فيه ، سواء رفعت به الدعوى أو قام فى شأنه نزاع جدى ، وكان المحال له يعلم شأن هذا النزاع ، فالمفروض –ما لم يتفق على غير ذلك - أن البائع لا يضمن وجود الحق . ويؤكد هذا الافتراض أن يبيع المحيل الحق المتنازع فيه بثمن بخس ، ويدخل فى تقديره احتمال خسارة الدعوى ( 862 ) .
ويقع كثيراً أن الاتفاق على الضمان بين المحيل والمحال له يكون الغرض منه التشديد من أحكام الضمان المقررة بحكم القانون ، بدلا من التخفيف فيها .وأكثر ما يكون ذلك فى اشتراط المحال له على المحيل أن يضمن له ، لا وجود الحق المحال به فحسب ، بل أيضاً يسار المدين . وقد رأينا أن المادة 309 مدنى تنص على أنه " لا يضمن المحيل يسار المدين إلا إذا وجد اتفاق خاص على هذا $ 508 $ الضمان . 2 - وإذا ضمن المحيل يسار المدين ، فلا ينصرف هذا الضمان إلا إلى اليسار وقت الحوالة ، ما لم يتفق على غير ذلك " ( 863 ) .
فإذا اشترط المحال له على المحيل ضمان يسار المدين ( 864 ) ، ولم يبين أى يسار يعنى ، فإن اليسار المضمون ينصرف إلى يسار المدين وقت انعقاد الحوالة ، وذلك تفسيرا للشرط بما هو فى مصلحة الملتزم وهو هنا المحيل . فإذا كان المدين موسراً وقت انعقاد الحوالة ، فإن ذمة المحيل تبرأ من الضمان ، حتى لو أعسر المدين بعد ذلك ولو قبل صيرورة الحوالة نافذة فى حقه . وغنى عن البيان أن ضمان المحيل ليسار المدين وقت الحوالة لا يكون إلا باتفاق خاص ، ومن غير هذا الاتفاق لا يضمن المحيل إلا وجود الحق ، فلا يضمن يسار المدين أصلا ولو وقت انعقاد الحوالة ، وحتى لو كان عالماً بإعساره . فما دام لم يضمن اليسار باتفاق خاص ، فإن علمه بهذا الإعسار لا يقوم مقام الاتفاق ( 865 ) . وعلى المحال له قبل أن يقدم على قبول الحوالة أن يتحرى عن حالة المدين ومقدار ملاءته ، فإذا لم يستطيع أن يتثبت من ذلك ففى القليل كان الواجب عليه أن يشترط على المحيل ضمان اليسار . فإذا هو لم يفعل ، لا هذا ولا ذاك ، كان التقصير فى جانبه ولا يلومن إلا نفسه ( 866 ) .على أنه إذا أخفى المحيل غشاً $ 509 $ عن المحال له إعسار المدين ، كان مسئولا ، لا بموجب عقد الحوالة ، بل بسبب الغش ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( 867 ) .
فإذا أراد المحال له أن يضمن المحيل يسار المدين فى الاستقبال ، أى عند حلول ميعاد الوفاء بالحق المحال به ، وجب عليه أن يبين ذلك فى الشرط الذى يأخذه على المحيل ، فلا يكتفى باشتراط ضمان اليسار دون تعيين . واشتراط يسار المدين عند حلول الحق المحال به هو الذى يقع فى الكثير من الأحوال ، لنه هو الذى يكفل للمحال له أكبر قدر من الضمان ( 868 ) . وعند ذلك يكون المحيل مسئولا إذا طالب المحال له المدين بالحق عند حلوله ، فوجده معسراً ( 869 ) . وليس من الضرورى أن تكون المطالبة فى اليوم نفسه الذى يحل فيه الحق ، بل يجوز أن تكون المطالبة فى خلال مدة معقولة من يوم الحلول ، فإذا كان المدين قد أعسر خلال هذه المدة المعقولة ، فإن المحيل يكون مسئولا عن إعساره بموجب شرط الضمان . لكن إذا تأخر المحال له مدة طويلة بعد حلول ميعاد الوفاء فى مطالبة المدين ، وكان المدين موسراً خلال المدة المعقولة ثم أعسر بعد ذلك ، لم يكن المحيل مسئولا ، لأن المحال له قد قصر بتأخره فى مطالبة المدين فى وقت كان فيه موسراً ( 870 ) . ومن باب أولى لا يكون المحيل مسئولا عن إعسار المدين $ 510 $ لو أن هذا الإعسار كان بفعل المحال له نفسه ، كما لو كان للحق المحال به ضمان فنزل عنه المحال باختياره بأن شطب الرهن مثلا أو أبرأ ذمة الكفيل ( 871 ) .
وحتى يستطيع المحال له الرجوع على المحيل بضمان اليسار ، يجب عليه أولا أن يثبت أن المدين معسر . ولا يتسنى له ذلك إلا إذا كان قد رجع فعلا على المدين وعلى جميع الضمانات التى تكفل الدين ( 872 ) ، فلم يتهيأ له أن يستوفى حقه . ومن ثم يكون للمحيل أن يطالب المحال له بتجريد المدين قبل أن يرجع عليه بضمان $ 511 $ اليسار ( 873 ) . وليس على المحيل أن يقدم للمحال له مصروفات التجريد ، فهو ليس بكفيل للمدين حتى يلتزم بذلك . على أن للمحال له ، فى أثناء تجريده للمدين ، أن يتخذ ما يلزم من إجراءات تحفظية ضد المحيل ، حتى يتيسر له الرجوع عليه عند ما يثبت بوجه قاطع إعسار المدين ( 874 ) .
وإذا ضمن المحيل يسار الدين وقت حلول الحق المحال به ، فإنه لا يستطيع أن يأتى عملا من شأنه أن يناقض هذا الضمان ، وإلا كان ساعياً فى نقض ما تم من جهته ، وكان سعيه مردوداً عليه . ويتضح ذلك فى الحالة الآتية : إذا كان حق الدائن مقداره ألف ، وقد حول منه خمسمائة واستبقى لنفسه خمسمائة ، ولم يكن قد ضمن يسار المدين ، فإن كلا نم المحيل والمحال له يطالب المدين بخمسمائة مقدار حصته فى الحق . فإذا لم يكن عند المدين إلا خمسمائة ، فليست هناك أفضلية للمحال له على المحيل ( 875 ) ، ولا يبقى إلا أن يقتسم الاثنان ما عند المدين اقتسام الغرماء ، فيأخذ كل منهما مائتين وخمسين . أما إذا كان المحيل قد ضمن للمحال له يسار المدين وقت حلول الحق المحال به ، فعند ذلك لا يستطيع أن يزاحم المحال له فى الخمسمائة التى عند المدين ، بل يتقدم عليه المحال له ويأخذ كل الخمسمائة $ 512 $ ذلك أن مزاحمة المحيل للمحال له تناقض ضمانه ليسار المدين ، وما دام المحال له يستوف كل حقه بقى ضمان المحيل قائماً ، فلا يستطيع المحيل إذن أن يأخذ أى شيء من مال المدين قبل أن يستوفى المحال له كل حقه كما قدمنا ( 876 ) .
283 - الضمان فى الحوالة بغير عوض بحكم القانون : رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 308 مدنى تقضى بأنه إذا كانت الحوالة بغير عوض " فلا يكون المحيل ضامناً حتى لوجود الحق " . وقد كان المشروع التمهيدى لهذا النص يضيف عبارة " ما لم يتفق على غير ذلك " ( 877 ) . فحذفت هذه العبارة فى لجنة المراجعة حتى يتمشى حكم النص مع حكم المادة 310 مدنى ، وهى تقضى كما رأينا بأنه إذا رجع المحال له بالضمان لم يلزم المحيل إلا برد ما استولى عليه مع الفوائد والمصروفات ولو وجد اتفاق يقضى بغير ذلك . والمحيل بغير عوض لم يستولى على شيء حتى يرده . فلا يجوز إذن أن يلزم ولو باتفاق خاص أن يرد شيئاً إلى المحال له ( 878 ) .
وقد يفهم مما قدمناه أن المحيل بغير عوض لا يضمن شيئاً للمحال له ، لا بحكم القانون ولا بموجب الاتفاق . إلا أننا مع ذلك لا نسلم بهذا الحكم على إطلاقه ، غذ يجب تنسيق أحكام التقنين وتكميل نصوصه بعضها ببعض . فهناك المادة 494 مدنى ، وهى تضع القاعدة العامة فى ضمان الواهب لاستحقاق الشيء الموهوب ، وتجرى على الوجه الآتى : " 1 - لا يضمن الواهب استحقاق الشيء الموهوب ، إلا إذا تعمد إخفاء سبب الاستحقاق أو كانت الهبة بعوض . وفى الحالة الأولى يقدر القاضى للموهوب له تعويضاً عادلا عما أصابه من الضرر ، وفى الحالة الثانية لا يضمن الواهب الاستحقاق إلا بقدر ما أداه الموهوب له من عوض . كل هذا ما لم يتفق على غيره . 2 - وإذا استحق الشيء الموهوب ، حل الموهوب له محل الواهب فيما له من حقوق ودعاوى " .
فحتى يمكن التوفيق بين نصوص التقنين المدنى ، نرى أن نطاق تطبيق $ 513 $ المادة 310 هى الحوالة بعوض ويدخل فى ذلك الهبة بعوض ، لأن النص صريح فى أن المحيل قد استولى على شيء من المحال له فى مقابل الحوالة ، وهذا الشيء هو الذى يرده مع المصروفات والفوائد فى حالة تحقق الضمان . أما المادة 494 مدنى فنطاق تطبيقها الحوالة بغير عوض ، أى الحوالة الصادرة على سبيل الهبة المحضة من غير أى عوض مقابل .
فإذا كانت الحوالة هبة بعوض ، ضمن المحيل بحكم القانون وجود الحق المحال به وفقاً للفقرة الأولى من المادة 308 . فإذا كان هذا الحق غير موجود وقت الحوالة ، على الوجه الذى قدمناه ، وجب الضمان على المحيل ، ورجع المحال له بهذا الضمان وفقاً للمادة 310 مدنى ، فلا يلزم المحيل إلا برد ما استولى عليه من عوض مع الفوائد والمصروفات على الوجه الذى سنبينه فيما يلى .
وأما إذا كانت الحوالة هبى محضة لا عوض فيها ، فإن الذى ينطبق هو نص المادة 494 مدنى . فإذا استحق الحق المحال به ، كأن كان المحيل وارثاً ظاهراً لهذا الحق مثلا ، أو تبين أن الحق غير موجود أصلا ، لم يجب الضمان على المحيل ( الواهب ) إلا إذا تعمد إخفاء سبب الاستحقاق أو إلا إذا كان عالماً بانعدام الحق المحال به وأخفى ذلك غشا عن المحال له . فعند ذلك يقدر القاضى –كما تقرر الفقرة الأولى من المادة 494 مدنى - للمحال له ( الموهوب له ) تعويضاً له من جراء استحقاق الحق المحال به أو من جراء انعدامه . ويبدو أنه لا يكفى أن يكون هذا الضرر هو مجرد فوات الحق الموهوب له ، وإلا لوجب الضمان دائماً فى التبرعات وجوبه فى المعاوضات . وإنما يجب أن يكون الضرر خسارة إيجابية لحقت الموهوب له ، بأن يكون مثلا قد اعتمد على الحق الموهوب فى سداد دين أو فى القيام بمشروع ، فلما فات عليه هذا الحق تحمل خسارة من جراء ذلك . وفى هذه الحالة يقدر القاضى تعويضاً عادلا للموهوب لهمن الضرر ، ملاحظاً فى ذلك أن المحيل متبرع ، فلا يكون للتعويض مدى مماثل للتعويض الذى يدفعه المحيل لو كانت الحوالة بعوض . ومصدر التعويض هنا ليس هو عقد الحوالة ، وإنما هو الخطأ الذى ارتكبه المحيل بإخفائه عمداً سبب الاستحقاق أو انعدام الحق حتى ألحق الضرر بالمحال له .
( م 33 * - الوسيط ) .
$ 514 $
ثم إن الفقرة الثانية من المادة 494 مدنى تقضى بأنه " إذا استحق الشيء الموهوب ، حل الموهوب له محل الواهب فيما له من حقوق ودعاوى " . ونفرض ، لتطبيق هذا النص ، أن البائع قبل أن يسلم المبيع وهب الثمن المستحق فى ذمة المشترى إلى آخر عن طريق الحوالة ، ثم هلك المبيع قبل تسليمه للمشترى بفعل أجنبى . فالثمن فى هذه الحالة يسقط عن المشترى ، ولا يستطيع المحال له الرجوع عليه بشىء . ولكن لما كان الأجنبى متعدياً فى هلاك الشيء ، فإن للبائع أن يرجع عليه بدعوى تعويض ، فهذه الدعوى قد حلت محل الثمن المحال به ، ومن ثم يحل المحال له محل المحيل ( البائع ) فى هذه الدعوى قبل الأجنبى .
284 - الضمان فى الحوالة بغير عوض بحكم الاتفاق : ولما كانت الفقرة الأولى من المادة 494 مدنى عندما رتبت الضمان على الواهب إذا هو أخفى سبب استحقاق الشيء الموهوب ذكرت بعد ذلك أن هذا الحكم يسرى " ما لم يتفق على غيره " ، فإنه يجوز إذن أن يتفق المحيل مع المحال له ، إذا كانت الحوالة بغير عوض أصلا ، أنه فى حالة استحقاق الحق المحال به أو فى حالة انعدامه ، يرجع المحال له على المحيل بتعويض عادل ، حتى لو كان المحيل يجهل أن الحق المحال به مستحق للغير أو منعدم . وفى هذا تشديد للضمان الذى قرره القانون و الذى بسطنا أحكامه فيما تقدم ، فإن المحيل لا يكون ملتزماً طبقا لهذه الأحكام إلا إذا كان يعلم بانعدام الحق أو باستحقاقه للغير ثم يتعمد إخفاء ذلك على المحال له . على أنه لا يجوز أن يكون هذا الاتفاق على الضمان مصدر ربح غير مشروع للمحال له ، فلا يجوز مثلا أن يتفق المحال له مع المحيل على ضمان الاستحقاق فى الحوالة بغير عوض حتى لو لم يصب المحال له أى ضرر .
ثم إنه لا يجوز الاتفاق على تخفيف الضمان الواجب بحكم القانون فى ذمة المحيل المتبرع للمحال له ، فلا يصح أن يتفق الاثنان على ألا يكون المحيل مسئولا عن الضرر الذى يصيب المحال له ، حتى لو تعمد إخفاء سبب الاستحقاق أو أخفى غشاً انعدام الحق . ذلك أنه لا يجوز لشخص أن يشترط عدم المسئولية عن خطأه التقصيرى .
$ 515 $
المطلب الثانى
ما يرجع به المحال له على المحيل عند تحقق الضمان
285 - المبدأ العام : رأينا أن المادة 310 مدنى تنص على أنه " إذا رجع المحال له بالضمان على المحيل طبقاً للمادتين السابقتين ، فلا يلزم المحيل إلا برد ما استولى عليه مع الفوائد والمصروفات ، ولو وجد اتفاق يقضى بغير ذلك " .
فالمبدأ العام إذن هو أنه عند تحقق الضمان ، يكون أقصى ما يرجع به المحال له على المحيل هو أن يسترد منه ما دفعه له عوضاً عن الحق المحال به ، مع الفوائد من يوم الدفع بالسعر القانونى ، ومع المصروفات التى يكون قد أنفقها فى إبرام الحوالة أولا ثم فى مطالبة المدين ثانياً ثم فى الرجوع بالضمان على المحيل أخيراً . وهذا سواء كان الضمان بحكم القانون ولم يجد المحال له الحق موجوداً ، أو كان بحكم الاتفاق ولم يجد المحال له المدين موسراً .
ويجوز أن يرجع المحال له بأقل من ذلك ، إذا وجد شرط يخفف من الضمان . بل يجوز ألا يرجع بشىء أصلا ، إذا اشترط المحيل عدم الضمان وكان الحق المحال به هو مجرد إدعاء قد يثبت وقد لا يثبت ورضى المحال له بذلك ، كما أسلفنا القول .
