Advertisement

الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون002



الكتاب: الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون
المؤلف: حسن علي الشاذلي
الناشر: دار الكتاب الجامعي
الطبعة: الثانية
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] مسعود والنخعي والزهري وعكرمة والليث والثوري وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية" إلا أن ابن مسعود والنخعي والحنفية والحنابلة يرونها كما جاءت في حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن مخاض ذكرا" رواه الخمسة، وقال ابن ماجه في إسناده عن الحجاج: حدثنا زيد بن جبير، قال أبو حاتم الرازي: الحجاج يدلس عن الضعفاء، فإذا قال: حدثنا فلان، فلا يرتاب به1.
ويرى الفقهاء الآخرون أنها أخماس أيضا إلا أنهم جعلوا مكان بني مخاض بني لبون، استنادا إلى ما روي في بعض طرق هذا الحديث أنها عشرون بنو لبون مكان قوله: عشرون ابن مخاض، وإلى ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قصة القسامة أنه ودى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة، وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض2.
وقال ابن قدامة في ترجيح الأخذ بحديث ابن مسعود "رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، ولأن ابن لبون يحب على طريق البدل عن ابنة
__________
1 راجع: سبل السلام ج3، ص328، ونيل الأوطار، فقد أفاض في تخريج الحديث ج7، ص77، وانتهى إلى صحة وقفه على ابن مسعود رضي الله عنه.
2 وهذا الحديث أخرجه أيضا البزار والبيهقي، وأخرجه الدارقطني وقال: "عشرون بنو لبون" مكان قوله: "عشرون ابن مخاض"، ورواه من طريق أبي عبيدة موقوفا على عبد الله بن مسعود "أبيه" وقال: هذا إسناد حسن، وضعف الأول من أوجه عديدة، وتعقبه البيهقي قائلا: إن الدارقطني وهم فيه، والجواد قد يعثر، وإن جعله لبني اللبون غلط منه، ثم قال: والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن مسعود، والصحيح عن عبد الله أنه جعل أحد أخماسهما بني المخاض لا كما توهم شيخنا الدارقطني رحمه الله تعالى.
(1/397)

مخاض في الزكاة إذا لم يجدها، فلا يجمع بين البدل والمبدل في واجب، ولأن موجبهما واحد فيصير كأنه أوجب أربعين ابنة مخاض، ولأن ما قلناه "أي دفع ابن مخاض لابن لبون" هو الأقل "لأن ابن المخاض ما دخل في الثانية من عمره، وابن اللبون ما دخل في الثالثة"، فالزيادة عليه لا تثبت إلا بتوقيف يجب على من ادعاه الدليل، فأما دية قتيل خبير فلا حجة لهم فيه؛ لأنهم لم يدعوا على أهل خيبر قتله إلا عمدا، فتكون ديته دية العمد، وهي من أسنان الصدقة، والخلاف في دية الخطأ"1.
الفرع الثاني: العاقلة:
العقل لغة: الحجر -أي المنع- والنُّهى -بضم الميم مع تشديدها جمع نهية- أي أداة التفكير التي تميز الإنسان عن الحيوان، والعقل أيضا: الدية، وعقل القتيل: أعطى ديته، وعقل له دم فلان: إذا ترك القود للدية، وعقل عن فلان: غرم عنه جنايته، وذلك إذا لزمته دية فأداها عنه "وباب الكل: ضرب".
والعاقلة: جمع عاقل، وهو دافع العقل أي الدية، وسمي دافعو الدية بالعاقلة، إما لأنهم يعقلون "يقيدون" الإبل -المقدمة دية- بفناء ولي المقتول، أو لأنهم يمنعون عن القاتل الأضرار من قصاص أو دية.
من تجب عليه الدية في القتل الخطأ: للفقهاء رأيان فيمن تجب عليه هذه الدية:
أولهما: يرى جمهور الفقهاء أن دية الخطأ على العاقلة، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، ومنها
__________
1 الشرح الكبير ج9، ص496 ط1.
(1/398)

ما روي عن أبي هريرة أنه قال: "قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة، عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها، وما روي عن ابن عباس في قصة حمل ابن مالك قال: فأسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا، وماتت المرأة، فقضى على العاقلة بالدية"1.
ولا شك أن إيجاب الدية هنا على العاقلة جاء على خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات؛ حيث يقول الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} 2، وقال أيضا: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 3، وإنما وجب هنا على العاقلة لا لأن وزر القاتل عليهم، ولا تغليظا وتشديدا عليهم، ولكنه من قبيل المواساة المحضة لإنسان أخطأ، ولم يقصد جناية4.
__________
1 راجع نيل الأوطار ج7، ص69.
2 سورة المدثر الآية رقم 38.
3 سورة الأنعام الآية رقم 164.
4 وأجمع أهل العلم على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة واختلفوا في الثلث إلى رأيين؛ الأول: يرى جمهور العلماء "الحنفية والمالكية والحنابلة والزيدية والإمامية" أن العاقلة لا تحمل عمدا ولا صلحا ولا اعترافا، ولا تحمل من دية الخطأ إلا ما جاوز الثلث، وما وجب من الدية وكان دون الثلث فهو في مال الجاني. والثاني: يرى أن عقل الخطأ على عاقلة الجاني، قلت الجناية أو كثرت؛ لأن من غرم الأكثر غرم الأقل، كما أن فعل العمد في مال الجاني قل أو كثر "وهذا قول الشافعي".
وأجمع أهل السير والعلم أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة، ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل عمر الديوان، واتفق على رواية ذلك والقول به.
وأجمعوا على أنه لم يكن في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان وجمع بين الناس أو جعل أهل كل ناحية يدا واحدة، وجعل عليهم قتال من يليهم من عدوهم.
(1/399)

وثانيهما: حكي في البحر عن الأصم وابن علية وأكثر الخوارج: أن دية الخطأ في مال القاتل ولا تلزم العاقلة، وقد يستدل لهم بقوله تعالى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه" رواه النسائي، وقال أبي رمثة حين دخل عليه ومعه ابنه: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه"، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} رواه أحمد وأبو داود، والعقل أيضا يمنع أخذ الإنسان بذنب غيره.
الترجيح: والرأي الأول هو الصحيح لورود آثار كثيرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في إيجاب دية الخطأ على العاقلة -وقد ذكرنا بعضا منها آنفا- وأما قوله تعالى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فلا دلالة فيه على نفي وجوب الدية على العاقلة؛ لأن الآية إنما نفت أن يؤخذ الإنسان بذنب غيره، وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني إنما الدية "عند الحنفية وكذا الشافعية على الأصح" على القاتل، وأمر هؤلاء القوم بالدخول معه في تحملها على وجه المواساة له من غير أن يلزمهم ذنب جنايته.. وكان ذلك مما يعد من جميل أفعالهم ومكارم أخلاقهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فهذا فعل مستحسن في العقول، مقبول في الأخلاق والعادات.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة
(1/400)

أخيه" "ولا يجني عليك ولا تجني عليه" فإنه لا ينفي وجوب الدية عن العاقلة على هذا النحو الذي ذكرناه من معنى الآية من غير أن يلام على فعل الغير، أو يطالب بذنب سواه.
وقد أضاف الكاساني وجها لطيفا في الجمع بين النصوص فقال: وأما قوله تعالى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فنقول بموجبها، لكن لم قلتم: إن الحمل على العاقلة أخذ بغير ذنب؟ فإن حفظ القاتل واجب على عاقلته، فإذا لم يحفظوا فقد فرطوا، والتفريط منهم ذنب، ولأن القاتل إنما يقتل بظهر عشيرته، فكانوا كالمشاركين له في القتل1.
وأيضا فإن وجوب الدية على العاقلة له وجوه سائغة مستحسنة في العقل:
أحدهما: أنه جائز أن يتعبد الله تعالى بإيجاب المال عليهم لهذا الرجل من غير قتل كان منه، كما أوجب الصدقات في مال الأغنياء للفقراء.
والثاني: أن وضع الدية على العاقلة إنما هو على النصرة والمعونة؛ ولذلك أوجبها الحنفية على أهل ديوان القاتل دون أقربائه؛ لأنهم أهل نصرته، ألا يرى أنهم يتناصرون على القتال والحماية والذود عن الحريم، فلما كانوا متناصرين في القتال والحماية أمروا بالتناصر والتعاون على تحمل الدية؛ ليتساووا في حملها كما تساووا في حماية بعضهم بعضا.
الثالث: أن في إيجاب الدية على العاقلة زوال الضغينة والعداوة من بعضهم لبعض إذا كانت قبل ذلك، وهو داعٍ إلى الألفة وزوال ذات البين، ألا ترى أن رجلين ولو كانت بينهما عداوة فتحمل أحدهما عن صاحبه ما قد لحقه لأدى ذلك إلى زوال العداوة وإلى الألفة.
والرابع: أنه إذا تحمل عنه جنايته حمل
__________
1 البدائع ج7، ص255.
(1/401)

القاتل أيضا عنه جنايته إذا جنى، فلم يذهب حمله للجناية ضياعا.
والخامس: أن جنايات الخطأ تكثر بين الناس، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، وقد يستأصل كل أمواله، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له تخفيفا عنه إذا كان معذورا في فعله "وينفرد هو بالكفارة" وبهذا فارق ضمان المال فإنه لا يكثير عادة، فلا تقع الحاجة إلى التخفيف، وما دون نصف عشر الدية حكمه حكم ضمان الأموال1.
من تجب عليه الدية في الجناية خطأ ابتداء:
اختلف الفقهاء أيضا فيمن تجب عليه الدية في الجناية خطأ ابتداء، كما اختلفوا في اشتراك الجاني مع العاقلة في دفع الدية، ونوضح آراءهم في كلا النقطتين:
أ- من تجب عليه الدية ابتداء: للفقهاء رأيان فيمن تجب عليه الدية ابتداء:
أولهما: يرى الحنفية والشافعية "على الأصح" أن دية الخطأ تجب ابتداء على القاتل، واستدلوا بأن قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} معناه: فليحرر رقبة وليؤد دية، وهذا الخطاب موجه إلى القاتل لا إلى العاقلة، وهذا يدل على أن الوجوب على القاتل ابتداء، وأيضا لأن سبب الوجوب هو القتل، وأنه وجد من القاتل لا من العاقلة، فكان الوجوب عليه لا عليها، وإنما العاقلة تتحمل دية واجبة على القاتل.
__________
1 أحكام القرآن للجصاص ج1 ص272-274.
(1/402)

وثانيهما: يرى كثير من الفقهاء "الشافعية في مقابلة الأصح" والحنابلة والظاهرية والإمامية وهو قول الأوزاعي والحسن بن حي وأبو سليمان: أن الدية تجب على العاقلة ابتداء، ولا تجب على القاتل؛ وذلك لما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد حكم بالدية على عصبة القاتلة، كما في حديث أبي هريرة: قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها.
ومن طريق مسلم بسنده عن المغيرة بن شعبة وذكر الحديث، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسجع كسجع الأعراب" وجعل عليهم الدية، ثم يقول ابن حزم: فهذا نص حكم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ببراءة الجانية من الدية جملة، وأن ميراثها لزوجها وبنيها، لا مدخل للغرامة فيه، والدية على عصبتها، وهي ليست عصبة لنفسها، لا في شريعة ولا في لغة، فصح يقينا أنه لا يغرم الجاني من دية النفس ولا من الغرة شيئا.
ب- اشتراك الجاني مع العاقلة: وللفقهاء ثلاثة آراء في ذلك:
أولها: يرى الحنفية والمالكية اشتراك الجاني مع العاقلة من الابتداء إلى الانتهاء؛ وذلك لأن العاقلة إنما أمرت بالدخول مع القاتل في تحمل الدية على سبيل المواساة له من غير أن يلزمهم ذنب الجناية -كما بينا آنفا- فلا أقل من أن يشاركهم في أدائها.
ثانيها: يرى الشافعية "على الأصح" والزيدية: أنها تجب على الجاني في الانتهاء، وذلك أنه عند فقد العاقلة -عند الزيدية- تكون في مال الجاني، وعند فقد العاقلة وعدم وجود بيت المال أو عدم انتظامه تكون في مال الجاني -عند الشافعية- لكن قبل ذلك لا يشترك في أدائها مع العاقلة.
(1/403)

ثالثها: يرى الحنابلة والشافعية "في مقابل الأصح" والإمامية والظاهرية: أنها لا تجب عليه ابتداء، وكذا انتهاء، مستدلين بالأدلة التي ذكرناها في الرأي الثاني "فيمن تجب عليه الدية" وقالوا أيضا: إن الجاني خطأ لم تلزمه الدية فلا يلزمه بعضها، كما لو أمره بالإمام بقتل رجل يعتقد أنه قتل بحق فبان مظلوما، فلا يلزمه شيء فكذا هنا، ولأن الكفارة تلزم القاتل في ماله، وذلك يعدل قسطه من الدية وأكثر منه، فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية عليه.
الترجيح:
ونرى رجحان الرأي الأول في كلا النقطتين لعدة وجوه:
أولها: أن الآية الكريمة أوجبت في القتل خطأ تحرير رقبة وتقديم الدية، والخطاب هنا موجه إلى القاتل، بدليل أن الكفارة تلزمه وتجب عليه هو فكذلك الدية، والكفارة تجب في ماله فكذا الدية، إلا أن السنة أضافت إلى ذمته ذمة العاقلة مواساة له وإعانة ورفقا بحاله ونظرا إليه.
وثانيها: أن التعاون والتآزر بين أفراد العاقلة يكون أتم إذا اشترك الجاني معهم في دفع الدية، ويتحقق التعاطف والمواساة بين الجانبين.
وثالثها: أن الدية تعويض عن المجني عليه وعقوبة، وهذه العقوبة وإن خففت عن القاتل لعدم قصده إلا أنه ليس من المقبول عقلا إسقاطها عنه جميعها وتكليف غيره بأدائها دونه، مما يؤدي إلى إيغار صدور العاقلة عليه وتغير شعورهم نحوه، وما لا يقبل عقلا يبعد أن يكون مقبولا شرعا.
الفرع الثالث: حقيقة العاقلة:
اختلف الفقهاء في تحديد مدلول العاقلة إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية أن عاقلة الحر هم أهل ديوانه إذا كان
(1/404)

من أهل الديوان، وقد وافقهم المالكية في إحدى الروايتين "وأهل الديوان هم المقاتلة "الجيش" من الرجال الأحرار البالغين الذين كتبت أسماؤهم في الديوان، والديوان هو السجل الذي تدون فيه أسماء المحاربين" تؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين، ومن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته الأقرب فالأقرب على ترتيبت العصبات: الإخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم؛ لأن نصرته بهم، وهي المعتبرة في التعاقل، فإن لم تتسع القبيلة ضم إليهم أقرب القبائل نسبا، وضم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات: الإخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام ثم بنوهم.
الدليل: وقد استدل الحنفية على أن العاقلة هم أهل الديوان بإجماع الصحابة -رضي الله عنهم- على ذلك، فإنه روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانت الديات على القبائل فلما وضع عمر -رضي الله عنه- الدواوين جعلها على أهل الدواوين، وكان ذلك بمحضر من الصحابة -رضي الله عنهم- من غير نكير منهم.
فإن قيل: قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالدية على العاقلة من النسب، فكيف يقبل قول عمر -رضي الله عنه- على مخالفته فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟!! ولا نسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالجواب: أنه ليس بنسخ، بل هو تقرير للنص معنى؛ لأنه لو كان عمر -رضي الله عنه- فعل ذلك وحده لكان الواجب حمل فعله على وجه لا يخالف فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن فعله كان بمحضر من الصحابة -رضي الله عنهم- ولا يظن من عموم الصحابة مخالفة فعله -عليه الصلاة والسلام- فدل هذا على أنهم فهموا أن فعله -صلى الله عليه وسلم- كان معلولا بالنصرة، ولما صارت النصرة في زمانهم بالديوان، نقلوا العقل إلى
(1/405)

الديوان، فلا تتحقق المخالفة، وإنما هو تقرير معنى للنص الوارد، ووجهه أن التحمل من العاقلة كان للتناصر، وقبل وضع الديوان كان التناصر بالقبيلة، كما كان بالحلف وبالولاء وبالعد، وهو أن يعد الرجل من قبيلة، وبعد أن وضع عمر الديوان صار التناصر بالديوان، فصارت عاقلة الرجل أهل ديوانه، وأيضا فإنه لا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين والرقيق1 الدية؛ لأنهم ليسوا من أهل النصرة، مما يؤكد أن فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- معلول بالنصرة، وقد أصبحت النصرة بالديوان2 فيكون أهل الديوان هم العاقلة، فإن لم يكن القاتل ديوانا، كانت عاقلته قبيلته على حسب ما أوردناه آنفا.
الرأي الثاني: قال جمهور الفقهاء "الشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والظاهرية وكذا المالكية في أحد الرأيين": إن العاقلة هم العصبة، وهم القرابة من قبل الأب، الذكور البالغون العقلاء، الأقرب فالأقرب.
وقد استدلوا بأحاديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- منها ما روى جابر -رضي الله عنه- قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على كل بطن عقولة"، ثم كتب: "إنه لا يحل أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه" رواه مسلم وأحمد والنسائي.
والحديث يدل على تحريم أن يتولى رجل ما مولى رجل آخر، وليس المراد بقوله: "بغير إذنه" أنه يجوز3 ذلك مع الإذن، بل المراد التأكيد،
__________
1 سيأتي بيان حكم اشتراك كل طائفة من هؤلاء مع العاقلة عند الفقهاء، وقد اتفقوا على عدم اشتراكهم مع العاقلة، عدا ما قاله الظاهرية من اشتراك الصبيان والمجانين.
2 بدائع الصنائع ج7، ص256.
3 راجع نيل الأوطار ج7، ص80.
(1/406)

كقوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} .
وعن أبي هريرة أنه قال: قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها "رواه مسلم".
كما روي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط، وهي حبلى، فقتلتها، وإحداهما لحيانية، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا نطق واستهل فمثل ذلك بطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسجع كسجع الأعراب"، قال: وجعل عليهم الدية "رواه مسلم"1.
فوجب أن نبدأ في العقل بالعصبة، كما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وألا نتجاوز البطن كما حد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
انعدام العصبة النسبية:
فإن لم توجد العصبة النسبية، فقال الشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية "خلافا للظاهرية": تكون على العصبة السببية فالمعتق -بكسر التاء- ثم عصبته يتحملون الدية؛ وذلك لما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "الولاء لحمة كلحمة النسب"، ولأنهم عصبة يرثون المال إذا لم يكن وارث أقرب منهم فيدخلون في الدية كالقريب، ولا يعتبر أن يكونوا وراثين في الحال، بل متى كانوا يرثون -لولا الحجب- عقلوا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-
__________
1 المحلى لابن حزم ج11ص44، ونيل الأوطار ج7، ص81.
(1/407)

"قضى بالدية بين عصبة المرأة، لا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها"1، ولأن الموالي من العصبات فأشبهوا العصبة النسبية.
الترجيح: نرى رجحان الرأي الأول؛ للأدلة التي ذكروها ولما يأتي:
أولا: لقد كان التناصر في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين الأفراد بعد العقيدة بالقبيلة، والتناصر في القبيلة كان بقرابة الأب، هم العصبة، ولما فتحت بلاد كثيرة ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأصبحت دولة الإسلام تمنح الرعوية الإسلامية لكل من اعتنق الإسلام وبها يباح له التنقل والعيش في المكان الذي يختاره، رحل العرب إلى الأمصار المختلفة ليعملوا ويرشدوا، ورحل العجم إلى بلاد العلم ليغترفوا من تعاليم الإسلام وينموا مواردهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وكانت الأمصار محط رحال الجميع، فأصبحت الأمصار تجمع من المواطنين جموعا لا تربطهم روابط النسب، وإنما تربطهم روابط وعلاقات مختلفة، وهذه العلاقات وتلك الروابط لا يمكن حصرها ولا ضبطها، فمنهم أهل العلم، ومنهم أهل التجارات، ومنهم أهل الحرف ...
ولما كانت تنظيمات الدولة الإسلامية تقضي بتكوين وحدات إدارية، تتحمل كل وحدة منها تبعات ما يلحق بعض أفرادها، فإن جنى شخص منهم جناية خطأ تحملت هذه الوحدة معه دية المقتول، كما سبق أن أوضحنا تخفيفا عنه ومواساة لأهل المقتول، وكانت هذه الوحدة هي "عصبة الرجل"، أيام أن كان القبيلة لا زالت متجمعة في مكان معين
__________
1 مغني المحتاج ج4، ص96، والشرح الكبير ج9، ص516، والتاج المذهب ج4، ص244، والروضة البهية ج2، ص446، المحلى ج11، ص58، وقد أفاض في الأدلة ومناقشتها بما لا يتسع المقام لبسطه هنا.
(1/408)

أما بعد حدوث هذا الانفتاح على الأقطار والشعوب المختلفة، وضعف الترابط بالقبيلة، فقد رأى عمر -رضي الله عنه- أن يضع الدواوين فوضعها، وربط الجماعة التي تعيش في مكان واحد، أو تعيش على بقعة معينة من الأرض برباط دفاعي؛ حيث جعل للمقاتلين منهم سجلا تدون به أسماؤهم وجعل لهم مرتبات وعطايا ورباط اجتماعي؛ حيث جعلهم يتعاقلون الجنايات التي تقع من بعض أفرادهم خطأ، أو شبه عمد، على ما رآه بعض الفقهاء1.
ومن هنا عالج عمر -رضي الله عنه- هذا الوضع على أساس من فهم في النص الوارد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو أنه معلول بالنصرة، فهذا المعنى كان موجودا في عصر الرسالة في العصبة، أما في عصره فقد أصبح التناصر بالديوان.
ثانيا: أن عمر -رضي الله عنه- حين وضع الدواوين وحددها -كما ذكرنا- فإنه لم يهدم فكرة العصبة، بل إنه اعتد بها، طالما كانوا يعيشون في مكان واحد، وضم إليهم غيرهم ممن اقتضت ظروف حياتهم أن يعيشوا معهم، وأن يساكنوهم تلك البقعة من الأرض "الديوان" فكانت هذه المعاشرة رباطا جديدا به تضعف صلته بقرابته الأصلية التي تعيش في مكان بعيد لا تراه ولا يراها، ولا تأخذ على يده إن إراد شرا، ولا يأخذ على يد أحد منهم كذلك، وأصبح الآن في مكان يرتبط فيه مع الآخرين برباط العقيدة أولا، ثم رباط السكنى والمعاشرة ثانيا، ثم الرباط الثالث الذي قرره الشرع -كما فسره عمر- وهو رباط التناصر.
إذن فقول عمر لم يهدم فكرة العصبة نهائيا، وإنما أقام فكرة الديوان لتحتوي العصبة، كما تحتوي من يعاشرونها معاشرة دائمة من الأشخاص
__________
1 تقدم الإيضاح في عقوبة الجريمة شبه العمد.
(1/409)

غير الأقارب؛ لأن رباط التناصر جمع بينهم، ومن هنا نرى رجحان ما ذهب إليه عمر -رضي الله عنه- ومن تبعه من الفقهاء ومنهم الحنفية والمالكية في أحد الرأيين.
ذوو الأرحام والزوج والأصل والفرع:
إذا وجبت الدية على العصبة -إذا لم يكن القاتل ديوانيا بناء على الرأي الأول، أو كانت العاقلة هي العصبة بناء على الرأي الثاني- فهل يدخل في العاقلة ذوو الأرحام والزوج، وكذا الأصل والفرع؟ اختلف الفقهاء في دخول هؤلاء، ونوضح رأيهم فيما يلي:
أولا: ذوو الأرحام والزوج: اختلف الفقهاء في دخولهم في العاقلة إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء أن غير العصبات من الإخوة لأم وسائر ذوي الأرحام والزوج، وكل من عدا العصبات ليسوا من العاقلة، ولعلهم يستندون في هذا إلى أن مدلول العصبة معلوم لغة وفقها1، وإذا كان
__________
1 عصبة الرجل لغة: أبوه وبنوه وقرابته لأبيه، وسموا عصبة لأنهم عصبوا بنسبه؛ أي: أحاطوا به حماية ودفعا عنه، من عصب القوم بفلان: إذا أحاطوا به ... وهو جمع لا مفرد له من لفظه وقياسه عاصب، مثل طلبة وطالب، قال في المغرب: وكأنه جمع عاصب وإن لم يسمع به من العرب، ثم سمي به "أي بالعصبة" الواحد والجمع والمذكر والمؤنث تغليبا، وقالوا في مصدرها: العصوبة.
وتطلق العصبة في اصطلاح الفقهاء على الأقارب من جهة الأب وتسمى عصبة نسبية، وتطلق أيضا على صاحب القرابة الحكمية والتي جاءت بسبب الإعتاق وتسمى عصبة سببية.
(1/410)

معلوما فلا يمكن تجاوزه، ولقد قال ابن قدامة في الشرح الكبير: إنه لا خلاف بين أهل العلم على هذا1، غير أننا وجدنا رأيا مرجوحا للإمامية وهو:
الرأي الثاني: يرى الإمامية -في رأي مرجوح- أن العاقلة هي الورثة لمال القاتل لو قتل، ولا يلزم من لا يرث ديته شيئا مطلقا؛ وقيل: هم المستحقون لميراث القاتل من الرجال العقلاء من قبل أبيه وأمه2.
ومن هذا يتضح لنا أن ذوي الأرحام قد يكونون من العاقلة -بناء على هذا الرأي- إذا كانوا وارثين، أو ممن يستحقون الإرث.
الترجيح: ونرى رجحان الرأي الأول؛ لأن العصبة لا تطلق "كما قلنا" على هؤلاء لا لغة ولا اصطلاحا، وليس للرأي الثاني دليل يستند إليه.
ثانيا: اختلف الفقهاء في الأصل والفرع؛ أي: الآباء والأبناء، هل هم من العاقلة أم لا؟ إلى رأيين:
الرأي الأول: قال أبو حنيفة في رواية عنه ومالك وأحمد في رواية عنه، والإمامية "على غير المشهور": الأصل والفرع يدخلون في العصبة فيكونون من العاقلة؛ وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن عقل المرأة بين عصبتها: من كانوا لا يرثون منها شيئا إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها" رواه أبو داود.
فقد جعل الحديث الدية على العصبة، وعرفهم بأنهم الذين لا يرثون
__________
1 الشرح الكبير لابن قدامة ج9، ص514، 515، والمحلى لابن حزم ج11، ص63.
2 الروضة البهية ج2، ص446.
(1/411)

من الميت إلا ما فضل عن أصحاب الفروض، وهذا يعم الأصل والفرع.
ولأن الأب والابن عصبة فأشبهوا الإخوة فيعقلون معهم، ويؤكد ذلك أن العقل موضوع على التناصر، وهم من أهله، ولأن العصبة في تحمل العقل كهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وآباؤه وأبناؤه أحق العصبات بميراثه، فكانوا أولى بتحمل عقله.
الرأي الثاني: قال الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، والإمامية على المشهور: ليس الآباء والأبناء من العاقلة؛ وذلك لما روى أبو هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى فقتلتها، فاختصموا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه، رواه أبو داود والنسائي. وفي رواية عن جابر بن عبد الله قال: فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دية المقتولة على عاقلتها وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال: عاقلة المقتولة ميراثها لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ميراثها لزوجها وولدها" رواه أبو داود.
قالوا: فإذا ثبت هذا في الأولاد قسنا عليه الوالد؛ لأنه في معناه، ولأن مال ولده ووالده كماله؛ ولهذا لم تقبل شهادتهما له ولا شهادته لهما، ووجب على كل واحد منهما الإنفاق على الآخر إذا كان محتاجا والآخر موسرا، وعتق عليه إذا ملكه، فلا تجب في ماله دية كما لم يجب في مال القاتل1.
الترجيح: والرأي الثاني هو الراجح لصحة الأحاديث المروية عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- التي تثبت أنه لم يحمل عقل المرأة الهزلية لزوجها وولدها، وحمله عصبتها، فدل هذا على أنهما لا يدخلان في العاقلة، وكذا الوالد قياسا، ولعل الحكمة في ذلك أنه نظرا لاختلاط المنافع بين هؤلاء، يكون تحميلهم الدية فيه إجحاف بهم، وتشديد عليهم، والجناية خطأ قد
__________
1 الشرح الكبير لابن قدامة ج9، ص516.
(1/412)

روعي فيها التخفيف، وليس من التخفيف أن يتحمل الجاني -كما هو رأي بعض الفقهاء1- وأن يتحمل أبناؤه وأبوه والزوج الدية مع العاقلة، وهم أسرة واحدة؛ لأن هذا سيؤدي إلى أن يتحملوا مقدارا كبيرا من الدية قد يثقل عليهم، وهذا لا يتناسب مع ما قصد إليه المشرع الحكيم من التخفيف عن الجاني.
تحمل بيت المال عند انعدام العاقلة:
إذا لم يوجد أحد من العاقلة فهل تسقط الدية أم تجب على بيت المال أم على الجاني في ماله؟ ثلاثة آراء:
الرأي الأول: قال جمهور الفقهاء "أبو حنيفة في ظاهر الرواية، والمالكية والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وكذا الإمامية إذا لم يوجد ضامن الجريرة، وهو مذهب الزهري": تجب في بيت المال، وقد استدلوا بما يأتي:
ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ودى الذي قتل بخيبر؛ أي: دفع ديته.
ما روي أن رجلا قتل في زحام في زمن عمر بن الخطاب، فلم يعرف قاتله، فقال علي بن أبي طالب لعمر رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين، لا يطل دم امرئ مسلم "أي لا يهدر" فأدى عمر ديته من بيت المال.
وأيضا لأن بيت المال وارث من لا وارث له، فيجب فيه دية من لا عاقلة له؛ لأن الغرم بالغنم.
__________
1 سيأتي بيان هذا، وترجيح أن يتحمل الجاني مع العاقلة فيما أوجبته جنايته من الدية.
(1/413)

وبناء على هذا الرأي، فإن بيت المال يؤدي الدية كلها عند عدم وجود العاقلة، وكذا يؤدي الباقي إن كان له عاقلة لا تحمل الجميع.
ويؤدي بيت المال هذه الدية دفعة واحدة على الأصح1؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أدى دية الأنصاري دفعة واحدة، وكذلك عمر رضي الله عنه، ولأن الدية بدل متلف فيجب كله في الحال كسائر بدل المتلفات، وإنما أجل على العاقلة تخفيفا عنهم، ولا حاجة إلى ذلك بالنسبة لبيت المال2.
الرأي الثاني: يريد الزيدية أنه إذا لم يكن للجاني عاقلة، أو كانت ولم تف الدية لقلتهم، أو كثرة اللازم، كانت الدية في ماله إن كان له مال يملكه، ثم إذا لم يكن له مال، أو كان له مال ولم يف، لزمت من بيت المال منجمة في ثلاث سنين، ثم إذا لم يكن ثمة بيت مال عقل عنه المسلمون في ثلاث سنين المقيمون في ناحيته، وإلا انتقل إلى أقرب جهة إليها3.
ولم يستدل المذهب لرأيه بأي دليل.
الرأي الثالث: ذكر ابن حزم أن طائفة قالت: إنه لم يكن للجاني عاقلة فإنه لا شيء في جنايته، واستدلوا بما روي عن ابن جريج قال: زعم عطاء أن سائبة من سيب مكة أصابت إنسانا فجاء إلى عمر بن الخطاب، فقال له عمر: ليس لك شيء "قال" أرأيت لو شججته؟ قال: آخذ له منك حقه "قال" ولا تأخذ لي منه، قال: لا، قال: هو إذا الأرقم إن يتركني ألقم وإن يقتلوني أنقم، قال عمر: فهو الأرقم4.
__________
1 وقيل: تؤدى في ثلاث سنين على حسب ما يؤخذ من العاقلة.
2 الشرح الكبير ج9، ص524-252.
3 التاج المذهب ج4، ص345.
4 الأرقم: هو الحية التي فيها سواد وبياض، الأراقم حي من تغلب، وهم جشم. المحلى ج11، ص3.
(1/414)

الترجيح:
والرأي الأول -وهو رأي جمهور الفقهاء- هو الراجح؛ لما ذكرنا من الأدلة التي استند عليها من السنة ومن الأثر ولما يأتي:
1- أن قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا ... } الآية، أوجب الكفارة والدية في كل قتل وقع خطأ، ولم تبين الآية أن الدية إنما تجب عند وجود العاقلة، ولا تجب عند عدمها، بل جعلت الدية واجبة التسليم مطلقا لأهل المقتول خطأ، سواء وجدت العاقلة أو لم توجد.
2- أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد قضى في الجنين بغرة، عبد أو أمة، أو عشر من الإبل، أو مائة شاة، وقد وقع هذا أيضا مجملا ولم يخص حالة دون حالة، فوجب أن تكون الدية حقا لأهل المقتول في جميع الحالات، وجدت العاقلة أم لم توجد.
3- أن الأحاديث التي نظمت دفع الدية في القتل الخطأ مكملة لبعضها ومكونة لحكم تشريعي واحد، فقد وردت أحاديث تبين أن الدية هنا على العاقلة -كما أوضحنا فيما تقدم- كما أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- دفع دية الأنصاري الذي قتل بخيبر من بيت المال، وذلك حيث لم يعرف قاتله.
وكذا قول علي لعمر -رضي الله عنهما- في الرجل الذي قتل في الزحام: "لا يطل دم امرئ مسلم" لا يكون إلا عن مسند ثبت عنده عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولقد أخذ به عمر، وأدى الدية إلى أهل المقتول من بيت مال المسلمين، بل إن عمر -رضي الله عنه- قد كتب إليه أبو موسى الأشعري يستفتيه في الرجل يموت بيننا ليس له رحم، ولا مولى، ولا عصبة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: إن ترك رحما فرحم وإلا فالمولى،
(1/415)

