Advertisement

روابط الوحدة الإسلامية ومقوماتها


روابط الوحدة الإسلامية ومقوماتها
موسى حسن عثمان(*)
ملخص
يهدف هذا البحث إلى الإسهام في تثقيف الشباب المسلم وتذكرته بأهمية الوحدة
الإسلامية، في عالمنا المعاصر، استجابة لأمر الله تعالى في الاعتصام بحبله المتين،
حتى تقوم الأمة المسلمة بدورها الرسالي الذي لا يمكن تحقيقها إلا بالوحدة الإسلامية.
وذلك من خلال تسليط الضوء على ما يزخر به الإسلام من روابط ومقومات تقوم
عليها الوحدة الإسلامية، ومناقشة ذلك ليعمل كل مسلم على جمع الصف، نبذًا للفرقة
والشتات، حتى تعود الوحدة الإسلامية قوية كما بدأت تحمل في طياتها الرحمة
للعاملين، إذ لا قنوط من أن تتحقق تلك الوحدة. وقد خلص البحث إلى الآتي :
1. إن الإسلام قد ورث الأمة الإسلامية رؤية نافذة في إقامة الوحدة الإسلامية.
2. الإسلام وحد مصائر المسلمين وفق نهج واحد يقوم على روابط ودعائم ثابتة
تقوي الوحدة الإسلامية.
3. العقيدة الراشدة أساس متين للوحدة الإسلامية وتلتقي عندها فطرة الإنسان السليمة
.
4. تقوم الوحدة الإٍسلامية على مقومات جوهرية، من شأنها أن توثق عرى الوحدة
الإسلامية وتحققها.
وقد جاء هذا البحث على محورين: احتوى الأول على روابط الوحدة المتمثلة في
العقيدة، والعبادة، والمصير المشترك. أما المحور الثاني : فقد تناول مقومات الوحدة
وهي : المقوم الدعوي، والمقوم الاجتماعي والمقوم الاقتصادي، والمقوم السياسي
والعسكري، ثم جاءت الخاتمة التي تشمل أهم النتائج والتوصيات .
المقدمة :
( *) أستاذ مساعد، جامعة أم درمان الإسلامية، السودان.
،( الأمة المسلمة أمة واحدة ، قال تعالى "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"( 1
أمرها الله تعالى بالوحدة وعدم التفرقة والاعتصام بحبله المتين بقوله : "واعتصموا
بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا"( 2)، لتؤدي دورها الرسالي الذي لا يمكن تحقيقه إلا
بالوحدة الإسلامية لتكون أمة قوية مرهوبة من أعدائها. أما الفرقة والاختلاف
فيؤديان إلى إضعافها وهلاكها وذهاب ريحها كما هو كائن اليوم، مما دفع أعداء
الإسلام ليقولوا، لو كان الإسلام خيرًا ما كان أهله على هذه الحال من الضعف
والهوان .
ولكن مهما يكن من أمر فإن في المسلمين يقظة وصحوة بدأت جذوتها تتقد، وسيشع
نورها ليعم أرجاء الكون إن شاء الله تعالى، فلا قنوط من أن تعود الوحدة الإسلامية
كما بدأت قوية، تحمل في طياتها الخير والرحمة للعالمين. سيتحقق ذلك بعون الله
رغم الابتلاءات والعقبات التي تعترض المسير.
لقد قصدنا في هذا البحث إلقاء الضوء ومناقشة بعض المسائل ذات الصلة الوثيقة
بموضوع الوحدة الإسلامية، علها تسهم في تثقيف الشباب المسلم، وتذكره بأهمية
الاعتصام بحبل الله المتين، والعمل على جمع الصف المسلم، ونبذ الفرقة والشتات،
حتى يعود صرح الوحدة الإسلامية شامخًا كما كان .
المحور الأول : روابط الوحدة ،
الوحدة الإسلامية تقوم على روابط متينة تجمع بين أبناء الأمة الإسلامية وهذه
الروابط هي :
أو ً لا : العقيدة
عقيدة التوحيد أساس الوحدة الإسلامية، وهي حجر الزاوية في البناء الحضاري للأمة،
ومنطلق العمل الصالح والجاد والحركة القاصدة إلى الله تعالى. ولا غرو في ذلك ،
في ركن الإسلام الأول وآية تحققه. وعلى هذه العقيدة ترتكز كل مقومات الوحدة
الإسلامية. ولذلك كان الاعتقاد في توحيد الله عز وجل أول ما يدخل به المرء
الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا( 3). وقد ورد في الحديث : "من كان آخر كلامه
لا إله إلا الله دخل الجنة"( 4). إن كان الكلام خالصًا من القلب لا اللسان؛ فلو قال : "لا
. 1) الأنبياء : 92 )
. 2) آل عمران : 103 )
3) ابن أبي العز الحنفي، صدر الدین علي بن علي بن محمد، تحقيق أحمد شاآر، شرح الطحاویة في العقيدة السلفية، الریاض، وزارة )
. الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد 418 ه ، ص 27
. 4) أخرجه الحاآم في المستدرك، آتاب الجنائز، باب من آان آخر آلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، ج 1 ، ص 351 )
إله ومات ومعتقده وضميره الوحدانية وما يجب له من الصفات، لكان من أهل الجنة
.( باتفاق أهل السنة"( 5
والإقرار بعقيدة التوحيد وإظهارها واجب باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب
الصلاة( 6). وقال صلى الله عليه وسلم : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله
إ ّ لا الله"( 7). ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا
.( الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم( 8
إن كلمة الشهادة ليست مجرد كلمة تقال وإنما هي تجسيد للتنزيه المطلوب له سبحانه
( وتعالى لا شريك له "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"( 9
ولأهمية التوحيد وتدعيمه للوحدة الإسلامية جعله الله في طليعة العقيدة وبه استحق
الإسلام أن يكون الدين المتبع" ولا يقبل الله من الأولين والآخرين دينًا يدينون به إلا
أن يكون موافقا لًدينه الذي شرعه على ألسنة رسله" ( 10 ) قال تعالى :"آمن الرسول بما
أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد
من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" ( 11 ) وقال تعالى : "إن
الدين عند الله الإسلام" ( 12 ) كما قال : "ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو
.( في الآخرة من الخاسرين" ( 13
إن أول دعوة رسل الله عليهم السلام إلى أقوامهم، تقوم على إقامة الوحدة الإسلامية
بتوحيد العقيدة لا إله إلا الله. "اعبدو الله ما لكم من إله غيره"( 14 ) حتى كأنهم رسول
واحد على اختلاف الزمن واختلاف لغات الأقوام( 15 ). وهكذا كانت دعوة الرسول
صلى الله عليه وسلم حتى إلى ملوك الأرض وأباطرتها لبناء الوحدة الإسلامية وتمتين
الرابطة بين أفراد الأمة. قال تعالى : "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا
وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله
5) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن،، ط 3، الجزء الأول، الهيئة المصریة العامة للكتاب، 1987 م ، )
. ص 191
, 6) عبد العزیز، أمير، دراسات في الثقافة الإسلامية، مدخل إلى الدین الإسلامي، بيروت، دار الكتاب العربي 1399 ه - 1979 م، ص 75 )
. 7) أخرجه البخاري، في آتاب الإیمان 17 ، باب (فإن تابو وأقاموا الصلاة وآتوا الزآاة فخلوا سبيلهم) ج 1 ، ص 7، رقم 25 )
. 8) ابن أبي العز، شرح الطحاویة، ص 27 )
. 9) الشورى : 11 )
. 10 ) ابن أبي العز، شرح الطحاویة، ص 20 )
. 11 ) البقرة : 258 )
. 12 ) آل عمران : 19 )
. 13 ) آل عمران : 85 )
.65 ، 73 ، 14 ) الأعراف : 85 )
. 15 ) قطب، محمد، لا اله إلا الله، عقيدة وشریعة ومنهاج حياة، ط 3، القاهرة، دار الشروق، 1414 ه- 1993 م، ص 15 )
فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون"( 16 ) فالأنبياء جميعًا على اختلاف أممهم وتفاوت
شرائعهم متفقون على معاني أساسية تؤلف أجزاء العقيدة الواحدة من لدن حكيم
عليم( 17 )، "فقد أوحى الله إلى الأنبياء والمرسلين جميعًا طائفة من الخصائص المستقرة
التي لا تقبل الشك، ولا مناص للإنسان من الايمان بها إيمانًا ثابتًا جازمًا لا يحتمل
.( التغيير أو التساهل" ( 18
إن عقيدة التوحيد التي هي أساس الوحدة الإسلامية تقوم على ما فطر الله الناس عليه
من توحيد الالهية، الذي يتضمن توحيد الربوية، "ولقد أجمع أهل المال والشرائع على
أن الميل إلى الإيمان بالله نزعة أصيلة في الإنسان وشعور فطري في ذاته( 19 )، قال
تعالى : "فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله
ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون"( 20 )، أي قوم توجهك يا إنسان لدين
التوحيد والوحدة الإسلامية الإسلام منتميًا إليه مستقيمًا عليه، وملتزمًا بما خلق الله
الناس عليه من العلم بأن ربهم هو الله ودينه الإسلام( 21 ). وعلى هذا الاعتقاد تتأسس
الوحدة الإسلامية. وقد جاء في الحديث: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه
يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء( 22 ) هل تحسون فيها
24 ). وهكذا فإن فطرة التدين طبيعية في الإنسان وغير غريزة طبع ) "( من جدعاء ( 23
متأصلة في قرار النفس الإنسانية لا تكاد تنفك عنها إلا إذا طرأت عليها عوامل
.( خارجية داخلية( 25
إن هذا الاعتقاد الديني السليم أساس جوهري في بناء الوحدة الإسلامية. ولم تنبثق
حتى الآن أي حضارة، أكثر توازنًا وانسجامًا ورقيًا، من غير أن يجمعها دين وتوحد
مجتمعها عقيدة واحدة، إذ أنها دائمًا الرابطة العليا التي تلتقي عندها نوازع الأفراد،
فتشدهم بقوة إليها، وتوحد تطلعاتهم وطموحاتهم، وتنظم سلوكهم، متوجهة بهم نحو
. 16 ) آل عمران : 64 )
. 17 ) عبد العزیز، أمير، دراسات ، ص 75 )
. 18 ) صدر الدین علي بن علي، شرح الطحاویة في العقيدة السلفية، الریاض، 1418 ه، ص 75 )
. 19 ) عبد الظاهر، حسن عيسى، بحوث في الثقافة الإسلامية، ط، الدوحة، دار الحكمة، 1414 ه- 1993 م، ص 310 )
20 ) الروم : 30 )
21 ) السيوط، قرآن آریم، تفسير وبيان مع أسباب النزول، مع فهارس آاملة للمواضيع والألفاظ، دمشق- بيروت، دار الرشيد، (بلا.ت)، )
. ص 407
22 ) أي تامة الأعضاء. )
23 ) التي قطع أنفها أو أذنها. )
، 24 ) متفق عليه أخرجه البخاري، 23 ، في آتاب الجنائز 79 ، باب إذا أسلم الصبي فمات هل یصلى عليه؟ ج 3، ص 219 رقم 1359 )
. ومسلم 46 ، آتاب القدر، 6 باب آل مولود یولد على الفطرة، ج 3 ، ص 2047 رقم 2658
25 ) العرماني، محمد زین الهادي، منهاج الحياة في الإسلام، ط 1، الریاض، دار العاصمة، 1408 ه، ص 17 ، ابن أبي العز، شرح )
. الطحاویة، ص 35
عاطفة الإخاء والتعاون داخل المجتمع الحضاري الواحد( 26 ) قال تعالى : "محمد
رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فض ً لا
.( من الله ورضوانًا"( 27
و من ناحية أخرى فإن عقيدة الإسلام تؤمن للمسلمين وحدتهم و تقوى صمودهم
للوقوف أمام التحديات الخارجية التي تواجه الوحدة الإسلامية إبان مسيرتها . ذلك أن
الدين بعقيدته الإسلامية ، عند تمكنه في المجتمع المسلم يشكل في ذاته بؤرة تلتقي
عنها الأهداف العليا و تحقق من خلالها الأمة المسلمة آمالها و تعبر عن حسها في
الإنجاز والإبداع .
