Advertisement

__خواطرُ قرآنيّة_

 خواطرُ قرآنية
نظراتٌ في أهداف سور القرآن


يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأي وسيلة تصويرية أو الكترونية أو ميكانيكية بما فيه التسجيل الفوتوغرافي. والتسجيل على أشرطة أو اقراص قرائية أو أي وسيلة نشر أخرى أو حفظ المعلومات، واسترجاعها دون إذن خطي من الناشر



إهداء
الإهداء
إلى رسولنا الحبيب محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي علّمنا أن عزتنا وقوتنا في تمسكنا بكتاب الله تعالى، فقال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين..
إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت، الذي جمع القرآن، واؤتمن على أعظم مهمة في التاريخ وهو في ريعان الشباب…
إلى شباب الإسلام، أحفاد الصحابة الكرام، الذين كان ينادى بهم في المعارك عند اشتداد الأزمات: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال
إلى أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته،
أهديكم خواطر قرآنية
نظرات في أهداف سور القرآن

عمرو خالد




لمسة وفـاء
إلى العلماء الأجلاء والسادة الأفاضل والجنود
المجهولين الذين شاركوا في تحضير هذه المادة القرآنية،
ولم يبخلوا بعلم ولا جهد ولا وقت، فجزاهم الله عني وعن
أمة القرآن خير الجزاء

عمرو خالد








خواطر قرآنية


اسم السورة هدفها الصفحة

سورة الفاتحة: حاوية أهداف القرآن 15
سورة البقرة: أنت مسؤول عن الأرض 24
سورة آل عمران: الثبات على المنهج 45
سورة النساء: العدل والرحمة خاصة مع الضعفاء 65
سورة المائدة: أوفوا بالعقود 80
سورة الأنعام: توحيد الله تعالى في الاعتقاد والتطبيق 98
سورة الأعراف: احسم موقفك في الصراع بين الحق والباطل 111
سورة الأنفال: قوانين النصر مادية وربانية 125
سورة التوبة: التوبة 137
سورة يونس: الإيمان بالقضاء والقدر 148
سورة هود: التوازن في الثبات على الحق دون ركون أو تهور 159
سورة يوسف: ثق بتدبير الله، واصبر ولا تيأس 171
سورة الرعد: قوة الحق وضعف الباطل 177
سورة إبراهيم: نعمة الإيمان ونقمة الكفر 184
سورة الحجر: حفظ الله لدينه 190
سورة النحل: نعم الله تعالى 196
سورة الإسراء: استشعر قيمة القرآن 208
سورة الكهف: العصمة من الفتن 218
سورة مريم: توريث الدين للأبناء 230
سورة طه: الاسلام منهج السعادة 237
سورة الأنبياء: دور الأنبياء في تذكرة البشرية 243
سورة الحج: دور الحج في بناء الأمة 247
المؤمنون: صفات المؤمنين 251
سورة النور: شرع الله نور المجتمع 255
سورة الفرقان: التحذير من سوء عاقبة المكذبين 268
سورة الشعراء: دور الإعلام في توصيل رسالة الاسلام 274

اسم السورة هدفها الصفحة

سورة النمل: أهمية التفوق الحضاري 279
سورة القصص: الثقة بوعد الله 290
سورة العنكبوت: احذر من الفتن 300
سورة الروم: آيات الله ظاهرة وواضحة، فكيف لا تؤمنون 305
سورة لقمان: تربية الأبناء 309
سورة السجدة: الخضوع لله تعالى 315
سور الاستسلام لله 317
- سورة الأحزاب: الاستسلام لله في المواقف الحرجة
- سورة سبأ: : الاستسلام لله سبيل بقاء الحضارات
- سورة فاطر: الاستسلام لله سبيل العزة
- سورة يس: الاستسلام لله بالاصرار على الدعوة حتى لو يئست من النتيجة
- سورة الصافات: الاستسلام لله وإن لم تفهم الحكمة من أوامره
- سورة ص: الاستسلام لله بالعودة إلى الحق دون عناد
سورة الزمر: الاخلاص لله تعالى 334
سورة غافر: أهمية الدعوة إلى الله وتفويض الأمر إليه 340
واجبات ومحاذير للأمة المسؤولة عن الأرض 346
- سورة فصلت: حسن الاستقبال لأوامر الله تعالى
- سورة الشورى: التحذير من الفرقة، والأمر بالشورى
- سورة الزخرف: التحذير من الانبهار بالمظاهر المادية
- سورة الدخان: التحذير من الانبهار بالسلطة والتمكين
- سورة الجاثية: التحذير من التكبر والتعالي
- سورة الأحقاف: نماذج لمن أجاب ولمن رفض أوامر الله
سور محمد: طاعة النبي صلى الله عليه وسلم مقياس قبول الأعمال 361
سور الفتح: سورة الفتوحات والتجليات الربانية 361
سورة الحجرات: أدب العلاقات 361
سور الاختيار 373
- سورة ق: الاختيار بين الهدى والضلال
- سورة الذاريات: العطاء والمنع بيد الله ففروا إلى الله
- سورة الطور: الاختيار بين طريق الجنة وطريق النار
- سورة النجم: اختر مصدر معلوماتك
- سورة القمر: التعرف على الله تعالى من خلال نقمه
اسم السورة هدفها الصفحة

- سورة القمر: التعرف على الله تعالى من خلال نعمه
- سورة الواقعة: وكنتم أزواجاً ثلاثة
- سورة الحديد: التوازن بين المادية والروحانية
سور الانتماء للإسلام 393
- سورة المجادلة: التبرؤ من المناهج الأخرى والاتصال بالاسلام
- سورة الحشر: مواقف مختلفة من الانتماء لدين الله
- سورة الممتحنة: امتحانات الانتماء
- سورة الصف: أهمية وحدة الصف
- سورة الجمعة: دور صلاة الجمعة في الانتماء
- سورة المنافقون: خطر النفاق
- سورة التغابن: مشاغل اجتماعية تضيع الانتماء
- سورة الطلاق: لا للخلاف
- سورة التحريم: دور المرأة في تحقيق الانتماء لدين الله
سور الجزء التاسع والعشرين: الدعوة إلى الله 414
سور الجزء الثلاثين: ختام المنهج الرباني 425











مقدمة


الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً،
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
هذا الكتاب ليس كتاب تفسير، ولا يهدف إلى تفسير آيات القرآن بالتفصيل، ومن أراد ذلك فليرجع إلى أمهات الكتب في التفسير، كتفسير الطبري وابن كثير وغيرها من كتب التفاسير التي تمتلئ بها مكتبتنا الاسلامية... لكن فكرة هذا الكتاب مختلفة، وهدفه مختلف.
فكرة هذا الكتاب تراودني منذ عشر سنوات، تحديداً رمضان من كل عام... حيث يقبل المسلمون في كل العالم الإسلامي على قراءة القرآن وختمه في شهر رمضان المبارك. لكنني كنت أحزن كثيراً عندما أجد هذه الرغبة الصادقة لقراءة القرآن دون أن يرتبط بها فهم واضح لأهداف هذه السورة، ولماذا نزلت، وما هي الرسالة التي توجّهها لنا هذه السورة. وبالتالي كنت أجد الناس يقرأون القرآن ويستشعرون في قرارة أنفسهم أن معاني القرآن غريبة عنهم، بل قد ينظر لها البعض على أنها طلاسم غير مفهومة، يجب علينا قراءتها دون إدراك مغزاها وأهدافها. وقد يفهم البعض معاني كلمات الآيات، ولكنه يشعر أن آيات كل سورة متناثرة، ليس لها أية علاقة تربطها ببعضها، وأنه لا يوجد هدف واحد للسورة تنتظم فيه جميع آياتها. ومن هنا بدأت الفكرة: أن نقوم بعمل متواضع في سبيل كسر الحواجز بين شباب الأمة وبين كتاب الله.
هذا الكتاب يؤكد لقارئ القرآن أن الترابط بين آيات كل سورة ترابط وثيق، و أن كل سورة لها موضوع واحد وأهداف محددة، وأن آيات السورة قد

تبدو لأول وهلة متناثرة غير مترابطة؛ لكنك إن أمعنت النظر، وعرفت هدف السورة وموضوعها، عرفت أن آيات السورة متصلة اتصالاً عجيباً، يوصلك بقوة لإدراك هدف السورة، مما يزيدك حباً لكتاب الله وإيماناً بأنه تنزيل من حكيم خبير (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ?لله لَوَجَدُواْ فِيهِ ?خْتِلَـ?فاً كَثِيراً( وبذلك نرى أن كل سورة من سور القرآن هي عبارة عن وحدة متكاملة، تحقق هدفاً واضحاً، وكل آية تخدم هذا الهدف من طريق واحد أو من عدة طرق. وحتى اسم السورة له علاقة بهذا الهدف ( ومن هنا نفهم سبب تسمية سور القرآن، كالبقرة وآل عمران ويونس والنمل...) وليس هذا فحسب، بل أن كل سورة لها علاقة قوية بما قبلها وما بعدها من السور، لأن ترتيب سور القرآن هو أيضاً وحي من عند الله، وبذلك نستخلص أن سور القرآن كلها عبارة عن سلسلة واحدة مترابطة، بحيث انك لو فهمت هدف أو اهداف السور القرآنية، ستجد أنك قد فهمت مراد ربنا من هذه السور وماذا يريد منك الله في هذا الكتاب، حتى لو لم تفهم معنى كل آية وكل كلمة على حدى، لأنك إذا فهمت الأهداف الكلية للسور فتكون قد فهمت القرآن كله، وبذلك يكون هذا الكتاب مفيداً للعامة والبسطاء، ليعطيهم المبادئ الأساسية لفهم القرآن، كما يكون في نفس الوقت موجّهاً لحفظة القرآن والمهتمين بعلم التفسير، كمحاولة متواضعة مني لعرض المحاور والموضوعات الأساسية لسور القرآن، وبهذا سيكون منهجنا في عرض الخواطر القرآنية على الشكل التالي:
- تحديد هدف السورة
- عرض الآيات المؤكدة لهذا الهدف
- بيان علاقة اسم السورة بهدفها
- اظهار علاقة السورة بما قبلها وما بعدها
- اختيار بعض الآيات للتعليق عليها
ولا بد من التأكيد على أن هذا الكتاب ليس تفسيراً، فكل ما فيه هو اجتهاد ومحاولة لمساعدة الشباب نحو المزيد من الفهم والتدبر لآيات القرآن وترابط سوره. وليس لأحد الكلمة الأخيرة في القرآن. وإن الوصول إلى الموضوع والمحور الأساسي للسورة القرآنية ليس بالأمر السهل، لبلاغة كلام الله وعمق ودقة وتجدد معانيه من جهة، ولإمكانياتي المحدودة والقاصرة من جهة أخرى... فهو اجتهاد مني ومن فريق العمل والبحث الذي قام مشكوراً بإعداد هذه المادة، فما أصبنا وأحسنا، فمن الله، وما أخطأنا وزللنا، فمن أنفسنا.. وهنا يحضرني قول العماد الأصفهاني: إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً من يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل
على استيلاء النقص عند البشر بعد هذه المقدمة المختصرة، أدعوك أخي الكريم إلى أن تفتح مصحفك معنا، وتشاركنا جلساتنا القرآنية الهادفة مع
هذا الكتاب..






سورة الفاتحة
سورة الفاتحة
سورة الفاتحة (مكية)، وعدد آياتها سبع آيات، وهي خامس سورة من حيث التنزيل...
ما هو سر سورة الفاتحة؟ لماذا افتتح بها المصحف؟ ما سر تسميتها بأم الكتاب، وأم القرآن..؟ لماذا نقرأها في اليوم والليلة سبع عشرة مرة على الأقل؟ لماذا لا تصح الصلاة الا بقراءتها؟
أهميتها
وأكثر من ذلك كله، يقول النبي ( لأحد الصحابة «لأعلمنّك أعظم سورة في القرآن» فقال ما هي يا رسول الله؟ فقرأ عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله رب العالمين... الرحمن الرحيم... إلى آخر السورة».حين بيّن الله تعالى في سورة الحجر عظمة القرآن قال تعالى: (وَلَقَدْ ءاتَيْنَـ?كَ سَبْعًا مّنَ ?لْمَثَانِي وَ?لْقُرْءانَ ?لْعَظِيمَ( والسبع المثاني هي الفاتحة، وقد سميت بالمثاني لكثرة تكرارها...
يقول النبي (: «والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا الفرقان مثلها إنها السبع المثاني» رواه الإمام أحمد.
أسماؤها
ولفضلها وشرفها، سميت هذه السورة بأسماء كثيرة، فهي أم القرآن، والسبع المثاني، والوافية والكافية، لكفايتها عن غيرها وحاجة غيرها اليها واكتفاؤه منها. فهي تفيض على المؤمن نوراً يضيء حياته، وخيراً الهياً يغلق عنه أبواب الفتن ويفتح له أبواب الرحمات.
أي سر؟ وأي عظمة لهذه السورة التي يقرأها الكثير من المسلمون من دون أن يفقهوا هذه المعاني وهذه الرسائل؟
حاوية أهداف القرآن
إنَّ سر الفاتحة يكمن في اشتمالها على جميع معاني القرآن، فكل معنى في القرآن تجده في الفاتحة، وكل أهداف القرآن جمعت في هذه الآيات السبع.
كيف هذا؟ تعال معي لنعيش لحظات رائعة مع أول سورة في القرآن:
محاور القرآن
يدور حديث كتاب الله حول ثلاثة معان يطلبها من المؤمنين به والقارئين له:
1. عقائد (فيمن نعتقد)
2. عبادات (كيف نعبد من نعتقد فيه)
3. مناهج الحياة (المنهج الذي أراده الله تعالى لنا)
فالقرآن يدعو أولاً للعقيدة الصحيحة، أي أن تؤمن بالله تعالى إيماناً صحيحاً على أسس سليمة. وهو ثانياً يدعو للعبادة الصحيحة وإقامة الشعائر، ولكن العبادة ليست كافية لوحدها لأنَّ الإسلام منهج حياة شامل ومتكامل.
وسورة الفاتحة قد اشتملت على هذه الأهداف الثلاثة، ففي محور العقيدة تقرأ قوله تعالى: (?لْحَمْدُ لله رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ ( ?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ(. فالتوحيد والايمان باليوم الآخر هما أساس عقيدة المسلم. وفي محور العبادة تقرأ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(. وفي منهج حياة المسلم تقرأ: (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ ( صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ?لضَّالّينَ(.
والقرآن كله بعد سورة الفاتحة إما أن يكون مبيّناً للعقائد، مفسّراً معنى الحمد لله رب العالمين ومعنى الرحمن الرحيم ومعنى مالك يوم الدين.. أو مبيّناً كيف نعبد الله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(. أو يخبر عن المناهج في الأرض وطرق الظالمين والهالكين وطرق الناجين، فنجد آيات كثيرة تشرح معنى (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيم(.
أساسيات الإسلام
وتذكرنا سورة الفاتحة بأساسيات الدين ومعانيه العظيمة:
1. نِعم الله تبارك وتعالى (?لْحَمْدُ لله رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ(.
2. الإخلاص بكلمة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ(. أي نفردك وحدك يا ربنا بالعبادة، فلا نعبد إلا أنت، ولا نستعين بأحد إلا أنت (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(.
3. طلب الصحبة الصالحة (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ ( صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ(.
4. التحذير من أصحاب السوء (غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ?لضَّالّينَ(.
5. أسماء الله الحسنى، مع التركيز على أسماء الله (?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ(. فأصل علاقة ربنا بالبشر هي الرحمة ولذلك ورد قوله الرحمن الرحيم مرتين.
6. الإستقامة (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ(.
7. الآخرة والاستعداد لها (مَـ?لِكِ يَوْمِ ?لدّينِ(، و(?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ(.
8. أهمية الدعاء وأدب الدعاء، فالسورة قد اختتمت بالدعاء.
9. أمتنا أمة واحدة.. ولذلك فإنَّك تجد بأنّ كل ألفاظ المخاطبة والدعاء في سورة الفاتحة جاءت بصيغة الجمع فحتى لو كان المرء يصلي وحيداً في غرفته لا تصح صلاته بأن يقول "اياك اعبد واياك استعين" أو "اهدني الصراط المستقيم"، فلا بد ان يقول (?هْدِنَا( و(إِيَّاكَ نَعْبُدُ( (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(، وكلها بصيغة الجمع، حتى يعرف المرء انه ضمن أمة واحدة وأنه ليس وحيدا في هذا الكون.
الأدب مع الله
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن السورة تعلّم العبد الأدب مع ربه، فهي مقسّمة إلى نصفين، النصف الأول ثناء على الله والنصف الثاني دعاء اليه. فالثناء على الله يتجلى في الآيات: (?لْحَمْدُ لله رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ ( ?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ ( مَـ?لِكِ يَوْمِ ?لدّينِ ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(. وبعد ذلك الدعاء: (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ ( صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ?لضَّالّينَ(.
واللطيف أن عدد أحرف الثناء في النصف الأول مساوية تماماً لعدد أحرف الدعاء في النصف الثاني.
فالسورة تعلّم المرء كيف يتعامل مع الله، فإن أراد الدعاء فيستحّب له أن يثني على الله أولاً (فيبدأ بحمد الله تعالى وتمجيده ثم الصلاة على رسوله ()، وبعد ذلك يدعو بما يشاء فإنَّ دعاءه يستجاب بإذن الله.
الحوار مع الله
إن تلاوة سورة الفاتحة تفتح لك أعظم أبواب الشرف وهو الحوار مع الله تبارك وتعالى. ولهذا جاء في الحديث القدسي: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله حمدني عبدي، فإذا قال العبد الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي، فإذا قال العبد مالك يوم الدين قال الله مجَّدني عبدي، فإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل".
فتستشعر أنك كلما تقرأ سورة الفاتحة فإنّ الله تعالى يجيبك. أي شرف هذا في حوار يكرر رب العزة ذكرك فيه بالعبودية ويكافئك بالاجابة مع أنك لم تأت بجديد ولم تتفضل بشيء من عندك، فهو سبحانه أهل الثناء كما تقول وخيراً مما تقول.
حساسية عمر
لذلك كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يقرأ الفاتحة آية آية ويسكت بين الآية والأخرى، وحين سئل عن سبب سكوته قال: "لأستمتع برد ربي".
فلو أن قلب المرء استشعر بأن ربه يرد عليه حين يقرأ كل آية من سورة الفاتحة لطار من كثرة الفرح...
جوامع خير الدهر
هل أحسست معي بأهمية السورة؟ لكل ما ذكر يقول ابن القيم: ان الله تعالى قد أنزل (104) كتب، جمع معانيها في ثلاثة كتب: التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن، وجمع معاني القرآن في الفاتحة، وجمع معاني الفاتحة في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(.
وهذه الآية مقسومة إلى قسمين، كلاهما ضروري في الإسلام: عبادة الله تعالى أي ممارسة الشعائر (إِيَّاكَ نَعْبُدُ(، والإستعانة بما خلق الله في هذه الأرض وتسخيرها للنجاح في الحياة ولإدارة الأرض وفق منهج الله (كما سنرى في سورة البقرة). ولأن الصحابة فهموا هذه الآية جيداً وطبّقوها - بمحوريها - في حياتهم، قادوا الأرض ونجحوا في الدنيا والآخرة.
وإننا نرى في عصرنا الحاضر، بعض المسلمين يطبّقون (إِيَّاكَ نَعْبُدُ( فيقتصر فهمهم للإسلام على التدين فقط، وللأسف نرى الغرب يطبق (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ( فيسخّر ما في الأرض لإدارتها وعمارتها. لكن الإسلام يأمر بالتوازن بين الأمرين، وهذا ما تبيّنه سورة الفاتحة بوضوح.
مفتاح القرآن
فلماذا سميت بالفاتحة؟ هناك معنيان للإسم، أحدهما قريب، وهو لأنه افتتح بها المصحف، ولكن المعنى البعيد هو أنها سميت بذلك لأنها مفتاح القرآن (أي لمعانيه)، فبها تفتتح كل سورة من سوره. فكل كنوز القرآن فيها، ولو فهم المرء الفاتحة فسيفهم كل سور القرآن التي بعدها.
ومن روعة السورة أنَّ كل سور القرآن متسلسلة في معانيها وأهدافها ورسائلها، فهي مرتبطة بما قبلها ولا يصح أن تربط الا بالسورة التي جاءت قبلها بترتيب المصحف الا سورة الفاتحة، فلو جاءت قبل أية سورة لوجدت المعنى متصلاً بل متكاملاً أيضاً. لذلك فإننا نبدأ صلاتنا بالفاتحة ثم نقرأ أي سورة بعدها ويبقى المعنى متصلاً مهما كانت السورة.
سورتان لكلمتين
ينبغي أن نلاحظ علاقة الفاتحة بالسور التي جاءت بعدها وفق ترتيب المصحف وهي البقرة وآل عمران. فلقد جاء في سورة الفاتحة (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ(.
وفي بداية سورة البقرة (ذ?لِكَ ?لْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ(. وذلك إشارة إلى أن قوله تعالى (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ( سيشرح في سورة البقرة..
كيف هذا؟ اقرأ قول الله تعالى (غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ?لضَّالّينَ(.
فالمغضوب عليهم والضالين، صفات لأناس استحقوا غضب الله، أو ضلوا عن صراط الله، فسورة البقرة تشرح (غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ( وسورة آل عمران تشرح (?لضَّالّينَ(. سورة كاملة عدد آياتها 268 آية تشرح كلمة في الفاتحة (غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ( وسورة كاملة وهي آل عمران تشرح (وَلاَ ?لضَّالّينَ(.
ترابط رائع في الأهداف والمواضيع سنحس به ونعيش معه أكثر عندما نتناول السورتين بالتفصيل.
رحمة للعالمين
نلاحظ أن كلمة (?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ( قد تكررت مرتين في السورة (بِسْمِ الله ?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ( وقوله تعالى (?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ(. وهذا يشعرنا برحمة ربنا التي شملت الدنيا والآخرة..
فلفظ الرحمن الرحيم الأول جاء بعد (?لْحَمْدُ لله رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ(، فالعالمين والدنيا كلها تسير برحمة ربنا، و(?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ( جاء بعدها (مَـ?لِكِ يَوْمِ ?لدّينِ( للإشارة أن اليوم الآخر أيضاً يسير برحمة الله.
فهذه السورة تطمئن المرء بأن الأصل في الكون هو رحمة الله، وأن أصل علاقة الله بعباده هي الرحمة.
العالمين... الناس
ولفظة (?لْعَـ?لَمِينَ( تدل على معنى لطيف، فالفاتحة - وهي أول سور القرآن - قد ابتدأت بـ (?لْحَمْدُ لله رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ(، بينما آخر سورة في القرآن (سورة الناس) قد انتهت بقوله تعالى (مِنَ ?لْجِنَّةِ وَ?لنَّاسِ(.
فالمصحف ابتدأ بكلمة العالمين وختم بكلمة الناس، وكأن المعنى أن هذا القرآن ليس للمسلمين فقط بل إن هذا القرآن هو لهداية البشرية كلها.
غنيمة سهلة
ولسورة الفاتحة خصوصية تميزها، وهي أنها خالية من كل أحكام التجويد الصعبة وذلك لكي تيسر للقراءة للجميع حتى لمن لا يتحدث بالعربية.
فالفاتحة هي جواز سفر المرء لفهم القرآن والبطاقة الشخصية للدخول إلى مناجاة الله والأنس برحابه. فكيف نخشع في صلاتنا ونستشعر كل ما سبق من المعاني؟
ميزان الخشوع
يقول النبي (: (ليس للعبد من صلاته الا ما عقل منها)، فهل ترضى أن تغادر صلاتك وقد كتب لك نصفها أو ربعها أو ثمنها؟ تعال معي إذاً لنقرأ سورة الفاتحة سوياً ونتدبر في آياتها ومعانيها.
لو أردت يوماً أن تصلي وشعرت بعدم الخشوع، فاعلم أن هناك نعمة لم تتذكرها، ولو عرفت كيف تقول (?لْحَمْدُ لله( جيداً لكان تذكر كل نعمة من نعم الله يجعلك تخشع في صلاتك. اجعل لكل ركعة من الركعات نعمة تتفكر بها وتشكر ربك عليها، من نعمة الإسلام والايمان، إلى نعمة القرآن، إلى ارسال النبي (، إلى المال والصحة، إلى نعمة النظر والسمع... (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?لله لاَ تُحْصُوهَا(.
وحين تقرأ (?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ( تتذكر رحمة الله بعباده، والتي شملت الدنيا والآخرة، فتطلب منه الرحمة وتخشع بصلاتك.
وحين تقرأ (مَـ?لِكِ يَوْمِ ?لدّينِ( تتذكر يوم القيامة وأهواله، وتطلب من ربنا أن يخفف عنك تعب ذلك اليوم، فتخشع في صلاتك.
وكلما تقرأ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(، تشعر عند كلمة (إِيَّاكَ( أن الاخلاص يتجدد في قلبك كل يوم، أنه لا معبود الا الله ولا معين الا الله، فتخشع في صلاتك.
إن هذه الآية قد جمعت معاني كل كتب الله المنزلة - كما أسلفنا - فلا تمر عليها مرور الكرام بل اجعلها عنوان حياتك وجدد معانيها في قلبك كلما تقرأها
وحين تقرأ (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ( تشعر أنه ليس لك من يهديك إلى صراط الدنيا ويثبتك عليه الا الله، وليس لك من يهديك إلى صراط الآخرة ويثبت قدمك عليه لتجتازه الا الله، فيزيد قربك منه ورجاؤك لرحمته وخوفك من عذابه فتخشع في صلاتك.
قف بجوارهم
وكلما تقرأ (صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ(، تذكر من أنعم الله عليهم من قبلك، فمثلاً تذكر في الركعة الأولى سيدنا إبراهيم عليه السلام وآدم ونوح وخاتم النبيين محمد (، وادع الله تعالى أن يهديك إلى طريقهم. واجعل الركعة الثانية لرجال عظام كأبي بكر وعمر وباقي الصحابة رضوان الله عليهم، وتذكّر في الركعة الثالثة صلاح الدين وغيره من أبطال الإسلام، وفي الركعة الرابعة تفكر بالمؤمنين الذين يعيشون معك وصحبتك الصالحة وادع الله تعالى أن يثبّتك عليها. وفي هذا تكون (صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ( أمام عينيك. أما حين تقرأ (غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ?لضَّالّينَ(، فتذكرك بأعداء الإسلام والكفار عبر الأزمان، الذين حادوا عن هذا الصراط فضلّوا وغضب الله عليهم.
هذا الكم الهائل من المعاني المتجددة في ختام السورة يطبع في ذهن قارئ القرآن آلاف الصور عن القدوات الصالحة، الماضية والمعاصرة، وآلاف الصور عن القدوات السيئة، مما يعطيه خشوعاً رائعاً وزيادة في القرب من الله والتزام شرعه، صلاة بعد صلاة، وبذلك تصبح صلاتنا حية.
مفتاح فهم القرآن
هذه هي سورة الفاتحة، بطاقتك الشخصية أيها المسلم، وجواز سفرك لفهم القرآن.
فبعد أن تأملنا بعض جوانب عظمة هذه السورة، وفهمنا مفتاح الدخول إلى معاني القرآن، تعال معنا إلى كتاب الله تعالى، لنعيش مع آياته وأحكامه ونتعلم من ترابط آياته وسوره.


سورة البقرة
سورة البقرة
تعريف بالسورة
سورة البقرة (مدنية) وهي أول ما نزل بالمدينة بعد الهجرة وبقيت تنزل على مدى المرحلة المدنية كلها تقريباً أي أنّها رافقت تكوين المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية من بدايتهما.هي أطول سورة في القرآن وعدد آياتها 286.
كيف تخاف وهي معك؟
ورد في فضل سورة البقرة حديثان: الحديث الأول رواه الإمام مسلم: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» تأملوا أيها الأحبة كيف أنّ سورتي البقرة وآل عمران تحاجان - أي تدافعان - عن صاحبهما (الذي حفظهما وعمل بهما وكان يقرأهما كثيراً).
وفي رواية «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو ظلّتان»... إنّ حرَّ يوم القيامة شديد، تدنو فيه الشمس من رؤوس الخلائق، فتأتي سورة البقرة على من حفظها أو عمل بها أو كان كثير القراءة لها لتظلل عليه... فتأمل قيمة سورة البقرة!..
الحديث الثاني: رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في سورة البقرة يقول «البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان». وفي رواية «..لا يدخله الشيطان ثلاثة أيام». وبالتالي فإنَّ الكثير من الناس يحرصون على قراءة سورة البقرة في البيت لمنع الشيطان من دخوله.

أين أصحاب البقرة؟
وأكثر من ذلك، فإنَّ النبيّ ( كان ينادي حين تشتدّ المعركة على المسلمين ويقول أين أصحاب البقرة؟ وكأنَّ أصحاب البقرة أناس مخصوصون وحين يسمعون النداء يهبّون مباشرة لتلبية النداء...
ونحن الآن ننادي على الناس ليكونوا من أصحاب البقرة، حتى يكونوا في الدنيا من الصفوة ويوم القيامة من أصحاب الظلّة.
هدف السورة: أنت مسؤول عن الأرض.
الحديث عن هدف السورة يساعدنا على فهم الآيات بتسلسل واكتشاف الروابط بين موضوعاتها المختلفة. واللطيف أن بعض العلماء قال بأن تسمية أقسام القرآن بالسور، لأن كل واحدة منها تشتمل على موضوع واحد، وآيات السورة هي كالسور أو السياج الذي يحيط بهدف السورة ويدور حوله ويخدمه. إذاً لكل سورة محور وهدف واحد، فما هو هدف سورة البقرة؟ وما هو المحور الذي يجمع 286 آية على مدى جزئين ونصف من القرآن؟
إن هدف السورة هو الإستخلاف في الأرض، وهذا يعني ببساطة «يا مسلمين أنتم مسؤولون عن الأرض». يا من سوف يقرأ سورة البقرة إعلم أنّك مسؤول عن الأرض وهذا منهجك: سورة البقرة..
وكأنّ القرآن يخاطبنا قائلاً اعلموا أنّ الأرض هذه ملك لله، والله هو مالك الكون خلقكم وملَّككم الأرض لكي تُديروها وفقاً لمنهج الله...
السعيد من وعظ بغيره
إنَّ الله تعالى خلال مسيرة التاريخ قد استخلف أمماً كثيرة على الأرض، فمنهم من نجح ومنهم من فشل وقد حان الدور في نهاية المطاف على هذه الأمة، والله تعالى لا يحابي أحد حتى ولو كانت أمة محمَّد صلى الله علي وسلم. فلو فشلت في المسؤولية فإنّها ستستبدل كما استبدلت أمم من قبلها..
هنا نفهم لماذا كانت سورة البقرة أوّل سورة في القرآن بعد الفاتحة فهي التي سترسم معالم المنهج. ولهذا أيضاً نفهم سبب كون هذه السورة أول سورة أنزلت في المدينة، وظلت تنزل طوال السنين التسعة من المرحلة المدنية، لأنَّ النبي ( قد هاجر من مرحلة الإستضعاف في مكة إلى مرحلة بناء الأمة، فكان من الطبيعي أن تنزل السورة في مرحلة البناء لترشد الأمة كيف تكون مسؤولة عن الأرض... فينبغي لكل من يقرأ هذه السورة أن يفهم أن كل آية تطلب منه القيام بالمهمة التي خلق من أجلها: أنت مسؤول عن الأرض لإصلاحها وتعميرها وهدايتها ولا بد أن يعلم الإنسان أنَّ المسؤولية تحتم عليه أن لا يكون فاشلاً في حياته فيأخذ بيد الناس، وينجح في حياته وسيظهر ذلك كله خلال قراءة سورة البقرة.
أقسام سورة البقرة
إنَّ سورة البقرة مقسّمة إلى مقدمة ثم قسمين فخاتمة.
القسم الأول هو الجزء الأول من القرآن وهو يعرض نماذج لثلاث مجموعات من الناس قد استخلفهم الله قبلنا. والقسم الثاني يتكون من الآيات (142-283)، وهو عبارة عن أوامر ونواهي يجب على الأمة وأفرادها أن يتبعوها ليستخلفوا.
الجزء الأول من القرآن
هذا الجزء مكون من ثمانية أرباع:
- ربع الحزب الأول: يتكلم عن أصناف الناس وكأننا نستعرض الأصناف الموجودة على هذه الأرض والتي سيكلف أحدها بالإستخلاف.
- الربع الثاني: أول تجربة إستخلاف على الأرض: آدم عليه السلام.
- الربع الثالث إلى السابع: أمة استخلفها الله على هذه الأرض لمدة طويلة وفشلت في المهمة، بنو إسرائيل.
- الربع الثامن والأخير: تجربة سيدنا إبراهيم عليه السلام الناجحة في الإستخلاف.
تجربة سيدنا آدم تجربة تمهيدية تعليمية، وكانت المواجهة بين إبليس وسيدنا آدم عليه السلام لإعلان بداية مسؤولية سيدنا آدم وذريته عن الأرض.
ثم بنو إسرائيل: نموذج فاشل، فهم أناس حملوا المسؤولية وفشلوا، وتستمر السورة في ذكر أخطائهم لا لشتمهم ولكن ليقال للأمة التي ستستخلف: تنبهي من الوقوع في الأخطاء التي وقعت فيها الأمة التي قد سبقت في الاستخلاف!
وآخر ربع يضرب الله به المثل بالتجربة الناجحة لشخص جعله الله خليفة في الأرض وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام. ويكون الترتيب هذا منطقياً، فبدأَ بآدم التجربة الأولى وختم بالتجربة الناجحة لرفع المعنويات وبينهم التجربة الفاشلة، للتعلم من الأخطاء السابقة وأخذ الدروس والعبر.
القسم الأول: نماذج ثلاثة
وأول خمس آيات من آيات المقدمة عبارة عن صفات المتقين، ثم آيتان تتحدثان عن صفات الكفار، ثم ثلاث عشرة آية (8-20) عن صفات المنافقين لخطورتهم.
وكأنّ المقدمة تخاطبك قائلة: «هذه أنواع الناس، فحدّد واختر أي الأصناف تريد أن تكون لأنَّ واحداً فقط من هذه الأصناف سيجعله الله تعالى مسؤولاً عن الأرض».
ولاحظ أن أول صفة للمتقين هي "الذين يؤمنون بالغيب". فأهم صفات الأمة المسؤولة عن الأرض هي الإيمان بالغيب وأخطر صفة في الأمة السابقة هي المادية الشديدة وعدم الإيمان إلاّ بما تراه أعينهم، كما سيتبين معنا.
أوّل تجربة استخلاف: آدم عليه السلام
وبعد ذلك تبدأ السورة بسرد قصة آدم عليه السلام وتجد أمامك آية محورية في بداية القسم الأول الذي يلي المقدمة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـ?ئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى ?لارْضِ خَلِيفَةً( (30)
فأنت أيها الإنسان مسؤول عن الأرض وقد كان أبوك آدم عليه السلام مسؤولاً عنها أيضاً فالأرض ليست مسؤولية البعيدين عن الله ولا الناكرين لمنهجه. فالأصل أنَّ المسؤول عنها كان أبو البشر آدم عليه السلام. ولاحظ أنَّ رد الملائكة وسؤالهم ليس اعتراضاً على حكم الله (والعياذ بالله) لكنه خوفهم من الإستبدال وبيانهم أنهم لم يفعلوا ما يغضب الله، فكل أوقاتهم تسبيح وعبادة لكن الله قال لهم: (إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(.
علّم الله آدم تكنولوجية الحياة
والآية التالية هي أيضاً آية محورية: (وَعَلَّمَ ءادَمَ ?لاسْمَاء كُلَّهَا( (31).
وماذا يعني ذلك!
يعني أنّه تعالى علَّم آدم تكنولوجية الحياة - إذا جاز التعبير - أي أسماء المخلوقات ووظائفها من شمس وقمر وبحر وشجر وثمر. وكان في المعنى تحذيراً للمؤمنين من أن يظنوا بأنهم سيكونون مسؤولين عن الأرض بدون أن يعرفوا طريقة إدارتها وهنا لفتة لطيفة في الآية 22 (?لَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ?لاْرْضَ فِرَاشاً وَ?لسَّمَاء بِنَاء( ففي هذه الآية يبين لنا الله تعالى أدوات الإستخلاف: تسخير الأرض والسماء والزرع...
فهنا تحذير لعدم فهم الإسلام أنّه صلاة وصيام فقط، دون ان يفهم المؤمنون كيف يديرون الحياة والأرض، فالله عزّ وجل قد علّم آدم كيف يدير الأرض حتى يفهمنا أن الأمور لا تدار بالتديّن فقط ولكن بالعلم والتكنولوجيا.
المعصية هي سبب الإستبدال
وتأتي الآية التالية 36 لتبيّن لنا تجربة آدم مع ابليس (فَأَزَلَّهُمَا ?لشَّيْطَـ?نُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ( (36).
وهنا دلالة أنّ المعصية هي سبب الإستبدال، كأنَّ الآية تخاطبنا في زماننا هذا لتقول: يا أمة محمد، لقد بقيتم 1300 سنة مسؤولين عن الأرض وما حصل لكم في المئة سنة الأخيرة هو بسبب معصيتكم كما حصل لأبيكم آدم عليه السلام، (مع بُعْد التشبيه بين زلة آدم عليه السلام نبي الله وبين المعاصي الفادحة التي تقع بها الأمة ليل نهار) فتعلموا من الأخطاء السابقة واجتنبوا المعاصي ليعود الإستخلاف إليكم.
وتمضي الآيات في الحديث عن قصة سيدنا آدم حتى نصل إلى الآية 38 (قُلْنَا ?هْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ( (38).
وهنا نتذكر أنّ الهدى الذي سيأتي من عند الله تعالى قد ذكر
في أول السورة على أنه القرآن (ذ?لِكَ ?لْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى
لّلْمُتَّقِينَ(، ونحن ندعو الله في الفاتحة أن نسير على هذا الهدى (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ( فهل بدأت أخي المسلم تستشعر معي حلاوة القرآن وترابط
آياته.
تجربة بني إسرائيل
تبدأ تجربة بني إسرائيل بالآية 40 من سورة البقرة لتبيان فشلهم في امتحان مسؤوليتهم عن الأرض.
باب المهمة: تذكر النعم.
وأول آية في هذا السياق تقول: (يَـ?بَنِى إِسْر?ءيلَ ?ذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ?لَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـ?ىَ فَ?رْهَبُونِ(.
فأول آية يخاطب الله بها بني إسرائيل (?ذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ( وأول كلمة خاطبنا الله إياها في منهجنا (?لْحَمْدُ لله رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ(. وكأنَّ بداية مسؤولية واستخلاف كل أمة تكون بتذكّر نعم الله تعالى.
نماذج نعم الله تعالى على بني إسرائيل
وبعد هذه الآية يبدأ الله تبارك وتعالى بتعداد نماذج من هذه النعم فيقول لهم في الآية 50: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ?لْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـ?كُمْ وَأَغْرَقْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ( ويقول لهم في الآية 52 (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذ?لِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( ويقول أيضاً في الآية 57 (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ?لْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ?لْمَنَّ وَ?لسَّلْوَى? كُلُواْ مِن طَيِّبَـ?تِ مَا رَزَقْنَـ?كُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـ?كِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(.
آيات متتالية تتحدث عن النعم ثم تنتقل للحديث عن أخطاء الأمة السابقة، وكل هذا الكلام لكي ننتبه ونتجنب الوقوع في أخطائهم.
أخطاء الأمة السابقة
وتبدأ الآيات التي تصف أخطاء بني إسرائيل (وَإِذْ قُلْتُمْ يَـ?مُوسَى? لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى? نَرَى ?لله جَهْرَةً( (55)
لأنهم أمة مادية للغاية وكأنَّ الخطأ الجسيم الذي قد تقع به أي أمة ويكون سبباً في استبدالها هو طغيان المادية فيهاً، ومعنى المادية أنهم لا يؤمنون إلا إذا رأوا أمراً ملموساً. وهنا نتذكر أول صفة للمتقين في بداية السورة (?لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِ?لْغَيْبِ( (2).
وتمضي الآيات الكثيرة في الحديث عن بني إسرائيل والموبقات التي ارتكبوها كقتل الأنبياء بغير الحق، وعصيانهم وكفرهم بآيات الله، واعتداء أصحاب السبت وتحايلهم على آيات الله، إلى أن تصل بنا الآيات إلى القصة المحورية: قصة البقرة.
لماذا سميت السورة بالبقرة؟
قد يتساءل البعض لماذا سميت هذه السورة بسورة البقرة؟
قد يجيب البعض بأنها سميت كذلك لأنّ قصة البقرة جاءت في هذه السورة، مع العلم بأنَّ هذه السورة قد جاء بها قصص كثيرة فلماذا سميت السورة باسم هذه القصة دون غيرها؟
إنّ قصة البقرة قد جسّدت الأخطاء الأساسية الكبرى لبني إسرائيل، فسميت السورة باسمها لكي يتذكر المسلم المسؤول عن الأرض هذه الأخطاء ويتجنبها.
الجدل مفتاح الشرور
وهذه الأخطاء التي ارتكبها بنو إسرائيل تظهر من أول الآية السابعة والستين (وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ إِنَّ ?لله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِ?لله أَنْ أَكُونَ مِنَ ?لْجَـ?هِلِينَ ( قَالُواْ ?دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذ?لِكَ فَ?فْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ ( قَالُواْ ?دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ?لنَّـ?ظِرِينَ ( قَالُواْ ?دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ?لبَقَرَ تَشَـ?بَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء ?لله لَمُهْتَدُونَ ( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ?لاْرْضَ وَلاَ تَسْقِى ?لْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ?لئَـ?نَ جِئْتَ بِ?لْحَقّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ( (67-71).
إختارها لحكمة
وقصة البقرة أنّ رجلاً من بني اسرائيل قتل ولم يعرف من قتله، فاختلف فيه فأوحى الله إليهم أن اذبحوا بقرة وأن يأخذوا قطعة منها ثم يضربوا بها الميت فيحييه فيقول من الذي قتله ولقد طلب الله تعالى منهم ذلك لأنهم ماديون للغاية وليريهم بأنه تعالى قادر على كل شيء وأن الأمور ليست كما تعوّدوا عليه دائماً فيحيي الميت بالميت فينطق.
وبما أنهم لم يفهموا الحكمة وبما أنهم ماديون جداً فقد رفضوا تطبيق الأمر، وقصة البقرة تجسّد أخطاء بني إسرائيل، من المادية إلى الجدل وعدم طاعة أنبيائهم إلى عدم طاعة الله تعالى والإلتواء على منهجه وحتى حين نفّذوا ما أمرهم الله به نفّذوا ذلك مكرهين مجبرين (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ(.
وكأنّ قصة البقرة تنبّه من المادية الشديدة وكأنها تنبّه من الجدل في دين الله تعالى، تنبّه من المراوغة والتحايل على شرع الله تعالى، أو أن تنفّذ شرع الله تعالى وأنت كاره لذلك فسمّيت سورة البقرة لخطورة هذه الأفعال.
تميّزوا حتى في مصطلحاتكم
وتمضي الآيات إلى أن نصل إلى الآية التي يذكر فيها لأول مرة (يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ(. وهذا يتجلى في قوله تعالى (يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ ر?عِنَا وَقُولُواْ ?نظُرْنَا وَ?سْمَعُواْ( (104).
لقد كان اليهود يخاطبون النبي صلى اله عليه وسلم بقولهم (راعنا) ومعنى راعنا أي راعي أمورنا ولكنهم كانوا يقصدون بها معنىً سيئاً بلغتهم (إسمع لا سمعت) أو تعني شيئاً من الرعونة. ومن لا يفهم لغتهم ولا يعرف ما يقصدون يظن بأنهم يقولون للنبي راعي أمورنا. فالله جل وعلا يقول للصحابة لا تقولوا راعنا ولكن قولوا انظرنا والكلمتان تحملان المعنى نفسه ولكن ذلك تغيير في المصطلح..
وكأن المعنى: تميّيزوا حتى في مصطلحاتكم. فالله تعالى يريد أن يفهمنا بأن الأمة السابقة قد وقعت بأخطاء شديدة فلا تتّبعوها أو تقلّدوها، وتميّزوا عنها حتى في مصطلحاتكم وهنا علاقة مع سورة الفاتحة حين يطلب المؤمن أن لا يكون مثل بني إسرائيل (غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ?لضَّالّينَ( وتأملوا شباب اليوم كيف تقلّد الأمم الأخرى وكيف تقلّد الغرب في أتفه الأشياء بينما الله تعالى يعلّمنا أن نتميّز حتى في مصطلحاتنا.
وبعد ذلك تعددت الايات التي تحذّر من التبعية، لأنها تبدأ بالأشياء الثانوية ولن تنتهي الا بالكفر والعياذ بالله: (وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـ?نِكُمْ كُفَّارًا( (109)
التجربة الناجحة: إبراهيم عليه السلام
ونصل إلى الربع الأخير من الجزء الأول والذي يتحدث عن تجربة
إبراهيم وهي تجربة ناجحة جاءت في نهاية الجزء للتحفيز على النجاح
في امتحان الاستخلاف: (وَإِذِ ?بْتَلَى? إِبْر?هِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـ?تٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ
إِنّى جَـ?عِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا( (124). ولاحظ أن سيدنا إبراهيم
لم ينجح في الامتحان نجاحا عاديا بل (أَتَمَّهُنَّ( أي قام بهنّ خير قيام فلما أتمّ هذه الابتلاءات (الرمي في النار، الهجرات وترك الولد في الصحراء، ذبح الولد..). أخبره الله انه سيجعله للناس إماماً (الاستخلاف) لأنه قد اطاع الله تعالى فقال إبراهيم عليه السلام (قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ?لظَّـ?لِمِينَ( (124)
فقوله لا ينال عهدي الظالمين درس هام لنا بأن الله تعالى لا يحابي أحداً حتى أمة محمد والاستخلاف مقرون بالطاعة لا بالنسب وبهذا المعنى يدعو سيدنا إبراهيم أن يستخلف واحداً من ذريته (رَبَّنَا وَ?بْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً( (129).
ومن المفيد هنا ملاحظة بدايات القصص الثلاث: فكلها بدأت بآيات تبيّن مجال الاستخلاف وكلها اشتملت على اختبارات في طاعة الله تعالى:
قصة آدم: أول آية في القصة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـ?ئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى ?لارْضِ خَلِيفَةً( (30) (اختبار آدم في مسألة عدم الأكل من الشجرة).
قصة بني اسرائيل: أول آية في القصة:(يَـ?بَنِى إِسْر?ءيلَ ?ذْكُرُواْ نِعْمَتِى ?لَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ?لْعَـ?لَمِينَ( (47) (الاختبار في تنفيذ أوامر الله المختلفة وشكر النعم).
قصة إبراهيم: أول آية في القصة وهي الآية 124: (إِنّى جَـ?عِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا( (وَإِذِ ?بْتَلَى? إِبْر?هِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـ?تٍ فَأَتَمَّهُنَّ( (تحدي الاب - تحدي القوم - الرمي في النار – الهجرة - ترك الولد والزوجة في الصحراء - الذبح).
وقفات ولطائف
في الختام تأتي آية رائعة بتلخيصها حياة سيدنا يعقوب (وإسرائيل) في أسطر (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ?لْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـ?هَكَ وَإِلَـ?هَ آبَائِكَ إِبْر?هِيمَ وَإِسْمَـ?عِيلَ وَإِسْحَـ?قَ إِلَـ?هًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ( (133).
فهنا حرص سيدنا يعقوب على نقل أمانة الاستخلاف من آبائه إبراهيم واسحق إلى ابنائه وذريته بني إسرائيل.
ونلاحظ أيضاً في ختام الجزء الأول وبعد أن قصّ علينا القصص الثلاث تأتي الآية (قُولُواْ ءامَنَّا بِ?لله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْر?هِيمَ وَإِسْمَـ?عِيلَ وَإِسْحَـ?قَ وَيَعْقُوبَ وَ?لاسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى? وَعِيسَى? وَمَا أُوتِيَ ?لنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ( (136).
فهذه الآية تفصيل للذين أنعم الله عليهم المذكورين في سورة الفاتحة (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ ( صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ(.
من فضلك اقرأ هذا الجزء بنفسية من يريد أن يكون مسؤولاً عن الأرض ليستخلفه الله، وأن يستفيد من أخطاء غيره، وأن يحذر المادية والجدل والتحايل على شرع الله ويتحرى طاعته.
يحدد الجزء الثاني من سورة البقرة الأوامر والنواهي التي لا بد للأمة من الأخذ بها حتى تستخلف. وكل هذه الأوامر والنواهي - كما سيتبين معنا - متعلقة بثلاثة أمور:
1. طاعة الله
2. تميّز الأمة
3. تقوى الله
إن من سيستخلف على الأرض لا بد له من منهج ليسير عليه، هذا المنهج هو الجزء الثاني من سورة البقرة.
تغيّر القبلة: إختيار للطاعة وأمر بالتميّز
يبدأ الجزء الثاني بالتعقيب على الحادثة التي أمر الله بها المسلمين بتغيير
القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة المشرّفة، وتشكيك اليهود في المدينة بهذا الأمر: (سَيَقُولُ ?لسُّفَهَاء مِنَ ?لنَّاسِ مَا وَلَّـ?هُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ?لَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا...( (142).
وهنا سؤال يطرح: ما علاقة هذا الربع بما قبله؟ لقد تناول الجزء الأول ثلاث قصص لآدم عليه السلام، وبني إسرائيل، وإبراهيم عليه السلام. إن العامل المشترك هو أن كل هذه القصص إختبار للطاعة... فجرى إختبار آدم عليه السلام بالأكل من الشجرة، وبني إسرائيل في ذبح البقرة وخضع إبراهيم عليه السلام لاختبارات كثيرة في طاعة الله عز وجل فأتمها (وَإِذِ ?بْتَلَى? إِبْر?هِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـ?تٍ فَأَتَمَّهُنَّ( (124).
فبعد أن أخبرنا عن أحوال الأمم السابقة وأراد رسم المنهج لهذه الأمة، كانت أول مقومات المنهج هي الأمر بالطاعة. فالله تعالى لم يقصّ علينا القصص إلا لحكمة، وهي ترسيخ مفهوم الطاعة عند الأمة المسؤولة عن الأرض، فجاءت حادثة تغيير القبلة كإمتحان عملي.
ولذلك كانت الآية 143 واضحة جداً في بيان هذا المعنى (وَمَا جَعَلْنَا ?لْقِبْلَةَ ?لَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ?لرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى? عَقِبَيْهِ( (143).
وقد يظن البعض أن المسألة كانت سهلة لكن الواقع غير ذلك، فالعرب كانت تقدّس الكعبة من عهد سيدنا إبراهيم، فجعل الله قبلة المسلمين لبيت المقدس، ثم جاء الأمر بالإتجاه للكعبة مرة ثانية، طاعة لله.
لاحظ معي علاقة الأرباع السابقة من الجزء الأول بهذا الربع:
- الربع السابع مهّد لفكرة النسخ (وهو تغيير الأحكام) في بدايته (مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا( (106).
- ثم يأتي الربع الثامن ليتحدث عن بناء الكعبة (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْر?هِيمُ ?لْقَوَاعِدَ مِنَ ?لْبَيْتِ( (127).
- وكانت آخر حلقات السلسلة بيان أن نسخ الحكم سيكون بتغيير إتجاه القبلة، فانظر إلى جمال ترابط الآيات ببعضها!
تمييز الأمة حتى في مصطلحاتها
ولكن الربع هذا ينبّه إلى هدف آخر غير إختبار الطاعة. فكما سبق في الجزء الأول التنبيه إلى أهمية التميز عن الأمم الأخرى في المصطلحات: (يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ ر?عِنَا وَقُولُواْ ?نظُرْنَا( (104) ففي هذه الآية أيضاً أمر بالتميز عن الآخرين في إتجاه القبلة..
فاليهود كانوا يصلّون باتجاه بيت المقدس، فأمر المسلمون
بمخالفتهم والتوجّه للكعبة. وكأن الرسالة هنا: كيف تستخلف أمة على هذه الأرض وهي ليست متميّزة عن غيرها؟ كيف يكون التابع والمقلّد مسؤولاً عن الأرض؟... فكان لا بد قبل الاتيان بأي أمر أو نهي في المنهج أن يأتي الأمر بالتميز عن طريق تغيير اتجاه القبلة! ليتميّز المسلمون فلا يشعروا بالتقليد والتبعية للأمم الأخرى.
وسطية التميز
أما الربع الثاني من هذا الجزء فيبدأ بالآية 128 والتي يقول الله تعالى فيها (إِنَّ ?لصَّفَا وَ?لْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ ?لله فَمَنْ حَجَّ ?لْبَيْتَ أَوِ ?عْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا( (158) بعض الناس يفهم هذه الآية أن لابأس بالطواف وأن الطواف إختياري. لكن لكي نفهم معنى الآية لا بد من معرفة سبب نزولها، فالواقع أن الصحابة عندما سمعوا خطاب القرآن يأمرهم بالتمييز (سواء بتغيير المصطلحات أو بتغيير إتجاه القبلة)، ووجدوا أن المشركين يطوفون بين الصفا والمروة (ويضعون صنمين على جبلي الصفا والمروة (آساف ونائلة) وكانوا يسعون بينهما)، عندها شعر الصحابة بحرج من السعي بين الصفا والمروة وأنه ينافي التميز الذي أمروا به، فجاءت الآية لتخبرهم أن ليس كل ما يفعله الكفار خطأ، فإن أصل السعي بين الصفا والمروة أمر رباني واتباع لسيدنا إبراهيم. وبهذا تضح الرسالة: لا بد من التوازن في التميز لأن هذه الأمة أمة وسط فليس كل ما يفعله الكفار مرفوض...
ولذلك تأتي في هذا الربع آية هامة في رسم المنهج: (وَكَذ?لِكَ جَعَلْنَـ?كُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ?لنَّاسِ( (143).
أنت منتمي إلى أمة متميزة: تخيل أنك أنت ستشهد على البشرية التي تعاصرها، وأنت ستقول يوم القيامة أين الحق وأين الضلال، فتأمل حجم المسؤولية الملقاة على عاتقك يوم القيامة، وتابع معي قراءة سورة البقرة حتى تتبيّن معالم مسؤوليتك وشهادتك على الأمم.
الإسلام والإصلاح الشامل
في الربع الثالث تبدأ سلسلة من الأوامر الشاملة لكل نواحي الإصلاح في المجتمع.
فيبدأ بقول لله تعالى: (لَّيْسَ ?لْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ?لْمَشْرِقِ وَ?لْمَغْرِبِ وَلَـ?كِنَّ ?لْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِ?لله وَ?لْيَوْمِ ?لاْخِرِ وَ?لْمَلَـئِكَةِ وَ?لْكِتَـ?بِ وَ?لنَّبِيّينَ وَءاتَى ?لْمَالَ عَلَى? حُبّهِ ذَوِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ
وَ?بْنَ ?لسَّبِيلِ وَ?لسَّائِلِينَ وَفِي ?لرّقَابِ وَأَقَامَ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَى ?لزَّكَو?ةَ
وَ?لْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـ?هَدُواْ وَ?لصَّابِرِينَ فِى ?لْبَأْسَاء و?لضَّرَّاء وَحِينَ ?لْبَأْسِ...( (177)
يقول العلماء أن هذه الآية شاملة للإسلام، فقد شملت العقائد (الإيمان بالله والملائكة والكتاب) والعبادات (إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة) والمعاملات (الوفاء بالعهد) والأخلاق.
لاحظ معي التدرج الرائع الذي جاءت به هذه السورة:
1. تغيير القبلة (لتحقيق التميز) (فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ?لْمَسْجِدِ ?لْحَرَامِ( (144).
2. التوازن في التميز (لا جناح عليكم أن تطوفوا بين الصفا والمروة( (158).
3. الاتجاه ليس كل شيء: (لَّيْسَ ?لْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ?لْمَشْرِقِ وَ?لْمَغْرِبِ( (177).
فبعد ان رسخ الله تعالى لدى الصحابة الطاعة والتميز في الربع الأول، بيّن لهم أن المسألة ليست مسألة إتجاه وإنما هي قضية إصلاح شاملة. فحين جاء الأمر بالتوجه للكعبة كان ذلك فقط لاختبار الطاعة والتميز، بينما الأصل هو عمل البر بكل أشكاله التي وردت في الآية 177.
مفردات الإصلاح الشامل
ومن أول الربع الثالث في الجزء الثاني تبدأ الأوامر والنواهي للأمة لترسم شمول المنهج:
تشريع جنائي: (يـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ?لْقِصَاصُ فِي ?لْقَتْلَى( (178). وبعدها يأتي قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي ?لْقِصَاصِ حَيَو?ةٌ يأُولِي ?لالْبَـ?بِ( (179).
مواريث: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ?لْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ?لْوَصِيَّةُ لِلْو?لِدَيْنِ وَ?لاْقْرَبِينَ( (180)
وبعد هذا
تشريع تعبدي: (يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ?لصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(..
التقوى مصباح الطريق
والملاحظ أن كل الأحكام الواردة هنا قد ركزت بشكل أساسي على تقوى الله تعالى، قتجد في آية القصاص: (وَلَكُمْ فِي ?لْقِصَاصِ حَيَو?ةٌ يأُولِي ?لالْبَـ?بِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( (179) وفي آيات المواريث (إِن تَرَكَ خَيْرًا ?لْوَصِيَّةُ لِلْو?لِدَيْنِ وَ?لاْقْرَبِينَ بِ?لْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ?لْمُتَّقِينَ( (180) وفي آيات الصيام (يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ?لصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( (183) وفي ختام عرض الأحكام: (كَذ?لِكَ يُبَيّنُ ?لله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ( (187).
فهذا المنهج لا بد له من أناس طائعين، متميزين عن غيرهم، ومتّقين يريدون إرضاء الله تعالى، فهذه المحاور الثلاثة هي سياج يحمي المنهج، ذكرت بطريقة مترابطة ومدهشة لا تشبه طريقة البشر في الشرح والعرض.
وكلما تقدمت أخي المسلم في قراءة السورة تتفتح عيناك على بقية أجزاء المنهج، فتتضح أمامك شموليته.
فالقرآن بدأ بالتشريع الجنائي ثم التشريع التعبدي. وقد يتساءل البعض عن العلاقة بينها. وهنا ينبغي التنبيه إلى أنك حين تجد موضوعات متتابعة ولكن متفرقة فهي إشارة إلى أن الدين يشملها كلها. فلم يأت تشريع العبادات منفصلاً عن غيره من الأحكام للتأكيد على شمول المنهج وتناوله لكل مظاهر الحياة.
دروع الإسلام الحصينة
نصل إلى القسم الرابع الذي يتحدث عن تشريع القتال وأحكام الجهاد (وَقَـ?تِلُواْ فِي سَبِيلِ ?لله ?لَّذِينَ يُقَـ?تِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ?لله لاَ يُحِبُّ ?لْمُعْتَدِينَ ( وَ?قْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ..( (190-191).
فهنا تأكيد أنه لا بد من القتال للحفاظ على المنهج، ولا بد من إنفاق المال على الجهاد (وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ?لله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ?لتَّهْلُكَةِ( (195) فهذا المنهج يستلزم قتالاً يحميه من أعدائه الواقفين في طريقه، وليس للإرهاب وسفك الدماء. وسنلاحظ في القرآن قاعدة عامة: كلما يذكر القرآن القتال يذكر معه ضوابطه، فهنا مثلاً حددت الآية قتال المعتدين (وَقَـ?تِلُواْ فِي سَبِيلِ ?لله ?لَّذِينَ يُقَـ?تِلُونَكُمْ( (190) كما وبيّنت الأخلاق الحربية في القتال بعدم الاعتداء (ولا تعتدوا).
الحج: محطة وقود
وتنتقل الآيات للحديث عن أحكام الحج، فما الذي دعا للكلام على الحج بعد القتال؟ إن الحج هو أول تدريب على القتال، والله تعالى يتيح للأمة من خلال الحج فرصة تدريبية (من إعداد نفسي وبدني وروحي) للتدريب على الجهاد وتغيير العادات.. تأمل كيف أن آيات السورة وحدة متماسكة رغم تنوع موضوعاتها.
وهنا نتذكر دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام في آخر الجزء الأول من السورة (... وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا...( فكان التفصيل في أحكام الحج في الآيات (196-200) استجابة لدعوة سيدنا إبراهيم في الآية (128).
أركان الإسلام
ويلاحظ أمر هام، وهو أن أركان الإسلام الخمسة لم تأت مفصلة ومجتمعة في أي سورة من القرآن كما في سورة البقرة.. فأحكام الصيام لم ترد إلا في سورة البقرة وأحكام الحج لم تفصل إلا في سورة البقرة وكذلك أحكام الإنفاق وأن الإسلام منهج زكوي تنموي لا ربوي. وأما الشهادتان فأول آيات سورة البقرة تشير إلى (... ?لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِ?لْغَيْبِ...( (3). نصل إلى عماد الدين: الصلاة، التي تكررت الإشارات اليها من أول (وَأَقِيمُواْ ?لصَّلو?ةَ وَآتُواْ ?لزَّكَو?ةَ( (43) إلى قوله تعالى (حَـ?فِظُواْ عَلَى ?لصَّلَو?تِ و?لصَّلَو?ةِ ?لْوُسْطَى?( (238) وهنا الآية الوحيدة التي خصصت إحدى الصلوات الخمسة لأهميتها وهي صلاة العصر.
آدخلوا في السلم كافة
وبعد أن عرضت الآيات أحكاماً مختلفة نصل إلى آية محورية هامة (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?دْخُلُواْ فِي ?لسّلْمِ كَافَّةً( (208) ومعنى السلم هنا الإسلام. أي أن المعنى: يا أيها الذين أمنوا أدخلوا في الإسلام الكامل الشامل، الإسلام الذي يمثّل هذا المنهج بجميع جوانبه. وسبب ورود الآية في هذا المواضيع أن الآيات السابقة بيّنت معالم المنهج من تعبّد وتشريع جنائي وتركات وقتال وأحكام الحج والإنفاق. فتأتي هذه الآية لتأمر بأخذ الإسلام بأحكامه كلها والتحذير من أخذ جزء وترك جزء آخر كما فعل اليهود (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ?لْكِتَـ?بِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ( (36).. فهذا تنبيه لأمة محمد ( على الدخول في الإسلام كافة وإتباعه كافة فلا ينبغي أن نأخذ أجزاء ونترك أجزاء، كالتي تصلي وتترك الحجاب أو تقوم الليل وتؤذي جارتها.
اكتمال المنهج: أحكام الأسرة
ويستمر المنهج في تبيان أحكام الأسرة والزواج والطلاق والرضاعة والخطبة، على مدى ربعين كاملين، وقد يتساءل البعض عن سبب تأخر أحكام الأسرة وعدم ورودها في الأول.. والجواب أنه لا بد من البدء بطاعة الله والتقوى والصيام والحج للإعداد، لأن تنظيم الأسرة من الأمور الصعبة.. فملايين القوانين تعجز عن إصلاح نفوس تريد الإنحراف. لذلك أغلب آيات هذين الربعين ختمت بتقوى الله أو التذكير بعلمه ومراقبته: (وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?لله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ( (231)
(وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?لله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ( (233)
(وَ?لله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( (234)
(وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى?( (237)
(وَلِلْمُطَلَّقَـ?تِ مَتَـ?عٌ بِ?لْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ?لْمُتَّقِينَ( (241)
وتغليف أحكام الأسرة بالتقوى، يعلمنا أن النظام الأخلاقي والنظام العملي في الإسلام مرتبطان دائماً.
من سيكمل إلى النهاية؟
وتذكر الآيات (246 - 252) قصة قتال طالوت وجالوت، قصة فئة من بني إسرائيل نجحت في المهمة وفئة أخرى فشلت لأسباب عديدة (رفض أمر الله والتولي بعد أن كتب عليهم القتال - عدم طاعة النبي - الفشل في امتحان الشرب من النهر - قياس النصر والهزيمة بالمقاييس المادية). هذه القصة اشتملت على قتال وحرب وأناس خافت من لقاء العدو وأخرى قاتلت، للتأكيد على لزوم القتال لحماية المنهج، وأن الجبناء والخائفين لا يصلحون لحمله وبالتالي لا يصلحون للمسؤولية على الأرض.
آية الكرسي: قدرة وعظمة الله
وتصل الآيات إلى أعظم آية في القرآن: آية الكرسي (255) وهي أروع كلام عن الله وصفاته عرفته البشرية في تاريخها.
(?لله لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ ?لْحَىُّ ?لْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي ?لسَّمَـ?وَاتِ وَمَا فِي ?لاْرْضِ مَن ذَا ?لَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ?لسَّمَـ?وَاتِ وَ?لاْرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ?لْعَلِىُّ ?لْعَظِيمُ( (255)
واللطيف أن بعد هذه الآية مباشرة يأتي قوله تعالى في الآية (256)
(لا إِكْرَاهَ فِى ?لدّينِ...( وسبب هذا أن الحجة قد أقيمت على البشر بآية الكرسي فمن آثر الكفر بعدها فلا تكرهوه على الإيمان (قَد تَّبَيَّنَ ?لرُّشْدُ مِنَ ?لْغَيّ(.
وسبب ورود آية الكرسي في وسط الكلام عن المنهج هو أننا أثناء تطبيق هذا المنهج نحتاج إلى ما يثبتنا ويشعرنا بأن هذا المنهج من الله تعالى، وأن الله ولي من يطبق هذا المنهج (?لله وَلِيُّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ(.
دلائل وبراهين
ويأتي بعد آية الكرسي ثلاث قصص تعرض نماذج حياتية لتؤكد آية الكرسي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع النمرود (إِذْ قَالَ إِبْر?هِيمُ رَبّيَ ?لَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ قَالَ إِبْر?هِيمُ فَإِنَّ ?لله يَأْتِى بِ?لشَّمْسِ مِنَ ?لْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ?لْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ?لَّذِى كَفَرَ( (258).
وقصة عزير (أَوْ كَ?لَّذِى مَرَّ عَلَى? قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ... ثُمَّ بَعَثَهُ...( (259).
وقصة سيدنا إبراهيم وهو يقول (رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ?لْمَوْتَى?...( (260).
فأمره الله تعالى أن يأخذ عدداً من الطيور ويقطّعها ثم يطرقها على رؤوس الجبال ثم يدعوها، فإذا بالريش والدم يعود كما كانوا قبل تقطيعهم، (وَ?عْلَمْ أَنَّ ?لله عَزِيزٌ حَكِيمٌ( (260).
فهذه للقصص تؤكد قدرة الله على الإحياء والإماته (?لله لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ ?لْحَىُّ ?لْقَيُّومُ( (255) جاءت بعد كل آيات المنهج لتقوية إيمان المسلم ويقينه بالله فتكون عوناً له على تحمل تبعات المنهج الثقيل.
النظام المالي والاقتصادي
وتظهر الآيات آخر ملامح المنهج وهو النظام المالي والاقتصادي في الإسلام، والذي عنوانه: الإسلام منهج تنموي وليس منهج ربوي، وتأتي الآيات لتحذر من الربا: (يَمْحَقُ ?لله ?لْرّبَو?اْ وَيُرْبِى ?لصَّدَقَـ?تِ وَ?لله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ( (276).
(يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?لله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ?لرّبَو?اْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ?لله وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْو?لِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ( (278 - 279).
حتى تأتي آية المداينة (وهي أطول آية في القرأن) لتوضح معالم المنهج فأكثر في قضايا الديون وإثباتها جاءت لتفيد التثبت في المعاملات (إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَ?كْتُبُوهُ( (282) بعد ذكر قصة إبراهيم في التثبت في العقيدة (وَإِذْ قَالَ إِبْر?هِيمُ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ?لْمَوْتَى? قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى? وَلَـ?كِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى( (260) لتوحي هاتان الآيتان في داخلك أن التثبت أسلوب المسلم في حياته في كل نواحيها. والملاحظ أن آيات الربا جاءت بين آيات الإنفاق والتنمية لتوضح أن الإسلام لا يحرم شيئاً إلا ويأتي بالبديل الأصلح.
سورة البقرة: إشارة الإمارة
بعد أن استعرضنا سورة البقرة وشموليتها لأحكام الإسلام نفهم لماذا كان النبي يولي على القوم من يحفظ سورة البقرة لأنه بذلك قد جمع معالم المنهج. هذا المنهج الشامل الذي هو الصراط المستقيم في سورة الفاتحة، نجده عقيدة في آية الكرسي وعبادة في أحكام الصيام والحج ومعاملات في الإنفاق وتوثيق الديون وتحريم الربا وأحكام القتال، يغلفها جميعها محاور ثلاثة الطاعة، التميز بالوسطية، التقوى.
الختام: سمعنا وأطعنا
تختم سورة البقرة بآيتين هما كنزٌ من تحت العرش يمدح الله بهما المؤمنين: (وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ?لْمَصِيرُ( (285).
فبنو إسرائيل قالوا (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا( (93) أما أمة الإسلام فليكن شعارنا (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا( لنبقى مسؤولين عن الأرض. ويأتي بعدها الدعاء (لاَ يُكَلّفُ ?لله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ?كْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَ?عْفُ عَنَّا وَ?غْفِرْ لَنَا وَ?رْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَـ?نَا فَ?نْصُرْنَا عَلَى ?لْقَوْمِ ?لْكَـ?فِرِينَ( (286).
قد يخطئ الإنسان في حياته أثناء قيامه بهذا المنهج وقد يضعف فالصراط المستقيم هو هداية من الله، لذلك يحتاج المسلم إلى العون الرباني بأن يدعو
بالعفو والغفران والرحمة. فإذا قام المسلم بقتال من أراد محاربة المنهج وأهله فهو يسأل الله النصر على القوم الكافرين، ولقد إستجاب الله تعالى لهذه الدعوات بقوله (قد فعلت).


سورة آل عمران
سورة آل عمران
سورة آل عمران (مدنية) نزلت بعد الأنفال وعدد آياتها 200 آية وهي بعد سورة البقرة في ترتيب المصحف.
علاقتها مع سورة البقرة
سورة آل عمران هي شقيقة سورة البقرة بنص أحاديث النبي ( وتسميان (بالزهراوين). وهناك تشابه كبير بينهما، فكلتهما بدأتا بـ (ألم(، واختتمتا بدعاء، ومن لطائف القرآن أن أول 3 سور من القرآن قد اختتمت بدعاء:
الفاتحة (?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ...( (4).
البقرة (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا( (255).
وآل عمران (...رَبَّنَا فَ?غْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـ?تِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ?لاْبْرَارِ( (193).
وهذه إشارة إلى أهمية الدعاء عند المسلم ليلجأ إليه دائماً.
من وحي الحروف (ألم)
ولعل أهم أوجه التشابه هو ابتداء السورتين بالأحرف المقطعة (ألم(، وهي إشارة إلى أن كل آية من آيات السورتين تحتوي على هذه الأحرف الثلاثة. وهناك سور كثيرة في القرآن ابتدأت بأحرف مقطعة (مثل ألم أو حم)، فكأنها مفتاح للدخول إلى معاني السور. وهناك ملحوظة أخرى أن كل السور التي تبدأ بنفس الأحرف ترتبط في أهدافها ومعانيها.
وقد يتساءل البعض عن المراد من ابتداء بعض السور بهذه الأحرف والواقع

أن هناك آراء كثيرة للعلماء في تفسيرها.
ولتبسيط الموضوع وتقريبه إلى الأذهان نقول: هذه الأحرف قد جاءت في أوائل السور لتحدّي الكفار، وكأنه سبحانه يقول للكفار: أليست هذه الحروف هي حروف لغتكم؟ أليست هي المادة الأولية التي تستخدمونها؟ فهل تستطيعون أن تأتوا منها بمثل هذا القرآن؟ فالمادة والذرة قد يصنع منهما الإنسان الكمبيوتر والسيارة، ولكنه لا يقدر أن ينفخ فيهما الروح. وكذلك هذه الحروف قد يصنع الناس منها شعراً ونثراً لكن هل يقدرون على أن يأتوا بقرآن فيه روح؟
اسمع قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا(
(الشورى، 52).
ولذلك فإن أغلب السور التي تبدأ بالحروف المقطعة يأتي بعدها تمجيد للكتاب (أو القرآن أو الوحي أو الذكر.
الثبات على المبدأ
إن الهدف الذي تدور حوله السورة وثيق الصلة بهدف سورة البقرة التي كانت تخبر المسلمين بأنهم مسؤولون عن الأرض، والتي عرضت منهج الاستخلاف. فسورة آل عمران تؤكد الثبات على هذا المنهج، والكثير من الأشخاص - بعد أن يقرأوا المنهج ويتحملوا المسؤولية - يزيغون ويسقطون، ويبتعدون عن المنهج القويم، كالذي يتعبد في شهر رمضان ثم يغلق أبواب الطاعة والعبادة بعده. فالسورة تخاطب المتدينين منذ أكثر من 20 سنة وتثبتهم على الدين، كما تخاطب الشباب الذين تديّنوا بالأمس وتقول لهم أثبتوا على دينكم ومنهجكم لتحقيق استخلاف المسلم في الأرض.
كيف نثبت على الحق؟
للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف كيف يزيغ الناس، فالناس يضللون إما بالأفكار التي تشوش عقائدهم، أو يتيهون وسط مشاغل الحياة فتضعف عزائمهم. وبالتالي فأسباب الهلاك فكرية (داخلية) أو عملية (خارجية)، والسورة تحث المؤمن على الثبات في المجالين وتحذره مما قد يكون سبباً في زلته.
لذلك تقسم السورة إلى قسمين:
1. القسم الأول: الآيات (1 - 120)
الثبات على الحق فكرياً أمام المؤثرات الخارجية، من خلال الحديث عن أهل الكتاب والحوار معهم، وهو أول حوار بين العقائد في القرآن.
2. القسم الثاني: الآيات (120 - 200)
تتحدث عن الثبات على الحق عملياً أمام المؤثرات الداخلية من خلال الحديث عن غزوة أحد، كنموذج للأخطاء التي قد تقع وكيفية تفاديها.
وقد بَدَأْتُ بالخارج حتى تجهّز للمسلم البيئة المحيطة، وبعد ذلك بدأت بالتكلم على الداخل. والواقع أن السورة تناولت هذين المحورين من خلال التعليق على حادثتين حصلتا على عهد النبي (:
- الحادثة الأولى: لقاء وفد نصارى نجران مع النبي، حين استضافهم في المسجد النبوي وحاورهم لمدة ثلاثة أيام.
- الحادثة الثانية: غزوة أحد والهزيمة أمام المشركين، فتأتي 80 آية للتعقيب عليها، لأن أكثر المؤمنين لم يثبتوا في الغزوة ولم يطيعوا أوامر نبيهم ( (وخاصة الرماة).
صحيح أن هذه الآيات تعلق على حوادث مضى عليها أكثر من 1400 سنة، لكنها تخاطب المسلمين في كل العصور لتعلمهم كيف يثبتوا خارجياً وداخلياً، فكرياً وعملياً.
من البداية للنهاية
بدأت السورة بما يساعد المسلم على الثبات، وختمت أيضاً بما يثبته على الحق.
اقرأ في بداية السورة: (الم ( ?لله لا إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ ?لْحَىُّ ?لْقَيُّومُ ( نَزَّلَ عَلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ بِ?لْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيه( (1-3).
فإلهك إله واحد وهو المعين على الثبات، والكتاب حقّ، وهو طريقك إلى الثبات على هذا الدين.
والآية الأخيرة تقول للمؤمنين (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?صْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَ?تَّقُواْ ?لله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (200).
اصبروا أي اصبر نفسك، أما صابروا فمعناها أن تساعد غيرك على الصبر، وأما رابطوا فمعناها أن يبقى المسلم مستعداً لمواجهة أي خطر يأتي من الخارج. والرباط يكون على الثغور لدفع وصد العدو الخارجي سواء كان هذا العدو جيشاً أو فكرة وشبهة.
وذكر القرآن كعامل من عوامل الثبات قد تكرر كثيراً في السورة.
فتأتي الآية (7) لتوضح (هُوَ ?لَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ مِنْهُ آيَـ?تٌ مُّحْكَمَـ?تٌ هُنَّ أُمُّ ?لْكِتَـ?بِ وَأُخَرُ مُتَشَـ?بِهَـ?تٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـ?بَهَ مِنْهُ ?بْتِغَاء ?لْفِتْنَةِ وَ?بْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ?لله وَ?لرسِخُونَ فِي ?لْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ?لالْبَـ?بِ(.
فالفهم الصحيح للقرآن من أهم عوامل الثبات الفكري والكثير من الناس قد يزيغون ويقعون في الباطل عن طريق اتباع المتشابه من القرآن. فالسورة تحذرنا من هذا الضلال وتحثنا على أن نكون من الراسخين في العلم، وان ندعو بدعاء الثبات: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ?لْوَهَّابُ( (8).
آيات تدعو إلى الثبات
وهذه الآيات كثيرة جداً في السورة. فمرة يكون ذلك عبر التذكير بأشخاص ثبتوا عند لقاء العدو.
(في معرض الحديث عن غزوة بدر) (قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ?لْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـ?تِلُ فِى سَبِيلِ ?لله وَأُخْرَى? كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ?لْعَيْنِ وَ?لله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِى ذ?لِكَ لَعِبْرَةً لاِوْلِى ?لاْبْصَـ?رِ( (13).
ومرة تذكّرنا السورة بالحواريين حين ثبتوا على نصرة دين الله تعالى وعدم الكفر به.
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى? مِنْهُمُ ?لْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى ?لله قَالَ ?لْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ?لله ءامَنَّا بِ?لله وَ?شْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ( (52).
وبمناسبة الحديث عن الأمم السابقة، يذكّرنا الله تعالى بعهد الأنبياء وثباتهم على نصرة الإسلام.
(وَإِذْ أَخَذَ ?لله مِيثَـ?قَ ?لنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـ?بٍ وَحِكْمَةٍ
ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ...( (81).
وفي سورة آل عمران تجد آيات تحثّك على التقوى والثبات على الدين حتى الممات.
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?لله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ( (102) الآية تقول لك: إياك أن تموت إلا وأنت مسلم.
ولكن كيف ونحن لا نعرف متى نموت؟ الجواب: اتق الله واثبت على طاعته تموت على الإسلام وتضمن حسن الخاتمة إن شاء الله.
وتأتي الآية التي بعدها مباشرة (وَ?عْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ?لله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ( (103).
فإذا أردت الثبات على الحق فاعتصم بالقرآن والزم المتدينين والصحبة الصالحة وإياك والاختلاف.
(وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَ?خْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ?لْبَيّنَـ?تُ...( (105).
وتتوالى الآيات في السورة لتحث على الثبات في مواطن مختلفة. فتأمل معي قول الله تعالى في الثبات عند لقاء العدو:
(وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ?لله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ?سْتَكَانُواْ وَ?لله يُحِبُّ ?لصَّـ?بِرِينَ ( (146).
وتأمّل قول الله تعالى: (?لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ?لنَّاسُ إِنَّ ?لنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَ?خْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـ?ناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ?لله وَنِعْمَ ?لْوَكِيلُ ( فَ?نْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ?لله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وَ?تَّبَعُواْ رِضْو?نَ ?لله وَ?لله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ( (173-174).
آيات كثيرة تدعو المسلمين للثبات وعدم الضعف والتخاذل تحت أي ظرف. ولأن الثبات أمر خطير ومصيري، فالسورة تحذر من عوامل تزلزل إيمان المؤمن وتقلّل من مقدرته على الثبات.
عقبات الثبات: (الشهوات والمعاصي)
في أوائل السورة نقرأ الآية (زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ?لشَّهَو?تِ مِنَ ?لنّسَاء وَ?لْبَنِينَ وَ?لْقَنَـ?طِيرِ ?لْمُقَنطَرَةِ مِنَ ?لذَّهَبِ وَ?لْفِضَّةِ وَ?لْخَيْلِ ?لْمُسَوَّمَةِ وَ?لانْعَـ?مِ وَ?لْحَرْثِ ذ?لِكَ مَتَـ?عُ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَ?لله عِندَهُ حُسْنُ ?لْمَأَبِ( (14).
فالتعلق بمتاع الدنيا الزائل وشهوتها الفانية عامل خطير ضد ثبات الأمة.
ويقول تعالى: (إِنَّ ?لَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ?لْتَقَى ?لْجَمْعَانِ إِنَّمَا ?سْتَزَلَّهُمُ ?لشَّيْطَـ?نُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ( (155).
فهذه الآية تقول بأن الذين تولوا من الصحابة يوم غزوة أحد كان عندهم ذنوب في الماضي، فاستزلّهم بها الشيطان فلم يثبتوا.
ونرى آية أخرى في نفس المعنى:
(أَوَ لَمَّا أَصَـ?بَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى? هَـ?ذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ( (165).
الحل: (التوبة)
لذلك تتكرّر الآيات التي تدعو إلى التوبة والمسارعة فيها.
فيقول تعالى: (?لَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا فَ?غْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ?لنَّارِ( (16).
(إِلاَّ ?لَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذ?لِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ?لله غَفُورٌ رَّحِيمٌ( (89).
وتأتي الآية (وَسَارِعُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لاْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ( (133).
فلتكن هذه الآية شعاراً للشباب الذين يقعون في المعاصي، المسارعة بالاستغفار والتوبة لنثبت على الحق ونضمن جنة عرضها السماوات والأرض.
مما سبق تبيّن لنا أن الثبات على الحق أمر مهم وخطير وأن العقبات دونه كثيرة مما يوصلنا إلى السؤال المهم: ما هي العوامل التي تساعدنا على الثبات على الحق؟
خمسة عوامل: أتت بها السورة وركّزت عليها:
1. اللجوء إلى الله: فالثبات من الله تعالى وهو القادر على تثبيتنا على منهجه.
لذلك فالسورة تحثّ على الدعاء كثيراً من أولها:
(رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ?لْوَهَّابُ( (8).
(رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ?لنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ?لله لاَ يُخْلِفُ ?لْمِيعَادَ( (9).
(قُلِ ?للهمَّ مَـ?لِكَ ?لْمُلْكِ تُؤْتِى ?لْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ?لْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ ?لْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى? كُلّ شَىْء قَدِيرٌ( (26).
إلى أن يصوِّر لنا القرآن نماذج مضيئة وكيف كانت تلجأ إلى الله.
فهذه زوجة عمران تدعو الله قائلة: (رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا( (35).
وزكريا (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً
طَيّبَةً( (38).
وتمضي الآيات في السورة لتحثّ على الدعاء وترغب فيه، فهذا
دعاء الأمم السابقة في الثبات عند لقاء العدو (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ?غْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا و?نصُرْنَا عَلَى ?لْقَوْمِ ?لْكَـ?فِرِينَ( (147).
وهذا دعاء أولي الألباب (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـ?نِ أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا رَبَّنَا فَ?غْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـ?تِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ?لاْبْرَارِ ( رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى? رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ?لْمِيعَادَ ( فَ?سْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ فَ?لَّذِينَ هَـ?جَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـ?رِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَـ?تَلُواْ وَقُتِلُواْ لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـ?تِهِمْ وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لاْنْهَـ?رُ ثَوَاباً مّن عِندِ ?لله وَ?لله عِندَهُ حُسْنُ ?لثَّوَابِ( (193 - 195).
2. العبادة: وتقرأ في ذلك قوله تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا( (37) فكانت السيدة مريم عاكفة على المحراب، فتعلم منها سيدنا زكريا لذلك عندما نادته الملائكة لتبشره بيحيى: (فَنَادَتْهُ ?لْمَلَـئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ?لْمِحْرَابِ( (39).
وهكذا نرى أن أجواء العبادة في السورة كثيرة ونصل إلى صفات أولي الألباب في آخر السور لنقرأ قوله تعالى: (?لَّذِينَ يَذْكُرُونَ ?لله قِيَـ?ماً وَقُعُوداً وَعَلَى? جُنُوبِهِمْ...( (191).
3. الدعوة إلى الله: توجد منطقة في مخ الإنسان هي منطقة القناعات، وهناك منطقة أبعد وأقوى هي منطقة الهوية والإنتماء، ولكي ننقل فكرة في المخ من منطقة القناعات إلى منطقة الهوية والإنتماء لا بد أن نتحدّث عنها. فقد يكون المرء مقتنعاً بالإسلام، لكن الإسلام لم يصبح هوية له. فإذا أراد الإنسان أن يكمل انتمائه إلى دينه فينبغي أن يكثر الحديث عنه، فيقوى انتماءه للفكرة ويثبت عليها. فالدعوة إلى الله من أهم عوامل الثبات لأن الداعي حين يأخذ بيد الناس فإنه سيكون أول من يثبت على ما يدعو الناس إليه. لذا فإن السورة تحتوي على الكثير من الآيات التي تحثّ المؤمن على الدعوة إلى الله:
(وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ?لْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ( (104).
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِ?لله وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ?لْكِتَـ?بِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مّنْهُمُ ?لْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ( (110).
4. وضوح الهدف: ومن عوامل الثبات أن يكون لك هدف واضح في
حياتك.
يقول تعالى: (?لَّذِينَ يَذْكُرُونَ ?لله قِيَـ?ماً... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـ?طِلاً سُبْحَـ?نَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( (191).
فلا بدّ أن نفهم أن هذا الكون قد أنشئ لهدف ولم ينشأ عبثاً، والهدف هو عبادة الله ومعرفته وأن نكون مسؤولين عن الأرض (كما وضحت سورة البقرة).
5. الأخوة: (وَ?عْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ?لله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ( (103).
فالأخوة في الله تؤمن للمسلم الصحبة الصالحة وهي من أهم نعم الله على الإنسان (فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً( (103).
لذلك تحذّرنا السورة من تضييع الأخوة والتفرق (وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَ?خْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ?لْبَيّنَـ?تُ( (105).
الثبات الفكري
سبق وذكرنا أن السورة تنقسم إلى قسمين:
والقسم الأول من الآية (1 - 120) يناقش عقيدة أهل الكتاب مناقشة راقية وعلمية ومؤدبة. إنها لا تهدف إلى تسفيه أفكارهم بل تهدف إلى تثبيت المؤمنين فكرياً وتنقية أفكارهم من الشبهات.
لذلك إذا عدنا إلى جو هذه المناقشة، نجد أحداثها تدور في المسجد النبوي مع وفد نصارى نجران الذين مكثوا ثلاثة أيام في المدينة ليتحاوروا مع رسول الله ( حواراً هو الأول من نوعه بين المسلمين والمسيحيين. ومن المهم هنا أن نوضح أن الحوار والتفاهم مع الآخر لا يعني أبداً التنازل عن جزء من العقيدة أو القيم والمبادئ، وهذا ما سنراه بوضوح من خلال الحوار الموجود في السورة وتقسيم القرآن الرائع والمنطقي لمراحله:
تقوية عقيدة المسلمين قبل النقاش
تبدأ السورة قبل النقاش بتقوية عقيدة المسلمين:
(شَهِدَ ?لله أَنَّهُ لا إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ وَ?لْمَلَـ?ئِكَةُ وَأُوْلُواْ ?لْعِلْمِ قَائِمَاً بِ?لْقِسْطِ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ( (18).
(إِنَّ الدّينَ عِندَ ?لله ?لإِسْلَـ?مُ( (19).
(أَفَغَيْرَ دِينِ ?لله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا( (83).
(وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ?لإسْلَـ?مِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ( (85).
(فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لله وَمَنِ ?تَّبَعَنِ( (20).
إيجاد نقاط اتفاق
لا بد من إيجاد أرضية مشتركة قبل البدء بأي حوار، وهو ما بيّنه القرآن في قوله تعالى: (قُلْ ي?أَهْلَ ?لْكِتَـ?بِ تَعَالَوْاْ إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ?لله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ?لله فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ?شْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ( (64).
وتذكر السورة الإيمان بأنبياء الله تعالى كلهم (بما في ذلك أنبياء أهل الكتاب) كنقطة أخرى من النقاط المشتركة معهم:
(قُلْ ءامَنَّا بِ?لله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى? إِبْر?هِيمَ وَإِسْمَـ?عِيلَ وَإِسْحَـ?قَ وَيَعْقُوبَ وَ?لاْسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى? وَعِيسَى? وَ?لنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ( (84).
الحجج والبراهين وسيلة القرآن للتثبيت
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى? عِندَ ?لله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ( (59).
(ي?أَهْلَ ?لْكِتَـ?بِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْر?هِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ ?لتَّورَاةُ وَ?لإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ( (65).
(هأَنتُمْ هَـ?ؤُلاء حَـ?جَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ( (66).
(مَا كَانَ إِبْر?هِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ?لْمُشْرِكِينَ( (67).
آيات كثيرة في الإقناع العقلي والمنطقي:
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ?لله ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْحُكْمَ وَ?لنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ?لله وَلَـ?كِن كُونُواْ رَبَّـ?نِيّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ?لْكِتَـ?بَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ( (79).
(وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ?لْمَلَـ?ئِكَةَ وَ?لنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِ?لْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ( (80).
تحذير أهل الكتاب من التكذيب
وبعد أن عرضت الآيات الأدلّة العقلية والمنطقية، تنتقل إلى جانب آخر من النقاش وهو التحذير والترهيب.
(يأَهْلَ ?لْكِتَـ?بِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـ?تِ ?لله وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ( (70).
(ي?أَهْلَ ?لْكِتَـ?بِ لِمَ تَلْبِسُونَ ?لْحَقَّ بِ?لْبَـ?طِلِ وَتَكْتُمُونَ ?لْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ( (71).
(فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـ?هُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ( (25).
ثم يشتدّ التحدي:
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ?لْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ?لله عَلَى ?لْكَـ?ذِبِينَ( (61).
تسمّى هذه الآية بآية المباهلة: أي أن يجتمع الفريقان المتناقشان ويبتهلون إلى الله بأن ينصر الفئة المحقة ويلعن الفئة الكاذبة، وطبعاً لم يقبل نصارى نجران هذا التحدي الشديد.
العدل والتوازن في النقاش
ولأن الإسلام دين راق جداً، هذا الحوار لا يختم إلا بذكر حسنات
بعض أهل الكتاب ويحثّ المسلمين على العدل في النظرة إليهم:
(لَيْسُواْ سَوَاء مّنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـ?تِ ?لله ءانَاء ?لَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ( (113).
(وَمِنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا( (75).
فالقرآن يعلّمنا أن كونهم غير مسلمين لا يعني أن كل تصرفاتهم خطأ وكل معاملاتهم غش.
يا مسلمون تعلّموا من سورة آل عمران التوازن في التعامل مع غير المسلمين.
والقرآن يثني أيضاً على أنبياء أهل الكتاب: (إِنَّ ?لله ?صْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْر?هِيمَ وَءالَ عِمْر?نَ عَلَى ?لْعَـ?لَمِينَ( (33).
ويمتدح السيدة مريم باصطفائها على نساء العالمين: (وَإِذْ قَالَتِ ?لْمَلَـئِكَةُ ي?مَرْيَمُ إِنَّ ?لله ?صْطَفَـ?كِ... عَلَى? نِسَاء ?لْعَـ?لَمِينَ( (42).
إنه مبدأ رائع في التوازن والعدل، فلم تأت هذه الآية في مدح
زوجة النبي ولا ابنته بل أتت في الثناء على السيدة مريم
عليها السلام.
لا للاتباع الأعمى
وبالمقابل يحذّرنا القرآن من الاتباع الأعمى لأهل الكتاب بعد أن بيّن لنا عقائدهم:
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ كَـ?فِرِينَ( (100).
(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى? عَلَيْكُمْ ءايَـ?تُ ?لله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِ?لله فَقَدْ هُدِىَ إِلَى? صِر?طٍ مّسْتَقِيمٍ( (101).
(هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِ?لْكِتَـ?بِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ?لاْنَامِلَ مِنَ ?لْغَيْظِ( (119).
(وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَ?خْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ?لْبَيّنَـ?تُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( (105).
والملاحظ أن محاور هذا النقاش تأتي ضمن آيات متشابكة متتالية: ثناء عليهم، ثم برهان، ثم نقطة اتفاق، ثم تقوية عقيدة (وهو ما يظهر بوضوح في بعض المقاطع مثل الآيات 79 - 83).
ولا ننسى في خضم هذا النقاش آل عمران هذه العائلة المباركة التي سمى الله تعالى السورة باسمها. من امرأة عمران ودعائها إلى السيدة مريم وتبتّلها، ثم زكريا ( ودعائه، إلى سيدنا عيسى ووالدته ثم رفعه إلى السماء. آيات رائعة في اصطفائهم وفضلهم على العالمين.