وإلا فلبيت مال المسلمين، يرثونه، ويعقلون عنه1.
فقد صرح عمر في هذا النص بأن بيت المال كما يكون وارث من لا وارث له، كذلك يقوم بدفع دية من لا عاقلة له؛ إذ الغرم بالغنم.
فإن لم يوجد بيت المال أو تعذر الوصول إليه فيمكن أن نأخذ بقول المالكية والشافعية على الأصح: إنها تجب على الجاني في ماله وتنجم عليه على الظاهر؛ لأن القتل خطأ، فهو في هذه الحالة قائم مقام العاقلة "الشرح الكبير للدسوقي ج4، ص251".
مظاهر التخفيف في دفع العاقلة الدية:
راعَى المشرع الحكيم ظروف الجناية من حيث كونها وقعت خطأ، فخفف عن الجاني عبثها وأشرك معه العاقلة، كما راعى ظروف العاقلة؛ حيث إنها لم ترتكب جناية ولم يكن لها اشتراك فعلي في اقتراف الجاني لها فخفف عنها، وقد بدأ التخفيف واضحا في عدة مظاهر:
أولا: إعفاء من لا تمكنهم ظروفهم الطبيعية أو الاجتماعية من دفع الدية:
العاقلة -سواء كانت هي أهل الديوان أم العصابات- قطعة من المجتمع يوجد فيها القوي والضعيف، والصغير والكبير، والقادر والعاجز؛ ولذلك رأينا الفقهاء يتناولون بالبحث من اكتنفتهم بعض مظاهر الضعف، طبيعيا كان الضعف أم اجتماعيا، أم ماليا، أم صحيا؛ نظرا لأن حالتهم تستدعي أن يواسوا ويساعدوا لا أن يواسوا غيرهم ويساعدوه2، ونوضح ذلك فيما يلي:
__________
1 المحلى لابن حزم ج21، ص63.
2 فتح القدير ج8، ص407، والشرح الكبير لابن قدامة ج9، ص532.
(1/416)

أ- مظاهر الضعف الطبيعية كالصبي والجنون والأنوثة:
اتفق الفقهاء على أن المرأة لا تعقل عن غيرها، واختلفوا في الصبي والمجنون إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية" أن الصبي الذي لم يبلغ والمجنون والمرأة لا يشتركون مع العاقلة في دفع الدية؛ وذلك لقول عمر رضي الله عنه: لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة -والمجنون حكمه حكم الصبي لاشتراكهما في الضعف العقلي- ولأن العقل "الدية" إنا يجب على أهل النصرة، والناس لا يتناصرون بالصبيان والمجانين؛ ولهذا لا توضع عليهم الجزية إذا كانوا ذميين؛ لأن الجزية بدل النصرة، وأيضا لأن هذا الضمان صلة وتبرع والصبيان والمجانين ليسوا من أهل التبرع.
الرأي الثاني: يرى الظاهرية أن الصبي والمجنون يدخل في العاقلة يتحمل ما يتحملونه من الدية؛ وذلك لأن اسم العصبة يقع عليهم، والأحاديث قد جعلت الدية على العصبة، وليس هناك نص يخرجهم ولا إجماع، وأيضا فإن الغرامات المالية كزكاة الأموال- عند من يقول بإيجابها عليهم- وكزكاة الزروع والثمار عند الجميع، وكالنفقات التي تجب عليهم للأولياء والأمهات1، لا تسقط عنهم فكذلك الدية.
الترجيح: ولما كان الرأي الأول يستند إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث" الحديث وقد تقدم"، وإلى ما روي عن عمر -رضي الله عنه- في ذلك، وهو نص في المسألة، فإنهما يكونان خارجين بهذا النص، وأما قياسها على الزكاة والنفقات فيرد عليه بأنه لا قياس مع النص.
__________
1 المحلى لابن حزم ج11، ص57.
(1/417)

هذا فضلا عن الصبي والمجنون ممن يحتاج إلى الرعاية والعناية والمواساة، ويحتاج إلى المحافظة على أمواله وعدم تسربها، وبخاصة أنه مهما بلغت رعاية الولي لها إلا أنها لا تصل إلى رعاية الإنسان لماله بنفسه؛ ولهذا حذر القرآن الكريم في سورة النساء1 من ينالونها بغير وجه حق؛ نظرا للطمع الذي يسيطر على النفس البشرية أمام مال الغير، أيا كان هذا الغير.
ب- مظاهر الضعف الاجتماعية، وهي الرق:
وكذلك لا يعقل الرقيق عن غيره ولو كان مكاتبا؛ لأن هذا الضمان -كما قلنا- صلة وتبرع بالإعانة، والمملوك ليس من أهل التبرع؛ لأنه لا يملك؛ لأن "العبد وما ملكت يداه لسيده" كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أوجبنا عليه كان هذا إيجابا على السيد، فيجتمع على السيد واجبان، ما يدفعه عن نفسه وما يدفعه عن عبده، وفي هذا تثقيل يتنافى مع التخفيف المراعى في إيجابة الدية.
ج- مظاهر الضعف المالية الفقر:
للفقهاء في إيجاب الدية على الفقير رأيان:
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة -غير رواية أخرى عن الإمام أحمد- والإمامية" أن الفقير لا يعقل عن أحد؛ لأن العاقلة إنما تحمل الدية مواساة منها للقاتل، والمواساة لا تلزم الفقير كما لا تلزمه الزكاة؛ إذ هو في حاجة إلى مواساة، ولأنها وجبت على العاقلة تخفيفا عن القاتل، فلا يجوز التثقيل بها على من
__________
1 سورة النساء الآيات 2، 6، 109.
(1/418)

لا جناية منه، وفي إيجابها على الفقير تثقيل عليه وتكليف له ما لا يقدر عليه "ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، ولأن الفقهاء قد أجمعوا على أنه لا يكلف أحد من العاقلة ما يثقل عليه ويجحف به، وتحميل الفقير شيئا منها يثقل عليه ويجحف بماله، وربما كان الواجب عليه جميع ماله أو أكثر منه، أو لا يكون له شيء أصلا، وهذا تكليف بما لا يطاق1.
الرأي الثاني: يرى الزيدية، والإمام أحمد في رواية ذكرها أبو الخطاب: أن الفقير يتحمل في الدية كالغني؛ لأن المحمول شيء يسير وما لزمه يكون من جملة الديون التي عليه، ويبقى في ذمته، وقد نص الزيدية على أنه إن تعذر عليه الدفع فلا شيء عليه.
الترجيح: يتضح مما تقدم أن الرأي الأول هو الراجح؛ وذلك لقوة الأدلة التي استند عليها، وأيضا لأن في إيجابها على الفقير ضياعا وإهدارًا لما شرعت له الدية؛ لأنهاشرعت مواساة ومساعدة لأسرة المقتول وتعويضا لهم عما فقدوه بفقدان عائلهم، فإذا وكل دفعها إلى الفقراء، وقد لا تتيسر حالتهم في المستقبل، أدى هذا إلى عدم أدائها إليهم، وهو ضد النص الكريم القائل: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} .
د- مظاهر الضعف الصحية كالمرض والعمى:
ذكر ابن قدامة أن المريض يعقل عن الجناية إذا لم يبلغ حد الزمانة، وكذا الشيخ إذا لم يبلغ حد الهرم؛ لأنهما من أهل النصرة والمواساة.
أما الزمن والشيخ الفاني ففي اشتراكهما وجهان:
__________
1 راجع: بدائع الصنائع للكاساني ج7، ص256، الشرح الكبير للدسوقي ج4، ص250، والشرح الكبير لابن قدامة ج9، ص523، ومغني المحتاج ج4، ص99.
(1/419)

أحدهما: لا يعقلان؛ لأنهما ليسا من أهل النصرة؛ ولهذا لا يجب عليهما الجهاد، ولا يقتلان إذا كانا من أهل الحرب، وكذلك يخرج على هذا الوجه الأعمى؛ لأنه مثلهما في هذا المعنى.
والثاني: يعقلان؛ لأنهما من أهل المواساة؛ ولهذا تجب عليهما الزكاة، وهذا التوجيه ينتقض بالصبي والمجنون؛ إذ تجب عليهما الزكاة عند جمهور من الفقهاء ولا يدفعان الدية "وخالف في إيجاب الزكاة عليهما الحنفية وجمع من الصحابة والتابعين وأتباعهم"1.
ثانيا: تحمل كل فرد قدر طاقته:
يراعي التشريع الإسلامي دائما أن يكون التكليف بما يطاق، أما ما لا يطاق، فإنه لا يكلف الله به أحدًا، قال تعالى: {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} وقد راعى الفقهاء هذا في تحديدهم مقدار ما يدفعه كل فرد في العاقلة، إلا أنهم اختلفوا في طريقة التحديد إلى طائفتين:
الطائفة الأولى: وهم المالكية والحنابلة والإمامية والظاهرية يرون أن يترك التحديد للاجتهاد، فيوضع على كل فرد بقدر طاقته، كما يوضع على العاقلة بقدر طاقتها، فلا يحد مقدار معين؛ وذلك لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف ولا يثبت بالرأي والتحكيم، ولا نص في هذه المسألة، فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات.
الطائفة الثانية: وهم الحنفية والشافعية والزيدية، ورواية أخرى عن الإمام أحمد: يرون تحديد ما يجب على كل فرد من العاقلة
__________
1 راجع الشرح الكبير لابن قدامة ج2، ص943، وج9 ص523، 524.
(1/420)

بمقدار معين في حدود ما يطيق.. وقد اختلفوا في المقدار1.
أما الحنفية فقد قدروا على كل فرد ما لا يزيد عن ثلاثة أو أربعة دراهم في الثلاث سنوات في كل سنة درهم، أو درهم وثلث2.
وأما الشافعية -ورواية عن الإمام أحمد- فقد ضربوا على الغني من العاقلة "وهو من يملك فاضلا عما يبقى له في الكفارة عشرين دينارا3 أو قدرها، اعتبارا بالزكاة" نصف دينار على أهل الذهب، أو قدره دراهم على أهل الفضة، وهو ستة دراهم؛ لأن ذلك أول درجة المواساة في زكاة النقد، والزيادة عليه لا ضابط لها.
كما أوجبوا على المتوسط من العاقلة "وهو من يملك فاضلا عما ذكرناه آنفا دون العشرين دينارًا، أو قدرها، وفوق ربع دينار؛ لئلا يبقى فقيرًا" ربع دينار أو ثلاثة دراهم؛ لأنه واسطة بين الفقير الذي لا شيء عليه، والغني الذي عليه نصف دينار.
وقال الزيدية: يجب على كل واحد من عاقلة الجاني، غنيا كان أم فقيرا، دون عشرة دراهم.
الترجيح: ونرى رجحان الأول الذي يقضي بترك التحديد لاجتهاد الحاكم؛ وذلك لأمور ثلاثة:
أولها: أنه لم يرد نص ولا خبر، بتحديد ما يتحمله الفرد في العاقلة من
__________
1 راجع: الشرح الكبير للدسوقي ج4 ص452، الشرح الكبير لابن قدامة ج9، ص520، والمختصر النافع 327.
2 فتح القدير ج8، ص403.
3 تقدم توضيح وزن الدينار والدرهم بالجرامات في مبحث الدية في القتل العمد.
(1/421)

الدية، وفي هذا يقول الإمام النووي معقبا على ما قاله الشافعية من التحديد: "وكون الغني عليه نصف دينار، والمتوسط ربع لا يعرف في ذلك أثر ناص ولا خبر؛ لكنهم راعوا معنى المواساة".
ثانيها: أنه لما لم يكن هناك نص ولا خبر، فإن الفقهاء اختلفوا في قياس هذه المسألة، فالرأي الأول قاسها على النفقات، فكما أن الأمر متروك في النفقات لاجتهاد الحاكم أو من أنابه عنه اتفاقا، فللحاكم أن يقدر النفقة على حسب حالة الشخص الواجبة عليه النفقة يسرا وعسرا، فكذلك الأمر هنا يترك لاجتهاد الحاكم حسب حالة الشخص..
وأما الشافعية فقد قاسوها على الزكاة، حتى أنهم جعلوا الغني هو من يملك نصابا، وأوجبوا عليه نصف دينار.. إلا أنهم لم يلتزموا بذلك، بل أوجبوا على من لم تجب عليه الزكاة وهو من يملك دون العشرين دينارا وأكثر من ربع دينار، وهو المتوسط، ربع دينار، فلم يطرد القياس في المسألة..
أما من حدد من الفقهاء بقدر معين دون قياس، بل راعى في ذلك التخفيف عن العاقلة، وقدر هذا التخفيف بمقدار معين كالحنفية والزيدية.. فإن مرجع التحديد عندهم هو الاجتهاد؛ وذلك لأنهم قالوا: إن هذا الأمر يسهل تحمله ولا يشق على من يجب عليه أداؤه.. ومن هنا كان هذا الرأي لا يختلف كثيرا عن رأي من قال بترك الأمر لاجتهاد الحاكم؛ لأنه عند الجميع يكون مصدره الاجتهاد.
وإذا كان الأمر كذلك فإننا نرى رجحان قياس هذه المسألة على تقدير النفقة، فيترك الأمر فيه لاجتهاد الحاكم أو من يقوم مقامه؛ وذلك لأن النفقة حق من حقوق العباد، والدية أيضا حق من حقوق العباد، فيصح لمن له هذا الحق التنازل عنه، أو الصلح عليه، أو الإبراء، وكذلك يكون له حق الاستيفاء.. إلى آخر ما نعلمه من خواص حقوق العباد، أما الزكاة فهي حق من حقوق الله تعالى، وحقوق الله تعالى لا يصح فيها إبراء ولا صلح
(1/422)

ولا تنازل وحق استيفائها يكون للإمام.. وإذا كان الحقان -حق النفقة وحق استيفاء الدية- متفقين في هذا ناسب قياس الأخير على الأول، فضلا عن كون القياس على الزكاة، لم يطرد فيما أوجبوه، كما سبق أن أوضحنا.
ثالثها: أن في ترك أمر التحديد لاجتهاد الحاكم ليضع على كل فرد بقدر طاقته اعتدادا بما يكتنف المجتمع من تطورات اقتصادية، قد ترتفع حينا وقد تنخفض حينا آخر، وهذه التطورات لها آثار على قدرة الفرد على الأداء ارتفاعا وانخفاضا، فما يخف تحمله في زمن يثقل تحمله في زمن آخر، والعكس كذلك صحيح، وضمانا لمراعاة ظروف المجتمع وكل من المتحمل والمتحمل له، وتحقيقا لعدالة التحمل وعدالة الأداء ما دام القيد الذي التزمنا به مطبقا، وهو أن يضع على كل فرد بقدر طاقته.
رابعها: إذا قلنا بترك الأمر لاجتهاد الحاكم، فإنني لا أرى أن يترك التحديد للاجتهاد الفردي للفضاء بحيث يحكم كل بما يراه.. بل أرى أن يكون التحديد بواسطة الدراسة الجماعية للمجتهدين لكل ظروف العصر ثم ما يرونه ويقرونه يطبقه الجميع -وهذا ما قرره الفقهاء الذين حددوا، كما رأينا فيما تقدم- ولا يتغير هذا التحديد إلا بدراسة أخرى على نفس المستوى مبنية على تغيرات في المجتمع استدعت هذه المراجعة، وفي هذا ضمان تام للحقوق واستقرار شامل للأحكام.
طروء الإعسار أو الموت على أحد أفراد العاقلة:
إذا أعسر أو مات أحد أفراد العاقلة فهل يسقط ما وجب عليه؟ اختلف الفقهاء في ذلك، ونبين آراءهم فيما يأتي:
أولا: الإعسار: إذا أعسر أحد أفراد العاقلة بعد الحكم عليه فإما أن يكون إعساره قبل وجوب الأداء أو بعده، فإن كان إعساره قبل الوجوب فللفقهاء رأيان:
(1/423)

الرأي الأول: يرى المالكية أنه لا يسقط عن المعسر ما تقرر عليه بقدر طاقته، يحل محل بإعساره، ويصبح دينا في ذمته، وحينئذ ينظر إلى ميسرة، ويحبس لثبوت عسره لأجل الإنظار.
الرأي الثاني: يرى الشافعية والحنابلة أنه لا شيء عليه؛ لأنه أصبح بالإعسار غير أهل للمواساة، أو لأنه مال يجب في آخر الحول على سبيل المواساة، فأشبه الزكاة، والزكاة لا بد فيها من توافر شروط وجوبها في آخر الحول.
أما إن كان الإعسار بعد الحكم وبعد حلول الأجل، فإن فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة قالوا: لا يسقط الواجب عنه ويصبح دينا في ذمته.
ثانيا: الموت: إذا مات أحد أفراد العاقلة بعد الحكم، فإما أن يموت قبل حلول أجل الأداء أو بعده، فإن مات قبل حلول أجل الأداء فللفقهاء رأيان:
الرأي الأول: يرى المالكية: أنه لا يسقط عنه ما وجب عليه ويحل عليه الواجب بموته، ويستوفى من تركته؛ لأنه أصبح دينا في ذمته.
الرأي الثاني: يرى الشافعية والحنابلة والزيدية: أنه لا شيء عليه، ويسقط بموته؛ لعدم وجوبه عليه؛ لأنه إنما يجب عليه آخر الحلول، وفي آخر الحلول لم يكن موجودًا.
وإن مات بعد الحكم وبعد حلول الأجل، فللفقهاء رأيان أيضا:
الرأي الأول: يرى المالكية والحنابلة والزيدية: أنه لايسقط عنه؛ لأنه حين الوجوب كان موجودا، ووجب عليه، وإذا وجب عليه أصبح دينا في ذمته، فيستوفى من تركته.
(1/424)