إن التطور والتقدم في العلوم الطبيعية في القرون الأخيرة قد زعزع تملك الشعور
الديني للنفوس، وقامت دعوات عديدة تركزت في معظمها على عطاء ما أحرزه
الإنسان في حقول العلم التجريبية والطبيعية، فظهرت النظريات العلمية وما يتصل بها
من المذاهب الإنسانية الفاشلة، التي في كنفها ظل العالم متظلمًا متصدعًا، وهو الآن
يتطلع إلى الوحدة في ظل حضارة تنقذه من ويلات الخوف والرعب والفساد الأخلاقي
ودنس الضمير ليمطمئن. فأين يجد العالم اليو وحدة في ظل حضارة تحقق له أحلامه
( وتطلعاته بعد تلك التجارب الإنسانية القاسية المريرة؟ ( 28
ولن يجد العالم ما يصبوا إليه في ديمقراطية أوروبا الفاشلة أو الشيوعية الملحدة
المنهارة، ولا في علم أمريكا وصواريخها ورؤوس أموالها. ولكنه يظفر بالوحدة
الإسلامية في ظل الإيمان بالله تعالى عقيدة وشريعة وأخلاقًا ومعاملات، بعيدًا عن
مظاهر الأزمة الحديثة للحضارة الإنسانية المعاصرة.
فقد نشأت في ظل الإسلام وحدة إسلامية ظلت تغذيها عبر آماد طويلة قيم الحق
والعدل وأصول التسامح والإحسان. وورثت العالم رؤية نافذة في حفظ قيمة الإنسان
والمحافظة على قيم الحياة الفاضلة، على أسس من الدين الإسلامي القويم( 29 ). وكل
ذلك كان انطلاقة من الفكر والاعتقاد الراشد الذي شكل أساسًا متينًا للوحدة الإسلامية،
تلتقي عنده فطرة الإنسان السليمة التي تحقق إعمار هذا الكون "فطرت الله التي فطر
.( الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون"( 30
26 ) برغوث، الطيب، منهج النبي صلى الله عليه وسلم في حمایة الدعوى والمحافظة على منجزاتها خلال الفترة المكية، المعهد العالمي )
253 ، آمال، یوسف، مستقبل الحضارة، ط 2، المنصورة، ، للفكر الإسلامي، سلسلة الرسائل الجامعية ( 17 ) (المنهجية الإسلامية) ص 252
. 1987 ، ص 100
. 27 ) الفتح : 29 )
28 )عثمان، موسى حسن، معالم في الثقافة الإسلامية، جامعة أم درمان، ص 12 ، (بلا.ت) . )
. 29 ) أبو زهرة، محمد، الوحدة الإسلامية، دار الرائد العربين (بلا.ت)، ص 87 )
. 30 ) الروم : 30 )
وبهذه الفطرة السوية تتوحد مشاعر الناس واتجاهاتهم فتتجه كلها إلى الله ، شعورًا
وعم ً لا، ونشاطًا وعبادة، وحركة وعادة. وبذلك تصطبغ الحياة كلها بصبغة العقيدة
.( التي تمثل أقوى رابطة في الوحدة الإسلامية( 31
تلكم هي العقيدة رابطة الوحدة الإسلامية وصمام أمان هذه الأمة ومبعث فلاحها، يقول
.( الرسول صلى الله عليه وسلم: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ( 32
ثانيًا: العبادة :
من المسلم به لدينا، معشر المسلمين، أن الوظيفة الكبرى أو الكلية للإنسان في الحياة
هي عبادة الله وحده، قال تعالى : "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"( 33 )، وفق ما
شرع من قواعد إيمانية. لذا كان الأمر بالعبادة مرتكزًا على الإيمان الراسخ في قلوب
المؤمنين. قال تعالى : "يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا
الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا بالله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين
من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول
شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله
هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير" ( 34 ). وفي هذا النص رتب الله تعالى الأمر
بالعبادة على تحقيق وصف الإيمان المفضي إلى الوحدة والاعتصام بالمولى رب
العالمين.
وبالعبادة أرسل الله جميع الرسل عليهم السلام مما يبرز أهميتها وأثرها في حياة البشر
( ووحدتهم "ولقد بعثنا في كل أمة رسو ً لا أن اعبدوا الله".( 35
والعبادة عامة وخاصة، فالعامة تمثل سير الإنسان في الحياة ابتغاء رضوان الله نوفق
شريعته( 36 )؛ فكل عمل قصد به المرء وجه الله تعالى وابتغى منه تحقيق المقاصد
.( المشروعة يعد عبادة( 37
وفي الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه، أن ناسًا قالوا: "يا رسول الله ذهب أهل
الدثور( 38 ) بالأجور يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضل
. 31 ) قطب، سيد، في ظلال القرآن، ط، الشرعية العاشرة، بيروت، القاهرة، دار الشروق، 1402 ه- 1982 م، م 4، ص 2423 )
. 32 ) أخرجه أحمد في السمند عن أبي ربيعة عياد الدیلي، ج 3، ص 492 )
. 33 ) الذاریات : 56 )
.78- 34 ) الحج : 77 )
. 35 ) النحل : 36 )
. 36 ) عثمان، عبد الكریم، معالم الثقافة الإسلامي، ط 11 ، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1405 ه- 1984 م، ص 148 )
. 37 ) عبد الظاهر، حسن عيسى، بحوث في الثقافة الإسلامية، ص 314 )
أموالهم، قال : أليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، إن بكل تسبيحة صدقة وكل
تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وفي بعض أحدكم صدقة، قالوا : يا رسول الله،
أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه
.( وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" ( 39
أما العبادة الخاصة فهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت على
المستطيع( 40 ). وفي الحديث : "بني الإسلام على خمس على أن يوحد الله، وإقامة
.( الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج"( 41
ولئن قال قائل إن جميع الأعمال النافعة التي تشمل المساحة الواسعة في حياة الإنسان
وتقترن بنية الإخلاص لله تعالى تعد ضروبًا من العبادات، فلماذا أضاف الإسلام إليها
شعائر يومية وموسمية محددة؛ تتمثل في الصلاة والزكاة والصوم والحج؟ ولماذا
( أوجب الإسلام على المسلمين الالتزام بهذه الفرائض وعدم التخلي عنها؟( 42
إن هذه الأركان الأساسية الأربعة التي تأتي في طليعة العبادات والشعائر الإسلامية
جميعها، كأقدس ما تكون عليه العبادات، وقد ركز الإسلام تمام التركيز عليها لشرفها
ومكانتها من الدين ولصلتها الوثيقة بالفطرة البشرية من حيث التركيب النفسي
والروحي للإنسان، ولتأثيرها في واقعه الاجتماعي والخلقي والتربوي. وفوق ذلك
تعتبر هذه الأركان قواعد يقوم عليها نظام الإٍسلام كله، وهي أساس في الوحدة
الإسلامية. وإن انهدامها أو جزء منه يؤدي إلى تصدع للوحدة يوشك أن يأتي على
.( النظام كله( 43
إن الشخصية الإسلامية السورية في حاجة إلى عبادة محددة تصدر عنها في كل اتجاه
إذ أنها مصبوغة على ذلك "صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له
.( عابدون"( 44
وفضل هذه العبادة في حياة كل إنسان أن تكون نقطة ارتكاز يمارسها مع من حوله
وتتجمع إليها خيوط حياته فلا تتمزق شخصيته ولا يدركها القلق والاضطراب.
