Advertisement

التحرير والتنوير 10



الكتاب :التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»
المؤلف : محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى : 1393هـ)
الناشر : الدار التونسية للنشر - تونس
سنة النشر: 1984 هـ
عدد الأجزاء : 30 (والجزء رقم 8 في قسمين)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، وهو مذيل بالحواشي، وضمن خدمة مقارنة التفاسير] الثَّنَاءِ هُنَا بِعَدَمِ رَفْعِ الصَّوْتِ وَعَدَمِ الْجَهْرِ عِنْد الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى نَوْطِهِ بِغَضِّ الصَّوْتِ عِنْدَهُ.
وَالْغَضُّ حَقِيقَتُهُ: خَفْضُ الْعَيْنِ، أَيْ أَنْ لَا يُحَدِّقَ بِهَا إِلَى الشَّخْصِ وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِخَفْضِ الصَّوْتِ وَالْمِيلِ بِهِ إِلَى الْإِسْرَارِ.
وَالِامْتِحَانُ: الِاخْتِبَارُ وَالتَّجْرِبَةُ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ مَحَنَهُ، إِذَا اخْتَبَرَهُ، وَصِيغَةُ الِافْتِعَالِ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: اضْطَرَّهُ إِلَى كَذَا.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِلتَّقْوَى لَامُ الْعِلَّةِ، وَالتَّقْدِيرُ: امْتَحَنَ قُلُوبَهُمْ لِأَجْلِ التَّقْوَى، أَيْ لِتَكُونَ فِيهَا التَّقْوَى، أَيْ لِيَكُونُوا أَتْقِيَاءَ، يُقَالُ: امْتُحِنَ فُلَانٌ لِلشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ كَمَا يُقَالُ:
جُرِّبَ لِلشَّيْءِ وَدُرِّبَ لِلنُّهُوضِ بِالْأَمْرِ، أَيْ فَهُوَ مُضْطَلِعٌ بِهِ لَيْسَ بِوَانٍ عَنْهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الِامْتِحَانَ كِنَايَةً عَلَى تَمَكُّنِ التَّقْوَى مِنْ قُلُوبِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ عَلَيْهَا بِحَيْثُ لَا يُوجِدُونَ فِي حَالٍ مَا غَيْرَ مُتَّقِينَ وَهِيَ كِنَايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ لِكَوْنِ الِانْتِقَالِ بَعْدَهُ لَوَازِمُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ فِعْلُ امْتَحَنَ مَجَازًا مُرْسَلًا عَنِ الْعِلْمِ، أَيْ عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُمْ مُتَّقُونَ، وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ اللَّامُ مِنْ قَوْلِهِ:
لِلتَّقْوى مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ هُوَ حَالٌ مِنْ قُلُوبٍ، أَيْ كَائِنَةً لِلتَّقْوَى، فَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ.
وَجُمْلَةُ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ خَبَرُ إِنَّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْمُسْتَأْنِفَةِ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ. وَجَعَلَ فِي «الْكَشَّافِ» خَبَرَ إِنَّ هُوَ اسْمُ الْإِشَارَةِ مَعَ خَبَرِهِ وَجَعَلَ جُمْلَةَ لَهُمْ مُسْتَأْنَفَةً وَلِكُلٍّ وَجْهٌ فَانْظُرْهُ.
وَقَالَ: «وَهَذِهِ الْآيَةُ بِنَظْمِهَا الَّذِي رُتِّبَتْ عَلَيْهِ مِنْ إِيقَاعِ الْغَاضِّينَ أَصْوَاتَهُمُ اسْمًا لِ إِنَّ الْمُؤَكِّدَةِ وَتَصْيِيرُ خَبَرِهَا جُمْلَةً مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ مَعْرِفَتَيْنِ مَعًا. وَالْمُبْتَدَأُ اسْمُ الْإِشَارَةِ، وَاسْتِئْنَافُ الْجُمْلَةِ الْمُسْتَوْدَعَةِ مَا هُوَ جَزَاؤُهُمْ عَلَى عَمَلِهِمْ، وَإِيرَادُ الْجَزَاءِ نَكِرَةً مُبْهَمًا أَمْرُهُ نَاظِرَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى غَايَةِ الِاعْتِدَادِ وَالِارْتِضَاءِ لِمَا فَعَلَ الَّذِينَ وَقَّرُوا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي
الْإِعْلَامِ بِمَبْلَغِ عِزَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَقَدْرِ شَرَفِ مَنْزِلَتِهِ» اهـ. وَهَذَا الْوَعْدُ وَالثَّنَاءُ يَشْمَلَانِ ابْتِدَاءَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ إِذْ كَانَ كِلَاهُمَا يُكَلِّمُ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَخِي السّرار.
(26/223)

إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
[سُورَة الحجرات (49) : الْآيَات 4 إِلَى 5]
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات: 2] بَيَانًا بِالْمِثَالِ وَهُوَ سَبَبُ النُّزُولِ. فَهَذَا شُرُوعٌ فِي الْغَرَضِ وَالَّذِي نَشَأَ عَنْهُ مَا أَوْجَبَ نُزُولَ صَدْرِ السُّورَةِ فَافْتُتِحَ بِهِ لِأَنَّ التَّحْذِيرَ وَالْوَعْدَ اللَّذَيْنِ جُعِلَا لِأَجْلِهِ صَالِحَانِ لِأَنْ يَكُونَا مُقَدِّمَةً لِلْمَقْصُودِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ نَسْجٌ بَدِيعٌ وَإِيجَازٌ جَلِيلٌ وَإِنْ خَالَفَ تَرْتِيبُ ذِكْرِهِ تَرْتِيبَ حُصُولِهِ فِي الْخَارِجِ، وَقَدْ صَادَفَ هَذَا التَّرْتِيبُ الْمَحَزَّ أَيْضًا إِذْ كَانَ نِدَاؤُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ مِنْ قَبِيلِ الْجَهْر للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَكَانَ النَّهْيُ عَنِ الْجَهْرِ لَهُ بِالْقَوْلِ تَخَلُّصًا لِذِكْرِ نِدَائِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ.
وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ ينادون النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ جَمَاعَةٌ مِنْ وَفْدِ بني تَمِيم جاؤوا الْمَدِينَةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَهِيَ سَنَةُ الْوُفُودِ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أَوْ أَكْثَرَ. وَكَانَ سَبَبُ وُفُودِ هَذَا الْوَفْدِ إِلَى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْهُمْ كَانُوا قَدْ شَهَرُوا السِّلَاحَ عَلَى خُزَاعَةَ، وَقِيلَ كَانُوا مَنَعُوا إِخْوَانَهُمْ بَنِي كَعْبِ بْنِ الْعَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ مِنْ إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ، وَكَانَ بَنُو كَعْبٍ قَدْ أَسْلَمُوا مِنْ قَبْلُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى وَقْتِ إِسْلَامِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا فِي سَنَةِ الْوُفُودِ فَبَعَثَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشْرَ بْنَ سُفْيَانَ سَاعِيًا لِقَبْضِ صَدَقَاتِ بَنِي كَعْبٍ، فَمَنَعَهُمْ بَنُو الْعَنْبَرِ فَبعث النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ فِي خَمْسِينَ مِنَ الْعَرَبِ لَيْسَ فِيهِمْ أَنْصَارِيٌّ وَلَا مُهَاجِرِيٌّ فَأُسِرَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا. فَجَاءَ فِي أَثَرِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ لفدائهم فجاؤوا الْمَدِينَةَ. وَكَانَ خَطِيبُهُمْ عُطَارِدَ بْنَ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ، وَفِيهِمْ سَادَتُهُمُ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَمَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ الْغَطَفَانِيُّ وَكَانَ هَذَانِ الْأَخِيرَانِ أَسْلَمَا مِنْ قَبْلُ وَشَهِدَا مَعَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ الْفَتْحِ، ثُمَّ جَاءَ مَعَهُمُ الْوَفْدُ فَلَمَّا دَخَلَ الْوَفْدُ الْمَسْجِدَ وَكَانَ وَقْتَ الْقَائِلَةِ وَرَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمٌ فِي
(26/224)

حُجْرَتِهِ، نَادَوْا جَمِيعًا وَرَاءَ الْحُجُرَاتِ: يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إِلَيْنَا ثَلَاثًا، فَإِنَّ مَدْحَنَا زَيْنٌ، وَإِنَّ ذَمَّنَا شَيْنٌ، نَحْنُ أَكْرَمُ الْعَرَبِ سَلَكُوا فِي عَمَلِهِمْ هَذَا مَسْلَكَ وُفُودِ الْعَرَبِ عَلَى الْمُلُوكِ وَالسَّادَةِ، كَانُوا يَأْتُونَ بَيْتَ الْمَلِكِ أَوِ السَّيِّدِ فَيَطِيفُونَ بِهِ يُنَادُونَ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ كَمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ وُرُودِ النَّابِغَةِ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيِّ.
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ مَدْحَنَا زَيْنٌ، طَرِيقَةٌ كَانُوا يَسْتَدِرُّونَ بِهَا الْعُظَمَاءَ لِلْعَطَاءِ فَإِضَافَةُ: مَدْحِنَا وَذَمِّنَا إِلَى الضَّمِيرِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ. فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَالُوا: جئْنَاك نفاخرك فاذن لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا إِلَى آخَرِ الْقِصَّةِ. وَقَوْلُهُمْ: نُفَاخِرُكَ، جَرَوْا فِيهِ عَلَى عَادَةِ الْوُفُودِ مِنَ الْعَرَبِ أَنْ يَذْكُرُوا مَفَاخِرَهُمْ وَأَيَّامَهُمْ، وَيَذْكُرَ الْمَوْفُودُ عَلَيْهِمْ مَفَاخِرَهُمْ، وَذَلِكَ مَعْنَى صِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: نُفَاخِرُكَ، وَكَانَ جُمْهُورُهُمْ لَمْ يَزَالُوا كُفَّارًا حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا أَسْلَمُوا بَعْدَ أَنْ تَفَاخَرُوا وَتَنَاشَدُوا الْأَشْعَارَ.
فَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ يُنادُونَكَ رِجَالُ هَذَا الْوَفْدِ. وَإِسْنَادُ فِعْلِ النِّدَاءِ إِلَى ضَمِيرِ الَّذِينَ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ نَادَوْهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ الَّذِي نَادَى النِّدَاءَ هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَعَلَيْهِ فَإِسْنَادُ فِعْلِ يُنادُونَكَ إِلَى ضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ عَنْ نِسْبَةِ فِعْلِ الْمَتْبُوعِ إِلَى أَتْبَاعِهِ إِذْ كَانَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ مُقَدَّمَ الْوَفْدِ، كَمَا يُقَالُ: بَنُو فُلَانٍ قَتَلُوا فُلَانًا. وَإِنَّمَا قَتَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً [الْبَقَرَة: 72] .
وَنَفِيُ الْعَقْلِ عَنْهُمْ مُرَادٌ بِهِ عَقْلُ التَّأَدُّبِ الْوَاجِبِ فِي مُعَاملَة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَقَلُ التَّأَدُّبِ الْمَفْعُولِ عَنْهُ فِي عَادَتِهِمُ الَّتِي اعْتَادُوهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْغِلْظَةِ وَالْعُنْجُهِيَّةِ، وَلَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمٌ وَلَا تَرَتُّبُ ذَنْبٍ. وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يناد النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ نِدَائِهِمْ، وَلَعَلَّ الْمَقْصُودَ اسْتِثْنَاءُ اللَّذَيْنِ كَانَا أَسْلَمَا مِنْ قَبْلُ. فَهَذِهِ الْآيَةُ تَأْدِيبٌ لَهُمْ وَإِخْرَاجٌ لَهُمْ مِنْ مَذَامِّ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَالْوَرَاءُ: الْخَلْفُ، وَهُوَ جِهَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ بِحَسَبِ مَوْقِعِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ.
(26/225)

وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحُجُرَاتِ حَاجِزَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَين النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ فَعَبَّرَ عَنْ جِهَةِ مَنْ لَا يَرَى بِأَنَّهَا وَرَاءُ.
ومِنْ لِلِابْتِدَاءِ، أَيْ يُنَادُونَكَ نِدَاءً صَادِرًا مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ فَالْمُنَادُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا وَرَاءَ حُجُرَاتِهِ فَالَّذِي يَقُولُ: نَادَانِي فُلَانٌ وَرَاءَ الدَّارِ، لَا يُرِيدُ وَرَاءَ مَفْتَحِ الدَّارِ وَلَا وَرَاءَ ظَهْرِهَا وَلَكِنْ أَيَّ جِهَةٍ مِنْهَا وَكَانَ الْقَوْمُ الْمُنَادُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَهُمْ تُجَاهَ الْحُجُرَاتِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ: نَادَانِي فُلَانٌ وَرَاءَ الدَّارِ، دُونَ حَرْفِ مِنْ، لَكَانَ مُحْتَمِلًا لِأَنْ يَكُونَ الْمُنَادِي وَالْمُنَادَى كِلَاهُمَا فِي جِهَةٍ وَرَاءَ الدَّارِ، وَأَنَّ الْمَجْرُورَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ وَلِهَذَا أُوثِرَ جَلْبُ مِنْ لِيَدُلَّ بِالصَّرَاحَةِ عَلَى أَنَّ الْمُنَادَى كَانَ دَاخِلَ الْحُجُرَاتِ لِأَنَّ دَلَالَةَ مِنْ عَلَى الِابْتِدَاءِ تَسْتَلْزِمُ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْمَبْدَأِ وَالْمُنْتَهَى كَذَا أَشَارَ فِي «الْكَشَّافِ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ اجْتِلَابَ حَرْفِ مِنْ لِدَفْعِ
اللَّبْسِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ هَذَا الْفَرْقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [17] وَقَوْلِهِ: ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ فِي سُورَةِ الرُّومِ [25] . وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا يَدْفَعُ الِاعْتِرَاضَاتِ عَلَى صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» .
فَلَفْظُ وَراءِ هُنَا مَجَازٌ فِي الْجِهَةِ الْمَحْجُوبَةِ عَنِ الرُّؤْيَةِ.
وَالْحُجُرَاتُ، بِضَمَّتَيْنِ وَيَجُوزُ فَتْحُ الْجِيمِ: جَمَعُ حُجْرَةٍ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَهِيَ الْبُقْعَةُ الْمَحْجُورَةُ، أَيِ الَّتِي مُنِعَتْ مِنْ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا غَيْرُ حَاجِرِهَا فَهِيَ فُعْلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ كَغُرْفَةٍ، وَقُبْضَةٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ: أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ
يَعْنِي أَزْوَاجَهُ، وَكَانَتِ الْحُجُرَاتُ تُفْتَحُ إِلَى الْمَسْجِدِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ الْحُجُراتِ بِضَمَّتَيْنِ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ.
وَكَانَتِ الْحُجُرَاتُ تِسْعًا وَهِيَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، أَيِ الْحَوَاجِزِ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَالْأُخْرَى، وَعَلَى أَبْوَابِهَا مُسُوحٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ وَعَرْضُ الْبَيْتِ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ إِلَى بَابِ الْبَيْتِ نَحْوَ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، وَمِسَاحَةُ الْبَيْتِ الدَّاخِلِ، أَيِ الَّذِي فِي دَاخِلِ الْحُجْرَةِ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، أَيْ فَتَصِيرُ مِسَاحَةُ الْحُجْرَةِ مَعَ الْبَيْتِ سَبْعَةَ عَشَرَ
(26/226)

ذِرَاعًا. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزوَاج النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَأَتَنَاوَلُ سُقُفَهَا بِيَدِي. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحُجُرَاتِ دُونَ الْبُيُوتِ لِأَنَّ الْبَيْتَ كَانَ بَيْتًا وَاحِدًا مُقَسَّمًا إِلَى حُجُرَاتٍ تِسْعٍ.
وَتَعْرِيفُ الْحُجُراتِ بِاللَّامِ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: يُنادُونَكَ مُؤَذِنٌ بِأَنَّ الْحُجُرَاتِ حُجُرَاتُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعَرَّفْ بِالْإِضَافَةِ. وَهَذَا النِّدَاءُ وَقَعَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ فَالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فِي يُنادُونَكَ لِاسْتِحْضَارِ حَالَةِ نِدَائِهِمْ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أَنَّهُ يُكْسِبُهُمْ وَقَارًا بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَسْتَدْعِي لَهُمُ الْإِقْبَالَ من الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ غَيْرَ كَارِهٍ لِنِدَائِهِمْ إِيَّاهُ، وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ فِي مَسْجِدِهِ فَكَانَ فِيمَا فَعَلُوهُ جَلَافَةً.
فَقَوْلُهُ: خَيْراً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ تَفْضِيلٍ، وَيَكُونُ فِي الْمَعْنَى: لَكَانَ صَبْرُهُمْ أَفْضَلَ مِنَ الْعَجَلَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا ضِدَّ الشَّرِّ، أَيْ لَكَانَ صَبْرُهُمْ خَيْرًا لِمَا فِيهِ مِنْ مَحَاسِنِ الْخُلُقِ بِخِلَافِ مَا فَعَلُوهُ فَلَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَالْآيَةُ تَأْدِيبٌ لَهُمْ وَتَعْلِيمُهُمْ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاق وَإِزَالَة لعوائد الْجَاهِلِيَّةِ الذَّمِيمَةِ.
وَإِيثَارُ حَتَّى فِي قَوْلِهِ: حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ دُونَ (إِلَى) لِأَجْلِ الْإِيجَازِ بِحَذْفِ
حَرْفِ (أَنْ) فَإِنَّهُ مُلْتَزَمٌ حَذْفُهُ بَعْدَ حَتَّى بِخِلَافِهِ بَعْدَ (إِلَى) فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهُ.
وَفِي تَعْقِيبِ هَذَا اللَّوْمِ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُحْصِ عَلَيْهِمْ ذَنْبًا فِيمَا فَعَلُوا وَلَا عَرَّضَ لَهُمْ بِتَوْبَةٍ. وَالْمَعْنَى: وَاللَّهُ شَأْنُهُ التَّجَاوُزُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ رَحْمَةً بِالنَّاسِ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا جاهلين.
(26/227)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)
[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 6]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (6)
هَذَا نِدَاءٌ ثَالِثٌ ابْتُدِئَ بِهِ غَرَضٌ آخَرُ وَهُوَ آدَابُ جَمَاعَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَارِثِ بْنِ ضِرَارَةَ الْخُزَاعِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَنْ سَبَبِ قَضِيَّةٍ حَدَثَتْ. ذَلِكَ أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث الويد بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ لِيَأْتِيَ بِصَدَقَاتِهِمْ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَجِيئُهُ، أَو لمّا استبطأوا مَجِيئَهُ، فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا لِتَلَقِّيهِ أَوْ خَرَجُوا لِيُبَلِّغُوا صَدَقَاتِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَعَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، وَأَنَّ الْوَلِيدَ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَيْهِ بِتِلْكَ الْحَالَةِ وَهِيَ حَالَةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ فِي تَلَقِّي الْمُصَّدِّقِينَ وَحَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، أَوْ لَمَّا رَآهُمْ مُقْبِلِينَ كَذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ خَافَ أَنْ يَكُونُوا أَرَادُوا قَتْلَهُ إِذْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ شَحْنَاءُ مِنْ زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ فَوَلَّى رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ.
هَذَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ أَرْبَعٍ مُتَّفِقَةٍ فِي صِفَةِ خُرُوجِهِمْ إِلَيْهِ مَعَ اخْتِلَافِهَا فِي بَيَانِ الْبَاعِثِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْخُرُوجِ وَفِي أَنَّ الْوَلِيدَ أُعْلِمَ بِخُرُوجِهِمْ إِلَيْهِ أَوْ رَآهُمْ أَوِ اسْتَشْعَرَتْ نَفْسُهُ خَوْفًا وَأَنَّ الْوَلِيدَ جَاءَ إِلَى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَرَادُوا قَتْلِي وَإِنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةِ فَغَضِبَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَمَّ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ بَعَثَ خَالِدًا وَأَمَرَهُ بِأَنْ لَا يَغْزُوَهُمْ حَتَّى يَسْتَثْبِتَ أَمْرَهُمْ وَأَنْ خَالِدًا لَمَّا بَلَغَ دِيَارَ الْقَوْمِ بَعَثَ عَيْنًا لَهُ يَنْظُرُ حَالَهُمْ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ يُقِيمُونَ الْأَذَانَ وَالصَّلَاةَ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا بَلَغَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ وَقَبَضَ زَكَاتَهُمْ وَقَفَلَ رَاجِعًا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُمْ ظَنُّوا مِنْ رُجُوعِ الْوَلِيدِ أَنْ يَظُنَّ بِهِمْ منع الصَّدقَات فجاؤوا النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ خَالِدٌ إِلَيْهِمْ مُتَبَرِّئِينَ مِنْ مَنْعِ الزَّكَاةِ وَنِيَّةِ الْفَتْكِ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَجَدُوا الْجَيْشَ خَارِجًا إِلَى غَزْوِهِمْ. فَهَذَا تَلْخِيصُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَهِيَ بِأَسَانِيدَ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي «الصَّحِيحِ» .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ قَضِيَّتَانِ أُخْرَيَانِ، وَهَذَا أَشْهَرُ. وَلِنَشْتَغِلِ الْآنَ
بِبَيَانِ وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ لِمَوْقِعِ هَذِهِ الْآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّ
(26/228)

الِانْتِقَالَ مِنْهَا إِلَى هَذِهِ يَقْتَضِي مُنَاسِبَةً بَيْنَهُمَا، فَالْقِصَّتَانِ مُتَشَابِهَتَانِ إِذْ كَانَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ النَّازِلَةُ فِيهِمُ الْآيَة السَّابِقَة جاؤوا مُعْتَذِرِينَ عَنْ رَدِّهِمْ سَاعِيَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَبْضِ صَدَقَاتِ بَنِي كَعْبِ بْنِ الْعَنْبَرِ مِنْ تَمِيمٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ تَبَرَّءُوا مِنْ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ الزَّكَاةَ إِلَّا أَنَّ هَذَا يُنَاكِدُهُ بُعْدُ مَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي تَعْيِينِ سَنَةِ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَهْمٌ.
وَإِعَادَةُ الْخِطَابِ بِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَفَصْلُهُ بِدُونِ عَاطِفٍ لِتَخْصِيصِ هَذَا الْغَرَضِ بِالِاهْتِمَامِ كَمَا عَلِمْتَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبيء. فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِلْمُنَاسَبَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا.
وَلَا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الْآيَةِ بِتَشْرِيعٍ فِي قَضِيَّةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ انْقَضَتْ وَسُوِّيَتْ.
وَالْفَاسِقُ: الْمُتَّصِفُ بِالْفُسُوقِ، وَهُوَ فِعْلُ مَا يُحَرِّمُهُ الشَّرْعُ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَفُسِّرَ هُنَا بِالْكَاذِبِ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وَمُقَاتِلٌ وَسَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَأُوثِرَ فِي الشَّرْطِ حَرْفُ إِنْ الَّذِي الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ الْمَشْكُوكِ فِي وُقُوعِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ شَأْنَ فِعْلِ الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ نَادِرَ الْوُقُوعِ لَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ. وَاعْلَمْ أَنْ لَيْسَ الْآيَةُ مَا يَقْتَضِي وَصْفَ الْوَلِيدِ بِالْفَاسِقِ تَصْرِيحًا وَلَا تَلْوِيحًا.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْوَلِيدَ ظَنَّ ذَلِكَ كَمَا فِي «الْإِصَابَةِ» عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَيْسَ فِي الرِّوَايَاتِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ. قَالَ الْفَخْرُ: «إِنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِ الْفَاسِقِ عَلَى الْوَلِيدِ شَيْءٌ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ تَوَهَّمَ وَظَنَّ فَأَخْطَأَ، وَالْمُخْطِئُ لَا يُسَمَّى فَاسِقًا» . قُلْتُ: وَلَوْ كَانَ الْوَلِيدُ فَاسِقًا لَمَا ترك النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْنِيفَهُ وَاسْتِتَابَتَهُ فَإِنَّهُ
رَوَى أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْله لَهُ «التبيّن مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ»
، إِذْ كَانَ تَعْجِيلُ الْوَلِيدِ الرُّجُوعَ عَجَلَةً. وَقَدْ كَانَ خُرُوجُ الْقَوْمِ لِلتَّعَرُّضِ إِلَى الْوَلِيدِ بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ مَثَارَ ظَنِّهِ
(26/229)

حَقًّا إِذْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْرُوفُ خُرُوجَ الْقَبَائِلِ لِتَلَقِّي السُّعَاةِ. وَأَنَا أَحْسَبُ أَنَّ عَمَلَهُمْ كَانَ حِيلَةً مِنْ كُبَرَائِهِمْ عَلَى انْصِرَافِ الْوَلِيدِ عَنِ الدُّخُولِ فِي حَيِّهِمْ تَعَيُّرًا مِنْهُمْ فِي نَظَرِ عَامَّتِهِمْ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ عَدُوٌّ لَهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ وَيَتَوَلَّى قَبْضَ صَدَقَاتِهِمْ فَتُعَيِّرُهُمْ أَعْدَاؤُهُمْ بِذَلِكَ يَمْتَعِضُ مِنْهُمْ دَهْمَاؤُهُمْ وَلِذَلِكَ ذَهَبُوا بِصَدَقَاتِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ فِي رِوَايَة أَو جاؤوا مُعْتَذِرِينَ قَبْلَ مَجِيءِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الْوَلِيدَ أُعْلِمَ بِخُرُوجِ الْقَوْمِ إِلَيْهِ،
وَسَمِعَ بِذَلِكَ فَلَعَلَّ ذَلِكَ الْإِعْلَامَ مُوعَزٌ بِهِ إِلَيْهِ لِيَخَافَ فَيَرْجِعَ. وَقَدِ اتَّفَقَ مَنْ تَرْجَمُوا لِلْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ شُجَاعًا جَوَادًا وَكَانَ ذَا خُلُقٍ وَمُرُوءَةٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ أَصْحَاب النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُدُولًا وَأَنَّ كُلَّ مَنْ رأى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنَ بِهِ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَزَادَ بَعْضُهُمْ شَرْطَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ أَوْ يُلَازِمَهُ وَمَالَ إِلَيْهِ الْمَازِرِيُّ. قَالَ فِي «أَمَالِيهِ» فِي أُصُولِ الْفِقْهِ «وَلَسْنَا نَعْنِي بِأَصْحَابِ النَّبِيءِ كُلَّ مَنْ رَآهُ أَوْ زَارَهُ لِمَامًا إِنَّمَا نُرِيدُ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ لَازَمُوهُ وَعَزَّزُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ شَهِدَ اللَّهُ لَهُمْ بِالْفَلَاحِ» اهـ. وَإِنَّمَا تَلَقَّفَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ النَّاقِمُونَ عَلَى عُثْمَانَ إِذْ كَانَ مِنْ عِدَادِ مَنَاقِمِهِمُ الْبَاطِلَةِ أَنَّهُ أَوْلَى الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِمَارَةَ الْكُوفَةِ فَحَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا وَأَلْصَقُوا بِالْوَلِيدِ وَصْفَ الْفَاسِقِ، وَحَاشَاهُ مِنْهُ لِتَكُونَ وِلَايَتُهُ الْإِمَارَةَ بَاطِلًا. وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ إِشَارَةً إِلَى فَاسق معِين فَلَمَّا ذَا لَا يُحْمَلُ عَلَى إِرَادَةِ الَّذِي أَعْلَمَ الْوَلِيدَ بِأَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا لَهُ لِيَصُدُّوهُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى دِيَارِهِمْ قَصْدًا لِإِرْجَاعِهِ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ خَالِدًا وَصَلَ إِلَى دِيَارِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَرَدُوا الْمَدِينَةَ مُعْتَذِرِينَ، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ بَيْنَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَبَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ شَحْنَاءَ مِنْ عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَفِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُمُ اعْتَذَرُوا لِلتَّسَلُّحِ بِقَصْدِ إِكْرَامِ ضَيْفِهِمْ. وَفِي السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: خَشِينَا أَنْ يُبَادِئَنَا بِالَّذِي كَانَ بَيْنَنَا مِنْ شَحْنَاءَ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ مِنْ وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ دَخِيلَةِ مَنْ جُهِلَ حَالُ تَقْوَاهُ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا يُؤْسَرُ أَحَدُ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ، وَهِيَ أَيْضًا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي
(26/230)

تَصَرُّفَاتِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَفِي تَعَامُلِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ مِنْ عَدَمِ الْإِصْغَاءِ إِلَى كُلِّ مَا يُرْوَى وَيُخْبَرُ بِهِ.
وَالْخِطَابُ بِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مُرَادٌ بِهِ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ وَيَشْمَلُ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِذْ صَدَّقَ مَنْ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يُرِيدُ لَهُ سُوءًا وَمَنْ يَأْتِي مِنْ حُكَّامِ الْمُؤْمِنِينَ وَأُمَرَائِهِمْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَشْرِيعُ تَعْدِيلِ مَنْ لَا يُعَرَفُ بِالصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ. وَمَجِيءُ حَرْفِ إِنْ فِي هَذَا الشَّرْط يومىء إِلَى أَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ إِلَّا نَادرا.
والتبين: قُوَّةُ الْإِبَانَةِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ بِمَعْنَى أَبَانَ، أَيْ تَأَمَّلُوا وَأَبِينُوا. وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بِنَبَأٍ أَيْ تَبَيَّنُوا مَا جَاءَ بِهِ وَإِبَانَةُ كُلِّ شَيْءٍ بحسبها. وَالْأَمر بالتبيّن أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي وُجُوبِ التَّثَبُّتِ فِي الْقَضَاءِ وَأَنْ لَا يَتَتَبَّعَ الْحَاكِمُ الْقِيلَ وَالْقَالَ وَلَا يَنْصَاعَ إِلَى الْجَوَلَانِ فِي الْخَوَاطِرِ مِنَ الظُّنُونِ وَالْأَوْهَامِ.
وَمَعْنَى فَتَبَيَّنُوا تَبَيِّنُوا الْحَقَّ، أَيْ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ ذَلِكَ الْفَاسِقِ. فَخَبَرُ الْفَاسِقِ يَكُونُ دَاعِيًا إِلَى التَّتَبُّعِ وَالتَّثَبُّتِ يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونُ مُسْتَنَدًا لِلْحُكْمِ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ «لَا يُؤْسَرُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ» .
وَإِنَّمَا كَانَ الْفَاسِقُ مُعَرَّضًا خَبَرُهُ لِلرِّيبَةِ وَالِاخْتِلَاقِ لِأَنَّ الْفَاسِقَ ضَعِيفُ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ فِي نَفْسِهِ، وَضَعْفُ الْوَازِعِ يُجَرِّئُهُ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمَحْظُورِ وَبِمَا يُخْبِرُ بِهِ فِي شَهَادَةٍ أَوْ خَبَرٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا إِضْرَارٌ بِالْغَيْرِ أَوْ بِالصَّالِحِ الْعَامِّ وَيُقَوِّي جُرْأَتَهُ عَلَى ذَلِكَ دَوْمًا إِذَا لَمْ يَتُبْ وَيَنْدَمْ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ وَيُقْلِعْ عَنْ مِثْلِهِ.
وَالْإِشْرَاكُ أَشَدُّ فِي ذَلِكَ الِاجْتِرَاءِ لِقِلَّةِ مُرَاعَاةِ الْوَازِعِ فِي أُصُولِ الْإِشْرَاكِ. وَتَنْكِيرُ فاسِقٌ، ونبإ، فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي الْفُسَّاقِ بِأَيِّ فِسْقٍ اتَّصَفُوا، وَفِي الْأَنْبَاءِ كَيْفَ كَانَتْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَيُّ فَاسِقٍ جَاءَكُمْ بِأَيِّ نَبَأٍ فَتَوَقَّفُوا فِيهِ وَتَطَلَّبُوا بَيَانَ الْأَمْرِ وَانْكِشَافَهُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَتَبَيَّنُوا بِفَوْقِيَّةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ فنون من التبيّن، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ فَتَثَبَّتُوا بِفَوْقِيَّةٍ فَمُثَلَّثَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ من التثبت. والتبيّن: تَطَلُّبُ الْبَيَانِ وَهُوَ ظُهُورُ الْأَمْرِ، وَالتَّثَبُّتُ التَّحَرِّي وَتَطَلُّبُ الثَّبَاتِ وَهُوَ الصِّدْقُ.
(26/231)

وَمَآلُ الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُمَا.
وَعَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ»
. وَمَوْقِعُ أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا إِلَخْ نَصْبًا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَهُوَ لَامُ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةً. وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِ لِأَجْلِهِ.
وَالْمُعَلَّلُ بِاللَّامِ الْمَحْذُوفَةِ أَوِ الْمُقَدَّرَةِ هُوَ التَّثَبُّتُ، فَمَعْنَى تَعْلِيلِهِ بِإِصَابَةٍ يَقَعُ إِثْرَهَا النَّدَمُ هُوَ التَّثَبُّتُ. فَمَعْنَى تَعْلِيلِهِ بِإِصَابَةٍ يَقَعُ آخِرَهَا النَّدَمُ أَنَّ الْإِصَابَةَ عِلَّةٌ تُحْمَلُ عَلَى التَّثَبُّتِ لِلتَّفَادِي مِنْهَا فَلِذَلِكَ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى انْتِفَاءِ حُصُولِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا صَلَحَتْ لِإِثْبَاتِ الْكَفِّ عَنْ فِعْلٍ تَصْلُحُ لِلْإِتْيَانِ بِضِدِّهِ لِتَلَازُمِ الضِّدِّ. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الحجرات: 2] فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
وَهَذَا التَّحْذِيرُ مِنْ جَرَّاءِ قَبُولِ خَبَرِ الْكَاذِبِ يَدُلُّ عَلَى تَحْذِيرِ مَنْ يَخْطُرُ لَهُ اخْتِلَاقُ خَبَرٍ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى خَبَرِهِ الْكَاذِبِ مِنْ إِصَابَةِ النَّاسِ. وَهَذَا بِدَلَالَةِ فَحْوَى الْخِطَابِ.
وَالْجَهَالَةُ: تُطْلَقُ بِمَعْنَى ضِدِّ الْعِلْمِ، وَتُطْلَقُ بِمَعْنَى ضِدِّ الْحِلْمِ مِثْلِ قَوْلِهِمْ: جَهِلَ كَجَهْلِ السَّيْفِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ وَهُوَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ
مُتَلَبِّسِينَ أَنْتُمْ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْوَاقِعِ لِتَصْدِيقِكُمُ الْكَاذِبَ، وَمُتَعَلِّقُ تُصِيبُوا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاق سَابِقًا وَلَا حَقًا، أَيْ أَنْ تُصِيبُوهُمْ بِضُرٍّ، وَأَكْثَرُ إِطْلَاقِ الْإِصَابَةِ عَلَى إِيصَالِ الضُّرِّ وَعَلَى الْإِطْلَاقِ الثَّانِي الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِفِعْلٍ مِنْ أَثَرِ الْجَهَالَةِ، أَيْ بِفِعْلٍ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْإِضْرَارِ.
وَمَعْنَى فَتُصْبِحُوا فَتَصِيرُوا لِأَنَّ بَعْضَ أَخَوَاتِ (كَانَ) تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الصَّيْرُورَةِ.
وَالنَّدَمُ: الْأَسَفُ عَلَى فِعْلٍ صَدَرَ. وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا النَّدَمُ الدِّينِيُّ، أَيِ النَّدَمُ عَلَى التَّوَرُّطِ فِي الذَّنْبِ لِلتَّسَاهُلِ وَتَرَكِ تَطَلُّبِ وُجُوهِ الْحَقِّ.
وَهَذَا الْخِطَابُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
(26/232)

مُوَجَّهٌ ابْتِدَاءً لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُخْبَرِينَ- بِفَتْحِ الْبَاءِ- كُلٌّ بِحَسَبِ أَثَرِهِ بِمَا يَبْلُغُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَغْرَاضِ الْمُخْبِرِينَ- بِكَسْرِ الْبَاءِ-. وَلَكِنَّ هَذَا الْخِطَابَ لَا يَتْرُكُ الْمُخْبِرِينَ- بِكَسْرِ الْبَاءِ- بِمَعْزِلٍ عَنِ الْمُطَالَبَةِ بِهَذَا التَّبَيُّنِ فِيمَا يَتَحَمَّلُونَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ وَبِتَوَخِّي سُوءِ الْعَاقِبَةِ فِيمَا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الْمُخْتَلَقَاتِ وَلَكِنَّ هَذَا تبيّن وَتثبت يُخَالِفُ تَبَيُّنَ الْآخَرِ وَتَثَبُّتَهُ، فَهَذَا تَثَبُّتٌ مِنَ الْمُتَلَقِّي بِالتَّمْحِيصِ لِمَا يَتَلَقَّاهُ مِنْ حِكَايَةٍ أَوْ يَطْرُقُ سَمعه من كَلَام وَالْآخَرُ تَمْحِيصٌ وَتَمْيِيزٌ لِحَالِ الْمُخْبِرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَتَخَرَّجُ مِنْهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ مِنَ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: وُجُوبُ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ أَوِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ الرُّوَاةِ. وَهَذَا صَرِيحُ الْآيَةِ وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا دَالَّةٌ على قبُول خبر الْوَاحِدِ الَّذِي انْتَفَتْ عَنْهُ تُهْمَةُ الْكَذِبِ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ رِوَايَتِهِ وَهُوَ الْمَوْسُومُ بِالْعَدَالَةِ، وَهَذَا مِنْ مَدْلُولِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قِيلَ إِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَجْهُولِ عَدَمُ الْعَدَالَةِ، أَيْ عَدَمُ ظَنِّ عَدَالَتِهِ فَيَجِبُ الْكَشْفُ عَنْ مَجْهُولِ الْحَالِ فَلَا يُعْمَلُ بِشَهَادَتِهِ وَلَا بِرِوَايَتِهِ حَتَّى يُبْحَثَ عَنْهُ وَتَثْبُتَ عَدَالَتُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَصْلُ فِي النَّاسِ الْعَدَالَةُ وَيُنْسَبُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَيُقْبَلُ عِنْدَهُ مَجْهُولُ الْبَاطِنِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَسْتُورِ الْحَالِ.
أَمَّا الْمَجْهُولُ بَاطِنُهُ وَظَاهِرُهُ مَعًا فَحُكِيَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ خَبَرِهِ، وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى
مَعْنَى كَلِمَةِ الْأَصْلِ الْعَقْلِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ قَالَ:
«الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ» وَأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ ظُهُورُ شَهَادَةِ الزُّورِ رَجَعَ فَقَالَ: «لَا يُؤْسَرُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ» . وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا أَصْحَاب النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُمْ عُدُولٌ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ لَا خِلَافَ فِيهِ فِي الدِّينِ وَلَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِينَ. وَإِنَّمَا تُفِيدُ الْآيَةُ هَذَا الْأَصْلَ إِذَا حُمِلَ مَعْنَى الْفَاسِقِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمُتَّهَمَ بِالْفِسْقِ.
(26/233)

وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ أَنَّهُ تَحْذِيرٌ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا يُوجِبُ النَّدَمَ شَرْعًا، أَيْ مَا يُوجِبُ التَّوْبَةَ مِنْ تِلْكَ الْإِصَابَةِ، فَكَانَ هَذَا كِنَايَةً عَنِ الْإِثْمِ فِي تِلْكَ الْإِصَابَةِ فَحَذَّرَ وُلَاةَ الْأُمُورِ مِنْ أَنْ يُصِيبُوا أَحَدًا بِضُرٍّ أَوْ عِقَابٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ غُرْمٍ دُونَ تَبَيُّنِ وَتَحَقُّقِ تَوَجُّهِ مَا يُوجِبُ تَسْلِيطَ تِلْكَ الْإِصَابَةِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ يُوجِبُ الْيَقِينَ أَوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَمَا دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ تَقْصِيرٌ يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ، وَلَهُ مَرَاتِبُ بَيَّنَهَا الْعُلَمَاءُ فِي حِكَمٍ خَطَّهَا الْقَاضِي وَصِفَةِ الْمُخْطِئِ وَمَا يُنْقَضُ مِنْ أَحْكَامِهِ. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ فِي قَوْلِهِ: عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ لِلِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْإِصَابَةُ بِدُونِ تَثَبُّتٍ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى خَطَرِ أَمْرِهِ.
[7، 8]

[سُورَة الحجرات (49) : الْآيَات 7 الى 8]
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ.
عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [الحجرات: 6] عَطْفُ تَشْرِيعٍ عَلَى تَشْرِيعٍ وَلَيْسَ مَضْمُونُهَا تَكْمِلَةً لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ إِلَخْ بَلْ هِيَ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
وَابْتِدَاءُ الْجُمْلَةِ بِ اعْلَمُوا لِلِاهْتِمَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [235] . وَقَوْلِهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَنْفَالِ [41] .
وَقَوْلِهِ: أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِيقَاظِ وَالتَّحْذِيرِ عَلَى وَجْهِ الْكِنَايَةِ. فَإِنَّ كَوْنَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ أَمْرٌ مَعْلُومٌ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ. فَالْمَقْصُودُ تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ بِاتِّبَاعِ مَا شَرَعَ لَهُمْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَحْكَامِ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُوَافِقَةٍ لِرَغَبَاتِهِمْ.
وَجُمْلَةُ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ إِلَخْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا.
فَضَمِيرَا الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: يُطِيعُكُمْ وَقَوْلِهِ: لَعَنِتُّمْ عَائِدَانِ إِلَى الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى تَوْزِيعِ الْفِعْلِ عَلَى الْأَفْرَادِ فَالْمُطَاعُ بَعْضُ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُمُ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ أَنْ يعْمل
(26/234)

الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَطْلُبُونَ مِنْهُ، وَالْعَانِتُ بَعْضٌ آخَرُ وَهُمْ جُمْهُورُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ قَضَاء النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَسَبِ رَغْبَةِ غَيْرِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ لَوْ يُطِيعُكُمْ إِلَخْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ فِيكُمْ لِأَنَّ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ الْمُخَاطَبِينَ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَضْمُونَ جَوَابِ لَوْ عَنِتَ يَحْصُلُ لِلْمُخَاطَبِينَ. وَمَآلُ الِاعْتِبَارَيْنِ فِي مَوْقِعِ الْجُمْلَةِ وَاحِدٌ وَانْتِظَامُ الْكَلَامِ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ غَيْرُ مُنْثَلِمٍ.
وَالطَّاعَةُ: عَمَلُ أَحَدٍ يُؤْمَرُ بِهِ وَمَا يُنْهَى عَنْهُ وَمَا يُشَارُ بِهِ عَلَيْهِ، أَيْ لَوْ أَطَاعَكُمْ فِيمَا تَرْغَبُونَ. والْأَمْرِ هُنَا بِمَعْنَى الْحَادِثِ وَالْقَضِيَّةِ النَّازِلَةِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْأَمْرِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأُمُورِ وَلِذَلِكَ جِيءَ مَعَهُ بِلَفْظِ كَثِيرٍ مِنَ أَيْ فِي أَحْدَاثٍ كَثِيرَةٍ مِمَّا لَكُمْ رَغْبَةٌ فِي تَحْصِيلِ شَيْءٍ مِنْهَا فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا شَرَعَهُ.
وَهَذَا احْتِرَازٌ عَنْ طَاعَتِهِ إِيَّاهُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ مِمَّا هُوَ غير شؤون التَّشْرِيعِ كَمَا أَطَاعَهُمْ فِي نُزُولِ الْجَيْشِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى جِهَةٍ يَسْتَأْثِرُونَ فِيهَا بِمَاءِ بَدْرٍ.
وَالْعَنَتُ: اخْتِلَالُ الْأَمْرِ فِي الْحَاضِرِ أَوْ فِي الْعَاقِبَةِ.
وَصِيغَةُ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: لَوْ يُطِيعُكُمْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَاضِي لِأَنَّ حَرْفَ لَوْ يُفِيدُ تَعْلِيقَ الشَّرْطِ فِي الْمَاضِي، وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ صَالِحٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، أَيْ لَوْ أَطَاعَكُمْ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَوْ أَطَاعَكُمْ كُلَّمَا رَغِبْتُمْ مِنْهُ أَوْ أَشَرْتُمْ عَلَيْهِ لَعَنِتُّمْ لِأَنَّ بَعْضَ مَا يَطْلُبُونَهُ مُضِرٌّ بِالْغَيْرِ أَوْ بِالرَّاغِبِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يُحِبُّ عَاجِلَ النَّفْعِ الْعَائِدِ عَلَيْهِ بِالضُّرِّ.
وَتَقْدِيمُ خَبَرِ (إِنَّ) عَلَى اسْمِهَا فِي قَوْلِهِ: أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْكَوْنِ فِيهِمْ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ وَاجِبَهُمُ الِاغْتِبَاطُ بِهِ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِيهِمْ شَرَفٌ عَظِيمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ وَصَلَاحٌ لَهُمْ.
(26/235)

وَالْعَنَتُ: الْمَشَقَّةُ، أَيْ لَأَصَابَ السَّاعِينَ فِي أَنْ يعْمل النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَرْغَبُونَ الْعَنَتَ.
وَهُوَ الْإِثْم إِذا استغفلوا النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَأَصَابَ غَيْرَهُمُ الْعَنَتُ بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ وَهِيَ مَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ جَرَيَانِ أَمر النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يُلَائِمُ الْوَاقِعَ فَيَضُرُّ بِبَقِيَّةِ النَّاسِ وَقَدْ يَعُودُ بِالضُّرِّ عَلَى
الْكَاذِبِ الْمُتَشَفِّي بِرَغْبَتِهِ تَارَةً فَيَلْحَقُ عَنَتُ مَنْ كَذَّبَ غَيْرَهُ تَارَةً أُخْرَى.
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) .
الِاسْتِدْرَاكُ الْمُسْتَفَادُ من لكِنَّ ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ لِأَنَّهُ اقْتضى أَن لبَعْضهِم رَغْبَةً فِي أَنْ يطيعهم الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْغَبُونَ أَنْ يَفْعَلَهُ مِمَّا يَبْتَغُونَ مِمَّا يَخَالُونَهُ صَالِحًا بِهِمْ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تُعْرَضُ لَهُمْ. وَالْمَعْنَى: وَلَكِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ رَسُولَهَ إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاحُ الْعَاقِبَةِ وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ رَغَبَاتِكُمُ الْعَاجِلَةَ وَذَلِكَ فِيمَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَالْإِيمَانُ هَنَا مُرَادٌ مِنْهُ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ مُرَادًا مِنْهُ الِاعْتِقَادُ، فَإِنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ وَاسْمَ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَدَانِ، أَيْ حُبِّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ الدِّينُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا تَحْرِيضٌ عَلَى التَّسْلِيمِ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النِّسَاء: 65] ، وَلِذَا فَكَوْنُهُ حَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ إِدْمَاجٌ وَإِيجَازٌ. وَالتَّقْدِيرُ:
وَلَكِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَكُمُ الْإِسْلَامَ وَحَبَّبَهُ إِلَيْكُمْ أَيْ دَعَاكُمْ إِلَى حُبِّهِ وَالرِّضَى بِهِ فَامْتَثَلْتُمْ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الَّذِينَ لَا يطيعون الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ إِلَى قَوْلِهِ: هُمُ الظَّالِمُونَ [النُّور: 48- 50] . وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا أَنْ يَتْرُكُوا مَا لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ
(26/236)

بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ [الحجرات: 11] تَحْذِيرًا لَهُمْ مِنَ الْحِيَادِ عَنْ مَهِيعِ الْإِيمَانِ وَتَجْنِيبًا لَهُمْ مَا هُوَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْكُفْرِ.
فَالْخَبَرُ فِي قَوْلِهِ: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ إِلَى قَوْلِهِ: وَالْعِصْيانَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِلْهَابِ وَتَحْرِيكِ الهمم لمراعاة محبَّة الْإِيمَانِ وَكَرَاهَةِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ أَحْبَبْتُمُ الْإِيمَانَ وَكَرِهْتُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ فَلَا تَرْغَبُوا فِي حُصُولِ مَا تَرْغَبُونَهُ إِذَا كَانَ الدِّينُ يَصُدُّ عَنْهُ وَكَانَ الْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ يَدْعُو إِلَيْهِ. وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الِانْدِفَاعَ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَرْغُوبِ مِنَ الْهَوَى دُونَ تَمْيِيزٍ بَيْنَ مَا يُرْضِي اللَّهَ وَمَا لَا يُرْضِيهِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ.
وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ فِي صَدْرِ جُمْلَةِ الِاسْتِدْرَاكِ دُونَ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ اسْمُ الْجَلَالَةِ مِنَ الْمَهَابَةِ وَالرَّوْعَةِ. وَمَا يَقْتَضِيهِ مِنْ وَاجِبِ اقْتِبَالِ مَا حَبَّبَ إِلَيْهِ وَنَبْذِ مَا كَرَّهَ إِلَيْهِ.
وَعُدِيَّ فِعْلَا حَبَّبَ وكَرَّهَ بِحرف (إِلَى) لتضمينهما مَعْنَى بَلَّغَ، أَيْ بَلَّغَ إِلَيْكُمْ حُبَّ الْإِيمَانِ وَكُرْهَ الْكُفْرِ. وَلَمْ يُعَدَّ فِعْلُ وَزَيَّنَهُ بِحَرْفِ (إِلَى) مِثْلَ فِعْلَيْ حَبَّبَ وكَرَّهَ، لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَمَّا رَغَّبَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَكَرَّهَهُمُ الْكُفْرَ امْتَثَلُوا فَأَحَبُّوا الْإِيمَانَ وَزَانَ فِي قُلُوبِهِمْ. وَالتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا، أَيْ حَسَنًا قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:
أَجْمَعَتْ خُلَّتَيْ مَعَ الْفَجْرِ بَيْنَا ... جَلَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْوَجْهَ زَيْنَا
وَجُمْلَةُ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ مُعْتَرِضَةٌ لِلْمَدْحِ. وَالْإِشَارَةُ بِ أُولئِكَ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ فِي قَوْلِهِ: إِلَيْكُمُ مَرَّتَيْنِ وَفِي قَوْلِهِ: قُلُوبِكُمْ أَيِ الَّذِينَ أَحَبُّوا الْإِيمَانَ وَتَزَيَّنَتْ بِهِ قُلُوبُهُمْ، وَكَرِهُوا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ هُمُ الرَّاشِدُونَ، أَيْ هُمُ الْمُسْتَقِيمُونَ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ.
وَأَفَادَ ضَمِيرُ الْفَصْلِ الْقَصْرَ وَهُوَ قَصْرُ إِفْرَادٍ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ بَيْنَهُمْ فَرِيقًا لَيْسُوا بِرَاشِدِينَ وَهُمُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالْفِسْقِ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِهِ فَإِنْ أَقْلَعُوا عَنْهُ الْتَحَقُوا بِالرَّاشِدِينَ.
(26/237)

وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)
وَانْتَصَبَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ مِنْ أَفْعَالِ حَبَّبَ وَزَيَّنَ وَكَرَّهَ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّحْبِيبَ وَالتَّزْيِينَ وَالتَّكْرِيهَ مِنْ نَوْعِ الْفَضْلِ وَالنِّعْمَةِ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ آثَارِ عِلْمِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ.. وَالْوَاو اعتراضية.
[9]

[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 9]
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)
لِمَا جَرَى قَوْلُهُ: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ [الحجرات: 6] الْآيَةَ كَانَ مِمَّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ إِصَابَةُ قَوْمٍ أَنْ تَقَعَ الْإِصَابَةُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ مِنَ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ أَخْبَارَ النَّمِيمَةِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَخَطَرُهَا أَكْبَرُ مِمَّا يَجْرِي بَين الْأَفْرَاد والتبين فِيهَا أَعْسَرُ، وَقَدْ لَا يحصل التبيّن إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَسْتَعِرَ نَارُ الْفِتْنَةِ وَلَا تُجْدِيَ النَّدَامَةُ. وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ مُرُورِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ وَرَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ فَوَقَفَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَالَ الْحِمَارُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: خَلِّ سَبِيلَ حِمَارِكَ فَقَدْ آذَانَا نَتَنُهُ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: وَاللَّهِ إِنَّ بَوْلَ حِمَارِهِ لَأَطْيَبُ مِنْ مِسْكِكَ فَاسْتَبَّا وَتَجَالَدَا وَجَاءَ قَوْمَاهُمَا الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، فَتَجَالَدُوا بِالنِّعَالِ وَالسَّعَفِ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ
رَسُولُ اللَّهِ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ... فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ:
وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ.
وَيُنَاكِدُ هَذَا أَنَّ تِلْكَ الْوَقْعَةَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ قُدُومِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ. وَهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ لَمْ يَجْزِمْ بِنُزُولِهَا فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ:
فَبَلَغَنَا أَنْ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما. اللَّهُمَّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ أُلْحِقَتْ بِهَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ.
(26/238)

وَعَنْ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي فِتْنَةٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَوْسِ وَالْآخَرُ مِنَ الْخَزْرَجِ انْتَصَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَوْمُهُ حَتَّى تَدَافَعُوا وَتَنَاوَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَالْعِصِيِّ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فجَاء النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا أَظْهَرُ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فَكَانَتْ حُكْمًا عَامًّا نَزَلَ فِي سَبَبٍ خَاصٍّ.
وإِنْ حَرْفُ شَرْطٍ يُخَلِّصُ الْمَاضِيَ لِلِاسْتِقْبَالِ فَيَكُونُ فِي قُوَّةِ الْمُضَارِعِ وَارْتَفَعَ طائِفَتانِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: اقْتَتَلُوا لِلِاهْتِمَامِ بِالْفَاعِلِ. وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْمُضَارِعِ بَعْدَ كَوْنِهِ الْأَلْيَقَ بِالشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَمَّا أُرِيدَ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ عَلَى فِعْلِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ جُعِلَ الْفِعْلُ مَاضِيًا عَلَى طَرِيقَةِ الْكَلَامِ الْفَصِيحِ فِي مِثْلِهِ مِمَّا أُولِيَتْ فِيهِ إِنْ الشَّرْطِيَّةُ الِاسْمَ نَحْوَ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ [التَّوْبَة: 6] ، وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً [النِّسَاء: 128] . قَالَ الرَّضِيُّ «وَحَقُّ الْفِعْلِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الِاسْمِ الَّذِي يَلِي (إِنْ) أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا وَقَدْ يَكُونُ مُضَارِعًا عَلَى الشُّذُوذِ وَإِنَّمَا ضَعُفَ مَجِيءُ الْمُضَارِعِ لِحُصُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْجَازِمِ وَبَيْنَ مَعْمُولِهِ» . وَيَعُودُ ضَمِيرُ اقْتَتَلُوا عَلَى طائِفَتانِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى لِأَنَّ طَائِفَةَ ذَاتُ جَمْعٍ، وَالطَّائِفَةُ الْجَمَاعَةُ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [102] .
وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ اقْتَتَلُوا مُسْتَعْمَلًا فِي إِرَادَةِ الْوُقُوعِ مِثْلَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [الْمَائِدَة: 6] وَمِثْلَ وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا [المجادلة: 3] ، أَيْ يُرِيدُونَ الْعَوْدَ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا وَاجِبٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الِاقْتِتَالِ وَذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ بَوَادِرِهِ وَهُوَ أَوْلَى مِنِ انْتِظَارِ وُقُوعِ الِاقْتِتَالِ لِيُمْكِنَ تَدَارَكُ الْخُطَبِ قَبْلَ وُقُوعِهِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً [النِّسَاء: 128] .
وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ وَجْهُ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى عَلَى جُمْلَةِ
اقْتَتَلُوا، أَيْ فَإِنِ ابْتَدَأَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قِتَالَ الْأُخْرَى وَلَمْ تَنْصَعْ إِلَى الْإِصْلَاحِ فَقَاتِلُوا الْبَاغِيَةَ.
(26/239)

وَالْبَغْيُ: الظُّلْمُ وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ غَيْرُ مَعْنَاهِ الْفِقْهِيِّ فَ الَّتِي تَبْغِي هِيَ الطَّائِفَةُ الظَّالِمَةُ الْخَارِجَةُ عَنِ الْحَقِّ وَإِنْ لَمْ تُقَاتِلْ لِأَنَّ بَغْيَهَا يَحْمِلُ الطَّائِفَةَ الْمَبْغِيَّ عَلَيْهَا أَنْ تُدَافِعَ عَنْ حَقِّهَا. وَإِنَّمَا جُعِلَ حُكْمُ قِتَالِ الْبَاغِيَةِ أَنْ تَكُونَ طَائِفَةً لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ يَعْسُرُ الْأَخْذُ عَلَى أَيْدِي ظُلْمِهِمْ بِأَفْرَادٍ مِنَ النَّاسِ وَأَعْوَانِ الشُّرْطَةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ كَفُّهُمْ عَنِ الْبَغْيِ بِالْجَيْشِ وَالسِّلَاحِ.
وَهَذَا فِي التَّقَاتُلِ بَيْنَ الْجَمَاعَاتِ وَالْقَبَائِلِ، فَأَمَّا خُرُوجُ فِئَةٍ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَشَدُّ وَلَيْسَ هُوَ مَوْرِدَ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَكِنَّهَا أَصْلٌ لَهُ فِي التَّشْرِيعِ. وَقَدْ بَغَى أَهْلُ الرِّدَّةِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ بَغْيًا بِغَيْرِ قِتَالٍ فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبَغَى بُغَاةُ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَانُوا بُغَاةً عَلَى جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَبَى عُثْمَانُ قِتَالَهُمْ وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي إِرَاقَةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ اجْتِهَادًا مِنْهُ فَوَجَبَ عَلَى الْمُسلمين طَاعَته لِأَن وَلِيُّ الْأَمْرِ وَلَمْ يَنْفُوا عَنِ الثُّوَّارِ حُكْمَ الْبَغْيِ.
وَيَتَحَقَّقُ وَصْفُ الْبَغْيِ بِإِخْبَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْفِئَةَ بَغَتْ عَلَى الْأُخْرَى أَوْ بِحُكْمِ الْخَلِيفَةِ الْعَالِمِ الْعَدْلِ، وَبِالْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ وَعَنِ الْجَمَاعَةِ بِالسَّيْفِ إِذَا أَمَرَ بِغَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا جَوْرٍ وَلَمْ تُخْشَ مِنْ عِصْيَانِهِ فِتْنَةٌ لِأَنَّ ضُرَّ الْفِتْنَةِ أَشَدُّ مِنْ شَدِّ الْجَوْرِ فِي غَيْرِ إِضَاعَةِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ بَغْيٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ مَعَ الْخَلِيفَةِ.
وَقَدْ كَانَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْبَغْيِ وَصُوَرُهُ غَيْرَ مَضْبُوطٍ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا ضَبَطَهُ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ وَلَمْ تَطُلْ ثَمَّ بَعْدَ وَقْعَةِ صِفِّينَ، وَقَدْ كَانَ الْقِتَالُ فِيهَا بَيْنَ فِئَتَيْنِ وَلَمْ يَكُنِ الْخَارِجُونَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، بَلْ كَانُوا شَرَطُوا لِمُبَايَعَتِهِمْ إِيَّاهُ أَخْذَ الْقَوَدِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ مِنْهُمْ، فَكَانَ اقْتِنَاعُ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ مَجَالًا لِلِاجْتِهَادِ بَيْنَهُمْ وَقَدْ دَارَتْ بَيْنَهُمْ كُتُبٌ فِيهَا حُجَجُ الْفَرِيقَيْنِ وَلَا يُعْلَمُ الثَّابِتُ مِنْهَا وَالْمَكْذُوبُ إِذْ كَانَ الْمُؤَرِّخُونَ أَصْحَابَ أَهْوَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ يَرَيَانِ الْبَدَاءَةَ بِقَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ أَوْلَى، إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ حَقَّقُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْبَغْيَ فِي جَانِبِ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ لِأَنَّ الْبَيْعَةَ بِالْخِلَافَةِ لَا تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ بِشَرْطٍ.
(26/240)

وَقَدِ اعْتَرَفَ الْجَمِيعُ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا مُدَافِعِينَ عَنْ نَظَرٍ اجْتِهَادِيٍّ مُخْطِئٍ، وَكَانَ الْوَاجِبُ يَقْضِي عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
الدُّعَاءَ إِلَى الصُّلْحِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ حَسَبَ أَمْرِ الْقُرْآنِ وُجُوبَ الْكِفَايَةِ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ التَّدَاعِي إِلَيْهِ وَلم يتم لانتفاض الْحَرُورِيَّةِ عَلَى أَمْرِ التَّحْكِيمِ فَقَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَلَا نَحْكُمُ الرِّجَالَ.
وَقِيلَ: كِيدَتْ مَكِيدَةٌ بَيْنَ الْحَكَمَيْنِ، وَالْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُتَصَدِّينَ لِحِكَايَةِ الْقَضِيَّةِ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالضَّمَائِرِ.
وَسُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنِ الْقِتَالِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: شَهِدَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ وَغِبْنَا وَعَلِمُوا وَجَهِلْنَا. وَقَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: تَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا أَعْلَمَ بِمَا دَخَلُوا فِيهِ مِنَّا.
وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي لِلْوُجُوبِ، لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَالْقَضَاءُ بِالْحَقِّ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ لِحِفْظِ حَقِّ الْمُحِقِّ، وَلِأَنَّ تَرْكَ قِتَالِ الْبَاغِيَةِ يَجُرُّ إِلَى اسْتِرْسَالِهَا فِي الْبَغْيِ وَإِضَاعَةِ حُقُوقِ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا فِي الْأَنْفُسِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَغْرَاضِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَلِأَن ذَلِك يجرىء غَيْرَهَا عَلَى أَنْ تَأْتِيَ مثل صنيعها فمقاتلها زَجَرٌ لِغَيْرِهَا. وَهُوَ وُجُوبُ كِفَايَةٍ وَيَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ جَيْشًا يُوَجِّهُهُ لِقِتَالِهَا إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ قِتَالَ الْبُغَاةِ إِلَّا الْأَئِمَّةُ وَالْخُلَفَاءُ. فَإِذَا اخْتَلَّ أَمْرُ الْإِمَامَةِ فَلْيَتَوَلَّ قِتَالَ الْبُغَاةِ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْأُمَّةِ وَعُلَمَاؤُهَا. فَهَذَا الْوُجُوبُ مُطْلَقٌ فِي الْأَحْوَالِ تُقَيِّدُهُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى عَدَمِ الْمَصِيرِ إِلَيْهِ إِذَا عُلِمَ أَنَّ قِتَالَهَا يَجُرُّ إِلَى فِتْنَةٍ أَشَدِّ مِنْ بَغْيِهَا. وَقَدْ تَلْتَبِسُ الْبَاغِيَةُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَقَاتِلَتَيْنِ فَإِنَّ أَسْبَابَ التَّقَاتُلِ قَدْ تَتَوَلَّدُ مِنْ أُمُورٍ لَا يُؤْبَهُ بِهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ تَثُورُ الثَّائِرَةُ وَيَتَجَالَدُ الْفَرِيقَانِ فَلَا يُضْبَطُ أَمْرُ الْبَاغِي مِنْهُمَا، فَالْإِصْلَاحُ بَيْنَهُمَا يُزِيلُ اللَّبْسَ فَإِنِ امْتَنَعَتْ إِحْدَاهُمَا تَعَيَّنَ الْبَغْيُ فِي جَانِبِهَا لِأَنَّ لِلْإِمَامِ وَالْقَاضِي أَنْ يُجْبِرَ عَلَى الصُّلْحِ إِذَا خَشِيَ الْفِتْنَةَ وَرَأَى بَوَارِقَهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ لِكِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ شُبْهَتُهَا إِنْ كَانَتْ لَهَا شُبْهَةٌ وَتُزَالُ بِالْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ وَمَنْ يَأْبَ مِنْهُمَا فَهُوَ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ.
(26/241)

وَجَعَلَ الْفَيْءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ غَايَةً لِلْمُقَاتِلَةِ، أَيْ يَسْتَمِرُّ قِتَالُ الطَّائِفَةِ الْبَاغِيَةِ إِلَى غَايَةِ رُجُوعِهَا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَأَمْرُ اللَّهِ هُوَ مَا فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ الْعَدْلِ وَالْكَفِّ عَنِ الظُّلْمِ، أَيْ حَتَّى تُقْلِعَ عَنْ بَغْيِهَا، وَأُتْبِعَ مَفْهُومُ الْغَايَةِ بِبَيَانِ مَا تُعَامَلُ بِهِ الطَّائِفَتَانِ بعد أَن تفي الْبَاغِيَةُ بِقَوْلِهِ:
فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ، وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ من ضمير فَأَصْلِحُوا.
وَالْعَدْلُ: هُوَ مَا يَقَعُ التَّصَالُحُ عَلَيْهِ بِالتَّرَاضِي وَالْإِنْصَافِ وَأَنْ لَا يَضُرَّ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَإِنَّ الْمَتَالِفَ الَّتِي تَلْحَقُ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا شَدِيدًا فَتَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّعْدِيلِ.
وَقَيَّدَ الْإِصْلَاحَ الْمَأْمُورَ بِهِ ثَانِيًا بِقَيْدِ أَنْ تَفِيءَ الْبَاغِيَةُ بِقَيْدِ بِالْعَدْلِ وَلَمْ يُقَيِّدِ الْإِصْلَاحَ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَهَذَا الْقَيْدُ يُقَيَّدُ بِهِ أَيْضًا الْإِصْلَاحُ الْمَأْمُورُ بِهِ أَوَّلًا لِأَنَّ الْقَيْدَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ لِاتِّحَادِ سَبَبِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، أَيْ يَجِبُ الْعَدْلُ فِي صُورَةِ الْإِصْلَاحِ فَلَا يُضَيِّعُوا بِصُورَةِ الصُّلْحِ مَنَافِعَ عَنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا بِقَدْرِ مَا تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ الصُّلْحِ مِنْ نُزُولٍ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ بِالْمَعْرُوفِ.
ثُمَّ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْعَدْلِ بِقَوْلِهِ: وَأَقْسِطُوا أَمْرًا عَامًّا تَذْيِيلًا لِلْأَمْرِ بِالْعَدْلِ الْخَاصِّ فِي الصُّلْحِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَشَمِلَ ذَلِكَ هَذَا الْأَمْرَ الْعَامَّ أَنْ يَعْدِلُوا فِي صُورَةِ مَا إِذَا قَاتَلُوا الَّتِي تَبْغِي، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما. وَهَذَا إِصْلَاحٌ ثَانٍ بَعْدِ الْإِصْلَاحِ الْمَأْمُورِ بِهِ ابْتِدَاءً. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْفِئَةَ الَّتِي خَضَعَتْ لِلْقُوَّةِ وَأَلْقَتِ السِّلَاحَ تَكُونُ مَكْسُورَةَ الْخَاطِرِ شَاعِرَةً بِانْتِصَارِ الْفِئَةِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا فَأَوْجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِتَرْغِيبِهِمَا فِي إِزَالَةِ الْإِحَنِ وَالرُّجُوعِ إِلَى أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ لِئَلَّا يَعُودَ التَّنَكُّرُ بَيْنَهُمَا.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمِنَ الْعَدْلِ فِي صُلْحِهِمْ أَنْ لَا يُطَالَبُوا بِمَا جَرَى بَيْنَهُمْ مُدَّةَ الْقِتَالِ مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ فَإِنَّهُ تَلَفٌ عَلَى تَأْوِيلٍ وَفِي طَلَبِهِمْ بِهِ تَنْفِيرٌ لَهُمْ عَنِ الصُّلْحِ وَاسْتِشْرَاءٌ فِي الْبَغْيِ وَهَذَا أَصْلٌ فِي الْمَصْلَحَةِ اهـ. ثُمَّ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالَ عِنْدَنَا الْمَالِكِيَّةُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَضْمَنُونَ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ. فَأَمَّا مَا كَانَ قَائِمًا رُدَّ بِعَيْنِهِ وَانْظُرْ هَلْ يَنْطَبِقُ
(26/242)

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)
كَلَامُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى نَوْعَيِ الْبَاغِيَةِ أَوْ هُوَ خَاصٌّ بِالْبَاغِيَةِ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
فَأَمَّا حُكْمُ تَصَرُّفِ الْجَيْشِ الْمُقَاتِلِ لِلْبُغَاةِ فَكَأَحْوَالِ الْجِهَادِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ وَلَا يُتَّبَعُ مُدَبَّرَهُمْ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَا تُسْبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَلَا تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَلَا تُسْتَرَقُّ أَسْرَاهُمْ. وَلِلْفُقَهَاءِ تَفَاصِيلُ فِي أَحْوَالِ جَبْرِ الْأَضْرَارِ اللَّاحِقَةِ بِالْفِئَةِ الْمُعْتَدَى عَلَيْهَا وَالْأَضْرَارِ اللَّاحِقَةِ بِالْجَمَاعَةِ الَّتِي تَتَوَلَّى قِتَالَ الْبُغَاةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ مَجْمُوعِ أَقْوَالِهِمْ مَا يَرَى أُولُو الْأَمْرِ الْمَصْلَحَةَ فِي الْحَمْلِ عَلَيْهَا جَرْيًا عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
[10]

[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 10]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)
تَعْلِيلٌ لِإِقَامَةِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا اسْتَشْرَى الْحَالُ بَيْنَهُمْ، فَالْجُمْلَةُ مَوْقِعُهَا مَوْقِعُ الْعِلَّةِ، وَقَدْ بُنِيَ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ كَحَالِ الْإِخْوَةِ.
وَجِيءَ بِصِيغَةِ الْقَصْرِ الْمُفِيدَةِ لِحَصْرِ حَالِهِمْ فِي حَالِ الْإِخْوَةِ مُبَالَغَةً فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ أَوْ هُوَ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلَى أَصْحَابِ الْحَالَةِ الْمَفْرُوضَةِ الَّذِينَ يَبْغُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ إِخْوَةٌ مَجَازًا عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ زِيَادَةً لِتَقْرِيرِ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ بَيْنَهُمْ حَتَّى لَا يَحِقَّ أَنْ يُقْرَنَ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ الْمُشْعِرِ بِضَعْفِ صِفَتِهِمْ عَنْ حَقِيقَةِ الْأُخُوَّةِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى تَقَرُّرِ وُجُوبِ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ شَأْنَ إِنَّمَا أَنْ تَجِيءَ لِخَبَرٍ لَا يَجْهَلُهُ الْمُخَاطَبُ وَلَا يَدْفَعُ صِحَّتَهُ أَوْ لِمَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ فِي «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» فِي الْفَصْلِ الثَّانِيَ عَشَرَ وَسَاقَ عَلَيْهِ شَوَاهِدَ كَثِيرَةً مِنَ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ فَلِذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ مُفِيدَ أَنَّ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ بَيْنَهُمْ مَعْلُومٌ مُقَرَّرٌ. وَقَدْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي تَضَاعِيفِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَام
(26/243)

رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ [10] ، وَهِيَ سَابِقَةٌ فِي النُّزُولِ عَلَى هَذِهِ السُّورَةِ فَإِنَّهَا مَعْدُودَةٌ الثَّانِيَةَ وَالْمِائَةَ، وَسُورَةُ الْحُجُرَاتِ مَعْدُودَةٌ الثَّامِنَةَ وَالْمِائَةَ مِنَ السُّورِ. وآخى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ حِينَ وُرُودِهِ الْمَدِينَةَ وَذَلِكَ مَبْدَأُ الْإِخَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غير رَبِّي لَا تخذت أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنَّ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ»
. وَفِي بَابِ تَزْوِيجِ الصِّغَارِ مِنَ الْكِبَارِ
مِنْ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» «أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ عَائِشَةَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ فَقَالَ: أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَهِيَ لِي حَلَالٌ» .
وَفِي حَدِيثِ «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» .
وَفِي الْحَدِيثِ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»
أَيْ يُحِبَّ لِلْمُسْلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
فَأَشَارَتْ جُمْلَةُ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ إِلَى وَجْهِ وُجُوبِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَبَاغِيَتَيْنِ مِنْهُمْ بِبَيَانِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ عَقَدَ بَيْنَ أَهْلِهِ مِنَ النَّسَبِ الْمُوحَى مَا لَا يَنْقُصُ عَنْ نِسَبِ الْأُخُوَّةِ الْجَسَدِيَّةِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي شَكَتْ إِلَيْهِ حَاجَةَ أَوْلَادِهَا وَقَالَتْ: أَنَا بِنْتُ خُفَافِ بْنِ أَيْمَاءَ، وَقَدْ شَهِدَ أَبِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ الْحُدَيْبِيَةَ فَقَالَ عُمَرُ «مَرْحَبًا بِنَسَبٍ قَرِيبٍ» . وَلَمَّا كَانَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ إِذَا نَشِبَتْ مُشَاقَّةٌ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ لَزِمَ بَقِيَّةَ الْإِخْوَةِ أَنْ يَتَنَاهَضُوا فِي إِزَاحَتِهَا مَشْيًا بِالصُّلْحِ بَيْنَهُمَا فَكَذَلِكَ شَأْنُ الْمُسْلِمِينَ إِذَا حَدَثَ شِقَاقٌ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنْهُمْ أَنْ يَنْهَضَ سَائِرُهُمْ بِالسَّعْيِ بِالصُّلْحِ بَيْنَهُمَا وَبَثِّ السُّفَرَاءِ إِلَى أَنْ يُرَقِّعُوا مَا وَهَى، وَيَرْفَعُوا مَا أَصَابَ وَدَهَى.
وَتَفْرِيعُ الْأَمْرِ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، عَلَى تَحْقِيقِ كَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةً تَأْكِيدٌ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ إِنَّمَا مِنَ التَّعْلِيلِ فَصَارَ الْأَمْرُ بِالْإِصْلَاحِ الْوَاقِعِ ابْتِدَاءً دُونَ تَعْلِيلٍ فِي
(26/244)

قَوْلِهِ:
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، وَقَوْلِهِ: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ [الحجرات: 9] قَدْ أُرْدِفَ بِالتَّعْلِيلِ فَحَصَلَ تَقْرِيرُهُ، ثُمَّ عُقِّبَ بِالتَّفْرِيعِ فَزَادَهُ تَقْرِيرًا.
وَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذَا النَّظْمِ مَا يُشْبِهُ الدَّعْوَى وَهِيَ كَمَطْلُوبِ الْقِيَاسِ، ثُمَّ مَا يُشْبِهُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْقِيَاسِ، ثُمَّ مَا يُشْبِهُ النَّتِيجَةَ.
وَلَمَّا تَقَرَّرَ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَالَ التَّقَرُّرِ عَدَلَ عَنْ أَنْ يَقُولَ: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، إِلَى قَوْلِهِ: بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ فَهُوَ وَصْفٌ جَدِيدٌ نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَتَعَيَّنَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ فَتَأَمَّلْ.
وَأُوثِرَتْ صِيغَةُ التَّثْنِيَةِ فِي قَوْلِهِ: أَخَوَيْكُمْ مُرَاعَاةً لِكَوْنِ الْكَلَامِ جَارٍ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَجُعِلَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ كَالْأَخِ لِلْأُخْرَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ الْأَخِ، أَيْ بَيْنَ الطَّائِفَةِ وَالْأُخْرَى مُرَاعَاةً لِجَرَيَانِ الْحَدِيثِ عَلَى اقْتِتَالِ طَائِفَتَيْنِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ الْأَخِ عَلَى تَشْبِيهِ كُلِّ طَائِفَةٍ بِأَخٍ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ إِخْوَتِكُمْ بِتَاءٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ الْوَاوِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ أَخٍ بِاعْتِبَارِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كَالْأَخِ.
وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَشْمَلُ الطَّائِفَتَيْنِ الْبَاغِيَةَ وَالْمَبْغِيَّ عَلَيْهَا، وَيَشْمَلُ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ أمروا بالإصلاح بَيْنَمَا وَمُقَاتَلَةِ الْبَاغِيَةِ، فَتَقْوَى كُلٌّ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ كُلًّا مِمَّا يَخُصُّهُ، وَهَذَا يُشْبِهُ التَّذْيِيلَ. وَمَعْنَى لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: تُرْجَى لَكُمُ الرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ فَتَجْرِي أَحْوَالُكُمْ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَصَلَاحٍ. وَإِنَّمَا اخْتِيرَتِ الرَّحْمَةُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى وَاقِعٌ إِثْرَ تَقْرِيرِ حَقِيقَةِ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَشَأْنُ تَعَامُلِ الْإِخْوَةِ الرَّحْمَةُ فَيَكُونُ الْجَزَاءُ عَلَيْهَا مِنْ جِنْسِهَا
(26/245)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)
[11]

[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 11]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ
لَمَّا اقْتَضَتِ الْأُخُوَّةُ أَنْ تُحْسَنَ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ كَانَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ إِيجَابِ مُعَامَلَةِ الْإِخْوَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَضِي حُسْنَ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَ آحَادِهِمْ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مُنَبِّهَةً عَلَى أُمُورٍ مِنْ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ قَدْ تَقَعُ الْغَفْلَةُ عَنْ مُرَاعَاتِهَا لِكَثْرَةِ تَفَشِّيهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ، وَهَذَا نِدَاءٌ رَابِعٌ أُرِيدَ بِمَا بَعْدَهُ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ بِوَاجِبِ بَعْضِ الْمُجَامَلَةِ بَيْنَ أَفْرَادِهِمْ.
وَعَنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ بَنُو تَمِيمٍ إِذْ سَخِرُوا مِنْ بِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَصُهَيْبٍ، فَيَكُونُ لِنُزُولِ الْآيَةِ سَبَبٌ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لِأَجْلِهِ وَهَذَا مِنَ السُّخْرِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا.
وَرَوَى الْوَاحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا: «أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ كَانَ فِي سَمْعِهِ وَقْرٌ وَكَانَ إِذَا أَتَى مجْلِس النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَوْسِعُوا لَهُ لِيَجْلِسَ إِلَى جَنْبِهِ فَيَسْمَعُ مَا يَقُولُ فَجَاءَ يَوْمًا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فَقَالَ رَجُلٌ: قَدْ أَصَبْتَ مَجْلِسًا فَاجْلِسْ. فَقَالَ ثَابِتٌ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا فُلَانٌ. فَقَالَ ثَابِتٌ: ابْنُ فُلَانَةَ وَذَكَرَ أُمًّا لَهُ كَانَ يُعَيَّرُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاسْتَحْيَا الرَّجُلُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ»
، فَهَذَا مِنَ اللَّمْزِ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ:
«أَنَّهَا نَزَلَتْ لَمَّا عَيَّرَتْ بَعْضُ أَزوَاج النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ بِالْقِصَرِ» ، وَهَذَا مِنَ السُّخْرِيَةِ.
وَقِيلَ: عَيَّرَ بَعْضُهُنَّ صَفِيَّةَ بِأَنَّهَا يَهُودِيَّةٌ، وَهَذَا مِنَ اللَّمْزِ فِي عُرْفِهِمْ.
وَافْتُتِحَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ بِإِعَادَةِ النِّدَاءِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْغَرَضِ فَيَكُونُ مُسْتَقِلًّا غَيْرَ تَابِعٍ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْفَخْرِ. وَقَدْ تَعَرَّضَتِ الْآيَاتُ الْوَاقِعَةُ عَقِبَ هَذَا النِّدَاءِ لِصِنْفٍ مُهِمٍّ مِنْ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِمَّا فَشَا فِي النَّاسِ مِنْ عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ التَّسَاهُلُ فِيهَا. وَهِيَ مِنْ إِسَاءَةِ الْأَقْوَالِ وَيَقْتَضِي النَّهْيُ عَنْهَا الْأَمْرَ بِأَضْدَادِهَا. وَتِلْكَ الْمَنْهِيَّاتُ هِيَ السُّخْرِيَةُ وَاللَّمْزُ وَالنَّبْزُ.
(26/246)

وَالسَّخْرُ، وَيُقَالُ السُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزَاءُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ [79] ، وَتَقَدَّمَ وَجْهُ تَعْدِيَتِهِ بِ (مِنْ) .
وَالْقَوْمُ: اسْمُ جَمْعٍ: جَمَاعَةُ الرِّجَالِ خَاصَّةً دُونَ النِّسَاءِ، قَالَ زُهَيْرٌ:
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ أَخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ؟

وَتَنْكِيرُ قَوْمٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِإِفَادَةِ الشِّيَاعِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ نَهْيُ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ سَخِرُوا مِنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ. وَإِنَّمَا أَسْنَدَ يَسْخَرْ إِلَى قَوْمٌ دُونَ أَنْ يَقُولَ: لَا يَسْخَرْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا قَالَ: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [الحجرات: 12] لِلنَّهْيِ عَمَّا كَانَ شَائِعًا بَيْنَ الْعَرَبِ مِنْ
سُخْرِيَةِ الْقَبَائِلِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ فَوَجَّهَ النَّهْيَ إِلَى الْأَقْوَامِ. وَلِهَذَا أَيْضًا لَمْ يَقُلْ: لَا يَسْخَرْ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٌ مِنِ امْرَأَةٍ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَسْخَرَ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ بِطَرِيقِ لَحْنِ الْخِطَابِ. وَهَذَا النَّهْيُ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ.
وَخَصَّ النِّسَاءَ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ الْقَوْمَ يَشْمَلُهُمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ الْعُرْفِيِّ فِي الْكَلَامِ، كَمَا يَشْمَلُ لَفْظُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ بِقَرِينَةِ مَقَامِ التَّشْرِيعِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ التَّسَاوِي فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا مَا اقْتَضَى الدَّلِيلُ تَخْصِيصَ أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ بِهِ دَفَعًا لِتَوَهُّمِ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِسُخْرِيَةِ الرِّجَالِ إِذْ كَانَ الِاسْتِسْخَارُ مُتَأَصِّلًا فِي النِّسَاءِ، فَلِأَجَلِ دَفْعِ التَّوَهُّمِ النَّاشِئِ مِنْ هَذَيْنِ السَّيِّئَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ مِنْ آيَةِ الْقِصَاصِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فِي سُورَة الْعُقُود [178] .
وَجُمْلَةُ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ تُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ السُّخْرِيَةِ بِذِكْرِ حَالَةٍ يَكْثُرُ وُجُودُهَا فِي الْمَسْخُورِيَّةِ، فَتَكُونُ سُخْرِيَةُ السَّاخِرِ أَفْظَعَ مِنَ السَّاخِرِ، وَلِأَنَّهُ يُثِيرُ انْفِعَالَ الْحَيَاءِ فِي نَفْسِ السَّاخِرَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. وَلَيْسَتْ جُمْلَةُ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ صِفَةً لقوم من قومه: مِنْ قَوْمٍ وَإِلَّا لَصَارَ النَّهْيُ عَنِ السُّخْرِيَةِ خَاصًّا بِمَا إِذَا كَانَ الْمَسْخُورُ بِهِ مَظِنَّةَ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَ السَّاخِرِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي جُمْلَةِ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَيْسَتْ صِفَةً لِ نِساءٌ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ نِساءٍ.
(26/247)

وَتَشَابُهُ الضَّمِيرَيْنِ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَفِي قَوْلِهِ: أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ لَا لَبْسَ فِيهِ لِظُهُورِ مَرْجِعِ كُلِّ ضَمِيرٍ، فَهُوَ كَالضَّمَائِرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها فِي سُورَةِ الرُّومِ [9] ، وَقَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ:
عُدْنَا وَلَوْلَا نَحْنُ أَحْدَقَ جَمْعُهُمْ ... بِالْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوا مَا جَمَّعُوا
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ.
اللَّمْزُ: ذِكْرُ مَا يَعُدُّهُ الذَّاكِرُ عَيْبًا لِأَحَدٍ مُوَاجَهَةً فَهُوَ الْمُبَاشَرَةُ بِالْمَكْرُوهِ. فَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ فَهُوَ وَقَاحَةٌ وَاعْتِدَاءٌ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَهُوَ وَقَاحَةٌ وَكَذِبٌ، وَكَانَ شَائِعًا بَيْنَ الْعَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ قَالَ تَعَالَى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الْهمزَة: 1] يَعْنِي نَفَرًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ دَأْبُهُمْ لَمْزَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَكُونُ بِحَالَةٍ بَيْنِ الْإِشَارَةِ وَالْكَلَامِ بِتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ يَعْرِفُ مِنْهُ الْمُوَاجَهُ بِهِ أَنَّهُ يُذَمُّ أَوْ يُتَوَعَّدُ، أَوْ يُتَنَقَّصُ بِاحْتِمَالَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ غَيْرُ النَّبْزِ وَغَيْرُ الْغَيْبَةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ وَكُتُبِ اللُّغَةِ اضْطِرَابٌ فِي شَرْحِ مَعْنَى اللَّمْزِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ الْمَنْخُولُ مِنْ ذَلِكَ.
وَمَعْنَى لَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ لَا يَلْمِزْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَنُزِّلَ الْبَعْضُ الْمَلْمُوزُ نَفْسًا لِلَامِزِهِ لِتَقَرُّرِ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [84] .
وَالتَّنَابُزُ: نَبْزُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَالنَّبْزُ بِسُكُونِ الْبَاءِ: ذَكَرَ النَّبَزَ بِتَحْرِيكِ الْبَاءِ وَهُوَ اللَّقَبُ السُّوءُ، كَقَوْلِهِمْ: أَنْفُ النَّاقَةِ، وَقُرْقُورٌ، وَبَطَّةُ. وَكَانَ غَالِبُ الْأَلْقَابِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَبْزًا. قَالَ بَعْضُ الْفَزَارِيِّينَ:
أُكَنِّيهِ حِينَ أُنَادِيهِ لِأُكْرِمَهُ ... وَلَا أُلَقِّبُهُ وَالسَّوْأَةُ اللَّقَبُ
رُوِيَ بِرَفْعِ السَّوْأَةُ اللَّقَبُ فَيَكُونُ جَرْيًا عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُمْ فِي اللَّقَبِ وَأَنَّهُ سَوْأَةٌ.
وَرَوَاهُ «دِيوَانُ الْحَمَاسَةِ» بِنَصْبِ السَّوْأَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ وَاوُ الْمَعِيَّةِ. وَرُوِيَ بِالسَّوْأَةِ اللَّقَبَا أَيْ لَا أُلَقِّبُهُ لَقَبًا مُلَابِسًا لِلسَّوْءَةِ فَيَكُونُ أَرَادَ تَجَنُّبَ بَعْضِ اللَّقَبِ
(26/248)

وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى سُوءٍ وَرِوَايَةُ الرَّفْعِ أَرْجَحُ وَهِيَ الَّتِي يَقْتَضِيهَا اسْتِشْهَادُ سِيبَوَيْهِ بِبَيْتٍ بَعْدَهُ فِي بَابِ ظَنَّ. وَلَعَلَّ مَا وَقَعَ فِي «دِيوَانِ الْحَمَاسَةِ» مِنْ تَغْيِيرَاتِ أَبِي تَمَّامٍ الَّتِي نُسِبَ إِلَيْهِ بَعْضُهَا فِي بَعْضِ أَبْيَاتِ الْحَمَاسَةِ لِأَنَّهُ رَأَى النَّصْبَ أَصَحَّ معنى.
فَالْمُرَاد بِالْأَلْقابِ فِي الْآيَةِ الْأَلْقَابُ الْمَكْرُوهَةُ بِقَرِينَةِ وَلا تَنابَزُوا. وَاللَّقَبُ مَا أَشْعَرَ بِخِسَّةٍ أَوْ شَرَفٍ سَوَاءٌ كَانَ مُلَقَّبًا بِهِ صَاحِبُهُ أَمِ اخْتَرَعَهُ لَهُ النَّابِزُ لَهُ.
وَقَدْ خُصِّصَ النَّهْيُ فِي الْآيَة بِالْأَلْقابِ الَّتِي لَمْ يَتَقَادَمْ عَهْدُهَا حَتَّى صَارَتْ كَالْأَسْمَاءِ لِأَصْحَابِهَا وَتُنُوسِيَ مِنْهَا قَصْدُ الذَّمِّ وَالسَّبِّ خُصَّ بِمَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ
كَقَوْل النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَصْدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ»
،
وَقَوْلُهُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ «يَا أَبَا هِرٍّ»
، وَلُقِّبَ شَاوُلُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ فِي الْقُرْآنِ طَالُوتَ، وَقَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ الْأَعْرَجُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، وَالْأَعْمَشُ لِسُلَيْمَان من مِهْرَانَ.
وَإِنَّمَا قَالَ وَلا تَلْمِزُوا بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ: وَلا تَنابَزُوا بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ مِنْ جَانِبَيْنِ، لِأَنَّ اللَّمْزَ قَلِيلُ الْحُصُولِ فَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي قَبَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْهُمْ بَنُو سَلِمَةَ بِالْمَدِينَةِ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
تَذْيِيلٌ لِلْمَنْهِيَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ تَعْرِيضٌ قَوِيٌّ بِأَنَّ مَا نُهُوا عَنْهُ فُسُوقٌ وَظُلْمٌ، إِذْ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ مَدْلُولِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَبَيْنَ الْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا لَوْلَا مَعْنَى التَّعْرِيضِ بِأَنَّ ذَلِكَ فُسُوقٌ وَذَلِكَ مَذْمُومٌ وَمُعَاقَبٌ عَلَيْهِ فَدَلَّ قَوْلُهُ: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ، عَلَى أَنَّ مَا نُهُوا عَنْهُ مَذْمُومٌ لِأَنَّهُ فُسُوقٌ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَلَا تُزِيلُهُ إِلَّا التَّوْبَةُ فَوَقَعَ إِيجَازٌ بِحَذْفِ جُمْلَتَيْنِ فِي الْكَلَامِ اكْتِفَاءً بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّذْيِيلُ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى اللَّمْزَ وَالتَّنَابُزَ مَعْصِيَتَانِ لِأَنَّهُمَا فُسُوقٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ»
. وَلَفْظُ الِاسْمُ هُنَا مُطْلَقٌ عَلَى الذِّكْرِ، أَيِ التَّسْمِيَةِ، كَمَا يُقَالُ: طَارَ اسْمُهُ
(26/249)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)
فِي النَّاسِ بِالْجُودِ أَوْ بِاللُّؤْمِ. وَالْمَعْنَى: بِئْسَ الذِّكْرُ أَنْ يُذَكَرَ أَحَدٌ بِالْفُسُوقِ بَعْدَ أَنْ وُصِفَ بِالْإِيمَانِ.
وَإِيثَارُ لَفْظِ الِاسْمِ هُنَا مِنَ الرَّشَاقَةِ بِمَكَانٍ لِأَنَّ السِّيَاقَ تَحْذِيرٌ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ بِالْأَسْمَاءِ الذَّمِيمَةِ إِذِ الْأَلْقَابُ أَسْمَاءٌ فَكَانَ اخْتِيَارُ لَفْظِ الِاسْمِ لِلْفُسُوقِ مُشَاكَلَةً مَعْنَوِيَّةً.
وَمَعْنَى الْبَعْدِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: بَعْدَ الْإِيمانِ: بَعْدَ الِاتِّصَافِ بِالْإِيمَانِ، أَيْ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُنَاسِبُهُ الْفُسُوقُ لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ لَا يَزَعُهُمْ عَنِ الْفُسُوقِ وَازِعٌ، وَهَذَا كَقَوْلِ جَمِيلَةَ بِنْتِ أُبَيٍّ حِينَ شكت للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تَكْرَهُ زَوْجَهَا ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ وَجَاءَتْ تَطْلُبُ فِرَاقَهُ: «لَا أَعِيبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا فِي خُلُقٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ- تُرِيدُ التَّعْرِيضَ بِخَشْيَةِ الزِّنَا- وَإِنِّي لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا» .
وَإِذْ كَانَ كُلٌّ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَاللَّمْزِ وَالتَّنَابُزِ مَعَاصِيَ فَقَدْ وَجَبَتِ التَّوْبَةُ مِنْهَا فَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَهُوَ ظَالِمٌ: لِأَنَّهُ ظَلَمَ النَّاسَ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ، وَظَلَمَ نَفْسَهُ بِأَنْ رَضِيَ لَهَا عِقَابَ الْآخِرَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْإِقْلَاعِ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ ظُلْمُهُ شَدِيدًا جِدًّا. فَلِذَلِكَ جِيءَ لَهُ بِصِيغَةِ قَصْرِ الظَّالِمِينَ عَلَيْهِمْ كَأَنَّهُ لَا ظَالِمَ غَيْرُهُمْ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالظَّالِمِينَ الْآخَرِينَ فِي مُقَابَلَةِ هَؤُلَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ لِيَزْدَجِرُوا. وَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَهَذِهِ الذُّنُوبُ الْمَذْكُورَةُ مَرَاتِبُ وَإِدْمَانُ الصَّغَائِرِ كَبِيرَةٌ.
وَتَوْسِيطُ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِزِيَادَةِ تَمْيِيزِهِمْ تَفْظِيعًا لِحَالِهِمْ وَلِلتَّنْبِيهِ، بَلْ إِنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا قَصْرَ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَوْصَافِ قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ.
[12]