ولكن لا يجوز أن يرجع المحال له بأكثر من استرداد ما دفعه مع الفوائد والمصروفات ، إلا فى حالة واحدة هى حالة ضمان المحيل لأفعاله الشخصية . فإن التعويض فى هذه الحالة الأخيرة يكون مصدره خطأ تقصيرياً فى جانب المحيل ، فوجب أن يكون كاملا يشمل قيمة الحق المحال به كلها ولو زادت على ما دفعه صحيحاً حتى لو قلنا إن التعويض مصدره عقد الحوالة لا الخطأ التقصيرى ، فإن التعويض فى المسئولية العقدية يتناول كل الضرر المباشر المتوقع ، فيشمل قيمة لاحق المحال به كما يشمل التعويض عن أى ضرر آخر يكون مباشراً متوقعاً . وإذا كانت المادة 310 مدنى قد قصرت الرجوع بالضمان على إلزام المحيل برد ما استولى عليه مع الفوائد والمصروفات ولم تجز الاتفاق على غير ذلك ، فإن هذا $ 516 $ الحكم خاص بالضمان الذى لا يرجع إلى أفعال المحيل الشخصية ، وهو الضمان المنصوص عليه فى المادتين 308 و 309 مدنى . ونص المادة 310 مدنى صريح فى هذا المعنى ، ولا يتناول مسئولية المحيل عن أفعاله الشخصية المنصوص عليها بعد ذلك فى المادة 311 مدنى ( 879 ) .
وفى غير حالة مسئولية المحيل عن أفعاله الشخصية ، لا يجوز للمحال له ، فى إلزامه المحيل بالضمان ، أن يرجع عليه بأكثر مما دفعه له مع الفوائد والمصروفات . فلا يجوز له أن يرجع عليه بقيمة الحق المحال به كله إذا كانت هذه القيمة أكثر مما دفعه ، حتى لو اتفق معه على ذلك . فالمبدأ الذى يضع الحد الأقصى لمقدار ما يرجع به المحال له هو إذن من النظام العام ، لا يجوز الاتفاق على مخالفته .
وقد أخذ التقنين المدنى المصرى الجديد هذا الحكم عن المشروع الفرنسى الإيطالى ( م 268 من هذا المشروع ) ( 880 ) ، وقصد به إلى قطع السبيل على المرابين $ 517 $ الذين يستغلون حاجة الناس فيشترون حقوقهم بأبخس الأثمان ، ثم يكفلون لأنفسهم حق الرجوع بها كاملة عليهم إذا يستوفوها كاملة من المحال عليهم . فإذا اشترى المرابى حقاً قيمته مائة بثمانين ، ثم اشترط ضمان المحيل ليسار المدين بقيمة الحق كله ، وأجيز هذا الشرط ، لكان المراب واثقاً من الحصول على مائة فى الثمانين التى دفعها ، إما من المدين إذا كان موسراً ، وإما من طريق الرجوع بالضمان على المحيل .وهذا هو عين الربا المحظور . فقصر حقه فى الرجوع بالضمان على الثمانين التى دفعها مع الفوائد والمصروفات ، حتى إذا أخذ أكثر مما أعطى فى حالة استيفاء الحق من المدين ، لم يأخذ إلا بمقدار ما أعطى فى حالة الرجوع بالضمان على المحيل ، فيمتنع عليه أن يأخذ فى الحالتين أكثر مما أعطى . وقد قيل فى لجنة المراجعة فى صدد هذا الحكم إن المقصود به " أن يتحمل المحال له الغنم والغرم ، لأن الحوالة تنطوى على معنى الضماربة " ( 881 ) .
ونرى من ذلك أن هناك حكمين من أحكام الضمان يعتبر أن من النظام العام . أولهما هو هذا الحكم ، والثانى هو الحكم القاضى بمسئولية المحيل عن أفعاله $ 518 $ الشخصية فلا يستطيع التخلص من هذه المسئولية ولو باتفاق خاص ( 882 ) .
يبقى أن نعرف الحكم فيما إذا كان المدين معسراً إعساراً جزئيا بحيث يتمكن المحال له من استيفاء بعض حقه منه ، وأن نعرف الحكم فيما إذا كان المحال له قد حول الحق إلى محال له تال بعوض يختلف عن العوض الذى دفعه هو للمحيل . ثم نعرف بعد ذلك مقدار ما يرجع به المحال له إذا كانت الحوالة بغير عوض وتحقق الضمان .
286 - حالة إعسار المدين إعساراً جزئيا : يقع فى بعض الحالات التى يتمكن المحال له من استيفاء بعض حقه من المدين الذى لا يكون معسراً إعساراً المحال له من استيفاء بعض حقه من المدين الذى لا يكون معسراً إلا إعساراً جزئياً ، فإذا كان الحق المحال به مائة مثلا ، واستوفى منها المحال له خمسين ولم يستطع استيفاء الخمسين الباقية ، وكان قد اشترى الحق من المحيل بثمانين ، فما مقدار ما يرجع به على المحيل بدعوى الضمان؟
يمكن أن نتصور حلولا ثلاثة :
( الحل الأول ) أن يرجع المحال له على المحيل بكل الخمسين التى نقضته ، فإن المحيل ملزم فى حالة تحقق الضمان أن يرد للمحال له كل خسارته بحيث لا تزيد على الثمانين التى قبضها منه ثمناً للحوالة . وعيب هذا الحل أنه يمكن المحال له من أن يستوفى قيمة الحق المحال به كاملا عند تحقق الضمان ، وفى هذا مخالفة صريحة لنص المادة 310 مدنى التى تقضى بأن المحال له لا يسترد عند تحقق الضمان أكثر مما دفعه ، فلا يجوز أن تخلص له قيمة الحق كاملة .
( الحل الثانى ) أن يرجع المحال له على المحيل بثلاثين لا بخمسين ، ذلك أنه لا يجوز له كما قدمنا أن يسترد فى حالة تحقق الضمان أكثر مما دفعه ، أى أكثر $ 519 $ من ثماينن . وقد استفوى من هذه الثمانين خمسين من المدين ، فيبقى له ثمانون هى التى يرجع بها على المحيل بدعوى الضمان .
( الحل الثالث ) أن يرجع المحال له على المحيل بأربعين لا بخمسين ولا بثلاثين . ذلك أن المحال له ، فى حالة إعسار المدين إعساراً كليا ، يسترد من المحيل ما دفعه له من الثمن ، وهو ثمانون . ففى حالة إعسار المدين إعساراً جزئياً ، يكون من العدل أن يسترد من المحيل نسبة مما يتبقى له تعادل النسبة ما بين الثمن الذى دفعه وقيمة الحق . وقد دفع ثمانين فى حق قيمته مائة ، فيكون قد اشترى الحق بأربعة أخمسا قيمته . وتبقى له خمسون لم يدفعها المدين لإعساره ، فيرجع بأربعة أخماس قيمته . وتبقى له خمسون لم يدفعها المدين لإعساره ، فيرجع بأربعة أخماسها على المحال له ، أى يرجع عليه بأربعين .
وقد تردد الفقه الفرنسى بين الحال الثانى والحال الثالث ( 883 ) . ونحن نؤثر الحل الثالث ، لأنه يميز بين إعسار المدين إعساراً كليا وإعساره إعساراً جزئياً ، فيكون الضرر الذى يصيب المحال له من الإعسار الجزئى أقل من الضرر الذى يصيبه من الإعسار الكلى . وهو بعدُ لم يسترد من المحيل إلا جزءاً مما دفعه ثمناً للحوالة يتناسب مع الجزء الباقى له من حقه ، فبقى بذلك فى الحدود التى رسمتها المادة 310 مدنى .
287 - حالة وقوع حوالة تالية بعوض يقل أو يزيد : وقد يقع أن المحال له يحول حقه إلى محال له تال بثمن أقل أو أكثر من الثمن الذى دفعه هو للمحيل ، فهل يكون رجوع المحال له الثمن بدعوى الضمان مقيداً بما دفعه هو للمحال له الأول أو بما دفعه المحال له الأول للمحيل؟
نفرض أن المحيل قد قبض فى الحق وقيمته مائة ثمناً مقداره ثمانون ، ثم حول المحال له هذا الحق نفسه إلى محال له تال وقبض ثمناً له مقداره سبعون . ولما طالب المحال له الثانى المدين وجده معسراً . فى هذه الحالة يجوز للمحال له $ 520 $ الثانى أن يرجع بالضمان إما على المحال له الأول وإما على المحيل . فإن رجع على المحال له الأول ، استرد السبعين التى دفعها له . وكذلك لا يجوز أن يسترد إلا السبعين التى دفعها ،حتى لو رجع على المحيل ، إذ لا يجوز له أن يسترد بدعوى الضمان أكثر مما دفعه .
أما إذا كان المحال له الثانى دفع ثمناً للحوالة تسعين لا سبعين ، فإنه يرجع بالتسعين على المحال له الأول ، إذا هو قد دفعها له فيستردها منه . ولكن إذا أراد الرجوع على المحيل ، فإنه لا يسترد منه إلا الثمانين التى استولى هذا عليها ، ذلك أن المحيل لا يلزم إلا برد ما استولى عليه ( 884 ) .
288 - حالة الحوالة بغير عوض : وفى كل ما قدمناه افترضنا أن الحوالة بعوض ، ولذلك جعلنا رجوع المحال له على المحيل مقيداً بمقدار هذا العوض ، ويستوى فى ذلك أن تكون الحوالة بيعاً أو هبة بعوض .
أما إذا كانت الحوالة بغير عوض ، وتحقق الضمان على الوجه الذى قدمناه ، فإن المحال له لم يدفع شيئا حتى يسترده . لذلك لا يكون له ، كماس بق القول ، إلا أن يرجع بتعويض عادل عن الضرر الذى أصابه ، يقدره القاضى على الوجه الذى أسلفناه ( 885 ) .
الفرع الثانى
علاقة المحال له بالمحال عليه
289 - النصوص القانونية : تنص المادة 306 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" يجوز قبل إعلان الحوالة أو قبولها أن يتخذ الدائن المحال له من الإجراءات ما يحافظ به على الحق الذى انتقل إليه " .
$ 521 $
وتنص المادة 312 على ما يأتى :
" للمدين أن يتمسك قبل المحال له بالدفوع التى كان له أن يتمسك بها قبل المحيل وقت نفاذ الحوالة فى حقه ، كما يجوز له أن يتمسك بالدفوع المستمدة من عقد الحوالة ( 886 ) .
ولا مقابل لهذين النصين فى التقنين المدنى السابق ، ولكن أحكامهما كان معمولا بها دون نص لأنها تطبيق للقواعد العامة .
ويقابل النصان فى التقنين المدنى السابق : فى التقنين المدنى السورى المادتين 306 و 312 – وفى التقنين المدنى الليبى المادتين 293 و 299 وفى التقنين المدنى العراقى المادة 366 – وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 285 / 2 ( 887 ) .
$ 522 $
ويؤخذ من هذه النصوص أن علاقة المحال له بالمحال عليه ( المدين ) تتأثر كثيراً بالوقت الذى تصبح فيه الحوالة نافذة فى حق المحال عليه بالإعلان أو بالقبول . فقبل هذا لاوقت لا تكون علاقة المحال له بالمحال عليه إلا علاقة دائنية مستقبلة ، إلا أنها علاقة تسمح ببعض آثار محدودة ، أهمها أن المحال له يستطيع أن يتخذ إجراءات تحفظية للمحافظة على حقه المستقبل قبل المحال عليه كما يمتنع على المحال عليه أن يأتى من الأعمال ما يضر بهذا الحق . ومنذ إعلان الحوالة أو قبولها يصبح المحال له هو وحده الدائن –الحالى لا المستقبل - للمحال عليه ، وتقوم بينهما علاقة المديونية كاملة بما يترتب عليها من آثار .
المبحث الأول
علاقة المحال له بالمحال عليه قبل إعلان الحوالة أو قبولها
290 - دائنية المحال له للمحال عليه دائنية محدودة : قبل إعلان الحوالة أوقبولها يبقى المحيل دائناً للمحال عليه ، لأن الحوالة لم تنفذ بعد فى حق المحال عليه . أما المحال له فدائنيته للمحال عليه كامنة ينقصها النفاذ ، فهى دائنية محدودة لا تولد آثاراً كاملة ، ولكنها تولد بعض الآثار على كل حال .
فيستطيع المحال له من جانبه ، أن يتخذ للمحافظة على حقه إجراءات تحفظية . ومن جانب المحال عليه يجب أن يمتنع ، إذا كان قد علم بالحوالة فعلا $ 523 $ دون أن يقبلها ودون أن تعلن إليه ، من أن يأتى عملا من شأنه الإضرار بحق المحال له .
291 - الإجراءات التحفظية التى يتخذها المحال له : يستطيع المحال له ، قبل إعلان المدين بالحوالة أو قبوله لها ، أن يتخذ من الإجراءات التحفظية ما هو واجب للمحافظة على الحق المحال به . وهذا ما نصت عليه صراحة المادة 306 مدنى ، فقد رأيناها تقضى بأنه " يجوز قبل إعلان الحوالة أو قبولها أن يتخذ الدائن المحال له من الإجراءات ما يحافظ به على الحق الذى انتقل إليه " ( 888 ) .
فيجوز للمحال له أن يقطع التقادم ، إذا رأى أنه أوشك أن يتكامل . وبدلا من أني بدأ بإعلان الحوالة إلى المحال عليه لجعلها نافذة فى حقه ، ثم يطالب بعد ذلك بالحق مطالبة قضائية ليقطع التقادم وقد لا يكون هناك وقت كاف قبل تكامل التقادم للقيام بهذين الإجرائين المتتالين ، يعمد منذ البداية إلى مطالبة المحال عليه مطالبة قضائية تقطع التقادم فوراً ، فيحفظ المحال له بذلك حقه من السقوط . والمطالبة القضائية تتضمن بطبيعة الحال إعلاناً للحوالة ، فهى تحدث الأثرين معاً فى وقت واحد : تقطع التقادم وتجعل الحوالة نافذة فى حق المحال عليه وفى حق الغير . ويستطيع المحال له أن يتلقى من المحال عليه اعترافاً بالحق فى ذاته فينقطع التقادم ، وذلك قبل أن يكون المحال عليه مستعداً لقبول الحوالة ، فهو يقر بالحق الذى فى ذمته ، ويريد أن يتريث فى قبول الحوالة تحوطاً منه للنتائج التى تترتب على هذا القبول ، وبخاصة أثر القبول فى منع التمسك بالمقاصة .
ويجوز للمحال له أيضاً أن يبادر إلى قيد رهن أو حق امتياز أو حق اختصاص يكفل الحق المحال به ، فليس هذا إلا إجراء تحفظياً يستطيع القيام به قبل إعلان الحوالة أو قبولها . كما يستطيع أن يحدد القيد إذا كان قد مضى على القيد السابق عشر سنوات ، ويكون القيد أو تجديده باسمه هو لا باسم المحيل ( 889 ) .
ويجوز للمحال له أن يوقع حجزاً تحفظياً تحت يد مدين المحال عليه ، ويتابع $ 524 $ إجراءات هذا الحجز حتى يصل إلى الحكم بصحة الحجز . فيقف عند هذا الحد ، إذ يصبح الحجز عندئذ إجراء تنفيذياً لا إجراء تحفظياً ، فلا يستطيع المحال له الاستمرار فيه قبل أن يجعل الحوالة نافذة فى حق المحال عليه ( 890 ) .
ويجوز كذلك للمحال له ، إذا باع المحال عليه عقاراً مرهوناً فى الحق المحال به وأراد الحائز أن يطهر العقار ، أن يطلب بيع العقار المطلوب تطهيره باعتباره دائناً مرتهناً إذا هو أودع خزانة المحكمة مبلغاً كافياً لتغطية مصروفات البيع بالمزاد ، وذلك طبقاً للمادتين 1067 - 1068 من التقنين المدنى ( 891 ) .
وقد قيس المحال له قبل إعلان الحوالة أو قبولها على الدائن تحت شرط واقف قبل تحقق الشرط ، فكل منهما يجوز له اتخاذ الإحراءات التحفظية ( 892 ) .
$ 525 $
292 - امتناع المحال عليه من الإضرار بحقوق المحال له : وبديهى أن المحال عليه ، الذى لم يقبل الحوالة ولم يعلن بها ، إذا كان لا يعلم فعلا بصدورها ، يستطيع أن يعامل المحيل –وهو لايزال الدائن له - فى شأن الحق المحال به ، فيوفيه إياه ، أو يجده معه ، أو يجعله قصاصاً فى دين له عليه ، أو يستبرئه منه . وعلى هذا النحو أيضاً يعامل المحال عليه محالا له ثانياً يكون قد قبل حوالته أو أعلنت له ، فهذا المحال له الثانى ، الذى حوالته نافذة قبل الحوالة الأولى ، هو وحده صاحب الحق بالنسبة إلى المحال عليه ، علم هذا بالحوالة الأولى أو لم يعلم .