ختام أقسام السورة بالثبات
ومن الإشارات الواضحة أن يختم القسم الأول بالثبات (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً( (120).
كما ختم القسم الثاني بالثبات ( يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?صْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَ?تَّقُواْ ?لله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (200).
الثبات العملي بعد الثبات الفكري
بعدما ثبت البناء الخارجي ضد الأفكار والشبهات ينتقل القرآن إلى تثبيت البناء الداخلي، ويعالج القرآن هذا الموضوع بالتعقيب على غزوة أُحد.
فالمسلمون خرجوا من الغزوة منكسرين، خجلين من عصيان أمر النبي (
ومن هروبهم وخذلانهم لرسول الله (. فكان أن عالجهم القرآن علاجاً راقياً
من خلال:
1. التذكير بفضل الله عليهم: وأن النصر من عند الله، فذكّرهم بغزوة بدر:
(إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ( (أي أن لا تثبتا على الحق) (وَ?لله وَلِيُّهُمَا( (122) (هو الذي ثبتهما).
(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ?لله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ( (123).
ونرى في نفس السياق التأكيد على أن النصر من عند الله:
(بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ... مُسَوّمِينَ( (125).
لاحظ أن الصبر والتقوى قد تكرر ذكرهما في ختام أقسام السورة، كما ذكرا هنا أيضاً كسبب لنزول الملائكة ونصر المؤمنين.
2. الأمر بالتوبة والعودة إلى الله: هنا مظهر آخر من روعة القرآن في التربية والتثبيت، فقبل أن يذكر أخطائهم أو يؤنبهم، يدعوهم للعودة والإنابة إلى الله: (وَسَارِعُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لاْرْضُ( (133).
(وَ?لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـ?حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ?لله فَ?سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ إِلاَّ ?لله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى? مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ( (135).
3. المواساة: رفع الروح المعنوية بين الصحابة، آيات رائعة تخاطب المسلمين في كل زمان ومكان لتثبيتهم رغم كل الآلام وكل المصائب: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ( (139).
(إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ?لْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ ?لاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ?لنَّاسِ( (140).
فتمسح الآيات بحنان على آلام الصحابة، فالكفار قد تألموا مثلكم وفقدوا الأرواح مثلكم.
ثم تأتي الآية الرائعة في التثبيت: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ?لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ?لله ?لَّذِينَ جَـ?هَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ?لصَّـ?بِرِينَ( (142).
فالجنة غالية، ولا بد لمن يطلبها أن يجاهد ويصبر لينالها.
4. لوم رقيق: بعد رفع الروح المعنوية يبدأ اللوم الرقيق.
(وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ?لْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ
وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ( (143).
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ?لرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ?نقَلَبْتُمْ عَلَى? أَعْقَـ?بِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى? عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ?لله شَيْئاً وَسَيَجْزِى ?لله ?لشَّـ?كِرِينَ( (144).
ويلومهم لوماً آخر: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى? أحَدٍ وَ?لرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ( (153).
تخيل هذا المشهد: المسلمون يركضون ولا يستمعون لأحد والرسول ( ثابت في أرض المعركة يناديهم ويذكّرهم بالآخرة. ثم ذكّرهم بأحوال السابقين وثباتهم:
(وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ?لله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ?سْتَكَانُواْ وَ?لله يُحِبُّ ?لصَّـ?بِرِينَ( (146).
5. عودة للمواساة: (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ?لْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى? طَائِفَةً مّنْكُمْ( (154).
ويحنن قلب النبي ( عليهم (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ?لله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ
فَظّاً غَلِيظَ ?لْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَ?عْفُ عَنْهُمْ وَ?سْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ?لاْمْرِ( (159).
حتى بعد الهزيمة، تأمر الآيات النبي ( أن لا يترك الشورى.
استشعر روعة هذا الدين الذي يمزج اللوم مع الحنان والمواساة في أحلك الظروف وأصعبها.
6. أسباب الهزيمة وعدم الثبات: بعد كل هذا لا بد من تبيان أسباب الهزيمة والثبات حتى يستفيد المسلمون في كل زمان ومكان من الأخطاء التي وقعت:
أ. الاختلاف وعدم الطاعة: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ?لله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ
بِإِذْنِهِ( (152).
فالله تعالى قد أصدقكم وعده بالنصر (حَتَّى? إِذَا فَشِلْتُمْ( (أي لم تثبتوا) (وَتَنَـ?زَعْتُمْ فِى ?لاْمْرِ( (أي اختلفتم) (وَعَصَيْتُمْ( وهذه إشارة إلى خطورة المعصية وأثرها (مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ( (من بعد ما أراكم بشائر النصر) (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ?لاْخِرَةَ( (بعضكم كان يبغي متاع الدنيا من وراء القتال، فكانت الهزيمة).
ب. المعاصي والذنوب: (إِنَّ ?لَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ?لْتَقَى ?لْجَمْعَانِ إِنَّمَا ?سْتَزَلَّهُمُ ?لشَّيْطَـ?نُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ( (155).
ج. التعلق بالأشخاص: فعندما يتعلق الناس بالأشخاص أكثر من تعلقهم بالفكرة يضعف ثباتهم وانتماؤهم للفكرة نفسها، فبعض الصحابة ألقى السلاح عندما سمعوا بإشاعة قتل النبي ( فنزلت الآيات تؤنبهم
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ?لرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ?نقَلَبْتُمْ عَلَى? أَعْقَـ?بِكُمْ( (144).
التحذير من الخلاف في السورة
لاحظنا أن السورة ركزت على التحذير من الخلاف لأنه من أكثر العوامل التي تؤدي لعدم الثبات وتزلزل الصف الداخلي سواء أكان الخلاف فكريا أو عملياً.
لذلك حذّرت السورة من:
أ. اتباع الآيات المتشابهة من الكتاب بقصد الفتنة والتأويل: (فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـ?بَهَ مِنْهُ ?بْتِغَاء ?لْفِتْنَةِ وَ?بْتِغَاء تَأْوِيلِهِ( (7).
ب. التفرق والاختلاف في الفروع: (وَ?عْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ?لله جَمِيعاً
وَلاَ تَفَرَّقُواْ( (103). وتحذرنا السورة من الخلاف والتفرق في آيات
الله (وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَ?خْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ?لْبَيّنَـ?تُ( (105).
ج. الربا: لأنه من أسباب الخلاف بين المسلمين (يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ?لرّبَا أَضْعَـ?فاً مُّضَـ?عَفَةً( (130).
د. التفرد بالرأي: لذلك أمرت الآيات النبي بالشورى رغم كل ما حدث في أحد (فَ?عْفُ عَنْهُمْ وَ?سْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ?لاْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ?لله( (159).
علاقة القسم الأول بالثاني
1. عدم التعلق بالأشخاص: إن إشاعة قتل النبي ( والمفاجأة التي حصلت في أُحد لخبطت المسلمين، وكذلك فان قصة رفع المسيح فجأة لخبطت المسيحيين وأدت إلى ما هم عليه من ضلال. فسورة آل عمران توجهنا إلى التعلق بالفكرة لا بالأفراد والأشخاص، فهم يزولون ويموتون وتبقى الفكرة ويبقى الدين، فيا شباب إن أردتم الثبات فإياكم والتعلق بداعية ما أو بشخص ما ونسيان الفكرة والرسالة.
2. أهمية الاتباع: مع أن السورة ركّزت على عدم التعلق بالأشخاص لكنها بيّنت أهمية الاتباع والطاعة.
- ففي القسم الأول: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى? مِنْهُمُ ?لْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى ?لله قَالَ ?لْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ?لله( (52).
هذه الآية وضّحت الغاية (إِلَى ?لله( وبيّنت لهم الوسيلة والطريق: (مَنْ أَنصَارِي( فلا بد لهم أن يكونوا من أنصار النبي.
- ونرى في القسم الثاني آية عامة على مر العصور في اتباع الأنبياء:
(وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ?لله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ?سْتَكَانُواْ وَ?لله يُحِبُّ ?لصَّـ?بِرِينَ( (146).
والآية (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى? أحَدٍ وَ?لرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ( (153).
تلوم المؤمنين على تقصيرهم في اتباع النبي وطاعته في غزوة أحد.
لماذا سميت السورة بآل عمران؟
ما علاقة كل ما قيل عن الثبات بآل عمران؟ إن الله تعالى قد اختار في هذه السورة رمزين من رموز الثبات، امرأة آل عمران، ومريم بنت عمران، وسرد
لنا قصتهما في ربعين كاملين من السورة. فالسيدة مريم ثبتت على طاعة الله تعالى وعبادته وثبتت على العفة حتى استحقت أن تذكر بهذه الصفة في القرآن (?لَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا( فمن أخطر الأمور التي تضيّع الأفراد وتضيّع المجتمعات الفشل في الثبات على الطاعة وعلى العفة. فكانت السيدة مريم عليها السلام رمزاً للثبات عليهما.
وأما زوجة عمران فقد كان همها الأول أن يكون الجنين الذي
تحمله ناصراً لدين الله تعالى: (رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنّي( (53).
محرّراً أي خالصاً لك فكانت تريده أن يحرر المسجد الأقصى من يد الرومان المعتدين وبذلك كانت رمزاً للثبات على فكرتها حتى بعد أن علمت أن
وليدها كان أنثى. (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَى? وَ?لله أَعْلَمُ
بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ?لذَّكَرُ كَ?لأُنْثَى? وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ...( (36) فتقبّل
الله تعالى من امرأة عمران صدق نيتها (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا
نَبَاتًا حَسَنًا...((37).
واللطيف أن الله تعالى ذكر هذين الرمزين في السورة التي تناقش أهل الكتاب وهذه طريقة مميّزة للقرآن في تقريب الناس كما مرّ معنا. فمع أنه ينكر على ما يعتقده أهل الكتاب لكنه يثني على شخصيات عظيمة يؤمنون بها كزوجة عمران والسيدة مريم.
قيمة المرأة في السورة
واللطيف أيضاً في السورة التي تتحدث عن الثبات أن الله تعالى قد
جعل نموذج الثبات سيدتين فالسورة مع أن اسمها آل عمران، لم تذكر
عمران نفسه بل ركزت على زوجته ونيتها المخلصة في نصرة دين الله
التي كانت سبباً بعد ذلك في ولادة السيدة مريم ومن بعدها سيدنا عيسى.
لاحظ أيضاً أن سيدنا زكريا على ما له من قيمة في أنبياء بني إسرائيل قد تعلّم من السيدة مريم.
(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ?لْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ
ي?مَرْيَمُ أَنَّى? لَكِ هَـ?ذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ?لله...( و(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا
رَبَّهُ...( (37-38).
فرمز الثبات في السورة هو النساء، والسورة التالية بعد آل عمران
هي أيضاً سورة النساء، وهذا أوضح دليل على تكريم الإسلام للمرأة ورفع قدرها.
فيا شباب أثبتوا على الحق فكراً وعملاً، ويا فتيات أثبتن على الحق فكراً وعملاً، وتعلّموا من السيدتين اللتين ذكرت في هذه السورة: امرأة عمران، ومريم بنت عمران.



سورة النساء
سورة النساء
سورة النساء (مدنية) نزلت بعد سورة الممتحنة وعدد آياتها (176) مائة وست وسبعون آية، وهي السورة الرابعة في ترتيب المصحف بعد سورة آل عمران.
سورة النساء هي سورة العدل والرحمة خاصة مع الضعفاء فبعد أن حدّدت سورة البقرة مسؤولية المسلمين عن الأرض وعرضت منهج الاستخلاف، جاءت سورة آل عمران لتدعو إلى الثبات على المنهج القويم وعلى المسؤولية الملقاة على عاتق المؤمنين. ثم جاءت سورة النساء لتعلمنا أن المستأمن على الأرض لا بد أن يكون على قدر من العدل والرحمة تجاه الضعفاء الذين استؤمن عليهم وكأن الصفة الأولى التي تميّز المسؤولين عن الأرض هي العدل.. ولهذا فإن سورة النساء تتحدث عن حقوق الضعفاء في المجتمع. إنها تتحدث عن اليتامى والعبيد والخدم والورثة، كما تركز بشكل أساسي على النساء. وكذلك فإنها تتحدث عن الأقليات غير المسلمة التي تعيش في كنف الإسلام وعن حقوقها بالإضافة إلى التوجه إلى المستضعفين أنفسهم وكيف ينبغي عليهم التصرف في المواقف المختلفة. يضاف إلى كل هذا الحديث عن ابن السبيل وعن الوالدين وكيف يجب أن يُعاملوا.. فهي سورة الرحمة وسورة العدل.. يتكرر في كل آية من آياتها ذكر الضعفاء والعدل والرحمة بشكل رائع يدلنا على عظمة الإعجاز القرآني في التكرار دون أن يملّ القارئ.
سبب التسمية: بيتك أولاً
أما سبب تسمية السورة بهذا الاسم فهو أن المرء لو عدل مع زوجته في بيته ورحمها فإنه سيعرف كيف سيعدل مع بقية الضعفاء.



فهي سورة المستضعفين وقد اختار الله نوعاً من أنواع المستضعفين وهم النساء ليكونوا اسماً لهذه السورة.. وكأن الله يقول لك: قبل أن أستأمنك على الأرض، أرني عدلك في بيتك، فلو عدلت ورحمت في بيتك فستكون مستأمناً للعدل في المجتمع، إن العدل مع النساء في البيوت نموذج يقاس به عدل المسلمين في امتحان الاستخلاف على الأرض، فهل سنجد بعد هذا من يدّعي بأن الإسلام يضطهد المرأة ولا يعدل معها؟
إن هذه الادّعاءات لن تنطلي على قارئ القرآن بعد الآن وخاصة مع الذي يقرأ سورة النساء، فهناك سورة كاملة تتناول العدل والرحمة معهنَّ، وقبلها سورة آل عمران التي عرضت السيدة مريم وامرأة عمران كنموذجين للثبات (كأن سورة آل عمران تمهّد لتكريم المرأة).
تعالوا الآن أيها الأخوة نخوض في رحاب الآيات الكريمة وننوي أثناء قراءتها أن نعدل مع كل الناس خاصة مع الضعفاء.
دعامة الاستخلاف: العدل
تبدأ السورة بداية واضحة في توضيح هدفها: (يَـأَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمُ ?لَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ و?حِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء...( (1) فهذه الآية تخبرنا بأن الأصل الإنساني واحد (مّن نَّفْسٍ و?حِدَةٍ( فلم الظلم؟؟
وتبيّن الآية أن النساء قد خلقن من الرجال، وفي هذا دعوة صريحة للرأفة بهنّ كما في حديث النبي: "النساء شقائق الرجال". والملاحظ أن السورة بدأت بخطاب عالمي (يَـأَيُّهَا ?لنَّاسُ( بينما سورة المائدة بدأت بخطاب المؤمنين (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ( وذلك لأن العدل قانون عام للأمم جميعاً.. فلا يمكن لأمة أن تسود في الأرض وهي ظالمة.. فالعدل أساس الملك وأساس الاستقرار وأساس الاستخلاف. وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(.. وأمور الناس تستقيم مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام..) 28/146 مجموع الفتاوى.
ولاحظ أن سورة النساء ابتدأت بنفس المعنى الذي ختمت به السورة التي قبلها: التقوى. فقد ختمت آل عمران بـ (وَ?تَّقُواْ ?لله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (200) وابتدأت سورة النساء بـ (يَـأَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمُ( (1).
لا تأكل النار
والآية الثانية تحذّر من ظلم نوع آخر من المستضعفين: (وَءاتُواْ ?لْيَتَـ?مَى? أَمْو?لَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ?لْخَبِيثَ بِ?لطَّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْو?لَهُمْ إِلَى? أَمْو?لِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً( ثم بعد ذلك يأتي قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ?لْيَتَـ?مَى?( كان العرب يربّون اليتيمة فينفقون عليها من مالها، فإذا كبرت وأراد أن يتزوجها وليها فقد يبخسها في مهرها، ولا يعطيها مهراً مثل ما يعطي غيرها من النساء، فأتت الآية لتدافع أيضاً عن تلك الفئة المستضعفة من النساء، وفي هذه الآية نرى القاعدة المشهورة في إباحة عدد الزوجات: العدل ثم العدل ثم العدل وإلا فواحدة. (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَو?حِدَةً...(.
المهر: حق الزوجة مع طيّب النفس
ثم تأتي الآية الرابعة لتقرر حق الزوجة في المهر، وأهمية أن يعطيها الرجل مهرها "نحلة" أي عن طيب نفس (وَءاتُواْ ?لنّسَاء صَدُقَـ?تِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً(.
فانظر أخي المسلم إلى هذه الرحمة المتبادلة بين الزوجين يرسّخها الإسلام في آية المهر. فالمطلوب من الرجل طيب النفس في العطاء، أما المرأة فهي مخيّرة بين أن تحتفظ بحقّها أو أن تطيب نفسها ببعضه إكراماً لزوجها. آية رائعة في الجمع بين المطالبة بحق الزوجة وبين العلاقة الحميمة المتبادلة في العطاء عن طيب النفس.
العدل حتى مع السفهاء
وتمضي الآيات لتحقق العدل مع فئات المجتمع المختلفة، حتى السفهاء من الناس (وَلاَ تُؤْتُواْ ?لسُّفَهَاء أَمْو?لَكُمُ ?لَّتِى جَعَلَ ?لله لَكُمْ قِيَـ?ماً وَ?رْزُقُوهُمْ فِيهَا وَ?كْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً( (5) والسفهاء هم الذين لا يحسنون إدارة أموالهم بحيث لو أنه ترك معهم لتبدد بسرعة. فحتى هذه الفئة من الناس لا يجوز أن تظلم أو أن تستغلّ، كما يفعل البعض بحجة سفاهة صاحب المال.
ثم تأتي الآية السادسة أيضاً لتقرر حق اليتامى في مالهم إذا بلغوا سن الرشد (وَ?بْتَلُواْ ?لْيَتَـ?مَى? حَتَّى? إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ ءانَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَ?دْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْو?لَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ(.
والآية السابعة تقرّر حق المرأة في الميراث الذي حرمها منه بعض العرب في الجاهلية (لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ?لْو?لِد?نِ وَ?لاْقْرَبُونَ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ ?لْو?لِد?نِ وَ?لاْقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً(.
والآية الثامنة تجمع بين العدل والإحسان (وَإِذَا حَضَرَ ?لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينُ فَ?رْزُقُوهُمْ مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً(.
إحفظ أولادك من بعدك بالعدل
والآية التاسعة تصحح مفهوماً سائداً عند الناس (وَلْيَخْشَ ?لَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـ?فاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ?لله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً( كثير من الناس يأكلون الحرام ويعتدون على غيرهم بحجة أنهم يخافون على أولادهم بعد وفاتهم، لكن السورة تقول لك العكس: اعدل مع غيرك وقل قولاً سديداً يحفظ لك الله أولادك.
ثم تأتي الآية العاشرة لتحذِّر من الظلم تحذيراً شديداً (إِنَّ ?لَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْو?لَ ?لْيَتَـ?مَى? ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ
سَعِيراً(.
الميراث بالعدل
وبعد ذلك تأتي أحكام الميراث للأولاد والبنات في الآية (11) (يُوصِيكُمُ ?لله فِى أَوْلَـ?دِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ?لاْنْثَيَيْنِ...( هذا هو العدل لأن تقسيم الإرث ليس على أساس الأفضلية، وليس بنسبة متساوية بين الذكر والأنثى بل على أساس الواجبات والمسؤوليات لكل واحد منهما. فالرجل عنده مسؤولية النفقة على بيته وزوجته. بينما المرأة ليس عليها أي واجب للنفقة وإذا تزوجت فعلى زوجها أن ينفق عليها وتبقى لها حصتها من الإرث.
ثم الآية (12) تفصل الميراث بين الزوجين أيضاً بالعدل (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْو?جُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ( فباختصار أخي المسلم، كلما أحسست بأن العدل قد نقص من حياتك خاصة مع زوجتك، بيتك أو الضعفاء فعليك أن تقرأ سورة النساء: سورة العدل وأن تعرض نفسك على آياتها.
تلك حدود الله
ثم تأتي آيتان (13-14) محوريتان في الترغيب بالعدل والترهيب من الظلم والتعدي على حدود الله (تِلْكَ حُدُودُ ?لله وَمَن يُطِعِ ?لله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لاْنْهَـرُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا وَذ?لِكَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ ( وَمَن يَعْصِ ?لله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـ?لِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(.
فماذا لو وقع الظلم من البشر؟ تأتي الآية (17) لتجيب على السؤال مباشرة وتفتح باب التوبة (إِنَّمَا ?لتَّوْبَةُ عَلَى ?لله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لسُّوء بِجَهَـ?لَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ?لله عَلَيْهِمْ وَكَانَ ?لله عَلِيماً حَكِيماً(.
شعار السورة: وعاشروهنّ بالمعروف
وتعود الآيات إلى الحديث عن العدل مع النساء (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ?لنّسَاء كَرْهاً...( (19) فهذه الآية تحذّر من إرث النساء كرهاً (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِ?لْمَعْرُوفِ( (19).. فليس معنى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِ?لْمَعْرُوفِ( أن لا يظلم الرجل زوجته فحسب، بل إن العلماء قالوا بأن المعاشرة بالمعروف هي أن يتحمّل الرجل الأذى من زوجته ويصبر عليها ويرقق قلبها حتى يذهب عنها غضبها كما كان يفعل النبي (: وتمضي الآية لتقول (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى? أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ?لله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً( (19).
وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً
ثم تأتي الآية (20) (وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ?سْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـ?ناً وَإِثْماً مُّبِيناً( هذه الآيات تجمع بين العدل والواقعية في التعامل مع المرأة، فأولاً: عاشروهنّ بالمعروف، ثم لو كرهتها فاصبر فإذا لم تقدر وأردت استبدال زوجة مكان زوجتك فإياك أن تأخذ من مهرها شيئاً، حتى لو كان قنطاراً أي مالاً كثيراً. والآية شديدة في هذا المعنى (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـ?ناً وَإِثْماً مُّبِيناً(. لماذا ذكر البهتان هنا؟ لأن العرب كانوا إذا أرادوا استبدال زوجتهم رموها بفاحشة (بهتاناً) حتى يدفعوها إلى رد كل ما يريدون من المهر، فوبّختهم الآية (20) بقوّة.
ثم تأتي آية من أروع الآيات القرآنية في ترقيق القلوب بين الزوجين من ناحية وفي تغليظ وتعظيم عقد الزواج من ناحية ثانية: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى? بَعْضُكُمْ إِلَى? بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـ?قاً غَلِيظاً( (21) وكلمة (أفضى) تدلّ على عمق العلاقة بين الزوجين فتذكّر الزوج بعشرات الصور الجميلة قبل أن تسوء العلاقة مع زوجته، في الليل والنهار في غرفة النوم وفي النزهات.
وأما الميثاق الغليظ، فهو عقد النكاح أيها الرجل، عندما وضعتَ يدك بيد وليّ زوجتك وقلت "على كتاب الله وسنة رسوله". فهنا تحذير شديد لكل زوج من أن ينقِض هذا العهد الذي يُشهد الله عليه. والملفت أن عبارة (مّيثَـ?قاً غَلِيظاً( لم ترد في القرآن إلا ثلاث مرات: مرة مع الأنبياء، الذين أوفوا بهذا الميثاق الغليظ
(سورة الأحزاب، الآية 7)، ومرّة مع بني إسرائيل، الذين نقضوا الميثاق
(سورة النساء الآية، 154) والمرة الثالثة هي معك أيها الزوج عند عقد القران.
من صور تكريم الإسلام للمرأة
لقد ظلمت المرأة كثيراً عبر التاريخ فجاء الإسلام وأُنزلَت سورة النساء لتردّ لها حقوقها. فمن مظاهر الظلم التي كانت موجودة أن يرث الرجل كل ثروة أبيه، ويرث مع المال كلّ زوجاته - إلا أمه - إذلالاً لهنّ، فتأتي الآية (22) (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ?لنّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَـ?حِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً( لتنهى عن هذه الفعلة الشنيعة.
وتتابع الآيات وتتحدث عن حقّ آخر هو حق الزواج من العبيد في الوقت الذي لم يكن هناك قانون يلتفت لحقوقهم فلو كان الرجل غير قادر على الزواج من المحصنات أي الحرائر وأراد الزواج بأمة فان الآية تقول.. (فَ?نكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ( ولم تقل الآية (سيدهنّ). فالقرآن سمّى السيد بالأهل ليحثّ على الرحمة بهنّ ويراعي مشاعرهنّ (فَ?نكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِ?لْمَعْرُوفِ( (25) أي ادفعوا لهن مهورهن عن طيب نفس، ولا تبخسوهن حقهن لكونهن إماء مملوكات.
ولا متخذات أخذان
وبعد ذلك تخاطب الآية النساء (وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ( وتحذرهن من العلاقات غير الشرعية مع الرجال (تحت عنوان المصاحبة) فالسورة تتحدث عن رحمة ورأفة الإسلام بالمرأة بأن لا يكون لها صديق عاشق لأنها ستشعر بالإحباط إذا تركها، وهو ما ستؤول إليه كل علاقة بدأت بمعصية.. وستتحطم سمعتها وحياتها في المستقبل. والنساء في هذه الحالة يشكلن نوعاً آخر من المستضعفين لأن قلوبهن رقيقة وعاطفتهن قوية. فيا أيتها البنات، أنتن غاليات عند الله تعالى والإسلام يحمي مشاعركن من أن يعبث بها شاب لاهٍ غير مسؤول.
تخفيف العقوبة على الضعفاء
ما زلنا مع الآية (25) والتي تنص على مظهر رائع من مظاهر عدل الإسلام ورحمته مع الضعفاء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـ?حِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ?لْمُحْصَنَـ?تِ( وهذا عكس ما نرى في القوانين الرومانية والهندية القديمة في تشديد العقوبة على الطبقات المتدينة وفي حين أن الإسلام يرأف بالطبقات الضعيفة ويخفف عنها العقوبة.
ثم تأتي الآيات (26 - 27 - 28) لتذكر رحمة الله ورأفته بالأمة المحمدية وبالبشرية كلّها. وهذا أيضاً من باب الرحمة بالضعفاء لأن الآية تقول (وَخُلِقَ ?لإِنسَـ?نُ ضَعِيفاً( اقرأ معي الآيات وتأمل كيف يبين لنا الله رأفته وعدله ويذكرنا بضعفنا في وسط الآيات الكثيرة التي تدعو للرأفة بالضعفاء (يُرِيدُ ?لله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ?لله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( وَ?لله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ?لَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ?لشَّهَو?تِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ( يُرِيدُ ?لله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ?لإِنسَـ?نُ ضَعِيفاً(.
العدل في الأموال والأنفس
وبعد أن تناولت الآيات مظاهر العدل في مجالات مختلفة (المرأة ثم الأسرة ثم المجتمع) تنتقل إلى العدل في التجارة والمعاملات المالية (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْو?لَكُمْ بَيْنَكُمْ بِ?لْبَـ?طِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـ?رَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ( (29) ثم إلى العدل مع الحياة البشرية وعدم سفك الدماء (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ?لله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً(.
لا إفراط ولا تفريط
وتأتي الآية (34) لتنظّم الضوابط داخل الأسرة المسلمة لأن الرجل قد يدفعه حرصه على العدل مع الزوجة إلى التراخي وعدم الحزم، وقد يترك زوجته تفعل أشياء خاطئة، فتعطينا الآية صورة من صور التوازن في الإسلام: الحزم مع العدل (?لرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ?لنّسَاء بِمَا فَضَّلَ ?لله بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْو?لِهِمْ فَ?لصَّـ?لِحَـ?تُ قَـ?نِتَـ?تٌ حَـفِظَـ?تٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ?لله وَ?للَّـ?تِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ?هْجُرُوهُنَّ فِى ?لْمَضَاجِعِ وَ?ضْرِبُوهُنَّ( فالمرأة مأمورة شرعاً بطاعة زوجها لتستقيم الحياة داخل البيت، فإذا أخطأت المرأة وكان الزوج يعطيها حقّها، فلا ينبغي أن يتركها تفعل ما تشاء (مخافة أن يظلمها)، فلا بد من الحزم هنا، وعدّدت الآية مراتب التأديب: الوعظ ثم الهجر في المضاجع ثم الضرب وينبغي التنبه إلى أن الضرب لا يكون إلا في حالة النشوز، وهو العصيان الشديد الذي قد يؤدي إلى دمار البيت، فالضرب إذاً حالة نادرة ولا يجوز أن يلجأ إليه الرجل متى شاء تحت حجة أن القرآن أمر به
دون أن ينسى أن له ضوابط عديدة والهدف منه هو إشعار المرأة بالخطأ لا إشعارها بالألم.
ولنا في رسول الله أسوة حسنة حيث أنه لم يضرب في حياته امرأة أو خادماً قط.
لا تظلم نفسك
ثم تعود آيات السورة للحديث عن العدل فتحذّر من الشرك بالله (وَ?عْبُدُواْ ?لله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً( (36) لأن أعظم الظلم الشرك كما ورد في سورة لقمان (إِنَّ ?لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ( ثم توزّع الآية (36) العدل والإحسان على فئات المجتمع المختلفة وخاصة الضعيفة منها (وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَاناً( أي الوالدين عند الكبر (وَبِذِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينِ وَ?لْجَارِ ذِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْجَارِ ?لْجُنُبِ وَ?لصَّـ?حِبِ بِ?لجَنْبِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُكُمْ إِنَّ ?لله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً(. أرأيت كيف تتوالى آيات السورة التي - وإن اختلفت في مضمونها - تصب وتخدم محوراً واحداً وهو العدل بكل أشكاله.
عوائق العدل والرحمة
وبعد ذلك تتحدث السورة عن صفات مذمومة لو وجدت بشخصٍ لأثّرت سلباً في قدرته على العدل والرحمة بالضعفاء، فتبدأ الآية 37 بالحديث عن البخل (?لَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ?لنَّاسَ بِ?لْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـ?هُمُ ?لله مِن فَضْلِهِ( ومن ثم الرياء وحب الظهور الآية 38 (وَ?لَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْو?لَهُمْ رِئَـاء ?لنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِ?لله وَلاَ بِ?لْيَوْمِ ?لاْخِرِ وَمَن يَكُنِ ?لشَّيْطَـ?نُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً(.
إن الله لا يظلم مثقال ذرة
بعد كل هذه الآداب يذكّرنا تعالى بفضله وكيف أنه يعاملنا بالفضل
قبل العدل فكيف يأبى الإنسان أن يتعامل مع غيره بالعدل. (إِنَّ ?لله
لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـ?عِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً
عَظِيماً( (40).
والآية التي بعدها تذكرنا أن النبي ( سيشهد على عدلنا يوم القيامة (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَـؤُلاء شَهِيداً( (41) فكأن الله يقول للظالم: إحذر فسوف يشهد النبي على ظلمك، ويقول للعادل: إفرح، فسوف يشهد حبيبك ( على عدلك.
ثم تأتي آية محورية تمثّل قلب السورة (إِنَّ ?لله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ?لامَـ?نَـ?تِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ?لنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِ?لْعَدْلِ إِنَّ ?لله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ?لله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً( (58).
طاعة الله والرسول أساس العدل
وهذا المعنى واضح في الآية (59) التالية: (يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ
أَطِيعُواْ ?لله وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ وَأُوْلِى ?لاْمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ?لله وَ?لرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِ?لله وَ?لْيَوْمِ ?لاْخِرِ ذ?لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(.
فالاحتكام إلى شرع الله وردّ كل خلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله هما صمّام العدل والرحمة في المجتمع وإن بدا فيهما غير ذلك، كما هو واضح في الآية (64)، فإذا عصى المؤمن أوامر الله ورسوله فيكون قد ظلم نفسه (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فَ?سْتَغْفَرُواْ ?لله وَ?سْتَغْفَرَ لَهُمُ ?لرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ?لله تَوَّاباً رَّحِيماً(. فكيف نحقق تمام العدل؟ تجيب الآية (65) بوضوح شديد (فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً( يا مسلمون، اعرضوا أنفسكم على كتاب الله وعلى سنة النبي وسلّموا بحكم النبي، وإياكم أن تترددوا أو تتحرجوا من أوامر النبي لكي يشهد النبي على عدلكم في الآخرة.
القتال للحفاظ على حقوق المستضعفين
وتتابع الآيات إلى أن تصل إلى ربع حزب كامل يتحدّث عن القتال من أول الآية (74) (فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ?لله ?لَّذِينَ يَشْرُونَ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا بِ?لاْخِرَةِ( ما علاقة هذا الربع بالعدل؟ إن استمرار العدل في المجتمع يتطلب وجود قوّة لتحافظ على حقوق المستَضعفين، فالقتال في الإسلام ليس للعدوان وليس هدفاً لذاته، وإنما هو وسيلة لهدف، ودليل ذلك الآية (75) (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـ?تِلُونَ فِى سَبِيلِ ?لله وَ?لْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ?لرّجَالِ وَ?لنّسَاء وَ?لْوِلْد?نِ ?لَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـ?ذِهِ ?لْقَرْيَةِ ?لظَّـ?لِمِ أَهْلُهَا وَ?جْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَ?جْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً(. والملاحظ أن أكثر أحكام القتال وردت في سورة النساء، لأن النساء مصنع المجاهدين أولاً، ولأن المرأة مقاتلة في بيتها. فالمرأة التي يتعبها زوجها وتصبر على ظلمه تقاتل وتستشهد في بيتها كلّ يوم مئة مرّة. فكان إيراد أحكام القتال في السورة رسالة للمرأة لتقول لها (والله أعلم) أنك أيضاً مقاتلة في صبرك على زوجك
وحمايتك لبيتك.
أثر الإعلام على العدل
وتأتي في هذا الربع أيضاً آية مهمة، تخاطب الإعلاميين في كل زمان ومكان وتشير إلى أثر الإعلام على العدل (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ?لاْمْنِ أَوِ ?لْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ?لرَّسُولِ وَإِلَى? أُوْلِى ?لاْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ?لَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ( فالإعلام قد يكون بيئة مخيفة للقاضي وللرأي العام فتنقلب المفاهيم وتؤثر على حكم العادل، لذلك لا بد من ردّ الإشاعات إلى أولي الأمر وعدم التأويل والاستنباط. إنها رسالة واضحة للمسلمين في زماننا أن يمحّصوا ويتثبتوا مما تبثه وسائل الإعلام.
خطر النفاق
وبعد ذلك يأتي ربع حزب كامل يتحدث عن خطورة المنافقين
على المجتمع (فَمَا لَكُمْ فِى ?لْمُنَـ?فِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ?لله أَرْكَسَهُمْ بِمَا
كَسَبُواْ(.
وسبب ذكر المنافقين هو التنبيه إلى أن انتشارهم في المجتمع هو أعظم سبب لتضييع العدل وتضييع حقوق الضعفاء. فهم يفسدون المجتمع ويضيّعون قيمه وخاصة قيمة العدل.
وبعد ذلك تصل بنا الآيات إلى قمة العدل: العدل حتى أثناء القتال (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ?لله فَتَبَيَّنُواْ( إنها الأخلاق الحربية التي كان الإسلام رائداً في الدعوة إليها.
كن إيجابياً لتنال العدل
في كل الآيات السابقة كان القرآن يخاطب الأقوياء والمسؤولين ويأمرهم بالعدل مع الضعفاء والرحمة بهم. لكن القرآن في الآية 97 يطلب من المستضعفين الإيجابية والحركة وعدم الخضوع والهوان لكي لا يظنوا أن واجبهم في الأرض يقتصر على انتظار العدل واستجداء الرحمة من الناس (إِنَّ ?لَّذِينَ تَوَفَّـ?هُمُ ?لْمَلَـئِكَةُ ظَـ?لِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ?لاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ?لله و?سِعَةً فَتُهَـ?جِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً(.
القصر في الصلاة من رحمة الله بنا
وبعد ذلك ينبهنا الله تعالى إلى رحمته التي يعامل بها خلقه وعباده، فتأتي الآية (101) لنتحدّث عن القصر في الصلاة وصلاة الخوف (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ?لاْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ?لصَّلو?ةِ...( فالله تعالى يلفت انتباهنا في هذه الآية إلى رحمته بنا لنرحم الناس.
مع الأقليات غير المسلمة
وأخيراً نصل إلى العدل مع الأقليات غير المسلمة في المجتمع المسلم. وذلك أن أحد المسلمين في عهد النبي ( سرق واتّهم يهودياً. علِم مسلم آخر بالأمر وشهد زوراً حتى لا يتعرّض المسلم للحد وذلك تحت حجة الأخوة.
فنزلت الآيات تخاطب المسلمين خطاباً شديداً (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ بِ?لْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ?لنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ?لله وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً( (105) ثم تشتدّ اللهجة على الظالم (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ?حْتَمَلَ بُهْتَـ?ناً وَإِثْماً مُّبِيناً( (112) فشهد الله تعالى من فوق سبع سماوات ببراءة اليهودي مما نسب إليه ليرسخ في الإسلام هذه القواعد الحضارية في التعامل مع الديانات الأخرى.
عودة للنساء
في أواخر السورة نرى عودة لبعض الأحكام المتعلقة بالنساء مع التركيز على ضوابط العدل والرحمة (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ?لنّسَاء قُلِ ?لله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى? عَلَيْكُمْ فِى ?لْكِتَـ?بِ فِى يَتَـ?مَى ?لنّسَاء( (127) ونرى دعوة أخرى إلى العدل عند تعدد الزوجات (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ?لنّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ?لْمَيْلِ( (129) أي إلى واحدة منهم (فَتَذَرُوهَا كَ?لْمُعَلَّقَةِ( (129) لا هي متزوجة ولا مطلّقة فهذا ظلم لها وسوء استعمال للصلاحية التي في يد الرجل.
كونوا قوّامين بالقسط
لذلك نرى الآية (135) تذكرنا بهدف السورة بقوّة قبل ختامها:
(يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِ?لْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ
أَوِ ?لْو?لِدَيْنِ وَ?لاْقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فقَيراً فَ?لله أَوْلَى? بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ?لْهَوَى? أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ?لله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً(.
وقوامين هي لفظة مبالغة تعني: شديدي القيام بالعدل. والآية تحذّرنا من اتباع الهوى لأنه عامل خطير في التسبب بظلم الناس.
ظلم أهل الكتاب
ثم تنتقل السورة إلى انتقاد بعض أخطاء أهل الكتاب المتعلّقة بموضوع السورة وذلك لتحذير المسلمين من أفعالهم (فَبِظُلْمٍ مّنَ ?لَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـ?تٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ( (160) بسبب ظلمهم ضيّق الله عليهم الحلال. فماذا كانت مظاهر ظلمهم (وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ ?لله كَثِيراً ( وَأَخْذِهِمُ ?لرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْو?لَ ?لنَّاسِ بِ?لْبَـ?طِلِ( (161).
وتتناول الآيتان (171-172) (يأَهْلَ ?لْكِتَـ?بِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ?لله إِلاَّ ?لْحَقَّ إِنَّمَا ?لْمَسِيحُ عِيسَى ?بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ?لله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـ?هَا إِلَى? مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ فَـئَامِنُواْ بِ?لله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـ?ثَةٌ ?نتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا ?لله إِلَـ?هٌ و?حِدٌ سُبْحَـ?نَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ وما فِى ?لسَّمَـ?و?ت وَمَا فِى ?لاْرْضِ وَكَفَى? بِ?لله وَكِيلاً ( لَّن يَسْتَنكِفَ ?لْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لله وَلاَ ?لْمَلَـئِكَةُ ?لْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً( أيضاً انحراف عقيدة النصارى. وإيرادها هنا يخدم هدف السورة من ناحية أخرى: فإن سبب تحريف دينهم وكتابهم هو الاستضعاف والاضطهاد من الرومان للجيل الأول من النصارى. فكأن الرسالة هنا للمؤمنين: نصرة الدين وتقويته ودعمه حتى لا يبدل ويحرّف كما جرى مع أهل الكتب.
وتأتي بعدها آيتان شديدتان في التحذير من الظلم (إِنَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ?لله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَـ?لِدِينَ فِيهَا...( (168-169).
هذه سورة النساء، سورة العدل والرحمة مع كل طبقات
المجتمع.
ومما تميزت به هذه السورة أنها الأكثر إيراداً لأسماء الله الحسنى في أواخر آياتها (42 مرة). تشمل هذه الأسماء العلم والحكمة (عليم حكيم) أو القدرة والرحمة والمغفرة، وكلها تشير إلى عدل الله ورحمته وحكمته في القوانين التي سنّها لتحقيق العدل.
أخي المسلم، اقرأ سورة النساء بنية تطبيق العدل في حياتك، في بيتك وأهلك أولا (وخاصة زوجتك ووالديك)، ومع جيرانك وكل مجتمعك مهما يكن دينهم أو طبقتهم الاجتماعية.



سورة المائدة
سورة المائدة
سورة المائدة (مدنية)، ومنها ما نزل في مكة (بعد حجة الوداع).
نزلت بعد سورة الفتح، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة النساء، وعدد آياتها 120 آية.
إنَّ سورة المائدة هي السورة الوحيدة في القرآن التي ابتدأت بـ (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ...(.
وتكرّر هذا النداء في القرآن كله 88 مرة، منها 16 مرة في سورة المائدة لوحدها.
يقول عبد الله بن مسعود: "إذا سمعت (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ( فارعها سمعك فإنه أمر خير تؤمر به أو شر تنهى عنه". ومعنى (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ( أي يا من آمنتم بالله حقاً، يا من رضيتم بالله رباً، يا من أقررتم بالله معبوداً، اسمعوا وأطيعوا.
هدفها نداؤها
أما هدف السورة فهو واضح من أول نداء جاء في السورة (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِ?لْعُقُودِ( أي أوفوا بعهودكم، لا تنقضوا الميثاق، والعقود تشمل ما عقده الإنسان، من المسؤولية عن الأرض واستخلاف الله للإنسان، إلى أمور الطاعات كالصلاة والحجاب، إلى ترك المحرمات كشرب الخمر واكل الحرام.
وكما ذكرنا فلم يتكرر نداء (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ( في أي سورة كما تكرّر في سورة المائدة (16 نداء) فسورة البقرة مثلاً فيها عشرة نداءات مع أنّ

عدد آياتها أطول. هذه النداءات تشكل محاور السورة، فكلما يأتي نداء منها ترى بعده محوراً جديداً للسورة فيه تفاصيل الأوامر أو النواهي. 16 أمراً والسورة تنقلنا من أمر إلى آخر، لتأمرنا بالإيفاء بالعقود.
تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: "إنَّ سورة المائدة كانت آخر ما أنزل ما القرآن فما وجدتم فيها من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيها من حرامٍ فحرِّموه".
ففي السورة نرى آخر آية أحكام في القرآن: (?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ?لأسْلاَمَ دِيناً( (3) من التي أنزلت في حجة الوداع.
أظن أن هدف السورة بدأ يظهر. الآن وقد تم الدين، فالتزموا بالعهد مع الله وحافظوا عليه، فأحلّوا حلاله وحرّموا حرامه. إنها سورة الحلال والحرام في الإسلام. لذلك جاء في الحديث "علّموا رجالكم سورة المائدة، وعلّموا نساءكم سورة النور".
محاور السورة
كما ذكرنا فكلما يأتي نداء (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ( تنتقل بنا السورة إلى محور جديد وأحكام جديدة تفصيلية. والملفت أن كل آيات السورة تدور في فلك هذه المحاور التي تبيّن أحكاماً كثيرة في الحلال والحرام:
1. الطعام والشراب والصيد والذبائح.
2. الأسرة والزواج.
3. الإيمان والكفارات.
4. العبادات.
5. الحكم والقضاء والشهادات وإقامة العدل.
6. تنظيم علاقات المسلمين والأديان الأخرى، خاصة اليهود والنصارى.
هناك تركيز في السورة على الحلال والحرام في الطعام والشراب والصيد والذبائح. وهذا يتناسب تماماً مع اسم السورة "المائدة"، فالطعام من أهم ضروريات الحياة ومع ذلك فيجب مراعاة الحلال والحرام فيه، فما بالك بغيره من شؤون الحياة؟ أيضاً خلال هذا الكم الهائل من أحكام الحلال والحرام في السورة يأتي التأكيد دائماً على أن التشريع ملك الله وحده، من أول آية (إِنَّ ?لله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ( إلى أن تأتي ثلاث آيات تحذّر من الحكم بغير ما أنزل الله، كقوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ?لله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْكَـ?فِرُونَ(.
تدرّج وترابط سور القرآن
وتنبَّه إلى علاقة سور القرآن السابقة مع سورة المائدة، فبعد أن أبلغت سورة البقرة مسؤولية الإنسان عن الأرض، جاءت سورة آل عمران لتحثّ المرء على الثبات، ثمّ سورة النساء لتبلغنا أنه حتى نثبت لا بد من أن نحقق العدل والرحمة مع الضعفاء خاصة مع النساء، ثمّ تأتي بعد ذلك سورة المائدة لتأمرنا بالإيفاء بكل ما سبق...
سورة المائدة تأمرنا إذاً بالعدل مع الزوجة والضعفاء وكل الناس وتأمرنا بالثبات والوفاء مع المنهج الذي أراده الله لنا وبيّنه في سورة البقرة...
لذلك جاءت فيها الآية (3) التي أعلنت ختام المنهج وإتمامه.
ولاحظ أيضاً تدرّج سور القرآن الكريم في خطاب أهل الكتاب:
سورة البقرة: بيان لأخطاء أهل الكتاب فقط مع الدعوة إلى التميّز عنهم.
سورة آل عمران: مناقشة هادئة مع عقائدهم وإيجاد نقاط مشتركة.
سورة النساء: انتقاد غلو أهل الكتاب واختلافهم في عيسى عليه السلام.
سورة المائدة: مواجهة شديدة (لَّقَدْ كَفَرَ ?لَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ?لله ثَـ?لِثُ ثَلَـ?ثَةٍ...( (73).
مما يعلمنا أن الإسلام منهج متدرّج في خطابه مع الأديان الأخرى.
النداء الأول (أَوْفُواْ بِ?لْعُقُودِ)
(يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِ?لْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ?لاْنْعَامِ( (1).
فما علاقة الوفاء بتحليل الله تعالى لنا بهيمة الأنعام للذبح والطعام؟
إن أول ما ذكر بعد طلب الوفاء هو ما قد أحل، فلم يبدأ ربنا بما قد حُرِّم لئلا يكون منفراً فكلمة (أَوْفُواْ بِ?لْعُقُودِ( توحي بأن الخطاب بعدها شديد اللهجة، فتأتي مباشرة كلمة (أُحِلَّتْ لَكُمْ( وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة، وهذه طريقة ينبغي على الدعاة اتباعها لكسب القلوب، فالداعية لا يجدر به أن يبدأ مع من يدعوهم بما قد حُرّم عليهم، لأن الأصل في الأشياء الإباحة فيبدأ بما أبيح أولاً، ثمّ ينبّههم إلى المحرّمات بعد ذلك.
وإلى جانب الرحمة واللطف في الخطاب، هناك معنى لطيف في النداء الأول: أوفوا بالعقود حتى لا نضيّق عليكم دائرة الحلال، كما كان الحال مع اليهود.
والملفت أن هذا المعنى أشارت إليه السور المحيطة بسورة المائدة (النساء والأنعام).
فنرى في سورة النساء قوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مّنَ ?لَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـ?تٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ( (160).
وفي سورة الأنعام (وَعَلَى ?لَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ...( (146).
لماذا كان هذا التحريم؟ (... ذ?لِكَ جَزَيْنَـ?هُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَـ?دِقُونَ( (146).
فهم لم يوفوا بعهدهم مع الله فضيّق عليهم بعض الحلال عقاباً لهم، فحذار أيها المسلمون من أن يصيبكم ما أصابهم.
النداء الثاني (لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ?لله)
(يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ?لله...( (2).
يا مؤمنين، لا تغيِّروا معالم دين الله تعالى من أوامر ونواهي.
(... وَلاَ ?لشَّهْرَ ?لْحَرَامَ وَلاَ ?لْهَدْىَ وَلاَ ?لْقَلَـ?ئِدَ وَلا ءامّينَ ?لْبَيْتَ ?لْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ وَرِضْو?ناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَ?صْطَـ?دُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ?لْمَسْجِدِ ?لْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ?لْبرِ وَ?لتَّقْوَى? وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ?لإِثْمِ وَ?لْعُدْوَانِ...( (2).
فالآية الأولى: أقرّت ضروريات الحياة (الطعام)، ثمّ الآية الثانية: بدأت بتقرير مبادئ إنسانية عظيمة:
- العدل (تأكيداً على هدف سورة النساء بإقرار العدل) (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ... أَن تَعْتَدُواْ(.
- التعاون (تأكيداً على إحدى رسائل سورة آل عمران (الوحدة
وعدم الاختلاف) (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ?لْبرِ وَ?لتَّقْوَى? وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى
?لإِثْمِ وَ?لْعُدْوَانِ(.
وهذه الآية تشمل آلاف الصور من العلاقات الاجتماعية التي تندرج تحت البر والتقوى والتعاون.
- التقوى (وَ?تَّقُواْ ?لله إِنَّ ?لله شَدِيدُ آلْعِقَابِ(.
(لتذكرنا بأن هذا الكتاب (هُدًى لّلْمُتَّقِينَ( كما جاء في أول سورة البقرة).
وبعد ذلك في الآية الثالثة: (حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ?لْمَيْتَةُ وَ?لْدَّمُ...(.
فأول عقد ينبغي الوفاء به هو طيبات الطعام فلا يجوز أن يأكل المرء أكلاً فيه خبث...
وبعدها في الآية الخامسة: (?لْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ?لطَّيّبَـ?تُ وَطَعَامُ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَ?لْمُحْصَنَـ?تُ مِنَ ?لْمُؤْمِنَـ?تِ وَ?لْمُحْصَنَـ?تُ مِنَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ(.
وهنا قد أرشدت الآية إلى حلالين: الطيبات من الطعام والطيبات من النساء سواء كنّ مؤمنات أم من أهل الكتاب بشرط أن يكنّ محصنات وذوات خلق متين. وفي هذا لفتة رائعة إلى تسامح الإسلام مع أهل الكتاب، في نفس السورة ذات اللهجة الشديدة في الخطاب معهم ونقض عقائدهم. فالله تعالى أحل لنا النساء العفيفات سواء كنّ مسلمات أو من أهل الكتاب.
وفي نفس الآية يأتي قوله تعالى: (?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ?لإسْلاَمَ دِيناً(. هذه الآية محورية كونها ختام الأحكام في القرآن وعلاقتها مع موضوع السورة أنه لا وجود للعهود إلا بعد الإتمام. فبما أن الدين اكتمل، عاهد الله تعالى أيها المؤمن على الإيفاء بعهده والالتزام بشرعه. يا ترى هل أحسسنا يوماً بهذه النعمة، نعمة إتمام الدين وشكرنا الله تعالى عليها؟
جاء رجل من اليهود إلى سيدنا عمر بن الخطاب فقال: "يا أمير المؤمنين، إنكم تقرأون آية في كتابكم لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً". فقال عمر: "وأي آية؟" فقرأ اليهودي هذه الآية، فقال عمر: "قد علمت اليوم الذي أنزلت والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله تعالى لنا عيد".
وهنا ملاحظة لطيفة أخرى:
إن أكثر آيات السورة اختتمت بشدة وخاصة آيات المقدمة (إِنَّ ?لله شَدِيدُ ?لْعِقَابِ( (إِنَّ ?لله سَرِيعُ ?لْحِسَابِ(.
إلاّ الآية الثالثة التي ذكرت حكم الاضطرار (فَمَنِ ?ضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ...( فقد اختتمت بسعة رحمة الله تعالى (فَإِنَّ ?لله غَفُورٌ رَّحِيمٌ(.
النداء الثالث (طيبات الروح)
(يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ?لصَّلو?ةِ ف?غْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ?لْمَرَافِقِ...( (6).
قد يتساءل البعض عن سبب ورود هذه الآية في وسط الكلام عن العقود والوفاء بها. فالواقع أن الآيات بدأت بطيبات الطعام ثمّ طيبات الزواج وكلها ملذات الدنيا وبعدها انتقلت الآيات إلى طيبات الروح وطهارة الروح التي تبدأ بالوضوء، وبهذا تكون السورة قد اشتملت على جميع اللذات: لذة العبادة بالإضافة للذائذ الطعام والزواج.
ويمكننا أن نستشعر خلال هذه الآيات شمولية الإسلام في الأحكام، فأحكام المعاملات قد أتت في السورة جنباً إلى جنب مع أحكام العبادات.
ملاحظة جميلة في سورة المائدة: كل 10 آيات تقريباً تأتي آية لتذكرنا بعهد الله وميثاقه. لقد ذكر العهد والميثاق في السورة 11 مرة في آيات صريحة وواضحة كأنها تقول للمسلمين "الآن وقد تمّ المنهج ووضح الميثاق، فهل ستلتزمون به؟" فتأتي الآية السابعة لتقول (وَ?ذْكُرُواْ نِعْمَةَ ?لله عَلَيْكُمْ وَمِيثَـ?قَهُ ?لَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا...( وهنا علاقة رائعة مع سورة البقرة التي مدحت المؤمنين في ختامها (وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ?لْمَصِيرُ( (البقرة 285) بينما بنو إسرائيل كان قولهم (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا( (البقرة 93) أرأيت كيف تترابط سور القرآن الكريم وتتكامل في مواضيعها وأهدافها.
النداء الرابع (العدل)
ويستمر تتابع الآيات بعد ذلك إلى أن نصل إلى النداء الرابع
(يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لله شُهَدَاء بِ?لْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ?عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? وَ?تَّقُواْ ?لله إِنَّ ?لله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ( (8).
فبعد أن تناولت الآيات إيفاء العقود في الطعام والشراب والزواج والوضوء، انتقلت إلى عقد مهم جداً (العدل) ولو مع الناس الذين نبغضهم، ولو مع الناس الذين نحاربهم. إن هذه الآية قاعدة هامة من قواعد تسامح الإسلام وعدله مع الفئات الأخرى.
النداء الخامس (?ذْكُرُواْ نِعْمَةَ ?لله)
الآية (11) تذكرنا أن الله تعالى قد حفظ المؤمنين من غدر أعدائهم، فاتقوا الله يا مؤمنين وأوفوا بعهده: (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?ذْكُرُواْ نِعْمَةَ ?لله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ(.
فالله تعالى يفي بعهوده معنا سبحانه، ومن هذه الوعود الربانية الرائعة ما ذكر في الآية التاسعة: (وَعَدَ ?لله ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ( (9).
فهل سنفي بعهدنا أمام الله تعالى؟
بنو إسرائيل وعقودهم
وبعد ذلك تذكر لنا السورة في ربع كامل نماذج من فئات لم تفِ بعهد الله تعالى وميثاقه، ولم تنفذ (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا( كما أمرها الله تعالى وهم بنو إسرائيل، (وَلَقَدْ أَخَذَ ?لله مِيثَـ?قَ بَنِى إِسْر?ءيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ?ثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ?لله إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ?لصَّلو?ةَ وَءاتَيْتُمْ ?لزَّكَو?ةَ وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ?لله قَرْضاً حَسَناً لاكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَـ?تِكُمْ وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لاْنْهَـ?رُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذ?لِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ?لسَّبِيلِ( (12).
فماذا كانت النتيجة؟ (فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـ?قَهُمْ لَعنَّـ?هُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً( (13) إنها آية شديدة في التحذير من أن نكون مثلهم فيحل علينا غضب الله ولعنته.
قصة موسى عليه السلام مع قومه
وتنتقل بنا الآيات إلى قصة سيدنا موسى عليه السلام مع بني إسرائيل حين طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة (أرض فلسطين) التي كتبها الله تعالى لهم ووعدهم فيها (يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ الله لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى? أَدْبَـ?رِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَـ?سِرِينَ ( قَالُوا يَامُوسَى? إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى? يَخْرُجُواْ مِنْهَا...( (21 - 22).
رفضوا ونقضوا عهد الله تعالى، فكان العقاب الرباني (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ?لاْرْضِ( (26) حرّم الله عليهم دخول الأرض المقدسة أربعين سنة.
وقد أشرنا أن السورة بدأت بقوله تعالى بـ (يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِ?لْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ?لاْنْعَامِ...(.
للحثّ على إيفاء العقود حتى لا يضيّق الله دائرة الحلال على الأمة، وهنا في القصة نرى أن الله تعالى ضيّق على بني إسرائيل لنقضهم عهودهم. فالقاعدة العامة في السورة "إذا أوفى المرء بالعهود فإن الله تعالى يوسّع عليه وإن نقضها فإنه تعالى يضيق عليه".
قصة ابني آدم عليه السلام
(وَ?تْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ?بْنَىْ ءادَمَ بِ?لْحَقّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـ?ناً فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ?لاْخَرِ...( (27).
فابن آدم قتل أخاه متهوراً بسبب الغضب والحسد والغل، وأما علاقة قصة ابني آدم عليه السلام بقصة بني إسرائيل ودخولهم الأرض المقدسة هو أنهما نموذجان لنقض العهود: بنو إسرائيل نقضوا عهد الله تعالى لجبنهم، وأما ابن آدم فلقد نقض العهد لتهوّره، فهما نموذجان معاكسان لبعضهما، وكلاهما يؤدي لنقض العهد مع الله تعالى. والإسلام يأمرنا دائماً بالوسطية في كل شؤون الحياة.
ثم تأتي الآية (32) بعد القصة مباشرة للتعقيب عليها (مِنْ أَجْلِ ذ?لِكَ كَتَبْنَا عَلَى? بَنِى إِسْر?ءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ?لاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ?لنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَـ?هَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً( (32) لما صوّر لنا القرآن الكريم بشاعة جريمة القتل في قصة آدم عليه السلام، أتت الآيات التي بعدها بأحكام شديدة للقضاء على الفساد، فبيّنت حدود الحرية والسرقة والإفساد في الأرض.
والجدير بالذكر أن العالم لم يعرف إلا في عصرنا هذا موضوع الحق العام في الفقه القانوني، بينما نجد القرآن قد سبق هذه القوانين بـ 1400 عام، فالله تعالى يبيّن بشكل واضح (أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ?لاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ?لنَّاسَ جَمِيعاً( (32) فالجريمة ليست اعتداء على فرد، وإنما هي خطر على المجتمع، وهناك حق عام لا بد أن يؤخذ.
النداء السادس (الجهاد في سبيل الله تعالى)
يقول الله تعالى (يَـئَأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?لله وَ?بْتَغُواْ إِلَيهِ ?لْوَسِيلَةَ وَجَـ?هِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(.
بعد أن عرضت الآيات السابقة خطر الفساد، أتت الآية (35) لتأمر المؤمنين بالجهاد ومحاربة الفساد.
لاحظ أنه في كل مرة يأتي الأمر بالجهاد في القرآن يذكر سببه (كما في سورة النساء حين ذكر الجهاد لنصرة المستضعفين):
(وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـ?تِلُونَ فِى سَبِيلِ ?لله وَ?لْمُسْتَضْعَفِينَ...( (النساء 75).
النداء 7، 8، 9: (لا للتقليد الأعمى)
وتصل بنا السورة إلى ربع جديد، وثلاثة نداءات تهدف إلى أن يكون لهذه الأمة هويتها المميزة.
(يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ?لْيَهُودَ وَ?لنَّصَـ?رَى? أَوْلِيَاء
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ?لله لاَ يَهْدِى ?لْقَوْمَ ?لظَّـ?لِمِينَ( (51).
(يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ?لله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ?لْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ( (54).
(يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ?لَّذِينَ ?تَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلِكُمْ وَ?لْكُفَّارَ أَوْلِيَاء...( (57).
إن هذه الآيات لا تهدف إلى تحقير وتسفيه الأديان الأخرى، إنما تهدف للحفاظ على هوية المسلم. فهي دعوة إلى تحقيق الإنتماء الكامل إلى الإسلام. فسورة المائدة لا تمنع من التعامل مع أهل الكتاب بدليل ما سبق من الآيات كالآية (5) (... وَ?لْمُحْصَنَـ?تُ مِنَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ( التي أباحت الزواج من المحصنات من أهل الكتاب.
فالتسامح والرحمة مع أهل الكتاب أمر مطلوب، لكنه لا ينبغي أن يؤدي إلى ضياع هوية المسلم وانتمائه. وهناك فرق بين الاحترام والتعاون الإيجابي والرحمة والتسامح وبين الذوبان في الآخر وضياع الهوية. لذلك نرى أن النداءات 7 و9 ركّزت على عدم موالاة الكفار ومحبتهم بينما النداء 8 حذر من الارتداد عن الدين لأنه من أخطر نتائج ضياع الهوية.
والملاحظ أن الآيات في الربع السابق ركزت على التحذير من الحكم بغير ما أنزل الله:
(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ?لله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْكَـ?فِرُونَ( (44).
(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ?لله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لظَّـ?لِمُونَ( (45).
(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ?لله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ( (47).
(أَفَحُكْمَ ?لْجَـ?هِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ?لله حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ( (50).
وعلاقة هذه الآيات بالنداءات الثلاثة التي بين أيدينا هي أن السبب الأساسي للحكم بغير ما أنزل الله هو التقليد الأعمى للغير.
فيا أيها الشباب أوفوا بالعقود في ترك التقليد الأعمى وأوفوا بالعقود بالإنتماء الكامل لدينكم والاحتكام إلى أوامره ونواهيه.
رقة الحب
ومن لطائف القرآن في النداء الثامن:
(يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ?لله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ?لْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ...( (54).
إن القرآن استعمل الرقة والحب في التحذير من أخطر ما يمكن أن يقع به المرء وهو الارتداد عن دين الله تعالى.
فالآية لم تقل "من يرتد منكم عن دينه فسوف نعذّبه وندخله النار".
إن التهديد في هذه الآية كان بالحب لا بالنار. وهذا النداء الرقيق له تأثير مميّز في النفوس بعد الكلام الشديد والأوامر الشديدة التي زخرت بها السورة.
النداء العاشر (لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـ?تِ مَا أَحَلَّ ?لله لَكُمْ)
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـ?تِ مَا أَحَلَّ ?لله لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ?لله لاَ يُحِبُّ ?لْمُعْتَدِينَ( (87).
هنا يأتي النداء أن لا يحرّم المؤمنون ما أحلّ الله لهم من الطيبات، فالتحريم والتحليل حق الله وحده، والله عندما حرّم، لم يحرّم علينا إلا الخبائث الضارة، وأحلّ لنا الطيبات المفيدة بالمقابل، فجاءت الآية التي تليها (وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ?لله حَلَـ?لاً طَيّباً وَ?تَّقُواْ ?لله ?لَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ( (88) لتؤكد على هذا المعنى.
والرابط بين هذا النداء والنداء الثاني (لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ?لله( هو أن تحريم الحلال معصية لله تعالى وتغيير لشرعه تماماً كتحليل الحرام.
وهكذا نرى أن معالم الحلال والحرام في الإسلام تتضح شيئاً فشيئاً، وكل آية تضيف مفهوماً جديداً لتكمل الأحكام عند المسلمين قبل ختام نزول الآيات.
النداء الحادي عشر (محرّمات الشراب)
بعدما تحدثت الآيات عن الطيبات تنتقل إلى الحديث عن الخبائث (بنفس الترتيب الذي بدأت فيه السورة في الآيات (1 - 2).
(يَـأَيُّهَا ?لَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ?لْخَمْرُ وَ?لْمَيْسِرُ وَ?لاْنصَابُ وَ?لاْزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ ?لشَّيْطَـ?نِ فَ?جْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (90).
فالسورة بدأت بمحرّمات الطعام فلا بد أن تذكر محرّمات الشراب (فاسمها سورة المائدة) لتحذّر المسلم من الانغماس في ملذات الحياة المحرّمة وليفي بعهده فلا يدخل فمه قطرة خمر لتوقع العداوة والبغضاء في صفوف الأمة.
لاحظ أن الآية تعاملت مع قضية الخمر بشدة فقرنت بينه وبين الأنصاب والأزلام وهي من مخلّفات الشرك بالله وذلك للتشنيع من هذه العادة المهلكة للأمم.
والملاحظة الثانية أن القرآن استعمل كلمة (اجتنبوه) والتي هي أقصى درجات النهي والتحريم.
النداء الثاني عشر – الثالث عشر (احذروا الابتلاء في الحلال والحرام)
يقول الله تعالى (يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ?لله بِشَىْء مّنَ ?لصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـ?حُكُمْ لِيَعْلَمَ ?لله مَن يَخَافُهُ بِ?لْغَيْبِ( (94) هذه الآية تحذر من البلاء (أي الامتحان) الذي قد يقع فيه المسلم ليختبر الله تعالى إيمانه وتطبيقه للحلال والحرام.
وقد نزلت عندما كان الصحابة محرمين واختبرهم الله تعالى بألاّ يصطادوا مهما كانت الطرائد منتشرة من حولهم. لذلك أتت الآية التي بعدها (يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ?لصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ( (95) لتؤكد على نفس المعنى. وهناك علاقة واضحة بين أول السورة وآخرها حيث نرى التركيز على أحكام الصيد.
النداء الرابع عشر (لا تضيّقوا على أنفسكم)
وتستمر النداءات إلى أن نصل إلى قوله تعالى (يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ?لْقُرْءانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ?لله عَنْهَا وَ?لله غَفُورٌ حَلِيمٌ( (101).
هذه الآية ضابط من الضوابط التي وضعها الله تعالى في قضايا الحلال والحرام، يخطئ الكثير من الناس في فهمه، وهو عدم السؤال في المباحات إلى درجة تصل إلى حد التضييق على الإنسان، مما قد يؤدي إلى ترك الأمور التي ضيّق بها السائل على نفسه فيقع بما قد حرّم عليه.
فهذه الآية تدعو إلى التوازن فإذا كان الله تعالى قد أمرنا بالوفاء بالعقود لكن ذلك لا ينبغي أن يوصلنا للتضييق على أنفسنا.
وفي هذه الآيات ترابط عجيب مع سورة البقرة وقصة بقرة بني إسرائيل.
فالآية (102) تقول: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَـ?فِرِينَ(.
في إشارة إلى كثرة سؤال الأمم السابقة لأنبيائهم فيضيق الحكم عليهم فلا يطيعون.
فهم في قصة البقرة (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ( لأنهم أكثروا من السؤال عن طبيعة البقرة ولونها فيما لم يطلب منهم، فضاق الحكم الواسع المطلق عليهم. ولنا في رسول الله وأصحابه الأسوة الحسنة في هذا المعنى:
قال رسول الله ( يوماً لأصحابه: "إن الله قد فرض عليكم الحج" فقال أحد الصحابة: "أفي كل عام يا رسول الله".
فسكت رسول الله ( ثم قال: "لو قلت نعم لَوَجُبَتْ".
ففي سورة المائدة إذاً توازن بين التزام الأوامر والنواهي والوفاء بعهد الله وبين عدم التشديد على النفس فيما لم يأمر به الله تعالى.
النداء الخامس عشر (لا تكن إمعة)
وتتوالى الآيات، وتصل بنا إلى النداء 15 والذي هو ضابط آخر من ضوابط الحلال والحرام:
(يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ?هْتَدَيْتُمْ...( (105).
قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطيباً في الناس فقال: "إنكم تضعون هذه الآية في غير موضعها".
لأن الناس قد ظنوا أن معنى قوله تعالى (... عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ( أي لا تأخذوا بأيدي أحد للهداية، فمن أراد الضلال فليضل، فأدى فهمهم الخاطئ إلى ترك الدعوة إلى الله تعالى.
لكن معنى الآية: لو كل الناس من حولك غيّرت الحلال والحرام وتركت الوفاء بالعقود، فعليكم أنفسكم يا مؤمنين، فأثبتوا على الحق ولا تغيروا أحكام الدين، وهذا مصداق لحديث النبي ( "لا يكن أحدكم إمعة إن أحسن الناس أحسنت وإن أساء الناس أسأت، ولكن إن أحسن الناس فأحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا".
إذاً فالسورة ركزت في الندائين 14 و15 على ضابطين للأوامر
والنواهي:
- لا تضيّق على نفسك
- لا تتأثر بالناس من حولك.
النداء السادس عشر (الحلال والحرام في الشهادات والوصية)
تأتي الآية (يِـأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـ?دَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ?لْمَوْتُ حِينَ ?لْوَصِيَّةِ ?ثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ( (106) لتكمل سلسلة الأحكام في السورة، ولتثبت شمولية الإسلام لكل شؤون الحياة، من أمور الطعام والشراب، إلى الزوجات والعلاقات الأسرية إلى أحكام الحدود والعلاقات الدولية إلى المعاملات والشهادات والوصية.
تأمل معي - مرة أخرى - آية تمام الدين وشموله لكل جوانب
الحياة:
(?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ?لأسْلاَمَ دِيناً((3).
واحمد الله تعالى على النعمة التي أتمها عليك في هذا الدين وأحكام شريعته الغراء.
مقاصد الشريعة في السورة
ولأن سورة المائدة هي سورة الحلال والحرام في الإسلام، فهي السورة الوحيدة التي جمعت مقاصد الشريعة الإسلامية الخمسة:
1. حفظ الدين
2. حفظ النفس
3. حفظ العقل
4. حفظ العرض
5. حفظ المال
فهذه السورة التي احتوت قوله تعالى (أَفَحُكْمَ ?لْجَـ?هِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ?لله حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ( تريد أن ترشدنا إلى أن شرع الله تعالى هو أحسن شرع لضمان مصلحة البشرية في الدنيا والآخرة، وذلك من خلال:
1. حفظ الدين: (يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ( (54) فأول ما تهتمّ به الشريعة هو حفظ الدين وترك الكفر.
2. حفظ النفس: (مِنْ أَجْلِ ذ?لِكَ كَتَبْنَا عَلَى? بَنِى إِسْر?ءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ?لاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ?لنَّاسَ جَمِيعاً( (32) وفيها تحريم قتل النفس.
3. حفظ العقل: (إِنَّمَا ?لْخَمْرُ وَ?لْمَيْسِرُ وَ?لاْنصَابُ...( (90) والغاية من تحريم الخمرة هي حفظ العقل.
4. حفظ العرض: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ( (5) (في تحريم العلاقة بين الجنسين قبل الزواج).
5. حفظ المال: (وَ?لسَّارِقُ وَ?لسَّارِقَةُ فَ?قْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا( (38).
فمقاصد الشريعة الخمسة قد ذكرت في سورة المائدة لتثبت لنا أن
الأوامر والنواهي المطلوب إيفاؤها إنما هي لضمان مصلحة الناس ضمن
المحاور الخمسة المذكورة.
مراجعة العقود يوم القيامة
متى تراجع العقود؟ يوم القيامة. ولذلك كان الختام الرائع للسورة.
(يَوْمَ يَجْمَعُ ?لله ?لرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـ?مُ ?لْغُيُوبِ( (109).
لاحظ ترابط آيات السورة، ففي البداية (أوفوا بالعقود) وفي وسط السورة (يَـ?أَيُّهَا ?لرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ( (من أحكام الحلال والحرام) لتختم السورة بـ (يَوْمَ يَجْمَعُ ?لله ?لرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ(.
وفي ختام السورة تأتي قصة سيدنا عيسى عليه السلام وتبرؤه من الذين ضلوا عن سبيله من النصارى. وهذا يفيد في التبرؤ من التقليد الأعمى للآخرين، فكيف ستتبعوهم يا مسلمين وسيدنا عيسى عليه السلام نفسه سيتبرأ منهم يوم القيامة.
ولأهمية ذكر يوم القيامة في حث الناس على الإيفاء بعهودهم تأتي هنا آية رائعة: (قَالَ ?لله هَـ?ذَا يَوْمُ يَنفَعُ ?لصَّـ?دِقِينَ صِدْقُهُمْ...( (119).
والصادقون هم الذين يوفون بعقودهم مع الله ومع الناس.
لماذا سميت سورة المائدة بهذا الاسم
وأخيراً بقي أن نشير إلى سبب تسمية السورة بسورة المائدة وهل هذا بسبب ذكر قصة المائدة، فالسورة تتحدث عن الوفاء بالعقود، فما الذي يربط بينها وبين المائدة:
(إِذْ قَالَ ?لْحَوَارِيُّونَ ي?عِيسَى ?بْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ?لسَّمَاء قَالَ ?تَّقُواْ ?لله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ?لشَّـ?هِدِينَ ( قَالَ عِيسَى ?بْنُ مَرْيَمَ ?للهمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ?لسَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً
لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا وَءايَةً مّنْكَ وَ?رْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ?لرَّازِقِينَ ( قَالَ ?لله إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذّبُهُ أَحَداً مّنَ
?لْعَـ?لَمِينَ( (112 - 115).
فالآية الأخيرة هي آية محورية (قَالَ ?لله إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ...( (أي فمن ينقض العهد بعد إنزال المائدة)، فارتبطت قصة المائدة بقصة قوم طلبوا آية من الله تعالى فأعطاهم ربهم ما طلبوا وأخذ عليهم عهداً شديداً، إن نقضوه فسوف يعذّبون عذاباً شديداً.
أما بالنسبة لأمتنا، فقد أعطاها الله تعالى في هذه السورة الآية المحورية (?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ?لأسْلاَمَ دِيناً( هذه الآية منحة ربانية مشابهة للآية التي أعطيها الحواريون (المائدة)، وهم قد وفوا بعهدهم فهل سيفي المسلمون بعهدهم؟
من فضلك وأنت تقرأ سورة المائدة، استشعر عظم النعمة التي أتمها
ربنا علينا بإتمام الدين، وجاهد نفسك للإيفاء بعهد الله تعالى في كل أمور حياتك.



سورة الأنعام
سورة الأنعام
سورة الأنعام (مكية) وهي أول سورة مكية في ترتيب المصحف (سور البقرة إلى المائدة كلها سور مدنية)، نزلت بعد سورة الحجر وعدد آياتها 165 آية.
ليل أبيض
رافق نزول هذه السورة ميزات عديدة. فهي أولاً نزلت على قلب النبي ( جملة واحدة (في ليلة واحدة)، بينما نلاحظ أن كل السور الطوال في المصحف كانت تتنزّل آياتها متفرقة. ولعل من أجمل ما يميّز هذه السورة أنها نزلت يحفها سبعون ألف ملك لهم زجل - أي صوت رفيع عالي - من التسبيح يسد الخافقين، وكل هذا في وقت الليل.. فما أروع هذا الموكب الملائكي المهيب في جنح الليل وهو يرافق نزول هذه السورة الكريمة، مما يعطي ظلالاً رقيقة تجعلنا نترقب مضمون السورة وهدفها.
هدف السورة
تبدأ السورة بقوله تعالى: (?لْحَمْدُ لله ?لَّذِى خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضَ(، فتشعر أخي المسلم من بداية السورة بهدفها ومحورها الأساسي، ألا وهو توحيد الله عز وجل وعدم الشرك به أبداً، وأن لا يكون في قلبك غير الله تبارك وتعالى.
وتتكرّر مسألة توحيد الله تعالى وعدم الشرك به 49 مرة في السورة، في49 آية أي حوالي (30%) من مجموع السورة. ولهذا نعلم سبب نزولها بهذه الهيبة ولماذا كان يحفها سبعون ألف ملك كما ويمكننا أن نستشعر الحكمة من نزولها ليلاً، فإنَّ جوَّ الليل يناسب هذه الروحانيات.

المخاطبون في السورة
في خضم الأفكار والمذاهب ومناهج الحياة المختلفة - سواء أكانت هذه الأفكار عبادة للأصنام أو لقوى الطبيعة كما في عصر النبي، أو إلحاداً وإنكاراً لوجود الله كما في عصرنا الحديث - تأتي سورة الأنعام لترد على كل هؤلاء من خلال الحديث عن قدرة الله وعظمته في الكون. ولهذا فإن السورة تخاطبك أيها المؤمن أولاً، لتزيد من إيمانك بالله وحبك له وإخلاصك في عبادته. وإلى جانب ذلك فهي تعطيك مادة للرد على الماديين ومنكري وجود الله: من خلال الحديث عن قدرة الله في الكون، ثم نقض زعم الملحدين بأنّ الطبيعة هي التي خلقت الكون، أو أن الكون خلق صدفة، فالإتقان والإبداع في الكون هما أكبر دليلين على عظمة الخالق جل وعلا وتوحيده.
وتخاطب هذه السورة فريقاً ثالثاً، وهم الناس الذين يؤمنون بالله لكنهم لا يريدون أن يطبّقوا هذا الإيمان في سلوكهم. فتوضح لهم - كما سيتبين معنا في آخر السورة وفي سبب تسميتها - أنّ الإيمان لا يتجزأ، وأنه يجب أن يطبّق على الاعتقاد القلبي وعلى السلوك معاً. وهنا نفهم أهمية نزولها دفعة واحدة، وذلك للتأكيد على أن التوحيد متكامل جملة واحدة في الاعتقاد والتطبيق.
ترابط سور القرآن
وقبل أن نبدأ باستعراض آيات السورة، لا بد أن نلاحظ تسلسل سور القرآن في الحوار مع غير المسلمين: فسور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة خاطبت أهل الكتاب في محاور مختلفة، بينما سورة الأنعام اختصت بخطاب المشركين (وخاصة مشركي مكة، لذلك كانت السورة مكية).
وهناك ملاحظة لطيفة أخرى في العلاقة بين السورة والسورة التي
قبلها. فسورة المائدة ختمت بقوله تعالى: (لله مُلْكُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ وَمَا فِيهِنَّ( كأنها تمهد لبداية سورة الأنعام (?لْحَمْدُ لله ?لَّذِى خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضَ(.
كلمتان تغمران القلب حباً (قل وهو).
إنَّ لسورة الأنعام ترتيباً معيناً تسير وفقه من أول السورة إلى آخرها، وهو أن ترد أربع أو خمس آيات تتحدث عن قدرة الله تعالى في الكون ثم تليها بعد ذلك آيات أخرى تواجه الماديين ومن ينكر وجود الله ومن يزعم أنّ الطبيعة هي التي خلقت الكون... وهكذا تسير الآيات من أول السورة إلى آخرها على هذا المنوال.
وأكثر آيات السورة تبدأ بإحدى الكلمتين: (قل أو هو). فما سبب تكرارهما..؟! وما علاقتهما بمحور السورة؟
إنّك عندما تقرأ كل آية تبدأ بكلمة (هو(، تجد أنها تتحدث عن قدرة الله، كقوله تعالى (وَهُوَ ?لله فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَفِى ?لاْرْضِ( (وَهُوَ ?لَّذِى يَتَوَفَّـ?كُم بِ?لَّيْل( (وَهُوَ ?لْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ( (وَهُوَ ?لَّذِى خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضَ(. وأما آيات مواجهة الكفار - والتي تخاطب النبي (كما تخاطب كل مؤمن) وترشده إلى كيفية مقارعتهم بالحجة - فتبدأ بكلمة (قل(: (قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـ?دةً قُلِ ?لله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ( (19).
(قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـ?تِ ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ ( قُلِ ?لله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ ( قُلْ هُوَ ?لْقَادِرُ عَلَى? أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ( (63-65) (قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ?لله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا( (71). فكأنّ الآيات تخاطب القارئ قائلة: استشعر في نفسك من هو القادر حتى تملأ قلبك من حبه، ثم انطلق في مواجهة من يشكك في إيمانك بوحدانيته وعظمته.
بعد أن شوّقتنا هذه المقدمات، تعال معي أخي المسلم لنعيش مع آيات القدرة والمواجهة في السورة.
بداية السورة موجة آيات القدرة.
تبدأ السورة بثلاث آيات تظهر قدرة الله تعالى: (?لْحَمْدُ لله ?لَّذِى خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضَ وَجَعَلَ ?لظُّلُمَـ?تِ وَ?لنُّورَ ثْمَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ ( هُوَ ?لَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَه(ُ وبعدها قوله تعالى: (وَهُوَ ?لله فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَفِى ?لاْرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ(. وقوله تعالى: (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِ?لْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ( (5).
فهذه الآيات تدعو مَنْ يقرأها إلى أن يستشعر قدرة الله تعالى.. فإذا وجد إدباراً من الكفار المنكرين، استشعر عظم جرمهم ومدى جرأتهم وضلالهم، وواجههم بآياتها.
الزمان.. والمكان
وتلاحظ في الآيات معنىً لطيفاً.. فالآية (12) تقول: (قُل لّمَن مَّا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ قُل لله(، والآية (13) تقول: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى ?لَّيْلِ وَ?لنَّهَارِ(. الأولى تذكر أنّه ملَكَ المكان (?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ( والثانية تذكر أنه ملَكَ (?لَّيْلَ وَ?لنَّهَارَ( أي الزمان، فسبحان من خلق الزمان والمكان وأخضعهما لملكه.
ما العلامة..؟!
فإذا عرفت أنّ الله ملك الزمان والمكان.. فاقرأ بعد ذلك آية المواجهة الرائعة: (قُلْ أَغَيْرَ ?لله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ?لْمُشْرِكَينَ( (14) (قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ( (15) (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ?لْفَوْزُ ?لْمُبِينُ( (16). فالآيات تريد منك أخي المسلم أن تتحرر من كل مظاهر العبودية لغير الله، أو الخوف من مخلوق، فتلك علامة المعرفة وثمرة التصديق.
لاحظ في كل ما سبق أن كلمة (قل) تأتي دائماً بعد كلمة (هو)، وكأنّ المعنى: استشعر من (هو) الله واملأ قلبك بحبه، ثم تحرك و(قل)من هو الله وادع إليه وواجه كل من يشرك به.
حادثة عملية في المواجهة
ثم تأتي جماعة من الكفار ليقولوا للنبيّ (: هل معك دليل على رسالتك؟من يشهد لك أنك نبي؟ ومن يشهد أنّ إلهك واحد؟ فلقد سألنا اليهود عنك ليشهدوا لك فقالوا لا يوجد عندنا دليل.. فترد عليهم إحدى آيات المواجهة (الآية 19): (قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـ?دةً قُلِ ?لله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـ?ذَا ?لْقُرْءانُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ?لله ءالِهَةً أُخْرَى? قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـ?هٌ و?حِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ( فهل في الكون كله أعظم من شهادة الله سبحانه وتعالى لنفسه ولنبيه.
ومع أن السورة توجهت بالخطاب أساساً للمشركين - كما أسلفنا - لكنها تلمح في الآية (20) إلى اليهود الذين أنكروا وجود الدليل على نبوة محمد (: (?لَّذِينَ آتَيْنَـ?هُمُ ?لْكِتَـ?بَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ...(.
مشاهد حية من يوم القيامة
وأحياناً تشعرك الآيات أنك تشاهد مناظرها وتسمع أهلها..
فها هم يقفون أمام جهنم (وَلَوْ تَرَى? إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ?لنَّارِ فَقَالُواْ ي?لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـ?تِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ( (27). ثم تنقلك الآيات إلى وقفة جليلة مهيبة، لطالما كذّب بها الكفار وأنكروها، وقفة أمام جبار السماوات والأرض (وَلَوْ تَرَى? إِذْ وُقِفُواْ عَلَى? رَبّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَـ?ذَا بِ?لْحَقّ قَالُواْ بَلَى? وَرَبّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ?لعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ( (30). وانظر إلى هؤلاء المثقلين المتعبين من الفسّاق والفجار بأحمالهم الثقيلة.. أنظر إليهم (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى? ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ( (31).
الصبر والتثبيت عند المواجهة
ولا تكتفي الآيات بمد النبي ( (وبالتالي كل الدعاة إلى الله) بالحجج والردود اللازمة لمواجهة الكفار فحسب، بل أنها تثبته وتعينه على الصبر على ما يلقاه من التكذيب: (وَلَقَدِ ?سْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِ?لَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ( (10)، وتقول أيضاً: (وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى? مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى? أَتَـ?هُمْ نَصْرُنَا...( (34).
ولكن قمة التثبيت تأتي في قوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ?لَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَـ?كِنَّ ?لظَّـ?لِمِينَ بِـئَايَـ?تِ ?لله يَجْحَدُونَ( (33). يا محمد، إن هؤلاء لا يكذّبون شخصك، إنهم يكذّبون الله وآياته، فهو ولّيك وناصرك من دونهم.
كلمات كالموج الهادر
وتمضي الآيات على نفس السياق: آية قدرة فآية مواجهة. فتأتي آية رائعة في بيان قدرة الله تعالى:
(وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ?لاْرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـ?لُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى ?لكِتَـ?بِ مِن شَىْء( (38).
فإذا جحد هؤلاء الظالمون بكتاب الله، تبدأ الآيات في الشدة بمواجهتهم.
(قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَـ?كُمْ عَذَابُ ?لله أَوْ أَتَتْكُمْ ?لسَّاعَةُ أَغَيْرَ ?لله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ( (40).
وتحذرهم من التمادي في المعاصي حتى لا تطبّق عليهم السنّة
الكونية في البشر (حَتَّى? إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَـ?هُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ( (44).
وتأتي موجة جديدة من آيات المواجهة التي تبدأ بكلمة (قل(:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ?لله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـ?رَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى? قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـ?هٌ غَيْرُ ?لله يَأْتِيكُمْ بِهِ ?نْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ?لاْيَـ?تِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـ?كُمْ عَذَابُ ?لله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ?لْقَوْمُ ?لظَّـ?لِمُونَ( (46-47). إنّ سياق الآيات والكلمات يرقق المشاعر ويجعل القلب يخشع ويرغب في القرب من الله.
أسلوب جديد في المواجهة
ولأن الآيات تجهّز النبي ( ليواجه قومه بالدعوة، فإنها تستخدم أسلوباً جديداً في الآية (57) ففي قوله تعالى: (قُلْ إِنّى عَلَى? بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَكَذَّبْتُم بِهِ...( تأكيد على الثوابت العقائدية، وثقة بالنفس تهز الطرف الآخر. وهي طريقة دعوية مفيدة نتعلمها من آيات السورة.
شمول العلم والقدرة
وتبدأ الآيات في موجة جديدة من عرضها لقدرة الخالق، في سياق يهز القلب ويحرك أوتاره: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ?لْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـ?تِ ?لاْرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـ?بٍ مُّبِينٍ( (59) وكأنك ترى الورقة وهي تسقط في الصحراء أو على جبل أو في قاع بحر..
ومن الذي يتوفى الأنفس؟ إنه الله (وَهُوَ ?لَّذِى يَتَوَفَّـ?كُم بِ?لَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِ?لنَّهَارِ( (60) فكيف تشركون به؟
ومن الذي شمل الخلق علماً وعدداً؟إنه الله (وَهُوَ ?لْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً( (61) أي ملائكة تحفظكم من الآفات وتكتب أعمالكم من الحسنات والسيئات.
ومن الذي ينجي العباد من مهالك البر والبحر؟ إنه الله (قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـ?تِ ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ( (63). فكيف تشركون به؟
فإن شكّك أحد في ذلك فإن الآية ترد عليه بقوة: (قُلْ هُوَ ?لْقَادِرُ عَلَى? أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ( (65) فمن الذي يخرج عن قدرته أو يغيب عن شمول علمه سبحانه وتعالى..؟!
فما هو شعور المؤمن الذي يقرأ سورة الأنعام؟ إنه يشعر أن مشاعره تهتزّ وهي تنزل على النبي ليلاً في موكب من الملائكة.. يشعر بصوت الملائكة وهم يسبّحون الله لعظمة هذه السورة.. فهذه السورة تزلزل النظرة الإنسانية وتطوف بالإنسان لتأخذه إلى ملكوت السموات والأرض والنهار والليل والبر والبحر والشمس والقمر والنجوم.. تريك الجنات المعروشات.. إنها تطلعك على ملك الله عز وجل.. حتى تصل إلى آية أخرى من آيات القدرة (وَهُوَ ?لَّذِى خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضَ بِ?لْحَقّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ?لْحَقُّ وَلَهُ ?لْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ?لصُّوَرِ عَـ?لِمُ ?لْغَيْبِ وَ?لشَّهَـ?دَةِ وَهُوَ ?لْحَكِيمُ ?لْخَبِيرُ( (73).
رحلة مؤمنة: سيدنا إبراهيم وقومه
وتبدأ السورة بعد ذلك في عرض قصة إبراهيم ونظره في مظاهر قدرة الله في الكون.. ليسير نسق الآيات بين القدرة والمواجهة. إن هذه القصة ليست منفصلة عن ترتيب السورة بل إنها وظّفت لتخدم الهدف تماماً.
يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْر?هِيمَ مَلَكُوتَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ?لْمُوقِنِينَ ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ?لَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـ?ذَا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ ?لاْفِلِينَ( (75-76). إنه ترتيب السورة نفسه، فإنه عليه السلام ينظر في قدرة الله تعالى: (فَلَماَّ رَأَى ?لشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـ?ذَا رَبّى هَـ?ذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ ي?قَوْمِ إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ( (78). نعم لأنَّ الإله لا شك أنه أعظم من هذا كله ولذلك قال: (إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ ?لْمُشْرِكِينَ( (79). وبعد استخدامه لأسلوب عرض آيات القدرة تبدأ المواجهة (قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى ?لله وَقَدْ هَدَانِى...( (80) مع تركيزه على نفي الشرك وتوحيد الله (وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً( (80).
لذلك أثنى الله على هذا الأسلوب الدعوي بقوله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـ?هَا إِبْر?هِيمَ عَلَى? قَوْمِهِ...( (83).
ومن جمال القرآن أنك ترى قصص الأنبياء تتكرّر في القرآن الكريم، لكنها في كل مرة تخدم هدف السورة التي تذكر فيها، بإعجاز يعجز البشر عن الإتيان بمثله.
فسورة الأنعام مثلاً أوردت جانباً من قصة سيدنا إبراهيم والذي يتعلق بنظره في آيات الله واستخدامه أسلوب القدرة والمواجهة في الدعوة إلى الله فلم ترد قصة إبراهيم عليه السلام حين رماه قومه في النار مثلاً، لكنها وظفت لتخدم هدف السورة وسياقها.
التحذير الشديد من الشرك
وفي التعقيب على قصة إبراهيم تأتي آية محورية في التحذير من الشرك:
(?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـ?نَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ?لاْمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ( (82).
لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله، قالوا: وأيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله: ليس كما تظنون، إنما هي كما قال العبد الصالح لابنه(أي سيدنا لقمان): إن الشرك لظلم عظيم.
وحتى في الحديث عن أحب الخلق إلى الله، وهم الأنبياء، تقول الآيات بوضوح (وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ( (88).
قدرة ومواجهة في نفس الآية
نصل إلى الآية (91) والتي اشتملت في أولها على آية من أروع آيات القدرة: (وَمَا قَدَرُواْ ?لله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ ?لله عَلَى? بَشَرٍ مّن شَىْء...( (100).
وقف النبي ( يوماً في أصحابه وتلا هذه الآية، ثم قال: يمجّد الله نفسه، يقول: أنا الملك، أنا القدوس... وأخذ بترديد أسماء الله الحسنى، فنظر الصحابة إلى المنبر، وكان يرجف برسول الله من وقع عظمة الله تعالى. إن الجماد والخشب قد اهتزا لجلال الله تعالى، بينما هناك قلوب لم تتحرك من خشيته أو لجلاله، فتواجه الآية في نصفها الثاني هؤلاء: (قُلْ مَنْ أَنزَلَ ?لْكِتَـ?بَ ?لَّذِى جَاء بِهِ مُوسَى? نُوراً وَهُدًى لّلنَّاسِ... قُلِ ?لله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ( (91).
عودة إلى آيات القدرة: ألا تشعر بحبه؟
وتبدأ مع الآيات (95 - 103) موجة رائعة من إظهار قدرة الله في جمال الخلق وإبداعه: (إِنَّ ?لله فَالِقُ ?لْحَبّ وَ?لنَّوَى? يُخْرِجُ ?لْحَىَّ مِنَ ?لْمَيّتِ وَمُخْرِجُ ?لْمَيّتِ مِنَ ?لْحَىّ ذ?لِكُمُ ?لله فَأَنَّى? تُؤْفَكُونَ( (95) (فَالِقُ ?لإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ?لَّيْلَ سَكَناً وَ?لشَّمْسَ وَ?لْقَمَرَ حُسْبَاناً ذ?لِكَ تَقْدِيرُ ?لْعَزِيزِ ?لْعَلِيمِ( (96) يظهر الله تعالى هنا قدرته في مثالين مختلفين: مرة في أنه فالق الحب والنوى على صغرهما ومرة أخرى أنه فالق الإصباح ومظهره من ظلمة الليل على اتساعه.
إن السورة تهز الفطرة الإنسانية التي تعرف ربها جيداً وتدين له بالوحدانية، لكن ركام الشرك قد يغطي هذه الفطرة في بعض الأحيان، فتأتي السورة لهز هذه الفطرة وكسر مظاهر الشرك عنها لتعود إلى الله وتوحيده. لذلك فإنها تخاطب المشركين بقولها: (بَدِيعُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ أَنَّى? يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـ?حِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء وهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ( (101) هل هناك من يجادل في هذا..؟ فمن الذي خلق وأبدع؟! إنه رب القدرة وحده لا شريك له: (أَنَّى? يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـ?حِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء وهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيم ( ذ?لِكُمُ ?لله رَبُّكُمْ لا إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ خَـ?لِقُ كُلّ شَىْء فَ?عْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى? كُلّ شَىْء وَكِيلٌ ( لاَّ تُدْرِكُهُ ?لاْبْصَـ?رُ وَهُوَ يُدْرِكُ ?لاْبْصَـ?رَ وَهُوَ ?للَّطِيفُ ?لْخَبِيرُ( (101-103).
كل ذلك لتأتي الآية المحورية رقم 104 (قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ(.
لقد اتضحت مظاهر عظمة الله تعالى وقدرته وقوته في الكون (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا( (104) فمن آمن وصدق فهو المستفيد ومن كفر فهذا هو العمى الحقيقي: عمى القلب والذي هو أخطر من عمى البصر.
(أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـ?هُ( (104)
ولتصوير الفرق بين الإيمان والكفر تستعمل السورة أكثر من مثال وأكثر من تشبيه، فهي في الآية السابقة 104 تشبه الكفر بالعمى، لكنها في الآية (122) تذهب إلى أبعد من هذا بكثير:
(أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـ?هُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ?لنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ?لظُّلُمَـ?تِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا كَذَلِكَ زُيّنَ لِلْكَـ?فِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(. بعد أن رأينا كل هذه الآيات المعجزات على وجود الله وتوحيده، ماذا يكون حال من يكفر؟ إنه كالميت، لكن من رحمة الله تعالى أنه يهديه، فيحييه من جديد، لا بل أكثر من ذلك، يجعل له نور التوحيد والهداية ليمشي به في الناس ويدلّهم على طريق الله. مثال رائع بالمقارنة مع من يقبع في الظلمات ولا يريد حتى أن يفكر بالخروج منها، بل أن كفره وظلامه مزيّن له بأبهى صورة...
سبب التسمية: توحيد في القصد والعمل
ويبقى سؤال أخير وهو: لماذا سميّت هذه السورة بالأنعام؟
إن الأنعام هي المواشي التي يقوم الناس برعيها ويأكلون لحمها، ولكن ما العلاقة بين الأنعام وبين سورة تتحدث عن توحيد الله تعالى.
إن العلاقة بينهما وثيقة جداً، فإن السورة تناولت موضوع توحيد الله تعالى، وهي تحذر الناس من الاعتقاد بأنّ التوحيد يكون بأنْ يقول المرء في نفسه أنا أوحّد الله وواقع حياته لا يشهد بذلك، بل ينبغي أن يوحّد الله اعتقاداً وتطبيقاً.
فكثير من الناس يوحّدون الله اعتقاداً فهو يجزم بهذا الأمر ولا مجال للنقاش أو الشك في توحيده لله عزّ وجلْ ولكن إذا تأملنا واقع حياته، وهل يطبق شرع الله تعالى في كل تصرفاته فإننا سنجد أنّ الأمر مختلف.
إنّ توحيد الله تعالى لا يكون في الاعتقاد فحسبْ بل لا بد من توحيده في كل تصرفاتنا وحياتنا اليومية...
وسبب تسمية السورة بالأنعام أنّ العرب كانوا ينظرون للأنعام على أنها ثروتهم الأساسية وعصب حياتهم، فتعاملوا معها على أنها تخصهم ولا علاقة لله تعالى بها - بزعمهم - يقول تعالى: (وَجَعَلُواْ لله مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ?لْحَرْثِ وَ?لاْنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـ?ذَا لله بِزَعْمِهِمْ وَهَـ?ذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ?لله وَمَا كَانَ لله فَهُوَ يَصِلُ إِلَى? شُرَكَائِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ( (136).
وبعد ذلك يقول (وَقَالُواْ هَـ?ذِهِ أَنْعَـ?مٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَـ?مٌ حُرّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَـ?مٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ?سْمَ ?لله عَلَيْهَا ?فْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ( وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـ?ذِهِ ?لانْعَـ?مِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى? أَزْو?جِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ( (138 - 139).
فهذا تحذير من توحيد الله اعتقاداً فقط دون أن يكون لهذا التوحيد أثر في التطبيق.. فإياكم ثم إياكم أن توحّدوا الله تعالى في الاعتقاد وتخالفوا ذلك في التطبيق. لهذا اختار ربنا نوعاً من أخطاء التطبيق وسمى به السورة حتى يخاف المرء ويسأل نفسه عن التطبيق كلما قرأ آيات التوحيد وعدم الشرك.
طريق السلامة
ولأن التوحيد يشمل الاعتقاد والتطبيق جاء ختام السورة (قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لله رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ ( لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذ?لِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ?لْمُسْلِمِينَ ( قُلْ أَغَيْرَ ?لله أَبْغِى رَبّا وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا( (162 - 164).
فمن كانت لـه هذه القدرة أحق بأن يكون لـه التوحيد الخالص في كل مظاهر حياتنا الفكرية والروحية والعملية.
هذه المعاني كلها تلخصت في ثلاث آيات محورية في المواجهة على مدار السورة:
(قُلْ أَغَيْرَ ?لله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ( (14).
(أَفَغَيْرَ ?لله أَبْتَغِى حَكَماً وَهُوَ ?لَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ?لْكِتَـ?بَ
مُفَصَّلاً...( (114).
(قُلْ أَغَيْرَ ?لله أَبْغِى رَبّا...( (164).
فهذه الآيات الثلاث ركزت على محاور التوحيد الثلاثة وهي التوحيد في الربوية وفي المحبة وفي الاحتكام لشرع الله تعالى.
ختام السورة: الاستخلاف
بعدما أكد الله تعالى من خلال آيات السورة ملكه للأرض وإبداعه لها وتصرفه فيها، أعطانا الأرض واستخلفنا عليها: (وَهُوَ ?لَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـ?ئِفَ ?لاْرْضِ( (165).
وهنا لفتة لطيفة في الربط بين هدف سورة الأنعام وهدف سورة البقرة (المسؤولية عن الأرض). كما أنّ الختام هنا يمهّد لسورة الأعراف التي تناولت موضوع الصراع في الأرض بين الحق والباطل: (... وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـ?تٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَـ?كُمْ( (165).
وانظر هنا لعلاقة السور الرائعة مع بعضها:
وكأنّ السور الثلاث توجه رسالة موحدة: يا مسلمون، بعد أن فهمتم أهمية توحيد الله في التطبيق كما في الاعتقاد (سورة الأنعام)، فإن الله قد أعطاكم هذه الأرض لتطبّقوا شرعه عملياً، فأنتم يا أمة محمد مسؤولون عنها (سورة
البقرة) فأين أنتم في الصراع على الاستخلاف بين الحق والباطل (سورة الأعراف)؟


سورة الأعراف
سورة الأعراف
سورة الأعراف (مكية) نزلت بعد سورة (ص) وهي في المصحف بعد سورة الأنعام وعدد آياتها 206.
قذائف الحق على الباطل
نزلت السورة في وقت كان الصراع فيه على أشده بين المسلمين والكفار. وبالتحديد في الوقت الذي أمر به النبي (() بالجهر بالدعوة. إنها مرحلة جديدة، مرحلة فيها الإعلان والمواجهة، وقد يخجل البعض أو يخاف الأذية.. أنزلت السورة في هذا الظرف وهذا الجو، لتتحدث عن الصراع بين الحق والباطل وأن هذا الصراع سنّة كونية دائمة ومستمرة منذ خلق الله الخلق إلى نهاية يوم القيامة.
فبدأت السورة بالصراع بين آدم وإبليس مع بدء الخليقة وأتبعته بالحوار بين أهل الجنة وأهل النار، وكأن المعنى: هذه هي نتيجة الصراع: فريق في الجنة وفريق في النار. وبعد ذلك رسمت خطاً بيانياً يظهر الصراع في تاريخ البشرية بين كل نبي وقومه، ويظهر أن نهاية الصراع دائماً هي هلاك الظالمين بسبب فسادهم. وبين كل مقطع من هذه المقاطع تسألك السورة: أين أنت من هذا الصراع؟ حدّد موقفك.
وهذا المحور لمناسب جداً لجو الصحابة في المرحلة المكية كما أنه ينعكس على الناس جميعاً في كل زمان ومكان. ففي كل عصر سيعيش الناس مواقف صراع بين الحق والباطل على مستوى الدول والأمم وعلى مستوى الحياة الشخصية أي بين الإنسان ونفسه.

