Advertisement

التحرير والتنوير 11



الكتاب :التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»
المؤلف : محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى : 1393هـ)
الناشر : الدار التونسية للنشر - تونس
سنة النشر: 1984 هـ
عدد الأجزاء : 30 (والجزء رقم 8 في قسمين)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، وهو مذيل بالحواشي، وضمن خدمة مقارنة التفاسير] وَيَكُونُ اسْمُ الْإِشَارَةِ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ وَالْمَعْنَى: حَسْبُكَ إِيقَاعًا بِهِمْ أَنْ تَكِلَ أَمْرَهُمْ إِلَيَّ فَأَنَا أَعْلَمُ كَيْفَ أَنْتَصِفُ مِنْهُمْ فَلَا تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِهِمْ وَتَوَكَّلْ عَلَيَّ.
وَيَتَضَمَّنُ هَذَا تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ لِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ هَذَا الْكَلَامَ.
وَهَذَا وعد للنَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّصْرِ وَوَعِيدٌ لَهُمْ بِانْتِقَامٍ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ.
وَجُمْلَةُ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، بَيَان لمضمون فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْاسْتِدْرَاجَ وَالْإِمْلَاءَ يَعْقُبُهُمَا الْانْتِقَامُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: سَنَأْخُذُهُمْ بأعمالهم فَلَا تستبطىء الْانْتِقَامَ فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ وَلَكِنْ يُؤَخَّرُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي تَأْخِيرَهُ.
وَالْاسْتِدْرَاجُ: اسْتِنْزَالُ الشَّيْءِ مِنْ دَرَجَةٍ إِلَى أُخْرَى فِي مِثْلِ السُّلَّمِ، وَكَانَ أَصْلُ السِّينِ وَالتَّاءِ فِيهِ لِلطَّلَبِ أَيْ مُحَاوَلَةُ التَّدَرُّجِ، أَيِ التَّنَقُّلِ فِي الدَّرَجِ، وَالْقَرِينَةُ تَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ النُّزُولِ إِذِ التَّنَقُّلُ فِي الدَّرَجِ يَكُونُ صُعُودًا وَنُزُولًا، ثُمَّ شَاعَ إِطْلَاقُهُ عَلَى مُعَامَلَةٍ حَسَنَةٍ لِمُسِيءٍ إِلَى إِبَّانٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ حُلُولِهِ عِقَابُهُ وَمَعْنَى مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اسْتِدْرَاجَهُمُ الْمُفْضِيَ إِلَى حُلُولِ الْعِقَابِ بِهِمْ يَأْتِيهِمْ مِنْ أَحْوَالٍ وَأَسْبَابٍ لَا يَتَفَطَّنُونَ إِلَى أَنَّهَا مُفْضِيَةٌ بِهِمْ إِلَى الْهَلَاكِ،
وَذَلِكَ أَجْلَبُ لِقُوَّةِ حَسْرَتِهِمْ عِنْدَ حُلُولِ الْمَصَائِبِ بِهِمْ، فَ مَنْ ابْتِدَائِيَّةٌ، وحَيْثُ لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ، أَيِ الْأَسْبَابِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي يَحْسَبُونَهَا تَأْتِيهِمْ بِخَيْرٍ فَتَنْكَشِفُ لَهُمْ عَنِ الضُّرِّ، وَمَفْعُولُ لَا يَعْلَمُونَ ضَمِيرُ مَحْذُوفٍ عَائِدٌ إِلَى حَيْثُ.
وأُمْلِي: مُضَارِعُ أَمْلَى، مَقْصُورًا بِمَعْنَى أَمْهَلَ وَأَخَّرَ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَلَا مَقْصُورًا، وَهُوَ الْحِينُ وَالزَّمَنُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ: الْمَلَوَانِ، فَيَكُونُ أَمْلَى بِمَعْنَى طَوَّلَ فِي الزَّمَانِ، وَمَصْدَرُهُ إِمْلَاءٌ.
وَلَامُ لَهُمْ هِيَ اللَّامُ الْمُسَمَّاةُ لَامَ التَّبْيِينِ، وَهِيَ الَّتِي تُبَيِّنُ اتِّصَالَ مَدْخُولِهَا بِعَامِلِهِ لِخَفَاءٍ فِيهِ فَإِنَّ اشْتِقَاقَ فِعْلِ أَمْلَى مِنَ الْمَلْوِ، وَهُوَ الزَّمَانُ اشْتِقَاقٌ غَيْرُ بَيِّنٍ لِخَفَاءِ مَعْنَى الْحَدَثِ فِيهِ.
وَنُونُ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ نُونُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ، وَالْمُرَادُ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ الْمُوَكَّلُونَ
(29/101)

أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46)
بِتَسْخِيرِ الْمَوْجُودَاتِ وَرَبْطِ أَحْوَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ عَلَى وَجْهٍ يَتِمُّ بِهِ مُرَادُ اللَّهِ فَلِذَلِكَ جِيءَ بِنُونِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ فَالْاسْتِدْرَاجُ تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ لِقُدْرَةِ اللَّهِ فَيَحْصُلُ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ الْآيَة [الْأَنْفَال: 12] .
وَأَمَّا الْإِمْلَاءُ فَهُوَ عِلْمُ اللَّهِ بِتَأْجِيلِ أَخْذِهِمْ. وَتَعَلُّقُ الْعِلْمِ يَنْفَرِدُ بِهِ اللَّهُ فَلِذَلِكَ جِيءَ مَعَهُ بِضَمِيرِ الْمُفْرَدِ. وَحَصَلَ فِي هَذَا الْاخْتِلَافِ تَفَنُّنٌ فِي الضَّمِيرَيْنِ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ فِي الْأَعْرَافِ [182- 183] : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمَا وَعَدٌ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّصْرِ وَتَثْبِيتٌ لَهُ بِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الْكَافِرِينَ فِي نِعْمَةٍ إِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ وَإِمْلَاءٌ وَضَرْبٌ يُشْبِهُ الْكَيْدَ وَأَنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ فِيهِمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ [آل عمرَان: 196- 197] .
وَمَوْقِعُ إِنَّ مَوْقِعُ التَّسَبُّبِ وَالتَّعْلِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [96] .
وَإِطْلَاقُ الْكَيْدِ عَلَى إِحْسَانِ اللَّهِ لِقَوْمٍ مَعَ إِرَادَةِ إِلْحَاقِ السُّوءِ بِهِمْ إِطْلَاقٌ عَلَى وَجْهِ الْاسْتِعَارَةِ لِمُشَابَهَتِهِ فِعْلَ الْكَائِدِ مِنْ حَيْثُ تَعْجِيلُ الْإِحْسَانِ وتعقيبه بالإساءة.
[46]

[سُورَة الْقَلَم (68) : آيَة 46]
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46)
إِضْرَابٌ آخَرُ لِلْانْتِقَالِ إِلَى إِبْطَالٍ آخَرَ مِنْ إِبْطَالِ مَعَاذِيرِهِمْ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنِ اسْتِجَابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبْتَدِئِ مِنْ قَوْلِهِ: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتابٌ [الْقَلَم:
36- 37] أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ [الْقَلَم: 39] أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ [الْقَلَم: 41] فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ نَفَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ تُؤَيِّدُ صَلَاحَ حَالِهِمْ، أَوْ وَعْدٌ لَهُمْ بِإِعْطَاءِ مَا يَرْغَبُونَ، أَوْ أَوْلِيَاءٌ يَنْصُرُونَهُمْ، عَطَفَ الْكَلَامَ إِلَى نَفْيِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ ضُرٌّ فِي إِجَابَةِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ، اسْتِقْصَاءً لِقَطْعِ مَا يُحْتَمَلُ مِنَ الْمَعَاذِيرِ بِافْتِرَاضِ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُمْ أَجْرًا عَلَى هَدْيِهِ إِيَّاهُمْ، فَصَدَّهُمْ عَنْ إجَابَته ثقل عزم الْمَالِ عَلَى نُفُوسِهِمْ.
فَالْاسْتِفْهَامُ الَّذِي تُؤْذِنُ بِهِ أَمْ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ لِفَرْضِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يُخَامِرُ نُفُوسَهُمْ فَرْضًا اقْتَضَاهُ اسْتِقْرَاءُ نَوَايَاهُمْ مِنْ مَوَاقِعِ الْإِقْبَالِ عَلَى دَعْوَةِ الْخَيْرِ وَالرُّشْدِ.
(29/102)

أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47)
وَالْمَغْرَمُ: مَا يُفْرَضُ عَلَى الْمَرْءِ أَدَاؤُهُ مِنْ مَالِهِ لِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَا جِنَايَةٍ.
وَالْمُثْقَلُ: الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْإِشْفَاقِ.
وَالْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ وَالتَّسَبُّبِ، أَيْ فَيَتَسَبَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّكَ شَقَقْتَ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ اعْتِذَارًا مِنْهُمْ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ.
ومِنْ مَغْرَمٍ مُتَعَلِّقٌ بِ مُثْقَلُونَ، ومِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ، وَهُوَ ابْتِدَاءٌ مَجَازِيٌّ بِمَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ عَلَى عَامِلِهِ لِلْاهْتِمَامِ بِمُوجِبِ الْمَشَقَّةِ قَبْلَ ذِكْرِهَا مَعَ الرِّعَايَةِ على الفاصلة.
[47]

[سُورَة الْقَلَم (68) : آيَة 47]
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47)
إِضْرَابٌ آخَرُ انْتَقَلَ بِهِ مِنْ مَدَارِجِ إِبْطَالِ مَعَاذِيرَ مَفْرُوضَةٍ لَهُمْ أَن يَتَمَسَّكُوا بِبَعْضِهَا تَعِلَّةً لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الْقُرْآنِ، قَطْعًا لِمَا عَسَى أَنْ يَنْتَحِلُوهُ مِنَ الْمَعَاذِيرِ عَلَى طَرِيقَةِ الْاسْتِقْرَاءِ وَمَنْعِ الْخُلُوِّ.
وَقَدْ جَاءَتِ الْإِبْطَالَاتُ السَّالِفَةُ مُتَعَلِّقَةً بِمَا يُفْرَضُ لَهُمْ مِنَ الْمَعَاذِيرِ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ مُسْتَنَدَاتٍ مِنَ الْمُشَاهَدَاتِ، وَانْتُقِلَ الْآنَ إِلَى إِبْطَالٍ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، وَهُوَ إِبْطَالُ حُجَّةٍ مَفْرُوضَةٍ يَسْتَنِدُونَ فِيهَا إِلَى عِلْمِ شَيْءٍ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ الْمُغَيَّبَاتِ عَنِ النَّاسِ. وَهِيَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْغَيْبِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [3] . وَقَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَنَّ أُمُورَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ أَوْ مَنْ
أَطْلَعَ مِنْ عِبَادِهِ عَلَى بَعْضِهَا.
وَالْكَلَامُ هُنَا عَلَى حَذْفٍ مُضَافٍ، أَيْ أَعِنْدَهُمْ عِلْمُ الْغَيْبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى فِي سُورَةِ النَّجْمِ [35] .
فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أَنَّهُ حَصَلَ فِي عِلْمِهِمْ وَمُكْنَتِهِمْ، أَيْ بِاطِّلَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَيْهِ أَوْ بِإِبْلَاغِ كُبَرَائِهِمْ إِلَيْهِمْ وَتَلَقِّيهِمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
وَتَقْدِيمُ عِنْدَهُمُ عَلَى الْمُبْتَدَإِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ لِإِفَادَةِ الْاخْتِصَاصِ، أَيْ صَارَ عِلْمُ الْغَيْبِ عِنْدَهُمْ لَا عِنْدَ اللَّهِ.
وَمَعْنَى يَكْتُبُونَ: يَفْرِضُونَ وَيُعَيِّنُونَ كَقَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [الْبَقَرَة: 178]
(29/103)

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)
وَقَوْلُهُ: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النِّسَاء: 24] ، أَيْ فَهُمْ يَفْرِضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ أَنَّ السَّعَادَةَ فِي النُّفُورِ مِنْ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ وَيَفْرِضُونَ ذَلِكَ عَلَى الدَّهْمَاءِ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ.
وَمَجِيءُ جُمْلَةِ فَهُمْ يَكْتُبُونَ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْ جُمْلَةِ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا فِي الْغَيْبِ مَفْرُوضٌ كَوْنِهِ شَاهِدًا عَلَى حُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الْقَلَم: 36] كَمَا عَلمته آنِفا.
[48- 50]

[سُورَة الْقَلَم (68) : الْآيَات 48 إِلَى 50]
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)
تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِبْطَالِ مَزَاعِمِ الْمُشْرِكِينَ وَمَطَاعِنِهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا تَبِعَهُ مِنْ تَكَفُّلِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَاقِبَةِ النَّصْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ شِدَّتَهُ عَلَى نَفْسِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُدْخِلَ عَلَيْهِ يَأْسًا مِنْ حُصُولِ رَغْبَتِهِ وَنَجَاحِ سَعْيِهِ، فَفَرَّعَ عَلَيْهِ تَثْبِيتَهُ وَحَثَّهُ عَلَى الْمُصَابَرَةِ وَاسْتِمْرَارَهُ عَلَى الْهَدْيِ، وَتَعْرِيفَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ التَّثْبِيتَ يَرْفَعُ دَرَجَتَهُ فِي مَقَامِ الرِّسَالَةِ لِيَكُونَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ، فَذَكَّرَهُ بِمَثَلِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذِ اسْتَعْجَلَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، فَأَدَّبَهُ اللَّهُ ثُمَّ اجْتَبَاهُ وَتَابَ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ تَذْكِيرًا مُرَادًا بِهِ التَّحْذِيرُ.
وَالْمُرَادُ بِحُكْمِ الرَّبِّ هُنَا أَمَرُهُ وَهُوَ مَا حَمَّلَهُ إِيَّاهُ مِنَ الْإِرْسَالِ وَالْاضْطِلَاعِ بِأَعْبَاءِ الدَّعْوَةِ. وَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ الْمُسْتَقْرَأُ مِنْ آيَاتِ الْأَمْرِ بِالدَّعْوَةِ الَّتِي أَوَّلِهَا يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ إِلَى قَوْلِهِ: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر: 1- 7] فَهَذَا هُوَ الصَّبْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا. وَلَا جَرَمَ أَنَّ الصَّبْرَ لِذَلِكَ يَسْتَدْعِي انْتِظَارَ الْوَعْدِ بِالنَّصْرِ وَعَدَمَ الضَّجَرِ مِنْ تَأَخُّرِهِ إِلَى
أَمَدِهِ الْمُقَدَّرِ فِي عِلْمِ اللَّهِ.
وَصَاحِبُ الْحُوتِ: هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ إِلَى قَوْلِهِ: وَيُونُسَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [84- 86] .
وَالصَّاحِبُ: الَّذِي يَصْحَبُ غَيْرَهُ، أَيْ يَكُونُ مَعَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْ فِي
(29/104)

مُعْظَمِهَا، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى يُونُسَ لِأَنَّ الْحُوتَ الْتَقَمَهُ ثُمَّ قَذَفَهُ فَصَارَ (صَاحِبُ الْحُوتِ) لَقَبًا لَهُ لِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ مَعِيَّةٌ قَوِيَّةٌ.
وَقَدْ كَانَتْ مُؤَاخَذَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ضَجَرِهِ مِنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وَهُمْ أَهْلُ نِينَوَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الصافات.
وإِذْ طرف زَمَانٍ وَهُوَ وَجُمْلَتُهُ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِقْرَارٍ مَنْصُوبٍ عَلَى الْحَالِ أَيْ فِي حَالَةِ وَقْتِ نِدَائِهِ رَبَّهُ، فَإِنَّهُ مَا نَادَى رَبَّهُ إِلَّا لِإِنْقَاذِهِ مِنْ كَرْبِهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ بِسَبَبِ مُغَاضَبَتِهِ وَضَجَرِهِ مِنْ قَوْمِهِ، أَيْ لَا يَكُنْ مِنْكَ مَا يُلْجِئُكَ إِلَى مِثْلِ نِدَائِهِ.
وَالْمَكْظُومُ: الْمَحْبُوسُ الْمَسْدُودُ عَلَيْهِ يُقَالُ: كَظَمَ الْبَابَ أَغْلَقَهُ وَكَظَمَ النَّهْرَ إِذَا سَدَّهُ، وَالْمَعْنَى: نَادَى فِي حَالِ حَبْسِهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ.
وَجِيءَ بِهَذِهِ الْحَالِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِدَلَالَتِهَا عَلَى الثَّبَاتِ، أَيْ هُوَ فِي حَبْسٍ لَا يُرْجَى لِمِثْلِهِ سَرَاحٌ، وَهَذَا تَمْهِيدٌ لِلْامْتِنَانِ عَلَيْهِ بِالنَّجَاةِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْحَبْسِ.
وَقَوْلُهُ: لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ إِلَخِ اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَنْ مَضْمُونِ النَّهْيِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى إِلَخْ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّحْذِيرَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي كَرْبٍ مِنْ قَبِيلِ كَرْبِ يُونُسَ ثُمَّ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ انْفِرَاجُهُ.
وأَنْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنْ (أَنَّ) ، وَاسْمُهَا ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، وَجُمْلَةُ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ خَبَرُهَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أَيْ لَوْلَا تَدَارَكَ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ.
وَالتَّدَارُكُ: تَفَاعُلُ مِنَ الدَّرَكِ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الْلَّحَاقُ، أَيْ أَنْ يَلْحَقَ بَعْضُ السَّائِرِينَ بَعْضًا وَهُوَ يَقْتَضِي تَسَابُقَهُمْ وَهُوَ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي مُبَالَغَةِ إِدْرَاكِ نِعْمَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ.
وَالنَّبْذُ: الطَّرْحُ وَالتَّرْكُ. وَالْعَرَاءُ مَمْدُودًا: الْفَضَاءُ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ وَلَا بِنَاءَ.
وَالْمَعْنَى: لَنَبَذَهُ الْحُوتُ أَوِ الْبَحْرُ بِالْفَضَاءِ الْخَالِي لِأَنَّ الْحُوتَ الَّذِي ابْتَلَعَهُ مِنَ النَّوْعِ
الَّذِي يُرْضِعُ فِرَاخَهُ فَهُوَ يَقْتَرِبُ مِنَ السَّوَاحِلِ الْخَالِيَةِ الْمُتَرَامِيَةِ الْأَطْرَافِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ وَفِرَاخِهِ.
(29/105)

وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِأَنْ أَنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةَ الْيَقْطِينِ كَمَا فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ.
وَأُدْمِجَ فِي ذَلِكَ فَضْلُ التَّوْبَةِ وَالضَّرَاعَةِ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا تَوْبَتُهُ وَضَرَاعَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِنْعَامُ اللَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً بَعْدَ نِعْمَةٍ لَقَذَفَهُ الْحُوتُ مِنْ بَطْنِهِ مَيِّتًا فَأَخْرَجَهُ الْمَوْجُ إِلَى الشَّاطِئِ فَلَكَانَ مُثْلَةً لِلنَّاظِرِينَ أَوْ حَيًّا مَنْبُوذًا بِالْعَرَاءِ لَا يَجِدُ إِسْعَافًا، أَوْ لَنَجَا بَعْدَ لَأْيٍّ وَاللَّهُ غَاضِبٌ عَلَيْهِ فَهُوَ مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ. وَهِيَ نِعَمٌ كَثِيرَةٌ عَلَيْهِ إِذْ أَنْقَذَهُ مِنْ هَذِهِ الْوَرَطَاتِ كُلِّهَا إِنْقَاذًا خَارِقًا لِلْعَادَةِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى طُوِيَ طَيًّا بَدِيعًا وَأُشِيرَ إِلَيْهِ إِشَارَةً بَلِيغَةً بِجُمْلَةِ لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.
وَطَرِيقَةُ الْمُفَسِّرِينَ فِي نَشْرِ هَذَا الْمَطْوِيِّ أَنَّ جُمْلَةَ وَهُوَ مَذْمُومٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَأَنَّ تِلْكَ الْحَالَ قَيْدٌ فِي جَوَابِ لَوْلا، فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ نَبْذًا ذَمِيمًا، أَيْ وَلَكِنَّ يُونُسَ نُبِذَ بِالْعَرَاءِ غَيْرَ مَذْمُومٍ.
وَالَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ نَبْذَهُ بِالْعَرَاءِ وَاقِعٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلشَّرْطِ لِأَنَّ لَوْلا تَقْتَضِي امْتِنَاعًا لِوُجُودٍ، فَلَا يَكُونُ جَوَابُهَا وَاقِعًا فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُ تَقْيِيدِ الْجَوَابِ بِجُمْلَةِ الْحَالِ، أَيِ انْتَفَى ذَمُّهُ عِنْدَ نَبْذِهِ بِالْعَرَاءِ.
وَيَلُوحُ لِي فِي تَفْصِيلِ النَّظَمِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ لَوْلا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَهُوَ مَكْظُومٌ مَعَ مَا تُفِيدُهُ صِيغَةُ الْجُمْلَةِ الْاسْمِيَّةِ مِنْ تَمَكُّنِ الْكَظْمِ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا، فَتِلْكَ الْحَالَةُ إِذَا اسْتَمَرَّتْ لَمْ يَحْصُلْ نَبْذُهُ بِالْعَرَاءِ، وَيَكُونُ الشَّرْطُ ب لَوْلا لَا حَقًا لِجُمْلَةِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ، أَيْ لَبَقِيَ مَكْظُومًا، أَيْ مَحْبُوسًا فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَبَدًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ [143- 144] فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وَتَجْعَلُ جُمْلَةَ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنِ الْإِجْمَالِ الْحَاصِلِ مِنْ مَوْقِعِ لَوْلا.
وَالْلَّامُ فِيهَا لَامُ الْقَسَمِ لِلتَّحْقِيقِ لِأَنَّهُ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ فَتَأْكِيدُهُ لِرَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ.
وَالْمَعْنَى: لَقَدْ نُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ. وَالْمَذْمُومُ: إِمَّا بِمَعْنَى الْمُذْنِبِ لِأَنَّ الذَّنْبَ يَقْتَضِي الذَّمَّ فِي الْعَاجِلِ وَالْعِقَابَ فِي الْآجِلِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي آيَةِ الصَّافَّاتِ
(29/106)

وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)
فَالْتَقَمَهُ
الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ
وَإِمَّا بِمَعْنَى الْعَيْبِ وَهُوَ كَوْنُهُ عَارِيًا جَائِعًا فَيَكُونُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ:
فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ [الصافات: 145] فَإِنَّ السُّقْمَ عَيْبٌ أَيْضًا.
وَتَنْكِيرُ نِعْمَةٌ لِلتَّعْظِيمِ لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ مُضَاعَفَةٌ مُكَرَّرَةٌ.
وَفُرِّعَ عَلَى هَذَا النَّفْيِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ اللَّهَ اجْتَبَاهُ وَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.
وَالْمُرَادُ بِ الصَّالِحِينَ الْمُفَضَّلُونَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [الشُّعَرَاء: 83] وَذَلِكَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الصَّلَاحَ هُوَ أَصْلُ الْخَيْرِ وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ [10] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَدَّ اللَّهُ إِلَى يُونُسَ الْوَحْيَ وَشَفَّعَهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي قومه.
[51- 52]

[سُورَة الْقَلَم (68) : الْآيَات 51 إِلَى 52]
وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (52)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ [الْقَلَم: 44] ، عَرَّفَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسُ الْمُشْرِكِينَ نَحْوَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحِقْدِ وَالْغَيْظِ وإضمار الشَّرّ عِنْد مَا يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ.
وَالزَّلَقُ: بِفَتْحَتَيْنِ زَلَلُ الرِّجْلِ مِنْ مُلَاسَةِ الْأَرْضِ مِنْ طِينِ عَليْهَا أَوْ دُهْنٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [40] .
وَلَمَّا كَانَ الزَّلَقُ يُفْضِي إِلَى السُّقُوطِ غَالِبًا أُطْلِقَ الزَّلَقُ وَمَا يُشْتَقُّ مِنْهُ عَلَى السُّقُوطِ وَالْانْدِحَاضِ عَلَى وَجْهِ الْكِنَايَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا لَيُزْلِقُونَكَ، أَيْ يُسْقِطُونَكَ وَيَصْرَعُونَكَ.
وَعَن مُجَاهِد: أَي يَنْفِذُونَكَ بِنَظَرِهِمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُقَالُ زَلَقَ السَّهْمُ وَزَهَقَ، إِذَا نَفِذَ، وَلَمْ أَرَاهُ لِغَيْرِهِ، قَالَ الرَّاغِبُ قَالَ يُونُسُ: لَمْ يُسْمَعِ الزَّلَقُ وَالْإِزْلَاقُ إِلَّا فِي الْقُرْآنِ اهـ.
(29/107)

قُلْتُ: وَعَلَى جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَقَدْ جَعَلَ الْإِزْلَاقَ بِأَبْصَارِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ، شُبِّهَتِ الْأَبْصَارُ بِالسِّهَامِ وَرُمِزَ إِلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ بِمَا هُوَ مِنْ رَوَادِفِهِ وَهُوَ فِعْلُ (يَزْلِقُونَكَ) وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا [آل عمرَان:
155] .
وَقَرَأَ نَافِعُ وَأَبُو جَعْفَرٍ (يَزْلِقُونَكَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ مُضَارِعُ زَلَقَ بِفَتْحِ الْلَّامِ يَزْلَقُ مُتَعَدِّيًا، إِذَا نَحَّاهُ عَنْ مَكَانِهِ.
وَجَاءَ يَكادُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اسْتِمْرَارِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَجَاءَ فِعْلُ سَمِعُوا مَاضِيًا لِوُقُوعِهِ مَعَ لَمَّا وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَلَيْسَ مُجَرَّدَ فَرْضٍ.
وَالْلَّامُ فِي لَيُزْلِقُونَكَ لَامُ الْابْتِدَاءِ الَّتِي تَدْخُلُ كَثِيرًا فِي خَبَرِ إِنْ الْمَكْسُورَةِ وَهِيَ أَيْضًا تُفَرِّقُ بَيْنَ إِنْ الْمُخَفَّفَةِ وَبَيْنَ (إِنْ) النَّافِيَةِ.
وَضَمِيرُ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ عَائِدٌ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِكَايَةً لِكَلَامِهِمْ بَيْنَهُمْ، فَمَعَادُ الضَّمِيرِ كَائِنٌ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ، أَوْ لَيْسَ لِلضَّمِيرِ مَعَادٌ فِي كَلَامِهِمْ لِأَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إِلَى مَنْ يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ فِي غَالِبِ مَجَالِسِهِمْ.
وَالْمَعْنَى: يَقُولُونَ ذَلِكَ اعْتِلَالًا لِأَنْفُسِهِمْ إِذْ لَمْ يَجِدُوا فِي الذِّكْرِ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ مَدْخَلًا لِلطَّعْنِ فِيهِ فَانْصَرَفُوا إِلَى الطَّعْنِ فِي صَاحِبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِأَنَّهُ مَجْنُونٌ لِيَنْتَقِلُوا مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْجَارِيَ عَلَى لِسَانِهِ لَا يُوثَقُ بِهِ لِيَصْرِفُوا دَهْمَاءَهُمْ عَنْ سَمَاعِهِ، فَلِذَلِكَ أَبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَهُمْ: إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ بِقَوْلِهِ: وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، أَيْ مَا الْقُرْآنُ إِلَّا ذِكْرٌ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ وَلَيْسَ بِكَلَامِ الْمَجَانِينِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ النَّاطِقَ بِهِ لَيْسَ مِنَ الْمَجَانِينِ فِي شَيْءٍ.
وَالذِّكْرُ: التَّذْكِيرُ بِاللَّهِ وَالْجَزَاءُ هُوَ أَشْرَفُ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ لِأَنَّ فِيهِ صَلَاحَ النَّاسِ.
فَضَمِيرُ هُوَ عَائِدٌ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ بَلْ إِلَى مَعْلُومٍ مِنَ الْمَقَامِ، وَقَرِينَةُ السِّيَاقِ تُرْجِعُ كُلَّ ضَمِيرٍ مِنْ ضَمِيرِيِ الْغَيْبَةِ إِلَى مَعَادِهِ، كَقَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ:
عُدْنَا وَلَوْلَا نَحْنُ أَحْدَقَ جَمْعُهُمْ ... بِالْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوا مَا جَمَّعُوا
أَيْ لَأَحْرَزَ الْكُفَّارُ مَا جَمَّعَهُ الْمُسْلِمُونَ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [الْقَلَم: 2] مُحْسِّنٌ رَدَّ الْعَجُزَ عَلَى الصَّدْرِ.
(29/108)

وَقَوْلُهُ: وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ إبِْطَال لِقَوْلِهِمْ: إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوهُ فِي سِيَاقِ تَكْذِيبِهِمْ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ ذِكْرٌ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ مُبَلِّغُهُ مَجْنُونًا. وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ الْاحْتِبَاكِ إِذِ التَّقْدِيرُ: وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ مَجْنُونٍ، وَمَا الْقُرْآنُ إِلَّا ذِكْرٌ وَمَا أَنْتَ إِلَّا مُذَكِّرٌ.
(29/109)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

69- سُورَةُ الْحَاقَّةِ
سُمِّيَتْ «سُورَةُ الْحَاقَّةِ» فِي عَهْدِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «خَرَجْتُ يَوْمًا بِمَكَّةَ أَتَعَرَّضُ لِرَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَوَقَفْتُ خَلْفَهُ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ، (أَيْ قُلْتُ فِي خَاطِرِي) ، فَقَرَأَ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة: 41] قُلْتُ: كَاهِنٌ، فَقَرَأَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [الحاقة: 42- 43] إِلَى آخَرِ السُّورَةِ، فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ»
. وَبِاسْمِ الْحَاقَّةُ عُنْوِنَتْ فِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ. وَقَالَ الْفَيْرُوزَآبَادِيُّ فِي «بَصَائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ» : إِنَّهَا تُسَمَّى أَيْضًا «سُورَةُ السِّلْسِلَةِ» لِقَوْلِهِ: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ [الحاقة: 32] وسماها الجعربي فِي مَنْظُومَتِهِ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ «الْوَاعِيَةَ» وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ وُقُوعِ قَوْلِهِ وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[الحاقة: 12] وَلَمْ أَرَ لَهُ سَلَفًا فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ.
(29/110)

الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)
وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا «سُورَةَ الْحَاقَّةِ» وُقُوعُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي أَوَّلِهَا وَلَمْ تَقَعْ فِي غَيْرِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَمُقْتَضَى الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَإِنَّ عُمَرَ أَسْلَمَ بَعْدَ هِجْرَةِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَكَانَتْ الْهِجْرَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ سَنَةَ خَمْسٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ السَّابِعَةُ وَالسَّبْعِينَ فِي عِدَادِ تَرْتِيبِ النُّزُولِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ تَبَارَكَ وَقَبْلَ سُورَةِ الْمَعَارِجِ.
وَاتَّفَقَ الْعَادُّونَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ عَلَى عَدِّ آيِهَا إِحْدَى وَخَمْسِينَ آيَةً.

أَغْرَاضُهَا
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى تَهْوِيلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَتَهْدِيدِ الْمُكَذِّبِينَ بِوُقُوعِهِ.
وَتَذْكِيرِهِمْ بِمَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ بِهِ مِنْ عَذَابٍ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَتَهْدِيدِ الْمُكَذِّبِينَ لِرُسُلِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأُمَمِ الَّتِي أَشْرَكَتْ وَكَذَّبَتْ.
وَأُدْمِجَ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ نَجَّى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْعَذَابِ، وَفِي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْبَشَرِ إِذْ أَبْقَى نَوْعَهُمْ بِالْإِنْجَاءِ مِنَ الطُّوفَانِ.
وَوَصْفِ أَهْوَالٍ مِنَ الْجَزَاءِ وَتَفَاوُتِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ فِيهِ.
وَوَصْفِ فَظَاعَةِ حَالِ الْعِقَابِ عَلَى الْكُفْرِ وَعَلَى نَبْذِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، وَالتَّنْوِيهِ بِالْقُرْآنِ.
وَتَنْزِيهِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ رَسُولٍ.
وَتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يُقِرَّ مَنْ يَتَقَوَّلُ عَلَيْهِ.
وَتَثْبِيتِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِنْذَارِ الْمُشْرِكِينَ بِتَحْقِيقِ الْوَعِيدِ الَّذِي فِي الْقُرْآن.
[1- 3]

[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 1 إِلَى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)
الْحَاقَّةُ صِيغَةُ فَاعِلٍ مِنْ: حَقَّ الشَّيْءُ إِذَا ثَبَتَ وُقُوعُهُ، وَالْهَاءُ فِيهَا لَا تَخْلُو عَنْ
(29/111)

أَنْ تَكُونَ هَاءَ تَأْنِيثٍ فَتَكُونُ الْحَاقَّةُ وَصْفًا لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ، أَوْ أَنْ تَكُونَ هَاءَ مَصْدَرٍ عَلَى وَزْنِ فَاعِلَةٍ مِثْلَ الْكَاذِبَةِ لِلْكَذِبِ، وَالْخَاتِمَةِ لِلْخَتْمِ، وَالْبَاقِيَةِ لِلْبَقَاءِ وَالطَّاغِيَةِ لِلطُّغْيَانِ، وَالنَّافِلَةِ، وَالْخَاطِئَةِ، وَأَصْلُهَا تَاءُ الْمَرَّةِ، وَلَكِنَّهَا لَمَّا أُرِيدَ الْمَصْدَرُ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ الْمَرَّةِ مِثْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمَصَادِرِ الَّتِي عَلَى وَزْنِ فعلة غير مُرَاد بِهِ الْمَرَّةُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ ضَرْبَةُ لَازِبٍ.
فَالْحَاقَّةُ إِذَنْ بِمَعْنَى الْحَقِّ كَمَا يُقَالُ «مِنْ حَاقِّ كَذَا» ، أَيْ مِنْ حَقِّهِ.
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْحَاقَّةِ الْمَعْنَى الْوَصْفِيَّ، أَيْ حَادِثَةٌ تَحِقُّ أَوْ حَقٌّ يَحِقُّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا لَقَبًا لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ فَلُقِّبَ بِذَلِكَ «يَوْمُ الْقِيَامَةِ» لِأَنَّهُ يَوْمٌ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ [الشورى: 7] ، أَوْ لِأَنَّهُ تَحِقُّ فِيهِ الْحُقُوقُ وَلَا يُضَاعُ
الْجَزَاءُ عَلَيْهَا، قَالَ تَعَالَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النِّسَاء: 49] وَقَالَ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7- 8] .
وَإِيثَارُ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَهَذِهِ الصِّيغَة يسمح باندارج مَعَانٍ صَالِحَةٍ بِهَذَا الْمَقَامِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الْإِيجَازِ الْبَدِيعِ لِتَذْهَبَ نُفُوسُ السَّامِعِينَ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِنْ مَذَاهِبِ الْهَوْلِ وَالتَّخْوِيفِ بِمَا يَحِقُّ حُلُولُهُ بِهِمْ.
فَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْحَاقَّةُ وَصْفًا لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: السَّاعَةُ الْحَاقَّةُ، أَوِ الْوَاقِعَةُ الْحَاقَّةُ، فَيَكُونُ تَهْدِيدًا بِيَوْمٍ أَوْ وَقْعَةٍ يَكُونُ فِيهَا عِقَابٌ شَدِيدٌ لِلْمُعَرَّضِ بِهِمْ مِثْلُ يَوْمِ بَدْرٍ أَوْ وَقْعَتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِي وُقُوعِهِ أَوْ وَصْفًا لِلْكَلِمَةِ، أَيْ كَلِمَةِ اللَّهِ الَّتِي حَقَّتْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ تَعَالَى: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ [غَافِر: 6] ، أَوِ الَّتِي حقّت للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه يَنْصُرَهُ اللَّهُ، قَالَ تَعَالَى:
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ [الصافات: 171- 174] .
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْحَقِّ، فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ بِأَنَّهُ حَقٌّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [الْأَنْبِيَاء: 97] ، أَوْ وَصْفَا لِلْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمرَان: 62] ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْحَقُّ كُلُّهُ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنَ الْحَقِّ قَالَ تَعَالَى:
(29/112)

هَذَا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية: 29] وَقَالَ: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ [الْأَحْقَاف: 30] .
وَافْتِتَاحُ السُّورَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ تَرْوِيعٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
والْحَاقَّةُ مُبْتَدَأٌ ومَا مُبْتَدَأٌ ثَانٍ. والْحَاقَّةُ الْمَذْكُورَةُ ثَانِيًا خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي وَالْجُمْلَةُ مِنَ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي وَخَبَرِهِ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ.
ومَا اسْمُ اسْتِفْهَامٍ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّهْوِيلِ وَالتَّعْظِيمِ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَتَدْرِي مَا الْحَاقَّةُ؟ أَيْ مَا هِيَ الْحَاقَّةُ، أَيْ شَيْءٌ عَظِيمٌ الْحَاقَّةُ. وَإِعَادَةُ اسْمِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ خَبَرًا عَنْهُ تَقُومُ مَقَامَ ضَمِيرِهِ فِي رَبْطِ الْجُمْلَةِ الْمُخْبَرِ بِهَا. وَهُوَ مِنَ الْإِظْهَارِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِقَصْدِ مَا فِي الْاسْمِ مِنَ التَّهْوِيلِ. وَنَظِيرُهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ [الْوَاقِعَة: 27] .
وَجُمْلَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ مَا الْحَاقَّةُ
وَجُمْلَةِ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ [الحاقة: 4] ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ مَا الْحَاقَّةُ.
وَمَا الثَّانِيَةُ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالْاسْتِفْهَامُ بِهَا مُكَنًّى بِهِ عَنْ تَعَذُّرِ إِحَاطَةِ عِلْمِ النَّاسِ بِكُنْهِ الْحَاقَّةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْخَارِجَ عَنِ الْحَدِّ الْمَأْلُوفِ لَا يُتَصَوَّرُ بِسُهُولَةٍ فَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُتَسَاءَلَ عَنْ فَهْمِهِ.
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: وَما أَدْراكَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. وَالْمَعْنَى: الْحَاقَّةُ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا تُدْرِكُونَ كُنْهَهُ.
وَتَرْكِيبُ «مَا أَدْرَاكَ كَذَا» مِمَّا جَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ فَلَا يُغَيَّرُ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ تَرْكِيبٌ مُرَكَّبٌ مِنْ مَا الْاسْتِفْهَامِيَّةِ وَفِعْلِ (أَدْرَى) الَّذِي يَتَعَدَّى بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ مَفَاعِيلَ مِنْ بَابِ أَعْلَمَ وَأَرَى، فَصَارَ فَاعِلُ فِعْلِهِ الْمُجَرَّدِ وَهُوَ (درى) مَفْعُولا أول بِسَبَبِ التَّعْدِيَةِ. وَقَدْ عُلِّقَ فِعْلُ أَدْراكَ عَنْ نَصْبِ مَفْعُولَيْنِ بِ مَا الْاسْتِفْهَامِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِي قَوْلِهِ: مَا الْحَاقَّةُ.
وَأَصْلُ الْكَلَامِ قَبْلَ التَّرْكِيبِ بِالْاسْتِفْهَامِ أَنْ تَقُولَ: أَدْرَكْتُ الْحَاقَّةَ أَمْرًا عَظِيمًا، ثُمَّ صَارَ أَدْرَكَنِي فُلَانٌ الْحَاقَّةَ أَمْرًا عَظِيمًا.
ومَا الْأُولَى اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التَّهْوِيلِ وَالتَّعْظِيمِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ
(29/113)

كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)
فِي الْحَرْفِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ الْعَظِيمَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ فَصَارَ التَّعْظِيمُ وَالْاسْتِفْهَامُ مُتَلَازِمَيْنِ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْاسْتِفْهَامَ إِنْكَارِيًّا، أَيْ لَا يَدْرِي أَحَدٌ كُنْهَ هَذَا الْأَمْرِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى كِلَا الْاعْتِبَارَيْنِ هُوَ التَّهْوِيلُ.
هَذَا السُّؤَالُ كَمَا تَقُولُ: عَلِمْتُ هَلْ يُسَافِرُ فُلَانٌ.
وَمَا الثَّالِثَةُ عَلَّقَتْ فِعْلَ أَدْراكَ عَنِ الْعَمَلِ فِي مَفْعُولَيْنِ.
وَكَافُ الْخِطَابِ فِيهِ خِطَابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلِذَلِكَ لَا يَقْتَرِنُ بِضَمِيرِ تَثْنِيَةٍ أَوْ جَمْعٍ أَوْ تَأْنِيثٍ إِذَا خُوطِبَ بِهِ غَيْرُ الْمُفْرَدِ الْمُذَكَّرِ.
وَاسْتِعْمَالُ مَا أَدْراكَ غَيْرُ اسْتِعْمَالِ مَا يُدْرِيكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الْأَحْزَاب: 63] وَقَوْلِهِ: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ فِي سُورَةِ الشُّورَى [17] .
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ: مَا أَدْراكَ فَقَدْ أَدْرَاهُ وَكُلُّ
شَيْءٍ مِنْ قَوْلِهِ: وَما يُدْرِيكَ فَقَدْ طُوِيَ عَنْهُ» . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَعَن يحيى بَين سَلَّامٍ فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْمَرْوِيُّ فَإِنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ مَفْعُولَ مَا أَدْراكَ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ لِأَنَّ الْاسْتِفْهَامَ فِيهِ لِلتَّهْوِيلِ وَأَنَّ مَفْعُولَ مَا يُدْرِيكَ غَيْرُ مُحَقَّقِ الْوُقُوعِ لِأَنَّ الْاسْتِفْهَامَ فِيهِ لِلْإِنْكَارِ وَهُوَ فِي معنى نفي الدارية.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: كُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ وَما أَدْراكَ فَقَدْ عُقِّبَ بِبَيَانِهِ نَحْوُ وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ [القارعة: 10- 11] ، وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [الْقدر: 2- 3] ، ثُمَّ مَا أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً [الانفطار: 18- 19] ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ [الحاقة: 3- 4] ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.
وَلَمْ أَرَ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مَنْ وَفَّى هَذَا التَّرْكِيبَ حَقَّهُ مِنَ الْبَيَانِ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يذكرهُ أصلا.
[4]

[سُورَة الحاقة (69) : آيَة 4]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (4)
إِنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: 3] نِهَايَةَ كَلَامٍ فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ:
(29/114)

كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ اسْتِئْنَافٌ، وَهُوَ تذكير بِمَا حَلَّ بِثَمُودَ وَعَادٍ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ تَعْرِيضًا بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِتَهْدِيدِهِمْ أَن يحِق عَلَيْهِم مِثْلُ مَا حَلَّ بِثَمُودَ وَعَادٍ فَإِنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي التَّكْذِيبِ بِالْبَعْثِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْله الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: 1] إِلَخْ تَوْطِئَةً لَهُ وَتَمْهِيدًا لِهَذِهِ الْمَوْعِظَةِ الْعَظِيمَةِ اسْتِرْهَابًا لِنُفُوسِ السَّامِعِينَ.
وَإِنْ جَعَلْتَ الْكَلَامَ مُتَّصِلًا بِجُمْلَةِ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ وَعَيَّنْتَ لَفْظَ الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: 1] لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرًا ثَالِثًا عَنِ الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: 1] .
وَالْمَعْنَى: الْحَاقَّةُ كَذَّبَتْ بِهَا ثَمُودُ وَعَادٌ، فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُؤْتَى بِضَمِيرِ الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: 1] فَيُقَالُ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِهَا، فَعَدَلَ إِلَى إِظْهَارِ اسْمِ (الْقَارِعَةِ) لِأَنَّ (الْقَارِعَةِ) مُرَادِفَةُ الْحَاقَّةُ فِي أَحَدِ مَحْمَلَيْ لَفْظِ الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: 1] ، وَهَذَا كَالْبَيَانِ لِلتَّهْوِيلِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: 3] .
وَ (الْقَارِعَةِ) مُرَادٌ مِنْهَا مَا أُرِيدَ ب الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: 1] .
وَابْتُدِئَ بِثَمُودَ وَعَادٍ فِي الذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِأَنَّهُمَا أَكْثَرُ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ شُهْرَةً عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْأُمَمِ الْعَرَبِيَّةِ وَلِأَنَّ دِيَارَهُمَا مُجَاوِرَةٌ شَمَالًا وَجَنُوبًا.
وَالْقَارِعَةُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَرَعَهُ، إِذَا ضَرَبَهُ ضَرْبًا قَوِيًّا، يُقَالُ: قَرَعَ الْبَعِيرَ. وَقَالُوا:
الْعَبْدُ يُقْرَعُ بِالْعَصَا، وَسُمِّيَتِ الْمَوَاعِظُ الَّتِي تَنْكَسِرُ لَهَا النَّفْسُ قَوَارِعَ لِمَا فِيهَا مِنْ زَجْرِ النَّاسِ عَنْ أَعْمَالٍ. وَفِي الْمَقَامَةِ الْأُولَى «وَيَقْرَعُ الْأَسْمَاعَ بِزَوَاجِرِ وَعْظِهِ» ، وَيُقَالُ لِلتَّوْبِيخِ تَقْرِيعٌ، وَفِي الْمَثَلِ «لَا تُقْرَعُ لَهُ الْعَصَا وَلَا يقلقل لَهُ الحصاء» ، وَمَوْرِدُهُ فِي عَامِرِ بْنِ الظَّرِبِ الْعَدَوَانِيِّ فِي قِصَّةٍ أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُتَلَمِّسُ فِي بَيْتٍ.
فِ (الْقَارِعَةُ) هُنَا صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ لَفْظُهُ مُؤَنَّثًا لِيُوَافِقَ وَصْفَهُ الْمَذْكُورَ نَحْوُ السَّاعَةِ أَوِ الْقِيَامَةِ. الْقَارِعَةُ: أَيِ الَّتِي تُصِيبُ النَّاسَ بِالْأَهْوَالِ وَالْأَفْزَاعِ، أَوِ الَّتِي تُصِيبُ الْمَوْجُودَاتِ بِالْقَرْعِ مِثْلُ دَكِّ الْجِبَالِ، وَخَسْفِ الْأَرْضِ، وَطَمْسِ النُّجُومِ، وَكُسُوفِ الشَّمْسِ كُسُوفًا لَا انْجِلَاءَ لَهُ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِالْقَرْعِ.
وَوصف السَّاعَةِ [الْأَعْرَاف: 187] أَو الْقِيامَةِ [الْبَقَرَة: 85] بِذَلِكَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ إِسْنَادِ الْوَصْفِ إِلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ بِتَأَوُّلٍ لِمُلَابَسَتِهِ مَا هُوَ لَهُ إِذْ هِيَ زَمَانُ الْقَرْعِ قَالَ تَعَالَى:
(29/115)

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)
الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ الْآيَة [القارعة: 1- 4] . وَهِيَ مَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي قَوْلِهِ: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ الْآيَات [الحاقة: 13] .
وَجِيءَ فِي الْخَبَرِ عَنْ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ بِطَرِيقَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَتَا فِي مُوجِبِ الْعُقُوبَةِ ثُمَّ فُصِّلَ ذكر عذابهما.
[5]

[سُورَة الحاقة (69) : آيَة 5]
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5)
ابْتُدِئَ بِذِكْرِ ثَمُودَ لِأَنَّ الْعَذَابَ الَّذِي أَصَابَهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْقَرْعِ إِذْ أَصَابَتْهُمُ الصَّوَاعِقُ الْمُسَمَّاةُ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ بِالصَّيْحَةِ. وَالطَّاغِيَةُ: الصَّاعِقَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ صَاعِقَةٌ أَوْ صَوَاعِقٌ فَأَهْلَكَتْهُمْ، لِأَن مَنَازِلَ ثَمُودَ كَانَتْ فِي طَرِيقِ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ فِي رِحْلَتِهِمْ فَهُمْ يَرَوْنَهَا، قَالَ تَعَالَى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النَّمْل: 52] ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى مَهْلِكِ عَادٍ أَنْسَبُ فَأُخِّرَ لِذَلِكَ أَيْضًا.
وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الصَّاعِقَةُ أَوِ الصَّيْحَةُ بِالطَّاغِيَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَجَاوِزَةً الْحَالَ الْمُتَعَارَفَ فِي الشِّدَّةِ فَشُبِّهَ فِعْلُهَا بِفِعْلِ الطَّاغِي الْمُتَجَاوِزِ الْحَدَّ فِي الْعُدْوَانِ وَالْبَطْشِ.
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِ بِالطَّاغِيَةِ لِلْاسْتِعَانَةِ.
وثَمُودُ: أُمَّةٌ مِنَ الْعَرَبِ الْبَائِدَةِ الْعَارِبَةِ، وَهُمْ أَنْسَابُ عَادٍ. وَثَمُودُ: اسْمُ جَدِّ تِلْكَ الْأُمَّةِ وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَى الْأُمَّةِ فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ الْأُمَّةِ أَوِ الْقَبِيلَةِ.
وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً فِي سُورَة الْأَعْرَاف [73] .
[6- 7]

[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 6 إِلَى 7]
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (6) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (7)
الصَّرْصَرُ: الشَّدِيدَةُ يَكُونُ لَهَا صَوْتٌ كَالصَّرِيرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ [16] . وَالْعَاتِيَةُ: الشَّدِيدَةُ الْعَصْفِ، وَأَصْلُ الْعُتُوِّ وَالْعُتِيِّ: شِدَّةُ التَّكَبُّرِ فَاسْتُعِيرَ لِلشَّيْءِ الْمُتَجَاوِزِ الْحَدَّ الْمُعْتَادَ تَشْبِيهًا بِالتَّكَبُّرِ الشَّدِيدِ فِي عَدَمِ الطَّاعَةِ وَالْجَرْيِ عَلَى الْمُعْتَادِ.
(29/116)

وَالتَّسْخِيرُ: الْغَصْبُ عَلَى عَمَلٍ وَاسْتُعِيرَ لِتَكْوِينِ الرِّيحِ الصَّرْصَرِ تَكْوِينًا مُتَجَاوِزًا الْمُتَعَارَفَ فِي قُوَّةِ جِنْسِهَا فَكَأَنَّهَا مُكْرَهَةٌ عَلَيْهِ.
وَعُلِّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنَى أرسلها.
و (حسوم) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ حَاسِمٍ مِثْلُ قُعُودٍ جَمْعُ قَاعِدٍ، وَشُهُودٍ جَمْعُ شَاهِدٍ، غُلِّبَ فِيهِ الْأَيَّامُ عَلَى اللَّيَالِي لِأَنَّهَا أَكْثَرُ عَدَدًا إِذْ هِيَ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ وَهَذَا لَهُ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: يُتَابِعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، أَيْ لَا فَصْلَ بَيْنِهَا كَمَا يُقَالُ: صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ زُرَارَةَ الْكِلَابِيُّ (1) :
فَفَرَّقَ بَيْنَ بَيْنِهِمُ زَمَانٌ ... تَتَابَعَ فِيهِ أَعْوَامٌ حُسُومُ
قِيلَ: وَالْحُسُومُ مُشْتَقٌّ مِنْ حَسْمِ الدَّاءِ بِالْمِكْوَاةِ إِذْ يُكْوَى وَيُتَابَعُ الْكَيُّ أَيَّامًا، فَيَكُونُ إِطْلَاقُهُ اسْتِعَارَةً، وَلَعَلَّهَا مِنْ مُبْتَكَرَاتِ الْقُرْآنِ، وَبَيْتُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكِلَابِيِّ مِنَ الشِّعْرِ الْإِسْلَامِيِّ فَهُوَ مُتَابِعٌ لِاسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ.
الْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَسْمِ وَهُوَ الْقَطْعُ، أَيْ حَاسِمَةً مُسْتَأْصِلَةً. وَمِنْهُ سُمِّيَ السَّيْفُ حُسَامًا لِأَنَّهُ يَقْطَعُ، أَيْ حَسَمَتْهُمْ فَلَمْ تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَعَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَهُوَ صِفَةٌ لِ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ أَوْ حَالٌ مِنْهَا.
الْمَعْنَى الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حُسُومٌ مَصْدَرًا كَالشُّكُورِ وَالدُّخُولِ فَيَنْتَصِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ لِأَجْلِهِ وَعَامِلُهُ سَخَّرَها، أَيْ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ لْاسْتِئْصَالِهِمْ وَقَطْعِ دَابِرِهِمْ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي صَالِحٌ لِأَنْ يُذْكَرَ مَعَ هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَإِيثَارُ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ تَمَامِ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ وَإِعْجَازِهِ.
وَقَدْ سَمَّى أَصْحَابُ الْمِيقَاتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيَّامًا ثَمَانِيَةً مُنَصَّفَةً بَيْنَ أَوَاخِرِ فَبْرَايِرَ وَأَوَائِلِ مَارِسَ مَعْرُوفَةٌ فِي عَادَةِ نِظَامِ الْجَوِّ بِأَنْ تَشْتَدَّ فِيهَا الرِّيَاحُ غَالِبًا، أَيَّامَ الْحُسُومِ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا تُقَابِلُ أَمْثَالَهَا مِنَ الْعَامِ الَّذِي أُصِيبَتْ فِيهِ عَادٌ بِالرِّيَاحِ، وَهُوَ مِنَ الْأَوْهَامِ، وَمَنْ ذَا الَّذِي رَصَدَ تِلْكَ الْأَيَّامَ.
_________
(1) شَاعِر من شعراء صدر الدولة الأموية، كَانَ لِأَبِيهِ وَله حظوة عِنْد الْخَلِيفَة مُعَاوِيَة وَكَانَ سيد أهل الْبَادِيَة توفّي فِي غَزْوَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة سنة 46 هـ.
(29/117)

وَمِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَيَّامَ الْحُسُومِ هِيَ الْأَيَّامُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: أَيَّامُ الْعَجُوزِ أَوِ الْعَجُزِ، وَهِيَ آخِرُ فَصْلِ الشِّتَاءِ وَيَعُدُّهَا الْعَرَبُ خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً لَهَا أَسْمَاءٌ مَعْرُوفَةٌ مَجْمُوعَةٌ فِي أَبْيَاتٍ تُذْكَرُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَشَتَّانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حُسُومِ عَادٍ فِي الْعُدَّةِ وَالْمُدَّةِ.
وَفُرِّعَ عَلَى سَخَّرَها عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ صَارُوا صَرْعَى كُلُّهُمْ يَرَاهُمُ الرَّائِي لَوْ كَانَ حَاضِرًا تِلْكَ الْحَالَةَ.
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: فَتَرَى خِطَابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَيْ فَيَرَى الرَّائِي لَوْ كَانَ رَاءٍ، وَهَذَا أُسْلُوبٌ فِي حِكَايَةِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الْغَائِبَةِ تُسْتَحْضَرُ فِيهِ تِلْكَ الْحَالَةُ كَأَنَّهَا حَاضِرَةً وَيُتَخَيَّلُ فِي الْمَقَامِ سَامِعٌ حَاضِرٌ شَاهَدَ مَهْلَكَهُمْ أَوْ شَاهَدَهُمْ بَعْدَهُ، وَكِلَا الْمُشَاهَدَتَيْنِ مُنْتَفٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَيُعْتَبَرُ خِطَابًا فَرْضِيًّا فَلَيْسَ هُوَ بِالْتِفَاتٍ وَلَا هُوَ مِنْ خِطَابِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ [الشورى: 45] ، وَقَوْلُهُ: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [الْإِنْسَان: 20] ، وَعَلَى دِقَّةِ هَذَا الْاسْتِعْمَالِ أَهْمَلَ الْمُفَسِّرُونَ التَّعَرُّضَ لَهُ عَدَا كَلِمَةً لِلْبَيْضَاوِيِّ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْقَوْمَ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ، وَالْقَوْمُ: الْقَبِيلَةُ وَهَذَا تَصْوِيرٌ لِهَلَاكِ جَمِيعِ الْقَبِيلَةِ.
وَضَمِيرُ فِيها عَائِدٌ إِلَى اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ.
وصَرْعى: جَمْعُ صَرِيعٍ وَهُوَ الْمُلْقَى عَلَى الْأَرْضِ مَيِّتًا.
وَشُبِّهُوا بِأَعْجَازِ نَخْلٍ، أَيْ أُصُولِ النَّخْلِ، وَعَجُزُ النَّخْلَةِ: هُوَ السَّاقُ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالْأَرْضِ مِنَ النَّخْلَةِ وَهُوَ أَغْلَظُ النَّخْلَةِ وَأَشَدُّهَا.
وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ بِهَا أَنَّ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ النَّخْلَ إِذَا قَطَعُوهُ لِلْانْتِفَاعِ بِأَعْوَادِهِ فِي إِقَامَةِ الْبُيُوتِ لِلسَّقْفِ وَالْعِضَادَاتِ انْتَقُوا مِنْهُ أُصُولَهُ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ وَأَمْلَأُ وَتَرَكُوهَا عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى تَيْبَسَ وَتَزُولَ رُطُوبَتُهَا ثُمَّ يَجْعَلُوهَا عَمَدًا وَأَسَاطِينَ.
وَالنَّخْلُ: اسْمُ جَمْعِ نَخْلَةٍ.
وَالْخَاوِي: الْخَالِي مِمَّا كَانَ مَالِئًا لَهُ وَحَالَّا فِيهِ.
(29/118)

فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)
وَقَوْلُهُ: خاوِيَةٍ مَجْرُورٌ بِاتِّفَاقِ الْقُرَّاءِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ نَخْلٍ.
وَوَصْفُ نَخْلٍ بِأَنَّهَا خاوِيَةٍ بِاعْتِبَارِ إِطْلَاقِ اسْمِ «النَّخْلِ» عَلَى مَكَانِهِ بِتَأْوِيلِ الْجَنَّةِ أَوِ الْحَدِيقَةِ، فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ. وَالْمَعْنَى: خَالِيَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا الْوَصْفُ لِتَشْوِيهِ الْمُشَبَّهِ بِهِ بِتَشْوِيهِ مَكَانِهِ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمُشَابَهَةِ وَأَحْسَنُهُ مَا كَانَ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ لِلْغَرَضِ مِنَ التَّشْبِيهِ كَمَا فِي الْآيَةِ، فَإِنَّ لِهَذَا الْوَصْفِ وَقْعًا فِي التَّنْفِيرِ مِنْ حَالَتِهِمْ لِيُنَاسِبَ الْمَوْعِظَةَ وَالتَّحْذِيرَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ أَسْبَابِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
لَذَاكَ أَهْيَبُ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ ... وَقِيلَ إنّك مَنْسُوب ومسؤول

مِنْ خَادِرٍ مِنْ لُيُوثِ الْأُسْدِ مَسْكَنَهُ ... مِنْ بَطْنٍ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ
الْأَبْيَاتِ الْأَرْبَعَةَ، وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ:
فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ ... يَقْضِمْنَ حُسْنَ بنانه والمعصم
[8]

[سُورَة الحاقة (69) : آيَة 8]
فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (8)
تَفْرِيعٌ عَلَى مَجْمُوعِ قِصَّتَيْ ثَمُودَ وَعَادٍ، فَهُوَ فَذْلَكَةٌ لِمَا فُصِّلَ مِنْ حَالِ إِهْلَاكِهِمَا، وَذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْجَمْعِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ، فَيَكُونُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ جَمْعٌ ثُمَّ تَفْرِيقٌ ثُمَّ جَمْعٌ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى [النَّجْم: 50- 51] أَيْ فَمَا أَبْقَاهُمَا.
وَالْخِطَابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.
وَالْبَاقِيَةُ: إِمَّا اسْمُ فَاعِلٍ عَلَى بَابِهِ، وَالْهَاءُ: إِمَّا لِلتَّأْنِيثِ بِتَأْوِيلِ نَفْسٍ، أَيْ فَمَا تُرَى
مِنْهُمْ نَفْسٌ بَاقِيَةٌ أَوْ بِتَأْوِيلِ فِرْقَةٍ، أَيْ مَا تُرَى فِرْقَةٌ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ باقِيَةٍ مَصْدَرًا عَلَى وَزْنِ فَاعِلَةٍ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَاقَّةِ، أَيْ فَمَا تَرَى لَهُمْ بَقَاءً، أَيْ هَلَكُوا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لَهُمْ يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ لِشِبْهِ الْمِلْكِ، أَيْ بَاقِيَةٍ لِأَجْلِ النَّفْعِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْلَّامُ بِمَعْنَى (مِنْ) مِثْلُ قَوْلِهِمْ: سَمِعْتُ لَهُ صُرَاخًا، وَقَوْلِ الْأَعْشَى:
(29/119)

وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10)
تَسْمَعُ لِلحلي وِسْوَاسًا إِذَا انْصَرَفَتْ ... كَمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشْرَقٌ زَجِلُ
وَقَوْلِ جَرِيرٍ:
وَنَحْنُ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَفْضَلُ أَيْ وَنَحْنُ مِنْكُمْ أَفْضَلُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْلَّامُ الَّتِي تُنْوَى فِي الْإِضَافَةِ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى (مِنْ) .
وَالْأَصْلُ: فَهَلْ تَرَى بَاقِيَّتَهُمْ، فَلَمَّا قَصَدَ التَّنْصِيصَ عَلَى عُمُومِ النَّفْيِ وَاقْتَضَى ذَلِكَ جَلْبَ (مِنْ) الزَّائِدَةِ لَزِمَ تَنْكِيرُ مَدْخُولِ (مِنْ) الزَّائِدَةِ فَأُعْطِيَ حَقُّ مَعْنَى الْإِضَافَةِ بِإِظْهَارِ الْلَّامِ الَّتِي الشَّأْنُ أَنْ تُنْوَى كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا [الْإِسْرَاء: 5] فَإِنَّ أَصْلَهُ:
عِبَادُنَا.
وَمَوْقِعُ الْمَجْرُورِ بِالْلَّامِ فِي مَوْقِعِ النَّعْتِ لِ باقِيَةٍ قُدِّمَ عَلَيْهَا فَصَارَ حَالا.
[9- 10]

[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 9 إِلَى 10]
وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (10)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ [الحاقة: 4] .
وَقَدْ جُمِعَ فِي الذِّكْرِ هُنَا عِدَّةُ أُمَمٍ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ بَعْثَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِجْمَالًا وَتَصْرِيحًا، وَخَصَّ مِنْهُمْ بِالتَّصْرِيحِ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَشْهَرِ الْأُمَمِ ذِكْرًا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُخْتَلِطِينَ بِالْعَرَبِ وَالنَّازِلِينَ بِجِوَارِهِمْ، فَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَبْلُغُهُ بَعْضَ الْخَبَرِ عَنْ قِصَّتِهِمْ.
وَفِي عَطْفِ هَؤُلَاءِ عَلَى ثَمُودَ وَعَادٍ فِي سِيَاقِ ذِكْرِ التَّكْذِيبِ بِالْقَارِعَةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ تَشَابَهُوا فِي التَّكْذِيبِ بِالْقَارِعَةِ كَمَا تَشَابَهُوا فِي الْمَجِيءِ بِالْخَاطِئَةِ وَعِصْيَانِ رُسُلِ رَبِّهِمْ، فَحَصَلَ فِي الْكَلَامِ احْتِبَاكٌ.
وَالْمُرَادُ بِفِرْعَوْنَ فِرْعَوْنُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ (مِنْفِطَاحُ الثَّانِي) .
وَإِنَّمَا أُسْنِدَ الْخِطْءُ إِلَيْهِ لِأَنَّ مُوسَى أُرْسِلَ إِلَيْهِ لِيُطْلِقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ قَالَ تَعَالَى:
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [النازعات: 17] فَهُوَ الْمُؤَاخَذُ بِهَذَا الْعِصْيَانِ وَتَبِعَهُ الْقِبْطُ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَكَذَّبُوا مُوسَى وَأَعْرَضُوا عَنْ دَعْوَتِهِ.
(29/120)

وَشَمِلَ قَوْلُهُ: وَمَنْ قَبْلَهُ أُمَمًا كَثِيرَةً مِنْهَا قَوْمُ نُوحٍ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَمَنْ قَبْلَهُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ وَمَنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ، أَيْ قَوْمُهُ وَأَتْبَاعُهُ.
والْمُؤْتَفِكاتُ: قُرَى لُوطٍ الثَّلَاثُ، وَأُرِيدَ بِالْمُؤْتَفِكَاتِ سُكَّانُهَا وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ وَخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِشُهْرَةِ جَرِيمَتِهِمْ وَلِكَوْنِهِمْ كَانُوا مَشْهُورِينَ عِنْدَ الْعَرَبِ إِذْ كَانَتْ قُرَاهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى الشَّامِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
[الصافات: 137، 138] وَقَالَ: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها [الْفرْقَان: 40] .
وَوُصِفَتْ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ بِ الْمُؤْتَفِكاتُ جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٌ اسْمُ فَاعِلٍ ائْتَفَكَ مُطَاوِعٌ أَفَكَهُ، إِذَا قَلَبَهُ، فَهِيَ الْمُنْقَلِبَاتُ، أَيْ قَلَبَهَا قَالَبٌ، أَيْ خَسَفَ بِهَا قَالَ تَعَالَى: جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها [هود: 82] .
وَالْخَاطِئَةِ: إِمَّا مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فَاعِلَةٍ وَهَاؤُهُ هَاءُ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَلَمَّا اسْتُعْمِلَ مَصْدَرًا قَطَعَ النَّظَرَ عَنِ الْمَرَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله: الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: 1] فَهُوَ مصدر خطىء، إِذَا أَذْنَبَ.
وَالذَّنْبُ: الْخِطْءُ بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَأَمَّا اسْم فَاعل خطىء وَتَأْنِيثُهُ بِتَأْوِيلِ: الْفَعِلَةِ ذَاتِ الْخِطْءِ فَهَاؤُهُ هَاءُ تَأْنِيثٍ.
وَالتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ، فَالْمَعْنَى: جَاءَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِالذَّنْبِ الْمُسْتَحَقِّ لِلْعِقَابِ. وَفُرِّعَ عَنْهُ تَفْصِيلُ ذَنْبِهِمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْخَاطِئَةِ فَقَالَ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ وَهَذَا التَّفْرِيعُ لِلتَّفْصِيلِ نَظِيرُ التَّفْرِيعِ فِي قَوْلِهِ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [الْقَمَر: 9] فِي أَنَّهُ تَفْرِيعُ بَيَانٍ عَلَى الْمُبَيَّنِ.
وَضَمِيرُ (عَصَوْا) يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى فِرْعَوْنُ بِاعْتِبَارِهِ رَأْسَ قَوْمِهِ، فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَيْهِ وَإِلَى قَوْمِهِ، وَالْقَرِينَةُ ظَاهِرَةٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو وَالْكِسَائِيِّ فَالْأَمْرُ أَظْهَرُ وَعَلَى هَذَا الْاعْتِبَارِ فِي مَحَلِّ ضَمِيرِ (عَصَوْا) يَكُونُ الْمُرَادُ بِ رَسُولَ رَبِّهِمْ
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَتَعْرِيفُهُ بِالْإِضَافَةِ لِمَا فِي لَفْظِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَخْطِئَتِهِمْ فِي عِبَادَةِ فِرْعَوْنَ وَجَعْلِهِمْ إِيَّاهُ إِلَهًا لَهُمْ.
(29/121)

إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)
وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ (عَصَوْا) إِلَى فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ.
ورَسُولَ رَبِّهِمْ هُوَ الرَّسُولُ الْمُرْسَلُ إِلَى كُلِّ قَوْمٍ مِنْ هَؤُلَاءِ.
فَإِفْرَادُ رَسُولَ مُرَادٌ بِهِ التَّوْزِيعُ عَلَى الْجَمَاعَاتِ، أَيْ رَسُولَ اللَّهِ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، وَالْقَرِينَةُ ظَاهِرَةٌ، وَهُوَ أَجْمَلُ نَظْمًا مِنْ أَنْ يُقَالَ: فَعَصَوْا رُسُلَ رَبِّهِمْ، لِمَا فِي إِفْرَادِ رَسُولَ مِنَ التَّفَنُّنِ فِي صِيَغِ الْكَلِمِ مِنْ جَمْعٍ وَإِفْرَادٍ تفاديا من تَتَابُعِ ثَلَاثَةِ جُمُوعٍ لِأَنَّ صِيَغَ الْجَمْعِ لَا تَخْلُو مِنْ ثِقَلٍ لِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِهَا وَعَكْسُهُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ [37] وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ، وَإِنَّمَا كَذَّبُوا رَسُولًا وَاحِدًا، وَقَوْلُهُ: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ وَمَا بَعْدَهُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [105] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالْأَخْذُ: مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِهْلَاكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [44] وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.
وأَخْذَةً: وَاحِدَةٌ مِنَ الْأَخْذِ، فَيُرَادُ بِهَا أَخْذُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ بِالْغَرَقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [الْقَمَر: 42] ، وَإِذَا أُعِيدَ ضَمِيرُ الْغَائِبِ إِلَى فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ
كَانَ إِفْرَادُ الْأَخْذَةِ كَإِفْرَادِ رَسُولَ رَبِّهِمْ، أَيْ أَخَذْنَا كُلَّ أُمَّةٍ مِنْهُمْ أَخْذَةً.
وَالرَّابِيَةُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ رَبَا يَرْبُو إِذَا زَادَ فَلَمَّا صِيغَ مِنْهُ وَزْنُ فَاعِلَةٍ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِوُقُوعِهَا مُتَحَرِّكَةً إِثْرَ كَسْرَةٍ.
وَاسْتُعِيرَ الرُّبُوُّ هُنَا لِلشِّدَّةِ كَمَا تُسْتَعَارُ الْكَثْرَةُ لِلشِّدَّةِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الْفرْقَان: 14] .
وَالْمُرَادُ بِالْأَخْذَةِ الرَّابِيَةِ: إِهْلَاكُ الْاسْتِئْصَالِ، أَيْ لَيْسَ فِي إِهْلَاكِهِمْ إِبْقَاءُ قَلِيل مِنْهُم.
[11- 12]

[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 11 إِلَى 12]
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (12)
إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَنْ قَبْلَهُ [الحاقة: 9] لَمَّا شَمِلَ قَوْمَ نُوحٍ وَهُمْ أَوَّلُ الْأُمَمِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ
(29/122)

حَسَّنَ اقْتِضَابَ التَّذْكِيرِ بِأَخْذِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِدْمَاجِ امْتِنَانٍ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ
تَنَاسَلُوا مِنَ الْفِئَةِ الَّذِينَ نَجَّاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْغَرَقِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ كَوْنِهِ عِظَةً وَعِبْرَةً إِلَى التَّذْكِيرِ بِأَنَّهُ نِعْمَةٌ، وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ الْإِدْمَاجِ.
وَقَدْ بُنِيَ عَلَى شُهْرَةِ مَهْلِكِ قَوْمِ نُوحٍ اعْتِبَارُهُ كَالْمَذْكُورِ فِي الْكَلَامِ فَجُعِلَ شَرْطًا لِ لَمَّا فِي قَوْلِهِ: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ، أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمَعْرُوفِ بِطُغْيَانِ الطُّوفَانِ.
وَالطُّغْيَانُ: مُسْتَعَارٌ لِشِدَّتِهِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ تَشْبِيهًا لَهَا بِطُغْيَانِ الطَّاغِي عَلَى النَّاسِ تَشْبِيهَ تَقْرِيبٍ فَإِنَّ الطُّوفَانَ أَقْوَى شِدَّةً مِنْ طُغْيَانِ الطَّاغِي.
والْجارِيَةِ: صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وَهُوَ السَّفِينَةُ وَقَدْ شَاعَ هَذَا الْوَصْفُ حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْاسْمِ قَالَ تَعَالَى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ [الرَّحْمَن: 24] .
وَأَصْلُ الْحَمْلِ وَضْعُ جِسْمٍ فَوْقَ جِسْمٍ لِنَقْلِهِ، وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْوَضْعِ فِي ظَرْفٍ مُتَنَقِّلٍ عَلَى وَجْهِ الْاسْتِعَارَةِ.
وَإِسْنَادُ الْحَمْلِ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى نُوحٍ بِصُنْعِ الْحَامِلَةِ وَوَضْعِ الْمَحْمُولِ قَالَ تَعَالَى: فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الْآيَة [الْمُؤْمِنُونَ: 27] .
وَذُكِرَ إِحْدَى الْحِكَمِ وَالْعِلَلِ لِهَذَا الْحَمْلِ وَهِيَ حِكْمَةُ تَذْكِيرِ الْبَشَرِ بِهِ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَعْصَارِ لِيَكُونَ لَهُمْ بَاعِثًا عَلَى الشُّكْرِ، وَعِظَةً لَهُمْ مِنْ أَسَوَاءِ الْكُفْرِ، وَلِيُخْبِرَ بِهَا مَنْ عَلِمَهَا قَوْمًا لَمْ يَعْلَمُوهَا فَتَعِيهَا أسماعهم.
وَالْمرَاد ب أُذُنٌ
: آذَانٌ وَاعِيَةٌ. وَعُمُومُ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ لَا يُسْتَفَادُ إِلَّا بِقَرِينَةِ التَّعْمِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الْحَشْر: 18] .
وَالْوَعْيُ: الْعِلْمُ بِالْمَسْمُوعَاتِ، أَيْ وَلِتَعْلَمَ خَبَرَهَا أُذُنٌ مَوْصُوفَةٌ بِالْوَعْيِ، أَيْ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَعِيَ.
وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ إِذْ لَمْ يَتَّعِظُوا بِخَبَرِ الطُّوفَانِ وَالسَّفِينَةِ الَّتِي نَجَا بِهَا الْمُؤْمِنُونَ فَتَلَقَّوْهُ كَمَا يَتَلَقَّوْنَ الْقَصَص الفكاهية.
(29/123)

فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)
[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 13 إِلَى 18]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (17)
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (18)
الْفَاءُ لِتَفْرِيعِ مَا بَعْدَهَا عَلَى التَّهْوِيلِ الَّذِي صُدِّرَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنْ قَوْلِهِ: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: 1- 3] فَعَلِمَ أَنَّهُ تَهْوِيلٌ لِأَمْرِ الْعَذَابِ الَّذِي هُدِّدَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَمْثَالِ مَا نَالَ أَمْثَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا. وَمِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُمْ، فَلَمَّا أَتَمَّ تَهْدِيدَهُمْ بِعَذَابِ الدُّنْيَا فَرَّعَ عَلَيْهِ إِنْذَارَهُمْ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ الَّذِي يَحِلُّ عِنْدَ الْقَارِعَةِ الَّتِي كَذَّبُوا بِهَا كَمَا كَذَّبَتْ بِهَا ثَمُودُ وَعَادٌ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا بَيَانٌ لِلْقَارِعَةِ بِأَنَّهَا سَاعَةُ الْبَعْثِ وَهِيَ الْوَاقِعَةُ.
والصُّورِ: قَرْنُ ثَوْرٍ يُقْعَرُ وَيُجْعَلُ فِي دَاخِلِهِ سِدَادٌ يَسُدُّ بَعْضَ فَرَاغِهِ حَتَّى إِذَا نَفَخَ فِيهِ نَافِخٌ انْضَغَطَ الْهَوَاءُ فَصَوَّتَ صَوْتًا قَوِيًّا، وَكَانَتِ الْجُنُودُ تَتَّخِذُهُ لِنِدَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عِنْدَ إِرَادَةِ النَّفِيرِ أَوِ الْهُجُومِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [73] .
وَالنَّفْخُ فِي الصُّورِ: عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرِ التَّكْوِينِ بِإِحْيَاءِ الْأَجْسَادِ لِلْبَعْثِ مِثْلُ الْإِحْيَاءِ بِنِدَاءِ طَائِفَةِ الْجُنْدِ الْمُكَلَّفَةِ بِالْأَبْوَاقِ لِنِدَاءِ بَقِيَّةِ الْجَيْشِ حَيْثُ لَا يَتَأَخَّرُ جُنْدِيٌّ عَنِ الْحُضُورِ إِلَى مَوْضِعِ الْمُنَادَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ مَوْجُودٌ يُصَوِّتُ صَوْتًا مُؤَثِّرًا.
ونَفْخَةٌ: مَصْدَرُ نَفَخَ مُقْتَرِنٍ بِهَاءٍ دَالَّةٍ عَلَى الْمَرَّةِ، أَيِ الْوَحْدَةِ فَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أَوْ تَقَعُ عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الْفَاعِلِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ فَاعِلَ النَّفْخِ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ وَهُوَ إسْرَافيل.
ووصفت نَفْخَةٌ بِ واحِدَةٌ تَأْكِيدٌ لِإِفَادَةِ الْوَحْدَةِ مِنْ صِيغَةِ الْفَعْلَةِ تَنْصِيصًا عَلَى الْوَحْدَةِ الْمُفَادَةِ مِنَ التَّاءِ.
وَالتَّنْصِيصُ عَلَى هَذَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى التَّعْجِيبِ مِنْ تَأَثُّرِ جَمِيعِ الْأَجْسَادِ الْبَشَرِيَّةِ
(29/124)

بِنَفْخَةٍ وَاحِدَةٍ دُونَ تَكْرِيرٍ تَعْجِيبًا عَنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَنُفُوذِ أَمْرِهِ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مِنْ مَبْدَأِ السُّورَةِ تَهْوِيلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَعْدَادُ أَهْوَالِهِ مَقْصُودٌ، وَلِأَجْلِ الْقَصْدِ إِلَيْهِ هُنَا لَمْ يذكر وصف وَاحِد فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
فِي سُورَةِ الرُّومِ [25] .
فَحَصَلَ مِنْ ذِكْرِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ تَأْكِيدُ مَعْنَى النَّفْخِ وَتَأْكِيدُ مَعْنَى الْوَحْدَةِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ مَا رُوِيَ عَنْ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» فِي تَقْرِيرِهِ بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوَصْفِهَا
بِ واحِدَةٌ أَنَّهَا غَيْرُ مُتْبَعَةٍ بِثَانِيَةٍ فَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ حُصُولُ الْمُرَادِ مِنْهَا إِلَى تَكَرُّرِهَا كِنَايَةً عَنْ سُرْعَةِ وُقُوعِ الْوَاقِعَةِ، أَيْ يَوْمِ الْوَاقِعَةِ.
وَأَمَّا ذِكْرُ كَلِمَةِ نَفْخَةٌ فَلِيَتَأَتَّى إِجْرَاءُ وَصْفِ الْوَحْدَةِ عَلَيْهَا فَذِكْرُ نَفْخَةٌ تَبَعٌ غَيْرُ مَسُوقٍ لَهُ الْكَلَامُ فَتَكُونُ هَذِهِ النَّفْخَةُ هِيَ الْأُولَى وَهِيَ الْمُؤْذِنَةُ بِانْقِرَاضِ الدُّنْيَا ثُمَّ تَقَعُ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ بَعْثِ الْأَمْوَاتِ.
وَجُمْلَةُ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ إِلَخْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ لِأَنَّ دَكَّ الْأَرْضِ وَالْجِبَالِ قَدْ يَحْصُلُ قَبْلَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ لِأَنَّ بِهِ فَنَاءَ الدُّنْيَا.
وَمَعْنَى حُمِلَتِ: أَنَّهَا أُزِيلَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا بِأَنْ أُبْعِدَتِ الْأَرْضُ بِجِبَالِهَا عَنْ مَدَارِهَا الْمُعْتَادِ فَارْتَطَمَتْ بِأَجْرَامٍ أُخْرَى فِي الْفَضَاءِ فَدُكَّتا، فَشُبِّهَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ بِحَمْلِ الْحَامِلِ شَيْئًا لِيُلْقِيَهُ عَلَى الْأَرْضِ، مِثْلُ حَمْلِ الْكُرَةِ بَيْنَ الْلَّاعِبِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِنَقْضِ نِظَامَ الْعَالَمِ فِي الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ بِإِبْعَادِهَا عَنْ مَدَارِهَا مُشَبَّهًا بِالْحَمْلِ وَذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَ اخْتِلَالِ الْجَاذِبِيَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِحِفْظِ نِظَامَ الْعَالَمِ إِلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَالدَّكُّ: دَقٌّ شَدِيدٌ يَكْسِرُ الشَّيْءَ الْمَدْقُوقَ، أَيْ فَإِذَا فُرِّقَتْ أَجْزَاءُ الْأَرْضِ وَأَجْزَاءُ جِبَالِهَا.
وَبُنِيَتْ أَفْعَالُ نُفِخَ، وحُمِلَتِ، وفَدُكَّتا لِلْمَجْهُولِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مُتَعَلِّقٌ بِبَيَانِ الْمَفْعُولِ لَا الْفَاعِلِ وَفَاعِلُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ إِمَّا الْمَلَائِكَةُ أَوْ مَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ، وَالْكُلُّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ.
(29/125)

وَجُمْلَةُ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَوَابِ (إِذَا) ، أَعْنِي قَوْلَهُ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَيَوْمَئِذٍ فَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ إِلَخْ لِأَنَّ تَنْوِينَ (يَوْمَئِذٍ) عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ تَدَلُّ عَلَيْهَا جُمْلَةُ نُفِخَ فِي الصُّورِ إِلَى قَوْلِهِ دَكَّةً واحِدَةً، أَيْ فَيَوْمُ إِذْ نُفِخَ فِي الصُّورِ إِلَى آخِرِهِ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ بِمُرَادِفِ الْمُؤَكَّدِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِ (يَوْمَ) مِنْ قَوْلِهِ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، مُطْلَقُ الزَّمَانِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي وُقُوعِهِ مُضَافًا إِلَى (إِذَا) .
وَمَعْنَى وَقَعَتِ الْواقِعَةُ تَحَقُّقُ مَا كَانَ مُتَوَقَّعًا وُقُوعُهُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُتَوَعَّدُونَ بِوَاقِعَةٍ عَظِيمَةٍ فَيَوْمَئِذٍ يَتَحَقَّقُ مَا كَانُوا يُتَوَعَّدُونَ بِهِ.
فَعَبَّرَ عَنْهُ بِفِعْلِ الْمُضِيِّ تَنْبِيهًا عَلَى تَحْقِيقِ حُصُولِهِ.
وَالْمَعْنَى: فَحِينَئِذٍ تَقَعُ الْوَاقِعَةُ.
والْواقِعَةُ: مُرَادِفَةٌ لِلْحَاقَّةِ وَالْقَارِعَةِ، فَذِكْرُهَا إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِزِيَادَةِ التَّهْوِيلِ وَإِفَادَةِ مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْوَال الَّتِي تنبىء عَنْهَا مَوَارِدُ اشْتِقَاقِ أَوْصَافِ الْحَاقَّةِ وَالْقَارِعَةِ وَالْوَاقِعَةِ.
والْواقِعَةُ صَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْبَعْثِ قَالَ تَعَالَى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ [الْوَاقِعَة: 1- 2] .
وَفِعْلُ انْشَقَّتِ السَّماءُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى جُمْلَةِ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِشَرْطِ (إِذَا) ، وَتَأْخِيرُ عَطْفِهِ لِأَجْلِ مَا اتَّصَلَ بِهَذَا الْانْشِقَاقِ مَنْ وَصْفِ الْمَلَائِكَةِ الْمُحِيطِينَ بِهَا، وَمِنْ ذِكْرِ الْعَرْشِ الَّذِي يُحِيطُ بِالسَّمَاوَاتِ وَذِكْرِ حَمَلَتِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً فِي مَوْضِعِ الْحَالِ بِتَقْدِيرِ: وَقَدِ انْشَقَّتِ السَّمَاءُ.
وَانْشِقَاقُ السَّمَاءِ: مُطَاوَعَتُهَا لِفِعْلِ الشَّقِّ، وَالشَّقُّ: فَتْحُ مَنَافِذَ فِي مُحِيطِهَا، قَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً [الْفرْقَان: 25، 26] .
ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ [الرَّحْمَن: 37] وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَيْنُهُ.
(29/126)

وَحَقِيقَةُ واهِيَةٌ ضَعِيفَةٌ وَمُتَفَرِّقَةٌ، وَيُسْتَعَارُ الْوَهْيُ لِلسُّهُولَةِ وَعَدَمِ الْمُمَانَعَةِ، يُقَالُ:
وَهَى عَزْمُهُ، إِذَا تَسَامَحَ وَتَسَاهَلَ، وَفِي الْمَثَلِ «أَوْهَى مِنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ» يُضْرَبُ لِعَدَمِ نُهُوضِ الْحُجَّةِ.
وَتَقْيِيدُهُ بِ يَوْمَئِذٍ أَنَّ الْوَهْيَ طَرَأَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ صُلْبَةً بِتَمَاسُكِ أَجْزَائِهَا وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ بِالرَّتْقِ كَمَا عَبَّرَ عَنِ الشَّقِّ بِالْفَتْقِ، أَيْ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ مَطْرُوقَةٌ مَسْلُوكَةٌ.
وَالْوَهْيُ: قَرِيبٌ مِنَ الْوَهْنِ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّ الْوَهْيَ يُوصَفُ بِهِ الْأَشْيَاءُ غَيْرُ الْعَاقِلَةِ، وَالْوَهْنُ يُوصَفُ بِهِ النَّاسُ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهَا صُعُودًا وَنُزُولًا خِلَافًا لِحَالِهَا مِنْ قَبْلُ قَالَ تَعَالَى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ [الرَّحْمَن: 37] .
وَجُمْلَةُ وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها، حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ فَهِيَ، أَيْ ويومئذ الْمَلَكُ عَلَى
أَرْجَائِهَا.
والْمَلَكُ: أَصْلُهُ الْوَاحِدُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَتَعْرِيفُهُ هُنَا تَعْرِيفُ الْجِنْسِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ، أَيْ جِنْسِ الْمَلَكِ، أَيْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ إِذَا أُرِيدَ الْاسْتِغْرَاقُ، وَاسْتِغْرَاقُ الْمُفْرَدِ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الشُّمُولِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْكِتَابُ أَكْثَرُ مِنَ الْكُتُبِ، وَمِنْهُ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [مَرْيَم: 4] .
والأرجاء: النواحي بلغَة هُذَيْل، وَاحِدهَا رجا مَقْصُورا وألفه منقلبة عَن الْوَاو.
وَضَمِيرُ أَرْجائِها عَائِدٌ إِلَى السَّماءُ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَعْمَلُونَ فِي نَوَاحِي السَّمَاءِ يُنَفِّذُونَ إِنْزَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِالْجَنَّةِ وَسَوْقَ أَهْلِ النَّارِ إِلَى النَّارِ.
وَعَرْشُ الرَّبِّ: اسْمٌ لِمَا يُحِيطُ بِالسَّمَاوَاتِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاوَاتِ.
وَالْمُرَادُ بِالثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ: ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ شُخُوصٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ، وَقِيلَ ثَمَانِيَةُ أَعْشَارٍ، أَيْ نَحْوُ ثَمَانِينَ مِنْ مَجْمُوعِ عَدَدِ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ أَحْوَالِ الْغَيْبِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ
(29/127)

بِتَفْصِيلِهَا، إِذِ الْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ تَمْثِيلُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْرِيبُ ذَلِكَ إِلَى الْأَفْهَامِ كَمَا قَالَ فِي غَيْرِ آيَةٍ.
وَلَعَلَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى مَا زَادَ عَلَى الْمَوْعِظَةِ، هُوَ تَعْلِيمُ اللَّهِ نَبِيئَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ بِطَرِيقَةٍ رَمْزِيَّةٍ يَفْتَحُ عَلَيْهِ بِفَهْمِ تَفْصِيلِهَا وَلَمْ يُرِدْ تَشْغِيلَنَا بِعِلْمِهَا.
وَكَأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى ذِكْرِهِمْ إِجْمَالًا هُوَ الْانْتِقَالُ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْ عَرْشِ اللَّهِ لِئَلَّا يَكُونَ ذِكْرُهُ اقْتِضَابًا بَعْدَ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا ذَكَرَ فِيهِ أَبْعَادَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ، وَفِي ذكر حَملَة الْعَرْشِ رُمُوزٌ سَاقَهَا التِّرْمِذِيُّ مَسَاقَ التَّفْسِيرِ لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَحَدُ رُوَاتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرَةَ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا نَعْلَمُ لَهُ سَمَاعًا عَنِ الْأَحْنَفِ.
وَهُنَالِكَ أَخْبَارٌ غَيْرُ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ لَا يُعْبَأُ بِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِيهَا: إِنَّهَا مُتَلَفَّقَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنْ شِعْرٍ لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْشِدَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَصَدَّقَهُ. اهـ.
وَضَمِيرُ فَوْقَهُمْ يَعُودُ إِلَى الْمَلَكُ.
وَيَتَعَلَّقُ فَوْقَهُمْ بِ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ يَحْمِلُ مِنْ كَوْنِ الْعَرْشِ عَالِيًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَيْدَيْنِ فِي قَوْلِهِ: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الْأَنْعَام: 38] .
وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِضَافَةُ عَرْشٍ إِلَى اللَّهِ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ مِثْلُ إِضَافَةِ الْكَعْبَةِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ الْآيَة [الْحَج: 26] ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَنِ السُّكْنَى فِي بَيْتٍ.
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: تُعْرَضُونَ لِجَمِيعِ النَّاسِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ التَّفْصِيلِ.
وَالْعَرْضُ: أَصْلُهُ إِمْرَارُ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ التَّأَمُّلَ مِنْهَا مِثْلُ عَرْضِ السِّلْعَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَعَرْضِ الْجَيْشِ عَلَى أَمِيرِهِ، وَأُطْلِقَ هُنَا كِنَايَةً عَنْ لَازِمِهِ وَهُوَ الْمُحَاسَبَةُ مَعَ جَوَازِ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الصَّرِيحِ.
(29/128)