أما إذا علم المحال عليه بالحوالة الأولى فعلا ، ولو قبل أن تصبح نافذة فى حقه بالإعلان أو بالقبول ، فمن واجبه حينئذ أن يمتنع من إتيان أى عمل ينطوى على غش ويكون من شأنه الإضرار بحقوق المحال له . فليس له أن يوفى الحق المحال به للمحيل غشا وتواطؤا معه . أما إذا أجبره المحيل على الوفاء فلا حيلة له ، وقد تقدم بيان ذلك . وليس له أن يتواطأ غشا مع محال له تال للمحال له الأول ، فيقبل الحوالة الثانية حتى يجعلها نافذة قبل الحوالة الأولى . بل إنه يستطيع ، قبل إعلان الحوالة أو قبولها ، أن يوفى الحق المحال به للمحال له ، ويعتبر هذا الوفاء بمثابة قبول منه للحوالة ( 893 ) . كما يستطيع المحال له أن يطالبه بالحق المحال به مطالبة قضائية ، وتعتبر هذه المطالبة بمثابة إعلان للحوالة ( 894 ) .
ونرى من ذلك أنه من وقت صدور الحوالة إلى وقت إعلانها أو قبولها ، يكون للمحال عليه دائنان فى دين واحد ، هما المحيل والمحال له . ولكن منهما أن يطالبه بالدين ، وله أن يوفى الدين لأى منهما ، وهما مع ذلك ليسا بدائنين متضامنين ( 895 ) .
$ 526 $
المبحث الثانى
علاقة المحال له بالمحال عليه بعد إعلان الحوالة أو قبولها
293 - نفاذ الحوالة فى حق المحال عليه ، بإعلان الحوالة أو قبولها تصبح نافذة ، كما قدمنا ، فى حق المحال عليه ، ويصبح الأثر الأول للحوالة –انتقال الحق المحال به من المحيل إلى المحيل له - نافذاً بالنسبة إلى المحال عليه . ويترتب على ذلك نتجيتان رئيسيتان :
( الأولى ) أن يحل المحال له محل المحيل ، بالنسبة إلى المحال عليه ، فى نفس الحق المحال به فى الحالة التى يكون عليها وقت إعلان الحوالة أو قبولها . أما انتقال الحق فيما بين المحيل والمحال له فيكون بالحالة التى كان عليها وقت صدور الحوالة .
( الثانية ) أن يكون للمحال عليه –وهذه نتيجة مترتبة على النتيجة الأولى - التمسك قبل المحال له بالدفوع التى كان له أن يتمسك بها قبل المحيل وقت الإعلان أو القبول ، وكذلك بالدفوع المستمدة من عقد الحوالة .
$ 527 $
294 - حلول المحال له محل المحيل فى نفس الحق المحال به : ينتقل ، بالنسبة إلى المحال عليه ، الحق المحال به من المحيل إلى المحال له ، كما قدمنا . وينتقل بالحالة التى يكون عليها وقت إعلان الحوالة أو قبولها ( 896 ) .
فمن هذا الوقت لا يكون للمحال عليه إلا دائن واحد هو المحال له ، وقد حل محل المحيل الدائن السابق ، وأصبح هو دون المحيل صاحب الحق بالحالة التى يكون عليها وقت الإعلان أو القبول . فلو أن هذا الحق كان موجوداً وقت صدور الحوالة ، ولكنه انقضى قبل الإعلان أو القبول بأن استوفاه المحيل مثلا أو قضاه بأى سبب من أسباب الانقضاء ، فإن المحال له لا ينتقل إليه شيء قبل المحال عليه ، لأن الحق أصبح غير موجود وقت الإعلان أو القبول .
وينتقل الحق إلى المحال له بالصفات التى تكون له وقت الإعلان أو القبول . فلو كان الحق ثابتاً فى سند تنفيذى فى هذا الوقت ، ولكن لم يكن ثابتاً فى هذا السند وقت صدور الحوالة ، فإن الحق ينتقل إلى المحال له قابلا للتنفيذ بفضل هذا السند التنفيذى . ولو كان الحق تجارياً أو ينتج فوائد أو كانت له صفات أخرى غير ذلك ، فإنه ينتقل بنفس هذه الصفات إلى المحال له قبل المحال عليه .
وينتقل الحق إلى المحال له بالضمانات التى تكفله وقت الإعلان أو القبول ( 897 ) . فلو أن الحق المحال به كان مضموناً برهن أو اختصاص أو امتياز أو كفيل ، فإنه ينتقل بهذه الضمانات إلى المحال له قبل المحال عليه وقبل الكفيل . ولو كان الضمان الذى يكفل المحال به موجوداً وقت صدور الحوالة ، ولكنه انقضى قبل إعلانها أو قبولها ، فإنه يعتبر غير موجود ولا ينتقل مع الحق إلى المحال له ، كما لو سقط قيد الرهن أو أبرأ المحيل الكفيل قبل الإعلان أو القبول ، وإنما يرجع المحال له على المحيل بالضمان وفقاً للقواعد التى قدمناها .
$ 528 $
وما دام الحق نفسه قد انتقل من المحيل إلى المحال به بالنسبة إلى المحال عليه ، فقد أصبح المحال عليه ليس له ، كما قدمنا ، إلا دائن واحد هو الذى يجب أن يوفيه الحق . فلا يجوز له أن يوفى الحق ، بعد الإعلان أو القبول ، إلى المحيل ، ويكون هذا الوفاء غير مبرئ لذمته ، ويستطيع المحال له أن يستوفى الحق منه مرة ثانية ، ولا يبقى للمحال عليه إلا الرجوع على المحيل بما دفعه إليه دون حق . ويجوز للمحال له ، بعد الإعلان أو القبول ، أن يجبر المحال عليه على الوفاء بالحق كاملا ( 898 ) ، كما يجوز له أن يقضى الحق بأى سبب من أسباب الانقضاء كالتجديد والمقاصة واتحاد الذمة والإبراء ( 899 ) .
$ 529 $
ولا يستطيع المحيل ، بعد الإعلان أو القبول ، أن يتصرف فى الحق المحال به مرة ثانية ، لا ببيع ولا برهن ولا بأى نوع آخر من أنواع التصرفات ( 900 ) ، كما لا يجوز أن يوقع أحد دائنى المحيل حجزاً تحفظياً على الحق المحال به تحت يد المحال عليه بعد الإعلان أو القبول . وعلى العكس من ذلك ، يستطيع المحال له ، بعد الإعلان أو القبول ، أن يتصرف فى الحق بحوالة تالية ، كبيع أو هبة أو رهن ، يجوز لدائنيه أن يوقعوا حجزاً تحفظيا على الحق تحت يد المحال عليه .
على أن حلول المحال له محل المحيل قبل المحال عليه ليس من شأنه أن ينقل الصفات اللصيقة بشخص أحدهما إلى شخص الآخر . فلو أن المحيل كان زوجة المحال عليه ، ومن ثم يكون سريان التقادم موقوفاً لمصلحة الزوجة ، لمي نقتل أثر هذه الظروف الشخصية إلى المحال له ، ويبدأ سريان التقادم من وقت أن تصبح الحوالة نافذة فى حق الزوج المحال عليه ( 901 ) .
295 - الدفوع التى للمحال عليه أن يتمسك بها قبل المحال له : رأينا أن المادة 312 مدنى تنص على أن " للمدين أن يتمسك قبل المحال له بالدفوع التى كان له أن يتمسك بها قبل المحيل وقت نفاذ الحوالة فى حقه ، كما $ 530 $ يجوز له أن يتمسك بالدفوع المستمدة من عقد الحوالة " . وهذه نتيجة منطقية مترتبة على كون الحق المحال به هو الذى ينتقل من المحيل إلى المحال له قبل المحال عليه ، كما قدمنا . فما دام الحق نفسه هو الذى ينتقل ، فإنه ينتقل بالدفوع التى عليه كما انتقل بالصفات والضمانات التى له . فيستطيع المحال عليه إذن أن يتمسك بهذه الدفوع قبل المحال له ، كما كان يستطيع التمسك بها قبل المحيل ( 902 ) . ويستطيع أيضاً أن يتمسك بالدفوع التى يستمدها من عقد الحوالة ذاته ، وهو العقد الذى نقل الحق المحال به من المحيل إلى المحال له .
يستطيع المحال عليه أولا أن يتمسك قبل المحال له ، بالنسبة إلى الحق المحال به ، بالدفوع التى كان يستطيع أن يتمسك بها قبل المحيل وقت إعلان الحوالة أو قبولها . فإذا كان هناك ، فى هذا الوقت ، دفع يمكن أن يدفع به هذا الحق قبل المحيل ، فإن هذا الدفع يصلح للتمسك به قبل المحال له . والدفوع قد ترجع إلى انقضاء الحق أو إلى بطلانه أو إلى انفساخه . فيجوز أن يكون الحق المحال به قد انقضى وقت إعلان الحوالة أو قبولها ، حتى لو كان موجوداً وقت صدور الحوالة . فيصبح مثلا للمحال عليه أن يدفع بأن الحق قد انقضى إما بالوفاء ( 903 ) $ 531 $ أو بالتجديد أو بالمقاصة أو باتحاد الذمة أو بالإبراء أو بغير ذلك من أسباب الانقضاء ، سواء كان الانقضاء سابقاً على صدور الحوالة أو تالياً له ، ما دام الحق قد انقضى قبل إعلان الحوالة أو قبولها ( 904 ) . ويجوز كذلك أن يكون الحق قد انقضى بتصرف المحيل فيه لمحال له آخر ونفذت الحوالة الثانية قبل نفاذ الحوالة الأولى ، ففى هذه الحالة يدفع المحال عليه مطالبة المحال له الأول بأن الحوالة الثانية هى النافذة فى حقه وفى حق المحال له الأول على السواء . ويجوز أن يكون أحد دائنى المحيل قد وقع حجزاً تحفظياً تحت يد المحال عليه قبل إعلان الحوالة أو قبولها ، وعندئذ يكون للمحال عليه أن يدفع مطالبة المحال له بالحق كله بأن الدائن الحاجز يشاركه فيه . كل هذه دفوع ترجع إلى انقضاء الحق ، كان المحال عليه يستطيع أني دفع بها مطالبة المحيل ، فيجوز له أن يتمسك بها قبل المحال له . وهناك دفوع ترجع إلى بطلان الحق المحال به أو إلى انفساخه ، كأن يكون الحق مصدره عقد باطل أو عقد قابل للإبطال أو عقد قابل للفسخ ، أو يكون الحق معلقاً على شرط واقف لم يتحقق أو معلقاً على شرط فاسخ تحقق ( 905 ) . كل هذه دفوع كان المحال عليه يستطيع أن يتمسك بها قبل المحيل ، ليستطيع كذلك أن يتمسك بها قبل المحال له ( 906 ) .
$ 532 $
على أن هناك دفعين يخرجان على القواعد التى قدمناها ، هما الدفع باتحاد الذمة والدفع بالمقاصة . فإذا كان المحال عليه هو وارث المحيل ، وبعد صدور الحوالة ، ولكن قبل إعلانها أو قبولها ، مات المحيل فورثه المحال عليه وانقضى الحق المحال به باتحاد الذمة ، فقد كان ينبغى أن يستطيع المحال عليه أن يدفع مطالبة المحال له بعد إعلان الحوالة بانقضاء الحق . ولكنه لما وارثاً للمحيل ، وكان للمحال له أن يرجع بالضمان على المحيل أو على تركته التى يمثلها الوارث ، فإن الأمر ينتهى إلى أن المحال عليه لا يجوز أن يتمسك بهذا السبب من أسباب الانقضاء ( 907 ) . كذلك إذا كان هناك حق للمحال عليه فى ذمة المحيل بحيث ينقضى الحق المحال به بالمقاصة ، ولكن المحال عليه قبل الحوالة دون تحفظ ، فإنه لا يستطيع أن يدفع مطالبة المحال له بالمقاصة ( 908 ) كما كان يستطيع دفعها بالدفوع الأخرى . فقد رأينا أن المادة 368 مدنى تنص على أنه " 1 - إذا حول الدائن حقه للغير وقبل المدين الحوالة دون تحفظ ، ف لا يجوز لهذا المدين أن يتمسك قبل المحال له بالمقاصة التى كان له أن يتمسك بها قبل قبوله للحوالة ، ولا يكون له إلا الرجوع بحقه على المحيل . 2 - أما إذا كان المدين لم يقبله الحوالة ولكن أعلن بها ، فلا تمنعه هذه الحوالة من أن يتمسك بالمقاصة " ( 909 ) .
$ 533 $
ويستطيع المحال عليه ثانياً أن يتمسك بالدفوع التى ترجع إلى عقد الحوالة ذاته . مثل ذلك أني كون عقد الحوالة باطلا ، وهو سند المحال له فى الرجوع على المحال عليه ، فلهذا أن يدفع ببطلان أو يجوز أن يتمسك بالبطلان كل ذى مصلحة . أما إذا كان عقد الحوالة قابلا للإبطال لمصلحة المحيل فإن المحيل وحده هو الذى يستطيع أن يتمسك بإبطال الحوالة ، ولا يستطيع المحال عليه ذلك لأن الإبطال لم يتقرر لمصلحته ، بل ولا يستطيع أن يتمسك بالإبطال باسم المحيل لأنه ليس دائناً له بل مديناً . فلا يبقى أمامه إلا أن يدخل المحيل خصما فى الدعوى التى يرفعها عليه المحال له ، ويطلب منه إما أن يتمسك بإبطال العقد وإلا دفع المحال عليه الحق المحال به للمحال له معتبراً سكوت المحيل عن التمسك بإبطال العقد إجازة ضمنية منه للحوالة . وهذا هو أيضاً شأن ما إذا كان عقد الحوالة قابلا للفسخ . فإذا كانت الحوالة فى مقابل ثمن لم يدفعه المحال له للمحيل ، وكان للمحيل أن يفسخ العقد لعدم دفع الثمن ، فليس للمحال عليه أن يتمسك بالفسخ ، فإن الذى يتمسك به هو المحيل . وللمحال عليه أن يدخل المحيل خصما فى الدعوى ، حتى إذا رأى هذا أن $ 534 $ يطالب بفسخ العقد فعل ، وإلا كان المحال عليه ملزماً بدفع الحق المحال به للمحال له ، ثم يطالب المحيل المحال له بثمن الحوالة ( 910 ) . وقد يكون عقد الحوالة صورياً ، فيجوز للمحال عليه أن يدفع بصوريته ( 911 ) ، وأن يثبتها بجميع الطرق ، حتى بالبينة وبالقرائن ( 912 ) ، لأنه ليس طرفاً فى الصورية . ولكنه لا يعتبر غيراً فيها ، إذ هو ليس بدائن ولا بخلف خاص لأى من طرفى الصورية ، فإذا وفى الحق المحال به للمحال له معتقداً بحسن نية أن الحوالة جدية ، كان الدفع صحيحاً مبرئاً للذمة ، لا لأنه من الغير فى الصورية ومن حقه أن يتمسك بالعقد الصورى ، $ 535 $ بل لأنه وفى الحق إلى الدائن الظاهر بحسن نية ( 913 ) . على أنه إذا تمسك المحال عليه بصورية الحوالة ، جاز مع ذلك اعتبار الحوالة الصورية توكيلا من المحيل للمحال له فى قبض الحق المحال به من المحال عليه ، فيصح للمحال له باعتباره وكيلا إلزام المحال عليه بدفع الحق المحال به ، كما يجوز للمحيل الرجوع فى هذا التوكيل ( 914 ) .
الفرع الثالث
علاقة المحيل بالمحال عليه
296 - التمييز بين مرحلتين : فى علاقة المحيل بالمحال عليه يجب أن نميز بين مرحلتين :
( 1 ) المرحلة التى تسبق إعلان الحوالة أو قبولها .
( 2 ) ثم المرحلة التى تلى الإعلان أو القبول .