[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 12]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
أُعِيدَ النِّدَاءُ خَامِسَ مَرَّةٍ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ وَالِاهْتِمَامِ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَنْهِيَّاتِ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ هَذَا النِّدَاءِ مِنْ جِنْسِ الْمُعَامَلَاتِ السَّيِّئَةِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي لَا يَتَفَطَّنُ لَهَا مَنْ عُومِلَ بِهَا فَلَا يَدْفَعُهَا فَمَا يُزِيلُهَا مِنْ نَفْسِ مَنْ عَامَلَهُ بِهَا.
(26/250)

فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ تَأْدِيبٌ عَظِيمٌ يُبْطِلُ مَا كَانَ فَاشِيًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الظُّنُونِ السَّيِّئَةِ وَالتُّهَمِ الْبَاطِلَةِ وَأَنَّ الظُّنُونَ السَّيِّئَةَ تَنْشَأُ عَنْهَا الْغَيْرَةُ الْمُفْرِطَةُ وَالْمَكَائِدُ وَالِاغْتِيَالَاتُ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْمُبَادَأَةُ بِالْقِتَالِ حَذَرًا مِنِ اعْتِدَاءٍ مَظْنُونٍ ظَنًّا بَاطِلًا، كَمَا قَالُوا: خُذِ اللِّصَّ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَكَ.
وَمَا نَجَمَتِ الْعَقَائِدُ الضَّالَّةُ وَالْمَذَاهِبُ الْبَاطِلَةُ إِلَّا مِنَ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ قَالَ تَعَالَى:
يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ [آل عمرَان: 154] وَقَالَ: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ مَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الزخرف: 20] وَقَالَ: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ [الْأَنْعَام: 148] ثُمَّ قَالَ: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الْأَنْعَام: 148] .
وَقَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»
. وَلَمَّا جَاءَ الْأَمْرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِاجْتِنَابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ عَلِمْنَا أَنَّ الظُّنُونَ الْآثِمَةَ غَيْرُ قَلِيلَةٍ، فَوَجَبَ التَّمْحِيصُ وَالْفَحْصُ لِتَمْيِيزِ الظَّنِّ الْبَاطِلِ مِنَ الظَّنِّ الصَّادِقِ.
وَالْمُرَادُ بِ الظَّنِّ هُنَا: الظَّنُّ الْمُتَعَلِّقُ بِأَحْوَالِ النَّاسِ وَحُذِفَ الْمُتَعَلِّقُ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السَّامِعِ إِلَى كُلِّ ظَنٍّ مُمْكِنٍ هُوَ إِثْمٌ. وَجُمْلَةُ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ قَوْلَهُ:
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ يَسْتَوْقِفُ السَّامِعَ لِيَتَطَلَّبَ الْبَيَانَ فَاعْلَمُوا أَنَّ بَعْضَ الظَّنِّ جُرْمٌ، وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ وُجُوبِ التَّأَمُّلِ فِي آثَارِ الظُّنُونِ لِيَعْرِضُوا مَا تُفْضِي إِلَيْهِ الظُّنُونُ عَلَى مَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، أَوْ لِيَسْأَلُوا أَهْلَ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ الِاسْتِئْنَافِيَّ يَقْتَصِرُ عَلَى التَّخْوِيفِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْإِثْمِ. وَلَيْسَ هَذَا الْبَيَانُ تَوْضِيحًا لِأَنْوَاعِ الْكَثِيرِ مِنَ الظَّنِّ الْمَأْمُورِ بِاجْتِنَابِهِ، لِأَنَّهَا أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ فَنَبَّهَ عَلَى عَاقِبَتِهَا وَتَرَكَ التَّفْصِيلَ لِأَنَّ فِي إِبْهَامِهِ بَعْثًا عَلَى مَزِيدِ الِاحْتِيَاطِ.
وَمَعْنَى كَوْنِهِ إِثْمًا أَنَّهُ: إِمَّا أَنْ يَنْشَأَ عَلَى ذَلِكَ الظَّنِّ عَمَلٌ أَوْ مُجَرَّدُ اعْتِقَادٍ، فَإِنْ كَانَ قَدْ يَنْشَأُ عَلَيْهِ عَمَلٌ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَالِاغْتِيَابِ وَالتَّجَسُّسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلْيُقَدِّرِ الظَّانُّ أَنَّ ظَنَّهُ
كَاذِبٌ ثُمَّ لْيَنْظُرْ بَعْدُ فِي عَمَلِهِ الَّذِي بَنَاهُ عَلَيْهِ فَيَجِدُهُ قَدْ عَامَلَ بِهِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ تِلْكَ الْمُعَامَلَةَ مِنِ اتِّهَامِهِ بِالْبَاطِلِ فَيَأْثَمُ مِمَّا طَوَى عَلَيْهِ قَلْبَهُ لِأَخِيهِ
(26/251)

الْمُسْلِمِ، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الظَّنَّ الْقَبِيحَ بِمَنْ ظَاهِرُهُ الْخَيْرُ لَا يَجُوزُ. وَإِنْ لَمْ يَنْشَأْ عَلَيْهِ إِلَّا مُجَرَّدُ اعْتِقَادٍ دُونَ عَمَلٍ فَلْيُقَدِّرْ أَنَّ ظَنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا يَجِدُ نَفْسَهُ قَدِ اعْتَقَدَ فِي أَحَدٍ مَا لَيْسَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ اعْتِقَادًا فِي صِفَاتِ اللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ وَإِنْ كَانَ اعْتِقَادًا فِي أَحْوَالِ النَّاسِ فَقَدْ خَسِرَ الِانْتِفَاعَ بِمَنْ ظَنَّهُ ضَارًّا، أَوِ الِاهْتِدَاءَ بِمَنْ ظَنَّهُ ضَالًّا، أَوْ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ مِمَّنْ ظَنَّهُ جَاهِلًا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَوَرَاءَ ذَلِكَ فَالظَّنُّ الْبَاطِلُ إِذَا تَكَرَّرَتْ مُلَاحَظَتُهُ وَمُعَاوَدَةُ جَوَلَانِهِ فِي النَّفْسِ قَدْ يَصِيرُ عِلْمًا رَاسِخًا فِي النَّفْسِ فَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْآثَارُ بِسُهُولَةٍ فَتُصَادِفُ مَنْ هُوَ حَقِيقٌ بِضِدِّهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [الحجرات: 6] .
وَالِاجْتِنَابُ: افْتِعَالٌ مِنْ جَنَّبَهُ وَأَجْنَبَهُ، إِذَا أَبْعَدَهُ، أَيْ جَعَلَهُ جَانِبًا آخَرَ، وَفِعْلُهُ يُعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، يُقَالُ: جَنَّبَهُ الشَّرَّ، قَالَ تَعَالَى: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إِبْرَاهِيم:
35] . وَمُطَاوِعُهُ أَجْتَنِبُ، أَيْ أَبْتَعِدُ، وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلُ أَمْرٍ إِلَّا بِصِيغَةِ الِافْتِعَالِ.
وَمَعْنَى الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ الْأَمْرُ بِتَعَاطِي وَسَائِلِ اجْتِنَابِهِ فَإِنَّ الظَّنَّ يَحْصُلُ فِي خَاطِرِ الْإِنْسَانِ اضْطِرَارًا عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، فَلَا يُعْقَلُ التَّكْلِيفُ بِاجْتِنَابِهِ وَإِنَّمَا يُرَادُ الْأَمْرُ بِالتَّثَبُّتِ فِيهِ وَتَمْحِيصِهِ وَالتَّشَكُّكِ فِي صِدْقِهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مُوجِبُهُ بِدُونِ تَرَدُّدٍ أَوْ بِرُجْحَانٍ أَوْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ فَتُكَذِّبُ نَفْسَكَ فِيمَا حَدَّثَتْكَ. وَهَذَا التَّحْذِيرُ يُرَادُ مِنْهُ مُقَاوَمَةُ الظُّنُونِ السَّيِّئَةِ بِمَا هُوَ مِعْيَارُهَا مِنَ الْأَمَارَاتِ الصَّحِيحَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «إِذَا ظَنَنْتُمْ فَلَا تُحَقِّقُوا»
. عَلَى أَنَّ الظَّنَّ الْحَسَنَ الَّذِي لَا مُسْتَنَدَ لَهُ غَيْرُ مَحْمُودٍ لِأَنَّهُ قَدْ يُوقِعُ فِيمَا لَا يُحَدُّ ضُرُّهُ مِنِ اغْتِرَارٍ فِي مَحَلِّ الْحَذَرِ وَمِنِ اقْتِدَاءٍ بِمَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّأَسِّي. وَقَدْ
قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِأُمِّ عَطِيَّةَ حِينَ مَاتَ فِي بَيْتِهَا عُثْمَانُ بن مَظْعُون وَقَالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّايِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَإِنِّي
(26/252)

أَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي. فَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: وَاللَّهِ لَا أُزَكِّي بَعْدَهُ أَحَدًا»
. وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ وَتَبْيِينِهِ بِأَنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ أَنَّ بَعْضًا مِنَ الظَّنِّ لَيْسَ إِثْمًا وَأَنَّا لَمْ نُؤْمَرْ بِاجْتِنَابِ الظَّنِّ الَّذِي لَيْسَ بِإِثْمٍ لِأَنَّ كَثِيراً وَصْفٌ، فَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ لَمْ نُؤَمَرْ بِاجْتِنَابِهِ وَهُوَ الَّذِي يُبَيِّنُهُ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ أَيْ أَنَّ بَعْضَ الظَّنِّ لَيْسَ إِثْمًا، فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ مِعْيَارُهُ فِي تَمْيِيزِ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ مِنَ
الْآخَرِ أَنْ يَعْرِضَهُ عَلَى مَا بَيَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ فِي تَضَاعِيفِ أَحْكَامِهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَمَا أَفَادَهُ الِاجْتِهَادُ الصَّحِيحُ وَتَتَبُّعُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، فَمِنْهُ ظَنٌّ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ كَالْحَذَرِ مِنْ مَكَائِدِ الْعَدُوِّ فِي الْحَرْبِ، وَكَالظَّنِّ الْمُسْتَنِدِ إِلَى الدَّلِيلِ الْحَاصِلِ مِنْ دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ التَّفْرِيعَاتِ الشَّرْعِيَّةِ حَاصِلَةٌ مِنَ الظَّنِّ الْمُسْتَنِدِ إِلَى الْأَدِلَّةِ.
وَقَدْ فَتَحَ مَفْهُومُ هَذِهِ الْآيَةِ بَابَ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ غَيْرِ الْإِثْمِ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَقُومُ حُجَّةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ يَرَوْنَ الْعَمَلَ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ فَإِنَّ مُعْظَمَ دَلَالَاتِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْمَفَاهِيمِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَأَمَّا الظَّنُّ الَّذِي هُوَ فَهْمُ الْإِنْسَانِ وَزَكَانَتُهُ فَذَلِكَ خَاطِرٌ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ أَدْرَى فَمُعْتَادُهُ مِنْهُ مِنْ إِصَابَةٍ أَوْ ضِدِّهَا قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
الْأَلْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّ ... نَّ كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا
وَلا تَجَسَّسُوا.
التَّجَسُّسُ مِنْ آثَارِ الظَّنِّ لِأَنَّ الظَّنَّ يَبْعَثُ عَلَيْهِ حِينَ تَدْعُو الظَّانَّ نَفْسُهُ إِلَى تَحْقِيقِ مَا ظَنَّهُ سِرًّا فَيَسْلُكُ طَرِيقَ التَّجْنِيسِ فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ مِنْ سُلُوكِ هَذَا الطَّرِيقِ لِلتَّحَقُّقِ لِيَسْلُكُوا غَيْرَهُ إِنْ كَانَ فِي تَحْقِيقِ مَا ظَنَّ فَائِدَةٌ.
وَالتَّجَسُّسُ: الْبَحْثُ بِوَسِيلَةٍ خَفِيَّةٍ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَسِّ، وَمِنْهُ سُمِّي الْجَاسُوسُ.
وَالتَّجَسُّسُ مِنَ الْمُعَامَلَةِ الْخَفِيَّةِ عَنِ الْمُتَجَسَّسِ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ النَّهْيِ عَنْهُ أَنَّهُ ضَرْبٌ
(26/253)

مِنَ الْكَيْدِ وَالتَّطَلُّعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ. وَقَدْ يَرَى الْمُتَجَسِّسُ مِنَ الْمُتَجَسَّسِ عَلَيْهِ مَا يَسُوءُهُ فَتَنْشَأُ عَنْهُ الْعَدَاوَةُ وَالْحِقْدُ. وَيَدْخُلُ صَدْرَهُ الْحَرَجُ وَالتَّخَوُّفُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ ضَمَائِرُهُ خَالِصَةً طَيِّبَةً وَذَلِكَ مِنْ نَكَدِ الْعَيْشِ.
وَذَلِكَ ثَلْمٌ لِلْأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِأَنَّهُ يَبْعَثُ عَلَى إِظْهَارِ التَّنَكُّرِ ثُمَّ إِنِ اطَّلَعَ الْمُتَجَسَّسُ عَلَيْهِ عَلَى تَجَسُّسِ الْآخَرِ سَاءَهُ فَنَشَأَ فِي نَفْسِهِ كُرْهٌ لَهُ وَانْثَلَمَتِ الْأُخُوَّةُ ثُلْمَةٌ أُخْرَى كَمَا وَصَفْنَا فِي حَالِ الْمُتَجَسِّسِ، ثُمَّ يَبْعَثُ ذَلِكَ عَلَى انْتِقَامِ كِلَيْهِمَا مِنْ أَخِيهِ.
وَإِذْ قَدِ اعْتُبِرَ النَّهْيُ عَنِ التَّجَسُّسِ مِنْ فُرُوعِ النَّهْيِ عَنِ الظَّنِّ فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالتَّجَسُّسِ الَّذِي هُوَ إِثْمٌ أَوْ يُفْضِي إِلَى الْإِثْمِ، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ عَامَّةٌ صَارَ التَّجَسُّسُ كَبِيرَةً.
وَمِنْهُ التَّجَسُّسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِمَنْ يَبْتَغِي الضُّرَّ بِهِمْ.
فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ التَّجَسُّسُ الَّذِي لَا يَنْجَرُّ مِنْهُ نَفَعٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ عَنْهُمْ فَلَا
يَشْمَلُ التَّجَسُّسَ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَلَا تَجَسُّسَ الشُّرَطِ عَلَى الْجُنَاةِ وَاللُّصُوصِ.
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ.
الِاغْتِيَابُ: افْتِعَالٌ مِنْ غَابَهُ الْمُتَعَدِّي، إِذَا ذَكَرَهُ فِي غَيْبِهِ بِمَا يَسُوءُهُ.
فَالِاغْتِيَابُ ذِكْرُ أَحَدٍ غَائِبٍ بِمَا لَا يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ بِهِ، وَالِاسْمُ مِنْهُ الْغِيبَةُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ مِثْلَ الْغِيلَةِ. وَإِنَّمَا يَكُونُ ذِكْرُهُ بِمَا يَكْرَهُ غِيبَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرَهُ بِهِ مِمَّا يَثْلِمُ الْعِرْضَ وَإِلَّا صَارَ قَذْعًا.
وَإِنَّمَا قَالَ: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً دُونَ أَنْ يَقُولَ: اجْتَنِبُوا الْغَيْبَةَ. لِقَصْدِ التَّوْطِئَةِ لِلتَّمْثِيلِ الْوَارِدِ فِي قَوْلِهِ: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ التَّمْثِيلُ مُشْتَمِلًا عَلَى جَانِبِ فَاعِلِ الِاغْتِيَابِ وَمَفْعُولِهِ مَهَّدَ لَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَاتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ التَّمْثِيلَ وُضُوحًا.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً تَقْرِيرِيٌّ لِتَحَقُّقِ أَنَّ
(26/254)

كُلَّ أَحَدٍ يُقِرُّ بِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ أُجِيبَ الِاسْتِفْهَامُ بِقَوْلِهِ: فَكَرِهْتُمُوهُ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَرِدِ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى نَفْيِ مَحَبَّةِ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ: أَلَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ، كَمَا هُوَ غَالِبُ الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ، إِشَارَةً إِلَى تَحَقُّقِ الْإِقْرَارِ الْمُقَرَّرِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَتْرُكُ لِلْمُقَرَّرِ مَجَالًا لِعَدَمِ الْإِقْرَارِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسَعُهُ إِلَّا الْإِقْرَار. مثلّث الْغَيْبَةُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْأَخِ الْمَيِّتِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ تَمْثِيلَ الْمَوْلُوعِ بِهَا بِمَحَبَّةِ أَكْلِ لَحْمِ الْأَخِ الْمَيِّتِ، وَالتَّمْثِيلُ مَقْصُودٌ مِنْهُ اسْتِفْظَاعُ الْمُمَثَّلِ وَتَشْوِيهُهُ لِإِفَادَةِ الْإِغْلَاظِ عَلَى الْمُغْتَابِينَ لِأَنَّ الْغِيبَةَ مُتَفَشِّيَةٌ فِي النَّاسِ وَخَاصَّةً فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ.
فَشُبِّهَتْ حَالَةُ اغْتِيَابِ الْمُسْلِمِ مَنْ هُوَ أَخُوهُ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ غَائِبٌ بِحَالَةِ أَكْلِ لَحْمِ أَخِيهِ وَهُوَ مَيِّتٌ لَا يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا التَّمْثِيلُ لِلْهَيْئَةِ قَابِلٌ لِلتَّفْرِيقِ بِأَنْ يُشَبَّهَ الَّذِي اغْتَابَ بِآكِلِ لَحْمٍ، وَيُشَبَّهَ الَّذِي اغْتِيبَ بِأَخٍ، وَتُشَبَّهَ غِيبَتُهُ بِالْمَوْتِ.
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَكَرِهْتُمُوهُ فَاءُ الْفَصِيحَةِ، وَضَمِيرُ الْغَائِبِ عَائِدٌ إِلَى أَحَدُكُمْ، أَوْ يَعُودُ إِلَى لَحْمَ.
وَالْكَرَاهَةُ هُنَا: الِاشْمِئْزَازُ وَالتَّقَذُّرُ. وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ وَقَعَ هَذَا أَوْ إِنْ عَرَضَ لَكُمْ هَذَا فَقَدَ كَرِهْتُمُوهُ.
وَفَاءُ الْفَصِيحَةِ تُفِيدُ الْإِلْزَامَ بِمَا بَعْدَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، أَيْ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا مَنَاصَ لِلْمُوَاجَهِ بِهَا مِنِ الْتِزَامِ مَدْلُولِ جَوَابِ شَرْطِهَا الْمَحْذُوفِ.
وَالْمَعْنَى: فَتَعَيَّنَ إِقْرَارُكُمْ بِمَا سُئِلْتُمْ عَنْهُ مِنَ الْمُمَثَّلِ بِهِ (إِذْ لَا يُسْتَطَاعُ جَحْدُهُ) تَحَقَّقَتْ كَرَاهَتُكُمْ لَهُ وَتَقَذُّرُكُمْ مِنْهُ، فَلْيَتَحَقَّقْ أَنْ تَكْرَهُوا نَظِيرَهُ الْمُمَثَّلَ وَهُوَ الْغَيْبَةُ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَاكْرَهُوا الْمُمَثَّلَ كَمَا كَرِهْتُمُ الْمُمَثَّلَ بِهِ.
وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مُبَالَغَاتٌ: مِنْهَا الِاسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِيُّ الَّذِي لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى أَمْرٍ مُسَلَّمٍ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ فَجَعْلُكَ لِلشَّيْءِ فِي حَيِّزِ الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ يَقْتَضِي أَنَّكَ تَدَّعِي أَنَّهُ لَا يُنْكِرُهُ الْمُخَاطَبُ.
وَمِنْهَا جَعْلُ مَا هُوَ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ لِلنَّفْسِ مَفْعُولًا لِفِعْلِ الْمَحَبَّةِ لِلْإِشْعَارِ بِتَفْظِيعِ
(26/255)

حَالَةِ مَا شُبِّهَ بِهِ وَحَالَةِ مَنِ ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أَيَتَحَمَّلُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا، بَلْ قَالَ: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ.
وَمِنْهَا إِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى أَحَدٍ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَحَدَيْنِ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى تَمْثِيلِ الِاغْتِيَابِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْإِنْسَانِ حَتَّى جَعَلَ الْإِنْسَانَ أَخًا.
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى كَوْنِ الْمَأْكُولِ لَحْمَ الْأَخِ حَتَّى جَعَلَ الْأَخَ مَيِّتًا.
وَفِيهِ مِنَ الْمُحَسِّنَاتِ الطِّبَاقُ بَيْنَ أَيُحِبُّ وَبَيْنَ فَكَرِهْتُمُوهُ.
وَالْغِيبَةُ حَرَامٌ بِدَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ وَآثَارٍ مِنَ السُّنَّةِ بَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا دُونَهُ.
وَذَلِكَ أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَفْسَدَةِ ضَعْفٍ فِي أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ تَبْلُغُ الَّذِي اغْتِيبَ فَتَقْدَحُ فِي نَفْسِهِ عَدَاوَةً لِمَنِ اغْتَابَهُ فَيَنْثَلِمُ بِنَاءُ الْأُخُوَّةِ، وَلِأَنَّ فِيهَا الِاشْتِغَالَ بِأَحْوَالِ النَّاسِ وَذَلِكَ يُلْهِي الْإِنْسَانَ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْمُهِمِّ النَّافِعِ لَهُ وَتَرْكِ مَا لَا يَعْنِيهِ.
وَهِيَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَقَلَّ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، لَكِنَّ الشَّيْخَ عَلِيًّا الصَّعِيدِيَّ فِي «حَاشِيَةِ الْكِفَايَةِ» صَرَّحَ بِأَنَّهَا عِنْدَنَا مِنَ الْكَبَائِرِ مُطْلَقًا. وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنْهَا وَشَنَّعَهَا.
وَمُقْتَضَى كَلَامِ السِّجِلْمَاسِيِّ فِي كِتَابِ «الْعَمَلِ الْفَاسِيِّ» أَنَّهَا كَبِيرَةٌ.
وَجَعَلَهَا الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الصَّغَائِرِ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ فِعْلٌ يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ فَاعِلِهِ بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ كَذَا حَدَّهَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لِوَجْهِ مَصْلَحَةٍ مِثْلِ تَجْرِيحِ الشُّهُودِ وَرُوَاةِ الْحَدِيثِ وَمَا يُقَالُ لِلْمُسْتَشِيرِ فِي مُخَالَطَةٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِغِيبَةٍ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ الْحَدَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ وَصْفُ الْحَالَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا.
وَكَذَلِكَ لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ بِذِكْرِ فِسْقِهِ دُونَ مُجَاهَرَةٍ لَهُ بِهِ. وَقَدْ قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اسْتُؤْذِنَ عِنْدَهُ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ لِيَحْذَرَهُ مَنْ سَمِعَهُ إِذْ كَانَ عُيَيْنَةُ يَوْمَئِذٍ مُنْحَرِفًا عَنِ الْإِسْلَامِ.
(26/256)

وَعَنِ الطَّبَرِيِّ صَاحِبِ «الْعُدَّةِ» فِي فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ، قَالَ الْمَحَلِّيُّ وَأَقَرَّهُ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ. قُلْتُ: وَذَكَرَ السِّجِلْمَاسِيُّ فِي نَظْمِهِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي جَرَى بِهَا عَمَلُ الْقُضَاةِ فِي فَاسَ فَقَالَ:
وَلَا تُجَّرِحْ شَاهِدًا بِالْغِيبَه ... لِأَنَّهَا عَمَّتْ بِهَا الْمُصِيبَه
وَذَكَرَ فِي شَرْحِهِ: أَنَّ الْقُضَاةَ عَمِلُوا بِكَلَامِ الْغَزَالِيِّ.
وَأَمَّا عُمُومُ الْبَلْوَى فَلَا يُوجِبُ اغْتِفَارَ مَا عَمَّتْ بِهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالتَّعَذُّرِ كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ.
وَعِنْدِي: أَنَّ ضَابِطَ ذَلِكَ أَنْ يَكْثُرَ فِي النَّاسِ كَثْرَةً بِحَيْثُ يَصِيرُ غَيْرَ دَالٍّ عَلَى اسْتِخْفَافٍ بِالْوَازِعِ الدِّينِيِّ فَحِينَئِذٍ يُفَارِقُهَا مَعْنَى ضَعْفِ الدِّيَانَةِ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ جُزْءًا مِنْ مَاهِيَّةِ الْغَيْبَةِ.
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ.
عَطْفٌ عَلَى جُمَلِ الطَّلَبِ السَّابِقَةِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ هَذَا كَالتَّذْيِيلِ لَهَا إِذْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى وَهِيَ جِمَاعُ الِاجْتِنَابِ وَالِامْتِثَالِ فَمَنْ كَانَ سَالِمًا مِنَ التَّلَبُّسِ بِتِلْكَ الْمَنْهِيَّاتِ فَالْأَمْرُ بِالتَّقْوَى يُجَنِّبُهُ التَّلَبُّسَ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَمَنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا فَالْأَمْرُ بِالتَّقْوَى يَجْمَعُ الْأَمْرَ بِالْكَفِّ عَمَّا هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنْهَا.
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ تَذْيِيلٌ لِلتَّذْيِيلِ لِأَنَّ التَّقْوَى تَكُونُ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالْإِثْمِ فَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ وَتَكُونُ التَّقْوَى ابْتِدَاءً فَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُتَّقِيَ، فَالرَّحِيمُ شَامِل للْجَمِيع.
(26/257)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 13]
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
انْتِقَالٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الْمُعَامَلَاتِ إِلَى مَا يَجِبُ أَنْ يُرَاعِيَهُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ، وَأُعِيدَ النِّدَاءُ لِلِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْغَرَضِ، إِذْ كَانَ إِعْجَابُ كُلِّ قَبِيلَةٍ بِفَضَائِلِهَا وَتَفْضِيلُ قَوْمِهَا عَلَى غَيْرِهِمْ فَاشِيًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا تَرَى بَقِيَّتَهُ فِي شِعْرِ الْفَرَزْدَقِ وَجَرِيرٍ، وَكَانُوا يُحَقِّرُونَ بَعْضَ الْقَبَائِلِ مِثْلَ بَاهِلَةَ، وَضُبَيْعَةَ، وَبَنِي عُكْلٍ.
سُئِلَ أَعْرَابِيٌّ: أَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَأَنْتَ بَاهِلِيٌّ فَأَطْرَقَ حِينًا ثُمَّ قَالَ: عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَنِّي بَاهِلِيٌّ. فَكَانَ ذَلِكَ يَجُرُّ إِلَى الْإِحَنِ وَالتَّقَاتُلِ وَتَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ السُّخْرِيَةُ وَاللَّمْزُ وَالنَّبْزُ وَالظَّنُّ وَالتَّجَسُّسُ وَالِاغْتِيَابُ الْوَارِدَةُ فِيهَا الْآيَاتُ السَّابِقَةُ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِتَأْدِيبِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى اجْتِنَابِ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِاقْتِلَاعِ جُذُورِهِ الْبَاقِيَةِ فِي النُّفُوسِ بِسَبَبِ اخْتِلَاطِ طَبَقَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ سَنَةِ الْوُفُودِ إِذْ كَثُرَ الدَّاخِلُونَ فِي الْإِسْلَامِ.
فَعَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ رَوَى فِي كِتَابِهِ «الْمَرَاسِيلِ» عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَمَرَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي بَيَاضَةَ (مِنَ الْأَنْصَارِ) أَنْ يُزَوِّجُوا أَبَا هِنْدٍ (مَوْلَى بَنِي بَيَاضَةَ قِيلَ اسْمُهُ يَسَارٌ) امْرَأَةً مِنْهُمْ فَقَالُوا: تُزَوِّجُ بَنَاتِنَا مَوَالِيَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً الْآيَةَ.
وَرُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا.
وَنُودُوا بِعُنْوَانِ النَّاسُ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ رَعْيًا لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ هَذَا الْعُنْوَانِ وَبَيْنَ مَا صُدِّرَ بِهِ الْغَرَضُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِأَنَّ أَصْلَهُمْ وَاحِدٌ، أَيْ أَنَّهُمْ فِي الْخِلْقَةِ سَوَاءٌ لِيُتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ التَّفَاضُلَ وَالتَّفَاخُرَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْفَضَائِلِ وَإِلَى أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي الْإِسْلَامِ بِزِيَادَةِ التَّقْوَى فَقِيلَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى.
فَمَنْ أَقْدَمَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَكَّةَ دُونَ بَقِيَّةِ السُّورَةِ اغْتَرَّ بِأَنَّ غَالِبَ الْخِطَابِ بِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا كَانَ فِي الْمَكِّيِّ.
وَالْمُرَادُ بِالذَّكْرِ وَالْأُنْثَى: آدَمُ وَحَوَّاءُ أَبَوَا الْبَشَرِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا.
(26/258)

وَيُؤَيِّدُ هَذَا
قَول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ»
كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. فَيَكُونُ تَنْوِينُ (ذَكَرٍ وَأُنْثَى) لِأَنَّهُمَا وَصْفَانِ لِمَوْصُوفٍ فَقَرَّرَ، أَيْ مِنْ أَبٍ ذَكَرٍ وَمِنْ أُمٍّ أُنْثَى.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِ ذَكَرٍ وَأُنْثى صِنْفُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مُكَوَّنٌ مِنْ صِنْفِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
وَحَرْفُ (مِنْ) عَلَى كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ لِلِابْتِدَاءِ.
وَالشُّعُوبُ: جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وَهُوَ مَجْمَعُ الْقَبَائِلِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى جَدٍّ وَاحِدٍ مِنْ أُمَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وَقَدْ يُسَمَّى جَذْمًا، فَالْأُمَّةُ الْعَرَبِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ فَمُضَرُ شَعْبٌ، وَرَبِيعَةُ شَعْبٌ، وَأَنْمَارٌ شَعْبٌ، وَإِيَادٌ شَعْبٌ، وَتَجْمَعُهَا الْأُمَّةُ الْعَرَبِيَّةُ الْمُسْتَعْرِبَةُ، وَهِيَ عَدْنَانُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَحِمْيَرُ وَسَبَأٌ، وَالْأَزْدُ شُعُوبٌ مِنْ أُمَّةِ قَحْطَانَ. وَكِنَانَةُ وَقَيْسٌ وَتَمِيمٌ قَبَائِلُ مِنْ شَعْبِ مُضَرَ. وَمَذْحِجٌ، وَكِنْدَةُ قَبِيلَتَانِ مِنْ شَعْبِ سَبَأٍ. وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قَبِيلَتَانِ مِنْ شَعْبِ الْأَزْدِ.
وَتَحْتَ الْقَبِيلَةِ الْعِمَارَةُ مِثْلُ قُرَيْشٍ مِنْ كِنَانَةَ، وَتَحْتَ الْعِمَارَةِ الْبَطْنُ مِثْلُ قُصَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَتَحْتَ الْبَطْنِ الْفَخِذُ مِثْلَ هَاشِمٍ وَأُمَيَّةَ مِنْ قُصَيٍّ، وَتَحْتَ الْفَخِذِ الْفَصِيلَةُ مِثْلُ أَبِي طَالِبٍ وَالْعَبَّاسِ وَأَبِي سُفْيَانَ.
وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ لِأَنَّ مَا تَحْتَهَا دَاخِلٌ بِطْرِيقِ لَحْنِ الْخِطَابِ.
وَتَجَاوَزَ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِ الْأُمَمِ جَرْيًا عَلَى الْمُتَدَاوَلِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي تَقْسِيمِ طَبَقَاتِ الْأَنْسَابِ إِذْ لَا يُدْرِكُونَ إِلَّا أَنْسَابَهُمْ.
وَجُعِلَتْ عِلَّةُ جَعْلِ اللَّهِ إِيَّاهُ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ. وَحِكْمَتُهُ مِنْ هَذَا الْجَعْلِ أَنْ يَتَعَارَفَ النَّاسُ، أَيْ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَالتَّعَارُفُ يَحْصُلُ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ مُتَدَرِّجًا إِلَى الْأَعْلَى، فَالْعَائِلَةُ الْوَاحِدَةُ مُتَعَارِفُونَ، وَالْعَشِيرَةُ مُتَعَارِفُونَ مِنْ عَائِلَاتٍ إِذْ لَا يَخْلُونَ عَنِ انْتِسَابٍ وَمُصَاهَرَةٍ، وَهَكَذَا تَتَعَارَفُ الْعَشَائِرُ مَعَ الْبُطُونِ وَالْبُطُونُ مَعَ الْعَمَائِرِ، وَالْعَمَائِرُ مَعَ الْقَبَائِلِ، وَالْقَبَائِلُ مَعَ الشُّعُوبِ لِأَنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ تَأْتَلِفُ مِنْ مَجْمُوعِ الدَّرَجَاتِ الَّتِي دُونَهَا.
(26/259)

فَكَانَ هَذَا التَّقْسِيمُ الَّذِي أَلْهَمَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ نِظَامًا مُحْكَمًا لِرَبْطِ أَوَاصِرِهِمْ دُونَ مَشَقَّةٍ وَلَا تَعَذُّرٍ فَإِنَّ تَسْهِيلَ حُصُولِ الْعَمَلِ بَيْنَ عَدَدٍ وَاسِعِ الِانْتِشَارِ يَكُونُ بِتَجْزِئَةِ تَحْصِيلِهِ بَيْنَ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ ثُمَّ بِبَثِّ عَمَلِهِ بَيْنَ طَوَائِفَ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ ثُمَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمَاعَاتٍ أَكْثَرَ. وَهَكَذَا حَتَّى يَعُمَّ أُمَّةً أَوْ يَعُمَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَمَا انْتَشَرَتِ الْحَضَارَاتُ الْمُمَاثِلَةُ بَيْنَ الْبَشَرِ إِلَّا بِهَذَا النَّامُوسِ الْحَكِيمِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّكُمْ حَرَّفْتُمُ الْفِطْرَةَ وَقَلَبْتُمُ الْوَضْعَ فَجَعَلْتُمُ اخْتِلَافَ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ بِسَبَبِ تَنَاكُرٍ وَتَطَاحُنٍ وَعُدْوَانٍ.
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ:
مَهْلًا بَنِي عَمِّنَا مَهْلًا مَوَالِيَنَا ... لَا تَنْبُشُوا بَيْنَنَا مَا كَانَ مَدْفُونَا

لَا تَطْمَعُوا أَنْ تُهِينُونَا وَنُكْرِمَكُمْ ... وَأَنْ نَكُفَّ الْأَذَى عَنْكُمْ وَتُؤْذُونَا
وَقَوْلُ الْعُقَيْلِيِّ وَحَارَبَهُ بَنُو عَمِّهِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ:
وَنَبْكِي حِينَ نَقْتُلُكُمْ عَلَيْكُمْ ... وَنَقْتُلُكُمْ كَأَنَّا لَا نُبَالِي
وَقَوْلُ الشَّمَيْذَرِ الْحَارِثِيِّ:
وَقَدْ سَاءَنِي مَا جَرَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَنَا ... بَنِي عَمِّنَا لَوْ كَانَ أَمْرًا مُدَانِيَا
وَأَقْوَالُهُمْ فِي هَذَا لَا تُحْصَرُ عَدَا مَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ التَّفَاخُرِ وَالتَّطَاوُلِ وَالسُّخْرِيَةِ وَاللَّمْزِ وَالنَّبْزِ وَسُوءِ الظَّنِّ وَالْغِيبَةِ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُهُ.
وَقَدْ جَبَرَ اللَّهُ صَدْعَ الْعَرَبِ بِالْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً فَرَدَّهُمْ إِلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهُمْ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ تَصَارِيفُ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ تَرْجِعُ بِالنَّاسِ إِلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
وَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَكُونُوا إِخْوَةً وَأَنْ يُصْلِحُوا بَيْنَ الطَّوَائِفِ الْمُتَقَاتِلَةِ وَنَهَاهُمْ عَمَّا يَثْلِمُ الْأُخُوَّةَ وَمَا يَغِينُ عَلَى نُورِهَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَاللَّمْزِ وَالتَّنَابُزِ وَالظَّنِّ السُّوءِ وَالتَّجَسُّسِ وَالْغِيبَةِ، ذَكَّرَهُمْ بِأَصْلِ الْأُخُوَّةِ فِي الِأَنْسَابِ الَّتِي أَكَّدَتْهَا أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَوَحْدَةُ الِاعْتِقَادِ لِيَكُونَ ذَلِكَ التَّذْكِيرُ عَوْنًا عَلَى تَبَصُّرِهِمْ فِي حَالِهِمْ،
(26/260)

وَلَمَّا كَانَتِ السُّخْرِيَةُ وَاللَّمْزُ وَالتَّنَابُزُ مِمَّا يُحْمَلُ عَلَيْهِ التَّنَافُسُ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالْقَبَائِلِ جَمَعَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ الْحَكِيمَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى النِّدَاءِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى هَذَا التَّشْعِيبِ الَّذِي وَضَعَتْهُ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ فَاسْتَعْمَلُوهُ فِي فَاسِدِ لَوَازِمِهِ وَأَهْمَلُوا صَالِحَ مَا جُعِلَ لَهُ بِقَوْلِهِ:
لِتَعارَفُوا ثُمَّ وَأَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ أَيْ فَإِنْ تَنَافَسْتُمْ فَتَنَافَسُوا فِي التَّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [المطففين: 26] .
وَالْخَبَرُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنِ الْمُسَاوَاةِ فِي أَصْلِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ لِيُتَوَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى إِرَادَةِ اكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ وَالْمَزَايَا الَّتِي تَرْفَعُ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ كِنَايَةً بِمَرْتَبَتَيْنِ. وَالْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مَضْمُونُ جُمْلَةِ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فَتِلْكَ الْجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِنْ جُمْلَةِ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى مَنْزِلَةَ الْمَقْصِدِ مِنَ الْمُقَدِّمَةِ وَالنَّتِيجَةِ مِنَ الْقِيَاسِ وَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيَانِ.
وَأَمَّا جُمْلَةُ وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا فَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنِ اعْتِرَاضِهَا: إِدْمَاجُ تَأْدِيبٍ آخَرَ مِنْ وَاجِبِ بَثِّ التَّعَارُفِ وَالتَّوَاصُلِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَالْأُمَمِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُرَادُ اللَّهِ مِنْهُمْ.
وَمِنْ مَعْنَى الْآيَةِ مَا
خَطَبَ بِهِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِذْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوَى»
. وَمِنْ نَمَطِ نَظْمِ الْآيَةِ وَتَبْيِينِهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَة
قَول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا لَا لِآبَاءِ النَّاسِ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ أَوْ فَاجِرٍ شَقِيٍّ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ»
. وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا خَطَبَ بِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (عُبِّيَّةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا وَبِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ ثُمَّ تَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ: الْكِبْرُ وَالْفَخْرُ.
وَوَزْنُهُمَا عَلَى لُغَةِ ضَمِّ الْفَاءِ فُعْوِلَّةٌ وَعَلَى لُغَةِ كَسْرِ الْفَاءِ فِعْلِيَّةٌ، وَهِيَ إِمَّا مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّعْبِيَةِ فَتَضْعِيفُ الْبَاءِ لِمُجَرَّدِ
(26/261)

الْإِلْحَاقِ مِثْلُ نَضَّ الثَّوْبُ بِمَعْنَى نَضَى أَوْ مُشْتَقَّةٌ مِنْ عُبَابِ الْمَاءِ فَالتَّضْعِيفُ فِي الْبَاءِ أَصْلِيٌّ) .
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ثُمَّ خَطَبَهُمْ فِي بَطْنِ الْمُسِيلِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى إِلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ فِي النَّظْمِ عَنْ جُمْلَةِ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، لِتَكُونَ تِلْكَ الْجُمْلَةُ السَّابِقَةُ كَالتَّوْطِئَةِ لِهَذِهِ وَتَتَنَزَّلُ مِنْهَا مَنْزِلَةَ الْمُقَدِّمَةِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَسَاوَوْا فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ كَانَ الشَّأْنُ أَنْ لَا يَفْضُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا بِالْكَمَالِ النَّفْسَانِيِّ وَهُوَ الْكَمَالُ الَّذِي يَرْضَاهُ اللَّهُ لَهُمْ وَالَّذِي جَعَلَ التَّقْوَى وَسِيلَتَهُ وَلِذَلِكَ نَاطَ التَّفَاضُلَ فِي الْكَرَمِ بِ عِنْدَ اللَّهِ إِذْ لَا اعْتِدَادَ بِكَرَمٍ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَكْرَمِ: الْأَنْفَسُ وَالْأَشْرَفُ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [29] .
وَالْأَتْقَى: الْأَفْضَلُ فِي التَّقْوَى وَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ صِيغَ مِنِ اتَّقَى عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ أَيْ إِنَّمَا كَانَ أَكْرَمُكُمْ أَتْقَاكُمْ لِأَنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْكَرَامَةِ الْحَقِّ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُ الْمَكَارِمَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الْبَطْشِ وَإِفْنَاءِ الْأَمْوَالِ فِي غَيْرِ وَجْهٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ الْكَرَامَةُ الَّتِي هِيَ التَّقْوَى خَبِيرٌ بِمِقْدَارِ حُظُوظِ النَّاسِ مِنَ التَّقْوَى فَهِيَ عِنْدَهُ حُظُوظُ الْكَرَامَةِ فَلِذَلِكَ الْأَكْرَمُ هُوَ الْأَتْقَى، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النَّجْم: 32] أَيْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَرَاتِبِكُمْ فِي التَّقْوَى، أَيِ الَّتِي هِيَ التَّزْكِيَةُ الْحَقُّ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته [الْأَنْعَام: 124] .
عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ لَا يُنَافِي أَنْ تَكُونَ لِلنَّاسِ مَكَارِمُ أُخْرَى فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ التَّقْوَى مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَثَرُ تَزْكِيَةٍ فِي النُّفُوسِ مِثْلُ حُسْنِ التَّرْبِيَةِ ونقاء النّسَب والعرافة فِي الْعِلْمِ وَالْحَضَارَةِ وَحُسْنِ السُّمْعَةِ فِي الْأُمَمِ وَفِي
(26/262)

قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)
الْفَصَائِلِ، وَفِي الْعَائِلَاتِ، وَكَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا خَلَّدَهُ التَّارِيخُ الصَّادِقُ لِلْأُمَمِ وَالْأَفْرَادِ فَمَا يَتْرُكُ آثَارًا لِأَفْرَادِهَا وَخِلَالًا فِي سَلَائِلِهَا
قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا»
. فَإِنَّ فِي خلق الأنباء آثَارًا مِنْ طِبَاعِ الْآبَاءِ الْأَدَنَيْنَ أَوِ الْأَعْلَيْنَ تَكُونُ مُهَيَّئَةً نُفُوسُهُمْ لِلْكَمَالِ أَوْ ضِدِّهِ وَأَنَّ لِلتَّهْذِيبِ وَالتَّرْبِيَةِ آثَارًا جَمَّةً فِي تَكْمِيلِ النُّفُوسِ أَوْ تَقْصِيرِهَا وَلِلْعَوَائِدِ وَالتَّقَالِيدِ آثَارُهَا فِي الرِّفْعَةِ وَالضَّعَةِ وَكُلُّ هَذِهِ وَسَائِلُ لِإِعْدَادِ النُّفُوسِ إِلَى الْكَمَالِ وَالزَّكَاءِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي تُخَطِّطُهُ التَّقْوَى.
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ تَذْيِيلٌ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَمْرِ بِتَزْكِيَةِ نَوَايَاهُمْ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ وَمَا يُرِيدُونَ مِنَ التَّقْوَى بِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي نُفُوسِهِمْ ويحاسبهم عَلَيْهِ.
[14]

[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 14]
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)
كَانَ مِنْ بَيْنِ الْوُفُودِ الَّتِي وَفَدَتْ عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ الْمُسَمَّاةِ سَنَةَ الْوُفُودِ، وَفْدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَكَانُوا يَنْزِلُونَ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ قُدُومُهُمُ الْمَدِينَةَ عَقِبَ قُدُومِ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ الَّذِي ذُكِرَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَوَفَدَ بَنُو أَسَدٍ فِي عدد كثير وَفِيهِمْ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَطُلَيْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (الَّذِي ادَّعَى النُّبُوءَةَ بَعْدَ وَفَاة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الرِّدَّةِ) ، وَكَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَنَةَ جَدْبٍ بِبِلَادِهِمْ فَأَسْلَمُوا وَكَانُوا يَقُولُونَ للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَتْكَ الْعَرَبُ بِأَنْفُسِهَا عَلَى ظُهُورِ رَوَاحِلِهَا وَجِئْنَاكَ بِالْأَثْقَالِ وَالْعِيَالِ وَالذَّرَارِيِّ وَلَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا قَاتَلَكَ
مُحَارِبُ خَصَفَةَ وَهَوَازِنَ وَغَطَفَانَ. يَفِدُونَ عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَرُوحُونَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ وَيَمُنُّونَ عَلَيْهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَصْرِفَ إِلَيْهِمُ الصَّدَقَاتِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَى آخَرِ السُّورَةِ لِوُقُوعِ الْقِصَّتَيْنِ قِصَّةِ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَقِصَّةِ وَفْدِ بَنِي أَسَدٍ فِي أَيَّامٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَالْأَغْرَاضُ الْمَسْكُوَّةُ بِالْجَفَاءِ مُتَنَاسِبَةٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْأَعْرَابِ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ [11] فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا الْآيَةَ.
(26/263)

قَالُوا آمَنَّا لِيَأْمَنُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلَمَّا اسْتُنْفِرُوا إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ تَخَلَّفُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَالْأَعْرَابُ: سُكَّانُ الْبَادِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ. وَأَحْسَبُ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ لَا مُفْرَدَ لَهُ فَيَكُونُ الْوَاحِدُ مِنْهُ بِيَاءِ النِّسْبَةِ أَعْرَابِيٌّ.
وَتَعْرِيفُ الْأَعْرابُ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ لِأَعْرَابٍ مُعَيَّنِينَ وَهُمْ بَنُو أَسَدٍ فَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي فِي الْآيَةِ حَاقًّا عَلَى جَمِيعِ سُكَّانِ الْبَوَادِي وَلَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ بَنِي أَسَدٍ.
وَهُمْ قَالُوا آمَنَّا حِينَ كَانُوا فِي شَكٍّ لَمْ يَتَمَكَّنِ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ فَأَنْبَأَهُمُ اللَّهُ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ لَا بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ لِقَصْدِ أَن يخلصوا إِيمَانهم وَيَتَمَكَّنُوا مِنْهُ كَمَا بَيَّنَهُ عَقِبَ هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الْآيَةَ.
وَالِاسْتِدْرَاكُ بِحَرْفِ (لَكِنْ) لِرَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: لَمْ تُؤْمِنُوا أَنهم جاؤوا مُضْمِرِينَ الْغدر بالنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنَّمَا قَالَ: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا تَعْلِيمًا لَهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ مُقِرُّهُ اللِّسَانُ وَالْأَعْمَالُ الْبَدَنِيَّةُ، وَهِيَ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ الْأَرْبَعَةُ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْكَعْبَةِ الْوَارِدُ
فِي حَدِيثِ عُمَرَ عَنْ سُؤَالِ جِبْرِيل النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ وَالسَّاعَةِ «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وتقيم الصَّلَاة وَتَأْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»
فَهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابُ لَمَّا جَاءُوا مُظْهِرِينَ الْإِسْلَامَ وَكَانَتْ قُلُوبُهُمْ غَيْرَ مُطْمَئِنَّةٍ لِعَقَائِدِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِهِ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِمْ آمَنَّا لِيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْفَ بَاطِنُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَأَنه لَا يتعدّ بِالْإِسْلَامِ إِلَّا إِذَا قَارَنَهُ الْإِيمَانُ، فَلَا يُغْنِي أَحَدَهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ، فَالْإِيمَانُ بِدُونِ إِسْلَامٍ عِنَادٌ، وَالْإِسْلَامُ بِدُونِ إِيمَانٍ نِفَاقٌ، وَيَجْمَعُهُمَا طَاعَةُ الله وَرَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَانَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ نَظْمِ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ أَسْلَمْتُمْ، أَوْ أَنْ يُقَالَ:
قُلْ لَا تَقُولُوا آمَنَّا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، لِيَتَوَافَقَ الْمُسْتَدْرَكُ عَنْهُ وَالِاسْتِدْرَاكُ بِحَسَبِ النَّظْمِ الْمُتَعَارَفِ فِي الْمُجَادَلَاتِ، فَعَدَلَ عَنِ الظَّاهِرِ إِلَى هَذَا النَّظْمِ لِأَنَّ فِيهِ
(26/264)

صَرَاحَةً بِنَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ فَلَا يَحْسَبُوا أَنَّهُمْ غَالَطُوا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاسْتُغْنِيَ بِقَوْلِهِ: لَمْ تُؤْمِنُوا عَنْ أَنْ يُقَالَ: لَا تَقُولُوا آمَنَّا، لِاسْتِهْجَانِ أَنْ يُخَاطَبُوا بِلَفْظٍ مُؤَدَّاهُ النَّهْيُ عَنِ الْإِعْلَانِ بِالْإِيمَانِ لِأَنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِأَنْ يُؤْمِنُوا وَيَقُولُوا آمَنَّا قَوْلًا صَادِقًا لَا كَاذِبًا فَقيل لَهُم لَمْ تُؤْمِنُوا تَكْذِيبًا لَهُمْ مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ التَّكْذِيبِ وَلَكِنْ وَقَعَ التَّعْرِيضُ لَهُمْ بِذَلِكَ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أَيْ لَا أَنْتُمْ وَلِذَلِكَ جِيءَ بِالِاسْتِدْرَاكِ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى.
وَعَدَلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: وَلَكِنْ أَسْلَمْتُمْ إِلَى قُولُوا أَسْلَمْنا تَعْرِيضًا بِوُجُوبِ الصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ لِيُطَابِقَ الْوَاقِعَ، فَهُمْ يَشْعُرُونَ بِأَنَّ كَذِبَهُمْ قَدْ ظَهَرَ، وَذَلِكَ مِمَّا يُتَعَيَّرُ بِهِ، أَيِ الشَّأْنُ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا صَادِقًا.
وَقَوْلُهُ: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ لَمْ تُؤْمِنُوا وَهُوَ مُبَيِّنٌ لِمَعْنَى نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: لَمْ تُؤْمِنُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ انْتِفَاءَ وُجُودِ تَصْدِيقٍ بِاللِّسَانِ وَلَكِنِ انْتِفَاءُ رُسُوخِهِ وَعَقْدِ الْقَلْبِ عَلَيْهِ إِذْ كَانَ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنِ ارْتِيَابٍ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا.
وَاسْتُعِيرَ الدُّخُولُ فِي قَوْلِهِ: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ لِلتَّمَكُّنِ وَعَدَمِ التَّزَلْزُلِ لِأَنَّ الدَّاخِلَ إِلَى الْمَكَانِ يَتَمَكَّنُ وَيَسْتَقِرُّ وَالْخَارِجَ عَنْهُ يَكُونُ سَرِيعَ الْمُفَارَقَةِ لَهُ مُسْتَوْفِزًا لِلِانْصِرَافِ عَنْهُ.
وَ (لَمَّا) هَذِهِ أُخْتُ (لَمْ) وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفْيَ بِهَا مُتَّصِلٌ بِزَمَانِ التَّكَلُّمِ وَذَلِكَ الْفَارِقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ (لَمْ) أُخْتِهَا. وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى اسْتِمْرَارِ النَّفْيِ إِلَى زمن التَّكَلُّم تُؤْذِنُ غَالِبًا، بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ بِهَا مُتَوَقَّعُ الْوُقُوعِ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» «وَمَا فِي (لَمَّا) مِنْ مَعْنَى التَّوَقُّعِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ آمَنُوا فِيمَا بَعْدُ» .
وَهِيَ دَلَالَةٌ مِنْ مُسْتَتْبَعَاتِ التَّرَاكِيبِ. وَهَذَا مِنْ دَقَائِقِ الْعَرَبِيَّةِ. وَخَالَفَ فِيهِ أَبُو حَيَّانَ وَالزَّمَخْشَرِيُّ حُجَّةٌ فِي الذَّوْقِ لَا يُدَانِيهِ أَبُو حَيَّانَ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ تَكْرِيرًا مَعَ
(26/265)

قَوْله: لم يُؤمنُوا.
وَقَوله: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِرْشَادٌ إِلَى دَوَاءِ مَرَضِ الْحَالِ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ إِنْ يُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَصَلَ إِيمَانُهُمْ فَإِنَّ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَان رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانُ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ بِأَنْ يُقْبِلُوا عَلَى التَّعَلُّمِ مِنْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةَ إِقَامَتِهِمْ بِالْمَدِينَةِ عِوَضًا عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْمَنِّ وَالتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ الصَّدَقَاتِ.
وَمَعْنَى لَا يَلِتْكُمْ لَا يَنْقُصُكُمْ، يُقَالُ: لَاتَهُ مِثْلُ بَاعَهُ. وَهَذَا فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبَنِي أَسَدٍ، وَيُقَالُ: أَلَتَهُ أَلْتًا مِثْلَ: أَمَرَهُ، وَهِيَ لُغَةُ غَطَفَانَ قَالَ تَعَالَى: وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ فِي سُورَةِ الطُّورِ [21] .
وَقَرَأَ بِالْأُولَى جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ وَبِالثَّانِيَةِ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ. وَلِأَبِي عَمْرٍو فِي تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ فِيهَا وَتَخْفِيفِهَا أَلِفًا رِوَايَتَانِ فَالدُّورِيُّ رَوَى عَنْهُ تَحْقِيقَ الْهَمْزَةِ وَالسُّوسِيُّ رَوَى عَنْهُ تَخْفِيفَهَا.
وَضَمِيرُ الرَّفْعِ فِي يَلِتْكُمْ عَائِدٌ إِلَى اسْمِ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ: لَا يَلِتَاكُمْ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مُتَوَلِّي الْجَزَاءِ دون الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْمَعْنَى: إِنْ أَخْلَصْتُمُ الْإِيمَانَ كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ تَقَبَّلَ اللَّهُ أَعْمَالَكُمُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ مِنْ أَنَّكُمْ جِئْتُمْ طَائِعِينَ لِلْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيمٍ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنْ كَذِبِهِمْ إِذَا تَابُوا، وَتَرْغِيبٌ فِي إِخْلَاصِ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْغَفُورَ كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ شَدِيدُهَا، وَمِنْ فَرْطِ مَغْفِرَتِهِ أَنَّهُ يُجَازِي عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْوَاقِعَةِ فِي حَالَةِ الْكُفْرِ غَيْرَ مُعْتَدٍ بِهَا فَإِذَا آمَنَ عَامِلُهَا جُوزِيَ عَلَيْهَا بِمُجَرَّدِ إِيمَانِهِ وَذَلِكَ مِنْ فَرْطِ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ.
وَتَرْتِيبُ رَحِيمٌ بَعْدَ غَفُورٌ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ أَصْلٌ لِلْمَغْفِرَةِ وَشَأْنُ الْعِلَّةِ أَنْ تُورَدَ بَعْدَ الْمُعَلل بهَا.
(26/266)

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)
[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 15]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)
هَذَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: لَمْ تُؤْمِنُوا إِلَى قَوْلِهِ: فِي قُلُوبِكُمْ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَمر الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَهُ لِلْأَعْرَابِ، أَيْ لَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُخَالِطْ إِيمَانَهُمُ ارْتِيَابٌ أَوْ تَشَكُّكٌ.
وَ (إِنَّمَا) لِلْحَصْرِ، وَ (إِنَّ) الَّتِي هِيَ جُزْء مِنْهَا مفيدة أَيْضًا لِلتَّعْلِيلِ وَقَائِمَةٌ مَقَامَ فَاءِ التَّفْرِيعِ، أَيْ إِنَّمَا لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يُنَافِيهِ الِارْتِيَابُ.
وَالْقَصْرُ إِضَافِيٌّ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَاتُهُمْ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ.
فَأَفَادَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ انْتَفَى عَنْهُمُ الْإِيمَانُ لِأَنَّهُمُ انْتَفَى عَنْهُمْ مَجْمُوعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
وَإِذْ قَدْ كَانَ الْقَصْرُ إِضَافِيًّا لَمْ يَكُنِ الْغَرَضُ مِنْهُ إِلَّا إِثْبَاتَ الْوَصْفِ لِغَيْرِ الْمَقْصُورِ لِإِخْرَاجِ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ بِمُقْتَضٍ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ لَا تَتَقَوَّمُ إِلَّا بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الصِّفَاتِ لِأَنَّ عَدَّ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ صِفَتَيِ الْإِيمَانِ وَانْتِفَاءِ الرَّيْبِ فِيهِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يَقْعُدُ عَنِ الْجِهَادِ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ وَصْفُ الْإِيمَانِ إِذْ لَا يَكْفُرُ الْمُسْلِمُ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ. وَمَا عَدَاهُ خَطَأٌ وَاضِحٌ، وَإِلَّا لانتقضت جَامِعَة الْإِسْلَامِ بِأَسْرِهَا إِلَّا فِئَةً قَلِيلَةً فِي أَوْقَاتٍ غَيْرِ طَوِيلَةٍ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِدْمَاجِ ذِكْرِ الْجِهَادِ التَّنْوِيهُ بِفَضْلِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ وَتَحْرِيضُ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِيمَانِ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ إِلَى الْجِهَادِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ الْآيَة [الْفَتْح: 16] .
وَ (ثُمَّ) مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ كَشَأْنِهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ. فَفِي (ثُمَّ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ انْتِفَاءَ الِارْتِيَابِ فِي إِيمَانِهِمْ أَهَمُّ رُتْبَةً مِنَ الْإِيمَانِ إِذْ بِهِ قِوَامُ الْإِيمَانِ،
(26/267)

قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)
وَهَذَا إِيمَاءٌ إِلَى بَيَانِ قَوْلِهِ: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14] ، أَيْ مِنْ أَجْلِ مَا يُخَالِجُكُمُ ارْتِيَابٌ فِي بَعْضِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ مِمَّا اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ قَصْرٌ، وَهُوَ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ أَيْضًا، أَيْ هُمُ الصَّادِقُونَ لَا أَنْتُمْ فِي قَوْلكُم آمَنَّا.
[16]

[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 16]
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)
أُعِيدَ فِعْلُ قُلْ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقُولَ لَهُمْ هَذَا هُمُ الْأَعْرَابُ الَّذِينَ أُمِرَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ لَمْ تُؤْمِنُوا إِلَى آخِرِهِ، فَأُعِيدَ لَمَّا طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِالْجُمَلِ الْمُتَتَابِعَةِ، فَهَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ اتِّصَالَ الْبَيَانِ بِالْمُبَيِّنِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِ.
وَجُمْلَةُ قُلْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُبَيِّنَةِ وَالْمُبَيَّنَةِ.
قِيلَ: إِنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا الْآيَة جاؤوا إِلَى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَلَفُوا أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: «قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَلَمْ يُرْوَ بِسَنَدٍ مَعْرُوفٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ تَفْسِيرًا وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ كَمَا وَبَّخَ الْمُنَافِقِينَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ [42] بِقَوْلِهِ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ. وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ مَقْبُولٍ، فَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا أُمِرَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ.
وَالتَّعْلِيمُ مُبَالَغَةٌ فِي إِيصَالِ الْعِلْمِ إِلَى الْمُعَلَّمِ لِأَنَّ صِيغَةَ التَّفْعِيلِ تَقْتَضِي قُوَّةً فِي حُصُولِ الْفِعْلِ كَالتَّفْرِيقِ وَالتَّفْسِيرِ، يُقَالُ: أَعْلَمَهُ وَعَلَّمَهُ كَمَا يُقَالُ: أَنْبَأَهُ وَنَبَّأَهُ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُمْ تَكَلَّفُوا وَتَعَسَّفُوا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى خُلُوصِ إِيمَانِهِمْ لِيُقْنِعُوا بِهِ الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَبْلَغَهُمْ أَنَّ اللَّهَ نَفَى عَنْهُمْ رُسُوخَ الْإِيمَانِ بِمُحَاوَلَةِ إِقْنَاعِهِ تَدُلُّ إِلَى مُحَاوَلَةِ إِقْنَاعِ اللَّهِ بِمَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ.
وَبَاءُ بِدِينِكُمْ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الْفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَقَوْلِ النَّابِغَةِ:
(26/268)

يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)
لَكَ الْخَيْرَانِ وَارَتْ بِكَ الْأَرْضُ وَاحِدًا وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّوْبِيخِ وَقَدْ أُيِّدَ التَّوْبِيخُ بِجُمْلَةِ الْحَالِ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.
وَفِي هَذَا تَجْهِيلٌ إِذْ حَاوَلُوا إِخْفَاءَ بَاطِنِهِمْ عَنِ الْمُطَّلِعِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تَذْيِيلٌ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَعَمُّ مِنْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ صِفَاتِهِ وَيَعْلَمُ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَات كالعرش.
[17]

[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 17]
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (17)
اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ أُرِيدَ بِهِ إِبْطَالُ مَا أَظْهَرَهُ بَنُو أَسد للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَزِيَّتِهِمْ إِذْ أَسْلَمُوا مِنْ دُونِ إِكْرَاهٍ بِغَزْوٍ.
وَالْمَنُّ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ وَالْإِحْسَانِ لِيُرَاعِيَهُ الْمُحْسَنُ إِلَيْهِ لِلذَّاكِرِ، وَهُوَ يَكُونُ صَرِيحًا مِثْلَ قَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الْفَقْعَسِيِّ:
أَتَنْسَى دِفَاعِي عَنْكَ إِذْ أَنْتَ مُسْلَمٌ ... وَقَدْ سَالَ مِنْ ذُلٍّ عَلَيْكَ قَرَاقِرُ
وَيَكُونُ بِالتَّعْرِيضِ بِأَنْ يَذْكُرَ الْمَانُّ مِنْ مُعَامَلَته مَعَ الْمَمْنُون عَلَيْهِ مَا هُوَ نَافِعُهُ مَعَ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ مِثْلَ قَوْلِ الرَّاعِي مُخَاطِبًا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ:
فَآزَرَتُ آلَ أَبِي خُبَيْبٍ وَافِدًا ... يَوْمًا أُرِيدَ لِبَيْعَتِي تَبْدِيلَا
أَبُو خُبَيْبٍ: كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَكَانَتْ مَقَالَةُ بَنِي أَسَدٍ مُشْتَمِلَةً عَلَى النَّوْعَيْنِ مِنَ الْمَنِّ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: وَلَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا قَاتَلَكَ مُحَارِبٌ وَغَطَفَانُ وَهَوَازِنُ وَقَالُوا: وَجِئْنَاكَ بِالْأَثْقَالِ وَالْعِيَالِ.
وأَنْ أَسْلَمُوا مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَهُوَ بَاءُ التَّعْدِيَةِ، يُقَالُ: مَنَّ عَلَيْهِ
(26/269)

بِكَذَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ مُطَّرِدٌ مَعَ أَنْ وَ (أَنْ) وَالثَّانِي سَمَاعِيٌّ وَهُوَ كَثِيرٌ.
وَهُمْ قَالُوا للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَّا كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ آنِفًا، وَسَمَّاهُ هُنَا إِسْلَامًا لِقَوْلِهِ: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الحجرات: 14] أَي أَن الَّذِي مَنَّوْا بِهِ عَلَيْكَ إِسْلَامٌ لَا إِيمَانٌ. وَأُثْبِتَ بِحَرْفِ بَلِ أَنَّ مَا مَنَّوْا بِهِ إِنْ كَانَ إِسْلَامًا حَقًّا مُوَافِقًا لِلْإِيمَانِ فَالْمِنَّةُ لِلَّهِ لِأَنْ هَدَاهُمْ إِلَيْهِ فَأَسْلَمُوا عَنْ طَوَاعِيَةٍ. وَسَمَّاهُ الْآنَ إِيمَانًا مُجَارَاةً لِزَعْمِهِمْ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ كَوْنِ الْمِنَّةِ لِلَّهِ فَمُنَاسَبَةُ مُسَابَرَةِ زَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ آمَنُوا، أَيْ لَوْ فُرِضَ أَنَّكُمْ آمَنْتُمْ كَمَا تَزْعُمُونَ فَإِنَّ إِيمَانَكُمْ نِعْمَةٌ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ. وَلِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَنَفَى أَوَّلًا أَنْ يَكُونَ مَا يَمُنُّونَ بِهِ حَقًّا، ثُمَّ أَفَادَ ثَانِيًا أَنْ يَكُونَ الْفَضْلُ فِيمَا ادَّعَوْهُ لَهُمْ لَوْ كَانُوا صَادِقِينَ بَلْ هُوَ فَضْلُ اللَّهِ.
وَقَدْ أُضِيفَ إِسْلَامٌ إِلَى ضَمِيرِهِمْ لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِمَا يُسَمَّى إِسْلَامًا لِقَوْلِهِ: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا. وَأُتِيَ بِالْإِيمَانِ مُعَرَّفًا بِلَامِ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَأَنَّهُمْ مُلَابِسُوهَا.
وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ فِي يَمُنُّونَ مَعَ أَنَّ مَنَّهُمْ بِذَلِكَ حَصَلَ فِيمَا مَضَى لِاسْتِحْضَارِ حَالَةِ مَنِّهِمْ كَيْفَ يَمُنُّونَ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا مِثْلَ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [212] . وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ لِأَنَّهُ مَنٌّ مَفْرُوضٌ لِأَنَّ الْمَمْنُونَ بِهِ لَمَّا يَقَعْ. وَفِيهِ مِنَ الْإِيذَانِ بِأَنَّهُ سَيَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ مَا فِي قَوْلِهِ:
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14] ، وَهَذَا مِنَ التَّفَنُّنِ الْبَدِيعِ فِي الْكَلَامِ لِيَضَعَ السَّامِعَ كُلِّ فَنٍّ مِنْهُ فِي قَرَارِهِ، وَمِثْلُهُمْ مَنْ يَتَفَطَّنُ لِهَذِهِ الْخَصَائِصِ.
وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ لِإِفَادَةِ التَّقْوِيَةِ مِثْلُ: هُوَ يُعْطِي الْجَزِيلَ، كَمَا مَثَّلَ بِهِ عبد القاهر.
(26/270)

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)
[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 18]
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18)
ذُيِّلَ تَقْوِيمُهُمْ عَلَى الْحَقِّ بِهَذَا التَّذْيِيلِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَكْتُمُ، وَأَنَّهُ لَا يَكْذِبُ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أُصُولُ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ. وَرُبَّمَا عَلِمَهَا بَعْضُهُمْ مِثْلَ زُهَيْرٍ فِي قَوْلِهِ:
فَلَا تَكْتُمُنَّ اللَّهَ مَا فِي نُفُوسِكُمْ ... لِيَخْفَى فَمَهْمَا يُكْتَمِ اللَّهُ يَعْلَمِ
وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ آثَارِ تَنَصُّرِهِ.
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ أَنْ لِأَنَّهُمْ بِحَالِ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَكَذَبُوا على النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَكَانَ كَذِبُهُمْ عَلَيْهِ مِثْلَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ.
وَقَدْ أَفَادَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ جُمْلَتَيْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحجرات: 16] وَلَكِنَّ هَذِهِ زَادَتْ بِالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ يَعْلَمُ الْأُمُورَ الْغَائِبَةَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ الْعُمُومَيْنِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ قَبْلَهَا عُمُومَانِ عُرْفِيَّانِ قِيَاسًا عَلَى عِلْمِ الْبَشَرِ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عَطْفُ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَكَانَ شَأْنَ الْغَائِبِ أَنْ لَا يُرَى عَطَفَ عَلَيْهِ عِلْمَهُ بِالْمُبْصَرَاتِ احْتِرَاسًا مِنْ أَنْ يَتَوَهَّمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خَفَايَا النُّفُوسِ وَمَا يَجُولُ فِي الْخَوَاطِرِ وَلَا يَعْلَمُ الْمُشَاهَدَاتِ نَظِيرَ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ: إِنَّ الْخَالِقَ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ وَلَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَلِهَذَا أُوثِرَ هُنَا وَصْفُ بَصِيرٌ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِما تَعْمَلُونَ بِتَاءِ الْخِطَابِ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ.
(26/271)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

50- سُورَةُ ق
سُمِّيَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ سُورَةَ ق (يُنْطَقُ بِحُرُوفِ: قَافٍ، بِقَافٍ، وَأَلِفٍ، وَفَاءٍ) .
فَقَدْ
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ «أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ سُورَةَ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ

[ق: 1] . وَرُبَّمَا قَالَ: ق يَعْنِي فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ «مَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذْ خَطَبَ النَّاسَ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفجْر ب ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ

، هَكَذَا رَسْمُ قَافْ ثَلَاثُ أَحْرُفٍ، وَقَوْلُهُ: فِي الْفَجْرِ يَعْنِي بِهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ لِأَنَّهَا الَّتِي يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الْجَمَاعَةِ فَأَمَّا نَافِلَةُ الْفَجْرِ فَكَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهِ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» وَمُسْلِمٍ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقَدٍ اللِّيثِيَّ: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطَرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِ قَافْ هَكَذَا رَسْمُ قَافْ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ مِثْلُ مَا رُسِمَ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ والْقُرْآنِ الْمَجِيدِ واقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [الْقَمَرُ: 1] .
وَهِيَ مِنَ السُّوَرِ الَّتِي سُمِّيَتْ بِأَسْمَاءِ الْحُرُوفِ الْوَاقِعَةِ فِي ابْتِدَائِهَا مِثْلَ طه وَص وَق وَيس لِانْفِرَادِ كُلِّ سُورَةٍ مِنْهَا بِعَدَدِ الْحُرُوفِ الْوَاقِعَةِ فِي أَوَائِلِهَا بِحَيْثُ إِذَا دُعِيَتْ بِهَا لَا تَلْتَبِسُ بِسُورَةٍ أُخْرَى. وَفِي «الْإِتْقَانِ» أَنَّهَا تُسَمَّى سُورَةَ الْبَاسِقَاتِ هَكَذَا بِلَامِ التَّعْرِيفِ، وَلَمْ يَعْزِهِ
(26/273)

لِقَائِلٍ وَالْوَجْهُ أَنْ تَكُونَ تَسْمِيَتُهَا هَذِهِ عَلَى اعْتِبَارِ وَصْفٍ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ سُورَةُ النَّخْلِ الْبَاسِقَاتِ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ: النَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق: 10] . وَهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُتَأَوِّلِينَ.
وَفِي «تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ» و «الإتقان» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ: اسْتِثْنَاءُ آيَةٍ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ق: 38] أَنَّهَا نَزَلَتْ
فِي الْيَهُودِ، يَعْنِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إِذْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ، يَعْنِي أَنَّ مَقَالَةَ الْيَهُودِ سُمِعَتْ بِالْمَدِينَةِ، يَعْنِي:
وَأُلْحِقَتْ بِهَذِهِ السُّورَةِ لِمُنَاسَبَةِ مَوْقِعِهَا. وَهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مَعْنًى دَقِيقًا فِي الْآيَةِ فَلَيْسَ بِالَّذِي يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الْآيَةِ فِي الْمَدِينَةِ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ فَأَوْحَى بِهِ إِلَى رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ بَعْضَ آرَاءِ الْيَهُودِ كَانَ مِمَّا يَتَحَدَّثُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَتَلَقَّوْنَهُ تَلَقِّيَ الْقَصَصِ وَالْأَخْبَارِ. وَكَانُوا بَعْدَ الْبَعْثَةِ يَسْأَلُونَ الْيَهُودَ عَن أَمر النبوءة وَالْأَنْبِيَاءِ، عَلَى أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ إِبْطَالَ أَوْهَامِ الْيَهُودِ لَا تَقْتَضِي أَنْ يُؤَخِّرَ إِبْطَالَهَا إِلَى سَمَاعِهَا بَلْ قَدْ يَجِيءُ مَا يُبْطِلُهَا قَبْلَ فُشُوِّهَا فِي النَّاسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وَوَرَدَ أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ بَعْضُ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْأَرْضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْبِحَارَ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْجِبَالَ عَلَى أُصْبُعٍ ثُمَّ يَقُولُ «أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ» فَتلا النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ
. وَالْمَقْصُودُ مِنْ تِلَاوَتِهَا هُوَ قَوْلُهُ: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. وَالْإِيمَاءُ إِلَى سُوءِ فَهْمِ الْيَهُودِ صِفَاتِ اللَّهِ.
وَهِيَ السُّورَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَلَاثُونَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ وَقَبْلَ سُورَةِ لَا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [الْبَلَدِ: 1] .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعَادُّونَ عَلَى عَدِّ آيِهَا خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ.
(26/274)

ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3)
أَغْرَاضُ هَاتِهِ السُّورَةِ
أَوَّلُهَا: التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ الْقُرْآنِ.
ثَانِيهَا: أَنَّهُمْ كذبُوا الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مِنَ الْبَشَرِ، وَثَالِثُهَا: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَعْظَمَ مِنِ ابْتِدَاءِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِيهَا وَخَلْقِ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا، وَنَشْأَةُ النَّبَاتِ وَالثِّمَارِ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَأَنَّ ذَلِكَ مَثَلٌ لِلْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
الرَّابِعُ: تَنْظِيرُ الْمُشْرِكِينَ فِي تَكْذِيبِهِمْ بِالرِّسَالَةِ وَالْبَعْثِ بِبَعْضِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ الْمَعْلُومَةِ لَدَيْهِمْ، وَوَعِيدُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَحُلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِأُولَئِكَ.
الْخَامِسُ: الْوَعِيدُ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ ابْتِدَاءً مِنْ وَقْتِ احْتِضَارِ الْوَاحِدِ، وَذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ
الْحِسَابِ.
السَّادِسُ: وَعْدُ الْمُؤْمِنِينَ بِنَعِيمِ الْآخِرَةِ.
السَّابِعُ: تَسْلِيَة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَأَمْرُهُ بِالْإِقْبَالِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَإِرْجَاءِ أَمْرِ الْمُكَذِّبِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَأَخَذَهُمْ مِنَ الْآنَ وَلَكِنْ حِكْمَةُ اللَّهِ قَضَتْ بِإِرْجَائِهِمْ وَأَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُكَلَّفْ بِأَنْ يُكْرِهَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا أُمِرَ بِالتَّذْكِيرِ بِالْقُرْآنِ.
الثَّامِنُ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْبَعْثِ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ بِالْقُرْآنِ.
التَّاسِعُ: إِحَاطَةُ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِخَفِيَّاتِ الْأَشْيَاءِ وَخَوَاطِرِ النُّفُوسِ.
[1- 3]

[سُورَة ق (50) : الْآيَات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3)
ق الْقَوْلُ فِيهِ نَظِيرُ الْقَوْلِ فِي أَمْثَالِهِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الْوَاقِعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. فَهُوَ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ التَّهَجِّي وَقَدْ رَسَمُوهُ فِي الْمُصْحَفِ بِصُورَةِ حَرْفِ الْقَافِ الَّتِي يُتَهَجَّى بِهَا فِي الْمَكْتَبِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النُّطْقَ بِهَا بِاسْمِ الْحَرْفِ الْمَعْرُوفِ، أَيْ يَنْطِقُونَ بِقَافٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ، بَعْدَهُ فَاءٌ.
(26/275)

وَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى النُّطْقِ بِهِ سَاكِنَ الْآخِرِ سُكُونَ هِجَاءٍ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ بَعْضِ الْقَصَّاصِينَ الْمَكْذُوبَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ق اسْمُ جَبَلٍ عَظِيمٍ مُحِيطٍ بِالْأَرْضِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جِبَالٍ سَبْعَةٍ مُحِيطَةٍ بِالْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَاحِدًا وَرَاءَ وَاحِدٍ كَمَا أَنَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعَ أَرْضٌ وَرَاءَ أَرْضٍ. أَيْ فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ انْحَصَرَتْ أَفْرَادُهُ فِي سَبْعَةٍ، وَأَطَالُوا فِي وَصْفِ ذَلِكَ بِمَا أَمْلَاهُ عَلَيْهِمُ الْخَيَالُ الْمَشْفُوعُ بِقِلَّةِ التَّثَبُّتِ فِيمَا يَرْوُونَهُ لِلْإِغْرَابِ، وَذَلِكَ مِنَ الْأَوْهَامِ الْمَخْلُوطَةِ بِبَعْضِ أَقْوَالِ قُدَمَاءِ الْمَشْرِقِيِّينَ وَبِسُوءِ فَهْمِ الْبَعْضِ فِي عِلْمِ جُغْرَافِيَةِ الْأَرْضِ وَتَخَيُّلِهِمْ إِيَّاهَا رِقَاعًا مُسَطَّحَةً ذَاتَ تَقَاسِيمَ يُحِيطُ بِكُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا مَا يَفْصِلُهُ عَنِ الْقِسْمِ الْآخَرِ مِنْ بِحَارٍ وَجِبَالٍ، وَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي تَرَفُّعُ الْعُلَمَاءِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِذِكْرِهِ لَوْلَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ذَكَرُوهُ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَ تُفْرَضَ هَذِهِ الْأَوْهَامُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَرْفِ مِنَ الْقُرْآن الم [الْبَقَرَة:
1] ، يَكْفِهِمْ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَى صُورَةِ حُرُوفِ التَّهَجِّي مثل الم [العنكبوت: 1] والمص
[الْأَعْرَاف: 1] وكهيعص [مَرْيَم: 1] وَلَوْ أُرِيدَ الْجَبَلُ الْمَوْهُومُ لَكُتِبَ قَافٌ ثَلَاثَةُ حُرُوفٍ كَمَا تُكْتَبُ دَوَالُ الْأَشْيَاءِ مِثْلُ عَيْنٍ: اسْم الْجَارِحَة، وغينش: مَصْدَرُ غَانَ عَلَيْهِ، فَلَا يَصِحُ أَنْ يُدَلَّ عَلَى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي كَمَا لَا يَخْفَى.
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) .
قَسَمٌ بِالْقُرْآنِ، وَالْقَسَمُ بِهِ كِنَايَةٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ لِأَنَّ الْقَسَمَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَظِيمٍ عِنْدَ الْمُقْسِمِ فَكَانَ التَّعْظِيمُ مِنْ لَوَازِمِ الْقَسَمِ. وَأَتْبَعَ هَذَا التَّنْوِيهَ الْكِنَائِيَّ بِتَنْوِيهٍ صَرِيحٍ بِوَصْفِ الْقُرْآنِ بِ الْمَجِيدِ فَالْمَجِيدُ الْمُتَّصِفُ بِقُوَّةِ الْمَجْدِ. وَالْمَجْدُ وَيُقَالُ الْمُجَادَّةُ: الشَّرَفُ الْكَامِلُ وَكَرَمُ النَّوْعِ.
(26/276)

وَشَرَفُ الْقُرْآنِ مِنْ بَيْنِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَعْلَى الْمَعَانِي النَّافِعَةِ لِصَلَاحِ النَّاسِ فَذَلِكَ مَجْدُهُ. وَأَمَّا كَمَالُ مَجْدِهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ بِوَصْفِ مَجِيدٍ فَذَلِكَ بِأَنَّهُ يَفُوقُ أَفْضَلَ مَا أَبْلَغَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ الدَّالِّ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى إِذْ أَوْجَدَ أَلْفَاظَهُ وَتَرَاكِيبَهُ وَصُورَةَ نَظْمِهِ بِقُدْرَتِهِ دُونَ وَاسِطَةٍ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْكَلَامِ الدَّالِّ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْجَدَهُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ الْمُتَكَلِّمُونَ بِهِ يُعَبِّرُونَ بِكَلَامِهِمْ عَمَّا يُلْقَى إِلَيْهِمْ مِنَ الْوَحْيِ.
وَيَدْخُلُ فِي كَمَالِ مَجْدِهِ أَنَّهُ يَفُوقُ كُلَّ كَلَامٍ أَوْجَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ عَلَى سَبِيلِ خَرْقِ الْعَادَةِ مِثْلَ الْكَلَامِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدُونِ وَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَمِثْلَ مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَقْوَالِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِي اصْطِلَاحِ عُلَمَائِنَا بِالْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَفُوقُ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمَّا جَعَلَهُ اللَّهُ بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ وَجَعَلَهُ مُعْجِزًا لِبُلَغَاءِ أَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ. وَيَفُوقُ كُلَّ كَلَامٍ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ بِوَفْرَةِ مَعَانِيهِ وَعَدَمِ انْحِصَارِهَا، وَأَيْضًا بِأَنَّهُ تَمَيَّزَ عَلَى سَائِرِ الْكُتُبِ الدِّينِيَّةِ بِأَنَّهُ لَا يَنْسَخُهُ كِتَابٌ يَجِيءُ بَعْدَهُ وَمَا يُنْسَخُ مِنْهُ إِلَّا شَيْءٌ قَلِيلٌ يَنْسَخُهُ بَعْضُهُ.
وَجَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السَّامِعِ فِي تَقْدِيرِهِ كُلَّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ فِي الْمَقَامِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ ابْتِدَاءُ السُّورَةِ بِحَرْفِ ق الْمُشْعِرِ بِالنِّدَاءِ عَلَى عَجْزِهِمْ عَنْ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَحَدِّيهِمْ بِذَلِكَ، أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِضْرَابُ فِي قَوْلِهِ: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.
وَالتَّقْدِيرُ: وَالْقُرْآنُ الْمَجِيدُ إِنَّكَ لِرَسُولُ اللَّهِ بِالْحَقِّ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يس: 1- 4] . أَوْ يُقَدَّرُ
الْجَوَابُ: إِنَّهُ لَتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي نَحْوِ حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الْأَحْزَاب: 1- 3] وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْإِضْرَابُ الِانْتِقَالِيُّ يَقْتَضِي كَلَامًا مُنْتَقَلًا مِنْهُ وَالْقَسَمُ بِدُونِ جَوَابٍ لَا يُعْتَبَرُ كَلَامًا تَامًّا فَتَعَيَّنَ أَنْ يُقَدِّرَ السَّامِعُ جَوَابًا تَتِمُّ بِهِ الْفَائِدَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ.
(26/277)

وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْحَذْفِ وَحَسَّنَهُ أَنَّ الِانْتِقَالَ مُشْعِرٌ بِأَهَمِّيَّةِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ، أَيْ عُدْ عَمَّا تُرِيدُ تَقْدِيرَهُ مِنْ جَوَابٍ وَانْتَقَلَ إِلَى بَيَانِ سَبَبِ إِنْكَارِهِمُ الَّذِي حَدَا بِنَا إِلَى الْقَسَمِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: دَعْ ذَا، وَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
فَدَعْ ذَا وَسَلِ الْهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ... ذُمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا
وَقَوْلِ الْأَعْشَى:
فَدَعْ ذَا وَلَكِنْ رُبَّ أَرْضٍ مُتَيَّهَةٍ ... قَطَعْتُ بِحُرْجُوجٍ إِذَا اللَّيْلُ أَظْلَمَا
وَتَقَدَّمَ بَيَانُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ فِي سُورَةِ ص [2] .
وَقَوْلِهِ: وَعَجِبُوا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ إِنْكَارًا لِعَجَبِهِمُ الْبَالِغِ حَدَّ الْإِحَالَةِ.
وعَجِبُوا حَصَلَ لَهُمُ الْعَجَبُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهُوَ الْأَمْرُ غَيْرُ الْمَأْلُوفِ لِلشَّخْصِ قالَتْ يَا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود: 72، 73] فَإِنَّ الِاسْتِفْهَامَ فِي أَتَعْجَبِينَ إِنْكَارٌ وَإِنَّمَا تُنْكَرُ إِحَالَةُ ذَلِكَ لَا كَوْنُهُ مُوجِبَ تَعَجُّبٍ. فَالْمَعْنَى هُنَا: أَنَّهُمْ نَفَوْا جَوَازَ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [الْإِسْرَاء: 94] .
وَضَمِيرُ عَجِبُوا عَائِدٌ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، فَمَعَادُهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّيَاقِ أَعْنِي افْتِتَاحَ السُّورَةِ بِحَرْفِ التَّهَجِّي الَّذِي قُصِدَ مِنْهُ تَعْجِيزُهُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ الْقُرْآنِ لِأَنَّ عَجْزَهُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ فِي حَالِ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ حُرُوفِ لُغَتِهِمْ يَدُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامِ بَشَرٍ بَلْ هُوَ كَلَامٌ أَبْدَعَتْهُ قُدْرَةُ اللَّهِ وَأَبْلَغَهُ اللَّهُ إِلَى رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ فَإِنَّ الْمُتَّحَدِّينَ بِالْإِعْجَازِ مَشْهُورُونَ يَعْلَمُهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ أَيْضًا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِالتَّحَدِّي بِالْإِعْجَازِ. عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي مَا يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ بِقَوْلِهِ: فَقالَ الْكافِرُونَ.
وَضَمِيرُ مِنْهُمْ عَائِدٌ إِلَى مَا عَادَ إِلَيْهِ ضَمِيرُ عَجِبُوا وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ مِنْ نَوْعِهِمْ أَيْ مِنْ بَنِي الْإِنْسَانِ.
(26/278)

وَ (أَنْ جاءَهُمْ) مَجْرُورٌ بِ (مِنْ) الْمَحْذُوفَةِ مَعَ أَنْ، أَيْ عَجِبُوا مِنْ
مَجِيءِ مُنْذِرٍ مِنْهُمْ، أَوْ عَجِبُوا مِنِ ادِّعَاءِ أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.
وَعَبَّرَ عَن الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَصْفِ مُنْذِرٌ وَهُوَ الْمُخْبِرُ بِشَرٍّ سَيَكُونُ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ عَجَبَهُمْ كَانَ نَاشِئًا عَنْ صِفَتَيْنِ فِي الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ مُخْبِرٌ بِعَذَابٍ يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَيْ مُخْبِرٌ بِمَا لَا يُصَدِّقُونَ بِوُقُوعِهِ، وَإِنَّمَا أَنْذرهُمْ الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ بَعْدَ الْبَعْثِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ [سبأ: 46] . وَالثَّانِيَةُ كَوْنُهُ مِنْ نَوْعِ الْبَشَرِ.
وَفَرَّعَ عَلَى التَّكْذِيبِ الْحَاصِلِ فِي نُفُوسِهِمْ ذِكْرَ مَقَالَتِهِمُ الَّتِي تُفْصِحُ عَنْهُ وَعَنْ شُبْهَتِهِمُ الْبَاطِلَةِ بِقَوْلِهِ: فَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ الْآيَةَ. وَخَصَّ هَذَا بِالْعِنَايَةِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَدْخَلُ عِنْدَهُمْ فِي الِاسْتِبْعَادِ وَأَحَقُّ بِالْإِنْكَارِ فَهُوَ الَّذِي غَرَّهُمْ فَأَحَالُوا أَنْ يُرْسِلَ الله إِلَيْهِم أحد مِنْ نَوْعِهِمْ وَلِذَلِكَ وصف الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتِدَاءً بِصِفَةِ مُنْذِرٌ قَبْلَ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ مِنْهُمْ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا أَنْذَرَهُمْ بِهِ هُوَ الْبَاعِثُ الْأَصْلِيُّ لِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَأَنَّ كَوْنَهُ مِنْهُمْ إِنَّمَا قَوَّى الِاسْتِبْعَادَ وَالتَّعَجُّبَ.
ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ يُتَخَلَّصُ مِنْهُ إِلَى إِبْطَالِ حُجَّتِهِمْ وَإِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ: قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ إِلَى قَوْلِهِ: كَذلِكَ الْخُرُوجُ [ق: 4- 11] . فَقَدْ حَصَلَ فِي ضِمْنِ هَاتَيْنِ الْفَاصِلَتَيْنِ خُصُوصِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْبَلَاغَةِ: مِنْهَا إِيجَازُ الْحَذْفِ، وَمِنْهَا مَا أَفَادَهُ الْإِضْرَابُ مِنَ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الْبَعْثِ، وَمِنْهَا الْإِيجَازُ الْبَدِيعُ الْحَاصِلُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِ مُنْذِرٌ، وَمِنْهَا إِقْحَامُ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ مِنْهُمْ لِأَنَّ لِذَلِكَ مَدْخَلًا فِي تَعَجُّبِهِمْ، وَمِنْهَا الْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، وَمِنْهَا الْإِجْمَالُ الْمُعَقَّبُ بِالتَّفْصِيلِ فِي قَوْلِهِ: هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذا مِتْنا
إِلَخْ.
وَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ فِي فَقالَ الْكافِرُونَ دُونَ: فَقَالُوا، لِتَوْسِيمِهِمْ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ، وَلِيَكُونَ فِيهِ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرَيْنِ السَّابِقَيْنِ.
(26/279)

قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4)
وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِمْ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ إِلَى مَا هُوَ جَارٍ فِي مَقَامِ مَقَالَتِهِمْ تِلْكَ مِنْ دُعَاء النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ لِلْإِيمَانِ بِالرَّجْعِ، أَيِ الْبَعْثِ وَهُوَ الَّذِي بَينته جملَة أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً إِلَخْ.
وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ وَالْإِبْطَالِ، يُرِيدُونَ تَعْجِيبَ السَّامِعِينَ مِنْ ذَلِكَ تَعْجِيبَ إِحَالَةٍ لِئَلَّا يُؤْمِنُوا بِهِ. وَجَعَلُوا مَنَاطَ التَّعْجِيبِ الزَّمَانَ الَّذِي أَفَادَتْهُ (إِذَا) وَمَا أُضِيفَ
إِلَيْهِ، أَيْ زَمَنَ مَوْتِنَا وَكَوْنِنَا تُرَابًا.
وَالْمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ظرف أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَالتَّقْدِيرُ: أَنَرْجِعُ إِلَى الْحَيَاةِ فِي حِينِ انْعِدَامِ الْحَيَاةِ مِنَّا بِالْمَوْتِ وَحِينِ تَفَتُّتِ الْجَسَدِ وَصَيْرُورَتِهِ تُرَابًا، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَقْصَى الِاسْتِبْعَادِ. وَمُتَعَلِّقُ (إِذَا) هُوَ الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ الْمَحْذُوفُ الْمُقَدَّرُ، أَيْ نَرْجِعُ أَوْ نَعُودُ إِلَى الْحَيَاةِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا.
وَجُمْلَةُ ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ مُؤَكدَة لجملة أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَالذِّكْرِ، بَعْدَ أَنْ أُفِيدَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَالْحَذْفِ، لِأَنَّ شَأْنَ التَّأْكِيدِ أَنْ يَكُونَ أَجْلَى دَلَالَةً.
وَالرَّجْعُ: مَصْدَرُ رَجَعَ، أَيِ الرُّجُوعُ إِلَى الْحَيَاةِ. وَمَعْنَى بَعِيدٌ أَنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ تَصَوُّرِ الْعَقْلِ، أَيْ هُوَ أَمر مُسْتَحِيل.
[4]

[سُورَة ق (50) : آيَة 4]
قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (4)
رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: 3] فَإِنَّ إِحَالَتَهُمُ الْبَعْثَ نَاشِئَةٌ عَنْ عِدَّةِ شُبَهٍ مِنْهَا:
أَنَّ تَفَرُّقَ أَجْزَاءِ الْأَجْسَادِ فِي مَنَاحِي الْأَرْضِ وَمَهَابِّ الرِّيَاحِ لَا تُبْقِي أَمَلًا فِي إِمْكَانِ جَمْعِهَا إِذْ لَا يُحِيطُ بِهَا مُحِيطٌ وَأَنَّهَا لَوْ عُلِمَتْ مَوَاقِعُهَا لَتَعَذَّرَ الْتِقَاطُهَا وَجَمْعُهَا، وَلَوْ جُمِعَتْ كَيْفَ تَعُودُ إِلَى صُوَرِهَا الَّتِي كَانَتْ مُشْكِلَةً بِهَا، وَأَنَّهَا لَوْ عَادَتْ كَيْفَ تَعُودُ إِلَيْهَا، فَاقْتَصَرَ فِي إِقْلَاعِ شُبَهِهِمْ عَلَى إِقْلَاعِ أَصْلِهَا وَهُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ وَذَرَّاتِهَا.
(26/280)

وَفُصِلَتِ الْجُمْلَةُ بِدُونِ عَطْفٍ لِأَنَّهَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ لِرَدِّ كَلَامِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْأَلْيَقُ بِنَظْمِ الْكَلَامِ. وَقِيلَ هِيَ جَوَابُ الْقَسَمِ كَمَا عَلِمْتَهُ آنِفًا وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ جَمْعَ أَجْزَاءِ الْأَجْسَامِ مُمْكِنٌ لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِتِلْكَ الْأَجْزَاءِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى عُمُومِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَكَانَ قَدْ أَرَادَ إِحْيَاءَ أَصْحَابِهَا كَمَا أَخْبَرَ بِهِ، فَلَا يَعْظُمُ عَلَى قُدْرَتِهِ جَمْعُهَا وَتَرْكِيبُهَا أَجْسَامًا كَأَجْسَامِ أَصْحَابِهَا حِينَ فَارَقُوا الْحَيَاةَ فَقَوْلُهُ: قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ إِيمَاءٌ إِلَى دَلِيلِ الْإِمْكَانِ لِأَنَّ مَرْجِعَهُ إِلَى عُمُومِ الْعِلْمِ كَمَا قُلْنَا. فَأَسَاسُ مَبْنَى الرَّدِّ هُوَ عُمُومُ عِلْمِ الله تَعَالَى لِأَن يَجْمَعُ إِبْطَالَ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ فَلَوْ قَالَ، نَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى إِرْجَاعِ مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ لَخَطَرَ فِي وَسَاوِسِ نُفُوسِهِمْ شُبْهَةُ أَنَّ اللَّهَ وَإِنْ سَلَّمَنَا أَنَّهُ قَادِرٌ فَإِنَّ أَجْزَاءَ الْأَجْسَادِ إِذَا تَفَرَّقَتْ لَا يَعْلَمُهَا اللَّهُ حَتَّى تَتَسَلَّطَ عَلَى جَمْعِهَا قُدْرَتُهُ فَكَانَ الْبِنَاءُ عَلَى عُمُومِ الْعِلْمِ أَقْطَعَ لِاحْتِمَالَاتِهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ بَيَانٌ لِلْإِمْكَانِ رَعْيًا لِمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُهُمْ مِنَ الْإِحَالَةِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْإِمْكَانِ يَقْلَعُ اعْتِقَادَ الِاسْتِحَالَةِ مِنْ نُفُوسِهِمْ وَهُوَ كَافٍ لِإِبْطَالِ تَكْذِيبِهِمْ وَلِاسْتِدْعَائِهِمْ لِلنَّظَرِ فِي الدَّعْوَةِ، ثُمَّ يَبْقَى النَّظَرُ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِعَادَةِ، وَهِيَ أَمْرٌ لَمْ نُكَلَّفْ بِالْبَحْثِ عَنْهُ وَقَدِ اخْتلف فِيهَا أيمة أَهْلِ السُّنَّةِ فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ تُعَادُ الْأَجْسَامُ بَعْدَ عَدَمِهَا. وَمَعْنَى إِعَادَتِهَا. إِعَادَةُ أَمْثَالِهَا بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أَجْسَادًا مِثْلَ الْأُولَى تُودَعُ فِيهَا الْأَرْوَاحُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا حَالَّةً فِي الْأَجْسَادِ الْمَعْدُومَةِ الْآنَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الْجِسْمُ لِصَاحِبِ الرُّوحِ فِي الدُّنْيَا وَبِذَلِكَ يَحِقُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا هُوَ فُلَانٌ الَّذِي عَرَفْنَاهُ فِي الدُّنْيَا إِذِ الْإِنْسَانُ كَانَ إِنْسَانًا بِالْعَقْلِ وَالنُّطْقِ، وَهُمَا مَظْهَرُ الرُّوحِ. وَأَمَّا الْجَسَدُ فَإِنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرَاتٍ كَثِيرَةٍ ابْتِدَاءً مِنْ وَقْتِ كَوْنِهِ جَنِينًا، ثُمَّ مِنْ وَقْتِ الطُّفُولَةِ ثُمَّ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْأَطْوَارِ فَتَخْلُفُ أَجْزَاؤُهُ المتجددة أجزاءه الْمُقْتَضِيَة، وَبُرْهَانُ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي عِلْمِ الطَّبِيعِيَّاتِ، لَكِنَّ ذَلِكَ التَّغَيُّرَ لَمْ يَمْنَعْ مِنِ اعْتِبَارِ الذَّاتِ ذَاتًا وَاحِدَةً لِأَنَّ هُوِيَّةَ الذَّاتِ حَاصِلَةٌ مِنَ الْحَقِيقَةِ
(26/281)

النَّوْعِيَّةِ وَالْمُشَخِّصَاتِ الْمُشَاهَدَةِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ بِدُونِ شُعُورِ مَنْ يُشَاهِدُهَا. فَلِذَا كَانَتْ حَقِيقَةُ الشَّخْصِ هِيَ الرُّوحُ وَهِيَ الَّتِي تُكْتَسَى عِنْدَ الْبَعْثِ جَسَدَ صَاحِبِهَا فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ النَّاسَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ بِزَمَنٍ قَلِيلٍ لَا تَبْلَى فِي مِثْلِهِ أَجْسَامُهُمْ تَرْجِعُ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى أَجْسَادِهِمُ الْبَاقِيَةِ دُونَ تَجْدِيدِ خَلْقِهَا، وَلِذَلِكَ فتسمية هَذَا الإيجاز مَعَادًا أَوْ رَجْعًا أَوْ بَعْثًا إِنَّمَا هِيَ تَسْمِيَةٌ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْأَرْوَاحِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا تَشْهَدُ عَلَى الْكُفَّارِ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لِأَنَّ الشَّاهِد فِي الْحَقِيقِيَّة هُوَ مَا بِهِ إِدْرَاكُ الْأَعْمَالِ مِنَ الرُّوحِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْأَعْضَاءِ.
وَأَدِلَّةُ الْكِتَابِ أَكْثَرُهَا ظَاهِرٌ فِي تَأْيِيدِ هَذَا الرَّأْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الْأَنْبِيَاء: 104] ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [النِّسَاء: 56] .
وَقَالَ شُذُوذٌ: تُعَادُ الْأَجْسَامُ بِجَمْعِ الْأَجْزَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ يَجْمَعُهَا اللَّهُ الْعَلِيمُ بِهَا وَيُرَكِّبُهَا كَمَا كَانَتْ يَوْمَ الْوَفَاةِ. وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْجِسْمِ الْإِنْسَانِيِّ إِذَا تَفَرَّقَتْ دَخَلَتْ فِي أَجْزَاءٍ مِنْ أَجْسَامٍ أُخْرَى مِنْ مُخْتَلِفِ الْمَوْجُودَاتِ وَمِنْهَا أَجْسَامُ أُنَاسٍ آخَرِينَ.
وَوَرَدَ فِي الْآثَارِ «أَنَّ كُلَّ ابْنِ آدَمَ يَفْنَى إِلَّا عَجَبُ الذَّنْبِ مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَلَى هَذَا تَكُونُ نِسْبَةُ الْأَجْسَادِ الْمُعَادَةِ كَنِسْبَةِ النَّخْلَةِ مِنَ النَّوَاةِ. وَهَذَا وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ عَنْ عَدَمٍ وَالْقَوْلِ بِأَنَّهَا عَنْ تَفَرُّقٍ. وَلَا قَائِلَ مِنَ الْعُقَلَاءِ بِأَنَّ الْمَعْدُومَ يُعَادُ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا المُرَاد مَا ذكرنَا وَمَا عَدَاهُ مُجَازَفَةٌ فِي التَّعْبِيرِ.
وَذَكَرَ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ فِي «شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْعَضُدِيَّةِ» أَنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ لَمَّا سَمِعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْإِعَادَةِ جَاءَ إِلَى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِيَدِهِ عَظْمٌ قَدْ رُمَّ فَفَتَّتَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتُرَى يُحْيِينِي بَعْدَ أَنْ أَصِيرَ كَهَذَا الْعَظْمِ؟ فَقَالْ لَهُ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ وَيَبْعَثُكَ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ»
. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:
78] .
وَعَبَّرَ بِ تَنْقُصُ الْأَرْضُ دُونَ التَّعْبِيرِ بِالْإِعْدَامِ لِأَنَّ لِلْأَجْسَادِ دَرَجَاتٍ مِنَ
(26/282)

الِاضْمِحْلَالِ تَدْخُلُ تَحْتَ حَقِيقَةِ النَّقْصِ فَقَدْ يَفْنَى بَعْضُ أَجْزَاءِ الْجَسَدِ وَيَبْقَى بَعْضُهُ، وَقَدْ يَأْتِي الْفَنَاءُ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَحَّ أَنَّ عَجَبَ الذَّنْبِ لَا يَفْنَى كَانَ فَنَاءُ الْأَجْسَادِ نَقْصًا لَا انْعِدَامًا.
وَعُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ قَوْلُهُ: وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ عَطْفَ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، وَهُوَ بِمَعْنَى تَذْيِيلٍ لِجُمْلَةِ قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أَيْ وَعِنْدَنَا عِلْمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ثَابِتًا فَتَنْكِيرُ كِتابٌ لِلتَّعْظِيمِ، وَهُوَ تَعْظِيمُ التَّعْمِيمِ، أَيْ عِنْدِنَا كِتَابُ كُلِّ شَيْءٍ.
وحَفِيظٌ فَعِيلٌ: إِمَّا بِمَعْنَى فَاعِلٍ، أَيْ حَافِظٍ لِمَا جُعِلَ لِإِحْصَائِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الذَّوَاتِ وَمَصَائِرِهَا. وَتَعْيِينِ جَمِيعِ الْأَرْوَاحِ لِذَوَاتِهَا الَّتِي كَانَتْ مُودَعَةً فِيهَا بِحَيْثُ لَا يَفُوتُ وَاحِدٌ مِنْهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْبَعْثِ وَإِعَادَةِ الْأَجْسَادِ وَبَثِّ الْأَرْوَاحِ فِيهَا. وَإِمَّا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ مَحْفُوظٍ مَا فِيهِ مِمَّا قَدْ يَعْتَرِي الْكُتُبَ الْمَأْلُوفَةَ مِنَ الْمَحْوِ وَالتَّغْيِيرِ وَالزِّيَادَةِ وَالتَّشْطِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْكِتَابُ: الْمَكْتُوبُ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَجْمُوعِ الصَّحَائِفِ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ حَقِيقَةً بِأَنْ جَعَلَ اللَّهُ كُتُبًا وَأَوْدَعَهَا إِلَى مَلَائِكَةٍ يُسَجِّلُونَ فِيهَا النَّاسَ حِينَ وَفَيَاتِهِمْ وَمَوَاضِعِ أَجْسَادِهِمْ وَمَقَارِّ أَرْوَاحِهِمْ وَانْتِسَابِ كُلِّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهَا الْمُعَيَّنِ الَّذِي كَانَتْ حَالَّةً فِيهِ حَالَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا صَادِقًا بِكُتُبٍ عَدِيدَةٍ لِكُلِّ إِنْسَانٍ كِتَابُهُ، وَتَكُونُ مِثْلَ صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 17، 18] ، وَقَوْلُهُ: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الْإِسْرَاء: 13، 14] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: وَعِنْدَنا كِتابٌ تَمْثِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِحَالِ عِلْمِ مَنْ عِنْدَهُ كِتَابٌ حَفِيظٌ يَعْلَمُ بِهِ جَمِيعَ أَعْمَالِ النَّاسِ.
وَالْعِنْدِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: وَعِنْدَنا كِتابٌ مُسْتَعَارَةٌ لِلْحِيَاطَةِ وَالْحِفْظِ مِنْ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ مَا يُغَيِّرُ مَا فِيهِ أَوْ مَنْ يُبْطِلُ مَا عيّن لَهُ.
(26/283)

بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5)
[سُورَة ق (50) : آيَة 5]
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5)
إِضْرَابٌ ثَانٍ تَابِعٌ لِلْإِضْرَابِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق:
2] عَلَى طَرِيقَةِ تَكْرِيرِ الْجُمْلَةِ فِي مَقَامِ التَّنْدِيدِ وَالْإِبْطَالِ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ جُمْلَةِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَجَبَ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّكْذِيبِ، وَكِلَا الِاعْتِبَارَيْنِ يَقْتَضِيَانِ فَصْلَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِدُونِ عَاطِفٍ. وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّهُمْ أَتَوْا بِأَفْظَعَ مِنْ إِحَالَتِهِمُ الْبَعْثَ وَذَلِكَ هُوَ التَّكْذِيبُ بِالْحَقِّ.
وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا الْقُرْآنُ لِأَنَّ فِعْلَ التَّكْذِيبِ إِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ عُدِّيَ إِلَى الْخَبَرِ وَإِذَا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ كَانَ لِتَكْذِيبِ الْمُخْبِرِ.
ولَمَّا حَرْفُ تَوْقِيتٍ فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى رَبْطِ حُصُولِ جَوَابِهَا بِوَقْتِ حُصُولِ شَرْطِهَا فَهِيَ مُؤْذِنَةٌ بِمُبَادَرَةِ حُصُولِ الْجَوَابِ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [الْبَقَرَة: 17] ، وَقَوْلِهِ فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [الْبَقَرَة: 89] وَقَدْ مَضَيَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَمَعْنَى جاءَهُمْ بَلَغَهُمْ وَأُعْلِمُوا بِهِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ بَادَرُوا بِالتَّكْذِيبِ دُونَ تَأَمُّلٍ وَلَا نَظَرٍ فِيمَا حَوَاهُ مِنَ الْحَقِّ بَلْ كَذَّبُوا بِهِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَكَذَّبُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَهُوَ أَوَّلُ حَقٍّ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها إِلَى قَوْلِهِ: وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً [ق: 6- 11] . فَالتَّكْذِيبُ بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ يَعُمُّ التَّكْذِيبَ بِالْبَعْثِ وَغَيْرِهِ.
وَفُرِّعَ عَلَى الْخَبَرِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ بِالْإِضْرَابِ وَصَفُ حَالِهِمُ النَّاشِئَةِ عَنِ الْمُبَادَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ قَبْلَ التَّأَمُّلِ بِأَنَّهَا أَمْرٌ مَرِيجٌ أَحَاطَ بِهِمْ وَتَجَلْجَلُوا فِيهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ.
وأَمْرٍ اسْمٌ مُبْهَمٌ مِثْلُ شَيْءٍ، وَلَمَّا وَقَعَ هُنَا بَعْدَ حَرْفِ فِي الْمُسْتَعْمَلِ فِي الظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْحَالَ الْمُتَلَبِّسُونَ هُمْ بِهِ تَلَبُّسَ الْمَظْرُوفِ بِظَرْفِهِ وَهُوَ تَلَبُّسُ الْمَحُوطِ بِمَا أَحَاطَ بِهِ فَاسْتِعْمَالُ فِي اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ.
(26/284)

أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6)
وَالْمَرِيجُ: الْمُضْطَرِبُ الْمُخْتَلِطُ، أَيْ لَا قَرَارَ فِي أَنْفُسِهِمْ فِي هَذَا التَّكْذِيبِ، اضْطَرَبَتْ فِيهِ أَحْوَالُهُمْ كُلُّهَا مِنْ أَقْوَالِهِمْ فِي وَصْفِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُمُ ابْتَدَرُوا فَنَفَوْا عَنْهُ الصِّدْقَ فَلَمْ يَتَبَيَّنُوا
بِأَيِّ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ يُلْحِقُونَهُ فَقَالُوا: سِحْرٌ مُبِينٌ [الْمَائِدَة: 110] ، وَقَالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الْأَنْعَام: 25] وَقَالُوا بِقَوْلِ شاعِرٍ [الحاقة: 41] ، وَقَالُوا: بِقَوْلِ كاهِنٍ [الحاقة: 42] وَقَالُوا: (هَذَيَانُ مَجْنُونٍ) . وَفِي سُلُوكِهِمْ فِي طُرُقِ مُقَاوَمَةِ دَعْوَة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَصِفُونَهُ بِهِ إِذَا سَأَلَهُمُ الْوَارِدُونَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ. وَمَنْ بَهَتَهُمْ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَدَلَالَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَمَا دَمَغَهُمْ بِهِ مِنَ الْحُجَجِ عَلَى إِبْطَالِ الْإِشْرَاكِ وَإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ. وَهَذَا تَحْمِيقٌ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ طَاشَتْ عُقُولُهُمْ فَلَمْ يُتْقِنُوا التَّكْذِيبَ وَلَمْ يَرْسُوا عَلَى وَصْفِ الْكَلَامِ الَّذِي كذبُوا بِهِ.
[6]

[سُورَة ق (50) : آيَة 6]
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (6)
تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ [ق: 2] إِلَى قَوْله: مَرِيجٍ [ق: 5] لِأَنَّ أَهَمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِالْبَعْثِ، وَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالنُّجُومِ وَالْأَرْضِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ إِعَادَةَ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْعَدَمِ فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ فَتِلْكَ الْعَوَالِمُ وُجِدَتْ عَنْ عَدَمٍ وَهَذَا أَدَلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ يس [81] أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ.
وَالِاسْتِفْهَامُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارِيًّا. وَالنَّظَرُ نَظَرُ الْفِكْرِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [يُونُس: 101] . وَمَحَلُّ الْإِنْكَارِ هُوَ الْحَالُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا كَيْفَ بَنَيْناها، أَيْ أَلَمْ يَتَدَبَّرُوا فِي شَوَاهِدِ الْخَلِيقَةِ فَتَكُونُ الْآيَةُ فِي معنى أَو لم يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ تَقْرِيرِيًّا، وَالنَّظَرُ الْمُشَاهَدَةُ، وَمَحَلُّ التَّقْرِيرِ هُوَ فِعْلُ يَنْظُرُوا، أَوْ يكون كَيْفَ مُرَاد بِهِ الْحَالُ الْمُشَاهَدَةُ.
هَذَا وَأَنَّ التَّقْرِيرَ عَلَى نَفْيِ الشَّيْءِ الْمُرَادِ الْإِقْرَارُ بِإِثْبَاتِهِ طَرِيقَةً قُرْآنِيَّةً ذَكَرْنَاهَا غَيْرَ
(26/285)

مَرَّةٍ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ إِفْسَاحُ الْمَجَالِ لِلْمُقَرَّرِ إِنْ كَانَ يَرُومُ إِنْكَارَ مَا قُرِّرَ عَلَيْهِ، ثِقَةً مِنَ الْمُقَرِّرِ- بِكَسْرِ الرَّاءِ- بِأَنَّ الْمُقَرَّرَ- بِالْفَتْحِ- لَا يُقْدِمُ عَلَى الْجُحُودِ بِمَا قُرِّرَ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ [الْأَعْرَاف: 148] ، وَقَوْلِهِ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ كِلَاهُمَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [172] .
وَهَذَا الْوَجْهُ أَشَدُّ فِي النَّعْيِ عَلَيْهِمْ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَخْلُوقَاتِ الْمَذْكُورَةَ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ يَكْفِي فِيهَا مُجَرَّدُ النَّظَرِ بِالْعَيْنِ.
وفَوْقَهُمْ حَالٌ مِنَ السَّمَاءِ. وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَالِ تَنْدِيدٌ عَلَيْهِمْ لِإِهْمَالِهِمُ التَّأَمُّلَ مَعَ الْمُكْنَةِ
مِنْهُ إِذِ السَّمَاءُ قَرِيبَةٌ فَوْقَهُمْ لَا يُكَلِّفُهُمُ النَّظَرُ فِيهَا إِلَّا رفع رؤوسهم.
وكَيْفَ اسْمُ جَامِدٌ مَبْنِيٌّ مَعْنَاهُ: حَالَةٌ، وَأَكْثَرُ مَا يَرِدُ فِي الْكَلَامِ لِلسُّؤَالِ عَنِ الْحَالَةِ فَيَكُونُ خَبَرًا قَبْلَ مَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ مِثْلَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ وَحَالًا قَبْلَ مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ نَحْوَ: كَيْفَ جَاءَ؟ وَمَفْعُولًا مُطْلَقًا نَحْوَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ [الْفجْر: 6] ، وَمَفْعُولًا بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [الْإِسْرَاء: 21] . وَهِيَ هُنَا بَدَلٌ مِنْ فَوْقَهُمْ فَتَكُونُ حَالًا فِي الْمَعْنَى. وَالتَّقْدِيرُ: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ هَيْئَةَ بَنْيِنَا إِيَّاهَا، وَتَكُونُ جُمْلَةُ بَنَيْناها مُبَيِّنَةً لِ كَيْفَ.
وَأُطْلِقَ الْبِنَاءُ عَلَى خَلْقِ الْعَلَوِيَّاتِ بِجَامِعِ الِارْتِفَاعِ. وَالْمُرَادُ بِ السَّماءِ هُنَا مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ مِنْ كُرَةِ الْهَوَاءِ الَّتِي تَبْدُو كَالْقُبَّةِ وَتُسَمَّى الْجَوَّ.
وَالتَّزْيِينُ جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنَا، أَيْ حَسَنًا أَيْ تَحْسِينُ مَنْظَرِهَا لِلرَّائِي بِمَا يَبْدُو فِيهَا مِنَ الشَّمْسِ نَهَارًا وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ لَيْلًا. وَاقْتَصَرَ عَلَى آيَةِ تَزْيِينِ السَّمَاءِ دُونَ تَفْصِيلِ مَا فِي الْكَوَاكِبِ الْمُزَيَّنَةِ بِهَا مِنَ الْآيَاتِ لِأَنَّ التَّزْيِينَ يَشْتَرِكُ فِي إِدْرَاكِهِ جَمِيعُ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَهُ وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِدْلَالِ وَالِامْتِنَانِ بِنِعْمَةِ التَّمْكِينِ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْمَرَائِي الْحَسَنَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى
(26/286)

وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)
وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [النَّحْل: 6] فِي شَأْنِ خَلْقِ الْأَنْعَامِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ.
ثُمَّ يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِي إِدْرَاكِ مَا فِي خَلْقِ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنِظَامِهَا مِنْ دَلَائِلَ عَلَى مِقْدَارِ تَفَاوُتِ عُلُومِهِمْ وَعُقُولِهِمْ. وَالْآيَةُ صَالِحَةٌ لِإِفْهَامِ جَمِيعِ الطَّبَقَاتِ.
وَجُمْلَةُ وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَتَيْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها فَهِيَ حَالٌ ثَالِثَةٌ فِي الْمَعْنَى.
وَالْفُرُوجُ: جَمْعُ فَرْجٍ، وَهُوَ الْخَرْقُ، أَيْ يُشَاهِدُونَهَا كَأَنَّهَا كُرَةٌ مُتَّصِلَةُ الْأَجْزَاءِ لَيْسَ بَيْنَ أَجْزَائِهَا تَفَاوُتٌ يَبْدُو كَالْخَرْقِ وَلَا تَبَاعُدٌ يَفْصِلُ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ فَيَكُونُ خَرْقًا فِي قُبَّتِهَا.
وَهَذَا مِنْ عَجِيبِ الصُّنْعِ إِذْ يَكُونُ جِسْمٌ عَظِيمٌ كَجِسْمِ كُرَةِ الْهَوَاءِ الْجَوِّيِّ مَصْنُوعًا كَالْمَفْرُوغِ فِي قَالَبٍ. وَهَذَا مُشَاهِدٌ لِجَمِيعِ طَبَقَاتِ النَّاسِ عَلَى تَفَاوُتِ مَدَارِكِهِمْ ثُمَّ هُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي إِدْرَاكِ مَا فِي هَذَا الصُّنْعِ مِنْ عَجَائِبِ الْتِئَامِ كُرَةِ الْجَوِّ الْمُحِيطِ بِالْأَرْضِ.
وَلَوْ كَانَ فِي أَدِيمِ مَا يُسَمَّى بِالسَّمَاءِ تُخَالِفٌ مِنْ أَجْزَائِهِ لَظَهَرَتْ فِيهِ فُرُوجٌ وَانْخِفَاضٌ وَارْتِفَاعٌ. وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً إِلَى
قَوْلِهِ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الْملك: 3] .
[7]

[سُورَة ق (50) : آيَة 7]
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)
عَطَفَ عَلَى جُمْلَةِ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا [ق: 6] عَطْفَ الْخَبَرِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْإِخْبَارِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَمَدَدْنَا الْأَرْضَ.
وَلَمَّا كَانَتْ أَحْوَالُ الْأَرْضِ نُصْبَ أَعْيُنِ النَّاسِ وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَحْوَالِ السَّمَاءِ
(26/287)

لِأَنَّهَا تَلُوحُ لِلْأَنْظَارِ دُونَ تَكَلُّفٍ لَمْ يُؤْتَ فِي لَفْتِ أَنْظَارِهِمْ إِلَى دَلَالَتِهَا بِاسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ تَنْزِيلًا لَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ نَظَرَ فِي أَحْوَالِ الْأَرْضِ فَلَمْ يَكُونُوا بِحَاجَةٍ إِلَى إِعَادَةِ الْأَخْبَارِ بِأَحْوَالِ الْأَرْضِ تَذْكِيرًا لَهُمْ. وَانْتَصَبَ الْأَرْضَ بِ مَدَدْناها عَلَى طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ.
وَالْمَدُّ: الْبَسْطُ، أَيْ بَسَطْنَا الْأَرْضَ فَلَمْ تَكُنْ مَجْمُوعَ نُتُوءَاتٍ إِذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكَانَ الْمَشْيُ عَلَيْهَا مُرْهِقًا.
وَالْمُرَادُ: بَسْطُ سَطْحِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَصْفَ حَجْمِ الْأَرْضِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تُدْرِكُهُ الْمُشَاهَدَةُ وَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ الْمُخَاطَبُونَ نَظَرَ التَّأَمُّلِ فَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَعْلَمُونَهُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي سِيَاقِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى خَلْقِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ، وَلَا فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ بِمَا فِي ذَلِكَ الدَّلِيلِ مِنْ نِعْمَةٍ فَلَا عَلَاقَةَ لِهَذِهِ الْآيَةِ بِقَضِيَّةِ كُرَوِيَّةِ الْأَرْضِ.
وَالْإِبْقَاءُ: تَمْثِيلٌ لِتَكْوِينِ أَجْسَامٍ بَارِزَةٍ عَلَى الْأَرْضِ مُتَبَاعِدٌ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِلْقَاءِ: رَمْيُ شَيْءٍ مِنَ الْيَدِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِخِلْقَةِ الْجِبَالِ كَقَوْلِهِ:
وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: 19] وفِيها ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وَصْفٌ لِ رَواسِيَ قُدِّمَ عَلَى مَوْصُوفِهِ فَصَارَ حَالًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِ أَلْقَيْنا.
وَرَوَاسِي: جَمْعُ رَاسٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ مِثْلَ: فَوَارِسُ وَعَوَاذِلُ. وَالرُّسُوُّ: الثَّبَاتُ وَالْقَرَارُ.
وَفَائِدَةُ هَذَا الْوَصْفِ زِيَادَةُ التَّنْبِيهِ إِلَى بَدِيعِ خَلْقِ اللَّهِ إِذْ جَعَلَ الْجِبَالَ مُتَدَاخِلَةً مَعَ الْأَرْضِ وَلَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً عَلَيْهَا وَضْعًا كَمَا تُوضَعُ الْخَيْمَةُ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَتَزَلْزَلَتْ وَسَقَطَتْ وَأَهْلَكَتْ مَا حَوَالَيْهَا. وَقَدْ قَالَ فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء [31] وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ أَيْ دَفْعَ أَنْ تَمِيدَ هِيَ، أَيِ الْجِبَالُ بِكُمْ، أَيْ مُلْصَقَةٌ بِكُمْ فِي مَيْدِهَا.
وَهُنَالِكَ وَجْهٌ آخَرُ مَضَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَالزَّوْجُ: النَّوْعُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى فِي سُورَةِ طه
(26/288)

وَالْمَعْنَى: وَأَنْبَتْنَا فِي الْأَرْضِ أَصْنَافَ النَّبَاتِ وَأَنْوَاعَهُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يُظْهِرُ أَنَّ حَرْفَ مِنْ فِيهِ مَزِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ. وَزِيَادَةُ مِنْ فِي غَيْرِ النَّفْيِ نَادِرَةٌ، أَيْ أَقَلُّ مِنْ زِيَادَتِهَا فِي النَّفْيِ، وَلَكِنَّ زِيَادَتَهَا فِي الْإِثْبَاتِ وَارِدَةٌ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ، فَأَجَازَ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ نُحَاةُ الْكُوفَةِ وَالْأَخْفَشُ وَأَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ وَابْنُ جِنِّي، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [النُّور: 43] إِنَّ الْمَعْنَى: يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ جِبَالًا فِيهَا بَرَدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [99] .
فَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّوْكِيدِ بِحَرْفِ مِنْ تَنْزِيلُهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ أَنْبَتَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَنْوَاعٍ حِينَ ادَّعَوُا اسْتِحَالَةَ إِخْرَاجِ النَّاسِ مِنَ الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ جِيءَ بِالتَّوْكِيدِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يُؤْتِ بِالتَّوْكِيدِ فِي آيَةِ سُورَةِ طه. وَلَيْسَتْ مِنْ هُنَا لِلتَّبْعِيضِ إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ.
فَكَلِمَةُ كُلِّ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعْنَى الْكَثْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِها فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [25] ، وَقَوْلِهِ فِيهَا وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْها [الْأَنْعَام: 70] ، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى فِي سُورَةِ طه [53] .
وَفَائِدَةُ التَّكْثِيرِ هُنَا التَّعْرِيضُ بِهِمْ لِقِلَّةِ تَدْبِيرِهِمْ إِذْ عَمُوا عَنْ دَلَائِلَ كَثِيرَةٍ وَاضِحَةٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.
وَالْبَهِيجُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً مُشَبَّهَةً، يُقَالُ: بَهُجَ بِضَمِّ الْهَاءِ، إِذَا حَسُنَ فِي أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ، فَالْبَهِيجُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ [النَّمْل: 60] .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ مُنْبَهَجٌ بِهِ عَلَى الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، أَيْ يُسَرُّ بِهِ النَّاظِرُ، يُقَالُ: بَهَجَهُ مِنْ بَابِ مَنَعَ، إِذَا سَرَّهُ، وَمِنْهُ الِابْتِهَاجُ الْمَسَرَّةُ.
وَهَذَا الْوَصْفُ يُفِيدُ ذِكْرُهُ تَقْوِيَةَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى دِقَّةِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِدْمَاجَ الِامْتِنَانِ
عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لِيَشْكُرُوا النِّعْمَةَ وَلَا يَكْفُرُوهَا بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
(26/289)

تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8)
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [النَّحْل:
5، 6] .
[8]

[سُورَة ق (50) : آيَة 8]
تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8)
مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ لِلْأَفْعَالِ السَّابِقَةِ مِنْ قَوْلِهِ: بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها [ق: 6] وَقَوْلِهِ: مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها [ق: 7] إِلَخْ، عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهَا عَلَى نَحْوٍ مِنْ طَرِيقَةِ التَّنَازُعِ، أَيْ لِيَكُونَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَفْعَالِ وَمَعْمُولَاتِهَا تَبْصِرَةً وَذِكْرَى، أَيْ جَعَلْنَاهُ لِغَرَضِ أَنْ نُبَصِّرَ بِهِ وَنَذْكُرَ كُلَّ عَبْدٍ مُنِيبٍ.
وَحَذَفَ مُتَعَلِّقَ تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِيَعُمَّ كُلَّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُتَبَصَّرَ فِي شَأْنِهِ بِدَلَائِلِ خَلْقِ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا، وَأَهَمُّ ذَلِكَ فِيهِمْ هُوَ التَّوْحِيدُ وَالْبَعْثُ كَمَا هُوَ السِّيَاقُ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا.
وَإِنَّمَا كَانَتِ التَّبْصِرَةُ وَالذِّكْرَى عِلَّةً لِلْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ التَّبْصِرَةَ وَالذِّكْرَى مِنْ جُمْلَةِ الْحِكَمِ الَّتِي أَوْجَدَ اللَّهُ تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَجْلِهَا. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ انْحِصَارَ حِكْمَةِ خَلْقِهَا فِي التَّبْصِرَةِ وَالذِّكْرَى، لِأَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا حِكَمٌ كَثِيرَةٌ عَلِمْنَا. بَعْضَهَا وَخَفِيَ عَلَيْنَا بَعْضٌ.
وَالتَّبْصِرَةُ: مَصْدَرُ بَصَّرَهُ. وَأَصْلُ مَصْدَرِهِ التَّبْصِيرُ، فَحَذَفُوا الْيَاءَ التَّحْتِيَّةَ مِنْ أَثْنَاءِ الْكَلِمَةِ وَعَوَّضُوا عَنْهَا التَّاءَ الْفَوْقِيَّةَ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ كَمَا قَالُوا: جَرَّبَ تَجْرِبَةً وَفَسَّرَ تَفْسِرَةً، وَذَلِكَ يَقِلُّ فِي الْمُضَاعَفِ وَيَكْثُرُ فِي الْمَهْمُوزِ نَحْوَ جَزَّأَ تَجْزِئَةً، وَوَطَّأَ تَوْطِئَةً. وَيَتَعَيَّنُ فِي الْمُعْتَلِّ نَحْوَ: زَكَّى تَزْكِيَةً، وَغَطَّاهُ تَغْطِيَةً.
وَالتَّبْصِيرُ: جَعْلُ الْمَرْءِ مُبْصِرًا وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي إِدْرَاكِ النَّفْسِ إِدْرَاكًا ظَاهِرًا لِلْأَمْرِ الَّذِي كَانَ خَفِيًّا عَنْهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ تُبْصِرْهُ ثُمَّ أَبْصَرَتْهُ.
وَالذِّكْرَى اسْمُ مَصْدَرِ ذَكَرَ، إِذَا جَعَلَهُ يَذْكُرُ مَا نَسِيَهُ. وَأُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى مُرَاجَعَةِ النَّفْسِ مَا عَلِمَتْهُ ثُمَّ غَفَلَتْ عَنْهُ.
وعَبْدٍ بِمَعْنَى عَبْدِ اللَّهِ، أَيْ مَخْلُوقٍ، وَلَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْإِنْسَانِ. وَجَمْعُهُ: عِبَادٌ دُونَ عَبِيدٍ.
(26/290)

وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10)
وَالْمُنِيبُ: الرَّاجِعُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الرَّاجِعُ إِلَى الْحَقِّ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَإِذَا انْحَرَفَ أَوْ شَغَلَهُ
شَاغِلٌ ابْتَدَرَ الرُّجُوعَ إِلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِقَامَةِ وَالِامْتِثَالِ فَلَا يُفَارِقُهُ حَالُ الطَّاعَةِ وَإِذَا فَارَقَهُ قَلِيلًا آبَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. وَإِطْلَاقُ الْمُنِيبِ عَلَى التَّائِبِ وَالْإِنَابَةِ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ تَفَارِيعِ هَذَا الْمَعْنَى، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ فِي سُورَةِ ص [24] .
وَخُصَّ الْعَبْدُ الْمُنِيبُ بِالتَّبْصِرَةِ وَالذِّكْرَى وَإِنْ كَانَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَحْوَالِ الْأَرْضِ إِفَادَةُ التَّبْصِرَةِ وَالذِّكْرَى لِكُلِّ أَحَدٍ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُنِيبَ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ فَكَأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ حِكْمَةِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ. وَهَذَا تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَعْرِيضٌ بِإِهْمَالِ الْكَافِرِينَ التَّبَصُّرَ وَالتَّذَكُّرَ.
وَيُحْمَلُ (كُلِّ) عَلَى حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ مِنَ الْإِحَاطَةِ وَالشُّمُولِ. فَالْمَعْنَى: أَنَّ تِلْكَ الْأَفْعَالَ قُصِدَ مِنْهَا التَّبْصِرَةُ وَالذِّكْرَى لِجَمِيعِ الْعِبَادِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْحَقِّ إِذْ لَا يَخْلُونَ مِنْ تَبَصُّرٍ وَتَذَكُّرٍ بِتِلْكَ الْأَفْعَالِ عَلَى تَفَاوُتٍ بَيْنَهِمْ فِي ذَلِك.
[9، 10]

[سُورَة ق (50) : الْآيَات 9 إِلَى 10]
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10)
بَعْدَ التَّنَظُّرِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّبْصِيرِ فِي صُنْعِ السَّمَاوَاتِ وَصُنْعِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا مِنْ وَقْتِ نَشْأَتِهِمَا نَقَلَ الْكَلَامَ إِلَى التَّذْكِيرِ بِإِيجَادِ آثَارٍ مِنْ آثَارِ تِلْكَ الْمَصْنُوعَاتِ تَتَجَدَّدُ عَلَى مُرُورِ الدَّهْرِ حَيَّةً ثُمَّ تَمُوتُ ثُمَّ تَحْيَا دَأْبًا، وَقَدْ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الْكَلَامِ لِهَذَا الِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهَامِ فِي قَوْلِهِ: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ [ق: 6] إِلَى أُسْلُوبِ الْإِخْبَارِ بِقَوْلِهِ: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُبارَكاً إِيذَانًا بِتَبْدِيلِ الْمُرَادِ لِيَكُونَ مِنْهُ تَخْلُصٌ إِلَى الدَّلَالَةِ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ فِي قَوْلِهِ: كَذلِكَ الْخُرُوجُ [ق: 11] . فَجُمْلَةُ وَنَزَّلْنا عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَالْأَرْضَ مَدَدْناها [الْحجر: 19] .
وَقَدْ ذُكِرَتْ آثَارٌ مِنْ آثَارِ السَّمَاءِ وَآثَارِ الْأَرْضِ عَلَى طَرِيقَةِ النَّشْرِ الْمُرَتَّبِ عَلَى وَفْقِ اللَّفِّ.
وَالْمُبَارَكُ: اسْمُ مَفْعُولٍ لِلَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ الْبَرَكَةُ، أَيْ جُعِلَ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
(26/291)

وَأَفْعَالُ هَذِهِ الْمَادَّةِ كَثِيرَةُ التَّصَرُّفِ وَمُتَنَوِّعَةُ التَّعْلِيقِ. وَالْبَرَكَةُ: الْخَيْرُ النَّافِعُ لِمَا يَتَسَبَّبُ عَلَيْهِ مِنْ إِنْبَاتِ الْحُبُوبِ وَالْأَعْنَابِ وَالنَّخِيلِ. وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْمُبَارَكِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [96] . وَفِي هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِتَفْصِيلِ الْإِنْبَاتِ الَّذِي سَبَقَ إِجْمَالُهُ فِي قَوْلِهِ: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: 7] لِمَا فِيهِ مِنْ سَوْقِ الْعُقُولِ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي دَقِيقِ الصُّنْعِ لِذَلِكَ الْإِنْبَاتِ وَأَنَّ حُصُولَهُ بِهَذَا السَّبَبِ وَعَلَى ذَلِكَ
التَّطَوُّرِ أَعْظَمُ دَلَالَةً عَلَى حِكْمَةِ اللَّهِ وَسَعَةِ عِلْمِهِ مِمَّا لَوْ كَانَ إِنْبَاتُ الْأَزْوَاجِ بِالطَّفْرَةِ، إِذْ تَكُونُ حِينَئِذٍ أَسْبَابُ تَكْوِينِهَا خَفِيَّةً فَإِذَا كَانَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِيهَا، وَمَدُّ الْأَرْضِ وَإِلْقَاءُ الْجِبَالِ فِيهَا دَلَائِلَ عَلَى عَظِيمِ الْقُدْرَةِ الرَّبَّانِيَّةِ لِخَفَاءِ كَيْفِيَّاتِ تَكْوِينِهَا فَإِنَّ ظُهُورَ كَيْفِيَّاتِ التَّكْوِينِ فِي إِنْزَال المَال وَحُصُولِ الْإِنْبَاتِ وَالْإِثْمَارِ دَلَالَةٌ عَلَى عَظِيمِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْجَنَّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ، وَهِيَ مَا شُجِّرَ بِالْكَرْمِ وَأَشْجَارِ الْفَوَاكِهِ وَالنَّخِيلِ.
وَالْحَبُّ: هُوَ مَا يَنْبُتُ فِي الزَّرْعِ الَّذِي يُخْرِجُ سَنَابِلَ تَحْوِي حُبُوبًا مِثْلَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالسُّلْتِ وَالْقَطَانِيِّ مِمَّا تُحْصَدُ أُصُولُهُ لِيُدَقَّ فَيَخْرُجُ مَا فِيهِ مِنَ الْحَبِّ.
وحَبَّ الْحَصِيدِ مَفْعُولُ أَنْبَتْنَا لِأَنَّ الْحَبَّ مِمَّا نَبَتَ تَبَعًا لِنَبَاتِ سُنْبُلِهِ الْمَدْلُولِ عَلَى إِنْبَاتِهِ بِقَوْلِهِ: الْحَصِيدِ إِذْ لَا يُحْصَدُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْبُتَ.
وَالْحَصِيدُ: الزَّرْعُ الْمَحْصُودُ، أَيِ الْمَقْطُوعُ مِنْ جُذُورِهِ لِأَكْلِ حَبِّهِ، فَإِضَافَةُ حَبَّ إِلَى الْحَصِيدِ عَلَى أَصْلِهَا، وَلَيْسَتْ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ. وَفَائِدَةُ ذِكْرِ هَذَا الْوَصْفِ: الْإِشَارَةُ إِلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِ اسْتِحْصَالِ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ مِنْ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ فَإِنَّ الْجَنَّاتِ تُسْتَثْمَرُ وَأُصُولُهَا بَاقِيَةٌ وَالْحُبُوبُ تُسْتَثْمَرُ بَعْدَ حَصْدِ أُصُولِهَا، عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ الْحَصِيدِ مَنَافِعَ لِلْأَنْعَامِ تَأْكُلُهُ بَعْدَ أَخْذِ حَبِّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [النازعات: 33] .
وَخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ تَنَاوُلِ جَنَّاتٍ لَهُ لِأَنَّهُ أَهَمُّ الْأَشْجَارِ عِنْدَهُمْ وَثَمَرَهُ أَكْثَرُ أَقْوَاتِهِمْ، وَلِإِتْبَاعِهِ بِالْأَوْصَافِ لَهُ وَلِطَلْعِهِ مِمَّا يُثِيرُ تَذَكُّرَ بَدِيعَ قَوَامِهِ، وَأَنِيقَ جَمَالِهِ.
(26/292)

رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)
وَالْبَاسِقَاتُ: الطَّوِيلَاتُ فِي ارْتِفَاعٍ، أَيْ عَالِيَاتٌ فَلَا يُقَالُ: بَاسِقٌ لِلطَّوِيلِ الْمُمْتَدِّ عَلَى الْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ شَدَّادٍ: الْبَاسِقَاتُ الطَّوِيلَاتُ مَعَ الِاسْتِقَامَةِ. وَلَمْ أَرَهُ لأحد من أيمة اللُّغَةِ. وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مِنَ الِاسْتِقَامَةِ الِامْتِدَادُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمِلَةِ فِي لُغَةِ جَمِيعِ الْعَرَبِ عَدَا بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ تَمِيمٍ يُبْدِلُونَ السِّينَ صَادًا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: الْأَصْلُ السِّينُ وَإِنَّمَا الصَّادُ بَدَلٌ مِنْهَا لِاسْتِعْلَاءِ الْقَافِ.
وَرَوَى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سمع النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ قَرَأَهَا بِالصَّادِّ
. وَمِثْلُهُ فِي ابْنِ عَطِيَّةَ وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
وَالَّذِي فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» وَغَيْرِهِ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ مَرْوِيَّةٌ بِالسِّينِ. وَمِنَ الْعَجِيبِ
أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قَالَ: وَفِي قِرَاءَةِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاصِقَاتٍ.
وَانْتَصَبَ باسِقاتٍ عَلَى الْحَالِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الْإِيمَاءُ إِلَى بَدِيعِ خِلْقَتِهِ وَجَمَالِ طَلْعَتِهِ اسْتِدْلَالًا وَامْتِنَانًا.
وَالطَّلْعُ: أَوَّلُ مَا يَظْهَرُ مِنْ ثَمَرِ التَّمْرِ، وَهُوَ فِي الْكُفُرَّى، أَيْ غِلَافِ الْعُنْقُودِ.
وَالنَّضِيدُ: الْمَنْضُودُ، أَيِ الْمُصَفَّفُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مَا دَامَ فِي الْكُفُرَى فَإِذَا انْشَقَّ عَنْهُ الْكُفُرَى فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ. فَهُوَ مَعْنَاهُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ قَالَ تَعَالَى: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [الْوَاقِعَة: 29] .
وَزِيَادَةُ هَذِهِ الْحَالِ لِلِازْدِيَادِ مِنَ الصِّفَاتِ النَّاشِئَةِ عَنْ بَدِيعِ الصَّنْعَةِ وَمِنَ الْمِنَّةِ بِمَحَاسِنِ مَنْظَرِ مَا أوتوه.
[11]

[سُورَة ق (50) : آيَة 11]
رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (11)
رِزْقاً لِلْعِبادِ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ لِقَوْلِهِ: فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ [ق: 9] إِلَى آخِرِهِ، فَهُوَ مَصْدَرٌ، أَيْ لِنَرْزُقَ الْعِبَادَ، أَيْ نُقَوِّتَهُمْ. وَالْقَوْلُ فِي التَّعْلِيلِ بِهِ كَالْقَوْلِ فِي التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: تَبْصِرَةً وَذِكْرى [ق:
8] .
وَالْعِبَادُ: النَّاسُ وَهُوَ جَمْعُ عَبْدٍ بِمَعْنَى عَبْدِ اللَّهِ، فَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ فَجَمْعُهُ الْعَبِيدُ.
وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ وَامْتِنَانٌ.
(26/293)

وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً.
عَطْفٌ عَلَى رِزْقاً لِلْعِبادِ عَطْفَ الْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ مِنَ الْفِعْلِ وَهُوَ رِزْقُهُ الْمُشْتَقُّ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى: رِزْقُنَا الْعِبَادَ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا، أَيْ لِرَعْيِ الْأَنْعَامِ وَالْوَحْشِ فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَفِيهِ امْتِنَانٌ. وَالْبَلْدَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الْأَرْضِ.
وَالْمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ: مُرَادِفُ الْمَيِّتِ بِالتَّشْدِيدِ قَالَ تَعَالَى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس: 33] .
وَتَذْكِيرُ الْمَيْتِ وَهُوَ وَصْفٌ لِلْبَلْدَةِ، وَهِيَ مُؤَنَّثٌ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِالْبَلَدِ لِأَنَّهُ مُرَادِفُهُ، وَبِالْمَكَانِ لِأَنَّهُ جِنْسُهُ، شَبَّهَ الْجَدْبَ بِالْمَوْتِ فِي انْعِدَامِ ظُهُورِ الْآثَارِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ ضِدَّهُ وَهُوَ إِنْبَاتُ الْأَرْضِ حَيَاةً. وَيُقَالُ لِخِدْمَةِ الْأَرْضِ الْيَابِسَةِ وَسَقْيِهَا: إِحْيَاءُ مَوَاتٍ.
كَذلِكَ الْخُرُوجُ.
بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلَائِلِ بِصُنْعِ اللَّهِ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ لِأَنَّ خَلْقَ تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ عَدَمٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِعَادَةَ بَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ الضَّعِيفَةِ أَمْكَنُ وَأَهْوَنُ، جِيءَ بِمَا يُفِيدُ تَقْرِيبَ الْبَعْثِ
بِقَوْلِهِ: كَذلِكَ الْخُرُوجُ.
فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْجُمَلُ السَّابِقَةُ فَوَجَبَ انْفِصَالُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَتَكُونُ اسْتِئْنَافًا أَوِ اعْتِرَاضًا فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجِيزُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى مَا ذُكِرَ آنِفًا مِنْ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا، أَيْ كَمَا أَحْيَيْنَا الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ نُحْيِي النَّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَبِلَاهُمْ، مَعَ إِفَادَتِهَا تَعْظِيمَ شَأْنِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، أَيْ مِثْلُ الْبَعْثِ الْعَظِيمِ الْإِبْدَاعُ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْخُرُوجُ لِلْعَهْدِ، أَيْ خُرُوجِ النَّاسِ مِنَ الْأَرْضِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
(26/294)

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14)
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً [المعارج: 43] . فَ الْخُرُوجُ صَارَ كَالْعَلَمِ بِالْغَلَبَةِ عَلَى الْبَعْثِ، وَسَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق: 42] . وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ لِمَا فِي الْخَبَرِ مِنْ دَفْعِ الِاسْتِحَالَةِ وَإِظْهَارِ التَّقْرِيبِ، وَفِيهِ تَشْوِيقٌ لِتَلَقِّي الْمسند إِلَيْهِ.
[12- 14]

[سُورَة ق (50) : الْآيَات 12 إِلَى 14]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14)
اسْتِئْنَاف ابتدائي ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ [ق: 5] فَعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِبِدْعٍ فِي الضَّلَالِ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أُمَمٌ. وَذَكَرَ مِنْهُمْ أَشْهَرَهُمْ فِي الْعَالَمِ وَأَشْهَرَهُمْ بَيْنَ الْعَرَبِ، فَقَوْمُ نُوحٍ أَوَّلُ قَوْمٍ كَذَبُوا رَسُولَهُمْ وَفِرْعَوْنُ كَذَّبَ مُوسَى وَقَوْمُ لُوطٍ كَذَّبُوهُ وَهَؤُلَاءِ مَعْرُوفُونَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الرَّسِّ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ فَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ.
وَذُكِرُوا هُنَا عَقِبَ قَوْمِ نُوحٍ لِلْجَامِعِ الْخَيَالِيِّ بَيْنَ الْقَوْمَيْنِ وَهُوَ جَامِعُ التَّضَادِّ لِأَنَّ عَذَابَهُمْ كَانَ ضِدَّ عَذَابِ قَوْمِ نُوحٍ إِذْ كَانَ عَذَابُهُمْ بِالْخَسْفِ وَعَذَابُ قَوْمِ نُوحٍ بِالْغَرَقِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثَمُودَ لِشَبَهِ عَذَابِهِمْ بِعَذَابِ أَصْحَابِ الرَّسِّ إِذْ كَانَ عَذَابُهُمْ بِرَجْفَةِ الْأَرْضِ وَصَوَاعِقِ السَّمَاءِ، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ مِنْ بَقَايَا ثَمُودَ، ثُمَّ ذُكِرَتْ عَادٌ لِأَنَّ عَذَابَهَا كَانَ بِحَادِثٍ فِي الْجَوِّ وَهُوَ الرِّيحُ، ثُمَّ ذُكِرَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا أَشْهَرَ الرُّسُلِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ وَهُمْ مِنْ خُلَطَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَعَبَّرَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ بِ إِخْوانُ لُوطٍ وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ قَبِيلِهِ، فَالْمُرَادُ بِ إِخْوانُ أَنَّهُمْ مُلَازِمُونَ وَهُمْ أَهْلُ سَدُومَ وَعَمُّورَةَ وَقُرَاهُمَا وَكَانَ لُوطٌ سَاكِنًا فِي سَدُومَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ نَسَبِهِمْ لِأَنَّ أَهْلَ سَدُومَ كَنْعَانِيُّونَ وَلُوطًا عِبْرَانِيٌّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [161] . وَذُكِرَ قَوْمُ تُبَّعٍ وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَلَمْ يَكُنِ الْعَرَبُ يَعُدُّونَهُمْ عَرَبًا.
(26/295)

وَهَذِهِ الْأُمَمُ أَصَابَهَا عَذَابٌ شَدِيدٌ فِي الدُّنْيَا عِقَابًا عَلَى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ. وَالْمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ لِقَوْمِهِ الْمُكَذِّبِينَ أَنْ يَحُلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِأُولَئِكَ.
وَالرَّسُّ: يُطْلَقُ اسْمًا لِلْبِئْرِ غَيْرِ الْمَطْوِيَّةِ وَيُطْلَقُ مَصْدَرًا لِلدَّفْنِ وَالدَّسِّ. وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِهِ هُنَا. وأَصْحابُ الرَّسِّ قَوْمٌ عُرِفُوا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الرَّسِّ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ إِضَافَتَهُمْ إِلَى الرَّسِّ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى مَوْطِنِهِ مِثْلَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ، وأَصْحابُ الْحِجْرِ [الْحِجْرِ: 80] وأَصْحابَ الْقَرْيَةِ [يس: 13] . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِضَافَةً إِلَى حَدَثٍ حَلَّ بِهِمْ مِثْلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ [البروج: 4] . وَفِي تَعْيِينِ أَصْحابُ الرَّسِّ أَقْوَالٌ ثَمَانِيَةٌ أَوْ تِسْعَةٌ وَبَعْضُهَا مُتَدَاخِلٌ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إِضَافَةَ أَصْحابُ إِلَى الرَّسِّ مِنْ إِضَافَةِ اسْمٍ إِلَى حَدَثٍ حَدَثَ فِيهِ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ عُوقِبُوا بِخَسْفٍ فِي الْأَرْضِ فَوَقَعُوا فِي مِثْلِ الْبِئْرِ. وَقِيلَ: هُوَ بِئْرٌ أَلْقَى أَصْحَابُهُ فِيهِ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوَانَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ حَيًّا فَهُوَ إِذَنْ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ وَقِيلَ هُوَ فَلَجٌ مِنْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَصْحَابِ الرَّسِّ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ [38] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ.
وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ هُمْ مِنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ. وَقَوْمُ تُبَّعٍ هُمْ حِمْيَرُ مِنْ عَرَبِ الْيَمَنِ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ.
وَجُمْلَةُ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ إِلَى آخِرِهَا، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ وَلَمْ تُعْطَفْ، وَلِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: فَحَقَّ وَعِيدِ فَيكون تهديد بِأَنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدُ كَمَا حَقَّ عَلَى أُولَئِكَ مُرَتَّبًا بِالْفَاءِ عَلَى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ تشريف للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلرُّسُلِ السَّابِقِينَ.
(26/296)

أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)
وَتَنْوِينُ كُلٌّ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ كلّ أُولَئِكَ. وفَحَقَّ صَدَقَ وَتَحَقَّقَ.
وَالْوَعِيدُ: الْإِنْذَارُ بِالْعُقُوبَةِ وَاقْتَضَى الْإِخْبَار عَنهُ بِحَق أَنَّ اللَّهَ تَوَعَدَهُمْ بِهِ فَلم يعبأوا
وَكَذَّبُوا وُقُوعَهُ فَحَقَّ وَصَدَقَ. وَحُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ الَّتِي أُضِيفَ إِلَيْهَا وَعِيدِ لِلرَّعْيِ عَلَى الْفَاصِلَةِ وَهُوَ كثير.
[15]

[سُورَة ق (50) : آيَة 15]
أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)
تُشِيرُ فَاءُ التَّفْرِيعِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُفَرَّعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ جُمْلَةُ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها [ق: 6] وَقَوْلُهُ: تَبْصِرَةً وَذِكْرى [ق: 8] الْمُعَرِّضُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَصَّرُوا بِهِ وَلَمْ يَتَذَكَّرُوا. وَقَوْلُهُ: فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ [ق: 9] وَقَوْلُهُ: وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ [ق: 11] .
وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِهِ: كَذلِكَ الْخُرُوجُ.
وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُفَرَّعُ بِالْفَاءِ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَتَغْلِيطٍ لِأَنَّهُمْ لَا يَسَعُهُمْ إِلَّا الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْيَ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ إِذْ لَا يُنْكِرُ عَاقِلٌ كَمَالَ قُدْرَةِ الْخَالِقِ وَعدم عَجزه.
وفَعَيِينا مَعْنَاهُ عَجَزْنَا، وَفِعْلُ (عَيَّ) إِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ ضَمِيرٌ يُقَالُ مُدْغَمًا وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَيُقَالُ: عَيِيَ بِالْفَكِّ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرٌ تَعَيَّنَ الْفَكُّ. وَمَعْنَاهُ: عَجَزَ عَنْ إِتْقَانِ فِعْلٍ وَلَمْ يَهْتَدِ لِحِيلَتِهِ. وَيُعَدَّى بِالْبَاءِ يُقَالُ: عَيِيَ بِالْأَمْرِ وَالْبَاءُ فِيهِ لِلْمُجَاوَزَةِ. وَأَمَّا أَعْيَا بِالْهَمْزَةِ فِي أَوَّلِهِ قَاصِرًا فَهُوَ لِلتَّعَبِ بِمَشْيٍ أَوْ حَمْلِ ثِقَلٍ وَهُوَ فِعْلٌ قَاصِرٌ لَا يُعَدَّى بِالْبَاءِ. فَالْمَعْنَى: مَا عَجَزْنَا عَنِ الْخَلْقِ الْأَوَّلِ للْإنْسَان فَكيف تعجز عَنْ إِعَادَةِ خَلْقِهِ.
وبَلْ فِي قَوْلِهِ: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ لِلْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ عَنِ
(26/297)

الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، أَيْ بَلْ مَا عَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ، أَيْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْخَلْقَ الْأَوَّلَ لِلْأَشْيَاءِ أَعْظَمُ مِنْ إِعَادَةِ خَلْقِ الْأَمْوَاتِ وَلَكِنَّهُمْ تَمَكَّنَ مِنْهُمُ اللَّبْسُ الشَّدِيدُ فَأَغْشَى إِدْرَاكَهُمْ عَنْ دَلَائِلِ الْإِمْكَانِ فَأَحَالُوهُ، فَالْإِضْرَابُ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْإِبْطَالِ.
وَاللَّبْسُ: الْخَلْطُ لِلْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الْحَقَائِقِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ تَمْيِيزُ مُخْتَلِفَاتِهَا بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ. وَالْمُرَادُ مِنْهُ اشْتِبَاهُ الْمَأْلُوفِ الْمُعْتَادِ الَّذِي لَا يعْرفُونَ غير بِالْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي لَا يَجُوزُ انْتِفَاؤُهُ، فَإِنَّهُمُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى وَهُوَ مُمْكِنٌ عَقْلًا بِالْأَمْرِ الْمُسْتَحِيلِ فِي الْعَقْلِ فَجَزَمُوا بِنَفْيِ إِمْكَانِهِ فَنَفَوْهُ، وَتركُوا الْقيَاس بِأَن مَنْ قَدِرَ عَلَى إِنْشَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا هُوَ عَلَى إِعَادَةِ مَا كَانَ مَوْجُودًا أَقْدَرَ.
وَجِيءَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ: هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ
هَذَا الْحُكْمِ لَهُمْ وَأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ نُفُوسِهِمْ لَا يُفَارِقُهُمُ الْبَتَّةَ، وَلِيَتَأَتَّى اجْتِلَابُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ فِي الْخَبَرِ فَيَدُلُّ عَلَى انْغِمَاسِهِمْ فِي هَذَا اللَّبْسِ وَإِحَاطَتِهِ بِهِمْ إِحَاطَةَ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ.
ومِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ابْتِدَائِيَّةٌ وَهِيَ صِفَةٌ لِ لَبْسٍ، أَيْ لَبْسٍ وَاصِلٍ إِلَيْهِمْ وَمُنْجَرٍّ عَنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ، أَيْ مِنْ لَبْسٍ مِنَ التَّصْدِيقِ بِهِ.
وَتَنْكِيرُ لَبْسٍ لِلنَّوْعِيَّةِ وَتَنْكِيرُ خَلْقٍ جَدِيدٍ كَذَلِكَ، أَيْ مَا هُوَ إِلَّا خَلْقٌ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَقَعُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا وَجَّهَ إِحَالَتَهُ وَلِتَنْكِيرِهِ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ بِ جَدِيدٍ.
وَالْجَدِيدُ: الشَّيْءُ الَّذِي فِي أَوَّلِ أَزْمَانِ وُجُودِهِ.
وَفِي هَذَا الْوَصْفِ تَوَرُّكٌ عَلَيْهِمْ وَتَحْمِيقٌ لَهُمْ مِنْ إِحَالَتِهِمُ الْبَعْثَ، أَيِ اجْعَلُوهُ خَلْقًا جَدِيدًا كَالْخَلْقِ الْأَوَّلِ، وَأَيُّ فَارِقٍ بَيْنَهُمَا.
وَفِي تَسْمِيَةِ إِعَادَةِ النَّاسِ لِلْبَعْثِ بِاسْمِ الْخَلْقِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهَا إِعَادَةٌ بَعْدَ عَدَمِ الْأَجْزَاءِ لَا جَمْعٌ لِمُتَفَرِّقِهَا، وَقَدْ مَضَّى الْقَوْلُ فِيهِ فِي أول السُّورَة.
(26/298)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)
[سُورَة ق (50) : آيَة 16]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)
هَذَا تَفْصِيلٌ لِبَعْضِ الْخَلْقِ الْأَوَّلِ بِذِكْرِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ أَهَمُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنَ الْخَلْقِ الْأَوَّلِ وَلِيُبْنَى عَلَيْهِ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ الَّذِي هُوَ تَتْمِيمٌ لِإِحَاطَةِ صِفَةِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ: قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ [ق: 4] ولينتقل مِنْهُ الْإِنْذَارُ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا وَهُوَ مَا اسْتَرْسَلَ فِي وَصْفِهِ مِنْ قَوْلِهِ: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ [ق: 17] إِلَخْ.
وَوَصَفَ الْبَعْثَ وَصْفَ الْجَزَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَدَيْنا مَزِيدٌ [ق: 20- 35] .
وَتَأْكِيدُ هَذَا الْخَبَرِ بِاللَّامِ وَ (قَدْ) مُرَاعًى فِيهِ الْمُتَعَاطِفَاتُ وَهِيَ نَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ النَّاسَ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأَحْوَالِهِمْ.
والْإِنْسانَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمْ أَوَّلًا الْمُشْرِكُونَ لِأَنَّهُمُ الْمَسُوقُ إِلَيْهِمْ هَذَا الْخَبَرُ، وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِالْإِنْذَارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
[ق: 19] وَقَوْلُهُ: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا [ق: 22] وَقَوْلُهُ: ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق:
20] .
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِهِ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدُ الصِّلَةِ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا تَتَكَلَّمُهُ نَفْسُهُ عَلَى طَريقَة وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [الْمَائِدَة: 6] .
وَفَائِدَةُ الْإِخْبَارِ بِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُ كُلِّ إِنْسَانٍ التَّنْبِيهُ عَلَى سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَحْوَالِهِمْ كُلِّهَا فَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ حَدِيثَ النَّفْسِ فَلَا عَجَبَ أَنْ يَعْلَمَ مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ.
وَالْإِخْبَارُ عَنْ فِعْلِ الْخَلْقِ بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْ عِلْمِ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ النَّفْسُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فَلِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ تَعَالَى بِالْوَسْوَسَةِ مُتَجَدِّدٌ غَيْرُ مُنْقَضٍ وَلَا مَحْدُودٍ لِإِثْبَاتِ عُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْكِنَايَةُ عَنِ التَّحْذِيرِ مِنْ إِضْمَارِ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ.
(26/299)

وَجُمْلَةُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ وَنَعْلَمُ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا تَأْكِيدُ عَامِلِهَا وَتَحْقِيقُ اسْتِمْرَارِ الْعِلْمِ بِبَاطِنِ الْإِنْسَانِ، وَمَعْنَى تُوَسْوِسُ تَتَكَلَّمُ كَلَامًا خَفِيًّا هَمْسًا. وَمَصْدَرُهُ الْوَسْوَاسُ وَالْوَسْوَسَةُ أُطْلِقَتْ هُنَا مَجَازًا عَلَى مَا يَجُولُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْخَوَاطِرِ وَالتَّقْدِيرَاتِ وَالْعَزَائِمِ لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ أَقْرَبُ شَيْءٍ تُشَبَّهُ بِهِ تِلْكَ الْخَوَاطِرُ وَأَحْسَنُ مَا يُسْتَعَارُ لَهَا لِأَنَّهَا تَجْمَعُ مُخْتَلِفَ أَحْوَالِ مَا يَجُولُ فِي الْعَقْلِ مِنَ التَّقَادِيرِ وَمَا عَدَاهَا مِنْ نَحْوِ أَلْفَاظِ التَّوَهُّمِ وَالتَّفَكُّرِ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ أَحْوَالِ الْخَوَاطِرِ دُونَ بَعْضٍ.
وَالْحَبْلُ: هُنَا وَاحِدُ حِبَالِ الْجِسْمِ. وَهِيَ الْعُرُوقُ الْغَلِيظَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي الطِّبِّ بِالشَّرَايِينِ، وَاحِدُهَا: شَرْيَانٌ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتُكْسَرُ وَبِسُكُونِ الرَّاءِ وَتُعْرَفُ بِالْعُرُوقِ الضَّوَارِبِ وَمَنْبَتُهَا مِنَ التَّجْوِيفِ الْأَيْسَرِ مِنْ تَجْوِيفَيِ الْقَلْبِ. وَلِلشَّرَايِينِ عَمَلٌ كَثِيرٌ فِي حَيَاةِ الْجِسْمِ لِأَنَّهَا الَّتِي تُوصِلُ الدَّمَ مِنَ الْقَلْبِ إِلَى أَهَمِّ الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسِيَّةِ مِثْلَ الرِّئَةِ وَالدِّمَاغِ وَالنُّخَاعِ وَالْكُلْيَتَيْنِ وَالْمَعِدَةِ وَالْأَمْعَاءِ. وَلِلشَّرَايِينِ أَسْمَاءٌ بِاعْتِبَارِ مَصَابِّهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسِيَّةِ.
وَالْوَرِيدُ: وَاحِدٌ مِنَ الشَّرَايِينِ وَهُوَ ثَانِي شَرْيَانَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنَ التَّجْوِيفِ الْأَيْسَرِ مِنَ الْقَلْبِ. وَاسْمُهُ فِي علم الطّلب أَوُرْطِيٌّ وَيَتَشَعَّبُ إِلَى ثَلَاثِ شُعَبٍ ثَالِثَتُهُمَا تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ أَكْبَرَ وَقِسْمٍ أَصْغَر. وَهَذَا الْأَصْغَر يَخْرُجُ مِنْهُ شَرْيَانَانِ يُسَمَّيَانِ السُّبَاتِيَّ وَيَصْعَدَانِ يَمِينًا
وَيَسَارًا مَعَ الْوَدَجَيْنِ، وَكُلُّ هَذِه الْأَقْسَام تسمى الْوَرِيدَ. وَفِي الْجَسَدِ وَرِيدَانِ وَهُمَا عِرْقَانِ يَكْتَنِفَانِ صَفْحَتَيِ الْعُنُقِ فِي مُقَدَّمِهِمَا مُتَّصِلَانِ بِالْوَتِينِ يَرِدَانِ مِنَ الرَّأْسِ إِلَيْهِ.
وَقَدْ تَخْتَلِفُ أَسْمَاءُ أَجْزَائِهِ بِاخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا مِنَ الْجَسَدِ فَهُوَ فِي الْعُنُقِ يُسَمَّى الْوَرِيدَ، وَفِي الْقَلْبِ يُسَمَّى الْوَتِينَ، وَفِي الظَّهْرِ يُسَمَّى الْأَبْهَرَ، وَفِي الذِّرَاعِ وَالْفَخِذِ يُسَمُّونَهُ الْأَكْحَلَ وَالنَّسَا، وَفِي الْخِنْصَرِ يُدْعَى الْأَسْلَمَ.
وَإِضَافَةُ حَبْلِ إِلَى الْوَرِيدِ بَيَانِيَّةٌ، أَيِ الْحَبَلُ الَّذِي هُوَ الْوَرِيدُ، فَإِنَّ إِضَافَةَ الْأَعَمِّ إِلَى الْأَخَصِّ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْكَلَامِ كَانَتْ إِضَافَةً بَيَانِيَّةً كَقَوْلِهِمْ: شَجَرُ الْأَرَاكِ.
(26/300)

إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)
وَالْقُرْبُ هُنَا كِنَايَةُ عَنْ إِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِالْحَالِ لِأَنَّ الْقُرْبَ يَسْتَلْزِمُ الِاطِّلَاعَ، وَلَيْسَ هُوَ قُرْبًا بِالْمَكَانِ بِقَرِينَةِ الْمُشَاهَدَةِ فَآلَ الْكَلَامُ إِلَى التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ تَشْبِيهِ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، وَهَذَا مِنْ بِنَاءِ التَّشْبِيهِ عَلَى الْكِنَايَةِ بِمَنْزِلَةِ بِنَاءِ الْمَجَازِ عَلَى الْمَجَازِ.
وَمِنْ لَطَائِفِ هَذَا التَّمْثِيلِ أَنَّ حَبْلَ الْوَرِيدِ مَعَ قُرْبِهِ لَا يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ بِقُرْبِهِ لِخَفَائِهِ، وَكَذَلِكَ قُرْبُ اللَّهِ مِنَ الْإِنْسَانِ بِعِلْمِهِ قُرْبٌ لَا يَشْعُرُ بِهِ الْإِنْسَانُ فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ تَمْثِيلُ هَذَا الْقُرْبِ بِقُرْبِ حَبْلِ الْوَرِيدِ. وَبِذَلِكَ فَاقَ هَذَا التَّشْبِيهُ لِحَالَةِ الْقُرْبِ كُلَّ تَشْبِيهٍ مِنْ نَوْعِهِ وَرَدَ فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ. مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هُوَ مِنْهُ مِقْعَدُ الْقَابِلَةِ وَمُعَقَّدَ الْإِزَارِ، وَقَوْلُ زُهَيْرٍ:
فَهُنَّ وَوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَمِ وَقَوْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ سَيَّارٍ وَهُوَ حَنْظَلَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَيَّارٍ الْعِجْلِيِّ مُخَضْرَمٌ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصْبِحٍ فِي إِهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاك نَعله
[17، 18]

[سُورَة ق (50) : الْآيَات 17 إِلَى 18]
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)
يَتَعَلَّقُ إِذْ بقوله أَقْرَبُ [ق: 16] لِأَنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ يَعْمَلُ فِي الظَّرْفِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْمَلُ فِي الْفَاعِلِ وَلَا فِي الْمَفْعُولِ بِهِ وَاللُّغَةُ تَتَوَسَّعُ فِي الظُّرُوفِ وَالْمَجْرُورَاتِ مَا لَا تَتَوَسَّعُ فِي غَيْرِهَا، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَشْهُورَةٌ ثَابِتَةٌ وَالْكَلَامُ تَخَلُّصٌ لِلْمَوْعِظَةِ وَالتَّهْدِيدِ بِالْجَزَاءِ يَوْمَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ مِنْ إِحْصَاءِ الْأَعْمَالِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا الْمَعْلُومَةِ مِنْ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الْقُرْآنِ. وَهَذَا التَّخَلُّصُ بِكَلِمَةِ إِذْ الدَّالَّةِ عَلَى الزَّمَانِ مِنْ أَلْطَفِ التَّخَلُّصِ.
وَتَعْرِيفُ الْمُتَلَقِّيانِ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ إِذَا كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بعد آيَات ذكر فِيهَا الْحَفَظَةُ،
أَوْ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَالتَّثْنِيَةُ فِيهَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ مُقَسَّمٌ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.
وَالتَّلَقِّي: أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ يَدِ مُعْطِيهِ. اسْتُعِيرَ لِتَسْجِيلِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ حِينَ صُدُورِهَا مِنَ النَّاسِ.
(26/301)

وَحُذِفَ مَفْعُولُ يَتَلَقَّى لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وَالتَّقْدِير: إِذْ تُحْصَى أَقْوَالُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ. فَيُؤْخَذُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يُحْصِيَانِ أَعْمَالَهُ وَأَنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ مِنْ جِهَةِ شِمَالِهِ. وَوَرْدَ فِي السُّنَّةِ بِأَسَانِيدَ مَقْبُولَةٍ: أَنَّ الَّذِي يكون عَن الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَالَّذِي عَنِ الشِّمَالِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ وَوَرَدَ أَنَّهُمَا يُلَازِمَانِ الْإِنْسَانَ مِنْ وَقْتِ تَكْلِيفِهِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ.
وَقَوْلُهُ: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَعِيدٌ بَدَلًا مِنَ الْمُتَلَقِّيانِ بَدَلَ بَعْضٍ، وعَنِ الْيَمِينِ مُتَعَلِّقٌ بِ قَعِيدٌ، وَقُدِّمَ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الْإِحَاطَةِ بِجَانِبَيْهِ وَلِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَنِ الْيَمِينِ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وقَعِيدٌ مُبْتَدَأً وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ بَيَانًا لِجُمْلَةِ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ.
وَعُطِفَ قَوْلُهُ: وَعَنِ الشِّمالِ عَلَى جُمْلَةِ يَتَلَقَّى وَلَيْسَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: عَنِ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ الْقَعِيدَ قَعِيدٌ فِي الْجِهَتَيْنِ، بَلْ كُلٌّ مِنَ الْجِهَتَيْنِ قَعِيدٌ مُسْتَقِلٌّ بِهَا. وَالتَّقْدِيرُ: عَنِ الْيَمِينِ قَعِيدٌ، وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ آخَرُ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْيَمِينِ والشِّمالِ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ أَوِ اللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ عَنْ يَمِينِ الْإِنْسَانِ وَعَنْ شِمَالِهِ.
وَالْقَعِيدُ: الْمُقَاعِدُ مِثْلُ الْجَلِيسِ لِلْمُجَالِسِ، وَالْأَكِيلِ لِلْمُؤَاكِلِ، وَالشَّرِيبِ لِلْمُشَارِبِ، وَالْخَلِيطُ لِلْمُخَالِطِ. وَالْغَالِبُ فِي فَعِيلٍ أَنْ يَكُونَ إِمَّا بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَإِمَّا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْمُفَاعَلَةِ مَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعًا، جَازَ مَجِيءُ فَعِيلٍ مِنْهُ بِأَحَدِ الِاعْتِبَارَيْنِ تَعْوِيلًا عَلَى الْقَرِينَةِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ قَعِيدَتُهُ. وَالْقَعِيدُ مُسْتَعَارٌ لِلْمُلَازِمِ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ كَمَا أَطْلَقُوا الْقَعِيدَ عَلَى الْحَافِظِ لِأَنَّهُ يُلَازِمُ الشَّيْءَ الْمُوَكَّلَ بِحِفْظِهِ.
وَجُمْلَةُ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَخ مبينَة لجملة يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ.
وَمَا نَافِيَةٌ وَضَمِيرُ يَلْفِظُ عَائِدٌ لِلْإِنْسَانِ.
(26/302)

وَاللَّفْظُ: النُّطْقُ بِكَلِمَةٍ دَالَّةٍ عَلَى مَعْنًى وَلَوْ جُزْءِ مَعْنًى، بِخِلَافِ الْقَوْلِ فَهُوَ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ مَعْنًى.
ومِنْ زَائِدَةٌ فِي مَفْعُولِ الْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ. وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي
قَوْلِهِ: إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَحْوَالٍ عَامَّةٍ، أَيْ مَا يَقُولُ قَوْلًا فِي حَالَةٍ إِلَّا فِي حَالَةِ وُجُودِ رَقِيبٍ عَتِيدٍ لَدَيْهِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْعُمُومَ مُرَادٌ بِهِ الْخُصُوصُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ لِأَنَّ الْمُرَاقَبَةَ هُنَا تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي الْأَقْوَالِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لِيَكُونَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ فَلَا يَكْتُبُ الْحَفَظَةُ إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ صَلَاحُ الْإِنْسَانِ أَوْ فَسَادُهُ إِذْ لَا حِكْمَةَ فِي كِتَابَةِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَكْتُبُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَكْتُبَانِ كُلَّ مَا صَدَرَ مِنَ الْعَبْدِ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ: حَتَّى أَنِينَهُ فِي مَرَضِهِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. وَإِنَّمَا خُصَّ الْقَوْلُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ابْتِدَاءً مِنْ هَذَا التَّحْذِيرِ الْمُشْرِكُونَ وَإِنَّمَا كَانُوا يُؤَاخَذُونَ بِأَقْوَالِهِمُ الدَّالَّةِ عَلَى الشِّرْكِ أَوْ عَلَى تَكْذِيب النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَذَاهُ وَلَا يُؤَاخَذُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ إِذْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِالْأَعْمَالِ فِي حَالِ إِشْرَاكِهِمْ.
وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الَّتِي هِيَ مِنْ أَثَرِ الشِّرْكِ كَالتَّطْوَافِ بِالصَّنَمِ، أَوْ مِنْ أَثَرِ أَذَى النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَإِلْقَاءِ سَلَا الْجُذُورِ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهُمْ مُؤَاخَذُونَ بِهِ فِي ضِمْنِ أَقْوَالِهِمْ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَفْعَالَ لَا تَخْلُو مِنْ مُصَاحَبَةِ أَقْوَالٍ مُؤَاخَذٍ عَلَيْهَا بِمِقْدَارِ مَا صَاحَبَهَا.
وَلِأَنَّ مِنَ الْأَقْوَالِ السَّيِّئَةِ مَا لَهُ أَثَرٌ شَدِيدٌ فِي الْإِضْلَالِ كَالدُّعَاءِ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَنَهْيِ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَتَرْوِيجِ الْبَاطِلِ بِإِلْقَاءِ الشُّبَهِ، وَتَغْرِيرِ الْأَغْرَارِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ
قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»
، عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَى الْأَعْمَالِ أَوْلَى مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْأَقْوَالِ وَتِلْكَ الدَّلَالَةُ كَافِيَةٌ فِي تَذْكِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَجُمْلَةُ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَضَمِيرُ لَدَيْهِ عَائِدٌ إِلَى الْإِنْسانَ [ق: 16] ، وَالْمَعْنَى: لَدَى لَفْظِهِ بِقَوْلِهِ.
(26/303)

وَ (عَتِيدٌ) فَعِيلٌ مِنْ عَتَدَ بِمَعْنَى هَيَّأَ، وَالتَّاءُ مُبَدَّلَةٌ مِنَ الدَّالِ الْأَوَّلِ إِذْ أَصْلُهُ عَدِيدٌ، أَيْ مُعَدٌّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يُوسُف: 31] . وَعِنْدِي أَنَّ عَتِيدٌ هُنَا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ (عَتُدَ) بِضَمِّ التَّاءِ إِذَا جَسُمَ وَضَخُمَ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِهِ شَدِيدًا وَبِهَذَا يَحْصُلُ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ الْآتِي هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق: 23] وَيَحْصُلُ مُحَسِّنُ الْجِنَاسِ التَّامِّ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ.
وَقَدْ تَوَاطَأَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى تَفْسِيرِ التَّلَقِّي فِي قَوْلِهِ: الْمُتَلَقِّيانِ بِأَنَّهُ تَلَقِّي الْأَعْمَالِ لِأَجْلِ كَتْبِهَا فِي الصَّحَائِفِ لِإِحْضَارِهَا لِلْحِسَابِ وَكَانَ تَفْسِيرًا حَائِمًا حَوْلَ جَعْلِ الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ لِفِعْلٍ يَتَلَقَّى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ بِدَلَالَتِهِ الظَّاهِرَةِ أَوْ بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ. فَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُمْ: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَمَلَ الْإِنْسَانِ وَقَوْلَهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى تَقْدِيرِهِمْ مُنْفَصِلَةً عَنْ جُمْلَةٍ وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: 19] كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
وَلِفَخْرِ الدِّينِ مَعْنًى دَقِيقٌ فَبَعْدَ أَنْ أَجْمَلَ تَفْسِيرَ الْآيَةِ بِمَا يُسَايِرُ تَفْسِيرَ الْجُمْهُورِ قَالَ:
«وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ التَّلَقِّي الِاسْتِقْبَالُ، يُقَالُ: فُلَانٌ تَلَقَّى الرَّكْبَ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مَعْنَاهُ: وَقْتَ مَا يَتَلَقَّاهُ الْمُتَلَقِّيَانِ يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ قَعِيدٌ، فَالْمُتَلَقِّيَانِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هُمَا الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ يَأْخُذَانِ رُوحَهُ مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ أَحَدُهُمَا يَأْخُذُ أَرْوَاحَ الصَّالِحِينَ وَيَنْقُلُهَا إِلَى السُّرُورِ وَالْآخَرُ يَأْخُذُ أَرْوَاحَ الطَّالِحِينَ وَيَنْقُلُهَا إِلَى الْوَيْلِ وَالثُّبُورِ إِلَى يَوْمِ النُّشُورِ، أَيْ وَقْتِ تَلَقِّيهِمَا وَسُؤَالِهِمَا أَنَّهُ مِنْ أَيِ الْقَبِيلَيْنِ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَعِيدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَقَعِيدٌ عَنِ الشِّمَالِ مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، وَعِنْدَهُ مَلَكَانِ آخَرَانِ كَاتِبَانِ لِأَعْمَالِهِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: 21] . فَالشَّهِيدُ هُوَ الْقَعِيدُ وَالسَّائِقُ هُوَ الْمُتَلَقِّي يَتَلَقَّى رُوحَهُ مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ فَيَسُوقُهُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَقْتَ الْإِعَادَةِ، وَهَذَا أَعْرَفُ الْوَجْهَيْنِ وَأَقَرَبُهُمَا إِلَى الْفَهْمِ» اهـ.
وَكَأَنَّهُ يَنْحُو بِهِ مَنْحَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الْوَاقِعَة: 83- 85] . وَلَا نُوقِفُ فِي سَدَادِ هَذَا التَّفْسِيرِ إِلَّا عَلَى ثُبُوتِ وُجُودِ مَلَكَيْنِ يَتَسَلَّمَانِ رُوحَ الْمَيِّتِ مِنْ يَدِ مَلَكِ الْمَوْتِ عِنْدَ قَبْضِهَا وَيَجْعَلَانِهَا فِي الْمَقَرِّ الْمُنَاسِبِ لِحَالِهَا. وَالْمَظْنُونُ بِفَخْرِ الدِّينِ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ
(26/304)

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)
الْقُرْطُبِيُّ فِي «التَّذْكِرَةِ» عَنْ «مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ» عَنِ الْبَرَاءِ.
وَعَنْ كِتَابِ «النَّسَائِيِّ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا حُضِرَ الْمَيِّتُ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ يَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ رَاضٍ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَإِذَا قَبَضَهُ الْملك لم يدعوها فِي يَدِهِ طَرْفَةً فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ فَتَعْرُجُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ بَابَ السَّمَاءِ»
. وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَّا أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَلَائِكَةً جَمْعًا وَفِي الْآيَةِ الْمُتَلَقِّيانِ تَثْنِيَةً.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مَفْعُولُ يَتَلَقَّى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وَجاءَتْ سَكْرَةُ
الْمَوْتِ. وَالتَّقْدِيرُ: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ رُوحَ الْإِنْسَانِ. وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ فِي قَوْلِهِ: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِوَضًا عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ عَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا قَعِيدٌ، وَهُوَ عَلَى التَّوْزِيعِ، أَيْ عَنْ يَمِينِ أَحَدِهِمَا وَعَنْ شِمَالِ الْآخَرِ. وَيَكُونُ قَعِيدٌ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى:
قَعِيدَانِ فَإِنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ قَدْ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مفعول، كَقَوْل الأرزق بْنِ طَرَفَةَ:
رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيئًا وَمِنْ أَجْلِ الطَّوِيِّ رَمَانِي
وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا تَصْدُرُ مِنْهُ أَفْعَالٌ لِعَجْزِهِ فَلَا يَصْدُرُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا أَقْوَالٌ مِنْ تَضَجُّرٍ أَوْ أَنِينٍ أَوْ شَهَادَةٍ بِالتَّوْحِيدِ، أَوْ ضِدِّهَا، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَصَايَا والإقرارات.
[19]

[سُورَة ق (50) : آيَة 19]
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16] لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ. فَهَذَا تَنَقُّلٌ فِي مَرَاحِلِ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ لِلْإِنْسَانِ الَّتِي تُسَلِّمُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى آخَرَ حَتَّى يَقَعَ فِي الْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِ الَّتِي قَدْ أَحْصَاهَا الْحَفِيظَانِ.
وَإِنَّمَا خُولِفَ التَّعْبِيرُ فِي الْمَعْطُوفِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي دُونَ صِيغَةِ الْمُضَارِعِ الَّتِي صِيغَ بِهَا الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لِقُرْبِهِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا حَصَلَ قَصْدًا لِإِدْخَالِ الرَّوْعِ فِي نُفُوسِ
(26/305)