فالمسلم يعبد ربه بعبادات قد لا تتم إلا من خلال الجماعة "وقد يكون تكليفًا شرعيًا
38 ) الدثور : المال. )
.( 39 ) أخرجه مسلم في آتاب الزآاة 16 ، باب بيان أن اسم الصدقة یقع على آل نوع من المعروف، ج 1، ص 697 ، رقم ( 1006 )
. 40 ) عثمان، عبد الكریم، مالم الثقافة الإسلامية، ص 150 )
. 41 ) عبد العزیز، أمير، دراسات في الثقافة الإسلامية، ص 294 )
. 42 ) عبد العزیز، أمير، دراسات في الثقافة الإسلامية، ص 294 )
. 43 ) المرجع السابق، ص 294 )
. 44 ) البقرة : 138 )
بحتًا لا يقبل الخلاف أو الجدل لما في الممارسة الجماعية من تدعيم لعرى الوحدة
الإسلامية أو لمصلحة لا تتحقق إلا عن طريق التجمع المتعاضد، أو لحكمة أدركها
.( الإنسان أو لم يدركها"( 45
. 45 ) عبد العزیز، أمير، دراسات في الثقافة الإسلامية، ص 294 )
إذ إن الممارسة التعبدية في الإسلام تقوم على التعقل والمنطق والتدبر وعلى اليسر
والوضوح وكذلك الأداء الجماعي. لذا كانت "هناك جملة عبادات يوجب الشرع أن
.( تتم عن طريق الجماعة لا الفرد" ( 46
والعبادة تحمل في طياتها وحدة الشعار والمشاعر، ولها دور كبير في الترابط وتوحيد
الأمة. فلننظر، مث ً لا، كيف أن أهل الإسلام يتجهون جميعهم إلى قبلة واحدة في زمان
واحد وصف متحد متراص، يكبرون الله ويحمدونه ويوحدونه ويمجدونه، ويؤكدون
خضوعهم لله والتعظيم والتقديس له، من خلال ممارسة بدنية ونفسية وروحية واحدة
تقوم بأدائها الجماعة المسلمة بهيئة منتظمة رائعة تؤلف بين المسلمين في أجسادهم
وأرواحهم، وترسم صورة حية ماثلة للوحدة الإسلامية. ويؤم جماعة المسلمين في
الصلاة، أقرؤهم وأعلمهم أو أفقههم، وإذا تساووا، أمهّم أي واحد منهم. تلكم هي
الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين( 47 ) "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا
ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة وكان يوم
.( القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف"( 48
ومن أداها في جماعة نال ثواب أجرها مضاعفًا : "صلاة الجماعة أفضل من صلاة
.( أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا"( 49
أما الجمعة فهي مفروضة على كل المسلمين ذكرانًا لا إناثًا. وعلى كل واحد أن
يؤديها مع جماعة المسلمين وليس لواحد أن يتخلف عن أداء هذه الفريضة في جماعة
إلا إذا كان معذورًا. قال تعالى : "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة
اسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون"( 50 ). وفي صلاة الجمعة
تجتمع جماعة المسلمين على معان الوحدة" وإن باعدت بينهم الديار، لأن الوجهة
واحدة والدعاء واحد، فتسري في جنبات الأمة آصرة الوحدة في كل مكان مهما بعدوا
. ( في كل زمان سابق أو لاحق"( 51
وكذا الصوم فهو عبادة فردية ذات أداء جماعي، فإن الصوم يبدأ في شهر واحد"شهر
رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم
الشهر فليصمه"( 52 ). وكذلك يمسك مجتمع المسلمين عن الطعام ويفطر في وقت واحد،
. 46 ) المرجع السابق، ص 294 )
. 47 ) المرجع السابق، ص 307 )
. 1966 ، 48 ) أخرجه الإمام أحمد بن حدیث عبدالله بن عمرو بن العاص، 2 )
.(649) 49 ) أخرجه مسلم في آتاب المساجد ومواضع الصلاة 42 ، باب فضل صلاة الجماعة، ج 1، ص 449 ، رقم 245 )
. 50 ) الجمعة : 9 )
. 51 ) آمال، یوسف، مستقبل الحضارة، ط 2، المنصورة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزیع، 1408 ه - 1987 م، ص 186 )
. 52 ) البقرة : 185 )
فيبتدئ اليوم ويختم، وكذلك الشهر، بتوحيد واتحاد يرمز إلى الوحدة المنشودة بين
المسلمين مبنى ومعنى من خلال التقوى التي تبعث في المسلم الرأفة والعطف على
البائسين وتذكر الصائم بالفقراء والمحتاجين( 53 ). وتصون قلبه عن الهمم الدنيئة
فتصفوا روحه وتلتقي مع أرواح المتقين .
وتتجلى الوحدة الإسلامية في أعظم صورها في فريضة الحج حيث اتحاد الزمان
والمكان والمناسك التي تبدأ بالإحرام وتستمر مع الوقوف بعرفات ثم المشعر الحرام
والتضحية بمنى، ورمي الجمرات الثلاث وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا
والمروة. كل ذلك والحجاج متجردون من كل محيط ومحيط وموحدون في لباس
بسيط يوحد خاصتهم وعامتهم، فقراءهم وأغنياءهم، كبارهم وصغارهم، أحمرهم
وأسودهم، حيث يلتقون على تقوى من الله ورضوان في صعيد واحد تسوى جماعتهم
العبودية لله وتذوب من بينهم فوارق الجنس والمال والجاه وهم يشاهدون آثار أبي
الأنبياء إبراهيم عليه السلام؛ في مؤتمر عالمي يتدافعون ويتزاحمون ويتنافسون فيه
بإحسان ( 54 ). وذلك إعلان شامل أكبر بأن المسلمين أينما كانوا تجمعهم العبادة لتجعل
.( منهم أمة واحدة متعاونة متساندة لتحقق الوحدة الإسلامية( 55
أما الزكاة فهي شعيرة تعبدية وعبادة اجتماعية تذكر الإنسان المسلم بحق الجماعة في
ماله الذي يكسبه بكده، وتذكره بأن يعمل لغيره كما يعمل لنفسه. والزكاة امتحان فيما
تهواه الأنفس من المال والمتاع، وفوق ذلك فهي عبادة روحية يتقرب بها العبد إلى الله
.( تعالى ( 56
ولعبادة الزكاة أثر كبير في تربية شعور العطف على الفقراء والمحتاجين.
"ومشاركتهم ودرء خطر الفاقة والجوع والحرمان عنهم وعن أسرهم، وفي هذا
الشعور علاج لقلوب الأغنياء من القسوة والحرص والشره، وعلاج لقلوب الفقراء
.( بتطهيرها من شعور الحقد والحسد والتطلع لما في أيدي الأغنياء ( 57
وكان ذلك يعين على الوحدة. كما أن للزكاة أثرًا لا يستعان به في محاربة الفقر،
وفوق ذلك فهي تجسيد لشكر الله على نعمة الغنى واليسار .
وبذلك فالعبادة في مجملها هي رسالة الإنسان في الحياة وتتميز أحكامها بالثبات
والاستقرار، وهذا يعني أنها تلبي مطالب ثابتة في أعماق الإنسان وتعالج حاجة
. 53 ) عبد الظاهر، حسن عيسى وآخرون، بحوث في الثقافة الإسلامية، ص 322 )
. 54 ) المرجع السابق، ص 33 ، وعثمان، عبد الكریم، معالم الثقافة الإسلامية، ص 154 )
. 55 ) عبد العزیز، أمير، دراسات في الثقافة الإسلامية، ص 314 )
. 56 ) عثمان، عبد الكریم، معالم الثقافة الإسلامية، ص 153 )
. 57 ) عبد الظاهر، حسن عيسى، بحوث في الثقافة الإسلامية، ص 321 )
مستمرة لا تكاد تنقطع، برغم تطوره المستمر في ظل الرقي العلمي والتدرج
.( الحضاري( 58 ). ومن أهم خصائص تلك العبادة( 59
1. أنها لله ووضعت بحكمته وعلمه لتأهيل الإنسان ليقوم بواجب الخلافة على
الأرض، والإخلاص أساس قبولها .
2. بنيت على الاعتدال واليسر ورفع الحرج.
3. تحفظ الإنسان وتحميه من التردي في حمأة الشهوات، ومن تعرضه لكبد
الشيطان وشره.
4. تربط الأمة المسلمة رباطًا وثيقًا بخالقها وقيم الحق، استقامة على منهج الدين
القويم.
كل ذلك يجعل العبادة محور الأمة الربانية تأتلف عليه وتتعاون وتتآزر من غير لونية
أو طبقية، لا ميزة للغني على الفقير ولا الشريف على الوضيع، فالكل لآدم وآدم من
تراب والتفاضل إنما يكون بالتقوى .