ربما أنت السبب..!
والهدف الذي تدور حوله أحداث السورة ومعانيها هو ضرورة تحديد الموقف وسط الصراع.. حدد موقفك يا مسلم.. في أي الفريقين أنت؟ لا تكن من المتفرجين.
وهذا المعنى يبدو واضحاً في قصص الأنبياء الواردة في هذه السورة، والتي ركّزت على الفصل بين المؤمنين الذين أنجاهم الله تعالى وبين الكفار، مع عدم ذكر أي فئة سلبية أو متفرجة، لأن الأصل أن يكون للإنسان موقف محدد في حياته. ففي قصة نوح مثلاً نرى أن ختام القصة كان: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَـ?هُ وَ?لَّذِينَ مَعَهُ فِي ?لْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ?لَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـ?تِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ( (64) وفي قصة هود:
(فَأَنجَيْنَـ?هُ وَ?لَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ?لَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـ?تِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ( (72). وفي قصة لوط: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن
قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ( (82) (فَأَنجَيْنَـ?هُ
وَأَهْلَهُ إِلاَّ ?مْرَأَتَه(ُ. وفي قصة شعيب: (قَالَ ?لْمَلاَ ?لَّذِينَ ?سْتَكْبَرُواْ... فِي مِلَّتِنَا( (88). وفي قصة صالح: (قَالَ ?لْمَلاَ ?لَّذِينَ ?سْتَكْبَرُواْ... لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ( (75).
وكأن المعنى في هذا كله إما أن تكون مع (الذين آمنوا معه) وإما أن تكون مع (الذين كذبوا بآياتنا) فلا وجود للفئة المتفرجة في هذه القصص.
(فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ)
بداية السورة تعلن هذا المعنى بوضوح (كِتَـ?بٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ( (2) مطلوب منك الجهر بتعاليم الإسلام، لا تستح من نظر أحد أو انتقاده. فأحياناً من قوة الباطل أو انتشاره قد يخجل البعض من إظهار الحق. لا تخجلي من حجابك ولا يخف مسلم من إيذاء أحد له.. المسلم الحق يحزم أمره ويحسم قضاياه لأن الله قال له في افتتاح السورة (فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ(. هذه الآيات كما أشرنا سابقاً كانت عنواناً لبداية مرحلة الدعوة الجهرية.
الآية الثالثة تلح على نفس المعنى: (?تَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء( فهنا طلب جازم باتباع الحق فوراً بلا تردد أو سلبية أو تطلع للطرق الأخرى.
آدم وإبليس: فدلاهما بغرور
ومنذ بداية البشرية يبدأ الصراع بين آدم وإبليس الآيات (20 - 22)، فكيف كان إغواء إبليس لأبوينا؟ (فَدَلَّـ?هُمَا بِغُرُورٍ( (22) أي أن طريقة الإغواء كانت بتركهما في حيرة وعدم استقرار، فكان استعمال كلمة (فدلاهما) لتشبيهها بمن يدلو دلوه في البئر ثم يتركه معلقاً وسطه دون أن يحسم مكانه. ولذلك فإن الإيجابية وحسم الأمر من أقوى جند الحق والسلبية والتردد طريق المعصية وإن كان صاحبهما مؤمناً.
العري: سلاح إبليس
لاحظ تركيز إبليس على نوع من أنواع الإفساد: العري، وهذا واضح في الآيات:
(فَوَسْوَسَ لَهُمَا ?لشَّيْطَـ?نُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن
سَوْءتِهِمَا( (20) فماذا كانت النتيجة (فَلَمَّا ذَاقَا ?لشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءتُهُمَا...( (22).
لذلك كان الأمر الإلهي بالستر والتحذير من كل مظاهر كشف العورات: (يَـ?بَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُو?رِى سَوْءتِكُمْ وَرِيشًا( (26).
(يَـ?بَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ?لشَّيْطَـ?نُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ?لْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءتِهِمَا...( (27).
(يَـ?بَنِى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ( (31).
تعلّموا يا شباب من هذه السورة، أرأيتم كثرة الآيات المحذّرة؟ تعلّموا ستر العورات وغض الأبصار، تعلّموا يا فتيات العفة والحشمة، واحسموا موقفكن من الحجاب بدون تردد، لأن العري سلاح إبليس منذ بدء الخليقة، وانتشاره يساعد على نشر الرذيلة وسهولة المعصية، لذلك كان التعقيب على قصة آدم قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ?لْفَو?حِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ...( (33).
لا ثالث بينهما
وبعد ذلك تقسم السورة الناس إلى صنفين: أهل الجنة وأهل النار، وتأخذك السورة بعيداً إلى يوم القيامة، حتى كأننا نسمع النداءات بين الطرفين: (وَنَادَى أَصْحَـ?بُ ?لْجَنَّةِ أَصْحَـ?بَ ?لنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ?لله عَلَى ?لظَّـ?لِمِينَ( (44).
فهما داران لا ثالث لهما، لذلك تأتي كلمة حاسمة في الآية 46 (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ( لتفصل بين الفريقين بشكل نهائي. أما زلت متردداً؟ ألم تحسم موقفك بعد؟ اسمع إذاً نداء الاستغاثة: (وَنَادَى? أَصْحَـ?بُ ?لنَّارِ أَصْحَـ?بَ ?لْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ?لْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ?لله قَالُواْ إِنَّ ?لله حَرَّمَهُمَا عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ( (50) واختر لنفسك أي المصيرين، وأي الدارين؟!
سبب تسمية السورة بالأعراف
فلماذا سميت السورة بهذا الاسم (الأعراف)؟ يقول تبارك وتعالى:
(وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ?لاْعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَـ?هُمْ( (46) أي بين الجنة والنار يعرفون أهل كل منهما فينادون أصحاب الجنة: (وَنَادَوْاْ أَصْحَـ?بَ ?لْجَنَّةِ أَن سَلَـ?مٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ( (46) ويخافون من النار (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـ?رُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَـ?بِ ?لنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ?لْقَوْمِ ?لظَّـ?لِمِينَ ( وَنَادَى? أَصْحَـ?بُ ?لاْعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَـ?هُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى? عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ( (47-48).
فمن هم أصحاب الأعراف؟ إنهم أناس تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فهم لم يحسموا مواقفهم وأعمالهم في الحياة. ولأن الجزاء من جنس العمل، فهم يوم القيامة يحبسون في مكان عالٍ (يسمى الأعراف) بين الجنة والنار، ليشرفوا على المكانين. والمترددون يشملون أصنافاً كثيرة من الناس (لذلك هناك أعراف كثر وليسوا عرفاً واحداً)، فإياك أن تكون أحدهم.. أخي المسلم بادر إلى اتباع طريق الحق ولا تكن اعرافياً، بل احسم موقفك لأنك قد تحرم حتى من أن تكون مع أصحاب الأعراف في حال سوء الخاتمة والعياذ بالله.
قصص الأنبياء: رسم بياني للصراع عبر التاريخ
وللتأكيد على الرسائل التي تحملها السورة:
1. أن الصراع بين الحق والباطل دائم ولن يتوقف.
2 أن الباطل منهزم لا محالة.
3 أن السبب الأساسي لهزيمة الباطل هو البعد عن الله والفساد بأشكاله المختلفة (الأخلاقي أو الاقتصادي أو الاجتماعي).
تذكر لنا السورة قصصاً لخمسة أنبياء من أنبياء الله ومواجهتهم لأقوامهم. والملاحظ أن هذه القصص قد ذكرت مرات عدة في القرآن، فما الذي يميّزها هنا؟ إنها تخدم هدف السورة في حسم الموقف من الصراع، من خلال:
- إظهار أن عناصر المواجهة بين كل الأنبياء وأقوامهم هي تقريباً نفسها (مع نفس الكلمات أحياناً)، وكل هذا لإثبات قدم الصراع وتكراره مع تغيّر الأشخاص والأمم.
فكانت دعوة الأنبياء كلها واحدة (يَـ?قَوْمِ ?عْبُدُواْ ?لله مَا لَكُم مّنْ إِلَـ?هٍ غَيْرُهُ( (59).
(أُبَلّغُكُمْ رِسَـ?لـ?تِ رَبّى...( (68) وحتى الحجج (أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ...( (69).
- انتهاء إلى تكذيب الكفار (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـ?لٍ مُّبِينٍ( (60)، (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ?لْكَـ?ذِبِينَ( (66).
- التركيز على نهاية الباطل، تحت قاعدة "الجزاء من جنس العمل".
فقوم ثمود، مثلاً، كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين، فدعاهم أمنهم إلى الاستكبار على دين الله، فكان عقابهم الرجفة (والتي يرافقها الخوف، لأن الخوف ضد الأمن). هذه القاعدة تنطبق أيضاً على قوم لوط الذين أسرفوا في الشهوة الجنسية مما أدى بهم إلى مخالفة الفطرة الإنسانية والشذوذ، وسبب ذلك الإسراف، كما بينت الآية (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ?لرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ ?لنّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ( (81)، لذلك كان جزاؤهم مطراً من الحجارة.
- التنبيه إلى أن سبب هزيمة الباطل إنما هو الفساد:
ففي ثمود - قوم صالح - كان فساد الترف الزائد هو الذي أهلكهم
(الآية 74)
أما قوم لوط، فكان فسادهم الأخلاقي وشذوذهم الجنسي سبباً لإهلاكهم الآيات (80 - 81).
وأما مدين - قوم شعيب - فكان الفساد الاقتصادي هو المستشري فيهم:
(فَأَوْفُواْ ?لْكَيْلَ وَ?لْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ?لنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ...( (85).
- التحذير من الاستكبار، لأنه من أخطر أسباب الهلاك:
فعبارة (قَالَ ?لْمَلاَ ?لَّذِينَ ?سْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ...( (74) نراها تتكرر مع ثمود ومدين، كما نرى في أوائل السورة التركيز على عبارات (إِنَّ ?لَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـ?تِنَا وَ?سْتَكْبَرُواْ عَنْهَا...( الآيات (36 و40). ولا يمكن أن تتكرر عبارة بحذافيرها في القرآن من دون أن يكون هناك معنى مهم جداً ينبهنا إليه ربنا سبحانه.
- التركيز على نجاة النبي والذين آمنوا معه وهلاك الكافرين،
بدون أي ذكر لأي فئة متفرجة أو محايدة. (فَأَنجَيْنَـ?هُ وَ?لَّذِينَ مَعَهُ...( (فَأَنجَيْنَـ?هُ وَأَهْلَهُ( (لَنُخْرِجَنَّكَ يـ?شُعَيْبُ وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَكَ(
الآيات (64 - 72 - 83 - 88).
بعد كل هذا: ألا زلت متردداً
ولاحظ أخي المسلم تعقيب القرآن على هذه القصص:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ?لْقُرَى? ءامَنُواْ وَ?تَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـ?تٍ مّنَ ?لسَّمَاء وَ?لاْرْضِ( (96) فهو يضع كل هذه النماذج ضمن قاعدة كونية: إما إيمان وحسم للموقف واتباع للأنبياء، وإما بأس شديد وعذاب أليم من الله.
وأنت أخي المسلم تندرج تحت هذه القاعدة، فهل ما زلت متردداً؟
إن لم تكن مع الحق فأنت مع الباطل ولو كانت نيتك غير ذلك، لأنك أضعفت أهل الحق.
وإياك أن تقول "أنا فرد ولن أغير شيئاً في معادلة الصراع". فلو كان الحق ينتصر بوجود 100 صادق ناجح، وهم الآن 99 وقد تكون أنت المتمم للمائة، وتقاعست، فأنت إذاً لم تكمل المؤمنين وأنت سبب في تراجعهم.
قصة موسى عليه السلام
وتصل الآيات إلى قصة سيدنا موسى مع فرعون، سحرة فرعون، وبني إسرائيل. قصة من أروع القصص في عرض نماذج الحسم والتردد.
والجدير بالذكر هنا أن قصة سيدنا موسى هي أكثر قصة مذكورة في القرآن على الإطلاق (ذكرت في 29 جزءاً) (يقول النبي: رحم الله أخي موسى، لقد كاد أن يذهب بثلث القرآن). لكن سورة الأعراف هي أكثر السور تفصيلاً لعلاقة موسى بقومه خاصة بعد خروجهم من مصر (فلم تذكر مثلاً حادثة ولادته أو نشأته في قصر فرعون كما في سورة القصص)، ولذلك بدأت بالصراع مباشرة من أول آية (... فَ?نظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـ?قِبَةُ ?لْمُفْسِدِينَ( (103) (وَقَالَ مُوسَى? ي?فِرْعَوْنُ إِنّى رَسُولٌ مّن رَّبّ ?لْعَـ?لَمِينَ( (104)، كل هذا لنستفيد من مواقف الحسم والتردد في القصة.
حزم بدأ بسجدة
فعندما أتى السحرة لطلب القرب من فرعون ومواجهة موسى عليه السلام، رأوا الآية الدالة على رسالته، فحسموا موقفهم خلال دقائق وكان حسمهم شديداً وفي منتهى القوة: (فَوَقَعَ ?لْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَ?نقَلَبُواْ صَـ?غِرِينَ ( وَأُلْقِىَ ?لسَّحَرَةُ سَـ?جِدِينَ( (118-120) بدأ إيمانهم بهذه السجدة المؤمنة وتمسكوا بهذا الإيمان رغم التهديد بالهلاك والتعذيب: (قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ ( رَبّ مُوسَى? وَهَـ?رُونَ ( قَالَ فِرْعَوْنُ ءامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ...( (121-123).
وبعد ذلك يقول لهم فرعون (لاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ( (124) فماذا كان أثر ذلك على موقفهم؟ (قَالُواْ إِنَّا إِلَى? رَبّنَا مُنقَلِبُونَ ( وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ ءامَنَّا بِـئَايَـ?تِ رَبّنَا لَمَّا جَاءتْنَا( (125-126) هكذا في إصرار وعدم تردد رغم تهديد فرعون ووعيده، بل أنهم استمدوا الصبر والتمسوا حسن الخاتمة من صاحب الحق: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ...( (126).
فساد فرعون
بعد أن رأينا في قصص الأنبياء السابقة أنواعاً مختلفة من الفساد، تأتي قصة موسى وفرعون لترينا قمة في الفساد:
(... قَالَ سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـى نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـ?هِرُونَ( (127).
فكان العقاب الرباني متدرجاً لذلك الظالم وقومه:
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ?لطُّوفَانَ وَ?لْجَرَادَ وَ?لْقُمَّلَ وَ?لضَّفَادِعَ وَ?لدَّمَ ءايَـ?تٍ مّفَصَّلاَتٍ...( (133).
فخفّف الله عنهم، لكن (إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ( (135) فماذا كان العقاب؟
(فَ?نتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـ?هُمْ فِي ?لْيَمّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِـئَايَـ?تِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَـ?فِلِينَ( (136).
بنو إسرائيل: سلبية وتردّد
وبالمقابل، ترينا الآيات نموذجاً آخر للتردّد وهم بنو إسرائيل، فعندما قال لهم نبيّهم (?سْتَعِينُواْ بِ?لله وَ?صْبِرُواْ إِنَّ ?لارْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( (128) فماذا كان جوابهم؟
(قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا( (129).
فردّ عليهم موسى ليعلمهم حسن الظن بالله والذي هو أمر أساسي من متطلبات الحسم:
(قَالَ عَسَى? رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ?لاْرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ( (129).
فالآيتان (128 - 129) تؤكدان على أن الحزم وعدم التردد
أمران أساسيان في امتحان الاستخلاف على الأرض، وهذا ما لم يفهمه بنو إسرائيل.
حتى في العقيدة
ويظهر بنو إسرائيل في مواقف أخرى توحي أنهم يعيشون بلا غاية ولا هدى حتى في أمور العقيدة. ففي الآية 138 نرى قوله تعالى (وَجَـ?وَزْنَا بِبَنِى إِسْرءيلَ ?لْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى? قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى? أَصْنَامٍ لَّهُمْ( لقد كانوا منذ قليل يعبرون البحر، وقد رأوا فرعون وجنده وغرقهم، فماذا كان موقفهم التالي: (قَالُواْ ي?مُوسَى ?جْعَلْ لَّنَا إِلَـ?هًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(. هذا السؤال الذي ينمّ عن قمة في الجهل أتى في نفس الآية التي تحكي قصة نجاتهم ليرينا الله تعالى حالة التردد وعدم الثبات عندهم.
(فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا)
كانت أغلب أوامر الله لبني إسرائيل تحثّ على تطبيق أمر الله ودينه بقوة.
ففي الآية (145): (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا(.
وفي الآية (171): (خُذُواْ مَا ءاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ...(.
فكيف كان أخذهم لأوامر الله؟
تركهم موسى وذهب للقاء ربه، فماذا فعلوا؟
(وَ?تَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى? مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ
خُوَارٌ( (148).
فتنكر عليهم الآيات بشدة:
(أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ?تَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَـ?لِمِينَ ( وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ( (148-149).
فهم يشكون من عدم الوضوح والحزم في تديّنهم وعلاقتهم مع الله.
وبذلك يظهر الفارق واضحاً بين السحرة وبين بني إسرائيل، بين تحدي السحرة لفرعون (فَ?قْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ( (72) وبين (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا( (129).
بين (قَالُواْ آمَنَّا بِرَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ( (121) التي أتت دون تردد من السحرة، وبين (?جْعَلْ لَّنَا إِلَـ?هًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ( (138) التي صدرت من بني إسرائيل رغم المعجزات الكبيرة التي رأوها.
الفِرَق الثلاث
وتأتي مباشرة بعد قصة موسى مع بني إسرائيل قصة أصحاب السبت الآيات (163 - 167): وملخصها أن بعض بني إسرائيل احتالوا على شرع الله فارتكبوا جرماً شديداً وهو الصيد في اليوم الذي حرّم الله عليهم العمل فيه (يوم السبت) فاختبرهم الله بإرسال السمك يوم السبت أمام أعينهم بكثرة.. فتحايلوا على الأمر وأخذوا يضعون الشباك في الجمعة ليلاً ويجمعون ما فيها صباح الأحد. فبدأ بعض المؤمنين الإيجابيين في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، حتى يكون لهم حجة عند لقاء الله بأنهم حاولوا الإصلاح، والهداية تأتي من الله.
أما بعض المؤمنين فقد وقفوا موقفاً سلبياً بل أخذوا يعتبون على الذين
كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ?لله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى? رَبّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ( (164).
أصبح هناك فرقة عاصية وفرقة إيجابية قامت بواجب الإصلاح وفرقة سلبية لم تتحرك ولم تصلح، فماذا كان مصير كل واحدة من هؤلاء؟
نجاة.. وعذاب.. وإهمال
لم يستجب أصحاب السبت لنصح المؤمنين فأنزل الله بهم العقوبة: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ?لَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ?لسُّوء وَأَخَذْنَا ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ( (165).
الفرقة الإيجابية أنجاها الله تعالى من العذاب، والفرقة العاصية أخذها الله تعالى بعذاب بئيس أما الفرقة السلبية التي آثرت موقف المشاهد المتفرج، فقد أهمل القرآن ذكرها واختلف العلماء في ذلك.
- فمنهم من قال أنهم لم يستحقوا أن يذكروا لأنهم كانوا سلبيين فلم يذكر الله لهم مصيراً وسيماهم يوم القيامة كيف يشاء...
- والرأي الثاني يرى أنهم قد دخلوا مع الظالمين وهم معنيون بقوله تعالى (وَأَخَذْنَا ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ( فهم والذين اقترفوا المعاصي سواء في هذا الحكم، لأنهم بقوا حياديين حيال المعصية وسكتوا عنها فأصبحوا بذلك عصاة...
منهم الصالحون ومنهم دون ذلك
ومن روعة القرآن أنه لا يحكي قصة لمجرد القصص، بل يختمها بعبرة وعظة حتى يرسخ في ذهن القارئ المعنى المراد من القصة. لذلك كان التعقيب على قصة موسى وأصحاب السبت واضحاً في بيان عبرة القصة:
(وَقَطَّعْنَـ?هُمْ فِي ?لاْرْضِ أُمَمًا مّنْهُمُ ?لصَّـ?لِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذ?لِكَ...( (168).
هذا كان حال الجيل الأول من بني إسرائيل الذي تاه وتفرق في الأرض: منهم صالحون ومنهم دون ذلك، لكن الجيل الثاني كان فيه أناس سلبيون مترددون (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ?لْكِتَـ?بَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـ?ذَا ?لاْدْنَى? وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ...( (169).
وبالمقابل، تختم الآيات بمثال رائع لنقتدي به في أخذ أوامر الدين بقوة:
(وَ?لَّذِينَ يُمَسّكُونَ بِ?لْكِتَـ?بِ وَأَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُصْلِحِينَ( (170).
لاحظ كلمة (يمسِّكون) كيف أنها تدل على تمسّك شديد بأوامر الله وخاصة الصلاة، هؤلاء ينالون شرفاً من الله أنهم مصلحون وليسوا مجرد صالحين لأنفسهم، إنهم إيجابيون مصلحون لمجتمعهم وبلدهم وأمتهم.
كيف لا تحسم وفطرتك شهدت؟
ترجع بنا الآيات بعد ذلك إلى زمن بعيد، في عالم الذر، عندما أشهدنا الله على أنفسنا بربوبيته وعظمته.
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى? شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـ?ذَا غَـ?فِلِينَ( (172).
فكيف لا نتحرك في نصرة ديننا والله قد أخذ علينا العهد من بداية الخلق، وقبل أن نأتي إلى هذه الدنيا، أن نكون مع الحق وأهله. إن حب الدين والإنماء له فطرة ربانية من عند الله، فلماذا ينسى بعض الناس هذا العهد وهذه الفطرة الربانية؟
مرض الغفلة
الآية السابقة تجيب بوضوح (أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـ?ذَا غَـ?فِلِينَ( (172)، إنها الغفلة، أخطر مرض قد يؤدي إلى برود الحماسة للحق والتردد في نصرة الدين. فما هي عوارض هذا المرض؟ إسمع الآية 179:
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ?لْجِنّ وَ?لإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَ?لانْعَـ?مِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْغَـ?فِلُونَ(... فالغفلة هي السبب الأساسي وراء كل تردّد وعدم حسم، لذلك كانت آخر وصية لنبي الله قبل ختام السورة (ومع أنه الرسول المعصوم ():
(وَ?ذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ ?لْجَهْرِ مِنَ ?لْقَوْلِ بِ?لْغُدُوّ وَ?لاْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مّنَ ?لْغَـ?فِلِينَ( (205).
فحري بنا، أتباع النبي (، أن نتدارك هذا المرض ونداويه، بالذكر والتضرع إلى الله، وبقراءة سورة الأعراف وفهم معانيها.
فمثله كمثل الكلب
وتقوم السورة قبل ختامها بحشد عدد كبير من الأمثال والآيات لتخدم نفس المعنى وتحذِّر المؤمنين من الغفلة وعدم الحسم مع شرع الله ودينه، فيأتي مثال رهيب:
(وَ?تْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ?لَّذِى ءاتَيْنَـ?هُ ءايَـ?تِنَا فَ?نْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ
?لشَّيْطَـ?نُ فَكَانَ مِنَ ?لْغَاوِينَ ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـ?هُ بِهَا وَلَـ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ?لاْرْضِ وَ?تَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ?لْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث...( (175-176).
مثال رهيب عن من آتاه الله آياته وهدايته، فانسلخ منها كما تنسلخ الحية من جلدها. ولو أنه بقي على تديّنه لأعزّه الله ورفعه، لكنه آثر الدناءة. فهو كالكلب يتعب ويلهث سواء أكان حاله الغفلة أم المعرفة. مثال رهيب لا بد أن يوقظ كل نائم وكل غافل.
اسجدها... بهذا المعنى
وأجمل ختام للسورة آية فيها سجدة. وهي أول سجدة في المصحف،
حتى نذكر الحزم والحسم والعزيمة.. نذكر سجدة السحرة الذين تحدّوا
فرعون بجبروته وظلمه. كما أن الآية تدعونا إلى إظهار الخضوع لله تعالى بشكل عملي لأنّ حركة السجود تنبّه النفس للتطبيق فتزداد استعداداً لحسم موقفها في الحياة.
بهذا المعنى نسجدها: (إِنَّ ?لَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ( (206)..



سورة الأنفال
سورة الأنفال
سورة الأنفال (مدنيّة)، نزلت بعد سورة البقرة، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة الأعراف، وعدد آياتها خمس وسبعون آية.
يوم الفرقان
وقد أنزلت هذه السورة بعد غزوة بدر للتعقيب عليها (لذلك سماها بعض العلماء سورة بدر). وغزوة بدر هي أول معركة في الإسلام، وسماها الله تعالى في هذه السورة بيوم الفرقان، لأنه اليوم الذي فرّق الله به بين الحق والباطل، يوم يمثل فرقاً بين عهدين في تاريخ البشرية: عهد كان الإسلام فيه مستضعفاً وعهد سيكون فيه الإسلام قوياً وله أمة قوية تدافع عنه إلى يومنا هذا. لقد كان يوماً عظيماً في تاريخ البشرية، لذلك نزلت السورة كلها للتعقيب على ذلك اليوم.
ولو كان النصر يقاس بالمقاييس المادية، فإن المسلمين لم يكونوا لينتصروا في ذلك اليوم، لأن عدد المسلمين كان ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ولم يكونوا مهيئين نفسياً أو مجهزين عتاداً للقتال، في حين كان عدد الكفار ما يقرب من ألف مقاتل كامل الجهوزية للحرب.
والجدير بالذكر أنه كان مع المسلمين في هذه المعركة فرسٌ واحد، في حين كان مع المشركين ثلاثمائة فرس. فبالمقاييس المادية كان من المستحيل أن ينتصر المسلمين في هذه المعركة.
سيئات الأبرار
الأنفال معناها الغنائم، وقد سميت السورة باسم هذه الغنائم - الأنفال -.

وللصحابة تعليق لطيف على سورة الأنفال، فإنهم يقولون: فينا نحن معشر أصحاب رسول الله نزلت سورة الأنفال، حين اختلفنا على النفل وساءت فيه أخلاقنا. وليس سوء الخلق الذي يتحدثون عنه هو الذي نعرفه اليوم، ولكن عبروا عن اختلافهم بذلك لعظيم أدبهم وتواضعهم.
قوانين النصر مادية وربانية
إن السورة تتحدث عن القوانين التي يعتمد عليها النصر، وهذا مناسب لجو السورة وسبب نزولها. فبعد أن انتصر المسلمون في بدر نزلت السورة لترسخ للمسلمين الأسباب الكونية للنصر، فهو لا يأتي من قبيل الصدفة ولا العبث، وإنما للنصر قوانين مادية وقوانين ربانية.
وهذا يعني أن للنصر سببين هامين:
1. اليقين بأن النصر من عند الله عز وجل (وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?لله( (101).
2. الأخذ بالأسباب والسعي الجدي لتقريب موازين القوى مع الأعداء، بل والتفوق عليها إن كان ذلك ممكناً، ووضع الخطط والدراسات وكل ما له تأثير مادي على النصر.
فهذه السورة تحقق مفهوم التوكل على الله، بأن نوقن بأن الله هو الناصر، وأن نبذل كل جهد ممكن لتحقيق هذا النصر من طاقة مادية. ولذلك فإن السورة قد تضمنت قول الله تعالى: (ذ?لِكَ بِأَنَّ ?لله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى? قَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ( (53). فالآية تشير إلى أن الفعل في التأثير ليس إلا لله الواحد، ولكن بشرط أن تأخذ بالأسباب ما أمكن. فيجب أن ندرك أن النصر بين أمرين: جهد البشر وعمل القدر - تدبير الله تعالى -.
بعض الناس يظنون أن النصر معجزة ربانية فقط، فتراهم يدعون الله لينصرهم وبعد ذلك يتساءلون عن سبب تأخير النصر. فهم حقيقة لم يفهموا أن هناك أسباباً مادية ينبغي الأخذ بها من تخطيط وجهد وبذل. فلا يكفي الدعاء واللجوء إلى الله مع ترك الأخذ بالأسباب، لأننا بذلك نكون مقصرين في فهمنا لطبيعة ديننا ولسنن الله في هذه الأرض.
وبالمقابل، هناك نوع آخر من الناس يأخذون بالأسباب كلها من وضع الخطط والدراسات وجهد بالليل والنهار وبعد ذلك حين يريدون المقابلة والمقارنة مع قوة الكفار يجدون أنفسهم ضعفاء للغاية، فيظنون أنهم عاجزون عن فعل أي شيء والسبب في ذلك أنهم اعتمدوا على الأسباب المادية فقط ونسوا أن النصر من عند الله.
فالسورة ترشدنا إلى التوازن بين هذين النقيضين: أن نؤمن بتدبير الله أولاً، وأن نبحث عن الشروط المادية لتحقيق النصر.
النصر من عند الله
تبدأ السورة بسؤال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ ?لانفَالِ( (1)، أي يسألون عن كيفية تقسيم الغنائم.
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ ?لانفَالِ قُلِ ?لانفَالُ لله وَ?لرَّسُولِ فَ?تَّقُواْ ?لله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ?لله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ( (1).
وتنتقل الآيات بعد ذلك إلى سرد صفات المؤمنين: (إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ?لله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...( (2). واللطيف أن الجواب على سؤالهم عن تقسيم الغنائم لم يأت بعد السؤال مباشرةً، إنما جاء الجواب في الآية الواحدة والأربعين أي بعد أربعين آية من السؤال: (وَ?عْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى?...(.
وسبب تأخير الإجابة أنهم حين سألوا السؤال كانوا يريدون المكافأة الدنيوية على النصر، والله علمهم أن النصر أولاً وآخراً هو بتقديره ومن عنده سبحانه وتعالى.
فكان الجواب المبدئي على سؤالهم: (قُلِ ?لانفَالُ لله وَ?لرَّسُولِ( (1)، وليس لكم منها شيء، وذلك من لطف القرآن في التربية في صرف أنظارهم عن الأنفال لترسيخ قوانين النصر أولاً، ثم بعد ذلك تمّ شرح كيفية توزيع الغنائم إلى أن قال لهم في آخر السورة (فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـ?لاً طَيّباً( (69). فالله تعالى رسّخ ما هو أهم وبيّن أن مسألة تقسيم الأنفال هي مسألة فرعية لأنها من المسائل الدنيوية.
إن السورة تنقسم إلى نصفين: النصف الأول يركّز بشدة على أن منزّل النصر هو الله تعالى. والنصف الثاني يتحدث عن الأسباب المادية التي ينبغي الأخذ بها حتى ينزل النصر علينا.
القسم الأول (وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?لله)
وهو يظهر منة الله تعالى وفضله على المؤمنين بالنصر، وذلك من خلال:
1. ترتيب المعركة
قال تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِ?لْحَقّ وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ( (5).
فالكثير من المؤمنين لم يكونوا يريدون القتال، لكن الله تعالى دبّر ذلك ليحقّ الحق:
(وَإِذْ يَعِدُكُمُ ?لله إِحْدَى ?لطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ?لشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ?لله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـ?تِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ?لْكَـ?فِرِينَ ( لِيُحِقَّ ?لْحَقَّ وَيُبْطِلَ ?لْبَـ?طِلَ وَلَوْ كَرِهَ ?لْمُجْرِمُونَ( (7-8).
إن هذه الآيات لهي غايةٌ في الوضوح، فترتيب المعركة ابتداءً كان بتقدير الله عز وجل.
2. الإعداد النفسي للمعركة
يقول الله تعالى: (إِذْ يُغَشّيكُمُ ?لنُّعَاسَ أَمَنَةً مّنْهُ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ?لسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ?لشَّيْطَـ?نِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى? قُلُوبِكُمْ وَيُثَبّتَ بِهِ ?لاْقْدَامَ( (11).
فأنامهم قبل المعركة وبعد أن استيقظوا من نومهم أنزل عليهم من السماء رذاذاً من المطر لكي يغتسلوا ويتوضأوا ويتنشطوا للقتال. فحتى الإعداد النفسي كان بتقدير من الله عز وجل.
أحد الصحابة يصف هذا الموقف فيقول بأنه حين كان يحرس المسلمين غلب عليه النعاس فنظر فإذا جميع الصحابة يغطون في النوم على الرغم من الخوف الشديد والرهبة التي كانت تحف الموقف، وذلك كله بتقدير من الله تعالى.
3. التجهيز المعنوي للجيش
وليس الإعداد النفسي وترتيب المعركة كانا من الله وحسب، بل إن الحالة النفسية - والتي ينفق الجيوش عليها مبالغ طائلة - كانت أيضاً بتدبيره سبحانه.
إن التجهيز المعنوي الرباني للمسلمين في غزوة بدر يتجلى في قوله تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ ?لله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـ?زَعْتُمْ فِى ?لاْمْرِ وَلَـ?كِنَّ ?لله سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ?لصُّدُورِ( (43) (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ?لْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ...( (44).
فكان المسلمون يرون الكفار قليلاً فلا يخافون وكان المشركون يرون المسلمون قليلاً فيستهترون. نفس الرؤية ونفس المنظر كانا لهما في وقع كل طرف أثر مختلف. فسبحان من يخرج النصر ويهيّء له ويعين عليه.
4. نزول الملائكة
وهذا واضح في قوله تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَ?سْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ?لْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ( (9).
وكذلك قوله: (إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ?لْمَلَـئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ ?لرُّعْبَ فَ?ضْرِبُواْ فَوْقَ ?لاعْنَـ?قِ وَ?ضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ( (12).
فمن الذي فعل كل هذا، من هو المالك للأرض الذي يفعل ما يشاء؟ وكيف لا يثق الإنسان بربه وأن النصر من عنده تعالى؟ وكيف يثق المرء بغير الله؟ وكيف يعتمد على غيره؟
5. مكان المعركة وزمانها
تنتقل الآيات إلى ما هو أبعد من العوامل النفسية، فحتى مكان المعركة كان بترتيب من الله فالآية 42 تقول: (إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ?لدُّنْيَا وَهُم بِ?لْعُدْوَةِ ?لْقُصْوَى? وَ?لرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ?لْمِيعَـ?دِ( (42).
فالعدوة الدنيا - حيث كان المسلمون - تتمتع بنوعية خاصة من التراب حيث أن المطر كان عند نزوله يثبّت الرمال تحت أقدام المسلمين مما يسهل حركتهم، وأما في العدوة القصوى فكان المطر يسبب سيولاً عند نزوله مما يعيق حركة جنود الكفار وفرسانهم. إنها قدرة الله تعالى مقدّر النصر وناصر المؤمنين.
6. (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـ?كِنَّ ?لله قَتَلَهُمْ(
وتتتابع الآيات ونصل إلى قوله تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـ?كِنَّ ?لله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـ?كِنَّ ?لله رَمَى?( (17). هذه الآية توضح نتيجة المعركة وخط سيرها حتى عند رمي النبي للتراب في وجوههم وقوله "شاهت الوجوه".
لذلك تؤكد الآيات على ضرورة طلب النصر من الله (وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?لله( (10)، ولهذا كان النبي ( يوم غزوة بدر يدعو ويدعو حتى ظهر بياض إبطيه ووقع الرداء عن ظهره (، فكان أبو بكر رضي الله عنه يقول له هوّن عليك يا رسول الله.
لأن النصر من عند الله فلا بد أن نستجيب لنداء الله تعالى:
(يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?سْتَجِيبُواْ لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ( (24).
القسم الثاني (وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ?سْتَطَعْتُم)
1. أهمية الأخذ بالأسباب وأثر ذلك على النصر:
يقول الله تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ?سْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ( (60). إن هذه الآية واضحة جداً في بيان هذا المعنى، فنفس السورة التي تؤكد أن النصر هو من عند الله تعالى وحده، تؤكد أيضاً ضرورة الأخذ بالأسباب. فالتخطيط إلى جانب اللجوء إلى الله هما السببان الرئيسيان في النصر، وهذه السورة تتحدث عن موازين القوى، وتشير إلى أن المعارك لا يجدي بها أن يقوم فرد ليقاتل منفرداً وينتصر على الجيوش الجرارة بحجة أن الله تعالى يقول: (وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?لله( (10). إن هذا فهم خاطئ وناقص لدين الله تعالى وسننه التي يدير بها الكون.
والملاحظ أن الإرهاب الذي ذكر في الآية يهدف إلى منع القتال لا إلى سفك الدماء. فالمطلوب هو أن تكون للمسلمين قوة رادعة ترهب أعداءهم فتكون النتيجة وقف القتال. حتى في الحرب نرى الإسلام يدعو إلى السلم (عكس ما يعتقد الكثيرون عن هذا الدين). فالآية تقول بعد ذلك: (وَءاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ?لله يَعْلَمُهُمْ( (60)، فهي تشمل إظهار قوة المسلمين أمام كل أعدائهم لردعهم عن القتال. لذلك تأتي الآية التي بعدها مباشرة لتقول:
(وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَ?جْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ?لله...( (61).
2. موازين القوى المادية:
صحيح أن الله يؤيد بنصره من يشاء لكن لا بد من مراعاة موازين القوة والأخذ بالأسباب المادية حتى لا يقول بعض الناس: هناك تأييد رباني بالملائكة فلم الإعداد؟ يقول تعالى: (يَـ?أَيُّهَا ?لنَّبِىُّ حَرّضِ ?لْمُؤْمِنِينَ عَلَى ?لْقِتَالِ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـ?بِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ( (65) (?لئَـ?نَ خَفَّفَ ?لله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ?لله وَ?لله مَعَ ?لصَّـ?بِرِينَ( (66).
فقوله: (بِإِذْنِ ?لله( فيه إشارة إلى أن الله تعالى هو الناصر وهو الذي يؤيد بنصره من يشاء، وقوله تعالى: (وَ?لله مَعَ ?لصَّـ?بِرِينَ( إشارة إلى أنه لا بد من الصبر لتحقيق النصر. فسبحان من جمع بين السببين في سورة واحدة.
3. فقه قوانين الحرب:
وتشير الآيات بعد ذلك إلى سبب من أسباب هزيمة المشركين في المعركة، فإضافة إلى كونهم كفار فهم لم يأخذوا بالأسباب المادية التي تجعل النصر حليفهم، وقد أشارت إلى ذلك الآية (65): (... وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ( أي لا يفقهون الأسباب التي تجعل النصر حليفهم ولا يملكون الحنكة والتخطيط الحربي. يا مسلمون، تعلموا من سورة الأنفال سنن الله تعالى وقوانينه وافقهوا الأسباب المادية للنصر.
4. طاعة الله والأخوة في الله:
وتبيّن الآيات بعد ذلك أن هناك سبباً دنيوياً ينبغي تحقيقه ليتحقق النصر، وتوضح ذلك الآية (46): (وَأَطِيعُواْ ?لله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـ?زَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ?صْبِرُواْ إِنَّ ?لله مَعَ ?لصَّـ?بِرِينَ(.
فالتكاتف وترك التنازع من أهم قوانين وأسباب النصر.
ويقول تعالى: (وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ?لله هُوَ ?لَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِ?لْمُؤْمِنِينَ ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ?لاْرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـ?كِنَّ ?لله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ( (62-63). فالأخوة هي من الأسباب الرئيسية حتى يحصل هذا النصر للمؤمنين.
5. ترك الرياء والعجب
وذلك واضح في قوله تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـ?رِهِم بَطَراً وَرِئَاء ?لنَّاسِ...( (47) فهذا عامل مادي آخر إضافي أدى لهزيمة المشركين عندما نحروا الإبل وسكروا وأقاموا الاحتفالات قبل موعد المعركة زهواً ليخيفوا كل العرب، فكان عجبهم بنفسهم سبباً في استخفافهم بعدوهم.
6. صفات المؤمنين إيجابية وعملية:
ونجد آيات كثيرة في هذه السورة توفِّق بين مفهوم التوكّل ومفهوم الأخذ بالأسباب، ولذلك نلاحظ معلومة هامة للغاية، فبداية السورة تذكر صفات المؤمنين وبعد ذكر هذه الصفات يقول تعالى: (أُولَـئِكَ هُمُ ?لْمُؤْمِنُونَ حَقّاً( وفي آخر السورة أيضاً يذكر تعالى صفات المؤمنين في الآية (74) ويعقب عليها بقوله سبحانه وتعالى: (أُولَـئِكَ هُمُ ?لْمُؤْمِنُونَ حَقّاً(. نفس الكلمات جاءت في أول السورة وفي آخرها مع أنه يوجد فارق في تصنيف هذه الصفات وحقيقتها.
فالصفات التي ذكرت في أول السورة كلها صفات إيمانية، وهي تناسب قوله تعالى: (وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?لله(. فيقول تعالى: (إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ?لله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـ?تُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـ?ناً وَعَلَى? رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ( (2). فهي صفات إيمانية رقيقة، لأن هذا الجزء من السورة يختص بالجانب الإيماني من أسباب النصر.
وفي آخر السورة - وهو الجزء الثاني والمادي من أسباب النصر والمختص بالأخذ بالأسباب - جاءت صفات المؤمنين بأنهم: (... ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـ?هَدُواْ فِي سَبِيلِ ?لله وَ?لَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ ?لْمُؤْمِنُونَ حَقّاً( (74) فالمؤمنون حقاً هم الذين يجمعون بين الصفات الواردة في أول السورة وآخرها، فهم خاشعون لله عباداً له ومجاهدون في سبيله وناصرون لدينه يعيشون لأجل الإسلام ويأخذون بالأسباب المادية. ولذلك كانت الآية المحورية في السورة هي قوله تعالى: (يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَ?ثْبُتُواْ وَ?ذْكُرُواْ ?لله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (45) فأسباب النصر جاءت مجموعة في هذه الآية، فالأمر بالثبات في قوله: (فَ?ثْبُتُواْ( هو من الأخذ بالأسباب، والأمر بالذكر في قوله: (وَ?ذْكُرُواْ ?لله كَثِيراً( هو من اللجوء إلى الله صانع النصر، وختام الآية: (لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( فالفلاح يكون نزول النصر. وهذه القوانين ثابتة على مر العصور، وهذا واضح في تكرار قوله تعالى: (كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ وَ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ( (52) مرتين للتأكيد على هذا المعنى. فالآية توضِّح أن سبب الهلاك كان كفرهم بالله (السبب الرباني) بينما الآية (54) توضِّح السبب المادي لهلاكهم: الظلم (وَكُلٌّ كَانُواْ ظَـ?لِمِينَ(.
لماذا سميت السورة بالأنفال
إن الأنفال وهي الغنائم هي إشارة للدنيا، والواقع أن المسلمين بعد غزوة بدر اختلفوا ودبت بينهم الشحناء وكادت الأخوة أن تضيع بسبب الدنيا. فالله تعالى من خلال هذه السورة يحذِّر المؤمنين من التنافس على الدنيا فتكون بذلك سبباً للفرقة وضياع الأخوة بين المؤمنين، مما يضيع اكتمال الأسباب المادية والربانية ويسبِّب الهزيمة. لذلك الآيات أمرتهم بإهمال الأنفال تماماً (قُلِ ?لانفَالُ لله وَ?لرَّسُولِ( حتى ترسخ أسباب النصر عندهم. فلما رسخ المعنى قسمها في الآية (41) إلى أن نصل إلى الآية (69) لتوضح أن مسألة الأنفال فرعية وتحل لهم ما أخذوا: (فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـ?لاً طَيّباً...(.
وأسباب النصر كما ذكرنا هي لجوء إلى الله واخذٌ بالأسباب، ومن الأخذ بالأسباب الأخوة الشديدة ووحدة الصف، فلو ضاعت الأخوة وحلّت الفرقة فإن الهزيمة قادمة لا محالة. فسميت السورة بالأنفال حتى تذكرنا بما يسبب الهزيمة.
نسخ أحكام الميراث
وأخيراً ختمت السورة بنسخ حكم الميراث الذي كان متعاملاً به بين الصحابة وهو أن الأخ يرث أخاه في الله. فجاءت الآية في ختام السورة لتقول: (وَأُوْلُواْ ?لارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى? بِبَعْضٍ فِي كِتَـ?بِ ?لله( (75) فالتوارث بين المتآخين كان مرحلة مؤقتة قبل غزوة بدر لتعميق معاني الأخوة بين المؤمنين، فلما جاء النصر وكانت الأخوة من أسبابه تحقق انصهار المجتمع لأن النصر يصلح مشاكل نفسية كثيرة في المجتمعات.
هذه سورة الأنفال. فلنحرص جميعاً على فهم قوانين النصر حتى يؤيد الله تعالى هذه الأمة. فلنلجأ إلى الله ولنثق بأنه صانع النصر: (وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?لله(، ولنأخذ بالأسباب المادية من طلبٍ للعلم وتفوق في حياتنا الاجتماعية والعملية مع الحذر من التعلق بالدنيا وزينتها "الأنفال" حتى يستجيب الله دعاءنا ويعيد العز لهذه الأمة.
ختام معالم المنهج
بعد أن انتهت أول 10 سور من القرآن، نرى أن معالم المنهج اللازمة للاستخلاف على الأرض قد صارت واضحة، وأن أهداف السور ورسائلها تتكامل أمام ناظري قارئ القرآن:
- أنتم مسؤولون عن هذه الأرض أيها المسلمون، وهذا هو منهجكم (سورة البقرة).
- أهمية الثبات على هذا المنهج (سورة آل عمران).
- العدل شرط أساسي لضمان الاستخلاف (سورة النساء).
- أهمية الوفاء بالمنهج والعقود التي قطعتموها لتطبيقه (سورة المائدة).
- توحيد الله تعالى في الاعتقاد والتطبيق أمران لازمان في هذا المنهج.
- احسم موقفك أيها المسلم تجاه هذا المنهج.
- قوانين ربنا في النصر مادية وربانية، وهذا من شمول المنهج وواقعيته.
أرأيت كيف تتكامل هذه السور في رسائلها لتكون سلسلة واحدة متماسكة في موضوعاتها؟
لذلك بعد أن وضحت معالم المنهج، تأتي الأجزاء العشرة التالية لتقدّم لنا عوامل مساعدة على تحقيق المنهج، ومنها:
- التوبة.
- استشعار نعم الله تعالى (سورة النحل)، والتي من أهمها نعمة الإيمان (سورة إبراهيم).
- الاعتدال والوسطية في الدعوة إلى المنهج (سورة هود).
- الصبر والأمل بنصر الله (سورة يوسف).
بعد أن فهمنا أين نحن من تدبّر آيات ربنا، تعالوا إلى الأجزاء العشرة التالية من القرآن، وإلى المزيد من روائع القرآن وإعجازه.



سورة التوبة
سورة التوبة
سورة التوبة (مدنية) نزلت بعد المائدة، وهي في ترتيب المصحف بعد الأنفال. عدد آياتها 129 آية، وهي آخر سورة كاملة أنزلت على النبي ( قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى...
لقد أنزلت هذه السورة في وقت كان المجتمع الإسلامي يستعد للخروج برسالة الإسلام من الجزيرة العربية إلى شعوب الأرض كلها.
أنزلت هذه السورة بعد آخر غزوة للنبي، غزوة تبوك، وكان عدد المسلمين فيها ثلاثين ألفاً. واللطيف أنها جاءت في ترتيب المصحف مباشرة بعد الأنفال التي تحدثت عن غزوة بدر (أولى غزوات النبي) حيث عدد المسلمين فيها 313 شخصاً فقط. ولعل الحكمة هي أن يلاحظ قارئ القرآن الفرق بين ظروف الغزوتين وأحكامهما وطريقة القرآن في التعقيب عليهما. غزوة تبوك كانت من أكثر الغزوات التي ظهر فيها أثر النفاق إذ كان مع الجيش منافقون كثر، وتخلف عنها منافقون كثر كما تخلّف عنها بعض المؤمنين بسبب الكسل. كانت نتيجة الغزوة انتصاراً للمسلمين، وأنزلت هذه السورة للتعليق على كل هذه المواقف...
علامة التميز
إن سورة التوبة هي السورة الوحيدة التي لم تبدأ بالبسملة كما هو الحال في كل سور القرآن. والمسلم عندما يقرأ القرآن ويبتدئ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) يشعر من بداية حرف الباء أنه يعبر خطاً فاصلاً بين وضع سابق ووضع جديد، يشعر أنه داخل على عالم جديد ليترك الدنيا وما فيها ويتوجّه بقلبه

لسماع كلام ربه والعيش مع أسماء ربه الحسنى (الرحمن الرحيم).
وسبب غياب البسملة عن أول سورة التوبة - على قول أغلب العلماء - هو أنها أكثر سورة تكلمت عن الكفار والمنافقين، فحرموا من البسملة ومن معاني الرحمة الموجودة فيها، من أولى كلماتها (بَرَاءةٌ مّنَ ?لله وَرَسُولِهِ إِلَى ?لَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ?لْمُشْرِكِينَ( (1).
ولسورة التوبة أسماء أخرى، فقد سميت بالفاضحة لأنها فضحت المشركين، ففيها خمس وخمسين صفة من صفات المنافقين التي كانوا يمارسونها مع النبي (. وسميت بالكاشفة لأنها كشفت عيوب الكفار والمتخاذلين عن نصرة الإسلام، وسميت بسورة السيف لكونها أكثر سور القرآن دعوة للجهاد وتحريضاً على القتال وتحذيراً من القعود والتخاذل. فهي سورة شديدة إذاً، وهنا قد يقول قائل: لماذا سميت بسورة التوبة؟
سبب تسمية السورة
إن التوبة بالنسبة لنا هي غاية في رقة العلاقة مع الله، فهي تعني العودة إلى الله تعالى واللجوء إليه والإقلاع عن الذنوب والمعاصي. فما علاقة التوبة بصفات المنافقين والمشركين والحثّ على الجهاد؟
إن هذه السورة هي البلاغ الأخير للبشرية، وقد أنزلت قبل ختام القرآن ووداع النبي (، وبالرغم من أن السورة قد تضمنت التهديد الشديد للكفار والمنافقين والدعوة الشديدة للمؤمنين إلى الدفاع عن دينهم، لكنها حرصت على إبقاء باب التوبة مفتوحاً لجميع الناس قبل الوداع. فرغم كون السورة تتكلم عن المنافقين والكفار إلا أنها تدعوهم إلى التوبة في مرات عديدة، فنلاحظ تكرار قوله تعالى (فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ(.
وإذا بحثنا ورود لفظة (التوبة) ومشتقاتها في هذه السورة وفي القرآن كله، نجد أنها تكررت في هذه السورة سبع عشرة مرة وهي أكثر سور القرآن إيراداً لكلمة (التوبة).
بينما ذكرت في سورة البقرة مثلاً 13 مرة مع أنها أطول سورة في القرآن. وذكرت في سورة آل عمران 3 مرات وفي سورة النساء 12 مرة وفي المائدة 5 مرات وفي هود ستة مرات وفي الأنعام مرة واحدة.
دعوة الجميع إلى التوبة
إذاً أكثر سورة وردت فيها كلمة التوبة هي السورة التي بين أيدينا. والملفت أنها لم تذكر نوعاً من طوائف المجتمع إلا وذكرته بالتوبة: الكفار والمشركين والمرتدين والمترددين والمنافقين والعصاة والمؤمنين الصالحين، حتى النبي ( والصحابة. فكلما تحدثت السورة عن فئة منهم نراها تذكرهم بالتوبة أو تخبرهم بأن الله تعالى قد تاب عليهم (لَقَدْ تَابَ الله... فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ...( (117-118).
فبالرغم من أن السورة قد فضحت المنافقين إلا أنها توصل لهم رسالة وهي أن كل حيلهم قد كشفت وأصبح المؤمنون يعرفونها فلا سبيل لهم للنجاة إلا بالتوبة. لقد فضحتهم لتلجأهم إلى التوبة.. كمن يبتليه الله ببلاء ليكون سبباً في عودته. فسورة التوبة تشعر المنافقين بأنهم محاصرون ولم يعد لهم من حجة بعد بيان الدين وتوضيحه، فلا منفذ لهم إلا بالتوبة. حتى دعوة المؤمنين إلى القتال، تهدف إلى تسلل اليأس إلى الكفار من القتال والحرب ويتوبوا إلى الله...
علاقتها بالسور التي قبلها
عند تقسيم القرآن إلى ثلاثة أقسام نجد أن القسم الأول يشتمل على السور السبع الطوال ويختتم بسورة التوبة. وكأنها جاءت بعد بيان المنهج ووسائل القيام بالمهمة لتفتح باب التوبة والرحمة لمن بدّل أو غيّر أو قصّر في حق الله. ومن اللطيف أنها من أواخر ما أنزل على النبي ( قبل وفاته، حتى يكون ختام الوحي وختام نزول القرآن بفتح باب التوبة.. هل استشعرت هذا المعنى؟
بعض الناس حين يقرأ هذه السورة يشعر بشدتها على الكفار والمنافقين، والبعض الآخر يقرأها فيشعر برحمة الله الواسعة والتي تتجلى في قبوله التوبة من جميع البشر، وهؤلاء أقرب إلى فهم معاني السورة لأن ما فيها من شدة وتهديد ووعيد إنما هو لحمل الكفار والمنافقين على التوبة.. فحتى فضح المنافقين كان لحملهم على التوبة، وحتى دعوة المؤمنين للقتال جاء لحمل الكفار على التوبة بعد أن يئسوا من القتال..
نداءات أخيرة للتوبة
إن السورة تبدأ بداية شديدة وملفتة، فإضافة إلى كونها لا تبدأ بالبسملة كبقية السور، فإنها تبدأ بكلمة "براءة".. (بَرَاءةٌ مّنَ ?لله وَرَسُولِهِ إِلَى ?لَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ?لْمُشْرِكِينَ ( فَسِيحُواْ فِى ?لاْرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ?عْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ?لله( (1-2) بداية شديدة ومهلة محددة. ثم أذان من الله ورسوله يقرع الآذان: (وَأَذَانٌ مّنَ ?لله وَرَسُولِهِ إِلَى ?لنَّاسِ يَوْمَ ?لْحَجّ ?لاْكْبَرِ أَنَّ ?لله بَرِىء مّنَ ?لْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ( (3).
لماذا كل هذه الشدة؟ (فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَ?عْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ?لله( (3)، فالتهديد إذاً كان من أجل التوبة لا من أجل الانتقام والوعيد، كأن "براءة" و"أذان" هما النداء الأخير للتوبة.
توبة المشركين المحاربين
وتصل بنا الآيات إلى الآية الخامسة (فَإِذَا ?نسَلَخَ ?لاشْهُرُ ?لْحُرُمُ فَ?قْتُلُواْ ?لْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ... كُلَّ مَرْصَدٍ( ومع ذلك (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَوُاْ ?لزَّكَو?ةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ( فبعد كل هذا الأمر بالقتال جاء التذكير بالتوبة لحثّ الكفار عليها.. فبقدر ما السورة حادة في مواجهتهم بقدر ما هي حريصة على توبتهم وإنابتهم إلى الله..
وبعد ذلك تخبرنا بأنه لا بد أن تقام الحجة على الكفار وذلك بدعوتهم وبيان الدين لهم قبل قتالهم (وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ?لْمُشْرِكِينَ ?سْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى? يَسْمَعَ كَلاَمَ ?لله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ...( (6).
وتتابع الآيات على نفس الوتيرة: تهديد، وفي نهاية كل تهديد ووعيد وتذكير بالتوبة. فمثلاً في الآية العاشرة يقول تعالى (لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْمُعْتَدُونَ( ثم تقول الآية التي بعدها (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَوُاْ ?لزَّكَو?ةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ?لدّينِ(. فلم تعفِ عنهم الآيات فحسب بل أوجبت على المؤمنين محبتهم بعد توبتهم لأنهم قد أصبحوا إخواناً لنا.
ثم عودة للتهديد في حال إصرار المشركين على القتال في الآيات (12) و(14): (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـ?نَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ فَقَـ?تِلُواْ أَئِمَّةَ ?لْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَـ?نَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ( و(قَـ?تِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ ?لله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ...(. ثم عودة للتوبة مباشرة في الآية (15): (... وَيَتُوبُ ?لله عَلَى? مَن يَشَاء...(. إنها قمة في توازن ووسطية الإسلام بين الرحمة والرفق من جهة، وبين الواقعية والشدة من جهة أخرى.
فإن كان الأمر كذلك بالنسبة للكفار والمنافقين، فما الحكم في المؤمنين الذين قد عصوا ربهم... أيتوب تعالى عليهم أم لا... فإن كان تعالى يقول عن الكفار (فَإِن تَابُواْ... فَإِخْوَانُكُمْ فِي ?لدّينِ( (11) فما بالك بمن ارتكب بعض المعاصي من المؤمنين؟
إن سورة التوبة هي من أكثر السور التي تزيد أمل المؤمن ورجاءه برحمة الله تعالى... فإن كان رب العزة بلطفه وإحسانه تعالى قد حثّ الكفار والمنافقين على التوبة وكرّر ذكر كلمة التوبة (17) مرة في السورة، فكيف لا يغفر لمن تاب من المؤمنين العصاة!؟
توبة المؤمنين المتخاذلين عن نصرة الدين
نصل إلى الآية (24) التي تخاطب المؤمنين وتحثهم على نصرة دين الله تعالى، فالآية لا تتحدث عن الجهاد بمعنى الحرب فقط بل أن تنصر الدين ويكون أغلى من كل أمور حياتك الدنيوية.
يقول تعالى: (قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْو?نُكُمْ وَأَزْو?جُكُمْ... ?لْقَوْمَ ?لْفَـ?سِقِينَ( (24).
لقد ذكرت الآية ثمانية أمور وكلها مباحة، لكنها حذرت من أن تكون سبباَ في البعد عن الله تعالى وترك الجهاد، وهذا يعني أن يكون أمر الله تعالى أولوية في حياتك وفوق كل رغباتك، وإلا فانتظر عقاب الله والعياذ بالله.
وتنتقل السورة للحديث عن نوع جديد من التوبة، غير التوبة من الذنوب والمعاصي التي نعرفها والتي يقع فيها الناس دائماً (كالنظر إلى الحرام أو تأخير الصلاة). إن السورة تدعو للتوبة من التخاذل عن نصرة الإسلام، وكأنها تشير بأن هذا الفعل الشنيع يحتاج إلى توبة شديدة. فتأتي الآية (38): (ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ?نفِرُواْ فِى سَبِيلِ ?لله ?ثَّاقَلْتُمْ إِلَى ?لاْرْضِ... قَلِيلٌ( عتاب رقيق تعقبه لهجة قوية في الآية التي بعدها: (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ...( (39) فحذار حذار من الاستبدال، لأن الله تعالى ينصر دينه وليس بحاجة إلى أحد (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ?لله...( (40) إلى أن تأتي الآية بالأمر الشامل الكامل الذي لا يستثني أحداً: (?نْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَـ?هِدُواْ بِأَمْو?لِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ?لله( (41) فلكي يرتدع الكفار ويلجأوا إلى التوبة لا بد من جهادهم، فكأن جهادك أيها المسلم عون لهم على الرجوع والتوبة، وكأن تخاذل المسلم سبب لتمادي أهل الكفر في غيهم وضلالتهم. فهيا نعمل لديننا ونطرق أبواب الخير لنساعد أنفسنا فننجو ونساعد غيرنا فيتوب.
التوبة من عدم التوكل على الله
وخلال الآيات السابقة تتحدث الآيات عن غزوة حنين وكيف أعجب المؤمنون بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئاً، فوقع المسلمون في خطأ الاعتماد على العدد وحده ونسيان أن النصر من عند الله وحده.
(لَقَدْ نَصَرَكُمُ ?لله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ... وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ...( (25).
وهذا الخطأ لا بد له أيضاً من توبة، فتأتي الآية (27) لتشير إلى ذلك: (ثُمَّ يَتُوبُ ?لله مِن بَعْدِ ذ?لِكَ عَلَى? مَن يَشَاء وَ?لله غَفُورٌ رَّحِيمٌ(.
التخاذل عن نصرة الدين
وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى المتخاذلين عن نصرة الإسلام من المنافقين. فتقول الآية (46): (وَلَوْ أَرَادُواْ ?لْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـ?كِن كَرِهَ ?لله ?نبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ( لو كانت عندهم نية صادقة لتحركوا وأعدوا لهذا الخروج، ولكن لعدم صدق نيتهم كره الله خروجهم فثبط هممهم (فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ?قْعُدُواْ مَعَ ?لْقَـ?عِدِينَ(.
ألا تؤلمك هذه الكلمة أخي المسلم؟ إذا حرمت من عمل الخير والدعوة فتذكّر أن الله تعالى قد يكون غاضباً منك وكارهاً لعملك... فمن منا يحب أن يكره الله عمله؟ من منا يرضى بأن يكون عبئاً على الدين؟ (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً( (47).
والآيات تتوالى في التوبيخ والتقريع:
(وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ?ئْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى أَلا فِى ?لْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِ?لْكَـ?فِرِينَ( (49).
(وَيَحْلِفُونَ بِ?لله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مّنكُمْ...( (56).
(لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَـ?رَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ
يَجْمَحُونَ( (57).
والآيات (81 - 87) شديدة اللهجة في التهديد، فمثلاً نرى الآية (86).
(وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءامِنُواْ بِ?لله وَجَـ?هِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ?سْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ?لطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ?لْقَـ?عِدِينَ(.
فكلمة القاعدين مؤثرة للغاية، فمن يرضى لنفسه أن يبقى قاعداً يشاهد التلفاز ولا يكلّف نفسه عناء أي عمل لنصرة دينه، وقد يكون من المصلّين ومن المثابرين على صلاة الجماعة لكنه سلبي لا يحرّك ساكناً لخدمة الإسلام، فهذا النوع من الناس عليه أن يحذر من الآية (87): (رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ?لْخَو?لِفِ وَطُبِعَ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ(.
فكيف يستقيم لهم رأي أو عمل وهم على هذه الحال؟ وانظر إلى الإيجابيين المتحركين.
(لَـ?كِنِ ?لرَّسُولُ وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ جَـ?هَدُواْ بِأَمْو?لِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ?لْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ( (88).
أفراح في جهنم
في الآية (81): (فَرِحَ ?لْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـ?فَ رَسُولِ ?لله...( توبيخ شديد. فهي توضح أن موازين الفرح والحزن غير سوية عندهم. فمن يفرح بالخذلان؟ إنه كمن يفرح بنار جهنم عقوبة له:
(... وَكَرِهُواْ أَن يُجَـ?هِدُواْ بِأَمْو?لِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ?لله وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى ?لْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ( فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ( (81 - 82).
دعوة الجميع للتوبة
كما ذكرنا فان كل توبيخ في السورة يختتم بدعوة المخاطبين للتوبة، فنرى مثلاً:
1 - توبة المنافقين والمرتدين:
(فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذّبْهُمُ ?لله عَذَابًا أَلِيمًا فِى ?لدُّنْيَا وَ?لاْخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى ?لاْرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ( (74).
2 - توبة المترددين:
(وَءاخَرُونَ ?عْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَـ?لِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً عَسَى ?لله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ?لله غَفُورٌ رَّحِيمٌ( (102).
3 - ثم حثّ الجميع على التوبة:
(أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ?لله هُوَ يَقْبَلُ ?لتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ?لصَّدَقَـ?تِ وَأَنَّ ?لله هُوَ ?لتَّوَّابُ ?لرَّحِيمُ( (104).
إن شروط التوبة ثلاثة:
- ندم على الذنب
- إقلاع عن الذنب
- عزم على عدم العودة
فبادر إليها أخي المسلم، وإياك وتأخيرها لأن تأخير التوبة وتأجيلها هو بحد نفسه معصية لله تعالى.
صفات المؤمنين المستحقين للشهادة
وفي مقابل الحديث عن المنافقين تنتقل السورة للكلام على صفات المؤمنين الذين عقدوا عقد بيع مع الله تعالى: (إِنَّ ?لله ?شْتَرَى? مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْو?لَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ?لّجَنَّةَ يُقَـ?تِلُونَ فِى سَبِيلِ ?لله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ?لتَّوْرَاةِ وَ?لإِنجِيلِ وَ?لْقُرْءانِ وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ ?لله فَ?سْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ?لَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذ?لِكَ هُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ( (111).
إن السياق القرآني يجعلنا نتشوق لمعرفة صفاتهم، فنقلب الصفحة لنقرأ قوله تعالى: (?لتَّـ?ئِبُونَ ?لْعَـ?بِدُونَ ?لْحَـ?مِدُونَ ?لسَّـ?ئِحُونَ ?لركِعُونَ ?لسَّـ?جِدونَ ?لاْمِرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَ?لنَّاهُونَ عَنِ ?لْمُنكَرِ وَ?لْحَـ?فِظُونَ لِحُدُودِ ?لله وَبَشّرِ ?لْمُؤْمِنِينَ( (112).
توبة لصفوة الأمة
ومن جمال التوبة وحب الله لها، ذكر الله بها نبيه ( وصحابته الكرام:
(لَقَدْ تَابَ الله عَلَى? ?لنَّبِىّ وَ?لْمُهَـ?جِرِينَ وَ?لاْنصَـ?رِ ?لَّذِينَ ?تَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ?لْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ( (117).
فالتوبة - كما يقول العلماء - أول منازل العبودية وآخرها. فبداية الإيمان تكون بالتوبة كما أن التوبة مطلوبة في نهاية الحياة. من هنا نفهم حديث النبي (: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".
توبة أخيرة للثلاثة المتباطئين
وأخيراً توبة خاصة بالثلاثة المؤمنين الذين تخلفوا عن توبة تبوك، فالتقاعس عن نصرة الإسلام - كما أسلفنا - بحاجة إلى توبة.
(وَعَلَى ?لثَّلَـ?ثَةِ ?لَّذِينَ خُلّفُواْ حَتَّى? إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ?لارْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ?لله إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ ?لله هُوَ ?لتَّوَّابُ ?لرَّحِيمُ( (118).
لاحظ معي روعة الآية: (تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ(. فلا بد أن يتوب الله عليك ويهيء لك طريق التوبة، فالهداية من عند الله، وهو وحده المعين عليها. أخي المسلم، الزم دائماً هذا الدعاء: "اللهم تب عليَّ لأتوب".
خير ختام لخير حياة
إن القارئ لسورة التوبة يحس أن فيها براءة وتهديد ووعيد، لكنها تفعل كل ذلك وهي فاتحة ذراعيها للتوبة. ومن لطف القرآن أن الله تعالى لم يغلب اسم الفاضحة على سورة التوبة لأنه يحب الستر. ومن اللطائف الأخرى أنه بالرغم من أن السورة قد حرمت المنافقين من الرحمة في أول السورة (من خلال عدم البدء بالبسملة والبراءة منهم) لكنها أعطت جميع الناس في آخر السورة رحمة مهداة، والمتمثلة في النبي ( الذي بعث رحمة للعالمين:
(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِ?لْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ( (128).
وهذه الآية خير ختام للسبع الطوال، وهي أيضاً خير ختام لحياة النبي (. فهي آخر سورة أنزلت كاملة على رسول الله. إنها سورة الوداع، وخير وداع في ديننا هو التوبة على كل الناس. فإن أبوا التوبة فإن الآية الأخيرة تقول:
(فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ ?لله لا إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ?لْعَرْشِ ?لْعَظِيمِ( (129).
أخي الكريم. إسأل نفسك: هل ستتوب أم لا؟ فإذا كان باب التوبة مفتوحاً لكل فئات الناس ولكل فئات المجتمع مهما تفاوتت درجة قربهم أو بعدهم عن الدين، فكيف يكون حالك وأنت مؤمن ومحب لكتاب الله؟ لذلك فلنعمل للإسلام ولنعش للإسلام ولنحذر التخاذل والقعود عن نصرة الدين، ولنتيقن أن الله تبارك وتعالى يتوب على من يشاء..
من لطائف القرآن
وفي النهاية نشير إلى أن سورتي التوبة والأنفال جاءتا متتاليتين بالإضافة إلى أنهما توافقان الترتيب الزمني لغزوتي بدر وتبوك. فسورة الأنفال تتحدث عن أول غزوة غزاها النبي بينما سورة التوبة تعقّب على آخر غزوة لرسول الله. وقد جاءت السورتان متتاليتين حتى نلاحظ الفرق في المجتمع الإسلامي بين بداية نصرة المسلمين لدينهم ونهاية الانتصار العظيم. فالسورتان تفتحان المجال أمام علماء الاجتماع والباحثين كي يلاحظوا الفروقات بين المجتمعين ويحللوا سنن تطور المجتمعات، وهذا أمر يحتاج من علماء الاجتماع والمحللين والدارسين إلى النظر والتفكير.




سورة يونس
سورة يونس
سورة يونس (مكية) نزلت بعد الإسراء، وهي في المصحف بعد التوبة، وعدد آياتها 109 آيات.
هدف السورة
إنَّ هدف سورة يونس هو الإيمان بالقضاء والقدر...
ففي الحديث أن جبريل ( جاء إلى النبي ( فقال يا محمد أخبرني عن الإيمان، فقال لـه رسول الله (: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره... فالسورة تعالج هذا الركن الأخير من أركان الإيمان.
تساؤلات وتشكيك
إن هذه السورة تعالج مشكلة عند أشخاص كثيرين، والتي تتجلى في تساؤلات مثل:
- هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟!
- لماذا هدى الله هذا الشخص إلى الإيمان ولم يهد ذاك؟
- لماذا أنجى الله فلاناً ولم ينج فلان؟!
- ربنا خلقنا ويعلم كيف نتصرف، وفرض علينا ظروفاً هو الذي صنعها، فكيف يحاسبنا يوم القيامة؟
- الله كتب على البعض عدم الهداية، فلماذا السعي إلى العبادة؟ وبعض الناس نسألهم لماذا لا تصلون؟ فيجيبون: حتى يريد الله تعالى.



- طالما أن الله تعالى قد كتب عنده إن كنا من أهل الجنة أو من أهل النار، فلم العمل؟ فمهما فعلنا لن يغيّر هذا من الأمر شيئاً!
هذه السورة تعلّم قارئ القرآن كيف يرد على هؤلاء الناس المترددين (أو المشككين)، ويطمئن نفسه بالدرجة الأولى. فالبعض قد تصل به الوساوس إلى أن يتخيل أن الله ظلم فلاناً بكتبه من أهل النار (والعياذ بالله).
ولكي نردّ عليهم لا بد من طرح سؤال: ماذا يكون من يجبر شخصاً على فعل أمر ما ثم يعاقبه عليه؟
إنه يكون ظالماً وعابثاً بالتأكيد، والله تعالى منزّه عن الظلم والعبث..
لذلك فهذه السورة ترد على هذه الافتراءات بطريقة لم يعهدها الناس
من قبل...
الحكيم لا يعبث
تعالوا إذاً نعرف صفات ربنا سبحانه وتعالى، فإذا فهمنا أنه حكيم غير ظالم، يريد الحق وليس العبث، فهمنا أنه لا محل للسؤال أصلاً.
إن أفعال الله تعالى في الكون أفعال حكيم مدبّر، يرحم الناس، وليست أفعال ظالم يجبر الناس على أشياء ليس لهم يد فيها... فلا يصدر عنه سبحانه إلا الحكمة والتدبير والعظمة.
والسورة تؤكد هذا المعنى بطريقة رائعة، عن طريق التدبر في هذا الكون والتفكر في حكمة الله فيه، حتى نعرف هل يصدر عن الله العبث أم لا؟ إن السورة ستظهر لك أن كل ما في الكون إنما هو من حكمة الله وتدبيره، فمحال أن يصدر عنه العبث سبحانه، فثق بحكمته وتوكل عليه.
الكتاب الحكيم
فمن أول آيات السورة نلاحظ وضوح المعاني السابقة: (تِلْكَ ءايَـ?تُ ?لْكِتَـ?بِ ?لْحَكِيمِ(.
وللقرآن أوصاف كثيرة فما سر اختيار الحكيم هنا؟ حتى تعلم أن قضاء الله وكلامه لا يصدران إلا عن حكمة بالغة وتدبير محكم.
وفي الآية الثانية: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى? رَجُلٍ مّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ?لنَّاسَ وَبَشّرِ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ قَالَ ?لْكَـ?فِرُونَ إِنَّ هَـ?ذَا لَسَـ?حِرٌ مُّبِينٌ(.
أي هل تتعجبون من كون الرسالة قد أنزلت على محمد (... فالله تعالى ينزل رسالته على من يشاء وهناك حكمة وتدبير لاختيار الله ( للرسول الذي يحمل الرسالة، ولذلك جاء في آية أخرى (?لله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ( (الأنعام، 124).
يدبّر الأمر
وبعد ذلك تنتقل الآيات للحديث عن ملك الله ( للكون وتدبيره في ملكه حتى تشعر بصفاته وتوقن بها وتدفع الظنون والأوهام. (إِنَّ رَبَّكُمُ ?لله ?لَّذِي خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ?سْتَوَى? عَلَى ?لْعَرْشِ يُدَبّرُ ?لاْمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذ?لِكُمُ ?لله رَبُّكُمْ فَ?عْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ(.
وقوله تعالى: (يُدَبّرُ ?لاْمْرَ( يتكرر كثيراً خلال هذه السورة، حتى نعلم أنه حكيم ومدبر، فكيف نظن العبث يصدر عن حكمته سبحانه؟ كيف نظن الظلم في أفعاله وأنه جعل الإنسان مجبراً على المعصية لأنه كتبه من أهل النار؟
الحق عنوانها
ثم تأتي الآية التي بعدها (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ?لله حَقّا...(. والحق هو نقيض العبث والصدفة، لذلك تكررت كلمة الحق في هذه السورة - التي تتحدث عن التسليم لقضاء الله وقدره - ثلاثاً وعشرين مرة، وهي أعلى نسبة لورود كلمة الحق في القرآن، 23 مرة في سورة عدد آياتها 109، بينما أكثر سورة ذكراً للحق بعد سورة يونس هي سورة آل عمران، 13 مرة في 200 آية، وبهذا يتضح الفرق الواضح في النسبة، لأن سورة يونس تؤكد على ضرورة التسليم لله الحق في قضائه وتدبيره.
ونتابع مع الآية (4):
(إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ?لله حَقّا إِنَّهُ يَبْدَأُ ?لْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ بِ?لْقِسْطِ وَ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ(.
فلينظر كل حائر وكل مشكّك إلى ملك الله وليتفكر في تدبيره وإدارته لملكه. فالآية حددت أن سبب تعذيبه لبعض البشر هو كفرهم به تعالى (... بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ(.
والآية التي بعدها تلفت نظرك إلى خلقه وتدبيره:
ما خلق الله ذلك إلا بالحق
(هُوَ ?لَّذِى جَعَلَ ?لشَّمْسَ ضِيَاء وَ?لْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ?لسّنِينَ وَ?لْحِسَابَ مَا خَلَقَ ?لله ذ?لِكَ إِلاَّ بِ?لْحَقّ يُفَصّلُ ?لآيَـ?تِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( إِنَّ فِى ?خْتِلَـ?فِ ?لَّيْلِ وَ?لنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ?لله فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ لآيَـ?تٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ( (6).
إنها دعوة للتفكر في خلق الله ( وتدبيره في الليل والنهار... فهل يصدر مثل هذا التدبير إلا عن الحق تبارك وتعالى!... فالذي يدبّر ذلك يستحيل عليه العبث، ويستحيل عليه إدخال الناس النار مجبرين.
عمن تصدر هذه التساؤلات؟
توضّح الآية السابعة من السورة نوع الناس الذين يعتقدون مثل هذه المعتقدات الباطلة في حق الله: (إَنَّ ?لَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِ?لْحَيو?ةِ ?لدُّنْيَا وَ?طْمَأَنُّواْ بِهَا وَ?لَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـ?تِنَا غَـ?فِلُونَ ( أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ ?لنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ(.
وهذه ملحوظة مهمة أتت بها السورة: فمن الذي يطرح هذه الأسئلة ويشكك في حكمة الله؟ إنهم غير المتدينين والبعيدين عن طاعة الله، وهم يطرحون أسئلة كهذه ليريحوا أنفسهم. ولم نسمع يوماً بشخص متديّن ينفّذ الطاعات ويشكّك بأن الله تعالى أجبره على الطاعة، لذلك فالمتدينون لا يطرحون أبداً مثل هذه الأسئلة.. والآية السابقة تبيّن لنا أن أصل المرض الذي أصاب هؤلاء هو الغفلة عن آيات الله وعدم استشعار حكمته في أوضح صورها.
حكمة الله في أفعاله
وتستمر الآيات لتؤكد على نفس المعنى: الله تعالى لا يصدر عنه العبث، فكل أفعاله حكمة..
(قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ?لسَّمَاء وَ?لاْرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ?لسَّمْعَ و?لاْبْصَـ?رَ وَمَن يُخْرِجُ ?لْحَىَّ مِنَ ?لْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ?لْمَيّتَ مِنَ ?لْحَىّ وَمَن يُدَبّرُ ?لاْمْرَ فَسَيَقُولُونَ ?لله( (31) فلماذا الشك والريبة ما دمتم تقرون بأن الله يدبر الأمر؟
(فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ( اتقوا الله فيما تقولون... ونعود لنسمع كلمات (?لْحَقُّ( و(حَقَّتْ( لتزيد من طمأنة قلوبنا: (فَذَلِكُمُ ?لله رَبُّكُمُ ?لْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ?لْحَقّ إِلاَّ ?لضَّلاَلُ فَأَنَّى? تُصْرَفُونَ ( كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى ?لَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ( (32-33).
وبعد ذلك يقول (: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ?لْحَقّ قُلِ ?لله يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ?لْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَى? فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ( (34).
فيا من تتهمون الله بتدبيره... أين التسليم لله، كيف تحكمون! بأي طريقة تفكرون وأنتم تعيشون في هذا الكون... اسمع هذا القسم الرائع من جبار السماوات والأرض:
(وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ
بِمُعْجِزِينَ( (53).
وبعد ذلك يقول (: (أَلا إِنَّ لله مَا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ?لله حَقٌّ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ( (55).
حشد هائل من الآيات يصب في نفس المعنى ويركز على نفس المحور ليزيل من القلب أي شبهة وتساؤل.
أفعالكم هي السبب
إن تركيز الآيات على الحق والحكمة والتدبير يظهر أن ما يحدث للعباد إنما هو بسبب عملهم وسعيهم.
فلا يقع الهلاك من الله إلا بعد الظلم من البشر.. يقول تعالى: (إِنَّ ?لله لاَ يَظْلِمُ ?لنَّاسَ شَيْئًا وَلَـ?كِنَّ ?لنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ( (13).
فالناس هم الذين يظلمون أنفسهم، ولا يجوز أن يتهموا الله بالظلم لما يصيبهم من عذاب ومصائب، بل يجب أن ينظروا ماذا فعلوا هم حتى أصابهم الله ( بهذا العذاب.
ويظهر هذا المعنى جلياً في قوله: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ?لْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِ?لْبَيّنَـ?تِ...( (13).
متى وقع الهلاك؟ عندما ظهر ظلمهم وفسادهم. فأفعال البشر هي السبب الأول لما يحل بهم من العقوبات.
وتأتي آيات كثيرة لتخدم نفس المعنى: (وَ?لَّذِينَ كَسَبُواْ ?لسَّيّئَاتِ جَزَاءُ سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ...( (27).
(هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ...( (30).
(كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى ?لَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ
يُؤْمِنُونَ( (33).
وبالمقابل، ترينا الآيات أن المثوبة الربانية لا تكون عن عبث، بل إنها رهن بمن استحقها: (لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ?لْحُسْنَى? وَزِيَادَةٌ...( (26).
الله أعلم بعباده
وإذا تابعنا قراءة الآيات، وجدنا أن السورة تنتقل إلى مفهوم جديد وسؤال مباغت:
كيف تتعجبون من قضاء الله وأفعالكم أنتم تجاه قضاء الله وقدره أشد غرابة؟ اسمع معي الآيات:
(وَإِذَا مَسَّ ?لإِنسَـ?نَ ?لضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى? ضُرّ مَّسَّهُ...( (12) هذه الآية تصور لنا مشهدين بشكل رائع: مشهد الإنسان المهموم الذي يدعو الله تعالى بأي طريقة (لجنبه أو قاعداً أو قائماً) وفي هذه الصورة تثاقل وبطء، حتى إذا انتهت الأزمة كان تصرفه وغفلته سريعين (مر)...كأنه مر بدون أن يتوقف ليشكر أو يلتفت ليتدبر.
وفي آية أخرى: (وَإِذَا أَذَقْنَا ?لنَّاسَ رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى ءايَـ?تِنَا قُلِ ?لله أَسْرَعُ مَكْرًا( (21).
فهذه الآية تشرح كيف يقع القضاء والقدر، فإن كان بعض البشر مستغرباً من قضاء الله، فإنه تعالى يعلم من منكم سيشكر ومن منكم سيكفر، وتأتي الآية التي بعدها لتوضح المعنى أكثر (هُوَ ?لَّذِى يُسَيّرُكُمْ فِى ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ حَتَّى? إِذَا كُنتُمْ فِى ?لْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا...( (22).
ولا يصفو القلب لخالقه إلا عند الشدة، ولا يرق إلا في الكوارث، فإذا مرت بسلام نسي اللجوء إلى خالقه من قبل... أنظر بالله عليك، ماذا بعد الريح الطيبة التي فرحت بها القلوب وذهلت عن صاحب النعمة: (... جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ ?لْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ?لله مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـ?ذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ?لشَّـ?كِرِينَ( (22).
وما يحدث في أمواج البحر يحدث أيضاً بين أمواج الحياة وتقلباتها. فماذا يكون حال ركاب السفينة عند النجاة؟
(فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ?لاْرْضِ بِغَيْرِ ?لْحَقّ( وتلك قمة
التناقض، وغاية الانحراف عن الحق، لأن الله غني عن البشر (ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى? أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( (23).
فما علاقة هذا المثل بهدف السورة؟ كأن المعنى: لا تعجبوا من قضاء الله فيكم لأنه يعلم من منكم سيشكر بعد رفع البلاء ويتوب، ومن سيعود إلى جرمه ثانية!..
رسائل القدر
أحيانا يقع قضاء الله وقدره لأنه ( أعلم كيف سيتصرف كل إنسان بعد رفع البلاء، لأنه لا يوجد إنسان إلا وقد تعرّض لمواقف قبل أن يأتيه البلاء، ويظهر من خلال المواقف كيف سيكون تصرفه بعد رفعه. فالإنسان يختبر بابتلاءات صغيرة فيدعو الله (، وقد يهلكه الله لأنه تعالى يعلم كيف سيتصرف العبد إذا ما رفع عنه البلاء، كما تصرف في السابق مرات عديدة...
فالقضاء والقدر إنما هو بحكمة من الله ( وليس عبثاً، وقد ندرك هذه الحكمة وقد لا ندركها، وحتى لو لم ندرك الحكمة بعقولنا البسيطة فلا يجوز لنا أن نتهم الله ( في حكمته، ولكن ينبغي التسليم والثقة المطلقة بالله والتوكل عليه، واليقين بأنه هو الحكيم العليم الذي لا يظلم أبداً...
أنبياء الله والتوكل
لذلك جاءت قصص الأنبياء في هذه السورة لتؤكد على معنى التوكل على الله عند دعوة الأنبياء لأقوامهم:
نوح: (... ي?قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ ?لله فَعَلَى ?لله تَوَكَّلْتُ...( (71).
موسى: (وَقَالَ مُوسَى? ي?قَوْمِ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِ?لله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن
كُنْتُم مُّسْلِمِينَ ( فَقَالُواْ عَلَى? ?لله تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ
?لظَّـ?لِمِينَ( (84-85).
فرعون وقوم يونس
ونصل إلى ختام السورة حيث تذكر لنا السورة قصتين لتوضيح ما سبق: فرعون، وقوم يونس.
فبعد أن أوضحت السورة في كثير من الآيات حكمة الله ( وتدبيره، وتصرفات البشر حيالها..ضربت السورة مثالين: الأول لفرعون الذي كذب بآيات الله، والثاني قوم يونس الذين كذبوا بالله أول الأمر.
وفي المثلين تجد أن النبيين ذهبا إلى البحر: موسى ويونس. وظل القومان على تكذيبهما حتى نزل بهم العذاب جميعاً، لكن الذي جرى هو هلاك فرعون وآله ونجاة قوم يونس...
يقول (: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْر?ءيلَ ?لْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى? إِذَا أَدْرَكَهُ ?لْغَرَقُ قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـ?هَ إِلاَّ ?لَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْر?ءيلَ وَأَنَاْ مِنَ ?لْمُسْلِمِينَ( (90) فيظهر هنا إدعاء الإيمان، فيأتي الرد:
(ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ?لْمُفْسِدِينَ( (91).
أما قوم يونس، فقصتهم شبيهة بقصة فرعون، وقد نجوا فيما أهلك فرعون. اسمع الآيات:
(فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ?لخِزْىِ فِى ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى? حِينٍ( (98).
فالعذاب كان قد نزل، ولكن الله كشفه عنهم بإيمانهم، فما الفرق بين فرعون وقوم يونس؟ فكلاهما قال آمنا! وكلاهما تركهم رسلهم لأنهم كذبوا؟ فلماذا أهلك فرعون فيما نجا قوم يونس؟ هل ظلم فرعون وحابى قوم يونس؟ إنها مسألة رائعة في القضاء والقدر...
ألا يعلم من خلق...؟!
فالله ( أعلم بما في الصدور، ففرعون لو رد لعاد لما كان عليه، فيما نجّى الله ( قوم يونس ( لأنهم لو ردّوا لعادوا إلى الصلاح فاهلك فرعون ونجّى قوم يونس، ودليل ذلك قوله تعالى مخاطباً فرعون:
(... ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ...( فهذا يعني أنه قد جاءت فرص كثيرة لفرعون من قبل هذا، لكنه كان يعود إلى إفساده في كل مرة. بل إنه رأى آية البحر وهو ينشق للمؤمنين فتبعهم بدلاً من أن يتفكّر في تلك الآية، وظل يتبعهم حتى الغرق.
أما قوم يونس، فان الله تعالى علم منهم صدق العودة، ولأنه رحيم، أعطاهم الفرصة. والدليل على ذلك أن بقائهم على الإيمان هو ما حصل فعلاً حين نجاهم الله ( (... كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ?لخِزْىِ فِى ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى? حِينٍ...( (98) فلقد بقوا طائعين لله ( مؤمنين به، فاستمتعوا بنعم الله طيلة حياتهم في الدنيا، ففازوا وسميت السورة باسم نبيهم.
لماذا سورة يونس...؟!
ذكر اسم سيدنا يونس في هذه السورة في آية واحدة فقط، وهناك سور كثيرة جاء فيها ذكر هذا النبي الكريم أكثر من هنا. ولم يذكر سيدنا يونس في السورة بل ذكر قومه فقط (لأنه تركهم أصلاً وكان في بطن الحوت عند إيمانهم)، فما الحكمة؟
لقد سميت هذه السورة بسورة يونس حتى يبقى مثل قوم يونس شاهداً على حكمة الله، وأن الإنسان لـه دور فيما يحدث لـه ويقع عليه، لأنهم بعد التوبة استمروا على طريق الهداية رغم غياب نبيهم، كأن القصة شاهد ودليل أن حكمة الله كانت في محلها (وَكَفَى? بِ?لله شَهِيداً(.
وقد تقول في نفسك: ولم لم يعط فرعون الفرصة، فقد يتوب هذه المرة... راجع الآيات (22 و23). وكأنها تقول لك: ألم تقرأ السورة؟ ولم توقن بحكمة الله؟ إن الله هو أعلم بفرعون منك، والقضاء والقدر لا يكونان إلا بحكمة من الله تعالى، وليس عبثاً، وقد تدرك الحكمة وقد لا تدركها، فثق بأن الله حكيم عليم لا يظلم أحداً، وتوكل عليه.
كيف تتعامل مع قضاء الله؟
ثلاثة أوامر تختتم بها السورة لتكون درساً عملياً في الإيمان بالقضاء
والقدر:
سلم له - لا تلجأ إلى غيره - توكل عليه.
(وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ?لْمُشْرِكِينَ ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ?لله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ?لظَّـ?لِمِينَ( (105-106).
ولا يضعف إيمانك بالقضاء والقدر مهما كان لأن كل ما يقدره الله هو لخير العباد ورحمتهم:
(وَإِن يَمْسَسْكَ ?لله بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ(... (107) فسلّم لقضاء الله وقدره، تسلم في الدنيا والآخرة.