الْمُشْرِكِينَ كَمَا اسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ: ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الْجُمُعَة: 8] .
وَيَأْتِي على مَا اخْتَارَهُ الْفَخْرُ فِي تَفْسِيرِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ [ق: 17] الْآيَةَ أَن تكون جملَة وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ إِلَخْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَقَدْ جَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ حِينَئِذٍ.
وَالْمَجِيءُ مَجَازٌ فِي الْحُصُولِ وَالِاعْتِرَاءِ وَفِي هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ تَهْوِيلٌ لِحَالَةِ احْتِضَارِ الْإِنْسَانِ وَشُعُورِهِ بِأَنَّهُ مُفَارِقُ الْحَيَاةَ الَّتِي أَلِفَهَا وَتَعَلَّقَ بِهَا قَلْبُهُ.
وَالسَّكْرَةُ: اسْمٌ لِمَا يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ أَلَمٍ أَوِ اخْتِلَالٍ فِي الْمِزَاجِ يَحْجُبُ مِنْ إِدْرَاكِ الْعَقْلِ فَيَخْتَلُّ الْإِدْرَاكُ وَيَعْتَرِي الْعَقْلَ غَيْبُوبَةٌ. وَهِيَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّكْرِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ الْغَلْقُ لِأَنَّهُ يُغْلِقُ الْعَقْلَ وَمِنْهُ جَاءَ وَصْفُ السَّكْرَانِ.
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالْحَقِّ لِلْمُلَابَسَةِ، وَهِيَ إِمَّا حَالٌ مِنْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ أَيْ مُتَّصِفَةٌ
بِأَنَّهَا حَقٌّ، وَالْحَقُّ: الَّذِي حَقَّ وَثَبُتَ فَلَا يَتَخَلَّفُ، أَيِ السَّكْرَةُ الَّتِي لَا طَمَعَ فِي امْتِدَادِ الْحَيَاةِ بَعْدَهَا، وَإِمَّا حَالٌ مِنَ الْمَوْتِ، أَيْ مُلْتَبِسًا بِأَنَّهُ الْحَقُّ، أَيِ الْمَفْرُوضُ الْمَكْتُوبُ عَلَى النَّاسِ فَهُمْ مَحْقُوقُونَ بِهِ، أَوِ الَّذِي هُوَ الْجِدُّ ضِدُّ الْعَبَثِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ [التغابن: 3] مَعَ قَوْلِهِ: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا [ص: 27] .
وَقَوْلُ ذلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَوْتِ بِتَنْزِيلِ قُرْبِ حُصُولِهِ مَنْزِلَةَ الْحَاصِلِ الْمُشَاهَدِ.
وتَحِيدُ تَفِرُّ وَتَهْرُبُ، وَهُوَ مُسْتَعَارٌ لِلْكَرَاهِيَةِ أَوْ لِتَجَنُّبِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ. وَالْخِطَابُ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَبِالْمَقْصُودِ الْأَوَّلِ مِنْهُ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً لِلْمَوْتِ لِأَنَّ حَيَاتَهُمْ مَادِّيَّةٌ مَحْضَةٌ فَهُمْ يُرِيدُونَ طُولَ الْحَيَاةِ قَالَ تَعَالَى: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [الْبَقَرَة: 96] إِذْ لَا أَمَلَ لَهُمْ فِي حَيَاةٍ أُخْرَى وَلَا أَمَلَ لَهُمْ فِي تَحْصِيلِ نَعِيمِهَا، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَإِنَّ كَرَاهَتَهُمْ لِلْمَوْتِ الْمُرْتَكِزَةَ فِي الْجِبِلَّةِ بِمِقْدَارِ الْإِلْفِ لَا تَبْلُغُ بِهِمْ إِلَى حَدِّ الْجَزَعِ مِنْهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لقاءه»
، وتأويله بِالْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ لِقَاءَ اللَّهُ لِلطَّمَعِ فِي الثَّوَابِ، وَبِالْكَافِرِ يَكْرَهُ لِقَاءَ اللَّهِ.
وَقَدْ بَينه
(26/306)

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)
النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ رَأَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ خَيْرٍ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ»
أَيْ وَالْكَافِرُ بِعَكْسِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى خِطَابًا لِلْيَهُودِ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الْجُمُعَة: 8] .
وَتَقْدِيمُ مِنْهُ عَلَى تَحِيدُ لِلِاهْتِمَامِ بِمَا مِنْهُ الْحِيَادُ، وَلِلرِّعَايَةِ على الفاصلة.
[20، 21]

[سُورَة ق (50) : الْآيَات 20 إِلَى 21]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)
عَطْفٌ عَلَى وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: 19] عَلَى تَفْسِيرِ الْجُمْهُورِ. فَأَمَّا عَلَى تَفْسِيرِ الْفَخْرِ فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وَصِيغَةُ الْمُضِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَنُفِخَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعْنَى الْمُضَارِعِ، أَيْ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَصِيغَ لَهُ الْمُضِيُّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النَّحْل: 1] ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ إِذْ أَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ الَّذِي نُفِخَ فِي الصُّورِ عِنْدَهُ هُوَ يَوْمُ الْوَعِيدِ.
وَالنَّفْخُ فِي الصُّوَرِ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [73] .
وَجُمْلَةُ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ مُعْتَرِضَةٌ. وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّفْعِ الْمَأْخُوذِ مِنْ فِعْلِ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ. وَالْإِخْبَارُ عَنِ النَّفْخِ بِأَنَّهُ يَوْمُ الْوَعِيدِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ ذَلِكَ حُلُولُ يَوْمِ الْوَعِيدِ. وَإِضَافَةُ يَوْمُ إِلَى الْوَعِيدِ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى مَا يَقَعُ فِيهِ، أَيْ يَوْمَ حُصُولِ الْوَعِيدِ الَّذِي كَانُوا تُوُعِّدُوا بِهِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ الْوَعِيدِ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ هُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَفِي الْكَلَامِ اكْتِفَاءٌ، تَقْدِيرُهُ: وَيَوْمُ الْوَعْدِ.
وَعُطِفَتْ جُمْلَةُ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ عَلَى جُمْلَةِ نُفِخَ فِي الصُّورِ. وَالْمُرَادُ بِ كُلُّ نَفْسٍ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
(26/307)

لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)
أَحَدُهَا: السِّيَاقُ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ مَعَها سائِقٌ لِأَنَّ السَّائِقَ يُنَاسِبُ إِزْجَاءَ أَهْلِ الْجَرَائِمِ، وَأَمَّا الْمَهْدِيُّونَ إِلَى الْكَرَامَةِ فَإِنَّمَا يَهْدِيهِمْ قَائِدٌ يَسِيرُ أَمَامَهُمْ قَالَ تَعَالَى: كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ [الْأَنْفَال: 6] .
وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ بَعْدَهُ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا [ق: 22] .
وَالرَّابِعُ: قَوْلُهُ بَعْدَهُ وَقالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق: 23] الْآيَةَ.
وَجُمْلَةُ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ. وسائِقٌ مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ الَّذِي هُوَ مَعَها عَلَى رَأْيِ مَنْ أَجَازَهُ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَعَها. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةُ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ حَالًا مِنْ كُلُّ نَفْسٍ. وَعَطْفُ وَشَهِيدٌ عَلَى سائِقٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَطْفِ ذَاتٍ عَلَى ذَاتٍ فَيكون المُرَاد ملكان أَحَدُهُمَا يَسُوقُ النَّفْسَ إِلَى الْمَحْشَرِ وَالْآخَرُ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا حَوَتْهُ صَحَائِفُ أَعْمَالِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَطْفِ الصِّفَاتِ مِثْلَ:
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرَمِ وَابْنِ الْهُمَامِ فَهُوَ مَلِكٌ وَاحِدٌ.
وَالسَّائِقُ الَّذِي يَجْعَلُ غَيْرَهُ أَمَامَهُ يُزْجِيهِ فِي السَّيْرِ لِيَكُونَ بِمَرْأًى مِنْهُ كَيْلَا يَنْفَلِتَ وَذَلِكَ مِنْ شَأْنِ الْمَشْيِ بِهِ إِلَى مَا يَسُوءُ قَالَ تَعَالَى: كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ [الْأَنْفَال: 6] وَقَالَ:
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً [الزمر: 71] ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى
الْجَنَّةِ زُمَراً [الزمر: 73] فَمُشَاكَلَةٌ. وَضِدُّ السُّوق: الْقود.
[22]

[سُورَة ق (50) : آيَة 22]
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)
مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ تَعَيُّنِهُ مِنَ الْخِطَابِ، أَيْ يُقَالُ هَذَا الْكَلَامُ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنْ نُفُوسِ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ خِطَابُ التَّهَكُّمِ التَّوْبِيخِيِّ لِلنَّفْسِ الْكَافِرَةِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَمْ يَكُنْ فِي غَفْلَةٍ عَنِ الْحَشْرِ وَالْجَزَاءِ.
(26/308)

وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23)
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ وَمَقُولِهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ كُلُّ نَفْسٍ [ق: 21] أَوْ مَوْقِعِ الصِّفَةِ، وَعَلَامَاتُ الْخِطَابِ فِي كَلِمَاتِ كُنْتَ وعَنْكَ وغِطاءَكَ وفَبَصَرُكَ مَفْتُوحَةٌ لِتَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ أَوْ بِالْإِنْسَانِ ثُمَّ غَلَبَ فِيهِ التَّذْكِيرُ عَلَى التَّأْنِيثِ. وَهَذَا الْكَلَامُ صَادِرٌ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ شُرُوعٌ فِي ذِكْرِ الْحِسَابِ.
وَالْغَفْلَةُ: الذُّهُولُ عَمَّا شَأْنُهُ أَنْ يُعْلَمَ وَأُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْجَحَدِ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وَرَشَّحَ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ بِمَعْنَى: بَيَّنَّا لَكَ الدَّلِيلَ بِالْحِسِّ فَهُوَ أَيْضًا تَهَكُّمٌ. وَأُوثِرَ قَوْلُهُ: فِي غَفْلَةٍ عَلَى أَنْ يُقَالَ غَافِلًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَمَكُّنِ الْغَفْلَةِ مِنْهُ وَلِذَلِكَ اسْتَتْبَعَ تَمْثِيلَهَا بِالْغِطَاءِ.
وَكَشْفُ الْغِطَاءِ تَمْثِيلٌ لِحُصُولِ الْيَقِينِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ إِنْكَارِ وُقُوعِهِ، أَيْ كَشَفْنَا عَنْكَ الْغِطَاءَ الَّذِي كَانَ يَحْجُبُ عَنْكَ وُقُوعَ هَذَا الْيَوْمِ بِمَا فِيهِ، وَأُسْنِدَ الْكَشْفُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ الَّذِي أَظْهَرَ لَهَا أَسْبَابَ حُصُولِ الْيَقِينِ بِشَوَاهِدِ عَيْنِ الْيَقِينِ. وَأُضِيفَ (غِطَاءَ) إِلَى ضَمِيرِ الْإِنْسَانِ الْمُخَاطِبِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ وَأَنَّهُ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ.
وَحِدَّةُ الْبَصَرِ: قُوَّةُ نَفَاذِهِ فِي الْمَرْئِيِّ، وَحِدَّةُ كُلِّ شَيْءِ قُوَّةُ مَفْعُولِهِ، وَمِنْهُ حِدَّةُ الذِّهْنِ، وَالْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ حُصُولِ الْيَقِينِ بِرُؤْيَةِ الْمَرْئِيِّ بِبَصَرٍ قَوِيٍّ، وَتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: الْيَوْمَ تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ، أَيْ لَيْسَ حَالُكَ الْيَوْمَ كَحَالِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ إِذْ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ.
وَالْمَعْنَى: فَقَدْ شَاهَدْتَ الْبَعْثَ وَالْحَشْرَ وَالْجَزَاءَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ كُله، قَالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: 53] وَقَالُوا: وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [الصافات: 59] فَقَدْ رَأَى الْعَذَاب ببصره.
[23]

[سُورَة ق (50) : آيَة 23]
وَقالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23)
الْوَاوُ وَاوُ الْحَالِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ تَاءِ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ
هَذَا [ق: 22]
(26/309)

أَيْ يُوَبَّخُ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْعَذَابِ بِكَلِمَةِ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا، فِي حَالِ قَوْلِ قَرِينِهِ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ.
وَهَاءُ الْغَائِبِ فِي قَوْلِهِ: قَرِينُهُ عَائِدَةٌ إِلَى كُلُّ نَفْسٍ [ق: 21] أَوْ إِلَى الْإِنْسَانِ.
وَقَرِينُ فَعِيلُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ مَقْرُونٌ إِلَى غَيْرِهِ. وَكَأَنَّ فِعْلَ قَرَنَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقَرَنِ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الْحَبْلُ وَكَانُوا يَقْرِنُونَ الْبَعِيرَ بِمِثْلِهِ لِوَضْعِ الْهَوْدَجِ، فَاسْتُعِيرَ الْقَرِينُ لِلْمُلَازِمِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِالْتِفَاتٍ إِذْ لَيْسَ هُوَ تَغْيِيرَ ضَمِيرٍ وَلَكِنَّهُ تَعْيِينُ أُسْلُوبِ الْكَلَامِ وَأُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الْغَائِبِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى نَفْسٍ أَيْ شَخْصٍ، أَوْ غَلَبَ التَّذْكِيرُ عَلَى التَّأْنِيثِ.
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: هَذَا مَا لَدَيَّ إِلَخْ، يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ.
وَمَا فِي قَوْلِهِ: مَا لَدَيَّ مَوْصُولَةٌ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ. ولَدَيَّ صِلَةٌ، وعَتِيدٌ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالْقَرِينِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ هُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْإِنْسَانِ الَّذِي يَسُوقُهُ إِلَى الْمَحْشَرِ أَيْ هُوَ السَّائِقُ الشَّهِيدُ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْقَرِينُ فِي قَوْلِهِ الْآتِي قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ [ق: 27] بِمَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى الْقَرِينِ فِي قَوْلِهِ: وَقالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: أَنَّ الْقَرِينَ شَيْطَانُ الْكَافِرِ الَّذِي كَانَ يُزَيِّنُ لَهُ الْكُفْرَ فِي الدُّنْيَا أَيِ الَّذِي وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [فصلت: 25] . وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا: أَنْ قَرِينَهُ صَاحِبُهُ مِنَ الْإِنْسِ، أَيِ الَّذِي كَانَ قَرِينَهُ فِي الدُّنْيَا.
وَعَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِالْقَرِينِ يَخْتَلِفُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ فَإِنْ كَانَ الْقَرِينُ الْمَلَكَ كَانْتِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى الْعَذَابِ الْمُوكَّلِ بِهِ ذَلِكَ الْمَلَكُ وَإِنْ كَانَ الْقَرِينُ شَيْطَانًا أَوْ إِنْسَانًا كَانَتِ الْإِشَارَةُ مُحْتَمَلَةً لِأَنَ تَعُودَ إِلَى الْعَذَابِ كَمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، أَوْ أَنْ تَعُودَ إِلَى مَعَادِ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ: قَرِينُهُ
(26/310)

أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25)
وَهُوَ نَفْس الْكَافِرِ، أَيْ هَذَا الَّذِي مَعِي، فَيَكُونُ لَدَيَّ بِمَعْنَى: مَعِي، إِذْ لَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ صَاحِبٍ يَأْنَسُ بِمُحَادَثَتِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ قرين الشّرك الممائل.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ مَنْ كَانَ قَرِينًا لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَاخْتِلَافَ حَالَيْهِمَا يَوْمَ الْجَزَاءِ بِقَوْلِهِ
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ الْآيَةُ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ [51، 52] . وَقَوْلُ الْقَرِينِ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ مُسْتَعْمل فِي التهلف وَالتَّحَسُّرِ وَالْإِشْفَاقِ، لِأَنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا بِهِ الْعَذَابَ عَلِمَ أَنه قد هيّىء لَهُ، أَوْ لَمَّا رَأَى مَا قَدَّمَ إِلَيْهِ قَرِينُهُ علم أَنه لَا حق عَلَى أَثَرِهِ كَقِصَّةِ الثَّوْرَيْنِ الْأَبْيَضِ وَالْأَحْمَرِ اللَّذَيْنِ اسْتَعَانَ الْأَسَدُ بِالْأَحْمَرِ مِنْهُمَا عَلَى أَكْلِ الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ ثُمَّ جَاءَ الْأَسَدُ بَعْدَ يَوْمٍ لِيَأْكُلَ الثَّوْرَ الْأَحْمَرَ فَعَلَا الْأَحْمَرُ رَبْوَةً وَصَاحَ أَلَا إِنَّمَا أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الْأَبْيَضُ.
وَتَقَدَّمَ مَعْنَى عَتِيدٌ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18] ، وَهُوَ هُنَا مُتَعَيِّنٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ، أَيْ معدّ ومهيّأ.
[24، 25]

[سُورَة ق (50) : الْآيَات 24 إِلَى 25]
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25)
انْتِقَالٌ مِنْ خِطَابِ النَّفْسِ إِلَى خِطَابِ الْمَلَكَيْنِ الْمُوَكَّلَيْنِ السَّائِقِ وَالشَّهِيدِ. وَالْكَلَامُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ. وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ انْتِقَالٌ مِنْ خِطَابِ فَرِيقٍ إِلَى خِطَابِ فَرِيقٍ آخَرَ، وَصِيغَةُ الْمُثَنَّى فِي قَوْلِهِ: أَلْقِيا تَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً فِي أَصْلِهَا فَيَكُونُ الْخِطَابُ لِلسَّائِقِ وَالشَّهِيدِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً فِي خِطَابِ الْوَاحِدِ وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِجَهَنَّمَ وَخُوطِبَ بِصِيغَةِ الْمُثَنَّى جَرْيًا عَلَى طَرِيقَةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ فِي الْخِطَابِ جَرَتْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ يَكْثُرُ فِيهِمْ أَنْ يُرَافِقَ السَّائِرَ رَفِيقَانِ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
قفانبك مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ وَقَوْلِهِمْ: يَا خَلِيلَيَّ، وَيَا صَاحِبَيَّ. وَالْمُبَرِّدُ يَرَى أَنَّ تَثْنِيَةَ الْفَاعِلِ نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ تَثْنِيَةِ الْفِعْلِ لِاتِّحَادِهِمَا كَأَنَّهُ قِيلَ: أَلْقِ أَلْقِ لِلتَّأْكِيدِ.
(26/311)

الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26)
وَهَذَا أَمْرٌ بِأَنْ يَعُمَّ الْإِلْقَاءُ فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ، فَيَعْلَمُ مِنْهُ كُلُّ حَاضِرٍ فِي الْحَشْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ مَدْفُوعٌ بِهِ إِلَى جَهَنَّمَ.
وَالْكَفَّارُ: الْقَوِيُّ الْكُفْرِ، أَيِ الشِّرْكِ.
وَالْعَنِيدُ: الْقَوِيُّ الْعِنَادِ، أَيِ الْمُكَابَرَةِ وَالْمُدَافَعَةِ لِلْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُبْطِلٌ.
وَالْمَنَّاعُ: الْكَثِيرُ الْمَنْعِ، أَيْ صَدِّ النَّاسِ عَنِ الْخَيْرِ، وَالْخَيْرُ هُوَ الْإِيمَانُ، كَانُوا يَمْنَعُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَذَوِيهِمْ مِنِ اتِّبَاعِ الْإِيمَانِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ كَانَ يَقُولُ لِبَنِي أَخِيهِ «مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ لَا أَنْفَعُهُ بِشَيْءٍ مَا عِشْتُ» . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَيْضًا مَنْعُ الْفُقَرَاءِ مِنَ الْمَالِ لِأَنَّ الْخَيْرَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَالِ وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَمْنَعُونَ الْفُقَرَاءَ وَيُعْطُونَ الْمَالَ
لِأَكَابِرِهِمْ تَقَرُّبًا وَتَلَطُّفًا.
وَالْمُعْتَدِي: الظَّالِمُ الَّذِي يَعْتَدِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْأَذَى وعَلى الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّكْذِيبِ وَالْقَوْلِ الْبَاطِلِ.
وَالْمُرِيبُ الَّذِي أَرَابَ غَيْرَهُ، أَيْ جَعَلَهُ مُرْتَابًا، أَيْ شَاكًّا، أَيْ بِمَا يُلْقُونَهُ إِلَى النَّاسِ مِنْ صُنُوفِ الْمُغَالَطَةِ لِيُشَكِّكُوهُمْ فِي صدق الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِحَّةِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ. وَبَيْنَ لَفْظِي عَتِيدٌ [ق: 18] وعَنِيدٍ الجناس الْمُصحف.
[26]

[سُورَة ق (50) : آيَة 26]
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (26)
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْمَوْصُولِ بَدَلًا مِنْ كَفَّارٍ عَنِيدٍ فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ تُبَدَّلُ مِنَ النَّكِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ [الشورى: 52، 53] ، عَلَى أَنَّ الْمَوْصُولَ هُنَا تَعْرِيفُهُ لَفْظِيٌّ مُجَرَّدٌ لِأَنَّ مَعْنَى الصِّلَةِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِمُعَيَّنٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ:
فَأَلْقِياهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: 24] وَمَصَبُّ التَّفْرِيعِ الْمُتَعَلِّقِ وَهُوَ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ، أَيْ فِي أَشَدِّ عَذَابِ جَهَنَّمَ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَمْرِ بِإِلْقَائِهِ فِي جَهَنَّمَ تَفْرِيعُ بَيَانٍ، وَإِعَادَةُ فِعْلِ أَلْقِيا لِلتَّأْكِيدِ مَعَ تَفْرِيعِ مُتَعَلِّقِ الْفِعْلِ الْمُؤَكَّدِ. وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ النَّظْمِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [الْقَمَر: 9]
(26/312)

قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27)
فَفَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ: كَذَّبَتْ إِلَخْ قَوْلَهُ: فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمرَان: 188] ، فَالْمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ هُوَ قَوْلُهُ: بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَإِعَادَةُ تَحْسَبَنَّهُمْ تُفِيدُ التَّأْكِيد، وَعَلِيهِ ف الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ:
الْكَفَّارُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ كُلَّ [ق: 24] فَهُوَ صَادِقٌ عَلَى جَمَاعَةِ الْكَفَّارِينَ فَضَمِيرُ النصب فِي فَأَلْقِياهُ بِمَنْزِلَةِ ضَمِيرِ جَمْعٍ، أَيْ فَأَلْقَيَاهُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْمَوْصُولِ مُبْتَدَأً عَلَى اسْتِئْنَافِ الْكَلَامِ وَيُضَمَّنُ الْمَوْصُولُ مَعْنَى الشَّرْطِ فَيَكُونُ فِي وُجُودِ الْفَاءِ فِي خَبَرِهِ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ وَهَذَا كَثِيرٌ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا تَأْكِيدُ الْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ.
[27]

[سُورَة ق (50) : آيَة 27]
قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27)
حِكَايَةُ قَوْلِ الْقَرِينِ بِالْأُسْلُوبِ الْمُتَّبَعِ فِي حِكَايَةِ الْمُقَاوَلَاتِ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ أُسْلُوبُ
الْفَصْلِ دُونَ عَطْفِ فِعْلِ الْقَوْلِ عَلَى شَيْءٍ، وَهُوَ الْأُسْلُوبُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الْآيَةُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [30] ، تُشْعِرُ بِأَنَّ فِي الْمَقَامِ كَلَامًا مَطْوِيًّا هُوَ كَلَامُ صَاحِبِ الْقَرِينِ طُوِيَ لِلْإِيجَازِ، وَدَلِيلُهُ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُ الْقَرِينِ مِنْ نَفْيِ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَطْغَى صَاحِبَهُ إِذْ قَالَ رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ. وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ ص صَرِيحًا بِقَوْلِهِ: هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هَذَا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ [ص: 59- 61] . وَتَقْدِيرُ الْمَطْوِيِّ هُنَا: أَن الكفّار الْعَنِيدَ لَمَّا قَدِمَ إِلَى النَّارِ أَرَادَ التَّنَصُّلَ مِنْ كُفْرِهِ وَعِنَادِهِ وَأَلْقَى تَبِعَتَهُ عَلَى قَرِينِهِ الَّذِي كَانَ يُزَيِّنُ لَهُ الْكُفْرَ فَقَالَ: هَذَا الْقَرِينُ أَطْغَانِي، فَقَالَ قَرِينُهُ رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ.
فَالْقَرِينُ هَذَا هُوَ الْقَرِينُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: وَقالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق:
23] .
(26/313)

قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29)
وَالطُّغْيَانُ: تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي التَّعَاظُمِ وَالظُّلْمِ وَالْكُفْرِ، وَفِعْلُهُ يَائِيٌّ وَوَاوِيٌّ، يُقَالُ: طَغِيَ يَطْغَى كَرَضِيَ، وَطَغَا يَطْغُو كَدَعَا. فَمَعْنَى مَا أَطْغَيْتُهُ مَا جَعَلْتُهُ طَاغِيًا، أَيْ مَا أَمَرْتُهُ بِالطُّغْيَانِ وَلَا زَيَّنْتُهُ لَهُ. والاستدراك ناشىء عَنْ شِدَّةِ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَرِينِهِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْقَرِينِ شَيْطَانَهُ الْمُقَيَّضَ لَهُ فَإِنَّهُ قُرِنَ بِهِ مِنْ وَقْتِ إِدْرَاكِهِ، فَالِاسْتِدْرَاكُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمُقَارَنَةَ بَيْنَهُمَا تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا بِهِ مِنَ الطُّغْيَانِ بِتَلْقِينِ الْقَرِينِ فَهُوَ يَنْفِي ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ أَتْبَعَ الِاسْتِدْرَاكَ بِجُمْلَةِ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ فَأَخْبَرَ الْقَرِينُ بِأَنَّ صَاحِبَهُ ضَالٌّ مِنْ قَبْلُ فَلَمْ يَكُنِ اقْتِرَانُهُ مَعَهُ فِي التَّقْيِيضِ أَوْ فِي الصُّحْبَةِ بِزَائِدِ إِيَّاهُ إِضْلَالًا، وَهَذَا نَظِيرُ مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [الْبَقَرَة:
166] . وَفِعْلُ كانَ لِإِفَادَةِ أَنَّ الضَّلَالَ ثَابِتٌ لَهُ بِالْأَصَالَةِ مُلَازِمٌ لِتَكْوِينِهِ.
وَالْبَعِيدُ: مُسْتَعَارٌ لِلْبَالِغِ فِي قُوَّةِ النَّوْعِ حَدًّا لَا يَبْلُغُ إِلَيْهِ إِدْرَاكُ الْعَاقِلِ بِسُهُولَةٍ كَمَا لَا يَبْلُغُ سَيْرُ السَّائِرِ إِلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ أَوْ بَعِيدُ الزَّمَانِ، أَيْ قَدِيمٌ أَصِيلٌ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِمُفَادِ فِعْلِ كانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [116] .
وَالْمَعْنَى: أَنَّ تَمَكُّنَ الضَّلَالِ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بِتَابِعٍ لِمَا يُمْلِيهِ غَيْرُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ شَأْنَ التَّابِعِ فِي شَيْءٍ أَنْ لَا يَكُونَ مَكِينًا فِيهِ مِثْلَ عِلْمِ الْمُقَلَّدِ وَعلم النظّار.
[28، 29]

[سُورَة ق (50) : الْآيَات 28 إِلَى 29]
قالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (29)
هَذَا حِكَايَةُ كَلَامٍ يَصْدُرُ يَوْمَئِذٍ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْفَرِيقَيْنِ الَّذِي اتَّبَعُوا وَالَّذِينَ اتُّبِعُوا، فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ [ق: 22] .
وَعَدَمُ عَطْفِ فِعْلِ قالَ عَلَى مَا قَبْلَهُ لِوُقُوعِهِ فِي مَعْرِضِ الْمُقَاوَلَةِ، وَالتَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ فَقَدْ صَارَتِ المقاولة بَين ثَلَاثَة جَوَانِبَ.
(26/314)

وَالِاخْتِصَامُ: الْمُخَاصَمَةُ وَهُوَ مَصْدَرٌ بِصِيغَةِ الِافْتِعَالِ الَّتِي الْأَصْلُ فِيهَا أَنَّهَا لِمُطَاوَعَةِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ فَاسْتُعْمِلَتْ لِلتَّفَاعُلِ مَثَلَ: اجْتَوَرُوا وَاعْتَوَرُوا وَاخْتَصَمُوا.
وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُخَاصَمَةِ بَيْنَهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ النُّفُوسَ الْكَافِرَةَ ادَّعَتْ أَنَّ قُرَنَاءَهَا أَطْغَوْهَا، وَأَنَّ الْقُرَنَاءَ تَنَصَّلُوا مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ النُّفُوسَ أَعَادَتْ رَمْيَ قُرَنَائِهَا بِذَلِكَ فَصَارَ خِصَامًا فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَطُوِيَ ذِكْرُهُ لِدَلَالَةِ لَا تَخْتَصِمُوا عَلَيْهِ إِيثَارًا لِحَقِّ الْإِيجَازِ فِي الْكَلَامِ. وَالنَّهْيُ عَنِ الِاخْتِصَامِ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِتَأْوِيلِ النَّهْيِ عَنِ الدَّوَامِ عَلَيْهِ، أَيْ كَفُّوا عَنِ الْخِصَامِ.
وَمَعْنَى النَّهْيُ أَنَّ الْخِصَامَ فِي ذَلِكَ لَا جَدْوَى لَهُ لِأَنَّ اسْتِوَاءَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْكُفْرِ كَافٍ فِي مُؤَاخَذَةِ كِلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لَا تَعْلَمُونَ [الْأَعْرَاف: 38] ، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ تَقَرَّرَ فَلَا يُفِيدُهُمُ التَّخَاصُمُ لِإِلْقَاءِ التَّبِعَةِ عَلَى أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ.
وَوَجْهُ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْعَذَابِ أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى إِضْلَالِهِ قَائِمٌ بِمَا اشْتَهَتْهُ نَفْسُهُ مِنْ تَرْوِيجِ الْبَاطِلِ دُونَ نَظَرٍ فِي الدَّلَائِلِ الْوِزَاعَةِ عَنْهُ وَأَنَّ مُتَلَقِّيَ الْبَاطِلِ مِمَّنْ دَعَاهُ إِلَيْهِ قَائِمٌ بِمَا اشْتَهَتْهُ نَفْسُهُ من الطَّاعَة لأيمة الضَّلَالِ فَاسْتَوَيَا فِي الدَّاعِي وَتَرَتُّبِ أَثَرِهِ.
وَالْوَاوُ فِي وَقَدْ قَدَّمْتُ وَاوُ الْحَالِ. وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ تَخْتَصِمُوا وَهِيَ حَالٌ مُعَلِّلَةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاخْتِصَامِ.
وَالْمَعْنَى: لَا تَطْمَعُوا فِي أَنَّ تَدَافُعَكُمْ فِي إِلْقَاءِ التَّبِعَةِ يُنْجِيكُمْ مِنَ الْعِقَابِ بَعْدَ حَالِ إِنْذَارِكُمْ بِالْوَعِيدِ مِنْ وَقْتِ حَيَاتِكُمْ فَمَا اكْتَرَثْتُمْ بِالْوَعِيدِ فَلَا تَلُومُوا إِلَّا أَنْفُسَكُمْ لِأَنَّ مَنْ أَنْذَرَ
فَقَدْ أَعْذَرَ.
فَقَوْلُهُ: وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِالْخِصَامِ كَوْنَ الْعِقَابِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ. وَالْبَاءُ فِي بِالْوَعِيدِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِه: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [الْمَائِدَة:
6] . وَالْمَعْنَى: وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمُ الْوَعِيدَ قَبْلَ الْيَوْمِ.
(26/315)

وَالتَّقْدِيمُ: جَعْلُ الشَّيْءِ قُدَّامَ غَيْرِهِ.
وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: كَوْنُهُ سَابِقًا عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالشِّرْكِ لِأَنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهُمْ بِوَاسِطَة الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ الْمُكَنَّى عَنْهُ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، أَيْ لَسْتُ مُبْطِلًا ذَلِكَ الْوَعِيدَ، وَهُوَ الْقَوْلُ، إِذِ الْوَعِيدُ مِنْ نَوْعِ الْقَوْلِ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، أَيْ فَمَا أَوْعَدْتُكُمْ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَهَّدَ أَنْ لَا يَغْفِرَ لِمَنْ يُشْرِكُ بِهِ وَيَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي الْمُكَنَّى عَنْهُ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، أَيْ فَلِذَلِكَ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمُ الْوَعِيدَ.
وَالْمُبَالَغَةُ الَّتِي فِي وصف بِظَلَّامٍ رَاجِعَةٌ إِلَى تَأْكِيدِ النَّفْيِ. وَالْمُرَادُ: لَا أَظْلِمُ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى: مَا أَنَا بِشَدِيدِ الظُّلْمِ كَمَا قَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ تَوَجُّهِ النَّفْيِ إِلَى الْمُقَيَّدِ يُفِيدُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْقَيْدِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَغْلَبِيٌّ. وَالْأَكْثَرُ فِي نَفْيِ أَمْثِلَةِ الْمُبَالَغَةِ أَنْ يُقْصَدَ بِالْمُبَالَغَةِ مُبَالَغَةُ النَّفْيِ، قَالَ طَرَفَةُ:
وَلَسْتُ بِحَلَّالِ التِّلَاعِ مَخَافَةً ... وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ الْقَوْمُ أَرْفِدِ
فَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ نَفْيَ كَثْرَةِ حُلُولِهِ التِّلَاعَ وَإِنَّمَا أَرَادَ كَثْرَةَ النَّفْيِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» تَوَجُّهَ نَفْيِ الشَّيْءِ الْمُقَيَّدِ إِلَى خُصُوصِ الْقَيْدِ كَتَوَجُّهِ الْإِثْبَاتِ سَوَاءً، وَلَكِن كَلَام التفتازانيّ فِي كِتَابِ «الْمَقَاصِدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ» فِي مَبْحَثِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَشَارَ إِلَى اسْتِعْمَالَيْنِ فِي ذَلِكَ، فَالْأَكْثَرُ أَنَّ النَّفْيَ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْقَيْدِ فَيَكُونُ الْمَنْفِيُّ الْقَيْدَ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ الْقَيْدُ قَيْدًا لِلنَّفْيِ وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ. عَلَى أَنِّي أَرَى أَنَّ عَدَّ مِثْلِ صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي عِدَادِ الْقُيُودِ مَحَلَّ نَظَرٍ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنَ الْقُيُودِ هُوَ مَا كَانَ لَفْظًا زَائِدًا عَلَى اللَّفْظِ الْمَنْفِيِّ مِنْ صِفَةٍ أَوْ حَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: لَسْتُ ظَلَّامًا، وَلَكِنْ أَظْلِمُ، وَيَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ لَا آتِيكَ مُحَارِبًا وَلَكِنْ مُسَالِمًا.
وَقَدْ أَشَارَ فِي «الْكَشَّافِ» إِلَى أَنَّ إِيثَار وصف بِظَلَّامٍ هُنَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ
(26/316)

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)
لَوْ كَانَ غَيْرَ مَنْفِيٍّ لَكَانَ ظُلْمًا شَدِيدًا فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أُخِذَ الْجَانِي قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ عَمَلَهُ جِنَايَةٌ
لَكَانَتْ مُؤَاخَذَتُهُ بِهَا ظُلْمًا شَدِيدًا. وَلَعَلَّ صَاحِبَ «الْكَشَّافِ» يَرْمِي إِلَى مَذْهَبِهِ مِنِ اسْتِوَاءِ السَّيِّئَاتِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْعَبِيدِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِالنَّاسِ وَنَحْوِهِ لِزِيَادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنَى الظُّلْمِ فِي نُفُوسِ الْأُمَّةِ، أَيْ لَا أَظْلِمُ وَلَوْ كَانَ الْمَظْلُومُ عَبْدِي فَإِذَا كَانَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ الْعِبَادَ قَدْ جَعَلَ مُؤَاخَذَةَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَشْرِيعٌ ظُلْمًا فَمَا بَالَكَ بِمُؤَاخَذَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالتَّبِعَاتِ دُونَ تَقَدُّمٍ إِلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ مِنْ قَبْلُ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: لَا عُقُوبَةَ إِلَّا عَلَى عَمَلٍ فِيهِ قَانُونٌ سَابِقٌ قبل فعله.
[30]

[سُورَة ق (50) : آيَة 30]
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)
ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ قالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ق: 28] . وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ يَوْمَ يَقُولُ قَوْلًا آخَرَ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ. ومناسبته تَعْلِيقِهِ بِهِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لِجَهَنَّمَ مَقْصُودٌ بِهِ تَرْوِيعُ الْمَدْفُوعِينَ إِلَى جَهَنَّمَ أَنْ لَا يَطْمَعُوا فِي أَنَّ كَثْرَتَهُمْ يَضِيقُ بِهَا سَعَةُ جَهَنَّمَ فَيَطْمَعُ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُوجَدُ لَهُ مَكَانٌ فِيهَا، فَحَكَاهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ عِبْرَةً لِمَنْ يَسْمَعُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَتَعْلِيمًا لِأَهْلِ الْقُرْآنِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِذَلِكَ اسْتَوَتْ قِرَاءَةُ يَقُولُ بِالْيَاءِ، وَهِيَ لِنَافِعٍ وَأَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ جَرْيًا عَلَى مُقْتَضَى ظَاهِرِ مَا سَبَقَهُ مِنْ قَوْلِهِ: قالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. وَقِرَاءَةُ الْبَاقِينَ بِالنُّونِ عَلَى الِالْتِفَاتِ بَلْ هُوَ الْتِفَاتٌ تَابِعٌ لِتَبْدِيلِ طَرِيقِ الْإِخْبَارِ مِنَ الْحَدِيثِ عَنْ غَائِبٍ إِلَى خِطَابِ حَاضِرٍ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ حَقِيقِيٌّ وَهُوَ كَلَامٌ يَصْدُرُ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ بِمَحْضِ خَلْقِهِ دُونَ وَاسِطَةٍ.
فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ إِلَى اللَّهِ كَمَا يُقَالُ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي هَلِ امْتَلَأْتِ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَنْبِيهِ أَهْلِ الْعَذَابِ إِلَى هَذَا السُّؤَالِ عَلَى وَجْهِ التَّعْرِيضِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ لِجَهَنَّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي أَصْوَاتِ لَهِيبِهَا أَصْوَاتًا ذَاتَ حُرُوفٍ يَلْتَئِمُ مِنْهَا كَلَامٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنْ دَلَالَةِ حَالِهَا عَلَى أَنَّهَا
(26/317)

وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)
تَسَعُ مَا يُلْقَى فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ بِأَنْ يُكْشَفَ بَاطِنُهَا لِلْمَعْرُوضِينَ عَلَيْهَا حَتَّى يَرَوْا سِعَتَهَا كَقَوْلِ الرَّاجِزِ:
امْتَلَا الْحَوْضُ وَقَالَ: قَطْنِي وَالِاسْتِفْهَامُ فِي هَلْ مِنْ مَزِيدٍ مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّشْوِيقِ وَالتَّمَنِّي.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ مُشَوِّقَةٌ إِلَى الْإِيفَاءِ بِمَا خُلِقَتْ لَهُ كَمَا قَالَ الشَّيْطَان قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الْأَعْرَاف: 16] . وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِظْهَارِ الِامْتِثَالِ لِمَا خَلَقَهَا اللَّهُ لِأَجْلِهِ، وَلِأَنَّهَا لَا تَتَلَكَّأُ وَلَا تَتَعَلَّلُ فِي أَدَائِهِ عَلَى أَكْمَلِ حَالٍ فِي بَابِهِ.
وَالْمَزِيدُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ مِثْلَ الْمَجِيدِ وَالْحَمِيدِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ مِنْ زَادَ، أَيْ هَلْ مِنْ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ يلقون فيّ.
[31- 35]

[سُورَة ق (50) : الْآيَات 31 إِلَى 35]
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (35)
عَطَفَ وَأُزْلِفَتِ عَلَى يَقُولُ لِجَهَنَّمَ. فَالتَّقْدِيرُ: يَوْمَ أزلفت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَهُوَ رُجُوعٌ إِلَى مُقَابِلِ حَالَةِ الضَّالِّينَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ فِي الْمَعْنَى بِجُمْلَةِ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: 21] وَلَوِ اعْتُبِرَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا لَصَحَّ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ عَطْفَهَا عَلَى جملَة يَوْم يَقُول لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ [ق: 30] غَنِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا مَعَ طُولِ الْكَلَامِ.
وَالْإِزْلَافُ: التَّقْرِيبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الْقُرْبَةُ، وَقِيَاسُ فِعْلِهِ أَنَّهُ كَفَرِحَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَصْدَرُ وَلَمْ يُرْوَ فِي كَلَامِهِمْ، أَيْ جُعِلَتِ الْجَنَّةُ قَرِيبًا مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَيِ ادْنُوَا مِنْهَا.
وَالْجَنَّةُ مَوْجُودَةٌ مِنْ قَبْلِ وُرُودِ الْمُتَّقِينَ إِلَيْهَا فَإِزْلَافُهَا قَدْ يَكُونُ بِحَشْرِهِمْ لِلْحِسَابِ
(26/318)

بِمَقْرُبَةِ مِنْهَا كَرَامَةً لَهُمْ عَنْ كُلْفَةِ الْمَسِيرِ إِلَيْهَا، وَقَدْ يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ تَيْسِيرِ وُصُولِهِمْ إِلَيْهَا بِوَسَائِلَ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ فِي عَادَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا.
وَقَوْلُهُ: غَيْرَ بَعِيدٍ يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، أَيْ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنْهُمْ وَإِلَّا صَارَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِ أُزْلِفَتِ كَمَا يُقَالُ: عَاجِلٌ غَيْرُ آجِلٍ، وَقَوْلُهُ: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى [طه: 79] وَالتَّأْسِيسُ أَرْجَحُ مِنَ احْتِمَالِ التَّأْكِيدِ.
وَانْتَصَبَ غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَصْفٌ لِظَرْفِ مَكَانٍ مَحْذُوفٍ.
وَالتَّقْدِيرُ: مَكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أَيْ عَنِ الْمُتَّقِينَ. وَهَذَا الظَّرْفُ حَالٌ مِنَ الْجَنَّةُ. وَتَجْرِيدُ
بَعِيدٍ مِنْ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ: إِمَّا عَلَى اعْتِبَارِ غَيْرَ بَعِيدٍ وَصفا لمَكَان، وَإِمَّا جَرْيٌ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْغَالِبِ فِي وَصْفِ بَعِيدٍ وَقَرِيبٍ إِذَا أُرِيدَ الْبُعْدُ وَالْقُرْبُ بِالْجِهَةِ دُونَ النَّسَبِ أَنْ يُجَرَّدَا مِنْ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ كَمَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ أَوْ لِأَنَّ تَأْنِيثَ اسْمِ الْجَنَّةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ كَمَا قَالَ الزَّجَّاجُ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى زِنَةِ الْمَصْدَرِ مِثْلَ الزَّئِيرِ وَالصَّلِيلِ، كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الْأَعْرَاف: 56] .
وَجُمْلَةُ هَذَا مَا تُوعَدُونَ مُعْتَرِضَةٌ، فَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهَا وَحْدَهَا مُعْتَرِضَةً وَمَا بَعْدَهَا مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهَا فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ وَهَمَا لِلْمُتَّقِينَ ولِكُلِّ أَوَّابٍ، وَتُجْعَلْ لِكُلِّ أَوَّابٍ بَدَلًا مِنْ لِلْمُتَّقِينَ، وَتَكْرِيرُ الْحَرْفِ الَّذِي جُرَّ بِهِ الْمُبْدَلُ مِنْهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ: 32] لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ الْآيَةَ وَقَوْلُهُ: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النِّسَاء: 11] . وَاسْمُ الْإِشَارَةِ الْمُذَكَّرُ مُرَاعًى فِيهِ مَجْمُوعُ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ عِنْدَهُمْ مِنَ الْخَيْرَاتِ.
وَالْأَوَّابُ: الْكَثِيرُ الْأَوْبِ، أَيِ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، أَيْ إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
وَالْحَفِيظُ: الْكَثِيرُ الْحِفْظِ لِوَصَايَا اللَّهِ وَحُدُودِهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مُحَافِظٌ عَلَى الطَّاعَةِ فَإِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ أَعْقَبَهَا بِالتَّوْبَةِ.
ومَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ بدل من لِكُلِّ أَوَّابٍ.
(26/319)

وَالْخَشْيَةُ: الْخَوْفُ. وَأُطْلِقَتِ الْخَشْيَةُ عَلَى أَثَرِهَا وَهُوَ الطَّاعَةُ.
وَالْبَاءُ فِي بِالْغَيْبِ بِمَعْنَى (فِي) الظَّرْفِيَّةِ لِتَنْزِيلِ الْحَالِ مَنْزِلَةَ الْمَكَانِ، أَيِ الْحَالَةُ الْغَائِبَةُ وَهِيَ حَالَةُ عَدَمِ اطِّلَاعِ أَحَدٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْخَشْيَةَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الطَّاعَةِ لِلَّهِ بِحَيْثُ لَا يَرْجُو ثَنَاءَ أَحَدٍ وَلَا عِقَابَ أَحَدٍ فَيَتَعَلَّقُ الْمَجْرُورُ بِالتَّاءِ بِفِعْلِ خَشِيَ.
وَلَكَ أَنْ تُبْقِيَ الْبَاءَ عَلَى بَعْضِ مَعَانِيهَا الْغَالِبَةِ وَهِيَ الْمُلَابَسَةُ وَنَحْوُهَا وَيَكُونُ الْغَيْبُ مَصْدَرًا وَالْمَجْرُورُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ خَشِيَ.
وَمَعْنَى وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ أَنَّهُ حَضَرَ يَوْمَ الْحَشْرِ مُصَاحِبًا قَلْبَهُ الْمُنِيبَ إِلَى اللَّهِ، أَيْ مَاتَ مَوْصُوفًا بِالْإِنَابَةِ وَلَمْ يُبْطِلْ عَمَلَهُ الصَّالِحَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشُّعَرَاء: 88، 89] .
وَإِيثَارُ اسْمِهِ الرَّحْمنَ فِي قَوْلِهِ: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ دُونَ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمُتَّقِيَ يَخْشَى اللَّهَ وَهُوَ يعلم أَنه رحمان، وَلِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ
أَنْكَرُوا اسْمه الرحمان وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ [الْفرْقَان: 60] .
وَالْمَعْنَى عَلَى الَّذِينَ خَشُوا: خَشِيَ صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ، فَأَنْتُمْ لَا حَظَّ لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّكُمْ تُنْكِرُونَ أَن الله رحمان بَلْهَ أَنْ تَخْشَوْهُ.
وَوَصْفُ قَلْبٍ بِ مُنِيبٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ لِأَنَّ الْقَلْبَ سَبَبُ الْإِنَابَةِ لِأَنَّهُ الْبَاعِثُ عَلَيْهَا.
وَجُمْلَةُ ادْخُلُوها بِسَلامٍ مِنْ تَمَامِ مَقُولِ الْقَوْلِ الْمَحْذُوفِ. وَهَذَا الْإِذْنُ مِنْ كَمَالِ إِكْرَامِ الضَّيْفِ أَنَّهُ إِنْ دُعِيَ إِلَى الْوَلِيمَةِ أَوْ جِيءَ بِهِ فَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ قِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلَامٍ.
وَالْبَاءُ فِي بِسَلامٍ لِلْمُلَابَسَةِ. وَالسَّلَامُ: السَّلَامَةُ مِنْ كُلِّ أَذًى مِنْ تَعَبٍ أَوْ نَصَبٍ، وَهُوَ دُعَاءٌ.
(26/320)

وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَيْضًا تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ حِينَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ مِثْلَ قَوْلِهِ:
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58] .
وَمَحَلُّ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا الِاسْتِئْنَافُ الْبَيَانِيُّ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا يُثِيرُ تَرَقُّبَ الْمُخَاطَبِينَ لِلْإِذْنِ بِإِنْجَازِ مَا وُعِدُوا بِهِ.
وَجُمْلَةُ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُقَالُ لِلْمُتَّقِينَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ:
فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر: 73] ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ. وَكَانَ اسْمُ الْإِشَارَةِ لِلْبَعِيدِ لِلتَّعْظِيمِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله: يَوْم يَقُول لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ [ق: 30] فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا يُلَاقِيهِ أَهْلُ جَهَنَّمَ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ:
ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ تَرْهِيبًا وَتَرْغِيبًا، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي تَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً اعْتِرَاضًا مُوَجَّهًا إِلَى الْمُتَّقِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ إِلَى السَّامِعِينَ فِي الدُّنْيَا. وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَإِضَافَةُ يَوْمُ إِلَى الْخُلُودِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَوَّلَ أَيَّامِ الْخُلُودِ هِيَ أَيَّامٌ ذَاتُ مَقَادِيرَ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، أَوْ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِ يَوْمُ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الزَّمَانِ.
وَبَيْنَ كَلِمَةٍ ادْخُلُوها وَكَلِمَةِ الْخُلُودِ الْجِنَاسُ الْمَقْلُوبُ النَّاقِصُ، ثُمَّ إِنَّ جُمْلَةَ لَهُمْ مَا يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَقِيَّةِ مَا يُقَالُ لِلْمُتَّقِينَ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الْغَيْبَةِ الْتِفَاتًا وَأَصْلُهُ: لكم مَا تشاؤون. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا خُوطِبَ بِهِ الْفَرِيقَانِ فِي الدُّنْيَا وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ فَهِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا.
ولَدَيْنا مَزِيدٌ، أَيْ زِيَادَةٌ على مَا يشاؤون مِمَّا لَمْ يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ، وَذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي
كَرَامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وَوَرَدَتْ آثَارٌ مُتَفَاوِتَةُ الْقُوَّةِ أَنَّ مِنَ الْمَزِيدِ مُفَاجَأَتَهُمْ بِخَيْرَاتٍ، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُفَاجَأَةَ بِالْإِنْعَامِ ضَرْبٌ مِنَ التَّلَطُّفِ وَالْإِكْرَامِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِنْعَامَ يَجِيئُهُمْ فِي صُوَرٍ مُعْجَبَةٍ. وَالْقَوْلُ فِي مَزِيدٌ هُنَا كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرِهِ السَّابِقِ آنِفًا.
وَجَاءَ تَرْتِيبُ الْآيَاتِ فِي مُنْتَهَى الدِّقَّةِ فَبَدَأَتْ بِذِكْرِ إِكْرَامِهِمْ بِقَوْلِهِ: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، ثُمَّ بِذِكْرِ أَنَّ الْجَنَّةَ جَزَاؤُهُمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَهِيَ حَقٌّ لَهُمْ، ثُمَّ أَوْمَأَتْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَعْمَالِهِمْ بِقَوْلِهِ: لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ إِلَخْ،
(26/321)

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)
ثُمَّ ذُكِرَتِ الْمُبَالَغَةُ فِي إِكْرَامِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ، ثُمَّ طَمْأَنَهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ نَعِيمٌ خَالِدٌ، وَزِيدَ فِي إِكْرَامِهِمْ بِأَنَّ لَهُم مَا يشاؤون مَا لَمْ يَرَوْهُ حِينَ الدُّخُولِ، وَبِأَنَّ اللَّهَ عدهم بِالْمَزِيدِ من لَدنه.
[36، 37]

[سُورَة ق (50) : الْآيَات 36 إِلَى 37]
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)
انْتِقَالٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ إِلَى التَّهْدِيدِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهَذَا الْعَطْفُ انْتِقَالٌ إِلَى الْمَوْعِظَةِ بِمَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ بِقَوْلِهِ: قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ [ق: 4] وَمَا فُرِّعَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ [ق: 15] .
وَفِي هَذَا الْعَطْفِ الْوَعِيدُ الَّذِي أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ إِلَى قَوْلِهِ: فَحَقَّ وَعِيدِ [ق: 12، 14] . فَالْوَعِيدُ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ هُوَ الِاسْتِئْصَالُ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً.
وَالْخَبَرُ الَّذِي أَفَادَهُ قَوْلُهُ: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ وتسلية للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَضَمِيرَا قَبْلَهُمْ ومِنْهُمْ عَائِدَانِ إِلَى مَعْلُومٍ مِنَ الْمَقَامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكَلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ أَوَّلَ السُّورَةِ مِنْ قَوْلِهِ: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَيُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ فَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ق: 2] . وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ السُّنَنِ قَوْلُهُ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَقَوْلُهُ: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: 15] ، وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
وكَمْ خَبَرِيَّةٌ وَجُرَّ تَمْيِيزُهَا بِ مِنْ عَلَى الْأَصْلِ.
وَالْبَطْشُ: الْقُوَّةُ عَلَى الْغَيْرِ. وَالتَّنْقِيبُ: مُشْتَقٌّ مِنَ النَّقْبِ بِسُكُونِ الْقَافِ بِمَعْنَى الثَّقْبِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى:
(26/322)

خَرَقُوا، وَاسْتُعِيرَ لِمَعْنَى: ذَلَّلُوا وَأَخْضَعُوا، أَيْ تَصَرَّفُوا فِي الْأَرْضِ بِالْحَفْرِ
الْغَرْس وَالْبناء وَتَحْت الْجِبَالِ وَإِقَامَةِ السِّدَادِ وَالْحُصُونِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها فِي سُورَةِ الرُّومِ [9] .
وَتَعْرِيفُ الْبِلادِ لِلْجِنْسِ، أَيْ فِي الْأَرْضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الْفجْر: 11] .
وَالْفَاءُ فِي فَنَقَّبُوا لتفريع عَنْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً، أَيْ ببطشهم وقوتهم لقبوا فِي الْبِلَادِ.
وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ إِلَى آخِرِهِ.
وَجُمْلَةِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ كَمَا اعْتَرَضَ بِالتَّفْرِيعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ [الْأَنْفَال: 14] .
وَجُمْلَةُ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلَكْنا، أَيْ إِهْلَاكًا لَا مَنْجًى مِنْهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً. فَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ بِمَعْنَى النَّفْيِ، وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ مِنْ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا يُقَالُ: مَا مِنْ مَحِيصٍ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ ص [3] كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ.
وَالْمَحِيصُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنْ حَاصَ إِذَا عَدَلَ وَجَادَ، أَيْ لَمْ يَجِدُوا مَحِيصًا مِنَ الْإِهْلَاكِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [98] .
وَقَوْلُهُ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ إِلَى آخِرِهَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى إِهْلَاكِ الْقُرُونِ الْأَشَدِّ بَطْشًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِدْلَالٍ وَتَهْدِيدٍ وَتَحْذِيرٍ مِنْ يَوْمِ الْجَزَاءِ.
وَالذِّكْرَى: التَّذْكِرَةُ الْعَقْلِيَّةُ، أَيِ التَّفَكُّرُ فِي تَدَبُّرِ الْأَحْوَالِ الَّتِي قَضَتْ عَلَيْهِمْ بِالْإِهْلَاكِ لِيَقِيسُوا عَلَيْهَا أَحْوَالَهُمْ فَيَعْلَمُوا أَنْ سَيَنَالَهُمْ مَا نَالَ أُولَئِكَ، وَهَذَا قِيَاسٌ عَقْلِيٌّ يُدْرِكُهُ اللَّبِيبُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ دُونَ احْتِيَاجٍ إِلَى مُنَبِّهٍ.
(26/323)

وَالْقَلْبُ: الْعَقْلُ وَإِدْرَاكُ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ. وَإِلْقَاءُ السَّمْعِ: مُسْتَعَارٌ لِشِدَّةِ الْإِصْغَاءِ لِلْقُرْآنِ ومواعظ الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّ أَسْمَاعَهُمْ طُرِحَتْ فِي ذَلِكَ فَلَا يَشْغَلُهَا شَيْءٌ آخَرُ تَسْمَعُهُ.
وَالشَّهِيدُ: الْمُشَاهِدُ وَصِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُوَّةِ الْمُشَاهَدَةِ لِلْمُذَكَّرِ، أَيْ تَحْدِيقِ الْعَيْنِ إِلَيْهِ لِلْحِرْصِ عَلَى فَهْمِ مُرَادِهِ مِمَّا يُقَارِنُ كَلَامَهُ مِنْ إِشَارَةٍ أَوْ سَحْنَةٍ فَإِنَّ النَّظَرَ يُعِينُ عَلَى الْفَهْمِ. وَقَدْ جِيءَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى اقْتِرَانِ مَضْمُونِهَا بِمَضْمُونِ عَامِلِهَا بِحَيْثُ يَكُونُ صَاحِبُ الْحَالِ مُلْقِيًا سَمْعَهُ مُشَاهِدًا. وَهَذِهِ حَالَةُ الْمُؤْمِنِ فَفِي الْكَلَامِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ بُعَدَاءٌ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِالذِّكْرَيَاتِ وَالْعِبَرِ. وَإِلْقَاءُ السَّمْعِ مَعَ الْمُشَاهَدَةِ يُوقِظُ الْعَقْلَ لِلذِّكْرَى وَالِاعْتِبَارِ إِنْ كَانَ لِلْعَقْلِ غَفْلَةٌ.
وَمَوْقِعُ أَوْ لِلتَّقْسِيمِ لِأَنَّ الْمُتَذَكِّرَ إِمَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ مِنْ فَهْمِ أَدِلَّةِ الْقُرْآنِ وَمِنَ الِاعْتِبَارِ بِأَدِلَّةِ الْآثَارِ عَلَى أَصْحَابِهَا كَآثَارِ الْأُمَمِ مِثْلَ دِيَارِ ثَمُودَ، قَالَ تَعَالَى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النَّمْل: 52] فَقَوْلُهُ: أَلْقَى السَّمْعَ اسْتِعَارَةٌ عَزِيزَةٌ شَبَّهَ تَوْجِيهَ السَّمْعِ لِتِلْكَ الْأَخْبَارِ دُونَ اشْتِغَالٍ بِغَيْرِهَا بِإِلْقَاءِ الشَّيْءِ لِمَنْ أَخَذَهُ فَهُوَ مَنْ قِسْمِ مَنْ لَهُ قَلْبٌ، وَإِمَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ بِمَا يُبَلِّغُهُ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ الْأُمَمِ كَأَحَادِيثِ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِمَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ خُصُوصُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَلْقَوْا سَمْعَهُمْ لِهَذِهِ الذِّكْرَى وَشَهِدُوا بِصِحَّتِهَا لِعِلْمِهِمْ بِهَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَسَائِرِ كُتُبِهِمْ فَيَكُونُ شَهِيدٌ مِنَ الشَّهَادَةِ لَا مِنَ الْمُشَاهَدَةِ. وَقَالَ الْفَخْرُ: تَنْكِيرُ قَلْبٌ لِلتَّعْظِيمِ وَالْكَمَالِ. وَالْمَعْنَى: لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ذَكِيٌّ وَاعٍ يَسْتَخْرِجُ بِذَكَائِهِ، أَوْ لِمَنْ أَلْقَى السَّمْعَ إِلَى الْمُنْذِرِ فَيَتَذَكَّرُ، وَإِنَّمَا قَالَ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَلَمْ يَقُلْ: اسْتَمَعَ، لِأَنَّ إِلْقَاءَ السَّمْعِ، أَيْ يُرْسِلُ سَمْعَهُ وَلَا يُمْسِكُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ السَّمَاعَ، أَيْ تَحْصُلُ الذِّكْرَى لِمَنْ لَهُ سَمْعٌ. وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِتَمْثِيلِ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ قَلْبٌ وَبِمَنْ لَا يلقِي سَمعه.
(26/324)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38)
[سُورَة ق (50) : آيَة 38]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (38)
مُنَاسَبَةُ اتِّصَالِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها [ق: 6] إِلَى قَوْلِهِ: لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق: 10] ، وَكَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِمَّا وُصِفَ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَخْلُوقَاتِ إِجْمَالًا ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ [ق: 15] كَانَ بَعْضُ الْيَهُودِ بِمَكَّةَ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، وَهَذَا مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ «التَّوْرَاةِ» .
وَالِاسْتِرَاحَةُ تُؤْذِنُ بِالنَّصْبِ وَالْإِعْيَاءِ فَلَمَّا فَرَغَتِ الْآيَةُ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُشْرِكِينَ فِي
أَقْوَالِهِمْ عَطَفَتْ إِلَى تَكْذِيبِ الَّذِينَ كَانُوا يُحَدِّثُونَهُمْ بِحَدِيثِ الِاسْتِرَاحَةِ، فَهَذَا تَأْوِيلُ مَوْقِعِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَعَ مَا حَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى طَلِيعَةِ السُّورَةِ فَقَوْلُ مَنْ قَالَ نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ تَكَلُّفٌ إِذْ لَمْ يَكُنِ الْيَهُودُ مَقْصُورِينَ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ وَكَانُوا يَتَرَدَّدُونَ إِلَى مَكَّةَ.
فَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ تَكْمِلَةٌ لِمَا وَصَفَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ فِي قَوْلِهِ: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها إِلَى قَوْلِهِ:
مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: 6، 7] لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ إِبْطَالًا لِمَقَالَةِ الْيَهُودِ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا عَطْفَ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ وَقَعَتْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَبَيْنَ مَا فُرِّعَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ [طه: 130] .
وَالْوَاوُ فِي وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ وَاوُ الْحَالِ لِأَنَّ لِمَعْنَى الْحَالِ هُنَا مَوْقِعًا عَظِيمًا مِنْ تَقْيِيدِ ذَلِكَ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ بِأَنَّهُ لَا يَنْصَبُ خَالِقُهُ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ مُعْظَمِ هَذِهِ السُّورَةِ بَيَانُ إِمْكَانِ الْبَعْثِ إِذْ أَحَالَهُ الْمُشْرِكُونَ بِمَا يَرْجِعُ إِلَى ضِيقِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ إِيقَاعِهِ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى إِبْرَازِ مَعْنَى سَعَةِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَمَعْنَى وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ: مَا أَصَابَنَا تَعَبٌ. وَحَقِيقَةُ الْمَسِّ: اللَّمْسُ، أَيْ
(26/325)

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)
وَضْعُ الْيَدِ عَلَى شَيْءٍ وَضْعًا غَيْرَ شَدِيدٍ بِخِلَافِ الدَّفْعِ وَاللَّطْمِ. فَعَبَّرَ عَنْ نَفْيِ أَقَلِّ الْإِصَابَةِ بِنَفْيِ الْمَسِّ لِنَفْيِ أَضْعَفِ أَحْوَالِ الْإِصَابَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة: 3] فَنَفْيُ قُوَّةِ الْإِصَابَةِ وَتَمَكُّنُهَا أَحْرَى.
وَاللُّغُوبُ: الْإِعْيَاءُ مِنَ الْجَرْيِ وَالْعَمَلِ الشَّدِيدِ.
[39، 40]

[سُورَة ق (50) : الْآيَات 39 إِلَى 40]
فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (40)
فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ.
تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ كُلُّهُ مِنْ قَوْلِهِ: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ [ق: 2] الْآيَاتِ، وَمُنَاسَبَةُ وَقْعِهِ هَذَا الْمَوْقِعَ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [مَرْيَم: 74] الْآيَةَ مِنَ التَّعْرِيضِ بتسلية النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِمَا أَخْبَرْتَهُمْ مِنَ الْبَعْثِ وَبِالرِّسَالَةِ وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْمَوْصُولُ وَهُوَ مَا يَقُولُونَ.
وَضَمِيرُ يَقُولُونَ عَائِدٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمُ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاعِظِ وَالنُّذُرِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (40) .
عَطْفٌ عَلَى فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ التَّفْرِيعِ، أَيِ اصْبِرْ عَلَى أَقْوَالِ أَذَاهُمْ وَسُخْرِيَتِهِمْ. وَلَعَلَّ وَجْهَ هَذَا الْعَطْفِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يستهزئون بالنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ مِثْلَ قِصَّةِ إِلْقَاءِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ سَلَا الْجَزُورِ عَلَى ظهر النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَجَدَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ فَأَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غَافِر: 28] الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى إِلَى قَوْلِهِ: كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق: 9- 19] .
فَالْمُرَادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلَاةُ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَجْمَعَ
(26/326)

الْمُتَأَوِّلُونَ عَلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ هُنَا الصَّلَاةُ. قُلْتُ: وَلِذَلِكَ صَارَ فِعْلُ التَّسْبِيحِ مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى: صَلِّ. وَالْبَاءُ فِي بِحَمْدِ رَبِّكَ يُرَجِّحُ كَوْنَ الْمُرَادِ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلَاةَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةِ مِنْهَا الْفَاتِحَةُ وَهِيَ حَمْدٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ
فَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَنْ صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا»
يَعْنِي بِذَلِكَ الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ. ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها كَذَا. وَالْقِرَاءَةُ الْغُرُوبِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَبْلَ الْغُرُوبِ:
الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ. وَعَنْ قَتَادَةَ: الْعَصْرُ.
وَقَوْلُهُ: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ فِيهِ هُوَ الصَّلَاةُ، وَعَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ أَنَّهُ قَوْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَعَلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ الصَّلَاةُ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةُ الْعِشَاءِ.
وقَبْلَ الْغُرُوبِ ظرف وَاسع يبتدىء مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ لِأَنَّهَا حِينَ
تَزُولُ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ قَدْ مَالَتْ إِلَى الْغُرُوبِ وَيَنْتَهِي بِغُرُوبِهَا، وَشَمِلَ ذَلِكَ وَقْتَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَذَلِكَ مَعْلُوم للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَسْبِيحُ اللَّيْلِ بِصَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ لِأَنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ مَبْدَأُ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُؤَرِّخُونَ بِاللَّيَالِي وَيَبْتَدِئُونَ الشَّهْرَ بِاللَّيْلَةِ الْأَوْلَى الَّتِي بَعْدَ طُلُوعِ الْهِلَالِ الْجَدِيدِ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَقِيلَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ كُلُّهَا نَوَافِلُ، فَالَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَالَّذِي قَبْلَ الْغُرُوبِ رَكْعَتَانِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَالَهُ أَبُو بَرْزَةَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَالَّذِي مِنَ اللَّيْلِ قِيَامُ اللَّيْلِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَيَأْتِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الِاخْتِلَافُ فِي مَحْمَلِ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ إِنْ كَانَا عَامًّا أَوْ
(26/327)

عَلَى الْوُجُوبِ إِنْ كَانَا خَاصّا بالنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ [24- 26] .
وَقَرِيبٌ مِنْهَا أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ فِي سُورَةِ الطُّورِ [48، 49] .
وَأَمَّا قَوْله: وَأَدْبارَ السُّجُودِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ.
وَالْإِدْبَارُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ حَقِيقَتُهُ: الِانْصِرَافُ لِأَنَّ الْمُنْصَرِفَ يَسْتَدْبِرُ مَنْ كَانَ مَعَهُ، وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِلِانْقِضَاءِ، أَيِ انْقِضَاءِ السُّجُودِ، وَالسُّجُودُ: الصَّلَاةُ، قَالَ تَعَالَى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ. وَانْتِصَابُهُ عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الظَّرْفِ لِأَنَّ الْمُرَادَ: وَقْتُ إِدْبَارِ السُّجُودِ. وَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَخَلَفٌ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِدْبَارِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ: دُبُرٍ، بِمَعْنَى الْعَقِبِ وَالْآخِرِ، وَعَلَى كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ هُوَ وَقْتُ انْتِهَاءِ السُّجُودِ.
فَفُسِّرَ السُّجُودُ بِالْحَمْلِ عَلَى الْجِنْسِ، أَيْ بعد الصَّلَوَات قَالَه ابْنُ زَيْدٍ، فَهُوَ أَمْرٌ بِالرَّوَاتِبِ الَّتِي بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَهُوَ عَامٌ خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ بِأَوْقَاتِ النَّوَافِلِ، وَمُجْمَلٌ بَيَّنَتِ السَّنَةُ مَقَادِيرَهُ، وَبَيَّنَتْ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ أَمْرُ نَدْبٍ وَتَرْغِيبٍ لَا أَمْرُ إِيجَابٍ. وَعَنِ الْمَهْدَوِيِّ أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا فَنُسِخَ بِالْفَرَائِضِ. وَحُمِلَ عَلَى الْعَهْدِ فَقَالَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ هُوَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، أَيِ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَهَا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْوِتْرُ.
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَسَبِّحْهُ لِلتَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِهِ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ
الْوَقْتُ عَلَى قَوْلِهِ: وَمِنَ اللَّيْلِ تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ لِإِفَادَةِ الْوُجُوبِ فَيُجْعَلُ التَّفْرِيعُ اعْتِرَاضًا بَيْنَ الظُّرُوفِ الْمُتَعَاطِفَةِ وَهُوَ كَالتَّفْرِيعِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ آنِفًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ [ق: 36] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ [الْأَنْفَال: 14] .
(26/328)

وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43)
[سُورَة ق (50) : الْآيَات 41 إِلَى 43]
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43)
لَا مَحَالَةَ أَنَّ جُمْلَةَ اسْتَمِعْ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [ق: 39] ، فَالْأَمْرُ بِالِاسْتِمَاعِ مُفَرَّعٌ بِالْفَاءِ الَّتِي فُرِّعَ بِهَا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَقُولُونَ. فَهُوَ لَا حق بتسلية النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَكُونُ الْمَسْمُوعُ إِلَّا مِنْ نَوْعِ مَا فِيهِ عِنَايَةٌ بِهِ وَعُقُوبَةٌ لِمُكَذِّبِيهِ.
وَابْتِدَاءُ الْكَلَامِ بِ اسْتَمِعْ يُفِيد توثيقا إِلَى مَا يَرِدُ بَعْدَهُ عَلَى كُلِّ احْتِمَالٍ. وَالْأَمْرُ بِالِاسْتِمَاعِ حَقِيقَتُهُ: الْأَمْرُ بِالْإِنْصَاتِ وَالْإِصْغَاءِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ ثَلَاثُ طُرُقٍ فِي مَحْمَلِ اسْتَمِعْ، فَالَّذِي نَحَاهُ الْجُمْهُورُ حمل الِاسْتِمَاع على حَقِيقَته وَإِذْ كَانَ الْمَذْكُورُ عَقِبَ فِعْلِ السَّمْعِ لَا يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا لِأَنَّ الْيَوْمَ لَيْسَ مِمَّا يُسْمَعُ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مَفْعُولٍ لِ اسْتَمِعْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الَّذِي بَعْدَهُ فَيُقَدَّرُ: اسْتَمِعْ نِدَاءَ الْمُنَادِي، أَوِ اسْتَمِعْ خَبَرَهُمْ، أَوِ اسْتَمِعِ الصَّيْحَةَ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ فِعْلَ اسْتَمِعْ مُنْزَلًا مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، أَيْ كُنْ سَامِعًا وَيَتَوَجَّهُ عَلَى تَفْسِيرِهِ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْأَمْرِ بِالِاسْتِمَاعِ تَخْيِيلًا لِصَيْحَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي صُورَةِ الْحَاصِلِ بِحَيْثُ يُؤْمَرُ الْمُخَاطَبُ بِالْإِصْغَاءِ إِلَيْهَا فِي الْحَالِ كَقَوْلِ مَالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعَانِي الْهَوَى مِنْ أَهْلِ وُدِّي وَجِيرَتِي ... بِذِي الطَّبَسَيْنِ فَالْتَفَتُّ وَرَائِيَا
وَنَحَا ابْنُ عَطِيَّةَ حَمْلَ اسْتَمِعْ عَلَى الْمَجَازِ، أَيِ انْتَظِرْ. قَالَ: «لِأَن مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يَسْتَمِعَ فِي يَوْمِ النِّدَاءِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ فِيهِ يَسْتَمِعُ وَإِنَّمَا الْآيَةُ فِي مَعْنَى الْوَعِيدِ لِلْكُفَّارِ فَقيل لمُحَمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَسَّسْ هَذَا الْيَوْمَ وَارْتَقِبْهُ فَإِنَّ فِيهِ تَبِينُ صِحَّةُ مَا قُلْتَهُ» اهـ. وَلَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَمِثْلُهُ فِي «تَفْسِيرِ الْفَخْرِ» وَفِي «تَفْسِيرِ النَّسَفِيِّ» . وَلَعَلَّهُمَا اطَّلَعَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا مُتَأَخِّرَانِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ وهما وَإِن كَانَا مَشْرِقِيَّيْنِ فَإِنَّ الْكُتُبَ تُنْقَلُ بَيْنَ الْأَقْطَارِ.
ولَلزَّمَخْشَرِيِّ طَرِيقَةٌ أُخْرَى فَقَالَ «يَعْنِي: وَاسْتَمِعْ لِمَا أَخْبَرَكَ بِهِ مِنْ حَالِ يَوْمِ
(26/329)

الْقِيَامَةِ. وَفِي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ وَتَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الْمُخْبَرِ بِهِ كَمَا
رُوِيَ أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ «يَا مُعَاذُ اسْمَعْ مَا أَقُولُ لَكَ ثُمَّ حَدَّثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ»
. وَلَمْ أَرَ مَنْ سَبْقَهُ إِلَى هَذَا وَهُوَ مَحْمَلٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ.
وَاللَّائِقُ بِالْجَرْيِ عَلَى الْمَحَامِلِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنْ يكون يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مُبْتَدَأً وَفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ بِنَاءٍ لِأَنَّهُ اسْمُ زَمَانٍ أُضِيفَ إِلَى جُمْلَةٍ فَيَجُوزُ فِيهِ الْإِعْرَابُ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْفَتْحِ، وَلَا يُنَاكِدُهُ أَنَّ فِعْلَ الْجُمْلَةِ مُضَارِعٌ لِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ ذَلِكَ وَارِدٌ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ وَهُوَ قَوْلُ نُحَاةِ الْكُوفَةِ وَابْنِ مَالِكٍ وَلَا رِيبَةَ فِي أَنَّهُ الْأَصْوَبُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [الْمَائِدَة: 119] فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ بِفَتْحِ يَوْمَ.
وَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بَدَلٌ مُطَابَقٌ من يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ وَقَوْلُهُ: ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ.
وَلَكَ أَنْ تجْعَل يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مَفْعُولًا فِيهِ لِ اسْتَمِعْ وَإِعْرَابُ مَا بَعْدَهُ ظَاهِرٌ.
وَلَكَ أَنْ تجْعَل يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ ظَرْفًا فِي مَوْقِعِ الْخَبَرِ الْمُقَدَّمِ وَتَجْعَلَ الْمُبْتَدَأَ قَوْلَهُ: ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ وَيَكُونُ تَقْدِيرُ النَّظْمِ: وَاسْتَمِعْ ذَلِكَ يَوْمَ الْخُرُوجِ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي إِلَخْ، وَيَكُونُ اسْمُ الْإِشَارَةِ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ، أَوْ رَاجِعًا إِلَى يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي، فَإِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْهُ فِي الْمَعْنَى وَاسْمُ الْإِشَارَةِ يَكْتَفِي بِالتَّقَدُّمِ اللَّفْظِيِّ بَلْ يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الْخُطُورِ فِي الذِّهْنِ. وَفِي «تَفْسِيرِ النَّسَفِيِّ» أَنَّ يَعْقُوبَ أَيِ الْحَضْرَمِيَّ أَحَدَ أَصْحَابِ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَقَفَ عَلَى قَوْلِهِ وَاسْتَمِعْ.
وتعريف الْمُنادِ تَعْرِيف الْجِنْسِ، أَيْ يَوْمَ يُنَادِي مُنَادٍ، أَيْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ الْمَلَكُ الَّذِي يَنْفُخُ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ فَتَتَكَوَّنُ الْأَجْسَادُ وَتَحِلُّ فِيهَا أَرْوَاحُ النَّاسِ لِلْحَشْرِ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68] .
وَتَنْوِينُ مَكانٍ قَرِيبٍ لِلنَّوْعِيَّةِ إِذْ لَا يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِتَعْيِينِهِ، وَوَصْفُهُ بِ قَرِيبٍ لِلْإِشَارَةِ إِلَى سُرْعَةِ حُضُورِ الْمُنَادَيْنَ، وَهُوَ الَّذِي فَسَّرَتْهُ جُمْلَةُ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ
(26/330)

لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ النِّدَاءَ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ لَا يَخْفَى عَلَى السَّامِعِينَ بِخِلَافِ النداء من كَانَ بَعِيدٍ.
وبِالْحَقِّ بِمَعْنَى: بِالصِّدْقِ وَهُوَ هُنَا الْحَشْرُ، وُصِفَ بِالْحَقِّ إِبْطَالًا لِزَعْمِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ اخْتِلَاقٌ.
وَالْخُرُوجُ: مُغَادَرَةُ الدَّارِ أَوِ الْبَلَدِ، وَأُطْلِقَ الْخُرُوجُ عَلَى التَّجَمُّعِ فِي الْمَحْشَرِ لِأَنَّ الْحَيَّ إِذَا نَزَحُوا عَنْ أَرْضِهِمْ قِيلَ: خَرَجُوا، يُقَالُ: خَرَجُوا بِقَضِّهِمْ وَقَضِيضِهِمْ.
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ جِيءَ بِهِ لِتَهْوِيلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ وَهُوَ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ فَأُرِيدَ
كَمَالُ الْعِنَايَةِ بِتَمْيِيزِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِهَذَا الْخَبَرِ الْعَظِيمِ. وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ يَوْمُ الْخُرُوجِ.
ويَوْمُ الْخُرُوجِ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ عَلَى يَوْمِ الْبَعْثِ، أَيِ الْخُرُوجِ مِنَ الْأَرْضِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ تَذْيِيلٌ، أَيْ هَذَا الْإِحْيَاءُ بَعْدَ أَنْ أَمَتْنَاهُمْ هُوَ من شؤوننا بِأَنَّا نُحْيِيهِمْ وَنُحْيِي غَيْرَهُمْ وَنُمِيتُهُمْ وَنُمِيتُ غَيْرَهُمْ.
وَالْمَقْصُودُ هُوَ قَوْلُهُ: وَنُمِيتُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: نُحْيِي فَإِنَّهُ لِاسْتِيفَاءِ مَعْنَى تَصَرُّفِ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ.
وَتَقْدِيمُ إِلَيْنَا فِي إِلَيْنَا الْمَصِيرُ لِلِاهْتِمَامِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْمَصِيرُ إِمَّا تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، أَيْ كُلُّ شَيْءٍ صَائِرٌ إِلَى مَا قَدَّرْنَاهُ لَهُ وَأَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ نَامُوسُ الْفَنَاءِ الْمَكْتُوبُ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْيَاءِ وَإِمَّا تَعْرِيفُ الْعَهْدِ، أَيِ الْمَصِيرُ الْمُتَحَدَّثُ عَنْهُ، وَهُوَ الْمَوْتُ لِأَنَّ الْمَصِيرَ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ.
وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ إِلَى قَوْلِهِ الْمَصِيرُ مَكَانٌ قَرِيبٌ هِيَ مَعَ مَا تُفِيدُهُ مِنْ تَسْلِيَة الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَشِّرٌ بِطَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ الْبَدِيعِيِّ إِلَى تَهْدِيدِ الْمُشْرِكِينَ بِعَذَابٍ يَحُلُّ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا عَقِبَ نِدَاءٍ يُفْزِعُهُمْ فَيَلْقَوْنَ إِثْرَهُ حَتْفَهُمْ، وَهُوَ عَذَابُ يَوْمِ بَدْرٍ فخوطب النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَرَقُّبِ يَوْمٍ يُنَادِيهِمْ فِيهِ مُنَادٍ إِلَى الْخُرُوجِ وَهُوَ نِدَاءُ الصَّرِيخِ الَّذِي صَرَخَ بِأَبِي جَهْلٍ وَمَنْ مَعَهُ بِمَكَّةَ بِأَنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ وَفِيهَا أَبُو سُفْيَانَ قَدْ لَقِيَهَا الْمُسْلِمُونَ بِبَدْرٍ وَكَانَ الْمُنَادِي
(26/331)

يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44)
ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ إِذْ جَاءَ عَلَى بَعِيرِهِ فَصَرَخَ بِبَطْنِ الْوَادِي: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ.
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ سِرَاعًا وَخَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ. فَالْمَكَانُ الْقَرِيبُ هُوَ بَطْنُ الْوَادِي فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ.
وَالْخُرُوجُ: خُرُوجُهُمْ لِبَدْرٍ، وَتَعْرِيفُ الْيَوْمِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخُرُوجِ لِتَهْوِيلِ أَمْرِ ذَلِكَ الْخُرُوجِ الَّذِي كَانَ اسْتِئْصَالُ سَادَتِهِمْ عَقِبَهُ. وَتَكُونُ جُمْلَةُ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَعِيدًا بِأَنَّ اللَّهَ يُمِيتُ سَادَتَهُمْ وَأَنَّهُ يُبْقِي مَنْ قَدَّرَ إِسْلَامَهُ فِيمَا بَعْدُ فَهُوَ يُحْيِيهِ إِلَى يَوْمِ أَجْلِهِ.
وَكُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ الْمُنادِ بِدُونِ يَاءٍ. وَقَرَأَهَا نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَر بِدُونِ يَاء فِي الْوَصْل وبالياء فِي الْوَقْفِ، وَذَلِكَ جَارٍ عَلَى اعْتِبَارٍ أَنَّ الْعَرَبَ يُعَامِلُونَ الْمَنْقُوصَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ مُعَامَلَةَ الْمُنَكَّرِ وَخَاصَّةً فِي الْأَسْجَاعِ وَالْفَوَاصِلِ فَاعْتَبَرُوا عَدَمَ رَسْمِ الْيَاءِ فِي
آخِرِ الْكَلِمَةِ مُرَاعَاةً لِحَالِ الْوَقْفِ كَمَا هُوَ غَالِبُ أَحْوَالِ الرَّسْمِ لِأَنَّ الْأَسْجَاعَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى سُكُونِ الْأَعْجَازِ. وَقَرَأَهَا عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ وَخَلَفٌ بِحَذْفِ الْيَاءِ وَصْلًا وَوَقْفًا لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُعَامِلُ الْمَنْقُوصَ الْمُعَرَّفَ مُعَامَلَةَ الْمُنَكَّرِ. وَقَرَأَهَا ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ بِالْيَاءِ وَصْلًا وَوَقْفًا اعْتِبَارًا بِأَنَّ رَسْمَ الْمُصْحَفِ قَدْ يُخَالِفُ قِيَاسَ الرَّسْمِ فَلَا يُخَالَفُ قِيَاسُ اللَّفْظ لأَجله.
[44]

[سُورَة ق (50) : آيَة 44]
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (44)
إِنْ جَرَيْتَ عَلَى أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ أَفَادَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَيَانًا لِجُمْلَةِ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق: 42] أَوْ بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنْهَا مَعَ مَا فِي الْمَعَادِ مِنْهَا مِنْ تَأْكِيدٍ لِمُرَادِفِهِ. وَإِنْ جَرَيْتَ عَلَى مَا ارْتَأَيْتُهُ فِي مَحْمَلِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ أَفَادَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا اسْتِدْلَالًا عَلَى إِمْكَانِ الْحَشْرِ وَوَصْفِ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ وَهُوَ تَشَقُّقُ الْأَرْضِ عَنْهُمْ، أَيْ عَنْ أَجْسَادٍ مَثِيلَةٍ لِأَجْسَادِهِمْ وَعَنِ الْأَجْسَادِ الَّتِي لَمْ يَلْحَقْهَا الْفَنَاءُ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ تَشَقَّقُ بِفَتْحِ التَّاءِ
(26/332)

نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)
وَتَشْدِيدِ الشِّينِ. وَأَصْلُهُ تَتَشَقَّقُ بِتَاءَيْنِ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ فِي الشِّينِ بَعْدَ قَلْبِهَا شينا لتقارب مخرجيها. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلَى حَذْفِ تَاءِ التَّفَعُّلِ لِاسْتِثْقَالِ الْجَمْعِ بَيْنَ تَاءَيْنِ.
وسِراعاً حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ عَنْهُمْ وَهُوَ جَمْعُ سَرِيعٍ، أَيْ سِرَاعًا فِي الْخُرُوجِ أَوْ فِي الْمَشْيِ الَّذِي يَعْقُبُهُ إِلَى مَحَلِّ الْحِسَابِ.
وَالْقَوْلُ فِي إِعْرَابِ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ كَالْقَوْلِ فِي إِعْرَابِ قَوْله: يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ [ق: 41] إِلَى ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِثْلُهُ.
وَتَقَدُّمُ الْمَجْرُورِ فِي عَلَيْنا لِلِاخْتِصَاصِ، أَيْ هُوَ يَسِيرٌ فِي جَانِبِ قُدْرَتِنَا لَا كَمَا زَعَمَهُ نفاة الْحَشْر.
[45]

[سُورَة ق (50) : آيَة 45]
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (45)
اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَنْ قَوْلِهِ فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ [ق: 39] فَهُوَ إِيغَالٌ فِي تَسْلِيَة
النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَعْرِيضٌ بِوَعِيدِهِمْ، فَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي وعد الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ اللَّهَ سَيُعَاقِبُ أَعْدَاءَهُ.
وَقَوْلُهُ: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ تطمين للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ غير مسؤول عَنْ عَدَمِ اهْتِدَائِهِمْ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بُعِثَ دَاعِيًا وَهَادِيًا، وَلَيْسَ مَبْعُوثًا لِإِرْغَامِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْجَبَّارُ مُشْتَقٌّ مِنْ جَبَرَهُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَعْنَى أَكْرَهَهُ. وَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ بالتذكير لِأَنَّهُ ناشىء عَنْ نَفْيِ كَوْنِهِ جَبَّارًا عَلَيْهِمْ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: 21، 22] ، وَلَكِنْ خُصَّ التَّذْكِيرُ هُنَا بِالْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ أَرَادَ التَّذْكِيرَ الَّذِي يَنْفَعُ الْمُذَكَّرَ. فَالْمَعْنَى:
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات:
45] .
وَكُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ وَعِيدِ بِدُونِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ فَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِدُونِ يَاءٍ فِي
(26/333)

الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ حَذْفِ التَّخْفِيفِ. وَقَرَأَهُ وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ. وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ.
(26/334)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

51- سُورَةُ الذَّارِيَاتِ
تُسَمَّى هَذِهِ السُّورَةُ «وَالذَّارِيَاتِ» بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ تَسْمِيَةً لَهَا بِحِكَايَةِ الْكَلِمَتَيْنِ الْوَاقِعَتَيْنِ فِي أَوَّلِهَا وَبِهَذَا عَنْوَنَهَا الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ «صَحِيحِهِ» وَابْنُ عَطِيَّةَ فِي «تَفْسِيرِهِ» وَالْكَوَاشِيُّ فِي «تَلْخِيصِ التَّفْسِيرِ» وَالْقُرْطُبِيُّ. وَتُسَمَّى أَيْضًا «سُورَةُ الذَّارِيَاتِ» بِدُونِ الْوَاوِ اقْتِصَارًا عَلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ فِي غَيْرِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ عَنْوَنَهَا التِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا مِنْ مَشْرِقِيَّةٍ وَمَغْرِبِيَّةٍ قَدِيمَةٍ. وَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَمْ تَقَعْ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ فِي غَيْرِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَدْ عُدَّتِ السُّورَةَ السَّادِسَةَ وَالسِّتِّينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْأَحْقَافِ وَقَبْلَ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ.
وَاتَّفَقَ أَهْلُ عَدِّ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ آيَهَا سِتُّونَ آيَةً.

أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةُ
احْتَوَتْ عَلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ. وَإِبْطَالِ مَزَاعِمِ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ وَبِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَمْيِهِمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ. وَوَعِيدِهِمْ بِعَذَابٍ يَفْتِنُهُمْ.
(26/335)

وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)
وَوَعْدِ الْمُؤْمِنِينَ بِنَعِيمِ الْخُلْدِ وَذِكْرِ مَا اسْتَحَقُّوا بِهِ تِلْكَ الدَّرَجَةَ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ.
ثُمَّ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَعَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ بِمَا فِي بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي يُشَاهِدُونَهَا وَيُحِسُّونَ بِهَا دَالَّةً عَلَى سَعَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ إِعَادَةِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ فَنَائِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ إِلَّا لِجَزَائِهِ.
وَالتَّعْرِيضِ بِالْإِنْذَارِ بِمَا حَاقَ بِالْأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَ اللَّهِ، وَبَيَانِ الشَّبَهِ التَّامِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
أُولَئِكَ. وَتَلْقِينِ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ الرُّجُوعَ إِلَى اللَّهِ وَتَصْدِيقِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَبْذِ الشِّرْكِ. وَمَعْذِرَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبِعَةِ إِعْرَاضِهِمْ وَالتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِكُفْرَانِ نِعْمَةِ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ. وَوَعِيدِهِمْ عَلَى ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا حلّ بأمثالهم.
[1- 6]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 1 إِلَى 6]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (1) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (2) فَالْجارِياتِ يُسْراً (3) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (4)
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (6)
الْقَسَمُ الْمُفْتَتَحُ بِهِ مُرَادٌ مِنْهُ تَحْقِيقُ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وَتَأْكِيدُ وُقُوعِهِ وَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِعَظِيمٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى قَسَمٌ بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَمُتَضَمِّنٌ تَشْرِيفَ تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ بِمَا فِي أَحْوَالِهَا مِنْ نِعَمٍ وَدَلَالَةٍ عَلَى الْهُدَى وَالصَّلَاحِ، وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فِيمَا أَوْجَدَ فِيهَا.
وَالْمُقْسَمُ بِهَا الصِّفَات تَقْتَضِي موصفاتها، فَآلَ إِلَى الْقَسَمِ بِالْمَوْصُوفَاتِ لِأَجْلِ تِلْكَ الصِّفَاتِ الْعَظِيمَةِ. وَفِي ذَلِكَ إِيجَازٌ دَقِيقٌ، عَلَى أَنَّ فِي طَيِّ ذِكْرِ الْمَوْصُوفَاتِ تَوْفِيرًا لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الصِّفَاتُ مِنْ مَوْصُوفَاتٍ صَالِحَةٍ بِهَا لِتَذْهَبَ أَفْهَامُ السَّامِعِينَ فِي تَقْدِيرِهَا كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ.
(26/336)

وَعَطْفُ تِلْكَ الصِّفَاتِ بِالْفَاءِ يَقْتَضِي تَنَاسُبَهَا وَتَجَانُسَهَا، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَاتٍ لِجِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي عَطْفِ الصِّفَاتِ بِالْفَاءِ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيَابَةَ:
يَا لَهَفَ زَيَّابَةَ (1) لِلْحَارِثِ (2) الصَّ ... ابِحِ فَالْغَانِمِ فَالْآيِبِ (3)
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةَ الْمَوْصُوفَاتِ إِلَّا أَنَّ مَوْصُوفَاتِهَا مُتَقَارِبَةٌ مُتَجَانِسَةٌ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ... فَتَوْضِحَ فَالْمِقْرَاةِ ...