ثالثًا : المصير المشترك
لقد خلق الله الإنسان من طين، ونفخ فيه من روحه ثم جعل ذريته من ماء مهين، قال
تعالى : "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من
روحي فقعوا له ساجدين"( 60 ). وقال : "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم
جعلناه نطفة في قرار مكين....... ."( 61 ). وقد خلقه لعمارة هذا الكون "فقال .... إني
جاعل في الأرض خليفة"( 62 ). وقبل ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد أشهد الإنسان قبل
أن يخلقه على ربوبيته ووحدانيته، حيث قال : "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم
ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا
( عن هذا غافلين"( 63
إن رحلة حياة الإنسان على ظهر هذه الأرض قد حددها الله سبحانه وتعالى، طف ً لا ثم
شابًا فكه ً لا فشيخًا، ثم عودًا إلى الأرض، ثم بعثة إلى الحياة الآخرة للجزاء والخلود
.(64)
. 58 ) عبد الظاهر، حسن عيسى وآخرون، فصول في الدعوة، ص 310 )
258 ، والترابي، حسن، الصلاة عماد ، 59 ) المرجع السابق، ص 324 ، وعبد العزیز، أمير، دراسات في الثقافة الإسلامية، ص 251 )
.106- الدین، ط 2، جدة، الدار السعودیة للنشر والتوزیع، 1404 ه- 1984 م. ص 104
.72- 60 ) ص : 71 )
.13- 61 ) المؤمنون : 12 )
. 62 ) البقرة : 30 )
. 63 ) الاعراف : 72 )
. 64 ) عبد الظاهر، حسن عيسى، فصول في الدعوة والثقافة الإسلامية، ص 126 )
قال تعالى : "يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من
نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما
نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طف ً لا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من
( يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئًا......." ( 65
من هذه الآيات القرآنية يبدو الإنسان في "قمة الكائنات الحية التي تعيش على وجه
البسيطة، وأفضلها وأكرمها، لما أودعه الله فيه من مزايا، ولما أعده من جيل الغايات
التي لا تصل إلى مثلها سائر الكائنات الأخرى" ( 66 ). قال تعالى : "لقد خلقنا الإنسان
في أحسن تقويم" ( 67 ) وقال : "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم
من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضي ً لا" ( 68 ). ونتيجة لذلك فقد فطر
الإنسان الفطرة الكريمة الصالحة التي يستطيع أن يستخدمها اختيارًا للخير أو الشر
69 ). وكذلك خلق الله الإنسان مجبو ً لا على حب المعرفة بعنايته وهدايته وأودع فيه )
ما يستطيع به إدراك الحقائق الكبرى في الوجود. قال تعالى : "والله أخرجكم من
بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون"
،( 70 )، وقال: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" ( 71 )
فالفطرة الإنسانية السليمة التي تتوجه إلى الله بروح متفتحة، تكشف ما فيه من قصد،
وتؤمن بما يؤول إليه من مصير محتوم، قد تولى الله تبيانه عن طريق إرسال رسله
.( عليهم الصلاة وأتم التسليم( 72
إن الذي ينظر إلى الإسلام ونظامه يدرك أن الواحد المتعالي على كل مخلوق، قد وحد
خلق الإنسانية ومصائرها "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق
منها زوجها وبث منهما رجا ً لا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن
الله كان عليكم رقيبًا( 73 ). إن هذه الآية تذكر الناس بوحدة مصدرهم وتردهم إلى الله
خالقهم الذي أنشأهم في هذه الأرض. وتبين أن هذه البشرية التي صدرت من إرادة
واحدة، تتصل في رحم واحدة وتنتسب إلى نسب واحد. وبذلك تتكامل وشائجها ابتداء
من وشيجة الربوبية، وهي الأصل، ثم الرحم الذي تقوم عليه الأسرة الأولى، ومنها
يبث الله رجا ً لا كثيرًا ونساءً يجمعهم المصير المشترك؛ إذ إن الدين واحد "إن الدين
. 65 ) الحج : 5 )
. 66 ) عثمان، عبد الكریم، ص 15 )
. 67 ) التين : 4 )
. 68 ) الإسراء : 70 )
. 69 ) عثمان، عبد الكریم، ص 15 )
. 70 ) النحل : 78 )
. 71 ) فصلت : 53 )
. 575- 72 ) قطب، سيد، الظلال، م 1، ص 574 )
. 73 ) النساء : 1 )
.( عند الله الإسلام" ( 74 )، وكذلك المنهج "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها" ( 75
ووفق ذلك المنهج تبرز العلاقة بين الخالق ومخلوقاته وتتبين تلك الصلة، فتتوحد إرادة
الإنسان وتنعكس على حياة المجتمع والإنسانية بأسرها، على اختلاف ألوانها وألسنتها
وبيئاتها، ترابطًا وانسجامًا وتوحدًا حول غايات واحدة ومصائر مشتركة ما دامت تلك
البشرية تستمد توجيهها من مصدر واحد هو الله الواحد القهار الذي لم يخلقها عبثًا ولا
خبط عشواء "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وإنكم إلينا لا ترجعون...." ( 76 )؛ وإنما قدر
الشر والخير فتنة للبشر "ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" ( 77 )، ليعودوا إليه
في يوم الميعاد الذي تحشر فيه الإنسانية جميعًا؛ ليوفيها الله تعالى ما عملت "واتقوا
.( يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون"( 78
هكذا فالإسلام قد وحد مصائر المسلمين جميعًا في أهداف ومقاصد واحدة، انطلاقًا من
وحدتهم في الخلق، وفي الفطرة، والعلم، وفي الغاية من الخلق والاختبار، وفي
الاختيار ثم الرجوع إلى الخالق جل وعلا للجزاء يوم الحساب. وبذلك فقد وضع
الإسلام للوحدة الإسلامية كل ما يقتضيه التوحيد. وأقام الوحدة على مصائر مشتركة
وروابط ثابتة دائمة لا يتطرق إليها الخلل ما دام المسلمون متمسكين بدينهم حريصين
على طاعة ربهم، هدفهم واحد، تفكيرهم واحد، وسلوك موحد، وسياسة واحدة، في
.( قبلة واحدة، وأمر لا يختلف على أصوله اثنان( 79
المحور الثاني : مقومات الوحدة
العالم الإسلامي أمة واحدة تربطها عقيدة التوحيد والعبادة، وتوحد بينها المنطلقات
والأهداف والمصائر، وهي تواجه تحديًا مشتركًا واحدًا وعدوًا واحدًا. وللمحافظة
على الوحدة وتقويتها، والوقوف أمام تحديات أعدائها، جعل الله لها مقومات أساسية
أهمها :
أو ً لا: المقوم الدعوى
اتفق العلماء على وجوب الدعوة، استجابة لأمر الله تعالى : "ولتكن منكم أمة يدعون
إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" ( 80 ). وكذلك
قوله تعالى : "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
وتؤمنون بالله"( 81 ). كما جاءت السنة النبوية الشريفة تبين هذا الواجب ومنها : قوله
. 74 ) آل عمران : 19 )
. 75 ) الجاثية : 18 )
. 76 ) المؤمنون : 115 )
. 77 ) الأنبياء : 35 )
. 78 ) البقرة : 281 )
.32 ، 79 ) عثمان، موسى حسن محمد، معالم في الثقافة الإسلامية، ص 8 )
. 80 ) آل عمران : 104 )
. 81 ) آل عمران : 110 )
صلى الله عليه وسلم : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن
لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"( 82 )، فالدعوة الإسلامية يجب أن تبلغ إلى
البشرية بأسرها في كل زمان ومكان فهي الدين الحق ولا حق سواها.
وقد كان الدين ولا يزال من أكثر العوامل تأثيرًا في حياة الأفراد والمجتمعات. وليس
صحيحًا ما يدعيه بعضهم من أننا في عصر العقل وبالتالي نحن في عصر الشك
والشك بطبعه نقيض الإيمان. وإنما الصحيح هو أننا نعيش في عصر الإيمان أكثر
مما عاش الإنسان في العصور التاريخية، وهذا يلقي عبئًا ثقي ً لا على هذه الأمة للقيام
.( بدعوة الحق وتبليغ هذا الدين( 83
ونحن في عصر التقدم العلمي. وإن من أهم منجزاته سرعة الاتصال وسهولته بين
أبناء الشعب الواحد من جهة وبين الشعوب بعضها ببعض من جهة أخرى، مما ييسر
بناء وحدة إسلامية وأمة واحدة بمعتقداتها وآرائها، ويسهل صب المواطنين جميعًا في
قالب واحد. وهذا القالب ديني بالدرجة الأولى، وتحوطه الدعوة. ومن المرتكزات
التي تقوم عليها الدعوة :
1. الربانية :
إن التصور الإسلامي يعد التصور الاعتقادي الوحيد الباقي بأصله الرباني، إذ أنه لم
يحرف ولم تضف له شروح وتأويلات وزيادات ومعلومات بشرية تبدل خصوصيته
الربانية. وبذلك ترتكز الدعوة على هذا التصور الرباني بعيدًا عن التصور الفلسفي
القاصر الذي ينشأ عن الفكر الإسلامي محاو ً لا تفسير الوجود وعلاقة الإنسان
.( بربه( 84
إن الإنسان المسلم مرتبط في كل أفعاله بدينه. و لكل دين من الأديان التي تخضع لها
بعض الشعوب والمجتمعات والتجمعات ملامح ومميزات، يختلف بها عن الأديان
الأخرى، ولعل المحور الأساسي للإسلام ولأمة الإسلام هو المحور الذي يميزها عن
غيرها من الأمم، المخالفة لها في العقيدة والخلق .
والاتجاه بل في كل شأن يمس وجودها الرباني الفريد، وأوضاعها الاجتماعية وطابع
شخصيتها العامة( 85 ). وإن شعور الأمة بالتميز الرباني يصون فيها مقومات وجودها
ويحقق لها كيانًا راسخًا صلبًا، لا يعتريه التصدع ولا ينفذ إليه الخلل ما دام يرتكز إلى
.(49) 82 ) أخرجه مسلم في آتاب الإیمان 20 ، باب بيان آون النهي عن المنكر من الإیمان، ج 1، ص 69 ، رقم 78 )
. 83 ) عبد الظاهر، حسن عيسى، فصول في الدعوة والثقافة الإسلامية، ط 1، الكویت، دار القلم، 1401 ه- 1981 م، ص 52 )
. 84 ) قطب، سيد، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، ط 8، بيروت، دار الشروق، 1403 ه- 1983 م، ص 43 )
85 ) أبو یحيى، أحمد وآخرون، الثقافة الإسلامية، ثقافة المسلم وتحدیات العصر، ط 1، الأردن، دار المناهج للنشر والتوزیع، 1420 ه- )
. 2000 م، ص 156
الربانية ويأتمر بأمر الله تعالى ( 86 ). ومن هنا فإن الأمة الإسلامية هي أمة ربانية،
مثلما أنها أمة إنسانية تبلغ دعوة ربها، وأنها تستمد هذه الربانية من الله رب العالمين.
2. الإيمان والعمل والإحسان :
الأمة الإسلامية أمة إيمان وعمل وإحسان، فالإيمان بالله في ذاته مؤدّ إلى هذا
الإحسان، لأن المؤمن لا بد أن يدرك رسالته في الدنيا التي يحياها .