الرأي الثاني: نقل ابن قدامة في الشرح الكبير عن أبي حنيفة أنه يسقط بالموت؛ لأنه خرج عن أهلية الوجوب فأشبه ما لو مات قبل الحول.
الترجيح: أرى رجحان القول بأنه إذا أعسر أو مات أو جن قبل حلول الأجل، وهو آخر الحلول، لا شيء عليه، وحينئذ يحل غيره من العاقلة محله، فإن لم يوجد ضم إلى العاقلة من يقوم بهذا الواجب حسب الأولويات التي قررها الفقهاء، فإن لم يوجد قام بالدفع بيت المال، كما هو رأي الشافعية والحنابلة.
وذلك لأن في القول بإيجابه عليه مع عسره أو بعد موته إجحافا به وضياعا لحق ولي المقتول.
كما أرى رجحان القول بأنه إذا حدث هذا بعد حلول الأجل أنه لا يسقط عنه ما قدر عليه؛ وذلك لأن الحق قد استقر في ذمته، وإذا ثبت في ذمته وجب عليه أداؤه فإن أعسر انتظر يسره، وإن مات أخذ من تركته، وإن جن أخذ من ماله.
ثالثا: تحديد عدد العاقلة:
ويثير هذا البحث سؤالا: هل للعاقلة عدد محدود وضحه الفقهاء؟ وللإجابة عنه نقول: إن بعض الفقهاء حدد عددا معينا للعاقلة، والبعض الآخر لم يحدد، ونوضح ذلك فيما يلي:
الرأي الأول: حدد المالكية عددا معينا للعاقلة فقالوا: إن أقل عدد للعاقلة يلزم ألا ينقص عنه حتى لا يضم إليها غيرهم هو 700 سبعمائة.
وقيل: أقل حدها أن تزيد على ألف زيادة بينة كعشرين وقيل أربعة.
فإذا وجدنا هذا العدد في أهل الديوان فلا يضم إليه عصبة الجاني.
(1/425)

وإن لم يبلغ أهل الديوان هذا العدد ضم إليهم العصبة، فإن لم يكن الجاني من أهل ديوان، وقلنا: إن العصبة يعقلون عنه، فإذا وجد هذا العدد في العشيرة، فلا يضم إليهم الفصيلة، وإلا ضمت إليهم.. وهكذا.
وفي المذهب قول ثالث، وهو: أنه لا حد للعاقلة، وإنما ذلك يترك للاجتهاد، وظاهر كلام ابن عرفة أنه المذهب.
الرأي الثاني: أما المذاهب الأخرى كالحنفية والشافعية والزيدية، فلم تحدد عددا؛ لأنه لما حددت ما يجب على كل فرد لم تحتج لمثل هذا التحديد؛ لأنه إذا زاد الواجب عن المقدار المحدد لكل شخص عندهم يضم إليهم من يليهم حسب الترتيب الذي أورده كل مذهب.
وإذا كنا قد رجحنا فيما تقدم أن يترك التحديد على كل فرد للاجتهاد، فإنه على ضوء هذا الاجتهاد سيتحدد عدد العاقلة؛ لأننا إذا أوجبنا عن طريق الاجتهاد على كل فرد نصف دينار في السنة والدية ألف دينار، مقسمة على ثلاث سنين، وجب ألا يقل عدد العاقلة عن ثلثي الألف وهو "667" تقريبا، حتى يمكن أن يحصل منهم في كل عام ثلث الدية، ويصح أن يزيد عددها فيقل الواجب على كل فرد.
رابعًا: المدة التي تتحمل العاقلة فيها الدية:
اختلف الفقهاء في تأجيل الدية في القتل الخطأ إلى رأيين:
أولهما: ما أورده في نيل الأوطار من أنه حكي في البحر عن بعض الناس أن الدية تكون حالة؛ وذلك لأنه لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تأجليها.
ثانيهما: وهو رأي جمهور الفقهاء أنها تكون مؤجلة، ولهم في مقدار الأجل قولان:
(1/426)

الأول: ما روي عن ربيعة أنها تكون مؤجلة لمدة خمس سنوات.
الثاني: وهو رأي الأكثر "الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة، الزيدية، الإمامية" أنها تكون مؤجلة لمدة ثلاث سنوات، وقد استدلوا على هذا بما يأتي:
1- ما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، وقد قال هذا أيضا علي وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
2- وقد عزاه الإمام الشافعي في المختصر إلى قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم1.
3- الإجماع، وذلك أنه لما قضى عمر بهذا كان بمحضر من الصحابة رضوان الله عليهم، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا، وقد نقل الإجماع الرافعي، والترمذي في جامعه، وابن المنذر.
وتقسم الدية على هذه السنوات الثلاث، في كل سنة ثلث الدية.
وتجب في آخر السنة، وقد قال الرافعي في تعليل هذا: إنه "كان سبب هذا أن الفوائد كالزروع والثمار تتكرر في كل سنة، فاعتبر مضيها ليجتمع عندهم ما يتوقعونه فيواسون عن تمكن".
كما قال الحنفية: إنها تؤخذ من ثلاث عطايا إن كان القاتل من أهل الديوان "وهم المقاتلة من الرجال الأحرار البالغين العاقلين"؛ لأنهم لهم في كل
__________
1 قال الرافعي: تكلم أصحابنا في ورود الخبر بذلك، فمنهم من قال: ورد ونسبه إلى رواية علي عليه السلام، ومنهم من قال: ورد أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، وأما التأجيل فلم يرد به الخبر، وأخذ ذلك من إجماع الصحابة رضي الله عنهم. راجع نيل الأوطار ج7، ص76.
(1/427)

سنة عطية، فإن عجلت العطايا الثلاث في سنة واحدة يؤخذ الكل في سنة واحدة، وإن تأخرت يتأخر حق الأخذ، وإن لم يكن من أهل الديوان تؤخذ منه، ومن قبيلته من النسب، في ثلاث سنين.
خامسا: لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا، ولا ما دون أرش الموضحة:
هذه الصور منها ما اتفق الفقهاء عليه ومنها ما اختلفوا فيه، ونوضح فيما يلي آراءهم في كل مسألة متوخين الإيجاز، وحصر الموضوع فيما تتحمله العاقلة دون غيره:
أ- القتل العمد أو شبه العمد:
قد أوضحنا فيما تقدم أن الدية في القتل العمد "سواء تصالحوا عليها أو وجبت بعد العفو عن القصاص" على قول من رأى أن الواجب أحد الشيئين القصاص أو الدية، أو في الصور التي وجبت فيها الدية، كقتل الوالد ولده ... " هذه الدية تجب في مال القاتل ولا تتحمل العاقلة منها شيئا1.
أما الجناية شبه العمد، فإن الفقهاء قد اختلفوا في تحمل العاقلة الدية الواجبة فيها، وقد أضحنا فيما تقدم آراءهم وأدلتهم، ورجحنا أن تتحمل العاقلة هذه الدية2.
ب- موقف العاقلة من جناية العبد على غيره، أو جناية الغير عليه خطأ:
اختص الفقهاء جناية العبد على الغير، أو جناية الغير عليه بأبحاث
__________
1 راجع التفصيل والأدلة في مبحث الدية في القتل العمد.
2 راجع التفصيل والأدلة في مبحث الدية في القتل شبه العمد.
(1/428)

موسعة، ونكتفي هنا ببحث موقف العاقلة من هاتين الجنايتين إذا كانت الجناية خطأ بإيجاز:
1- جناية العبد على غيره خطأ:
إذا ارتكب العبد جناية خطأ على غيره فإن للفقهاء رأيين في تحمل العاقلة دية المجني عليه:
أولهما: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية" ألا تتحمل العاقلة دية المجني عليه "وإنما تتعلق الجناية برقبته، كما صرح الشافعية والحنابلة. أو يخير المولى بين أن يدفعه بالجناية أو يفديه، كما قال الحنفية والزيدية" وقد حكى البيهقي الإجماع على ألا تتحمل العاقلة هذه الجناية، إلا أن هذا الإجماع لم يسلم؛ لما سيأتي إيضاحه في الرأي الثاني، وقد استدلوا لهذا الرأي بدليلين:
الأول: ما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: "العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة" رواه الدارقطني، وقد فسروا هذا الخبر بأن المراد به أن العاقلة لا تعقل الجناية عمدا ولا جناية العبد على غيره، كما يدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس: "لا تحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما جنى المملوك" فإن هذا الخبر نص في عدم تحمل العاقلة جناية المملوك.
الثاني: قالوا: إن المعنى المعقول من تحمل العاقلة عن أحد أفرادها هو التناصر، ولا تناصر بالعبد، فلا تتحمل العاقلة عنه.
وأيضا فإن تحمل العاقلة جناية الحر جاء على خلاف الأصل؛ أي: أنه جاء على خلاف القياس "فإن القياس أن يتحمل الجاني جنايته لا أن يتحملها غيره"، وما جاء على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس.
(1/429)

الرأي الثاني: يرى الظاهرية أن تتحمل عاقلة العبد جنايته على غيره خطأ -سواء كان عبدا أم مدبرا، أم أم ولد، أم مكاتبا- وقد استدلوا بعموم ما قضى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إيجاب الدية على العصبة، فقد قضى أن الدية والغرة على عصبة الجاني، وقوله صلى الله عليه وسلم: "على كل بطن عقولة" ولم يخص حرا من عبد، فلو أراد صلى الله عليه وسلم أن يخص حرا من عبد لبينه، فكل ما لم يبينه عليه الصلاة والسلام فهو باطل.. وقد حكم عليه الصلاة والسلام بأن على كل بطن عقولة، والبطون هي الولادات، أبا بعد أب، وهو في العجم كما هو في العرب، وفي الأحرار كما هو في العبيد، فيجب أن تكون الدية على عصبة العبد الجاني إن كان يعرف له نسب وكان له عصبة.
فإن اعترض بأنهم لا يرثونه، أجيب بأن الدية على العصبة لا على الورثة بنص حكم النبي صلى الله عليه وسلم.
ولعل هذا الرأي أيضا يقول: إن الأخبار المستدل بها موقوفة، ولا حجة إلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم1.
__________
1 نيل الأوطار للشوكاني ج7، ص85، وبدائع الصنائع ج7، ص258، والشرح الكبير للدسوقي ج4، ص214، ومغنى المحتاج ج4، ص100، والشرح الكبير لابن قدامة ج9، ص51، والتاج المذهب ج4، ص342، ص317، والروضة البهية ج2، ص447، والمحلى لابن حزم ج11، ص62، 63.
(1/430)

2- الجناية على العبد:
أما الجناية على العبد خطأ فقد اختلف الفقهاء في تحمل العاقلة موجب هذه الجناية إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى المالكية والحنابلة "وهو قول ابن عباس، والشعبي والثوري، ومكحول، والنخعي، والليث، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأبي ثور" أن العاقلة لا تحمل العبد، فإذا قتل شخص عبدا، وجبت قيمته في مال القاتل لا شيء على عاقلته خطأ كان أم عمدا.
وقد استدلوا بما روي عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ... " وقالوا: إنه قد روي عن ابن عباس موقوفا عليه، ولم نعرف له في الصحابة مخالفا، فيكون إجماعا، ولأن الواجب في العبد القيمة، والقيمة تختلف باختلاف صفاته، فلم تحمله العاقلة كسائر القيم ...
الرأي الثاني: يرى الحنفية والشافعية في الأظهر "الجديد" وهو قول الحكم وحماد، والزيدية والإمامية، والظاهرية: أن تحمل العاقلة ديته "قيمته"؛ لأنه آدمي يجب بقتله القصاص والكفارة فحملت العاقلة بدله كالحر1.
الترجيح: الذي يظهر لنا هو رجحان الرأي الثاني لما يأتي:
أولا: أن ما روي عن عمر "فيما نقلنا في الفقرة السابقة" قال الحافظ: هو منقطع "وفي إسناده عبد الملك بن حسين، وهو ضعيف، قال البيهقي: والمحفوظ أنه عن عامر الشعبي من قوله"، وأيضا أثر ابن عباس أخرجه البيهقي، وقد روي موقوفا.
__________
1 نيل الأوطار ج7، ص85، المحلى لابن حزم ج11، ص50، 51، فتح القدير ج8، ص413، والشرح الكبير ج9، ص503، والتاج المذهب ج4، ص342، الروضة البهية ج2، ص447.
(1/431)

وقد أجيب عن هذه الآثار بأن المراد أن العاقلة لا تعقل الجناية الواقعة من العبد على غيره، كما يدل على ذلك قول ابن عباس الذي ذكرناه في الفقرة السابقة: "لا تعقل العاقلة عمدا ولا صلحا لا اعترافا ولا ما جنى المملوك".
ثانيا: روي عن عكرمة عن ابن عباس أن مكاتبا قتل "بالبناء للمجهول" على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمر عليه السلام أن يودى ما أدى دية الحر، وما لا دية المملوك، والمعنى أن المكاتب إن كان قد أدى نصف ما عليه من مال الكتابة مثلا، وبقي عليه النصف، فإن النصف تدفع ديته دية الحر والنصف الآخر تدفع ديته دية المملوك.
وقد روي عن يحيى بن كثير أنه قال: إن علي بن أبي طالب ومروان كانا يقولان في المكاتب: إنه يؤدي منه دية الحر بقدر ما أدى، وما رق منه دية العبد.
فقد سمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يؤدى في قتل العبد دية، وسماه دية أيضا علي بن أبي طالب، وهو حجة في اللغة، وإذا سمي دية، فالدية في قتل النفس خطأ على العاقلة، كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ج- اعتراف الجاني بالجناية:
إذا اعترف الجني بارتكابه الجناية، فإن أقر على نفسه بارتكابها، فإما أن تكون الجناية عمدا، أو شبه عمد، أو خطأ. فإن كانت عمدا أخذ بها وعوقب بعقوبتها: من قصاص أو دية أو غيرهما كما سبق توضيحه. وإن كانت شبه عمد فقد سبق أن أوضحنا خلاف الفقهاء في وجوب الدية في شبه العمد على العاقلة. وإن كانت الجناية خطأ وأقر بها الجاني ولم تثبت بالبينة ولم تصدقه العاقلة فهل تتحمل العاقلة الدية؟
(1/432)

اختلف الفقهاء في وجوب الدية على العاقلة إذا أقر الجاني بالجناية إلى أربعة أقوال:
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية والمالكية على المعتمد، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية، وهو قول ابن عباس والشعبي والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وسليمان من موسى، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق" أنه تجب الدية على الجاني المقر بالجناية في ماله ولا تحمل العاقلة معه شيئا.
الدليل: وقد استدلوا بالحديث المروي عن ابن عباس -الذي ذكرناه آنفا- ولأنه لو وجب عليهم دفع الدية لوجب بإقرار غيرهم عليهم، ولا يقبل إقرار شخص على غيره.
ولأن الجاني يتهم في هذا الإقرار، وموضع التهمة أنه قد يواطئ من يقر له بالجناية؛ ليأخذ الدية من عاقلته، فيقاسمه إياها1.
الرأي الثاني: قال أبو ثور، وابن عبد الحكيم: لا يلزم المقر شيء، ولا يصح إقراره؛ لأنه مقر على غيره، لا على نفسه؛ لأنه لما لم يثبت موجب إقراره -وهو تحمل العاقلة الدية- كان إقراره باطلا، كما لو أقر على غيره.
الرأي الثالث: يرى الظاهرية أن الاعتراف بالقتل الخطأ لا يلزم العاقلة تحمل الدية؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، وكذلك لأن المقر بقتل الخطأ ليس مقرا على نفسه؛ لأن الدية فيما أقر به على العاقلة، لا عليه، وإذا كان غير مقر على نفسه، فيجب ألا يصدق على العاقلة، إلا أنه كان عدلا حلف أولياء
__________
1 الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي ج9، ص505، وفتح القدير ج8 ص523، والشرح الكبير للدسوقي ج4، ص250، والمختصر النافع ص327.
(1/433)

القتيل معه، واستحقوا الدية على العاقلة، فإن نكلوا فلا شيء لهم، فلو أقر اثنان عدلان بقتل خطأ، وجبت الدية على عواقلهما بلا يمين؛ لأنهما شاهدا عدل على العاقلة.
الرأي الرابع: يرى الطخيخي من المالكية1 أنه إن كان المقر بالقتل خطأ مأمونا ثقة، وليس بذي قرابة للمقتول، ولا صديقا ملاطفا له، ولم يهتم في إغناء ورثة مقتوله، ولا رشوة منهم على إقراره، فإن إقراره لوث يحلف بسببه أولياء المقتول خمسين يمينا، وتحمل الدية العاقلة، فيكون حمل العاقلة للدية سببه القسامة مع اللوث، لا لمجرد إقراره.
الترجيح: ونرى رجحان الرأي الأول، وهو رأي جمهور الفقهاء، وذلك لما يأتي:
1- أن موجب القول الثاني إهدار الاعتراف الصادر من شخص عاقل، مع أنه يجب صون كلام العقلاء عن العبث، ويترتب على إهدار إقراره عدم وجوب صون كلام العقلاء عن العبث، ويترتب على إهدار إقراره عدم وجوب دية المقتول على أحد، وعدم تسليمها إلى أهل المجني عليه، وفي هذا تعطيل لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} ، وهذا الشخص قد قتل، واعتراف بالقتل، إلا أ Results
النوع الأول: الدية
القتيل معه، واستحقوا الدية على العاقلة، فإن نكلوا فلا شيء لهم، فلو أقر اثنان عدلان بقتل خطأ، وجبت الدية على عواقلهما بلا يمين؛ لأنهما شاهدا عدل على العاقلة.
الرأي الرابع: يرى الطخيخي من المالكية1 أنه إن كان المقر بالقتل خطأ مأمونا ثقة، وليس بذي قرابة للمقتول، ولا صديقا ملاطفا له، ولم يهتم في إغناء ورثة مقتوله، ولا رشوة منهم على إقراره، فإن إقراره لوث يحلف بسببه أولياء المقتول خمسين يمينا، وتحمل الدية العاقلة، فيكون حمل العاقلة للدية سببه القسامة مع اللوث، لا لمجرد إقراره.
الترجيح: ونرى رجحان الرأي الأول، وهو رأي جمهور الفقهاء، وذلك لما يأتي:
1- أن موجب القول الثاني إهدار الاعتراف الصادر من شخص عاقل، مع أنه يجب صون كلام العقلاء عن العبث، ويترتب على إهدار إقراره عدم وجوب صون كلام العقلاء عن العبث، ويترتب على إهدار إقراره عدم وجوب دية المقتول على أحد، وعدم تسليمها إلى أهل المجني عليه، وفي هذا تعطيل لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} ، وهذا الشخص قد قتل، واعتراف بالقتل، إلا أنه لما كان متهما في هذا الإقرار كان موجب الجناية عليه هو، لا على العاقلة.
2- أنه يقاس إقراره هنا على إقراره بإتلاف المال، ووجهه أنه إذا أقر على نفسه بإتلاف مال، أو بجناية لا تحمل العاقلة ديتها صح إقراره ولزمه ضمان ذلك، فكذلك يصح إقراره هنا قياسا عليه.
__________
1 وهو رأي ضعيف في مذهب المالكية، وهناك آراء أخرى نص عليها في الشرح الصغير؛ منها: أنه يجب على العاقلة بشرط ألا يتهم المقر في إغناء ورثة المقتول، ومنها: أنها تجب على العاقلة إن كان المقر عدلا، ومنها: أنها تقسم دية على المقر وعلى العاقلة فما يليه يلزم، ويسقط ما عليهم.
(1/434)