سورة هود
سورة هود
سورة هود (مكية)، نزلت بعد سورة يونس، وهي بعدها في ترتيب المصحف. وعدد آياتها 123 آية.
ثلاث سور متتالية بأسماء الأنبياء
هناك سور عديدة في القرآن سميت بأسماء أنبياء، ومنها ثلاث سور متتالية: يونس، هود، ويوسف. هذه السور تجمعها روابط عديدة، فهي أول سور في القرآن سميت بأسماء أنبياء، كما أنها نزلت بنفس الترتيب الموجود في المصحف، وفي نفس الفترة من المرحلة المكية، وهي فترة اشتداد المحنة على المسلمين وعلى النبي (.
وهنا لا بد من أن نذكر قاعدة من قواعد القرآن في قصص الأنبياء: فعندما يكون اسم النبي هو عنوان السورة، فإن هدف السورة مرتبط لا محالة بقصة هذا النبي (كما رأينا في سورة يونس عليه السلام التي كان محورها التسليم لقضاء الله وقدره، وكانت قصة قوم يونس مثلاً رائعاً لفهم حكمة الله وتدبيره).
وهناك قاعدة قرآنية أخرى تشعرك بعظمة هذا الكتاب وروعته، وهي أن كل قصة نبي من أنبياء الله تختتم بآية أو مجموعة آيات تبين لك العبرة من القصة. فإذا أردت أن تعرف الرسالة الربانية التي تحملها السورة، فاقرأ آخر سطر من قصة النبي الذي سميت السورة باسمه، قاعدة رائعة تتكرّر بشكل معجزة في القرآن.
زلازل البلاء
نزلت السورة على النبي ( في أحلك الأوقات وأصعبها، بعد عشر سنوات من البعثة. الاضطهاد في مكة شديد، والنبي ( أذن لأصحابه بالهجرة

إلى الحبشة، وأما من بقي من الصحابة في مكة فقد ظل يتعرّض لشتى أنواع العذاب. أما رسول الله فلم تكن الظروف التي يمر بها أفضل حالاً من الصحابة، فلقد مات عمه أبو طالب الذي كان يحميه، وماتت زوجته خديجة بنت خويلد التي كانت تواسيه، وليس هذا وحسب بل إن النبي توجه إلى الطائف لدعوة أهلها فردوه ورموه بالحجارة ولم يعد أحد من أهل مكة يدخل في الإسلام ورفضت كل القبائل أن تنصر النبي ( وأن تقبل هذا الدين.
ما أشبه الليلة بالبارحة
فالظروف التي مر بها النبي ( والصحابة رضوان الله تعالى عليهم شديدة للغاية، وهي مشابهة كثيراً لما نمر به نحن من شدة على الإسلام والمسلمين. فجو السورة هذا مفيد جداً للشباب المتدين، فافتح معي عقلك وقلبك لفهم مراد ربنا من هذه السورة.
فعندما يعيش البشر في الضغوطات التي مر بها الصحابة، أو التي نمر بها اليوم، يصيبهم أحد هذه الأمور الثلاثة:
1. فقدان الأمل وتضييع الهمم وتوقف السير للإصلاح وترك العمل للإسلام.
2. التهور واللجوء إلى العنف والتصرفات غير المحسوبة من أجل التغيير بالقوة.
3. الركون للأعداء والارتماء في أحضانهم والاستسلام الكامل لهم مع العيش في ظلهم.
ألا ترى مثل هذه الأنواع في مجتمعنا؟ فما الحل؟ وماذا تقول السورة لهؤلاء؟
هدف سورة هود: التوازن
السورة تعالج هذه الظواهر الخطيرة في آية محورية، تخاطب مشاعر المتدينين الذين يتألمون لما يحدث للإسلام من ظلم، وتخاطب الشباب المحبّ لدينه والمتحمّس لفعل أي شيء لنصرة الإسلام، لتقول لهم:
(فَ?سْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ?لنَّارُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ ?لله مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ( (112 - 113) لقد وردت هذه الآية في آخر السورة بعد أن ذكرت كل قصص الأنبياء قبلها لتأمرنا بثلاثة أوامر:
أ. الاستقامة: (فَ?سْتَقِمْ(، هي الاستمرار في الدعوة والصبر. فلا ينبغي على الداعية أن يتوقف عن الدعوة أو أن يفقد الأمل إذا واجهته المصاعب. والدعوة إلى الاستقامة تعالج المشكلة الأولى من المشاكل التي ذكرناها، وهي فقدان الأمل وضياع الهمم والتوقف عن الإصلاح.
ب. عدم الطغيان: (وَلاَ تَطْغَوْاْ(، وهذا هو التعبير القرآني عن التهور واللجوء إلى العنف.
ج. عدم الركون: (وَلاَ تَرْكَنُواْ(، وهذا هو التعبير الشرعي القرآني عن الركون إلى الأعداء والارتماء في أحضانهم، والاستسلام للحضارات الأخرى، والتقليد الأعمى، وأن يشعر المرء بفقدان الهوية وعدم الإنتماء لحضارته ودينه وإسلامه.
"شيبتني هود"
فهذه الأوامر الثلاثة هي العلاج للمشكلات الثلاث التي تصيب البشر حين يواجهون الأزمات والهزائم والأوضاع الحالكة المظلمة. فالتوازن مطلوب من المؤمن حين تواجهه الأزمات، دون طغيان وتهور، ودون الركون للأعداء. ويتحقق التوازن بالاستقامة على الحق كما أمر والاستمرار في طريق الدعوة والإصلاح رغم كل الظروف، وذلك من خلال تنمية مجتمعه وتقديم الخير للفقراء والمساكين، والنجاح في الحياة العملية.
ولأن الأمر بالتوازن صعب على النفس البشرية، لا بد للناس عموماً وللدعاة خصوصاً أن يتقووا بالصحبة الصالحة المعتدلة التي تعين على التوازن، لذلك نرى في الآية المحورية قوله تعالى: (وَمَن تَابَ مَعَكَ(.
قف بينهما
وللحسن البصري كلام رائع في هذه الآية، حيث يقول: (سبحان الذي جعل اعتدال هذا الدين بين لاءين) وهي (لاَ تَطْغَوْاْ( و(لاَ تَرْكَنُواْ(، وهي من اعتدال الإسلام وتوازنه في التعاطي مع مشاكل الحياة.
إن هذه السورة تعالج الوضع الذي نعيشه نحن اليوم تماماً، وهذا دليل على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان. فكأنها تخاطبنا نحن لتقول: (لاَ تَطْغَوْاْ(... (لاَ تَرْكَنُواْ(... (فَ?سْتَقِمْ(... فرسالة السورة إلى المسلمين في كل زمان ومكان هي: اصبروا، واستمروا في الإصلاح، بتوازن واعتدال، دون أي تهور أو ركون.
بداية السورة: كتاب أحكمت آياته
بدأت السورة بقوله تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـ?تُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ( (1).
ومن لطائف ترابط سور القرآن، أن السورة السابقة (سورة يونس) افتتحت أيضاً بالحكمة: (الر تِلْكَ ءايَـ?تُ ?لْكِتَـ?بِ ?لْحَكِيمِ( (يونس: 1). فالسورتان بدأتا بالحكمة، لكن ما الفرق بينهما؟
سورة يونس ركّزت على حكمة الله في قضائه وقدره كما رأينا، أما سورة هود، فتحدثت عن حكمة الله في كتابه وآياته لتركّز على حكمة المؤمن في التعامل مع الواقع الشديد، من خلال الاستعانة بآيات الله الحكيم.
الإصرار على الدعوة بتوازن
والآية الثانية تظهر بوضوح معنى الإصرار على الدعوة بتوازن (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ?لله إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ(. ثم تنتقل الآيات إلى إظهار تكذيب الأعداء للنبي ( حتى يعيش قارئ القرآن مع الجو المحيط لنزول السورة (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ...(.
وفي خضم هذه الآيات، تأتي الآية السابعة بمعنى لطيف: (وَهُوَ ?لَّذِى خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ...( فما علاقة خلق السماوات والأرض بجو السورة؟ إن التدرج سنة كونية في ملك الله تعالى، ولذلك خلق السماوات والأرض في ستة أيام مع أنه كان يقدر تعالى أن يفعل ذلك في لمح البصر، وذلك لكي يعلمنا التدرج في الأمور والصبر وعدم الاستعجال.
والآية 11 تشير إلى نفس المعنى أيضاً: (إِلاَّ ?لَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ...( مع أن أكثر آيات القرآن تأتي بقوله تعالى: (ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ(. أرأيت كيف أن وراء كل كلمة بل كل حرف من القرآن حكمة وكيف تتكامل آيات السورة الواحدة حول موضوع واحد. كيف لا والله تعالى يقول في أول السورة (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـ?تُهُ...(.
ومن شدة التكذيب، تأتي الآية (12) لتقول للنبي (: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى? إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ...(. فهل تخلَّى الرسول عن بعض وحي الله، أو ضاق صدره عن تبليغ الدعوة؟ لا! وحاشا لله أن يحدث هذا... ولكن هذه الآية تهدف إلى تثبيته (، وتثبيت المؤمنين من بعده في كل زمان ومكان. فالمعاندون المكذِبون يجادلون الدعاة جدلاً بلا جدوى، ولكن أيُّها المُحب لدين الله (إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَ?لله عَلَى? كُلّ شَىْء وَكِيلٌ( (12) فأنت تعمل أجيراً عند الله، وعليك أن تبلِّغ ما أُمرت به دون أن تنظر إلى النتائج، فالله وحده هو الذي بيده تحقيق النتائج (وَ?لله عَلَى? كُلّ شَىْء وَكِيلٌ(.
وتمضي أول 24 آية من هذه السورة لتكون رسالة واضحة للدعاة: التكذيب شديد، وله تأثير عليكم، فاثبتوا على دعوتكم، وابذلوا جهدكم، ثم دعوا الأمر لله وتوكلوا عليه!!
نماذج للاستقامة
وبعد هذه الآيات تسير السورة كلها بنفس الطريقة: ذكر قصص مختلفة لأنبياء الله تعالى، (نوح وهود وصالح وشعيب وموسى عليهم السلام)، والتركيز في كل قصة على تطبيق النبي للأوامر الثلاثة (الاستمرار (فَ?سْتَقِمْ( - عدم التهور (لاَ تَطْغَوْاْ( - عدم الركون (لاَ تَرْكَنُواْ().
نوح عليه السلام: 950 سنة
وأول قصة تأتي لتخدم معنى الاستقامة والثبات هي قصة نوح عليه السلام. وتجدر الإشارة أن سورة هود تحتوي على أطول قصة لسيدنا نوح في القرآن (حتى أنها أطول من سورة نوح نفسها)، فلماذا؟ لأن سيدنا نوح بقي 950 سنة في دعوة قومه دون أن يستجيبوا لـه، فيكون بذلك مثالاً وقدوة في الاستقامة وعدم اليأس.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ( أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ?لله إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ( (25 - 26) فالكلمات التي وجّهها نوح إلى قومه هي نفسها التي افتتحت بها السورة: (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ?لله إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ( (2) وكأنها تقول للدعاة: الرسالة واحدة والدعوة واحدة، والظروف التي واجهت كل الأنبياء هي نفسها، فاستقيموا واثبتوا كما ثبت نوح عليه السلام.
استقامة سيدنا نوح
ونرى ثبات سيدنا نوح واستمراره على دعوته في قوله تعالى: (قَالُواْ ي?نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ ?لصَّـ?دِقِينَ( (32).
فقد ظلّ نوح يدعو قومه مئات السنين، فإذا كانت ظروفك أيها الداعية صعبة، فقارن نفسك بنوح عليه السلام، الذي ظل مستقيماً على طريق الدعوة، يدعو قومه بكل الطرق دون ملل أو كلل، حتى مَلُّوا هُم منه وقالوا له: إئتِنا بهذا العذاب الذي تتحدث عنه إن كنت صادقاً. وقبل ذلك ترينا الآيات مواقف مختلفة من جداله لهم والحجج والأساليب المستخدمة الآيات (28 - 31).
وهكذا يظهر تطبيق سيدنا نوح للبند الأول من السورة (فَ?سْتَقِمْ(.
البعد عن التهور في قصة نوح
إذا وضعت بنفس الظروف التي ووجه بها سيدنا نوح، وقيل لك:
(فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا( (32)، ماذا ستفعل؟ هل ستتهور؟ هل ستضربهم؟ ماذا سيكون جوابك؟ أنظر كيف كان خطاب نوح مع قومه بعيداً عن التهور والعنف: (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ?لله إِن شَاء وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ?لله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( (33 - 34).
إنها لهجة رقيقة لا تهوّر فيها ولا عنف، فليس بيني وبينكم مشكلة، لكن الله تعالى هو الذي يأتيكم بالعذاب إن شاء.
واصنع الفلك
وتستمر الآيات حتى نصل إلى قوله تعالى: (وَأُوحِىَ إِلَى? نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ( (36). فماذا نفعل يا رب؟ نتركهم؟ فليغرقوا... لا، ما زال هناك أوامر ربانية وما زال الطريق طويلاً.
(وَ?صْنَعِ ?لْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَـ?طِبْنِى فِى ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ( (37).
إن صناعة الفلك تحتاج لسنين طويلة، فسيدنا نوح عاش في الصحراء، ولكي يصنع سفينة كبيرة في وسط الصحراء، فهو بحاجة لزراعة الشجر أولاً، وبعد ذلك يأخذ الخشب من الشجر، ثم يبني بالخشب سفينة ضخمة لتستوعب المؤمنين وتحمل من كل نوع من الحيوانات زوجين اثنين. أمر صعب وطويل الأمد، (بعض العلماء قالوا إنه استغرق مئة عام، والبعض قالوا مئتي
عام، وآخرون قالوا ثلاثمائة عام) فلماذا لم تهلكهم يا رب كما أهلكت غيرهم من المكذبين؟ ولماذا لم ينبت الشجر بمعجزة بين ليلة وضحاها؟ الجواب: تعلموا أيها الدعاة الصبر والاستقامة على طاعة الله حتى ولو لم تروا النتائج وحتى لو كانت النتائج غير متوقعة أصلاً (وَأُوحِىَ إِلَى? نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ(.
فسيدنا نوح علم أن لا أحد سوف يؤمن من القوم، لكنه أطاع الله تعالى وصبر. والداعية إلى الله يعمل أجيراً عنده، يأمره بزراعة هذا الحقل مثلاً، فيزرعه، حتى لو كان يرى أن هذا الحقل لن ينتج محصولاً... فالمهم أن ينفذ الأوامر، ويبذل جهده، ثم يترك النتائج لله سبحانه وتعالى... والمهم في الأمر أيضاً أنه سيأخذ أجره من الله تعالى في النهاية سواء أثْمَرَ الحقل أم لم يُثمر!!!!
لا ركون حتى للولد
لعلك الآن تسأل نفسك: أين عدم الركون في قصة نوح؟ وأين تطبيق قوله تعالى (وَلاَ تَرْكَنُواْ(؟ والجواب على ذلك في قصة ابن نوح، والتي لم ترد في القرآن كله إلا في هذه السورة، فلماذا؟
لأن نوحاً قال: (رَبّ إِنَّ ?بُنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ?لْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ?لْحَـ?كِمِينَ( (45).
فماذا كان الجواب الرباني؟
(قَالَ ي?نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـ?لِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِـى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ?لْجَـ?هِلِينَ ( قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ ?لْخَـ?سِرِينَ( (46، 47).
إن السورة تحذِّر من الركون لغير الحق، ولذلك تذكر لنا تبرؤ نوح من ابنه الذي مات على الكفر. فعاطفة الأبوة قد تدفع بالبعض إلى الركون لأبنائهم (فَقَالَ رَبّ إِنَّ ?بُنِى مِنْ أَهْلِى...( على الرغم من الأخطاء التي يقع فيها الأبناء، فأتت السورة لتعلمنا أنه لا ركون للباطل، ولو كان هذا الباطل معنا في عقر دارنا وبين أبنائنا الذين هم من صلبنا، وكان سيدنا نوح مثالاً وقدوة في التبرؤ من الباطل وعدم الركون إليه.
التعقيب: فاصبر
وكما ذكرنا سابقاً، فإننا سنقرأ في آخر كل قصص الأنبياء تعليقاً على القصة وتعقيباً عليها في آخر آية منها. وفي قصة نوح نقرأ قوله تعالى:
(تِلْكَ مِنْ أَنْبَاء ?لْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـ?ذَا فَ?صْبِرْ إِنَّ ?لْعَـ?قِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ( (49).
فالرسالة التي تحملها القصة هي قوله تعالى: (فَ?صْبِرْ...(، صبراً إيجابياً فيه عمل وإنتاج دون تهور أو ركون.
أنبياء الله تعالى والتوازن
وكل قصص الأنبياء المذكورة في السورة (شعيب وصالح ولوط وهود) تخدم نفس المعنى، وتشكّل تطبيقاً عملياً للآية المحورية في السورة (الآية 112)، بمحاورها الثلاثة:
1. (فَ?سْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ...( (112).
2 (وَلاَ تَطْغَوْاْ( (112).
3 (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ...( (113).
فإذا أخذنا مثلاً قصة شعيب - مع العلم أنك تستطيع أن تطبق هذه القواعد على كل القصص - فإننا سنرى فيها ما يلي:
الاستقامة على الثبات والإصلاح بتوازن (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ?لإِصْلَـ?حَ مَا ?سْتَطَعْتُ( (88).
وحدة المنهج الذي دعا إليها كل أنبياء الله (وحتى استعمال نفس الكلمات)، (وَ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ( (90).
شدة الوضع والتكذيب (قَالُواْ ي?شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـ?كَ...( (91).
عدم التهور في الرد (قَالَ ي?قَوْمِ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ ?لله( (92)، والملاحظ أنه استخدم نفس أسلوب سيدنا نوح في رد الأمر إلى الله، فهو الذي سيحاسبهم (إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ( (92).
وبالمقابل، عدم الركون أو المداهنة يتجلى واضحاً في قوله (وَي?قَوْمِ ?عْمَلُواْ عَلَى? مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَـ?مِلٌ( (93).
إلى أن جاءت الآية (94) بنصر للنبي والمؤمنين معه (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا...(.
فيا شباب، يا من تحبون الإسلام وترغبون بخدمته ونصرته، تعلموا من هذه السورة الكريمة ومن قصصها العديدة كيفية التوازن في الدعوة عند اشتداد المحن والابتلاءات.
لماذا سميّت السورة بسورة هود؟
ويبقى سؤال أخير: لماذا سميّت السورة بسورة هود، مع أن قصة نوح أطول من قصة هود (عليهما السلام) في هذه السورة.
الجواب: إن المحاور الثلاثة في السورة (الاستقامة وعدم الطغيان والتهور وعدم الركون) قد ظهرت في قصة هود بشكل قوي وواضح أدى إلى تسمية سورة التوازن وعدم الركون باسمه.
فقد قال لقومه بعد أن اشتدّ التكذيب: (... قَالَ إِنِى أُشْهِدُ ?للهَ وَ?شْهَدُواْ أَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ ( مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ( (54 - 55). أرأيت كلمة في التحدي أقوى من هذه الكلمة؟
وإلى جانب ذلك تتجلّى استقامة سيدنا هود وثباته على الطريق المستقيم في قوله:
(إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ?لله رَبّى وَرَبّكُمْ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبّى عَلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ( (56).
ثم (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبّى عَلَى? كُلّ شَىْء حَفِيظٌ( وهنا يظهر عدم التهور والعنف.
فقد جمعت هذه الكلمات بقوة محاور السورة كلها: لا تهوّر أو لا طغيان، لا ركون واستقامة، ووضعت المسؤولية على كل من سيأتي بعد سيدنا هود في الإصرار على الدعوة ورفع الظلم وعدم الركون، ولذلك يقول النبي (: "شيبتني هود"، وذلك لقوة الكلام فيها في الحثِّ على الاستقامة على طريق الله ومنهجه، ولقوة سيدنا هود في كونه مثالاً على التوازن في الاستقامة دون تهور ولا ركون.
تذكَّر الآخرة طريق التوازن
وقبل ختام السورة، تأتي الآيات (103 - 108) لتذكِّر بالآخرة، لتطمئن المؤمنين بأن الحياة - ولو كانت تنطوي على واقع مظلم وغير عادل - ليست هي الأصل، وأن الآخرة هي التي ستحقق العدل الإلهي، فاصبروا على الواقع الأليم في الدنيا.
يقول الله تعالى: (إِنَّ فِى ذ?لِكَ لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ?لاْخِرَةِ ذ?لِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ?لنَّاسُ وَذ?لِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ( وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلاَّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ ( يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ ( فَأَمَّا ?لَّذِينَ شَقُواْ فَفِى ?لنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( خَـ?لِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لاْرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ ( وَأَمَّا ?لَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى ?لْجَنَّةِ خَـ?لِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لاْرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ(.
أمور تعين على الاستقامة
ويأتي ختام السورة، وفيه الآيتين المحوريتين اللتين ذكرناهما:
(فَ?سْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ?لنَّارُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ ?لله مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ( (112-113).
فما الذي يعين على الاستقامة وعلى تنفيذ هذه الأوامر الثلاثة؟ كيف يبقى المرء ثابتاً وصابراً ويأخذ بيد الناس من غير تهوّر ولا ركون؟
الجواب: (وَأَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ طَرَفَىِ ?لنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ?لَّيْلِ إِنَّ ?لْحَسَنَـ?تِ يُذْهِبْنَ ?لسَّـيّئَـ?تِ ذ?لِكَ ذِكْرَى? لِلذكِرِينَ ( وَ?صْبِرْ فَإِنَّ ?لله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُحْسِنِينَ( (115).
يعينك أيها الشاب على (فَ?سْتَقِمْ(:
العبادة (وَأَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ(.
الصبر (وَ?صْبِرْ فَإِنَّ ?لله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُحْسِنِينَ( (115).
العمل والإصلاح والدعوة إلى الله (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ?لْقُرَى? بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ( (117).
والملاحظة أن سورة يونس وسورة هود وسورة يوسف نزلت سوياً في فترة واحدة، وترتيبها في المصحف هو نفس ترتيب نزولها. نزلت في محنة رسول الله ( والصحابة بمكة بعد وفاة خديجة وأبو طالب وكلها تعالج مشاكل متقاربة. وسبب اختيار اسم نبي لعنوان كل سورة من السور الثلاث هو أن قصته فيها العبرة وهي تصب في محور السورة وهدفها. وهذه السور الثلاث تكلمنا الآن لأننا في نفس المرحلة ونفس الشدة والظلمة فلنستقم على طاعة الله، ولنحذر التهور واللجوء إلى العنف، ولنحذر كذلك الركون إلى حضارات أخرى والارتماء بأحضانها ونستسلم ونعيش في ظلها وننسى انتماءنا لإسلامنا ونفقد هويتنا، هذا هو محور سورة هود.



سورة يوسف
سورة يوسف
سورة يوسف (مكية)، نزلت في توقيت مقارب لنزول السورتين اللتين قبلها، يونس وهود، وفي نفس الظروف. وهي أطول سورة تحتوي على قصة في القرآن، فقد احتوت على قصة سيدنا يوسف عليه السلام من بدايتها لنهايتها. عدد آياتها 111 آية.
أحسن القصص
قال عنها علماء القصص أنها احتوت على جميع فنون القصة وعناصرها، من التشويق، وتصوير الأحداث، والترابط المنطقي، واستخدام الرمز.
فعلى سبيل المثال، نجد أن هذه القصة قد بدأت بحلم رآه سيدنا يوسف عليه السلام وانتهت بتفسير ذلك الحلم. ونرى أن قميص يوسف الذي استُخدم كأداة براءة لإخوته، كان هو نفسه الدليل على خيانتهم... هذا القميص استُخدم بعد ذلك كأداة براءة ليوسف نفسه، فبرَّأه من تهمة التعدي على امرأة العزيز!!
ومن روعة هذه القصة أن معانيها وأحداثها متجسِّدة أمام قارئها وكأنه يراها بالصوت والصورة، وهي من أجمل القصص التي يمكن أن تقرأها ومن أبدع ما تتأثر به. نحن لا نحتاج لشهادة علماء القصة فيها، لأن الله نفسه هو الذي يشهد على جودتها وروعتها:
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ?لْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـ?ذَا
?لْقُرْءانَ( (3).

لكن هذه السورة لم تأت في القرآن لمجرد رواية القصص، لأن هدفها يتلخص في آخر سطر من القصة وهو قوله تعالى: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ?لله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُحْسِنِينَ( (90).
فالمحور الأساسي للقصة هو:
يعلم ولا نعلم
إن هدف سورة يوسف هو إعلامنا أن تدبير الله تعالى للأمور يختلف عن النظرة البشرية القاصرة، وكأنها تقول لنا: (ثِق في تدبير الله، واصبر ولا تيأَس).
إن الأحداث في سورة يوسف غريبة، وهي تسير بعكس الظاهر، فيوسف ولدٌ محبوبٌ من والده، وهذا الأمر بظاهره جيد ولكن نتيجة هذه المحبة كانت أن ألقاه إخوته في البئر. ومع أن إلقاء يوسف في البئر هو في ظاهره أمر سيئ، لكن نتيجة هذا الإلقاء كانت أن أصبح في بيت العزيز. ووجود يوسف في بيت العزيز هو أمر ظاهره جيد، لكنه بعد هذا البيت ألقي في السجن. وكذلك سجن سيدنا يوسف أمر في غاية السوء، لكن نتيجة هذا السجن كانت تعيينه في منصب عزيز مصر...
فالله سبحانه وتعالى يخبرنا من خلال قصة يوسف عليه السلام بأنه هو الذي يدّبر الأمور، وقد تكون نظرة المرء للأحداث التي تصير معه على أنها سيئة، لكن هذه النظرة قاصرة عن إدراك تقدير الله تعالى وحكمته في قضائه.
طريق المنحنيات
وإذا راقبنا حياة يوسف عليه السلام من خلال قصته نجد أن فيها ثلاث نقاط قمة ونقطتين في القعر، وباختصار يمكننا أن نختصر هذه النقاط كما يلي:

حب الأب إلى بيت العزيز تولي منصب عزيز مصر



الرمي في البئر دخول السجن
فكانت المراحل الصعبة في حياة سيدنا يوسف تتفاوت في
شدتها، فأيهما أصعب؟ البئر أم السجن؟ إن السجن دام تسع سنوات،
بينما المكوث في البئر دام لثلاثة أيام فقط. لكن هذه الأيام الثلاثة كانت
أصعب من سنوات السجن لأنه كان غلاماً صغيراً. ورغم كل هذه الصعوبات، نرى سيدنا يوسف - وسط هذا كله - ثابت الأخلاق لا ينحني مع منحنيات الحياة.
أنت عبد فيهما
فإذا مرّت عليك، أخي المسلم، فترات ضيق أو بلاء، فتعلَّم من سيدنا يوسف عليه السلام، الذي كان متحلياً بالصبر والأمل وعدم اليأس رغم كل الظروف. وبالمقابل، تعلَّم منه كيف تواجه فترات الراحة والاطمئنان، وذلك بالتواضع والإخلاص لله عز وجل...
فالسورة ترشدنا أن حياة الإنسان هي عبارة عن فترات رخاء وفترات شدة. فلا يوجد إنسان قط كانت حياته كلها فترات رخاء أو كلها فترات شدة، وهو في الحالتين، الرخاء والشدة، يُختبر.
وقصة يوسف عليه السلام هي قصة ثبات الأخلاق في الحالتين، فنراه في الشدة صابراً لا يفقد الأمل ولا ييأس، ونراه في فترات الرخاء متواضعاً مخلصاً لله عز وجل.
بين السورة والسيرة
وكما ذكرنا سابقاً، فقد أنزلت سورة يوسف في نفس الظروف التي أنزلت فيها سور يونس وهود، أي عند اشتداد البلاء على النبي ( وصحابته. هذه الظروف كانت مشابهة لتلك التي واجهها يوسف عليه السلام.
فسيدنا يوسف ابتعد عن أبيه، والنبي ( حين نزلت هذه السورة في السنة العاشرة من بعثته كان قد فقد عمه أبو طالب وزوجته خديجة. سيدنا
يوسف ترك فلسطين بلد أبيه وذهب إلى مصر وتغرّب عن أهله، والنبي ( بعد سنتين من نزول السورة ترك مكة وهاجر إلى المدينة. فسورة يوسف كانت تؤهل النبي لما هو مقدمٌ عليه من محن وابتلاءات، وتهيء المؤمنين جميعاً لأوقات الشدة التي سيواجهونها خلال حياتهم، لذلك يقول عنها العلماء: "ما قرأها محزون ٌإلا سُرِّي عنه!!!".
يوسف الإنسان
ومن الملاحظات المهمة أن السورة ركّزت على حياة يوسف البشرية، أي على يوسف الإنسان لا على يوسف النبي. وتسليط الضوء على يوسف عليه السلام كنبي كان في سورة غافر حين قال موسى لقومه: (وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِ?لْبَيّنَـ?تِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مّمَّا جَاءكُـمْ بِهِ...( (34). فتجربة يوسف في هذه السورة هي تجربة إنسانية بحتة، وكانت نهايتها نجاحاً كاملاً في الدنيا والآخرة: فلقد نجح في الدنيا وتفوّق في حياته عندما أصبح عزيز مصر، ونجح في الآخرة حين قاوم امرأة العزيز وقاوم مغريات نساء المدينة. فالسورة هي باختصار قصة نجاح إنسانية. إنها قصة نجاح إنسان صبر ولم ييأس بالرغم من كل الظروف التي واجهها، والتي لم يكن لإنسان أن يتوقع نجاحه، فمن السجن والعبودية وكراهية إخوته له إلى الغربة، إلى مراودة امرأة العزيز له عن نفسه، إلى تحمّل الافتراء والاتهامات الباطلة...
أين المعجزات في القصة؟
وإلى جانب ذلك، نلاحظ أن السورة لم تشر إلى تأييده بمعجزة خلال هذه الظروف التي واجهته، (قد يرد البعض بأن الرؤيا هي معجزة) لكننا نقول إن أي إنسان قد يرى رؤيا، ولكن الذي حصل وركّزت عليه السورة أن الله سبحانه وتعالى قد هيأ له الظروف وهيأ له فرصة النجاح كما يهيَّأ لكل شخص منا (كتعليمه تفسير الرؤى كما قال تعالى: (وَكَذ?لِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ?لاْحَادِيثِ( (6))، لكن نجاح سيدنا يوسف كان في الاستفادة من المؤهلات التي أعطاه الله إياها لينجح في حياته.
(لاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ?لله)
إن قصة يوسف قصة نجاح إنسان مرّت عليه ظروف صعبة، لم يملك فيها أي مقوم من مقومات النجاح، لكنه لم يترك الأمل وبقي صابراً ولم ييأس. وآيات السورة مليئة بالأمل، ومن ذلك أن يعقوب عليه السلام عندما فقد ابنه الثاني، أي عندما صارت المصيبة مصيبتين، قال: (وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ?لله إِنَّهُ لاَ يَايْـئَسُ مِن رَّوْحِ ?لله إِلاَّ ?لْقَوْمُ ?لْكَـ?فِرُونَ( (87).
هذه الآية لا تعني أن اليائس كافر، بل إن معناها أن الذي ييأس فيه صفة من صفات الكفار، لأنه لا يدرك أن تدبير الله سبحانه وتعالى في الكون لا يعرفه أحد، وأن الله كريمٌ ورحيمٌ وحكيم في أفعاله.
النجاح من الله
ومن عظمة هذا النبي الكريم، أنه حين نجح في حياته ووصل إلى أعلى المناصب، لم تنسه نشوة النصر التواضع لله ونسبة الفضل إليه سبحانه. فقال في نهاية القصة: (رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ?لْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ?لاْحَادِيثِ فَاطِرَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ أَنتَ وَلِىّ فِى ?لدُّنُيَا وَ?لاْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِ?لصَّـ?لِحِينَ(... (101).
وانظر إلى تواضعه في قوله (وَأَلْحِقْنِى بِ?لصَّـ?لِحِينَ(، وكأن الصالحين سبقوه وهو يريد اللحاق بهم. وهكذا نرى أن سيدنا يوسف نجح في امتحان السراء بشكر الله تعالى والتواضع لـه، كما نجح في امتحان الضراء بالصبر والأمل...
أنت لها
وكان التعقيب على تجربة يوسف عليه السلام، آية رائعة، ليطمئن قلب النبي ( إلى نصر الله ووعده، ولتسمعها أمته من بعده وتوقن بها. إسمعها معي بقلبك وروحك:
(حَتَّى? إِذَا ?سْتَيْـئَسَ ?لرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّىَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ?لْقَوْمِ ?لْمُجْرِمِينَ( (110).
خلاصة التجربة
ونصل في نهاية السورة إلى قاعدة محورية، قالها سيدنا يوسف عليه السلام بعد أن انتصر وبعد أن تحققت جميع أمنياته: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ?لله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُحْسِنِينَ( (90).
إن قصة يوسف تعلّمنا أن من أراد النجاح ووضع هدفاً نصب عينيه يريد تحقيقه فإنه سيحققه لا محالة، إذا استعان بالصبر والأمل، فلم ييأس، ولجأ إلى الله (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ?لله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُحْسِنِينَ( (90). إن سيدنا يوسف - في هذه الكلمات - يلخص لنا تجربته في الحياة، والتي هي كما قلنا، تجربة إنسانية بشرية.
فمن أراد النجاح في الحياة فعليه بتقوى الله أولاً، واللجوء إليه،
والصبر على مصائب الدنيا لا بل وتحدي المعوقات من حوله والتغلب عليها. إن الصبر المطلوب هنا هو صبر إيجابي ومثابر، لا يضيع صاحبه أي فرصة لتعلم مهارة ما، لا بل ينتظر كل فرصة تسنح لـه كما فعل سيدنا يوسف عليه السلام، (فهو استفاد من وجوده في بيت العزيز مثلاً في تعلم كيفية إدارة الأموال، وهذا سبب قوله بعد ذلك: (قَالَ ?جْعَلْنِى عَلَى? خَزَائِنِ ?لاْرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ( (55)).
يا شباب، تعلّموا من سيدنا يوسف النجاح في حياتكم العملية، والتفوق في الدنيا والآخرة، بالعلم والعمل من جهة، وبمقاومة الشهوات والصبر عنها، لتفوزوا بإذن الله بجنة النعيم.


سورة الرعد
سورة الرعد
سورة الرعد (مدنية)، نزلت بعد سورة محمد، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة يوسف، وعدد آياتها 43 آية.
قوة الحق
سورة الرعد من أروع سور القرآن، ورسالتها تقول: الحق قوي راسخ، وان لم يظهر أمام الأعين، والباطل مهزوم ضعيف، فهو - وان كان ظاهراً متفشياً - لكنه هش لا قيمة له
هذه الحقيقة البسيطة يغفل عنها الكثير من الناس، فينخدعون ببريق الباطل الزائف. هذا الباطل قد يأخذ أشكالاً متعددة، من مشاهد إباحية متفشية، أو معاص منتشرة، إلى موظف أو تاجر يكذب ويخدع في عمله، إلى أمة ظالمة تعتدي على أمة الإسلام وتأخذ حقوقها، كلها أشكال مختلفة لقوة الباطل الهشة.
أثر الباطل في الناس
هذه الحقائق إذا غابت عن أعين الناس، وانخدعوا بالباطل، يخافون منه، فيستخفون بالحق الذي معهم، أو يحاولون أن يقلدوا هذا الباطل. فنرى كثيراً من الناس يقولون أن فلاناً ناجح في تجارته عن طريق السرقة والغش والخداع في عمله، وبما أن الكل يفعل هذا فلا ضرر من تقليدهم.
لهذه النوعية من الأشخاص، تأتي السورة لتقول: أن قوة الباطل مهما ظهرت وانتفشت، فهي هشة، ليس لها أي جذور في الأرض. ومهما توارى الحق أو اختفى من أعين الناس، فهو راسخ متين في الأرض.

الكتاب المقروء والحق
ومن أول آية تبدأ السورة بالتأكيد على أن الله تبارك وتعالى هو الحق، وأن كتابه المنزل من عنده هو الحق:
(المر تِلْكَ ايَـ?تُ ?لْكِتَـ?بِ وَ?لَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ?لْحَقُّ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ(.
وبعد أن ذكرت أول آية كتاب الله تعالى، تنتقل الآيات 2 و3 إلى ذكر قدرة الله عز وجل في الكون، وكأنها تقول للناس جميعاً: إن كنتم تكذبون بالكتاب المقروء (القرآن)، فتعالوا ننظر إلى كتاب الله تعالى المنظور (والذي هو عبارة عن الكون كله):
(?لله ?لَّذِى رَفَعَ ?لسَّمَـ?و?تِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ?سْتَوَى? عَلَى ?لْعَرْشِ وَسَخَّرَ ?لشَّمْسَ وَ?لْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّـى يُدَبّرُ ?لأَمْرَ يُفَصّلُ ?لآيَـ?تِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ( (2).
(وَهُوَ ?لَّذِى مَدَّ ?لأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَـ?راً وَمِن كُلّ ?لثَّمَر?تِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ?ثْنَيْنِ يُغْشِى ?لَّيْلَ ?لنَّهَارَ( (3).
فلله تعالى كتابان في الكون، كلاهما يدل عليه وكلاهما يقوي الآخر ويدل عليه:
فالكتاب المقروء (القرآن) يطالب المسلم بالنظر في الكتاب المنظور (الكون)، من خلال آيات كثيرة كهذه الآيات.
وبالمقابل، فإن الكتاب المنظور يزيدك إيماناً بالقرآن.
الكتاب المنظور والحق
فمن هو المدبّر؟ ومن هو القادر؟ من الذي يملك الكون؟ أتتبعونه أم تتبعون الباطل؟
ولذلك تتابع السورة حديثها عن كتاب الله المنظور (الكون) وكيف يدل على عظمة الخالق جل وعلا:
(وَفِى ?لأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـ?وِر?تٌ وَجَنَّـ?تٌ مّنْ أَعْنَـ?بٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْو?نٌ وَغَيْرُ صِنْو?نٍ يُسْقَى? بِمَاء و?حِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَى? بَعْضٍ فِى ?لأُكُلِ إِنَّ فِى ذ?لِكَ لآيَـ?تٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( (4).
رحلة في ملك الله
ومن روعة السورة أنها تهبط بك في ملك الله تعالى درجة درجة، لتتأمل الكون وآياته من أعلى إلى أسفل. فلو تأملنا في الآيات من 2 إلى 4، لوجدنا أن الآيات بدأت بالسماوات، ثم انتقلت إلى الشمس والقمر، فالأرض والجبال والأنهار، إلى تقسيم الأراضي الزراعية (قطع متجاورات) وتنوع ثمارها. كأنك تنزل بالطائرة من فوق لتحت، وكتاب الله معك كدليل يدلك على هذه الآيات ويقول لك: أنظر إلى ملك الله تعالى من فوق إلى تحت، من رفع السماوات بلا عمد لغاية تقسيم الأراضي، وكيف أن الماء الذي يسقي كل أنواع الزروع هو ماء واحد يأتي من عند الله.
فعجب قولهم
وبعد كل هذه الآيات والدلائل، يأتي التعقيب من الله تعالى: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءذَا كُنَّا تُرَابًا أَءنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ..( (5).
فهل تستغربون، بعدما رأيتم كل هذا الملك في الكون، كيف أن الله تعالى قادر على أن يحيي الناس بعد موتهم؟
كيف يمكن لأي صاحب عقل سليم أن يشّك في قدرة الله تعالى؟ لذلك تنتقل الآيات التي بعدها إلى التركيز على نوع آخر من قدرته تعالى، وهي القدرة على جمع المتناقضات في الكون.
لا يجمعها إلا الله
تبدأ السورة باستعراض المتناقضات في هذا الكون العجيب، 32 ظاهرة متناقضة في طبيعتها، يستحيل على أحد أن يجمع بينها، إلا الله جل وعلا. أنظر إلى أسرار عظمته من خلال هذه المتناقضات: (تَغِيضُ ?لأَرْحَامُ... تَزْدَادُ( (8).
(أَسَرَّ ?لْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِ?لَّيْلِ وَسَارِبٌ بِ?لنَّهَارِ( (10).
(خَوْفًا وَطَمَعًا( (12) - (طَوْعًا وَكَرْهًا( (15) - (نَفْعًا وَلاَ ضَرّا... ?لأَعْمَى? وَ?لْبَصِيرُ... ?لظُّلُمَـ?تُ وَ?لنُّورُ( (16).
(?لْحَقَّ وَ?لْبَـ?طِلَ( (17) - (يَبْسُطُ... وَيَقْدِرُ... ?لدُّنْيَا... ?لأَخِرَةِ( (26) (يَمْحُو... وَيُثْبِتُ( (39).
وكأن هذه الآيات الرائعة تقول لنا: كيف لا تسلمون لله، وهو الحق الكامل الذي يملك الكون بكل متناقضاته ويجمع بينها، لتؤكد على المحور الأصلي للسورة، وهو أن الحق قوي راسخ، وأن الباطل ضعيف إلى زوال.
السعادة الوهمية
وتمر الآيات، إلى أن تصل بنا إلى ثلاثة أمثلة تخدم هدف السورة بشكل رائع ومعجز:
وأولها كان هو المفتاح لفهم السورة واستنتاج المحور الذي قلناه في أول السورة. اقرأ معي الآية 14:
(لَهُ دَعْوَةُ ?لْحَقّ( يا شباب، امشوا في طريق الله. لأن الحق الكامل هو طريق الله (لَهُ دَعْوَةُ ?لْحَقّ(. فماذا عن الباطل؟ ما هو شكله؟ (وَ?لَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء إِلاَّ كَبَـ?سِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ?لْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ(.
والله الذي لا إله إلا هو، لن تجد تصويراً للحق والباطل أكثر جمالاً من هذا التصوير الفني القرآني.
فالناس التي تجري وراء الباطل يصورّها لنا ربنا تبارك وتعالى بشخص ينظر في المياه ويحاول أن يلتقط فمه، وما هو ببالغه. وبالتالي فإن كل من يمشي وراء الباطل سيظل قلبه يجري وراء السعادة، هذه السعادة الواهمة التي يعتقد أنها كأس خمر يشربها، أو أغنية ماجنة يجري وراءها ويرددها، أو في مال حرام يأخذه... لكنه لن يبلغ السعادة تماماً كالرجل الذي يحاول أن يلتقط فمه من انعكاس صورته في الماء (وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ( (14).
يا شباب لا تنخدعوا بالباطل، ولو كان براقا وزاهيا، ولو أخذ شكل حفلات يجتمع بها الشباب والبنات، ليسودها الرقص والمجون، ولو أعطاه البعض اسم الشجاعة والتقدم وكسر التقاليد... الباطل زاهق لا محالة، والحق هو الأصل.
الباطل... زبد يطفو على صفحة الماء
ويضرب لنا ربنا مثالاً رائعاً آخر، ليؤكد على أن الحق راسخ قوي وإن كان خفياً، وأن الباطل هش لا قيمة له، وإن كان على السطح وانتفش، اسمع معي الآية 17: (أَنَزَلَ مِنَ ?لسَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا(: الماء النازلة من السماء تمثل الحق والخير الذي ينزل مع الوحي من السماء. فماذا كان أثر هذا الماء؟ (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا(.
أنظر لقوته وعظمته، وكيف دخل في الوادي ليحمل الخير للناس، فماذا حدث؟ (فَ?حْتَمَلَ ?لسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا( (17).
أي أشياء لا قيمة لها من قش وفضلات، تجمعت على سطح المياه، فغطت الماء، بحيث أنها غطت المادة القيمة.
فصار الخير مغموراً تحت، والماء الذي سيزرع به تحت. أما الظاهر، فهو القش والفضلات التي لا قيمة لها (الزبد).
ويأتي مثل رائع آخر: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ?لنَّارِ ?بْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـ?عٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ( (17).
فإذا وضعت قطعة ذهب في النار، لتختبر صفاءها ونقاوتها، فإن الشوائب في داخلها ستصعد إلى السطح، ويبقى المعدن النفيس تحت، نفس مبدأ المياه. كأن ربنا يقول لنا: هذا ماء وهذا نار، لكن المبدأ يبقى نفسه، والحق والباطل تبقى أشكالهم واحدة وحقيقتهم واحدة. فدائماً سيظهر الباطل على السطح وسيبقى الخير تحت، لكن الخير راسخ وإن لم تره، والباطل زائل وإن علا وطفا فوق السطح.
كذلك يضرب الله الحق والباطل
لذلك يأتي تعقيب واضح على هذين المثلين ليؤكد انسجامهما مع هدف السورة: (كَذ?لِكَ يَضْرِبُ ?لله ?لْحَقَّ وَ?لْبَـ?طِلَ( (17). فماذا يكون مصير الإثنين؟
(فَأَمَّا ?لزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ?لنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ?لأَرْضِ كَذ?لِكَ يَضْرِبُ ?لله ?لاْمْثَالَ( (17).
فهيا نعيش للحق، ومع أهله وأصحابه، الذين تحدثت عنهم الآية 14: (لِلَّذِينَ ?سْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ ?لْحُسْنَى?...(.
لماذا "الرعد"؟
ويبقى سبب تسمية السورة، فلماذا اختار ربنا الرعد ليسمي السورة باسمه؟
لأن الرعد نموذج للتناقض، فهو من ناحية علمية، يحمل في طياته شحنات متناقضة، سالبة وموجبة. ومن ناحية إيمانية، فهو يظهر الرعب والخوف، لكنه يحمل الخير والمطر للناس. صوته رهيب من الخارج، لكن باطنه يسبح الله، اسمع قوله تعالى
(وَيُسَبّحُ ?لرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ?لْمَلْـ?ئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ?لصَّو?عِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَـ?دِلُونَ فِى ?لله وَهُوَ شَدِيدُ ?لْمِحَالِ( (13).
وكأن آيات الله الكونية في السورة (وعلى رأسها الرعد) توجه لنا نفس الرسالة، وهي أن لا ننخدع بظاهر الأشياء، بل ننظر إلى باطنها.
عظمة القرآن
وبعد أن عددت الآيات أثر كتاب الله المنظور (الكون) في إيضاح الحق والباطل، يأتي مثال أروع: كتاب الله المقروء.
(وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيّرَتْ بِهِ ?لْجِبَالُ أَوْ قُطّعَتْ بِهِ ?لأَرْضُ أَوْ كُلّمَ بِهِ ?لْمَوْتَى? بَل لله ?لأَمْرُ جَمِيعًا...( (31).
ومعنى هذه الآية أنه لو كان هناك شيء يمكن أن يحرك الجبال أو يسير الأرض أو يحيي الموتى، لكان هذا القرآن. وكأن المعنى: أن هذا الكون الرائع لا يحركه إلا هذا القرآن. لماذا؟ لأنه الحق الكامل في الأرض، مصداقاً لقوله تعالى (لَهُ دَعْوَةُ ?لْحَقّ( (14).
من فضلك، اقرأ سورة الرعد، وعش مع الحق الذي ينزل من عند ربنا، فالحق هو كلام الله، هو القرآن، وهو طريق الخير والصلاح. وإياك بعد أن قرأت هذه السورة الكريمة أن تنخدع بالباطل مهما انتفش وعلا على ظهر الحق، لأنه أولاً وآخراً هش ليس له أي جذور.



سورة إبراهيم
سورة إبراهيم
هدف السورة: نعمة الإيمان ونقمة الكفر
كثير من الناس إذا سئل: ما هي أعظم نعم الله عليك؟ سيجيب بالأمور المادية (الزوجة أو الأولاد أو البيت أو المال)، وإذا سئل بالمقابل عن أعظم مصيبة، سيذكر المشاكل الدنيوية وخسارة المال وضياع التجارة... فتأتي سورة إبراهيم لتصحّح هذا المفهوم وتوضح أن أعظم نعمة في الوجود هي نعمة الإيمان وأن أسوأ نعمة هي نعمة الكفر والبعد عن الله تعالى...
هل تستوي الظلمات والنور...
لذلك فإن السورة هي عبارة عن مقابلة مستمرة بين الحق والباطل، بين أهل الإيمان وأهل الكفر، بين النور والظلمات.. وبدايتها واضحة في هذا المعنى: (الر كِتَابٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ?لنَّاسَ مِنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَى? صِرَاطِ ?لْعَزِيزِ ?لْحَمِيدِ( (1) وكأن المعنى: أيّها الإنسان أنظر إلى الظلمات والنور، وتأمّل نعمة الله تعالى واختر بينهما..
وجهان ليوم واحد
وتؤكد الآية الخامسة على نفس المعنى في قصة موسى عليه السلام: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى? بِـئَايَـ?تِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ?لله إِنَّ فِى ذ?لِكَ لآيَـ?تٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ( (5) فما علاقة أيام الله بالصبر والشكر؟ إن أيام الله هي الأيام التي أهلك الله فيها الظالمين في كل قوم من الأقوام ونجّى فيها الصالحين، فكانت نعمة على المؤمنين ونقمةً على

الكافرين. والمؤمن يتخذ من تلك الأيام عبرة تعينه على الصبر وتحمل الأذى كما تحثّه على الشكر على نعمة الإيمان (إِنَّ فِى ذ?لِكَ لآيَـ?تٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(.
فمضى سيدنا موسى ليبلغ رسالة ربه كما أمر وليذكّرهم بأعظم نعم الله عليهم:
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ ?ذْكُرُواْ نِعْمَةَ ?لله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء ?لْعَذَابِ وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِى ذ?لِكُمْ بَلاء مّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ( (6).
طريق الله نعمة وعزة، والبديل لا يكون إلا صغاراً وذلاً في الدنيا، كما بينت الآية على لسان سيدنا موسى.
(لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ)
ثم تأتي قاعدة عامة ووعد رباني لكل من يشكر نعم الله (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ( (7).
ومع أن الآية تنطبق على كل نعم الله، لكن ورودها في وسط الآيات التي تتحدث عن نعمة الإيمان، يشير إلى أهمية شكر نعمة الإيمان بشكل خاص، حتى يزيدنا الله من هذه النعمة، وإلا فإن الله غني عن العالمين: (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى ?لاْرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ?لله لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ( (8).
رسالة الأنبياء
وتبدأ الآيات بعد ذلك في الكلام على المواجهة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ولأن موضوع السورة هو نعمة الإيمان ونقمة الكفر، فإنها لا تتكلم عن كل نبي لوحده، وهذا يخالف منهج السور السابقة التي كانت تتحدث عن كل نبي مع قومه، أما هذه السورة فإنها تصوّر كل الأنبياء مع كل الكفّار، كما في قوله تعالى: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ(، (وَقَالَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ(. (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ?لله شَكٌّ فَاطِرِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ( (10).
هل تفكّرت يوماً في أهمية هذه النعمة؟ ان الله تعالى بعزته وجبروته يناديك ويدعوك ليغفر لك ذنوبك وهو الغني عنك؟
واسمع إلى تأكيد الرسل مرة ثانية على أن ما هم فيه من إيمان
ومعرفة بالله تعالى هو أعظم النعم (... وَلَـ?كِنَّ ?لله يَمُنُّ عَلَى? مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ...( (11).
نعم... ونقم
وتتوالى أنواع النعم والنقم في السورة:
فيأتي قوله تعالى: (وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ?لاْرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذ?لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ( (14).
وتأتي مقابلها آيات شديدة في التحذير من نقمة الله:
(مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى? مِن مَّاء صَدِيدٍ ( يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ?لْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ( مَّثَلُ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ?شْتَدَّتْ بِهِ ?لرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ...( (16-18).
آيات كثيرة تتواصل، إلى أن تصل بنا إلى خطبة إبليس في جهنم، والتي هي بمثابة قمة نقمة الكفر على أصحابه.
خطبة إبليس
(وَقَالَ ?لشَّيْطَـ?نُ لَمَّا قُضِىَ ?لاْمْرُ إِنَّ ?لله وَعَدَكُمْ وَعْدَ ?لْحَقّ
وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـ?نٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَ?سْتَجَبْتُمْ لِى( (22).
تخيّل حسرة من سيسمع هذا الكلام! كيف تستجيب له وهو سيتبرأ منك بهذه الكلمات...
(فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ?لظَّـ?لِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (22)... فهل هنالك نقمة أشدّ من ذلك؟!..
الكلمة الطيبة..
وتصل الآيات إلى آية محورية تشير إلى أن أعظم نعمة هي نعمة الإيمان، يضرب الله لنا فيها مثلاً: (مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ( ولقد ضرب الله هذا المثال لأن الناس يظنون أن نعم الله إنما هي مادية، فيعلمنا الله تعالى بأن كلمة واحدة، نعمة واحدة، هي أعظم من كل النعم الماديّة التي يراها الإنسان... (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ?لله مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ?لسَّمَاء ( تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ ?لله ?لامْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ( (24 – 25) فكما أنّ الشجر يثمر ثماراً طيبة، فكذلك شجرة لا إله إلاّ الله، الراسخة الجذور، العالية الفروع، تثمر أشخاصاً مؤمنين (كأهل القرآن والدعاة إلى الله والإيجابيين وغيرهم من أهل الخير المؤمنين..). وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، حسنات وأعمالاً صالحة، تبقى لصاحبها صدقة جارية بعد موته.
وبالمقابل فإن كلمة الكفر هشّة، خبيثة، لا جذع لها ولا أصل: (وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ?جْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ?لاْرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ( (26).
لا تبدّل نعمة الله
وتمضي آيات السورة لتصب في نفس المحور: نعمة الإيمان ونقمة الكفر. فتأتي آية واضحة:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ?لله كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ
?لْبَوَارِ( (28).
فماذا يكون جزاؤهم؟ (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ?لْقَرَارُ( (29).
فإياك أخي المسلم أن تفرط في نعمة الإيمان التي أعطاك الله إياها، وتجحد بها... إياك أن تكون من الذين (وَجَعَلُواْ لله أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ...( (30).
فكيف نشكر نعمة الله علينا بالإيمان؟
(قُل لّعِبَادِىَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ يُقِيمُواْ ?لصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلانِيَةً...( (31).
(وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?لله لاَ تُحْصُوهَا)
وتعدد السورة نماذج أخرى من نعم الله:
(?لله ?لَّذِى خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لاْرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ?لسَّمَاء مَاء...( و(وَسَخَّرَ لَكُمُ ?لْفُلْكَ( (32).
(وَسَخَّرَ لَكُمُ ?لانْهَـ?رَ ( وَسَخَّر لَكُمُ ?لشَّمْسَ وَ?لْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ?لَّيْلَ وَ?لنَّهَارَ...( (33).
كل هذه النعم مسخّرة تحت أيدينا، لماذا؟ حتى نعرف الله تعالى ونستشعر فضله ونسلك منهجه.
واللطيف أن الآية (34) تقول: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?لله لاَ تُحْصُوهَا(. فلم تقل الآية وإن تعدوا نعم الله، بل أننا لو حاولنا أن نعدّد خصائص نعمة واحدة فقط (كنعمة الشمس مثلاً) لما قدرنا على إحصائها، فما بالك بأعظم نعمة؟ نعمة الإيمان بالله ومعرفة منهجه؟...
نموذج إبراهيم
ويأتي ختام السورة، وهو مقارنة بين نموذجين، نموذج لإنسان عاش في نعمة الله (سيدنا إبراهيم عليه السلام) واستشعر نعمة الإيمان، وبالمقابل نموذج لأشخاص عاشوا بعيدين عن الله وهم ظالمين لأنفسهم ومجتمعاتهم التي حولهم...
فسيدنا إبراهيم كان شكره واضحاً على النعمة: (?لْحَمْدُ لله ?لَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ?لْكِبَرِ إِسْمَـ?عِيلَ وَإِسْحَـ?قَ إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ ?لدُّعَاء( (39).
فكان دعاؤه الرائع ورجاؤه إلى الله أن يتم عليه نعمة الولد بنعمة أعظم منها وأجل: أن يحفظ الله دينه ودين ذريته بالصلاة:
(رَبّ ?جْعَلْنِى مُقِيمَ ?لصَّلو?ةِ وَمِن ذُرّيَتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء ( رَبَّنَا ?غْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ?لْحِسَابُ( (40 – 41).
وانظر لهذا الحنان من أبينا إبراهيم، وهو يدعو لنا ولأولادنا أن يثبتوا على الصلاة.
(وَأَنذِرِ ?لنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ?لْعَذَابُ)
وبعد ذلك تختتم السورة بأشد آيات القرآن على الظالمين والبعيدين عن الله (وَلاَ تَحْسَبَنَّ ?لله غَـ?فِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ?لظَّـ?لِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ?لابْصَـ?رُ ( مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ( وَأَنذِرِ ?لنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ?لْعَذَابُ فَيَقُولُ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ?لرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ( (42-44).
هل بعد هذا من نقمة ومهانة وذل؟
إن أعظم نعمة في الوجود هي أن تنجو من هذا الموقف، وأسوأ نقمة في الوجود أن تكون مع من قال الله فيهم: (وَتَرَى ?لْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى ?لاْصْفَادِ ( سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى? وُجُوهَهُمْ ?لنَّارُ( (49 – 50)...
هذه سورة إبراهيم، سورة نعمة الإيمان ونقمة الكفر، سميت باسم سيدنا إبراهيم كنموذج لمن استشعر نعمة الله الكاملة وأدّى حق شكرها. من فضلك اقرأ هذه السورة واشكر ربنا على هذه النعمة العظيمة، لأن شكرك له سيرقيك في مراتب الإيمان (لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ( (7).



الحجر
سورة الحجر
سورة الحجر (مكية)، نزلت بعد يوسف. وهي في المصحف بعد سورة إبراهيم. عدد آياتها 99 آية.
للدعاة فقط
نزلت هذه السورة في وقت اشتدت فيه كل أنواع الإيذاء للنبي ( والمسلمين. أنزلت في ظرف شبيه بظروفنا المعاصرة، حيث كان جميع الناس ينظرون إلى الإسلام نظرة اتهام وتشكيك واستهزاء.
والاستهزاء قد يكون في بعض الأحيان أصعب على النفس من الإيذاء البدني. أن تجد من حولك متفوقاً في القوة والعدد، يستهزئ بك مع يقينك أنك على حق. إنه أمر قاس على النفس البشرية. فأنزلت سورة الحجر لتطمئن النبي وكل أتباعه في كل العصور، وتقول لهم: لا تخافوا، فأنتم محفوظون، والله سبحانه وتعالى سيحفظ دينه فتوكلوا عليه ولا تنبهروا بقوة أعدائكم واستمروا في الدعوة إلى الله...
إنها سورة للدعاة، سورة للذين يحبون الإسلام وينتمون إليه... إنها سورة الحفظ والعناية الربانية للدعاة الذين يسخر الناس منهم لتمسكهم بتعاليم دينهم، وسورة الحفظ للفتاة التي يسخر البعض من حجابها. فتقول لهم: توكلوا على الله ولا تنبهروا بقوة أعدائكم، واستمروا في الدعوة إلى الله والأخذ بيد الناس إلى الإسلام.
هدف السورة
إذاً فهدف السورة صار واضحاً: إن الله حافظ دينه وناصره، فلا تنبهر أيها

المسلم من أي حضارة أخرى، ولا تلتفت إلى استهزاء الآخرين وتشكيكهم بل ركز جهودك على الدعوة إلى الله وعبادته. إنها رسالة طمأنة وتثبيت لكل من يخاف على الإسلام في الوضع الحالي الذي نمر به نحن اليوم..
وهذه المعاني واضحة في آيات السورة منذ بدايتها حتى نهايتها:
ففي بداية السورة: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ?لأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ( (3).
وفي ختامها: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ( فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ ?لسَّـ?جِدِينَ( (98).
فالآيات تؤكد عليك أيها المؤمن ألا تنبهر بقوة الغير، وأن تركّز على دينك وعبادتك من تسبيح وسجود وعبادة وتثبت عليها حتى آخر حياتك (وَ?عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ ?لْيَقِينُ( (99).
آيات الحفظ في السورة
والسورة تشير إلى حفظ الله لأمور عديدة، ومنها:
1. حفظ القرآن: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ?لذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـ?فِظُونَ( (9) هل نسيت أن الكتاب الذي هو دستور حياتك محفوظ؟ فالذي حفظ هذا الكتاب هو القادر على حفظ دينه ودعاته.
2. حفظ السماوات، فقد حفظها الله من الشياطين وجعلها متعة للناظرين: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ?لسَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّـ?هَا لِلنَّـ?ظِرِينَ ( وَحَفِظْنَـ?هَا مِن كُلّ شَيْطَـ?نٍ رَّجِيمٍ ( إِلاَّ مَنِ ?سْتَرَقَ ?لسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ( (16-18)...
3. حفظ الأرض: (وَ?لأَرْضَ مَدَدْنَـ?هَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَو?سِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ( (19). فإذا كانت السماوات والأرض محفوظة لهذه الدرجة، فما ظنك أخي المسلم في حفظ الله لكتابه ودينه؟
4. حفظ الأرزاق: (وَ?لأَرْضَ مَدَدْنَـ?هَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَو?سِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ ( وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـ?يِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِر?زِقِينَ ( وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ( (19-21).. فالقرآن محفوظ والسماء محفوظة والمؤمنون محفوظون...
5. حفظ المؤمنين من كيد الشيطان (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـ?نٌ إِلاَّ مَنِ ?تَّبَعَكَ مِنَ ?لْغَاوِينَ( (42).
6. واللطيف أن الآيات التي بشّرت المؤمنين بالجنة ذكرت أيضاً معنى الحفظ:
(?دْخُلُوهَا بِسَلامٍ ءامِنِينَ( (46)... (لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ( (48).
فأنت أيها المؤمن محفوظ مع كتاب الله والسماوات والأرزاق.. بل إن الله حفظ هذا كله لنفعك وصلاح أمرك وقلبك.
إبليس وآدم
كما ذكرنا في سور سابقة، فإن كل سورة في القرآن تأتي قصصها لتخدم هدف السورة. وقصة آدم وإبليس تنطبق عليها نفس القاعدة. ففي القرآن عموماً تركّز هذه القصة على سيدنا آدم عليه السلام. لكن سورة الحجر لم تأت على ذكر آدم، بل ركّزت على إبليس نفسه فهو يقول كما ذكر تعالى: (قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى إِلَى? يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ?لْمُنظَرِينَ ( إِلَى? يَوْمِ ?لْوَقْتِ ?لْمَعْلُومِ ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ?لْمُخْلَصِينَ( (36-40)...
لاحظ الطريقة الأساسية التي سيتبعها إبليس في الإغواء: تزيين الباطل في الأرض عن طريق إبهار الناس. فالإبهار يغيّر الحق ويقلب المفاهيم ويشوّش على الكثير من ضعاف القلوب. لكن عباد الله المخلصين محفوظون بإذن الله، فيأتي الرد على عدو الله:
(قَالَ هَذَا صِر?طٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ ( إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـ?نٌ إِلاَّ مَنِ ?تَّبَعَكَ مِنَ ?لْغَاوِينَ( (41 - 42).
إن هذه السورة هي سورة الحفظ، فأنت محفوظ أيها الإنسان، والقرآن محفوظ كما حفظت السماوات من قبل، والأرزاق محفوظة فلم الخوف..؟ إن هذه السورة قد أنزلت في ذروة إيذاء المشركين للمسلمين في مكة، لتطمئن النبي وأصحابه أنهم محفوظون، والآن تطمئن كل الدعاة إلى الله أنهم أيضاً محفوظون... أنتم محفوظون طالما كنتم على صلة بربكم (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـ?نٌ(... الله تعالى هو الذي يقول هذا... وانظر إلى لطف الآية وهو يدافع عنك أمام عدوك، واستشعر بالفخر كونك تندرج تحت كلمة "عبادي" (.. إِلاَّ مَنِ ?تَّبَعَكَ مِنَ ?لْغَاوِينَ( أما الغاوون، فهم الذين اختاروا طريق الشيطان، وهم محرومون من هذا الحفظ الرباني. هذه الحقائق كلها يعلمها إبليس، فهو أمام رب العزة يقول: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ?لْمُخْلَصِينَ(.
فطالما أننا محفوظون، والحفظ مضمون من الله تعالى، فلم الخوف؟؟...
أصحاب الحجر
وهنا يأتي سؤال: ما سبب تسمية السورة بـ (الحجر)؟
إن الحجر هو المكان الذي سكنت فيه قبيلة ثمود (قوم صالح عليه السلام)، فما علاقة ذلك بالحفظ؟
إن أصحاب الحجر كذّبوا بآيات الله ورفضوا طريق الإيمان، فشعروا بأن الله تعالى قد ينزل عليهم عقاباً أو عذاباً، فبحثوا عن مكان يشعرون به بالأمان فلم يجدوا إلا الحجر. ولقد توصّلوا إلى مدنية رائعة وحضارة راقية جعلتهم ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين... تقول الآيات (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـ?بُ ?لحِجْرِ ?لْمُرْسَلِينَ ( وَءاتَيْنَـ?هُمْ ءايَـ?تِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ( وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ?لْجِبَالِ بُيُوتًا ءامِنِينَ( (80 - 82) لقد ظنوا أنهم إن سكنوا داخل الجبال سينجون من العذاب، فصاروا ينحتون في الجبال بيوتاً ليضمنوا النجاة بعيداً عن الفيضانات وتقلبات الطبيعة، فما الذي حصل لهم؟
(فَأَخَذَتْهُمُ ?لصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ( (83) فالصيحة لا يحمي منها جدار ولا جبل ولا غير ذلك، ولقد جاءتهم مصبحين أي في الصباح (لأنه رمز الأمان فالليل يوحي دائماً بالخوف)، وكأن المعنى بأنه لا حفظ لك أيها الإنسان إلا من عند الله تعالى...
فلا تنبهر بهم (ولذلك ذكر الله قدرته في الكون في أول السورة) وكانت طريقة عذابهم متفردة بين الأمم: صيحة (أي صوتاً رهيباً) لا يحول دونها حافظ من حائط أو ريح أو ماء أو حجارة.
لذلك سميت السورة بالحجر كرمز لقوة الحضارات الأخرى، لنحذر من الانبهار بالآخرين ولتؤكد أنه لا حافظ إلا الله.
قصة لوط عليه السلام
وتأكيداً لهذه المعاني تأتي قصة لوط بإشارات واضحة: فإن قوم لوط جاءهم العذاب وهم في أعلى درجات الشهوة (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ( (72)، كما أن العذاب أتاهم صباحاً (وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ?لاْمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ( (66)... (فَأَخَذَتْهُمُ ?لصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ( (73).
توجيهات للدعاة في كل زمان
بعد أن استشعر قارئ السورة مدى الحفظ الرباني وأهميته وعدم نفع كل ما سواه، تأتي نصائح مهمة للدعاة إلى الله للتعقيب على قصص السورة ولتحقيق هدفها:
1. (وَلَقَدْ ءاتَيْنَـ?كَ سَبْعًا مّنَ ?لْمَثَانِي وَ?لْقُرْءانَ ?لْعَظِيمَ( (87) في مقابل كل ما أوتي الآخرون من قوة ومظاهر مادية، آتاك الله سورة الفاتحة والقرآن العظيم (هل تذكر سورة الفاتحة وعظمتها ومعانيها الرائعة؟)، فتمسّك بما آتاك الله واعتز به ولا تمدّ عينيك إلى ما سواه، لذلك تأتي الآية التالية:
2. (لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى? مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ?خْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ( (88).
فلا تنبهر أخي المسلم بمتاع الدنيا الذي تراه عند الحضارات الأخرى، واعتزّ بإسلامك وتواضع لإخوانك. لا تغرّنك تكنولوجية الغرب ولا تطوّر عمرانه، فإن القاعدة الربانية التي طبّقت على أصحاب الحجر تنطبق عليهم أيضاً، وهي أنه لا حافظ إلا الله.
3. (فَ?صْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ?لْمُشْرِكِينَ( (94). اجهر بالدعوة رغم كل ما قد تتعرّض له لأن الله تعالى هو الحافظ. هذه الآية كانت مرحلة الانتقال بين الدعوة السرية والجهر بالدعوة في حياة النبي (. وكان الصحابة يشعرون بصعوبة الأمر، فجاءت الآية ليطمئنوا بأنهم محفوظون رغم الاستهزاء... (فَ?صْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ?لْمُشْرِكِينَ ( إِنَّا كَفَيْنَـ?كَ ?لْمُسْتَهْزِءينَ( (94 - 95)..
4. (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ( فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ ?لسَّـ?جِدِينَ ( وَ?عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ ?لْيَقِينُ( (97 - 99). فالاستهزاء مزعج، ورغم أن المسلم مقتنع بحفظ الله، لكنه قد يمل ويتشتت من أقوال الآخرين، فتقدّم الآية علاجاً للمشكلة، يشكل ختاماً رائعاً لسورة الحفظ (كأنه تطبيق عملي لتستشعر بالحفظ الرباني): تسبيح الله تعالى وعبادته حتى الممات (واليقين هو الموت) لأنك محفوظ، ودع المستهزئين يقولون ما يشاءون، فإن مصيرهم لن يختلف عن مصير أصحاب الحجر.
اهتم بدينك أيها المسلم، وأصلح نفسك وادع غيرك إلى الله، تنعم بحفظ الله ورعايته في الدنيا وتفز بالجنة في الآخرة.

النحل
سورة النحل
سورة النحل (مكية) نزلت بعد الكهف، وهي في المصحف بعد سورة الحجر. عدد آياتها 128 آية، وهي باتفاق الكثير من العلماء: سورة النعم.
أذكرها... واشكرها..
لو أحضر أحدنا ورقة وقلماً وظل يكتب نعم الله عليه، ثم قرأ سورة النحل، فسيجد كل ما كتبه من نعم... وإذا قرأ السورة ودوّن في الورقة كل ما يصادفه في آياتها من نعم، سيرى أن هذه النعم تشمل كل ما قد يخطر على باله...
فهي سورة النعم. تخاطب قارئها قائلة: أنظر لنعم الله تعالى في الكون! من النعم الأساسيّة (ضروريّات الحياة)، إلى النعم الخفيّة التي يغفل عنها المرء وينساها وحتى التي يجهلها.. كل أنواع النعم، وبعد عرض كل مجموعة من النعم تأتي آية فاصلة، تذكيراً بأن المنعم هو الله (وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ?لله( (53)، أو (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?لله لاَ تُحْصُوهَا( (18)، وهناك آيات عديدة في السورة تفصل بين مقاطع النعم المختلفة لتحذّر من سوء استخدام النعمة بأن تستعمل في معصية الله تعالى، وبالمقابل تحثّ المرء على شكر نعم الله تعالى عليه وتوظيفها فيما خلقت له..
سورة إبراهيم وسورة النحل
وقد يقول قائل: إن سورة إبراهيم تحدثت عن نعم الله، فما علاقتها بسورة النحل؟
سورة إبراهيم ركّزت على نعمة واحدة فقط: الإيمان (وكان محورها أن

نعمة الإيمان أهم نعمة من نعم الله). أما سورة النحل، فقد اشتملت على نعم الله كلها، من أبسط أمور الحياة إلى أهم نعمة والتي هي الإيمان والوحي، لذلك بدأت السورة بنفس النعمة التي بدأت فيها سورة إبراهيم: الوحي. (الر كِتَابٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ?لنَّاسَ مِنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ...( (1) وهنا (يُنَزّلُ ?لْمَلَـ?ئِكَةَ بِ?لْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى? مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ( (2).
عرض مستمر
تبدأ السورة بعرض نعم الله تعالى:
* نعمة الوحي وهي أوّل النعم في السورة (يُنَزّلُ ?لْمَلَـ?ئِكَةَ بِ?لْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى? مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إِلَـ?هَ إِلا أَنَاْ فَ?تَّقُونِ( (2).
* نعمة إيجاد السماوات والأرض (خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضَ بِ?لْحَقّ تَعَـ?لَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ( (3)..
* نعمة خلق الإنسان (خَلَقَ ?لإِنْسَـ?نَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ( (4).. فالروح التي بداخلك هي نعمة من الله، بعد أن خلقك وأوجدك من العدم...
* نعمة الأنعام للغذاء والملبس والتنقلات (وَ?لأَنْعَـ?مَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَـ?فِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ( (5)... ثم (وَ?لْخَيْلَ وَ?لْبِغَالَ وَ?لْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ( (8)... فهذه الآية تشمل وسائل النقل في عهد النبي (، وتشير إلى كل وسائل النقل الحديثة في عالمنا في قوله (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ( فهي تشمل الطائرات والسيارات و... وكلها من أجل نعم الله علينا.
* نعمة الماء المنزّل من السماء (هُوَ ?لَّذِى أَنْزَلَ مِنَ ?لسَّمَاء مَآء لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ( (10).
* نعمة الزرع (يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ?لزَّرْعَ وَ?لزَّيْتُونَ وَ?لنَّخِيلَ وَ?لأَعْنَـ?بَ وَمِن كُلّ ?لثَّمَر?تِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( (11).
* نعمة تسخير الكون للإنسان (وَسَخَّرَ لَكُمُ ?لَّيْلَ وَ?لْنَّهَارَ وَ?لشَّمْسَ وَ?لْقَمَرَ وَ?لْنُّجُومُ مُسَخَّر?تٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـ?تٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( (12).
إن كل هذا الكون بعظمته مسخّر لحضرتك حتى تعيش وتحقق أمانة الاستخلاف... فتخيّله بدون نعمة التسخير لحياة الناس. تخيّل الأرض بدون أوكسجين، أو من غير شمس تعطينا الضوء والدفء...
نعمة تجميل الأرض (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ?لأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ( (13).. إنها نعمة يراها الناس كل يوم ولكن للأسف يغفلون عنها. لقد اعتدنا على النعم وألفناها، فتأتي السورة لتهز النفوس من جديد وتلفت نظرنا إلى آيات الله في الكون.
ساعد قلبك
ان تذكر النعمة أمر هام لصلاح القلب، فإذا أصبت بمرض عدم التدبر في النعم فعليك أن تتبع الوصفة التالية:
- أكتب النعم التي تعرفها بالورقة والقلم، وتدبّرها واستشعرها بقلبك.
- اجعل لسانك رطباً بقولك: الحمد لله، ولو في طريقك
- تفكّر في نعم ربنا عليك وأنت تفتتح صلاتك بسورة الفاتحة، واجعل لكل ركعة نعمة معيّنة تتفكر بها وتشكر ربنا عليها.
إنّ تذكّر النعمة يساعد القلب على شكر المنعم، … فالإنسان يشكر أقرانه من بني البشر ليل نهار، فكم مرة يشكر واهب النعم؟ وكم مرّة يقول الحمد الله في نفس اليوم!..
مزيد من النعم
وبعد ذلك تحدثنا الآيات عن نعم جديدة، يخرجها رب العالمين من حيث لا نتصور، ومنها:
* نعمة تسخير البحر (وَهُوَ ?لَّذِى سَخَّرَ ?لْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا..( (14).. فهل يتصور أحد أن البحر الهادر المخيف يخرج اللحم الشهي؟ إنّ مشكلة الإنسان تكمن في أنه قد اعتاد النعمة وألفها... فتأتي سورة النحل لتقول للناس تفكّروا في نعم الله تعالى عليكم وجدّدوا إحساسكم بها وشكركم لله عليها...
* نعمة خلق الجبال.. (وَأَلْقَى? فِى ?لأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ..( (15) فقد جعل الله الجبال أوتاداً لتثبيت الأرض من الزلازل كما أثبت العلم الحديث.
* نعمة خلق النجوم (وَعَلامَـ?تٍ وَبِ?لنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ( (16)... فهذه النجوم تدلنا على الاتجاهات أثناء السفر بالإضافة إلى اتجاه القبلة.
* نعمة ألبان الأنعام (وَإِنَّ لَكُمْ فِى ?لأَنْعَـ?مِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ( (66).. فهل تصوّر أحدنا المكان الذي يخرج منه اللبن نقياً طيب الطعم والرائحة، من بين الدم والروث...؟ ومع ذلك فإنّه يخرج خالصاً نقيّاً لا يوجد فيه قطرة دم واحدة ولا قطرة أذى! (لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ(.
* نعمة العلم والسمع والأبصار (وَ?لله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـ?تِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا( (78) ثم أعطانا أدوات العلم (وَجَعَلَ لَكُمُ ?لْسَّمْعَ وَ?لأَبْصَـ?رَ وَ?لأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( (78)..
* نعمة الطير (أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى? ?لطَّيْرِ مُسَخَّر?تٍ فِى جَوّ ?لسَّمَآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ?لله إِنَّ فِى ذ?لِكَ لآيَـ?تٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( (79)
فمن منا يعتبر ويشكر؟ ومن منا يوظّف هذه النعم فيما يحبّه الله ويرضاه؟
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها
وبعد ذكر هذه النعم تأتي آية محورية (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?لله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ?لله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ( (18) نحصي ماذا؟ هل نحصي النعم المعلومة والمشاهدة؟ أم نحصي النعم الخفية؟ ولو افترضنا أننا نستطيع أن نعدّد أسماء النعم المشاهدة فهل نقدر أن نحصي ما بداخل النعمة الواحدة فقط من فوائد؟! إن الله تعالى يقول: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?لله لاَ تُحْصُوهَا..( ولم يقل نعم الله. ومع ذلك (إِنَّ ?لله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ( تشير إلى أن الإنسان لا يشكر على النعم ولولا أنه سبحانه وتعالى يغفر ويرحم لعذّب البشر عذاباً شديداً على عدم شكرهم لنعمه الجليلة.
استعمال النعم في غير أهدافها
ولأن هدف السورة لا يقتصر على تعداد النعم، بل يركز على استخدام هذه النعم وتوظيفها لما خلقت له، فإننا نرى بعد كل موجة من ذكر النعم آيات تحذّر من سوء استخدام النعمة (الآيات 19 - 29).
فمثلاً الآية (24) تنكر على من لا يقدّر نعمة الوحي بل يكذّبها: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَـ?طِيرُ ?لأَوَّلِينَ( فكانت عاقبتهم وخيمة (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ?لَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ...( (25).
والآية التي بعدها تصوّر لنا مشهداً رهيباً لمن جحد بأنعم الله:
(قَدْ مَكَرَ ?لَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ?لله بُنْيَـ?نَهُمْ مّنَ ?لْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ?لسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَـ?هُمُ ?لْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ( (26).
وبالمقابل، تأتي الآيات التي بعدها مباشرة (30 - 32) لتبشّر من أحسن استخدام النعم، (وَقِيلَ لِلَّذِينَ ?تَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا...( فانظر إلى هذا المدح الرباني لمن قدّر نعمة الوحي وعرفها في مقابل الذين كذّبوا بآيات الله (الآية 24). وتأتي الآية (32):
(?لَّذِينَ تَتَوَفَّـ?هُمُ ?لْمَلَـ?ئِكَةُ طَيّبِينَ يَقُولُونَ سَلَـ?مٌ عَلَيْكُمُ ?دْخُلُواْ ?لْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(.
أيضاً في مقابل الآية (28) (?لَّذِينَ تَتَوَفَّـ?هُمُ ?لْمَلَـ?ئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ ?لسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء..(.
نعمة الرسل والهداية
نعمة مهمّة يتكرر ذكرها في السورة: إنها نعمة الرسل والهداية:
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ?عْبُدُواْ ?لله وَ?جْتَنِبُواْ ?لْطَّـ?غُوتَ( (36) فإرسال الرسل إلى البشر بشرع الله ومنهجه هو أعظم نعمة على الناس في كل العصور.
(وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ فَ?سْأَلُواْ أَهْلَ ?لذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ( بِ?لْبَيّنَـ?تِ وَ?لزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ?لذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( (43-44).
هل كتبت بين النعم التي منّ بها الله عليك، إرسال النبي ( إلينا؟
وإنزال القرآن الذي نقرأه ونعيش مع آياته ومعانيه؟... وهل فكرت
يوماً في تطبيق أوامر القرآن وسنة النبي ( بنية شكر ربنا على هاتين النعمتين العظيمتين؟
وما بكم من نعمة فمن الله
وبعد ذكر النعم المتتالية، تأتي آية محورية وفاصلة لتعقب عليها:
(وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ?لله( (53)
لتلفت النظر إلى أن استشعار النعمة هو بداية التمهيد لشكر الخالق، فالنِعمة قيدُها الشُكر، والشكر ضمانة لاستمرار النعم (لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ( (إبراهيم، 7).
فلو أرجع الإنسان كل ما في حياته إلى أصله فإنّه سيجد أنّه لا يملك شيئا.. من أول حاجياته الأساسية (من لباس ومأكل ومشرب) إلى آخر مستجدات التكنولوجيا الحديثة (من مركبات فضائية وكومبيوتر وسيّارات..). فكلها تعتمد على المواد الأولية التي سخّرها الله لنا، وكلها نتاج العقل البشري، الذي هو أعظم نعمة أعطانا إياها ربنا.
سوء استخدام النعم
وتحذّر السورة مرة أخرى من سوء استخدام النعم، فتصف لنا فريقاً من الناس يدعو الله عند المصائب ثم يشرك به في السراء (الآيات 53 - 55)، فماذا يكون مصيرهم؟
(لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـ?هُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ( (55). تتحوّل نعمة الله عليهم إلى استدراج وإمهال (فتمتعوا)، فإذا رأيت أخي المسلم نعم الله تتوالى عليك مع تقصيرك في شكرها وحسن استخدامها، فاحذر أن يكون ذلك استدراجاً من الله.
ومن أبشع صور سوء استخدام النعم: وأد البنات (وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِ?لأُنْثَى? ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( يَتَوَارَى? مِنَ ?لْقَوْمِ مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى? هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى ?لتُّرَابِ...( (58-59).. فكيف يسوغ للمرء بعد أن أعطاه الله هذه النعمة أن يستخدمها في معصية الله تعالى وقتل نفس بريئة؟!
نعمة الرحمة والستر
ومن النعم التي وردت في السورة: حلم الله تعالى ورحمته بعباده وستره عليهم
(وَلَوْ يُؤَاخِذُ ?لله ?لنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ( (61)..
تخيل لو رفع الله عنك ستره وحلمه؟ تخيّل لو فضحك يوماً واحداً؟ ماذا لو استيقظت يوماً ما ووجدت مكتوباً على باب بيتك: فعل البارحة كذا وكذا؟ أو لو كتب على جبينك الذنوب التي تفعلها صباح مساء؟ أو لو كان لكل ذنب تفعله رائحة؟
إن من أعظم نعم الله علينا أنه لا يظهر منا إلا كل حسن ومحمود من الأعمال، ويستر كل قبيح من الذنوب، فلله الحمد والفضل.
نعمة الوحي والمطر
ومن النعم التي تأتي متلازمة في السورة: نعمتا الوحي والمطر.
(وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ ?لَّذِى ?خْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( (64).
(وَ?لله أَنزَلَ مِنَ ?لْسَّمَاء مَآء فَأَحْيَا بِهِ ?لأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا...( (65).
فما السر في ذكر هاتين النعمتين دائماً مع بعضهما؟
إن النعمتين متشابهتان، فالوحي ينزل حاملاً الخير للناس كما أن المطر حين ينزل يحيي الأرض بعد موتها، وكذلك الآيات التي تنزل وحياً فإنّها تحيي القلوب بعد موتها.
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا( (الشورى، 52)..
(أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـ?هُ( (الأنعام، 122)..
من سوء استخدام النعم: الخمر
وتعود الآيات مرة أخرى إلى التحذير من سوء استخدام النعم:
(وَمِن ثَمَر?تِ ?لنَّخِيلِ وَ?لأَعْنَـ?بِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا( (67).
هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر، وهي لا تتناول الخمر من الناحية الفقهية لكنها تحذر منها كمظهر من مظاهر سوء استخدام النعم. فالخمر تتكون في أصلها من ثمرات طيبة ونعم عظيمة أعطانا الله إياها، لكن بعض الناس حوّلوها عن الغاية التي خلقت لأجلها واستعانوا بها في إذهاب عقولهم وإذلال أنفسهم... مظهر خطير من مظاهر استخدام النعم في غير أهدافها.
النعم الاجتماعية
ولعلّك تسأل نفسك: أين نعمة الأسرة والزوجة في السورة؟ فتجيبك
الآية:
(وَ?لله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْو?جِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مّنَ ?لطَّيّبَاتِ( (72) فالاستقرار في الحياة العائلية من أفضل النعم التي يمنّ بها الله علينا، لذلك تأتي آية موجعة لتحذّر من كفر
النعمة (أَفَبِ?لْبَـ?طِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ?لله هُمْ يَكْفُرُونَ ( وَيَعْبُدُونَ
مِن دُونِ ?لله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ( (72 - 73)...
حتى البيوت التي نسكنها (والله جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا( (80).
والأثاث الذي نستعمله (... وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَـ?ثاً وَمَتَـ?عاً إِلَى? حِينٍ( (80).
والملابس التي نلبسها: (.. وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ?لْحَرَّ وَسَر?بِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ( (81).
وأبسط من ذلك كله: الظل الذي نستريح تحته... (وَ?لله جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظِلَـ?لاً( (81)
لذلك تأتي آية محورية (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ( (81).
خطورة سوء استخدام النعم
وكما ذكرنا تتابع الآيات بنفس السياق: موجة من النعم، ثم الحث على الشكر عليها، ثم التحذير من سوء استخدام النعم.
(يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ?لله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ?لْكَـ?فِرُونَ( (83) أرأيت كيف أن تجاهل نعمة الله قد يؤدي بصاحبه إلى الكفر بالله والعياذ بالله؟...
وتأتي آيات شديدة في التحذير من نقض العهد مع الله بعد أن أعطانا كل هذه النعم (وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـ?ثًا( (92).
(وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَـ?نَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا...( (94).
(وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ?لله ثَمَناً قَلِيلاً..( (95).
(مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ?لله بَاقٍ( (96).
ثم آيات أخرى تحذّر من كفران النعمة:
(وَضَرَبَ ?لله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ?لله فَأَذَاقَهَا ?لله لِبَاسَ ?لْجُوعِ وَ?لْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ( (112).
وكان الأولى بهؤلاء أن يفعلوا كما قال تعالى: (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ?لله حَلَـلاً طَيّباً وَ?شْكُرُواْ نِعْمَتَ ?لله إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ( (114)...
إبراهيم عليه السلام: شاكراً لأنعمه
وتختم السورة بقصّة شخص شاكر لأنعم الله، إنه سيّدنا إبراهيم عليه السلام، والملفت أن السورة وصفت سيدنا إبراهيم بإحدى أهم صفاته التي تخدم هدف السورة: (شَاكِراً لأَنْعُمِهِ( (121).
وبعد أن أصبح شاكراً لأنعم الله (?جْتَبَـ?هُ وَهَدَاهُ إِلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ( (121).
سبب تسمية السورة
وكما عوّدناكم مع كل سورة، يبقى سؤال مهم: لماذا سمّيت هذه السورة بسورة النحل؟ إن هذه السورة لم تسم باسم النعم التي ملأتها ولكن باسم النحل، فلماذا؟
يقول تعالى (وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى? ?لنَّحْلِ أَنِ ?تَّخِذِى مِنَ ?لْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ?لشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ ?لثَّمَر?تِ فَ?سْلُكِى سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ( (68 - 69).
أولاً إن النحل وتنظيم مملكته وطريقة إخراجه للنحل هي نعم عظيمة من نعم الله وآياته في الكون.
ثانياً، إن الآيات قد بدأت بقوله تعالى (وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى? ?لنَّحْلِ(، فهي تشير إلى اتباع النحل للوحي الرباني وطاعتها لله واستعمالها لإرشادات الوحي لتنفيذ ما كلفت به بدقة (?تَّخِذِى... كُلِى... فَ?سْلُكِى...(.
فكان النحل نموذجاً لتوظيف النعمة طاعة لله، فلما أطاع الله ونفّذ أوامره، أخرج الله من بطونه عسلاً شافياً ومفيداً للأرض كلّها... ولاحظ دقة التعبير القرآني في كلمة (يَخْرُجُ(، ولم تقل الآية (فاخرجي عسلاً)، لأنها لما اتبعت الوحي وطبقت منهج ربنا خرج عسل مفيد ونافع، وكذلك الوحي، ينزل على الأمة، فإن التزمت بأوامر الله واتبعت الوحي، فسيخرج عسل الهداية والنور للمجتمع.
ومن اللطيف في مملكة النحل: اعتمادها على الإناث بشكل أساسي، وحتى النداء القرآني لها (كُلِى.. فَ?سْلُكِى..( كان بصيغة المؤنث، لأن الذكور لا عمل لهم إلا تلقيح الملكة، بينما يقع الدور الأساسي في العمل والبناء وإخراج العسل على الإناث.
القرآن والعسل... شفاء للأرواح والأبدان
ومن روعة القرآن أيضاً، أن كلمة الشفاء لم ترد في القرآن كله إلا مرتين: مرة عن العسل ومرة عن القرآن،... فالقرآن فيه شفاء للناس كالعسل تماماً... والله تعالى في هذه السورة عدّد علينا نعماً كثيرة (وأهمها الوحي) وحذّرنا من سوء استخدامها... فلو أحسنا استخدام نعمة العسل فسوف نشفي أبداننا، وبالمقابل لو أحسّنا استخدام القرآن لكان في ذلك شفاء للعقول والقلوب والأرواح...
قدم ثمن العسل
كانت هذه سورة النحل سورة النعم، فإذا علمت أن سورة النحل هي سورة النعم، وتذكرت نعم الله عليك ثم لم تشعر بكل جوارحك وبكل ذرة من جسمك بأنّك بحاجة إلى أن تشكر الله... فينبغي أن تراجع نفسك..لأنك بهذا لم تستفد من سورة النحل... إنها سورة الحمد، سورة معرفة نعم الله وشكره...
وينبغي أن نسأل أنفسنا، هل نحن قد وظّفنا نِعم الله في مرضاته، أم نستخدمها في معصية... فإذا كان الإنسان يستخدم نعم الله في معصيته فليخف من الآية (وَضَرَبَ ?لله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ?لله فَأَذَاقَهَا ?لله لِبَاسَ ?لْجُوعِ وَ?لْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون( (112)..
فالذي يعصي الله تعالى مستخدماً نعمه فسيعيش حياةً غير آمنة وسينقص رزقه ويعيش في فقر وجوع وخوف... ولذلك كان من أهم منن الله تعالى على قريش: (فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـ?ذَا ?لْبَيْتِ ( ?لَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ(... (قريش، 3-4)
مشروع عملي
ما رأيكم أن نتبع قراءتنا لهذه السورة بمشروع عملي، يزيد من إحساسنا بنعم الله وتفاعلنا مع سورة النحل؟
اقرأ سورة النحل، ثم تتبّع النعم المذكورة فيها واكتبها كلها، وترجم هذه النعم إلى حياتك الخاصة بأمثلة محددة (كالستر مثلاً أو العائلة أو الغذاء). بعد ذلك كله تفكّر في كيفية توظيف كل هذه النعم في طاعة الله، تكون قد حققت مراد الله منك في هذه السورة، والله المستعان.