297 - المرحلة التى تسبق إعلان الحوالة أو قبولها : فى هذه المرحلة لا تزال الحوالة غير نافذة فى حق المحال عليه ، ولا يزال صاحب الحق بالنسبة إليه هو المحيل . فيستطيع المحيل إذن أن يقوم باتخاذ جميع الإجراءات التحفظية اللازمة ، كأن يقطع التقادم وأن يقيد الرهن وأن يجدد القيد وأن يتقدم فى التوزيع ونحو ذلك ( 915 ) . وما ينتج من أثر يفيد بطبيعة الحال المحال له . وقد رأينا فيما قدمناه أن هذه الإجراءات التحفظية يستطيع المحال له أيضا ، فى هذه المرحلة نفسها ، أن يتخذها باسمه .
كذلك يستطيع المحيل ، فى المرحلة التى نحن بصدها ، أن يجاوز الأعمال التحفظية إلى الأعمال التنفيذية ، فهو بالنسبة إلى المحال عليه لا يزال صاحب $ 536 $ الحق كما قدمنا . فله أن يستوفى الحق من المحال عليه ، وله أن يجبره على الوفاء . وليس للمحال عليه فى هذه الحالة الأخيرة إلا أن يبادر إلى قبوله الحوالة حتى يجعلها نافذة فى حق فلا يوفى الحق المحال به إلا للمحال له ، أو أن يدخل المحال له خصما فى الدعوى ويدعوه إلى تحديد موقفه من الحوالة . كذلك يستطيع المحيل أن يقضى الحق بأى سبب من أسباب الانقضاء ، كالتجديد والمقاصة واتحاد الذمة والإبراء ، ولا يكون للمحال له فى هذه الحالة إلا الرجوع عليه بالضمان إن كان هناك محل للرجوع ( 916 ) .
ويستطيع المحيل أيضا أن يتصرف فى التحق المحال به ، فهو لا يزال صاحبه بالنسبة إلى المحال عليه وبالنسبة إلى الغير ، فيحول الحق مرة أخرى إلى محال له ثان على سبيل البيع أو الهبة أو الرهن أو غير ذلك . ويجوز لدائنى المحيل أن يحجزوا حجزاً تحفظياً على الحق المحال به تحت يد المحال عليه ( 917 ) . فالمحال له إذن يخلص له الحق المحال به بالحالة التى يكون عليها وقت الإعلان أو القبول ، لا بحالته وقت صدور الحوالة . وإذا انتقص الحق بفعل المحيل ، فى الفترة ما بين وقت صدور الحوالة ووقت إعلانها أو قبولها ، فليس للمحال له إلا الرجوع على المحيل ( 918 ) .
298 - المرحلة التى تلى إعلان الحوالة أو قبولها : فإذا ما أعلنت الحوالة أو قبلت ، فقد رأينا أنها تصبح نافذة فى حق المحال عليه وفى حق الغير ، ويصبح المحيل أجنبياً بالنسبة إلى المحال عليه .
ومن ثم لا يستطيع المحيل فى هذه المرحلة أن يفعل شيئاً مما كان يستطيع أن يفعله فى المرحلة الأولى . لا يستطيع أن يستوفى الحق من المحال عليه ، وإن استوفاه كان الوفاء غير مبرئ لذمة المحال عليه كما قدمنا . ولا يستطيع بالأولى $ 537 $ إلزام المحال عليه بالوفاء ، كما لا يستطيع أن يقضى الحق بأى سبب من أسباب الانقضاء ، لا بالتجديد ولا بالمقاصة ( 919 ) ولا باتحاد الذمة ولا بالإبراء ولا بغير ذلك .
كذلك لا يستطيع المحيل أن يتصرف فى الحق المحال به بعد إعلان الحوالة أو قبولها ، لا ببيع ولا بهبة ولا برهن ولا بغير ذلك من التصرفات ، فقد أصبح المحال له هو صاحب الحق كما سبق القول . ولا يجوز فى هذه المرحلة لدائنى المحيل أن يحجزوا على الحق المحال به تحت يد المحال عليه ، والحجز بعد إعلان الحوالة أو قبولها لا يسرى فى حق المحال له . والذين يستطيعون أن يوقعوا الحجز تحت يد المحال عليه هم دائنو المحال له ، فقد أصبح الحق ملك مدينهم وحده ( 920 ) .
الفرع الرابع
علاقة المحال له بالغير
299 - النصوص القانونية : تنص المادة 313 من التقنين المدنى على ما يأتى :
إذا تعددت الحوالة بحق واحد ، فضلت الحوالة التى تصبح قبل غيرها نافذة فى حق الغير " .
وتنص المادة 314 على ما يأتى :
" 1 - إذا وقع تحت المحال عليه حجز قبل أن تصبح الحوالة نافذة فى حق الغير ، كانت الحوالة بالنسبة إلى الحاجز بمثابة حجز آخر " .
$ 538 $
" 2 - وفى هذه الحالة إذا و قع حجز آخر بعد أن أصبحت الحوالة نافذة فى حق الغير ، فإن الدين يقسم بين الحاجز المتقدم والمحال له والحاجز المتأخر قسمة غرماء ، على ان يؤخذ من حصة الحاجز المتأخر ما يستكمل به المحال له قيمة الحوالة ( 921 ) " .
وليس للنص الأول مقابل فى التقنين المدنى السابق ، ولكن الحكم كان معمولا به دون نص لانطباقه على القواعد العامة . أما النص الثانى فيقابله فى تقنين المرافعات السابق المادة 433 / 495 ( 922 ) .
ويقابل النصان فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادتين 313 - 314 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادتين 300 - 301 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادتين 373 - 374 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المواد 647 - 649 ( 923 ) .
$ 539 $
وقد عرضت هذه النصوص لطائفتين من الغير ، لتقرر لمن يكون التقدم إذا تزاحم المحال له مع الغير . وهاتان الطائفتان هما :
(1) محال له آخر بنفس الحق المحال به أولا ، سواء تضمنت الحوالة بيعاً أو هبة أو رهناً أو غير ذلك من التصرفات .
(2) دائن حاجز من جهة المحيل يكون قد جز على الحق المحال به تحت يد المحال عليه .
وقد رأينا فيما تقدم ( 924 ) أن الغير فى الحوالة يشمل هاتين الطائفتين ويشمل أيضاً طائفة ثالثة هو دائنو المحيل إذا شهر إفلاسه أو إعساره .ورأينا أن العبرة $ 540 $ فى نفاذ الحوالة فى حق هؤلاء الأغيار –أى الطوائف الثلاثة - بالتاريخ الثابت لإعلان المحال عليه بالحوالة أو لقبوله بها .
ولا تقوم صعوبة فى تطبيق هذا المبدأ بالنسبة إلى طائفتين من هذه الطوائف الثلاث ، وهما طائفة دائن المحيل المفلس أو المعسر وطائفة المحال له الثانى . وإنما تقوم الصعوبة فى تطبيق المبدأ بالنسبة إلى الدائن الحاجز . فنبحث أولا الطائفتين الأولين ، ثم نفرد بعد ذلك مبحثا خاصا بالدائن الحاجز .
المبحث الثامن
التزاحم بين المحال له وبين دائن المحيل المفلس أو المعسر أو محال له آخر
300 - التزاحم بين المحال له وبين دائن المحيل المفلس أو المعسر : إذا صدرت الحوالة من المحيل ، وقبل أن تصبح نافذة فى حق الغير بالإعلان أو القبول شهر إفلاس المحيل أو شهر إعساره ، فإن دائنى المحيل فى هذه الحالة يصبحون من الغير بالنسبة إلى المحال له ، وذلك من وقت صدور الحكم بالإفلاس أو من وقت تسجيل صحيفة دعوى الإعسار .
أما فيما يتعلق بالإفلاس ، فقد نصت المادة 216 من التقنين التجارى على أن " الحكم بإشهار الإفلاس يوجب بمجرد صدوره رفع يد المفلس من تاريخ هذا الحكم عن إدارة جميع أمواله . . . " . ومن المجمع عليه فى الفقه التجارى أن غل يد إدارة جميع أمواله . . . " . ومن المجمع عليه فى الفقه التجارى أن غل يد المفلس من تاريخ صدور الحكم بالإفلاس لا يقتصر فحسب على إدارة الأموال ، بل هو يشمل أيضا ، ومن باب أولى ، التصرف فى هذه الأموال ( 925 ) . ومن النتائج التى يرتبها فقهاء القانون التجارى على هذا المبدأ أنه " إذا اشترط القانون لسريان التصرف على الغير إتمام إجراءات أو أشكال معينة ، فلا يعتبر التصرف بالنسبة إلى جماعة الدائنين قد كمل إلا إذا تمت الإجراءات أو الأشكال المذكورة قبل صدور حكم الإفلاس . فإذا لم تكن قد $ 541 $ تمت حق هذا الوقت ، فلا يجوز إجراؤها بعد ذلك ، ومن ثم لا يحتج بالتصرف على جماعة الدائنين لأنها من الغير ( 926 ) " . وتطبيقاً لهذا المبدأ ، إذا حول الدائن قبل شهر إفلاسه الحق الذى له فى ذمة مدينه إلى شخص آخر ، ولم يكن التاريخ الثابت لإعلان هذه الحوالة إلى المدين أو لقبوله إياها سابقاً على تاريخ الحكم بشهر الإفلاس ، فإن دائنى المحيل المفلس يعتبرون من الغير بالنسبة إلى هذه الحوالة ، ولما كان تاريخ نفاذها تالياً لصيرورتهم من الغير ، فإن الحوالة لا تنفذ فى حقهم . وفى هذه الحالة يبقى الحق المحال به فى " روكيه " المحيل المفلس تتناوله إجراءات الإفلاس ، ويدخل المحال له ضمن دائنى التفليسة بما له من حق الرجوع على المحيل ، ويقاسم هؤلاء الدائنين قسمة الغرماء ( 927 ) .
$ 542 $
وأما فيما يتعلق بالإعسار ، فقد نصت المادة 357 مدنى على أنه " متى سجلت صحيفة دعوى الإعسار ، فلا يسرى فى حق الدائنين أى تصرف للمدين يكون من شأنه أن يقنص من حقوقه أو يزيد مفى التزاماته ، كما لا يسرى فى حقهم أى وفاء يقوم به المدين " . ويتبين من هذا النص أنه بعد شهر إعسار المدين ، كل تصرف يصدر منه منذ تاريخ تسجيل صحيفة دعوى الإعسار ، ويكون من شأنه أن ينقص من حقوقه كالبيع والهبة والرهن ويدخل فى ذلك حوالة الحق على سبيل البيع أو الهبة أو الرهن ، أو يزيد فى التزاماته كالقرض ، وأى وفاء يقوم به ولو لدين حال ، يكن غير سار فى حق الدائنين ، وذلك دون حاجة إلى إثبات إعسار المدين فهو ثابت بحكم شهر الإعسار ، ودون حاجة إلى إثبات سوء نية المدين أو سوء نية المتصرف إليه ولو كان التصرف معاوضة . وهذه الوقاية تفضل العلاج الذى تقدمه الدعوى البولصية ( 928 ) . وكما أن الحوالة التى صدرت بعد تسجيل صحيفة دعوى الإعسار لا تسرى فى حق دائنى المعسر إذ يعتبرون من الغير بالنسبة إليها ، كذلك إذا لم تتم الإجراءات اللازمة لجعل الحوالة نافذة فى حق الغير قبل تسجيل صحيفة دعوى الإعسار ، فإن الحوالة لا تسرى فى حق دائنى المعسر باعتبارهم من الغير . فإذا صدرت الحوالة من المحيل ولو قبل تسجيل صحيفة دعوى الإعسار ، ولكن التاريخ الثابت لإعلانها أو لقبولها لاحق لتسجيل صحيفة دعوى الإعسار ، فإن الحوالة لا تنفذ فى حق دائنى المعسر ، ويبقى الحق المحال به داخلا فى الضمان العام لجميع الدائنين ، ومنهم المحال بما له من حق الرجوع بالضمان على المحيل ، فيكون أسوة الدائنين الآخرين فى التنفيذ على أموال المدين المعسر ، وذلك وفقاً للمادة 256 مدنى .
301 - التزاحم بين محال له ومحال له آخر : رأينا أن المادة 313 مدنى تنص على أنه " إذا تعددت الحوالة بحق واحد ، فضلت الحوالة التى تصبح قبل غيرها نافذة فى حق الغير " . فالمفروض أن المحيل قد حول حقه مرة أولى ، ثم حول نفس الحق مرة أخرى ، سواء كانت الحوالة فى أية مرة من $ 543 $ المرتين على سبي البيع أو الهبة أو الرهن أو غير ذلك ، فتزاحم المحال له الأول مع المحال له الثانى ، فأيهما يقدم على الآخر؟
يقول النص إن الحوالة التى تصبح قبل غيرها نافذة فى حق الغير هى التى تفضل . ولا تنفذ الحوالة فى حق الغير ، كما قدمنا ، إلا إذا أعلنت إلى المحال عليه أو إلا إذا قبلها وكان لهذا القبول تاريخ ثابت . فمن من المحال لهما سبق الآخر إلى إعلان الحوالة للمحال عليه ، أو سبق الآخر إلى الحصول على قبول ذى تاريخ ثابت من المحال عليه للحوالة ، كما هو المقدم ( 929 ) . فالعبرة إذن ، عند تزاحم هذين ، فى المفاضلة بينهما ، ليس بتاريخ صدور الحوالة ، بل بالتاريخ الثابت لإعلانها أو لقبولها من المحال عليه ( 930 ) .
وقد يقع أن يحول الدائن جزءاً من حقه إلى محال له أول ، والجزء الباقى إلى محال له ثان . فهنا لا يقوم تزاحم بين المحال لهما ، إذ كان منهما قد حول بجزء من الحق غير الجزء الذى حول به الآخر . فيرجع كل منهما بالجزء المحول به على المحال عليه ، ويستوفيه منه كاملا . فلو كان الحق مائة ، وحول كل من المحال لهما بخمسين ، رجع كل منهما على المحال عليه بالخمسين التى له دون $ 544 $ تزاحم . وإنما يقع التزاحم إذا كان المحال عليه معسراً إعساراً جزئياً ، فإذا فرضنا فى المثل المتقدم أنه لم يخلص للمحال لهما من مال المحال عليه إلا خمسون ، فلكل منهما خمسة وعشرون ، إذ لا وجه لتفضيل أحدهما على الآخر فى هذه الحالة ، ولو كانت حوالته نافذة فى حق الغير قبل نفاذ حوالة الآخر ، لأننا لسنا فى مقام تزاحم بين حوالتين بحق واحد ، بل فى مقام تزاحم دائنين لا يستطيعان أن يستوفيا الحق كاملا فيقسم مال المدين بينهما قسمة غرماء . وقد رأينا أن هذا الحكم ينطبق أيضاً فيما إذا كان المحيل قد حول جزءاً من حقه إلى محال له واستبقى لنفسه الجزء الآخر ، فإذا كان مال المحال عليه لا يفى بحق كل منهما ، قسما هذا المال بينهما قسمة الغرماء هنا أيضاً ، وهذا ما لم يكن المحيل قد ضمن للمحال له يسار المحال عليه وقت حلول الحق المحال به ، ففى هذه الحالة يتقدم المحال له على المحيل ( 931 ) .
على أن من الجائز ، عند تحويل الدائن جزءاً من حقه ، أن يتفق مع المحال له ، وقت الحوالة أو بعدها ، على ان يكون هذا الجزء مقدماً فى الاستيفاء على الجزء الباقى ، سواء استبقى هذا الجزء الباقى لنفسه أو حوله إلى محال له آخر . ففى هذه الحالة يسرى الاتفاق على المحيل إذا كان قد استبقى لنفسه الجزء الباقى ، وعلى المحال له الآخر إذا كان قد حول له هذا الجزء الباقى لأنه يكون قد علم –أو من المفروض أنه علم - بأسبقية الجزء المحول أولا على الجزء الذى حول له أخيراً بالاستعلام عن ذلك من المحال عليه وقت صدور الحوالة له . ونم ثم يتقدم الجزء الأول من المحال به فى الاستيفاء على الجزء الباقى . أما إذا أراد الدائن أن يجعل الأسبقية للجزء الباقى من الحق فلابد أن يحتفظ له بهذه الأسبقية عند إجراء الجزء الأول ( 932 ) .