3- ولأن محل الجناية مضمون، فيضمن إذا اعترف به كسائر المحال المضمون، وإنما سقطت عنه الدية في محل الوفاق "وهو حالة البينة" لتحمل العاقلة للدية بالنص، فإذا لم تتحملها وجبت عليه كجناية المرتد.
4- وأما قول للظاهرية "وكذا قول الطخيخي": إنه غير مقر على نفسه فيجب ألا يصدق على العاقلة إلا أنه إذا كان عدلا حلف أولياء القتيل معه، واستحقوا الدية.
هذا القول لنا عليه اعتراضان؛ أولهما: أنه لا يمتنع عقلا أن يكون هناك تواطؤ وأنهم قد يحلفون كذبا، وثانيهما: أن المقر ليس مقرا على غيره، بل هو مقر على نفسه؛ إذ إنه حين يقر إنما يقر بما فعله هو، وهي الجناية، وأما وجوب الدية فهو أمر يرتبه المشرع الحكيم على أثر وقوع الجناية فيجعله إما على الجاني أو على العاقلة، وإذا كان مقرا على نفسه، فحينئذ يكون هو الملزم بما يترتب على إقراره من آثار.. وقد وردت الآثار المبينة لإلزامه بالدية وعدم إلزام العاقلة بها، وهذه الآثار يقويها أنها تتمشى مع القواعد العامة في ضمان إتلاف الأموال وغيرها من المحال المصونة كما ذكرنا آنفا.
إلا أن العاقلة إن صدقته في إقراره كانوا متحملين للدية؛ لأنه في هذه الحالة تنتفي التهمة ويبعد الشك.
د- الصلح عن الجناية:
إذا صالح الجاني ولي الدم على مال، فإما أن يصالحه عن دمه العمد، أو عن غيره، وقد نص الحديث المتقدم على أنه: "لا تحمل العاقلة عمدا ... ولا صلحا" فهل الصلح هو الصلح عن دم العمد، أم الصلح عن غير العمد؟ للفقهاء تفسيرات:
التفسير الأول: فسره القاضي ابن أبي يعلى الحنبلي بأن يصالح
(1/435)

الأولياء عن دم العمد إلى الدية، ويراجع ما نص عليه الحنفية والظاهرية والزيدية1.
التفسير الثاني: وقد فسر ابن عباس والزهري والشعبي والنووي والليث والشافعي والإمامية كون العاقلة لا تحمل الصلح، بأن يدعي عليه القتل فينكره ويصالح المدعى عليه المدعي على مال يدفعه إليه، فإن هذا المال المصالح عليه لا تحمله العاقلة؛ لأنه مال ثبت بمصالحته واختياره فلم تحمله العاقلة كالذي ثبت بإقراره واعترافه، ولأنه لو حملته العاقلة أدى إلى أن يصالح الشخص بمال غيره ويوجب على الغير حقا بقوله.
وقد رجح ابن قدامة المقدسي "الحنبلي" التفسير الثاني، قال: "إنه الأولى؛ لأن التفسير الأولى عمد فيستغنى عنه بذكر العمد"؛ أي: أنه يريد أن يقول: ما دام القتل عمدا فإن العمد لا تحمله العاقلة بنص الأثر: "لا تحمل العاقلة عمدًا ... " أي: لا تحمل ما وجب بالقتل العمد، وحينئذ فقوله: "ولا صلحا" تكون واردة في غير ذلك، وهو ما قلنا.
هـ- ما تحمله العاقلة من الدية:
لما كان الواجب بالجناية من الديات تارة يكون كل الدية، وأخرى يكون نصفها أو أقل أو أكثر حسب كون الجناية واقعة على النفس أو على ما دونها، فهل تتحمل العاقلة ما وجب من الدية قليلا كان أم كثيرًا أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك إلى أربعة آراء:
الرأي الأول: قال سعيد بن المسيب، وعطاء، ومالك، وإسحاق وعبد العزيز، وعمر بن أبي سلمة: لا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية.
الدليل: وقد استدلوا بما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قضى في الدية
__________
1 الشرح الكبير لابن قدامة ج9، ص504، فتح القدير ج8، ص413، والزيلعي ج6، ص113، المحلى لابن حزم ج11، ص50، والتاج المذهب ج4، ص343، والمختصر النافع ص327.
(1/436)

ألا يحمل منها شيء حتى تبلغ عقل المأمومة.
ولأن مقتضى الأصل وجوب الضمان على الجاني؛ لأن الضمان موجب جنايته ويدل ما أتلفه، فكان عليه كسائر المتلفات والجنايات، وإنما خولف في الثلث فصاعدا تخفيفا عن الجاني؛ لكونه كثيرا يجحف به، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما سأله سعد بن أبي وقاص عما يوصي به: "الثلث والثلث كثير ... " 1، ففيما دونه يبقى على الأصل، ومقتضى الدليل.
فقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الثلث كثيرًا، وإذا كان كثيرا فلا تتحمله العاقلة وتتحمل ما دونه.
الرأي الثاني: قال الزهري: إن العاقلة لا تحمل الثلث فما دونه.
الرأي الثالث: قال الثوري والحنفية والزيدية والإمامية على الأشهر: لا تحمل العاقلة أقل من نصف عشر الدية، وتتحمل نصف العشر فصاعدا.
وقد استدلوا بما يأتي2:
1- بما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- موقوفا ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعقل العواقل عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا، ولا ما دون أرش الموضحة"، وأرش الموضحة نصف عشر بدل النفس.
__________
1 روي أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: جاءني النبي -صلى الله عليه وسلم- يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا" قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: "لا" قلت: فالثلث، قال: "الثلث، والثلث كثير، أو كبير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس".
2 العناية هامش فتح القدير ج8، ص412.
(1/437)

2- قد روى الإمامية أن الإمام محمد الباقر قال: قضى أمير المؤمنين -رضي الله عنه- أنه لا يحمل على العاقلة إلا الموضحة فصاعدا.
3- ولأن تحمل العاقلة للتحرز عن للإجحاف ولا إجحاف في القليل، وإنما هو الكثير، والتقدير الفاصل عرف بالسمع.
وهذا التحديد إنما يكون حينما تكون الجناية فيما دون النفس، فأما بدل النفس فتتحمله العاقلة، وإن كان الواجب على العاقلة أقل من نصف العشر، ألا ترى أن القتلة إذا كانوا مائة كانت الدية على عواقلهم، وإن كان نصيب كل واحد منهم مائة درهم؛ لأنها بدل النفس، وكذلك من قتل عبدا قيمته مائة وخمسون درهما، فإنه تتحمله العاقلة.
الرأي الرابع: نقل ابن قدامة المقدسي أن الصحيح عن الشافعي أن العاقلة تحمل الكثير والقليل؛ لأن من حمل الكثير حمل القليل كالجاني في العمد.
وقد يضاف إلى هذا أن الأدلة التي أثبتت تحمل العاقلة الدية عامة ولم تفصل.
الترجيح: ونرى رجحان الرأي الثالث؛ وذلك لما يأتي:
أولا: أن التقدير الذي اعتمد عليه الرأي الأول هو تقدير مبني على استنتاج من النص الوارد في الوصية، أخذ منه اعتبار الثلث كثيرا، وإذا كان كثيرا لا تتحمله العاقلة، وهذا الاستدلال قد يكون قويا إذا لم يرد أثر، وقد ورد هذا الأثر وهو ما روي عن ابن عباس بزيادة: "ولا ما دون أرش الموضحة"، وإن كان الأثر ضعيفا فقد قوي بأمرين؛ أولهما: ما روي عن الإمام محمد الباقر رضي الله عنه، وثانيهما: أنه يحقق المقصود من تحمل العاقلة الدية، وهو التخفيف عن الجاني؛ لأن الثلث -بنص الحديث- كثير.
(1/438)

ثانيا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ثبت عنه أنه: جعل الغرة في الجنين على العاقلة، وقيمة الغرة نصف عشر الدية1، وإذا ثبت هذا كان هو الحد الأدنى لما تتحمله العاقلة، وأما ما دونه، فإنها لا تتحمله؛ لأنه ليس فيه أرش مقدر.
عاقلة غير المسلم:
اتفق الفقهاء على أنه لا يعقل مسلم عن غير مسلم، ولا غير مسلم عن مسلم؛ وذلك لأنه لا موالاة بينهم ولا توارث، فلا مناصرة، وإذا كان الشأن كذلك، فهل تعقل عنه عاقلته؟ للفقهاء رأيان:
الرأي الأول: يرى الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة -على إحدى الروايتين- والزيدية: أنه تعقل عن غير المسلم عاقلته، كما تعقل عن المسلم عاقلته، إلا أنهم اختلفوا هل يعقل اليهودي عن النصراني والعكس؟ بهذا قال الحنفية -عدا أبي يوسف- والشافعية؛ لأن الكفر كله ملة واحدة. وقال أبو يوسف والمالكية ورأي ثان في مذهب الشافعية والحنابلة: لا يعقل أحدهما عن الآخر؛ نظرا لوجود عداوة بين الاثنين بها ينقطع التناصر.
الرأي الثاني: يرى الإمامية -ورواية في مذهب الحنابلة- أن غير المسلمين لا يتعاقلون؛ لأن المعاقلة تثبت في حق المسلم على خلاف الأصل تخفيفا عنه ومعونة له فلا يلحق به غير المسلم، إذا كانوا لا يتعاقلون فإن الجاني يدفع الدية، فإن عجز فالإمام2
الترجيح: الذي نراه راجحا هو رأي جمهور الفقهاء؛ لأنهم إذا قبلوا عقد الذمة كان لهم ما لنا وعليهم ما علينا، كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإذا ثبت حق المواساة والمعونة للمسلم على المسلم ثبت هذا الحق أيضا لغير المسلم على غير المسلم، كما ثبت حق التوارث بين كل3.
__________
1 تقدم نص الحديث وتقدم أن الغرة "عبد أو أمة أو عشر من الإبل، أو مائة شاة"، وسيأتي إيضاح حقيقة الغرة في الجناية على الجنين.
2 راجع: فتح القدير ج8، ص309، والشرح الكبير للدسوقي ج4، ص351، ومغني المحتاج ج4، ص99، والشرح الكبير لابن قدامة ج9، ص507، والتاج المذهب ج4، ص345، والروضة البيهة ج2، ص447.
3 لم أتعرض لبيان آراء الفقهاء في تقدير الديات بالنسبة لحالة المقتول من حيث: إسلامه، أو حريته، أو ذكورته، أو إقامته في دار الإسلام، أو ضد هذا ... ويمكن الرجوع إليه عند الحاجة في باب الديات في كل مذهب.
(1/439)

النوع الثاني: الكفارة:
الكفارة لغة: الكفارة على وزن فعالة "بتشديد العين" مأخوذة من الكَفر "بفتح الكاف" بمعنى التغطية والستر، وكل شيء غطى شيئا فقد كفره؛ أي: ستره.
الكفارة اصطلاحا: هي ما أوجب الشرع فعله بسب حنث في يمين أو ظهار أو قتل ...
والمعنى اللغوي متحقق في المعنى الاصطلاحي؛ لأنها شعرت تكفيرا للذنب، وسترا له كما أنها قربة، تقرب الإنسان من ربه، فتعتبر بمثابة التوبة إلا أنها توبة بفعل معين، وقد حدد المشرع الأفعال التي تؤدى بها، فهي عقوبة فيها معنى العبادة، وهي حق من حقوق الله تعالى1.
__________
1 راجع ما سبق أن تعرضنا له بالإيضاح بالنسبة لإيجاب القتل العمد وشبه العمد للكفارة في المبحثين الخاصين بذلك.
(1/440)

ونوضح حقيقة هذا النوع من العقوبة في أربعة مسائل: الأولى: من يتحمل الكفارة، الثانية: شروط وجوبها، الثالثة: وجوبها على كل المشاركين في القتل، الرابعة: نوع الكفارة.
المسألة الأولى: من يتحمل الكفارة:
اتفق الفقهاء على أن الكفارة تجب في مال القاتل، وقد استدلوا بما يأتي:
1- قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} الآية.
2- ولأن القاتل قد سلمت له الحياة في الدنيا، وهي من أعظم النعم ورفعت عنه المؤاخذة في الآخرة، مع جواز المؤاخذة؛ وذلك لأنه كان في وسع الخاطئ في الجملة حفظ نفسه عن الوقوع في الخطأ، وهذا أيضا نعمة فكان وجوب الشكر لهذه النعمة موافقا للعقل، فبين الله تعالى مقداره وجنسه بهذه الآية؛ ليقدر العبد على أداء ما وجب عليه من أصل الشكر بتعضيد العقل.
3- ولأن فعل الخطأ جناية، ولله تعالى المؤاخذة عليه بطريق العدل؛ لأنه مقدور الامتناع عن الوقوع فيه بالتكلف والجهد، وإذا كان جناية فلا بد لها من التكفير والتوبة، فجعلت الكفارة توبة عن القتل الخطأ بمنزلة التوبة الحقيقة في غيره من الجنايات، إلا أنه جعل التحرير أو الصوم توبة له دون التوبة الحقيقة لخفة الجناية بسبب الخطأ؛ إذ الخطأ معفو في الجملة، وجائز العفو عن هذا النوع، فخفت توبته لخفة في الجناية، فكان تحرير الرقبة في هذه الجناية بمنزلة التوبة في سائر الجنايات.
(1/441)

المسألة الثانية: شروط وجوب الكفارة:
لإيجاب الكفارة على القاتل شروط، بعضها يرجع إلى القاتل، وبعضها يرجع إلى المقتول، وثالثها يرجع إلى الفعل القاتل، ونوضح كل هذا فيما يأتي:
أولا: الشروط التي يلزم توافرها في القاتل:
اختلف الفقهاء في الشروط التي يلزم توافرها في القاتل حتى يجب عليه أداء الكفارة، ونورد هذه الشروط مشفوعة بآراء الفقهاء:
1- اشتراط التكليف "البلوغ والعقل":
اختلف الفقهاء في اشتراط أن يكون القاتل بالغا عاقلا حتى تجب عليه الكفارة إلى رأيين:
أولهما: يرى الحنفية والزيدية: أنه يشترط لإيجاب الكفارة على القاتل خطأ أن يكون بالغا عاقلا، فلا تجب على الصبي والمجنون؛ لأن الكفارة عبادة، والصبي والمجنون لا يخاطبان بالشرائع أصلا، فلا تجب الكفارة عليهما كما لا تجب الصلاة والصيام.
ثانيهما: يرى المالكية والشافعية والحنابلة والإمامية: أنه لا يشترط بلوغ القاتل أو عقله، فتجب الكفارة على القاتل صبيا كان أم مجنونا؛ لأن الكفارة حق مالي يتعلق بالقتل، وقد وجد القتل منهما فتتعلق بهما، كما تعلقت الدية.
وقد أجابوا عن أدلة الرأي الأول بأن الكفارة تفارق الصلاة والصيام؛ لأن الصلاة والصيام عبادتان بدنيتان، والكفارة عبادة مالية،
(1/442)

فأشتبهت نفقات الأقارب، ونفقات الأقارب تجب على الصبي والمجنون، كذا الكفارة.
وكذلك كفارة اليمين تفارق كفارة القتل؛ لأن كفارة اليمين لا تجب على الصبي والمجنون؛ لأنها تتعلق بالقول، ولا قول لهما، وكفارة القتل تتعلق بالفعل، وفعلهما متحقق، وقد أوجب الضمان عليهما ويتعلق بالفعل لا يتعلق بالقول1.
ب- اشتراط إسلام القاتل:
اختلف الفقهاء في اشتراط إسلام القاتل في وجوب الكفارة عليه إلى رأيين:
أولهما: يرى الحنفية والمالكية والزيدية: أنه يشترط إسلام القاتل في إيجاب الكفارة؛ لأن غير المسلم غير مخاطب بشرائع هي عبادات، والكفارة عبادة، فلا يخاطب بها، ولأن الكفارة قربة، وهو ليس من أهل القرب.
وثانيهما: يرى الشافعية والحنابلة والإمامية: أنه لا يشترط إسلام القاتل في إيجاب الكفارة، فإن كان القاتل غير مسلم لزمته الكفارة، كما تلزمه الدية؛ لأنه ما دام في أرض دار الإسلام فإنه ملتزم بأحكام هذه الدار، ومن أحكامها أن تلزم الكفارة القاتل، فتجب عليه.
ولما كانت الكفارة كما هو في نص الآية الكريمة: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا
__________
1 بدائع الصنائع ج7، ص252، والشرح الكبير للدسوقي ج4، ص454، ومغني المحتاج ج4، ص108، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي ج10 ص38، والتاج المذهب ج4، ص308، والروضة البهية ج2، ص248.
(1/443)