والإحسان هو الإحساس بمعية الله في كل مكان، وهذا هو الإحساس الذي يملأ القلب
.( بالمهابة والإجلال، ومن ثم فإن الإحسان ينبع من الإيمان والتقوى( 87
والإسلام يربط دائمًا بين الإيمان والعمل. وإن أخلاق الشجاعة والكرم والصدق
والعفة والعدل والرحمة وقوة العزيمة ومضاء الإرادة وغيرها، من العمل الصالح
الذي كلفت الأمة بالتزامه، والدعوة إليه. والصبر عليه شيمة من شيم الأمة المسلمة
العاملة. قال تعالى : "والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" ( 88 )ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم
.( عن الإيمان بأنه "ما وقر في القلب وصدقه العمل"( 89
3. ثبات القيم ورباط التشريع :
إن مفهوم الأخلاق والقيم العليا في الإسلام ينطلق من قيم ثابتة تنطلق من داخل إطار
الدعوة الربانية، وهذه القيم لا تتغير ولا تتطور حينما تتغير ظواهر الحياة الواقعية
وأشكال الأوضاع العلمية، فهذا التغيير في ظواهر الحياة الواقعية وأشكال الأوضاع
العلمية، يظل محكومًا بضوابط القيم الثابتة التي تتحرك داخل إطار ثابت ومحور
ثابت هو طابع الصنعة الإلهية في الكون كله( 90 ). فالقيم الثابتة هي طابع السلوك كله
وجماع التصرفات في مختلف المجالات، فلا تختلف من جيل إلى جيل أو من عصر
إلى عصر أو من بيئة إلى بيئة، وإنما تتماسك لأنها ترتبط بالنفس الإنسانية في
.( علاقتها بالله. والقيم قاسم مشترك بين المجتمع والقانون، والاقتصاد والاجتماع( 91
والأمة المسلمة أمة تحمل خصائص الثبات في المبادىء والقيم التي منحتها الاستقرار
.( والمرونة التي تواجه بها حركة الحياة وتطور الزمن( 92
. 86 ) المرجع السابق، ص 156 )
. 87 ) عثمان، موسى حسن محمد، معالم في الثقافة الإسلامية، ص 27 )
.3- 88 ) العصر : 1 )
. 89 ) أخرجه اللاآائي في اعتقاد أهل السنةج 2/ص 839 )
. 90 ) قطب، سيد، خصائص التصور الإسلامي، ص 28 )
. 91 ) عثمان، موسى حسن محمد، معالم في الثقافة الإسلامية، ص 72 )
. 92 ) عبد العزیز، أمير، دراسات في الثقافة الإسلامية، ص 222 )
كما أن الأمة المسلمة تختص بأنها محكومة برباط تشريعي إلهي، وهو الإطار الذي
يحكم حياتها الإسلامية، فهي حياة تتوازن فيها النزعات الفردية والجماعية، لتحقق
سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.
إن هذا الرباط التشريعي تستهدي به الأمة وتساس به على قواعد من الدين والقانون
الإسلامي "للوقاية من الجريمة، وقطع سبلها ومنع أسبابها وبذلك يتكون رأي عام
. ( فاضل يدعو إلى الفضيلة ويحارب الرذيلة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر"( 93
وهذا الرباط التشريعي يحكمه الحاكم بحسبانه رمز الوحدة ورمز التشريع الذي
يقتضي حراسة الدين وسياسة الدنيا. وبذلك تظل الدعوة في كل زمان ومكان تنطلق
من الثبات والرباط التشريعي لإظهار الوحدة الإسلامية.
4. الشهادة على الناس :
إن الأمة الإسلامية أمة مستجيبة لرسالة ربها ولا تتوانى في إبلاغ الدعوة ونشر الخير
بين سائر الناس، وكذلك جعلها الله شهيدة على الأمم "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا
لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا"( 94 ). يقول القرطبي في
تفسير هذه الآية: "وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطًا؛ أي جعلناكم
( دون الأنبياء وفوق الأمم، والوسط العدل؛ وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها" ( 95
لقد كرم الله سبحانه وتعالى الأمة الإسلامية بهذه الوسطية وجعلها شهيدة على الأمم
في يوم المحشر كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري صلى الله عليه
وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يدعى نوح عليه الصلاة والسلام
يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت؟ فيقول نعم فيقال لأمته هل
بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير فيقول من يشهد ذلك؟ فيقول محمد وأمته يشهدون أنه
قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدًا.." ( 96 )، فذلك قول الله عز وجل "وكذلك جعلناكم
أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا".
وعن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "أعطيت
أمتي ثلاثًا لم تعط إلا الأنبياء، وكان الله إذا بعث نبيًا قال له ادعني أستجب لك وقال
لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم، وكان الله إذا بعث نبيًا قال له ما جعل عليك في الدين
. 93 ) أبو یحيى ، محمد، الثقافة الإسلامية، ص 582 )
. 94 ) البقرة : 143 )
95 ) القرطبي، أبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، ط 3 الجزء الأول، الهيئة المصریة العامة للكتاب، 1981 م، )
. ص 153
151 ، في آتاب التفسير، تفسير قوله تعالى : "وآذلك جعلناآم أمة وسطا.." من حيث أبي سعيد. ، 96 ) رواه البخاري في صحيحه، 5 )
من حرج. وقال لهذه الأمة وما جعل عليكم في الدين من حرج، وكان الله إذا بعث
.( النبي جعله شهيدًا على قومه، وجعل هذه الأمة شهداء على الناس"( 97
ولا شك أن في ذلك شرفًا لهذه الأمة المسلمة، إذ أوكل الله سبحانه وتعالى لها ما
أوكله لأخصائه من رسله، ولهذا فقط حفظ الله هذه الأمة المسلمة في جملتها عن
الخطأ والضلال كما جاء في الحديث: "لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا"( 98 ). وهذا
من شأنه أن يوثق عرى الوحدة.
ثانيًا : المقوم الاجتماعي والاقتصادي
1. المقوم الاجتماعي :
عني الإسلام بتربية الإنسان وفق منهج الله الذي ارتضاه للعالمين، فرباه على قيم
الحق والعدل والرحمة والأمانة والبر وحسن الصلة، فقام المجتمع الإسلامي على
لبنات متينة، يتحمل كل فرد في المجتمع المسلم مسئوليته، ويعرف واجبه نحو غيره
وصلته بأبناء جنسه، قال تعالى : "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر"( 99 ). وفي الحديث : "كلكم راع وكلكم مسئول عن
.( رعيته"( 100
وبذلك كانت العلاقات الاجتماعية والأسرية في المجتمع الإسلامي في عصور طويلة
في غاية الروعة، كيف لا وهي تنبع من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،
فقد جاء التشريع منهما يحض على التعاون والتكافل، قال تعالى : "وتعاونوا على البر
.( والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"( 101
ولذلك تجد ذوي القربى يشد بعضهم أزر بعض، ويحمل قويهم ضعيفهم، ويكفل غنيهم
فقيرهم، وينهض قادرهم بعاجزهم، فإن العلاقات بينهم أشد قوة، وبواعث التعاطف
( والتراحم والتساند أوثق عروة. ( 102
إن هذه الصلة الوثيقة بين ذوي القربى ليست بالغريبة، فبين أولي القربى القرابة
الجامعة والرحم الواصلة، قال تعالى : "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعضه في كتاب
الله( 103 ). وقال صلى الله عليه وسلم: "الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله
97 ) أخرجه الترمذي الحكيم أبو عبدالله في (نوادر الأصول) . )
. 116 ، 98 ) أخرجه الحاآم في المستدرك، آتاب العلم، باب لا یجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً، ج 1، ص 115 )
. 99 ) التوبة : 71 )
100 ) متفق عليه، أخرجه البخاري، في آتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، ج 2، ص 38 ، رقم 893 . ومسلم 33 في آتاب )
.(829) الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل ج 2، ص 1459 ، برقم 20
. 101 ) المائدة : 2 )
. 102 ) القرضاوي، یوسف، مشكلة الفقر وآيف عالجها الإسلام، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1406 ه- 1985 م، ص 55 )
. 103 ) الأنفال : 75 )
الله، ومن قطعني قطعه الله( 104 ). كل ذلك ليظل المجتمع المسلم مترابطًا ومتماسكًا
يشد بعضه بعضًا.
لم يقتصر حرص الإسلام على تقوية الرابطة بين ذوي القربى فحسب، بل اهتم بتقوية
وتمتين البناء الاجتماعي بين الناس كافة، قال الله تعالى : "يا أيها الناس إنا خلقناكم
( من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" ( 105
ولقد جاء تقديم الوالدين على ما سواهما في هذا الشأن، عد ً لا منه ورحمة بالأرحام
ووفاءً وبرًا، قال الله تعالى : "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين
.( إحسانًا"( 106
وفي الحديث : أمك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب، ورحم
.( موصولة"( 107
وتنطلق النصوص من داخل الأسرة الصغيرة لتحيط بالمجتمع بأسره، فبين الجيران
حقوق واجبة: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" ( 108 ) وفي حق
الضيف : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه( 109 ). وفي الصلة بين
الصغير والكبير" من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا"( 110 ). وبين
.( سائر أفراد المجتمع "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا وشبك أصابعه" ( 111
وهكذا تتجلى صلات المجتمع في أبهى صورها .
وحتى يحافظ الإسلام على الوحدة من خلال ذلك التلاقي والانسجام، حرم التفرق
والانقسام، ونهى عن كل ما يفضي إليه؛ فحرم على المسلمين أن يسخر بعضهم من
بعض، أو يتجسس بعضهم على بعض. كما حرم عليهم الغيبة والتحاسد، والتباغض
والتدابر، والتنابذ بالألقاب والسباب. وذلك في قوله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا لا
يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرًا
( منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب"..( 112
.( 104 ) أخرجه مسلم عن حدیث عائشة رضي الله عنها، في آتاب البر والصلة والآداب، ج 4، ص 1981 ، رقم ( 2555 )
. 105 ) الحجرات : 13 )
. 106 ) النساء : 36 )
.5140 ، 351 ، 120 ، باب في بر الوالدین 5 ، 107 ) أخرجه أبو داود 40 في آتاب الأدب 119 )
.( 108 ) متفق عليه، أخرجه مسلم، 45 آتاب البر والصلة 42 باب الوصيلة بالجار والإحسان إليه، ج 3، ص 2025 ، رقم ( 2625 )
.(48) 1353 ، رقم 14 – 109 ) متفق عليه أخرجه مسلم 31 ، آتاب اللقطة، 3 باب الضيافة ونحوها، ج 2، ص 1352 )
.4943 ،233-232 ، 110 ) أخرجه أبو داود، 40 آتاب الأدب 58 ، باب في الرحمة، 5 )
111 ) متفق عليه أخرجه البخاري، 8 آتاب الصلاة، 88 باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ج 8، ص 565 رقم 418 . ومسلم 45 )
.(2585) 15 رقم 65 ، آتاب البر والصلة والآداب 17 باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ج 3، ص 1999
. 112 ) الحجرات : 11 )
وكذلك في سبيل هذه الوحدة قضى الإسلام على الحواجز الجغرافية، والعصبيات
الإقليمية والقبلية وقضى على اختلاف اللغة والجنس واللون، فساوى بين المسلمين
تسوية عامة مطلقة غير مقيدة "يا أيها الناس إّنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم
( شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"( 113
وبذلك قدم الإسلام للحياة البشرية خير أمة أخرجت للناس. وكانت كالبنيان المتماسك،
وفي الحديث: "المسلم للمسلم كالبنيان يضد بعضه بعضًا.." ( 114 )، مما يقوي الوحدة
الإسلامية.