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)
وَمَعْنَى لَا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ: لَا تَخْفَى عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى مَلَائِكَتِهِ. وَتَأْنِيثُ خافِيَةٌ لِأَنَّهُ وَصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مُؤَنَّثٍ يُقَدَّرُ بِالْفَعْلَةِ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، أَوْ يُقَدَّرُ بِنَفْسٍ، أَيْ لَا تَخْتَبِئُ مِنَ الْحِسَابِ نَفْسُ أَيِّ أَحَدٍ، وَلَا يَلْتَبِسُ كَافِرٌ بِمُؤْمِنٍ، وَلَا بَارٌّ بِفَاجِرٍ.
وَجُمْلَةُ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ هِيَ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، أَوْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْهَا.
ومِنْكُمْ صِفَةٌ لِ خافِيَةٌ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فَتَكُونُ حَالًا.
وَتَكْرِيرُ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ لِتَهْوِيلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ النَّفْخُ فِي الصُّورِ ثُمَّ يَعْقُبُهُ مَا بَعْدَهُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْجُمَلِ بَعْدَهُ، فَقَدْ جَرَى ذِكْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَمْسَ مَرَّاتٍ لِأَنَّ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ تَكْرِيرٌ لِ (إِذَا) مِنْ قَوْلِهِ: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ إِذْ تَقْدِيرُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي يَوْمَئِذٍ هُوَ مَدْلُولُ جُمْلَةِ فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ، فَقَدْ ذُكِرَ زَمَانُ النَّفْخِ أَوَّلًا وَتَكَرَّرَ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ لَا تَخْفى بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ بِالتَّحْتِيَّةِ لِأَنَّ تَأْنِيثَ خافِيَةٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، مَعَ وُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْفِعْل وفاعله.
[19- 24]

[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 19 إِلَى 24]
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (22) قُطُوفُها دانِيَةٌ (23)
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (24)
الْفَاءُ تَفْصِيلٌ لِمَا يتضمنه تُعْرَضُونَ [الحاقة: 18] إِذِ الْعَرْضُ عَرْضٌ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ فَإِيتَاءُ الْكِتَابِ هُوَ إِيقَافُ كُلِّ وَاحِدٍ على صحيفَة أَعمال. وَ (أَمَّا) حَرْفُ تَفْصِيلٍ وَشَرْطٍ وَهُوَ يُفِيدُ مُفَادَ (مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ) ، وَالْمَعْنَى: مَهْمَا يكن عرض مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ...
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ، وَشَأْنُ الْفَاءِ الرَّابِطَةِ لِجَوَابِهَا أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ (أَمَّا) بِجُزْءٍ مِنْ جُمْلَةِ الْجَوَابِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجَوَابِ مُهْتَمٍّ بِهِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا الْتَزَمُوا حَذْفَ فِعْلِ الشَّرْطِ لْانْدِمَاجِهِ فِي مَدْلُولِ (أَمَّا) كَرِهُوا اتِّصَالَ فَاءِ الْجَوَابِ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ فَفَصَلُوا بَيْنَهُمَا بِفَاصِلٍ تَحْسِينًا لِصُورَةِ الْكَلَامِ، فَقَوْلُهُ:
(29/129)

مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ أَصْلُهُ صَدْرُ جُمْلَةِ الْجَوَابِ، وَهُوَ مُبْتَدَأُ خَبَرِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ كَمَا سَيَأْتِي.
وَدَلَّ قَوْلُهُ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ عَلَى كَلَامٍ مَحْذُوفٍ لِلْإِيجَازِ تَقْدِيرُهُ فَيُؤْتَى كُلُّ أَحَدٍ كِتَابَ أَعْمَالِهِ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ إِلَخْ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشُّعَرَاء: 63] .
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوْ بِمَعْنَى (فِي) .
وَإِيتَاءُ الْكِتَابِ بِالْيَمِينِ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِيتَاءُ كَرَامَةٍ وَتَبْشِيرٍ، وَالْعَرَبُ يَذْكُرُونَ التَّنَاوُلَ بِالْيَمِينِ كِنَايَةً عَنِ الْاهْتِمَامِ بِالْمَأْخُوذِ وَالْاعْتِزَازِ بِهِ، قَالَ الشَّمَّاخُ:
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةٌ بِالْيَمِينِ
وَقَالَ تَعَالَى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ الْآيَة [الْوَاقِعَة: 27- 28] ثُمَّ قَالَ: وَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ الْآيَة [الْوَاقِعَة: 41- 42] .
وَجُمْلَةُ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ جَوَابُ شَرْطِ (أمّا) وَهُوَ مغن عَنْ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ ذِي بَهْجَةٍ وَحُبُورٍ يَبْعَثَانِ عَلَى إِطْلَاعِ النَّاسِ عَلَى مَا فِي كِتَابِ أَعْمَالِهِ مِنْ جَزَاءٍ فِي مَقَامِ الْاغْتِبَاطِ وَالْفِخَارِ، فَفِيهِ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ حُبُورٍ وَنَعِيمٍ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْكِنَائِيَّ هُوَ الْغَرَضُ الْأَهَمُّ مِنْ ذِكْرِ الْعَرْضِ.
وهاؤُمُ مُرَكَّبٌ مِنْ (هَاءٍ) مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا وَالْمَمْدُودُ مَبْنِيٌّ عَلَى فَتْحِ الْهَمْزَةِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ عَلَامَاتِ الْخِطَابِ مَا عَدَا الْمُوَجَّهَ إِلَى امْرَأَةٍ فَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ دُونَ يَاءٍ. وَإِذَا خُوطِبَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ الْتُزِمَ مُدَّهُ لِيَتَأَتَّى إِلْحَاقُ عَلَامَةَ خِطَابٍ كَالْعَلَامَةِ الَّتِي تَلْحَقُ ضَمِيرَ الْمُخَاطَبِ وَضَمُّوا هَمْزَتَهُ ضَمَّةً كَضَمَّةِ ضَمِيرِ الْخِطَابِ إِذْ لَحِقَتْهُ عَلَامَةُ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، فَيُقَالُ: هَاؤُمَا، كَمَا يُقَالُ: أَنْتُمَا، وَهَاؤُمُ كَمَا يُقَالُ: أَنْتُمْ، وَهَاؤُنَّ كَمَا يُقَالُ: أَنْتُنَّ، وَمِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ هاؤُمُ أَصله: هاأمّوا مُرَكَّبًا مِنْ كَلِمَتَيْنِ (هَا) وَفِعْلِ أَمْرٍ لِلْجَمَاعَةِ مِنْ فِعْلِ أَمَّ، إِذَا قُصِدَ، ثُمَّ خُفِّفَ لِكَثْرَةِ الْاسْتِعْمَالِ، وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَاؤُمَيْنِ فِي خِطَابِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَفِيهِ لُغَاتٌ أُخْرَى وَاسْتِعْمَالَاتٌ فِي اتِّصَالِ كَافِ الْخِطَابِ بِهِ تَقَصَّاهَا الرَّضِيُّ فِي شَرْحِ «الْكَافِيَةِ» وَابْنُ مَكْرَمٍ فِي «لِسَانِ الْعَرَبِ» .
(29/130)

وَ (هاؤُمُ) بِتَصَارِيفِهِ مُعْتَبَرٌ اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ بِمَعْنَى: خُذْ، كَمَا فِي «الْكَشَّافِ» وَبِمَعْنَى تَعَالَ، أَيْضًا كَمَا فِي «النِّهَايَةِ» .
وَالْخِطَابُ فِي قَوْله: هاؤُمُ اقْرَؤُا لِلصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَحْشَرِ.
وكِتابِيَهْ أَصْلُهُ: كِتَابِيَ بِتَحْرِيكِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى أَحَدِ وُجُوهٍ فِي يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ إِذَا وَقَعَتْ مُضَافًا إِلَيْهَا وَهُوَ تَحْرِيكٌ أَحْسَبُ أَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ إِظْهَارُ إِضَافَةِ الْمُضَافِ إِلَى تِلْكَ الْيَاءِ لِلْوُقُوفِ، مُحَافَظَةً عَلَى حَرَكَةِ الْيَاءِ الْمَقْصُود اجتلابها.
واقْرَؤُا بَيَانٌ لِلْمَقْصُودِ مِنِ اسْمِ الْفِعْلِ مِنْ قَوْلِهِ هاؤُمُ.
وَقَدْ تَنَازَعَ كُلٌّ من هاؤُمُ واقْرَؤُا قَوْلَهُ: كِتابِيَهْ. وَالتَّقْدِيرُ: هاؤم كِتَابيه اقرأوا كِتَابِيَهِ. وَالْهَاءُ فِي كِتَابِيَهْ وَنَظَائِرِهَا لِلسَّكْتِ حِين الْوَقْف.
وَحَقُّ هَذِهِ الْهَاءِ أَنْ تُثْبَتَ فِي الْوَقْفِ وَتُسْقَطَ فِي الْوَصْلِ. وَقَدْ أُثْبِتَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْحَالَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْقُرَّاءِ وَكُتِبَتْ فِي الْمَصَاحِفِ، فَعُلِمَ أَنَّهَا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ بِلُغَةِ ذَلِكَ الْقَائِلِ بِمَا يُرَادِفُهُ فِي الْاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ لِأَنَّ الْاسْتِعْمَالَ أَنْ يَأْتِيَ الْقَائِلُ بِهَذِهِ الْهَاءِ بِالْوَقْفِ عَلَى كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَقَعَتْ فَوَاصِلَ وَالْفَوَاصِلُ مِثْلُ الْأَسْجَاعِ تُعْتَبَرُ بِحَالَةِ الْوَقْفِ مِثْلُ الْقَوَافِي، فَلَو قيل: اقرأوا كِتَابِيَ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَ، سَقَطَتْ فَاصِلَتَانِ وَذَلِكَ تَفْرِيطٌ فِي مُحَسِّنَيْنِ.
وَقَرَأَهَا يَعْقُوبُ إِذَا وَصَلَهَا بِحَذْفِ الْهَاءِ وَالْقُرَّاءُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهَا الْقَارِئُ
لِيُوَافِقَ مَشْهُورَ رَسْمِ الْمُصْحَفِ وَلِئَلَّا يَذْهَبَ حُسْنُ السَّجْعِ.
وَأُطْلِقَ الظَّنُّ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ، عَلَى مَعْنَى الْيَقِينِ وَهُوَ أَحَدُ مَعْنَيَيْهِ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ: كُلُّ ظَنٍّ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُؤْمِنِ فَهُوَ يَقِينٌ وَمِنَ الْكَافِرِ فَهُوَ شَكٌّ.
وَحَقِيقَةُ الظَّنِّ: عِلْمٌ لَمْ يَتَحَقَّقْ إِمَّا لِأَنَّ الْمَعْلُومَ بِهِ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى عَالَمِ الْحِسِّ، وَإِمَّا لِأَنَّ عِلْمَ صَاحِبِهِ مَخْلُوطٌ بِشَكٍّ. وَبِهَذَا يَكُونُ إِطْلَاقُ الظَّنِّ على الْمَعْلُوم الْمُتَّقِينَ إِطْلَاقًا حَقِيقِيًّا. وَعَلَى هَذَا جَرَى الْأَزْهَرِيُّ فِي «التَّهْذِيبِ» وَأَبُو عَمْرٍو وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ عَطِيَّةَ.
(29/131)

وَكَلَامُ «الْكَشَّافِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الظَّنِّ: عِلْمٌ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ وَلَكِنَّهُ قَدْ يَجْرِي مَجْرَى الْعِلْمِ لِأَنَّ الظَّنَّ الْغَالِبَ يُقَامُ مَقَامُ الْعِلْمِ فِي الْعَادَاتِ وَالْأَحْكَامِ، وَقَالَ: يُقَالُ: أَظُنُّ ظَنًّا كَالْيَقِينِ أَنَّ الْأَمْرَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَهُوَ عِنْدَهُ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى الْيَقِينِ كَانَ مَجَازًا. وَهَذَا أَيْضًا رَأْيُ الْجَوْهَرِيِّ وَابْنِ سِيدَهْ وَالْفَيْرُوزَآبَادِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية: 32] فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ تَنْكِيرَ ظَنًّا أُرِيدَ بِهِ التَّقْلِيلُ، وَأُكِدَّ، بِ مَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ فَاحْتَمَلَ الْاحْتِمَالَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [66] وَقَوْلِهِ: وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ [118] .
وَالْمَعْنَى: إِنِّي عَلِمْتُ فِي الدُّنْيَا أَنِّي أَلْقَى الْحِسَابَ، أَيْ آمَنَتُ بِالْبَعْثِ. وَهَذَا الْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنِ اسْتِعْدَادِهِ لِلْحِسَابِ بِتَقْدِيمِ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِمَّا كَانَ سَبَبَ سَعَادَتِهِ.
وَجُمْلَةُ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فِي مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِلْفَرَحِ وَالْبَهْجَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْله: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ وَبِذَلِكَ يَكُونُ حَرْفُ (إِنَّ) لِمُجَرَّدِ الْاهْتِمَامِ وَإِفَادَةِ التَّسَبُّبِ.
وَمَوْقِعُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ مَوْقِعُ التَّفْرِيعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِيتَائِهِ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَمَا كَانَ لِذَلِكَ مِنْ أَثَرِ الْمَسَرَّةِ وَالْكَرَامَةِ فِي الْمَحْشَرِ، فَتَكُونُ الْفَاءُ لِتَفْرِيعِ ذِكْرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى ذِكْرِ مَا قَبْلَهَا. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهَا بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ اشْتَمَلَ عَلَى أَنَّ قَائِلَهُ فِي نَعِيمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِعَادَةُ الْفَاءِ مَعَ الْجُمْلَةِ مِنْ إِعَادَةِ الْعَامِلِ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ مَعَ الْبَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا [الْمَائِدَة: 114] .
وَالْعِيشَةُ: حَالَةُ الْعَيْشِ وَهَيْئَتُهُ.
وَوَصْفُ عِيشَةٍ بِ راضِيَةٍ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِمُلَابَسَةِ الْعِيشَةِ حَالَةَ صَاحِبِهَا وَهُوَ الْعَائِشُ مُلَابَسَةَ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفِهَا.
وَالرَّاضِي: هُوَ صَاحِبُ الْعِيشَةِ لَا الْعِيشَةُ، لِأَنَّ راضِيَةٍ اسْمُ فَاعِلِ رَضِيَتْ إِذَا حَصَلَ لَهَا الرِّضَى وَهُوَ الْفَرَحُ وَالْغِبْطَةُ.
(29/132)

وَالْعِيشَةُ لَيْسَتْ رَاضِيَةً وَلَكِنَّهَا لِحُسْنِهَا رَضِيَ صَاحِبُهَا، فَوَصَفَهَا بِ راضِيَةٍ مِنْ إِسْنَادِ الْوَصْفِ إِلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ وَهُوَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الرِّضَى بِسَبَبِهَا حَتَّى سَرَى إِلَيْهَا، وَلِذَلِكَ الْاعْتِبَارِ أَرْجَعَ السَّكَّاكِيُّ مَا يُسَمَّى بِالْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ إِلَى الْاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ كَمَا ذكر فِي عَالم الْبَيَانِ.
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ وَهِيَ الْمُلَابَسَةُ.
وَجُمْلَةُ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ.
وَالْعُلُوُّ: الْارْتِفَاعُ وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْجَنَّاتِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يُشْرِفُ عَلَى جِهَاتٍ مِنْ مُتَّسَعِ النَّظَرِ وَلِأَنَّهُ يَبْدُو لَهُ كَثِيرٌ مِنْ مَحَاسِنِ جَنَّتِهِ حِينَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مِنْ أَعْلَاهَا أَوْ وَسَطِهَا مِمَّا لَا يَلُوحُ لِنَظَرِهِ لَوْ كَانَتْ جَنَّتُهُ فِي أَرْضٍ مُنْبَسِطَةٍ، وَذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ الْبَهْجَةِ وَالْمَسَرَّةِ، لَأَنَّ جَمَالَ الْمَنَاظِرِ مِنْ مَسَرَّاتِ النَّفْسِ وَمِنَ النِّعَمِ، وَوَقَعَ فِي شِعْرِ زُهَيْرٍ:
كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مِنَ النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا
فَقَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُحُقًا، نَعْتًا لِلْجَنَّةِ بِدُونِ تَقْدِيرٍ كَمَا قَالُوا: نَاقَةٌ عُلُطٌ وَامْرَأَةٌ عُطُلٌ. وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى مَعْنَى السَّحَقِ فِيهَا وَهُوَ الْارْتِفَاعُ لِأَنَّ الْمُرْتَفِعَ بَعِيدٌ، وَقَالُوا: سَحُقَتِ النَّخْلَةُ كَكَرُمَ إِذَا طَالَتْ. وَفِي الْقُرْآنِ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [الْبَقَرَة: 265] .
وَجَوَّزُوا أَنْ يُرَادَ أَيْضًا بِالْعُلُوِّ عُلُوُّ الْقَدْرِ مِثْلُ فُلَانٍ ذُو دَرَجَةٍ رَفِيعَةٍ، وَبِذَلِكَ كَانَ لِلَفْظِ عالِيَةٍ هُنَا مَا لَيْسَ لِقَوْلِهِ: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَالِكَ جَنَّةٌ مِنَ الدُّنْيَا.
وَالْقُطُوفُ: جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، وَهُوَ الثَّمَرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُقْطَفُ وَأَصْلُهُ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِثْلُ ذِبْحٍ.
وَمَعْنَى دُنُوِّهَا: قُرْبُهَا مِنْ أَيْدِي الْمُتَنَاوِلِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ أَهْنَأُ إِذْ لَا كُلْفَةَ فِيهِ، قَالَ تَعَالَى:
وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [الْإِنْسَان: 14] .
وَجُمْلَةُ كُلُوا وَاشْرَبُوا إِلَى آخَرِهَا مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ وَمَقُولُهُ فِي مَوْضِعِ
(29/133)

صِفَةٍ لِ جَنَّةٍ إِذِ التَّقْدِيرُ: يُقَالُ لِلْفَرِيقِ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ حِينَ يَسْتَقِرُّونَ فِي الْجَنَّةِ:
كُلُوا وَاشْرَبُوا إِلَخْ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ خَبَرًا ثَانِيًا عَنِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ.
وَإِنَّمَا أُفْرِدَتْ ضَمَائِرُ الْفَرِيقِ الَّذِي أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ جَاءَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ جَمْعٍ عِنْدَ حِكَايَةِ خِطَابِهِمْ لِأَنَّ هَذِهِ الضَّمَائِرَ السَّابِقَةَ حُكِيَتْ مَعَهَا أَفْعَالٌ مِمَّا يَتَلَبَّسُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْفَرِيقِ عِنْدَ إِتْمَامِ حِسَابِهِ. وَأَمَّا ضَمِيرُ كُلُوا وَاشْرَبُوا فَهُوَ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْفَرِيقِ بَعْدَ حُلُولِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا يَدْخُلُ الضُّيُوفُ إِلَى الْمَأْدُبَةِ فَيُحَيِّي كُلُّ دَاخِلٍ مِنْهُمْ بِكَلَامٍ يَخُصُّهُ فَإِذَا اسْتَقَرُّوا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُضَيِّفُهُمْ بِعِبَارَاتِ الْإِكْرَامِ.
وهَنِيئاً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ إِذَا ثَبَتَ لَهُ الْهَنَاءُ فَيَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ وَصْفُهُ وَإِسْنَادُ الْهَنَاءِ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّهُمَا مُتَلَبِّسَانِ بِالْهَنَاءِ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ غَيْرِ الثُّلَاثِيِّ بِوَزْنٍ مَا لِلثُّلَاثِيِّ. وَالتَّقْدِيرُ: مُهَنِّئًا، أَيْ سَبَبَ هَنَاءٍ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ أَيِ الْمُسْمِعُ، وَكَمَا وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْحُكْمِ الْمَصْنُوعَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ مَهْنِيئًا بِهِ.
وَعَلَى الْاحْتِمَالَاتِ كُلِّهَا فَإِفْرَادُ هَنِيئاً فِي حَالِ أَنَّهُ وَصْفٌ لِشَيْئَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ لَا يُطَابِقُ مَوْصُوفَهُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ فَهُوَ نَائِبٌ عَنْ مَوْصُوفِهِ، وَالْوَصْفُ بِالْمَصْدَرِ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنَّثُ.
وبِما أَسْلَفْتُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ كُلُوا وَاشْرَبُوا.
وَالْبَاءُ للسَّبَبِيَّة.
وَمَا صدق (مَا) الْمَوْصُولَةُ هُوَ الْعَمَلُ، أَيِ الصَّالِحُ.
وَالْإِسْلَافُ: جَعْلُ الشَّيْءِ سَلَفًا، أَيْ سَابِقًا.
(29/134)

وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)
وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ سَابِقٌ لِإِبَّانِهِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ اشْتُقَّ السَّلَفُ لِلْقَرْضِ، وَالْإِسْلَافُ لِلْإِقْرَاضُ، وَالسُّلْفَةُ لِلسَّلَمِ.
والْأَيَّامِ الْخالِيَةِ: الْمَاضِيَةُ الْبَعِيدَةُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخُلُوِّ وَهُوَ الشغور والبعد.
[25- 29]

[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 25 إِلَى 29]
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ (26) يَا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (27) مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (29)
هَذَا قَسِيمُ مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [الحاقة: 19] ، فَالْقَوْلُ فِي إِيتَائِهِ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ قَدْ عُرِفَ وَجْهُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَتَمَنِّي كُلِّ مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كِتَابَهُ، لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنَ الْاطِّلَاعِ عَلَى كِتَابِهِ أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَى الْعَذَابِ فَيَتَمَنَّى أَنْ لَا يَكُونَ عَلِمَ بِذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حُزْنِهَا زَمَنًا فَإِنَّ تَرَقُّبَ السُّوءِ عَذَابٌ.
وَجُمْلَةُ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ لَيْتَنِي.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَانَ مُكَذِّبًا بِالْحِسَابِ وَهُوَ مُقَابِلُ قَوْلِ الَّذِي أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة: 20] .
وَجُمْلَةُ الْحَالِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيِ التَّمَنِّي.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى التَّمَنِّي، أَيْ يَا لَيْتَنِي لَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، أَيْ لَمْ أَعْرِفْ كُنْهَ حِسَابِي، أَيْ نَتِيجَتَهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى التَّمَنِّي الَّذِي قَبْلَهُ فَإِعَادَتُهُ تَكْرِيرٌ لِأَجْلِ التَّحَسُّرِ وَالتَّحَزُّنِ.
وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالْاسْتِفْهَامُ بِهَا هُوَ الَّذِي عَلَّقَ فِعْلَ أَدْرِ عَنِ الْعَمَلِ، وَيَا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ تَمَنٍّ آخَرَ وَلَمْ يُعْطَفْ عَلَى التَّمَنِّي الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحَسُّرُ وَالتَّنَدُّمُ.
(29/135)

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)
وَضَمِيرُ لَيْتَها عَائِدٌ إِلَى مَعْلُومٍ مِنَ السِّيَاقِ، أَيْ لَيْتَ حَالَتِي، أَوْ لَيْتَ مُصِيبَتِي كَانَتِ الْقَاضِيَةَ.
والْقاضِيَةَ: الْمَوْتُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَقُولُ الْكافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[النبأ: 40] ، أَيْ مَقْبُورًا فِي التُّرَابِ.
وَجُمْلَةُ يَا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ مِنَ الْكَلَامِ الصَّالِحِ لِأَنْ يَكُونَ مَثَلًا لِإِيجَازِهِ وَوَفْرَةِ
دَلَالَتِهِ وَرَشَاقَةِ مَعْنَاهُ عَبَّرَ بِهَا عَمَّا يَقُولُهُ مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنَ التَّحَسُّرِ بِالْعِبَارَةِ الَّتِي يَقُولُهَا الْمُتَحَسِّرُ فِي الدُّنْيَا بِكَلَامٍ عَرَبِيٍّ يُؤَدِّي الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ. وَنَظِيرُهُ مَا حُكِيَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً [الْفرْقَان: 13] وَقَوْلِهِ: يَا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا [الْفرْقَان: 28] وَقَوْلِهِ: يَا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ الْآيَة [الْكَهْف: 49] .
ثُمَّ أَخَذَ يَتَحَسَّرُ عَلَى مَا فرط فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا بِالْإِقْبَالِ عَلَى مَا لَمْ يَجِدْهُ فِي الْعَالَمِ الْأَبَدِيِّ فَقَالَ: مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ، أَيْ يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَذَا سُلْطَانٍ مِنْ ذَلِكَ الْفَرِيقِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِشْرَاكِ وَالْكُفْرِ، فَمَا ظَنُّكَ بِحَسْرَةِ مَنِ اتَّبَعُوهُمْ وَاقْتَدُوا بِهِمْ إِذَا رَأَوْهُمْ كَذَلِكَ، وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِسَادَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مَثْلُ أَبِي جَهْلٍ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ قَالَ تَعَالَى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ [المزمل: 11] .
وَفِي أَغْنى عَنِّي الْجِنَاسُ الْخَطِّيُّ وَلَوْ مَعَ اخْتِلَافٍ قَلِيلٍ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ «غَرَّكَ عِزُّكَ فَصَارَ قُصَارَى ذَلِكَ ذُلُّكَ» .
وَمَعْنَى هَلَاكِ السُّلْطَانِ: عَدَمُ الْانْتِفَاعِ بِهِ يَوْمَئِذٍ فَهُوَ هَلَاكٌ مَجَازِيٌّ. وَضُمِّنَ هَلَكَ مَعْنَى (غَابَ) فَعُدِّيَ بِ (عَنْ) ، أَيْ لَمْ يَحْضُرْنِي سُلْطَانَي الَّذِي عَهِدْتُهُ.
وَالْقَوْلُ فِي هَاءَاتِ كِتابِيَهْ، وحِسابِيَهْ، ومالِيَهْ، وسُلْطانِيَهْ، كَالْقَوْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنَّ حَمْزَةَ وَخَلَفًا قَرَآ هُنَا مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ بِدُونِ هَاءٍ فِي حَالَة الْوَصْل.
[30- 37]

[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 30 إِلَى 37]
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (34)
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (35) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ
(29/136)

(37)
خُذُوهُ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَوْقِعِهِ فِي مَوْقِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ [الحاقة: 25] ، وَالتَّقْدِيرُ: يُقَالُ: خُذُوهُ.
وَمَعْلُومٌ مِنَ الْمَقَامِ أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِأَنْ يَأْخُذُوهُ هُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِسَوْقِ أَهْلِ الْحِسَابِ إِلَى مَا أُعِدَّ لَهُمْ.
وَالْأَخْذُ: الْإِمْسَاكُ بِالْيَدِ.
وَغُلُّوهُ: أَمْرٌ مِنْ غَلَّهُ إِذَا وَضَعَهُ فِي الْغُلِّ وَهُوَ الْقَيْدُ الَّذِي يُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْجَانِي أَوِ الْأَسِيرِ فَهُوَ فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جَامِدٍ، وَلَمْ يُسْمَعْ إِلَّا ثُلَاثِيًّا وَلَعَلَّ قِيَاسَهُ أَنْ يُقَالَ: غَلَّلَهُ
بِلَامَيْنِ لِأَنَّ الْغُلَّ مُضَاعَفُ الْلَّامِ، فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ عَمَّمَ، إِذَا جُعِلَ لَهُ عِمَامَةً، وَأَزَّرَ، إِذَا أَلْبَسَهُ إِزَارًا، وَدَرَّعَ الْجَارِيَةَ، إِذَا أَلْبَسَهَا الدِّرْعَ، فَلَعَلَّهُمْ قَالُوا: غَلَّهُ تَخْفِيفًا. وَعَطَفَ بِفَاءٍ التَّعْقِيبِ لِإِفَادَةِ الْإِسْرَاعِ بِوَضْعِهِ فِي الْأَغْلَالِ عَقِبَ أَخْذِهِ.
وثُمَّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ لِلتَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ لِأَنَّ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ بِهَا أَشَدُّ فِي الْعِقَابِ مِنْ أَخْذِهِ وَوَضْعِهِ فِي الْأَغْلَالِ.
وَصَلَّى: مُضَاعَفُ تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ لِأَنَّ صَلِيَ النَّارِ مَعْنَاهُ أَصَابَهُ حَرْقُهَا أَوْ تَدَفَّأَ بِهَا، فَإِذَا عُدِّيَ قِيلَ: أَصْلَاهُ نَارًا، وَصَلَّاهُ نَارًا.
وثُمَّ مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ لِلتَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَتَيْنِ قَبْلَهَا لِأَنَّ مَضْمُونَ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً أَعْظَمُ مِنْ مَضْمُونِ فَغُلُّوهُ.
وَمَضْمُونُ فَاسْلُكُوهُ دَلَّ عَلَى إِدْخَالِهِ الْجَحِيمَ فَكَانَ إِسْلَاكُهُ فِي تِلْكَ السِّلْسِلَةِ أَعْظَمَ مِنْ مُطْلَقِ إِسْلَاكِهِ الْجَحِيم.
وَمعنى فَاسْلُكُوهُ: اجْعَلُوهُ سَالِكًا، أَيْ دَاخِلًا فِي السِّلْسِلَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ تُلَفَّ عَلَيْهِ السِّلْسِلَةُ فَيَكُونُ فِي وَسَطِهَا، وَيُقَالُ: سَلَكَهُ، إِذَا أَدْخَلَهُ فِي شَيْءٍ، أَيِ اجْعَلُوهُ فِي الْجَحِيمِ مُكَبَّلًا فِي أَغْلَالِهِ.
(29/137)

وَتَقْدِيمُ الْجَحِيمَ عَلَى عَامِلِهِ لِتَعْجِيلِ الْمَسَاءَةِ مَعَ الرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ وَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ فِي سِلْسِلَةٍ على عَامله.
واقتران فعل فَاسْلُكُوهُ بِالْفَاءِ إِمَّا لِتَأْكِيدِ الْفَاءِ الَّتِي اقْتَرَنَتْ بِفِعْلِ فَغُلُّوهُ، وَإِمَّا لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ الْفِعْلَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ جَزَاءِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وَهَذَا الْحَذْفُ يُشْعِرُ بِهِ تَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ غَالِبًا كَأَنَّهُ قِيلَ: مَهْمَا فَعَلْتُمْ بِهِ شَيْئًا فَاسْلُكُوهُ فِي سِلْسِلَةٍ، أَوْ مَهْمَا يَكُنْ شَيْءٌ فَاسْلُكُوهُ.
وَالْمَقْصُودُ تَأْكِيدُ وُقُوعِ ذَلِكَ وَالْحَثُّ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيطِ فِي الْفِعْلِ وَأَنَّهُ لَا يُرْجَى لَهُ تَخْفِيفٌ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر: 3- 5] ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فِي سُورَةِ [يُونُسَ: 58] .
وَالسِّلْسِلَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ حِلَقٍ مِنْ حَدِيدٍ دَاخِلٍ بَعْضُ تِلْكَ الْحِلَقِ فِي بَعْضٍ تُجْعَلُ لِوِثَاقِ شَخْصٍ كَيْ لَا يَزُولَ مِنْ مَكَانِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ
وَالسَّلاسِلُ
فِي سُورَةِ غَافِرٍ [71] .
وَجُمْلَةُ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً صِفَةُ سِلْسِلَةٍ وَهَذِهِ الصِّفَةُ وَقَعَتْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الْمَجْرُورِ وَمُتَعَلَّقِهِ لِلتَّهْوِيلِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَارِعَةِ، وَلَيْسَتِ الْجُمْلَةُ مِمَّا خُوطِبَ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِسَوْقِ الْمُجْرِمِينَ إِلَى الْعَذَابِ، وَلِذَلِكَ فَعَدَدُ السَّبْعِينَ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْكَثْرَةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْكِنَايَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التَّوْبَة: 80] .
وَالذَّرْعُ: كَيْلُ طُولِ الْجِسْمِ بِالذِّرَاعِ وَهُوَ مِقْدَارٌ مِنَ الطُّولِ مُقَدَّرٌ بِذِرَاعِ الْإِنْسَانِ، وَكَانُوا يُقَدِّرُونَ بِمَقَادِيرِ الْأَعْضَاءِ مِثْلُ الذِّرَاعِ، وَالْأُصْبُعِ، وَالْأُنْمُلَةِ، وَالْقَدَمِ، وَبِالْأَبْعَادِ الَّتِي بَيْنَ الْأَعْضَاءِ مِثْلُ الشِّبْرِ، وَالْفِتْرِ، وَالرَّتَبِ (بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالتَّاءِ) ، وَالْعَتَبِ، وَالْبُصْمِ، وَالْخُطْوَةِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ كانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ فِي مَوْضِعِ الْعِلَّةِ لِلْأَمْرِ بِأَخْذِهِ وَإِصْلَائِهِ الْجَحِيمَ.
وَوَصْفُ اللَّهِ بِالْعَظِيمِ هُنَا إِيمَاءٌ إِلَى مُنَاسَبَةِ عِظَمِ الْعَذَابِ لِلذَّنْبِ إِذْ كَانَ الذَّنْبُ كُفْرَانًا بِعَظِيمٍ فَكَانَ جَزَاءً وَفَاقًا.
(29/138)

وَالْحَضُّ عَلَى الشَّيْءِ: أَنْ يَطْلُبَ مِنْ أَحَدٍ فِعْلَ شَيْءٍ وَيُلِحَّ فِي ذَلِكَ الطَّلَبِ.
وَنَفْيُ حَضِّهِ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الْفَحْوَى أَنَّهُ لَا يُطْعِمُ الْمِسْكِينَ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِإِطْعَامِ الْمِسْكِينَ فَهُوَ لَا يُطْعِمُهُ مِنْ مَالِهِ، فَالْمَعْنَى لَا يُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَلَا يَأْمُرُ بِإِطْعَامِهِ، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُطْعِمُونَ فِي الْوَلَائِمِ، وَالْمَيْسِرِ، وَالْأَضْيَافِ، وَالتَّحَابُبِ، رِيَاءً وَسُمْعَةً. وَلَا يُطْعِمُونَ الْفَقِيرَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَقَدْ جُعِلَ عَدَمُ الْحَضِّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ مُبَالَغَةً فِي شُحِّ هَذَا الشَّخْصِ عَنِ الْمَسَاكِينِ بِمَالِ غَيْرِهِ وَكِنَايَةً عَنِ الشُّحِّ عَنْهُمْ بِمَالِهِ، كَمَا جُعِلَ الْحِرْصُ عَلَى إِطْعَامِ الضَّيْفِ كِنَايَةً عَنِ الْكَرَمِ فِي قَوْلِ زَيْنَبَ بِنْتِ الطَّثَرِيَّةِ تَرْثِي أَخَاهَا يَزِيدَ:
إِذَا نَزَلَ الْأَضْيَافُ كَانَ عَذَوَّرًا ... عَلَى الْحَيِّ حَتَّى تَسْتَقِلَّ مَرَاجِلُهُ
تُرِيدُ أَنَّهُ يَحْضُرُ الْحَيَّ وَيَسْتَعْجِلُهُمْ عَلَى نِصْفِ الْقُدُورِ لِلْأَضْيَافِ حَتَّى تُوضَعَ قُدُورُ الْحَيِّ عَلَى الْأَثَافِي وَيَشْرَعُوا فِي الطَّبْخِ، وَالْعَذَوَّرُ بِعَيْنٍ مُهْمِلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ كَعَمَلَّسٍ:
الشَّكِسُ الْخُلُقِ.
إِلَّا أَنَّ كِنَايَةَ مَا فِي الْآيَةِ عَنِ الْبُخْلِ أَقْوَى مِنْ كِنَايَةِ مَا فِي الْبَيْتِ عَنِ الْكَرَمِ لِأَنَّ الْمُلَازِمَةَ فِي الْآيَةِ حَاصِلَةٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ بِخِلَافِ الْبَيْتِ.
وَإِذْ قَدْ جُعِلَ عَدَمُ حَضِّهِ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ جُزْءُ عِلَّةٍ لِشِدَّةِ عَذَابِهِ، عَلِمْنَا مِنْ ذَلِكَ مَوْعِظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ زَاجِرَةً عَنْ مَنْعِ الْمَسَاكِينِ حَقَّهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَهُوَ الْحَقُّ الْمَعْرُوفُ فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَقَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الَّذِي ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ خُذُوهُ، وَتَفْرِيعٌ عَلَيْهِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَهُ مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَيْأَسُ مِنْ أَنْ يَجِدَ مُدَافِعًا يَدْفَعُ عَنْهُ بِشَفَاعَةٍ، وَتَنْدِيمٌ لَهُ عَلَى مَا أَضَاعَهُ فِي حَيَاتِهِ مِنَ التَّزَلُّفِ إِلَى الْأَصْنَامِ وَسَدَنَتِهَا وَتَمْوِيهِهِمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُهُمْ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَإِلْمَامِ الْمَصَائِبِ. وَهَذَا وَجْهُ تَقْيِيدِ نَفِيِ الْحَمِيمِ بِ الْيَوْمَ تَعْرِيضًا بِأَنَّ أَحِمَّاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا لَا يَنْفَعُونَهُمُ الْيَوْمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الْأَنْعَام: 22] وَقَوْلُهُ عَنْهُمْ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا [الْأَعْرَاف: 53] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَفُوقُ فِي آيِ الْقُرْآنِ.
(29/139)

فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)
فَقَوْلُهُ لَهُ هُوَ خبر فَلَيْسَ لِأَنَّ الْمَجْرُورَ بِلَامِ الْاخْتِصَاصِ هُوَ مَحَطُّ الْإِخْبَارِ دُونَ ظَرْفِ الْمَكَانِ. وَقَوْلُهُ: هاهُنا ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْكَوْنِ الْمَنْوِيِّ فِي الْخَبَرِ بِحَرْفِ الْجَرِّ. وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِ هاهُنا خَبرا عَن فَلَيْسَ وَجَعْلِ لَهُ صِفَةً لِ حَمِيمٌ إِذْ لَا حَاجَةَ لِهَذَا الْوَصْفِ.
وَالْحَمِيمُ: الْقَرِيبُ، وَهُوَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ النَّصِيرِ إِذِ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ أَنْصَارَ الْمَرْءِ هُمْ عَشِيرَتُهُ وَقَبِيلَتُهُ.
وَلا طَعامٌ عَطْفٌ عَلَى حَمِيمٌ.
وَالْغِسْلِينُ: بِكَسْرِ الْغَيْنِ مَا يَدْخُلُ فِي أَفْوَاهِ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْمَوَادِّ السَّائِلَةِ مِنَ الْأَجْسَادِ وَمَاءِ النَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى ذَلِكَ مِثْلُ سِجِّينٍ، وَسِرْقِينٍ، وَعِرْنِينٍ، فَقِيلَ إِنَّهُ فِعْلِينَ مِنَ الْغَسْلِ لِأَنَّهُ سَالَ مِنَ الْأَبْدَانِ فَكَأَنَّهُ غُسِلَ عَنْهَا. وَلَا مُوجِبَ لبَيَان اشتقاقه.
والْخاطِؤُنَ: أَصْحَابُ الْخَطَايَا يُقَال: خطىء إِذَا أَذْنَبَ.
وَالْمَعْنَى: لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الخاطئين.
وتعريف الْخاطِؤُنَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْكَمَالِ فِي الْوَصْفِ، أَيِ الْمُرْتَكِبُونَ أَشَدَّ الْخَطَأِ وَهُوَ الْإِشْرَاكُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُور الْخاطِؤُنَ بِإِظْهَارِ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ الْخَاطُونَ بِضَمِّ الطَّاءِ بَعْدَهَا وَاوٌ عَلَى حَذْفِ الْهَمْزَةِ تَخْفِيفًا بَعْدَ إِبْدَالِهَا يَاءً تَخْفِيفًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَرَأَ حَمْزَةُ عِنْدَ الْوَقْفِ الْخَاطِيُونَ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَنْهُ غير الطَّيِّبِيّ.
[38- 43]

[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 38 إِلَى 43]
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (38) وَما لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (43)
الْفَاءُ هُنَا لِتَفْرِيعِ إِثْبَاتِ أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَنَفْيِ مَا نَسَبَهُ الْمُشْرِكُونَ
(29/140)

إِلَيْهِ، تَفْرِيعًا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ تَكْذِيبُهُمْ بِالْبَعْثِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ الَّذِي أَخْبَرَ بِوُقُوعِهِ، وَتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَائِلَ إِنَّهُ مُوحًى بِهِ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَابْتُدِئَ الْكَلَامُ بِالْقَسَمِ تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِقْسَامِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا [الصافات: 1] .
وَضَمِيرُ أُقْسِمُ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
جَمَعَ اللَّهُ فِي هَذَا الْقَسَمِ كُلَّ مَا الشَّأْنُ أَنْ يُقْسَمَ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ إِذْ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ الصِّلَتَانِ بِما تُبْصِرُونَ وَما لَا تُبْصِرُونَ، فَمِمَّا يُبْصِرُونَ: الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَالْبِحَارُ وَالنُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ وَالسَّمَاوَاتُ وَالْكَوَاكِبُ، وَمَا لَا يُبْصِرُونَ: الْأَرْوَاحُ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُمُورُ الْآخِرَةِ.
وَلَا أُقْسِمُ صِيغَةُ تَحْقِيقِ قِسْمٍ، وَأَصْلُهَا أَنَّهَا امْتِنَاعٌ مِنَ الْقَسَمِ امْتِنَاعَ تَحَرُّجٍ مِنْ أَنْ يَحْلِفَ بِالْمُقْسَمِ بِهِ خَشْيَةَ الْحِنْثِ، فَشَاعَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي كُلِّ قَسَمٍ يُرَادُ تَحْقِيقُهُ، وَاعْتُبِرَ حَرْفُ (لَا) كَالْمَزِيدِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ [75] ، وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ جَعَلَ حَرْفُ (لَا) فِي هَذَا الْقَسَمِ إِبْطَالًا لِكَلَامٍ سَابِقٍ وَأَنَّ فِعْلَ أُقْسِمُ بَعْدَهَا مُسْتَأْنَفٌ، وَنقض هَذَا النَّوْع بِوُقُوعِ مِثْلِهِ فِي أَوَائِلِ السُّورِ مِثْلُ: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [الْقِيَامَةِ: 1] وَلَا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [الْبَلَدِ: 1] .
وَضَمِيرُ إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ الْمَفْهُومِ مَنْ ذِكْرِ الْحَشْرِ وَالْبَعْثِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَمَجِيئُهُ بِذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ، عَلَى أَنَّ إِرَادَةَ الْقُرْآنِ مِنْ ضَمَائِرِ الْغَيْبَةِ الَّتِي لَا مَعَادَ لَهَا قَدْ تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ فِيهِ.
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِحَرْفِ (إِنَّ) وَالْلَّامِ لِلرَّدِّ عَلَى الَّذِينَ كَذَّبُوا أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَنَسَبُوهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ بِالرَّسُولِ الْكَرِيمِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يَقْتَضِيهِ عَطْفُ قَوْلِهِ: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ [الحاقة: 44] ، وَهَذَا كَمَا وُصِفَ مُوسَى بِ رَسُولٍ كَرِيمٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ [الدُّخان: 17] وَإِضَافَةُ قَوْلُ إِلَى رَسُولٍ لِأَنَّهُ الَّذِي بَلَّغَهُ فَهُوَ قَائِلُهُ، وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَإِلَّا فَالْقُرْآنُ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَجْرَاهُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا صَدَرَ مِنْ جِبْرِيلَ بِإِيحَائِهِ بِوَاسِطَتِهِ قَالَ تَعَالَى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ [مَرْيَم: 97] .
(29/141)

رَوَى مُقَاتِلٌ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا شَاعِرٌ، وَأَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ قَالَ: هُوَ كَاهِنٌ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ الْآيَةَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِ رَسُولٍ كَرِيمٍ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا أُرِيدَ بِهِ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَالِكَ جِبْرِيلُ كَمَا يَأْتِي.
وَفِي لَفْظِ رَسُولٍ إِيذَانٌ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُرْسِلِهِ، أَيِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أُكِّدَ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وَوَصْفُ الرَّسُولِ بِ كَرِيمٍ لِأَنَّهُ الْكَرِيمُ فِي صِنْفِهِ، أَيِ النَّفِيسُ الْأَفْضَلُ مِثْلُ قَوْلِهِ:
إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [29] .
وَقَدْ أُثْبِتَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَضْلُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِوَصْفِ كَرِيمٍ، وَنَفْيِ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا أَوْ كَاهِنًا بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ عِنْدَ قَصْدِ رَدِّ أَقْوَالِهِمْ.
وَعَطْفُ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ عَلَى جُمْلَةِ الْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ: بِقَوْلِ شاعِرٍ، وَلَا النَّافِيَةُ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ مَا.
وَكُنِّيَ بِنَفْيِ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ شَاعِرٍ، أَوْ قَوْلَ كَاهِنٍ عَنْ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا أَو كَاهِنًا، رد لِقَوْلِهِمْ: هُوَ شَاعِرٌ أَوْ هُوَ كَاهِنٌ.
وَإِنَّمَا خُصَّ هَذَانِ بِالذِّكْرِ دُونَ قَوْلِهِمْ: افْتَرَاهُ، أَوْ هُوَ مَجْنُونٌ، لِأَنَّ الْوَصْفَ بِكَرِيمٍ كَافٍ فِي نَفْيِ أَنْ يَكُونَ مَجْنُونًا أَوْ كَاذِبًا إِذْ لَيْسَ الْمَجْنُونُ وَلَا الْكَاذِبُ بِكَرِيمٍ، فَأَمَّا الشَّاعِرُ وَالْكَاهِنُ فَقَدْ كَانَا مَعْدُودَيْنِ عِنْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّرَفِ.
وَالْمَعْنَى: مَا هُوَ قَوْلُ شَاعِرٍ وَلَا قَوْلُ كَاهِنٍ تَلَقَّاهُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَنَسَبَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وقَلِيلًا فِي قَوْلِهِ: قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ مُرَادٌ بِهِ انْتِفَاءُ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْلِيحِ الْقَرِيبِ مِنَ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النِّسَاء: 46] ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
أُنِيحَتْ أَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ... قَلِيلٍ بِهَا الْأَصْوَاتُ إِلَّا بُغَامُهَا
فَإِنَّ اسْتِثْنَاءَ بغام رَاحِلَته دلّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ (قَلِيلٍ) عَدَمَ الْأَصْوَاتِ.
(29/142)

وَالْمَعْنَى: لَا تُؤْمِنُونَ وَلَا تذكرُونَ، أَي عِنْد مَا تَقُولُونَ هُوَ شَاعِرٌ وَهُوَ مَجْنُونٌ، وَلَا نَظَرَ إِلَى إِيمَانِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [88] قَوْلُهُ: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ.
وَانْتَصَبَ قَلِيلًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ وتَذَكَّرُونَ أَيْ تُؤْمِنُونَ إِيمَانًا قَلِيلًا، وَتَذَكَّرُونَ تَذَكُّرًا قَلِيلًا.
وَمَا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ:
قَلِيلًا بِهِ مَا يَحْمَدُنَّكَ وَارِثٌ ... إِذَا نَالَ مِمَّا كُنْتَ تَجْمَعُ مَغْنَمًا
وَجَمُلَتَا قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ مُعْتَرِضَتَانِ، أَيِ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ قَوْلَ شَاعِرٍ، وَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ قَوْلَ كَاهِنٍ، وَهَذَا الْانْتِفَاءُ لَا يُحَصِّلُ إِيمَانَكُمْ وَلَا تَذَكُّرَكُمْ لِأَنَّكُمْ أَهْلُ عِنَادٍ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَا تُؤْمِنُونَ، وَمَا تَذَكَّرُونَ كِلَيْهِمَا بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَقَرَأَهُمَا ابْنُ كَثِيرٍ وَهِشَامٌ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ (وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ) وَيَعْقُوبُ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ عَلَى الْالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُمَا مُعْتَرِضَتَيْنِ.
وَأُوثِرَ نَفْيُ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ فِي جَانِبِ انْتِفَاءِ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ شَاعِرٍ، وَنَفْيُ التَّذَكُّرِ فِي جَانِبِ انْتِفَاءِ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ كَاهِنٍ، لِأَنَّ نَفْيَ كَوْنِ الْقُرْآنِ قَوْلَ شَاعِرٍ بَدِيهِيٌّ إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشْبِهُ الشِّعْرَ مِنِ اتِّزَانِ أَجْزَائِهِ فِي الْمُتَحَرِّكِ وَالسَّاكِنِ وَالتَّقْفِيَةِ الْمُتَمَاثِلَةِ فِي جَمِيعِ أَوَاخِرِ
الْأَجْزَاءِ، فَادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُ قَوْلُ شَاعِرٍ بُهْتَانٌ مُتَعَمَّدٌ يُنَادِي عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُرْجَى إِيمَانُهُمْ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ كَوْنِ الْقُرْآنِ قَوْلَ كَاهِنٍ فَمُحْتَاجٌ إِلَى أَدْنَى تَأَمُّلٍ إِذْ قد يشبّه فِي بادىء الرَّأْيِ عَلَى السَّامِعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَلَامٌ مَنْثُورٌ مُؤَلَّفٌ عَلَى فَوَاصِلَ وَيُؤَلَّفُ كَلَامُ الْكُهَّانِ عَلَى أَسْجَاعٍ مُثَنَّاةٍ مُتَمَاثِلَةٍ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ، فَإِذَا تَأَمَّلَ السَّامِعُ فِيهِ بِأَدْنَى تَفَكُّرٍ فِي نَظْمِهِ وَمَعَانِيهِ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ، فَنَظَمُهُ مُخَالِفٌ لِنَظْمِ كَلَامِ الْكُهَّانِ إِذْ لَيْسَتْ فَقَرَاتُهُ قَصِيرَةً وَلَا فَوَاصِلُهُ مُزْدَوِجَةً مُلْتَزَمٌ فِيهَا السَّجْعُ، وَمَعَانِيهِ لَيْسَتْ مِنْ مَعَانِي الْكَهَانَةِ الرَّامِيَةِ إِلَى الْإِخْبَارِ عَمَّا يَحْدُثُ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ أَحْدَاثٍ، أَوْ مَا يُلِمُّ بِقَوْمٍ مِنْ مَصَائِبَ مُتَوَقَّعَةٍ لِيَحْذَرُوهَا، فَلِذَلِكَ كَانَ الْمُخَاطَبُونَ بِالْآيَةِ مُنْتَفِيًا عَنْهُمُ التَّذَكُّرُ وَالتَّدَبُّرُ، وَإِذَا بَطَلَ هَذَا وَذَاكَ بَطَلَ مُدَعَّاهُمْ فَحَقَّ أَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا ادَّعَاهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ.
(29/143)

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)
وَقَوْلُهُ: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ خَبَرٌ ثَانٍ عَنِ اسْمِ (إِنَّ) وَهُوَ تَصْرِيحٌ بَعْدَ الْكِنَايَةِ.
وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ جَرَى حَذْفُهُ عَلَى النَّوْعِ الَّذِي سَمَّاهُ السَّكَّاكِيُّ بِمُتَابَعَةِ الْاسْتِعْمَالِ فِي أَمْثَالِهِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ، وَتَجْعَلَ الْجُمْلَةَ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا وَصَفَ بِأَنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَنَفَى عَنْهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ شَاعِرٍ أَوْ قَوْلَ كَاهِنٍ، تَرَقَّبَ السَّامِعُ مَعْرِفَةَ كُنْهِهِ، فَبَيَّنَ بِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى الرَّسُولِ الْكَرِيمِ لِيَقُولَهُ لِلنَّاسِ وَيَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ.
وتَنْزِيلٌ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ.
وَالْمَعْنَى: إِنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى الرَّسُولِ الْكَرِيمِ.
وَعَبَّرَ عَنِ الْجَلَالَةِ بِوَصْفِ رَبِّ الْعالَمِينَ دُونَ اسْمِهِ الْعَلَمِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ رَبُّ الْمُخَاطَبِينَ وَرَبُّ الشُّعَرَاءِ وَالْكُهَّانِ الَّذِينَ كَانُوا بِمَحَلِّ التَّعْظِيمِ وَالْإِعْجَابِ عِنْدَهُمْ نَظِيرَ قَوْلِ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشُّعَرَاء: 26] .
[44- 47]

[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 44 إِلَى 47]
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (47)
هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَطْفٌ على جملَة فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لَا تُبْصِرُونَ [الحاقة:
38- 39] فَهِيَ مَشْمُولَةٌ لِمَا أَفَادَتْهُ الْفَاءُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ تَكْذِيبُهُمْ بِالْبَعْثِ مِنْ تَكْذِيبِهِمُ الْقُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
فَمُفَادُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ اسْتِدْلَالٌ ثَانٍ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقَةِ الْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ، بَعْدَ الْاسْتِدْلَالِ الْأَوَّلِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى الْقَسَمِ وَالْمُؤَكِّدَاتِ عَلَى طَرِيقَةِ الْاسْتِدْلَالِ الْخِطَابِيِّ.
وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأَذْهَانِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ وَاسِعُ الْقُدْرَةِ، وَأَنَّهُ عَلِيمٌ فَلَا يُقَرِّرُ أَحَدًا عَلَى أَنْ يَقُولَ عَنْهُ كَلَامًا لَمْ يَقُلْهُ، أَيْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِنَا وَمُحَمَّدٌ ادَّعَى أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَّا، لَمَا أَقْرَرْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَعَجَّلْنَا بِإِهْلَاكِهِ. فَعَدَمُ هَلَاكِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(29/144)

دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَقَوَّلْهُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ لَوْ تَقْتَضِي انْتِفَاءَ مَضْمُونِ شَرْطِهَا لِانْتِفَاءِ مَضْمُونِ جَوَابِهَا.
فَحَصَلَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ غَرَضَانِ مُهِمَّانِ:
أَحَدُهُمَا: يَعُودُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ زِيَادَةِ إِبْطَالٍ لِمَزَاعِمِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ الْقُرْآنَ شِعْرٌ أَوْ كَهَانَةٌ إِبْطَالًا جَامِعًا لِإِبْطَالِ النَّوْعَيْنِ، أَيْ وَيُوَضِّحُ مُخَالَفَةَ الْقُرْآنِ لِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْكَلَامِ أَنَّ الْآتِيَ بِهِ يَنْسُبُهُ إِلَى وَحْيِ اللَّهِ وَمَا عَلِمْتُمْ شَاعِرًا وَلَا كَاهِنًا يَزْعُمُ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَثَانِيهُمَا: إِبْطَالُ زَعْمٍ لَهُمْ لَمْ يَسْبِقِ التَّصْرِيحُ بِإِبْطَالِهِ وَهُوَ قَوْلُ فَرِيقٍ مِنْهُم افْتَراهُ [يُونُس: 38] ، أَيْ نَسَبَهُ إِلَى اللَّهِ افْتِرَاءً وَتَقَوَّلَهُ عَلَى اللَّهِ قَالَ تَعَالَى أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ [الطّور: 33] فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَوِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْغَرَضَ يَسْتَتْبِعُ غَرَضًا آخَرَ وَهُوَ تَأْيِيسُهُمْ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِقُرْآنٍ لَا يُخَالِفُ دِينَهُمْ وَلَا يُسَفِّهُ أَحْلَامَهُمْ وَأَصْنَامَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: قالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يُونُس: 15] . وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ اعْتِرَاضٍ فَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْوَاوَ اعْتِرَاضِيَّةً فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْوَاوِ الْاعْتِرَاضِيَّةِ إِلَّا ذَلِكَ.
وَالتَّقَوُّلُ: نِسْبَةُ قَوْلٍ لِمَنْ لَمْ يَقُلْهُ، وَهُوَ تَفَعُّلٌ مِنَ الْقَوْلِ صِيغَتْ هَذِهِ الصِّيغَةَ الدَّالَّةَ عَلَى التَّكَلُّفِ لِأَنَّ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ يَتَكَلَّفُ وَيَخْتَلِقُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَلِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى كَذِبٍ عُدِّيَ بِ (عَلَى) .
وَالْمَعْنَى: لَوْ كَذَبَ عَلَيْنَا فَأَخْبَرَ أَنَّا قُلْنَا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ إِلَخْ.
وبَعْضَ اسْمٌ يَدُلُّ عَلَى مِقْدَارٍ مِنْ نَوْعِ مَا يُضَافُ هُوَ إِلَيْهِ، وَهُوَ هُنَا مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِ تَقَوَّلَ.
والْأَقاوِيلِ: جَمْعُ أَقْوَالٍ الَّذِي هُوَ جَمْعُ قَوْلٍ، أَيْ بَعْضًا مِنْ جِنْسِ الْأَقْوَالِ الَّتِي
هِيَ كَثِيرَةٌ فَلِكَثْرَتِهَا جِيءَ لَهَا بِجَمْعِ الْجَمْعِ الدَّالِّ عَلَى الْكَثْرَةِ، أَيْ وَلَوْ نَسَبَ إِلَيْنَا قَلِيلًا مِنْ أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ صَادِقَةٍ يَعْنِي لَوْ نَسَبَ إِلَيْنَا شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ نُنْزِلْهُ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، إِلَى آخِرِهِ.
وَمَعْنَى لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ لَأَخَذْنَاهُ بِقُوَّةٍ، أَيْ دُونَ إِمْهَالٍ فَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.
(29/145)

وَالْيَمِينُ: الْيَدُ الْيُمْنَى كُنِّيَ بِهَا عَنِ الْاهْتِمَامِ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْمَأْخُوذِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ أَقْوَى عَمَلًا مِنَ الشِّمَالِ لِكَثْرَةِ اسْتِخْدَامِهَا فَنِسْبَةُ التَّصَرُّفِ إِلَيْهَا شَهِيرَةٌ.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [224] وَقَوْلُهُ: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [17] وَقَوْلُهُ: وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ [48] .
وَقَالَ أَبُو الْغُولِ الطَّهَوِيُّ:
فَدَتْ نَفْسِي وَمَا مَلَكَتْ يَمِينِي ... فَوَارِسَ صَدَّقُوا فِيهِمْ ظُنُونِي
وَالْمَعْنَى: لَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا عَاجِلًا فَقَطَعْنَا وَتِينَهُ، وَفِي هَذَا تَهْوِيلٌ لِصُورَةِ الْأَخْذِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى نَحْوِ: لَأَهْلَكْنَاهُ.
ومِنْهُ مُتَعَلِّقٌ بِ (أَخَذْنَا) تَعَلُّقَ الْمَفْعُولِ بِعَامِلِهِ. وَ (مِنْ) زَائِدَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى رَأْيِ الْأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ وَهُوَ الرَّاجِحُ. وَقَدْ بَيَّنْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ [الْأَنْعَام: 99] ، فَإِنَّ النَّخْلِ مَعْطُوفٌ عَلَى خَضِراً بِزِيَادَةِ مِنْ وَلَوْلَا اعْتِبَارُ الزِّيَادَةِ لَمَا اسْتَقَامَ الْإِعْرَابُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ، وَفَائِدَةُ مِنْ الزَّائِدَةِ فِي الْكَلَامِ أَنَّ أَصْلَهَا التَّبْعِيضُ الْمَجَازِيُّ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيحِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: نَأْخُذُ بَعْضَهُ.
والْوَتِينَ: عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِهِ الْقَلْبُ وَيُسَمَّى النِّيَاطُ، وَهُوَ الَّذِي يَسْقِي الْجَسَدَ بِالدَّمِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الْجَسَدِ، وَهُوَ إِذَا قُطِعَ مَاتَ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُقْطَعُ عِنْدَ نَحْرِ الْجَزُورِ. فَقَطْعُ الْوَتِينِ مِنْ أَحْوَالِ الْجَزُورِ وَنَحْرِهَا، فَشَبَّهَ عِقَابَ مَنْ يُفْرَضُ تَقَوُّلُهُ عَلَى اللَّهِ بِجَزُورٍ تُنْحَرُ فَيُقْطَعُ وَتِينُهَا.
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يُكَنُّونَ عَنِ الْإِهْلَاكِ بِقَطْعِ الْوَتِينِ، فَهَذَا مِنْ مُبْتَكَرَاتِ الْقُرْآنِ.
ومِنْهُ صِفَةٌ لِلْوَتِينِ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِ (قَطَعْنَا) ، أَيْ أَزَلْنَاهُ مِنْهُ.
وَبَيْنَ مِنْهُ الْأُولَى ومِنْهُ الثَّانِيَةِ مُحَسِّنُ الْجِنَاسِ.
(29/146)

وَأَمَّا مَوْقِعُ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ فَهُوَ شَدِيدُ الْاتِّصَالِ بِمَا اسْتَتْبَعَهُ فَرْضُ التَّقَوُّلِ مِنْ تَأْيِيسِهِمْ مِنْ أَنْ يَتَقَوَّلَ عَلَى اللَّهِ كَلَامًا لَا يَسُوءُهُمْ، فَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ أَحْوَالِ التَّقَوُّلِ لَوْ أَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ فَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِكُمْ أَنْ يَحْجِزَ عَنْهُ ذَلِكَ الْعِقَابَ، وَبِدُونِ هَذَا الْاتِّصَالِ لَا يَظْهَرُ مَعْنَى تَعْجِيزِهِمْ عَنْ نَصْرِهِ إِذْ لَيْسُوا مِنَ الْوَلَاءِ لَهُ بِمَظِنَّةِ نَصْرِهِ، فَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ يَحُومُ حَوْلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [الْإِسْرَاء: 73- 75] .
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: مِنْكُمْ لِلْمُشْرِكِينَ.
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ أَحَدٍ وَهُوَ مُفْرَدٌ بِ حاجِزِينَ جَمْعًا لِأَنَّ أَحَدٍ هُنَا وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ مُفْرَدًا فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ لِأَنَّ أَحَدٍ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى ذَاتٍ أَوْ شَخْصٍ لَا يَقَعُ إِلَّا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ مِثْلُ عَرِيبٍ، وَدَيَّارٍ وَنَحْوِهِمَا مِنَ النَّكِرَاتِ الَّتِي لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مَنْفِيَّةً فَيُفِيدُ الْعُمُومَ، أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجْزَ عَنْهُ وَيَسْتَوِي فِي لَفْظِهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ قَالَ تَعَالَى: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [الْبَقَرَة: 285] وَقَالَ: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [الْأَحْزَاب: 32] .
وَالْمَعْنَى: مَا مِنْكُمْ أُنَاسٌ يَسْتَطِيعُونَ الْحَجْزَ عَنْهُ.
وَالْحَجْزُ: الدَّفْعُ وَالْحَيْلُولَةُ، أَيْ لَا أَحَدَ مِنْكُمْ يَحْجِزُنَا عَنْهُ. وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة: 40] .
ومِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ أَحَدٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وَلِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْعُمُومِ. وَذُكْرُ مِنْكُمْ مَعَ عَنْهُ تَجْنِيسٌ مُحَرَّفٌ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُبْقِي أَحَدًا يَدَّعِي أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ كَلَامًا يُبَلِّغُهُ إِلَى النَّاس، وَأَنه يَجْعَل بِهَلَاكِهِ.
فَأَمَّا من يَدعِي النبوءة دُونَ ادِّعَاءِ قَوْلٍ أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ يُهْلِكُهُ بَعْدَ حِينٍ كَمَا كَانَ فِي أَمْرِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الَّذِي ادّعى النبوءة بِالْيَمَنِ، وَمُسَيْلَمَةَ الْحَنَفِيِّ الَّذِي
(29/147)

وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)
ادَّعَى النبوءة فِي الْيَمَامَةِ، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَأْتِيَا بِكَلَامٍ يَنْسُبَانِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ إِهْلَاكُهُمَا بَعْدَ مُدَّةِ، وَمَثَلِهِمَا
مَنِ ادَّعَوُا النُّبُوءَةَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلِ (بَابَكَ وَمَازِّيَارَ) .
وَقَالَ الْفَخْرُ: «قِيلَ: الْيَمِينُ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ، وَالْمَعْنَى: لَأَخَذْنَا مِنْهُ الْيَمِينَ، أَيْ سَلَبْنَا عَنْهُ الْقُوَّةَ، وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ صِلَةٌ زَائِدَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ هَذَا أَنَّهُ لَوْ نَسَبَ إِلَيْنَا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ لَمَنَعْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ: إِمَّا بِوَاسِطَةِ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ فَإِنَّا نُقَيِّضُ لَهُ مَنْ يُعَارِضُهُ فِيهِ وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلنَّاسِ كَذِبُهُ فِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إِبْطَالًا لِدَعْوَاهُ وَهَدْمًا لِكَلَامِهِ، وَإِمَّا بِأَنْ نَسْلُبَ عَنْهُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِئَلَّا يُشْتَبَهَ الصَّادِقُ بِالْكَاذِبِ» اهـ. فَرَكَّبَ مِنْ تَفْسِيرِ الْيَمِينِ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ، أَنَّ الْمُرَادَ قُوَّةُ الْمُتَقَوِّلِ لَا قُوَّةُ اللَّهِ وَانْتَزَعَ مِنْ ذَلِكَ تَأْوِيلَ الْبَاءِ عَلَى مَعْنَى الزِّيَادَةِ وَلَمْ يَسْبِقْهُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَلَا تَبِعَهُ فِيهِ مَنْ بَعْدِهِ فِيمَا رَأَيْنَا. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا فَسَّرْنَا بِهِ الْآيَةَ عَدَمُ الْاحْتِجَاجِ إِلَى تَأْوِيل الْفَخر.
[48]

[سُورَة الحاقة (69) : آيَة 48]
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)
عَطْفٌ عَلَى إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة: 40] ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ضَمِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، فَلَمَّا أَبْطَلَ طَعَنَهُمْ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ قَوْلُ شَاعِرٍ، أَوْ قَوْلُ كَاهِنٍ أَعْقَبَ بِبَيَانِ شَرَفِهِ وَنَفْعِهِ، إِمْعَانًا فِي إِبْطَالِ كَلَامِهِمْ بِإِظْهَارِ الْفَرْقِ الْبَيِّنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شِعْرِ الشُّعَرَاءِ وَزَمْزَمَةِ الْكُهَّانِ، إِذْ هُوَ تَذْكِرَةٌ وَلَيْسَ مَا أَلْحَقُوهُ بِهِ مِنْ أَقْوَالِ أُولَئِكَ مِنَ التَّذْكِيرِ فِي شَيْءٍ.
وَالتَّذْكِرَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ التَّذْكِيرِ وَهُوَ التَّنْبِيهُ إِلَى مَغْفُولٍ عَنْهُ.
وَالْإِخْبَارُ ب وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ إِخْبَارٌ بِالْمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْوَصْفِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مُذَكِّرٌ لِلنَّاسِ بِمَا يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِنَ الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ لِيَنْتَشِلَهُمْ مِنْ هُوَّةِ التَّمَادِي فِي الْغَفْلَةِ حَتَّى يَفُوتَ الْفَوَاتُ، فَالْقُرْآنُ فِي ذَاتِهِ تَذْكِرَةٌ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَذَكَّرَ سَوَاءٌ تَذَكَّرَ أَمْ لَمْ يَتَذَكَّرْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَسْمِيَةُ الْقُرْآنِ بِالذِّكْرِ وَالتَّذْكِيرِ فِي آيَاتٍ عَدِيدَةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ طَهَ [3] إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى وَقَوْلُهُ: وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ فِي سُورَةِ [الْحِجْرِ:
6] .
وَالْمُرَادُ بِالْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنُونَ فَإِنَّهُمْ الْمُتَّصِفُونَ بِتَقْوَى اللَّهِ لِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ دُونَ الْمُشْرِكِينَ. فَالْقُرْآنُ كَانَ هَادِيًا إِيَّاهُمْ لِلْإِيمَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [الْبَقَرَة:
2]
(29/148)

وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50)
وَكُلَّمَا نَزَلَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ تَلَوْا مِنْهُ شَيْئًا ذَكَّرَهُمْ بِمَا عَلِمُوا لِئَلَّا تَعْتَرِيَهُمْ غَفْلَةٌ أَوْ نِسْيَانٌ
فَالْقُرْآنُ تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّ الْإِخْبَارَ عَنْهُ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ يَتَحَمَّلُ الْأَزْمِنَةَ الثَّلَاثَةَ إِذِ الْمَصْدَرُ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِوَقْتٍ بِخِلَافِ الْفِعْلِ وَمَا أُشْبِهَهُ.
وَإِنَّمَا عُلِّقَ لِلْمُتَّقِينَ بِكَوْنِهِ (تَذْكِرَةً) لِأَنَّ الْمُتَّقِينَ هُمُ الَّذِينَ أدركوا مزيته.
[49- 50]

[سُورَة الحاقة (69) : الْآيَات 49 إِلَى 50]
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (50)
هَاتَانِ جُمْلَتَانِ مُرْتَبِطَتَانِ، وَأُولَاهُمَا تَمْهِيدٌ وَتَوْطِئَةٌ لِلثَّانِيَةِ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا وَالَّتِي بَعْدَهَا، وَالثَّانِيَةُ مِنْهُمَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [الحاقة: 48] ، فَكَانَ تَقْدِيمُ الْجُمْلَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ اهْتِمَامًا بِتَنْبِيهِ الْمُكَذِّبِينَ إِلَى حَالِهِمْ وَكَانَتْ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ التَّتْمِيمِ لِجُمْلَةِ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [الحاقة: 48] .
وَالْمَعْنَى: إِنَّا بَعَثْنَا إِلَيْكُمُ الرَّسُولَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مُكَذِّبُونَ لَهُ وَبِهِ، وَعِلْمُنَا بِذَلِكَ لَمْ يَصْرِفْنَا عَنْ تَوْجِيهِ التَّذْكِيرِ إِلَيْكُمْ وَإِعَادَتِهِ عَلَيْكُمْ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الْأَنْفَال: 42] ، فَقُوبِلَتْ صِفَةُ الْقُرْآنِ الَّتِي تَنْفَعُ الْمُتَّقِينَ بِصِفَتِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِالْكَافِرِينَ عَلَى طَرِيقَةِ التَّضَادِّ، فَبَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ مُحَسِّنُ الطِّبَاقِ.
وَالْحَسْرَةُ: النَّدَمُ الشَّدِيدُ الْمُتَكَرِّرُ عَلَى شَيْءٍ فَائِتٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ، وَيُقَالُ لَهَا: التَّلَهُّفُ، اشْتُقَّتْ مِنَ الْحَسْرِ وَهُوَ الْكَشْفُ لِأَنَّ سَبَبَهَا يَنْكَشِفُ لِصَاحِبِهَا بَعْدَ فَوَاتِ إِدْرَاكِهِ وَلَا يَزَالُ يُعَاوِدُهُ، فَالْقُرْآنُ حَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ أَيْ سَبَبُ حَسْرَةٍ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَهُوَ حَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ فَضَحَ تُرَّهَاتِهِمْ وَنَقَضَ عِمَادَ دِينِهِمُ الْبَاطِلِ وَكَشَفَ حَقَارَةَ أَصْنَامِهِمْ، وَهُوَ حَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ مُخَالَفَتَهُ سَبَبَ عَذَابِهِمْ، وَيَقِفُونَ عَلَى الْيَقِينِ بِأَنَّ مَا كَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ هُوَ سَبَبُ النَّجَاحِ لَوِ اتَّبَعُوهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَأَوْا حُسْنَ عَاقِبَةِ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ.
وَالْمُكَذِّبُونَ: هُمُ الْكَافِرُونَ. وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِضَمِيرِهِمْ إِلَى الْاسْمِ الظَّاهِرِ لِأَنَّ الْحَسْرَةَ تَعُمُّ الْمُكَذِّبِينَ يَوْمَئِذٍ وَالَّذِينَ سَيَكْفُرُونَ بِهِ من بعد.
(29/149)

وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)
[سُورَة الحاقة (69) : آيَة 51]
وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)
عَطْفٌ عَلَى وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ [الحاقة: 50] فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْقُرْآنِ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الْقُرْآنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ الْمَذْكُورَ وَهُوَ كَوْنُ الْقُرْآنِ حَسْرَةً عَلَى الْكَافِرِينَ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَا مَحَالَةَ أَيْ هُوَ جَالِبٌ لِحَسْرَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَة.
وَإِضَافَةُ حق إِلَى يَقِين يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، أَيْ إِنَّهُ لَلْيَقِينُ الْحَقُّ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ يَقِينٌ لَا يَشُكُّ فِي كَوْنِهِ حَقًّا إِلَّا مَنْ غُشِيَ عَلَى بَصِيرَتِهِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِ الْإِضَافَةِ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ لِلْيَقِينِ الْحَقِّ، أَيِ الَّذِي لَا تَعْتَرِيهِ شُبْهَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَقَّ الْيَقِينِ، وَعَيْنَ الْيَقِينِ، وَعِلْمَ الْيَقِينِ، وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ.
فَحَقُّ الْيَقِينِ وَقَعَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي آخِرِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ، وَعَلْمُ الْيَقِينِ وَعَيْنُ الْيَقِينِ وَقَعَا فِي سُورَةِ التَّكَاثُرِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ إِضَافَتُهَا مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ أَوْ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَمَعْنَى كُلِّ مُرَكَّبٍ مِنْهَا هُوَ مُحَصَّلُ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَتَاهُ وَإِضَافَةُ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى.
وَقَدِ اصْطَلَحَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَعْلِ كَلِمَةِ (عَلْمُ الْيَقِينِ) اسْمًا اصْطِلَاحِيًّا لِمَا أَعْطَاهُ الدَّلِيلُ بِتَصَوُّرِ الْأُمُورِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ حَسَبَ كَلَامِ السَّيِّدِ الْجُرْجَانِيِّ فِي كِتَابِ «التَّعْرِيفَاتِ» ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي الْبَقَاءِ فِي «الْكُلِّيَّاتِ» مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْمُرَكَّبَاتِ نُقِلَتْ فِي بَعْضِ الْاصْطِلَاحَاتِ الْعِلْمِيَّةِ فَصَارَتْ أَلْقَابًا لِمَعَانٍ، وَقَالَ: عِلْمُ الْيَقِينِ لِأَصْحَابِ الْبُرْهَانِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ وَحَقُّ الْيَقِينِ أَيْضًا لِأَصْحَابِ الْكَشْفِ وَالْعِيَانِ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْمَرَاتِبِ، قَالَ: وَقَدْ حَقَّقَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْحُكَمَاءِ بِأَنَّ بَعْدَ الْمَرَاتِبِ الْأَرْبَعِ لِلنَّفْسِ (يَعْنِي مَرَاتِبَ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ لِلنَّفْسِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْمَنْطِقِ الْأَوَّلِيَّاتِ، وَالْمُشَاهَدَاتِ الْبَاطِنِيَّةَ، وَالتَّجْرِيبَاتِ، وَالْمُتَوَاتِرَاتِ) مَرْتَبَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا مَرْتَبَةُ عَيْنِ الْيَقِينِ وَهِيَ أَنْ تَصِيرَ النَّفْسُ بِحَيْثُ تُشَاهِدُ الْمَعْقُولَاتِ فِي الْمَعَارِفِ الَّتِي تَفِيضُهَا النَّفْسُ كَمَا هِيَ، وَالثَّانِيَةُ مَرْتَبَةُ حَقِّ الْيَقِينِ وَهِيَ أَنْ تَصِيرَ النَّفْسُ بِحَيْثُ تَتَّصِلُ بِالْمَعْقُولَاتِ اتِّصَالًا عَقْلِيًّا وَتُلَاقِي ذَاتَهَا تَلَاقِيًا رُوحَانِيًّا.
وَاصْطَلَحَ
(29/150)

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)
عُلَمَاءُ التَّصَوُّفِ عَلَى جَعْلِ كُلِّ مُرَكَّبٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَقَبًا لِمَعْنَى مِنَ الْانْكِشَافِ الْعَقْلِيِّ وَجَرَتْ فِي كِتَابِ «الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ» لِلشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بن عَرَبِيّ.
[52]

[سُورَة الحاقة (69) : آيَة 52]
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)
تَفْرِيعٌ عَلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَصْفِ الْقُرْآنِ وَتَنْزِيهِهِ عَلَى الْمَطَاعِنِ وَتَنْزِيهِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا افْتَرَاهُ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ، وَعَلَى مَا أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ بِالْأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ، فَأُمِرَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَسْبِيحَ ثَنَاءٍ وَتَعْظِيمٍ شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ
عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةِ الرِّسَالَةِ وَإِنْزَالِ هَذَا الْقُرْآنِ عَلَيْهِ.
وَاسْمُ اللَّهِ هُوَ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى الذَّاتِ.
وَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، أَيْ سَبِّحِ اللَّهَ تَسْبِيحًا بِالْقَوْلِ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ اعْتِقَادَ التَّنْزِيهِ وَالْإِقْرَارَ بِهِ وَإِشَاعَتَهُ.
وَالتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقَائِصِ بِالْاعْتِقَادِ وَالْعِبَادَةِ وَالْقَوْلِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَجْرِيَ فِي التَّسْبِيحِ الْقَوْلِيِ اسْمُ الْمُنَزَّهِ فَلِذَلِكَ قَالَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ وَلَمْ يَقُلْ فَسَبِّحْ رَبَّكَ الْعَظِيمَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ وَجْهُ إِقْحَامِ اسْمٍ فِي قَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الْفَاتِحَة: 1] .
وَتَسْبِيحُ الْمُنْعِمِ بِالْاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَهُمَا مُسْتَطَاعُ شُكْرِ الشَّاكِرِينَ إِذْ لَا يَبْلُغُ إِلَى شُكْرِهِ بِأَقْصَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ اسْتِمْرَارُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَدَاءِ رِسَالَتِهِ وَإِبْلَاغِهَا.
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»
. وَاسْتَحَبَّ الْتِزَامَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ الْتِزَامَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُعَدَّ وَاجِبًا فَرْضًا اهـ. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ.
(29/151)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

70- سُورَةُ الْمَعَارِجِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» و «جَامع التِّرْمِذِيِّ» وَفِي «تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ» وَابْنِ عَطِيَّةَ وَابْنِ كَثِيرٍ «سُورَةُ سَأَلَ سَائِلٌ» . وَكَذَلِكَ رَأَيْتُهَا فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ الْمَخْطُوطَةِ بِالْخَطِّ الْكُوفِيِّ بِالْقَيْرَوَانِ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ.
وَسُمِّيَتْ فِي مُعْظَمِ الْمَصَاحِفِ الْمَشْرِقِيَّةِ وَالْمَغْرِبِيَّةِ وَفِي مُعْظَمِ التَّفَاسِيرِ «سُورَةُ الْمَعَارِجِ» . وَذَكَرَ فِي «الْإِتْقَانِ» أَنَّهَا تُسَمَّى «سُورَةُ الْوَاقِعِ» .
وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ مُقْتَبَسَةٌ مِنْ كَلِمَاتٍ وَقَعَتْ فِي أَوَّلِهَا، وَأَخَصُّهَا بِهَا جُمْلَةُ سَأَلَ سائِلٌ [المعارج: 1] لِأَنَّهَا لَمْ يَرِدْ مِثْلُهَا فِي غَيْرِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّهَا غَلَبَ عَلَيْهَا اسْمُ «سُورَةُ الْمَعَارِجِ» لِأَنَّهُ أَخَفُّ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالْاتِّفَاقِ. وَشَذَّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ آيَةَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:
24] مَدَنِيَّةٌ.
(29/152)

سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3)
وَهِيَ السُّورَةُ الثَّامِنَةُ وَالسَّبْعُونَ فِي عِدَادِ نُزُولِ سُوَرِ الْقُرْآنِ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَقَبْلَ سُورَةِ النَّبَأِ.
وَعَدَّ جُمْهُورُ الْأَمْصَارِ آيَهَا أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ. وَعَدَّهَا أَهْلُ الشَّامِ ثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ.