خَطَأً ... } هي تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن القائلين بإيجابها على غير المسلم يواجهون أمرين؛ أولهما: كيف يتصور أن يعتق رقبة مسلمة؟ وقد أجاب الشافعية عن هذا بأنه يتصور إعتاق عبد مسلم في صور؛ منها: أن يسلم العبد في ملكه، أو يرثه، أو يقول لمسلم: أعتق عبدك عن كفارتي، فإنه يصح على الأصح، وإن لم يتيسر له إعتاق عبد مسلم فهل يصوم؟ وهذا هو الأمر الثاني: قال القاضي الحسين: لا يكفر بالصوم؛ لأنه ليس من أهله.
ج- اشتراط حرية القاتل:
اختلف الفقهاء أيضا في اشتراط حرية القاتل في وجوب الكفارة إلى رأيين أيضا:
أولهما: يرى المالكية: أنه يشترط حرية القاتل لإيجاب الكفارة عليه؛ ذلك لأن العبد لا يصح عتقه، والكفارة إعتاق رقبة مؤمنة ...
ثانيهما: يرى الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية: أنه لا يشترط لإيجاب الكفارة كون القاتل حرا؛ بل تجب وإن كان عبدا؛ لأن موجب الجناية التي يرتكبها العبد يتعلق به؛ إذ لو كان موجبها القصاص أو الضمان فإنهما يتعلقان به، فكذلك تتعلق الكفارة به.
ولما كان النوع الأول من الكفارة وهو الإعتاق لا يتمكن منه العبد -لعدم مالكيته أو قصور يده عن التملك؛ لأنه وما ملكت يداه لسيده- لذلك قالوا: إنه يكفر بالصوم.
الترجيح: والذي أرجحه هو عدم اشتراط كون القاتل عاقلا بالغا، مسلمًا، حرًّا، بل كل من قتل وجبت عليه الكفارة، كما وجبت الدية؛ لما يأتي:
(1/444)

1- لأن الدية تجب في جميع هذه الأحوال سواء كان القاتل بالغا عاقلا أم لم يكن، مسلما أم معاهدا، حرا أم غير حر، وقد جمعت الآية الكريمة بين الدية والكفارة، وجعلتهما موجب هذه الجناية، فلا نملك إسقاط أي عقوبة منهما باشتراط هذه الشروط.
2- أنه وإن كان في الكفارة معنى العبادة، ففيها أيضا معنى العقوبة، ومعنى العقوبة يظهر لنا ويرجح أثناء عدم ظهور معنى العبادة كوسيلة للتنبيه والتحذير من الوقوع في مثل هذا العمل مرة أخرى.
وهي أيضا حق مالي يجب بنفس الفعل، وإذا كان حقا ماليا أمكن أن نتصور تحمل الصبي والمجنون إياه كالنفقات.
وعلى هذا فكل من قتل وجبت عليه الكفارة، فإن أمكن أداؤها بالعتق كان العتق، وإلا كان بالصيام، وسنتناول ما تؤدَّى به الكفارة في المسألة الرابعة.
ثانيا: الشروط التي تشترط في المقتول:
هذا النوع من الشروط منه ما اتفق عليه ومنه ما اختلف فيه، ونوضح هذه الشروط:
أ- اشتراط عصمة المقتول:
اتفق الفقهاء "الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة1" على أنه يشترط إيجاب الكفارة على القاتل خطأ أن يكون المقتول معصوما، فلو قتل شخص إنسانا غير معصوم الدم، والعصمة تكون بالإسلام2، أو بدار الإسلام
__________
1 لم يصرح الزيدية والإمامية بما ينافي هذا أو يعارضه.
2 فمن قتل في دار الحرب مسلما يعتقده كافرا، أو رمى إلى صف المحاربين فأصاب فيهم مسلما فقتله فعليه الكفارة؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} راجع: القرطبي ج5، ص323، والمغني والشرح الكبير ج10، ص38.
(1/445)

وبألا يقترف الإنسان جرما يستحق عليه القتل، كما لو قتل مرتدا، أو زنديقا، أو حربيا، أو باغيا، أو صائلا، أو زانيا محصنا، أو مستحق القصاص بالنسبة لولي الدم، فإن هؤلاء جميعا دمهم مباح، فلا تجب بقتل أحد منهم كفارة؛ لأن قتلهم مأمور به من المشرع الحكيم؛ نظرا لما ارتكبوه من جرائم، والكفارة لا تجب لمحو المأمور به.
ب- اشتراط إسلام المقتول:
اختلف الفقهاء في اشتراط كون المقتول مسلما لإيجاب الكفارة على القاتل على رأيين:
أولهما: يرى المالكية والإمامية وهو قول الحسن: أنه يشترط لإيجاب الكفارة على القاتل كون المقتول مسلما، ودليلهم أن الله تعالى يقول: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} فمفهومه أنه لا كفارة في غير المؤمن.
ثانيهما: يرى الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية: أنه لا يشترط في إيجاب الكفارة على القاتل كون المقتول مسلما، بل تجب الكفارة على القاتل، مسلما كان المقتول أو معاهدا، ذميا أم مستأمنا.
وقد استدلوا بما يأتي:
1- قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... } الآية1، والمعاهد -ذميا كان أم مستأمنا- له ميثاق، وبمنطوق الآية يكون على قاتله الدية والكفارة، وهذا المنطوق يقدم
__________
1 سورة النساء الآية رقم "92".
(1/446)

على مفهوم قوله تعالى في صدر الآية: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} .
2- أن المقتول آدمي قتل ظلما، فوجبت الكفارة بقتله كالمسلم.
الترجيح: وأرى رجحان الرأي الثاني؛ لما ذكر من أدلة.
ج- اشتراط حرية المقتول:
إذا قتل شخص إنسانا حرا وجبت الكفارة عليه إذا توافرت الشروط الأخرى، وذلك باتفاق الفقهاء، أما إذا قتل عبدا، فهل تجب في قتله الكفارة سواء كان عبد غيره أم عبد نفسه؟ اختلف الفقهاء في إيجابها إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: يرى المالكية: أنه إذا قتل الحر المسلم رقيقا مملوكا لنفسه أو لغيره فإنه يندب له دفع الكفارة.
الرأي الثاني: يرى الشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية: أنه يجب على من قتل عبدا لنفسه أو لغيره دفع الكفارة، وذلك لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} من غير فصل بين حر وعبد.
الرأي الثالث: يرى الحنفية: أنه لو قتل عبد غيره خطأ وجب عليه إخراج الكفارة لعموم الآية، وأما إن قتل عبد نفسه فجنايته هدر1.
الترجيح: وأرى رجحان الرأي الثاني؛ لأنه قاتل نفس خطأ، وعلى قاتل النفس بنص الآية الكفارة، ولم تفصل الآية بين كون المقتول حرا أم عبدا، عبدا لنفسه أم عبدا لغيره.
__________
1 بدائع الصنائع ج7، ص258.
(1/447)

د- اشتراط كون المقتول ظاهر الحياة:
اختلف الفقهاء في إيجاب الكفارة على من ضرب امرأة فألقت جنينا ميتا إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية والزيدية: أنه لا تجب الكفارة على من ضرب امرأة فألقت جنينا ميتا؛ وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يوجب الكفارة حين أوجب الغرة في المرأة التي ألقت جنينا1، ولأن الكفارة فيها معنى العقوبة؛ لأنها شرعت زاجرة، وفيها معنى العبادة؛ لأنها تتأدى بالصوم، وقد عرف وجوبها في النفوس المطلقة فلا يتعداها إلى ما لا يعتبر نفسا كاملة، بدليل أنه لا تجب فيه الدية، وإنما تجب فيه غرة؛ لأن العقوبة لا يجري فيها القياس، إلا أنه إذا تبرع بالكفارة كان أفضل له ويستغفر ربه مما صنع؛ لأنه ارتكب محظورا يستدعي التقرب إلى الله تعالى.
الرأي الثاني: يرى المالكية: أنه يندب لقاتل الجنين أن يؤدي الكفارة.
الرأي الثالث: يرى الحسن، وعطاء، والزهري، والحكم، والشافعية، والحنابلة، والإمامية: أنه تجب الكفارة في قتل الجنين كما تجب الغرة، قد استدلوا على ذلك بما يأتي:
1- قال تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً ... } الآية، وهذا الجنين إن كان من قوم مؤمنين، أو كان أحد أبويه مؤمنا، فهو محكوم بإيمانه تبعا، يرثه ورثته المؤمنون ولا يرث الكافر منه شيئا، وإن كان من أهل الذمة فهو من قوم بيننا وبينهم ميثاق، وفي قتل أي من هؤلاء الكفارة، فكذلك في قتل هذا الجنين الكفارة.
__________
1 تقدم نص الحديث أكثر من مرة.
(1/448)

2- ولأنه نفس مضمونة بالدية "الغرة" فوجبت في قتلها الكفارة كالكبير.
الرد على أدلة الرأي الأول: وقد ردوا على ما استدل به أصحاب الرأي الأول بأن ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر الكفارة لا يمنع وجوبها؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "في النفس مائة من الإبل" 1، فذكر الدية في مواضع ولم يذكر الكفارة ... وإنما لم يذكرها لأن الآية أغنت عن ذكر الكفارة فاكتفى بها.
3- كما ذكر الشافعية أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قضى بإيجاب الكفارة في قتل الجنين2.
الترجيح: والرأي الثاني هو الذي أراه راجحا؛ للأدلة التي ذكرت له، ولأن الكفارة وجبت بدلا عن تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإن كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة، والتصرف فيما حل له تصرف الأحياء، وكان لله سبحانه فيه حق، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من اسم العبودية -صغيرا كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو ذميا- ما يتميز به عن البهائم والدواب، ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا، والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ضمن القاتل الكفارة.
هـ- اشتراط وقوع الجناية على نفس الغير:
رأينا فيما تقدم أن الفقهاء تناولوا بالبحث الجناية إذا وقعت على نفس الغير، أما إذا وقعت من الإنسان على نفسه، فسيأتي بحث ذلك في موضعه.
__________
1 تقدم حديث عمرو بن حزم في مبحث الدية في القتل العمد.
2 مغني المحتاج ج4، ص108.
(1/449)

ثالثا: ما يشترط في الفعل القاتل:
سبق أن بحثنا موجب القتل العمد وشبه العمد، وبينا آراء الفقهاء في إيجاب الكفارة في هذين النوعين من الجناية، ونبين هنا آراءهم في القتل الخطأ، ولما كان للفقهاء تقسيمات لهذا النوع من الجناية -كما سبق أن أوضحنا- وهي: الخطأ المحض، وما جرى مجرى الخطأ، والقتل بسبب، والأولان يعتبران من القتل بالمباشرة، وأما الأخير فيعتبر قتلا بواسطة، وليس قتلا بالمباشرة؛ لذلك رأينا الفقهاء يختلفون في إيجاب الكفارة في النوع الأخير إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية والزيدية والإمامية: أنه تجب الكفارة إذا تم القتل بالمباشرة كما في الخطأ المحض، وما جرى مجراه، كالنائم ينقلب على غيره، أما القتل بالتسبيب، كحفر البئر في غير ملكه فلا تجب عليه الكفارة؛ لأن الكفارة تجب بالقتل، والقتل معدوم منه حقيقة؛ لأن الحفر ليس بقتل أصلا، وإذا كان كذلك فلا يترتب عليه دية ولا كفارة ولا حرمان من الميراث؛ إلا أنه ألحق بالقتل في حق الضمان "الدية" على خلاف القياس؛ صيانة للدماء عن الهدر، فيبقى في حق وجوب الكفارة والحرمان من الميراث على الأصل1.
الرأي الثاني: يرى المالكية والشافعية والحنابلة: أنه تجب الكفارة في القتل الخطأ، سواء كان بالمباشرة أم بالتسبيب، وذلك قياسا لها على الضمان، فكما أنه يجب الضمان بكليهما، كذلك تجب الكفارة، ولأن هذا الفعل
__________
1 راجع: بدائع الصنائع ج7، ص274، وفتح القدير ج8، ص253، والتاج المذهب ج4، ص309، والروضة البهية ج2، ص448.
(1/450)

القاتل سبب لإتلاف الآدمي، وهذا السبب تعلق به ضمانه فتعلقت به الكفارة.
وكذلك قالوا: إن القتل بسبب تجب به الكفارة وذلك كما في المكره، فإنه إذا أكره إنسانا على قتل فإن الكفارة تجب عليه من غير مباشرة، وكذلك من أمر من لا يميز بأن يقتل إنسانا فقتله، كانت على الآمر الكفارة، وكذا لو شهد اثنان زورا على إنسان بأنه قتل عمدا، فاقتص منه، فإن الشهود تلزمهم الكفارة.
الترجيح: ونرى رجحان الرأي الثاني؛ لما ذكروه من أدلة، وأيضا فإن السبب الذي أدى إلى القتل هو فعل غير مشروع قام به الجاني خطأ؛ إذ حفره في غير ملكه يشكل تعديا على حق الناس في المرور سالمين، ومن هنا فإن موقفه لا يقل عن النائم ينقلب على غيره، بل يزيد، وقد قالوافي هذه الحالة: إنه تجب الكفارة فكذلك تلك، وقد سبق أن رجحنا أنه لا فرق بين القتل مباشرة أو تسبيبا في إيجاب القصاص وسائر العقوبات المقدرة للجناية عمدا، فكذلك هنا في القتل الخطأ لا نفرق بين الحالتين فتجب الكفارة في القتل مباشرة وتسبيبا1.
المسألة الثالثة: وجوبها على كل من اشترك في القتل خطأ:
إذا اشترك جماعة في قتل شخص خطأ، فهل يلزم كل واحد منهم كفارة، أو يشتركون في كفارة واحدة؟ للفقهاء رأيان:
__________
1 مغني المحتاج ج4، ص107، 108، والشرح الكبير للدسوقي ج4، ص216، والشرح الكبير لابن قدامة ج10، ص37.
(1/451)

الرأي الأول: يرى أكثر أهل العلم "ومنهم الحسن وعكرمة، والنخعي والحارث العكلي، والثوري، والحنفية، والمالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة": أنه يلزم كل واحد منهم كفارة؛ لأن الكفارة لا تتبعض، وهي من موجب قتل الآدمي، فكملت في حق كل واحد من المشتركين كالقصاص.
الرأي الثاني: يرى أبو ثور، والأوزاعي فيما حكي عنه، وعلى الصحيح في مذهب الشافعية، ورواية حكاها أبو الخطاب عن الإمام أحمد: أن على الجميع كفارة واحدة؛ وذلك لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} و"من" يتناول الواحد والجماعة، ولم يوجب النص إلا كفارة واحدة ودية واحدة، والدية لا تتعدد فكذلك الكفارة، ولأنها كفارة قتل، فلم تتعدد بتعدد القاتلين مع اتحاد المقتول، ككفارة الصيد في الحرم.
وقد أجيب عن أدلة الرأي الثاني بما يأتي:
1- لا يصح قياس الكفارة على الدية في التبعيض؛ لأن الدية بدل عن النفس، وهي واحدة، والكفارة لتكفير القتل، وكل واحد قاتل، ولأن في الكفارة معنى العبادة، والعبادة الواجبة على الجماعة لا تتبعض، فلا تتبعض الكفارة.
2- وأيضا فإن الكفارة هنا تخالف كفارة الصيد، فإن كفارة الصيد تجب بدلا عن الصيد؛ ولهذا تجب في أبعاضه.
وقد وضح من هذا رجحان هذا الرأي وبخاصة أن الكفارة هي لجبر ما قد يقع الإنسان فيه من تقصير، وما يترتب عليه من ذنب وإثم، وأنها وسيلة إلى إصلاح عَلاقة الإنسان بربه، ومثل ذلك يحرص عليه.
(1/452)