الإسراء
سورة الإسراء
سورة الإسراء (مكية) نزلت بعد سورة القصص، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة النحل، وعدد آياتها 111 آية. وتعرف هذه السورة بسورة بني إسرائيل.
أعظم اجتماع
ولكي نقف على محور وهدف السورة فنحن بحاجة للرجوع إلى قصة الإسراء نفسها، عندما أُسري بالنبي ( من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وبعدها كانت رحلة المعراج إلى السماوات العلى. فلماذا لم تسم السورة باسم سورة المعراج؟ وما السر الكامن وراء تسمية السورة بهذا الاسم؟
لقد رافق هذا الحدث العظيم حدث آخر بنفس الأهمية، كان أعظم اجتماع في تاريخ البشرية. لقد كان المسجد الأقصى ممتلئاً عن آخره بأفضل الناس، أنبياء الله تعالى من لدن آدم حتى عيسى عليه السلام، وكلهم كانوا ينتظرون النبي (، ليصلي بهم إماماً.
إمام الرسل والأنبياء
إنّ صلاة النبي بالأنبياء هي عنوان انتقال الرسالة إلى هذه الأمة واستلام النبي ( لواء قيادة البشرية في هذا المكان المبارك، المسجد الأقصى. فأنت يا محمد وأنتم يا أمة محمد أصبحتم مسؤولين عن الكتاب، أي عن الرسالة التي أرسلها الله إلى البشرية والتي تنتقل من نبي إلى نبي، ابتداء من سيدنا نوح الذي حمل الرسالة مع أولاده بعد الطوفان، لتصل إلى إبراهيم حامل الكتاب السماوي

ومن ثم إلى موسى وعيسى عليهما السلام، إلى أن وصلت أخيراً إلى محمد ( وأمته.
أمانة الكتاب
كل نبي من هؤلاء كان يؤمر بالحفاظ على كتاب الله وأوامره، لكن قومه من بعده كانوا يضيعون الأمانة، فيحرّفون الكتاب أو يبدّلون أحكامه، فإذا فعلوا ذلك، يستبدلهم الله بقوم آخرين ليتسلموا أمانة الكتاب. وآخر أمة كانت مسؤولة عن الكتاب هم بنو إسرائيل الذين أفسدوا في الأرض ولم يراعوا حق الكتاب (لذلك سميت السورة باسمهم، لأنها تتحدث عن انتقال الكتاب من عهدتهم إلى الأمة المحمدية، ودلالة ذلك أن كل أنبياء بني إسرائيل وقفوا يصلون خلف النبي ()، فاستبدلهم الله بأمة محمد (، وكانت حادثة الإسراء عنوان استلام الرسالة. فما هو هدف السورة؟
هدف السورة: استشعر قيمة القرآن
كيف يكون هذا هو هدف السورة؟ وما علاقة ذلك بالإسراء؟
إن سورة الإسراء هي أكثر سورة ذكر فيها القرآن والكتاب، وفي ذلك دلالة على استشعار قيمة القرآن. وحادثة الإسراء هي الحادثة الممثلة لانتقال الكتاب إلى أمة محمد (، وكأنها تقول لنا: أنتم يا أمة محمد مسؤولون عن هذا الكتاب، عن القرآن. فاستشعروا قيمته، وإياكم أن تفرطوا فيه كما فعلت الأمم السابقة فيستبدلكم الله كما استبدلهم.
اجعله إمامك
روى سيدنا علي بن أبي طالب حديثاً عن رسول الله ( يوضح أهمية القرآن في حياتنا، وأنه طوق نجاة لمن يتخذه إماماً. يقول عليه الصلاة والسلام:
"ألا إنها ستكون فتنة" فقال سيدنا علي: فما المخرج منها يا رسول الله.
قال: "كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وفيه خبر ما بعدكم وحكم ما بينكم. هو بالفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله. هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يبلى من كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته إلا أن قالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً. من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعى به هدي إلى صراط مستقيم".
تعال معنا، يا قارئ القرآن، وبما أننا تقريباً في منتصف رحلتنا مع القرآن الكريم، لنعيش مع سورة القرآن ونستشعر عظمته من خلال آياتها.
انتقال الكتاب عبر الأمم
تبدأ السورة - كما هو واضح - بحادثة الإسراء:
(سُبْحَانَ ?لَّذِى أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ ?لْمَسْجِدِ ?لْحَرَامِ إِلَى? ?لْمَسْجِدِ ?لأَقْصَى ?لَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ..( (1).
وفي الآية الثانية مباشرة نرى قوله تعالى:
(وَءاتَيْنَآ مُوسَى ?لْكِتَـ?بَ( (2). لقد جاءت هذه الآية بعد حادثة الإسراء للتوضيح أن ذكر حادثة الإسراء يهدف إلى إعلان انتقال الكتاب إلى الأمة المحمدية، لذلك نرى أن الآية الثانية تحدثت عن الأمة التي كان معها الكتاب من قبل:
(وَءاتَيْنَآ مُوسَى ?لْكِتَـ?بَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إِسْر?ءيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً( (2).
فكيف وصل الكتاب إليهم؟ (ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا( (3).
وكأن هذه الآيات الثلاث تصوير مادي لحركة انتقال الكتاب عبر الأمم.
فماذا فعلوا بالكتاب؟ ولماذا استبدلوا؟
(وَقَضَيْنَا إِلَى? بَنِى إِسْر?ءيلَ فِى ?لْكِتَـ?بِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ?لأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً( (4)... وتمضي الآيات من 4 - 7 لتصوّر تضييع الأمة السابقة لهذه الأمانة إلى أن نصل إلى آية محورية، الآية 9، لتعلن مسؤولية أمة الإسلام، عن الكتاب.
(إِنَّ هَـ?ذَا ?لْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ ?لْمُؤْمِنِينَ ?لَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لصَّـ?لِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ( وأَنَّ ?لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِ?لأَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا( (9 – 10).
فاستمسكوا بهذا الكتاب، واستعصموا به، فإنه يهديكم أيها المسلمون للتي هي أقوم...
كتاب الآخرة
وفي معرض الحديث عن يوم القيامة، تتحدث الآيات عن كتاب الآخرة - كتاب الأعمال والحسنات والسيئات - لتبيّن مصير الذي لا يلتزم بكتاب الله في الدنيا.
(وَكُلَّ إِنْسَـ?نٍ أَلْزَمْنَـ?هُ طَـئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ كِتَابًا يَلْقَـ?هُ مَنْشُوراً ( ?قْرَأْ كَتَـ?بَكَ كَفَى? بِنَفْسِكَ ?لْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا( (13 – 14).
فقضية الكتاب قضية أساسية في حياة المسلم، فإن لم تقرأ أيها المسلم كتاب الله وتفهم معانيه وتطبّقها في حياتك الدنيا، فماذا ستفعل بكتاب الآخرة؟..
أوامر الكتاب
ومن أول الربع الثاني تتكلم السورة عن عظمة هذا الكتاب، لأنه يأمر بما تقتضيه كل فطرة سليمة، فأي صاحب عقل سليم وفطرة سليمة غير مشوّشة لا يسعه حين يقرأ هذا الكتاب إلا أن يسلّم ويعترف بعظمته... فمن هذه الأوامر:
- برّ الوالدين (وَقَضَى? رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـ?هُ وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?ناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ?لْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ( وَ?خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ?لذُّلّ مِنَ ?لرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ?رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا( (23 – 24)...
- استعمال المال في أوجه الخير (وَءاتِ ذَا ?لْقُرْبَى? حَقَّهُ وَ?لْمِسْكِينَ وَ?بْنَ ?لسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا ( إِنَّ ?لْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْو?نَ ?لشَّيَـ?طِينِ وَكَانَ ?لشَّيْطَـ?نُ لِرَبّهِ كَفُورًا( (26 - 27)..
- التوازن بين البخل والإسراف (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ?لْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً( (29)...
نداء الفطرة
كلها أوامر ونواهي تخاطب العقل السليم والفطرة الحية، فمن يعرض عن هذا الكلام؟ كيف نهجره وكيف لا نستمسك به؟ وفيه مصلحة البشر وخيرهم...
- (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـ?قٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا( (31).
- (وَلاَ تَقْرَبُواْ ?لزّنَى? إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً( (32).
ولأن الآيات تخاطب الفطرة، فقد تكلمت عن الزنا أنه "ساء سبيلاً" لأنه فِعلٌ بالغ القُبح، وإن لم يلاحظ بعض أصحاب النفوس الضعيفة ذلك، لأنه لا يترتب على المَشي في طريقه إلا الهلاك والكوارث، مثل قتل الأنفس، وضعف الرزق، وظُلمة الوجه، واختلاط الأنساب والحياة البائسة الكئيبة...
- (وَلاَ تَقْتُلُواْ ?لنَّفْسَ ?لَّتِى حَرَّمَ ?لله إِلاَّ بِ?لحَقّ( (33).
- (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ?لْيَتِيمِ إِلاَّ بِ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ( (34).
- (وَأَوْفُوا ?لْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِ?لقِسْطَاسِ ?لْمُسْتَقِيمِ..( (35).
- (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ?لسَّمْعَ وَ?لْبَصَرَ وَ?لْفُؤَادَ كُلُّ أُولـ?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً( (36).
- (وَلاَ تَمْشِ فِى ?لأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ?لأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ?لْجِبَالَ طُولاً( (37).
فمن يرفض مثل هذا الكلام، وكيف يمكن للمسلمين أن يهجروا هذا الكتاب، وهو يأمرهم بكل هذا الخير وينهاهم عما فيه ضررهم وهلاكهم؟ (كُلُّ ذ?لِكَ كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا( (38).
لذلك نرى تعقيباً رائعاً على كل ما سبق (ذ?لِكَ مِمَّا أَوْحَى? إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ?لْحِكْمَةِ..( (39) فكل ما سبق حكمة، وكله يؤدي بالإنسان لأن يعيش حياة كريمة في الدنيا والآخرة، فإذا غفل عنها: (وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ?لله إِلَـ?هًا ءاخَرَ فَتُلْقَى? فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا( (39). فهل أدركنا عظمة هذا القرآن؟ وربنا سبحانه وتعالى يخبرنا بأن الخير كل الخير موجود في القرآن:
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـ?ذَا ?لْقُرْءانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا( (41).
قيمة القرآن
وبعد أن بيّنت الآيات عظمة القرآن وأهمية أحكامه، تقوم بعد ذلك بين الآية والأخرى بذكر مزايا الكتاب (فهي أكثر سور القرآن إيراداً للكتاب)، فنرى فيها:
حفظ القرآن لأهله: (وَإِذَا قَرَأْتَ ?لْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ?لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِ?لأَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا ( وَجَعَلْنَا عَلَى? قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ?لْقُرْءانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى? أَدْبَـ?رِهِمْ نُفُوراً( (45-46).
اشتمال القرآن على أسرار التاريخ وسنن قيام الحضارات: (وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ?لْقِيَـ?مَةِ أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذ?لِك فِى ?لْكِتَـ?بِ مَسْطُورًا( (58).
فالإنسان حين يرى تركيز سورة الإسراء على عظمة القرآن وهو لا يزال في منتصف القرآن (الجزء 15)، فلا بد أن يستشعر أهميته ولا يمر على آياته مرور الكرام، لأن هذه الآيات ستكون فرصة عظيمة له لرفع درجاته يوم القيامة، كما جاء في حديث النبي (: "يقال لقارئ القرآن يوم القيامة إقرأ وارق ورتّل فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها"..
فعدد درجات الجنة يا أخي المسلم هو بعدد آيات القرآن. ألا تريد الجنة؟ ألا تحلم بها وتتمناها؟ ألا تريد الفردوس الأعلى؟ إذاً فالزم قراءة هذا القرآن، وخاصة في صلاة الفجر وفي قيام الليل.
(أَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ لِدُلُوكِ ?لشَّمْسِ إِلَى? غَسَقِ ?لَّيْلِ وَقُرْءانَ ?لْفَجْرِ إِنَّ قُرْءانَ ?لْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا( (78).
(وَمِنَ ?لَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى? أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً
مَّحْمُودًا( (79).
شفاء ورحمة للمؤمنين
واسمع قوله تعالى:
(وَنُنَزّلُ مِنَ ?لْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ?لظَّـ?لِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا..( (82). فكما قلنا في سورة النحل، لم ترد لفظة الشفاء في القرآن إلا للعسل والقرآن، لأن العسل شفاء الأبدان من الأمراض، والقرآن شفاء للقلوب ودواء لأرواح المؤمنين الذين يعرفون قيمته.
تحدي القرآن
والآيات التي تحدثت عن عظمة القرآن كثيرة في السورة: (قُل لَّئِنِ ?جْتَمَعَتِ ?لإِنسُ وَ?لْجِنُّ عَلَى? أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـ?ذَا ?لْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا( (88).
فافتخر بهذا التحدي الذي لا يزال قائماً إلى يوم القيامة.
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـ?ذَا ?لْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ فَأَبَى? أَكْثَرُ ?لنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا( (89).
فكل احتياجات الحياة الكريمة موجودة في هذا القرآن، لكن أكثر الناس يأبى إلا الكفر والجحود.
دور القرآن
(وَبِ?لْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِ?لْحَقّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا ( وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ?لنَّاسِ عَلَى? مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـ?هُ تَنْزِيلاً( (105 – 106)..
لقد سميت هذه السورة بسورة الإسراء حتى نتذكر -كلما قرأناها - النبي (، وهو يستلم الكتاب في رحلة الإسراء، ويسلّمه لنا من بعده.
وبما أننا تحملنا مسؤولية حمل القرآن، فينبغي أن نكثر من قراءته، ليس في رمضان فقط، بل في كل الشهور، وينبغي أن نتدبره ونعمل به ونعلّمه لمن حولنا وننشره وننفّذ منهجه...
أحبّاء القرآن
وختام السورة تذكرة بأناس أحبّوا القرآن حباً شديداً، وفهموا هدف سورة الإسراء، فتفاعلوا مع كتاب الله تفاعلاً صادقاً: (قُلْ ءامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى? عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا ( وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً ( وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا( (107 – 109).
والحمد لله، لقد أصبحنا نرى هذه الآيات تنطبق على بعض الشباب في المساجد، وخاصة في شهر رمضان. تنظر إليهم فتراهم "يخرون للأذقان يبكون". وكلما تليت عليهم آيات القرآن تزيدهم خشوعاً... وهو أمر مطمئن، لأن تعامل الشباب مع القرآن بهذا المستوى يبشّر ببوادر خير لهذه الأمة.
يرفع أقواماً ويضع آخرين
فإن لم نكن كأحباء القرآن الذين ذكروا في الآيات السابقة، فإن نفس الآيات تحذرنا من الاستبدال (قُلْ ءامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ(. فالأمم السابقة قد قصرت في حفظ الكتاب وتبليغه فنزع منها إلى الأمة التي تليها فالتي تليها حتى وصل إلينا، فماذا لو قصرت هذه الأمة في حمل الأمانة؟
إن الحساب سيكون أشد يوم القيامة لأننا آخر أمة ستحمل هذه الأمانة قبل قيام الساعة، فلا يجدر بنا أن نقصّر، بل نجتهد في حمل هذه الأمانة، وتطبيق حديث النبي (: "تركتُ فيكُم ما إن تمسَّكتُم به لن تضِلُّوا بعدي أبداً: كِتاب الله، وسُنَّتي". فلا نهضة لأمتنا ولا عز ولا خروج من الظلمات إلى النور إلا بهذا الكتاب: (كِتَابٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ?لنَّاسَ مِنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ(.
كنوز من الحسنات
استشعر وأنت تقرأ القرآن - إلى جانب عظمته وأهميته - الكم الهائل من الحسنات التي ترافق قراءة القرآن.
فالنبي ( يقول "من قرأ حرفاً من القرآن فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول (الم( حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف"...
فإذا قرأت "بسم الله الرحمن الرحيم" مثلاً - وفيها تسعة عشر حرفاً - فإنك تنال مئة وتسعين حسنة.
إذاً فجزء القرآن - الذي يكون متوسط حروفه سبعة آلاف حرف - ينال عليه المسلم سبعين ألف حسنة في الأوقات العادية، فما بالك بالأوقات المستحبة (كصلاة الفجر أو قيام الليل أو شهر رمضان).
آلاف الحسنات في قراءة جزء لا يأخذ منا أكثر من ثلاثة أرباع الساعة، فما بالك بمن ينفّذه؟ فما بالك بمن يسمع الآيات بنيّة تنفيذها وتطبيقها؟ فما بالك بمن يفهم القرآن، ويعرف مراد ربنا من كل سورة؟ إذاً فماذا يكون حال من يشعر أن القرآن أمانة في عُنُقه، فيرغّب من حوله بقراءة القرآن ويفسّر لهم بعض معانيه الرائعة التي نعيش معها؟
لا بد للشاب المسلم الذي قرأ سورة الإسراء وفهم مراد ربنا منها أن يتعامل مع القرآن من الآن وصاعداً بجدية متناهية، وأن ينذر حياته ليكون من أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته.
من الإسراء إلى الكهف
ومن الإشارات اللطيفة، أن نرى الحديث عن القرآن يمتد من ختام سورة الإسراء إلى بداية سورة الكهف. فبعد أن ختمت سورة الإسراء بسجدة حتى تستشعر فيها حلاوة القرآن وتبكي من خشية الله، ثم تحمده على نعمة القرآن، هذه النعمة العظيمة التي بدأت سورة الكهف بشكر ربنا عليها: (?لْحَمْدُ لله ?لَّذِى أَنْزَلَ عَلَى? عَبْدِهِ ?لْكِتَـ?بَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا( (1).




الكهف
سورة الكهف
سورة الكهف (مكية)، نزلت بعد الغاشية، وهي في ترتيب المصحف بعد الإسراء، وعدد آياتها 110 آيات.
خيوط لنسيج واحد
سورة الكهف هي عبارة عن أربع قصص، قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين وقصة موسى والخضر وقصة ذي القرنين، مع ذكر عدد من الآيات بعد كل قصة للتعقيب عليها. فما علاقة القصص الأربع ببعضها؟ ولماذا سميت بسورة الكهف؟ ولماذا تقرأ كل يوم جمعة؟
فضل وثواب سورة الكهف
يقول النبي ( "من قرأ سورة الكهف من يوم الجمعة أو في يوم الجمعة أضاء الله له نوراً من تحت قدميه إلى عنان السماء".
كما ويقول ( "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف كانت له عصمة من الدجال".
وفي حديث آخر: "من أدركه منكم - أي الدجال – فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف" رواه مسلم.
فما هي علاقة سورة الكهف بالدجال وما علاقة القصص الأربع في السورة ببعضها؟ تعالوا نلقي نظرة على هذه القصص باختصار.
كهف الرحمة
القصة الأولى هي قصة شباب، آمنوا بالله تبارك وتعالى ودعوا إلى الله، رغم

أن القرية التي عاشوا فيها كانت محكومة من ملك ظالم غير مؤمن. فعرضوا إسلامهم على الناس ورفض الناس دعوتهم (وَرَبَطْنَا عَلَى? قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـ?هاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ( هَـؤُلاء قَوْمُنَا ?تَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَـ?نٍ بَيّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ?فْتَرَى? عَلَى ?لله كَذِبًا( (14-15).
وبدأوا بالدعوة إلى الله فكُذِّبوا واضطهدوا، فأوحى الله إليهم أن يأووا إلى الكهف (... فَأْوُواْ إِلَى ?لْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيّىء لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا( (16).
وأيدهم الله بمعجزات عظيمة فهم قد مكثوا في الكهف (ثَلاثَ مِئَةٍ
سِنِينَ وَ?زْدَادُواْ تِسْعًا( (25)... (وَتَرَى ?لشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن
كَهْفِهِمْ ذَاتَ ?لْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ?لشّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ...( (17)... (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ ?ليَمِينِ وَذَاتَ ?لشّمَالِ( (18).
فكل هذه المعجزات كانت لأجل الحفاظ على هؤلاء الفتية، إلى أن استيقظوا بعد 309 سنين، ووجدوا أن الناس جميعاً قد آمنوا وأنهم أصبحوا في مجتمع جديد كله إيمان.
غرور يطعن في الثوابت
والقصة الثانية قصة رجل أنعم الله عليه، فنسي واهب النعمة فطغى وتجرأ على ثوابت الإيمان بالطعن والشك:
(وَ?ضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَـ?بٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا... وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـ?ذِهِ أَبَداً( (32 – 35) لقد فتنه المال فنسي اللجوء إلى الله تبارك وتعالى (وَمَا أَظُنُّ ?لسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى? رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً ( قَالَ لَهُ صَـ?حِبُهُ وَهُوَ يُحَـ?وِرُهُ أَكَفَرْتَ بِ?لَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً( (36 – 37)... إلى أن كانت نهاية الرجل المغرور بماله.. (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى? عُرُوشِهَا وَيَقُولُ ي?لَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا( (42).
كيف نتعامل مع قدر الله
أما القصة الثالثة، فهي قصة نبي الله موسى عليه السلام مع الخضر، عندما سأله قومه: من أعلم أهل الأرض، فأجابهم بأنه هو عليه السلام أعلم أهل الأرض، فلقد ظنَّ بأن لديه من العلم ما يجعله أعلم أهل الأرض خاصة وأنه من أولي العزم من الرسل. فأوحى الله إليه بأنه يوجد من هو أعلم منه، لذلك طلب منه أن يذهب إلى أرض معينة عند مجمع البحرين. فقطع مسافة بعيدة في سفره إلى أن أدركه التعب الشديد، حتى أنه قال لفتاه (لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـ?ذَا نَصَباً( (62).. فتعب كثيراً إلى أن التقى بالرجل الصالح الذي يملك علماً مهماً لا يملكه الكثير من الناس وهو علم الثقة بقدر الله تعالى، وأن لله تعالى في قضائه حكمة تحتم عليك أن توقن بتدبيره وإدارته لشؤون الحياة، وهذا العلم هو باختصار، علم معرفة الله حق المعرفة.
لذلك، فقبل أن يصاحب سيدنا موسى الخضر عليهما السلام،
يشترط عليه الخضر (... فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَىء حَتَّى? أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ
ذِكْراً( (70). فقال له موسى (سَتَجِدُنِى إِن شَاء ?لله صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً( (69).
وتخلل الصحبة ثلاثة مواقف، كانت في ظاهرها سوءاً أو ظلماً:
1. السفينة التي خرقها الخضر عليه السلام، وكان سبب ذلك وجود ملك ظالم يسلب كل سفينة صالحة يراها.
2. الغلام الذي قتله الخضر، وكان سبب ذلك أنه كان يرهق أبويه المؤمنين لعصيانه وعقوقه.
3. الجدار الذي أقامه الخضر من دون أجر في مدينة طرده أهلها منها، والسبب أنه كان لغلامين يتيمين وكان تحته كنز مدفون لهما ولو لم يقم الجدار لما حفظ لهما كنزهما..
ويجمع بين كل هذه الأمور عدم ظهور حكمة الله تعالى فيها، لأن ظاهرها غير مبرر. وذلك ليتعلم المؤمن أن الله تعالى يقدر أموراً قد لا نعلم الحكمة منها والخير المقدر فيها. وهذا هو العلم (الذي لا نراه في الكتب) يعلمه الله تعالى لموسى عليه السلام ويعلمنا إياه أيضاً..
إنا مكّنا له في الأرض
وآخر قصة هي قصة ذي القرنين، الملك العادل الذي ينشر الحق والعدل والخير في الأرض ويملك كل الأسباب المادية (من علم وتكنولوجيا) التي تسهل له التمكين والنجاح في الحياة.
(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ?لأَرْضِ وَاتَيْنَـ?هُ مِن كُلّ شَىْء سَبَباً( (84) فكان يطوف بالأرض من شرقها إلى غربها لينشر الهداية للناس ويملأ الأرض بالعدل والإحسان، إلى أن وصل إلى قوم لا يكادون يفقهون قولاً، فقالوا له: (قَالُواْ ي?ذَا ?لْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ?لأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى? أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا( (94)...
وبالرغم من امتلاكه للأسباب إلا أنه طلب منهم أن يعينوه حتى يعلمهم الإيجابية (... فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا( (95). وبنى الجدار الذي لا يزال قائماً إلى الآن، والذي بسببه لا نعلم مكان وجود يأجوج ومأجوج حتى تقوم الساعة فيخرجوا..
علاقة القصص الأربع
لا بد أن نتذكر أن القرآن لا يسرد علينا قصصاً متناثرة، بل أنها
كلها تكون بناءً متكاملاً وتخدم معنىً معيناً. فقصة سيدنا موسى مثلاً
لم تأتِ على ذكر فرعون أو معجزة العصا وذلك لأن إيراد القصة يخدم
هنا هدفاً معيناً لا يوجد في قصة فرعون مع موسى عليه السلام. فما هو
الخيط الذي يربط القصص الأربع ببعضها؟
إنّ هذه القصص تحدثت عن الفتن الأساسية في حياة الناس:
1. فتنة الدين: أن يفتن المرء بدينه ويبتعد عنه، سواء بسبب الأذية والتعذيب، أو الخوف. وهذه كانت فتنة أهل الكهف الذين نجحوا فيها.
2. فتنة المال: وهي فتنة صاحب الجنتين الذي أغراه ماله فأودى به إلى إنكار الآخرة (وَمَا أَظُنُّ ?لسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى? رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً( (36).
3. فتنة العلم: بأن يعجب المرء بعلمه، ويظن أن أحداً لم يسبقه في العلم فينسى التواضع، أو يتعلم علماً لا فائدة للمجتمع منه، أو يستخدم علمه فيما يضر المجتمع. وهذه الفتنة تتجسد في قصة موسى مع الخضر، الذي سها فظن أنه ليس هناك من هو أعلم منه، لكنه عندما علم بذلك قطع إليه المسافات الطوال ليتعلم منه ويتواضع إليه تواضع طلاب العلم (قَالَ لَهُ مُوسَى? هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى? أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً( (66).
4. فتنة السلطة: بأن يؤتى المرء حضارة وتقنية عظيمة، ونفوذاً وسلطة عظيمين، فيؤدي به الأمر إلى الاعتداد بقوته والكفر بربه وظلم الناس. لكن قصة ذي القرنين ترينا العكس تماماً: سلطان عادل، يعدل مع الناس وينسب الفضل في قوته إلى الله وحده: (قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى? رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً ( وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـ?لِحاً فَلَهُ جَزَآءً ?لْحُسْنَى? وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً( (87 – 88).
(قَالَ هَـ?ذَا رَحْمَةٌ مّن رَّبّى( (98).
محرك خيوط الفتنة
هذه الفتن الأربعة الأساسية هي الخيط الذي يجمع القصص الأربع في السورة. وفي وسط السورة تقريباً بين أول قصتين وآخر قصتين، تخبرنا الآية 50 عن المحرك الأساسي لخيوط الفتنة الأربعة: إنه عدو الله إبليس (... أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـ?لِمِينَ بَدَلاً( هل من المعقول أن تتخذوا عدو الله وعدوكم ولياً؟ (50).
العصمة من الفتن
فالجو العام للسورة إذاً هو العصمة من الفتن، ولذلك جاء في الحديث أنها تنجي من أعظم فتنة في تاريخ البشرية من لدن آدم إلى قيام الساعة، وهي فتنة المسيح الدجال، يقول عليه الصلاة والسلام "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال" رواه الحاكم.
فما علاقة فتنة المسيح الدجال بالفتن الأربع المذكورة؟ إن الدجال سيظهر قبل يوم القيامة بالفتن الأربع: فهو يفتن الناس في دينهم، ويطلب منهم عبادته من دون الله، ويفتنهم بما يجريه الله على يديه من خوارق (كأن يحيي أبا الرجب وأمه على أن يكفر بالله والعياذ بالله) فيفتنوا إلا من رحم الله.. ومعه فتنة المال، بأن يأمر السماء أن تمطر على أرض معينة وينبت فيها الزرع، أو أن يحول صحراء قاحلة إلى جنة خضراء. كما أنه يحمل فتنة العلم، بأن يبهر الناس بما يحمله من أخبار فيؤمنوا به. وآخر فتنة سيحملها الدجال هي السلطة، فيقهر الناس بقوته وسيطرته على أجزاء كثيرة من الأرض (عدا مكة والمدينة). فتن شديدة لا بد للمسلمين في كل زمان ومكان أن يتنبهوا منها، وذلك بقراءة سورة الكهف والتدبر في معانيها، وخاصة القصص الأربع مع التعقيب الرباني عليها.
هدف السورة: العصمة من الفتن
عندما ذكرت السورة القصص الأربعة التي يجمعها خيط الفتنة، كانت تعقب على كل قصة تعقيباً يحمل العبرة من هذه القصة، ويرشدنا كيف نقي أنفسنا من هذه الفتنة. وهذا من روعة القرآن في عدم سرد القصص لمجرد السرد ولكن لتحقيق هدف السورة - وهو العصمة من الفتن - والتأكيد عليه بعد كل قصة. وهكذا تتضح لنا معالم السورة ورسالتها: النجاة من الفتن، بأشكالها المختلفة. فكيف ننجو من الفتن التي ذكرتها القصص؟
قوارب النجاة
1. الصحبة الصالحة:
كانت الفتنة الأولى هي فتنة الدين في قصة أهل الكهف، وللثبات على الدين والعصمة من هذه الفتنة ترشدك سورة الكهف إلى:
أ. الصحبة الصالحة: (وَ?صْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ?لَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِ?لْغَدَاةِ
وَ?لْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ?لْحَيَو?ةِ
?لدُّنْيَا( (28).
فالصحبة الصالحة والصبر عليها هي خير معين للمرء في الحفاظ على التزامه...
ب. تذكر الآخرة: ومصير المؤمنين والكافرين، فهي الدواء النافع للعصمة من الفتن الكثيرة التي يمر بها المسلم (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَ?لْمُهْلِ يَشْوِى ?لْوجُوهَ بِئْسَ ?لشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا( (29).
2. عدم التعلق بالدنيا:
وللعصمة من فتنة المال التي وقع فيها صاحب الجنتين، هناك أمران يأتيان مباشرة بعد القصة:
1. فهم حقيقة الدنيا: وهذا ما نراه بوضوح في أول آية أتت مباشرة
بعد انتهاء القصة (وَ?ضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا( أنظروا بالله
عليكم إلى هذه الدنيا التي تركضون وراءها (كَمَاء أَنْزَلْنَـ?هُ مِنَ ?لسَّمَاء( فماذا جرى له؟ (فَ?خْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ?لأَرْضِ( هكذا وبسرعة... ثم ماذا (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ ?لرّياحُ وَكَانَ ?لله عَلَى? كُلّ شَىْء مُّقْتَدِرًا( (45). فالآية تصور لنا ومضات سريعة من بداية الحياة إلى وسطها إلى نهايتها، مراحل سريعة يربطها حرف الفاء (... فَ?خْتَلَطَ... فَأَصْبَحَ( الذي يفيد التعقيب السريع. هذه الدنيا فانية، سريعة الانقضاء، فلا تتعلق بها أيها المؤمن لتنجو من الفتن.
ب. تذكر الآخرة: وخاصة موقف العرض على الجبار، وكأن تذكر
الآخرة قضية أساسية في العصمة من الفتن كلها (من فتنة الدين ثم من فتنة المال):
(وَيَوْمَ نُسَيّرُ ?لْجِبَالَ وَتَرَى ?لأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَـ?هُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً...( (47).
(وَعُرِضُواْ عَلَى? رَبّكَ صَفَّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـ?كُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ...( (48).
(وَوُضِعَ ?لْكِتَـ?بُ فَتَرَى ?لْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ي?وَيْلَتَنَا مَا لِهَـ?ذَا ?لْكِتَـ?بِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا( (49).
3 - التواضع
وللعصمة من فتنة العلم والاغترار به، لا بد من التواضع لله أولاً، ثم للمعلم. وهذا ما يظهر في الآية 69: (قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء ?لله صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً(. مع أنه نبي ورسول من أولي العزم بالإضافة إلى كونه كليم الله تعالى. فإياك أن تغرّك الشهادات الجامعية، أو علمك الواسع، أو حتى حفظك للقرآن الكريم، ويفتنوك عن التواضع لله تعالى.
4 - الإخلاص:
وفتنة السلطان علاجها الإخلاص، والتواضع لله تعالى، ورد كل الفضل في القوة والتمكين إلى الله (قَالَ هَـ?ذَا رَحْمَةٌ مّن رَّبّى..(.
ولذلك حذرت السورة ممن يشرك بالله ولا يخلص في عمله له
سبحانه:
(قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِ?لأَخْسَرِينَ أَعْمَـ?لاً ( ?لَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ( أُوْلَـئِكَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـ?تِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَزْناً( (103 – 105).
وهذه الآية تختص بالمشركين وتحذر من الشرك بالله، وبالمقابل ختمت السورة بأمر المؤمنين بالإخلاص في العبادة لله تعالى وحده.
(.. فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـ?لِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا( (110).
فمن أراد أن يقبله الله تعالى قبولاً كاملاً ويرضى عنه في الآخرة، لا بد له من تحقيق أمرين: أن يكون عملاً صحيحاً (أي موفقاً للسنة)، وأن يكون خالصاً لوجه الله تعالى، وهذان الأمران ذكرا في الآية الأخيرة من سورة الكهف.
من روائع السورة
ومن خلال آيات السورة، نرى ملاحظات عديدة ولفتات رائعة، تزيدنا حباً وتعلقاً بهذا القرآن وبهذه السورة، وتصب كلها في خدمة هدف السورة ومحورها.
كثرة الحركة والإيجابية
نلاحظ في السورة كثرة الحركة بشكل ملفت، فالسورة كلها عبارة عن قصص لأناس يتحركون بإيجابية، من أهل الكهف الذين تركوا الأهل والديار وأووا إلى الكهف (فَأْوُواْ إِلَى ?لْكَهْفِ(، إلى سيدنا موسى عليه السلام الذي ذهب إلى مجمع البحرين وتجاوزه حتى أدركه التعب الشديد (لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـ?ذَا نَصَباً(. وأثناء مرافقته للخضر عليه السلام، نرى كثرة الحركة (فَ?نْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى ?لسَّفِينَةِ خَرَقَهَا... فَ?نْطَلَقَا حَتَّى? إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ... فَ?نطَلَقَا حَتَّى? إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ?سْتَطْعَمَا أَهْلَهَا...( (71-77).
وكذلك في قصة ذي القرنين (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً...( (85) وليس هذا فحسب، بل إنه طاف الأرض كلها من شرقها إلى غربها (حَتَّى? إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ?لشَّمْسِ( (90) (حَتَّى? إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ( (93).
وكان من إرشاداته للقوم الذين يساعدهم: (فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ( (95)
فلا يتفرجون عليه خلال بنائه للسد، ولكن يجب عليهم أن يتحركوا
ويشاركوا.
وهذا كله يشير إلى أن العواصم من الفتن تكون بالحركة والإيجابية وليس بالسكون والاستسلام والسلبية. فإن أوذي المرء في مكان فليتحرك إلى مكان آخر يمكنه من إقامة شعائر دينه والحفاظ عليه، ولذلك شرعت الهجرة في الإسلام فراراً بالدين وأشارت السورة إليها من خلال الحديث عن هجرة أهل الكهف.
ومن اللطيف أن هذه السورة تقرأ في يوم الجمعة، الذي هو يوم إجازة عند المسلمين، فبدلاً من السكون والخمول في هذا اليوم، عليهم أن يقرأوا سورة الكهف ويعتبروا بما فيها من حركة وإيجابية لينطلقوا بالعمل الإيجابي ويعصموا أنفسهم من الفتن، لأن الساكن يسهل صيده.
القرآن والعصمة من الفتن
ومن الملاحظ أن السورة بدأت بذكر القرآن كما اختتمت بذكر
القرآن، لأنه هو العاصم الأساسي من الفتن إن قرأناه وفهمنا محاور سوره وأهدافها...
(?لْحَمْدُ لله ?لَّذِى أَنْزَلَ عَلَى? عَبْدِهِ ?لْكِتَـ?بَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا( (1).
(قُل لَّوْ كَانَ ?لْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَـ?تِ رَبّى لَنَفِدَ ?لْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـ?تُ رَبّى..( (109). أي أن مراد الله وحكمته لا يحدهما شيء، فالمعين الأول على النجاة والعصمة هو هذا الكتاب، فقد ذكر قبل الفتن وبعدها.
الدعوة إلى الله والعصمة من الفتن
ومن الملاحظات اللطيفة في السورة، أن قصصها الأربع اشتملت على جميع مستويات الدعوة إلى الله تعالى:
1. فتية يدعون الملك. (أهل الكهف).
2. رجل يدعو صاحبه (صاحب الجنتين).
3. معلم يدعو تلميذه (الخضر وموسى عليهما السلام).
4. قائد يدعو رعيته (ذو القرنين)
وهذا يشير إلى معنى هام جداً، أن الدعوة إلى الله هي - إلى جانب التمسك بالقرآن - عامل مهم من عوامل العصمة من الفتن...
الإيمان بالغيب
نلاحظ أن الغيب والأمور الغيبية تحف أجزاء كثيرة من قصص السورة. فهناك بعض الغموض في قصة أصحاب الكهف (كم لبثوا، وأين يقع كهفهم، وما عددهم) حتى أن آية كاملة (الآية 22) تناولت الحديث عن الاختلاف في عددهم، فلماذا؟
وهناك غموض في مكان السد الذي بناه ذو القرنين، ومكان وجود يأجوج ومأجوج... كما أن هناك الكثير من الغموض في أفعال الخضر عليه السلام وتساؤلات موسى عنها، فما العبرة من كل هذا؟
فكأن السورة تقول لنا: افهموا، أن الغيب لله وحده، وأحياناً يظهر
الأمر على عكس حقيقته فسلموا لله وثقوا به، لكي تضمنون العصمة من الفتن إن شاء الله.
كهف الدعوة
ويبقى سؤال أخير، وهو: لماذا سميت السورة بسورة الكهف؟
إن المرء حين يسمع بالكهف، يشعر بالخوف والظلام والرعب، وعندما يسمع من يقول له: (فأووا إلى الكهف.). يخاف من المجهول والظلام اللذان يلفان الكهف، لكن الله تعالى جعله أمناً ورحمة (فَأْوُواْ إِلَى ?لْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ(... (16)
والله تعالى يقدر من الغيب ما لا يعلمه الإنسان ويخافه (تماماً كالكهف المجهول الذي دخله الفتية)، فسميّت سورة الكهف بهذا الاسم لتشعر الإنسان بجهله بأمور الغيب ولتقول للمسلم: سلّم الغيب لله، وتوكّل عليه، فكما لجأوا هم للكهف ونشر الله لهم من رحمته، فالجأ إلى كهف الدعوة وسلّم الأمر لله، ينشر لك من رحمته ويهيّء لك من أمرك مرفقاً...


سورة مريم
سورة مريم
سورة مريم (مكية)، نزلت بعد سورة فاطر، وهي في المصحف بعد سورة الكهف. عدد آياتها 98 آية.
زينة الحياة الدنيا
كل إنسان يحب النسل والذرية. فإذا رزق أطفالاً، ينشغل تفكيره في تأمين ما يلزم لهم من حاجيات، فيكون انشغاله وهو شاب في إنجاب الأولاد وتنشئتهم وتأمين الغذاء والتعليم والطبابة، بينما يكون انشغاله عند اقتراب أجله في توريثهم..
ومسألة حب الأولاد فطرة بشرية فطر الله تعالى الناس عليها، وسورة مريم تركّز على هذا الموضوع بشكل أساسي، لكنها تسأل كل والد ووالدة: لماذا تريدون الإنجاب؟ أمن أجل التمتع بالولد فقط؟ وماذا ستورِّثونهم؟ أموالاً وعقارات فقط؟!!!
توريث الدين للأبناء
إن في سورة مريم سبباً أرقى للإنجاب، وهو المحافظة على الدين من خلال توريثه لأجيال قادمة تحافظ عليه وتتمسك به، وهذا أفضل ما يرثه الأولاد قبل حطام الدنيا ومتاع الدنيا. وكأن المسلم يسلِّم شعلة الدين لابنه، وابنه يسلِّمها من بعده للحفيد، وهكذا!! فلا يصح أن يذهب جيل متدين ثم تأتي بعده أجيال لا تعرف دين ربها أو تعرفه معرفة سطحية، فتعم الشهوات والفواحش في المجتمع بسبب تربية الآباء لأبنائهم على غير دين الله والاهتمام بتوريثهم المال فقط.

فمحور سورة مريم إذاً هو: الولد ووراثة الدين. ولذلك فإن السورة هي من أكثر السور التي تكرر فيها ذكر "الولد" و"الوراثة".
عائلات ربانية
ولذلك، تحدثنا السورة عن نماذج لأشخاص أنجبوا أبناء بنيّة تسليمهم أمانة هذا الدين. فنجد في السورة زكريا ويحيى، ومريم ابنة عمران وابنها عيسى، ثم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، عليهم السلام جميعاً... وكأن السورة تخاطب كل الآباء وكل الأمهات لتسألهم: هل أنتم حريصون على تربية أبنائكم تربية توصلهم إلى معرفة الله تعالى؟ هل أنتم حريصون على توريث أولادكم دين الله وتربيتهم على الإسلام؟
زكريا ويحيى عليهما السلام
ومن أول السورة، نلاحظ رغبة سيدنا زكريا في الولد:
(كهيعص ( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( إِذْ نَادَى? رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً ( قَالَ رَبّ إِنّى وَهَنَ ?لْعَظْمُ مِنّى وَ?شْتَعَلَ ?لرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً ( وَإِنّي خِفْتُ ?لْمَوَالِىَ مِن وَرَائِى وَكَانَتِ ?مْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ( يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ وَ?جْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً ( ي?زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـ?مٍ ?سْمُهُ يَحْيَى? لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً( (1-7).
وكأن لسان حال سيدنا زكريا يقول: "يا رب أنا لا أجد أحداً ليحمل مسؤولية الدين، وامرأتي عاقر، ولا أمل لي بالإنجاب، ولكني أخاف على الدين". غيرة رائعة على دين الله، فقد كان زكريا خائفاً لأن الأجيال الموجودة من بني إسرائيل لا تصلح لحمل الرسالة، فطلب الولد ليورثه الدين، ولأنه صادق النية في طلبه، أتاه الرد الرباني: (ي?زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـ?مٍ ?سْمُهُ يَحْيَى? لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً(...
فكيف نشأ يحيى بعد ذلك؟ وكيف تربى؟ (ي?يَحْيَى? خُذِ ?لْكِتَـ?بَ بِقُوَّةٍ وَاتَيْنَاهُ ?لْحُكْمَ صَبِيّاً( (12).
فمع أن حب إنجاب الأولاد والخوف على مستقبلهم هما فطرة طبيعية قد فطر الله عليها البشر، لكننا يجب أن نستغل هذه الفطرة لطاعة الله تعالى، فنربي أبناءنا بنفس الخوف ونفس الحرص على أن يطيعوا الله تعالى ويحملوا لواء دينه..
مريم وعيسى عليهما السلام
وقصة مريم عليها السلام لا تختلف عن قصة زكريا، فقد نذرتها أمها (امرأة عمران) لتحرير المسجد الأقصى من يد الرومان، قبل أن تعلم أنها أنثى (رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا( (آل عمران، 35). أما في سورة مريم، فإننا نجدها تورث هذه الأمانة لابنها.
فعندما أتت قومها وهي تحمل عيسى عليه السلام، (... قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى ?لْمَهْدِ صَبِيّاً( (29) ولا يدرون أن صبي المهد هذا قد ورث الرسالة صغيراً وحمل أمانة الدعوة.
(قَالَ إِنّى عَبْدُ ?لله ءاتَانِىَ ?لْكِتَـ?بَ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً ( وَجَعَلَنِى
مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِى بِ?لصَّلَو?ةِ وَ?لزَّكَو?ةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ( وَبَرّاً بِوَالِدَتِى..( (30 – 32).
بر الأبناء
وسورة مريم هي من أكثر السور التي ركزت على البِرّ، لذلك نرى أن أهم صفات يحيى عليه السلام كانت (وَبَرّا بِو?لِدَيْهِ..( (14).
أما عيسى عليه السلام فيقول (وَبَرّاً بِوَالِدَتِى( (32).
ومعلوم أن بر الوالدين لا يكون من الولد إلا إذا نشأ في بيئة صالحة، كأن السورة تقول للآباء والأمهات: ربوا أبناءكم على حمل أمانة الدين، لتنصروا دين الله تعالى، فتنالوا الأجر العظيم في الآخرة، وترزقوا بر أولادكم وطاعتهم لكم.
إبراهيم عليه السلام مع أبيه
وبعد ذلك تحدثنا الآيات عن نموذج معاكس تماماً لما سبق: ابن مؤمن يأخذ بيد أبيه الكافر، إبراهيم عليه السلام مع أبيه. ومن رفقه بأبيه وشفقته عليه، أخذ يدعوه إلى الله بكل شفقة وحنان ومحبة: (.. ي?أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً ( ي?أَبَتِ إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ ?لْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَ?تَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً( (42-43).
يا شباب، تعلموا من إبراهيم عليه السلام أدب الدعوة مع الأكبر سناً، خاصة إذا كان من الأهل، فإن أكثر ما ينفر الناس من الدين هو الشاب المتدين السيء الخلق، الذي لا يخاطب الناس بأدب أثناء دعوتهم. أنظر ماذا يقول لأبيه:
(ي?أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ?لشَّيْطَـ?نَ إِنَّ ?لشَّيْطَـ?نَ كَانَ لِلرَّحْمَـ?نِ عَصِيّاً ( ي?أَبَتِ إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ ?لرَّحْمَـ?نِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـ?نِ وَلِيّاً ( ي?أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ?لشَّيْطَـ?نَ إِنَّ ?لشَّيْطَـ?نَ كَانَ لِلرَّحْمَـ?نِ عَصِيّاً ( ي?أَبَتِ إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ ?لرَّحْمَـ?نِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـ?نِ وَلِيّاً( (44 – 45).
ولما كان على هذه الدرجة من الأدب والبر بأبيه على كفره وضلاله، أكرمه الله تعالى بأولاده (فَلَمَّا ?عْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ?لله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـ?قَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً ( وَوَهَبْنَا لَهُمْ مّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً( (49-50).
فكأن بِره بأبيه كان سبباً ليرزق اثنين من الذُرِّية الصالحة التي تقر بها عينه، وتحمل الدين وتورِّثُه.
إسماعيل: وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة
وتمر الأجيال تلو الأجيال، ويسلم كل جيل هذه الأمانة لمن بعده:
فتذكر الآيات إسماعيل عليه السلام، وتقول عنه (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِ?لصَّـلَو?ةِ وَ?لزَّكَـو?ةِ وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً( (55)... فواضح أن الأجيال كانت تسلم بعضها لواء الدعوة إلى الله...
وتأتي الآيات على ذكر موسى عليه السلام، فتركز على نفس المعنى:
(وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَـ?رُونَ نَبِيّاً( (53).
وبعد كل هذه الأمثلة المضيئة في تاريخ البشرية، يأتي تعقيب رائع في الثناء على الذين يورثون أبناءهم شعلة الدين:
(أُولَـئِكَ ?لَّذِينَ أَنْعَمَ ?لله عَلَيْهِم مّنَ ?لنَّبِيّيْنَ مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْر?هِيمَ وَإِسْر?ءيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَ?جْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِمْ ءايَـ?تُ ?لرَّحْمَـ?نِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً( (58).
فخلف من بعدهم خلف
كان توارث الأجيال للواء الدعوة واضحاً عند أنبياء الله تعالى منذ بداية استخلاف الله للناس على الأرض (... مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ(، ولكن للأسف جاءت بعد ذلك أجيال كل همها تربية الأولاد على الدنيا والشهوات وتوريثهم الأموال.. فهم لم يتدبروا سورة مريم ولم يفهموا أهمية توريث الدين، فضيّع أولادهم الصلاة واتبعوا طريق الشهوات...
(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ?لصَّلَـو?ةَ وَ?تَّبَعُواْ ?لشَّهَو?تِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً( (59)...
أخي المسلم، اختر لنفسك أنت وعائلتك: مع أي فئة تحب أن تحشر؟ مع (?لَّذِينَ أَنْعَمَ ?لله عَلَيْهِم) أم مع الذين (أَضَاعُواْ ?لصَّلَـو?ةَ وَ?تَّبَعُواْ ?لشَّهَو?تِ)؟
فإن كنت من النوع الأول، فافرح بالآية الكريمة: (تِلْكَ ?لْجَنَّةُ ?لَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً( (63) لأن الجزاء من جنس العمل، فورّث الدين لأبنائك، يورثك الله الجنة أنت وإياهم إن شاء الله.
احذر أن تكون منهم
أما إن كنت من النوع الثاني، فاحذر قول الله تبارك وتعالى:
(أَفَرَأَيْتَ ?لَّذِى كَفَرَ بِـئَايَـ?تِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً( (77).
فالولد قد يكون رحمة وذكراً حسناً وصدق جارية لأهله، وقد يكون بالمقابل سبباً لكفرهم وصدهم عن سبيل الله، كما ذكرت الآية. السورة تؤكد دائماً على نفس المعنى: ليس المهم أن تتمنى الأبوة العادية، ولا بد من طلب الأبوة لمصلحة الدين.
سبحانه وتعالى عما يقولون
وبمناسبة الحديث عن الأولاد، تنتقل الآيات إلى معنى آخر.
فأنتم أيها البشر محتاجون للولد، أما الله تعالى فهو غني عن الولد سبحانه وتعالى.
فتنكر السورة على القائلين بأن الله سبحانه اتخذ ولداً - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً: (وَقَالُواْ ?تَّخَذَ ?لرَّحْمَـ?نُ وَلَداً ( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ( تَكَادُ ?لسَّمَـ?و?تُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ?لأَرْضُ وَتَخِرُّ ?لْجِبَالُ هَدّاً ( أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـ?نِ وَلَداً ( وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـ?نِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ( إِن كُلُّ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ إِلاَّ ءَاتِى ?لرَّحْمَـ?نِ عَبْداً ( لَّقَدْ أَحْصَـ?هُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً ( وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ فَرْداً( (88 – 95).
ففي نفس السورة التي تحدثت عن الولد، أشارت الآيات إلى حاجة الإنسان الشديدة لاتخاذ الولد ونفت ذلك بشدة عن الله سبحانه وتعالى فلا يحتاج إلى الابن لأنه حي لا يموت، أما البشر فهم محتاجون للولد لأنهم يكبرون ويموتون ويورثون.
نسمات وأمواج
ونلاحظ أن القسم الأول من السورة تحدث عن حاجة الإنسان إلى الولد والأطفال والذرية فجاء خطاب الآيات رقيقاً... (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا... إِذْ نَادَى? رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً... وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا..( فالمقاطع شديدة في آخرها.
والسورة بالمناسبة من أكثر السور إيراداً للفظة الرحمة واسم الله الرحمن، فقد ذكرت لفظة الرحمة ومشتقاتها في السورة 20 مرة.
أما النصف الثاني من السورة والذي ينفي عن الله اتخاذه للولد، فلقد جاء خطابه شديداً مقرعاً، ليناسب الافتراء الشديد الذي ادعاه البعض على الله وهو ادعاء الولد له سبحانه. فجمعت السورة بين الرقة والشدة في الخطاب من غير أن تتغير حركة السورة وإحساس القارئ بالسورة لا يتغير.. وهذا من إعجاز القرآن..
لماذا سميت السورة بـ (مريم)
هناك الكثيرون ممن ورث أبناءه الدين في السورة (إبراهيم أو إسماعيل أو زكريا). فما هو السر وراء تسمية السورة باسم السيدة مريم؟
لأن الأم هي المورِّثة الحقيقية للدين، وهي التي تربي وترعى الطفل حتى يبلغ رُشده، فسُمِّيَت السورة باسم سيدة نساء العالمين، لأهمية دور المرأة بشكل عام في توريث الدين للأبناء، ولأن السيدة مريم نفسها كانت نموذجاً رائعاً لمن ورثت الدين عن أهلها (آل عمران) وورثته لابنها..


سورة طه
سورة طه
سورة طه مكية، نزلت بعد سورة مريم، وهي بعدها أيضاً في ترتيب المصحف. عدد آياتها 135 آية.
ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
وهدف سورة طه نعرفه من بدايتها: (طه ( مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ?لْقُرْءانَ لِتَشْقَى( (1-2)...
ومعنى ذلك أن هذا الدين وهذا المنهج ليسا لشقاء الناس، بل إن الإسلام هو منهج السعادة. فلا شقاء مع الإسلام، رغم كل الظروف والصعوبات التي تواجه المتدينين، لكن الشقاء يكون في ترك طريق الله تعالى (.. مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ?لْقُرْءانَ لِتَشْقَى?(...
إنّ أكثر من يستفيد برسالة هذه السورة هم الشباب البعيدين عن التدين، أو الذين يريدون الالتزام، لكنهم يخافون من أن التزامهم بمنهج الله تعالى سوف يمنعهم من السعادة، ويجلب عليهم الكآبة ويحرمهم من متع الحياة وأسباب اللهو والترفيه.. هذا المفهوم خاطئ جداً، لذلك تأتي السورة لتؤكد لنا أن الإسلام هو منهج السعادة، وأن من حاد عن هذا المنهج سيشقى في الدنيا والآخرة. معنى رائع ومفهوم جميل. كيف ترينا سورة طه هذا المعنى؟ تعال معنا لنعيش مع آيات السورة من أولها.
كيف تشقى مع الرحمن؟
تبدأ السورة بمقدمة رائعة تأسر القلوب بكلماتها: (طه ( مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ?لْقُرْءانَ لِتَشْقَى? ( إِلاَّ تَذْكِرَةً لّمَن يَخْشَى?( (1-3).

فالقرآن لن يكون شقاءً لكم يا مسلمين، بل إنه سيكون تذكرة لكم، وهذه التذكرة هي التي ستكون سبباً لسعادتكم.
(... تَنزِيلاً مّمَّنْ خَلَق ?لأَرْضَ وَ?لسَّمَـ?و?تِ ?لْعُلَى ( ?لرَّحْمَـ?نُ عَلَى ?لْعَرْشِ ?سْتَوَى?( (54).
واسمعوا هذا المنهج ينزل من عند من؟ الرحمن، وجاء ذكر اسم الله الرحمن بعد ذكر الشقاء ليعلم الناس بأنه لا يمكن أن يكون دين الرحمن هو سبب للشقاء، فكيف يشقى الإنسان بمنهج الله تعالى وهو الذي له الأسماء الحسنى كلها (?لله لا إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ?لأَسْمَاء ?لْحُسْنَى?( (8).
موسى والسعادة مع منهج الله
وتعرض السورة بعد ذلك نموذجاً كلنا نعرفه: سيدنا موسى عليه السلام: نموذج للصعوبات الشديدة أثناء الدعوة، لكنها محاطة بعناية الله ورعايته. وكأن هذه القصة تقول لنا: ليس معنى أن القرآن منهج الراحة والسعادة، أن الحياة كلها ستكون وردية بلا مشاكل ولا أحزان... إن الحياة مليئة بالعقبات، خاصة إذا كنت أيها المؤمن ممن يحملون هذا المنهج ويدعون إليه... إلا أن هذه الصعوبات لا تسبب الشقاء (والمقصود بالشقاء: النكد والكآبة، والهم والغم، وضيق الصدر) لأن المؤمن مهما واجه من صعوبات فهو موصول بربه، مستعين به في كل أحواله...لذا فهو دائماً راضٍ ومطمئن.
كلمات من نور
وقصة موسى تحمل في آياتها ملامح رحمة ربنا في وسط صعوبة الحياة وشدتها. وحتى طريقة عرض القصة واختيار الكلمات يتميزان عن باقي مواضع قصة موسى في القرآن. ومن ذلك قوله تعالى: (إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ?مْكُثُواْ إِنّى ءانَسْتُ نَاراً( (10).
ولأن الرسالة شديدة وحملها ثقيل، ولأن سيدنا موسى كان يشعر بهيبة الموقف، تبدأ معه الآيات بسؤال لطيف وسهل للمؤانسة (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ي?مُوسَى?( (17).
وعندما دعا سيدنا موسى ربه، دعا بما يعلمه عن هذا المنهج من سعادة وطمأنينة وتيسير: (قَالَ رَبّ ?شْرَحْ لِى صَدْرِى ( وَيَسّرْ لِى أَمْرِى ( وَ?حْلُلْ عُقْدَةً مّن لّسَانِى( (25 – 27)..
لذلك تأتي آيات أخرى تحمل نفس الرقة ونفس الحنان.
(خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ( (21) (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ي?مُوسَى?( (36) (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى?( (37) (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى وَلِتُصْنَعَ عَلَى? عَيْنِى( (39)..
(وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَـ?كَ مِنَ ?لْغَمّ( (40) (وَ?صْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى( (41) (لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى?( (46) (لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ?لاْعْلَى?( (68) أريت كم مرة تكررت كلمتي: "لا تخَف"؟!! وكأن هذا نموذج حي لنُصرة الله تعالى لعباده المؤمنين... وكأن هذا نتيجة ثقة أم موسى في وعد الله وطاعتها له سبحانه، بإلقائها وليدها في البحر... وكأن هذا تعويضاً لموسى الذي أُلقي بأمر الله وهو حديث الولادة في صندوق مُظلم تتقاذفه الأمواج... نعم، لقد تعبت أم موسى وجاهدت نفسها، وتعب موسى في مواجهة فرعون، لكن طمأنة الله لهما كانت رائعة... وهكذا المؤمن، مهما مرت به المحن، تجده سعيداً راضياً تملأ قلبه السَّكينة...
فلماذا نضع الحواجز بيننا وبين التديّن؟ ونخافه ونرهبه وهو باب
سعادتنا؟
من لطائف العناية الربانية
ومن لطف القرآن مع النبي ( أن الله تعالى أمن له الكثير من الأمور التي أمّنها لموسى عليه السلام، فدعاء (رَبّ ?شْرَحْ لِى صَدْرِى( يقابله قول الله تعالى للنبي (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(. وقوله تعالى (وَلِتُصْنَعَ عَلَى? عَيْنِى( لسيدنا موسى جاء بنفس الكلمات لخاتم الأنبياء (: (وَ?صْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا( (الطور 48).
وكأن هذه الآيات وعلاقاتها مع بعضها تقول للنبي (: لقد تمت هذه الأمور لك يا محمد.
ذاق السحرة طعم السعادة
ونصل إلى موقف السحرة مع فرعون، فهم قد تعرضوا للإيذاء الشديد من فرعون، ومع ذلك فإنهم لم يكونوا في شقاء أبداً، فقد قال لهم فرعون متوعداً:
(فَلأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ?لنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى?( (71).
فماذا كان جوابهم؟
(قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى? مَا جَاءنَا مِنَ ?لْبَيّنَـ?تِ وَ?لَّذِى فَطَرَنَا فَ?قْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَـ?ذِهِ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا ( إِنَّا ءَامَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـ?يَـ?نَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ?لسّحْرِ وَ?لله خَيْرٌ وَأَبْقَى?( (73).
كلمات في منتهى الروعة، تصدر عن أناس أسلموا منذ ثوان، ليبينوا من هو الشقي ومن هو السعيد: (إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى? ( وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ فَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ?لدَّرَجَـ?تُ ?لْعُلَى? ( جَنَّـ?تُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأَنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا وَذ?لِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى?( (74 – 76).
إنها سعادة غامرة تفيض من الآخرة على أيام الدنيا، فيقف بها المؤمن أمام طواغيت الأرض دون أن تهتز منه شعرة، لأنه ذاق طعم السعادة الحقيقية.
الشقاء مع ترك منهج الله
وفي نفس القصة، نرى نموذجاً معاكساً للسحرة: إنه السامري، الذي أضل بني إسرائيل بعبادة العجل، فكانت آخر آية في قصة موسى تبين شقاء هذا الرجل:
(قَالَ فَ?ذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ?لْحَيَو?ةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ( (97).
ولهذا تأتي بعد هذه القصة آيات تعقب عليها، لتؤكد على هدف السورة، أن السعادة في هذا الدين وفي اتباعه، وأن الشقاء كل الشقاء في البعد عنه (كَذ?لِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ ءَاتَيْنَـ?كَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً ( مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وِزْراً ( خَـ?لِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ حِمْلاً( (99-101).
ثم يقول تعالى عن سعادة وشقاوة أهل الآخرة: (وَعَنَتِ ?لْوُجُوهُ لِلْحَىّ ?لْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً( (111-112).
سيدنا آدم والسعادة
وحين وصلت السورة إلى قصة آدم وحواء، ركزت من خلالها على هدف السورة: (فَقُلْنَا ي?ـئَادَمُ إِنَّ هَـ?ذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ?لْجَنَّةِ فَتَشْقَى?( (117). فترك منهج الله تعالى واتباع إبليس هما سبب الشقاء في الآخرة. لذلك تتابع الآيات ببيان أنواع السعادة في الجنة: (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى? ( وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى?( (118 - 119).
وهذه القاعدة تطبق على أدم وذريته حتى بعد الخروج من الجنة (قَالَ ?هْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَنِ ?تَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى?( (123).
الشقاء الحقيقي
لقد تكررت كلمة الشقاء ومشتقاتها ثلاث مرات في السورة:
(مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ?لْقُرْءانَ لِتَشْقَى?... فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ?لْجَنَّةِ فَتَشْقَى?... فَمَنِ ?تَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى?( حتى لا يخاف أحد من التديّن واتباع منهج الله، فالسعادة كل السعادة مع التمسك بدين الله تعالى، أما من أعرض عن هذا المنهج، فتأتي آيات رهيبة في تصوير شقاوته في الدنيا والآخرة: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً( هذا في الدنيا فماذا عن الآخرة؟ (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ أَعْمَى? ( قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى? وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ( قَالَ كَذ?لِكَ أَتَتْكَ ايَـ?تُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذ?لِكَ ?لْيَوْمَ تُنْسَى? ( وَكَذ?لِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِـئَايَـ?تِ رَبّهِ وَلَعَذَابُ ?لأَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى?( (124 – 127).
أعلى مقامات السعادة
وقمة السعادة أن ترضى عن نفسك وعن حياتك، وترضى عن ربك وتحس برضاه.. وهذا ما يؤكده ختام السورة: (فَ?صْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ?لشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء ?لَّيْلِ فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ ?لنَّهَارِ( (130).
كل هذا إلى أين يؤدي؟ (لَعَلَّكَ تَرْضَى?( (130).
فتسبيح الله تعالى وذكره وطاعته هما السبيل المؤدي لأعلى درجات السعادة، ألا وهي الرضا، وما هي السعادة سوى الشعور بالرضى؟ الذي حرم منه الكثيرون مهما تمتعوا بشهوات الدنيا من نساء وأموال وقصور وسيارات... فهم قد حرموا الرضا، الذي يؤتاه المؤمن بتسبيح الله تعالى وطاعته
إلى كل من يبحث عن السعادة، إلى الشباب الذين طرقوا أبواب المعاصي بحثاً عن السعادة وعادوا خائبين، من فضلكم، اقرأوا سورة طه:
(طه ( مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ?لْقُرْءانَ لِتَشْقَى?( (1).


سورة الأنبياء
سورة الأنبياء
سورة الأنبياء مكية، نزلت بعد سورة إبراهيم، وهي في المصحف بعد سورة طه وآياتها مائة واثنا عشرة آية.
دور الأنبياء في تذكرة البشرية
والسورة تتناول قصص أنبياء الله تعالى، ودورهم في تذكرة البشرية. هؤلاء الأنبياء هم أفضل خلق الله، وهم الذين قادوا الأرض إلى الخير والسعادة. وسورة الأنبياء تسير على نمط واحد، فهي ترينا كيف كان خطاب النبي ودعوته لقومه، وكيف كانت عبادته وتبتله لربه، لتوصلنا في النهاية إلى إثبات وحدة رسالة كل الأنبياء، كما سيتبين معنا.
خطورة الغفلة
وأول مهمة من مهمات أنبياء الله تعالى هي إزالة الغفلة، لأنها سبب ضلال الناس في كل زمان ومكان، ولأنها سبب ضياع الرسالات السابقة. مرض خطير يصيب الأفراد والمجتمعات فيبعدها عن طريق الله.
فالناس إما أن يكونوا عباداً أتقياء، وإما أن يكونوا عصاة فجار، لكن الخطورة تتجلى في النوع الذي يقع بينهما، وهو الصنف الغافل اللاهي
البعيد عن طاعة الله، لذلك بدأت سورة الأنبياء بداية شديدة في التحذير
من هذا المرض: (?قْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـ?بُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ( مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ?سْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ..( (1-3).. ثلاث آيات متتالية تحذر من هذا المرض وعوارضه.

(فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ.. وَهُمْ يَلْعَبُونَ... لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ(.
قدوتك في العبادة والحركة
ومن أهم أهداف السورة، أن تسألك أخي المسلم: بمن تقتدي في حياتك؟ من هو قدوتك الأساسية؟ ولو سألنا أكثر شباب اليوم عن قدوتهم، يا ترى كم واحد سيجيب أن سيدنا إبراهيم هو قدوته؟ وكم واحد سيجيب أن سيدنا يوسف هو مثاله الأعلى؟ وكم واحد سيقول أن النبي ( هو قدوته؟ وكم واحد سيقول أن المغني الفلاني أو الممثل الفلاني هو قدوته؟ ويا ترى كم واحد سيجيب بأنه ليس عنده قدوة أصلاً...؟
لذلك تدور سورة الأنبياء حول هذا المعنى، وتركز على ناحيتين مضيئتين من حياة كل نبي: طاعته وعبادته وخشيته لله، ثم دعوته وإصلاحه في قومه، وكأنها تقول لك: هؤلاء هم مثلك الأعلى في حسن التعامل مع الله وفي حسن التعامل مع الناس، أي في العبادة والدعوة إلى الله.
وحدة الألفاظ بين الدعاء والاستجابة
فترى في السورة آيات كثيرة تصف دعاء الأنبياء وكيف استجاب لهم ربهم.
من سيدنا نوح عليه السلام (وَنُوحاً إِذْ نَادَى? مِن قَبْلُ..( (76) إلى أيوب (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى? رَبَّهُ( (83) إلى يونس (ذا النون) الذي دعا ربه وهو في بطن الحوت (.. فَنَادَى? فِى ?لظُّلُمَـ?تِ( (87).. إلى زكريا (إِذْ نَادَى? رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً( (89).
هذه الأجواء الرائعة من مناجاة الأنبياء لربهم كان يعقبها على الفور كلمة واحدة مشتركة بين كل الأنبياء: (... فَ?سْتَجَبْنَا لَهُ...(، ولاحظ استعمال القرآن لحرف الفاء (فاستجبنا) لتفيد التعقيب السريع وسرعة استجابة الله تعالى لدعاء الأنبياء.
وكذلك ننجي المؤمنين
وهنا لا بد من التوقف عند أحد الأنبياء الذين ذكروا في السورة، سيدنا يونس عليه السلام، فالآية تقول: (فَ?سْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـ?هُ مِنَ ?لْغَمّ وَكَذ?لِكَ نُنجِـى ?لْمُؤْمِنِينَ( (88)، فلم تقتصر على ذكر استجابة الله لدعائه، لكنها عممت هذه الإجابة على كل المؤمنين إذا دعوا ربهم جل وعلا (وَكَذ?لِكَ نُنجِـى ?لْمُؤْمِنِينَ(... أخي المسلم، ادع الله تعالى بخضوع الأنبياء وخشوعهم، يستجاب دعاؤك إن شاء الله.
بناء واحد
ووحدة دعاء الأنبياء واستعمالهم نفس الألفاظ يؤكد على وحدة رسالتهم وتكامل دعواتهم. إقرأ قوله تعالى (إِنَّ هَـ?ذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَ?عْبُدُونِ( (92). فأمة الأنبياء أمة واحدة، وكل نبي كان له دور في بناء الدين، ليأتي خاتم الأنبياء والمرسلين ويكمل بناء الدين، اسمع معي حديثاً رائعاً للنبي ( في بيان هذا المعنى:
"مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بنى داراً فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة." وبعد ذلك يقول عليه الصلاة والسلام: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين. صلى الله على محمد، (...
ولذلك ركزت السورة أن كل نبي بعث إلى قومه خاصة، أما عند ذكر سيدنا محمد فقد قالت: (وَمَا أَرْسَلْنَـ?كَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـ?لَمِينَ( (107). أي للناس كافة، لا بل لعوالم أخرى كالجن.
لماذا لا تقتدي به؟ لماذا تصر على عدم اتخاذه قدوة في حياتك؟ وهو رحمة للعالمين؟
ختام يهز القلوب
ولأن السورة بدأت بخطورة مرض الغفلة، كانت آياتها في الختام شديدة، تهز القلوب لتوقظها من غفلتها. وكأنها تقول للناس: إن لم تقتدوا بهؤلاء الأنبياء، فاعلموا أن المرد والمرجع إلى الله، في يوم شديد وصعب (يَوْمَ نَطْوِى ?لسَّمَاء كَطَىّ ?لسّجِلّ لِلْكُتُبِ( (104)، تخيل هول هذا اليوم، تخيل صوت السماء وهي تنطوي كما يطوي أحدنا كتابه... وانظر إلى التأكيد الرباني (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَـ?عِلِينَ( (104).
الأرض أرضهم
فمن سار على خطى الأنبياء فهو المنتصر في الدنيا والفائز في الآخرة، لذلك تقرأ بعد الآيات الشديدة في وصف القيامة قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ?لزَّبُورِ مِن بَعْدِ ?لذّكْرِ أَنَّ ?لأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ?لصَّـ?لِحُونَ( (105).
وكان هذه الآيات تقول لأتباع الأنبياء جميعاً: اقتدوا بأنبياء الله تعالى، لترثوا الأرض وتستخلفوا عليها. والآية التي بعدها توضح أكثر (إِنَّ فِى هَـ?ذَا لَبَلَـ?غاً لّقَوْمٍ عَـ?بِدِينَ( (106)، وكأنها تحدد لك وجه الإقتداء: أن اعبد الله تعالى كعبادة الأنبياء، لتنال شرف وراثة الأنبياء في الاستخلاف على الأرض...
فإلى قارئ القرآن، بعد أن أتتك رسائل كثيرة مبيّنة في هذا المنهج الرباني، ها هي اليوم سورة الأنبياء، تدعوك إلى الإقتداء بأنبياء الله تعالى، وبإمامهم محمد (، في عبادتهم وتبتلهم لله تعالى، وفي غيرتهم على دين الله وعملهم الدؤوب على نشره وتبليغه، حتى تكون من عباد الله الصالحين وترث الأرض وفقاً لمنهج الله (أَنَّ ?لأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ?لصَّـ?لِحُونَ( (105).


سورة الحج
سورة الحج
سورة الحج مدنية وبعضها مكي، نزلت بعد سورة النور، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة الأنبياء، وعدد آياتها 78 آية.
من أعاجيب السور
لماذا؟ لأن فيها آيات نزلت في مكة وآيات نزلت في المدينة، آيات نزلت ليلاً وآيات نزلت نهاراً، آيات نزلت في الحضر وآيات نزلت في السفر. وليس هذا فحسب، بل أن السورة قد احتوت على ميزات أخرى، فهي السورة الوحيدة التي سميت باسم ركن من أركان الإسلام. ومن هنا تبرز قيمة الحج لأن الموضوع الأساسي للسورة - كما هو واضح - هو الحديث عن هذا الركن العظيم من أركان الإسلام.
الحج مفتاح معانيها
لكننا إذا قرأنا سورة الحج من أولها لوجدناها تتكلم عن يوم القيامة، من أول آية نرى التركيز على القيامة والبعث والنشور، إلى أن تنتقل الآيات إلى الجهاد في سبيل الله، ثم العبودية والخضوع الشديدين لله تبارك وتعالى، وأن الله تعالى يسجد له من في السماوات والأرض... فما علاقة هذه الأمور ببعضها؟ وما علاقتها بالحج؟
إن المسلم عندما يؤدي هذه العبادة العظيمة، أو يعيش مع الحجاج ويتخيل نفسه معهم، سيفهم مراد ربنا من السورة، لأن الحج عبادة لها دور أساسي في بناء الأمة. وكأن السورة تقول لقارئيها: حجوا حجة صحيحة، مثل حجة النبي (، لتبنوا أنفسكم وتدربوها على معاني رائعة وأساسية، وبالتالي تكون هذه

المعاني عاملاً أساسياً لبناء الأفراد والمجتمعات وبالتالي الأمة كلها...
تذكرة عملية
بدأت السورة بداية شديدة في تذكيرها بيوم القيامة. فمن أول آية نقرأ قوله تعالى: (ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ?لسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ( فما علاقة الحج بيوم القيامة؟
إن مناسك الحج في أغلبها تذكّرك بيوم القيامة، لذلك أطلب من الأخ القارئ، ولو لم تسنح له الفرصة بالذهاب إلى الحج، أن يعيش معنا لقطة من لقطات الحج: ونحن ننزل من عرفة، ذاهبين إلى مزدلفة لرمي الجمرات، والحر شديد، والزحام خانق، والانتظار طويل. كل البشر يتضرع إلى الله بالدعاء، وينادي: "لبيك اللهم لبيك"، ولباس الحج البسيط يذكّر بالكفن الذي يلبسه الموتى... كل هذا يذكّر بعري يوم القيامة، وزحمة وحر وعرق وشمس يوم القيامة.
الحج ومشاهد الآخرة
ثم تبدأ الآيات بعد ذلك في وصف أهوال ذلك اليوم كأنك تراها أمام عينيك:
(يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ?لنَّاسَ سُكَـ?رَى? وَمَا هُم بِسُكَـ?رَى? وَلَـ?كِنَّ عَذَابَ ?لله شَدِيدٌ( (2).
ثم تنتقل الآيات إلى البعث، والخروج من القبور، عندما يخرج الناس من قبورهم والتراب يعلو وجوههم وأجسادهم، لذلك تذكرنا أن أصل الناس كلهم إنما هو من التراب (ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ?لْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـ?كُمْ مّن تُرَابٍ...( (5).
وفي الحج أيضاً، عندما تنظر لنفسك بعد يومين من ارتداء ملابس الإحرام، ترى أنك أصبحت كتلة من التراب. والأكثر من ذلك، هو أن تحج كحجة النبي ( تماماً. فإذا نويت المبيت في مزدلفة، ترى الكثير من الناس تعباً لا بل ميتاً من التعب، كأنه ميت فعلاً. فإذا أتى وقت الفجر يستيقظ الناس كأنهم يبعثون من القبور: الكل يلبس الثياب البيض ويتحرك لرمي الجمرات... لذلك تأتي الآية 7 لتذكر بالبعث من القبور: (وَأَنَّ ?لسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ?لله يَبْعَثُ مَن فِى ?لْقُبُورِ( (7).
وهكذا نرى أول أثر من آثار الحج في تربية الأمة: تربيتها على اليوم الآخر والاستعداد له، بأن يعيش أفراد الأمة بعض لحظاته ومعالمه أثناء الحج.
مناسك الحج: غاية الطاعة لله تعالى
ثم تنتقل الآيات (26 - 37) إلى ذكر مناسك الحج المختلفة، لتأتي خلالها الآية المحورية: (ذ?لِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـ?ئِرَ ?لله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ?لْقُلُوبِ( (32).
فما السر في هذه المناسك العظيمة التي شرعها لنا الله تعالى؟
إنك في خلال الحج، تنفذ أوامر وتعليمات محددة ومشددة من الله تعالى، إن لم تنفذّها بدقة تفسد الحج. فالمسلم في الحج يطوف سبع مرات حول حجر، ويسعى سبع مرات بين حجرين، ثم عند رمي الجمرات، فهو يرمي بحجر على حجر... فهو يطبّق مناسك عديدة قد لا يفهم الحكمة من ورائها، لكنه ينفذها فقط طاعة لله تعالى، واستسلاماً لأمره، وفي هذا قمة العبودية والطاعة لله تعالى، والتدريب على فريضة أخرى من فرائض الإسلام: الجهاد في سبيل الله.
الحج والجهاد
لذلك تأتي بعد آيات الحج مباشرة آيات الجهاد في سبيل الله: (إِنَّ ?لله يُدَافِعُ عَنِ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ...( (38) ثم قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـ?تَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ?لله عَلَى? نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ( (39).
كأن المعنى: أن الحج تدريب أساسي على الجهاد في سبيل الله، لأنه عبارة عن حركة شاقة وانتقال من مكان إلى آخر، والحاج - كالمجاهد تماماً - كثير الارتحال بين الأماكن والمناسك دون أن يعرف الاستقرار. باختصار، إن الحج هو من أسمى العبادات التي يترك فيها المسلم كثيراً من عاداته التي تعوّد عليها في بيته، ليبني نفسه ويعوّدها على الجدية واقتحام الصعاب.
الحج والخضوع لله
ومن روعة الحج أنه يجعلك تستشعر أن الكون كله عبد لله. ففي يوم عرفة تشعر أنك لست وحدك من يسجد لله في هذا الكون ويدعوه، بل تشعر أن الخيمة ساجدةٌ هي الأخرى، وأن الجبل نفسه ساجد، بل الكون كله، فتنضم أنت - أيها الإنسان الضعيف - إلى هذه المخلوقات وتشاركها في سجودها وخضوعها لله تعالى. وهذا ما نراه بوضوح في الآية 18:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ ?لله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَن فِى ?لأَرْضِ وَ?لشَّمْسُ وَ?لْقَمَرُ وَ?لنُّجُومُ وَ?لْجِبَالُ وَ?لشَّجَرُ وَ?لدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مّنَ ?لنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ?لْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ?لله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ?لله يَفْعَلُ مَا يَشَاء(.
حياة الأمة... بين سجدتين
واللطيف أن أول سورة نزلت فيها سجدة مع بداية البعثة كانت سورة العلق، التي جاء فيها قوله تعالى: (كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَ?سْجُدْ وَ?قْتَرِب(، بينما آخر سورة نزلت فيها سجدة كانت سورة الحج، التي نزلت مع نهاية البعثة، والتي ترى فيها قوله تعالى: (يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?رْكَعُواْ وَ?سْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَ?فْعَلُواْ ?لْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (77).
والفرق بين السجدتين يظهر النقلة العظيمة التي انتقلتها الأمة، من السجدة الأولى الموجهة للنبي ( وحده في سورة العلق، إلى السجدة الأخيرة التي وجهت للأمة كلها في سورة الحج. فهي نقلة نوعية في فترة محدودة، من النبي وحده في غار حراء، إلى أمة عابدة مجاهدة..
من فضلك، إنو أداء هذه الفريضة العظيمة، أو على الأقل العمرة، لتعدّ نفسك وتربّيها على المعاني التي أتت في هذه السورة الكريمة. واقرأ سورة الحج بنيّة من يريد أن يستفيد من دروس الحج ومعانيه، حتى لو لم تتح له الفرصة بعد...


المؤمنون
سورة المؤمنون
سورة المؤمنون مكية، نزلت بعد سورة الأنبياء، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة الحج، وعدد آياتها مائة وثمانية عشر آية.
كيف أنت من صفاتهم..؟
تذكر هذه السورة أهم صفات المؤمنين، وتضع أمامها مصير المكذبين. وكأنها تسأل قارئ القرآن، وتقول له: أين أنت من صفات هؤلاء المؤمنين المفلحين الذين عرضت عليك صفاتهم..؟ كما أنها تلفت نظرك إلى معنى مهم، وهو أن هذه الصفات تجمع ما بين الأخلاق والعبادات، فترى أول صفة هي صفة عبادة، ثم التي بعدها صفة خلق، وهكذا... فاعرض نفسك على الصفات التالية، وضع لنفسك علامة أمام كل واحدة:
استقصاء الإيمان
تبدأ السورة بقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ ?لْمُؤْمِنُونَ( (1). فمن هم؟ وكيف نكون منهم؟ ابدأ معنا في الإجابة على محاور الاستقصاء:
- (?لَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـ?شِعُونَ( (2): كيف تؤدي
صلاتك؟ هل تخشع فيها أم لا؟ كم نقطة تعطي نفسك عن هذا
السؤال؟
- (وَ?لَّذِينَ هُمْ عَنِ ?للَّغْوِ مُّعْرِضُونَ( (3): هل تغتاب مسلماً أو تقع في النميمة؟ هل تمسك لسانك عما لا يفيد من الكلام؟ هل تعرض عن مجالس الغيبة وتمتنع عن سماعها؟

- (وَ?لَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـ?فِظُونَ( (5): كيف أنت مع غض البصر؟ والعفة والبعد عن كل ما يؤدي إلى الزنا؟
- (وَ?لَّذِينَ هُمْ لأَمَـ?نَـ?تِهِمْ وَعَهْدِهِمْ ر?عُونَ( (8): كيف حفظك للأمانة؟ من أبسط الأمانات (الشريط أو الكتاب الذي استعرته من صديقك)، إلى أمانة الدين وحفظه ونشره بين الناس؟
- (وَ?لَّذِينَ هُمْ عَلَى? صَلَو?تِهِمْ يُحَـ?فِظُونَ( (9): هل تحافظ على الصلاة في أول وقتها؟ وتحافظ على الجماعة؟ كم نقطة تعطي نفسك على أداء الصلاة والحفاظ عليها؟
إذا نجحت... مبروك
فإذا كانت نسبة تحقق هذه الصفات عالية عندك، فاستبشر بقوله تعالى (أُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْو?رِثُونَ ( ?لَّذِينَ يَرِثُونَ ?لْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـ?لِدُونَ(. مبروك، لقد حزت جائزة ربانية عالية، وشهادة ربانية في الآيات (10 - 11) تؤهلك لكي ترث الأرض في الدنيا، وتنال الفردوس الأعلى في الآخرة.
تاريخ المؤمنين... ومصير المكذبين
ثم تنتقل الآيات إلى ذكر تاريخ المؤمنين على هذه الأرض، فتذكر قصص عديدة لأنبياء الله تعالى، مع التركيز على وراثة كل جيل من الأنبياء لصفة الإيمان.
(ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءاخَرِينَ( (31).. (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءاخَرِينَ( (42).
وبين هذه الآيات، يأتي ذكر لمصير المكذبين بآيات الله تعالى، وكأنها تقول للمؤمنين الذين عرضوا صفاتهم على الاستقصاء الموجود في أول السورة: إياكم والبعد عن طريق الإيمان، إياكم وترك الصلاة، فتنالوا المصير الذي ناله هؤلاء:
(فَأَخَذَتْهُمُ ?لصَّيْحَةُ بِ?لْحَقّ فَجَعَلْنَـ?هُمْ غُثَاء فَبُعْداً لّلْقَوْمِ
?لظَّـ?لِمِينَ( (41).
(كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَـ?هُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ( (44).
أرأيت كيف يكون البعد عن الإيمان سبباً للهلاك...
صفات أرقى وأعلى
وبعد ذلك، تعرض الآيات صفات أخرى للمؤمنين، هي بمثابة مستوى أعلى من الصفات السابقة: إقرأ معي الآيات 57 - 61:
(إِنَّ ?لَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ( (57): ففي أول السورة كان الخشوع صفة مطلوبة في الصلاة، أما هنا فالمستوى أعلى: أن تصاحبك خشية الله تعالى في كل أمور حياتك وعند كل عمل.
(وَ?لَّذِينَ هُم بِـئَايَـ?تِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( وَ?لَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ( (58-59). فلا يشركون مع الله أحداً في عبادتهم، سواء كان هذا الشرك شركاً أكبر (كأن يدعو مع الله إلهاً آخر) أو شركاً أصغر وهو الرياء. فإياك أن تبتغي من عملك شيئاً سوى الأجر والثواب من الله.
(وَ?لَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبّهِمْ ر?جِعُونَ( (60).
وهنا نصل إلى قمة في صفات المؤمنين، وهي أن تعبد الله تعالى وتنفذ أوامره ثم تخاف، مم؟ من عدم قبول العمل. وقد سألت السيدة عائشة رسول الله ( عن هذه الآية، فقالت: أهو الرجل يسرق ويزني ويخشى الله؟ فقال: لا يا ابنة الصِّدِّيق، إنما هم الذين يعبدون ربَّهُم، وهم يخشَونَ ألا يتقبَّلَ منهم "
شهادة ربانية
ولكل هذه الصفات، استحق هؤلاء المؤمنون شهادة أخرى من
الله تعالى: (أُوْلَـئِكَ يُسَـ?رِعُونَ فِى ?لْخَيْر?تِ وَهُمْ لَهَا سَـ?بِقُونَ( (61). فهم لا يتركون فرصة لتحصيل الأجر والثواب إلا وسارعوا إليها وتسابقوا عليها...
بعد العمل... الدعاء
وكان أجمل ختام لسورة المؤمنون، تعليمنا دعاء رائعاً:
(وَقُل رَّبّ ?غْفِرْ وَ?رْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ?لرحِمِينَ( (118).
ما سر ختام السورة بهذا الدعاء؟ لأن المؤمنين الذين نجحوا في الصفات التي ذكرت في السورة، قد يخطئون بعدها أو يقصرون في المحافظة على
المستوى الإيماني الذي جاءت به السورة، فكان لا بد من الختام بآية ترشدك إلى طريق الاستغفار من الذنوب والتقصير الذي قد تقع به، لأن ذلك من طبيعة البشر...




سورة النور
سورة النور
سورة النور (مدنية)، نزلت بعد سورة الحشر، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة المؤمنون، وعدد آياتها 64 آية.
منازل من نور
سورة النور هي سورة الآداب الاجتماعية، إنها سورة تعنى بشؤون الناس داخل بيوتهم، إنها تعنى بكيفية الحفاظ على أدب العلاقات بين أفراد المجتمع، وكيف نصل إلى حالة من الانسجام والفضيلة في مجتمعنا، وكيف ننقيه من الفساد والرذيلة.
ألسنة الفتنة
لقد نزلت سورة النور في مناسبة ما أشاعه المنافقون حول السيدة عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، واتهامهم إيّاها بالزنا وهي المبرأة من فوق سبع سماوات. وما جرى في هذه الحادثة هو أن السيدة عائشة خرجت مع النبي ( في غزوة المصطلق، فتوقف الجيش للراحة. ففقدت السيدة عائشة عقدها، وفيما كانت تبحث عنه، جاء الرجال وحملوا الهودج الذي كانت فيه دون أن يحسوا بعدم وجودها فيه لصغر حجمها ووزنها... ولما عادت السيدة عائشة وجدت أن الجيش قد سار وأصبحت وحيدة في الصحراء...
وكان من عادة النبي صلى الله عله وسلم أن يبقي رجلاً خلف الجيش، فإذا ما تأخر أحد عن الجيش يرشده. فجاء صفوان بن المعطل الذي كان يسير متأخراً عن الجيش وهي وحيدة فوضعها على الناقة، ولم يكلمها ولم يحدثها ولم

ينظر إليها إلى أن دخل إليها المدينة... فاستغل المنافقون هذا الأمر وبدأوا بإشاعة الفتنة وإشاعة الأمر بأن الفاحشة - والعياذ بالله - قد حصلت بين السيدة عائشة وصفوان بن المعطل... وبدأ المجتمع يلوك هذا الكلام الباطل، ووقع بعض المؤمنين في هذا الخطأ، وصاروا يقولون: لا يمكن أن يوجد دخان بدون نار. واختلفت أحوال المسلمين حول هذا الأمر، فمنهم من كان حائراً ومنهم من لم يصدق الكلام إطلاقاً، ومنهم من ظن وقوع الفاحشة... وانقطع الوحي مدة شهر كامل... وكان ذلك اختباراً للمجتمع الإسلامي بأسره...
براءة ربانية
وظل الوحي محبوساً عن النبي ( حتى يخرج المجتمع ما عنده، وكان اختباراً صعباً، حتى نزلت آيات سورة النور لتعلن براءة السيدة عائشة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات:
(إِنَّ ?لَّذِينَ جَاءوا بِ?لإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلّ ?مْرِىء مّنْهُمْ مَّا ?كْتَسَبَ مِنَ ?لإثْمِ وَ?لَّذِى تَوَلَّى? كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ( (11)...
فهذه الآية تعلن بمنتهى الصراحة تبرئة السيدة عائشة، وأن ما حصل إنما هو إفك أي كذب شديد وافتراء شديد لا برهان عليه، وكل من ينشر مثل هذه الأكاذيب في المجتمع (وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين) لهم عذاب عظيم...
لا تحسبوه شراً لكم
والآية السابقة تعلق على حادثة الإفك وانتشارها بين المسلمين بشكل عجيب: (لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...( (11)، فأين الخير في ذلك؟
إن المجتمع الإسلامي في المدينة كله سيتعلم من هذه الحادثة، ونحن أيضاً سنتعلم من هذه الحادثة، وسلسلة الأحكام والآداب الاجتماعية التي رافقت نزول السورة ستكون خيراً للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مصداقاً لقوله تعالى (بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ(.
ظنوا بأنفسهم خيراً
وأول تعقيب بعد حادثة الإفك كان قوله تعالى: (لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ?لْمُؤْمِنُونَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـ?ذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ( (12). آية رائعة تعلمنا كيفية التصرف عند إشاعة الفتن والكلام في أعراض الناس. هذه الآية نزلت في أبي أيوب الأنصاري حين سأل زوجته: لو كنت مكان عائشة أكنت فعلت ما قيل، فقالت لا، فقال عائشة خير منك. فقالت له: لو كنت مكان صفوان بن المعطل أكنت فعلت ما قيل، فقال لا، فقالت صفوان خير منك... فنزلت الآية فيهم لتمتدح فعلهم الرائع وليكونوا نموذجاً وقدوة لكل المسلمين. ومن لطف الآية أنها قالت (ظَنَّ ?لْمُؤْمِنُونَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً( مع أنهم "ظنوا بإخوانهم خيراً"، كأنها تقول للمسلمين: ظنوا بإخوانكم كما تظنون بأنفسكم، فأنتم مؤمنون كإخوانكم، واتركوا المنافقين يظنون فيهم كما يشاؤون. وكأن الآيات توحي إلينا أن طعنك أيها المسلم في أعراض الناس هو طعن في عرضك، وأن دفاعك عن عرض أخيك وحسن ظنك فيه هو دفاع عن نفسك.
إياكم والأعراض
فاحذر أيها المسلم من الخوض في أعراض الناس، وخاصة النساء. واحذر قبول وساوس الشيطان في أعراضهم، واحذر الترويج لما يشاع في الجرائد من فضائح وإشاعات فتسيء الظن بالناس ظلماً وتقع في كبيرة من الكبائر التي حذرت منها السورة: قذف المحصنات.
فالذين أشاعوا الإفك من المنافقين، والذين قبلوه من المؤمنين لم يأتوا بشهداء أو بينة:
(لَّوْلاَ جَاءو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَـئِكَ عِندَ ?لله هُمُ ?لْكَـ?ذِبُونَ( (13).
لكن فضل الله تعالى ورحمته سبقا غضبه (وَلَوْلاَ فَضْلُ ?لله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لأَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ( (14).
وتحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيم
ثم تعود الآيات إلى وصف خطورة الموضوع:
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْو?هِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وَهُوَ عِندَ ?لله عَظِيمٌ ( وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـ?ذَا سُبْحَـ?نَكَ هَـ?ذَا بُهْتَـ?نٌ عَظِيمٌ ( يَعِظُكُمُ ?لله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ( (15 – 17).
كل هذه الآيات كانت تعليقاً على حادثة الإفك، فكانت تعليماً للصحابة وللأمة من بعدهم أن لا يخوضوا في أعراض النساء، وقد يقع به بعض الشباب بكلمة أو إشارة أو إيماءة، وقد يقولونه من باب المزاح دون قصد الإيذاء، لكن الآيات تحذرهم بشدة: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وَهُوَ عِندَ ?لله عَظِيمٌ( (15)
وتنهاهم أن يعودوا لمثله (يَعِظُكُمُ ?لله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ( (17).
وهكذا نرى أن قصة الإفك حملت من الخير لمجتمع المدينة ولكل المجتمعات الإسلامية الخير الكثير، فتعالوا معاً إخواني نستعرض آيات السورة ونفهم سوياً مراد ربنا من هذه السورة.
بداية شديدة لجريمة شديدة
فكيف بدأت السورة؟ لقد بدأت بداية غير معهودة فيما قبلها من السور القرآنية: (سُورَةٌ أَنزَلْنَـ?هَا وَفَرَضْنَـ?هَا...( (1). وهي بداية شديدة، ولكن كل سور القرآن أنزلت وفرضت، فلماذا بدأت السورة بتلك البداية؟ وكأن هذه السورة تريد أن تضع سياجاً شديداً لحماية المجتمع، فكان لا بد لهذا السياج من مقدّمة قوية للفت الأنظار إلى أهمية الأحكام القادمة.
(سُورَةٌ أَنزَلْنَـ?هَا وَفَرَضْنَـ?هَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا ءايَـ?تٍ بَيّنَـ?تٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(.
فماذا كان أول هذه الأحكام؟
(?لزَّانِيَةُ وَ?لزَّانِى فَ?جْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ?لله إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِ?لله وَ?لْيَوْمِ ?لأَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ( (2).
ومع أن الأصل في ديننا هو الرحمة والرأفة، لكن الآية قالت (وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ?لله(.
ومع أن الإسلام يحثنا على الستر، لأن الله تعالى ستار يحب الستر، لكن في حد الزنا تقول الآية: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ(.
رد شبهة
وهنا يبدأ أعداء الإسلام في انتقاد هذا الدين، ووصفه بالتشدد والوحشية في تطبيق الأحكام، وللأسف يستحي بعض المؤمنين من الرد على هذه الشبهات، أو يصدقونها في بعض الأحيان. وإلى كل هؤلاء نقول: لا تحكموا على الإسلام إلا بعد أن تقرأوا سورة النور كلها وتفهموا روعة الإسلام في حل مشاكل المجتمع.
وسائل الوقاية
وسبب هذه البداية الشديدة، أن السورة وضعت ضمانات قوية لعدم وقوع الزنى، فلو وقع أحدٌ في هذه الجريمة بعد كل هذه الضمانات والضوابط التي ذكرت في السورة، فمعنى ذلك أن فطرته قد شذت شذوذاً شديداً، فلا بد له من عقوبة رادعة.
سبع خطوات وضوابط تضمنتها السورة، هي كالسياج الذي يحفظ المسلم، تحمي المجتمع وأهله من الوقوع في الفاحشة، وتحافظ على نقاوة المجتمع وطهارته وعفته... فتقرأ فيها آداب الاستئذان وتزويج الشباب ومنع البغاء وغض البصر والحجاب وعدم الخوض في الأعراض ظلماً بلا شهود، ثم يأتي تطبيق الحد في مكانه المناسب من هذه الضوابط ليكون رحمة للمجتمع وردعاً للشواذ الجامحين في شهوتهم وإفسادهم. فما هي هذه الشروط؟
آداب تنور المجتمع
1. الاستئذان:
فلا يدخل رجل على امرأة بمفردها في بيتها، وخاصة لو كان أخاً للزوج أو قريبه. ولا يخلو رجل بامرأة يحل له الزواج منها، ولا يدخل الأولاد على أبويهم في أي وقت يشاؤون بلا استئذان وكذلك الخدم. يقول تعالى:
(يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى? تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَى? أَهْلِهَا ذ?لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى? يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ?رْجِعُواْ فَ?رْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى? لَكُمْ وَ?لله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ( (27 – 28).
وبعد ذلك يقول الله تعالى (ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ?لَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُكُمْ وَ?لَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ?لْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ( (58) هذه الآيات هي قواعد المرور داخل البيت المسلم، للأطفال والخدم. اسمع معي هذه القواعد والأنظمة:
(مّن قَبْلِ صَـلَو?ةِ ?لْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـ?بَكُمْ مّنَ ?لظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَو?ةِ ?لْعِشَاء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ...( (58) وهي الأوقات التي يتخفف فيها المسلم من ثيابه لينام أو ليرتدي غيرها. ثم تقول الآيات:
(وَإِذَا بَلَغَ ?لأَطْفَالُ مِنكُمُ ?لْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ?سْتَأْذَنَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذ?لِكَ يُبَيّنُ ?لله لَكُمْ ءايَـ?تِهِ وَ?لله عَلِيمٌ حَكِيمٌ( (58 – 59)...
ما هذا الدين العظيم، الذي يدخل مع المسلم إلى داخل بيته، لينظم له حركة البيت بما يضمن له السعادة والوقاية من الآفات والشرور...!!
2.غض البصر:
وللحفاظ على المجتمع مما يؤدي إلى الفاحشة، تجد قوله تعالى:
(قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـ?رِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذ?لِكَ أَزْكَى? لَهُمْ إِنَّ ?لله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ( (30).
والأمر بغض البصر والعفة ليس فقط للرجال والشباب، لكنه موجه أيضاً للنساء بنفس الكلمات والأوامر:
(وَقُل لّلْمُؤْمِنَـ?تِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـ?رِهِنَّ...( (31).
3. تزويج الشباب:
فلا يمكن إقامة حد الزنى إذا كان الشباب غير قادرين على الزواج. ولذلك كان من أهم الضمانات التي قدمتها السورة الكريمة: (الحث على تزويج الشباب): (وَأَنْكِحُواْ ?لأَيَـ?مَى? مِنْكُمْ وَ?لصَّـ?لِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ?لله مِن فَضْلِهِ وَ?لله وَاسِعٌ عَلِيمٌ( (32).
وذلك لسد طريق الفواحش أمام الشباب الذين لا يستطيعون الزواج لضيق ذات اليد، فتدعو الآيات إلى تزويجهم والتوكل على الله أنه سيغنيهم من فضله.
4. منع البغاء:
كما شددت الآيات على أولياء الأمور (وعلى المجتمعات) الذين يدفعون فتياتهم إلى الزنى ليربحوا من وراءها (وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـ?تِكُمْ عَلَى ?لْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ?لله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( (33).
فالسورة بأحكامها الشديدة، تحمي المرأة، وتحذر من المتاجرة بجسدها وعرضها، لأن في ذلك هضم لحقوقها، وإفساد وتمييع للمجتمع كله...
5. الحجاب:
وبعد الأمر بالاستئذان وغض البصر وتزويج الشباب ومنع البغاء، كان لا بد من الأمر بالحجاب، كأحد أهم الوسائل التي تمنع وقوع الشباب العزاب والمتزوجين في الفاحشة، نتيجة ما يرونه من مشاهد مثيرة للغرائز في الشارع أو على صفحات الجرائد أو في الفضائيات ووسائل الإعلام. فالحجاب من جهة، وغض الأبصار من جهة أخرى، هما ضمانة أكيدة لحماية المجتمع وطهارته. اسمع معي الآيات:
(وَقُل لّلْمُؤْمِنَـ?تِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـ?رِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ...( (31).
فالآية أوضحت - من خلال تكرار عبارة (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ( مرتين في آية واحدة - أن المرأة كلها زينة، فلا يجوز أن تبدي من زينتها إلا ما ظهر منها، وهما الوجه والكفين كما بيّن النبي (.
والآيات لم تأمر بالحجاب فحسب بل فصّلته تفصيلاً، فقد وصفت بشكل دقيق شكل الحجاب وشروطه الشرعية: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ( أي لا بد لغطاء الرأس أن ينزل تحت فتحة الصدر والرقبة. كما أنها حددت للمرأة المسلمة لمن تكشف زينتها:
(وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءابَائِهِنَّ أَوْ ءابَاء بُعُولَتِهِنَّ..( (31).
فكيف يأتي بعد كل هذا التفصيل، من يقول أن الحجاب في الإسلام ليس فرضاً؟ إن الآيات في هذه السورة وفي سورة الأحزاب فصلت فرضية الحجاب وشكله بشكل غير قابل للنقاش.
6. منع إشاعة الفواحش:
لقد منع الإسلام من إشاعة الفاحشة في المجتمع... فقال تعالى (إِنَّ ?لَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ?لْفَـ?حِشَةُ فِى ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لأَخِرَةِ وَ?لله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( (19).
فإلى كل وسائل الإعلام التي تنشر الفاحشة والرذيلة والعري في المجتمع، وإلى كل من يروّج لأخبار الفضائح ويخوض في الأعراض، اسمع هذه الآيات واتق الله في شباب الأمة. اسمع قوله تعالى:
(إِنَّ ?لَّذِينَ يَرْمُونَ ?لْمُحْصَنَـ?تِ ?لْغَـ?فِلَـ?تِ ?لْمُؤْمِنـ?تِ لُعِنُواْ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لأَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ( (23 – 24)..
لا بد من أربعة شهود
وهكذا نرى أن الإسلام أمر بتطبيق كل هذه الضوابط، ليضمن خلو المجتمع من كل ما قد يسبب وقوع الفاحشة... فإذا كان الزواج ميسّراً، والحجاب منتشراً، والتزم الناس بغض البصر واختفت الإعلانات الرذيلة ومنع البغاء، ومع هذا كله، زنى شخص ما، فهل يكون مستحقاً للحد؟... والجواب طبعاً: لا، لأنه لا يكون مستحقاً للحد إلا إن شهد عليه أربعة شهداء، ولا يطبّق عليه حد الرجم أو الجلد إلا إذا شهد عليه أربعة شهداء عدول (أي أمناء موثوق في شهادتهم ومعروفون بخلقهم في المجتمع) أو اعترف هو بنفسه. اسمع قوله تعالى:
(وَ?لَّذِينَ يَرْمُونَ ?لْمُحْصَنَـ?تِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَ?جْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ ( إِلاَّ ?لَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذ?لِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ?لله غَفُورٌ رَّحِيمٌ( (4 – 5)..
لهذا استحق العقوبة
ولما طلبت الآيات شرط الأربعة شهود لإقامة الحد، فإنها قد وضعت شرطاً صعباً أمام تطبيق حد الزنى، وذلك من رحمة الله بعباده... فهذا الحد لا يطبّق إلا على من تخطى جميع الضوابط التي وضعتها السورة وأقدم على فعل الفاحشة، ليس وليس ذلك وحسب، بل إنه فعل ذلك أمام أربعة أشخاص، مما يعني أنه كان مجاهراً بالزنى!... ومن يفعل ذلك لا يستحق الرأفة من المجتمع، ولا بد من القسوة عليه، ومن هنا نفهم شدة السورة في بدايتها: (وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ?لله( لأنه يسعى إلى إفساد المجتمع على نحو خطير.
ومن روعة الإسلام وعظمته أنه لو كان الشهود ثلاثة، أو لو كانوا أربعة وتراجع أحدهم عن شهادته، فإن هؤلاء الثلاثة هم الذين يجلدون، لأن الستر والحفاظ على سمعة الناس هو الأولى وهو الأصل في الإسلام.
الإسلام لا يتعطش لإقامة الحدود
إن ما سبق يدل على أن الإسلام ليس متعطشاً لإقامة الحدود، ولنا في أصحاب رسول الله أسوة حسنة في فهمهم لتطبيق أحكام الإسلام: فسيدنا عمر بن الخطاب شاهد - عندما كان أميراً للمؤمنين - حادثة زنى، دون أن يكون معه شهود. فرجع إلى المسلمين غاضباً وقال: سمعت بأذني ورأيت بعيني، وسأطبّق عليهم الحد. فقال له علي بن أبي طالب: "يا أمير المؤمنين أمعك شهداء؟!" فقال عمر: "لا ولكني أمير المؤمنين ورأيت وسمعت". فقال علي: "يا أمير المؤمنين تأتي بأربعة شهداء وإلا إن نطقت باسمهما حدٌ في ظهرك"!! فمن ذا الذي يستطيع القول بعد ذلك بأن هذا الدين متعطش للدماء وإقامة الحدود!!...
التوبة
وكل الحدود التي جاءت في أول السورة هي الدواء النهائي فيما لو وضعت جميع الضمانات السابقة لعدم وقوع المجتمع في الفاحشة... فإذا وقع شاب أو فتاة في الفاحشة، وكان البلد لا يطبق حدود الله، أو لو كانت هذه الضوابط غير مكتملة في المجتمع، (كصعوبة الزواج وانتشار الرذيلة وغياب الحجاب في المجتمع) فماذا يفعل من وقع في الزنى والعياذ بالله؟
إن حد الزنى لا يقام عليه أولاً، ولا بد له من أن يتوب إلى الله تعالى فوراً ويستر على نفسه، ولذلك فإننا نرى من روعة هذه السورة أننا نراها تفتح باب التوبة بعد كل مقطع يتحدث عن حدود الله:
(إِلاَّ ?لَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذ?لِكَ وَأَصْلَحُواْ( (5).
(وَلَوْلاَ فَضْلُ ?لله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ?لله تَوَّابٌ حَكِيمٌ( (10).
(وَلَوْلاَ فَضْلُ ?لله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ?لله رَءوفٌ رَّحِيمٌ( (20).
(وَتُوبُواْ إِلَى ?لله جَمِيعاً أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (31).
فالتوبة هي طريق النجاة للمجتمعات التي لم تكتمل فيها ضمانات منع الفاحشة، أو المجتمعات التي لا تقام فيها الحدود لسبب من الأسباب...
إلى النور
ويبقى سؤال مهم، وهو: لماذا سميت السورة بسورة النور؟ قد يجيب البعض: لأن في هذه السورة قوله تعالى (?لله نُورُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ...( (35)...
وهو جواب بديهي، لكن ما علاقة هذه الآية بالآداب الاجتماعية التي حفلت بها السورة؟ ولماذا لم يطلق على السورة اسم سورة الآداب الاجتماعية مثلاً أو أي اسم مماثل؟..
إن في هذا دلالة على أن العمل بهذه التعاليم والأحكام يضيء المجتمع بنورها. فشرع الله هو نور المجتمع، والبديل عن ذلك هو التخبط في الظلام والضلال، كما يحصل في الكثير من المجتمعات في عصرنا الحاضر.
هناك بيوت كثيرة تعيش في ظلمة، وهناك مجتمعات عديدة تفتقد إلى النور لعدم قراءة أهلها لسورة النور، فحين ابتعدت هذه المجتمعات عن شرع الله، شاعت فيها الفاحشة، وكثرت فيها الأمراض والمشاكل... لهذا كله، سميت السورة بسورة النور، لأنها النور الذي يحفظ النفوس وينقيها من الغرائز، ويحفظ الأعراض ويحرسها من ألسنة الناس، ويضيء الطريق إلى الله.
الله نور السماوات والأرض
فما هو مصدر هذا النور؟ إنه الله تبارك وتعالى: (?لله نُورُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ...( (35) ونور الله هو شرعه وهدايته...
فأين ينزل هذا النور؟ (فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ?لله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا
?سْمُهُ...( (36).
وعلى من ينزل هذا النور... (رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـ?رَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ?لله...( (37).
وأما من حاد عن هذا النور: (وَ?لَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَـ?لُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ?لظَّمْانُ مَاء..( (39) لأنه لم يمش على نور ربنا سبحانه وتعالى، وآثر التخبط في الظلمات:
(أَوْ كَظُلُمَـ?تٍ فِى بَحْرٍ لُّجّىّ يَغْشَـ?هُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَـ?تٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ?لله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ( (40).
أرأيتم ترك النور الرباني؟ أرأيتم كيف أن ترك الحجاب وإشاعة الفضائح يجعلان الأفراد والمجتمعات لا بل البشرية كلها تتخبط في ظلمات الضلال والفواحش؟
مقتضيات النور الرباني
اسمع معي مرة أخرى الآية المحورية في السورة، آية النور:
(?لله نُورُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا
مِصْبَاحٌ ?لْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ?لزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـ?رَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى? نُورٍ يَهْدِى ?لله لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ ?لله ?لأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَ?لله بِكُلّ شَىْء عَلَيِمٌ( (35).
والمشكاة هي عبارة عن تجويف في الحائط يحيط بالمصباح، ويحافظ عليه. فلكي يبقى النور متوقداً، لا بد له من زجاجة تحيط به وتحافظ عليه. وكأن هذه الآية الرائعة تقول للمؤمنين: نفّذوا شرع الله تعالى، الذي هو نور المجتمع، وحافظوا عليه، واجعلوا قلوبكم كالزجاجة التي تحيط بالنور، لتضمن بقاءه متوهجاً في حياتكم وحياة الناس من حولكم.
ولا بد لهذا النور من فتيل حتى يشعله، هذا الفتيل هو عملك وإيجابيتك أيها المؤمن، فكأن الآيات تقول لك: "أشعل الفتيل حتى تنور المجتمع"، ولذلك كانت بداية السورة شديدة (سُورَةٌ أَنزَلْنَـ?هَا وَفَرَضْنَـ?هَا...( (1)، لأنها تدعو إلى التحرك بإيجابية وإشعال الفتيل الذي ينشر نور الله في الأرض.
آيات مبينات
ومن لطائف القرآن أنه ركّز على استعمال كلمة النور لوصف شرع الله تعالى، فما هي أهم خصائص النور؟ يمكننا أن نلخصها في ثلاث كلمات:
الهداية - البيّنة - الكشف.
فالنور يكشف الحقائق ويبيّنها، ولذلك تكررت لفظة "بينات" و"آيات مبينات" في السورة تسع مرات. فالسورة بدأت بقوله تعالى: (.. وَأَنزَلْنَا فِيهَا ءايَـ?تٍ بَيّنَـ?تٍ( (1)، وبعد الحديث عن كل مجموعة من الآداب الاجتماعية يأتي قوله تعالى (وَيُبَيّنُ ?لله لَكُمُ ?لأَيَـ?تِ( (18) أو قوله (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايَـ?تٍ مُّبَيّنَـ?تٍ...( (34) لأن هذه الأحكام هي التي ترشد المؤمنين وتبين لهم طريق الحق.
ولذلك كانت السورة التي نزلت فيها تبرئة السيدة عائشة هي سورة النور، لأن النور يكشف الحقائق ويبينها...
ولذلك أيضاً اشترطت السورة وجود أربع شهود لإقامة حد الزنى، لكي يكون هناك بيّنة، هذه البينة هي الكاشفة وهي النور..
من فضلك، اجعل هذه السورة والآداب التي تضمنتها نوراً لك في أسرتك، وحافظ على شرع الله تعالى لتنوّر به مجتمعك، وتحرّك به إلى الناس كلهم لتنشر النور في البشرية كلها.