أَغْرَاضُهَا
حَوَتْ مِنَ الْأَغْرَاضِ تَهْدِيدَ الْكَافِرِينَ بِعَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِثْبَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَوَصْفَ أَهْوَالِهِ.
وَوَصْفَ شَيْءٍ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ فِيهِ، وَتَهْوِيلَ دَارِ الْعَذَابِ وَهِيَ جَهَنَّمُ. وَذِكْرَ أَسْبَابِ
اسْتِحْقَاقِ عَذَابِهَا.
وَمُقَابَلَةَ ذَلِكَ بِأَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي أَوْجَبَتْ لَهُمْ دَارَ الْكَرَامَةِ وَهِيَ أَضْدَادُ صِفَاتِ الْكَافِرِينَ.
وَتَثْبِيتَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَسْلِيَتَهُ عَلَى مَا يَلْقَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَوَصْفَ كَثِيرٍ مِنْ خِصَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي بَثَّهَا الْإِسْلَامُ فِيهِمْ، وَتَحْذِيرَ الْمُشْرِكِينَ مِنِ اسْتِئْصَالِهِمْ وَتَبْدِيلِهِمْ بِخَير مِنْهُم.
[1- 3]

[سُورَة المعارج (70) : الْآيَات 1 إِلَى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (1) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (3)
كَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يَسْتَهْزِئُونَ فَيَسْأَلُونَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَتَى هَذَا الْعَذَابُ الَّذِي تَتَوَعَّدُنَا بِهِ، وَيَسْأَلُونَهُ تَعْجِيلَهُ، قَالَ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يُونُس: 48] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ [الْحَج: 47] وَكَانُوا أَيْضًا يَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يُوقِعَ عَلَيْهِمْ عَذَابًا إِنْ كَانَ الْقُرْآنُ حَقًّا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الْأَنْفَال: 32] .
وَقِيلَ: إِنَّ السَّائِلَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: إِنْ كانَ هَذَا (أَيِ الْقُرْآنُ) هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الْأَنْفَال:
32] .
وَكَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالْقَحْطِ فَأَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلِذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِ سائِلٌ فَرِيقٌ أَوْ شَخْصٌ.
(29/153)

وَالسُّؤَالُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَيَيِ الْاسْتِفْهَامِ عَنْ شَيْءٍ وَالدُّعَاءِ، عَلَى أَنَّ اسْتِفْهَامَهُمْ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّهَكُّمِ وَالتَّعْجِيزِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ سائِلٌ بِمَعْنَى اسْتَعْجَلَ وَأَلَحَّ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ سَأَلَ بِإِظْهَارِ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ سَأَلَ بِتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : وَهِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنَّ قُرَيْشًا قَدْ يُخَفِّفُونَ الْمَهْمُوزَ فِي مَقَامِ الثِّقَلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ قِيَاسًا فِي لُغَتِهِمْ بَلْ لُغَتُهُمْ تَحْقِيقُ الْهَمْزِ وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَيْسَ ذَا بِقِيَاسٍ مُتْلَئِبٍّ (أَيْ مُطَّرِدٍ مُسْتَقِيمٍ) وَإِنَّمَا يُحْفَظُ عَنِ الْعَرَبِ قَالَ: وَيَكُونُ قِيَاسًا مُتْلَئِبًّا، إِذَا اضْطُرَّ الشَّاعِرُ، قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
رَاحَتْ بِمَسْلَمَةَ الْبِغَالُ عَشِيَّة ... فارعي فزازة لَا هَنَاكِ الْمَرْتَعُ
يُرِيدُ لَا هَنَأَكِ بِالْهَمْزِ. وَقَالَ حَسَّانُ:
سَالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فَاحِشَةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ
يُرِيدُ سَأَلُوا رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبَاحَة الزِّنَا. وَقَالَ الْقُرَشِيُّ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ (يَذْكُرُ زَوْجَيْهِ) :
سَأَلَتَانِي الطَّلَاقَ أَنْ رَأَتَانِي ... قَلَّ مَالِي قَدْ جِيتُمَانِي بِنُكْرِ
فَهَؤُلَاءِ لَيْسَ لُغَتُهُمْ سَالَ وَلَا يَسَالُ وَبَلَغَنَا أَنَّ سَلْتَ تَسَالُ لُغَةٌ اهـ. فَجُعِلَ إِبْدَالُ الْهَمْزِ أَلِفًا لِلضَّرُورَةِ مُطَّرِدًا وَلِغَيْرِ الضَّرُورَةِ يُسْمَعُ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فَتَكُونُ قِرَاءَةُ التَّخْفِيفِ سَمَاعًا. وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ فِي الْحُجَّةِ: أَنَّ مَنْ قَرَأَ سَأَلَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ جَعَلَ الْأَلِفَ مُنْقَلِبَةً عَنِ الْوَاوِ الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْكَلِمَةِ مِثْلُ: قَالَ وَخَافَ. وَحَكَى أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَقُولُ: هُمَا مُتَسَاوِلَانِ. وَقَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : يَقُولُونَ (أَيْ أَهْلُ الْحِجَازِ) :
سَلْتَ تَسَالُ وَهُمَا يَتَسَايَلَانِ، أَيْ فَهُوَ أَجْوَفُ يَائِيٌّ مِثْلُ هَابَ يَهَابُ. وَكُلُّ هَذِهِ تَلْتَقِي فِي أَنَّ نُطْقَ أَهْلِ الْحِجَازِ سَأَلَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ سَمَاعِيٍّ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ عِنْدَهُمْ وَأَنَّهُ إِمَّا تَخْفِيفٌ لِلْهَمْزَةِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ مُطَّرِدٍ وَهُوَ رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، وَإِمَّا لُغَةٌ لَهُمْ فِي هَذَا الْفِعْلِ وَأَفْعَالٍ أُخْرَى جَاءَ هَذَا الْفِعْلُ أَجْوَفَ وَاوِيًّا كَمَا هُوَ رَأْيُ أَبِي عَلِيٍّ أَوْ أَجْوَفَ يَائِيًّا كَمَا هُوَ رَأْيُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وَبِذَلِكَ يَنْدَحِضُ تَرَدُّدُ أَبِي حَيَّانَ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قِرَاءَةَ سَأَلَ لُغَةَ أَهْلِ الْحِجَازِ إِذْ قَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الْقَبَائِلِ لُغَتَانِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ.
(29/154)

وَإِنَّمَا اجْتَلَبَ هُنَا لُغَةَ الْمُخَفَّفِ لِثِقْلِ الْهَمْزِ الْمَفْتُوحِ بِتَوَالِي حَرَكَاتٍ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَهِيَ أَرْبَعُ فَتَحَاتٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ مُخَفَّفًا فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِذْ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي تَوَالِي حَرَكَاتٍ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ بِالتَّخْفِيفِ فِي قَوْلِهِ: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي [الْبَقَرَة: 186] وَهُوَ يُسَاوِي سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ بَلْهَ قَوْلَهُ: سَالْتُهُمْ وَتَسْالُهُمْ وَلَا يَسَالُونَ.
وَقَوْلُهُ: سَأَلَ سائِلٌ بِمَنْزِلَةِ سُئِلَ لِأَنَّ مَجِيءَ فَاعِلِ الْفِعْلِ اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ لَفْظِ فِعْلِهِ لَا يُفِيدُ زِيَادَةَ عَلْمٍ بِفَاعِلِ الْفِعْلِ مَا هُوَ، فَالْعُدُولُ عَنْ أَنْ يَقُولَ: سُئِلَ بِعَذَابٍ إِلَى قَوْلِهِ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ، لِزِيَادَةِ تَصْوِيرِ هَذَا السُّؤَالِ الْعَجِيبِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ خُوَيْلِدٍ يُهَاجِي النَّابِغَةَ:
وَإِنَّ الْغَدْرَ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ ... بَنَاهُ فِي بَنِي ذُبْيَانَ بَانِي
وَمِنْ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ تَعْدِيَةُ سَأَلَ بِالْبَاءِ لِيَصْلُحَ الْفِعْلُ لِمَعْنَى الْاسْتِفْهَامِ وَالدُّعَاءِ وَالْاسْتِعْجَالِ، لِأَنَّ الْبَاءَ تَأْتِي بِمَعْنَى (عَنْ) وَهُوَ مِنْ مَعَانِي الْبَاءِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ فِعْلِ السُّؤَال نَحْو فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [الْفرْقَان: 59] ، وَقَوْلِ عَلْقَمَةَ:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي ... خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
أَيْ إِنْ تَسْأَلُونِي عَنِ النِّسَاءِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ عَنِ الْأَخْفَشِ: يُقَالُ خَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ فُلَانٍ وَبِفُلَانٍ. وَجَعَلَ فِي «الْكَشَّافِ» تَعْدِيَةَ فِعْلِ سَأَلَ بِالْبَاءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى عُنِيَ وَاهْتَمَّ. وَقَدْ عَلِمْتَ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ سَالَ بِمَعْنَى اسْتَعْجَلَ، فَتَكُونُ تَعْدِيَتُهُ بِالْبَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ [الْحَج: 47] وَقَوْلِهِ: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِها [الشورى:
18] .
وَقَوْلُهُ: لِلْكافِرينَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِ واقِعٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: هُوَ لِلْكَافِرِينَ.
وَالْلَّامُ لِشِبْهِ الْمِلْكِ، أَيْ عَذَابٍ مِنْ خَصَائِصِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [الْبَقَرَة: 24] .
وَوَصْفُ الْعَذَابِ بِأَنَّهُ وَاقِعٌ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَوْصَافِهِ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً [المعارج: 6] إِدْمَاجٌ مُعْتَرِضٌ لِيُفِيدَ تَعْجِيلَ الْإِجَابَةِ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ سَائِلٌ بِكِلَا مَعْنَيَيِ
(29/155)

السُّؤَالِ لِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يُحْكَ فِيهِ عَذَابٌ مُعَيَّنٌ وَإِنَّمَا كَانَ مُجْمَلًا لِأَنَّ السَّائِلَ سَأَلَ عَنْ عَذَابٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ، أَوِ الدَّاعِي دَعَا بِعَذَابٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ، فَحُكِيَ السُّؤَالُ مُجْمَلًا لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ وَصْفُهُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ وَالتَّعْلِقَاتِ، فَيَنْتَقِلَ إِلَى ذِكْرِ أَحْوَالِ هَذَا الْعَذَابِ وَمَا يَحُفُّ بِهِ مِنَ الْأَهْوَالِ.
وَقَدْ طُوِيَتْ فِي مَطَاوِي هَذِهِ التَّعَلُّقَاتِ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ كَانَ الْكَلَامُ بِذَلِكَ إِيجَازًا إِذْ حَصَلَ خِلَالَهَا مَا يُفْهَمُ مِنْهُ جَوَابُ السَّائِلِ، وَاسْتِجَابَةُ الدَّاعِي، وَالْإِنْبَاءُ بِأَنَّهُ عَذَابٌ وَاقِعٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ لَا يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ دَافِعٌ، وَلَا يَغْرُّهُمْ تَأَخُّرُهُ.
وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ مِنْ قَبِيلِ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ لِأَنَّ مَا عُدِّدَ فِيهِ مِنْ أَوْصَافِ الْعَذَابِ وَهَوْلِهِ وَوَقْتِهِ هُوَ الْأَوْلَى لَهُمْ أَنْ يَعْلَمُوهُ لِيَحْذَرُوهُ، دُونَ أَنْ يَخُوضُوا فِي تَعْيِينِ وَقَتِهِ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَعْنَى: أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنِ الْعَذَابِ الَّذِي هُدِّدُوا بِهِ عَنْ وَقْتِهِ وَوَصْفِهِ سُؤَالَ اسْتِهْزَاءٍ، وَدَعَوُا اللَّهَ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ عَذَابًا إِنْ كَانَ الْقُرْآنُ حَقًّا، إِظْهَارًا لِقِلَّةِ اكْتِرَاثِهِمْ
بِالْإِنْذَارِ بِالْعَذَابِ. فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْعَذَاب الَّذِي استهزأوا بِهِ وَاقِعٌ لَا يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ تَأَخُّرُ وَقْتِهِ، فَإِنْ أَرَادُوا النَّجَاةَ فَلْيَحْذَرُوهُ.
وَقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ يَتَنَازَعُ تَعَلُّقَهُ وَصْفَا واقِعٍ ودافِعٌ. ومِنَ لِلْابْتِدَاءِ الْمَجَازِيِّ عَلَى كِلَا التَّعَلُّقَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِ الْعَلَاقَةِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْوَصْفُ الْمُتَعَلَّقُ بِهِ.
فَابْتِدَاءُ الْوَاقِعِ اسْتِعَارَةٌ لِإِذْنِ اللَّهِ بِتَسْلِيطِ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ شَائِعَةٌ تُسَاوِي الْحَقِيقَةَ. وَأَمَّا ابْتِدَاءُ الدَّافِعِ فَاسْتِعَارَةٌ لِتَجَاوُزِهِ مَعَ الْمَدْفُوعِ عَنْهُ مِنْ مَكَانٍ مَجَازِيٍّ تَتَنَاوَلُهُ قُدْرَةُ الْقَادِرِ مِثْلُ مِنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التَّوْبَة: 118] وَقَوْلِهِ: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
[النِّسَاء: 108] .
وَبِهَذَا يَكُونُ حَرْفُ مِنَ مُسْتَعْملا فِي تعْيين مجازين مُتَقَارِبَيْنِ.
وَإِجْرَاءُ وَصْفِ ذِي الْمَعارِجِ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ لِاسْتِحْضَارِ عَظَمَةِ جَلَالِهِ وَلِإِدْمَاجِ الْإِشْعَارِ بِكَثْرَةِ مَرَاتِبِ الْقُرْبِ مِنْ رِضَاهُ وَثَوَابِهِ، فَإِنَّ الْمَعَارِجَ مِنْ خَصَائِصِ مَنَازِلِ الْعُظَمَاءِ قَالَ تَعَالَى: لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ [الزخرف: 33] . وَلِكُلِّ دَرَجَةِ الْمَعَارِجِ قَوْمٌ عَمِلُوا لِنَوَالِهَا قَالَ تَعَالَى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: 11] ، وَلِيَكُونَ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ تَخَلُّصٌ إِلَى ذِكْرِ يَوْمِ الْجَزَاءِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْعَذَابُ الْحَقُّ لِلْكَافِرِينَ.
(29/156)

تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5)
والْمَعارِجِ: جَمْعُ مِعْرَجٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا يُعْرَجُ بِهِ، أَيْ يُصْعَدُ مِنْ سلم ومدرج.
[4]

[سُورَة المعارج (70) : آيَة 4]
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)
اعْتِرَاضٌ لِبَيَانِ أَنَّ الْمَعَارِجَ مَنَازِلٌ مِنَ الرِّفْعَةِ الْاعْتِبَارِيَّةِ تَرْتَقِي فِيهَا الْمَلَائِكَةُ وَلَيْسَتْ مَعَارِجَ يُعْرَجُ إِلَيْهِ فِيهَا، أَيْ فَهِيَ مَعَارِجٌ جَعَلَهَا اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ فَقُرِّبَ بِهَا مِنْ مَنَازِلِ التَّشْرِيفِ، فَاللَّهُ مُعْرَجُ إِلَيْهِ بِإِذْنِهِ لَا عَارِجٌ، وَبِذَلِكَ الْجَعْلِ وُصِفَ اللَّهُ بِأَنَّهُ صَاحِبُهَا، أَيْ جَاعِلُهَا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذُو الْعَرْشِ [غَافِر: 15] .
والرُّوحُ: هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُوَكَّلُ بِإِبْلَاغِ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذْنِهِ وَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِتَمْيِيزِهِ بِالْفَضْلِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها [الْقدر: 4] أَيْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
والرُّوحُ: يُطْلَقُ عَلَى مَا بِهِ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ وَتَصْرِيفُ أَعْمَالِهِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الْإِسْرَاء: 85] . فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا شَمِلَهُ قَوْلُهُ: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، أَيْ أَرْوَاحُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهَا فِي الْمَعَارِجِ. وَهَذَا الْعُرُوجُ كَائِنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي مِقْدَارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ.
وَهَذِهِ تَقْرِيبَاتٌ لِنِهَايَةِ عَظَمَةِ تِلْكَ الْمَنَازِلِ وَارْتِقَاءِ أَهْلِ الْعَالَمِ الْأَشْرَفِ إِلَيْهَا وَعَظَمَةِ يَوْمِ وُقُوعِهَا.
وَضَمِيرُ إِلَيْهِ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ عَلَى تَأْوِيلِ مُضَافٍ عَلَى طَرِيقَةِ تَعَلُّقِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ بِالذَّوَاتِ، وَالْمُرَادُ أَحْوَالُهَا مِثْلُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [الْمَائِدَة: 3] أَيْ أَكْلُهَا. وفِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يَتَنَازَعُ تَعَلُّقَهُ كُلٌّ مِنْ قَوْله: واقِعٍ [المعارج: 1] وَقَوله:
تَعْرُجُ.
[5]

[سُورَة المعارج (70) : آيَة 5]
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5)
اعْتِرَاضٌ مُفَرَّعٌ: إِمَّا على مَا يومىء إِلَيْهِ سَأَلَ سائِلٌ [المعارج: 1] مِنْ أَنَّهُ سُؤَالُ اسْتِهْزَاءٍ، فَهَذَا تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا عَلَى سَأَلَ سائِلٌ بِمَعْنَى: دَعَا دَاعٍ.
(29/157)

إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)
فَالْفَاءُ لِتَفْرِيعِ الْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جُمْلَةِ سَأَلَ سائِلٌ إِذَا كَانَ ذَلِكَ السُّؤَالُ بِمَعْنَيَيْهِ اسْتِهْزَاءً وَتَعْرِيضًا بِالتَّكْذِيبِ فَشَأْنُهُ أَنْ لَا تَصْبِرَ عَلَيْهِ النُّفُوسُ فِي الْعُرْفِ.
وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ: الصَّبْرُ الْحَسَنُ فِي نَوْعِهِ وَهُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِمَّا يُنَافِي حَقِيقَةَ الصَّبْرِ، أَيِ اصْبِرْ صَبْرًا مَحْضًا، فَإِنَّ جَمَالَ الْحَقَائِقِ الْكَامِلَةِ بِخُلُوصِهَا عَمَّا يُعَكِّرُ مَعْنَاهَا مِنْ بَقَايَا أَضْدَادِهَا، وَقَدْ مَضَى قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ يَعْقُوبَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [18] وَسَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا فِي المزمل [10] .
[6- 7]

[سُورَة المعارج (70) : الْآيَات 6 إِلَى 7]
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَراهُ قَرِيباً (7)
تَعْلِيلٌ لِجُمْلَتَيْ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [المعارج: 1] وَلِجُمْلَةِ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا [المعارج: 5] ، أَيْ سَأَلُوا اسْتِهْزَاءً لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ مُحَالًا وَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ لِأَنَّا نَعْلَمُ تَحَقُّقَهُ، أَيْ وَأَنْتَ تَثِقُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ، أَيْ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ، وَأَيْضًا هُوَ تَجْهِيلٌ لَهُمْ إِذِ اغْتَرُّوا بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْأَمْنِ وَمُسَالَمَةِ الْعَرَبِ لَهُمْ وَمِنَ الْحَيَاةِ النَّاعِمَةِ فَرَأَوُا الْعَذَابَ الْمَوْعُودَ بَعِيدًا، إِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا فَلِأَمْنِهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي الْآخِرَةِ فَلِإِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ، وَالْمَعْنَى: وَأَنْتَ لَا تُشْبِهُ حَالَهُمْ
وَذَلِكَ يُهَوِّنُ الصَّبْرَ عَلَيْكَ فَهُوَ مِنْ بَابِ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [الْمَائِدَة: 48] ، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ [الْكَهْف: 28] .
وبَعِيداً هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ مَعْنَى الْإِحَالَةِ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِوُقُوعِ الْعَذَابِ الْمَوْعُودِ بِهِ، وَلَكِنَّهُمْ عَبَّرُوا عَنْهُ بِبَعِيدٍ تَشْكِيكًا لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: 3] .
وَاسْتُعْمِلَ قَرِيباً كِنَايَةً عَنْ تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ عَلَى طَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّحَقُّقِ. وَبَيْنَ بَعِيداً وقَرِيباً محسن الطباق.
(29/158)

يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)
[سُورَة المعارج (70) : الْآيَات 8 إِلَى 18]
يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12)
وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلاَّ إِنَّها لَظى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17)
وَجَمَعَ فَأَوْعى (18)
يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ (يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ) بِفعل (تَعْرُجُ) [المعارج: 4] ، أَو أَن يَتَعَلَّقَ بِ (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْاهْتِمَامِ بِذِكْرِ الْيَوْمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ ابْتِدَاء كَلَام، وَالْجُمْلَةُ الْمَجْعُولَةُ مَبْدَأَ كَلَامٍ تُجْعَلُ بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنْ جملَة وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً لِأَنَّ عَدَمَ الْمُسَاءَلَةِ مُسَبَّبٌ عَنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ، وَمِمَّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَنْ يَوَدَّ الْمُوَلِّ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ.
والمهل: دُرِدِيُّ الزَّيْتِ.
وَالْمَعْنَى: تَشْبِيهُ السَّمَاءِ فِي انْحِلَالِ أَجْزَائِهَا بِالزَّيْتِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي سُورَة الرحمان [37] فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ.
وَالْعِهْنُ: الصُّوفُ الْمَصْبُوغُ، قِيلَ الْمَصْبُوغُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ الْمَصْبُوغُ أَلْوَانًا مُخْتَلِفَةً وَهُوَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الرَّاغِبُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ، قَالَ زُهَيْرٌ:
كَانَ فُتَاتُ الْعِهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ ... نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّمْ

وَالْفَنَا بِالْقَصْرِ: حَبٌّ فِي الْبَادِيَةِ، يُقَالُ لَهُ: عِنَبُ الثَّعْلَبِ، وَلَهُ أَلْوَانٌ بَعْضُهُ أَخْضَرُ وَبَعْضُهُ أَصْفَرُ وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ. وَالْعِهْنَةُ: شَجَرٌ بِالْبَادِيَةِ لَهَا وَرَدٌ أَحْمَرُ.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ بِالْعِهْنِ تَفَرُّقُ الْأَجْزَاءِ كَمَا جَاءَتْ فِي آيَةِ الْقَارِعَةِ [5] وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ فَإِيثَارُ الْعِهْنِ بِالذِّكْرِ لِإِكْمَالِ الْمُشَابَهَةِ لِأَنَّ الْجِبَالَ ذَاتُ أَلْوَانٍ قَالَ تَعَالَى:
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها [فاطر: 27] . وَإِنَّمَا تَكُونُ السَّمَاءُ وَالْجِبَالُ بِهَاتِهِ الْحَالَةِ حِينَ يَنْحَلُّ تَمَاسُكُ أَجْزَائِهِمَا عِنْدَ انْقِرَاضِ هَذَا الْعَالَمِ وَالْمَصِيرِ إِلَى عَالَمِ الْآخِرَةِ.
وَمعنى وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً لِشِدَّةِ مَا يَعْتَرِي النَّاسَ مِنَ الْهَوْلِ فَمِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ أَنْ يَرَى الْحَمِيمُ حَمِيمَهُ فِي كَرْبٍ وَعَنَاءٍ فَلَا يَتَفَرَّغُ لِسُؤَالِهِ عَنْ حَالِهِ لِأَنَّهُ فِي شَاغِلٍ عَنْهُ، فَحذف مُتَعَلق يَسْئَلُ لِظُهُورِهِ مِنَ الْمَقَامِ وَمِنْ قَوْلِهِ: يُبَصَّرُونَهُمْ أَيْ يَبْصُرُ الْأَخِلَّاءُ أَحْوَالَ أَخِلَّائِهِمْ مِنَ الْكَرْبِ فَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا، قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
(29/159)

وَقَالَ كُلُّ خَلِيل كنت ءآمله ... لَا أُلْهِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
وَالْحَمِيمُ: الْخَلِيلُ الصَّدِيقُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْح يَاء يَسْئَلُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. فَالْمَعْنَى: لَا يُسْأَلُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ بِحَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ.
وَمَوْقِعُ يُبَصَّرُونَهُمْ الْاسْتِئْنَافُ الْبَيَانِيُّ لِدَفْعِ احْتِمَالِ أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ أَنَّ الْأَحِمَّاءَ لَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَوْمَئِذٍ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ فِي شَاغِلٍ، فَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ يُكْشَفُ لَهُمْ عَنْهُمْ لِيَرَوْا مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ فَيَزْدَادُوا عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ يُبَصَّرُونَهُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ لَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا فِي حَالِ أَنَّ كُلَّ حَمِيمٍ يُبْصِرُ حَمِيمَهُ يُقَالُ لَهُ: انْظُرْ مَاذَا يُقَاسِي فُلَانٌ. ويُبَصَّرُونَهُمْ مُضَارِعٌ بَصَّرَهُ بِالْأَمْرِ إِذَا جَعَلَهُ مُبْصِرًا لَهُ، أَيْ نَاظِرًا فَأَصْلُهُ: يُبَصَّرُونَ بِهِمْ فَوَقَعَ فِيهِ حَذْفُ الْجَارِ وَتَعْدِيَةُ الْفِعْلِ.
وَالضَّمِيرَانِ رَاجِعَانِ إِلَى حَمِيمٌ الْمَرْفُوعِ وَإِلَى حَمِيماً الْمَنْصُوبِ، أَيْ يُبْصِرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ فَجُمِعَ الضَّمِيرَانِ نَظَرًا إِلَى عُمُومِ حَمِيمٌ وحَمِيماً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ.
ويَوَدُّ: يُحِبُّ، أَيْ يَتَمَنَّى، وَذَلِكَ إِمَّا بِخَاطِرٍ يَخْطُرُ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ.
وَإِمَّا بِكَلَامٍ يَصْدُرُ مِنْهُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: يَقُولُ الْكافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[النبأ: 40] ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، أَيْ يَصْرُخُ الْكَافِرُ يَوْمَئِذٍ فَيَقُولُ: أَفْتَدِي مِنَ الْعَذَابِ بِبَنِيِّ وَصَاحِبَتِي وَفَصِيلَتِي فَيَكُونُ
ذَلِكَ فَضِيحَةً لَهُ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أَهْلِهِ.
والْمُجْرِمُ: الَّذِي أَتَى الْجُرْمَ، وَهُوَ الذَّنْبُ الْعَظِيمُ، أَيِ الْكُفْرُ لِأَنَّ النَّاسَ فِي صَدْرِ الْبَعْثَةِ صِنْفَانِ كَافِرٌ وَمُؤْمِنٌ مُطِيعٌ.
ويَوْمِئِذٍ هُوَ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ مُتَعَلِّقًا بِ يَوَدُّ فَقَوْلُهُ: يَوْمِئِذٍ تَأْكِيدٌ لِ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ، وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ [المعارج: 4] فَقَوْلُهُ: يَوْمِئِذٍ إِفَادَةٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْيَوْمِ هُوَ يَوْمُ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنَ الْعَذَابِ بِمَنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ.
(29/160)

وَ (لَوْ) مَصْدَرِيَّةٌ فَمَا بَعْدَهَا فِي حُكْمِ الْمَفْعُولِ لِ يَوَدُّ، أَي يَوَدُّ الِافْتِدَاءِ مِنَ الْعَذَابِ بِبَنِيهِ إِلَى آخِرِهِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَوْمِئِذٍ بِكَسْرِ مِيمِ (يَوْمِ) مَجْرُورًا بِإِضَافَة (عَذَاب الله) . وَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى بِنَائِهِ لِإِضَافَةِ (يَوْمٍ) إِلَى (إِذْ) ، وَهِيَ اسْمٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ وَالْوَجْهَانِ جَائِزَانِ.
وَالِافْتِدَاءُ: إِعْطَاءُ الْفِدَاءِ، وَهُوَ مَا يُعْطَى عِوَضًا لِإِنْقَاذٍ مِنْ تَبِعَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ فِي الْبَقَرَةِ [85] وَقَوْلُهُ: وَلَوِ افْتَدى بِهِ فِي آلِ عِمْرَانَ [91] ، وَالْمَعْنَى: لَوْ يَفْتَدِي نَفْسَهُ، وَالْبَاءُ بَعْدَ مَادَّةِ الْفِدَاءِ تَدْخُلُ عَلَى الْعِوَضِ الْمَبْذُولِ فَمَعْنَى الْبَاءِ التَّعْوِيضُ.
وَمَعْنَى مِنْ الِابْتِدَاءُ الْمَجَازِيُّ لِتَضْمِينِ فِعْلِ يَفْتَدِي مَعْنَى يَتَخَلَّصُ وصاحِبَتِهِ:
زَوْجُهُ.
وَالْفَصِيلَةُ: الْأَقْرِبَاءُ الْأَدْنَوْنَ مِنَ الْقَبِيلَةِ، وَهُمُ الْأَقْرِبَاءُ الْمَفْصُولُ مِنْهُمْ، أَيِ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُمْ، فَشَمِلَتِ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ أَشْهَبُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَقَالَ هِيَ أُمُّهُ اهـ، أَيْ وَيُفْهَمُ مِنْهَا الْأَبُ بِطَرِيقِ لَحْنِ الْخِطَابِ فَيَكُونُ قَدِ اسْتَوْفَى ذِكْرَ أَقْرَبِ الْقَرَابَةِ بِالصَّرَاحَةِ وَالْمَفْهُومِ، وَأَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَشْهُورِ فَالْفَصِيلَةُ دَلَّتْ عَلَى الْآبَاءِ بِاللَّفْظِ وَتُسْتَفَادُ الْأُمَّهَاتُ بِدَلَالَةِ لَحْنِ الْخِطَابِ.
وَقَدْ رُتِّبَتِ الْأَقْرِبَاءُ عَلَى حَسَبِ شِدَّةِ الْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ فِي الْعُرْفِ الْغَالِبِ لِأَنَّ الْمَيْلَ الطَّبِيعِيَّ يَنْشَأُ عَنِ الْمُلَازَمَةِ وَكَثْرَةِ الْمُخَالَطَةِ.
وَلم يذكر الأبوان لِدُخُولِهِمَا فِي الْفَصِيلَةِ قَصْدًا لِلْإِيجَازِ.
وَالْإِيوَاءُ: الضَّمُّ وَالِانْحِيَازُ. قَالَ تَعَالَى: آوَى إِلَيْهِ أَخاهُ [يُوسُف: 69] وَقَالَ:
سَآوِي إِلى جَبَلٍ [هود: 43] .
والَّتِي تُؤْوِيهِ: إِنْ كَانَتِ الْقَبِيلَةُ، فَالْإِيوَاءُ مَجَازٌ فِي الْحِمَايَةِ وَالنَّصْرِ، أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ يَفْتَدِي بِهَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا لَا تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا يَوْمَئِذٍ.
وَإِنْ كَانَتِ الْأُمُّ فَالْإِيوَاءُ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي، وَصِيغَةِ الْمُضَارِعِ
(29/161)

لِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً [الرّوم: 48] أَيْ يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي بِأُمِّهِ، مَعَ شِدَّةِ تَعَلُّقِ نَفْسِهِ بِهَا إِذْ كَانَتْ تُؤْوِيهِ، فَإِيثَارُ لَفَظِ فَصِيلَتِهِ وَفِعْلِ تُؤْوِيهِ هُنَا مِنْ إِيجَازِ الْقُرْآنِ وَإِعْجَازِهِ لِيَشْمَلَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ.
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً عطف على بِبَنِيهِ، أَيْ وَيَفْتَدِي بِمَنْ فِي الْأَرْضِ، أَيْ وَمَنْ لَهُ فِي الْأَرْضِ مِمَّا يَعِزُّ عَلَيْهِ مِنْ أَخِلَّاءَ وَقَرَابَةٍ وَنَفَائِسِ الْأَمْوَالِ مِمَّا شَأْنُ النَّاسِ الشُّحُّ بِبَذْلِهِ وَالرَّغْبَةِ فِي اسْتِبْقَائِهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ [آل عمرَان: 91] .
ومَنْ الْمَوْصُولَةُ لِتَغْلِيبِ الْعَاقِلِ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ مِنْهُمُ الْأَخِلَّاءَ.
وثُمَّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ يُنْجِيهِ لِلتَّرَاخِي الرَّتَبِيِّ، أَيْ يَوَدُّ بَذْلَ ذَلِكَ وَأَنْ يُنْجِيَهُ الْفِدَاءُ مِنَ الْعَذَابِ، فَالْإِنْجَاءُ مِنَ الْعَذَابِ هُوَ الْأَهَمُّ عِنْدَ الْمُجْرِمِ فِي وِدَادَتِهِ وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي قَوْلِهِ: يُنْجِيهِ عَائِدٌ إِلَى الِافْتِدَاءِ الْمَفْهُومِ مِنْ يَفْتَدِي عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْمَائِدَة: 8] .
وَالْمَعْطُوفُ بِ ثُمَّ هُوَ الْمُسَبَّبُ عَنِ الْوِدَادَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُعْطَفَ بِالْفَاءِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِي مِثْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً [النِّسَاء: 89] وَقَوْلُهُ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [الْقَلَم: 9] ، فَعَدَلَ عَنْ عَطْفِهِ بِالْفَاءِ هُنَا إِلَى عَطْفِهِ بِ ثُمَّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شِدَّةِ اهْتِمَامِ الْمُجْرِمِ بِالنَّجَاةِ بِأَيَّةِ وَسِيلَةٍ.
وَمُتَعَلِّقُ يُنْجِيهِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ.
وكَلَّا حَرْفُ رَدْعٍ وَإِبْطَالٍ لِكَلَامٍ سَابِقٍ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُ كَلَامٌ، وَهُوَ هُنَا لِإِبْطَالِ مَا يُخَامِرُ نُفُوسَ الْمُجْرِمِ مِنَ الْوِدَادَةِ، نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْكَلَامِ لِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ أَوْ
لِإِبْطَالِ مَا يُتَفَوَّهُ بِهِ مِنْ تَمَنِّي ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: يَقُولُ الْكافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[النبأ:
40] ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ بِالْوِدَادَةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ [النِّسَاء: 42] أَيْ يَصِيرُونَ مِنْ تُرَابِهَا.
فَالتَّقْدِيرُ: يُقَالُ لَهُ كَلَّا، أَيْ لَا افْتِدَاءَ وَلَا إِنْجَاءَ.
وَجُمْلَةُ إِنَّها لَظى اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَمَّا أَفَادَهُ حَرْفُ كَلَّا مِنَ الْإِبْطَالِ.
وَضَمِيرُ إِنَّها عَائِدٌ إِلَى مَا يُشَاهِدُهُ الْمُجْرِمُ قُبَالَتَهُ مِنْ مَرْأَى جَهَنَّمَ فَأَخْبَرَ
(29/162)

بِأَنَّ ذَلِكَ لَظَى.
وَلَمَّا كَانَ لَظى مُقْتَرِنًا بِأَلِفِ التَّأْنِيثِ أُنِّثَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبَارِ تَأْنِيثِ الْخَبَرِ وَأُتْبِعَ اسْمُهَا بِأَوْصَافٍ. وَالْمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِأَنَّهَا أُعِدَّتْ لَهُ، أَيْ أَنَّهَا تَحْرُقُكَ وَتَنْزِعُ شَوَاكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِمَا وَقَعَ التَّعْرِيضُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى، أَيْ تَدْعُوكَ يَا مَنْ أَدْبَرَ عَنْ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ وَتَوَلَّى عَنْهَا وَلَمْ يَعْبَأْ إِلَّا بِجَمْعِ الْمَالِ.
فَحَرْفُ (إِنَّ) لِلتَّوْكِيدِ لِلْمَعْنَى التَّعْرِيضِيِّ مِنَ الْخَبَرِ، لَا إِلَى الْإِخْبَارِ بِأَنَّ مَا يُشَاهِدُهُ لَظَى إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِمَحَلِّ التَّرَدُّدِ. ولَظى خَبَرُ (إِنَّ) .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ إِنَّها ضَمِيرَ الْقِصَّةِ وَهُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، أَيْ إِنَّ قِصَّتَكَ وَشَأْنَكَ لَظَى، فَتَكُونُ لَظى مُبْتَدَأً.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ نَزَّاعَةً بِالرَّفْعِ فَهُوَ خَبَرٌ ثَانٍ عَنْ (إِنَّ) إِنْ جُعِلَ الضَّمِيرُ ضَمِيرًا عَائِدًا إِلَى النَّارِ الْمُشَاهَدَةِ، أَوْ هُوَ خَبَرٌ عَنْ لَظى إِنْ جُعِلَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ الْقِصَّةِ وَجُعِلَ لَظى مُبْتَدَأً.
وَقَرَأَهُ حَفْصٌ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى قِرَاءَةِ حَفْصٍ أَنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ ضَمِيرَ قِصَّةٍ. وَالتَّعْرِيضُ هُوَ هُوَ، وَحَرْفُ (إِنَّ) إِمَّا لِلتَّوْكِيدِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَعْنَى التَّعْرِيضِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِمَّا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ لِأَنَّ الْجُمَلَ الْمُفْتَتَحَةَ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُهْتَمِّ بِهَا.
ولَظى: عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنِ اسْمِ اللَّهَبِ، جُعِلَ عَلَمًا لِ «جَهَنَّمَ» ، وَأَلِفُهُ أَلِفُ تَأْنِيثٍ، وَأَصْلُهُ: لَظًى بِوَزْنِ فَتًى مُنَوَّنًا اسْمُ جِنْسٍ لِلَهَبِ النَّارِ. فَنُقِلَ اسْمُ الْجِنْسِ إِلَى جَعْلِهِ عَلَمًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِهِ، فَقُرِنَ بِأَلِفِ تَأْنِيثٍ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ التَّغْيِيرِ عَلَى نَقْلِهِ إِلَى الْعَلَمِيَّةِ.
وَالْعَرَبُ قَدْ يُدْخِلُونَ تَغْيِيرًا عَلَى الِاسْمِ غَيْرِ الْعَلَمِ إِذَا نَقَلُوهُ إِلَى الْعَلَمِيَّةِ كَمَا سَمَّوْا شُمْسَ بِضَمِّ الشِّينِ مَنْقُولًا مِنْ شَمْسٍ بِفَتْحِ الشِّينِ. كَمَا قَالَ ابْنُ جِنِّي فِي شَرْحِ قَوْلِ تَأَبَّطَ
شَرًّا:
إِنِّي لَمُهْدٍ مِنْ ثَنَائِي فَقَاصِدٌ ... بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مَالِكِ
وَلَيْسَ مِنَ الْعَلَمِ بِالْغَلَبَةِ إِذْ لَيْسَ مُعَرَّفًا وَلَا مُضَافًا، وَلِاجْتِمَاعِ الْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ فِيهِ
(29/163)

كَانَ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ فَلَا تَقُولُ: لَظًى بِالتَّنْوِينِ إِلَّا إِذَا أَرَدْتَ جِنْسَ اللَّهَبِ، وَلَا تَقُولُ: اللَّظَى إِلَّا إِذَا أَرَدْتَ لَهَبًا مُعَيَّنًا، فَأَمَّا إِذَا أَرَدْتَ اسْمَ جَهَنَّمَ فَتَقُولُ لَظَى بِأَلِفِ التَّأْنِيثِ دُونَ تَنْوِينٍ وَدُونَ تَعْرِيفٍ.
وَالنَّزَّاعَةُ: مُبَالَغَةٌ فِي النَّزْعِ وَهُوَ الْفَصْلُ وَالْقَطْعُ.
وَالشَّوَى: اسْمُ جَمْعِ شَوَاةٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَهِيَ الْعُضْوُ غَيْرُ الرَّأْسِ مِثْلَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ مَا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ شَوَى، وَقِيلَ الشَّوَاةُ: جِلْدَةُ الرَّأْسِ فَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ النَّاس.
وَجُمْلَة تَدْعُوا إِمَّا خَبَرٌ ثَانٍ حَسَبَ قِرَاءَةِ نَزَّاعَةً بِالرَّفْعِ وَإِمَّا حَالٌ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ.
وَالدُّعَاءُ فِي قَوْله: تَدْعُوا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ حَقِيقَةٍ بِأَنْ يُعْتَبَرَ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً، شُبِّهَتْ لَظَى فِي انْهِيَالِ النَّاسِ إِلَيْهَا بِضَائِفٍ لِمَأْدُبَةٍ، وَرُمِزَ إِلَى ذَلِك ب تَدْعُوا وَذَلِكَ عَلَى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.
وَيَكُونُ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى قَرِينَةً، أَوْ تَجْرِيدًا، أَيْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ. وَفِيهِ الطِّبَاقُ لِأَنَّ الْإِدْبَارَ وَالتَّوَلِّيَ يُضَادَّانِ الدَّعْوَةَ فِي الْجُمْلَةِ إِذِ الشَّأْنُ أَنَّ الْمَدْعُوَّ يُقْبِلُ وَلَا يدبر، وَيكون (يدعوا) مُشْتَقًّا مِنَ الدُّعْوَةِ الْمَضْمُومَةِ الدَّالِ، أَوْ أَنْ يُشَبِّهَ إِحْضَارَ الْكُفَّارِ عِنْدَهَا بِدَعْوَتِهَا إِيَّاهُمْ لِلْحُضُورِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّبَعِيَّةِ، لِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِدَعْوَةِ الْمُنَادِي، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ الثَّوْرَ الْوَحْشِيَّ:
أَمْسَى بِوَهْبَيْنِ مُخْتَارًا لِمَرْتَعِهِ ... مِنْ ذِي الْفَوَارِسِ تَدْعُو أَنْفَهُ الرِّبَبُ
الرِّبَبُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ: جَمْعُ رِبَّةٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ: نَبَاتٌ يَنْبُتُ فِي الصَّيْفِ أَخْضَرُ.
وَيَجُوزُ أَن يكون تَدْعُوا مُسْتَعْملا حَقِيقَة، و «الَّذين يَدْعُونَ» : هُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِجَهَنَّمَ، وَإِسْنَادُ الدُّعَاءِ إِلَى جَهَنَّمَ إِسْنَادًا مَجَازِيًّا لِأَنَّهَا مَكَانُ الدَّاعِينَ أَوْ لِأَنَّهَا سَبَبُ الدُّعَاءِ، أَوْ جَهَنَّمُ تَدْعُو حَقِيقَةً بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهَا أَصْوَاتًا تُنَادِي الَّذِينَ تَوَلَّوْا أَنْ يَرِدُوا عَلَيْهَا فَتَلْتَهِمَهُمْ.
ومَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى جِنْسُ الْمَوْصُوفِينَ بِأَنَّهُمْ أَدْبَرُوا وَتَوَلَّوْا وَجَمَعُوا وَهُمُ الْمُجْرِمُونَ الَّذِينَ يَوَدُّونَ أَنْ يَفْتَدُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ خَصَائِصُ الْمُشْرِكِينَ، وَهِيَ مِنْ آثَارِ دِينِ الشِّرْكِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى بَاعِثٍ لَهُمْ عَلَى إِعْرَاضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ.
(29/164)

وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْإِدْبَارُ وَالْإِعْرَاضُ، وَجَمْعُ الْمَالِ، أَيِ الْخَشْيَةُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ.
وَالْإِدْبَارُ: تَرْكُ شَيْءٍ فِي جِهَةِ الْوَرَاءِ لِأَنَّ الدُّبُرَ هُوَ الظَّهْرُ، فَأَدْبَرَ: جَعَلَ شَيْئًا وَرَاءَهُ بِأَنْ لَا يُعَرِّجَ عَلَيْهِ أَصْلًا أَوْ بِأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُفَارِقُهُ.
وَالتَّوَلِّي: الْإِدْبَارُ عَنْ شَيْءٍ وَالْبُعْدُ عَنْهُ، وَأَصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَلَايَةِ وَهِيَ الْمُلَازَمَةُ قَالَ تَعَالَى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الْبَقَرَة: 144] ، ثُمَّ قَالُوا: وَلَّى عَنْهُ، أَرَادُوا اتَّخَذَ غَيْرَهُ وَلِيًّا، أَيْ تَرَكَ وَلَايَتَهُ إِلَى وَلَايَةِ غَيْرِهِ مِثْلَ مَا قَالُوا: رَغِبَ فِيهِ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَصَارَ «وَلِيَ» بِمَعْنَى: أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ، قَالَ تَعَالَى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا [النَّجْم: 29] أَيْ عَامِلْهِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ.
فَفِي التَّوَلِّي مَعْنَى إِيثَارِ غَيْرِ الْمُتَوَلَّى عَنْهُ، وَلِذَلِكَ يَكُونُ بَيْنَ التَّوَلِّي وَالْإِدْبَارِ فَرْقٌ، وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْفَرْقِ عُطِفَ وتَوَلَّى عَلَى أَدْبَرَ أَيْ تَدْعُو مَنْ تَرَكَ الْحَقَّ وَتَوَلَّى عَنْهُ إِلَى الْبَاطِلِ. وَهَذِهِ دَقِيقَةٌ مِنْ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ بِأَنْ يَكُونَ الْإِدْبَارُ مُرَادًا بِهِ إِدْبَارُ غَيْرِ تَوَلٍّ، أَيْ إِدْبَارًا مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَيَكُونُ التَّوَلِّي مُرَادًا بِهِ الْإِعْرَاضُ بَعْدَ مُلَابَسَةٍ، وَلِذَلِكَ يَكُونُ الْإِدْبَارُ مُسْتَعَارًا لِعَدَمِ قَبُولِ الْقُرْآنِ وَنَفْيِ اسْتِمَاعِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَالُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ [فصلت: 26] ، وَالتَّوَلِّي مُسْتَعَارٌ لِلْإِعْرَاضِ عَنِ الْقُرْآنِ بَعْدَ سَمَاعِهِ وَلِلنُّفُورِ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الْأَنْفَال: 31] وَكِلَا الْحَالَيْنِ حَالُ كُفْرٍ وَمُحِقَّةٌ لِلْعِقَابِ وَهُمَا مُجْتَمِعَتَانِ فِي جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهِمَا مَعًا تَفْظِيعُ أَصْحَابِهِمَا، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى مُتَّحِدًا يَتَنَازَعُهُ كِلَا الْفِعْلَيْنِ، وَيُقَدَّرُ بِنَحْوِ: عَنِ الْحَقِّ، وَفِي «الْكَشَّافِ» : أَدْبَرَ عَنِ الْحَقِّ وَتَوَلَّى عَنْهُ، إِذِ الْعِبْرَةُ بِاخْتِلَافِ مَعْنَيَيِ الْفِعْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقُهُمَا مُتَّحِدًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ لِكُلِّ فِعْلٍ مُتَعَلِّقٌ هُوَ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِمَعْنَاهُ، فَقَدَّرَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَدْبَرَ عَنِ الْحَقِّ وَتَوَلَّى عَنِ الطَّاعَةِ، أَيْ لَمْ يَقْبَلِ الْحَقَّ وَهُوَ الْإِيمَانُ مِنْ أَصْلِهِ، وَأَعْرَضَ عَنْ طَاعَةِ
الرَّسُولِ بَعْدَ سَمَاعِ دَعْوَتِهِ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَكْسُهُ: أَدْبَرَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَتَوَلَّى عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَتَبِعَهُ الْفَخْرُ وَالنَّيْسَابُورِيُّ.
(29/165)

إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)
وَالْجَمْعُ وَالْإِيعَاءُ فِي قَوْلِهِ: وَجَمَعَ فَأَوْعى مُرَتَّبٌ ثَانِيهِمَا عَلَى أَولهمَا، فَيدل ترَتّب الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ مَفْعُولَ جَمَعَ الْمَحْذُوفَ هُوَ شَيْءٌ مِمَّا يُوعَى، أَيْ يُجْعَلُ فِي وِعَاءٍ.
وَالْوِعَاءُ: الظَّرْفُ، أَيْ جَمَعَ الْمَالَ فَكَنَزَهُ وَلَمْ يَنْفَعْ بِهِ الْمَحَاوِيجَ، وَمِنْهُ جَاءَ فعل فَأَوْعى إِذَا شَحَّ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكَ»
. وَفِي قَوْلِهِ: جَمَعَ إِشَارَةٌ إِلَى الْحِرْصِ، وَفِي قَوْلِهِ: فَأَوْعى إِشَارَةٌ إِلَى طُولِ الْأَمَلِ. وَعَنْ قَتَادَةَ جَمَعَ فَأَوْعى كَانَ جَمُوعًا لِلْخَبِيثِ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ حَسَنٌ، أَيْ بِأَنْ يُقَدَّرَ لِ جَمَعَ مَفْعُولٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، أَيْ وَزَادَ عَلَى إِدْبَارِهِ وَتَوَلِّيهِ أَنَّهُ جَمَعَ الْخَبَائِثَ. وَعَلَيْهِ يَكُونُ فَأَوْعى مُسْتَعَارًا لِمُلَازَمَتِهِ مَا فِيهِ مِنْ خِصَالِ الْخَبَائِثِ وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهَا فَكَأَنَّهَا مُخْتَزَنَةٌ لَا يفرط فِيهَا.
[19- 21]

[سُورَة المعارج (70) : الْآيَات 19 إِلَى 21]
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)
مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى [المعارج: 17- 18] وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج: 22] إِلَخْ.
وَهِيَ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ وَجَمَعَ فَأَوْعى تَنْبِيهًا عَلَى خَصْلَةٍ تُخَامِرُ نُفُوسَ الْبَشَرِ فَتَحْمِلُهُمْ عَلَى الْحِرْصِ لِنَيْلِ النَّافِعِ وَعَلَى الِاحْتِفَاظِ بِهِ خشيَة نفاده لِمَا فِيهِمْ مِنْ خُلُقِ الْهَلَعِ. وَهَذَا تَذْيِيلُ لَوْمٍ وَلَيْسَ فِي مَسَاقِهِ عُذْرٌ لِمَنْ جَمَعَ فَأَوْعَى، وَلَا هُوَ تَعْلِيلٌ لِفِعْلِهِ.
وَمَوْقِعُ حَرْفِ التَّوْكِيدِ مَا تَتَضَمَّنُهُ الْجُمْلَةُ مِنَ التَّعْجِيبِ مِنْ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَالتَّأْكِيدُ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ وَلَفْتِ الْأَنْظَارِ إِلَيْهِ وَالتَّعْرِيضِ بِالْحَذَرِ مِنْهُ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّذْيِيلِ هُوَ قَوْلُهُ: وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً فَتَمْهِيدٌ وَتَتْمِيمٌ لِحَالَتَيْهِ.
فَالْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ: جِنْسُ الْإِنْسَانِ لَا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: 6- 7] وَقَوْلِهِ: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [الْأَنْبِيَاء: 37] ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ.
(29/166)

وَهَلُوعٌ: فَعُولٌ مِثَالُ مُبَالَغَةٍ لِلِاتِّصَافِ بِالْهَلَعِ.
وَالْهَلَعُ لَفْظٌ غَامِضٌ مِنْ غَوَامِضِ اللُّغَةِ قَدْ تَسَاءَلَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ، قَالَ «الْكَشَّافُ» : «وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى (هُوَ ثَعْلَبٌ) قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ (1) : مَا الْهَلَعُ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ وَلَا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أَبْيَنَ مِنْ تَفْسِيرِهِ وَهُوَ الَّذِي إِذَا نَالَهُ شَرٌّ أَظْهَرَ شِدَّةَ الْجَزَعِ، وَإِذَا نَالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ وَمَنَعَهُ النَّاسَ» اهـ. فَسَارَتْ كَلِمَةُ ثَعْلَبٍ مَسِيرًا أَقْنَعَ كَثِيرًا مِنَ اللُّغَوِيِّينَ عَنْ زِيَادَةِ الضَّبْطِ لِمَعْنَى الْهَلَعِ. وَهِيَ كَلِمَةٌ لَا تَخْلُو عَنْ تَسَامُحٍ وَقِلَّةِ تَحْدِيدٍ لِلْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً تَفْسِيرًا لِمَدْلُولِ الْجَزُوعِ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُ الْكَلِمَةِ مَعْنًى مُرَكَّبًا مِنْ مَعْنَيَيِ الْجُمْلَتَيْنِ لِتَكُونَ الْجُمْلَتَانِ تَفْسِيرًا لَهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ لَيْسَ بَينهمَا تلازم، وَكَثِيرًا مِنْ أَيِمَّةِ اللُّغَةِ فَسَّرَ الْهَلَعَ بِالْجَزَعِ، أَوْ بِشِدَّةِ الْجَزَعِ، أَوْ بِأَفْحَشِ الْجَزَعِ، وَالْجَزَعُ: أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْهَلَعِ وَلَيْسَ عَيْنُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ فِي قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ:
مَا إِنْ جَزِعْتُ وَلَا هَلِعْتُ ... وَلَا يَرُدُّ بُكَايَ زَنْدَا
إِذْ عَطَفَ نَفْيَ الْهَلَعِ عَلَى نَفْيِ الْجَزَعِ، وَلَوْ كَانَ الْهَلَعُ هُوَ الْجَزَعَ لَمْ يَحْسُنِ الْعَطْفُ، وَلَوْ كَانَ الْهَلَعُ أَشَدَّ الْجَزَعِ كَانَ عَطْفُ نَفْيِهِ عَلَى نَفْيِ الْجَزَعِ حَشْوًا. وَلِذَلِكَ تَكَلَّفَ الْمَرْزُوقِيُّ فِي «شَرْحِ الْحَمَاسَةِ» لِمَعْنَى الْبَيْتِ تَكَلُّفًا لَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا قَالَ: فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا حَزِنْتُ عَلَيْهِ حُزْنًا هَيِّنًا قَرِيبًا وَلَا فَظِيعًا شَدِيدًا، وَهَذَا نَفْيٌ لِلْحُزْنِ رَأْسًا كَقَوْلِكَ: مَا رَأَيْتُ صَغِيرَهُمْ وَلَا كَبِيرَهُمْ اهـ.
وَالَّذِي اسْتَخْلَصْتُهُ مِنْ تَتَبُّعِ اسْتِعْمَالَاتِ كَلِمَةِ الْهَلَعِ أَنَّ الْهَلَعَ قِلَّةُ إِمْسَاكِ النَّفْسِ عِنْدَ اعْتِرَاءِ مَا يُحْزِنُهَا أَوْ مَا يَسُرُّهَا أَوْ عِنْدَ تَوَقُّعِ ذَلِكَ وَالْإِشْفَاقِ مِنْهُ. وَأَمَّا الْجَزَعُ فَمِنْ آثَارِ الْهَلَعِ، وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ الْهَلَعَ بِالشَّرَهِ، وَبَعْضُهُمْ بِالضَّجَرِ، وَبَعْضُهُمْ بِالشُّحِّ، وَبَعْضُهُمْ بِالْجُوعِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْجُبْنِ عِنْدَ اللِّقَاءِ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي ضَبْطِهِ يَجْمَعُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَيُرِيكَ أَنَّهَا آثَارٌ لِصِفَةِ الْهَلَعِ. وَمَعْنَى خُلِقَ هَلُوعاً:
_________
(1) مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر بن الْحُسَيْن كَانَ وَالِي شرطة بَغْدَاد فِي زمن المتَوَكل على الله، وَكَانَ شَاعِرًا أديبا ملازما لأهل الْعلم توفّي سنة 253 وَأَبوهُ عبد الله وَالِي خُرَاسَان فِي زمن الْمَأْمُون وممدوح أبي تَمام توفّي سنة 229.
(29/167)

أَنَّ الْهَلَعَ طَبِيعَةٌ كَامِنَةٌ فِيهِ مَعَ خَلْقِهِ تَظْهَرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ شعوره بالنافع والمضار فَهُوَ مِنْ طِبَاعِهِ الْمَخْلُوقَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ طِبَاعِهِ الْبَشَرِيَّةِ، إِذْ لَيْسَ فِي تَعَلُّقِ الْحَالِ بِعَامِلِهَا دَلَالَةٌ عَلَى قَصْرِ الْعَامِلِ عَلَيْهَا، وَلَا فِي اتِّصَافِ
صَاحِبِ الْحَالِ بِالْحَالِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا صِفَةَ لَهُ غَيْرُهَا، وَقَدْ تَكُونُ لِلشَّيْءِ الْحَالَةُ وَضِدُّهَا بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَالدَّوَاعِي، وَبِذَلِكَ يَسْتَقِيمُ تَعَلُّقُ النَّهْيِ عَنْ حَالٍ مَعَ تَحَقُّقِ تَمَكُّنِ ضِدِّهَا مِنَ الْمَنْهِيِّ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَرُوضَ نَفْسَهُ عَلَى مُقَاوَمَةِ النَّقَائِصِ وَإِزَالَتِهَا عَنْهُ، وَإِذْ ذَكَرَ اللَّهُ الْهَلَعَ هُنَا عَقِبَ مَذَمَّةِ الْجَمْعِ وَالْإِيعَاءِ، فَقَدْ أَشْعَرَ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُفَّ عَنْ هَلَعِهِ إِذَا تَدَبَّرَ فِي الْعَوَاقِبِ فَيَكُونُ فِي قَوْلِهِ: خُلِقَ هَلُوعاً كِنَايَةٌ بِالْخَلْقِ عَنْ تَمَكُّنِ ذَلِكَ الْخُلُقِ مِنْهُ وَغَلَبَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ مِنْ مُقْتَضَى تَرْكِيبِ الْإِدْرَاكِ الْبَشَرِيِّ أَنْ يَحْدُثَ فِيهِ الْهَلَعُ.
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ تَرْكِيبَ الْمَدَارِكِ الْبَشَرِيَّةِ رُكِّزَ بِحِكْمَةٍ دَقِيقَةٍ تَجْعَلُهَا قَادِرَةً عَلَى الْفِعْلِ وَالْكَفِّ، وَسَاعِيَةً إِلَى الْمُلَائِمِ وَمُعْرِضَةً عَنِ الْمُنَافِرِ. وَجُعِلَتْ فِيهَا قُوًى مُتَضَادَّةَ الْآثَارِ يَتَصَرَّفُ الْعَقْلُ وَالْإِدْرَاكُ فِي اسْتِخْدَامِهَا كَمَا يَجِبُ فِي حُدُودِ الْمَقْدِرَةِ الْبَدَنِيَّة الَّتِي أعْطهَا النَّوْعُ وَالَّتِي أُعْطِيَهَا أَفْرَادُ النَّوْعِ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَصْلُحَ الْإِنْسَانُ لِإِعْمَارِ هَذَا الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ خَلِيفَةً فِيهِ لِيُصْلِحَهُ إِصْلَاحًا يَشْمَلُهُ وَيَشْمَلُ مَنْ مَعَهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ إِعْدَادًا لِصَلَاحِيَتِهِ لِإِعْمَارِ عَالَمِ الْخُلُودِ، ثُمَّ جَعَلَ لَهُ إِدْرَاكًا يُمَيِّزُ الْفَرْقَ بَيْنَ آثَارِ الْمَوْجُودَاتِ وَآثَارِ أَفْعَالِهَا بَيْنَ النَّافِعِ مِنْهَا وَالضَّارِّ وَالَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا ضُرَّ. وَخَلَقَ فِيهِ إِلْهَامًا يُحِبُّ النَّافِعَ وَيَكْرَهُ الضَّارَّ، غَيْرَ أَنَّ اخْتِلَاطَ الْوَصْفَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَبَعْضِ الذَّوَاتِ قَدْ يُرِيهِ الْحَالَ النَّافِعَ مِنْهَا وَلَا يُرِيهِ الْحَالَ الضَّارَّ فَيَبْتَغِي مَا يَظُنُّهُ نَافِعًا غَيْرَ شَاعِرٍ بِمَا فِي مَطَاوِيهِ مِنْ أَضْرَارٍ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، أَوْ شَاعِرًا بِذَلِكَ وَلَكِنَّ شَغَفَهُ بِحُصُولِ النَّفْعِ الْعَاجِلِ يُرَجِّحُ عِنْدَهُ تَنَاوُلَهُ الْآنَ لِعَدَمِ صَبْرِهِ عَلَى تَرْكِهِ مُقَدِّرًا مَعَاذِيرَ أَوْ حِيَلًا يَقْتَحِمُ بِهَا مَا فِيهِ مِنْ ضُرٍّ آجِلٍ. وَإِنَّ اخْتِلَاطَ الْقُوَى الْبَاطِنِيَّةِ مَعَ حَرَكَاتِ التَّفْكِيرِ قَدْ تَسْتُرُ عَنْهُ ضُرَّ الضَّارِّ وَنَفْعَ النَّافِعِ فَلَا يَهْتَدِي إِلَى مَا يَنْبَغِي سُلُوكَهُ أَوْ تَجَنُّبَهُ، وَقَدْ لَا تَسْتُرُ عَنْهُ ذَلِكَ وَلَكِنَّهَا تُحْدِثُ فِيهِ إِيثَارًا لاتباع الضار لملاءمة فِيهِ وَلَوْ فِي وَقْتٍ أَوْ عِنْدَ عَارِضٍ، إِعْرَاضًا عَنِ اتِّبَاعِ النَّافِعِ لِكُلْفَةٍ فِي فِعْلِهِ أَوْ مُنَافَرَةٍ لِوِجْدَانِهِ، وَذَلِكَ مِنِ اشْتِمَالِ تَرْكِيبِ قُوَاهُ الْبَاعِثَةِ وَالصَّارِفَةِ وَآلَاتِهَا الَّتِي بِهَا تَعْمَلُ وَتَدْفَعُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ التَّعَاكُسِ فِي أَعْمَالِهَا، فَحَدَثَتْ مِنْ هَذَا التَّرْكِيبِ
(29/168)

والبديع صَلَاحِيَةٌ لِلْوَفَاءِ بِالتَّدْبِيرِ الصَّالِحِ الْمَنُوطِ بِعُهْدَةِ الْإِنْسَانِ، وَصَلَاحِيَّةٌ لِإِفْسَادِ ذَلِكَ أَوْ بَعْثَرَتِهِ.
غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْإِنْسَانِ عَقْلًا وَحِكْمَةً إِنْ هُوَ أحسن استعمالهما نَخَلَتْ صِفَاتِهِ، وَثَقَّفَتْ مِنْ قَنَاتِهِ، وَلَمْ يُخْلِهِ مِنْ دُعَاةٍ إِلَى الْخَيْرِ يَصِفُونَ لَهُ كَيْفَ يَرِيضُ جَامِحَ نَفْسِهِ، وَكَيْفَ يُوَفِّقُ بَيْنَ إِدْرَاكِهِ وَحِسِّهِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْحُكَمَاءُ.
فَإِذَا أُخْبِرَ عَنِ الْإِنْسَانِ بِشِدَّةِ تَلَبُّسِهِ بِبَعْضِ النَّقَائِصِ وَجُعِلَ ذَلِكَ فِي قَالَبٍ أَنَّهُ جُبِلَ عَلَيْهِ فَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ: إِلْقَاءُ تَبِعَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي إِرَاضَةِ نَفْسِهِ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ جِبِلَّةِ الْخَيْرِ، وَأَرْخَى لَهَا الْعِنَانَ إِلَى غَايَةِ الشَّرِّ، وَفَرَّطَ فِي نَصَائِحِ الشَّرَائِعِ وَالْحُكَمَاءِ.
وَإِذَا أُسْنِدَ مَا يَأْتِيهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْخَيْرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالْمَقْصُودُ: التَّنْبِيهُ إِلَى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِخَلْقِ الْقُوَّةِ الْجَالِبَةِ لِلْخَيْرِ فِيهِ، وَنِعْمَةِ إِرْشَادِهِ وَإِيقَاظِهِ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النِّسَاء: 79] عَقِبَ قَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النِّسَاء: 78] .
وَفِي هَذَا الْمَجَالِ زَلَّتْ أَفْهَامُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَحَلَكَتْ عَلَيْهِمُ الْأَجْوَاءُ، فَفَكَّرُوا وَقَدَّرُوا، وَمَا اسْتَطَاعُوا مَخْلَصًا وَمَا قَدَرُوا.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ (خُلِقَ الْإِنْسَانُ) إِذَا تَعَلَّقَ بِهَا مَا لَيْسَ مِنَ الْمَوَادِّ مِثْلَ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [الْإِنْسَان: 2] بَلْ كَانَ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالْغَرَائِزِ قَدْ يُعْنَى بِهَا التَّنْبِيهُ عَلَى جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ وَأَنَّهَا تُسْرِعُ إِلَى الِاعْتِلَاقِ بِمَشَاعِرِهِ عِنْدَ تَصَرُّفَاتِهِ تَعْرِيضًا بِذَلِكَ لِوُجُوبِ الْحَذَرِ مِنْ غَوَائِلِهَا نَحْوَ خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [الْأَنْبِيَاء: 37] إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، وَقَدْ تَرِدُ لِلْعُذْرِ وَالرِّفْقِ نَحْوَ قَوْلِهِ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [النِّسَاء:
28] ، وَقَدْ تَرِدُ لِبَيَانِ أَصْلِ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَمَا طَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ تَصَرُّفِهِ فِي أَفْعَالِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [التِّين:
4- 5] فعل الْخَلْقِ مِنْ كَذَا مُسْتَعَارٌ لِكَثْرَةِ الْمُلَابَسَةِ. قَالَ عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ:
إِنَّ الَّتِي زَعَمَتْ فُؤَادَكَ مَلَّهَا ... خُلِقَتْ هَوَاكَ كَمَا خُلِقْتَ هَوًى لَهَا
(29/169)

أَرَادَ إِبْطَالَ أَنْ يَكُونَ مَلَّهَا بِحُجَّةِ أَنَّهَا خُلِقَتْ حَبِيبَةً لَهُ كَمَا خُلِقَ مَحْبُوبُهَا، أَيْ أَنَّ مَحَبَّتَهُ إِيَّاهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ.
وَالْهَلَعُ: صِفَةٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ، فَوَصْفُ الْإِنْسَانِ هُنَا بِهَا لَوْمٌ عَلَيْهِ فِي تَقْصِيرِهِ عَنِ التَّخَلُّقِ بِدَفْعِ آثَارِهَا، وَلِذَلِكَ ذُيِّلَ بِهِ قَوْلُهُ: وَجَمَعَ فَأَوْعى [المعارج: 18] عَلَى كِلَا مَعْنَيَيْهِ.
وَانْتَصَبَ جَزُوعاً عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي هَلُوعاً، أَوْ عَلَى الْبَدَلِ بَدَلِ اشْتِمَالٍ لِأَنَّ حَالَ الْهَلَعِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ الشَّرِّ.
وَقَوْلُهُ: مَنُوعاً عَطْفٌ عَلَى جَزُوعاً، أَيْ خُلِقَ هَلُوعًا فِي حَالِ كَوْنِهِ جَزُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ، وَمَنُوعًا إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ.
والشَّرُّ: الْأَذَى مِثْلُ الْمَرَضِ وَالْفَقْرِ.
والْخَيْرُ: مَا يَنْفَعُ الْإِنْسَانَ وَيُلَائِمُ رَغَبَاتِهِ مِثْلَ الصِّحَّةِ وَالْغِنَى.
وَالْجَزُوعُ: الشَّدِيدُ الْجَزَعِ، وَالْجَزَعُ: ضِدُّ الصَّبْرِ.
وَالْمَنُوعُ: الْكَثِيرُ الْمَنْعِ، أَيْ شَدِيدُ الْمَنْعِ لِبَذْلِ شَيْءٍ مِمَّا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ.
وإِذا فِي الْمَوْضِعَيْنِ ظَرْفَانِ يَتَعَلَّقَانِ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ وَصْفَيْ جَزُوعاً ومَنُوعاً.
(29/170)

إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)
[سُورَة المعارج (70) : الْآيَات 22 إِلَى 35]
إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26)
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (29) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (31)
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (34) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)
اسْتثِْنَاء مُنْقَطع ناشىء عَنِ الْوَعِيدِ الْمُبْتَدَأِ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ [المعارج: 11] الْآيَةَ.
فَالْمَعْنَى عَلَى الِاسْتِدْرَاكِ. وَالتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ الْمُصَلِّينَ الْمَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وَكَيْتَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ.
فَجُمْلَةُ أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ حَيْثُ وَقَعَتْ بَعْدَ إِلَّا الْمُنْقَطِعَةِ وَهِيَ بِمَعْنَى (لَكِنَّ) فَلَهَا حُكْمُ الْجُمْلَةِ الْمُخْبَرِ بِهَا عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) الْمُشَدَّدَةِ أَوْ عَنِ الْمُبْتَدَأِ الْوَاقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) الْمُخَفَّفَةِ وَهُوَ مَا حَقَّقَهُ الدَّمَامِينِيُّ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ هِشَامٍ رَأَى عَدَّ الْجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ فِي عِدَادِ الْجُمَلِ الَّتِي لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
وَالْكَلَامُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِمُقَابَلَةِ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَحْوَالِ الْكَافِرِينَ، وَوَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ.
وَهَذِهِ صِفَاتٌ ثَمَانٍ هِيَ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إِحْضَارِهِمْ بِوَصْفِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تَعْدَادِ خِصَالٍ مِنْ خِصَالِهِمْ إِطْنَابًا فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ مَقَامَ الثَّنَاءِ مَقَامُ إِطْنَابٍ، وَتَنْبِيهًا
عَلَى أَنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّلَاتِ الثَّمَانِ هِيَ مِنْ أَسْبَابِ الْكَوْنِ فِي الْجَنَّاتِ.
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَا يُشَارِكُهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِي مُعْظَمِهَا بِالْمَرَّةِ، وَبَعْضُهَا قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُرَاعُونَهُ حَقَّ مُرَاعَاتِهِ بِاطِّرَادٍ، وَذَلِكَ حِفْظُ الْأَمَانَاتِ وَالْعَهْدِ، فَالْمُشْرِكُ يَحْفَظُ الْأَمَانَةَ وَالْعَهْدَ اتِّقَاءَ مَذَمَّةِ الْخِيَانَةِ وَالْغَدْرِ، وَمَعَ أَحْلَافِهِ دُونَ أَعْدَائِهِ، وَالْمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى فِي الْكَذِبِ، وَإِذَا خَشِيَ أَنْ يُوصَمَ بِالْكَذِبِ. وَقَدْ غَدَرَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي عِدَّةِ حَوَادِثَ، وَغَدَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ الْمُشْرِكُ أَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَى كَذِبِهِ وَكَانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهَادَةَ.
وَلَمَّا كَانَ وَصْفُ الْمُصَلِّينَ غَلَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ الْآيَة [المدثر: 42، 43] ، أَتْبَعَ وَصْفَ الْمُصَلِّينَ فِي الْآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ أَيْ مُوَاظِبُونَ عَلَى صَلَاتِهِمْ لَا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أَدَائِهَا وَلَا يَتْرُكُونَهَا.
وَالدَّوَامُ عَلَى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ مَا يُعْتَبَرُ دَوَامًا فِيهِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي مَسْأَلَةِ إِفَادَةِ الْأَمْرِ التَّكْرَارَ.
(29/171)

وَفِي إِضَافَةِ (صَلَاةٍ) إِلَى ضَمِيرِ الْمُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصَاصِهَا بِهِمْ، وَهَذَا الْوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقَابِلُ وَصْفِ الْكَافِرِينَ فِي قَوْلِهِ: بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ [المعارج: 1، 2] .
وَمَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أَنْ يُقَالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ، لِقَصْدِ إِفَادَتِهَا الثَّبَاتَ تَقْوِيَةً كَمُفَادِ الدَّوَامِ.
وَإِعَادَةُ اسْمِ الْمَوْصُولِ مَعَ الصِّلَاتِ الْمَعْطُوفَةِ عَلَى قَوْلِهِ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ لِمَزِيدِ الْعِنَايَةِ بِأَصْحَابِ تِلْكَ الصِّلَاتِ.
وَتَسْمِيَةُ مَا يُعْطُونَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ بَاسْمِ حَقٌّ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا السَّائِلَ وَالْمَحْرُومَ كَالشُّرَكَاءِ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مِنْ فرط رغبتهم فِي مُوَاسَاةِ إِخْوَانِهِمْ إِذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ وَاجِبَةً وَلَمْ تَكُنِ الزَّكَاةُ قَدْ فُرِضَتْ.
وَمَعْنَى كَوْنِ الْحَقِّ مَعْلُومًا أَنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَحْسِبُونَهُ، وَيَعْلَمُهُ السَّائِلُ وَالْمَحْرُومُ بِمَا اعْتَادَ مِنْهُمْ.
وَمَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإِفَادَةِ ثَبَاتِ هَذِهِ الْخَصْلَةِ فِيهِمْ وَتَمَكُّنِهَا مِنْهُمْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ
الشُّحِّ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ غَالِبِ النَّاسِ مِنْ مُعَاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ.
وَالسَّائِلُ: هُوَ الْمُسْتَعْطِي، والْمَحْرُومِ: الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِيَاجِهِ فَلَا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَيَبْقَى كَالْمَحْرُومِ.
وَأَصْلُ الْمَحْرُومِ: الْمَمْنُوعُ مِنْ مَرْغُوبِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ [19] فِي قَوْلِهِ:
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضَادَّةُ صِفَةِ الْكَافِرِينَ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَوْلِهِ: وَجَمَعَ فَأَوْعى [المعارج: 18] .
وَالتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هُوَ الْإِيمَانُ بِوُقُوعِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، والدِّينِ: الْجَزَاءُ. وَهَذَا الْوَصْفُ مُقَابِلُ وَصْفِ الْكَافِرِينَ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً [المعارج: 6] .
وَلَمَّا كَانَ التَّصْدِيقُ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ لم يُتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَفَاوُتٌ أُتِيَ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ عَلَى الْأَصْلِ فِي صِلَةِ الْمَوْصُولِ، وَأُوثِرَ فِيهَا الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ.
وَوَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِي حَقِّ الْكَافِرِينَ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ [المعارج: 1، 2] لِأَنَّ سُؤَالَهُمْ سُؤَالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ وَمُحِيلِهِ.
(29/172)

وَالْإِشْفَاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ الْمَكْرُوهِ وَأَخْذُ الْحَذَرِ مِنْهُ.
وَصَوْغُ الصِّلَةِ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وَثَبَاتِ اتِّصَافِهِمْ بِهَذَا الْإِشْفَاقِ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ، فَمِنْ شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ مُعْتَرِضَةٌ، أَيْ غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهُمْ، وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ الْمُشْرِكِينَ الْأَمْنَ مِنْهُ إِذْ قَالُوا: وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [الشُّعَرَاء: 138] . وَوَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِي تَهْوِيلِ حَالِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْجَزَاءِ بقوله: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً [المعارج: 10] إِذْ أَخَصُّ الْأَحِمَّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ هَذَا الْهَوْلَ خَاصٌّ بِهِمْ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ يُحْبَرُونَ لِأَنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ فِي الْعِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الْأَزْوَاجِ، قَالَ تَعَالَى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67] .
وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ لَيْسَ فِي الْمُسْلِمِينَ سفاح وَلَا زنا وَلَا مُخَالَّةٌ وَلَا بِغَاءٌ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ: فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ.
وَالْعَادِي: الْمُفْسِدُ، أَيْ هُمُ الَّذِينَ أَفْسَدُوا فَاخْتَلَطَتْ أَنْسَابُهُمْ وَتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إِلَى حَصَانَةِ نِسَائِهِمْ، وَدَخَلَتِ الْفَوْضَى فِي نُظُمِ عَائِلَاتِهِمْ، وَنَشَأَتْ بَيْنَهُمُ الْإِحَنُ مِنَ الْغَيْرَةِ.
وَذِكْرُ رَعْيِ الْأَمَانَاتِ وَالْعَهْدِ لِمُنَاسَبَةِ وَصْفِ مَا يَوَدُّ الْكَافِرُ يَوْمَ الْجَزَاءِ أَنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ الْعَذَابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنْهُ رَعْيُ الْعُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا لِلْقَبِيلَةِ. وَحَسْبُكَ مِنْ تَشْوِيهِ حَالِهِ أَنَّهُ قَدْ نَكَثَ الْعُهُودَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وَكَانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، وَالْمُسْلِمُ لَمَّا كَانَ يَرْعَى الْعَهْدَ بِمَا يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جَازَاهُ اللَّهُ بِأَنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ وَدَادَةِ فِدَائِهِ نَفْسَهُ بِمَوَالِيهِ وَأَهْلِ عَهْدِهِ.
وَالْقَوْلُ فِي اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كَالْقَوْلِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
وَالرَّعْيُ: الْحِفْظُ وَالْحِرَاسَةُ. وَأَصْلُهُ رَعْيُ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ لِأَماناتِهِمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ لِأَمَانَتِهِمْ بِالْإِفْرَادِ وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ.
(29/173)

وَقَوْلُهُ: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ذُكِرَ لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الْأَمَانَاتِ إِذِ الشَّهَادَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمَانَاتِ لِأَنَّ حَقَّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَدِيعَةٌ فِي حِفْظِ الشَّاهِدِ فَإِذَا أَدَّى شَهَادَتَهُ فَكَأَنَّهُ أَدَّى أَمَانَةً لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ كَانَتْ فِي حِفْظِ الشَّاهِدِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ إِذَا طُولِبَ بِهِ الشَّاهِدُ وَاجِبًا عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا مَا دُعُوا [الْبَقَرَة: 282] .
وَالْقِيَامُ بِالشَّهَادَةِ: الِاهْتِمَامُ بِهَا وَحِفْظُهَا إِلَى أَنْ تُؤَدَّى، وَهَذَا قِيَامٌ مَجَازِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَة [3] .
وباء بِشَهاداتِهِمْ لِلْمُصَاحَبَةِ، أَيْ يَقُومُونَ مُصَاحِبِينَ لِلشَّهَادَةِ وَيَصِيرُ مَعْنَى الْبَاءِ فِي الِاسْتِعَارَةِ مَعْنَى التَّعْدِيَةِ.
فَذِكْرُ الْقِيَامِ بِالشَّهَادَةِ إِتْمَامٌ لِخِصَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقَابِلٌ مِنْ خِصَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَالْقَوْلُ فِي اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ لِأَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ إِذْ قَدْ يَكُونُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أَوْ صَدِيقًا، وَقَدْ تُثِيرُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمَرْءِ إِحْنَةً مِنْهُ وَعَدَاوَةً.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِشَهَادَتِهِمْ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهَادَاتِ الَّتِي تَحَمَّلُوهَا. وَقَرَأَ حَفْص وَيَعْقُوب بِشَهاداتِهِمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. وَذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِ جَمْعِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنَايَتِهِمْ بِالصَّلَاةِ مِنْ أَنْ يَعْتَرِيَهَا شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمَالِهَا، لِأَنَّ مَادَّةَ الْمُفَاعَلَةِ هُنَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْحِفْظِ مِثْلَ: عَافَاهُ اللَّهُ، وَقَاتَلَهُ اللَّهُ، فَالْمُحَافَظَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى اسْتِكْمَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا وَأَوْقَاتِهَا. وَإِيثَارُ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِإِفَادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الْحِفَاظِ وَعَدَمِ التَّهَاوُنِ بِهِ، وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ بَلْ فِيهَا زِيَادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الْغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإِعَادَةِ مَا يُفِيدُ عِنَايَتَهُمْ بِالصَّلَاةِ فِي كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ.
وَفِي الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الصَّلَوَاتِ تُكَفِّرُ
(29/174)

فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41)
الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «مَا يُدْرِيكُمْ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاتُهُ» .
وَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرَى هَذِهِ الصِّلَاتِ وَبَيْنَ أُولَاهَا مُحَسِّنُ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ.
وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الْخَبَرِ مَعَ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ.
وَلَمَّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفَاتُ الْجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزَائِهِمْ عَلَيْهَا بِأَنَّهُمْ مُكَرَّمُونَ فِي الْجَنَّةِ.
وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا مَا بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ أَجْلِ مَا سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [5] .
وَالْإِكْرَامُ: التَّعْظِيمُ وَحُسْنُ اللِّقَاءِ، أَيْ هُمْ مَعَ جَزَائِهِمْ بِنَعِيمِ الْجَنَّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقَاءِ وَالثَّنَاءِ، قَالَ تَعَالَى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرَّعْد: 23، 24] وَقَالَ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التَّوْبَة: 72] .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فِي جَنَّاتٍ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَقَوْلُهُ مُكْرَمُونَ خَبَرًا ثَانِيًا.
[36- 41]

[سُورَة المعارج (70) : الْآيَات 36 الى 41]
فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (40)
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41)
فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا فُرِّعَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ وَتَعْجِيبِيٌّ مِنْ تَجَمُّعِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَهْزِئِينَ بِمَا يَسْمَعُونَ مِنْ وَعْدِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ وَوَعِيدِ الْمُشْرِكِينَ بِعَذَابِ جَهَنَّمَ.
فُرِّعَ ذَلِكَ عَلَى مَا أَفَادَهُ فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج: 35] .
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا مَطْمَعَ لَهُمْ فِي دُخُول الْجنَّة فَمَاذَا يُحَاوِلُونَ بِتَجَمُّعِهِمْ حَوْلَكَ بِمَلَامِحِ اسْتِهْزَائِهِمْ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْمَقْصُودُ بِهِ إِبْلَاغُهُ إِلَيْهِمْ فِيمَا يَتْلُو عَلَيْهِمْ
(29/175)

مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ مُوَجَّهٌ إِلَيْهِمْ فِي الْمَعْنَى كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْهِيَتُهُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ فَهُوَ لَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ إِعْلَامًا لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ شَيْءٌ مُقَرَّرٌ فِي علمه.
وَمعنى فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا: أَيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا فِي حَالِ كَوْنِهِمْ عِنْدَكَ، أَوْ فِي حَالِ إِهْطَاعِهِمْ إِلَيْكَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [246] . وَتَرْكِيبُ «مَا لَهُ» لَا يَخْلُو مِنْ حَالٍ مُفْرَدَةٍ، أَوْ جُمْلَةٍ بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ تَكُونُ هِيَ مَصَبُّ الِاسْتِفْهَامِ. فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحَالُ الْمُتَوَجِّهُ إِلَيْهَا الِاسْتِفْهَامُ هُنَا الظَّرْفَ، أَيْ قِبَلَكَ فَيَكُونُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا وَصَاحِبُ الْحَال هُوَ لِ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُهْطِعِينَ، فَيَكُونُ قِبَلَكَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِ مُهْطِعِينَ. وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ هُمَا مَثَارِ التَّعْجِيبِ مِنْ حَالِهِمْ فَأَيُّهُمَا جُعِلَ مَحَلَّ التَّعْجِيبِ أُجْرِيَ الْآخَرُ الْمُجْرَى اللَّائِقَ بِهِ فِي التَّرْكِيبِ. وَكُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ اللَّامُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الَّذِينَ مَفْصُولَةً عَنْ مَدْخُولِهَا وَهُوَ رَسْمٌ نَادِرٌ.
وَالْإِهْطَاعُ: مَدُّ الْعُنُقِ عِنْدَ السَّيْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ فِي سُورَةِ الْقَمَرِ [8] .
قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَصَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ
حَوْلَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَمِعُونَ كَلَامَهُ وَيُكَذِّبُونَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَيَقُولُونَ: لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ كَمَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّهَا قَبْلَهُمْ وَلَيَكُونَنَّ لَنَا فِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا لَهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقِبَلَ: اسْمٌ بِمَعْنَى (عِنْدَ) .
وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَى مُهْطِعِينَ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّ التَّعْجِيبَ مِنْ حَالِهِمْ فِي حَضْرَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَى لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْوَقَاحَةِ.
وَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ مِثْلُ مَوْقِعِ قِبَلَكَ وَمَوْقِعُ مُهْطِعِينَ.
وَالْمَقْصُودُ: كَثْرَةُ الْجِهَاتِ، أَيْ وَارِدِينَ إِلَيْكَ.
(29/176)

وَالتَّعْرِيفُ فِي الْيَمِينِ والشِّمالِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ أَوِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ: الْإِحَاطَةُ بِالْجِهَاتِ فَاكْتُفِيَ بِذِكْرِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ، لِأَنَّهُمَا الْجِهَتَانِ اللَّتَان يغلب حلولهما، وَمِثْلُهُ قَوْلُ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ:
فَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وَأَمَامِي
يُرِيدُ: مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
وعِزِينَ حَالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وعِزِينَ: جَمَعُ عِزَةٍ بِتَخْفِيفِ الزَّايِ، وَهِيَ الْفِرْقَةُ مِنَ النَّاسِ، اسْمٌ بِوَزْنِ فِعْلَةٍ. وَأَصْلُهُ عِزْوَةٌ بِوَزْنِ كِسْوَةٍ، وَلَيْسَتْ بِوَزْنِ عِدَةٍ. وَجَرَى جَمْعُ عِزَةٍ عَلَى الْإِلْحَاقِ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَهُوَ مِنْ بَابِ سِنَةٍ مِنْ كُلِّ اسْمٍ ثُلَاثِيٍّ حُذِفَتْ لَامَهُ وَعُوِّضَ عَنْهَا هَاءَ التَّأْنِيثِ وَلَمْ يُكْسَرْ مِثْلَ عِضَةٍ (لِلْقِطْعَةِ) .
وَهَذَا التَّرْكِيبُ فِي قَوْله تَعَالَى: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ إِلَى قَوْلِهِ جَنَّةَ نَعِيمٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً تَمْثِيلِيَّةً شُبِّهَ حَالُهُمْ فِي إِسْرَاعِهِمْ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَالِ مَنْ يُظَنُّ بِهِمُ الِاجْتِمَاعُ لِطَلَبِ الْهُدَى وَالتَّحْصِيلِ عَلَى الْمَغْفِرَةِ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنْ لَا يَلْتَفَّ حَوْلَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلّا طالبوا الِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ عَلَى هَذَا مُسْتَعْمَلٌ فِي أَصْلِ مَعْنَاهُ لِأَنَّ التَّمْثِيلِيَّةَ تَجْرِي فِي مَجْمُوعِ الْكَلَامِ مَعَ بَقَاءِ كَلِمَاتِهِ عَلَى حَقَائِقِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ اسْتِفْهَامًا مُسْتَعْمَلًا فِي التَّعْجِيبِ مِنْ حَالِ إِسْرَاعِهِمْ ثُمَّ
تَكْذِيبِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ.
وَجُمْلَةُ أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ بَدَلُ اشْتِمَالٍ عَنْ جُمْلَةِ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ الْآيَةَ، لِأَنَّ الْتِفَافَهُمْ حَوْلَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ لِطَلَبِ الْهُدَى وَالنَّجَاةِ فَشُبِّهَ حَالُهُمْ بِحَالِ طَالِبِي النَّجَاةِ وَالْهُدَى فَأُورِدَ اسْتِفْهَامٌ عَلَيْهِ.
وَحَكَى الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا مُسْتَهْزِئِينَ: نَحْنُ نَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْمُسْلِمِينَ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارًا لِتَظَاهُرِهِمْ بِالطَّمَعِ فِي الْجَنَّةِ بِحَمْلِ اسْتِهْزَائِهِمْ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، أَوْ بِالتَّعْبِيرِ بِفِعْلِ
(29/177)

يَطْمَعُ عَنِ التَّظَاهُرِ بِالطَّمَعِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ [التَّوْبَة: 64] أَيْ يَتَظَاهَرُونَ بِأَنَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
وَأُسْنِدَ الطَّمَعُ إِلَى كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ دُونَ أَنْ يُقَالَ: أَيَطْمَعُونَ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، تَصْوِيرًا لِحَالِهِمْ بِأَنَّهَا حَالُ جَمَاعَةٍ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ لِتَسَاوِيهِمْ، يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ سَوَاءً فِي ذَلِكَ، فَفِي قَوْلِهِ: كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ تَقْوِيَةُ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.
ثُمَّ بُنِيَ عَلَى التَّهَكُّمِ مَا يُبْطِلُ مَا فُرِضَ لِحَالِهِمْ بِمَا بُنِيَ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ التَّهَكُّمِيُّ بِكَلِمَةِ الرَّدْعِ وَهِيَ كَلَّا أَيْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ. وَذَلِكَ انْتِقَالٌ مِنَ الْمَجَازِ إِلَى الْحَقِيقَةِ وَمِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ إِلَى تَوْبِيخِهِمْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ لَمْ يَكُنْ تَهَكُّمًا.
وَهُنَا تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى إِثْبَاتِ الْجَزَاءِ.
إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (40) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) .
كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِلِانْتِقَالِ مِنْ إِثْبَاتِ الْجَزَاءِ إِلَى الِاحْتِجَاجِ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ إِبْطَالًا لِشُبْهَتِهِمُ الْبَاعِثَةِ عَلَى إِنْكَارِهِ، وَهُوَ الْإِنْكَارُ الَّذِي ذُكِرَ إِجْمَالًا بِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً [المعارج: 6، 7] فَاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّشْأَةِ الْأُولَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ [الْوَاقِعَة: 62] فَالْخَبَرُ بِقَوْلِهِ: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ وَهُوَ إِثْبَاتُ إِعَادَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ فَنَائِهِمْ.
فَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْخِطَابِ الْمُوَجَّهِ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنْ يَبْلُغَ إِلَى أَسْمَاعِ الْمُشْرِكِينَ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَالْمَعْنَى: أَنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ حَتَّى صَارَتْ إِنْسَانًا عَاقِلًا مُنَاظِرًا فَكَذَلِكَ نُعِيدُ خَلْقَهُ بِكَيْفِيَّةٍ لَا يعلمونها.
فَمَا صدق (مَا يَعْلَمُونَ) هُوَ مَا يَعْلَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ أَنَّهُ كُوِّنَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ نُطْفَةٍ وَعَلَقَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ عَلِمُوا هَذِهِ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَأَلْهَاهُمُ التَّعَوُّدُ بِهَا عَنِ التَّدَبُّرِ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى إِمْكَانِ إِعَادَةِ الْمُكَوَّنِ مِنْهَا بِتَكْوِينٍ آخَرَ.
(29/178)

وَعُدِلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ نُطْفَةٍ، كَمَا قَالَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [الْإِنْسَان: 2] وَقَالَ: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: 77، 78] وَغَيْرُهَا مِنْ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْمَوْصُولِ فِي قَوْلِهِ: مِمَّا يَعْلَمُونَ تَوْجِيهًا لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ إِذْ جَادَلُوا وَعَانَدُوا، وَعِلْمُ مَا جَادَلُوا فِيهِ قَائِمٌ بِأَنْفُسِهِمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ [الْوَاقِعَة: 62] . وَكَانَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِمَّا يَعْلَمُونَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ يُخْلَقُونَ الْخَلْقَ الثَّانِيَ مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةَ الْأُخْرَى سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [يس: 36] وَقَالَ: وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ
[الْوَاقِعَة: 61] فَكَانَ فِي الْخَلْقِ الْأَوَّلِ سِرٌّ لَا يَعْلَمُونَهُ.
وَمَجِيءُ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مُوَكَّدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِهِمْ فِيمَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنَ الشُّبْهَةِ الْبَاطِلَةِ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ نُطْفَةٍ وَكَانُوا مَعْدُومِينَ، فَكَيْفَ أَحَالُوا إِعَادَةَ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أَنْ عدم بعض أجزائهم وَبَقِيَ بَعْضُهَا ثُمَّ أَتْبَعَ هَذِهِ الْكِنَايَةَ عَنْ إِمْكَانِ إِعَادَةِ الْخَلْقِ بِالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنَّا لَقَادِرُونَ الْآيَة.
وَجُمْلَة (لَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ) إِلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْفَاءِ وَمَا عَطَفَتْهُ.
وَالْقَسَمُ بِاللَّهِ بِعُنْوَانِ رُبُوبِيَّتِهِ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ مَعْنَاهُ: رُبُوبِيَّتُهُ الْعَالَمَ كُلَّهُ لِأَنَّ الْعَالَمَ مُنْحَصِرٌ فِي جِهَاتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا.
وَجَمْعُ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ مَطَالِعِ الشَّمْسِ وَمَغَارِبِهَا فِي فُصُولِ السَّنَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَظْهَرٌ عَجِيبٌ مِنْ مَظَاهِرِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْحَرَكَاتِ الْحَافَّةِ بِالشَّمْسِ الَّتِي هِيَ مِنْ عَظِيمِ الْمَخْلُوقَاتِ،
وَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ قَسَمٌ بِجِهَةٍ غَيْرِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ دُونَ الشَّمَالِ وَالْجَنُوبِ مَعَ أَنَّ الشَّمَالَ وَالْجَنُوبَ جِهَتَانِ مَشْهُورَتَانِ عِنْدَ الْعَرَبِ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى سُنَّةِ أَقْسَامِ الْقُرْآنِ.
وَفِي إِيثَارِ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ بِالْقَسَمِ بِرَبِّهَا رَعْيٌ لِمُنَاسَبَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِهَا لِتَمْثِيلِ الْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
(29/179)

وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ مَعَ (لَا أُقْسِمُ) عِنْدَ قَوْلِهِ: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لَا تُبْصِرُونَ فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ [38، 39] ، وَقَوْلِهِ: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ [75] .
وَقَوْلُهُ: عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَوَّلَهُمَا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلسِّيَاقِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى عَلَى أَنْ نُبَدِّلَهُمْ خَيْرًا مِنْهُمْ، أَيْ نُبَدِّلُ ذَوَاتَهُمْ خَلْقًا خَيْرًا مِنْ خَلْقِهِمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ. وَالْخَيْرِيَّةُ فِي الْإِتْقَانِ وَالسُّرْعَةِ وَنَحْوِهِمَا وَإِنَّمَا كَانَ خَلْقًا أُتْقِنَ مِنَ النَّشْأَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ خَلْقٌ مُنَاسِبٌ لِعَالَمِ الْخُلُودِ، وَكَانَ الْخَلْقُ الْأَوَّلُ مُنَاسِبًا لِعَالَمِ التَّغَيُّرِ وَالْفَنَاءِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ نُبَدِّلَ مُضَمَّنًا مَعْنَى: نُعَوِّضُ، وَيَكُونُ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِ نُبَدِّلَ ضَمِيرًا مِثْلَ ضَمِيرِ مِنْهُمْ أَيْ نُبَدِّلُهُمْ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي خَيْراً مِنْهُمْ.
وَ (مِنْ) تَفْضِيلِيَّةٌ، أَيْ خَيْرًا فِي الْخِلْقَةِ، وَالتَّفْضِيلُ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ زَمَانَيِ الْخَلْقِ الْأَوَّلِ وَالْخَلْقِ الثَّانِي، أَوِ اخْتِلَافِ عَالَمَيْهِمَا.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ نُبَدِّلَ هَؤُلَاءِ بِخَيْرٍ مِنْهُمْ، أَيْ بِأُمَّةٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَالْخَيْرِيَّةُ فِي الْإِيمَانِ، فَيَكُونُ نُبَدِّلَ عَلَى أَصْلِ مَعْنَاهُ، وَيَكُونُ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفًا مِثْلَ مَا فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ خَيْراً مَنْصُوبًا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَهُوَ بَاءُ الْبَدَلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [الْبَقَرَة: 61] ، وَيَكُونُ هَذَا تَهْدِيدًا لَهُمْ بِأَنْ سَيَسْتَأْصِلُهُمْ وَيَأْتِي بِقَوْمٍ آخَرِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر: 16] وَقَوْلُهُ: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [مُحَمَّد: 38] .
وَفِي هَذَا تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَذْكِيرٌ بِأَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِحَالِهِمْ.
وَذُيِّلَ بِقَوْلِهِ: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، وَالْمَسْبُوقُ مُسْتَعَارٌ لِلْمَغْلُوبِ عَنْ أَمْرِهِ، شُبِّهَ بِالْمَسْبُوقِ فِي الْحَلْبَةِ، أَوْ بِالْمَسْبُوقِ فِي السَّيْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ [العنكبوت: 4] ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُرَّةَ بْنِ عَدَّاءِ الْفَقْعَسِيِّ:
كَأَنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّةً ... إِذَا أَنْتَ أَدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ
يُرِيدُ: كَأَنَّكَ لَمْ تُغْلَبْ إِذَا تَدَارَكْتَ أَمْرَكَ وَأَدْرَكْتَ طِلْبَتَكَ.
(29/180)

فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)
وَ (عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ) مُتَعَلق بمسبوقين، أَيْ مَا نَحْنُ بِعَاجِزِينَ عَلَى ذَلِكَ التَّبْدِيلِ بِأَمْثَالِكُمْ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ [61] إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ.
[42- 44]

[سُورَة المعارج (70) : الْآيَات 42 إِلَى 44]
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (44)
تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تضمنه قَوْله: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ [المعارج: 36] مِنْ إِرَادَتِهِمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ وَقَوْلِهِمْ: إِنَّنَا نَدْخُلُ الْجَنَّةَ، الِاسْتِهْزَاءَ بِالْقُرْآنِ وَالنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَبَعْدَ إِبْطَالِهِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا فُرِّعَ عَنْ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ بِتَرْكِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُجْدِ فِيهِمُ الْهَدْيُ وَالِاسْتِدْلَالُ وَأَنَّهُمْ مُصِرُّونَ عَلَى الْعِنَادِ وَالْمُنَاوَاةِ.
وَمَعْنَى الْأَمْرِ بِالتَّرْكِ فِي قَوْلِهِ: فَذَرْهُمْ أَنَّهُ أَمْرٌ بِتَرْكِ مَا أَهَمَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنَادِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ مَعَ وُضُوحِ الْحُجَجِ عَلَى إِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَلَمَّا كَانَ أَكْبَرُ أَسْبَابِ إِعْرَاضِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ هُوَ خَوْضَهُمْ وَلَعِبَهُمْ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الْإِعْرَاضِ بِقَوْلِهِ:
يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا.
فَجُمْلَةُ يَخُوضُوا وَجُمْلَةُ وَيَلْعَبُوا حَالَانِ مِنَ الضَّمِيرِ الظَّاهِرِ فِي قَوْلِهِ:
فَذَرْهُمْ. وَتِلْكَ الْحَالُ قَيْدٌ لِلْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: فَذَرْهُمْ. وَالتَّقْدِيرُ: فَذَرْ خَوْضَهُمْ وَلَعِبَهُمْ وَلَا تَحْزَنْ لِعِنَادِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ.
وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ (ذَر) إِلَى ضميرهم مِنْ قَبِيلِ تَوَجُّهِ الْفِعْلِ إِلَى الذَّاتِ. وَالْمُرَادُ تُوَجُّهِهِ إِلَى بَعْضِ أَحْوَالِهَا الَّتِي لَهَا اخْتِصَاصٌ بِذَلِكَ الْفِعْلِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [الْمَائِدَة: 3] أَيْ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَكْلُهَا، وَقَوْلِهِ: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [النِّسَاء: 23] أَيْ أَنْ تَجْمَعُوهُمَا مَعًا فِي عِصْمَةِ نِكَاحٍ وَالِاعْتِمَادُ فِي هَذَا عَلَى قَرِينَةِ السِّيَاقِ كَمَا فِي الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ فِي سُورَةِ الطُّورِ [45] ، أَوْ عَلَى ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى حَالَةٍ خَاصَّةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا فِي هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَدْ يَكُونُ الْمُقَدَّرُ مُخْتَلِفًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
(29/181)

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [الْمَائِدَة: 90] إِذِ التَّقْدِيرُ: فَاجْتَنِبُوا شُرْبَ الْخَمْرِ وَالتَّقَامُرَ بِالْمَيْسِرِ وَعِبَادَةَ الْأَنْصَابِ وَالِاسْتِقْسَامَ بِالْأَزْلَامِ.
وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ هُوَ الْمُعَنْوَنُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِإِضَافَةِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ إِلَى الْأَعْيَانِ، أَوْ إِسْنَادِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إِلَى الْأَعْيَانِ، وَلِوُضُوحِ دَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى الْمُرَادِ لَمْ يَعُدُّهُ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَدْ يُتَوَسَّلُ مِنَ الْأَمْرِ بِالتَّرْكِ إِلَى الْكِنَايَةِ عَنِ التَّحْقِيرِ وَقِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ كَقَوْلِ كَبْشَةَ أُخْتِ عَمْرو بن معديكرب تُلْهَبُ أَخَاهَا عَمْرًا لِلْأَخْذِ بِثَأْرِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ قَدْ قُتِلَ:
وَدَعْ عَنْكَ عَمْرًا إِنَّ عَمْرًا مُسَالِمُ ... وَهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرٍ لِمَطْعَمِ
وَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ ذَلِكَ الْأُسْلُوبِ أَيْ لَا تَكْتَرِثْ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ دُونَ أَنْ تَصْرِفَ هِمَّتَكَ فِي شَأْنِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر: 8] .
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَذَرْهُمْ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِحُكْمِ الْقِتَالِ، وَلَا هُوَ مِنَ الْمُوَادَعَةِ وَلَا هُوَ مَنْسُوخٌ بِآيَاتِ السَّيْفِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ.
وَالْخَوْضُ: الْكَلَامُ الْكَثِيرُ، وَالْمُرَادُ خَوْضُهُمْ فِي الْقُرْآنِ وَشَأْنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ.
وَاللَّعِبُ: الْهَزْلُ وَالْهُزْءُ وَهُوَ لَعِبُهُمْ فِي تَلَقِّي الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ حُدُودِ التَّعَقُّلِ وَالْجِدِّ فِي الْأَمْرِ لِاسْتِطَارَةِ رُشْدِهِمْ حَسَدًا وَغَيْظًا وَحُنْقًا.
وَجَزْمُ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا فِي جَوَابِ الْأَمْرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي ارْتِبَاطِ خَوْضِهِمْ وَلَعِبِهِمْ بِقِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِهِمْ إِذْ مُقْتَضَى جَزْمِهِ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَدَّرَ: أَنْ تَذَرَهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا، أَيْ يَسْتَمِرُّوا فِي خَوْضِهِمْ وَلَعِبِهِمْ وَذَلِكَ لَا يَضِيرُكَ، وَمِثْلُ هَذَا الْجَزْمِ كَثِيرٌ نَحْوَ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [الجاثية: 14] وَنَحْوَ وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الْإِسْرَاء: 53] . وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَالنَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُ أَمْثَالَهُ مَجْزُومًا بِلَامِ الْأَمْرِ مُقَدَّرَةً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَقُولُ القَوْل وَهُوَ يفيت نُكْتَةَ الْمُبَالَغَةِ.
(29/182)

وَ (حَتَّى) مُتَعَلِّقَةٌ بِ (ذَرْهُمْ) لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى، أَمْهِلْهُمْ وَانْتَظِرْهُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي وُعِدُوهُ هُوَ يَوْمُ النُّشُورِ حِينَ يُجَازَوْنَ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، فَلَا يَكُونُ غَايَةً لِ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا وَالْغَايَةُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ دَوَامِ تَرْكِهِمْ.
وَإِضَافَةُ (يَوْم) إِلَى ضميرهم لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يُلاقُوا بِأَلِفٍ بَعْدَ اللَّامِ مِنَ الْمُلَاقَاةِ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ أَلِفٍ مِنَ اللِّقَاءِ.
وَاللِّقَاءُ: مُجَازٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ: فَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ هُوَ مَجَازٌ مِنْ جِهَتَيْنِ لِأَنَّ الْيَوْمَ لَا يَلْقَى وَلَا يُلْقَى. وَعَلَى قِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ هُوَ مَجَازٌ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ اللِّقَاءَ إِنَّمَا يَقَعُ بَيْنَ الذَّوَاتِ.
ويَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ بَدَلٌ مِنْ يَوْمَهُمُ لَيْسَ ظَرْفًا.
وَالْخُرُوجُ: بُرُوزُ أَجْسَادِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَخْرُجُونَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ. وَقَرَأَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّهَا عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
والْأَجْداثِ: جَمَعُ جَدَثٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْقَبْرُ، وَالْقَبْرُ: حَفِيرٌ يُجْعَلُ لِمُوَارَاةِ الْمَيِّتِ.
وَضَمِيرُ يَخْرُجُونَ عَائِدٌ إِلَى الْمُشْركين الْمخبر عَنهُ بِالْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ. وَجَمِيعُهُمْ قَدْ دُفِنُوا فِي قُبُورٍ أَوْ وُضِعُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ.
وَالنَّصْبُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ: الصَّنَمُ، وَيُقَالُ: نُصُبٌ بِضَمَّتَيْنِ، وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ نُصُبًا أَنَّهُ يُنْصَبُ لِلْعِبَادَةِ، قَالَ الْأَعْشَى:
وَذَا النُّصُبَ الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنَّهُ ... وَلَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللَّهَ فَاعْبُدَا
ويُوفِضُونَ مُضَارِعُ أَوْفَضَ، إِذَا أَسْرَعَ وَعَدَا فِي سَيْرِهِ، أَيْ كَأَنَّهُمْ ذَاهِبُونَ إِلَى صَنَمٍ، شُبِّهَ إِسْرَاعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْحَشْرِ بِإِسْرَاعِهِمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْأَصْنَامِ لِزِيَارَتِهَا لِأَنَّ لِهَذَا الْإِسْرَاعِ اخْتِصَاصًا بِهِمْ، وَفِي هَذَا التَّشْبِيهِ إِدْمَاجٌ لِتَفْظِيعِ حَالِهِمْ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِسْرَاعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِسْرَاعُ دَعٍّ، وَدَفْعٍ جَزَاءً عَلَى إِسْرَاعِهِمْ لِلْأَصْنَامِ.
(29/183)

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ نَصْبٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ وَالصَّادِ.
وَخُشُوعُ الْأَبْصَارِ اسْتِعَارَةٌ لِلنَّظَرِ إِلَى أَسْفَلَ مِنَ الذُّلِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى: 45] وَقَالَ: خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [الْقَمَر: 7] . وَأَصْلُ الْخُشُوعِ: ظُهُورُ الطَّاعَةِ أَوِ الْمَخَافَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ.
وَالرَّهَقُ: الْغَشَيَانُ، أَيْ التَّغْطِيَةُ بِسَاتِرٍ، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ هُنَا لِأَنَّ الذِّلَّةَ لَا تَغْشَى.
وَجُمْلَةُ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ فَذْلَكَةٌ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ فِي أَوَّلِ
أَغْرَاضِهَا مِنْ قَوْلِهِ: بِعَذابٍ واقِعٍ إِلَى قَوْلِهِ: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ الْآيَات [المعارج: 1- 4] ، وَهِيَ مُفِيدَةٌ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدَ جُمْلَةِ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ. وَفِيهَا مُحَسِّنُ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ.
(29/184)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

71- سُورَةُ نُوحٍ
بِهَذَا الِاسْمِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ، وَتَرْجَمَهَا الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ «صَحِيحِهِ» بِتَرْجَمَةِ «سُورَةِ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا» . وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ الشَّائِعَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ وَلَمْ يُتَرْجِمْ لَهَا التِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» .
وَهِيَ مَكِّيَّة بالِاتِّفَاقِ.
وَقد عدت الثَّالِثَةَ وَالسَّبْعِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ النَّحْلِ وَقَبْلَ سُورَةِ الطُّورِ.
وَعَدَّ الْعَادُّونَ بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ آيَهَا ثَلَاثِينَ آيَةً، وَعَدَّهَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالشَّامِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ آيَةً، وَعَدَّهَا أهل الْكُوفَة ثمانا وَعِشْرِينَ آيَةً.