المسألة الرابعة: ما تؤدى به الكفارة:
قال تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... } فقد نصت الآية على أن الكفارة هي تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
إلا أنه يبقى بعد هذا أن نتساءل عن الحكم فيما إذا لم يستطع تحرير رقبة مؤمنة، ولم يستطع صيام شهرين متتابعين؟
اختلف الفقهاء في الحكم في هذه الحالة إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية والمالكية، والأظهر في مذهب الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة، والزيدية والإمامية: أنه يثبت الصيام في ذمته، ولا يجب الإطعام كما يجب في كفارة الظهار؛ لأن الله تعالى لم يذكره، ولو وجب لذكره، ولأنه من المقادير، والمقادير لا تعرف إلا سماعا، ولأن المذكور كل الواجب؛ لوقوع الفاء في الجواب، أو لكونه كل المذكور.
الرأي الثاني: روي عن الإمام أحمد "رواية أخرى" والشافعية "في الظاهر": أنه يطعم ستين مسكينا ككفارة الظهار والفطر في رمضان، وهذا التقدير وإن لم يكن في هذه الآية التي بينت عقوبة القتل خطأ فقد ذكر ذلك في نظيره، وهوكفارتا الظهار والفطر في رمضان، فيقاس هذا عليهما.
وعلى هذا الرأي إن عجز عن الإطعام أيضا ثبت الإطعام في ذمته حتى يقدر عليه1.
الترجيح: ونرجح الأخذ بالرأي الثاني أخذا بالقياس على كفارتي الظهار والفطر في رمضان؛ لأن في الأخذ به تحقيق المعنى المقصود من شرعية الكفارة، فحيث يتعذر الإعتاق، ويتعذر الصيام، لأي سبب كان من الأسباب المعتد بها شرعا، فحينئذ إما أن تسقط هذه العقوبة، وفي هذا بعد عما قصده المشرع الحكيم من تطبيقها، وإما أن نقيسها على الكفارات الأخرى، وقد نص فيها على أنه إن لم يتمكن فإطعام ستين مسكينا، وحينئذ تنفيذ عليه العقوبة بصورة اعتد بها المشرع الحكيم في جبر جرم آخر ارتكب، خاصة وأن القول بذلك يؤدي إلى إمكان أن يتحمل غير المسلم الكفارة، على الرأي الذي رجحناه فيما تقدم؛ حيث إنه قد لا يتيسر له إعتاق رقبة مؤمنة، ولا يتأتى منه الصيام، فيمكن حينئذ أن نوجب عليه الإطعام كعقوبة مالية، حتى تصبح العقوبة واحدة بالنسبة للجميع.. ويكون من الممكن أداؤها.
__________
1 الزيلعي ج6، ص118، والشرح الكبير للدسوقي ج4، ص254، ومغني المحتاج ج4، ص108، والشرح الكبير لابن قدامة ج10، ص41.
(1/453)

النوع الثالث: الحرمان من الميراث:
يترك المقتول للورثة شيئين؛ أولهما: المال الذي يملكه حتى موته، وثانيهما: ديته التي تؤخذ من القاتل ومن عاقلته، فهل القاتل خطأ يحرم من ميراث كليهما، أو من ميراث أحدهما، أو لا يحرم؟ للفقهاء ثلاثة آراء:
أحدها: يرى الإمامية "في رأي مرجوح": أن القاتل خطأ يرث مطلقا من المال ومن الدية، واستدلوا بما روي عن عبد الله بن سنان عن جعفر الصادق -رضي الله عنه- في رجل قتل أمه: أيرثها؟ قال: إن كان خطأ ورثها، وإن كان عمدا لم يرثها، وقالوا: إن ترك التفصيل دليل العموم فيما تركه مطلقا ومما تركه الدية، فتورث الدية كما يورث المال إن كان للقتل خطأ.
(1/454)

إلا أن ما استدلوا به هو أثر عن جعفر الصادق -رضي الله عنه- وهو لا يعارض الأحاديث الصحيحة والواردة في الباب، والتي سيأتي ذكرها في الرأي الثاني والثالث.
الثاني: يرى المالكية، والنخعي، والزيدية، والإمامية على أظهر الأقوال: أن القتل الخطأ لا يمنع القاتل من ميراث مال المقتول، ولكن يمنعه من أن يرث من ديته، وقد استدلوا بما يأتي:
1- روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في خطبته يوم فتح مكة: "لا توارث بين أهل ملتين مختلفتين، والمرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا، فإن قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ماله ولا من ديته، وإن قتله خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته" رواه الدارقطني من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص1.
وقال الإمامية: إن هذا القول جامع بين النصين، ولأن الدية يجب على القاتل دفعها إلى الوارث؛ لقوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} .
فلو قلنا: إنه يرث من الدية، فحينئذ لا تدفع الدية كاملة إلى أهله؛ حيث إنه سيستحق بعض الدية باعتباره وارثا، فيدفع إلى الورثة نصيبهم، ويدفع إلى نفسه نصيبه ودفع القاتل إلى نفسه لا يعقل؛ إذ إنه يؤدي إلى أن توجب الجناية دفع شيء إلى الجاني، والمعقول أن توجب دفع شيء إلى المجني عليه2.
الرأي الثالث: يرى الحنفية "مع مراعاة أن الحنفية يجعلون القتل بسبب
__________
1 في التعليقات على البحر الزخار ج5، ص367.
2 راجع الروضة البهية ج2، ص297.
(1/455)

غير مانع من الميراث وسيأتي "إيضاحه" والشافعية.. ورأي مرجوح للإمامية وهو قول أكثر أهل العلم: أنه لا يرث العاقل خطأ من ميراث مقتوله ولا من ديته.
وقد استدلوا بأحاديث وآثار بعضها عام في الدلالة على حرمان القاتل من الميراث، وبعضها خاص بالجناية خطأ.
أما الأول: فمنها ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يرث القاتل شيئا" رواه أبو داود1.
وما روي عن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه سلم يقول: "ليس لقاتل ميراث" رواه مالك في الموطأ وأحمد وابن ماجه2.
فهذان الحديثان يدلان على حرمان القاتل من الميراث مطلقا عمدا كان القتل أم خطأ، كان الميراث مال المقتول أم ديته.
__________
1 جاء في نيل الأوطار ج6، ص75 بشأن سند هذا الحديث أنه قد أخرجه النسائي وأعله، والدارقطني وقواه ابن عبد البر.
2 كما جاء في نفس المرجع بشأن هذا الحديث أيضا أنه قد أخرجه الشافعي وعبد الرزاق والبيهقي، وهو منقطع، قال البيهقي: رواه محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده مرفوعا، قال الحافظ: وكذا أخرجه النسائي من وجه آخر عن عمر، وقال: إنه أخطأ، وأخرجه ابن ماجه والدارقطني من وجه آخر عن عمر أيضا.
وفي الباب عن ابن عباس عند الدارقطني بلفظ: "لا يرث القاتل شيئا"، وفي إسناده كثير بن مسلم" وهو ضعيف".
وعن ابن عباس أيضا حديث آخر عند البيهقي بلفظ: "من قتل قتيلا فإنه لا يرثه، وإن لم يكن له وارث غيره "، وفي لفظ: "وإن كان والده أو ولده".
(1/456)

وأما الثاني:
1- فما روي عن عمر بن شيبة بن أبي كثير الأشجعي -عند الطبراني في قصة- أنه قتل امرأته خطأ فقال صلى الله عليه وسلم: "اعقلها ولا ترثها".
2- وما روي عن عدي الجزامي -نحو الحديث المتقدم- أخرجه الخطابي، ولفظه في سنن البيهقي: أن عديا كانت له امرأتان اقتتلتا فرمى إحداهما، فماتت، فلما قدم الرسول -صلى الله عليه وسلم- أتاه فذكر له ذلك فقال له: "اعقلها ولا ترثها".
3- وأخرج البيهقي أيضا أن رجلا رمى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك فأراد نصيبه من ميراثها فقال له إخوته: لا حق لك، فارتفعوا إلى علي -رضي الله عنه- فقال له: حقك من ميراثها الحجر، وأغرمه الدية، ولم يعطه من ميراثها شيئا.
وأخرج البيهقي أيضا عن جابر بن زيد أنه قال: "أيما رجل قتل رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث له منها، وأيما امرأة قتلت رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث لها منهما".
وقد قضى بذلك عمر بن الخطاب وعلي وشريح وغيرهم من قضاة المسلمين.
وقالوا أيضا: إن جناية قتل المورث تضمنت تهمة استعجال القاتل ميراث مقتوله، والقتل الخطأ يتضمن هذا؛ لاحتمال أنه قصد قتله إلا أنه أظهر الخطأ من نفسه، فالتهمة موجودة؛ لأن الفرق بين العمد والخطأ إنما هو في قصد القتل وعدمه، والقصد أمر باطني لا اطلاع لأحد عليه، وإنما يستدل بالقرائن، وقد يقصد الوارث قتل المورث، وخوفا من موجب القتل
(1/457)

العمد يحكم جنايته إحكاما تاما؛ بحيث تظهر في صورة الخطأ، فالتهمة في القتل الخطأ موجودة.
اختلافهم في القتل بسبب:
سبق أن بينا أن القتل الخطأ وما يأخذ حكمه أنواع، فالخطأ إما خطأ في القصد أو في الفعل أو فيهما، وما يأخذ حكمه، هو ما جرى مجرى الخطأ، كالنائم يتقلب على غيره فيقتله، وكذا القتل بسبب كحفر بئر في الطريق أو إلقاء حجر، والقتل في الأوليين تم بالمباشرة، وفي الأخير تم بالتسبيب.
ولقد اتفق هؤلاء الفقهاء -أصحاب الرأي الثالث- على أن القتل بالمباشرة يمنع من الميراث، واختلف الحنفية مع الشافعية في كون القتل بالتسبيب مانعا من الميراث، فقال الشافعية: إنه يمنع من الميراث كالقتل بالمباشرة.
وقال الحنفية: إنه غير مانع من الميراث؛ وذلك أن حرمان الميراث يتعلق بالقتل حقيقة، والتسبيب ليس قتلا حقيقة؛ لأن القتل ما يحل في الحي فيؤثر في إزهاق الروح، والتسبيب ليس كذلك؛ لأنه فعل في غيره تعدى أثره إلى هذا الإنسان الحي، كما أوقد نارا في داره فأحرق دار جاره فإنه لا ضمان عليه.
فالمتسبب ليس بقاتل حقيقة ولا متهم؛ لأنه لا يعلم أن مورثه يقع في البئر، وهو متهم في الخطأ وما جرى مجراه لاحتمال أنه قصد ذلك في الباطن1، فيمنع الميراث فيما ترد فيه التهمة لا يمنعه فيما لا ترد فيه التهمة.
__________
1 وقد سبق أن بينا وجه الفرق بين هذه الأنواع في صدر هذا الفصل.
(1/458)

ما أخذ به قانون المواريث المصري:
نص قانون المواريث المصري رقم 77 لسنة 1943م في المادة الخامسة على أنه "من موانع الإرث قتل المورث عمدا، سواء أكان للقاتل فاعلا أصليا أم شريكا أم كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام وتنفيذه، إذا كان القتل بلا حق ولا عذر، وكان القاتل عاقلا بالغا من العمر خمس عشرة سنة، وبعد من الأعذار تجاوز حق الدفاع الشرعي".
ومن هنا يتبين لنا أن القانون مأخوذ من الرأي الأول الذي يجعل القاتل خطأ يرث مطلقا من مال المقتول أو من ديته؛ لأنه لم يجعل القتل الخطأ مانعا من ميراث أي منهما.
نظرة على عقوبة القتلى الخطأ في الفقه الإسلامي:
رأينا فيما تقدم أن عقوبة القتل الخطأ في الفقه الإسلامي جمعت بين الدية التي تدفع لورثة المقتول وهي حق من حقوق العباد -على الطريق الذي فصلناه -وبين الكفارة، وهي حق من حقق الله تعالى، وبين الحرمان من الميراث "أو الوصية" على الخلاف الذي تقدم- وهو حق من حقوق الله تعالى أيضا، ولا يأبى الفقه الإسلامي العقوبة التعزيرية إذا وجدت دواع راجحة لتوقيعها على المرتكب جناية خطأ، حتى يتخذ الجاني من وسائل الحيطة والحذر ما يجنبه ويجنب غيره الوقوع في مثل ذلك.
(1/459)

موقف قانون العقوبات من القتل خطأ:
نص قانون العقوبات المصري في المادة 238 على أن: "من تسبب خطأ في موت شخص بأن كان ذلك ناشئا عن إهماله، أو رعونته، أو عدم احتراسه، أو عدم مراعاته القوانين والمقررات واللوائح والأنظمة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر بغرامة لا تقل عن عشرين جنيها ولا تجاوز مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وتكون عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ست سنين، وغرامة لا تقل عن خمسين جنيها ولا تجاوز أربعمائة جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا وقعت الجريمة نتيجة إخلال الجاني بما تفرضه عليه أصول مهنته أو حرفته، أو كان عند ارتكابه الخطأ الذي نجم عنه الحادث متعاطيا عقاقير مخدرة أيا كان نوعها، أو كان في حالة سكر بين، أو لم يقدم المساعدة وقت الحاديث لمن وقعت عليه الجريمة، أو لم يطلب هذه المساعدة مع تمكنه من ذلك.
وتكون العقوبة الأشغال الشاقة لمدة لا تزيد على خمس سنين إذا نشأ عن الخطأ وفاة أكثر من خمسة أشخاص.
فإذا توافر ظرف آخر من الظروف المشددة الواردة في الفقرة الثانية تكون العقوبة بالأشغال الشاقة المؤقتة".
ومن هذا النص يتقين لنا أن قانون العقوبات جعل عقوبة القتل خطأ عقوبة تعزيرية، سواء تمت بالحبس أو بالأشغال الشاقة أو بالغرامة، وهذا النوع من العقوبة سبق أن بينا أنه نوع من العقوبات التعزيرية في الفقه الإسلامي الذي يترك أمر تقديرها لاجتهاد الحاكم أو من يقوم مقامه.
ونضيف إلى ذلك أنه بجانب هذه العقوبة التي قررها قانون العقوبات
(1/460)

نصت المادة 524 من القانون المدني على أنه: "كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض".
وقد سبق أن ناقشنا الفرق بين التعويض الذي يقرره القانون وبين الدية التي تفرضها الشريعة، وبينا الآثار العميقة للفرد والمجتمع في الأخذ بالشريعة، وآثار ذلك على منع الجريمة، فضلا عن عدم ضياع دية المقتول عند إعسار القاتل أو عاقلته أو موته.
العقوبة الدنيوية لقاتل نفسه "عمدا، أو شبه عمد، أو خطأ":
بينا فيما تقدم عقوبة قاتل غيره عمدا أو شبه عمد أو خطأ، ونبين هنا العقوبة الدنيوية لقاتل نفسه كذلك. أما العقوبة الأخروية له فقد سبق أن بيناها عند بيان هذه العقوبة لقاتل غيره، والباحث في الفقه الإسلامي يجد أن عقوبته تدور بين أمرين لا ثالث لها؛ هما: الدية والكفارة، أما القصاص والتعزير فلا يتأتى تطبيق شيء منهما لفوات محل تطبيق العقوبة البدنية، ولا يراد الحرمان من الميراث بداهة، ونبين آراء الفقهاء في إيجاب الدية والكفارة في الجنايات الثلاث:
أولا: أما إن قتل نفسه عمدا فقد اتفق الفقهاء على أنه لا تجب عليه دية لا في ماله ولا على عاقلته، أما أنه لا تجب عليه دية فلأنه لا معنى لإيجابها في ماله، ثم ردها إلى ورثته؛ لأنه على كلا الحالتين المال كله مآله إلى الورثة فإيجابها في هذا المال لا معنى له، ولا يحقق فائدة، وما كان على هذه المثابة فإنه لا يشرع، ثم إن الدية إنما تجب بدلا عن القصاص الواجب، فهي عوض عن إيحاء النفس، والنفس هنا قد فاتت وذهبت بفعل صاحبها ظاهرا فلا تجب الدية، وأما أنها لا تجب على العاقلة فلأن العاقلة لا تحمل عمدا
(1/461)

بنص الحديث "كما تقدم"، ولأنه لا عذر للقاتل في القتل العمد، وإذا لم يكن له عذر فإنه لا يستحق التخفيف، والعاقلة إنما تحمل عن الجاني ما يستدعي التخفيف عنه؛ لأنها تتحمل عنه مواساة ومعاونة وتآزرا معه فيما وقع فيه خطأ ودون قصد.. أما ما كان عمدا فإنه لا يتلاءم مع المعنى الذي يهدف إليه المشرع من وراء معنى العاقلة وما تتحمله.
وأما الكفارة، فقد اختلف الفقهاء في إيجابها على من قتل نفسه عمدا، فيرى جمهور الفقهاء أنها لا تجب وبخاصة من يرون عدم إيجاب الكفارة في قتل الغير عمدا، وهم "الحنفية والحنابلة والزيدية والثوري وأبو ثور" للأدلة التي سبق النص عليه، ويرى الشافعية إيجاب الكفارة في القتل العمد أو شبهه أو الخطأ، سواء قتل نفسه أو غيره، فقد جاء في مغني المحتاج: "وتجب الكفارة بقتل مسلم ولو بدار الحرب وذمي وجنين، وعبد نفسه، وبقتل نفسه؛ لأنه قتل نفس معصومة، فتجب فيه كفارة لحق الله تعالى، فتخرج من تركته، أما إذا لم تكن نفسه معصومة بأن كانت مهدرة، فينبغي -كما قال الزركشي- ألا تجب، وفي قتل نفسه وجه: أنه لا يجب لها الكفارة كما لا يجب ضمانها بالمال".
ثانيا: وأما إن قتل نفسه قتلا شبه عمد، فإنه يلزمنا أن نذكر بعض الأمثلة التي أوردها الفقهاء لمثل هذا القتل، ثم نتبعها ببيان ما يجب فيه من دية أو كفارة، أما الأولى فمن صوره: إمساك الحية مع الظن أنها لا تقتل، أو أن يأكل كثيرا حتى يبشم، أو المشي على الحبال في الهواء، والجري في المواضع البعيدة مما يفعله أرباب البطالة والشطارة، وكل ذلك يعتبر قتلا شبه عمد إذا لم يقصد بشيء من ذلك قتل نفسه؛ لأن هذه الأفعال تقتل غالبا، ويمكن أن يقاس على ذلك الألعاب التي يغلب فيها ذلك كالمصارعة والملاكمة.
وأما ما يجب فيه من دية أو كفارة، فأما الدية فقد اختلف الفقهاء في إيجابها، فيرى البعض إيجابها على العاقلة "في رأي للشافعية -غير المشهور-
(1/462)