سورة الفرقان
سورة الفرقان
سورة الفرقان (مكية)، نزلت بعد سورة يس، وهي بعد سورة النور في ترتيب المصحف وعدد آياتها سبع وسبعون آية.
هدف سورة الفرقان
إن سورة الفرقان تتحدث عن سوء عاقبة من يكذب بالله ورسوله وكتابه، ولذلك فإننا نرى فيها ثلاثة محاور أساسية:
- أنواع التكذيب التي لقيها النبي (
- التحذير من سوء عاقبة التكذيب
- تثبيت النبي ( وأصحابه.
وكل آيات السورة تدور حول هذه المحاور الثلاث بشكل واضح، ومن هنا سبب تسميتها بالفرقان، لأنها توضح - من خلال هذه المحاور الثلاثة - كيف أن الدين والقرآن هما الفرقان بين الحق والباطل.
تكذيب وتثبيت
نزلت هذه السورة الكريمة في وقت كان المشركون قد تمادوا في استهزائهم بالنبي (. فجاءت آياتها تثبت النبي وأصحابه، وتكذب من يكذبونه..
لذلك نرى في أول السورة قوله تعالى (وَقَالَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـ?ذَا إِلاَّ إِفْكٌ ?فْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءاخَرُونَ فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً ( وَقَالُواْ أَسَـ?طِيرُ ?لأَوَّلِينَ ?كْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى? عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً( (4 - 5).

أنواع مختلفة من التكذيب، من تكذيب القرآن ووصفه بأنه (أَسَـ?طِيرُ ?لأَوَّلِينَ( إلى تكذيب النبي (:
(وَقَالُواْ مَا لِهَـ?ذَا ?لرَّسُولِ يَأْكُلُ ?لطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ?لأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ( أَوْ يُلْقَى? إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ?لظَّـ?لِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً ( ?نظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ?لأَمْثَـ?لَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً( (7 - 9).
وبعد هذه الأنواع المختلفة من التكذيب، يأتي تثبيت رائع للنبي ( (تَبَارَكَ ?لَّذِى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذ?لِكَ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأَنْهَـ?رُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً( (10).
ثم الآيات التي بعدها تبيّن عاقبة المكذّبين: (بَلْ كَذَّبُواْ بِ?لسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِ?لسَّاعَةِ سَعِيراً ( إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ( لاَّ تَدْعُواْ ?لْيَوْمَ ثُبُوراً و?حِداً وَ?دْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً( (11 - 14).
خذلهم شياطين الإنس والجن
وبعد ذلك تبين الآيات نوعاً أقبح من التكذيب (وَقَالَ ?لَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ?لْمَلَـئِكَةُ أَوْ نَرَى? رَبَّنَا لَقَدِ ?سْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً( (21).
فماذا ستكون عاقبتهم؟ (وَيَوْمَ يَعَضُّ ?لظَّـ?لِمُ عَلَى? يَدَيْهِ يَقُولُ ي?لَيْتَنِى ?تَّخَذْتُ مَعَ ?لرَّسُولِ سَبِيلاً ( ي?وَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً ( لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ?لذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِى وَكَانَ ?لشَّيْطَـ?نُ لِلإِنْسَـ?نِ خَذُولاً( (27 - 29).
نعم، لقد خذلهم أصدقاء السوء، وتخلى عنهم الشيطان الذي كان يحركهم...
وتماماً كالمثال السابق، يأتي بين الآيات التي تبين نوع التكذيب والآيات التي تبين عاقبته نوع من الطمأنة (أَصْحَـ?بُ ?لْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً( (24).
احذر هجر القرآن
ثم تأتي بعد ذلك شكوى خطيرة من كل من يهجر القرآن: (وَقَالَ ?لرَّسُولُ ي?رَبّ إِنَّ قَوْمِى ?تَّخَذُواْ هَـ?ذَا ?لْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً( (30).
فحذار حذار من هجر القرآن، لأنه طريقك إلى الفرقان بين الحق والباطل، بين الظلمات والنور، وبين الإيمان والتكذيب.
وتكذيب المشركين ليس له حدود، فهم يبحثون عن أي سبب ممكن للتكذيب، فها هم الآن يطعنون في تنزيل القرآن على دفعات: (وَقَالَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ?لْقُرْءانُ جُمْلَةً و?حِدَةً( (32)، فيرد عليهم المولى بأروع طريقة:
(كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً(... فجمعت هذه الآية بين الرد على دعوى الكفار وتكذيبها، وبين تثبيت قلب النبي (، وكل ذلك في آية واحدة...
وتستمر الآيات بنفس الطريقة التي سبق بيانها: ذكر نوع من أنواع التكذيب، ثم ذكر عاقبته وبين ذلك طمأنة للنبي (:
فمن أنواع التكذيب: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـ?ذَا ?لَّذِى بَعَثَ ?لله رَسُولاً( (41).
لذلك تثبت الآيات النبي ( وتعده بالمساعدة وإقامة الحجة: (وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَـ?كَ بِ?لْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً( (33).
ثم تحذر من مصير الكافرين: (?لَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى? وُجُوهِهِمْ إِلَى? جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً( (34).
السبب الرئيسي للتكذيب
وقد يتساءل البعض: لماذا كل هذا التكذيب وهذا الافتراء؟ فتأتي الآية 42 - وهي آية محورية - لتجيب بأن سبب التكذيب هو اتباع الهوى، فإن من يتبع هواه لا يقر بخطئه، لكنه يرمي الآخر بالخطأ (أَرَءيْتَ مَنِ ?تَّخَذَ إِلَـ?هَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً( (42).
فماذا تملك لمثل هذا النوع من الناس، الذي عبد هواه من دون الله، فألغى عقله وأفسد فطرته؟ فعلاً "أفأنت تكون عليه وكيلاً"؟؟
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل
وتستمر السورة على نفس السياق، (بيان أنواع تكذيب المشركين، ثم ذكر عاقبته، ثم طمأنة النبي عليه الصلاة والسلام وتثبيته)، إلى أن تصل السورة إلى ذكر الآيات الكونية لله تعالى في الكون.
ومن روعة القرآن أن السورة إذا احتوت على ذكر لآيات كونية، تتحدث عن قدرة الله تعالى في الكون، فإنها لا تكون آيات متناثرة، لكنها تناسب الجو العام للسورة، تماماً كما قلنا عن قصص الأنبياء التي تأتي في السورة لتخدم هدفها.
فماذا نرى في سورة الفرقان؟ إن الجو العام للسورة هو تكذيب النبي (، والسورة تهدف إلى تثبيت النبي وطمأنة قلبه، فتأتي آية كونية رائعة لتخدم هذا المعنى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى? رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ?لظّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً( (45)، وهي إشارة على أن من مد الظل رحمة بعباده هو قادر على أن يظلهم برحمته، ويروِّح عنهم تكذيب المكذِّبين. ففي امتداد الظل سكون واستقرار للقلوب، لركونها إلى الخالق الذي أبدع كل هذه الآيات.
ليل الرحمة
وبعد ذلك يقول تعالى (وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ?لَّيْلَ لِبَاساً وَ?لنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ?لنَّهَارَ نُشُوراً( (47).
واختيار الليل هنا يلقي بظلال من السكون والرحمة، ثم يقول تعالى:
(وَهُوَ ?لَّذِى أَرْسَلَ ?لرّيَـ?حَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ ?لسَّمَاء مَاء طَهُوراً ( لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً..( (48 - 49).
فنرى أن الآيات الكونية من رياح وأمطار تبشّر المؤمنين برحمة الله وتطهّرهم وتحيي قلوبهم، وكلها لتخفّف عنهم شدة الاستهزاء والتكذيب الذي يعانون منه.
قمة التكذيب
وبعد تكذيب الكفار بالنبي وبالقرآن، تصل بنا الآيات قبل الختام إلى نوع شديد من أنواع تكذيبهم: إنهم يكّذبون بالرحمن
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ?سْجُدُواْ لِلرَّحْمَـ?نِ قَالُواْ وَمَا ?لرَّحْمَـ?نُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً( (60).
وهي قمة في سوء الأدب مع الله تعالى، فترد عليهم الآيات بطريقة رائعة: لا بإخبارهم من هو الرحمن، بل بوصف عباده: (وَعِبَادُ ?لرَّحْمَـ?نِ(. حتى يعرفوا الرحمن من صفاتهم، وهذا من تشريف الله تعالى وتثبيته لهم، وكأنه يقول لهؤلاء الكفار المعاندين: اسألوا هؤلاء عن الرحمن...
عملهم من وصفه
والرد على المشركين بهذه الطريقة هو أعظم تشريف لعباد الرحمن، لأنهم يدلون على الرحمن من خلال صفاتهم.
(وَعِبَادُ ?لرَّحْمَـ?نِ ?لَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى? ?لأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـ?هِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ( وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـ?ماً ( وَ?لَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ?صْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ( إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ( وَ?لَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ( وَ?لَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ?لله إِلَـ?هَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ?لنَّفْسَ ?لَّتِى حَرَّمَ ?لله إِلاَّ بِ?لْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذ?لِكَ يَلْقَ أَثَاماً ( يُضَـ?عَفْ لَهُ ?لْعَذَابُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ( إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـ?لِحاً فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ ?لله سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـ?تٍ وَكَانَ ?لله غَفُوراً رَّحِيماً ( وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـ?لِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ?لله مَتاباً ( وَ?لَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً ( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِـئَايَـ?تِ رَبّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ( وَ?لَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْو?جِنَا وَذُرّيَّـ?تِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ?جْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً( (63 - 74)، وآية (وَ?جْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً( تفيد أن تمني المسلم للقيادة أمر مطلوب ومحمود - من غير حب للرئاسة أو طمع بالدنيا - في سبيل أن يكون إماماً للمتقين وقائداً ومعيناً لهم على تقوى الله.
ومن روعة الآيات السابقة أنها وازنت بين تفوّق عباد الرحمن في العبادة، وبين حسن أخلاقهم. فترى فيها تسلسلاً واضحاً: صفة عبادة ثم صفة خلق، وهكذا إلى آخر السورة، لتوحي أن المؤمنين الذين يستحقون صفة عباد الرحمن هم الذين لا يفصلون بين العبادة والأخلاق.
أما أنتم يا من كذبتم بالرحمن، فاسمعوا قول الله تعالى في ختام
السورة: (قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ
يَكُونُ لِزَاماً( (77).
وهكذا نجد آيات سورة الفرقان دائماً: فرقاناً بين الحق وأهله وبين الباطل وحزبه. وفرقاناً بين نعيم المؤمنين وتثبيت الله تعالى لهم وبين جحيم المكذبين وتهديدهم بنزول العذاب الأليم.


سورة الشعراء
سورة الشعراء
سورة الشعراء (مكية)، نزلت بعد الواقعة، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة الفرقان وعدد آياتها مئتان وسبع وعشرون آية.
بلّغوا عني ولو آية
وتدور سورة الشعراء حول أهمية توصيل الرسالة إلى الناس بأحسن الوسائل المؤثرة. ففي عهد سيدنا موسى كانت هذه الوسيلة هي السحر، وفي عهد النبي ( كانت الشعر والشعراء (ومن هنا اسم السورة).
نزلت هذه السورة في أكثر وقت كان المسلمون فيه بحاجة إلى تعلّم فن الإعلام وتوصيل الأفكار: مع بداية مرحلة الدعوة الجهرية، وخاصة بعد وقوف النبي على جبل الصفا وإعلان الإسلام لأول مرة في مكة كدعوة علنية... وبذلك تكون رسالة السورة واضحة في بيان أهمية الإعلام وحسن توصيل الأفكار في نشر الدعوة.
خطورة الكلمة المسموعة
والإعلام سلاح ذو حدين، فهو إما أن يستخدم في تضليل الناس وإما أن يستخدم في هدايتهم، ولذلك ختمت السورة بقوله تعالى:
(وَ?لشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ ?لْغَاوُونَ ( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ ( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ( إِلاَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ وَذَكَرُواْ ?لله كَثِيراً وَ?نتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ( (224 - 227).

فالشعراء في عصر النبي ( - أو الإعلاميون بلغة العصر - قد يكونون سبباً لإغواء الناس وصدّهم عن سبيل الله، وقد يكونون منابر للهدى وإيصال كلمة الحق إلى الناس. ولذلك لا بد للدعاة إلى الله أن يمتلكوا هذه الأداة المهمة في توصيل الأفكار (والتي تتغير بحسب مقتضيات العصر) ويستخدموها لنشر الإسلام بأفضل الطرق.
مفاتيح القلوب
وكما رأينا في كل سور القرآن، فإن قصص الأنبياء الواردة في السورة تخدم هدف السورة. فحين تحدثت السورة عن سيدنا موسى عليه السلام، بينت كيف كان يخشى ألا يؤثر في الناس بصورة جيدة فقال (وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَى? هَـ?رُونَ( (13). وكل قصص الأنبياء التي جاءت في السورة كانت تركّز على حوار النبي مع قومه.
وهذا ما نجده في قصص موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام، حيث نرى التركيز على "قال وقالوا"... آيات رائعة في أسلوب الحوار لتهيء النبي عليه الصلاة والسلام لبداية مرحلة الدعوة الجهرية، التي أعلنت عنها الآية 214 بوضوح: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ?لأَقْرَبِينَ(.
من روائع الحوارات الإعلامية
وعلى سبيل المثال، نرى في حوار سيدنا موسى مع فرعون أساليب رائعة للحوار.
(فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ ( أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْر?ءيلَ ( قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ?لَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ?لْكَـ?فِرِينَ( (16-19) تهمة صعبة يوجهها فرعون إلى موسى، فماذا يكون جواب الدعاة إلى الله في مثل هذه الظروف؟ (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ?لضَّالّينَ ( فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْماً وَجَعَلَنِى مِنَ ?لْمُرْسَلِينَ( (20-21).
فأغلق باب التهمة بما حصل في الماضي، ثم انتقل من الدفاع إلى الهجوم في قوله: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْر?ءيلَ( (22).
وينتهي تبادل الاتهامات ليبدأ الحوار الدعوي. اسمع معي الآيات:
(قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ?لْعَـ?لَمِينَ ( قَالَ رَبُّ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ( (23-24).
(قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ( قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ?لأَوَّلِينَ( (25-26).
(قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ?لَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( قَالَ رَبُّ ?لْمَشْرِقِ وَ?لْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ( (27-28).
فنرى أن سيدنا موسى استرسل في الجواب على سؤال (وَمَا رَبُّ ?لْعَـ?لَمِينَ( (23) للتأثير على المستمعين دون أن يبالي بالتفاهات التي صدرت من فرعون بعد السؤال الأول.
الإعلام في قصة موسى
وفي نفس القصة، نرى حرص سيدنا موسى على التأثير على الناس بأفضل طريقة ممكنة، فيقول لفرعون:
(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ( (30).
فماذا كانت هذه الوسيلة؟ إنها السحر، الذي كان أفضل وسيلة للتأثير في الناس في عهد سيدنا موسى كما قلنا (تماماً كدور الشعراء في عهد النبي ( أو كدور الإعلاميين في عصرنا).
ونرى تركيز الباطل أيضاً (فرعون وجنوده) على إعلام الرأي العام
في قوله تعالى (قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَ?بْعَثْ فِى ?لْمَدَائِنِ حَـ?شِرِينَ( (36)
فهم يريدون لهذه المواجهة أن تكون علنية (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ
مُّجْتَمِعُونَ( (39).
سيدنا إبراهيم والحوار الدعوي
وفي قصة سيدنا إبراهيم، نرى أسلوباً آخر في الحوار تعلمنا إياه السورة. فهو بدأ بالحوار العقلاني في مواجهتهم في قوله.
(قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ(
(72-73). فلما كان ردهم ضعيفاً قال: (قَالَ أَفَرَءيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ ?لأَقْدَمُونَ ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ ?لْعَـ?لَمِينَ( (75-77)
وعندما يذكر سيدنا إبراهيم ربه جل وعلا، يستفيض في ذكر صفات الله تعالى، (?لَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ( وَ?لَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( وَ?لَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ ( وَ?لَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ?لدِينِ( (78-82).
بيان القرآن
ولأن القرآن هو محور دعوة النبي (، فإننا نرى الآيات التي تحدثت عن القرآن في السورة تركز على بيان القرآن وأهميته في التأثير في الناس. فمن البداية نرى قوله تعالى (تِلْكَ ءايَـ?تُ ?لْكِتَـ?بِ ?لْمُبِينِ( (2).
وفي أواخر السورة، وبعد قصص الأنبياء، يأتي قوله تعالى: (بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ( (195).
ولا بد للغة الخطاب والتأثير أن تكون ملائمة للجو الذي يعيش فيه الناس، مهما كانت قيمتها، لذلك نرى في السورة قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَـ?هُ عَلَى? بَعْضِ ?لأَعْجَمِينَ ( فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ( (198-199).
فآيات السورة واضحة أشد الوضوح في إرشاد المسلمين والدعاة إلى الله، في كل زمان ومكان، إلى استخدام أفضل الأساليب وأوضحها في الدعوة.
الإعلام الرباني
فعندما تقرأ أخي المسلم سورة الشعراء، تذكر دائماً أن الإعلام ينبغي أن يكون من وسائل الدعوة إلى الله، لا أن يستخدم في الترويج للمعاصي والفتن والفواحش. هذه هي رسالة السورة للإعلاميين. وأما الرسالة الثانية، فهي للأمة كلها، وخاصة الدعاة إلى الله، ليتعلموا البحث عن أفضل الطرق التي يؤثرون بها في الناس، مقتدين في ذلك بالحوار الراقي لأنبياء الله مع أقوامهم خلال السورة.
وسميت السورة باسم الشعراء، لكي نستخدم أفضل وسائل نشر الدعوة، ولئلا نستخدم الوسائل ذات الحدين في معصية الله بل نستخدمها في طاعته ومن ذلك الإعلام... وليكون قدوتنا في ذلك الأنبياء سيدنا إبراهيم وموسى عليهما السلام. وسيدنا محمد صلى الله عليه في طريقة حوارهم الراقية المؤثرة في هداية الناس..



سورة النمل
سورة النمل
سورة النمل (مكية)، نزلت بعد سورة الشعراء، وهي بعدها أيضاً في ترتيب المصحف. عدد آياتها 93 آية.
سورة التفوق الحضاري
سورة النمل تتحدث عن التفوق الحضاري، وأهمية أن يمتلك المسلمون معالم حضارية قوية من العلم والتكنولوجيا والقوة المادية والقوة العسكرية، ليستخدموها في نصرة دين الله تعالى. فهذه السورة تخاطب الذين يفهمون الإسلام على أنه صلاة ركعتين وبكاء العينين وحفظ القرآن فقط... هذه الأشياء - على أهميتها - لا بد أن تقترن بأسباب قيادة الدنيا وإدارة الأرض وفق منهج الله. وليس هذا فحسب، بل إن تفوق المسلمين الحضاري وتقدمهم العلمي والتكنولوجي يفيد في الدعوة ويؤثر في الآخرين أضعاف أضعاف ما يؤثر فيهم كلام شخص عادي أو فاشل في حياته العملية أو راسب في امتحاناته... هذه السورة تقول لنا باختصار: يا أمة محمد، لن يكون لكم احترام ودور مميز بين الأمم دون أن يكون لكم تميز حضاري، ودون أن تحيطوا بكل علوم عصركم وتبرعوا بها.
وهكذا نرى أن كل سورة توجّه رسالة واضحة للمسلمين لتكمل سور القرآن في عرضها للمنهج الرباني، مما يشعرنا بترابط القرآن وتماسك سوره. فبعد أن كانت رسالة سورة الشعراء: "اهتموا بالإعلام"، أتت سورة النمل لتوجه رسالة مماثلة: "اهتموا بالتفوق الحضاري"، وكلاهما يخدم نفس الهدف: أهمية التفوق والأخذ بالأسباب الدنيوية في تميز المسلمين وتأثيرهم على الآخرين..

المؤسسة الناجحة
وكان رمز التفوق الحضاري في هذه السورة: سيدنا سليمان عليه السلام، ومملكته التي جمعت بين الإيمان والنجاح في الحياة، هذه المؤسسة هي أشبه ما تكون بلغة اليوم: شركة عالمية متعددة الجنسيات، توظف ضمن جهازها الإداري جنسيات مختلفة، من الجن والإنس والطير والنمل والوحوش... فلنتأمل عناصر التفوق الحضاري في مملكة سيدنا سليمان، وكيف أن تفاصيل القصة وجزئياتها تعطينا معنى مهماً وأبعاداً جديدة للتفوق الحضاري والنجاح في الحياة:
1. استشعار قيمة العلم
(وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـ?نَ عِلْماً...( (15) فلا تفوق من غير علم، ولا يمكن للطالب المسلم أن يخدم الإسلام إلا إذا كان متفوقاً في مدرسته وجامعته، لأن ذلك من صميم الإسلام.
(وَقَالاَ ?لْحَمْدُ لله ?لَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى? كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ?لْمُؤْمِنِينَ( (15).
فضلهم بماذا؟ طبعاً بالعلم، ورزقهم ميزة هامة أخرى، وهي الاعتزاز به وإدراك قيمة هذه النعمة وحمد الله عليها. فالأمة التي يغش طلابها في الامتحانات ويكون كل همهم نيل الشهادات لا تدرك قيمة العلم، ولا يمكن لهكذا أمة أن تنهض وتنافس باقي الأمم..
2. توريث الأجيال
(وَوَرِثَ سُلَيْمَـ?نُ دَاوُودَ( (16)، حتى لا يقف النجاح عند جيل معين. ولا بد من وجود أجيال ترث النجاح وتحافظ عليه لضمان استمرار التفوق وتراكم الخبرات داخل المؤسسة الواحدة.
3. إتقان اللغات
(... وَقَالَ ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ ?لطَّيْرِ...( (16) وهذه الميزة تتيح التعامل مع الآخرين والتفاعل معهم.
4. توفر الإمكانيات
(... وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء إِنَّ هَـ?ذَا لَهُوَ ?لْفَضْلُ ?لْمُبِينُ( (16).
فأوتيت هذه المملكة الإمكانيات والموارد الطبيعية والبشرية، ولم تقتصر على ذلك بل اجتهدت في الحفاظ على هذه الموارد وتطويرها.
5. حسن الإدارة
(وَحُشِرَ لِسْلَيْمَـ?نَ جُنُودُهُ...( (17) تخيل هذه المملكة العظيمة، شركة متعددة الجنسيات، أو متعددة الكائنات، فيها الجن والإنس، فيها الطيور والوحوش، فيها من كل المخلوقات (مِنَ ?لْجِنّ وَ?لإِنْس وَ?لطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ( (17). وكلمة "حشر" هنا تبين عدد الجنود الكبير وتنوعهم. أما التنظيم الدقيق وتوزيع الأعمال فنراه في قوله تعالى (فَهُمْ يُوزَعُونَ( (17)، فالكل يؤدي عمله المطلوب منه، الذي هو ضمن اختصاصه وإمكاناته.
6. التدريب
(حَتَّى? إِذَا أَتَوْا عَلَى? وَادِى ?لنَّمْلِ...( (19) ما علاقة هذه الرحلة إلى وادي النمل بسليمان وجنوده وتنظيم مملكتهم؟
إن هذه الشركة تدرب أفرادها، حيث يأخذهم سليمان ليدربهم ويتنقل بهم في الأرض، فكان أن وصفت لنا الآية الكريمة جانباً من تدريبهم، عندما وصلوا خلال جولتهم إلى وادي النمل، وحصل ما هو معلوم من حوار النملة مع قومها: (.. قَالَتْ نَمْلَةٌ يأَيُّهَا ?لنَّمْلُ ?دْخُلُواْ مَسَـ?كِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـ?نُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ( (18).
7. الانضباط والحزم
ونتابع مع قصة سليمان، لنلاحظ تنظيم المؤسسة الدقيق والحزم في التعامل مع الأفراد. فخلال كل اجتماع، يتم تفقد الحضور والغياب: (وَتَفَقَّدَ ?لطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ?لْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ?لْغَائِبِينَ ( لأُعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّى بِسُلْطَـ?نٍ مُّبِينٍ( (20-21) فسليمان عليه السلام لم يسأل عن الهدهد فقط بل تفقّده، مما يدل على دقة النظام في المملكة. ومع أن الهدهد جندي صغير ولن يؤثر في قوة الجيش، لكن غيابه يخل بالانضباط وينبغي أن يقابل بالحزم.
8. انتماء الأفراد للرسالة
ويظهر في قصة سليمان انتماء أفراد الشركة وموظفيها للرسالة وشعورهم بقضيتها تماماً كالقائد. فالهدهد طار من فلسطين إلى اليمن ليحضر معلومات عن مملكة تسجد للشمس من دون الله، ليقف أمام الملك دون خجل ويقول له: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ...( (22) وقد درس الموقف جيداً وأحضر معلومات يقينية ودقيقة: (... وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ( (22).
ويتابع الحديث عن المملكة التي رآها:
(إِنّى وَجَدتُّ ?مْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ( وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ?لله وَزَيَّنَ لَهُمُ ?لشَّيْطَـ?نُ أَعْمَـ?لَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ?لسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ( (23-24) فهو لم يتصرف كموظف عادي بل أحس أنه مسؤول عن مهمة الشركة وقضيتها وهدفها، إلى أن يقول بكل غيرة وألم: (أَلاَّ يَسْجُدُواْ لله..( (25).
ثم يتذكر أنه قال عن الملكة أن لها (عَرْشٌ عَظِيمٌ(، فيستدرك كلامه ويقول (?لله لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ?لْعَرْشِ ?لْعَظِيمِ( (26).
يا ليت لو أن عندنا في أمة محمد ألف هدهد، في إيجابيته وانتمائه لأمته وشعوره بالمسؤولية تجاهها...
9. الدقة في نقل الأخبار والتحقق منها
وتتابع الآيات لتنقل لنا حوار سليمان الممتع مع الهدهد: (قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ?لْكَـ?ذِبِينَ..( (27). أي أن الأخبار التي تأتي تؤخذ للتحليل والاختبار، مع أن الهدهد قال لسيدنا سليمان قبل هذا: (وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ(، لكن لا بد للشركة الناجحة من تصفية المعلومات والتأكد من صحتها قبل أخذ القرار: (?ذْهَب بّكِتَابِى هَـ?ذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَ?نْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ..( (28) فيقوم سيدنا سليمان بتجربة مع هؤلاء القوم... أي علوم هذه؟ وأي تنظيم هذا؟ يا أمة محمد تعلموا من مملكة سليمان كيف يكون النجاح...
الشورى وقود التفوق
وفي الناحية المقابلة، نرى مؤسسة متفوقة أيضاً: مملكة بلقيس. وسبب نجاحها هو استخدام الشورى بين قومها، فهي لا تقوم بأي خطوة قبل أن تشاركهم في أخذ القرار:
(قَالَتْ ي?أَيُّهَا ?لْمَلأُ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَـ?طِعَةً أَمْراً حَتَّى? تَشْهَدُونِ( (32).
ورغم أن الملكة لم تكن على دين الله تعالى، لكنها استعملت عاملاً
مهماً من عوامل النجاح الإداري، وهو الشورى وتقبل الرأي الآخر... فماذا قالوا لها؟ (.. نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَ?لأَمْرُ إِلَيْكِ فَ?نظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ( (33).
فليس لهم رأي، وهم بخلاف الهدهد الذي كان له رأي يعتز به وقضية يجادل من أجلها. قارن بالله عليك بين جيش فيه من يقول (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ..( والتي هي أساس الشورى وأساس النصر، وبين جيش فيه من يقول (وَ?لأَمْرُ إِلَيْكِ فَ?نظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ(.
حضارة ربانية
وتحاول ملكة سبأ أن تختبر صدق سليمان في دعوته، (وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ?لْمُرْسَلُونَ( (35) لكنه غضب وقال: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا ءاتَـ?نِى ?لله خَيْرٌ مّمَّا ءاتَـ?كُمْ( (36).
لأنه صاحب رسالة ربانية لا يريد جمع المال من ورائها، وليس أخذه بأسباب النجاح والتفوق الحضاري من أجل إخضاع الأمم ونهب ثرواتها، بل هدفه من وراء ذلك كله هو إيصال رسالة الله للناس كلها...
التفوق التكنولوجي
ومملكة سليمان تملك قوة عسكرية لا مثيل لها (?رْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَـ?غِرُونَ( (37).. نستشعر في هذه الآية عناصر التفوق الحضاري التي تميزت بها مملكة سليمان، من إدارة عالية وعلوم وقوة عسكرية، إضافة إلى عامل مهم جداً، وهو العامل الذي سبّب الانبهار الحضاري وإسلام ملكة سبأ...
سبقها عرشها
عندما علم سليمان بقدوم الملكة للتفاوض معه، طلب من جنوده الإتيان بعرشها (قَالَ يأَيُّهَا ?لْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ( (38)، ويقوم جنديان من هذا الجيش الرائع: عفريت من الجن، ورجل أوتي علماً بالكتاب، وكلاهما يتنافس في سرعة إحضار العرش إلى الملك. أي تكنولوجيا وأي علم وأي أداء مبهر؟ لقد سيطرت هذه المملكة المؤمنة بتفوقها على الأرض كلها...
وتدخل ملكة سبأ لتفاجأ بسؤال: (أَهَكَذَا عَرْشُكِ( (42) فتجيب بذكاء: (قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ( (42) بشكل دبلوماسي ومبهم، لكي لا تقول أنها لم تعرف عرشها الذي تغير عليها بعض الشيء، وبالمقابل كي لا تجزم أنه عرشها فتكذب... وهنا بدأت الدهشة والإعجاب يؤثران في قلبها تأثيراً بالغاً فأصبحت مهيأة لقبول الإيمان.
أسلمت بسلطان العلم
ونصل إلى آية محورية (44)، هي آخر آية في قصة سليمان، وتلخص لنا هذه الآية محور القصة وهدفها.. اسمعها معي وعشها بقلبك وعقلك:
(قِيلَ لَهَا ?دْخُلِى ?لصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا(.
فقد كان القصر على الماء، ومدخله مغطى بالزجاج الشفاف، فرفعت ثيابها خوفاً من البلل.
(قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مّن قَوارِيرَ( إنها تكنولوجيا غير عادية، أوصلتهم إلى بناء قصر زجاجي فوق الماء، متناهي الدقة بحيث يعتقده الناس ماءً. فلما أعجزها هذا التفوق الحضاري والعلمي، أعلنت إسلامها: (قَالَتْ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـ?نَ لله رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ(.
فرعون والانبهار الحضاري
والملاحظ أن قصة موسى أتت بشكل مختصر في سبع آيات قبل قصة سليمان، ونرى في هذه الآيات تكذيب فرعون وقومه لرسالة موسى عليه السلام: (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءايَـ?تُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـ?ذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ( (13).
فرفضوا الرسالة لأن سيدنا موسى لم يكن معه عناصر التفوق الحضاري الذي كان متاحاً لسيدنا سليمان، وفي ذلك إشارة إلى انبهار الناس بالتفوق والعلم، وسيرهم وراء من يملك أسس التفوق الحضاري والقوة العلمية.
عناصر التفوق الحضاري
فإذا أردنا تلخيص عناصر وأسباب التفوق الحضاري في السورة، يمكننا أن نذكر ما يلي:
- الهدف السامي: وهذا ما نراه بوضوح في قول سليمان (رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ?لَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ( (19)، وقوله: (هَـ?ذَا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ(. وكان شكر سيدنا سليمان على هذه النعم بتسخيرها لنشر الإيمان في الأرض كلها..
- العلم: (وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـ?نَ عِلْماً( (15) ولا حضارة بغير علم وتفوق علمي والأهم من ذلك، استشعار قيمة العلم...
- التكنولوجيا المتطورة والمبهرة: (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مّن قَوارِيرَ..( (44).
- القوة العسكرية الشديدة: (?رْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا..( (37).
- شعور الأفراد بالمسؤولية: وهذا قد ظهر واضحاً في موقف الهدهد ورحلته الدعوية إلى مملكة سبأ.
كم وسيلة تمتلك أمتنا من هذه الوسائل؟ وأين هو دورك يا قارئ القرآن حتى تبني أمة ناجحة ومتفوقة كأمة سليمان...؟
سلطان الله أعظم
ومن روعة القرآن في عرض سنن التفوق الحضاري، أن سورة النمل - برغم تركيزها على المقومات والأسباب المادية للنصر - قد استعانت بأمثلة كلها معجزات: من هدهد يتكلم ويجادل، إلى نملة حكيمة توجه قومها، وخلال ذلك كله قول سيدنا سليمان: "علمنا منطق الطير"... وحتى في آخر السورة ترى قوله تعالى (وَإِذَا وَقَعَ ?لْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مّنَ ?لأَرْضِ تُكَلّمُهُمْ أَنَّ ?لنَّاسَ كَانُوا بِـئَايَـ?تِنَا لاَ يُوقِنُونَ( (82).
وهكذا يتواصل الحديث عن المعجزات في السورة، لماذا؟
حتى لا نكون ماديين في تعاطينا مع أسباب التقدم والتفوق الحضاري. وكأن السورة تقول لنا: إياكم أن ينسيكم التفوق الحضاري إرتباطكم بالله تعالى ويقينكم أنه هو صانع النصر، وأن هناك مقومات إيمانية وغيبية للتفوق غير التي أتت في السورة.
أإله مع الله...؟
ثم تنتقل السورة فجأة من الحديث عن التفوق الحضاري إلى الحديث عن قدرة الله في الكون، حتى لا نغتر بحضارتنا فننسى ربنا ونعيش حضارة مادية بلا روح كحضارة الغرب. فتأتي آيات رائعة تخاطب القلب البشري وتهزه ليفيق من غفلته ويتعرف على ربه:
(قُلِ ?لْحَمْدُ لله وَسَلَـ?مٌ عَلَى? عِبَادِهِ ?لَّذِينَ ?صْطَفَى ءالله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ( أَمَّنْ خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ?لسَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـ?هٌ مَّعَ ?لله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ( (59-60). الجمال والتنظيم في خلق الكون يفوقان أي تفوق حضاري... (أَمَّن جَعَلَ ?لأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ ?لْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَءلـ?هٌ مَّعَ ?لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ( (61).
وحتى لا تغتر بقوتك أيها الإنسان: (أَمَّن يُجِيبُ ?لْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ?لسُّوء وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء ?لأَرْضِ أَءلَـ?هٌ مَّعَ ?لله قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ( (62).
(أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَـ?تِ ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ?لرّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ أَءلَـ?هٌ مَّعَ ?لله تَعَالَى ?لله عَمَّا يُشْرِكُونَ ( أَمَّن يَبْدَأُ ?لْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ ?لسَّمَاء و?لأَرْضِ أَءلَـ?هٌ مَّعَ ?لله قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـ?نَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ( (63-64).
وبذلك يتحقق التوازن بين التفوق الحضاري وبين الإيمان بمالك الكون وصاحب القدرة.
لماذا "النمل"؟
ومع أن النمل ذكر في السورة في آية واحدة فقط، لكن سورة التفوق الحضاري كان اسمها سورة النمل، فلماذا؟
إن مملكة النمل هي نموذج للتفوق حضاري في أمة من أمم الحشرات، فهم يملكون كل أسباب التطور، من بناء بيوت المؤن، إلى تنظيم الجيوش وتقسيم أبواب الدخول والخروج، حتى أنهم يستعملون التكييف المركزي داخل مساكنهم... أمة منظمة تفوقت على أقرانها بالعلم والتكنولوجيا حتى استحقت أن تذكر في القرآن الكريم كنموذج يحتذى في التفوق الحضاري..
والناس عادة يستصغرون النمل، لذلك ضرب الله لنا بهم مثلاً، وأمرنا أن نقتدي بهم، حتى يتردد في ذهنك كلما قرأت السورة، أن هذه الحشرة الصغيرة الضعيفة قد وصلت إلى هذا التطور، وحتى تتذكر أن النملة قد تفوقت على غيرها من الحشرات، فلم تترك أيها المسلم غيرك من الحضارات يتفوق عليك؟
حكمة النملة وإيجابيتها
ومن لطائف القرآن، أن الآية المحورية في السورة (أي الآية التي ذكر فيها خطاب النملة لقومها) احتوت على إشارات حضارية رائعة... كلها نتعلمها من النملة الصغيرة.
يقول تعالى: (حَتَّى? إِذَا أَتَوْا عَلَى? وَادِى ?لنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يأَيُّهَا
?لنَّمْلُ ?دْخُلُواْ مَسَـ?كِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـ?نُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ
يَشْعُرُونَ( (18).
فهي قد وقفت تخاطب الجموع يإيجابية، ولم تهرب مع أنها عرضت نفسها لخطر الموت تحت أقدام الجنود، وكان حرصها وغيرتها على قومها أولى عندها من حياتها. وليس هذا فحسب، بل إن خطابها احتوى على إشارات رائعة في فن القيادة والإدارة، فهي قد:
- وجهت التصرف الصحيح قبل التحذير وبيان الخطر حتى لا تتخبط الجموع ببعضها (?دْخُلُواْ مَسَـ?كِنَكُمْ(.
- ثم عرضت المشكلة وبينت الخطر (لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـ?نُ وَجُنُودُهُ( والناس في ساعات الخطر يتصرفون بغير تفكير، مما قد يؤدي إلى المزيد من الأضرار. فكان لا بد للقائد الناجح من إعطاء الحل والمخرج قبل بيان المشكلة، حتى يسمع الناس توجيهاته وهم في حالة نفسية تسمح لهم بتلقي الأوامر وتنفيذها..
- حذرتهم من خطورة التراخي بأن يأمنوا على أنفسهم من سليمان، لأنهم يعرفون صفاته، ولأن سمعته عند النمل حسنة. لذلك أكدت على أن المؤمنين لا يمكن أن يظلموا أو يعتدوا عن قصد، وهذا ما نراه في قولها (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ(.
أرأيت الآن لماذا تبسم سليمان ضاحكاً من قولها؟ ولماذا كانت هذه النملة الصغيرة مثلاً يحتذى في فن القيادة عند الأزمات، والذي هو عنوان التفوق الحضاري...؟



سورة القصص
سورة القصص
سورة القصص (مكية)، وبعضها نزل أثناء الهجرة، نزلت بعد سورة النمل، وهي بعدها أيضاً في ترتيب المصحف. وعدد آياتها 88 آية.
لحظاتها حرجة
نزلت بعض آيات السورة في الوقت الذي كان النبي ( مهاجراً من مكة إلى المدينة، الذي كان حزيناً لفراق مكة حتى أنه خرج منها وعيناه تدمعان، وهو يقول: "اللهُ يعلم أنَّكِ أحبَّ البلاد إلى قلبي، ولولا أن قومكِ أخرجوني ما خرجت".
في مثل هذه الظروف، نزلت السورة لتوجه للنبي والمؤمنين من بعده رسائل دعوية هامة.
تجربة نبي
إن المحور الأساسي في سورة القصص هو قصة موسى عليه السلام، والتركيز على جوانب محددة من قصته: مولده، رميه في البحر، نشأته في قصر فرعون، خروجه من مصر إلى مدين وزواجه من ابنة شعيب، ثم عودته إلى بلده بعد عشر سنين وانتصاره على فرعون. والسورة كلها تعليق على هذه القصص وعلى قصة أخيرة هي قصة قارون. والملاحظ أن سورة القصص هي السورة الوحيدة في القرآن التي ركّزت على مولد موسى ونشأته وخروجه إلى مدين، بينما لم تركز على بني إسرائيل ومشاكلهم مع موسى كما في باقي السور. فما هو هدف السورة؟ وما علاقة هذه الأحداث من قصة سيدنا موسى بهجرة سيدنا محمد (؟

إنا رادوه إليك... لرادك إلى معاد
إن السورة تقول للنبي (، وهو لا يزال خارجاً من مكة، أنك ستعود إليها يا رسول الله منتصراً بعد أن خرجت منها متخفياً.
وفي السورة مقابلة بين وعد الله تعالى لأم موسى في الآية (7): (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـ?عِلُوهُ مِنَ ?لْمُرْسَلِينَ( (القصص 7) ووعد الله تعالى للنبي (: (إِنَّ ?لَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ?لْقُرْءانَ لَرَادُّكَ إِلَى? مَعَادٍ( (القصص 85).. فقصة موسى عليه السلام في السورة تبدأ من الآية 7 بوعد الله تعالى لأم موسى الذي تحقق في آخر القصة، ليأتي وعد رباني آخر من الله تعالى أنه سيعيد النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة منتصراً رغم أنه خرج منها مهاجراً متخفياً، مع استعمال نفس الكلمة في الوعد: (لرادك). وكأن المعنى: أن الذي صدق وعده مع موسى وأمه، سيعيدك إلى مكة فاتحاً منتصراً.
فهدف سورة القصص هو الثقة بوعد الله، واليقين بأنه متحقق لا محالة، مهما طالت المدة أو صعبت الظروف.
وعد بوعد
ونشير هنا إلى ملحوظة هامة جداً، وهي أن سيدنا موسى عليه السلام ترك مصر ثماني سنين وزادها سنتين من عنده (بعد أن تزوج من ابنة شعيب في مدين الذي قال له (إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ?بْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ( (27)). فأكمل بذلك عشر سنين ليعود إلى مصر ثانية.
والنبي ( دخل مكة فاتحاً منتصراً بعد ثماني سنوات من الهجرة، بينما نرى أن الرسالة تمت في السنة العاشرة.. إنها نفس الوعود، تحققت في نفس المدة تماماً، وتحت نفس الظروف الصعبة. فسيدنا موسى خرج من مصر (خَائِفاً يَتَرَقَّبُ( وقال له أحد أهل المدينة (إِنَّ ?لْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ(، وسيدنا محمد ( خرج من مكة مهاجراً في الليل، بعد أن ائتمر به الكفار ليقتلوه.
إن تشابه الأحداث يضعنا تحت سؤال: هل نحن واثقون بنصر الله؟ فالله تعالى قد وعدنا بالنصر والتمكين: (وَعَدَ ?لله ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ?لأَرْضِ كَمَا ?سْتَخْلَفَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ?لَّذِى ?رْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً( (النور، 55). هذا الآية وعد من وعود الله تعالى، تشبه تماماً (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ( (7) و(إِنَّ ?لَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ?لْقُرْءانَ لَرَادُّكَ إِلَى? مَعَادٍ( (85) في كونها من عند الله، وأنها متحققة لا محالة كما تحققت هذه الوعود، (وإن طالت المدة لثماني أو عشر سنين أو أكثر). فهل ستمتلئ قلوبنا بوعد الله بعد قراءتنا لسورة القصص؟
ضريبة الدعوة
لكن تحقق وعد الله تعالى مرتبط بتضحية ومجاهدة من الدعاة أنفسهم، ولذلك أشارت السورة إلى انتقال مكان الدعوة، كما في قصة موسى عليه السلام وسيرة النبي (، ويتجلى ذلك بوضوح في قوله تعالى (وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ ?لْهُدَى? مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا( (57).
فطريق الدعوة إلى الله ليس طريقاً سهلاً، لأنه مليء بالتضحيات وترك الأوطان، لكن آخره نصر وعزة إن شاء الله.
إرادة الباطل وإرادة الله
تعالوا نعيش سوياً مع سورة القصص لنتعلم الثقة بوعد الله: في الآية الثالثة كان الحديث إلى المؤمنين فقط لأنهم هم الذين يثقون بوعد الله: (نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى? وَفِرْعَوْنَ بِ?لْحَقّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(.
وفي الآية الرابعة نجد أن الوضع كان شديداً على سيدنا موسى والذين آمنوا معه، كما كان مع محمد (: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ?لأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ يُذَبّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ?لْمُفْسِدِينَ( تصوير رهيب في كلمات قليلة لمدى قوة فرعون وضعف بني إسرائيل، لتأتي بعدها الآية الخامسة بالوعد الرائع:
(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ?لَّذِينَ ?سْتُضْعِفُواْ فِى ?لأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ?لْوَارِثِينَ(.
ويأتي وعد أعظم من ذلك: التمكين: (وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِى ?لأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـ?مَـ?نَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ( (6)
فتلك كانت إرادة فرعون، وهذه إرادة الله... فهل سيتحقق وعده سبحانه؟
أم موسى والتغيير
وبعد الآيات التي صوّرت ظلم فرعون وجنوده، وآيات الوعد الرباني بالنصر والتمكين، تأتينا الآية السابعة بأمر عجيب: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى? أُمّ مُوسَى? أَنْ أَرْضِعِيهِ( (7) فكأن هذه الآية هي بداية تحقيق الوعد، كيف؟
فالسورة - بعد أن أشارت إلى علو فرعون وتجبّره وإلى حتمية التغيير - انتقلت إلى جو مختلف تماماً: أم ترضع ابنها. فما العلاقة؟ إن في ذلك إشارة بأن النصر يبدأ بأمهات تربي أطفالها، وترضعهم - مع الحليب - التمسك بهذا الدين، والثقة بوعد الله. واللطيف أن الآية لم تقل لأم موسى (فإذا خفت عليه فخبئيه) أو (فاحضنيه)، بل قالت لها (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ?ليَمّ( (7)، وكأن المعنى: إلقيه في اليم وثقي بوعد الله، لماذا؟ لأنه يقول (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـ?عِلُوهُ مِنَ ?لْمُرْسَلِينَ( (7). قصة مولد أمة، بدأت بطفل يرمى في البحر، وأم واثقة من وعد الله لها.
دور المرأة في نصرة الدين
وسورة القصص تسلط الضوء بشكل واضح على دور المرأة في نصرة هذا الدين. فالمحاور الرئيسية في السورة والأشخاص الأساسيون الذين ساعدوا موسى عليه السلام في تأدية دوره كنّ أربع نساء، أولهن أم موسى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى? أُمّ مُوسَى?(. التي حمته بتصرفها الواثق بوعد الله لها..
ثم دور أخت موسى (وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ?لْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى? أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَـ?صِحُونَ ( فَرَدَدْنَـ?هُ إِلَى? أُمّهِ( (11 – 13). إنه دور الأخت التي أعادت موسى عليه السلام إلى أمه. والثالثة هي زوجة فرعون (وَقَالَتِ ?مْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى? أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً( (9). والرابعة هي بنت شعيب التي تزوجها: (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى ?سْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا( (25). لا بل أنها هي التي أوحت لأبيها بهذه الفكرة (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ي?أَبَتِ ?سْتَـجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ?سْتَـجَرْتَ ?لْقَوِىُّ ?لأَمِينُ( (26).. إنهن أربع نساء كان لهن دور محوري في حياة سيدنا موسى عليه السلام بعون وتوفيق من الله تعالى..
وإن كان هناك أربع نساء ساعدن سيدنا موسى في حياته وفي دعوته، فإننا نرى في حياة سيدنا محمد أدواراً مهمة للعديد من النساء، كالسيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت تدعم النبي بنفسها ومالها، بالإضافة إلى أم سلمة وعائشة وغيرهن من أمهات المؤمنين. ولا ننسى أول شهيدة في الإسلام، السيدة سمية، والسيدة فاطمة بنت النبي ( وسيدة نساء العالمين.. أرأيت المقابلة الشديدة بين حياة النبيين الكريمين؟ فالسورة كلها تركز على أن وضع سيدنا موسى وحياته يشبه ظروف السيرة النبوية الكريمة كما يشبه وضعنا اليوم، لتؤكد على نفس المعنى: يا مسلمون ثقوا بوعد الله...
الوعد وتحقق الوعد
تتضمن سورة القصص سبع وعود فلنتأمل هذه الوعود وهل تحققت أم لا؟..
يقول تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى? أُمّ مُوسَى? أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ?ليَمّ وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـ?عِلُوهُ مِنَ ?لْمُرْسَلِينَ( (7)
هذه الآية تتضمن وعدين، الأول: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ( والثاني: (وَجَـ?عِلُوهُ مِنَ ?لْمُرْسَلِينَ(..
أما الوعد الأول، فقد تحقق، وأخبر الله تعالى عن ذلك في الآية 13: (فَرَدَدْنَـ?هُ إِلَى? أُمّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ?لله حَقٌّ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ( (13).. أي ولتعلم أم موسى، وتعلم يا محمد، وتعلم أنت وأنا والأمة كلها أن وعد الله حق، وأن هذا الدين منصور لا محالة، لكن أين الناس الذين سيتحركون ويضحون لنصرة هذا الدين كما تحركت أم موسى وكما تحرك النبي؟
وأما الوعد الثاني (وَجَـ?عِلُوهُ مِنَ ?لْمُرْسَلِينَ(، فقد تحقق في الآية (30): (فَلَمَّا أَتَـ?هَا نُودِىَ مِن شَاطِىء ?لْوَادِى ?لأَيْمَنِ فِى ?لْبُقْعَةِ ?لْمُبَارَكَةِ مِنَ ?لشَّجَرَةِ أَن ي?مُوسَى? إِنّى أَنَا ?لله رَبُّ ?لْعَـ?لَمِينَ(.
وليس هذا فحسب، بل إننا نرى وعداً ثالثاً في قوله تعالى (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـ?ناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِـايَـ?تِنَا أَنتُمَا وَمَنِ ?تَّبَعَكُمَا ?لْغَـ?لِبُونَ( (35). هذه الضمانة الربانية (فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا( قد تحققت في قوله تعالى: (فَأَخَذْنَـ?هُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـ?هُمْ فِى ?لْيَمّ فَ?نظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـ?قِبَةُ ?لظَّـ?لِمِينَ( (40).. ونلاحظ دائماً أن هناك فترة بين الوعد وتحقق الوعد. هذه الفترة قد تتراوح بين عشر سنين، أو أربعين سنة، وقد تطول وقد تقصر، بمشيئة الله سبحانه وتعالى.
أذان التمكين عند فتح مكة
وقد وعد الله تعالى النبي ( بفتح مكة، وتحقق وعد الله، وعاد النبي ( إليها، وصعد بلال رضي الله عنه وأذّن.. وتحقق وعد الله، وتكسرت الأصنام وأصبح الصحابة يرددون قول الله تعالى (وَقُلْ جَاء ?لْحَقُّ وَزَهَقَ ?لْبَـ?طِلُ إِنَّ ?لْبَـ?طِلَ كَانَ زَهُوقًا( (الإسراء 81) وقوله تعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً( (الفتح 1).
وتحقق وعد الله تعالى بالانتصار على الفرس والروم (وَعَدَ ?لله ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ?لأَرْضِ كَمَا ?سْتَخْلَفَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ?لَّذِى ?رْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً( (النور 55)..
عمار بن ياسر ووعد الله
وتحقق وعد الله سبحانه تعالى في الآية الخامسة أيضاً (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ?لَّذِينَ ?سْتُضْعِفُواْ فِى ?لأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ?لْوَارِثِينَ(، ليس لبني إسرائيل فقط، بل لصحابي جليل، وهو عمار بن ياسر. كيف؟
فقد قال سيدنا عمر رضي الله عنه لعمار: "إذهب لقد وليتك إمارة العراق" وأرسل معه مساعداً في ولايته، وبقي عمار في الأمارة مدة شهر - مع أن مؤهلاته القيادية لا تصلح ليكون والياً - إلى أن استدعاه عمر بن الخطاب إلى المدينة. وحين سئل أمير المؤمنين عن سبب ذلك، قال: "لقد نظرت في كتاب الله ووجدت أن كل وعود الله تبارك وتعالى قد تحققت لنا ولأمة النبي (، ورأيت قول الله تبارك وتعالى "(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ?لَّذِينَ ?سْتُضْعِفُواْ فِى ?لأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ?لْوَارِثِينَ( (58) وأنت يا عمار من الذين استضعفوا في الأرض، فأردت يا عمار أن أري الناس وعد الله وهو يتحقق، اذهب فقد وليتك العراق لمدة شهر ليرى الناس وعد الله وهو يتحقق أمام أعينهم (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ?لَّذِينَ ?سْتُضْعِفُواْ فِى ?لأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ?لْوَارِثِينَ(.
سراقة بن مالك وسواري كسرى
وتتجلى ثقة النبي بوعد الله تعالى في حادثة الهجرة أيضاً، حين كان ( مطارداً وجاء سراقة بن مالك ليقتله أو يأسره وينال جائزته من قريش (وهي 100 ناقة).. لكنه كلما حاول الاقتراب منه وقع عن فرسه بلا سبب مع كونه فارساً مغواراً، فيقول سراقة "فعلمت بأن الرجل ممنوع". أي أن هناك ما يمنعه، فقال يا محمد أعطني الأمان، فقال النبي ( لك الأمان، فقال سراقة: يا محمد أردت أن آخذك فلم أستطع وكنت أريد جائزة فأعطني أنت شيئاً، فقال له النبي ( أعدك سواري كسرى، فقال سراقة: كسرى من؟ فقال النبي (: كسرى ملك الفرس فقال سراقة: أتكتب لي كتاباً بهذا فقال النبي يا أبا بكر أكتب له كتاباً بهذا.
يا رسول الله، لماذا لم تعده بأوقية بلح من المدينة؟ أو بمبلغ من المال؟ لماذا سواري كسرى؟ إنها الثقة من النبي ( بوعد الله تبارك وتعالى...
وقد احتفظ سراقة بالكتاب قبل أن يسلم، وبقي يحتفظ بالكتاب إلى خلافة عمر، عندما فتحت بلاد فارس ودخل المسلمون المدائن عاصمة الفرس. وغنم المسلمون كنوز كسرى ووضعت في المسجد، وعندها صعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه المنبر ونادى: أين سراقة بن مالك. فيأتي رجل عجوز ويقول ماذا يا أمير المؤمنين؟ فيقول: يا سراقة هذه سواري كسرى قسمة موعودة قسمها لك النبي ( قبل أن يموت. فبكى جميع من في المسجد ونظروا إلى بيت النبي وقالوا صدق صاحب هذا المقام... صلى الله على محمد (. يا مسلمون، ثقوا بوعد الله كما فعل نبيكم...
إن الله زوى لي الأرض
وكما وعد النبي سراقة بن مالك بسواري كسرى، فقد وعدنا عليه الصلاة والسلام وعداً رائعاً:
"إن الله زوى لي الأرض فوجدت ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها". لكن ليتحقق هذا الوعد نرى أن سورة القصص ترشدنا إلى كيفية تحقيقه: (تِلْكَ ?لدَّارُ ?لأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى ?لأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( (القصص83) فالذين يستحقون وعد الله بالنصر والتمكين والملك في الأرض وقيادة البشرية هم الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، وقوله تعالى (وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( يعني أن نهاية النصر لا تكون إلا للمتقين..
قارون: علا في الأرض، فعلته الأرض
وهذه الآية السابقة (تِلْكَ ?لدَّارُ ?لأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى ?لأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( أتت تعقيباً على قصة قارون، للإشارة بأن السلطة والجاه الذي كان قارون يعيش فيهما كانا من قبيل العلو والفساد، وكانت النتيجة أن خسف الله به وبداره الأرض (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ?لأَرْضَ..( (81).
فالسورة تتحدث عن تحقق وعد الله للمؤمنين الصادقين (بني إسرائيل وأم موسى وموسى). من هم أولئك يا رب؟ (لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى ?لأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً( (83) لذلك جاءت قصة قارون كنموذج للذين يريدون علواً في الأرض وفساداً، ولتحذرنا منهم.
سبب تسمية السورة
وكالعادة، يبقى سؤال مهم وهو: لماذا سميت السورة بسورة القصص؟
إن المعنى اللغوي للقصص هو تتبع أثر الشيء حتى نهايته كما جاء في قوله تعالى (وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ( (11). أي تتبعي آخر الأخبار وقوله تعالى (فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ?لْقَصَصَ( (25) أي حدثه عن الموضوع من أوله لآخره، فالقصص هو تتبع أثر الشيء حتى نهايته..
وقد سميت بسورة القصص لترشدنا بأننا لو تتبّعنا القصص في السورة إلى نهايتها لوجدنا أن وعد الله في كل واحدة منها قد تحقق، وأن العاقبة للمتقين... ولكن المشكلة عند كثير من الناس هي في عدم تتبعهم للقصص، فالبعض ينظر إلى حلقة واحدة في الصراع بين الحق والباطل هي هزيمة الحق، فيظن بأن وعد الله لن يتحقق...
فمن الآن وصاعداً، كلما تقرأ كلمة القصص، تذكر نهاية قصص هذه السورة الكريمة، وتذكّر أن وعد الله بالنصر والتمكين متحقق لا محالة، مهما طالت المدة أو تأخرت.
سيدنا موسى بين سورتي القصص والكهف
وهناك مقابلة لطيفة بين قصة سيدنا موسى في سورة الكهف مع قصته في سورة القصص.
ففي سورة الكهف استغرب موسى في قصته مع الخضر عليهما السلام مما فعله الخضر، من إغراق السفينة وقتل الغلام وإكرام القوم الذين لم يستضيفوهما.
واللطيف أن هذه الأمور الثلاثة قد حصلت مع موسى كما أخبرت سورة القصص، فلقد ألقته أمه في البحر، ولقد قتل رجلاً من جنود فرعون خطأ، وكذلك فإن أبا الامرأتين استضافه لمدة عشر سنين..
فوعود الله تبارك وتعالى تحققت في السورتين رغم صعوبة الظروف، لأن الله يفعل ما يشاء. وقد يحدث أن تتكرر الأمور في حياة الإنسان، فما كنت مستغرباً منه بالأمس فقد يحصل لك اليوم (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ(... فثق بأن الله هو القدير وهو مالك الملك وهو المتصرف في ملكه كيف يشاء.
واللهُ غالِبٌ على أمره ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يعلمون"!!!!



سورة العنكبوت
سورة العنكبوت
سورة العنكبوت (مكية)، نزلت بعد سورة الروم، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة القصص، وعدد آياتها 69 آية.
سورة الفتن
وهدف سورة العنكبوت يظهر واضحاً من بدايتها: (الـم ( أَحَسِبَ ?لنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ( (1-2). "أيها المؤمن، جاهد الفتن، واصبر عليها. فهي سورة الفتن...
هذه الفتن أمر محتوم في حياة المسلم، وهي سنة كونية وقاعدة ربانية كتبها الله على هذه الدنيا. وقد يسأل البعض: لماذا هذه الفتن؟ ألم يكن من الأفضل أن نعيش حياة هادئة، فنصلّي ونصوم ونعبد الله تعالى دون أي فتنة أو مصيبة. من يسأل هذه الأسئلة لم يفهم حكمة الله تعالى ومراده من هذه الدنيا، التي جعلها دار امتحان للآخرة. فبدون فتن، لا يمكن أن يتميز الناس في الجنة، ولا يمكن أن نفرق بين من يستحق الفردوس الأعلى، ومن يستحق أدنى درجات الجنة، ومن لا يستحق دخولها إلا بعد أن يمر بالعذاب... إن من مقتضيات عدل الله تعالى أن يعرض عباده للفتن حتى يميز الخبيث من الطيب.
سنة كونية
لذلك كانت بداية السورة: (الـم ( أَحَسِبَ ?لنَّاسُ..( هل من المعقول؟ (.. أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ(.
هل من المعقول أن تعتقدوا أنكم مؤمنون لمجرد أنكم قلتم "آمنا" بأفواهكم؟

حتى ولو كنتم صادقين في قولها، لا بد من الامتحان. (... وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ(...
والأصل أن المؤمن يُبتلى، فلا تظننُّ أبداً أيُّها المؤمن أن الابتلاء يأتيك وحدك، لأن الآية الثالثة تقرر أن هذه الفتنة سنّة كونية: (وَلَقَدْ فَتَنَّا ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ( لماذا يا رب؟ تأتي الإجابة في الآية نفسها: (فَلَيَعْلَمَنَّ ?لله ?لَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ?لْكَـ?ذِبِينَ( أي ليظهر المؤمن الحقّ من مُدَّعي الإيمان... لذلك تأتي الآية (11) بنفس المعنى: "وليَعلمَنَّ اللهُ الذينَ آمَنوا ولَيَعلَمَنَّ المنافقين".
وهنا قد يتبادر سؤال إلى الذهن: ألا يعلم ربنا - وهو علام الغيوب - من سينجح في الفتن ويصبر، ومن سيقع ويضل...؟ فلم الفتن إذاً؟ والجواب: أن الله تعالى يرسل هذه الامتحانات حتى تعلم أنت أيها الإنسان أمام نفسك، وتكون حجة عليك يوم القيامة.
كان يكفي أن يقول لك الله تبارك وتعالى يوم القيامة: "أنا أعلم
أنك لو وضعت في الموقف الفلاني ستفعل كذا وكذا.. اذهب وادخل النار"
لكن الله تعالى بحكمته ورحمته وعدله يرسل لك الاختبارات في الدنيا، ويحاسبك على أفعالك الحقيقية في الآخرة. (فَلَيَعْلَمَنَّ ?لله ?لَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ?لْكَـ?ذِبِينَ( (3).
من كان يرجو لقاء الله
ولا تظنن أخي المسلم أن الدنيا سهلة خالية من المشاكل، حتى لو كنت مؤمناً، لأن الإيمان لن يخلصك من فتن الدنيا، والمرء يبتلى على قدر دينه. لذلك تقول لك سورة العنكبوت: إن كنت ترجو ثواب الله، فاصبر على مجاهدة الفتن والاختبارات، حتى تلقى ربك فيجازيك، لأن لقاء الله قريب لا محالة. (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ?لله فَإِنَّ أَجَلَ ?لله لآتٍ وَهُوَ ?لسَّمِيعُ ?لْعَلِيمُ( (5) ولا يتبادر إلى ذهنك - وسط الحديث عن الفتن - أن الله محتاج إلى مجاهدتك لها، بل أن جهادك وصبرك هما من أجلك وحدك... لأن الله غَنِيٌّ عن عملنا وعن عبادتنا، وغني عن العالَمِين، ونحن الفقراء والمحتاجون إليه في كل شيء.
(وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـ?هِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ ?لله لَغَنِىٌّ عَنِ ?لْعَـ?لَمِينَ( (6)
أذى.. لا عذاب
ومن أخطر الفتن التي تعرضها السورة، فتنة الدين، بأن يتعرض المسلم للأذى بهدف إبعاده عن دين الله. والسورة تؤكد أنه أذى وليس عذاباً، لكن الموازين عندما تختل، يظن العبد الضعيف أن إيذاء الناس له هو العذاب بعينه. لذلك تأتي السورة لتؤكد أن هذا ليس صحيحاً، لأن العذاب لا يملكه إلا الله سبحانه وتعالى: (وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يِقُولُ ءامَنَّا بِ?لله فَإِذَا أُوذِىَ فِى ?لله جَعَلَ فِتْنَةَ ?لنَّاسِ كَعَذَابِ ?لله وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ ?لله بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ?لْعَـ?لَمِينَ( (10).
من أصعب الفتن
وتمضي آيات السورة لتدور حول نفس المحور: الفتن هي التي ستكشف إيمان الناس وتختبر معادنهم، وتظهر صدقهم من زيفهم. لذلك تأتينا بفتنة أخرى، بأن يضغط الوالدان على ابنهما حتى يبعداه عن طاعة الله، إما خوفاً عليه أو عناداً لدين الله: (وَوَصَّيْنَا ?لإِنْسَـ?نَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَـ?هَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( (8).
فتنة شديدة وصعبة، هل سيثبت على الدين، وهل سيبقى على بر أبويه رغم كفرهما؟
سبل النجاة من الفتن
ومن لطائف السورة، أنها ابتدأت بتقرير أن الفتنة موجودة في حياة الناس وأنها شديدة وصعبة:
(أَحَسِبَ ?لنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ( (2)، بينما ختمت السورة بآية جميلة، تثبت لنا أن الفتنة سهلة وأن الله سيهدينا ويساعدنا في اجتيازها إن جاهدنا:
(وَ?لَّذِينَ جَـ?هَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ?لله لَمَعَ ?لْمُحْسِنِينَ( (69)، هذه الآية تتحدث عن جهاد النفس والفتن، لأنها نزلت في مكة حين لم يكن الجهاد بالسيف قد فرض بعد، وكأنها تقول لنا: جاهدوا أنفسكم وانتصروا عليها، تضمنوا الانتصار على العدو الداخلي والعدو الخارجي...
أئمة المجاهدين
ثم تستعرض السورة كيف واجه أنبياء الله تعالى - نوح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى - الفتن وجاهدوها. فإذا نظرنا إلى قصة نوح التي وردت في السورة، وجدنا أنها السورة الوحيدة التي ذكرت مدة دعوة سيدنا نوح لقومه (950) سنة: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً(.
حتى يعرف المؤمنون، عبر الأجيال، أن الفتن حتمية الوقوع، فحتى الأنبياء لم يسلموا منها.
ولنعرف مقدار المجاهدة والصبر اللذان بذلهما سيدنا نوح، فيكون ذلك معيناً لنا على تحمُّل ما قد نواجه من فتن، والتي هي طبعاً أقل من فتنته بكثير وبعد ذلك فتنة أخرى: سيدنا إبراهيم وصبره على قومه لما قالوا: (?قْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ فَأَنْجَاهُ ?لله مِنَ ?لنَّارِ( (24) لتثبت لنا بشكل عملي أن الله تعالى يعيننا على مواجهة الفتن، لكن المطلوب هو أن نبادر إلى مجاهدتها (وَ?لَّذِينَ جَـ?هَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا( (69).
لماذا العنكبوت؟
وبقي أن نتحدث عن سبب تسميتها باسم "العنكبوت"، فعندما يضرب لنا ربنا مثلاً بمخلوق ما، فإن هدف السورة مرتبط لا محالة بهذا المثال. فمثلاً، سورة النمل، كانت سورة التفوق الحضاري، فكان رمز هذا التفوق، أمة النمل، التي هي أمة فائقة التنظيم والأخذ بمقومات الحضارة. وسورة النحل، التي كان هدفها: "الشكر على النعم"، أظهرت لنا كيف أن هذه المخلوقات، حين اتبعت أوامر الله، خرج منها عسل شهي ومفيد، فيه شفاء للناس، لتثبت لنا أننا إذا اتبعنا أوامر الشرع، فسيخرج نور الهداية الذي هو شفاء للناس، كالعسل تماماً.
ويعود السؤال من جديد: لماذا سميت سورة الفتن باسم العنكبوت؟
شبيهة بخيوطها
ويعود ذلك إلى أن تداخل الفتن يشبه خيوط العنكبوت. فطبيعة الفتن أنها متشابكة ومتداخلة، فلا تقدر أن تميز فتنة دون سواها، وهي كثيرة ومعقدة، تغطي تفاصيل حياة المرء.. لكنها بالمقابل هشة وضعيفة، إذا استعنت بالله في مواجهتها: (وَإِنَّ أَوْهَنَ ?لْبُيُوتِ لَبَيْتُ ?لْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ( (41).
والإنسان عادةً إذا أصيب بفتنة، انقلب على وجهه وجرى يبحث عن ملجأ. وفي الغالب (للأسف) يستعين بغير الله تعالى، ويلجأ إلى البشر. لذلك تقول لنا السورة: إذا لجأتم إلى البشر هرباً من الفتن، فستكونون كمن هرب ولجأ إلى بيت العنكبوت، بيت ضعيف هش لا يقي صاحبه ولا يستره: (مَثَلُ ?لَّذِينَ ?تَّخَذُواْ مِن دُونِ ?لله أَوْلِيَاء كَمَثَلِ ?لْعَنكَبُوتِ ?تَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ?لْبُيُوتِ لَبَيْتُ ?لْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ( (41). وكأن المعنى: من أشد الفتن وأخطرها، أن ترضي الناس على حساب دينك، أو تستعين بغير الله أو تتوكل على غيره.
أوهن البيوت
وبيت العنكبوت واهن بسبب ضعف خيوطه، ومن الناحية الاجتماعية أيضاً. فبعد أن يلقِّح الذَّكر الأنثى تقوم بقتله والقائه خارج البيت... وحين يكبر الأولاد، يقومون هم أيضاً بقَتل الأم وإلقائها خارج البيت... بيت عجيب، من أسوأ البيوت على الإطلاق.
لذلك ضربت لنا السورة مثل العنكبوت، لتعلمنا أن خيوط العنكبوت الكثيفة، وان كانت معقدة، فهي تشبه الفتن في أنها واهية. ولتصور لنا أن استعانتنا عند الفتن بغير الله تعالى، هي تماماً كمن يلجأ لهذا البيت الواهي في علاقاته وفي أسسه. فسبحان الله على اختيار هذا الاسم لسورة الفتن، حتى يحذر الناس من تقليد هذه الحشرة في حياتها ومن التشبه بأفعالها.

سورة الروم
سورة الروم
سورة الروم (مكية)، نزلت بعد سورة الانشقاق، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة العنكبوت. عدد آياتها 60 آية.
آيات الله واضحة بينة
هذه السورة هي أكثر سور القرآن إيراداً لقوله تعالى (وَمِنْ ءايَـ?تِهِ(، مما يدلنا على هدف السورة: "آيات الله واضحة وبينة، فكيف لا تؤمنون؟".
لذلك تنتقل بنا الآيات في أرجاء ملك الله في الكون، وتذكر لنا آياته الواضحة البينة، لتزيدنا إيماناً بعظمته وقدرته. اقرأ معي الآيات: (وَمِنْ ءايَـ?تِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ( وَمِنْ ءايَـ?تِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْو?جاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً( (20-21).
وكأن هذه الآيات تذكرنا بمعنى رائع، وهو أن لله تعالى في ملكه كتابان: كتاب الله المنظور الذي هو الكون، وكتاب الله المقروء الذي هو القرآن. ومن روعة الكتابين أنهما يدلان على بعضهما. فسورة الروم مثلاً، سورة مقروءة. لكنها تأخذ عينيك وتقول لك: أنظر إلى كتاب الله المنظور لتستدل على الله. وكلما نظرت في الكون أكثر، وجدته يحملك على أن ترجع لكتاب الله المقروء. فسبحان من جعل لكل نوع من الناس - أميين ومتعلمين، عرباً وعجماً، كباراً وصغاراً - كتباً يقرأونها ويستدلون بها على الله..
ومن آياته... ومن آياته
وتمضي الآيات في عرض متواصل لآيات الله الواضحة في الكون:

(وَمِنْ ءايَـ?تِهِ خَلْقُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَ?خْتِلَـ?فُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْو?نِكُمْ إِنَّ فِى ذ?لِكَ لأَيَـ?تٍ لّلْعَـ?لَمِينَ ( وَمِنْ ءايَـ?تِهِ مَنَامُكُم بِ?لَّيْلِ وَ?لنَّهَارِ وَ?بْتِغَاؤُكُمْ مّن فَضْلِهِ...( (22-23) - (وَمِنْ ءايَـ?تِهِ يُرِيكُمُ ?لْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزّلُ مِنَ ?لسَّمَاء مَاء فَيُحْىِ بِهِ ?لأَرْضَ( (24) - (وَمِنْ ءايَـ?تِهِ أَن تَقُومَ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضُ بِأَمْرِهِ( (25).
هذه السورة 60 آية، من فضلك أنظر بنفسك، كم مرة وردت كلمة (آيات( في هذه السورة؟ لذلك بعد أن تقرأ السورة، أخرج إلى الطبيعة وتفكر في خلق الله لمدة 5 دقائق، من الذي خلق هذا الكون وأبدعه؟ من الذي جعل فيه هذه الآيات العظيمة؟ من الذي أصلح علاقات الأزواج مع أزواجهم، وجعل بينهم مودة ورحمة؟
وننتقل إلى الآية 46 لنرى آية أخرى من آيات الله (وَمِنْ ءايَـ?تِهِ أَن يُرْسِلَ ?لرّيَـ?حَ مُبَشّر?تٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ(. وتأتي آية أخرى (?لله ?لَّذِى يُرْسِلُ ?لرّيَـ?حَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِى ?لسَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى ?لْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ( (48). وحتى في خلق الناس: (?لله ?لَّذِى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً( (54).
وكأن هذه السورة تدلك على كتاب الله المنظور، وتقول لك: أنظر إلى آيات الله كيف تحيط بك من كل جانب، فكيف لا يؤمن بها المكذبون الجاحدون؟ كيف يشك بعض الناس بقدرة الله تعالى؟
الروم: آية تاريخية
لكن يبقى سؤال: لماذا سميت هذه السورة بسورة الروم؟ ستقول: لأن في أولها قوله تعالى (غُلِبَتِ ?لرُّومُ(. سأقول لك: حاضر... لكن ما علاقة الروم بهدف السورة؟ ولماذا لم تسم هذه السورة بسورة الآيات؟
إن التسمية بهذا الاسم تحمل دلالة تاريخية، ففي عهد النبي (، قامت حرب بين الفرس والروم، فانتصر الفرس على الروم انتصاراً ساحقاً لم تقم الروم من بعده.. فنزلت الآيات تخبر المؤمنين أن الروم سينتصرون على الفرس خلال بضع سنين (أي من ثلاث إلى تسع سنوات).
فالسورة تتحدث عن آيات الله المبهرة في الكون، وكأنها تقول لكل من يكذب ويعاند: إن لم تروا هذه الآيات وتؤمنوا بها، فانظروا إلى آية مادية، ترونها أمام عينيكم، وهي انتصار الروم على الفرس في أقل من عشر سنين... وهذه الآية موجهة لنا في عصرنا الحديث كما هي موجهة للأولين، فما الذي أدرى النبي الذي يسكن في مكة أن الروم سينتصرون على عدوهم..؟ اسمع معي الآيات:
(الـم ( غُلِبَتِ ?لرُّومُ ( فِى أَدْنَى ?لأَرْضِ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( فِى بِضْعِ سِنِينَ لله ?لأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ?لْمُؤْمِنُونَ ( بِنَصْرِ ?لله يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ ?لْعَزِيزُ ?لرَّحِيمُ( (1-5).
آية كونية
وتحققت النبوءة القرآنية تماماً بعد تسع سنين. وسميت السورة بسورة الروم، حتى تلفت نظر كل كافر إلى هذه الآية المادية لو لم يصدق بالآيات المنظورة في الكون. لا بل أن هناك آية أخرى في هذه الحادثة، لم يفهمها الأوائل ولم ينتبهوا لها، تزيدنا إيماناً بهذا الكتاب المبيّن وآياته المبهرة...
فالسورة تقول عن المعركة أنها حصلت في أدنى الأرض (غُلِبَتِ ?لرُّومُ ( فِى أَدْنَى ?لأَرْضِ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(.. وهذه الآية لا يستطيع أحد من عصرنا إنكارها، فقد دل العلم الحديث أن المكان الذي حدثت فيه المعركة، المعروف بحوض البحر الميت حالياً، هو أدنى منطقة على الكرة الأرضية.. (وارجع إلى كتب الإعجاز العلمي في القرآن للمزيد من التفاصيل) فماذا يملك كل مكذّب قديماً أو حديثاً بعد هذه الآيات..؟
آية اقتصادية
وتمضي السورة لتذكر لنا آية أخرى، آية مادية نراها في الدنيا... ليست آية علمية بل آية اقتصادية... اسمع قوله تعالى: (وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ ?لنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ?لله وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زَكَو?ةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ?لله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْمُضْعِفُونَ( (39). والمعنى أن الربا لا يزيد المال بل ينقصه، ويأتي علم الاقتصاد الحديث فيثبت أن أفضل وسيلة تجعل الاقتصاد مستقراً هي أن تكون نسبة الفائدة صفراً بالمئة، أي بإلغاء الفوائد كلياً. ثم يثبت علم الاقتصاد أيضاً أن الزكاة هي من أفضل أساليب التنموية..
فما الذي جاء بآية الربا ضمن سورة الآيات؟ سبحان الله، كأن السورة تقول للناس كلهم، في كل العصور: أنظروا إلى آيات الله في كل المجالات: في التاريخ، والكون، وعلم الجيولوجيا وعلم الاقتصاد... الزكاة أسلوب تنموي، والربا أسلوب لإقلال الأموال وخسارة الاقتصاد
وقبل الختام، هناك عدة ملاحظات لا بد أن نشير إليها:
ظاهر الآيات وباطنها
أتى في أوائل السورة قوله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ?لأَخِرَةِ هُمْ غَـ?فِلُونَ( (7).
فهذه الآية أتت في سورة مليئة بآيات الله تعالى، لتخبرنا أن هناك
الكثير من الآيات والدلائل قد لا نراها ولا نفهم الحكمة منها، لكنها في الواقع غير ما نراه.
فظاهر الروم هزيمة وانكسار، لكن الباطن والنتيجة كانا انتصاراً على عدوهم في مدة قصيرة جداً. وظاهر الربا الزيادة، وظاهر الزكاة النقصان، لكن السورة تثبت غير ذلك، أن الربا يؤدي إلى دمار اقتصادي، بعكس الزكاة التي تؤدي إلى التنمية.. وكأن المعنى: ثقوا أيها المؤمنون بوعد الله، وثقوا بحكمته وتدبيره في الكون...

سورة لقمان
سورة لقمان
سورة لقمان (مكية)، نزلت بعد سورة الصافات، وهي في المصحف بعد سورة الروم، آياتها 34 آية.
سورة تربية الأبناء
نفهم هدف السورة من اسمها، الذي يدل على تربية لقمان لابنه ووصيته التي جاءت بها السورة. فهي سورة تربية الأبناء، تحمل في آياتها أساليب رائعة لتربيتهم على منهج الله تعالى، تربية شاملة لكل ما يحتاجه الأبناء في دينهم ودنياهم. هذه التربية تشمل المحاور التالية:
1. توحيد الله تعالى
2. بر الوالدين
3. أهمية العبادة والإيجابية
4. فهم حقيقة الدنيا
5. الذوق والأدب
6. التخطيط للحياة
سبحان الله. كل هذا موجود في السورة؟ كل هذا في 34 آية فقط؟
هذه السورة لا بد أن تدرس في مدارسنا، وأن يقرأها أبناؤنا
ويحفظوها لينشأوا على التوجيهات التي ربى لقمان ابنه عليها. وليس هذا فحسب، بل إن الآباء يجب أن يتعلموها قبل الأبناء، ليتعرفوا من هذه المدرسة

القرآنية، مدرسة لقمان، على أصول التربية الإسلامية والدنيوية.
محاور تربية لقمان
1. عدم الإشراك بالله
وهذا المحور نراه واضحاً في السورة كلها، لأن أول ما يجب أن ننشئ أطفالنا عليه هو توحيد الله تعالى وعدم الشرك به. فكيف نزرع هذا المعنى في أطفالنا؟ لا بد أن نريهم ملك الله في الكون، ونخرج معهم في النزهات والرحلات، حتى يروا المناظر الطبيعية، فيتعلموا منها إتقان الله في خلقه، ويتعرفوا على عظمة الخالق سبحانه وتعالى من عظم مخلوقاته.
أنظر كيف ربى لقمان ابنه: (ي?بُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِ?لله إِنَّ ?لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ( (13) فبدأ بالدرس النظري في التحذير الشديد من الشرك، ثم بعد آيتين انتقل للدرس العملي: (ي?بُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ?لسَّمَـ?و?تِ أَوْ فِى ?لأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ?لله إِنَّ ?لله لَطِيفٌ خَبِيرٌ( (16). ومن روعة هذه الآية أنها ضربت مثلاً يفهمه الأولاد الصغار، بينما تحمل معنى عظيماً يلائم الكبار أيضاً ويجعلهم يشعرون بقدرة الله تعالى وإحاطته وعلمه.
2. بر الوالدين، وتعريف الأبناء بفضل الآباء عليهم، حتى يعرفوا معنى الشكر، شكر الله وشكر الوالدين.
(وَوَصَّيْنَا ?لإِنْسَـ?نَ بِو?لِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى? وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ ?شْكُرْ لِى وَلِو?لِدَيْكَ إِلَىَّ ?لْمَصِيرُ( (14).
وحتى عند الأمر ببر الوالدين، يأتي التذكير بعدم الشرك حتى لو كان ذلك طاعة للوالدين، ليعلمنا القرآن أن الأمرين لا ينبغي أن يتعارضا مع بعضهما.. (وَإِن جَـ?هَدَاكَ عَلَى? أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا( (15) وتأتي قاعدة هامة في التوازن بين البر وبين ترك الشرك: (وَصَـ?حِبْهُمَا فِى ?لدُّنْيَا مَعْرُوفاً( (15).
3. أهمية العبادة والإيجابية في الحياة.
(ي?بُنَىَّ أَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ وَأْمُرْ بِ?لْمَعْرُوفِ وَ?نْهَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ( (17).
فليست التربية أن تؤمن لأطفالك الطعام والشراب والمسكن والملبس والدواء.. هذه كلها إداريات البيت، والتربية ينبغي أن تنشئ الأطفال على عبادة الله تعالى. ولا تقتصر التربية على تعليم الأطفال أداء الصلاة، كما يعتقد الكثير من الآباء، لأننا يجب أن نغرس في قلوبهم الإيجابية في مجتمعهم وبين إخوانهم، فيأمروا بالمعروف وينهون عن المنكر ويأخذوا بأيدي الناس للهداية.
4. التعريف بحقيقة الدنيا
هناك آباء يربّون أبناءهم على الترف والإنفاق والاعتماد على مال
آبائهم، ظناً منهم أنهم يؤمنون لأولادهم كل ما تتطلبه الدنيا. لكن
المطلوب هو تعريف الأبناء بحقيقة الدنيا وسياستها المتقلبة، وأن الدنيا لن تدوم لآبائهم، وأنه لا بد للأبناء من الاعتماد على أنفسهم. فيقول لقمان في الآية (17): (وَ?صْبِرْ عَلَى? مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ?لأُمُورِ(. وبالأخص إذا تربى الولد على الإيجابية في الآية السابقة (وَأْمُرْ بِ?لْمَعْرُوفِ وَ?نْهَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ(، فإنه يحتاج كثيراً إلى الأمر بالصبر، لأن طريق الإيجابية والدعوة إلى الله مقترن بالمشاكل والصعاب.
6. الأدب والذوق
(وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى ?لأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ?لله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ( وَ?قْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَ?غْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ?لأَصْو?تِ لَصَوْتُ ?لْحَمِيرِ( (18-19)، لا بد من التعامل مع الناس بأدب وذوق حتى في أدق التفاصيل، في المشي والصوت. فلا يرفع المرء خده استعلاءً على الناس، ولا يمشي بالخيلاء بين الناس بل يقتصد في ذلك (وَ?قْصِدْ فِى مَشْيِكَ(، ولا يرفع صوته أكثر مما يحتاج إليه السامع.
7. تحديد الهدف في الحياة والتخطيط للمستقبل
ومن روعة السورة أنها شملت هذا المعنى أيضاً في التربية. وذلك ما نراه في قوله تعالى: (وَ?قْصِدْ فِى مَشْيِكَ( فهذه الآية قد تكون إتماماً لسلسلة الذوقيات والأخلاق التي تحدثت عنها السورة، فيكون المعنى أن تمشي على الأرض بوقار ودون أي عجب أو خيلاء. وقد تعني "اقصد في مشيك": أن تضع قصداً وهدفاً وراء كل خطوة تمشيها، فلا تعيش في الحياة زائداً عليها دون أن يكون لك أي هدف فيها...
العاطفة بريد التربية
ونلاحظ في السورة أن هذا الكم من التوجيهات قد غلّفه الأب بالحنان والعاطفة الشديدين. وكأني عندما أقرأ هذه الآيات، أشعر بلقمان، ذلك الرجل الهادئ، الذي يعظ ابنه برقة ويقول له قبل كل موعظة: (ي?بُنَىَّ.. ي?بُنَىَّ(، فالسورة تقول للآباء: صاحب أولادك واكسب مودتهم قبل أن تعظهم. كلّمهم أخي المسلم عن نفسك وتجاربك وأخطائك في الحياة، واستعمل الصداقة معهم لتنصحهم قبل استعمال الأمر والنهي بشدة... هذه السورة هي فعلاً من أروع المناهج التربوية في القرآن.
علم الله وقدرته
ولأن توحيد الله هو محور أساسي في تربية الأبناء، نرى أن السورة ركّزت على التوحيد من خلال العديد من الآيات التي يجب أن نلفت نظر أبنائنا إليها أثناء تربيتنا لهم:
ففي أول 11 آية، نرى تركيزاً على هذا المعنى، خاصة في قوله تعالى: (خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى? فِى ?لأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ...( (10) هذه السورة تعطيك أيها الأب مادة مهمة لزرع توحيد الله في قلوب أبنائك... حتى تصل بنا إلى قوله تعالى (هَـ?ذَا خَلْقُ ?لله فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ?لَّذِينَ مِن دُونِهِ( (11).
وتأتي آيات كثيرة بنفس المعنى: (أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ?لله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَا فِى ?لأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـ?هِرَةً وَبَاطِنَةً..( (20) إلى أن نصل إلى مثال رائع عن علم الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِى ?لأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَ?لْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـ?تُ ?لله إِنَّ ?لله عَزِيزٌ حَكِيمٌ( (27). هذه الآية تشكل مثالاً رائعاً في استخدام عناصر الطبيعة التي يراها الناس أمام أعينهم، كباراً وصغاراً، وتربيتهم على علم الله وإحاطته بالخلائق جميعاً..
عدم الإتباع الأعمى
وتركّز السورة على خطورة تربية الأبناء على الإتباع الأعمى دون فهم لمعتقدات الآباء، فهي من ناحية، بيّنت أن الحنان والعاطفة لا بد أن يسودا علاقة الآباء بأبنائهم حتى يتربى الابن عن قناعة، وبالمقابل تنكر على الأبناء الذين يقلدون آباءهم في عقائدهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ?تَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ?لله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا( (21).
وتبين الآيات بوضوح أن كلاً من الأب والابن مسؤول عن عمله يوم القيامة، فلن ينفع الوالد ولده أبداً: (ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمْ وَ?خْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً( (33) فلا بد من تربيتهم على الإيمان الصحيح والعقيدة السليمة والخلق الحسن...
ختام السورة: علم الله تعالى
وكما بدأت السورة بتوحيد الله، فإنها ختمت بالتركيز على علم الله وقدرته الله، وعجز الخلق عن الإحاطة بشيء من غيبه: (إِنَّ ?لله عِندَهُ عِلْمُ ?لسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ?لْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ?لأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ?لله عَلَيمٌ خَبِيرٌ( (34). وهي خمس غيبيات لا يعلمها إلا الله: موعد القيامة، ووقت نزول المطر، ونوع الجنين قبل التكوين، وأحداث المستقبل، وأين نهاية الأجل ومكان الدفن... يا مسلمون، ربوا أبناءكم على الإيمان بالله وتوحيده بهذه الطريقة...
ولقد آتينا لقمان الحكمة
ومن لطائف السورة، أنها ركزت على الحكمة بشكل أساسي، فقد بدأت بقوله تعالى (الـم ( تِلْكَ ءاَيَـ?تُ ?لْكِتَـ?بِ ?لْحَكِيمِ( (1).
وحتى عندما أنكرت على من يصد عن سبيل الله، قالت الآيات: (وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ?لْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ?لله بِغَيْرِ عِلْمٍ( (6). ولهو الحديث هو عكس الحكمة.
وليس هذا فحسب، بل أن أول آية ذكرت لقمان جاء فيها قوله تعالى: (وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ?لْحِكْمَةَ أَنِ ?شْكُرْ لله( (12)، وكأن وصايا لقمان لابنه التي جاءت في السورة هي عصارة حكمته وتجاربه في الحياة، ينقلها لمن يأتي بعده...
فهل ستقتدي بلقمان وحكمته في تربيته لابنه؟ وهل سجلت النقاط والمحاور التي ستربي أبناءك عليها؟ نسأل الله تعالى أن يعيننا على تربية أبنائنا وفقاً لمنهجه وقرآنه وشريعته..