$ 545 $
المبحث الثانى
التزاحم بين المحال له والدائنين الحاجزين
302 - حالات ثلاث : رأينا أن المادة 314 مدنى تنص على أنه : " 1 - إذا وقع تحت يد المحال عليه حجز قبل أن تصبح الحوالة نافذة فى حق الغير ، كانت الحوالة بالنسبة إلى الحاجز بمثابة حجز آخر . 2 - وفى هذه الحالة ، إذا وقع حجز آخر بعد أن أصبحت الحوالة نافذة فى حق الغير ، فإن الدين يقسم بين الحاجز المتقدم والمحال له والحاجز المتأخر قسمة غرماء ، على أن يؤخذ من حصة الحاجز المتأخر ما يستكمل به المحال له قيمة الحوالة " .
ويوحى هذا النص بأنه يجب التمييز بين حالات ثلاث :
(1) بعد صيرورة الحوالة نافذة فى حق الغير عمد أحد دائنى المحيل إلى توقيع حجز على الحق المحال به تحت يد المحال عليه ، فقام التزاحم بين المحال له والدائن الحاجز .
(2) قبل صيرورة الحوالة نافذة فى حق الغير ، بادر أحد دائنى المحيل إلى توقيع الحجز على الحق لمحال به تحت يد المحال عليه ، فقام التزاحم بين الدائن الحاجز والمحال له .
(3) قبل صيرورة الحوالة نافذة فى حق الغير ، بادر أحد دائنى المحيل إلى توقيع الحجز ، ثم بعد صيرورتها نافذة فى حق الغير وقع دائن آخر حجزاً ثانياً ، فقام التزاحم بين الدائن الحاجز الأول والمحال له والدائن الحاجز الثانى . ولكل من هذه الحالات الثلاث حكمها الخاص .
303 - التزاحم بين المحال له والدائن الحاجز : نفرض فى هذه الحالة أن الحوالة قد صدرت نافذة فى حق الغير قبل توقيع الحجز ، بأن استطاع المحال له أن يعلن المحال عليه بها قبل أن يعلنه الدائن بالحجز ، أو استطاع أن يحصل من المحال عليه على قبول ذى تاريخ ثابت سابق على تاريخ إعلان الحجز للمحال عليه .
( م 35 – الوسيط )
$ 546 $
لم يرد فى هذه الحالة نص لوضوحها ( 933 ) . فمن البديهى أن الحوالة وقد نفذت فى حق الغير –أى فى حق الدائن الحاجز - قبل تاريخ إعلان الحجز ، فقد انتقل الحق المحال به من المحيل إلى المحال له بالنسبة إلى الدائن الحاجز قبل توقيع الحجز . فيكون الحجز وقت توقيعه قد وقع على حق غير مملوك للمدين ، فيقع باطلا لانعدام المحل . ومن ثم يتقدم المحال له فى هذه الحالة على الدائن الحاجز ، ويستولى أولا على قيمة حوالته ( 934 ) . فإن كانت الحوالة بكل الحق ، أخذه كله من المحال عليه ، ولا يبقى للدائن الحاجز شيء . وإن كانت الحوالة بجزء من الحق ، استولى المحال له على هذا الجزء كاملا قبل الدائن الحاجز ، وما يبقى من الحق بعد ذلك يستوفى منه الدائن الحاجز حقه أو بعض حقه بحسب الأحوال ( 935 ) .
304 - التزاحم بين الدائن الحاجز والمحال له : نفرض فى هذه الحالة أن الدائن الحاجز قد سبق المحال له ، فأعلن الحجز للمحال عليه قبل أن يعلن المحال له الحوالة أو قبل أن يحصل على قبول بها ذى تاريخ ثابت من المحال عليه ( 936 ) .
لاشك فى أن الحجز هنا وقع على الحق المحال به فى وقت كان هذا الحق فى ملك المدين ، فالحجز صحيح منتج لأثره . ولكن الحوالة المتأخرة تعتبر هى نفسها بمثابة حجز متأخر ، فإن المحال له دائن بالضمان للمحيل ، وبإعلانه الحوالة أو بقبولها من المحال عليه يكون كأنه أوقع بحقه فى الضمان حجزاً آخر تحت يد المحال عليه . وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الأولى من المادة 314 $ 547 $ مدنى ، فهى تقول : " إذا وقع تحت يد المحال عليه حجز قبل أن تصبح الحوالة نافذة فى حق الغير ، كانت الحوالة بالنسبة إلى الحاجز بمثابة حجز آخر ( 937 ) " .
ولما كان الحجز المتقدم لا يفضل على الحجز المتأخر ، بل كل من الدائنين الحاجزين يزاحم الآخر ويقسم مال المحيل بينهما قسمة الغرماء ، فإن وجد مال عند المحال عليه يفى بكل من الحجز كاملا والحوالة كاملة ، أخذ كل منهما جميع حقه . أما إذا ضاق المال الذى للمحيل عند المحال عليه عن ذلك ، فإن هذا المال يقسم بين الحاجز والمحال له قسمة غرماء كما قدمنا . فلو كان حق الحاجز مائتين ، والحوالة بثلثمائة ، ولم يوجد عند المحال عليه للمحيل إلا أربعمائة ، أخذ الحاجز خمسى هذا المبلغ أى مائة وستين ، وأخذ المحال له ثلاثة الأخماس الباقية أى مائتين وأربعين ( 938 ) .
305 - التزاحم بين الدائن الحاجز الأول والمحال له والدائن الحاجز الثانى : نفرض فى هذه الحالة أن الحاجز الأول أعلن حجزه قبل صيرورة الحوالة نافذة فى حقه ، ثم صارت الحوالة نافذة فى حق الغير ، وبعد $ 548 $ ذلك أعلن الحاجز الثانى حجزه . فعندنا إذن حاجز متقدم ، ثم محال له ، ثم حاجز متأخر ( 939 ) .
لو لم يوجد نص صريح فى هذه المسألة ، لكان الحكم الذى يتفق مع القواعد العامة هو على الوجه الآتى : لا محال للاعتداد بالحجز المتأخر ، فإن الحجز الذى يتأخر عن الحوالة يكون باطلا لانعدام محله . ولا محل إذن للقول بمزاحمة الحاجز الثانى للحاجز الأول باعتبار أن كلا منهما دائن حاجز ، فقبل القول بهذه المزاحمة يجب أن يكون كل من الحجزين قد وقع صحيحاً . وهنا قد وقع الحجز الثانى باطلا ، فلا محل للقول بالتزاحم بين حجز صحيح وحجز باطل . ويترتب على ذلك أنه يجب استبعاد الحاجز المتأخر إذا كانت الحوالة المتقدمة عليه حوالة بكل الحق ، ثم يقسم هذا الحق بين الحاجز المتقدم والمحال له قسمة غرماء ، كما فعلنا فى الحالة الثانية ( 940 ) .
ولكن التقنين المدنى الجديد أراد أن يحتفظ بالحل الذى كان منصوصاً عليه فى تقنين المرافعات السابق ( 941 ) ، توخياً لاستقرار التعامل فى مسألة حسم التردد والاضطراب فيها بنص تشريعى فى العهد السابق . فنصت الفقرة الثانية من المادة 314 مدنى على أن " الدين يقسم بين الحاجز المتقدم والمحال له والحاجز المتأخر قسمة غرباء ، على أن يؤخذ من حصة الحاجز المتأخر ما يستكمل به المحال له قيمة الحوالة " .
فإذا فرضنا أن الحق الذى للمحيل فى ذمة المحال عليه هو تسعمائة ، وكان حق الحاجز المتقدم ثلثمائة ، وحق المحال له ستمائة أى أن المحال له حول بجزء $ 549 $ من الحق ، وحق الحاجز المتأخر ثلثمائة ، فإننا أولا نقسم الحق وقيمته تسعمائة بين الثلاثة قسمة غرماء ، فينال الحاجز المتقدم 225 ، والمحال له 450 ، والحاجز المتأخر 225 ، ثم تستكمل حصة المحال له إلى 600 من حصة الحاجز المتأخر حتى يستوفى قيمة الحوالة كلها ، فتنزل حصة الحاجز المتأخر 75 وتكون حصص الثلاثة نهائياً على الوجه الآتى : للحاجز المتقدم 225 ، وللمحال له 600 ، وللحاجز المتأخر 75 .
والعلة فى هذا الحكم المنصوص عليه أن المشروع أراد أن يجعل الحاجز المتأخر يزاحم الحاجز المتقدم إذ لا محل لتفضيل أحدهم على الآخر ، وأراد فى الوقت ذاته ألا يأخذ الحاجز المتأخر شيئاً قبل أن يستوفى المحال له كل حقه لأن الحوالة المتقدمة تجب الحجز المتأخر ، فأدى تطبيق هاتين الفكرتين معاً –مزاحمة الحاجز المتأخر للحاجز المتقدم وجب الحوالة المتقدمة للحجز المتأخر - إلى هذا الحل التشريعى . والخطأ فى هذا الحل واضح ، فقد كان ينبغى ألا يزاحم الحاجز المتأخر وحجزه باطل الحاجز المتقدم وحجزه وحده هو الصحيح ، وكان الواجب أن المحال له وحده هو الذى يزاحم الحاجز المتقدم ( 942 ) .
$ 550 $
ومهما يكن من أمر ، فإن هذا الحل التشريعى أقل عيباً من حل آخر سدد الفقه والقضاء فى فرنسا ( 943 ) ، ويقضى بأن الحاجز المتقدم يزاحمه كل من المحال له والحاجز المتأخر كما فى الحق الأول . ثم تحدد حصة المحال له على أساس ألا يزاحمه إلا الحاجز المتقدم إذ الحجز المتأخر لا يزاحم الحوالة المتقدمة ، وما يتبقى بعد ذلك يأخذه الحاجز المتأخر . فلو أن الحق الذى للمحيل فى ذمة المحال عليه هو تسعمائة حوله كله إلى محال له ، وتقدم الحوالة حجز بثلثمائة ، وتأخر عنها حجز بثلثمائة أخرى ، فإن حصة الحاجز المتقدم تحدد على أساس تزاحم الدائنين الثلاثة ، فتكون 180 . ثم تحدد حصة المحال له على أساس تزاحمه مع الحاجز المتقدم وحده ، فتكون 675 . وما يتبقى بعد ذلك يعطى للحاجز المتأخر المتقدم وحده ، فتكون 675 . وما يتبقى بعد ذلك يعطى للحاجز المتأخر ، فتكون حصته 45 ( 944 ) . ويجمع هذا الحل بين عيب الحل الأول بجعله الحجز المتأخر وهو باطل $ 551 $ يزاحم الحجز المتقدم وهو وحده الحجز الصحيح ، وبين عيب آخر إذ يجعل للحجز المتأخر حصة مع الحوالة المتقدمة وينبغى ألا يأخذ الحاجز المتأخر شيئا حتى يستوفى المحال له كل حوالته ( 945 ) .
$ 552 $
الباب الثانى
حوالة الدين ( 946 )
( Cession de dette )
306 - أطراف حوالة الدين : فى حوالة الدين ، يتفق المدين مع أجنبى على أن يتحمل عنه الدين الذى فى ذمته للدائن ، فيحل الأجنبى محل المدين فى هذا الدين نفسه بجميع مقوماته وخصائصه وضماناته ودفوعه . وقد رأينا فى حوالة الحق أن الدائن هو الذى يتفق مع أجنبى على أن يحول له الحق الذى فى ذمة المدين ، فيحل الأجنبى محل الدائن فى هذا الحق نفسه .
وفى حوالة الدين يسمى المدين محيلا ( Cedant ) ، لأنه يحيل على الأجنبى الدين الذى فى ذمته . أما المحيل فى حوالة الحق فهو الدائن .
$ 553 $
ويسمى الأجنبى محالا عليه ( Cessionnaire ) ، لأن المدين أحال عليه الدين ، والمحال عليه فى حوالة الحق هو المدين .
ويسمى الدائن محالا ( Cede ) ، لأن المدين أحاله على الأجنبى . والمحال –أو المحال له - فى حوالة الحق هو الأجنبى .
على أن التقنين المدنى لم يستعمل من هذه المصطلحات فى حوالة الدين إلا المصطلح الخاص بالأجنبى الذى يتحمل الدين عن المدين الأصلى ، فأسماه المحال عليه . واستبقى لكل من الدائن والمدين الأصلى اسميهما . فأطراف الحوالة إذن هم المدين الأصلى والمحال عليه والدائن . وسنتابع التقنين فيما فعل ، حتى لا ننحرف عن نصوصه .
ويصح أن تتم حوالة المدين –بل هذا هو الأصل فيها - باتفاق بين الدائن والمحال عليه دون تدخل المدين الأصلى ، فيتفق الدائن مع أجنبى على أن يتحمل هذا الأجنبى الدين عن المدين الأصلى ، وتبرأ ذمة المدين الأصلى دون حاجة إلى رضاه . وسنعود إلى كل ذلك فيما يلى :
307 - الأغراض المختلفة التى تفى بها حوالة الدين : ولحوالة الدين ، كما لحوالة الحق ، أغراض مختلفة تفى بها . ونذكر من هذه الأغراض ما يأتى :
( 1 ) يحدث كثيرا أن شخصياً يكون طرفاً فى عقد ملزم للجانبين ، إيجار أو وكالة أو مقاولة أو عقد أن توريد أو غير ذلك ، ويكون فى حاجة إلى أن ينزل إلى الغير عن هذا العقد بما أكسبه من حقوق وما رتب فى ذمته من التزامات . يريد المؤجر مثلا أن ينزل عن عقد الإيجار ، بعد أن باع العين المؤجرة ، إلى المشترى ، فيقتضيه الأمر أن ينزل للمشترى عن حقوقه وعن التزاماته الناشئة من عقد الإيجار . يتفق الوكيل مع آخر على أن يقوم بعقد الوكالة نيابة عنه ، فيقتضيه الأمر أن ينزل له عن حقوقه والتزاماته الناشئة من عقد المقاولة لمقاول من الباطن بما له من حقوق وما عليه من التزامات . والمتعهد بالتوريد ينزل إلى مورد من الباطن عن عقد التوريد بما أنشأه من حقوق والتزامات . فى جميع هذه الفروض يتيسر النزول عن الحقوق عن طريق حوالة الحق . وينبغى أن يتيسر $ 554 $ أيضا النزول عن الالتزامات عن طريق حوالة الدين . فإذا لم يفتح باب حوالة الدين للوفاء بهذا الغرض ، كان هذا حجر عثرة فى طريق ما تقتضيه حاجات التعامل من مرونة ( 947 ) .
( 2 ) ومثل ذلك أيضاً أن تنتقل عين من شخص إلى آخر ويتصل بالعين التزام يجب أن ينتقل معها وفقاً لقواعد الخلافة الخاصة ، كما فى المنزل المؤمن عليه من الحريق ينتقل من البائع إلى المشترى وتنتقل معه التزامات البائع نحو شركة التأمين . فيجب إذن أن تكون حوالة الدين مباحة منظمة حتى تيسر الوفاء بهذا الغرض .
( 3 ) وقد تتصل الالتزامات بمجموع من المال ، كمتجر أو حصة فى إرث ، فانتقال هذا المجموع من المال من شخص إلى آخر يقتضى أن تنتقل الالتزامات ، كما تنتقل الحقوق ، من المالك الأصلى إلى المالك الجديد . ولا يتيسر ذلك إلا عن طريق حوالة الدين ، فيجب أن تباح هذه الحوالة وأن تنظم ( 948 ) .
( 4 ) وقد يتصل التزام بالعين أوثق الاتصال ، فيكون من المرغوب فيه أن ينتقل هذا الالتزام مع العين ، لا وفقاً لقواعد الخلف الخاص إذ هى ليست منطبقة ، بل مطاوعة لاعتبارات عملية . والمثل البارز لذلك هو بيع العين المرهونة ، فإذا كان هناك عقار مرهون رهناً رسمياً ، وباعه صاحبه ، فإن العقار ينتقل إلى المشترى مثقلا بحق الرهن ، ويصبح المشترى مسئولا مسئولية عينية عن الدين المضمون بالرهن دون أن يكون مسئولا مسئولية شخصية عن هذا الدين الذى لم ينتقل إليه . ويبقى بائع العقار هو المسئول شخصيا عن الدين ، مع أن العقار الضامن لهذا الدين قد خرج من ملكه . فيكون من المرغوب فيه أن ينتقل الدين أيضاً مع العقار المرهون من البائع إلى المشترى ، ولا يتيسر ذلك إلا عن طريق حوالة لدين . وقد أفرد التقنين المدنى الجديد نصاً خاصاً ، هو المادة 322 مدنى ، لهذه المسألة لأهميتها العملية .