ورأي للحنابلة" معتبرين أن هذه الجناية تساوي جناية الإنسان على غيره خطأ أو شبه عمد، فكما وجبت على العاقلة دية قاتل غيره خطأ أوشبه عمد، فكذلك تجب هنا في الحالتين.
ويرى جمهور الفقهاء أنه لا تجب الدية في هذه الجناية؛ لأنه لا عذر له في اقترافه الفعل الموجب لها؛ إذ لم يكن معذورا، فإنه يشبه العمد المحض، والعمد المحض لا تجب فيه الدية، فكذلك هنا.
وهو رأي الحنفية والمالكية والشافعية "المشهور" والحنابلة.
والناظر إلى هذين الرأيين على ضوء التطور الصناعي في هذا العصر يجد أن كثيرا من الناس يباشرون بعض الأعمال التي تكتنفها بعض المخاطر؛ كعمال المناجم، ومصانع الحديد والصلب، وما شاكل ذلك من الصناعات والأعمال؛ طلبا لرزقهم، وسدا لحاجتهم، وتنمية لاقتصاد دولتهم.
وقد يترتب على مباشرتهم لهذه الأعمال ذهاب أرواحهم أو أعضائهم أو حدوث أضرار جسمانية، فما الموقف من هؤلاء في ظل الفقه الإسلامي؟
إنني أرى أن هذا العمل الذي يقوم به العامل والذي يحتاج إليه الفرد والدولة لا بد من أن يكون محاطا ببعض الضمانات الكفيلة بسد الثغرات التي تنتج عن استمرار العمل والإنتاج، وهذه الضمانات هي إيجاب الدية لمن قتل منهم أثناء تأديته عمله، وتكون هذه الدية على العاقلة؛ لأنه قتل شبه عمد؛ إذ العمل قد يؤدي إلى القتل، والقتل غير مقصود، وفي شبه العمد الدية على العاقلة، فكذلك هنا.
فإن لم تكن له عاقلة كانت ديته من بيت المال، ولا يمكن قياس هذا القتل على القتل العمد، حتى لا تجب الدية على العاقلة؛ لأن العمد أن يقصد الفعل ... ويقصد به القتل، وقد سبق أن بينا مدلول العاقلة في الفقه
(1/463)

الإسلامي، ويمكن اعتبار كل العاملين في مصنع من المصانع عاقلة، كل منهم يعقل عن الآخر إذا ما توافرت شروط العاقلة فيهم وفي كل فرد منهم.
وأما إيجاب الكفارة فيرى بعض الفقهاء "الحنابلة" إيجابها في ماله، وقد يستدل لهذا الرأي بأن القتل هنا قد وقع خطأ؛ لأنه لم يرد قتل نفسه، والله تعالى يقول: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وهو قد وقع قتله لنفسه خطأ، بينما يرى جمهور الفقهاء عدم إيجابها عليه؛ وذلك لانعدام خطابه بها بسبب موته، وإذا انعدم خطاب الشرع له بها -بسبب الموت- لم تجب عليه كسائر الأحكام.
ثالثا: وأما إن قتل نفسه خطأ أو قطع عضوا من أعضائه، فقد اختلف في إيجاب الدية والكفارة أيضا:
فإما إيجاب الدية على العاقلة -كما هو الشأن في الجناية خطأ على الغير- فيرى بعض الحنابلة "القاضي" أن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه، أو أرش جرحه إذا كان أكثر من الثلث، وهو قول الأوزاعي وإسحاق؛ وذلك لما روي أن رجلا ساق حمارا فضربه بعصا كانت معه، فطارت شظية ففقأت عينه، فجعل عمر ديته على عاقلته، وقال: "هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد"، ولم نعرف لعمر مخالفا في عصره، ولأنها جناية خطأ، فكان عقلها على عاقلته كما لو قتل غيره، فعلى هذا الرأي إن كانت العاقلة الورثة لم يجب شيء؛ لأنه لا يجب للإنسان شيء على نفسه، وإن كان بعضهم وارثا سقط عنه ما يقابل نصيبه، وعليه ما زاد على نصيبه، وله ما بقي إن كان نصيبه من الدية أكثر من الواجب عليه.
ويرى أكثر أهل العلم "الحنفية والمالكية والشافعية وقول للحنابلة
(1/464)

وربيعة والثوري" أن جنايته هدر؛ وذلك لأن عامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فرجع سيفه على نفسه، فمات ولم يبلغنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى فيه بدية، ولا غيرها، ولو وجبت لبينه النبي -صلى الله عليه وسلم- ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد، ولأن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني وتخفيفا عنه، وليس على الجاني هاهنا شيء يحتاج إليه الإعانة والمواساة فيه، فلا وجه لإيجابه، ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية على غيره، فإنه لو لم تحمل العاقلة موجب الجناية خطأ على الغير لأجحف به وجوب الدية لكثرتها.
وأما الكفارة، فيرى الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية: أنه لا يجب هنا في النفس كفارة، كما لا يجب ضمانها بالمال.
ويرى الشافعية والحنابلة: أن من قتل نفسه خطأ وجبت الكفارة في ماله؛ لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا} الآية، ولأنه آدمي مؤمن مقتول خطأ فوجبت الكفارة على قاتله، كما لو قتله غيره.
الترجيح: رجح ابن قدامة المقدسي "الحنبلي" الرأي الأول قائلا: "إنه الأقرب إلى الصواب إن شاء الله، فإن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه بكفارة، وقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} إنما أريد بها إذا قتل غيره، بدليل قوله: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} وقاتل نفسه لا تجب فيه دية بدليل قتل عامر بن الأكوع.
ولكن ما ذكره من الأثر يمكن الرد عليه، بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قضى في الجنين بغرة، ولم يقض بالكفارة، وقد سبق أن قيل: إن الغرة ثابتة بالحديث، والكفارة ثابتة بالقرآن، وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- التي وضحت الديات لم تذكر الكفارة اعتمادا على
(1/465)

هذا، ومن هنا يمكن أن نقول: إنه إذا قتل إنسان نفسه تجب في ماله الكفارة.
إلا أن المعاني التي شرعت من أجلها الكفارة، إن كانت عبادة وتقربا، فلا بد من وجود الشخص؛ لأنه لا عبادة بدون النية، وإن كانت زجرا وتنبيها إلى التحرز عن الوقوع في الخطأ، فإن كان هذا بالنسبة للشخص نفسه، لقد فات المحل الذي يمكن أن يستجيب لذلك، وإن كان هذا بالنسبة للغير، فإن المحل موجود، ويمكن أن يتحقق بالنسبة له هذا الغرض، فيعلم الإنسان القاتل لنفسه أن عليه حين يرتكب هذه الجناية خطأ كفارة تؤخذ من ماله كما تؤخذ بقية الحقوق.
ولعل النظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "الآدمي بنيان الرب، ملعون من هدم بنيانه" يجعلنا ننظر إلى نفس الإنسان المعتدَى عليه، على أنه غير، سواءكان المعتدى عليه هو نفس هذا الإنسان المعتدي أم غير نفسه، ويؤيد هذا أنه معاقب على اقتراف هذا الجرم في الآخرة على كلا الحالين، بل بعقوبة أشد في الحالة الأولى كما سبق أن أوضحنا1.
ومن هنا نرى ترجيح الرأي الثاني، خاصة وأن حق الأرقاء في الحرية حق يتشوف الشرع إلى تحقيقه، وهو حق للغير، يلزم الوفاء به كسائر الحقوق، وكذلك حق المحتاجين في الإطعام.
وبعد، فهذا ما وفقنا الله تعالى إلى إخراجه من هذا المؤلَّف، وإننا لنحمده ونشكره على ما وهب، ونسأله جل شأنه أن يعيننا على إخراج الجزء الثاني منه في وقت قريب ... إنه نعم المولى ونعم النصير،
د. حسن علي الشاذلي
__________
1 راجع ما أوضحناه في هذا ص48.
(1/466)

الفهرس:
الصفحة الموضوع
4 الافتتاحية
11 التمهيد
12 الجريمة
14 أنواع الزواجر ما كان منها حقا لله وما كان حقا للعبد
16 التعريف بحق الله وحق العبد وميزات كل
23 وميزان كل الجناية لغة وشرعا
26 الجريمة والجناية في الفقه الوضعي
29 العقوبات
31 الأسس العامة التي تقوم عليها العقوبة
31 أولا: تطبيق الحدود يحقق مصالح الناس
33 ثانيا: عدالة العقوبة
34 ثالثا: استقرار التجريم والعقاب
35 رابعا: الواقعية والموضوعية في تقرير نوع العقوبة
37 خامسا: العقوبات تكتنفها الرحمة
41 سادسا: اقتران توقيع العقوبة بتطهير الذنب
42 سابعا: تدرج العقوبات بتدرج نوعية الجرائم
46 الباب الأول: جناية القتل
46 أول جناية قتل وقعت في التاريخ
48 حكم الجناية على الإنسان
53 الفصل الأول: القتل العمد وعقوبته
54 المبحث الأول: حقيقة القتل العمد في الفقه الإسلامي تفصيلا
80 المبحث الثاني: أركان الجريمة العمدية في الفقه الإسلامي
80 أولا: الاعتداء على آدمي حي
85 ثانيا: معصوم الدم
86 ثالثا: معين
87 رابعا: قصد الضرب
92 خامسا: قصد العدوان
99 سادسا: الفعل القاتل
99 القتل مباشرة
101 القتل بسبب
106 القتل بالترك
112 المبحث الثالث: آراء فقهاء القانون في تحليل القتل العمد ورأي الفقه الإسلامي في هذه الآراء
(1/467)

الصفحة الموضوع
112 تعريف القتل العمد عند فقهاء القانون
113 وأركان هذه الجريمة
131 الباعث على الجناية في الفقه الإسلامي
131 مرتبة الباعث في العملية الإرادية
133 أقسام الأعمال وأثر النية فيها
134 أثر الباعث على الجناية
137 المبحث الرابع: عقوبة القتل العمد في الفقه الإسلامي
137 المطلب الأول: الجزاء الأخروي
141 قبول توبة القاتل
143 الجزاء الأخروي لقاتل نفسه عمدا
146 المطلب الثاني: الجزاء الدنيوي
146 النوع الأول: القصاص "تعريفه لغة واصطلاحا"
147 المقصد الأول: الأدلة التي ثبت بها القصاص في القتل العمد
149 المقصد الثاني: عقوبة القتل العمد
159 المقصد الثالث: العفو عن القصاص أو المصالحة عليه
170 المقصد الرابع: شروط استيفاء القصاص
170 شروطه عند الفقهاء تفصيلا
184 الشروط التي اتفقوا عليها
186 الشروط المختلف فيها
186 أولا: التكافؤ في الدين
194 ثانيا: التكافؤ في الحرية
204 ثالثا: التكافؤ في الذكورة والأنوثة
211 رابعا: المساواة في العدد
211 قتل الجماعة بالواحد
221 قتل الواحد بالجماعة
228 استيفاء القصاص في الحرم
235 المقصد الخامس: ولاية استيفاء القصاص
235 الفرع الأول: من له حق الاستيفاء
243 ما يشترط فيمن لهم هذه الولاية
243 اشتراط التكليف
(1/468)

الصفحة الموضوع
244 اشتراط اتفاق المستحقين
246 اشتراط كون القصاص مأمون التعدي
248 الفرع الثاني: إذن الإمام بالاستيفاء
250 الفرع الثالث: كيفية استيفياء القصاص
256 المقصد السادس: الظروف المبيحة للقتل أو المخففة للعقوبة في الفقه الإسلامي
256 الفرع الأول: الظروف المبيحة للقتل
256 الدفاع الشرعي الخاص
258 الدفاع عن العرض
259 الدفاع عن النفس
263 الدفاع عن مال نفسه
265 الصائل غير المكلف
268 الدفاع عن عرض الغير أو نفسه أو ماله
270 تكييف القوانين الوضعية للدفاع الشرعي
277 الدفاع الشرعي العام
281 الفرع الثاني: الظروف المسقطة للقصاص أو المخففة للعقوبة
281 جناية الأب على ابنه
284 جناية الصبي
289 جناية المجنون
293 جناية المعتوه
295 جناية السكران
297 جناية المكره
303 رضا المجني عليه بالجناية
304 رأي القانون المصري في الظروف المخففة
308 الفرع الثالث: عقوبة عامة لمن سقط عنه القصاص
311 المقصد السابع: الظروف المشددة للعقوبة في الفقه الإسلامي
311 الفرع الأول: آية المحاربة وآراء الفقهاء في فهمها
314 الفرع الثاني: أركان جريمة المحاربة
321 الفرع الثالث: جرائم أدرجها بعض الفقهاء في جريمة المحاربة
321 أ- القتل غيلة
324 ب- العود في القتل
326 ج- قتل الإمام
(1/469)

الصفحة الموضوع
327 د- اقتران جريمة المحاربة بجريمة أخرى
328 الفرع الرابع: عقوبة جريمة المحاربة
328 آراء الفقهاء في عقوبة المحاربة
331 معنى للنفي من الأرض
332 أثر التوبة على العقوبة
333 أثر التوبة على الحقوق
336 النوع الثاني: الدية
336 أولا: تعريفها
337 ثانيا: من تجب عليه وكيفية أدائها
338 ثالثا: أجناسها ومقاديرها
342 النوع الثالث: الكفارة وآراء الفقهاء في إيجابها على القاتل عمدا
345 النوع الرابع: الحرمان من الميراث
347 المبحث الخامس: عقوبة القتل العمد في القانون مع مقارنتها بعقوبته في الفقه الإسلامي
350 الفصل الثاني: القتل شبه العمد وعقوبته
351 المبحث الأول: آراء الفقهاء في القول بشبه العمد
353 المبحث الثاني: أركان جريمة شبه العمد
358 المبحث الثالث: عقوبة القتل شبه العمد
359 المطلب الأول: الجزاء الأخروي
359 المطلب الثاني: الجزاء الدنيوي
359 النوع الأول: الدية في القتل شبه العمد
361 المقصد الأول: المتحمل للدية
363 المقصد الثاني: كيفية أدائها
365 النوع الثاني: الكفارة
366 النوع الثالث: الحرمان من الميراث
368 النوع الرابع: التعزير
368 المطلب الثالث: عقوبة الضرب المفضي إلى الموت في القانون
371 المطلب الرابع: المقارنة بين العقوبتين
(1/470)

الصفحة الموضوع
375 الفصل الثالث: القتل الخطأ وموجبه
375 المبحث الأول: حقيقة القتل الخطأ في الفقه الإسلامي
377 أ- أنواع الخطأ
380 ب- أنواع الجنايات التي هي في معنى الخطأ
381 الأول: فعل غير إرادي يؤدي إلى جناية
الثاني: القتل بسبب
389 المبحث الثاني: أركان الجريمة خطأ
394 المبحث الثالث: عقوبة القتل خطأ
395 النوع الأول: الدية
395 الفرع الأول: مقدارها ونوعها
398 الفرع الثاني: العاقلة
398 آراء الفقهاء فيمن تجب عليه الدية في القتل الخطأ
402 من تجب عليه الدية في الجناية خطأ ابتداء
404 الفرع الثالث: حقيقة العاقلة
410 ذوو الأرحام والزوج والأصل والفرع
413 تحمل بيت المال عند انعدام العاقلة
416 مظاهر التخفيف في دفع العاقلة الدية
416 أولا: إعفاء من لا تمكنهم ظروفهم من دفعها
417 أ- مظاهر الضعف الطبيعية
418 ب- مظاهر الضعف الاجتماعية
418 ج- مظاهر الضعف المالية
419 د- مظاهر الضعف الصحية
420 ثانيا: تحمل كل فرد قدر طاقته
423 طروء الإعسار والموت على أحد أفراد العاقلة
425 ثالثا: تحديد عدد العاقلة
426 رابعا: المدة التي تتحمل العاقلة فيها الدية
428 آراء الفقهاء فيما روي: "لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا...." الحديث
428 أ- الدية في العمد وشبه العمد
429 ب- جناية العبد على غيره أو جناية الغير عليه
(1/471)

الصفحة الموضوع
432 ج- اعتراف الجاني بالجناية
435 د- الصلح على الجناية
436 هـ- ما تحمله العاقلة من الدية
439 عاقلة غير المسلم
440 النوع الثاني: الكفارة
440 تعريف الكفارة لغة واصطلاحا
441 المسألة الأولى: من يتحمل الكفارة
442 المسألة الثانية: شروط وجوب الكفارة
442 أولا: ما يشترط في القاتل
445 ثانيا: ما يشترط في المقتول
445 أ- العصمة
446 ب- الإسلام
447 ج- الحرية
448 د- الحياة
449 هـ -اشتراط وقوع الجناية على الغير
445 ثالثا: ما يشترط في الفعل القاتل
451 المسألة الثالثة: وجوبها على كل من اشترك في القتل خطأ
453 المسالة الرابعة: ما تؤدَّى به الكفارة
454 النوع الثالث: الحرمان من الميراث
458 اختلاف الفقهاء في القتل بسبب ما أخذ به قانون المواريث المصري
459 نظرة عل عقوبة القتل الخطأ في الفقه الإسلامي
460 موقف قانون العقوبات من القتل الخطأ
461 العقوبة الدنيوية لقاتل نفسه عمدا أو شبه عمد أو خطأ
461 أولا: عقوبة قاتل نفسه عمدا
462 ثانيا: عقوبة قاتل نفسه قتلا شبه عمد
464 ثالثا: عقوبة قاتل نفسه خطأ
466 الفهرس
(1/472)