سورة السجدة
سورة السجدة
ونصل إلى سورة السجدة، والتي نعرف محورها من اسمها: "السجدة"، فهي سورة الخضوع لله سبحانه وتعالى، لذلك حملت اسماً هو رمز الخضوع والتسليم: السجود. كان رسول الله ( يقرأ هذه السورة في صلاة الفجر كل يوم جمعة، الذي هو يوم إجازة ويوم عيد عند المسلمين، ليبدأ هذا اليوم المبارك بتلك البداية الخاشعة والخاضعة لله تعالى.
لماذا لا تكون منهم؟
فنرى في السورة مدحاً ربانياً للمؤمنين الذين يخضعون لله تعالى، وذلك في الآية التي فيها سجدة:
(إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـ?تِنَا ?لَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ( (15).
لذلك عندما تقرأ هذه الآية أخي المسلم، سارع إلى السجود لله تعالى
حتى تكون مع هؤلاء الخاضعين وتقتدي بهم... ثم تمر على صورة أخرى: (تَتَجَافَى? جُنُوبُهُمْ عَنِ ?لْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَـ?هُمْ يُنفِقُونَ( (16). وحتى عندما يلجأون إلى النوم، ترفضه أجسامهم. وانظر إلى عبارة "تتجافى جنوبهم عن المضاجع" ما أروعها... فالنوم والسرير يمثلان بالنسبة لكثير من الناس الراحة، أما الخاضعون، فهم يرفضون النوم لما يحملونه من حب للعبادة وخوف من النار وطمعاً بالجنة.
وانظر كيف يكرم الله من خضع له من بني إسرائيل، ويعزه في الدنيا قبل

الآخرة: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِـئَايَـ?تِنَا يُوقِنُونَ( (24).
إياك أن تكون منهم
وأما من لم يخضع في الدنيا بإرادته، فسوف يخضع في الآخرة قهراً بلا أجر، بل بعذاب أليم:
(وَلَوْ تَرَى? إِذِ ?لْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَ?رْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـ?لِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ( وتأتي آية أخرى لترينا كيف أن الخضوع في الآخرة لن يفيد أصحابه (قُلْ يَوْمَ ?لْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَمَـ?نُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ( (29).
لكن الله تعالى يمهل أولئك المتكبرين حتى يعودوا إليه، ويرسل لهم بعض الابتلاءات والعذاب عساهم يخضعون لربهم جل وعلا: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ ?لْعَذَابِ ?لأَدْنَى? دُونَ ?لْعَذَابِ ?لأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( (21).
وكأن السورة تعرض لك النموذجين وتسألك: مع أي الفريقين أنت؟
(أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ( (18).
الموت حق
ولأنها سورة الخضوع، يأتي فيها ذكر الموت، حتى يفيق الغافلون من غفلتهم ويخضعوا لله:
(قُلْ يَتَوَفَّـ?كُم مَّلَكُ ?لْمَوْتِ ?لَّذِى وُكّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى? رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ( (11)..
لكل هذه المعاني الرقيقة والخاشعة، كان النبي ( يقرأ هذه السورة فجر كل جمعة، ليجدد نية الخشوع والخضوع لله في الدنيا قبل العرض على الله.
فإذا أحسست أخي المسلم بفتور في عبادتك، وأردت أن تقوي همتك وتجدد خشوعك لله تعالى، إقرأ سورة السجدة واطلب من الله تعالى أن يعينك على ذلك الجزءان (22 – 23).

سور الأحزاب وسبأ وفاطر
ويس والصافات وص
ونصل مع خواطرنا القرآنية هذه إلى الجزئين 22 و23، واللذين يشملان ست سور: الأحزاب وسبأ وفاطر ويس والصافات وص. هذه السور يجمعها محور واحد وهدف واحد، وهو الاستسلام لله تعالى.
معنى الإسلام
فبعد أن قرأنا 22 جزءاً من كتاب الله، واتضحت المعالم الأساسية للقرآن، لا بد لنا أن نسأل أنفسنا: ما هو شكل علاقتنا بالله تعالى؟ ما هو عنوان ديننا؟ ما هو معنى كلمة الإسلام أصلاً؟
فإذا رجعنا إلى المعاجم، وجدنا أن معنى كلمة الإسلام هو الاستسلام لله تعالى، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ( (البقرة، 131) أي استسلمت لرب العالمين وسلمت نفسي لله تعالى...
ولذلك فإن هذه السور الست تسألك: أما آن لك أن تستسلم وتخضع لربك جل وعلا؟ والملاحظ أن القرآن لم يأمرك بالاستسلام لله إلا بعد أن عرض المنهج الرباني في 22 جزء، وكأن المعنى: بعد أن فهمت حكمة الشرع وعظمته، وبعد أن استشعرت روعة آيات الله ودلائل قدرته، استسلم لربك، حتى لو لم يعجبك أمر تفصيلي في جزئيته، وحتى لو لم ترتح إلى أمر معين، لأن عنوان دينك هو الاستسلام.

محاور الاستسلام
وهذه السور الست تدور حول محور واحد، وهو الاستسلام لله تعالى في كل شؤون الحياة:
سورة الأحزاب: الاستسلام لله في المواقف الحرجة
سورة سبأ: الاستسلام لله سبيل بقاء الحضارات
سورة فاطر: الاستسلام لله سبيل العزة
سورة يس: الاستسلام لله بالإصرار على الدعوة حتى لو يئست من النتيجة
سورة الصافات: الاستسلام لله وإن لم تفهم الحكمة من الأوامر
سورة ص: الاستسلام لله بالعودة إلى الحق بلا عناد
ومن هنا نفهم سبب مجيئها بعد عرض المنهج، لأننا في الجزء 22 أدركنا هذا المعنى وفهمنا عنوان ديننا وما يريده الله منا، وآن الأوان أن نستسلم له تعالى.
ونحن نؤكد أن هذا اجتهاد بسيط، يهدف إلى تيسير قراءة القرآن على الشباب المسلم وزيادة تفاعلهم معه. ولا نقول أن هذا هو المحور وهو الكلام الأخير في المسألة. وبالتأكيد هناك من هم أعلم منا بتفسير القرآن ولا بد أن يأتي من يربط هذه السور ببعضها أكثر ويفهم مراد ربنا، لأن عمق القرآن ليس له آخر... بعد هذه المقدمة السريعة، تعال معاً لنعيش مع سور الاستسلام لله تعالى.
سورة الأحزاب
سورة الأحزاب
الاستسلام لله في المواقف الحرجة:
وهذه السورة هي بالمناسبة من أكثر سور القرآن تصويراً لمواقف حرجة قد يمر بها الإنسان. فحادثة الأحزاب (أو غزوة الخندق) هي نفسها صورة لموقف بغاية الصعوبة (إِذْ جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ?لأَبْصَـ?رُ وَبَلَغَتِ ?لْقُلُوبُ ?لْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِ?لله ?لظُّنُونَاْ ( هُنَالِكَ ?بْتُلِىَ ?لْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً( (10 – 11).
فتركّز السورة في كل آياتها على طاعة الله والاستسلام له في هذه المواقف.
مواقف اجتماعية
وبعد ذلك كان موقف محرج آخر وهو طلاق زيد رضي الله عنه من زينب بنت جحش رضي الله عنها ومن ثم زواج النبي ( بها... (فَلَمَّا قَضَى? زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَـ?كَهَا( (37)...
ثم تحريم التبني وإلغاء هذه العدة المتأصلة في نفوس العرب: (?دْعُوهُمْ لأَبَائِهِمْ( (5)... وهذه القاعدة التي بدأت مع سيدنا محمد (، عندما ألغي تبنيه لزيد، وعاد اسم زيد بن حارثة إليه بدلاً من زيد بن محمد... موقف محرج لزيد وللنبي... لذلك تقول الآيات تعقيباً على هذه الحادثة (مَّا كَانَ عَلَى ?لنَّبِىّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ?لله لَهُ( (38).
ويأتي موقف صعب: نساء النبي يطلبن زيادة في النفقة. وليس هذا ترفاً منهن، لأن الوضع الاقتصادي الذي كانوا عليه كان غاية في الشدة. لكن الله تعالى أراد اختبارهن بامتحان صعب، لأنهن أمهات المؤمنين، لذلك تقول الآية (ي?أَيُّهَا ?لنَّبِىُّ قُل لأَزْو?جِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ( وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ?لله وَرَسُولَهُ وَ?لدَّارَ ?لأَخِرَةَ فَإِنَّ ?لله أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـ?تِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً( (28-29).
حجابك قمة استسلامك
وهكذا نرى أن السورة تضمنت الكثير من المواقف الحرجة والصعبة التي قد يمر بها المسلم، إلى أن تصل بنا إلى أمر صعب على النساء، لكنه اختبار قوي لمدى استسلامهن لأوامر الله: الحجاب. (يأَيُّهَا ?لنَّبِىُّ قُل لأَزْو?جِكَ وَبَنَـ?تِكَ وَنِسَاء ?لْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـ?بِيبِهِنَّ( (59).
وهذه الآية - بالإضافة إلى الآية (31) من سورة النور - قد ذكرت تفاصيل حجاب المرأة المسلمة بشكل دقيق. ففي سورة النور، أتى تفصيل الجزء العلوي من اللباس (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ( أما في سورة الأحزاب، فقد وصفت الآية لباس المسلمة من تحت (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـ?بِيبِهِنَّ(. فهل ستستسلمي لله تعالى أيتها الأخت المسلمة، وترضخي لحكم الحجاب؟ أم أننا سنظل نسمع من يقول: أنا لم أقتنع بالحجاب بعد...
استسلم بلا تردد
فإذا أصر البعض على عدم تطبيق الأحكام الشرعية إلا بعد فهم الحكمة منها، فاسمعي أيتها الفتاة واسمع أيها الشاب الآية المحورية والقاعدة الهامة في الاستسلام لله تعالى:
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ?لله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ?لْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ( (36).
فلا يجوز أن يأمرك الله أمراً ثم تعترض وتقول: أقنعني أولاً. يا شباب، ويا بنات، إستسلموا لله تعالى، فقد ظلت الآيات على مدى عشرين جزءاً تبين لك حكمة الله وتدبيره في خلقه وإعجازه في تشريعه (مما يثبت أن ديننا ليس فيه اتباع أعمى أو دعوة لتعطيل العقل). أما الآن، فقد آن الأوان أن تستسلم..
وكأن المعنى: أن الله تعالى يتعبدنا بنوعين من الأوامر: أوامر تأتي مقرونة بالسبب والحكمة، كتحريم الخمر وأكل لحم الميتة وما إلى هنالك، فيطبّقها المؤمنون ويزدادوا معها إيماناً بحكمة الله في شرعه. وهناك أوامر أخرى لا تذكر معها العلة أو السبب، فيريدنا الله من خلالها أن نطيعه سواء فهمنا الحكمة من ذلك أم لم نفهم، حتى يمتحن استسلامنا له من غير شروط ومن غير تردد.
طاعة الله في السورة
ولأن محور السورة هو طاعة الله سبحانه وتعالى والاستسلام لأمره، نرى أن كلمة الطاعة ذكرت في السورة 7 مرات، والصدق مع الله 8 مرات. وليس هذا فحسب، فإن أول آية في السورة أمرت النبي بالطاعة الخالصة لله دون سواه:
(ي?أَيُّهَا ?لنَّبِىّ ?تَّقِ ?لله وَلاَ تُطِعِ ?لْكَـ?فِرِينَ وَ?لْمُنَـ?فِقِينَ(.
وأتت آيات كثيرة بنفس المعنى: (وَلاَ تُطِعِ ?لْكَـ?فِرِينَ وَ?لْمُنَـ?فِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّـلْ عَلَى ?لله( (48).
والآية الرابعة تركز على إخلاص الطاعة لله دون غيره: (مَّا جَعَلَ ?لله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ( لأن من يطيع العباد من دون الله، فسوف يكون مصيره في الآخرة مع من يقول: (وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا ?لسَّبِيلاْ( (67).
وتثبت لنا السورة أن هذا الأمر لم يكن مختصاً بالنبي وحده، بل شمل كل الأنبياء:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ?لنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْر?هِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ?بْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقًا غَلِيظاً( (7).
استسلام السماوات والأرض
وتختم السورة بمعنى لطيف، وهو قوله تعالى:
(إِنَّا عَرَضْنَا ?لأَمَانَةَ عَلَى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَ?لْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ?لإِنْسَـ?نُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً( (72).
فالاستسلام لله تعالى نوعان: إما أن تستسلم لربك جل وعلا باختيارك وبإرادتك، وإما أن تكون عبداً له دون أي اختيار... والنوع الأول هو الذي أشفقت منه السماوات والأرض لما يعلمن من صعوبة حمل الأمانة، أمانة التكليف، ولذلك فضلن النوع الثاني من الاستسلام، وهو الخضوع لله تعالى دون أن يكونوا مخيرين في فعل الطاعات..
أما الإنسان، فقد حمل هذه الأمانة (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(، والآية لا تعني أنه كان ظلوماً جهولاً لأنه حمل الأمانة، لكنه يكون كذلك إذا لم يستسلم لله بعد حمله لهذه الأمانة.
لذلك كان ختام سورة الأحزاب: استسلم لله تعالى، واعلم أن الله تعالى استأمنك على مسؤولية كبيرة، خافت منها مخلوقات عظيمة من مخلوقات الله، وفضلت الاستسلام لله دون أن يكون عندها خيار في ذلك...
سبب تسمية السورة:
ونصل إلى سبب تسمية السورة، وهو طبعاً يرجع إلى غزوة الخندق، حين أحاط الأحزاب بالمدينة من كل جانب... فماذا كان قول المسلمين في هذا الموقف الصعب؟ (وَلَمَّا رَأَى ?لْمُؤْمِنُونَ ?لأَحْزَابَ قَالُواْ هَـ?ذَا مَا وَعَدَنَا ?لله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ?لله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً( (22).
أرأيت كيف أن التسليم لله يتكرر دائماً معنا في هذه السورة؟
لكن هناك سبباً آخر لهذا الاسم بالذات غير أحزاب الخارج. فالمدينة المنورة قد انقسمت من الداخل أيضاً إلى أحزاب: من حزب المنافقين، إلى حزب المترددين الخائفين، إلى حزب ثالث لا يجب أن ننساه، وهو حزب النساء اللواتي نصرن الإسلام، ولهذا أتت آيات كثيرة عنهن، مثل الآية 35: (إِنَّ ?لْمُسْلِمِينَ وَ?لْمُسْلِمَـ?تِ وَ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ...(. وهناك حزب المؤمنين الواثقين بالله، والذين نالوا شهادة رائعة من الله تعالى في استسلامهم: (مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـ?هَدُواْ ?لله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً( (23).
أصلح الأحزاب... لتقوم الحضارة
لقد سميت السورة بالأحزاب بسبب كثرة الأحزاب خارج المدينة وداخلها. ولا ريب أن إصلاح أحزاب الداخل والانتصار عليها أصعب بكثير من الانتصار على أحزاب الخارج. فالأولى قضى الله عليها بريح أرسلها عليهم، (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا( (9). وأما أحزاب الداخل، فإن تم إصلاحها، فستصبح أمتنا ذات حضارة قوية، كحضارة سبأ التي تحدثت عنها السورة التالية، وكأن العلاقة بين السورتين تختصر بالرسالة التالية: يا أحزاب الداخل انصهروا واستسلموا لله، لأن انصهار الداخل واستسلامه له تعالى هو سبيل بقاء الحضارات
سورة سبأ
سورة سبأ
استسلام الحضارات لله
سورة سبأ من السور التي تتناول قضية التفوق الحضاري، كسورة النمل، لكنها تأتي مكملة لها في المعنى ; فبينما ركزت سورة النمل على الأخذ بمقومات الحضارة، من علم وتفوق تكنولوجي وإدارة، تأتي سورة سبأ لتسأل كل من يريد بناء أمة وحضارة: على أي شي ء تقوم هذه الحضارة؟ وعلى أي أسس؟ فهدف السورة هو: حاجة الحضارة للإيمان
والسورة تتحدث عن نموذجين متناقضين للحضارات: حضارة مؤمنة مستسلمة لله، وهي حضارة داوود وسليمان عليهما السلام، وحضارة عاصية رافضة لطريق الله وهي حضارة سبأ.
ومجيء هذه السورة في ترتيب المصحف بعد سورة الأحزاب يشير - كما ذكرنا - إلى أن إصلاح أحزاب الداخل بالإيمان هو السبيل لبناء حضارة قوية.
حضارتان في الميزان:
فالنموذج الأول، والذي يتمثل بالحضارة المؤمنة، هو نبي الله داوود الذي آتاه الله الملك:
(وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ي?جِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ وَ?لطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ?لْحَدِيدَ( (10)، فلما استسلم لله تعالى وعبده حق عبادته، طوّع الله له الحديد، وسخّر له الكون كله بين يديه: (وَلِسُلَيْمَـ?نَ ?لرّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ?لْقِطْرِ( (12). لاحظ كلمات (أَوّبِى( و(وَأَلَنَّا( و(وَأَسَلْنَا لَهُ(، فكلها تصور كيف سخّر الله تعالى الكون كله لهذه الحضارة المؤمنة. لذلك
فإننا نرى في سورة أخرى من سور الاستسلام لله، سورة "ص"، كيف ثبت الله ملك سيدنا داوود: (وَ?لطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ...( (ص: 19 – 20).
أما النموذج الثاني، فهي الحضارة التي لم تستسلم لله فعوقبت وانتهت، وسميت السورة باسمها لتكون عبرة لمن يعتبر: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَ?شْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ?لْعَرِمِ وَبَدَّلْنَـ?هُمْ بِجَنَّـ?تِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ( ذَلِكَ جَزَيْنَـ?هُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ ?لْكَفُورَ( (15 – 17).
الجن في السورة
وبين هاتين الحضارتين، تأتي السورة على ذكر الجن، وكيف
كانت حضارتهم مستسلمة إلى حضارة سليمان بشكل كامل: (وَمِنَ ?لْجِنّ
مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ?لسَّعِيرِ( (12). هذه الحضارة لم تؤت قوة ولا سلطاناً ولا علماً، بدليل قوله تعالى (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ?لْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى? مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ?لْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ?لْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ?لْعَذَابِ ?لْمُهِينِ( (14).
فهم كانوا يعملون بجد خوفاً من سليمان الذي كان يراقبهم، لكنه - عليه السلام - مات وهو متكئ على كرسيه دون أن يلاحظ الجن ذلك، ولم يعرفوا هذه الحقيقة إلا بعد أن أكلت حشرات الأرض من عصا سليمان... حادثة بسيطة تظهر هذه الحضارة المستسلمة لكن دون أي علم أو معرفة...
سنة كونية
وتصل بنا السورة، بعد عرض المثالين، إلى تعميم القاعدة بأن تكذيب الحضارات وكفرها بالله تعالى هو سبب هلاكها: (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءاتَيْنَـ?هُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ( (45) فبعد الحديث عن الأمم الغابرة، بينت السورة أن هناك أمماً كانت أقوى عشر مرات من قريش، ومع ذلك فقد انتهت حضارتها لأن القاعدة العامة قد جرت عليها.
ولذلك تأتي موعظة شديدة لكل من يريد أن ينشأ حضارة أو يبني أمة، افهموها يا مسلمين،
واحفظوها يا من تريدون بناء مجد الإسلام:
(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِو?حِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لله مَثْنَى? وَفُرَادَى? ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَـ?حِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ( (46).
سورة فاطر
سورة فاطر
الاستسلام سبيل العزّة:
وتكمل سورة فاطر محور الاستسلام لله تعالى. فبعد أن رأينا في سورة سبأ أن الاستسلام لله هو سبيل بقاء الحضارات، تأتي سورة فاطر لتقول: بل أكثر من ذلك، فهو سبيل العزة والرفعة في الدنيا. فبعض الناس يعتقدون أن استسلامهم لرب العاملين وخضوعهم له هو مذلة وانتقاص من قدرهم، لكن السورة توضح أن العزة الحقيقية لا تأتي إلا من الله: (مَن كَانَ يُرِيدُ ?لْعِزَّةَ فَلله ?لْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ?لْكَلِمُ ?لطَّيّبُ وَ?لْعَمَلُ ?لصَّـ?لِحُ يَرْفَعُهُ( (10).
كيف لا تستسلم؟
ثم تنتقل السورة إلى ما هو أقوى من ذلك: كيف لا تستسلمون لله وأنتم فقراء إليه فقراً مطلقاًً، وهو الغني عنكم وعن العالمين: (ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ أَنتُمُ ?لْفُقَرَاء إِلَى ?لله وَ?لله هُوَ ?لْغَنِىُّ ?لْحَمِيدُ ( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( وَمَا ذَلِكَ عَلَى ?لله بِعَزِيزٍ( (15 - 17).
والسورة ابتدأت أصلاً بذكر الملائكة، وأنهم رغم عظم خلقهم وقوتهم، خاضعون لله مستسلمون له في كل أمورهم (?لْحَمْدُ لله فَاطِرِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ جَاعِلِ ?لْمَلَـ?ئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى? وَثُلَـ?ثَ وَرُبَـ?عَ( (1).
فاطر السماوات والأرض
فلماذا سميت السورة بأحد أسماء الله الحسنى، "فاطر"؟
إن سورة فاطر ترينا آيات الله في كونه، حتى نعرفه حق المعرفة، ونوقن أن العزة لله جميعاً، فنستسلم له ولا نخضع لسواه. فلماذا كان التركيز على اسم الله "فاطر"؟
إن مرادف كلمة "فاطر" هي كلمة "خالق". وفي اللغة، نقول "فطر الشيء" أي شقه إلى نصفين. لذلك فإن الآيات الكونية في السورة تركز على عظمة الله من خلال ازدواجية الكون:
(?لْحَمْدُ لله فَاطِرِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ ( مَّا يَفْتَحِ ?لله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ( (1-2)، (وَمَا يَسْتَوِى ?لْبَحْرَانِ هَـ?ذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَـ?ذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ( (12)، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ ?لله أنَزَلَ مِنَ ?لسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ?لْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْو?نُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ( وَمِنَ ?لنَّاسِ وَ?لدَّوَابّ وَ?لأَنْعَـ?مِ مُخْتَلِفٌ أَلْو?نُهُ كَذَلِكَ( (27-28). وتأتي آيات أخرى بذكر الأضداد: (وَمَا يَسْتَوِى ?لأَعْمَى? وَ?لْبَصِيرُ ( وَلاَ ?لظُّلُمَاتُ وَلاَ ?لنُّورُ ( وَلاَ ?لظّلُّ وَلاَ ?لْحَرُورُ ( وَمَا يَسْتَوِى ?لأَحْيَاء وَلاَ ?لأَمْوَاتُ...( (19-22).
وكأنها تقول لنا: من يستطيع أن يقيم الكون على هذه الأضداد إلا الله؟ فاخضعوا له واستسلموا لعظمته...
لذلك ترينا السورة في أكثر آياتها قدرة الله تعالى في الكون، حتى نعرف ربنا حق المعرفة ونوقن أن العزة لله جميعاً، ومنها قوله تعالى (إِنَّ ?لله
يُمْسِكُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ( (41).
سورة يس
سورة يس
الاستسلام في الدعوة إلى الله:
وسورة يس تظهر أن هناك نوعاً آخر من الاستسلام لا بد للمسلم من القيام به، وهو الاستسلام لله تعالى وتفويض الأمر إليه أثناء الدعوة إلى الله، بأن يبقى المرء مصراً على الدعوة إلى الله سواء اهتدى الناس أم لم يهتدوا، لأن الدعوة إلى الله عبادة لله، وأنت تتقرب إلى الله بهذه العبادة سواء أرأيت النتائج أمامك أم لم ترها...
ولذلك فإن سورة يس تصوّر لنا نموذجين من الناس: نموذج لأشخاص ما تزال قلوبهم تنبض بالحياة، ونموذج آخر لأشخاص ماتت قلوبهم. ولأن المرء لا يعلم ما في قلوب الناس فهو بالتالي لا يعلم من يرجى هدايته ممن لا يرجى فوجب عليه دعوة الجميع سواء اهتدوا أو لم يهتدوا.
سبب نزول السورة:
فتبدأ السورة بذكر الذين لا ترجى هدايتهم (وَسَوَآء عَلَيْهِمْ أَءنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ( (10) ثم مباشرة تذكر من ترجى هدايته (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ?تَّبَعَ ?لذِكْرَ وَخشِىَ ?لرَّحْمـ?نَ بِ?لْغَيْبِ فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ( (11). فالسورة تصوّر الفئتين كما ذكرنا، مما يوضح لنا سبب نزولها على النبي ( قبل الهجرة مباشرة، عندما توقف انتشار الإسلام وبدأ المسلمون يشعرون باليأس من دعوتهم. لذلك نرى آيات كثيرة تثبت النبي بأنه على الحق وتقوي عزيمته للاستمرار في طريق الدعوة.: (إِنَّكَ لَمِنَ ?لْمُرْسَلِينَ ( عَلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ ( تَنزِيلَ ?لْعَزِيزِ ?لرَّحِيمِ ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَـ?فِلُونَ( (3 – 6).
فالسورة تسأل الدعاة إلى الله، وتسألنا أيضاً: هل ستطيعون الله وتستسلمون له وتستمرون بدعوتكم؟ فالله وحده هو الذي يعلم ما في صدور الناس، ولذا وجب عليكم الاستمرار بالدعوة حتى لو كان ظاهر الناس لا يبشّر بالخير.
نموذج للاستسلام:
ونرى في هذه السورة القصة الشهيرة، قصة القرية التي أرسل الله لها
ثلاثة من المرسلين (وَ?ضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَـ?بَ ?لقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا
?لْمُرْسَلُونَ ( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ?ثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ( (13 – 14). فهذه القرية قد أرسل إليها ثلاثة أنبياء، لكن هناك رجلاً أحس بمسؤوليته عن هذا الدين وكان موقفه رائعاً:
(وَجَاء مِنْ أَقْصَى ?لْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى? قَالَ ي?قَوْمِ ?تَّبِعُواْ ?لْمُرْسَلِينَ ( ?تَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْـئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ( وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ ?لَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( (20 – 22) إنها قصة رجل لم يقف مكتوف اليدين دون أن يدعو إلى الله، بحجة وجود الأنبياء في هذه القرية، لكنه أصر على الاستمرار في دعوة قومه رغم أنهم لم يستجيبوا للأنبياء الذين هم أفضل منه بكثير... وهكذا نرى أن هذه القصة تصب في محور السورة مباشرة: إياك واليأس من دعوة الناس إلى الله.
الآيات الكونية ونهاياتها
وقد ركزت السورة على الموت والبعث، حتى نتذكر أننا جميعاً سنموت، مؤمنين وكافرين، طائعين وعاصين.. لذلك ينبغي الاستمرار في الدعوة، لعل الله تعالى يحيي قلب رجل عاص قبل الموت. وهذا المحور يأتي مقروناً بالآيات الكونية المذكورة في السورة، التي ركزت على نهايات الأمور، وكأنها تذكر الكافرين بالموت الذي هو نهاية التكذيب ونهاية كل الخلائق. إسمع قوله تعالى: (وَ?لشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ?لْعَزِيزِ ?لْعَلِيمِ ( وَ?لْقَمَرَ قَدَّرْنَـ?هُ مَنَازِلَ حَتَّى? عَادَ كَ?لعُرجُونِ ?لْقَدِيمِ( (38 – 39). أي أن للشمس والقمر نهاية، كما لكل المخلوقات.
إقرأوا يس على موتاكم:
ومن هنا نفهم حديث النبي (: "إقرؤا يس على موتاكم". وليس المقصود من الحديث أن تقرأ في المقابر كما يفعل الكثير من الناس، بل أن تقرأ على الميت حال احتضاره. وكأن المعنى: إقرأ هذه السورة على كل حي، حتى أولئك الذين يلفظون أنفاسهم الأخيرة، لأن الحياة لا تزال موجودة فيهم فإذاً لا بد من توجيه الدعوة إليهم وعدم اليأس منهم... معنى جميل ومهم لكل الدعاة إلى الله.
سورة الصافات
سورة الصافات
سورة الصافات تسلّط الضوء على معنى واحد: استسلم لأوامر الله حتى لو لم تدرك الحكمة منها. لذلك تأتي السورة بمثل رائع: سيدنا إبراهيم، لما طلب منه ذبح ابنه إسماعيل، فتلقى الأمر دون أي تردد أو سؤال عن الحكمة والغاية من هذا الطلب، وكأن السورة تقول لنا: سيأتيكم يا مسلمون عدد من الأوامر التي لن تفهموا الحكمة منها، فاقتدوا بسيدنا إبراهيم في تنفيذه للأوامر الربانية...
استسلام الأب والابن:
وبالعودة لسيدنا إبراهيم، فإننا نرى في قصته استسلاماً كاملاً لله تعالى.
فهو قد ترك قومه وهاجر إلى الغربة في سبيل الله (وَقَالَ إِنّى ذَاهِبٌ إِلَى? رَبّى سَيَهْدِينِ( (99).
ثم تصوّر لنا السورة اشتياقه وحاجته للولد: (رَبّ هَبْ لِى مِنَ ?لصَّـ?لِحِينِ( (100).
فاستجاب الله لدعائه (فَبَشَّرْنَـ?هُ بِغُلَـ?مٍ حَلِيمٍ( (101).
تخيل فرحة قلبه...! رجل كبير عجوز مهاجر وبعيد عن بلده... تخيّل تعلّقه بهذا الولد، الذي ليس غلاماً عادياً، بل أنه "غلام حليم"... فماذا بعد؟ نرى في الآية (102).
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ?لسَّعْىَ( لما كبر الولد أمام عيني والده، رأى إبراهيم في منامه رؤيا صعبة (قَالَ ي?بُنَىَّ إِنّى أَرَى? فِى ?لْمَنَامِ( ليس أمراً مباشراً من الله أو عن طريق جبريل، بل عن طريق الرؤيا. ومع ذلك لم يتذرع إبراهيم بذلك، لأنه يعلم أن رؤيا الأنبياء حق...
ولم يطلب إبراهيم معرفة الحكمة من هذا الطلب، بل لم يسأل عنها أصلاً، لكنه قال لابنه بكل استسلام: (إِنّى أَرَى? فِى ?لْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ فَ?نظُرْ مَاذَا تَرَى?( وهذا السؤال ليس تردداً لأنه سيذبحه أصلاً، لكن إبراهيم، ذاك النبي المستسلم لله تعالى في كل أوامره، أراد أن يشارك ابنه في الأجر. فماذا قال إسماعيل؟ إن أباه تركه وهو طفل في صحراء قاحلة، ويأتي اليوم ليخبره أنه سيذبحه..
(قَالَ ي?أَبَتِ ?فْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَاء ?لله مِنَ ?لصَّـ?بِرِينَ(.
وهنا تأتي الآية المحورية: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ( (103)، وهنا يأتي سؤال: ألم يكونا مسلمين قبل هذا الطلب؟ طبعاً، لكن (أَسْلَمَا( هنا تصور معنى الإسلام الكامل، وهو الاستسلام لله تعالى دون أي تردد...
لماذا سميت السورة بالصافات؟
ما هي الصافات؟ هي الملائكة التي تصطف بين يدي الله تعالى استسلاماً له. لذلك بدأت السورة بداية رائعة بذكر هؤلاء العباد المخلصين.
وإننا نلاحظ في القرآن أن بدء كل سورة بالحديث عن الملائكة يعني أن محور هذه السورة يتعلق بالاستسلام لله أو الخضوع له، لأن الملائكة هم قدوة ورمز في هذا المعنى.
الاستسلام لله طوعاً أو كرهاً:
فإذا أبى المرء الاستسلام في الدنيا، فإن السورة تحذرنا من هول يوم القيامة: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ( مَا لَكُمْ لاَ تَنَـ?صَرُونَ ( بَلْ هُمُ ?لْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ( (24 – 26).
كأنها تقول: استسلم في الدنيا طوعا قبل أن تستسلم في الآخرة كرها..
أرأيت كيف أنك ستستلم لله رغماً عنك يوم القيامة دون أن يفيدك ذلك في شيء؟
فاخضع له بإرادتك في الدنيا، واستسلم لأحكامه وشرعه حتى لو لم تعلم الحكمة منها. فلا ينبغي لأحد أن يمتنع عن تنفيذ حكم ما إلا إذا اقتنع أولاً... ومع ذلك فإن من كرم الله أنه جعل للغالبية الكبرى من أوامره تعليلات وحكم مقنعة، لكنه أبقى بعض الأوامر دون أن يطلعنا على الحكمة منها، حتى يعلم من سيطيع ويستسلم ومن سيعصي ويتكبر...
سورة ص
سورة ص
وبعد أن عرضت كل سور الجزئين 22 و23 محوراً واحداً وهو الاستسلام لله تعالى، تأتي سورة ص بمعنى جميل: رغم أنك أيها المسلم مستسلم لأوامر الله، لكنك قد تخطئ وتعصي، والسؤال هو: هل ستعود إلى الله؟ أم أنك ستتكبر وتصر على رأيك.. وهكذا يكون محور السورة: الاستسلام لله بالعودة إلى الحق دون عناد.
العودة إلى الحق بلا عناد
ولذلك تتحدث السورة عن ثلاثة أنبياء، حصلت أمامهم خصومات أو تسرّعوا في اتخاذ قراراتهم، لكنهم عادوا إلى الحق بسرعة. وهذه العودة إلى الله من أهم أنواع الاستسلام لله تعالى، لأن المتكبر لا يعود إلى الحق، وإذا رأى نفسه على خطأ فسوف يصر على موقفه عناداً واستكباراً. ولذلك فإننا نرى في ختام السورة قصة إبليس، الذي كان رمزاً للاستكبار والعناد وعدم العودة إلى الله.
عودة داوود
وأول قصة ذكرت في السورة هي قصة سيدنا داوود حين اختصم أمامه خصمان، وقالا له: (... فَ?حْكُمْ بَيْنَنَا بِ?لْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ وَ?هْدِنَا إِلَى? سَوَاء ?لصّر?طِ( (22) فتعجّل سيدنا داوود في الفتوى وحكم لأحدهما. لكن عودته كانت سريعة (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـ?هُ فَ?سْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ( فَغَفَرْنَا لَهُ ذ?لِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى? وَحُسْنَ مَـئَابٍ( (24 – 25).
عودة سليمان
والقصة الثانية هي قصة سليمان بن داوود عليهما السلام: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَـ?نَ نِعْمَ ?لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ( (30).
وترينا الآيات أيضاً سرعة إنابته: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِ?لْعَشِىّ ?لصَّـ?فِنَـ?تُ ?لْجِيَادُ ( فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ?لْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى حَتَّى? تَوَارَتْ بِ?لْحِجَابِ( (31-32) فلما رأى أن الخيل ألهته عن ذكر الله حتى غابت الشمس، قال: (رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِ?لسُّوقِ وَ?لأَعْنَاقِ( (33) فقرر ذبح الخيل كلها لهذا السبب.
وترينا الآيات مشهداً آخر من مشاهد إنابته عليه السلام: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـ?نَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى? كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ( (34).
عودة أيوب:
وأخيراً قصة أيوب عليه السلام حين أقسم أن يضرب زوجته مئة ضربة فقال تعالى (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَ?ضْرِب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ...( (44) فعاد إلى الحق، وأوجد الله تعالى له مخرجاً لكي لا يحنث، وأمره أن يأخذ مئة عود وأن يضرب بها زوجته ضرباً خفيفاً حتى يبر بقسمه دون أن يمنعه ذلك من العودة إلى الحق.
والملاحظ أن قصص الأنبياء في هذه السورة ركّزت على عبودية الأنبياء وإنابتهم لله تعالى:
- داوود (وَ?ذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ?لأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ( (17) أي كثير الرجوع إلى الله وسريع العودة إلى الحق.
- سليمان: (نِعْمَ ?لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ( (30).
- أيوب: (نِعْمَ ?لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ( (44).
وهكذا نلاحظ أن معاني العبودية لله والإنابة إليه قد تكررت في السورة بشكل واضح...
إبليس والاستكبار
وفي مقابل الأنبياء الذين أنابوا لربهم، تعرض السورة نموذجاً عكسياً لإبليس:
(فَسَجَدَ ?لْمَلَـئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( إِلاَّ إِبْلِيسَ ?سْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ?لْكَـ?فِرِينَ( (73-74) فكان استكبار إبليس هو السبب الأساسي لكفره وضلاله. لذلك يواجهه رب العزة بذلك: (قَالَ ي?إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ?لْعَـ?لِينَ( (75). فماذا كانت نتيجة ذلك المتكبر؟ (قَالَ فَ?خْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى? يَوْمِ ?لدّينِ( (77-78).
هذا النموذج الرهيب لإبليس أتى في ختام سورة "ص"، وفي ختام سور الاستسلام لله تعالى، حتى نقارن بين من كان قدوة في الاستسلام لله، وبين إبليس عدو الله الذي قاده تكبره وعدم خضوعه إلى الكفر والطرد من رحمة الله...


سورة الزمر
سورة الزمر
سورة الزمر (مكية)، نزلت بعد سورة سبأ، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة (ص)، وعدد آياتها 75 آية.
سر بين العبد وربه
سورة الزمر من أجمل السور التي يحبها أهل القرآن ويحفظونها، لما تتضمنه من معان وآيات رائعة. هدفها واضح جداً: أهمية الإخلاص لله، وأن نبتغي بأعمالنا وجه الله تعالى، ونبتعد عن الرياء. فمن أراد أن يختبر نفسه ويعرف مدى إخلاصه في عمله، وهل يدخل الرياء (أو الشرك الخفي) في عمله أم لا... فعليه أن يقرأ سورة الزمر، ويعرض قلبه على آياتها...
ميزان الإخلاص
إياك أن يكون في عملك نية لغير الله. إياك أن تقول: فلان يراني، والناس تشير إلي وتقول: هذا يحفظ القرآن، هذا يداوم على الصلاة في المسجد... أخلص لله تعالى في عبادتك. أخلصي لله تعالى في إرضائك لزوجك وطاعتك له. أخلصوا أيها الآباء والأمهات في تربية أولادكم على طاعة الله تعالى ونصرة الإسلام.. أخلصوا في حياتكم كلها لله، تضمنوا زمرة المؤمنين في الجنة، وتكونوا ممن فهم سورة الزمر وحقّق مراد ربنا من هذه السورة.
ألا لله الدين الخالص
ومن أول آيات السورة نرى هذا المحور واضحاً: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ بِ?لْحَقّ فَ?عْبُدِ ?لله مُخْلِصاً لَّهُ ?لدّينِ ( أَلاَ لله ?لدّينُ ?لْخَالِصُ...( (2 – 3).

وتتوالى كلمات الإخلاص والآيات التي تشير إليه بشكل متواصل...
فنقرأ قوله تعالى: (قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ?لله مُخْلِصاً لَّهُ ?لدّينَ ( وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ?لْمُسْلِمِينَ( (قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ ( قُلِ ?لله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ( فَ?عْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ...( (11 – 15).
فتؤكد الآيات على نفس المعنى: الإخلاص الكامل لله تعالى في العبادة والعمل.
ليكن عملك خالصاً كاللبن
ومن روعة القرآن في توضيح معنى الإخلاص، آية في سورة النحل، حيث يقول تعالى:
(وَإِنَّ لَكُمْ فِى ?لأَنْعَـ?مِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ( (66).
فهذا اللبن الأبيض، يخرج من بين الفضلات والدم، لبناً نقياً خالصاً، ولو أن قطرة واحدة من الدم وقعت فيه لفسد... هل تقدر أن تخلص في عبادتك وتنقيها من الشوائب؟ هل تستطيع أن تجعل كل سكنة وكل همسة في حياتك خالصة لله تعالى... وأنت تكلم الناس في الدين، وأنت تصلي، وأنت تقرأ القرآن، وأنا عندما أكتب هذا الكتاب... لا بد من الإخلاص الشديد لله، حتى يتقبل منا أعمالنا..
أيهما أصلح لك؟
وبعد ذلك يضرب الله لنا مثلاً جميلاً يناسب معنى الإخلاص:
(ضَرَبَ ?لله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَـ?كِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ?لْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ( (29).
فهل يستوي من يعمل عند سيد واحد ومن يعمل عند عدة أسياد؟ وهل يكون الموظف الذي عنده مدير واحد كالموظف الذي يتلقى أوامره من عدة مدراء، بآراء ووظائف مختلفة؟
لذلك تأتي بعد هذا المثل مباشرة (?لْحَمْدُ لله(، لأن التوحيد نعمة تريح القلب وتصون العبد من الزلل. الحمد لله على نعمة التوحيد، وأنه إله واحد، لأن إخلاص العمل لله أنفع لقلبك وأجمع لهمتك وأدعى لقبول العمل، تعود عليك بركته في الدنيا، وأجره مضاعفاً في الآخرة.
أنواع الإخلاص
وقد تناولت آيات السورة كل أنواع الإخلاص، وأولها إخلاص العبادة، حيث يقول تعالى (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ?لَّيْلِ سَـ?جِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ ?لأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ?لَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ?لَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ?لاْلْبَـ?بِ( (9)...
نموذج مضيء، لإنسان مخلص في عبادته لله تعالى، لا تهمه إشارات الناس له بالطاعة ومدحهم إياه بالعبادة، ولذلك فإنه يستعين في إخلاصه بقيام الليل، ويجتهد في العبادة حين لا يراه أحد من الناس...
ويأتي نوع آخر من أنواع الإخلاص، أهم من الأول بكثير: الإخلاص في التوبة، حتى وأنت تعود إلى الله وتتوب إليه:
(قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?لله إِنَّ ?لله يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ ( وَأَنِـيبُواْ إِلَى? رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ?لْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ( (53 – 54)...
أنظر إلى كلمة (وَأَنِـيبُواْ( ما أروعها... فهي تمثل سرعة العودة إلى الله والتوبة إليه...
وهكذا نرى أن الإخلاص يعين على الاستمرار في الطاعة، كما يعين على التوبة من الذنوب ومن التقصير...
لو استعانوا لأعانهم
وفي أواخر السورة تعود الآيات لتحدثنا عن الإخلاص وتحذرنا من الإشراك بالله تعالى (قُلْ أَفَغَيْرَ ?لله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا ?لْجَـ?هِلُونَ ( وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ ( بَلِ ?لله فَ?عْبُدْ وَكُن مّنَ ?لشَّـ?كِرِينَ( (64 – 66)...
فكيف لا يخلص المرء لله؟ وله ما في السماوات وما في الأرض...
إن الشرك بالله وعدم الإخلاص له إنما هو إساءة في تقدير حق الله وعظمته، والعياذ بالله. ولهذا جاء في الآية التالية مباشرة (وَمَا قَدَرُواْ ?لله حَقَّ قَدْرِهِ وَ?لأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَ?لسَّمَـ?و?تُ مَطْوِيَّـ?تٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَـ?نَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ( (67)، فكل من يشرك بالله تعالى - سواء أكان هذا الشرك ظاهراً أم خفياً - فإنه لا يعلم قدره سبحانه وتعالى...
ختام يشحذ الهمم
ونصل إلى آيات خاشعة، تهز القلوب، وتنقل لها مشاهد من يوم القيامة، وأحوال أهل النار وأهل الجنة. هذه الآيات تنقيك من الشرك والرياء تنقية تامة، وتزيدك خوفاً من الله ورهبة منه ورغبة إليه، وبالتالي تعينك على كل من إخلاص التوبة وإخلاص العبادة...
(وَنُفِخَ فِى ?لصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَن فِى ?لأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ?لله..( (68).
ويأتي بعدها قوله تعالى: (وَسِيقَ ?لَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَى? جَهَنَّمَ زُمَراً...( (71).
وبالمقابل نرى أهل الجنة (وَسِيقَ ?لَّذِينَ ?تَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ?لّجَنَّةِ زُمَراً...( (73).
إنه فرق كبير بين مصير المشركين الكافرين وبين مصير المؤمنين المخلصين...
بين (.. فُتِحَتْ أَبْو?بُهَا..( و(.. وَفُتِحَتْ أَبْو?بُهَا..(.
ومن روعة القرآن، أن الآيات عبّرت عن الفرق الرهيب بين أصحاب الجنة وأصحاب النار بحرف واحد: الواو.
فكلا الفريقين يساق إلى مصيره الذي أعده الله تعالى له، وكلاهما يساق مع الزمرة أي مع المجموعة التي كان معها في الدنيا (وَسِيقَ ?لَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَى? جَهَنَّمَ زُمَراً... وَسِيقَ ?لَّذِينَ ?تَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ?لّجَنَّةِ زُمَراً( (71-73). لكننا نرى في مصير الكفار قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أَبْو?بُهَا( (73).
بينما عن المؤمنين، تقول الآيات: (حَتَّى? إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْو?بُهَا(، ومثل هذه الملاحظات الدقيقة واللطيفة لا يتنبه لها إلا من يهتم بحفظ القرآن... فما الفرق بين الآيتين؟
فالكفار يساقون إلى جهنم خائفين، دون أن يعرفوا إلى أين تقودهم خطاهم وفجأة، تفتح أمامهم أبواب جهنم والعياذ بالله، ويفاجئون بعذاب الله تعالى.
أما المؤمنون، فهم يسيرون في موكب واحد، زمراً أيضاً، مطمئنين إلى مصيرهم، يترقبون الجنة وينظرون إليها من بعيد وهي تفتح أبوابها (لذلك قالت الآية وفتّحت أبوابها)...
فحُرِم الكفار من الواو لهول المفاجأة ووطأتها عليهم، بينما أعطى الله حرف الواو للمؤمنين حتى يستمتعوا بمراقبة أبواب الجنة وهي تفتح... تصوير رائع ومعاني رائعة فقط من حرف واحد من أحرف القرآن، إذ لا يوجد أي حرف زائد في القرآن، وهذا من إعجازه البياني..
ألا تريد اللحاق بهم؟
وتختم السورة بأروع ما يكون، آيات رقيقة ترقّق القلب وتشوّقه لطلب الجنة...
(وَسِيقَ ?لَّذِينَ ?تَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ?لّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى? إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْو?بُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـ?مٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَ?دْخُلُوهَا خَـ?لِدِينَ ( وَقَـالُواْ ?لْحَـمْدُ لله ?لَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ?لأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ?لْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ ?لْعَـ?مِلِينَ ( وَتَرَى ?لْمَلَـ?ئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ?لْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِ?لْحَقّ وَقِيلَ ?لْحَمْدُ لله رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ( (73 – 75).
لماذا (الزمر)؟
وكالعادة، يبقى سؤال مهم: وهو الحكمة من تسمية سورة الإخلاص لله باسم سورة الزمر...
والسبب - والله أعلم - هو أن أكثر ما يعينك على إخلاص العمل لله تعالى، أن تكون في زمرة صالحة، أي صحبة صالحة. وبالمقابل، فإن جزاء الإخلاص أن تنال صحبة المؤمنين. وكما يقول العلماء، يأبى الله أن يدخل الناس الجنة فرادى، فكل زمرة وكل صحبة يدخلون الجنة زمرة أي سوية...
فسميّت السورة بهذا الاسم حتى تتذكر الزمرتين، زمرة أهل الجنة وزمرة أهل النار، كلما قرأت السورة، وتختار بنفسك من يعينك على الإخلاص ويكون رفيقاً لك في الدنيا، ومرافقاً لك عند دخول الجنة.


سورة غافر
سورة غافر
سورة غافر (مكية)، نزلت بعد سورة الزمر، وهي بعدها أيضاً في ترتيب المصحف، عدد آياتها 85 آية..
أدع إلى الله وفوض الأمر إليه
إن المحور الأساسي الذي تتحدث عنه سورة غافر هو أهمية الدعوة إلى الله وتفويض الأمر لله أثناء الدعوة... فما علاقة الدعوة بتفويض الأمر إلى الله؟...
إن الداعي إلى الله تعالى سيواجه مشاكل ومصاعب خلال دعوته، فإذا أردت أخي المسلم أن تختار طريق الدعوة إلى الله، طريق أنبياء الله تعالى، فاعلم أن هناك عقبات كثيرة فيه، وعليك أن تفوض الأمر كله لله وتتوكل عليه. لذلك جاء في هذه السورة آية محورية، (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لأَشْهَـ?دُ( (51). هذه الآية موجهة إليك أخي المسلم كما هي موجهة للأنبياء (رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ(، وتعدك بالنصر الرباني في الدنيا قبل الآخرة (فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لأَشْهَـ?دُ(، فتوكل على الله، وفوض الأمر إليه...
خير القول وخير العمل
وسورة غافر تنضم إلى سور كثيرة في القرآن في حثها على أشرف مهمة في التاريخ: الدعوة إلى الله، لأنها طريق الأنبياء والمرسلين، فلا بد أن يحرص الإنسان عليها ويهتم بها لا بل ينذر حياته كلها لإيصال الخير إلى الناس.
والدعوة ليست صعبة، إذ لا يشترط أن يكون المرء علاّمة حتى يدعو إلى الله تعالى.

حدّث أصدقاءك عن الإسلام وعظمته ورحمته، أو على الأقل انشر الشريط الإسلامي المفيد أو الكتب النافعة التي تعلّم الناس أمور دينهم وتقرّبهم إلى الله.. حدّثي رفيقاتك عن الحياء والعفة بأي وسيلة تؤثر في القلب. وليس عليكم النظر إلى النتائج، إذ أن المطلوب منا هو العمل فقط، والله وحده هو الذي يهدي من يشاء...
إني عذت بربي وربكم
ولأن السورة تحدثنا عن الدعوة وتفويض الأمر إلى الله، فإننا نرى
هذه المعاني مرتين في قصة موسى عليه السلام: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَى? وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ?لأَرْضِ ?لْفَسَادَ( (26).
وحين وصل الأمر إلى التهديد بالقتل، استمر موسى عليه السلام بالدعوة إلى دين الله تعالى وفوّض أمره إلى الله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى? إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُـمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ?لْحِسَابِ( (27).
وأفوض أمري إلى الله
ونموذج التفويض الثاني، لرجل مؤمن من آل فرعون، كان يكتم إيمانه، لكنه حين رآهم يكيدون لموسى ليقتلوه، قال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ ?لله...( (28)، فكانت صدمة لفرعون أن يقف رجل من حاشيته ويدافع عن موسى، وكان مؤكداً عند الجميع أن فرعون سيبطش به، لكن المؤمن الصادق انتقل من الدعوة إلى التفويض: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُـمْ وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى ?لله إِنَّ ?لله بَصِيرٌ بِ?لْعِبَادِ( (44).
فماذا حدث بعد ذلك؟ (فَوقَاهُ ?لله سَيّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ( (45)..
وكأن المعنى: أدع أيها المسلم إلى الله، ولا تخش في الله لومة لائم. وتوكل على من يحفظك وفوض أمرك إليه، ليحميك من أعدائك. واستعذ دوماً بالله تعالى، كما قال سيدنا موسى: (إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُـمْ( (27).
عقبات على الطريق
طريق الدعوة صعب ومليء بالمشاق والمتاعب، لكنها ستكون أخف بكثير من تلك التي واجهت موسى عليه السلام ومؤمن آل فرعون، كأن يستهزأ بك أحد، أو يشتمك أو يضيق عليك حياتك... لهذا، عليك أن تفوض أمرك إلى الله وتستمر في الدعوة، لأن الأمة المحمدية كلها مطالبة بالدعوة، كما جاء في سورة آل عمران: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِ?لله..( (آل عمران: 110). فما الذي جعلنا خير أمة أخرجت للناس؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أولاً، ثم الإيمان بالله، إشارة إلى أهمية هذه الفريضة العظيمة في تميزنا عن باقي الأمم...
أقصر طريق إلى القلوب
والسورة لا تحث المؤمنين على الدعوة إلى الله وحسب، بل إنها ترشدنا إلى أفضل الوسائل في الأخذ بيد الناس. وهذا ما نراه في قصة مؤمن آل فرعون، وعرض السورة للوسائل التي استخدمها هذا الداعي الرباني في دعوته لقومه. تعالوا معاً أيها الدعاة، لنتعلم دروساً قرآنية رائعة في الدعوة إلى الله:
الإقناع العقلي
(وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـ?نَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ ?لله وَقَدْ جَاءكُمْ بِ?لْبَيّنَـ?تِ مِن رَّبّكُمْ وَإِن يَكُ كَـ?ذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَـ?دِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ?لَّذِى يَعِدُكُمْ...( (28).. فهو يقول لهم: "اسمعوه وبعد ذلك قرروا القبول أو الرفض. مع العلم أن كذبه سيرتد عليه وحده، أما صدقه فيرتد عليكم ويهلككم". كلام عاقل وهادف، يعتمد على تبسيط الأمور والحقائق.
التواضع مع الناس
وبعد أن أنهى المنهج العقلي، انتقل هذا المؤمن إلى منهج آخر، فقال:
(ي?قَومِ لَكُمُ ?لْمُلْكُ ?لْيَوْمَ ظَـ?هِرِينَ فِى ?لأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ?لله إِن جَاءنَا...( (29).
لاحظ الذكاء وحسن اختيار الألفاظ: فحين تحدث عن الملك قال: (لَكُمُ ?لْمُلْكُ( فعظّمهم وأنزلهم منازلهم، لكنه حين أراد تحذيرهم من عذاب الله، قال: (فَمَن يَنصُرُنَا(، فأدخل نفسه معهم حتى يشعرهم أنه واحد منهم، لا يتكبّر عليهم بالتزامه وتديّنه، وأنه يخاف عليهم كما يخاف على نفسه.
وهكذا نتعلم درسين في الدعوة إلى الله من آية واحدة:
- إنزال الناس منازلهم، ومخاطبتهم بما يحبون من الألقاب (لَكُمُ ?لْمُلْكُ ?لْيَوْمَ ظَـ?هِرِينَ فِى ?لأَرْضِ(.
- عدم التكبر على المدعوين، وإحساسهم أن الداعي واحد منهم (فَمَن يَنصُرُنَا(.
صدق العاطفة
وبعد ذلك ينتقل الداعي إلى الناحية العاطفية في الدعوة (وَي?قَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ?لتَّنَادِ( (32) فإذا أردت أن تؤثر في الناس، فعليك أن تحب الناس وتشعرهم بحبك لهم ورحمتك بهم وخوفك عليهم من العذاب... (ي?قَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ?لأَحْزَابِ( (30).
استخدام التاريخ في الدعوة
وبعد الاستعانة بالمنهج العقلي والمنهج العاطفي، يأتي الاستشهاد بالتاريخ في الدعوة إلى الله:
(ي?قَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ?لأَحْزَابِ ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَ?لَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا ?لله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ( (30-31).
فالداعية إلى الله تعالى لا بد أن يكون موسوعي الثقافة والمعرفة، على علم بالتاريخ، وبأحوال الأمم السابقة، ليحث الناس على الاعتبار ممن سبقوهم.
التذكير بيوم القيامة
وأخيراً، بدأ يتحدث عن يوم القيامة، لأن التذكير باليوم الآخر هو من أقوى الوسائل التي يجب على الدعاة أن يستعينوا بها في دعوتهم إلى الله: (وَي?قَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ?لتَّنَادِ( (32) - أي يوم القيامة - (يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مّنَ ?لله مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ?لله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ( (33).
ثم يعود بعد ذلك إلى التاريخ (وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِ?لْبَيّنَـ?تِ...( (34) ثم إلى استخدام العاطفة (ي?قَوْمِ ?تَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ?لرَّشَـادِ( (38). ثم التذكير بيوم القيامة (ي?قَوْمِ إِنَّمَا هَـ?ذِهِ ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا مَتَـ?عٌ وَإِنَّ ?لأَخِرَةَ هِىَ دَارُ ?لْقَـرَارِ( (39) ثم المنهج العقلي (وَي?قَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُـمْ إِلَى ?لنَّجَو?ةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى ?لنَّارِ ( تَدْعُونَنِى لأَكْـفُرَ بِ?لله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ?لْعَزِيزِ ?لْغَفَّارِ( (41 – 42).
ويختم دعوته لقومه بتفويض الأمر إلى الله كما ذكرنا (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُـمْ وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى ?لله( (44)...
موقف رائع، وحجة باهرة، يستعملها هذا الداعي إلى الله، الذي ليس بنبي مرسل، لكن غيرته على دين الله وحبه للإسلام، كانا سبباً في أن يذكر في كتاب الله تعالى، ويكون قدوة للدعاة إلى يوم القيامة، في استخدام الوسائل المناسبة للدعوة إلى الله.
الدعاء عنوان التفويض
والدعاء هو من أهم مظاهر تفويض الأمر إلى الله، لذلك ركزت السورة كثيراً على الدعاء، فنرى أن السورة في بدايتها ذكرت دعاء الملائكة للمؤمنين: (?لَّذِينَ يَحْمِلُونَ ?لْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً فَ?غْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَ?تَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ?لْجَحِيمِ( (7).
وختمت السورة بالآية المشهورة في الحث على الدعاء: (وَقَالَ رَبُّكُـمْ ?دْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ?لَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ د?خِرِينَ( (60).
وخلال السورة، وردت آيات كثيرة في نفس المعنى: (فَ?دْعُواْ ?لله مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ( (14).
ومن لم يدع ربه في الدنيا سيندم على ذلك كثيراً في الآخرة (قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً( (74). فيحاولون الدعاء، لكن ذلك لن يفيدهم شيئاً، بعد أن تركوا الدعاء في الدنيا (قَالُواْ فَ?دْعُواْ وَمَا دُعَاء ?لْكَـ?فِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـ?لٍ( (50).
فإذا أردت العون خلال دعوتك إلى الله، والتفويض والتسليم إليه سبحانه في هذا الطريق، فاقرأ سورة الدعوة والتفويض، اقرأ سورة غافر بهذه النية.



سور فصلت والشورى والزخرف
والدخان والجاثية والأحقاف
هذه السور الست تجمعها خصائص عديدة، أولها أنها تبدأ بـ (حم)، ولذلك تعرف بالحواميم.
حم... والأحرف المقطعة
هذه السور تبدأ جميعاً بـ (حـم(. فما المراد من هذه الحروف؟ سبق وقلنا في سورة آل عمران أن الله تعالى يتحدى العرب في هذه الحروف المقطعة. وكأن المعنى: هذه الحروف هي المادة الأولية التي تستعملونها في الكتابة، فتنظّمون منها نثراً وشعراً... وأنتم في حياتكم العادية تأخذون المواد الأولية الأساسية في الكون (من حديد ومعادن وخشب..). وتصنعون منها سيارات ومفروشات ومبان... لكن التحدي هو: هل تقدرون أن تصنعوا من هذه المنتجات إنساناً فيه روح؟
وبالتالي، يكون التحدي في الحروف المقطعة: هذه هي المادة الأولية للغتكم، فهل تستطيعون أن تأخذوا هذه المادة الأولية وتأتوا منها بقرآن... هل تستطيعون أن تنفخوا الروح في هذه الحروف؟ اسمع قوله تعالى عن القرآن (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا( (الشورى، 52)، فهل تقدرون على أن تأتوا بمثل هذا القرآن، (ومن اللطائف أن هذه الآية أيضاً موجودة في الحواميم).
مفتاح واحد لهدف واحد
إنّ السور التي تبدأ بنفس الأحرف المقطعة لا بد أن يجمعها قضيّة

مشتركة... وكأن (الم( أو (حـم( هما رمز (أو code) لموضوع السورة وفكرتها المحورية. وكل السور التي تبدأ بهذا الرمز ترتبط مع بعضها في مواضيعها وأهدافها (كما رأينا في سور البقرة وآل عمران والعنكبوت).
وسور الحواميم - كما هو واضح - ابتدأت جميعها بنفس الحروف المقطّعة (حـم( لأن هناك هدف مشترك يجمعها، وحتى نعرف هذا الهدف، لا بد أن نستعرض النقاط المشتركة التي تجمع هذه السور:
1. كلها سور مكية
2. كلها تبدأ ببيان قيمة القرآن وعظمته.
3. تذكر قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل.
4. تبيّن انتقال الرسالة من بني إسرائيل إلى أمة محمد
5.تحث على الوحدة والتحذير من الفرقة..
6.تختتم بالصفح والإمهال...
ولنبدأ بملاحظة هذه المعاني، ونربط بينها، في طريقنا لفهم مراد ربنا من هذه السور الكريمة.
1. قيمة القرآن:
تبدأ هذه السور جميعاً بالحديث عن قيمة القرآن وعظمته:
ففي سورة فصّلت: (حـم ( تَنزِيلٌ مّنَ ?لرَّحْمَـ?نِ ?لرَّحِيمِ( (1 – 2).
وفي الشورى: (حـم ( عسق ( كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ?لله ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ( (1-2-3).
وفي سورة الزّخرف: (حـم ( وَ?لْكِتَـ?بِ ?لْمُبِينِ( (1 – 2).
وسورة الدّخان: (حم ( وَ?لْكِتَـ?بِ ?لْمُبِينِ( (1 – 2).
وسورة الجاثية: (حم ( تَنزِيلُ ?لْكِتَـ?بِ مِنَ ?لله ?لْعَزِيزِ
?لْحَكِيمِ( (1 – 2).
وسورة الأحقاف: (حـم ( تَنزِيلُ ?لْكِتَـ?بِ مِنَ ?لله ?لْعَزِيزِ ?لْحَكِيمِ( (1 – 2).
2. موسى عليه السلام وبنو إسرائيل:
سورة فصّلت: (وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى? ?لْكِتَـ?بَ فَ?خْتُلِفَ
فِيهِ...( (45).
سورة الزّخرف: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى? بِـئَايَـ?تِنَا إِلَى? فِرْعَوْنَ
وَمَلئيْهِ( (46).
سورة الدخان: (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ( أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ ?لله( (17-18).
(وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْر?ءيلَ مِنَ ?لْعَذَابِ ?لْمُهِينِ( (31).
سورة الجاثية: (وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إِسْر?ءيلَ ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْحُكْمَ
وَ?لنُّبُوَّةَ...( (16).
سورة الأحقاف: (وَمِن قَبْلِهِ كِتَـ?بُ مُوسَى? إِمَاماً
وَرَحْمَةً( (12).
وأكثر قصص الأنبياء تكراراً في القرآن الكريم هي قصة موسى
عليه السلام، لدرجة أننا نرى حديثاً لطيفاً للنبي ( في المسألة، حيث
يقول: "رحم الله أخي موسى لقد كاد يذهب بثلث القرآن". فما الحكمة
من ذلك؟
لأن قصة موسى احتوت على محورين أساسيين: علاقة موسى مع فرعون (والتي كانت من أقوى المواجهات في صراع الخير والشر)، وعلاقة موسى مع بني إسرائيل، التي كانت آخر أمة قادت الأرض قبل أمة محمد (، فكانت هذه التجربة مهمة للأمة المسلمة حتى يتعلموا من أخطائها في استخلافهم وقيادتهم للأرض...
3. انتقال الكتاب من الأمة السابقة (بني إسرائيل) إلى أمة محمد (:
(شَرَعَ لَكُم مّنَ ?لِدِينِ مَا وَصَّى? بِهِ نُوحاً وَ?لَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى? أَنْ أَقِيمُواْ ?لدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ
فِيهِ( (الشورى، 13) هذه الآية (أَقِيمُواْ ?لدّينَ( هي آية محورية بين كل
سور الحواميم، كيف؟ هذا ما سنراه بعد أن نفهم أهداف السور. وهناك آيات أخرى تفيد نفس المعنى:
(ثُمَّ جَعَلْنَـ?كَ عَلَى? شَرِيعَةٍ مّنَ ?لأَمْرِ فَ?تَّبِعْهَا( (الجاثية: 18).
(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْـئَلُونَ( (الزخرف: 44).
(وَمِن قَبْلِهِ كِتَـ?بُ مُوسَى? إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـ?ذَا كِتَـ?بٌ مُّصَدّقٌ لّسَاناً عَرَبِيّاً...( (الأحقاف، 12).
4. الوحدة وخطورة الفرقة:
سورة فصّلت: (وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ?لْكِتَـ?بَ فَ?خْتُلِفَ
فِيهِ...( (45).
سورة الشورى: (شَرَعَ لَكُم مّنَ ?لِدِينِ مَا وَصَّى? بِهِ نُوحاً وَ?لَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى? أَنْ أَقِيمُواْ ?لدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ
فِيهِ ( وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ?لْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ..( (13-14).
سورة الزخرف: (فَ?خْتَلَفَ ?لأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ( (65).
سورة الجاثية: (وَءاتَيْنَـ?هُم بَيّنَـ?تٍ مّنَ ?لأَمْرِ فَمَا ?خْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ?لْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ...( (17).
5. الصفح والإمهال
والجميل أن كل هذه السور قد اختتمت بالعفو والصفح والأمر بالصبر:
سورة الشورى: (قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ?لْمَوَدَّةَ فِى
?لْقُرْبَى?...( (23).
(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ?لأُمُورِ( (43).
سورة الزخرف: (فَ?صْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـ?مٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ( (89).
سورة الدخان: (فَ?رْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ( (59).
سورة الأحقاف: (فَ?صْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ?لْعَزْمِ مِنَ ?لرُّسُلِ( (35).
بعد أن عرضنا العوامل المشتركة بين هذه السور، يبقى السؤال: ما هو الهدف والمحور المشترك بين هذه السور؟
بين الدعوة والمواجهة
هذه السور موجودة في المصحف بعد سورة غافر وقبل سورة محمد،
وهو نفس ترتيب نزول هذه السور (إذ أنها جميعاً سور مكية نزلت بعد
غافر، وطبعاً كلها نزلت قبل سورة محمد التي هي سورة مدنية). وإذا تأملنا أهداف السورتين اللتان تحيطان بسور الحواميم، وجدنا أن سورة غافر تتحدّث عن أهمية الدّعوة إلى الله، بينما سورة محمد تتحدّث عن أهمية القتال في سبيل الله ونصرة الدّين... أي أن هذه السّور بمجملها هي بمثابة مرحلة انتقالية بين الدّعوة والمواجهة.
فما علاقة ذلك بالمحاور الأربعة التي ذكرناها، والتي تشمل قيمة القرآن وبني إسرائيل ووراثة الكتاب منهم وأهمية الوحدة والصفح والإمهال؟
واجبات ومحاذير
إن محور هذه السور هو تنبيه الأمّة إلى أنّها أصبحت مسؤولة
عن القرآن، عن منهج الله تعالى على هذه الأرض، وبالتالي هناك
واجبات ومحاذير، وهناك نقاط أساسية وخطيرة تؤهلك لتكون مسؤولاً عن هذه الأرض...
ولهذا بدأت كل السور بالحديث عن قيمة هذا القرآن، كما تحدّثت عن موسى وبني إسرائيل وانتقال الكتاب منهم إلى أمة محمد (.
وكذلك، كل سورة من هذه السّور تحدثت عن الوحدة وعدم الفرقة، لأنّ ضياع بني إسرائيل والأمم السابقة كان سببه الفرقة. وتحدثت عن الصفح والإمهال لأنّها في مرحلة عرض الكتاب والتّمسّك بالكتاب، (بين الدعوة والمواجهة)، فكان الصفح عن الآخرين مطلوباً حتى يعرض عليهم الكتاب عرضاً صحيحاً...
بعد أن استعرضنا المحاور العامة والأهداف المشتركة لسور الحواميم، تعالوا نعيش مع كل سورة من هذه السور، لنرى كيف تخدم كل واحدة منها الهدف المشترك:
"أنتم مسؤولون عن هذه الأرض، فهناك واجبات ومحاذير".
سورة فصّلت
سورة فصّلت
وأول هذه الواجبات المطلوبة من الأمة المحمدية: أن تعي هذا القرآن، وأن تتلقاه بالحفظ والرعاية والفهم... فما علاقة هذه السورة بالهدف العام الذي ذكرناه؟
إن سور الحواميم - كما رأينا - تمثّل مرحلة انتقالية من الدعوة إلى المواجهة، ولذلك كانت أول سورة في هذه السلسلة تبيّن وضوح رسالة الله تعالى إلى البشرية، وتفصيلها وتيسيرها للناس. وهذا ما نستنتجه من اسم السورة (فُصّلَتْ(، الذي أشارت إليه الآية المحورية في بداية السورة: (كِتَـ?بٌ فُصّلَتْ ءايَـ?تُهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ( (3).
حسن الاستقبال
سورة فصّلت تتحدث عن أهمية الاستقبال السليم لأوامر الله تعالى. فلكي تنتقل أي رسالة إلى مستمعيها بشكل سليم، لا بد من سلامة جهازي الإرسال والاستقبال، بالإضافة إلى وضوح اللغة المستخدمة. وهذا ما بينته الآية الأولى من السورة: (كِتَـ?بٌ فُصّلَتْ ءايَـ?تُهُ(.
ونرى هذا المعنى واضحاً في قوله تعالى (الآية 44): (وَلَوْ جَعَلْنَـ?هُ قُرْءاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءايَـ?تُهُ ءاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ(... لتوضح لنا السورة من سيستفيد من هذا القرآن: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء(. وكأنها تقول للكفار: ألا تفهمون أن المشكلة فيكم وفي جهاز استقبالكم (وَ?لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى(.
لذلك تأتينا السورة بعد ذلك بصفات المستقبل السليم لأوامر الله تعالى (إِنَّ ?لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ?لله ثُمَّ ?سْتَقَـ?مُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ?لْمَلَـئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ( (30) فحسن الاستقبال يتطلب إيماناً بالله أولاً ثم استقامة على طاعته ويعينك على حسن استقبال أوامر الله، الدعوة إلى الله والأخذ بيد الناس إلى طريق الله:
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ?لله وَعَمِلَ صَـ?لِحاً وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ?لْمُسْلِمِينَ( (33).
سوء استقبال الوحي
وبالمقابل، ترينا السورة كيف أن الكثير من الناس يهتمون لمصلحتهم فقط، حتى في علاقتهم مع الله تعالى، وهذا من أخطر الأمور التي تصرف عن الاستقبال السليم لآيات الله وقضائه وقدره: (لاَّ يَسْـئَمُ ?لإِنْسَـ?نُ مِن دُعَاء ?لْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ?لشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ( وَلَئِنْ أَذَقْنَـ?هُ رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـ?ذَا لِى...( (49-50) (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ?لإِنسَـ?نِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ..( (51).
ورغم كل هذه الشواغل التي هي من طبيعة البشر، سيبقى جهاز الإرسال سليماً، وستبقى آيات الله الدالة على عظمته واضحة للأعين، فتأتي الآية الرائعة في بيان ذلك (سَنُرِيهِمْ ءايَـ?تِنَا فِى ?لأَفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ?لْحَقُّ..( (53). من فضلك، قبل أن تكمل قراءة سور الحواميم، أصلح نفسك وجهاز استقبالك، حتى تستفيد من هذه الواجبات والمحاذير التي تحتاجها خلال مسؤوليتك عن أرض الله...
سورة الشورى
سورة الشورى
في سورة الشورى، نرى أن المحظور هو الخلاف والفرقة، والواجب الذي يحمي من الوقوع في الخلاف هو الشّورى. هذا هو محور سورة الشورى ببساطة شديدة...
نعم للاختلاف... لا للخلاف
ومن لطف السورة، أنها تحدثت عن الاختلاف بواقعية، وقررّت أنّ الأصل في الناس أنهم سيختلفون ولا مشكلة في ذلك، كما نرى في قوله تعالى: (وَمَا ?خْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْء فَحُكْمُهُ إِلَى ?لله( (10)... لكنها حين تحدّثت عن الفرقة، حذرت منها بشدة (أَنْ أَقِيمُواْ ?لدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ( (13) وعابت على من وقع فيها من الأمم السابقة (وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ?لْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ( (14).
فالسّورة تقرّر أن الخلاف أمر طبيعي ومنطقي لأنه من المستحيل أن يجتمع الناس على رأي واحد في كلّ المسائل، لكن المرفوض هو الفرقة والنّزاع، (لذلك تكرر ذكر كلمة الفرقة في السورة أربع مرات). فما هو الحل لضمان الوحدة رغم تعدد الآراء؟ إنها الشورى، التي إن حافظنا عليها في كل أمور حياتنا، في بيوتنا ومع أولادنا، وفي شركاتنا ومؤسساتنا، حافظنا على أمتنا من التفرق كما جرى مع الأمم السابقة..
سورة الزخرف
سورة الزخرف
سورة الزخرف تؤكّد على المعاني الأساسية في الحواميم، وتنبه من أحد المحاذير التي تضيع مسؤوليّة الحفاظ على الكتاب. هذا المحظور واضح من اسم السورة: الزخرف، أو الاغترار بزخرف الدّنيا ومظاهرها الخادعة...
لذلك فالسورة تسلّط الضّوء على المظاهر المادّية وعلى الناس الذين
ينبهرون بها، لأنها من أخطر أسباب ضياع الرّسالة... وبالمقابل تؤكد على أن الزخرف الحقيقي والنعيم الحقيقي ليس في الدنيا، بل في الجنة التي وعد بها المتقون.
متاع الحياة الدنيا
ولذلك تكرّر في السورة ذكر الذهب والفضة أكثر من أي سورة أخرى. هذه المظاهر لو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة لحرم منها أهل الكفر... لكن لهوانها على الله كان من الممكن أن يمنح أهل الكفر منها الكثير، لكن الله لم يفعل ذلك لكي لا يفتن المؤمن بهم ويسلك سبيلهم. اسمع معي الآيات:
(وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ?لنَّاسُ أُمَّةً و?حِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِ?لرَّحْمَـ?نِ
لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ( وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْو?باً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ( وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـ?عُ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَ?لأَخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ( (33 – 35).
الزخرف الحقيقي
وفي مقابل حديث السورة عن متاع الدنيا وتزهيد الناس منها، تأتي السورة بالزخرف الحقيقي: الجنة وما أعد الله فيها للمتقين: (?دْخُلُواْ ?لْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْو?جُكُمْ تُحْبَرُونَ ( يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَـ?فٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْو?بٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ?لأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ?لأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـ?لِدُونَ( (70 – 71).
وكأن المعنى: لا تنبهروا يا مؤمنين بزينة الدنيا ولا تنخدعوا بمتاعها، لأن متاع الآخرة الذي أعده الله للمتقين أهم وأعظم.
قصور النظر
وتمضي السورة في انتقادها لمن يقيس الأمور اعتماداً على الأشكال والمظاهر، فتقول عن المشركين: (وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَـ?ذَا ?لْقُرْءانُ عَلَى? رَجُلٍ مّنَ ?لْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ( (31) فهم رفضوا القرآن لا لذاته وإنما لأنه لم ينزل على الأشراف الأغنياء وأصحاب الجاه، لذلك ترد عليهم الآية التالية: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ...( (32)
وللأسف نرى كثيراً من الناس يستعملون نفس المنطق الذي استعمله الكفار في الآية السابقة، فيرفضون التديّن خوفاً على بعض المظاهر التي اعتادوا عليها، أو يأنفون من التعامل مع المتدينين... لكل هؤلاء نقول: إقرأوا سورة الزخرف، ولا تجعلوا زخرف الدنيا حاجزاً بينكم وبين التدين...
وتمضي الآيات في عرضها لمتاع الدنيا: (أَوَمَن يُنَشَّأُ فِى ?لْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ?لْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ( (18) ثم الآية التي بعدها: (وَجَعَلُواْ ?لْمَلَـئِكَةَ ?لَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ?لرَّحْمَـ?نِ إِنَـ?ثاً( (19) والإناث هي إشارة إلى الأمور الماديّة التي يسعى المرء وراءها...
فرعون والمظاهر المادية
وهذا فرعون، أراد تكذيب موسى عليه السّلام، فاغتر بقوته المادية
(أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـ?ذِهِ ?لأَنْهَـ?رُ تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفَلاَ تُبْصِرُونَ( (51). وكانت نظرته إلى سيدنا موسى نظرة ماديّة (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هَـ?ذَا ?لَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ( فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ...( (الزخرف: 52 – 53).
فلقد غرق فرعون في المظاهر الماديّة، حتّى أنه طلب أن يأتيه موسى بأسورةٍ من ذهب من السّماء، وكأنّ هذه الأسورة هي التي ستجعله يؤمن بالله...
عيسى بن مريم: رمز الزهد
وفي مقابل نموذج فرعون، ذلك الرجل الذي أعمته الحياة الدنيا بماديتها، يأتي نموذج معاكس تماماً، سيدنا عيسى عليه السلام: (وَلَمَّا ضُرِبَ ?بْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ( (57).
كان هذا النبي الكريم قدوة لبني إسرائيل في الزهد والتخفف من زخرف
الدنيا:
(إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـ?هُ مَثَلاً لّبَنِى إِسْر?ءيلَ( (59).
فماذا كانت رسالته؟ نلاحظ أن هذه الرسالة شملت محورين متعلقين بسور الحواميم:
- (وَلَمَّا جَاء عِيسَى? بِ?لْبَيّنَـ?تِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِ?لْحِكْمَةِ...( (63) هذه الحكمة هي البديل عن كل هذه المظاهر التي كان قومه يهتمون بها. (موافقة لهدف سورة الزخرف).
- (وَلأُبَيّنَ لَكُم بَعْضَ ?لَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ( (63) (موافقة لهدف سورة الشورى في الوحدة وعدم التفرق).
حذار من الزخرف
إنّ سورة الزّخرف - من خلال إرشاد المسلمين إلى مسؤوليّتهم عن
القرآن - تحذّرهم من أنّهم لو تعلّقوا بالمظاهر المادّيّة فلن يفلحوا... وهل تخلّفت أمّتنا في هذا العصر إلاّ بسبب تعلّقها بالمظاهر المادّيّة وانبهار أفرادها بحضارة الغرب الماديّة!
وتحذر السورة أيضاً كل من يختار أصدقائه وفقاً للمظاهر الماديّة: (?لأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ?لْمُتَّقِينَ( (67).
ويأتي التعقيب بعد كلّ هذه الآيات بقوله تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ
وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْـئَلُونَ( (44). فهذا هو الشرف الحقيقي
والعز الرباني، إنه في التمسك بالقرآن وبالعمل بتعاليم الإسلام. وهذه
الآية ترينا تماماً كيف ينضوي هدف سورة الزخرف تحت الهدف العام للحواميم: "إياكم وطلب العزة بالمظاهر المادية، واستمسكوا بالقرآن الذي هو رفعتكم وعزتكم".
سورة الدخان
سورة الدخان
بعد أن حذرت سورة الزخرف من متاع المظاهر المادية، وخطورة الانبهار به على مسؤولية الأمة عن القرآن وعن الدين، تأتي سورة الدخان بمعنى مماثل: التحذير من المظاهر الماديّة، لكن من ناحية السّلطة والتمكين..
فناء الظالمين في الدنيا
فترى فيها آيات شديدة، تعقب على فناء الظالمين وكل من سار سيرهم:
(كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـ?تٍ وَعُيُونٍ ( وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَـ?كِهِينَ ( كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـ?هَا قَوْماً ءاخَرِينَ ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ( (25 - 29).
وبينما بيّنت سورة الزخرف أن سبب تكذيب فرعون كان المظاهر المادية، حددت سورة الدخان سبباً آخر لتكذيبه: اعتماده على الجاه والسلطة، (إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ?لْمُسْرِفِينَ( (31).
عذاب الظالمين في الآخرة
وتصوّر لنا السورة مشهداً رهيباً من مشاهد القيامة: عذاب كل من ألهته القوة والسلطة فأنسته طاعة الله: (إِنَّ شَجَرَةَ ?لزَّقُّومِ ( طَعَامُ ?لأَثِيمِ ( كَ?لْمُهْلِ يَغْلِى فِى ?لْبُطُونِ ( كَغَلْىِ ?لْحَمِيمِ..( (46).
إلى أن نصل إلى قوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ?لْعَزِيزُ ?لْكَرِيمُ( (49)، آية رهيبة تحدد بوضوح أن هذا العذاب هو لمن اعتز بقوته وجبروته في الدنيا وحاد عن طريق الله.
سورة الجاثية
سورة الجاثية
ثم تأتي سورة الجاثية إلى المسلم الذي حمل الأمانة وحمل القرآن، لتحذّره من التكبر والتعالي.
(وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( يَسْمَعُ ءايَـ?تِ ?لله تُتْلَى? عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءايَـ?تِنَا شَيْئاً ?تَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ( (7 – 9).
فالتكبر يضيع الرسالة في الدنيا، ويحرم صاحبه من التعرف
على الحق:
(وَأَمَّا ?لَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءايَـ?تِى تُتْلَى? عَلَيْكُمْ فَ?سْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ( (31).
لذلك يقول النبي (: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".
ولذلك سميت السورة بسورة الجاثية، لتذكرنا بالأمم التي استكبرت في الدنيا، والتي تعلقت بالمظاهر والتي اعترت بالسلطة، وتصف لنا ذلها يوم القيامة: (وَتَرَى? كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَى? إِلَى? كِتَـ?بِهَا ?لْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( (28).
ولأن المتكبر ينازع الله تعالى في صفة من صفاته، تختم السورة بآية تهزّ كل من في قلبه هذه الصفة الخطيرة: (وَلَهُ ?لْكِبْرِيَاء فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَهُوَ ?لْعِزِيزُ ?لْحَكِيمُ( (37).
سورة الأحقاف
سورة الأحقاف
وتأتي سورة الأحقاف لتختم الحواميم بطريقة رائعة:
فبعد أن عرضت السور السابقة المنهج القرآني، تأتي سورة الأحقاف لتقول أن هناك من سيستجيب لهذا المنهج، وهناك من سيرفض. فتعرض نماذج متناقضة:
فهناك أناس لم يستجيبوا لله تعالى، وهم قوم عاد (وَ?ذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِ?لأَحْقَافِ..( (21).
فكان تكذيبهم شديداً (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءالِهَتِنَا
فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا...( (22) وحتى لما رأوا العذاب: (قَالُواْ هَـ?ذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا( (24).
حتى الجن... استجابوا
أما الذين سمعوا النداء واستجابوا له، فهم ليسوا حتى من البشر، إنهم من الجن: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ?لْجِنّ يَسْتَمِعُونَ ?لْقُرْءانَ( (29) أمر عجيب، يعلمنا أن الاستجابة والهداية ليست بيد أحد من البشر، إنما هي من الله تعالى. فماذا قالوا لما سمعوا النداء؟
(... فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى? قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ( (29) ثم (قَالُواْ ي?قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـ?باً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى?...( (30) حتى الجن أتوا على ذكر موسى، وأكدوا على قيمة القرآن ووراثة المسلمين له، (أرأيت الترابط بين السور؟).
ثم يقول الجن: (ي?قَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ?لله..( (31)، بعد الإمهال والأمر بالصفح في كل سور الحواميم، تأتي سورة الأحقاف في ختامها لتقول: (ي?قَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ?لله(.
الاستجابة للوالدين
وتعرض السورة نموذجين لنوع آخر من أنواع الاستجابة: بر الوالدين. فنرى نموذجاً صالحاً:
(.. حَتَّى? إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ?لَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى? و?لِدَىَّ...( (15) وبالمقابل، يأتي نموذج
رهيب للعقوق وعدم الاستجابة (وَ?لَّذِى قَالَ لِو?لِدَيْهِ أُفّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ?لْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ?لله وَيْلَكَ ءامِنْ إِنَّ وَعْدَ ?لله حَقٌّ( (17).
تدرج السور وعلاقتها ببعضها
في الختام، لا بد من التأكيد على الإمهال والصفح في سور الحواميم.
فهذه السور - كما قلنا - أتت بين سورة غافر التي ركزت على الدعوة إلى الله، وبين سورة محمد التي هي سورة القتال، لذلك نرى أن آيات الصبر والإمهال تزداد في السور كلما اقتربنا من نهايتها.
فسورة الزخرف كان فيها قوله تعالى: (فَ?صْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـ?مٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ( (89)، بينما نرى المعنى أوضح في سورة الدخان، ففي بدايتها: (فَ?رْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ?لسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ( (10) بينما في نهايتها: (فَ?رْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ( (59).
صبر... مواجهة... ثم فتح وانتصار
وكأن الحواميم كانت آخر سور الإمهال للكافرين (فَ?عْتَزِلُونِ(... (قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ?لْمَوَدَّةَ فِى ?لْقُرْبَى?( (الشورى، 23)... (ي?قَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ?لله( (31).
إلى أن تأتي آخر آية في سورة الأحقاف: (فَ?صْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ?لْعَزْمِ مِنَ ?لرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ( (35) التي كانت آخر أمر بالتحمل.
ثم السورة التي تأتي بعدها هي سورة محمد التي تعرف بسورة القتال، ثم تأتي سورة الفتح لتقول: أتى الانتصار أخيراً: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً(.
نسأل الله تعالى أن يكون قراء القرآن قد أحبوا هذه السور الست، سور الحواميم، وأن يبدأوا بحفظها وملاحظة ترابط آياتها وأهدافها...