$ 555 $
( 5 ) وقد يقع أخيراً أن المدين لا يجده عنده مالا يفى بدينه ، ويكون لدائنه دائن . فيتفق مع دائنه على أن يحل محله فى الدين الذى فى ذمته لدائن الدائن ، ويكون هذا الحلول بمثابة وفاء لدينه هو نحو دائنه . ولا يتيسر ذلك إلا عن طريق حوالة الدين . فإذا فرض مثلا أن ( أ ) مدين بمائتين للدائن ( ب ) أخذها منه قرضاً ، وأن ( ب ) مدين بمائتين هو أيضا للدائن ( جـ ) التزم بها ثمنا لمبيع اشتراه منه ، فإن ( أ ) يستطيع أن يتحمل ، عن طريق حوالة الدين ، بالدين الذى للدائن ( جـ ) على ( ب ) يستطيع أن يحول حقه قبل ( أ ) إلى دائنه ( جـ ) ، فيصل عن طريق حوالة الحق إلى ما يريد ان يصل إليه عن طريق حوالة الدين . ولكن حوالة الحق ، فى هذا المثال ، غير حوالة الدين . فإن ( جـ ) قد لا يرضى بتحويل مبلغ القرض إليه وفاء بثمن المبيع ، ويرضى بأن يحل ( أ ) محل ( ب ) مديناً بثمن المبيع ، إذ يحتفظ عن طريق حوالة الدين بامتياز البائع ولا يحتفظ بهذا الامتياز عن طريق حوالة الحق ( 949 ) .
308 - حوالة الدين نظام استحدثه التقنين المدنى الجديد – النظم الأخرى التى كانت تقوم مقامه : ولم يكن التقنين المدنى السابق ، كما قدمنا ، يعرف حوالة الدين ، وكان لا يعرف إلا حوالة الحق ، شأنه فى ذلك شأن التقنينات اللاتينية القديمة كالتقنين المدنى الفرنسى .
وكان التقنين السابق ، كالتقنين الفرنسى ، يسد هذا لانقض عن طريق التجديد بتغيير المدين ، وعن طريق الإنابة فى الوفاء ، وعن طريق الاشتراط لمصلحة الغير . ولكن هذه الطرق ليس فيها غناء عن حوالة الدين ، فقد بينا الفروق الجوهرية ما بين حوالة الدين من جهة والتجديد بتغيير المدين ( 950 ) والإنابة فى الوفاء ( 951 ) من جهة أخرى . أما الاشتراط لمصلحة الغير ، فبينه $ 556 $ هو أيضاً وبين حوالة الدين فروق جوهرية . وذلك أن المدين إذا اشترط على شخص آخر أن يفى بدينه للدائن . فيكسب الدائن من وراء هذا الاشتراط حقاً مباشراً قبل المتعهد أن يوفى له الدين ، فلا يزال المدين الأصلى ملزماً هو أيضاً بالدين ولم تبرأ ذمته منه ، بل انضم إليه مدين جديد بموجب الاشتراط لمصلحة الدائن . هذا إلى أن الدين نفسه ، بصفاته وضماناته ودفوعه ، لم ينتقل من مدين إلى مدين ، بل وجد إلى جانب الدين الأصلى دين جديد بصفاته وضمانات ودفوعه مستقلة ( 952 ) .
وفيما عدا حالات خاصة نص عليها ، كحلول المشترى للعين المؤجرة محل المؤجر فى التزاماته نحو المستأجر وكحلول المتنازع عن الإيجار محل المستأجر ( 953 ) ، أو قامت بها نظريات فقهية كحلول الخلف الخاص محل السلف فى الالتزامات $ 557 $ المتعلقة بالعين التى انتقلت إليه ( 954 ) ، فإن طريق حوالة الدين كان مسدوداً . وقد حاول كثيرا من الفقهاء فى فرنسا أن يفتحوا هذا الطريق ، بالرغم من سكوت التشريع ، متوسلين فى ذلك بمبدأ سلطان الإرادة ، فيجوز لذوى الشأن أن يتفقوا على حوالة الدين ويكون اتفاقهم ملزماً منتجاً لآثاره ما دام لا يخالف النظام العام أو الآداب ( 955 ) ، ولكن محاولاتهم لم تحقق الغرض المنشود .
لذلك كان تنظيم التقنين المدنى المصرى الجديد لحوالة الدين تنظيما تشريعاً خطوة موفقة سدت ثغرة كان من الضرورى سدها من الناحية العملية . وقد استمد التقنين الجديد قواعد هذا التنظيم من التقنينات الجرمانية ( 956 ) ومن الفقه $ 558 $ $ 559 $ الإسلامى ( 957 ) . وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : " استحدث المشروع فى هذا الفصل نظاماً جديداً هو نظام حوالة الدين . ويراعى أن هذا النظام إسلامى بحت ، وإن كان له نظير فى التشريعات الجرمانية . و غنى عن البيان أن نفعه من الناحية العملية يقتضى إقراره فى نطاق التشريع ( 958 ) " .
309 - أركان حوالة الدين والآثار التى تترتب عليها : ونبحث فى حوالة الدين ، كما بحثنا فى حوالة الحق ، أركان الحوالة والآثار التى تترتب عليها .
$ 560 $
الفصل الأول
أركان حوالة الدين
310 - أركان حوالة الدين هى أركان الاتفاق بوجه عام : حوالة الدين اتفاق بين طرفين على تحويل الدين من ذمة المدين الأصلى إلى ذمة مدين جديد يحل محله . فأركان هذه الحوالة ، كأركان حوالة الحق ، هى أركان أى اتفاق ( Convention ) يتم بين طرفين . ومن ثم تكون هذه الأركان هى التراضى والمحل والسبب .
ولابد أن يصدر التراضى من ذى أهلية ، خالياً من عيوب الإرادة من غلط وتدليس وإكراه واستغلال .
كذلك يجب أن تتوافر فى المحل شرائطه العامة ، ومحل حوالة الدين هو الدين الذى يحول من ذمة المدين الأصلى إلى ذمة المدين الجديد . وترد حوالة الدين على جميع الديون ، لا فرق فى ذلك بين ما يكون منه مؤجلا أو معلقاً على شرط أو مستقبلا . وهى تنعقد صحيحة فى الدين المستقبل ، ولكنها لا تنفذ إلا بوجود الدين ( 959 ) .
وللسبب فى حوالة الدين هو الباعث الذى دفع إلى عقدها ، ويختلف باختلاف الأغراض المتنوعة التى تفى حوالة الدين بها ، وقد سبق بيان ذلك . وفى القوانين الجرمانية تعتبر حوالة الدين ، كحوالة الحق ، مصدراً لالتزام مجرد .
$ 561 $
فنحيل فى كل ذلك إلى القواعد العامة المتعلقة بنظرية العقد . ونكتفى هنا ببحث الصورتين اللتين تتم فى أحداهما حوالة الدين :
الصورة الأولى : اتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه ، ويقر الدائن هذا الاتفاق ليكون نافذاً فى حقه .
والصورة الثانية : اتفاق بين الدائن والمحال عليه ، دون تدخل المدين الأصلى بل ودون حاجة إلى رضائه . وهذه الصورة أكثر تمشياً مع إرادة الدائن ، إذ الدائن فيها يتدخل مباشرة لإبرام الحوالة ، ولا يقتصر على إقرارها كما فى الصورة الأولى .
الفرع الأول
اتفاق المدين الأصلى والمحال عليه
311 - انعقاد حوالة الدين ونفاذها فى حق الدائن : فى الصورة التى تتم فيها حوالة الدين باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه يجب التمييز بين أمرين :
( 1 ) انعقاد الحوالة ، وتنعقد بمجرد الاتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه .
( 2 ) ونفاذها فى حق الدائن ، ولا تنفذ فى حقه إلا إذا اقرها .
المبحث الأول
انعقاد حوالة الدين
312 - النصوص القانونية : تنص المادة 315 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" تتم حوالة الدين باتفاق بين المدين وشخص آخر ويتحمل عنه الدين " ( 960 ) .
$ 562 $
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، إذا لم ينظم هذا التقنين حوالة الدين .
ويقابل النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 315 – وفى التقنين المدنى الليبى المادة 302 – وفى التقنين المدنى العراقى المواد 339 و 340 / 1 و 342 - 345 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 287 / 1 و 2 ( 961 ) .
$ 563 $
ويتبين من هذا النص أن حوالة الدين تتم باتفاق بين المدين والمحال عليه ، أى بين المدين الأصلى والمدين الجديد . أما رضاء الدائن فليس بضرورى لانعقاد الحوالة ، وإن كان ضرورياً لنفاذها فى حقه كما سنرى .
313 - انعقاد الحوالة بالاتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه : يكفى فى انعقاد حوالة الدين أن يتفق المدين الأصلى مع المدين الجديد وهو المحال عليه على نقل الدين من ذمة الأول إلى ذمة الثانى . وهذا الاتفاق ، ككل اتفاق آخر ، يقتضى وجود التراضى والمحل والسبب ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . والأهلية الواجبة فى المدين الأصلى هى أهلية التعاقد بوجه عام ، أما أهلية المحال عليه فهى أهلية الالتزام معاوضة أو تبرعاً تبعاً للعلاقة التى تقوم بينه وبين المدين الأصلى .
$ 564 $
ومتى تم الاتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه ، فقد انعقدت الحوالة . وسنرى أن المحال عليه يصبح ملتزماً بهذا الاتفاق ، فلا يجوز له الرجوع فيه إلا باتفاق آخر بينه وبين المدين الأصلى ، بشرط أن يتم هذا الاتفاق الآخر قبل أن يقر الدائن الحوالة . وقد ورد هذا الحكم صراحة فى التقنين المدنى الألمانى ، إذ نصت المادة 415 من هذا التقنين على أنه " يجوز للطرفين تعديل الاتفاق أو إلغاؤه إلى حين إقرار الحوالة ( 962 ) " .
وسنرى أيضاً أن الاتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه على حوالة الدين يرتب فى ذمة المحال عليه التزامات شخصية نحو المدين الأصلى ، وهو فى الوقت ذاته ينقل الدين –فى العلاقة ما بين المدين الأصلى والمحال عليه - من ذمة الأولى إلى ذمة الثانى ( 963 ) . أما نقل الدين بالنسبة إلى الدائن فلا يتم إلا بإقرار الدائن للحوالة كما سيأتى .
وهذه آثار بعيدة المدى . ولم يكن الاتفاق على حوالة الدين ما بين المدين الأصلى والمحال عليه يصل إلى هذا الحد فى مبدأ تطور الحوالة فى القوانين الجرمانية . فقد كان هذا الاتفاق فى البداية أثره مقصور على تعهد من قبل المحال عليه للمدين الأصلى بأداء الدين للدائن ، فلم يكن يكسب الدائن أى حق . $ 565 $ ثم تطور بعد ذلك فأصبح اتفاقاً يكسب الدائن حقاً فى ان يستوفى الدين من المحال عليه ، مع بقاء المدين الأصلى مديناً إلى جانب المحال عليه . وفى آخر مراحل التطور أصبح هذا الاتفاق ناقلا للدين فيما بين المدين الأصلى والمحال عليه ، فإذا ما اقره الدائن انتقل الدين أيضاً بالنسبة إلى هذا الأخير ولم يعد للدائن إلا مدين واحد هو المحال عليه وقد قد حل محل المدين الأصلى ( 964 ) .
314 - لابد من تدخل الدائن على كل حال : على أن حوالة الدين ، وهى تحل مديناً جديداً محل المدين الأصلى ، لا يمكن تصورها دون $ 566 $ تدخل الدائن ، إما لانعقادها بالذات ، وإما فى القليل لنفاذها فى حقه . ذلك ان تغير المدين فى حوالة الدين له شأن أخطر بكثير من تغير الدائن فى حوالة الحق . وإذا كان تغير الدائن على المدين ليس بأمر ذى خطر ، فإن تغير المدين على الدائن أمر بالغ الخطورة . إذ العبرة فى الالتزام بشخص المدين لا بشخص الدائن ، فالمدين هو الذى يحدد قيمة الالتزام من الناحية العملية ، وتتوقف هذه القيمة على ملاءته وعلى ما يبديه من يسر فى الوفاء أو مماطلة ، فلابد إذن من رضاء الدائن بتغير مدينه .
ومن ثم كانت الصورة الأولى من صورتى حوالة الدين فى التقنين المدنى الألمانى هى الصورة التى تتم فياه الحوالة باتفاق بين الدائن نفسه والمحال عليه ( م 414 مدنى ألمانى ) ، دون حاجة إلى رضاء المدين الأصلى إذا حوالة الدين تتمحض لمصلحته ، فيكون رضاء الدائن ضرورياً فى هذه الصورة لانعقاد الحوالة لا لنفاذها فى حقه فحسب . ولكن التقنين المدنى المصرى الجديد قدم الصورة الثانية التى تتم فيها الحوالة باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه –وهى الصورة التى نحن بصددها - على الصورة الأولى التى كانت أولى بالتقديم ، مراعاة للتنسيق بين حوالة الدين وحوالة الحق . فحوالة الحق تتم باتفاق بين الدائن الأصلى والدائن الجديد ، وكذلك حوالة الدين تتم هى أيضاً باتفاق بين المدين الأصلى والمدين الجديد ( 965 ) .
315 - مركز المدين الأصلى من كل من الدائن والمحال عليه : وحوالة الدين –فى كل من صورتيها - تفترض أن هناك ديناً فى ذمة المدين الأصلى للدائن هو الذى جعل محلا للحوالة ، وبدون هذا الدين لا تقوم الحوالة إذ ينعدم محلها . فإذا أحال شخص آخر ، دون أن يكون مديناً له ، ليقبض ديناً من شخص ثالثا ، فهذه ليست حوالة ، بل هى وكالة ، إذ يكون المحيل $ 567 $ قد وكل المحال له فى بعض الدين . وهذا ما يقرره التقنين المدنى العراقى صراحة ، إذ تنص المادة 342 من هذا التقنين على أنه " يشترط لصحة الحوالة أن يكون المحيل مديناً للمحال له ، وإلا فهى وكالة " .
أما مركز المدين الأصلى بالنسبة إلى المحال عليه ، فليس من الضوررى أن يكون الثانى مديناً للأول . فإذا لم يكن مديناً ، أو كان مديناً ولم يقيد المحيل الحوالة بهذا الدين ، فالحوالة تعتبر فى الفقه الإسلامى حوالة مطلقة . وإذا كان مديناً وقيد المحيل الحوالة بالدين ، فهى حوالة مقيدة ( 966 ) .
المبحث الثانى
نفاذ الحوالة فى حق الدائن
316 - النصوص القانونية : تنص المادة 316 من التقنين المدنى على ما يأتى :
" 1 - لا تكون لحوالة نافذة فى حق الدائن إلا إذا أقرها " .
" 2 - وإذا قام المحال عليه أو المدين الأصلى بإعلان الحوالة إلى الدائن ، وعين له أجلا معقولا ليقر الحوالة ، ثم انقضى الأجل دون أن يصدر الإقرار ، اعتبر سكوت الدائن رفضاً للحوالة " .
وتنص المادة 322 على ما يأتى :
" 1 - لا يستتبع بيع العقار المرهون رهناً رسميا انتقال الدين المضمون بالرهن إلى ذمة المشترى ، إلا إذا كان هناك اتفاق على ذلك " .
$ 568 $
" 2 - فإذا اتفق البائع والمشترى على حوالة الدين ، وسجل عقد البيع ، تعين على الدائن متى أعلن رسمياً بالحوالة أن يقرها أو يرفضها فى ميعاد لا يجاوز ستة أشهر ، فإذا انقضى هذا الميعاد دون أن يبت برأى اعتبر سكوته إقراراً ( 967 ) " .
$ 569 $
ولا مقابل لهذه النصوص فى التقنين المدنى السابق ، لأن هذا التقنين لم ينظم حوالة الدين كما سبق القول .
وتقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 316 – وفى التقنين المدنى الليبى المادتين 303 و 309 – وفى التقنين المدنى العراقى المادة 340 – وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 287 ( 968 ) .
$ 570 $
317 - مسائل أربع : ويتبين من هذه النصوص أن إقرار الدائن للحوالة ضرورى حتى تنفذ فى حقه . فنبحث فى هذا الصدد مسائل أربعاً :
( 1 ) متى يصدر إقرار الدائن .
( 2 ) وكيف يصدر هذا الإقرار .