2. المقوم الاقتصادي :
النظام الاقتصادي الإسلامي يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الأفراد، من
خلال تأمين حد أدنى من الاحتياجات المادية بالنسبة لكل إنسان، ليتناسب مع كرامته
ويتوافق مع المرتبة المتميزة التي أرادها الله تعالى له، وذلك عن طريق تحقيق تكافؤ
الفرص، حيث كل امرئ يحصل على حاجاته دون أن يبذل شيئًا من إنسانيته أو
.( كرامته( 115
والإسلام يهيئ الجو الصالح لعمل ينمي الاقتصاد، بل يدعو إليه. قال تعالى : "هو
.( الذي جعل لكم الأرض ذلو ً لا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور"( 116
فالإنسان عليه أن يبذل الجهد لينال شيئًا مما على الأرض أو ما في باطنها من نعم
وأرزاق وأقوات، بكد وعمل "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من
( فضل الله" ( 117
لقد رفع الإسلام من قيمة العمل، وحقر من شأن البطالة والاتكال على الآخرين. قال
صلى الله عليه وسلم : "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده. وإن
( نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" ( 118
إن بذل طاقات العمل التي حباها الله تعالى للإنسان مطلوبة جدًا إذ أنها تدفع عجلة
الاقتصاد الذي يشكل مقومًا جوهريًا في الوحدة الإسلامية، لأن قوى الأمم المعاصرة
. 113 ) الحجرات : 13 )
114 ) متفق عليه، تقدم تخریجه . )
. 115 ) عثمان، عبد الكریم، ص 235 )
. 116 ) الملك : 15 )
. 117 ) الجمعة : 10 )
. 118 ) أخرجه البخاري، 34 آتاب البيوع 15 ، باب آسب الرجل وعمله بيده، ج 4، ص 303 ، رقم 2027 )
تقوم على الاقتصاد. وهذه أمريكا مث ً لا قوتها قائمة على الاقتصاد، وإن مواردها أعظم
الموارد ومصانعها أعظم المصانع، وأصبح اقتصادها أداة من أدوات الحرب على
.( العالم الإسلامي، بل هو أقوى عدة ( 119
وليست الحروب في عالم اليوم في أكثرها إلا تنازعًا على ينابيع الثروة ومصادر
الموارد في الأرض؛ فحيثما كانت اشرأبت إليه الأعناق وتحركت المطامع نحوها
.( وأضحت المغالبة في السر والعلن للاستيلاء على ركائز الأرض ومعادنها ( 120
وبسبب ضعف الوحدة الإسلامية صارت ينابيع الثروة التي في حوزتها وفي أرضها
وفي ملكها موضع تنافس أعدائها بل سخروها ضدها .
إن الدول الإسلامية في حاجة للتعاون فيما بينها قال تعالى : "وتعاونوا على البر
.( والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" ( 121
فالتعاون واجب ديني، وأمر ضروري تقتضيه الظروف الاقتصادية المتشابهة،
والمصالح المشتركة والأوامر الدينية؛ خاصة ونحن الآن في عصر العولمة والتكتلات
الاقتصادية والسياسية. والأمة الإسلامية تمتلك الدعائم الروحية التي تمكنها من
تحقيق التعاون فيما بينها، إذ أن اقتصادها الإسلامي يقوم على أصول تشريعية جدير
.( بأن يقوم عليها صرح الوحدة الإسلامية شامخًا، ومن بين تلك الأصول ( 122
1. إن المال لله والناس مستخلفون فيه .
2. وجوب تأمين الضروريات لكل فرد .
3. تحليل البيع وتحريم الربا والاحتكار .
4. محاربة الطبقية حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء .
5. الحث على الإنفاق ووجوبه إذا دعت الضرورة.
6. إقرار الإرث والوصية لتفتيت الثروة.والحجر على السفهاء الذين يبددون
أموالهم.
ثالثًا: المقوم السياسي والعسكري
1. المقوم السياسي :
إن النظام السياسي في الإسلام من النظم التي جاء بها الإسلام ليضمن تطبيق مبادئه،
وما يدعو إليه من خير ومعروف ومصلحة الناس في الدنيا والآخرة، بإقامة الدين
. 119 ) عثمان، موسى حسن محمد، معالم في الثقافة الإسلامية، ص 32 )
. 120 ) المرجع السابق : ص 33 )
. 121 ) المائدة : 2 )
122 ) المصري، جميل عبدالله محمد، حاضر العالم الإسلامي وقضایاه المعاصرة، ج 1، آلية الدعوة والإعلام المملكة العربية السعودیة، )
. (بلا.ت)، ص 195
وتنفيذ أحكامه، وسياسية الدولة التي رسمها الإسلام( 123 ). إن الرسول صلى الله عليه
وسلم قد أقام وحدة سياسية، وكون دولة كان هو رئيسها. وأجمع المسلمون وأصحاب
الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة من بعده وهم أدرى الناس باتجاهات الإسلام على
أن يؤمّروا عليهم من يرأس الدولة ويخلف الرسول صلى الله عليه وسلم. واتفاق
الصحابة هذا يدل على اقتضاء الشرع لذلك( 124 ). قال تعالى : "يا أيها الذين آمنوا
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"( 125 ). وفي الحديث : "كلكم راع
وكلكم مسؤول عن رعيته... "( 126 )، وقال صلى الله عليه وسلم : "من مات وليس في
.( عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"( 127
واليوم يستوجب منطق الواقع اتحاد الأمة المسلمة خلف إمام واحد يحقق لها قيم
الإيمان والتقوى، ويشيع العدل والأمان، ويخطط لسعادتها ورفاهيتها، من خلال القيام
بالواجبات الشرعية التي يتوقف أداء الكثير منها على وجود إمام المسلمين، وما لم يتم
الواجب إلا به فهو واجب.
إن عدم وجود إمام المسلمين، يؤدي إلى ضعف وحدة المسلمين وتفرقهم وتشتتهم، وها
نحن نشاهد اليوم الآثار الخطيرة التي ترتبت على عدم وجود إمام يوحد الأمة ويلم
شملها من خلال وحدة سياسية جامعة، بالرغم من أنها تمتلك مقومًا سياسيًا مؤه ً لا
للقيام بهذا الدور من خلال المبادئ الإسلامية التي يرتكز عليها ومن بينها :
أ- الحرية :
إن حرية الإنسان في نظام الإٍسلام تقوم على أساس اعتقادي وهو أن الإنسان أيًا كان
أصله وجنسه ولونه ونسبه ومنزلته الاجتماعية وماله، مخلوق مكرم؛ كرمه الله،
وميزه على سائر المخلوقات( 128 )، قال تعالى : "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر
.( والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضي ً لا" ( 129
ويجب على الحاكم المسلم ألا يحجر حرية الرأي والتعبير على الناس، فالإنسان قد
ولد حرًا ليس له سيد سوى الله تعالى . ولذا كان الواجب أن يعيش الإنسان حرًا
ويموت حرًا. وقد منحه الله الحرية فهو مسؤول أمام الله تعالى عن أفكاره وأحكامه
وأعماله، وفي استطاعته أن يتقبل هدى الله وأمانته أو يتحول عنها. قال تعالى : "فمن
. 123 ) عثمان، عبد الكریم، معالم في الثقافة الإسلامية، ص : 172 )
.172- 124 ) المرجع السابق، ص 166 )
. 125 ) النساء : 59 )
126 ) تقدم تخریجه . )
.(1851) 127 ) أخرجه مسلم، 33 آتاب الإمارة 13 باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، ج 2، ص 1478 ، رقم 58 )
. 128 ) المبارك، محمد، نظام الإسلام الحكم والدولة، دار الفكر، 1409 ه- 1989 م، ص 111 )
. 129 ) الإسراء : 70 )
شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"( 130 ). ولا يتحقق معنى هذه الآية إلا على أساس التسليم
بالحرية الإنسانية.
فالحرية قيمة أساسية بالنسبة للإنسان وليس في المجال السياسي فحسب، بل في جانب
العقيدة. فلم يكره أحد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بعده على اعتناق
الإسلام ( 131 ). وقد جاءت آيات كثيرة تؤكد هذا المعنى. قال تعالى : "لا إكراه في
الدين قد تبين الرشد من الغي" ( 132 ). وقال تعالى : "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم
.( بمصيطر" ( 133
إن الحرية السياسية تعني حرية الرأي والتعبير عنه حتى لو كان للنظام الحاكم
وسدنته. وفي الحديث : "الدين النصيحة. قلنا لمن يا رسول الله؟ قال : لله وكتابه
ولرسوله ولأمة المسلمين وعامتهم" ( 134 ). وهذا التناصح ليس من قبل الرعية فحسب
بل الحاكم كذلك ينبغي له أن ينصح رعيته. والرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا
.( ذلك: "ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة" ( 135
ولقد وفرت الدولة الإسلامية منذ أول نشأتها من الحريات السياسية ما لم يحجر على
الفرد التعبير عنه( 136 ). وها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يضرب المثل في
تمكينه للرعية من حريتها بقوله : "إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت
فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".وعمر الفاروق رضي الله عنه وقف يومًا يخطب
الناس فقال : "يا أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجًا فليقومه" فقال رجل من
الحاضرين : "والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا" فما كان من عمر الفاروق
صلى الله عليه وسلم إلا أن حمد الله وأثنى عليه وقال : الحمد لله الذي جعل في الأمة
من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه إذا اعوجّ" ( 137 ). تلكم هي قيمة الحرية في الأدب
السياسي الذي أرساه الإسلام، وهذا من شأنه التمكين للوحدة وإقناع الكثيرين حتى من
غير المسلمين للاهتداء إلى الإسلام.
ب- الشورى
لقد عني الإسلام في نظامه السياسي عناية خاصة بمبدأ الشورى، ذلك أن أي حكم
صحيح يتعذر عليه تحقيق العدالة في غيابها. وقد جاءت نصوص القرآن صراحة
. 130 ) الكهف : 29 )
. 131 ) مرسي، سيد عبد الحميد، الدین للحياة ط 1، الأزهر، دار التوحيد النموذجية للطباعة والجمع الآلي، 1406 ه 1986 ،م، ص 291 )
. 132 ) البقرة : 256 )
. 133 ) الغاشية: 21 )
.(55) 134 ) أخرجه مسلم، آتاب الإیمان 23 باب بيان أن الدین النصيحة، ج 1، ص 74 ، رقم 95 )
. 127 ، رقم 7150 - 135 ) متفق عليه، أخرجه البخاري، 93 آتاب الأحكام 8 باب من استرعى رعية فلم ینصح، ج 13 ص 126 )
. 136 ) قطب، سيد ، في ظلال القرآن، ص 291 )
137 ) الصاوي، صلاح، المحاورة، مساجلة فكریة حول تطبيق الشریعة الإسلامية، ط 2، القاهرة – دار الإعلام الدولي، 1413 ه- 1993 م، )
. ص 66
تحض على مشاورة المسلمين فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: "وشاورهم في
الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله" ( 138 ). والشورى صفة لازمة للمؤمنين المصدقين
المستجيبين لله، قال تعالى : "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى
. بينهم ومما رزقناهم ينفقون" 139
إن أمر الشورى لم يكن أمرًا نظريًا فقط، فقد طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في
حياته العلمية، كما طبقت من بعده أوسع تطبيق. وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
غنية باستشارته لأصحابه في معظم الأمور، ما لم ينزل فيها وحي من الله أو ينص
عليها القرآن. والقرآن بهذا قد سبق في تقريره لمبدأ الشورى جميع الأنظمة والمذاهب
. ( الأخرى( 140
والإسلام حينما أقر مبدأ الشورى في مبدأ الحكم وألزم به ومنع الاستبداد والتصرف
الفردي وحرمه، ترك للبشر تحديد طريقته وأسلوبه، توسعة عليهم مراعاة لاختلاف
.( الأحوال والأزمان( 141
ج. المساواة :
المساواة من أوضح الحقوق في الإسلام، ولا سيادة على البشر، ولا سلطان عليهم إلا
لله سبحانه وتعالى. فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وكرمه على سائر المخلوقات.
وجاء الإسلام وقرر وحدة الجنس البشري في المنشأ والمصير، وفي المحيا والممات،
قال تعالى : "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى"( 142 ). وكذلك
المساواة في الحقوق والواجبات، فالكل سواسية أمام الله في العقيدة والقانون، في الدنيا
.( والآخرة، لا فضل إلا بالعمل الصالح( 143
إن أفراد المجتمع الإنساني لا يفرقهم مال ولا نسب ولا أصل ولا لون لقد جاء في
القرآن الكريم: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل
لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"( 144 ). وفي الحديث "يا أيها الناس، إن ربكم واحد،
وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم. ليس لعربي على
. 138 ) آل عمران : 159 )
. 139 ) الشورى : 38 )
140 ) عثمان، عبد الكریم، معالم الثقافة الإسلامية، ط 11 ، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1405 ه - 1984 م، ص 179 . المبارك، محمد، نظام )
. الإسلام، الحكم والدولة، ص 34
. 141 ) المرجع السابق ، ص 35 )
. 142 ) طه : 55 )
. 143 ) مرسي، عبد الحميد، الدین للحياة، ص 189 )
. 144 ) الحجرات : 13 )
عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل
( إلا بالتقوى".( 145
وإن قولة الخليفة عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم، الشهيرة للمساواة بين الناس
تظل باقية بقوتها، وذلك عندما اشتكى له أحد المصريين من وإلى مصر، عمرو بن
العاص، فقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مخاطبًا والي مصر : ".. متى
.( استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا" ( 146
إن هذه المساواة في الدولة الإسلامية تشمل غير المسلمين كذلك، لأن الإسلام يقرر
أنه لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ما لم يبادئونا بالعداء .
د. العدالة :
العدالة ركن أساسي في نظام الحكم الإسلامي ومبدأ ملازم له وقد وردت الآيات في
كتاب الله العزيز تحض عليها وتأمر بها. قال تعالى : "إن الله يأمر بالعدل والإحسان
.( وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" ( 147
وقال تعالى : "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن
( تحكموا بالعدل......" ( 148
والعدالة في الإسلام مفهوم ينبثق من أسس روحية وأخلاقية وهو ذو طابع شمولي،
ويرتفع بالإنسان فوق نفسه وشهواته. ولا ينحصر معنى العدالة في القصاص
والمساواة أمام القانون فحسب، ولكنه يتعدى ذلك إلى مضمون العدالة الاجتماعية التي
طبقها الإسلام منذ نشأته وأصبحت الآن مفهومًا جديدًا بالنسبة لكل النظم السياسية
.( الحديثة ( 149
ولقد ضرب لنا الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في الحرص على تحقيق
العدالة. ويتجلى ذلك في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، وجاء أسامة بن زيد
رضي الله عنه من قبل ذويها ليشفع في تنفيذ حد السرقة المنصوص عليه في كتاب
الله عز وجل "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكا ً لا من الله والله
عزيز حكيم" ( 150 ). فغضب رسول الله صلى لله عليه وسلم لذلك، ثم قام فخطب عليه
. 145 ) مسند أحمد، ج 5، ص 411 )
146 ) رواه ابن الجوزي من مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، تحقيق زینب إبراهيم القاروط، ط 3، بيروت، دار الكتب العلمية، )
. 1407 ه- 1987 م، من حيث أنس بن مالك، ص 99
. 147 ) النحل : 90 )
. 148 ) النساء : 58 )
. 149 ) مرسي، سيد عبد الحميد، الدین للحياة، 295 )
150 ) المائدة : 38 )
السلام وقال : "يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف
تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت
( لقطع محمد يدها"( 151
وقيل إن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قاضاه رجل يهودي أمام عمر بن
الخطاب رضي الله عنه، فخاطبه عمر بقوله : "اجلس يا أبا الحسن". فبان الغضب
على وجه علي، فقال عمر: أأنت، غاضب لأن خصمك يهودي!؟" فردّ عليه علي:
"كلا ولكنك كنيتني وفي التكنية تفضيل، فخفت أن يقال إن العدل قد ضاع عند
.( المسلمين( 152
إن قيمة العدل الرفيعة هذه للناس كافة مسلمين وغيرهم، وهذا يدل على القيم السامية
التي حواها نظام الإسلام السياسي. وقال نظمي لوقا( 153 ): "ما أرى شريعة أدعى
للإنصاف ولا أنفى للإجحاف والعصبية من شريعة تقول : "ولا يجرمنكم شنآن قوم
على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى( 154 ). فأي إنسان بعد هذا يكرم نفسه وهو
.( يدينها بمبدأ دون هذا المبدأ أو يأخذها بدين أقل منه تساميًا واستقامة" ( 155
( 2. المقوم العسكري ( 156
إن إعداد القوة في الإسلام شرع لحماية الدين ورد العدوان، قال تعالى : "وأعدوا لهم
ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم....." ( 157 ). وأول
.( مهام هذه القوة ( 158
أ- تأمين الذين يختارون رابطة العقيدة فلا يصدون عنها ولا يفتنون كذلك بعد
اعتناقها .
ب- إرهاب أعداء الإسلام حتى لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي
والاعتداء على ديار المسلمين وتفريق وحدتهم .
ج- تحطيم كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية، فتحكم الناس بشرائعها
وسلطانها متجاوزة بذلك روابط الوحدة الإسلامية ومقوماتها.
.( 151 ) متفق عليه، أخرجه البخاري، 60 آتاب أحادیث الأنبياء، ج 6، ص 513 رقم ( 3475 ) ، ومسلم حدیث، رقم ( 1688 )
. 152 ) مرسي، سيد عبد الحميد، الدین للحياة، ص 295 )
153 ) أحد المهتدین للإسلام. )
. 154 ) المائدة : 8 )
155 ) خليل، عماد الدین، قالوا عن الإسلام، الندوة العلمية للشباب الإسلامي، ط 1، الریاض، المملكة العربية السعودیة، 1421 ه - 1992 م، )
. ص 207
156 ) أي الجهادي . )
. 157 ) الأنفال : 60 )
. 158 ) قطب، سيد، في ظلال القرآن، ط/ الشرعية العاشرة م 3، بيروت، القاهرة، دار الشروق، 1402 ه، 1982 م، ص 1453 )
ولولا أمر الله بإعداد تلك القوة وقتال المشركين لهدمت صوامع الرهبان، وبيع
النصارى،ومعابد اليهود. ولولا دفع الله عن المسلمين بالمجاهدين لانقطعت الصلوات
في المساجد لهدمها "على قداستها وتخصيصها لعبادة الله، ولا يشفع لها في نظر
الباطل أن اسم الله يذكر فيها. ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض أي دفع
حماة العقيدة والوحدة الإسلامية لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها، ويعتدون على أهلها،
ويفرقون وحدة صفها. فالباطل متبجج، ولا يكف ولا يقف عن العدوان؛ إلا أن يدفع
بمثل القوة التي يصول بها ويجول. ولا يكفي الحق أنه الحق ليقف عدوان الباطل
عليه! بل لا بد من قوة تحميه وتدفع عنه. وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو
.( الإنسان"( 159
ولتعلم الأمة الإسلامية "إن الله سبحانه وتعالى لو شاء لهزم أعداءها بالكلام والتفل في
وجوههم، بحفنة من تراب، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنه أراد أن يبتلى
بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ" ( 160 )؛ فواجب الأمة الإسلامية
التراص لحماية وحدتها وعقيدتها حتى ينطلق دين الله لتحرير المستضعفين منها
"ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين
يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا اجعل لنا من
.( لدنك نصيرًا" ( 161
،( ذلك أن المسلمين أمة واحدة "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" ( 162
وجسد واحد يتألمون لألم بعضهم بعضًا ويتآزرون، وفي الحديث الذي رواه أبو
هريرة، "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه
عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"( 163 ). وكذلك "المسلم للمسلم كالبنيان
.( يشد بعضه بعضًا وشبك أصابعه"( 164
لا بد للأمة المسلمة أن تأخذ حذرها وتعلم أن طواغيث الأرض أن يدعوها لتتوحد
حتى تنطلق وتتمكن في الأرض، فيكون لها السلطان والمنطلق المؤيد بنور الحق.