سور محمد، الفتح، الحجرات
هذه السور الثلاث، سور مدنية، تدور كلها حول محور واحد، هو النبي (... الإيمان به وطاعته والأدب معه عليه الصلاة والسلام.
سورة محمد
سورة محمد
عدد آيات هذه السورة الكريمة 38 آية، يتكرر الحديث عن قبول العمل أو إحباط العمل اثنا عشر مرة، وفي كل مرة من هذه المرات، تربط الآيات هذا المعنى بطاعة الله وطاعة الرسول، كقوله تعالى (ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـ?لَكُمْ...( (33).
ومن هنا نستخلص محور السورة: "طاعة النبي ( واتباعه هما مقياس قبول الأعمال وإحباطها". معنى غالي ومهم، استشعره وأنت تقرأ هذه السورة الكريمة، واسأل نفسك: أين أنا من سنة النبي ( وعبادته وأخلاقه...
الطاعة ميزان الإتباع
ولهذا سميت السورة باسم النبي (، حتى تعلم أيها المسلم أن اتباعك لسيد الخلق محمد ( هو مقياس قبول الأعمال أو ردها، لأن كل طريق غير طريق النبي ( (أي غير سنته) مغلقٌ ومظلم. فإذا أحببت الاطمئنان على عملك، فاختبر طاعتك للنبي ( واتباعك لسنته، لأن هذا هو ميزان الإتباع.
تعالوا نعيش مع آيات السورة، ونتعلم اتباع نبينا (...
(?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ?لله أَضَلَّ أَعْمَـ?لَهُمْ وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ

وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ وَءامَنُواْ بِمَا نُزّلَ عَلَى? مُحَمَّدٍ وَهُوَ ?لْحَقُّ مِن
رَّبّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَـ?تِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ( ذَلِكَ بِأَنَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ ?تَّبَعُواْ ?لْبَـ?طِلَ وَأَنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّبَعُواْ ?لْحَقَّ مِن رَّبّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ?لله لِلنَّاسِ أَمْثَـ?لَهُمْ( (1 – 3)...
ثم: (وَ?لَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَـ?لَهُمْ ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ ?لله فَأَحْبَطَ أَعْمَـ?لَهُمْ( (8 – 9)...
أرأيت الترابط والتلازم بين المعنيين؟
ويأتي قوله تعالى: (فَ?عْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ ?لله وَ?سْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ( (19) لأن الاستغفار وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هما ضمان قبول الأعمال إن شاء الله.
فأولى لهم طاعة وقول معروف
لذلك تأتي آية محورية في وسط السورة: (... فَأَوْلَى? لَهُمْ ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ...( (20 – 21)، فأولى لهؤلاء الكفار - حتى تقبل أعمالهم - طاعة النبي (، والقول المعروف.
ثم: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ?تَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ ?لله وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَـ?لَهُمْ( (28)...
وتأتي آيات كثيرة لتكرر نفس المعنى:
(وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَـ?كَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـ?هُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ?لْقَوْلِ وَ?لله يَعْلَمُ أَعْمَـ?لَكُمْ( (30)...
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ
أَعْمَـ?لَكُمْ( (33).
(فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى ?لسَّلْمِ وَأَنتُمُ ?لأَعْلَوْنَ وَ?لله مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـ?لَكُمْ( (35)...
فكأن السورة تقول لنا: يا أمة محمد، اعلموا أن كل طريق غير طريق محمد ( هو ضلال. يقول الإمام أحمد بن حنبل: "نظرت في القرآن، فرأيت أن طاعة الرسول قد أتت في القرآن 33 مرة". ثم قرأ قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ ?لَّذِينَ يُخَـ?لِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(.
أين أنت من قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ?لله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ?لْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ...( (الأحزاب، 36) أين أنت من قوله تعالى: (فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً( (النساء، 65).
وهكذا نرى أن آيات سورة محمد تنضم إلى الكثير غيرها من آيات القرآن في تأكيد إتباع النبي (...
الطاعة في الجهاد
هذه السورة الكريمة سميت بسورة القتال، لذكر القتال فيها، فما علاقة ذلك بهدف السورة؟
إن أصعب ما يطاع فيه النبي ( هو القتال، وكأن السورة تؤكد أن الجهاد في سبيل الله هو من أهم دلائل الإتباع... وليس هذا فحسب، بل أن الأمر بالقتال هو ابتلاء وامتحان رباني (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى? نَعْلَمَ ?لْمُجَـ?هِدِينَ مِنكُمْ وَ?لصَّـ?بِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَـ?رَكُمْ( (31). لذلك تذكر لنا مواقف مختلفة (المؤمنين والمنافقين) من هذا الابتلاء: (وَيَقُولُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ?لْقِتَالُ رَأَيْتَ ?لَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ?لْمَغْشِىّ عَلَيْهِ مِنَ ?لْمَوْتِ( (20).
الطاعة في الإنفاق
وهكذا تكون رسالة السورة واضحة: اتبع نبيك ( في كل أمور حياتك، خاصة الجهاد في سبيل الله. سواء أكان هذا الجهاد قتالاً في ساحة المعركة، أو جهاداً للنفس في سبيل إصلاحها ومحاربة شهواتها.
ولأن الإنفاق هو من أول متطلبات الجهاد، نرى أن آخر آية في السورة تحث على الإنفاق وتحذر من البخل بشكل شديد: (هَا أَنتُمْ هَـؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ?لله فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَ?لله ?لْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ?لْفُقَرَاء( (38).
الختام: إياكم والاستبدال
بعد أن وجّهت السورة للكفار كلاماً شديداً في تحذيرهم من عصيان أمر النبي، اختتمت بخطاب المؤمنين، فماذا قالت لهم؟
وجهت لهم خطاباً مختصراً لكنه صعب على النفوس المؤمنة (وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـ?لَكُم( (38).
هذا القانون هو من أخطر القوانين وأقساها، فإن تولى المؤمنون عن نصرة النبي واتباع أوامره، فإن العقاب شديد، والنتيجة خطيرة: "الاستبدال"،
فيأتي الله تعالى بقوم آخرين لينصروا هذا الدين، وتكونوا قد خسرتم خسراناً كبيراً. هؤلاء لن يكونوا مثلكم، بل سيكونوا أفضل منكم (... ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـ?لَكُم( (38).
سورة الفتح
سورة الفتح
وتجسّد سورة الفتح هذا الإتباع، فهي نزلت بعد صلح الحديبية، في ظروف إحباط شديد للصحابة.
نزلت والنفوس جريحة
ففي السنة السابعة، وبعد غزوة الأحزاب، كان الصراع على أشده بين المسلمين والمشركين.
ورأى النبي في الرؤيا أنه يدخل المسجد الحرام، فتجهّز مع الصحابة للذهاب إلى مكة معتمرين غير مقاتلين. لكنهم لما وصلوا إلى الحديبية، رفض المشركون السماح لهم بالدخول إلى مكة، فقرر النبي ( عقد صلح مع مشركي مكة، والذي عرف فيما بعد بصلح الحديبية.
لكن بنود هذا الصلح كانت مجحفة بحق المسلمين، فحزن الصحابة حزناً شديداً لقبول النبي بها، وزاد من حزنهم أنهم منعوا من دخول البيت الحرام لأداء العمرة، ومنعوا من قتال المشركين..
وشعروا أنهم يعطون الدنية في دينهم... في مثل هذا الوقت العصيب، نزلت سورة الفتح...
تخيّل نفسك مكان الصحابة.. تمنّي النفس بالعمرة...
سعادة النبي بها
وهدف السورة نعرفه من اسمها، فهي سورة الفتوحات والتجليات الربانية والكرم الرباني على هذه الأمة، نزلت لتعدد الفتوحات التي سيفتح الله بها على المسلمين... حتى أن النبي فرح بها فرحاً كبيراً، وقال: "نزلت عليّ سورة هي خير عندي من الدنيا بما عليها". قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "سورة الفتح"... تعال معنا لنقرأ هذه السورة ونفرح بها كما فرح حبيبنا محمد (.
سورة الفتوحات الربانية
سورة الفتح هي عبارة عن 29 آية، لكن عدد الفتوحات الربانية التي جاءت في السورة كبير بالمقارنة مع عدد آياتها، إحدى عشر فتحاً ونعمة وفضلاً يمنّ الله بها على المؤمنين في هذه السورة:
1. مغفرة الذنوب: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً( (لّيَغْفِرَ لَكَ ?لله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ...( (1 – 2).
2. إتمام النعمة: (... وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ...( (2).
3. الهداية: (... وَيَهْدِيَكَ صِر?طاً مُّسْتَقِيماً( (2).
4. النصر: (وَيَنصُرَكَ ?لله نَصْراً عَزِيزاً( (3) (فأتت المغفرة قبل النصر).
5. إنزال السكينة في قلوب المؤمنين: (... أَنزَلَ ?لسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ?لْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَـ?ناً مَّعَ إِيمَـ?نِهِمْ...( (4).
6. دخول الجنة: (لّيُدْخِلَ ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأَنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا...( (5)
7. فضح المنافقين والمشركين وتعذيبهم: (وَيُعَذّبَ ?لْمُنَـ?فِقِينَ وَ?لْمُنَـ?فِقَـ?تِ وَ?لْمُشْرِكِينَ وَ?لْمُشْرِكَـ?تِ ?لظَّانّينَ بِ?لله ظَنَّ ?لسَّوْء...( (6).
8. رضى الله على المؤمنين: (لَّقَدْ رَضِيَ ?لله عَنِ ?لْمُؤْمِنِينَ...( (18).
9. المغانم: (وَعَدَكُمُ ?لله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا...( (20).
10. الوعد بدخول المسجد الحرام: (لَّقَدْ صَدَقَ ?لله رَسُولَهُ ?لرُّؤْيَا بِ?لْحَقّ لَتَدْخُلُنَّ ?لْمَسْجِدَ ?لْحَرَامَ إِن شَاء ?لله ءامِنِينَ...( (27).
11. الأمن والسلام (َلاَ تَخَافُونَ( (27).
12. إظهار الإسلام: (هُوَ ?لَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِ?لْهُدَى? وَدِينِ ?لْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ?لدّينِ كُلّهِ...( (28).
وهذه البشارة الأخيرة لم يبشّر بها الصحابة من قبل، فكانت سورة الفتح هي التي حملت البشرى الغالية على المؤمنين، أن الإسلام سيظهر على الأرض كلها ويقود الدنيا كلها
الثناء على الصحابة
وهذه السورة هي أكثر سور القرآن ثناءً على الصحابة رضوان الله عليهم، بالرغم مما بدر منهم من عدم الرضا على صلح الحديبية في بادئ الأمر، لكن الله تعالى علم أن غضبهم لم يكن لأنفسهم، لكنه كان غضباً لله ولدينه.
إسمع معي الآيات: (إِنَّ ?لَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ?لله يَدُ ?لله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...( (10).
فلم استحق الصحابة كل هذه الفتوحات وهذا الثناء؟
تجيب الآية 18 عن هذا السؤال: (لَّقَدْ رَضِيَ ?لله عَنِ ?لْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ?لشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ?لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَـ?بَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً( (18)... وذلك أنه حين أشيع مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه، أخذ النبي البيعة من أصحابه على القتال ثأراً له، فبايعوا على الموت في سبيل الله. فحين وصلوا إلى هذا الإخلاص بأن يقدموا أرواحهم فداءً لدين الله، أنزل الله عليهم فتحاً قريباً.
من صور الفتح
وإذا تأملنا في كلمات السورة، نرى ملاحظات عديدة. فالآية السابقة سمت صلح الحديبية فتحاً، مع أن ظاهره كان غير ذلك، لدرجة أن سيدنا عمر بن الخطاب سأل عند نزول السورة: "أفتح هو؟ فأجيب: "يا عمر، إنه لفتح". وأعجب من ذلك، أن القرآن لم يسم غزوة بدر بأنها فتح.. بل سمى الصلح فتحاً..
وفوق ذلك كله، تكررت كلمة الفتح في السورة أربع مرات (لتكون هذه السورة أكثر سور القرآن ذكراً لكلمة الفتح، رغم أن عدد آياتها 29 آية فقط)
وليس هذا فحسب، فقد وصف بصفات أخرى: (نَصْراً عَزِيزاً( وسماه مرتين: (فَتْحاً قَرِيباً(.
ولم تقتصر الآيات على الفتح، بل أعقبته بـ (مَغَانِمَ كَثِيرَةً( حيث ذكرت هذه المغانم مرتين.
أرى أنك بدأت تردد نفس سؤال سيدنا عمر: أين هو الفتح؟
كان هذا الفتح زيادة انتشار الإسلام بشكل قوي، لأن عدد الذين دخلوا في الإسلام بعد صلح الحديبية (في عامين فقط) كان أضعاف عدد الذين أسلموا قبل الفتح طوال عشرين سنة من الدعوة.
فمع أن الصحابة أرادوا القتال واستعدوا له، لكن الآيات أظهرت أن الفتح الحقيقي كان انتشار الإسلام في الجزيرة العربية، لأن أكثر جو ينتشر فيه الإسلام ويقتنع فيه الناس كلهم هو جو السلام، وهذا من عظمة هذا الدين، ومن شهادة التاريخ له بأنه دين السلام، وأن أكثر فترات انتشاره كانت فترات السلام لا الحرب، ومن هنا نفهم تكرر كلمة "السكينة" في السورة ثلاث مرات...
صفات أهل الفتح
وتأتي آخر آية في السورة، لتخبرنا صفات أولئك الذين استحقوا نزول الفتح الرباني
(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ?لله وَ?لَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى ?لْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ?لله وَرِضْوَاناً سِيمَـ?هُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ?لسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ?لتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِى ?لإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَ?سْتَغْلَظَ فَ?سْتَوَى? عَلَى? سُوقِهِ يُعْجِبُ ?لزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ?لْكُفَّارَ وَعَدَ ?لله ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً( (29).
ومن أهمية الآية أنها عندما ذكرت الذين يستحقون الفتح في التوراة، مدحتهم بعبادتهم لله تعالى (... سِيمَـ?هُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ?لسُّجُودِ...(. أما في الإنجيل، فهم أولئك الذين يجتهدون في العمل وينجحون في الحياة (... كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ...(. وذلك لأن اليهود قد غلبوا الجانب المادي على الجانب الروحي، بينما غلّب النصارى أمور الروح على المادة. فأتت هذه الآية لتظهر أن الأمة التي تستحق الفتح الرباني هي التي تجمع الجانبين الروحي والمادي ولا تغلّب جانباً على آخر، وبهذه الصفات استحق الصحابة الفتح...
ومن روعة سورة الفتح، أن النبي قرأها عند دخوله مكة فاتحاً منتصراً، إلى أن وصل إلى آخر آية، فقرأها فرحاً بنصر الله، وقرأها معه الصحابة وهم يبكون، لما رأوه من تحقق نصر الله ووعده لهم بالنصر والتمكين... سورة رائعة من أروع السور، تجعلنا نعيش مع النبي ومع الصحابة لحظات فتح مكة، ونستبشر بنصر الله لنا، إذا اتبعنا محمداً ( وأصحابه بصفاتهم التي ذكرت في الآية الأخيرة...
بين سورتي محمد والفتح
هذه السورة - كما ذكرنا - هي تتمة طبيعية لسورة القتال (سورة محمد)، إذ أنها تحدثت عن النصر والتمكين، اللذان هما نتيجة القتال والجهاد في سبيل الله. واللطيف أننا إذا تأملنا ختام السورتين فإننا سنجد ترابطاً رائعاً:
فسورة محمد ختمت بقوله تعالى: (... وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـ?لَكُم( (38)، فما هي مواصفاتهم؟ تأتي الإجابة في ختام سورة الفتح: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ?لله وَ?لَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى ?لْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ...( (29).
وهكذا، نرى أن سورة محمد تحدثت عن إتباع النبي، بينما سورة الفتح بيّنت صفات أتباع النبي...
سورة الحجرات
سورة الحجرات
تحدثت سورة الحجرات عن أدب العلاقات، وخاصة أدب العلاقة مع النبي (.
وهكذا نفهم تسلسل السور الثلاث وعلاقتها مع بعضها، وكيف أن النبي ( هو محورها:
فسورة محمّد تبيّن أنّ إتّباع النبي هو دليل قبول الأعمال، وسورة الفتح: مواصفات الذين سينزل الله عليهم الفتح: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ?لله وَ?لَّذِينَ مَعَهُ...(.
وسورة الحجرات: يا من سينزل عليهم الفتح، تأدّبوا بالآداب الاجتماعية، خاصة مع النبي (.
وكأن الصفات التي ذكرت في آخر سورة الفتح، من تضحية وجهاد، وتوازن بين العبادة والنجاح في الحياة، لها تكملة في سورة الحجرات، وهي الصفات الأدبية الخلقية التي ذكرتها سورة الحجرات.
مع الشرع:
إذاً سورة الحجرات هي سورة الذوق والأدب مع كل الأطراف: وأول هذه الأدبيات هو مع شرع الله سبحانه وتعالى...
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ?لله وَرَسُولِهِ وَ?تَّقُواْ ?لله إِنَّ ?لله سَمِيعٌ عَلِيمٌ( (1).
فهذه الآية تقول للصحابة: لا تستعجلوا نزول الوحي، وتأدبوا مع الشرع ومع الله ورسوله.
وتطبيق الآية في حياتنا يقتضي منا الخضوع لشرع الله وسنة نبيه ( ولا نتجاوزهما.
مع النبي
1. (ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْو?تَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ?لنَّبِىّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِ?لْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـ?لُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ( (2).
2. (إِنَّ ?لَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْو?تَهُمْ عِندَ رَسُولِ ?لله أُوْلَـئِكَ ?لَّذِينَ ?مْتَحَنَ ?لله قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى?...( (3).
(إَنَّ ?لَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ?لْحُجُر?تِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى? تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ( (4 – 5).
مع الأخبار
وذلك بعدم نقلها وترديدها وبناء أحكام مسبقة عليها قبل التأكد منها:
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَـ?دِمِينَ( (6).
مع المؤمنين
(إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ...( (10) فأخوة الإيمان تقوي روابط الناس مع بعضهم وتوثقها كما تقوي الإيمان، وبغيرها تحصل الخلافات وينقص الإيمان..
إصلاح ذات البين
(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ ?قْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى? ?لأُخْرَى? فَقَـ?تِلُواْ ?لَّتِى تَبْغِى حَتَّى? تَفِىء إِلَى? أَمْرِ ?لله...( (9).
مع العلاقات الاجتماعية
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَى? أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مّن نّسَاء عَسَى? أَن يَكُنَّ خَيْراً مّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِ?لأَلْقَـ?بِ بِئْسَ ?لاسْمُ ?لْفُسُوقُ بَعْدَ ?لإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لظَّـ?لِمُونَ( (11).
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?جْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ?لظَّنّ إِنَّ بَعْضَ ?لظَّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً...( (12).
مع الإنسانية كلها
(يأَيُّهَا ?لنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـ?كُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى? وَجَعَلْنَـ?كُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَـ?رَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ?لله أَتْقَـ?كُمْ...( (13).
امتلئوا حتى تفيضوا
والملاحظ أن أدب التعامل مع الإنسانية تأخر، مع أنه أعم وأشمل من الآداب الأولى. وكأن المعنى: بعد أن تصلحوا أنفسكم وتضبطوا علاقتكم مع نبيكم ومع إخوانكم، أخرجوا إلى العالم الخارجي، وانطلقوا إلى الأرض كلها وعرفوها على أخلاقكم، لأنكم بذلك تنالوا احترام الناس بهذه الصفات وهذه الأخلاق التي امتلأتم بها ففاضت على غيركم.
أدب التعامل مع الله
وهو آخر آداب السورة.. ويتحقق باستشعار نعمة الإيمان وأنه عطاء ومنحة من الله، فلا يظن أحد أن إيمانه تفضل منه على ربه، بل أن الله تعالى هو صاحب الفضل والمنة: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَـ?مَكُمْ بَلِ ?لله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ للإِيمَـ?نِ إِنُ كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ( (17).
لماذا سميت السورة بالحجرات؟
لأن بعض الناس كانوا ينادون النبي من وراء الحجرات، وهذا من سوء الأدب مع رسول الله (. وبما أن أهم محور في الآداب السابقة هو النبي (، سميت السورة بهذا الاسم، حتى يعلم المسلمون أنهم لا يقدرون أن يخرجوا إلى العالم كله بأخلاقهم ويتعارفوا مع باقي الشعوب قبل أن يتأدبوا مع نبيهم..
لذلك بدأت السورة بالأدب مع النبي (، وانتهت بالأدب مع الله، وكأن المعنى: تأدبوا مع الرسول وأطيعوه، فتكون النتيجة أن يعينكم الله تعالى على ما بينهما من آداب، لتخرجوا بأخلاق سورة الحجرات وذوقياتها إلى الدنيا كلها.
إذا أردت أن تقوي صلتك برسول الله (، فاقرأ هذه السور الثلاث، محمد والفتح والحجرات، واسأل الله تعالى أن يمن عليك ويفتح لك بالمعاني الرائعة التي احتوتها هذه السور.



سور ق
وسور الجزء السابع والعشرين
هذه السور هي بداية المفصل من القرآن، من أول سورة ق وحتى نهاية المصحف...
ونلاحظ أن الأجزاء الأربعة الأخيرة من المصحف تركز على إحياء الإيمان في نفوس المؤمنين، مما يساعدنا على فهم تسلسل السور في القرآن. ففي البداية، عرض القرآن هذا المنهج الرباني، من أول سورة البقرة إلى سورة الأنفال. وبعد ذلك، ركّزت السور على الأدوات التي لا بد للمسلم من القيام بها حتى يحافظ على هذا المنهج، من الأخذ بأسباب التقدم والتطور، إلى التخلق بأخلاق الأنبياء، إلى الاستسلام لله تعالى... وأما ختام سور القرآن، فقد ركز - بشكل عام - على تقوية إيمان المؤمنين وإصلاح قلوبهم وتذكيرهم باليوم الآخر حتى يعينهم على الثبات على هذا المنهج والنهوض بأعبائه وحملها إلى البشرية كلها..
إختر بين هذين الطريقين
وسور الجزء 27 من القرآن، بالإضافة إلى سورة ق، تجمعها قضية الاختيار، بين الهدى والضلال، وبين الجنة والنار. لذلك ترى في كل السور عرضاً للطريقين، ودعوة إلى الاختيار بين طريق الجنة وطريق النار، بين النعم والنقم، بين الرزق وعطاء الله أو أن يحرمك الله، بين الغلو في المادية أو الروحانية أو التوازن بينهما... فكل هذه الطرق وهذه المتباينات التي ذكرناها تمثل سورة من سور هذا الجزء...

سورة ق (اليوم المشهود)
سورة ق
وأول سورة بين هذه السور، سورة ق، تركز على الآخرة والبعث تركيزاً شديداً، من الموت الذي هو أول منازل الآخرة: (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ( (19) إلى النفخ في الصور، وهول هذه النفخة (وَنُفِخَ فِى ?لصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ?لْوَعِيدِ ( وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ( (20-21).
ونرى مشاهد رهيبة من هذا اليوم وما فيه من جدال بين المفسدين وقرنائهم من الشياطين:
(وَقَالَ قَرِينُهُ هَـ?ذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ ( أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ( (24-25).
الآيات الكونية: كذلك الخروج
وحتى الآيات الكونية في السورة تخدم معنى البعث والخروج
إلى أرض المحشر بوضوح... ومنها قوله تعالى (وَنَزَّلْنَا مِنَ ?لسَّمَاء مَاء مُّبَـ?رَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـ?تٍ وَحَبَّ ?لْحَصِيدِ ( وَ?لنَّخْلَ بَـ?سِقَـ?تٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ( رّزْقاً لّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً( (9-11) لماذا كل هذه الآيات؟ حتى نوقن أن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن يبعث الموتى من قبورهم (كَذ?لِكَ ?لْخُرُوجُ(.
لصفاء قلبك
فإذا أردت أخي المسلم أن ترقّق قلبك، فاقرأ هذه السورة لأنها تذكّر بالآخرة، ولذلك كان رسول الله ( يخطب بها الجمعة وحدها دون أن يزيد عليها أي كلمة، ثم ينزل عن المنبر، بعد أن يتأثر بها الصحابة تأثرا شديدا، حتى أنهم كانوا ينتظرونها منه من وقت لآخر... ليتنا نرى هذه السنة النبوية في خطبة الجمعة تتكرر في مساجدنا...
مشاهد الفريقين
وبعد الحديث عن البعث وهول القيامة وخطر النار، ترينا السورة مصير الفريقين، لأن هدفها هو الاختيار بينهما: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ?مْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ( (30). آية خطيرة، فهل ترضى لنفسك أخي المسلم أن تسمع هذه الكلمات وتكون من مزيد جهنم؟ ثم تعرض الآية التي تليها مباشرة المشهد المقابل: (وَأُزْلِفَتِ ?لْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ( (31). انتقال رائع، من صورة جهنم وهي تطلب المزيد من أهلها، إلى الجنة التي تقترب من أهلها وتتهيأ لهم وتتزين لاستقبالهم... لذلك يتردد السؤال مرة أخرى: مع أي الفريقين تحب أن تكون؟
أسباب الانحراف
وإذا تأملنا آيات السورة، نلاحظ أنها ركزت على النوازع الثلاثة التي تؤدي إلى الانحراف حتى نتجنبها ونضمن بقاء قلوبنا سليمة إن شاء الله:
1. وسوسة النفس
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ?لْوَرِيدِ( (16).
2. القرين (الشيطان)
(قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـ?كِن كَانَ فِى ضَلَـ?لٍ بَعِيدٍ( (27).
3. الغفلة
(لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـ?ذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ ?لْيَوْمَ حَدِيدٌ( (22).
القلب المسلم
لذلك تركز السورة في ختامها على سلامة القلب من هذه الأمراض. فتأتي مثلاً كلمة (أواب حفيظ)، من هو هذا الأواب الحفيظ؟ (مَّنْ خَشِىَ ?لرَّحْمَـ?نَ بِ?لْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ( (33).. وتشير إليه مرة أخرى: (إِنَّ فِى ذ?لِكَ لَذِكْرَى? لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ?لسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ( (37).
أرأيت أهمية سلامة القلب في سلامة الاختيار بين الطريقين؟
وتختم السورة بأفضل وسيلة مساعدة لإصلاح القلب والاختيار: القرآن: (فَذَكّرْ بِ?لْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ( (45) فهذا القرآن، وبالأخص سورة (ق) والسور التي تأتي بعدها، هو طريق سلامة القلب... فاقرأ أخي المسلم هذه السور واحفظها بنية سلامة القلب.
ومن هنا نفهم لماذا بدأت السورة بالقسم بالقرآن، لأنه أكبر معين على سلامة القلب وبالتالي حسن الاختيار بين الطريقين. وبالمناسبة، لا بد أن نذكر أن سور ق والذاريات والطور والنجم قد بدأت كلها بالقسم، واللطيف أن أهداف هذه السور متعلقة بالآيات التي فيها قسم، كما رأينا في سورة ق...
سورة الذاريات (ففروا إلى الله)
سورة الذاريات
وتركز سورة الذاريات على أن الرزق بيد الله، وأن العطاء والمنع بأمر من الله، وذلك في الدنيا والآخرة.. فإذا انحرفت عن طريق الله وطاعته، فأين ستذهب؟ أي أرض ستقلك؟ وأي سماء ستظلك؟.. لذلك نرى في بداية السورة قسماً بأربعة أمور:
والذاريات ذرواً: وهي الرياح الشديدة التي تفتت السحاب فتمنع نزول المطر
فالحاملات وقراً: هي رياح شديدة أيضاً، لكنها تجمع السحاب فتسبب نزول المطر، فهي عكس الذاريات تماماً. وهكذا نرى أن السورة ابتدأت بآيتين، تمثلان العطاء والمنع في الرزق، وكأنها تقول لك أيضاً: اختر بينهما...
ففي سورة ق، كانت رسالة السورة: الجنة اقتربت، والنار تنادي على أهلها، فاختر بينهما.
أما في سورة الذاريات فالرسالة واضحة: العطاء والمنع بيد الله تعالى، لذلك سميت السورة بهذا الاسم حتى تتذكر أن الله تعالى سيمنعك الرزق ويرسل عليك الذاريات إن أعرضت عن طريق الله.. أرأيت روعة القرآن ووضوح آياته؟
ونتابع مع القسم الذي ذكر في بداية السورة:
فالجاريات يسراً: هي السفن التي تجري في البحر بأرزاق العباد
فالمقسمات أمراً: هي الملائكة التي تقسم الرزق بين العباد
وكأن هذا القسم يسألك أيها الإنسان: من هو المعطي والنافع؟ ومن هو النافع والضار؟ إن الذي أمر الملائكة بتقسيم الأرزاق، وأمر الرياح أن تجمع السحب أو أن تفتتها، ودبّر للعباد أقواتهم وحوائجهم، هو أولى بأن نختار طريقه على ما سواه، لأن وعده حق، ولقاءه حق، والجنة حق، والنار حق: (وَ?لذرِيَـ?تِ ذَرْواً ( فَ?لْحَـ?مِلَـ?تِ وِقْراً ( فَ?لْجَـ?رِيَـ?تِ يُسْراً ( فَ?لْمُقَسّمَـ?تِ أَمْراً ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـ?دِقٌ ( وَإِنَّ ?لدّينَ لَوَاقِعٌ( (1-6)..
ففروا إلى الله
وكما بدأت السورة بذكر أسباب الرزق التي هي بيد الله تعالى، فإنها تطمئن المؤمنين أن رزقهم محفوظ في السماء ولن يضيع منهم، (وَفِى ?لسَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ( فَوَرَبّ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ( (22-23).. ألم تصدق بعد...حتى بعد كل هذا القسم من الله تعالى؟ اسمع إذاً الآية (وَ?لسَّمَاء بَنَيْنَـ?هَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( وَ?لأَرْضَ فَرَشْنَـ?هَا فَنِعْمَ ?لْمَـ?هِدُونَ ( وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ( (47-49)... بعد أن أيقنت أن العطاء والمنع بيد الله، (فَفِرُّواْ إِلَى ?لله إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ( (50) آية رائعة ومحورية في السورة... فروا إلى الله يا مؤمنين.. إلجأوا إليه واختاروا طريقه..
لذلك تأتي آيات كثيرة بنفس المعنى: (وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ( (56) هذا هو الهدف الأساسي من خلقك، أن تختار طريق العبودية لله. وبعد ذلك (مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ( إِنَّ ?لله هُوَ ?لرَّزَّاقُ ذُو ?لْقُوَّةِ ?لْمَتِينُ( (58).
أرأيت كيف تدور سورة الذاريات في كل آياتها حول نفس المحور: اختر طريق الله لأن الله هو الرزاق...
كرم إبراهيم لثقته بكرم الله
وحتى قصة إبراهيم التي أتت في السورة مناسبة لجو الرزق. ففي هذه القصة، نرى بشارة الملائكة لزوجته - رغم كبر سنها وعقمها - برزق من نوع جديد: الولد. وكأن السورة تحدثت عن الرزق من جميع جوانبه، اسمع قوله تعالى: (فَأَقْبَلَتِ ?مْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ( (29) فتعجبت أن تلد في هذه الظروف، لكن الملائكة قالت لها: (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ ?لْحَكِيمُ ?لْعَلِيمُ( (30).
وحتى كلمات القصة نفسها تخدم هذا المعنى، فنرى فيها كرم سيدنا إبراهيم
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْر?هِيمَ ?لْمُكْرَمِينَ ( إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَـ?ماً قَالَ سَلَـ?مٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ( فَرَاغَ إِلَى? أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ( (24-26) فتلاحظ من هذه الآية سرعة إبراهيم في إعداد الضيافة (فَرَاغَ( بالإضافة إلى كرمه في كلمة (بِعِجْلٍ سَمِينٍ( التي لم تأت في القرآن إلا هنا... فكأن المعنى: ثق بأن الله هو الرزاق، وثق بالكرم الإلهي، وكن كريماً...
سورة الطور (كل امرئ بما كسب رهين)
سورة الطور
وامتداداً لقضية الاختيار، تركز سورة الطور على أن مصير كل إنسان في الآخرة رهن بما كسب وعمل في الدنيا، لذلك كانت الآية المحورية فيها هي قوله تعالى: (كُلُّ ?مْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ( (21).
فالمكذبون سيلاقون مصيرهم: (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ( ?لَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى? نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( هَـ?ذِهِ ?لنَّارُ ?لَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ ( أَفَسِحْرٌ هَـ?ذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ( ?صْلَوْهَا فَ?صْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَاء عَلَيْكُمْ( (11-16).
وبالمقابل نرى مصير المتقين (إِنَّ ?لْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـ?تٍ وَنَعِيمٍ ( فَـ?كِهِينَ بِمَا ءاتَـ?هُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَـ?هُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ?لْجَحِيمِ ( كُلُواْ وَ?شْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( (17-19). عكس صفات المؤمنين تماماً، لتقول لك الآيات: اختر لنفسك بينهما...
وهذه المقابلة المستمرة بين الفريقين في سور القرآن، لها في نفوس المؤمنين وقع شديد، وهي من أسرار تأثير آيات القرآن على المؤمنين. ثم ترينا الآيات لماذا فاز أولئك المؤمنون:
(قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ( فَمَنَّ ?لله عَلَيْنَا وَوَقَـ?نَا عَذَابَ ?لسَّمُومِ ( إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ?لْبَرُّ ?لرَّحِيمُ( (26-28) ألم تختر بعد...؟ ألم تتشوق لتكون مع هؤلاء...؟
سور تسلّم بعضها
ومن لطائف القرآن، أن سورة الطور ختمت بما يتناسب مع بدايتها وبداية السورة التي تليها. ففي قوله تعالى (وَمِنَ ?لَّيْلِ فَسَبّحْهُ وَإِدْبَـ?رَ ?لنُّجُومِ( (49) جو من التسبيح في الليل، الذي يناسب بداية السورة (وَ?لطُّورِ( وهو الجبل الذي كلم الله به موسى ليلاً وكلفه بالرسالة...
وختام سورة الطور كان في قوله (وَإِدْبَـ?رَ ?لنُّجُومِ( بينما نرى في بداية سورة النجم: (وَ?لنَّجْمِ إِذَا هَوَى?( وكأن سور القرآن تسلّم بعضها البعض.
سورة النجم (العلم والمعرفة من الله)
سورة النجم
وتتحدث سورة النجم عن الاختيار أيضاً، لكن بين مصدرين من
مصادر العلم والمعرفة: بين ما هو وحي من عند الله تعالى، وبين ما هو شكوك وأوهام..
وما ينطق عن الهوى
وأوثق علم وأحكم معرفة هو ما كان وحياً من الله إلى رسوله الكريم، لذلك تقول الآيات عن رسول الله (وَمَا يَنطِقُ عَنِ ?لْهَوَى? ( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى? ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ ?لْقُوَى?( (3-5) فطريق الوحي الذي ينقله جبريل عن رب العزة جل وعلا هو أوثق الطرق للعلم والمعرفة...
ثم تعرض السورة طرفاً من حادثة المعراج، لأنها حادثة كان فيها معرفة ورؤية حقيقية وليست مقتصرة على الإخبار والنقل
(ذُو مِرَّةٍ فَ?سْتَوَى? ( وَهُوَ بِ?لأُفُقِ ?لأَعْلَى? ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى? ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى? ( فَأَوْحَى? إِلَى? عَبْدِهِ مَا أَوْحَى? ( مَا كَذَبَ ?لْفُؤَادُ مَا رَأَى? ( أَفَتُمَـ?رُونَهُ عَلَى? مَا يَرَى? ( وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَى? ( عِندَ سِدْرَةِ ?لْمُنتَهَى?...( (6-14).
وكأنها تقول للكافرين: كيف تكذبون رسول الله، وقد رأى في هذه الحادثة من آيات ربه الكبرى (مَا زَاغَ ?لْبَصَرُ وَمَا طَغَى? ( لَقَدْ رَأَى? مِنْ ءايَـ?تِ رَبّهِ ?لْكُبْرَى?( (17-18). كيف تكذبون رجلاً مصدر علمه ومعرفته رب العزة سبحانه وتعالى...؟!
ختام المنهج: العلم والتثبت سمة المنهج
علمهم أوهام
ويتكرر ذكر العلم في سورة النجم بشكل واضح، وأهمية التثبت فيه
وأخذه عن مصادره الأصلية. فالسورة تعرض أمامنا طريقين: طريق الوحي
الذي رأيناه في أول السورة، وطريق أولئك الذين يتبعون الظن والأوهام:
(إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ?لظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ?لأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ?لْهُدَى?( (23). فأي دليل أمام هؤلاء؟! إنهم يعتمدون على مصادر واهية جداً، كالتمني
(أَمْ لِلإنسَـ?نِ مَا تَمَنَّى?( (24).
وتمضي السورة في ذكر تخبطهم وشكوكهم: (إِنَّ ?لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِ?لأَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ?لْمَلَـ?ئِكَةَ تَسْمِيَةَ ?لأُنثَى?( (27). فهم يتخبطون في ريبهم وظنهم (إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ?لظَّنَّ وَإِنَّ ?لظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ?لْحَقّ شَيْئاً( (28)، إلى أن تصل بنا السورة إلى إثبات سطحيتهم ومعرفتهم الضئيلة: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ ?لْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ?هْتَدَى?( (3)..
وكأن رسالة هذه السورة: وثق مصادرك قبل الحديث عن العلم وقبل إعطاء الأحكام.
لماذا النجم؟
ويأتي سؤال: لماذا سميت السورة بسورة النجم؟ ولماذا بدأت بالقسم (وَ?لنَّجْمِ إِذَا هَوَى?( (1)؟ وما علاقة ذلك بالعلم؟
إن القسم بالنجم يوحي أن النجم يهوي ويسقط، لكن صاحبكم (() أتى بمنهج لا يهوي ولا يسقط أبداً، لذلك قال تعالى: (مَا ضَلَّ صَـ?حِبُكُمْ وَمَا غَوَى?( (2).. فهذا المنهج هو من عند الله وهو أقوى من السماوات والأرض، مقابلة عظيمة ومعنى رائع، أن هذا الدين وهذا الوحي أقوى من الشمس وأرسخ من النجوم التي نراها بأعيننا.
نعمة العلم الموثوق
ولا يشعر بنعمة تلقي العلم عن الوحي والقرآن إلا من جالس أناساً من الغرب، ممن اقتصرت مصادر علمهم على الأمور المادية... فيرى أفكارهم المشوّشة وتخبّطهم في أيسر القضايا وأبسط المسلمات التي أجاب عنها الإسلام... لذلك عليك أخي المسلم، بعد أن قرأت سورة النجم، أن تختار مصدر معلوماتك، وأن تبني علمك وعملك على هذا المصدر، حتى يجزيك الله عن ذلك خير الجزاء... (وَلله مَا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَا فِى ?لأَرْضِ لِيَجْزِىَ ?لَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ?لَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِ?لْحُسْنَى( (31).
ترابط السور
وتختم سورة النجم (فَ?سْجُدُواْ لله وَ?عْبُدُواْ( (62) بما يتناسب مع بداية سورة القمر (?قْتَرَبَتِ ?لسَّاعَةُ وَ?نشَقَّ ?لْقَمَرُ( (1). وكأن العلاقة بينهما: أسجدوا لربكم واعبدوه، استعداداً لليوم الآخر وقدوم الساعة التي دل على اقترابها نزول سورة القمر..
النعم... والنقم
وتأتي في الجزء 27 سورتان، تكملان بعضهما البعض بين سور الاختيار... سورتا القمر والرحمن. فسورة القمر هدفها: "تعرّف على الله من خلال النقم" بينما سورة الرحمن "تعرّف على الله من خلال النعم".
سورة القمر
سورة القمر
ورسالة هذه السورة أيضاً: اختر بين الطريقين... أنظر إلى نقمة الله على الأمم الكافرة من قبلك واختر أن تتبع طريقهم أو أن تبتعد عنه...
فقوم نوح مثلاً (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَ?زْدُجِرَ..( (9)، فدعا عليهم سيدنا نوح: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى مَغْلُوبٌ فَ?نتَصِرْ( (10) فماذا كانت النتيجة؟ (فَفَتَحْنَا أَبْو?بَ ?لسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ ( وَفَجَّرْنَا ?لأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ?لمَاء عَلَى? أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ( (12).
ثم ننتقل إلى صورة أخرى من صور نقمة الله تعالى على المكذبين: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ( إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرّ( (18-19).
أما قوم ثمود (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِ?لنُّذُرِ( (23) فكانت عاقبة تكذيبهم شديدة (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً و?حِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ?لْمُحْتَظِرِ( (31).
وقوم لوط (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِ?لنُّذُرِ ( إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـ?صِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـ?هُم بِسَحَرٍ( (34).
وقوم فرعون (وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ ?لنُّذُرُ ( كَذَّبُواْ بِـئَايَـ?تِنَا كُلّهَا فَأَخَذْنَـ?هُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ( (41-42).
ولقد تركناها آية فهل من مدكر
ونلاحظ في هذه الآيات التي تظهر نقمة الله تعالى على الأمم السابقة عوامل مشتركة:
أن تكذيب الكافرين هو سبب هلاكهم، لذلك نرى أن ذكر العذاب كان مقروناً بكلمة (كَذَّبَتْ عَادٌ... كَذَّبَتْ ثَمُودُ..(. وحتى كفار مكة قالت عنهم الآيات (وَكَذَّبُواْ وَ?تَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ( (3)...
أن كل قوم يكذبون الله ورسله دون أن يتدبروا آياته، يأتيهم
العذاب ويصيرون هم أنفسهم آية لقوم آخرين (وَلَقَدْ تَّرَكْنَـ?هَا ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ( (15).
لذلك نرى أن السورة ركزت في بدايتها على آية قد رآها كفار مكة (?قْتَرَبَتِ ?لسَّاعَةُ وَ?نشَقَّ ?لْقَمَرُ( (1) وكأنها تقول لهم: بعد أن رأيتم هذه الآية العظيمة، إياكم أن تكذبوا بها فتصيروا أنتم آية لمن يعتبر، لكنهم أعرضوا وكذبوا: (وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ( (2).
أن التعقيب على كل قصة من قصص الأمم السابقة قد احتوى على نفس الكلمات (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ?لْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ( (21-22).
سنة كونية
ثم تعقب السورة على قصص الأمم السابقة بالإشارة أن كفار مكة ليسوا أفضل من الأقوام السابقة: (أَكُفَّـ?رُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُوْلَـئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى ?لزُّبُرِ( (43) فالقاعدة واحدة، لكل من كذب واستكبر، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَـ?عَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ( (51).
فإن لم تكفهم تلك الآيات، من انشقاق القمر إلى قصص الأمم السابقة، فهناك آية أخرى تتوعدهم (سَيُهْزَمُ ?لْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ?لدُّبُرَ( (45). إنذار رهيب من الله تعالى، يشير إلى غزوة بدر، وما سيرافقها من هزيمة منكرة لكفار قريش، ثم إنذار أشد من بدر ومن كل ما في الدنيا من مصائب (بَلِ ?لسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ?لسَّاعَةُ أَدْهَى? وَأَمَرُّ( (46).
ولقد يسرنا القرآن للذكر
والسورة، أثناء الحديث عن هلاك المكذبين، تبيّن أن القرآن هو السبيل للنجاة من العذاب، وأن هذا القرآن ميسّر للناس، حتى يتدبروا آياته ويتعلموا منها. (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ?لْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ( (17) وكأن المعنى: إلزم طريق الله، وتعهّد هذا القرآن بالحفظ والرعاية والتدبر، حتى تتعرف على الله وتأمن عذابه وتختار طريق الرشاد...
سورة الرحمن
سورة الرحمن
وسورة الرحمن تكمل محور سورة القمر في التعرف على الله تعالى من خلال نعمه، وبالتالي اختيار طريق الإيمان.
هم إخوانك في التكليف
هذه السورة احتوت على معنى جديد بين سور القرآن، وهو إشراك الجن مع الإنس في التكليف وفي توجيه الخطاب.. لذلك نرى فيها خطاباً مباشراً للجن في قوله تعالى (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ?لثَّقَلاَنِ( (31).. وكأنها تقول للجن أيضاً: "اختاروا"، فقد وضح المنهج وهذه معالمه وآياته بين أيديكم.
ويأتي بعد ذلك خطاب آخر موجه للثقلين: (ي?مَعْشَرَ ?لْجِنّ وَ?لإنسِ إِنِ ?سْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـ?رِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ فَ?نفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـ?نٍ( (32).
وحتى أكثر آية ترددت في السورة (فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ( تخاطب الإنس والجن على سواء (رَبّكُمَا(، وتأمر كلاهما أن يشكروا نعم الله تعالى ولا يكذبوها. لذلك عندما نزلت هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام: "ما لي لا أسمعكم تقولون كما قالت الجن؟". قالوا: وما قالت الجن؟ فماذا كان قولهم: "لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد".. معنى رائع وجواب لطيف على سؤال: (فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ(. من فضلك، تفكر فيها كلما قرأت سورة الرحمن واملأ قلبك وكيانك بنعم الله تعالى وشكرها.
لذلك من السنة أن تقول كما
نعم الله تعالى
وتمضي السورة في تعداد هذه النعم العظيمة التي نعيش معها دون أن نستشعر قيمتها (وَ?لسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ ?لْمِيزَانَ ( أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى ?لْمِيزَانِ ( وَأَقِيمُواْ ?لْوَزْنَ بِ?لْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ?لْمِيزَانَ( (7-9).
فمن أهم نعم الله تعالى أنه وضع ميزاناً للسماوات والأرض وكل المخلوقات، لكن الإنسان لما بعد عن هذا الميزان وطغى، امتلأت بالظلم والفساد...
ثم تأتي نعم أخرى (مَرَجَ ?لْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ( بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ( (19-20) ووسط كل هذه النعم يتكرر نفس السؤال: (فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ(.
إختر بينهما
وبنفس طريقة سور الجزء 27 في الاختيار بين الطريقين، يأتي عرض لفئتين من الناس. فأولهما هي الفئة التي كذبت بنعم الله (فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ ( فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ( يُعْرَفُ ?لْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـ?هُمْ فَيُؤْخَذُ بِ?لنَّوَاصِى وَ?لأَقْدَامِ( مشهد رهيب (هَـ?ذِهِ جَهَنَّمُ ?لَّتِى يُكَذّبُ بِهَا ?لْمُجْرِمُونَ ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ( (39-44).
ثم يأتي ذكر أهل الجنة مباشرة حتى يقع أثر هذه الآيات في القلب بشدة فيسارع إلى الاختيار السليم: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ( فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ( (46-47).
وللحقيقة هذه السورة من أجمل السور التي يتعرف المسلم على نعم ربه بها، فتكون معيناً على اختيار طريق الحق والثبات عليه...
سورة الواقعة (وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـ?ثَةً)
سورة الواقعة
وسورة الواقعة هدفها بوضوح: اختاروا أن تكونوا بين أحد هذه الأصناف الثلاثة:
1. السابقون المقرّبون
2. أصحاب اليمين
3. أصحاب الشمال
هذه هي السورة باختصار شديد. لذلك نرى في بدايتها:
(وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـ?ثَةً ( فَأَصْحَـ?بُ ?لْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَـ?بُ ?لْمَيْمَنَةِ ( وَأَصْحَـ?بُ ?لْمَشْـئَمَةِ مَا أَصْحَـ?بُ ?لْمَشْـئَمَةِ ( وَ?لسَّـ?بِقُونَ ?لسَّـ?بِقُونَ( (7-10).
ثم تمضي السورة في الحديث عنهم وعن مصير كل واحد منهم، إلى أن تختتم أيضاً بنفس الأصناف الثلاثة: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ?لْمُقَرَّبِينَ ( فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّـ?تُ نَعِيمٍ ( وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـ?بِ ?لْيَمِينِ ( فَسَلَـ?مٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـ?بِ ?لْيَمِينِ ( وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ?لْمُكَذّبِينَ ?لضَّالّينَ ( فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ ( وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ( (88 - 94).
تفكّر في ملكه واختار
وبعد أن ذكرت لك السورة مصير كل فريق من الفرق الثلاثة، تدعوك أن تتفكر في خلق الله حتى تراجع قلبك وإيمانك وتحسن الاختيار. وهذا التفكر يشمل كل ما أنعم الله به على الإنسان: من أول خلقه والنطفة التي خلقه الله منها (أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ ( أَءنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ?لْخَـ?لِقُونَ( (58-59) إلى الحرث والزرع (أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ( أَءنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ?لزرِعُونَ( (63-64).
إلى الماء الذي نشربه (أَفَرَءيْتُمُ ?لْمَاء ?لَّذِى تَشْرَبُونَ ( أَءنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ?لْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ?لْمُنزِلُونَ( (68-69).
إلى النار (أَفَرَءيْتُمُ ?لنَّارَ ?لَّتِى تُورُونَ ( أَءنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ ?لْمُنشِئُونَ( (71-72).
فإذا تذكرت أخي المسلم كل هذه النعم، ورأيت أنها كلها بأمر الله وليس لك منها شيء، فبادر إلى التسبيح (فَسَبّحْ بِ?سْمِ رَبّكَ ?لْعَظِيمِ( (74) سبحان ربي العظيم..
إختر قبل الموت
ثم يأتي قبل الختام تذكير بالموت، حتى تختار أخي المسلم قبل أن يأتيك الأجل وتغادر هذه الدنيا، (فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ?لْحُلْقُومَ ( وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـ?كِن لاَّ تُبْصِرُونَ( (83-85). لحظات صعبة وشديدة، من منا سيكون من المقرّبين، فتخفف عنه تلك اللحظات، ومن منا سيكون من أصحاب اليمين، ومن سيختم له بالشقاء والعياذ بالله...
تذكرة بين تسبيحتين
وتختم سورة الواقعة بقوله تعالى: (فَسَبّحْ بِ?سْمِ رَبّكَ ?لْعَظِيمِ( (96)، بما يتناسب مع ختام سورة الطور بالتسبيح (وَمِنَ ?لَّيْلِ فَسَبّحْهُ وَإِدْبَـ?رَ ?لنُّجُومِ( وختام سورة النجم بالسجود (فَ?سْجُدُواْ لله وَ?عْبُدُواْ(. فالتسبيح والعبادة هما أكبر معينين على اختيار طريق الحق والثبات عليه إن شاء الله.
وكما كانت السور السابقة تسلّم بعضها، بأن يكون هناك علاقة بين ختام سورة وبداية السورة التي تليها، نلاحظ أن سورة الواقعة ختمت بالتسبيح (فَسَبّحْ بِ?سْمِ رَبّكَ ?لْعَظِيمِ( لتبدأ سورة الحديد أيضاً بالتسبيح (سَبَّحَ لله مَا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَهُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ(.
سورة الحديد (التوازن بين الروحانية والمادية)
سورة الحديد
وسورة الحديد تتحدث أيضاً عن الاختيار بين المادية والروحانية، لكنها لا تقول لك: اختر بينهما، لكنها تقول: وازن بينهما...
أمة الإسلام والحديد
وقبل أن نبدأ مع آيات السورة، لا بد أن نذكر حقيقة محزنة، أن أمتنا التي تقرأ في كتابها وفي دستورها سورة الحديد لا تعرف كيف تصنع الحديد... أن هناك آية محورية في السورة لكنها غائبة عن حياتنا وعن أمتنا: (وَأَنزْلْنَا ?لْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـ?فِعُ لِلنَّاسِ( (25).
فالحديد هو - بلغة اليوم - رمز للصناعات الثقيلة. واستخدام هذه الصناعات كما بينت الآية هو (بَأْسٌ شَدِيدٌ( أي الصناعات الحربية، (وَمَنَـ?فِعُ لِلنَّاسِ( أي الصناعات التكنولوجية والمتطورة.. فهو محور أساسي في صناعات الأمم في حالتي الحرب والسلم.. أين نحن من سورة الحديد، وأين نحن من التطور العلمي والصناعي والتكنولوجي؟
بعد هذه الحقيقة الصعبة، تعالوا نفهم مراد ربنا من هذه السورة، حتى نفهم توازن الإسلام وشموله ونمضي في ركب التطور والحضارة.
التوازن
فما هو هدف السورة؟ إن السورة تدعوك للاختيار بين المادية والروحية... فهي تتحدث عن أناس تفرغوا للعبادة تماماً، وفي المقابل عن أناس قست قلوبهم من كثرة انصرافهم للعمل وانشغالهم بالدنيا على حساب الطاعة. والسورة توضح أن كلا الفريقين على خطأ، وكلاهما قد بعد عن طريق الله ومنهجه.
الغلو في المادية
وبالحديث عن النوع الأول، نرى آية رائعة تهز القلوب القاسية وتذكرها بربها جل وعلا:
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ?لله وَمَا نَزَلَ مِنَ ?لْحَقّ وَلاَ يَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ?لأَمَدُ..( أخذتهم الدنيا، فكانت النتيجة (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـ?سِقُونَ( (16).
عتاب رقيق من رب العزة جل وعلا، أحس به الصحابة مع أنهم من أكثر الناس خشوعاً، فقالوا في هذه الآية: "لما نزلت عاتبنا ربنا فيها لأن قلوبنا قست"...
والآية التي بعدها هي قوله تعالى: (?عْلَمُواْ أَنَّ ?لله يُحْىِ ?لأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا( (17) فما علاقة قسوة القلوب بالمطر؟ إن الذي يحيي الأرض بالمطر بعد أن أجدبت وماتت، قادر أن يحيي القلوب بذكره مهما قست وبعدت عن طريقه...
الغلو في الروحانية
وأما النوع الثاني من الناس، فهم الذين غالوا في الروحانية والبعد عن الدنيا، اسمع قول الله تعالى (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى? ءاثَـ?رِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ?بْنِ مَرْيَمَ وَءاتَيْنَـ?هُ ?لإنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ?لَّذِينَ ?تَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً( (27) حتى الآن كل هذا جيد ومطلوب، لكن ماذا بعد؟
(وَرَهْبَانِيَّةً ?بتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـ?هَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ?بْتِغَاء رِضْو?نِ ?لله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَـئَاتَيْنَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـ?سِقُونَ( (27). والملفت أن الآيتين اللتين تحدثتا عن الغلو سواء في المادية أو في الروحانية قد ختمتا بنفس العبارة (وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـ?سِقُونَ(. لماذا؟ لأن الفسق هو الخروج عن المنهج. (وفي اللغة: فسقت النواة أي خرجت عن قشرتها). والخروج عن المنهج الرباني في البعد عن الدنيا والتفرغ للعبادة هو تماماً كقسوة القلب والبعد عن الروحانية، فسق بفسق...
أمة وسط
وكأن السورة تقول لنا: أنتم يا أمة محمد لستم أحد هذين النوعين، أنتم أمة متوازنة، وأمة وسط بين رقة القلب والصلة بالله وبين النجاح في الحياة. لذلك تأتي الآية المحورية في السورة - الآية 25 - لتبين هذا المعنى بشكل رائع:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِ?لْبَيّنَـ?تِ( أي الإيمانيات، (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْمِيزَانَ لِيَقُومَ ?لنَّاسُ بِ?لْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا ?لْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـ?فِعُ لِلنَّاسِ(. وهنا تأكيد على الجانب المادي والنجاح في الحياة (وَلِيَعْلَمَ ?لله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِ?لْغَيْبِ( وهكذا نفهم أن هذا هو استخدام الحديد، نصرة دين الله بالصناعات الحربية والصناعات التكنولوجية..
والسورة تبين أن هذه القاعدة لا تتغير عبر الأجيال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْر?هِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا ?لنُّبُوَّةَ وَ?لْكِتَـ?بَ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ( (26) وهم الذين فهموا دين الله وعرفوا كيف يوازنون بين المادية والروحانية (وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـ?سِقُونَ( (26).
التوازن مفتاح النور
وهناك ملحوظة لطيفة في السورة، أن النور قد ذكر فيها 3 مرات، بشكل يفهمنا حقيقة التوازن في الإسلام:
- في الدنيا: (ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?لله وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ( (28).
- على الصراط: (يَوْمَ تَرَى ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ يَسْعَى? نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـ?نِهِم( (12).
- في الجنة: (وَ?لشُّهَدَاء عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ( (19).
أنظر بالله عليك إلى روعة هذا الدين وتوازنه، فالسورة تثبت لك أن التزامك بطاعة الله سيجعل لك نوراً في الدنيا وفي حركة حياتك مثلما سينور طريقك عند اجتياز الصراط في الآخرة... وليس هذا فحسب، بل أن السورة ذكرت نوراً خاصاً بفئة من الناس: (وَ?لشُّهَدَاء عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ( (19). لماذا؟ لأنهم هم الذين استخدموا الحديد في الصناعات الحربية فكانوا قمة في النجاح في الحياة ونصرة دين الله. وبالمقابل ضحوا بحياتهم في سبيل الله فكانوا قمة في الروحانية والصلة بالله. توازن رائع وواضح في سورة الحديد...
التوازن في ملك الله
وحتى بداية السورة فهي ترينا بوضوح كيف أن الله تعالى يحكم الكون بتوازن عجيب، ففيها متناقضات عديدة: (هُوَ ?لأَوَّلُ وَ?لأَخِرُ وَ?لظَّـ?هِرُ وَ?لْبَـ?طِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ( (3).
(هُوَ ?لَّذِى خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضَ... يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ?لأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ?لسَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا( (4) (يُولِجُ ?لَّيْلَ فِى ?لنَّهَارِ وَيُولِجُ ?لنَّهَارَ فِى ?لَّيْلِ( (6).
وكأن المعنى: أنه لا يجمع بين هذه المتقابلات إلا الله تعالى. فسبحان من ملك الكون وجعله متوازناً، وأمر خلقه بالتوازن في حياتهم، حماية لقلوبهم من القسوة والبعد عن الله، وحماية لأنفسهم من التطرف في الحياة..
ألم تختر بعد...
هذا كان الجزء السابع والعشرين، وسوره التي تحثك على الاختيار... وتسألك:
تختار طريق الجنة أم طريق النار؟ (سورة ق وسورة الطور)
تختار أن تكون من السابقين وأصحاب اليمين، أم أن تكون من المكذّبين؟ (سورة الواقعة)
تختار النعم أم النقم.؟ (سورتي الرحمن والقمر)
تختار أن تتلقّى علمك من طريق الوحي أم طريق الشك والظن؟ (سورة النجم)
تختار رزق الله وعطاءه أم حرمانه؟ (سورة الذاريات)
تختار المادية أو الروحانية والغلو بأحدهما أم تتوازن بينهما؟ (سورة الحديد)
نسأل الله تعالى أن يعيننا على هذه الاختيارات، وأن ينفعنا بما قرأنا من آيات الجزء السابع والعشرين..




سور الجزء الثامن والعشرين
ونصل مع خواطرنا القرآنية إلى الجزء الثامن والعشرين، الذي تدور سوره كلها حول محور واحد، كما رأينا في الجزء السابق.
جزء الإنتماء للإسلام
فبعد أن عرضت سور القرآن هذا المنهج الرباني بأدق تفاصيله - من مبادئ الأخلاق الاجتماعية في سورة الحجرات إلى قوانين التفوق الحضاري في سورة النمل، - جاء الجزء 27 ليضع أمامنا قضية الاختيار، كما رأينا، بين الجنة والنار وبين أهل الإيمان وأهل الكفر... أما الجزء 28، فمحوره الأساسي: الإنتماء لهذا الدين.
وكأن المعنى: بعد أن عرفتم أيها المسلمون هذا القرآن، وفهمتم المحاور الأساسية لدين الله، لا بد أن تنتموا إليه. وقد يقول البعض: أنا منتم للإسلام، فأنا أصلي وأصوم وأؤدي الفرائض... لكن هذا الفهم قاصر جداً، وهناك فرق كبير بين "أنا أصلي" أو "أنا أصوم" و"أنا منتم للإسلام".
فالإنتماء للإسلام يعني أن أحب الله ورسوله ولا أؤثر شيئاً على أمرهما، وأن أحب المؤمنين لأنهم منتمين مثلي لهذا الدين... والإنتماء يعني أن لا أنبهر بحضارة أخرى لأنني أعتز بانتمائي لهذا الدين...
إذاً الجزء 28 هو باختصار: جزء الإنتماء للإسلام والتبرؤ من الحضارات الأخرى ولا يجب أن يفهم من كلامنا أن المطلوب هو العداوة للآخرين، لكن المطلوب هو أن تكون لنا هويتنا وأفكارنا وقيمنا المستقلة، دون أي عداء لأي

طرف آخر... ومن روعة هذا الجزء أنه يبيّن هذا المفهوم - التوازن بين الإنتماء والعداء - بشكل واضح.
سلسلة الإنتماء
وهذا الجزء يحتوي على تسع سور، كلها مدنية، وكلها تدور حول قضية الإنتماء. وإذا تأملنا عناوين السور، رأينا أنها تكون سلسلة مترابطة يجمع بينها الإنتماء:
1. سور الجمعة والصف الحشر: وكلها تدعو إلى الوحدة والترابط والتجمع كما نرى في أسمائها.
2. سورة الممتحنة: امتحان الإنتماء (أناس يمتحنون في انتمائهم).
3. سورة المنافقون: التحذير من مرض النفاق الذي يضيع وحدة الأمة ويضيع الإنتماء.
4. سور التحريم والطلاق والتغابن: التحذير من شواغل الإنتماء، والتعلق بزينة الحياة الدنيا من الأولاد والزوجات والأموال...
والسور تركز على أهمية الأسرة وترابطها، كما في سور الطلاق والتحريم، للدلالة على أن الأسرة المسلمة هي بداية الإنتماء، وهي بداية الترابط المطلوب بين أفراد المجتمع..
فبداية الإنتماء أسرة قوية متماسكة، ونهايته وحدة قوية بين
المسلمين.
دور المرأة في الإنتماء
ومن اللطائف في هذا الجزء أنه ابتدأ بالحديث عن امرأة اشتكت من سوء معاملة زوجها لها - في سورة المجادلة - واختتم بسورة التحريم، التي ضرب الله مثلاً في آخرها للذين آمنوا: امرأة فرعون ومريم بنت عمران.
والرابط بين هذه المعاني أن المرأة هي التي تصنع الرجال وهي التي تربي أبناءها على الإنتماء. فلو عرفت المرأة قيمتها في الإسلام وتكريم الإسلام لها، فستنتمي إلى الإسلام بصدق، وسيكون لها دور أساسي في بناء الإنتماء للإسلام في نفوس الأمة.
ومن هنا نفهم لماذا بدأ الجزء بإعطاء المرأة حقها في سورة المجادلة، ولماذا انتهى الجزء بضرب المثل بالمرأة، حتى تلتفت نساء الأمة إلى حقوقهن ودورهن في هذا الدين، فيحصل منهن الإنتماء الكامل للدين، ومن ثم توزيع هذا الإنتماء على الناس وبناؤه في الأجيال القادمة فتحقق أهداف الجزء 28...
المرأة في سور القرآن
وقبل هذا الجزء، رأينا كيف أن أكثر سور القرآن ركزت على المرأة في محورها الأساسي. ففي سورة آل عمران (التي كان هدفها الثبات) كانت مريم عليها السلام وامرأة عمران رمزاً للثبات. وفي سورة النساء (سورة العدل) كان من أهم شروط العدل مع الناس أن تعدل أخي المسلم في بيتك ومع النساء... ورأينا في سورة النمل، التي تحدثت عن التفوق الحضاري، كيف أن ملكة بلقيس حكمت قومها بالعدل وقادتهم إلى الإيمان بالله تعالى...
أرأيت اهتمام الإسلام بالمرأة وكيف جعلها القرآن محوراً في العديد من سوره وأهدافه.. وللأسف فإننا نجد بعد ذلك من يشكك ويقول: أين نجد الاهتمام بالمرأة في القرآن؟ ولماذا نرى الخطاب القرآني دائماً موجه للرجال؟ ودائماً بصيغة المذكر؟
وإلى هؤلاء نقول: إذا كانت اللغة العربية تقتضي أن يكون الخطاب
موجهاً لطرف واحد وهو الذكر، فلا يجب أن تكون كل كلمة في القرآن موجهة لطرفين، للذكر والأنثى. فاللغة العربية تقتضي ذلك، والقرآن كلم الطرفين بصيغة التذكير، مع التأكيد دوماً أنهما شريكان في المسؤولية عن الدين، لا بل أن المرأة لها دور خاص، لأنها صانعة الإنتماء للمجتمع، كما سنرى في الجزء 28.
سورة المجادلة
سورة المجادلة
بداية الإنتماء: حق المرأة
وسورة المجادلة هدفها: التبرؤ من المناهج الأخرى والاتصال بالإسلام. فكيف كانت بدايتها؟
تبدأ هذه السورة ويبدأ الجزء الثامن والعشرين بقضية أسرة معرضة للتفكك: رجل خاصم زوجته وقال لها: "أنت علي كظهر أمي"، مما يؤدي إلى أن تحرم عليه فلا يقربها في الفراش ولا يعطيها حقها.. ظلم شديد للمرأة وعادة من أقبح العادات الجاهلية التي كانت لا تزال موجودة في مجتمع المدينة المنورة... فنزلت آيات السورة لتعطي للمرأة حقها من فوق سبع سماوات: (قَدْ سَمِعَ ?لله قَوْلَ ?لَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى إِلَى ?لله وَ?لله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما إِنَّ ?لله سَمِيعٌ بَصِيرٌ( (1).
تخيّل قيمة المرأة في الإسلام: امرأة تجادل رسول الله - لا بل أن السورة سميت باسمها وهي تجادله - وينزل حكم الله من فوق سبع سماوات ليعطيها حقها... فما علاقة ذلك بالإنتماء؟
إن الجزء الثامن والعشرين ابتدأ بحماية أسرة كانت معرضة للتفكك والزوال، ودافع عن امرأة كانت تتعرض للظلم والتعسف في أخص خصوصيات حياتها الزوجية، وذلك لأمرين هامين:
- أن أول مقتضيات الإنتماء: أسرة متماسكة وقوية تحافظ على تعلق أفراد المجتمع بالدين
- أن إعطاء المرأة قيمتها وحقها يقوي في نفسها حب الإسلام والإنتماء إليه، وبالتالي يشجعها على نقل هذا الإنتماء وهذا الحب إلى المجتمع كله
لذلك جاءت الآية الخامسة - مباشرة بعد آيات الظهار - لتبين هذا المعنى: (إِنَّ ?لَّذِينَ يُحَادُّونَ ?لله وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ(.
وقبل نهاية السورة أيضاً بنفس الكلمات: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ ?لله وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ فِى ?لأَذَلّينَ( (20).
وكأن السورة تسألك: أنت مع من؟ ومن توالي ومن تحب؟ مع الشيطان وحزبه أو مع الحق وجنده؟ فتأتي المقابلة: (أُوْلَـئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـ?نِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـ?نِ هُمُ الخَـ?سِرُونَ( (19) ثم (أُوْلَـئِكَ حِزْبُ ?لله أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ?لله هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ( (22). وحتى استعمال كلمة "حزب" هنا، يوحي أن المطلوب ليس العبادة والصلاة والصوم. فلا بد من التحزب والإنتماء الكامل لحزب الله، والتبرؤ الشديد والصريح من حزب الشيطان، حتى نحقق هدف السورة ونكون من المفلحين إن شاء الله..
خطر النفاق
ولأن المطلوب هو إعلان الولاء الصريح لله والتبرؤ الصريح من الكفار،
فإن السورة تحذر ممن يظهر أمام الناس بوجهين، وهم المنافقون، لأنهم
أخطر ما قد يدمر الإنتماء ويضيع الوحدة بين المسلمين: (أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ?لله عَلَيْهِم مَّا هُم مّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ?لْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ( (14) فأول مشكلة عند هؤلاء المنافقين هي ولايتهم وتعلقهم بأعداء الله تعالى، لذلك (أَعَدَّ ?لله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ( (15).
وتفضحهم آيات السورة بما يجول في قرارة أنفسهم: (وَيَقُولُونَ
فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا ?لله بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ
?لْمَصِيرُ( (8).
من مظاهر النفاق
وحتى سبب نزول السورة، وهو الظهار وتحذير المؤمنين من هذه الظاهرة، يعود إلى أن هذا المرض هو نوع من أنواع النفاق الاجتماعي، فكان لا بد من معالجة هذه الظاهرة وأكثر من ذلك، إن النجوى هي أيضاً من العوارض الخطيرة للنفاق، لذلك حذرت السورة منها أيضاً، (ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـ?جَوْاْ بِ?لإثْمِ وَ?لْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ?لرَّسُولِ وَتَنَـ?جَوْاْ بِ?لْبِرّ وَ?لتَّقْوَى?( (9) وقوله تعالى (إِنَّمَا ?لنَّجْوَى? مِنَ ?لشَّيْطَـ?نِ لِيَحْزُنَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَارّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ?لله( (10).
قد سمع الله
ومن هنا نفهم سبب تركيز آيات السورة على علم الله وإحاطته بكل شيء، حتى تعلم أخي المسلم أن الله تعالى يعلم السر وأخفى، فتمتنع عن موالاة غير المسلمين ولو في قرارة نفسك:
فالسورة بدأت أصلاً بقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ ?لله قَوْلَ ?لَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا(.
ونرى فيها أيضاً قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ ?لله يَعْلَمُ مَا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَا فِى ?لأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى? ثَلَـ?ثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ...( (7).
ولذلك نرى أن أسماء الله الحسنى المختصة بالعلم والإحاطة قد تكررت بشكل ملفت:
(سَمِيعٌ بَصِيرٌ...(1) وَ?لله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ...(3) وَ?لله عَلَى? كُلّ شَىْء شَهِيدٌ...(6) إِنَّ ?لله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ( (7).
إعلان الولاء
وتختم سورة المجادلة بآية محورية في الولاء الكامل لله والتبرؤ من أعدائه:
(لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِ?لله وَ?لْيَوْمِ ?لأَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ?لله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْو?نَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ( (22) كلام شديد ولهجة لم نسمعها من قبل... إياك أن تحب من يعادي دينك، الأمر ليس فقط متعلقاً بأفعالك، بل حتى بمشاعرك القلبية... ولا بد من التذكير أن الحديث هنا مختص بالمناهج والحضارات التي تعادي الإسلام، فلو كانوا غير مؤذين أو محاربين فلا بأس من التعامل معهم، كما سنرى في سورة الممتحنة... أما إذا كانوا يعادون الله ورسوله، ويحادون الله ورسوله، ولو كانوا من الأقارب أو الأهل أو الأصحاب، فالمطلوب هو التبرؤ الشديد منهم والإنتماء الحقيقي للإسلام. فإذا فعلت ذلك، فاستبشر بقوله تعالى: (أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ?لإيمَـ?نَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأَنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ?لله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـئِكَ حِزْبُ ?لله أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ?لله هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ( (22).
هذه كانت سورة المجادلة، التي بدأت مع امرأة تشكي زوجها لرسول الله، وكيف أعطاها الإسلام حقها، وانتهت لتسألك يا قارئ القرآن: أنت مع من... نسأل الله تعالى أن يحقق فينا الإنتماء الكامل لدينه..
سورة الحشر
سورة الحشر
تتحدث سورة الحشر عن يهود بني النضير وحادثة إجلائهم عن المدينة بعد إخلالهم بالعهد مع رسول الله. هذه الحادثة التي ظهر فيها نوعان من الناس: نوع ساعد أعداء الله ووقفوا بجانبهم وهم المنافقون، ونوع تبرأ من أعداء الله وهم المؤمنون... أرأيت كيف أن الإنتماء يسير معنا في سور هذا الجزء... هيا بنا نستعرض هذين النوعين اللذان كشفت حقيقتهم في تلك الحادثة.
المنافقون: ضعف الإنتماء
لما أراد النبي ( أن يجلي بني النضير، سارع المنافقون إلى القيام بالمفاوضات مع اليهود، لذلك نزلت الآيات لتفضحهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ نَـ?فَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَ?لله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـ?ذِبُونَ( (11) أرأيت استعمال كلمة (لإِخْوَانِهِمُ(، فالمنافقون ليسوا إخواناً للمؤمنين، لأنهم ينتمون للمشركين... وكأن الآيات تسألك: أنت مع من؟ وتنتمي لمن؟
وتمضي الآيات في كشف كذبهم وخداعهم:
(لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ?لأَدْبَـ?رَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ( لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مّنَ ?لله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ( (12 – 13).
هؤلاء الكفار لن ينصروا بعضهم، فليس لهم وحدة أو انتماء يجمعهم، ومن الطبيعي أن يتبرأوا من بعضهم كما سيتبرأ الشيطان من أتباعه: (كَمَثَلِ ?لشَّيْطَـ?نِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـ?نِ ?كْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىء مّنكَ إِنّى أَخَافُ ?لله رَبَّ ?لْعَـ?لَمِينَ( (16).
المؤمنون: الإنتماء الكامل
فما البديل عن الإنتماء لهؤلاء؟ الإنتماء الكامل للإسلام:
(لِلْفُقَرَاء الْمُهَـ?جِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـ?رِهِمْ وَأَمْو?لِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ?لله وَرِضْو?ناً وَيَنصُرُونَ ?لله وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ ?لصَّـ?دِقُونَ( (8) أرأيت قمة الإنتماء لهذا الدين، ليس بالكلام، وإنما بالعمل والتضحية..
(وَ?لَّذِينَ تَبَوَّءوا ?لدَّارَ وَ?لإيمَـ?نَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ( (9).
فالمهاجرون انتموا لهذا الدين بصدق، والأنصار أحبوا الذين هاجروا إليهم، لا بل آثروهم على أنفسهم رغم ضيق حالتهم المادية. ومع أن هجرات البشر عبر التاريخ يعقبها كراهية شديدة وحروب ومشاكل بين الوافدين وأهل البلد، لكن هجرة الأنصار إلى المهاجرين كانت بخلاف ذلك، حب وإيثار وتضحية... وتأتي بعد ذلك آية رائعة، تصف لنا وحدة الأمة عبر الأجيال:
(وَ?لَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ?غْفِرْ لَنَا وَلإِخْو?نِنَا ?لَّذِينَ
سَبَقُونَا بِ?لإَيمَـ?نِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ...( (10).
أرأيت روعة الآيات في وصف المؤمنين؟ كيف أن أجيال الأمة كلها تنتمي لنفس الفكرة ونفس المنهج... وحتى في حال الخلاف الذي قد يحصل بين أفراد الأمة، فإن السورة ترينا كيف أن المنتمين لهذا الدين لا يطعنون بمن قبلهم، وإنما يقولون: (وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ( (10).
أرأيت الفرق الهائل بين الفريقين؟ بين من ينتمي للمؤمنين ويضحي لأجل انتمائه وإخوانه، وبين من ينتمي لأعداء الله لأجل الدنيا، ويخونهم في أقرب فرصة...
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل
ثم تأتي آية رائعة، تهز القلوب من خشية الله تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَـ?ذَا ?لْقُرْءانَ عَلَى? جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـ?شِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ?لله...( (21).
فما علاقة هذه الآية بغزوة بني النضير؟ إن اليهود اعتقدوا أن حصونهم ستمنعهم من الله وتحميهم من المؤمنين، كما في قوله تعالى (مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ ?لله( (2) فأتت الآية 21 وكأنها تقول لهم: كيف تظنون أن هذه الحصون مانعتكم من الله. هذا القرآن يصدع الجبال العظيمة فما بالك بالحصون المتهاوية؟ اعلموا أن لا ناصر ولا معين إلا الله تبارك وتعالى.
هو الله
وفي الختام، تأتي ثلاث آيات رائعة في أسماء الله الحسنى، كلها أسماء العظمة والقوة والجلال:
(هُوَ ?لله ?لَّذِى لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ?لْغَيْبِ وَ?لشَّهَـ?دَةِ هُوَ ?لرَّحْمَـ?نُ ?لرَّحِيمُ ( هُوَ ?لله ?لَّذِى لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ ?لْمَلِكُ ?لْقُدُّوسُ ?لسَّلَـ?مُ ?لْمُؤْمِنُ ?لْمُهَيْمِنُ ?لْعَزِيزُ ?لْجَبَّارُ ?لْمُتَكَبّرُ سُبْحَـ?نَ ?لله عَمَّا يُشْرِكُونَ ( هُوَ ?لله ?لْخَـ?لِقُ ?لْبَارِىء ?لْمُصَوّرُ لَهُ ?لأَسْمَاء ?لْحُسْنَى? يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَهُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ( (22 – 24).
وكما بدأت السورة بتسبيح الله وتعظيمه (سَبَّحَ لله مَا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَا فِى ?لأَرْضِ وَهُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ( (1) فهي تنتهي أيضاً بالتسبيح والتعظيم (يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَهُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ( (24).
وكأن ختام السورة يؤكد على معنى واحد: كيف لا تنتمون إلى الله، وهو الذي له الأسماء الحسنى التي كلها عظمة.. انتموا إليه ولا تنتموا إلى غيره...
سورة الممتحنة
سورة الممتحنة
وسورة الممتحنة نرى هدفها واضحاً من أول آية فيها (ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء...( أرأيت كيف أن الولاء للمسلمين والتبرؤ من الكافرين واضحان في سور الجزء كلها... لذلك تأتينا السورة بأربعة امتحانات للانتماء:
1. امتحان حاطب بن أبي بلتعة
2. امتحان المؤمنات المهاجرات
3. امتحان التوازن في الولاء والبراء
4. امتحان النساء قبل مبايعتهن
تعالوا معاً لنستعرض هذه الامتحانات التي أوردتها السورة الكريمة، سورة الممتحنة.
حاطب بن أبي بلتعة وإفشاء الأسرار
كان رسول الله ( يجهز الجيوش قبل فتح مكة، حتى يفاجئ الكفار بدخول مكة فيستسلموا دون أن يحدث أي قتال أو إراقة دم في الحرم... لكن أحد الصحابة - وهو حاطب بن أبي بلتعة - أرسل لأهله في مكة حتى يحذرهم من مجيء المسلمين.. فكان امتحاناً لولاء ذلك الصحابي الجليل، الذي أخطأ في تصرفه هذا، ولذلك نزلت آيات السورة تعاتبه على ذلك:
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِ?لْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ ?لْحَقّ يُخْرِجُونَ ?لرَّسُولَ وَإِيَّـ?كُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِ?لله رَبّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَ?بْتِغَاء مَرْضَاتِى( ثم يأتي تحذير من مودة من عادى الله ورسوله (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِ?لْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ(.
لكن الملفت في الآية أنها عاتبت سيدنا حاطب عتاباً رقيقاً، فهي أكدت أنه لا يزال مع المؤمنين، من خلال البدء بـ: (ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ(، وأكدت أن أعداء الله هم أعداؤه (.. لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ..(، وليس هذا فحسب، بل ذكرته بمرضاة الله (إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَ?بْتِغَاء مَرْضَاتِى(. أرأيت كيف عالج القرآن تلك المشكلة - التي تعتبر في المنطق العسكري خيانة عظمى - بأسلوب تربوي رائع، وذلك باللطف والتحبب في الخطاب.
إبراهيم والذين معه: إنا براء منكم
ثم تعرض لنا السورة موقفاً واضحاً في الإنتماء الكامل لدين الله والتبرؤ الشديد من المناهج الأخرى:
(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْر?هِيمَ وَ?لَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤاْ مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ?لله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ?لْعَدَاوَةُ وَ?لْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى? تُؤْمِنُواْ بِ?لله وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْر?هِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ?لله مِن شَىْء...( (4).
أرأيت كيف أن الجزء الثامن والعشرين بأكمله، هو عبارة عن عرض نماذج المنتمين لدين الله، وبالمقابل للآخرين الضعيفين في انتمائهم... يا شباب، قبل أن تختموا المصحف، وقبل أن تنتهوا من قراءة منهج الله تعالى، تعلّموا هذا المعنى، الولاء للمؤمنين والتبرؤ من الكافرين...
إمتحان مبايعة النساء
وهذا الامتحان هو سبب تسمية السورة بسورة الممتحنة... اسمع
قول الله تعالى:
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ ?لْمُؤْمِنَـ?تُ مُهَـ?جِر?تٍ فَ?مْتَحِنُوهُنَّ ?لله أَعْلَمُ بِإِيمَـ?نِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـ?تٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ?لْكُفَّارِ...( (10).
هذه الآية تتحدث عن معنى مهم جداً للمجتمعات التي تريد أن تحافظ على انتمائها للإسلام. إمتحنوا النساء قبل أن تدخل إلى مجتمعاتكم، حتى نضمن عدم دخول المشككين والمفسدين لمجتمعاتنا، لأن المرأة هي ضمان المجتمع، وهي التي تحفظ انتماء أفراده لدينهم وتحفظ وحدتهم وتماسكهم. أرأيت قيمة المرأة ومكانتها في المجتمع المسلم... أرأيت دور المرأة في الحفاظ على انتماء المجتمع لدين الله، من سورة المجادلة إلى سورة الممتحنة...
إمتحان العدل مع غير المسلمين
وحتى لا يفهم الولاء والبراء على أنه العداء الكامل لغير المسلمين، والتبرؤ من كل أهل الكتاب، حتى الذين لا يحاربوننا ولا يعادوننا، تأتي سورة الممتحنة بقاعدة هامة في التعامل مع غير المسلمين:
(لاَّ يَنْهَـ?كُمُ ?لله عَنِ ?لَّذِينَ لَمْ يُقَـ?تِلُوكُمْ فِى ?لدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـ?رِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ?لله يُحِبُّ ?لْمُقْسِطِينَ( (9).
أنظر لروعة القرآن: ففي نفس السورة التي جاء فيها (لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء( (1) نرى فيها قوله تعالى (أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ( (9). فالإسلام يطالبنا بالبر والإحسان إليهم والعدل معهم (إِنَّ ?لله يُحِبُّ ?لْمُقْسِطِينَ( فلمن النهي؟ ولمن المعاداة؟
(إِنَّمَا يَنْهَـ?كُمُ ?لله عَنِ ?لَّذِينَ قَـ?تَلُوكُمْ فِى ?لدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَـ?رِكُمْ وَظَـ?هَرُواْ عَلَى? إِخْر?جِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ?لظَّـ?لِمُونَ( (8).
وحتى عن الكافرين المعادين، فإن الآيات تظهر التوازن في التعامل (عَسَى ?لله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ?لَّذِينَ عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً...( (7).
وهكذا نرى أن السورة عرضت توازناً دقيق في الإنتماء، بين التبرؤ من الكفار الذين يحاربوننا وبين العدل والتسامح مع من يعيشون معنا بسلام، حتى لا يسيء المسلمون فهم هذا الأصل المهم من أصول ديننا الرائعة.
أين أنت من هذه الامتحانات؟ وما هو مدى ولائك لدين الله وتبرؤك من المناهج الغربية التي تتعارض مع هذا الدين؟ وهل هناك توازن في نظرتك إلى هذا الإنتماء، أم أن نظرتك تقتصر على التبرؤ من كل الكفار، دون التفريق بين المعادين والمسالمين...
من فضلك، اسأل نفسك هذه الأسئلة بعد قراءة سورة الممتحنة..
سورة الصف
سورة الصف
وهدف سورة الصف واضح من اسمها: "يا مسلمون، ويا من انتمى لهذا الدين، وحدوا صفوفكم في سبيل نصرة دين الله"، فتأتي فيها آية محورية وهي قوله تعالى: (إِنَّ ?لله يُحِبُّ ?لَّذِينَ يُقَـ?تِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَـ?نٌ مَّرْصُوصٌ( (4).
بنو إسرائيل والإنتماء
لذلك تعرض لنا السورة نموذجاً لبني إسرائيل، الذين أتعبوا سيدنا موسى كثيراً، لأن انتماءهم لدين الله كان ضعيفاً (وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ ي?قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ ?لله إِلَيْكُمْ( (5) فماذا كانت النتيجة (فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ?لله قُلُوبَهُمْ( (5).
ويأتي سيدنا عيسى إلى نفس القوم بنفس الرسالة (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ?بْنُ مَرْيَمَ ي?بَنِى إِسْر?ءيلَ إِنّى رَسُولُ ?لله إِلَيْكُم مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ?لتَّوْرَاةِ وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ?سْمُهُ أَحْمَدُ( (6).
لكن ضعف الإنتماء عند بني إسرائيل لا يزال موجوداً (فَلَمَّا جَاءهُم بِ?لْبَيّنَـ?تِ قَالُواْ هَـ?ذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ( (6).
كيف لا توحدون صفوفكم؟
وبعد أن حثتنا الآيات على توحيد الصفوف تأتي آية خطيرة:
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ?لله بِأَفْو?هِهِمْ وَ?لله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ
?لْكَـ?فِرُونَ( (8).
وكأن المعنى: توحدوا أيها المؤمنون، وانصروا هذا الدين، لأن أعداء الله يريدون أن يطفئوا هذا الدين. وكيف يكون عندكم ضعف في الإنتماء وأنتم تعلمون أن الله تعالى سيتم نوره ولو كره الكافرون.. لذلك تعقب هذه الآية بشارة أخرى من الله تعالى: (هُوَ ?لَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِ?لْهُدَى? وَدِينِ ?لْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ?لدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ ?لْمُشْرِكُونَ( (9) هذا الدين منصور بإذن الله، وسيظهر على الأديان كلها وينتصر على المناهج الأخرى، فسارع بالانضمام تحت لوائه حتى تكون من الفائزين إن شاء الله...
كونوا أنصار الله
وتختم سورة الصف بنداء للمؤمنين جميعاً، حتى يثبتوا انتماءهم للإسلام: (يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ أَنصَـ?رَ ?لله( (14) فلا تكفي الصلاة والصيام، ولا تكفي قراءة القرآن، حتى تكون منتمياً لهذا الدين.. لا بد من أن تكون من أنصار الله... هذه القاعدة ليست مقتصرة على أمة محمد (، بل كانت مطلوبة أيضاً من أتباع الأنبياء السابقين، كعيسى عليه السلام: (يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ أَنصَـ?رَ ?لله كَمَا قَالَ عِيسَى ?بْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنَّصَـ?رِى إِلَى ?لله قَالَ ?لْحَو?رِيُّونَ نَحْنُ أَنصَـ?رُ ?لله فَـئَامَنَت طَّائِفَةٌ مّن بَنِى إِسْر?ءيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَى? عَدُوّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَـ?هِرِينَ( (14).
سورة الجمعة
سورة الجمعة
إن هدف سورة الجمعة هو ببساطة: اجتماع المسلمين ووحدتهم... فصلاة الجمعة هي رمز اتحاد المسلمين ورمز وحدة أهل الحي الواحد، وأهل البلد الواحد، يلتقون فيها بشكل أسبوعي حتى يسمعوا خطبة الجمعة ويزيدوا الروابط الاجتماعية فيما بينهم... لماذا نرى هذا المعنى غائباً في مساجدنا؟ لماذا ضيعنا مراد ربنا من هذه الفريضة، ولماذا أفسدنا هذه الصلاة المباركة؟ ليتنا نرى خطباء الجمعة يراجعون أنفسهم في المعنى المطلوب الأساسي من خطبة الجمعة، وليتنا نرى المصلين أنفسهم، من الشباب والرجال والأطفال وحتى النساء، يذهبون إلى الصلاة كل جمعة بنية تجديد انتمائهم وصلتهم بإخوانهم المسلمين...
عناصر خطبة الجمعة
ومن المعاني الجميلة في السورة أنها ابتدأت بالعناصر المطلوبة في خطبة الجمعة. كيف هذا؟ اسمع قول الله تبارك وتعالى:
(هُوَ ?لَّذِى بَعَثَ فِى ?لأُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ( (2)، ما هي مهمة هذا الرسول؟ وبالتالي ما هي مهمة من ينوب عنه ويخطب الجمعة في الناس؟ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـ?تِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْحِكْمَةَ( (2)... فعناصر خطبة الجمعة هي: تلاوة القرآن والتعايش مع آياته وأحكامه، تزكية النفوس وإصلاحها، وتعليم الناس سنّة النبي ( وأحاديثه...
فاسعوا إلى ذكر الله
وتختم السورة بأهم ما يجب على المسلم أن يفعله حتى يثبت انتماءه لله تعالى:
(ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَو?ةِ مِن يَوْمِ ?لْجُمُعَةِ فَ?سْعَوْاْ إِلَى? ذِكْرِ ?لله وَذَرُواْ ?لْبَيْعَ( (9).
فمن دلائل انتمائك أن تسارع إلى المسجد حتى تتوحد مع المسلمين في الحي، وأن تضع الدنيا خلف ظهرك دون أن تلهيك عن انتمائك وعبادتك (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ( (9).
وتذكر لنا السورة حادثة أخطأ فيها صحابة رسول الله، عندما تركوا رسول الله يخطب على المنبر وسارعوا إلى ملاقاة إحدى القوافل وهي تدخل المدينة (وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـ?رَةً أَوْ لَهْواً ?نفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ ?لله خَيْرٌ مّنَ ?للهوِ وَمِنَ ?لتّجَـ?رَةِ وَ?لله خَيْرُ ?لرَّازِقِينَ( (11). هذه الحادثة تثبت لنا أن الصحابة - على رغم فضلهم ومكانتهم - بشر مثلنا، وقد يتشاغلون عن الإنتماء والولاء في لحظة فقر أو ضيق.. لكن أهم صفة فيهم هي سرعة العودة والإنابة إلى الله.
كمثل الحمار يحمل أسفاراً
وفي مقابل الصحابة رضوان الله عليهم، تأتينا السورة بمثل رهيب عن ضعيفي الإنتماء:
(مَثَلُ ?لَّذِينَ حُمّلُواْ ?لتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ?لْحِمَارِ يَحْمِلُ
أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ ?لْقَوْمِ ?لَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـ?تِ ?لله وَ?لله لاَ يَهْدِى ?لْقَوْمَ ?لظَّـ?لِمِينَ( (5).
إياك أن تكون منهم... إياك أن تذهب إلى الخطبة وأن تحمل هذا الدين مثل من يضع على كتفه معلومات دون أن يفهم منها شيئاً أو يطبّقها ويجعلها منهجاً له في حياته... إنتم إلى الإسلام بصدق، وأظهر هذا الولاء وهذا الإنتماء من خلال صلاة الجمعة وتفاعلك مع المؤمنين، هذه هي رسالة سورة الجمعة، نسأل الله تعالى أن تتجدد هذه المعاني في نفوس الشباب كل أسبوع وفي كل خطبة جمعة...
سورة المنافقون
سورة المنافقون
وسورة المنافقون تحذر من هذا المرض الداخلي الذي يهدد انتماء الأمة ويضيع وحدة أفرادها، لذلك تبدأ السورة من أول آية في وصف كذبهم وخداعهم: (إِذَا جَاءكَ ?لْمُنَـ?فِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ?لله وَ?لله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ?لله يَشْهَدُ إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لَكَـ?ذِبُونَ(.
والله يعلم إنك لرسوله
وفي الآية الأولى إعجاز لغوي لطيف، فقد يظن البعض أن هناك تكراراً في قوله تعالى (وَ?لله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ?لله يَشْهَدُ إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لَكَـ?ذِبُونَ(... لكننا في اللغة العربية إذا أردنا أن نعرف القيمة البلاغية لجملة ما، نحذفها لنرى مدى أهميتها وتأثيرها على المعنى. فإذا فعلنا ذلك (إِذَا جَاءكَ ?لْمُنَـ?فِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ?لله وَ?لله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ?لله يَشْهَدُ إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لَكَـ?ذِبُونَ( وحذفنا الكلمات التي تحتها خط، يصير المعنى أن الله يشهد أن المنافقين كاذبون بادعائهم أن محمداً رسول الله، والعياذ بالله... سبحان الله، من المستحيل أن نرى أي كلمة بل أي حرف في القرآن دون أن يكون له أهميته في توضيح المعنى...
الخطر على الولاء
وانظر إلى معالم النفاق في حياة هؤلاء في الآية (4) (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـ?مُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ( (7) فهم يتمتعون من الخارج بمظاهر براقة وملامح خادعة، لكنهم من الداخل (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ( لذلك (هُمُ ?لْعَدُوُّ فَ?حْذَرْهُمْ(.
وترينا الآية (5) مدى تكبّرهم على الإسلام وعلى رسول الله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ?لله لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ(.
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
حتى أن الحال وصل بزعيمهم - عبد الله بن أبي بن سلول - إلى النيل من رسول الله ( (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ?لْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ?لأَعَزُّ مِنْهَا ?لأَذَلَّ( (8) فهو يقصد أنه هو الأعز، وأن رسول الله ( - والعياذ بالله - هو الأذل، فترد عليه نفس الآية بقوة (وَلله ?لْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـ?كِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ(. آية خطرة، آية في منتهى القوة... إذا لم تشعر بالعزة في انتمائك لهذا الدين، فاحذر أن تكون فيك خصلة من خصال النفاق. وتذكر قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله".
لا تلهكم أموالكم
وتختتم السورة بذكر شواغل الإنتماء، تمهيداً لسور التغابن والطلاق والتحريم، التي تتكلم عن هذا الموضوع بالتفصيل: (ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْو?لُكُمْ وَلاَ أَوْلَـ?دُكُمْ عَن ذِكْرِ ?لله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـ?ئِكَ هُمُ ?لْخَـ?سِرُونَ( (9).
فالأموال والأولاد كانت هي مشكلة المنافقين الأساسية، فاحذر أخي المسلم أن تشغلك هذه الأمور عن ذكر الله وعن انتمائك للمؤمنين، فتكون بذلك معرضاً لخطر النفاق الشديد.. فما الحل إذاً؟ بالإنفاق في سبيل الله (وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـ?كُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ?لْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ?لصَّـ?لِحِينَ( (10) لأن الإنفاق هو أفضل وقاية للقلوب من مرض النفاق، ومن شواغل الإنتماء...
سور التغابن والطلاق والتحريم
سور التغابن والطلاق والتحريم
هذه السور تتحدث - كما ذكرنا سابقاً - عن المحاذير التي تضيّع الإنتماء عند المسلمين. ومن عناوين السور، نلاحظ أنها كلها مشاغل اجتماعية.
فالمشغول بالمال والزوجة والولد عن الله تعالى وعن دينه، هو إنسان مغبون (أي مخدوع)، وسيعاني كثيراً عندما يكتشف هذه الحقيقة في يوم التغابن (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ?لْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ?لتَّغَابُنِ( (9).
إنما أموالكم وأولادكم فتنة
لذلك تكشف لنا السورة هذه الحقيقة حتى لا ننخدع في الدنيا بهذه المظاهر، فيأتي قول الله تعالى (يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْو?جِكُمْ وَأَوْلـ?دِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَ?حْذَرُوهُمْ( (14) ثم الآية التي بعدها (إِنَّمَا أَمْو?لُكُمْ وَأَوْلَـ?دُكُمْ فِتْنَةٌ وَ?لله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ( (15).
والملاحظ أن الآية الأولى لما ذكرت الأزواج والأولاد، جاءت بحرف "من" الذي يفيد التبعيض (إِنَّ مِنْ أَزْو?جِكُمْ(، أي أن بعض أزواجكم عدو لكم وليسوا كلهم كذلك، لكن الآية الثانية تثبت أن كلهم فتنة، وأن من سيتخطى هذه الفتنة له أجر عظيم إن شاء الله...
وكما رأينا في سورة المنافقون، فإن الحديث عن الفتنة يعقبه الأمر بالإنفاق:
(فَ?تَّقُواْ ?لله مَا ?سْتَطَعْتُمْ وَ?سْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ...( (16) ثم (إِن تُقْرِضُواْ ?لله قَرْضاً حَسَناً يُضَـ?عِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَ?لله شَكُورٌ حَلِيمٌ( (17).
فأنفق في سبيل الله أخي المسلم، حتى تثبت انتمائك لدينك ومنهجك، وحتى تقي قلبك من التعلق بزينة الحياة الدنيا.
لا تترك زوجتك
وحتى لا يسيء أحد فهم سورة التغابن، ويفهم أن المطلوب هو عداوة
أهله وزوجته وأولاده وتركهم حتى يتفرغ لعبادة الله، تأتي سورة التحريم
بمعنى رائع: (يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ?لله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ( (6).
لا تهجر أولادك، ولا تترك زوجتك تفعل ما تشاء. خذ بيدهم للهداية ودلهم إلى طريق الله حتى تنجو وإياهم من العذاب...
سورة الطلاق (لا للخلاف)
وسورة الطلاق تؤكد - مع أن اسمها بحد ذاته هو من مظاهر الفرقة الاجتماعية- على أنه لا بد من المحافظة على وحدة المجتمع وعدم الخلاف حتى خلال الطلاق. فترى فيها آيات كثيرة تركز على تقوى الله:
- (... وَ?تَّقُواْ ?لله رَبَّكُمْ...( (1).
- (... وَمَن يَتَّقِ ?لله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً...( (2).
- (... وَمَن يَتَّقِ ?لله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً...( (4).
- (... وَمَن يَتَّقِ ?لله يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـ?تِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً( (5).
وكأن السورة تبين لنا آداب المفارقة في حياة الأسرة المسلمة، والتي تتلخص بكلمة واحدة: تقوى الله، لأن عدم التقوى في هذه الظروف لن يؤدي إلى انهيار أسرة واحدة فقط، بل إن ضرر ذلك سيتعدى إلى المجتمع كله...
سورة التحريم (دور المرأة في الإنتماء)
ويختم الجزء الثامن والعشرون - كما بدأ - بذكر المرأة ودورها في الإنتماء، وكيف أنها إن لم تنتم لهذا الدين، فإنها ستضل الكثير من الناس بذلك، ولن ينفعها حينئذ انتماء زوجها مهما كان صالحاً وحتى لو كان نبياً، لأن الإنتماء واجب مطلوب من كل فرد بذاته. فنرى مثلاً امرأة نوح وامرأة لوط (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـ?لِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ ?لله شَيْئاً وَقِيلَ ?دْخُلاَ ?لنَّارَ مَعَ ?لدخِلِينَ( (10).
ونرى في المقابل نموذجاً معاكساً: امرأة فرعون الذي هو أشد الناس كفراً، وكيف كان انتماؤها للإسلام قوياً رغم كفر زوجها وطغيانه (وَضَرَبَ ?لله مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ?مْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبّ ?بْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى ?لْجَنَّةِ وَنَجّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِى مِنَ ?لْقَوْمِ ?لظَّـ?لِمِينَ( (11).
ثم مريم ابنة عمران، التي تجلى انتماؤها في عفتها وحيائها وعبادتها المخلصة لله تعالى (وَمَرْيَمَ ?بْنَةَ عِمْرَانَ ?لَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـ?تِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ?لْقَـ?نِتِينَ( (12).
نسأل الله تعالى أن يرزقنا مثل هذه النماذج المضيئة في حياتنا، حتى يكن عوناً للمؤمنين على انتمائهم للإسلام وثباتهم على هذا الدين، ونسأل الله تعالى أن يعين شباب الأمة على قراءة الجزء الثامن والعشرين وفهم معانيه والإنتماء لدينهم وقرآنهم..



سور الجزء التاسع والعشرين
فريضة شرعية
هذا الجزء يحمل الوصية ما قبل الأخيرة للقرآن الكريم.. وهي فريضة الدعوة إلى الله وضرورة حمل منهج الإسلام للأرض كلها.. فبعد أن عرفت أخي المسلم، في الجزء الثامن والعشرين، قيمة الإنتماء للإسلام وأحسست بحلاوة الولاء لدين الله، لا بد لك أن تتحرك بالإسلام وتدعو الناس إليه بكل ما أوتيت من قوة وجهد وحكمة..
وفريضة الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة، مهما كانت معلوماتهم الدينية قليلة، فقد قال رسول الله: "بلّغوا عني ولو آية". لذلك يقول الإمام أحمد بن حنبل: من علم مسألة فهو عالم بها. ولنا في سيدنا أبي بكر قدوة حسنة، عندما أسلم على يديه ستة من كبار الصحابة الكرام في أول يوم من إسلامه، رغم أن معلوماته في الدين كانت أقل بكثير من معلوماتك أخي المسلم...
فإذا علمت أن الصلاة واجبة فحدّث الناس في الصلاة... كلّمهم في حب ربنا وحلاوة الجنة وأهوال الآخرة... هذه أمور سهلة لا تحتاج للكثير من المعلومات المعقدة والصعبة، وستجد المادة التي تعينك عليها في جزء تبارك.
سورة الملك (تعرف إلى من ستدعو)
سورة الملك
وأول سورة في هذا الجزء تعرفك: إلى من ستدعو. فقبل ان تباشر بدعوة الناس، تعرّف على الله الذي ستدعو الناس إلى دينه:

تعرّف على ملكه وعظمته (تَبَارَكَ ?لَّذِى بِيَدِهِ ?لْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى? كُلّ شَىْء قَدِيرٌ( (1).
تعرّف إلى إتقانه في كونه (فَ?رْجِعِ ?لْبَصَرَ هَلْ تَرَى? مِن فُطُورٍ ( ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ( (3-4).
أنظر إلى الطيور من فوقك وإلى الماء من تحتك واسأل نفسك من الذي يتحكم بهذه الأمور كلها إلا الله: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ?لطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَــ?فَّـ?تٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ?لرَّحْمَـ?نُ إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء بَصِيرٌ( (19).
(قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ( (30).
فكل هذه المعاني تمهّد لك أيها الداعية طريق الدعوة إلى الله، لتملأ قلبك بحب الله قبل أن تخرج بالدعوة إلى الناس
سورة القلم (أخلاق الدعاة)
سورة القلم
وترشدنا سورة (ن) إلى المبادئ الخلقية التي يجب أن يتحلى بها الدعاة
إلى الله. فتعرض نموذجين من الأخلاق: قدوة الدعاة (، وخلقه العظيم
(وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ( (4). وبالمقابل، نرى فيها أصحاب الأخلاق
السيئة، لأن أولئك هم أبعد ما يكونون عن الاستفادة من الدعوة (وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ( هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ( مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ( أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ...( (10-14).
وتأتي السورة على ذكر قصة أصحاب الجنة، الذين أدى بخلهم الشديد إلى كره الناس لهم وحرمانهم من الرزق. وكأنها تقول لنا: إياكم والبخل، لأنه من أسوأ الأخلاق التي قد تصيب الدعاة فتمنع وصول الرسالة إلى الناس...
ولا بد للداعية من أن يتعلم مبادئ الإسلام البسيطة، وأن يوثّق علمه بالقراءة المستمرة. ومن هنا نفهم سبب تسمية السورة بسورة القلم، وندرك لماذا كانت هذه السورة ثاني سور القرآن نزولاً بعد سورة العلق، التي كانت أول كلمة فيها (?قْرَأْ(. أيها الدعاة، كيف ننتمي إلى أمة إقرأ وكيف ندعو الناس إليها إذا لم نلتزم بالقراءة المستمرة وتدوين العلوم وتوثيقها؟
سورة الحاقة (يوم القيامة)
سورة الحاقة
وبين سور الدعوة إلى الله، تقدم لك سورة الحاقة زاداً لك أخي المسلم في دعوتك لإخوانك والناس من حولك... فالحاقة هو من أسماء يوم القيامة، والتذكير بهذا اليوم هو من أهم الوسائل التي يجب أن نستخدمها لترقيق
قلوب الآخرين وإيقاظهم من غفلتهم... فترى فيها هول العرض على الجبار: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى? مِنكُمْ خَافِيَةٌ( (18)، وتنتقل بك الآيات بعد ذلك إلى مصير الناس بعد تطاير الصحف: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـ?بَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ ?قْرَؤُاْ كِتَـ?بيَهْ ( إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَـ?قٍ حِسَابِيَهْ ( فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ( فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ..( (19-22).
أرأيت فرحته... أسمعت نداء الفوز والفلاح منه؟ فلماذا لا تكون مثله؟ ولماذا لا تدعو الناس ليكونوا مثله..
وفي المقابل: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـ?بَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ ي?لَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـ?بِيَهْ ( وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ( ي?لَيْتَهَا كَانَتِ ?لْقَاضِيَةَ ( مَا أَغْنَى? عَنّى مَالِيَهْ ( هَلَكَ عَنّى سُلْطَـ?نِيَهْ ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( ثُمَّ ?لْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ( (25-32).
آيات رائعة، ومقابلة رهيبة... ولاحظ أن السورة ابتدأت بأهل الجنة قبل أهل النار، وكأن المعنى: حبّب الناس بالجنة قبل تخويفهم من النار، لأن الترغيب يؤثر في النفوس بشكل أقوى بكثير من الترهيب..
سورة المعارج (أهمية العبادة إلى جانب الأخلاق)
سورة المعارج
وكما تحدثت سورة القلم عن أخلاق الداعية، تتناول سورة المعارج الجانب الآخر من صفات الدعاة، وهو العبادة، حتى يجمع الدعاة بينهما ولا يفرطوا بأحدهما على حساب الآخر.. فتأتي آيات رائعة في وصف المصلين المتقين
(إِنَّ ?لإنسَـ?نَ خُلِقَ هَلُوعاً ( إِذَا مَسَّهُ ?لشَّرُّ جَزُوعاً ( وَإِذَا مَسَّهُ ?لْخَيْرُ مَنُوعاً ( إِلاَّ ?لْمُصَلّينَ ( ?لَّذِينَ هُمْ عَلَى? صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ ( وَ?لَّذِينَ فِى أَمْو?لِهِمْ حَق