( 3 ) وإلى أى مدى يلتزم الدائن بإقرار الحوالة ، وسنرى أنه حر فى الإقرار أو فى الرفض .
( 4 ) وما هو الأثر الذى يترتب على إقرار الدائن للحوالة أو على رفضه إياها .
318 - متى بصدد إقرار الدائن : وإقرار الدائن كما رأينا ضرورى لنفاذ الحوالة فى حقه ، حتى لا يتغير عليه المدين –وشخصه جوهرى فى الدين - دون رضاه . والإقر إرادة منفردة تصدر من الدائن ، ولا تنتج أثرها إلا إذا وصلت إلى علم من توجه إليه هذه الإرادة وفقاً للقواعد العامة . ونرى أنه يكفى أن يصل الإقرار إلى علم أى من المحال عليه أو المدين الأصلى لينتج أثره ، ولا يجوز بعد ذلك لهذين الأخيرين أن يتفقا على العدول عن الحوالة أو التعديل فيها ( 969 ) . ولكن قبول وصول الإقرار إلى علم أى منهما ، يجوز لهما أن يتفقا معاً على أن يعدلا عن الحوالة فلا يكون لها أثر حتى لو صدر إقرار الدائن بعد علمه بهذا العدول ، ويجوز لهما كذلك أن يدخلا على الحوالة من التعديل ما يتفقان عليه .
ويصح أن يصدر الإقرار فى اى وقت بعد انعقاد الحوالة . وليس من الضرورى ، فى التقنين المدنى المصرى ، أن يتربص الدائن بإقراره حتى يعلنه المحال عليه أو المدين الأصلى بالحوالة ، بل يجوز أن يقر الدائن الحوالة قبل أن $ 571 $ يعلن بها ( 970 ) . أما فى التقنين المدنى الألمانى فقد ورد نص صريح فى هذا الصدد يقضى بأن الدائن لا يجوز له أن يقر الحوالة إلا بعد أن يعلن بها ( 971 ) ، وذلك ليكون يبقى زمام الحوالة فى يد المدين الأصلى والمحال عليه ، فيستطيعا أن يعدلا عنها أو يعدلا فيها قبل أن يعلناها للدائن .
إذن ليس فى التقنين المدنى المصرى بداية لميعاد صدور الإقرار إلا وقت انعقاد الحوالة . وكذلك ليس لهذا الميعاد نهاية ، فيجوز للدائن أني يقر الحوالة فى أى وقت بعد انعقادها . على أنه يستطيع أى من المحال عليه أو المدين الأصلى أن يضع حداً لهذا الموقف غير المستقر ، بأن يتولى إعلان الحوالة إلى الدائن ويعين له فى الوقت ذاته أجلا معقولا ، يقدره هو تحت رقابة قاضى الموضوع ، فإذا انقضى هذا الأجل دون أن يقر الدائن الحوالة ، اعتبر سكوته رفضاً ( 972 ) . وعند ذلك يبقى عقد الحوالة قائماً فى العلاقة ما بين المدين الأصلى والمحال عليه ، منتجاً لالتزامات شخصية فيما بينهما ، دون أن ينتقل الدين إلى ذمة المحال عليه فى العلاقة ما بينه وبين الدائن ، وسيأتى بيان ذلك .
319 - حالة بيع العقار المرهون : على أن هناك حالة خاصة ، نصت عليها المادة 322 مدنى ، عدل فيها الحكم المتقدم الذكر ، وهذه هى حالة بيع العقار المرهون رسمياً . ففى هذه الحالة لا ينتقل الدين المضمون بالرهن إلى ذمة المشترى غلا باتفاق خاص بين البائع والمشترى على حوالة هذا الدين – وإلى هنا $ 572 $ لا جديد ، فإن الحوالة لا تفترض ، وبيع العقار المرهون ليس من شأنه افتراض حوالة الدين المضمون بالرهن ، بل لابد أن يكون هناك اتفاق خاص على هذه الحوالة . فإذا ما عقد هذا الاتفاق بين البائع والمشترى –أى بين المدين الأصلى والمحال عليه - ثم سجل عقد للبيع ، وأعلن الحوالة أى من البائع أو المشترى إعلاناً رسميا للدائن ، فإن المادة 322 مدنى قد تكفلت بتحديد الميعاد الذى يجب فيه أن يقر الدائن الحوالة أو يرفضها . وهذا الميعاد هو ستة أشهر من وقت إعلانه بالحوالة ، فإذا انقضى هذا الميعاد دون أن يقر الحوالة أو رفضها . اعتبر سكوته إقراراً للحوالة لا رفضها لها ( 973 ) .
ونرى من ذلك أن النص قد انحرف بهذه الحالة الخاصة عن الأحكام التى تقدم ذكرها فى أمرين :
(1) قد تكفل بتحديد المدة المعقولة ، وهى ستة أشهر كما قدمنا ، ولم يتركها لتقدير أحد طرفى الحوالة .
(2) وجعل سكوت الدائن بعد انقضاء هذه المدة إقراراً للحوالة لا رفضها لها ( 974 ) ، وهذا عكس للحكم الذى تقرر فى غير هذه الحالة .
$ 573 $
ويسوغ هذا الانحراف اعتبارات عملية . فمن المصلحة ، بعد أن انتقل العقار المرهون إلى ملك المشترى ، وأصبح هذا ملزماً بالدين عينيا بحكم ملكيته للعقار ، أن ينتقل الدين إلى ذمته حتى تتفق مسئوليته الشخصية ، مع مسئولية العينية . ومن ثم شجع النص على الوصول إلى هذه النتيجة ، بأن تولى تحديد ميعاد ، ليس بالطويل ، يكون انقضاؤه مع سكوت الدائن إيذاناً بإقرار الحوالة لا برفضها ( 975 ) .
$ 574 $
320 - كيف يكون الإقرار : والإقرار تعبير عن الإرادة ، وليس له شكل خاص ، فأى لفظ أو كتابة أو موقف يدل على رضاء الدائن بالحوالة يكفى . وقد يكون صريحاً كما يكون ضمنياً .ويكون إقرار الدائن للحوالة إقراراً ضمنياً إذا استوفى الدين أو جزءا منه من المحال عليه دون تحفظ ، أو قبل منه أى عمل آخر يقوم به على اعتبار أنه هو المدين ( 976 ) .
$ 575 $
ويثبت إقرار الدائن للحوالة بجميع الطرق ، وفقاً للقواعد العامة ، لأنه إرادة منفردة .
321 - الدائن حر فى إقرار الحوالة أو فى رفضها : والقاعدة أن الدائن حر فى إقرار الحوالة أو رفضها ، فإن أقرها انتقل بالنسبة إليه الدين من ذمة المدين الأصلى إلى ذمة المحال عليه كما سنرى ، وإن رفضها بقى المدين الأصلى مديناً له كما كان ولم ينتقل الدين بالنسبة إلى الدائن من ذمة المدين الأصلى إلى ذمة المحال عليه . ولا شيء يجبر الدائن على إقرار الحوالة ، مهما يكن المحال عليه مليئاً ، حتى لو كان أكثر ملاءة من المدين الأصلى ، أو كان له مال ظاهر أيسر فى التنفيذ عليه . فليس الدائن ملزماً أن يغير مدينه حتى إلى مدين أفضل ، فهذا أمر يرجع تقديره إليه هو ، وإذا رفض إقرار الحوالة فلابد أن يكون لديه من الأسباب ما يبرر فى نظره هذا الرفض ، وهذا كاف ولا تعقيب عليه فى تقديره ، بل هو لا يسأل عن أسباب رفضه .
وقد كان المشروع التمهيدى يتضمن حكماً يخالف هذا الحكم ، فقد كانت المادة 446 من هذا المشروع تجرى على الوجه الآتى : " 1 - إذا رفض الدائن الإقرار ، كانت الحوالة غير نافذة فى حقه . 2 - على أنه لا يجوز للدائن أن يرفض الإقرار ، إذا كان حقه بعد الحوالة مكفول الوفاء " . وكان يستفاد من هذا الحكم أن الدائن إذا أحيل بعد الحوالة مكفول الوفاء " . وكان يستفاد من هذا الحكم أن الدائن إذا أحيل على شخص ملئ مقتدر بحيث يكون حقه مكفول الوفاء ، فليس له ان يرفض إقرار الحوالة ، وإلا كان متعسفاً فى استعمال حقه فى الرفض ، فيرد عليه قصده . ولا حاجة فى هذه الحالة لإقراره ، بل لا عبرة برفضه ، لتكون الحوالة نافذة فى حقه ( 977 ) . ولما عرض هذا النص $ 576 $ على لجنة مجلس الشيوخ ، قام اعتراض على فكرة إجبار الدائن على إقرار الحوالة ولو كان الحق بعد الحوالة مكفول الوفاء ( 978 ) ، فوافقت اللجنة على حذفت النص ( 979 ) .
$ 577 $
322 - الأثر المترتب على إقرار الدائن للحوالة أو على رفضها : قدمنا أن الحالة تنعقد بمجرد تراضى المحال عليه والمدين الأصلى عليها ، وذلك قبل إقرار الدائن لها . فالإقرار الذى يصدر من الدائن إنما يلحق عقداً كامل التكوين ، لا يساهم الإقرار فى تكوينه ، بل كل ما له من أثر هو فى نفاذ الحوالة فى حق الدائن . ومن ثم لا يعتبر الإقرار قرارا ينتج أثره من وقت $ 578 $ صدوره ، بل هو إقرار لاتفاق تم من قبل ، فيكون له أثر رجعى يستند إلى وقت انعقاد الحوالة لا إلى وقت صدور الإقرار .
ويترتب على أن للإقرار أثراً رجعيا أنه إذا كان أحد طرفى الحوالة –المدين الأصلى أو المحال عليه – فقد أهليته فى الفترة ما بين صدور الحوالة وصدور الإقرار ، فإن هذا لا يمنع من صدور الإقرار . وهذا بخلاف ما إذا لم يكن للإقرار أثر رجعى ، فإنه يجب فى هذه الحالة أن يكون كل من المدين الأصلى والمحال عليه باقيين على أهليتهما إلى وقت صدور الإقرار .
ومتى صدر إقرار الدائن على النحو الذى سبق بيانه ، أصبحت الحوالة نافذة فى حقه ، وانتقل الدين بالنسبة إليه من المدين الأصلى إلى المحال عليه . وسنبين ذلك تفصيلا فيما يلى :
أما إذا رفض الدائن إقرار الحوالة ، بقيت الحوالة قائمة بين المدين الأصلى والمحال عليه على الوجه الذى سنبينه . غير أنها لا تنفذ فى حق الدائن ، فلا يكون المحال عليه مديناً له مباشرة ، ولا يحق للدائن أن يجبره على الوفاء ( 980 ) . ثم إن الدائن ، إذا رفض إقرار الحوالة ، لا يستطيع العودة إلى إقرارها بعد الرفض .
الفرع الثانى
اتفاق الدائن والمحال عليه
323 - النصوص القانونية : تنص المادة 321 من التقنين المدنى على ما يأتى :
$ 579 $
" 1 - يجوز أيضاً أن تتم حوالة الدين باتفاق بين الدائن والمحال عليه يتقرر فيه أن هذا يحل محل المدين الأصلى فى التزامه " .
" 2 - وتسرى فى هذه الحالة أحكام المادتين 318 و 320 " ( 981 ) .
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، لأن هذا التقنين لم ينظم حوالة الدين كما قدمنا .
ويقابل هذا النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 321 – وفى التقنين المدنى الليبى 308 – وفى التقنين المدنى العراقى المادة 341 – وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 187 / 1 ( 982 ) .
ويتبين من هذا النص أن هناك صورة ثانية لانعقاد الحوالة . بل إن هذه هى الصورة الأصلية ، لأن رضاء الدائن فيها يساهم فى تكوين الحوالة ، لا فى نفاذها فحسب . وهذه الصورة هى اتفاق مباشر بين الدائن والمحال عليه ، دون حاجة إلى رضاء المدين الأصلى لا فى انعقاد الحوالة ، بل ولا فى نفاذها فى حق هذا المدين .
فنبين إذن :
(1) كيف يتم الاتفاق بين الدائن والمحال عليه على الحوالة .
(2) وما أثر هذا الاتفاق بالنسبة إلى المدين الأصلى .
$ 580 $
324 - كيف يتم الاتفاق بين الدائن والمحال عليه : هذه الصورة الثانية لحوالة الدين تمتاز عن الصورة الأولى فى أن الدائن –وهو صاحب الدين - هو الذى يتولى بنفسه تحويل الدين الذى له من ذمة مدينه الأصلى إلى ذمة المحال عليه ( 983 ) . فالاتفاق يتم إذن مباشرة بين الدائن والمدين الجديد ، وبموجبه يتحول الدين من ذمة المدين القديم إلى ذمة المدين الجديد ، دون حاجة إلى رضاء المدين القديم .
وليس للاتفاق شكل خاص ، فأى تعبير عن الإرادة يكفى . وقد يكون تراضى الطرفين صريحاً ، كما يكون ضمنياً . فإذا عرض المحال عليه على الدائن الوفاء بجزء من الدين باعتباره هو المدين ، لا باعتباره نائباً عن المدين الأصلى ، وقبل منه الدائن دون تحفظ هذا الوفاء ، فقد انعقدت حوالة الدين بتراض ضمنى ، وتحول الدين إلى ذمة المحال عليه ، ولزمه أن يوفى للدائن بالباقى منه .
ويجب أن يقع اتفاق الحوالة على الدين ذاته ، حتى ينتقل الدين بجميع ضماناته وصفاته وبجميع دفوعه إلى المدين الجديد ، وذلك تطبيقاً للمادتين 318 و 320 مدنى اللتين تسريان فى الصورة التى نحن بصددها ، كما تنص على ذلك الفقرة الثانية من المادة 321 مدنى ( 984 ) .
ومن ثم يجب أن يكون الاتفاق متمحضاً بنية الحوالة . إذا يصح أن يتفق الطرفان ، لا على حوالة الدين ، بل على تجديده . وقد عرفنا الفرق بين الحوالة والتجديد ، ففى الحوالة ينتقل الدين نفسه إلى ذمة المدين الجديد ، أما فى التجديد فينقضى الدين الأصلى ويحل محله دين جديد . ونية الحوالة هى التى تميز الاتفاق على حوالة الدين عن الاتفاق على التجديد ، فإن التجديد يتم أيضاً ، كما سنرى ، $ 581 $ باتفاق بين الدائن والمدين الجديد . وقد كان هذا التمييز نهاية لتطور طويل فى القانون ، إذ كان الاتفاق على التجديد هو المعروف وحده ، ثم عرف بعد ذلك التعهد بوفاء الدين ( Expromissio ) ، وتطور هذا التعهد إلى أن أصبح اتفاقاً على الحوالة ( 985 ) .
كذلك يجب التمييز بين الاتفاق على الحوالة على النحو الذى قدمناه والاتفاق على أن يكون المدين الجديد مضافاً إلى المدين الأصلى ومتضامناً معه فى الدين ، ففى هذه الحالة الأخيرة لا ينتقل الدين إلى ذمة المدين الجديد بل يبقى فى ذمة المدين الأصلى ، ويتضامن معه فيه مدين جديد ( 986 ) .
325 - أثر الاتفاق بالنسبة إلى المدين الأصلى : قدمنا أن هذا الاتفاق لا يقتضى اشتراك المدين الأصلى فيه ولا إقراره له ، فرضاؤه غير ضرورى لا لانعقاد الحوالة ولا لنفاذها فى حقه . ذلك أنه من القواعد المقررة أنه يجوز لأجنبى أن يفى بالدين دون رضاء المدين ( المادة 323 مدنى ) ، ومتى قبل الدائن الوفاء ، ولو عارض المدين ، انقضى الدين ، وكان للأجنبى الذى وفاه الرجوع على المدين الأصلى بمقتضى قواعد الإثراء بلا سبب إذا كان الوفاء بغير علمه أو برغم إرادته . ويقاس على الوفاء الحوالة ، والأجنبى هنا –وهو المحال عليه أو المدين الجديد - لم يف بالدين فعلا ، بل اتفق مع الدائن على أن ينقله إلى ذمته . فينقل الدين بهذا الاتفاق ، وتبرأ ذمة المدين الأصلى ، رضى بالحوالة أو لم يرض ، علم بها أو لم يعلم ، فالاتفاق يسرى فى حقه دون أن $ 582 $ يكون طرفاً فيه بل ودون أن يقره ، لأنه يتمحض لمصلحته ( 987 ) . ومن ذلك نرى أن الحوالة فى هذه الصورة الثانية ، بخلاف الصورة الأولى ، تنعقد نافذة فوراً فى حق المدين الأصلى بمجرد انعقادها ودون حاجة إلى إقرار هذا المدين .