فستجد قوى الباطل لتتصدى لقوى الحق "يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم
.( نوره ولو كره الكافرون" ( 165
. 159 ) قطب، سيد، في ظلال القرآن، ص 2425 )
. 160 ) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 8، ص 35 )
. 161 ) النساء : 75 )
. 162 ) الأنبياء : 92 )
.438/ 163 ) رواه البخاري، متن فتح الباري، 10 )
164 ) متفق عليه أخرجه البخاري في آتاب الصلاة، حدیث رقم ( 467 )، ج 1، ص 182 . مسلم في آتاب البر والصلة والآداب، حدیث رقم )
. 2582 ). ج 4، ص 1999 )
. 165 ) الصف : 8 )
ومع هذا فلا بد للحق أن يمضي في طريقه مهما كانت وعورة هذا الطريق ولا ينثني
.( عنه ليدع للباطل طريقًا "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا" ( 166
وإن انثنى الحق فلا بقاء لهذه الأمة الإسلامية الواحدة التي تتداعى عليها الأمم. كما
جاء في الحديث فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول لثوبان : "كيف بك يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم كتداعيكم على
قصعة ( 167 ) الطعام تصيبون منه" . قال ثوبان "بأبي أنت وأمي يا رسول الله! من قلة
بنا؟" قال : "لا أنتم يومئذ كثير، ولكن يلقى في قلوبكم الوهن" قالوا: وما الوهن يا
.( رسول الله ؟ قال : "حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال" ( 168
وأمة الإسلام إن أرادت أن تحيا في ظل الوحدة الإسلامية عزيزة مكرمة، فعليها أن
تسعى لوحدة متراصة لجيشها وتقوم بالتدابير والإعداد والتهيئة اللازمة له؛ وتستجيب
عند كل هيعة( 169 ). وكذلك لا بد لهذه الأمة من أن تحي فريضة الجهاد، وتتخلص من
حب الدنيا، وتقدم على لقاء الله تشوقًا، تتأسى في ذلك بسيد المجاهدين وقائد الغر
المحجلين محمد صلى الله عليه وسلم، الذي اقتفى أثره المجاهدون الأولون من
صحابته المكرمين ومن تبعهم بإحسان .
وإن نصر الله لآت، ولكن "للنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه
وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه( 170 ). "ولينصرن الله من ينصره إن
الله لقوي عزيز"( 171 ). "وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم"( 172 ) ومهما تكالب
الأعداء وكاد الكائدون، فمعية الله مع المؤمنين. قال تعالى : "إّنا لننصر رسلنا والذين
آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"( 173 ). ولا عزة ولا تمكين للوحدة الإسلامية
دون إحياء فريضة الجهاد.
. 166 ) الإسراء : 81 )
167 ) إناء . )
.( 168 ) أخرجه أبو داود، حدیث رقم ( 40297 )
169 ) استنفار )
.( 170 ) قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 4، ص ( 2427 )
. 171 ) الحج : 40 )
. 172 ) آل عمران : 126 )
. 173 ) غافر : 51 )
الخاتمة :
أو ً لا : النتائج
1. الإسلام ورث الأمة الإسلامية رؤية نافذة في إقامة الوحدة الإسلامية وبناء
صرحها الشامخ .
2. الفكرة والاعتقاد الراشد أساس متين للوحدة الإسلامية وتلتقي عنده فطرة الإنسان
السليمة.
3. العبادة غاية الوجود الإنساني بأسره، وتحمل في طياتها وحدة الشعار والمشاعر
ولها دور كبير في توحيد الأمة المسلمة وتماسكها .
4. الإسلام وحد مصائر المسلمين وفق نهج واحد بدعائم ثابتة تقوى الوحدة
الإسلامية.
5. تقوم الوحدة الإسلامية على روابط ومقومات جوهرية هي : المقوم الدعوى،
والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والعسكري.
ثانيًا: التوصيات
حتى تعود الأمة إلى مجدها التليد ووحدتها الإسلامية فإنّ الأمل معقود عليها أن
تخلص في العمل لتمتين روابط ومقومات الوحدة الإسلامية عن طريق :
1. الاهتمام بإصلاح العقائد :
• بدعوة الناس إلى التوحيد السليم ونفي السلبيات والشبهات عن عقيدة الإسلام .
• يجعل العقيدة الصافية مدارًا لحركة الأمة وتوحيدها .
• باعتماد الدين الإسلامي منهجًا مخلصًا للأمة مما هي فيه .
2. الجماعة، وتحقق من خلال :
• الدعوة إلى العمل الجماعي وإحياء فقه ومحاربة النظرة الفردية.
• العمل على وحدة الجماعات الإسلامية ونبذ الاختلاف بالالتزام الصارم بآداب
الإسلام عند الاختلاف .
• العمل على اتحاد الأمة المسلمة حول قيادة سياسية واحدة تقيم الدين وتسوس
الدنيا.
• العمل على وحدة جيش المسلمين وتهيئته لحمياة بيضة الإسلام ومبادئه
السامية.
3. التربية والتزكية التي تنمو :
• بذكر الله وخشيته .
• بالتأسي الفعلي والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم .
• بالالتزام القوي بتعاليم الدين وتقديم القدوة الحسنة .
4. التنظيم والتخطيط من خلال :
• وضع خطط علمية وعملية لتمكين الدين .
• الدعوة إلى تنظيم عمل إسلامي فاعل ويقظ .
• الحث على الحركة والدعوة إلى المعروف وبيان أحكام الدين .
المصادر والمراجع
1) القرآن الكريم.
2) ابن أبي العز الحنفي، صدر الدين علي بن علي بن محمد، تحقيق احمد شاكرن شرح
الطحاوية في العقيدة السلفية، الرياض، وزارة الشئون الاسلامية والأوقاف والدعوة
والإرشاد، 1418 ه.
3) أبو زهرة، محمد، الوحدة الإسلامية، دار الرائد العربي، بدون بلد النشر وغيره.
4) أبو يحيى، محمد وآخرون، الثقافة الإسلامية ثقافة المسلم وتحديات العصر، ط 1، الأردن،
دار المناهج للنشر والتوزيع، 1420 ه - 2000 م.
5) برغوث، الطيب، منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في حماية الدعوة والمحافظة على
،( منجزاتها خلال الفترة المكية، المعهد العالي للفكر الإسلامي، سلسلة الرسائل الجامعية، ( 17
المنهجية الإسلامية، (بلا.ت).
6) الترابي، حسن، الصلاة عماد الدين، ط 2، جدة، الدار السعودية للنشر والتوزيع، 1404 ه -
1984 م.
7) خليل، عماد الدين، قالوا عن الإسلامية، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ط 1، الرياض،
المملكة العربية السعودية، 1421 ه - 1992 م.
8) السيوطي، قرآن كريم، تفسير وبيان مع أسباب النزول، مع فهارس كاملة للمواضيع والألفاظ،
دمشق، بيروت، دار الرشيد، (بلا، ت).
9) الصاوي، صلاح، المحاورة، مساجلة فكرية حول تطبيق الشريعة الإسلامية، ط 2، القاهرة،
دار الإعلام الدولي، 1413 ه - 1993 م.
10 ) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، بيروت، لبنان، دار
الكتب العلمية، (بلا، ت).
11 ) عبد الظاهر، حسن عيسى، بحوث في الثقافة الإسلامية، ط، الدوحة، ط 1، الحكمة،
1414 ه - 1993 م.
12 ) عبد الظاهر، حسن عيسى، فصول في الدعوة والثقافة الإسلامية، ط 1، الكويت، دار القلم،
1401 ه - 1981 م.
13 ) عبد العزيز، أمير، دراسات في الثقافة الإسلامية، مدخل الى الدين الإسلامي، بيروت، دار
الكتاب العربي، 1399 ه - 1979 م.
14 ) عثمان، عبد الكريم، معالم الثقافة الإسلامية، ط 11 ، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1405 ه -
1984 م.
15 ) عثمان، موسى حسن محمد، معالم في الثقافة الإسلامية، جامعة أم درمان الإسلامية، (بلا،
ت).
16 ) العرماني، محمد زين الهادي، منهاج الحياة في الإسلام، ط 5، الرياض، دار العاصمية،
1408 ه.
17 ) القرضاوي، يوسف، مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، بيروت، مؤسسة الرسالة،
1406 ه - 1985 م.
18 ) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، ط 3، الهيئة
المصرية العامة للكتاب، 1987 م.
19 ) قطب، سيد، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، ط 8، بيروت، دار الشروق، 1403 ه
1983 - م.
20 ) قطب، سيد، في طلال القرآن، طبعة الشريعة العاشرة، بيروت والقاهرة، دار الشروق،
1402 ه - 1982 م.
21 ) قطب، محمد، لا إله إلا الله، عقيدة وشريعة ومناهج حياة، ط 3، القاهرة، دار الشروق،
1414 ه - 1993 م.
22 ) كمال، يوسف، مستقبل الحضارة، ط 2، المنصورة دارة الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع،
1408 ه - 1987 م.
23 ) المبارك، محمد، نظام الإسلام، الحكم والدولة، دار الفكر، 1409 ه - 1988 ه.
24 ) مرسي، سيد عبد الحميد، الدين للحياة، ط 11 ، الأزهر، دار التوحيد النموذجية، للطباعة
1986 م. – الجمع الآلي، 1406
25 ) المصري، جميل عبد الله محمد، حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة، ج 1، كلية
الدعوة والإعلام، المملكة العربية السعودية، (بلا، ت).