أَغْرَاضُهَا
أَعْظَمُ مَقَاصِدِ السُّورَةِ ضَرْبُ الْمَثَلِ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْمِ نُوحٍ وَهُمْ أَوَّلُ الْمُشْرِكِينَ
(29/185)

إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1)
الَّذِينَ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عِقَابٌ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ أَعْظَمُ عِقَابٍ أَعْنِي الطُّوفَانَ. وَفِي ذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِحَالِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْمِهِ بِحَالِهِمْ.
وَفِيهَا تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ مِنْ دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَنَبْذِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَإِنْذَارِهِ قَوْمَهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَاسْتِدْلَالِهِ لَهُمْ بِبَدَائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَذْكِيرِهِمْ بِيَوْمِ الْبَعْثِ.
وَتَصْمِيمُ قَوْمِهِ عَلَى عِصْيَانِهِ وَعَلَى تَصَلُّبِهِمْ فِي شِرْكِهِمْ.
وَتَسْمِيَةُ الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا.
وَدَعْوَةُ نُوحٍ عَلَى قَوْمِهِ بِالِاسْتِئْصَالِ.
وَأَشَارَتْ إِلَى الطُّوفَانِ.
وَدُعَاءُ نُوحٍ بِالْمَغْفِرَةِ لَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَبِالتَّبَارِ لِلْكَافِرِينَ كُلِّهِمْ.
وَتَخَلَّلَ ذَلِكَ إِدْمَاجُ وَعْدِ الْمُطِيعِينَ بِسَعَةِ الْأَرْزَاقِ وَإِكْثَارِ النَّسْلِ ونعيم الْجنَّة.
[1]

[سُورَة نوح (71) : آيَة 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (1)
افْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِالتَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ إِذْ لَيْسَ الْمَقَامُ لِرَدِّ إِنْكَارِ مُنْكِرٍ، وَلَا دَفْعِ شَكٍّ عَنْ مُتَرَدِّدٍ فِي هَذَا الْكَلَامِ. وَكَثِيرًا مَا يَفْتَتِحُ بُلَغَاءُ الْعَرَبِ أَوَّلَ الْكَلَامِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِهَذَا الْغَرَضِ وَرُبَّمَا جَعَلُوا (إِنَّ) دَاخِلَةً عَلَى ضَمِيرِ الشَّأْنِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ الْآيَة [النَّمْل: 30، 31] .
وَذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَضَى فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِنْ مَادَّةِ النَّوْحِ.
وأَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ إِلَى آخِرِهِ هُوَ مَضْمُونُ مَا أُرْسِلَ بِهِ نُوحٌ إِلَى قَوْمِهِ، فَ أَنْ تَفْسِيرِيَّةٌ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْدَ أَرْسَلْنا. وَفِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وَمَعْنَى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أَنَّهُ يُخَوِّفُهُمْ غَضَبَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ إِذْ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ وَلَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَلَمْ يُطِيعُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُهُ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُنْذِرَهُمْ عَذَابًا يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ لِيَكُونَ إِنْذَارُهُ مُقَدَّمًا عَلَى حُلُولِ الْعَذَابِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أُمِرَ
(29/186)

قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)
بِأَنْ يُعْلِمَهُمْ بِهَذَا الْعَذَابِ، وَأَنَّ اللَّهَ وَقَّتَهُ بِمدَّة بقائهم على الشِّرْكِ بَعْدَ إِبْلَاغِ نُوحٍ إِلَيْهِمْ مَا أُرْسِلَ بِهِ فِي مُدَّةٍ يَقَعُ الْإِبْلَاغُ فِي مِثْلِهَا، فَحَذْفُ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ أَنْذِرْ لِدَلَالَةِ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح: 3] .
وَحَرْفُ مِنْ زَائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أَيْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ فَهِيَ قَبْلِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ وَتَأْكِيدُهَا بِاعْتِبَارِ تَحْقِيقِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ قَبْلِ.
وَ «قَوْمُ نُوحٍ» هُمُ النَّاسُ الَّذِينَ كَانُوا عَامِرِينَ الْأَرْضَ يَوْمَئِذٍ، إِذْ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُمْ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ وَذَلِكَ صَرِيحُ مَا فِي التَّوْرَاةِ.
وَالْقَوْمُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمْ مَوْطِنٌ وَاحِدٌ أَوْ نَسَبٌ وَاحِدٌ بِرِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ.
وَإِضَافَةُ (قَوْمٍ) إِلَى ضَمِيرِ نُوحٍ لِأَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ فَلَهُمْ مَزِيدُ اخْتِصَاصٍ بِهِ، وَلِأَنَّهُ
وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَهُمْ بَيْنَ أَبْنَاءٍ لَهُ وَأَنْسِبَاءَ فَإِضَافَتُهُمْ إِلَى ضَمِيرِهِ تَعْرِيفٌ لَهُمْ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْمٌ خَاصٌّ مِنْ أَسْمَاءِ الْأُمَمِ الْوَاقِعَةِ مِنْ بَعْدُ.
وَعُدِلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَنْذِرِ النَّاسَ إِلَى قَوْلِهِ: أَنْذِرْ قَوْمَكَ إِلْهَابًا لِنَفْسِ نُوحٍ لِيَكُونَ شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى مَا فِيهِ نَجَاتُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، فَإِنَّ فِيهِمْ أَبْنَاءَهُ وَقَرَابَتَهُ وَأَحِبَّتَهُ، وَهُمْ عَدَدٌ تَكَوَّنَ بِالتَّوَالُدِ فِي بَنِي آدَمَ فِي مُدَّةِ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ حُلُولِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْأَرْضِ. وَلَعَلَّ عَدَدَهُمْ يَوْمَ أُرْسِلَ إِلَيْهِم نُوحٍ لَا يَتَجَاوَزُ بِضْعَةَ آلَافٍ.
[2- 4]

[سُورَة نوح (71) : الْآيَات 2 الى 4]
قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)
قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى.
لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ قالَ يَا قَوْمِ بِالْفَاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ عَلَى جُمْلَةِ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [نوح: 1] لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيَانِ لِجُمْلَةِ أَنْذِرْ قَوْمَكَ [نوح: 1] لِدَلَالَتِهَا عَلَى أَنَّهُ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا أُدْمِجَ فِيهِ فِعْلُ قَوْلِ نُوحٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَقُولَ فَقَالَ، تَنْبِيهًا عَلَى مُبَادَرَةِ نُوحٍ لِإِنْذَارِ قَوْمِهِ فِي حِين يلوغ الْوَحْيِ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ بِأَنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ.
(29/187)

وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهَا اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِجَوَابِ سُؤَالِ السَّامِعِ أَنْ يَسْأَلَ مَاذَا فَعَلَ نُوحٌ حِينَ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ.
وَافْتِتَاحُ دَعْوَتِهِ قَوْمَهَ بِالنِّدَاءِ لِطَلَبِ إِقْبَالِ أَذْهَانِهِمْ وَنِدَاؤُهُمْ بِعُنْوَانِ: أَنَّهُمْ قَوْمُهُ، تَمْهِيدٌ لِقَبُولِ نُصْحِهِ إِذْ لَا يُرِيدُ الرَّجُلُ لِقَوْمِهِ إِلَّا مَا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ. وَتَصْدِيرُ دَعْوَتِهِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ يَتَرَدَّدُونَ فِي الْخَبَرِ.
وَالنَّذِيرُ: الْمُنْذِرُ غَيْرُ جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ مِثْلُ بَشِيرٍ، وَمِثْلُ حَكِيمٍ بِمَعْنَى مُحْكِمٍ، وَأَلِيمٌ بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ، وَسَمِيعٌ بِمَعْنَى مُسْمِعٍ، فِي قَوْلِ عَمْرو بن معديكرب:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [10] عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَحَذْفُ مُتَعَلِّقَ
نَذِيرٌ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ عَلَيْهِ. وَالتَّقْدِيرُ: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِنْ لَمْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَمْ تَتَّقُوهُ وَلَمْ تُطِيعُونِي.
وَالْمُبِينُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَبَانَ الْمُتَعَدِّي الَّذِي مُجَرَّدُهُ بَانَ، أَيْ مُوَضِّحٌ أَوْ مِنْ أَبَانَ الْقَاصِرِ، الَّذِي هُوَ مُرَادِفُ بَانَ الْمُجَرَّدِ، أَيْ نَذِيرٌ وَاضِحٌ لَكُمْ أَنِّي نَذِيرٌ، لِأَنِّي لَا أَجْتَنِي مِنْ دَعْوَتِكُمْ فَائِدَةً مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا فَائِدَةُ ذَلِكَ لَكُمْ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاء [109، 110] وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
وَتَقْدِيمُ لَكُمْ عَلَى عَامِلِهِ وَهُوَ نَذِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ بِتَقْدِيمِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّامُ مِنْ كَوْنِ النِّذَارَةُ لِفَائِدَتِهِمْ لَا لِفَائِدَتِهِ.
فَجَمَعَ فِي صَدْرِ دَعْوَتِهِ خَمْسَةَ مُؤَكِّدَاتٍ، وَهِيَ: النِّدَاءُ وَجَعْلُ الْمُنَادَى لَفْظَ يَا قَوْمِ الْمُضَافَ إِلَى ضَمِيرِهِ، وَافْتِتَاحُ كَلَامِهِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، وَاجْتِلَابُ لَامِ التَّعْلِيلِ، وَتَقْدِيمُ مَجْرُورِهَا.
وأَنِ فِي أَنِ اعْبُدُوا تَفْسِيرِيَّةٌ لِأَنَّ وَصْفَ نَذِيرٌ فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وَأَمْرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْهَا وَنَسُوهَا بِالتَّمَحُّضِ لِأَصْنَامِهِمْ، وَكَانَ قَوْمُ نُوحٍ مُشْرِكِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُونُسَ [71] فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ وَبِذَلِكَ كَانَ تَمْثِيلُ حَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ بِحَالِ قَوْمِ نُوحٍ تَمْثِيلًا تَامًّا.
(29/188)

وَاتِّقَاءُ اللَّهِ اتِّقَاءُ غَضَبِهِ، فَهَذَا مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِاسْمِ الذَّاتِ. وَالْمُرَادُ: حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ الذَّاتِ مِنْ بَابِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [الْمَائِدَة: 3] أَيْ أَكْلُهَا، أَيْ بِأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ بِهِ. وَطَاعَتُهُمْ لِنُوحٍ هِيَ امْتِثَالُهُمْ لِمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمْ يَكُنْ فِي شَرِيعَةِ نُوحٍ إِلَّا الدَّعْوَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ فَلَيْسَ فِي شَرِيعَتِهِ أَعْمَالٌ تُطْلَبُ الطَّاعَةُ فِيهَا، لَكِنْ لَمْ تَخْلُ شَرِيعَةٌ إِلَهِيَّةٌ مِنْ تَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ مِثْلَ قَتْلِ الْأَنْفُسِ وَسَلْبِ الْأَمْوَالِ، فَقَوْلُهُ: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ينْصَرف بادىء ذِي بَدْءٍ إِلَى ذُنُوبِ الْإِشْرَاكِ اعْتِقَادًا وَسُجُودًا.
وَجَزْمُ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ فِي جَوَابِ الْأَوَامِرِ الثَّلَاثَةِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، أَيْ إِنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ يَغْفِرِ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ. وَهَذَا وَعْدٌ بِخَيْرِ الْآخِرَةِ.
وَحَرْفُ مِنْ زَائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَةِ مِنْ فِي الْإِيجَابِ عَلَى رَأْيِ كَثِيرٍ مِنْ أَيِمَّةِ النَّحْوِ مِثْلَ الْأَخْفَشِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَابْنِ جِنِّي مِنَ الْبَصْرِيِّينَ وَهُوَ قَوْلُ الْكِسَائِيِّ
وَجَمِيعُ نُحَاةِ الْكُوفَةِ. فَيُفِيدُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ فِي شَرِيعَةِ نُوحٍ مِثْلَ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ وَهُوَ اخْتِيَار التفتازانيّ، أَيْ يَغْفِرْ لَكُمْ بَعْضَ ذُنُوبِكُمْ، أَيْ ذُنُوبَ الْإِشْرَاكِ وَمَا مَعَهُ، فَيَكُونُ الْإِيمَانُ فِي شَرْعِ نُوحٍ لَا يَقْتَضِي مَغْفِرَةَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ السَّابِقَةِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ تَمَاثُلُ الشَّرَائِعِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ، وَمَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ مِنْ تَفَارِيعِ الدِّينِ وَلَيْسَتْ مِنْ أُصُولِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنَى التَّبْعِيضِ: مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ السَّابِقَةِ دُونَ مَا يُذْنِبُونَ مِنْ بَعْدُ. وَهَذَا يَتِمُّ وَيَحْسُنُ إِذَا قَدَّرْنَا أَنَّ شَرِيعَةَ نُوحٍ تَشْتَمِلُ عَلَى أَوَامِرَ وَمَنْهِيَّاتٍ عَمَلِيَّةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ اقْتِصَادًا فِي الْكَلَامِ بِالْقَدْرِ الْمُحَقَّقِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَهُوَ وَعْدٌ بِخَيْرٍ دُنْيَوِيٍّ يَسْتَوِي النَّاسُ فِي رَغْبَتِهِ، وَهُوَ طُولُ الْبَقَاءِ فَإِنَّهُ مِنَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ لِأَنَّ فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ حُبُّ الْبَقَاءِ فِي الْحَيَاةِ عَلَى مَا فِي الْحَيَاةِ مِنْ عَوَارِضَ وَمُكَدِّرَاتٍ. وَهَذَا نَامُوسٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ لِتَجْرِيَ أَعْمَالُ النَّاسِ عَلَى مَا يُعِينُ عَلَى حِفْظِ النَّوْعِ. قَالَ الْمَعَرِّيُّ:
وَكُلٌّ يُرِيدُ الْعَيْشَ وَالْعَيْشُ حَتْفُهُ ... وَيَسْتَعْذِبُ اللَّذَّاتِ وَهْيَ سِمَامُ
وَالتَّأْخِيرُ: ضِدُّ التَّعْجِيلِ، وَقَدْ أُطْلِقَ التَّأْخِيرُ عَلَى التمديد والتوسيع فِي أَجْلِ الشَّيْءِ.
(29/189)

وَقَدْ أَشْعَرَ وَعْدُهُ إِيَّاهُمْ بِالتَّأْخِيرِ أَنَّهُ تَأْخِيرُ مَجْمُوعِهِمْ، أَيْ مَجْمُوعُ قَوْمِهِ لِأَنَّهُ جُعِلَ جَزَاءً لِكُلِّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ مِنْهُمْ وَاتَّقَاهُ وَأَطَاعَ الرَّسُولَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَنْذَرَهُمْ فِي خِلَالِ ذَلِكَ بِاسْتِئْصَالِ الْقَوْمِ كُلِّهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [نوح: 1] كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَكَمَا يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ [38] وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ أَيْ سَخِرُوا مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي يَصْنَعُ الْفُلْكَ لِلْوِقَايَةِ مِنْهُ وَهُوَ أَمْرُ الطُّوفَانِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ التَّأْخِيرَ الْمُرَادَ هُنَا هُوَ عَدَمُ اسْتِئْصَالِهِمْ. وَالْمَعْنَى: وَيُؤَخَّرُ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَهُوَ آجَالُ إِشْخَاصِهِمْ وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ.
وَالْأَجَلُ الْمُسَمَّى: هُوَ الْأَجَلُ الْمُعَيَّنُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ عِنْدَ خِلْقَةِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَالتَّنْوِينُ فِي أَجَلٍ لِلنَّوْعِيَّةِ، أَيِ الْجِنْسِ، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى آجَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِعَدَدِ أَصْحَابِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الْحَج: 5] .
وَمَعْنَى مُسَمًّى أَنَّهُ مُحَدَّدٌ مُعَيَّنٌ وَهُوَ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ فِي
سُورَةِ الْأَنْعَامِ [2] .
فَالْأَجَلُ الْمُسَمَّى: هُوَ عُمُرُ كُلِّ وَاحِدٍ، الْمُعَيَّنُ لَهُ فِي سَاعَةِ خَلْقِهِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ
فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ الْمَلَكَ يُؤْمَرُ بِكَتْبِ أجل الْمَخْلُوق عِنْد مَا يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ»
، وَاسْتُعِيرَتِ التَّسْمِيَةُ لِلتَّعْيِينِ لِشَبَهِ عَدَمِ الِاخْتِلَاطِ بَيْنَ أَصْحَابِ الْآجَالِ.
وَالْمَعْنَى: وَيُؤَخِّرُكُمْ فَلَا يُعَجِّلُ بِإِهْلَاكِكُمْ جَمِيعًا فَيُؤَخِّرُ كُلَّ أَحَدٍ إِلَى أَجْلِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ عَلَى تَفَاوُتِ آجَالِهِمْ.
فَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ نَظِيرُ مَعْنَى آيَةِ سُورَةِ هُودٍ [3] وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَهِيَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، أَيْ تَعْلِيلًا لِلرَّبْطِ الَّذِي بَيْنَ الْأَمْرِ وَجَزَائِهِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ إِلَى قَوْلِهِ: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَخْ لِأَنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَجَوَابِهِ يُعْطِي بِمَفْهُومِهِ مَعْنَى: إِنْ لَا تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تَتَّقُوهُ وَلَا تُطِيعُونِي لَا يَغْفِرْ لَكُمْ وَلَا يُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَعُلِّلَ هَذَا
(29/190)

الرَّبْطُ وَالتَّلَازُمُ بَيْنَ هَذَا الشَّرْطِ الْمُقَدَّرِ وَبَيْنَ جَزَائِهِ بِجُمْلَةِ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ، أَيْ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لِحُلُولِ الْعَذَابِ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ وَلَمْ تُطِيعُونِ إِذَا جَاءَ إِبَّانُهُ بِاسْتِمْرَارِكُمْ عَلَى الشِّرْكِ لَا يَنْفَعُكُمُ الْإِيمَانُ سَاعَتَئِذٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [يُونُس: 98] ، فَيَكُونُ هَذَا حَثًّا عَلَى التَّعْجِيلِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ.
فَالْأَجَلُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ غَيْرُ الْأَجَلِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ:
وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُنَاسِبُ ذَلِكَ قَوْلَهُ عَقِبَهُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْمُقْتَضِي أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِآجَالِ الْأُمَمِ الْمُعَيَّنَةِ لِاسْتِئْصَالِهِمْ، وَأَمَّا عَدَمُ تَأْخِيرِ آجَالِ الْأَعْمَارِ عِنْدَ حُلُولِهَا فَمَعْلُومٌ لِلنَّاسِ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْأَوَّلِينَ. وَفِي إِضَافَةِ أَجَلٍ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْأَجَلُ الْمُعْتَادُ بَلْ هُوَ أَجَلٌ عَيَّنَهُ اللَّهُ لِلْقَوْمِ إِنْذَارًا لَهُمْ لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ تَحْدِيدِ غَايَةِ تَأْخِيرِهِمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، أَيْ دُونَ تَأْخِيرِهِمْ تَأْخِيرًا مُسْتَمِرًّا فَيَسْأَلُ السَّامِعُ فِي نَفْسِهِ عَنْ عِلَّةِ تَنْهِيَةِ تَأْخِيرِهِمْ بِأَجَلٍ آخَرَ فَيَكُونُ أَجَلُ اللَّهِ غَيْرُ الْأَجَلِ الَّذِي فِي
قَوْلِهِ: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِكِلَا الْأَجَلَيْنِ: الْأَجَلُ الْمُفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [نوح: 1] فَإِنَّ لَفْظَ قَبْلِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْعَذَابَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ غَيْرِ بَعِيدٍ فَلَهُ أَجَلٌ مُبْهَمٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، وَالْأَجَلُ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَيَكُونُ أَجَلُ اللَّهِ صَادِقًا عَلَى الْأَجَلِ الْمُسَمَّى وَهُوَ أَجَلُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْقَوْمِ.
وَإِضَافَتُهُ إِلَى اللَّهِ إِضَافَةُ كَشْفٍ، أَيِ الْأَجَلُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ.
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضُ بَيْنَ قَوْلِهِ: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَبَيْنَ قَوْلِهِ: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ إِمَّا لِاخْتِلَافِ الْمُرَادِ بِلَفْظَيِ (الْأَجَلِ) فِي قَوْلِهِ: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَقَوْلِهِ: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ، وَإِمَّا لاخْتِلَاف معنيي الْمَجِيء ومعنيي التَّأْخِيرِ فِي قَوْلِهِ: إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ فَانْفَكَّتْ جِهَةُ التَّعَارُضِ.
(29/191)

أَمَّا مَسْأَلَةُ تَأْخِيرِ الْآجَالِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْأَعْمَارِ وَالنَّقْصِ مِنْهَا وَتَوْحِيدِ الْأَجَلِ عِنْدَنَا وَاضْطِرَابِ أَقْوَالِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي هَلْ لِلْإِنْسَانِ أَجَلٌ وَاحِدٌ أَوْ أَجَلَانِ فَتِلْكَ قَضِيَّةٌ أُخْرَى تَرْتَبِطُ بِأَصْلَيْنِ: أَصْلِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ بِمَا سَيَكُونُ، وَأَصْلِ تَقْدِيرِ اللَّهِ لِلْأَسْبَابِ وَتَرَتُّبِ مُسَبَّبَاتُهَا عَلَيْهَا.
فَأَمَّا مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ قَالَ تَعَالَى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [فاطر: 11] أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَالنَّاسُ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ.
وَأَمَّا وُجُودُ الْأَسْبَابِ كُلِّهَا كَأَسْبَابِ الْحَيَاةِ، وَتَرَتُّبِ مُسَبَّبَاتِهَا عَلَيْهَا فَيَتَغَيَّرُ بِإِيجَادِ اللَّهِ مُغَيِّرَاتٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةٌ إِكْرَامًا لِبَعْضِ عِبَادِهِ أَوْ إِهَانَةً لِبَعْضٍ آخَرَ.
وَفِي الْحَدِيثِ صَدَقَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ.
وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ مَقْبُولٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ فِي عُمُرِهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ.
وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ. فَآجَالُ الْأَعْمَارِ الْمُحَدَّدَةِ بِالزَّمَانِ أَوْ بِمِقْدَارِ قُوَّةِ الْأَعْضَاء وتناسب حركاتها قَابِلَةٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. وَآجَالُ الْعُقُوبَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُحَدَّدَةِ بِحُصُولِ الْأَعْمَالِ الْمُعَاقَبِ عَلَيْهَا بِوَقْتٍ قَصِيرٍ أَوْ فِيهِ مُهْلَةٌ غَيْرُ قَابِلَةٍ للتأخير وَهِي مَا صدق قَوْلُهُ: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرَّعْد: 39] عَلَى أَظْهَرِ التَّأْوِيلَاتِ فِيهِ وَمَا فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ لَا يُخَالِفُ مَا يَحْصُلُ فِي الْخَارِجِ.
فَالَّذِي رَغَّبَ نُوحٌ قَوْمَهُ فِيهِ هُوَ سَبَبُ تَأْخِيرِ آجَالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ فَلَوْ فَعَلُوهُ تَأَخَّرَتْ آجَالُهُمْ
وَبِتَأْخِيرِهَا يَتَبَيَّنُ أَنْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ نُوحٌ وَأَنَّ آجَالَهُمْ تَطُولُ، وَإِذْ لَمْ يَفْعَلُوهُ فَقَدْ كَشَفَ لِلنَّاسِ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ نُوحٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَاطِعُ آجَالِهِمْ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى
قَوْلُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ»
، وَقَدِ اسْتَعْصَى فَهْمُ هَذَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَخَلَطُوا بَيْنَ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَمَا أَظْهَرَهُ قَدَرُ اللَّهَ فِي الْخَارِجِ الْوُجُودِيِّ.
وَفِي إِقْحَامِ فِعْلِ كُنْتُمْ قَبْلَ تَعْلَمُونَ إيذان بِأَن علمهمْ بِذَلِكَ الْمُنْتَفِي لِوُقُوعِهِ شَرْطًا لِحَرْفِ لَوْ مُحَقَّقٌ انْتِفَاؤُهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ فِي سُورَةِ يُونُسَ
(29/192)

قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6)
وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَا يُؤَخَّرُ. وَالتَّقْدِيرُ: لَأَيْقَنْتُمْ أَنَّهُ لَا يُؤَخر.
[5- 6]

[سُورَة نوح (71) : الْآيَات 5 إِلَى 6]
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (6)
جُرِّدَ فِعْلُ قالَ هُنَا، مِنَ الْعَاطِفِ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ جَوَابِ نُوحٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُ أَنْذِرْ قَوْمَكَ [نوح: 1] عُومِلَ مُعَامَلَةَ الْجَوَابِ الَّذِي يُتَلَقَّى بِهِ الْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَاوَرَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [30] ، تَنْبِيهًا عَلَى مُبَادَرَةِ نُوحٍ بِإِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ إِلَى قَوْمِهِ وَتَمَامِ حِرْصِهِ فِي ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: لَيْلًا وَنَهاراً وَحُصُولِ يَأْسِهِ مِنْهُمْ، فَجَعَلَ مُرَاجَعَتَهُ رَبَّهُ بَعْدَ مُهْلَةٍ مُسْتَفَادَةٍ مِنْ قَوْلِهِ: لَيْلًا وَنَهاراً بِمَنْزِلَةِ الْمُرَاجَعَةِ فِي الْمَقَامِ الْوَاحِدِ بَيْنَ الْمُتَحَاوِرِينَ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ قالَ رَبِّ إِلَخْ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ السَّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَعْرِفَةَ مَاذَا أَجَابَ قَوْمُ نُوحٍ دَعْوَتَهُ فَكَانَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَيَانُ مَا يَتَرَقَّبُهُ السَّامِعُ مَعَ زِيَادَةِ مُرَاجَعَةِ نُوحٍ رَبَّهُ تَعَالَى.
وَهَذَا الْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ وَهُوَ الشِّكَايَةُ وَالتَّمْهِيدُ لِطَلَبِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ عَالِمٌ بِمَدْلُولِ الْخَبَرِ. وَذَلِكَ مَا سَيُفْضِي إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً الْآيَات [نوح: 26] .
وَفَائِدَةُ حِكَايَةِ مَا نَاجَى بِهِ نُوحٌ رَبَّهُ إِظْهَارُ تَوَكُّلِهِ عَلَى اللَّهِ، وَانْتِصَارُ اللَّهِ لَهُ، وَالْإِتْيَانُ عَلَى مُهِمَّاتٍ مِنَ الْعِبْرَةِ بِقِصَّتِهِ، بِتَلْوِينٍ لِحِكَايَةِ أَقْوَالِهِ وَأَقْوَالِ قَوْمِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ لَهُ. وَتِلْكَ ثَمَانِ مَقَالَاتٍ هِيَ:
1- أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ إِلَخ [نوح: 1] .
2- قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ إِلَخْ [نُوحٌ: 2] .
3- قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إِلَخ [نوح: 5] .
4- فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِلَخ [نوح: 10] .
5- قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي إِلَخ [نوح: 21] .
6-
(29/193)

وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا إِلَخ [نوح: 24] .
7- وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَخ [نوح: 26] .
8- رَبِّ اغْفِرْ لِي إِلَخ [نوح: 28] .
وَجَعَلَ دَعْوَتَهُ مَظْرُوفَةً فِي زَمَنَيِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى عَدَمِ الْهَوَادَةِ فِي حِرْصِهِ عَلَى إِرْشَادِهِمْ، وَأَنَّهُ يَتَرَصَّدُ الْوَقْتَ الَّذِي يَتَوَسَّمُ أَنَّهُمْ فِيهِ أَقْرَبُ إِلَى فَهْمِ دَعْوَتِهِ مِنْهُمْ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَوْقَاتِ النَّشَاطِ وَهِيَ أَوْقَاتُ النَّهَارِ، وَمِنْ أَوْقَاتِ الْهَدُوِّ وَرَاحَةِ الْبَالِ وَهِيَ أَوْقَاتُ اللَّيْلِ.
وَمَعْنَى فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً أَنَّ دُعَائِي لَهُمْ بِأَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَبِطَاعَتِهِمْ لِي لَمْ يَزِدْهُمْ مَا دَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ إِلَّا بُعْدًا مِنْهُ، فَالْفِرَارُ مُسْتَعَارٌ لِقُوَّةِ الْإِعْرَاضِ، أَيْ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِيَّاهُمْ قُرْبًا مِمَّا أَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ.
وَاسْتِثْنَاءُ الْفِرَارِ مِنْ عُمُومِ الزِّيَادَاتِ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ. وَالتَّقْدِيرُ: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي قُرْبًا مِنَ الْهُدَى لَكِنْ زَادَهُمْ فِرَارًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ [هود: 63] .
وَإِسْنَادُ زِيَادَةِ الْفِرَارِ إِلَى الدُّعَاءِ مَجَازٌ لِأَنَّ دُعَاءَهُ إِيَّاهُمْ كَانَ سَبَبًا فِي تَزَايُدِ إِعْرَاضِهِمْ وَقُوَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِشِرْكِهِمْ.
وَهَذَا مِنَ الْأُسْلُوبِ الْمُسَمَّى فِي عِلْمِ الْبَدِيعِ تَأْكِيدُ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ، أَوْ تَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ، وَهُوَ هُنَا تَأْكِيدُ إِعْرَاضِهِمُ الْمُشَبَّهِ بِالِابْتِعَادِ بِصُورَةٍ تُشْبِهُ ضِدَّ الْإِعْرَاضِ.
وَلَمَّا كَانَ فِرَارُهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ ثَابِتًا لَهُمْ مِنْ قَبْلُ كَانَ قَوْلُهُ: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً مِنْ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ.
وَتَصْدِيرُ كَلَامِ نُوحٍ بِالتَّأْكِيدِ لِإِرَادَةِ الاهتمام بالْخبر.
[7]

[سُورَة نوح (71) : آيَة 7]
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
(29/194)

(7)
كُلَّما مُرَكَّبَةٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ كَلِمَةِ (كُلَّ) وَهِيَ اسْمٌ يَدُلُّ عَلَى اسْتِغْرَاقِ أَفْرَادِ مَا تُضَافُ هِيَ إِلَيْهِ، وَكَلِمَةِ (مَا) الْمَصْدَرِيَّةِ وَهِيَ حَرْفٌ يُفِيدُ أَنَّ الْجُمْلَةَ بَعْدَهُ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ. وَقَدْ يُرَادُ بِذَلِكَ الْمَصْدَرِ زَمَانُ حُصُولِهِ فَيَقُولُونَ (مَا) ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنِ اسْمِ الزَّمَانِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَمْ يُظْهِرُوا مَخِيلَةً مِنَ الْإِصْغَاءِ إِلَى دَعْوَتِهِ وَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الْإِعْرَاضِ وَالصُّدُودِ عَنْ دَعْوَتِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلِذَلِكَ جَاءَ بِكَلِمَةِ كُلَّما الدَّالَّةِ عَلَى شُمُولِ كُلِّ دَعْوَةٍ مِنْ دَعَوَاتِهِ مُقْتَرِنَةً بِدَلَائِلِ الصَّدِّ عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [الْبَقَرَة: 20] .
وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ دَعَوْتُهُمْ لِدَلَالَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [نوح: 3] .
وَالتَّقْدِيرُ: كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ إِلَى عِبَادَتِكَ وَتَقْوَاكَ وَطَاعَتِي فِيمَا أَمَرْتُهُمْ بِهِ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِتَغْفِرَ لَامُ التَّعْلِيلِ، أَيْ دَعَوْتُهُمْ بِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ فَهُوَ سَبَبُ الْمَغْفِرَةِ، فَالدَّعْوَةُ إِلَيْهِ مُعَلَّلَةٌ بِالْغُفْرَانِ.
وَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: كُلَّما دَعَوْتُهُمْ بِفِعْلِ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفُ زَمَانٍ.
وَجُمْلَةُ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ خَبَرُ (إِنَّ) وَالرَّابِطُ ضَمِيرُ دَعَوْتُهُمْ.
وَجَعْلُ الْأَصَابِعِ فِي الْآذَانِ يَمْنَعُ بُلُوغَ أَصْوَاتِ الْكَلَامِ إِلَى الْمَسَامِعِ.
وَأُطْلِقَ اسْمُ الْأَصَابِعِ عَلَى الْأَنَامِلِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ بِعَلَاقَةِ الْبَعْضِيَّةِ فَإِنَّ الَّذِي يُجْعَلُ فِي الْأُذُنِ الْأَنْمُلَةُ لَا الْأُصْبُعُ كُلُّهُ فَعَبَّرَ عَنِ الْأَنَامِلِ بِالْأَصَابِعِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي إِرَادَةِ سَدِّ الْمَسَامِعِ بِحَيْثُ لَوْ أَمْكَنَ لَأَدْخَلُوا الْأَصَابِعَ كُلَّهَا، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [19] .
وَاسْتِغْشَاءُ الثِّيَابِ: جَعْلُهَا غِشَاءً، أَيْ غِطَاءً عَلَى أَعْيُنِهِمْ، تَعْضِيدًا لِسَدِّ آذَانِهِمْ بِالْأَصَابِعِ لِئَلَّا يَسْمَعُوا كَلَامَهُ وَلَا يَنْظُرُوا إِشَارَاتِهِ. وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ الْغِشَاءُ عَلَى غِطَاءِ الْعَيْنَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [الْبَقَرَة: 7] . وَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِي اسْتَغْشَوْا
لِلْمُبَالَغَةِ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَعْلُ الْأَصَابِعِ فِي الْآذَانِ وَاسْتِغْشَاءُ الثِّيَابِ هُنَا حَقِيقَةً بِأَنْ
(29/195)

ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)
يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ عَادَاتِ قَوْمِ نُوحٍ إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يُظْهِرَ كَرَاهِيَةً لِكَلَامِ مَنْ يَتَكَلَّمُ مَعَهُ أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَيَجْعَلَ مِنْ ثَوْبِهِ سَاتِرًا لِعَيْنَيْهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِحَالِهِمْ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ قَبُولِ كَلَامِهِ وَرُؤْيَةِ مَقَامِهِ بِحَالِ مَنْ يَسُكُّ سَمْعَهُ بِأَنْمُلَتَيْهِ وَيَحْجُبُ عَيْنَيْهِ بِطَرْفِ ثَوْبِهِ.
وَجُعِلَتِ الدَّعْوَةُ مُعَلَّلَةً بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُمْ لِأَنَّهَا دَعْوَةٌ إِلَى سَبَبِ الْمَغْفِرَةِ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَطَاعَةُ أَمْرِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ.
وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ وَتَعَجُّبٌ مِنْ خَلْقِهِمْ إِذْ يُعْرِضُونَ عَنِ الدَّعْوَةِ لِمَا فِيهِ نَفْعُهُمْ فَكَانَ مُقْتَضَى الرَّشَادِ أَنْ يَسْمَعُوهَا وَيَتَدَبَّرُوهَا.
وَالْإِصْرَارُ: تَحْقِيقُ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّرِّ وَهُوَ الشَّدُّ عَلَى شَيْءٍ وَالْعَقْدُ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [135] .
وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ أَصَرُّوا لِظُهُورِهِ، أَيْ أَصَرُّوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ.
وَاسْتَكْبَرُوا مُبَالَغَةٌ فِي تَكَبَّرُوا، أَيْ جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ يَأْتَمِرُوا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ [هود: 27] .
وَتَأْكِيدُ اسْتَكْبَرُوا بِمَفْعُولِهِ الْمُطْلَقِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَمَكُّنِ الِاسْتِكْبَارِ. وَتَنْوِينُ اسْتِكْباراً لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ اسْتِكْبَارًا شَدِيدًا لَا يَفَلُّهُ حدّ الدعْوَة.
[8- 12]

[سُورَة نوح (71) : الْآيَات 8 إِلَى 12]
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (12)
ارْتَقَى فِي شَكْوَاهُ وَاعْتِذَارِهِ بِأَنَّ دَعْوَتَهُ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْحَالَاتِ فِي الْقَوْلِ مِنْ جَهْرٍ وَإِسْرَارٍ، فَعَطْفُ الْكَلَامِ بِ ثُمَّ الَّتِي تُفِيدُ فِي عَطْفِهَا الْجُمَلَ أَنَّ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ
(29/196)

الْمَعْطُوفَةِ أَهَمُّ مِنْ مَضْمُونِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ اخْتِلَافَ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ أَلْصَقُ بِالدَّعْوَةِ مِنْ أَوْقَاتِ
إِلْقَائِهَا لِأَنَّ الْحَالَةَ أَشَدُّ مُلَابَسَةً بِصَاحِبِهَا مِنْ مُلَابَسَةِ زَمَانِهِ. فَذَكَرَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ جِهَارًا، أَيْ عَلَنًا.
وَجِهَارٌ: اسْمُ مَصْدَرِ جَهَرَ، وَهُوَ هُنَا وَصْفٌ لِمَصْدَرِ دَعَوْتُهُمْ، أَيْ دَعْوَةً جِهَارًا.
وَارْتَقَى فَذَكَرَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ أَقْوَى فِي الدَّعْوَةِ وَأَغْلَظُ مِنْ إِفْرَادِ إِحْدَاهُمَا. فَقَوْلُهُ: أَعْلَنْتُ لَهُمْ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ذُكِرَ لِيُبْنَى عَلَيْهِ عَطْفُ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَوَخَّى مَا يَظُنُّهُ أَوْغَلَ إِلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ صِفَاتِ الدَّعْوَةِ، فَجَهَرَ حِينَ يَكُونُ الْجَهْرُ أَجْدَى مِثْلَ مَجَامِعِ الْعَامَّةِ، وَأَسَرَّ لِلَّذِينَ يَظُنُّهُمْ مُتَجَنِّبِينَ لَوْمَ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي التَّصَدِّي لِسَمَاعِ دَعْوَتِهِ وَبِذَلِكَ تَكُونُ ضَمَائِرُ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ دَعَوْتُهُمْ، وَقَوْلِهِ: أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ مُوَزَّعَةً عَلَى مُخْتَلَفِ النَّاسِ.
وَانْتَصَبَ جِهاراً بِالنِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِنَوْعِ الدَّعْوَةِ.
وَانْتَصَبَ إِسْراراً عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُفِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أَيْ إِسْرَارًا خَفِيًّا.
وَوَجْهُ تَوْكِيدِ الْإِسْرَارِ أَنَّ إِسْرَارَ الدَّعْوَةِ كَانَ فِي حَالِ دَعْوَتِهِ سَادَتَهُمْ وَقَادَتَهُمْ لِأَنَّهُمْ يَمْتَعِضُونَ مِنْ إِعْلَانِ دَعَوْتِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ.
وَفَصَّلَ دَعْوَتَهُ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ فَقَالَ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ فَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي قَالَهُ لَهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا وَجِهَارًا وَإِسْرَارًا.
وَمَعْنَى اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، ءامنوا إِيمَانًا يَكُونُ اسْتِغْفَارًا لِذَنْبِكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ.
وَعَلَّلَ ذَلِكَ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالْغُفْرَانِ صِفَةً ثَابِتَةً تَعَهَّدَ اللَّهُ بِهَا لِعِبَادِهِ الْمُسْتَغْفِرِينَ، فَأَفَادَ التَّعْلِيلَ بِحَرْفِ (إِنَّ) وَأَفَادَ ثُبُوتَ الصِّفَةِ لِلَّهِ بِذِكْرِ فِعْلِ كانَ وَأَفَادَ كَمَالَ غُفْرَانِهِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ بِقَوْلِهِ غَفَّاراً.
(29/197)

وَهَذَا وَعْدٌ بِخَيْرِ الْآخِرَةِ ورتب عَلَيْهِ وَعدا بِخَيْرِ الدُّنْيَا بِطَرِيقِ جَوَابِ الْأَمْرِ، وَهُوَ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ الْآيَةَ.
وَكَانُوا أَهْلَ فِلَاحَةٍ فَوَعَدَهُمْ بِنُزُولِ الْمَطَرِ الَّذِي بِهِ السَّلَامَةُ مِنَ الْقَحْطِ وَبِالزِّيَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ.
والسَّماءَ: هُنَا الْمَطَرُ، وَمِنْ أَسْمَاءِ الْمَطَرِ السَّمَاءُ.
وَفِي حَدِيث «الْمُوَطَّأ» و «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ»
الْحَدِيثَ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ:
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
وَالْمِدْرَارُ: الْكَثِيرَةُ الدَّرِّ وَالدُّرُورِ، وَهُوَ السَّيَلَانُ، يُقَالُ: دَرَّتِ السَّمَاءُ بِالْمَطَرِ، وَسَمَاءٌ مِدْرَارٌ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ يَتْبَعَ بَعْضُ الْأَمْطَارِ بَعْضًا.
وَمِدْرَارٌ، زِنَةُ مُبَالَغَةٍ، وَهَذَا الْوَزْنُ لَا تَلْحَقُهُ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ إِلَّا نَادِرًا كَمَا فِي قَوْلِ سَهْلِ بْنِ مَالِكٍ الْفَزَارِيِّ:
أَصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَةَ فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْحَقُ التَّاءُ هُنَا مَعَ أَنَّ اسْمَ السَّمَاءِ مُؤَنَّثٌ.
وَالْإِرْسَالُ: مُسْتَعَارٌ لِلْإِيصَالِ وَالْإِعْطَاءِ، وَتَعْدِيَتُهُ بِ عَلَيْكُمْ لِأَنَّهُ إِيصَالٌ مِنْ عُلُوٍّ كَقَوْلِهِ: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ [الْفِيل: 3] .
و (أَمْوَال) : جَمْعُ مَالٍ وَهُوَ يَشْمَلُ كُلَّ مَكْسَبٍ يَبْذُلُهُ الْمَرْءُ فِي اقْتِنَاءِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْجَنَّاتِ فِي قَوْلِهِ: وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ النَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ، لِأَنَّ الْجَنَّاتِ تَحْتَاجُ إِلَى السَّقْيِ.
وَإِعَادَةُ فِعْلِ يَجْعَلْ بَعْدَ وَاوِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً لِلتَّوْكِيدِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْمَعْطُوفِ لِأَنَّ الْأَنْهَارَ قِوَامُ الْجَنَّاتِ وَتَسْقِي الْمَزَارِعَ وَالْأَنْعَامَ.
(29/198)

مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)
وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ اللَّهَ يُجَازِي عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ بِطِيبِ الْعَيْشِ قَالَ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [النَّحْل: 97] وَقَالَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الْأَعْرَاف: 96] وَقَالَ:
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ مَاء غَدَقاً [الجنّ: 16] .
[13- 14]

[سُورَة نوح (71) : الْآيَات 13 إِلَى 14]
مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (14)
بَدَّلَ خِطَابَهُ مَعَ قَوْمِهِ مِنْ طَرِيقَةِ النُّصْحِ وَالْأَمْرِ إِلَى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ:
مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً.
وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ صُورَتُهُ صُورَةُ السُّؤَالِ عَنْ أَمْرٍ ثَبَتَ لَهُمْ فِي حَالِ انْتِفَاءِ رَجَائِهِمْ تَوْقِيرَ اللَّهِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ يَثْبُتُ لَهُمْ صَارِفٌ عَنْ تَوْقِيرِ اللَّهِ فَلَا عُذْرَ لَكُمْ فِي عَدَمِ تَوْقِيرِهِ.
وَجُمْلَةُ لَا تَرْجُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ، وَكَلِمَةُ (مَا لَكَ) وَنَحْوُهَا تُلَازِمُهَا حَالٌ بَعْدَهَا نَحْوَ فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر: 49] .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَفِي تَعَلُّقِ مَعْمُولَاتِهِ بِعَوَامِلِهِ عَلَى أَقْوَالٍ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إِلَى إِبْقَاءِ مَعْنَى الرَّجَاءِ عَلَى مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ تَرَقُّبُ الْأَمْرِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْوَقَارِ عَلَى الْمُتَعَارَفِ وَهُوَ الْعَظَمَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْإِجْلَالِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إِلَى تَأْوِيلِ مَعْنَى الرَّجَاءِ، وَبَعْضُهَا إِلَى تَأْوِيلِ مَعْنَى الْوَقَارِ، وَيَتَرَكَّبُ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ وَمِنَ التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ فِي كِلَيْهِمَا، أَوْ أَنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ فِي أَحَدِهِمَا مَعَ إِبْقَاءِ الْآخَرِ عَلَى ظَاهِرِ مَعْنَاهُ.
فَعَلَى حَمْلِ الرَّجَاءِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ الظَّاهِرِ وَحَمْلِ الْوَقَارِ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءُ ابْن أَبِي رَبَاحٍ وَابْنُ كَيْسَانَ: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ ثَوَابًا مِنَ اللَّهِ وَلَا تَخَافُونَ عِقَابًا، أَيْ فَتَعْبُدُوهُ رَاجِينَ أَنْ يُثِيبَكُمْ عَلَى عِبَادَتِكُمْ وَتَوْقِيرِكُمْ إِيَّاهُ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَنْحُو إِلَى أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ اكْتِفَاءٌ، أَيْ وَلَا تَخَافُونَ
(29/199)

عِقَابًا، وَإِنَّ نُكْتَةَ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّعَجُّبِ مِنْ عَدَمِ رَجَاءِ الثَّوَابِ: أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَهُ أَهْلُ الرَّشَادِ وَالتَّقْوَى.
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : إِذْ صَدَّرَ بِقَوْلِهِ: مَا لَكُمْ لَا تَكُونُونَ عَلَى حَالٍ تَأْمُلُونَ فِيهَا تَعْظِيمَ اللَّهِ إِيَّاكُمْ فِي دَارِ الثَّوَابِ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ كِنَايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنْ حَثِّهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ رَجَاءَ ثَوَابِهِ وَخَوْفَ عِقَابِهِ لِأَنَّ مَنْ رَجَا تَعْظِيمَ اللَّهِ إِيَّاهُ آمَنَ بِهِ وَعَبَدَهُ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ.
وَعَلَى تَأْوِيلِ مَعْنَى الرَّجَاءِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مَعْنَى لَا تَرْجُونَ لَا تُبَالُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً، قَالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ لِمُضَرَ وَهُذَيْلٍ وَخُزَاعَةَ يَقُولُونَ: لَمْ أَرْجُ أَيْ لَمْ أُبَالِ، وَقَالَ الْوَالِبِيُّ وَالْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَعْنَى لَا تَرْجُونَ لَا تَعْلَمُونَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: لَا تَرَوْنَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْهَا نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، فَأَجَابَهُ أَنَّ الرَّجَاءَ بِمَعْنَى الْخَوْفِ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَحَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلُ
أَيْ لَمْ يَخَفْ لَسْعَهَا وَاسْتَمَرَّ عَلَى اشْتِيَارِ الْعَسَلِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا يُوضَعُ الرَّجَاءُ مَوْضِعَ الْخَوْفِ لِأَنَّ مَعَ الرَّجَاءِ طَرَفًا مِنَ الْخَوْفِ مِنَ النَّاسِ وَمِنْ ثَمَّ اسْتُعْمِلَ الْخَوْفُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ الْآيَة [الْبَقَرَة: 229] ، وَالْمَعْنَى: لَا تَخَافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ وَقُدْرَتَهُ بِالْعُقُوبَةِ.
وَعَلَى تَأْوِيلِ الْوَقَارِ قَالَ قَتَادَةُ: الْوَقَارُ: الْعَاقِبَةُ، أَيْ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ عَاقِبَةً، أَيْ عَاقِبَةَ الْإِيمَانِ، أَيْ أَنَّ الْكَلَامَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّوْبِيخِ عَلَى تَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَجَعَلَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ: الْوَقَارَ بِمَعْنَى الثَّبَاتِ، قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الْأَحْزَاب:
33] أَيْ اثْبُتْنَ، وَمَعْنَاهُ مَا لَكُمْ لَا تُثْبِتُونَ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ.
وَتَتَرَكَّبُ مِنْ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ مَعَانٍ أُخْرَى مِنْ كَوْنِ الْوَقَارِ مُسْندًا فِي التَّقْدِير إِلَى فَاعِلِهِ أَوْ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَهِيَ لَا تَخْفَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ لِلَّهِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِ تَرْجُونَ، وَيَجُوزُ فِي بَعْضِ التَّأْوِيلَاتِ الْمَاضِيَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ وَقاراً: إِمَّا تَعَلُّقَ فَاعِلِ الْمَصْدَرِ بِمَصْدَرِهِ فَتَكُونُ اللَّامُ
(29/200)

فِي قَوْلِهِ لِلَّهِ لِشِبْهِ الْمِلْكِ، أَيْ الْوَقَارَ الَّذِي هُوَ تَصَرُّفُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ إِنْ شَاءَ أَنْ يُوَقِّرَكُمْ، أَيْ يُكْرِمَكُمْ بِالنَّعِيمِ، وَإِمَّا تَعَلُّقَ مَفْعُولِ الْمَصْدَرِ، أَيْ أَنْ تُوَقِّرُوا اللَّهَ وَتَخْشَوْهُ وَلَا تَتَهَاوَنُوا بِشَأْنِهِ تَهَاوُنَ مَنْ لَا يَخَافُهُ فَتَكُونُ اللَّامُ لَامَ التَّقْوِيَةِ.
وَجُمْلَةُ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ لَكُمْ أَوْ ضَمِيرِ تَرْجُونَ، أَيْ فِي حَالِ تَحَقُّقِكُمْ أَنَّهُ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا.
فَأَمَّا أَنَّهُ خَلَقَهُمْ فَمُوجِبٌ لِلِاعْتِرَافِ بِعَظَمَتِهِ لِأَنَّهُ مُكَوِّنُهُمْ وَصَانِعُهُمْ فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الِاعْتِرَافُ بِجَلَالِهِ.
وَأَمَّا كَوْنُ خَلْقِهِمْ أَطْوَارًا فَلِأَنَّ الْأَطْوَارَ الَّتِي يَعْلَمُونَهَا دَالَّةٌ عَلَى رِفْقِهِ بِهِمْ فِي ذَلِك التطور، فَهَذَا تَعْرِيضٌ بِكُفْرِهِمُ النِّعْمَةَ، وَلِأَنَّ الْأَطْوَارَ دَالَّةٌ عَلَى حِكْمَةِ الْخَالِقِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَإِنَّ تَطَوُّرَ الْخَلْقِ مِنْ طَوْرِ النُّطْفَةِ إِلَى طَوْرِ الْجَنِينِ إِلَى طَوْرِ خُرُوجِهِ طِفْلًا إِلَى طَوْرِ الصِّبَا إِلَى طَوْرِ بُلُوغِ الْأَشُدِّ إِلَى طَوْرِ الشَّيْخُوخَةِ وَطُرُوِّ الْمَوْتِ على الْحَيَاة وطروّ الْبِلَى عَلَى الْأَجْسَادِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كُلُّ ذَلِكَ وَالذَّاتُ وَاحِدَةٌ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَمَكُّنِ الْخَالِقِ مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْخَلْقِ وَالتَّبْدِيلِ فِي الْأَطْوَارِ، وَهُمْ يُدْرِكُونَ ذَلِكَ بِأَدْنَى الْتِفَاتِ الذِّهْنِ، فَكَانُوا مَحْقُوقِينَ بِأَنْ
يَتَوَصَّلُوا بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ عَظَمَةِ اللَّهِ وَتَوَقُّعِ عِقَابِهِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهِمْ وَهَلِ التَّصَرُّفُ فِيهِمْ بِالْعِقَابِ وَالْإِثَابَةِ إِلَّا دُونَ التَّصَرُّفِ فِيهِمْ بِالْكَوْنِ وَالْفَسَادِ.
وَالْأَطْوَارُ: جَمْعُ طَوْرٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَالطَّوْرُ: التَّارَةُ، وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنَ الْأَفْعَالِ أَوْ مِنَ الزَّمَانِ، فَأُرِيدَ مِنَ الْأَطْوَارِ هُنَا مَا يَحْصُلُ فِي الْمَرَّاتِ وَالْأَزْمَانِ مِنْ أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ مِنْ تَعَدُّدِ الْمَرَّاتِ وَالْأَزْمَانِ إِلَّا تَعَدُّدُ مَا يَحْصُلُ فِيهَا، فَهُوَ تَعَدُّدٌ بِالنَّوْعِ لَا بِالتَّكْرَارِ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ:
فَإِنْ أَفَاقَ لَقَدْ طَالَتْ عَمَايَتُهُ ... وَالْمَرْءُ يُخْلَقُ طَوْرًا بَعْدَ أَطْوَارِ
وَانْتَصَبَ أَطْواراً عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ، أَيْ تَطَوُّرِ خَلْقِهِمْ لِأَنَّ أَطْواراً صَارَ فِي تَأْوِيلِ أَحْوَالًا فِي أطوار.
(29/201)

أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16)
[سُورَة نوح (71) : الْآيَات 15 إِلَى 16]
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (16)
إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ حِكَايَةِ كَلَامِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُفَسِّرِينَ، كَانَ تَخَلُّصًا مِنَ التَّوْبِيخِ وَالتَّعْرِيضِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِمْ بِآثَارِ وُجُودِ اللَّهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، مِمَّا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الدَّلَائِلِ، إِلَى مَا فِي الْعَالَمِ مِنْهَا، لِمَا عَلِمْتَ مِنْ إِيذَانِ قَوْلِهِ: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً [نوح: 14] مِنْ تَذْكِيرٍ بِالنِّعْمَةِ وَإِقَامَةٍ لِلْحُجَّةِ، فَتَخَلَّصَ مِنْهُ لِذِكْرِ حُجَّةٍ أُخْرَى، فَكَانَ قَدْ نَبَّهَهُمْ عَلَى النَّظَرِ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوَّلًا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ مَا يُحِسُّونَهُ وَيَشْعُرُونَ بِهِ ثُمَّ عَلَى النَّظَرِ فِي الْعَالَمِ وَمَا سُوِّيَ فِيهِ مِنَ الْعَجَائِبِ الشَّاهِدَةِ عَلَى الْخَالِقِ الْعَلِيمِ الْقَدِيرِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْأُمَّةِ وَهُوَ مَا يَسْمَحُ بِهِ سِيَاقُ السُّورَةِ مِنَ الِاعْتِبَارِ بِأَحْوَالِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الْمُسَاوِيَةِ لِأَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ اعْتِرَاضًا لِلْمُنَاسَبَةِ.
وَالْهَمْزَةُ فِي أَلَمْ تَرَوْا لِلِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ مُكَنًّى بِهِ عَنِ الْإِنْكَارِ عَنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِدَلَائِلَ مَا يَرَوْنَهُ.
وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً أَيْ أَلَمْ تَعْلَمُوا فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَرْئِيُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَانْتَصَبَ كَيْفَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِ تَرَوْا، فَ كَيْفَ هُنَا مُجَرَّدَةٌ عَنِ الِاسْتِفْهَامِ مُتَمَحِّضَةٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ، أَيِ الْحَالَةِ.
وَالْمَعْنَى: أَلَسْتُمْ تَرَوْنَ هَيْئَةَ وَحَالَةَ خَلْقِ اللَّهِ السَّمَاوَاتِ.
وَالسَّمَاوَاتُ: هُنَا هِيَ مَدَارَاتٌ بِمَعْنَى الْكَوَاكِبِ فَإِنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مَدَارًا قَدْ يَكُونُ هُوَ سَمَاءَهُ.
وَقَوْلُهُ: سَبْعَ سَماواتٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفُ سَبْعَ مَعْلُومًا لِلْمُخَاطَبِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، أَوْ مِنْ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِأَنْ يَكُونُوا عَلِمُوا ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ فَيَكُونُ مِمَّا شَمِلَهُ فِعْلُ أَلَمْ تَرَوْا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيمًا لِلْمُخَاطَبِينَ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِدْمَاجِ، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا سَلَفًا لِلْكَلْدَانِيِّينَ فِي ذَلِكَ.
وطِباقاً: بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهَا مُنْفَصِلٌ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَأَنْ بَعْضَهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَمَاسَّةً أَوْ كَانَ بَيْنَهَا مَا يُسَمَّى بِالْخَلَاءِ.
(29/202)

وَقَوْلُهُ: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً صَالِحٌ لِاعْتِبَارِ الْقَمَرِ مِنَ السَّمَاوَاتِ، أَيْ الْكَوَاكِبُ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْقَدِيمِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُشَاهَدَةِ، لِأَنَّ ظَرْفِيَّةَ (فِي) تَكُونُ لِوُقُوعِ الْمَحْوِيِّ فِي حَاوِيَةٍ مِثْلَ الْوِعَاءِ، وَتَكُونُ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بَيْنَ جَمَاعَتِهِ، كَمَا
فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ «وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا»
، وَقَوْلُ النُّمَيْرِيِّ:
تَضَوَّعَ مِسْكًا بَطْنُ نُعْمَانَ أَنْ مَشَتْ ... بِهِ زَيْنَبُ فِي نِسْوَةٍ خَفِرَاتِ
والْقَمَرَ كَائِنٌ فِي السَّمَاءِ الْمُمَاسَّةِ لِلْأَرْضِ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالسَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَبْعَادِهَا.
وَقَوْلُهُ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً هُوَ بِتَقْدِيرِ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ فِيهِنَّ سِرَاجًا، وَالشَّمْسُ مِنَ الْكَوَاكِبِ.
وَالْإِخْبَارُ عَنِ الْقَمَرِ بِأَنَّهُ نُورٌ مُبَالَغَةٌ فِي وَصْفِهِ بِالْإِنَارَةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ.
وَالْقَمَر ينير ضوؤه الْأَرْضَ إِنَارَةً مُفِيدَةً بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ نُجُومِ اللَّيْلِ فَإِنَّ إِنَارَتَهَا لَا تُجْدِي الْبَشَرَ.
وَالسِّرَاجُ: الْمِصْبَاحُ الزَّاهِرُ نُورُهُ الَّذِي يُوقَدُ بِفَتِيلَةٍ فِي الزَّيْتِ يُضِيءُ الْتِهَابُهَا الْمُعَدَّلُ بِمِقْدَارِ بَقَاءِ مَادَّةِ الزَّيْتِ تغمرها.
والإخبار بِهِ عَنِ الشَّمْسِ مِنَ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ تَقْرِيبُ الْمُشَبَّهِ مِنْ إِدْرَاكِ السَّامِعِ، فَإِنَّ السِّرَاجَ كَانَ أَقْصَى مَا يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي اللَّيْلِ وَقَلَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَتَّخِذُهُ وَإِنَّمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي أَدْيِرَةِ الرُّهْبَانِ أَوْ قُصُورِ الْمُلُوكِ وَأَضْرَابِهِمْ، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
يضي سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيحَ رَاهِبٍ ... أَمَالَ الذَّبَالَ بِالسَّلِيطِ الْمُفَتَّلِ
وَوَصَفُوا قَصْرَ غُمْدَانَ بِالْإِضَاءَةِ عَلَى الطَّرِيقِ لَيْلًا.
وَلَمْ يُخْبَرْ عَنِ الشَّمْسِ بِالضِّيَاءِ كَمَا فِي آيَةِ سُورَةِ يُونُسَ [5] هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِضَاءَةُ، فَلَعَلَّ إِيثَارَ السِّرَاجِ هُنَا لِمُقَارَبَةِ تَعْبِيرِ نُوحٍ فِي لُغَتِهِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ، لِأَنَّ الْفَوَاصِلَ الَّتِي قَبْلَهَا جَاءَتْ عَلَى حُرُوفٍ صَحِيحَةٍ وَلَوْ قِيلَ: ضِيَاءٌ لَصَارَتِ الْفَاصِلَةُ هَمْزَةً وَالْهَمْزَةُ قَرِيبَةٌ مِنْ حُرُوفِ الْعِلَّةِ فَيَثْقُلُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا.
(29/203)

وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18)
وَفِي جَعْلِ الْقَمَرِ نُورًا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ ضَوْءَ الْقَمَرِ لَيْسَ مِنْ ذَاتِهِ فَإِنَّ الْقَمَرَ مُظْلِمٌ وَإِنَّمَا يَسْتَضِيءُ بِانْعِكَاسِ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلَى مَا يَسْتَقْبِلُهَا مِنْ وَجْهِهِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ ذَلِكَ الِاسْتِقْبَالِ مِنْ تَبَعُّضٍ وَتَمَامٍ هُوَ أَثَرُ ظُهُورِهِ هِلَالًا ثُمَّ اتِّسَاعُ اسْتِنَارَتِهِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ ارْتِجَاعُ ذَلِكَ، وَفِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ يُضِيءُ عَلَى الْأَرْضِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الْمَحَاقُ. وَبِعَكْسِ ذَلِكَ جُعِلَتِ الشَّمْسُ سِرَاجًا لِأَنَّهَا مُلْتَهِبَةٌ وَأَنْوَارُهَا ذَاتِيَّةٌ فِيهَا صَادِرَةٌ عَنْهَا إِلَى الْأَرْضِ وَإِلَى الْقَمَرِ مِثْلَ أَنْوَارِ السِّرَاجِ تَمْلَأُ الْبَيْتَ وَتَلْمَعُ أَوَانِي الْفِضَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِي الْبَيْتِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُقَابِلَةِ.
وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي قَوْلِهِ: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً اسْتِدْلَال وامتنان.
[17- 18]

[سُورَة نوح (71) : الْآيَات 17 إِلَى 18]
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (18)
أَنْشَأَ الِاسْتِدْلَالَ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ حُضُورَ الْأَرْضِ فِي الْخَيَالِ فَأَعْقَبَ نُوحٌ بِهِ دَلِيلَهُ السَّابِقَ، اسْتِدْلَالًا بِأَعْجَبِ مَا يَرَوْنَهُ مِنْ أَحْوَالِ مَا عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ حَالُ الْمَوْتِ وَالْإِقْبَارِ، وَمَهَّدَ لِذَلِكَ مَا يَتَقَدَّمُهُ مِنْ إِنْشَاءِ النَّاسِ.
وَأَدْمَجَ فِي ذَلِكَ تَعْلِيمَهُمْ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ مِنْ عَنَاصِرِ الْأَرْضِ مِثْلَ النَّبَاتِ وَإِعْلَامَهُمْ بِأَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ حَيَاةً أُخْرَى.
وَأُطْلِقَ عَلَى مَعْنَى: أَنْشَأَكُمْ، فِعْلُ أَنْبَتَكُمْ لِلْمُشَابَهَةِ بَيْنَ إِنْشَاءِ الْإِنْسَانِ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ كِلَيْهِمَا تَكْوِينٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً [آل عمرَان: 37] ، أَيْ أَنْشَأَهَا وَكَمَا يَقُولُونَ: زَرَعَكَ اللَّهُ لِلْخَيْرِ، وَيَزِيدُ وَجْهَ الشَّبَهِ هُنَا قُرْبًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ إِنْشَاءَ الْإِنْسَانِ مُرَكَّبٌ مِنْ عَنَاصِرِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: أَنْبَتَ أَصْلَكُمْ، أَيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ تَعَالَى: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمرَان: 59] .
ونَباتاً: اسْمٌ مِنْ أَنْبَتَ، عُومِلَ مُعَامَلَةَ الْمَصْدَرِ فَوَقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِ أَنْبَتَكُمْ لِلتَّوْكِيدِ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَى قِيَاسِ فِعْلِهِ فَيُقَالُ: إِنْبَاتًا، لِأَنَّ نَبَاتًا أَخَفُّ فَلَمَّا تَسَنَّى الْإِتْيَانُ بِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَصِيحٌ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إِلَى الثَّقِيلِ كَمَالًا فِي الْفَصَاحَةِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ إِخْراجاً فَإِنَّهُ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إِلَى: خُرُوجًا، لِعَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِأَلْفَاظِ
(29/204)

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)
الْفَوَاصِلِ قَبْلَهُ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى أَلِفٍ مِثْلِ أَلِفِ التَّأْسِيسِ فَكَمَا تُعَدُّ مُخَالَفَتُهَا فِي الْقَافِيَةِ عَيْبًا كَذَلِكَ تُعَدُّ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا فِي الْأَسْجَاعِ وَالْفَوَاصِلِ كَمَالًا.
وَقَدْ أُدْمِجَ الْإِنْذَارُ بِالْبَعْثِ فِي خِلَالِ الِاسْتِدْلَالِ، وَلِكَوْنِهِ أَهَمَّ رُتْبَةٍ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِمْ بِأَصْلِ الْإِنْشَاءِ عُطِفَتِ الْجُمْلَةُ بِ ثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْجُمْلَةِ هُوَ فِعْلُ يُخْرِجُكُمْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فَهُوَ تَمْهِيدٌ لَهُ.
وَأَكَّدَ يُخْرِجُكُمْ بِالْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ لِرَدِّ إنكارهم الْبَعْث.
[19- 20]

[سُورَة نوح (71) : الْآيَات 19 إِلَى 20]
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (19) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (20)
هَذَا اسْتِدْلَالٌ وَامْتِنَانٌ، وَلِذَلِكَ عُلِّقَ بِفِعْلِ جَعَلَ مَجْرُورٌ بِلَامِ التَّعْلِيلِ وَهُوَ لَكُمُ أَيْ لِأَجْلِكُمْ.
وَالْبِسَاطُ: مَا يُفْرَشُ لِلنَّوْمِ عَلَيْهِ وَالْجُلُوسِ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ زُرْبِيَّةٍ فَالْإِخْبَارُ عَنِ الْأَرْضِ بِبِسَاطٍ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أَيْ كَالْبِسَاطِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ تَنَاسُبُ سَطْحِ الْأَرْضِ فِي تَعَادُلِ أَجْزَائِهِ بِحَيْثُ لَا يُوجِعُ أَرْجُلَ الْمَاشِينَ وَلَا يُقِضُّ جُنُوبَ الْمُضْطَجِعِينَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ حَجْمَ الْأَرْضِ كَالْبِسَاطِ لِأَنَّ حَجْمَ الْأَرْضِ كُرَوِيٌّ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِالْعِلَّةِ الْبَاعِثَةِ فِي قَوْلِهِ:
لَكُمُ، وَالْعِلَّةِ الْغَائِبَةِ فِي قَوْلِهِ: لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا وَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْعِلَّتَيْنِ الْإِشَارَةُ إِلَى جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي تَحْصُلُ لِلنَّاسِ مِنْ تَسْوِيَةِ سَطْحِ الْأَرْضِ مِثْلَ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ، وَإِلَى نِعَمِهِ خَاصَّةً وَهِيَ السَّيْرُ فِي الْأَرْضِ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَهَمُّ لِاشْتِرَاكِ كُلِّ النَّاسِ فِي الِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا.
وَالسُّبُلُ: جَمْعُ سَبِيلٍ وَهُوَ الطَّرِيقُ، أَيْ لِتَتَّخِذُوا لِأَنْفُسِكُمْ سُبُلًا مِنَ الْأَرْضِ تَهْتَدُونَ بِهَا فِي أَسْفَارِكُمْ.
وَالْفِجَاجُ: جَمْعُ فَجٍّ، وَالْفَجُّ: الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الطَّرِيقِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَوْسَعَ مِنَ الطَّرِيق الْمُعْتَاد.
(29/205)

قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)
[سُورَة نوح (71) : الْآيَات 21 إِلَى 23]
قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (21) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (22) وَقالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (23)
هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنْ جُمْلَةِ قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي [نوح: 5] بَدَلَ اشْتِمَالٍ لِأَنَّ حِكَايَةَ عِصْيَانِ قَوْمِهِ إِيَّاهُ مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ حِكَايَةُ أَنَّهُ دَعَاهُمْ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمَقَالَتَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ جَاءَ فِيهِ نُوحٌ إِلَى مُنَاجَاةِ رَبِّهِ بِالْجَوَابِ عَنْ أَمْرِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ: أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [نوح: 1] فَتَكُونُ إِعَادَةُ فِعْلِ قالَ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ عَامِلِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ فِي الْبَدَلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا [الْمَائِدَة: 114] ، لِلرَّبْطِ بَيْنَ كَلَامَيْهِ لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمَقَالَتَانِ فِي وَقْتَيْنِ جَمَعَهَا الْقُرْآنُ حِكَايَةً لِجَوَابَيْهِ لِرَبِّهِ، فَتَكُونُ إِعَادَةُ فِعْلِ قالَ لِمَا ذَكَرْنَا مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَبَاعُدِ مَا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ مَا سَبَقَهَا مِنْ قَوْلِهِ: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إِلَى هُنَا مِمَّا يُثِيرُ عَجَبًا مِنْ حَالِ قَوْمِهِ الْمَحْكِيِّ بِحَيْثُ يَتَسَاءَلُ السَّامِعُ عَنْ آخِرِ أَمْرِهِمْ، فَابْتُدِئَ ذِكْرُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى قَوْله: أَنْصاراً [نوح: 25] .
وَتَأْخِيرُ هَذَا بَعُدَ عَنْ قَوْلِهِ قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً [نوح: 5] ارْتِقَاءً فِي التَّذَمُّرِ مِنْهُمْ لِأَنَّ هَذَا حِكَايَةُ حُصُولِ عِصْيَانِهِمْ بَعْدَ تَقْدِيمِ الْمَوْعِظَةِ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً إِلَى قَوْلِهِ: سُبُلًا فِجاجاً [نوح: 11- 20] وَإِظْهَارُ اسْمِ نُوحٌ مَعَ الْقَوْلِ الثَّانِي دُونَ إِضْمَارٍ لِبُعْدِ مُعَادِ الضَّمِيرِ لَوْ تَحَمَّلَهُ الْفِعْلُ، وَهَذَا الْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: قالَ رَبِّ إِلَخْ. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ (إِنَّ) لِلِاهْتِمَامِ بِمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ مِنَ التَّحَسُّرِ وَالِاسْتِنْصَارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِقَوْلِ الَّذِينَ يَصُدُّونَهُمْ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ، أَيْ اتَّبَعُوا سَادَتَهُمْ وَقَادَتَهُمْ. وَعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُمْ بِالْكُبَرَاءِ وَنَحْوِهِ إِلَى الْمَوْصُولِ لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنْ بَطَرِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، فَقَلَبُوا النِّعْمَةَ عِنْدَهُمْ مُوجِبَ خَسَارٍ وَضَلَالٍ.
وَأُدْمِجَ فِي الصِّلَةِ أَنَّهُمْ أَهْلُ أَمْوَالٍ وَأَوْلَادٍ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَفَاذِ قَوْلِهِمْ فِي
(29/206)

قَوْمِهِمْ وَائْتِمَارِ الْقَوْمِ بأمرهم: فأموالهم إِذْ أَنْفَقُوهَا لِتَأْلِيفِ أَتْبَاعِهِمْ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الْأَنْفَال: 36] ، وَأَوْلَادُهُمْ أَرْهَبُوا بِهِمْ مَنْ
يُقَاوِمُهُمْ.
وَالْمَعْنَى: وَاتَّبَعُوا أَهْلَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ الَّتِي لَمْ تَزِدْهُمْ تِلْكَ الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ إِلَّا خَسَارًا لِأَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوهَا فِي تَأْيِيدِ الْكُفْرِ وَالْفَسَادِ فَزَادَتْهُمْ خَسَارًا إِذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَمْوَالٌ وَلَا أَوْلَادٌ لَكَانُوا أَقَلَّ ارْتِكَابًا لِلْفَسَادِ قَالَ تَعَالَى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [المزمل: 11] .
وَالْخَسَارُ: مُسْتَعَارٌ لِحُصُولِ الشَّرِّ مِنْ وَسَائِلَ شَأْنُهَا أَنْ تَكُونَ سَبَبَ خَيْرٍ كَخَسَارَةِ التَّاجِرِ مِنْ حَيْثُ أَرَادَ الرِّبْحَ، فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ خَاسِرِينَ فَالَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُمْ يَكُونُونَ مِثْلَهُمْ فِي الْخَسَارَةِ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ أَرْشَدُوهُمْ إِلَى النجاح.
وَمَا صدق مَنْ فَرِيقٌ مِنَ الْقَوْمِ أَهْلُ مَالٍ وَأَوْلَادٍ ازْدَادُوا بِذَلِكَ بَطَرًا دُونَ الشُّكْرِ وَهُمْ سَادَتُهُمْ، وَلِذَلِكَ أُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: وَمَكَرُوا، وَقَوْلُهُ: وَقالُوا، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً [نوح: 24] .
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَوَلَدُهُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ وَوَلَدُهُ بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ، فَأَمَّا الْوَلَدُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ فَاسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَعَلَى الْجَمْعِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، وَأَمَّا وُلْدٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَقِيلَ: هُوَ لُغَةٌ فِي وَلَدٍ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ مِثْلَ الْفُلْكِ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ وَلَدٍ مِثْلَ أُسْدٍ جَمْعُ أَسَدٍ.
وَالْمَكْرُ: إِخْفَاءُ الْعَمَلِ، أَوِ الرَّأْيُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ ضُرُّ الْغَيْرِ، أَيْ مَكَرُوا بِنُوحٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِإِضْمَارِ الْكَيْدِ لَهُمْ حَتَّى يَقَعُوا فِي الضُّرِّ. قِيلَ: كَانُوا يُدَبِّرُونَ الْحِيلَةَ عَلَى قَتْلِ نُوحٍ وَتَحْرِيشِ النَّاسِ عَلَى أَذَاهُ وَأَذَى أَتْبَاعِهِ.
وكُبَّاراً: مُبَالَغَةٌ، أَيْ كَبِيرًا جِدًّا وَهُوَ وَارِدٌ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ فِي أَلْفَاظٍ قَلِيلَةٍ مِثْلَ طُوَّالٍ أَيْ طَوِيلٌ جِدًّا، وَعُجَّابٍ، أَيْ عَجِيبٌ، وَحُسَّانٍ، وَجُمَّالٍ، أَيْ جَمِيلٌ، وَقُرَّاءٍ لِكَثِيرِ الْقِرَاءَةِ، وَوُضَّاءٍ، أَيْ وَضِيءٌ، قَالَ عِيسَى بْنُ عُمَرٍ: هِيَ لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ.
وَقالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً إِلَخْ، أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ
(29/207)

لِبَعْضٍ:
وَدٌّ، وَسُوَاعٌ، وَيَغُوثُ، وَيَعُوقُ، وَنَسْرٌ، هَذِهِ أَصْنَامُ قَوْمِ نُوحٍ، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ أَسْمَاءَهَا غَيْرُ جَارِيَةٍ عَلَى اشْتِقَاقِ الْكَلِمَاتِ الْعَرَبِيَّةِ، وَفِي وَاوِ (وَدٍّ) لُغَتَانِ لِلْعَرَبِ مِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّ الْوَاوَ، وَبِهِ قَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُ الْوَاوَ وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ.
روى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَدٌّ وَسُوَاعٌ وَيَغُوثُ وَيَعُوقُ وَنَسْرٌ: أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ» ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: هِيَ أَسْمَاءُ أَبْنَاءِ خَمْسَةٍ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانُوا عُبَّادًا. وَعَنِ الْمَاوَرْدِيِّ أَنْ وَدًّا أَوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ.
وَالْآيَةُ تَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْأَنْصَابَ عُبِدَتْ قَبْلَ الطُّوفَانِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ أُقِيمَتْ لِبَعْضِ الصُّلَحَاءِ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانُوا أَصْنَامًا بَيْنَ زَمَنِ آدَمَ وَزَمَنِ نُوحٍ.
وَلَا يَلْتَئِمُ هَذَا مَعَ حُدُوثِ الطُّوفَانِ إِذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جَرَفَهَا وَخَلَصَ الْبَشَرُ مِنَ الْإِشْرَاكِ بَعْدَ الطُّوفَانِ، وَمَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ إِلَى زَمَنِ الْبِعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، فَقَدْ كَانَ فِي دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ بِلَادِ كَلْبٍ صَنَمٌ اسْمُهُ (وَدٌّ) . قِيلَ كَانَ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ وَكَانَ مِنْ صُفْرٍ وَرَصَاصٍ وَكَانَ عَلَى صُورَةِ امْرَأَةٍ، وَكَانَ لِهُذَيْلٍ صَنَمٌ اسْمُهُ (سُوَاعٌ) وَكَانَ لِمُرَادٍ وَغُطَيْفٍ (بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ) بَطْنٍ مِنْ مُرَادٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَأٍ صَنَمٌ اسْمُهُ يَغُوثَ، وَكَانَ أَيْضًا لِغَطَفَانَ وَأَخَذَتْهُ (أَنْعُمُ وَأَعْلَى) وَهُمَا مِنْ طَيِّءٍ وَأَهْلُ جَرَشٍ مِنْ مَذْحِجٍ فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مُرَادٍ فَعَبَدُوهُ، ثُمَّ إِنَّ بَنِي نَاجِيَةَ رَامُوا نَزْعَهُ مِنْ أَعْلَى وَأَنْعُمَ فَفَرُّوا بِهِ إِلَى الْحُصَيْنِ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ مِنْ خُزَاعَةَ. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: رَأَيْتُ يَغُوثَ مِنْ رَصَاصٍ وَكَانُوا يَحْمِلُونَهُ عَلَى جَمَلٍ أَحْرَدَ (بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ يَخْبِطُ بِيَدَيْهِ إِذَا مَشَى) وَيَسِيرُونَ مَعَهُ وَلَا يُهَيِّجُونَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَبْرُكُ فَإِذَا بَرَكَ نَزَلُوا وَقَالُوا: قَدْ رَضِيَ لَكُمُ الْمَنْزِلَ فَيَضْرِبُونَ عَلَيْهِ بِنَاءً يَنْزِلُونَ حَوْلَهُ.
وَكَانَ يَغُوثُ عَلَى صُورَةِ أَسَدٍ.
وَكَانَ لِهَمْدَانَ صَنَمٌ اسْمُهُ يَعُوقَ وَهُوَ عَلَى صُورَةِ فَرَسٍ، وَكَانَ لِكَهْلَانَ مِنْ سَبَأٍ ثُمَّ تَوَارَثَهُ بَنُوهُ حَتَّى صَارَ إِلَى هَمْدَانَ.
(29/208)

وَكَانَ لِحِمْيَرَ وَلِذِي الْكُلَاعِ مِنْهُمْ صَنَمٌ اسْمُهُ (نَسْرٌ) عَلَى صُورَةِ النَّسْرِ مِنَ الطَّيْرِ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ: صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ إِلَى الْعَرَبِ اهـ. فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ انْتَقَلَتْ بِأَعْيَانِهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَرَبُ سَمَّوْا عَلَيْهَا وَوَضَعُوا لَهَا صُوَرًا.
وَلَقَدِ اضْطَرَّ هَذَا بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى تَأْوِيلِ نَظْمِ الْآيَةِ بِأَنَّ مُعَادَ ضَمِيرِ قالُوا إِلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَأَنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ قِصَّةِ نُوحٍ بِقَصْدِ التَّنْظِيرِ، أَيْ قَالَ الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تذرنّ ءالهتكم وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقُ وَنَسْرًا كَمَا قَالَ قَوْمُ نُوحٍ لِأَتْبَاعِهِمْ لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ، ثُمَّ عَادَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قَوْمِ نُوحٍ، وَهُوَ تَكَلُّفٌ بَيِّنٌ وَتَفْكِيكٌ لِأَجْزَاءِ نَظْمِ الْكَلَامِ. فَالْأَحْسَنُ مَا رَآهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَمَا نُرِيدُهُ بَيَانًا: أَنَّ أَصْنَامَ قَوْمِ نُوحٍ قَدْ دُثِرَتْ وَغَمَرَهَا الطُّوفَانُ وَأَنَّ أَسْمَاءَهَا بَقِيَتْ مَحْفُوظَةً عِنْدَ الَّذِينَ نَجَوْا مَعَ نُوحٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانُوا يَذْكُرُونَهَا وَيَعِظُونَ نَاشِئَتَهُمْ بِمَا حَلَّ بِأَسْلَافِهِمْ مِنْ جَرَّاءِ عِبَادَةِ تِلْكَ الْأَصْنَامِ، فَبَقِيَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ يَتَحَدَّثُ بِهَا الْعَرَبُ الْأَقْدَمُونَ فِي أَثَارَاتِ عِلْمِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ، فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيُّ الَّذِي أَعَادَ لِلْعَرَبِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ فَسَمَّى لَهُمُ الْأَصْنَامَ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ وَغَيْرِهَا فَلَا حَاجَةَ بِالْمُفَسِّرِ إِلَى التَّطَوُّحِ إِلَى صِفَاتِ الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ لَهَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَلَا إِلَى ذِكْرِ تَعْيِينِ الْقَبَائِلِ الَّتِي عَبَدَتْ مُسَمَّيَاتِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ.
ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِقَوْمِ نُوحٍ أَصْنَامٌ كَثِيرَةٌ جَمَعَهَا قَوْلُ كُبَرَائِهِمْ: لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ، ثُمَّ خَصُّوا بِالذِّكْرِ أَعْظَمَهَا وَهِيَ هَذِهِ الْخَمْسَةُ، فَيَكُونُ ذِكْرُهَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [الْبَقَرَة: 98] . وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ غَيْرُ تِلْكَ الْأَصْنَامِ الْخَمْسَةِ فَيَكُونُ ذِكْرُهَا مُفَصَّلَةً بَعْدَ الْإِجْمَالِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا وَيَكُونُ الْعَطْفُ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْمُرَادِفِ.
وَلِقَصْدِ التَّوْكِيدِ أُعِيدَ فِعْلُ النَّهْيِ وَلا تَذَرُنَّ وَلَمْ يُسْلَكْ طَرِيقُ الْإِبْدَالِ، وَالتَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ قَدْ يُقْرَنُ بِالْعَاطِفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: 17، 18] .
وَنُقِلَ عَنِ الْأَلُوسِيِّ فِي طُرَّةِ تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الْآيَةِ هَذِهِ الْفِقْرَةُ: «قَدْ أَخْرَجَ الْإِفْرِنْجُ فِي حُدُودِ الْأَلْفِ وَالْمَائَتَيْنِ وَالسِّتِّينَ أَصْنَامًا وَتَمَاثِيلَ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ كَانَتْ مُنْذُ نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ» . وَتَكْرِيرُ لَا النَّافِيَةِ فِي قَوْلِهِ: وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ
(29/209)

وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)
لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَعَدَمُ إِعَادَةِ لَا مَعَ قَوْلِهِ وَيَعُوقَ وَنَسْراً لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ جَارٍ عَلَى أَنْ لَا يُزَادَ فِي التَّأْكِيدِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وُدًّا بِضَمِّ الْوَاوِ. وَقَرَأَهَا غَيْرُهُمَا بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُوَ اسْمٌ عَجَمِيٌّ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِسَانُ الْعَرَب كَيفَ شاؤا.
[24]

[سُورَة نوح (71) : آيَة 24]
وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (24)
وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً.
عَطْفٌ عَلَى وَقالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [نوح: 23] ، أَيْ أَضَلُّوا بِقَوْلِهِمْ هَذَا وَبِغَيْرِهِ مِنْ تَقَالِيدِ الشِّرْكِ كَثِيرًا مِنَ الْأُمَّةِ بِحَيْثُ مَا آمَنَ مَعَ نُوحٍ إِلَّا قَلِيلٌ.
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا.
يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَتِمَّةَ كَلَامِ نُوحٍ مُتَّصِلَةً بِحِكَايَةِ كَلَامِهِ السَّابِقِ، فَتَكُونُ الْوَاوُ عَاطِفَةَ جُزْءِ جُمْلَةٍ مَقُولَةٍ لفعل قالَ [نوح: 21] عَلَى جُزْئِهَا الَّذِي قَبْلَهَا عَطْفَ الْمَفَاعِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا تَقُولُ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ قِفَا نَبْكِ. خَتَمَ نُوحٌ شَكْوَاهُ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ عَلَى الضَّالِّينَ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ بِأَنْ يَزِيدَهُمُ اللَّهُ ضَلَالًا.
وَلَا يُرِيبُكَ عَطْفُ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ لِأَنَّ مَنْعَ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ غَيْرُ وَجِيهٍ وَالْقُرْآنُ طَافِحٌ بِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِحِكَايَةِ كَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ: قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي [نوح: 21] بَلْ هُوَ حِكَايَةُ كَلَامٍ آخَرَ لَهُ صَدْرٌ فِي مَوْقِفٍ آخَرَ، فَتَكُونُ الْوَاوُ عَاطِفَةً جُمْلَةَ مَقُولَةِ قَوْلٍ عَلَى جُمْلَةِ مَقُولَةِ قَوْلٍ آخَرَ، أَيْ نَائِبَةٍ عَنْ فِعْلِ قَالَ كَمَا تَقُولُ: قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
قفانبك وَ:
أَلَا عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي وَقَدْ نَحَا هَذَا الْمَعْنَى مَنْ يَأْبَوْنَ عَطْفَ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ.
وَالْمُرَادُ بِ الظَّالِمِينَ: قَوْمُهُ الَّذِينَ عَصَوْهُ فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ التَّعْبِيرَ عَنْهُمْ بِالضَّمِيرِ عَائِدًا عَلَى قَوْمِي مِنْ قَوْلِهِ: دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً [نوح: 5] فَعَدَلَ عَنْ
(29/210)

مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25)
الْإِضْمَارِ إِلَى الْإِظْهَارِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِمَا يُؤْذِنُ بِهِ وَصْفُ الظَّالِمِينَ مِنِ اسْتِحْقَاقِهِمِ الْحِرْمَانَ مِنْ عِنَايَةِ اللَّهِ بِهِمْ لِظُلْمِهِمْ، أَيْ إِشْرَاكِهِمْ بِاللَّهِ، فَالظُّلْمُ هُنَا الشِّرْكُ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَان: 13] .
وَالضَّلَالُ، مُسْتَعَارٌ لِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ إِلَى طَرَائِقِ الْمَكْرِ الَّذِي خَشِيَ نُوحٌ غَائِلَتَهُ فِي قَوْلِهِ:
وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً [نوح: 22] ، أَيْ حُلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكْرِهِمْ وَلَا تَزِدْهُمْ إِمْهَالًا فِي طُغْيَانِهِمْ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ تُضَلِّلَهُمْ عَنْ وَسَائِلِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أَوْ أَرَادَ إِبْهَامَ طُرُقِ النَّفْعِ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَنْكَسِرَ شَوْكَتُهُمْ وَتَلِينَ شَكِيمَتُهُمْ نَظِيرَ قَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يُونُس:
88] .
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّلَالِ الضَّلَالَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالتَّوْحِيدِ لِظُهُورِ أَنَّهُ يُنَافِي دَعْوَةَ نُوحٍ قَوْمَهُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ وَالْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ فَكَيْفَ يَسْأَلُ اللَّهُ أَنْ يَزِيدَهُمْ مِنْهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّلَالُ أُطْلِقَ عَلَى الْعَذَابِ الْمُسَبَّبِ عَنِ الضَّلَالِ، أَيْ فِي عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَذَابُ الْإِهَانَةِ وَالْآلَامِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً وَهِيَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِنُوحٍ فَتَكُونُ الْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةً وَيُقَدَّرُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ: وَقُلْنَا لَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ. وَالْمَعْنَى: وَلَا تَزِدْ فِي دُعَائِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا ضَلَالًا، فَالزِّيَادَةُ مِنْهُ تَزِيدُهُمْ كُفْرًا وَعِنَادًا. وَبِهَذَا يَبْقَى الضَّلَالُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَاهُ الْمَشْهُورِ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ، فَصِيغَةُ النَّهْيِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التَّأْيِيسِ مِنْ نَفْعِ دَعْوَتِهِ إِيَّاهُمْ. وَأَعْلَمَ اللَّهُ نُوحًا أَنَّهُ مُهْلِكُهُمْ بِقَوْلِهِ: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا الْآيَة [نوح: 25] وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود:
36، 37] .
أَلَا تَرَى أَنَّ خِتَامَ كِلْتَا الْآيَتَيْنِ مُتَّحِدُ الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ هُنَا أُغْرِقُوا وَقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ.
[25]

[سُورَة نوح (71) : آيَة 25]
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً
(29/211)

(25)
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَقَالَاتِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَيْسَتْ مِنْ حِكَايَةِ قَوْلِ نُوحٍ فَهِيَ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ قَدَّرَ النَّصْرَ لِنُوحٍ وَالْعِقَابَ لِمَنْ عَصَوْهُ مِنْ قَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ نُوحٌ اسْتِئْصَالَهُمْ فَإِغْرَاقُ قَوْمِ نُوحٍ مَعْلُومٌ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا قُصِدَ إِعْلَامُهُ بِسَبَبِهِ.
وَالْغَرَضُ مِنَ الِاعْتِرَاضِ بِهَا التَّعْجِيلُ بِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يُلَاقِيهِ مِنْ قَوْمِهِ مِمَّا يُمَاثِلُ مَا لَاقَاهُ نُوحٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ
[إِبْرَاهِيم: 42] .
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِجُمْلَةِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا [نوح: 24] عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي الْمُتَقَدِّمِ فِيهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُوَجَّهِ إِلَى نُوحٍ بِتَقْدِيرِ: وَقُلْنَا لَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا، وَتَكُونُ صِيغَةُ الْمُضِيِّ فِي قَوْلِهِ: أُغْرِقُوا مُسْتَعْمَلَةً فِي تَحَقُّقِ الْوَعْدِ لِنُوحٍ بِإِغْرَاقِهِمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَأُدْخِلُوا نَارًا.
وَقُدِّمَ مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ عَلَى عَامِلِهِ لِإِفَادَةِ الْقَصْرِ، أَيْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا مِنْ أَجْلِ مَجْمُوعِ خَطِيئَاتِهِمْ لَا لِمُجَرَّدِ اسْتِجَابَةِ دَعْوَةِ نُوحٍ الَّتِي سَتُذْكَرُ عَقِبَ هَذَا لِيُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُقِرُّ عِبَادَهُ عَلَى الشِّرْكِ بَعْدَ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ عَذَابُهُمْ إِلَى مَا بَعْدَ دَعْوَةِ نُوحٍ لِإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ بَيْنَ قَوْمِهِ وَمَسَرَّةً لَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ وَتَعْجِيلًا لِمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ.
وَ (مِنْ) تَعْلِيلِيَّةٌ، وَ (مَا) مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى التَّعْلِيلِ.
وَجَمْعُ الْخَطِيئَاتِ مُرَادٌ بِهَا الْإِشْرَاكُ، وَتَكْذِيبُ الرَّسُولِ، وَأَذَاهُ، وَأَذَى الْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، وَالسُّخْرِيَةُ مِنْهُ حِينَ تَوَعَّدَهُمْ بِالطُّوفَانِ، وَمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الْجَرَائِمِ وَالْفَوَاحِشِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ خَطِيئاتِهِمْ بِصِيغَةِ جَمْعِ خَطِيئَةٍ بِالْهَمْزِ. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ خَطاياهُمْ جَمْعُ خَطِيَّةٍ بِالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ مُدْغَمَةً فِيهَا الْيَاءُ الْمُنْقَلِبَةُ عَنْ هَمْزَةٍ لِلتَّخْفِيفِ.
وَفِي قَوْلِهِ: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا مُحَسِّنُ الطِّبَاقِ لِأَنَّ بَيْنَ النَّارِ وَالْغَرَقِ الْمُشْعِرِ بِالْمَاءِ تَضَادًّا.
وَتَفْرِيعُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ
(29/212)

وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)
الَّذِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَصْنَامَ تَشْفَعُ لَهُمْ وَتَدْفَعُ عَنْهُمُ الْكَوَارِثَ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ، أَيْ كَمَا لَمْ تَنْصُرِ الْأَصْنَامُ عَبَدَتَهَا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ كَذَلِكَ لَا تَنْصُرُكُمْ أَصْنَامُكُمْ.
وَضَمِيرُ يَجِدُوا عَائِدٌ إِلَى الظَّالِمِينَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا [نوح: 24] وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ لَهُمْ.
وَالْمَعْنَى: فَلَمْ يَجِدُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَنْصَارًا دُونَ عَذَاب الله.
[26- 27]

[سُورَة نوح (71) : الْآيَات 26 إِلَى 27]
وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (27)
عَطْفٌ عَلَى قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي [نوح: 21] أَعْقَبَهُ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ بِالْإِهْلَاكِ وَالِاسْتِئْصَالِ بِأَنْ لَا يُبْقِي مِنْهُمْ أَحَدًا، أَيْ لَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا عَلَى الْأَرْضِ.
وَأُعِيدَ فِعْلُ قالَ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَ أَقْوَالِ نُوحٍ بِجُمْلَةِ مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ [نوح: 25] إِلَخْ، أَوْ بِهَا وَبِجُمْلَةِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا [نوح: 24] .
وَقُرِنَتْ بِوَاوِ الْعَطْفِ لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً فَلَا تَتْبَعُ جُمْلَةَ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ دَعْوَةَ نُوحٍ حَصَلَتْ بَعْدَ شِكَايَتِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُمْ عَصَوْنِي.
ودَيَّاراً: اسْمٌ مَخْصُوصٌ بِالْوُقُوعِ فِي النَّفْيِ يَعُمُّ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَهُوَ اسْمٌ بِوَزْنِ فَيْعَالٍ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الدَّارِ فَعَيْنُهُ وَاوٌ لِأَنَّ عَيْنَ دَارٍ مُقَدَّرَةٌ وَاوًا، فَأَصْلُ دَيَّارٍ: دَيْوَارٍ فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَاتَّصَلَتَا وَسَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ الزَّائِدَةِ كَمَا فُعِلَ بِسَيِّدٍ وَمَيِّتٍ، وَمَعْنَى دَيَّارٍ: مَنْ يَحُلُّ بِدَارِ الْقَوْمِ كِنَايَةً عَنْ إِنْسَانٍ.
وَنَظِيرُ (دَيَّارٍ) فِي الْعُمُومِ وَالْوُقُوعِ فِي النَّفْيِ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَبْلَغَهَا ابْنُ السِّكِّيتِ فِي «إِصْلَاحِ الْمَنْطِقِ» إِلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، وَزَادَ كُرَاعُ النَّمْلِ سَبْعَةً فَبَلَغَتِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ اسماء وَزَادَ ابْنُ مَالِكٍ فِي «التَّسْهِيلِ» سِتَّةً فَصَارَتْ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ.
وَمِنْ أَشْهَرِهَا: آحَدٌ، وَدَيَّارٌ، وَعَرِّيبٌ، وَكُلُّهَا بِمَعْنَى الْإِنْسَانِ، وَلَفْظُ (بُدَّ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمُفَارَقَةُ.
(29/213)

وَجُمْلَةُ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ تَعْلِيلٌ لِسُؤَالِهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ اللَّهُ عَلَى الْأَرْضِ أَحَدًا مِنَ الْكَافِرِينَ يُرِيدُ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُضِلُّوا بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ يَلِدُوا أَبْنَاءً يَنْشَأُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَالْأَرْضُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا جَمِيعُ الْكُرَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَنْ يُرَادَ أَرْضٌ مَعْهُودَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ يَعْنِي أَرْضَ مِصْرَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [55] .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبَشَرُ يَوْمَئِذٍ مُنْحَصِرِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ، وَيَجُوزُ خِلَافُهُ، وَعَلَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَنْشَأُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الطُّوفَانُ قَدْ غَمَرَ جَمِيعَ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ طُوفَانًا قَاصِرًا عَلَى نَاحِيَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ عُمُومِ الْأَرْضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [64] .
وَخَبَرُ إِنَّكَ مَجْمُوعُ الشَّرْطِ مَعَ جَوَابِهِ الْوَاقِعِ بَعْدَ (إِنَّ) لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ مُبْتَدَأٌ وَشَرْطٌ رَجَحَ الشَّرْطُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ فَأُعْطِيَ الشَّرْطُ الْجَوَابَ وَلَمْ يُعْطَ الْمُبْتَدَأُ خَبَرًا لِدَلَالَةِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ عَلَيْهِ.
وَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّهُمْ لَا يَلِدُونَ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا بِأَنَّ أَوْلَادَهُمْ يَنْشَأُونَ فِيهِمْ فَيُلَقِّنُونَهُمْ دِينَهُمْ وَيَصُدُّونَ نُوحًا عَنْ أَنْ يُرْشِدَهُمْ فَحَصَلَ لَهُ عِلْمٌ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِدَلِيلِ التَّجْرِبَةِ.
وَالْمَعْنَى: وَلَا يَلِدُوا إِلَّا مَنْ يَصِيرُ فَاجِرًا كَفَّارًا عِنْدَ بُلُوغِهِ سِنَّ الْعَقْلِ.
وَالْفَاجِرُ: الْمُتَّصِفُ بِالْفُجُورِ، وَهُوَ الْعَمَلُ الشَّدِيدُ الْفَسَادِ.
وَالْكُفَّارُ: مُبَالَغَةٌ فِي الْمَوْصُوفِ بِالْكُفْرِ، أَيْ إِلَّا مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ سُوءِ الْفِعْلِ وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ، قَالَ تَعَالَى: أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس: 42] .
وَفِي كَلَامِ نُوحٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُصْلِحِينَ يَهْتَمُّونَ بِإِصْلَاحِ جِيلِهِمُ الْحَاضِرِ وَلَا يُهْمِلُونَ تَأْسِيسَ أُسُسِ إِصْلَاحِ الْأَجْيَالِ الْآتِيَةِ إِذِ الْأَجْيَالُ كُلُّهَا سَوَاءٌ فِي نَظَرِهِمُ الْإِصْلَاحِيِّ. وَقَدِ انْتَزَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [الْحَشْر: 10] دَلِيلًا عَلَى إِبْقَاءِ أَرْضِ سَوَادِ الْعِرَاقِ غَيْرَ مَقْسُومَةٍ بَيْنَ الْجَيْشِ الَّذِي فَتَحَ الْعِرَاقَ وَجَعَلَهَا خَرَاجًا لِأَهْلِهَا قَصْدًا لِدَوَامِ الرِّزْقِ مِنْهَا لِمَنْ سَيَجِيءُ من الْمُسلمين.
(29/214)

رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)
[سُورَة نوح (71) : آيَة 28]
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (28)
جَعَلَ الدُّعَاءَ لِنَفْسِهِ وَوَالِدَيْهِ خَاتِمَةَ مُنَاجَاتِهِ فَابْتَدَأَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ بِأَقْرَبِ النَّاسِ بِهِ وهما وَالِده، ثُمَّ عَمَّمَ أَهْلَهَ وَذَوِيهِ الْمُؤْمِنِينَ فَدَخَلَ أَوْلَادُهُ وَبَنُوهُمْ وَالْمُؤْمِنَاتُ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِمَنْ دَخَلَ بَيْتَهَ كِنَايَةً عَنْ سُكْنَاهُمْ مَعَهُ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: دَخَلَ بَيْتِيَ دُخُولٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ الدُّخُولُ الْمُتَكَرِّرُ الْمُلَازِمُ. وَمِنْهُ سُمِّيَتْ بِطَانَةُ الْمَرْءِ دَخِيلَتُهُ وَدُخْلَتُهُ، ثُمَّ عَمَّمَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، ثُمَّ عَادَ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْكَفَرَةِ بِأَنْ يَحْرِمَهُمُ اللَّهُ النَّجَاحَ وَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا [نوح: 24] .
وَالتَّبَارُ: الْهَلَاكُ وَالْخَسَارُ، فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلظَّالِمِينَ مِنْ قَوْمِهِ بِسُؤَالِ اسْتِئْصَالِهِمْ بَعْدَ أَنْ شَمَلَهُمْ وَغَيْرَهُمْ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: 26] حِرْصًا عَلَى سَلَامَةِ الْمُجْتَمَعِ الْإِنْسَانِيِّ مِنْ شَوَائِبِ الْمَفَاسِدِ وَتَطْهِيرِهِ مِنَ الْعَنَاصِرِ الْخَبِيثَةِ.
وَوَالِدَاهُ: أَبُوهُ وَأُمُّهُ، وَقَدْ وَرَدَ اسْمُ أَبِيهِ فِي التَّوْرَاةِ (لَمَكَ) وَأَمَّا أُمُّهُ فَقَدْ ذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَّ اسْمَهَا شَمْخَى بِنْتُ آنُوشَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بَيْتِيَ بِسُكُونِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ. وَقَرَأَهُ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِتَحْرِيكِهَا.
وَاسْتِثْنَاءُ إِلَّا تَباراً مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ التَّبَارَ لَيْسَ مِنَ الزِّيَادَةِ الْمَدْعُوُّ بِنَفْيِهَا فَإِنَّهُ أَرَادَ لَا تَزِدْهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ لِأَنَّ فِي زِيَادَةِ ذَلِكَ لَهُمْ قُوَّةً لَهُمْ عَلَى أَذَى الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا كَقَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ [يُونُس: 88] الْآيَةَ. وَهَذَا مِنْ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِهِ:
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [نوح: 6] .
(29/215)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

72- سُورَةُ الْجِنِّ
سُمِّيَتْ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَفِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا وَمِنْهَا الْكُوفِيُّ الْمَكْتُوبُ بِالْقَيْرَوَانَ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ «سُورَةُ الْجِنِّ» . وَكَذَلِكَ تَرْجَمَهَا التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ «جَامِعِهِ» ، وَتَرْجَمَهَا الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ «سُورَةُ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ» .
وَاشْتُهِرَتْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُكَتِّبِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ فِي الْكَتَاتِيبِ الْقُرْآنِيَّةِ بِاسْمِ قُلْ أُوحِيَ [الْجِنّ: 1] .
وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي «الْإِتْقَانِ» فِي عِدَادِ السُّوَرِ الَّتِي لَهَا أَكْثَرُ مِنِ اسْمٍ وَوَجْهُ التَّسْمِيَتَيْنِ ظَاهِرٌ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَيَظْهَرُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حُدُودِ سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ الْبَعْثَةِ.
فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» و «جَامع التِّرْمِذِيِّ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ
(29/216)

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)
أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ بِنَخْلَةَ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَأَنَّهُ اسْتَمَعَ فَرِيقٌ مِنَ الْجِنِّ إِلَى قِرَاءَتِهِ فَرَجَعُوا إِلَى طَائِفَتِهِمْ فَقَالُوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [الْجِنّ: 1] وَأَنْزَلَ الله على نبيئه قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ

[الْجِنِّ: 1] .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ كَانَ بَعْدَ سَفَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِفِ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، أَيْ وَذَلِكَ يَكُونُ فِي سَنَةِ عَشْرٍ بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَسَنَةِ ثَلَاثٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
وَقَدْ عُدَّتِ السُّورَةُ الْأَرْبَعِينَ فِي نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ الْأَعْرَافِ وَقَبْلَ يس.
وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعَدَدِ عَلَى عد آيها ثمانا وَعِشْرِينَ.

أَغْرَاضُهَا
إِثْبَاتُ كَرَامَةٍ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ دَعْوَتَهُ بَلَغَتْ إِلَى جِنْسِ الْجِنِّ وَإِفْهَامِهِمْ فَهْمَ مَعَانٍ مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي اسْتَمَعُوا لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَهْمَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْهُدَى، وَعِلْمِهِمْ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنِ الشَّرِيكِ وَالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ.
وَإِبْطَالُ عِبَادَةِ مَا يُعْبَدُ مِنَ الْجِنِّ.
وَإِبْطَالُ الْكِهَانَةِ وَبُلُوغِ عِلْمِ الْغَيْبِ إِلَى غَيْرِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يُطْلِعُهُمُ اللَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ.
وَإِثْبَاتُ أَنَّ لِلَّهِ خَلْقًا يُدْعَوْنَ الْجِنَّ وَأَنَّهُمْ أَصْنَافٌ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ بِمَرَاتِبَ، وتضليل الَّذين يتقولون عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَالَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ، وَالَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ، وَأَنَّ الْجِنَّ لَا يُفْلِتُونَ مِنْ سُلْطَانِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَتَعَجُّبُهُمْ مِنَ الْإِصَابَةِ بِرُجُومِ الشُّهُبِ الْمَانِعَةِ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، وَفِي الْمُرَادِ مِنْ هَذَا الْمَنْعِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فِي شَأْنِ الْقَحْطِ الَّذِي أَصَابَ الْمُشْرِكِينَ لِشِرْكِهِمْ وَلِمَنْعِهِمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَإِنْذَارِهِمْ بِأَنَّهُمْ سَيَنْدَمُونَ عَلَى تَأَلُّبِهِمْ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُحَاوَلَتِهِمْ مِنْهُ الْعُدُولَ عَنِ الطَّعْنِ فِي دينهم.
[1- 2]

[سُورَة الْجِنّ (72) : الْآيَات 1 إِلَى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً
(29/217)

(2)
افْتِتَاحُ السُّورَةِ بِالْأَمْرِ بِالْقَوْلِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَا سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ حَدَثٌ غَرِيبٌ وَخَاصَّةً بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ مَظِنَّةُ التَّكْذِيبِ بِهِ كَمَا يَقْتَضِيِهِ قَوْلُهُ: كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً [الْجِنّ: 7] حَسْبَمَا يَأْتِي.
أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُعْلِمَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ وُقُوعَ حَدَثٍ عَظِيمٍ فِي دَعْوَتِهِ أَقَامَهُ الله تكريما لنبيئه وَتَنْوِيهًا بِالْقُرْآنِ وَهُوَ أَنْ سَخَّرَ بَعْضًا مِنَ النَّوْعِ الْمُسَمَّى جِنًّا لِاسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ وَأَلْهَمَهُمْ أَوْ عَلَّمَهُمْ فَهْمَ مَا سَمِعُوهُ وَاهْتِدَاءَهُمْ إِلَى مِقْدَارِ إِرْشَادِهِ إِلَى الْحَقِّ وَالتَّوْحِيدِ وَتَنْزِيِهِ اللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ فَكَانَتْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِهَا بَالِغَةً إِلَى عَالَمٍ مِنَ الْعَوَالِمِ الْمُغَيَّبَةِ لَا عَلَاقَةَ لِمَوْجُودَاتِهِ بِالتَّكَالِيفِ وَلَا بِالْعَقَائِدِ بَلْ هُوَ عَالَمٌ مَجْبُولٌ أَهْلُهُ عَلَى مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لَا يَعْدُو أَحَدُهُمْ فِي مُدَّةِ الدُّنْيَا جِبِلَّتَهُ فَيَكُونُ عَلَى مِعْيَارِهَا مَصِيرُهُ الْأَبَدِيُّ فِي الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهِمْ بِشَرَائِعَ.
وَقَدْ كَشَفَ اللَّهُ لِهَذَا الْفَرِيقِ مِنْهُمْ حَقَائِقَ مِنْ عَقِيدَةِ الْإِسْلَامِ وَهَدْيِهِ فَفَهِمُوهُ.
هَذَا الْعَالَمُ هُوَ عَالَمُ الْجِنِّ وَهُوَ بِحَسَبِ مَا يُسْتَخْلَصُ مِنْ ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَمِنْ صِحَاحِ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ وَحَسَنِهَا نَوْعٌ مِنَ الْمُجَرَّدَاتِ أَعْنِي الْمَوْجُودَاتِ اللَّطِيفَةَ غَيْرَ الْكَثِيفَةِ، الْخَفِيَّةَ عَنْ حَاسَّةِ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ، مُنْتَشِرَةٌ فِي أَمْكِنَةٍ مَجْهُولَةٍ لَيْسَتْ عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاوَاتِ بَلْ هِيَ فِي أَجْوَاءٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ وَهِيَ مِنْ مَقُولَةِ الْجَوْهَرِ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُجَرَّدَاتِ أَيْ لَيْسَتْ أَجْسَامًا وَلَا جُسْمَانِيَّاتٍ بَلْ هِيَ مَوْجُودَاتٌ رُوحَانِيَّةٌ مَخْلُوقَةٌ مِنْ عُنْصُرٍ نَارِيٍّ وَلَهَا حَيَاةٌ وَإِرَادَةٌ وَإِدْرَاكٌ خَاصٌّ بِهَا لَا يُدْرَى مَدَاهُ. وَهَذِه المجردات الناوية جِنْسٌ مِنْ أَجْنَاسِ الْجَوَاهِرِ تَحْتَوِي عَلَى الْجِنِّ وَعَلَى الشَّيَاطِينِ فهما نَوْعَانِ لنجس الْمُجَرَّدَاتِ النَّارِيَّةِ لَهَا إِدْرَاكَاتٌ خَاصَّةٌ وَتَصَرُّفَاتٌ مَحْدُودَةٌ وَهِيَ مُغَيَّبَةٌ عَنِ الْأَنْظَارِ مُلْحَقَةٌ بِعَالَمِ الْغَيْبِ لَا تَرَاهَا الْأَبْصَارُ وَلَا تُدْرِكُهَا أَسْمَاعُ النَّاسِ إِلَّا إِذَا أَوْصَلَ اللَّهُ الشُّعُورَ بِحَرَكَاتِهَا وَإِرَادَاتِهَا إِلَى الْبَشَرِ عَلَى وَجْهِ الْمُعْجِزَةِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ لِأَمْرٍ قَضَاهُ اللَّهُ وَأَرَادَهُ.
وَبِتَعَاضُدِ هَذِهِ الدَّلَائِلِ وَتَنَاصُرِهَا وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يَعْدُو أَنَّهُ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ وَهِيَ ظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ، أَوْ ظَنِّيُّ الْمَتْنِ وَالدَّلَالَةِ وَهِيَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، حَصَلَ مَا يَقْتَضِي الِاعْتِقَادَ بِوُجُودِ مَوْجُودَاتٍ خَفِيَّةٍ تُسَمَّى الْجِنَّ فَتُفَسَّرُ بِذَلِكَ مَعَانِي آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَخْبَارٍ مِنَ السُّنَّةِ.
(29/218)

وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي أُصُولِ عَقِيدَةِ الْإِسْلَامِ وَلِذَلِكَ لَمْ نُكَفِّرْ مُنْكِرِي وُجُودِ مَوْجُودَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ إِذْ لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَتُهَا بِأَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ، بِخِلَافِ حَالِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ ذِكْرَ الْجِنِّ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِآيَاتِ ذِكْرِهِ.
وَأَمَّا مَا يُرْوَى فِي الْكُتُبِ مِنْ أَخْبَارٍ جُزْئِيَّةٍ فِي ظُهُورِهِمْ لِلنَّاسِ وَإِتْيَانِهِمْ بِأَعْمَالٍ عَجِيبَةٍ فَذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْخَيَالِيَّةِ.
وَإِنَّا لَمْ نَلْقَ أَحَدًا مِنْ أَثْبَاتِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَقِينَاهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ رَأَى أَشْكَالَهُمْ أَوْ آثَارَهُمْ وَمَا نَجِدُ تِلْكَ الْقِصَصَ إِلَّا عَلَى أَلْسِنَةِ الَّذِينَ يُسْرِعُونَ إِلَى التَّصْدِيقِ بِالْأَخْبَارِ أَوْ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ التَّخَيُّلَاتُ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ وَلَكِنَّهُ مِمَّا يُضْرَبُ لَهُ مَثْلُ قَوْلِ الْمَعَرِّيِّ:
وَمِثْلُكِ مَنْ تَخَيَّلَ ثُمَّ خَالَا فَظُهُورُ الْجِنِّ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَارَاتٍ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجِنِّيِّ الَّذِي تَفَلَّتَ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ
هُوَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ مِثْلَ رُؤْيَتِهِ الْمَلَائِكَةَ وَرُؤْيَتِهِ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فِي حَائِطِ الْقِبْلَةِ وَظُهُورِ الشَّيْطَانِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ زَكَاةِ الْفِطْرِ.
وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ الْجِنِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [100] ، وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [179] .
وَالَّذِينَ أَمَرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِخَبَرِ الْجِنِّ: هُمْ جَمِيعُ النَّاسِ الَّذِينَ كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَلِّغُهُمُ الْقُرْآنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ أَرَادَ اللَّهُ إِبْلَاغَهُمْ هَذَا الْخَبَرَ لِمَا لَهُ مِنْ دَلَالَةٍ عَلَى شَرَفِ هَذَا الدِّينِ وَشَرَفِ كِتَابِهِ وَشَرَفِ مَنْ جَاءَ بِهِ، وَفِيهِ إِدْخَالُ مَسَرَّةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَتَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ إِذْ كَانَ الْجِنُّ قَدْ أَدْرَكُوا شَرَفَ الْقُرْآنِ وَفَهِمُوا مَقَاصِدَهُ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ لُغَتَهُ وَلَا يُدْرِكُونَ بَلَاغَتَهُ فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ، وَالَّذين جَاءَهُم بِلِسَانِهِمْ وَأَدْرَكُوا خَصَائِصَ بَلَاغَتِهِ أَنْكَرُوهُ وَأَعْرَضُوا عَنْهُ.
وَفِي الْإِخْبَارِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْجِنِّ لِلْقُرْآنِ بِأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ ذَلِكَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِذَلِكَ إِلَّا بِإِخْبَارِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِوُقُوعِ هَذَا الِاسْتِمَاعِ، فَالْآيَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ بِحُضُورِ الْجِنِّ لِاسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا آيَةُ الْأَحْقَافِ [29] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
(29/219)

الْآيَاتِ فَتَذْكِيرٌ بِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى قِصَّةٍ أُخْرَى رَوَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَهِيَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» فِي أَحَادِيثِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ وَلَا عَلَاقَةَ لَهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَوْلُهُ: أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فِي مَوْضِعِ نَائِبِ فَاعِلِ أُوحِيَ أَيْ أُوحِيَ إِلَيَّ اسْتِمَاعُ نَفَرٍ. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ الْمُوحَى بِحَرْفِ (أَنَّ) لِلِاهْتِمَامِ بِهِ لِغَرَابَتِهِ.
وَضَمِيرُ أَنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَخَبَرُهُ جُمْلَةُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ وَفِي ذَلِكَ زِيَادَةُ اهْتِمَامٍ بِالْخَبَرِ الْمُوحَى بِهِ.
وَمَفْعُولُ اسْتَمَعَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً، أَيْ اسْتَمَعَ الْقُرْآنَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ.
وَالنَّفَرُ: الْجَمَاعَةُ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى عَشَرَةٍ وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْبَشَرِ فَأُطْلِقَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْجِنِّ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ إِذْ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ لَفْظٌ آخَرُ كَمَا أُطْلِقَ رِجَالٌ فِي قَوْلِهِ:
يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ [الْجِنِّ: 6] عَلَى شُخُوصِ الْجِنِّ. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً قَالُوهُ لِبَعْضٍ مِنْهُمْ لَمْ يَحْضُرْ لِاسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ أَلْهَمَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُنْذِرُوهُمْ وَيُرْشِدُوهُمْ إِلَى
الصَّلَاحِ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ [29، 30] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً الْآيَاتِ.
وَمَعْنَى الْقَوْلِ هُنَا: إِبْلَاغُ مُرَادِهِمْ إِلَى مَنْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَلِّغُوهُ إِلَيْهِمْ مِنْ نَوْعِهِمْ بِالْكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَتَفَاهَمُونَ بِهَا، إِذْ لَيْسَ لِلْجِنِّ أَلْفَاظٌ تَجْرِي عَلَى الْأَلْسُنِ فِيمَا يَظْهَرُ، فَالْقَوْلُ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلتَّعْبِيرِ عَمَّا فِي النَّفْسِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النَّمْل:
18] فَيَكُونُ ذَلِكَ تَكْرِيمًا لِهَذَا الدِّينِ أَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ دُعَاةً مِنَ الثَّقَلَيْنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا نَفْسِيًّا، أَيْ خَوَاطِرَ جَالَتْ فِي مُدْرَكَاتِهِمْ جَوَلَانَ الْقَوْلِ الَّذِي يَنْبَعِثُ عَنْ إِرَادَةِ صَاحِبِ الْإِدْرَاكِ بِهِ إِبْلَاغَ مُدْرَكَاتِهِ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْقَوْلِ كَمَا فِي بَيْتِ النَّابِغَةِ يَتَحَدَّثُ عَنْ كَلْبِ صَيْدٍ:
قَالَتْ لَهُ النَّفْسُ إِنِّي لَا أَرَى طَمَعًا ... وَإِنَّ مَوْلَاكَ لَمْ يَسْلَمْ وَلَمْ يَصِدِ
(29/220)

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [المجادلة: 8] .
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ (أَنَّ) لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِهِ فَرِيقًا مِنْهُمْ يَشُكُّونَ فِي وُقُوعِهِ فَأَتَوْا فِي كَلَامِهِمْ بِمَا يُفِيدُ تَحْقِيقَ مَا قَالُوهُ وَهُوَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْ مِثْلِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِحَرْفِ (إِنَّ) .
وَوَصْفُ الْقُرْآنِ بِالْعَجَبِ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي قُوَّةِ الْمَعْنَى، أَيْ يَعْجَبُ مِنْهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ بَدِيعٌ فَائِقٌ فِي مُفَادِهِ.
وَقَدْ حَصَلَ لَهُمُ الْعِلْمُ بِمَزَايَا الْقُرْآنِ بِانْكِشَافٍ وَهَبَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي «شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ» «لَا بُدَّ لِمَنْ آمَنَ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ أَنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ الْإِعْجَازِ وَشُرُوطَ الْمُعْجِزَةِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الرَّسُولِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْجِنُّ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ أَوْ عَلِمُوا مِنْ كُتُبِ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا دَلَّهُمْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ النَّبِيءُ الْأُمِّيُّ الصَّادِقُ الْمُبَشَّرُ بِهِ» اهـ.
وَأَنَا أَقُولُ: حَصَلَ لِلْجِنِّ عِلْمٌ جَدِيدٌ بِذَلِكَ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ لِأَدِلَّةٍ كَانُوا لَا يَشْعُرُونَ بِهَا إِذْ لَمْ يَكُونُوا مُطَالَبِينَ بِمَعْرِفَتِهَا، وَأَنَّ فَهْمَهُمْ لِلْقُرْآنِ مِنْ قَبِيلِ الْإِلْهَامِ خَلَقَهُ اللَّهُ فِيهِمْ عَلَى وَجْهِ خَرْقِ الْعَادَةِ كَرَامَةً لِلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْقُرْآنِ.
وَالْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ يَقْتَضِي الْإِيمَانَ بِمَنْ جَاءَ بِهِ وَبِمَنْ أَنْزَلَهُ وَلِذَلِكَ قَالُوا وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً.
وَقَدْ حَصَلَ لِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ مِنَ الْجِنِّ شَرَفُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَصِدْقِ الْقُرْآنِ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ فَصَارُوا مِنْ خِيرَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأُكْرِمُوا بِالْفَوْزِ فِي الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ فَلَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ ذَرَأَ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
وَمُتَعَلِّقُ اسْتَمَعَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً.
والرُّشْدِ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ (أَوْ يُقَالُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ) هُوَ الْخَيْرُ وَالصَّوَابُ وَالْهُدَى. وَاتَّفَقَتِ الْقِرَاءَاتُ الْعَشْرُ عَلَى قِرَاءَتِهِ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ.
وَقَوْلُهُمْ: وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً، أَيْ يَنْتَفِي ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ وَلِذَلِكَ أَكَّدُوا نَفْيَ الْإِشْرَاكِ بِحَرْفِ التَّأْبِيدِ فَكَمَا أُكِّدَ خَبَرُهُمْ عَنِ الْقُرْآنِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِ (إِنَّ) أُكِّدَ خَبَرُهُمْ عَنْ إِقْلَاعِهِمْ عَنِ الْإِشْرَاكِ ب لَنْ.
(29/221)

وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3)
[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 3]
وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (3)
هَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ كَلَامِ الْجِنِّ، قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ أَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِهِ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [الْجِنّ: 1] إِذْ يَجِبُ كَسْرُ هَمْزَةِ (إِنَّ) إِذَا حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ.
وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَخَلَفٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَآمَنَّا بِهِ [الْجِنّ: 2] أَيْ وَآمَنَّا بِأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا. وَعَدَمُ إِعَادَةِ الْجَارِّ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْمَجْرُورِ بِالْحَرْفِ مُسْتَعْمَلٌ، وَجَوَّزَهُ الْكُوفِيُّونَ، عَلَى أَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ كَثِيرٌ حَذْفُهُ مَعَ (أَنَّ) فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي حَذْفِهِ هُنَا على هَذَا التَّأْوِيلِ.
قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : أَنَّهُ اسْتَمَعَ [الْجِنّ: 1] بِالْفَتْحِ لِأَنَّهُ فَاعِلُ أُوحِيَ (أَيْ نَائِبُ الْفَاعِلِ) وإِنَّا سَمِعْنا بِالْكَسْرِ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْكِيٌّ بَعْدَ الْقَوْلِ ثُمَّ تُحْمَلُ عَلَيْهِمَا الْبَوَاقِي فَمَا كَانَ مِنَ الْوَحْيِ فُتِحَ وَمَا كَانَ مِنْ قَوْلِ الْجِنِّ كُسِرَ، وَكُلُّهُنَّ مِنْ قَوْلِهِمْ، إِلَّا الثِّنْتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ:
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [الْجِنّ: 18] ، وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ [الْجِنّ: 19] وَمَنْ فَتَحَ كُلَّهُنَّ فَعَطْفًا عَلَى مَحَلِّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُور فِي فَآمَنَّا بِهِ [الْجِنّ: 2] كَأَنَّهُ قِيلَ: صَدَّقْنَاهُ وَصَدَّقْنَا أَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا، وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي اهـ.
وَالتَّعَالِي: شِدَّةُ الْعُلُوِّ، جُعِلَ شَدِيدَ الْعُلُوِّ كَالْمُتَكَلِّفِ الْعُلُوِّ لِخُرُوجِ عُلُوِّهُ عَنْ غَالِبِ مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ فَأَشْبَهَ التَّكَلُّفَ.
وَالْجَدُّ: بِفَتْحِ الْجِيمِ الْعَظَمَةُ وَالْجَلَالُ، وَهَذَا تَمْهِيدٌ وَتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً، لِأَنَّ اتِّخَاذَ الصَّاحِبَةِ لِلِافْتِقَارِ إِلَيْهَا لِأُنْسِهَا وَعَوْنِهَا وَالِالْتِذَاذِ بِصُحْبَتِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ آثَارِ الِاحْتِيَاجِ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ بِغِنَاهُ الْمُطْلَقِ، وَالْوَلَدُ يُرْغَبُ فِيهِ لِلِاسْتِعَانَةِ وَالْأُنْسِ بِهِ، مَعَ مَا يَقْتَضِيهِ مِنِ انْفِصَالِهِ مِنْ أَجْزَاءِ وَالِدَيْهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الِافْتِقَارِ وَالِانْتِقَاصِ.
وَضَمِيرُ أَنَّهُ ضَمِيرُ شَأْنٍ وَخَبَرُهُ جُمْلَةُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا.
وَجُمْلَةُ مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً إِلَى آخِرِهَا بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ تَعالى جَدُّ رَبِّنا.
(29/222)

وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4)
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ (إِنَّ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَكْسُورَةً أَوْ مَفْتُوحَةً لِأَنَّهُ مَسُوقٌ إِلَى فَرِيقٍ يَعْتَقِدُونَ خِلَافَ ذَلِكَ مِنَ الْجِنِّ.
وَالِاقْتِصَارُ فِي بَيَانِ تَعَالِي جَدِّ اللَّهِ عَلَى انْتِفَاءِ الصَّاحِبَةِ عَنهُ وَالْولد ينبىء بِأَنَّهُ كَانَ شَائِعًا فِي عِلْمِ الْجِنِّ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ مِنْ سَرَوَاتِ الْجِنِّ وَمَا اعْتِقَادُ الْمُشْركين إلّا ناشىء عَنْ تَلْقِينِ الشَّيْطَانِ وَهُوَ مِنَ الْجِنِّ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا سَمِعُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: سُبْحَانَهُ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [101] .
وَإِعَادَةُ لَا النَّافِيَةِ مَعَ الْمَعْطُوفِ لِلتَّأْكِيدِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ مَنْفِيٌّ بِاسْتِقْلَالِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ نَفْيِ الْمَجْمُوعِ.
وَضَمِيرُ الْجَمَاعَةِ فِي قَوْلِهِ: رَبِّنا عَائِدٌ إِلَى كُلِّ مُتَكَلِّمٍ مَعَ تَشْرِيكِ غَيْرِهِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْجِنِّ فَهُوَ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَقِيَّة النَّفر.
[4]

[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 4]
وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (4)
قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِكَسْرَةِ هَمْزَةِ وَأَنَّهُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَخَلَفٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا [الْجِنّ: 3] فَقَدْ يَكُونُ إِيمَانُهُمْ بِتَعَالِي اللَّهِ عَنْ أَنْ يَتَّخِذَ صَاحِبَةً وَوَلَدًا نَاشِئًا عَلَى مَا سَمِعُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَقَدْ يَكُونُ نَاشِئًا عَلَى إِدْرَاكِهِمْ ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ نَظَرِيَّةٍ.
وَالسَّفِيهُ: هُنَا جِنْسٌ، وَقِيلَ: أَرَادُوا بِهِ إِبْلِيسَ، أَيْ كَانَ يُلَقِّنُهُمْ صِفَاتِ اللَّهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، أَيْ كَانُوا يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ شَطَطًا قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِتَسْفِيهِهِمْ فِي ذَلِكَ.
وَالشَّطَطُ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَمَا يَخْرُجُ عَنِ الْعَدْلِ وَالصَّوَابِ، وَتَقَدَّمُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلا تُشْطِطْ فِي سُورَةِ ص [22] . وَالْمُرَادُ بِالشَّطَطِ إِثْبَاتُ مَا نَفَاهُ قَوْلُهُ: وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [الْجِنّ: 2] وَقَوْلُهُ: مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً [الْجِنّ: 3] وَضَمِيرُ وَأَنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
وَالْقَوْلُ فِيهِ وَفِي التَّأْكِيدِ بِ (إِنَّ) مَكْسُورَةً أَوْ مَفْتُوحَةً كَالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا [الْجِنّ: 3] إِلَخ.
(29/223)

وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)
[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 5]
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (5)
قَرَأَ هَمْزَةَ إِنَّ بِالْكَسْرِ الْجُمْهُورُ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَقَرَأَهَا بِالْفَتْحِ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ.
فَعَلَى قِرَاءَةِ كَسْرِ (إِنَّ) هُوَ مِنَ الْمَحْكِيِّ بِالْقَوْلِ، وَمَعْنَاهُ الِاعْتِذَارُ عَمَّا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُمْ:
فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [الْجِنّ: 2] مِنْ كَوْنِهِمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ لِجَهْلِهِمْ وَأَخْذِهِمْ قَوْلَ سُفَهَائِهِمْ يَحْسَبُونَهُمْ لَا يَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ.
وَالتَّأْكِيدُ بِ إِنَّ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ عُذْرِهِمْ فِيمَا سَلَفَ مِنَ الْإِشْرَاكِ، وَتَأْكِيدِ الْمَظْنُونِ بِ لَنْ المفيدة لتأييد النَّفْيِ يُفِيدُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَوَغِّلِينَ فِي حُسْنِ ظَنِّهِمْ بِمَنْ ضَلَّلُوهُمْ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظَّنَّ هُنَا بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَهُوَ يَقِينٌ مُخْطِئٌ.
وَعَلَى قِرَاءَةِ الْفَتْحِ هُوَ عَطْفٌ عَلَى الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَآمَنَّا بِهِ [الْجِنّ: 2] فَالْمَعْنَى: وَآمَنَّا فَإِنَّمَا ظَنَنَّا ذَلِكَ فَأَخْطَأْنَا فِي ظَنِّنَا.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةَ إِشَارَةٌ إِلَى خَطَرِ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقِيدَةِ، وَأَنَّهَا لَا يَجُوزُ فِيهَا الْأَخْذُ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُقَلَّدِ بِفَتْحِ اللَّامِ بَلْ يَتَعَيَّنُ النَّظَرُ وَاتِّهَامُ رَأْيِ الْمُقَلَّدِ حَتَّى يَنْهَضَ دَلِيلُهُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تَقُولَ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الْوَاوِ. وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْوَاوُ مُشَدَّدَةٌ، مِنَ التَّقَوُّلِ وَهُوَ نِسْبَةُ كَلَامٍ إِلَى مَنْ لَمْ يَقُلْهُ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْكَذِبِ وَأَصْلُهُ تَتَقَوَّلُ بِتَاءَيْنِ فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَكُونُ كَذِباً مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلِ تَقُولَ لِأَنَّهُ مرادفه.
[6]

[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 6]
وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (6)
قَرَأَ الْجُمْهُورُ هَمْزَةَ وَأَنَّهُ بِالْكَسْرِ. وَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَأَبُو
(29/224)

وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)
وجعفر وَخَلَفٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَطْفًا عَلَى الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُوَ قَوْلُهُ: فَزادُوهُمْ رَهَقاً وَأَمَّا قَوْلُهُ: كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ إِلَخْ، فَهُوَ تَمْهِيدٌ لِمَا بَعْدَهُ.
وَإِطْلَاقُ الرِّجَالِ عَلَى الْجِنِّ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ وَالْمُشَاكَلَةِ لِوُقُوعِهِ مَعَ رِجَالٍ مِنَ الْإِنْسِ فَإِنَّ الرَّجُلَ اسْمٌ لِلذَّكَرِ الْبَالِغِ مِنْ بَنِي آدَمَ.
وَالتَّأْكِيدُ بِ (إِنَّ) مَكْسُورَةً أَوْ مَفْتُوحَةً رَاجِعٌ إِلَى مَا تَفَرَّعَ عَلَى خَبَرِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ فَزادُوهُمْ رَهَقاً.
وَالْعَوْذُ: الِالْتِجَاءُ إِلَى مَا يُنْجِي مِنْ شَيْءٍ يَضُرُّ، قَالَ تَعَالَى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ [الْمُؤْمِنُونَ: 97] ، فَإِذَا حُمِلَ الْعَوْذَ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ يَلْتَجِئُونَ إِلَى الْجِنِّ لِيَدْفَعَ الْجِنُّ عَنْهُمْ بَعْضَ الْأَضْرَارِ فَوَقَعَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِمَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْمُشْرِكُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا سَارَ أَحَدُهُمْ فِي مَكَانٍ قَفْرٍ وَوَحْشٍ أَوْ تَعَزَّبَ فِي الرَّعْيِ كَانُوا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّ الْجِنَّ تَسْكُنُ الْقَفْرَ وَيَخَافُونَ تَعَرُّضَ الْجِنِّ وَالْغِيلَانِ لَهُمْ وَعَبَثَهَا بِهِمْ فِي اللَّيْلِ فَكَانَ الْخَائِفُ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا عَزِيزَ هَذَا الْوَادِي إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ السُّفَهَاءِ الَّذِينَ فِي طَاعَتِكَ، فَيَخَالُ أَنَّ الْجِنِّيَّ الَّذِي بِالْوَادِي يَمْنَعُهُ، قَالُوا: وَأَوَّلُ مَنْ سَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ثُمَّ بَنُو حَنِيفَةَ ثُمَّ فَشَا ذَلِكَ فِي الْعَرَبِ وَهِيَ أَوْهَامٌ وَتَخَيُّلَاتٌ.
وَزَعَمَ أَهْلُ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَى فَزادُوهُمْ رَهَقاً أَنَّ الْجِنَّ كَانُوا يَحْتَقِرُونَ الْإِنْسَ بِهَذَا الْخَوْفِ فَكَانُوا يُكْثِرُونَ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ وَالتَّخَيُّلِ إِلَيْهِمْ فَيَزْدَادُونَ بِذَلِكَ مَخَافَةً.
وَالرَّهَقُ: الذُّلُّ.
وَالَّذِي أَخْتَارُهُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْعَوْذَ هُنَا هُوَ الِالْتِجَاءُ إِلَى الشَّيْء والالتفات حَوْلَهُ.
وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ اتِّقَاءَ شَرِّهَا. وَمَعْنَى فَزادُوهُمْ رَهَقاً فَزَادَتْهُمْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ ضَلَالًا. وَالرَّهَقُ: يُطْلَقُ على الْإِثْم.
[7]

[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 7]
وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (7)
قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَوَافَقَهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ وَأَنَّهُمْ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَخَلَفٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى اعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا [الْجِنّ: 3] .
(29/225)

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9)
وَالْمَعْنَى: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْإِنْسِ ظَنُّوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَبْعَثُ أَحَدًا، أَوْ وَأَنَّا آمَنَّا بِأَنَّهُمْ ظَنُّوا
كَمَا ظَنَنْتُمْ إِلَخْ، أَيْ آمَنَّا بِأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا فِي ظَنِّهِمْ.
وَالتَّأْكِيدُ بِ (إِنَّ) الْمَكْسُورَةِ أَوِ الْمَفْتُوحَةِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ لِغَايَتِهِ. وَالْبَعْثُ يَحْتَمِلُ بَعْثَ الرُّسُلِ وَيَحْتَمِلُ بَعْثَ الْأَمْوَاتِ لِلْحَشْرِ، أَيْ حَصَلَ لَهُمْ مِثْلَمَا حَصَلَ لَكُمْ من إِنْكَار الْحَشْر وَمن إِنْكَارِ إِرْسَالِ الرُّسُلِ.
وَالْإِخْبَارُ عَنْ هَذَا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ فَسَادَ اعْتِقَادِهِمْ تَجَاوَزَ عَالَمَ الْإِنْسِ إِلَى عَالَمِ الْجِنِّ.
وَجُمْلَةُ كَما ظَنَنْتُمْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ظَنُّوا وَمَعْمُولِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ يَقُولُ الْجِنُّ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ يُشَبِّهُونَ كُفَّارَهُمْ بِكُفَّارِ الْإِنْسِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُخَاطَبِ بِهِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِي أَمَرَ رَسُولَهُ بِأَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ، وَهَذَا الْوَجْهُ يَتَعَيَّنُ إِذَا جَعَلْنَا الْقَوْلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا [الْجِنّ:
1] عِبَارَةً عَمَّا جَالَ فِي نُفُوسِهِمْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ هُنَالِكَ.
وأَنْ مِنْ قَوْلِهِ: أَنْ لَنْ يَبْعَثَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
وَجُمْلَةُ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً خَبَرُهُ. وَالتَّعْبِيرُ بِحَرْفِ تَأْبِيدِ النَّفْيِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ مُتَرَدِّدِينَ فِي إِحَالَةِ وُقُوع الْبَعْث.
[8- 9]

[سُورَة الْجِنّ (72) : الْآيَات 8 إِلَى 9]
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (9)
قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَوَافَقَهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَخَلَفٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَطْفًا عَلَى الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِهِ عَلَى الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ هُوَ قَوْلُهُ: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً وَالتَّأْكِيدُ بِ (إِنَّ) فِي قَوْلِهِمْ: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ لِغَرَابَةِ الْخَبَرِ بِاعْتِبَارِ مَا يَلِيهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ إِلَخْ.
(29/226)

وَاللَّمْسُ: حَقِيقَتُهُ الْجَسُّ بِالْيَدِ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى اخْتِبَارِ أَمْرٍ لِأَنَّ إِحْسَاسَ الْيَدِ أَقْوَى إِحْسَاسٍ، فَشبه بِهِ الِاخْتِيَار عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ كَمَا أُطْلِقَ مُرَادِفُهُ وَهُوَ الْمَسُّ عَلَى الِاخْتِبَارِ فِي قَوْلِ يَزِيدَ بْنِ الْحَكَمِ الْكِلَابِيِّ:
مَسَسْنَا مِنَ الْآبَاءِ شَيْئًا فَكُلُّنَا ... إِلَى نَسَبٍ فِي قَوْمِهِ غَيْرِ وَاضِعِ
أَيْ اخْتَبَرْنَا نَسَبَ آبَائِنَا وَآبَائِكُمْ فَكُنَّا جَمِيعًا كِرَامَ الْآبَاءِ.
ومُلِئَتْ: مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى كَثُرَ فِيهَا. وَحَقِيقَة الملء عمر فَرَاغِ الْمَكَانِ أَوِ الْإِنَاءِ بِمَا يَحُلُّ فِيهِ، فَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى كَثْرَةِ الشُّهُبِ وَالْحُرَّاسِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ.
وَالْحَرَسُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْحُرَّاسِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ مِثْلَ خَدَمٍ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الْوَاحِدُ مِنْهُ بِالْحَرَسِيِّ. وَوُصِفَ بِشَدِيدٍ وَهُوَ مُفْرَدٌ نَظَرًا إِلَى لَفْظِ حَرَسٍ كَمَا يُقَالُ: السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَلَوْ نُظِرَ إِلَى مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْآحَادِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: شِدَادٌ. وَالطَّوَائِفُ مِنَ الْحَرَسِ أَحْرَاسٌ.
وَالشُّهُبُ: جَمْعُ شِهَابٍ وَهُوَ الْقِطْعَةُ الَّتِي تَنْفَصِلُ عَنْ بَعْضِ النُّجُومِ فَتَسْقُطُ فِي الْجَوِّ أَوْ فِي الْأَرْضِ أَوِ الْبَحْرِ وَتَكُونُ مُضَاءَةً عِنْدَ انْفِصَالِهَا ثمَّ يَزُول ضوؤها بِبُعْدِهَا عَنْ مُقَابَلَةِ شُعَاعِ الشَّمْسِ وَتُسَمَّى الْوَاحِدُ مِنْهَا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ نَيْزَكًا بِاسْمِ الرُّمْحِ الْقَصِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ الصَّافَّاتِ.
وَالْمَعْنَى: إِنَّنَا اخْتَبَرْنَا حَالَ السَّمَاءِ لِاسْتِرَاقِ السَّمْعِ فَوَجَدْنَاهَا كَثِيرَةَ الْحُرَّاسِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَكَثِيرَةَ الشُّهُبِ لِلرَّجْمِ، فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الشُّهُبَ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ بَعْثِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ظَنَّهُ الْجَاحِظُ فَإِنَّ الْعَرَبَ ذَكَرُوا تَسَاقُطَ الشُّهُبِ فِي بَعْضِ شِعْرِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. كَمَا قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» وَذَكَرَ شَوَاهِدَهُ مِنَ الشِّعْرِ الْجَاهِلِيِّ.
نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْهَا أَنَّ الشُّهُبَ تَكَاثَرَتْ فِي مُدَّةِ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ حِفْظًا لِلْقُرْآنِ مِنْ دَسَائِسِ الشَّيَاطِينِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْكَلَامُ تَوْطِئَةٌ وَتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِمْ بَعْدَهُ: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ إِلَى آخِرِهِ، إِذِ الْمَقْصُودُ أَنْ يُخْبِرُوا مَنْ لَا خَبَرَ عِنْدَهُ مِنْ نَوْعِهِمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ تَبَيَّنُوا سَبَبَ شِدَّةِ حِرَاسَةِ السَّمَاءِ وَكَثْرَة الشهب، وَأما نفس الحراسة وَكَثْرَةِ الشُّهُبِ فَإِنَّ الْمُخْبَرِينَ (بِفَتْحِ الْبَاءِ) يُشَاهِدُونَهُ.
(29/227)

وَقَوْلُهُ: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ إِلَخْ قَرَأَهُ بِكَسْرِ الْهمزَة الَّذين قرأوا بِالْكَسْرِ قَوْلَهُ: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ وَبِفَتْحِ الْهمزَة الَّذين قرأوا بِالْفَتْحِ وَهَذَا مِنْ تَمَامِ قَوْلِهِمْ:
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَإِنَّمَا أُعِيدَ مَعَهُ كَلِمَةُ وَأَنَّا لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي تَضَمَّنُهُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَأَنَّ مَا قَبْلَهُ كَالتَّوْطِئَةِ لَهُ فَإِعَادَةُ وَأَنَّا
تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ.
وَحَقِيقَةُ الْقُعُودِ الْجُلُوسُ وَهُوَ ضِدُّ الْقِيَامِ، أَيْ هُوَ جَعْلُ النِّصْفِ الْأَسْفَلِ مُبَاشِرًا لِلْأَرْضِ مُسْتَقِرًّا عَلَيْهَا وَانْتِصَابُ النِّصْفِ الْأَعْلَى. وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي مُلَازَمَةِ الْمَكَانِ زَمَنًا طَوِيلًا لِأَنَّ مُلَازَمَةَ الْمَكَانِ مِنْ لَوَازِمِ الْقُعُودِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التَّوْبَة: 5] .
وَالْمَقَاعِدُ: جَمْعُ مَقْعَدٍ وَهُوَ مَفْعَلٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْقُعُودُ، وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى مَكَانِ الْمُلَازَمَةِ فَإِنَّ الْقُعُودَ يُطْلَقُ عَلَى مُلَازَمَةِ الْحُصُولِ كَمَا فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِلسَّمْعِ لَامُ الْعِلَّةِ أَيْ لِأَجْلِ السَّمْعِ، أَيْ لِأَنْ نَسْمَعَ مَا يَجْرِي فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ مِنْ تَصَارِيفِ الْمَلَائِكَةِ بِالتَّكْوِينِ وَالتَّصْرِيفِ، وَلَعَلَّ الْجِنَّ مُنْسَاقُونَ إِلَى ذَلِكَ بِالْجِبِلَّةِ كَمَا تَنْسَاقُ الشَّيَاطِينُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ، وَضَمِيرُ مِنْها لِلسَّمَاءِ.
وَ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ مِنْ سَاحَاتِهَا وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِ نَقْعُدُ، وَلَيْسَ الْمَجْرُورُ حَالًا مِنْ مَقاعِدَ مُقَدَّمًا عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَالِهِمْ فِي السَّمَاءِ فَالْعِنَايَةُ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ الْقُعُودِ أَوْلَى، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ كَعْبٍ:
يَمْشِي الْقُرَادُ عَلَيْهَا ثُمَّ يُزْلِقُهُ ... مِنْهَا لَبَانٌ وَأَقْرَبُ زَهَالِيلُ
فَقَوْلُهُ (مِنْهَا) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (يُزْلِقُهُ) وَلَيْسَ حَالًا مِنْ (لَبَانٍ) .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَرَى عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ مَبْحَثٌ فِي مَبَاحِثِ فَصَاحَةِ الْكَلِمَاتِ نَسَبَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْمَثَلِ السَّائِرِ» إِلَى ابْنِ سِنَانٍ الْخَفَاجِيِّ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الْكَلَامِ مَا مَعَهُ قَرِينُهُ فَأَوْجَبَ قُبْحَهُ كَقَوْلِ الرَّضِيِّ فِي رِثَاءِ الصَّابِي:
أَعْزِزْ عَلَيَّ بِأَنْ أَرَاكَ وَقَدْ خَلَا ... عَنْ جَانِبَيْكَ مَقَاعِدُ الْعُوَّادِ
فَإِنَّ إِيرَادَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ (أَيْ مَقَاعِدَ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّهُ يُوَافِقُ مَا
(29/228)

يُكْرَهُ ذِكْرُهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَضَافَهُ إِلَى مَنْ يُحْتَمَلُ إِضَافَتُهُ (أَيْ مَا يُكْرَهُ) إِلَيْهِ وَهُمُ الْعُوَّادُ. وَلَوِ انْفَرَدَ لَكَانَ الْأَمْرُ فِيهِ سَهْلًا. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ الْمَعِيبَةُ فِي شِعْرِ الرَّضِيِّ قَدْ جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ فَجَاءَتْ حَسَنَةً مَرْضِيَّةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمرَان:
121] وَقَوْلِهِ: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ غَيْرُ مُضَافَةٍ إِلَى مَنْ تَقْبُحُ إِضَافَتُهَا إِلَيْهِ وَلَوْ قَالَ الشَّاعِرُ بَدَلًا مِنْ مَقَاعِدِ الْعُوَّادِ مَقَاعِدَ الزِّيَارَةِ
لَزَالَتْ تِلْكَ الْهُجْنَةُ اهـ. وَأَقُولُ: إِنَّ لِمُصْطَلَحَاتِ النَّاسِ فِي اسْتِعْمَالِ الْكَلِمَاتِ أَثَرًا فِي وَقْعِ الْكَلِمَاتِ عِنْدَ الْأَفْهَامِ.
وَالْفَاءُ الَّتِي فُرِّعَتْ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً تَفْرِيعٌ عَلَى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كُنَّا وترتب الشَّرْط وجزائه عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُهُ: كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا (أَيْ مِنَ السَّمَاءِ) مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَنَسْتَمِعُ أَشْيَاءَ فَمَنْ يَسْتَمِعُ الْآنَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ السَّمَاعِ.
وَكَلِمَةُ الْآنَ مُقَابِلُ كَلِمَةِ كُنَّا، أَيْ كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ انْقَضَى.
وَجِيءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ فِي التَّفْرِيعِ لِأَنَّ الْغَرَضَ تَحْذِيرُ إِخْوَانِهِمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلِاسْتِمَاعِ لِأَنَّ الْمُسْتَمِعَ يَتَعَرَّضُ لِأَذَى الشُّهُبِ.
وَالْجِنُّ لَا تَنْكُفُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مُنْسَاقُونَ إِلَيْهِ بِالطَّبْعِ مَعَ مَا يَنَالُهُمْ مِنْ أَذَى الرَّجْمِ وَالِاحْتِرَاقِ، شَأْنَ انْسِيَاقِ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَى مَا خُلِقَتْ لَهُ مِثْلَ تَهَافُتِ الْفَرَاشِ عَلَى النَّارِ، لِاحْتِمَالِ ضَعْفِ الْقُوَّةِ الْمُفَكِّرَةِ فِي الْجِنِّ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الشَّهْوَةُ، وَنَحْنُ نَرَى الْبَشَرَ يَقْتَحِمُونَ الْأَخْطَارَ وَالْمَهَالِكَ تَبَعًا لِلْهَوَى مِثْلَ مُغَامَرَاتِ الْهُوَاةِ فِي الْبِحَارِ وَالْجِبَال والثلوج.
وَوَقع شِهاباً فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ يُفِيدُ الْعُمُومَ لِأَنَّ سِيَاقَ الشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ سِيَاقِ النَّفْيِ فِي إِفَادَةِ عُمُومِ النَّكِرَةِ.
وَالرَّصَدُ: اسْمُ جَمْعِ رَاصِدٍ وَهُوَ الْحَافِظُ لِلشَّيْءِ وَهُوَ وَصْفٌ لِ شِهاباً، أَيْ شُهُبًا رَاصِدَةً، وَوَصْفُهَا بِالرَّصَدِ اسْتِعَارَةٌ شُبِّهَتْ بِالْحُرَّاسِ الرَّاصِدِينَ. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى انْقِرَاضِ الْكِهَانَةِ إِذِ الْكَاهِنُ يَتَلَقَّى مِنَ الْجِنِّيِّ أَنْبَاءً مُجْمَلَةً بِمَا يَتَلَقَّفُهُ الْجِنِّيُّ مِنْ خَبَرِ الْغَيْبِ تَلَقُّفَ اخْتِطَافٍ نَاقِصًا فَيُكْمِلُهُ الْكَاهِنُ بِحَدْسِهِ بِمَا يُنَاسِبُ مَجَارِيَ أَحْوَالِ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «فَيَزِيدُ عَلَى تِلْكَ الْكَلِمَةِ مِائَةَ كِذْبَةٍ»
.
(29/229)

وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)
وَأَمَّا اتِّصَالُ نُفُوسِ الْكُهَّانِ بِالنُّفُوسِ الشَّيْطَانِيَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَنَاسُبٍ بَيْنَ النُّفُوسِ، وَمُعْظَمُهُ أَوْهَامٌ.
وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ»
. أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ الْجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الْوَحْيَ» (أَيْ وَحْيَ اللَّهِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ بِتَصَارِيفِ الْأُمُورِ) فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعُوا، فَقَالُوا: مَا هَذَا إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ فَضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ يَتَحَسَّسُونَ السَّبَبَ فَلَمَّا وَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ قَائِمًا يُصَلِّي بِمَكَّةَ قَالُوا: هَذَا الَّذِي حَدَثَ فِي الْأَرْضِ فَقَالُوا لِقَوْمِهِمْ: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [الْجِنّ: 1] الْآيَةَ وَأنزل على نبيئه قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ

[الْجِنِّ: 1] وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ اهـ.
وَلَعَلَّ كَيْفِيَّةَ حُدُوثِ رَجْمِ الْجِنِّ بِالشُّهُبِ كَانَ بِطَرِيقَةِ تَصْرِيفِ الْوَحْيِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فِي مَجَارٍ تَمُرُّ عَلَى مَوَاقِعِ انْقِضَاضِ الشُّهُبِ حَتَّى إِذَا اتَّصَلَتْ قُوَى الْوَحْيِ بِمَوْقِعِ أَحَدِ الشُّهُبِ انْفَصَلَ الشِّهَابُ بِقُوَّةِ مَا يَغُطُّهُ مِنَ الْوَحْيِ فَسَقَطَ مَعَ مَجْرَى الْوَحْيِ لِيَحْرُسَهُ مِنِ اقْتِرَابِ الْمُسْتَرِقِ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الْمَلَكِ الْمُوحَى إِلَيْهِ فَلَا يَجِدُ فِي طَرِيقِهِ قُوَّةً شَيْطَانِيَّةً أَوْ جِنِّيَّةً إِلَّا أَحْرَقَهَا وَبَخَّرَهَا فَهَلَكَتْ أَوِ اسْتُطِيرَتْ وَبِذَلِكَ بَطَلَتِ الْكِهَانَةُ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الرسَالَة المحمدية.
[10]

[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 10]
وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (10)
قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَعْنَى، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَخَلَفٌ بِفَتْحِهَا عَطْفًا عَلَى الْمَجْرُورِ وبالباء كَمَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَآمَنَّا بِأَنَّا انْتَفَى عِلْمُنَا بِمَا يُرَادُ بِالَّذِينَ فِي الْأَرْضِ، أَيْ النَّاسِ، أَيْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَرِقُونَ عِلْمَ ذَلِكَ فَلَمَّا حُرِسَتِ السَّمَاءُ انْقَطَعَ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ. هَذَا تَوْجِيهُ الْقِرَاءَةِ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنَّا وَمُحَاوَلَةُ غَيْرِ هَذَا تَكَلُّفٌ.
وَهَذِهِ نَتِيجَةٌ نَاتِجَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ [الْجِنّ: 9] إِلَخْ لِأَنَّ ذَلِكَ السَّمْعَ كَانَ لِمَعْرِفَةِ مَا يَجْرِي بِهِ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلَائِكَةِ وَمِمَّا يُخْبِرُهُمْ بِهِ مِمَّا يُرِيدُ إِعْلَامَهُمْ بِهِ فَكَانُوا عَلَى عِلْمٍ مِنْ بَعْضِ مَا يَتَلَقَّفُونَهُ فَلَمَّا مُنِعُوا السَّمْعَ صَارُوا لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرُوا إِخْوَانَهُمْ بِهَذَا عَسَاهُمْ أَنْ يَعْتَبِرُوا بِأَسْبَابِ هَذَا التَّغَيُّرِ
(29/230)

وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11)
فَيُؤْمِنُوا بِالْوَحْيِ الَّذِي حَرَسَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَ الَّذِي يُوحَى بِهِ إِلَيْهِ وَالَّذِي يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ.
فَحَاصِلُ الْمَعْنَى: إِنَّا الْآنَ لَا نَدْرِي مَاذَا أُرِيدَ بِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ شَرٍّ أَوْ خَيْرٍ بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَتَجَسَّسُ الْخَبَرَ فِي السَّمَاءِ.
وَهَذَا تَمْهِيدٌ لِمَا سيقولونه من قَوْله: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ [الْجِنّ: 11] ثُمَّ قَوْلِهِمْ:
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ [الْجِنّ: 12] ثُمَّ قَوْلِهِمْ: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ إِلَى قَوْله: كانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
[الْجِنّ: 13- 15] .
وَمَفْعُولُ نَدْرِي هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً وَهُوَ الَّذِي عَلَّقَ فِعْلَ نَدْرِي عَنِ الْعَمَلِ، وَالِاسْتِفْهَامُ حَقِيقِيٌّ وَعَادَةُ الْمُعْرِبِينَ لِمِثْلِهِ أَنْ يُقَدِّرُوا مَفْعُولًا يُسْتَخْلَصُ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ تَقْدِيرُهُ: لَا نَدْرِي جَوَابَ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ، وَذَلِكَ تَقْدِيرُ مَعْنًى لَا تَقْدِيرُ إِعْرَابٍ. هَذَا هُوَ تَفْسِيرُ الْآيَةَ عَلَى
الْمَعْنَى الْأَكْمَلِ وَهِيَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الْأَحْقَاف: 9] .
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهَا فِيمَا نَرَى أَنَّهُمْ يَنْفُونَ أَنْ يَعْلَمُوا مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذِهِ الشُّهُبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِالْقُرْآنِ إِذْ قَالُوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الْجِنّ: 1، 2] وَقَوْلُهُمْ: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [الْجِنّ:
9] فَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ يَدْرُونَ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ خَيْرًا بِهَذَا الدِّينِ وَبِصَرْفِ الْجِنِّ عَنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ.
وَتَكْرِيرُ (إِنَّ) وَاسْمِهَا لِلتَّأْكِيدِ لِكَوْنِ هَذَا الْخَبَرِ مُعَرَّضًا لِشَكِّ السَّامِعِينَ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ لَمْ يَخْتَبِرُوا حِرَاسَةَ السَّمَاءِ.
وَالرَّشَدُ: إِصَابَةُ الْمَقْصُودِ النَّافِعِ وَهُوَ وَسِيلَةٌ لِلْخَيْرِ، فَلِهَذَا الِاعْتِبَارِ جُعِلَ مُقَابِلًا لِلشَّرِّ وَأُسْنِدَ فِعْلُ إِرَادَةِ الشَّرِّ إِلَى الْمَجْهُولِ وَلَمْ يُسْنَدْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّ مُقَابِلَهُ أُسْنِدَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً، جَرْيًا عَلَى وَاجِبِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَحَاشِي إِسْنَادِ الشَّرّ إِلَيْهِ.
[11]

[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 11]
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً
(29/231)

(11)
قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَخَلَفٌ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْجِنِّ.
وَقِرَاءَةُ فَتْحِ الْهَمْزَةِ عَطْفٌ عَلَى الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ، أَيْ آمَنَّا بِأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ، أَيْ أَيْقَنَّا بِذَلِكَ وَكُنَّا فِي جَهَالَةٍ عَنْ ذَلِكَ.
ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ آثَارُ التَّوْفِيقِ فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ أَصْبَحُوا فَرِيقَيْنِ فَرِيقٌ صَالِحُونَ وَفَرِيقٌ لَيْسُوا بِصَالِحِينَ، وَهُمْ يَعْنُونَ بِالصَّالِحِينَ أَنْفُسَهُمْ وَبِمَنْ دُونَ الصَّلَاحِ بَقِيَّةُ نَوْعِهِمْ، فَلَمَّا قَامُوا مَقَامَ دَعْوَةِ إِخْوَانِهِمْ إِلَى اتِّبَاعِ طَرِيقِ الْخَيْرِ لَمْ يُصَارِحُوهُمْ بِنِسْبَتِهِمْ إِلَى الْإِفْسَادِ بَلْ أُلْهِمُوا وَقَالُوا مِنَّا الصَّالِحُونَ، ثُمَّ تَلَطَّفُوا فَقَالُوا: وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ، الصَّادِقُ بِمَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةٍ فِي الشَّرِّ وَالْفَسَادِ لِيَتَطَلَّبَ الْمُخَاطَبُونَ دَلَائِلَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا لَهُمُ احْتِمَالَ أَنْ يُعْنَى بِالصَّالِحِينَ الْكَامِلُونَ فِي الصَّلَاحِ فَيَكُونُ الْمَعْنِيُّ بِمَنْ دُونَ ذَلِكَ مَنْ هُمْ دُونَ مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ فِي الصَّلَاحِ، وَهَذَا مِنْ بَلِيغِ الْعِبَارَاتِ فِي الدَّعْوَةِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى الْخَيْرِ.
ودُونَ: اسْمٌ بِمَعْنَى (تَحْتَ) ، وَهُوَ ضِدُّ فَوْقَ وَلِذَلِكَ كَثُرَ نَصْبُهُ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ
الْمَكَانِيَّةِ، أَيْ فِي مَكَانٍ مُنْحَطٍّ عَنِ الصَّالِحِينَ.
وَالتَّقْدِيرُ: وَمِنَّا فَرِيقٌ فِي مَرْتَبَةٍ دُونَهُمْ.
وَظَرْفِيَّةُ دُونَ مَجَازِيَّةٌ. وَوَقَعَ الظَّرْفُ هُنَا ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا فِي مَحَلِّ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَرِيقٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 164] وَيَطَّرِدُ حَذْفُ الْمَوْصُوفِ إِذَا كَانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِحَرْفِ (مِنْ) مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وَكَانَتِ الصِّفَةُ ظَرْفًا كَمَا هُنَا، أَوْ جُمْلَةً كَقَوْلِ الْعَرَبِ: مِنَّا ظَعَنَ وَمِنَّا أَقَامَ.
وَقَوْلُهُ: كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، شَبَّهَ تَخَالُفَ الْأَحْوَالِ وَالْعَقَائِدِ بِالطَّرَائِقِ تُفْضِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَى مَكَانٍ لَا تُفْضِي إِلَيْهِ الْأُخْرَى.
وطَرائِقَ: جَمْعُ طَرِيقَةٍ، وَالطَّرِيقَةُ هِيَ الطَّرِيقُ، وَلَعَلَّهَا تَخْتَصُّ بِالطَّرِيقِ الْوَاسِعِ الْوَاضِحِ لِأَنَّ التَّاءَ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ دَارٍ وَدَارَةٍ، وَمِثْلَ مَقَامٍ وَمَقَامَةٍ، وَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِهَا أَفْلَاكُ الْكَوَاكِبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ [الْمُؤْمِنُونَ: 17] وَوُصِفَتْ بِالْمُثْلَى فِي قَوْلِهِ: وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى [طه: 63] .
وَوَصْفُ طَرائِقَ بِ قِدَداً، وَهُوَ اسْمُ جَمْعِ قِدَّةٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ
(29/232)

وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12)
الدَّالِ وَالْقِدَّةُ: الْقِطْعَةُ مِنْ جِلْدٍ وَنَحْوِهِ الْمَقْطُوعَةُ طُولًا كَالسَّيْرِ، شُبِّهَتِ الطَّرَائِقُ فِي كَثْرَتِهَا بِالْقِدَدِ الْمُقْتَطَعَةِ مِنَ الْجِلْدِ يَقْطَعُهَا صَانِعُ حِبَالِ الْقِدِّ كَانُوا يُقَيِّدُونَ بِهَا الْأَسْرَى.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِخْوَتَهُمْ إِلَى وَحْدَةِ الِاعْتِقَادِ بِاقْتِفَاءِ هُدَى الْإِسْلَامِ، فَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْرِيضِ بِذَمِّ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْقَوْمِ وَأَنَّ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَتَّحِدُّوا وَيَتَطَلَّبُوا الْحَقَّ لِيَكُونَ اتِّحَادُهُمْ عَلَى الْحَقِّ.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَائِدَةَ الْخَبَرِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَالتَّوْكِيدُ بِ (إِنَّ) مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْمَعْنى التعريضي.
[12]

[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 12]
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (12)
قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ وَأَنَّا. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَخَلَفٌ بِفَتْحِهَا عَطْفًا عَلَى الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ: فَآمَنَّا بِهِ [الْجِنّ: 2] . وَالتَّقْدِير:
وءامنا بِأَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ. وَذِكْرُ فِعْلِ ظَنَنَّا تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِفِعْلِ «آمَنَّا» الْمُقَدَّرِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَقِينٌ وَأُطْلِقَ الظَّنُّ هُنَا عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ إِطْلَاقٌ كَثِيرٌ.
لَمَّا كَانَ شَأْنُ الصَّلَاحِ أَنْ يَكُونَ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَشَأْنُ ضِدِّهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ [الْبَقَرَة: 205] أَعْقَبُوا لِتَعْرِيضِ الْإِقْلَاعِ عَنْ ضِدِّ الصَّلَاحِ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَدَّ لِغَيْرِ الصَّالِحِينَ عِقَابًا فَأَيْقَنُوا أَنَّ عِقَابَ اللَّهِ لَا يفلت مِنْهُ أَحَدٍ اسْتَحَقَّهُ. وَقَدَّمُوهُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى [الْجِنّ: 13] الْآيَةَ، لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَالتَّخْلِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ، وَقَدِ اسْتَفَادُوا عِلْمَ ذَلِكَ مِمَّا سَمِعُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ إِذْ لَمْ يَكُونُوا مُخَاطَبِينَ بِتَعْلِيمٍ فِي أُصُولِ الْعَقَائِدِ، فَلَمَّا أَلْهَمَهُمُ اللَّهُ لِاسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا أُصُولَ الْعَقَائِدِ حَذَّرُوا إِخْوَانَهُمُ اعْتِقَادَ الشِّرْكِ وَوَصْفَ اللَّهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ الْبَاطِلَ لَا يُقِرُّهُ الْإِدْرَاكُ الْمُسْتَقِيمُ بَعْدَ تَنْبِيهِهِ لِبُطْلَانِهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ هَذَا النَّفَرَ مِنَ الْجِنِّ نَذِيرًا لِإِخْوَانِهِمْ وَمُرْشِدًا إِلَى الْحَقِّ الَّذِي أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ.
(29/233)

وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13)
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِها [الْأَعْرَاف: 179] الْآيَةَ فَقَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّ عِقَابَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالْإِشْرَاكِ، أَوْ أُرِيدَ بِالْجِنِّ الشَّيَاطِينُ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ مِنْ جِنْسِ الْجِنِّ.
وَالْإِعْجَازُ: جَعْلُ الْغَيْرِ عَاجِزًا أَيْ غَيْرَ قَادِرٍ عَنْ أَمْرٍ بِذِكْرٍ مَعَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَجْزِ وَهُوَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْإِفْلَاتِ وَالنَّجَاةِ كَقَوْلِ إِيَاسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطَّائِيِّ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْأَرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ ... فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِنْ بِقَاعِهَا
أَيْ لَا تَفُوتُنِي وَلَا تَخْرُجُ عَنْ مُكْنَتِي.
وَذِكْرُ فِي الْأَرْضِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَرَبِ فِي قَوْلِهِ: وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً الْهَرَبُ مِنَ الرَّجْمِ بِالشُّهُبِ، أَيْ لَا تَطْمَعُوا أَنْ تَسْتَرِقُوا السَّمْعَ فَإِنَّ رَجْمَ الشُّهُبِ فِي السَّمَاءِ لَا يُخْطِئُكُمْ، فَابْتَدَأُوا الْإِنْذَارَ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا اسْتِنْزَالًا لِقَوْمِهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نُعْجِزَ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى مُغَالِبٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ [النَّحْل: 46] أَيْ لَا يَغْلِبُونَ قُدْرَتَنَا، وَيَكُونُ فِي الْأَرْضِ مَقْصُودًا بِهِ تَعْمِيمُ الْأَمْكِنَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ [الشورى: 31] ، أَيْ فِي مَكَانٍ كُنْتُمْ. وَالْمُرَادُ: أَنَّا لَا نَغْلِبُ اللَّهَ بِالْقُوَّةِ. وَيَكُونُ نُعْجِزَ الثَّانِي، بِمَعْنَى الْإِفْلَاتِ وَلِذَلِكَ بُيِّنَ بِ هَرَباً، وَالْهَرَبُ مَجَازٌ فِي الِانْفِلَاتِ مِمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِلْحَاقَهُ بِهِمْ مِنَ الرَّجْمِ وَالِاحْتِرَاقِ.
وَالظَّنُّ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي الْيَقِينِ بِقَرِينَةِ تَأْكِيدِ الْمَظْنُونِ بِحَرْفِ لَنْ الدَّالِّ عَلَى تَأْبِيدِ النَّفْي وتأكيده.
[13]

[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 13]
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (13)
قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَخَلَفٌ بِفَتْحِهَا عَطْفًا عَلَى الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ: فَآمَنَّا بِهِ [الْجِنّ: 2] .
وَالْمَقْصُودُ بِالْعَطْفِ قَوْلُهُ: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً، وَأَمَّا جُمْلَةُ لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَتَوْطِئَةٌ لِذَلِكَ.
(29/234)

بَعْدَ أَنْ ذَكَّرُوا قَوْمَهُمْ بِعَذَابِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا أَوِ اطْمَأَنُّوا بِتَذَكُّرِ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ، عَادُوا إِلَى تَرْغِيبِهِمْ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ. وَأُرِيدَ بِالْهُدَى الْقُرْآنُ إِذْ هُوَ الْمَسْمُوعُ لَهُمْ وَوَصَفُوهُ بِالْهُدَى لِلْمُبَالَغَةِ فِي أَنَّهُ هَادٍ.
وَمَعْنَى يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ، أَيْ بِوُجُودِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ إِحْضَارُ اسْمِهِ بِعُنْوَانِ الرَّبِّ إِذِ الرَّبُّ هُوَ الْخَالِقُ فَمَا لَا يَخْلُقُ لَا يُعْبَدُ.
وَجُمْلَةُ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ عَنِ الْجِنِّ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَلَامًا مِنَ اللَّهِ مُوَجَّهًا لِلْمُشْرِكِينَ وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ.
وَالْبَخْسُ: الْغَبْنُ فِي الْأَجْرِ وَنَحْوِهِ.
وَالرَّهَقُ: الْإِهَانَةُ، أَيْ لَا يَخْشَى أَنْ يُبْخَسَ فِي الْجَزَاءِ عَلَى إِيمَانِهِ وَلَا أَنْ يُهَانَ.
وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَا يُؤْمِنُ يُهَانُ بِالْعَذَابِ. وَالْخِلَافُ فِي كَسْرِ هَمْزَةِ أَنَّا وَفَتْحِهَا كَالْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَجُمْلَةُ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً جَوَابٌ لِشَرْطِ (مَنْ) جُعِلَتْ بِصُورَةِ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَقُرِنَتْ بِالْفَاءِ مَعَ أَنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ فِعْلٌ، وَشَأْنُ جَوَابِ الشَّرْطِ أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِالْفَاءِ إِلَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ صَالِحٍ لِأَنْ يَكُونَ فِعْلَ الشَّرْطِ فَكَانَ اقْتِرَانُهُ بِالْفَاءِ وَهُوَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مُشِيرًا إِلَى إِرَادَةِ جَعْلِهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِحَيْثُ تَكُونُ الْجُمْلَةُ اسْمِيَّةً، وَالِاسْمِيَّةُ تَقْتَرِنُ بِالْفَاءِ إِذَا وَقَعَتْ جَوَابَ شَرْطٍ، فَكَانَ التَّقْدِيرُ هُنَا: فَهُوَ لَا يَخَافُ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى تَحْقِيقِ سَلَامَتِهِ مِنْ
خَوْفِ الْبَخْسِ وَالرَّهَقِ، وَلِيَدُلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ الَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَتَقْدِيرُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ قَبْلَ الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ تَارَّةً وَالتَّقَوِّيَ أُخْرَى وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [الْبَقَرَة: 15] . وَاجْتَمَعَا هُنَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ» بِقَوْلِهِ: فَكَانَ دَالًّا عَلَى تَحْقِيقِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ نَاجٍ لَا مَحَالَةَ وَأَنَّهُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ. وَكَلَامُ «الْكَشَّافِ» اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ مَزِيَّةِ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَهُوَ يَقْتَضِي تَوْجِيهَ الْعُدُولِ عَنْ جَزْمِ الْفِعْلِ لِأَجْلِ ذَلِكَ.
وَقَدْ نَقُولُ: إِنَّ الْعُدُولَ عَنْ تَجْرِيدِ الْفِعْلِ مِنَ الْفَاءِ وَعَنْ جَزْمِهِ لِدَفْعِ إِيهَامِ أَنْ تَكُونَ لَا نَاهِيَةً، فَهَذَا الْعُدُولُ صَرَاحَةٌ فِي إِرَادَةِ الْوَعْدِ دُونَ احْتِمَالِ إِرَادَةِ النَّهْيِ.
وَفِي «شَرْحِ الدَّمَامِينِيِّ عَلَى التَّسْهِيلِ» : أَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ فِعْلًا مَنْفِيًّا
(29/235)

وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)
بِ (لَا) يَجُوزُ الِاقْتِرَانُ بِالْفَاءِ وَتَرْكُهُ. وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَكَلَامُ «الْكَشَّافِ» يَقْتَضِي أَنَّ الِاقْتِرَانَ بِالْفَاءِ وَاجِبٌ إِلَّا إِذَا قُصِدَتْ مَزِيَّةٌ أُخْرَى.
[14- 15]

[سُورَة الْجِنّ (72) : الْآيَات 14 الى 15]
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (14) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (15)
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَخَلَفٌ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْجِنِّ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ. وَالْمَقْصُودُ بِالْعَطْفِ قَوْلُهُ: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وَمَا قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ، أَيْ أَصْبَحْنَا بَعْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ مِنَّا الْمُسْلِمُونَ، أَيْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ مِمَّا يَلِيقُ بِحَالِهِمْ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ، أَيْ الْكَافِرُونَ الْمُعْرِضُونَ وَهَذَا تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِمْ: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ [الْجِنّ: 11] لِأَنَّ فِيهِ تَصْرِيحًا بِأَنَّ دُونَ ذَلِكَ هُوَ ضِدُّ الصَّلَاحِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ مُنْتَهَى مَا حُكِيَ عَنِ الْجِنِّ مِنَ الْمُدْرَكَاتِ الَّتِي عُبِّرَ عَنْهَا بِالْقَوْلِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (14) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (15) .
الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ عَنِ الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ عَنِ الْجِنِّ، وَأَنَّهُ كَلَامٌ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى
لِمَوْعِظَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ النَّاسِ فَهُوَ فِي مَعْنَى التَّذْيِيلِ. وَإِنَّمَا قُرِنَ بِالْفَاءِ لِتَفْرِيعِهِ عَلَى الْقِصَّةِ لِاسْتِخْلَاصِ الْعِبْرَةِ مِنْهَا، فَالتَّفْرِيعُ تَفْرِيعُ كَلَامٍ عَلَى كَلَامٍ وَلَيْسَ تَفْرِيعَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَالتَّحَرِّي: طَلَبُ الْحَرَا بِفَتْحَتَيْنِ مَقْصُورًا وَاوِيًّا، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ، يُقَالُ: بِالْحَرِيِّ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، وَأَحْرَى أَنْ تَفْعَلَ.
وَالرَّشَدُ: الْهُدَى وَالصَّوَابُ، وَتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدْ تَوَخَّى سَبَبَ النَّجَاةِ وَمَا يَحْصُلُ بِهِ الثَّوَابُ لِأَنَّ الرَّشَدَ سَبَبُ ذَلِكَ.
وَالْقَاسِطُ: اسْمُ فَاعِلِ قَسَطَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ قَسْطًا بِفَتْحِ الْقَافِ وَقُسُوطًا بِضَمِّهَا، أَيْ جَارٍ فَهُوَ كَالظُّلْمِ يُرَادُ بِهِ ظُلْمُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ بِالْإِشْرَاكِ. وَفِي «الْكَشَّافِ» :
(29/236)

وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)
أَنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ حِينَ أَرَادَ قَتْلَهُ مَا تَقُولُ فِيَّ؟ قَالَ: قَاسِطٌ عَادِلٌ، فَقَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ! حَسِبُوا أَنَّهُ وَصَفَهُ بِالْقِسْطِ (بِكَسْرِ الْقَافِ) وَالْعَدْلِ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: يَا جَهَلَةُ إِنَّهُ سَمَّانِي ظَالِمًا مُشْرِكًا وَتَلَا لَهُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الْأَنْعَام: 1] اهـ.
وَشَبَّهَ حُلُولَ الْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ بِحُلُولِ الْحَطَبِ فِي النَّارِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْلِيحِ وَالتَّحْقِيرِ، أَيْ هُمْ لِجَهْلِهِمْ كَالْحَطَبِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [الْبَقَرَة: 24] .
وَإِقْحَامُ فِعْلِ (كَانُوا) لِتَحْقِيقِ مَصِيرِهِمْ إِلَى النَّارِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ كَانُوا كَذَلِكَ مِنْ زمن مضى.
[16- 17]

[سُورَة الْجِنّ (72) : الْآيَات 16 إِلَى 17]
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ مَاءً غَدَقاً (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (17)
اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ الْعَشَرَةُ عَلَى فَتْحِ هَمْزَةِ: أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا، فَجُمْلَةُ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الْجِنِّ: 1] ، وَالْوَاوُ مِنَ الْحِكَايَةِ لَا مِنَ الْمَحْكِيِّ، فَمَضْمُونُهَا شَأْنٌ ثَانٍ مِمَّا أُوحِيَ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَهُ لِلنَّاسِ.
وَالتَّقْدِيرُ: وَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ لَوِ اسْتَقَامَ الْقَاسِطُونَ فَأَسْلَمُوا لَمَا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِإِمْسَاكِ الْغَيْثِ.
وَأَن مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَة، وَجِيء بِأَن الْمَفْتُوحَةِ الْهَمْزَةِ لِأَنَّ مَا بَعْدَهَا مَعْمُولٌ لفعل أُوحِيَ [الْجِنّ: 1] فَهُوَ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ وَهُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَخَبَرُهُ لَوِ اسْتَقامُوا إِلَى آخِرِ الْجُمْلَةِ. وَسَبْكُ الْكَلَامِ: أُوحِيَ إِلَيَّ إِسْقَاءُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مَاءً فِي فَرْضِ اسْتِقَامَتِهِمْ.
وَضَمِيرُ اسْتَقامُوا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْقَاسِطِينَ بِدُونِ اعْتِبَارِ الْقَيْدِ بِأَنَّهُمْ مِنَ الْجِنِّ وَهُوَ مِنْ عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى اللَّفْظِ مُجَردا عَن مَا صدقه كَقَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ، أَيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ.
(29/237)

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكَلَامِ وَلَكِنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنَ الْمَقَامِ إِذِ السُّورَةُ مَسُوقَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى عِنَادِ الْمُشْرِكِينَ وَطَعْنِهِمْ فِي الْقُرْآنِ، فَضَمِيرُ اسْتَقامُوا عَائِدٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي ضَمَائِرِ الْغَيْبَةِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ الْإِشَارَةِ كَمَا تَنَبَّهْنَا إِلَيْهِ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ، وَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُعَادَ عَلَى الْقَاسِطِينَ مِنَ الْجِنِّ إِذْ لَا عَلَاقَةَ لِلْجِنِّ بِشُرْبِ الْمَاءِ.
وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّرِيقَةِ: اسْتِقَامَةُ السَّيْرِ فِي الطَّرِيقِ وَهِيَ السَّيْرُ عَلَى بَصِيرٍ بِالطَّرِيقِ دُونَ اعْوِجَاجٍ وَلَا اغترار ببينات الطَّرِيقِ.
والطَّرِيقَةِ: الطَّرِيقُ: وَلَعَلَّهَا خَاصَّةٌ بِالطَّرِيقِ الْوَاسِعِ الْوَاضِحِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً [الْجِنّ: 11] .
وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّرِيقَةِ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ الْمُتَّصِفِ بِالسُّلُوكِ الصَّالِحِ وَالِاعْتِقَادِ الْحَقِّ بِهَيْئَةِ السَّائِرِ سَيْرًا مُسْتَقِيمًا عَلَى طَرِيقَةٍ، وَلِذَلِكَ فَالتَّعْرِيفُ فِي الطَّرِيقَةِ لِلْجِنْسِ لَا لِلْعَهْدِ.
وَقَوْلُهُ: لَأَسْقَيْناهُمْ مَاءً غَدَقاً: وَعْدٌ بِجَزَاءٍ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فِي الدِّينِ جَزَاءً حَسَنًا فِي الدُّنْيَا يَكُونُ عُنْوَانًا عَلَى رِضَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِشَارَةً بِثَوَابِ الْآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [النَّحْل: 97] .
وَفِي هَذَا إِنْذَارٌ بِأَنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُمُ الْمَطَرَ فَيَقَعُوا فِي الْقَحْطِ وَالْجُوعِ وَهُوَ مَا حَدَثَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُعَائِهِ عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ دَعَا بِذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ فِي الْقُنُوتِ كَمَا فِي حَدِيثِ «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ. وَقَدْ كَانُوا يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي بُحْبُوحَةٍ مِنَ الْعَيْشِ وَفِي نَخِيلٍ وَجَنَّاتٍ
فَكَانَ جَعْلُ تَرَتُّبِ الْإِسْقَاءِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الطَّرِيقَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ الشَّرْطُ بِحَرْفِ لَوِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ: لَأَدَمْنَا عَلَيْهِمُ الْإِسْقَاءَ بِالْمَاءِ الْغَدَقِ، وَإِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِسَالِكِينَ سَبِيلَ الِاسْتِقَامَةِ فَيُوشِكُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُمُ الرَّيَّ فَفِي هَذَا إِنْذَارٌ بِأَنَّهُمْ إِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى اعْوِجَاجِ الطَّرِيقَةِ أُمْسِكَ عَنْهُمُ الْمَاءُ. وَبِذَلِكَ يَتَنَاسَبُ التَّعْلِيلُ بِالْإِفْتَانِ فِي قَوْلِهِ: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ مَعَ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ إِذْ يَكُونُ تَعْلِيلًا لِمَا تَضَمَّنَهُ مَعْنَى إِدَامَةِ الْإِسْقَاءِ فَإِنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإِسْقَاءِ الْمَوْجُودِ حِينَ نُزُولِ
(29/238)

الْآيَةِ وَلَيْسَ تَعْلِيلًا لِلْإِسْقَاءِ الْمَفْرُوضِ فِي جَوَابِ لَوِ لَأَنَّ جَوَابَ لَوِ مُنْتَفٍ فَلَا يَصْلُحُ لَأَنْ يُعَلَّلَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُمْ مَفْتُونُونَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوقِظَ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّ اسْتِمْرَارَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِتْنَةٌ لَهُمْ فَلَا تَغُرَّنَّهُمْ. فَلَامُ التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ مَاءً غَدَقاً وَهُوَ الْمَاءُ الْجَارِي لَهُمْ فِي الْعُيُونِ وَمِنَ السَّمَاءِ تَحْتَ جَنَّاتِهِمْ وَفِي زُرُوعِهِمْ فَهِيَ حَالٌ مُقَارَنَةٌ.
وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ تَزُولُ الْحَيْرَةُ فِي اسْتِخْلَاصِ مَعْنَى الْآيَةِ وَتَعْلِيلِهَا.
وَالْغَدَقُ: بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمَاءُ الْغَزِيرُ الْكَثِيرُ.
وَجُمْلَةُ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ إِدْمَاجٌ فَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ إِلَخْ وَبَيْنَ جُمْلَةِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ إِلَخْ.
ثُمَّ أُكِّدَتِ الْكِنَايَةُ عَنِ الْإِنْذَارِ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ الْآيَةَ، بِصَرِيحِ الْإِنْذَارِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً، أَيْ فَإِنْ أَعْرَضُوا انْقَلَبَ حَالُهُمْ إِلَى الْعَذَابِ فَسَلَكْنَا بِهِمْ مَسَالِكَ الْعَذَابِ.
وَالسَّلْكُ: حَقِيقَتُهُ الْإِدْخَالُ، وَفِعْلُهُ قَاصِرٌ وَمُتَعَدٍّ، يُقَالُ: سَلَكَهُ فَسَلَكَ، قَالَ الْأَعْشَى:
كَمَا سَلَكَ السِّكِّيَّ فِي الْبَابِ فَيْتَقُ أَيْ أَدْخَلَ الْمِسْمَارَ فِي الْبَابِ نَجَّارٌ.
وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [12] .
وَاسْتُعْمِلَ السَّلْكُ هُنَا فِي مَعْنَى شِدَّةِ وُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ عَزِيزَةٌ. وَالْمَعْنَى: نُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا مَصْرِفَ عَنْهُ.
وَانْتَصَبَ عَذاباً عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَهُوَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، وَهِيَ ظَرْفِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَذَابَ إِذَا حَلَّ بِهِ يُحِيطُ بِهِ إِحَاطَةَ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ.
وَالْعُدُولُ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الْإِظْهَارِ فِي قَوْلِهِ: عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ دُونَ أَنْ يَقُولَ:
(29/239)

وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)
عَنْ ذِكْرِنَا، أَوْ عَنْ ذِكْرِي، لِاقْتِضَاءِ الْحَالِ الْإِيمَاءَ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ فَإِنَّ الْمُعْرِضَ عَنْ رَبِّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَأَنْشَأَهُ وَدَبَّرَهُ حَقِيقٌ بِأَنْ يُسْلَكَ عَذَابًا صَعَدًا.
وَالصَّعَدُ: الشَّاقُّ الْغَالِبُ، وَكَأَنَّهُ جَاءَ مِنْ مَصْدَرِ صَعِدَ، كَفَرِحَ إِذَا عَلَا وَارْتَفَعَ، أَيْ صَعِدَ عَلَى مَفْعُولِهِ وَغَلَبَهُ، كَمَا يُقَالُ: عَلَاهُ بِمَعْنَى تَمَكَّنَ مِنْهُ، وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ [الدُّخان: 19] .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ نَسْلُكْهُ بِنُونِ الْعَظَمَةِ فَفِيهِ الْتِفَاتٌ. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ يَسْلُكْهُ بِيَاءِ الْغَائِبِ فَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ يَعُودُ إِلَى ربّه.
[18]

[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 18]
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18)
اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ الْعَشَرَةُ عَلَى فَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَهِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَرْفُوعِ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الْجِنِّ: 1] ، وَمَضْمُونُهَا مِمَّا أُوحِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمِرَ بِأَنْ يَقُولَهُ. وَالْمَعْنَى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ، فَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مَعَ أَنَّ وَاسْمِهَا وَخَبَرِهَا نَائِبُ فَاعل أُوحِيَ [الْجِنّ: 1] .
وَالتَّقْدِيرُ: أُوحِيَ إِلَيَّ اخْتِصَاصُ الْمَسَاجِدِ بِاللَّهِ، أَيْ بِعِبَادَتِهِ لِأَنَّ بِنَاءَهَا إِنَّمَا كَانَ لِيُعْبَدَ اللَّهُ فِيهَا، وَهِيَ مَعَالِمُ التَّوْحِيدِ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَمَلَ سِيبَوَيْهُ الْآيَةَ وَتَبِعَهُ أَبُو عَلِيٍّ فِي «الْحُجَّةِ» .
وَذَهَبَ الْخَلِيلُ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى حَذْفِ لَامِ جَرٍّ قَبْلَ أَنَّ، فَالْمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَلِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِلَّهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ، أَيْ اللَّهُ مُسْتَحِقُّهَا دُونَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ فَمَنْ وَضَعَ الْأَصْنَامَ فِي مَسَاجِدِ اللَّهِ فَقَدِ اعْتَدَى عَلَى اللَّهِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا وَضَعُوا فِيهِ الْأَصْنَام والأنصاب وَجَعَلُوا الصَّنَمَ (هُبَلَ) عَلَى سَطْحِ الْكَعْبَةِ، قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها [الْبَقَرَة: 114] يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ.
وَهَذَا تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى اعْتِدَائِهِمْ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَتَصَرُّفِهِمْ فِيمَا لَيْسَ لَهُمْ أَنْ
(29/240)

وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20)
يُغَيِّرُوهُ قَالَ تَعَالَى: وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ [الْأَنْفَال: 34] ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي آيَةِ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ [الْبَقَرَة: 114] بِلَفْظِ مَساجِدَ لِيَدْخُلَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ مَعَهُمْ فِي هَذَا الْوَعِيدِ مِمَّنْ شَاكَلَهُمْ مِمَّنْ غَيَّرُوا الْمَسَاجِدَ، أَوْ لِتَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، كَمَا جَمَعَ رُسُلِي فِي قَوْلِهِ: فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ [سبأ: 45] ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يكون ضمير فَكَذَّبُوا عَائِدًا إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قَوْلِهِ:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [سبأ: 43] أَيْ كَذَّبُوا رَسُولِي.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ [الْفرْقَان: 37] يُرِيدُ نُوحًا، وَهُوَ أَوَّلُ رَسُولٍ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْجَمْعِ.
وَفُرِّعَ عَلَى اخْتِصَاصِ كَوْنِ الْمَسَاجِدِ بِاللَّهِ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا، وَهَذَا إِلْزَامٌ لَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ بِطَرِيقِ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِ اللَّهِ فَعِبَادَتُهُمْ غَيْرَ اللَّهِ مُنَافِيَةٌ لزعمهم ذَلِك.
[19- 20]

[سُورَة الْجِنّ (72) : الْآيَات 19 إِلَى 20]
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20)
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَهُ بَقِيَّةُ الْعَشَرَةِ فِي رِوَايَاتِهِمُ الْمَشْهُورَةِ بِالْفَتْحِ.
وَمَآلُ الْقِرَاءَتَيْنِ سَوَاءٌ فِي كَوْنِ هَذَا خَارِجًا عَمَّا صَدَرَ عَنِ الْجِنِّ وَفِي كَوْنِهِ مِمَّا أَوْحَى اللَّهُ بِهِ.
فَكَسْرُ الْهَمْزَةِ عَلَى عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى جُمْلَةِ أُوحِيَ إِلَيَّ [الْجِنّ: 1] ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقُلْ إِنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ لِأَنَّ هَمْزَةَ (إِنَّ) إِذَا وَقَعَتْ فِي مَحْكِيٍّ بِالْقَوْلِ تُكْسَرُ، وَلَا يَلِيقُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ حِكَايَةِ مَقَالَةِ الْجِنِّ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدِ انْقَضَى وَتَبَاعَدَ وَنُقِلَ الْكَلَامُ إِلَى أَغْرَاضٍ أُخْرَى ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [الْجِنّ: 18] .
وَأَمَّا الْفَتْحُ فَعَلَى اعْتِبَارِهِ مَعْطُوفًا عَلَى جُمْلَةِ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ [الْجِنّ: 1] ، أَيْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ، أَيْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ اقْتِرَابَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا لِبَدًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ لَمَّا قَامَ يَدْعُو رَبَّهُ.
(29/241)

وَضَمِيرُ أَنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَجُمْلَةُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى آخِرِهَا خَبَرُهُ.
وَضَمِيرُ كادُوا يَكُونُونَ عَائِدَانِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الْمُنْبِئِ عَنْهُمُ الْمَقَامُ غَيْبَةً وَخِطَابًا ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ [الْجِنّ: 16] إِلَى قَوْلِهِ: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الْجِنّ: 18] .
وعَبْدُ اللَّهِ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وُضِعُ الِاسْمُ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ إِذْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: وَأَنَّهُ لَمَّا قُمْتَ تَدْعُو اللَّهَ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْكَ، أَوْ لَمَّا قُمْتُ أَدْعُو اللَّهَ، كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيَّ. وَلَكِنْ عُدِلَ إِلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ لِقَصْدِ تَكْرِيمِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَصْفِ عَبْدُ اللَّهِ لِمَا فِي هَذِهِ الْإِضَافَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ مَعَ وَصْفِ عَبْدُ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الْإِسْرَاء: 1] .
ولِبَداً بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ اسْمُ جَمْعِ: لِبْدَةٍ، وَهِيَ مَا تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ لِبْدَةُ الْأَسَدِ لِلشَّعْرِ الْمُتَرَاكِمِ فِي رَقَبَتِهِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى التَّشْبِيهِ، أَيْ كَادَ الْمُشْرِكُونَ يَكُونُونَ مِثْلَ اللِّبَدِ مُتَرَاصِّينَ مُقْتَرِبِينَ مِنْهُ يَسْتَمِعُونَ قِرَاءَتَهُ وَدَعْوَتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ. وَهُوَ الْتِفَافُ غَيْظٍ وَغَضَبٍ وَهَمٍّ بِالْأَذَى كَمَا يُقَالُ:
تَأَلَّبُوا عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى قامَ: اجْتَهَدَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [14] ، وَقَالَ النَّابِغَةُ:
بِأَنَّ حِصْنًا وَحَيًّا مِنْ بَنِي أَسَدٍ ... قَامُوا فَقَالُوا حِمَانَا غَيْرُ مَقْرُوبِ
وَقد تقدم عِنْد قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [3] .
وَمَعْنَى قِيَامِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِعْلَانُهُ بِالدَّعْوَةِ وَظُهُورُ دَعْوَتِهِ قَالَ جَزْءُ بْنُ كُلَيْبٍ الْفَقْعَسِيُّ:
فَلَا تَبْغِيَنَّهَا يَا بن كُوزٍ فَإِنَّهُ ... غَذَا النَّاسُ مُذْ قَامَ النَّبِيءُ الْجَوَارِيَا
أَيْ قَامَ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ بَيَانُهُ بقوله بعده: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً، فَهُمْ لَمَّا لَمْ يَعْتَادُوا دُعَاءَ غَيْرِ الْأَصْنَامِ تَجَمَّعُوا لِهَذَا الْحَدَثِ الْعَظِيمِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ دُعَاء مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لله تَعَالَى.
(29/242)

قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23)
وَجُمْلَةُ قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً بَيَانٌ لِجُمْلَةِ يَدْعُوهُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ قَالَ بِصِيغَة الْمَاضِي. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ قُلْ بِدُونِ
أَلِفٍ عَلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا. وَالتَّقْدِيرُ: أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي، فَهُوَ مِنْ تَمَامِ مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَيْهِ.
وإِنَّما أَدْعُوا رَبِّي، يُفِيدُ قَصْرًا، أَيْ لَا أَدْعُو غَيْرَهُ، أَيْ لَا أَعْبُدُ غَيْرَهُ دُونَهُ.
وَعُطِفَ عَلَيْهِ وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً تَأْكِيدًا لِمَفْهُومِ الْقَصْرِ، وَأَصْلُهُ أَنْ لَا يُعْطَفَ فَعَطْفُهُ لِمُجَرَّدِ التَّشْرِيكِ لِلْعِنَايَةِ بِاسْتِقْلَالِهِ بِالْإِبْلَاغِ.
[21- 23]

[سُورَة الْجِنّ (72) : الْآيَات 21 الى 23]
قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (23)
قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ.
هَذَا اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ. وَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ ذِكْرِ مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَوْجِيهِ خِطَابٍ مُسْتَأْنَفٍ إِلَيْهِ، فَبَعْدَ أَنْ حُكِيَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ من الشؤون الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ مِنِ اتِّبَاعِ مُتَابِعِينَ وَإِعْرَاضِ مُعْرِضِينَ، انْتَقَلَ إِلَى تَلْقِينِهِ مَا يَرُدُّ عَلَى الَّذِينَ أَظْهَرُوا لَهُ الْعِنَادَ وَالتَّوَرُّكَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَخْ، تَكْرِيرًا لِجُمْلَةِ قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي [الْجِنّ: 20] عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَعَاصِمٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ.
وَالضُّرُّ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَتَوَرَّكُونَ بِهِ مِنْ طَلَبِ إِنْجَازِ مَا يَتَوَعَّدُهُمْ بِهِ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُ: وَلا رَشَداً تَتْمِيمٌ.
وَفِي الْكَلَامِ احْتِبَاكٌ لِأَنَّ الضُّرَّ يُقَابِلُهُ النَّفْعُ، وَالرَّشَدُ يُقَابِلُهُ الضَّلَالُ، فَالتَّقْدِيرُ: لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضُرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا ضَلَالًا وَلَا رَشَدًا.
وَالرَّشَدُ بِفَتْحَتَيْنِ: مَصْدَرُ رَشَدَ، وَالرُّشْدُ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ: الِاسْمُ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ الصَّوَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ: يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الْجِنّ: 2] .
(29/243)

وَتَرْكِيبُ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مَعْنَاهُ لَا أَقْدِرُ قُدْرَةً لِأَجْلِكُمْ عَلَى ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ [4] وَتَقَدَّمَ أَيْضًا
فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ.
وَجُمْلَتَا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي إِلَى مُلْتَحَداً مُعْتَرِضَتَانِ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى، وَهُوَ اعْتِرَاضُ رُدٍّ لِمَا يُحَاوِلُونَهُ مِنْهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا يُؤْذِيهِمْ فَلَا يَذْكُرُ الْقُرْآنُ إِبْطَالَ مُعْتَقَدِهِمْ وَتَحْقِيرَ أَصْنَامِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يُونُس: 15] .
وَالْمُلْتَحَدُ: اسْمُ مَكَانِ الِالْتِحَادِ، وَالِالْتِحَادُ: الْمُبَالَغَةُ فِي اللَّحْدِ، وَهُوَ الْعُدُولُ إِلَى مَكَانٍ غَيْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَالْأَكْثَرُ أَنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى اللَّجَأِ، أَيْ الْعِيَاذُ بِمَكَانٍ يَعْصِمُهُ.
وَالْمَعْنَى: لَنْ أَجِدَ مَكَانًا يَعْصِمُنِي.
ومِنْ دُونِهِ حَالٌ مِنْ مُلْتَحَداً، أَيْ مُلْتَحَدًا كَائِنًا مَنْ دُونِ اللَّهِ أَيْ بَعِيدًا عَنِ اللَّهِ غَيْرَ دَاخِلٍ مِنْ مَلَكُوتِهِ، فَإِنَّ الْمُلْتَحَدَ مَكَانٌ فَلَمَّا وُصِفَ بِأَنَّهُ مَنْ دُونِ اللَّهِ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَكَانٌ مِنْ غَيْرِ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي فِي مُلْكِ اللَّهِ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، وَلِهَذَا جَاءَ لِنَفْيِ وِجْدَانِهِ حَرْفُ لَنْ الدَّال على تأييد النَّفْيِ.
ومِنَ فِي قَوْلِهِ: مِنْ دُونِهِ مَزِيدَةٌ جَارَّةٌ لِلظَّرْفِ وَهُوَ (دُونَ) .
وَقَوْلُهُ: إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ ضَرًّا ورَشَداً، وَلَيْسَ مُتَّصِلًا لِأَنَّ الضَّرَّ وَالرَّشَدَ الْمَنْفِيَّيْنِ فِي قَوْلِهِ: لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً هُمَا الضَّرُّ وَالرَّشَدُ الْوَاقِعَانِ فِي النَّفْسِ بِالْإِلْجَاءِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً مِنْ مُلْتَحَداً، أَيْ بِتَأْوِيلِ مُلْتَحَداً بِمَعْنَى مَخْلَصٍ أَوْ مَأْمَنٍ.
وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أُسْلُوبِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ.
وَالْبَلَاغُ: اسْمُ مَصْدَرِ بَلَغَ، أَيْ أَوْصَلَ الْحَدِيثَ أَوِ الْكَلَامَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْمُبَلَّغِ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ مِثْلَ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ [لُقْمَان: 11] .
(29/244)

حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24)
وَ (مِنَ) ابتدائية صفة (بَلَاغ) ، أَيْ بَلَاغًا كَائِنًا مِنْ جَانِبِ اللَّهِ، أَيْ إِلَّا كَلَامًا أُبَلِّغُهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُوحَى مِنَ اللَّهِ.
ورِسالاتِهِ: جَمْعُ رِسَالَةٍ، وَهِيَ مَا يُرْسَلُ مِنْ كَلَامٍ أَوْ كِتَابٍ فَالرِّسَالَاتُ بَلَاغٌ
خَاصٌّ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا تَبْلِيغُ الْقُرْآنِ.
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً.
لَمَّا كَانَ قَوْله: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً [الْجِنّ: 20] إِلَى هُنَا كَلَامًا مُتَضَمِّنًا أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا وَعَانَدُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مَا تَوَهَّمُوهُ تَعْجِيزًا لَهُ مِنْ ضُرُوبِ الِاقْتِرَاحِ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِمْ وَوَعِيدِهِمْ بِأَنَّهُمْ إِنْ دَامُوا عَلَى عِصْيَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ سَيَلْقَوْنَ نَارَ جَهَنَّمَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْصِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَتْ لَهُ نَارُ جَهَنَّمَ.
ومِنَ شَرْطِيَّةٌ وَجَوَابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
[24]

[سُورَة الْجِنّ (72) : آيَة 24]
حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (24)
كَانُوا إِذَا سَمِعُوا آيَاتِ الْوَعْدِ بِنَصْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَآيَاتِ الْوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالِانْهِزَامِ وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَعَذَابِ الدُّنْيَا اسْتَسْخَرُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سبأ: 35] ، وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [السَّجْدَة: 28] ، وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يُونُس: 48] ، وَقَالُوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ [ص: 16] ، فَهُمْ مَغْرُورُونَ بِالِاسْتِدْرَاجِ وَالْإِمْهَالِ فَلِذَلِكَ عَقَّبَ وَعِيدَهُمْ بِالْغَايَةِ الْمُفَادَةِ مِنْ حَتَّى، فَالْغَايَةُ هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ مِنْ سُخْرِيَةِ الْكُفَّارِ مِنَ الْوَعِيدِ وَاسْتِضْعَافِهِمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ غَالِبُونَ فَائِزُونَ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ تَحَقَّقُوا إِخْفَاقَ آمَالِهِمْ.
وحَتَّى هُنَا ابْتِدَائِيَّةٌ وَكُلَّمَا دَخَلَتْ حَتَّى فِي جُمْلَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِ إِذا فَ حَتَّى
(29/245)

قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)
لِلِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهَا جُمْلَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ. وَذَهَبَ الْأَخْفَشُ وَابْنُ مَالِكٍ إِلَى أَنَّ حَتَّى فِي مِثْلِهِ جَارَّةٌ وَأَنَّ إِذا فِي مَحَلِّ جَرٍّ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَتَّى لَا يُفَارِقُهَا مَعْنَى الْغَايَةِ كَيْفَمَا كَانَ عَمَلُ حَتَّى.
وإِذا اسْمُ زَمَانٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُضَمَّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ وَهُوَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِالْفِعْلِ الَّذِي فِي جَوَابِهِ وَهُوَ فَسَيَعْلَمُونَ.
وَعَلَى رَأْيِ الْأَخْفَشِ وَابْنِ مَالِكٍ إِذا مَحَلِّ جَرٍّ بِ حَتَّى. وَاقْتِرَانُ جُمْلَةِ سَيَعْلَمُونَ بِالْفَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِذا ضُمِّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَاقْتِرَانُ الْجَوَابِ بِسِينِ
الِاسْتِقْبَالِ يَصْرِفُ الْفِعْلَ الْمَاضِيَ بَعْدَ إِذا إِلَى زَمَنِ الِاسْتِقْبَالِ. وَجِيءَ بِالْجُمْلَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهَا إِذا فِعْلًا مَاضِيًا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.
وَفِعْلُ سَيَعْلَمُونَ مُعَلَّقٌ عَنِ الْعَمَلِ بِوُقُوعِ الِاسْتِفْهَامِ بَعْدَهُ وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ كَثِيرٌ فِي التَّعْلِيقِ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْإِبْهَامِ يَكُونُ كِنَايَةً عَنِ الْغَرَابَةِ بِحَيْثُ يَسْأَلُ النَّاسُ عَنْ تَعْيِينِ الشَّيْءِ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ.
وَضَعْفُ النَّاصِرِ وَهَنٌ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ وَهَنِ أَنْصَارِهِمْ، وَقِلَّةُ الْعَدَدِ وَهَنٌ لَهُمْ مِنْ جَانِبِ أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا وَعِيدٌ لَهُمْ بِخَيْبَةِ غُرُورِهِمْ بِالْأَمْنِ مِنْ غَلَبِ الْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [الْقَمَر: 44] . وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً [سبأ: 35] .
[25- 28]

[سُورَة الْجِنّ (72) : الْآيَات 25 الى 28]
قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (28)
قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ.
كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُكْثِرُونَ أَنْ يَسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَتى هذَا الْوَعْدُ [النَّمْل: 71] ، وعَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها [الْأَعْرَاف: 187] ، وَتَكَرَّرَتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ، فَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً [الْجِنّ: 24] الْآيَةَ عَلِمَ أَنَّهُمْ سَيُعِيدُونَ مَا اعْتَادُوا قَوْلَهُ مِنَ السُّؤَالِ عَنْ وَقْتِ حُلُولِ الْوَعِيدِ فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِمْ مَا سَبَقَ مِنْ جَوَابِهِ.
(29/246)

فَجُمْلَةُ قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ الْقَوْلَ الْمَأْمُورَ بِأَنْ يَقُولَهُ جَوَابٌ لِسُؤَالِهِمُ الْمُقَدَّرِ.
وَالْأَمَدُ: الْغَايَةُ وَأَصْلُهُ فِي الْأَمْكِنَةِ. وَمِنْهُ
قَوْلُ ابْنِ عُمَرٍ فِي حَدِيثِ «الصَّحِيحَيْنِ» : «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ وَجَعَلَ أَمَدَهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ»
(أَيْ غَايَةَ الْمُسَابَقَةِ) . وَيُسْتَعَارُ الْأَمَدُ لِمُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ مُعَيَّنَةٍ قَالَ تَعَالَى: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ [الْحَدِيد:
16] وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا. وَمُقَابَلَتُهُ بِ «قَرِيبٍ» يُفِيدُ أَنَّ الْمَعْنَى أَمْ يَجْعَلُ لَهُ أَمَدًا بَعِيدًا.
وَجُمْلَةُ عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً فِي مَوْضِعِ الْعِلَّةِ لِجُمْلَةِ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ الْآيَةَ.
وعالِمُ الْغَيْبِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالضَّمِيرُ الْمَحْذُوفُ عَائِدٌ إِلَى قَوْلِهِ رَبِّي. وَهَذَا الْحَذْفُ مِنْ قَبِيلِ حَذْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ حَذْفًا اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمَالُ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى ذِكْرِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَصِفَاتِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّكَّاكِيُّ فِي «الْمِفْتَاحِ» .
والْغَيْبِ: مَصْدَرُ غَابَ إِذَا اسْتَتَرَ وَخَفِيَ عَنِ الْأَنْظَارِ وَتَعْرِيفُهُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ.
وَإِضَافَةُ صِفَةِ عالِمُ إِلَى الْغَيْبِ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِكُلِّ الْحَقَائِقِ الْمُغَيَّبَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَاهِيَّاتٍ أَوْ أَفْرَادًا فَيَشْمَلُ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ لِلْغَيْبِ مِثْلَ عِلْمِ اللَّهِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَيَشْمَلُ الْأُمُورَ الْغَائِبَةَ بِذَاتِهَا مِثْلَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ. وَيَشْمَلُ الذَّوَاتِ الْمُغَيَّبَةِ عَنْ عِلْمِ النَّاسِ مِثْلَ الْوَقَائِعِ الْمُسْتَقْبَلَةِ الَّتِي يُخْبَرُ عَنْهَا أَوِ الَّتِي لَا يُخْبَرُ عَنْهَا، فَإِيثَارُ الْمَصْدَرِ هُنَا لِأَنَّهُ أشمل لِإِحَاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [3] .
وَتَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ مَعَ تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الْمُقَدَّرِ يُفِيدُ الْقَصْرَ، أَيْ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ لَا أَنَا.
وَفُرِّعَ عَلَى مَعْنَى تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِلْمِ الْغَيْبِ جُمْلَةُ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، فَالْفَاءُ لِتَفْرِيعِ حُكْمٍ عَلَى حُكْمٍ وَالْحُكْمُ الْمُفَرَّعِ إِتْمَامٌ لِلتَّعْلِيلِ وَتَفْصِيلٌ لِأَحْوَالِ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى غيبه.
وَمعنى فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً: لَا يطلع وَلَا ينبىء بِهِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ
(29/247)

يَطَّلِعُ لِأَنَّ يُظْهِرُ جَاءَ مِنَ الظُّهُورِ وَهُوَ الْمُشَاهَدَةُ وَلِتَضْمِينِهِ مَعْنَى: يُطْلِعُ، عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى.
وَوُقُوعُ الْفِعْلِ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ يُفِيدُ الْعُمُومَ، وَكَذَلِكَ وُقُوعُ مَفْعُولِهِ وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي حَيِّزِهِ يُفِيدُ الْعُمُومَ.
وَحَرْفُ عَلى مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّمَكُّنِ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ [التَّحْرِيم: 3] فَهُوَ اسْتِعْلَاءٌ مَجَازِيٌّ.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ هَذَا النَّفْيِ مَنِ ارْتَضَاهُ لِيُطْلِعَهُ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ، أَيْ عَلَى غَيْبٍ أَرَادَ الله إِظْهَارَهُ مِنَ الْوَحْيِ فَإِنَّهُ مِنْ غَيْبِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُؤَيِّدَ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِخْبَارٍ
بِمَا سَيَحْدُثُ أَوْ إِطْلَاعٍ عَلَى ضَمَائِرِ بَعْضِ النَّاسِ.
فَقَوْلُهُ: ارْتَضى مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُومِ أَحَداً. وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا أَحَدًا ارْتَضَاهُ، أَيْ اخْتَارَهُ لِلِاطِّلَاعِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِ لِحِكْمَةٍ أَرَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْإِتْيَانُ بِالْمَوْصُولِ وَالصِّلَةِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ لِقَصْدِ مَا تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى تَعْلِيلِ الْخَبَرِ، أَيْ يُطْلِعُ اللَّهُ بَعْضَ رُسُلِهِ لِأَجْلِ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنَ الرِّسَالَةِ إِلَى النَّاسِ، فَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا الْإِيمَانِ أَنَّ الْغَيْبَ الَّذِي يُطْلِعُ اللَّهُ عَلَيْهِ الرُّسُلَ هُوَ مِنْ نَوْعِ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالرِّسَالَةِ، وَهُوَ غَيْبٌ مَا أَرَادَ اللَّهُ إِبْلَاغَهُ إِلَى الْخَلْقِ أَنْ يعتقدوه أَو أَن يَفْعَلُوهُ، وَمَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ، أَوْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَمَا يُؤَيِّدُ بِهِ الرُّسُلَ عَنِ الْإِخْبَارِ بِأُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ [الرّوم [2- 4] .
وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْإِطْلَاعُ الْمُحَقَّقُ الْمُفِيدُ عِلْمًا كَعِلْمِ الْمُشَاهَدَةِ. فَلَا تَشْمَلُ الْآيَةُ مَا قَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ الصَّالِحِينَ مِنْ شَرْحِ صَدْرٍ بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ،
فَفِي الْحَدِيثِ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوءَةِ، أَوْ بِالْإِلْهَامِ»
. قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
. قَالَ مُسْلِمٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الرُّؤْيَا الْحَسَنَةِ: إِنَّهَا تَسُرُّ وَلَا تَغُرُّ، يُرِيدُ لِأَنَّهَا قَدْ يَقَعُ الْخَطَأُ فِي تَأْوِيلِهَا.
(29/248)

وَ (مِنْ) رَسُولٍ بَيَانٌ لِإِبْهَامِ مَنِ الْمَوْصُولَةِ، فَدَلَّ على أَن مَا صدق مَنِ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ، أَيْ إِلَّا الرُّسُلَ الَّذِينَ ارْتَضَاهُمْ، أَيْ اصْطَفَاهُمْ.
وَشَمَلَ رَسُولٍ كُلَّ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَشْمَلُ الْمَلَائِكَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَى الرُّسُلِ بِإِبْلَاغِ وَحْيٍ إِلَيْهِمْ مِثْلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَشَمَلَ الرُّسُلَ مِنَ الْبَشَرِ الْمُرْسَلِينَ إِلَى النَّاسِ بِإِبْلَاغِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ مِنْ شَرِيعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا بِهِ صَلَاحُهُمْ.
وَهُنَا أَرْبَعَةُ ضَمَائِرِ غَيْبَةٍ:
الْأَوَّلُ ضَمِيرُ فَإِنَّهُ وَهُوَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي يَسْلُكُ وَهُوَ لَا مَحَالَةَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا عَادَ إِلَيْهِ
ضَمِيرُ فَإِنَّهُ.
وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ ضَمِيرَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَهُمَا عَائِدَانِ إِلَى رَسُولٍ أَيْ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْلُكُ أَيْ يُرْسِلُ لِلرَّسُولِ رَصَدًا مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا، أَيْ مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيَاطِينِ إِلَيْهِ مَا يَخْلِطُ عَلَيْهِ مَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْبِهِ.
وَالسَّلْكُ حَقِيقَتُهُ: الْإِدْخَالُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [12] .
وَأُطْلِقَ السَّلْكُ عَلَى الْإِيصَالِ الْمُبَاشِرِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالدُّخُولِ فِي الشَّيْءِ بِحَيْثُ لَا مَصْرِفَ لَهُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً [الْجِنّ: 17] أَيْ يُرْسِلُ إِلَيْهِ مَلَائِكَةً مُتَّجِهِينَ إِلَيْهِ لَا يَبْتَعِدُونَ عَنْهُ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَيْهِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنَ الْغَيْبِ، كَأَنَّهُمْ شُبِّهَ اتِّصَالُهُمْ بِهِ وَحِرَاسَتُهُمْ إِيَّاهُ بِشَيْءٍ دَاخِلٍ فِي أَجْزَاءِ جِسْمٍ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْحِفْظِ الَّذِي حَفِظَ اللَّهُ بِهِ ذِكْرَهُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الْحجر: 9] .
وَالْمُرَادُ بِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ الْكِنَايَةُ عَنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَمِنْ تِلْكَ الْكِنَايَةِ يَنْتَقِلُ إِلَى كِنَايَةٍ أُخْرَى عَنِ السَّلَامَةِ مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّحْرِيفِ.
(29/249)

وَالرَّصَدُ: اسْمُ جَمْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [الْجِنّ: 9] .
وَانْتَصَبَ رَصَداً عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ يَسْلُكُ.
وَيَتَعَلَّقُ لِيَعْلَمَ بِقَوْلِهِ: يَسْلُكُ، أَيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ لِيُبَلِّغَ الْغَيْبَ إِلَى الرَّسُولِ كَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِمَّا يَلْبِسُ عَلَيْهِ الْوَحْيَ فَيَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ الرُّسُلَ أَبْلَغُوا مَا أُوحِي إِلَيْهِ كَمَا بَعَثَهُ دُونِ تَغْيِيرٍ، فَلَمَّا كَانَ عِلْمُ اللَّهِ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ الْوَحْيَ مُفَرَّعًا وَمُسَبَّبًا عَنْ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، جُعِلَ الْمُسَبَّبَ عِلَّةً وَأُقِيمَ مَقَامَ السَّبَبِ إِيجَازًا فِي الْكَلَامِ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى وَفْقِ مَا وَقَعَ، وَهَذَا كَقَوْلِ إِيَاسِ بْنِ قَبِيصَةَ:
وَأَقْبَلْتُ وَالْخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنَا ... لِأَعْلَمَ مَنْ جَبَانُهَا مِنْ شُجَاعِهَا
أَيْ لِيَظْهَرَ مَنْ هُوَ شُجَاعٌ وَمَنْ هُوَ جَبَانٌ فَأَعْلَمُ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْعِلَّةُ هِيَ الْمَقْصِدُ الْأَهَمُّ مِنِ اطِّلَاعِ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ عَلَى الْغَيْبِ، وَذِكْرُ هَذِهِ الْعِلَّةِ لَا يَقْتَضِي انْحِصَارَ عِلَلِ الِاطِّلَاعِ فِيهَا.
وَجِيءَ بِضَمِيرِ الْإِفْرَادِ فِي قَوْلِهِ: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ رَسُولٍ،
ثُمَّ جِيءَ لَهُ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا مُرَاعَاةً لِمَعْنَى رَسُولٍ وَهُوَ الْجِنْسُ، أَيْ الرُّسُلُ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى السَّابِقِ آنِفًا فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً [الْجِنّ:
23] .
وَالْمُرَادُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ اللَّهِ وَأَدَّوُا الْأَمَانَةَ عِلْمًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُمُ الْجَزِيلُ.
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ أَنَّ الْغَيْبَ الْمُتَحَدَّثَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةَ هُوَ الْغَيْبُ الْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرِيعَةِ وَأُصُولِهَا مِنَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ نَفْيُ عِلْمِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُرْبِ مَا يُوعَدُونَ بِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَذَلِكَ مِنْ عَلَائِقِ الْجَزَاءِ وَالْبَعْثِ.
وَيَلْحَقُ بِهِ مَا يُوحَى بِهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ لَيْسُوا رُسُلًا لِأَنَّ مَا يُوحَى إِلَيْهِمْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ تَأْيِيدًا لِشَرْعٍ سَابِقٍ كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْحَوَارِيِّينَ أَوْ أَنْ يَكُونَ لِإِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ مِثْلَ آدَمَ وَأَيُّوبَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِمُقْتَضٍ أَنْ يُثْبَتَ لِلْمُسْتَثْنَى جَمِيعُ نَقَائِضِ
(29/250)

أَحْوَالِ الْحُكْمِ الَّذِي لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، بَلْ قُصَارَى مَا يَقْتَضِيهِ أَنَّهُ كَالنَّقْضِ فِي الْمُنَاظَرَةِ يَحْصُلُ بِإِثْبَاتٍ جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ مَا نَفَاهُ الْكَلَامُ الْمَنْقُوصُ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ بِمُقْتَضٍ أَنَّ الرَّسُولَ يَطَّلِعُ عَلَى جَمِيعِ غَيْبِ اللَّهِ، وَقَدْ بُيِّنَ النَّوْعُ الْمُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ.
وَقَرَأَ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ لِيَعْلَمَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلَى أَنَّ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا نَائِبٌ عَنِ الْفَاعِلِ، وَالْفَاعِلُ الْمَحْذُوفُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أَيْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا.
وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً.
الْوَاوُ وَاوُ الْحَالِ أَوِ اعْتِرَاضِيَّةٌ لِأَنَّ مَضْمُونَهَا تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، أَيْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ مَا لَدَى الرُّسُلِ مِنْ تَبْلِيغٍ وَغَيْرِهِ، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمَّا عَدَا ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ مَا قَبْلَهُ بِعِلْمِهِ بِتَبْلِيغِهِمْ مَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ: وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً تَعْمِيمٌ أَشْمَلُ بَعْدَ تَعْمِيمٍ مَا.
وَعَبَّرَ عَنِ الْعِلْمِ بِالْإِحْصَاءِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ تَشْبِيهًا لِعِلْمِ الْأَشْيَاءِ بِمَعْرِفَةِ الْأَعْدَادِ
لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَعْدَادِ أَقْوَى، وَقَوْلُهُ: عَدَداً تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعَارَةِ.
وَالْعَدَدُ: بِالْفَكِّ اسْمٌ لِمَعْدُودٍ وَبِالْإِدْغَامِ مَصْدَرُ عَدَّ، فَالْمَعْنَى هُنَا: وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ مَعْدُودًا، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مَرْيَم: 94] . وَفَرَّقَ الْعَرَبُ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَالْمَفْعُولِ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ أَوْغَلُ فِي الِاسْمِيَّةِ مِنَ الْمَصْدَرِ فَهُوَ أَبْعَدُ عَنِ الْإِدْغَامِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِدْغَامِ لِلْأَفْعَالِ.
(29/251)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

73- سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ
لَيْسَ لِهَذِهِ السُّورَةِ إِلَّا اسْمُ «سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ» عُرِفَتْ بِالْإِضَافَةِ لِهَذَا اللَّفْظِ الْوَاقِعِ فِي أَوَّلِهَا، فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حِكَايَةُ اللَّفْظِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْصُوفًا بِالْحَالِ الَّذِي نُودِيَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [الْمُزَّمِّلُ: 1] .
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هِيَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [المزمل: 20] إِلَى نَهَايَةِ السُّورَةِ فَذَلِكَ مَدَنِيٌّ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ مِثْلَ هَذَا عَنِ الثَّعْلَبِيِّ.
وَقَالَ فِي «الْإِتْقَانِ» : إِنَّ اسْتِثْنَاءَ قَوْلِهِ: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ يَرُدُّهُ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ «نَزَلَ بَعْدَ نُزُولِ صَدْرِ السُّورَةِ بِسَنَةٍ وَذَلِكَ حِينَ فُرِضَ قِيَامُ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ» اهـ.
(29/252)

يَعْنِي وَذَلِكَ كُلُّهُ بِمَكَّةَ، أَيْ فَتَكُونُ السُّورَةُ كُلُّهَا مَكِّيَّةً فَتَعَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: قُمِ اللَّيْلَ [المزمل: 2] أُمِرَ بِهِ فِي مَكَّةَ.
وَالرِّوَايَاتُ تَظَاهَرَتْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ مَفْصُولًا عَنْ نُزُولِ مَا قَبْلَهُ بِمُدَّةٍ مُخْتَلَفٍ فِي قَدْرِهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «نَزَلَ بَعْدَ صَدْرِ السُّورَةِ بِسَنَةٍ» ، وَمِثْلُهُ رَوَى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: نَزَلَ صَدْرُ السُّورَةِ بِمَكَّةَ وَنَزَلَ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إِلَى آخِرِهَا بِالْمَدِينَةِ، أَيْ بَعْدَ نُزُولِ أَوَّلِهَا بِسِنِينَ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ نُزُولَ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المزمل: 20] إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِنْبَاءً بِمُغَيَّبٍ عَلَى وَجْهِ الْمُعْجِزَةِ.
وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ الله على نبيئه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل: 1] مكث النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَالِ عَشْرَ سِنِينَ يَقُومُ اللَّيْلَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُومُونَ مَعَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ إِلَى وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ

[المزمل: 20] اهـ، أَيْ نَزَلَتِ الْآيَاتُ الْأَخِيرَةُ فِي الْمَدِينَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُقَامَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ كَانَ عَشْرَ سِنِينَ وَهُوَ قَوْلٌ جَمٌّ غَفِيرٌ.
وَالرِّوَايَاتُ عَنْ عَائِشَة مضطربة فبعضها يَقْتَضِي أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ وَأَنَّ صَدْرَهَا نَزَلَ قَبْلَ آخِرِهَا بِسَنَةٍ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي نَقْلِ صَاحِبِ «الْإِتْقَانِ» . وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ،
وَبَعْضُ الرِّوَايَاتِ يَقُولُ فِيهَا: إِنَّهَا كَانَتْ تَفْرِشُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِيرًا فَصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ فَتَسَامَعَ النَّاسُ فَاجْتَمَعُوا فَخَرَجَ مُغْضَبًا وَخَشِيَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِمْ قِيَامُ اللَّيْلِ وَنَزَلَ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل: 1، 2] فَكُتِبَتْ عَلَيْهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْفَرِيضَةِ وَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ وَضَعَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ إِلَى فَتابَ عَلَيْكُمْ [المزمل: 20] ، فَرَدَّهُمْ إِلَى الْفَرِيضَةِ وَوَضَعَ عَنْهُمُ النَّافِلَةَ. وَهَذَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدَيْنِ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ بن عبد الرحمان عَنْ عَائِشَةَ،
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَدَنِيَّةٌ لِأَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَبْنِ بِعَائِشَةَ إِلَّا فِي الْمَدِينَةِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهَا: «فَخَرَجَ مُغْضَبًا» يَقْتَضِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ الْمُفْضِي إِلَى مَسْجِدِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَخْبَارٌ تُثْبِتُ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي مَسْجِدِهِ.
(29/253)

وَلَعَلَّ سَبَبَ هَذَا الِاضْطِرَابِ اخْتِلَاط فِي الرِّوَايَات بَيْنَ فَرْضِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَبَيْنَ التَّرْغِيبِ فِيهِ.
وَنَسَبَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى «تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ» قَالَ: قَالَ النَّخَعِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَزَمِّلًا بِقَطِيفَةِ عَائِشَةَ، وَهِيَ مِرْطٌ نِصْفُهُ عَلَيْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ وَنِصْفُهُ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي
اهـ، وَإِنَّمَا بَنَى النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَائِشَةَ فِي الْمَدِينَةِ، فَالَّذِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ لَا مَحَالَةَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 5] ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ سِنِينَ مِنْ نُزُولِ أَوَّلِ السُّورَةِ لِأَنَّ فِيهِ نَاسِخًا لِوُجُوبِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَأَنَّهُ نَاسِخٌ لِوُجُوبِ قيام اللَّيْل على النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ مَا رَوَوْهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَا فُرِضَ قِيَامُ اللَّيْلِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَاةِ غَرِيبٌ.
وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ قَالَا: إِنَّ آيَتَيْنِ وَهُمَا وَاصْبِرْ
عَلى مَا يَقُولُونَ
إِلَى قَوْلِهِ: وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [المزمل: 10، 11] نَزَلَتَا بِالْمَدِينَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي عَدِّ هَذِهِ السُّورَةِ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، وَالْأَصَحُّ الَّذِي تَضَافَرَتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ: أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ سُورَةُ الْعَلَقِ وَاخْتُلِفَ فِيمَا نَزَلَ بَعْدَ سُورَةِ الْعَلَقِ، فَقِيلَ سُورَةُ ن وَالْقَلَمِ، وَقِيلَ نَزَلَ بَعْدَ الْعَلَقِ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ الْأَرْجَحُ ثُمَّ قِيلَ نَزَلَتْ سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ بَعْدَ الْقَلَمِ فَتَكُونُ ثَالِثَةً. وَهَذَا قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فِي تَعْدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُدَّثِّرَ هِيَ الثَّانِيَةُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقَلَمُ ثَالِثَةً وَالْمُزَّمِّلُ رَابِعَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمُزَّمِّلُ هِيَ الثَّالِثَةَ وَالْقَلَمُ رَابِعَةً، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُدَّثِّرَ نَزَلَتْ قَبْلَ الْمُزَّمِّلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مِنْ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ الْآيَة.
وعدة آيُهَا فِي عَدِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي عَدِّ أَهْلِ الْبِصْرَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَفِي عَدِّ مَنْ عَدَاهُمْ عِشْرُونَ.

أَغْرَاضُهَا
الْإِشْعَارُ بِمُلَاطَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنِدَائِهِ بِوَصْفِهِ بِصِفَةِ تَزَمُّلِهِ.
(29/254)

يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)
وَاشْتَمَلَتْ عَلَى الْأَمْرِ بِقِيَامِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبَ اللَّيْلِ وَالثَّنَاءِ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ.
وَعَلَى تَثْبِيتِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحَمُّلِ إِبْلَاغِ الْوَحْيِ.
وَالْأَمْرِ بِإِدَامَةِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَإِعْطَاءِ الصَّدَقَاتِ.
وَأَمْرِهِ بِالتَّمَحُّضِ لِلْقِيَامِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ وَبِأَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
وَأَمْرِهِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ تَكْذِيبِ الْمُشْرِكِينَ.
وَتَكَفُّلِ اللَّهِ لَهُ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وَأَنَّ جَزَاءَهُمْ بِيَدِ اللَّهِ.
وَالْوَعِيدِ لَهُمْ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ.
وَوَعْظِهِمْ مِمَّا حَلَّ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ لَمَّا كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ.
وَذِكْرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَوَصْفِ أَهْوَالِهِ.
وَنَسْخِ قِيَامِ مُعْظَمِ اللَّيْلِ بِالِاكْتِفَاءِ بِقِيَامِ بعضه رعيا لأعذار الْمُلَازِمَةِ.
وَالْوَعْدِ بِالْجَزَاءِ الْعَظِيمِ عَلَى أَفْعَالِ الْخَيْرَاتِ.
وَالْمُبَادَرَةِ بِالتَّوْبَةِ وَأُدْمِجَ فِي ذَلِكَ أَدَبُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ.
وَأَنَّ أَعْمَالَ النَّهَارِ لَا يُغْنِي عَنْهَا قِيَامُ اللَّيْلِ.
وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ مَوَاضِعُ عَوِيصَةٌ وَأَسَالِيبُ غامضة فَعَلَيْك بتدبرها.
[1- 4]

[سُورَة المزمل (73) : الْآيَات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4)
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ.
افْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِالنِّدَاءِ إِذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ وَاحِدًا وَلَمْ يَكُنْ بَعِيدًا يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِمَا سَيُلْقَى إِلَى الْمُخَاطَبِ مِنْ كَلَامٍ.
وَالْأَصْلُ فِي النِّدَاءِ أَنْ يَكُونَ بِاسْمِ الْمُنَادَى الْعَلَمِ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ فَلَا يُعْدَلُ مِنَ الِاسْم الْعَلَمِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ وَصْفٍ أَوْ إِضَافَةٍ إِلَّا لِغَرَضٍ يَقْصِدُهُ الْبُلَغَاءُ مِنْ تَعْظِيمٍ وَتَكْرِيمٍ نَحْوَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الْأَنْفَال: 65] ، أَوْ تَلَطُّفٍ وَتَقَرُّبٍ نَحْوَ: يَا بُنَيَّ وَيَا أَبَتِ، أَوْ قَصْدِ تَهَكُّمٍ نَحْوَ: وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الْحجر: 6] فَإِذَا نُودِيَ
(29/255)

الْمُنَادَى بِوَصْفِ هَيْئَتِهِ مِنْ لِبْسَةٍ أَوْ جِلْسَةٍ أَوْ ضِجْعَةٍ كَانَ الْمَقْصُودُ فِي الْغَالِبِ التَّلَطُّفَ بِهِ وَالتَّحَبُّبَ إِلَيْهِ وَلِهَيْئَتِهِ، وَمِنْهُ
قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ وَجَدَهُ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ عَلَقَ تُرَابُ الْمَسْجِدِ بِجَنْبِهِ «قُمْ أَبَا تُرَابٍ»
وَقَوْلُهُ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ «قُمْ يَا نَوْمَانُ»
،
وَقَوله لعبد الرحمان بْنِ صَخْرٍ الدوسي وَقد رءاه حَامِلًا هِرَّةً صَغِيرَةً فِي كُمِّهِ «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»
. فَنِدَاءُ النَّبِيءِ بِ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ نِدَاءُ تَلَطُّفٍ وَارْتِفَاقٍ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [الْمُدَّثِّرُ: 1] .
والْمُزَّمِّلُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ تَزَمَّلَ، إِذَا تَلَفَّفَ بِثَوْبِهِ كَالْمَقْرُورِ، أَوْ مُرِيدِ النَّوْمِ وَهُوَ مِثْلُ التَّدَثُّرِ فِي مَآلِ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ فِي أَصْلِ الِاشْتِقَاقِ فَالتَّزَمُّلُ مُشْتَقٌّ مِنْ
مَعْنَى التَّلَفُّفِ، وَالتَّدَثُّرُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَعْنَى اتِّخَاذِ الدِّثَارِ لِلتَّدَفُّؤِ. وَأَصْلُ التَّزَمُّلِ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّمْلِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ الْإِخْفَاءُ وَلَا يُعْرَفُ لِ (تَزَمَّلَ) فِعْلٌ مُجَرَّدٌ فِي مَعْنَاهُ فَهُوَ مِنَ التَّفَعُّلِ الَّذِي تُنُوسِيَ مِنْهُ مَعْنَى التَّكَلُّفِ لِلْفِعْلِ، وَأُرِيدَ فِي إِطْلَاقِهِ مَعْنَى شِدَّةِ التَّلَبُّسِ، وَكَثُرَ مِثْلُ هَذَا فِي الِاشْتِمَالِ عَلَى اللِّبَاسِ، فَمِنْهُ التَّزَمُّلُ وَمِنْهُ التَّعَمُّمُ وَالتَّأَزُّرُ وَالتَّقَمُّصُ، وَرُبَّمَا صَاغُوا لَهُ صِيغَةَ الِافْتِعَالِ مِثْلَ: ارْتَدَى وَائْتَزَرَ.
وَأَصْلُ الْمُزَّمِّلُ: الْمُتَزَمِّلُ، أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الزَّايِ بَعْدَ قَلْبِهَا زَايًا لِتَقَارُبِهِمَا.
وَهَذَا التَّزَمُّلُ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ الْآيَةُ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ التَّزَمُّلُ الَّذِي جَرَى
فِي قَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»
حِينَ نَزَلَ مِنْ غَارِ حِرَاءَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: 1] الْآيَاتِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْوَحْيِ مِنْ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ حِينَئِذٍ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «لَمَّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي دَارِ النَّدْوَةِ فَقَالُوا: سَمُّوا هَذَا الرَّجُلَ اسْمًا تَصْدُرُ النَّاسُ عَنْهُ (أَيْ صِفُوهُ وَصْفًا تَتَّفِقُ عَلَيْهِ النَّاسُ) فَقَالُوا: كَاهِنٌ، وَقَالُوا: مَجْنُونٌ، وَقَالُوا: سَاحِرٌ، فَصَدَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى وَصْفِهِ بِ (سَاحِرٍ) فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَزِنَ وَتَزَمَّلَ فِي ثِيَابِهِ وَتَدَثَّرَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [الْمُدَّثِّرُ: 1] .
وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا رُؤْيَتُهُ الْمَلَكَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ
(29/256)

السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَقَالَ: «دَثِّرُونِي» ، فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ سَبَبَ نِدَائِهِ بِ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ كَانَ عِنْدَ
قَوْلِهِ: «زمّلوني»
، فَذَلِك عِنْد مَا اغْتَمَّ مِنْ وَصْفِ الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُ بِالْجُنُونِ وَأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ سَبَبِ نِدَائِهِ بِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ.
وَقِيلَ: هُوَ تَزَمُّلٌ لِلِاسْتِعْدَادِ لِلصَّلَاةِ فَنُودِيَ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ عَنِ الضَّحَّاكِ وَهِيَ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ.
وَمَحْمَلُهَا عَلَى أَنَّ التَّزَمُّلَ حَقِيقَةٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنَاهُ زَمَّلْتُ هَذَا الْأَمْرَ فَقُمْ بِهِ، يُرِيدُ أَمْرَ النُّبُوءَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [المزمل: 7] تَحْرِيضًا عَلَى اسْتِفْرَاغِ جُهْدِهِ فِي الْقِيَامِ بِأَمْرِ التَّبْلِيغِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ مِنْ لَيْلٍ
وَنَهَارٍ إِلَّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ مِنَ الْهُجُوعِ فِيهِ. وَمَحْمَلُ التَّزَمُّلِ عِنْدَهُ عَلَى الْمَجَازِ.
فَإِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ قَدْ أُنْزِلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ أَنِ ابْتَدَأَ رَسُولَهُ بِالْوَحْيِ بِصَدْرِ سُورَةِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: 1] ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ سُورَةَ الْقَلَمِ لِدَحْضِ مَقَالَةِ الْمُشْرِكِينَ فِيهِ الَّتِي دَبَّرَهَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ مَجْنُونٌ.
أَنْزَلَ عَلَيْهِ التَّلَطُّفَ بِهِ عَلَى تَزَمُّلِهِ بِثِيَابِهِ لِمَا اعْتَرَاهُ مِنَ الْحُزْنِ مِنْ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِأَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْهُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ فَلَمَّا رَأَى الْمَلَكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِ بِحِرَاءَ تَدَثَّرَ مِنْ شِدَّةِ وَقْعِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.
فَنِدَاءُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَصْفِ الْمُزَّمِّلُ بِاعْتِبَارِ حَالَتِهِ وَقْتَ نِدَائِهِ وَلَيْسَ الْمُزَّمِّلُ مَعْدُودًا مِنْ أَسْمَاءِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَمْ يُعْرَفْ بِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى عَدِّهِ مِنْ أَسْمَائِهِ.
وَفِعْلُ قُمِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ لِأَنَّ الْقِيَامَ مُرَادٌ بِهِ الصَّلَاة، فَهَذَا قيام مُغَايِرٌ لِلْقِيَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ بِقَوْلِهِ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: 2] فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى الشُّرُوعِ كَمَا يَأْتِي هُنَالِكَ.
واللَّيْلَ: زَمَنُ الظُّلْمَةِ مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ. وَانْتَصَبَ اللَّيْلَ عَلَى
(29/257)

الظَّرْفِيَّةِ فَاقْتَضَى الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ وَقْتِ اللَّيْلِ، وَيُعْلَمُ اسْتِثْنَاءُ أَوْقَاتِ قَضَاءِ الضَّرُورَاتِ مِنْ إِغْفَاءٍ بِالنَّوْمِ وَنَحْوِهِ مِنْ ضَرُورَاتِ الْإِنْسَانِ.
وَقِيَامُ اللَّيْلِ لَقَبٌ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ مَا عَدَا صَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَرَوَاتِبِهِمَا.
وَأَمْرُ الرَّسُولِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ أَمْرُ إِيجَابٍ وَهُوَ خَاصٌّ بِهِ لِأَنَّ الْخِطَابَ مُوَجَّهٌ إِلَيْهِ وَحْدَهُ مِثْلَ السُّوَرِ الَّتِي سَبَقَتْ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَمَّا قِيَامُ اللَّيْلِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُمُ اقْتَدَوْا فِيهِ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ إِلَى قَوْلِهِ: وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ [المزمل: 20] الْآيَاتِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِي أَوْقَاتِ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ وَلَعَلَّ حِكْمَةَ هَذَا الْقِيَامِ الَّذِي فُرِضَ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِ رِسَالَتِهِ هُوَ أَنْ تَزْدَادَ بِهِ سَرِيرَتُهُ زَكَاءً يُقَوِّي اسْتِعْدَادَهُ لِتَلَقِّي الْوَحْيِ حَتَّى لَا يُحْرِجَهُ الْوَحْيُ كَمَا ضَغَطَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ كَمَا
وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: «فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ» ثُمَّ قَالَ:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ

[العلق: 1] الْحَدِيثَ، وَيَدُلُّ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى عَقِبَهُ: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 5] .
وَقَدْ كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَنَّثُ فِي غَارِ حِرَاءَ قُبَيْلَ بَعْثَتِهِ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَالَّذِي أَلْهَمَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحِيَ إِلَيْهِ يَجْدُرُ بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ بَعْدَ أَنْ أَوْحَى إِلَيْهِ فَلَا يَبْقَى فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ لِعِبَادَةٍ، وَلِهَذَا نُرَجِّحُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ فُرِضَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأُمَّةِ.
وَقَدِ اسْتَمَرَّ وُجُوبُ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ بِكَثْرَةِ الْإِقْبَالِ عَلَى مُنَاجَاةِ رَبِّهِ فِي وَقْتِ فَرَاغِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الْوَحْي وتدبير شؤون الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ وَقْتُ اللَّيْلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً، أَيْ زِيَادَةَ قُرْبٍ لَكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ [الْإِسْرَاءِ: 79] .
فَكَانَ هَذَا حُكْمًا خَاصًّا بِالنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ خَصَائِصِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى غَيْرِهِ وَلَمْ تُفْرَضْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ صَلَاةٌ قَبْلَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَإِنَّمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقْتَدُونَ بِفِعْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَكَانُوا يَرَوْنَهُ لِزَامًا عَلَيْهِمْ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [السَّجْدَة: 16] ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [المزمل: 20] الْآيَةَ،
قَالَتْ عَائِشَةُ: «إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ
(29/258)

قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقَامَ النَّبِيءُ وَأَصْحَابُهُ»
، عَلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي رَفْعِ فَرْضِ الْقِيَامِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ فِيهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِمْرَارِ وُجُوبِهِ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا طَائِلَ وَرَاءَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ عَدَمِهِ.
وَقَوْلُهُ: إِلَّا قَلِيلًا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ اللَّيْلَ أَيْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ إِيجَابُ الْقِيَامِ عَلَيْهِ بِأَوْقَاتِ اللَّيْلِ كُلِّهَا.
ونِصْفَهُ بَدَلٌ مِنْ قَلِيلًا بَدَلًا مُطَابِقًا وَهُوَ تَبْيِينٌ لِإِجْمَالِ قَلِيلًا فَجَعَلَ الْقَلِيلَ هُنَا النِّصْفَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ بِقَلِيلٍ.
وَفَائِدَةُ هَذَا الْإِجْمَالِ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ نِصْفِ اللَّيْلِ وَأَنَّ جَعْلَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ رَحْمَةٌ وَرُخْصَةٌ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَيْ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا، فَيَكُونُ زَمَنُ قِيَامِ اللَّيْلِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ قَلِيلٌ فَهُوَ رُخْصَةٌ فِي الرُّخْصَةِ.
وَقَالَ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَهُوَ عَوْدٌ إِلَى التَّرْغِيبِ فِي أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ الْقِيَامِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُقيد أَوْ زِدْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا قَيَّدَ بِهِ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ لِتَكُونَ الزِّيَادَةُ عَلَى النِّصْفِ مُتَّسِعَةً، وَقَدْ
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ فَقَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ وَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ: «إِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ» فَقَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»
. وَالتَّخْيِيرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ حَرْفِ أَوِ مَنْظُورٌ فِيهِ إِلَى تَفَاوُتِ اللَّيَالِي بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ لِأَنَّ لِذَلِكَ ارْتِبَاطًا بِسَعَةِ النَّهَارِ لِلْعَمَلِ وَلِأَخْذِ الْحَظِّ الْفَائِتِ مِنَ النَّوْمِ.
وَبَعْدُ فَذَلِكَ تَوْسِيعٌ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَفْعِ حَرَجِ تَحْدِيدِهِ لِزَمَنِ الْقِيَامِ فَسُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ التَّقْرِيبِ.
وَجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ اللَّيْلَ اسْمَ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلَى جَمِيعِ اللَّيَالِي، وَأَنَّ الْمَعْنَى: إِلَّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيَالِي، وَهِيَ اللَّيَالِي الَّتِي يَكُونُ فِيهَا عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ قِيَامِهَا، أَيْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ اللَّيَالِي بِاعْتِبَارِ جُزْئِيَّاتِهَا لَا بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ، ثُمَّ قَالَ: نِصْفَهُ إِلَى آخِرِهِ.
وَتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ عَادَةً فَأَمْرُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِيَامِ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي إِشْغَالِ أَوْقَاتِهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَى مُنَاجَاةِ اللَّهِ: وَلِأَنَّ اللَّيْلَ وَقْتُ سُكُونِ
(29/259)

الْأَصْوَاتِ وَاشْتِغَالِ النَّاسِ فَتَكُونُ نَفْسُ الْقَائِمِ فِيهِ أَقْوَى اسْتِعْدَادًا لِتَلَقِّي الْفَيْضِ الرَّبَّانِيِّ.
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا.
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقِيَامِ اللَّيْلِ، أَيْ رَتِّلْ قِرَاءَتَكَ فِي الْقِيَامِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مُسْتَقِلًّا بِكَيْفِيَّةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ جَرَى ذِكْرُهُ بِمُنَاسَبَةِ الْأَمْرِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ الْعَهْدِ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ فَكَانَ جُمْلَةُ الْقُرْآنِ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سُورَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ سُوَرٍ بِنَاءً عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ فِي أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنَ السُّورَةِ مَكِّيٌّ، وَفِي أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَهَذَا مِمَّا أَشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 5] أَيْ سَنُوحِي إِلَيْكَ قُرْآنًا.
فَأَمَرَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِمَهَلٍ وَتَبْيِينٍ.
وَالتَّرْتِيلُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مُرَتَّلًا، أَيْ مُفَرَّقًا، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ، وَهُوَ الْمُفَلَّجُ
الْأَسْنَانِ، أَيْ الْمُفَرَّقُ بَين أَسْنَانه تفَرقا قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا تَكُونُ النَّوَاجِذُ مُتَلَاصِقَةً. وَأُرِيدَ بِتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ تَرْتِيلُ قِرَاءَتِهِ، أَيْ التَّمَهُّلُ فِي النُّطْقِ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنَ الْفَمِ وَاضِحَةً مَعَ إِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الْإِشْبَاعَ. وَوَصَفَتْ عَائِشَةُ التَّرْتِيلَ فَقَالَتْ: «لَوْ أَرَادَ السَّامِعُ أَنَّ يَعُدَّ حُرُوفَهُ لَعَدَّهَا لَا كَسَرْدِكُمْ هَذَا» .
وَفَائِدَةُ هَذَا أَنْ يَرْسَخَ حِفْظَهُ وَيَتَلَقَّاهُ السَّامِعُونَ فَيَعْلَقَ بِحَوَافِظِهِمْ، وَيَتَدَبَّرَ قَارِئُهُ وَسَامِعُهُ مَعَانِيَهُ كَيْ لَا يَسْبِقَ لَفْظُ اللِّسَانِ عَمَلَ الْفَهْمِ. قَالَ قَائِلٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ فِي لَيْلَةٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «هَذَا كَهَذِّ الشِّعْرِ» لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَنْشَدُوا الْقَصِيدَةَ أَسْرَعُوا لِيَظْهَرَ مِيزَانُ بَحْرِهَا، وَتَتَعَاقَبَ قَوَافِيهَا عَلَى الْأَسْمَاعِ. وَالْهَذُّ إِسْرَاعُ الْقَطْعِ.
وَأُكِّدَ هَذَا الْأَمْرُ بِالْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ لِإِفَادَةِ تَحْقِيقِ صِفَةِ التَّرْتِيلِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَوِ انْقُصْ بِضَمِّ الْوَاوِ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عِنْدَ سُقُوطِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، حَرَّكُوا الْوَاوَ بِضَمَّةٍ لِمُنَاسَبَةِ ضَمَّةِ قَافِ انْقُصْ بَعْدَهَا. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ عَلَى الْأَصْلِ فِي التَّخَلُّصِ مِنِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(29/260)

إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)
وَوَقَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ إِذَا (شَبَّعَتْ) فَتْحَةَ نُونِ الْقُرْآنِ مُحَسِّنَ الِاتِّزَانِ بِأَنْ يَكُونَ مِصْرَاعًا مِنْ بَحْرِ الْكَامِلِ أَحَذَّ دَخَلَهُ الْإِضْمَار مرَّتَيْنِ.
[5]

[سُورَة المزمل (73) : آيَة 5]
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5)
تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَقَعَ اعْتِرَاضًا بَيْنَ جُمْلَةِ قُمِ اللَّيْلَ [المزمل: 2] وَجُمْلَةِ إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً [المزمل: 6] ، وَهُوَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِحِكْمَةِ الْأَمْرِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ بِأَنَّهَا تَهْيِئَةُ نَفْسِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَحْمِلَ شِدَّةَ الْوَحْيِ، وَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ يَسَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[الْقِيَامَة: 17] ، فَتِلْكَ مُنَاسَبَةُ وُقُوعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَقِبَ جُمْلَةِ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل: 2] فَهَذَا إِشْعَارٌ بِأَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ فِي أَوَّلِ عَهْدِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ فَلَمَّا قَالَ لَهُ: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 4] أَعْقَبَ بِبَيَانِ عِلَّةِ الْأَمْرِ بِتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّقِيلُ هُوَ الْقُرْآنُ وَإِلْقَاؤُهُ عَلَيْهِ: إِبْلَاغُهُ لَهُ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ.
وَحَقِيقَةُ الْإِلْقَاءِ: رَمْيُ الشَّيْءِ مِنَ الْيَدِ إِلَى الْأَرْضِ وَطَرْحِهِ، وَيُقَالُ: شَيْءٌ لَقَى، أَيْ مَطْرُوحٌ، اسْتُعِيرَ الْإِلْقَاءُ لِلْإِبْلَاغِ دُفْعَةً عَلَى غَيْرِ تَرَقُّبٍ.
وَالثِّقَلُ الْمَوْصُوفُ بِهِ الْقَوْلُ ثِقَلٌ مَجَازِيٌّ لَا مَحَالَةَ، مُسْتَعَارٌ لِصُعُوبَةِ حِفْظِهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَعَانٍ لَيْسَتْ مِنْ مُعْتَادِ مَا يَجُولُ فِي مَدَارِكِ قَوْمِهِ فَيَكُونُ حِفْظُ ذَلِكَ الْقَوْلِ عَسِيرًا عَلَى الرَّسُولِ الْأُمِّيِّ تَنُوءُ الطَّاقَةُ عَنْ تَلَقِّيهِ.
وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا أَنَّ ثِقَلَهُ مُتَعَلِّقٌ ابْتِدَاءً بِالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ وَهُوَ ثِقَلٌ مَجَازِيٌّ فِي جَمِيعِ اعْتِبَارَاتِهِ وَهُوَ ثَقِيلٌ صَعْبٌ تَلَقِّيهِ مِمَّنْ أَنْزَلَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ثَقُلَ عَلَيْهِ وَتَرَبَّدَ لَهُ جِلْدُهُ»
(أَيْ تَغَيَّرَ بِمِثْلِ الْقُشَعْرِيرَةِ)
وَقَالَت عَائِشَة: «رَأَتْهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لِيَرْفَضُّ عَرَقًا»
. وَيُسْتَعَارُ ثِقَلُ الْقَوْلِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَعَانٍ وَافِرَةٍ يَحْتَاجُ الْعِلْمُ بِهَا لِدِقَّةِ النَّظَرِ وَذَلِكَ بِكَمَالِ هَدْيِهِ وَوَفْرَةِ مَعَانِيهِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: «ثَقِيلًا لَيْسَ بِالْكَلَامِ السَّفْسَافِ» . وَحَسْبُكَ أَنَّهُ حَوَى مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ مَا لَا يَفِي الْعَقْلُ بِالْإِحَاطَةِ بِهِ فَكَمْ غَاصَتْ فِيهِ أَفْهَامُ
(29/261)

إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)
الْعُلَمَاءِ مِنْ فُقَهَاءَ وَمُتَكَلِّمِينَ وَبُلَغَاءَ وَلُغَوِيِّينَ وَحُكَمَاءَ فَشَابَهَ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ فِي أَنَّهُ لَا يَقْوَى الْوَاحِدُ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ بِمَعَانِيهِ.
وَتَأْكِيدُ هَذَا الْخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَإِشْعَارِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَأْكِيدِ قُرْبِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ، لِيَكُونَ وُرُودُهُ أَسْهَلَ عَلَيْهِ مِنْ وُرُودِ الْأَمر المفاجئ.
[6]

[سُورَة المزمل (73) : آيَة 6]
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6)
تَعْلِيلٌ لِتَخْصِيصِ زَمَنِ اللَّيْلِ بِالْقِيَامِ فِيهِ فَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِجُمْلَةِ قُمِ اللَّيْلَ [المزمل: 2] ، أَيْ قُمِ اللَّيْلَ لِأَنَّ ناشئته أَشد وطأ وَأَقْوَمُ قِيلًا.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ تَزْكِيَةً وَتَصْفِيَةً لِسِرِّكَ وَارْتِقَاءً بِكَ إِلَى الْمَرَاقِي الْمَلَكِيَّةِ.
وناشِئَةَ وَصْفٌ مِنَ النَّشْءِ وَهُوَ الْحُدُوثُ. وَقَدْ جَرَى هَذَا الْوَصْفُ هُنَا عَلَى غَيْرِ مَوْصُوفٍ، وَأُضِيفَ إِلَى اللَّيْلِ إِضَافَةً عَلَى مَعْنَى (فِي) مِثْلِ «مَكْرُ اللَّيْلِ» ، وَجُعِلَ مِنْ أَقْوَمِ الْقِيلِ، فَعُلِمَ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا وَقَدْ سَبَقَهُ الْأَمْرُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ مَوْصُوفَهُ الْمَحْذُوفَ هُوَ صَلَاةٌ، أَيِ الصَّلَاةُ النَّاشِئَةُ فِي اللَّيْلِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَشْتَمِلُ عَلَى أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ وَهِيَ قِيَامٌ.
وَوَصْفُ الصَّلَاةِ بِالنَّاشِئَةِ لِأَنَّهَا أَنْشَأَهَا الْمُصَلِّي فَنَشَأَتْ بَعْدَ هَدْأَةِ اللَّيْلِ فَأَشْبَهَتِ
السَّحَابَةَ الَّتِي تَتَنَشَّأُ مِنَ الْأُفُقِ بَعْدَ صَحْوٍ، وَإِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ بَعْدَ نَوْمٍ فَمَعْنَى النَّشْءِ فِيهَا أَقْوَى، وَلِذَلِكَ فَسَّرَتْهَا عَائِشَةُ بِالْقِيَامِ بَعْدَ النَّوْمِ، وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ ناشِئَةَ اللَّيْلِ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ كُلِّهَا. وَاخْتَارَهُ مَالِكٌ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّهَا مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ أَصْلَ هَذَا مُعَرَّبٌ عَنِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ عَدَّهَا السُّبْكِيُّ فِي «مَنْظُومَتِهِ» فِي مُعَرَّبَاتِ الْقُرْآنِ.
وَإِيثَارُ لَفْظِ ناشِئَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ: قِيَامٍ أَوْ تَهَجُّدٍ، لِأَجْلِ مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لِيَأْخُذَ النَّاسُ فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَقَرَأَ جُمْهُورُ الْعَشَرَةِ وَطْئاً بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الطَّاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَالْوَطْءُ: أَصْلُهُ وَضْعُ الرِّجْلِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِمَعْنًى يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ شَأْنًا لِلظَّلَامِ بِاللَّيْلِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ اسْتُعِيرَ لِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الْمُصَلِّي عَلَى نَحْوِ إِسْنَادِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ، أَيْ وَاطِئًا أَنْتَ، فَهُوَ مُسْتَعَارٌ لِتَمَكُّنِ الْمُصَلِّي مِنَ الصَّلَاةِ
(29/262)

إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)
فِي اللَّيْلِ بِتَفَرُّغِهِ لَهَا وَهُدُوءِ بَالِهِ مِنَ الْأَشْغَالِ النَّهَارِيَّةِ تَمُكَّنَ الْوَاطِئِ عَلَى الْأَرْضِ فَهُوَ أَمْكَنُ لِلْفِعْلِ. وَالْمَعْنَى: أَشَدُّ وَقْعًا، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالضَّحَّاكُ وَقَالَهُ الْفَرَّاءُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ مُسْتَعَارًا لِحَالَةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَأَثَرِهَا فِي الْمُصَلِّي، أَيْ أَشَدُّ أَثَرِ خَيْرٍ فِي نَفْسِهِ وَأَرْسَخُ خَيْرًا وَثَوَابًا، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ قَتَادَةُ.
وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ وِطَاءً بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَمَدِّهَا مَصْدَرُ وَاطَأَ مِنْ مَادَّةِ الْفِعَالِ. وَالْوِطَاءُ: الْوِفَاقُ وَالْمُلَاءَمَةُ، قَالَ تَعَالَى: لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ [التَّوْبَة: 37] . وَالْمَعْنَى: أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَوْفَقُ بِالْمُصَلِّي بَيْنَ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، أَيْ بَيْنَ النُّطْقِ بِالْأَلْفَاظِ وَتَفَهُّمِ مَعَانِيهَا لِلْهُدُوءِ الَّذِي يَحْصُلُ فِي اللَّيْلِ وَانْقِطَاعِ الشَّوَاغِلِ وَبِحَاصِلِ هَذَا فَسَّرَ مُجَاهِدٌ.
وَضَمِيرُ هِيَ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وَانْظُرْ مَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً [المزمل: 20] فِي وُقُوعِ ضَمِيرِ الْفَصْلِ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ وَاسْمِ تَفْضِيلٍ. وَضَمِيرُ الْفَصْلِ هُنَا لِتَقْوِيَةِ الْحُكْمِ لَا لِلْحَصْرِ.
وَالْأَقْوَمُ: الْأَفْضَلُ فِي التَّقَوِّي الَّذِي هُوَ عَدَمُ الِاعْوِجَاجِ وَالِالْتِوَاءِ وَاسْتُعِيرَ أَقْوَمُ لِلْأَفْضَلِ الْأَنْفَعِ.
وقِيلًا: الْقَوْلُ، وَأُرِيدَ بِهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
[المزمل: 5] . فَالْمَعْنَى: أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَعْوَنُ عَلَى تَذَكُّرِ الْقُرْآنِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ نِسْيَانِ بَعْضِ الْآيَاتِ، وَأَعْوَنُ عَلَى الْمَزِيدِ مِنَ التَّدَبُّرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَقْوَمُ قِيلًا: أَدْنَى مِنْ أَنْ يَفْقَهُوا الْقُرْآنَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَحْفَظُ لِلْقِرَاءَةِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَقْوَمُ قِرَاءَةً لِفَرَاغِهِ مِنَ الدُّنْيَا.
وَانْتَصَبَ وَطْئاً وقِيلًا نِسْبَةَ تَمْيِيزَيْ لِ أَشَدُّ ول أَقْوَمُ.
[7]

[سُورَة المزمل (73) : آيَة 7]
إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7)
فَصْلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ دُونَ عَطْفٍ عَلَى مَا قَبْلِهَا يَقْتَضِي أَنَّ مَضْمُونَهَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ حُكْمِ مَا قَبْلَهَا، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ تَعْيِينَ صَلَاةِ النَّهَارِ إِذْ لَمْ تَكُنِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ قَدْ فُرِضَتْ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَمْ يُفْرَضْ حِينَئِذٍ إِلَّا قِيَامُ اللَّيْلِ.
(29/263)

فَالَّذِي يَبْدُو أَنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَوْقِعُ الْعِلَّةِ لِشَيْءٍ مِمَّا فِي جُمْلَةِ إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل: 6] وَذَلِكَ دَائِرٌ: بَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِاخْتِيَارِ اللَّيْلِ لِفَرْضِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ فِيهِ، فَيُفِيدُ تَأْكِيدًا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ لِأَنَّ النَّهَارَ لَا يُغْنِي غَنَاءَهُ فَيَتَحَصَّلُ مِنَ الْمَعْنَى: قُمِ اللَّيْلَ لِأَنَّ قِيَامَهُ أَشَدُّ وَقْعًا وَأَرْسَخُ قَوْلًا، لِأَنَّ النَّهَارَ زَمَنٌ فِيهِ شُغْلٌ عَظِيمٌ لَا يَتْرُكُ لَكَ خَلْوَةً بِنَفْسِكَ. وَشُغْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهَارِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَإِبْلَاغِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِ الدِّينِ وَمُحَاجَّةِ الْمُشْرِكِينَ وَافْتِقَادِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، فَعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِالسَّبْحِ الطَّوِيلِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَلَطُّفًا وَاعْتِذَارًا عَنْ تَكْلِيفِهِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ النَّهَارَ ظَرْفٌ وَاسِعٌ لِإِيقَاعِ مَا عَسَى أَن يكلفه فيام اللَّيْلِ مِنْ فُتُورٍ بِالنَّهَارِ لِيَنَامَ بَعْضَ النَّهَارِ وَلِيَقُومَ بِمَهَامِّهِ فِيهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِمَا تَضَمَّنُهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [المزمل: 3] ، أَيْ إِنْ نَقَصْتَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ شَيْئًا لَا يفتك ثَوَاب عمله، فَإِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ مُتَّسَعًا لِلْقِيَامِ وَالتِّلَاوَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [الْفرْقَان: 62] .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي النَّهَارِ مِنْ أَوَّلِ الْبَعْثَةِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى [العلق: 9، 10] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْجِنِّ أَنَّ اسْتِمَاعَهُمُ الْقُرْآنَ كَانَ فِي صَلَاةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ فِي نَخْلَةَ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى عُكَاظٍ. وَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ هَذَا مَقْصُودًا لِأَنَّهُ مِمَّا تَسْمَحُ بِهِ دَلَالَةُ كَلِمَةِ سَبْحاً طَوِيلًا وَهِيَ مِنْ بَلِيغِ الْإِيجَازِ.
وَالسَّبْحُ: أَصْلُهُ الْعَوْمُ، أَيْ السُّلُوكُ بِالْجِسْمِ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ، وَهُوَ مُسْتَعَارٌ هُنَا لِلتَّصَرُّفِ السَّهْلِ الْمُتَّسِعِ الَّذِي يُشْبِهُ حَرَكَةَ السَّابِحِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَرِضُهُ مَا يَعُوقُ جَوَلَانَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَلَا إِعْيَاءُ السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ اسْتِعَارَةُ السَّبْحِ لِجَرْيِ الْفَرَسِ دُونَ كُلْفَةٍ فِي وَصْفِ امْرِئِ الْقَيْس الْخَيل بالسابحات فِي قَوْلِهِ فِي مَدْحِ فَرَسِهِ:
مِسَحٍّ إِذَا مَا السَّابِحَاتُ عَلَى الْوَنَى ... أَثَرْنَ الْغُبَارَ فِي الْكَدِيدِ الْمُرَكَّلِ
فَعَبَّرَ عَنِ الْجَارِيَاتِ بِالسَّابِحَاتِ.
(29/264)

وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)
وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ السَّبْحَ بِالْفَرَاغِ، أَيْ لِيَنَامَ فِي النَّهَارِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ: فَرَاغًا طَوِيلًا لِحَوَائِجِكَ فَافْرَغْ لِدِينِكَ بِاللَّيْلِ.
وَالطَّوِيلُ: وَصْفٌ مِنَ الطُّولِ، وَهُوَ ازْدِيَادُ امْتِدَادِ الْقَامَةِ أَوِ الطَّرِيقِ أَوِ الثَّوْبِ عَلَى مَقَادِيرِ أَكْثَرِ أَمْثَالِهِ. فَالطُّولُ مِنْ صِفَاتِ الذَّوَاتِ، وَشَاعَ وَصْفُ الزَّمَانِ بِهِ يُقَالُ: لَيْلٌ طَوِيلٌ
وَفِي الْحَدِيثِ «الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ قَصُرَ نَهَارُهُ فَصَامَهُ وَطَالَ لَيْلُهُ فَقَامَهُ»
. وَأما وَصْفُ السَّبْحِ بِ (طَوِيلٍ) فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهُوَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّ الطَّوِيلَ هُوَ مَكَانُ السَّبْحِ وَهُوَ الْمَاءُ الْمَسْبُوحُ فِيهِ. وَبَعْدَ هَذَا فَفِي قَوْلِهِ طَوِيلًا تَرْشِيحٌ لِاسْتِعَارَةِ السَّبْحِ لِلْعَمَلِ فِي النَّهَار.
[8- 9]

[سُورَة المزمل (73) : الْآيَات 8 إِلَى 9]
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9)
عُطِفَ عَلَى قُمِ اللَّيْلَ [المزمل: 2] وَقُصِدَ بِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ عَنْ تَعْيِينِ زَمَانٍ إِلَى إِفَادَةِ تَعْمِيمِهِ، أَيْ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ فِي اللَّيْلِ وَفِي النَّهَارِ كَقَوْلِهِ: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الْإِنْسَان: 25] .
وَإِقْحَامُ كَلِمَةِ اسْمَ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ ذِكْرُ اللِّسَانِ وَهُوَ جَامِعٌ لِلتَّذَكُّرِ بِالْعَقْلِ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ تَجْرِي عَلَى حَسَبِ مَا فِي النَّفْسِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [الْأَعْرَاف: 205] .
وَالتَّبَتُّلُ: شِدَّةُ الْبَتْلِ، وَهُوَ مَصْدَرُ تَبَتَّلَ الْقَاصِرُ الَّذِي هُوَ مُطَاوع بتّله ف تَبَتَّلْ وَهُوَ هُنَا لِلْمُطَاوَعَةِ الْمَجَازِيَّةِ يُقْصَدُ مِنْ صِيغَتِهَا الْمُبَالَغَةُ فِي حُصُولِ الْفِعْلِ حَتَّى كَأَنَّهُ فَعَلُهُ غَيْرُهُ بِهِ
فَطَاوَعَهُ، وَالتَّبَتُّلُ: الِانْقِطَاعُ وَهُوَ هُنَا انْقِطَاعٌ مَجَازِيٌّ، أَيْ تَفَرُّغُ الْبَالِ وَالْفِكْرِ إِلَى مَا يُرْضِي اللَّهَ، فَكَأَنَّهُ انْقَطَعَ عَنِ النَّاسِ وَانْحَازَ إِلَى جَانِبِ اللَّهِ فَعُدِّيَ بِ «إِلَى» الدَّالَّةِ عَلَى الِانْتِهَاءِ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
مَنَارَةُ مَمْسَى رَاهِبٍ مُتَبَتِّلِ وَالتَّبْتِيلُ: مَصْدَرُ بَتَّلَ الْمُشَدَّدِ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِثْلَ التَّقْطِيعِ.
(29/265)