وَقَوْلُ لَبِيدٍ:
بِمَشَارِقِ الْجَبَلَيْنِ أَوْ بِمُحَجَّرٍ ... فَتَضَمَّنَتْهَا فَرْدَةٌ فَرُخَامُهَا
فَصَوَائِقٌ إِنْ أَيْمَنَتْ ... ... ... الْبَيْتَ
وَيَكْثُرُ ذَلِكَ فِي عَطْفِ الْبِقَاعِ الْمُتَجَاوِرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الصافات.
وَاخْتلف أيمة السَّلَفِ فِي مَحْمَلِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَمَوْصُوفَاتِهَا. وَأَشْهَرُ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ الذَّارِياتِ الرِّيَاح لِأَنَّهَا تذور التُّرَاب، وفَالْحامِلاتِ وِقْراً: السَّحَاب، وفَالْجارِياتِ: السفن، وفَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الْأَجْنَاسِ الْمُقْسَمِ بِهَا.
وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ كُلَّ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ يُسَبِّبُ ذِكْرَ الْمَعْطُوفِ لِالْتِقَائِهِمَا فِي الْجَامِعِ الْخَيَالِيِّ، فالرياح تذكّر بِالْحِسَابِ، وَحَمْلُ السَّحَابِ وَقْرَ الْمَاءِ يُذَكِّرُ بِحَمْلِ السُّفُنِ، وَالْكُلُّ يُذَكِّرُ بِالْمَلَائِكَةِ. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ جَعْلَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعِ وَصْفًا لِلرِّيَاحِ قَالَهُ فِي «الْكَشَّافِ» وَنُقِلَ بَعْضُهُ عَنِ الْحَسَنِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْفَخْرُ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِعَطْفِ الصِّفَاتِ بِالْفَاءِ.
_________
(1) يُرِيد: أمه وَاسْمهَا زيّابة.
(2) هُوَ الْحَارِث بن همام الشَّيْبَانِيّ، وَهُوَ شَاعِر قديم جاهلي وَكَانَ بَينه وَبَين ابْن زيّابة عَدَاوَة.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات هِيَ جَوَاب عَن هجاء هجاه بِهِ الْحَارِث.
(3) تهكم بِالْحَارِثِ.
(26/337)

فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُحْمَلَ الذَّرْوُ عَلَى نَشْرِ قِطَعِ السَّحَابِ نَشْرًا يُشْبِهُ الذَّرْوَ. وَحَقِيقَةُ الذَّرْوِ رَمْيُ أَشْيَاءَ مُجْتَمِعَةٍ تُرْمَى فِي الْهَوَاءِ لِتَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلَ الْحَبِّ عِنْدَ الزَّرْعِ وَمِثْلَ الصُّوفِ وَأَصْلُهُ ذَرْوُ الرِّيَاحِ التُّرَابَ فَشُبِّهَ بِهِ دَفْعُ الرِّيحِ قِطَعَ السَّحَابِ حَتَّى تَجْتَمِعَ فَتَصِيرَ سَحَابًا كَامِلًا فَالذَّارِيَاتُ تَنْشُرُ السَّحَابَ ابْتِدَاءً كَمَا قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ [الرّوم: 48] . وَالذَّرْوُ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَةِ الرِّيَاحِ فَإِنَّ كَوْنَ الْمَذْرُوِّ سَحَابًا يُؤَوَّلُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ أَحْوَالِ السَّحَابِ وَقِيلَ ذَرْوُهَا التُّرَابَ وَذَلِكَ قَبْلَ نَشْرِهَا السُّحُبَ وَهُوَ مُقَدِّمَةٌ لِنَشْرِ السَّحَابِ.
وَنَصْبُ ذَرْواً عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ لِإِرَادَةِ تَفْخِيمِهِ بِالتَّنْوِينِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَيِ الْمَذْرُوِّ، وَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلَى الْمَفْعُول بِهِ.
وفَالْحامِلاتِ وِقْراً هِيَ الرِّيَاحُ حِينَ تَجَمُّعِ السَّحَابِ وَقَدْ ثَقُلَ بِالْمَاءِ، شَبَّهَ جَمْعَهَا إِيَّاهُ بِالْحَمْلِ لِأَنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ أَنْ يَحْمِلَهُ الْحَامِلُ، وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [الرّوم: 48] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ [الرَّعْد: 12] وَقَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [النُّور: 43] .
وَالْوِقْرُ بِكَسْرِ الْوَاوِ: الشَّيْءُ الثَّقِيلُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحَامِلَاتُ الْأَسْحِبَةَ الَّتِي مُلِئَتْ بِبُخَارِ الْمَاءِ الَّذِي يَصِيرُ مَطَرًا،
عُطِفَتْ بِالْفَاءِ عَلَى الذَّارِيَاتِ بِمَعْنَى الرِّيَاحِ لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ عَنْهَا فَكَأَنَّهَا هِيَ.
وفَالْجارِياتِ يُسْراً: الرِّيَاحُ تَجْرِي بِالسَّحَابِ بَعْدَ تَرَاكُمِهِ وَقَدْ صَارَ ثَقِيلًا بِمَاءِ الْمَطَرِ، فَالتَّقْدِيرُ: فَالْجَارِي بِذَلِكَ الْوِقْرِ يُسْرًا.
وَمَعْنَى الْيُسْرِ: اللِّينُ وَالْهَوْنُ، أَيِ الْجَارِيَاتُ جَرْيًا لَيِّنًا هَيِّنًا شَأْنَ السَّيْرِ بِالثِّقَلِ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا ... مَشْيُ السَّحَابَةِ لَا ريث وَلَا رَيْثٌ وَلَا عَجَلُ
فَ يُسْراً وَصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ نُصِبَ عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُول الْمُطلق.
وفَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً الرِّيَاحُ الَّتِي تَنْتَهِي بِالسَّحَابِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَبْلُغُ
(26/338)

عِنْدَهُ نُزُولُ مَا فِي السَّحَابِ مِنَ الْمَاءِ أَوْ هِيَ السُّحُبُ الَّتِي تُنْزِلُ مَا فِيهَا مِنَ الْمَطَرِ عَلَى مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ.
وَإِسْنَادُ التَّقْسِيمِ إِلَيْهَا عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ مَجَازٌ بِالْمُشَابَهَةِ. وَرُوِيَ عَن الْحسن فَالْمُقَسِّماتِ السحب بقسم اللَّهُ بِهَا أَرْزَاقَ الْعِبَادِ» اه. يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنْزَلَنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُبارَكاً إِلَى قَوْلِهِ: رِزْقاً لِلْعِبادِ فِي سُورَةِ ق [9- 11] .
وَمِنْ رَشَاقَةِ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ فِيهِ مُنَاسَبَةً بَيْنَ الْمُقْسَمِ بِهِ وَالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ فَإِنَّ أَحْوَالَ الرِّيَاحِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا مَبْدَؤُهَا: نَفْخٌ، فَتَكْوِينٌ، فَإِحْيَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْبَعْثُ مَبْدَؤُهُ: نَفْخٌ فِي الصُّورِ، فَالْتِئَامُ أَجْسَادِ النَّاسِ الَّتِي كَانَتْ مَعْدُومَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً، فَبَثُّ الْأَرْوَاحَ فِيهَا فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. وَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
أَمْراً إِشَارَةً إِلَى مَا يُقَابِلُهُ فِي الْمِثَالِ مِنْ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ وَهُوَ الرُّوحُ لِقَوْلِهِ: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الْإِسْرَاء: 85] .
وَ (مَا) مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّما تُوعَدُونَ مَوْصُولَةٌ، أَيْ إِنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ لِصَادِقٌ. وَالْخِطَابُ فِي تُوعَدُونَ لِلْمُشْرِكِينَ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّأْكِيدِ بِالْقَسَمِ وَكَمَا يَقْتَضِيهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات: 8] .
فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ تُوعَدُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الْوَعِيدِ الَّذِي مَاضِيهِ (أوعد) ، وَهُوَ يبْنى لِلْمَجْهُولِ فَأصل تُوعَدُونَ تؤوعدون بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ تَاءِ الْمُضَارَعَةِ وَوَاوٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ هِيَ عَيْنُ فِعْلِ (أَوْعَدَ) وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ لِأَجْلِ الْبِنَاءِ الْمَجْهُولِ فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ عَلَى مَا هُوَ الْمُطَّرِدُ مِنْ حَذْفِ هَمْزَةِ أُفْعِلُ فِي الْمُضَارِعِ مِثْلَ تُكْرِمُونَ، وَسَكَنَتِ الْوَاوُ سُكُونًا مَيِّتًا لِأَجْلِ وُقُوعِ الضَّمَّةِ قَبْلَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ سُكُونُهَا حَيًّا فَصَارَ تُوعَدُونَ ووزنه تافعلون.
وَالَّذِي أُوعِدُوهُ عَذَابُ الْآخِرَةِ وَعَذَابُ الدُّنْيَا مِثْلُ الْجُوعِ فِي سِنِي الْقَحْطِ السَّبْعِ الَّذِي هُوَ دَعْوَةُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ
بِقَوْلِهِ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينًا كَسِنِينِ يُوسُفَ)
وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ الْآيَةُ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ [10، 11] . وَمِثْلُ عَذَابِ السَّيْفِ وَالْأَسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [الدُّخان: 16] .
(26/339)

وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9)
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تُوعَدُونَ مِنَ الْوَعْدِ، أَيِ الْإِخْبَارِ بِشَيْءٍ يَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِثْلَ قَوْلِهِ: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [لُقْمَان: 33] فَوَزْنُهُ تُفْعَلُونَ. وَالْمُرَادُ بِالْوَعْدِ الْوَعْدُ بِالْبَعْثِ.
وَوَصْفُ لَصادِقٌ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ إِذِ الصَّادِقُ هُوَ الْمُوعَدُ بِهِ عَلَى نَحْوِ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الجاثية: 21] .
وَالدِّينُ: الْجَزَاءُ. وَالْمُرَادُ إِثْبَاتُ الْبَعْثِ الَّذِي أَنْكَرُوهُ.
وَمَعْنَى لَواقِعٌ وَاقِعٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ جَعْلِهِ مُرَتَّبًا فِي الذِّكْرِ عَلَى مَا يُوعَدُونَ وَإِنَّمَا يَكُونُ حُصُولُ الْمَوْعُودِ بِهِ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ وَفِي ذِكْرِ الْجَزَاءِ زِيَادَةٌ عَلَى الْكِنَايَةِ بِهِ عَنْ إِثْبَاتِ الْبَعْثِ تَعْرِيضٌ بِالْوَعِيدِ عَلَى إِنْكَارِ الْبَعْثِ.
وَكُتِبَ فِي الْمَصَاحِفِ إِنَّما مُتَّصِلَةً وَهُوَ عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ الرَّسْمِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدُ لِأَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ لَمْ تَصِيرَا كَلِمَةً وَاحِدَةً، بِخِلَافِ إِنَّمَا الَّتِي هِيَ لِلْقَصْرِ. وَلَمْ يَكُنِ الرَّسْمُ فِي زَمَنِ كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ فِي أَيَّامِ الْخَلِيفَةِ عُثْمَانَ قَدْ بَلَغَ تَمام ضَبطه.
[7- 9]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 7 إِلَى 9]
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9)
هَذَا قَسَمٌ أَيْضًا لِتَحْقِيقِ اضْطِرَابِ أَقْوَالِهِمْ فِي الطَّعْنِ فِي الدِّينِ وَهُوَ كَالتَّذْيِيلِ لِلَّذِي قَبْلَهُ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ خَاصٌّ بِإِثْبَاتِ الْجَزَاءِ. وَهَذَا يَعُمُّ إِبْطَالَ أَقْوَالِهِمُ الضَّالَّةِ فَالْقَسَمُ لِتَأْكِيدِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ شَاعِرِينَ بِحَالِهِمُ الْمُقْسَمِ عَلَى وُقُوعِهِ، وَمُتَهَالِكُونَ عَلَى الِاسْتِزَادَةِ مِنْهُ، فَهُمْ مُنْكِرُونَ لِمَا فِي أَقْوَالِهِمْ مِنِ اخْتِلَافٍ وَاضْطِرَابٍ جَاهِلُونَ بِهِ جَهْلًا مُرَكَّبًا وَالْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ إِنْكَارٌ لِلْعِلْمِ الصَّحِيحِ. وَالْقَوْلُ فِي الْقَسَمِ بِ السَّماءِ كَالْقَوْلِ فِي الْقَسَمِ ب الذَّارِياتِ [الذَّارِيَاتِ: 1] .
وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْقَسَمِ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ فِي وَصْفِ السَّمَاءِ بِأَنَّهَا ذَاتُ حُبُكٍ، أَيْ طَرَائِقَ لِأَنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ: إِنَّ قَوْلَهُمْ مُخْتَلِفٌ طَرَائِقَ قِدَدًا وَلِذَلِكَ وَصَفَ الْمُقْسَمَ بِهِ لِيَكُونَ إِيمَاءً إِلَى نَوْعِ جَوَابِ الْقَسَمِ.
(26/340)

وَالْحُبُكُ: بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِبَاكٍ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ وَمِثَالٍ وَمُثُلٍ، أَوْ جَمْعُ حَبِيكَةٍ مِثْلُ طَرِيقَةٍ وَطُرُقٍ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْحُبُكِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ إِجَادَةُ النَّسْجِ وَإِتْقَانُ الصُّنْعِ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِحُبُكِ السَّمَاءِ نُجُومُهَا لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الطَّرَائِقَ الْمُوَشَّاةَ فِي الثَّوْبِ الْمَحْبُوكِ الْمُتْقَنِ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقِيلَ الْحُبُكُ: طَرَائِقُ الْمَجَرَّةِ الَّتِي تَبْدُو لَيْلًا فِي قُبَّةِ الْجَوِّ.
وَقِيلَ: طَرَائِقُ السَّحَابِ. وَفُسِّرَ الْحُبُكُ بِإِتْقَانِ الْخَلْقِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْحُبُكَ مَصْدَرًا أَوِ اسْمَ مَصْدَرٍ، وَلَعَلَّهُ مِنَ النَّادِرِ. وَإِجْرَاءُ هَذَا الْوَصْفِ عَلَى السَّمَاءِ إِدْمَاجٌ أُدْمِجَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الِامْتِنَانِ بِحُسْنِ الْمَرْأَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ رِوَايَةً رُويَتْ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ الْحُبُكِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَضَمَّ الْبَاءِ وَهِيَ غَيْرُ جَارِيَةٍ عَلَى لُغَةٍ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ. وَجعل بعض أيمة اللُّغَةِ الْحِبُكَ شَاذًّا فَالظَّنُّ أَنَّ رَاوِيَهَا أَخْطَأَ لِأَنَّ وَزْنَ فِعُلٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ وَزْنٌ مُهْمَلٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ كُلِّهِمْ لِشِدَّةٍ ثِقَلِ الِانْتِقَالِ مِنَ الْكَسْرِ إِلَى الضَّمِّ مِمَّا سَلِمَتْ مِنْهُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ. وَوُجِّهَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ بِأَنَّهَا مِنْ تَدَاخُلِ اللُّغَاتِ وَهُوَ تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ إِعْمَالَ تَدَاخُلِ اللُّغَتَيْنِ إِنَّمَا يُقْبَلُ إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى زِنَةٍ مَهْجُورَةٍ لِأَنَّهَا إِذَا هُجِرَتْ بِالْأَصَالَةِ فَهَجْرُهَا فِي التَّدَاخُلِ أَجْدَرُ وَوَجَّهَهَا أَبُو حَيَّانَ بِاتِّبَاعِ حَرَكَةِ الْحَاءِ لِحَرَكَةِ تَاءِ ذاتِ وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْ تَوْجِيهِ تَدَاخُلِ اللُّغَتَيْنِ فَلَا جَدْوَى فِي التَّكَلُّفِ.
وَالْقَوْلُ الْمُخْتَلِفُ: الْمُتَنَاقِضُ الَّذِي يُخَالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَيَقْتَضِي بَعْضُهُ إِبْطَالَ بَعْضِ الَّذِي هُمْ فِيهِ هُوَ جَمِيعُ أَقْوَالِهِمْ وَالْقُرْآنُ وَالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ أَقْوَالُهُمْ فِي دِينِ الْإِشْرَاكِ فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ مُضْطَرِبَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ فَقَالُوا الْقُرْآنُ: سِحْرٌ وَشِعْرٌ، وَقَالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها [الْفرْقَان: 5] ، وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص: 7] ، وَقَالُوا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا [الْأَنْفَال: 31] وَقَالُوا: مَرَّةً فِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت: 5] وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَقَالُوا: وَحْيُ الشَّيَاطِينِ.
وَقَالُوا فِي الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَالًا: شَاعِرٌ، سَاحِرٌ، مَجْنُونٌ، كَاهِنٌ، يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا يُلَقِّبُونَهُ الْأَمِينَ.
(26/341)

وَقَالُوا فِي أُصُولِ شِرْكِهِمْ بِتَعَدُّدِ الْآلِهَةِ مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَقَالُوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ [الزمر: 3] ، وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [الْأَعْرَاف: 28] .
وَ (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ وَهِيَ شِدَّةُ الْمُلَابَسَةِ الشَّبِيهَةِ بِمُلَابَسَةِ الظَّرْفِ لِلْمَظْرُوفِ مِثْلَ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الْبَقَرَة: 15] .
وَالْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ الْكِنَايَةُ عَنْ لَازِمِ الِاخْتِلَافِ وَهُوَ التَّرَدُّدُ فِي الِاعْتِقَادِ، وَيَلْزَمُهُ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ وَذَلِكَ مَصَبُّ التَّأْكِيدِ بِالْقَسَمِ وَحَرْفِ (إِنَّ) وَاللَّامِ.
ويُؤْفَكُ: يُصْرَفُ. وَالْأَفْكُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ: الصَّرْفُ. وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الصَّرْفِ عَنْ أَمْرٍ حَسَنٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ كَمَا فِي «اللِّسَانِ» ، وَهُوَ ظَاهر كَلَام أيمة اللُّغَةِ وَالْفَرَّاءِ وَشَمَرٍ وَذَلِكَ مَدْلُولُهُ فِي مَوَاقِعِهِ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَجُمْلَةُ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلِّ صِفَةٍ ثَانِيَةٍ لِ قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ [الذاريات: 6] ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَةِ الْبَيَانِيَّةِ وَالْجُمْلَةِ الْمُبَيَّنِ عَنْهَا. ثُمَّ إِنَّ لَفْظَ قَوْلٍ يَقْتَضِي شَيْئًا مَقُولًا فِي شَأْنِهِ فَإِذْ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَ قَوْلٍ مَا يَدُلُّ عَلَى مَقُولٍ صَلَحَ لِجَمِيعِ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي اخْتَلَقُوهَا فِي شَأْنِهِ لِلْقُرْآنِ وَدَعْوَةِ الْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَلَمَّا جَاءَ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ بَعْدَ لَفْظِ قَوْلٍ احْتَمَلَ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى قَوْلٍ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ، وَأَنْ يَعُودَ إِلَى أَحْوَالِ الْمَقُولِ فِي شَأْنِهِ فَقِيلَ ضَمِيرٌ عَنْهُ عَائِدٌ إِلَى قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ وَأَنَّ مَعْنَى يُؤْفَكُ عَنْهُ يُصْرَفُ بِسَبَبِهِ، أَيْ يُصْرَفُ الْمَصْرُوفُونَ عَنِ الْإِيمَانِ فَتَكُونُ (عَنْ) لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ [هود: 53] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [التَّوْبَة: 114] ، وَقِيلَ ضَمِيرُ عَنْهُ عَائِدٌ إِلَى مَا تُوعَدُونَ [الذاريات: 22] أَوْ عَائِدٌ إِلَى الدِّينَ [الذاريات: 6] ، أَيِ الْجَزَاءُ أَنْ يُؤْفَكَ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ مَنْ أُفِكَ. وَعَنِ
(26/342)

قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11)
الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ أَوْ إِلَى الدِّينِ، أَيْ لِأَنَّهُمَا مِمَّا جَرَى الْقَوْلُ فِي شَأْنِهِمَا، وَحَرْفُ (عَنْ) لِلْمُجَاوَزَةِ.
وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَنْ أُفِكَ الْمُشْرِكُونَ الْمَصْرُوفُونَ عَنِ التَّصْدِيقِ. وَالْمُرَادُ بِالَّذِي فَعَلَ الْإِفْكَ الْمَجْهُولَ الْمُشْرِكُونَ الصَّارِفُونَ لِقَوْمِهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ، وَهُمَا الْفَرِيقَانِ اللَّذَانِ تَضَمَّنَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26] .
وَإِنَّمَا حُذِفَ فَاعِلُ يُؤْفَكُ وَأُبْهِمَ مَفْعُولُهُ بِالْمَوْصُولِيَّةِ لِلِاسْتِيعَابِ مَعَ الْإِيجَازِ.
وَقَدْ حَمَّلَهُمُ اللَّهُ بِهَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ تَبِعَةَ أَنْفُسِهِمْ وَتَبِعَةَ الْمَغْرُورِينَ بِأَقْوَالِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: 13] .
[10، 11]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 10 إِلَى 11]
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (11)
دُعَاءٌ بِالْهَلَاكِ عَلَى أَصْحَابِ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمُخْتَلِفِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِقَتْلِهِمْ أَنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهُمْ، وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ أَنْ يُقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أُجْرِيَ مَجْرَى اللَّعْنِ وَالتَّحْقِيرِ وَالتَّعْجِيبِ مِنْ سُوءِ أَحْوَالِ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذَا.
وَجُمْلَةُ الدُّعَاءِ لَا تُعْطَفُ لِأَنَّهَا شَدِيدَةُ الِاتِّصَالِ بِمَا قَبْلَهَا مِمَا أَوْجَبَ ذَلِكَ الْوَصْفَ لِدُخُولِهِمْ فِي هَذَا الدُّعَاءِ، كَمَا كَانَ تَعْقِيبُ الْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا بِهَا إِيمَاءً إِلَى أَنَّ مَا قَبْلَهَا سَبَبٌ لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْإِيجَازِ.
وَالْخَرْصُ: الظَّنُّ الَّذِي لَا حُجَّةَ لِصَاحِبِهِ عَلَى ظَنِّهِ، فَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلْخَطَأِ فِي ظَنِّهِ، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ الضَّلَالِ عَمْدًا أَوْ تَسَاهُلًا، فَالْخَرَّاصُونَ هُمْ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْمُخْتَلِفِ، فَأَفَادَ أَنَّ قَوْلهم الْمُخْتَلف ناشىء عَنْ خَوَاطِرَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَنْعَامِ [116] إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ فَالْمُرَادُ هُنَا الْخَرْصُ بِالْقَوْلِ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَرْصَ فِي أُصُولِ الِاعْتِقَادِ مَذْمُومٌ لِأَنَّهَا لَا تُبْنَى إِلَّا عَلَى الْيَقِينِ لِخَطَرِ أَمْرِهَا وَهُوَ أَصْلُ مَحَلِّ الذَّمِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
(26/343)

يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)
وَأَمَّا الْخَرْصُ فِي الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا يُذَمُّ هَذَا الذَّمَّ وَبَعْضُهُ مَذْمُومٌ إِذَا أَدَّى إِلَى الْمُخَاطَرَةِ وَالْمُقَامَرَةِ. وَقَدْ أُذِنَ فِي بَعْضِ الْخَرْصِ لِلْحَاجَةِ.
فَفِي «الْمُوَطَّأِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا»
يَعْنِي فِي بَيْعِ ثَمَرَةِ النَّخَلَاتِ الْمُعْطَاةِ عَلَى وُجْهَةِ الْعَرِيَّةِ وَهِيَ هِبَةُ مَالِكِ النَّخْلِ ثَمَرَ بَعْضِ نَخْلِهِ لِشَخْصٍ لِسَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَقْبِضَ ثَمَرَتَهَا عِنْدَ جِذَاذِ النَّخْلِ فَإِذَا بَدَا لِصَاحِبِ الْحَائِطِ شِرَاءُ تِلْكَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ طِيبِهَا رُخِّصَ أَنْ يَبِيعَهَا الْمُعْرَى (بِالْفَتْحِ) لِلْمُعْرِي بِالْكَسْرِ إِذَا أَرَادَ الْمُعْرِي ذَلِكَ فَيَخْرُصُ مَا تَحْمِلُهُ النَّخَلَاتُ مِنَ الثَّمَرِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ عِنْدَ الْجِذَاذِ مَا يُسَاوِي ذَلِكَ الْمَخْرُوصَ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا وَحُدِّدَ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ لِيَدْفَعَ صَاحِبُ النَّخْلِ عَنْ نَفْسِهِ تَطَرُّقَ غَيْرِهِ لِحَائِطِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَهَا عَطِيَّةٌ فَلَمْ يَدْخُلْ إِضْرَارٌ عَلَى الْمُعْرِي مِنْ ذَلِكَ.
وَالْغَمْرَةُ: الْمَرَّةُ مِنَ الْغمر، وَهُوَ الإحاء وَيُفَسِّرُهَا مَا تُضَافُ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ
تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ
[الْأَنْعَام: 93] فَإِذَا لَمْ تُقَيَّدْ بِإِضَافَةٍ فَإِنَّ تَعْيِينَهَا بِحَسَبِ الْمَقَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ [54] . وَالْمُرَادُ:
فِي شُغُلٍ، أَيْ مَا يَشْغَلُهُمْ مِنْ مُعَادَاةِ الْإِسْلَامِ شَغْلًا لَا يَسْتَطِيعُونَ مَعَهُ أَنْ يَتَدَبَّرُوا فِي دَعْوَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالسَّهْوُ: الْغَفْلَةُ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ مُعْرِضُونَ إِعْرَاضًا كَإِعْرَاضِ الْغَافِلِ وَمَا هُمْ بِغَافِلِينَ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْقُرْآنِ تَقْرَعُ أَسْمَاعَهَمْ كُلَّ حِينٍ وَاسْتِعْمَالُ مَادَّةِ السَّهْوِ فِيِ هَذَا الْمَعْنَى نَظِيرُ اسْتِعْمَالِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون: 5] .
[12- 14]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 12 إِلَى 14]
يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)
هَذِهِ الْجُمْلَةُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ ضمير الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: 10] وَأَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ جُمْلَةِ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: 10] لِأَنَّ جُمْلَةَ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ أَفَادَتْ تَعْجِيبًا مِنْ سُوءِ عُقُولِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ فَهُوَ مَثَارُ سُؤَالٍ فِي نَفْسِ السَّامِعِ يَتَطَلَّبُ الْبَيَانَ، فَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ عَنْ يَوْمِ الدِّينِ سُؤَالَ مُتَهَكِّمِينَ، يَعْنُونَ أَنَّهُ لَا وُقُوعَ لِيَوْمِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ: 1- 3] .
(26/344)

وَ (أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دلّ عَلَيْهِ يَسْئَلُونَ لِأَنَّ فِي فِعْلِ السُّؤَالِ مَعْنَى الْقَوْلِ. فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: يَقُولُونَ: أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ بَدَلًا من جملَة يَسْئَلُونَ لِتَفْصِيلِ إِجْمَالِهِ وَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْبَدَلِ الْمُطَابِقِ. وأَيَّانَ اسْمُ اسْتِفْهَامٍ عَنْ زَمَانِ فِعْلٍ وَهُوَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَبْنِيٍّ عَلَى الْفَتْحِ، أَيْ مَتَى يَوْمُ الدِّينِ، وَيَوْمُ الدِّينِ زَمَانٌ فَالسُّؤَالُ عَنْ زَمَانِهِ آيِلٌ إِلَى السُّؤَالِ بِاعْتِبَارِ وُقُوعِهِ، فَالتَّقْدِيرُ: أَيَّانَ وُقُوعُ يَوْمِ الدِّينِ، أَوْ حُلُولُهُ، كَمَا تَقُولُ: مَتَى يَوْمُ رَمَضَانَ أَيْ مَتَى ثُبُوتُهُ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الزَّمَانِ حَقُّهَا أَنْ تَقَعَ ظُرُوفًا لِلْأَحْدَاثِ لَا لِلْأَزْمِنَةِ.
وَجُمْلَةُ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ جَوَابٌ لِسُؤَالِهِمْ جَرَى عَلَى الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ مِنْ تَلَقِّي السَّائِلِ بِغَيْرِ مَا يَتَطَلَّبُ إِذْ هُمْ حِينَ قَالُوا: أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ، أَرَادُوا التَّهَكُّمَ وَالْإِحَالَةَ فَتَلَقِّي كَلَامِهِمْ بِغَيْرِ مُرَادِهِمْ لِأَنَّ فِي الْجَوَابِ مَا يَشْفِي وَقْعَ تَهَكُّمِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْله تَعَالَى:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [الْبَقَرَة: 189] . وَالْمَعْنَى: يَوْمُ الدِّينِ يَقَعُ يَوْمَ تَصْلَوْنَ النَّارَ وَيُقَالُ لَكُمْ: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ.
وَانْتَصَبَ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَهُوَ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السُّؤَال عَنهُ بقَوْلهمْ: أَيَّام يَوْمُ الدِّينِ. وَالتَّقْدِيرُ: يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ.
وَالْفَتْنُ: التَّعْذِيبُ وَالتَّحْرِيقُ، أَيْ يَوْمَ هُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ وَأَصْلُ الْفَتْنِ الِاخْتِيَارُ. وَشَاعَ إِطْلَاقُهُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا إِذَابَةُ الذَّهَبِ عَلَى النَّارِ فِي الْبَوْتَقَةِ لِاخْتِيَارِ مَا فِيهِ مِنْ مَعْدِنٍ غَيْرِ ذَهَبٍ، وَلَا يُذَابُ إِلَّا بِحَرَارَةِ نَارٍ شَدِيدَةٍ فَهُوَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْإِحْرَاقِ الشَّدِيدِ.
وَجُمْلَةُ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْخِطَابُ، أَيْ يُقَالُ لَهُمْ حِينَئِذٍ، أَوْ مَقُولًا لَهُمْ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ، أَيْ عَذَابَكُمْ. وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: ذُوقُوا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّنْكِيلِ.
(26/345)

وَالذَّوْقُ: مُسْتَعَارٌ لِلْإِحْسَاسِ الْقَوِيِّ لِأَنَّ اللِّسَانَ أَشَدُّ الْأَعْضَاءِ إِحْسَاسًا.
وَإِضَافَةُ فِتْنَةٍ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ يَوْمَئِذٍ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ. وَفِي الْإِضَافَةِ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِصَاصِهَا لَهُمْ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهَا بِكُفْرِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ. وَالْمَعْنَى: ذُوقُوا جَزَاءَ فِتْنَتِكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ تَكْذِيبِكُمْ.
وَيَقُومُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يُجْعَلَ الْكَلَامُ مُوَجَّهًا بِتَذْكِيرِ الْمُخَاطَبِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَا كَانُوا يَفْتِنُونَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ التَّعْذِيبِ مِثْلَ مَا فَتَنُوا بِلَالًا وَخَبَّابًا وَعَمَّارًا وَشُمَيْسَةَ وَغَيْرَهُمْ، أَيْ هَذَا جَزَاءُ فِتْنَتِكُمْ. وَجَعَلَ الْمَذُوقَ فِتْنَتَهُمْ إِظْهَارًا لِكَوْنِهِ جَزَاءً عَنْ فِتْنَتِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا نَدَامَةً قَالَ تَعَالَى مُوعِدًا إِيَّاهُمْ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ [البروج: 10] .
وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْعَمَلِ عَلَى جَزَائِهِ وَارِدٌ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الْوَاقِعَة: 82] أَيْ تَجْعَلُونَ جَزَاءَ رِزْقِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ أَنكُمْ تكذّبون وحدانية.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ إِلَى الشَّيْءِ الْحَاضِرِ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَهَكَذَا الشَّأْنُ فِي مِثْلِهِ تَذْكِيرُ اسْمِ الْإِشَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّها بَقَرَةٌ لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [68] .
وَمَعْنَى كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ تَعْجِيلَهُ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ، أَيْ كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَسْأَلُونَ تَعْجِيلَهُ وَهُوَ طَلَبٌ يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ غَيْرُ وَاقِعٍ. وَأَقْوَالُهُمْ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ حَكَاهَا الْقُرْآنُ كَقَوْلِهِ: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الْملك: 25] .
وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ فِي مَقَامِ التَّوْبِيخِ وَتَعْدِيدِ الْمَجَارِمِ، كَمَا يُقَالُ لِلْمُجْرِمِ: فَعَلْتَ كَذَا،
وَهِيَ مِنْ مقول القَوْل.
(26/346)

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)
[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 15 إِلَى 19]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)
اعْتِرَاضٌ قَابَلَ بِهِ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ فِي يَوْمِ الدِّينِ جَرَى عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي اتِّبَاعِ النِّذَارَةِ بِالْبِشَارَةِ، وَالتَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ [51، 52] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.
وَجَمَعَ جَنَّاتٍ بِاعْتِبَارِ جَمْعِ الْمُتَّقِينَ وَهِيَ جَنَّاتٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّهَا لِجِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ لَفِي الْفِرْدَوْسِ»
، وَتَنْكِيرُ جَنَّاتٍ لِلتَّعْظِيمِ.
وَمَعْنَى آخِذِينَ مَا آتاهُمْ رَبُّهُمْ: أَنَّهُمْ قَابِلُونِ مَا أَعْطَاهُمْ، أَيْ رَاضُونَ بِهِ فَالْأَخْذُ مُسْتَعْمَلٌ فِي صَرِيحِهِ وَكِنَايَتِهِ كِنَايَةً رَمْزِيَّةً عَنْ كَوْنِ مَا يُؤْتَوْنَهُ أَكْمَلَ فِي جِنْسِهِ لِأَنَّ مَدَارِكَ الْجَمَاعَاتِ تَخْتَلِفُ فِي الِاسْتِجَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ نِهَايَةَ الْجَوْدَةِ فَيَسْتَوِي النَّاسُ فِي اسْتَجَادَتِهِ، وَهِيَ كِنَايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ. وَأَيْضًا فَالْأَخْذُ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ لِأَنَّ مَا يُؤْتِيهم الله بَعضهم مِمَّا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالْفَوَاكِهِ وَالشَّرَابِ وَالرَّيَاحِينِ، وَبَعْضُهُ لَا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالْمَنَاظِرِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَصْوَاتِ الرَّقِيقَةِ وَالْكَرَامَةِ وَالرِّضْوَانِ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنَ الْأَوَّلِ.
فَإِطْلَاقُ الْأَخْذِ عَلَى ذَلِكَ اسْتِعَارَةٌ بِتَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [63] ، وَقَوْلِهِ: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [145] .
فَاجْتَمَعَ فِي لَفْظِ آخِذِينَ كِنَايَتَانِ وَمَجَازٌ.
رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ.
فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبَّنَا وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ
(26/347)

فَيَقُولُونَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ:
أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا»
. وَفِي إِيثَارِ التَّعْبِيرِ عَنِ الْجَلَالَةِ بِوَصْفِ (رَبُّ) مُضَافٍ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَّقِينَ مَعْنًى مِنِ
اخْتِصَاصِهِمْ بِالْكَرَامَةِ وَالْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ مَا آتَاهُمْ هُوَ إِيمَانُهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ وَهِيَ الْمُطَابِقَةُ لِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، أَيْ كَانَ ذَلِكَ جَزَاءً لَهُمْ عَنْ إِحْسَانِهِمْ كَمَا قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [الذاريات: 14] . وَالْمُحْسِنُونَ: فَاعِلُو الْحَسَنَاتِ وَهِيَ الطَّاعَاتُ.
وَفَائِدَةُ الظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ: قَبْلَ ذلِكَ أَنْ يُؤْتَى بِالْإِشَارَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ وَمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْإِشَارَةِ تَعْظِيمُ شَأْنِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، ثُمَّ يُفَادُ بِقَوْلِهِ قَبْلَ ذلِكَ، أَيْ قَبْلَ التَّنَعُّمِ بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُحْسِنِينَ، أَيْ عَامِلِينَ الْحَسَنَاتِ كَمَا فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ الْآيَةَ. فَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى وَاثِقِينَ بِوَعْدِهِ وَلَمْ يَرَوْهُ.
وَجُمْلَةُ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ بَدَلٌ مِنْ جُمْلَةِ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ لِأَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ الثَّلَاثَ هِيَ بَعْضٌ مِنَ الْإِحْسَانِ فِي الْعَمَلِ.
وَهَذَا كَالْمِثَالِ لِأَعْظَمِ إِحْسَانِهِمْ فَإِنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ دَالٌّ عَلَى شِدَّةِ طَاعَتِهِمْ لِلَّهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ بِبَذْلِ أَشَدِّ مَا يُبْذَلُ عَلَى النَّفْسِ وَهُوَ شَيْئَانِ.
أَوَّلُهُمَا: رَاحَةُ النَّفْسِ فِي وَقْتِ اشْتِدَادِ حَاجَتِهَا إِلَى الرَّاحَةِ وَهُوَ اللَّيْلُ كُلُّهُ وَخَاصَّةً آخِرَهُ، إِذْ يَكُونُ فِيهِ قَائِمُ اللَّيْلِ قَدْ تَعِبَ وَاشْتَدَّ طَلَبُهُ لِلرَّاحَةِ.
وَثَانِيهِمَا: الْمَالُ الَّذِي تَشِحُّ بِهِ النُّفُوسُ غَالِبًا، وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ الْأَرْبَعَةُ أَصْلَيْ إِصْلَاحِ النَّفْسِ وَإِصْلَاحِ النَّاسِ. وَذَلِكَ جِمَاعُ مَا يَرْمِي إِلَيْهِ التَّكْلِيفُ مِنَ الْأَعْمَالِ فَإِنَّ صَلَاحَ النَّفْسِ تَزْكِيَةُ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ فَفِي قِيَامِ اللَّيْلِ إِشَارَةٌ إِلَى تَزْكِيَةِ النَّفس باستجلاب رضى اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي الِاسْتِغْفَارِ تَزْكِيَةُ الظَّاهِرِ بِالْأَقْوَالِ الطَّيِّبَةِ الْجَالِبَةِ لِمَرْضَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(26/348)

وَفِي جَعْلِهِمُ الْحَقَّ فِي أَمْوَالِهِمْ لِلسَّائِلِينَ نَفْعٌ ظَاهِرٌ لِلْمُحْتَاجِ الْمُظْهِرِ لِحَاجَتِهِ. وَفِي جَعْلِهِمُ الْحَقَّ لِلْمَحْرُومِ نَفْعُ الْمُحْتَاجِ الْمُتَعَفِّفِ عَنْ إِظْهَارِ حَاجَتِهِ الصَّابِرِ عَلَى شِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ.
وَحَرْفُ مَا فِي قَوْلِهِ: قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ مَزِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ. وَشَاعَتْ زِيَادَةُ مَا بَعْدَ اسْمِ (قَلِيلٍ) وَ (كَثِيرٍ) وَبَعْدَ فِعْلِ (قَلَّ) وَ (كَثُرَ) وَ (طَالَ) .
وَالْمَعْنَى: كَانُوا يَهْجَعُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ. وَلَيْسَتْ مَا نَافِيَةً.
وَالْهُجُوعُ: النَّوْمُ الْخَفِيفُ وَهُوَ الْغِرَارُ.
وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْجَعُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ وَذَلِكَ اقْتِدَاءٌ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيئَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل: 2- 4] وَقَدْ كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُهُمْ بِذَلِكَ كَمَا
فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَهُ: لَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ نَفِهَتِ النَّفْسُ وَهَجَمَتِ الْعَيْنُ. وَقَالَ لَهُ: قُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»
. وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى خَصَائِصَ مِنَ الْبَلَاغَةِ:
أُولَاهَا: فِعْلُ الْكَوْنِ فِي قَوْلِهِ: كانُوا الدَّالُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَهَا سُنَّةٌ مُتَقَرِّرَةٌ.
الثَّانِي: الْعُدُولُ عَنْ أَنْ يُقَالَ: كَانُوا يُقِيمُونَ اللَّيْلَ، أَوْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، إِلَى قَوْلِهِ: قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ لِأَنَّ فِي ذِكْرِ الْهُجُوعِ تَذْكِيرًا بِالْحَالَةِ الَّتِي تَمِيلُ إِلَيْهَا النُّفُوسُ فَتَغْلِبُهَا وَتَصْرِفُهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [السَّجْدَة: 16] ، فَكَانَ فِي الْآيَةِ إِطْنَابٌ اقْتَضَاهُ تَصْوِيرُ تِلْكَ الْحَالَةِ، وَالْبَلِيغُ قَدْ يُورِدُ فِي كَلَامِهِ مَا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ اسْتِفَادَةُ الْمَعْنَى إِذَا كَانَ يَرْمِي بِذَلِكَ إِلَى تَحْصِيلِ صُوَرِ الْأَلْفَاظِ الْمَزِيدَةِ.
الثَّالِثُ: التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: مِنَ اللَّيْلِ لِلتَّذْكِيرِ بِأَنَّهُمْ تَرَكُوا النَّوْمَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ اسْتِدْعَاءُ النُّفُوسِ لِلنَّوْمِ فِيهِ زِيَادَةً فِي تَصْوِيرِ جَلَالِ قِيَامِهِمُ اللَّيْلَ وَإِلَّا فَإِنَّ قَوْلَهُ: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ يُفِيدُ أَنَّهُ مِنَ اللَّيْلِ.
(26/349)

الرَّابِعُ: تَقْيِيدُ الْهُجُوعِ بِالْقَلِيلِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْمِلُونَ مُنْتَهَى حَقِيقَةِ الْهُجُوعِ بَلْ يَأْخُذُونَ مِنْهُ قَلِيلًا. وَهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةُ فَاتَتْ أَبَا قَيْسِ بْنَ الْأَسْلَتِ فِي قَوْلِهِ:
قَدْ حَصَّتِ الْبَيْضَةُ رَاسِي فَمَا ... أُطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجَاعِ
الْخَامِسُ: الْمُبَالَغَةُ فِي تَقْلِيلِ هُجُوعِهِمْ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ أقل مَا يهجهه الْهَاجِعُ.
وَانْتَصَبَ قَلِيلًا عَلَى الظَّرْفِ لِأَنَّهُ وُصِفَ بِالزَّمَانِ بِقَوْلِهِ: مِنَ اللَّيْلِ. وَالتَّقْدِيرُ:
زَمَنًا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ، وَالْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ يَهْجَعُونَ. ومِنَ اللَّيْلِ تَبْعِيضٌ.
ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فِي السَّحَرِ، أَيْ فَإِذَا آذَنَ اللَّيْلُ بِالِانْصِرَامِ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ
يَغْفِرَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ قَدَّمُوا مِنَ التَّهَجُّدِ مَا يَرْجُونَ أَنْ يزلفهم إِلَى رضى اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا دَلَّ عَلَى أَنَّ هُجُوعَهُمُ الَّذِي يَكُونُ فِي خِلَالِ اللَّيْلِ قَبْلَ السَّحَرِ. فَأَمَّا فِي السَّحَرِ فَهُمْ يَتَهَجَّدُونَ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ وَمُجَاهِدٌ الِاسْتِغْفَارَ بِالصَّلَاةِ فِي السَّحَرِ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمرَان: 17] ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ طَلَبَ الْغُفْرَانَ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَغْفِرُ فِي مَضْجَعِهِ إِذْ لَا تَظْهَرُ حِينَئِذٍ مَزِيَّةٌ لِتَقْيِيدِ الِاسْتِغْفَارِ بِالْكَوْنِ فِي الْأَسْحَارِ.
وَالْأَسْحَارُ: جَمْعٌ سَحَرٍ وَهُوَ آخِرُ اللَّيْلِ. وَخُصَّ هَذَا الْوَقْتُ لِكَوْنِهِ يَكْثُرُ فِيهِ أَنْ يَغْلِبَ النَّوْمُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِيهِ فَصَلَاتُهُمْ وَاسْتِغْفَارُهُمْ فِيهِ أَعْجَبُ مِنْ صَلَاتِهِمْ فِي أَجْزَاءِ اللَّيْلِ الْأُخْرَى. وَجَمْعُ الْأَسْحَارِ بِاعْتِبَارِ تَكَرُّرِ قِيَامِهِمْ فِي كُلِّ سحر.
وَتَقْدِيم بِالْأَسْحارِ عَلَى يَسْتَغْفِرُونَ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ كَمَا عَلِمْتَ.
وَصِيغَ اسْتِغْفَارُهُمْ بأسلوب إِظْهَار اسْم الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ دُونَ ضَمِيرِهِ لِقَصْدِ إِظْهَارِ الِاعْتِنَاءِ بِهِمْ وَلِيَقَعَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ فَيُفِيدُ تَقَوِّي الْخَبَرِ لِأَنَّهُ
(26/350)

مِنَ النُّدْرَةِ بِحَيْثُ يَقْتَضِي التَّقْوِيَةَ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ فِي السَّحَرِ يَشُقُّ عَلَى مَنْ يَقُومُ اللَّيْلَ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ إِعْيَائِهِ.
فَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: هُوَ يُعْطِي الْجَزِيلَ.
وَحَقُّ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ: هُوَ النَّصِيبُ الَّذِي يُعْطُونَهُ إِيَّاهُمَا، أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَقِّ، إِمَّا لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الصَّدَقَةَ بِمَا تَيَسَّرَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ فُرِضَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَصَارَتِ الصَّدَقَةُ حَقًّا لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوا ذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ حَتَّى صَارَ كَالْحَقِّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. وَبِذَلِكَ يَتَأَوَّلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْحَقَّ هُوَ الزَّكَاةُ.
وَالسَّائِلُ: الْفَقِيرُ الْمُظْهِرُ فَقْرَهُ فَهُوَ يَسْأَلُ النَّاسَ، وَالْمَحْرُومُ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَا يُعْطَى الصَّدَقَةَ لِظَنِّ النَّاسِ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ مِنْ تَعَفُّفِهِ عَنْ إِظْهَارِ الْفَقْرِ، وَهُوَ الصِّنْفُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِهِمْ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [الْبَقَرَة: 273]
وَقَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالْأَكْلَةُ وَالْأَكْلَتَانِ وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا»
. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمَحْرُومِ لَيْسَ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلِ النَّاسَ وَيَحْرِمُوهُ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَآلُ أَمْرِهِ إِلَى مَا يؤول إِلَيْهِ أَمْرُ الْمَحْرُومِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَحْرُومِ تَشْبِيهًا بِهِ فِي أَنَّهُ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ مُمَكِّنَاتُ الرِّزْقِ بَعْدَ قُرْبِهَا مِنْهُ فَكَأَنَّهُ نَالَهُ حِرْمَانٌ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ تَرْقِيقُ النُّفُوسِ عَلَيْهِ وَحَثُّ النَّاسِ عَلَى الْبَحْثِ عَنْهُ لِيَضَعُوا صَدَقَاتِهِمْ فِي مَوْضِعٍ يُحِبُّ اللَّهُ وَضْعَهَا فِيهِ وَنَظِيرُهَا فِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ. قَالَ ابْنُ
عَطِيَّةَ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَحْرُومِ اخْتِلَافًا هُوَ عِنْدِي تَخْلِيطٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ إِذِ الْمَعْنَى وَاحِدٌ عَبَّرَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ بِعِبَارَاتٍ عَلَى جِهَةِ الْمِثَالَاتِ فَجَعَلَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ أَقْوَالًا.
قُلْتُ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا كُلُّهَا أَمْثِلَةٌ لِمَعْنَى الْحِرْمَانِ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْقُرْبِ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ فَمَا صَلَحَ مِنْهَا لِأَنْ يَكُونَ مِثَالًا لِلْغَرَضِ قُبِلَ وَمَا لَمْ يَصْلُحْ فَهُوَ مَرْدُودٌ، مِثْلُ تَفْسِيرِ مَنْ فَسَّرَ الْمَحْرُومَ بِالْكَلْبِ. وَفِي «تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ» عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَعْيَانِي أَنْ أَعْلَمَ مَا الْمَحْرُومُ. وَزَادَ الْقُرْطُبِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لِي الْيَوْمَ سَبْعُونَ سنة مُنْذُ احتملت أَسْأَلُ عَنِ الْمَحْرُومِ فَمَا أَنَا الْيَوْمَ بِأَعْلَمَ مِنِّي فِيهِ يَوْمئِذٍ.
(26/351)

وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20)
[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 20]
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20)
هَذَا مُتَّصِلٌ بِالْقَسَمِ وَجَوَابِهِ مِنْ قَوْله: وَالذَّارِياتِ [الذاريات: 1] وَقَوْلِهِ: وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ إِلَى قَوْله: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (1) [الذاريات: 6، 7] فَبَعْدَ أَنْ حَقَّقَ وُقُوعَ الْبَعْثِ بِتَأْكِيدِهِ بِالْقَسَمِ انْتَقَلَ إِلَى تَقْرِيبِهِ بِالدَّلِيلِ لِإِبْطَالِ إِحَالَتِهِمْ إِيَّاهُ، فَيَكُونُ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ كَقَوْلِهِ:
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى [فصلت: 39] .
وَمَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ اعْتِرَاضٌ، فَجُمْلَةُ وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ وَهِيَ إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ [الذاريات: 5] .
وَالْمَعْنَى: وَفِي مَا يُشَاهَدُ مِنْ أَحْوَالِ الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَهِيَ الْأَحْوَالُ الدَّالَّةُ عَلَى إِيجَادِ مَوْجُودَاتٍ بَعْدَ إِعْدَامِ أَمْثَالِهَا وَأُصُولِهَا مِثْلَ إِنْبَاتِ الزَّرْعِ الْجَدِيدِ بَعْدَ أَنْ بَادَ الَّذِي قَبْلَهُ وَصَارَ هَشِيمًا. وَهَذِهِ دَلَائِلُ وَاضِحَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى غَوْصِ الْفِكْرِ فَلِذَلِكَ لَمْ تُقْرَنْ هَذِهِ الْآيَاتُ بِمَا يَدْعُو إِلَى التَّفَكُّرِ كَمَا قُرِنَ قَوْلُهُ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21] .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْآيَاتِ الْمَرْمُوقَةَ مِنْ أَحْوَالِ الْأَرْضِ صَالِحَةٌ لِلدَّلَالَةِ أَيْضًا عَلَى تَفَرُّدِهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ فِي كَيْفِيَّةِ خَلْقِهَا وَدَحْوِهَا لِلْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ، وَكَيْفَ قُسِّمَتْ إِلَى سَهْلٍ وَجِبَالٍ وَبَحْرٍ، وَنِظَامِ إِنْبَاتِهَا الزَّرْعَ وَالشَّجَرَ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعَ لِلنَّاسِ، وَلِهَذَا حُذِفَ تَقْيِيدُ آيَاتٍ بِمُتَعَلِّقٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مَا تَصْلُحُ الْآيَاتُ الَّتِي فِي الْأَرْضِ أَنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ. وَتَقْدِيمُ الْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ:
وَفِي الْأَرْضِ لِلِاهْتِمَامِ وَالتَّشْوِيقِ إِلَى ذِكْرِ الْمُبْتَدَأِ.
وَاللَّامُ فِي لِلْمُوقِنِينَ مُعَلَّقٌ بِ آياتٌ. وَخُصَّتِ الْآيَات ب لِلْمُوقِنِينَ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِدَلَالَتِهَا فَأَكْسَبَتْهُمُ الْإِيقَانَ بِوُقُوعِ الْبَعْثِ. وَأُوثِرَ وَصَفُ الْمُوقِنِينَ هُنَا دُونَ الَّذِينَ أَيْقَنُوا لِإِفَادَةِ أَنَّهُمْ عُرِفُوا بِالْإِيقَانِ. وَهَذَا الْوَصْفُ يَقْتَضِي مَدْحَهُمْ بِثُقُوبِ الْفَهْمِ لِأَنَّ الْإِيقَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ وَدَلَائِلُ هَذَا الْأَمْرِ نَظَرِيَّةٌ. وَمَدْحُهُمْ أَيْضًا بِالْإِنْصَافِ وَتَرَكِ الْمُكَابَرَةِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمُنْكِرِينَ لِلْحَقِّ تَحْمِلُهُمُ الْمُكَابَرَةُ
_________
(1) فِي المطبوعة: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ إِلَى قَوْله: وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ، والمثبت هُوَ الْأَنْسَب للسياق.
(26/352)

وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)
أَوِ الْحَسَدُ عَلَى إِنْكَارِ حَقِّ مَنْ يَتَوَجَّسُونَ مِنْهُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى مَنَافِعِهِمْ. وَتَقْدِيمُ فِي الْأَرْضِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْأَرْضِ بِاعْتِبَارِهَا آيَات كَثِيرَة.
[21]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 21]
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21)
عَطْفٌ عَلَى فِي الْأَرْضِ [الذاريات: 20] . فَالتَّقْدِيرُ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ آيَاتٌ أَفَلَا تُبْصِرُونَ.
تَفْرِيعًا عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ فَيُقَدَّرُ الْوَقْفُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ. وَلَيْسَ الْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِ تُبْصِرُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ لِأَنَّ وُجُودَ الْفَاءِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ إِذْ يَصِيرُ الْكَلَامُ مَعْطُوفًا بِحَرْفَيْنِ.
وَالْخِطَابُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ. وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ، أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الْإِبْصَارِ لِلْآيَاتِ.
وَالْإِبْصَارُ مُسْتَعَارٌ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، أَيْ كَيْفَ تَتْرُكُونَ النَّظَرَ فِي آيَاتٍ كَائِنَةٍ فِي أَنْفُسِكُمْ.
وَتَقْدِيمُ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِالنَّظَرِ فِي خَلْقِ أَنْفُسِهِمْ وَلِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ.
وَالْمَعْنَى: أَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ أَنْفُسِكُمْ: كَيْفَ أَنْشَأَكُمُ اللَّهُ مِنْ مَاءٍ وَكَيْفَ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَيْسَ كُلُّ طَوْرٍ هُوَ إِيجَادَ خَلْقٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلُ. فَالْمَوْجُودُ فِي الصَّبِيِّ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهِ حِينَ كَانَ جَنِينًا. وَالْمَوْجُودُ فِي الْكَهْلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حِينَ كَانَ غُلَامًا وَمَا هِيَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ إِلَّا مَخْلُوقَاتٌ مُسْتَجَدَّةٌ كَانَتْ مَعْدُومَةً فَكَذَلِكَ إِنْهَاءُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَهَذَا التَّكْوِينُ الْعَجِيبُ كَمَا يَدُلُّ عَلَى إِمْكَانِ الْإِيجَادِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَدُلُّ عَلَى تَفَرُّدِ مُكَوِّنِهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ إِذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِيجَادِ مِثْلِ الْإِنْسَانِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ بَوَاطِنَ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ وَظَوَاهِرَهَا عَجَائِبُ مِنَ الِانْتِظَامِ وَالتَّنَاسُبِ وَأَعْجَبُهَا خَلْقُ الْعَقْلِ وَحَرَكَاتِهِ وَاسْتِخْرَاجُ الْمَعَانِي وَخَلْقُ النُّطْقِ وَالْإِلْهَامُ إِلَى اللُّغَةِ وَخَلْقُ الْحَوَاسِّ وَحَرَكَةُ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ وَانْتِسَاقُ الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسَةِ وَتَفَاعُلُهَا وَتَسْوِيَةُ الْمَفَاصِلِ
(26/353)

وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)
وَالْعَضَلَاتِ وَالْأَعْصَابِ وَالشَّرَايِينِ وَحَالُهَا بَيْنَ الِارْتِخَاءِ وَالْيُبْسِ فَإِنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهَا التَّيَبُّسُ جَاءَ الْعَجْزُ وَإِذَا غَلَبَ الِارْتِخَاءُ جَاءَ الْمَوْتُ. وَالْخِطَابُ لِلَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ أَوَّلَ السُّورَةِ إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ [الذاريات: 5] .
[22]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 22]
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (22)
بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ دَلَائِلَ الْأَرْضِ وَدَلَائِلَ الْأَنْفُسِ الَّتِي هُمْ مِنْ عَلَائِقِ الْأَرْضِ عَطَفَ ذِكْرَ السَّمَاءِ لِلْمُنَاسِبَةِ، وَتَمْهِيدًا لِلْقَسَمِ الَّذِي بعده بقوله: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات: 23] . وَلِمَا فِي السَّمَاءِ مِنْ آيَةِ الْمَطَرِ الَّذِي بِهِ تُنْبِتُ الْأَرْضُ بَعْدَ الْجَفَافِ، فَالْمَعْنَى:
وَفِي السَّمَاءِ آيَةُ الْمَطَرِ، فَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الْمَطَرِ إِلَى الرِّزْقِ إِدْمَاجًا لِلِامْتِنَانِ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّ الدَّلِيلَ فِي كَوْنِهِ مَطَرًا يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا. وَهَذَا قِيَاسُ تَمْثِيلٍ لِلنَّبْتِ، أَيْ فِي السَّمَاءِ الْمَطَرُ الَّذِي تُرْزَقُونَ بِسَبَبِهِ.
فَالرِّزْقُ: هُوَ الْمَطَرُ الَّذِي تَحْمِلُهُ السُّحُبُ وَالسَّمَاءُ هُنَا: طَبَقَاتُ الْجَوِّ. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ لِلتَّشْوِيقِ وَلِلِاهْتِمَامِ بِالْمَكَانِ وَلِلرَّدِّ عَلَى الْفَاصِلَةِ.
وَعَطْفُ وَما تُوعَدُونَ إِدْمَاجٌ بَيْنَ أَدِلَّةِ إِثْبَاتِ الْبَعْثِ لِقَصْدِ الْمَوْعِظَةِ الشَّامِلَةِ لِلْوَعِيدِ عَلَى الْإِشْرَاكِ وَالْوَعْدِ عَلَى الْإِيمَانِ إِنْ آمَنُوا تَعْجِيلًا بِالْمَوْعِظَةِ عِنْدَ سُنُوحِ فُرْصَتِهَا.
وَفِي إِيثَارِ صِيغَةِ تُوعَدُونَ خُصُوصِيَّةٌ مِنْ خَصَائِصِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ صَالِحَةٌ لِأَنْ تَكُونَ مَصُوغَةً مِنَ الْوَعْدِ فَيَكُونُ وَزْنُ تُوعَدُونَ تُفْعَلُونَ مُضَارِعُ وَعَدَ مَبْنِيًّا لِلنَّائِبِ. وَأَصْلُهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ تَعِدُونَ وَأَصْلُهُ تُوعِدُونَ، فَلَمَّا بُنِيَ لِلنَّائِبِ ضُمَّ حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ فَصَارَتِ الْوَاوُ السَّاكِنَةُ مَدَّةً مُجَانَسَةً لِلضَّمَّةِ فَصَارَ: تُوعَدُونَ. وَصَالِحَةٌ لِأَنْ تَكُونَ مِنَ الْإِيعَادِ وَوَزْنُهُ تَأَفْعَلُونَ مِثْلَ تَصْرِيفِ أَكْرَمَ يُكْرِمُ وَبِذَلِكَ صَارَ تُوعَدُونَ مِثْلَ تُكْرَمُونَ، فَاحْتُمِلَتْ لِلْبِشَارَةِ وَالْإِنْذَارِ.
(26/354)

فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)
وَكَوْنُ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُحَقَّقٌ فِي عِلْمِ أَهْلِ السَّمَاءِ، أَيِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِتَصْرِيفِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ مَكَانَ حُصُولِهِ فِي السَّمَاءِ، مِنْ جَنَّةٍ أَوْ جَهَنَّمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَجَهَنَّمَ مَوْجُودَتَانِ مِنْ قَبْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ. وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَا أُوعِدُوهُ يَأْتِيهِمْ مِنْ قِبَلِ السَّمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ [الدُّخان: 10، 11] .
فَإِنَّ ذَلِكَ الدُّخَانَ كَانَ فِي طَبَقَاتِ الْجَوِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَة الدُّخان.
[23]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 23]
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)
بَعْدَ أَنْ أَكَّدَ الْكَلَامَ بِالْقَسَمِ ب الذَّارِياتِ [الذَّارِيَاتِ: 1] وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةَ تَأْكِيدٍ بِالْقَسَمِ بِخَالِقِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى أَنَّ مَا يُوعَدُونَ حَقٌّ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الْكَلَامِ السَّابِقِ وَمُنَاسَبَتُهُ قَوْلُهُ: وَما تُوعَدُونَ [الذاريات: 22] .
وَإِظْهَارُ اسْمِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ دُونَ ذِكْرِ ضَمِيرِهِمَا لِإِدْخَالِ الْمَهَابَةِ فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ بِعَظَمَةِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ.
وَضَمِيرُ إِنَّهُ لَحَقٌّ عَائِدٌ إِلَى مَا تُوعَدُونَ [الذاريات: 22] . وَهَذَا مِنْ رَدِّ الْعَجز على الْمصدر لِأَنَّهُ رَدٌّ عَلَى قَوْلِهِ أَوَّلَ السُّورَةِ إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ [الذاريات: 5] وَانْتَهَى الْغَرَضُ.
وَقَوْلُهُ: مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ زِيَادَةُ تَقْرِيرٍ لِوُقُوعِ مَا أُوعِدُوهُ بِأَنْ شُبِّهَ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ كَالضَّرُورَةِ لَا امْتِرَاءَ فِي وُقُوعِهِ وَهُوَ كَوْنُ الْمُخَاطَبِينَ يَنْطِقُونَ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: كَمَا أَنَّ قَبْلَ الْيَوْمِ أَمْسِ، أَوْ كَمَا أَنَّ بَعْدَ الْيَوْمِ غَدًا. وَهُوَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ، وَمِنْهُ تَمْثِيلُ سُرْعَةِ الْوُصُولِ لِقُرْبِ الْمَكَانِ فِي قَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَهُنَّ وَوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَمِ وَقَوْلِهِمْ: مِثْلَ مَا أَنَّكَ هَاهُنَا، وَقَوْلِهِمْ: كَمَا أَنَّكَ تَرَى وَتَسْمَعُ.
(26/355)

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30)
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مِثْلَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ حَالٍ مَحْذُوفٍ قُصِدَ مِنْهُ التَّأْكِيدُ.
وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ. وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وأبوبكر عَنْ عَاصِمٍ وَخَلَفٌ مَرْفُوعًا عَلَى الصِّفَةِ لَحَقٌّ صِفَةٌ أُرِيدَ بِهَا التَّشْبِيهُ.
وَمَا الْوَاقِعَةُ بَعْدَ مِثْلَ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. وَأُرْدِفَتْ بِ (أَنَّ) الْمُفِيدَةِ لِلتَّأْكِيدِ تَقْوِيَةً لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ مَا يُوعَدُونَ.
وَاجْتُلِبَ الْمُضَارِعُ فِي تَنْطِقُونَ دُونَ أَنْ يُقَالَ: نُطْقُكُمْ، يُفِيدُ التَّشْبِيهَ بِنُطْقِهِمُ الْمُتَجَدِّدِ وَهُوَ أَقْوَى فِي الْوُقُوعِ لِأَنَّهُ محسوس.
[24- 30]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 24 إِلَى 30]
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (28)
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30)
انْتِقَالٌ مِنَ الْإِنْذَارِ وَالْمَوْعِظَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِأَحْوَالِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الْمُمَاثِلَةِ لِلْمُخَاطَبِينَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْكُفْرِ وَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ. وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا وَغُيِّرَ أُسْلُوبُ الْكَلَامِ مِنْ خِطَابِ الْمُنْذِرِينَ مُوَاجَهَةً إِلَى أُسْلُوبِ التَّعْرِيضِ تَفَنُّنًا بِذِكْرِ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِتَكَوْنَ تَوْطِئَةً لِلْمَقْصُودِ مِنْ ذِكْرِ مَا حَلَّ بِقَوْمِ لُوطٍ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ، فَالْمَقْصُودُ هُوَ مَا بَعْدُ
قَوْلِهِ قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [الْحجر: 57] .
وَكَانَ فِي الِابْتِدَاءِ بِذِكْرِ قَوْمِ لُوطٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى خِلَافِ التَّرْتِيبِ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ اصْطِلَاحُ الْقُرْآنِ فِي تَرْتِيبِ قَصَصِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ بِابْتِدَائِهَا بِقَوْمِ نُوحٍ ثُمَّ عَادٍ ثُمَّ ثَمُودَ ثُمَّ قَوْمِ لُوطٍ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ لِلِانْتِقَالِ مِنْ وَعِيدِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْعِبْرَةِ بِالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ أَنَّ
(26/356)

الْمُشْرِكِينَ وُصِفُوا آنِفًا بِأَنَّهُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ فَكَانُوا فِي تِلْكَ الْغَمْرَةِ أَشْبَهَ بِقَوْمِ لُوطٍ إِذْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الْحجر: 72] ، وَلِأَنَّ الْعَذَابَ الَّذِي عُذِّبَ بِهِ قَوْمُ لُوطٍ كَانَ حِجَارَةً أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مُشَبَّهَةً بِالْمَطَرِ. وَقَدْ سُمِّيَتْ مَطَرًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [الْفرْقَان: 40] وَقَوْلِهِ: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [هود: 82] وَلِأَنَّ فِي قِصَّةِ حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ وَزَوْجِهِ عِبْرَةً بِإِمْكَانِ الْبَعْثِ فَقَدْ تَضَمَّنَتْ بِشَارَتَهَا بِمَوْلُودٍ يُولَدُ لَهَا بَعْدَ الْيَأْسِ مِنَ الْوِلَادَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْبَعْثِ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَمَاتِ.
وَلَمَّا وُجِّهَ الْخِطَابُ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: هَلْ أَتاكَ عُرِفَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ تَسْلِيَتُهُ عَلَى مَا لَقِيَهُ مِنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ. وَيَتْبَعُ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالسَّامِعِينَ حِينَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ أَوْ يُبَلِّغُهُمْ بِأَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْعَذَابِ لِاتِّحَادِ الْأَسْبَابِ.
وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي نَظِيرِ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ فِي سُورَةِ ص [21] ، وَأَنَّهُ يُفْتَتَحُ بِهِ الْأَخْبَارُ الْفَخْمَةُ الْمُهِمَّةُ.
وَالضَّيْفُ: اسْمٌ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَلِلْجَمْعِ لِأَنَّ أَصْلَهُ مَصْدَرُ ضَافَ، إِذَا مَالَ فَأُطْلِقَ عَلَى الَّذِي يَمِيلُ إِلَى بَيْتِ أَحَدٍ لِيَنْزِلَ عِنْدَهُ. ثُمَّ صَارَ اسْمًا فَإِذَا لُوحِظَ أَصْلُهُ أُطْلِقَ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُؤَنِّثُوهُ وَلَا يَجْمَعُونَهُ وَإِذَا لُوحِظَ الِاسْمُ جَمَعُوهُ لِلْجَمَاعَةِ وَأَنَّثُوهُ لِلْأُنْثَى فَقَالُوا أَضْيَافٌ وَضُيُوفٌ وَامْرَأَةٌ ضَيْفَةٌ وَهُوَ هُنَا اسْمُ جَمْعٍ وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِ الْمُكْرَمِينَ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [68] قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي.
وَالْمَعْنِيُّ بِهِ الْمَلَائِكَة الَّذِي أَظْهَرَهُمُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُمْ مُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ لِتَنْفِيذِ الْعَذَابِ لِقَوْمِ لُوطٍ وَسَمَّاهُمُ اللَّهُ ضَيْفًا نَظَرًا لِصُورَةِ مَجِيئِهِمْ فِي هَيْئَةِ الضَّيْفِ كَمَا سمى الْملكَيْنِ الَّذين جَاءَا دَاوُدَ خَصْمًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ [ص: 21] ، وَذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ الصُّورِيَّةِ.
وَفِي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْرَاةِ: أَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَةً. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمْ جِبْرِيلُ
وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ. وَعَنْ عَطَاءٍ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَعَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ.
وَلَعَلَّ سَبَبَ إِرْسَالِ ثَلَاثَةٍ لِيَقَعَ تَشَكُّلُهُمْ فِي شَكْلِ الرِّجَالِ لِمَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ فِي أَسْفَارِهِمْ أَنْ لَا يَقِلَّ رَكْبُ الْمُسَافِرِينَ عَنْ ثَلَاثَةِ رِفَاقٍ. وَذَلِكَ أَصْلُ جَرَيَانِ الْمُخَاطَبَةِ
(26/357)

بِصِيغَةِ الْمُثَنَّى فِي نَحْوِ: «قَفَا نَبْكِ» .
وَفِي الْحَدِيثِ «الْوَاحِدُ شَيْطَانُ وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي «الْمُسْتَدْرَكِ»
وَذَكَرَ أَنَّ سَنَدَهُ صَحِيحٌ. وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ إِرْسَالِهِمْ ثَلَاثَةً أَنَّ عَذَاب قوم لَو كَانَ بِأَصْنَافٍ مُخْتَلِفَةٍ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا مَلَكُهُ الْمُوَكَّلُ بِهِ.
وَوَصْفُهُمْ بِالْمُكْرَمِينَ كَلَامٌ مُوَجَّهٌ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ لِإِكْرَامِ إِبْرَاهِيمَ إِيَّاهُمْ كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ مَعَ الضَّيْفِ وَهُوَ الَّذِي سَنَّ الْقِرَى، وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُمْ بِرَفْعِ الدَّرَجَةِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الْأَنْبِيَاء: 26] وَقَالَ: كِراماً كاتِبِينَ [الانفطار: 11] .
وَظَرْفُ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِ حَدِيثُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ، أَيْ خَبَرُهُمْ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ هُودٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: قالَ سَلامٌ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ قَالَ سِلْمٌ بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونِ اللَّامِ.
وَقَوْلُهُ: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ مِنْ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَهُ خَفْتًا إِذْ لَيْسَ مِنَ الْإِكْرَامِ أَنْ يُجَاهِرَ الزَّائِرَ بِذَلِكَ، فَالتَّقْدِيرُ: هُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.
وَالْمُنْكَرُ: الَّذِي يُنْكِرُهُ غَيْرُهُ، أَيْ لَا يَعْرِفُهُ. وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى مَنْ يُنْكَرُ حَالُهُ وَيُظَنُّ أَنَّهُ حَالٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ، أَيْ يُخْشَى أَنَّهُ مُضْمِرُ سُوءٍ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ هُودٍ [70] فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ ... مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا
أَيْ كَرِهَتْ ذَاتِي.
وَقِصَّةُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ تَقَدَّمَتْ فِي سُورَة هود.
وفَراغَ مَالَ فِي الْمَشْيِ إِلَى جَانِبٍ، وَمِنْهُ: رَوَغَانُ الثَّعْلَبِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَادَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الضُّيُوفُ إِلَى أَهْلِهِ، أَيْ إِلَى بَيْتِهِ الَّذِي فِيهِ أَهْلُهُ.
(26/358)

وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا أَمَامَ بَابِ خَيْمَتِهِ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَأَنَّهُ أَنْزَلَ الضُّيُوفَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ: إِنَّ الرَّوَغَانَ مَيْلٌ فِي الْمَشْيِ عَنِ الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْجَانِبِ مَعَ إِخْفَاءِ إِرَادَتِهِ ذَلِكَ وَتَبِعَهُ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ الرَّاغِبُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ فَانْتَزَعَ مِنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ إِخْفَاءَ إِبْرَاهِيمَ مَيْلَهُ إِلَى أَهْلِهِ مِنْ حُسْنِ الضِّيَافَةِ كَيْلَا يُوهِمَ الضَّيْفَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحْضِرَ لَهُمْ شَيْئًا فَلَعَلَّ الضَّيْفَ أَنْ يَكُفَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَعْذُرَهُ وَهَذَا مَنْزَعٌ لَطِيفٌ.
وَكَانَ مَنْزِلُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي جَرَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِمَوْضِعٍ يُسَمَّى (بُلُوطَاتِ مَمْرَا) مِنْ أَرْضِ جَبْرُونَ.
وَوُصِفَ الْعِجْلُ هُنَا بِ سَمِينٍ، وَوُصِفَ فِي سُورَةِ هُودٍ بِحَنِيذٍ، أَيْ مَشْوِيٍّ فَهُوَ عِجْلٌ سَمِينٌ شَوَاهُ وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ الشِّوَا أَسْرَعَ طَبْخِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَقَامَ امْرُؤُ الْقَيْسِ يَذْكُرُ الصَّيْدَ:
فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مَا بَيْنَ مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
فَقَيَّدَ (قَدِيرٍ) بِ (مُعَجَّلِ) وَلَمْ يُقَيِّدْ (صَفِيفَ شِوَاءٍ) لِأَنَّهُ مَعْلُوم.
وَمعنى فَقَرَّبَهُ وَضَعَهُ قَرِيبًا مِنْهُمْ، أَيْ لَمْ يَنْقُلْهُمْ مِنْ مَجْلِسِهِمْ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ بَلْ جَعَلَ الطَّعَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْإِكْرَامِ لِلضَّيْفِ بِخِلَافِ مَا يَطْعَمُهُ الْعَافِي وَالسَّائِلُ فَإِنَّهُ يُدْعَى إِلَى مَكَانِ الطَّعَامِ كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
فَقُلْتُ إِلَى الطَّعَامِ فَقَالَ مِنْهُمْ ... فَرِيقٌ يَحْسُدُ الْأُنْسُ الطَّعَامَا
وَمَجِيءُ الْفَاءِ لِعَطْفِ أَفْعَالِ فَراغَ فَجاءَ فَقَرَّبَهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ وَقَعَتْ فِي سُرْعَةٍ، وَالْإِسْرَاعُ بِالْقِرَى مِنْ تَمَامِ الْكَرَمِ، وَقَدْ قِيلَ: خَيْرُ الْبِرِّ عَاجِلُهُ.
وَجُمْلَةُ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ من جملَة فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ.
وأَ لَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ حِرَفُ عَرْضٍ، أَيْ رَغْبَةٍ فِي حُصُولِ الْفِعْلِ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ. وَهِيَ هُنَا مُتَعَيِّنَةٌ لِلْعَرَضِ لِوُقُوعِ فِعْلِ الْقَوْلِ بَدَلًا من فعل فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ،
(26/359)

وَلَا يَحْسُنُ جَعْلُهَا كَلِمَتَيْنِ مِنْ هَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ لِلْإِنْكَارِ مَعَ (لَا) النَّافِيَةِ.
وَالْعَرْضُ عَلَى الضَّيْفِ عَقِبَ وَضْعِ الطَّعَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ زِيَادَةٌ فِي الْإِكْرَامِ بِإِظْهَارِ الْحِرْصِ عَلَى مَا يَنْفَعُ الضَّيْفَ وَإِنْ كَانَ وَضْعُ الطَّعَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ كَافِيًا فِي تَمْكِينِهِ مِنْهُ. وَقَدِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ إِذْنًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلَائِمِ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ وُجُودِ مَائِدَةِ طَعَامٍ أَوْ سُفْرَةٍ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَدْ أُعِدَّتْ لِغَيْرِ الْمَدْعُوِّ.
وَالْفَاءُ فِي فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً فَصِيحَةٌ لِإِفْصَاحِهَا عَنْ جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَقْتَضِيهَا رَبْطُ الْمَعْنَى، أَيْ فَلَمْ يَأْكُلُوا فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، كَقَوْلِهِ: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشُّعَرَاء: 63] ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي سُورَةِ هُودٍ فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ (أَيْ إِلَى الْعَجَلِ) نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود: 70] .
وفَأَوْجَسَ أَحَسَّ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُظْهِرْ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ هُودٍ. وَقَوْلُهُمْ لَهُ لَا تَخَفْ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا مَا فِي نَفْسِهِ مِمَّا ظَهَرَ عَلَى مَلَامِحِهِ مِنَ الْخَوْفِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ هُودٍ.
وَالْغُلَامُ الَّذِي بَشَّرُوهُ بِهِ هُوَ إِسْحَاقُ لِأَنَّهُ هُوَ ابْنُ سَارَّةَ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي التَّوْرَاةِ، وَوُصِفَ هُنَا بِ عَلِيمٍ، وَأَمَّا الَّذِي ذُكِرَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ [101] فَهُوَ إِسْمَاعِيلُ وَوُصِفَ بِ حَلِيمٍ وَلِذَلِكَ فَامْرَأَةُ إِبْرَاهِيمَ الْحَادِثُ عَنْهَا هُنَا هِيَ سَارَّةُ، وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ بَعْدَ أَنْ أَيِسَتْ، أَمَّا هَاجَرُ فَقَدْ كَانَتْ فَتَاةً وَلَدَتْ فِي مُقْتَبَلِ عُمْرِهَا. وَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ حِينَ سَمِعْتُ الْبِشَارَةَ لَهَا بِغُلَامٍ، أَيْ أَقْبَلَتْ عَلَى مَجْلِسِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ ضَيْفِهِ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ [71] وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ.
وَكَانَ النِّسَاءُ يَحْضُرْنَ مَجَالِسَ الرِّجَالِ فِي بُيُوتِهِنَّ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ وَيُوَاكِلْنَهُمْ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» : قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تَحَضُرَ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَضَيْفِهِ وَتَأْكُلَ مَعَهُمْ.
وَالصُّرَّةُ: الصِّيَاحُ، وَمِنْهُ اشْتُقَّ الصَّرِيرُ. وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ وَهِيَ الْمُلَابَسَةُ.
وَالصَّكُّ: اللَّطْمُ، وَصَكُّ الْوَجْهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ عَادَةُ النِّسَاءِ أَيَامَئِذٍ، وَنَظِيرُهُ
(26/360)

وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [إِبْرَاهِيم: 9] .
وَقَوْلُهُا عَجُوزٌ عَقِيمٌ خَبَرٌ مَحْذُوفٍ، أَيْ أَنَا عَجُوزٌ عَقِيمٌ.
وَالْعَجُوزُ: فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَهُوَ يَسْتَوِي فِي الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَجْزِ وَيُطْلَقُ عَلَى كِبَرِ السِّنِّ لِمُلَازِمَةِ الْعَجْزِ لَهُ غَالِبًا.
وَالْعَقِيمُ: فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَهُوَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ إِذَا جَرَى عَلَى مَوْصُوفٍ مُؤَنَّثٍ، مُشْتَقٌّ مِنْ عَقَمَهَا اللَّهُ، إِذَا خَلَقَهَا لَا تَحْمَلُ بِجَنِينٍ، وَكَانَتْ سَارَّةُ لَمْ تَحْمِلْ قَطُّ.
وَقَوْلُ الْمَلَائِكَةِ كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْحَادِثِ وَهُوَ التَّبْشِيرُ بِغُلَامٍ. وَالْكَافُ
لِلتَّشْبِيهِ، أَيْ مِثْلُ قَوْلِنَا: قَالَ رَبُّكِ فَنَحْنُ بَلَّغْنَا مَا أُمِرْنَا بِتَبْلِيغِهِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ الْمُقْتَضِيَةِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَا أَخْبَرُوا إِبْرَاهِيمَ إِلَّا تَبْلِيغًا مِنَ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ صَادِقُ وَعْدِهِ وَأَنَّهُ لَا مَوْقِعَ لِتَعَجُّبِ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ يُدَبِّرُ تَكْوِينَ مَا يُرِيدُهُ، وَعَلِيمٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالُهَا مِنَ الْعَجْزِ وَالْعُقْمِ.
وَهَذِهِ الْمُحَاوَرَةُ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَسَارَّةَ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ وَقَعَ مِثْلُهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ كَمَا قُصَّ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ، فَحُكِيَ هُنَا مَا دَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَارَّةَ، وَحُكِيَ هُنَاكَ مَا دَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَالْمَقَامُ وَاحِدٌ، وَالْحَالَةُ وَاحِدَةٌ كَمَا بُيِّنَ فِي سُورَةِ هُودٍ [72] قالَتْ يَا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ.
(26/361)

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)
[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 31 إِلَى 34]
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)
عَلِمَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ مُحَاوَرَتِهِمْ فِيمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي آيَاتٍ أُخْرَى أَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ مُرْسَلُونَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَسَأَلَهُمْ عَنِ الشَّأْنِ الَّذِي أُرْسِلُوا لِأَجْلِهِ. وَإِنَّمَا سَأَلَهُمْ بَعْدَ أَنْ قَرَاهُمْ جَرْيًا عَلَى سُنَّةِ الضِّيَافَةِ أَنْ لَا يُسْأَلَ الضَّيْفُ عَنِ الْغَرَضِ الَّذِي أَوْرَدَهُ ذَلِكَ الْمَنْزِلَ إِلَّا بَعْدَ اسْتِعْدَادِهِ لِلرَّحِيلِ كَيْلَا يَتَوَهَّمَ سَآمَةَ مُضَيِّفِهِ مِنْ نُزُولِهِ بِهِ، وَلِيُعِينَهُ عَلَى أَمْرِهِ إِنْ كَانَ مُسْتَطِيعًا، وَهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ بَشَّرُوهُ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ ذَلِكَ هُوَ قُصَارَى مَا جَاءُوا لِأَجْلِهِ؟
وَحُكِيَ فِعْلُ الْقَوْلِ بِدُونِ عَاطِفٍ لِأَنَّهُ فِي مَقَاوِلِهِ مُحَاوَرَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ضَيْفِهِ.
وَالْفَاءُ فِيمَا حُكِيَ مِنْ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ فَصِيحَةٌ مُؤْذِنَةٌ بِكَلَام مَحْذُوف ناشىء عَنِ الْمُحَاوَرَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ضَيْفِهِ وَهُوَ مِنْ عَطْفِ كَلَامٍ عَلَى كَلَامِ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ وَيَقَعُ كَثِيرًا فِي الْعَطْفِ بِالْوَاوِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ: قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [الْبَقَرَة: 124] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [الْبَقَرَة: 124] وَقَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ: قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [الشُّعَرَاء: 112] . فَإِبْرَاهِيمُ خَاطَبَ الْمَلَائِكَةَ بَلُغَتِهِ مَا يُؤَدَّى مِثْلُهُ بِفَصِيحِ الْكَلَامَ الْعَرَبِيِّ بِعِبَارَةِ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ. وَتَقْدِيرُ الْمَحْذُوفِ: إِذْ كُنْتُمْ مُرْسَلِينَ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَا خَطْبُكُمُ الَّذِي أرسلتم لأَجله.
(27/5)

وَقَدْ عَلِمَ إِبْرَاهِيمُ أَنَّ نُزُولَ الْمَلَائِكَةِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ لَا تَكُونُ لِمُجَرَّدِ بِشَارَتِهِ بِابْنٍ يُولَدُ لَهُ وَلِزَوْجِهِ إِذْ كَانَتِ الْبِشَارَةُ تَحْصُلُ لَهُ
بِالْوَحْيِ، فَكَانَ مِنْ عِلْمِ النُّبُوءَةِ أَنَّ إِرْسَالَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْأَرْضِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِخَطْبٍ قَالَ تَعَالَى: مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ [الْحجر: 8] .
وَالْخَطْبُ: الْحَدَثُ الْعَظِيمُ وَالشَّأْنُ الْمُهِمُّ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى ضَمِيرِهِمْ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ.
وَالْمَعْنَى: مَا الْخَطْبُ الَّذِي أُرْسِلْتُمْ لِأَجْلِهِ إِذْ لَا تَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا بِالْحَقِّ. وَخَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا يُسَمِّيهِمْ بِهِ إِلَّا وَصْفَ أَنَّهُمُ الْمُرْسَلُونَ، وَالْمُرْسَلُونَ مِنْ صِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات: 1] عَن أَحَدِ تَفْسِيرَيْنِ.
وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ أَهْلُ سَدُومَ وَعَمُّورِيَّةَ، وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَسُورَةِ هُودٍ.
وَالْإِرْسَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسْتَعْمَلٌ فِي الرَّمْيِ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ: أَرْسَلَ سَهْمَهُ عَلَى الصَّيْدِ، وَهَذَا الْإِرْسَالُ يَكُونُ بَعْدَ أَنْ أَصْعَدُوا الْحِجَارَةَ إِلَى الْجَوِّ وَأَرْسَلَتْهَا عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَطَرًا فِي بَعْضِ الْآيَاتِ.
وَحَصَلَ بَيْنَ أُرْسِلْنا وَبَيْنَ لِنُرْسِلَ جِنَاسٌ لَاخْتِلَافِ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ.
وَالْحِجَارَةُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَجَرِ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْحِجَارَةِ مِنْ طِينٍ: أَنَّ أَصْلَهَا طِينٌ تَحَجَّرَ بِصَهْرِ النَّارِ، وَهِيَ حِجَارَةٌ بُرْكَانِيَّةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ قَذَفَتْهَا الْأَرْضُ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي صَارَتْ بُحَيْرَةً تُدْعَى الْيَوْمَ بُحَيْرَةَ لُوطٍ، وَأَصْعَدَهَا نَامُوسٌ إِلَهِيٌّ بِضَغْطٍ جَعَلَهُ اللَّهُ يَرْفَعُ الْخَارِجَ مِنَ الْبُرْكَانِ إِلَى الْجَوِّ فَنَزَلَتْ عَلَى قُرَى قَوْمِ لُوطٍ فَأَهْلَكَتْهُمْ، وَذَلِكَ بِأَمْرِ التَّكْوِينِ بِوَاسِطَةِ الْقُوَى الْمَلَكِيَّةِ.
وَالْمُسَوَّمَةُ: الَّتِي عَلَيْهَا السُّومَةُ أَيْ الْعَلَامَةُ، أَيْ عَلَيْهَا عَلَامَاتٌ مِنْ أَلْوَانٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْحِجَارَةِ الْمُتَعَارَفَةِ.
وَمَعْنَى عِنْدَ رَبِّكَ أَنَّ عَلَامَاتِهَا بَخَلْقِ اللَّهِ وَتَكْوِينِهِ.
(27/6)

فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)
وَالْمُسْرِفُونَ: الْمُفْرِطُونَ فِي الْعِصْيَانِ، وَذَلِكَ بَكُفْرِهِمْ وَشُيُوعِ الْفَاحِشَةِ فِيهِمْ، فَالْمُسْرِفُونَ: الْقَوْمُ الْمُجْرِمُونَ، عَدَلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إِلَى الْوَصْفِ الظَّاهِرِ، لِتَسْجِيلِ إِفْرَاطِهِمْ فِي الإجرام.
[35- 37]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 35 إِلَى 37]
فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (37)
هَذِهِ الْجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِنْ حِكَايَةِ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ بَلْ هِيَ تَذْيِيلٌ لِقِصَّةِ مُحَاوَرَةِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَالْفَاءُ فِي فَأَخْرَجْنا فَصِيحَةٌ لِأَنَّهَا تُفْصِحُ عَنْ كَلَامٍ مُقَدَّرٍ هُوَ مَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ هُودٍ مِنْ مَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ إِلَى لُوطٍ وَمَا حَدَثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ، فَالتَّقْدِيرُ: فَحَلُّوا بِقَرْيَةِ لُوطٍ فَأَمَرْنَاهُمْ بِإِخْرَاجِ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْرَجُوهُمْ. وَضَمِيرُ «أَخْرَجْنَا» ضَمِيرُ عَظَمَةِ الْجَلَالَةِ.
وَإِسْنَادُ الْإِخْرَاجِ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُبَلِّغُوهُ لُوطًا، وَلِأَنَّ اللَّهَ يَسَّرَ إِخْرَاجَ الْمُؤْمِنِينَ وَنَجَاتَهُمْ إِذْ أَخَّرَ نُزُولَ الْحِجَارَةِ إِلَى أَنْ خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ لُوطٌ وَأَهْلُهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ.
وَعبر عَنْهُم ب الْمُؤْمِنِينَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ إِيمَانَهُمْ هُوَ سَبَبُ نَجَاتِهِمْ، أَيْ إِيمَانُهُمْ بلوط. وَالتَّعْبِير عَنهُ ب الْمُسْلِمِينَ لأَنهم آل نبيء وَإِيمَانُ الْأَنْبِيَاءِ إِسْلَامٌ قَالَ تَعَالَى:
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [الْبَقَرَة: 132] .
وَضَمِيرُ فِيها عَائِدٌ إِلَى الْقَرْيَةِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةً مِنْ آيَاتٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [الْفرْقَان: 40] .
وَتَفْرِيعُ فَما وَجَدْنا تَفْرِيعُ خَبَرٍ عَلَى خَبَرٍ، وَفِعْلُ وَجَدْنا مَعْنَى عَلِمْنَا لِأَنَّ (وَجَدَ) مِنْ أَخَوَاتِ (ظَنَّ) فَمَفْعُولُهُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ (مِنَ) مَزِيدَةٌ لَتِأْكِيدِ النَّفْيِ وَقَوْلُهُ: فِيها فِي مَحَلِّ الْمَفْعُولِ الثَّانِي.
(27/7)

وَإِنَّمَا قَالَ: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ أَنْ يَقُولَ: فَأَخْرَجْنَا لُوطًا وَأَهْلَ بَيْتِهِ قَصْدًا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، أَيْ أَنَّ اللَّهَ نَجَّاهُمْ مِنَ الْعَذَابِ لِأَجْلِ إِيمَانِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُمْ لَا لِأَجْلِ أَنَّهُمْ أَهْلُ لُوطٍ، وَأَنَّ كَوْنَهُمْ أَهْلَ بَيْتِ لُوطٍ لِأَنَّهُمُ انْحَصَرَ فِيهِمْ وَصْفُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ، فَكَانَ كَالْكُلِّيِّ الَّذِي انْحَصَرَ فِي فَرْدٍ مُعَيَّنٍ.
وَالْمُؤْمِنُ: هُوَ الْمُصَدِّقُ بِمَا يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ. وَالْمُسْلِمُ الْمُنْقَادُ إِلَى مُقْتَضَى الْإِيمَانِ وَلَا نَجَاةَ إِلَّا بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ، فَحَصَلَ فِي الْكَلَامِ مَعَ التَّفَنُّنِ فِي الْأَلْفَاظِ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّنْوِيهِ بِكِلَيْهِمَا وَإِلَى أَنَّ النَّجَاةَ بِاجْتِمَاعِهِمَا.
وَالْآيَةُ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتْ تظهر الانقياد لزَوجهَا وَتُضْمِرُ الْكُفْرَ وَمُمَالَاةَ
أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَلَى فَسَادِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما [التَّحْرِيم: 10] الْآيَةَ، فَبَيْتُ لُوطٍ كَانَ كُلُّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ كُلُّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ مَعًا.
وَالْوِجْدَانُ فِي قَوْلِهِ: فَما وَجَدْنا مُرَادٌ بِهِ تَعَلُّقُ علم الله تَعَالَى بِالْمَعْلُومِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَهُوَ تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ، وَوِجْدَانُ الشَّيْءِ إِدْرَاكُهُ وَتَحْصِيلُهُ.
وَمَعْنَى وَتَرَكْنا فِيها آيَةً: أَنَّ الْقَرْيَةَ بَقِيَتْ خَرَابًا لَمْ تُعَمَّرْ، فَكَانَ مَا فِيهَا مِنْ آثَارِ الْخَرَابِ آيَةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ عَذَابَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْحجر [76] وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ، أَوْ يَعُودُ الضَّمِيرُ إِلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [الذاريات: 32] عَلَى تَأْوِيلِ الْكَلَامِ بِالْقِصَّةِ، أَيْ تَرَكْنَا فِي قِصَّتِهِمْ.
وَالتَّرْكُ حَقِيقَتُهُ: مُفَارَقَةُ شَخْصٍ شَيْئًا حَصَلَ مَعَهُ فِي مَكَانٍ فَفَارَقَ ذَلِكَ الْمَكَانَ وَأَبْقَى مِنْهُ مَا كَانَ مَعَهُ، كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ وَيُطْلَقُ عَلَى التَّسَبُّبِ فِي إِيجَادِ حَالَةٍ تَطُولُ، كَقَوْلِ النَّابِغَةِ:
(27/8)

وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)
فَلَا تَتْرُكَنِّي بِالْوَعِيدِ كَأَنَّنِي ... إِلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ الْقَارُ أَجْرَبُ
بِتَشْبِيهِ إِبْقَاءِ تِلْكَ الْحَالَةِ فِيهِ بِالشَّيْءِ الْمَتْرُوكِ فِي مَكَانٍ. وَوَجْهُ الشَّبَهِ عَدَمُ التَّغَيُّرِ.
وَالتَّرْكُ فِي الْآيَةِ: كِنَايَةٌ عَنْ إِبْقَاءِ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مُفَارَقَةِ التَّارِكِ، أَوْ هُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ نَظِيرَ مَا فِي بَيت النَّابِغَة.
ولِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِدِلَالَةِ مَوَاقِعِ الِاسْتِئْصَالِ عَلَى أَسْبَابِ ذَلِكَ الِاسْتِئْصَالِ نُزِّلَتْ دِلَالَةُ آيَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ مَنْزِلَةَ مَا لَيْسَ بِآيَةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [ق: 45] .
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِينَ يَخَافُونَ اتَّعَظُوا بِآيَةِ قَوْمِ لُوطٍ فَاجْتَنَبُوا مثل أَسبَاب إهلاكهم، وَأَنَّ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَا يَتَّعِظُونَ فَيُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذَاب أَلِيم.
[38- 40]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 38 إِلَى 40]
وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)
قَوْلُهُ: وَفِي مُوسى عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: فِيها آيَةً [الذاريات: 37] .
وَالتَّقْدِيرُ: وَتَرَكْنَا فِي مُوسَى آيَةً، فَهَذَا الْعَطْفُ مِنْ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ لِتَقْدِيرِ فِعْلِ: تَرَكْنَا، بَعْدَ وَاوِ الْعَطْفِ، وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ فِي قِصَّةِ مُوسَى حِينَ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بَسُلْطَانٍ مُبِينٍ فَتَوَلَّى إِلَخْ، فَيَكُونُ التَّرْكُ الْمُقَدَّرُ فِي حَرْفِ الْعَطْفِ مُرَادًا بِهِ جَعْلُ الدَّلَالَةِ بَاقِيَةً فَكَأَنَّهَا مَتْرُوكَةٌ فِي الْمَوْضِعِ لَا تُنْقَلُ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي بَيْتِ عَنْتَرَةَ.
وَأَعْقَبَ قِصَّةَ قَوْمِ لُوطٍ بِقِصَّةِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ أَمْرِ مُوسَى وَشَرِيعَتِهِ، فَالتَّرْكُ الْمُقَدَّرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَجَازَيْهِ الْمُرْسَلِ وَالِاسْتِعَارَةِ. وَفِي الْوَاوِ اسْتِخْدَامٌ مِثْلُ اسْتِخْدَامِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكٍ الْمُلَقَّبِ مُعَوِّدِ الْحُكَمَاءِ (لَقَّبُوهُ بِهِ لِقَوْلِهِ فِي ذِكْرِ قَصِيدَتِهِ) :
(27/9)

أُعَوِّدُ مِثْلَهَا الْحُكَمَاءَ بَعْدِي ... إِذَا مَا الْحَقُّ فِي الْحَدَثَانِ نَابَا

إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأْرِضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا
وَالْمَعْنَى: أَنَّ قِصَّةَ مُوسَى آيَةٌ دَائِمَةٌ. وَعُقِّبَتْ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ بِقِصَّةِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ تَنَاسُبٍ فِي أَنَّ الْعَذَابَ الَّذِي عُذِّبَ بِهِ الْأُمَّتَانِ عَذَابٌ أَرْضِيٌّ إِذْ عُذِّبَ قَوْمُ لُوطٍ بِالْحِجَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ طِينٍ، وَعُذِّبَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ بِالْغَرَقِ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ ذُكِرَ عَادٌ وَثَمُودُ وَكَانَ عَذَابُهُمَا سَمَاوِيًّا إِذْ عُذِّبَتْ عَادٌ بِالرِّيحِ وَثَمُودُ بِالصَّاعِقَةِ.
وَالسُّلْطَانُ الْمُبِينُ: الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ وَهِيَ الْمُعْجِزَاتُ الَّتِي أَظْهَرَهَا لِفِرْعَوْنَ مِنِ انْقِلَابِ الْعَصَا حَيَّةً، وَمَا تَلَاهَا مِنَ الْآيَاتِ الثَّمَانِ.
وَالتَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ: الِانْصِرَافُ عَنِ الْمَكَانِ. وَالرُّكْنُ حَقِيقَتُهُ: مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ بِنَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَيُسَمَّى الْجَسَدُ رُكْنًا لِأَنَّهُ عِمَادُ عَمَلِ الْإِنْسَانِ.
وَقَوْلُهُ: فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ رَفْضِهِ دَعْوَةَ مُوسَى بِهَيْئَةِ الْمُنْصَرِفِ عَنْ شَخْصٍ.
وَبِإِيرَادِ قَوْلِهِ: بِرُكْنِهِ تَمَّ التَّمْثِيلُ وَلَوْلَاهُ لَكَانَ قَوْله: فَتَوَلَّى مُجَرَّدَ اسْتِعَارَةٍ.
وَالْبَاءُ لَلْمُلَابَسَةِ، أَيْ مُلَابِسًا رُكْنَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ [الْإِسْرَاء:
83] .
وَالْمُلِيمُ: الَّذِي يَجْعَلُ غَيْرَهُ لَائِمًا عَلَيْهِ، أَيْ وَهُوَ مُذْنِبٌ ذَنْبًا يَلُومُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَيْ
يُؤَاخِذُهُ بِهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ الْعِقَابَ كَمَا قَالَ: فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إِبْرَاهِيم: 22] .
وَالْمعْنَى: أَن فِي قِصَّةَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ آيَةٌ لَلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ فَيَجْتَنِبُونَ مِثْلَ أَسْبَابِ مَا حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَهِيَ الْأَسْبَابُ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي مُكَابَرَةِ فِرْعَوْنَ عَنْ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ الْعَذَابَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ لَا يَتَّعِظُونَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِالنَّوَامِيسِ الْإِلَهِيَّةِ وَلَا يَتَدَبَّرُونَ فِي دَعْوَةِ أَهْلِ الْحَقِّ فَهُمْ لَا يَزَالُونَ مُعْرِضِينَ سَاخِرِينَ عَنْ
(27/10)

وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)
دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ مُتَكَبِّرِينَ عَلَيْهِ، مُكَابِرِينَ فِي دَلَائِلِ صِدْقِهِ، فَيُوشِكُ أَنْ يَحُلَّ بِهِمْ مِنْ مِثْلِ مَا حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، لِأَنَّ مَا جَازَ عَلَى الْمِثْلِ يجوز على الممائل، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا جَهْلِ فِرْعَوْنُ هَذِه الْأمة.
[41- 42]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 41 إِلَى 42]
وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)
نَظْمُ هَذِهِ الْآيَةِ مِثْلُ نَظْمِ قَوْلِهِ: وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ [الذاريات: 38] انْتَقَلَ إِلَى الْعِبْرَةِ بِأُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ الْعَرَبِيَّةِ وَهُمْ عَادٌ وَهُمْ أَشْهَرُ الْعَرَبِ الْبَائِدَةِ.
والرِّيحَ الْعَقِيمَ هِيَ: الْخَلِيَّةُ مِنَ الْمَنَافِعِ الَّتِي تُرْجَى لَهَا الرِّيَاحُ مِنْ إِثَارَةِ السَّحَابِ وَسَوْقِهِ، وَمِنْ إِلْقَاحِ الْأَشْجَارِ بِنَقْلِ غُبْرَةِ الذَّكَرِ مِنْ ثِمَارٍ إِلَى الْإِنَاثِ مِنْ أَشْجَارِهَا، أَيْ الرِّيحُ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا، أَيْ هِيَ ضَارَّةٌ. وَهَذَا الْوَصْفُ لِمَا كَانَ مُشْتَقًّا مِمَّا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِنَاثِ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ لِحَاقِ هَاءِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّهَا يُؤْتَى بِهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ. وَالْعَرَبُ يَكْرَهُونَ الْعُقْمَ فِي مَوَاشِيهِمْ، أَيْ رِيحٌ كَالنَّاقَةِ الْعَقِيمِ لَا تُثْمِرُ نَسْلًا وَلَا دَرًّا، فَوَصْفُ الرِّيحِ بِالْعَقِيمِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ فِي الشُّؤْمِ، قَالَ تَعَالَى: أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الْحَج: 55] .
وَجُمْلَةُ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ صفة ثَانِيَة، أَو حَال، فَهُوَ ارْتِقَاءٌ فِي مَضَرَّةِ هَذَا الرِّيحِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ وَأَنَّهُ يَضُرُّ أَضْرَارًا عَظِيمَةً.
وَصِيغَ تَذَرُ: بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ. وشَيْءٍ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ لِ تَذَرُ فَإِنَّ (مِنْ) لِتَأَكِيدِ النَّفْيِ والنكرة المجرورة ب (من) هَذِهِ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْجِنْسِ وَلِذَلِكَ كَانَتْ عَامَّةً، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْعُمُومَ مُخَصَّصٌ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ لِأَنَّ الرِّيحَ إِنَّمَا تُبْلِي الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْهَا إِذَا كَانَ شَأْنُهَا أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهَا الْبِلَى، فَإِنَّ الرِّيحَ لَا تُبْلِي الْجِبَالَ وَلَا الْبِحَارَ وَلَا الْأَوْدِيَةَ وَهِيَ تَمُرُّ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا تُبْلِي الدِّيَارَ وَالْأَشْجَارَ وَالنَّاسَ وَالْبَهَائِمَ، وَمِثْلُهُ
قَوْلُهُ تَعَالَى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [الْأَحْقَاف: 25] .
(27/11)

وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45)
وَجُمْلَةُ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الرِّيحَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عُمُومِ أَحْوَالِ شَيْءٍ يُبَيِّنُ الْمُعَرَّفَ، أَيْ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ تَدْمِيرِهَا إِلَّا فِي حَالٍ قَدْ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ.
وَالرَّمِيمُ: الْعَظْمُ الَّذِي بُلِيَ. يُقَالُ: رَمَّ الْعظم، إِذْ بَلِيَ، أَيْ جَعَلَتْهُ مُفَتَّتًا.
وَالْمَعْنَى: وَفِي عَادٍ آيَةٌ لَلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ إِذْ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ.
وَالْمُرَادُ: أَنَّ الْآيَةَ كَائِنَةٌ فِي أَسْبَابِ إِرْسَالِ الرِّيحِ عَلَيْهِمْ وَهِيَ أَسْبَابُ تَكْذِيبِهِمْ هُودًا وَإِشْرَاكِهِمْ بِاللَّهِ وَقَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: 15] ، فَيَحْذَرُ مِنْ مِثْلَ مَا حَلَّ بِهِمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ. وَأَمَّا الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ فَهُمْ مُصِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ كَمَا أَصَرَّتْ عَادٌ فَيُوشِكُ أَنْ يَحُلَّ بِهِمْ مِنْ جَنْسِ مَا حلّ بعاد.
[43- 45]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 43 إِلَى 45]
وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (45)
أُتْبِعَتْ قِصَّةُ عَادٍ بِقِصَّةِ ثَمُودَ لِتَقَارُنِهِمَا غَالِبًا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ثَمُودَ عَاصَرَتْ عَادًا وَخَلَفَتْهَا فِي عَظَمَةِ الْأُمَمِ، قَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ [الْأَعْرَاف: 74] وَلِاشْتِهَارِهِمَا بَيْنَ الْعَرَبِ.
وفِي ثَمُودَ عَطْفٌ عَلَى فِي عادٍ أَوْ عَلَى تَرَكْنا فِيها آيَةً.
وَالْمَعْنَى: وَتَرَكْنَا آيَةً لَلْمُؤْمِنِينَ فِي ثَمُودَ فِي حَالٍ قَدْ أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، أَيْ فِي دِلَالَةِ أَخْذِ الصَّاعِقَةِ إِيَّاهُمْ، عَلَى أَنَّ سَبَبَهُ هُوَ إِشْرَاكُهُمْ وَتَكْذِيبُهُمْ وَعُتُوُّهُمْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَالْمُؤْمِنُونَ اعْتَبَرُوا بِتِلْكَ فَسَلَكُوا مَسْلَكَ النَّجَاةِ مِنْ عَوَاقِبِهَا، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَإِصْرَارُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ سَيُوقِعُهُمْ فِي عَذَابٍ مِنْ جِنْسِ مَا وَقَعَتْ فِيهِ ثَمُودُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذُكِرَ هُنَا هُوَ كَلَامٌ جَامِعٌ لِمَا أَنْذَرَهُمْ بِهِ صَالِحٌ رَسُولُهُمْ وَذَكَّرَهُمْ بِهِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ: وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً [الْأَعْرَاف: 74]
(27/12)

وَقَوْلِهِ: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ [الشُّعَرَاء: 146- 148] وَقَوْلِهِ: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [هود:
61] . وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أُعْطُوا مَا هُوَ مَتَاعٌ، أَيْ نَفْعٌ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنَافِعَ الدُّنْيَا
زَائِلَةٌ، فَكَانَتِ الْأَقْوَالُ الَّتِي قَالَهَا رَسُولُهُمْ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَجْمَعُهَا تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُمْ قَالَ لَهُمْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْجَامِعَةَ وَلَمْ تُحْكَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَدْ عَلِمْتَ مِنَ الْمُقَدِّمَةِ السَّابِعَةِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ أَخْبَارَ الْأُمَمِ تَأْتِي مُوَزَّعَةً عَلَى قَصَصِهِمْ فِي الْقُرْآنِ.
فَقَوله: تَمَتَّعُوا أَمر مُسْتَعْمَلٌ فِي إِبَاحَةِ الْمَتَاعِ. وَقَدْ جُعِلَ الْمَتَاعُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ [الرَّعْد: 26] قَوْلُهُ: إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ [الْأَنْبِيَاء: 111] .
وَالْمرَاد ب حِينٍ زَمَنٌ مُبْهَمٌ، جُعِلَ نِهَايَةً لِمَا مُتِّعُوا بِهِ مِنَ النِّعَمِ فَإِنَّ نِعَمَ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ، وَذَلِكَ الْأَجَلُ: إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَجَلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الَّذِي تَنْتَهِي إِلَيْهِ حَيَاتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَجَلُ الْأُمَّةِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ بَقَاؤُهَا. وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ: يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [هود: 3] فَكَمَا قَالَه اللَّهُ لِلنَّاسِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّهُ قَالَهُ لِثَمُودَ عَلَى لِسَانِ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَلَيْسَ قَوْلُهُ: إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ بَمُشِيرٍ إِلَى قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [هود: 65] وَنَحْوِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْذَارِ وَالتَّأْيِيسِ مِنَ النَّجَاةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ مُنَاسِبَةٌ لِتَعْقِيبِهِ بِهِ بِالْفَاءِ لِأَن التَّرْتِيب الَّذِي تُفِيدُهُ الْفَاءُ يَقْتَضِي أَنَّ مَا بَعْدَهَا مُرَتَّبٌ فِي الْوُجُودِ عَلَى مَا قَبْلَهَا.
وَالْعُتُوُّ: الْكِبْرُ وَالشِّدَّةُ. وَضُمِّنَ «عَتَوْا» مَعْنَى: أَعرضُوا، فعدي ب (عَن) ، أَيْ فَأَعْرَضُوا عَمَّا أَمَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَأَخْذُ الصاعقة إيَّاهُم إصابتها إِيَّاهُمْ إِصَابَةً تُشْبِهُ أَخْذَ الْعَدُّوِ عَدُوَّهُ.
وَجُمْلَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ النصب فِي فَأَخَذَتْهُمُ، أَيْ أَخَذْتُهُمْ
(27/13)

وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)
فِي حَالِ نَظَرِهِمْ إِلَى نُزُولِهَا، لِأَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَوَارِقَهَا الشَّدِيدَةَ عَلِمُوا أَنَّهَا غَيْرُ مُعْتَادَةٍ فَاسْتَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ إِلَى السَّحَابِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَذَلِكَ هَوْلٌ عَظِيمٌ زِيَادَةً فِي الْعَذَابِ فَإِنَّ النَّظَرَ إِلَى النِّقْمَةِ يَزِيدُ صَاحِبَهَا أَلَمًا كَمَا أَنَّ النَّظَرَ إِلَى النِّعْمَةِ يَزِيدُ الْمُنَعَّمَ مَسَرَّةً، قَالَ تَعَالَى: وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [الْبَقَرَة: 50] .
وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ الصَّعْقَةُ بَدُونِ أَلِفٍ.
وَقَوْلُهُ: فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ تَفْرِيعٌ عَلَى وَهُمْ يَنْظُرُونَ، أَيْ فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ حِينَ رُؤْيَتِهِمْ بَوَادِرَهُ. فَالْقِيَامُ مَجَازٌ لَلدِّفَاعِ كَمَا يُقَالُ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَقُومُ لَهُ أَحَدٌ، أَيْ لَا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ «غَضِبَ غَضَبًا لَا يَقُومُ لَهُ أَحَدٌ»
، أَيْ فَمَا اسْتَطَاعُوا أَيَّ دِفَاعٍ لِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ أَيْ لم ينصرهم نَاصِر حَتَّى يَكُونُوا مُنْتَصِرِينَ لِأَنَّ انْتَصَرَ مُطَاوِعُ نَصَرَ، أَيْ مَا نَصَرَهُمْ أحد فانتصروا.
[46]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 46]
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (46)
قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَقَوْمَ بِالنِّصْبِ بِتَقْدِيرِ (اذْكُرْ) ، أَوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْقَصَصِ قَبْلَهُ، تَقْدِيرُهُ: وَأَهْلَكْنَا قَوْمَ نُوحٍ، وَهَذَا مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ وَلَيْسَ مِنْ عطف الْمُفْردَات.
وقرأه أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ بِالْجَرِّ عَطْفًا على ثَمُودَ [الذاريات: 43] عَلَى تَقْدِيرِ: وَفِي قَوْمِ نُوحٍ.
وَمَعْنَى مِنْ قَبْلُ أَنَّهُمْ أُهْلِكُوا قَبْلَ أُولَئِكَ فَهُمْ أَوَّلُ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِينَ رَسُولَهُمْ أُهْلِكُوا.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ تَعْلِيلٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ.
وَتَقْدِيرُ كَوْنِهِمْ آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ: مِنْ كَوْنِهِمْ عُوقِبُوا وَأَنَّ عِقَابَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.
(27/14)

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)
وَأَخَّرَ الْكَلَامَ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ لِمَا عُرِضَ مِنْ تَجَاذُبِ الْمُنَاسَبَاتِ فِيمَا أُورِدَ مِنْ آيَاتِ الْعَذَابِ لِلْأُمَمِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا بِمَا عَلِمْتَهُ سَابِقًا. وَلِذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ: مِنْ قَبْلُ تَنْبِيهًا عَلَى وَجْهِ مُخَالَفَةِ عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي تَرْتِيبِ حِكَايَةِ أَحْوَالِ الْأُمَمِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فِي الْوُجُودِ.
وَقَدْ أَوْمَأَ قَوْلُهُ: مِنْ قَبْلُ إِلَى هَذَا وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى [النَّجْم: 50- 52] .
[47]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 47]
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)
لَمَّا كَانَتْ شُبْهَةُ نُفَاةِ الْبَعْثِ قَائِمَةً عَلَى تَوَهُّمِ اسْتِحَالَةِ إِعَادَةِ الْأَجْسَامِ بعد فنائها أعقب تَهْدِيدَهُمْ بِمَا يُقَوِّضُ تَوَهُّمَهُمْ فَوُجِّهَ إِلَيْهِ الْخِطَابُ يُذَكِّرُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَعْظَمَ الْمَخْلُوقَاتِ
وَلَمْ تَكُنْ شَيْئًا فَلَا تُعَدُّ إِعَادَةُ الْأَشْيَاءِ الْفَانِيَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا كَمَا قَالَ تَعَالَى:
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غَافِر: 57] .
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ وَالْجُمَلُ الْمَعْطُوفَةُ عَلَيْهَا إِلَى قَوْلِهِ: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:
51] مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ [الذاريات: 46] إِلَخْ وَجُمْلَةِ كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ [الذاريات: 52] الْآيَةَ.
وَابْتُدِئَ بِخَلْقِ السَّمَاءِ لِأَنَّ السَّمَاءَ أَعْظَمُ مَخْلُوقٍ يُشَاهِدُهُ النَّاسُ، وَعُطِفَ عَلَيْهِ خَلْقُ الْأَرْضِ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلَى مُخَالِفِهِ لِاقْتِرَانِ الْمُتَخَالِفِينَ فِي الْجَامِعِ الْخَيَالِيِّ. وَعُطِفَ عَلَيْهَا خَلْقُ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانِ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ لِلْأَنْظَارِ لَا يُكَلِّفُ النَّظَرُ فِيهَا وَالتَّدَبُّرُ فِي أَحْوَالِهَا مَا يُرْهِقُ الْأَذْهَانَ.
وَاسْتُعِيرَ لِخَلْقِ السَّمَاءِ فعل الْبناء لِأَنَّهُ مَنْظَرَ السَّمَاءِ فِيمَا يَبْدُو لِلْأَنْظَارِ شَبِيهٌ بِالْقُبَّةِ وَنَصْبُ الْقُبَّةِ يُدْعَى بِنَاءً.
وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِأَثَرِ الْخَلْقِ الَّذِي عَايَنُوا أَثَرَهُ وَلَمْ يَشْهَدُوا كَيْفِيَّتَهُ، لِأَن أَثَره ينبىء عَنْ عَظِيمِ كَيْفِيَّتِهِ، وَأَنَّهَا أَعْظَمُ مِمَّا يُتَصَوَّرُ فِي كَيْفِيَّةِ إِعَادَةِ الْأَجْسَامِ الْبَالِيَةِ.
(27/15)

وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48)
وَالْأَيْدُ: الْقُوَّةُ. وَأَصْلُهُ جَمْعُ يَدٍ، ثُمَّ كَثُرَ إِطْلَاقُهُ حَتَّى صَارَ اسْمًا لِلْقُوَّةِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ فِي سُورَةِ ص [17] .
وَالْمَعْنَى: بَنَيْنَاهَا بِقُدْرَةٍ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِثْلَهَا.
وَتَقْدِيمُ السَّماءَ عَلَى عَامِلِهِ لِلَاهْتِمَامِ بِهِ، ثُمَّ بِسُلُوكِ طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ زَادَهُ تَقْوِيَةً لِيَتَعَلَّقَ الْمَفْعُولُ بِفِعْلِهِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِنَفْسِهِ، وَمَرَّةً بِضَمِيرِهِ، فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ فِي قُوَّةِ تَكَرُّرِ الْجُمْلَةِ. وَزِيدَ تَأْكِيدُهُ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ.
وَالْمُوسِعُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَوْسَعَ، إِذَا كَانَ ذَا وُسْعٍ، أَيْ قُدْرَةٍ. وَتَصَارِيفُهُ جَائِيَّةٌ مِنَ السَّعَةِ، وَهِيَ امْتِدَادُ مِسَاحَةِ الْمَكَانِ ضِدُّ الضِّيقِ، وَاسْتُعِيرَ مَعْنَاهَا لِلْوَفْرَةِ فِي أَشْيَاءَ مِثْلَ الْإِفْرَادِ مِثْلَ عُمُومِهَا فِي وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الْأَعْرَاف: 156] ، وَوَفْرَةُ الْمَالِ مِثْلَ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطَّلَاق: 7] ، وَقَوْلِهِ: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ [الْبَقَرَة: 236] ، وَجَاءَ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْوَاسِعُ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ. وَهُوَ عِنْدَ إِجْرَائِهِ عَلَى الذَّاتِ يُفِيدُ كَمَالَ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ: الْوُجُودِ، وَالْحَيَاةِ، وَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْحِكْمَةِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [الْبَقَرَة: 115] وَمِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ.
وَأَكَّدَ الْخَبَرَ بِحَرْفِ (إِنَّ) لِتَنْزِيلَ الْمُخَاطَبِينَ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ سَعَةَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ أَحَالُوا إِعَادَةَ الْمَخْلُوقَاتِ بعد بلاها.
[48]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 48]
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (48)
الْقَوْلُ فِي تَقْدِيمِ الْأَرْضَ عَلَى عَامِلِهِ، وَفِي مَجِيءِ طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ كَالْقَوْلِ فِي وَالسَّماءَ بَنَيْناها [الذاريات: 47] . وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ.
مِنْ دَقَائِقِ فَخْرِ الدِّينِ: أَنَّ ذِكْرَ الْأُمَمِ الْأَرْبَعِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَهُمْ بِمَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ وُجُودِهِمْ، وَهُوَ التُّرَابُ وَالْمَاءُ وَالْهَوَاءُ وَالنَّارُ، وَهِيَ عَنَاصِرُ الْوُجُودِ، فَأَهْلَكَ قَوْمَ لُوطٍ بِالْحِجَارَةِ وَهِيَ مِنْ طِينٍ، وَأَهْلَكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ بِالْمَاءِ، وَأَهْلَكَ عَادًا بِالرِّيحِ وَهُوَ هَوَاءٌ، وَأَهْلَكَ ثَمُودًا بِالنَّارِ.
(27/16)

وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)
وَاسْتَغْنَى هُنَا عَنْ إِعَادَة بِأَيْدٍ [الذاريات: 47] لِدِلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْشُ: بَسْطُ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ لِلْجُلُوسِ وَالِاضْطِجَاعِ، وَفِي فَرَشْناها اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ تَكْوِينَ اللَّهِ الْأَرْضَ عَلَى حَالَةِ الْبَسْطِ بِفَرْشِ الْبِسَاطِ وَنَحْوِهِ.
وَفِي هَذَا الْفَرْشِ دَلَالَةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ إِذْ جَعَلَ الْأَرْضَ مَبْسُوطَةً لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى سَطْحِهَا أَنْوَاعَ الْحَيَوَانِ يَمْشِي عَلَيْهَا وَيَتَوَسَّدُهَا وَيَضْطَجِعُ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَتَ مُحْدَوْدِبَةً تُؤْلِمُ الْمَاشِيَ بَلْهَ الْمُتَوَسِّدُ وَالْمُضْطَجِعُ.
وَلَمَّا كَانَ فِي فَرْشِهَا إِرَادَةً جَعَلَهَا مَهْدًا لِمَنْ عَلَيْهَا مِنَ الْإِنْسَانِ أَتْبَعَ فَرَشْناها بِتَفْرِيعِ ثَنَاءِ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى إِجَادَةِ تَمْهِيدِهَا تَذْكِيرًا بِعَظَمَتْهِ وَنِعْمَتِهِ، أَيْ فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ نَحْنُ.
وَصِيغَةُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: الْماهِدُونَ لِلتَّعْظِيمِ مِثْلِ ضَمِيرِ الْجَمْعِ فِي [ ... ] (1) ،
وَرُوعِيَ فِي وَصْفِ خَلْقِ الْأَرْضِ مَا يَبْدُو لِلنَّاسِ مِنْ سَطْحِهَا لِأَنَّهُ الَّذِي يَهُمُّ النَّاسَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَفِي الامتنان عَلَيْهِم بِمَا فِيهِ لُطْفِهِمْ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، دُونَ تَعَرُّضٍ إِلَى تَكْوِيرِهَا إِذْ لَا يَبْلُغُونَ إِلَى إِدْرَاكِهِ، كَمَا رُوعِيَ فِي ذِكْرِ السَّمَاءِ مَا يَبْدُو مِنْ قُبَّةِ أَجْوَائِهَا دُونَ بَحْثٍ عَنْ تَرَامِي أَطْرَافِهَا وَتَعَدُّدِ عَوَالِمِهَا لِمِثْلِ ذَلِكَ. وَلِذَلِكَ أَتْبَعَ الِاعْتِرَاضَ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ:
فَنِعْمَ الْماهِدُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَلْقِينُ النَّاسِ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ فِيمَا صَنَعَ لَهُمْ فِيهَا مِنْ مِنَّةٍ
لِيَشْكُرُوهُ بِذَلِكَ الثَّنَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الْفَاتِحَة: 2] .
[49]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 49]
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)
لَمَّا أَشْعَرَ قَوْلُهُ: فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ [الذاريات: 48] بِأَنَّ فِي ذَلِكَ نِعْمَةً عَلَى الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي عَلَى الْأَرْضِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِصِفَةِ خَلْقِ تِلْكَ الْمَوْجُودَاتِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَلَالَةٍ عَلَى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعَالَى بالخلق المستلزم لِتَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ فَقَالَ: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ وَالزَّوْجُ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى. وَالْمُرَادُ بِالشَّيْءِ: النَّوْعُ مِنْ جِنْسِ الْحَيَوَانِ. وَتَثْنِيَةُ زَوْجٍ هُنَا لِأَنَّهُ أُرِيدُ بِهِ مَا يُزَوَّجُ مِنْ ذِكْرٍ وَأُنْثَى.
_________
(1) كلمة غير وَاضِحَة فِي المطبوعة.
(27/17)

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)
وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِمْ بِخَلْقٍ يُشَاهِدُونَ كَيْفِيَّاتِهِ وَأَطْوَارَهُ كُلَّمَا لَفَتُوا أَبْصَارَهُمْ، وَقَدَحُوا أَفْكَارَهُمْ، وَهُوَ خَلْقُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِيَكُونَ مِنْهُمَا إِنْشَاءُ خَلْقٍ جَدِيدٍ يَخْلُفُ مَا سَلَفَهُ وَذَلِكَ أَقْرَبُ تَمْثِيلٍ لِإِنْشَاءِ الْخَلْقِ بَعْدَ الْفَنَاءِ. وَهُوَ الْبَعْثُ الَّذِي أَنْكَرُوهُ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ تُقَرَّبُ بِمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنْ أَحْوَالِ أَمْثَالِهَا.
وَلِذَلِكَ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، أَيْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الْفُرُوقِ بَيْنَ الْمُمْكِنَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ، وَتَتَفَكَّرُونَ فِي مَرَاتِبِ الْإِمْكَانِ فَلَا يَخْتَلِطَ عَلَيْكُمُ الِاسْتِبْعَادُ وَقِلَّةُ الِاعْتِيَادِ بِالِاسْتِحَالَةِ فَتَتَوَهَّمُوا الْغَرِيبَ مُحَالًا.
فَالتَّذَكُّرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِعَادَة التفكر فِي الْأَشْيَاء وَمُرَاجَعَةِ أَنْفُسِهِمْ فِيمَا أَحَالُوهُ لِيَعْلَمُوا بَعْدَ إِعَادَةِ النَّظَرِ أَنَّ مَا أَحَالُوهُ مُمْكِنٌ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَأْلَفُوهُ فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الْغَرِيبُ بِالْمُحَالِ فَأَحَالُوهُ فَلَمَّا كَانَ تَجْدِيدُ التَّفَكُّرِ الْمَغْفُولِ عَنْهُ شَبِيهًا بِتَذَكُّرِ الشَّيْءِ الْمَنْسِيِّ أَطْلَقَ عَلَيْهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ [الْوَاقِعَة: 60- 62] فَقَدْ ذُيِّلَ هُنَالِكَ بِالْحَثِّ عَلَى التَّذَكُّرِ، كَمَا ذُيِّلَ هُنَا بِرَجَاءِ التَّذَكُّرِ، فَأَفَادَ أَنَّ خَلْقَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ هُوَ النَّشْأَةُ الْأُولَى وَأَنَّهَا الدَّالَّةُ عَلَى النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ.
وَجُمْلَةُ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ أَيْ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِي الزَّوْجَيْنِ تَذَكُّرٌ لَكُمْ، أَيْ دَلَالَةٌ مَغْفُولٌ عَنْهَا. وَالْقَوْلُ فِي صُدُورِ الرَّجَاءِ مِنَ اللَّهِ مُبِينٌ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فِي سُورَة الْبَقَرَة [52] .
[50، 51]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 50 إِلَى 51]
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)
بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ ضَلَالَ هَؤُلَاءِ فِي تَكْذِيبِهِمْ بِالْبَعْثِ بَيَانًا بِالْبُرْهَانِ السَّاطِعِ، وَمَثَّلَ حَالَهُمْ بِحَالِ الْأُمَمِ الَّذِينَ سَلَفُوهُمْ فِي التَّكْذِيبِ بِالرُّسُلِ وَمَا جَاءُوا بِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْمَوْعِظَةِ لِلضَّالِّينَ وَتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَكَانَتْ فِيمَا مَضَى مِنَ الِاسْتِدْلَالِ
(27/18)

دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مُتَفَرِّدٌ بِخَلْقِ الْعَالِمِ وَفِي ذَلِكَ إِبْطَالُ إِشْرَاكِهِمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى أَقْبَلَ عَلَى تَلْقِينِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَسْتَخْلِصُهُ لَهُمْ عَقِبَ ذَلِكَ بِأَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ بِقَوْلِهِ: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ فَالْجُمْلَةُ الْمُفَرَّعَةُ بِالْفَاءِ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرِ: فَقُلْ فِرُّوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَإِنَّهُ كَلَامٌ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ قَائِلٍ وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ مُبَلِّغٍ. وَحَذْفُ الْقَوْلِ كَثِيرُ الْوُرُودِ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ مِنْ ضُرُوبِ إِيجَازِهِ، فَالْفَاءُ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَقُولُهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُفَادُهَا التَّفْرِيعُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَلَيْسَتْ مُفَرَّعَةَ فِعْلِ الْأَمْرِ الْمَحْذُوفِ لِأَنَّ الْمُفَرَّعَ بِالْفَاءِ هُوَ مَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا.
وَقَدْ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الْمَوْعِظَةِ إِلَى تَوْجِيه الْخطاب للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ هَذِهِ الْمَوْعِظَةَ لِأَنَّ لِتَعَدُّدِ الْوَاعِظِينَ تَأْثِيرًا عَلَى نُفُوسِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْمَوْعِظَةِ.
وَالْأَنْسَبُ بِالسِّيَاقِ أَنَّ الْفِرَارَ إِلَى اللَّهِ مُسْتَعَارٌ لِلْإِقْلَاعِ عَنْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْإِشْرَاكِ وَجُحُودُ الْبَعْثِ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ حَالِ تَوَرُّطِهِمْ فِي الضَّلَالَةِ بِحَالِ مَنْ هُوَ فِي مَكَانٍ مَخُوفٍ يَدْعُو حَالُهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْهُ إِلَى مَنْ يُجِيرُهُ، وَتَشْبِيهُ حَالِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَالِ نَذِيرِ قَوْمٍ بِأَنَّ دِيَارَهُمْ عُرْضَةٌ لِغَزْوِ الْعَدُوِّ فَاسْتُعْمِلَ المركّب وَهُوَ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ فِي هَذَا التَّمْثِيل.
فالمواجه ب فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ الْمُشْرِكُونَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ فَرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنَ الشِّرْكِ.
وَالْفِرَارُ: الْهُرُوبُ، أَيْ سُرْعَةُ مُفَارَقَةِ الْمَكَانِ تَجَنُّبًا لِأَذًى يَلْحَقُهُ فِيهِ فيعدي ب (من) الِابْتِدَائِيَّةِ لِلْمَكَانِ الَّذِي بِهِ الْأَذَى يُقَالُ: فَرَّ مِنْ بَلَدِ الْوَبَاءِ وَمِنَ الْمَوْتِ، وَالشَّيْءُ الَّذِي يُؤْذِي، يُقَالُ: فَرَّ مِنَ الْأَسَدِ وَفَرَّ مِنَ الْعَدُوِّ.
وَجُمْلَةُ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ تَعْلِيل لِلْأَمْرِ ب فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْغَايَةَ مِنَ الْإِنْذَارِ قَصْدُ السَّلَامَةِ مِنَ الْعِقَابِ فَصَارَ الْإِنْذَارُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَعْلِيلًا لِلْأَمْرِ بِالْفِرَارِ إِلَى اللَّهِ، أَيِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ.
(27/19)

كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52)
وَقَوْلُهُ: مِنْهُ صفة ل نَذِيرٌ قُدِّمَتْ عَلَى الْمَوْصُوفِ فَصَارَتْ حَالًا.
وَحَرْفُ (مِنْ) لِلِابْتِدَاءِ الْمَجَازِيِّ، أَيْ مَأْمُورٌ لَهُ بِأَنْ أُبَلِّغَكُمْ.
وَعَطْفُ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ عَلَى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ نَهْيٌ عَنْ نِسْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ. فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُبَالَغَةً فِي التَّأْكِيدِ بِنَفْيِ الضِّدِّ لِإِثْبَاتِ ضِدِّهِ كَقَوْلِهِ: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى [طه: 79] .
وَمِنْ لَطَائِفِ فَخْرِ الدِّينِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ جَمَعَ الرَّسُولَ وَالْمُرْسَلَ إِلَيْهِم والمرسل.
[52]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 52]
كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52)
كَلِمَةُ كَذلِكَ فَصْلُ خِطَابٍ تدل على انْتِهَاء حَدِيثٍ وَالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ، أَوِ الرُّجُوعِ إِلَى حَدِيثٍ قَبْلَهُ أَتَى عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ. وَالتَّقْدِيرُ: الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَا مَضَى مِنَ الْحَدِيثِ، ثُمَّ يُورَدُ بَعْدَهُ حَدِيثٌ آخَرُ وَالسَّامِعُ يَرُدُّ كُلًّا إِلَى مَا يُنَاسِبُهُ، فَيَكُونُ مَا بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مُتَّصِلًا بِأَخْبَارِ الْأُمَمِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مِنْ قَوْمِ لُوطٍ وَمَنْ عُطِفَ عَلَيْهِمْ.
أُعْقِبَ تَهْدِيدُ الْمُشْرِكِينَ بِأَنْ يَحُلَّ بِهِمْ مَا حلّ بالأمم المكذبين لرسل اللَّهِ مِنْ قَبْلِهِمْ بِتَنْظِيرِهِمْ بِهِمْ فِي مَقَالِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وُرُودُ كَذلِكَ فَصْلًا لِلْخِطَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [91] ، فَقَوْلُهُ: كَذلِكَ فَصْلٌ وَجُمْلَةُ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ الْآيَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا.
وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ: كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إِلَخ مبدأ اسْتِئْنَافٍ عَوْدًا إِلَى الْإِنْحَاءِ عَلَى الْمُشْركين فِي قَوْلهم الْمُخْتَلِفِ بِأَنْوَاعِ التَّكْذِيبِ فِي التَّوْحِيدِ وَالْبَعْثِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ.
(27/20)

وَاسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات: 8] الْآيَةَ كَمَا عَلِمْتَ هُنَالِكَ، أَيْ مِثْلَ قَوْلِهِمُ الْمُخْتَلِفِ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ لَمَّا جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ كَذلِكَ فِي مَحَلِّ حَالٍ وَصَاحِبُ الْحَالِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَالْمَعْنَى: أَنَّ حَالَ هَؤُلَاءِ كَحَالِ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ مِمَّنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ أَنْ يَصِفُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ سَاحِرٌ، أَوْ مَجْنُونٌ فَكَذَلِكَ سَيُجِيبُ هَؤُلَاءِ عَنْ قَوْلِكَ:
«فِرُّوا إِلَى اللَّهِ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ» بِمِثْلِ جَوَابِ مَنْ قَبْلَهُمْ فَلَا مَطْمَعَ فِي ارْعِوَائِهِمْ عَنْ عِنَادِهِمْ.
وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الْأُمَمُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَضَمِيرُ
قَبْلِهِمْ عَائِدٌ إِلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ الْحَاضِرِينَ.
وَزِيَادَةُ مِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ رَسُولٍ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى إِرَادَةِ الْعُمُومِ، أَيْ أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ قَالَ فِيهِ فَرِيقٌ مِنْ قَوْمِهِ: هُوَ سَاحِرٌ، أَوْ مَجْنُونٌ، أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَجْنُونٌ، مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ دُونَ السِّحْرِ إِذْ لَمْ يَكُنِ السِّحْرُ مَعْرُوفًا فِي زَمَانِهِمْ قَالُوا:
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [الْمُؤْمِنُونَ: 25] . وَقَدْ يَجْمَعُونَ الْقَوْلَيْنِ مِثْلَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ فِي مُوسَى.
وَهَذَا الْعُمُومُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ قَوْمٌ مِنَ الْأَقْوَامِ الْمَذْكُورِينَ إِلَّا قَالُوا لِرَسُولِهِمْ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ، وَمَا حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي آيَاتٍ أُخْرَى بِلَفْظِهِ أَوْ بِمُرَادِفِهِ كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [هود: 54] .
وَأَوَّلُ الرُّسُلِ هُوَ نُوحٌ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الشَّفَاعَةِ. فَلَا يُرَدُّ أَنَّ آدَمَ لَمْ يُكَذِّبْهُ أَهْلُهُ، وَأَنَّ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلَ يُوشَعَ وَأَشْعِيَا، لَمْ يُكَذِّبْهُمْ قَوْمُهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: مِنْ رَسُولٍ، وَالرَّسُولُ أَخَصُّ مِنَ النَّبِيءِ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي إِلَّا قالُوا ساحِرٌ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَحْوَالٍ مَحْذُوفَةٍ.
وَالْمَعْنَى: مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ أَقْوَالِهِمْ إِلَّا فِي حَالِ قَوْلِهِمْ: سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.
(27/21)

أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)
وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لِأَنَّ لِلْأُمَمِ أَقْوَالًا غَيْرَ ذَلِكَ وَأَحْوَالًا أُخْرَى، وَإِنَّمَا قَصَرُوا عَلَى هَذَا اهْتِمَامًا بِذِكْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ مِنَ الْبُهْتَانِ، إِذْ يَرْمُونَ أَعْقَلَ النَّاسِ بِالْجُنُونِ وَأَقْوَمَهُمْ بِالسِّحْرِ.
وَإِسْنَادُ الْقَوْلِ إِلَى ضَمِيرِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ الْحَاضِرِينَ إِسْنَادٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ فَإِنَّ الْأُمُورَ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى الْأَقْوَامِ وَالْقَبَائِلِ تَجْرِي عَلَى اعْتِبَار الْغَالِب.
[53]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 53]
أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (53)
الِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ مِنْ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، أَيْ كَأَنَّهُمْ أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَنْ يَقُولُوهُ. فَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ لَازِمِهِ وَهُوَ التَّعْجِيبُ لِأَنَّ شَأْنَ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ.
وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ تَمَاثُلَ هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ فِي مَقَالَةِ التَّكْذِيبِ يُثِيرُ سُؤَالَ سَائِلٍ
عَنْ مَنْشَأِ هَذَا التَّشَابُهِ.
وَضَمِيرُ تَواصَوْا عَائِدٌ إِلَى مَا سَبَقَ مِنَ الْمَوْصُولِ وَمِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ قَبْلِهِمْ، أَيْ أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى بَلَغَتِ الْوَصِيَّةُ إِلَى الْقَوْمِ الْحَاضِرِينَ.
وَضَمِيرُ بِهِ عَائِدٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ فِعْلِ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: 52] ، أَيْ أَتَوَاصَوْا بِهَذَا الْقَوْلِ.
وَفِعْلُ الْوَصِيَّةِ يَتَعَدَّى إِلَى الْمُوصَى عَلَيْهِ بِالْبَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [الْعَصْر: 3] .
وبَلْ إِضْرَابٌ عَنْ مُفَادِ الِاسْتِفْهَامِ مِنَ التَّشْبِيهِ أَوْ عَنِ التَّوَاصِي بِهِ، بِبَيَانِ سَبَبِ التَّوَاطُؤِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّهُ إِذَا ظَهَرَ السَّبَبُ بَطَلَ الْعَجَبُ. أَيْ مَا هُوَ بِتَوَاصٍ وَلَكِنَّهُ تَمَاثَلٌ فِي مَنْشَأِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، أَيْ سَبَبُ تَمَاثُلِ الْمَقَالَةِ تَمَاثُلُ التَّفْكِيرِ
(27/22)

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)
وَالدَّوَاعِي لِلْمَقَالَةِ، إِذْ جَمِيعُهُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ، وَأَنَّ طُغْيَانَهُمْ وَكِبْرِيَاءَهُمْ يَصُدُّهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ رَسُولٍ يَحْسَبُونَ أَنْفُسَهُمْ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَإِذْ لَا يَجِدُونَ وَصْمَةً يَصِمُونَهُ بِهَا اخْتَلَقُوا لِتَنْقِيصِهِ عِلَلًا لَا تدخل تَحت الضَّبْط وَهِيَ ادِّعَاءُ أَنَّهُ مَجْنُونٌ أَوْ أَنَّهُ سَاحِرٌ، فَاسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ بِعِلَّةِ اسْتِوَائِهِمْ فِي أَسبَابه ومعاذيره.
فَضَمِيرُ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ عَائِدٌ إِلَى مَا عَادَ إِلَيْهِ ضَمِيرُ أَتَواصَوْا.
وَفِي إِقْحَامِ كَلِمَةِ قَوْمٌ إِيذَانٌ بِأَنَّ الطُّغْيَانَ رَاسِخٌ فِي نُفُوسِهِمْ بِحَيْثُ يَكُونُ مِنْ مُقَوِّمَاتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فِي سُورَة الْبَقَرَة [164] .
[54، 55]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 54 إِلَى 55]
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)
تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَى قَوْلِهِ: بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ [الذاريات: 52، 53] لَمُشْعِرٌ بِأَنَّهُمْ بُعَدَاءُ عَنْ أَنْ تُقْنِعَهُمُ الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ، أَيْ أَعْرِضْ عَنِ الْإِلْحَاحِ فِي جِدَالِهِمْ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَيَغْتَمُّ مِنْ أَجْلِ عِنَادِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ فَكَانَ اللَّهُ يُعَاوِدُ تَسْلِيَتَهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ كَمَا قَالَ:
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشُّعَرَاء: 3] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الْكَهْف: 6] وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا
يَمْكُرُونَ
[النَّحْل: 127] ، فَالتَّوَلِّي مُرَادٌ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَإِنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بَعْدَ أَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَةِ بِدَعْوَتِهِمْ وَجِدَالِهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ قَالَ تَعَالَى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ [174- 175] .
وَفَرَّعَ عَلَى أَمْرِهِ بِالتَّوَلِّي عَنْهُمْ إِخْبَارَهُ بِأَنَّهُ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَصِيغَ الْكَلَامُ فِي صِيغَةِ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دُونَ: لَا نَلُومُكَ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ فِي النَّفْيِ.
وَجِيءَ بِضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ مُسْنَدًا إِلَيْهِ فَقَالَ: فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ دُونَ أَنْ يَقُولَ: فَلَا
(27/23)

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)
مَلَامَ عَلَيْكَ، أَوْ نَحوه للاهتمام بالتنويه بِشَأْنِ الْمُخَاطَبِ وَتَعْظِيمِهِ.
وَزِيدَتِ الْبَاءُ فِي الْخَبَرِ الْمَنْفِيِّ لِتَوْكِيدِ نَفْيِ أَنْ يَكُونَ مَلُومًا.
وَعَطْفُ وَذَكِّرْ عَلَى فَتَوَلَّ عَنْهُمْ احْتِرَاسٌ كَيْ لَا يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ أَنَّ الْإِعْرَاضَ إِبْطَالٌ لِلتَّذْكِيرِ بَلِ التَّذْكِيرُ بَاقٍ فَإِنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَّرَ النَّاسَ بَعْدَ أَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ فَآمَنَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَكُنْ آمَنَ مِنْ قَبْلُ، وَلِيَكُونَ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى التَّذْكِيرِ زِيَادَةً فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُعْرِضِينَ، وَلِئَلَّا يَزْدَادُوا طُغْيَانًا فَيَقُولُوا: هَا نَحْنُ أُولَاءِ قَدْ أَفْحَمْنَاهُ فَكَفَّ عَمَّا يَقُولُهُ.
وَالْأَمْرُ فِي وَذَكِّرْ مُرَادٌ بِهِ الدَّوَامُ عَلَى التَّذْكِيرِ وَتَجْدِيدُهُ.
وَاقْتُصِرَ فِي تَعْلِيلِ الْأَمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ انْتِفَاعُ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّذْكِيرِ لِأَنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ مُحَقَّقَةٌ، وَلِإِظْهَارِ الْعِنَايَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَقَامِ الَّذِي أُظْهِرَتْ فِيهِ قِلَّةُ الِاكْتِرَاثِ بِالْكَافِرِينَ قَالَ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى [الْأَعْلَى: 9- 11] .
وَلِذَلِكَ فَوَصْفُ الْمُؤْمِنِينَ يُرَادُ بِهِ الْمُتَّصِفُونَ بِالْإِيمَانِ فِي الْحَالِ كَمَا هُوَ شَأْنُ اسْمِ الْفَاعِلِ، وَأَمَّا مَنْ سَيُؤْمِنُ فَعِلَّتُهُ مَطْوِيَّةٌ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا.
وَالنَّفْعُ الْحَاصِلُ مِنَ الذِّكْرَى هُوَ رُسُوخُ الْعِلْمِ بِإِعَادَةِ التَّذْكِيرِ لِمَا سَمِعُوهُ وَاسْتِفَادَةُ عِلْمٍ جَدِيدٍ فِيمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ أَوْ غَفَلُوا عَنْهُ، وَلِظُهُورِ حُجَّةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمًا فَيَوْمًا وَيَتَكَرَّرُ عَجْزُ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْمُعَارَضَةِ وَوَفْرَةِ الْكَلَام المعجز.
[56- 57]

[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 56 إِلَى 57]
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)
الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ
[الذاريات: 52] الْآيَةَ الَّتِي هِيَ نَاشِئَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِلَى وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [الذاريات: 50، 51]
(27/24)

عَطَفَ الْغَرَضَ عَلَى الْغَرَضِ لِوُجُودِ الْمُنَاسَبَةِ.
فَبَعْدَ أَنْ نَظَّرَ حَالَهُمْ بِحَالِ الْأُمَمِ الَّتِي صَمَّمَتْ عَلَى التَّكْذِيبِ مِنْ قَبْلِهِمْ أَعْقَبَهُ بِذِكْرِ شَنِيعِ حَالِهِمْ مِنَ الِانْحِرَافِ عَمَّا خُلِقُوا لِأَجْلِهِ وَغُرِزَ فِيهِمْ.
فَقَوْلُهُ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْرِيضِ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ انْحَرَفُوا عَنِ الْفِطْرَةِ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا فَخَالَفُوا سُنَّتَهَا اتِّبَاعًا لِتَضْلِيلِ الْمُضِلِّينَ.
وَالْجِنُّ: جِنْسٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مُسْتَتِرٌ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَهُوَ جِنْسٌ شَامِلٌ لِلشَّيَاطِينِ قَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْلِيسَ: كانَ مِنَ الْجِنِّ [الْكَهْف: 50] .
وَالْإِنْسُ: اسْمُ جَمْعٍ وَاحِدُهُ إِنْسِيٌّ بِيَاءِ النِّسْبَة إِلَى اسْم جَمْعِهِ.
وَالْمَقْصُود من هَذَا الْإِخْبَارِ هُوَ الْإِنْسُ وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْجِنُّ إِدْمَاجًا وَسَتَعْرِفُ وَجْهَ ذَلِكَ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ مِنْ عِلَلٍ مَحْذُوفَةٍ عَامَّةٍ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ.
وَاللَّامُ فِي لِيَعْبُدُونِ لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ مَا خَلَقْتُهُمْ لِعِلَّةٍ إِلَّا عِلَّةَ عِبَادَتِهِمْ إِيَّايَ.
وَالتَّقْدِيرُ: لِإِرَادِتِي أَنْ يَعْبُدُونِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ فِي جُمْلَةِ الْبَيَانِ: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ.
وَهَذَا التَّقْدِيرُ يُلَاحَظُ فِي كُلِّ لَامٍ تَرِدُ فِي الْقُرْآنِ تَعْلِيلًا لِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ مَا أَرْضَى لِوُجُودِهِمْ إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفُوا لِي بِالتَّفَرُّدِ بِالْإِلَهِيَّةِ.
فَمَعْنَى الْإِرَادَة هُنَا: الرضى وَالْمَحَبَّةُ، وَلَيْسَ مَعْنَاهَا الصِّفَةَ الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي تُخَصِّصُ الْمُمْكِنَ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ، الَّتِي اشتق مِنْهَا اسْمُهُ تَعَالَى: «الْمُرِيدُ» لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْإِرَادَةِ عَلَى ذَلِكَ إِطْلَاقٌ آخَرُ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا تَعْلِيلَ تَصَرُّفَاتِ الْخَلْقِ النَّاشِئَةِ عَنِ اكْتِسَابِهِمْ عَلَى اصْطِلَاحِ الْأَشَاعِرَةِ، أَوْ عَنْ قُدْرَتِهِمْ عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى تَقَارُبِ مَا بَيْنَ الِاصْطِلَاحَيْنِ لِظُهُورِ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْخَلْقِ قَدْ تَكُونُ مُنَاقِضَةً لِإِرَادَةِ اللَّهِ مِنْهُمْ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ الصِّفَةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ النَّاسَ
(27/25)

عَلَى تَرْكِيبٍ يَقْتَضِي النَّظَرَ فِي وُجُودِ الْإِلَهِ وَيَسُوقُ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَلَكِنَّ كَسْبَ النَّاسِ يُجَرِّفُ أَعْمَالَهُمْ عَنِ الْمَهْيَعِ الَّذِي خُلِقُوا لِأَجْلِهِ، وَأَسْبَابُ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِانْحِرَافِ كَثِيرَةٌ رَاجِعَةٌ إِلَى تَشَابُكِ الدَّوَاعِي وَالتَّصَرُّفَاتِ وَالْآلَاتِ وَالْمَوَانِعِ.
وَهَذَا يُغْنِي عَنِ احْتِمَالَاتٍ فِي تَأْوِيلِ التَّعْلِيلِ مِنْ قَوْلِهِ: لِيَعْبُدُونِ مِنْ جَعْلِ عُمُومِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مَخْصُوصًا بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، أَوْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ فِي الْكَلَامِ، أَيْ إِلَّا لِآمُرَهُمْ بِعِبَادَتِي، أَوْ حَمْلِ الْعِبَادَةِ بِمَعْنَى التَّذَلُّلِ وَالتَّضَرُّعِ الَّذِي لَا يَخْلُو مِنْهُ الْجَمِيعُ فِي أَحْوَالِ الْحَاجَةِ إِلَى التَّذَلُّلِ وَالتَّضَرُّعِ كَالْمَرَضِ وَالْقَحْطِ وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ عَطِيَّةَ.
وَيَرُدُّ عَلَى جَمِيعِ تِلْكَ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْإِنْسِ غَيْرُ عَابِدٍ بِدَلِيلِ الْمُشَاهَدَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْ بَعْضِ الْجِنِّ أَنَّهُمْ غَيْرُ عَابِدِينَ.
وَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَخْلُوقَاتٍ كَثِيرَةً وَجعل فِيهَا نظما وَنَوَامِيسَ فَانْدَفَعَ كُلُّ مَخْلُوقٍ يَعْمَلُ بِمَا تَدْفَعُهُ إِلَيْهِ نَوَامِيسُ جِبِلَّتِهِ، فَقَدْ تَعُودُ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ بِنَقْض مَا هيّء هُوَ لَهُ وَيَعُودُ بَعْضُهَا عَلَى غَيْرِهِ بِنَقْضِ مَا يَسْعَى إِلَيْهِ، فَتَشَابَكَتْ أَحْوَالُ الْمَخْلُوقَاتِ وَنَوَامِيسُهَا، فَرُبَّمَا تَعَاضَدَتْ وَتَظَاهَرَتْ وَرُبَّمَا تَنَاقَضَتْ وَتَنَافَرَتْ فَحَدَثَتْ مِنْ ذَلِكَ أَحْوَالٌ لَا تُحْصَى وَلَا يُحَاطُ بِهَا وَلَا بِطَرَائِقِهَا وَلَا بِعَوَاقِبِهَا، فَكَثِيرًا مَا تُسْفِرُ عَنْ خِلَافِ مَا أُعِدَّ لَهُ الْمَخْلُوقُ فِي أَصْلِ الْفِطْرَةِ فَلِذَلِكَ حَاطَهَا اللَّهُ بِالشَّرَائِعِ، أَيْ فَحَصَلَ تَنَاقُضٌ بَيْنَ الْأَمْرِ التَّكْوِينِيِّ وَالْأَمْرِ التَّشْرِيعِيِّ.
وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ الْمُصْطَلَحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ دَقِيقُ الدّلَالَة، وكلمات أَئِمَّة اللُّغَةِ فِيهِ خَفِيَّهٌ وَالَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنْهَا أَنَّهَا إِظْهَارُ الْخُضُوعِ لِلْمَعْبُودِ وَاعْتِقَادُ أَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْعَ الْعَابِدِ وَضُرَّهُ مِلْكًا ذَاتِيًّا مُسْتَمِرًّا، فَالْمَعْبُودُ إِلَهٌ لِلْعَابِدِ كَمَا حَكَى اللَّهُ قَوْلَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 47] .
فَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قَصْرُ عِلَّةِ خَلْقِ اللَّهِ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ عَلَى إِرَادَتِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ وَأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ قَصْرِ الْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ، وَأَنَّهُ قَصْرُ قَلْبٍ بِاعْتِبَار مفعول لِيَعْبُدُونِ، أَيْ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي وَحْدِي، أَيْ لَا لِيُشْرِكُوا غَيْرِي فِي الْعِبَادَةِ، فَهُوَ رَدٌّ لِلْإِشْرَاكِ، وَلَيْسَ هُوَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا فَإِنَّا وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى مَقَادِيرِ حِكَمِ اللَّهِ تَعَالَى
(27/26)

مِنْ خَلْقِ الْخَلَائِقِ، لَكِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْحِكْمَةَ مِنْ خَلْقِهِمْ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَنْ يَعْبُدُوهُ، لِأَنَّ حِكَمَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَفْعَالِهِ كَثِيرَةٌ لَا نُحِيطُ بِهَا، وَذِكْرُ بَعْضِهَا كَمَا هُنَا لما يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُودِ حِكْمَةٍ أُخْرَى، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ حِكَمًا لَلْخَلْقِ غَيْرَ هَذِهِ كَقَوْلِهِ: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: 118، 119] بَلْهَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ حِكْمَةِ خَلْقِ بَعْضِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَقَوْلِهِ فِي خَلْقِ عِيسَى وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا [مَرْيَم: 21] .
ثُمَّ إِنَّ اعْتِرَافَ الْخَلْقِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ يَقْشَعُ تَكْذِيبَهُمْ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ مَا كَذَّبُوهُ إِلَّا لِأَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى نَبْذِ الشِّرْكِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَسَعُ أَحَدًا نَبْذُهُ، فَإِذَا انْقَشَعَ تَكْذِيبُهُمُ اسْتَتْبَعَ انْقِشَاعَهُ امْتِثَالُ الشَّرَائِعِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا آمَنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ أَطَاعُوا مَا بَلَّغَهُمُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ، فَهَذَا مَعْنًى تَقْتَضِيهِ عِبَادَةُ اللَّهِ بِدِلَالَةِ الِالْتِزَامِ، وَذَلِكَ هُوَ مَا سُمِّيَ بِالْعِبَادَةِ بِالْإِطْلَاقِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي السُّنَّةِ فِي نَحْوِ
قَوْلِهِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»
وَلَيْسَ يَلِيقُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِخَلْقِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّ التَّكَالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ تَظْهَرُ فِي بَعْضِ الْأُمَمِ وَفِي بَعْضِ الْعُصُورِ وَتَتَخَلَّفُ فِي عُصُورِ الْفَتَرَاتِ بَيْنَ الرُّسُلِ إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ، وَأَحْسَبُ أَنَّ إِطْلَاقَ الْعِبَادَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى اصْطِلَاحٌ شَرْعِيٌّ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ الْقُرْآنُ لَكِنَّهُ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ كَثِيرًا وَأَصْبَحَ مُتَعَارَفًا بَيْنَ الْأُمَّةِ مِنْ عَهِدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ.
وَأَنَّ تَكَالِيفَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا صَلَاحَهُمُ الْعَاجِلَ وَالْآجِلَ وَحُصُولَ الْكَمَال النفساني بذلك الصَّلَاحِ، فَلَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ مِنَ الشَّرَائِعِ كَمَالَ الْإِنْسَانِ وَضَبْطَ نِظَامِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ فِي مُخْتَلِفِ عُصُورِهِ. وَتِلْكَ حِكْمَةُ إِنْشَائِهِ، فَاسْتَتْبَعَ قَوْلَهُ: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أَنَّهُ مَا خَلَقَهُمْ إِلَّا لِيَنْتَظِمَ أَمْرُهُمْ بِوُقُوفِهِمْ عِنْدَ حُدُودِ التَّكَالِيفِ التَّشْرِيعِيَّةِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَعِبَادَةُ الْإِنْسَانِ رَبَّهُ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا مُحَقِّقَةً لِلْمَقْصِدِ مِنْ خَلْقِهِ وَعِلَّةً لِحُصُولِهِ عَادَةً.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ بِمَعْنَى: إِلَّا لِآمُرَهُمْ وَأَنْهَاهُمْ. وَتَبِعَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الْمَقَاصِدِ مِنْ كِتَابِهِ عُنْوَانِ التَّعْرِيفِ «الْمُوَافَقَاتِ» وَفِي مَحْمِلِ الْآيَةِ عَلَيْهِ نَظَرٌ قَدْ عَلِمْتَهُ فَحَقِّقْهُ.
(27/27)

وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ الْجِنَّ هُنَا إِلَّا لِتَنْبِيهِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ الْجِنَّ غَيْرُ خَارِجِينَ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنِ الْجِنِّ فِي سُورَة الْجِنّ قَول قَائِلُهُمْ: وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً [الْجِنّ: 4] .
وَتَقْدِيمُ الْجِنِّ فِي الذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْخَبَرِ الْغَرِيبِ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ الْجِنّ عباد لله تَعَالَى، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الْأَنْبِيَاء: 26] .
وَجُمْلَةُ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ تَقْرِيرٌ لِمَعْنَى إِلَّا لِيَعْبُدُونِ بِإِبْطَالِ بَعْضِ الْعِلَلِ وَالْغَايَاتِ الَّتِي يَقْصِدُهَا الصَّانِعُونَ شَيْئًا يَصْنَعُونَهُ أَو يتخذونه، فَإِن الْمَعْرُوفُ فِي الْعُرْفِ أَنَّ مَنْ يَتَّخِذُ شَيْئًا إِنَّمَا يَتَّخِذهُ لنفع نَفسه، وَلَيْسَتِ الْجُمْلَةُ لِإِفَادَةِ
الْجَانِبِ الْمَقْصُورِ دُونَهُ بِصِيغَةِ الْقَصْرِ لِأَنَّ صِيغَةَ الْقَصْرِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الضِّدِّ. وَلَا يَحْسُنُ ذِكْرُ الضِّدِّ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ.
فَقَوْلُهُ: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِمْ لِأَنَّ أَشَدَّ الْحَاجَاتِ فِي الْعُرْفِ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالسَّكَنِ وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالرِّزْقِ وَهُوَ الْمَالُ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ، أَيْ إِعْطَاءُ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْبَشَرُ، وَقَدْ لَا يَجِدُهُ صَاحِبُ الْمَالِ إِذَا قَحَطَ النَّاسُ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُسْلِفُهُ الطَّعَامَ أَوْ يُطْعِمُهُ إِيَّاهُ، وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِأَهْلِ الشِّرْكِ إِذْ يُهْدُونَ إِلَى الْأَصْنَامِ الْأَمْوَالَ وَالطَّعَام تتلقاه مِنْهُم سَدَنَةُ الْأَصْنَامِ.
وَالرِّزْقُ هُنَا: الْمَالُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت: 17] وَقَوْلِهِ:
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الرَّعْد: 26] وَقَوْلِهِ: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [الطَّلَاق: 7] ، وَيُطْلَقُ الرِّزْقُ عَلَى الطَّعَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مَرْيَم: 62] وَيَمْنَعُ مِنْ إِرَادَتِهِ هُنَا عَطْفُ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ.
(27/28)

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)
[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 58]
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)
تَعْلِيلٌ لِجُمْلَتَيْ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات: 57] والرزق هُنَا بِمَعْنَى مَا يَعُمُّ الْمَالَ وَالْإِطْعَامَ.
وَالرَّزَّاقُ: الْكَثِيرُ الْإِرْزَاقِ، وَالْقُوَّةُ: الْقُدْرَةُ.
وَذُو الْقُوَّةِ: صَاحِبُ الْقُدْرَةِ. وَمِنْ خَصَائِصِ (ذُو) أَنْ تُضَافَ إِلَى أَمْرٍ مُهِمٍّ، فَعُلِمَ أَنَّ الْقُوَّةَ هُنَا قُوَّةٌ خَلِيَّةٌ مِنَ النَّقَائِصِ.
وَالْمَتِينُ: الشَّدِيدُ، وَهُوَ هُنَا وَصْفٌ لِذِي الْقُوَّةِ، أَيْ الشَّدِيدُ الْقُوَّةِ، وَقَدْ عُدَّ الْمَتِينُ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى مَعَانِي الْقُدْرَةِ. وَفِي «مَعَارِجِ النُّورِ» شَرْحُ الْأَسْمَاءِ «الْمَتِينُ: كَمَالٌ فِي قُوَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يُعَارَضُ وَلَا يُدَانَى» .
فَالْمَعْنَى أَنَّهُ الْمُسْتَغْنِي غِنًى مُطْلَقًا فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ فَلَا يَكُونُ خَلْقُهُ الْخَلْقَ لِتَحْصِيلِ نَفْعٍ لَهُ وَلَكِنْ لِعِمْرَانِ الْكَوْنِ وَإِجْرَاءِ نِظَامِ الْعُمْرَانِ بِاتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَجْمَعُهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] .
وَإِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ إِخْرَاجٌ لِلْكَلَامِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى
الظَّاهِرِ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ: إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ، فَعَدَلَ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ لِتَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِالدِّلَالَةِ لِأَنَّهَا سُيِّرَتْ مَسِيرَ الْكَلَامِ الْجَامِعِ وَالْأَمْثَالِ.
وَحُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلّم من لِيَعْبُدُونِ ويُطْعِمُونِ لِلتَّخْفِيفِ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ طَرِيقُ قَصْرٍ لِوُجُودِ ضَمِيرِ الْفَصْلِ، أَيْ: لَا رَزَّاقَ، وَلَا ذَا قُوَّةٍ، وَلَا مَتِينَ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، أَيْ دُونَ الْأَصْنَامِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا.
فَالْقَصْرُ قَصْرُ إِفْرَادٍ بِتَنْزِيلِ الْمُشْرِكِينَ فِي إِشْرَاكِهِمْ أَصْنَامَهُمْ بِاللَّهِ مَنْزِلَةَ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْأَصْنَامَ شُرَكَاءَ لِلَّهِ فِي صِفَاتِهِ الَّتِي مِنْهَا: الْإِرْزَاقُ، وَالْقُوَّةُ، وَالشِّدَّةُ،
(27/29)

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59)
فَأُبْطِلَ ذَلِكَ بِهَذَا الْقَصْرِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ [العنكبوت: 17] ، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الْحَج:
73] .
[59]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 59]
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (59)
تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ سِيَاقِهِ إِبْطَالُ عِبَادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ، أَيْ فَإِذَا لَمْ يُفْرِدْنِي الْمُشْرِكُونَ بِالْعِبَادَةِ فَإِنَّ لَهُمْ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ، وَهُوَ يُلْمِحُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ مَا عُوقِبَتْ بِهِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ مِنْ قَوْلِهِ: قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ [الذاريات:
32- 46] .
وَالْمَعْنَى: فَإِذَا مَاثَلَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبًا عَظِيمًا مِنَ الْعَذَابِ مِثْلَ نَصِيبِ أُولَئِكَ.
وَالَّذِينَ ظَلَمُوا: الَّذِينَ أَشْرَكُوا مِنَ الْعَرَبِ، وَالظُّلْمُ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ.
وَالذَّنُوبُ بِفَتْحِ الذَّالِ: الدَّلْو الْعَظِيمَة يَسْتَقِي بِهَا السُّقَاةُ عَلَى الْقَلِيبِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَا «ثُمَّ أَخَذَهَا أَبُو بكر فَفَزعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ» وَلَا تُسَمَّى ذَنُوبًا إِلَّا إِذَا كَانَتْ مَلْأَى.
وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةٍ تُسَاوِي حَظَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنَ الْعَرَبِ بِحُظُوظِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ بِهَيْئَةِ الَّذِينَ يَسْتَقُونَ مِنْ قَلِيبٍ وَاحِدٍ إِذْ يَتَسَاوُونَ فِي أَنْصِبَائِهِمْ مِنَ الْمَاءِ، وَهُوَ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ، وَأَطْلَقَ عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ اسْمَ وَصْفِ أَصْحَابِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِاعْتِبَارِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا إِذْ هِيَ هَيْئَةُ جَمَاعَاتِ الْوِرْدِ يَكُونُونَ مُتَصَاحِبِينَ.
وَهَذَا التَّمْثِيلُ قَابل للتوزيع بِأَنَّهُ يُشَبَّهَ الْمُشْرِكُونَ بِجَمَاعَةٍ وَرَدَتْ عَلَى الْمَاءِ،
(27/30)

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)
وَتُشَبَّهُ الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ بِجَمَاعَةٍ سَبَقَتْهُمْ لِلْمَاءِ، وَيُشَبَّهُ نَصِيبُ كُلِّ جَمَاعَةٍ بِالدَّلْوِ الَّتِي يَأْخُذُونَهَا مِنَ الْمَاءِ.
قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ يَمْدَحُ الْمَلِكَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ، وَيَشْفَعُ عِنْدَهُ لِأَخِيهِ شَأْسِ بْنِ عَبْدَةَ وَكَانَ قَدْ وَقَعَ فِي أَسْرِهِ مَعَ بَنِي تَمِيمٍ يَوْمَ عَيْنِ أَبَاغٍ:
وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ... فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ
فَلَمَّا سَمِعَهُ الْمَلِكُ قَالَ: «نَعَمْ وَأَذْنِبَةٌ» وَأَطْلَقَ لَهُ أَخَاهُ شَأْسَ بْنَ عَبْدَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَسْرَى تَمِيمٍ، وَهَذَا تَسْلِيَة لنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَقْصُودُ: أَنْ يَسْمَعَهُ الْمُشْرِكُونَ فَهُوَ تَعْرِيضٌ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ أكد الْخَبَر ب (إنّ) لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُكَذِّبِينَ بِالْوَعِيدِ، وَلِذَلِكَ فُرِّعَ على التَّأْكِيد قَالَ:
فَلا يَسْتَعْجِلُونِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالْعَذَابِ اسْتِهْزَاءً وَإِشْعَارًا بِأَنَّهُ وَعْدٌ مَكْذُوبٌ فِي الْوَاقِعِ يَسْتَعْجِلُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِوَعِيدِهِ.
وَعُدِّيَ الِاسْتِعْجَالُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ وَهُمْ إِنَّمَا اسْتَعْجَلُوهُ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِظْهَارِ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْبِرٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى تَوْبِيخًا لَهُمْ وَإِنْذَارًا بِالْوَعِيدِ. وَحُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمُ لِلتَّخْفِيفِ.
وَالنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّهَكُّمِ إِظْهَارًا لِغَضَبِ الله عَلَيْهِم.
[60]

[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 60]
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)
فُرِّعَ عَلَى وَعِيدِهِمْ إِنْذَارٌ آخَرُ بِالْوَيْلِ، أَوْ إِنْشَاءُ زَجْرٍ.
وَالْوَيْلُ: الشَّرُّ وَسُوءُ الْحَالِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [79] ، وَتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ.
وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ بِحُصُولِ وَيْلٍ، أَيْ عَذَابٌ وَسُوءُ حَالٍ لَهُمْ يَوْمَ أُوعِدُوا بِهِ، وَيَحْتَمِلُ إِنْشَاءَ الزَّجْرِ وَالتَّعْجِيبِ مِنْ سُوءِ حَالِهِمْ فِي يَوْمٍ أُوعِدُوهُ.
وَ (مِنْ) لِلِابْتِدَاءِ الْمَجَازِيِّ، أَيْ سُوءُ حَالٍ بِتَرَقُّبِهِمْ عَذَابًا آتِيًا مِنَ الْيَوْم الَّذِي أعدوه.
(27/31)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا: هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، عَدَلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إِلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْكِيدِ الِاسْمِ السَّابِقِ تَأْكِيدًا بِالْمُرَادِفِ، مَعَ مَا فِي صِفَةِ الْكُفْرِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَشْكُرُوا نِعْمَةَ خَالِقِهِمْ.
وَالْيَوْمَ الَّذِي أُوعِدُوهُ هُوَ زَمَنُ حُلُولِ الْعَذَابِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَيُحْتَمَلُ حُلُولُ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا، وَأَيًّا مَا كَانَ فَمَضْمُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مُغَايِرٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِضَافَةُ (يَوْمٍ) إِلَى ضَمِيرِهِمْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِمْ، أَيْ هُوَ مُعَيَّنٌ لِجَزَائِهِمْ كَمَا أُضِيفَ يَوْمٌ إِلَى ضَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الْأَنْبِيَاء: 103] . وَالْيَوْمُ: يَصْدُقُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَصْدُقُ بِيَوْمِ بَدْرٍ الَّذِي اسْتَأْصَلَ اللَّهُ فِيهِ شَوْكَتَهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ ضَمِيرَ الْكُفَّارِ الْمُعَيَّنِينَ وَهُمْ كُفَّارُ مَكَّةَ تَرَجَّحَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ يَوْمًا خَاصًّا بِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ لِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَخْتَصُّ بِهِمْ بَلْ هُوَ عَامٌّ لِكُفَّارِ الْأُمَمِ كُلِّهِمْ بِخِلَافِ الْيَوْمِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [103] : وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ لِأَنَّ ضمير الْخطاب فِيهَا عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [الْأَنْبِيَاء: 101] كُلِّهِمْ.
وَفِي الْآيَةِ مِنَ اللَّطَائِفِ تَمْثِيلُ مَا سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذَّنُوبِ، وَالذَّنُوبُ يُنَاسِبُ الْقَلِيبَ وَقَدْ كَانَ مَثْوَاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ قَلِيبَ بَدْرٍ الَّذِي رُمِيَتْ فِيهِ أَشْلَاءُ سَادَتِهِمْ وَهُوَ الْيَوْمُ الْقَائِلُ فِيهِ شَدَّاد بن الْأسود اللَّيْثِيُّ الْمُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ يَرْثِي قَتْلَاهُمْ:
وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ... مِنَ الشِّيزَى تُزَيَّنُ بِالسَّنَامِ

تُحَيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمَّ بَكْرٍ ... وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ
وَلَعَلَّ هَذَا مِمَّا يَشْمَلُ قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَقَفَ عَلَى الْقَلِيبِ يَوْمَ بَدْرٍ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الْأَعْرَاف: 44] .
(27/32)

وَفِي قَوْلِهِ: مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ مَعَ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ [الذاريات: 5] رَدُّ الْعَجْزِ عَلَى الصَّدْرِ، فَفِيهِ إِيذَانٌ بِانْتِهَاءِ السُّورَةِ وَذَلِكَ مِنْ بَرَاعَةِ الْمَقْطَعِ.
(27/33)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

52- سُورَةُ الطُّورِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عِنْدَ السَّلَفِ «سُورَةَ الطُّورِ» دُونَ وَاوٍ قَبْلَ الطُّورِ.
فَفِي جَامِعِ الطَّوَافِ مِنَ «الْمُوَطَّإِ» حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «فَطُفْتُ وَرَسُول الله يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِ: الطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ»
، أَيْ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الطُّورِ وَلَمْ تُرِدْ يَقْرَأُ بِالْآيَةِ لِأَنَّ الْآيَةَ فِيهَا وَالطُّورِ بِالْوَاوِ وَهِيَ لَمْ تَذْكُرِ الْوَاوَ.
وَفِي بَابِ الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ مِنَ «الْمُوَطَّإِ» حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ جُبَيْرِ بن مطعم قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ» .
وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الطُّورِ مِنْ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيءَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطّور: 35- 37] كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ»
. وَكَانَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ مُشْرِكًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِدَاءِ أَسْرَى بَدْرٍ وَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ.
وَكَذَلِكَ وَقَعَتْ تَسْمِيَتُهَا فِي تَرْجَمَتِهَا مِنْ «جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ» وَفِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا، وَكَثِيرٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ. وَهَذَا عَلَى التَّسْمِيَةِ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ سُورَةُ ذِكْرِ الطُّورِ كَمَا يُقَالُ:
سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَسُورَةُ الْهُدْهُدِ، وَسُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَفِي تَرْجَمَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ تَفْسِيرِ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» «سُورَةُ وَالطُّورِ» بِالْوَاوِ عَلَى حِكَايَةِ اللَّفْظِ الْوَاقِعِ فِي أَوَّلِهَا، كَمَا يُقَالُ: «سُورَةُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» .
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ جَمِيعُهَا بِالِاتِّفَاقِ. وَهِيَ السُّورَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّبْعُونَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ نُوحٍ وَقَبْلَ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ.
(27/35)

وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8)
وَعَدَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ آيَهَا سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ، وَعَدَّهَا أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ، وَعَدَّهَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ.

أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةِ
أَوَّلُ أَغْرَاضِ هَذِهِ السُّورَة التهديد بتحقيق وُقُوع الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ إِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَبِالْقُرْآنِ الْمُتَضَمِّنِ ذَلِكَ فَقَالُوا: هُوَ سِحْرٌ.
وَمُقَابَلَةُ وَعِيدِهِمْ بِوَعْدِ الْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ وَصِفَةِ نَعِيمِهِمْ وَوَصْفِ تَذَكُّرِهِمْ خَشْيَةً، وَثَنَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ بِمَا مَنَّ عَلَيْهِمْ فَانْتَقَلَ إِلَى تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِبْطَالِ أَقْوَالِهِمْ فِيهِ وَانْتِظَارِهِمْ مَوْتَهُ.
وَتَحَدِّيهِمْ بِأَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ الْقُرْآنِ.
وَإِبْطَالِ خَلِيطٍ مِنْ تَكَاذِيبِهِمْ بِإِعَادَةِ الْخلق وببعثه رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَبِكَوْنِ الْمَلَائِكَةِ بَنَاتِ اللَّهِ.
وَإِبْطَالِ تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ وَذِكْرِ اسْتِهْزَائِهِمْ بِالْوَعِيدِ.
وَأَمَرَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَرْكِهِمْ وَأَنْ لَا يَحْزَنَ لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَعِيدَ حَالٌّ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ فِي الْآخِرَةِ وَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ، وَوَعَدَهُ بِالتَّأْيِيدِ، وَأُمِرَ بِشُكْرِ رَبِّهِ فِي جَمِيع الْأَوْقَات.
[1- 8]

[سُورَة الطّور (52) : الْآيَات 1 إِلَى 8]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالطُّورِ (1) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دافِعٍ (8)
الْقَسَمُ لِلتَّأْكِيدِ وَتَحْقِيقِ الْوَعِيدِ. وَمُنَاسَبَةِ الْأُمُورِ الْمُقْسَمِ بِهَا لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُقْسَمَ بهَا من شؤون بِعْثَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى فِرْعَوْنَ وَكَانَ هَلَاكُ فِرْعَوْنَ وَمِنْ مَعَهُ مِنْ جَرَّاءِ تَكْذِيبِهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(27/36)

والطُّورِ: الْجَبَلُ بِاللُّغَةِ السِّرْيَانِيَّةِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَأُدْخِلَ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُعَرَّبَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ.
وَغُلِّبَ عَلَمًا على طور سينا الَّذِي نَاجَى فِيهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِ الْأَلْوَاحُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى أُصُولِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ.
فَالْقَسَمُ بِهِ بِاعْتِبَارِ شَرَفِهِ بِنُزُولِ كَلَامِ اللَّهِ فِيهِ وَنُزُولِ الْأَلْوَاحِ عَلَى مُوسَى وَفِي ذِكْرِ الطُّورِ إِشَارَةٌ إِلَى تِلْكَ الْأَلْوَاحِ لِأَنَّهَا اشْتُهِرَتْ بِذَلِكَ الْجَبَلِ فَسُمِّيَتْ طُورٌ الْمُعَرَّبُ بِتَوْرَاةٍ.
وَأَمَّا الْجَبَلُ الَّذِي خُوطِبَ فِيهِ مُوسَى مِنْ جَانِبِ اللَّهِ فَهُوَ جَبَلُ حُورِيبَ وَاسْمُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ (الزُّبَيْرُ) وَلَعَلَّهُ بِجَانِبِ الطُّورِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نَارًا، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ [29] ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [63] .
وَالْقَسَمُ بِالطُّورِ تَوْطِئَةً لِلْقَسَمِ بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَ أَوَّلُهَا عَلَى مُوسَى فِي جَبَلِ الطُّورِ.
وَالْمُرَادُ بِ كِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ التَّوْرَاةُ كُلُّهَا الَّتِي كَتَبَهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ نُزُولِ الْأَلْوَاحِ، وَضَمَّنَهَا كُلَّ مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهِ إِلَى سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ قَبْلَ وَفَاتِهِ. وَهِيَ الْأَسْفَارُ الْأَرْبَعَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ الْيَهُودِ: سِفْرُ التَّكْوِينِ، وَسِفْرُ الْخُرُوجِ، وَسِفْرُ الْعَدَدِ، وَسِفْرُ التَّثْنِيَةِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِهَا: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [154] .
وَتَنْكِيرُ كِتابٍ لِلتَّعْظِيمِ. وَإِجْرَاءُ الوصفين عَلَيْهِ لتمييزه بِأَنَّهُ كِتَابٌ مُشَرَّفٌ مُرَادٌ بَقَاؤُهُ مَأْمُورٌ بِقِرَاءَتِهِ إِذِ الْمَسْطُورُ هُوَ الْمَكْتُوبُ. والسطر: الْكِتَابَة الطَّوِيلَة لِأَنَّهَا تُجْعَلُ سُطُورًا، أَيْ صُفُوفا من الْكتاب قَالَ تَعَالَى: وَما يَسْطُرُونَ [الْقَلَم: 1] ، أَيْ يَكْتُبُونَ.
وَالرَّقُّ (بِفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ مُشَدَّدَةٌ) الصَّحِيفَةُ تُتَّخَذُ مِنْ جِلْدٍ مُرَقَّقٍ أَبْيَضَ
(27/37)

لِيُكْتَبَ عَلَيْهِ. وَقَدْ جَمَعَهَا الْمُتَلَمِّسُ فِي قَوْلِهِ:
فَكَأَنَّمَا هِيَ مِنْ تَقَادُمِ عَهْدِهَا ... رَقٌّ أُتِيحَ كِتَابُهَا مَسْطُورُ
وَالْمَنْشُورُ: الْمَبْسُوطُ غَيْرُ الْمَطْوِيِّ قَالَ يَزِيدُ بن الطَّثَرِيَّةِ:
صَحَائِفُ عِنْدِي لِلْعِتَابِ طَوَيْتُهَا ... سَتُنْشَرُ يَوْمًا مَا وَالْعِتَابُ يَطُولُ
أَيْ: أُقْسِمُ بِحَالِ نَشْرِهِ لِقِرَاءَتِهِ وَهِيَ أَشْرَفُ أَحْوَالِهِ لِأَنَّهَا حَالَةُ حُصُولِ الاهتداء بِهِ للقارىء وَالسَّامِعِ.
وَكَانَ الْيَهُودُ يَكْتُبُونَ التَّوْرَاة فِي رقوق مُلْصَقٍ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ أَوْ مُخَيَّطٍ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَتَصِيرُ قِطْعَةً وَاحِدَةً وَيَطْوُونَهَا طَيًّا أُسْطُوَانِيًّا لِتُحْفَظَ فَإِذَا أَرَادُوا قِرَاءَتَهَا نَشَرُوا مَطْوِيَّهَا، وَمِنْهُ
مَا فِي حَدِيثِ الرَّجْمِ «فَنَشَرُوا التَّوْرَاة» .
وَلَيْسَ المُرَاد بِكِتَابٍ مَسْطُورٍ الْقُرْآنَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مَكْتُوبًا سُطُورًا وَلَا هُوَ مَكْتُوبًا فِي رَقٍّ.
وَمُنَاسَبَةُ الْقَسَمِ بِالتَّوْرَاةِ أَنَّهَا الْكِتَابُ الْمَوْجُودُ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْجَزَاءِ وَإِبْطَالُ الشِّرْكِ وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْكَرُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بدعا فقد نزلت قَبْلَهُ التَّوْرَاةُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ وُقُوعُ الْعَذَابِ بِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ جَزَاءٌ عَلَى تَكْذِيبِهِمُ الْقُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَذَابِ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ [الطّور: 11، 12] .
وَالْقَسَمُ بِالتَّوْرَاةِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّوْرَاةَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَبْدِيلٌ لِمَا كَتَبَهُ مُوسَى: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [الْمَائِدَة: 13] أَنَّهُ تَحْرِيفٌ بِسُوءِ فَهْمٍ وَلَيْسَ تَبْدِيلًا لِأَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ أَنَّ التَّحْرِيفَ وَقَعَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ حِينَ ظَهَرَتِ الدَّعْوَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ وَجَبَهَتِ الْيَهُودَ دَلَالَةُ مَوَاضِعَ مِنَ التَّوْرَاةِ عَلَى صِفَاتِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ الْقَسَمَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْوَحْيِ الصَّحِيحِ.
وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ: عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ الْكَعْبَةُ وَهَذَا الْأَنْسَبُ بِعَطْفِهِ عَلَى الطُّورِ،
(27/38)

وَوَصْفِهِ بِ الْمَعْمُورِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ طَائِفٍ بِهِ، وَعُمْرَانُ الْكَعْبَةِ هُوَ عُمْرَانُهَا بِالطَّائِفِينَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التَّوْبَة: 18] الْآيَةَ.
وَمُنَاسَبَةُ الْقَسَمِ سَبْقُ الْقَسَمِ بِكِتَابِ التَّوْرَاةِ فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِالْقَسَمِ بِمَوَاطِنِ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا مِثْلَ جَبَلِ حِرَاءَ. وَكَانَ نُزُولُهُ شَرِيعَةً نَاسِخَةً لِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، عَلَى أَنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَنْزِلُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ.
وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذْ جَاءَنِي الْمَلَكَانِ»
إِلَخْ، فَيَكُونُ تَوْسِيطُ الْقَسَمِ بِالْكَعْبَةِ فِي أثْنَاء مَا أقسم بِهِ من شؤون شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِدْمَاجًا.
وَفِي «الطَّبَرِيِّ» : أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ: مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ؟ فَقَالَ: «بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَدًا، يُقَالُ: لَهُ الضُّرَاحُ»
(بِضَمِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ) ، وَأَنَّ مُجَاهِدًا وَالضَّحَّاكَ وَابْنَ زَيْدٍ قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ.
وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ؟ قَالَ: فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ تَحْتَهُ
الْكَعْبَةُ»
إِلَى آخَرِ الْخَبَرِ. وَثَمَّةَ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي أَنَّ فِي السَّمَاءِ مَوْضِعًا يُقَالُ لَهُ: الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، لَكِنَّ الرِّوَايَاتِ فِي كَوْنِهِ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً.
وَأَمَّا السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ: فَفَسَّرُوهُ بِالسَّمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الْأَنْبِيَاء: 32] وَقَوْلِهِ: وَالسَّماءَ رَفَعَها [الرَّحْمَن: 7] فَالرَّفْعُ حَقِيقِيٌّ وَمُنَاسَبَةُ الْقَسَمِ بِهَا أَنَّهَا مَصْدَرُ الْوَحْيِ كُلِّهِ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ. وَتَسْمِيَةُ السَّمَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ.
وَالْبَحْرِ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَحْرُ الْمُحِيطُ بِالْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ. وَعِنْدِي: أَنَّ الْمُرَادَ بَحْرُ الْقَلْزَمِ، وَهُوَ الْبَحْرُ الْأَحْمَرُ وَمُنَاسَبَةُ الْقَسَمِ بِهِ أَنه بِهِ أُهْلِكَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ حِينَ دَخَلَهُ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ فَلَحِقَ بِهِمْ فِرْعَوْنُ.
والْمَسْجُورِ: قِيلَ الْمَمْلُوءُ، مُشْتَقًّا من السّجر، وهم الْمِلْءُ وَالْإِمْدَادُ. فَهُوَ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ قُصِدَ مِنْهَا التَّذْكِيرُ بِحَالِ خَلْقِ اللَّهِ إِيَّاهُ مَمْلُوءًا مَاءً دُونَ أَنْ تَمْلَأَهُ أَوْدِيَةٌ أَوْ سُيُولٌ، أَوْ هِيَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ إِرَادَةِ الْوَادِي إِذِ الْوَادِي يَنْقُصُ فَلَا يَبْقَى عَلَى مِلْئِهِ وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى عِظَمِ الْقُدْرَةِ. وَالظَّاهِرُ عِنْدِي: أَنَّ وَصْفَهُ بِالْمَسْجُورِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى
(27/39)

الْحَالَةُ الَّتِي كَانَ بِهَا هَلَاكُ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أَنْ فَرَقَ اللَّهُ الْبَحْرَ لِمُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ أَسْجَرَهُ، أَيْ أَفَاضَهُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ.
وَعَذَابُ اللَّهِ الْمُقْسَمُ عَلَى وُقُوعِهِ هُوَ عَذَابُ الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً إِلَى قَوْله: تُكَذِّبُونَ [الطّور: 9- 14] . وَأَمَّا عَذَابُ الْمُكَذِّبِينَ فِي الدُّنْيَا فَسَيَجِيءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ [الطّور: 47] . وَتَحْقِيقُ وُقُوعِ عَذَابِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِثْبَات للبعث بطرِيق الْكِنَايَةِ الْقَرِيبَةِ، وتهديد للْمُشْرِكين بطرِيق الْكِنَايَةِ التَّعْرِيضِيَّةِ.
وَالْوَاوَاتُ الَّتِي فِي هَذِه الْآيَة كلهَا وَاوَاتُ قَسَمٍ لِأَنَّ شَأْنَ الْقَسَمِ أَنْ يُعَادَ وَيُكَرَّرَ، وَلِذَلِكَ كَثِيرًا مَا يُعِيدُونَ الْمُقْسَمَ بِهِ نَحْوَ قَوْلِ النَّابِغَةِ:
وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَنِعْمَ الْفَتَى وَإِنَّمَا يَعْطِفُونَ بِالْفَاءِ إِذَا أَرَادُوا صِفَاتِ الْمُقْسَمِ بِهِ.
وَيَجُوزُ صَرْفُ الْوَاوِ الْأُولَى لِلْقَسَمِ وَاللَّاتِي بَعْدَهَا عَاطِفَاتٌ عَلَى الْقَسَمِ، وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْقَسَمِ قَسَمٌ.
وَالْوُقُوعُ: أَصْلُهُ النُّزُولُ مِنْ عُلُوٍّ وَاسْتُعْمِلَ مَجَازًا لِلتَّحَقُّقِ وَشَاعَ ذَلِكَ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَمُتَحَقِّقٌ.
وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ لَواقِعٌ، وَتَقْدِيرُهُ: عَلَى الْمُكَذِّبِينَ، أَوْ بِالْمُكَذِّبِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطّور: 11] ، أَيْ الْمُكَذِّبِينَ بِكَ بِقَرِينَةِ إِضَافَةِ رَبٍّ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ الْمُشْعِرِ بِأَنَّهُ مُعَذِّبُهُمْ لِأَنَّهُ رَبُّكَ وَهُمْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبُوا رِسَالَةَ الرَّبِّ. وَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ إِثْبَاتَ الْبَعْثِ بَعْدَ كَوْنِ الْكَلَامِ وَعِيدًا لَهُم على إِنْكَار الْبَعْث وإنكارهم أَنْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ.
وَأَتْبَعَ قَوْلَهُ: لَواقِعٌ بِقَوْلِهِ: مَا لَهُ مِنْ دافِعٍ، وَهُوَ خَبَرٌ ثَانٍ عَنْ عَذابَ أَوْ حَالٌ مِنْهُ، أَيْ: مَا لِلْعَذَابِ دَافِعٌ يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ.
وَالدَّفْعُ: إِبْعَادُ الشَّيْءِ عَنْ شَيْءٍ بِالْيَدِ وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْوِقَايَةِ مَجَازًا بِعَلَاقَةِ
(27/40)

يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12)
الْإِطْلَاقِ أَلَّا يَقِيَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَحَدٌ بِشَفَاعَةٍ أَوْ مُعَارَضَةٍ.
وَزِيدَتْ مِنْ فِي النَّفْيِ لِتَحْقِيقِ عُمُومِ النَّفْيِ وَشُمُولِهِ، أَيْ نَفْيُ جِنْسِ الدَّافِعِ.
رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُكَلِّمَهُ فِي أَسَارَى بَدْرٍ فَدُفِعْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ وَالطُّورِ إِلَى إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دافِعٍ فَكَأَنَّمَا صُدِعَ قَلْبِي» ، وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَسْلَمْتُ خَوْفًا مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ وَمَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أَقْوَمَ مِنْ مَقَامِي حَتَّى يَقَعَ بِي الْعَذَاب» .
[9- 12]

[سُورَة الطّور (52) : الْآيَات 9 إِلَى 12]
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (9) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12)
يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ بقوله: لَواقِعٌ [الذاريات: 7] عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ فَيَكُونَ قَوْلُهُ: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ تَفْرِيعًا عَلَى الْجُمْلَةِ كُلِّهَا وَيَكُونُ الْعَذَابُ عَذَابَ الْآخِرَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ [الذاريات: 7] ، فَيَكُونَ يَوْمَ مُتَعَلِّقًا بِالْكَوْنِ الَّذِي بَيْنَ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وَقُدِّمَ الظَّرْفُ عَلَى عَامِلِهِ لِلِاهْتِمَامِ، فَلَمَّا قُدِّمَ الظَّرْفُ اكْتَسَبَ مَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ مُتَّبَعٌ فِي الظُّرُوفِ وَالْمَجْرُورَاتِ الَّتِي تُقَدَّمُ عَلَى عَوَامِلِهَا فَلِذَلِكَ قُرِنَتِ الْجُمْلَةُ بَعْدَهُ بِالْفَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ: إِنْ حَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمُ فَوَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وَقَوْلُهُ: يَوْمَئِذٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أُرِيدُ بِهِ التَّأْكِيدُ لِلظَّرْفِ فَحَصَلَ تَحْقِيقُ الْخَبَرِ
بِطَرِيقَيْنِ طَرِيقِ الْمُجَازَاةِ، وَطَرِيقِ التَّأْكِيدِ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً الْآيَةَ، تَصْرِيحٌ بِيَوْمِ الْبَعْثِ بَعْدَ أَنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ تَضَمُّنًا بِقَوْلِهِ: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ فَحَصَلَ بِذَلِكَ تَأْكِيدُهُ أَيْضًا.
وَالْمَوْرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ: التَّحَرُّكُ بِاضْطِرَابٍ، وَمَوْرُ السَّمَاءِ هُوَ
(27/41)

اضْطِرَابُ أَجْسَامِهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ وَاخْتِلَالِ نِظَامِهَا وَذَلِكَ عِنْدَ انْقِرَاضِ عَالَمِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
وَسَيْرُ الْجِبَالِ: انْتِقَالُهَا مِنْ مَوَاضِعِهَا بِالزَّلَازِلِ الَّتِي تَحْدُثُ عِنْدَ انْقِرَاضِ عَالَمِ الدُّنْيَا، قَالَ تَعَالَى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها إِلَى قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ [الزلزلة: 1- 6] .
وَتَأْكِيدُ فِعْلَيْ تَمُورُ وتَسِيرُ بِمَصْدَرَيْ مَوْراً وسَيْراً لِرَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ، أَيْ هُوَ مَوْرٌ حَقِيقِيٌّ وَتَنَقُّلٌ حَقِيقِيٌّ.
وَالْوَيْلُ: سُوءُ الْحَالِ الْبَالِغِ مُنْتَهَى السُّوءِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [79] وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي آخِرِ الذَّارِيَاتِ.
وَالْمَعْنَى: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ الْآنَ. وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ لِلْمُكَذِّبِينَ لِعِلْمِهِ مِنَ الْمَقَامِ، أَيْ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَالْقُرْآنِ فَاسْمُ الْفَاعِلِ فِي زَمَنِ الْحَالِ.
وَالْخَوْضُ: الِانْدِفَاعُ فِي الْكَلَامِ الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ. وَالْمُرَادُ خَوْضُهُمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ بِالْقُرْآنِ مِثْلَ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26] وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الْأَنْعَام: 68] .
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ وَهِيَ الْمُلَابَسَةُ الشَّدِيدَةُ كَمُلَابَسَةِ الظَّرْفِ لِلْمَظْرُوفِ، أَيْ الَّذِينَ تَمَكَّنَ مِنْهُمُ الْخَوْضُ حَتَّى كَأَنَّهُ أَحَاطَ بِهِمْ.
ويَلْعَبُونَ حَالِيَّةٌ. وَاللَّعِبُ: الِاسْتِهْزَاءُ، قَالَ تَعَالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ [التَّوْبَة: 65] .
(27/42)

يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16)
[سُورَة الطّور (52) : الْآيَات 13 إِلَى 16]
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16)
يَوْمَ يُدَعُّونَ بَدَلٌ مِنْ يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَهُوَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ.
وَالدَّعُّ: الدَّفْعُ الْعَنِيفُ، وَذَلِكَ إِهَانَةٌ لَهُمْ وَغِلْظَةٌ عَلَيْهِمْ، أَيْ يَوْمَ يُسَاقُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ سَوْقًا بِدَفْعٍ، وَفِيهِ تَمْثِيلُ حَالِهِمْ بِأَنَّهُمْ خَائِفُونَ مُتَقَهْقِرُونَ فَتَدْفَعُهُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِإِزْجَائِهِمْ إِلَى النَّارِ.
وَتَأْكِيدُ يُدَعُّونَ بِ دَعًّا لِتُوَصِّلَ إِلَى إِفَادَةِ تَعْظِيمِهِ بِتَنْكِيرِهِ.
وَجُمْلَةُ هذِهِ النَّارُ إِلَى آخِرِهَا مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ. وَالْقَوْلُ الْمَحْذُوفُ يُقَدَّرُ بِمَا هُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرٍ يُدَعُّونَ. وَتَقْدِيرُهُ: يُقَالُ لَهُمْ، أَوْ مَقُولًا لَهُمْ، وَالْقَائِلُ هُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِإِيصَالِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ. وَالْإِشَارَةُ بِكَلِمَةِ هذِهِ الَّذِي هُوَ لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ الْقَرِيب الْمُؤَنَّث تومىء إِلَى أَنَّهُمْ بَلَغُوهَا وَهُمْ عَلَى شِفَاهَا، وَالْمَقْصُودُ بِالْإِشَارَةِ التَّوْطِئَةُ لِمَا سَيَرِدُ بَعْدَهَا مِنْ قَوْلِهِ: الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ إِلَى لَا تُبْصِرُونَ.
وَالْمَوْصُولُ وَصِلَتُهُ فِي قَوْلِهِ: الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ لِتَنْبِيهِ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى فَسَادِ رَأْيِهِمْ إِذْ كَذَّبُوا بِالْحَشْرِ وَالْعِقَابِ فَرَأَوْا ذَلِكَ عِيَانًا.
وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ آخر على ضلالهم فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ: أَفَسِحْرٌ هَذَا إِذْ كَانُوا حِينَ يَسْمَعُونَ الْإِنْذَارَ يَوْمَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ يَقُولُونَ: هَذَا سِحْرٌ، وَإِذَا عُرِضَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ قَالُوا: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ، فَلِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ مَا فِي صِلَةِ الْمَوْصُولِ مِنْ مَعْنَى التَّوْقِيفِ عَلَى خَطَئِهِمْ وَبَيْنَ التَّهَكُّمِ عَلَيْهِمْ بِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ دَخَلَتْ فَاءُ التَّفْرِيعِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُقَالُ لَهُمُ الْمَحْكِيِّ بِالْقَوْلِ الْمُقَدَّرِ.
(27/43)

وَ (أَمْ) مُنْقَطِعَةٌ، وَالِاسْتِفْهَامُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أَمْ بَعْدَهَا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّوْبِيخِ وَالتَّهَكُّمِ.
وَالتَّقْدِير: بل أأنتم لَا تُبْصِرُونَ.
وَمَعْنَى لَا تُبْصِرُونَ: لَا تُبْصِرُونَ الْمَرْئِيَّاتِ كَمَا هِيَ فِي الْوَاقِعِ فَلَعَلَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ نَارًا كَمَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَقُولُونَ: بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت: 5] أَيْ فَلَا نَرَاكَ، وَتَقُولُونَ: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا [الْحجر: 15] .
وَجِيءَ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِخَبَر فعلي منفي لِإِفَادَةِ تَقَوِّيِ الْحُكْمِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ:
أَمْ لَا تُبْصِرُونَ، لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ تَقَوِيًّا، وَلَا: أَمْ لَا تُبْصِرُونَ أَنْتُمْ، لِأَنَّ مَجِيءَ الضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ
بَعْدَ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ يُفِيدُ تَقْرِيرَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ تَقْدِيمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ الْحُكْمِ وَتَقْوِيَتَهُ وَهُوَ أَشَدُّ تَوْكِيدًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.
وَجُمْلَةُ اصْلَوْها مُسْتَأْنَفَةٌ هِيَ بِمَنْزِلَةِ النَّتِيجَةِ الْمُتَرَقَّبَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ وَالتَّغْلِيظِ السَّابِقَيْنِ، أَيْ ادْخُلُوهَا فَاصْطَلُوا بِنَارِهَا يُقَالُ: صَلِيَ النَّارَ يَصْلَاهَا، إِذَا قَاسَى حَرَّهَا.
وَالْأَمْرُ فِي اصْلَوْها إِمَّا مُكَنًّى بِهِ عَنِ الدُّخُولِ لِأَنَّ الدُّخُولَ لَهَا يَسْتَلْزِمُ الِاحْتِرَاقَ بِنَارِهَا، وَإِمَّا مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي التَّنْكِيلِ. وَفُرِّعَ عَلَى اصْلَوْها أَمْرٌ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ صَبْرِهِمْ عَلَى حَرِّهَا وَبَيْنَ عَدَمِ الصَّبْرِ وَهُوَ الْجَزَعُ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا لَا يُخَفَّفَانِ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنَ الْعَذَابِ، أَلَّا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ [إِبْرَاهِيم: 21] لِأَنَّ جُرْمَهُمْ عَظِيمٌ لَا مَطْمَعَ فِي تَخْفِيفِ جَزَائِهِ.
وسَواءٌ عَلَيْكُمْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ.
وَجُمْلَةُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْهَا وَلَمْ تُعْطَفْ.
وَجُمْلَةُ إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ اصْلَوْها إِذْ كَلِمَةُ إِنَّما مُرَكَّبَةٌ من (إنّ) و (مَا) الْكَافَّةِ، فَكَمَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِ (إِنَّ) وَحْدَهَا كَذَلِكَ يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهَا مَعَ (مَا) الْكَافَّةِ، وَعَلَيْهِ فَجُمْلَتَا
(27/44)

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19)
فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ مُعْتَرِضَتَانِ بَيْنَ جُمْلَةِ اصْلَوْها وَالْجُمْلَةُ الْوَاقِعَةُ تَعْلِيلًا لَهَا.
وَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلِمَةِ إِنَّما قَصْرُ قَلْبٍ بِتَنْزِيلِ الْمُخَاطَبِينَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا لَقَوْهُ مِنَ الْعَذَابِ ظُلْمٌ لَمْ يَسْتَوْجِبُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَزَعِ.
وَعُدِيَّ تُجْزَوْنَ إِلَى مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِدُونِ الْبَاءِ خِلَافًا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطّور: 19] لِيَشْمَلَ الْقَصْرُ مَفْعُولَ الْفِعْلِ الْمَقْصُورِ، أَيْ تُجْزَوْنَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ لَا أَكْثَرَ مِنْهُ فَيَنْتَفِيَ الظُّلْمُ عَنْ مِقْدَارِ الْجَزَاءِ كَمَا انْتَفَى الظُّلْمُ عَنْ أَصْلِهِ، وَلِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ لَمْ يُعَلَّقْ مَعْمُولُ الْفِعْلِ بِالْبَاءِ إِذْ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ نفس الْفِعْل.
[17- 19]

[سُورَة الطّور (52) : الْآيَات 17 إِلَى 19]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19)
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَالَ الْمُكَذِّبِينَ وَمَا يُقَالُ لَهُمْ، فَمِنْ شَأْنِ السَّامِعِ أَنْ
يَتَسَاءَلَ عَنْ حَالِ أَضْدَادِهِمْ وَهُمُ الْفَرِيقُ الَّذِينَ صدقُوا الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَخَاصَّةً إِذْ كَانَ السَّامِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَادَةُ الْقُرْآنِ تَعْقِيبُ الْإِنْذَارِ بِالتَّبْشِيرِ وَعَكْسِهِ، وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَجُمْلَةِ أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ [الطّور: 30] .
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ (إِنَّ) لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَتَنْكِيرُ جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ لتعظيم، أَيْ فِي أَيَّةِ جَنَّاتٍ وَأَيِّ نَعِيمٍ.
وَجَمْعُ جَنَّاتٍ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ.
وَالْفَاكِهُ: وَصْفٌ مِنْ فَكِهَ كَفَرِحَ، إِذَا طَابَتْ نَفْسُهُ وَسُرَّ.
(27/45)

وَقَرَأَ الْجُمْهُور فاكِهِينَ بِصِيغَة اسْمِ الْفَاعِلِ، وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ فَكِهِينَ بِدُونِ أَلِفٍ.
وَالْبَاءُ فِي بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ للسبية، وَالْمَعْنَى: أَنَّ رَبَّهُمْ أَرْضَاهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ.
وَاسْتِحْضَارُ الْجَلَالَةِ بِوَصْفِ رَبُّهُمْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى عَظِيمِ مَا آتَاهُمْ إِذِ الْعَطَاءُ يُنَاسِبُ حَالَ الْمُعْطِي، وَفِي إِضَافَةِ (رَبٍّ) إِلَى ضَمِيرِهِمْ تَقْرِيبٌ لَهُمْ وَتَعْظِيمٌ وَجُمْلَةُ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ، أَوْ عاطفة على فاكِهِينَ الَّذِي هُوَ حَالٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقَدْ وَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الْمُتَّقِينَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ: إِظْهَارُ التَّبَايُنِ بَيْنَ حَالِ الْمُتَّقِينَ وَحَالِ الْمُكَذِّبِينَ زِيَادَةً فِي الِامْتِنَانِ فَإِنَّ النِّعْمَةَ تَزْدَادُ حُسْنَ وَقْعٍ فِي النَّفْسِ عِنْدَ مُلَاحَظَةِ ضِدِّهَا.
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ وِقَايَتَهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ عَدْلٌ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَرِفُوا مَا يُوجِبُ الْعِقَابَ.
وَأَمَّا مَا أُعْطُوهُ مِنَ النَّعِيمِ فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَإِكْرَامٌ مِنْهُ لَهُمْ.
وَفِي قَوْلِهِ: رَبُّهُمْ مَا تَقَدَّمَ قُبَيْلَهُ.
وَجُمْلَةُ كُلُوا وَاشْرَبُوا إِلَى آخِرِهَا مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْضًا، تَقْدِيرُهُ: يُقَالُ لَهُمْ، أَوْ مَقُولًا لَهُمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ مُقَابِلُ مَا يُقَالُ لِلْمُكَذِّبِينَ اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطّور: 16] .
وَحَذْفُ مَفْعُولِ كُلُوا وَاشْرَبُوا لِإِفَادَةِ النَّعِيمِ، أَيْ كُلُوا كل مَا يُؤْكَلُ وَاشْرَبُوا كُلَّ مَا يُشْرَبُ، وَهُوَ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أَيْ مِمَّا تَشْتَهُونَ.
وهَنِيئاً اسْمٌ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَقَعَ وَصْفًا لِمَصْدَرَيْنِ لِفِعْلَيْ كُلُوا
وَاشْرَبُوا
، أَكْلًا وَشُرْبًا، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَنَّثِ الْوَصْفُ لِأَنَّ فَعِيلًا إِذَا كَانَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يَلْزَمُ الْإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَ. وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ سَالِمٌ مِمَّا يُكَدِّرُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ.
وَ (مَا) مَوْصُولَةٌ، وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ، أَيْ بِسَبَبِ الْعَمَل الَّذِي كُنْتُم تعملونه وَهُوَ الْعَمَلِ الصَّالح الَّذِي يومىء إِلَيْهِ قَوْلُهُ: الْمُتَّقِينَ وَفِي هَذَا الْقَوْلِ زِيَادَةُ كَرَامَةٍ لَهُمْ
(27/46)

مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20)
بِإِظْهَارِ أَن مَا أوتوه مِنَ الْكَرَامَةِ عِوَضٌ عَنْ أَعْمَالِهِمْ كَمَا آذَنَتْ بِهِ بَاءُ السَّبَبِيَّةِ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ مَنْ يُسْدِي نِعْمَةً إِلَى الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ: لَا فَضْلَ لِي عَلَيْكَ وَإِنَّمَا هُوَ مَالُكَ، أَوْ نَحْو ذَلِك.
[20]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 20]
مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20)
حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ كُلُوا وَاشْرَبُوا [الطّور: 19] ، أَيْ يُقَالُ لَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا حَالَ كَوْنِهِمْ مُتَّكِئِينَ، أَيْ وَهُمْ فِي حَالِ إِكْلَةِ أَهْلِ التَّرَفِ الْمَعْهُودِ فِي الدُّنْيَا، فَقَدْ كَانَ أَهْلُ الرَّفَاهِيَةِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ وَقَدْ وَصَفَ الْقُرْآنُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [31] بِقَوْلِهِ: أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً أَي لحز الطَّعَام وَالثِّمَار.
وَفِي الحَدِيث «أمّا أَنا فَلَا آكل مُتكئا»
وَكَانَ الْأَكَاسِرَةُ وَمَرَازِبَةُ الْفُرْسِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ وَكَذَلِكَ كَانَ أَبَاطِرَةُ الرُّومَانِ وَكَذَلِكَ شَأْنُهُمْ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، قَالَ الْأَعْشَى:
نَازَعْتُهُمْ قُضُبَ الرَّيْحَانِ مُتَّكِئًا ... وَخَمْرَةً مُزَّةً رَاوُوقُهَا خَضِلُ
والسّرر: جَمْعُ سَرِيرٍ، وَهُوَ مَا يُضْطَجَعُ عَلَيْهِ.
وَالْمَصْفُوفَةُ: الْمُتَقَابِلَةُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ مُجْتَمِعِينَ لِلتَّأَنُسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [الصافات: 44] .
وَجُمْلَةُ وَزَوَّجْناهُمْ عَطْفٌ عَلَى مُتَّكِئِينَ فَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
وَمَعْنَى زَوَّجْناهُمْ: جَعَلْنَا كُلَّ فَرْدٍ مِنْهُمْ زَوْجًا، أَيْ غَيْرَ مُفْرَدٍ، أَيْ قَرَنَّاهُمْ بِنِسَاءٍ حُورٍ عِينٍ. وَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، أَيْ جَعَلْنَا حُورًا عِينًا مَعَهُمْ، وَلَمْ يُعَدِّ فِعْلَ زَوَّجْناهُمْ إِلَى بِحُورٍ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: زَوَّجْناكَها [الْأَحْزَاب: 37] ، لِأَنَّ (زَوَّجْنَا) فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَ بِمَعْنَى: أَنْكَحْنَاهُمْ، إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ عَقْدَ النِّكَاحِ لِنُبُوِّ الْمُرَادِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَالتَّزْوِيجُ هُنَا وَارِدٌ بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ الْمُفْرَدِ زَوْجًا وَلَيْسَ واردا بِمَعْنَاهُ الْمَنْقُول عَنْهُ فِي الْعُرْفِ وَالشَّرْعِ، وَلَيْسَ الْبَاءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ زَوَّجْناهُمْ بِتَضْمِينِهِ مَعْنَى: قَرَنًّا، وَلَا هُوَ
(27/47)

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)
عَلَى لُغَة أَزْد شنوة فَإِنَّهُ لَمْ يُسْمَعُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ: تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ.
وَحُورٌ: صِفَةٌ لِنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَهُنَّ النِّسَاءُ اللَّاتِي كُنَّ أَزْوَاجًا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا
إِنْ كُنَّ مُؤْمِنَاتٍ وَمَنْ يَخْلُقُهُنَّ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ لِنِعْمَةِ الْجَنَّةِ وَحُكْمُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّاتِي هُنَّ مُؤْمِنَاتٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِثْلَ أَزْوَاجِهِنَّ فِي لِحَاقِهِنَّ بِأَزْوَاجِهِنَّ فِي الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ [70] وَمَا يُقَالُ فِيهِنَّ يُقَالُ فِي الرِّجَالِ مِنْ أَزْوَاجِ النِّسَاءِ الصَّالِحَاتِ.
وعِينٍ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ، وَحَقُّهَا أَنْ تُعْطَفَ وَلَكِنْ كَثُرَ تَرْكُ الْعَطْفِ.
[21]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 21]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (21)
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ.
اعْتِرَاضٌ بَيْنَ ذِكْرِ كَرَامَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ.
وَالتَّعْبِيرُ بِالْمَوْصُولِ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِتَكُونَ الصِّلَةُ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ وَجْهَ بِنَاءِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ بَعْدَهَا، أَيْ أَنَّ سَبَبَ إِلْحَاقِ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِهِمْ فِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ هُوَ إِيمَانُهُمْ وَكَوْنُ الذُّرِّيَّاتِ آمَنُوا بِسَبَبِ إِيمَانِ آبَائِهِمْ لِأَنَّ الْآبَاءَ الْمُؤْمِنِينَ يُلَقِّنُونَ أَبْنَاءَهُمُ الْإِيمَانَ.
وَالْمَعْنَى: وَالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَهُمْ ذُرِّيَّاتٌ مُؤْمِنُونَ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارا [التَّحْرِيم: 6] ، وَهل يَسْتَطِيع أحد أَنْ يَقِيَ النَّارَ غَيْرَهُ إِلَّا بِالْإِرْشَادِ. وَلَعَلَّ مَا فِي الْآيَةِ مِنْ إِلْحَاقِ ذُرِّيَّاتِهِمْ مِنْ شَفَاعَةِ الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ لِأَهْلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ.
وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ: بِإِيمانٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ بِإِيمَانٍ عَظِيمٍ، وَعَظَمَتُهُ بِكَثْرَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي إِلْحَاقِهِمْ بِآبَائِهِمْ وَتَكُونَ النِّعْمَةُ فِي جَعْلِهِمْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.
(27/48)

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّوْعِيَّةِ، أَيْ بِمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَاتَّبَعَتْهُمْ بِهَمْزَةِ وَصَلٍ وَبِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْأُولَى وَبِتَاءٍ بَعْدَ الْعَيْنِ هِيَ تَاءُ تَأْنِيثِ ضَمِيرِ الْفِعْلِ. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ وَأَتْبَعْناهُمْ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَسُكُونِ التَّاءِ.
وَقَوْلُهُ: ذُرِّيَّتُهُمْ الْأَوَّلُ قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو ذُرِّيَّاتِهِمْ بِصِيغَةِ جَمْعِ ذُرِّيَّةٍ فَهُوَ مَفْعُولُ أَتْبَعْناهُمْ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ أَيْضًا
لَكِنْ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ اتَّبَعَتْهُمْ، فَيَكُونُ الْإِنْعَامُ عَلَى آبَائِهِمْ بِإِلْحَاقِ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِهِمْ.
وَقَدْ
رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الطَّبَرِيُّ وَالْبَزَّارُ وَابْنُ عَدِيٍّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ حَدِيثًا مُسْنَدًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ (أَيْ فِي الْعَمَلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْقُرْطُبِيِّ) لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ ثُمَّ قَرَأَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ إِلَى قَوْلِهِ: مِنْ شَيْءٍ

. وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ هُوَ نِعْمَةٌ جَمَعَ اللَّهُ بِهَا لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْوَاعَ الْمَسَرَّةِ بِسَعَادَتِهِمْ بِمُزَاوَجَةِ الْحُورِ وَبِمُؤَانَسَةِ الْإِخْوَانِ الْمُؤْمِنِينَ وَبِاجْتِمَاعِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ بِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ التَّأَنُسَ بِأَوْلَادِهِ وَحُبَّهُ اتِّصَالَهُمْ بِهِ.
وَقَدْ وَصَفَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ الْجَعْفَرِيُّ الْمُرْسِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ نَزِيلُ تُونِسَ سَنَةَ 1013 ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَلْفٍ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ «الْأَنْوَارُ النَّبَوِيَّةُ فِي آبَاءِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ» (1) قَالَ فِي خَاتِمَةِ الْكِتَابِ «قَدْ أَطْلَعَنِي اللَّهُ تَعَالَى عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ بَوَاسِطَةِ وَالِدِي وَأَنَا ابْنُ سِتَّةِ أَعْوَامٍ مَعَ أَنِّي كُنْتُ إِذَّاكَ أَرُوحُ إِلَى مَكْتَبِ النَّصَارَى لِأَقْرَأَ دِينَهُمْ ثُمَّ أَرْجِعَ إِلَى بَيْتِي فَيُعَلِّمَنِي وَالِدِي دِينَ الْإِسْلَامِ فَكُنْتُ أَتَعَلَّمُ فِيهِمَا (كَذَا) مَعًا وَسِنِّي حِينَ حُمِلْتُ إِلَى مَكْتَبِهِمْ أَرْبَعَةُ أَعْوَامٍ فَأَخَذَ وَالِدِي لَوْحًا مِنْ عُودِ الْجَوْزِ كَأَنِّي أَنْظُرُ الْآنَ إِلَيْهِ مُمَلَّسًا مِنْ غَيْرِ طَفَلٍ (اسْمٌ لِطِينٍ يَابِسٍ وَهُوَ طِينٌ لَزِجٌ وَلَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ وَعَرَبِيَّتُهُ طُفَالٌ كَغُرَابٍ) ، فَكتب لي فِيهِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَهُوَ يَسْأَلُنِي عَنْ حُرُوفِ
_________
(1) مخطوط عِنْدِي.
(27/49)

النَّصَارَى حَرْفًا حَرْفًا تَدْرِيبًا وَتَقْرِيبًا فَإِذَا سَمَّيْتُ لَهُ حَرْفًا أَعْجَمِيًّا يَكْتُبُ لِي حَرْفًا عَرَبِيًّا حَتَّى اسْتَوْفَى جَمِيعَ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَأَوْصَانِي أَنْ أَكْتُمَ ذَلِكَ حَتَّى عَنْ وَالِدَتِي وَعَمِّي وَأَخِي مَعَ أَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ أَلْقَى نَفْسَهَ لِلْهَلَاكِ لِإِمْكَانِ أَنْ أُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْهُ فَيُحْرَقَ لَا مَحَالَةَ وَقَدْ كَانَ يلقّنني مَا أقوله عِنْدَ رُؤْيَتِيَ الْأَصْنَامَ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ وَالِدِي أَنِّي أَكْتُمُ أُمُورَ دِينِ الْإِسْلَامِ أَمَرَنِي أَنْ أَتَكَلَّمَ بِإِفْشَائِهِ لِوَالِدَتِي وَبَعْضِ الْأَصْدِقَاءِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَسَافَرْتُ الْأَسْفَارَ مِنْ جِيَّانَ لِأَجْتَمِعَ بِالْمُسْلِمِينَ الْأَخْيَارِ إِلَى غَرْنَاطَةَ وَأَشْبِيلِيَّةَ وَطُلَيْطِلَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ مُدُنِ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ، فَتَخَلَّصَ لِي مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ أَنِّي مَيَّزْتُ مِنْهُمْ سَبْعَةَ رِجَالٍ كَانُوا يُحَدِّثُونَنِي بِأَحْوَالِ غَرْنَاطَةَ وَمَا كَانَ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ مَرُّوا كُلُّهُمْ عَلَى شَيْخٍ مِنْ مَشَائِخِ غَرْنَاطَةَ يُقَالُ لَهُ الْفَقِيهُ الْأَوْطُورِيُّ ... » إِلَخْ.
وَإِيثَارُ فِعْلِ أَلْحَقْنا دُونَ أَنْ يُقَالَ: أَدْخَلْنَا مَعَهُمْ، أَوْ جعلنَا مَعَهم لَعَلَّه لِمَا فِي مَعْنَى الْإِلْحَاقِ من الصلاحية للفور وَالتَّأْخِيرِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْإِلْحَاقُ بَعْدَ إِجْرَاءِ عِقَابٍ عَلَى بَعْضِ الذُّرِّيَّةِ اسْتَحَقُّوهُ بِسَيِّئَاتِهِمْ عَلَى مَا فِي الْأَعْمَالِ مِنْ تَفَاوُتٍ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ عِبَادِهِ. وَفِعْلُ الْإِلْحَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ الذُّرِّيَّاتِ صَارُوا فِي دَرَجَاتِ آبَائِهِمْ. وَفِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ تَفَنُّنٌ لِدَفْعِ إِعَادَةِ اللَّفْظِ.
وأَلَتْناهُمْ نَقَصْنَاهُمْ، يُقَالُ: آلَتَهُ حَقَّهُ، إِذَا نَقَصَهُ إِيَّاهُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَمِنْ بَابَ عَلِمَ.
فَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ لَامِ أَلَتْناهُمْ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ لَامِ أَلَتْناهُمْ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ [14] . وَالْوَاوُ لِلْحَالِ وَضَمِيرُ الْغَيْبَةِ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ آمَنُوا.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَلْحَقَ بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ فِي الدَّرَجَةِ فِي الْجَنَّةِ فَضْلًا مِنْهُ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا دُونَ عِوَضٍ احْتِرَاسًا مِنْ أَنْ يَحْسَبُوا أَنَّ إِلْحَاقَ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِهِمْ بَعْدَ عَطَاءِ نَصِيبٍ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ لِذُرِّيَاتِهِمْ لِيَدْخُلُوا بِهِ الْجَنَّةَ عَلَى مَا هُوَ مُتَعَارَفٌ عِنْدَهُمْ فِي فَكِّ الْأَسِيرِ، وَحَمَالَةِ الدِّيَاتِ، وَخَلَاصِ الْغَارِمِينَ، وَعَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي
(27/50)

وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23)
الِانْتِصَافِ مِنَ الْمَظْلُومِ لِلظَّالِمِ بِالْأَخْذِ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَإِعْطَائِهَا لِلْمَظْلُومِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ انْتِقَاصِ حُظُوظِهِمْ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
ومِنْ عَمَلِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِ مَا أَلَتْناهُمْ وَ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ، وَ (مِنْ) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: مِنْ شَيْءٍ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ وَإِفَادَةِ الْإِحَاطَةِ وَالشُّمُولِ لِلنَّكِرَةِ.
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ.
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ وَبَيْنَ جُمْلَةِ وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ [الطّور: 22] ، قُصِدَ مِنْهَا تَعْلِيلُ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْعُمُومِ صَالِحَةٌ لِلتَّذْيِيلِ مَعَ التَّعْلِيلِ، وكُلُّ امْرِئٍ يَعُمُّ أَهْلَ الْآخِرَةِ كُلَّهُمْ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ امْرِئٍ مِنَ الْمُتَّقِينَ خَاصَّةً.
وَالْمَعْنَى: انْتَفَى إِنْقَاصُنَا إِيَّاهُمْ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِمْ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مَقْرُونٌ بِمَا كَسَبَ وَمُرْتَهَنٌ عِنْدَهُ وَالْمُتَّقُونَ لَمَّا كَسَبُوا الْعَمَلَ الصَّالح كَانَ لَازِما لَهُمْ مُقْتَرِنًا بِهِمْ لَا يُسْلَبُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَالْمُرَادُ بِمَا كَسَبُوا: جَزَاءَ مَا كَسَبُوا لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْتَرِنُ بِصَاحِبِ الْعَمَلِ وَأَمَّا نَفْسُ
الْعَمَلِ نَفْسُهُ فَقَدِ انْقَضَى فِي إِبَّانِهِ.
وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ كِنَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ مَقْرُونُونَ بِجَزَاءِ أَعْمَالِهِمْ، وَثَانِيَتُهُمَا: أَنَّ ذُرِّيَّاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِآبَائِهِمْ فِي النَّعِيمِ أُلْحِقُوا بِالْجَنَّةِ كَرَامَةً لِآبَائِهِمْ وَلَوْلَا تِلْكَ الْكَرَامَةُ لَكَانَتَ مُعَامَلَتُهُمْ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. وَبِهَذَا كَانَ لهَذِهِ الْجُمْلَة هُنَا وَقْعٌ أَشَدُّ حُسْنًا مِمَّا سِوَاهُ مَعَ أَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حُسْنِ التَّتْمِيمِ.
وَالْكَسْبُ: يُطْلَقُ عَلَى مَا يحصله الْمَرْء بِعِلْمِهِ لِإِرَادَةِ نَفْعِ نَفْسِهِ.
وَرَهِينٌ: فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنَ الرَّهْنِ وَهُوَ الْحَبْس.
[22، 23]

[سُورَة الطّور (52) : الْآيَات 22 إِلَى 23]
وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لَا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (23)
عَطْفٌ عَلَى فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ [الطّور: 17] إِلَخْ.
(27/51)

وَالْإِمْدَادُ: إِعْطَاءُ الْمَدَدِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ مِنْ نَوْعٍ نَافِعٍ فِيمَا زِيدَ فِيهِ، أَيْ زِدْنَاهُمْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ النَّعِيمِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْهَنِيءِ فَاكِهَةً وَلَحْمًا مِمَّا يَشْتَهُونَ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَاللِّحُومِ الَّتِي يشتهونها، أَي ليوتي لَهُمْ بِشَيْءٍ لَا يَرْغَبُونَ فِيهِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ مَا اشْتَهَى.
وَخَصَّ الْفَاكِهَةَ وَاللَّحْمَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لَا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ مَنَحَهُمُ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَذَّةَ نَشْوَةِ الْخَمْرِ وَالْمُنَادَمَةِ عَلَى شُرْبِهَا لِأَنَّهَا مِنْ أَحْسَنِ اللَّذَّاتِ فِيمَا أَلِفَتْهُ نُفُوسُهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ التَّرَفِ فِي الدُّنْيَا إِذَا شَرِبُوا الْخَمْرَ كَسَرُوا سَوْرَةَ حِدَّتِهَا فِي الْبَطْنِ بِالشِّوَاءِ مِنَ اللَّحْمِ قَالَ النَّابِغَةُ يَصِفُ قَرْنَ الثَّوْرِ:
سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عِنْدَ مُفْتَأَدِ وَيَدْفَعُونَ لَذْغَ الْخَمْرِ عَنْ أَفْوَاهِهِمْ بِأَكْلِ الْفَوَاكِهِ وَيُسَمُّونَهَا النُّقْلَ- بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا- وَيَكُونُ مِنْ ثِمَارٍ وَمَقَاثٍ.
وَلِذَلِكَ جِيءَ بِقَوْلِهِ: يَتَنازَعُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْغَائِبِ فِي أَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ إِلَخْ. وَالتَّنَازُعُ أُطْلِقَ عَلَى التَّدَاوُلِ وَالتَّعَاطِي. وَأَصْلُهُ تَفَاعُلٌ مِنْ نَزْعِ الدَّلْوِ مِنَ الْبِئْرِ عِنْدَ الِاسْتِقَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا إِذَا وَرَدُوا لِلِاسْتِقَاءِ نزع أحدهم دلوا مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ نَاوَلَ الدَّلْوَ لِمَنْ حَوْلَهُ وَرُبَّمَا كَانَ الرَّجُلُ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ يَنْزِعُ مِنَ الْبِئْرِ لِلْمُسْتَقِينَ كُلِّهِمْ يَكْفِيهِمْ تَعَبَ النَّزْعِ، وَيُسَمَّى الْمَاتِحَ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَزْعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَا بِنْتي شُعَيْبٍ لَمَّا رَأَى انْقِبَاضَهُمَا عَنِ الِانْدِمَاجِ فِي الرِّعَاءِ. وَذَكَرَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رُؤْيَاهُ نَزْعَهُ عَلَى الْقَلِيبِ ثُمَّ نَزْعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ نَزْعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ أَوْ جُعِلَ مَجَازًا عَنِ الْمُدَاوَلَةِ وَالْمُعَاوَرَةِ فِي مُنَاوَلَةِ أَكْؤُسِ الشَّرَابِ، قَالَ الْأَعْشَى:
نَازَعْتُهُمْ قُضُبَ الرَّيْحَانِ مُتَّكِئًا ... وَخَمْرَةً مُزَّةً رَاوُوقُهَا خَضِلُ
وَالْمَعْنَى: أَنَّ بَعْضَهُمْ يَصُبُّ لِبَعْضٍ الْخَمْرَ وَيُنَاوِلُهُ إِيثَارًا وَكَرَامَةً.
وَقِيلَ: تَنَازُعُهُمُ الْكَأْسَ مُجَاذَبَةُ بَعْضِهِمْ كَأْسَ بَعْضٍ إِلَى نَفْسِهِ لِلْمُدَاعَبَةِ كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي الْمُدَاعَبَةِ عَلَى الطَّعَامِ:
(27/52)

فَظَلَّ الْعَذَارَى يَرْتَمِينَ بِلَحْمِهَا ... وَشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمْقَسِ الْمُفَتَّلِ
وَالْكَأْسُ: إِنَاءٌ تُشْرَبُ فِيهِ الْخَمْرُ لَا عُرْوَةَ لَهُ وَلَا خُرْطُومَ، وَهُوَ مُؤَنَّثٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَا مُرَادًا بِهِ الْإِنَاءُ الْمَعْرُوفُ وَمُرَادًا بِهِ الْجِنْسُ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ [45] يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ فِي كَأْسٍ وَاحِدَةٍ بِأَخْذِ أَحَدِهِمْ مِنْ آخَرَ كَأْسَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْكَأْسِ الْخَمْرُ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ مِثْلِ قَوْلِهِمْ: سَالَ الْوَادِي وَكَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
نَازَعْتُهُمْ قُضُبَ الرَّيْحَانِ (الْبَيْتَ السَّابِقَ آنِفًا) .
وَجُمْلَةُ لَا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ يَجُوزُ أَنْ تكون صفة ل «كأس» وَضَمِيرُ لَا لَغْوٌ فِيها عَائِدًا إِلَى «كَأْسٍ» وَوَصْفُ الْكَأْسِ بِ لَا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ. إِنْ فُهِمَ الْكَأْسُ بِمَعْنَى الْإِنَاءِ الْمَعْرُوفِ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ: لَا لَغْوٌ وَلَا تأثيم يصاحبها، فَإِنَّ (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ الَّتِي تُؤَوَّلُ بِالْمُلَابَسَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ [الْحَج: 78]
وَقَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَفِيهِمَا- أَيْ وَالِدَيْكَ- فَجَاهِدْ»
، أَيْ جَاهِدْ ببرهما، أَو تأوّل (فِي) بِمَعْنى التَّعْلِيل
كَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا»
. وَإِنْ فُهِمَ الْكَأْسُ مُرَادًا بِهِ الْخَمْرُ كَانَتْ (فِي) مُسْتَعَارَةً لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ لَا لَغْوٌ يَقَعُ بِسَبَبِ شُرْبِهَا. وَالْمَعْنَى عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ أَنَّهَا لَا يُخَالِطُ شَارِبِيهَا اللَّغْوُ وَالْإِثْمُ بِالسِّبَابِ وَالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ، أَيْ أَنَّ الْخَمْرَ الَّتِي اسْتُعْمِلَتِ الْكَأْسُ لَهَا لَيْسَتْ كَخُمُورِ الدُّنْيَا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ لَا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ مُسْتَأْنَفَةً نَاشِئَةً عَنْ جُمْلَةِ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً، وَيَكُونَ ضَمِيرُ فِيها عَائِدًا إِلَى جَنَّاتٍ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ [الطّور: 17] مِثْلَ
ضَمِيرِ فِيها كَأْساً، فَتَكُونَ فِي الْجُمْلَةِ مَعْنَى التَّذْيِيلِ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى اللَّغْوُ وَالتَّأْثِيمُ عَنْ أَنْ يَكُونَا فِي الْجَنَّةِ انْتَفَى أَنْ يَكُونَا فِي كَأْسِ شُرْبِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَمِثْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً حَدائِقَ وَأَعْناباً
(27/53)

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24)
إِلَى قَوْلِهِ: لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً فِي سُورَةِ النَّبَإِ [31- 35] .
وَاللَّغْوُ: سَقَطُ الْكَلَامِ وَالْهَذَيَانُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ خَلَلِ الْعَقْلِ.
وَالتَّأْثِيمُ: مَا يُؤْثَمُ بِهِ فَاعِلُهُ شَرْعًا أَوْ عَادَةً مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ مِثْلِ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَتَمْزِيقِ الثِّيَابِ وَمَا يُشْبِهُ أَفْعَالَ الْمَجَانِينِ مِنْ آثَارِ الْعَرْبَدَةِ مِمَّا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّدَامَى غَالِبًا، فَأَهْلُ الْجَنَّةِ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِأَنَّهُمْ مِنْ عَالَمِ الْحَقَائِقِ وَالْكَمَالَاتِ فَهُمْ حُكَمَاءُ عُلَمَاءُ، وَقَدْ تَمَدَّحَ أَصْحَابُ الْأَحْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنِ اتَّقَى مَا يَعْرِضُ مِنَ الْفَلَتَاتِ فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الْخَمْرَ مِثْلَ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ لَا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ بِرَفْعِهِمَا عَلَى أَنَّ (لَا) مشبهّة ب (لَيْسَ) . وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِفَتْحِهِمَا عَلَى أَنَّ (لَا) مشبهة ب (إنّ) وَهُمَا وَجْهَانِ فِي نَفْيِ النَّكِرَةِ إِذَا كَانَتْ إِرَادَةُ الْوَاحِدِ غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ وَمِثْلُهُ قَوْلُهَا فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ لَا حَرَّ وَلَا قَرَّ وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ» رُوِيَتِ النَّكِرَاتُ الْأَرْبَعُ بِالرَّفْع وَبِالنَّصبِ.
[24]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 24]
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24)
عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً [الطّور: 23] فَهُوَ مِنْ تَمَامِهِ وَوَاقِعٌ مَوْقِعَ الْحَالِ مِثْلَهُ، وَجِيءَ بِهِ فِي صِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدِّلَالَةِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالتَّكَرُّرِ، أَيْ ذَلِكَ لَا يَنْقَطِعُ بِخِلَافِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا لَا بُدَ لَهَا مِنَ الِانْقِطَاعِ بِنِهَايَاتٍ تَنْتَهِي إِلَيْهَا فَتُكْرَهُ لِأَصْحَابِهَا الزِّيَادَةُ مِنْهَا مِثْلِ الْغَوْلِ، وَالْإِطْبَاقِ، وَوَجَعِ الْأَمْعَاءِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ وَمِثْلِ الشَّبَعِ فِي تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يُورِثُ الْعَجْزَ عَن الازدياد عَنِ اللَّذَّةِ وَيَجْعَلُ الِازْدِيَادَ أَلَمًا.
وَلَمْ يُسْتَثْنَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا لَذَّاتُ الْمَعَارِفِ وَلَذَّاتُ الْمَنَاظِرِ الْحَسَنَةِ وَالْجَمَالِ.
وَلَمَّا أَشْعَرَ فِعْلُ يَطُوفُ بِأَنَّ الْغِلْمَانَ يُنَاوِلُونَهُمْ مَا فِيهِ لَذَّاتُهُمْ كَانَ مُشْعِرًا بِتَجَدُّدِ الْمُنَاوَلَةِ وَتَجَدُّدِ الطَّوَافِ وَقَدْ صَارَ كُلُّ ذَلِكَ لَذَّةً لَا سَآمَةَ مِنْهَا.
(27/54)

وَالطَّوَافُ: مَشْيٌ مُتَكَرِّرٌ ذِهَابًا وَرُجُوعًا وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ عَلَى اسْتِدَارَةٍ، وَمِنْهُ طَوَافُ الْكَعْبَةِ، وَأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بِالْأَصْنَامِ وَلِأَجْلِهِ سُمِّيَ الصَّنَمُ دُوَّارًا لِأَنَّهُمْ يَدُورُونَ بِهِ. وَسُمِّيَ
مَشْيُ الْغِلْمَانِ بَيْنَهُمْ طَوَافًا لِأَنَّ شَأْنَ مَجَالِسِ الْأَحِبَّةِ وَالْأَصْدِقَاءِ أَن تكون حلقا وَدَوَائِرَ لِيَسْتَوُوا فِي مَرْآهِمْ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ [44] عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. وَمِنْهُ جُعِلَتْ مَجَالِسُ الدُّرُوسِ حَلَقًا وَكَانَتْ مَجَالِسُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقًا. وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى مُنَاوَلَةِ الْخَمْرِ إِدَارَةٌ فَقِيلَ: أَدَارَتِ الْحَارِثَةُ الْخَمْرَ، وَهَذَا الَّذِي يُنَاوِلُ الْخَمْرَ الْمُدِيرُ.
وَتَرْكُ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ يَطُوفُ لِظُهُورِهِ مِنْ قَوْلِهِ: يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً وَقَوْلِهِ:
وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ [الطّور: 22] وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ [الزخرف: 71] وَقَوْلُهُ: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات: 45، 46] فَلَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُطَاف بِهِ هُنَا تُرِكَ ذِكْرُهُ بَعْدَ فِعْلِ يُطافُ بِخِلَافِ مَا فِي الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ.
وَالْغِلْمَانُ: جَمْعُ غُلَامٍ، وَحَقِيقَتُهُ مَنْ كَانَ فِي سِنٍّ يُقَارِبُ الْبُلُوغَ أَوْ يَبْلُغُهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْخَادِمِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مَا يَتَّخِذُونَ خَدَمَهُمْ مِنَ الصِّغَارِ لِعَدَمِ الْكُلْفَةِ فِي حَرَكَاتِهِمْ وَعَدَمِ اسْتِثْقَالِ تَكْلِيفِهِمْ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُونَ مِنَ الْعَبِيدِ وَمِثْلُهُ إِطْلَاقُ الْوَلِيدَةِ عَلَى الْأَمَةِ الْفَتِيَّةِ كَأَنَّهَا قَرِيبَةُ عَهْدٍ بِوِلَادَةِ أُمِّهَا.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ: غِلْمانٌ لَهُمْ: خِدْمَةٌ لَهُمْ. وَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِالتَّنْكِيرِ وَتَعْلِيقِ لَامِ الْمُلْكِ بِضَمِيرِ الَّذِينَ آمَنُوا دُونَ الْإِضَافَةِ الَّتِي هِيَ عَلَى تَقْدِيرِ اللَّامِ لِمَا فِي الْإِضَافَةِ مِنْ مَعْنَى تَعْرِيفِ الْمُضَافِ بِالِانْتِسَابِ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ عِنْدَ السَّامِعِ مِنْ قَبْلُ. وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَانُ بِمَمْلُوكِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ لِخِدْمَتِهِمْ خَلَقَهْمُ اللَّهُ لِأَجْلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى:
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ [الْإِنْسَان: 19] وَهَذَا عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الْإِسْرَاء: 5] أَيْ صِنْفٌ مِنْ عِبَادِنَا غَيْرُ مَعْرُوفِينَ لِلنَّاسِ.
وَشُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ فِي حُسْنِ الْمَرْأَى.
(27/55)

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)
وَاللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ. وَالْمَكْنُونُ: الْمَخْزُونُ لِنَفَاسَتِهِ عَلَى أَرْبَابِهِ فَلَا يُتَحَلَّى بِهِ إِلَّا فِي الْمَحَافِلِ وَالْمَوَاكِبِ فَلِذَلِكَ يَبْقَى عَلَى لمعانه وبياضه.
[25- 28]

[سُورَة الطّور (52) : الْآيَات 25 إِلَى 28]
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (25) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً [الطّور: 23] . وَالتَّقْدِيرُ: وَقَدْ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ
عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، أَيْ هُمْ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ قَدْ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ.
وَلَمَّا كَانَ إِلْحَاقُ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِهِمْ مُقْتَضِيًا مُشَارَكَتَهُمْ إِيَّاهُمْ فِي النَّعِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطّور: 21] كَانَ هَذَا التَّسَاؤُلُ جَارِيًا بَيْنَ الْجَمِيعِ مِنَ الْأُصُولِ والذريات سائلين ومسؤولين.
وَضَمِيرُ بَعْضُهُمْ عَائِدٌ إِلَى الْمُتَّقِينَ [الطّور: 17] وعَلى ذُرِّيَّتُهُمْ [الطّور: 21] .
وَجُمْلَةُ قالُوا بَيَانٌ لِجُمْلَةِ يَتَساءَلُونَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلى [طه: 120] ضَمِيرُ قالُوا عَائِدٌ إِلَى الْبَعْضَيْنِ، أَيْ يَقُولُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الْمُتَسَائِلِينَ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ.
وَالْإِشْفَاقُ: تَوَقُّعُ الْمَكْرُوهِ وَهُوَ ضِدُّ الرَّجَاءِ، وَهَذَا التَّوَقُّعُ مُتَفَاوِتٌ عِنْدَ الْمُتَسَائِلِينَ بِحَسْبِ تَفَاوُتِ مَا يُوجِبُهُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي أَدَاءِ حَقِّ التَّكْلِيفِ، أَوْ مِنَ الْعِصْيَانِ. وَلِذَلِكَ فَهُوَ أَقْوَى فِي جَانِبِ ذُرِّيَّاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِأُصُولِهِمْ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ. وَلَعَلَّهُ فِي جَانِبِ الذُّرِّيَّاتِ أَظْهَرُ فِي مَعْنَى الشُّكْرِ لِأَنَّ أُصُولَهُمْ مِنْ أَهْلِهِمْ فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذُرِّيَّاتِهِمْ كَانُوا مُشْفِقِينَ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ مُشَاهَدَةِ سَيْرِهِمْ فِي الْوَفَاءِ بِحُقُوقِ التَّكْلِيفِ، وَكَذَلِكَ أُصُولُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ
(27/56)

حَالَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِمْ أَوْ يَسْمَعُ مِنْهُمْ إِشْفَاقَهُمْ وَاسْتِغْفَارَهُمْ. وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُشْفِقِينَ لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مَعْنَى (فِي) الظَّرْفِيَّةُ. وَيَتَعَلَّقُ فِي أَهْلِنا بِ كُنَّا، أَيْ حِينَ كُنَّا فِي نَاسِنَا فِي الدُّنْيَا. فِ أَهْلِنا هُنَا بِمَعْنَى آلِنَا.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُقَالَةُ صَادِرَةً مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يُخَاطِبُونَ ذُرِّيَّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ سَيَلْحَقُونَ بِهِمْ: فَالْمَعْنَى: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ مُشْفِقِينَ عَلَيْكُمْ، فَتَكُونَ (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ مُشْفِقِينَ لِأَجْلِكُمْ.
وَمَعْنَى فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا مَنَّ عَلَيْنَا بِالْعَفْوِ عَنْكُمْ فَأَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ وَوَقَانَا أَنْ يُعَذِّبَكُمْ بِالنَّارِ. فَلَمَّا كَانَ عَذَابُ الذُّرِّيَّاتِ يُحْزِنُ آبَاءَهُمْ جُعِلَتْ وِقَايَةُ الذُّرِّيَّاتِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ وِقَايَةِ آبَائِهِمْ فَقَالُوا: وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ إِغْرَاقًا فِي الشُّكْرِ عَنْهُمْ وَعَنْ ذُرِّيَّاتِهِمْ، أَيْ فَمَنَّ عَلَيْنَا جَمِيعًا وَوَقَانَا جَمِيعًا عَذَابَ السَّمُومِ.
وَالسَّمُومِ بِفَتْحِ السِّينِ، أَصْلُهُ اسْمُ الرِّيحِ الَّتِي تَهُبُّ مِنْ جِهَةٍ حَارَّةٍ جِدًّا فَتَكُونُ جَافَّةً شَدِيدَةَ الْحَرَارَةِ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ تُهْلِكُ مِنْ يَتَنَشَّقَهَا. وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى رِيحِ جَهَنَّمَ
عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ بِالْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ، كَمَا أُطْلِقَتْ عَلَى الْعُنْصُرِ النَّارِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [27] وَكُلُّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ بِالْمَأْلُوفِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ تَعْلِيلٌ لِمِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ اسْتَجَابَ لَهُمْ، أَيْ كُنَّا مِنْ قَبْلِ الْيَوْمِ نَدْعُوهُ، أَيْ فِي الدُّنْيَا.
وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ نَدْعُوهُ لِلتَّعْمِيمِ، أَيْ كُنَّا نَبْتَهِلُ إِلَيْهِ فِي أُمُورِنَا، وَسَبَبُ الْعُمُومِ دَاخِلٌ ابْتِدَاءً، وَهُوَ الدُّعَاءُ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِذُرِّيَّاتِهِمْ بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَبِنَوَالِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ فِي دَارِ الْحَقِيقَةِ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ إِلْهَامٍ وَمَعْرِفَةٍ كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ دُعَاءَ الصَّالِحِينَ لِأَبْنَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَى إِجَابَةِ دُعَاءِ
(27/57)

فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29)
الصَّالِحِينَ مِنَ الْأَبْنَاءِ لِآبَائِهِمْ عَلَى ذَلِكَ،
قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» فَذَكَرَ «وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ بِخَيْرٍ»
. وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ قَرَأَهُ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أَنَّهُ) عَلَى تَقْدِيرِ حَرْفِ الْجَرِّ مَحْذُوفًا حَذْفًا مُطَّرِدًا مَعَ (أَنَّ) وَهُوَ هُنَا اللَّامُ تَعْلِيلًا لِ نَدْعُوهُ، وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إِنَّ) وَمَوْقِعُ جُمْلَتِهَا التَّعْلِيلُ.
وَالْبَرُّ: الْمُحْسِنُ فِي رِفْقٍ.
وَالرَّحِيمُ: الشَّدِيدُ الرَّحْمَةِ وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ.
وَضَمِيرُ الْفَصْلِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ وَهُوَ لِقَصْرِ صِفَتَيِ الْبَرُّ والرَّحِيمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لِلْمُبَالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِبُرُورِ غَيْرِهِ وَرَحْمَةِ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بُرُورِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ فَإِنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَا يَبْلُغُ بِالْمَبَرَّةِ وَالرَّحْمَةِ مَبْلَغَ مَا لِلَّهِ وَبِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْمُتَعَلِّقِ، وَبِاعْتِبَارِ الدَّوَامِ لِأَنَّ اللَّهَ بَرٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَغَيْرُ اللَّهِ بَرٌّ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِ الدُّنْيَا وَلَا يَمْلِكُ فِي الْآخِرَة شَيْئا.
[29]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 29]
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (29)
تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ كُلِّهِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ [الطّور: 7] لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ تَسْلِيَة الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن تَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ، وَعَقَّبَ بِهَذَا لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مُؤْمِنِينَ بِهِ مُتَيَقِّنِينَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ مَعَ مَا أُعِدَّ لِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ فَكَانَ مَا تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ فِي
اسْتِمْرَارِ التَّذْكِيرِ حِكْمَةً أَرَادَهَا اللَّهُ، وَهِيَ ارْعِوَاءُ بَعْضِ الْمُكَذِّبِينَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وَازْدِيَادُ الْمُصَدِّقِينَ تَوَغُّلًا فِي إِيمَانِهِمْ، فَفُرِّعَ عَلَى ذَلِكَ أَنْ أَمر الله رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدَّوَامِ عَلَى التَّذْكِيرِ.
فَالْأَمْرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَلَبِ الدَّوَامِ مِثْلِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النِّسَاء:
136] . وَلَمَّا كَانَ أَثَرُ التَّذْكِيرِ أَهَمَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَرِيقِ الْمُكَذِّبِينَ لِيَهْتَدِي مَنْ شُرِحَ قَلْبُهُ لِلْإِيمَانِ رُوعِيَ مَا يَزِيدُ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَاتًا عَلَى التَّذْكِيرِ مِنْ تَبْرِئَتِهِ مِمَّا يُوَاجِهُونَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ لَهُ: هُوَ كَاهِنٌ أَوْ هُوَ مَجْنُونٌ، فَرَبَطَ اللَّهُ جَأْشَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْلَمَهُ بِأَنَّ بَرَاءَتَهُ
(27/58)

مِنْ ذَلِكَ نِعْمَةٌ أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ رَبُّهُ تَعَالَى فَفَرَّعَ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّذْكِيرِ بِقَوْلِهِ: فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ. وَالْبَاءُ فِي بِنِعْمَةِ رَبِّكَ لِلْمُلَابَسَةِ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ أَنْتَ.
وَنفي هاذين الْوَصْفَيْنِ عَنْهُ فِي خِطَابِ أَمْثَالِهِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْوَصْفَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النَّفْيِ غَرَضٌ آخَرُ وَهُوَ هُنَا إِبْطَالُ نِسْبَةِ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: 22] ، وَلِذَلِكَ حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ [الطّور: 30] مُصَرِّحًا فِيهِ بِبَعْضِ أَقْوَالِهِمْ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَنْفِيَّ عَنْهُ فِيمَا قَبْلَهُ مَقَالَةٌ مِنْ مَقَالِهِمْ.
وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَاتِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ عَلَى خَصَائِصَ تُنَاسِبُ تَعْظِيمَ مَنْ وُجِّهَتْ إِلَيْهِ وَهِيَ أَنَّهَا صِيغَتْ فِي نَظْمِ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَقِيلَ فِيهَا «مَا أَنْتَ بِكَاهِنٍ» دُونَ: فَلَسْتَ بِكَاهِنٍ، لِتَدُلَّ عَلَى ثَبَاتِ مَضْمُونِ هَذَا الْخَبَرِ.
وَقُدِّمَ فِيهَا الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَدَّمَ الْمسند وَهُوَ بِكاهِنٍ أَوْ مَجْنُونٍ لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي الِاهْتِمَامَ بِالْمُسْنَدِ وَلَكِنَّ الِاهْتِمَامَ بِالضَّمِيرِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ كَانَ أَرْجَحَ هُنَا لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِحْضَارِ مَعَادِهِ الْمُشْعِرِ بِأَنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ وَأَفَادَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالْخَبَرِ لَا نَفْسُ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِالْخَبَرِ كَقَوْلِنَا: الرَّسُولُ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ.
وَأَفَادَ أَيْضًا قَصْرًا إِضَافِيًّا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ لِقَلْبِ مَا يَقُولُونَهُ أَوْ يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: هُوَ كَاهِنٌ أَوْ مَجْنُونٌ، عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ [هود: 91] .
وَقُرِنَ الْخَبَرُ الْمَنْفِيُّ بِالْبَاءِ الزَّائِدَةِ لِتَحْقِيقِ النَّفْيِ فَحَصُلَ فِي الْكَلَامِ تَقَوِيَتَانِ، وَجِيءَ بِالْحَالِ قَبْلَ الْخَبَرِ، أَوْ بِالْجُمْلَةِ الْمُعْتَرِضَةِ بَيْنَ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرِ، لِتَعْجِيلِ الْمَسَرَّةِ وَإِظْهَارِ أَنَّ اللَّهَ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ.
وَعُدِلَ عَنِ اسْتِحْضَارِ الْجَلَالَةِ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ إِلَى تَعْرِيفِهِ بِالْإِضَافَةِ وَبِوَصْفِهِ الرَّبَّ لِإِفَادَةِ
لُطْفِهِ تَعَالَى بِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ رَبُّهُ فَهُوَ يَرُبُّهُ وَيُدَبِّرُ نَفْعَهُ، وَلِتُفِيدَ الْإِضَافَةُ تَشْرِيفَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ.
(27/59)

أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ رَدٌّ عَلَى مَقَالَةِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُوَ كَاهِنٌ، وَعَلَى عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِذْ قَالَ: هُوَ مَجْنُونٌ، وَيَدُلُّ لِكَوْنِهِ رَدًّا عَلَى مَقَالَةٍ سَبَقَتْ أَنَّهُ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ [الطّور: 30] مَا سَيَكُونُ وَمَا خَفِيَ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ.
وَالْكَاهِنُ: الَّذِي يَنْتَحِلُ مَعْرِفَةَ مَا سَيَحْدُثُ مِنَ الْأُمُورِ وَمَا خَفِيَ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ وَيُخْبِرُ بِهِ بِكَلَامٍ ذِي أَسْجَاعٍ قَصِيرَةٍ. وَكَانَ أَصْلُ الْكَلِمَةِ مَوْضُوعَةً لِهَذَا الْمَعْنَى غَيْرَ مُشْتَقَّةٍ، وَنَظِيرُهَا فِي الْعِبْرِيَّةِ (الْكُوهِينُ) وَهُوَ حَافِظُ الشَّرِيعَةِ وَالْمُفْتِي بِهَا، وَهُوَ مِنْ بَنِي (لَاوِي) ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْكِهَانَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [210] .
وَقَدِ اكْتُفِيَ فِي إِبْطَالِ كَوْنِهِ كَاهِنًا أَوْ مَجْنُونًا بِمُجَرَّدِ النَّفْيِ دُونَ اسْتِدْلَالٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ التَّأَمُّلِ فِي حَالِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافٍ فِي تَحَقُّقِ انْتِفَاءِ ذَيْنَكَ الْوَصْفَيْنِ عَنْهُ فَلَا يَحْتَاجُ فِي إِبْطَالِ اتِّصَافِهِ بِهِمَا إِلَى أَكْثَرَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِنَفْيِهِمَا لِأَنَّ دَلِيله الْمُشَاهدَة.
[30]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 30]
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)
إِنْ كَانَتْ أَمْ مُجَرَّدَةً عَنْ عَمَلِ الْعَطْفِ فَالْجُمْلَةُ مستأنفة استئنافا ابتدائيا، وَإِلَّا فَهِيَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطّور: 29] .
وَعَنِ الْخَلِيلِ كُلُّ مَا فِي سُورَةِ الطُّورِ مِنْ (أَمْ) فَاسْتِفْهَامٌ وَلَيْسَ بِعَطْفٍ، يَعْنِي أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى الِاسْتِفْهَامِ لَا عَلَى عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ. وَهَذَا ضَابِطٌ ظَاهِرٌ. وَمُرَادُهُ: أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ مُقَدَّرٌ بَعْدَ (أَمْ) وَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ وَهِيَ لِلْإِضْرَابِ عَنْ مَقَالَتِهِمُ الْمَرْدُودَةِ بِقَوْلِهِ: فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطّور: 29] لِلِانْتِقَالِ إِلَى مَقَالَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُمْ:
«هُوَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ» . وَعُدِلَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِحَرْفِ (بَلْ) مَعَ أَنَّهُ أَشْهَرُ فِي الْإِضْرَابِ الِانْتِقَالِيِّ، لِقَصْدِ تَضَمُّنِ أَمْ لِلِاسْتِفْهَامِ. وَالْمَعْنَى: بَلْ أَيَقُولُونَ شَاعِرٌ إِلَخْ.
وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُقَرَّرُ إِنْكَارِيٌّ.
وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الِانْتِقَال أَن أَمْرِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدَّوَامِ عَلَى التَّذْكِيرِ يُشِيرُ إِلَى مَقَالَاتِهِمْ
(27/60)

الَّتِي يَرُدُّونَ بِهَا دَعْوَتَهُ فَلَمَّا أُشِيرُ إِلَى بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطّور: 29] انْتَقَلَ إِلَى إِبْطَالِ صِفَةٍ أُخْرَى يُثَلِّثُونَ بِهَا الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَهَا وَهِيَ صِفَةُ شَاعِرٌ.
رَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ قَائِلُونَ مِنَ النَّاسِ: تَرَبَّصُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَوْتَ يَكْفِيكُمُوهُ كَمَا كَفَاكُمْ شَاعِرَ بَنِي فُلَانٍ وَشَاعِرَ بَنِي فُلَانٍ، وَلَمْ يُعَيِّنُوا اسْمَ الشَّاعِرِ وَلَا أَنَّهُ كَانَ يَهْجُو كُفَّارَ قُرَيْشٍ.
وَعَنِ الضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ فَكَثُرَتْ آرَاؤُهُمْ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ: هُوَ شَاعِرٌ تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، فَسَيَهْلِكُ كَمَا هَلَكَ زُهَيْرٌ وَالنَّابِغَةُ وَالْأَعْشَى، فَافْتَرَقُوا عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَحَكَتْ مَقَالَتَهُمْ كَمَا قَالُوهَا، أَيْ فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ خُصُوصُ ارْتِبَاطٍ بَيْنَ دَعْوَى أَنَّهُ شَاعِرٌ، وَبَيْنَ تَرَبُّصِ الْمَوْتِ بِهِ لِأَنَّ رَيْبَ الْمَنُونِ يُصِيبُ الشَّاعِرَ وَالْكَاهِنَ وَالْمَجْنُونَ. وَجَاءَ يَقُولُونَ مُضَارِعًا لِلدِّلَالَةِ عَلَى تَجَدُّدِ ذَلِكَ الْقَوْلِ مِنْهُمْ. وَالتَّرَبُّصُ مُبَالَغَةٌ فِي: الرَّبْصِ، وَهُوَ الِانْتِظَارُ.
وَالرَّيْبُ هُنَا: الْحَدَثَانِ، وَفُسِّرَ بِصَرْفِ الدَّهْرِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَيْبٌ فِي الْقُرْآنِ شَكٌّ إِلَّا مَكَانًا وَاحِدًا فِي الطُّورِ رَيْبَ الْمَنُونِ.
وَالْبَاءُ فِي بِهِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِ، أَيْ بِسَبَبِهِ، أَيْ نَتَرَبَّصُ لِأَجْلِهِ فَتَكُونَ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةً بِ نَتَرَبَّصُ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُلَابَسَةِ وَتَتَعَلَّقُ بِ رَيْبَ الْمَنُونِ حَالا مِنْهُ مُقَدّمَة عَلَى صَاحِبِهَا، أَيْ حُلُولَ رَيْبِ الْمَنُونِ بِهِ.
وَالْمَنُونُ: مِنْ أَسْمَاءِ الْمَوْتِ وَمِنْ أَسْمَاءِ الدَّهْرِ، وَيُذَكَّرُ. وَقَدْ فُسِّرَ بِكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ، فَإِذَا فُسِّرَ بِالْمَوْتِ فَإِضَافَةُ رَيْبَ إِلَيْهِ بَيَانِيَّةٌ، أَيِ الْحَدَثَانِ الَّذِي هُوَ الْمَوْت وَإِذا فُسِّرَ الْمَنُونُ بِالدَّهْرِ فَالْإِضَافَةُ عَلَى أَصْلِهَا، أَيْ أَحْدَاثُ الدَّهْر من مِثْلُ مَوْتٍ أَوْ خُرُوجٍ مِنَ الْبَلَد أَو رُجُوع عَن دَعْوَتِهِ، فَرَيْبُ الْمَنُونِ جِنْسٌ وَقَدْ ذَكَرُوا فِي مَقَالَتِهِمْ قَوْلَهُمْ: فَسَيُهْلَكُ، فَاحْتُمِلَتْ أَنْ يَكُونُوا أَرَادُوهُ بَيَانَ رَيْبِ الْمَوْتِ أَوْ أَنْ أَرَادُوهُ مِثَالًا لِرَيْبِ الدَّهْرِ، وَكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ جَارٍ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهَا حَكَتْ مَقَالَتَهُمْ.
(27/61)

قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)
وَقَدْ وَرَدَ رَيْبَ الْمَنُونِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِالْمَعْنَيَيْنِ فَمِنْ وُرُودِهِ فِي مَعْنَى الْمَوْتِ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
أَمِنَ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ ... وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
وَمِنْ وُرُوده بِمَعْنى حدثنان الدَّهْرِ قَوْلُ الْأَعْشَى:
أَأَنْ رَأَتْ رَجُلًا أَعْشَى أَضَرَّ بِهِ ... رَيْبُ الْمنون ودهر متبل خَبِلُ
أَرَادَ أَضَرَّ بِذَاتِهِ حَدَثَانِ الدَّهْرِ، وَلَمْ يُرِدْ إِصَابَةَ الْمَوْتِ كَمَا أَرَادَ أَبُو ذُؤَيْبٍ.
وَلَمَّا كَانَ انْتِفَاءُ كَوْنِهِ شَاعِرًا أَمْرًا وَاضِحًا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ التَّأَمُّلِ لَمْ يَتَصَدَّ الْقُرْآنُ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِبْطَالِهِ وَإِنَّمَا اشْتَمَلَتْ مَقَالَتُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ يَتَرَبَّصُونَ أَنْ يَحُلَّ بِهِ مَا حَلَّ بِالشُّعَرَاءِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ جُمْلَةِ النَّاسِ.
فَأَمْرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيئَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبَهُمْ عَنْ مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ بِأَنْ يَقُولُ: تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطّور: 31] ، وَهُوَ جَوَابٌ مُنْصِفٌ لِأَنَّ تَرَبُّصَ حُلُولِ حَوَادِثِ الدَّهْر بِأحد الجانيين أَوْ حُلُولِ الْمَنِيَّةِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ لَا يَدْرِي أَحَدُنَا مَاذَا يحل بِالْآخرِ.
[31]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 31]
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)
وَرَدَتْ جُمْلَةُ قُلْ تَرَبَّصُوا مَفْصُولَةً بِدُونِ عَطْفٍ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي مَقَامِ الْمُحَاوَرَةِ لِسَبْقِهَا بِجُمْلَةِ يَقُولُونَ شاعِرٌ [الطّور: 30] إِلَخْ، فَإِنْ أُمِرَ أَحَدٌ بِأَنْ يَقُولَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ فَأُمِرَ بِقَوْلِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الْإِسْرَاء: 51] .
وَالْأَمْرُ فِي تَرَبَّصُوا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّسْوِيَةِ، أَيْ سَوَاء عِنْدِي تربصكم بِي وَعَدَمُهُ.
وَفَرَّعَ عَلَيْهِ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أَيْ فَإِنِّي مُتَرَبِّصٌ بِكُمْ مِثْلَ مَا تَتَرَبَّصُونَ بِي إِذْ لَا نَدْرِي أَيُّنَا يُصِيبُهُ رَيْبُ الْمَنُونِ قَبْلُ.
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ (إِنَّ) فِي قَوْلِهِ: فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ لِتَنْزِيلِ الْمُخَاطَبِينَ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّهُ يَتَرَبَّصُ بِهِمْ كَمَا يَتَرَبَّصُونَ بِهِ لِأَنَّهُمْ لِغُرُورِهِمُ اقْتَصَرُوا عَلَى أَنَّهُمْ يَتَرَبَّصُونَ بِهِ لِيَرَوْا هَلَاكَهُ، فَهَذَا مِنْ تَنْزِيلِ غَيْرِ الْمُنْكِرِ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ.
(27/62)

أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32)
وَالْمَعِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: مَعَكُمْ ظَاهِرُهَا أَنَّهَا لِلْمُشَارَكَةِ فِي وَصْفِ التَّرَبُّصِ.
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ مُقَدَّرًا مَعَهُ «بِكُمْ» لِمُقَابَلَةِ قَوْلِهِمْ: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطّور: 30] كَانَ فِي الْكَلَامِ تَوْجِيهٌ بِأَنَّهُ يَبْقَى مَعَهُمْ يَتَرَبَّصُ هَلَاكَهُمْ حِينَ تَبْدُو بَوَادِرُهُ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ وَقْعَةَ بَدْرٍ إِذْ أَصَابَهُمْ مِنَ الْحَدَثَانِ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ، فَتَكُونُ الْآيَةُ مُشِيرَةً إِلَى صَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ [52] قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ.
وَإِنَّمَا قَالَ هُنَا: مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَرَبَّصُ بِهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ فِي جُمْلَةِ الْمُتَرَبِّصِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ مَا فِي آيَةِ سُورَةِ بَرَاءَةَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ صِيغَ نَظْمُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَا يُنَاسِبُ الِانْتِقَالَ مِنْ غَرَضٍ إِلَى غَرَضٍ وَذَلِكَ بِمَا نُهِّيَ بِهِ مِنْ شِبْهِ التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ: قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ إِذْ تَمَّتْ بِهِ الفاصلة.
[32]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 32]
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (32)
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا.
إِضْرَابُ انْتِقَالٍ دَعَا إِلَيْهِ مَا فِي الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ الْمُقَدَّرِ بَعْدَ أَمْ من معنى التعجيب مِنْ حَالِهِمْ كَيْفَ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ الْقَوْلِ السَّابِقِ وَيَسْتَقِرُّ ذَلِكَ فِي إِدْرَاكِهِمْ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ عُقُولٍ لَا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ أَحْوَالُ النَّاسِ فَهُمْ لَا يَجْهَلُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِحَالِ الْكُهَّانِ وَلَا الْمَجَانِينَ وَلَا الشُّعَرَاءِ وَقَدْ أَبَى عَلَيْهِمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةٍ مَعْرُوفَةٍ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ يُدْعَوْنَ أَهْلَ الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى وَالْمَعْنَى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمُ الْمَزْعُومَةُ بِهَذَا الْقَوْلِ.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: بِهذا إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ الْقَوْلِ الْمُعَرَّضِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطّور: 29] ، وَالْمُصَرَّحِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطّور: 30] ، وَهَذَا كَمَا يَقُولُ مَنْ يَلُومُ عَاقِلًا عَلَى فِعْلٍ فَعَلَهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ
(27/63)

يَجْهَلَ مَا فِيهِ مِنْ فَسَادٍ: أَعَاقَلٌ أَنْتَ؟ أَوْ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ عَاقِلٌ بِنَفْسِهِ، وَمِنْهُ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ مِنْ قَوْلِهِمْ لَهُ: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: 87] .
وَالْحِلْمُ: الْعَقْلُ، قَالَ الرَّاغِبُ: الْمَانِعُ مِنْ هَيَجَانِ الْغَضَبِ. وَفِي «الْقَامُوسِ» هُوَ الْأَنَاةُ. وَفِي «مَعَارِجَ النُّورِ» : وَالْحِلْمُ مَلَكَةٌ غَرِيزِيَّةٌ تُورِثُ لِصَاحِبِهَا الْمُعَامَلَةَ بِلُطْفٍ وَلِينٍ لِمَنْ أَسَاءَ أَوْ أَزْعَجَ اعْتِدَالَ الطَّبِيعَةِ.
وَمَعْنَى إِنْكَارِ أَنْ تَأْمُرَهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَنَّ الْأَحْلَامَ الرَّاجِحَةَ لَا تَأْمُرُ بِمِثْلِهِ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ أَضَاعُوا أَحْلَامَهُمْ حِينَ قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَحْلَامَ لَا تَأْمُرُ بِمِثْلِهِ فَهُمْ كَمَنَ لَا أَحْلَامَ لَهُمْ وَهَذَا تَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّ الْكَافِرَ لَا عَقْلَ لَهُ (1) . قَالُوا وَإِنَّمَا لِلْكَافِرِ الذِّهْنُ وَالذِّهْنُ يَقْبَلُ الْعِلْمَ جُمْلَةً، وَالْعَقْلُ يُمَيِّزُ الْعِلْمَ وَيُقَدِّرُ الْمَقَادِيرَ لِحُدُودِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَالْأَمْرُ فِي تَأْمُرُهُمْ مُسْتَعَارٌ لِلْبَاعِثِ، أَيْ تَبْعَثُهُمْ أَحْلَامُهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ.
إِضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ أَيْضًا مُتَّصِلٌ بِالَّذِي قَبْلَهُ انْتَقَلَ بِهِ إِلَى اسْتِفْهَامٍ عَنِ اتِّصَافِهِمْ بِالطُّغْيَانِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُقَدَّرُ مُسْتَعْمَلٌ: إِمَّا فِي التَّشْكِيكِ لِيَكُونَ التَّشْكِيكُ بَاعِثًا عَلَى التَّأَمُّلِ فِي حَالِهِمْ فَيُؤْمِنُ بِأَنَّهُمْ طَاغُونَ، وَإِمَّا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّقْرِيرِ لِكُلِّ سَامِعٍ إِذْ يَجِدُهُمْ طَاغِينَ.
وَإِقْحَامُ كَلِمَةِ قَوْمٌ يُمَهِّدُ لِكَوْنِ الطُّغْيَانِ مِنْ مُقَوِّمَاتِ حَقِيقَةِ الْقَوْمِيَّةِ فِيهِمْ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [164] ، أَيْ تَأَصَّلَ فِيهِمُ الطُّغْيَانُ وَخَالَطَ نُفُوسَهُمْ فَدَفَعَهُمْ إِلَى أَمْثَالِ تِلْكَ الْأَقْوَال.
[33، 34]
_________
(1) رَوَاهُ الْقُرْطُبِيّ عَن الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ صَاحب «نَوَادِر الْأُصُول» .
(27/64)

أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34)
[سُورَة الطّور (52) : الْآيَات 33 إِلَى 34]
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (34)
انْتِقَالٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ [الطّور: 30] إِلَخْ. وَهَذَا حِكَايَةٌ لِإِنْكَارِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ وَحْيًا مِنَ اللَّهِ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ تَقَوَّلَهُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اللَّهِ، فَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارٌ لِقَوْلِهِمْ، وَهُمْ قَدْ أَكْثَرُوا من الطعْن وتمالؤوا عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ جِيءَ فِي حِكَايَتِهِ عَنْهُمْ بِصِيغَةِ يَقُولُونَ الْمُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ.
وَالتَّقَوُّلُ: نِسْبَةُ كَلَامٍ إِلَى أَحَدٍ لَمْ يَقُلْهُ، وَيَتَعَدَّى إِلَى الْكَلَامِ بِنَفْسِهِ وَيَتَعَدَّى إِلَى مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ بِحَرْفِ (عَلَى) ، قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: 44، 45] الْآيَةَ. وَضَمِيرُ النَّصْبِ فِي تَقَوَّلَهُ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْمَقَامِ.
وَابْتُدِئَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ لِتَعْجِيلِ تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَ الْإِدْلَاءِ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَلِيَكُونَ وُرُودُ الِاسْتِدْلَالِ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِهِ: لَا يُؤْمِنُونَ بِمَنْزِلَةِ دَلِيلٍ ثَانٍ. وَمَعْنَى لَا يُؤْمِنُونَ: أَنَّ دَلَائِلَ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَقَوُّلِ الْقُرْآنِ بَيِّنَةٌ لَدَيْهِمْ وَلَكِنَّ الزَّاعِمِينَ ذَلِكَ يَأْبَوْنَ الْإِيمَانَ فَهُمْ يُبَادِرُونَ إِلَى الطَّعْنِ دُونَ نَظَرٍ وَيُلْقُونَ الْمَعَاذِيرَ سَتْرًا لِمُكَابَرَتِهِمْ.
وَلَمَّا كَانَتْ مَقَالَتُهُمْ هَذِهِ طَعْنًا فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ الْمُعْجِزَةُ الْقَائِمَةُ عَلَى صِدْقِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ تَقَوَّلَ عَلَى اللَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ قَدْ تَرُوجُ عَلَى الدَّهْمَاءِ تَصَدَّى الْقُرْآنُ لِبَيَانِ إِبْطَالِهَا بِأَنْ تَحَدَّاهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ
كانُوا صادِقِينَ
أَيْ صَادِقِينَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقَوَّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، أَيْ فَعَجْزُهُمْ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ.
وَوَجْهُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُ الْعَرَبِ وَهُوَ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِمْ. فَالْمُسَاوَاةُ بَيْنَهَ وَبَيْنَهُمْ فِي الْمَقْدِرَةِ عَلَى نَظْمِ الْكَلَامِ ثَابِتَةٌ، فَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ قَدْ قَالَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ بَعْضُ خَاصَّةِ الْعَرَبِ الْبُلَغَاءِ قَادِرًا عَلَى تَأْلِيفِ مِثْلِهِ، فَلَمَّا تَحَدَّاهُمُ اللَّهُ بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ الْقُرْآنِ وَفِيهِمْ بُلَغَاؤُهُمْ وَشُعَرَاؤُهُمْ وَكَلِمَتُهُمْ وَكُلُّهُمْ وَاحِدٌ فِي الْكُفْرِ كَانَ عَجْزُهُمْ
(27/65)

عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ الْقُرْآنِ دَالًّا عَلَى عَجْزِ الْبَشَرِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِالْقُرْآنِ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ [13، 14] : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الْأَنْعَام: 33] .
وَالْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ: إِحْضَارُهُ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ. وَاخْتِيرَ هَذَا الْفِعْلُ دُونَ نَحْوِ: فَلْيَقُولُوا مِثْلَهُ وَنَحْوِهِ، لِقَصْدِ الْإِعْذَارِ لَهُمْ بِأَنْ يُقْتَنَعَ مِنْهُمْ بِجَلْبِ كَلَامٍ مِثْلِهِ وَلَوْ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [23] فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، هُمَا:
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ، أَو فَأتوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
وَالْحَدِيثُ: الْإِخْبَارُ بِالْحَوَادِثِ، وَأَصْلُ الْحَوَادِثِ أَنَّهَا الْوَاقِعَاتُ الْحَدِيثَةُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فَأُطْلِقَتْ عَلَى الْوَاقِعَاتِ، وَلَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً كَقَوْلِهِمْ: حَوَادِثُ سَنَةِ كَذَا، وَتَبِعَ ذَلِكَ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى الْخَبَرِ مُطْلَقًا، وَتُوسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى الْكَلَامِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِخْبَارًا، وَمِنْهُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى كَلَامِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ هُنَا قَدْ أُطْلِقَ عَلَى الْكَلَامِ مَجَازًا بِعَلَاقَةِ الْإِطْلَاقِ، أَيْ فَلْيَأْتُوا بِكَلَامٍ مِثْلِهِ، أَيْ فِي غَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ لَا خُصُوصَ الْأَخْبَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ هُنَا أُطْلِقَ عَلَى الْأَخْبَارِ، أَيْ فَلْيَأْتُوا بِأَخْبَارٍ مِثْلِ قَصَصِ الْقُرْآنِ فَيَكُونَ اسْتِنْزَالًا لَهُمْ فَإِنَّ التَّكَلُّمَ بِالْأَخْبَارِ أَسْهَلُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ مِنِ ابْتِكَارِ الْأَغْرَاضِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ الْقُرْآنَ «أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ» ، أَيْ أَخْبَارٌ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِينَ فَقِيلَ لَهُمْ: فَلْيَأْتُوا بِأَخْبَارٍ مِثْلِ أَخْبَارِهِ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمَعَارِفِ وَالشَّرَائِعِ وَالدَّلَائِلِ لَا قِبَلَ لِعُقُولِهِمْ بِهِ، وَقُصَارَاهُمْ أَنْ يَفْهَمُوا ذَلِكَ إِذَا سَمِعُوهُ.
وَمَعْنَى الْمِثْلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: مِثْلِهِ الْمِثْلِيَّةُ فِي فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَهِيَ خُصُوصِيَّاتٌ
يُدْرِكُونَهَا إِذَا سَمِعُوهَا وَلَا تُحِيطُ قَرَائِحُهُمْ بِإِيدَاعِهَا فِي كَلَامِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَا أُصُولَ الْإِعْجَازِ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ.
(27/66)

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36)
وَلَامُ الْأَمْرِ فِي فَلْيَأْتُوا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي أَمْرِ التَّعْجِيزِ كَقَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ قَول إِبْرَاهِيم فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ [الْبَقَرَة: 258] .
وَقَوْلُهُ: إِنْ كانُوا صادِقِينَ أَيْ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ تَقَوَّلَهُ، أَيْ فَإِنَّ لَمْ يَأْتُوا بِكَلَامٍ مِثْلِهِ فَهُمْ كَاذِبُونَ. وَهَذَا إِلْهَابٌ لِعَزِيمَتِهِمْ لِيَأْتُوا بِكَلَامٍ مِثْلِ الْقُرْآنِ لِيَكُونَ عَدَمُ إِتْيَانِهِمْ بِمِثْلِهِ حُجَّةً عَلَى كَذِبِهِمْ وَقَدْ أَشْعَرَ نَظْمُ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ الْوَاقِعِ مَوْقِعًا شَبِيهًا بِالتَّذْيِيلِ وَالْمَخْتُومِ بِكَلِمَةِ الْفَاصِلَةِ، أَنَّهُ نِهَايَةُ غَرَضٍ وَأَنَّ مَا بَعْدَهُ شُرُوعٌ فِي غَرَضٍ آخَرَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظْمِ قَوْلِهِ: قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطّور:
31] .
[35، 36]

[سُورَة الطّور (52) : الْآيَات 35 إِلَى 36]
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36)
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ.
إِضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ إِلَى إِبْطَالِ ضَرْبٍ آخَرَ مِنْ شُبْهَتِهِمْ فِي إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ، وَقَدْ عَلِمْتَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ أَنَّ مِنْ أَغْرَاضِهَا إِثْبَاتُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى أَنَّ مَا جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ وَصْفِ يَوْمِ الْجَزَاءِ وَحَالِ أَهْلِهِ قَدِ اقْتَضَتْهُ مُنَاسَبَاتٌ نَشَأَتْ عَنْهَا تِلْكَ التَّفَاصِيلُ، فَإِذْ وُفِّيَ حَقُّ مَا اقتضته تِلْكَ المناسبات ثُنِّيَ عِنَانُ الْكَلَامِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَإِبْطَالِ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي تَعَلَّلُوا بِهَا مِنْ نَحْو قَوْلهم: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الْإِسْرَاء: 49] .
فَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ الْآيَاتِ أَدِلَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ أَعْظَمُ مِنْ إِعَادَةِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ. وَهَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ آنِفًا إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ [الطّور: 7] لِأَنَّ شُبْهَتَهُمُ الْمَقْصُودَ رَدُّهَا بِقَوْلِهِ: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ هِيَ قَوْلهم: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الْإِسْرَاء: 49] ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
فَحَرْفُ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلِابْتِدَاءِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ الْمُقَدَّرِ بَعْدَ (أَمْ) تَقْرِيرِيًّا. وَالْمَعْنَى: أَيُقِرُّونَ أَنَّهُمْ خُلِقُوا بَعْدَ أَنْ كَانُوا عَدَمًا فَكُلَّمَا خُلِقُوا مِنْ عَدَمٍ فِي نشأتهم الأولى ينشأون مِنْ عَدَمٍ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ إِثْبَاتٌ لِإِمْكَانِ
الْبَعْثِ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ [الطارق: 5- 8]
(27/67)