بيد أن عدم اشتراك المدين الأصلى فى الحوالة يظهر أثره فى أمرين : ( الأمر الأول ) رجوع المحال عليه على المدين الأصلى بما وفاه للدائن . ففى الصورة الأولى التى تتم برضاء المدين الأصلى بموجب اتفاق بينه وبين المحال عليه ، يحدد هذا الاتفاق كيف يرجع المحال عليه على المدين الأصلى بما يوفيه للدائن على النحو الذى سنبينه فيما يلى . أما هنا فى الصورة الثانية التى نحن بصددها فالمدين الأصلى لم يتدخل فى الحوالة ، فيكون رجوع المحال عليه بالدين الذى وفاه عنه غير قائم على أى اتفاق بينهما ، فلا يبقى إلا أن يرجع عليه بقاعدة الإثراء بلانيول وريبير وردوان 7 فقرة سبب . ( والأمر الثانى ) ضمان المدين الأصلى ليسار المحال عليه . ففى الصورة الأولى التى تتم باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه ، تقضى المادة 319 مدنى بأن " يضمن المدين الأصلى أن يكون المحال عليه موسراً وقت إقرار الدائن للحوالة ، ما لم يتفق على غير ذلك " . أما فى الصورة الثانية التى نحن بصددها ، حيث لا يتدخل المدين الأصلى فى الحوالة ، فلا ضمان عليه ، وقد رأينا الفقرة الثانية من المادة 321 مدنى تقىض ، فى هذه الصورة الثانية ، بسريان المادة 318 ( انتقال الدين بضماناته ) والمادة 320 ( انتقال الدين بدفوعه ) دون المادة 319 ( ضمان اليسار ) . وهذا أمر طبيعى ، فضمان المدين الأصلى ليسار المحال عليه وقت إقرار الدائن للحوالة لا يكون إلا إذا كان هذا المدين قد اشترك فى الحوالة ورضى بها ، أى فى الصورة الأولى . أما إذا لم يشترك فيها ، كما هى الحال فى الصورة الثانية ، فلا محل لهذا الضمان .
$ 583 $
الفصل الثانى
الآثار التى تترتب على حوالة الدين
326 - علاقات متنوعة : هنا أيضاً ، كما فى حوالة الحقن إذا انعقدت حوالة الدين تقوم علاقات متنوعة تتناول كلا من الدائن والمدين الأصلى والمحال عليه .
وتختلف حوالة الدين عن حوالة الحق فى أن هذه العلاقات لا تتناول الغير . ذلك أن الغير فى حوالة الحق هو ، كما قدمنا ، كل شخص كسب حقا على الحق المحال به ، كمحال له ثان أو دائن حاجز ، ولا يتصور " غير " على هذا النحو فى حوالة الدين ( 988 ) .
فنستعرض :
(1) علاقة الدائن بالمحال عليه .
(2) علاقة الدائن بالمدين الأصلى .
(3) علاقة المدين الأصلى بالمحال عليه .
$ 584 $
الفرع الأول
علاقة الدائن بالمحال عليه
ــ
327 - مسائل ثلاث : نفرض هنا أن الحوالة قد انعقدت ونفذت فى حق الدائن ، إما بأن تكون قد انعقدت باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه ثم أقرها الدائن ( 989 ) كما هو الأمر فى الصورة الأولى ، وإما بأن تكون قد انعقدت نافذة فوراً فى حق الجميع وذلك باتفاق بين الدائن والمحال عليه كما هو الأمر فى الصورة الثانية .
فى هذا الفرض ينتقل الدين ، كما قدمنا ، من ذمة المدين الأصلى إلى ذمة المحال عليه . فيستخلص المدين الأصلى المحال عليه فى الدين نفسه ، ومن ثم تنتقل مع الدين ضماناته ودفوعه .
فعندنا إذن مسائل ثلاث :
(1) استخلاف المحال عليه فى الدين ، أى حلول المحال عليه محل المدين الأصلى فى الدين .
(2) انتقال الدين بضماناته .
(3) انتقال الدين بدفوعه .
المبحث الأول
حلول المحال عليه محل المدين الأصلى فى الدين
ــ
328 - ما يترتب على هذا الحلول : متى صارت حوالة الدين نافذة فى حق الدائن ، يحل بالنسبة غليه المحال عليه محل المدين الأصلى فى الدين . ويترتب على ذلك :
( 1 ) أن تبرأ ذمة المدين الأصلى قبل الدائن .
( 2 ) وأن ينتقل الدين نفسه إلى المحال عليه .
$ 585 $
329 - براءة ذمة المدين الأصلى قبل الدائن : براءة ذمة المدين الأصلى قبل الدائن هى النتيجة الحتمية المترتبة على انتقال الدين من ذمته إلى ذمة المحال عليه . وتتم براءة الذمة هذه من وقت انعقاد الحوالة فى كل من صورتيها . ذلك أن الحوالة إذا انعقدت باتفاق بين الدائن والمحال عليه ، فإنها تنعقد نافذة مباشرة فى حق الدائن ، فتبرأ ذمة المدين الأصلى من وقت انعقاد الحوالة . وإذا هى انعقدت باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه ، فأنها لا تصبح نافذة فى حق الدائن إلا بإقراره كما قدمنا ، ولكن هذا الإقرار ينسحب أثره إلى وقت انعقاد الحوالة كما سبق القول ، فتستند براءة ذمة المدين الأصلى فى هذه الصورة أيضاً إلى وقت انعقاد الحوالة ( 990 ) .
وغنى عن البيان أن ذمة المدين الأصلى تبرأ على النحو الذى قدمناه دون حاجة إلى أن يصرح الدائن بذلك ، فإن هذا المعنى مستفاد من رضائه بالحوالة فى الصورة الأولى ومن إقراره لها فى الصورة الثانية ( 991 ) .
ويترتب على أن ذمة المدين الأصلى تبرأ من وقت انعقاد الحوالة نتيجتان هامتان :
(1) تعتبر هذه البراءة نهائية من وقت انعقاد الحوالة . فلو أن المحال عليه ، وقد انتقل الدين إلى ذمته من هذا الوقت ، أعسر بعد ذلك ولم يستطع الدائن أن يستوفى منه الدين ، فإن الدائن لا يستطيع الرجوع بالدين على المدين الأصلى بعد أن برئت ذمته من الدين كما قدمنا . وهذا ظاهر فى حالة انعقاد الحوالة باتفاق بين الدائن والمحال عليه ، فإن المدين الأصلى لا يكون مسئولا حتى $ 586 $ عن ضمان يسار المحال عليه كما قدمنا . أما فى حالة الحوالة باتفاق بين المدين الأصلى والمحال عليه ، فسنرى أن المدين الأصلى يضمن للدائن أن يكون المحال عليه موسراً وقت إقرار الدائن للحوالة ( م 319 مدنى ) . فلو أعسر المحال عليه بعد انعقاد الحوالة وقبل إقرار الدائن لها ، فإن الدائن ، وإن كان لا يرجع على المدين الأصلى بالدين ذاته ، إلا أنه يرجع عليه بالضمان . وإذا كان إعسار المحال عليه تالياً لإقرار الدائن للحوالة ، فليس للدائن بغير اتفاق خاص أن يرجع حتى بالضمان على المدين الأصلى ( 992 ) .
(2) تبرأ ذمة المدين الأصلى من وقت انعقاد الحوالة ، وتنشغل ذمة المحال عليه بالدين من هذا الوقت ، بحيث لو زالت عن المحال عليه أهليته بعد انعقاد الحوالة وقبل الإقرار ، فى إحدى صورتى الحوالة ، لم يكن لذلك اثر فى صحة التزامه بالدين قبل الدائن ولا فى براءة ذمة المدين الأصلى ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ومن باب أولى لو أن الحوالة انعقدت ، فى الصورة الأخرى ، باتفاق بين الدائن الأصلى والمحال عليه ، وفقد المحال عليه أهليته بعد ذلك ، فإن فقدانه لأهليته لا يؤثر فى صحة التزامه نحو الدائن بعد أن تم التعاقد بينهما على انتقال الدين إلى ذمته . ولو نشأ دين ، فى الفترة ما بين انعقاد الحوالة وإقرار الدائن لها فى الصورة الأولى من صورتى الحوالة ، لصالح المدين الأصلى فى ذمة الدائن ، فإن المقاصة ، بعد إقرار الدائن للحوالة واستناد هذا الإقرار إلى وقت انعقادها ، لا تقع بين الحق المحال به وهذا الدين الذى نشأ . ذلك أن الدين المحال به يكون قد انتقل إقرار الدائن للحوالة إلى ذمة المحال عليه فلم تعد ذمة المدين الأصلى مشغولة به ، ويستند هذا الأثر إلى وقت انعقاد الحوالة أى إلى وقت سابق على نشوء الدين لصالح المدين الأصلى فى ذمة الدائن ، فلا تقع المقاصة بين الدينين . ومن باب أولى لو أن الحوالة انعقدت ، فى الصورة الثانية ، باتفاق بين الدائن الأصلى والمحال عليه ، فإن الدين المحال به ينتقل بمجرد هذا الاتفاق إلى ذمة $ 587 $ المحال عليه ولا تعود ذمة المدين الأصلى مشغولة به ، فلو نشأ دين بعد ذلك لصالح المدين الأصلى فى ذمة الدائن لم تقع مقاصة بينه وبين الدين المحال به ( 993 ) .
330 - انتقال الدين نفسه إلى المحال عليه : وبراءة ذمة المدين الأصلى من الدين إنما هى نتيجة ترتبت على انتقال هذا الدين نفسه إلى ذمة المحال عليه كما قدمنا . والدين الذى ينتقل هو نفس الدين الذى كان فى ذمة المدين الأصلى ، وينتقل بصفاته وضماناته ودفوعه . وسنرى فيما يلى كيف تنتقل الضمانات والدفوع .
أما انتقال الدين بصفاته ، فمثله أن يكون الدين معلقاً على شرط أو مضافاً إلى أجل ، فينتقل بشرط أو أجله ( 994 ) . ومثله أيضاً أن يكون الدين تجارياً فينتقل على هذا الوصف ، أو أن يكون منتجاً لفوائد فينتقل منتجاً للفوائد بنفس السعر وبنفس الشروط ، أو أن يكون قد بدأ سريان التقادم ضده فينتقل والتقادم مستمر فى سريانه إلى أن يعترضه وقف أو انقطاع ، أو أن يكون مقترناً بسند تنفيذى كحكم قابل للنفاذ أو ورقة رسمية فينتقل قابلا للتنفيذ بهذا السند نفسه .
وينتقل الدين على هذا النحو إلى ذمة إلى ذمة المحال عليه من الوقت الذى تبرأ فيه ذمة المدين الأصلى ، أى من وقت انعقاد الحوالة على الوجه الذى قدمناه .
$ 588 $
ومن هذا القوت لا يستطيع الدائن أن يستوفى الدين إلا من المحال عليه ( 995 ) .
وليس له أن يطالب المدين الأصلى بشىء ( 996 ) . وللدائن أن يستوفى الدين من المحال عليه بأى سبب من أسباب الاستيفاء : بالوفاء ، أو بالمقاصة ولو نشأ الدين الجديد فى ذمة الدائن لصالح المحال عليه فى الفترة ما بين انعقاد الحوالة وإقرار $ 589 $ الدائن لها ، أو بالتجديد ، أو باتحاد الذمة ، أو بالإبراء ، أو بغير ذلك ( 997 ) .
المبحث الثانى
انتقال الدين إلى المحال عليه بضماناته
331 - النصوص القانونية : تنص المادة 318 من التقنين المدنى على ما يأتى :
$ 590$
" 1- تبقى للدين المحال به ضماناته .
" 2- ومع ذلك لا يبقى الكفيل ، عينياً كان أو شخصياً ، ملتزماً قبل الدائن إلا إذا رضى بالحوالة " . ( 998 ) .
ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، لأن هذا التقنين لم ينظم حوالة الدين كما سبق القول .
ويقابل النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى التقنين المدنى السورى المادة 318- وفى التقنين المدنى الليبى المادة 305 – وفى التقنين المدنى العراقى المادة 348 – وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 288 ( 999 ) .
$ 591$
والنص ، كما نرى ، يعرض للنوعين من الضمانات : ( 1 ) الضمانات العينية التى تأتى من جهة المدين الأصلى ( 2 ) والضمانات الشخصية أو العينية التى يقدمها كفيل من المدين الأصلى للدائن .
332- الضمانات العينية التى تأتى من جهة المدين الأصلى :
قد يكون المدين الأصلى قدم للدائن ضماناً للدين ، رهنا رسميا أو رهناً حيازيا . أو يكون الدين مضموناً بحق امتياز أو حق اختصاص يثقل عيناً مملوكة للمدين . فتنتقل كل هذه الضمانات العينية مع الدين لمصلحة الدائن ( 1000 ) .
$ 592$
فإذا كان المدين الأصلى قدم عقاراً مرهوناً رهناً رسمياً أو عيناً مرهونة رهن حيازة ضماناً لدينه ، ثم تحول الدين إلى ذمة المحال عليه – سواء كان ذلك باتفاق المدين الأصلى مع المحال عليه وإقرار الدائن أو كان باتفاق مباشر بين الدائن المحال عليه ( 1001 ) . بقى هذا الدين مضمونا بالرهن الرسمى أو رهن الحيازة كما كان وهو فى ذمة المدين الأصلى . ويصبح المدين الأصلى فى هذه الحالة بمثابة $ 593 $ كفيل عينى ، فإن ذمته قد برئت من الدين بالحوالة ولكن ماله بقى مرهوناً لضمان الدين . وإذا انتقلت ملكية العين المرهونة إلى أجنبى ، فإنها تبقى مثقلة بالرهن ضماناً للدين وهى فى يد هذا الحائز للعقار ( 1002 ) .
وإذا كان الدين المحال به قد صدر به حكم نهائى واستطاع الدائن أن يأخذ حق اختصاص على عقار المدين ، ثم تحول الدين إلى المحال عليه ، فإن حق الاختصاص يبقى ضامناً للدين على النحو الذى قدمناه فى الرهن ، وتبرأ ذمة المدين الأصلى من الدين بالحوالة ولكن عقاره المأخوذ عليه حق اختصاص يبقى مثقلا بهذا الحق ضماناً للدين .
وإذا كان الدين المحال به مضموناً بحق امتياز ، بأن كان مثلا ثمن مبيع ، وحول المشترى الثمن الذى فى ذمته إلى مدين جديد ، فإن الدائن يبقى محتفظاً بحق امتيازه على العين المبيعة وهى فى يد المشترى ، كما فى الرهن وحق الاختصاص ، ولو أن ذمة المشترى قد برئت من الدين ( 1003 ) .
كذلك يبقى الدائن محتفظاً بحقه فى حبس العين المبيعة إذا لم يكن قد سلمها للمشترى ، إلى أن يستوفى الثمن من المحال عليه الذى انتقل الدين إلى ذمته . ويلحق هنا الحق فى الحبس بالضمانات العينية ، وإن لم يكن هو نفسه ضماناً عينيناً فى التقنين المدنى الجديد ( 1004 ) . وهذا الحكم قد ورد صراحة فى الفقرة الأولى $ 594 $ من المادة 348 من التقنين المدنى العراقى ( 1005 ) .
333- الضمانات الشخصية أو العينية التى يقدمها كفيل المدين للدائن : وقد يكون الدين المحال به مكفولا بشخص غير المدين الأصلى كفالة شخصية أو كفالة عينية ، بأن يكون للمدين كفيل شخصى ، أو كفيل عينى قدم رهناً لضمان الدين . وتنص الفقرة الثانية من المادة 318 مدنى فى هذه الحالة ، كما رأينا ، على أنه " لايبقى الكفيل عينينا كان أز شخصيا ، ملتزماً قبل الدائن إلا إذا رضى بالحوالة " .
$ 595 $
وهذا الحكم طبيعى ، فإن الكفيل ، ولو كان عينيا ، أجنبى عن الحوالة وهو إنما رضى بكفالة المدين الأصلى بالذات ، كفالة شخصية أو كفالة عينية . فإذا تحول الدين إلى ذمة شخص آخر غير المدين الأصلى ، أ