وَجِيءَ بِهَذَا الْمَصْدَرِ عِوَضًا عَنِ التَّبَتُّلِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ حُصُولَ التَّبَتُّلِ، أَيِ الِانْقِطَاعِ يَقْتَضِي التَّبْتِيلَ أَيِ الْقَطْعَ. وَلَمَّا كَانَ التَّبْتِيلُ قَائِمًا بِالْمُتَبَتِّلِ تَعَيَّنَ أَنَّ تَبْتِيلَهُ قَطْعُهُ نَفْسَهُ عَنْ غَيْرِ مَنْ تَبَتَّلَ هُوَ إِلَيْهِ فَالْمَقْطُوعُ عَنْهُ هُنَا هُوَ مَنْ عَدَا اللَّهِ تَعَالَى فَالْجَمْعُ بَيْنَ تَبَتَّلْ وتَبْتِيلًا مُشِيرٌ إِلَى إِرَاضَةِ النَّفْسِ عَلَى ذَلِكَ التَّبَتُّلِ. وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ وَفَاءٌ بِرَعْيِ الْفَوَاصِلِ الَّتِي قَبْلَهُ.
وَالْمُرَادُ بِالِانْقِطَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ انْقِطَاعٌ خَاصٌّ وَهُوَ الِانْقِطَاعُ عَنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَمَهَامِّ النَّهَارِ فِي نَشْرِ الدَّعْوَةِ وَمُحَاجَّةِ الْمُشْرِكِينَ وَلِذَلِكَ قِيلَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ أَيْ إِلَى اللَّهِ فَكُلُّ عَمَلٍ يَقُومُ بِهِ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَيَاةِ فَهُوَ لِدِينِ اللَّهِ فَإِنَّ طَعَامَهُ وَشَرَابه ونومه وشؤونه لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى نَشْرِ دِينِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ مُنْعِشَاتُ الرُّوحِ الْبَرِيئَةِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلَ الطِّيبِ، وَتَزَوُّجِ النِّسَاءِ، وَالْأُنْسِ إِلَى أَهْلِهِ وَأَبْنَائِهِ وَذَوِيهِ، وَقَدْ قَالَ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ» .
وَلَيْسَ هُوَ التَّبَتُّلَ الْمُفْضِيَ إِلَى الرَّهْبَانِيَّةِ وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ النِّسَاءِ وَعَنْ تَدْبِيرِ أُمُورِ الْحَيَاةِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُلَاقِي صِفَةَ الرِّسَالَةِ.
وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ فِي «الصَّحِيحِ» «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا»
يَعْنِي رَدَّ عَلَيْهِ اسْتَشَارَتَهُ فِي الْإِعْرَاضِ عَنِ النِّسَاءِ.
وَمِنْ أَكْبَرِ التَّبَتُّلِ إِلَى اللَّهِ الِانْقِطَاعُ عَنِ الْإِشْرَاكِ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَنِيفِيَّةِ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا بِقَوْلِهِ: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ.
وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى: أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُورٌ أَنْ لَا تَخْلُوَ أَوْقَاتُهُ عَنْ إِقْبَالٍ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ وَالِانْقِطَاعِ لِلدَّعْوَةِ لِدِينِ الْحَقِّ، وَإِذْ قَدْ كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَبْلُ غَيْرَ غَافِلٍ عَنْ هَذَا الِانْقِطَاعِ بِإِرْشَادٍ مِنَ اللَّهِ كَمَا أَلْهَمَهُ التَّحَنُّثَ فِي غَارِ حِرَاءَ ثُمَّ بِمَا أَفَاضَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ. فَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ مُرَادٌ بِهِ الدَّوَامُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيمَا قَبْلُ فَإِنَّ فِي سُورَةِ الْقَلَمِ [51] (وَقَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ الْمُزَّمِّلِ) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ
كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ
عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ أَوَّلًا أَكْثَره إرشاد للنَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى طَرَائِقِ دَعْوَةِ الرِّسَالَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ غَالِبُ مَا فِي هَذِه السُّورِ الْأُوَلِ مِنْهُ مُقْتَصِرًا عَلَى سَنِّ التَّكَالِيفِ الْخَاصَّةِ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(29/266)

وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)
وَوَصْفُ اللَّهِ بِأَنَّهُ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لِمُنَاسَبَةِ الْأَمْرِ بِذِكْرِهِ فِي اللَّيْلِ وَذِكْرِهِ فِي النَّهَارِ وَهُمَا وَقْتَا ابْتِدَاءِ غِيَابِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا، وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِامْتِدَادِ كُلِّ زَمَانٍ مِنْهُمَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَ ضِدُّهُ فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ جِهَتَيِ الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ، فَيَكُونُ لِاسْتِيعَابِ جِهَاتِ الْأَرْضِ، أَيْ رَبُّ جَمِيعِ الْعَالَمِ وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِوَقْتَيِ الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ.
وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا وَقْتَا الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ، أَيْ مَبْدَأَ ذَيْنِكَ الْوَقْتَيْنِ وَمُنْتَهَاهُمَا، كَمَا يُقَال: سبحوا لله كُلَّ مُشْرِقِ شَمْسٍ، وَكَمَا يُقَالُ: صَلَاةُ الْمَغْرِبِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ رَبُّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ حَذْفًا جَرَى عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي مِثْلِهِ مِمَّا يَسْبِقُ فِي الْكَلَامِ حَدِيثٌ عَنْهُ.
ثُمَّ أُرِيدَ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِخَبَرٍ جَامِعٍ لِصِفَاتِهِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ النَّعْتِ الْمَقْطُوعِ الْمَرْفُوعِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ وَخَلَفٍ بِخَفْضِ رَبِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ رَبِّكَ.
وَعُقِّبَ وَصْفُ اللَّهِ بِ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ أَوْ بِوَصْفِهِ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لِأَنَّ تَفَرُّدَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِرُبُوبِيَّةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَلَمَّا كَانَتْ رُبُوبِيَّتُهُ لِلْعَالَمِ لَا يُنَازِعُ فِيهَا الْمُشْرِكُونَ أُعْقِبَتْ بِمَا يَقْتَضِي إِبْطَالَ دَعْوَى الْمُشْرِكِينَ تَعَدُّدَ الْآلِهَةِ بِقَوْلِهِ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ تَعْرِيضًا بِهِمْ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مَسُوقًا إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا، وَإِذ كَانَ الْأَمر باتخاذ وَكِيلًا مُسَبَّبًا عَنْ كَوْنِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كَانَ ذَلِكَ فِي قُوَّةِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ وَكِيلٍ غَيْرِهِ، إِذْ لَيْسَ غَيْرُهُ بِأَهْلٍ لِاتِّخَاذِهِ وَكِيلًا.
وَالْوَكِيلُ: الَّذِي يُوكَلُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ، أَيْ يُفَوَّضُ إِلَى تَصَرُّفِهِ، وَمِنْ أَهَمِّ التَّفْوِيضِ أَمْرُ الِانْتِصَارِ لِمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ فِيهِ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ تَزَمُّلِهِ مِنْ مَوْجِدَةِ الْحُزْنِ فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِأَنْ لَا يَعْتَمِدَ إِلَّا عَلَيْهِ، وَهَذَا تَكَفُّلٌ بِالنَّصْرِ وَلِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ: وَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ [المزمل: 10] .
[10]

[سُورَة المزمل (73) : آيَة 10]
وَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً
(29/267)

(10)
عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: 9] ، وَالْمُنَاسَبَةُ أَنْ الصَّبْرَ عَلَى الْأَذَى
يُسْتَعَانُ عَلَيْهِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ.
وَضَمِيرُ يَقُولُونَ عَائِدٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعَادٌ فَهُوَ مِنَ الضَّمَائِرِ الَّتِي اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مُعَادِهَا بِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لِلسَّامِعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ [الْجِنّ: 16] الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [الْجِنّ: 1] ، وَلِأَنَّهُ سَيَأْتِي عَقِبَهُ قَوْلُهُ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [المزمل: 11] فَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنَ الضَّمِيرِ.
وَقَدْ مَضَى فِي السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ مَقَالَاتُ أَذًى مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِي سُورَةِ الْعَلَقِ [9، 10] أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى. قِيلَ هُوَ أَبُو جَهْلٍ تَهَدَّدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَئِنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيَفْعَلَنَّ وَيَفْعَلَنَّ. وَفِيهَا: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: 6، 7] . قِيلَ هُوَ الْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ «تَنَكَّرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ كَانَ حَلِيفَهُ» ، وَفِي سُورَةِ الْقَلَمِ [2- 15] مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ إِلَى قَوْلِهِ: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ، وَقَوْلِهِ: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ إِلَى قَوْلِهِ: قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الْقَلَم: 15] رَدًّا لِمَقَالَاتِهِمْ. وَفِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ [11- 25] إِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، قِيلَ: قَائِلُ ذَلِكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. فَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَقُولُونَ.
وَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ: هُوَ الْحَسَنُ فِي نَوْعِهِ، فَإِنَّ الْأَحْوَالَ وَالْمَعَانِيَ مِنْهَا حَسَنٌ وَمِنْهَا قَبِيحٌ فِي نَوْعِهِ وَقَدْ يُقَالُ: كَرِيمٌ، وَذَمِيمٌ، وَخَالِصٌ، وَكَدِرٌ، وَيَعْرِضُ الْوَصْفُ لِلنَّوْعِ بِمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مِنْ عَوَارِضَ تُنَاسِبُ حَقِيقَةَ النَّوْعِ فَإِذَا جُرِّدَتِ الْحَقِيقَةُ عَنِ الْأَعْرَاضِ الَّتِي قَدْ تَعْتَلِقُ بِهَا كَانَ نَوْعُهَا خَالِصًا، وَإِذَا أُلْصِقَ بِالْحَقِيقَةِ مَا لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهَا كَانَ النَّوْعُ مُكَدَّرًا قَبِيحًا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [الْبَقَرَة: 264] ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [29] ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [18] ، وَقَوْلُهُ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا فِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ [5] .
فَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي يَقْتَصِرُ صَاحِبُهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْهَجْرِ، وَهُوَ تَرْكُ الْمُخَالَطَةِ فَلَا يَقْرِنُهَا بِجَفَاءٍ آخَرَ أَوْ أَذًى، وَلَمَّا كَانَ الْهَجْرُ ينشأ عَن بعض الْمَهْجُورِ، أَوْ كَرَاهِيَةِ
(29/268)

وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11)
أَعْمَالِهِ كَانَ معرّضا لِأَن يعتلق بِهِ أَذًى مِنْ سَبٍّ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِهَجْرِ الْمُشْرِكِينَ هَجْرًا جَمِيلًا، أَيْ أَنْ يَهْجُرَهُمْ وَلَا يَزِيدَ عَلَى هَجْرِهِمْ سَبًّا أَوِ انْتِقَامًا.
وَهَذَا الْهَجْرُ: هُوَ إِمْسَاكُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مُكَافَأَتِهِمْ بِمِثْلِ مَا يَقُولُونَهُ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ.
وَلَيْسَ مُنْسَحِبًا عَلَى الدَّعْوَةِ لِلدِّينِ فَإِنَّهَا مُسْتَمِرَّةٌ وَلَكِنَّهَا تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُنْسَبُ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدِ انْتَزَعَ فَخْرُ الدِّينِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَنْزَعًا خُلُقِيًّا بِأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ فِي مُخَالَطَةِ النَّاسِ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ لِأَنَّ الْمَرْءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِطًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ وَإِيحَاشِهِمْ لِأَنَّهُ إِنْ أَطْمَعَ نَفْسَهُ بِالرَّاحَةِ مَعَهُمْ لَمْ يَجِدْهَا مُسْتَمِرَّةً فَيَقَعُ فِي الْغُمُومِ إِنْ لَمْ يَرِضْ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ، وَإِنْ تَرَكَ الْمُخَالَطَةَ فَذَلِكَ هُوَ الهجر الْجَمِيل.
[11]

[سُورَة المزمل (73) : آيَة 11]
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (11)
الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ فِي سُورَةِ الْقَلَمِ [44] ، أَيْ دَعْنِي وَإِيَّاهُمْ، أَيْ لَا تَهْتَمَّ بِتَكْذِيبِهِمْ وَلَا تَشْتَغِلْ بِتَكْرِيرِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَلَا تَغْضَبْ وَلَا تَسُبَّهُمْ فَأَنَا أَكْفِيكَهُمْ.
وَانْتَصَبَ الْمُكَذِّبِينَ عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ، وَالْوَاوُ وَاوُ الْمَعِيَّةِ.
وَالْمُكَذِّبُونَ هُمْ مَنْ عَنَاهُمْ بِضَمِيرِ يَقُولُونَ واهْجُرْهُمْ [المزمل: 10] ، وهم المكذبون للنَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَهُوَ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِإِفَادَةِ أَنَّ التَّكْذِيبَ هُوَ سَبَبُ هَذَا التَّهْدِيدِ.
وَوَصَفَهُمْ بِ أُولِي النَّعْمَةِ تَوْبِيخًا لَهُمْ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا لِغُرُورِهِمْ وَبَطَرِهِمْ بِسَعَةِ حَالِهِمْ، وَتَهْدِيدًا لَهُمْ بِأَنَّ الَّذِي قَالَ ذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ سَيُزِيلُ عَنْهُمْ ذَلِكَ التَّنَعُّمَ.
وَفِي هَذَا الْوَصْفِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهَكُّمِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَ سَعَةَ الْعَيْشِ وَوَفْرَةَ الْمَالِ
(29/269)

إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (14)
كَمَالًا، وَكَانُوا يُعَيِّرُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْخَصَاصَةِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ الْآيَات [المطففين: 29، 30] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ [مُحَمَّد: 12] .
والنَّعْمَةِ: هُنَا بِفَتْحِ النُّونِ بِاتِّفَاقِ الْقُرَّاءِ. وَهِيَ اسْمٌ لِلتَّرَفُّهِ، وَجَمْعُهَا أَنْعُمٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْعَيْنِ.
وَأَمَّا النِّعْمَةُ بِكَسْرِ النُّونِ فَاسْمٌ لِلْحَالَةِ الْمُلَائِمَةِ لِرَغْبَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ عَافِيَةٍ، وَأَمْنٍ وَرِزْقٍ،
وَنَحْوِ ذَلِك من الرغائب. وَجَمْعُهَا: نِعَمٌ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ، وَتُجْمَعُ جَمْعَ سَلَامَةٍ عَلَى نِعَمَاتٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ لِجُمْهُورِ الْعَرَبِ. وَتُكْسَرُ الْعَيْنُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ كَسْرَةَ إِتْبَاعٍ.
وَالنُّعْمَةُ بِضَمِّ النُّونِ اسْمٌ لِلْمَسَرَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ تُجْمَعَ عَلَى نُعْمٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تُجْمَعَ عَلَى نُعَمٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مِثْلَ: غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ، وَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي الْوَزْنِ.
وَجَعْلُهُمْ ذَوِي النَّعْمَةِ الْمَفْتُوحَةِ النُّونِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ قُصَارَى حَظِّهِمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ هِيَ النَّعْمَةُ، أَيِ الِانْطِلَاقُ فِي الْعَيْشِ بِلَا ضِيقٍ، وَالِاسْتِظْلَالُ بِالْبُيُوتِ وَالْجَنَّاتِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَى لَذِيذِ الطُّعُومِ وَلَذَائِذِ الِانْبِسَاطِ إِلَى النِّسَاءِ وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ كَمَالَاتِ النَّفْسِ وَلَذَّةِ الِاهْتِدَاءِ وَالْمَعْرِفَةِ قَالَ تَعَالَى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الْفرْقَان: 44] وَتَعْرِيفُ النَّعْمَةِ لِلْعَهْدِ.
وَالتَّمْهِيلُ: الْإِمْهَالُ الشَّدِيدُ، وَالْإِمْهَالُ: التَّأْجِيلُ وَتَأْخِيرُ الْعُقُوبَةِ، وَهُوَ مُتَرَتِّبٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ، أَيْ وَانْتَظِرْ أَنْ نَنْتَصِرَ لَكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الْأَحْقَاف: 35] .
وقَلِيلًا وَصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ تَمْهِيلًا قَلِيلًا. وَانْتَصَبَ عَلَى الْمَفْعُول الْمُطلق.
[12- 14]

[سُورَة المزمل (73) : الْآيَات 12 إِلَى 14]
إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (12) وَطَعاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً
(29/270)

(14)
وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [المزمل: 11] ، أَيْ لِأَنَّ لَدَيْنَا مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَدِّكَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ أَفَادَ تَهْدِيدَهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ النِّقَمَ أُعِدَّتْ لَهُمْ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مِنْ خَزَائِنِ نِقْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَتْ بِحَيْثُ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَأْهِلَةِ لَهَا، وَهُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ ضِدًّا لِأُصُولِ النِّعْمَةِ الَّتِي خُوِّلُوهَا، فَبَطِرُوا بِهَا وَقَابَلُوا الْمُنْعِمَ بِالْكُفْرَانِ.
فَالْأَنْكَالُ مُقَابِلُ كُفْرَانِهِمْ بِنِعْمَةِ الصِّحَّةِ وَالْمَقْدِرَةِ لِأَنَّ الْأَنْكَالَ الْقُيُودُ. وَالْجَحِيمُ: وَهُوَ نَارُ جَهَنَّمَ مُقَابِلُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ لَذَّةِ الِاسْتِظْلَالِ وَالتَّبَرُّدِ. وَالطَّعَامُ: ذُو الْغُصَّةِ مُقَابِلُ مَا كَانُوا مُنْهَمِكِينَ فِيهِ مِنْ أَطْعِمَتِهِمُ الْهَنِيئَةِ مِنَ الثَّمَرَاتِ وَالْمَطْبُوخَاتِ وَالصَّيْدِ. وَالْأَنْكَالُ: جَمْعُ
نَكْلٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَبِكَسْرِهَا وَبِسُكُونِ الْكَافِ. وَهُوَ الْقَيْدُ الثَّقِيلُ.
وَالْغُصَّةُ بِضَمِّ الْغَيْن: اسْم الْأَثر الْغَصِّ فِي الْحَلْقِ وَهُوَ تَرَدُّدُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْحَلْقِ بِحَيْثُ لَا يُسِيغُهُ الْحَلْقُ مَنْ مَرَضٍ أَوْ حُزْنٍ وَعَبْرَةٍ.
وَإِضَافَةُ الطَّعَامِ إِلَى الْغُصَّةِ إِضَافَةٌ مَجَازِيَّةٌ وَهِيَ مِنَ الْإِضَافَةِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، فَإِنَّ الْغُصَّةَ عَارِضٌ فِي الْحَلْقِ سَبَبُهُ الطَّعَامُ أَوِ الشُّرْبُ الَّذِي لَا يُسْتَسَاغُ لِبَشَاعَةٍ أَوْ يُبُوسَةٍ.
وَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ: مُقَابِلُ مَا فِي النِّعْمَةِ مِنْ مَلَاذِّ الْبَشَرِ، فَإِنَّ الْأَلَمَ ضِدُّ اللَّذَّةِ. وَقَدْ عَرَّفَ الْحُكَمَاءُ اللَّذَّةَ بِأَنَّهَا الْخَلَاصُ مِنَ الْأَلَمِ.
وَقَدْ جُمِعَ الْأَخِيرُ جَمْعَ مَا يُضَادُّ مَعْنَى النَّعْمَةِ (بِالْفَتْحِ) .
وَتَنْكِيرُ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْأَرْبَعَةِ لِقَصْدِ تَعْظِيمِهَا وَتَهْوِيلِهَا، وَ (لَدَى) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَيُقَدَّرُ مُضَافٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُونِ الْعَظَمَةِ. وَالتَّقْدِيرُ: لَدَى خَزَائِنِنَا، أَيْ خَزَائِنِ الْعَذَابِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى إِيجَادِ ذَلِكَ مَتَى أَرَادَ اللَّهُ.
وَيَتَعَلَّقُ يَوْمَ تَرْجُفُ بِالِاسْتِقْرَارِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ خَبَرُ إِنَّ فِي قَوْلِهِ إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا.
وَالرَّجْفُ: الزَّلْزَلَةُ وَالِاضْطِرَابُ، وَالْمُرَادُ: الرَّجْفُ الْمُتَكَرِّرُ الْمُسْتَمِرُّ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ انْفِرَاطُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَانْحِلَالُهَا.
(29/271)

إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16)
وَالْكَثِيبُ: الرَّمْلُ الْمُجْتَمِعُ كَالرَّبْوَةِ، أَيْ تَصِيرُ حِجَارَةُ الْجِبَالِ دِقَاقًا.
ومهيل: اسْم فعول مِنْ هَالَ الشَّيْءَ هَيْلًا، إِذَا نَثَرَهُ وَصَبَّهُ، وَأَصْلُهُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الْيَاءِ فَنُقِلَتْ إِلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا فَالْتَقَى سَاكِنَانِ فَحُذِفَتِ الْوَاوُ، لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهَا الضَّمَّةُ.
وَجِيءَ بِفِعْلِ كانَتِ فِي قَوْلِهِ: وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً، لِلْإِشَارَةِ إِلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمَاضِي. وَوَجْهُ مُخَالَفَتِهِ لِأُسْلُوبِ تَرْجُفُ أَنَّ صَيْرُورَةَ الْجِبَالِ كُثُبًا أَمْرٌ عَجِيبٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ، فَلَعَلَّهُ يَسْتَبْعِدُهُ السَّامِعُونَ وَأَمَّا رَجْفُ الْأَرْضِ فَهُوَ مَعْرُوفٌ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الرَّجْفَ الْمَوْعُودَ بِهِ أَعْظَمُ مَا عرف جنسه.
[15- 16]

[سُورَة المزمل (73) : الْآيَات 15 إِلَى 16]
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (16)
نُقِلَ الْكَلَامُ إِلَى مُخَاطَبَةِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْخِطَابُ مُوَجَّهًا إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْمُنَاسَبَةُ لِذَلِكَ التَّخَلُّصُ إِلَى وَعِيدِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَهَجْرِهِمْ هَجْرًا جَمِيلًا إِذْ قَالَ لَهُ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ إِلَى قَوْلِهِ: وَعَذاباً أَلِيماً [المزمل: 11- 13] .
فَالْكَلَامُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ، وَلَا يُعَدُّ هَذَا الْخِطَابُ مِنَ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّ الْكَلَامَ نُقِلَ إِلَى غَرَضٍ غَيْرِ الْغَرَضِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ.
فَالْخِطَابُ فِيهِ جَارٍ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ: مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ وَمَذْهَبِ السَّكَّاكِيِّ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ أَمْثَالَهُمْ مِمَّنْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَهُوَ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وَهَذَا أَوَّلُ مَثَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ لِلتَّهْدِيدِ بِمَصِيرِ أَمْثَالِهِمْ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.
(29/272)

وَاخْتِيرَ لَهُمْ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِفِرْعَوْنَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ حَالِ أَهْلِ مَكَّةَ وَحَالِ أَهْلِ مِصْرَ فِي سَبَبِ الْإِعْرَاضِ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ هُوَ مَجْمُوعُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَمَا يَمْلَأُ نُفُوسَهُمْ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالتَّعَاظُمِ عَلَى الرَّسُولِ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ مِثْلَهُمْ لَا يُطِيعُ مِثْلَهُ كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 47] وَقَدْ قَالَ أَهْلُ مَكَّةَ لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الْفرْقَان: 21] . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِفِرْعَوْنَ لِأَبِي جَهْلٍ وَهُوَ زَعِيمُ الْمُنَاوِينَ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤَلِّبِينَ عَلَيْهِ وَأَشَدُّ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ كُفْرًا.
وَأُكِّدَ الْخَبَرُ بِ (إِنَّ) لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ مُنْكِرُونَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا.
وَنَكَّرَ رَسُولًا لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الْمَعْنِيَّ بِهِ فِي هَذَا الْكَلَامِ، وَلِأَنَّ مَنَاطَ التَّهْدِيدِ وَالتَّنْظِيرِ لَيْسَ شَخْصَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هُوَ صِفَةُ الْإِرْسَالِ.
وَأُدْمِجَ فِي التَّنْظِيرِ وَالتَّهْدِيدِ وَصْفُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَوْنِهِ شَاهِدًا عَلَيْهِمْ.
وَالْمُرَادُ بِالشَّهَادَةِ هُنَا: الشَّهَادَةُ بِتَبْلِيغِ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنَ النَّاسِ وَبِذَلِكَ يَكُونُ وَصْفُ شاهِداً مُوَافِقًا لِاسْتِعْمَالِ الْوَصْفِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فِي زَمَنِ الْحَالِ، أَيْ هُوَ شَاهِدٌ عَلَيْكُمُ الْآنَ بِمُعَاوَدَةِ الدَّعْوَةِ وَالْإِبْلَاغِ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ شَهَادَةٌ بِصِدْقِ الْمُسْلِمِينَ فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْأُمَمِ بِأَنَّ رُسُلَهُمْ أَبْلَغُوا إِلَيْهِمْ رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
كَمَا وَرَدَ تَفْصِيلُ تَفْسِيرِهَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [143] .
وَتَنْكِيرُ رَسُولًا الْمُرْسَلُ إِلَى فِرْعَوْنَ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْإِرْسَالِ لَا بِشَخْصِ الْمُرْسَلِ إِذِ التَّشْبِيهُ تَعَلَّقَ بِالْإِرْسَالِ فِي قَوْلِهِ: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ إِذْ تَقْدِيرُهُ كَإِرْسَالِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا.
وَتَفْرِيعُ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ وَهُوَ التَّهْدِيدُ بِأَنْ يَحِلَّ بِالْمُخَاطِبِينَ لَمَّا عَصَوُا الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا حَلَّ بِفِرْعَوْنَ.
(29/273)

فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18)
وَفِي إِظْهَارِ اسْمِ فِرْعَوْنَ فِي قَوْلِهِ: فَعَصى فِرْعَوْنُ دُونَ أَنْ يُؤْتَى بِضَمِيرِهِ لِلنِّدَاءِ عَلَيْهِ بِفَظَاعَةِ عِصْيَانِهِ الرَّسُولَ.
وَلَمَّا جَرَى ذِكْرُ الرَّسُولِ الْمُرْسَلِ إِلَى فِرْعَوْنَ أَوَّلَ مَرَّةٍ جِيءَ بِهِ فِي ذِكْرِهِ ثَانِيَ مَرَّةٍ مُعَرَّفًا بِلَامِ الْعَهْدِ وَهُوَ الْعَهْدُ الذِّكْرِيُّ، أَيِ الرَّسُولُ الْمَذْكُورُ آنِفًا فَإِنَّ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً بِاللَّامِ كَانَ مَدْلُولُهَا عَيْنَ الْأُولَى.
وَالْأَخْذُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِهْلَاكِ مَجَازًا لِأَنَّهُ لَمَّا أَزَالَهُمْ مِنَ الْحَيَاةِ أَشْبَهَ فِعْلُهُ أَخْذَ الْآخِذِ شَيْئًا مِنْ مَوْضِعِهِ وَجَعْلِهِ عِنْدَهُ.
وَالْوَبِيلُ: فَعِيلٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ وَبُلَ الْمَكَانُ، إِذَا وَخِمَ هَوَاؤُهُ أَوْ مَرْعَى كَلَئِهِ، وَقَالَ زُهَيْرٌ:
إِلَى كَلَإٍ مُسْتَوْبِلٍ مُتَوَخِّمٍ وَهُوَ هُنَا مستعار لسيّىء الْعَاقِبَةِ شَدِيدَ السُّوءِ، وَأُرِيدَ بِهِ الْغَرَقُ الَّذِي أَصَابَ فِرْعَوْن وَقَومه.
[17- 18]

[سُورَة المزمل (73) : الْآيَات 17 إِلَى 18]
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (17) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (18)
الِاسْتِفْهَامُ بِ (كَيْفَ) مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيزِ وَالتَّوْبِيخِ وَهُوَ مُتَفَرِّعٌ بِالْفَاءِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْخِطَابُ السَّابِقُ مِنَ التَّهْدِيدِ عَلَى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أُدْمِجَ فِيهِ مِنَ التَّسْجِيلِ بِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ فَلَيْسَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ إِلَّا الْمُؤَاخَذَةُ بِمَا شَهِدَ بِهِ، وَقَدِ انْتَقَلَ بِهِمْ مِنَ التَّهْدِيدِ بِالْأَخْذِ فِي الدُّنْيَا الْمُسْتَفَادِ مِنْ تَمْثِيلِ حَالِهِمْ بِحَالِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسَى إِلَى الْوَعِيدِ بِعِقَابٍ أَشَدَّ وَهُوَ عَذَابُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ نَشَأَ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ عَنِ اعْتِبَارِهِمْ أَهْلَ اتِّعَاظٍ وَخَوْفٍ مِنَ الْوَعِيدِ بِمَا حَلَّ بِأَمْثَالِهِمْ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يُثِيرَ فِيهِمْ تَفْكِيرًا مِنَ النَّجَاةِ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا هُدِّدُوا بِهِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا أَهْلَ جَلَادَةٍ عَلَى تَحَمُّلِ عَذَابِ الدُّنْيَا فَمَاذَا يَصْنَعُونَ فِي اتِّقَاءِ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَدَلَّتْ فَاءُ التَّفْرِيعِ وَاسْمُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
فَالْمَعْنَى: هَبْكُمْ أَقْدَمْتُمْ عَلَى تَحَمُّلِ عَذَابِ الدُّنْيَا فَكَيْفَ تَتَّقُونَ عَذَابَ الْآخِرَةِ،
(29/274)

فَفِعْلُ الشَّرْطِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنْ كَفَرْتُمْ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الدَّوَامِ عَلَى الْكُفْرِ لِأَنَّ مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْطُ مِنَ الِاسْتِقْبَالِ قَرِينَةٌ عَلَى إِرَادَةِ مَعْنَى الدَّوَامِ مِنْ فِعْلِ كَفَرْتُمْ وَإِلَّا فَإِنَّ كُفْرَهُمْ حَاصِلٌ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.
ويَوْماً مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِ تَتَّقُونَ. واتقاء الْيَوْم باتقاء مَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ عَذَابٍ أَيْ عَلَى الْكُفْرِ.
وَوَصْفُ الْيَوْمِ بِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً وَصْفٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ وَالْأَحْزَانِ، لِأَنَّهُ شَاعَ أَنَّ الْهَمَّ مِمَّا يُسْرِعُ بِهِ الشَّيْبُ فَلَمَّا أُرِيدَ وَصْفُ هَمِّ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالشِّدَّةِ الْبَالِغَةِ أَقْوَاهَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ يَشِيبُ الْوِلْدَانُ الَّذِينَ شَعْرُهُمْ فِي أَوَّلِ سَوَادِهِ. وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ عَجِيبَةٌ وَهِيَ مِنْ مُبْتَكَرَاتِ الْقُرْآنِ فِيمَا أَحْسَبُ، لِأَنِّي لَمْ أَرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَمَّا الْبَيْتُ الَّذِي يُذْكَرُ فِي شَوَاهِدِ النَّحْوِ وَهُوَ:
إِذَنْ وَاللَّهِ نَرْمِيهُمْ بِحَرْبٍ ... تُشِيبُ الطِّفْلَ مِنْ قَبْلِ الْمَشِيبِ
فَلَا ثُبُوتَ لِنِسْبَتِهِ إِلَى مَنْ كَانُوا قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَلَا يُعْرَفُ قَائِلُهُ، وَنَسَبَهُ بَعْضُ الْمُؤَلِّفِينَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. وَقَالَ الْعَيْنِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ فِي دِيوَانِهِ. وَقَدْ أَخَذَ الْمَعْنَى الصَّمَّةُ ابْن عَبْدِ اللَّهِ الْقُشَيْرِيُّ فِي قَوْلِهِ:
دَعَانِي مِنْ نَجْدٍ فَإِنَّ سِنِينَهُ ... لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وَشَيَّبْنَنَا مُرْدَا
وَهُوَ مِنْ شُعَرَاءِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ وَإِسْنَادُ يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً إِلَى الْيَوْمِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ
بِمَرْتَبَتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ زَمَنُ الْأَهْوَالِ الَّتِي تَشِيبُ لِمِثْلِهَا الْأَطْفَالُ، وَالْأَهْوَالُ سَبَبٌ لِلشَّيْبِ عُرْفًا.
وَالشَّيْبُ كِنَايَةٌ عَنْ هَذَا الْهَوْلِ فَاجْتَمَعَ فِي الْآيَةِ مَجَازَانِ عَقْلِيَّانِ وَكِنَايَةٌ وَمُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ: يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً.
وَجُمْلَةُ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ.
وَالْبَاءُ بِمَعْنَى (فِي) وَهُوَ ارْتِقَاءٌ فِي وَصْفِ الْيَوْمِ بِحُدُوثِ الْأَهْوَالِ فِيهِ فَإِنَّ انْفِطَارَ السَّمَاء أَشد هُوَ لَا وَرُعْبًا مِمَّا كُنِّيَ عَنْهُ بِجُمْلَةِ يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً. أَيِ السَّمَاءُ عَلَى عِظَمِهَا وَسُمْكِهَا تَنْفَطِرُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَمَا ظَنُّكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ وَأَمْثَالِكُمْ مِنَ الْخَلَائِقِ فِيهِ.
(29/275)

وَالِانْفِطَارُ: التَّشَقُّقُ الَّذِي يَحْدُثُ فِي السَّمَاءِ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ وَصُعُودِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ [4] .
وَذِكْرُ انْفِطَارِ السَّمَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ زِيَادَةٌ فِي تَهْوِيلِ أَحْوَالِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ الْمُهَدَّدِينَ رُعْبًا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ انْفِطَارُ السَّمَاءِ مِنْ آثَارِ أَعْمَالِهِمْ وَلَا لَهُ أَثَرٌ فِي زِيَادَةِ نَكَالِهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ مُسْتَأْنَفَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِلَخْ، وَجُمْلَةِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَيَكُونُ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِالْبَاءِ عَائِدًا إِلَى الْكُفْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ فِعْلِ كَفَرْتُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِخْبَارُ بِانْفِطَارِ السَّمَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، أَيْ كَالْمُنْفَطِرِ بِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا [مَرْيَم: 88- 90] .
وَوَصْفُ السَّمَاءِ بِمُنْفَطِرٍ بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ مَعَ أَنَّ السَّمَاءَ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُعْتَبَرَةِ مُؤَنَّثَةً فِي الشَّائِعِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: السَّمَاءُ تُذَكَّرُ عَلَى التَّأْوِيلِ بِالسَّقْفِ لِأَنَّ أَصْلَ تَسْمِيَتِهَا سَمَاءً عَلَى التَّشْبِيهِ بِالسَّقْفِ، أَيْ وَالسَّقْفُ مُذَكَّرٌ وَالسَّمَاءُ مُؤَنَّثٌ. وَتَبِعَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ بَرِّيٍّ.
وَأَنْشَدَ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
فَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءُ إِلَيْهِ قَوْمًا ... لَحِقْنَا بِالسَّمَاءِ مَعَ السَّحَابِ
وَأَنْشَدَ ابْنُ بَرِّيٍّ أَيْضًا فِي تَذْكِيرِ السَّمَاءِ بِمَعْنَى السَّقْفِ قَوْلَ الْآخَرِ:
وَقَالَتْ سَمَاءُ الْبَيْتِ فَوْقَكَ مُخْلَقٌ ... وَلَمَّا تَيَسَّرَ اجْتِلَاءُ الرَّكَائِبِ
وَلَا نَدْرِي مِقْدَار صِحَة هاذين الشَّاهِدَيْنِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونَانِ مِنْ ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وَقِيلَ: إِذَا كَانَ الِاسْمُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ جَازَ إِجْرَاءُ وَصْفِهِ عَلَى التَّذْكِيرِ فَلَا تَلْحَقُهُ هَاءُ التَّأْنِيثِ قِيَاسًا عَلَى الْفِعْلِ الْمُسْنَدِ لِلْمُؤَنَّثِ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ فِي جَوَازِ اقْتِرَانِهِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ وَتَجْرِيدِهِ مِنْهَا، إِجْرَاءً لِلْوَصْفِ مَجْرَى الْفِعْلِ وَهُوَ وَجِيهٌ.
وَلَعَلَّ الْعُدُولَ فِي الْآيَةِ عَنِ الِاسْتِعْمَالِ الشَّائِعِ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ فِي إِجْرَاءِ السَّمَاءِ عَلَى التَّأْنِيثِ، إِلَى التَّذْكِيرِ إِيثَارًا لِتَخْفِيفِ الْوَصْفِ لِأَنَّهُ لَمَّا جِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ
(29/276)

إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19)
مُنْفَعِلٍ بِحَرْفَيْ زِيَادَةٍ وَهُمَا الْمِيمُ وَالنُّونُ كَانَتِ الْكَلِمَةُ مُعَرَّضَةً لِلثِّقَلِ إِذَا أُلْحِقَ بِهَا حَرْفٌ زَائِدٌ آخَرُ ثَالِثٌ، وَهُوَ هَاءُ التَّأْنِيثِ فَيَحْصُلُ فِيهَا ثِقَلٌ يُجَنَّبُهُ الْكَلَامُ الْبَالِغُ غَايَةَ الْفَصَاحَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَمْ تَجْرِ عَلَى التَّذْكِيرِ فِي قَوْلِهِ: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: 1] إِذْ لَيْسَ فِي الْفِعْلِ إِلَّا حَرْفٌ مَزِيدٌ وَاحِدٌ وَهُوَ النُّونُ إِذْ لَا اعْتِدَادَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ لِأَنَّهَا سَاقِطَةٌ فِي حَالَةِ الْوَصْلِ، فَجَاءَتْ بَعْدَهَا تَاءُ التَّأْنِيثِ.
وَجُمْلَةُ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا صِفَةٌ أُخْرَى لِ يَوْماً، وَهَذَا الْوَصْفُ إِدْمَاجٌ لِلتَّصْرِيحِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ بَعْدَ الْإِنْذَارِ بِهِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضٍ لِوُقُوعِهِ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ اسْتِقْصَاءً فِي إِبْلَاغِ ذَلِكَ إِلَى عِلْمِهِمْ وَفِي قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ.
وَضَمِيرُ وَعْدُهُ عَائِدٌ إِلَى يَوْماً الْمَوْصُوفِ، وَإِضَافَةُ (وَعْدٍ) إِلَيْهِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ عَلَى التَّوَسُّعِ، أَيِ الْوَعْدُ بِهِ، أَي بِوُقُوعِهِ.
[19]

[سُورَة المزمل (73) : آيَة 19]
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (19)
تَذْيِيلٌ أَيْ تَذْكِرَةٌ لِمَنْ يَتَذَكَّرُ فَإِنْ كَانَ مِنْ مُنْكِرِي الْبَعْثِ آمَنَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا اسْتِفَاقَ مِنْ بَعْضِ الْغَفْلَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْمُؤْمِنِ فَاسْتَدْرَكَ مَا فَاتَهُ، وَبِهَذَا الْعُمُومِ الشَّامِلِ لِأَحْوَالِ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ وَأَحْوَالِ غَيْرِهِمْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ تَذْيِيلًا.
وَالْإِشَارَةُ بِ هذِهِ إِلَى الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ [المزمل: 15] .
وَتَأْكِيدُ الْكَلَامِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأَنَّ الْمُوَاجَهِينَ بِهِ ابْتِدَاءً هُمْ مُنْكِرُونَ كَوْنَ الْقُرْآنِ تَذْكِرَةً وَهُدًى فَإِنَّهُمْ كَذَّبُوا بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَوَسَمُوهُ بِالسِّحْرِ وَبِالْأَسَاطِيرِ، وَذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي أَرْشَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا قَالَ تَعَالَى: وَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ [المزمل: 10] .
وَالتَّذْكِرَةُ: اسْمٌ لِمَصْدَرِ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذَّالِ، الَّذِي هُوَ خُطُورُ الشَّيْءِ فِي الْبَالِ، فَالتَّذْكِرَةُ: الْمَوْعِظَةُ لِأَنَّهُ تَذَكُّرُ الْغَافِلِ عَنْ سُوءِ الْعَوَاقِبِ، وَهَذَا تَنْوِيهٌ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ وَتَجْدِيدٌ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى التَّدَبُّرِ فِيهِ وَالتَّفَكُّرِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ.
(29/277)

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)
وَفُرِّعَ عَلَى هَذَا التَّحْرِيضِ التَّعْرِيضِيِّ تَحْرِيضٌ صَرِيحٌ بِقَوْلِهِ: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أَيْ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا فَقَدْ تَهَيَّأَ لَهُ اتِّخَاذُ السَّبِيلِ إِلَى اللَّهِ بِهَذِهِ التَّذْكِرَةِ فَلَمْ تَبْقَ لِلْمُتَغَافِلِ مَعْذِرَةٌ.
والإتيان بموصول فَمَنْ شاءَ مِنْ قَبِيلِ التَّحْرِيضِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا السَّبِيلَ مُوَصِّلٌ إِلَى الْخَيْرِ فَلَا حَائِلَ يَحُولُ بَيْنَ طَالِبِ الْخَيْرِ وَبَيْنَ سُلُوكِ هَذَا السَّبِيلِ إِلَّا مَشِيئَتُهُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ:
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الْكَهْف: 29] . فَلَيْسَ ذَلِكَ إِبَاحَةً لِلْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَلَكِنَّهُ تَحْرِيضٌ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَا بَعْدَهُ تَحْذِيرٌ مِنَ الْكُفْرِ، أَيْ تَبِعَةُ التَّفْرِيطِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُفَرِّطِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَيْسَ مَعْنَاهُ إِبَاحَةَ الْأَمْرِ وَضِدِّهِ بَلْ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ.
وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ الَّذِي كَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَحْمِلُهَا عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي تَعْيِينِ السَّبِيلِ فَمُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ عِنْدَهُ أَنْ يُبَيِّنَ سَبِيلًا مَا من السَّبِيل قَالَ: وَهُوَ حَسَنٌ، فَيَبْقَى ظَاهِرُ الْآيَةِ عَلَى حَالِهِ مِنَ التَّخْيِيرِ اهـ.
وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ وَأَنْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ شَيْءٌ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ. وَفِي قَوْلِهِ: إِلى رَبِّهِ تَمْثِيلٌ لِحَالِ طَالِبِ الْفَوْزِ وَالْهُدَى بِحَالِ السَّائِرِ إِلَى نَاصِرٍ أَوْ كَرِيمٍ قَدْ أُرِيَ السَّبِيلَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ إِلَى مَقْصِدِهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَا يَعُوقُهُ عَنْ سُلُوكِهِ.
[20]

[سُورَة المزمل (73) : آيَة 20]
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ.
من هُنَا يبتدىء مَا نَزَلَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ بِالْمَدِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.
وَصَرِيحُ هَذِهِ الْآيَةِ يُنَادِي عَلَى أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ وَأَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ كَانُوا يَقُومُونَ عَمَلًا بِالْأَمْرِ الَّذِي فِي أَوَّلِ السُّورَةِ مِنْ قَوْلِهِ: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا الْآيَة [المزمل: 2] ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ جَمِيعًا لِقَوْلِهِ فِيهَا:
فَتابَ عَلَيْكُمْ فَهِيَ نَاسِخَةٌ لِلْأَمْرِ الَّذِي فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.
(29/278)

وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي وَقْتِ نُزُولِهَا وَمَكَانِهِ وَفِي نِسْبَةِ مُقْتَضَاهَا مِنْ مُقْتَضَى الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَالْمَشْهُورُ الْمَوْثُوقُ بِهِ أَنَّ صَدْرَ السُّورَةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ.
وَلَا يُغْتَرُّ بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بن عبد الرحمان عَنْ عَائِشَةَ مِمَّا يُوهِمُ أَنَّ صَدْرَ السُّورَةِ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ. وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ فِي التَّزَمُّلِ بِمِرْطٍ لِعَائِشَةَ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُطَالَ الْقَوْلُ فِي أَنَّ الْقِيَامَ الَّذِي شُرِّعَ فِي صَدْرِ السُّورَةِ كَانَ قِيَامًا وَاجِبًا عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، وَأَنَّ قِيَامَ مَنْ قَامَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ بِمَكَّةَ إِنَّمَا كَانَ تَأَسِّيًا بِهِ وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ رَأَتْ عَائِشَةُ أَنَّ فَرْضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ نَسَخَ وُجُوبَ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَهِيَ تُرِيدُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ، كَمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّ أَوَّلَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْأُمَّةِ هُوَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الَّتِي فُرِضَتْ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا وُجُوبُ صَلَاةٍ عَلَى الْأُمَّةِ وَلَوْ كَانَ لجرى ذكر تعويضه بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ، وَأَنَّ جوب الْخَمْسِ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لَمْ يَنْسَخْهُ إِلَّا آيَةُ: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ الْآيَةَ، وَلَا أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّ فَرْضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَمْ يَنْسَخْ فَرْضَ الْقِيَامِ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى أَنَّهُ نَسْخُ اسْتِيعَابِ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ دُونَهُ بِقَلِيل فنسخه فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْلَةَ بَاتَ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فِيهِ:
«نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَهْلُهُ حَتَّى إِذَا كَانَ نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ» ثُمَّ وَصَفَ وُضُوءَهُ وَأَنَّهُ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ نَامَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُنَادِي لِصَلَاةِ الصُّبْحِ
. وَابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي حُدُودِ سَنَةِ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُومُونَ مَعَهُ إِلَّا حِينَ احْتَجَزَ مَوْضِعًا مِنَ الْمَسْجِدِ لِقِيَامِهِ
فِي لَيَالِي رَمَضَانَ فَتَسَامَعَ أَصْحَابُهُ بِهِ فَجَعَلُوا يَنْسَلُّونَ إِلَى الْمَسْجِدِ ليصلّوا بِصَلَاة نبيئهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى احْتَبَسَ عَنْهُمْ فِي إِحْدَى اللَّيَالِي وَقَالَ لَهُمْ: «لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» وَذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.
(29/279)

وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقِيَامَ الَّذِي قَامُوهُ مَعَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَدُومُوا عَلَيْهِ وَفِي أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ بِوَاجِبٍ عَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ مَوْقِعٌ لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ بَعْضَ قِيَامِ اللَّيْلِ كَانَ مَفْرُوضًا لَكَانَ قِيَامُهُمْ مَعَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَاءً لِذَلِكَ الْمَفْرُوضِ، وَقَدْ عَضَّدَ ذَلِكَ
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَفْصَةَ وَقَدْ قَصَّتْ عَلَيْهِ رُؤْيَا رَآهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرٍ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يَقُومُ فِي اللَّيْلِ»
. وَافْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ يُشْعِرُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِوَفَائِهِ بِحَقِّ الْقِيَامِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَأَنَّهُ كَانَ يَبْسُطُ إِلَيْهِ وَيَهْتَمُّ بِهِ ثُمَّ يَقْتَصِرُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ النِّصْفُ أَوْ أَنْقَصُ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زَائِدٌ عَلَيْهِ بَلْ أَخَذَ بِالْأَقْصَى وَذَلِكَ مَا يَقْرُبُ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ كَمَا هُوَ شَأْنُ أُولِي الْعَزْمِ كَمَا
قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ [الْقَصَص: 29] أَنَّهُ قَضَى أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ وَهُوَ الْعَشْرُ السِّنُونَ.
وَقَدْ
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ»
. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ إِنَّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّهُ أَرْضَى رَبَّهُ بِذَلِكَ وَتَوْطِئَةٌ لِلتَّخْفِيفِ الَّذِي سَيُذْكَرُ فِي قَوْلِهِ: فَتابَ عَلَيْكُمْ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ تَخْفِيفُ رَحْمَةٍ وَكَرَامَةٍ وَلِإِفْرَاغِ بَعْضِ الْوَقْتِ مِنَ النَّهَارِ لِلْعَمَلِ وَالْجِهَادِ.
وَلَمْ تَزَلْ تَكْثُرُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَشْغَالُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَدْبِيرِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَحِمَايَةِ الْمَدِينَةِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَمْ تَبْقَ فِي نَهَارِهِ مِنَ السَّعَةِ مَا كَانَ لَهُ فِيهِ أَيَّامَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ، فَظَهَرَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ فِي التَّخْفِيفِ عَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ الْوَاجِبِ مِنْهُ وَالرَّغِيبَةِ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا آوَى إِلَى مَنْزِلِهِ فَقَالَ:
كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءًا لِلَّهِ، وَجُزْءًا لِأَهْلِهِ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ وَلَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَيَشْغَلُهُمْ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ وَالْأُمَّةَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُمْ وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» .
(29/280)

وَإِيثَارُ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: يَعْلَمُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اسْتِمْرَارِ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَتَجَدُّدِهِ وَذَلِكَ إِيذَانٌ بِأَنَّهُ بِمَحَلِّ الرِّضَى مِنْهُ.
وَفِي ضِدِّهِ قَوْلُهُ: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [الْأَحْزَاب: 18] لِأَنَّهُ فِي مَعْرِضِ التَّوْبِيخِ، أَيْ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِذَلِكَ حِينًا فَحِينًا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ حِصَّةٌ.
وأَدْنى أَصْلُهُ أَقْرَبُ، مِنَ الدُّنُوِّ، اسْتُعِيرَ لِلْأَقَلِّ لِأَنَّ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَ الشَّيْءِ وَالْأَدْنَى مِنْهُ قَلِيلَةٌ، وَكَذَلِكَ يُسْتَعَارُ الْأَبْعَدُ لِلْأَكْثَرِ.
وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِفِعْلِ تَقُومُ، أَيْ تَقُومُ فِي زَمَانٍ يُقَدَّرُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَذَلِكَ مَا يَزِيدُ عَلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل: 4] .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: ثُلُثَيِ بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى الْأَصْلِ. وَقَرَأَهُ هِشَامٌ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى التَّخْفِيفِ لِأَنَّهُ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ الثِّقَلِ بِسَبَبِ التَّثْنِيَةِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ بِخَفْضِهِمَا عَطْفًا عَلَى ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، أَيْ أَدْنَى مِنْ نِصْفِهِ وَأَدْنَى مِنْ ثُلُثِهِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ بِنَصْبِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ عَلَى أَنَّهُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْمَفْعُولِ لِ تَقُومُ، أَيْ تَقُومُ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، وَتَقُومُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَتَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ، بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ عَنِ النِّصْفِ وَعَنِ الثُّلُثِ. وَهَذِهِ أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي قِيَامِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ تَابِعَةٌ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ فِي طُولِ بَعْضِهَا وَقِصَرِ بَعْضٍ وَكُلُّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ التَّخْيِيرِ الَّذِي خَيَّرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل: 2] إِلَى قَوْلِهِ: أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل: 4] .
وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ الْمُعْتَرِضَةِ، وَهِيَ جُمْلَةُ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أَيْ قَدْ عَلِمَهَا اللَّهُ كُلَّهَا وَأَنْبَأَهُ بِهَا. فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَقْصُودُ بِاخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ. فَمِنَ الْعُجَابِ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَنَّ النَّصْبَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ.
وطائِفَةٌ عَطْفٌ عَلَى اسْمِ إِنَّ بِالرَّفْعِ وَهُوَ وَجْهٌ جَائِزٌ إِذَا كَانَ بَعْدَ ذِكْرِ خَبَرِ إِنَّ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ رَفْعُهُ حِينَئِذٍ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التَّوْبَة: 3] . وَهُوَ مِنَ اللَّطَائِفِ إِذَا كَانَ اتِّصَافُ الِاسْمِ وَالْمَعْطُوفِ
(29/281)

بِالْخَبَرِ مُخْتَلِفًا فَإِنَّ بَيْنَ قِيَامِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيَامِ الطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ تَفَاوُتًا فِي الْحُكْمِ وَالْمِقْدَارِ، وَكَذَلِكَ بَرَاءَةُ اللَّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَبَرَاءَةُ رَسُولِهِ. فَإِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُمْ وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ
وَيُعَامِلُهُمْ، وَأَمَّا اللَّهُ فغاضب عَلَيْهِم وَلَا عَنْهُم. وَهَذَا وَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَقُومُونَ. إِلَى قَوْلِهِ: أَنَّكَ تَقُومُ ثُمَّ قَوْلُهُ: وَطائِفَةٌ إِلَخْ.
وَوُصِفَ طائِفَةٌ بِأَنَّهُمْ (من الَّذين مَعَه) ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ الْمَعِيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ، أَيِ الْمُصَاحِبَةَ فِي عَمَلٍ مِمَّا سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ. أَيِ الْمُصَاحِبِينَ لَكَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، لَمْ يَكُنْ فِي تَفْسِيرِهِ تَعْيِينٌ لِنَاسٍ بِأَعْيَانِهِمْ،
فَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ»
. وَإِنْ كَانَتِ الْمَعِيَّةُ مَعِيَّةً مَجَازِيَّةً وَهِيَ الِانْتِسَابُ وَالصُّحْبَةُ وَالْمُوَافَقَةُ فَقَدْ عَدَدْنَا مِنْهُمْ:
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ وَأَبَا الدَّرْدَاءِ، وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَالْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتٍ الْأَسَدِيَّةَ، فَهَؤُلَاءِ وَرَدَ ذِكْرُهُمْ مُفَرَّقًا فِي أَحَادِيثِ التَّهَجُّدِ مِنْ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» .
وَاعْلَمْ أَنَّ صَدْرَ هَذِهِ الْآيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى الثَّنَاءِ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفَائِهِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ حَقَّ الْوَفَاءِ وَعَلَى الطَّائِفَةِ الَّذِينَ تَابَعُوهُ فِي ذَلِكَ.
فَالْخَبَرُ بِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ مُرَادٌ بِهِ الْكِنَايَةُ عَنِ الرِّضَى عَنْهُمْ فِيمَا فَعَلُوا.
وَالْمَقْصُودُ: التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الِاعْتِبَارِ أُعِيدَ فِعْلُ عَلِمَ فِي جُمْلَةِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى إِلَخْ وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنْ سَيَكُونَ مِنْكُمْ مَرْضَى بِالْعَطْفِ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيْ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ وَجُمْلَةِ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ وَقَدْ عُلِمَتْ مُنَاسَبَةُ اعْتِرَاضِهَا آنِفًا.
(29/282)

وَجُمْلَةُ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا عَنْ إِنَّ بَعْدَ الْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ: يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ إِلَخْ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِمَا يَنْشَأُ عَنْ جُمْلَةِ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ مِنْ
تَرَقُّبِ السَّامِعِ لِمَعْرِفَةِ مَا مُهِّدَ لَهُ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ، فَبَعْدَ أَنْ شَكَرَهُمْ عَلَى عَمَلِهِمْ خَفَّفَ عَنْهُمْ مِنْهُ.
وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي تُحْصُوهُ عَائِدٌ إِلَى الْقِيَامِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ أَنَّكَ تَقُومُ.
وَالْإِحْصَاءُ حَقِيقَتُهُ: مَعْرِفَةُ عَدَدِ شَيْءٍ مَعْدُودٍ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الْحَصَى جَمْعُ حَصَاةٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا عَدُّوا شَيْئًا كَثِيرًا جَعَلُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ حَصَاةً وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْإِطَاقَةِ. شُبِّهَتِ الْأَفْعَالُ الْكَثِيرَةُ مِنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقِرَاءَةٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، بِالْأَشْيَاءِ الْمَعْدُودَةِ، وَبِهَذَا فَسَّرَ الْحَسَنُ وَسُفْيَانُ، وَمِنْهُ
قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا»
أَيْ وَلَنْ تُطِيقُوا تَمَامَ الِاسْتِقَامَةِ، أَيْ فَخُذُوا مِنْهَا بِقَدْرِ الطَّاقَةِ.
وإِنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ وَخَبَرُهُ الْجُمْلَةُ، وَقَدْ وَقَعَ الْفَصْلُ بَيْنَ إِنَّ وَخَبَرِهَا بِحَرْفِ النَّفْيِ لِكَوْنِ الْخَبَرِ فِعْلًا غَيْرَ دُعَاءٍ وَلَا جَامِدٍ حَسَبَ الْمُتَّبَعِ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْفَصِيحِ.
وإِنَّ وَجُمْلَتُهَا سَادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمَ إِذْ تَقْدِيرُهُ عَلِمَ عَدَمَ إِحْصَائِكُمُوهُ وَاقِعًا.
وَفُرِّعَ عَلَى ذَلِكَ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَفِعْلُ تَابَ مُسْتَعَارٌ لِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ قَبْلَ حُصُولِ التَّقْصِيرِ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مُتَوَقَّعٌ فَشَابَهَ الْحَاصِلَ فَعَبَّرَ عَنْ عَدَمِ التَّكْلِيفِ بِمَا يُتَوَقَّعُ التَّقْصِيرُ فِيهِ، بِفِعْلِ تَابَ الْمُفِيدِ رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالذَّنْبِ بَعْدَ حُصُولِهِ.
وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: تُحْصُوهُ وَمَا بَعْدَهُ مُوَجَّهًا إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَقُومُونَ اللَّيْلَ: إِمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ بَعْدَ قَوْلِهِ:
وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ، وَإِمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ الْخُصُوصُ بِقَرِينَةِ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُظَنُّ تَعَذُّرُ الْإِحْصَاءِ عَلَيْهِ، وَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى إِلَخ.
وَمعنى فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ فَصَلُّوا مَا تَيَسَّرَ لَكُمْ، وَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ لَا تَخْلُو عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أُتْبِعَ ذَلِكَ بقوله هُنَا: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، أَيْ
(29/283)

صَلُّوا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الْإِسْرَاء: 78] أَيْ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَفِي الْكِنَايَةِ عَنِ الصَّلَاةِ بِالْقُرْآنِ جَمْعٌ بَيْنَ التَّرْغِيبِ فِي الْقِيَامِ وَالتَّرْغِيبِ فِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِيهِ بِطَرِيقَةِ الْإِيجَازِ.
وَالْمُرَادُ الْقُرْآنُ الَّذِي كَانَ نَزَلَ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ الْمَدَنِيَّةِ وَهُوَ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْمَكِّيِّ كُلِّهِ وَشَيْءٌ مِنَ الْمَدَنِيِّ، وَلَيْسَ مِثْلَ قَوْلِهِ فِي صَدْرِ السُّورَةِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 4] كَمَا عَلِمْتَ هُنَالِكَ.
وَقَوْلُهُ: مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ أَيْ مَا تَيَسَّرَ لَكُمْ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَلَا دَلَالَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مِقْدَار مَا يجزىء مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ إِذْ لَيْسَ سِيَاقُهَا فِي هَذَا الْمَهِيعِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا، فَإِنَّ مَا تَيَسَّرَ مُجْمَلٌ وَقَدْ بَيَّنَهُ
قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»
، وَأَمَّا السُّورَةُ مَعَ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ أَقَلَّ مِنْ سُورَةٍ، وَهُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْمُصَلِّي بَعْضَ سُورَةٍ فِي الْفَرِيضَةِ. وَيَجُوزُ فِي الْقِيَامِ بِالْقُرْآنِ فِي اللَّيْلِ وَفِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ،
فَفِي «الصَّحِيحِ» «أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ فَرَكَعَ»
، أَيْ فِي أَثْنَاءِ السُّورَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَة عَنهُ: تجزىء قِرَاءَةُ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَوْ كَانَتْ قَصِيرَةً وَمَثَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مُدْهامَّتانِ [الرَّحْمَن: 64] وَلَا تَتَعَيَّنُ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي الْأَمْرَيْنِ.
وَتَعْيِينُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ مِنْ مُنْفَرِدٍ وَإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ مُبَيَّنٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَفِعْلُ (تَابَ) إِذَا أُرِيدَ بِهِ قَبُولُ تَوْبَةِ التَّائِبِ عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلَى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى مِنْ وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ عَنِ الذَّنْبِ وَالنَّدَمِ مِنْهُ عُدِّيَ بِمَا يُنَاسِبُ.
وَقَدْ نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَحْدِيدَ مُدَّةِ قِيَامِ اللَّيْلِ بِنِصْفِهِ أَوْ أَزْيَدَ أَوْ أقل من ثلثه، وَأَصْحَاب التَّحْدِيدُ بِالْمِقْدَارِ الْمُتَيَسِّرِ مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ، أَمَّا حُكْمُ ذَلِكَ الْقِيَامِ فَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.
(29/284)

عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.
هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ، وَهَذَا تَخْفِيفٌ آخَرُ لِأَجْلِ أَحْوَالٍ أُخْرَى اقْتَضَتِ التَّخْفِيفَ.
وَهَذِهِ حِكْمَةٌ أُخْرَى لِنَسْخِ تَحْدِيدِ الْوَقْتِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَهِيَ مُرَاعَاةُ أَحْوَالٍ طَرَأَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ ضُرُوبِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَالَةُ الْجَمَاعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ. وَذُكِرَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ هِيَ أُصُولُ الْأَعْذَارِ:
الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: أَعْذَارُ اخْتِلَالِ الصِّحَّةِ وَقَدْ شَمَلَهَا قَوْلُهُ: أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْأَشْغَالُ الَّتِي تَدْعُو إِلَيْهَا ضَرُورَة الْعَيْش من تِجَارَةٍ وَصِنَاعَةٍ وَحِرَاثَةٍ
وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْلُهُ: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَفَضْلُ اللَّهِ هُوَ الرِّزْقُ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَعْمَالٌ لِمَصَالِحِ الْأمة وَأَشَارَ إِلَيْهَا قَوْلُهُ: وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ حِرَاسَةُ الثُّغُورِ وَالرِّبَاطُ بِهَا، وَتَدْبِيرُ الْجُيُوشِ، وَمَا يَرْجِعُ إِلَى نَشْرِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ إِيفَادِ الْوُفُودِ وَبَعْثِ السُّفَرَاءِ. وَهَذَا كُله من شؤون الْأُمَّةِ عَلَى الْإِجْمَالِ فَيَدْخُلُ فِي بَعْضِهَا النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمَرَضِ
فَفِي الْحَدِيثِ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ
. وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَفِيهَا بِشَارَةٌ بِأَنَّ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ صَائِرٌ إِلَى اسْتِقْلَالٍ وَقَتَرَةٍ عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَيُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةً فَهُوَ عُذْرٌ لَهُم بِمَا ابتدأوا فِيهِ مِنَ السَّرَايَا وَالْغَزَوَاتِ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ يَتَأَوَّلُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَضِيلَةَ التِّجَارَةِ وَالسَّفَرِ لِلتَّجْرِ حَيْثُ سَوَّى اللَّهُ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ وَالْمُكْتَسِبِينَ الْمَالَ الْحَلَالَ، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ مَا ذَكَرَ
(29/285)

هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ لِنَسْخِ تَحْدِيدِ الْقِيَامِ إِلَّا تَنْوِيهًا بِهِمَا لِأَنَّ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْذَارِ مَا هُوَ أَشْبَهُ بِالْمَرَضِ، وَدَقَائِقُ الْقُرْآنِ وَلَطَائِفُهُ لَا تَنْحَصِرُ.
رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ «أَيُّمَا رَجُلٍ جَلَبَ شَيْئًا إِلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ مُحْتَسِبًا فَبَاعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةُ الشُّهَدَاءِ، وَقَرَأَ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ مَوْتَةً بَعْدَ الْمَوْتِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِي أَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ضَارِبًا فِي الْأَرْضِ» .
فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَفِيهَا بِشَارَةٌ بِأَنَّ أَمْرَ الْمُسْلِمِينِ صَائِرٌ إِلَى قَتَرَةٍ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةً فَهِيَ عُذْرٌ لَهُمْ بِمَا عَرَضَ لَهُمْ.
وَمَعْنَى يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَسِيرُونَ فِي الْأَرْضِ.
وَحَقِيقَةُ الضَّرْبِ: قُرْعُ جِسْمٍ بِجِسْمٍ آخَرَ، وَسُمِّيَ السَّيْرُ فِي الْأَرْضِ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ لِتَضْمِينِ فِعْلِ يَضْرِبُونَ مَعْنَى يَسِيرُونَ فَإِنَّ السَّيْرَ ضَرْبٌ لِلْأَرْضِ بِالرِّجْلَيْنِ لَكِنَّهُ تُنُوسِيَ مِنْهُ مَعْنَى الضَّرْبِ وَأُرِيدَ الْمَشْيُ فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ فِي لِأَنَّ الْأَرْضَ ظَرْفٌ لِلسَّيْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [آل عمرَان: 137] وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [101] .
وَالِابْتِغَاءُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ طَلَبُ الرِّزْقِ قَالَ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [الْبَقَرَة: 198] أَيْ التِّجَارَة فِي مُدَّة الْحَجِّ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ مُرَادٌ بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ فِيهِ السَّفَرُ لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّ السَّيْرَ فِي الْأَسْفَارِ يَكُونُ فِي اللَّيْلِ كَثِيرًا وَيَكُونُ فِي النَّهَارِ فَيَحْتَاجُ الْمُسَافِرُ لِلنَّوْمِ فِي النَّهَارِ.
وَفُرِّعَ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا فُرِّعَ عَلَى الَّذِي قبله فَقَالَ: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ نِيطَ مِقْدَارُ الْقِيَامِ بِالتَّيْسِيرِ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَعْذَارُ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ اقْتَضَتْ رَفْعَ وُجُوبِ قِيَامِ اللَّيْلِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ إِنْ كَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلُ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ، أَو بَيَان لَمْ يُوجَبْ عَلَيْهِمْ وَكَانُوا قَدِ الْتَزَمُوهُ فَبَيَّنَ
(29/286)

لَهُمْ أَنَّ مَا الْتَزَمُوهُ مِنَ التَّأَسِّي بِالنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُمْ. وَعَلَّلَ عَدَمَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْأُمَّةَ يَكْثُرُ فِيهَا أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ الَّتِي يَشُقُّ مَعَهَا قِيَامُ اللَّيْلِ فَلَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ أَوْ رَفَعَ وُجُوبَهُ. وَلَوْلَا اعْتِبَارُ الْمَظِنَّةِ الْعَامَّةِ لِأُبْقِيَ حُكْمُ الْقِيَامِ وَرُخِّصَ لِأَصْحَابِ الْعُذْرِ فِي مُدَّةِ الْعُذْرِ فَقَطْ فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَظِنَّةِ وَالْحُكْمُ هُنَا عَدَمِيٌّ، أَي عدم الْإِيجَاب فَهُوَ نَظِيرُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ عَلَى قَوْلِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «إِنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ زِيدَ فِي ثَلَاثٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي الْحَضَرِ وَأُبْقِيَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ» ، وَعِلَّةُ بَقَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ هُوَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ.
وَأُوجِبَ التَّرَخُّصُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَكُنِ الْمَصْلَحَةُ الدِّينِيَّةُ قَوِيَّةً فِيهِ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْقِيَامِ فَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل: 2] وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ التَّحْرِيضِ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ. وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ كُلُّهُ. فَهَذِهِ الْآيَةُ صَالِحَةٌ لِأَنْ تَكُونَ أَصْلًا لِلْتَعْلِيلِ بِالْمَظِنَّةِ وَصَالِحَةٌ لِأَنْ تَكُونَ أَصْلًا تُقَاسُ عَلَيْهِ الرُّخَصُ الْعَامَّةُ الَّتِي تُرَاعَى فِيهَا مَشَقَّةُ غَالِبِ الْأُمَّةِ مِثْلَ رُخْصَةِ بَيْعِ السَّلَمِ دُونَ الْأَحْوَالِ الْفَرْدِيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ تَذْكِيرٌ بِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْوَاجِبَةَ هِيَ الَّتِي تَحْرِصُونَ عَلَى إِقَامَتِهَا وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [النِّسَاء: 103] .
وَفِي هَذَا التَّعْقِيبِ بِعَطْفِ الْأَمْرِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَا
يَرْفَعُ التَّبِعَةَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ نَافِلَةٌ لَهُمْ وَفِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَقَدْ تَضَافَرَتِ الْآثَارُ عَلَى هَذَا مَا هُوَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ.
وَعَطْفُ وَآتُوا الزَّكاةَ تَتْمِيمٌ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ ذِكْرُ الصَّلَاةِ مِنْ قَرْنِ الزَّكَاةِ مَعَهَا حَتَّى اسْتَنْبَطَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ يُقَاتَلُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ» .
وَإِقْرَاضُ اللَّهِ هُوَ الصَّدَقَاتُ غَيْرُ الْوَاجِبَةِ، شُبِّهَ إِعْطَاءُ الصَّدَقَةِ لِلْفَقِيرِ بِقَرْضٍ يُقْرِضُهُ اللَّهُ لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ فَشَابَهَ حَالَ مُعْطِي الصَّدَقَةِ مُسْتَجِيبًا رَغْبَةَ اللَّهِ فِيهِ بِحَالِ مَنْ أَقْرَضَ مُسْتَقْرِضًا فِي أَنَّهُ حَقِيقٌ بِأَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ مَا أَقْرَضَهُ، وَذَلِكَ فِي الثَّوَابِ الَّذِي يُعْطَاهُ يَوْمَ الْجَزَاءِ.
(29/287)

وَوَصْفُ الْقَرْضِ بِالْحَسَنِ يُفِيدُ الصَّدَقَةَ الْمُرَادَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَالسَّالِمَةَ مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى، وَالْحُسْنُ مُتَفَاوِتٌ.
وَالْحَسَنُ فِي كُلِّ نَوْعٍ هُوَ مَا فِيهِ الصِّفَاتُ الْمَحْمُودَةُ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ فِي بَابِهِ، وَيُعْرَفُ الْمَحْمُودُ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ بِمَا وَصَفَهُ الْقُرْآنُ فِي حُسْنِ الصَّدَقَاتِ وَمَا وَرَدَ فِي كَلَامِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [245] قَوْلُهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَفِي سُورَةِ التَّغَابُنِ [17] إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ.
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً.
تَذْيِيلٌ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْأَمْرِ فِي قَوْله: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، فَإِنَّ قَوْلَهُ: مِنْ خَيْرٍ يَعُمُّ جَمِيعَ فِعْلِ الْخَيْرِ.
وَفِي الْكَلَامِ إِيجَازُ حَذْفٍ. تَقْدِيرُ الْمَحْذُوفِ: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْهُ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الْمَحْذُوفِ بِذِكْرِ الْجَزَاءِ عَلَى الْخَيْرِ.
وَمَا شَرْطِيَّةٌ. وَمَعْنَى تَقْدِيمِ الْخَيْرِ: فِعْلُهُ فِي الْحَيَاةِ، شُبِّهَ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي مُدَّةِ الْحَيَاةِ لِرَجَاءِ الِانْتِفَاعِ بِثَوَابِهِ فِي الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ بِتَقْدِيمِ الْعَازِمِ عَلَى السَّفَرِ ثَقَلَهُ وَأَدَوَاتِهِ وَبَعْضَ أَهْلِهِ إِلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يَرُومُ الِانْتِهَاءَ إِلَيْهِ لِيَجِدَ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَقْتَ وُصُولِهِ.
ومِنْ خَيْرٍ بَيَانٌ لِإِبْهَامِ مَا الشَّرْطِيَّةِ.
وَالْخَيْرُ: هُوَ مَا وَصَفَهُ الدِّينُ بِالْحُسْنِ وَوَعَدَ عَلَى فِعْلِهِ بِالثَّوَابِ.
وَمعنى تَجِدُوهُ تَجدوا جَزَاءَهُ وَثَوَابَهُ، وَهُوَ الَّذِي قَصَدَهُ فَاعِلُهُ، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ نَفْسَ الَّذِي قَدَّمَهُ، وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ عِوَضِ الشَّيْءِ وَجَزَائِهِ بَاسْمِ الْمُعَوَّضِ عَنْهُ وَالْمُجَازَى بِهِ، وَمِنْهُ
قَوْلُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَكْنِزُ الْمَالَ وَلَا يُؤَدِّي حَقَّهُ «مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ»
. وَضَمِيرُ الْغَائِبِ فِي تَجِدُوهُ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِ (تَجِدُوا) وَمَفْعُولُهُ الثَّانِي خَيْراً.
(29/288)

وَالضَّمِيرُ الْمُنْفَصِلُ الَّذِي بَيْنَهُمَا ضَمِيرُ فِعْلٍ، وَجَازَ وُقُوعُهُ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ وَنَكِرَةٍ خِلَافًا لِلْمَعْرُوفِ فِي حَقِيقَةِ ضَمِيرِ الْفَصْلِ مِنْ وُجُوبِ وُقُوعِهِ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ لِأَنَّ أَفْعَلَ مِنْ كَذَا، أَشْبَهَ الْمَعْرِفَةَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ.
وخَيْراً: اسْمُ تَفْضِيلٍ، أَيْ خَيْرًا مِمَّا تُقَدِّمُونَهُ إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّكُمْ تَجِدُونَهُ مِنْ جِنْسِ الْخَيْرِ، بَلِ الْمُرَادُ مُضَاعَفَةُ الْجَزَاءِ، لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ [التغابن: 17] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَفَادَ ضَمِيرُ الْفَصْلِ هُنَا مُجَرَّدَ التَّأْكِيدِ لِتَحْقِيقِهِ.
وَعَطْفُ وَأَعْظَمَ أَجْراً عَلَى خَيْراً أَوْ هُوَ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ تَأْكِيدُ ضَمِيرِ الْفَصْلِ (1) .
وَانْتَصَبَ أَجْراً عَلَى أَنَّهُ تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ لِ أَعْظَمَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ. فَالتَّقْدِيرُ:
وَأَعْظَمَ أَجْرَهُ، كَمَا تَقُولُ: وَجَدْتُهُ مُنْبَسِطًا كَفًّا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَجْرَهُ خَيْرٌ وَأعظم ممّا قدمتوه.
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى جُمْلَةِ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ إِلَخْ، فَيَكُونُ لَهَا حُكْمُ التَّذْيِيلِ إِرْشَادًا لِتَدَارُكِ مَا عَسَى أَنْ يَعْرِضَ مِنَ التَّفْرِيطِ فِي بَعْضِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِتَقْدِيمِهِ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ الْفَرَائِضَ الَّتِي يَقْتَضِي التَّفْرِيطُ فِي بَعْضِهَا تَوْبَةً مِنْهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنِ التَّرْخِيصِ فِي تَرْكِ بَعْضِ الْقِيَامِ إِرْشَادًا مِنَ اللَّهِ لِمَا يَسُدُّ مَسَدَّ قِيَامِ اللَّيْلِ الَّذِي يُعَرِّضُ تَرْكُهُ بِأَنْ يَسْتَغْفِرَ الْمُسْلِمُ رَبَّهُ إِذَا انْتَبَهَ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، وَهُوَ مَشْمُولٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________
(1) ضمير الْفَصْل هُنَا وَقع بَين معرفَة وَهُوَ الضَّمِير الْمَفْعُول الأول لفعل «تَجِدُوهُ» ، وَبَين مَا هُوَ بِمَنْزِلَة الْمعرفَة وَهُوَ اسْم التَّفْضِيل لشبهه بالمعرفة فِي امْتنَاع دُخُول حرف التَّعْرِيف عَلَيْهِ كَمَا ذكره فِي «الْمفصل» «والكشاف» .
(29/289)

وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: 18] ،
وَقَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ (1) إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» . وَقَالَ: «مَنْ تَعَارَّ (2) مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ»
. وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِغْفَارِ، أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ شَدِيدُ الرَّحْمَة. وَالْمَقْصُود من هَذَا التَّعْلِيلِ التَّرْغِيبُ وَالتَّحْرِيضُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ بِأَنَّهُ مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ. وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْوَصْفَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ إِيمَاءٌ إِلَى الْوَعْدِ بِالْإِجَابَةِ.
_________
(1) هَذَا من الْمُتَشَابه، وتأويله: أَنه ينزل رِضَاهُ على عباده.
(2) التعارر: التقلب على الْفراش لَيْلًا بعد نوم حِين ينتبه النَّائِم فيبدل جنبا عوض جنب.
(29/290)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

74- سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ
تُسَمَّى فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ «سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ» وَكَذَلِكَ سُمِّيَتْ فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا وَمِنْهَا كُتُبٌ فِي الْقَيْرَوَانَ فِي الْقَرْنِ الْخَامِس.
وَأُرِيد المدثّر النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْصُوفًا بِالْحَالَةِ الَّتِي نُودِيَ بِهَا، كَمَا سُمِّيَتْ بَعْضُ السُّورِ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِيهَا.
وَإِمَّا تَسْمِيَةٌ بِاللَّفْظِ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا، وَنَظِيرُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَسْمِيَةِ «سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ» ، وَمِثْلُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ مِنِ احْتِمَالِ فَتْحِ الدَّالِ أَوْ كَسْرِهَا.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ حَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْقُرْطُبِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي «الْإِتْقَانِ» فِي السُّوَرِ الَّتِي بَعْضُهَا مَدَنِيٌّ. وَذَكَرَ الْأَلُوسِيُّ أَنَّ صَاحِبَ «التَّحْرِيرِ» (مُحَمَّدَ بْنَ النَّقِيبِ الْمَقْدِسِيَّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 698 لَهُ تَفْسِيرٌ) ذَكَرَ قَوْلَ مُقَاتِلٍ أَوْ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً [المدثر: 31] إِلَخْ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ اهـ. وَلَمْ نَقِفْ عَلَى سَنَدِهِ فِي ذَلِكَ وَلَا رَأَيْنَا ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَسَيَأْتِي.
(29/291)

قِيلَ: إِنَّهَا ثَانِيَةُ السُّوَرِ نُزُولًا وَإِنَّهَا لَمْ يَنْزِلْ قَبْلَهَا إِلَّا سُورَةُ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:
1] وَهُوَ الَّذِي
جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» فِي صِفَةِ بَدْءِ الْوَحْيِ «أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إِلَى مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1- 5] ثُمَّ قَالَتْ: ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ»
. فَلَمْ تَذْكُرْ نُزُولَ وَحْيٍ بَعْدَ آيَاتِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بن عبد الرحمان مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَبِأَلْفَاظٍ يَزِيدُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَحَاصِلُ مَا يَجْتَمِعُ مِنْ طُرُقِهِ:
قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ
يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَة الْوَحْي فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ «إِنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فُجِئْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي زَادَ غَيْرُ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ رِوَايَتِهِ «وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا»
. قَالَ النَّوَوِيُّ: صَبُّ الْمَاءِ لِتَسْكِينِ الْفَزَعِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إِلَى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر: 1- 5] ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ اهـ.
وَوَقَعَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهَا أَوَّلُ الْقُرْآنِ، سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْفَتْرَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَتَقْتَضِي وَحْيًا نَزَلَ قَبْلَ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهُوَ مَا بُيِّنَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ سُورَةَ الْقَلَمِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْعَلَقِ وَأَنَّ سُورَةَ الْمُزَّمِّلِ ثَالِثَةٌ وَأَنَّ سُورَة المدثر أَرْبَعَة.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ بَعْدَ الْمُدَّثِّرِ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ سُورَةَ الْمُدَّثِّرِ نَزَلَتْ قَبْلَ الْمُزَّمِّلِ وَأَنَّ عِنَادَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ قَدْ تَزَايَدَ بَعْدَ نُزُولِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ فَكَانَ التَّعَرُّضُ لَهُمْ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ أَوْسَعَ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» و «جَامع التِّرْمِذِيِّ» مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ كَانَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ.
وَالصَّلَاةُ فُرِضَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ سَوَاء كَانَت خمْسا أَوْ أَقَلَّ وَسَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ: فُرِضَتْ، أَمْ كَانَتْ مَفْرُوضَةً بِمَعْنَى مَشْرُوعَةٍ وَفَتْرَةُ الْوَحْيِ
(29/292)

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)
مُخْتَلَفٌ فِي مُدَّتِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَقِيلَ: كَانَتْ سَنَتَيْنِ وَنِصْفًا، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُدَّثِّرَ نَزَلَتْ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْبَعْثَةِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ عَقِبَ ذَلِكَ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ تَرْتِيبُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي سَوْقِ حَوَادِثِ سِيرَتِهِ.
وَعَدَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي عَدِّهِمُ الْأَخِيرِ الَّذِي أَرْسَوْا عَلَيْهِ وَأَهْلُ الشَّامِ آيَهَا خَمْسًا وَخَمْسِينَ وَعَدَّهَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي عَدِّهِمُ الْأَوَّلِ الَّذِي رَجَعُوا عَنْهُ سِتًّا وَخَمْسِينَ.