وَقَوْلِهِ: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الْأَنْبِيَاء: 104] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَمَعْنَى شَيْءٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: الْمَوْجُودُ فَغَيْرُ شَيْءٍ: الْمَعْدُومُ، وَالْمَعْنَى: أَخُلِقُوا مِنْ عَدَمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) لِلتَّعْلِيلِ فَيَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ الْمُقَدَّرُ بَعْدَ (أَمْ) إِنْكَارِيًّا، وَيَكُونَ اسْمُ شَيْءٍ صَادِقًا عَلَى مَا يَصْلُحُ لِمَعْنَى التَّعْلِيلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ حَرْفِ (مِنَ) التَّعْلِيلِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: إِنْكَارُ أَنْ يَكُونَ خَلْقَهُمْ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، وَهَذَا إِثْبَاتٌ أَنَّ الْبَعْثَ وَاقِعٌ لِأَجْلِ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ، بِأَنَّ الْجَزَاءَ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ الَّتِي لَا يَخْلُو عَنْهَا فِعْلُ أَحْكَمِ الْحُكَمَاءِ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لَا تُرْجَعُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 115] وَقَوْلِهِ: مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ [الْحجر:
85] .
وَلِحَرْفِ (مِنْ) فِي هَذَا الْكَلَامِ الْوَقْعُ الْبَدِيعُ إِذْ كَانَتْ عَلَى احْتِمَالِ مَعْنَيَيْهَا دَلِيلًا عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَعَلَى وُقُوعِهِ وَعَلَى وُجُوبِ وُقُوعِهِ وُجُوبًا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ الْعُلْيَا. وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنْ صَوْغِ الْكَلَامِ بِالصِّيغَةِ الْغَالِبَةِ فِي الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ، أَعْنِي صِيغَةَ النَّفْيِ بِأَنْ يُقَالَ: أَمَا خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَالْعُدُولُ عَنْ تَعْيِينِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ غَيْرِ إِلَى الْإِتْيَانِ بِلَفْظٍ مُبْهَمٍ وَهُوَ لَفْظُ شَيْءٍ، رُوعِيَ فِيهِ الصَّلَاحِيَّةُ لِاحْتِمَالِ الْمَعْنَيَيْنِ وَذَلِكَ مِنْ مُنْتَهى البلاغة.
وَإِذ كَانَ فَرْضُ أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَاضِحَ الْبُطْلَانِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْتِدْلَالٍ عَلَى إِبْطَالِهِ بِقَوْلِهِ:
أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.
وَهُوَ إِضْرَابُ انْتِقَالٍ أَيْضًا، وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُقَدَّرُ بَعْدَ أَمْ إِنْكَارِيٌّ، أَيْ مَا هُمُ الْخَالِقُونَ وَإِذْ كَانُوا لَمْ يَدَّعُوا ذَلِكَ فَالْإِنْكَارُ مُرَتَّبٌ عَلَى تَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ خَالِقُونَ.
وَصِيغَتِ الْجُمْلَةُ فِي صِيغَةِ الْحَصْرِ الَّذِي طَرِيقُهُ تَعْرِيفُ الْجُزْأَيْنِ قَصْرًا إِضَافِيًّا لِلرَّدِ عَلَيْهِمْ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُمُ الْخَالِقُونَ لَا اللَّهَ، لِأَنَّهُمْ عَدُّوا مِنَ
(27/68)

الْمُحَالِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، فَجَعَلُوهُ خَارِجًا عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ، فَالتَّقْدِيرُ: أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ لَا نَحْنُ. وَالْمَعْنَى:
نَحْنُ الْخَالِقُونَ لَا هُمْ.
وَحُذِفَ مَفْعُولُ الْخالِقُونَ لِقَصْدِ الْعُمُومِ، أَيِ الْخَالِقُونَ لِلْمَخْلُوقَاتِ وَعَلَى هَذَا جَرَى الطَّبَرِيُّ وَقَدَّرَهُ الْمُفَسِّرُونَ عَدَا الطَّبَرِيِّ: أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَنْفُسَهُمْ كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا ضَمِيرَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ اسْمُ مَعَادِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ وَلَا افْتِرَاءَ فِي انْتِفَاءِ أَنْ يَكُونُوا خَالِقِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُتَصَدَّ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى هَذَا الِانْتِفَاءِ.
وَجُمْلَةُ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ جُمْلَةِ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِنْ مُجْمَلٍ إِنْ كَانَ مَفْعُولُ الْخالِقُونَ الْمَحْذُوفُ مُرَادًا بِهِ الْعُمُومُ وَكَانَ الْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ذَاتَيْهِمَا مَعَ مَنْ فِيهِمَا، أَوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ أَنَّ الْمُرَادُ ذَاتَيِ السَّمَاوَات وَالْأَرْضِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِالذِّكْرِ لِعِظَمِ خَلْقِهِمَا.
وَإِعَادَةُ حَرْفِ أَمْ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا يُعَادُ عَامِلُ الْمُبَدَلِ مِنْهُ فِي الْبَدَلِ، وَالْمَعْنَى: أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ وَالْكَلَامُ كِنَايَةٌ عَنْ إِثْبَاتِ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَا يُعْجِزُهُ إِعَادَةَ الْأَجْسَادِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [الْإِسْرَاء: 99] أَيْ أَنْ يَخْلُقَ أَمْثَالَ أَجْسَادِهِمْ بَعْدَ انْعِدَامِهِمْ.
بَلْ لَا يُوقِنُونَ.
إِضْرَابُ إِبْطَالٍ عَلَى مَضْمُونِ الْجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُ، أَيْ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَلَا خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَيِّنٌ لَهُمْ فَمَا إِنْكَارُهُمُ الْبَعْث إِلَّا ناشىء عَنْ عَدَمِ إِيقَانِهِمْ فِي مَظَانِّ الْإِيقَانِ وَهِيَ الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَأَنَّهُ لَيْسَ
(27/69)

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37)
أَغْرَبَ مِنْ إِيجَادِ الْمَخْلُوقَاتِ الْعَظِيمَةِ، فَمَا كَانَ إِنْكَارُهُمْ إِيَّاهُ إِلَّا عَنْ مُكَابَرَةٍ وتصميم على الْكفْر.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْأَمْرَ لَا هَذَا وَلَا ذَلِك وَلَكِنَّهُمْ لَا يُوقِنُونَ بِالْبَعْثِ فَهُمْ يُنْكِرُونَهُ بِدُونِ حُجَّةٍ وَلَا شُبْهَةٍ بَلْ رَانَتِ الْمُكَابَرَةُ على قُلُوبهم.
[37]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 37]
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37)
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ.
انْتِقَال بِالْعودِ إِلَى رَدِّ جُحُودِهِمْ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الْإِخْبَارِ فِيهِ إِلَى مُخَاطَبَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ الْأَصْلُ الَّذِي رَكَّزُوا عَلَيْهِ جُحُودَهُمْ تَوَهُّمَ أَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا
مِنَ الْبَشَرِ لَكَانَ الْأَحَقُّ بِالرِّسَالَةِ رَجُلًا عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ قَوْمِهِمْ كَمَا حَكَى الله عَنْهُم:
أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص: 8] وَقَالَ تَعَالَى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] يَعَنُونُ قَرْيَةَ مَكَّةَ وَقَرْيَةَ الطَّائِفِ.
وَالْمَعْنَى: إِبْطَالُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ تصرف فِي شؤون الرُّبُوبِيَّةِ فَيَجْعَلُوا الْأُمُورَ عَلَى مَشِيئَتِهِمْ كَالْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ وَالْمُدَبِّرِ فِيمَا وُكِّلَ عَلَيْهِ، فَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ بِتَنْزِيلِهِمْ فِي إِبْطَالِ النُّبُوءَةِ عَمَّنْ لَا يَرْضَوْنَهُ مَنْزِلَةَ مَنْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ اللَّهِ يَخْلَعُونَ الْخِلَعَ مِنْهَا على من يشاؤون وَيمْنَعُونَ من يشاؤون.
وَالْخَزَائِنُ: جَمْعُ خَزِينَةٍ وَهِيَ الْبَيْتُ، أَوِ الصُّنْدُوقُ الَّذِي تُخَزَّنُ فِيهِ الْأَقْوَاتُ، أَوِ الْمَالُ وَمَا هُوَ نَفِيسٌ عِنْدَ خَازِنِهِ، وَتَقَدَّمُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ [يُوسُف: 55] . وَهِيَ هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِمَا فِي عِلْمِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ مِنْ إِعْطَاءِ الْغَيْر للمخلوقات، وَمِنْه اصْطِفَاءُ مَنْ هَيَّأَهُ مِنَ النَّاسِ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ عَنْهُ إِلَى الْبَشَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [50] قَوْلُهُ: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته [الْأَنْعَام: 124] . وَقَالَ: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الْقَصَص: 68] .
وَقَدْ سُلِكَ مَعَهُمْ هُنَا مَسْلَكَ الْإِيجَازِ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِإِحَالَتِهِمْ عَلَى مُجْمَلٍ أَجْمَلَهُ قَوْلُهُ:
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ، لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ غَضَبٍ عَلَيْهِمْ لِجُرْأَتِهِمْ عَلَى
(27/70)

الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْيِ الرِّسَالَةِ عَنْهُ بِوَقَاحَةٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَاهِنٌ، وَمَجْنُونٌ، وَشَاعِرٌ إِلَخْ بِخِلَافِ آيَةِ الْأَنْعَامِ فَإِنَّهَا رَدَّتْ عَلَيْهِمْ تَعْرِيضَهُمْ أَنْفُسَهُمْ لِنَوَالِ الرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى هُنَا: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ هُوَ كَقَوْلِهِ فِي سُورَة ص [8، 9] أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ [32] أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ.
وَكَلِمَةُ «عِنْدَ» تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي مَعْنَى الْمِلْكِ وَالِاخْتِصَاصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الْأَنْعَام: 59] ، فَالْمَعْنَى: أَيَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَبِّكَ، أَيِ الْخَزَائِنُ الَّتِي يَمْلِكُهَا رَبُّكَ كَمَا اقْتَضَتْهُ إِضَافَةُ خَزائِنُ إِلَى رَبِّكَ عَلَى نَحْوِ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى [النَّجْم:
35] . وَقَدْ عُبِّرَ عَنْ هَذَا بِاللَّفْظِ الْحَقِيقِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ [الْإِسْرَاء: 100] .
أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) .
إِنْكَارٌ لِأَنْ يَكُونَ لَهُمْ تَصَرُّفٌ فِي عَطَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ دُونَ تَصَرُّفِ الْمَالِكِ مِثْلُ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ وَالْخَازِنِ وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُصَيْطِرُونَ.
وَالْمُصَيْطِرُ: يُقَالُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ فِي أَوَّلِهِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ صَيْطَرَ بِالصَّادِ وَالسِّينِ، إِذَا حَفِظَ وَتَسَلَّطَ، وَهُوَ فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنْ سَيْطَرَ إِذَا قَطَعَ، وَمِنْهُ الساطور، وَهُوَ حَدِيدَة يقطع بهَا اللَّحْمُ وَالْعَظْمُ. وَصِيغَ مِنْهُ وزن فيعل لِلْإِلْحَاقِ بِالرُّبَاعِيِّ كَقَوْلِهِمْ: بَيْقَرَ، بِمَعْنَى هَلَكَ أَوْ تَحَضَّرَ، وَبَيْطَرَ بِمَعْنَى شَقَّ، وَهَيْمَنَ، وَلَا خَامِسَ لَهَا فِي الْأَفْعَالِ. وَإِبْدَالُ السِّينِ صَادًا لُغَةٌ فِيهِ مِثْلُ الصِّرَاطِ وَالسِّرَاطَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ الْمُصَيْطِرُونَ بِصَادٍ. وَقَرَأَهُ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَهِشَامٌ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ، وَحَفْص فِي رِوَايَة بِالسِّينِ فِي أَوَّلِهِ.
وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: 32] ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ
(27/71)

أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38)
الِاسْتِدْلَالُ لِهَذَا النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ لِأَنَّ وُضُوحَهُ كَنَارٍ عَلَى عَلَمٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ وَكَانَتْ سَبَب إِسْلَامه.
[38]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 38]
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (38)
لَمَّا نَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ تَصَرُّفٌ قَوِيٌّ أَوْ ضَعِيفٌ فِي مَوَاهِبِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَعْقَبَهُ بِنَفْيِ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اطِّلَاعٌ عَلَى مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ اطِّلَاعًا يُخَوِّلُهُمْ إِنْكَارَ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا أَوْ يُوحِيَ إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِإِبْطَالِ قَوْلهم: تَقَوَّلَهُ [الطّور: 33] . وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهِمْ: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطّور: 30] الْمُقْتَضِي أَنَّهُمْ وَاثِقُونَ بِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ هَلَاكَهُ. وَحُذِفَ مَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ لِيَعُمَّ كَلَامًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْمَعَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَغِيبَةِ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَغَيْرِهِ الْوَاقِعِ وَغَيْرِهِ.
وَسَلَكَ فِي نَفْيِ عِلْمِهِمْ بِالْغَيْبِ طَرِيقَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ بِإِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ سُلَّمٌ يَرْتَقُونَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ لِيَسْتَمِعُوا مَا يَجْرِي فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ مِنْ أَمْرٍ تَتَلَقَّاهُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ أَهْلُ الْمَلَإِ الْأَعْلَى بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فَيَسْتَرِقُوا بَعْضَ الْعِلْمِ مِمَّا هُوَ مَحْجُوبٌ عَنِ النَّاسِ إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا سُلَّمَ يَصِلُ أَهْلَ الْأَرْضِ بِالسَّمَاءِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَيَعْلَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ.
وَعُلِمَ مِنِ اسْمِ السُّلَّمِ أَنَّهُ آلَةُ الصُّعُودِ، وَعُلِمَ مِنْ ذِكْرِ السَّمَاوَاتِ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا أَنَّ الْمُرَادَ سُلَّمٌ يَصْعَدُونَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أَيْ يَرْتَقُونَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَيَسْتَمِعُونَ وَهُمْ فِيهِ، أَيْ فِي دَرَجَاتِهِ الْكَلَامَ الَّذِي يَجْرِي فِي السَّمَاءِ. وفِيهِ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَسْتَمِعُونَ، أَيْ وَهُمْ كَائِنُونَ فِيهِ لَا يُفَارِقُونَهُ إِذْ لَا يُفْرَضُ أَنَّهُمْ يَنْزِلُونَ مِنْهُ إِلَى سَاحَاتِ السَّمَاءِ.
وَإِسْنَادُ الِاسْتِمَاعِ إِلَى ضَمِيرِ جَمَاعَتِهِمْ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ سَفِيرٌ عَنْهُمْ عَلَى عَادَةِ اسْتِعْمَالِ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ مِنْ إِسْنَادِ فِعْلِ بَعْضِ الْقَبِيلَةِ إِلَى جَمِيعِهَا إِذَا لَمْ تَصُدُّهُ عَنْ عَمَلِهِ فِي قَوْلِهِمْ: قَتَلَتْ بَنُو أَسَدٍ حَجَرًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ هَذَا
(27/72)

فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ، أَيْ مَنَ اسْتَمَعَ مِنْهُمْ لِأَجْلِهِمْ، أَيْ أَرْسَلُوهُ لِلسَّمْعِ. وَمِثْلُ هَذَا الْإِسْنَادِ شَائِعٌ فِي الْقُرْآنِ وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْآيَاتِ فِي سُورَة الْبَقَرَة [49] .
و (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ وَهِيَ ظَرْفِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ حَتَّى سَاوَتِ الْحَقِيقَةَ لِأَنَّ الرَّاقِيَ فِي السُّلَّمِ يَكُونُ كُلُّهُ عَلَيْهِ، فَالسُّلَّمِ لَهُ كَالظَّرْفِ لِلْمَظْرُوفِ، وَإِذْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِعْلَاءٌ ثُمَّ شَاعَ فِي الْكَلَامِ فَقَالُوا: صَعِدَ فِي السُّلَّمِ، وَلَمْ يَقُولُوا: صَعِدَ عَلَى السُّلَّمِ وَلِذَلِكَ اعْتُبِرَتْ ظَرْفِيَّةً حَقِيقِيَّةً، أَيْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً بِخِلَافِ الظَّرْفِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: 71] لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ أَنْ يُقَالَ: صَلَبَهُ فِي جِذْعٍ، بَلْ يُقَالُ: صَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، فَلِذَلِكَ كَانَتِ اسْتِعَارَةً، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الظَّرْفِيَّةَ مَجَازِيَّةٌ وَقَوْلِ مَنْ زَعَمَهَا حَقِيقَةً.
وَالْفَاءُ فِي فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ لِتَفْرِيعِ هَذَا الْأَمْرِ التَّعْجِيزِيِّ عَلَى النَّفْيِ الْمُسْتَفَادِ مِنِ اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ. فَالْمَعْنَى: فَمَا يَأْتِي مُسْتَمِعٌ مِنْهُمْ بِحُجَّةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُمْ. فَلَامُ الْأَمْرِ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِرَادَةِ التَّعْجِيزِ بِقَرِينَةِ انْتِفَاءِ أَصِلِ الِاسْتِمَاعِ بِطَرِيقِ اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ.
وَالسُّلْطَانُ: الْحُجَّةُ، أَيْ حُجَّةٌ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي نَفْيِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ فِي كَوْنِهِ عَلَى وَشْكِ الْهَلَاكِ.
وَالْمُرَادُ بِالسُّلْطَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى اطِّلَاعِهِمْ عَلَى الْغَيْبِ مِنْ أَمَارَاتٍ كَأَنْ يَقُولُوا: آيَةُ صِدْقِنَا فِيمَا نَدَّعِيهِ وَسَمِعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْمَلَإِ الْأَعْلَى، أَنَّنَا سَمِعْنَا أَنَّهُ يَقَعُ غَدًا حَادِثُ كَذَا وَكَذَا مَثَلًا، مِمَّا لَا قِبَلَ لِلنَّاسِ بِعِلْمِهِ، فَيَقَعُ كَمَا قَالُوا وَيُتَوَسَّمُ مِنْهُ صِدْقُهُمْ فِيمَا عَدَاهُ. وَهَذَا مَعْنَى وصف السُّلْطَان بالمبين، أَيِ الْمُظْهِرُ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى.
وَهَذَا تَحَدٍّ لَهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَلِذَلِكَ اكْتَفَى بِأَنْ يَأْتِيَ بَعْضُهُمْ بِحُجَّةٍ دُونَ تَكْلِيفِ جَمِيعِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [الْبَقَرَة: 23] أَيْ فَلْيَأْتِ مَنْ يَتَعَهَّدُ مِنْهُمْ بِالِاسْتِمَاعِ بِحُجَّةٍ. وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلْكَلَامِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطّور: 31] وَقَوْلِهِ: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [الطّور: 34] .
(27/73)

أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39)
[سُورَة الطّور (52) : آيَة 39]
أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39)
لَمَّا جَرَى نَفْيُ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ مُطَالَعَةُ الْغَيْبِ مِنَ الْمَلَإِ الْأَعْلَى إِبْطَالًا لمقالاتهم فِي شؤون الرُّبُوبِيَّةِ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِإِبْطَالِ نِسْبَتِهِمْ لِلَّهِ بَنَاتٍ اسْتِقْصَاءً لِإِبْطَالِ أَوْهَامِهِمْ فِي الْمُغَيَّبَاتِ مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، فَهَذِهِ الْجُمْلَة معترض بَيْنَ جُمْلَةِ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ [الطّور: 38] وَجُمْلَة أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً [الطّور: 40] ، وَيُقَدَّرُ الِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارًا لِأَنْ يَكُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتُ.
وَدَلِيل الْإِنْكَار فِي نفس الْأَمْرِ اسْتِحَالَةُ الْوَلَدِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عُقُولُ أَكْثَرِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا الرَّدِّ غَيْرَ مُسْتَعِدَّةٍ لِإِدْرَاكِ دَلِيلِ الِاسْتِحَالَةِ، وَكَانَ اعْتِقَادُهُمُ الْبَنَاتِ لِلَّهِ مُنْكَرًا، تُصُدِّيَ لِدَلِيلِ الْإِبْطَالِ وَسُلِكَ فِي إِبْطَالِهِ دَلِيلٌ إِقْنَاعِيٌّ يَتَفَطَّنُونَ بِهِ إِلَى خَطَلِ رَأْيِهِمْ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَكُمُ الْبَنُونَ.
فَجُمْلَةُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْغَائِبِ، أَيْ كَيْفَ يَكُونُ لِلَّهِ الْبَنَاتُ فِي حَالِ أَنَّ لَكُمْ بَنِينَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ صِنْفَ الذُّكُورِ أَشْرَفُ مِنْ صِنْفِ الْإِنَاثِ عَلَى الْجُمْلَةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى [النَّجْم:
21، 22] . فَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي تَشْنِيعِ قَوْلِهِمْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَوْ نَسَبُوا لِلَّهِ الْبَنِينَ لَكَانَ قَوْلُهُمْ مَقْبُولًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَلَا طَائِلَ تَحْتَ إِبْطَالِهِ.
وَتَغَيِيرِ أُسْلُوبِ الْغَيْبَةِ الْمُتَّبَعِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ [الطّور: 30] إِلَى أُسْلُوبِ الْخِطَابِ الْتِفَاتُ مُكَافِحَةٍ لَهُمْ بِالرَّدِ بِجُمْلَةِ الْحَالِ.
وَتَقْدِيمُ لَكُمُ عَلَى الْبَنُونَ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، أَيْ لَكُمُ الْبَنُونَ دُونَهُ فَهُمْ لَهُمْ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْبَنَاتُ.
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى الْمُبْتَدَإِ فِي قَوْلِهِ: أَمْ لَهُ الْبَناتُ فَلِلِاهْتِمَامِ بِاسْمِ الْجَلَالَةِ وَقَدْ أُنْهِيَ الْكَلَامُ بِالْفَاصِلَةِ لِأَنَّهُ غَرَضٌ مُسْتَقِلٌّ
(27/74)

أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40)
[40]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 40]
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40)
هَذَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ [الطّور: 33] وَقَوْلِهِ: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ [الطّور: 37] إِذْ كُلُّ ذَلِكَ إِبْطَالٌ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي تَحْمِلُهُمْ عَلَى زعم انْتِفَاء النبوءة عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعْدَ أَنْ أَبْطَلَ وَسَائِلَ اكْتِسَابِ الْعِلْمِ بِمَا زَعَمُوهُ عَادَ إِلَى إِبْطَالِ الدَّوَاعِي الَّتِي تَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى أُسْلُوبِ الْكَلَامِ الَّذِي اتَّصَلَ هُوَ بِهِ، وَهُوَ أُسْلُوبُ خِطَابِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هُنَا: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً وَقَالَ هُنَالِكَ: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ [الطّور: 37] .
وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُقَدَّرُ بَعْدَ أَمْ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّهَكُّمِ بِهِمْ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَتَوَجَّسُ خِيفَةً مِنْ أَنْ يَسْأَلَهُمُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْرًا عَلَى إِرْشَادِهِمْ.
وَالتَّهَكُّمُ اسْتِعَارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّشْبِيهِ، وَالْمَقْصُودُ، مَا فِي التَّهَكُّمِ مِنْ مَعْنَى أَنَّ مَا نَشَأَ عَنْهُ التَّهَكُّمُ أَمْرٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْطُرَ بِالْبَالِ.
وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: تَسْأَلُهُمْ لِإِفَادَةِ التَّجَدُّدِ، أَيْ تَسْأَلُهُمْ سُؤَالًا مُتَكَرِّرًا لِأَنَّ الدَّعْوَةَ مُتَكَرِّرَةٌ، وَقَدْ شُبِّهَتْ بِسُؤَالِ سَائِلٍ.
وَتَفْرِيعُ فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ الْمُلَازِمَةِ بَيْنَ سُؤَالِ الْأَجْرِ وَبَيْنَ تَجَهُّمِ مَنْ يَسْأَلُ وَالتَّحَرُّجِ مِنْهُ. وَقَدْ فَرَّعَ قَوْلَهُ: فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ عَلَى الْفِعْلِ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ لَا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، أَيْ مَا سَأَلْتَهُمْ أَجْرًا فَيَثْقُلَ غُرْمُهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، وَالْإِثْقَالِ يَتَفَرَّعُ عَلَى سُؤَالِ الْأَجْرِ الْمَفْرُوضِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ السُّؤَال محرج للمسؤول لِأَنَّهُ بَيْنَ الْإِعْطَاءِ فَهُوَ ثَقِيلٌ وَبَيْنَ الرَّدِّ وَهُوَ صَعْبٌ.
وَالْمَغْرَمُ بُفَتْحِ الْمِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وَهُوَ الْغُرْمُ. وَهُوَ مَا يُفْرَضُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ عِوَضٍ يَدْفَعُهُ.
وَالْمُثْقَلُ: أَصْلُهُ الْمُحَمَّلُ بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِمَنْ يُطَالَبُ بِمَا يَعْسُرُ
(27/75)

أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)
عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ، شَبَّهَ طَلَبَهُ أَدَاءَ مَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ بِحِمْلِ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ عَلَى مَنْ لَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ حَمْلُهُ.
ومِنْ لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ مُثْقَلُونَ مِنْ أَجْلِ مُغْرَمٍ حُمِلَ عَلَيْهِمْ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ مَا كَلَّفْتَهُمْ شَيْئًا يُعْطُونَهُ إِيَّاكَ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْكَ تَخَلُّصًا مِنْ أَدَاءِ مَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ، أَيِ انْتَفَى عُذْرُ إِعْرَاضِهِمْ عَن دعوتك.
[41]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 41]
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)
هَذَا نَظِيرُ الْإِضْرَابِ وَالِاسْتِفْهَامِ فِي قَوْلِهِ: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ [الطّور: 37] ، أَيْ بَلْ أَعِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ مَا يَجِدُونَهُ فِيهِ وَيَرْوُونَهُ لِلنَّاسِ؟! أَيْ مَا عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ حَتَّى يَكْتُبُوهُ، فَبَعْدَ أَنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ إِنْكَارَهُمُ الْإِسْلَامَ بِأَنَّهُمْ كَالَّذِينَ سَأَلَهُمُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْرًا عَلَى تَبْلِيغِهَا أَعْقَبَهُ بِرَدٍّ آخَرَ بِأَنَّهُمْ كَالَّذِينَ اطَّلَعُوا عَلَى أَنَّ عِنْدَ اللَّهِ مَا يُخَالِفُ مَا ادَّعَى الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْلَاغَهُ عَنِ اللَّهِ فَهُمْ يَكْتُبُونَ مَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ مُخَالِفًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا قَالُوا: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطّور: 30] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أَيْ حَتَّى عَلِمُوا مَتَى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ، أَوْ إِلَى مَا يؤول إِلَيْهِ أَمْرُهُ فَجَعَلَهُ رَاجِعًا إِلَى قَوْلِهِ: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطّور: 30] . وَالْوَجْهُ مَا سَمِعْتَهُ آنِفًا.
وَالْغَيْبُ هُنَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، أَيْ مَا غَابَ عَنْ عِلْمِ النَّاسِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْغَيْبُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ وَكَلِمَةٌ (عِنْدَ) تُؤْذِنُ بِمَعْنَى الِاخْتِصَاصِ وَالِاسْتِئْثَارِ، أَيِ اسْتَأْثَرُوا بِمَعْرِفَةِ الْغَيْبِ فَعَلِمُوا مَا لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُمْ.
وَالْكِتَابَةُ فِي قَوْلِهِ: فَهُمْ يَكْتُبُونَ يَجُوزُ أَنَّهَا مُسْتَعَارَةٌ لِلْجَزْمِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّخَلُّفَ كَقَوْلِهِ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الْأَنْعَام: 54] لِأَنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُرَادُ تَحْقِيقُهُ وَالدَّوَامُ عَلَيْهِ أَنْ يُكْتَبَ وَيُسَجَّلَ، كَمَا قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
وَهَلْ يَنْقُضُ مَا فِي الْمَهَارِقِ الْأَهْوَاءُ
(27/76)

أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42)
فَيَكُونُ الْخَبَرُ فِي قَوْلِهِ: فَهُمْ يَكْتُبُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَاهُ مِنْ إِفَادَةِ النِّسْبَةِ الْخَبَرِيَّةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا، أَيْ فَهُمْ يُسَجِّلُونَ مَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْغَيْبِ لِيَبْقَى مَعْلُومًا لِمَنْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ وَيَكُونَ الْخَبَرُ مِنْ قَوْلِهِ: فَهُمْ يَكْتُبُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرُ تَبَعًا لِفَرْضِ قَوْلِهِ: عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ، وَيَكُونَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى [النَّجْم: 35] وَقَوْلِهِ: وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ [مَرْيَم:
77، 78] .
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِإِنْكَارِ مَا جَحَدُوهُ وَلَا بِإِثْبَاتِ مَا أثبتوه.
[42]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 42]
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42)
انْتِقَالٌ مِنْ نَقْضِ أَقْوَالِهِمْ وَإِبْطَالِ مَزَاعِمِهِمْ إِلَى إِبْطَالِ نَوَايَاهُمْ وعزائمهم من التبيت لِلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلِدَعْوَةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِضْرَارِ وَالْإِخْفَاقِ وَفِي هَذَا كَشْفٌ لِسَرَائِرِهِمْ
وَتَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِلْحَذَرِ مِنْ كَيْدِهِمْ.
وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ كَيْداً لِيَعُمَّ كُلَّ مَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَكِيدُوهُ فَكَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ بِمَنْزِلَةِ التَّتْمِيمِ لِنَقْضِ غَزْلِهِمْ وَالتَّذْيِيلِ بِمَا يَعُمُّ كُلَّ عَزْمٍ يَجْرِي فِي الْأَغْرَاضِ الَّتِي جَرَتَ فِيهَا مَقَالَاتُهُمْ.
وَالْكَيْدُ وَالْمَكْرُ مُتَقَارِبَانِ وَكِلَاهُمَا إِظْهَارُ إخفاء الضّر بِوُجُوه الْإِخْفَاءِ تَغْرِيرًا بِالْمَقْصُودِ لَهُ الضُّرُّ.
وَعَدَلَ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الْإِظْهَارِ فِي قَوْلِهِ: فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ فَهُمُ الْمَكِيدُونَ لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنْ وَجْهِ حُلُولِ الْكَيْدِ بِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ، فَاللَّهُ يُدَافِعُ عَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَنْ دِينِهِ كَيْدَهُمْ وَيُوقِعُهُمْ فِيمَا نَوَوْا إِيقَاعَهُمْ فِيهِ.
وَضَمِيرُ الْفَصْلِ أَفَادَ الْقَصْرَ، أَيِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَكِيدُونَ دُونَ مَنْ أَرَادُوا الْكَيْدَ بِهِ.
(27/77)


الكتاب :التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»
المؤلف : محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى : 1393هـ)
الناشر : الدار التونسية للنشر - تونس
سنة النشر: 1984 هـ
عدد الأجزاء : 30 (والجزء رقم 8 في قسمين)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، وهو مذيل بالحواشي، وضمن خدمة مقارنة التفاسير] أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)
وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْكَيْدِ عَلَى مَا يُجَازِيهِمُ اللَّهُ بِهِ عَنْ كَيْدِهِمْ مِنْ نَقْضِ غَزْلِهِمْ إِطْلَاقٌ عَلَى وَجْهِ المشاكلة بتشبيه إمهال اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي نِعْمَةٍ إِلَى أَنْ يَقَعَ بِهِمُ الْعَذَابُ بِفِعْلِ الْكَائِدِ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا تَهْدِيدٌ صَرِيحٌ لَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [30] . وَمِنْ مَظَاهِرِ هَذَا التَّهْدِيدِ مَا حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى غَيْرِ تَرَقُّبٍ مِنْهُمْ.
وَالْقَوْلُ فِي تَفْرِيعِ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ كَالْقَوْلِ فِي تَفْرِيعِ قَوْلِهِ: فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [الطّور: 40] .
[43]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 43]
أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)
هَذَا آخِرُ سَهْمٍ فِي كِنَانَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَأَشَدُّ رَمْيٍ لِشَبَحِ كُفْرِهِمْ، وَهُوَ شَبَحُ الْإِشْرَاكِ وَهُوَ أَجْمَعُ ضَلَالٍ تَنْضَوِي تَحْتَهُ الضَّلَالَاتُ وَهُوَ إِشْرَاكُهُمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى.
فَلَمَّا كَانَ مَا نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ نَاقِضًا لِإِقْوَالِهِمْ وَنَوَايَاهُمْ، وَكَانَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمَ لَمْ يُتْرَكْ عَدُّ ذَلِك عَلَيْهِم مَعَ اشْتِهَارِهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَام بِهَذِهِ الْمُنَاسِبَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ هَذَا الْمُنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ ارْتِقَاءٌ إِلَى الْأَهَمِّ فِي نَوْعِهِ وَالْأَهَمُّ يُشْبِهُ الْأَعَمَّ فَكَانَ كَالتَّذْيِيلِ، وَنَظِيرُهُ فِي الِارْتِقَاءِ فِي كَمَالِ النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَلَد: 13- 17] الْآيَةَ.
وَقَدْ وَقَعَ قَوْلُهُ: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ إِتْمَامًا لِلتَّذْيِيلِ وَتَنْهِيَةَ الْمَقْصُودِ مِنْ فَضْحِ حَالِهِمْ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ الْمُقَدَّرَ بَعْدَ أَمْ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْآلُوسِيَّ نَقَلَ عَنِ «الْكَشْفِ عَلَى الْكَشَّافِ» كَلَامًا فِي انْتِظَامِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَقُولُونَ شاعِرٌ إِلَى قَوْلِهِ: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ فِيهِ نُكَتٌ وتدقيق فَانْظُرْهُ.
(27/78)

وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (46)
[سُورَة الطّور (52) : الْآيَات 44 إِلَى 46]
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (46)
عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ [الطّور: 30] وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْجُمَلِ الْحَالِيَّةِ لِأَقْوَالِهِمْ بِمُنَاسَبَةِ اشْتِرَاكِ مَعَانِيهَا مَعَ مَا فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي تَصْوِيرِ بُهْتَانِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمُ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ الْبُهْتَانِ فَلَوْ أُرُوا كِسْفًا سَاقِطًا مِنَ السَّمَاءِ وَقِيلَ لَهُمْ: هَذَا كِسَفٌ نَازِلٌ كَابَرُوا وَقَالُوا هُوَ سَحَاب مركوم.
فَيجوز أَنْ يَكُونَ كِسْفاً تَلْوِيحًا إِلَى مَا حكاء اللَّهُ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [90- 92] وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إِلَى قَوْلِهِ: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً. وَظَاهِرُ مَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبَ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وَإِذْ قَدْ كَانَ الْكَلَامُ عَلَى سَبِيلِ الْغَرَضِ فَلَا تَوَقُّفَ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْمَعْنَى: إِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ مِمَّا سَأَلُوا أَنْ يَكُونَ آيَةً عَلَى صِدْقِكَ لَا يُذْعِنُوا وَلَا يُؤْمِنُوا وَلَا يَتْرُكُوا الْبُهْتَانَ بَلْ يَقُولُوا: هَذَا سَحَابٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ. وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الْحجر: 14، 15] .
والكسف بِكَسْر الْكَاف: الْقِطْعَةُ، وَيُقَالُ: كَسَفَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ.
ومِنَ السَّماءِ صِفَةٌ لِ كِسْفاً، ومِنَ تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ قِطْعَةٌ مِنْ أَجْزَاءِ السَّمَاءِ مِثْلُ الْقِطَعِ الَّتِي تَسْقُطُ مِنَ الشُّهُبِ.
وَالْمَرْكُومُ: الْمَجْمُوعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ يُقَالُ: رَكَمَهُ رَكْمًا، وَهُوَ السَّحَابُ الْمُمْطِرُ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً [النُّور: 43] .
(27/79)

وَالْمَعْنَى: إِنْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَقُولُوا سَحَابٌ، وَهَذَا لَا يتقضي أَنَّهُ يَقَعُ لِأَنَّ
أَدَاةَ الشَّرْطِ إِنَّمَا تَقْتَضِي تَعْلِيقَ وُقُوعِ جَوَابِهَا عَلَى وُقُوعِ فِعْلِهَا لَوْ وَقَعَ. وَوَقَعَ سَحابٌ مَرْكُومٌ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَتَقْدِيرُهُ: هُوَ سَحَابٌ وَهَذَا سَحَابٌ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنَادًا مَعَ تَحَقُّقِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ سَحَابًا. وَلِكَوْنِ الْمَقْصُودِ أَنَّ الْعِنَادَ شِيمَتُهُمْ فُرِّعَ عَلَيْهِ أَنَّ أَمر الله رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَتْرُكَهُمْ، أَيْ يَتْرُكَ عَرْضَ الْآيَاتِ عَلَيْهِمْ، أَيْ أَنْ لَا يَسْأَلَ اللَّهَ إِظْهَارَ مَا اقْتَرَحُوهُ مِنَ الْآيَاتِ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْتَرِحُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْحُجَّةِ وَلَكِنَّهُمْ يُكَابِرُونَ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يُونُس: 96، 97] . وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَ دَعْوَتِهِمْ وَعَرْضَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: فَذَرْهُمْ مُسْتَعْمَلًا فِي تَهْدِيدِهِمْ لِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَهُ حِينَ يُقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ كَمَا يُقَالُ لِلَّذِي لَا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ: دَعْهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْلِعُ.
وَأَفَادَتِ الْغَايَةُ أَنَّهُ يَتْرُكُهُمْ إِلَى الْأَبَدِ لِأَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ يُصْعَقُوا لَا تُعَادُ مُحَاجَّتُهُمْ بِالْأَدِلَّةِ وَالْآيَاتِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يُلاقُوا. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ يُلْقُوا بِدُونِ أَلِفٍ بعد اللَّام.
و «الْيَوْم الَّذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ» هُوَ يَوْمُ الْبَعْثِ الَّذِي يُصْعَقُ عِنْدَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ.
وَإِضَافَةُ الْيَوْمِ إِلَى ضَمِيرِهِمْ لِأَنَّهُمُ اشْتَهَرُوا بِإِنْكَارِهِ وَعُرِفُوا بِالَّذِينَ لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة.
وَهَذَا نَظِيرُ النِّسَبِ فِي قَوْلِ أَهْلِ أُصُولِ الدِّينِ: فُلَانٌ قَدَرِيٌّ، يُرِيدُونَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ. فَالْمَعْنَى بِنِسْبَتِهِ إِلَى الْقَدَرِ أَنَّهُ يَخُوضُ فِي شَأْنِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي أُوعِدُوهُ، فَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الْأَنْبِيَاء:
103] .
(27/80)

وَالصَّعْقُ: الْإِغْمَاءُ مِنْ خَوْفٍ أَوْ هَلَعٍ قَالَ تَعَالَى: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [الْأَعْرَاف:
143] ، وَأَصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّاعِقَةِ لِأَنَّ الْمُصَابَ بِهَا يُغْمَى عَلَيْهِ أَوْ يَمُوتُ، يُقَالُ: صَعِقَ، بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَصُعِقَ بِضَمٍ وَكَسْرٍ.
وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ يُصْعَقُونَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ.
وَذَلِكَ هُوَ يَوْمُ الْحَشْرِ قَالَ تَعَالَى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: 68] ، وَمُلَاقَاتُهُمْ لِلْيَوْمِ مُسْتَعَارَةٌ لِوُقُوعِهِ، شُبِّهَ الْيَوْمُ وَهُوَ الزَّمَانُ بِشَخْصٍ غَائِبٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكَنِّيَةِ وَإِثْبَاتُ الْمُلَاقَاةِ إِلَيْهِ تَخْيِيلٌ. وَالْمُلَاقَاةُ مُسْتَعَارَةٌ أَيْضًا لِلْحُلُولِ فِيهِ، وَالْإِتْيَانُ بِالْمَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خَطَئِهِمْ فِي إِنْكَارِهِ.
ويَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً بَدَلٌ من يَوْمَهُمُ [الطّور: 45] وَفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ إِعْرَابٍ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى مُعْرَبٍ.
وَالْإِغْنَاءُ: جَعْلُ الْغَيْرِ غَنِيًّا، أَيْ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى مَا تَقُومُ بِهِ حَاجِيَّاتُهُ، وَإِذَا قِيلَ: أَغْنَى عَنْهُ. كَانَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ فِي دَفْعِ حَاجَةٍ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُومَ بِهَا، وَيُتَوَسَّعَ فِيهِ بِحَذْفِ مَفْعُولِهِ لِظُهُورِهِ مِنَ الْمَقَامِ.
وَالْمُرَادُ هُنَا لَا يُغْنِي عَنْهُم شَيْئا عَن الْعَذَابِ الْمَفْهُومِ مِنْ إِضَافَةِ يَوْمَ إِلَى ضَمِيرِهِمْ وَمِنَ الصِّلَةِ فِي قَوْلِهِ: الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ.
وكَيْدُهُمْ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ، أَيْ مَا يَكِيدُونَ بِهِ وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً [الطّور: 42] ، أَيْ لَا يَسْتَطِيعُونَ كَيْدًا يَوْمَئِذٍ كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا.
فَالْمَعْنَى: لَا كَيْدَ لَهُمْ فَيُغْنِيَ عَنْهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ أَي لَا منار لَهُ فَيُهْتَدَى بِهِ.
وَهَذَا يَنْفِي عَنْهُمُ التَّخَلُّصَ بِوَسَائِلَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ
(27/81)

وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47)
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لِنَفْيِ أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنَ الْعَذَابِ بِفِعْلِ مَنْ يُخَلِّصُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ فَانْتَفَى نَوْعَا الْوَسَائِل المنجية. [47]

[سُورَة الطّور (52) : آيَة 47]
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47)
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ، أَيْ وَإِنَّ لَهُمْ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ عَذَابُ الْجُوعِ فِي سِنِي الْقَحْطِ، وَعَذَابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَال:
وَإِن لَهُم عَذَابًا جَرْيًا عَلَى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [الطّور: 45] فَخُولِفَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِإِفَادَةِ عِلَّةِ اسْتِحْقَاقِهِمُ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا بِأَنَّهَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ.
وَكَلِمَةُ دُونَ أَصْلُهَا الْمَكَانُ الْمُنْفَصِلُ عَنْ شَيْءٍ انْفِصَالًا قَرِيبًا، وَكَثُرَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْأَقَلِّ، يُقَالُ: هُوَ فِي الشَّرَفِ دُونَ فُلَانٍ، وَعَلَى السَّابِقِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ حُلُولًا مِنَ الْمَسْبُوقِ، وَعَلَى مَعْنَى (غَيْرِ) . ودُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ صَالِحَةٌ لِلثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ، إِذِ الْمُرَادُ عَذَابٌ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ [السَّجْدَة: 21] وَهُوَ أسبق من عَذَاب الْآخِرَة لقَوْله تَعَالَى: دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لَهُ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ.
وَلِكَوْنِ هَذَا الْعَذَابِ مُسْتَبْعَدًا عِنْدَهُمْ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ فِي نِعْمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي [فصلت: 50] أُكِّدَ الْخَبَرُ بِ إِنَّ فَالتَّأْكِيدُ مُرَاعًى فِيهِ شَكُّهُمْ حِينَ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وَالِاسْتِدْرَاكُ الَّذِي أَفَادَتْهُ (لَكِنَّ) رَاجِعٌ إِلَى مُفَادِ التَّأْكِيدِ، أَيْ هُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ، أَيْ لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ وُقُوعُهُ، وَذَلِكَ مِنْ بَطَرِهِمْ وَزَهْوِهِمْ وَمَفْعُولُ لَا يَعْلَمُونَ مَحْذُوف اختصارا للْعَمَل بِهِ وَأُسْنِدَ عَدَمُ
(27/82)

وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)
الْعِلْمِ إِلَى أَكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ لِأَنَّ فِيهِمْ أَهْلَ رَأْيٍ وَنَظَرٍ يَتَوَقَّعُونَ حُلُولَ الشَّرِّ إِذَا كَانُوا فِي خَيْرٍ.
وَالظُّلْمُ: الشِّرْكُ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَان: 13] وَهُوَ الْغَالِبُ فِي إِطْلَاقِهِ فِي الْقُرْآنِ.
[48، 49]

[سُورَة الطّور (52) : الْآيَات 48 الى 49]
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (49)
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا.
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ [الطّور: 45] إِلَخْ، وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ وَكَانَ مُفْتَتَحُ السُّورَةِ خطابا للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتِدَاء مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ [الطّور: 7] الْمَسُوقِ مَسَاقَ التَّسْلِيَةِ لَهُ، وَكَانَ فِي مُعْظَمِ مَا فِي السُّورَةِ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا يُخَالِطُهُ فِي نَفْسِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْكَدَرِ وَالْأَسَفِ عَلَى ضَلَالِ قَوْمِهِ وَبُعْدِهِمْ عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْهُدَى
خُتِمَتِ السُّورَةُ بِأَمْرِهِ بِالصَّبْرِ تَسْلِيَةً لَهُ وَبِأَمْرِهِ بِالتَّسْبِيحِ وَحَمْدِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلَى تَفْضِيلِهِ بالرسالة.
وَالْمرَاد بِحكم رَبِّكَ مَا حَكَمَ بِهِ وَقَدَّرَهُ مِنِ انْتِفَاءِ إِجَابَةِ بَعْضِهِمْ وَمِنْ إِبْطَاءِ إِجَابَةِ أَكْثَرِهِمْ.
فَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِحُكْمِ رَبِّكَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى (عَلَى) فَيَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ اصْبِرْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ [المزمل: 10] . وَيَجُوزُ فِيهَا مَعْنَى (إِلَى) أَيِ اصْبِرْ إِلَى أَنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَيَكُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ [يُونُس: 109] وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ فَيَكُونَ لِحُكْمِ رَبِّكَ هُو مَا حَكَمَ بِهِ مِنْ إِرْسَالِهِ إِلَى النَّاسِ، أَيِ اصْبِرْ لِأَنَّكَ تَقُومُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْكَ.
فَلِلَّامِ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَوْقِعٌ جَامِعٌ لَا يُفِيدُ غَيْرُ اللَّامِ مِثْلَهُ.
وَالتَّفْرِيعُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا تَفْرِيعُ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ اصْبِرْ لِأَنَّكَ بِأَعْيُنِنَا، أَيْ بِمَحَلِّ الْعِنَايَةِ وَالْكِلَاءَةِ مِنَّا، نَحْنُ نَعْلَمُ مَا تُلَاقِيهِ وَمَا يُرِيدُونَهُ بِكَ
(27/83)

فَنَحْنُ نُجَازِيكَ عَلَى مَا تَلْقَاهُ وَنَحْرُسُكَ مِنْ شَرِّهِمْ وَنَنْتَقِمُ لَكَ مِنْهُمْ، وَقَدْ وَفَّى بِهَذَا كُلِّهِ التَّمْثِيلُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا، فَإِنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ الْمَجَازِيِّ، أَيْ لَا نَغْفُلُ عَنْكَ، يُقَالُ: هُوَ بِمَرْأًى مِنِّي وَمَسْمَعٍ، أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَأْنُهُ. وَذِكْرُ الْعَيْنِ تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ الْمُلَاحَظَةِ وَهَذَا التَّمْثِيلُ كِنَايَةٌ عَنْ لَازِمِ الْمُلَاحَظَةِ مِنَ النَّصْرِ وَالْجَزَاءِ وَالْحِفْظِ.
وَقَدْ آذَنَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: لِحُكْمِ رَبِّكَ دُونَ أَنْ يَقُولَ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِنَا، أَوْ لِحُكْمِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمَرْبُوبِيَّةَ تُؤْذِنُ بِالْعِنَايَةِ بِالْمَرْبُوبِ.
وَجَمْعُ الْأَعْيُنِ: إِمَّا مُبَالَغَةٌ فِي التَّمْثِيلِ كَأَنَّ الْمُلَاحَظَةَ بِأَعْيُنٍ عَدِيدَةٍ كَقَوْلِهِ: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هود: 37] وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الذاريات: 47] .
وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْجَمْعَ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ مُتَعَلِّقَاتِ الْمُلَاحَظَةِ فَمُلَاحَظَةٌ لِلذَّبِّ عَنْهُ، وَمُلَاحَظَةٌ لِتَوْجِيهِ الثَّوَابِ وَرَفْعِ الدَّرَجَةِ، وملاحظة لجزاء أعدائه بِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ، وَمُلَاحَظَةٌ لِنَصْرِهِ عَلَيْهِمْ بِعُمُومِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَهَذَا الْجَمْعُ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ:
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [الْقَمَر: 13، 14] لِأَنَّ عِنَايَةَ اللَّهِ بِأَهْلِ السَّفِينَةِ تَتَعَلَّقُ بِإِجْرَائِهَا وَتَجْنِيبِ الْغَرَقِ عَنْهَا وَسَلَامَةِ رُكَّابِهَا وَاخْتِيَارِ الْوَقْتِ لِإِرْسَائِهَا وَسَلَامَةِ الرُّكَّابِ فِي هُبُوطِهِمْ، وَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [طه: 39] فَإِنَّهُ
تَعَلُّقٌ وَاحِدٌ بِمَشْيِ أُخْتِهِ إِلَى آلِ فِرْعَوْنَ وَقَوْلِهَا: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه: 40] .
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (49) .
التَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ، وَالْمُرَادُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ، وَأَشْهَرُ ذَلِكَ هُوَ قَوْلُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ» وَمَا يُرَادِفُهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَلِذَلِكَ كَثُرَ إِطْلَاقُ التَّسْبِيحِ وَمَا يُشْتَقُّ مِنْهُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ وَآثَارٍ.
(27/84)

وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِحَمْدِ رَبِّكَ لِلْمُصَاحَبَةِ جَمْعًا بَيْنَ تَعْظِيمِ اللَّهِ بِالتَّنْزِيهِ عَنِ النَّقَائِصِ وَبَيْنَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِأَوْصَافِ الْكَمَالِ.
وحِينَ تَقُومُ وَقْتَ الْهُبُوبِ مِنَ النَّوْمِ، وَهُوَ وَقْتُ اسْتِقْبَالِ أَعْمَالِ الْيَوْمِ وَعِنْدَهُ تَتَجَدَّدُ الْأَسْبَابُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أُمِرَ بِالصَّبْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ.
فَالتَّسْبِيحُ مُرَادٌ بِهِ: الصَّلَاةُ، وَالْقِيَامُ: جَعْلُ وَقْتٍ لِلصَّلَوَاتِ: إِمَّا للنوافل، وَإِمَّا لصَلَاة الْفَرِيضَةِ وَهِيَ الصُّبْحُ.
وَقِيلَ: التَّسْبِيحُ قَوْلُهُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ» ، وَالْقِيَامُ: الِاسْتِعْدَادُ لِلصَّلَاةِ أَوِ الْهُبُوبُ مِنَ النَّوْمِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ زَيْدٍ وَالضَّحَّاكِ عَلَى تَقَارُبٍ بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ، أَيْ يَقُولُ الْقَائِمُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» أَو يَقُول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» .
وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ الْقِيَامُ مِنَ الْمَجْلِسِ لِمَا
رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا فَكثر فِيهِ لغظه فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ»
وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.
ومِنَ اللَّيْلِ أَيْ زَمَنًا هُوَ بَعْضُ اللَّيْلِ، فَيَشْمَلُ وَقْتَ النَّهْيِ لِلنَّوْمِ وَفِيهِ تَتَوَارَدُ عَلَى الْإِنْسَانِ ذِكْرَيَاتُ مَهَمَّاتِهِ، وَيَشْمَلُ وَقْتَ التَّهَجُّدِ فِي اللَّيْلِ.
وَقَوْلُهُ: فَسَبِّحْهُ اكْتِفَاءٌ، أَيْ وَاحْمِدْهُ.
وَانْتَصَبَ وَإِدْبارَ النُّجُومِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ: وَوَقْتَ إِدْبَارِ النُّجُومِ.
وَالْإِدْبَارُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ جَاءَ لِأَنَّهُ يَنْقَلِبُ إِلَى جِهَةِ الدُّبُرِ، أَيِ الظَّهْرِ.
وَإِدْبَارُ النُّجُومِ: سُقُوطُ طَوَالِعُهَا، فَإِطْلَاقُ الْإِدْبَارِ هُنَا مَجَازٌ فِي الْمُفَارَقَةِ
(27/85)

وَالْمُزَايَلَةِ،
أَيْ عِنْدَ احْتِجَابِ النُّجُومِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا (الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَشْرِقِ) وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا (الْإِشَارَةُ إِلَى جِهَة الْمغرب) فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»
. وَسُقُوطُ طَوَالِعِهَا الَّتِي تَطْلُعُ: أَنَّهَا تَسْقُطُ فِي جِهَةِ الْمَغْرِبِ عِنْدَ الْفَجْرِ إِذَا أَضَاءَ عَلَيْهَا ابْتِدَاءَ ظُهُورِ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فَإِدْبَارُ النُّجُومِ: وَقْتُ السَّحَرِ، وَهُوَ وَقْتٌ يَسْتَوْفِي فِيهِ الْإِنْسَانُ حَظَّهُ مِنَ النَّوْمِ، وَيَبْقَى فِيهِ مَيْلٌ إِلَى اسْتِصْحَابِ الدَّعَةِ، فَأُمِرَ بِالتَّسُبِيحِ فِيهِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ النَّوْمِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ وَبَيْنَ التَّنَاوُمِ النَّاشِئِ عَنِ التَّكَاسُلِ، ثُمَّ إِنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ بَعْدَ التَّسْبِيحِ حَاجَةً إِلَى غَفْوَةٍ مِنَ النَّوْمِ اضْطَجَعَ قَلِيلًا إِلَى أَنْ يَحِينَ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ.
وَالنُّجُومُ: جَمْعُ نَجْمٍ وَهُوَ الْكَوْكَبُ الَّذِي يُضِيءُ فِي اللَّيْلِ غَيْرُ الْقَمَر، وَتقدم عِنْد قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ [12] .
وَالْآيَةُ تُشِيرُ إِلَى أَوْقَاتِ الرَّغَائِبِ مِنَ النَّوَافِلِ وَهِيَ صَلَاةُ الْفَجْرِ وَالْأَشْفَاعِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَقِيَامِ آخِرِ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: أَشَارَتْ إِلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِوَجْهِ الْإِجْمَالِ وَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ.
(27/86)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

53- سُورَةُ النَّجْمِ
سُمِّيَتْ «سُورَةَ النَّجْمِ» بِغَيْرِ وَاوٍ فِي عَهْدِ أَصْحَابِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَفِي «الصَّحِيحِ» عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ فَأَخَذَ رَجُلٌ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا. وَهَذَا الرَّجُلُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ.
فَهَذِهِ تَسْمِيَةٌ لِأَنَّهَا ذُكِرَ فِيهَا النَّجْمُ.
وَسَمُّوهَا «سُورَةَ وَالنَّجْمِ» بِوَاوٍ بِحِكَايَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ الْوَاقِع فِي أَولهَا، وَكَذَلِكَ تَرْجَمَهَا الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» .
وَوَقَعَتْ فِي الْمَصَاحِف والتفاسير بِالْوَجْهَيْنِ وَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ السُّورَةِ بِلَفْظٍ وَقْعَ فِي أَوَّلِهَا وَهُوَ لَفْظُ (النَّجْمِ) أَوْ حِكَايَةُ لَفْظِ (وَالنَّجْمِ) .
وَسَمُّوهَا وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النَّجْم: 1] كَمَا
فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» «أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى فَلَمْ يَسْجُدْ»
، أَيْ فِي زَمَنٍ آخَرَ غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ. وَهَذَا كُلُّهُ اسْمٌ وَاحِدٌ مُتَوَسَّعٌ فِيهِ فَلَا تُعَدُّ هَذِهِ السُّورَةُ بَيْنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمٍ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإِجْمَاعِ الْمُتَأَوِّلِينَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ: اسْتِثْنَاءَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النَّجْم: 32] الْآيَةَ قَالَا: «هِيَ آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ» . وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَقِيلَ: السُّورَةَ كلهَا مَدَنِيَّة وَنسب إِلَى الْحسن الْبَصْرِيّ: أَن السُّورَة كُلَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَهُوَ شُذُوذٌ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ هِيَ أَوَّلُ سُورَةٍ أَعْلَنَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ.
(27/87)

وَهِيَ السُّورَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ فِي عَدِّ تَرْتِيبِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَقَبْلَ سُورَةِ عَبَسَ.
وَعَدَّ جُمْهُورُ الْعَادِّينَ آيَهَا إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَعَدَّهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا يَتَقَوَّلُ الْقُرْآنَ وَيَخْتَلِقُ أَقْوَالَهُ، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ فِي ذَلِكَ.

أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةِ
أَوَّلُ أَغْرَاضِهَا: تَحْقِيقُ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَادِقٌ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَمَّا ادَّعَوْهُ.
وَإِثْبَاتُ أَنَّ الْقُرْآنَ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ.
وَتَقْرِيبُ صِفَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ بِالْوَحْيِ فِي حَالَيْنِ زِيَادَةٌ فِي تَقْرِيرِ أَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ.
وَإِبْطَالُ إِلَهِيَّةِ أَصْنَامِ الْمُشْرِكِينَ.
وَإِبْطَالُ قَوْلِهِمْ فِي اللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ بَنَاتُ اللَّهِ وَأَنَّهَا أَوْهَامٌ لَا حَقَائِقَ لَهَا وَتَنْظِيرُ قَوْلِهِمْ فِيهَا بِقَوْلِهِمْ فِي الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ إِنَاثٌ.
وَذَكَرَ جَزَاءَ الْمُعْرِضِينَ وَالْمُهْتَدِينَ وَتَحْذِيرَهُمْ مِنَ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ بِالظَّنِ دُونَ حُجَّةٍ.
وَإِبْطَالُ قِيَاسِهِمْ عَالَمَ الْغَيْبِ عَلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ ضَلَالٌ فِي الرَّأْيِ قَدْ جَاءَهُمْ بِضِدِّهِ الْهُدَى مِنَ اللَّهِ. وَذُكِرَ لِذَلِكَ مِثَالٌ مِنْ قِصَّةِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، أَوْ قِصَّةِ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ.
وَإِثْبَاتُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ.
(27/88)

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)
وَتَذْكِيرُهُمْ بِمَا حَلَّ بِالْأُمَمِ ذَاتِ الشِّرْكِ مِنْ قَبْلِهِمْ وَبِمَنْ جَاءَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرُّسُلِ أَهْلِ الشَّرَائِعِ.
وَإِنْذَارُهُمْ بِحَادِثَةٍ تَحُلُّ بِهِمْ قَرِيبًا.
وَمَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنْ مُعْتَرِضَاتٍ وَمُسْتَطْرِدَاتٍ لِمُنَاسَبَاتِ ذِكْرِهِمْ عَنْ أَنْ يَتْرُكُوا أَنْفُسَهُمْ.
وَأَنَّ الْقُرْآنَ حَوَى كُتُبَ الْأَنْبِيَاء السَّابِقين.
[1- 3]

[سُورَة النَّجْم (53) : الْآيَات 1 إِلَى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3)
كَلَامٌ مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْمُشْرِكِينَ الطَّاعِنِينَ فِي رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والنَّجْمِ: الْكَوْكَبُ أَيِ الْجُرْمُ الَّذِي يَبْدُو للناظرين لَا مَعًا فِي جَوِّ السَّمَاءِ لَيْلًا.
أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِعَظِيمٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ دَالٌّ عَلَى عَظِيمِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَتَعْرِيفُ النَّجْمِ بِاللَّامِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النَّحْل: 16] وَقَوْلِهِ: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [الرَّحْمَن: 6] ، وَيُحْتَمَلُ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ. وَأَشْهَرُ النُّجُومِ بِإِطْلَاقِ اسْمِ النَّجْمِ عَلَيْهِ الثُّرَيَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُوَقِّتُونَ بِأَزْمَانِ طُلُوعِهَا مَوَاقِيتَ الْفُصُولِ وَنُضْج الثِّمَارِ، وَمِنْ أَقْوَالِهِمْ: طَلَعَ النَّجْمُ عِشَاءَ فابتغى الرَّاعِي كمساء طلع النَّجْم غذيّة وَابْتَغَى الرَّاعِي شُكَيَّةْ (تَصْغِيرُ شَكْوَةٍ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ يُوضَعُ فِيهِ الْمَاءُ وَاللَّبَنُ) يَعْنُونَ ابْتِدَاءَ زَمَنِ الْبَرْدِ وَابْتِدَاءَ زَمَنِ الْحَرِّ.
وَقِيلَ النَّجْمِ: الشِّعْرَى الْيَمَانِيَةُ وَهِيَ الْعُبُورُ وَكَانَتْ مُعَظَّمَةً عِنْدَ الْعَرَبِ وَعَبَدَتْهَا خُزَاعَةُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يكون المُرَاد ب النَّجْمِ: الشِّهَابَ، وَبَهُوِيِّهِ: سُقُوطُهُ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ [الصافات: 6، 7]
(27/89)

وَقَالَ: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الْملك: 5] .
وَالْقَسَمُ بِ النَّجْمِ لِمَا فِي خَلْقِهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هَذَا رَبِّي [الْأَنْعَام: 76] .
وَتَقْيِيدُ الْقَسَمِ بِالنَّجْمِ بِوَقْتِ غُرُوبِهِ لِإِشْعَارِ غُرُوبِ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ الْعَظِيمِ بَعْدَ أَوْجُهٍ فِي شَرَفِ الِارْتِفَاعِ فِي الْأُفُقِ عَلَى أَنَّهُ تَسْخِيرٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الْأَنْعَام: 76] .
وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ إِذا هَوى بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ النَّجْمِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النَّجْمِ أَحْوَالُهُ الدَّالَّةُ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِهِ وَمُصَرِّفِهِ وَمِنْ أَعْظَمِ أَحْوَالِهِ حَالُ هُوِيَّهِ، وَيَكُونُ إِذا اسْمَ زَمَانٍ
مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِحَرْفِ الْقَسَمِ، وَبِذَلِكَ نَتَفَادَى مِنْ إِشْكَالِ طَلَبِ مُتَعَلِّقِ إِذا وَهُوَ إِشْكَالٌ أَوْرَدَهُ الْعَلَّامَةُ الْجَنْزِيُّ (1) عَلَى الزَّمَخْشَرِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ وَفِي «الْمُقْتَبَسِ» قَالَ الْجَنْزِيُّ: «فَاوَضْتُ جَارَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى مَا الْعَامِلُ فِي إِذا؟ فَقَالَ: الْعَامِلُ فِيهِ مَا تُعَلَّقُ بِهِ الْوَاوُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ يَعْمَلُ فِعْلُ الْحَالِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهَذَا لِأَن مَعنا أُقْسِمُ الْآنَ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أُقْسِمُ بَعْدَ هَذَا (2) فَرَجَعَ وَقَالَ: الْعَامِلُ فِيهِ مَصْدَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَهُوِيِّ النَّجْمِ إِذَا هَوَى، فَعَرَضْتُهُ على زين المشائخ (3) فَلَمْ يَسْتَحْسِنْ قَوْلَهُ الثَّانِيَ. وَالْوَجْهُ أَنَّ إِذا قَدِ انْسَلَخَ عَنْهُ مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ وَصَارَ لِلْوَقْتِ الْمُجَرَّدِ، وَنَحْوُهُ: آتِيكَ إِذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ، أَيْ وَقْتَ احْمِرَارِهِ فَقَدْ عُرِّيَ عَنْ مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ لِأَنَّهُ وَقَعَتِ الْغُنْيَةُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: آتِيكَ اه. كَلَامُ الطِّيبِيُّ، فَقَوْلُهُ:
_________
(1) هُوَ عمر بن عُثْمَان بن الْحسن الجنزي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون نِسْبَة إِلَى جنزة أعظم مَدِينَة بأرّان قَرَأَ على أبي المظفر الأبيوردي وَتُوفِّي بمرو سنة 550 هـ.
(2) يُرِيد أَن مُقْتَضى حرف الْقسم فعل إنشائي حَاصِل فِي حَال النُّطْق وَمُقْتَضى (إِذا) الزّمن الْمُسْتَقْبل فتنافيا.
(3) هُوَ مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن بايجوك البقّالي الأدمِيّ أَو الْآدَمِيّ الْخَوَارِزْمِيّ النَّحْوِيّ أَخذ اللُّغَة والنحو عَن الزَّمَخْشَرِيّ، وَجلسَ بعد مَكَانَهُ توفّي سنة 562 هـ عَن نَيف وَسبعين سنة. [.....]
(27/90)

فَالْوَجْهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ زَيْنِ الْمَشَائِخِ أَوْ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ «الْمُقْتَبَسِ» أَوْ مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ، وَهُوَ وَجِيهٌ وَهُوَ أَصْلُ مَا بَنَيْنَا عَلَيْهِ مَوْقِعَ إِذا هُنَا، وَلَيْسَ تَرَدُّدُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي الْجَوَابِ إِلَّا لِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ أَنْ يَكُونَ إِذا ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي «الْمُفَصَّلِ» مَعَ أَنَّ خُرُوجَهَا عَن ذَلِك كثير كَمَا تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ أَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ.
وَالْهُوِيُّ: السُّقُوطُ، أُطْلِقَ هُنَا عَلَى غُرُوبِ الْكَوْكَبِ، اسْتُعِيرَ الْهُوِيُّ إِلَى اقْتِرَابِ اخْتِفَائِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْهُوِيِّ: سُقُوطُ الشِّهَابِ حِينَ يَلُوحُ لِلنَّاظِرِ أَنَّهُ يَجْرِي فِي أَدِيمِ السَّمَاءِ، فَهُوَ هُوِيٌّ حَقِيقِيٌّ فَيَكُونُ قَدِ اسْتُعْمِلَ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
وَفِي ذِكْرِ إِذا هَوى احْتِرَاسٌ مِنْ أَنْ يُتَوَهَّمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ فِي الْقَسَمِ بِالنَّجْمِ إِقْرَارًا لِعِبَادَةِ نَجْمِ الشِّعْرَى، وَأَنَّ الْقَسَمَ بِهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّهُ إِلَهٌ إِذْ كَانَ بَعْضُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَعْبُدُونَهَا فَإِنَّ حَالَةَ الْغُرُوبِ الْمُعَبَّرَ عَنْهَا بِالْهَوَى حَالَةُ انْخِفَاضٍ وَمَغِيبٍ فِي تَخَيُّلِ الرَّائِي لِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَ طُلُوعَ النَّجْمِ أَوْجًا لِشَرَفِهِ وَيَعُدُّونَ غُرُوبَهُ حَضِيضًا، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الْأَنْعَام: 76] .
وَمِنْ مُنَاسَبَاتِ هَذَا يَجِيءُ قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى فِي هَذِهِ السُّورَةِ [49] ، وَتِلْكَ اعْتِبَارَاتٌ لَهُمْ تَخَيُّلِيَّةٌ شَائِعَةٌ بَيْنَهُمْ فَمِنَ النَّافِعِ مَوْعِظَةُ النَّاسِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَافٍ فِي إِقْنَاعِهِمْ وُصُولًا إِلَى الْحَقِّ.
فَيَكُونُ قَوْلُهُ: إِذا هَوى إِشْعَارًا بِأَنَّ النُّجُومَ كُلَّهَا مُسَخَّرَةٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ مَسِيرَةٍ فِي نِظَامٍ أَوْجَدَهَا عَلَيْهِ وَلَا اخْتِيَارَ لَهَا فَلَيْسَتْ أَهْلًا لِأَنْ تُعْبَدَ فَحَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْقَسَمِ بِمَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ مَعَ الِاحْتِرَاسِ عَنِ اعْتِقَادِ عِبَادَتِهَا.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: قِيلَ أَرَادَ بذلك أَي ب النَّجْمِ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ الْمُنَجَّمَ قَدْرًا فَقَدْرًا، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: هَوى نُزُولَهُ اه.
ومناسبة الْقسم ب النَّجْمِ إِذا هَوى، أَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ لِإِثْبَاتِ أَنَّ الْقُرْآنَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّمَاءِ فَشَابَهَ حَالُ نُزُولِهِ الِاعْتِبَارِيِّ حَالَ النَّجْمِ فِي حَالَةِ هُوِيِّهِ مُشَابَهَةً تَمْثِيلِيَّةً حَاصِلَةً مِنْ نُزُولِ شَيْءٍ مُنِيرٍ إِنَارَةً مَعْنَوِيَّةً نَازِلٍ مِنْ مَحَلِّ رِفْعَةٍ
(27/91)

مَعْنَوِيَّةٍ، شُبِّهَ بِحَالَةِ نُزُولِ نَجْمٍ مِنْ أَعْلَى الْأُفق إِلَى أسلفه وَهُوَ من تَمْثِيلُ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ، أَوِ الْإِشَارَةُ إِلَى مُشَابَهَةِ حَالَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ مِنَ السَّمَاوَاتِ بِحَالَةِ نُزُولِ النَّجْمِ مِنْ أَعْلَى مَكَانِهِ إِلَى أَسْفَلِهِ، أَوْ بِانْقِضَاضِ الشِّهَابِ تَشْبِيهُ مَحْسُوسٍ بِمَحْسُوسِ، وَقَدْ يُشَبِّهُونَ سُرْعَةَ الْجَرْيِ بِانْقِضَاضِ الشِّهَابِ، قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ يَصِفُ فرسا:
فانقضّ كالدريّ يَتْبَعُهُ ... نَقْعٌ يَثُورُ تَخَالُهُ طُنُبَا
وَالضَّلَالُ: عَدَمُ الِاهْتِدَاءِ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي سُلُوكِ مَا يُنَافِي الْحَقَّ.
وَالْغِوَايَةُ: فَسَادُ الرَّأْيِ وَتَعَلُّقُهُ بِالْبَاطِلِ.
وَالصَّاحِبُ: الْمُلَازِمُ لِلَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ وَصْفُ صَاحِبٍ، وَالْمُرَادُ بِالصَّاحِبِ هُنَا: الَّذِي لَهُ مُلَابَسَاتٌ وَأَحْوَالٌ مَعَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَذَا كَقَوْلِ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيِّ الْوَارِدِ فِي أَثْنَاءِ قِصَّةِ الْهِجْرَةِ لَمَّا دَخَلَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَهُ وَفِيهَا أُمُّ مَعْبَدٍ وَذَكَرَتْ لَهُ مُعْجِزَةَ مَسْحِهِ عَلَى ضَرْعِ شَاتِهَا: «هَذَا صَاحِبُ قُرَيْشٍ» ، أَيْ صَاحِبُ الْحَوَادِثِ الْحَادِثَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ.
وَإِيثَارُ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِوَصْفِ صاحِبُكُمْ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ بُهْتَانٍ إِذْ نَسَبُوا إِلَيْهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ مَعَ شِدَّةِ اطِّلَاعِهِمْ على أَحْوَاله وشؤونه إِذْ هُوَ بَيْنَهُمْ فِي بَلَدٍ لَا تَتَعَذَّرُ فِيهِ إِحَاطَةُ
عِلْمِ أَهْلِهِ بِحَالِ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مَقْصُودٍ مِنْ بَيْنِهِمْ. وَوَقَعَ فِي خُطْبَةِ الْحَجَّاجِ بَعْدَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ قَوْلُهُ لِلْخَوَارِجِ «أَلَسْتُمْ أَصْحَابِي بِالْأَهْوَازِ حِينَ رُمْتُمُ الْغَدْرَ وَاسْتَبْطَنْتُمُ الْكُفْرَ» يُرِيدُ أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَنْهُ أَحْوَالُهُمْ فَلَا يُحَاوِلُونَ التَّنَصُّلَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ بِالْمُغَالَطَةِ وَالتَّشْكِيكِ.
وَهَذَا رَدٌّ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُشْركين وَإِبْطَال لقَولهم فِي النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: مَجْنُون، وَقَالُوا: سَاحر، وَقَالُوا: شَاعِرٌ، وَقَالُوا فِي الْقُرْآنِ: إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ.
فَالْجُنُونُ مِنَ الضَّلَالِ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَهْتَدِي إِلَى وَسَائِلِ الصَّوَابِ، وَالْكَذِبِ
(27/92)

وَالسِّحْرُ ضَلَالٌ وَغَوَايَةٌ، وَالشِّعْرُ الْمُتَعَارَفُ بَيْنِهِمْ غِوَايَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [الشُّعَرَاء: 224] أَيْ يُحَبِّذُونَ أَقْوَالَهُمْ لِأَنَّهَا غِوَايَةٌ.
وَعُطِفَ عَلَى جَوَابِ الْقَسَمِ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى وَهَذَا وَصْفُ كَمَالٍ لِذَاتِهِ. وَالْكَلَامُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ هُوَ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِيهِ: إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ [الْفرْقَان: 4] وَقَالُوا:
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها [الْفرْقَان: 5] وَذَلِكَ وَنَحْوُهُ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ اخْتِرَاعُهُ أَوِ اخْتِيَارُهُ عَنْ مَحَبَّةٍ لِمَا يَخْتَرِعُ وَمَا يَخْتَارُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، فَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً، وَمِنْهُ حِكَايَةَ وَاقِعَاتٍ، وَمِنْهُ تَخَيُّلَاتٍ ومفتريات. وَكله ناشىء عَنْ مَحَبَّةِ الشَّاعِرِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ أَنَّ الْقُرْآنَ دَاعٍ إِلَى الْخَيْرِ.
وَ (مَا) نَافِيَةٌ نَفَتْ أَنْ يَنْطِقَ عَنِ الْهَوَى.
وَالْهَوَى: مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى مَا تُحِبُّهُ أَوْ تُحِبُّ أَنْ تَفْعَلَهُ دُونَ أَنْ يَقْتَضِيَهُ الْعَقْلُ السَّلِيمُ الْحَكِيمُ، وَلِذَلِكَ يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي الْهَوَى وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْحَقِّ، وَقَدْ يُحِبُّ الْمَرْءُ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ. فَالْمُرَادُ بِالْهَوَى إِذَا أُطْلِقَ أَنَّهُ الْهَوَى الْمُجَرَّدُ عَنِ الدَّلِيلِ.
وَنَفْيُ النُّطْقِ عَنْ هَوًى يَقْتَضِي نَفْيَ جِنْسِ مَا يَنْطِقُ بِهِ عَنِ الِاتِّصَافِ بِالصُّدُورِ عَنْ هَوًى سَوَاءٌ كَانَ الْقُرْآنُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْإِرْشَادِ النَّبَوِيِّ بِالتَّعْلِيمِ وَالْخَطَابَةِ وَالْمَوْعِظَةِ وَالْحِكْمَةِ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْمَقْصُودُ لِأَنَّهُ سَبَبُ هَذَا الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ تَنْزِيهَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النُّطْقِ عَنْ هَوًى يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ أَوْ يَحْكُمَ عَنْ هَوًى لِأَنَّ التَّنَزُّهَ عَنِ النُّطْقِ عَنْ هَوًى أَعْظَمُ مَرَاتِبِ الْحِكْمَةِ. وَلِذَلِكَ
وَرَدَ فِي صِفَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا»
. وَهُنَا تَمَّ إِبْطَالُ قَوْلِهِمْ فَحَسُنَ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى.
وَبَيْنَ هَوى والْهَوى جِنَاسٌ شبه التَّام.
(27/93)

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)
[سُورَة النَّجْم (53) : الْآيَات 4 إِلَى 10]
إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8)
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى (10)
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِجُمْلَةِ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النَّجْم: 3] .
وَضَمِيرُ هُوَ عَائِدٌ إِلَى الْمَنْطُوقِ بِهِ الْمَأْخُوذِ مِنْ فِعْلِ يَنْطِقُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْمَائِدَة: 8] أَيِ الْعَدْلُ الْمَأْخُوذُ مِنْ فِعْلِ اعْدِلُوا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى مَعْلُومٍ مِنْ سِيَاقِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا فِي أَقْوَالِهِمُ الْمَرْدُودَةِ بِقَوْلِهِ: مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى [النَّجْم: 2] زَعَمُوا الْقُرْآنَ سِحْرًا، أَوْ شِعْرًا، أَوْ كَهَانَةً، أَوْ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ، أَوْ إِفْكًا افْتَرَاهُ.
وَإِنْ كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْطِقُ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ عَنْ وَحْيٍ كَمَا فِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي جَوَابِهِ لِلَّذِي سَأَلَهُ: مَا يَفْعَلُ الْمُعْتَمِرُ؟
وَكَقَوْلِهِ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا»
، وَمِثْلَ جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ الَّتِي فِيهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَحْوُهُ.
وَفِي «سُنَنِ أبي دَاوُد» و «التِّرْمِذِيّ» مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَام بن معد يكرب قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكَ رَجُلٌ شَبْعَانَ عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ»
. وَقَدْ يَنْطِقُ عَنِ اجْتِهَادٍ كَأَمْرِهِ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ فِيهَا الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ
فَقيل لَهُ:
أَو نهريقها ونغسلها؟ فَقَالَ: «أَو ذَاك»
. فَهَذِهِ الْآيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ إِيرَادِهَا فِي الِاحْتِجَاجِ لِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا كَانَ نُزُولُهَا فِي أَوَّلِ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَالْوَحْيُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ فِي سُورَةِ
(27/94)

النِّسَاءِ [163] . وَجُمْلَةُ يُوحى مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ مَعَ دَلَالَةِ الْمُضَارِعِ عَلَى أَنَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ مُتَجَدِّدٌ وَحْيُهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
وَمُتَعَلِّقُ يُوحى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إِلَيْهِ، أَيْ إِلَى صَاحِبِكُمْ.
وَتُرِكَ فَاعِلُ الْوَحْيِ لِضَرْبٍ مِنَ الْإِجْمَالِ الَّذِي يَعْقِبُهُ التَّفْصِيلُ لِأَنَّهُ سَيَرِدُ بَعْدَهُ مَا يُبَيِّنُهُ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى.
وَجُمْلَةُ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى إِلَخْ، مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوَحْيِ.
وَضَمِيرُ الْغَائِبِ فِي عَلَّمَهُ عَائِدٌ إِلَى الْوَحْيِ، أَوْ إِلَى مَا عَادَ إِلَيْهِ ضَمِيرُ هُوَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ. وَضَمِيرُ هُوَ يَعُودُ إِلَى الْقُرْآنِ، وَهُوَ ضَمِيرٌ فِي مَحَلِّ أَحَدِ مَفْعُولَيْ (عَلَّمَ) وَهُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: عَلَّمَهُ إِيَّاهُ، يَعُودُ إِلَى صاحِبُكُمْ [النَّجْم: 2] وَيَجُوزُ جَعْلُ هَاءَ عَلَّمَهُ عَائِدًا إِلَى صاحِبُكُمْ وَالْمَحْذُوفُ عَائِدٌ إِلَى وَحْيٌ إِبْطَالًا لِقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النَّحْل: 103] .
وَ (عَلَّمَ) هُنَا مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ لِأَنَّهُ مُضَاعَفُ (عَلِمَ) الْمُتَعَدِّي إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ.
وشَدِيدُ الْقُوى: صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يُذْكَرُ بَعْدُ مِمَّا هُوَ من شؤون الْمَلَائِكَةِ، أَيْ مَلَكٌ شَدِيدُ الْقُوَى. وَاتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَالْمُرَادُ بِ الْقُوى اسْتِطَاعَةُ تَنْفِيذِ مَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَعْمَال الْعَظِيمَة العقيلة وَالْجُسْمَانِيَّةِ، فَهُوَ الْمَلَكُ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ.
وَالْمِرَّةُ، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ، تُطْلَقُ عَلَى قُوَّةِ الذَّاتِ وَتُطْلَقُ عَلَى مَتَانَةِ الْعَقْلِ وَأَصَالَتِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ وَصْفُهُ بِشَدِيدِ الْقُوَى، وَتَخْصِيصُ جِبْرِيلُ بِهَذَا الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ الْمَلَكُ الَّذِي يَنْزِلُ بِفُيُوضَاتِ الْحِكْمَةِ عَلَى
(27/95)

الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا نَاوَلَ الْمَلَكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كَأْسَ لَبَنٍ وَكَأْسَ خَمْرٍ، فَاخْتَارَ اللَّبَنَ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ وَلَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكُ.
وَقَوْلُهُ: فَاسْتَوى مُفَرَّعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى.
وَالْفَاءُ لِتَفْصِيلِ عَلَّمَهُ، وَالْمُسْتَوِي هُوَ جِبْرِيلُ. وَمَعْنَى اسْتِوَائِهِ: قِيَامُهُ بِعَزِيمَةٍ لِتَلَقِّي رِسَالَةِ اللَّهِ، كَمَا يُقَالُ: اسْتَقَلَّ قَائِمًا، وَمِثْلَ: بَيْنَ يَدَيْ فُلَانٍ، فَاسْتِوَاءُ جِبْرِيلُ هُوَ مَبْدَأُ التَّهَيُّؤِ لِقُبُولِ الرِّسَالَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ قُيِّدَ هَذَا الِاسْتِوَاءُ بِجُمْلَةِ الْحَالِ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. وَالضَّمِيرُ لِجِبْرِيلَ لَا مَحَالَةَ، أَيْ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ.
وَالْأُفُقُ: اسْمٌ لِلْجَوِّ الَّذِي يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مُلْتَقًى بَيْنَ طَرَفِ مُنْتَهَى النَّظَرِ مِنَ الْأَرْضِ وَبَيْنَ
مُنْتَهَى مَا يَلُوحُ كَالْقُبَّةِ الزَّرْقَاءِ، وَغَلَبَ إِطْلَاقُهُ عَلَى نَاحِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ مَوْطِنِ الْقَوْمِ وَمِنْهُ أُفُقُ الْمَشْرِقِ وَأُفُقُ الْمَغْرِبِ.
وَوَصْفُهُ بِ الْأَعْلى فِي هَذِهِ الْآيَةِ يُفِيدُ أَنَّهُ نَاحِيَةٌ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ. وَذُكِرَ هَذَا لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى.
وثُمَّ عَاطِفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ فَاسْتَوى، والتراخي الَّذِي تقيده ثُمَّ تَرَاخٍ رُتَبِيٌّ لِأَنَّ الدُّنُوَّ إِلَى حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَحْيُ هُوَ الْأَهَمُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
وَالدُّنُوُّ: الْقُرْبُ، وَإِذْ قَدْ كَانَ فِعْلُ الدُّنُوِّ قَدْ عُطِفَ بِ ثُمَّ على فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى عُلِمَ أَنَّهُ دَنَا إِلَى الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ، أَيْ أَخَذَ فِي الدُّنُوِّ بَعْدَ أَنْ تَلَقَّى مَا يُبَلِّغُهُ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَتَدَلَّى: انْخَفَضَ مِنْ عُلُوٍّ قَلِيلًا، أَيْ يَنْزِلُ مِنْ طَبَقَاتٍ إِلَى مَا تَحْتَهَا كَمَا يَتَدَلَّى الشَّيْءُ الْمُعَلَّقُ فِي الْهَوَاءِ بِحَيْثُ لَوْ رَآهُ الرَّائِي يَحْسَبُهُ مُتَدَلِّيًا، وَهُوَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ غَيْرَ مُنْقَضٍّ.
وقاب، قِيلَ مَعْنَاهُ: قَدْرَ. وَهُوَ وَاوِيُّ الْعَيْنِ، وَيُقَالُ: قَابَ وَقِيبَ بِكَسْرِ
(27/96)

الْقَافِ، وَهَذَا مَا دَرَجَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقِيلَ يُطْلَقُ الْقَابُ عَلَى مَا بَيْنَ مَقْبِضِ الْقَوْسِ (أَيْ وَسَطِ عُودِهِ الْمُقَوَّسِ) وَمَا بَيْنَ سِيتَيْهَا (أَيْ طَرَفَيْهَا الْمُنْعَطِفِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْوَتَرُ) فَلِلْقَوْسِ قَابَانِ وَسِيَتَانِ، وَلَعَلَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ هُوَ الْأَصْلُ لِلْآخَرِ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَمَلَ الْفَرَّاءُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: الْقَابُ صَدْرُ الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ حَيْثُ يُشَدُّ عَلَيْهِ السَّيْرُ الَّذِي يَتَنَكَّبُهُ صَاحِبُهُ وَلِكُلِّ قَوْسٍ قَابٌ وَاحِدٌ.
وَعَلَى كِلَا التَّفْسِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ: قابَ قَوْسَيْنِ أَصْلُهُ قَابَيْ قَوْسٍ أَوْ قَابَيْ قَوْسَيْنِ (بِتَثْنِيَةِ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَوْ كِلَيْهِمَا) فَوَقَعَ إِفْرَادُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا تَجَنُّبًا لِثِقَلِ الْمُثَنَّى كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التَّحْرِيم: 4] أَيْ قَلْبَاكُمَا.
وَقِيلَ يُطْلَقُ الْقَوْسُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ عَلَى ذِرَاعٍ يُذْرَعُ بِهِ (وَلَعَلَّهُ إِذَنْ مَصْدَرُ قَاسَ فَسُمِّيَ بِهِ مَا يُقَاسُ بِهِ) .
وَالْقَوْسُ: آلَةٌ مِنْ عُودِ نَبْعٍ، مُقَوَّسَةٌ يُشَدُّ بِهَا وَتَرٌ مِنْ جِلْدٍ وَيُرْمَى عَنْهَا السِّهَامُ وَالنِّشَابُ وَهِيَ فِي مِقْدَارِ الذِّرَاعِ عِنْدَ الْعَرَبِ.
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ قَوْسَيْنِ مِنَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّالِّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ
بِقَوْلِهِ: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى
، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي هَذَا الْبُعْدِ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ حِكَايَةٌ لِصُورَةِ الْوَحْيِ الَّذِي كَانَ فِي أَوَائِلِ عهد النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنبوءة فَكَانَتْ قُوَاهُ الْبَشَرِيَّةُ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ لِتَحَمُّلِ اتِّصَالِ الْقُوَّةِ الْمَلَكِيَّةِ بِهَا مُبَاشَرَةً رِفْقًا بِالنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَتَجَشَّمَ شَيْئًا يَشُقُّ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا اتَّصَلَ بِهِ فِي غَارِ حِرَاءٍ وَلَا اتِّصَالَ وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ بِالْغَطِّ
قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ»
ثُمَّ كَانَتْ تَعْتَرِيهِ الْحَالَةُ الْمَوْصُوفَةُ فِي حَدِيثِ نُزُولِ أَوَّلِ الْوَحْيِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَسُورَةِ الْمُزَّمِّلِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 5] ، ثُمَّ اعْتَادَ اتِّصَالَ جِبْرِيلَ بِهِ مُبَاشَرَةً فَقَدْ
جَاءَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَالسَّاعَةِ أَنَّهُ «جَلَسَ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ»
إِذْ كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ وَقَدِ اعْتَادَ الْوَحْيَ وَفَارَقَتْهُ شِدَّتُهُ،
(27/97)

مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12)
وَلِمُرَاعَاةِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ كَانَ جِبْرِيلُ يَتَمَثَّلُ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ وَقَدْ وَصَفَهُ عُمَرُ فِي حَدِيثِ بَيَانِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ: «إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ» الْحَدِيثُ،
وَأَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»
. وَقَوْلُهُ: أَوْ أَدْنى أَوْ فِيهِ لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّقْدِيرِ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّقْرِيبِ، أَيْ إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ تَقْرِيبَ هَذِهِ الْمَسَافَةِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، أَيْ لَا أَزْيَدَ إِشَارَةٌ إِلَى أَن التَّقْدِير لَا مُبَالَغَةَ فِيهِ.
وَتَفْرِيعُ فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى
عَلَى قَوْلِهِ: فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ الْمُفَرَّعِ عَلَى الْمُفَرَّعِ عَلَى قَوْلِهِ: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى، وَهَذَا التَّفْرِيعُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْبَيَانِ وَمَا قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ، وَتَمْثِيلٌ لِأَحْوَالٍ عَجِيبَةٍ بِأَقْرَبِ مَا يَفْهَمُهُ النَّاسُ لِقَصْدِ بَيَانِ إِمْكَانِ تَلَقِّي الْوَحْيِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى إِذْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِيلُونَهُ فَبَيَّنَ لَهُمْ إِمْكَانَ الْوَحْيِ بِوَصْفِ طَرِيقِ الْوَحْيِ إِجْمَالًا، وَهَذِهِ كَيْفِيَّةٌ مِنْ صُوَرِ الْوَحْيِ.
وَضَمِيرُ أَوْحى
عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمعْنَى: فَأوحى الله إِلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَذَا كَافٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِثْبَاتُ الْإِيحَاءِ لِإِبْطَالِ إِنْكَارِهِمْ إِيَّاهُ.
وَإِيثَارُ التَّعْبِيرِ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُنْوَانِ عَبْدِهِ
إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ فِي اخْتِصَاصِ الْإِضَافَةِ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ.
وَفِي قَوْلِهِ: مَا أَوْحى
إِبْهَام لِتَفْخِيمِ مَا أوحى إِلَيْهِ.
[11، 12]

[سُورَة النَّجْم (53) : الْآيَات 11 إِلَى 12]
مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى (11) أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى (12)
الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا رَدٌّ لِتَكْذِيبٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا بَلَغَهُمْ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ رُؤْيَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَلَكَ جِبْرِيلَ وَهُوَ الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدَ: أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى.
(27/98)

وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: الْفُؤادُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ فُؤَادُهُ وَعَلَيْهِ فَيَكُونَ تَفْرِيعُ الِاسْتِفْهَامِ فِي قَوْلِهِ: أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى اسْتِفْهَامًا إِنْكَارِيًّا لِأَنَّهُمْ مَارَوْهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ [النَّجْم: 9] فَإِنَّهُ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ بِمَرْأًى من النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرفع احْتِمَالِ الْمَجَازِ فِي تَشْبِيهِ الْقُرْبِ، أَيْ هُوَ قُرْبٌ حِسِّيٌّ وَلَيْسَ مُجَرَّدَ اتِّصَالٍ رُوحَانِيٍّ فَيَكُونُ الِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ:
أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى مُسْتَعْمَلًا فِي الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، أَيْ أَفَسَتُكَذِّبُونَهُ فِيمَا يَرَى بِعَيْنَيْهِ كَمَا كَذَّبْتُمُوهُ فِيمَا بَلَغَكُمْ عَنِ اللَّهِ، كَمَا يَقُولُ قَائِلٌ: «أَتَحْسَبُنِي غَافِلًا» وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ فِي قَضِيَّتِهِمَا «أَتُحَاوِلَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ» .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَا كَذَبَ بِتَخْفِيفِ الذَّالِ، وَقَرَأَهُ هِشَامٌ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ الذَّالِ، وَالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ عَلَى حَالِهِمَا كَمَا فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ.
وَالْفُؤَادُ: الْعَقْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَالَ تَعَالَى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [الْقَصَص: 10] .
وَالْكَذِبُ: أُطْلِقَ عَلَى التَّخْيِيلِ وَالتَّلْبِيسِ مِنَ الْحَوَاسِّ كَمَا يُقَالُ: كَذَّبَتْهُ عَيْنُهُ.
وَمَا
مَوْصُولَةٌ، وَالرَّابِطُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى عَبْدِهِ
فِي قَوْلِهِ:
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ
[النَّجْم: 10] أَيْ مَا رَآهُ عَبْدُهُ بِبَصَرِهِ.
وَتَفْرِيعُ أَفَتُمارُونَهُ عَلَى جُمْلَةِ مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَفَتُمارُونَهُ مِنَ الْمُمَارَاةِ وَهِيَ