أَغْرَاضُهَا
جَاءَ فِيهَا مِنَ الْأَغْرَاضِ تَكْرِيمُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرُ بِإِبْلَاغِ دَعْوَةِ الرِّسَالَةِ.
وَإِعْلَانُ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ.
وَالْأَمْرُ بِالتَّطَهُّرِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ.
وَنَبْذُ الْأَصْنَامِ.
وَالْإِكْثَارُ مِنَ الصَّدَقَاتِ.
وَالْأَمْرُ بِالصَّبْرِ.
وَإِنْذَارُ الْمُشْرِكِينَ بِهَوْلِ الْبَعْثِ.
وَتَهْدِيدُ مَنْ تَصَدَّى لِلطَّعْنِ فِي الْقُرْآنِ وَزَعَمَ أَنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ وَكُفْرُ الطَّاعِنِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَأَقْدَمَ عَلَى الطَّعْنِ فِي آيَاتِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا حَقٌّ.
وَوَصْفُ أَهْوَالِ جَهَنَّمَ.
وَالرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اسْتَخَفُّوا بِهَا وَزَعَمُوا قِلَّةَ عَدَدِ حَفَظَتِهَا.
وَتَحَدِّي أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَنَّهُمْ جَهِلُوا عَدَدَ حَفَظَتِهَا.
وَتَأْيِيسُهُمْ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنَ الْعَذَابِ.
وَتَمْثِيلُ ضَلَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا.
وَمُقَابَلَةُ حَالِهِمْ بِحَالِ الْمُؤْمِنِينَ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالتَّصْدِيقِ بِيَوْم الْجَزَاء.
[1- 2]

[سُورَة المدثر (74) : الْآيَات 1 إِلَى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(29/293)

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)
نُودِيَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَصْفِهِ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ تَلَبَّسَ بِهَا حِينَ نُزُولِ السُّورَةِ. وَهِيَ
أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الْمَلَكَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَرِقَ مِنْ رُؤْيَتِهِ فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، أَوْ قَالَ: زَمِّلُونِي، أَوْ قَالَ: زَمِّلُونِي
فَدَثِّرُونِي، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا ظَاهِرٌ فَدَثَّرَتْهُ فَنَزَلَتْ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.
وَقَدْ مَضَى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [الْمُزَّمِّلُ: 1] مَا فِي هَذَا النِّدَاءِ مِنَ
التَّكْرِمَةِ وَالتَّلَطُّفِ.
والْمُدَّثِّرُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ تَدَثَّرَ، إِذَا لَبِسَ الدِّثَارَ، فَأَصْلُهُ الْمُتَدَثِّرُ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي النُّطْقِ كَمَا وَقَعَ فِي فِعْلِ ادَّعَى.
وَالدِّثَارُ: بِكَسْرِ الدَّالِ: الثَّوْبُ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الثَّوْبِ الَّذِي يُلْبَسُ مُبَاشِرًا لِلْجَسَدِ الَّذِي يُسَمَّى شِعَارًا.
وَفِي الْحَدِيثِ «الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ»
. فَالْوَصْفُ بِ الْمُدَّثِّرُ حَقِيقَةٌ، وَقِيلَ هُوَ مَجَازٌ عَلَى مَعْنَى: الْمُدَّثِّرُ بِالنُّبُوءَةِ، كَمَا يُقَالُ: ارْتَدَى بِالْمَجْدِ وَتَأَزَّرَ بِهِ عَلَى نَحْوِ مَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، أَيْ يَا أَيُّهَا اللَّابِسُ خُلْعَةَ النُّبُوءَةِ وَدِثَارَهَا.
وَالْقِيَامُ الْمَأْمُورُ بِهِ لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ لِأَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ حِينَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِهَذَا نَائِمًا وَلَا مُضْطَجِعًا وَلَا هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَنْهَضَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمُبَادَرَةِ وَالْإِقْبَالِ وَالتَّهَمُّمِ بِالْإِنْذَارِ مَجَازًا أَوْ كِنَايَةً.
وَشَاعَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ فِي فِعْلِ الْقِيَامِ حَتَّى صَارَ مَعْنَى الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ مِنْ مَعَانِي مَادَّةِ الْقِيَامِ مُسَاوِيًا لِلْحَقِيقَةِ وَجَاءَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَعَدَّ ابْنُ مَالِكٍ فِي «التَّسْهِيلِ» فِعْلَ قَامَ مِنْ أَفْعَالِ الشُّرُوعِ، فَاسْتِعْمَالُ فِعْلِ الْقِيَامِ فِي مَعْنَى الشُّرُوعِ قَدْ يَكُونُ كِنَايَةً عَنْ لَازِمِ الْقِيَامِ مِنَ الْعَزْمِ وَالتَّهَمُّمِ كَمَا فِي الْآيَةِ، قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : قُمْ قِيَامَ عَزْمٍ وَتَصْمِيمٍ.
وَقَدْ يُرَادُ الْمَعْنَى الصَّرِيحُ مَعَ الْمَعْنَى الْكِنَائِيِّ نَحْوَ قَوْلِ مُرَّةَ بْنِ مَحْكَانَ التَّمِيمِيِّ مِنْ شُعَرَاءِ الْحَمَاسَةِ:
(29/294)

وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)
يَا رَبَّةَ الْبَيْتِ قُومِي غَيْرَ صَاغِرَةٍ ... ضُمِّي إِلَيْكِ رِجَالَ الْحَيِّ وَالْغُرْبَا
فَإِذَا اتَّصَلَتْ بِفِعْلِ الْقِيَامِ الَّذِي هُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى الِاسْتِعْمَالِ جُمْلَةٌ حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا مَعْنَى الشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ بِجِدٍّ وَأَنْشَدُوا قَوْلَ حَسَّانَ بْنِ الْمُنْذِرِ:
عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ ... كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادْ
وَقَوْلَ الشَّاعِرِ، وَهُوَ مِنْ شَوَاهِدِ النَّحْوِ وَلَمْ يُعْرَفْ قَائِلُهُ:
فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وَقَالَ أَلَا لَا مِنْ سَبِيلٍ إِلَى هِنْدِ
وَأَفَادَتْ فَاءُ فَأَنْذِرْ تَعْقِيبَ إِفَادَةِ التَّحَفُّزِ وَالشُّرُوعِ بِالْأَمْرِ بِإِيقَاعِ الْإِنْذَارِ.
فَفِعْلُ قُمْ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، وَتَفْرِيعُ فَأَنْذِرْ عَلَيْهِ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنَ الْأَمْرِ بِالْقِيَامِ.
وَالْمَعْنَى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ مِنَ الرُّعْبِ لِرُؤْيَةِ مَلَكِ الْوَحْيِ لَا تَخَفْ وَأَقْبِلْ عَلَى الْإِنْذَارِ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ فِي الْأَمْرِ بِالدَّعْوَةِ لِأَنَّ سُورَةَ الْعَلَقِ لَمْ تَتَضَمَّنْ أَمْرًا بِالدَّعْوَةِ، وَصَدْرُ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ تَضَمَّنَ أَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالدَّعْوَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِ إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ [المزمل: 15] ، وَقَوْلِهِ: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [المزمل: 11] . وَإِنَّمَا كَانَ تَكْذِيبُهُمْ بَعْدَ أَنْ أَبْلَغَهُمْ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ وَابْتُدِئَ بِالْأَمْرِ بِالْإِنْذَارِ لِأَنَّ الْإِنْذَارَ يَجْمَعُ مَعَانِيَ التَّحْذِيرِ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ لَا يَلِيقُ وَعَوَاقِبَهُ فَالْإِنْذَارُ حَقِيقٌ بِالتَّقْدِيمِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِمَحَامِدِ الْفِعَالِ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَلِأَنَّ غَالِبَ أَحْوَالِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ مُحْتَاجَةٌ إِلَى الْإِنْذَارِ وَالتَّحْذِيرِ.
وَمَفْعُولُ أَنْذِرْ مَحْذُوفٌ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، أَيْ أَنْذِرِ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ جَمِيعُ النَّاسِ مَا عَدَا خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنَّهَا آمَنَتْ فَهِيَ جديرة بالبشارة.
[3]

[سُورَة المدثر (74) : آيَة 3]
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)
انْتَصَبَ رَبَّكَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لفعل (كبّر) قذم عَلَى عَامِلِهِ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، أَيْ لَا تُكَبِّرْ غَيْرَهُ، وَهُوَ قَصْرُ إِفْرَادٍ، أَيْ دُونَ الْأَصْنَامِ.
(29/295)

وَالْوَاوُ عَطَفَتْ جُمْلَةَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ عَلَى جُمْلَةِ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: 2] .
وَدَخَلَتِ الْفَاءُ عَلَى (كَبِّرْ) إِيذَانًا بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَكُونُ (كَبِّرْ) جَوَابَهُ، وَهُوَ شَرْطٌ عَامٌّ إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى شَرْطٍ مَخْصُوصٍ وَهُيِّئَ لتقدير الشَّرْط بِتَقْدِيم الْمَفْعُولِ. لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمَعْمُولِ قَدْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ
كَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ»
(يَعْنِي الْأَبَوَيْنِ) .
فَالتَّقْدِيرُ: مَهْمَا يَكُنْ شَيْءٌ فَكَبِّرْ رَبَّكَ.
وَالْمَعْنَى: أَنْ لَا يَفْتُرَ عَنِ الْإِعْلَانِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَكُلِّ حَالٍ وَهَذَا مِنَ الْإِيجَازِ. وَجَوَّزَ ابْنُ جِنِّي أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ زَائِدَةً قَالَ: هُوَ كَقَوْلِكَ زَيْدًا فَاضْرِبْ، تُرِيدُ:
زَيْدًا اضْرِبْ.
وَتَكْبِيرُ الرَّبِّ تَعْظِيمُهُ فَفِعْلُ (كَبِّرْ) يُفِيدُ مَعْنَى نِسْبَةِ مَفْعُولِهِ إِلَى أَصْلِ مَادَّةِ اشْتِقَاقِهِ وَذَلِكَ مِنْ مَعَانِي صِيغَةِ فَعِّلْ، أَيْ أَخْبِرْ عَنْهُ بِخَبَرِ التَّعْظِيمِ، وَهُوَ تَكْبِيرٌ مَجَازِيٌّ بِتَشْبِيهِ الشَّيْءِ الْمُعَظَّمِ بِشَيْءٍ كَبِيرٍ فِي نَوْعِهِ بِجَامِعِ الْفَضْلِ عَلَى غَيْرِهِ فِي صِفَاتِ مِثْلِهِ.
فَمَعْنَى وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ: صِفْ رَبَّكَ بِصِفَاتِ التَّعْظِيمِ، وَهَذَا يَشْمَلُ تَنْزِيهَهُ عَنِ النَّقَائِصِ فَيَشْمَلُ تَوْحِيدَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ وَتَنْزِيهَهُ عَنِ الْوَلَدِ، وَيَشْمَلُ وَصْفَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ كُلِّهَا.
وَمَعْنَى (كَبِّرْ) : كَبِّرْهُ فِي اعْتِقَادِكَ: وَكَبِّرْهُ بِقَوْلِكَ تَسْبِيحًا وَتَعْلِيمًا. وَيَشْمَلُ هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ» لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَفَادَ وَصْفَ اللَّهِ بِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ كَبِيرٍ، أَيْ أَجَلُّ وَأَنْزَهُ مِنْ كُلِّ جَلِيلٍ، وَلِذَلِكَ جُعِلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ افْتِتَاحًا لِلصَّلَاةِ.
وَأَحْسَبُ أَنَّ فِي ذِكْرِ التَّكْبِيرِ إِيمَاءً إِلَى شَرْعِ الصَّلَاةِ الَّتِي أَوَّلُهَا التَّكْبِيرُ وَخَاصَّةً اقْتِرَانُهُ بِقَوْلِهِ: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: 4] فَإِنَّهُ إِيمَاءٌ إِلَى شَرْعِ الطَّهَارَةِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ إِعْدَادٌ لِشَرْعِ الصَّلَاةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنْ قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ عَقِبَ هَذِهِ السُّورَةِ وَهِيَ غَيْرُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام.
(29/296)

وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)
[سُورَة المدثر (74) : آيَة 4]
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4)
هُوَ فِي النَّظْمِ مِثْلُ نَظْمِ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر: 3] أَيْ لَا تَتْرُكْ تَطْهِيرَ ثِيَابَكَ.
وَلِلثِّيَابِ إِطْلَاقٌ صَرِيحٌ وَهُوَ مَا يَلْبَسُهُ اللَّابِسُ، وَإِطْلَاقٌ كِنَائِيٌّ فَيُكَنَّى بِالثِّيَابِ عَنْ ذَاتِ صَاحِبِهَا، كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الْأَصَمِّ ثِيَابَهُ كِنَايَةٌ عَنْ طَعْنِهِ بِالرُّمْحِ.
وَلِلتَّطْهِيرِ إِطْلَاقٌ حَقِيقِيٌّ وَهُوَ التَّنْظِيفُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَاتِ وَإِطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ وَهُوَ التَّزْكِيَةُ قَالَ تَعَالَى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الْأَحْزَاب:
33] .
وَالْمَعْنَيَانِ صَالِحَانِ فِي الْآيَةِ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِمَا مَعًا فَتَحْصُلُ أَرْبَعَةُ مَعَانٍ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِثِيَابِهِ إِبْطَالًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِذَلِكَ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا وَأَقْوَاهَا مَا
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «إِنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ»
. وَقَالَ: هُوَ غَرِيبٌ.
وَالطَّهَارَةُ لِجَسَدِهِ بِالْأَوْلَى.
وَمُنَاسَبَةُ التَّطْهِيرِ بِهَذَا الْمَعْنى لِأَن يُعْطَفُ عَلَى وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ لِأَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِالصَّلَاةِ أُمِرَ بِالتَّطَهُّرِ لَهَا لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مَشْرُوعَةٌ لِلصَّلَاةِ.
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ طَهَارَةِ الثَّوْبِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَحَدِ مَحَامِلِهَا وَهُوَ مَأْمُورٌ بِتَزْكِيَةِ نَفْسِهِ.
وَالْمَعْنَى الْمُرَكَّبُ مِنَ الْكِنَائِيِّ وَالْمَجَازِيِّ هُوَ الْأَعْلَقُ بِإِضَافَةِ النُّبُوءَةِ عَلَيْهِ. وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ: فُلَانٌ نَقِيُّ الثِّيَابِ. وَقَالَ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ:
وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثَوْبَ فَاجِرٍ ... لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ
وَأَنْشَدُوا قَوْلَ أَبِي كَبْشَةَ وَيُنْسَبُ إِلَى امْرِئِ الْقَيْسِ:
ثِيَابُ عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ ... وَأَوْجُهُهُمْ بِيضُ الْمَسَافِرِ غُرَّانُ
(29/297)

وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)
وَدُخُولُ الْفَاءِ عَلَى فِعْلِ فَطَهِّرْ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر: 3] .
وَتَقْدِيمُ ثِيابَكَ عَلَى فِعْلِ (طَهِّرْ) لِلِاهْتِمَامِ بِهِ فِي الْأَمر بالتطهير.
[5]

[سُورَة المدثر (74) : آيَة 5]
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)
الرُّجْزَ: يُقَالُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَهُمَا لُغَتَانِ فِيهِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَالْكِسَائِيُّ: الرِّجْزُ بِالْكَسْرِ الْعَذَابُ وَالنَّجَاسَةُ وَالْمَعْصِيَةُ، وَبِالضَّمِّ الْوَثَنُ. وَيُحْمَلُ الرِّجْزُ هُنَا عَلَى مَا يَشْمَلُ الْأَوْثَانَ وَغَيْرَهَا مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ.
وَتَقْدِيمُ الرُّجْزَ عَلَى فِعْلِ (اهْجُرْ) لِلِاهْتِمَامِ فِي مَهِيعِ الْأَمْرِ بِتَرْكِهِ.
وَالْقَوْلُ فِي وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ كَالْقَوْلِ فِي وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ.
وَالْهَجْرُ: تَرْكُ الْمُخَالَطَةِ وَعَدَمُ الِاقْتِرَابِ مِنَ الشَّيْءِ. وَالْهَجْرُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ التَّلَبُّسِ بِالْأَحْوَالِ الْخَاصَّةِ بِأَنْوَاعِ الرُّجْزِ لِكُلِّ نَوْعٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ فِي عُرْفِ النَّاسِ.
وَالْأَمْرُ بِهَجْرِ الرُّجْزِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَعْبُدَ الْأَصْنَامَ وَأَنْ يَنْفِيَ عَنْهَا الإلهية.
[6]

[سُورَة المدثر (74) : آيَة 6]
وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)
مُنَاسَبَةُ عَطْفِ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ عَلَى الْأَمْرِ بِهَجْرِ الرُّجْزِ أَنَّ الْمَنَّ فِي الْعَطِيَّةِ كَثِيرٌ مِنْ خُلُقِ أَهْلِ الشِّرْكِ فَلَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهَجْرِ الرُّجْزِ نَهَاهُ عَنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الرُّجْزِ نَهْيًا يَقْتَضِي
الْأَمْرَ بِالصَّدَقَةِ وَالْإِكْثَارَ مِنْهَا بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَتَصَدَّقْ وَأَكْثِرْ مِنَ الصَّدَقَةِ وَلَا تَمْنُنْ، أَيْ لَا تَعُدَّ مَا أَعْطَيْتَهُ كَثِيرًا فَتُمْسِكَ عَنِ الِازْدِيَادِ فِيهِ، أَوْ تَتَطَرَّقَ إِلَيْكَ نَدَامَةٌ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ.
وَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِي قَوْلِهِ: تَسْتَكْثِرُ للعدّ، أَي بعد مَا أَعْطَيْتَهُ كَثِيرًا.
وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ التَّأْكِيدِ لِحُصُولِ الْمَأْمُورِ بِهِ جُعِلَتِ الصَّدَقَةُ كَالْحَاصِلَةِ، أَيْ لِأَنَّهَا مِنْ خُلُقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَقَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ مِنْ قَبْلِ رِسَالَتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ هَيَّأَهُ
(29/298)

وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)
لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَقَدْ قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ «إِنَّكَ تَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ» .
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى التَّصَدُّقِ، كَمَا كَانَ فِيهَا إِيمَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ، وَمِنْ عَادَةِ الْقُرْآنِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ.
وَالْمَنُّ: تَذْكِيرُ الْمُنْعِمِ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ بِإِنْعَامِهِ.
وَالِاسْتِكْثَارُ: عَدُّ الشَّيْءِ كَثِيرًا، أَيْ لَا تَسْتَعْظِمْ مَا تُعْطِيهِ.
وَهَذَا النَّهْيُ يُفِيدُ تَعْمِيمَ كُلِّ اسْتِكْثَارٍ كَيْفَمَا كَانَ مَا يُعْطِيهِ مِنَ الْكَثْرَةِ. وَلِلْأَسْبَقِينَ مِنَ الْمُفَسّرين تفسيرات لِمَعْنى وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِمُنَاسِبٍ، وَقَدْ أَنْهَاهَا الْقُرْطُبِيُّ إِلَى أَحَدَ عَشَرَ.
وتَسْتَكْثِرُ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ تَمْنُنْ وَهِيَ حَال مقدرَة.
[7]

[سُورَة المدثر (74) : آيَة 7]
وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)
تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَحَمُّلِ مَا يَلْقَاهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَعَلَى مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ.
وَالصَّبْرُ: ثَبَاتُ النَّفْسِ وَتَحَمُّلُهَا الْمَشَاقَّ وَالْآلَامَ وَنَحْوَهَا.
وَمَصْدَرُ الصَّبْرِ وَمَا يُشْتَقُّ مِنْهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى التَّحَمُّلِ لِلشَّيْءِ الشَّاقِّ.
وَيُعَدَّى فِعْلُ الصَّبْرِ إِلَى اسْمِ الَّذِي يَتَحَمَّلُهُ الصَّابِرُ بِحَرْفِ (عَلَى) ، يُقَالُ: صَبَرَ عَلَى الْأَذَى. وَيَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْخُضُوعِ لِلشَّيْءِ الشَّاقِّ فَيُعَدَّى إِلَى اسْمِ مَا يَتَحَمَّلُهُ الصَّابِرُ بِاللَّامِ.
وَمُنَاسَبَةُ الْمَقَامِ تُرَجِّحُ إِحْدَى التَّعْدِيَتَيْنِ، فَلَا يُقَالُ: اصْبِرْ عَلَى اللَّهِ، وَيُقَالُ: اصْبِرْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، أَوْ لِحُكْمِ اللَّهِ. فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِرَبِّكَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الصَّبْرِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ اصْبِرْ لِأَمْرِهِ وَتَكَالِيفِ وَحْيِهِ كَمَا قَالَ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا فِي
سُورَةِ الطّور [48] وَقَوله: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ [24] فَيُنَاسِبُ نِدَاءَهُ بِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [الْمُدَّثِّرُ: 1] لِأَنَّهُ تَدَثَّرَ مِنْ شِدَّةِ وَقْعِ رُؤْيَةِ الْمَلَكِ، وَتَرْكُ ذِكْرِ الْمُضَافِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ إِلَى كُلِّ مَا هُوَ مِنْ شَأْنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمُخَاطَبِ.
(29/299)

فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ الصَّبْرِ، أَيْ اصْبِرْ لِأَجْلِ رَبِّكَ عَلَى كُلِّ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ.
وَتَقْدِيمُ لِرَبِّكَ عَلَى « (اصْبِرْ) لِلِاهْتِمَامِ بِالْأُمُورِ الَّتِي يَصْبِرُ لِأَجْلِهَا مَعَ الرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ اللَّامَ فِي لِرَبِّكَ لَامَ التَّعْلِيلِ، أَيْ اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ لِأَجْلِهِ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى: إِنَّهُ يَصْبِرُ تَوَكُّلًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّى جَزَاءَهُمْ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ السُّورَةِ مَا لَحِقَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ.
وَالصَّبْرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ فِي [الْبَقَرَةِ: 45] .
وَفِي التَّعْبِيرِ عَنِ اللَّهِ بِوَصْفِ (رَبِّكَ) إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الصَّبْرَ بِرٌّ بِالْمَوْلَى وَطَاعَةٌ لَهُ.
فَهَذِهِ سِتُّ وَصَايَا أَوْصَى اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَبْدَأِ رِسَالَتِهِ وَهِيَ مِنْ جَوَامِعِ الْقُرْآنِ أَرَادَ اللَّهُ بِهَا تَزْكِيَةَ رَسُولِهِ وَجَعْلَهَا قدوة لأمته.
[8- 10]

[سُورَة المدثر (74) : الْآيَات 8 إِلَى 10]
فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)
الْفَاءُ لِتَسَبُّبِ هَذَا الْوَعِيدِ عَنِ الْأَمْرِ بِالْإِنْذَارِ فِي قَوْله فَأَنْذِرْ [المدثر: 2] ، أَيْ فَأَنْذِرِ الْمُنْذَرِينَ وَأَنْذِرْهُمْ وَقْتَ النَّقْرِ فِي النَّاقُورِ وَمَا يَقَعُ يَوْمَئِذٍ بِالَّذِينَ أُنْذِرُوا فَأَعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ، إِذِ الْفَاءُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُرْتَبِطَةً بِالْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا على فَاصْبِرْ [المدثر: 7] بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ.
والنَّاقُورِ: الْبُوقُ الَّذِي يُنَادَى بِهِ الْجَيْشُ وَيُسَمَّى الصُّورَ وَهُوَ قَرْنٌ كَبِيرٌ، أَوْ شِبْهُهُ يَنْفُخُ فِيهِ النَّافِخُ لِنِدَاءِ نَاسٍ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ مِنْ جَيْشٍ وَنَحْوِهِ، قَالَ خُفَافُ بْنُ نَدْبَةَ:
إِذَا نَاقُورُهُمْ يَوْمًا تَبَدَّى ... أَجَابَ النَّاسُ مِنْ غَرْبٍ وَشَرْقِ
وَوَزْنُهُ فَاعُولٌ وَهُوَ زِنَةٌ لِمَا يَقَعُ بِهِ الْفِعْلُ مِنَ النَّقْرِ وَهُوَ صَوْتُ اللِّسَانِ مِثْلَ
(29/300)

الصَّفِيرِ
فَقَوْلُهُ نُقِرَ، أَيْ صُوِّتَ، أَيْ صَوَّتَ مُصَوِّتٌ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الصُّورِ فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ.
وَ (إِذَا) اسْمُ زَمَانٍ أُضِيفَ إِلَى جُمْلَةِ نُقِرَ فِي النَّاقُورِ وَهُوَ ظَرْفٌ وَعَامِلُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ فِعْلٍ، أَيْ عَسُرَ الْأَمْرُ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَفَاءُ فَذلِكَ لِجَزَاءِ (إِذَا) لِأَنَّ (إِذَا) يَتَضَمَّنُ مَعْنَى شَرْطٍ.
وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَدْلُولِ (إِذَا نقر) ، أَي فَلذَلِك الْوَقْتُ يَوْمٌ عَسِيرٌ.
ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَقَعَ لِبَيَانِ اسْمِ الْإِشَارَةِ عَلَى نَحْوِ مَا يُبَيَّنُ بِالِاسْمِ الْمَعْرُوفِ بِ «أَلْ» فِي نَحْوِ ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [الْبَقَرَة: 2] .
وَوُصِفَ الْيَوْمُ بِالْعَسِيرِ بِاعْتِبَارِ مَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الْعُسْرِ عَلَى الْحَاضِرِينَ فِيهِ، فَهُوَ وَصْفٌ مَجَازِيٌّ عَقْلِيٌّ. وَإِنَّمَا الْعَسِيرُ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْأَحْدَاثِ.
وعَلَى الْكافِرِينَ مُتَعَلِّقٌ بِ عَسِيرٌ.
وَوَصْفُ الْيَوْمِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الزَّمَانِ بِصِفَاتِ أَحْدَاثِهِ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِهِمْ، قَالَ السَّمَوْأَلُ، أَوِ الْحَارِثِيُّ:
وَأَيَّامُنَا مَشْهُورَةٌ فِي عَدُوِّنَا ... لَهَا غُرَرٌ مَعْلُومَةٌ وَحُجُولُ
وَإِنَّمَا الْغُرَرُ وَالْحُجُولُ مُسْتَعَارَةٌ لِصِفَاتِ لِقَائِهِمُ الْعَدُوَّ فِي أَيَّامِهِمْ، وَفِي الْمَقَامَةِ الثَلَاثِينَ «لَا عَقَدَ هَذَا الْعَقْدَ الْمُبَجَّلِ، فِي هَذَا الْيَوْمِ الْأَغَرِّ الْمُحَجَّلِ، إِلَّا الَّذِي جَالَ وَجَابَ، وَشَبَّ فِي الْكُدْيَةِ وَشَابَ» وَقَالَ تَعَالَى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ [16] .
وغَيْرُ يَسِيرٍ تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى عَسِيرٌ بِمُرَادِفِهِ. وَهَذَا مِنْ غَرَائِبِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا يُقَالُ: عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، قَالَ طَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
فَلْيَكُنِ الْمَغْلُوبُ غَيْرَ الْغَالِبِ ... وَلْيَكُنِ الْمَسْلُوبُ غَيْرَ السَّالِبِ
وَعَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ التَّأْكِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [الْأَنْعَام: 140] قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [الْأَنْعَام: 56] . وَأَشَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى أَنَّ فَائِدَةَ هَذَا التَّأْكِيدِ مَا
(29/301)

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16)
يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ غَيْرُ مِنَ الْمُغَايَرَةِ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِأَنَّ لَهُ حَالَةً أُخْرَى، وَهِيَ الْيُسْرُ، أَيْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ وَعِيدِ الْكَافِرِينَ وَإِغَاظَتِهِمْ، وَبِشَارَةِ الْمُؤْمِنِينَ.
[11- 16]

[سُورَة المدثر (74) : الْآيَات 11 الى 16]
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15)
كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (16)
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا.
لَمَّا جَرَى ذِكْرُ الْكَافِرِينَ فِي قَوْلِهِ: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ [المدثر:
9، 10] ، وَأُشِيرُ إِلَى مَا يَلْقَاهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْكَافِرِينَ بِقَوْلِهِ: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر: 7] انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى ذِكْرِ زَعِيمٍ مِنْ زُعَمَاءِ الْكَافِرِينَ وَمُدَبِّرِ مَطَاعِنِهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَدَعْوَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إِلَخْ. اسْتِئْنَافٌ يُؤْذِنُ بِأَنَّ حَدَثًا كَانَ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَقِبَ الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَذَلِكَ حِينَ فَشَا فِي مَكَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاوَدَهُ الْوَحْيُ بَعْدَ فَتْرَةٍ وَأَنَّهُ أُمِرَ بِالْإِنْذَارِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاق أَنه اجْتمع نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو لَهَبٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَالْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ، وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ. فَقَالُوا: إِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ فِي الْمَوْسِمِ وَهُمْ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ وَقَدِ اخْتَلَفْتُمْ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ. فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ:
مَجْنُونٌ وَآخَرُ يَقُولُ: كَاهِنٌ، وَآخَرُ يَقُولُ: شَاعِرٌ، وَتَعْلَمُ الْعَرَبُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي رَجُلٍ وَاحِد، فسمّوا مُحَمَّد بِاسْمٍ وَاحِدٍ تَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ بِهِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: شَاعِرٌ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: سَمِعْتُ كَلَامَ ابْنِ الْأَبْرَصِ (يَعْنِي عَبِيدَ بْنَ الْأَبْرَصِ) وَأُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ، وَعَرَفْتُ الشِّعْرَ كُلَّهُ، وَمَا يُشْبِهُ كَلَامُ مُحَمَّدٍ كَلَامَ شَاعِرٍ، فَقَالُوا:
كَاهِنٌ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: مَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكَاهِنِ وَلَا بِسَجْعِهِ. وَالْكَاهِنُ يَصْدُقُ وَيَكْذِبُ وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَجْنُونٌ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: لَقَدْ عَرَفْنَا الْجُنُونَ فَإِنَّ الْمَجْنُونَ يُخْنَقُ فَمَا هُوَ يخنقه وَلَا تَخَالُجِهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ، فَقَالُوا: سَاحِرٌ، قَالَ الْوَلِيدُ: لَقَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِ وَلَا عَقْدِهِ، وَانْصَرَفَ الْوَلِيدُ إِلَى بَيْتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَبْدِ شَمْسٍ أَصَبَأْتَ؟ فَقَالَ الْوَلِيدُ: فَكَّرْتُ فِي
(29/302)

أَمْرِ مُحَمَّدٍ وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ أَنْ تَقُولُوا: سَاحِرٌ جَاءَ بِقَوْلٍ هُوَ سِحْرٌ، يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ، فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَوْلَهُ: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً الْآيَاتِ.
وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ الْقُشَيْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ بَلَغَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُ كُفَّارِ مَكَّةَ: أَنْتَ سَاحِرٌ فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ غَمًّا وَحُمَّ فَتَدَثَّرَ بِثِيَابِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُمْ فَأَنْذِرْ

[المدثر: 2] .
وأيّاما كَانَ فَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَدَرَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَنَّهُ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً فَإِنَّ كَانَ قَوْلُ الْوَلِيدِ صَدَرَ مِنْهُ بَعْدَ نُزُولِ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَجُمْلَةُ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا وَالْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْوَلِيدِ هُوَ سَبَبَ نُزُولِ السُّورَةِ، كَانَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر: 7] عَلَى أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّبْرِ بِأَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّى جَزَاءَ هَذَا الْقَائِلِ، وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنْ ابْتِدَاءَ الْوَحْيِ كَانَ فِي رَمَضَانَ وَأَنَّ فَتْرَةَ الْوَحْيِ دَامَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى الْأَصَحِّ سَوَاءٌ نَزَلَ وَحي بَين يدء الْوَحْيِ وَفَتْرَتِهِ مُدَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ بَدْئِهِ شَيْءٌ وَوَقَعَتْ فَتْرَتُهُ، فَيَكُونُ قَدْ أَشْرَفَ شَهْرُ ذِي الْقَعْدَةِ عَلَى الِانْصِرَامِ فَتِلْكَ مُدَّةُ اقْتِرَابِ الْمَوْسِمِ فَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِمَا يَقُولُونَهُ لِلْوُفُودِ إِذَا اسْتَخْبَرُوهُمْ خَبَرَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَتَصْدِيرُ الْجُمْلَةِ بِفِعْلِ ذَرْنِي إِيمَاء إِلَى أَن الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُهْتَمًّا وَمُغْتَمًّا مِمَّا اخْتَلَقَهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَاتِّصَالُهُ بِقَوْلِهِ: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ يَزْدَادُ وُضُوحًا.
وَتَقَدَّمَ مَا فِي نَحْوِ ذَرْنِي وَكَذَا، مِنَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ لِلْمَذْكُورِ بَعْدَ وَاوِ الْمَعِيَّةِ، فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ فِي سُورَةِ الْقَلَمِ [44] .
وَجِيءَ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً لِإِدْمَاجِ تَسْجِيلِ كُفْرَانِ الْوَلِيدِ النِّعْمَةَ فِي الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ.
وَانْتَصَبَ وَحِيداً عَلَى الْحَالِ مِنْ مَنْ الْمَوْصُولَةِ.
وَالْوَحِيدُ: الْمُنْفَرِدُ عَنْ غَيْرِهِ فِي مَكَانٍ أَوْ حَالٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، أَوْ شُهْرَةٍ أَوْ قِصَّةٍ، وَهُوَ فَعِيلٌ مِنْ وَحُدَ مِنْ بَابِ كَرُمَ وَعَلِمَ، إِذَا انْفَرَدَ.
(29/303)

الكتاب :التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»
المؤلف : محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى : 1393هـ)
الناشر : الدار التونسية للنشر - تونس
سنة النشر: 1984 هـ
عدد الأجزاء : 30 (والجزء رقم 8 في قسمين)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، وهو مذيل بالحواشي، وضمن خدمة مقارنة التفاسير] وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ يُلَقَّبُ فِي قُرَيْشٍ بِالْوَحِيدِ لِتَوَحُّدِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِاجْتِمَاعِ مَزَايَا لَهُ لَمْ تَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ من طبقته وَهِي كَثْرَةُ الْوَلَدِ وَسَعَةُ الْمَالِ، وَمَجْدُهُ وَمَجْدُ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَكَانَ مَرْجِعَ قُرَيْشٍ فِي أُمُورِهِمْ لِأَنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْ أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا اشْتُهِرَ بِلَقَبِ الْوَحِيدِ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ إِيمَاءً إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمُشْتَهِرِ بِهِ. وَجَاءَ هَذَا الْوَصْفُ بَعْدَ فِعْلِ خَلَقْتُ، لِيَصْرِفَ هَذَا الْوَصْفَ عَمَّا كَانَ مُرَادًا بِهِ فَيَنْصَرِفَ إِلَى مَا يَصْلُحُ لِأَنْ يُقَارِنَ فِعْلَ خَلَقْتُ أَيْ أَوْجَدْتُهُ وَحِيدًا عَنِ الْمَالِ وَالْبَنِينَ وَالْبَسْطَةِ، فَيُغَيَّرُ عَنْ غَرَضِ الْمَدْحِ
وَالثَّنَاءِ الَّذِي كَانُوا يَخُصُّونَهُ بِهِ، إِلَى غَرَضِ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ حَالُ كُلِّ مَخْلُوقٍ فَتَكُونُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النَّحْل: 78] الْآيَةَ.
وَعُطِفَ عَلَى ذَلِكَ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
وَالْمَمْدُودُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ مَدَّ الَّذِي بِمَعْنَى: أَطَالَ، بِأَنْ شُبِّهَتْ كَثْرَةُ الْمَالِ بِسَعَةِ مِسَاحَةِ الْجِسْمِ، أَوْ مِنْ مَدَّ الَّذِي بِمَعْنَى: زَادَ فِي الشَّيْءِ مِنْ مِثْلِهِ، كَمَا يُقَالُ: مَدَّ الْوَادِي النَّهْرَ، أَيْ مَالًا مَزِيدًا فِي مِقْدَارِهِ مَا يَكْتَسِبُهُ صَاحِبُهُ مِنَ الْمَكَاسِبِ. وَكَانَ الْوَلِيدُ مِنْ أَوْسَعِ قُرَيْشٍ ثَرَاءً. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ مَالُ الْوَلِيدِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي وَالْجِنَانِ وَكَانَتْ غَلَّةُ مَالِهِ أَلْفَ دِينَارٍ (أَيْ فِي السَّنَةِ) .
وَامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةِ الْبَنِينَ وَوَصَفَهُمْ بِشُهُودٍ جَمْعِ شَاهِدٍ، أَيْ حَاضِرٍ، أَيْ لَا يُفَارِقُونَهُ فَهُوَ مُسْتَأْنِسٌ بِهِمْ لَا يَشْتَغِلُ بَالُهُ بِمَغِيبِهِمْ وَخَوْفِ مَعَاطِبِ السَّفَرِ عَلَيْهِمْ فَكَانُوا بِغِنًى عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ بِتِجَارَةٍ أَوْ غَارَةٍ، وَكَانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ الْمَحَافِلَ فَكَانُوا فَخْرًا لَهُ، قِيلَ: كَانَ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ وَقِيلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ابْنًا، وَالْمَذْكُورُ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ، وَهُمْ: الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَخَالِدٌ، وَعُمَارَةُ، وَهِشَامٌ، وَالْعَاصِي، وَقَيْسٌ أَوْ أَبُو قَيْسٍ، وَعَبْدُ شَمْسٍ (وَبِهِ يُكَنَّى) . وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ حَزْمٍ فِي «جَمْهَرَةِ الْأَنْسَابِ» : الْعَاصِيَ. وَاقْتَصَرَ عَلَى سِتَّةٍ.
وَالتَّمْهِيدُ: مَصْدَرُ مَهَّدَ بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ الدَّالِّ عَلَى قُوَّةِ الْمَهْدِ. وَالْمَهْدُ: تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَإِزَالَةُ مَا يُقِضُّ جَنْبَ الْمُضْطَجِعِ عَلَيْهَا، وَمَهْدُ الصَّبِيِّ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ.
وَالتَّمْهِيدُ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِتَيْسِيرِ أُمُورِهِ وَنَفَاذِ كَلِمَتِهُ فِي قَوْمِهِ بِحَيْثُ لَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ مَطْلَبٌ وَلَا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ أَمْرٌ.
(29/304)

وَأُكِّدَ مَهَّدْتُ بِمَصْدَرِهِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِيُتَوَسَّلَ بِتَنْكِيرِهِ لِإِفَادَةِ تَعْظِيمِ ذَلِكَ التَّمْهِيدِ وَلَيْسَ يَطَّرِدُ أَنْ يَكُونَ التَّأْكِيدُ لِرَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ.
وَوُصِفُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا لَهُ مِنَ النَّعْمَةِ وَالسَّعَةِ لِأَنَّ الْآيَةَ فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ عَلَيْهِ تَوْطِئَةً لِتَوْبِيخِهِ وَتَهْدِيدِهِ بِسُوءٍ فِي الدُّنْيَا وَبِعَذَابِ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا فِي آيَةِ سُورَةِ الْقَلَمِ فَقَدْ وَصَفَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ النَّقَائِصِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [الْقَلَم: 10] إِلَخْ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ (وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ احْتِمَالٌ) لِأَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ فِي مَقَامِ التَّحْذِيرِ مِنْ شَرِّهِ وَغَدْرِهِ.
وثُمَّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ يَطْمَعُ لِلتَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ، أَيْ وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَطْمَعُ فِي
الزِّيَادَةِ مِنْ تِلْكَ النِّعَمِ وَذَلِكَ بِمَا يُعْرَفُ مِنْ يُسْرِ أُمُورِهِ. وَهَذَا مُشْعِرٌ بِاسْتِبْعَادِ حُصُولِ الْمَطْمُوعِ فِيهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: كَلَّا.
وَالطَّمَعُ: طَلَبُ الشَّيْءِ الْعَظِيمِ وَجُعِلَ مُتَعَلِّقُ طَمَعِهِ زِيَادَةً مِمَّا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُسْنِدُونَ الرِّزْقَ إِلَى الْأَصْنَامِ، أَوْ لِأَنَّهُ طَمَعٌ فِي زِيَادَةِ النِّعْمَةِ غَيْرَ مُتَذَكِّرٍ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَكُونُ إِسْنَادُ الزِّيَادَةِ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ إِدْمَاجًا بِتَذْكِيرِهِ بِأَنَّ مَا طَمِعَ فِيهِ هُوَ مِنْ عِنْدِ الَّذِي كَفَرَ هُوَ بِنِعْمَتِهِ فَأَشْرَكَ بِهِ غَيْرَهُ فِي الْعِبَادَةِ.
وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ عُدِلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: يَطْمَعُ فِي الزِّيَادَةِ، أَوْ يَطْمَعُ أَنْ يُزَادَ.
وكَلَّا رَدْعٌ وَإِبْطَالٌ لِطَمَعِهِ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ النِّعَمِ وَقَطْعٌ لِرَجَائِهِ.
وَالْمَقْصُودُ إِبْلَاغُ هَذَا إِلَيْهِ مَعَ تَطْمِينِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْوَلِيدَ سَيُقْطَعُ عَنْهُ مَدَدُ الرِّزْقِ لِئَلَّا تَكُونَ نِعْمَتُهُ فتْنَة لغيره فَمن الْمُعَانِدِينَ فَيُغْرِيهِمْ حَالُهُ بِأَنَّ عِنَادَهُمْ لَا يَضُرُّهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَحْسَبُونَ حَيَاةً بَعْدَ هَذِهِ كَمَا حَكَى اللَّهُ مِنْ قَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يُونُس: 88] .
وَفِي هَذَا الْإِبْطَالِ وَالرَّدْعِ إِيذَانٌ بِأَنَّ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ سَبَبٌ لِقَطْعِهَا قَالَ تَعَالَى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إِبْرَاهِيم: 7] ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعْرَّضَ لِزَوَالِهَا، وَمَنْ شَكَرَهَا فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِهَا» .
(29/305)

سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)
إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً.
يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلرَّدْعِ وَالْإِبْطَالِ، أَيْ لِأَنَّ شِدَّةَ مُعَانَدَتِهِ لِآيَاتِنَا كَانَتْ كُفْرَانًا لِلنِّعْمَةِ فَكَانَتْ سَبَبًا لِقَطْعِهَا عَنْهُ إِذْ قَدْ تَجَاوَزَ حَدَّ الْكُفْرِ إِلَى الْمُنَاوَاةِ وَالْمُعَانَدَةِ فَإِنَّ الْكَافِرَ يَكُونُ مُنْعَمًا عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَاتُرِيدِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيِّ، وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ وَيَكُونَ الْوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَلَّا.
وَالْعَنِيدُ: الشَّدِيدُ الْعِنَادِ وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ لِلصَّوَابِ وَهُوَ فَعِيلٌ مِنْ: عَنَدَ يَعْنِدُ كَضَرَبَ، إِذَا نَازَعَ وَجَادَلَ الْحَقَّ الْبَيِّنَ.
وَعِنَادُهُ: هُوَ مُحَاوَلَتُهُ الطَّعْنَ فِي الْقُرْآنِ وَتُحِيلُهُ لِلتَّمْوِيهِ بِأَنَّهُ سِحْرٌ، أَوْ شِعْرٌ، أَوْ كَلَامُ
كِهَانَةٍ، مَعَ تَحَقُّقِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا أَعْلَنَ بِهِ لِقُرَيْشٍ، قَبْلَ أَنْ يَلُومَهُ أَبُو جَهْلٍ ثُمَّ أَخَذَهُ بِأَحَدِ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: هُوَ سِحْرٌ، تَشَبُّثًا بِأَنَّ فِيهِ خَصَائِصَ السِّحْرِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَمَنْ هُوَ شَدِيد الصِّلَة.
[17- 25]

[سُورَة المدثر (74) : الْآيَات 17 إِلَى 25]
سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21)
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25)
جُمْلَةُ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً [المدثر: 16] وَبَيْنَ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، قُصِدَ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ تَعْجِيلُ الْوَعِيدِ لَهُ مَسَاءَةً لَهُ وَتَعْجِيلُ الْمَسَرَّةِ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً فَهِيَ تَكْمِلَةٌ وَتَبْيِينٌ لَهَا.
وَالْإِرْهَاقُ: الْإِتْعَابُ وَتَحْمِيلُ مَا لَا يُطَاقُ، وَفِعْلُهُ رَهِقَ كَفَرِحَ، قَالَ تَعَالَى: وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً فِي سُورَةِ الْكَهْفِ
(29/306)

وَالصَّعُودُ: الْعَقَبَةُ الشَّدِيدَةُ التَّصَعُّدِ الشَّاقَّةُ عَلَى الْمَاشِي وَهِيَ فَعُولٌ مُبَالَغَةٌ مِنْ صَعِدَ، فَإِنَّ الْعَقَبَةَ صَعْدَةٌ، فَإِذَا كَانَتْ عَقَبَةٌ أَشَدُّ تَصَعُّدًا مِنَ الْعَقَبَاتِ الْمُعْتَادَةِ قِيلَ لَهَا: صَعُودٌ.
وَكَأَنَّ أَصْلَ هَذَا الْوَصْفِ أَنَّ الْعَقَبَةَ وُصِفَتْ بِأَنَّهَا صَاعِدَةٌ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ ثُمَّ جُعِلَ ذَلِكَ الْوَصْفُ اسْمَ جِنْسٍ لَهَا.
وَقَوْلُهُ: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً تَمْثِيلٌ لِضِدِّ الْحَالَةِ الْمُجْمَلَةِ فِي قَوْلِهِ: وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً [المدثر: 14] ، أَيْ سَيَنْقَلِبُ حَالُهُ مِنْ حَالِ رَاحَةٍ وَتَنَعُّمٍ إِلَى حَالَةٍ سُوأَى فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَى الْعَذَابِ الْأَلِيمِ فِي الْآخِرَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِرْهَاقٌ لَهُ.
قِيلَ: إِنَّهُ طَالَ بِهِ النَّزْعُ فَكَانَتْ تَتَصَاعَدُ نَفْسُهُ ثُمَّ لَا يَمُوتُ وَقَدْ جُعِلَ لَهُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ مَا أَسْفَرَ عَنْهُ عَذَابُ الدُّنْيَا.
وَقَدْ وُزِّعَ وَعِيدُهُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ أَعْمَالُهُ فَإِنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ عِنَادُهُ وَهُوَ مِنْ مَقَاصِدِهِ السَّيِّئَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ مُحَافَظَتِهِ عَلَى رِئَاسَتِهِ وَعَنْ حَسَدِهِ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ عُقِّبَ بِوَعِيدِهِ بِمَا يَشْمَلُ عَذَابَ الدُّنْيَا ابْتِدَاءً. وَلَمَّا ذُكِرَ طَعْنُهُ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ وَأَنْكَرَ أَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ أُرْدِفَ بِذِكْرِ عَذَابِ الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر: 26] .
وَعَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رأن صَعُودًا جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ يَتَصَعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أَبَدًا» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. فَجَعَلَ اللَّهُ صِفَةَ صَعُودٍ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ فِي جَهَنَّمَ. وَهَذَا تَفْسِيرٌ بِأَعْظَمِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ إِلَى آخِرِهَا بَدَلٌ مِنْ جُمْلَةِ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً [المدثر:
16] بَدَلُ اشْتِمَالٍ.
وَقَدْ وَصَفَ حَالَهُ فِي تَرَدُّدِهِ وَتَأَمُّلِهِ بِأَبْلَغِ وَصْفٍ. فَابْتُدِئَ بِذِكْرِ تَفْكِيرِهِ فِي الرَّأْيِ الَّذِي سَيَصْدُرُ عَنْهُ وَتَقْدِيرِهِ.
وَمَعْنَى فَكَّرَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ وَكَرَّرَ نَظَرَ رَأْيِهِ لِيَبْتَكِرَ عُذْرًا يُمَوِّهُهُ وَيُرَوِّجُهُ عَلَى الدَّهْمَاءِ فِي وَصْفِ الْقُرْآنِ بِوَصْفِ كَلَامِ النَّاسِ لِيُزِيلَ مِنْهُمُ اعْتِقَادَ أَنَّهُ وَحْيٌ أُوحِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(29/307)

وقَدَّرَ جُعِلَ قَدْرًا لِمَا يَخْطُرُ بِخَاطِرِهِ أَنْ يَصِفَ بِهِ الْقُرْآنَ لِيَعْرِضَهُ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مَا يُنْحِلُهُ الْقُرْآنَ مِنْ أَنْوَاعِ كَلَامِ الْبَشَرِ أَوْ مَا يَسِمُ بِهِ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ الْمُخَالِفَةِ أَحْوَالُهُمْ لِلْأَحْوَالِ الْمُعْتَادَةِ فِي النَّاسِ مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ فِي نَفْسِهِ، نَقُولُ: مُحَمَّدٌ مَجْنُونٌ، ثُمَّ يَقُولُ:
الْمَجْنُونُ يُخْنَقُ وَيَتَخَالَجُ وَيُوَسْوَسُ وَلَيْسَ مُحَمَّدٌ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: هُوَ شَاعِرٌ، فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَقَدْ عَرَفْتُ الشِّعْرَ وَسَمِعْتُ كَلَامَ الشُّعَرَاءِ فَمَا يُشْبِهُ كَلَامُ مُحَمَّدٍ كَلَامَ الشَّاعِرِ، ثُمَّ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: كَاهِنٌ، فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: مَا كَلَامُهُ بِزَمْزَمَةِ كَاهِنٍ وَلَا بِسَجْعِهِ، ثُمَّ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: نَقُولُ هُوَ سَاحِرٌ فَإِنَّ السِّحْرَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَذَوِيهِ وَمُحَمَّدٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَوَالِيهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: نَقُولُ إِنَّهُ سَاحِرٌ. فَهَذَا مَعْنَى قَدَّرَ.
وَقَوْلُهُ: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ فَكَّرَ وقَدَّرَ وَبَيْنَ ثُمَّ نَظَرَ وَهُوَ إِنْشَاءُ شَتْمٍ مُفَرَّعٍ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ لِأَنَّ الَّذِي ذُكِرَ يُوجِبُ الْغَضَبَ عَلَيْهِ.
فَالْفَاءُ لِتَفْرِيعِ ذمه عَن سيّىء فِعْلِهِ وَمِثْلُهُ فِي الِاعْتِرَاضِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ [النَّحْل: 43، 44] .
وَالتَّفْرِيعُ لَا يُنَافِي الِاعْتِرَاضَ لِأَنَّ الِاعْتِرَاضَ وَضْعُ الْكَلَامِ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا تَأَلَّفَ مِنْهُ الْكَلَامُ الْمُعْتَرِضُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلَى مَا يَتَطَلَّبُهُ مَعْنَاهُ. وَالدَّاعِي إِلَى الِاعْتِرَاضِ هُوَ التَّعْجِيلُ بِفَائِدَةِ الْكَلَامِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا. وَمَنْ زَعَمُوا أَنَّ الِاعْتِرَاضَ لَا يَكُونُ
بِالْفَاءِ فَقَدْ تَوَهَّمُوا.
وقُتِلَ: دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقْتُلَهُ قَاتِلٌ، أَيْ دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِتَعْجِيلِ مَوْتِهِ لِأَنَّ حَيَاتَهُ حَيَاةٌ سَيِّئَةٌ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ مِنْ مَالِهِ وَالرِّثَاءِ لَهُ كَقَوْلِهِ: قاتَلَهُمُ اللَّهُ [التَّوْبَة:
30] وَقَوْلُهُمْ: عَدِمْتُكَ، وَثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مِثْلُهُ فِي التَّعْجِيبِ مِنْ حُسْنِ الْحَالِ يُقَالُ:
قَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَشْجَعَهُ. وَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِهِ بَلَغَ مَبْلَغًا يَحْسُدُهُ عَلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُ حَتَّى يَتَمَنَّى لَهُ الْمَوْتَ. وَأَنَا أَحْسَبُ أَنَّ مَعْنَى الْحَسَدِ غَيْرُ مَلْحُوظٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُجَرَّدُ اقْتِصَارٍ عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْكَلِمَةِ مِنَ التَّعَجُّبِ أَوِ التَّعْجِيبِ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي ذَلِكَ كَالْأَمْثَالِ. وَالْمَقَامُ هُنَا مُتَعَيِّنٌ لِلْكِنَايَةِ عَنْ سُوءِ حَالِهِ لِأَنَّ مَا
(29/308)

قَدَّرَهُ لَيْسَ مِمَّا يُغْتَبَطُ ذَوُو الْأَلْبَابِ عَلَى إِصَابَتِهِ إِذْ هُوَ قَدْ نَاقَضَ قَوْلَهُ ابْتِدَاءً إِذْ قَالَ: مَا هُوَ بِعَقْدِ السَّحَرَةِ وَلَا نَفْثِهِمْ وَبَعْدَ أَنْ فَكَّرَ قَالَ: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَنَاقَضَ نَفْسَهُ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ تَأْكِيدٌ لِنَظِيرِهِ الْمُفَرَّعِ بِالْفَاءِ. وَالْعَطْفُ بِ ثُمَّ يُفِيدُ أَنَّ جُمْلَتَهَا أَرْقَى رُتْبَةً مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ. فَإِذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ بِهَا عَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَفَادَتْ أَنَّ مَعْنَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ذُو دَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ مَعَ أَنَّ التَّأْكِيدَ يُكْسِبُ الْكَلَامَ قُوَّةً. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [النبأ: 4، 5] .
وكَيْفَ قَدَّرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُتَّحِدُ الْمَعْنَى وَهُوَ اسْمُ اسْتِفْهَامٍ دَالٌّ عَلَى الْحَالة الَّتِي بَينهَا مُتَعَلِّقُ كَيْفَ.
وَالِاسْتِفْهَامُ مُوَجَّهٌ إِلَى سَامِعٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ يَسْتَفْهِمُ الْمُتَكَلِّمُ سَامِعَهُ اسْتِفْهَامًا عَنْ حَالَةِ تَقْدِيرِهِ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ الْمَشُوبِ بِالْإِنْكَارِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ.
وكَيْفَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا لِأَنَّ لَهَا الصَّدْرَ وَعَامِلُهَا قَدَّرَ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ عَطْفٌ عَلَى وَقَدَّرَ وَهِيَ ارْتِقَاءٌ مُتَوَالٍ فِيمَا اقْتَضَى التَّعْجِيبُ مِنْ حَالِهِ وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِ. فَالتَّرَاخِي تَرَاخِي رُتْبَةٍ لَا تَرَاخِي زَمَنٍ لِأَنَّ نَظَرَهُ وَعُبُوسَهُ وَبَسَرَهُ وَإِدْبَارَهُ وَاسْتِكْبَارَهُ مُقَارِنَةٌ لِتَفْكِيرِهِ وَتَقْدِيرِهِ.
وَالنَّظَرُ هُنَا: نَظَرُ الْعَيْنِ لِيَكُونَ زَائِدًا عَلَى مَا أَفَادَهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. وَالْمَعْنَى: نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْحَاضِرِينَ يَسْتَخْرِجُ آرَاءَهُمْ فِي انْتِحَالِ مَا يَصِفُونَ بِهِ الْقُرْآنَ.
وعَبَسَ: قَطَّبَ وَجْهَهُ لَمَّا اسْتَعْصَى عَلَيْهِ مَا يَصِفُ بِهِ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَجِدْ مَغْمَزًا مَقْبُولًا.
وبَسَرَ: مَعْنَاهُ كَلَحَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ خَوْفًا وَكَمَدًا حِينَ لَمْ يَجِدْ مَا يَشْفِي غَلِيلَهُ مِنْ مَطْعَنٍ فِي الْقُرْآنِ لَا تَرُدُّهُ الْعُقُولُ، قَالَ تَعَالَى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ فِي سُورَةِ [الْقِيَامَةِ: 24، 25] .
وَالْإِدْبَارُ: هُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا لِتَغْيِيرِ التَّفْكِيرِ الَّذِي كَانَ يُفَكِّرُهُ وَيُقَدِّرُهُ
(29/309)

سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)
يَأْسًا مِنْ أَنْ يَجِدَ مَا فَكَّرَ فِي انْتِحَالِهِ فَانْصَرَفَ إِلَى الِاسْتِكْبَارِ وَالْأَنَفَةِ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ لِلْقُرْآنِ بِمَا فِيهِ مِنْ كَمَالِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا لِزِيَادَةِ إِعْرَاضِهِ عَنْ تَصْدِيقِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ فِي سُورَةِ النَّازِعَاتِ [22] .
وُصِفَتْ أَشْكَالُهُ الَّتِي تَشَكَّلَ بِهَا لَمَّا أَجْهَدَ نَفْسَهُ لِاسْتِنْبَاطِ مَا يَصِفُ بِهِ الْقُرْآنَ، وَذَلِكَ تَهَكُّمٌ بِالْوَلِيدِ.
وَصِيغَةُ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ اسْتِقْرَاءَ أَحْوَالِ الْقُرْآنِ بَعْدَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ أَنْتَجَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ، فَهُوَ قَصْرُ تَعْيِينٍ لِأَحَدِ الْأَقْوَالِ الَّتِي جَالَتْ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُ قَالَ: مَا هُوَ بِكَلَامِ شَاعِرٍ وَلَا بِكَلَامِ كَاهِنٍ وَلَا بِكَلَامِ مَجْنُونٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِهِ.
وَوَصَفَ هَذَا السِّحْرَ بِأَنَّهُ مَأْثُورٌ، أَيْ مَرْوِيٌّ عَنِ الْأَقْدَمِينَ، يَقُولُ هَذَا لِيَدْفَعَ بِهِ اعْتِرَاضًا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَقْوَالَ السَّحَرَةِ وَأَعْمَالَهُمْ لَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِلْقُرْآنِ وَلَا لِأَحْوَالِ الرَّسُولِ فَزَعَمَ أَنَّهُ أَقْوَالٌ سِحْرِيَّةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ.
وَجُمْلَةُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ بِأَنَّ السِّحْرَ يَكُونُ أَقْوَالًا وَأَفْعَالًا فَهَذَا مِنَ السِّحْرِ الْقَوْلِيِّ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بِمَنْزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ وَحْيًا مِنَ اللَّهِ.
وَعَطَفَ قَوْلَهُ: فَقالَ بِالْفَاءِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ لَمَّا خَطَرَتْ بِبَالِهِ بَعْدَ اكْتِدَادِ فِكْرِهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ نَطَقَ بِهَا فَكَانَ نُطْقُهُ بِهَا حَقِيقًا بِأَنْ يُعْطَفَ بِحرف التعقيب.
[26- 30]

[سُورَة المدثر (74) : الْآيَات 26 إِلَى 30]
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَما أَدْراكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (30)
جُمْلَةُ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
[المدثر: 18] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ فَذَكَرَ وَعِيدَهُ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ.
(29/310)

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَدَلًا من جملَة سأرهق صعورا (1) . وَالْإِصْلَاءُ: جَعْلُ الشَّيْءِ صَالِيًا، أَيْ مُبَاشِرًا حَرَّ النَّارِ. وَفِعْلُ صَلِيَ يُطْلَقُ عَلَى إِحْسَاسِ حَرَارَةِ النَّارِ، فَيكون لأجل التدفّي كَقَوْلِ الْحَارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
فَتَنَوَّرْتَ نَارَهَا مِنْ بَعِيدٍ ... بِخَزَازَى أَيَّانَ مِنْكَ الصِّلَاءُ
أَيْ أَنْتَ بعيد من التدفي بِهَا وَكَمَا قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:
لَا تَصْطَلِي النَّارَ إِلَّا مِجْمَرًا أَرِجَا ... قَدْ كَسَّرْتَ مِنْ يَلَنْجُوجٍ لَهُ وَقَصَا
وَيُطْلَقُ عَلَى الِاحْتِرَاقِ بِالنَّارِ قَالَ تَعَالَى: سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ فِي سُورَةِ أَبِي لَهَبٍ [3] وَقَالَ: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى فِي سُورَةِ اللَّيْلِ [14، 15] ، وَقَالَ: وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [10] ، وَالْأَكْثَرُ إِذَا ذُكِرَ لِفِعْلِ هَذِهِ الْمَادَّةِ مَفْعُولٌ ثَانٍ مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ بِمَعْنَى الْإِحْرَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [30] . وَمِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا سَأُصْلِيهِ سَقَرَ.
وَسَقَرُ: عَلَمٌ لِطَبَقَةٍ مِنْ جَهَنَّمَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ الطَّبَقُ السَّادِسُ مِنْ جَهَنَّمَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: سَقَرُ هُوَ الدَّرْكُ السَّادِسُ مِنْ جَهَنَّمَ عَلَى مَا رُوِيَ اهـ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وَجَرَى كَلَامُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ سَقَرَ بِمَا يُرَادِفُ جَهَنَّمَ.
وَسَقَرُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ لِأَنَّهُ اسْمُ بُقْعَةٍ مِنْ جَهَنَّمَ أَوِ اسْمُ جَهَنَّمَ وَقَدْ جَرَى ضَمِيرُ سَقَرَ عَلَى التَّأْنِيثِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُبْقِي إِلَى قَوْلِهِ: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ. وَقِيلَ سَقَرُ مُعَرَّبٌ نَقَلَهُ فِي «الْإِتْقَانِ» عَنِ الْجَوَالِيقِيِّ وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَلِمَةَ الْمُعَرَّبَةَ وَلَا مِنْ أَيَّةِ لُغَةٍ هُوَ.
وَمَا أَدْراكَ مَا سَقَرُ جُمْلَةٌ حَالِيَةٌ مِنْ سَقَرَ، أَيْ سَقَرُ الَّتِي حَالُهَا لَا ينبئك بِهِ منبىء وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِحَالِهَا.
وَمَا سَقَرُ فِي مَحَلِّ مُبْتَدَأٍ وَأَصْلُهُ سَقَرُ مَا، أَيْ مَا هِيَ، فَقَدَّمَ مَا لِأَنَّهُ اسْمُ اسْتِفْهَامٍ وَلَهُ الصَّدَارَةُ.
فَإِنَّ مَا الْأُولَى اسْتِفْهَامِيَّةٌ. وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ، أَيْ يُعْلِمُكَ.
_________
(1) فِي المطبوعة: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ والمثبت من «الْكَشَّاف» (4/ 183) ط. دَار الْفِكر.
(29/311)

وَ (مَا) الثَّانِيَةُ اسْتِفْهَامِيَّةٌ فِي مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ عَنْ سَقَرُ.
وَجُمْلَةُ لَا تُبْقِي بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ التَّهْوِيلِ الَّذِي أَفَادَتْهُ جُمْلَةُ وَما أَدْراكَ مَا سَقَرُ، فَإِنَّ مِنْ أَهْوَالِهَا أَنَّهَا تُهْلِكُ كُلَّ مَنْ يَصْلَاهَا. وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ ثَانٍ عَنْ سَقَرَ.
وَحُذِفَ مَفْعُولُ تُبْقِي لِقَصْدِ الْعُمُومِ، أَيْ لَا تُبْقِي مِنْهُمْ أَحَدًا أَوْ لَا تُبْقِي مِنْ أَجْزَائِهِمْ شَيْئًا.
وَجُمْلَةُ وَلا تَذَرُ عَطْفٌ عَلَى لَا تُبْقِي فَهِيَ فِي مَعْنَى الْحَالِ، وَمَعْنَى لَا تَذَرُ، أَيْ لَا تَتْرُكُ مَنْ يُلْقَى فِيهَا، أَيْ لَا تَتْرُكُهُ غَيْرَ مَصْلِيٍّ بِعَذَابِهَا. وَهَذِهِ كِنَايَةٌ عَنْ إِعَادَةِ حَيَاتِهِ بَعْدَ إِهْلَاكِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [النِّسَاء: 56] .
ولَوَّاحَةٌ: خَبَرٌ ثَالِثٌ عَنْ سَقَرُ. ولَوَّاحَةٌ فَعَّالَةٌ، مِنَ اللَّوْحِ وَهُوَ تَغْيِيرُ الذَّاتِ مِنْ أَلَمٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ، وَهُوَ مِنْ شَوَاهِدِ «الْكَشَّافِ» وَلَمْ أَقِفْ عَلَى قَائِلِهِ:
تَقول مَا لَا حك يَا مُسَافِرْ ... يَا ابْنة عمي لَا حني الْهَوَاجِرْ
وَالْبَشَرُ: يَكُونُ جَمْعَ بَشْرَةٍ، وَهِيَ جِلْدُ الْإِنْسَانِ، أَيْ تُغَيِّرُ أَلْوَانَ الْجُلُودِ فَتَجْعَلُهَا سُودًا، وَيَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلنَّاسِ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
وَقَوْلُهُ: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ خَبَرٌ رَابِعٌ عَنْ سَقَرُ مِنْ قَوْلِهِ: وَما أَدْراكَ مَا سَقَرُ.
وَمَعْنَى عَلَيْها عَلَى حِرَاسَتِهَا، فَ (عَلَى) لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ بِتَشْبِيهِ التَّصَرُّفِ وَالْوِلَايَةِ بِالِاسْتِعْلَاءِ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ عَلَى الشُّرْطَةِ، أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، أَيْ يَلِي ذَلِكَ وَالْمَعْنَى: أَنَّ خَزَنَةَ سَقَرَ تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا.
وَقَالَ جَمْعٌ: إِنَّ عَدَدَ تِسْعَةَ عَشَرَ: هُمْ نُقَبَاءُ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِجَهَنَّمَ.
وَقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا. وَفِي «تَفْسِيرِ الْفَخْرِ» :
ذَكَرَ أَرْبَابُ الْمَعَانِي فِي تَقْدِيرِ هَذَا الْعَدَدِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِكْمَةِ: إِنَّ سَبَبَ فَسَادِ النَّفْسِ هُوَ الْقُوَى الْحَيَوَانِيَّةُ وَالطَّبِيعِيَّةُ أَمَّا الْحَيَوَانِيَّةُ فَهِيَ الْخَمْسُ الظَّاهِرَةُ وَالْخَمْسُ الْبَاطِنَةُ، وَالشَّهْوَةُ وَالْغَضَبُ، فَمَجْمُوعُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ. وَأَمَّا الْقُوَى الطَّبِيعِيَّةُ فَهِيَ: الْجَاذِبَةُ، وَالْمَاسِكَةُ، وَالْهَاضِمَةُ، وَالدَّافِعَةُ، وَالْغَاذِيَةُ، وَالنَّامِيَةُ،
(29/312)

وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31)
وَالْمُوَلِّدَةُ، فَهَذِهِ سَبْعَةٌ، فَتِلْكَ تِسْعَ عَشْرَةَ. فَلَمَّا كَانَ مَنْشَأُ الْآفَاتِ هُوَ هَذِهِ التِسْعَ عَشْرَةَ كَانَ عَدَدُ الزَّبَانِيَةِ كَذَلِكَ اهـ.
وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ التِسْعَةَ عَشَرَ مُوَزَّعُونَ عَلَى دَرَكَاتِ سَقَرَ أَوْ جَهَنَّمَ لِكُلِّ دَرْكٍ
مَلَكٌ فَلَعَلَّ هَذِهِ الدَّرَكَاتِ مُعَيَّنٌ كُلُّ دَرْكٍ مِنْهَا لِأَهْلِ شُعْبَةٍ مِنْ شُعَبِ الْكُفْرِ، وَمِنْهَا الدَّرْكُ الْأَسْفَلُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [145] فَإِنَّ الْكُفْرَ أَصْنَافٌ مِنْهَا إِنْكَارُ وُجُودِ اللَّهِ، وَمِنْهَا الْوَثَنِيَّةُ، وَمِنْهَا الشِّرْكُ بِتَعَدُّدِ الْإِلَهِ، وَمِنْهَا عِبَادَةُ الْكَوَاكِبِ، وَمِنْهَا عبَادَة الشَّيْطَان وَالْجِنِّ، وَمِنْهَا عِبَادَةُ الْحَيَوَانِ، وَمِنْهَا إِنْكَارُ رِسَالَةِ الرُّسُلِ، وَمِنْهَا الْمَجُوسِيَّةُ الْمَانَوِيَّةُ وَالْمَزْدَكِيَّةُ وَالزَّنْدَقَةُ، وَعِبَادَةُ الْبَشَرِ مِثْلَ الْمُلُوكِ، وَالْإِبَاحِيَّةُ وَلَوْ مَعَ إِثْبَاتِ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ.
وَفِي ذِكْرِ هَذَا الْعَدَدِ تَحَدٍّ لِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ يَبْعَثُهُمْ عَلَى تَصْدِيقِ الْقُرْآنِ إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِهِ عُلَمَاؤُهُمْ كَمَا سَيَأْتِي قَوْلُهُ: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [المدثر: 31] .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تِسْعَةَ عَشَرَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ عَشَرَ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ تِسْعَةَ عَشْرَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ مِنْ عَشَرَ تَخْفِيفًا لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ فِيمَا هُوَ كَالِاسْمِ الْوَاحِدِ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى إِنْكَارِ أَبِي حَاتِمٍ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ فَإِنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ.
[31]

[سُورَة المدثر (74) : آيَة 31]
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (31)
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا.
رَوَى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: «أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى:
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: 30] قَالَ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ إِنَّ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وَأَنْتُمُ الدَّهْمُ (1) أَفَيَعْجِزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً، أَيْ مَا جَعَلْنَاهُمْ رِجَالًا فَيَأْخُذُ كُلُّ رَجُلٍ رَجُلًا، فَمَنْ ذَا يَغْلِبُ الْمَلَائِكَةَ اهـ.
_________
(1) الدّهم بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْهَاء: الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة، وَيُقَال: الدهماء.
(29/313)

وَفِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» عَنِ السُّدِّيِّ: أَنَّ أَبَا الْأَشَدِّ بْنَ كَلَدَةَ الْجُمَحِيَّ قَالَ مُسْتَهْزِئًا: لَا
يَهُولَنَّكُمُ التِّسْعَةَ عَشَرَ، أَنَا أَدْفَعُ بِمَنْكِبِي الْأَيْمَنِ عَشَرَةً وَبِمَنْكِبِي الْأَيْسَرِ تِسْعَةً ثُمَّ تَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: قَالَ الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ: أَنَا أَكْفِيكُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ وَاكْفُونِي أَنْتُمُ اثْنَيْنِ، يُرِيدُ التَّهَكُّمَ مَعَ إِظْهَارِ فَرْطِ قُوَّتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ.
فَالْمُرَادُ مِنْ أَصْحابَ النَّارِ خَزَنَتُهَا، وَهُمُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ بِقَوْلِهِ: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: 30] .
وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عُمُومِ الْأَنْوَاعِ، أَيْ مَا جَعَلْنَا خَزَنَةَ النَّارِ مِنْ نَوْعٍ إِلَّا مِنْ نَوْعِ الْمَلَائِكَةِ.
وَصِيغَةُ الْقَصْرِ تُفِيدُ قَلْبَ اعْتِقَادِ أَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِ مَا تَوَهَّمُوهُ أَوْ تَظَاهَرُوا بِتَوَهُّمِهِ أَنَّ الْمُرَادَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَطَمِعَ أَنْ يَخْلُصَ مِنْهُمْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْقُوَّةِ فَقَدْ قَالَ أَبُو الْأَشَدِّ بْنُ أُسَيْدٍ الْجُمَحِيُّ: لَا يَبْلُغُونَ ثَوْبِي حَتَّى أُجْهِضَهُمْ عَنْ جَهَنَّمَ، أَيْ أُنَحِّيَهُمْ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا تَتْمِيمٌ فِي إِبْطَالِ تَوَهُّمِ الْمُشْرِكِينَ حَقَارَةَ عَدَدِ خَزَنَةِ النَّارِ، وَهُوَ كَلَامٌ جَارٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ إِذِ الْكَلَامُ قَدْ أَثَارَ فِي النُّفُوسِ تَسَاؤُلًا عَنْ فَائِدَةِ جَعْلِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ وَهَلَّا كَانُوا آلَافًا لِيَكُونَ مَرْآهُمْ أَشَدَّ هَوْلًا عَلَى أَهْلِ النَّارِ، أَوْ هَلَّا كَانُوا مَلَكًا وَاحِدًا فَإِنَّ قُوَى الْمَلَائِكَةِ تَأْتِي كُلَّ عَمَلٍ يُسَخِّرُهَا اللَّهُ لَهُ، فَكَانَ جَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ: أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ قَدْ أَظْهَرَ لِأَصْنَافِ النَّاسِ مَبْلَغَ فَهْمِ الْكُفَّارِ لِلْقُرْآنِ. وَإِنَّمَا حَصَلَتِ الْفِتْنَةُ مِنْ ذِكْرِ عَدَدِهِمْ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ. فَقَوْلُهُ:
وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ تَقْدِيرُهُ: وَمَا جَعَلْنَا ذِكْرَ عِدَّتِهِمْ إِلَّا فِتْنَةً، وَلِاسْتِيقَانِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وَازْدِيَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا، وَاضْطِرَابِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَيَظْهَرُ ضَلَالُ الضَّالِّينَ وَاهْتِدَاءُ الْمُهْتَدِينَ. فَاللَّهُ جَعَلَ عِدَّةَ خَزَنَةِ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ لِحِكْمَةٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا ذُكِرَ هُنَا اقْتَضَتْ ذَلِكَ الْجَعْلَ يَعْلَمُهَا الله.
وَالِاسْتِثْنَاء مفرغ لِمَفْعُولٍ ثَانٍ لِفِعْلِ جَعَلْنا تَقْدِيرُهُ جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ فِتْنَةً لَا غَيْرَ، وَلَمَّا كَانَتِ الْفِتْنَةُ حَالًا مِنْ أَحْوَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَمْ تَكُنْ مُرَادًا مِنْهَا ذَاتُهَا بَلْ عُرُوضُهَا لِلَّذِينَ كَفَرُوا فَكَانَتْ حَالًا لَهُمْ.
(29/314)

وَالتَّقْدِيرُ: مَا جَعَلْنَا ذِكْرَ عِدَّتِهِمْ لِعِلَّةٍ وَغَرَضٍ إِلَّا لِغَرَضِ فِتْنَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَانْتَصَبَ فِتْنَةً عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِفِعْلِ جَعَلْنا على الِاسْتِثْنَاء المفرغ، وَهُوَ قَصْرٌ قُلِبَ لِلرَّدِّ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا إِذِ اعْتَقَدُوا أَنَّ عِدَّتَهُمْ أَمْرٌ هَيِّنٌ.
وَقَوْلُهُ: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَخْ. عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ لِفِعْلِ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً.
وَلَوْلَا أَنَّ كَلِمَةَ فِتْنَةً مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ جَعَلْنا. لَكَانَ حَقٌّ لِيَسْتَيْقِنَ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى فِتْنَةً وَلَكِنَّهُ جَاءَ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ: وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ جَعَلْنا وب فِتْنَةً، عَلَى وَجْهِ التَّنَازُعِ فِيهِ، أَيْ مَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَّا فِتْنَةً لَهُمْ إِذْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مِنْ ذِكْرِهَا إِلَّا فَسَادُ التَّأْوِيلِ، وَتِلْكَ الْعِدَّةُ مَجْعُولَةٌ لِفَوَائِدَ أُخْرَى لِغَيْرِ الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ يُفَوِّضُونَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ وَإِلَى تَدَبُّرٍ مُفِيدٍ.
وَالِاسْتِيقَانُ: قُوَّةُ الْيَقِينِ، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ. وَالْمَعْنَى: لِيَسْتَيْقِنُوا صِدْقَ الْقُرْآنِ حَيْثُ يَجِدُونَ هَذَا الْعَدَدَ مُصَدِّقًا لِمَا فِي كُتُبِهِمْ.
وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ الْيَهُودُ حِينَ يَبْلُغُهُمْ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مِثْلِ مَا فِي كُتُبِهِمْ أَو أخبارهم. وَكَانَ الْيَهُودُ يَتَرَدَّدُونَ عَلَى مَكَّةَ فِي التِّجَارَةِ وَيَتَرَدَّدُ عَلَيْهِمْ أَهْلُ مَكَّةَ لِلْمِيرَةِ فِي خَيْبَرَ وَقُرَيْظَةَ وَيَثْرِبَ فَيَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَمَّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَوَدُّ الْمُشْرِكُونَ لَوْ يَجِدُونَ عِنْدَ الْيَهُودِ مَا يُكَذِّبُونَ بِهِ أَخْبَارَ الْقُرْآنِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجِدُوهُ وَلَوْ وَجَدُوهُ لَكَانَ أَيْسَرَ مَا يَطْعَنُونَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ.
وَالِاسْتِيقَانُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْقُبَهُ الْإِيمَانُ إِذَا صَادَفَ عَقْلًا بَرِيئًا مِنْ عَوَارِضِ الْكُفْرِ كَمَا وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَقَدْ لَا يَعْقُبُهُ الْإِيمَانُ لِمُكَابَرَةٍ أَوْ حَسَدٍ أَوْ إِشْفَاقٍ مِنْ فَوَاتِ جَاهٍ أَوْ مَالٍ كَمَا كَانَ شَأْنُ كَثِيرٍ من الْيَهُود الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الْبَقَرَة: 146] وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَتِ الْآيَةُ عَلَى حُصُولِ الِاسْتِيقَانِ لَهُمْ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ لِأُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ يَعْلَمُ نَبِيئُكُمْ عَدَدَ خَزَنَةِ النَّارِ؟، قَالُوا: لَا نَدْرِي حَتَّى نسْأَل نبيئنا.
فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيءِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ غُلِبَ أَصْحَابُكُمُ الْيَوْمَ،
(29/315)

قَالَ: وَبِمَ غُلِبُوا قَالَ: سَأَلَهُمْ يَهُودُ: هَل يعلم نبيئكم عَدَدَ خَزَنَةِ النَّارِ، قَالَ: فَمَا قَالُوا؟ قَالَ: قَالُوا لَا نَدْرِي حَتَّى نسْأَل نبيئنا، قَالَ: أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئِلُوا عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ؟ فَقَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نسْأَل نبيئنا إِلَى أَنْ قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا جَاءُوا قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟ قَالَ. هَكَذَا وَهَكَذَا فِي مَرَّةٍ عَشَرَةً وَفِي مَرَّةٍ عَشَرَةً وَفِي مرّة تسع (بِإِشَارَةِ الْأَصَابِعِ) قَالُوا: نَعَمْ
إِلَخْ. وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يلجىء إِلَى اعْتِبَارِ هَذِهِ الْآيَةِ نَازِلَةً بِالْمَدِينَةِ كَمَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ لِأَنَّ الْمُرَاجَعَةَ بَيْنَ
الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ فِي أَخْبَارِ الْقُرْآنِ مَأْلُوفَةٌ مِنْ وَقْتِ كَوْنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْن الْعَرَبِيِّ فِي «الْعَارِضَةِ» : حَدِيثُ جَابِرٍ صَحِيحٌ وَالْآيَةُ الَّتِي فِيهَا عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: 30] مَكِّيَّةٌ بِإِجْمَاعٍ، فَكَيْفَ تَقُولُ الْيَهُودُ هَذَا وَيَدْعُوهُمُ النَّبِيءُ لِلْجَوَابِ وَذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ، لِأَنَّهُمْ لم يَكُونُوا قرأوا الْآيَةَ وَلَا كَانَتِ انْتَشَرَتْ عِنْدَهُمْ (أَيْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنَ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَلَقَّوْا هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ لِبُعْدِ عَهْدِ نُزُولِهَا بِمَكَّةَ وَكَانَ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ بِالْيَهُودِ وَيَسْأَلُهُمُ الْيَهُودُ هُمُ الْأَنْصَارُ.
قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يُعَيِّنُوا أَنَّ التِّسْعَةَ عَشَرَ هُمُ الْخَزَنَةُ دُونَ أَنْ يُعَيِّنَهُمُ اللَّهُ حَتَّى صَرَّحَ بِهِ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بَعْدَ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ نُزُولِهِ.
وَمَعْنَى وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ فِي جُمْلَةِ مَا يُؤْمِنُونَ بِهِ مِنَ الْغَيْبِ فَيَزْدَادُ فِي عُقُولِهِمْ جُزْئِيٌّ فِي جُزْئِيَّاتِ حَقِيقَةِ إِيمَانِهِمْ بِالْغَيْبِ، فَهِيَ زِيَادَةٌ كَمِّيَّةٌ لَا كَيْفِيَّةٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ وَالْجَزْمُ وَذَلِكَ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ، وَبِمِثْلِ هَذَا يَكُونُ تَأْوِيلُ كُلِّ مَا وَرَدَ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ مِنْ أَقْوَالِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ سَلَفِ الْأُمَّةِ.
وَقَوْلُهُ: وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ عَطْفٌ عَلَى لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، أَيْ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُمُ الرَّيْبُ فَلَا تَعْتَوِرُهُمْ شُبْهَةٌ مِنْ بَعْدِ عِلْمِهِ لِأَنَّهُ إِيقَانٌ عَنْ دَلِيلٍ. وَإِنْ كَانَ الْفَرِيقَانِ فِي الْعَمَلِ بِعِلْمِهِمْ مُتَفَاوِتَيْنِ، فَالْمُؤْمِنُونَ عَلِمُوا وَعَمِلُوا، وَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ عَلِمُوا وَعَانَدُوا فَكَانَ عِلْمُهُمْ حَجَّةً عَلَيْهِمْ وَحَسْرَةً فِي نُفُوسِهِمْ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهِ التَّمْهِيدُ لِذِكْرِ مُكَابَرَةِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرِينَ فِي
(29/316)

سُوءِ فَهْمِهِمْ لِهَذِهِ الْعِدَّةِ تَمْهِيدًا بِالتَّعْرِيضِ قَبْلَ التَّصْرِيحِ، لِأَنَّهُ إِذَا قِيلَ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ شَعَرَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ بِأَنَّهُمْ لَمَّا ارْتَابُوا فِي ذَلِكَ فَقَدْ كَانُوا دُونَ مَرْتَبَةِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لِأَنَّهُمْ لَا يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ أَرْجَحُ مِنْهُمْ عُقُولًا وَأَسَدُّ قَوْلًا، وَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، أَيْ لِيَقُولُوا هَذَا الْقَوْلَ إِعْرَابًا عَمَّا فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الطَّعْنِ فِي الْقُرْآنِ غَيْرَ عَالِمِينَ بِتَصْدِيقِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ.
وَاللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ مِثْلَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [الْقَصَص: 8] .
وَالْمَرَضُ فِي الْقُلُوبِ: هُوَ سُوءُ النِّيَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزَالُوا فِي تَرَدُّدٍ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمُوا وَأَنْ يَبْقَوْا عَلَى الشِّرْكِ مِثْلَ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الْمُنَافِقُونَ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ مَا ظَهَرُوا إِلَّا فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ.
وماذا أَرادَ اللَّهُ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ فَإِنَّ (مَا) اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَ (ذَا) أَصْلُهُ اسْمُ إِشَارَةٍ فَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ (مَا) أَوْ (مِنْ) الِاسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ أَفَادَ مَعْنَى الَّذِي، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: مَا الْأَمْرُ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ بِهَذَا الْكَلَامِ فِي حَالِ أَنَّهُ مَثَلٌ، وَالْمَعْنَى: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ هَذَا الْعَدَدَ الْمُمَثَّلِ بِهِ، وَقَدْ كُنِّيَ بِنَفْيِ إِرَادَةِ اللَّهِ الْعَدَدَ عَنْ إِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَالَ ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ الْعَدَدَ الْمُمَثَّلَ بِهِ فَكَنَّوْا بِنَفْيِ إِرَادَةِ اللَّهِ وَصْفَ هَذَا الْعَدَدِ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَدَدُ مُوَافِقًا لِلْوَاقِعِ لِأَنَّهُمْ يَنْفُونَ فَائِدَتَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا تَكْذِيبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَحْيًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى قَوْلِهِ: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: 30] .
ومَثَلًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ هَذَا، وَالْمَثَلُ: الْوَصْفُ، أَيْ بِهَذَا الْعَدَدِ وَهُوَ تِسْعَةَ عَشَرَ، أَيْ مَا الْفَائِدَةُ فِي هَذَا الْعَدَدِ دُونَ غَيْرِهِ مِثْلَ عِشْرِينَ.
وَالْمَثَلُ: وَصْفُ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ، أَيْ مَا وَصَفَهُ مِنْ عَدَدِ خَزَنَةِ النَّارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [مُحَمَّد: 15] الْآيَةَ.
(29/317)

وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [26] .
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ.
اسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْكَلَامُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ قَوْلِهِ: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَى قَوْلِهِ: مَثَلًا بِتَأْوِيلِ مَا تَضَمَّنَهُ الْكَلَامُ، بِالْمَذْكُورِ، أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّلَالِ الْحَاصِلِ لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَلِلْكَافِرِينَ، وَالْحَاصِلِ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بَعْدَ أَنِ اسْتَيْقَنُوا فَلَمْ يُؤْمِنُوا يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ أَنْ يُضِلَّهُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْهُدَى الَّذِي اهْتَدَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ يَهْدِي اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ.
وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا التَّشْبِيهِ تَقْرِيبُ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ وَهُوَ تَصَرُّفُ اللَّهِ تَعَالَى بِخَلْقِ أَسْبَابِ الْأَحْوَالِ الْعَارِضَةِ لِلْبَشَرِ، إِلَى الْمَعْنَى الْمَحْسُوسِ الْمَعْرُوفِ فِي وَاقِعَةِ الْحَالِ، تَعْلِيمًا
لِلْمُسْلِمِينَ وَتَنْبِيهًا لِلنَّظَرِ فِي تَحْصِيلِ مَا يَنْفَعُ نُفُوسَهُمْ.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ السَّبَبِيَّةُ فِي اهْتِدَاءِ مَنْ يَهْتَدِي وَضَلَالِ مَنْ يَضِلُّ، فِي أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا وَإِرَادَةً لِحِكْمَةٍ اقْتَضَاهَا عِلْمُهُ تَعَالَى فَتَفَاوَتَ النَّاسُ فِي مَدَى إِفْهَامِهِمْ فِيهِ بَيْنَ مُهْتَدٍ وَمُرْتَابٍ مُخْتَلِفِ الْمَرْتَبَةِ فِي رَيْبِهِ، ومكابر كَافِر وسيّىء فَهْمٍ كَافِر.
وَهَذِه كلمة عَظِيمَةٌ فِي اخْتِلَافِ تَلَقِّي الْعُقُولِ لِلْحَقَائِقِ وَانْتِفَاعِهِمْ بِهَا أَوْ ضِدِّهِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ قَرَائِحِهِمْ وَفُهُومِهِمْ وَتَرَاكِيبِ جِبِلَّاتِهِمُ الْمُتَسَلْسِلَةِ مِنْ صَوَابٍ إِلَى مِثْلِهِ، أَوْ مِنْ تَرَدُّدٍ وَاضْطِرَابٍ إِلَى مِثْلِهِ، أَوْ مِنْ حَنَقٍ وَعِنَادٍ إِلَى مِثْلِهِ، فَانْطَوَى التَّشْبِيهُ مِنْ قَوْلِهِ: كَذلِكَ عَلَى أَحْوَالٍ وَصُوَرٍ كَثِيرَةٍ تَظْهَرُ فِي الْخَارِجِ.
وَإِسْنَادُ الْإِضْلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُوجِدُ الْأَسْبَابِ الْأَصْلِيَّةِ فِي الْجِبِلَّاتِ، وَاقْتِبَاسُ الْأَهْوَاءِ وَارْتِبَاطُ أَحْوَالِ الْعَالَمِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَدَعْوَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصُّلَحَاءِ إِلَى الْخَيْرِ، وَمُقَاوَمَةُ أَيِمَّةِ الضَّلَالِ لِتِلْكَ الدَّعَوَاتِ. تِلْكَ الْأَسْبَابُ الَّتِي أَدَّتْ بِالضَّالِّينَ إِلَى ضَلَالِهِمْ وَبِالْمُهْتَدِينَ إِلَى هُدَاهُمْ. وَكُلٌّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ. فَمَا عَلَى الْأَنْفُسِ الْمُرِيدَةِ الْخَيْرَ وَالنَّجَاةَ إِلَّا التَّعَرُّضَ لِأَحَدِ الْمَهِيعَيْنِ بَعْدَ التَّجَرُّدِ وَالتَّدَبُّرِ لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [الْبَقَرَة: 286] .
(29/318)

وَمَشِيئَةُ اللَّهِ ذَلِكَ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِسُلُوكِ الْمُهْتَدِينَ وَالضَّالِّينَ.
وَمَحَلُّ كَذلِكَ نَصْبٌ بِالنِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ هُنَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ، وَالتَّقْدِيرُ: يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِضْلَالًا وَهَدْيًا كَذَلِكَ الْإِضْلَالُ وَالْهَدْيُ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [الْبَقَرَة: 143] .
وَقَدَّمَ وَصْفَ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَذَا التَّشْبِيهِ لِمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ مِنْ تَفْصِيلٍ عِنْدَ التَّدَبُّرِ فِيهِ، وَحَصَلَ مِنْ تَقْدِيمِهِ مُحَسِّنُ الْجَمْعِ ثُمَّ التَّقْسِيمُ إِذْ جَاءَ تَقْسِيمُهُ بِقَوْلِهِ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ.
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِإِبْطَالِ التَّخَرُّصَاتِ الَّتِي يَتَخَرَّصُهَا الضَّالُّونَ وَمَرْضَى الْقُلُوبِ عِنْدَ سَمَاعِ
الْأَخْبَارِ عَنْ عَالَمِ الْغَيْبِ وَأُمُورِ الْآخِرَةِ مِنْ نَحْو: مَا هَذَا بِهِ أَبُو جَهْلٍ فِي أَمْرِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ كَانَ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ حُكْمُ التَّذْيِيلِ.
وَالْجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ وَهُوَ اسْمٌ لِجَمَاعَةِ الْجَيْشِ وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِلْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِتَنْفِيذِ أَمْرِهِ لِمُشَابَهَتِهَا الْجُنُودَ فِي تَنْفِيذِ الْمُرَادِ.
وَإِضَافَةُ رَبٍّ إِلَى ضَمِيرِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ، وَتَعْرِيضٍ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ تِلْكَ الْجُنُودِ أَنَّ بَعْضَهَا يَكُونُ بِهِ نَصْرُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَنَفْيُ الْعِلْمِ هُنَا نَفْيٌ لِلْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ بِأَعْدَادِهَا وَصِفَاتِهَا وَخَصَائِصِهَا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِعَدَدِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ قَدْ حَصَلَ لِلنَّاسِ بِإِعْلَامٍ مِنَ اللَّهِ لَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ.
وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ.
فِيهِ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ أَعْلَاهَا أَنْ يَكُونَ هَذَا تَتِمَّةً لِقَوْلِهِ: وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ جَارِيًا عَلَى طَرِيقَةِ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، أَيْ أَنَّ النَّافِعَ لَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ الْخَبَرَ عَنْ خَزَنَةِ النَّارِ بِأَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَائِدَتُهُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرَى
(29/319)

لِلْبَشَرِ لِيَتَذَكَّرُوا دَارَ الْعِقَابِ بِتَوْصِيفِ بَعْضِ صِفَاتِهَا لِأَنَّ فِي ذِكْرِ الصِّفَةِ عَوْنًا عَلَى زِيَادَةِ اسْتِحْضَارِ الْمَوْصُوفِ، فَغَرَضُ الْقُرْآنِ الذِّكْرَى، وَقَدِ اتَّخَذَهُ الضَّالُّونَ وَمَرْضَى الْقُلُوبِ لَهْوًا وَسُخْرِيَةً وَمِرَاءً بِالسُّؤَالِ عَنْ جَعْلِهِمْ تِسْعَةَ عَشَرَ وَلِمَ يَكُونُوا عِشْرِينَ أَوْ مِئَاتٍ أَوْ آلَافًا.
وَضَمِيرُ هِيَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِلَى عِدَّتَهُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى الْكَلَامِ السَّابِقِ وَتَأْنِيثُ ضَمِيرِهِ لِتَأْوِيلِهِ بِالْقِصَّةِ أَوِ الصِّفَةِ أَوِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ.
وَالْمَعْنَى: نَظِيرُ الْمَعْنَى عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى سَقَرَ [المدثر: 26] وَإِنَّمَا تَكُونُ ذِكْرى بِاعْتِبَارِ الْوَعِيدِ بِهَا وَذِكْرِ أَهْوَالِهَا.
وَالْقَصْرُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مُضَافٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ تَقْدِيرُهُ: وَمَا ذِكْرُهَا أَوْ وَصْفُهَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ هِيَ إِلَى جُنُودَ رَبِّكَ وَالْمَعْنَى الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ التَّقْدِيرُ، أَيْ وَمَا ذِكْرُهَا أَوْ عِدَّةُ بَعْضِهَا.
وَجَوَّزَ الزَّجَّاجُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى نَارِ الدُّنْيَا، أَيْ أَنَّهَا تذكر للنَّاس بِنَارِ الْآخِرَةِ، يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً [الْوَاقِعَة: 71- 73] . وَفِيهِ مُحَسِّنُ الِاسْتِخْدَامِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى: وَمَا عِدَّتُهُمْ إِلَّا ذِكْرَى لِلنَّاسِ لِيَعْلَمُوا غِنَى اللَّهِ عَنِ الْأَعْوَانِ وَالْجُنْدِ فَلَا يَظَلُّوا فِي اسْتِقْلَالِ تِسْعَةَ عَشَرَ تُجَاهَ كَثْرَةِ أَهْلِ النَّارِ.
وَإِنَّمَا حَمَلَتِ الْآيَةُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ بِحُسْنِ مَوْقِعِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَهَذَا مِنْ بَلَاغَةِ نَظْمِ الْقُرْآنِ. وَلَوْ وَقَعَتْ إِثْرَ قَوْلِهِ: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ [المدثر: 29] لَتَمَحَّضَ ضَمِيرُ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعَوْدِ إِلَى سَقَرَ، وَهَذَا مِنَ الْإِعْجَازِ بِمَوَاقِعِ جُمَلِ الْقُرْآنِ كَمَا فِي الْمُقَدِّمَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ.
وَبَيْنَ لَفْظِ الْبَشَرِ الْمَذْكُورِ هُنَا وَلَفْظِ الْبَشَرِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ التَّجْنِيسُ التَّامُّ
(29/320)

كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)
[32- 37]

[سُورَة المدثر (74) : الْآيَات 32 الى 37]
كَلاَّ وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (34) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36)
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)
كَلَّا.
كَلَّا حَرْفُ رَدْعٍ وَإِبْطَالٍ. وَالْغَالِبُ أَنْ يَقَعَ بَعْدَ كَلَامٍ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَسَامِعٍ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشُّعَرَاء: 61، 62] فَيُفِيدُ الرَّدْعَ عَمَّا تَضَمَّنَهُ الْكَلَامُ الْمَحْكِيُّ قَبْلَهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [79] ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْكَلَامِ إِذَا أُرِيدَ التَّعْجِيلُ بِالرَّدْعِ وَالتَّشْوِيقُ إِلَى سَمَاعِ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ هُنَا مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ إِبْطَالًا لِمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا، فَيَكُونُ مَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضًا وَيَكُونُ قَوْلُهُ وَالْقَمَرِ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ فَيَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى كَلَّا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَرْفَ إِبْطَالٍ مُقَدَّمًا عَلَى الْكَلَامِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيراً لِلْبَشَرِ تَقْدِيمَ اهْتِمَامٍ لِإِبْطَالِ مَا يَجِيءُ بَعْدَهُ مِنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِ: نَذِيراً لِلْبَشَرِ، أَيْ مِنْ حَقِّهِمْ أَنْ يَنْتَذِرُوا بِهَا فَلَمْ يَنْتَذِرْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى نَحْوِ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى [الْفجْر: 23] فَيَحَسُنُ أَنْ تُوصَلَ فِي الْقِرَاءَةِ بِمَا بعْدهَا.
أدبر وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (34) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ
شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) .
الْوَاوُ الْمُفْتَتَحُ بِهَا هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَاوُ الْقَسَمِ، وَهَذَا الْقَسَمُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِمَا قَبْلَهُ مُؤَكِّدًا لِمَا أَفَادَتْهُ كَلَّا مِنَ الْإِنْكَارِ وَالْإِبْطَالِ لِمَقَالَتِهِمْ فِي شَأْنِ عِدَّةِ خَزَنَةِ النَّارِ، فَتَكُونَ جُمْلَةُ إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ تَعْلِيلًا لِلْإِنْكَارِ الَّذِي أَفَادَتْهُ كَلَّا وَيَكُونَ ضَمِيرُ إِنَّها عَائِدًا إِلَى سَقَرَ [المدثر: 26] ، أَيْ هِيَ جَدِيرَةٌ بِأَنْ يُتَذَكَّرَ بِهَا فَلِذَلِكَ كَانَ مَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ بِهَا حَقِيقًا بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ وَرَدْعِهِ.
وَجُمْلَةُ الْقَسَمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَةِ وَتَعْلِيلِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَسَمُ صَدْرًا لِلْكَلَامِ الَّذِي بَعْدَهُ وَجُمْلَةُ إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ جَوَابُ الْقَسَمِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى سَقَرَ، أَيْ أَنَّ سَقَرَ لَأَعْظَمُ الْأَهْوَالِ، فَلَا تَجْزِي فِي مَعَادِ ضَمِيرِ إِنَّها جَمِيعُ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي جَرَتْ فِي ضَمِيرِ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى [المدثر: 31] .
(29/321)

وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَيْمَانٍ لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ فَإِنَّ التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ إِذَا أُكِّدَ بِالتَّكْرَارِ يُكَرَّرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَالِبًا، أَقْسَمَ بِمَخْلُوقٍ عَظِيمٍ، وَبِحَالَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنْ آثَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
ومناسبة الْقسم ب الْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ تَظْهَرُ بِهَا أَنْوَارٌ فِي خِلَالِ الظَّلَامِ فَنَاسَبَتْ حَالَيِ الْهُدَى وَالضَّلَالِ مِنْ قَوْلِهِ: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [المدثر: 31] وَمن قَوْلِهِ: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ [المدثر: 31] فَفِي هَذَا الْقَسَمِ تَلْوِيحٌ إِلَى تَمْثِيلِ حَالِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ النَّاسِ عِنْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِحَالِ اخْتِرَاقِ النُّورِ فِي الظُّلْمَةِ.
وَإِدْبَارُ اللَّيْلِ: اقْتِرَابُ تَقَضِّيهِ عِنْدَ الْفَجْرِ، وَإِسْفَارُ الصُّبْحِ: ابْتِدَاءُ ظُهُورِ ضَوْءِ الْفَجْرِ.
وَكُلٌّ مِنْ إِذْ وإِذا وَاقِعَانِ اسْمَيْ زَمَانٍ مُنْتَصِبَانِ عَلَى الْحَالِ مِنَ اللَّيْلِ وَمِنَ الصُّبْحِ، أَيْ أُقْسِمُ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ الدَّالَّةِ عَلَى النِّظَامِ الْمُحْكَمِ الْمُتَشَابِهِ لِمَحْوِ اللَّهِ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ بِنُورِ الْإِسْلَامِ قَالَ تَعَالَى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّ