Advertisement

004 __كتاب المختصر في التفسير_



الكتاب: المختصر في تفسير القرآن الكريم
تصنيف: جماعة من علماء التفسير
إشراف: مركز تفسير للدراسات القرآنية
الطبعة: الثالثة، 1436 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126)
103 - فلما خضعا لله وانقادا له، وضع إبراهيم ابنه على جانب جبهته لينفذ ما أمر به من ذبحه.
104 - ونادينا إبراهيم وهو يَهُمُّ بتنفيذ أمر الله بذبح ابنه: أن يا إبراهيم.
105 - قد حققت الرؤيا التي رأيتها في منامك بعزمك على ذبح ابنك، إنا -كما جزيناك بتخليصك من هذه المحنة العظيمة- نجزي المحسنين فنخلصهم من المحن والشدائد.
106 - إن هذا لهو الاختبار الواضح، وقد نجح إبراهيم فيه.
107 - وفدينا إسماعيل بكبش عظيم بدلًا منه يذبح عنه.
108 - وأبقينا على إبراهيم ثناءً حسنًا في الأمم اللاحقة.
109 - تحية من الله له، ودعاءً بالسلامة من كل ضر وآفة.
110 - كما جازينا إبراهيم هذا الجزاء على طاعته نجازي المحسنين.
111 - إن إبراهيم من عبادنا المؤمنين الذين يفون بما تقتضيه العبودية لله.
112 - وبشرناه بولد آخر يصير نبيَّا وعبدًا صالحًا وهو إسحاق؛ جزاءً على طاعته لله في ذبح إسماعيل ولده الوحيد.
113 - وأنزلنا عليه وعلى ابنه إسحاق بركة منا، فأكثرنا لهما النعم، ومنها تكثير ولدهما، ومن ذريتهما محسن بطاعته لربه، ومنهم ظالم لنفسه بالكفر وارتكاب المعاصي واضح الظلم.
114 - ولقد مننا على موسى وأخيه هارون بالنبوة.
115 - وسلمناهما وقومهما بني إسرائيل من استعباد فرعون لهم ومن الغرق.
116 - ونصرناهم على فرعون وجنوده، فكانت الغلبة لهم على عدوهم.
117 - وأعطينا موسى وأخاه هارون التوراة كتابًا من عند الله واضحًا لا لبس فيه.
118 - وهدينا هما إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو طريق دين الإسلام الموصلة إلى مرضاة الخالق سبحانه.
119 - وأبقينا عليهما ثناءً حسنًا وذكرًا طيبًا في الأمم اللاحقة.
120 - تحية من الله طيبة لهما وثناءً عليهما ودعاءً بالسلامة من كل مكروه.
121 - إنا كما جازينا موسى وهارون هذا الجزاء الحسن نجزي المحسنين بطاعتهم لربهم.
122 - إن موسى وهارون من عبادنا المؤمنين بالله العاملين بما شرع لهم.
123 - وإن إلياس لمن المرسلين من ربه، أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة.
124 - إذ قال لقومه الذين أرسل إليهم من بني إسرائيل: يا قوم، ألا تتقون الله؛ بامتثال أوامره، ومنها التوحيد، وباجتناب نواهيه، ومنها الشرك؟!
125 - أتعبدون من دون الله صنمكم بَعْلًا، وتتركون عبادة الله أحسن الخالقين؟!
126 - والله هو ربكم الذي خلقكم، وخلق آباءكم من قبل، فهو المستحق للعبادة، لا غيره من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• قوله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} دليل على أن إبراهيم وإسماعيل عليه السلام كانا في غاية التسليم لأمر الله تعالى.
• من مقاصد الشرع تحرير العباد من عبودية البشر.
• الثناء الحسن والذكر الطيب من النعيم المعجل في الدنيا.
(1/450)

فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153)
127 - فما كان من قومه إلا أن كذبوه، وبسبب تكذيبهم فهم مُحْضرون في العذاب.
128 - إلا من كان من قومه مؤمنًا مخلصًا لله في عبادته؛ فإنه ناج من الإحضار إلى العذاب.
129 - وأبقينا عليه ثناءً حسنًا وذكرًا طيبًا في الأمم اللاحقة.
130 - تحية من الله وثناءً على إلياس.
131 - إنا كما جازينا إلياس هذا الجزاء الحسن نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين.
132 - إن إلياس من عبادنا المؤمنين حقًّا الصادقين في إيمانهم بربهم.
133 - وإن لوطًا لمن رسل الله الذين أرسلهم إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين.
134 - فاذكر حين سلمناه وأهله كلهم من العذاب المرسل على قومه.
135 - إلا زوجته، فقد كانت امرأة شملها عذاب قومها؛ لكونها كانت كافرة مثلهم.
136 - ثم أهلكنا الباقين من قومه ممن كذبوا به، ويصدقوا بما جاء به.
137 - وإنكم -يا أهل مكة- لتمرون على منازلهم فى أسفاركم إلى الشام في وقت الصباح.
138 - وتمرون عليها كذلك ليلًا، أفلا تعقلون، وتتعظون بما آل إليه أمرهم بعد تكذيبهم وكفرهم وارتكابهم الفاحشة التي لم يسبقوا إليها؟!
139 - وإن عبدنا يونس لمن رسل الله الذين أرسلهم إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين.
140 - حين فرَّ من قومه من غير إذن ربه، وركب سفينة مملوءة من الركاب والأمتعة.
141 - فأوشكت السفينة أن تغرق لامتلائها، فاقترع الركاب لِيُلْقُوا بعضهم؛ خوفًا من غرق السفينة بسبب كثرة الركاب، فكان يونس من هؤلاء المغلوبين، فألقوه في البحر.
142 - فلما ألقوه في البحر أخذه الحوت، وابتلعه، وهو آت بما يُلام عليه؛ لذهابه إلى البحر بغير إذن ربه.
143 - فلولا أن يونس كان من الذاكرين الله كثيرًا قبل ما حل به , ولولا تسبيحه في بطن الحوت.
144 - لمكث في بطن الحوت إلى يوم القيامة بحيث يصير له قبرًا.
145 - فألقيناه من بطن الحوت بأرض خالية من الشجر والبناء، وهو ضعيف البدن لمكثه مدَّة في بطن الحوت.
146 - وأنبتنا عليه في تلك الأرض الخالية شجرة من القرع يستظل بها ويأكل منها.
147 - وأرسلناه إلى قومه وعددهم مئة ألف، بل يزيدون.
148 - فآمنوا وصدقوا بما جاء به، فمتعهم الله في حياتهم الدنيا إلى أن انقضت آجالهم المحددة لهم.
149 - فاسأل -يا محمد- المشركين سؤال إنكار: أتجعلون لله البنات اللاتي تكرهونهن، وتجعلون لكم البنين الذين تحبونهم؟! أي قسمة هذه؟!
150 - كيف زعموا أن الملائكة إناث، وهم لم يحضروا خلقهم، وما شاهدوه؟!
151 - ألا إن المشركين من كذبهم على الله وافترائهم عليه.
152 - لينسبون له الولد، وإنهم لكاذبون في دعواهم هذه.
153 - هل اختار الله لنفسه البنات اللاتي تكرهونهن على البنين الذين تحبونهم؟! كلا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سُنَّة الله التي لا تتبدل ولا تتغير: إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين.
• ضرورة العظة والاعتبار بمصير الذين كذبوا الرسل حتى لا يحل بهم ما حل بغيرهم.
• جواز القُرْعة شرعًا لقوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ}.
(1/451)

مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)
154 - ما لكم -أيها المشركون- تحكمون هذا الحكم الجائر حيث تجعلون لله البنات، وتجعلون لكم البنين؟!
155 - أفلا تتذكرون بطلان ما أنتم عليه من هذا الاعتقاد الفاسد؟! فإنكم لو تذكرتم لما قلتم هذا القول.
156 - أم لكم حجة جلية وبرهان واضح من كتاب بذلك أو رسول؟!
157 - فأتُوا بكتابكم الذي يحمل لكم الحجة على هذا إن كنتم صادقين فيما تدعونه.
158 - وجعل المشركون بين الله وبين الملائكة المستورين عنهم نسبًا حين زعموا أن الملائكة بنات الله، ولقد علمت الملائكة أن الله سيحضر المشركين للحساب.
159 - تنزه الله وتقدس عما يصفه به المشركون مما لا يليق به سبحانه من الولد والشريك وغير ذلك.
160 - إلا عباد الله المخلصين؛ فإنهم لا يصفون الله إلا بما يليق به سبحانه من صفات الجلال والكمال.
161 - فإنكم أنتم -أيها المشركون- وما تعبدون من دون الله.
162 - لستم بمضلين من أحد عن دين الحق.
163 - إلا من قضى الله عليه أنه من أصحاب النار، فإن الله ينفذ فيه قضاءه فيكفر، ويدخل النار، أما أنتم ومعبوداتكم فلا قدرة لكم على ذلك.
164 - وقالت الملائكة مبينة عبوديتها لله، وبراءتها مما زعمه المشركون: وليس منا أحد إلا له مقام معلوم في عبادة الله وطاعته.
165 - 166 - وإنا- نحن الملائكة- لواقفون صفوفًا في عبادة الله وطاعته، وإنا لمنزهون الله عما لا يليق به من الصفات والنُّعوت.
167 - 170 - وإن المشركين من أهل مكة كانوا يقولون قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -: لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة مثلا؛ لأخلصنا لله العبادة، وهم كاذبون في ذلك، فقد جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن فكفروا به، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
171 - 173 - ولقد سبقت كلمتنا التي لا معقب لها ولا راد لرسلنا أنهم منصورون على أعدائهم بما منَّ الله عليهم به من الحجة والقوة، وأن الغلبة لجندنا الذين يقاتلون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا.
174 - فأعرض -أيها الرسول- عن هؤلاء المشركين المعاندين إلى مدة يعلمها الله حتى يأتي وقت عذابهم.
175 - وأنظرهم حين ينزل بهم العذاب، فسيبصرون هم حين لا ينفعهم إبصار.
176 - أفيستعجل هؤلاء المشركون بعذاب الله؟!
177 - فإذا نزل عذاب الله بهم فبئس الصباح صباحهم.
178 - وأعرض -أيها الرسول- عنهم حتى يقضي الله بعذابهم.
179 - وانظر فسينظر هؤلاء ما يحل بهم من عذاب الله وعقابه.
180 - تنزه ربك -يا محمد- رب القوة، وتقدس عما يصفه به المشركون من صفات النقص.
181 - وتحية الله وثناؤه على رسله الكرام.
182 - والثناء كله لله سبحانه وتعالى، فهو المستحق له، وهو رب العالمين جميعًا، لا رب لهم سواه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سُنَّة الله نصر المرسلين وورثتهم بالحجة والغلبة، وفي الآيات بشارة عظيمة؛ لمن اتصف بأنه من جند الله، أنه غالب منصور.
• في الآيات دليل على بيان عجز المشركين وعجز آلهتهم عن إضلال أحد، وبشارة لعباد الله المخلصين بأن الله بقدرته ينجيهم من إضلال الضالين المضلين.
(1/452)

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)
سورة ص
مكية

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر المخاصمة بالباطل وعاقبتها.


[التَّفْسِيرُ]
1 - {ص} تقدم الكلام على نظائرها من الحروف المقطعة في بداية سورة البقرة. أقسم بالقرآن المشتمل على تذكير الناس بما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، ليس الأمر كما يظنه المشركون من وجود شركاء مع الله.
2 - لكن الكافرين في حمية وتكبر عن توحيد الله، وفي خلاف مع محمد - صلى الله عليه وسلم - وعداوة له.
3 - كم أهلكنا من قبلهم من القرون التي كذبت برسلها فنادوا مستغيثين عند نزول العذاب عليهم، وليس الوقت وقت خلاص لهم من العذاب فتنفعهم الاستغاثة منه.
4 - وتعجبوا حين جاءهم رسول من أنفسهم يخوفهم من عذاب الله إن استمروا على كفرهم، وقال الكافرون حين شاهدوا البراهين على صدق ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -: هذا رجل ساحر يسحر الناس، كذاب فيما يدعيه من أنه رسول من الله يوحى إليه.
5 - أجعل هذا الرجل الآلهة المتعددة إلهًا واحدًا لا إله غيره؟! إن صنيعه هذا لغاية فى العجب.
6 - وانطلق أشرافهم وكبراؤهم قائلين لأتباعهم: امضوا على ما كنتم عليه، ولا تدخلوا في دين محمد، واثبتوا على عبادة آلهتكم، إن ما دعاكم إليه محمد من عبادة إله واحد شيء مُدَبِّر يريده هو ليعلو علينا ونكون له أتباعًا.
7 - ما سمعنا بما يدعونا إليه محمد من توحيد الله فيما وجدنا عليه آباءنا، ولا في ملة عيسى عليه السلام، وما ذلك الذي سمعناه منه إلا كذب وافتراء.
8 - أيصح أن ينزل عليه القرآن من بيننا، ويخص به، ولا ينزل علينا ونحن السادة الكبراء، بل هؤلاء المشركون في شك مما ينزل عليك من الوحي، ولمَّا يذوقوا عذاب الله، فاغتروا بإمهالهم، ولو ذاقوه لما تجاسروا على الكفر والشرك بالله والشك فيما يوحى إليك.
9 - أم عند هؤلاء المشركين المكذبين خزائن فضل ربك العزيز الذي لا يغالبه أحد، الذي يعطي ما يريد لمن يريد، ومن خزائن فضله النبوة، فيعطيها من يشاء، وليست هي لهم هُم حتى يمنحوها من شاؤوا ويمنعوها من أرادوا.
10 - أم لهم ملك السماوات وملك الأرض وملك ما فيهما؟ فيحق لهم أن يعطوا ويمنعوا؟ إن كان هذا زعمهم فليأخذوا بالأسباب الموصلة إلى السماء ليتمكنوا من الحكم بما أرادوا من منع أو إعطاء، ولن يستطيعوا ذلك.
11 - هؤلاء المكذبون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - جند مهزوم مثل من سبقه من الجنود التي كذبت رسلها.
12 - ليس هؤلاء المكذبون أول مكذب؛ فقد كذب قبلهم قوم نوح، وكذبت عاد، وكذب فرعون الذي كانت له أوتاد يعذب بها الناس.
13 - وكذبت ثمود، وكذب قوم لوط، وكذب قوم شعيب، أولئك هم الأحزاب الذين تحزبوا على تكذيب رسلهم والكفر بما جاؤوا به.
14 - ما كل أحد من هذه الأحزاب إلا وقع منه تكذيب الرسل، فحق عليهم عذاب الله وحل عليهم عقابه وإن تأخر إلى حين.
15 - وما ينتظر هؤلاء المكذبون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يُنْفَخ في الصور النفخة الثانية التي لا رجوع فيها، فيقع عليهم العذاب إن ماتوا على تكذيبهم به.
16 - وقالوا مستهزئين: يا ربنا، عجل لنا نصيبنا من العذاب في الحياة الدنيا قبل يوم القيامة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أقسم الله عز وجل بالقرآن العظيم، فالواجب تَلقِّيه بالإيمان والتصديق، والإقبال على استخراج معانيه.
• غلبت المقاييس المادية في أذهان المشركين برغبتهم نزول الوحي على السادة والكبراء.
• سبب إعراض الكفار عن الإيمان: التكبر والتجبر والاستعلاء عن اتباع الحق.
(1/453)

اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)
17 - اصبر -أيها الرسول- على ما يقوله هؤلاء المكذبون مما لا يرضيك، واذكر عبدنا داود صاحب القوة على مقارعة أعدائه والصبر على طاعة الله، إنه كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، والعمل بما يرضيه.
18 - إنا سخرنا الجبال مع داود يسبحن بتسبيحه إذا سبح آخر النهار وأوله عند الإشراق.
20 - وقوينا ملكه بما وهبناه من الهيبة والقوة والنصر على أعدائه، وأعطيناه النبوة والصواب في أموره، وأعطيناه البيان الشافي في كل قصد، والفصل في الكلام والحكم.
21 - وهل جاءك -أيها الرسول- خبر المتخاصمَيْن حين عَلَوَا على داود عليه السلام مكان عبادته.
22 - إذ دخلا على داود فجأة فارتاع من دخولهما عليه فجاة بهذه الطريقة غير المألوفة للدخول عليه، فلما تبين لهما ارتياعه قالا: لا تخف؛ فنحن خصمان ظلم أحدنا الآخر، فاحكم بيننا بالعدل، ولا تَجُرْ علينا إذا حكمت بيننا، وأرشدنا إلى سواء السبيل الذي هو سبيل الصواب.
23 - قال أحد الخصمين لداود عليه السلام: إن هذا الرجل أخي، له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة، فطلب مني أن أعطيه إياها، وغلبني في الحجة.
24 - فحكم داود بينهما وقال مخاطبًا صاحب الدعوى: لقد ظلمك أخوك حين سألك ضم نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيرًا من الشركاء ليعتدي بعضهم على بعض بأخذ حقه وعدم الإنصاف، إلا المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات فإنهم ينصفون شركاءهم ولا يظلمونهم، والمتصفون بذلك قليل، وأيقن داود عليه السلام أنما أوقعناه في فتنة بهذه الخصومة، فطلب المغفرة من ربه وسجد تقربًا إلى الله، وتاب إليه. وهذا مَثَلٌ ضربه الله لما وقع لداود من فتنة في المرأة.
25 - فاستجبنا له فغفرنا له ذلك، وإنه عندنا لمن المقربين، وله حُسْن مصير في الآخرة.
26 - يا داود، إنا صيَّرناك خليفة في الأرض تنفذ الأحكام والقضايا الدينية والدنيوية، فاقض بين الناس بالعدل، ولا تتبع الهوى في حكمك بين الناس؛ بأن تميل مع أحد الخصمين لقرابة أو صداقة أو تميل عنه لعداوة، فيضلك الهوى عن صراط الله المستقيم، إن الذين يضلون عن صراط الله المستقيم لهم عذاب قوي بسبب نسيانهم يوم الحساب؛ إذ لو كانوا يذكرونه ويخافون منه لما مالوا مع أهوائهم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان فضائل نبي الله داود وما اختصه الله به من الآيات.
• الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى؛ لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك، ولكن قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة بنسيان أو غفلة عن حكم، ولكن الله يتداركهم ويبادرهم بلطفه.
• استدل بعض العلماء بقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ} على مشروعية الشركة بين اثنين وأكثر.
• ينبغي التزام الأدب في الدخول على أهل الفضل والمكانة.
(1/454)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42)
27 - وما خلقنا السماء والأرض عبثًا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل لهؤلاء الكافرين الذين يظنون هذا الظن من عذاب النار يوم القيامة إذا ماتوا على ما هم عليه من الكفر وظن السوء بالله.
28 - لن نجعل الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله وعملوا الأعمال الصالحات مثل المفسدين في الأرض بالكفر والمعاصي، ولا نجعل المتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه مثل الكافرين والمنافقين المنغمسين في المعاصي، إن التسوية بينهما جَوْر لا يليق بالله سبحانه وتعالى، بل يجازي الله المؤمنين الأتقياء بدخول الجنة، ويعاقب الكافرين الأشقياء بدخول النار؛ لأنهم لا يستوون عند الله، فلا يستوي جزاؤهم عنده.
29 - إن هذا القرآن كتاب أنزلناه إليك كثير الخير والنفع، ليتدبر الناس آياته ويتفكروا في معانيها، وليتعظ به أصحاب العقول الراجحة النيرة.
30 - ووهبنا لداود ابنه سليمان إنعامًا منا عليه وتفضلًا لتقر عينه به، نعم العبد سليمان، إنه كثير التوبة والرجوع إلى الله والإنابة إليه.
31 - اذكر حين عرضت عليه عصرًا الخيول الأصيلة السريعة، تقف على ثلاث قوائم، وترفع الرابعة، فلم تزل تُعْرض عليه تلك الخيول الأصيلة حتى غربت الشمس.
32 - فقال سليمان: إني آثرت حب المال -ومنه هذه الخيل- على ذكر ربي حتى غابت الشمس وتأخرتُ عن صلاة العصر.
33 - ردوا علي هذه الخيل، فردوها عليه، فبدأ يضرب بالسيف سوقها وأعناقها.
34 - ولقد اختبرنا سليمان وألقينا على كرسي ملكه شيطانًا، متمثلًا بإنسان تصرف في ملكه مدة قصيرة ثم رجع لسليمان ملكه وسلَّطه على الشياطين.
35 - قال سليمان: يا رب، اغفر لي ذنوبي، وأعطني ملكًا خاصًّا بي، لا يكون لأحد من الناس بعدي، إنك -يا رب- كثير العطاء، عظيم الجود.
36 - فاستجبنا له وذللنا له الريح تنقاد بأمره لينة، لا زعزعة فيها مع قوتها وسرعة جريها، تحمله حيث أراد.
37 - وذللنا له الشياطين يأتمرون بأمره، فمنهم البناؤون، ومنهم الغواصون الذين يغوصون في البحار، فيستخرجون الدار منها.
38 - ومن الشياطين مردة سُخروا له، فهم موثقون في الأغلال لا يستطيعون التحرك.
39 - يا سليمان، هذا عطاؤنا الذي أعطيناكه استجابة لما طلبت منا، فأعط من شئت، وامنع من شئت، فلن تحاسب في إعطاء أو منع.
40 - وإن سليمان عندنا لمن المقربين، وله حُسْن مرجع يرجع إليه وهو الجنة.
41 - واذكر -أيها الرسول- عبدنا أيوب حين دعا الله ربه: أني أصابني الشيطان بأمر متعب معذب.
42 - فقلنا له: اضرب برجلك الأرض، فضرب برجله الأرض، فنبع له منها ماء يشرب منه ويغتسل، فيذهب ما به من الضر والأذى.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الحث على تدبر القرآن.
• في الآيات دليل على أنه بحسب سلامة القلب وفطنة الإنسان يحصل له التذكر والانتفاع بالقرآن الكريم.
• في الآيات دليل على صحة القاعدة المشهورة: "من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منها".
(1/455)

وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61)
43 - فاستجبنا له، فكشفنا ما به من ضر، وأعطيناه أهله، وزدناه عليهم مثلهم من البنين والحفدة رحمة منا به، وجزاءً له على صبره، وليتذكر أصحاب العقول الراجحة أن عاقبة الصبر الفرج والثواب.
44 - حين غضب أيوب على زوجته، فأقسم ليضربنها مئة جلدة، قلنا له: خذ -يا أيوب- بيدك حزمة شَمَاريخ فاضربها بها إبرارًا لقسمك، ولا تحنث في قسمك الذي أقسمته، فأخذ بحزمة شَمَاريخ فضربها بها، إنا وجدناه صابرًا على ما ابتليناه به، نعم العبد هو، إنه كثير الرجوع والإنابة إلى الله.
45 - واذكر -أيها الرسول- عبادنا الذين اصطفينا هم ورسلنا الذين أرسلناهم: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقد كانوا أصحاب قوة في طاعة الله وتلمَّس مرضاته، وكانوا أصحاب بصيرة في الحق صادقة.
46 - إنا مننا عليهم بخاصة اختصصناهم بها، وهي إعمار قلوبهم بذكر الدار الآخرة والاستعداد لها بالعمل الصالح ودعوة الناس إلى العمل لها.
47 - وإنهم عندنا لممن اصطفيناهم لطاعتنا وعبادتنا، واخترناهم لحمل رسالتنا وتبليغها للناس.
48 - واذكر -أيها النبي- إسماعيل بن إبراهيم، واذكر اليَسَعَ، واذكر ذا الكِفْل، وأثن عليهم بأحسن ثناء، فهم أهل له، وكل هؤلاء من المختارين عند الله المصطفَين.
49 - هذا ذكر لهؤلاء بالثناء الجميل في القرآن، وإن للمتقين بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه لمرجعًا حسنًا في الدار الآخرة.
50 - هذا المرجع الحسن هو جنات إقامة يدخلونها يوم القيامة، وقد فتحت لهم أبوابها احتفاء بهم.
51 - متكئين على الأرائك المزينة لهم، يطلبون من خدامهم أن يقدموا لهم ما يشتهونه من الفواكه الكثيرة المتنوعة، ومن الشراب مما يشتهونه من خمر وغيرها.
52 - وعندهم نساء قاصرات أطرافهن على أزواجهن، لا تتجاوزهم إلى غيرهم، وهن مستويات في السن.
53 - هذا ما توعدون -أيها المتقون- من الجزاء الطيب يوم القيامة على أعمالكم الصالحة التي كنتم تعملونها في الدنيا.
54 - إن هذا الذي ذكرنا من الجزاء لرزقنا نرزق به المتقين يوم القيامة، رزق مستمر، لا ينقطع ولا ينتهي.
55 - هذا الذي ذكرنا جزاء المتقين، وإن للمتجاوزين لحدود الله بالكفر والمعاصي لجزاء مغايرًا لجزاء المتقين، فلهم شر مرجع يرجعون إليه يوم القيامة.
56 - هذا الجزاء هو جهنم تحيط بهم، ويعانون حرها ولهيبها، لهم منها فراش، فبئس الفراش فراشهم.
57 - هذا العذاب ماء متناهي الحرارة، وصديد سائل من أجساد أصحاب النار المعذبين فيها، فليشربوه، فهو شرابهم الذي لا يروي من عطش.
58 - ولهم عذاب آخر من شكل هذا العذاب، فلهم عدة أصناف من العذاب يُعَذَّبون بها في الآخرة.
59 - وإذا دخل أهل النار وقع بينهم ما يقع بين الخصوم من الشتم، وتبرأ بعضهم من بعض، فيقول بعضهم: هذه طائفة من أهل النار داخلة النار معكم، فيجيبونهم: لا مرحبًا بهم إنهم مقاسون من عذاب النار مثل ما نقاسيه.
60 - قال فوج الأتباع لسادته المتبوعين: بل أنتم -أيها السادة المتبوعون- لا مرحبًا بكم، فأنتم من تسببتم لنا بهذا العذاب الأليم بإضلالكم لنا وإغوائكم، فبئس القرار هذا القرار، قرار الجميع الذي هو نار جهنم.
61 - قال الأتباع: يا ربنا، من أضلنا عن الهدى بعد إذ جاءنا فاجعل عذابه في النار عذابًا مضاعفًا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من صبر على الضر فالله تعالى يثيبه ثوابًا عاجلًا وآجلًا، ويستجيب دعاءه إذا دعاه.
• في الآيات دليل على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديبًا ضربًا غير مبرح؛ فأيوب عليه السلام حلف على ضرب امرأته ففعل.
(1/456)

وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)
62 - وقال المتكبرون الطغاة: ما لنا لا نرى معنا في النار رجالًا كنا نحسبهم في الدنيا من الأشقياء الذين يستحقون العذاب.
63 - أكانت سخريتنا واستهزاؤنا بهم خطأ فلم يستحقوا العذاب، أم أن استهزاءنا بهم كان صوابًا، وقد دخلوا النار، ولم تقع عليهم أبصارنا؟!
64 - إن ذلك الذى ذكرنا لكم من تخاصم الكفار بينهم يوم القيامة لحَقٌّ لا مرية فيه ولا ريب.
65 - قل -يا محمد- للكفار من قومك: إنما أنا منذر لكم من عذاب الله أن يوقعه عليكم بسبب كفركم به وتكذيبكم لرسله، وليس يوجد إله يستحق العبادة إلا الله سبحانه، فهو المنفرد في عظمته وصفاته وأسمائه، وهو القهار الذي قهر كل شيء، فكل شيء خاضع له.
66 - وهو رب السماوات ورب الأرض ورب ما بينهما، وهو العزيز في ملكه الذي لا يغالبه أحد، وهو الغفار لذنوب التائبين من عباده.
67 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين: إن القرآن خبر ذو شأن عظيم.
68 - أنتم عن هذا الخبر العظيم الشأن معرضون، لا تلتفتون إليه.
69 - ليس لي من علم بما كان يدور من حديث بين الملائكة بشأن خلق آدم، لولا أن الله أوحى إليَّ وعلَّمني.
70 - إنما يوحي الله إليَّ ما يوحيه لأني نذير لكم من عذابه بين النذارة.
71 - اذكر حين قال ربك للملائكة: إني خالق بشرًا من طين وهو آدم عليه السلام.
72 - فإذا سويَّت خلقه، وعدلت صورته، ونفخت فيه من روحي، فاسجدوا له.
73 - فامتثل الملائكة أمر ربهم، فسجدوا جميعهم سجود تكريم، ولم يبق منهم أحد إلا سجد لآدم.
74 - إلا إبليس تكبر عن السجود وكان بتكبره على أمر ربه من الكافرين.
75 - قال الله: يا إبليس، أي شيء منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي؟! أمنعك من السجود التكبر، أم كنت من قبل ذا تكبر وعلو على ربك؟!
76 - قال إبليس: أنا خير من آدم، فقد خلقتني من نار وخلقته من طين، وبزعمه أن النار أشرف عنصرًا من الطين.
77 - قال الله لإبليس: فاخرج من الجنة فإنك ملعون مشتوم.
78 - وإن عليك الطرد من الجنة إلى يوم الجزاء، وهو يوم القيامة.
79 - قال إبليس: فأمهلني ولا تمتني إلى يوم تبعث عبادك.
80 - قال الله: فإنك من المُمْهَلين.
81 - إلى يوم الوقت المعلوم المحدد لإهلاكك.
82 - قال إبليس: فأقسم بقدرتك وقهرك، لأضلنَّ بني آدم أجمعين.
83 - إلا من عصمته أنت من إضلالي وأخلصته لعبادتك وحدك.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• القياس والاجتهاد مع وجود النص الواضح مسلك باطل.
• كفر إبليس كفر عناد وتكبر.
• من أخلصهم الله لعبادته من الخلق لا سبيل للشيطان عليهم.
(1/457)

84 - قال الله تعالى: فالحق مني، والحق أقوله، لا أقول غيره.
85 - لأملأن يوم القيامة جهنم منك وممن تبعك في كفرك من بني آدم أجمعين.
86 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على ما أبلغكم من النصح من جزاء، وما أنا من المتكلفين بالإتيان بزيادة على ما أمرت به.
87 - ليس القرآن إلا تذكيرًا للمكلفين من الإنس والجنِّ.
88 - ولتعلمُنَّ خبر هذا القرآن، وأنه صادق بعد وقت قريب حين تموتون.
سورة الزمر
مَكيَّة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
الدعوة للتوحيد والإخلاص، ونبذ الشرك، وعاقبة كلٍّ في الآخرة.


[التَّفْسِيرُ]
1 - تنزيل القرآن من الله العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتدبيره وشرعه، ليس مُنزلًا من غيره سبحانه.
2 - إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن مشتملًا على الحق، فأخباره كلها صادقة وأحكامه جميعها عادلة، فاعبد الله موحدًا له، مخلصًا له التوحيد من الشرك.
3 - ألا لله الدين الخالي من الشرك، والذين اتخذوا من دون الله أولياء من الأوثان والطواغيت يعبدونهم من دون الله معتذرين عن عبادتهم لهم بقولهم: ما نعبد هؤلاء إلا ليقربونا إلى الله منزلة، ويرفعوا حوائجنا إليه، ويشفعوا لنا عنده؛ إن الله يحكم بين المؤمنين الموحدين وبين الكافرين المشركين يوم القيامة، فيما كانوا فيه يختلفون من التوحيد، إن الله لا يوفِّق للهداية إلى الحق من هو كاذب على الله ينسب له الشريك، كفور بنعم الله عليه.
4 - لو أراد الله اتخاذ ولد لاختار من خلقه ما يشاء، فجعله بمنزلة الولد، تنزه وتقدس عما يقوله هؤلاء المشركون، هو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا شريك له فيها، القهار لجميع خلقه.

5 - خلق السماوات والأرض لحكمة بالغة، لا عبثًا كما يقول الظالمون، يدخل الليل على النهار، ويدخل النهار على الليل، فإذا جاء أحدهما غاب الآخر، وذَلَّل الشمس، وذَلَّل القمر، كل منهما يجري لوقت مُقَدَّر هو انقضاء هذه الحياة، ألا هو سبحانه العزيز الذي ينتقم من أعدائه، ولا يغالبه أحد، الغفار لذنوب من تاب من عباده.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الداعي إلى الله يحتسب الأجر من عنده، لا يريد من الناس أجرًا على ما يدعوهم إليه من الحق.
• التكلُّف ليس من الدين.
• التوسل إلى الله يكون بأسمائه وصفاته وبالإيمان وبالعمل الصالح لا غير.
(1/458)

خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)
6 - خلقكم ربكم -أيها الناس- من نفس واحدة هي آدم، ثم خلق من آدم زوجه حواء، وخلق لكم من الإبل والبقر والضأن والمعز ثمانية أنواع، من كل صنف خلق ذكرًا وأنثى، ينشئكم سبحانه في بطون أمهاتكم طورًا بعد طور في ظلمات البطن والرحم والمَشِيمة، ذلكم الذي يخلق ذلك كله هو الله ربكم، له وحده الملك، لا معبود بحق غيره، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة من لا يخلق شيئًا وهم يخلقون؟!
7 - إن تكفروا -أيها الناس- بربكم فإن الله غني عن إيمانكم، ولا يضرُّه كفركم، وإنما ضرر كفركم عائد إليكم، ولا يرضى لعباده أن يكفروا به، ولا يأمرهم بالكفر؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر، وإن تشكروا الله على نعمه وتؤمنوا به يَرْضَ شكركم، ويثبكم عليه، ولا تحمل نفس ذنب نفس أخرى, بل كل نفس بما كسبت رهينة، ثم إلى ربكم وحده مرجعكم يوم القيامة، فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، ويجازيكم على أعمالكم، إنه سبحانه عليم بما في قلوب عباده، لا يخفى عليه شيء مما فيها.
8 - وإذا أصاب الكافرَ ضُرٌّ من مرض وفَقْد مال وخوف غرق دعا ربه سبحانه أن يكشف عنه ما به من ضُرٍّ راجعًا إليه وحده، ثم إذا أعطاه نعمة بأن كشف عنه الضر الذي أصابه ترك من كان يتضرع إليه من قبل وهو الله، وجعل لله شركاء يعبدهم من دونه ليحرف غيره عن طريق الله الموصل إليه، قل -أيها الرسول- لمن هذه حالة: استمتع بكفرك بقية عمرك، وهو زمن قليل، فإنك من أصحاب النار الملازمين لها يوم القيامة ملازمة الصاحب صاحبه.
9 - أم من هو مطيع لله يقضي أوقات الليل ساجدًا لربه وقائمًا له، يخاف عذاب الآخرة، ويأمل رحمة ربه خيرٌ، أم ذلك الكافر الذي يعبد الله في الشدة ويكفر به في الرخاء، ويجعل مع الله شركاء؟! قل -أيها الرسول-: هل يستوي الذين يعلمون ما أوجب الله عليهم بسبب معرفتهم بالله وأولئك الذين لا يعلمون شيئًا من هذا؟! إنما يعرف الفرق بين هذين الفريقين أصحاب العقول السليمة.
10 - قل -أيها الرسول- لعبادي الذين آمنوا بي وبرسلي: اتقوا ربكم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، للذين أحسنوا منكم العمل في الدنيا حسنة في الدنيا بالنصر والصحة والمال، وفي الآخرة بالجنة، وأرض الله واسعة، فهاجروا فيها حتى تجدوا مكانًا تعبدون الله فيه، لا يمنعكم مانع، إنما يُعْطَى الصابرون ثوابهم يوم القيامة دون عدٍّ ولا مقدار لكثرته وتنوعه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• رعاية الله للإنسان في بطن أمه.
• ثبوت صفة الغنى وصفة الرضا لله.
• تعرَّف الكافر إلى الله في الشدة وتنكَّره له في الرخاء، دليل على تخبطه واضطرابه.
• الخوف والرجاء صفتان من صفات أهل الإيمان.
(1/459)

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21)
11 - قل -أيها الرسول-: إني أمرني الله أن أعبده وحده مخلصًا له العبادة.
12 - وأمرني أن أكون أول من أسلم له وانقاد من هذه الأمة.
13 - قل -أيها الرسول-: إني أخاف إن عصيت الله ولم أطعه عذاب يوم عظيم، وهو يوم القيامة.
14 - قل -أيها الرسول-: إني أعبد الله وحده مخلصًا له العبادة، لا أعبد معه غيره.
15 - فاعبدوا أنتم -أيها المشركون- ما شئتم من دونه من الأوثان (والأمر للتهديد)، قل -أيها الرسول-: إن الخاسرين حقًّا هم الذين خسروا أنفسهم، وخسروا أهليهم، فلم يلقوهم لمفارقتهم لهم بانفرادهم بدخول الجنة، أو بدخولهم معهم النار، فلن يلتقوا أبدًا، ألا ذلك حقا هو الخسران الواضح الذي لا لبس فيه.
16 - لهم من فوقهم دخان ولهب وحر، ومن تحتهم دخان ولهب وحر، ذلك المذكور من العذاب يخوِّف الله به عباده، يا عبادي، فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب نواهيَّ.
ولما ذكر الله أحوال المجرمين، ذكر أحوال عباده الصالحين فقال:

17 - والذين اجتنبوا عبادة الأوثان، وكل ما يُعبد من دون الله، ورجعوا إلى الله بالتوبة؛ لهم البشرى بالجنة عند الموت، وفي القبر، ويوم القيامة، فبشر -أيها الرسول- عبادي.
18 - الذين يستمعون القول ويميزون بين الحسن منه والقبيح، فيتبعون أحسن القول لما فيه من النفع، أولئك المتصفون بتلك الصفات هم الذين وفقهم الله للهداية، وأولئك هم أصحاب العقول السليمة.
19 - من وجبت عليه كلمة العذاب لاستمراره في كفره وضلاله، فلا حيلة لك -أيها الرسول- في هدايته، وتوفيقه، أفأنت -أيها الرسول- تستطيع إنقاذ من هذه صفته من النار؟!
20 - لكن الذين اتقوا ربهم؛ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لهم منازل عالية، بعضها فوق بعض، تجري من تحتها الأنهار، وعدهم الله بذلك وعدًا، والله لا يخلف الميعاد.
21 - إنكم تعلمون بالمشاهدة أن الله أنزل من السماء ماء المطر، فأدخله في عيونٍ ومجارٍ، ثم يخرج بهذا الماء زرعًا مختلف الألوان، ثم ييبس الزرع، فتراه -أيها المشاهد- مُصْفَرَّ اللون بعد أن كان مُخْضَرًّا، ثم يجعله بعد يبسه متكسِّرًا متهشمًا، إن في ذلك المذكور لتذكيرًا لأصحاب القلوب الحية.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إخلاص العبادة لله شرط في قبولها.
• المعاصي توجب عذاب الله وغضبه.
• هداية التوفيق إلى الإيمان بيد الله، وليست بيد الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(1/460)

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (25) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (26) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)
22 - أفمن شرح الله صدره للإسلام، فاهتدى إليه، فهو على بصيرة من ربه، مثل من قسا قلبه عن ذكر الله؟! لا يستويان أبدًا، فالنجاة للمهتدين، والخسران لمن قست قلوبهم عن ذكر الله، أولئك في ضلال واضح عن الحق.
23 - الله نزَّل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - القرآن الذي هو أحسن حديث، أنزله متشابهًا يشبه بعضه بعضًا في الصدق والحسن والائتلاف وعدم الخلاف، تتعدد فيه القصص والأحكام، الوعد والوعيد، وصفات أهل الحق، وصفات أهل الباطل وغير ذلك، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم إذا سمعوا ما فيه من الوعيد والتهديد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله إذا سمعوا ما فيه من الرجاء والبشارات، ذلك المذكور من القرآن وتأثيره هداية الله يهدي بها من يشاء، ومن يخذله الله، ولم يوفقه للهداية، فليس له من هاد يهديه.
24 - أيستوى هذا الذي هداه ووفقه في الدنيا وأدخله الجنة في الآخرة، ومن كفر ومات على كفره فأدخله النار مغلول اليدين والرجلين، لا يستطيع أن يتقي النار إلا بوجهه المُكَب عليه؟! وقيل للظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي على سبيل التوبيخ: ذوقوا ما كنتم تكسبون من الكفر والمعاصي، فهذا جزاؤكم.
25 - كذبت الأمم التي كانت قبل هؤلاء المشركين، فجاءهم العذاب فجأة من حيث لا يُحسُّون به فيستعدون له بالتوبة.
26 - فأذاقهم الله بذلك العذاب الخزي والعار والفضيحة في الحياة الدنيا، وإن عذابَ الآخرة الذي ينتظرهم أعظم وأشدَّ لو كانوا يعلمون.
27 - ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - أنواع الأمثال في الخير والشر، والحق والباطل، والإيمان والكفر وغير ذلك؛ رجاء أن يعتبروا بما ضربناه منها، فيعملوا بالحق، ويتركوا الباطل.
28 - جعلناه قرآنا بلسان عربي، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لَبْس، رجاء أن يتقوا الله؛ باتباع أوامره واجتناب نواهيه.
29 - ضرب الله مثلًا للمشرك والموحد رجلًا مملوكًا لشركاء متنازعين؛ إن أرضى بعضهم أغضب بعضًا، فهو في حيرة واضطراب، ورجلًا خالصًا لرجل، وحده يملكه، ويعرف مراده فهو في طمأنينة وهدوء بال، لا يستوي هذان الرجلان. الحمد لله، بل معظمهم لا يعلمون، فلذلك يشركون مع الله غيره.
30 - إنك -أيها الرسول- ميت، وإنهم ميتون لا محالة.
31 - ثم إنكم -أيها الناس- يوم القيامة عند ربكم تختصمون فيما تتنازعون فيه، فيتبيَّن المحق من المبطل.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أهل الإيمان والتقوى هم الذين يخشعون لسماع القرآن، وأهل المعاصي والخذلان هم الذين لا ينتفعون به.
• التكذيب بما جاءت به الرسل سبب نزول العذاب إما في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معًا.
• لم يترك القرآن شيئًا من أمر الدنيا والآخرة إلا بيَّنه، إما إجمالًا أو تفصيلًا، وضرب له الأمثال.
(1/461)

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (37) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40)
32 - ولا أحد أظلم ممن نسب إلى الله ما لا يليق به؛ من الشريك والزوجة والولد، ولا أحد أظلم ممن كذَّب بالوحي الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أليس في النار مأوى ومسكن للكافرين بالله، وبما جاء به رسوله؟! بلى، إن لهم لمأوى ومسكنًا فيها.
ولما ذكر الله الكاذب المكذِّب ذكر الصادق المُصَدِّق، فقال:

33 - والذي جاء بالصدق في أقواله وأفعاله من الأنبياء وغيرهم، وصدَّق به مؤمنًا، وعمل بمقتضاه، أولئك هم المتقون حقًّا، الذين يمتثلون أمر ربهم، ويجتنبون نهيه.
34 - لهم ما يشاؤون عند ربهم من الملذات الدائمة، ذلك جزاء المحسنين أعمالهم مع خالقهم ومع عبيده.
35 - ليمحو الله عنهم أسوأ الذي كانوا يعملونه من المعاصي في الدنيا؛ لتوبتهم منها، وإنابتهم إلى ربهم، ويجزيهم ثوابهم بأحسن ما كانوا يعملون من الصالحات.
36 - أليس الله بكافٍ عبده محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أَمْر دينه ودنيا دافِع عدوَّه عنه؟! بلى، إنه لكافيه، ويخوفونك -أيها الرسول- من جهلهم وسفاهتهم، من الأصنام التي يعبدونها من دون الله أن تنالك بسوء، ومن يخذله الله ولم يوفقه للهداية فما له من هاد يهديه ويوفقه.
37 - ومن يوفقه الله للهداية فلا مضلَّ يستطيع إضلاله، أليس الله بعزيز لا يغالبه أحد، ذي انتقام ممن يكفر به ويعصيه؟! بلى إنه لعزيز ذو انتقام.
38 - ولئن سألت -أيها الرسول- هؤلاء المشركين: من خلق السماوات والأرض؟ ليقولنَّ: خلقهن الله، قل لهم إظهارًا لعجز آلهتهم: أخبروني عن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، إن أراد الله أن يصيبني بضرٍّ هل تملك إزالة ضرِّه عني؟! أو إن أراد ربي أن يمنحني رحمة منه هل تستطيع منع رحمته عني؟! قل لهم: حسبي الله، عليه اعتمدت في أموري كلها، وعليه وحده يعتمد المتوكلون.
39 - قل -أيها الرسول-: يا قومي، اعملوا على الحالة التي ارتضيتموها من الشرك بالله، إني عامل على ما أمرني ربي به؛ من الدعوة إلى توحيده، وإخلاص العبادة له، فسوت تعلمون عاقبة كل مسلك.
40 - سوف تعلمون من يأتيه عذاب في الدنيا يذله ويهينه، وينزل عليه في الآخرة عذاب مقيم، ينقطع، ولا يزول.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عظم خطورة الافتراء على الله ونسبة ما لا يليق به أو بشرعه له سبحانه.
• ثبوت حفظ الله للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يصيبه أعداؤه بسوء.
• الإقرار بتوحيد الربوبية فقط بغير توحيد الألوهية، لا ينجي صاحبه من عذاب النار.
(1/462)

إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47)
41 - إنا أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن للناس بالحق لتنذرهم، فمن اهتدى فإنما نفْع هدايته لنفسه، فالله لا تنفعه هدايته؛ لأنه غني عنها، ومن ضل فإنما ضرر ضلاله على نفسه، فالله سبحانه لا يضره ضلاله، ولست عليهم موكلًا لتجبرهم على الهداية، فما عليك إلا تبليغهم ما أمرت بتبليغه.
42 - الله الذي يقبض الأرواح عند نهاية آجالها، ويقبض الأرواح التي لم تَنْقَضِ آجالها عند النوم، فيمسك التي حكم عليها بالموت، ويرسل التي لم يحكم عليها به إلى أمد محدد في علمه سبحانه، إن في ذلك القبض والإرسال والإماتة والإحياء لدلائل لقوم يتفكرون على أن الذي يفعل ذلك قادر على بعث الناس بعد موتهم للحساب والجزاء.
43 - لقد اتخذ المشركون من أصنامهم شفعاء يرجون عندهم النفع من دون الله، قل لهم -أيها الرسول-: أتتخذونهم شفعاء حتى لو كانوا لا يملكون لكم ولا لأنفسهم شيئًا، ولا يعقلون؛ فهم جمادات صماء لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر؟!
44 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لله وحده الشفاعة كلها، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يشفع إلا لمن ارتضى، له وحده ملك السماوات وملك الأرض، ثم إليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء، فيجازيكم على أعمالكم.
45 - وإذا ذُكِر الله وحده نفرت قلوب المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من بعث وحساب وجزاء، وإذا ذُكِرت الأصنام التي يعبدونها من دون الله إذا هم مسرورون فرحون.
46 - قل -أيها الرسول-: اللَّهُمَّ خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، عالم ما غاب وما حضر، لا يخفى عليك شيء من ذلك، أنت وحدك تفصل بين عبادك يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، فتبين المحق والمبطل، والسعيد والشقي.
47 - ولو أن للذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي ما في الأرض من نفائس وأموال؛ لافتدوا به من العذاب الشديد الذي شاهدوه بعد بعثهم، لكن ليس لهم ذلك، ولو فُرِض أنه لهم لم يُقْبل منهم، وظهر لهم من الله من صنوف العذاب ما لم يكونوا يتوقعونه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• النوم والاستيقاظ درسان يوميان للتعريف بالموت والبعث.
• إذا ذُكِر الله وحده عند الكفار أصابهم ضيق وهم؛ لأنهم يتذكرون ما أمر به وما نهى عنه وهم معرضون عن هذا كله.
• افتداء الكافر يوم القيامة نفسه بكل ما يملك مع بخله به في الدنيا، ولن يُقْبل منه.
(1/463)

وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48) فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)
48 - وظهر لهم سيئات ما كسبوه من الشرك والمعاصي، وأحاط بهم العذاب الذي كانوا إذا خُوِّفوا منه في الدنيا يستهزئون به.
49 - فإذا أصاب الإنسان الكافر مرض أو فقر ونحوه دعانا لنكشف عنه ما أصابه من ذلك، ثم إذا أعطيناه نعمة من صحة أو مال قال الكافر: إنما أعطاني الله ذلك لعلمه بأني أستحقُّه، والصحيح أنه ابتلاء واستدراج، ولكنَّ معظم الكافرين لا يعلمون ذلك؛ فيغترون بما أنعم الله به عليهم.
50 - قد قال هذا القول الكفار من قلبهم، فما أغنى عنهم ما كانو يكسبون من الأموال والمنزلة شيئًا.
51 - فأصابهم جزاء سيئات ما كسبوا من الشرك والمعاصي، والذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي من هؤلاء الحاضرين سيصيبهم جزاء سيئات ما كسبوا مثل الماضين، ولن يفوتوا الله ولن يغلبوه.
52 - أقال هؤلاء المشركون ما قالوا، ولم يعلموا أن الله يوسع الرزق على من يشاء ابتلاء له: أيشكر أم يكفر؟! ويضيِّقه على من يشاء اختبارًا له: أيصبر أم يتسخط على قدر الله؟! إن في ذلك المذكور من توسيع الرزق وتضييقه لدلالات على تدبير الله لقوم يؤمنون؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالدلالات، وأما الكفار فهم يمرون عليها وهم عنها معرضون.
53 - قل -أيها الرسول- لعبادي الذين تجاوزوا الحد على أنفسهم بالشرك بالله وارتكاب المعاصي: لا تَيْئَسُوا من رحمة الله، ومن مغفرته لذنوبكم، إن الله يغفر الذنوب كلها لمن تاب إليه، إنه هو الغفور لذنوب التائبين، الرحيم بهم.
54 - وارجعوا إلى ربكم بالتوبة والأعمال الصالحة، وانقادوا له، من قبل أن يأتيكم العذاب يوم القيامة ثم لا تجدون من أصنامكم أو أهليكم من ينصركم بإنقاذكم من العذاب.
55 - واتبعوا القرآن الذي هو أحسن ما أنزله ربكم على رسوله، عملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه، من قبل أن يأتيكم العذاب فجاة وأنتم لا تحسُّون به فتستعدُّوا له بالتوبة.
56 - افعلوا ذلك حذر أن تقول نفس من شدة الندم يوم القيامة: يا ندمها على تفريطها في جنب الله بما كانت عليه من الكفر والمعاصي، وعلى أنها كانت تسخر من أهل الإيمان والطاعة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• النعمة على الكافر استدراج.
• سعة رحمة الله بخلقه.
• الندم النافع هو ما كان في الدنيا، وتبعته توبة نصوح.
(1/464)

أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)
57 - أو تحتج بالقدر، فتقول: لو أن الله وفَّقني لكنت من المتقين له؛ أمتثل أوامره، وأجتنب نواهيه.
58 - أو تقول حين تشاهد العذاب مُتَمنِّية: لو أن لي رجعة إلى الدنيا فأتوب إلى الله، وأكون من المحسنين في أعمالهم.
59 - ليس الأمر كما زَعَمْتَ من تمني الهداية، فقد جاءتكَ آياتي فكذبتَ بها وتكبرتَ، وكنتَ من الكافرين بالله وبآياته ورسله.
60 - ويوم القيامة تشاهد الذين كذبوا على الله بنسبة الشريك والولد إليه وجوههم مسودة؛ علامة على شقائهم، أليس في جهنم مقرٌّ للمتكبرين على الإيمان بالله ورسله؟! بلى، إن فيها لمقرًّا لهم.
61 - ويُسلِّم الله الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من العذاب بإدخالهم مكان فوزهم وهو الجنة، يمسُّهم العذاب، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الحظوظ الدنيوية.
62 - الله خالق كل شيء، فلا خالق غيره، وهو على كل شيء حفيظ، يدبر أمره، ويصرفه كيف يشاء.
63 - له وحده مفاتيح خزائن الخيرات في السماوات والأرض، يمنحها من يشاء، ويمنعها ممن يشاء، والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون؛ لحرمانهم من الإيمان في حياتهم الدنيا، ولدخولهم النار خالدين فيها في الآخرة.
64 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين الذين يراودونك أن تعبد أوثانهم: أتأمرونني -أيها الجاهلون بربكم- أن أعبد غير الله؟! لا يستحق العبادة إلا الله ? فلن أعبد غيره.
65 - ولقد أوحى الله إليك -أيها الرسول- وأوحى إلى الرسل من قبلك: لئن عبدت مع الله كيره ليبطلنَّ ثواب عملك الصالح، ولتكوننَّ من الخاسرين في الدنيا بخسران دينك، وفي الآخرة بالعذاب.
66 - بل اعبُدِ الله ولا تشرك به أحدًا، وكن من الشاكرين له على نعمه التي أنعم بها عليك.
67 - وما عظَّم المشركون الله حق تعظيمه حين أشركوا به غيره من مخلوقاته الضعيفة العاجزة، وغفلوا عن قدرة الله التي من مظاهرها أن الأرض بما فيها من جبال وأشجار وأنهار وبحار يوم القيامة في قبضته، وأن السماوات السبع كلها مطويات بيمينه، تَنَزَّه وتقدس وتعالى عما يقوله ويعتقده المشركون.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الكِبْر خلق ذميم مشؤوم يمنع من الوصول إلى الحق.
• سواد الوجوه يوم القيامة علامة شقاء أصحابها.
• الشرك محبط لكل الأعمال الصالحة.
• ثبوت القبضة واليمين لله سبحانه دون تشبيه ولا تمثيل.
(1/465)

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)
68 - يوم ينفخ المَلَك الموكل بالنفخ في القرن، يموا كل من في السماوات ومن في الأرض، ثم ينفخ فيه المَلَك مرة ثانية للبعث، فإذا جميع الأحياء قائمون ينظرون ما الله فاعل بهم.
69 - وأضاءت الأرض لما تجلَّى رب العزة للفصل بين العباد. ونُشِرت صحف أعمال الناس، وجيء بالأنبياء، وجيء بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لتشهد للأنبياء على أقوامهم، وحكم الله بين جميعهم بالعدل وهم لا يُظْلمون في ذلك اليوم، فلا يزاد إنسان سيئة، ولا ينقص حسنة.
70 - وأكمل الله جزاء كل نفس، خيرًا كان عملها أو شرًّا، والله أعلم بما يفعلون، لا يخفى عليه من أفعالهم خيرها وشرها شيء، وسيجازيهم في هذا اليوم على أعمالهم.
71 - وساق الملائكةُ الكافرين بالله إلى جهنم جماعات ذليلة، حتى إذا جاؤوا جهنم فتحت لهم خزنتها من الملائكة الموكلين بها أبوابها، واستقبلوهم بالتوبيخ قائلين لهم: ألم يأتكم رسل من جنسكم يقرؤون عليكم آيات ربكم المنزلة عليهم، ويخوفونكم لقاء يوم القيامة؛ لما فيه من عذاب شديد؟! قال الذين كفروا مُقِرِّين على أنفسهم: بلى، قد حصل كل ذلك، ولكن وجبت كلمة العذاب على الكافرين، ونحن كنا كافرين.
72 - قيل لهم إهانةً لهم وتيئيسًا من رحمة الله، ومن الخروج من النار: ادخلوا أبواب جهنم ماكثين فيها أبدًا، فساء وقبح مقر المتكبرين المتعالين على الحق.
73 - وساق الملائكةُ برِفْقٍ المؤمنين الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه إلى الجنة جماعات مكرمة، حتى إذا جاؤوا الجنة فتحت لهم أبوابها، وقال لهم الملائكة الموكلون بها: سلام عليكم من كل ضرٍّ ومن كل ما تكرهونه، طابت قلوبكم وأعمالكم، فادخلوا الجنة ماكثين فيها أبدًا.
74 - وقال المؤمنون لما دخلوا الجنة: الحمد لله الذي صدقنا وعده الذي وعدناه على ألسنة رسله، فقد وعدنا بأن يدخلنا الجنة، وأورثنا أرض الجنة، ننزل منها المكان الذي نشاء أن ننزله، فنعم أجر العاملين الذين يعملون الأعمال الصالحة ابتغاء وجه ربهم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ثبوت النفختين.
• بيان الإهانة التي يتلقاها الكفار، والإكرام الذي يُسْتَقبل به المؤمنون.
• ثبوت خلود الكفار في الجحيم، وخلود المؤمنين في النعيم.
• طيب العمل يورث طيب الجزاء.
(1/466)

ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75)
75 - ويكون الملائكة في هذا اليوم المشهود محيطين بالعرش، ينزهون الله عما لا يليق به مما يقوله الكفار، وقضى الله بين جميع الخلائق بالعدل، فأكرم من أكرم، وعذب من عذب، وقيل: الحمد لله رب المخلوقات على حكمه بما حكم به من رحمة لعباده المؤمنين، ومن عذاب لعباده الكافرين.
سورة غافر
مَكيَّة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
معالجة المجادلين في آيات الله بمحاورتهم ودعوتهم للرجوع إلى الحق.


[التَّفْسِيرُ]
1 - {حم} تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
2 - تنزيل القرآن المنزل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - من الله العزيز الذي لا يغلبه أحد العليم بمصالح عباده.
3 - غافر ذنوب المذنبين، قابل توبة من تاب إليه من عباده، شديد العقاب لمن لم يتب من ذنوبه، ذي الإحسان والتفضل، لا معبود بحق غيره، إليه وحده مرجع العباد يوم القيامة، فيجازيهم بما يستحقون.
4 - ما يخاصم في آيات الله الدالة على توحيده وصدق رسله إلا الذين كفروا بالله لفساد عقولهم، فلا تحزن عليهم، ولا يغررك ما هم فيه من بسط الرزق والنعم، فإمهالهم استدراج لهم ومكر بهم.
5 - كذَّب قبل هؤلاء قوم نوح، وكذبت قبلهم الأحزاب بعد قوم نوح، فكذبت عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مَدْين، وكذَّب فرعون، وهمَّت كل أمة من الأمم برسولها لتأخذه فتقتله، وجادلوا بما عندهم من الباطل ليزيلوا به الحق، فأخذت تلك الأمم كلها، فتأمل كيف كان عقابي لهم، فقد كان عقابًا شديدًا.

6 - وكما حكم الله بإهلاك تلك الأمم المكذبة، وجبت كلمة ربك -أيها الرسول- على الذين كفروا أنهم أصحاب النار.
7 - الملائكة الذين يحملون عرش ربك -أيها الرسول- والذين هم من حوله، ينزهون ربهم عما لا يليق به، ويؤمنون به، ويطلبون المغفرة للذين آمنوا بالله، قائلين في دعائهم: ربنا، وسع علمك ورحمتك كل شيء، فاغفر للذين تابوا من ذنوبهم، واتبعوا دينك، واحفظهم من النار أن تمسهم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجمع بين الترغيب في رحمة الله، والترهيب من شدة عقابه: مسلك حسن.
• الثناء على الله بتوحيده والتسبيح بحمده أدب من آداب الدعاء.
• كرامة المؤمن عند الله؛ حيث سخر له الملائكة يستغفرون له.
(1/467)

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)
8 - وتقول الملائكة: ربنا وأدخل المؤمنين جنات الخلد التي وعدتهم أن تدخلهم فيها، وأدخل معهم من صلح عمله من آبائهم وأزواجهم وأولادهم، إنك أنت العزيز الذي لا يغلبك أحد، الحكيم في تقديرك وتدبيرك.
9 - واحفظهم من سيئات أعمالهم فلا تعذبهم بها، ومن تحفظه يوم القيامة من العقاب على سيئات أعماله فقد رحمته، تلك الوقاية من العذاب، والرحمة بدخول الجنة؛ هي الفوز العظيم الذي لا يدانيه فوز.
10 - إن الذين كفروا بالله وبرسله ينادون يوم القيامة عندما يدخلون النار ويمقتون أنفسهم ويلعنونها: لَشدة بُغض الله لكم أعظم من شدة بغضكم لأنفسكم حين كنتم تُدعون في الدنيا إلى الإيمان بالله فتكفرون به، وتتخذون معه آلهة.
11 - والكفار مُقِرِّين بذنوبهم حين لا ينفع إقرارهم ولا توبتهم: ربنا، أمتَّنا مرتين حيث كنا عدمًا فأوجدتنا، ثم أمَتَّنا بعد ذلك الإيجاد، وأحييتنا مرتين بإيجادنا من العدم، وبإحيائنا للبعث، فاعترفنا بذنوبنا التي اكتسبناها، فهل من طريق نسلكه إلى خروج من النار فنعود إلى الحياة لنصلح أعمالنا، فترضى عنا؟!
12 - ذلكم العذاب الذي عذبتم به هو بسبب أنكم كنتم إذا دعي الله وحده ولم يشرَك به أحد كفرتم به وجعلتم له شركاء، وإذا عُبد مع الله شريك آمنتم، فالحكم لله وحده، العلي بذاته وقدره وقهره، الكبير الذي كل شيء دونه.
13 - الله هو الذي يريكم آياته في الآفاق والأنفس؛ لتدلُّكم على قدرته ووحدانيته، وينزل لكم من السماء ماء المطر ليكون سببًا لما ترزقون به من النبات والزروع وغيرهما , وما يتَّعظ بآيات الله إلا من يرجع إليه تائبًا مخلصًا.
14 - فادعوا الله -أيها المؤمنون- مخلصين له في الطاعة والدعاء، غير مشركين به، ولو كره الكافرون ذلك وأغضبهم.
15 - فهو أهل لأن يُخْلَص له الدعاء والطاعة، فهو رفيع الدرجات مباين لجميع خلقه، وهو رب العرش العظيم، ينزل الوحي على من يشاء من عباده ليَحْيَوا هم ويُحْيُوا غيرهم، وليخؤفوا الناس من يوم القيامة الذي يتلاقى فيه الأولون والآخرون.
16 - يوم هم ظاهرون قد اجتمعوا في صعيد واحد، لا يخفى على الله منهم شيء، لا من ذواتهم ولا أعمالهم ولا جزائهم، يسأل: لمن الملك اليوم؟! ليس الآن إلَّا جواب واحد؛ الملك لله الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، القهار الذي قهر كل شيء، وخضع له كل شيء.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مَحَلُّ قبول التوبة الحياة الدنيا.
• نفع الموعظة خاص بالمنيبين إلى ربهم.
• استقامة المؤمن لا تؤثر فيها مواقف الكفار الرافضة لدينه.
• خضوع الجبابرة والظلمة من الملوك لله يوم القيامة.
(1/468)

الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25)
17 - اليوم تُجْزَى كل نفس بما كسبته من عمل، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر ظلم في هذا اليوم؛ لأن الحاكم هو الله العدل، إن الله سريع الحساب لعباده؛ لإحاطة علمه بهم.
18 - وخوِّفهم -أيها الرسول- يوم القيامة، هذهِ القيامة التي اقتربت، فهي آتية، وكل ما من شدة هولها مرتفعة وحتى تصل إلى حناحر أصحابها، الذين يكونون صامتين لا يتكلم أحد منهم إلا من أذن له الرحمن، وليس للظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصى من صديق ولا قريب، ولا شفيع يطاع إذا قُدِّرَ له أن يشفع.
19 - الله يعلم ما تختلسه أعين الناظرين خفية، ويعلم ما تكتمه الصدور يخفى عليه شيء من ذلك.
20 - والله يحكم بالعدل، فلا يظلم أحدًا بنقص من حسناته، ولا بزيادة في سيئاته، والذين يعبدهم المشركون من دون الله لا يحكمون بشيء؛ لأنهم لا يملكون شيئًا، إن الله هو السميع لأقوال عباده، البصير بنياتهم وأعمالهم، وسيجازيهم عليها.
21 - أَوَلم يسر هؤلاء المشركون في الأرض؛ فيتأمَّلوا كيف كانت نهاية الأمم المكذبة من قبلهم، فقد كانت نهاية سيئة، كانت تلك الأمم أشد من هؤلاء قوة، وأثَّروا في الأرض بالبناء ما لم يؤثِّر فيها هؤلاء، فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم، وما كان لهم مانع يمنعهم من عقاب الله.
22 - ذلك العذاب الذي أصابهم إنما أصابهم لأنهم كانت تأتيهم رسلهم من الله بالأدلة الواضحة، والحجج الباهرة، فكفروا بالله وكذبوا رسله، ومع ما هم عليه من القوة فقد أخذهم الله فأهلكهم، إنه سبحانه قوي شديد العقاب لمن كفر به، وكذب رسله.
ولما واجه - صلى الله عليه وسلم - تكذيب قومه له ذكر الله قصة موسى مع فرعون؛ تبشيرًا له بأن عاقبة أمره النصر، فقال:

23 - ولقد بعثنا موسى بآياتنا الواضحات، وببرهان قاطع.
24 - إلى فرعون ووزيره هامان وإلى قارون، فقالوا: موسى ساحر كذاب فيما يدَّعيه من أنه رسول.
25 - فلما جاءهم موسى بالبرهان الدال على صدقه قال فرعون: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، واستبقوا نساءهم إهانة لهم، وما مكْر الكافرين بالأمر بتقليل عدد المؤمنين إلا هالك ذاهب، لا أثر له.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التذكير بيوم القيامة من أعظم الرواح عن المعاصي.
• إحاطة علم الله بأعمال عباده؛ خَفِيَّة كانت أم ظاهرة.
• الأمر بالسير في الأرض للاتعاظ بحال المشركين الذين أهلكوا.
(1/469)

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)
26 - وقال فرعون: اتركوني أقتل موسى عقابًا له، وليدع ربه أن يمنعه مني، فأنا لا أبالي أن يدعو ربه، إني أخاف أن يغيِّر دينكم الذي أنتم عليه، أو أن يظهر في الأرض الفساد بالقتل والتخريب.
27 - وقال موسى عليه السلام لمَّا علم بتهديد فرعون له: إني التجأت واعتصمت بربي وربكم من كل متكبر عن الحق والإيمان به، لا يؤمن بيوم القيامة، وما فيه من حساب وعقاب.
28 - وقال رجل مؤمن بالله من آل فرعون يكتم إيمانه عن قومه منكرًا عليهم عزمهم على قتل موسى: أتقتلون رجلًا دون جرم غير أنه قال: ربي الله، وقد جاءكم بالحجج والبراهين الدالة على صدقه في دعواه أنه مرسل من ربه؟! وإن قدر أنه كاذب فضرر كذبه عائد عليه، وإن يكن صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم به من العذاب عاجلًا، إن الله لا يوفق للحق من هو متجاوز لحدوده، مفتر عليه وعلى رسله.
29 - يا قوم، لكم الملك اليوم غالبين في أرض مصر، فمن ينصرنا من عذاب الله إن جاءنا بسبب قتل موسى؟! قال فرعون: الرأي رأيي والحكم حكمي، وقد رأيت أن أقتل موسى؛ دفعًا للشر والفساد، وما أرشدكم إلا الصواب والسداد.
30 - وقال الذي آمن ناصحًا قومه: إني أخاف عليكم -إن قتلتم موسى ظلمًا وعدوانًا- عذابًا مثل عذاب الأحزاب الذين تحزَّبوا على رسلهم من السابقين فأهلكهم الله.
31 - كعادة من كفر وكذَّب الرسل مثل قوم نوح وعاد وثمود والذين جاؤوا من بعدهم، فقد أهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم لرسله، وما الله يريد ظلمًا للعباد، وإنما يعذبهم بذنوبهم؛ جزاءً وفاقًا.
32 - ويا قوم، إني أخاف عليكم يوم القيامة، ذلك اليوم الذي ينادي فيه الناس بعضهم بعضًا بسبب قرابة أو جاه ظنًّا منهم أن هذا المسلك ينفعهم في هذا الموقف الرهيب.
33 - يوم تولون هاربين خوفًا من النار، ما لكم من مانع يمنعكم من عذاب الله، ومن يخذله الله ولا يوفقه للإيمان فما له من هادٍ يهديه؛ لأن هداية التوفيق بيد الله وحده.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لجوء المؤمن إلى ربه ليحميه من كيد أعدائه.
• جواز كتم الإيمان للمصلحة الراجحة أو لدرء المفسدة.
• تقديم النصح للناس من صفات أهل الإيمان.
(1/470)

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)
34 - ولقد جاءكم يوسف من قبل موسى بالبراهين الواضحة على توحيد الله، فما زلتم في شك وتكذيب لما جاءكم به، حتى إذا نوفّي ازددتم شكًّا وارتيابًا، وقلتم: لن يبعث الله من بعده رسولًا. مثل ضلالكم هذا عن الحق يضل الله كل من هو متجاوز لحدود الله، شاكٌّ في وحدانيته.
35 - الذين يخاصمون في آيات الله ليبطلوها بغير حجة ولا برهان أتاهم، كَبُر جدالُهم مَقْتًا عند الله وعند الذين آمنوا به وبرسله. كما ختم الله على قلوب هؤلاء المخاصمين في آياتنا لإبطالها يختم الله على كل قلب مستكبر عن الحق مُتَجَبِّر، فلا يهتدي إلى صواب، ولا يرشد إلى خير.
36 - قال فرعون لوزيره هامان: يا هامان، ابْن لي بناءً عاليًا؛ رجاء أن أبلغ الطرق.
37 - رجاء أن أبلغ طرق السماوات الموصلة إليها، فأنظر إلى معبود موسى الذي يزعم أنه المعبود بحق، وإني لأظنُّ أن موسى كاذب فيما يدَّعيه. وهكذا حُسِّن لفرعون قبْح عمله حين طلب ما طلب من هامان، وصُرِف عن طريق الحق إلى طرق الضلال، وما مكر فرعون -لإظهار باطله الذي هو عليه، وإبطال الحق الذي جاء به موسى- إلا في خسار؛ لأن مآله الخيبة والإخفاق في سعيه، والشقاء الذي لا ينقطع أبدًا.
38 - وقال الرجل الذي آمن من آل فرعون ناصحًا قومه ومرشدًا إياهم إلى طريق الحق: يا قوم، اتبعوني أدلُّكم وأرشدكم إلى طريق الصواب، والهداية إلى الحق.
39 - يا قوم، إنما هذه الحياة الدنيا تمتع بملذات منقطعة، فلا تغرَّنَّكم بما فيها من متاع زائل، وإن الدار الآخرة بما فيها من نعيم دائم لا ينقطع هي دار الاستقرار والإقامة، فاعملوا لها بطاعة الله، واحذروا من الانشغال بحياتكم الدنيا عن العمل للآخرة.
40 - من عمل عملًا سيئًا فلن يُعَاقَب إلا بمثل ما عمل، لا يزاد عليه عقاب. ومن عمل عملًا صالحًا يبتغي به وجه الله، ذكرًا كان العامل أو أنثى، وهو مؤمن بالله ورسله -فأولئك الموصوفون بتلك الصفات الحميدة يدخلون الجنة يوم القيامة، يرزقهم الله مما أودعه فيها من الثمرات والنعيم المقيم الذي لا ينقطع أبدًا بغير حساب.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجدال لإبطال الحق وإحقاق الباطل خصلة ذميمة، وهي من صفات أهل الضلال.
• التكبر مانع من الهداية إلى الحق.
• إخفاق حيل الكفار ومكرهم لإبطال الحق.
• وجوب الاستعداد للآخرة، وعدم الانشغال عنها بالدنيا.
(1/471)

وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49)
41 - ويا قوم، ما لي أدعوكم إلى النجاة من الخسران في الحياة الدنيا والآخرة بالإيمان بالله والعمل الصالح، وتدعونني إلى دخول النار بما تدعونني إليه من الكفر بالله وعصيانه؟!
42 - تدعونني إلى باطلكم رجاء أن أكفر بالله، وأعبد معه غيره مما لا علم لي بصحة عبادته مع الله، وأنا أدعوكم إلى الإيمان بالله العزيز الذي لا يغلبه أحد، الغفار عظيم المغفرة لعباده.
43 - حقًّا إن ما تدعونني إلى الإيمان به وإلى طاعته؛ ليس له دعوة يُدْعَى بها بحق في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يستجيب لمن دعاه، وأن مرجعنا جميعًا إلى الله وحده، وأن المسرفين في الكفر والمعاصي هم أصحاب النار الذين يلازمون دخولها يوم القيامة.
44 - فرفضوا نصحه، فقال: ستذكرون ما قدمت لكم من نصح، وتتحسَّرون على عدم قبوله، وأفوِّض أموري كلها إلى الله وحده، إن الله لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.
45 - فحفظه الله من سوء مكرهم حين أرادوا قتله، وأحاط بآل فرعون عذاب الغرق، فقد أغرقه الله هو وجنوده كلهم في الدنيا.
46 - وبعد موتهم يعرضون على النار في قبورهم أول النهار وآخره، ويوم القيامة يقال: أدخلوا أتباع فرعون أشدَّ العذاب وأعظمه؟؛ لما كانوا عليه من الكفر والتكذيب والصد عن سبيل الله.
47 - واذكر -أيها الرسول- حين يتخاصم الأتباع والمتبوعون من أصحاب النار، فيقول الأتباع المستضعفون للمتبوعين المتكبرين: إنا كنا لكم أتباعًا في الضلال في الدنيا، فهل أنتم مغنون عنا جزءًا من عذاب الله بتحمُّله عنا؟!
48 - قال المتبوعون المستكبرون: إنا -سواء كنَّا أتباعًا أو متبوعين- في النار، ولا يتحمل أحد منا جزءًا من عذاب الآخر، إن الله قد حكم بين العباد، فأعطى كلًّا ما يستحقه من العذاب.
49 - وقال المعذبون في النار من الأتباع والمتبوعين للملائكة الموكلين بالنار لما يئسوا من الخروج من النار والعودة إلى الحياة الدنيا ليتوبوا: ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا واحدًا من هذا العذاب الدائم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أهمية التوكل على الله.
• نجاة الداعي إلى الحق من مكر أعدائه.
• ثبوت عذاب البرزخ.
• تعلُّق الكافرين بأي سبب يريحهم من النار ولو لمدة محدودة، وهذا لن يحصل أبدًا.
(1/472)

قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58)
50 - قال خزنة جهنم ردًّا على الكفار: أَوَلم تكن تأتيكم رسلكم بالبراهين والأدلة الواضحة؟! قال الكفار: بلى، كانوا يأتوننا بالبراهين والأدلة الواضحة، قال الخزنة تَهَكُّمًا بهم: فادعوا أنتم، فنحن لا نشفع للكفار، وما دعاء الكافرين إلا فى بطلان وضياع؛ لعدم قَبوله منهم بسبب كفرهم.
ولما ذكر الله قصة فرعون وما آل إليه أمره وأمْر أتباعه في الدنيا والآخرة، ذكر أمْر الرسل والمؤمنين، وما يصيرون إليه من نصر في الدنيا والآخرة فقال:

51 - إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا بالله وبرسله في الدنيا بإظهار حجتهم وتأييدهم على أعدائهم، وننصرهم يوم القيامة بإدخالهم الجنة، وبعقاب خصومهم في الدنيا بإدخالهم النار بعد أن يشهد الأنبياء والملائكة والمؤمنون على حصول التبليغ وتكذيب الأمم.
52 - يوم لا ينفع الظالمين أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعاصي اعتذارُهم عن ظلمهم، ولهم في ذلك اليوم الطرد من رحمة الله، ولهم سوء الدار فى الآخرة بما يلاقونه من العذاب الأليم.
53 - ولقد أعطينا موسى العلم الذي يهتدي به بنو إسرائيل إلى الحق، وجعلنا التوراة كتابًا متوارثًا في بني إسرائيل يرثونه جيلًا بعد جيل.
54 - هدايةً إلى طريق الحق، وتذكيرًا لأصحاب العقول السليمة.
55 - فاصبر -أيها الرسول- على ما تلاقيه من تكذيب قومك وإيذائهم، إن وعد الله لك بالنصر والتأييد حق لا مرية فيه، واطلب المغفرة لذنبك، وسبح بحمد ربك أول النهار وآخره.
56 - إن الذين يخاصمون في آيات الله سعيًا لإبطالها بغير حجة ولا برهان، لا يحملهم على ذلك إلا إرادة الاستعلاء والتكبر على الحق، ولن يصلوا إلى ما يريدونه من الاستعلاء عليه، فاعتصم -أيها الرسول- بالله، إنه هو السميع لأقوال عباده، البصير بأعمالهم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيهم عليها.
57 - لخلق السماوات والأرض لضخامتهما واتساعهما أعظم من خلق الناس، فالذي خلقهما مع عظمهما قادر على بعث الموتى من قبورهم أحياء ليحاسبهم ويجازيهم، ولكن معظم الناس لا يعلمون، فلا يعتبرون به، ولا يجعلونه دليلًا على البعث مع وضوحه.
58 - ولا يستوي الذي لا يبصر والذي يبصر، ولا يستوي الذين آمنوا بالله وصدَّقوا رسله وأحسنوا أعمالهم، لا يستوون مع من يسيء عمله بالاعتقاد الفاسد والمعاصي، لا تتذكرون إلا قليلًا؛ إذ لو تذكرتم لعلمتم الفرق بين الفريقين لتسعوا إلى أن تكونوا من الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات رغبة في مرضاة الله.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• نصر الله لرسله وللمؤمنين سُنَّة إلهية ثابتة.
• اعتذار الظالم يوم القيامة لا ينفعه.
• أهمية الصبر في مواجهة الباطل.
• دلالة خلق السماوات والأرض على البعث؛ لأن من خلق ما هو عظيم قادر على إعادة الحياة إلى ما دونه.
(1/473)

إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66)
59 - إن الساعة التي يبعث الله فيها الموتى للحساب والجزاء لآ تية لا محالة، لا شك فيها، ولكن معظم الناس لا يؤمنون بمجيئها، ولذلك لا يستعدُّون لها.
60 - وقال ربكم -أيها الناس-: وحِّدوني في العبادة والمسألة، أجب دعاءكم وأعفُ عنكم وأرحمكم، إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة سيدخلون يوم القيامة جهنم صاغرين ذليلين.
61 - الله هو الذي صيَّر لكم الليل مظلمًا لتسكنوا فيه وتستريحوا، وصيَّر النهار مضيئًا منيرًا لتعملوا فيه، إن الله لذو فضل عظيم على الناس حين أسبغ عليهم من ظاهر نعمه وباطنها، ولكنَّ معظم الناس لا يشكرونه سبحانه على ما أنعم به عليهم منها.
62 - ذلكم الله الذي تفضل عليكم بنعمه هو خالق كل شيء، فلا خالق غيره، لا معبود بحق إلا هو، فكيف تنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره ممن لا يملك نفعًا ولا ضرًّا.
63 - كما صرف هؤلاء عن الإيمان بالله وعبادته وحده يصرف عنه من يجحد بآيات الله الدالة على توحيده في كل زمان ومكان، فلا يهتدي إلى حق، ولا يُوَفَّق لرشد.
64 - الله الذي صيَّر لكم -أيها الناس- الأرض قارة مهيأة لاستقراركم عليها، وصيَّر السماء محكمة البناء فوقكم ممنوعة من السقوط، وصوَّركم في أرحام أمهاتكم فأحسن صوركم، ورزقكم من حلال الأطعمة ومستطابها، ذلكم الذي أنعم عليكم بهذه النعم هو الله ربكم، فتبارك الله رب المخلوقات كلها، فلا رب لها غيره سبحانه.
65 - هو الحي الذي لا يموت، لا معبود بحق غيره، فادعوه دعاء عبادة ومسالة؛ قاصدين وجهه وحده، ولا تشركوا معه غيره من مخلوقاته، الحمد لله رب المخلوقات.
66 - قل -أيها الرسول-: إني نهاني الله أن أعبد الذين تعبدونهم من دون الله من هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر حين جاءتني البراهين والأدلة الواضحة على بطلان عبادتها، وأمرني الله أن أنقاد له وحده بالعبادة، فهو رب الخلائق كلها، لا رب لها غيره.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دخول الدعاء في مفهوم العبادة التي لا تصرف إلا إلى الله؛ لأن الدعاء هو عين العبادة.
• نعم الله تقتضي من العباد الشكر.
• ثبوت صفة الحياة لله.
• أهمية الإخلاص في العمل.
(1/474)

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)
67 - هو الذي خلق أباكم آدم من تراب، ثم جعل خلقكم من بعده من نطفة، ثم بعد النطفة من دم متجمد، ثم بعد ذلك يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالًا صغارًا، ثم لتصلوا سن اشتداد البدن، ثم لِتَكْبَرُوا حتى تصيروا شيوخا، ومنكم من يموت قبل ذلك، ولتبلغوا أمدًا محددًا في علم الله، لا تنقصون عنه، ولا تزيدون عليه، ولعلكم تنتفعون بهذه الحجج والبراهين على قدرته ووحدانيته.
68 - هو وحده سبحانه الذي بيده الإحياء، وهو وحده الذي بيده الإماتة، فإذا قضى أمرًا فإنما يقول لذلك الأمر: (كن)، فيكون.
69 - ألم تر -أيها الرسول- الذين يخاصمون في آيات الله مكذبين بها مع وضوحها؛ لتعجب من حالهم وهم يعرضون عن الحق مع وضوحه.
70 - الذين كذَّبوا بالقرآن، وبما بعثنا به رسلنا من الحق، سوف يعلم هؤلاء المكذبون عاقبة تكذيبهم، ويرون سوء الخاتمة.
71 - يعلمون عاقبته حين تكون الأصفاد في أعناقهم، والسلاسل في أرجلهم، تجرَّهم زبانية العذاب.
72 - يسحبونهم في الماء الحار الذي اشتدَّ غليانه، ثم في النار يوقدون.
73 - ثم قيل لهم تَبْكِيتًا لهم وتوبيخًا: أين الآلهة المزعومة التي أشركتم بعبادتها؟!
74 - من دون الله من أصنامكم التي لا تنفع ولا تضرُّ؟! قال الكفار: غابوا عنَّا فلسنا نراهم، بل ما كنَّا نعبد في الدنيا شيئًا يستحق العبادة. مثل إضلال هؤلاء يضل الله الكافرين عن الحق في كل زمان ومكان.
75 - ويقال لهم: ذلك العذاب الذي تقاسونه بسبب فرحكم بما كنتم عليه من الشرك، وبتوسعكم في الفرح.
76 - ادخلوا أبواب جهنم ماكثين فيها أبدًا، فقبح مستقرُّ المتكبرين عن الحق.
ولما عانى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قومه ما عانى، أمره الله بالصبر، وسلَّاه بما وعده به من النصر، فقال:

77 - فاصبر -أيها الرسول- على أذى قومك وتكذيبهم، إن وعد الله بنصرك حق لا مِرْية فيه، فإما نرينَّك في حياتك بعض الذي نعدهم به من العذاب كما حصل يوم بدر، أو نتوفينَّك قبل ذلك، فإلينا وحدنا يرجعون يوم القيامة فنجازيهم على أعمالهم، فندخلهم النار خالدين فيها أبدًا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التدرج في الخلق سُنَّة إلهية يتعلم منها الناس التدرج في حياتهم.
• قبح الفرح بالباطل.
• أهمية الصبر في حياة الناس، وبخاصة الدعاة منهم.
(1/475)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)
78 - ولقد بعثنا رسلًا كثيرين من قبلك -أيها الرسول- إلى أممهم، فكذبوهم وآذوهم فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم، مِن هؤلاء الرسل مَن قصصنا عليك خبرهم، ومنهم من لم نقصص عليك خبرهم، وما يصح لرسول أن يأتي قومه بآية من ربه إلا بمشيئته سبحانه، اقتراح الكفار على أممهم الإتيان بالآيات ظلم، فإذا جاء أمر الله بالفتح أو الفصل بين الرسل وأقوامهم فصَل بينهم بالعدل، فأهلك الكفار ونجَّي الرسل، وخسر -في ذلك الموقف الذي يفصل فيه بين العباد- أصحابُ الباطل أنفسَهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب كفرهم.
79 - الله هو الذي جعل لكم الإبل والبقر والغنم؛ لتركبوا بعضها، وتأكلوا لحوم بعضها.
80 - لكم في هذه المخلوقات منافع متعددة تتجدد في كل عصر، ويحصل لكم من خلالها ما ترغبون به مما في أنفسكم من حاجات، وأبرزها التنقل في البر والبحر.
81 - ويريكم سبحانه من آياته الدالة على قدرته ووحدانيته، فأي آيات الله لا تعترفون بها بعد أن تقرر لديكم أنها آياته؟!
82 - أفلم يسر هؤلاء المكذبون في الأرض فيتأملوا كيف كانت نهاية الأمم المكذبة من قبلهم فيعتبروا بها؟! فقد كانت تلك الأمم أكثر منهم أموالًا، وأعظم قوة، وأشدَّ آثارًا في الأرض، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون من القوة لما جاءهم عذاب الله المهلك.
83 - فلما جاءتهم رسلهم بالبراهين الواضحة كذبوا بها، ورضوا بالتمسك بما عندهم من العلم المنافي لما جاءتهم به رسلهم، ونزل بهم ما كانوا يسخرون منه من العذاب الذي كانت تخوِّفهم رسلهم منه.
84 - فلما رأوا عذابنا قالوا مقرِّين حين لا ينفعهم إقرار: آمنا بالله وحده، وكفرنا بما كنا نعبد من دونه من شركاء وأصنام.
85 - فلم يكن إيمانهم حين عاينوا عذابنا ينزل بهم نافعًا لهم، سُنَّة الله التي مضت في عباده أنه لا ينفعهم إيمانهم عندما يعاينون العذاب، وخسر الكافرون حين نزول العذاب أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب كفرهم بالله، وعدم التوبة منها قبل معاينة العذاب.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لله رسل غير الذين ذكرهم الله في القرآن الكريم نؤمن بهم إجمالًا.
• من نعم الله تبيينه الآيات الدالة على توحيده.
• خطر الفرح بالباطل وسوء عاقبته على صاحبه.
• بطلان الإيمان عند معاينة العذاب المهلك.
(1/476)

حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)
سورة فصلت
مَكيّة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان كيفية معالجة المعرضين عن القرآن برفق، ببيان أن القرآن هو الحق، وعاقبة الإعراض.


[التَّفْسِيرُ]
1 - {حم} تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
2 - هذا القرآن تنزيل من الله الرحمن الرحيم.
3 - كتاب بُيِّنت آياته أتمَّ تبيين وأكمله، وجُعِل قرآنا عربيًّا لقوم يعلمون؛ لأنهم الذين ينتفعون بمعانيه، وبما فيه من الهداية إلى الحق.
4 - مبشرًا المؤمنين بما أعدَّ الله لهم من الجزاء الجزيل، ومخوِّفًا الكافرين من عذاب الله الأليم، فأعرضَ معظمهم عنه، فهم لا يسمعون ما فيه من الهدى سماع قَبُول.
5 - وقالوا: قلوبنا مغطاة بأغلفة فلا تعقل ما تَدْعُونا إليه، وفي آذاننا صَمَم فلا تسمعه، ومن بيننا وبينك ستر فلا يصل إلينا شيء مما تقول، فاعمل أنت على طريقتك، إنا عاملون على طريقتنا، ولن نتبعك.
6 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المعاندين: إنما أنا بشر مئلكم يوحي إلي الله أنما معبودكم بحق معبود واحد هو الله، فاسلكوا الطريق الموصل إليه، واطلبوا منه المغفرة لذنوبكم، وهلاك وعذاب للمشركين الذين يعبدون غير الله أو يشركون معه أحدًا.
7 - الذين لا يعطون زكاة أموالهم، وهم بالآخرة -وما فيها من نعيم مقيم وعذاب أليم- كافرون.
8 - إن الذين آمنوا بالله وبرسله، وعملوا الأعمال الصالحات لهم ثواب خالد فير مقطوع وهو الجنة.
9 - قل -أيها الرسول- موبِّخًا المشركين: لماذا أنتم تكفرون بالله الذي خلق الأرض في يومين: يوم الأحد والاثنين، وتجعلون له نظراء تعبدونهم من دونه؟! ذلك رب المخلوقات كلهم.
10 - وجعل فيها جبالًا ثوابت من فوقها تثبتها لئلا تضطرب، وقدَّر فيها أقوات الناس والبهائم في أربعة أيام متمَّة لليومين السابقين هما: يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء سواء لمن أراد أن يسأل عنها.
11 - ثم قصد سبحانه إلى خلق السماء، وهي يومئذ دخان فقال لها وللأرض: انقادا لأمري مختارتين، أو مكرهتين، لا مَحِيد لكما عن ذلك، قالتا: أتينا طائعتين، فلا إرادة لنا دون إرادتك يا ربنا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تعطيل الكافرين لوسائل الهداية عندهم يعني بقاءهم على الكفر.
• بيان منزلة الزكاة، وأنها ركن من أركان الإسلام.
• استسلام الكون لله وانقياده لأمره سبحانه بكل ما فيه.
(1/477)

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)
12 - فأتمَّ الله خلق السماوات في يومين: يوم الخميس ويوم الجمعة، وبهما تم خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأوحى الله في كل سماء ما يقدره فيها، وما يأمر به من طاعة وعبادة، وزيَّنَّا السماء الدنيا بالنجوم، وحفظنا بها السماء من استراق الشياطين السمع، ذلك المذكور كله تقدير العزيز الذي لا يغلبه أحد، العليم بخلقه.
13 - فإن أعرض هؤلاء عن الإيمان بما جئت به فقل لهم -أيها الرسول-: خوّفتكم عذابًا يقع عليكم مثل العذاب الذي وقع على عاد قوم هود، وثمود قوم صالح لما كذبوهما.
14 - حين جاءتهم رسلهم يتبع بعضهم بعضًا بدعوة واحدة يأمرونهم ألا يعبدوا إلا الله وحده، قال الكفار منهم: لو شاء ربنا إنزال ملائكة إلينا رسلًا لأنزلهم، فإنا كافرون بما أرسلتم به؛ لأنكم بشر مثلنا.
15 - فأما عاد قوم هود فمع كفرهم بالله تكبَّروا في الأرض بغير الحق، وظلموا من حولهم، وقالوا وهم مخدوعون بقوتهم: من أشدَّ منا قوة؟! لا أحد أشد منهم قوة بزعمهم، فردّ الله عليهم: أفلا يعلم هؤلاء ويشاهدون أن الله الذي خلفهم وأودع فيهم القوة التي أطغتهم هو أشدَّ منهم قوة؟! وكانوا يكفرون بآيات الله التي جاء بها هود عليه السلام.
16 - فبعثنا عليهم ريحًا ذات صوت مزعج في أيام مشؤومات عليهم لما فيها من العذاب؛ لنذيقهم عذاب الذل والمهانة لهم في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة الذي ينتظرهم أشدَّ إذلالًا لهم، وهم لا يجدون من ينصرهم بإنقاذهم من العذاب.
17 - وأما ثمود قوم صالح فقد هديناهم بتبيين طريق الحق لهم، ففضلوا الضلال على الهداية إلى الحق، فأخذهم العذاب المذل بسبب ما كانوا يكسبونه من الكفر والمعاصي.
18 - وأنجينا الذين آمنوا بالله ورسله، وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أنجيناهم من العذاب الذي حلَّ بقومهم.
19 - ويوم يحشر الله أعداءه إلى النار، ترد الزبانية أولهم إلى آخرهم، لا يستطيعون الهرب من النار.
20 - حتى إذا ما جاؤوا النار التي سيقوا إليها، وتنكَّروا لما كانوا يعملون في الدنيا، شهدت عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الإعراض عن الحق سبب المهالك في الدنيا والآخرة.
• التكبر والاغترار بالقوة مانعان من الإذعان للحق.
• الكفار يُجْمَع لهم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
• شهادة الجوارح يوم القيامة على أصحابها.
(1/478)

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)
21 - وقال الكفار لجلودهم: لِمَ شهدتم علينا بما كنا نعمل في الدنيا؟! قالت الجلود جوابًا لأصحابها: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، وهو خلقكم أول مرة عندما كنتم في الدنيا، وإليه وحده ترجعون في الآخرة للحساب والجزاء.
22 - وما كنتم تَسْتَخْفُون حين ترتكبون المعاصي حتى لا تشهد عليكم أسماعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ لأنكم لا تؤمنون بحساب ولا عقاب ولا ثواب بعد الموت، ولكن ظننتم أن الله سبحانه لا يعلم كثيرًا مما تعملونه، بل يخفى عليه، فاغتررتم.
23 - وذلكم الظن السيئ الذي ظننتم بربكم أهلككم، فأصبحتم بسبب ذلك من الخاسرين الذين خسروا الدنيا والآخرة.
24 - فإن يصبر هؤلاء , الذين شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم، فالنار مستقر لهم، ومأوى يأوون إليه، وإن يطلبوا رفع العذاب ورضا الله عنهم، فما هم بنائلين رضاه ولا داخلين الجنة أبدًا.
25 - وهيأنا لهؤلاء الكفار قرناء من الشياطين يلازمونهم، فحسَّنوا لهم سوء أعمالهم في الدنيا، وحسَّنوا لهم ما خلفهم من أمر الآخرة فأنسوهم تذكرها والعمل لها، ووجب عليهم العذاب في جملة أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإنس، إنهم كانوا خاسرين حيث خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بدخولهم النار.
26 - وقال الكفار متواصين فيما بينهم لما عجزوا عن مواجهة الحجة بالحجة: لا تسمعوا لهذا القرآن الذي يقرؤه عليكم محمد، ولا تنقادوا لما فيه، وصيحوا وارفعوا أصواتكم عند قراءته له؛ لعلكم بذلك تنتصرون عليه، فيترك تلاوته والدعوة إليه، فنستريح منه.
27 - فلنذيقنَّ الذين كفروا بالله وكذَّبوا رسله عذابًا شديدًا يوم القيامة، ولنجزينَّهم أسوأ الذي كانوا يعملون من الشرك والمعاصي عقابًا لهم عليها.
28 - ذلك الجزاء المذكور جزاء أعداء الله الذين كفروا به وكذَّبوا رسله: النار، لهم فيها خلود لا ينقطع أبدًا؛ جزاءً على جحدهم لآيات الله، وعدم إيمانهم بها مع وضوحها وقوة حجتها.
29 - وقال الذين كفروا بالله وكذبوا رسله: ربنا، أرنا اللذَينِ أضَلَّانا من الجن والإنس: إبليس الذي سنَّ الكفر والدعوة إليه، وابن آدم الذي سنَّ سفك الدماء، نجعلهما في النار تحت أقدامنا؛ ليكونا من الأسفلين الذين هم أشد أهل النار عذابًا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سوء الظن بالله صفة من صفات الكفر.
• الكفر والمعاصي سبب تسليط الشياطين على الإنسان.
• تمنّي الأتباع أن ينال متبوعوهم أشدَّ العذاب يوم القيامة.
(1/479)

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)
ولمَّا ذكر الله جزاء أعدائه ذكر جزاء أوليائه، فقال:

30 - إن الذين قالوا: ربنا الله، لا رب لنا غير، واستقاموا على امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، تتنزل عليهم الملائكة عند احتضارهم قائلين لهم: لا تخافوا من الموت ولا مما بعده، ولا تحزنوا على ما خلَّفتم في الدنيا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون بها في الدنيا على إيمانكم بالله وعملكم الصالح.
31 - نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا، فقد كنا نسدد ونحفظكم، ونحن أولياؤكم في الآخرة، فولايتنا لكم مستمرة، ولكم في الجنة ما تشتهيه أنفسكم من الملذات والشهوات، ولكم فيها كل ما تطلبونه مما تشتهونه.
32 - رزقًا مُهيَّأً لضيافتكم من ربٍّ غفور لذنوب من تاب إليه من عباده، رحيم بهم.
33 - ولا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى توحيد الله والعمل بشرعه، وعمل عملًا صالحًا يرضي ربه، وقال: إنني من المستسلمين المنقادين لله، فمن فعل ذلك كله فهو أحسن الناس قولًا.
34 - ولا يستوى فعل الحسنات والطاعات التي ترضي الله، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه، ادفع بالخصلة التي هي أحسنُ إساءةَ من أساء إليك من الناس، فإذا الذي بينك وبينه عداوة سابقة -إذا دفعتَ إساءته بالإحسان إليه- قريب شفيق.
35 - ولا يُوفَّق لهذه الخصلة الحميدة إلا الذين صبروا على الإيذاء، وما يلاقونه من الناس من السوء، ولا يُوفَّق لها إلا ذو نصيب عظيم؛ لما فيها من الخير الكثير، والنفع الوفير.
36 - وإن وسوس لك الشيطان في أي وقت بشرٍّ فاعتصم بالله والجأ إليه، إنه هو السميع لما تقوله، العليم بحالك.
37 - ومن آيات الله الدالة على عظمته وتوحيده الليل والنهار في تعاقبهما، والشمس والقمر، لا تسجدوا -أيها الناس- للشمس، ولا تسجدوا للقمر، واسجدوا لله وحده الذي خلقهنَّ إن كنتم تعبدونه حقًّا.
38 - فإن استكبروا وأعرضوا، ولم يسجدوا لله الخالق، فالملائكة الذين هم عند الله يسبِّحونه ويحمدونه سبحانه في الليل والنهار معًا، وهم لا يملُّون من عبادته.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• منزلة الاستقامة عند الله عظيمة.
• كرامة الله لعباده المؤمنين وتولِّيه شؤونهم وشؤون مَن خلفهم.
• مكانة الدعوة إلى الله، وأنها أفضل الأعمال.
• الصبر على الإيذاء والدفع بالتي هي أحسن خُلُقان لا غنى للداعي إلى الله عنهما.
(1/480)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)
39 - ومن آياته الدالة على عظمته وتوحيده وعلى قدرته على البعث أنك تعاين الأرض لا نبات فيها، فإذا أنزلنا عليها ماء المطر تحركت بسبب نمو المخبوء فيها من بذور، وارتفعت، إن الذي أحيا هذه الأرض الميتة بالنبات، لمحيي الموتى وباعثهم للحساب والجزاء، إنه على كل شيء قدير، لا يعجزه إحياء أرض بعد موتها، ولا إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم.
40 - إن الذين يميلون في آيات الله عن الصواب بإنكارها والتكذيب بها وتحريفها لا يخفى حالهم علينا، فنحن نعلمهم، أفمن يُلْقَى في النار أفضل أم من يأتي يوم القيامة آمنًا من العذاب؟ اعملوا -أيها الناس- ما شئتم من خير وشرٍّ، فقد بيَّنا لكم الخير والشر، إن الله بما تعملون منهما بصير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
41 - إن الذين كفروا بالقرآن لما جاءهم من عند الله لمعذبون يوم القيامة، وإنه لكتاب عزيز منيع، لا يستطيع مُحَرِّف أن يحرِّفه، ولا مُبَدِّل أن يبدله.
42 - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بنقص أو زيادة أو تبديل أو تحريف، تنزيل من حكيم في خلقه وتقديره وتشريعه، محمود على كل حال.
ولما ذكر الله حال المكذبين بالكتاب صبَّر رسوله وسلَّاه بما كان يلقاه من قبله إخوانه من الرسل من التكذيب والسخرية والافتراء، فقال:

43 - ما يقال لك -أيها الرسول- من التكذيب إلا ما قد قيل للرسل من قبلك فاصبر، فإن ربك لذو مغفرة لمن تاب إليه من عباده، وذو عقاب موجع لمن أصرَّ على ذنوبه ولم يتب.
44 - ولو أنزلنا هذا القرآن بغير لغة العرب لقال الكفار منهم: لولا بُيِّنت آياته حتى نفهمها، أيكون القرآن أعجميًّا، والذي جاء به عربي؟ قل -أيها الرسول- لهؤلاء: القرآن -للذين آمنوا بالله وصدقوا رسله- هداية من الضلال وشفاء لما في الصدور من الجهل وما يتبعه، والذين لا يؤمنون بالله في آذانهم صمم، وهو عليهم عمى لا يفهمونه، أولئك الموصوفون بتلك الصفات كمن ينادون من مكان بعيد، فكيف لهم أن يسمعوا صوت المنادي!
45 - ولقد أعطينا موسى التوراة فاختلف فيها؛ فمنهم من آمن بها، ومنهم من كفر بها، ولولا وعد من الله أن يفصل بين العباد يوم القيامة فيما اختلفوا فيه لحكم بين المختلفين في التوراة، فبيّن المحق والمبطل، فأكرم المحق وأهان المبطل، وإن الكفار لفي شك من أمر القرآن مريب.
46 - من عمل عملًا صالحًا فنفْعُ عمله الصالح عائد إليه، فالله لا ينفعه العمل الصالح من أحد، ومن عمل عملًا سيئًا فضرر ذلك راجع إليه، فالله لا تضرَّه معصية أحد من خلقه، وسيجازي كلًّا بما يستحقه، وما ربك -أيها الرسول- بظلَّام لعبيده، فلن ينقصهم حسنة، ولن يزيدهم سيئة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• حَفِظ الله القرآن من التبديل والتحريف، وتكَفَّل سبحانه بهذا الحفظ، بخلاف الكتب السابقة له.
• قطع الحجة على مشركي العرب بنزول القرآن بلغتهم.
• نفي الظلم عن الله، وإثبات العدل له.
(1/481)

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)
47 - إلى الله وحده يُردُّ علم الساعة؛ فهو وحده يعلم متى تقع، فلا يعلم ذلك غيره، وما تخرج من ثمرات من أوعيتها التي تحفظها، وما تحمل من أنثى ولا تلد إلا بعلمه، لا يفوته من ذلك شيء، ويوم ينادي الله المشركين الذين كانوا يعبدون معه الأصنام؛ مُوبِّخًا إياهم على عبادتهم لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء؟ قال المشركون: اعترفنا أمامك، لا أحد منا يشهد الآن أن لك شريكًا.
48 - وغاب عنهم ما كانوا يدعونه من الأصنام، وأيقنوا أنهم لا مهرب لهم من عذاب الله ولا مَحِيد.
49 - لا يملُّ الإنسان من طلب الصحة والمال والولد وغير ذلك من النعم، وإن أصابه فقر أو مرض ونحو ذلك فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله.
50 - ولئن أذقناه منا صحة وغنى وعافية بعد بلاء ومرض أصابه ليقولنَّ: هذا لي؛ لأني أهل له ومستحق، وما أظن الساعة قائمة، ولئن فُرِض أن الساعة قائمة فإن لي عند الله الغنى والمال، فكما أنعم عليَّ في الدنيا لاستحقاقي ذلك ينعم عليَّ في الآخرة، فلنخبرنَّ الذين كفروا بالله بما عملوا من الكفر والمعاصي، ولنذيقنَّهم من عذاب بالغ في الشدة.
51 - وإذا أنعمنا على الإنسان بنعمة الصحة والعافية ونحوها غفل عن ذكر الله وطاعته، وأعرض بجانبه تكبرًا، وإذا مسَّه مرض وفقر ونحوه فهو ذو دعاء لله كثير، يشكو إليه ما مسَّه منه ليكشفه عنه، فهو لا يشكر ربه إذا أنعم عليه، ولا يصبر على بلائه إذا ابتلاه.
52 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله، ثم كفرتم به وكذبتموه، فكيف سيكون حالكم؟! ومن أضلُّ ممن هو في عناد للحق مع ظهوره ووضوح حجته وقوتها؟!
53 - سنري كفار قريش آياتنا في آفاق الأرض مما يفتحه الله للمسلمين، ونريهم آياتنا في أنفسهم بفتح مكة؛ حتى يتضح لهم بما يرفع الشك أن هذا القرآن هو الحق الذي لا مِرْية فيه، أَوَلم يكف هؤلاء المشركين أن القرآن حق بشهادة الله من عنده؟! ومَنْ أعظمُ شهادة من الله؟! فلو كانوا يريدون الحق لاكتفوا بشهادة ربهم.
54 - ألا إن المشركين في شك من لقاء ربهم يوم القيامة لإنكارهم البعث، فهم لا يؤمنون بالآخرة؛ لذلك لا يستعدُّون لها بالعمل الصالح، ألا إن الله بكل شيء محيط علمًا وقدرة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• علم الساعة عند الله وحده.
• تعامل الكافر مع نعم الله ونقمه فيه تخبط واضطراب.
• إحاطة الله بكل شيء علمًا وقدرة.
(1/482)

حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)
سورة الشورى
مَكيّة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان حقيقة الوحي والرسالة المحمدية، وأنها امتداد للوحي إلى الأنبياء.


[التَّفْسِيرُ]
1 - 2 - {حم عسق} تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
3 - مثل هذا الوحي يوحي إليك يا محمد وإلى الذين من قبلك من أنبياء اللهِ، اللهُ العزيزُ في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره وخلقه.
4 - لله وحده ما في السماوات وما في الأرض خلقًا وملكًا وتدبيرًا، وهو العلي بذاته وقدره وقهره، العظيم في ذاته.
5 - ومن عظمته سبحانه تكاد السماوات مع عظمها وارتفاعها يتشققن من فوق الأرضين، والملائكة ينزهون ربهم ويعظمونه حامدين له خضوعًا وإجلالًا، ويطلبون المغفرة من الله لمن في الأرض، ألا إن الله هو الغفور لذنوب من تاب من عباد، الرحيم بهم.
6 - والذين اتخذوا من دون الله أصنامًا يوالونهم ويعبدونهم من دون الله، الله لهم بالمرصاد يسجل عليهم أعمالهم ويجازيهم بها، وما أنت -أيها الرسول- موكل بحفظ أعمالهم، فلن تُسْأل عن أعمالهم، إنما أنت مبلغ.
7 - ومثلما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك -أيها الرسول- أوحينا إليك قرآنًا عربيًّا لتنذر مكة ومن حولها من قرى العرب، ثم الناس جميعًا، وتخوِّف الناس من يوم القيامة يوم يجمع الله الأولين والأخرين في صعيد واحد للحساب والجزاء، لا شك في وقوع ذلك اليوم، والناس منقسمون فيه إلى فريقين: فريق في الجنة وهم المؤمنون، وفريق في النار وهم الكفار.
8 - ولو شاء الله جَعْلَهم أمةً واحدة على دين الإسلام لجعلهم أمة واحدة عليه، وأدخلهم جميعًا الجنة، ولكن اقتضت حكمته أن يدخل من يشاء في الإسلام، ويدخله الجنة، والظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي ما لهم من ولي يتولاهم، ولا نصير ينقذهم من عذاب الله.
9 - بل اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله أولياء يتولَّونهم، والله هو الولي الحق، فغيره لا ينفع ولا يضر، وهو يحيي الموتى ببعثهم للحساب والجزاء، ولا يعجزه شيء سبحانه.
10 - وما اختلفتم -أيها الناس- فيه من شيء من أصول دينكم أو فروعه فحكمه إلى الله، فيرجع فيه إلى كتابه أو سُنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، هذا الذي يتصف بهذه الصفات هو ربي، عليه اعتمدت في أموري كلها، وإليه أرجع بالتوبة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عظمة الله ظاهرة في كل شيء.
• دعاء الملائكة لأهل الإيمان بالخير.
• القرآن والسُّنَّة مرجعان للمؤمنين في شؤونهم كلها، وبخاصة عند الاختلاف.
• الاقتصار على إنذار أهل مكة ومن حولها؛ لأنهم مقصودون بالرد عليهم لإنكارهم رسالته - صلى الله عليه وسلم - وهو رسول للناس كافة كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ...}.
(1/483)

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)
11 - الله خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، وجعل لكم من الإبل والبقر والغنم أزواجًا، حتى تتكاثر من أجلكم، يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم بالتزاوج، ويعيشكم فيما جعل لكم من أنعامكم من لحومها وألبانها، لا يماثله شيء من مخلوقاته، هو السميع لأقوال عباده، البصير بأفعالهم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيهم على أعمالهم؛ إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
12 - له وحده مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يوسع الرزق لمن يشاء من عباده؛ اختبارًا له أيشكر أم يكفر؟ ويضيِّقه على من يشاء؛ ابتلاءً له أيصبر أم يتسخط على قدر الله؟ إنه بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء مما فيه مصالح عباده.
13 - شرع لكم من الدين مثل ما أمرنا نوحًا بتبليغه والعمل به، والذي أوحيناه إليك -أيها الرسول- وشرع لكم مثل الذي أمرنا إبراهيم وموسى وعيسى بتبليغه والعمل به،
وخلاصته: أن أقيموا الدين، واتركوا التفرق فيه، عَظُم على المشركين ما تدعوهم إليه من توحيد الله، وترك عبادة غيره، الله يصطفي من شاء من عباده، فيوفقه لعبادته وطاعته، ويهدي إليه من يرجع إليه منهم بالتوبة من ذنوبه.

14 - وما تفرق الكفار والمشركون إلا من بعد ما قامت عليهم الحجة ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم، وما كان تفرُّقهم إلا بسبب البغي والظلم، ولولا ما سبق في علم الله من أنه يؤخر عنهم العذاب إلى أَمَدٍ محدد في علمه هو يوم القيامة لحكم الله بينهم، فعجل لهم العذاب بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم لرسله، وإن الذين أورثوا التوراة من اليهود، والإنجيل من النصارى من بعد أسلافهم، ومن بعد هؤلاء المشركين، لفي شك من هذا القرآن الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ومكذبون به.
15 - ادعُ لهذا الدين المستقيم، واثبت عليه وفق ما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم الباطلة، وقل عند مجادلتهم: آمنت بالله وبالكتب التي أنزلها الله على رسله، وأمرني الله أن أحكم بينكم بالعدل، الله الذي أعبده ربنا وربكم جميعًا، لنا أعمالنا خيرًا كانت أو شرًّا، ولكم أعمالكم خيرًا كانت أو شرًّا، لا جدال بيننا وبينكم بعد أن تبينت الحجة، واتضحت المحجة، الله يجمع بيننا جميعًا، وإليه المرجع يوم القيامة، فيجازي كلًّا منا بما يستحقه، فيتبيَّن عندئذ الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دين الأنبياء في أصوله دين واحد.
• أهمية وحدة الكلمة، وخطر الاختلاف فيها.
• من مقومات نجاح الدعوة إلى الله: صحة المبدأ، والاستقامة عليه، والبعد عن اتباع الأهواء، والعدل والتركيز على المشترك، وترك الجدال العقيم، والتذكير بالمصير المشترك.
(1/484)

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)
16 - والذين يجادلون بالحجج الباطلة في هذا الدين المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - بعدما استجاب الناس له، هؤلاء المجادلون حجتهم ذاهبة وساقطة عند ربهم وعند المؤمنين، لا أثر لها، وعليهم غضب من الله لكفرهم ورفضهم الحق، ولهم عذاب شديد ينتظرهم يوم القيامة.
ولما بيَّن بطلان حجج الكافرين بيَّن أصل الحجج الصحيحة التي يحتج بها المسلم وهي القرآن، فقال:

17 - الله الذي أنزل القرآن بالحق الذي لا مرية فيه، وأنزل العدل ليحكم بين الناس بالإنصات، وقد تكون الساعة التي يكذِّب بها هؤلاء قريبة، ومعلوم أن كل آتٍ قريب.
18 - يطلب الذين لا يؤمنون بها تعجيلها؛ لأنهم لا يؤمنون بحساب ولا ثواب ولا عقاب , والذين آمنوا بالله خائفون منها لخوفهم من مصيرهم فيها، ويعلمون علم اليقين أنها الحق الذي لا مِرْية فيه، ألا إن الذين يجادلون في الساعة ويخاصمون فيها، ويشككون في وقوعها، لفي ضلال بعيد عن الحق.
19 - الله ذو لطف بعباده، يرزق من يشاء، فيوسع له الرزق، ويضيِّق على من يشاء رحمة به، وإن بدا غير ذلك، وهو القوي الذي لا يغلبه أحد، العزيز الذي ينتقم من أعدائه.
20 - من كان يريد ثواب الآخرة عاملًا لها عملها، نضاعف له ثوابه، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن كان يريد الدنيا وحدها أعطيناه نصيبه المقدر له فيها، وليس له في الآخرة من حظ لإيثاره الدنيا عليها.
21 - أم لهؤلاء المشركين آلهة من دون الله، وقد شرعوا لهم من الدين ما لم ياذن لهم الله بشرعه من الشرك به وتحريم ما أحل، وتحليل ما حرم؟ ولولا ما ضربه الله من أجَلٍ محدد للفصل بين المختلفين، وأنه يؤخرهم إليه لفصَل بينهم، وإن الظالمين لأنفسهم بالشرك بالله والمعاصي لهم عذاب موجع ينتظرهم يوم القيامة.
22 - ترى -أيها الرسول- الظالمين أنفسهم بالشرك والمعاصي خائفين من العقاب بما كسبوا من الإثم، والعقاب واقع بهم لا محالة، فلا ينفعهم الخوف المجرد عن توبة، والذين آمنوا بالله وبرسله وعملوا الأعمال الصالحات على النقيض منهم؛ فهم في بساتين الجنات يتنعمون، لهم ما يشاؤون عند ربهم من أنواع النعيم الذي لا ينقطع أبدًا، ذلك هو الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خوف المؤمن من أهوال يوم القيامة يعين على الاستعداد لها.
• لطف الله بعباده حيث يوسع الرزق على من يكون خيرًا له، ويضيِّق على من يكون التضييق خيرًا له.
• خطر إيثار الدنيا على الآخرة.
(1/485)

ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (31)
23 - ذلك التبشير العظيم الذي يبشر الله به على يد رسوله الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الأعمال الصالحات، قل -أيها الرسول-: لا أطلب منكم على تبليغ الحق ثوابًا إلا ثوابًا واحدًا عائدًا نفعه إليكم، وهو أن تحبوني لقرابتي فيكم، ومن يكسب حسنة نضاعف له أجره؛ الحسنة بعشر أمثالها، إن الله غفور لذنوب من تاب إليه من عباده، شكور لأعمالهم الصالحة التي يعملونها ابتغاء وجهه.
24 - مِنْ زعم المشركين أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد اختلق هذا القرآن ونسبه لربه، ويقول الله ردًّا عليهم: لو حدَّثتَ نفسك أن تفتري كذبًا لطَبَعْتُ على قلبك، ومحوت الباطل المفترى، وأبقيت الحق، ولما لم يكن الأمر كذلك دلَّ على صدف النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه موحى له من ربه، إنه عليم بما في قلوب عباده لا يخفى عليه شيء منه.
25 - وهو سبحانه الذي يقبل توبة عباده من الكفر والمعاصي إذا تابوا إليه، ويتجاوز عن سيئاتهم التي ارتكبوها، ويعلم ما تفعلون من شيء، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها.
26 - ويجيب دعاء الذين آمنوا بالله وبرسله وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله على ما لم يسألوه، والكافرون بالله وبرسله لهم عذاب قوي ينتظرهم يوم القيامة.
27 - ولو وسَّع الله الرزق لجميع عباده لطغوا في الأرض بالظلم، ولكنه سبحانه ينزل من الرزق بقدر ما يشاء من توسيع وتضييق، إنه خبير بأحوال عباده بصير بها، فيعطي لحكمة، ويمنع لحكمة أيضًا.
28 - وهو الذي ينزل المطر على عباده من بعد ما يئسوا من نزوله، وينشر هذا المطر فتنبت الأرض، وهو المتولِّي شؤون عباده، المحمود على كل حال.
29 - ومن آيات الله الدالة على قدرته ووحدانيته خلق السماوات وخلق الأرض، وما نشر فيهما من مخلوقات عجيبة، وهو على جمعهم للحشر والجزاء متى شاء قدير، لا يعجزه ذلك كما لم يعجزه خلقهم أول مرة.
30 - وما أصابكم -أيها الناس- من مصيبة في أنفسكم أو أموالكم فبما كسبته أيديكم من المعاصي، ويتجاوز الله لكم عن كثير منها، فلا يؤاخذكم به.
31 - ولستم بقادرين على النجاة من ربكم هربًا إذا أراد عقابكم، وليس لكم من دونه ولي يتولى أموركم، ولا نصير يرفع عنكم العذاب إن أراده بكم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الداعي إلى الله لا يبتغي الأجر عند الناس.
• التوسيع في الرزق والتضييق فيه خاضع لحكمة إلهية قد تخفى على كثير من الناس.
• الذنوب والمعاصي من أسباب المصائب.
(1/486)

وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35) فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44)
32 - ومن آيات لة على قدرته ووحدانيته السفن التي تجري في البحر مثل الجبال في ارتفاعها وعلوها.
33 - إن يشأ الله إسكان الريح التي تسيِّرهنَّ أسكنها، فَيَظْللن ثوابت في البحر لا يتحرَّكن، إنَّ في ذلك المذكور من خلق السفن وتسخير الرياح لدلالات واضحة على قدرة الله لكل صَبَّار على البلاء والمحن، شكور لنعم الله عليه.
34 - أو إن يشأ سبحانه إهلاك تلك السفن بإرسال الريح العاصفة عليها أهلكها بسبب ما كسب الناس من الإثم، ويتجاوز عن كثير من ذنوب عباده فلا يعاقبهم عليها.
35 - ويعلم عند إهلاك تلك السفن بإرسال الريح العاصفة الذين يجادلون في آيات الله لإبطالها ما لهم من مهرب عن الهلاك، فلا يدعون إلا الله، ويتركون من عداه.
36 - فما أُعطيتم -أيها الناس- من مال أو جاه أو ولد، فمتاع الحياة الدنيا وهو زائل منقطع، والنعيم الدائم هو نعيم الجنة الذي أعده الله للذين آمنوا بالله ورسله، وعلى ربهم وحده يعتمدون في جميع أمورهم.
37 - والذين يبتعدون عن كبائر الذنوب وقبائحها، وإذا غضبوا ممن أساء إليهم بالقول أو الفعل يغفرون له زلته، ولا يعاقبونه عليها، وهذا العفو تفضل منهم إذا كان فيه خير ومصلحة.
38 - والذين استجابوا لربهم؛ بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، وأتمُّوا الصلاة على أكمل وجه، والذين يتشاورون في الأمور التي تهمهم، ومما رزقناهم ينفقون ابتغاء وجه الله.
39 - والذين إذا أصابهم الظلم ينتصرون إكرامًا لأنفسهم وإعزازًا لها، إذا كان الظالم غير أهل للعفو، وهذا الانتصار حق، بخاصة إذا لم يكن في العفو مصلحة.
40 - ومن أراد أن يأخذ حقه فله ذلك، لكن بالمثل دون زيادة أو تجاوز، ومن عفا عمن أساء إليه ولم يؤاخذه على إساءته، وأصلح ما بينه وبين أخيه فثوابه عند الله، إنه لا يحب الظالمين الذين يظلمون الناس في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم، بل يبغضهم.
41 - ومن انتصر لنفسه فأولئك ما عليهم من مؤاخذة لأخذهم بحقهم.
42 - إنما المؤاخذة والعقاب للذين يظلمون الناس، ويعملون في الأرض بالمعاصي، أولئك لهم عذاب موجع في الآخرة.
43 - وأما من صبر على إيذاء غيره وتجاوز عنه، فإن ذلك الصبر مما يعود بالخير عليه وعلى المجتمع؛ وذاك أمر محمود، ولا يوفَّق له إلا ذو حظ عظيم.
44 - ومن خذله الله عن الهداية فأضلَّه عن الحق فليس له ولي من بعده يتولى أمره، وترى الظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي لما عاينوا العذاب يوم القيامة يقولون متمنِّين: هل للعودة إلى الدنيا طريق فنتوب إلى الله؟

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الصبر والشكر سببان للتوفيق للاعتبار بآيات الله.
• مكانة الشورى في الإسلام عظيمة.
• جواز مؤاخذة الظالم بمثل ظلمه، والعفو خير من ذلك.
(1/487)

وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)
45 - وترى -أيها الرسول- هؤلاء الظالمين حين يُعْرَضون على النار وهم أذلاء وخزايا ينظرون إلى الناس خِلْسة من شدة خوفهم منها، وقال الذين آمنوا بالله وبرسله: إن الخاسرين حقًّا هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بسبب ما لاقوه من عذاب الله، ألا إن الظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي في عذاب دائم لا ينقطع أبدًا.
46 - وما كان لهم من أولياء ينصرونهم بإنقاذهم من عذاب الله يوم القيامة، ومن يخذله الله عن الحق فيضلُّه فليس له أبدًا من طريق تؤديه إلى الهداية إلى الحق.
47 - استجيبوا -أيها الناس- لربكم بالمسارعة إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وترك التسويف، من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي إذا جاء لا دافع له، ما لكم من ملجأ تلجؤون إليه، وما لكم من إنكار تنكرون به ذنوبكم التي اكتسبتموها في الدنيا.
48 - فإن أعرضوا عما أمرتهم به فما بعثناك -أيها الرسول- عليهم حفيظًا تحفظ أعمالهم، ليس عليك إلا تبليغ ما أمرت بتبليغه، وحسابهم على الله، وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة من غنى وصحة ونحوهما فرح بها، وإن يصب البشر بلاء بمكروه بسبب ذنوبهم؛ فإن طبيعتهم كفر نعم الله، وعدم شكرها، والتسخط مما قدره الله بحكمته.
49 - 50 - لله ملك السماوات وملك الأرض، يخلق ما يشاء من ذكر أو أنثى أو غير ذلك، يعطي لمن يشاء إناثًا ويحرمه الذكور، ويعطي لمن يشاء الذكور ويحرمه الإناث، ويجعل لمن يشاء الذكور والإناث معًا، ويجعل من يشاء عقيمًا لا يولد له، إنه عليم بما هو كائن وبما سيكون في المستقبل، وهذا من تمام علمه وكمال حكمته، لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء.
51 - ما يصحُّ لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا بالإلهام أو غيره، أو يكلمه، بحيث يسمع كلامه ولا يراه، أو يرسل إليه ملكًا رسولًا مثل جبريل، فيوحي إلى الرسول البشري بإذن الله ما يشاء الله أن يوحيه، إنه سبحانه عليٌّ في ذاته وصفاته، حكيم في خلقه وقدره وشرعه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب المسارعة إلى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.
• مهمة الرسول البلاغ، والنتائج بيد الله.
• هبة الذكور أو الإناث أو جمعهما معًا هو على مقتضى علم الله بما يصلح لعباده، ليس فيها مزية للذكور دون الإناث.
• يوحي الله تعالى إلى أنبيائه بطرق شتى؛ لِحِكَمٍ يعلمها سبحانه.
(1/488)

أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)
52 - وكما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك -أيها الرسول- أوحينا إليك قرآنًا من عندنا، ما كنت تعلم قبله ما الكتب السماوية المنزلة على الرسل، وما كنت تعلم ما الإيمان؟ ولكن أنزلنا هذا القرآن ضياءً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتدل الناس إلى طريق مستقيم هو دين الاسلام.
53 - طريق الله الذي له ما في السماوات، وله ما في الأرض، خلقًا وملكًا وتدبيرًا، حتمًا إلى الله وحده ترجع الأمور في تقديرها وتدبيرها.
سورة الزخرف
مَكيَّة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان المبادئ القرآنية الصحيحة، ونقض التصورات الجاهلية الزائفة.


[التَّفْسِيرُ]
1 - {حم} تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
2 - أقسم الله بالقرآن الموضح لطريق الهداية إلى الحق.

3 - إنا جعلناه قرآنا بلسان العرب؛ رجاء أن تعقلوا -يا معشر من نزل بلسانكم- معانيه، وتفهموها لتنقلوها إلى الأمم الأخرى.

4 - وإن هذا القرآن في اللوح المحفوظ لذو علوّ ورفعة، وذو حكمة، قد أحكمت آياته في أوامره ونواهيه.
5 - أفنترك إنزال القرآن عليكم إعراضًا لأجل إكثاركم من الشرك والمعاصي؟ لا نفعل ذلك، بل الرحمة بكم تقتضي عكس هذا.

6 - وكم بعثنا من نبي في الأمم السابقة.
7 - وما يأتي تلك الأمم السابقة من نبي من عند الله إلا كانوا منه يسخرون.
8 - فأهلكنا من هم أشدَّ بطشًا من تلك الأمم، فلا نعجز عن إهلاك من هم أضعف منهم، ومضى في القرآن صفة إهلاك الأمم السابقة، مثل عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مَدْين.
9 - ولئن سألت -أيها الرسول- هؤلاء المشركين المكذبين: من خلق السماوات، ومن خلق الأرض؟ ليقولنَّ جوابًا لسؤالك: خلقهنَّ العزيز الذي لا يغلبه أحد - العليم بكل شيء.
10 - الله الذي مهد لكم الأرض فجعلها لكم وطاءً تطؤونها بأقدامكم، وصيَّر لكم فيها طرقًا في جبالها وأوديتها؛ رجاء أن تسترشدوا بها في سيركم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سمي الوحي روحًا لأهمية الوحي في هداية الناس، فهو بمنزلة الروح للجسد.
• الهداية المسندة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي هداية الإرشاد لا هداية التوفيق.
• ما عند المشركين من توحيد الربوبية لا ينفعهم يوم القيامة.
(1/489)

وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14) وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)
11 - والذي نزل من السماء ماءً بقدر ما يكفيكم، ويكفي بهائمكم وزروعكم، فأحيينا به بلدة قاحلة لا نبات بها، وكما أحيا الله تلك الأرض القاحلة بالنبات يحييكم للبعث.
12 - والذي خلق الأصناف جميعها، كالليل والنهار، والذكر والأنثى وغيرها، وصيَّر لكم من السفن والأنعام ما تركبونه في أسفاركم، فتركبون السفن في البحر، وتركبون أنعامكم في البر.
13 - صيَّر لكم ذلك كله؛ رجاء أن تستقروا على ظهور ما تركبون منه في أسفاركم، ثم تذكروا نعمة ربكم بتسخيرها لكم إذا استقررتم على ظهورها، وتقولوا بألسنتكم: تنزَّه وتقدَّس الذي هيا وذلل لنا هذا المركوب فصرنا نتحكم فيه، وما كنا له مطيقين لولا تسخير الله له.
14 - وإنا إلى ربنا وحده لراجعون بعد موتنا للحساب والجزاء.
15 - وزعم المشركون أن بعض المخلوقات متولدة عن الخالق سبحانه حين قالوا: الملائكة بنات الله، إن الإنسان الذي يقول مثل هذا القول لكفور بيّن الكفر والضلال.
16 - أتقولون -أيها المشركون-: اتخذ الله مما يخلق بنات لنفسه، وأخلصكم بالذكور من الأولاد؟! فأي قسمة هذه القسمة التي زعمتم؟!
17 - وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى التي ينسبها إلى ربه ظل وجهه مسودًا من شدة الهم والحزن، وظلَّ هو ممتلئًا غيظًا، فكيف ينسب إلى ربه ما يغتمَّ هو به إذا بُشِّر به؟
18 - أينسبون إلى ربهم من يُرَبَّى في الزينة وهو في الجدال كير مبين الكلام لأنوثته؟!
19 - وسمَّوُا الملائكة الذين هم عباد الرحمن سبحانه: إناثًا، هل حضروا حين خلقهم الله، فتبينوا أنهم إناث؟! ستكتب الملائكة شهادتهم هذه، ويسألون عنها يوم القيامة، ويعذبون بها لكذبهم.
20 - وقالوا محتجين بالقدر: لو شاء الله ألا نعبد الملائكة ما عبدناهم، فكونه شاء ذلك منا يدلُّ على رضاه، ليس لهم بقولهم هذا من علم، إن هم إلا يكذبون.
21 - أم أعطينا هؤلاء المشركين كتابًا من قبل القرآن يبيح لهم عبادة غير الله؟! فهم متمسكون بذلك الكتاب، محتجون به.
22 - لا، لم يقع ذلك، بل قالوا محتجين بالتقليد: إنا وجدنا آباءنا من قبلنا على دين وملة، وقد كانوا يعبدون الأصنام، وإنا ماضون على آثارهم في عبادتها.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كل نعمة تقتضي شكرًا.
• جور المشركين في تصوراتهم عن ربهم حين نسبوا الإناث إليه، وكَرِهوهنَّ لأنفسهم.
• بطلان الاحتجاج على المعاصي بالقدر.
• المشاهدة أحد الأسس لإثبات الحقائق.
(1/490)

وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33)
23 - وكما كذَّب هؤلاء، واحتجوا بتقليدهم لآبائهم، لم نبعث من قبلك -أيها الرسول- في قرية من رسول ينذر قومه إلا قال رؤساؤهم وكبراؤهم من أهل الثراء فيهم: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، وإنا متبعون لآثارهم. فليس قومك بدْعًا في ذلك.
24 - قال لهم رسولهم: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بما هو خير من ملتهم التي كانوا عليها؟ قالوا: إنا كافرون بالذي أرسلت به أنت ومن سبقك من الرسل.
25 - فانتقمنا من الأمم التي كذبت بالرسل من قبلك فأهلكناهم، فتأمل كيف كانت نهاية المكذبين برسلهم، فقد كانت نهاية أليمة.
26 - واذكر -أيها الرسول- حين قال إبراهيم لأبيه وقومه: إنني بريء مما تعبدون من الأصنام من دون الله.
27 - إلا الله الذي خلقني فإنه سيرشدني إلى ما فيه نفعي من اتباع دينه القويم.
28 - وصيَّر إبراهيم كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) باقية في ذريته من بعده، فلا يزال فيهم من يوحِّد الله لا يشرك به شيئًا؛ رجاء أن يرجعوا إلى الله بالتوبة إليه من الشرك والمعاصي.
29 - لم أعاجل بالهلاك هؤلاء المشركين المكذبين، بل متعتهم بالبقاء في الدنيا، ومتعت آباءهم من قبلهم حتى جاءهم القرآن، ورسول مبين هو محمد - صلى الله عليه وسلم -.
30 - ولما جاءهم هذا القرآن الذي هو الحق الذي لا مِرْية فيه قالوا: هذا سحر يسحرنا به محمد، وإنا به كافرون فلن نؤمن به.
31 - وقال المشركون المكذبون: هلَّا أنزل الله هذا القرآن على أحد رجلين عظيمين من مكة أو الطائف، وهما الوليد بن عقبة وعروة بن مسعود الثقفي بدلًا من إنزاله على محمد الفقير اليتيم.
32 - أهم يقسمون رحمة ربك -أيها الرسول- فيعطونها من يشاؤون ويمنعونها من يشاؤون أم الله؟ نحن قسمنا بينهم أرزاقهم في الدنيا، وجعلنا منهم الغني والفقير؛ ليصير بعضهم مُسَخَّرًا لبعض، ورحمة ربك لعباده في الآخرة خير مما يجمعه هؤلاء من حطام الدنيا الفاني.
33 - ولولا أن يكون الناس أمة واحدة في الكفر لجعلنا لبيوت من يكفر بالله سقوفًا من الفضة، وجعلنا لهم درجًا عليه يصعدون.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التقليد من أسباب ضلال الأمم السابقة.
• البراءة من الكفر والكافرين لازمة.
• تقسيم الأرزاق خاضع لحكمة الله.
• حقارة الدنيا عند الله، فلو كانت تزن عنده جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء.
(1/491)

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47)
34 - وجعلنا لبيوتهم أبوابًا، وجعلنا لهم أسرَّة عليها يتكئون استدراجًا لهم وفتنة.
35 - ولجعلنا لهم ذهبًا، وليس كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، فنفعه قليل لعدم بقائه، وما في الآخرة من النعيم خير عند ربك -أيها الرسول- للمتقين لله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
36 - ومن ينظر نظر غير متمكن في القرآن يوصله إلى الإعراض يعاقب بتسليط شيطان ملازم له يزيده في الغواية.
37 - وإن هؤلاء القرناء الذين يُسَلَّطون على المعرضين عن القرآن ليصدونهم عن دين الله؛ فلا يمتثلون أوامره، ولا يجتنبون نواهيه، ويظنون أنهم مهتدون إلى الحق، ومن ثَمَّ فهم لا يتوبون من ضلالهم.
38 - حتى إذا جاءنا المُعْرِض عن ذكر الله يوم القيامة قال متمنيًا: يا ليت بيني وبينك -أيها القرين- مسافة ما بين المشرق والمغرب، فَقُبِّحْت من قرين.
39 - قال الله للكافرين يوم القيامة: ولن ينفعكم اليوم -وقد ظلمتم أنفسكم بالشرك والمعاصي- اشتراككم في العذاب فلن يحمل شركاؤكم عنكم شيئًا من عذابكم.
40 - إن هؤلاء صُمٌّ عن سماع الحق، عُمْيٌ عن إبصاره، أفأنت -أيها الرسول- تستطيع إسماع الصم، أو هداية العمي، أو هداية من كان في ضلال واضح عن الطريق المستقيم؟!
41 - فإن ذهبنا بك -بأن أمَتْناكَ قبل أن نعذبهم- فإنا منتقمون منهم بتعذيبهم في الدنيا والآخرة.
42 - أو نرينَّك بعض ما نعدهم من العذاب، فإنا عليهم مقتدرون يستطيعون مغالبتنا في شيء.
43 - فتمسَّك -أيها الرسول- بما أوحى إليك ربك، واعمل به، إنك على طريق حق لا لَبْس فيه.
44 - وإن هذا القرآن لشرف لك، وشرف لقومك، وسوف تسألون يوم القيامة عن الإيمان به، واتباع هديه، والدعوة إليه.
45 - واسأل -أيها الرسول- من بعثنا من قبلك من الرسل: أجعلنا من دون الرحمن معبودات تُعْبَد؟!
46 - ولقد بعثنا موسى بآياتنا إلى فرعون والأشراف من قومه فقال لهم: إني رسول رب المخلوقات كلها.
47 - فلما جاءهم بآياتنا صاروا منها يضحكون؛ سخرية واستهزاءً.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطر الإعراض عن القرآن.
• القرآن شرف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأمته.
• اتفاق الرسالات كلها على نبذ الشرك.
• السخرية من الحق صفة من صفات الكفر.
(1/492)

وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60)
48 - وما نري فرعون والأشراف من قومه من حجة على صحة ما جاء به موسى - عليه السلام - إلا كانت أعظم من الحجة التي قبلها، وأخذناهم بالعذاب في الدنيا؛ رجاء أن يرجعوا عما هم عليه من الكفر، ولكن دونما فائدة.
49 - فقالوا لما نالهم بعض العذاب لموسى - عليه السلام -: يا أيها الساحر، ادع لنا ربك بما ذكر لك من كشف العذاب إن آمنا، إنا لمهتدون إليه إن كشفه عنا.
50 - فلما صرفنا عنهم العذاب إذا هم ينقضون عهدهم، ولا يفون به.
51 - ونادى فرعون في قومه قائلًا في تبجُّح بملكه: يا قوم، أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار من النيل تجري تحت قصوري؟ أفلا تبصرون ملكي وتعرفون عظمتي؟!
52 - فأنا خير من موسى الطريد الضعيف الذي لا يحسن الكلام.
53 - فهلَّا ألقى الله الذي أرسله أَسْوِرة من ذهب عليه؛ لتبيين أنه رسوله، أو جاء معه الملائكة يتبع بعضهم بعضًا.
54 - فأغرى فرعون قومه، فأطاعوه في ضلاله، إنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله.
55 - فلما أغضبونا باستمرارهم على الكفر انتقمنا منهم، فأغرقناهم كلهم.
56 - فصيّرنا فرعون وملأه مقدمة يتقدمون للناس وكفار قومك لهم بالأثر، وصيّرناهم عبرة لمن يعتبر؛ لئلا يعمل بعملهم فيصيبه ما أصابهم.
57 - ولما حسب المشركون أن عيسى الذي عبده النصارى داخل في عموم قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} وقد نهى الله عن عبادته كما نهى عن عبادة الأصنام إذا قومك -أيها الرسول- يضجّون ويصخبون في الخصومة قائلين: رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فأنزل الله ردًّا عليهم: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)}.
58 - وقالوا: أمعبوداتنا خير أم عيسى؟! ما ضرب لك ابن الزِّبَعْرَى وأمثاله هذا المثل حبًّا للتوصل إلى الحق، ولكن حبًّا للجدل، فهم قوم مجبولون على الخصومة.
59 - ما عيسى بن مريم إلا عبد من عباد الله أنعمنا عليه بالنبوة والرسالة، وصيّرناه مثلًا لبني إسرائيل يستدلون به على قدرة الله حين خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أبوين.
60 - ولو نشاء إهلاككم -يا بني آدم- لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم ملائكة يخلفونكم في الأرض، يعبدون الله لا يشركون به شيئًا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• نَكْث العهود من صفات الكفار.
• الفاسق خفيف العقل يستخفّه من أراد استخفافه.
• غضب الله يوجب الخسران.
• أهل الضلال يسعون إلى تحريف دلالات النص القرآني حسب أهوائهم.
(1/493)

وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73)
61 - وإن عيسى لعلامة من علامات الساعة الكبرى حين ينزل آخر الزمان، فلا تشكّوا أن الساعة واقعة، واتبعوني فيما جئتكم به من عند الله، هذا الذي جئتكم به هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
62 - ولا يصرفنكم الشيطان عن الصراط المستقيم بإغوائه وإغرائه، إنه لكم عدوّ بيّن العداوة.
63 - ولما جاء عيسى - عليه السلام - قومه بالأدلة الواضحة على أنه رسول، قال لهم: قد جئتكم من عند الله بالحكمة، ولأوضح لكم بعض الذي تختلفون فيه من أمور دينكم، فاتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه.
64 - إن الله هو ربي وربكم، لا رب لنا غيره، فأخلصوا له وحده العبادة، وهذا التوحيد هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
65 - فاختلفت طوائف النصارى في شأن عيسى؛ فمنهم من يقول: هو إله، ومن يقول: هو ابن الله، ومنهم من يقول: هو وأمه إلهان، فويل للذين ظلموا أنفسهم -بما وصفوا به عيسى من الألوهية، أو البُنُوَّة، أو أنه ثالث ثلاثة- من عذاب موجع ينتظرهم يوم القيامة.
66 - هل ينتظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في شأن عيسى إلا الساعة أن تأتيهم فجأة وهم لا يحسّون بإتيانها؟! فإن جاءتهم وهم على كفرهم فإن مصيرهم العذاب الموجع.
67 - المتخالّون والمتصادقون على الكفر والضلال بعضهم لبعض أعداء يوم القيامة إلا المتقين لله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فخُلّتهم دائمة لا تنقطع.
68 - ويقول لهم الله: يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم فيما تستقبلونه، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من حظوظ الدنيا.
69 - الذين آمنوا بالقرآن المنزل على رسولهم، وكانوا منقادين للقرآن؛ يأتمرون بأوامره، وينتهون عن نواهيه.
70 - ادخلوا الجنة أنتم وأمثالكم في الإيمان، تسرّون بما تلقونه من النعيم المقيم الذي لا ينفد ولا ينقطع.
71 - يطوف عليهم خدّامهم بآنية من ذهب وبأكواب لا عُرَا لها، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس، وتتلذذ الأعين برؤيته، وأنتم فيها ماكثون، لا تخرجون منها أبدًا.
72 - تلك الجنة التي وصفت لكم هي التي أورثكم الله إياها بأعمالكم فضلًا منه.
73 - لكم فيها فاكهة كثيرة لا تنقطع، منها تأكلون.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• نزول عيسى من علامات الساعة الكبرى.
• انقطاع خُلَّة الفساق يوم القيامة، ودوام خُلَّة المتقين.
• بشارة الله للمؤمنين وتطمينه لهم عما خلفوا وراءهم من الدنيا وعما يستقبلونه في الآخرة.
(1/494)

إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
ولما ذكر الله جزاء المتقين ذكر جزاء من هم ضدهم وهم المجرمون فقال:

74 - إن المجرمين بالكفر والمعاصي في عذاب جهنم يوم القيامة ماكثون فيه أبدًا.
75 - لا يُخَفّف عنهم العذاب، وهم فيه آيسون من رحمة الله.
76 - وما ظلمناهم حين أدخلناهم النار، ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم بالكفر.
77 - ونادوا خازن النار مالكًا قائلين: يا مالك، لِيُمِتْنا ربك فنستريح من العذاب، فيجيبهم مالك بقوله: إنكم ماكثون في العذاب دائمًا لا تموتون، ولا ينقطع عنكم العذاب.
78 - لقد جئناكم في الدنيا بالحق الذي لا مِرْية فيه، ولكن معظمكم للحق كارهون.
79 - فإن مكروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأعدوا له كيدًا فإنا مُحكِمون لهم تدبيرًا يفوق كيدهم.
80 - أم يظنون أنا لا نسمع سرهم الذي أضمروه في قلوبهم، أو سرّهم الذي يتناجون به خفية، بلى إنا نسمع ذلك كله، والملائكة لديهم يكتبون كل ما عملوه.
81 - قل -أيها الرسول- للذين ينسبون البنات لله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا: إن كان لله -على سبيل الفرض- ولد فأنا أول العابدين لذلك الولد.
82 - تنزّه رب السماوات والأرض ورب العرش عما يقوله هؤلاء المشركون من نسبة الشريك والصاحبة والولد إليه.
83 - فاتركهم -أيها الرسول- يخوضوا فيما هم عليه من الباطل، ويلعبوا، حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون، وهو يوم القيامة.
84 - وهو سبحانه المعبود في السماء بحق، وهو المعبود في الأرض بحق، وهو الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره، العليم بأحوال عباده، لا يخفى عليه منها شيء.
85 - وتزايد خير الله وبركته سبحانه، الذي له وحده ملك السماوات وملك الأرض وملك ما بينهما، وعنده وحده علم الساعة التي تقوم فيها القيامة، لا يعلمها غيره، وإليه وحده ترجعون في الآخرة للحساب والجزاء.
86 - ولا يملك الذين يعبدهم المشركون من دون الله الشفاعة عند الله، إلا من شهد أن لا إله إلا الله، وهو يعلم ما شهد به؛ مثل عيسى وعزير والملائكة.
87 - ولئن سألتهم: من خلقهم؟ ليقولنّ: خلقنا الله، فكيف يُصْرَفْون عن عبادته بعد هذا الاعتراف؟!
88 - وعنده سبحانه علم شكوى رسوله من تكذيب قومه، وقوله فيها: يارب، إن هؤلاء قوم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم.
89 - فأعرضْ عنهم، وقل لهم ما تدفع به شرهم -وكان هذا في مكة- فسوف يعلمون ما يلاقونه من العقاب.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كراهة الحق خطر عظيم.
• مكر الكافرين يعود عليهم ولو بعد حين.
• كلما ازداد علم العبد بربه، ازداد ثقة بربه وتسليمًا لشرعه.
• اختصاص الله بعلم وقت الساعة.
(1/495)

حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18)
سُورَةُ الدُّخَان
- مَكيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
الإنذار بالعذاب المرتقب، من خلال تخويف المكذبين من عذاب الدنيا والآخرة.


[التَّفْسِيرُ]
1 - {حم} تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
2 - أقسم الله بالقرآن الموضح لطريق الهداية إلى الحق.
3 - إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، وهي ليلة كثيرة الخيرات، إنا كنا مخوِّفين بهذا القرآن.
4 - في هذه الليلة يفصل كل أمر محكم يتعلق بالأرزاق والآجال وغيرهما مما يحدثه الله تلك السنة.
5 - نفصل كل أمر محكم من عندنا، إنا كنا باعثين الرسل.
6 - نبعث الرسل رحمة من ربك -أيها الرسول- لمن أرسلوا إليهم، إنه سبحانه هو السميع لأقوال عباده، العليم بأفعالهم ونياتهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
7 - رب السماوات ورب الأرض ورب ما بينهما إن كنتم موقنين بذلك فآمنوا برسولي.
8 - لا معبود بحق غيره، يحيي ويميت، لا محيي ولا مميت غيره، ربكم ورب آبائكم المتقدمين.
9 - ليس هؤلاء المشركون بموقنين بذلك، بل هم في شك منه يلهون عنه بما هم فيه من الباطل.
10 - فانتظر -أيها الرسول- عذاب قومك القريب يوم تأتي السماء بدخان واضح يرونه بأعينهم من شدة الوجع.
11 - يعمّ قومك، ويقال لهم: هذا العذاب الذي أصابكم عذاب موجع.
12 - فيتضرعون إلى ربهم سائلين: ربنا اصرف عنا العذاب الذي أرسلته علينا، إنا مؤمنون بك وبرسولك إن صرفته عنا.
13 - كيف لهم أن يتذكروا وينيبوا إلى ربهم وقد جاءهم رسول بيّن الرسالة، وعرفوا صدقه وأمانته؟!
14 - ثم أعرضوا عن التصديق به، وقالوا عنه: هو معلَّم يُعلِّمه غيره وليس برسول، وقالوا عنه: هو مجنون.
15 - إنا حين نصرف عنكم العذاب قليلًا، إنكم عائدون إلى كفركم وتكذيبكم.
16 - وانتظرهم -أيها الرسول- يوم نبطش بكفار قومك البطشة الكبرى يوم بدر، إنا منتقمون منهم لكفرهم بالله وتكذيبهم رسوله.
17 - ولقد اختبرنا قبلهم قوم فرعون، وجاءهم رسول من الله كريم يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، وهو موسى - عليه السلام -.
18 - قال موسى لفرعون وقومه: اتركوا لي بني إسرائيل، فهم عباد الله، ليس لكم حق أن تستعبدوهم، إني لكم رسول من الله، أمين على ما أمرني أن أبلغكم، لا أنقص منه شيئًا ولا أزيده.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• نزول القرآن في ليلة القدر التى هي كثيرة الخيرات دلالة على عظم قدره.
• بعثة الرسل ونزول القرآن من مظاهر رحمة الله بعباده.
• رسالات الأنبياء تحرير للمستضعفين من قبضة المتكبرين.
(1/496)

وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39)
19 - وألا تتكبروا على الله بترك عبادته، والاستعلاء على عباده، إني آتيكم بحجة واضحة.
20 - وإني اعتصمت بربي وربكم من أن تقتلوني بالرجم بالحجارة.
21 - وإن لم تصدقوا بما جئت به فاعتزلوني، ولا تقربوني بسوء.
22 - فدعا موسى - عليه السلام - ربه: أن هؤلاء القوم -فرعون وملأه- قوم مجرمون يستحقّون تعجيل العقاب.
23 - فأمر الله موسى أن يسري بقومه ليلًا، وأخبره أن فرعون وقومه سيتبعونهم.
24 - وأمره إذا اجتاز البحر هو وبنو إسرائيل أن يتركه ساكنًا كما كان، إن فرعون وجنده مهلكون بالغرق في البحر.
25 - كم خلَّف فرعون وقومه وراءهم من بساتين وعيون جارية!
26 - وكم خلَّفوا وراءهم من زروع ومجلس حسن!
27 - وكم خلَّفوا وراءهم من عيشة كانوا فيها متنعّمين!
28 - هكذا حدث لهم ما وُصِفَ لكم، وأورثنا جناتهم وعيونهم وزروعهم ومقاماتهم قومًا آخرين هم بنو إسرائيل.
29 - فما بكت على فرعون وقومه السماء والأرض حين غرقوا، وما كانوا مُمْهَلين حتى يتوبوا.
30 - ولقد أنقذنا بني إسرائيل من العذاب المُذِل، حيث كان فرعون وقومه يقتلون أبناءهم، ويستحيون نساءهم.
31 - أنقذناهم من عذاب فرعون، إنه كان مستكبرًا من المتجاوزين لأمر الله ودينه.
32 - ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا على عالمي زمانهم لكثرة أنبيائهم.
33 - وأعطيناهم من الدلائل والبراهين التي أيّدنا بها موسى ما فيه نعمة ظاهرة لهم كالمنّ والسلوى وغيرهما.
34 - إن هؤلاءالمشركين المكذبين ليقولون منكرين للبعث:
35 - ما هي إلا موتتنا الأولى فلا حياة بعدها، وما نحن بمبعوثين بعد هذه الموتة.
36 - فأت -يا محمد- أنت ومن معك من أتباعك بآبائنا الذين ماتوا أحياء إن كنتم صادقين فيما تدّعونه من أن الله يبعث الموتى أحياء للحساب والجزاء.
37 - أهؤلاء المشركون المكذبون بك -أيها الرسول- خير في القوة والمنعة، أم قوم تُبَّع والذين من قبلهم مثل عاد وثمود - أهلكناهم جميعًا، إنهم كانوا مجرمين.
38 - وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين بخلقها.
39 - ما خلقنا السماوات والأرض إلا لحكمة بالغة، ولكن معظم المشركين لا يعلمون ذلك.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب لجوء المؤمن إلى ربه أن يحفظه من كيد عدوّه.
• مشروعية الدعاء على الكفار عندما لا يستجيبون للدعوة، وعندما يحاربون أهلها.
• الكون لا يحزن لموت الكافر لهوانه على الله.
• خلق السماوات والأرض لحكمة بالغة يجهلها الملحدون.
(1/497)

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42) إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)
40 - إن يوم القيامة الذي يفصل الله به بين العباد ميعاد للخلائق جميعًا يجمعهم الله فيه.
41 - يوم لا ينفع قريب قريبه، ولا صديق صديقه، ولا هم يمنعون من عذاب الله؛ لأن الملك يومئذ لله، لا أحد يستطيع ادعاءه.
42 - إلا من رحمه الله من الناس، فإنه ينتفع بما قدم من عمل صالح إن الله هو العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وقدره وتدبيره.
ولما ذكر الله القيامة ذكر افتراق الناس فيها حسب الجزاء، فقال:

43 - إن شجرة الزقوم التي أنبتها الله في أصل الجحيم.
44 - طعام ذي الإثم العظيم وهو الكافر يأكل من ثمرها الخبيث.
45 - هذا الثمر مثل الزيت الأسود، يغلي في بطونهم من شدة حرارته.
46 - كغلي الماء المتناهي في الحرارة.
47 - ويقال لزبانية النار: خذوه فجرّوه بعنف وغلظة إلى وسط الجحيم.
48 - ثم صبوا فوق رأس هذا المُعَذَّب الماء الحار فلا يفارقه العذاب.
49 - ويقال له تهكُّمًا: ذق هذا العذاب الأليم؛ إنك أنت العزيز الذي لا يُضام جنابك الكريم في قومك.
50 - إن هذا العذاب هو الذي كنتم تشكّون في وقوعه يوم القيامة، فقد زال عنكم الشك بمعاينته.
51 - إن المتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه في موضع إقامة آمنون من كل مكروه يصيبهم.
52 - في بساتين وعيون جارية.
53 - يلبسون في الجنة رقيق الديباج وغليظه، يقابل بعضهم بعضًا، ولا ينظر أحدهم قفا الآخر.
54 - كما أكرمناهم بذلك المذكور زوجناهم في الجنة بالحسان من النساء واسعات الأعين مع شدّة بياض بياضها وشدّة سواد سوادها.
55 - يدعون خدمهم فيها ليأتوهم بكل فاكهة أرادوها آمنين من انقطاعها، ومن مضارّها.
56 - خالدين فيها، لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى في الحياة الدنيا، ووقاهم ربهم عذاب النار.
57 - تفضلًا وإحسانًا من ربك بهم، ذلك المذكور -من إدخالهم الجنة , ووقايتهم من النار- هو الفوز العظيم الذي لا يدانيه فوز.
58 - فإنما يسّرنا هذا القرآن وسهَّلناه بإنزاله بلسانك العربي -أيها الرسول- لعلَّهم يتعظون.
59 - فانتظر نصرك وهلاكهم، إنهم منتظرون هلاكك.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجمع بين العذاب الجسمي والنفسي للكافر.
• الفوز العظيم هو النجاة من النار ودخول الجنة.
• تيسير الله لفظ القرآن ومعانيه لعباده.
(1/498)

حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)
سُورَة الجَاثِيَة
- مَكيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
معالجة أصحاب الهوى المستكبرين عن الحق، من خلال عرض الآيات والتذكير بالآخرة.


[التَّفْسِيرُ]
1 - {حم} تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
2 - تنزيل القرآن من الله العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وقدره وتدبيره.
3 - إن في السماوات والأرض لدلائل على قدرة الله ووحدانيته للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين يعتبرون بالآيات.
4 - وفي خلقكم -أيها الناس- من نطفة، ثم من مُضْغة، ثم من عَلَقة، وفي خلق ما يبثه الله من دابة تدب على وجه الأرض دلائل على وحدانيته لقوم يوقنون بأن الله هو الخالق.
5 - وفي تعاقب الليل والنهار، وفيما أنزل الله من السماء من المطر فأحيا به الأرض بإنباتها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها، وفى تصريف الرياح بالإتيان بها مرة من جهه، ومره من أخرى لمنافعكم؛ دلائل لقوم يعقلون، فيستدلون بها على وحدانية الله وقدرته على البعث، وقدرته على كل شيء.
6 - هذه الآيات والبراهين نتلوها عليك -أيها الرسول- بالحق، فإن لم يؤمنوا بحديث الله المنزل على عبده وبحججه، فبأي حديث بعده يؤمنون، وبأي حجج بعده يصدقون؟!
7 - عذاب من الله وهلاك لكل كذاب كثير الآثام.
8 - يسمع هذا الكافر آيات الله في القرآن تقرأ عليه، ثم يستمرّ على ما كان عليه من الكفر والمعاصي؛ متعاليًا في نفسه عن اتباع الحق، كأنه لم يسمع تلك الآيات المقروءة عليه، فأخبره -أيها الرسول- بما يسوؤه في آخرته، وهو عذاب موجع ينتظره فيها.
9 - وإذا بلغه شيء من القرآن اتخذه سخرية يسخر منه، أولئك المتصفون بصفة السخرية من القرآن لهم عذاب مذلّ يوم القيامة.
10 - من أمامهم نار جهنم تنتظرهم في الآخرة، ولا يغني عنهم ما كسبوا من الأموال من الله شيئًا، ولا يدفع عنهم شيئًا ما اتخذوه من دونه من الأصنام التي يعبدونها من دونه، ولهم يوم القيامة عذاب عظيم.
11 - هذا الكتاب الذي أنزلناه على رسولنا محمد هاد إلى طريق الحق، والذين كفروا بآيات ربهم المنزلة على رسوله لهم عذاب سيئ موجع.
12 - الله وحده هو الذي سخّر لكم -أيها الناس- البحر لتجري السفن فيه بأمره، ولتطلبوا من فضله بأنواع المكاسب المباحة، ولعلكم تشكرون نعمة الله عليكم.
13 - وسخّر لكم سبحانه ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم، وما في الأرض من أنهار وأشجار وجبال وغيره، إن في تسخير ذلك لكم لدلائل على قدرة الله ووحدانيته، لقوم يتفكرون في آياته، فيعتبرون بها.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الكذب والإصرار على الذنب والكبر والاستهزاء بآيات الله: صفات أهل الضلال، وقد توعّد الله المتصف بها.
• نعم الله على عباده كثيرة، ومنها تسخير ما في الكون لهم.
• النعم تقتضي من العباد شكر المعبود الذي منحهم إياها.
(1/499)

قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22)
14 - قل -أيها الرسول- للذين آمنوا بالله، وصدقوا رسوله: تجاوزوا عمن أساء إليكم من الكفار الذين لا يبالون بنعم الله أو نقمه، فإن الله سيجزي كلًّا من المؤمنين الصابرين، والكفار المعتدين، بما كانوا يكسبون من الأعمال في الدنيا.
15 - من عمل عملًا صالحًا فنتيجة عمله الصالح له، والله غني عن عمله، ومن أساء عمله فنتيجة عمله السيئ عقابه عليه، والله لا تضرّه إساءته، ثم إلينا وحدنا ترجعون في الآخرة لنجازي كلًّا بما يستحقّه.
16 - ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والفصل بين الناس بحكمها، وجعلنا معظم الأنبياء منهم من ذرية إبراهيم - عليه السلام -، ورزقناهم من أنواع الطيبات، وفضلناهم على عالمي زمانهم.
17 - وأعطيناهم دلائل توضح الحق من الباطل، فما اختلفوا إلا من بعد ما قامت عليهم الحجج ببعثة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وما جرّهم إلى هذا الاختلاف إلا بغي بعضهم على بعض حرصًا على الرئاسة والجاه، إن ربك -أيها الرسول- يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا، فيبيّن من كان محقًّا، ومن كان مبطلًا.
18 - ثم جعلناك على طريقة وسُنَّة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا تدعو إلى الإيمان والعمل الصالح، فاتبع هذه الشريعة، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون الحق؛ فأهواؤهم مضلة عن الحق.
19 - إن الذين لا يعلمون الحق لن يَكُفُّوا عنك من عذاب الله شيئًا إن اتبعت أهواءهم، وإن الظالمين من جميع المِلَلِ والنِّحَل بعضهم ناصر بعض، ومؤيده على المؤمنين، والله ناصر المتقين له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
20 - هذا القرآن المنزل على رسولنا بصائر يبصر بها الناس الحق من الباطل، وهداية إلى الحق، ورحمة لقوم يوقنون؛ لأنهم هم الذين يهتدون به إلى الصراط المستقيم ليرضى عنهم ربهم، فيدخلهم الجنة، ويزحزحهم عن النار.
21 - هل يظن الذين اكتسبوا بجوارحهم الكفر والمعاصي أن نجعلهم في الجزاء مثل الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، بحيث يستوون في الدنيا والآخرة؟! قبح حكمهم هذا.
22 - وخلق الله السماوات والأرض لحكمة بالغة، ولم يخلقهما عبثًا، ولتجزى كل نفس بما كسبته من خير أو شرّ، والله لا يظلمهم بنقص في حسناتهم، ولا زيادة في سيئاتهم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• العفو والتجاوز عن الظالم إذا لم يُظهر الفساد في الأرض، ويَعْتَدِ على حدود الله؛ خلق فاضل أمر الله به المؤمنين إن غلب على ظنهم العاقبة الحسنة.
• وجوب اتباع الشرع والبعد عن اتباع أهواء البشر.
• كما لا يستوي المؤمنون والكافرون في الصفات، فلا يستوون في الجزاء.
• خلق الله السماوات وفق حكمة بالغة يجهلها الماديون الملحدون.
(1/500)

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)
23 - انظر -أيها الرسول- إلى من اتبع هواه وجعله بمنزلة المعبود له الذي لا يخالفه، فقد أضلّه الله على علم منه؛ لأنه يستحقّ الإضلال، وختم على قلبه فلا يسمع سماعًا ينتفع به، وجعل الله على بصره غطاء يمنعه من إبصار الحق، فمن الذي يوفِّقه للحق بعد أن أضله الله؟! أفلا تتذكرون ضرر اتباع الهوى، ونفع اتباع شرع الله؟!
24 - وقال الكافرون المنكرون للبعث: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا هذه فقط، فلا حياة بعدها، تموت أجيال فلا تعود وتحيا أجيال، وما يميتنا إلا تعاقب الليل والنهار، وليس لهم على إنكارهم للبعث من علم، إن هم إلا يظنون، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا.
25 - وإذا تُقْرأ على المشركين المنكرين للبعث آياتنا واضحات ما كان لهم من حجة يحتجون بها إلا قولهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه: أحيوا لنا آباءنا الذين ماتوا إن كنتم صادقين في دعوى أننا نبعث بعد موتنا.
26 - قل لهم -أيها الرسول-: الله يحييكم بخلقكم ثم يميتكم، ثم يجمعكم بعد موتكم إلى يوم القيامة للحساب والجزاء، ذلك اليوم الذي لا شك فيه أنه آتٍ، ولكن معظم الناس لا يعلمون؛ لذلك لا يستعدّون له بالعمل الصالح.
27 - ولله وحده ملك السماوات وملك الأرض، فلا يُعْبد بحقٍّ غيره فيهما، ويوم تقوم الساعة التي يبعث الله فيها الموتى للحساب والجزاء يخسر أصحاب الباطل الذين كانوا يعبدون غير الله، ويسعون لإبطال الحق، واحقاق الباطل.
28 - وترى -أيها الرسول- في ذلك اليوم كل أمة باركة على ركبها تنتظر ما يفعل بها، كل أمة تدعى إلى كتاب أعمالها الذي كتبه الحفظة من الملائكة، اليوم تجزون -أيها الناس- ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشرّ.
29 - هذا كتابنا -الذي كانت ملائكتنا تكتب فيه أعمالكم- يشهد عليكم بالحقّ فاقرؤوه، إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب ما كنتم تعملون في الدنيا.
30 - فأما الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات فيدخلهم ربهم سبحانه في جنته برحمته؛ ذلك الجزاء الذي أعطاهم الله إياه هو الفوز الواضح الذي لا يدانيه فوز.
31 - وأما الذين كفروا بالله فيقال لهم تَبْكِيتًا لهم: ألم تكن آياتي تقرأ عليكم فتعاليتم على الإيمان بها، وكنتم قومًا مجرمين، تكسبون الكفر والآثام؟!
32 - وإذا قيل لكم: إن وعد الله -الذي وعد به عباده أنه سيبعثهم ويجازيهم- حق لا مِرْية فيه، والساعة حق لا شك فيها فاعملوا لها، قلتم: ما ندري ما هذه الساعة، إن نظن إلا ظنًّا ضعيفًا أنها آتية، وما نحن بمستيقنين أنها ستأتي.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• اتباع الهوى يهلك صاحبه، ويحجب عنه أسباب التوفيق.
• هول يوم القيامة.
• الظن لا يغني من الحق شيئًا، خاصةً في مجال الاعتقاد.
(1/501)

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)
33 - وظهر لهم سيئات ما عملوه في الدنيا من الكفر والمعاصي، ونزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به عندما يُحَذَّرون منه.
34 - وقال لهم الله: اليوم نترككم في النار كما أنكم نسيتم لقاء يومكم هذا، فلم تستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح، ومستقرّكم الذي تأوون إليه هو النار، وليس لكم من ناصرين يدفعون عنكم عذاب الله.
35 - ذلكم العذاب الذي عذبتم به بسبب أنكم اتخذتم آيات الله هزؤًا تسخرون منها، وخدعتكم الحياة بلذّاتها وشهواتها، فاليوم لا يخرج هؤلاء الكفار المستهزئون بآيات الله من النار، بل يبقون فيها خالدين أبدًا، ولا يردّون إلى الحياة الدنيا ليعملوا عملًا صالحًا، ولا يرضى عنهم ربهم.
36 - فللَّه وحده الحمد، رب السماوات ورب الأرض، ورب جميع المخلوقات.
37 - وله الجلال والعظمة في السماوات وفي الأرض، وهو العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره وشرعه.
سُورَة الأحْقَافِ
- مَكيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إقامة الحجة على المكذبين وإنذارهم بالعذاب، ولذا تكرر فيها لفظ الإنذار.


[التَّفْسِيرُ]
1 - {حم} تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
2 - تنزيل القرآن من الله العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره وشرعه.
3 - ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما عبثًا، بل خلقنا ذلك كله بالحق لحكم بالغة، منها أن يعرفه العباد من خلالها فيعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وليقوموا بمقتضيات استخلافهم في الأرض إلى أمد محدد يعلمه الله وحده، والذين كفروا بالله معرضون عما أنذروا به في كتاب الله، لا يبالون به.

4 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المعرضين عن الحق: أخبروني عن أصنامكم التي تعبدونها من دون الله ماذا خلقوا من أجزاء الأرض؟ هل خلقوا جبلًا؟ هل خلقوا نهرًا؟ أم لهم شرك ونصيب مع الله في خلق السماوات؟ جيئوني بكتاب منزل من عند الله من قبل القرآن، أو ببقية علم مما تركه الأولون إن كنتم صادقين في دعواكم أن أصنامكم تستحق العبادة.

5 - ولا أحد أضلّ ممن يعبد من دون الله صنمًا لا يستجيب لدعائه إلى يوم القيامة، وهذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله غافلة عن دعاء عُبَّادها لها؛ فضلًا أن تنفعهم أو تضرهم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستهزاء بآيات الله كفر.
• خطر الاغترار بلذات الدنيا وشهواتها.
• ثبوت صفة الكبرياء لله تعالى.
• إجابة الدعاء من أظهر أدلة وجود الله - صلى الله عليه وسلم - واستحقاقه العبادة.
(1/502)

وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14)
6 - ومع كونها لا تنفعهم في الدنيا فإنهم إذا حُشِروا يوم القيامة يكونون أعداء لمن كانوا يعبدونهم، ويتبرؤون منهم، وينكرون أنهم كانوا على علم بعبادتهم إياهم.
7 - وإذا تُقْرأ عليهم آياتنا المنزلة على رسولنا قال الذين كفروا للقرآن لما جاءهم على يد رسولهم: هذا سحر واضح، وليس وحيًا من الله.
8 - هل يقول هؤلاء المشركون: إن محمدًا اختلق هذا القرآن، ونسبه إلى الله؟! قل لهم -أيها الرسول-: إن اختلقته من تلقاء نفسي فلا تملكون لي حيلة إن أراد الله أن يعذبني، فكيف أعرّض نفسي للعذاب بالاختلاق عليه؟! الله أعلم بما تخوضون فيه من الطعن في قرآنه والقدح فيّ، كفى به سبحانه شهيدًا بيني وبينكم، وهو الغفور لذنوب من تاب من عباده، الرحيم بهم.
9 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين بنبوتك: ما كنت أول رسول يبعثه الله فتستغربوا دعوتي لكم، فقد سبقني رسل كثيرون، ولا أعلم ما يفعله الله بي، ولا ما يفعله بكم في الدنيا، إن أتبع إلا ما يوحيه الله إليّ، فلا أقول ولا أفعل إلا وفق ما يوحيه، وما أنا إلا نذير أنذركم عذاب الله، بيّن النذارة.
10 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله، وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على أنه من عند الله؛ اعتمادًا على ما جاء في التوراة بشأنه، فآمن هو به، واستكبرتم عن الإيمان به -ألستم حينئذ ظالمين؟! إن الله لا يوفّق القوم الظالمين للحق.
11 - وقال الذين كفروا بالقرآن وبما جاءهم به رسولهم للذين آمنوا: لو كان ما جاء به محمد حقًّا يهدي إلى الخير ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء والعبيد والضعفاء. ولأنهم لم يهتدوا بما جاءهم به رسولهم فسيقولون: هذا الذي جاءنا به كذب قديم، ونحن لا نتبع الكذب.
12 - ومن قبل هذا القرآن التوراةُ الكتاب الذي أنزله الله على موسى - عليه السلام - إمامًا يُقْتَدى به في الحق، ورحمة لمن آمن به واتبعه من بني إسرائيل، وهذا القرآن المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - كتاب مصدق لما سبقه من الكتب بلسان عربي؛ لينذر به الذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله وبفعل المعاصي، وهو بشارة للمحسنين الذين أحسنوا علاقتهم مع خالقهم وعلاقتهم مع خلقه.
13 - إن الذين قالوا: ربنا الله لا رب لنا غيره، ثم استقاموا على الإيمان والعمل الصالح، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه في الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا، ولا على ما خلفوه وراءهم.
14 - أولئك الموصوفون بتلك الصفات أصحاب الجنة ماكثون فيها أبدًا؛ جزاء لهم على أعمالهم الصالحة التي قدموها في الدنيا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كل من عُبِد من دون الله ينكر على من عبده من الكافرين.
• عدم معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغيب إلا ما أطلعه الله عليه منه.
• وجود ما يثبت نبوّة نبينا - صلى الله عليه وسلم - في الكتب السابقة.
• بيان فضل الاستقامة وجزاء أصحابها.
(1/503)

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)
15 - وأمرنا الإنسان أمرًا مؤكدًا أن يحسن إلى والديه، بأن يبرّهما في حياتهما، وبعد موتهما بما لا مخالفة فيه للشرع، وعلى وجه الخصوص أمه التي حملته بمشقة ووضعته بمشقة، ومدة حمله التي مكثها وبدء فطامه: ثلاثون شهرًا، حتى إذا بلغ اكتمال قوتيه العقلية والبدنية وبلغ أربعين سنة قال: رب، ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وعلى والديَّ، وألهمني أن أعمل عملًا صالحًا ترضاه، وتقبَّله مني، وأصلح لي أولادي، إني تبت إليك من ذنوبي، وإني من المنقادين لطاعتك، المستسلمين لأوامرك.
16 - أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا من الأعمال الصالحات، ونتجاوز عن سيئاتهم، فلا نؤاخذهم بها، وهم في جملة أهل الجنة، هذا الوعد الذي وعدوا به وعد صدق، سيتحقق لا محالة.
ولما ذكر مثالًا للباز بأبويه ترغيبًا في البِرِّ، ذكر مثالًا للعاق تنفيرًا من العقوق، فقال:

17 - والذي قال لوالديه: تبًّا لكما، أتعدانني أن أخرج من قبري حيًّا بعد موتي، وقد مضت القرون الكثيرة، ومات الناس فيها فلم يبعث أحد منهم حيًّا؟! ووالداه يطلبان الغوث من الله أن يهدي ابنهما للإيمان، ويقولان لابنهما: هلاك لك إن لم تؤمن بالبعث فآمِن به، إن وعد الله بالبعث حق لا مِرْية فيه، فيقول هو مجددًا إنكاره للبعث: ما هذا الذي يقال عن البعث إلا منقول من كتب المتقدمين وما سطروه، لا يثبت عن الله.
18 - أولئك الذين وجب لهم العذاب في جملة أمم من قبلهم من الجن والإنس، إنهم كانوا خاسرين؛ حيث خسروا أنفسهم وأهليهم بدخولهم النار.
19 - ولكلا الفريقين -فريق الجنة، وفريق السعير- مراتب حسب أعمالهم، فمراتب أهل الجنة درجات عالية، ومراتب أهل النار دركات سافلة، وليوفيهم الله جزاء أعمالهم، وهم لا يظلمون يوم القيامة بنقص حسناتهم، ولا بزيادة سيئاتهم.
20 - ويوم يعرض الذين كفروا بالله وكذبوا رسله على النار ليعذبوا فيها، ويقال لهم توبيخًا لهم وتقريعًا: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، واستمتعتم بما فيها من الملذات، أما في هذا اليوم فتجزون العذاب الذي يهينكم ويذلكم بسبب تكبركم في الأرض بغير الحق، وبسبب خروجكم عن طاعة الله بالكفر والمعاصي.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان مكانة بِرِّ الوالدين في الإسلام، بخاصة في حق الأم، والتحذير من العقوق.
• بيان خطر التوسع في ملاذّ الدنيا؛ لأنها تشغل عن الآخرة.
• بيان الوعيد الشديد لأصحاب الكبر والفسوق.
(1/504)

وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)
21 - واذكر -أيها الرسول- هودًا أخا عاد في النسب حين أنذر قومه من وقوع عذاب الله عليهم، وهم بمنازلهم بالأحقاف جنوب الجزيرة العربية، وقد مضت الرسل منذرين قومهم قبل هود وبعده، قائلين لأقوامهم: لا تعبدوا إلا الله وحده، فلا تعبدوا معه غيره، إني أخاف عليكم -يا قوم- عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة.
22 - قال له قومه: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟! لن يكون لك ذلك، فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت صادقًا فيما تدّعيه.
23 - قال: إنما علم وقت العذاب عند الله، وأنا لا علم لي به، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم، ولكني أراكم قومًا تجهلون ما فيه نفعكم فتتركونه، وما فيه ضرّكم فتأتونه.
24 - فلما جاءهم ما استعجلوا به من العذاب، فرأوه سحابًا معترضًا في جهة من السماء متجهًا لأوديتهم قالوا: هذا عارض مصيبنا بالمطر، قال لهم هود: ليس الأمر كما ظننتم من أنه سحاب ممطركم، بل هو العذاب الذي استعجلتموه، فهو ريح فيها عذاب مؤلم.
25 - تدمر كل شيء مرت عليه مما أمرها الله بإهلاكه، فأصبحوا هلكى، لا يُرَى إلا بيوتهم التي كانوا يسكنونها شاهدة على وجودهم فيها من قبل، مثل هذا الجزاء المؤلم نجزي المجرمين المُصِرِّين على كفرهم ومعاصيهم.
26 - ولقد أعطينا قوم هود من أسباب التمكين ما لم نعطكم إياه، وجعلنا لهم أسماعًا يسمعون بها، وأبصارًا يبصرون بها، وقلوبًا يعقلون بها، فما أغنت عنهم أسماعهم ولا أبصارهم ولا عقولهم من شيء، فلم تدفع عنهم عذاب الله لما جاءهم، إذ كانوا يكفرون بآيات الله، ونزل بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب الذي خوّفهم منه نبيهم هود - عليه السلام -.
27 - ولقد أهلكنا ما حولكم -يا أهل مكة- من القرى، فقد أهلكنا عادًا وثمود وقوم لوط وأصحاب مَدْين، ونوّعنا لهم الحجج والبراهين؛ رجاء أن يرجعوا عن كفرهم.
28 - فهلَّا نصرتهم الأصنام التي اتخذوها آلهة من دون الله يتقربون إليها بالعبادة والذبح؟! لم تنصرهم قطعًا، بل غابت عنهم أحوج ما كانوا إليها، , وذلك كذبهم وافتراؤهم الذي منّوا به أنفسهم أن هذه الأصنام تنفعهم وتشفع لهم عند الله.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لا علم للرسل بالغيب إلا ما أطلعهم ربهم عليه منه.
• اغترار قوم هود حين ظنوا العذاب النازل بهم مطرًا، فلم يتوبوا قبل مباغتته لهم.
• قوة قوم عاد فوق قوة قريش، ومع ذلك أهلكهم الله.
• العاقل من يتعظ بغير لجاهل من يتعظ بنفسه.
(1/505)

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20) وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
19 - واذكر -أيها الرسول- حين أرسلنا إليك فريقًا من الجن يستمعون القرآن المنزل عليك، فلما حضروا لسماعه قال بعضهم لبعض: أنصتوا حتى نتمكن من سماعه، فلما أنهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - قراءته رجعوا إلى قومهم ينذرونهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا بهذا القرآن.
20 - قالوا لهم: يا قومنا، إنا سمعنا كتابًا أنزله الله من بعد موسى مصدقًا لما سبقه من الكتب المنزلة من عند الله، هذا الكتاب الذي سمعناه يرشد إلى الحق، ويهدي إلى طريق مستقيم، وهو طريق الاسلام.
21 - يا قومنا، أجيبوا محمدًا إلى ما دعاكم إليه من الحق، وآمنوا أنه رسول من ربه، يغفر لكم الله ذنوبكم، ويسلّمكم من عذاب موجع ينتظركم إذا لم تجيبوه إلى ما دعاكم إليه من الحق، ولم تؤمنوا أنه رسول من ربه.
22 - ومن لا يجب محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يدعوه إليه من الحق فلن يفوت الله بالهرب في الأرض، وليس له من دون الله من أولياء ينقذونه من العذاب، أولئك في ضلال عن الحق واضح.
23 - أَوَلم ير هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث أن الله الذي خلق السماوات وخلق الأرض ولم يعجز عن خلقهنّ مع ضخامتهن واتساعهنّ قادر على أن يحيي الموتى للحساب والجزاء؟! بلى، إنه لقادر على إحيائهم، إنه سبحانه على كل شيء قدير، فلا يعجز عن إحياء الموتى.
24 - ويوم يعرض الذين كفروا بالله وبرسله على النار ليعذبوا فيها، ويقال توبيخًا لهم: أليس هذا الذي تشاهدونه من العذاب حقًّا؟! أم أنه كذب كما كنتم تقولون في الدنيا؟! قالوا: بلى وربنا إنه لحقّ، فيقال لهم: ذوقوا العذاب بسبب كفركم بالله.
25 - فاصبر -أيها الرسول- على تكذيب قومك لك مثل ما صبر أولو العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى - عليه السلام -، ولا تستعجل لهم العذاب، كأن المكذبين من قومك يوم يرون ما يوعدون من العذاب في الآخرة لم يمكثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار لطول عذابهم، هذا القرآن المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - بلاغ وكفاية للإنس والجن، فإنه لا يُهْلَكُ بالعذاب إلا القوم الخارجون عن طاعة الله بالكفر والمعاصي.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من حسن الأدب الاستماع إلى المتكلم والإنصات له.
• سرعة استجابة المهتدين من الجنّ إلى الحق رسالة ترغيب إلى الإنس.
• الاستجابة إلى الحق تقتضي المسارعة في الدعوة إليه.
• الصبر خلق الأنبياء - عليهم السلام -.
(1/506)

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)
سُورَة مُحَمَّد
- مَدَنيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تحريض المؤمنين على القتال، تقويةً لهم وتوهينًا للكافرين.


[التَّفْسِيرُ]
1 - الذين كفروا بالله وصرفوا الناس عن دين الله، أبطل الله أعمالهم.
2 - والذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحات، وآمنوا بما نزله الله على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الحق من ربهم- كفّر عنهم سيئاتهم فلا يؤاخذهم بها، وأصلح لهم شؤونهم الدنيوية والأخروية.
3 - ذلك الجزاء المذكور للفريقين هو بسبب أن الذين كفروا بالله اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا بالله وبرسوله اتبعوا الحق من ربهم، فاختلف جزاؤهما لاختلاف سعيهما، كما بيّن الله حكمه في الفريقين: فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، يضرب الله للناس أمثالهم، فيلحق النظير بالنظير.
4 - فإذا لقيتم -أيها المؤمنون المحاربين من الذين كفروا فاضربوا رقابهم بسيوفكم، واستمرّوا في قتالهم حتى تكثروا فيهم القتل، فتستأصلوا شوكتهم، فإذا أكثرتم فيهم القتل فشدوا قيود الأسرى، فإذا أسرتموهم فلكم الخيار حسب ما تقتضيه المصلحة؛ بين المَنّ عليهم بإطلاق سراحِهم دون مقابِل، أو مفاداتهم بمال , أو غيره، وَاصِلُوا قتالَهم وأَسْرَهم حتى تنتهي الحرب بإسلام الكفار أو معاهدتهم. ذلك المذكور من ابتلاء المؤمنين بالكافرين ومداولة الأيام وانتصار بعضهم على بعض، هو حكم الله، ولو يشاء الله الانتصار من الكفار دون قتال لانتصر منهم، لكنه شرع الجهاد ليختبر بعضكم ببعض، فيختبر من يقاتل من المؤمنين ومن لا يقاتل، ويختبر الكافر بالمؤمن، فإن قتل المؤمن دخل الجنة، وإن قتله المؤمن دخل هو النار، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يبطل الله أعمالهم.
5 - سيوفقهم لاتباع الحق في حياتهم الدنيا، ويصلح شأنهم.
6 - ويدخلهم الجنة يوم القيامة، بيّنها لهم بأوصافها في الدنيا فعرفوها، وعرفهم منازلهم فيها في الآخرة.
7 - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع لهم، إن تنصروا الله بنصر نبيه ودينه، وبقتال الكفار، ينصركم بمنحكم الغلبة عليهم، ويثبّت أقدامكم في الحرب عند لقائهم.
8 - والذين كفروا بالله وبرسوله فلهم الخسران والهلاك، وأبطل الله ثواب أعمالهم.
9 - ذلك العقاب الواقع بهم بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن لما فيه من توحيد الله، فأحبط الله أعمالهم، فخسروا في الدنيا والآخرة.
10 - أفلم يسر هؤلاء المكذبون في الأرض، فيتأملوا كيف كانت نهاية الذين كذبوا من قبلهم، فقد كانت نهاية مؤلمة، دمر الله عليهم مساكنهم، فأهلكهم وأهلك أولادهم وأموالهم، وللكافرين في كل زمان ومكان أمثال تلك العقوبات.
11 - ذلك الجزاء المذكور للفريقين؛ لأن الله ناصر الذين آمنوا به، وأن الكافرين لا ناصر لهم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• النكاية في العدوّ بالقتل وسيلة مُثْلى لإخضاعه.
• المن والفداء والقتل والاسترقاق خيارات في الإسلام للتعامل مع الأسير الكافر، يؤخذ منها ما يحقق المصلحة.
• عظم فضل الشهادة في سبيل الله.
• نصر الله للمؤمنين مشروط بنصرهم لدينه.
(1/507)

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)
12 - إن الله يدخل الذين آمنوا بالله وبرسوله وعملوا الأعمال الصالحات، جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، والذين كفروا بالله وبرسوله يتمتعون في الدنيا باتباع شهواتهم، ويأكلون كما تأكل الأنعام، لا همّ لهم إلا بطونهم وفروجهم، والنار يوم القيامة هي مستقرّهم الذي يأوون إليه.
13 - وكم من قرية من قرى الأمم المتقدمة هي أشدّ قوة وأكثر أموالا وأولادًا من مكة التي أخرجك أهلها منها، أهلكناهم لما كذبوا رسلهم، فلا ناصر لهم ينقذهم من عذاب الله لما جاءهم، فلا يعجزنا إهلاك أهل مكة إذا أردناه.
14 - هل من كان له برهان بيّن وحجة واضحة من ربه، فهو يعبده على بصيرة، كمن زَيَّن له الشيطان سوء عمله، واتبعوا ما تمليه عليهم أهواؤهم من عبادة الأصنام وارتكاب الإثم، والتكذيب بالرسل؟
15 - صفة الجنة التي وعد الله المتقين له -بامتثال أوامره واجتناب نواهيه- أن يدخلهم فيها: فيها أنهار من ماء غير متغير ريحًا ولا طعمًا لطول مُكْث، وفيها أنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وفيها أنهار من خمر لذيذة للشاربين، وأنهار من عسل قد صُفِّي من الشوائب، ولهم فيها من كل أنواع الثمرات ما يشاؤون، ولهم فوق ذلك كله محو من الله لذنوبهم، فلا يؤاخذهم بها، هل يستوي من كان هذا جزاءه مع من هو ماكث في النار لا يخرج منها أبدًا، وسُقوا ماءً شديد الحرارة، فقطّع أمعاء بطونهم من شدّة حرّه؟!
16 - ومن المنافقين من يستمع إليك -أيها الرسول- سماعًا لا قبول معه، بل مع إعراض، حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أعطاهم الله علمًا: ماذا قال في حديثه قريبًا؟ تجاهلًا منهم وإعراضًا، أولئك هم الذين ختم الله على قلوبهم فلا يصل إليها خير، واتبعوا أهواءهم فأعمتهم عن الحق.
17 - والذين اهتدوا إلى طريق الحق، واتباع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، زادهم ربهم هداية وتوفيقًا للخير، وألهمهم العمل بما يقيهم من النار.
18 - فهل ينتظر الكفار إلا أن تأتيهم الساعة فجأة من غير سابق علم لهم بها؟! فقد جاءت علاماتها، ومنها بعثته - صلى الله عليه وسلم -، وانشقاق القمر، فكيف لهم أن يتذكروا إذا جاءتهم الساعة؟
19 - فأيقن -أيها الرسول- أنه لا معبود بحق غير الله، واطلب من الله المغفرة لذنوبك، واطلب المغفرة منه لذنوب المؤمنين وذنوب المؤمنات، والله يعلم تصرفكم في نهاركم، ومستقرّكم بليلكم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• اقتصار همّ الكافر على التمتع في الدنيا بالمتع الزائلة.
• المقابلة بين جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين تبيّن الفرق الشاسع بينهما؛ ليختار العاقل أن يكون مؤمنًا، ويختار الأحمق أن يكون كافرًا.
• بيان سوء أدب المنافقين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
• العلم قبل القول والعمل.
(1/508)

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)
20 - ويقول الذين آمنوا بالله -متمنين أن ينزل الله على رسوله سورة تشتمل على حكم القتال-: هلَّا أنزل الله سورة فيها ذِكْر القتال، فإذا أنزل الله سورة محكمة في بيانها وأحكامها مشتملة على ذكر القتال، رأيت -أيها الرسول- الذين في قلوبهم شك من المنافقين ينظرون إليك نظر من غشي عليه من شدة الخوف والرعب، فتوعدهم الله بأن عذابهم قد وَليَهُم وقَرُبَ منهم بسبب النكوص عن القتال والخوف منه:
21 - أن يطيعوا أمر الله، وأن يقولوا قولًا معروفًا لا نكر فيه خير لهم، فإذا فرض القتال وجدّ الجدّ، فلو صدقوا الله في إيمانهم به، وطاعتهم له لكان خيرًا لهم من النفاق وعصيان أوامر الله.
22 - ويغلب على حالكم إن أعرضتم عن الإيمان بالله وطاعته أنكم تفسدون في الأرض بالكفر والمعاصي، وتقطعون أواصر الرحم؛ كما كانت حالكم في الجاهلية.
23 - أولئك المتَّصِفون بالإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام هم الذين أبعدهم الله عن رحمته، وأصمّ آذانهم عن سماع الحق سماع قَبول وإذعان، وأعمى أبصارهم عن إبصاره إبصار اعتبار.
24 - فهلَّا تدبر هؤلاء المُعْرِضون القرآنَ وتأمَّلوا ما فيه؟! فلو تدبروه لدلّهم على كل خير، وأبعدهم عن كل شرّ، أم على قلوب هؤلاء أقفالها قد أحكم إغلاقها، فلا تصل إليها موعظة، ولا تنفعها ذكرى؟!
25 - إن الذين ارتدوا عن إيمانهم إلى الكفر والنفاق، من بعد ما قامت عليهم الحجة، وتبيّن لهم صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، الشيطان هو الذي زين لهم الكفر والنفاق وسهَّله لهم، ومنّاهم بطول الأمل.
26 - ذلك الإضلال الحاصل لهم بسبب أنهم قالوا سرًّا للمشركين الذين كرهوا ما نزّل على رسوله من الوحي: سنطيعكم في بعض الأمر كالتثبيط عن القتال. والله يعلم ما يسرونه ويخفونه، لا يخفى عليه شيء، فيظهر ما شاء منه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
27 - فكيف ترى ما هم فيه من العذاب والحال الشنيعة التي هم عليها إذا قبضت أرواحهم الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، يضربون وجوههم وأدبارهم بمَقَامِع الحديد.
28 - ذلك العذاب بسبب أنهم اتبعوا كل ما اغضب الله عليهم؛ من الكفر والنفاق ومحادّة الله ورسوله، وكرهوا ما يقربهم من ربهم، ويحلّ عليهم رضوانه؛ من الإيمان بالله واتباع رسوله، فأبطل أعمالهم.
29 - هل يظنّ الذين في قلوبهم شك من المنافقين أن لن يخرج الله أحقادهم ويظهرها؟! ليخرجنّها بالابتلاء بالمحن؛ ليتميز صادق الإيمان من الكاذب، ويتضح المؤمن، ويفتضح المنافق.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التكليف بالجهاد في سبيل الله يميّز المنافقين من صفّ المؤمنين.
• أهمية تدبر كتاب الله، وخطر الإعراض عنه.
• الإفساد في الأرض وقطع الأرحام من أسباب قلة التوفيق والبعد عن رحمة الله.
(1/509)

وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)
30 - ولو نشاء تعريفك -أيها الرسول- المنافقين لعرّفناكهم، فلعرفتهم بعلامتهم، وسوف تعرفهم بأسلوب كلامهم، والله يعلم أعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيكم عليها.
31 - ولنختبرنّكم -أيها المؤمنون- بالجهاد وقتال الأعداء والقتل حتى نعلم المجاهدين منكم في سبيل الله، والصابرين منكم على قتال أعدائه، ونختبركم فنعرف الصادق منكم والكاذب.
32 - إن الذين كفروا بالله وبرسوله، وصدوا عن دين الله بأنفسهم، وصدوا عنه غيرهم، وخالفوا رسوله وَعَادَوْه من بعد ما تبيّن أنه نبي -لن يضرّوا الله، وإنما يضرون أنفسهم، وسيبطل الله أعمالهم.
33 - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول بأن تمتثلوا أمرهما، وتجتنبوا نهيهما، ولا تبطلوا أعمالكم بالكفر والرياء.
34 - إن الذين كفروا بالله، وصرفوا أنفسهم وصرفوا الناس عن دين الله، ثم ماتوا على كفرهم قبل التوبة -فلن يتجاوز الله عن ذنوبهم بسترها، بل سيؤاخذهم بها، ويدخلهم النار خالدين فيها أبدًا.
35 - فلا تضعفوا -أيها المؤمنون- عن مواجهة عدوّكم، وتدعوهم إلى الصلح قبل أن يدعوكم إليه، وأنتم القاهرون الغالبون لهم، والله معكم بنصره وتأييده، ولن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا، بل يزيدكم منًّا منه وتفضلًا.
36 - إنما الحياة الدنيا لعب ولهو، فلا ينشغل بها عاقل عن العمل لآخرته، وإن تؤمنوا بالله ورسوله، وتتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، يعطكم ثواب أعمالكم كاملًا غير منقوص، ولا يطلب منكم أموالكم كلها، وإنما يطلب منكم الواجب من الزكاة.
37 - إن يطلب منكم جميع أموالكم ويلحّ في طلبها منكم، تبخلوا بها، ويخرج ما في قلوبكم من كراهية الإنفاق في سبيله، فترك طلبها منكم رفقًا بكم.
38 - ها أنتم هؤلاء تُدْعَون لتنفقوا جزءًا من أموالكم في سبيل الله، ولا يطلب منكم إنفاق أموالكم كلها، فمنكم من يمنع الإنفاق المطلوب بخلًا منه، ومن يبخل بإنفاق جزء من ماله في سبيل الله، فإنما يبخل في الواقع على نفسه؛ بحرمانها ثواب الإنفاق، والله الغني فلا يحتاج إلى إنفاقكم، وأنتم الفقراء إليه، وإن ترجعوا عن الإسلام إلى الكفر يهلككم، ويأت بقوم غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم، بل يكونون مطيعين له.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سرائر المنافقين وخبثهم يظهر على قسمات وجوههم وأسلوب كلامهم.
• الاختبار سُنَّة إلهية لتمييز المؤمنين من المنافقين.
• تأييد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتسديد.
• من رفق الله بعباده أنه لا يطلب منهم إنفاق كل أموالهم في سبيل الله.
(1/510)

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9)
سُورَة الفَتح
- مَدَنيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر الوعد الإلهي بالفتح والتمكين لنبيِّه وللمؤمنين الصادقين في نصرة الدين.


[التَّفْسِيرُ]
1 - إنا فتحنا لك -أيها الرسول- فتحًا مبينًا بصلح الحديبية.
2 - ليغفر لك الله ما تقدم قبل هذا الفتح من ذنبك، وما تأخر بعده، ويكمل نعمته عليك بنصر دينك، ويهديك طريقًا مستقيمًا، لا اعوجاج فيه، وهو طريق الإسلام المستقيم.
3 - وينصرك الله على أعدائك نصرًا عزيزًا، لا يدفعه أحد.
4 - الله هو الذي أنزل الثبات والطمأنينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا على إيمانهم، ولله وحده جنود السماوات والأرض، يؤيد بها من يشاء من عباده، وكان الله عليمًا بمصالح عباده، حكيمًا فيما يجريه من نصر وتأييد.
5 - ليدخل المؤمنين بالله وبرسوله والمؤمنات جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ويمحو عنهم سيئاتهم، فلا يؤاخذهم بها، وكان ذلك المذكور -من نيل المطلوب وهو الجنة، وإبعاد المرهوب وهو المؤاخذة بالسيئات- عند الله فوزًا عظيمًا لا يدانيه فوز.
6 - ويعذب المنافقين والمنافقات، ويعذب المشركين بالله والمشركات، الظانين بالله أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، فعادت دائرة العذاب عليهم، وغضب الله عليهم بسبب كفرهم وظنهم السيئ، وطردهم من رحمته، وأعدّ لهم في الآخرة جهنم يدخلونها خالدين فيها أبدًا، وساءت جهنمُ مصيرًا يرجعون إليه.
7 - ولله جنود السماوات والأرض يؤيد بها من يشاء من عباده، وكان الله عزيزًا لا يغالبه أحد، حكيمًا في خلقه وتقديره وتدبيره.
8 - إنا بعثناك -أيها الرسول- شاهدًا تشهد على أمتك يوم القيامة، ومبشرًا المؤمنين بما أعدّ لهم في الدنيا من النصر والتمكين، وبما أعد لهم في الآخرة من النعيم، ومخوّفًا الكافرين بما أعدّ لهم في الدنيا من الذلة والهزيمة على أيدي المؤمنين، وبما أعدّ في الآخرة من العذاب الأليم الذي ينتظرهم.
9 - رجاء أن تؤمنوا بالله، وتؤمنوا برسوله، وتعظِّموا رسوله وتُجِلّوه، وتسبِّحوا الله أول النهار وآخره.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• صلح الحديبية بداية فتح عظيم على الإسلام والمسلمين.
• السكينة أثر من آثار الإيمان تبعث على الطمأنينة والثبات.
• خطر ظن السوء بالله، فإن الله يعامل الناس حسب ظنهم به سبحانه.
• وجوب تعظيم وتوقير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(1/511)

إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15)
10 - إن الذين يبايعونك -أيها الرسول- بيعة الرضوان على قتال أهل مكة المشركين، إنما يبايعون الله؛ لأنه هو الذي أمرهم بقتال المشركين، وهو الذي يجازيهم، يد الله فوق أيديهم عند البيعة، وهو مطَّلع عليهم لا يخفى عليه منهم شيء، فمن نقض بيعته، ولم يَفِ بما عاهد عليه الله من نصرة دينه، فإنما ضرر نقضه لبيعته ونقضه لعهده، عائد عليه، فالله لا يضرّه ذلك، ومن أوفى بما عاهد عليه الله من نصرة دينه، فسيعطيه جزاءً عظيمًا وهو الجنة.
11 - سيقول لك -أيها الرسول- الذين خلّفهم الله من الأعراب عن مرافقتك في سفرك إلى مكة إذا عاتبتهم: شغلتنا رعاية أموالنا ورعاية أولادنا عن المسير معك، فاطلب لنا المغفرة من الله لذنوبنا، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم من طلب استغفار النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم لم يتوبوا من ذنوبهم، قل لهم: لا أحد يملك لكم من الله شيئًا إن أراد بكم خيرًا، أو أراد بكم شرًّا، بل كان الله بما تعملون خبيرًا لا يخفى عليه شيء من أعمالكم مهما أخفيتموها.
12 - ليس ما اعتذرتم به من الانشغال برعاية الأموال والأولاد سبَبَ تخلفكم عن المسير معه، بل ظننتم أن الرسول وأصحابه سيهلكون جميعًا، ولا يرجعون إلى أهليهم في المدينة، حسَّنه الشيطان في قلوبكم، وظننتم ظنًّا سيئًا بربكم أنه لن ينصر نبيّه، وكنتم قومًا هلكى بسبب ما أقدمتم عليه من ظن السوء بالله والتخلف عن رسوله.
13 - ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو كافر، وقد أعددنا يوم القيامة للكافرين بالله نارًا مستعرة يعذبون فيها.
14 - ولله وحده ملك السماوات والأرض، يغفر ذنوب من يشاء من عباده، فيدخله الجنة بفضله، ويعذب من يشاء من عباده بعدله، وكان الله غفورًا لذنوب من تاب من عباده، رحيمًا بهم.
15 - سيقول الذين خلفهم الله إذا انطلقتم -أيها المؤمنون- إلى غنائم خيبر التي وعدكم الله إياها بعد صلح الحديبية لتأخذوها-: اتركونا نخرج معكم لنصيب منها؛ يريد هؤلاء المُخَلَّفون أن يبدلوا بطلبهم هذا وعد الله الذي وعد به المؤمنين بعد صلح الحديبية أن يعطيهم وحدهم غنائم خيبر، قل لهم -أيها الرسول-: لن تتبعونا إلى تلك الغنائم، فقد وعدنا الله أن غنائم خيبر خاصة بمن شهد الحديبية، فسيقولون: مَنْعُكم لنا من اتباعكم إلى خيبر ليس بأمر من الله، بل بسبب حسدكم لنا. وليس الأمر كما زعم هؤلاء المُخَلَّفون، بل هم لا يفقهون أوامر الله ونواهيه إلا قليلًا؛ لذلك وقعوا في معصيته.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مكانة بيعة الرضوان عند الله عظيمة، وأهلها من خير الناس على وجه الأرض.
• سوء الظن بالله من أسباب الوقوع في المعصية وقد يوصل إلى الكفر.
• ضعاف الإيمان قليلون عند الفزع، كثيرون عند الطمع.
(1/512)

قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23)
16 - قل -أيها الرسول- للذين تخلَّفوا من الأعراب عن المسير معك إلى مكة مختبرًا إياهم: ستُدعون إلى قتال قوم أصحاب بأس قوي في القتال، تقاتلونهم في سبيل الله، أو يدخلون في الإسلام من غير قتال، فإن تطيعوا الله فيما دعاكم إليه من قتالهم يعطكم أجرًا حسنًا هو الجنة، وإن تتولوا عن طاعته -كتولِّيكم عنها حين تخلفتم عن السير معه إلى مكة- يعذبكم عذابًا موجعًا.
17 - ليس على المعذور بعمًى أو عرج أو مرض إثم إذا تخلف عن القتال في سبيل الله، ومن يطع الله ويطع رسوله يدخله جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ومن يعرض عن طاعتهما يعذبه الله عذابًا موجعًا.
18 - لقد رضي الله عن المؤمنين وهم يبايعونك في الحديبية بيعة الرضوان تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص والصدق، فأنزل الطمأنينة على قلوبهم، وجزاهم على ذلك فتحًا قريبًا هو فتح خيبر؛ تعويضًا لهم عما فاتهم من دخول مكة.
19 - وأعطاهم مغانم كثيرة يأخذونها من أهل خيبر، وكان الله عزيزًا لا يغالبه أحد، حكيمًا في خلقه وتقديره وتدبيره.
20 - وعدكم الله -أيها المؤمنون- مغانم كثيرة تأخذونها في الفتوحات الإسلامية في المستقبل، فعجل لكم مغانم خيبر، ومَنَع أيدي اليهود لمَّا هموا أن يصيبوا عيالكم بعدكم، ولتكون هذه المغانم المعجلة علامة لكم على نصر الله وتأييده لكم، ويهديكم الله طريقًا مستقيمًا لا اعوجاج فيه.
21 - ووعدكم الله مغانم أخرى لم تقدروا عليها في هذا الوقت، الله وحده هو القادر عليها، وهي في علمه وتدبيره، وكان الله على كل شيء قديرًا، لا يعجزه شيء.
22 - ولو قاتلكم -أيها المؤمنون- الذين كفروا بالله ورسوله لولّوا هاربين منهزمين أمامكم، ثم لا يجدون وليًّا يتولى أمرهم، ولا يجدون نصيرًا ينصرهم على قتالكم.
23 - وغلبة المؤمنين وهزيمة الكافرين، ثابتة في كل زمان ومكان، فهي سُنَّة الله في الأمم التي مضت قبل هؤلاء المكذبين، ولن تجد -أيها الرسول- لسُنَّة الله تبديلًا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إخبار القرآن بمغيبات تحققت فيما بعد -مثل الفتوح الإسلامية- دليل قاطع على أن القرآن الكريم من عند الله.
• تقوم أحكام الشريعة على الرفق واليسر.
• جزاء أهل بيعة الرضوان منه ما هو معجل، ومنه ما هو مدَّخر لهم في الآخرة.
• غلبة الحق وأهله على الباطل وأهله سُنَّة إلهية.
(1/513)

وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)
24 - وهو الذي منع أيدي المشركين عنكم حين جاء نحو ثمانين رجلًا منهم يريدون إصابتكم بسوء بالحديبية، وكفّ أيديكم عنهم فلم تقتلوهم ولم تؤذوهم، بل أطلقتم سَرَاحَهم بعد أن أَقْدَرَكم على أَسْرِهم، وكان الله بما تعملون بصيرًا، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء.
25 - هم الذين كفروا بالله ورسوله، ومنعوكم عن المسجد الحرام، ومنعوا الهدي فبقي محبوسًا عن الوصول إلى الحرم محلّ ذبحه، ولولا وجود رجال مؤمنين بالله ونساء مؤمنات به لا تعرفونهم أن تقتلوهم مع الكفار، فيصيبكم من قتلهم إثم وديات بغير علم منكم؛ لأذن لكم في فتح مكة ليدخل الله في رحمته من يشاء مثل المؤمنين في مكة، لو تميّز الذين كفروا عن المؤمنين في مكة لعذبنا الذين كفروا بالله وبرسوله عذابًا موجعًا.
26 - إذ جعل الذين كفروا بالله ورسوله في قلوبهم الأَنَفة أَنَفة الجاهلية التي لا ترتبط بإحقاق الحق وإنما ترتبط بالهوى، فأنفوا من دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم عام الحديبية؛ خوفًا من تعييرهم بأنه غلبهم عليها، فأنزل الله الطمأنينة من عنده على رسوله وأنزلها على المؤمنين، فلم يؤذ بهم الغضب إلى مقابلة المشركين بمثل فعلهم، وألزم الله المؤمنين كلمة الحق وهي لا إله إلا الله، وأن يقوموا بحقها فقاموا به، وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من غيرهم، وكانوا أهلها المستأهلين لها لما علم الله في قلوبهم من الخير، وكان الله بكل شيء عليمًا، لا يخفى عليه شيء.
27 - لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق حين أراه إياها في منامه وأخبر بها أصحابه، وهي أنه هو وأصحابه يدخلون بيت الله الحرام آمنين من عدوّهم، منهم المحلِّقون رؤوسهم، ومنهم المقصِّرون إيذانًا بنهاية النُّسُك. فعَلم الله من مصلحتكم -أيها المؤمنون- ما لم تعلموا أنتم، فجعل من دون تحقيق الرؤيا بدخول مكة تلك السَّنَةَ فتحًا قريبًا، وهو ما أجراه الله من صلح الحديبية، وما تبعه من فتح خيبر على أيدي المؤمنين الذين حضروا الحديبية.
28 - الله هو الذي أرسل رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالبيان الواضح ودين الحق الذي هو دين الاسلام؛ ليعليه على الأديان المخالفة له كلها، وقد شهد الله على ذلك، وكفى بالله شاهدًا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الصد عن سبيل الله جريمة يستحق أصحابها العذاب الأليم.
• تدبير الله لمصالح عباده فوق مستوى علمهم المحدود.
• التحذير من استبدال رابطة الدين بحمية النسب أو الجاهلية.
• ظهور دين الإسلام سُنَّة ووعد إلهي تحقق.
(1/514)

29 - محمد رسول الله وصحابته الذين هم معه، أشدّاء على الكفار المحاربين، رحماء بينهم متعاطفون متوادُّون، تراهم -أيها الناظر- ركَّعًا سُجَّدا لله سبحانه، يطلبون من الله أن يتفضل عليهم بالمغفرة والثواب الكريم، وأن يرضى عنهم، علامتهم في وجوههم من آثار السجود ما يظهر من الهدي والسمت ونور الصلاة في وجوههم، ذلك وصفهم الذي وصفتهم به التوراة الكتاب المنزل على موسى - عليه السلام -، وأما مثلهم في الإنجيل الكتاب المنزل على عيسى- عليه السلام - فهو أنهم في تعاونهم وكمالهم كزرع أخرج صغاره، فقوي فغلظ فاستوى على سيقانه، يعجب الزُّراع قوته وكماله؛ ليغيظ بهم الله الكفار لما يرونه فيهم من القوة والتماسك والكمال، وعد الله الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحات من الصحابة مغفرة لذنوبهم، فلا يؤاخذون بها، وثوابًا عظيمًا من عنده وهو الجنة.
سُورَة الحُجُراتِ
- مَدَنيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تقرير أخلاق المجتمع الإسلامي والتحذير من الأخلاق السيئة.


[التَّفْسِيرُ]
1 - يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما شرع، لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله بقول أو فعل، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إن الله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيكم عليها.
2 - يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما شرع، تأدبوا مع رسوله، ولا تجعلوا أصواتكم تعلو على صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عند مخاطبته، ولا تعلنوا له باسمه كما ينادي بعضكم بعضًا، بل نادوه بالنبوة والرسالة بخطاب لين؛ خوف أن يَبطُل ثوابُ أعمالكم بسبب ذلك وأنتم لا نحسّون ببطلان ثوابها.

3 - إن الذين يخفضون أصواتهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أولئك هم الذين امتحن الله قلوبهم لتقواه، وأخلصهم لها، لهم مغفرة لذنوبهم فلا يؤاخذهم، ولهم ثواب عظيم يوم القيامة، وهو أن يدخلهم الله الجنة.
4 - إن الذين ينادونك -أيها الرسول- من الأعراب من وراء حجرات نسائك معظمهم لا يعقلون.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تشرع الرحمة مع المؤمن، والشدة مع الكافر المحارب.
• التماسك والتعاون من أخلاق أصحابه - صلى الله عليه وسلم -.
• من يجد في قلبه كرهًا للصحابة الكرام يُخْشى عليه من الكفر.
• وجوب التأدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومع سُنَّته، ومع ورثته (العلماء).
(1/515)

وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)
5 - ولو أن هؤلاء الذين ينادونك -أيها الرسول- من وراء حجرات نسائك، صبروا فلم ينادوك حتى تخرج إليهم، فيخاطبوك مخفوضة أصواتهم؛ لكان ذلك خيرًا لهم من ندائك من ورائها؛ لما فيه من التوقير والتعظيم، والله غفور لذنوب من تاب منهم ومن غيرهم، وغفور لهم لجهلهم، رحيم بهم.
6 - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، إن جاءكم فاسق بخبر عن قوم، فتثبتوا من صحة خبره، ولا تبادروا إلى تصديقه؛ خوف أن تصيبوا -إذا صدّقتم خبره دون تثبت- قومًا بجناية وأنتم جاهلون حقيقة أمرهم، فتصبحوا بعد إصابتكم لهم نادمين عندما يتبين لكم كذب خبره.
7 - واعلموا -أيها المؤمنون- أن فيكم رسول الله ينزل عليه الوحي، فاحذروا أن تكذبوا فينزل عليه الوحي يخبره بكذبكم، وهو أعلم بما فيه مصلحتكم، لو يطيعكم في كثير مما تقترحونه لوقعتم في المشقة التي لا يرضاها لكم، ولكنّ الله من فضله حبب إليكم الإيمان، وحسّنه في قلوبكم فآمنتم، وكرّه إليكم الكفر، والخروج عن طاعته، وكره إليكم معصيته، أولئك المتصفون بهذه الصفات هم السالكون طريق الرشد والصواب.
8 - وما حصل لكم -من تحسين الخير في قلوبكم، وتكريه الشرّ- إنما هو فضل من الله، تفضل به عليكم، ونعمة أنعمها عليكم، والله عليم بمن يشكره من عباده فيوفقه، وحكيم إذ يضع كل شيء في محلّه المناسب له.
9 - وإنْ فِرقتان من المؤمنين تقاتلتا فأصلحوا -أيها المؤمنون- بينهما بدعوتهما إلى تحكيم شرع الله في خلافهما، فإن أبت إحداهما الصلح واعتدت فقاتلوا المعتدية حتى ترجع إلى حكم الله، فإن رجعت إلى حكم الله فأصلحوا بينهما بالعدل والإنصاف، واعدلوا في حكمكم بينهما، إن الله يحبّ العادلين في حكمهم.
10 - إنما المؤمنون إخوة في الإسلام، والأخوة في الإسلام تقتضي أن تصلحوا -أيها المؤمنون- بين أخويكم المتنازعين، واتقوا الله بامتثال أوامر جتناب نواهيه؛ رجاء أن ترحموا.
11 - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، لا يستهزئ قوم منكم بقوم، عسى أن يكون المستهزَأ بهم خيرًا عند الله، والعبرة بما عند الله، ولا يستهزئ نساء من نساء عسى أن يكون المستهزَأ بهن خيرًا عند الله، ولا تعيبوا إخوتكم فهم بمنزلة أنفسكم، ولا يُعَبِّرْ بعضكم بعضًا بلقب يكرهه، كما كان حال بعض الأنصار قبل مجيء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن فعل ذلك منكم فهو فاسق، بئست الصفة صفة الفسق بعد الإيمان، ومن لم يتب من هذه المعاصي فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب ما فعلوه من المعاصي.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب التثبت من صحة الأخبار، خاصة التي ينقلها من يُتَّهم بالفسق.
• وجوب الإصلاح بين من يتقاتل من المسلمين، ومشروعية قتال الطائفة التي تصر على الاعتداء وترفض الصلح.
• من حقوق الأخوة الإيمانية: الصلح بين المتنازعين والبعد عما يجرح المشاعر من السخرية والعيب والتنابز بالألقاب.
(1/516)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)
12 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع، ابتعدوا عن كثير من التهم التي لا تستند لما يوجبها من أسباب وقرائن، إن بعض الظن إثم، كسوء الظن بمن ظاهره الصلاح، ولا تتبعوا عورات المؤمنين من ورائهم، ولا يذكر أحدكم أخاه بما يكره، فإنّ ذِكْره بما يكره مثل أكل لحمه ميتًا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا؟! فاكرهوا اغتيابه فهو مثله، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، إن الله تواب على من تاب من عباده، رحيم بهم.
13 - يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر واحد وهو أبوكم آدم، وأنثى واحدة وهي أمكم حواء، فنسبكم واحد، فلا يفخر بعضكم على بعض في النسب، وصيّرناكم بعد ذلك شعوبًا كثيرة وقبائل منتشرة؛ ليعرف بعضكم بعضًا، لا ليفخر عليه؛ لأن التمايز لا يكون إلا بالتقوى، لذا قال: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم بأحوالكم، خبير بما تكونون عليه من كمال ونقص، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
14 - قال بعض أهل البادية لما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم -: آمنّا بالله وبرسوله. قل لهم -أيها الرسول-: لم تؤمنوا، ولكن قولوا: استسلمنا وانقدنا، ولم يدخل الإيمان في قلوبكم بعدُ، ويُتوقع له أن يدخلها، وإن تطيعوا -أيها الأعراب- الله ورسوله في الإيمان والعمل الصالح، واجتناب المحرمات، لا ينقصكم الله شيئًا من ثواب أعمالكم، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
15 - إنما المؤمنون هم الذين آمنوا بالله وبرسوله، ثم لم يخالط إيمانَهم شكٌّ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، لم يبخلوا بشيء منها، أولئك المتصفون بتلك الصفات هم الصادقون في إيمانهم.
16 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء الأعراب: أتعلّمون الله، وتُشعرونه بدينكم؟! والله يعلم ما في السماوات، ويعلم ما في الأرض، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء، فلا يحتاج إلى إعلامكم إياه بدينكم.
17 - يمنّ عليك -أيها الرسول- هؤلاء الأعراب بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا عليّ بدخولكم في دين الله، فنفع ذلك -إن حصل- عائد عليكم، بل الله هو الذي يمنّ عليكم بأن وفّقكم للإيمان به إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم دخلتم فيه.
18 - إن الله يعلم غيب السماوات، ويعلم غيب الأرض، لا يخفى عليه شيء منه، والله بصير بما تعملون، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم على حسنها وسيئها.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سوء الظن بأهل الخير معصية، ويجوز الحذر من أهل الشر بسوء الظن بهم.
• وحدة أصل بني البشر تقتضي نبذ التفاخر بالأنساب.
• الإيمان ليس مجرد نطق لا يوافقه اعتقاد، بل هو اعتقاد بالجَنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان.
• هداية التوفيق بيد الله وحده وهي فضل منه سبحانه ليست حقًّا لأحد.
(1/517)

ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)
سُورَة ق
- مَكيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إيقاظ القلوب الغافلة، لإدراك حقائق البعث والجزاء وبراهينه ومَشاهِدِه.


[التَّفْسِيرُ]
1 - {ق} تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. أقسم الله بالقرآن الكريم لما فيه من المعاني وكثرة الخير والبركة؛ لتبعثنّ يوم القيامة للحساب والجزاء.
2 - لم يكن سببَ رفضهم توقُّعُهم أن تَكْذِبَ فهم يعرفون صدقك، بل تعجبوا أن يأتيهم رسول منذر من جنسهم، وليس من جنس الملائكة، وقالوا مِن تعجُّبهم: مجيء رسول من البشر إلينا شيء عجيب!
3 - أنبعث إذا متنا وصرنا ترابًا؟! ذلك البعث ورجوع الحياة إلى أجسامنا بعدما بليت شيء مستبعد، لا يمكن أن يقع.
4 - قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم بعد موتهم وتفنيه، لم يخف علينا منه شيء، وعندنا كتاب حافظ لكل ما يقدره الله عليهم في حياتهم وبعد موتهم.
5 - بل كذب هؤلاء المشركون بالقرآن لما جاءهم به الرسول، فهم في أمر مضطرب، لا يثبتون على شيء بشأنه.
ولما ذكر إنكار المشركين للبعث ذكّرهم بالأدلة على وقوعه فقال:

6 - أفلم يتأمل هؤلاء المكذبون بالبعث السماء فوقهم؛ كيف خلقناها وبنيناها وزيناها بما وضعنا فيها من نجوم، وليس لها شقوق تعيبها؟! فالذي خلق هذه السماء لا يعجز عن بعث الموتى أحياء.
7 - والأرض بسطناها صالحة للسكنى عليها، وألقينا فيها جبالًا ثوابت حتى لا تضطرب، وأنبتنا فيها من كل صنف من النبات والشجر حسن المنظر.
8 - خلقنا ذلك كله ليكون تبصرة وتذكيرًا لكل عبد راجع إلى ربه بالطاعة.
9 - ونزلنا من السماء ماءً كثير النفع والخير، فأنبتنا بذلك الماء بساتين، وأنبتنا ما تحصدونه من حب الشعير وغيره.
10 - وأنبتنا به النخل طِوالًا عاليات، لها طلع متراكب بعضه فوق بعض.
11 - أنبتنا ما أنبتنا من ذلك رزقًا للعباد يأكلون منه، وأحيينا به بلدة لا نبات فيها، كما أحيينا بهذا المطر بلدة لا نبات فيها نحيى الموتى، فيخرجون أحياء.
12 - كذبت قبل هؤلاء المكذبين بك -أيها الرسول- أقوام بأنبيائهم، فكذبت قوم نوح وأصحاب البئر، وكذبت ثمود.
13 - وكذبت عاد وفرعون، وقوم لوط.
14 - وكذب قوم شعيب أصحاب الأيكة وقوم تُبَّعٍ ملك اليمن، فثبت عليهم ما وعدهم الله من العذاب.
15 - أفعجزنا عن خلقكم أول مرة حتى نعجز عن بعثكم؟! بل هم في حيرة من خلق جديد بعد خلقهم الأول.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المشركون يستعظمون النبوة على البشر، ويمنحون صفة الألوهية للحجر!
• خلق السماوات، وخلق الأرض، وإنزال المطر، وإنبات الأرض القاحلة، والخلق الأول: كلها أدلة على البعث.
• التكذيب بالرسل عادة الأمم السابقة، وعقاب المكذبين سُنَّة إلهية.
(1/518)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)
16 - ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما تحدث به نفسه من خواطر وأفكار، ونحن أقرب إليه من العِرق الموجود في العنق المتصل بالقلب.
17 - إذ يتلقى الملكان المتلقيان عمله، أحدهما قعيد عن يمينه، والثاني قعيد عن شماله.
18 - ما يقول من قول إلا لديه ملك رقيب على ما يقوله حاضر.
19 - وجاءت شدة الموت بالحق الذي لا مهرب منه، ذلك ما كنت -أيها الإنسان الغافل- تتأخر عنه، وتفر.
20 - ونفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن النفخة الثانية، ذلك يوم القيامة، يوم الوعيد للكفار والعصاة بالعذاب.
21 - وجاءت كل نفس معها مَلَك يسوقها، ومَلك يشهد عليها بأعمالها.
22 - ويقال لهذا الإنسان المَسُوق: لقد كنت في الدنيا في غفلة عن هذا اليوم بسبب اغترارك بشهواتك ولذاتك، فكشفنا عنك غفلتك بما تعاينه من العذاب والكرب، فبصرك اليوم حادٌّ تدرك به ما كنت في غفلة عنه.
23 - وقال قرينه الموكل به من الملائكة: هذا ما لدي من عمله حاضر دون نقص ولا زيادة.
24 - ويقول الله للملكين السائق والشاهد: ألقيا في جهنم كل كفور للحق، معاند له.
25 - كثير المنع لما أوجب الله عليه من حق، متجاوز لحدود الله، شاكّ فيما يخبر به من وعد أو وعيد.
26 - الذي جعل مع الله معبودًا آخر يشركه معه في العبادة، فألقياه في العذاب الشديد.
27 - قال قرينه من الشياطين متبرئًا منه: ربنا ما أضللته، ولكن كان في ضلال بعيد عن الحق.
28 - قال الله: لا تختصموا لديّ، فلا فائدة من ذلك، فقد قدمت لكم في الدنيا ما جاءت به رسلي من الوعيد الشديد لمن كفر بي وعصاني.
29 - ما يغير القول لدي، ولا يخلف وعدي، ولا أظلم العبيد بنقص حسناتهم، ولا بزيادة سيئاتهم، بل أجزيهم بما عملوا.
30 - يوم نقول لجهنم: هل امتلأت بمن ألقي فيك من الكفار والعصاة؟ فتجيب ربها: هل من مزيد؟ طلبًا للزيادة؛ غضبًا لربها.
ولما ذكر الله الوعيد الشديد للكفار ذكر ما أعدّه لعباده المؤمنين فقال:

31 - وقُرِّبت الجنة للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فشاهدوا ما فيها من النعيم غير بعيد منهم.
32 - ويقال لهم: هذا ما وعدكم الله لكل رجَّاع إلى ربه بالتوبة، حافظ لما ألزمه ربه به.
33 - من خاف الله بالسر حيث لا يراه إلا الله، ولقي الله بقلب سليم مقبل على الله، كثير الرجوع إليه.
34 - ويقال لهم: ادخلوا الجنة دخولًا مصحوبًا بالسلامة مما تكرهون، ذلك يوم البقاء الذي لا فناء بعده.
35 - لهم ما يشاؤون فيها من النعيم الذي لا ينفد، ولدينا مزيد من النعيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومنه رؤية الله سبحانه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• علم الله بما يخطر في النفوس من خير وشر.
• خطورة الغفلة عن الدار الآخرة.
• ثبوت صفة العدل لله تعالى.
(1/519)

فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)
36 - وما أكثر الأمم التي أهلكناها قبل هؤلاء المشركين المكذبين من أهل مكة، ففتشوا في البلاد لعلهم يجدون مهربًا من العذاب فلم يجدوه.
37 - إن في ذلك المذكور من إهلاك الأمم السابقة لتذكيرًا وموعظة لمن كان له قلب يعقل به، أو أنصت بسمعه حاضر القلب، غير غافل.
38 - ولقد خلقنا السماوات، وخلقنا الأرض، وما بين السماوات والأرض؛ في ستة أيام مع قدرتنا على خلقها في لحظة، وما أصابنا من تعب كما تقول اليهود.
39 - فاصبر -أيها الرسول- على ما يقوله اليهود وغيرهم، وصلّ لربك حامدًا إياه صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وصلّ العصر قبل غروبها.
40 - ومن الليل فصلّ له، وسبِّحه بعد الصلوات.
41 - واستمع -أيها الرسول- يوم ينادي المَلَك الموكل بالنفخ في الصُّور النفخة الثانية، من مكان قريب.
42 - يوم يسمع الخلائق صيحة البعث بالحق الذي لا مِرْية فيه، ذلك اليوم الذي يسمعونها فيه هو يوم خروج الأموات من قبورهم للحساب والجزاء.
43 - إنا نحن نحيي ونميت، لا محيي غيرنا ولا مميت، وإلينا وحدنا رجوع العباد يوم القيامة للحساب والجزاء.
44 - يوم تتشقق عنهم الأرض فيخرجون مسرعين، ذلك حشر علينا سهل.
45 - نحن أعلم بما يقوله هؤلاء المكذبون، وما أنت -أيها الرسول- بمُسَلَّط عليهم فتجبرهم على الإيمان، وإنما أنت مبلغ ما أمرك الله بتبليغه، فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي للكافرين والعصاة؛ لأن الخائف هو الذي يتعظ، ويتذكر إذا ذُكّر.
سُورَة الذَّاريَاتِ
- مَكيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تعريف المخلوقين بمصدر رزقهم وهو الله تعالى؛ لكي يفروا إليه ويحققوا العبودية له.

[التَّفْسِيرُ]
1 - يقسم الله بالرياح التي تذرو التراب.

2 - وبالسُّحب التي تحمل الماء الغزير.

3 - وبالسفن التي تجري في البحر بسهولة ويسر.

4 - وبالملائكة التي تقسم ما أمرها الله بتقسيمه من أمور العباد.

5 - إن ما يعدكم ربكم به من الحساب والجزاء لَحَقٌّ لا مِرْية فيه.

6 - وإن حساب العباد لواقع يوم القيامة لا محالة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاعتبار بوقائع التاريخ من شأن ذوي القلوب الواعية.
• خلق الله الكون في ستة أيام لِحِكَم يعلمها الله، لعل منها بيان سُنَّة التدرج.
• سوء أدب اليهود في وصفهم الله تعالى بالتعب بعد خلقه السماوات والأرض، وهذا كفر بالله.
(1/520)

وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30)
7 - ويقسم الله بالسماء الحسنة الخلق ذات الطرق.
8 - إنكم -يا أهل مكة- لفي قول متناقض متضارب، تارة تقولون: القرآن سحر، وتارة شعر، وتقولون: محمد ساحر تارة، وتارة شاعر.
9 - يُصْرف عن الإيمان بالقرآن وبالنبي - صلى الله عليه وسلم - من صُرِف عنه في علم الله؛ لعلمه أنه لا يؤمن، فلا يوفق للهداية.
10 - لعن هؤلاء الكذابون الذين قالوا في القرآن وفي نبيهم ما قالوا.
11 - الذين هم في جهل غافلون عن الدار الآخرة، لا يبالون بها.
12 - يسألون: متى يوم الجزاء؟ وهم لا يعملون له.
13 - فيجيبهم الله عن سؤالهم: يوم هم على النار يعذبون.
14 - يقال لهم: ذوقوا عذابكم، هذا هو الذي كنتم تسألون تعجيله عندما تنذرون به؛ استهزاء.
15 - إن المتقين لربهم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه يوم القيامة في بساتين وعيون جارية.
16 - آخذين ما أعطاهم ربهم من الجزاء الكريم، إنهم كانوا قبل هذا الجزاء الكريم محسنين في الدنيا.
17 - كانوا يصلّون من الليل، لا ينامون إلا زمنًا قليلًا.
18 - وفي وقت الأسحار يطلبون المغفرة من الله لذنوبهم.
19 - وفي أموالهم حق -يتطوّعون به- للسائل من الناس، وللذي لا يسألهم، ممن حرم الرزق لأي سبب كان.
20 - وفي الأرض وما وضع الله فيها من جبال وبحار وأنهار وأشجار ونبات وحيوان , دلالات على قدرة الله للموقنين أن الله هو الخالق المصور.
21 - وفي أنفسكم -أيها الناس- دلالات على قدرة الله، أفلا تبصرون لتعتبروا؟!
22 - وفي السماء رزقكم الدنيوي والديني، وفيها ما توعدون من خير أو شر.
23 - فورب السماء والأرض إن البعث لحق لا شك فيه، كما أنه لا شك في نطقكم حين تنطقون.
24 - هل أتاك -أيها الرسول- حديث ضيوف إبراهيم من الملائكة الذين أكرمهم - عليهم السلام -؟.
25 - حين دخلوا عليه فقالوا له: سلامًا، قال إبراهيم ردًّا عليهم: سلام، وقال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم.
26 - فمال إلى أهله خفية، فجاء من عندهم بعجل كامل سمين؛ ظنًّا منه أنهم بشر.
27 - فقرّب العجل إليهم، وخاطبهم برفق: ألا تأكلون ما قُدِّم لكم من طعام؟
28 - فلما لم يأكلوا أضمر في نفسه الخوف منهم ففطنوا له، فقالوا مطمئنين إياه: لا تخفْ، إنا رسل من عند الله، وأخبروه بما يسرّه من أنه يولد له غلام له علم كثير، والمُبَشَّر به هو إسحاق - عليه السلام -.
29 - فلما سمعت امرأته البشارة أقبلت تصيح من الفرح، فلطمت وجهها، وقالت متعجبة: أتلد عجوز، وهي في الأصل عقيم!
30 - قال لها الملائكة: ما أخبرناكِ به قاله ربكِ، وما قاله لا رادّ له؛ إنه هو الحكيم في خلقه وتقديره، العليم بخلقه وما يصلح لهم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إحسان العمل وإخلاصه لله سبب لدخول الجنة.
• فضل قيام الليل وأنه من أفضل القربات.
• من آداب الضيافة: رد التحية بأحسن منها، وتحضير المائدة خفية، والاستعداد للضيوف قبل نزولهم، وعدم استثناء شيء من المائدة، والإشراف على تحضيرها، والإسراع فيه، وتقريبها للضيوف، وخطابهم برفق.
(1/521)

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)
31 - قال إبراهيم - عليه السلام - للملائكة: ما شأنكم؟ وما الذي تقصدونه؟
32 - قال الملائكة جوابًا له: إنا بعثنا الله إلى قوم مجرمين يرتكبون قبائح الذنوب.
33 - لنبعث عليهم حجارة من طين متصلِّب.
34 - معلَّمة عند ربك -يا إبراهيم- تُبْعَث على المتجاوزين لحدود الله المبالغين في الكفر والمعاصي.
35 - فأخرجنا من كان في قرية قوم لوط من المؤمنين حتى لا يصيبهم ما يصيب المجرمين من العذاب.
36 - فما وجدنا في قريتهم هذه غير بيت واحد من المسلمين، هم أهل بيت لوط - عليه السلام -.
37 - وتركنا في قرية قوم لوط من آثار العذاب ما يدل على وقوع العذاب عليهم ليعتبر به من يخاف العذاب الموجع الذي أصابهم، فلا يعمل بعملهم لينجو منه.
38 - وفي موسى حين بعثناه إلى فرعون بالحجج الواضحة، آية لمن يخاف العذاب الموجع.
39 - فأعرض فرعون معتدًّا بقوته وجنده عن الحق، وقال عن موسى - عليه السلام -: هو ساحر يسحر الناس، أو مجنون يقول ما لا يعقله.
40 - فأخذناه هو وجنوده كلهم فطرحناهم في البحر، فغرقوا وهلكوا، وفرعون آتٍ بما يلام عليه من التكذيب وادعاء أنه إله.
41 - وفي عاد قوم هود آية لمن يخاف العذاب الموجع حين بعثنا عليهم الريح التي لا تحمل مطرًا ولا تلقح شجرًا، ولا بركة فيها.
42 - ما تترك من نفس أو مال أو غيرهما أتت عليه إلا دمرته، وتركته كالبالي المتفتت.
43 - وفي ثمود قوم صالح - عليه السلام - آية لمن يخاف العذاب الموجع حين قيل لهم: استمتعوا بحياتكم قبل انقضاء آجالكم.
44 - فتكبروا عن أمر ربهم وعلوا استكبارًا على الإيمان والطاعة، فأخذتهم صاعقة العذاب وهم ينتظرون نزوله، إذ كانوا وعدوا بالعذاب قبل نزوله بثلاثة أيام.
45 - فما استطاعوا أن يدفعوا عنهم ما نزل بهم من العذاب، ولم تكن لهم قوة يمتنعون بها.
46 - وقد أهلكنا قوم نوح بالغرق من قبل هؤلاء المذكورين، إنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله، فاستحقوا عقابه.
47 - والسماء بنيناها، وأتقنّا بناءها بقوة، وإنا لموسعون لأطرافها.
48 - والأرض جعلناها ممهدة للساكنين عليها كالفراش لهم، فنعم الماهدون نحن إذ مهدناها لهم.
49 - ومن كل شيء خلقنا صنفين؛ كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والبر والبحر؛ لعلكم تتذكرون وحدانية الله الذي خلق من كل شيء صنفين، وتتذكرون قدرته.
50 - ففروا من عقاب الله إلى ثوابه، بطاعته وعدم معصيته، إني لكم -أيها الناس- نذير من عقابه بيّن النذارة.
51 - ولا تجعلوا مع الله معبودًا آخر تعبدونه من دونه، إني لكم نذير منه بيّن النذارة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الإيمان أعلى درجة من الإسلام.
• إهلاك الله للأمم المكذبة درس للناس جميعًا.
• الخوف من الله يقتضي الفرار إليه سبحانه بالعمل الصالح، وليس الفرار منه.
(1/522)

52 - مثل ذلك التكذيب الذي كذب به أهل مكة كذبت الأمم السابقة، فما جاءهم من رسول من عند الله إلا قالوا عنه: هو ساحر، أو مجنون.
53 - أتواصى المتقدمون من الكفار والمتأخرون منهم على تكذيب الرسل؟! لا، بل جمعهم على هذا طغيانهم.
54 - فأعرض -أيها الرسول- عن هؤلاء المكذبين، فما أنت بملوم، فقد بلغتهم ما أرسلت به إليهم.
55 - ولا يمنعك إعراضك عنهم من وعظهم، وتذكيرهم، فعظهم وذكّرهم، فإن التذكير ينفع أهل الإيمان بالله.
56 - وما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتي وحدي، ما خلقتهم ليجعلوا لي شريكًا.
57 - ما أريد منهم رزقًا، ولا أريد منهم أن يطعموني.
58 - إن الله هو الرزاق لعباده، فالجميع محتاجون إلى رزقه، ذو القوة المتين الذي لا يغلبه شيء، وجميع الجن والإنس خاضعون لقوّته سبحانه.
59 - فإن للذين ظلموا أنفسهم بتكذيبك -أيها الرسول- نصيبًا من العذاب مثل نصيب أصحابهم السابقين، له أجل محدد، فلا يطلبوا مني تعجيله قبل أجله.
60 - فهلاك وخسار للذين كفروا بالله، وكذَّبوا رسولهم من يوم القيامة الذي يوعدون فيه بإنزال العذاب عليهم.
سُورَة الطُّورِ
- مَكيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
دحض شبهات المكذبين من خلال عرض الحجج والبراهين، إرغامًا على الإذعان والتسليم.


[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بالجبل الذي كلّم عليه موسى - عليه السلام -.
2 - وأقسم بالكتاب الذي هو مسَطَّر.

3 - في ورق مبسوط مفتوح كالكتب المنزلة.

4 - وأقسم بالبيت الذي تعمره الملائكة في السماء بعبادة الله.

5 - وأقسم بالسماء المرفوعة التي هي سقف الأرض.

6 - وأقسم بالبحر المملوء ماء.

7 - إن عذاب ربك -أيها الرسول- لواقع لا محالة على الكافرين.

8 - ليس له من دافع يدفعه عنهم، ويمنعهم من وقوعه بهم.

9 - يوم تتحرك السماء تحركًا، وتضطرب إيذانًا بالقيامة.

10 - وتسير الجبال من مواقعها سيرًا.
11 - فهلاك وخسار في ذلك اليوم للمكذبين بما وعد الله الكافرين به من العذاب.
12 - الذين هم في خوض في الباطل يلعبون، لا يبالون ببعث ولا نشور.
13 - يوم يُدْفعون بشدّة وعنف إلى نار جهنم دفعًا.
14 - ويقال توبيخًا لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون عندما تخوفكم رسلكم منها.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الكفر ملة واحدة وإن اختلفت وسائله وتنوع أهله ومكانه وزمانه.
• شهادة الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بتبليغ الرسالة.
• الحكمة من خلق الجن والإنس تحقيق عبادة الله بكل مظاهرها.
• سوف تتغير أحوال الكون يوم القيامة.
(1/523)

أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)
15 - أفسحر هذا الذي عاينتموه من العذاب؟! أم أنتم لا تعاينونه؟!
16 - ذوقوا حرّ هذه النار وعانوها، فاصبروا على معاناة حرّها، أو لا تصبروا عليه، سواء صبركم وعدم صبركم، لا تجزون اليوم إلا ما كنتم تعملون في الدنيا من الكفر والمعاصي.
ولما ذكر الله جزاء المكذبين، ذكر جزاء المصدقين المتقين، فقال:

17 - إن المتقين لربهم -بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه- في جنات ونعيم عظيم لا ينقطع.
18 - يتفكهون بما أعطاهم الله من لذائذ المأكل والمشرب والمنكح، ووقاهم ربهم سبحانه عذاب الجحيم؛ ففازوا بحصول مطلوبهم من الملذات، وبوقايتهم من المكدرات.
19 - ويقال لهم: كلوا واشربوا مما اشتهته أنفسكم، هنيئًا، لا تخافون ضررًا ولا أذى مما تأكلون أو تشربون؛ جزاء لكم على أعمالكم الطيبة في الدنيا.
20 - متكئون على الأرائك المزينة قد جعلت متقابلة بعضها إلى جانب بعض، وزوجناهم بنساء بيض واسعات العيون.
21 - والذين آمنوا واتبعهم أولادهم في الإيمان، ألحقنا بهم أولادهم لتقرّ أعينهم بهم، ولو لم يبلغوا أعمالهم، وما نقصناهم شيئًا من ثواب أعمالهم، كل إنسان محبوس بما كسبه من عمل سيئ لا يحمل عنه غيره من عمله شيئًا.
22 - وأمددنا أهل الجنة هؤلاء بصنوف من الفاكهة، وأمددناهم بكل ما اشتهوه من لحم.
23 - يتعاطون في الجنة كأسًا لا يترتب على شربها ما يترتب عليها في الدنيا، من الكلام الباطل والإثم بسبب السكر.
24 - ويدور عليهم غلمان سخروا لخدمتهم كأنهم في صفاء بشرتهم وبياضها لؤلؤ محفوظ في أصدافه.
25 - وأقبل بعض أهل الجنة على بعض، يسأل بعضهم بعضًا عن حالهم في الدنيا.
26 - فيجيبونهم: إنا كنا في الدنيا بين أهلينا خائفين من عذاب الله.
27 - فمنّ الله علينا بالهداية إلى الإسلام، ووقانا العذاب البالغ في الحرارة.
28 - إنا كنّا في حياتنا الدنيا نعبده، وندعوه أن يقينا عذاب النار، إنه هو المحسن الصادق في وعده لعباده، الرحيم بهم، ومن برّه ورحمته بنا أن هدانا للإيمان، وأدخلنا الجنة. وأبعدنا عن النار.
29 - فذكّر -أيها الرسول- بلقرآن، فلست بما أنعم الله عليك به من الإيمان والعقل بكاهنٍ لكَ رَئِيٌّ من الجن، ولست بمجنون.
30 - أم يقول هؤلاء المكذبون: إن محمدًا ليس رسولًا، بل هو شاعر ننتظر به أن يتخطفه الموت، فنستريح منه.
31 - قل لهم -أيها الرسول-: انتظروا موتي، وأنا أنتظر ما يحلّ بكم من عذاب بسبب تكذيبكم إياي.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجمع بين الآباء والأبناء في الجنة في منزلة واحدة وإن قصر عمل بعضهم إكرامًا لهم جميعًا حتى تتم الفرحة.
• خمر الآخرة لا يترتب على شربها مكروه.
• من خاف من ربه في دنياه أمّته في آخرته.
(1/524)

أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)
32 - بل أتأمرهم عقولهم بقولهم: إنه كاهن ومجنون؟! فيجمعون بين ما لا يجتمع في شخص، بل هم قوم متجاوزون للحدود، فلا يرجعون إلى شرع ولا عقل.
33 - أم يقولون: إن محمدًا اختلق هذا القرآن، ولم يوحَ إليه به؟! لم يختلقه، بل هم يستكبرون عن الإيمان به، فيقولون: اختلقه.
34 - فليأتوا بحديث مثله ولو كان مُخْتَلَقًا إن كانوا صادقين في دعواهم أنه اختلقه.
35 - أم خُلقوا من غير خالق يخلقهم؟! أم هم الخالقون لأنفسهم؟! لا يمكن وجود مخلوق دون خالق، ولا مخلوق يخلق، فلم لا يعبدون خالقهم؟!
36 - أم خلقوا السماوات والأرض؟! بل لا يوقنون أن الله هو خالقهم، إذ لو أيقنوا ذلك لوحَّدوه، ولآمنوا برسوله.
37 - أم عندهم خزائن ربك من الرزق فيمنحوه من يشاؤون، ومن النبوّة فيعطوها ويمنعوها من أرادوا؟! أم هم المُتَسلِّطون المتصرفون حسب مشيئتهم؟!
38 - أم لهم مِرْقَاة يرقون بها إلى السماء يستمعون فيها إلى وحي الله يوحيه أنهم على حق؟! فليأت من استمع منهم إلى ذلك الوحي بحجة واضحة تصدقكم فيما تدّعونه من أنكم على حق.
39 - أم له - سبحانه وتعالى - البنات التي تكرهونها، ولكم البنون الذين تحبّونهم؟!
40 - أم تطلب منهم -أيها الرسول- أجرًا على ما تبلغهم عن ربك؟! فهم بسبب ذلك مكلفون حِملًا لا يقدرون على حمله.
41 - أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون للناس ما يطلعون عليه من الغيوب، فيخبرونهم بما شاؤوا منها؟!
42 - أم يريد هؤلاء المكذبون كيدًا بك وبدينك؟! فثقْ بالله، فالذين كفروا بالله وبرسوله هم الممكور بهم، لا أنت.
43 - أم لهم معبود بحق غير الله؟! تنزه الله وتقدس عما ينسبونه إليه من الشريك. كل ما تقدم لم يكن ولا يتصور بحال.
44 - وإن يروا قطعًا من السماء ساقطة يقولوا عنه: هذا سحاب متراكم بعضه على بعض كالعادة، فلا يتعظون، ولا يؤمنون.
45 - فاتركهم -أيها الرسول- في عنادهم وجحودهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يعذبون، وهو يوم القيامة.
46 - يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئًا قليلًا أو كثيرًا، ولا هم ينصرون بإنقاذهم من العذاب.
47 - وإن للذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي عذابًا قبل عذاب الآخرة؛ في الدنيا بالقتل والسبي، وفي البَرْزَخ بعذاب القبر، ولكنّ معظمهم لا يعلمون ذلك، فلذلك يقيمون على كفرهم.
ولما بيّن الله بطلان ما عليه المشركون أمر رسوله بعدم المبالاة بهم، وبالصبر على تكذيبهم فقال:

48 - واصبر -أيها الرسول- لقضاء ربك، ولحكمه الشرعي، فإنك بمرأى منا وحفظ، وسبح بحمد ربك حين تقوم من نومك.
49 - ومن الليل فسبّح ربك، وصلّ له، وصلّ صلاة الفجر حين إدبار النجوم بأفولها بضوء النهار.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الطغيان سبب من أسباب الضلال.
• أهمية الجدال العقلي في إثبات حقائق الدين.
• ثبوت عذاب البَرْزَخ.
(1/525)

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)
سُورَة النَّجمِ
- مَكيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان صدق الوحي وعلو مصدره، إثباتًا لعقيدة التوحيد، وإبطالًا لعقيدة الشرك.


[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم سبحانه بالنجم إذا سقط.
2 - ما انحرف محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طريق الهداية، وما صار غويًّا، ولكنه رشيد.
3 - وما يتكلم بهذا القرآن تبعًا لهواه.
4 - ليس هذا القرآن إلا وحيًا يوحيه الله إليه عن طريق جبريل - عليه السلام -.
5 - علمه إياه ملك شديد القوة هو جبريل - عليه السلام -.
6 - وجبريل - عليه السلام - ذو هيئة حسنة، فاستوى - عليه السلام ظاهرًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - على هيئته التي خلقه الله عليها.
7 - ثم اقترب جبريل - عليه السلام - من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ازداد قربًا منه.
9 - فكان قربه منه بمقدار قوسين أو هو أقرب.
10 - فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد - صلى الله عليه وسلم - ما أوحى.
11 - ما كذب قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - ما رآه بصره.
12 - أفتجادلونه -أيها المشركون- فيما أراه الله ليلة أسرى به؟!
13 - ولقد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - جبريل على صورته مرة أخرى ليلة أسري به.
14 - عند سدرة المنتهى وهي شجرة عظيمة جدًّا في السماء السابعة.
15 - عند هذه الشجرة جنة المأوى.
16 - إذ يغشى السدرة من أمر الله شيء عظيم، لا يعرف كنهه إلا الله.
17 - ما مال بصره - صلى الله عليه وسلم - يمينًا ولا شمالًا، ولا تجاوز ما حدّ له.
18 - لقد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة عرج به من آيات ربه العظمى الدالة على قدرته، فرأى الجنة، ورأى النار، وغيرهما.
19 - أفرأيتم -أيها المشركون- هذه الأصنام التى تعبدونها من دون الله: اللات والعزى.
20 - ومناة الثالثة الأخرى من أصنامكم. أخبروني هل تملك لكم نفعًا أو ضرًّا؟!
21 - ألكم -أيها المشركون- الذكر الذي تحبونه، وله سبحانه الأنثى التي تكرهونها؟!
22 - تلك القسمة التي قسمتموها بأهوائكم قسمة جائرة.
23 - ليست هذه الأصنام إلا أسماء فارغة من المعنى، فلا حظ لها في صفات الألوهية، سميتموها أنتم وآباؤكم من تلقاء أنفسكم، ما أنزل الله بها من برهان، لا يتبع المشركون في اعتقادهم إلا الظن وما تهواه أنفسهم مما زيّنه الشيطان في قلوبهم، ولقد جاءهم من ربهم الهدى على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فما اهتدوا به.
24 - أم للإنسان ما تمنى من شفاعة الأصنام إلى الله؟!
25 - لا، ليس له ما تمنى، فللَّه وحده الآخرة والأولى، يعطي منهما ما يشاء ويمنع ما يشاء.
26 - وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا لو أرادوا أن يشفعوا لأحد إلا بعد أن يأذن الله في الشفاعة لمن يشاء منهم، ويرضى عن المشفوع له، فلن يأذن الله لمن جعل شريكًا أن يشفع، ولن يرضى عن مشفوعه الذي يعبده من دون الله.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كمال أدب النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث لم يَزغْ بصره وهو في السماء السابعة.
• سفاهة عقل المشركين حيث عبدوا شيئًا لا يضر ولا ينفع، ونسبوا لله ما يكرهون واصطفوا لهم ما يحبون.
• الشفاعة لا تقع إلا بشرطين: الإذن للشافع، والرضا عن المشفوع له.
(1/526)

إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44)
27 - إن الذين لا يؤمنون بالبعث في الدار الآخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى باعتقادهم أنهم بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
28 - وليس لهم بتسميتها إناثًا من علم يستندون إليه، لا يتبعون في ذلك إلا التخرص والوهم، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا حتى يقوم مقامه.
29 - فأعرض -أيها الرسول- عمن أدبر عن ذكر الله ولم يعبأ به، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، فهو لا يعمل لآخرته؛ لأنه لا يؤمن بها.
30 - ذلك الذي يقوله هؤلاء المشركون -من تسمية الملائكة تسمية الأنثى- هو حدهم الذي يصلون إليه من العلم لأنهم جاهلون، لم يصلوا إلى يقين، إن ربك -أيها الرسول- هو أعلم بمن حاد عن سبيل الحق، وهو أعلم بمن اهتدى إلى طريقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
31 - وله وحده ما في السماوات، وله ما في الأرض ملكًا وخلقًا وتدبيرًا، ليجزي الذين أساؤوا أعمالهم في الدنيا بما يستحقون من العذاب، ويجزي المؤمنين الذين أحسنوا أعمالهم بالجنة.
32 - الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب، وقبائح المعاصي إلا صغائر الذنوب، فهذه تغفر بترك الكبائر، والإكثار من الطاعات، إن ربك -أيها الرسول- واسع المغفرة، يغفر ذنوب عباده متى تابوا منها، هو سبحانه أعلم بأحوالكم وشؤونكم حين خلق أباكم آدم من تراب، وحين كنتم حملًا في بطون أمهاتهم تُخْلقون خلقًا من بعد خلق، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فلا تمدحوا أنفسكم بالثناء عليها بالتقوى، فهو سبحانه أعلم بمن اتقاه؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
33 - أفرأيت قبح حال الذي أعرض عن الإسلام بعد اقترابه منه.
34 - وأعطى قليلًا من المال ثم منع؛ لأن البخل سجيته، ومع ذلك هو يزكي نفسه.
35 - أعنده علم الغيب فهو يرى ويُحدِّث بالغيب؟!
36 - أم هو مفترٍ على الله؟! أم لم يُخْبَر هذا المتقوّل على الله بما في الصحف الأولى التي أنزلها الله على موسى؟
37 - وصحف إبراهيم الذي أدى كل ما كلفه ربه به وأتمه.
38 - أنه لا يحمل إنسان إثم غيره.
39 - وأنه ليس للإنسان إلا ثواب عمله الذي عمله.
40 - وأن عمله سوف يرى يوم القيامة عيانًا.
41 - ثم يُعْطَى جزاء عمله تامًّا غير منقوص.
42 - وأن إلى ربك -أيها الرسول- مرجع العباد ومصيرهم بعد موتهم.
43 - وأنه هو أفرح من يشاء فأضحكه، وأحزن من يشاء فأبكاه.
44 - وأنه أمات الأحياء في الدنيا، وأحيا الموتى بالبعث.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر.
• خطورة التقوُّل على الله بغير علم.
• النهي عن تزكية النفس.
(1/527)

سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)
45 - وأنه خلق الصنفين: الذكر والأنثى.
46 - من نطفة إذا وضعت في الرحم.
47 - وأن عليه إعادة خلقهما بعد موتهما للبعث.
48 - وأنه أغنى من شاء من عباده بتمليكه المال وأعطى من المال ما يتخذه الناس قنية يقتنونه.
49 - وأنه هو رب الشِّعْرى النجم الذي يعبده بعض المشركين مع الله.
50 - وأنه أهلك عادًا الأولى؛ وهم قوم هود لمَّا أصرّوا على كفرهم.
51 - وأهلك ثمود قوم صالح، فلم يُبْقِ منهم أحدًا.
52 - وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمودٍ، إن قوم نوح كانوا أشدّ ظلمًا، وأعظم طغيانًا من عاد وثمود؛ لأن نوحًا مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى توحيد الله، فلم يستجيبوا له.
53 - وقرى قوم لوط رفعها إلى السماء، ثم قلبها، ثم أسقطها إلى الأرض.
54 - فغطاها وأصابها من الحجارة ما غطاها بعد رفعها إلى السماء وإسقاطها على الأرض.
55 - فبأي آيات ربك الدالة على قدرته تجادل أيها الإنسان فلا تتعظ بها؟!
56 - هذا الرسول المرسل إليكم من جنس الرسل الأولى.
57 - اقتربت القيامة القريبة.
58 - ليس لها دافع يدفعها، ولا مطلع يطلع عليها إلا الله.
59 - أفمن هذا القرآن الذي يُتْلى عليكم تعجبون أن يكون من عند الله؟!
60 - وتضحكون منه استهزاءً، ولا تبكون عند سماع مواعظه؟!
61 - وأنتم لاهون عنه، لا تبالون به؟!
62 - فاسجدوا لله وحده، وأخلصوا له العبادة.
سُورَة القَمَرِ
- مَكيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
التذكير بالآيات والنذر، وبيان مصير المكذبين بها؛ ولذا تكرر فيها: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}.

[التَّفْسِيرُ]
1 - اقترب مجيء الساعة، وانشق القمر في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان انشقاقه من آياته - صلى الله عليه وسلم - الحسية.

2 - وإن يَرَ المشركون دليلًا وبرهانًا على صدقه - صلى الله عليه وسلم - يُعرضوا عن قَبوله، ويقولوا: ما شاهدناه من الحجج والبراهين سحر باطل.

3 - وكذبوا بما جاءهم من الحق، واتبعوا أهواءهم في التكذيب، وكل أمر -خيرًا كان أو شرًّا- واقع بمستحقه يوم القيامة.

4 - ولقد جاءهم من أخبار الأمم التي أهلكها الله بكفرها وظلمها ما يكفي لردعهم عن كفرهم وظلمهم.

5 - والذي جاءهم حكمة تامة لتقوم عليهم الحجة، فما تنفع النذر قومًا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.

6 - فإذ لم يهتدوا فاتركهم -أيها الرسول- وأعرض عنهم منتظرًا يوم يدعو الملك الموكل بالنفخ في الصور إلى أمر فظيع لم تعرف الخلائق مثله من قبل.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عدم التأثر بالقرآن نذير شؤم.
• خطر اتباع الهوى على النفس في الدنيا والآخرة.
• عدم الاتعاظ بهلاك الأمم صفة من صفات الكفار.
(1/528)

خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27)
7 - ذليلة أبصارهم، يخرجون من القبور كأنهم في سعيهم إلى موقف الحساب جراد منتشر.
8 - مسرعين إلى الداعي إلى ذلك الموقف، يقول الكافرون: هذا اليوم يوم عسير؛ لما فيه من الشدة والأهوال.
ولما ذكر الله إعراض الكفار عن دعوة رسولنا - صلى الله عليه وسلم -، أخبره بأن الأمم السابقة كذبت رسلها؛ تسليةً له، فقال:

9 - كذبت قبل هؤلاء المكذبين بدعوتك -أيها الرسول- قوم نوح، فكذبوا عبدنا نوحًا - عليه السلام - لما بعثناه إليهم، وقالوا عنه: هو مجنون، وانتهروه بأنواع السب والشتم والتهديد إذا لم يترك دعوتهم.
10 - فدعا نوح ربه قائلًا: إن قومي غلبوني، ولم يستجيبوا لي، فانتصر منهم بعقاب تنزله عليهم.
11 - ففتحنا أبواب السماء بماء متدفق متتابع.
12 - وفجرنا الأرض فصارت عيونًا ينبع منها الماء، فالتقى الماء النازل من السماء مع الماء النابع من الأرض على أمر من الله قدره في الأزل، فأغرق الجميع إلا من نجاه الله.
13 - وحملنا نوحًا على سفينة ذات ألواح ومسامير، فنجيناه ومن معه من الغرق.
14 - تجري هذه السفينة في أمواج الماء المتلاطمة بمرأى منا وحفظ، انتصارًا لنوح الذي كذبه قومه، وكفروا بما جاءهم به من عند الله.
15 - ولقد تركنا هذا العقاب الذي عاقبناهم به؛ عبرة وعظة، فهل من معتبر يعتبر بذلك؟!
16 - فكيف كان عذابي للمكذبين؟! وكيف كان إنذاري بإهلاكي لهم؟!
17 - ولقد سهّلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من معتبر بما فيه من العبر والعظات؟!
18 - كذبت عاد نبيها هودًا -عليه السلام -، فتأملوا -يا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟! وكيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟!
19 - إنا بعثنا عليهم ريحًا شديدة باردة في يوم شرّ وشؤم مستمرّ معهم إلى ورودهم جهنم.
20 - تقتلع الناس من الأرض، وترمي بهم على رؤوسهم كأنهم أصول نخل منقلع من مغرسه.
21 - فتأملوا -يا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟! وكيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟!
22 - ولقد سهّلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من معتبر بما فيه من العبر والعظات؟!
23 - كذبت ثمود بما أنذرهم به رسولهم صالح - عليه السلام -.
24 - فقالوا مستنكرين: أنتبع بشرًا من جنسنا واحدًا؟! إنا إن اتبعناه في هذه الحالة لفي بعد عن الصواب وانحراف عنه، وفي عناء.
25 - أأنزل عليه الوحي وهو واحد، واختص به دوننا جميعًا؟! لا، بل هو كذاب متجبر.
26 - سيعلمون يوم القيامة من الكذاب المتجبر أصالح أم هم؟
27 - إنا مخرجو الناقة من الصخرة وباعثوها اختبارًا لهم فانتظر يا صالح -وراقب مايصنعون بها وما يُصْنَع بهم، واصبر على أذاهم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مشروعية الدعاء على الكافر المصرّ على كفره.
• إهلاك المكذبين وإنجاء المؤمنين سُنَّة إلهية.
• تيسير القرآن للحفظ وللتذكر والاتعاظ.
(1/529)

وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)
28 - وأخبرهم أن ماء بئرهم مقسوم بينهم وبين الناقة؛ يوم لها، ويوم لهم، كل نصيب يحضره صاحبه وحده في يومه المختص به.
29 - فنادوا صاحبهم ليقتل الناقة، فتناول السيف وقتلها؛ امتثالًا لأمر قومه.
30 - فتأملوا -يا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟! وكيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟!
31 - إنا بعثنا عليهم صيحة واحدة فأهلكتهم، فكانوا كالشجر اليابسى يتخذ منه المُحْتَظِر حظيرة لغنمه.
32 - ولقد سهّلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من معتبر بما فيه من العبر والعظات؟!
33 - كذبت قوم لوط بما أنذرهم به رسولهم لوط - عليه السلام -.
34 - إنا بعثنا عليهم ريحًا ترميهم بالحجارة إلا آل لوط - عليه السلام -، لم يصبهم العذاب، فقد أنقذناهم منه؛ إذ سرى بهم قبل وقوع العذاب من آخر الليل.
35 - أنقذناهم من العذاب إنعامًا منا عليهم، مثل هذا الجزاء الذي جزينا به لوطًا نجزي من شكر الله على نعمه.
36 - ولقد خوّفهم لوط عذابنا فتجادلوا بإنذاره، وكذبوه.
37 - ولقد راود لوطًا قومُهُ أن يخلي بينهم وبين ضيوفه من الملائكة قصد فعل الفاحشة، فطمسنا أعينهم فلم تبصرهم، وقلنا لهم: ذوقوا عذابي، ونتيجة إنذاري لكم.
38 - ولقد جاءهم في وقت الصباح عذاب مستمرّ معهم حتى يَردُوا الآخرة فيأتيهم عذابها.
39 - وقيل لهم: ذوقوا عذابي الذي أنزلته بكم، ونتيجة إنذار لوط لكم.
40 - ولقد سهّلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من معتبر بما فيه من العبر والعظات؟!
41 - ولقد جاء آلَ -فرعون إنذارنا على لسان موسى وهارون -عليه السلام -.
42 - كذبوا بالبراهين والحجج التي جاءتهم من عندنا، فعاقبناهم على تكذيبهم بها عقوبة عزيز لا يغلبه أحد، مقتدر لا يعجز عن شيء.
43 - أَكُفَّاركم -يا أهل مكة- خير من أولئكم الكفار المذكورين: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وقومه؟! أم لكم براءة من عذاب الله جاءت بها الكتب السماوية؟!
44 - بل أيقول هؤلاء الكفار من أهل مكة: نحن جميع منتصر ممن يريدنا بسوء، ويريد تفريق جَمْعنا؟!
45 - سَيُهْزم جَمْعُ هؤلاء الكفار ويولّون الأدبار أمام المؤمنين، وقد حدث هذا يوم بدر.
46 - بل الساعة التي يكذبون بها موعدهم الذي يعذبون فيه، والساعة أعظم وأقسى مما لقوه من عذاب الدنيا يوم بدر.
47 - إن المجرمين بالكفر والمعاصي في ضلال عن الحق، وعذاب وعناء.
48 - يوم يجرّون في النار على وجوههم، ويقال لهم توبيخًا: ذوقوا عذاب النار.
49 - إنا كل شيء في الكون خلقناه بتقدير سابق منّا، ووفق علمنا ومشيئتنا، وما كتبناه في اللوح المحفوظ.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• شمول العذاب للمباشر للجريمة والمُتَمالئ معه عليها.
• شُكْر الله على نعمه سبب السلامة من العذاب.
• إخبار القرآن بهزيمة المشركين يوم بدر قبل وقوعها من الإخبار بالغيب الدال على صدق القرآن.
• وجوب الإيمان بالقدر.
(1/530)

فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50)
50 - وما أَمْرنا إذا أردنا شيئًا إلا أن نقول كلمة واحدة هى: كن، فيكون ما نريد سريعًا مثل لمح البصر.
51 - ولقد أهلكنا أمثالكم في الكفر من الأمم الماضية، فهل من معتبر يعتبر بذلك فينزجر عن كفره؟!
52 - وكل شيء فعله العباد فهو مكتوب في كتب الحَفَظة لا يفوتهم منه شيء.
53 - وكل صغير من الأعمال والأقوال، وكل كبير منها؛ مكتوب في صحائف الأعمال وفي اللوح المحفوظ، وسيجازون عليه.
54 - إن المتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، في جنات يتنعمون فيها، وفي أنهار جارية.
55 - في مجلس حق لا لَغْو فيه ولا إثم، عند مليك يملك كل شيء، مقتدر لا يعجز عن شيء، فلا تسأل عما ينالونه منه من النعيم الدائم.
سُورَة الرّحَمن
- مَدَنيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
الإعلام بآلاء الله الباهرة وآثار رحمته الظاهرة في الدنيا والآخرة، ترغيبًا في الإيمان، وتحذيرًا من الكفران.

[التَّفْسِيرُ]
1 - الرحمن ذو الرحمة الواسعة.

2 - علم الناس القرآن بتسهيل حفظه، وتيسير فهم معانيه.

3 - خلق الإنسان سويًّا، وأحسن تصويره.

4 - علّمه كيف يُبِين عمَّا في ضميره نطقًا وكتابة.

5 - الشمس والقمر قَدَّرهما؛ يسيران بحساب متقن؛ ليعلم الناس عدد السنين والحساب.

6 - وما لا ساق له من النبات والشجر يسجدان لله سبحانه منقادَين مستسلمَينِ له.
7 - والسماء رفعها فوق الأرض سقفًا لها، وأثبت العدل في الأرض، وأمر به عباده.
8 - أثبت العدل لئلا تجوروا -أيها الناس- وتخونوا في الوزن والكيل.
9 - وأقيموا الوزن بينكم بالعدل، ولا تنقصوا الوزن أو الكيل إذا كلتم أو وزنتم لغيركم.
10 - والأرض وضعها مُهَيَّأة لاستقرار الخلق عليها.
11 - فيها الأشجار التي تثمر الفواكه، وفيها النخل ذات الأوعية التي يكون منها التمر.
12 - وفيها الحب ذو التِّبْن كالبُر والشعير، وفيها النباتات التي تستطيبون رائحتها.
13 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
14 - خلق آدم - عليه السلام - من طين يابس تسمع له صلصلة، مثل الطين المطبوخ.
15 - وخلق أبا الجن من لهب خالص من الدخان.
16 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
17 - رب مَشْرِقَي الشمس ومغربيها شتاءً وصيفًا.
18 - فبأي نعمَ الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس - تكذبان؟!

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كتابة الأعمال صغيرها وكبيرها في صحائف الأعمال.
• ابتداء الرحمن بذكر نعمه بالقرآن دلالة على شرف القرآن وعظم منته على الخلق به.
• مكانة العدل في الإسلام.
• نعم الله تقتضي منا العرفان بها وشكرها، لا التكذيب بها وكفرها.
(1/531)

مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41)
19 - خلط الله البحرين المالح والعَذْب يلتقيان فيما تراه العين.
20 - بينهما حاجز يمنع كلًّا منهما أن يطغى على الآخر حتى يبقى العَذْب عَذْبًا والمالح مالحًا.
21 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
22 - يخرج من مجموع البحرين كبار الدُّر وصغاره.
23 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
24 - وله - سبحانه وتعالى - وحده التصرف في السفن الجارية في البحار مثل الجبال.
25 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
26 - كل من على وجه الأرض من الخلائق هالك لا محالة.
27 - ويبقى وجه ربك -أيها الرسول- ذو العظمة والإحسان والتفضل على عباده، فلا يلحقه فناء أبدًا.
28 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
29 - يسأله كل من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الجن والإنس؛ حاجاتِهم، كل يوم هو في شأن من شؤون عباده؛ من إحياء وإماتة ورزق وغير ذلك.
30 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
31 - سنفرغ لحسابكم -أيها الإنس والجن- فنجازي كلًّا بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
32 - فبأى نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟! ناحية من نواحي السماوات والأرض فافعلوا، ولن تستطيعوا أن تفعلوا ذلك إلا بقوة وبينة، وأنَّى لكم ذلك؟
34 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
35 - يُرْسَل عليكما -أيها الإنس والجن- لهب من النار خالٍ من الدخان، ودخان لا لهب فيه، فلا تستطيعان الامتناع من ذلك.
36 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
37 - فإذا تشققت السماء لنزول الملائكة منها فكانت حمراء مثل الدهن في إشراق لونه.
38 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
39 - ففي ذلك اليوم العظيم لا يُسْأل إنس ولا جنّ عن ذنوبهم؛ لعلم الله بأعمالهم.
40 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
41 - يُعْرف المجرمون يوم القيامة بعلامتهم وهي سواد الوجوه وزرقة العيون، فتُضَمّ نواصيهم إلى أقدامهم فيرمون في جهنم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجمع بين البحر المالح والعَذْب دون أن يختلطا من مظاهر قدرة الله تعالى.
• ثبوت الفناء لجميع الخلائق، وبيان أن البقاء لله وحده حصٌّ للعباد على التعلق بالباقي -سبحانه- دون من سواه.
• إثبات صفة الوجه لله على ما يليق به سبحانه دون تشبيه أو تمثيل.
• تنويع عذاب الكافر.
(1/532)

فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69)
47 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
43 - ويقال لهم توبيخًا: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون في الدنيا أمام أعينهم لا يستطيعون إنكارها.
44 - يتردَّدون بينها وبين ماء حارٍّ شديد الحرارة.
45 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
46 - وللذي خاف القيام بين يدي ربه في الآخرة فآمن وعمل صالحًا، جنتان.
47 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!

48 - وهاتان الجنتان ذواتا أغصان عظيمة نضرة مثمرة.
49 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
50 - في الجنتين عينان تجريان خلالهما بالماء.
51 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
52 - فيهما من كل فاكهة يُتَفَكَّه بها صنفان.
53 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
54 - متكئين على فرش بطائنها من الديباج الغليظ، وما يُجْنى من الثمار والفواكه من الجنتين قريب يتناوله القائم والجالس والمتكئ.
55 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
56 - فيهن نساء قصرن نظرهنّ على أزواجهنّ، لم يَفْتَضِضْ بكارتهنّ قبل أزواجهنّ إنس ولا جانّ.
57 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
58 - كأنهنّ الياقوت والمرجان جمالًا وصفاء.
59 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
60 - ما جزاء من أحسن بطاعة ربه إلا أن يحسن الله جزاءه؟!
61 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
62 - ومن دون هاتين الجنتين المذكورتين جنتان أخريان.
63 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
64 - قد اشتدّت خضرتهما.
65 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
66 - في هاتين الجنتين عينان شديدتا الفَوَران بالماء، لا ينقطع فَوَران مائهما.
67 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
68 - في هاتين الجنتين فاكهة كثيرة ونخل عظيم ورُمَّان.
69 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أهمية الخوف من الله واستحضار رهبة الوقوف بين يديه.
• مدح نساء الجنة بالعفاف دلالة على فضيلة هذه الصفة في المرأة.
• الجزاء من جنس العمل.
(1/533)

لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)
70 - في هذه الجنان نساء طيبات الأخلاق حسان الوجوه.
71 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
72 - حور مستورات في الخيام صونًا لهنّ.
73 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
74 - لم يقترب منهنَّ قبل أزواجهنّ إنس ولا جانّ.
75 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
76 - متكئين على وسائد مغطاة بأغطية خضر، وفرش حسان.
77 - فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
78 - تعاظم وكثر خير اسم ربك ذي العظمة والإحسان والتفضل على عباده.
سُورَةُ الوَاقعَة
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
التخويف بيوم القيامة، وتحقق وقوعه وأصناف الناس فيه وبيان جزاء كل منهم.

[التَّفْسِيرُ]
1 - إذا قامت القيامة لا محالة.

2 - لن توجد نفس تكذّب بها كما كانت تكذّب في الدنيا.

3 - خافضة للكفار الفجار بإدخالهم في النار، رافعة للمؤمنين المتقين بإدخالهم في الجنة.

4 - إذا حُرِّكت الأرض تحريكًا عظيمًا.

5 - وفُتِّتت الجبال تفتيتًا.

6 - فكانت من التفتيت غبارًا منتشرًا لا ثبات لها.

7 - وكنتم أصنافًا ثلاثة في ذلك اليوم:

8 - فأصحاب اليمين الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، ما أعلى وأعظم منزلتهم!

9 - وأصحاب الشمال الذين يأخذون كتبهم بشمائلهم، ما أخسّ وأسوأ منزلتهم!
10 - والسابقون بفعل الخيرات في الدنيا هم السابقون في الآخرة لدخول الجنة.
11 - أولئك هم المقربون عند الله.
12 - في جنات النعيم، يتنعمون بأصناف النعيم.
13 - جماعة من هذه الأمة ومن الأمم السابقة.
14 - وقليل من الناس في آخر الزمان هم السابقون المقربون.
15 - على أَسِرّة منسوجة بالذهب.
16 - متكئين على هذه الأسرّة متقابلين بوجوههم، لا ينظر أحدهم قفا غيره.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دوام تذكر نعم الله وآياته سبحانه موجب لتعظيم الله وحسن طاعته.
• انقطاع تكذيب الكفار بمعاينة مشاهد القيامة.
• تفاوت درجات أهل الجنة بتفاوت أعمالهم.
(1/534)

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50)
17 - يدور عليهم لخدمتهم وِلْدان لا ينالهم هَرَم ولا فناء.
18 - يدورون عليهم بأقداح لا عُرَا لها، وأباريق لها عُرًا، وكأس من خمر جارية في الجنة لا تنقطع.
19 - ليست كخمر الدنيا، فلا يلحق شاربها صداع ولا ذهاب عقل.
20 - ويدور عليهم هؤلاء الوِلْدان بفاكهة مما يختارون.
21 - ويدورون بلحم طير مما تشتهيه أنفسهم.
22 - ولهم في الجنة نساء واسعات العيون في جمال.
23 - كأمثال اللؤلؤ المَصُون في صَدَفه.
24 - ثوابًا لهم على ما كانوا يعملونه من الأعمال الصالحات في الدنيا.
25 - لا يسمعون في الجنة فاحش كلام، ولا ما يلحق صاحبه إثم.
26 - لا يسمعون إلا سلام الملائكة عليهم، وسلام بعضهم على بعض.
27 - وأصحاب اليمين، ما أصحاب اليمين؟ يالعظمة مكانتهم وشأنهم عند الله.
28 - في سِدْر مقطوع الشوك، لا أذى فيه.
29 - وفي موز متراكم مصفوف بعضه إلى بعض.
30 - وظل ممدود مستمرّ لا يزول.
31 - وماء جار لا يتوقف.
32 - وفاكهة كثيرة لا تنحصر.
33 - لا تنقطع عنهم أبدًا، فليس لها موسم، ولا يحول دونها مانع في أي وقت أرادوها.
34 - وفرش مرفوعة عالية توضع على الأسرّة.
35 - إنا أنشأنا الحور المذكورات إنشاءً غير مألوف.
36 - فصيّرناهنّ أبكارًا لم يُلْمَسن من قبل.
37 - مُتَحَبِّبات إلى أزواجهنّ، مستويات في السنّ.
38 - أنشأناهنّ لأصحاب اليمين الذين يؤخذ بهم ذات اليمين علامة على سعادتهم.
39 - هم جماعة من أمم الأنبياء السابقين.
40 - وجماعة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي آخر الأمم.
41 - وأصحاب الشمال، ما أصحاب الشمال؟ يالسوء حالهم ومصيرهم.
42 - في رياح شديدة الحرارة، وفي ماء شديد الحرارة.
43 - وفي ظل دخان مُسْودٌ.
44 - لا طيّب الهبوب، ولا حسن المنظر.
45 - إنهم كانوا قبل ما صاروا إليه من العذاب مُتَنَعِّمين في الدنيا، لا هَمَّ لهم إلا شهواتهم.
46 - وكانوا يصممون على الكفر بالله وعبادة الأصنام من دونه.
47 - وكانوا ينكرون البعث فيقولون استهزاءً واستبعادًا له: أإذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا نَخِرة أنبعث بعد ذلك؟!
48 - أَوَ يبعث آباؤنا الأولون الذين ماتوا قبلنا؟!
49 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنكرين للبعث: إن الأولين من الناس والمتأخرين منهم.
50 - سيُجْمعون يوم القيامة لا محالة للحساب والجزاء.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• العمل الصالح سبب لنيل النعيم في الآخرة.
• الترف والتنعم من أسباب الوقوع في المعاصي.
• خطر الإصرار على الذنب.
(1/535)

ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)
51 - ثم إنكم -أيها المكدبون بالبعث، الضالون عن الصراط المستقيم-.
52 - لآكلون يوم القيامة من ثمرِ شجرِ الزَّقُّوم، وهو شرّ ثمر وأخبثه.
53 - فمالئون من ذلك الشجر المُرِّ بطونكم الخاوية.
54 - فشاربون عليه من الماء الحار الشديد الحرارة.
55 - فمكثرون من شربه كما تكثر الإبل من الشرب بسبب داء الهُيَام.
56 - هذا المذكور من الطعام المرّ والماء الحارّ هو ضيافتهم التي يُسْتَقبلون بها يوم الجزاء.
57 - نحن خلقناكم -أيها المكذبون- بعد أن كنتم عدمًا، فهلَّا صدَّقتم بأنا سنبعثكم أحياء بعد موتكم؟!
58 - أفرأيتم -أيها الناس- ما تقذفونه من المني في أرحام نسائكم؟!
59 - أأنتم تخلقون ذلك المني، أم نحن الذين نخلقه؟!
60 - نحن قدرنا بينكم الموت، فلكل واحد منكم أجل لا يتقدم عليه ولا يتأخر، وما نحن بعاجزين.
61 - على أن نبدل ما أنتم عليه من الخلق والتصوير مما علمتموه، وننشئكم فيما لا تعلمونه من الخلق والتصوير.
62 - ولقد علمتم كيف خلقناكم الخلق الأول، أفلا تعتبرون وتعلمون أن الذي خلقكم أول مرة قادر على بعثكم بعد موتكم؟!
63 - أفرأيتم ما تلقونه من البذر في الأرض؟!
64 - أأنتم الذين تنبتون ذلك البذر، أم نحن الذين ننبته؟!
65 - لو نشاء جعْل ذلك الزرع حطامًا لجعلناه حطامًا بعد أن أوشك على النضج والإدراك، فظللتم بعد ذلك تتعجبون مما أصابه.
66 - تقولون: إنا لمعذبون بخسارة ما أنفقناه.
67 - بل نحن محرومون من الرزق.
68 - أفرأيتم الماء الذي تشربون منه إذا عطشتم؟!
69 - أأنتم أنزلتموه من السحاب في السماء، أم نحن الذين أنزلناه؟!
70 - لو نشاء جعْل ذلك الماء شديد الملوحة لا يُنْتَفع به شربًا ولا سقيًا لجعلناه شديد الملوحة، فلولا تشكرون الله على إنزاله عَذْبًا رحمة بكم.
71 - أفرأيتم النار التى توقدونها لمنافعكم؟!
72 - أأنتم الذين أنشأتم الشجرة التي توقَد منها، أم نحن الذين أنشأناها رفقًا بكم؟!
73 - نحن صيّرنا هذه النار تذكرة لكم تذكركم بنار الآخرة، وصيّرناها منفعة للمسافرين منكم.
74 - فنزِّه -أيها الرسول- ربك العظيم عما لا يليق به.
75 - أقسم الله بأماكن النجوم ومواقعها.
76 - وإن القَسَم بهذه المواقع -لو تعلمون عظمه- لعظيم؛ لما فيه من الآيات والعبر التي لا تنحصر.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دلالة الخلق الأول على سهولة البعث ظاهرة.
• إنزال الماء وإنبات الأرض والنار التي ينتفع بها الناس نعم تقتضي من الناس شكرها لله، فالله قادر على سلبها متى شاء.
• الاعتقاد بأن للكواكب أثرًا في نزول المطر كفر وهو من عادات الجاهلية.
(1/536)

77 - إن القرآن المقروء عليكم -أيها الناس- قرآن كريم؛ لما فيه من المنافع العظيمة.
78 - في كتاب مَصُون عن أعين الناس، وهو اللوح المحفوظ.
79 - لا يمسّه إلا الملائكة المطهَّرون من الذنوب والعيوب.
80 - مُنَزَّل من رب الخلائق على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -.
81 - أفبهذا الحديث أنتم - أيها المشركون - مكذبون غير مصدقين؟!
82 - وتجعلون شكركم لله على ما رزقكم به من النعم أنكم تكذبون به، فتنسبون المطر إلى النَّوْء، فتقولون: مُطِرنا بنَوْء كذا ونَوْء كذا؟!
لما ذكر بعض أدلة البعث أراد أن ينبه على قدرته على الإعادة بالإشارة إلى عجزهم عن دفع الموت، فالذي أمات قادر على أن يحيي.

83 - فهلَّا إذا وصلت الروح الحلقوم.
84 - وأنتم في ذلك الوقت تنظرون المُحْتَضِر بين أيديكم.
85 - ونحن بعلمنا وقدرتنا وملائكتنا أقرب إلى ميتكم منكم، ولكن لا تشاهدون هؤلاء الملائكة.
86 - فهلَّا - إن كنتم، كما تزعمون، غير مبعوثين لمجازاتكم على أعمالكم -.
87 - ترجعون هذه الروح التي تخرج من مميتكم إن كنتم صادقين؟! ولا تستطيعون ذلك.
88 - فأما إن كان الميت من السابقين إلى الخيرات.
89 - فله راحة لا تعب بعدها، ورزق طيب، ورحمة، وله جنة يتنعم فيها بما تشتهيه نفسه.
90 - 91 - وأما إن كان الميت من أصحاب اليمين فلا تهتمّ لشأنهم، فلهم السلامة المكذبين بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - الضالين عن الصراط المستقيم.
93 - فضيافته التي يستقبل بها ماء حارٌّ شديد الحرارة.
94 - وله احتراق بنار الجحيم.
95 - إن هذا الذي قصصناه عليك -أيها الرسول- لهو حق اليقين الذي لا مِرْية فيه.
96 - فنزِّه اسم ربك العظيم، وقدِّسْه عن النقائص.
سُورَة الحَدِيْدِ
- مَدَنيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بناء القوة الإيمانية والمادية الباعثة على الدعوة والجهاد، وتخليص النفوس من عوائقها؛ ولذا تكرر فيها ذكر الإنفاق والإيمان.

[التَّفْسِيرُ]
1 - نزَّهَ اللهَ وقَدَّسه ما في السماوات والأرض من مخلوقاته، وهو العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره.

2 - له وحده ملك السماوات والأرض، يحيي من يشاء أن يحييه، ويميت من يشاء أن يميته، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.

3 - هو الأول الذي لا شيء قبله، وهو الآخر الذي لا شيء بعده، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، وهو بكل شيء عليم، لا يفوته شيء.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• شدة سكرات الموت وعجز الإنسان عن دفعها.
• الأصل أن البشر لا يرون الملائكة إلا إن أراد الله لحكمة.
• أسماء الله (الأول، الآخر، الظاهر، الباطن) تقتضي تعظيم الله ومراقبته في الأعمال الظاهرة والباطنة.
(1/537)

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)
4 - هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام بدأت بيوم الأحد وانتهت بيوم الجمعة، وهو قادر على خلقها في أقلّ من طرفة عين، ثم علا وارتفع سبحانه على العرش علوًّا يليق به سبحانه، يعلم ما يدخل في الأرض من مطر وبذر وغيرهما، وما يخرج منها من نبات ومعادن وغيرهما، وما ينزل من السماء من المطر والوحي وغيرهما، وما يعرج فيها من الملائكة ومن أعمال العباد وأرواحهم، وهو معكم أينما كنتم -أيها الناس- بعلمه، لا يخفى عليه منكم شيء، والله بما تعملون بصير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها.
5 - له وحده ملك السماوات وملك الأرض، واليه وحده ترجع الأمور، فيحاسب الخلائق يوم القيامة، ويجازيهم على أعمالهم.
6 - يدخل الليل على النهار فتأتي الظلمة، وينام الناس، ويدخل النهار على الليل فيأتي الضياء، فينطلق الناس إلى أعمالهم، وهو عليم بما في صدور عباده، لا يخفى عليه شيء منه.
7 - آمنوا بالله، وآمنوا برسوله، وأنفقوا من المال الذي جعلكم الله مُسْتَخْلَفين فيه، تتصرفون فيه وفق ما شرع لكم، فالذين آمنوا منكم بالله، وبذلوا أموالهم في سبيل الله، لهم ثواب عظيم عنده، وهو الجنة.
8 - وأي شيء يمنعكم من الإيمان بالله؟! والرسول يدعوكم إلى الله رجاء أن تؤمنوا بربكم سبحانه، وقد أخذ الله منكم العهد أن تؤمنوا به حين أخرجكم من ظهور آبائكم، إن كنتم مؤمنين.
9 - هو الذي ينزل على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - آيات واضحات؛ ليخرجكم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وإن الله بكم لرؤوف رحيم حين أرسل إليكم نبيه هاديًا وبشيرًا.
10 - وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله؟! ولله ميراث السماوات والأرض، لا يستوي منكم -أيها المؤمنون- من أنفق ماله في سبيل الله ابتغاء مرضاته من قبل فتح مكة، وقاتل الكفار لنصرة الإسلام، مع من أنفق بعد الفتح وقاتلوا الكفار؛ أولئك المنفقون من قبل الفتح والمقاتلون في سبيل الله، أعظم منزلة عند الله وأرفع درجة من الذين أنفقوا أموالهم في سبيله بعد فتحها وقاتلوا الكفار؛ وقد وعد الله كِلا الفريقين الجنة، والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
11 - من ذا الذي يبذل ماله طيبة به نفسه لوجه الله، فيعطيه الله ثواب ما بذله من ماله مضاعفًا، وله يوم القيامة ثواب كريم، وهو الجنة؟!

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المال مال الله، والإنسان مُسْتَخْلف فيه.
• تفاوت درجات المؤمنين بحسب السبق إلى الإيمان وأعمال البر.
• الإنفاق في سبيل الله سبب في بركة المال ونمائه.
(1/538)

يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)
12 - يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يتقدمهم نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ويقال لهم في ذلك اليوم: بُشْراكم اليوم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، ذلك الجزاء هو الفوز العظيم الذي لا يدانيه فوز.
ولما ذكر الله حال المؤمنين في ذلك اليوم ذكر حال المنافقين، فقال:

13 - يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انتظرونا رجاء أن نقتبس من نوركم ما يعيننا على عبور الصراط، ويقال للمنافقين استهزاءً بهم: ارجعوا وراءكم، فاطلبوا نورًا تستنيرون به، فَضُرِب بينهم بسور، لذلك السور باب، باطنه مما يلي المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره مما يلي المنافقين فيه العذاب.
14 - ينادي المنافقون المؤمنين قائلين: ألم نكن معكم على الإسلام والطاعة؟! قال لهم المسلمون: بلى، كنتم معنا، لكنّكم فتنتم أنفسكم بالنفاق فأهلكتموها، وتربصتم بالمؤمنين أن يُغْلَبوا فتُعْلِنوا كفركم، وشككتم في نصر الله للمؤمنين، وفي البعث بعد الموت، وخدعتكم الأطماع الكاذبة حتى جاءكم الموت وأنتم على ذلك، وغرَّكم بالله الشيطان.
15 - فاليوم لا تؤخذ منكم -أيها المناففون- فدية من عذاب الله، ولا تؤخذ فدية من الذين كفروا بالله علنًا، ومصيركم ومصير الكافرين النار، هي أولى بكم، وأنتم أولى بها، وبئس المصير.
16 - ألم يَحِنْ للذين آمنوا بالله ورسوله أن تلين قلوبهم وتطمئنّ لذكر الله سبحانه، وما نزل من القرآن من وعد أو وعيد، ولا يكونوا مثل الذين أُعطوا التوراة من اليهود، والذين أُعطوا الإنجيل من النصارى، في قسوة القلوب، فطال الزمن بينهم وبين بعثة أنبيائهم فقست بسبب ذلك قلوبهم، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله إلى معصيته؟!
17 - اعلموا أن الله يحيي الأرض بإنباتها بعد جفافها، قد بيّنا لكم -أيها الناس- الأدلة والبراهين على قدرة الله ووحدانيته رجاء أن تعقلوها؛ فتعلموا أن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على بعثكم بعد موتكم، وقادر على جعل قلوبكم لينة بعد قسوتها.
18 - إن المتصدقين ببعض أموالهم، والمتصدقات ببعض أموالهنّ، الذين ينفقونها طيبة بها نفوسهم دون مَنٍّ ولا أذى، يُضاعَف لهم ثواب أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولهم مع ذلك ثواب كريم عند الله وهو الجنة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• امتنان الله على المؤمنين بإعطائهم نورًا يسعى أمامهم وعن أيمانهم.
• المعاصي والنفاق سبب للظلمة والهلاك يوم القيامة.
• التربُّص بالمؤمنين والشك في البعث، والانخداع بالأماني، والاغترار بالشيطان: من صفات المنافقين.
• خطر الغفلة المؤدية لقسوة القلوب.
(1/539)

وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)
19 - والذين آمنوا بالله وآمنوا برسله دون تفريق بينهم، أولئك هم الصدِّيقون، والشهداء عند ربهم لهم ثوابهم الكريم المعدّ لهم، ولهم نورهم الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة، والذين كفروا بالله وبرسله، وكذبوا بآياتنا المنزلة على رسولنا أولئك أصحاب الجحيم، يدخلونها يوم القيامة خالدين فيها أبدًا، لا يخرجون منها.
20 - اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب تلعب به الأبدان، ولهو تلهو به القلوب، وزينة تتجملون بها، وتفاخر بينكم بما فيها من ملك ومتاع، وتباهٍ بكثرة الأموال وكثرة الأولاد، كمثل مطر أعجب الزُّرَّاع نباته، ثم لا يلبث هذا النبات المخضرّ أن ييبس، فتراه -أيها الرائي- بعد اخضراره مصفرًّا، ثم يجعله الله فُتَاتًا بتكسر، وفي الآخرة عذاب شديد للكفار والمنافقين، ومغفرة من الله لذنوب عباده المؤمنين، ورضوان منه، وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل لا ثبات له، فمن آثر متاعها الزائل على نعيم الآخرة فهو خاسر مغبون.
21 - سابقوا -أيها الناس- إلى الأعمال الصالحات التي تنالون بها مغفرة ذنوبكم؛ من توبة وغيرها من القربات، ولتنالوا بها جنة عرضها مثل عرض السماء والأرض، هذه الجنة أعدّها الله للذين آمنوا به وآمنوا برسله، ذلك الجزاء فضل الله يعطيه من يشاء من عباده، والله سبحانه ذو الفضل العظيم على عباده المؤمنين.
22 - ما أصاب الناس من مصيبة في الأرض من الجَدْب وغيره، ولا أصابهم من مصيبة في أنفسهم إلا وهي مثبتة في اللوح المحفوظ من قبل أن نخلق الخليقة، إن ذلك على الله سهل.
23 - وذلك لكي لا تحزنوا -أيها الناس- على ما فاتكم، ولكي لا تفرحوا بما أعطاكم من النعم فرح بَطَر، إن الله لا يحبّ كل متكبر فخور على الناس بما أعطاه الله.
24 - الذين يبخلون بما يجب عليهم بذله، ويأمرون غيرهم بالبخل خاسرون، ومن يتولّ عن طاعة الله فلن يضرّ الله وإنما يضرّ نفسه، إن الله هو الغني، فلا يفتقر إلى طاعة عبيده، المحمود على كل حال.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الزهد في الدنيا وما فيها من شهوات، والترغيب في الآخرة وما فيها من نعيم دائم يُعينان على سلوك الصراط المستقيم.
• وجوب الإيمان بالقدر.
• من فوائد الإيمان بالقدر عدم الحزن على ما فات من حظوظ الدنيا.
• البخل والأمر به خصلتان ذميمتان لا يتصف بهما المؤمن.
(1/540)

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
25 - لقد أرسلنا رسلنا بالحجج الواضحة والبراهين الجلية، وأنزلنا معهم الكتب، وأنزلنا معهم الميزان؛ ليقوم الناس بالعدل، وأنزلنا الحديد فيه بأس قوي، فمنه يُصْنَع السلاح، وفيه منافع للناس في صناعاتهم وحرفهم، وليعلم الله علمًا يظهر للعباد من ينصره من عباده بالغيب، إن الله قوي عزيز لا يغلبه شيء، ولا يعجز عن شيء.
26 - ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم - عليه السلام -، وجعلنا في ذريتهما النبوة، والكتب المنزلة، فمن ذريتهما مهتدٍ إلى الصراط المستقيم، موفَّق، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله.
27 - ثم أتبعنا رسلنا، فبعثناهم تَتْرَى إلى أممهم، وأتبعناهم بعيسى بن مريم وأعطيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين آمنوا به واتبعوه رأفة ورحمة، فكانوا متوادِّين متراحمين فيما بينهم، وابتدعوا الغلو في دينهم، فتركوا بعض ما أحل الله لهم من النكاح والملاذ، ولم نطلب منهم ذلك، وإنما ألزموا به أنفسهم؛ ابتداعًا منهم في الدين، وإنما طلبنا اتباع مرضاة الله فلم يفعلوا، فأعطينا الذين آمنوا منهم ثوابهم، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله بالتكذيب بما جاءهم به رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
28 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، اتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وآمنوا برسوله، يعطكم نصيبَيْن من الثواب والأجر على إيمانكم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وإيمانكم بالرسل السابقين، ويجعل لكم نورًا تهتدون به في حياتكم الدنيا، وتستنيرون به على الصراط يوم القيامة، ويغفر لكم ذنوبكم فيسترها ولا يؤاخذكم بها، والله سبحانه غفورٌ لعباده رحيم بهم.
29 - وقد بيّنا لكم فضلنا العظيم بما أعددناه لكم -أيها المؤمنون- من الثواب المضاعف؛ ليعلم أهل الكتاب السابقون من يهود ونصارى أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله بحيث يمنحونه مَنْ يشاؤون، ويمنعونه مَنْ يشاؤون، وليعلموا أن الفضل بيد الله سبحانه يعطيه من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم الذي يختص به من يشاء من عباده.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الحق لا بد له من قوة تحميه وتنشره.
• بيان مكانة العدل في الشرائع السماوية.
• صلة النسب بأهل الإيمان والصلاح لا تُغْنِي شيئًا عن الإنسان ما لم يكن هو مؤمنًا.
• بيان تحريم الابتداع في الدين.
(1/541)

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)
سُورَة المُجَادلةِ
- مَدَنيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إظهار علم الله الشامل وإحاطته البالغة، تربيةً لمراقبته، وتحذيرًا من مخالفته.


[التَّفْسِيرُ]
1 - قد سمع الله كلام المرأة (وهي خَوْلة بنت ثعلبة) التي تراجعك -أيها الرسول- في شأن زوجها (وهو أوس بن الصامت) لَمَّا ظاهر منها، وتشتكي إلى الله ما صنع بها زوجها، والله يسمع تراجعكما في الكلام، لا يخفى عليه منه شيء، إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بأفعالهم، ولا يخفى عليه منها شيء.
2 - الذين يُظاهرون من نسائهم؛ بأن يقول أحدهم لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، كذبوا في قولهم هذا، فليست زوجاتهم بأمهاتهم، إنما أمهاتهم اللائي وَلَدْنَهم، وإنهم إذ يقولون ذلك القول ليقولون قولًا فظيعًا، وكذبًا، وإن الله لعفوّ غفور، فقد شرع لهم الكفارة؛ تخليصًا لهم من الإثم.
3 - والذين يقولون هذا القول الفظيع، ثم يريدون جِماعَ من ظاهروا منهنّ فعليهم أن يُكَفِّروا بعتق رقبة من قبل أن يجامعوهنّ، ذلكم الحكم المذكور تؤمرون به زجرًا لكم عن الظِّهار، والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء.
4 - فمن لم يجد منكم رقبة يعتقها فعليه صيام شهرين متتابعين من قبل أن يجامع زوجته التي ظاهر منها، فمن لم يستطع صيام شهرين متتابعين فعليه إطعام ستين مسكينًا، ذلك الحكم الذي حكمنا به لتؤمنوا بأن الله أمر به، فتمتثلوا أمره، وتلك الأحكام التي شرعناها لكم حدود الله التي حدّها لعباده فلا تتجاوزوها، وللكافرين بأحكام الله وحدوده التي حدّها عذاب موجع.
5 - إن الذين يعادون الله ورسوله أُذِلُّوا وأُخْزُوا كما أُذِلَّ الذين عادوه من الأمم السابقة وأُخْزُوا، وقد أنزلنا آيات واضحات، وللكافرين بالله وبرسله وآياته عذاب مُذِلّ.
6 - يوم يبعثهم الله جميعًا لا يغادر منهم أحدًا، فيخبرهم بما عملوا في الدنيا من الأعمال القبيحة، أحصاه الله عليهم، فلم يفته من أعمالهم شيء، ونسوه هم فوجدوه مكتوبًا في صحائفهم التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها، والله على كل شيء مُطَّلع لا يخفى عليه من أعمالهم شيء.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لُطْف الله بالمستضعفين من عباده من حيث إجابة دعائهم ونصرتهم.
• من رحمة الله بعباده تنوع كفارة الظهار حسب الاستطاعة ليخرج العبد من الحرج.
• في ختم آيات الظهار يذكر الكافرين؛ إشارة إلى أنه من أعمالهم، ثم ناسب أن يورد بعض أحوال الكافرين.
(1/542)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)
7 - ألم تر -أيها الرسول- أن الله يعلم ما في السماوات ويعلم ما في الأرض، لا يخفى عليه شيء مما فيهما، ما يكون من حديث ثلاثة سِرًّا إلا هو سبحانه رابعهم بعلمه، ولا يكون من حديث خمسة سِرًّا إلا هو سبحانه سادسهم بعلمه، ولا أقلّ من ذلك العدد، ولا أكثر منه إلا كان معهم بعلمه أينما كانوا، لا يخفى عليه من حديثهم شيء، ثم يخبرهم الله بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.
8 - ألم تر -أيها الرسول- إلى اليهود الذين كانوا يتناجون إذا رأوا مؤمنًا، فنهاهم الله عن النجوى، ثم هم يرجعون إلى ما نهاهم الله عنه، ويتناجون فيما بينهم بما فيه إثم مثل اغتياب المؤمنين، وبما فيه عدوان عليهم، وبما فيه معصية للرسول، وإذا جاؤوك -أيها الرسول- حَيَّوْك بتحية لم يُحَيِّك الله بها؛ وهي قولهم: السَّام عليك يقصدون الموت، ويقولون تكذيبًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: هلّا يعذبنا الله بما نقول، إذ لو كان صادقًا في دعواه أنَّه نبي لعذبنا الله بما نقول فيه! كافيهم جهنم عقابًا على ما قالوه، يعانون حرّها، فقبح المصير مصيرهم.
9 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تتناجوا بما فيه إثم أو عدوان أو معصية للرسول حتَّى لا تكونوا مثل اليهود، وتناجوا بما فيه طاعة لله وكفّ عن معصيته، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو الَّذي إليه وحده تحشرون يوم القيامة للحساب والجزاء.
10 - إنما النجوى -المشتملة على الإثم والعدوان ومعصية الرسول- من تزيين الشيطان ووسوسته لأوليائه؛ ليدخل الحزن على المؤمنين أنهم يُكادُ لهم، وليس الشيطان ولا تزيينه بضار المؤمنين شيئًا إلا بمشيئة الله وإرادته، وعلى الله فليعتمد المؤمنون في جميع شؤونهم.
ولما ذكر الله الأدب في الأقوال ذكر الأدب في المجالس فقال:

11 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إذا قيل لكم: توسَّعوا في المجالس فأوسِعوا فيها، يوسِّع الله لكم في حياتكم الدنيا وفي الآخرة، وإذا قيل لكم: ارتفعوا من بعض المجالس ليجلس فيها أهل الفضل فارتفعوا عنها، يرفع الله سبحانه الذين آمنوا منكم والذين أعطوا العلم درجات عظيمة، والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مع أن الله عالٍ بذاته على خلقه؛ إلا أنَّه مطلع عليهم بعلمه لا يخفى عليه أي شيء.
• لما كان كثير من الخلق يأثمون بالتناجي يأمر الله المؤمنين أن تكون نجواهم بالبر والتقوى.
• من آداب المجالس التوسيع فيها للآخرين.
(1/543)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)
12 - لما أكثر الصحابة من مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قال الله: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم مُسَارَّة الرسول فقدموا بين يدي مُسَارَّتكم صدقة، ذلك التقديم للصدقة خير لكم وأطهر؛ لما فيه من طاعة الله التي تزكي القلوب، فإن لم تجدوا ما تتصدقون به فلا حرج عليكم في مُسَارَّته، فإن الله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم حيث لم يكلفهم إلا ما لي وسعهم.
13 - أَخِفْتم الفقر بسبب تقديم الصدقة إذا ناجيتم الرسول؟! فإذ لم تفعلوا ما أمر الله به منها، وتاب عليكم حيث رخص لكم في تركها فَأْتُوا بالصلاة على أكمل وجه، وأعطوا زكاة أموالكم، وأطيعوا الله ورسوله، والله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
14 - ألم تر -أيها الرسول- إلى المنافقين الذين وَالَوُا اليهود الذين غضب الله عليهم بسبب كفرهم ومعاصيهم، هؤلاء المنافقون ليسوا من المؤمنين ولا من اليهود، بل هم مُذبْذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ويحلفون بأنهم مسلمون وبأنهم ما نقلوا أخبار المسلمين لليهود , وهم كاذبون في حلفهم.
15 - أعدّ الله لهم عذابًا شديدًا في الآخرة، حيث يدخلهم الدرك الأسفل من النار، إنهم قبح ما كانوا عليه من أعمال الكفر في الدنيا.
16 - اتخذوا أيمانهم التي كانوا يحلفونها وقاية من القتل بسبب الكفر، حيث أظهروا بها الإسلإم ليعصموا دماءهم وأموالهم، فصرفوا الناس عن الحق لما كانوا فيه من التوهين والتثبيط للمسلمين، فلهم عذاب مذلّ يذلهم ويخزيهم.
17 - لن تغني عنهم أموالهم، ولا أولادهم من الله شيئًا، أولئك أصحاب النار الذين يدخلونها ماكثين فيها أبدًا لا ينقطع عنهم العذاب.
18 - يوم يبعثهم الله جميعًا لا يترك منهم أحدًا إلا بعثه للجزاء، فيحلفون لله ما كانوا على الكفر والنفاق، وإنما كانوا مؤمنين عاملين بما يرضي الله، يحلفون له في الآخرة كما كانوا يحلفون لكم -أيها المؤمنون- في الدنيا أنهم مسلمون، ويظنون أنهم بهذه الأيمان التي يحلفونها لله على شيء مما يجلب لهم نفعًا أو يدفع عنهم ضرًّا، ألا إنهم هم الكاذبون حقًّا في أيمانهم في الدنيا، وفي أيمانهم في الآخرة.
19 - استولى عليهم الشيطان فأنساهم بوسوسته ذكر الله، فلم يعملوا بما يرضيه، وإنما عملوا بما يغضبه، أولئك المتصفون بتلك الصفات هم جنود إبليس وأتباعه، ألا إن جنود إبليس وأتباعه هم الخاسرون في الدنيا والآخرة، فقد باعوا الهدى بالضلالة، والجنّة بالنار.
20 - إن الذين يعادون الله ويعادون رسوله أولئك في جملة من أذلهم الله في الدنيا والآخرة وأخزاهم من الأمم الكافرة.
21 - قضى الله في سأبق علمه لأنتصرنّ أنا ورسلي على أعدائنا بالحجة والقوة، إن الله قوي على نصر رسله، عزيز ينتقم من أعدائهم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لطف الله بنبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث أدَّب صحابته بعدم المشقَّة عليه بكثرة المناجاة.
• ولاية اليهود من شأن المنافقين.
• خسران أهل الكفر وغلبة أهل الإيمان سُنَّة إلهية قد تتأخر، لكنها لا تتخلف.
(1/544)

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)
22 - لا تجد -أيها الرسول- قومًا يؤمنون بالله ويؤمنون بيوم القيامة يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله، ولو كان هؤلاء الأعداء لله ولرسوله آباءهم، أو كانوا أبناءهم، أو كانوا إخوانهم، أو عشيرتهم التي ينتمون إليها؛ لأن الإيمان يمنع من موالاة أعداء الله ورسوله، ولأن رابطة الإيمان أعلى من جميع الروابط، فهي مُقَدَّمة عليها عند التعارض، أولئك الذين لا يوالون من عادى الله ورسوله -ولو كانوا أقرباء- هم الذين أثبت الله الإيمان في قلوبهم فلا يتغير، وقوّاهم ببرهان منه ونور، ويدخلهم يوم القيامة في جنات عدن تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، لا ينقطع عنهم نعيمها ولا يفنون عنه، رضي الله عنهم رضًا لا يسخط بعده أبدًا، ورضوا هم عنه لما أعطاهم من النعيم الَّذي لا ينفد، ومنه رؤيته سبحانه، أولئك الموصوفون بما ذُكِر جند الله الذين يمتثلون ما أمر به، ويكفّون عما نهى عنه، ألا إن جند الله هم الفائزون بما ينالونه من مطلوبهم، وبما يفوتهم من مرهوبهم في الدنيا والآخرة.
سورة الحشر
- مدنية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إظهار قوة الله وعزته في توهين اليهود والمنافقين، وإظهار تفرقهم، في مقابل إظهار تآلف المؤمنين.


[التَّفْسِيرُ]
1 - عَظَّمَ الله ونزَّهَهُ عما لا يليق به كلُّ ما في السماوات وما في الأرض من المخلوقات، وهو العزيز الَّذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره.
2 - هو الَّذي أخرج بني النَّضِير الذين كفروا بالله، وكذبوا رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، من ديارهم بالمدينة لأول إخراج لهم من المدينة إلى الشام، وهم من اليهود أصحاب التوراة، بعد نقضهم لعهدهم وصيرورتهم مع المشركين عليه؛ أخرجهم إلى أرض الشام، ما ظننتم -أيها المؤمنون- أن يخرجوا من ديارهم لما هم عليه من العزة والمنعة، وظنوا هم أن حصونهم التي شَيَّدوها مانعتهم من بأس الله وعقابه، فجاءهم بأس الله من حيث لم يُقَدِّروا مجيئه حين أمر رسوله بقتالهم وإجلائهم من ديارهم، وأدخل الله في قلوبهم الخوف الشديد، يدمرون بيوتهم بأيديهم من داخلها لئلا ينتفع بها المسلمون، ويدمرها المسلمون من خارجها، فاتعظوا يا أصحاب الأبصار بما حلّ بهم بسبب كفرهم، فلا تكونوا مثلهم، فتنالوا جزاءهم وعقابهم الَّذي عوقبوا به.

3 - ولولا أن الله كتب عليهم إخراجهم من ديارهم، لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، كما فعل بإخوانهم من بني قُرَيْظة، ولهم في الآخرة عذاب النار ينتظرهم خالدين فيه أبدًا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المحبة التي لا تجعل المسلم يتبرأ من دين الكافر ويكرهه، فإنها محرمة، أما المحبة الفطرية؛ كمحبة المسلم لقريبه الكافر، فإنها جائزة.
• رابطة الإيمان أوثق الروابط بين أهل الإيمان.
• قد يعلو أهل الباطل حتَّى يُظن أنهم لن ينهزموا، فتأتي هزيمتهم من حيث لا يتوقعون.
• من قدر الله في الناس دفع المصائب بوقوع ما دونها من المصائب.
(1/545)

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)
4 - ذلك الَّذي حصل لهم حصل لأنهم عَادَوُا الله وعادَوْا رسوله بكفرهم ونقضهم للعهود، ومن يعادِ الله فإن الله شديد العقاب، فسيناله عقابه الشديد.
5 - ما قطعتم -معشر المؤمنين- من نخلة لتغيظوا أعداء الله في غزوة بني النَّضِير أو تركتموها قائمة على جذوعها لتنتفعوا بها -فبأمر الله، وليس من الفساد في الأرض كما زعموا، وليذلّ الله به الخارجين عن طاعته من اليهود الذين نقضوا العهد، واختاروا سبيل الغدر على طريق الوفاء.
6 - والذي ردّه الله على رسوله من أموال بني النَّضِير فما أسرعتم في طلبه مما تركبونه خيلًا ولا إبلًا، ولا أصابتكم فيه مشقة، ولكنّ الله يسلِّط رسله على من يشاء، وقد سلَّط رسوله على بني النَّضِير ففتح بلادهم بغير قتال، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
7 - ما أنعم الله على رسوله من أموال أهل القرى من غير قتال فللَّه، يجعله لمن يشاء، وللرسول مُلْكًا، ولذوي قرابته من بني هاشم وبني المطلب؛ تعويضًا لهم عما مُنِعوه من الصدقة، وللأيتام، وللفقراء، وللغريب الَّذي نفدت نفقته؛ لكي لا يقتصر تداول المال على الأغنياء دون الفقراء، وما أعطاكم الرسول من أموال الفيء فخذوه -أيها المؤمنون- وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، إن الله شديد العقاب فاحذروا عقابه.
8 - ويُصْرَف جزء من هذا المال للفقراء المهاجرين في سبيل الله الذين أُجْبِروا على ترك أموالهم وأولادهم، يرجون أن يتفضل الله عليهم بالرزق في الدنيا، وبالرضوان في الآخرة، وينصرون الله وينصرون رسوله بالجهاد في سبيل الله، أولئك المتصفون بتلك الصفات هم الراسخون في الإيمان حقًّا.
ولما ذكر الله المهاجرين وأثنى عليهم، ذكر الأنصار وأئنى عليهم كذلك، فقال سبحانه:

9 - والأنصار الذين نزلوا المدينة من قبل المهاجرين، واختاروا الإيمان بالله وبرسوله، يحبون من هاجر إليهم من مكة، ولا يجدون في صدورهم غيظًا ولا حسدًا على المهاجرين في سبيل الله إذا ما أُعْطُوا شيئًا من الفيء ولم يُعْطَوْا هم، ويقدمون على أنفسهم المهاجرين في الحظوظ الدنيوية، ولو كانوا متصفين بالفقر والحاجة، ومن يَقِه الله حِرْص نفسه على المال فيبذله في سبيله فأولئك هم الفائزون بنيل ما يرتجونه، والنجاة مما يرهبونه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• فِعلُ ما يُظنُّ أنَّه مفسدة لتحقيق مصلحة عظمى لا يدخل في باب الفساد في الأرض.
• من محاسن الإسلام مراعاة ذي الحاجة للمال، فَصَرَفَ الفيء لهم دون الأغنياء المكتفين بما عندهم.
• الإيثار منقبة عظيمة من مناقب الإسلام ظهرت في الأنصار أحسن ظهور.
(1/546)

وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)
10 - والذين جاؤوا من بعد هؤلاء واتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا في الدين الذين سبقونا إلى الإيمان بالله وبرسوله، ولا تجعل في قلوبنا ضعيفة وحقدًا لأحد من المؤمنين، ربنا إنك رؤوف بعبادك، رحيم بهم.
11 - ألم تر -أيها الرسول- إلى الذين أضمروا الكفر وأظهروا الإيمان، يقولون لإخوانهم في الكفر من اليهود أتباع التوراة المحرفة: اثبتوا في دياركم فلن نخذلكم، ولن نسلمكم، فلئن أخرجكم المسلمون منها لنخرجنّ تضامنًا معكم، ولا نطيع أحدًا يريد أن يمنعنا من الخروج معكم، وإن قاتلوكم لنعيننَّكم عليهم، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما ادعوه من الخروج مع اليهود إذا اخْرجوا، والقتال معهم إذا قُوتِلوا.
12 - لئن أخرج المسلمون اليهود لا يخرجون معهم، وإن قاتلوهم لا ينصروهم ولا يعينوهم، ولئن نصروهم وأعانوهم على المسلمين ليهربُنّ فرارًا منهم ثم لا يُنْصَر المنافقون بعد ذلك، بل يذلّهم الله ويخزيهم.
13 - لأنتم -أيها المؤمنون- أشدُّ تخويفًا في قلوب المنافقين واليهود من الله، ذلك المذكور -من شدة خوفهم منكم، وضعف خوفهم من الله- بسبب أنهم قوم لا يفقهون ولا يفهمون؛ إذ لو كانوا يفقهون لعلموا أن الله أحقّ أن يُخَاف وأن يُرْهَب، فهو الَّذي سلطكم عليهم.
14 - لا يقاتلكم -أيها المؤمنون- اليهود مجتمعين إلا في قرى مُحَصَّنة بالأسوار، أو من وراء جدران، فهم لا يستطيعون مواجهتكم لجبنهم، بأسهم فيما بينهم قوي لما بينهم من العداوة، تظنّ أنهم على كلمة واحدة، وأن صفهم واحد، والواقع أن قلوبهم متفرقة مختلفة، ذلك الاختلاف والتعادي بسبب أنهم لا يعقلون؛ إذ لو كانوا يعقلون لعرفوا الحق واتبعوه، ولم يختلفوا فيه.
15 - مثل هؤلاء اليهود في كفرهم وما حلّ بهم من عقاب، كمثل الذين من قبلهم من مشركي مكة في زمن قريب، فذاقوا سوء عاقبة كفرهم، فَقُتِل من قُتِل وأسِر من أسِر منهم يوم بدر، ولهم في الآخرة عذاب موجع.
16 - مَثَلُهم في سماعهم من المنافقين كمثل الشيطان حين زيّن للإنسان أن يكفر، فلما كفر بسبب تزيينه الكفر له قال: إني بريء منك لما كفرت، إني أخاف الله رب الخلائق.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• رابطة الإيمان لا تتأثر بتطاول الزمان وتغير المكان.
• صداقة المنافقين لليهود وغيرهم صداقة وهمية تتلاشى عند الشدائد.
• اليهود جبناء لا يواجهون في القتال، ولو قاتلوا فإنهم يتحصنون بِقُرَاهم وأسلحتهم.
(1/547)

فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)
17 - فكان نهاية أمر الشيطان ومن أطاعه أنهما (أي: الشيطان المُطاع، والإنسان المُطِيع) يوم القيامة في النار ماكثَيْنِ فيها أبدًا، وذلك الجزاء الَّذي ينتظرهما هو جزاء الظالمين لأنفسهم بتعدّي حدود الله.
18 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولتتأمل نفس ما قدمت من عمل صالح ليوم القيامة، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها.
19 - ولا تكونوا مثل الذين نسوا الله بترك امتثال أمره واجتناب نهيه، فأنساهم الله أنفسهم، فلم يعملوا بما ينجيها من غضب الله وعقابه، أولئك الذين نسوا الله -فلم يمتثلوا أمره ولم يكفّوا عن نهيه- هم الخارجون عن طاعة الله.
20 - لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنّة، بل هم مختلفون في جزائهم مثل اختلاف أعمالهم في الدنيا، أصحاب الجنّة هم الفائزون بنيل ما يطلبونه، الناجون مما يرهبونه.
16 - لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيت -أيها الرسول- ذلك الجبل مع صلابته متذللًا متشققًا من شدة خشية الله؛ لما في القرآن من المواعظ الزاجرة والوعيد الشديد، وهذه الأمثال نضربها للناس لعلهم يعملون عقولهم فيتعظوا بما تشتمل عليه آياته من العظات والعبر.
22 - 23 - هو الله الَّذي لا معبود بحق غيره، عالم ما غاب وما حضر، لا يخفي عليه شيء من ذلك، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وسعت رحمته العالمين، الملك، المُنَزَّه والمُقَدَّس عن كل نقص، السالم من كل عيب، المصدق رسله بالآيات الباهرة، الرقيب على أعمال عباده، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الجبار الَّذي قهر بجبروته كل شيء، المتكبر، تَنَزَّه الله وتَقَدّس عما يشرك معه المشركون من الأوثان وغيرها.
24 - هو الله الخالق الَّذي خلق كل شيء، الموجد للأشياء، المصور لمخلوقاته وفق ما يريد، له سبحانه الأسماء الحسنى المشتملة على صفاته العلا، ينزهه ما في السماوات وما في الأرض عن كل نقص، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من علامات توفيق الله للمؤمن أنَّه يحاسب نفسه في الدنيا قبل حسابها يوم القيامة.
• في تذكير العباد بشدة أثر القرآن على الجبل العظيم؛ تنبيه على أنهم أحق بهذا التأثر لما فيهم من الضعف.
• أشارت الأسماء (الخالق، البارئ، المصور) إلى مراحل تكوين المخلوق من التقدير له، ثم إيجاده، ثم جعل له صورة خاصة به، وبذكر أحدها مفردًا فإنه يدل على البقية.
(1/548)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)
سورة الممتحنة
- مدنية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تخليص قلوب المؤمنين من الولاء لغير دين الله تعالى.


[التَّفْسِيرُ]
1 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تتخذوا أعدائي وأعداءكم أولياء توالونهم وتوادّونهم، وقد كفروا بما جاءكم على يد رسولكم من الدين، يُخْرِجون الرسول من داره، ويخرجونكم أنتم كذلك من دياركم بمكة، لا يراعون فيكم قرابة ولا رحمًا، لا لشيء إلا أنكم آمنتم بالله ربكم، لا تفعلوا ذلك إن كنتم خرجتم لأجل الجهاد في سبيلي، ومن أجل طلب مرضاتي، تُسِرُّون إليهم بأخبار المسلمين مودة لهم، وأنا أعلم بما أخفيتم من ذلك وما أعلنتم، لا يخفى عليَّ شيء من ذلك ولا من غيره، ومن يفعل تلك الموالاة والموادة للكفار فقد انحرف عن وسط الطريق، وضلّ عن الحق، وجانَبَ الصواب.
2 - إن يظفروا بكم يُظْهِروا ما يضمرونه في قلوبهم من العداوة، ويمدّوا أيديهم إليكم بالإيذاء والضرب، ويطلقوا ألسنتهم بالشتم والسبّ، وتمنّوا لو تكفرون بالله وبرسوله لتكونوا مثلهم.
3 - لن تنفعكم قرابتكم، ولا أولادكم إذا واليتم الكفار من أجلهم، يوم القيامة يفرق الله بينكم، فيدخل أهل الجنّة منكم الجنّة، وأهل النار النار، فلا ينفع بعضكم بعضًا، والله بما تعملون بصير، لا يخفى عليه سبحانه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
4 - لقد كان لكم -أيها المؤمنون- قدوة حسنة في إبراهيم عليه السلام والمؤمنين الذين كانوا معه، حين قالوا لقومهم الكفار: إنا بريئون منكم ومما تعبدون من دون الله من الأصنام، كفرنا بما أنتم عليه من الدين، وظهرت بيننا وبينكم العداوة والكراهية حتَّى تؤمنوا بالله وحده، ولا تشركوا به أحدًا، فكان عليكم أن تتبرؤوا من قومكم الكفار مثلهم، إلا قول إبراهيم عليه السلام لأبيه: لأطلبنّ المغفرة لك من الله، فلا تتأسوا به فيه؛ لأن هذا كان قبل يأس إبراهيم من أبيه، فليس لمؤمن أن يطلب المغفرة لمشرك، ولست بدافع عنك من عذاب الله شيئًا، ربنا عليك اعتمدنا في أمورنا كلها، وإليك رجعنا تائبين، وإليك المرجع يوم القيامة.
5 - ربنا لا تُصَيِّرنا فتنة للذين كفروا بأن تسلطهم علينا فيقولوا: لو كانوا على حق لما سُلِّطنا عليهم، واغفر لنا ربنا ذنوبنا، إنك أنت العزيز الَّذي لا يُغْلب، الحكيم في خلقك وشرعك وقدرك.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تسريب أخبار أهل الإسلام إلى الكفار كبيرة من الكبائر.
• عداوة الكفار عداوة مُتَأصِّلة لا تؤثر فيها موالاتهم.
• استغفار إبراهيم لأبيه لوعده له بذلك، فلما نهاه الله عن ذلك لموته على الكفر ترك الاستغفار له.
(1/549)

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11)
6 - هذه القدوة الحسنة إنما يتأسى بها من كان يرجو من الله الخير في الدنيا والآخرة، ومن يعرض عن هذه القدوة الحسنة فإن الله غني عن عباده، لا يحتاج إلى طاعتهم، وهو المحمود على كل حال.
7 - عسى الله أن يجعل بينكم -أيها المؤمنون- وبين الذين عاديتم من الكفار محبة بحيث يهديهم الله للإسلام، فيكونون إخوة لكم في الدين، والله قدير يقدر أن يقلب قلوبهم إلى الإيمان، والله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
8 - لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم بسبب إسلامكم، ولم يخرجوكم من دياركم أن تحسنوا إليهم، وتعدلوا بينهم بأن تعطوهم ما لهم من حق عليكم، مثل ما فعلت أسماء بنت أبي بكر الصديق بأمها الكافرة لما قدمت إليها بعد أن استأذنت النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فأمرها بأن تصلها، إن الله يحب العادلين الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا.
9 - إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم بسبب إيمانكم، وأخرجوكم من دياركم، وأعانوا على إخراجكم؛ ينهاكم أن توالوهم، ومن يوالهم منكم فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب مخالفة أمر الله.
10 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه، إذا جاءتكم المؤمنات مهاجرات من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فاختبروهنّ في صدق إيمانهنّ، الله أعلم بإيمانهنّ , لا يخفى عليه شيء مما تنطوي عليه قلوبهنّ، فإن علمتموهنّ مؤمنات بعد الاختبار بما يظهر لكم من صدقهنّ فلا تردّوهن إلى أزواجهم الكفار، لا يحلّ للمؤمنات أن يتزوجن بالكفار، ولا يحلّ للكفار أن يتزوجوا بالمؤمنات، وأعطوا أزواجهم ما بذلوا من مهورهنّ، ولا إثم عليكم -أيها المؤمنون- أن تتزوجوهنّ بعد انقضاء عدتهن إذا أعطيتموهن مهورهنّ، ومن كانت زوجته كافرة أو ارتدت عن الإسلام فلا يمسكها؛ لانقطاع نكاحهما بكفرها، واسألوا الكفار ما بذلتم من مهور زوجاتكم المُرْتدَّات، وليسألوا هم ما بذلوا من مهور زوجاتهم اللائي أسلمن، ذلكم المذكور -من رَدِّ المهور من جهتكم ومن جهتهم- هو حكم الله، يحكم بينكم سبحانه بما يشاء، والله عليم بأحوال عباده، وأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، حكيم فيما يشرعه لعباده.
11 - وإن فُرِضَ خروجُ بعض نسائكم إلى الكفار مُرْتدَّات وطلبتم مهورهن من الكفار ولم يعطوها، فغنمتم من الكفار فأعطوا الأزواج الذين خرجت زوجاتهم مُرْتدَّات مثل ما بذلوا من المهور، واتقوا الله الَّذي أنتم به مؤمنون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في تصريف الله القلب من العداوة إلى المودة، ومن الكفر إلى الإيمان إشارة إلى أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه سبحانه، فليطلب العبد منه الثبات على الإيمان.
• التفريق في الحكم بين الكفار المحاربين والمسالمين.
• حرمة الزواج بالكافرة غير الكتابية ابتداءً ودوامًا، وحرمة زواج المسلمة من كافر ابتداءً ودوامًا.
(1/550)

يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)
12 - يا أيها النبي، إذا جاءك النساء المؤمنات يُبايعنك -مثل ما حدث في فتح مكة- على ألا يشركن بالله شيئًا، بل يعبدنه وحده، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهنّ جريًا وراء عادة أهل الجاهلية، ولا يُلْحِقن بأزواجهنّ أولادهنّ من الزنى، ولا يعصينك في معروف من مثل نهيه عن النياحة والحلق وشق الجيب-: فبايعهنّ، واطلب لهنّ المغفرة من الله لذنوبهنّ بعد مبايعتهنّ لك، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
ولما بدأت السورة بالتحذير من موالاة أعداء الله اختتمت بالتحذير منه تأكيدًا لما سبق، فقال تعالى:

13 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم لا يوقنون بالآخرة، بل هم يائسون منها مثل يأسهم من رجوع موتاهم إليهم لكفرهم بالبعث.
سورة الصف
- مدنية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تحفيز المؤمنين لنصرة دين الله، والجهاد في سبيله.

[التَّفْسِيرُ]
1 - نَزَّهَ الله سبحانه وتعالى وقَدَّسه عن كل ما لا يليق به، ما في السماوات وما في الأرض، وهو العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وقدره وشرعه.

2 - يا أيها الدين آمنوا بالله، لم تقولون: فعلنا شيئًا، ولم تفعلوه في الواقع؟! كقول أحدكم: قاتلت بسيفي وضربت، وهولم يقاتل بسيفه ولم يضرب.

3 - عَظُم ذلك المبغوض عند الله وهو أن تقولوا ما لا تفعلونه، فلا يليق بالمؤمن إلا أن يكون صادقًا مع الله، يُصَدِّق عملُهُ قولَه.

4 - إن الله يحبّ المؤمنين الذين يقاتلون في سبيله ابتغاء مرضاته صفًّا بعضهم جنب بعض كأنهم بنيان متلاصق بعضه ببعض.
ولما ذكر الله القتال وامتدح المؤمنين المُتَراصِّين في القتال في سبيله، ذكر ما كان عليه أصحاب موسى وعيسى من مخالفة رسوليهما، تحذيرًا للمؤمنين من مخالفة نبيهم، فقال:

5 - واذكر -أيها الرسول- حين قال موسى لقومه: يا قوم، لم تؤذونني بمخالفة أمري وأنتم تعلمون أني رسول الله إليكم؟! فلما مالوا وانحرفوا عما جاءهم به من الحق أمال الله قلوبهم عن الحق والاستقامة، والله لا يوفق للحق القوم الخارجين عن طاعته.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مشروعية مبايعة ولي الأمر على السمع والطاعة والتقوى.
• وجوب الصدق في الأفعال ومطابقتها للأقوال.
• بيَّن الله للعبد طريق الخير والشر، فإذا اختار العبد الزيغ والضلال ولم يتب فإن الله يعاقبه بزيادة زيغه وضلاله.
(1/551)

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)
6 - واذكر -أيها الرسول- حين قال عيسى بن مريم عليه السلام: يا بني إسرائيل، إني رسول الله بعثني إليكم مصدقًا لما نزل قبلي من التوراة، فلست بِبِدْع من الرسل، ومبشرًا برسول يجيء من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم عيسى بالحجج الدالة على صدقه قالوا: هذا سحر واضح، فلن نتبعه.
7 - ولا أحد أشدّ ظلمًا ممن اختلق على الله الكذب حيث جعل له أندادًا يعبدهم من دونه وهو يُدْعَى إلى الإسلام دين التوحيد الخالص لله، والله لا يوفق القوم الظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصي إلى ما فيه رشده وسدادهم.
8 - يريد هؤلاء المكذبون أن يطفئوا نور الله بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة ومن التشويه للحق، والله مكمل نوره على رغم أنوفهم بإظهار دينه في مشارق الأرض ومغاربها وإعلاء كلمته.
9 - الله هو الَّذي بعث رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بدين الإسلام، دين الهداية والإرشاد للخير، ودين العلم النافع والعمل الصالح؛ ليُعْلِيه على جميع الأديان على رغم أنوف المشركين الذين يكرهون أن يُمَكَّن له في الأرض.
10 - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرعه لهم، هل أرشدكم وأهديكم إلى تجارة رابحة، تنقذكم من عذاب موجع؟
11 - هذه التجارة الرابحة هي أن تؤمنوا بالله وبرسوله، وتجاهدوا في سبيله سبحانه بإنفاق أموالكم وبذل أنفسكم ابتغاء مرضاته؛ ذلك العمل المذكور خير لكم إن كنتم تعلمون فسارعوا إليه.
12 - ورِبْح هذه التجارة هو أن يغفر الله لكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ويدخلكم مساكن طيبة في جنات إقامة لا انتقال عنها، ذلك الجزاء المذكور هو الفوز العظيم الَّذي لا يدانيه أيّ فوز.
13 - ومن رِبْح هذه التجارة خصلة أخرى تحبونها وهي عاجلة في الدنيا، أن ينصركم الله على عدوّكم، وفتحٌ قريب يفتحه عليكم وهو فتح مكة وغيرها، واخْبِر -أيها الرسول- المؤمنين بما يسرّهم من النصر في الدنيا والفوز بالجنّة في الآخرة.
14 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، كونوا أنصار الله بنصركم لدينه الَّذي جاء به رسولكم مثل نصرة الحَوَارِيين لما قال لهم عيسى عليه السلام: من أنصاري إلى الله؟ فأجابوه مبادرين: نحن أنصار الله، فآمن فريق من بني إسرائيل بعيسى عليه السلام، وكفر به فريق آخر، فايّدنا الذين آمنوا بعيسى على الذين كفروا به، فأصبحوا غالبين عليهم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تبشير الرسالات السابقة بنبينا - صلى الله عليه وسلم - دلالة على صدق نبوته.
• التمكين للدين سُنَّة إلهية.
• الإيمان والجهاد في سبيل الله من أسباب دخول الجنّة.
• قد يعجل الله جزاء المؤمن في الدنيا، وقد يدخره له في الآخرة لكنه لا يُضَيِّعه -سبحانه-.
(1/552)

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)
سورة الجمعة
- مَدَنية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان منَّة الله على هذه الأمة في تفضيلها وهدايتها بالرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد ضلالها، والإلزام بطاعته، والتحذير من مشابهة اليهود.


[التَّفْسِيرُ]
1 - يُنَزِّه الله عن كل ما لا يليق به من صفات النقص ويُقَدِّسه، جميعُ ما في السماوات، وجميع ما في الأرض من الخلائق، هو الملك المنفرد وحده بالملك، المُنَزَّه عن كل نقص، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره.
2 - هو الَّذي أرسل في العرب الذين لا يقرؤون ولا يكتبون رسولًا من جنسهم، يتلو عليهم آياته التي أنزلها عليه، ويطهّرهم من الكفر ومساوئ الأخلاق، ويعلّمهم القرآن، ويعلّمهم السُّنَّة، وإنهم كانوا من قبل إرساله إليهم في ضلال عن الحق واضح، حيث كانوا يعبدون الأصنام، ويسفكون الدماء، ويقطعون الرحم.
3 - وبعث هذا الرسول إلى قوم آخرين من العرب وغيرهم لم يأتوا بعد، وسيأتون، وهو العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره.
4 - ذلك المذكور -من بعث الرسول إلى العرب وغيرهم- فضل الله يعطيه من يشاء، والله ذو الإحسان العظيم، ومن إحسانه العظيم إرساله رسول هذه الأمة إلى الناس كافة.
ولما ذكر الله ما امتن به من بعثة الرسول، ومن إنزال القرآن، ذكر ما كان عليه بعض أتباع موسى عليه السلام من الإعراض عن العمل بما في التوراة؛ تحذيرًا لهذه الأمة من اتباعهم، فقال:

5 - مثل اليهود الذين كُلِّفوا القيام بما في التوراة فتركوا ما كُلِّفوا به، كمثل الحمار يحمل الكتب الكبيرة، لا يدري ما حُمِل عليه: أهو كتبٌ أم غيرها؟ قبح مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، والله لا يوفق القوم الظالمين لإصابة الحق.
6 - قل -أيها الرسول-: يا أيها الذين بقوا على اليهودية بعد تحريفها، إن زعمتم أنكم أولياء لله اختصكم بالولاية دون الناس فتمنّوا الموت؛ ليعجّل لكم ما اختصكم به -حسب زعمكم- من الكرامة إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم أولياء الله من دون الناس.
7 - ولا يتمنون الموت أبدًا، بل يتمنون الخلود في الدنيا بسبب ما عملوه من الكفر والمعاصي والظلم، وتحريف التوراة وتبديلها، والله عليم بالظالمين، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، وسيجازيهم عليها.
8 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء اليهود: إن الموت الَّذي تهربون منه ملاقيكم لا محالة إن عاجلًا أو آجلًا، ثم ترجعون يوم القيامة إلى الله عالم ما غاب وما حضر، لا يخفى عليه شيء منهما، فيخبركم بما كنتم تعملونه في الدنيا، ويجازيكم عليه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عظم منة النبي - صلى الله عليه وسلم - على البشرية عامة وعلى العرب خصوصًا، حيث كانوا في جاهلية وضياع.
• الهداية فضل من الله وحده، تطلب منه وتستجلب بطاعته.
• تكذيب دعوى اليهود أنهم أولياء الله؛ بتحدّيهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين في دعواهم لأن الولي يشتاق لحبيبه.
(1/553)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)
9 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إذا نادى المؤذن للصلاة من يوم الجمعة بعد صعود الخطيب على المنبر، فاسعوا إلى المساجد لحضور الخطبة والصلاة، واتركوا البيع؛ لئلا يشغلكم عن الطاعة، ذلك المأمور به من السعي وترك البيع بعد الأذان لصلاة الجمعة خير لكم -أيها المؤمنون- إن كنتم تعلمون ذلك، فامتثلوا ما أمركم الله به.
10 - فإذا أنهيتم صلاة الجمعة فانتشروا في الأرض بحثًا عن الكسب الحلال، وعن قضاء حاجاتكم، واطلبوا من فضل الله عن طريق الكسب الحلال والربح الحلال، واذكروا الله في أثناء بحثكم عن الرزق ذكرًا كثيرًا، ولا يُنْسِكم بحثكم عن الرزق ذكر الله؛ رجاء الفوز بما تحبونه، والنجاة مما ترهبونه.
11 - وإذا عاين بعض المسلمين تجارة أو لهوًا تفرقوا خارجين إليها، وتركوك -أيها الرسول- قائمًا على المنبر، قل -أيها الرسول-: ما عند الله من الجزاء على العمل الصالح خير من التجارة واللهو الذي خرجتم إليه، والله خير الرازقين.
سورة المنافقون
- مَدَنية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
كشف المنافقين وصفاتهم وبيان موقفهم من الإسلام وأهله، تحذيرًا منهم ومن التشبه بهم.

[التَّفْسِيرُ]
1 - إذا حضر مجلسك -أيها الرسول- المنافقون الذين يُظْهِرون الإسلام، ويُضْمِرون الكفر، قالوا: نشهد إنك لرسول الله حقًّا، والله يعلم إنك لرسوله حقًّا، والله يشهد أن المنافقين لكاذبون فيما يدّعون أنهم يشهدون من صميم قلوبهم أنك رسوله.

2 - جعلوا أيمانهم التي يحلفونها على دعواهم الإيمان، سترةً ووقاية لهم من القتل والأسر، وصرفوا الناس عن الإيمان بما يبثونه من التشكيك والإرجاف إنهم قبح ما كانوا يعملون من النفاق والأيمان الكاذبة.
3 - ذلك بسبب أنهم آمنوا نفاقًا، ولم يصل الإيمان إلى قلوبهم، ثم كفروا بالله سرًّا، فختم على قلوبهم بسبب كفرهم فلا يدخلها إيمان، فهم بسبب ذلك الختم لا يفقهون ما فيه صلاحهم ورشدهم.
4 - وإذا رأيتهم -أيها الناظر- تعجبك هيئاتهم وأشكالهم؛ لما هم فيه من النضارة والنعيم، وإن يتكلموا تسمع لكلامهم لما فيه من البلاغة، كأنهم في مجلسك -أيها الرسول- خُشب مُسَنَّدة، لا يفهمون شيئًا ولا يعونه، يظنون كل صوت يستهدفهم لما فيهم من الجبن، هم العدوّ حقًّا، فاحذرهم -أيها الرسول- أن يفشوا لك سرًّا أو يكيدوا لك مكيدة، لعنهم الله، كيف يُصْرَفون عن الإيمان مع وضوح دلائله، وجلاء براهينه؟!

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب السعي إلى الجمعة بعد النداء وحرمة ما سواه من الدنيا إلا لعذر.
• تخصيص سورة للمنافقين فيه تنبيه على خطورتهم وخفاء أمرهم.
• العبرة بصلاح الباطن لا بجمال الظاهر ولا حسن المنطق.
(1/554)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)
5 - وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله معتذرين عما بدر منكم، يطلب لكم من الله المغفرة لذنوبكم، عطفوا رؤوسهم استهزاءً وسخرية، ورأيتهم يُعْرِضون عما أُمِرُوا به، وهم مستكبرون عن قبول الحق والإذعان له.
6 - يستوي طلبُك -أيها الرسول- المغفرة لذنوبهم وعدم طلبك المغفرة لهم، لن يغفر الله لهم ذنوبهم، إن الله لا يوفق القوم الخارجين عن طاعته، المُصِرِّين على معصيته.
7 - هم الذين يقولون: لا تنفقوا أموالكم على من عند رسول الله من الفقراء والأعراب حول المدينة حتَّى يتفرقوا عنه، ولله وحده خزائن السماوات، وخزائن الأرض، يرزقها من يشاء من عباده، ولكنّ المنافقين لا يعلمون أن خزائن الرزق بيده سبحانه.
8 - يقول رأسهم عبد الله بن أُبيّ: لئن عدنا إلى المدينة ليُخْرجنّ الأعز -وهم أنا وقومي- منها الأذلّ؛ وَهم محمد وأصحابه، ولله وحده العزة ولرسوله وللمؤمنين، وليست لعبد الله بن أُبيّ وأصحابه، ولكن المنافقين لا يعلمون أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
ولما بيّن الله حرص المنافقين على البخل
بالإنفاق للصد عن سبيل الله حذّر المؤمنين من ذلك، وأمرهم بالإنفاق في سبيله، فقال:

9 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن الصلاة أو غيرها من فرائض الإسلام، ومن شغلته أمواله وأولاده عما أوجبه الله عليه من الصلاة وغيرها، فأولئك هم الخاسرون حقًّا الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
10 - وأنفقوا مما رزقكم الله من الأموال من قبل أن يأتي أحدكم الموت، فيقول لربه: ربّ هلَّا أخرتني إلى مدّة يسيرة، فاتصدّق من مالي في سبيل الله، وأكن من عباد الله الصالحين الذين صلحت أعمالهم.
11 - ولن يؤخر الله سبحانه نفسًا إذا حضر أجلها وانقضى عمرها، والله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها، إن خيرًا فخير، بيان شرًّا فشر.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الإعراض عن النصح والتكبر من صفات المنافقين.
• من وسائل أعداء الدين الحصار الاقتصادي للمسلمين.
• خطر الأموال والأولاد إذا شغلت عن ذكر الله.
(1/555)

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)
سورة التغابن
- مَدَينة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر غبن الكافرين وخسارتهم يوم القيامة، تحذيرًا من الكفر وأهله.


[التَّفْسِيرُ]
1 - يُنَزِّه الله ويُقَدِّسه عما لا يليق به من صفات النقص، كل ما في السماوات وما في الأرض من الخلائق، له وحده الملك، فلا مَلِكَ غيره، وله الثناء الحسن، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
2 - هو الَّذي خلقكم -أيها الناس- فمنكم كافر به ومصيره النار، ومنكم مؤمن به ومصيره الجنّة، والله بما تعملون بصير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها.
3 - خلق السماوات وخلق الأرض بالحق، ولم يخلقهما عبثًا، وصوّركم -أيها الناس- فأحسن صوركم مِنَّة منه وتفضلًا، ولو شاء لجعلها قبيحة، وإليه وحده الرجوع يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
4 - يعلم ما في السماوات ويعلم ما في الأرض، ويعلم ما تخفون من الأعمال ويعلم ما تعلنونه، والله عليم بما في الصدور من خير أو شر، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
5 - ألم يأتكم -أيها المشركون- خبر الأمم المكذِّبة من قبلكم؛ مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، فذاقوا عقاب ما كانوا عليه من الكفر في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب موجع؟! بلى، قد أتاكم ذلك، فاعتبروا بما آل إليه أمرهم؛ فتوبوا إلى الله قبل أن يحل بكم ما حلّ بهم.
6 - ذلك العذاب الَّذي أصابهم إنما أصابهم بسبب أنَّه كانت تأتيهم رسلهم من عند الله بالحجج الواضحة والبراهين الجلية، فقالوا مستنكرين أن تكون الرسل من جنس البشر: أبشر يرشدوننا إلى الحق؟! فكفروا وأعرضوا عن الإيمان بهم، فلم يضرّوا الله شيئًا، واستغنى الله عن إيمانهم وطاعتهم؛ لأن طاعتهم لا تزيده شيئًا، والله غني لا يفتقر إلى عباده، محمود في أقواله وأفعاله.
7 - زعم الذين كفروا بالله أن الله لن يبعثهم أحياءً بعد موتهم، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنكرين للبعث: بلى وربي لتُبْعَثُنّ يوم القيامة، ثم لتُخْبَرُنّ بما عملتم في الدنيا، وذلك البعث على الله سهل؛ فقد خلفكم أول مرّة، فهو قادر على بعثكم بعد موتكم أحياء للحساب والجزاء.
8 - فآمنوا -أيها الناس- بالله، وآمنوا برسوله، وآمنوا بالقرآن الَّذي أنزلناه على رسولنا، والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها.
9 - واذكر -أيها الرسول- يوم يجمعكم الله ليوم القيامة ليجازيكم على أعمالكم، ذلك اليوم الَّذي يظهر فيه خسارة الكفار ونقصهم، حيث يرث المؤمنون منازل أهل النار في الجنّة، ويرث أهل النار منازل أهل الجنّة في النار، ومن يؤمن بالله ويعمل عملًا صالحًا يكفِّرِ الله عنه سيئاته، ويدخله جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، لا يخرجون منها، وَلا ينقطع عنهم نعيمها، ذلك الَّذي نالوه هو الفوز العظيم الَّذي لا يدانيه فوز.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من قضاء الله انقسام الناس إلى أشقياء وسعداء.
• من الوسائل المعينة على العمل الصالح تذكر خسارة الناس يوم القيامة.
(1/556)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)
10 - والذين كفروا بالله، وكذبوا بآياتنا التي أنزلناها على رسولنا، أولئك أصحاب النار ماكثين فيها أبدًا، وقبح المصير مصيرهم.
11 - ما أصابت أحدًا مصيبة في نفسه أو ماله أو ولده إلا بقضاء الله وتدره، ومن يؤمن بالله وقضائه وقدره يوفق الله قلبه بالتسليم لأمره والرضا بقضائه، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.
12 - وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن أعرضتم عما جاءكم به رسوله فإثم ذلك الإعراض عليكم، وليس على رسولنا الا تبليغ ما أمرناه بتبليغه، وقد بلغكم ما أُمِر بتبليغه.
13 - الله هو المعبود بحق، لا معبود بحق غيره، وعلى الله وحده فليعتمد المؤمنون في جميع أمورهم.
14 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إن من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لكم؛ لكونهم يشغلونكم عن ذكر الله والجهاد في سبيله، ويثبطونكم، فأحذروهم أن يؤثِّروا فيكم، وإن تتجاوزوا عن زلاتهم وتعرضوا عنها وتستروها عليهم، فإن الله يغفر لكم ذنوبكم ويرحمكم، والجزاء من جنس العمل.
15 - إنما أموالكم وأولادكم ابتلاء واختبار لكم، فقد يحملونكم على كسب الحرام، وترك طاعة الله، والله عنده ثواب عظيم لمن آثر طاعته على طاعة الأولاد، وعلى الانشغال بالمال، وهذا الجزاء العظيم هو الجنّة.
16 - فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ما استطعتم إلى طاعته سبيلًا، واسمعوا وأطيعوا الله ورسوله، وابذلوا أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير، ومن يَقِهِ الله حرص نفسه فأولئك هم الفائزون بما يطلبونه، والناجون مما يرهبونه.
17 - إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا؛ بأن تبذلوا من أموالكم في سبيله، يُضاعف لكم الأجر بجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويتجاوز لكم عن ذنوبكم، والله شكور يعطي على العمل القليل الأجر الكثير، حليم لا يعاجل بالعقوبة.
18 - الله سبحانه عالم ما غاب، وعالم ما حضر، لا يخفى عليه من ذلك شيء، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مهمة الرسل التبليغ عن الله، الهداية فهي بيد الله.
• الإيمان بالقدر سبب للطمأنينة والهداية.
• التكليف في حدود المقدور للمكلَّف.
• مضاعفة الثواب للمنفق في سبيل الله.
(1/557)

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)
سورة الطلاق
- مَدَنية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تعظيم أمر الطلاق وحدوده، وبيان عاقبة التقوى والتعدي على حدود الله.


[التَّفْسِيرُ]
1 - يا أيها النبي، إذا أردت أنت أو أراد أحد من أمتك طلاق زوجته فليطلقها لأول عِدَّتها؛ بأن يكون الطلاق في طُهْر لم يجامعها فيه، واحفظوا العِدَّة، لتتمكنوا من مراجعة زوجاتكم فيها إن أردتم مراجعتهنّ، واتقوا الله ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، تُخْرِجوا مطلقاتكم من البيوت التي يسكنّ فيها، ولا يخرجن بأنفسهنّ، حتَّى تنقضي عدتهنّ؛ إلا أن يأتين بفاحشة ظاهرة مثل الزنى، وتلك الأحكام هي حدود الله التي حدّ لعباده، ومن يتجاوز حدود الله فقد ظلم نفسه حيث أوردها موارد الهلاك بسبب عصيانه لربه، لا تعلم -أيها المطلّق- لعلّ الله يحدث بعد ذلك الرغبة في قلب الزوج فيراجع زوجته.
2 - فإذا قاربن انقضاء عِدَّتهنّ فراجعوهنّ عن رغبة وحسن معاشرة، أو اتركوا مراجعتهن حتَّى تنقضي عدتهن، فيملكْن أمر أنفسهنّ، مع إعطائهنّ ما لهن من حقوق، وإذا أردتم مراجعتهن أو مفارقتهن فأشهدوا عدلين منكم حسمًا للنزاع، وائتوا -أيها الشهود- بالشهادة مبتغين وجه الله؛ ذلك المذكور من الأحكام يُذَكَّر به من كان يؤمن بالله، ويؤمن بيوم القيامة؛ لأنه هو الَّذي ينتفع بالتذكير والموعظة، ومن يتّق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، يجعل الله له مخرجًا من كل ما يقع فيه من الضيق والحرج.
3 - ويرزقه من حيث لا يخطر له على بال، ولا يكون في حسبانه، ومن يعتمد على الله في أموره فهو كافيه، إن الله منفذ أمره، لا يعجز عن شيء، ولا يفوته شيء، قد جعل الله لكل شيء قدرًا ينتهي إليه، فللشدة قدر، وللرخاء قدر، فلا يدوم أحدهما على الإنسان.
4 - والمطلقات اللائي يئسن من أن يحضن لكبر سنّهن، إن شككتم في كيفية عِدَّتهن فعِدَّتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يبلغن سنّ الحيض لصغرهن فعِدَّتهن ثلاثة أشهر كذلك، والحوامل من النساء نهاية عدَّتهن من طلاق أو وفاة: إذا وضعن حملهنّ، ومن يتّق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، يُيَسِّر الله له أموره، ويسهل له كل عسير.
5 - ذلك المذكور من أحكام الطلاق والرجعة والعِدَّة حكم الله أنزله إليكم -أيها المؤمنون- لتعملوا به، ومن يتّق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يمح عنه سيئاته التي ارتكبها، ويعطه أجرًا عظيمًا في الآخرة، وهو دخول الجنّة، والحصول على النعيم الَّذي لا ينفد.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خطاب لأمته ما لم تثبت له الخصوصية.
• وجوب السكنى والنفقة للمطلقة الرجعية.
• النَّدْب إلى الإشهاد حسمًا لمادة الخلاف.
• كثرة فوائد التقوى وعظمها.
(1/558)

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)
ولما بيّن الله حكم الطلاق والرجعة بيّن حكم النفقة والسكنى، فقال:

6 - أسكنوهنّ -أيها الأزواج- من حيث سكنتم من وسعكم، فلا يكلفكم الله غيره، ولا تُدْخِلوا عليهن الضرر في النفقة والسكن ولا في غيرهما رجاء التضييق عليهنّ، وإن كانت المطلقات حوامل فأنفقوا عليهنّ حتَّى يضعن حملهنّ، فإن أرضعن لكم أولادكم فأعطوهنّ أجر إرضاعهنّ، وتراجعوا في شأن الأجرة بالمعروف، فإنْ بَخِلَ الزوجُ بما تريده الزوجة من أجرة، وشحّت هي فلم ترض إلا بما تريده؛ فليستأجر الأب مرضعة أخرى تُرْضِع له ولده.
7 - لينفق من كان له سعة في المال على مطلقته وعلى ولده من سعته، ومن ضُيِّق عليه رزقه فلينفق مما أعطاه الله منه، لا يكلف الله نفسًا إلا ما أعطاها، فلا يكلفها فوقه، ولا فوق ما تطيقه، سيجعل الله بعد ضيق حال وشدتها سعة وغنى.
ولما ذكر الله جملة من الأوامر حذّر من الإعراض عن تلك الأوامر، وبيّن أن عاقبته سيئة، فقال:

8 - وما أكثر القرى التي لمَّا عصت أمر ربها سبحانه وأمر رسله عليه السلام، حاسبناها حسابًا عسيرًا على أعمالها السيئة، وعذبناها عذابًا فظيعًا في الدنيا والآخرة.
9 - فذاقت عقوبة أعمالها السيئة، وكان نهايتها خسارًا في الدنيا، وخسارًا في الآخرة.
10 - هيّأ الله لهم عذابًا قويًّا، فاتقوا الله -يا أصحاب العقول الذين آمنوا بالله وآمنوا برسوله- بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، حتَّى لا يحل بكم ما حلّ بهم، قد أنزل الله إليكم ذكرًا يذكركم سوء عاقبة معصيته، وحسن مآل طاعته.
11 - هذا الذكر هو رسول منه يتلو عليكم آيات الله مبينات لا لبس فيها؛ رجاء أن يُخْرِج الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله، وعملوا الأعمال الصالحات من ظلمات الضلال إلى نور الهداية، ومن يؤمن بالله، ويعمل عملًا صالحًا، يدخله الله جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، قد أحسن الله له رزقًا حيث أدخله جنة لا ينقطع نعيمها.
12 - الله هو الَّذي خلق سبع سماوات، وخلق سبع أرضين مثل خلقه سبع سماوات، يتنزل أمر الله الكوني والشرعي بينهنّ؛ رجاء أن تعلموا أن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، وأنه سبحانه أحاط بكل شيء علمًا، فلا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عدم وجوب الإرضاع على الحامل إذا طلقت.
• التكليف لا يكون إلا بالمستطاع.
• الإيمان بقدرة الله وإحاطة علمه بكل شيء سبب للرضا وسكينة القلب.
(1/559)

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7)
سورة التحريم
- مَدَنية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تربية البيت النبوي؛ ليكون أسوة للأسرة والمجتمع.


[التَّفْسِيرُ]
1 - يا أيها الرسول، لم تُحَرِّم ما أباح الله لك؛ من الاستمتاع بجاريتك مارية، تبتغي بذلك إرضاء زوجاتك لما غِرْن منها، والله غفور لك، رحيم بك؟!
2 - قد شرع الله لكم تحليل أيمانكم بالكفارة إن وجدتم خيرًا منها أو حنثتم فيها، والله ناصركم، وهو العليم بأحوالكم وما يصلح لكم، الحكيم في شرعه وقدره.
3 - واذكر حين خصَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حفصة بخبرٍ، وكان منه أنَّه لن يقرب زوجته مارية، فلما أخبرت حفصةُ عائشة بالخبر وأعلم الله نبيه عن إفشاء سره عاتب حفصة فذكر لها بعضًا مما ذكرت وسكت عن بعض، فسألته: من أخبرك هذا؟ قال: أخبرني العليم بكل شيء الخبير بكل خفي.
4 - حقٌّ عليكما أن تتوبا؛ لأن قلوبكما قد مالت إلى محبة ما كرهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اجتناب جاريته وتحريمها على نفسه، وإن تصرَّا على العود على تأليبكما عليه، فإن الله هو وليه وناصره، وكذا جبريل وخيار المؤمنين أولياؤه ونصراؤه. والملائكة بعد نصرة الله له أعوان له ونصراء على من يؤذيه.
5 - عسى ربه سبحانه إن طلّقكن نبيه أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ، منقادات لأمره، مؤمنات به وبرسوله، مطيعات لله، تائبات من ذنوبهن، عابدات لربهن، صائمات، ثَيِّبات، وأبكارًا لم يدخل بهنّ غيره، لكنه لم يطلقهن.
6 - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، اجعلوا لأنفسكم ولأهليكم وقاية من نار عظيمة توقَد بالناس وبالحجارة، على هذه النار ملائكة غِلاظ على من يدخلها شِدَاد، لا يعصون أمر الله إذا أمرهم، ويفعلون ما يأمرهم به دون تراخٍ ولا توانٍ.
7 - ويقال للكافرين يوم القيامة: يا أيها الذين كفروا بالله، لا تعتذروا اليوم مما كنتم عليه من الكفر والمعاصي، فلن تُقْبَل أعذاركم، إنما تجزون في هذا اليوم ما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر بالله وتكذيب رسله.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مشروعية الكَفَّارة عن اليمين.
• بيان منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ربه ودفاعه عنه.
• من كرم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مع زوجاته أنَّه كان لا يستقصي في العتاب فكان يعرض عن بعض الأخطاء إبقاءً للمودة.
• مسؤولية المؤمن عن نفسه وعن أهله.
(1/560)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)
8 - يا أيها الدين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة صادقة، عسى ربكم أن يمحو عنكم سيئاتكم، ويدخلكم جنات تجري من بحت قصورها الأنهار يوم القيامة، يوم لا يُذِلُّ الله النبي ولا يُذِلُّ الذين آمنوا معه بإدخالهم النار، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم على الصراط، يقولون: يا ربنا كمل لنا نورنا، حتَّى ندخل الجنّة، فلا نكون مثل المنافقين الذين ينطفئ نورهم على الصراط، واغفر لنا ذنوبنا، إنك على كل شيء قدير، فلا تعجز عن إكمال نورنا والتجاوز عن ذنوبنا.
9 - يا أيها الرسول، جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان وإقامة الحدود، واشتدّ عليهم حتَّى يهابوك، ومأواهم الَّذي يأوون إليه يوم القيامة هو جهنم، وساء المصير مصيرهم الَّذي يرجعون إليه.
10 - ضرب الله مثلًا للذين كفروا بالله وبرسله -أن علاقتهم بالمؤمنين لا تنفع بحال- امرأتَي نبيَّيْنِ من أنبياء الله: نوح ولوط عليه السلام، فقد كانتا زوجتين لعبدين صالحين، فخانتا زوجيهما؛ بما كانتا عليه من الصد عن سبيل الله، ومناصرة أهل الكفر من قومهما، فلم ينفعهما كونهما زوجتين لهذين العبدين الصالحين، وقيل لهما: ادخلا النار من جملة الداخلين فيها من الكفار والفساق.
11 - وضرب الله مثلًا للذين آمنوا بالله وبرسله أن صلتهم بالكافرين لا تضرّهم، ولا تؤثر فيهم ما داموا مستقيمين على الحق بحال امرأة فرعون حين قالت: يا رب، ابنِ لي بيتًا عندك في الجنّة، وسلّمني من جبروت فرعون وسلطانه، ومن أعماله السيئة، وسلّمني من القوم الظالمين لأنفسهم بمتابعتهم له في طغيانه وظلمه.
12 - وضرب الله مثلًا للذين آمنوا بالله وبرسله، بحال مريم ابنة عمران التي حفظت فرجها من الزنى، فأمر الله جبريل أن ينفخ فيه، فحملت بقدرة الله بعيسى بن مريم من غير أب، وصدّقت بشرائع الله، وبكتبه المنزلة على رسله، وكانت من المطيعين لله بامتثال أوامره والكفّ عن نواهيه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التوبة النصوح سبب لكل خير.
• في اقتران جهاد العلم والحجة وجهاد السيف دلالة على أهميتهما وأنه لا غنى عن أحدهما.
• القرابة بسبب أو نسب لا تنفع صاحبها يوم القيامة إذا فرّق بينهما الدين.
• العفاف والبعد عن الريبة من صفات المؤمنات الصالحات.
(1/561)

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)
سورة الملك
- مَكية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إظهار كمال ملك الله وقدرته؛ بعثًا على خشيته، وتحذيرًا من عقابه.


[التَّفْسِيرُ]
1 - تعاظم وكثر خير الله الَّذي بيده وحده الملك، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
2 - الَّذي خلق الموت وخلق الحياة ليختبركم -أيها الناس- أيكم أحسن عملًا، وهو العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الغفور لذنوب من تاب من عباده.
3 - الَّذي خلق سبع سماوات، كل سماء طبقة فوق ما قبلها دون تماسّ بين سماء وسماء. لا تشاهد -أيها الرائي- فيما خلق الله أي تفاوت أو عدم تناسب. فارجع البصر هل ترى من تَشَقُّق أو تَصَدُّع؟! لن ترى ذلك، وإنما ترى خلقًا محكمًا متقنًا.
4 - ثم ارجع البصر مرّة بعد مرّة يرجع إليك بصرك ذليلًا دون أن يرى عيبًا أو خللًا في خلق السماء، وهو كَلِيل منقطع عن النظر.
5 - ولقد زيّنا أقرب سماءٍ إلى الأرض بنجومٍ مضيئة، وجعلنا تلك النجوم شُهُبًا تُرْجَم بها الشياطين التي تسترق السمع فتحرقهم، وهيَّأنا لهم في الآخرة النار المُسْتَعِرة.
6 - وللذين كفروا بربهم يوم القيامة عذاب النار المتقدة، وساء المرجع الَّذي يرجعون إليه.
7 - إذا طُرحوا في النار سمعوا صوتًا قبيحًا شديدًا، وهي تغلي مثل غليان المِرْجَل.
8 - يكاد ينفصل بعضها عن بعض ويتميّز؛ من شدة غضبها على من يدخل فيها، كلما رُمِيَت فيها دفعة من أصحابها الكفار سألتهم الملائكة الموكلون بها سؤال تقريع: ألم يأتكم في الدنيا رسول يخوّفكم من عذاب الله؟!
9 - وقال الكفار: بلى، قد جاءنا رسول يخوّفنا من عذاب الله فكذبناه، وقلنا له: ما نزّل الله من وحي، لستم - أيها الرسل- إلا في ضلال عظيم عن الحقّ.
10 - وقال الكفار: لو كُنَّا نسمع سماعًا يُنْتَفع به، أو نعقل عقل من يميز الحق من الباطل، ما كنا في جملة أصحاب النار، بل كُنَّا نؤمن بالرسل، ونصدق بما جاؤوا به، ونكون من أصحاب الجنّة.
11 - فأقرّوا على أنفسهم بالكفر والتكذيب فاستحقوا النار، فبُعْدًا لأصحاب النار.
ولما ذكر الله صفات أهل الكفر وجزاءهم، عقّبها بذكر صفات أهل الإيمان وجزائهم، فقال:

12 - إن الذين بخافون الله في خلواتهم، لهم مغفرة لذنوبهم، ولهم ثواب عظيم وهو الجنّة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• في معرفة الحكمة من خلق الموت والحياة وجوب المبادرة للعمل الصالح قبل الموت.
• حَنَقُ جهنم على الكفار وغيظها غيرةً لله سبحانه.
• سبق الجن الإنس في ارتياد الفضاء وكل من تعدى حده منهم، فإنه سيناله الرصد بعقاب.
• طاعة الله وخشيته في الخلوات من أسباب المغفرة ودخول الجنّة.
(1/562)

وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26)
13 - وأخفوا -أيها الناس- كلامكم أو أعلنوه، فالله يعلمه، إنه سبحانه عليم بما في قلوب عباده، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
14 - ألا يعلم الَّذي خلق الخلائق كلها السرّ وما هو أخفى من السرّ؟! وهو اللطيف بعباده، الخبير بأمورهم، لا يخفى عليه منها شيء.
15 - هو الَّذي جعل لكم الأرض سهلة ليّنة للسكن عليها، فسيروا في جوانبها وأطرافها، وكلوا من رزقه الَّذي أعدّ لكم فيها، وإليه وحده بعثكم للحساب والجزاء.
16 - أأمنتم الله الذي السماء أن يشق الأرض من تحتكم كما شقها من تحت قارون بعد أن كانت سهلة مذللة للسكن عليها، فإذا هي تضطرب بكم بعد استقرارها؟!
17 - أم أمنتم الله الَّذي في السماء أن يبعث عليكم حجارة من السماء مثل ما بعثها على قوم لوط؟! فستعلمون حين تُعَاينون عقابي إنذاري لكم، لكنكم لن تنتفعوا به بعد معاينة العذاب.
18 - ولقد كذّبت الأمم التي سبقت هؤلاء المشركين، فنزل عليهم عذاب الله لما أصرّوا على كفرهم وتكذيبهم، فكيف كان إنكاري عليهم؟! لقد كان إنكارًا شديدًا.
19 - أَوَلم يشاهد هؤلاء المكذبون الطير فوقهم مُصْطفًّا بعضها جنب بعض، ما يمسكهنّ أن يقعن علي الأرض إلا الله، إنه بكل شيء بصير، لا يخفى عليه منه شيء.
20 - لا جند لكم -أيها الكفار- يمنعكم من عذاب الله إن أراد أن يعذبكم، ليس الكافرون إلا مخدوعين، خدعهم الشيطان فاغترّوا به.
21 - ولا أحد يرزقكم إن منع الله رزقه أن يصل إليكم، بل الحاصل أن الكفار تمادوا في العناد والاستكبار، والامتناع عن الحق.
22 - أفمن يمشي واقعًا على وجهه؛ مُنْكَبًّا عليه -وهو المشرك- أهدى، أم المؤمن الَّذي يمشي مستقيمًا على طريق مستقيم؟!
23 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: الله هو الَّذي خلقكم، وجعل لكم أسماعًا تسمعون بها، وأبصارًا تبصرون بها، وقلوبًا تعقلون بها، قليلًا ما تشكرونه على نعمه التي أنعم بها عليكم.
24 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: الله هو الَّذي بثكم في الأرض ونشركم فيها، لا أصنامكم التي لا تخلق شيئًا، وإليه وحده يوم القيامة تُجْمعون للحساب والجزاء، لا إلى أصنامكم، فخافوه واعبدوه وحده.
25 - ويقول المكذبون بالبعث استبعادًا للبعث: متى هذا الوعد الَّذي تعدنا -يا محمد- أنت وأصحابك إن كنتم صادقين في دعواكم أنَّه آتٍ؟!
26 - قل -أيها الرسول-: إنما علم الساعة عند الله، لا يعلم متى تقع إلا هو، وإنما أنا منذر واضحٌ في نذارتي لكم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• اطلاع الله على ما تخفيه صدور عباده.
• الكفر والمعاصي من أسباب حصول عذاب الله في الدنيا والآخرة.
• الكفر بالله ظلمة وحيرة، والإيمان به نور وهداية.
(1/563)

بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)
27 - فلما حل بهم الوعد وعاينوا العذاب قريبًا منهم وذلك يوم القيامة تغيرت وجوه الذين كفروا بالله فاسودّت، ويقال لهم: هذا الَّذي كنتم تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه.
28 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين مسِتنكرًا عليهم: أخبروني إن توفّاني الله، وتوفَّى من معي من المؤمنين، فمن ينجّي الكافرين من عذاب مؤلم؟! لن ينجيهم منه أحد.
29 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هو الرحمن الَّذي يدعوكم إلى عبادته آمنّا به، وعليه وحده اعتمدنا في أمورنا، فستعلمون -لا محالة- من هو في ضلال واضح ممن هو على صراط مستقيم.
30 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني إن أصبح ماؤكم الَّذي تشربون منه غائرًا في الأرض لا تستطيعون الوصول إليه، من يأتيكم بماء كثيرٍ جارٍ؟! لا أحد غير الله.
سورة القلم
- مكية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إظهار علم النبي - صلى الله عليه وسلم - وخُلُقه، تأييدًا له بعد تطاول المشركين عليه.


[التَّفْسِيرُ]
1 - {ن} تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. أقسم الله بالقلم وأقسم بما يكتبه الناس بأقلامهم.
2 - ما أنت -أيها الرسول- بما أنعم الله عليك به من النبوّة مجنونًا، بل أنت بريء من الجنون الَّذي رماك به المشركون.

3 - إنّ لك لثوابًا على ما تعانيه من حمل الرسالة إلى الناس غير مقطوع، ولا منّة به لأحد عليك.

4 - وإنك لعلى الخلق العظيم الَّذي جاء به القرآن، فأنت مُتَخَلِّق بما فيه على أكمل وجه.
5 - فستبصر أنت، ويبصر هؤلاء المكذبون.
6 - عندما ينكشف الحق يتضح بأيكم الجنون؟!
7 - إن ربك -أيها الرسول- يعلم من انحرف عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين إليها، فيعلم أنهم من ضلّوا عنها، وأنك من اهتديت إليها.

8 - فلا تطع -أيها الرسول- المكذبين بما جئت به.

9 - تمنّوا لو لَايَنْتَهم ولَاطَفْتَهم على حساب الدين، فيلينون لك ويلاطفونك.

10 - ولا تطع كل كثير الحلف بالباطل، حقير.
11 - كثير الاغتياب للناس، كثير المشي بالنميمة بينهم؛ ليفرق بينهم.
12 - كثير المنع للخير، معتدٍ على الناس في أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، كثير الآثام والمعاصي.
13 - غليظ جافٍ، دَعِي في قومه لصِيق.
14 - لأجل أنّه كان صاحب مال وأولاد تكبّر عن الإيمان بالله ورسوله.
15 - إذا تُقْرأ عليه آياتنا قال: هذه ما يُسَطَّر من خرافات الأولين.
16 - سنضع علامة على أنفه تَشِينه وتلازمه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• اتصاف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأخلاق القرآن.
• صفات الكفار صفات ذميمة يجب على المؤمن الابتعاد عنها، وعن طاعة أهلها.
• من أكثر الحلف هان على الرحمن، ونزلت مرتبته عند الناس.
(1/564)

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42)
17 - إنا اختبرنا هؤلاء المشركين بالقحط والجوع، كما اختبرنا أصحاب الحديقة حين حلفوا ليقطعن ثمارها وقت الصباح مسارعين حتَّى لا يطعم منها مسكين.
18 - ولم يستثنوا في يمينهم بقولهم: (إن شاء الله).
19 - فأرسل الله إليها نارًا، فأكلتها وأصحابها نيام لا يستطيعون دفع النار عنها.
20 - فأصبحت سوداء كالليل المظلم.
21 - فنادى بعضهم بعضًا وقت الصباح.
22 - قائلين: اخرجوا مُبَكِّرين على حرثكم قبل مجيء الفقراء إن كنتم قاطعين ثماره.
23 - فساروا إلى حرثهم، مسرعين يحدِّث بعضهم بعضًا بصوت منخفض.
24 - يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنّ الحديقة عليكم اليوم مسكين.
25 - وساروا أول الصباح وهم على منع ثمارهم عازمين.
26 - فلما شاهدوها محترقة قال بعضهم لبعض: لقد ضللنا طريقها.
27 - بل نحن ممنوعون من جني ثمارها بما حصل منا من عزم على منع المساكين منها.
28 - قال أفضلهم: ألم أقل لكم حين عزمتم على ما عزمتم عليه من حرمان الفقراء منها: هلَّا تسبحون الله، وتتوبون إليه؟!
29 - قالوا: سبحان ربنا، إنا كنا ظالمين لأنفسنا حين عزمنا على منع الفقراء من ثمار حديقتنا.
30 - فأقبلُوا يتراجعون في كلامهم على سبيل العتب.
31 - قالوا من الندم: يا خسارنا، إنا كنا متجاوزين الحدّ بمنعنا الفقراء حقهم.
32 - عسى ربنا أن يعوضنا خيرًا من الحديقة، إنا إلى الله وحده راغبون، نرجو منه العفو، ونطلب منه الخير.
33 - مثل هذا العذاب بالحرمان من الرزق نعذب من عصانا، ولعذاب الآخرة أعظم لو كانوا يعلمون شدّته ودوامه.
34 - إن للمتقين الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، عند ربهم جنات النعيم يتنعمون فيها، لا ينقطع نعيمهم.
35 - أفنجعل المسلمين كالكفار في الجزاء كما يزعم المشركون من أهل مكة؟!
36 - ما لكم -أيها المشركون- كيف تحكمون هذا الحكم الجائر الأعوج؟!
37 - أم لكم كتاب فيه تقرؤون المساواة بين المطيع والعاصي؟!
38 - إن لكم في ذلك الكتاب ما تتخيرونه لكم في الآخرة.
39 - أم لكم علينا عهود مؤكدة بالأيمان مقتضاها أن لكم ما تحكمون به لأنفسكم؟!
40 - سل -أيها الرسول- القائلين هذا القول: أيهم كفيل به؟!
41 - أم لهم شركاء من دون الله يساوونهم في الجزاء مع المؤمنين؟! فليأتوا بشركائهم هؤلاء إن كانوا صادقين فيما يدّعونه من أنهم ساووهم مع المؤمنين في الجزاء.
42 - يوم القيامة يبدو الهول ويكشف ربنا عن ساقه، ويُدْعَى الناس إلى السجود فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون أن يسجدوا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• منع حق الفقير سبب في هلاك المال.
• تعجيل العقوبة في الدنيا من إرادة الخير بالعبد ليتوب ويرجع.
• لا يستوي المؤمن والكافر في الجزاء، كما لا تستوي صفاتهما.
(1/565)

تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)
43 - ذليلة أبصارهم، تغشاهم ذلّة وندامة، وقد كانوا في الدنيا يُطلَبُ منهم أن يسجدوا لله وهم في معافاة مما هم فيه اليوم.
44 - فاتركني -أيها الرسول- ومن يكذّب بهذا القرآن المنزل عليك، سنسوقهم إلى العذاب درجة درجة من حيث لا يعلمون أن ذلك مكر بهم واستدراج لهم.
45 - وأمهلُهم زمنًا ليتمادوا في إثمهم، إن كيدي بأهل الكفر والتكذيب قوي، فلا يفوتونني، ولا يسلمون من عقابي.
46 - هل تطلب منهم -أيها الرسول- ثوابًا على ما تدعوهم إليه، فهم بسبب ذلك يتحمَّلون أمرًا عظيمًا، فهذا سبب إعراضهم عنك؟! والواقع خلاف ذلك، فأنت لا تطلبهم أجزا، فما المانع لهم من اتباعك؟!
47 - أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون ما يحلو لهم من الحجج التي يحاجُّونك بها؟!
48 - فاصبر -أيها الرسول- لما حكم به ربك من استدراجهم بالإمهال، ولا تكن مثل صاحب الحوت يونس عليه السلام في التضجر من قومه؛ إذ نادى ربه وهو مكروب في ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.
49 - لولا أن رحمة الله أدركته لنبذه الحوت إلى أرض خلاء وهو مَلُوم.
50 - فاختاره ربه، فجعله من عباده الصالحين.
51 - وإن يكاد الذين كفروا بالله وكذبوا رسوله، ليَصْرَعونك بابصارهم من شدة إحداد النظر إليك، لما سمعوا هذا القرآن المنزل عليك، ويقولون -اتباعًا لأهوائهم، وإعراضًا عن الحق-: إن الرسول الَّذي جاء به لمجنون.
52 - وما القرآن المنزل عليك إلا موعظة وتذكيرًا للإنس والجن.
سورة الحاقة
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
حتمية وقوع القيامة تأكيدًا لصدق القرآن، ووعدًا للمؤمنين بالفرحة، ووعيدًا للمكذبين بالحسرة.

[التَّفْسِيرُ]
1 - يذكر الله ساعة البعث التي تحق على الجميع.

2 - ثم يعظم أمرها بهذا السؤال. أي شيء هي الحاقة؟

3 - وما أعلمك ما هذه الحاقة؟

4 - كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود، بالقيامة التي تقرع الناس من شدة أهوالها.

5 - فأما ثمود فقد أهلكهم الله بالصيحة التي بلغت الغاية في الشدة والهول.

6 - وأما عاد فقد أهلكهم الله بريح شديدة البرد قاسية بلغت الغاية في القسوة عليهم.

7 - أرسلها الله عليهم مدة سبع ليالٍ وثمانية أيام تفنيهم عن بكرة أبيهم، فترى القوم في ديارهم هَلْكَى مصروعين في الأرض، كأنهم بعد إهلاكهم أصول نخل ساقطة على الأرض بالية.

8 - فهل ترى لهم نفسًا باقية بعد ما أصابهم من العذاب؟!

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الصبر خلق محمود لازم للدعاة وغيرهم.
• التوبة تَجُبُّ ما قبلها وهي من أسباب اصطفاء الله للعبد ويجعله من عباده الصالحين.
• تنوع ما يرسله الله على الكفار والعصاة من عذاب دلالة على كمال قدرته وكمال عدله.
(1/566)

وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35)
9 - وجاء فرعون ومن قبله من الأمم، والقرى التي عذبت بقلب عاليها سافلها، وهم قوم لوط، بالأفعال الخاطئة من الشرك والمعاصي.
10 - فعصى كل منهم رسوله الَّذي بعث إليهم وكذبوه، فأخذهم الله أخْذَة زائدة على ما يتمّ به هلاكهم.
11 - إنا لما تجاوز الماء حدَّه في الارتفاع حملنا من كنتم في أصلابهم في السفينة الجارية التي صنعها نوح عليه السلام بأمرنا، فكان حَمْلًا لكم.
12 - لنجعل السفينة وقصتها موعظة يُسْتدلّ بها على إهلاك أهل الكفر، وإنجاء أهل الإيمان، وتحفظها أذن حافظة لما تسمع.
13 - فإذا نفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن نفخة واحدة وهي النفخة الثانية.
14 - ورُفِعت الأرض والجبال، فَدُقَّتا دقَّة واحدة شديدة فَرَّقَت أجزاء الأرض وأجزاء جبالها.
15 - فيوم يحصل ذلك كله تقع القيامة.
16 - وتشققت السماء يومئذ لنزول الملائكة منها، فهي في ذلك اليوم ضعيفة بعد أن كانت شديدة متماسكة.
17 - والملائكة على أطرافها وحافَّاتها، ويحمل عرشَ ربك في ذلك اليوم العظيم ثمانية من الملائكة المقربين.
18 - في ذلك اليوم تُعْرَضون -أيها الناس- على الله، لا تخفى على الله منكم خافية أيًّا كانت، بل الله عليم بها مطّلع عليها.
19 - فأما من أُعْطِى كتاب أعماله بيمينه فهو يقول من السرور والبهجة: خذوا اقرؤوا كتاب أعمالي.
20 - إني علمت في الدنيا وأيقنت أني مبعوث، وملاقٍ جزائي.
21 - فهو في عيشة مرضية؛ لما يراه من النعيم الدائم.
22 - في جنة رفيعة المكان والمكانة.
23 - ثمارها قريبة ممن يتناولها.
24 - يقال تكريمًا لهم: كلوا واشربوا أكلًا وشربًا لا أذى فيه بما قدمتم من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا.
25 - وأما من أُعْطي كتاب أعماله بشماله، فيقول من شدة الندم: يا ليتني لم أعط كتاب أعمالي لما فيه من الأعمال السيئة المستوجبة لعذابي.
26 - ويا ليتني لم أعرف أي شيء يكون حسابي.
27 - يا ليت الموتة التي متّها كانت الموتة التي لا أُبْعَث بعدها أبدًا.
28 - لم يدفع عني مالي من عذاب الله شيئًا.
29 - غابت عني حجتي وما كنت أعتمد عليه من قوة وجاهٍ.
30 - ويقال: خذوه -أيها الملائكة- واجمعوا يده إلى عنقه.
31 - ثم أدخلوه النار ليعاني حرّها.
32 - ثم أدخلوه في سلسلة طولها سبعون ذراعًا.
33 - إنه كان لا يؤمن بالله العظيم.
34 - ولا يحثّ غيره على إطعام المسكين.
35 - فليس له يوم القيامة قريب يدفع عنه العذاب.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المنة التي على الوالد منة على الولد تستوجب الشكر.
• إطعام الفقير والحض عليه من أسباب الوَقاية من عذاب النار.
• شدة عذاب يوم القيامة تستوجب التوقي منه بالإيمان والعمل الصالح.
(1/567)

فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36)
36 - وليس له طعام يطعمه إلا من عصارة أبدان أهل النار.
37 - لا يأكل ذلك الطعام إلا أصحاب الذنوب والمعاصي.
38 - أَقسم الله بما تشاهدون.
39 - وأقسم بما لا تشاهدون.
40 - إن القرآن لكلام الله، يتلوه على الناس رسوله الكريم.
41 - وليس بقول شاعر؛ لأنه ليس على نظم الشعر، قليلًا ما تؤمنون.
42 - وليس بقول كاهن، فكلام الكهان أمر مُغَايِر لهذا القرآن، قليلًا ما تتذكرون.
43 - ولكنه منزل من رب الخلائق كلهم.
44 - ولو تَقَوَّل علينا محمد بعض الأقاويل التي لم نقلها.
45 - لانتقمنا منه وأخذنا منه بالقوة منا والقدرة.
46 - ثم لقطعنا منه العِرْق المتصل بالقلب.
47 - فليس منكم من يمنعنا منه، فبعيد أن يَتَقَوَّل علينا من أجلكم.
48 - وإن القرآن لموعظة للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
49 - وإنا لنعلم أن من بينكم مَنْ يكذب بهذا القرآن.
50 - وإن التكذيب بالقرآن لندامة عظيمة يوم القيامة.
51 - وإن القرآن لهو حق اليقين الَّذي لا مِرْية ولا ريب أنَّه من عند الله.
52 - فنزه -أيها الرسول- ربك عما لا يليق به، واذكر اسم ربك العظيم.
سورة المعارج
- مَكيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تأكيد وقوع العذاب على الكافرين، والنعيم للمصدقين بيوم الدين.

[التَّفْسِيرُ]
1 - دعا داعٍ من المشركين على نفسه وقومه بعذاب إن كان هذا العذاب حاصلًا، وهو سخرية منه , وهو واقع يوم القيامة.

2 - للكافرين بالله، ليس لهذا العذاب من يرده.

3 - من الله ذي العلو والدرجات والفواضل والنعم.

4 - تصعد إليه الملائكة وجبريل في تلك الدرجات، في يوم القيامة؛ وهو يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة.

5 - فاصبر -أيها الرسول- صبرًا لا جَزَع فيه ولا شكوى.

6 - إنهم يرون هذا العذاب بعيدًا مستحيل الوقوع.

7 - ونراه نحن قريبًا واقعًا لا محالة.

8 - يوم تكون السماء مثل المُذَاب من النحاس والذهب وغيرهما.

9 - وتكون الجبال مثل الصوف في الخِفَّة.

10 - ولا يسأل قريب قريبًا عن حاله؛ لأن كل واحد مشغول بنفسه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تنزيه القرآن عن الشعر والكهانة.
• خطر التَّقَوُّل على الله والافتراء عليه سبحانه.
• الصبر الجميل الذي يحتسب فيه الأجر من الله ولا يشكى لغيره.
(1/568)

يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40)
11 - يشاهد كل إنسان قريبه لا يخفى عليه، ومع ذلك لا يسأل أحد أحدًا لهول الموقف، يودّ من استحق النار أن يقدم أولاده للعذاب بدلًا منه.
12 - ويفتدي بزوجته وأخيه.
13 - ويفتدي بعشيرته الأقربين منه، الذين يقفون معه في الشدائد.
14 - ويفتدى بمن في الأرض جميعًا من الإنس والجن وغيرهما، ثم يسلمه ذلك الافتداء، وينقذه من عذاب النار.
15 - ليس الأمر كما تمنّى هذا المجرم، إنها نار الآخرة تلتهب وتشتعل.
16 - تفصل جلدة الرأس فصلًا شديدًا من شدة حرّها وإشتعالها.
17 - تنادي من أعرض عن الحق، وأبعد عنه ولم يؤمن به ولم يعمل.
18 - وجَمَع المال، وضنّ بالإنفاق منه في سبيل الله.
19 - إن الإنسان خُلِق شديد الحرص.
20 - إذا أصابه ضُرٌّ من مرض أو فقر كان قليل الصبر.
21 - وإذا أصابه ما يُسَرُّ به من خَصْب وغنًى كان كثير المنع لبذله في سبيل الله.
22 - إلا المصلّين، فهم سالمون من تلك الصفات الذميمة.
23 - الذين هم على صلاتهم مواظبون، لا ينشغلون عنها، ويؤدونها في وقتها المحدد لها.
24 - والذين في أموالهم نصيب محدد مفروض.
25 - يدفعونه للذي يسألهم وللذي لا يسألهم ممن حرم الرزق لأي سبب كان.
26 - والذين يصدّقون بيوم القيامة، يوم يجازي الله كلًّا لما يستحقّه.
27 - والذين هم من عذاب ربهم خائفون، مع ما قدموا من أعمالهم الصالحة.
28 - إن عذاب ربهم مخوف لا يأمنه عاقل.
29 - والذين هم لفروجهم حافظون بسترها وإبعادها عن الفواحش.
30 - إلا من زوجاتهم أو ما ملكوا من الإماء، فإنهم غير ملومين في التمتع بهنّ بالوطء فما دونه.
31 - فمن طلب الاستمتاع بغير ما ذُكر من الزوجات والإماء، أولئك هم المتجاوزون لحدود الله.
32 - والذين هم لما ائتمنوا عليه من الأمَوال والأسرار وغيرهما، ولعهودهم التى عاهدوا عليها الناس حافظون، لا يخونون أماناتهم، ولا ينقضون عهودهم.
33 - والذين هم قائمون بشهادتهم على الوجه المطلوب، لا تؤثر قرابه ولا عداوة فيها.
34 - والذين هم على صلاتهم يحافظون؛ بأدائها في وقتها، وبطهارة وطمأنينة، لا يشغلهم عنها شاغل.
35 - أولئك الموصوفون بتلك الصفات في جنات مُكْرَمون؛ بما يلقونه من النعيم المقيم، والنظر إلى وجه الله الكريم.
36 - ما الَّذي جرّ هؤلاء المشركين من قومك -أيها الرسول- حَوَاليك مسرعين إلى التكذيب بك؟!
37 - محيطون بك عن يمينك وشمالك جماعات جماعات.
38 - أيأمل كل واحد منهم أن يدخله الله جنة النعيم، يتنعم بما فيها من النعيم المقيم، وهو باقٍ على كفره؟!
39 - ليس الأمر كما تصوّروا، إنا خلقناهم مما يعرفونه، فقد خلقناهم من ماء حقير، فهم ضعفاء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فكيف يتكبرون؟!
40 - أقسم الله برب مشارق الشمس والقمر، إنا لقادرون.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• شدة عذاب النار حيث يود أهل النار أن ينجوا منها بكل وسيلة مما كانوا يعرفونه من وسائل الدنيا.
• الصلاة من أعظم ما تكفَّر به السيئات في الدنيا، ويتوقى بها من نار الآخرة.
• الخوف من عذاب الله دافع للعمل الصالح.
(1/569)

41 - على تبديلهم بغيرهم ممن يطيع الله، ونهلكهم، لا نعجز عن ذلك، ولسنا بمغلوبين متى أردنا إهلاكهم وتبديلهم بغيرهم.
42 - فاتركهم -أيها الرسول- يخوضوا فيما هم فيه من الباطل والضلال، ويلعبوا في حياتهم الدنيا إلى أن يلاقوا يوم القيامة الَّذي كانوا يوعدون به في القرآن.
43 - يوم يخرجون من القبور سراعًا كأنهم إلى عَلَمٍ يتسابقون.
44 - ذليلة أبصارهم، تغشاهم ذلة، ذلك هو اليوم الَّذي كانوا يوعدون به في الدنيا، وكانوا لا يبالون به.
سورة نوح
- مكية -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
صبر الدعاة وجهادهم في الدعوة، من خلال قصة نوح، تثبيتًا للمؤمنين، وتهديدًا للمكذبين.

[التَّفْسِيرُ]
1 - إنا بعثنا نوحًا إلى قومه يدعوهم ليخوّف قومه من قبل أن يأتيهم عذاب موجع بسبب ما هم عليه من الشرك بالله.

2 - قال نوح لقومه: يا قوم، إني لكم مُنْذِرٌ بَيِّنُ الإنذار من عذاب ينتظركم إن لم تتوبوا إلى الله.

3 - ومقتضى إنذاري لكم أن أقول لكم: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتقوه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به.

4 - إنكم إن تفعلوا ذلك يغفر الله لكم من ذنوبكم ما لا يتعلق بحقوق العباد، ويُطِلْ أمد أمّتكم في الحياة إلى وقت محدد في علم الله، تعمرون الأرض ما استقمتم على ذلك، إن الموت إذا جاء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون لبادرتم إلى الإيمان بالله والتوبة مما أنتم عليه من الشرك والضلال.

5 - قال نوح: يا رب، إني دعوت قومي إلى عبادتك وتوحيدك، ليلًا ونهارًا باستمرار.
6 - فلم تزدهم دعوتي لهم إلا نفورًا وبُعْدًا مما أدعوهم إليه.
7 - وإني كلما دعوتهم إلى ما فيه سبب غفران ذنوبهم؛ من عبادتك وحدك ومن طاعتك وطاعة رسولك سدّوا آذانهم بأصابعهم؛ ليمنعوها من سماع دعوتي، وغطّوا وجوههم بثيابهم حتَّى لا يروني، واستمرّوا على ما هم عليه من الشرك، وتكبّروا عن قبول ما أدعوهم إليه، والإذعان له.
8 - ثم إني -يا رب- دعوتهم علانية.
9 - ثم إني رفعت لهم صوتي بالدعوة، وأسررت إسرارًا خفيًّا، ودعوتهم بصوت منخفض؛ منوّعًا لهم أسلوب دعوتي.
10 - فقلت لهم: يا قوم، اطلبوا المغفرة من ربكم بالتوبة إليه، إنه سبحانه كان كفارًا لذنوب من تاب إليه من عباده.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطر الغفلة عن الآخرة.
• عبادة الله وتقواه سبب لغفران الذنوب.
• الاستمرار في الدعوة وتنويع أساليبها حق واجب على الدعاة.
(1/570)

يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)
11 - فإنكم إن فعلتم ذلك ينزل الله عليكم المطر متتابعًا كلما احتجتم إليه، فلا يصيبكم قحط.
12 - ويعطيكم بكثرةٍ أموالًا وأولادًا، ويجعل لكم بساتين تأكلون من ثمارها، ويجعل لكم أنهارًا تشربون منها وتسقون زروعكم ومواشيكم.
13 - ما شأنكم -يا قوم- لا تخافون عظمة الله حيث تعصونه دون مبالاة؟!
14 - وقد خلقكم طَوْرًا بعد طَوْر من نُطْفة فَعَلَقة فمُضْغة.
15 - ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات، سماء فوق سماء؟!
16 - وجعل القمر في السماء الدنيا منهن ضياء لأهل الأرض، وجعل الشمس مضيئة.
17 - والله خلقكم من الأرض بخلق أبيكم آدم من تراب، ثم أنتم تتغذون بما تُنْبته لكم.
18 - ثم يعيدكم فيها بعد موتكم، ثم يخرجكم للبعث منها إخراجًا.
19 - والله جعل لكم الأرض مبسوطة مهيَّأة للسُّكْنى.
20 - رجاء أن تسلكوا منها طرقًا واسعة سعيًا للكسب الحلال.
21 - قال نوح: يا رب، إن قومي عصوني فيما أمرتهم به من توحيدك وعبادتك وحدك، واتبع السفلة منهم رؤساءهم الذين أنعمت عليهم بالمال والولد، فلم يزدهم ما أنعمت به عليهم إلا ضلالًا.
22 - ومكر الأكابر منهم مكرًا عظيمًا بتحريشهم سَفَلَتهم على نوح.
23 - وقالوا لأتباعهم: لا تتركوا عبادة آلهتكم؛ ولا تتركوا عباد صنامكم وَدِّ ولا سُوَاع ولا يَغُوث ولا يَعُوق ولا نسْر.
24 - وقد أضلّوا بأصنامهم هذه كثيرًا من الناس، ولا تزد -يا رب- الظالمين لأنفسهم بالإصرار على الكفر والمعاصى إلا ضلالًا عن الحق.
25 - بسبب خطيئاتهم التي ارتكبوها أغْرِقوا بالطوفان في الدنيا، فأُدْخِلوا النار بعد موتهم مباشرة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا ينقذونهم من الغرق والنار.
26 - وقال نوح لما أخبره الله أنَّه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن: يا رب، لا تترك على الأرض من الكافرين أحدًا يدور أو يتحرك.
27 - إنك -ربنا- إن تتركهم وتمهلهم يضلّوا عبادك المؤمنين، ولا يلدوا إلا صاحبَ فجورٍ لا يطيعك، وشديدَ كفرٍ لا يشكرك على نعمك.
28 - ربّ اغفر لي ذنوبي، واغفر لوالديَّ، واغفر لمن دخل بيتي مؤمنًا، واغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي إلا هلاكًا وخسرانًا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستغفار سبب لنزول المطر وكثرة الأموال والأولاد.
• دور الأكابر في إضلال الأصاغر ظاهر مُشَاهَد.
• الذنوب سبب للهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
(1/571)

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13)
سورة الجن
- مكية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تصديق نزول القرآن وأنه من عند الله، من خلال إيمان الجن به، وإبطال مزاعم المشركين فيهم.


[التَّفْسِيرُ]
1 - قل -أيها الرسول- لأمتك: أوحى الله إليّ أنَّه استمع إلى قراءتي للقرآن جماعة من الجن ببطن نَخْلة، فلما رجعوا إلى قومهم قالوا لهم: إنا سمعنا كلامًا مقروءًا مُعْجِبًا في بيانه وفصاحته.
2 - هذا الكلام الَّذي سمعناه يدلّ على الصواب في الاعتقاد والقول والعمل، فآمنا به، ولن نشرك بربنا الَّذي أنزله أحدًا.
3 - وآمنّا بأنه -تعالت عظمة ربنا وجلاله- ما اتخذ زوجة ولا ولدًا كما يقول المشركون.
4 - وأنه كان إبليس يقول على الله قولًا منحرفًا من نسبة الزوجة والولد إليه سبحانه.
5 - وأنا حَسِبْنا أن المشركين من الإنس والجنّ لا يقولون الكذب حين كانوا يزعمون أن له صاحبة وولدًا، فصدّقنا قولهم تقليدًا لهم.
6 - وأنه كان في الجاهلية رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن عندما ينزلون بمكان مَخُوف، فيقول أحدهم: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فازداد رجال الإنس خوفًا ورعبًا من رجال الجنّ.
7 - وأن الإنس ظنوا كما ظننتم -أيها الجن- أن الله لن يبعث أحدًا بعد موته للحساب والجزاء.
8 - وأنا طلبنا خبر السماء، فوجدنا السماء مُلئِت حرسًا قويًّا من الملائكة يحرسونها من استراق السمع الَّذي كنا نقوم به، ومُلِئت نارًا مشتعلة يُرْمى بها كل من يقرب السماء.
9 - وأنا كنا في السابق نتخذ من السماء مواقع نستمع منها ما يتداوله الملائكة، فنخبر به الكهنة من أهل الأرض، وقد تغير الأمر، فمن يستمع منا الآن يجد نارًا مشتعلة معدة له، فإذا اقترب أرسلت عليه فأحرقته.
10 - وأنَّا لا نعلم ما سبب هذه الحراسة الشديدة؛ أأريد شر بأهل الأرض، أم أن الله أراد بهم خيرًا، فقد انقطع عنا خبر السماء.
11 - وأنا -معشر الجنّ-: منّا المتقون الأبرار، ومنّا من هم كفار وفساق؛ كنّا أصنافًا مختلفة وأهواء متباينة.
12 - وأنَّا أيقنا أنا لن نفوت الله سبحانه إذا أراد بنا أمرًا، ولن نفوته هربًا لإحاطته بنا.
13 - وأنَّا لما سمعنا القرآن الَّذي يهدي للتي هي أقوم آمنّا به، فمن يؤمن بربه فلا يخاف نقصًا لحسناته، ولا إثمًا يضاف إلى آثامه السابقة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تأثير القرآن البالغ فيمَنْ يستمع إليه بقلب سليم.
• الاستغاثة بالجن من الشرك بالله، ومعاقبةُ فاعله بضد مقصوده في الدنيا.
• بطلان الكهانة ببعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
• من أدب المؤمن ألا يَنْسُبَ الشرّ إلى الله.
(1/572)

وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)
14 - وأنَّا منا المسلمون المنقادون لله بالطاعة، ومنا الجائرون عن طريق القصد والاستقامة، فمن خضع لله بالطاعة والعمل الصالح فأولئك الذين قصدوا الهداية والصواب.
15 - وأما الجائرون عن طريق القصد والاستقامة فكانوا لجهنّم حطبًا توقَدُ به مع أمثالهم من الإنس.
16 - وكما أوحى إليه أنَّه استمع نفر من الجن أوحى إليه أنَّه لو استقام الجنّ والإنس على طريق الإسلام، وعملوا بما فيه، لسقاهم الله ماء كثيرًا، وأمدَّهم بنعم متنوعة.
17 - لنختبرهم فيه أيشكرون نعمة الله أم يكفرونه؟ ومن يُعْرِض عن القرآن، وعما فيه من المواعظ، يدخله ربه عذابًا شاقًّا لا يستطيع تحمّله.
18 - وأن المساجد له سبحانه لغيره، فلا تدعوا مع الله فيها أحدًا، فتكونوا مثل اليهود والنصارى في كنائسهم وبيَعهم.
19 - وأنه لما قام عبد الله محمد - صلى الله عليه وسلم - يعبد ربه ببطن نَخْلة، كاد الجن يكونون مُتَراكِمين عليه من شدة الزحام عند سماعهم قراءته للقرآن.
20 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إنما أدعو ربي ولا أشرك به غيره في العبادة كائنا من كان.
21 - قل لهم: إنّي لا أملك لكم دفع ضرّ قدّره الله عليكم، ولا أملك جلب نفع منعكم الله إياه.
22 - قل لهم: لن ينجيني من الله أحد إن عصيته، ولن أجد من دونه مُلْتَجأً ألجأ إليه.
23 - لكن الَّذي أملكه أن أبلغكم ما أمرني الله بتبليغه إليكم، ورسالته التي بعثني بها إليكم، ومن يعص الله ورسوله فإن مصيره دخول نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها، لا يخرج منها أبدًا.
24 - ولا يزال الكفار على كفرهم حتَّى إذا عاينوا يوم القيامة ما كانوا يوعدون به في الدنيا من العذاب، حينئذ سيعلمون من أضعف ناصرًا، وسيعلمون من أقلّ أعوانًا.
25 - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث: لا أدري أقريب ما توعدون من العذاب، أم أن له أجلًا لا يعلمه إلا الله.
36 - هو سبحانه عالم الغيب كله، لا يخفى عليه منه شيء، فلا يُطْلِعُ على غيبه أحدًا، بل يبقى مختصًّا بعلمه.
27 - إلا من ارتضاه سبحانه من رسول، فإنه يطلعه على ما شاء ويرسل من بين يدي الرسول حرسًا من الملائكة يحفظونه حتَّى لا يطّلع غير الرسول على ذلك.
28 - رجاء أن يعلم الرسول أن الرسل من قبله قد بلَّغوا رسالات ربهم التي أمرهم بتبليغها لما أحاطها الله به من العناية، وأحاط الله بما لدى الملائكة والرسل علمًا، فلا يخفى عليه من ذلك شيء، وأحصى عدد كل شيء، فلا يخفى عليه سبحانه شيء.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجَوْر سبب في دخول النار.
• أهمية الاستقامة في تحصيل المقاصد الحسنة.
• حُفِظ الوحي من عبث الشياطين.
(1/573)

يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (14) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19)
سورة المزمل
- مكية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر الزاد الروحي للدعاة في مواجهة الشدائد ومصاعب الحياة، تثبيتًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتوعدًا للمكذبين به.


[التَّفْسِيرُ]
1 - يا أيها المُتَلَفِّف بثيابه (يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم -).
2 - صلِّ بالليل إلا قليلًا منه.
3 - صلِّ نصفه إن شئت، أو صلِّ أقلّ من النصف قليلًا حتَّى تَصِلَ للثلث.
4 - أو زد عليه حتَّى تبلغ الثلثين، وبيّن القرآن إذا قرأته وتمهّل في قراءته.
5 - إنا سنلقي عليك -أيها الرسول- القرآن، وهو قول ثقيل؛ لما فيه من الفرائض والحدود والأحكام والآداب وغيرها.
6 - إن ساعات الليل هي أشد موافقة للقلب مع القراءة وأصوب قولًا.
7 - إن لك في النهار تصرّفًا في أعمالك، فتنشغل بها عن قراءة القرآن، فصلِّ بالليل.
8 - واذكر الله بأنواع الذكر، وانقطع إليه سبحانه انقطاعًا بإخلاص العبادة له.
9 - رب المشرق ورب المغرب، لا معبود بحق إلا هو، فاتخذه وكيلًا تعتمد عليه في أمورك كلها.
10 - واصبر على ما يقوله المكذبون من الاستهزاء والسبّ، واهجرهم هجرًا لا أذيّة فيه.
11 - ولا تهتمّ بشأن المكذبين أصحاب التمتع بملذات الدنيا، واتركني وإياهم، وانتظرهم قليلًا حتَّى يأتيهم أجلهم.
12 - إن لدينا في الآخرة قيودًا ثقيلة، ونارًا مُسْتَعِرة.
13 - وطعامًا تغصّ به الحلوق لشدّة مرارته، وعذابًا موجعًا؛ زيادة على ما سبق.
14 - ذلك العذاب حاصل للمكذبين يوم تضطرب الأرض والجبال، وكانت الجبال رملًا سائلًا متناثرًا من شدّة هوله.
15 - إنا بعثنا إليكم رسولًا شاهدًا على أعمالكم يوم القيامة مثلما أرسلنا إلى فرعون رسولًا هو موسى عليه السلام.
16 - فعصى فرعون الرسولَ المرسل إليه من ربه فعاقبناه عقابًا شديدًا في الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بعذاب النار، فلا تعصوا أنتم رسولكم فيصيبكم ما أصابه.
17 - فكيف تمنعون أنفسكم وتَقُوها -إن كفرتم بالله، وكذبتم رسوله- يومًا شديدًا طويلًا، يشيب رأس الأولاد الصغار من شدّة هوله وطوله.
18 - السماء متشققة من هوله، كان وعبد الله مفعولًا لا محالة.
19 - إنّ هذه الموعظة -المشتملة على بيان ما في يوم القيامة من هول وشدّة- تذكرة، ينتفع بها المؤمنون، فمن شاء اتخاذ طريق موصل إلى ربه اتخذه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أهمية قيام الليل وتلاوة القرآن وذكر الله والصبر للداعية إلى الله.
• فراغ القلب في الليل له أثر في الحفظ والفهم.
• تحمّل التكاليف يقتضي تربية صارمة.
• الترف والتوسع في التنعم يصدّ عن سبيل الله.
(1/574)

ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)
20 - إن ربك -أيها الرسول- يعلم أنك تصلّي أقلّ من ثلثي الليل تارة، وتقوم نصفه تارة، وثلثه تارة، وتقوم طائفة من المؤمنين معك، والله يقدر الليل والنهار، ويحصي ساعاتهما، علم سبحانه أنكم لا تقدرون على إحصاء وضبط ساعاته، فيشقّ عليكم قيام أكثره تحرّيًا للمطلوب، فلذلك تاب عليكم، فصلّوا من الليل ما تيسّر، علم الله أن سيكون منكم -أيها المؤمنون- مرضى أجهدهم المرض، وآخرون يسافرون يطلبون رزق الله، وآخرون يقاتلون الكفار ابتغاء مرضاة الله ولتكون كلمة الله هي العليا، فهؤلاء يشقّ عليهم قيام الليل، فصلّوا ما تيسر لكم من الليل، وائتوا بالصلاة المفروضة على أكمل وجه، وأعطوا زكاة أموالكم، وأنفقوا من أموالكم في سبيل الله، وما تقدّموا لأنفسكم من أيّ خير، تجدوه هو خيرًا وأعظم ثوابًا، واطلبوا المغفرة من الله، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
سورة المدثر
- مكية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
الأمر بالنهوض للدعوة، وتوعد المكذبين بها.


[التَّفْسِيرُ]
1 - يا أيها المُتَغَشِّي بثيابه (وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -).
2 - انهض وخوِّف من عذاب الله.

3 - وعَظِّمْ ربك.
4 - وطهِّر نفسك من الذنوب وثيابك من النجاسات.
5 - وابتعد عن عبادة الأوثان.
6 - ولا تمنن على ربك بأن تستكثر عملك الصالح.
7 - واصبر لله على ما تلاقيه من الأذى.
8 - فإذا نُفِخَ في القرن النفخة الثانية.
9 - فذلك اليوم يوم شديد.
10 - على الكافرين بالله وبرسله غير سهل.
11 - اتركني -أيها الرسول- ومن خلقته وحيدًا في بطن أمه دون مال أو ولد (وهو الوليد بن المُغِيرة).
12 - وجعلت له مالًا كثيرًا.
13 - وجعلت له بنين حاضرين معه ويشهدون المحافل معه لا يفارقونه لسفر لكثرة ماله.
14 - وبسطت له في العيش والرزق والولد بسطًا.
15 - ثم يطمع مع كفره بي أن أزيده بعد ما أعطيته من ذلك كله.
16 - ليس الأمر كما تصوّر، إنه كان معاندًا لآياتنا المنزلة على رسولنا مكذبًا بها.
17 - سأكلفه مشقة من العذاب لا يستطيع تحمّلها.
18 - إن هذا الكافر الَّذي أنعمت عليه بتلك النعم فكّر فيما يقوله في القرآن لإبطاله، وقدّر ذلك في نفسه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المشقة تجلب التيسير.
• وجوب الطهارة من الخَبَث الظاهر والباطن.
• الإنعام على الفاجر استدراج له وليس إكرامًا.
(1/575)

فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)
19 - فلُعِن وعُذِّب كيف قَدَّر.
20 - ثم لعن وعذّب كيف قَدَّر.
21 - ثم أعاد النظر والتروِّي فيما يقول.
22 - ثم قَطب وجهه وكَلَح حين لم يجد ما يطعن به في القرآن.
23 - ثم أدبر عن الإيمان، واستكبر عن اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -.
24 - فقال: ليس هذا الَّذي جاء به محمد كلام الله، بل هو سحر يرويه عن غيره.
25 - ليس هذا كلام الله، بل هو كلام الإنس.
26 - سأدخل هذا الكافر طبقة من طبقات النار، وهي سَقَر يقاسي حرّها.
27 - وما أعلمك -يا محمد- ما سَقَر؟!
28 - لا تُبْقِي شيئًا من المُعَذَّب فيها إلا أتت عليه، ولا تتركه، ثم يعود كما كان، ثم تأتي عليه، وهكذا دَوَالَيْك.
29 - شديدة الاحراق والتغيير للجلود.
30 - عليها تسعة عشر ملكًا، وهم خَزَنتها.
31 - وما جعلنا خَزَنة النار إلا ملائكة، فلا طاقة للبشر بهم، وقد كذب أبو جهل حين ادّعى أنَّه وقومه يقدرون على البطش بهم، ثمّ يخرجون من النار، وما جعلنا عددهم هذا إلا اختبارًا للذين كفروا بالله؛ ليقولوا ما قالوا فيُضاعَف عليهم العذاب، وليتيقّن اليهود الذين أعطوا التوراة، والنصارى الذين أعطوا الإنجيل حين نزل القرآن مصدقًا لما في كتابيهم، وليزداد المؤمنون إيمانًا عندما يوافقهم أهل الكتاب، ولا يرتاب اليهود والنصارى والمؤمنون، وليقول المترددون في الإيمان، والكافرون: أي شيء أراده الله بهذا العدد الغريب؟! مثل إضلال مُنْكِر هذا العدد وهداية المُصَدِّق به، يُضِلُّ الله من شاء أن يضلّه ويهدي من شاء أن يهديه، وما يعلم جنود ربك من كثرتها إلا هو سبحانه، فليعلم بذلك أبو جهل القائل: (أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر؟!) استخفافًا وتكذيبًا، وما النار إلا تذكرة للبشر يعلمون بها عظمة الله سبحانه.
32 - ليس القول كما يزعم بعض المشركين أنَّه يكفي أصحابه خَزَنة جهنم حتَّى يُجْهِضهم عنها، أقسم الله بالقمر.
33 - وأقسم بالليل حين ولى.
34 - وأقسم بالصبح إذا أضاء.
35 - إنّ نار جهنم لإحدى البلايا العظيمة.
36 - ترهيبًا وتخويفًا للناس.
37 - لمن شاء منكم -أيها الناس- أن يتقدم بالإيمان بالله والعمل الصالح، أو يتأخر بالكفر والمعاصي.
38 - كل نفس بما كسبته من الأعمال مأخوذة، فإما أن توبقها أعمالها، وإما أن تخلِّصها وتنقذها من الهلاك.
39 - إلا المؤمنين فإنهم لا يُوخذون بذنوبهم، بل يتجاوز عنها لما لهم من عمل صالح.
40 - وهم يوم القيامة في جنات يسأل بعضهم بعضا.
41 - عن الكافرين الذين أهلكوا أنفسهم بما عملوا من المعاصي.
42 - يقولون لهم: ما أدخلكم في جهنم؟
43 - فيجيبهم الكفار قائلين: لم نكن من الذين يؤدون الصلاة الواجبة في الحياة الدنيا.
44 - ولم نكن نطعم الفقير مما أعطانا الله.
45 - وكنا مع أهل الباطل ندور معهم أينما داروا، ونتحدث مع أهل الضلال والغواية.
46 - وكنا نكذب بيوم الجزاء.
47 - وتمادينا في التكذيب به حتَّى جاءنا الموت، فحال بيننا وبين التوبة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطورة الكبر حيث صرف الوليد بن المغيرة عن الإيمان بعدما تبين له الحق.
• مسؤولية الإنسان عن أعماله في الدنيا والآخرة.
• عدم إطعام المحتاج سبب من أسباب دخول النار.
(1/576)

48 - فما تنفعهم يوم القيامة وساطة الشافعين من الملائكة والنبيين والصالحين؛ لأن من شرط قَبول الشفاعة الرضا عن المشفوع.
49 - أي شيء جعل هؤلاء المشركين معرضين عن القرآن؟!
50 - كأنهم في إعراضهم ونفورهم منه حُمُر وَحْش شديدة النفور.
51 - نفرت من أسد خوفًا منه.
52 - بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن يصبح عند رأسه كتاب منشور يخبره أن محمدًا رسول من الله، وليس سبب ذلك قلة البراهين أو ضعف الحجج، وإنما هو العناد والاستكبار.
53 - ليس الأمر كذلك، بل السبب في تماديهم في ضلالهم أنهم لا يؤمنون بعذاب الآخرة، فبقوا على كفرهم.
54 - ألا إن هذا القرآن موعظة وتذكير.
55 - فمن شاء أن يقرأ القرآن ويتعظ به قرأه واتعظ به.
56 - وما يتعظون إلا أن يشاء الله أن يتعظوا، هو سبحانه أهل لأن يُتَّقى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأهل لأن يغفر ذنوب عباده إذا تابوا إليه.
سورة القيامة
- مكية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إظهار قدرة الله على جمع خلق الإنسان وبعثه.

[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بيوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين.

2 - وأقسم بالنفس الطيبة التي تلوم صاحبها على التقصير في الأعمال الصالحة، على فعل السيئات، أقسم بهذين الأمرين ليبعثنّ الناس للحساب والجزاء.

3 - أيظنّ الإنسان أن لن نجمع عظامه بعد موته للبعث؟!

4 - بلى، نقدر مع جمعها على إعادة أطراف أصابعه خلْقًا سويًّا كما كانت.

5 - بل يريد الإنسان بإنكاره البعث أن يستمرّ على فجوره مستقبلا دون رادع.

6 - يسأل على وجه الاستبعاد عن يوم القيامة: متى يقع؟

7 - فإذا تحيّر البصر واندهش حين يرى ما كان يكذّب به.
8 - وذهب ضوء القمر.

9 - وجمع جرم الشمس والقمر.

10 - يقول الإنسان الفاجر في ذلك اليوم: أين الفرار؟!
11 - لا فرار في ذلك اليوم، ولا مَلْجأ يلجأ إليه الفاجر، ولا مُعْتَصَم يعتصم به.
12 - إلى ربك -أيها الرسول- في ذلك اليوم المرجع والمصير للحساب والجزاء.
13 - يخبر الإنسان في ذلك اليوم بما قدّم من أعماله، وربما أخّر منها.
14 - بل الإنسان شاهد على نفسه حيث تشهد عليه جوارحه بما اكتسبه من إثم.
15 - ولو جاء بأعذار يجادل بها عن نفسه أنَّه ما عمل سوءًا لم تنفعه.
16 - لا تحرِّك -أيها الرسول- لسانك بالقرآن مُتَعَجِّلًا أن ينفلت منك.
17 - إن علينا أن نجمعه لك في صدرك، وإثبات قراءته على لسانك.
18 - فإذا أتمّ جبريل قراءته عليك فأنصت إلى قراءته واستمع.
19 - ثم إن علينا تفسيره لك.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مشيئة العبد مُقَيَّدة بمشيئة الله.
• حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حفظ ما يوحى إليه من القرآن، وتكفّل اللهَ له بجمعه في صدره وحفظه كاملًا فلا ينسى منه شيئًا.
(1/577)

وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20)
20 - كلّا، ليس الأمر كما ادعيتم من استحالة البعث، فأنتم تعلمون أن القادر على خلقكم ابتداءً لا يعجز عن إحيائكم بعد موتكم، لكن سبب تكذيبكم بالبعث هو حبكم للحياة الدنيا سريعة الانقضاء.
21 - وترككم للحياة الآخرة التي طريقها القيام بما أمركم الله به من الطاعات، وترك ما نهاكم عنه من المحرمات.
22 - وجوه أهل الإيمان والسعادة في ذلك اليوم بَهِيَّة لها نور.
23 - ناظرة إلى ربها متمتِّعة بذلك.
24 - ووجوه أهل الكفر والشقاء في ذلك اليوم عابسة.
25 - توقن أن ينزل بها عقاب عظيم، وعذاب أليم.
26 - ليس الأمر كما يتصور المشركون من أنهم إذا ماتوا لا يُعَذّبون، فإذا وصلت نفس أحدهم أعالي صدره.
28 - وقال بعض الناس لبعض: من يَرْقِي هذا لعله يُشْفَى؟!
28 - وأيقن من في النَّزْع حينئذ أنَّه فراق الدنيا بالموت.
واجتمعت الشدائد عند نهاية الدنيا وبداية الآخرة.

30 - إذا حصل ذلك يُساق الميت إلى ربه.
31 - فلا صَدَّق الكافر بما جاء به رسوله، ولا صلى لله سبحانه.
32 - ولكن كذب بما جاءه به رسوله، وأعرض عنه.
33 - ثم ذهب هذا الكافر إلى أهله يختال في مشيته من الكبر.
34 - فتوعد الله الكافر بأن عذابه قد وليه وقرب منه.
35 - ثم أعاد الجملة على سبيل التأكيد، فقال: {ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}.
36 - أيظنّ الإنسان أن الله تاركه مُهْمَلًا دون أن يكلفه بشرع؟
37 - ألم يكن هذا الإنسان يومًا نُطْفة من مني يُصَبّ في الرحم.
38 - ثم كان بعد ذلك قطعة من دم جامد، ثم خلقه الله، وجعل خلقه سويًّا.
39 - فجعل من جنسه النوعين: الذكر والأنثى؟!
40 - أليس الَّذي خلق الإنسان من نُطْفة فَعَلَقَة بقادر على إحياء الموتى للحساب والجزاء من جديد؟! بلى، إنه لقادر.
سورة الإنسان
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تذكير الإنسان بأصله وحكمة خلقه ومصيره في الدارين، وإظهار نعيم الجنّة، تثبيتَا للمؤمنين ودعوة للكافرين.

[التَّفْسِيرُ]
1 - قد مرّ على الإنسان دَهْر طويل كان فيه معدومًا لا ذِكْر له.

2 - إنا خلقنا الإنسان من نطفة خليطة بين ماء الرجل وماء المرأة، نختبره بما نُلْزمه به من التكاليف، فجعلناه سميعًا بصيرًا ليقوم بما كلَّفناه به من الشرع.

3 - إنا بيّنا له على ألسنة رسلنا طريق الهداية، فاستبانت له بذلك طريق الضلال، فهو بعد ذلك إما أن يهتدي للصراط المستقيم، فيكون عبدًا مؤمنًا شكورًا لله، وإما أن يضلّ عنها فيكون عبدًا كافرًا جحودًا لآيات الله. ولما بيّن الله نوعي المهتدي والضالّ بيَّن جزاءهما فقال:

4 - إنا أعددنا للكافرين بالله وبرسله سلاسل يُسْحبون بها في النار، وأغلالًا يُغَلّون بها فيها، ونارًا مُسْتَعِرة.

5 - إن المؤمنين المطيعين لله يشربون يوم القيامة من كأس خمر مملوءة ممزوجة بالكافور لطيب رائحته.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطر حب الدنيا والإعراض عن الآخرة.
• ثبوت الاختيار للإنسان، وهذا من تكريم الله له.
• النظر لوجه الله الكريم من أعظم النعيم.
(1/578)

عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25)
6 - هذا الشراب المُعَدّ لأهل الطاعة هو من عين سهلة التناول غزيرة لا تَنْضَب، يَرْوَى بها عباد الله، يسيلونها ويجرونها أين شاؤوا.
7 - وصفات العباد الذين يشربونها أنهم يوفون بما ألزموا به أنفسهم من الطاعات، ويخافون يومًا كان شرّه منشرًا فاشيًا وهو يوم القيامة.
8 - ويطعمون الطعام مع كونهم في حال يحبونه لحاجتهم إليه واشتهائهم له، يطعمونه المحتاجين من الفقراء واليتامى والأسارى.
9 - ويسرون في أنفسهم أنهم لا يطعمونهم إلا لوجه الله، فهم لا يريدون منهم ثوابًا، ولا ثناءً على إطعامهم إياهم.
10 - إنا نخاف من ربنا يومًا تَكْلَح فيه وجوه الأشقياء لشدّته وفظاعته.
11 - فوقاهم الله بفضله شرّ ذلك اليوم العظيم، وأعطاهم بهاءً ونورًا في وجوههم؛ إكرامًا لهم، وسرورًا في قلوبهم.
12 - وأثابهم الله -بسبب صبرهم على الطاعات، وصبرهم على أقدار الله، وصبرهم عن المعاصي- جنة يتنعمون فيها، وحريرًا يلبسونه.
13 - متكئون فيها على الأسرّة المُزَيَّنة، لا يرون في هذه الجنّة شمسًا يؤذيهم شعاعها، ولا بردًا شديدًا، بل هم في ظلّ دائم لا حرّ معه ولا برد.
14 - قريبة منهم ظلالها، وسُخِّرت ثمارها لمن يتناولها، فيتناولها بيسر وسهولة، بحيث ينالها المضطجع والقاعد والقائم.
15 - ويدور عليهم الخدم بآنية الفضة، وبكؤوسها الصافي لونها عند إرادتهم الثراب.
16 - هي في صفاء لونها مثل الزجاج غير أنها من الفضة، وهي مقدرة وفق ما يريدون، لا تزيد عنه ولا تنقص.
17 - ويُسْقَى هؤلاء المُكَرَّمون كأسًا من خمر ممزوجة بالزنجبيل.
18 - يشربون من عين في الجنّة تسمى سَلْسبيلًا.
19 - ويدور عليهم في الجنّة وِلْدان باقون على شبابهم، إذا رأيتهم ظننتهم لنضارة وجوههم وحسن ألوانهم وكثرتهم وتفرقهم لؤلؤًا منثورًا.
20 - وإذا رأيت ما هنالك في الحنة رأيت نعيمًا لا يمكن وصفه، ورأيت ملكًا عظيمًا لا يُدانيه ملك.
21 - قد علت أبدانهم الثياب الخضراء الفاخرة وهي من الحرير الرقيق، وغليظ الديباج، وألبِسوا فيها أسورة من فضة، وسقاهم الله شرابًا خاليًا من أي منغص.
22 - ويقال لهم تكريمًا لهم: إن هذا النعيم الَّذي أعطيتموه كان ثوابًا لكم على أعمالكم الصالحة، وكان عملكم مقبولًا عند الله.
23 - إنا نحن أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن مفرَّقًا، ولم ننزله عليك جملة واحدة.
24 - فاصبر لما يحكم به الله قدرًا أو شرعًا، ولا تطع آثمًا فيما يدعو له من الإثم، ولا كافرًا فيما يدعو إليه من الكفر.
25 - واذكر ربك بصلاة الفجر أول النهار، وصلاة الظهر والعصر آخره.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الوفاء بالنذر وإطعام المحتاج، والإخلاص في العمل، والخوف من الله: أسباب للنجاة من النار، ولدخول الجنّة.
• إذا كان حال الغلمان الذين يخدمونهم في الجنّة بهذا الجمال، فكيف بأهل الجنّة أنفسهم؟!
(1/579)

أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)
26 - واذكره بصلاتي الليل: صلاة المغرب وصلاة العشاء، وتَهَجَّد به بعدهما.
27 - إن هؤلاء المشركين يحبون الحياة الدنيا ويحرصون عليها، ويتركون وراءهم يوم القيامة، وهو يوم ثقيل؛ لما فيه من الشدائد والمحن.
28 - نحن خلقناهم وقوَّينا خلقهم بتقوية مفاصلهم وأعضائهم وغيرها. وإذا شئنا إهلاكهم وإبدالهم بأمثالهم أهلكناهم وأبدلناهم.
29 - إن هذه السورة موعظة وتذكير، فمن شاء اتخاذ طريق توصله إلى رضا ربه اتخذها.
30 - وما تشاؤون اتخاذ طريق إلى رضا الله إلا أن يشاء الله ذلك منكم , فالأمر كله إليه، إن الله كان عليمًا بما يصلح لعباده، وبما لا يصلح لهم، حكيمًا في خلقه وقدره وشرعه.
31 - يُدْخِل من يشاء من عباده في رحمته، فيوفقهم للإيمان والعمل الصالح، وأعدّ للظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي عذابًا موجعًا في الآخرة، وهو عذاب النار.
سورة المرسلات
- مكية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إثبات القيامة من خلال محاجة المكذبين بالأدلة، وتتابعها بالوعيد والتهديد.

[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بالرياح المتتابعة مثل عُرف الفرس.

2 - وأقسم بالرياح الشديدة الهبوب.

3 - وأقسم بالرياح التي تنشر المطر.

4 - وأقسم بالملائكة التي تنزل بما يفرق بين الحق والباطل.
5 - وأقسم بالملائكة التي تنزل بالوحي.
6 - تنزل بالوحي إعذارًا من الله إلى الناس، وإنذارًا للناس من عذاب الله.

7 - إن الَّذي توعدون به من البعث والحساب والجزاء لواقع لا مِحالة.

8 - فإذا النجوم مُحِيَ نورها وذهب ضوؤها.

9 - وإذا السماء شُقَّت لتنزل الملائكة منها.

10 - وإذا الجبال اقتُلِعت من مكانها فَفُتِّتَتْ حتَّى تصير هباءً.
11 - وإذا الرسل جُمِعت لوقت محدد.
12 - ليوم عظيم أخلت للشهادة على أممها.
13 - ليوم الفصل بين العباد، فيتبين المحق من المبطل، والسعيد من الشقي.
14 - وما أعلمك -أيها الرسول- ما يوم الفصل؟!
15 - هلاك وعذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين الذين يكذبون بما جاءت به الرسل من عند الله.
16 - ألم نهلك الأمم السابقة لما كفرت بالله وكذبت رسلها؟!
17 - ثم نتبعهم المكذبين من المتأخرين، فنهلكهم كما أهلكناهم.
18 - مثل الإهلاك لتلك الأمم نهلك المجرمين المكذبين بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -.
19 - هلاك وعذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين بوعيد الله بالعقاب للمجرمين.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطر التعلق بالدنيا ونسيان الآخرة.
• مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.
• إهلاك الأمم المكذبة سُنَّة إلهية.
(1/580)

أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)
20 - ألم نخلقكم -أيها الناس- من ماء حقير قليل وهو النُّطْفة.
21 - فجعلنا ذلك الماء المَهين في مكان مَحْروز وهو رحم المرأة.
22 - إلى مُدّة معلومة هي مدّة الحمل.
23 - فقدَّرنا صفة المولود وقَدْرَه ولونه وغير ذلك، فنعم القادرون لذلك كله نحن.
24 - هلاك وعذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين بقدرة الله.
25 - ألم نجعل الأرض تضمّ الناس جميعًا.
26 - تضمّ أحياءهم بالسكن عليها وعمارتها، وأمواتهم بالدفن فيها.
27 - وجعلنا فيها جبالًا ثوابتَ، تمنعها من الاضطراب، عاليات، وأسقيناكم -أيها الناس- ماءً عذبًا، فمن خلق ذلك ليس عاجزًا عن بعثكم.
28 - هلاك وعذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين بنعم الله عليهم.
29 - ويقال للمكذبين بما جاءت به رسلهم: سيروا -أيها المكذبون- إلى ما كنتم به تكذبون من العذاب.
30 - سيروا إلى ظل من دخان النار مفترق ثلاث فرق.
31 - ليس فيه برد الظلال، ولا يمنع لهيب النار وحرّها أن ينفذ إليكم.
32 - إن النار تقذف بشرارات، كل شرارة مثل القصر في عظمها.
33 - كان الشرارات التي تقذف بها في سوادها وضخامتها جمال سود.
34 - هلاك وعَذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين بعذاب الله.
35 - هذا يوم لا يتكلمون فيه بشيء.
36 - ولا يُؤذَن لهم أن يعتذروا إلى ربهم من كفرهم وسيئاتهم، فيعتذرون إليه.
37 - هلاك وعذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين بأخبار هذا اليوم.
38 - هذا يوم الفصل بين الخلائق، جمعناكم والأمم السابقة في صعيد واحد.
39 - فإن كانت لكم حيلة تحتالون بها للنجاة من عذاب الله فاحتالوا عليّ.
40 - هلاك وعذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين بيوم الفصل.
41 - إن المتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، في ظلال أشجار الجنّة الوارفة، وعيون الماء العذبة الجارية.
42 - وفواكه مما يشتهون أكله.
43 - ويقال لهم: كلوا من الطيبات، واشربوا شرابًا هنيئًا لا مُنَغِّص فيه؛ بما كنتم تعملون في الدنيا من الأعمال الصالحات.
44 - إنا مثل هذا الجزاء الَّذي جزيناكم به نجزي المحسنين لأعمالهم.
45 - هلاك وعذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين بما أعبد الله للمتقين.
46 - ويقال للمكذبين: كلوا وتمتعوا بملذات الحياة وقتًا قليلًا في الدنيا، إنكم بكفركم بالله وتكذيبكم رسله مجرمون.
47 - هلاك وعذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين بجزائهم يوم الدين.
48 - وإذا قيل لهؤلاء المكذبين: صلّوا لله لا يصلّون له.
49 - هلاك وعذاب وخسران في ذلك اليوم للمكذبين الذين يكذبون بما جاءت به الرسل من عند الله.
50 - فإذا لم يؤمنوا بهذا القرآن المنزل من ربهم فبأي حديث غيره يؤمنون؟!

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• رعاية الله للإنسان في بطن أمه.
• اتساع الأرض لمن عليها من الأحياء، ولمن فيها من الأموات.
• خطورة التكذيب بآيات الله والوعيد الشديد لمن فعل ذلك.
(1/581)

عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)
سورة النبأ
- مكية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إثبات البعث والجزاء بالأدلة والبراهين.


[التَّفْسِيرُ]
1 - عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون بعدما بعث الله إليهم رسوله - صلى الله عليه وسلم -؟!
2 - يسأل بعضهم بعضًا عن الخبر العظيم، وهو هذا القرآن المنزل على رسولهم المتضمن لخبر البعث.
3 - هذا القرآن الَّذي اختلفوا فيما يصفونه به؛ من كونه سحرًا أو شعرًا أو كهانة أو أساطير الأولين.
4 - ليس الأمر كما زعموا، سيعلم هؤلاء المكذبون بالقرآن عاقبة تكذيبهم السيئة.
5 - ثم سيتأكد لهم ذلك.
6 - ألم نُصَيِّر الأرض مُمَهَّدة لهم صالحة لاستقرارهم عليها؟!
7 - وجعلنا الجبال عليها بمنزلة أوتاد تمنعها من الاضطراب.
8 - وخلقناكم -أيها الناس- أصنافًا: منهم الذُّكران والإناث.
9 - وجعلنا نومكم انقطاعًا عن النشاط لتستريحوا.
10 - وجعلنا الليل ساترًا لكم بظلمته مثل اللباس الَّذي تسترون به عوراتكم.
11 - وجعلنا النهار ميدانًا للكسب والبحث عن الرزق.
12 - وبنينا فوقكم سبع سماوات متينة البناء محكمة الصنع.
13 - وصيَّرنا الشمس مصباحًا شديد الاتقاد والإنارة.
14 - وأنزلنا من السحب التي حان لها أن تمطر ماءً كثير الانصباب.
15 - لنخرج به أصناف الحَب، وأصناف النبات.
16 - ونخرج به بساتين مُلْتَفَّة من كثرة تداخل أغصان أشجارها.
ولما ذكر الله هذه النعم الدالة على قدرته أتبعها بذكر البعث والقيامة؛ لأن القادر على خلق هذه النعم قادر على بعث الموتى وحسابهم، فقال:

17 - إن يوم الفصل بين الخلائق كان موعدًا محددًا بوقتٍ لا يتخلّف.
18 - يوم ينفخ الملك في الفرن النفخة الثانية، فتأتون -أيها الناس- جماعات جماعات.
18 - وفُتِحت السماء فصار لها فروج مثل الأبواب المفتحة.

20 - وجُعِلت الجبال تسير حتَّى تتحول هباءً منثورًا، فتصير مثل السراب.
21 - إن جهنم كانت راصدة مُرْتَقِبة.
22 - للظالمين مرجعًا يرجعون إليه.
23 - ماكثين فيها أزمنة ودهورًا لا نهاية لها.
24 - لا يذوقون فيها هواءً باردًا يبرد حر السعير عنهم، ولا يذوقون فيها شرابًا يُتَلذَّذ به.
25 - لا يذوقون إلا ماءً شديد الحرارة، وما يسيل من صديد أهل النار.
26 - جزاءً موافقًا لما كانوا عليه من الكفر والضلال.
27 - إنهم كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة الله إياهم في الآخرة؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، فلو كانوا يخافون اليعث لآمنوا بالله، وعملوا صالحًا.
28 - وكذبوا بآياتنا المنزلة على رسولنا تكذيبًا.
29 - وكل شيء من أعمالهم ضبطناه وعددناه، وهو مكتوب في صحائف أعمالهم.
30 - فذوقوا -أيها الطغاة- هذا العذاب الدائم، فلن نزيدكم إلا عذابًا على عذابكم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إحكام الله للخلق دلالة على قدرته على إعادته.
• الطغيان سبب دخول النار.
• مضاعفة العذاب على الكفار.
(1/582)

أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31)
31 - إن للمتقين ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، مكانَ فوزٍ يفوزون فيه بمطلوبهم وهو الجنة.
32 - بساتين وأعنابًا.
33 - وناهدات مستويات السن.
34 - وكأس خمر ملأى.
35 - لا يسمعون في الجنّة كلامًا باطلًا، ولا يسمعون كذبًا، ولا يكذب بعضهم بعضًا.
36 - كل ذلك مما منحهم الله مِنَّة وعطاء منه كافيًا.
37 - رب السماوات والأرض ورب ما بينهما، رحمن الدنيا والآخرة، لا يملك جميع من في الأرض أو السماء أن يسألوه إلا إذا أذن لهم.
38 - يوم يقوم جبريل والملائكة مُصْطفِّين، لا يتكلمون بشفاعة لأحد إلا من أذن له الرحمن أن يشفع، وقال سدادًا ككلمة التوحيد.
39 - ذلك الموصوف لكم هو اليوم الَّذي لا ريب أنَّه واقع، فمن شاء النجاة فيه من عذاب الله فليتخذ سبيلًا إلى ذلك من الأعمال الصالحة التي ترضي ربه.
40 - إنا حذرناكم -أيها الناس- عذابًا قريبًا يحصل، يوم ينظر المرء ما قدم من عمله في الدنيا، ويقول الكافر متمنيًا الخلاص من العذاب: يا ليتني صرت ترابًا مثل الحيوانات عندما يقال لها يوم القيامة: كوني ترابًا.
سورة النازعات
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
قَرْع القلوب المكذبة بالبعث والجزاء، من خلال عرض مشاهد الموت والبعث والحشر والقيامة.

[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بالملائكة التي تجذب أرواح الكفار بشدة وعنف.

2 - وأقسم بالملائكة التي تستلُّ أرواح المؤمنين بسهولة ويسر.

3 - وأقسم بالملائكة التي تَسْبح من السماء إلى الأرض بأمر الله.

4 - وأقسم بالملائكة التي تسبق بعضها في أداء أمر الله.

5 - وأقسم بالملائكة التتي تنفذ ما أمرهم الله به من قضائه مثل الملائكة الموكلين بأعمال العباد؛ أقسم بذلك كله ليبعثنَّهم للحساب والجزاء.

6 - يوم تهتزّ الأرض عند النفخة الأولى.

7 - تتبع هذه النفخة نفخة ثانية.

8 - قلوب بعض الناس في ذلك اليوم خائفة.

9 - يظهر على أبصارها أثر الذلة.

10 - وكانوا يقولون: هل نرجع إلى الحياة بعد أن متنا؟!
11 - أإذا كنا عظامًا بالية فارغة نرجع بعد ذلك؟!
12 - قالوا: إذا رجعنا تكون تلك الرجعة خاسرة، مغبونًا صاحبها.
13 - أَمْر البعث يسير، فإنما هي صيحة واحدة من الملك الموكل بالنفخ.
14 - فإذا الجميع أحياء على وجه الأرض بعد أن كانوا أمواتًا في بطنها.
15 - هل جاءك -أيها الرسول- خبر موسى مع ربه ومع عدوّه فرعون؟!
16 - حين ناداه ربه سبحانه لوادي طُوَى المطهر.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التقوى سبب دخول الجنّة.
• تذكر أهوال القيامة دافع للعمل الصالح.
• قبض روح الكافر بشدّة وعنف، وقبض روح المؤمن برفق ولين.
(1/583)

اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)
17 - قال له فيما قال: سرْ إلى فرعون، إنه تجاوز الحد في الظلم والاستكبار.
18 - فقل له: هل لك -يا فرعون- أن تتطهر من الكفر والمعاصي؟
19 - وأرشدك إلى ربك الَّذي خلقك ورعاك فتخشاه، فتعمل بما يرضيه، وتتجنب ما يسخطه؟
20 - فأظهر له موسى عليه السلام العلامة العظمى الدالة على أنَّه رسول من ربه، وهي اليد والعصا.
21 - فما كان من فرعون إلا أنَّه كذّب بهذه العلامة، وعصى ما أمره به موسى عليه السلام.
22 - ثم أعرض عن الإيمان بما جاء به موسى.
23 - ورجع يجمع جنوده لمغالبة موسى، فنادى قومه قائلًا:
24 - أنا ربكم الأعلى، فلا طاعة لغيري عليكم.
25 - فأخذه الله فعاقبه في الدنيا بالغرق في البحر، وعاقبه في الآخرة بإدخاله في أشدّ العذاب.
26 - إن فيما عاقبنا به فرعون في الدنيا والآخرة لموعظة لمن يخشى الله؛ فهو الَّذي ينتفع بالمواعظ.
27 - أإيجادكم على الله -أيها المكذبون بالبعث- أصعب، أم إيجاد السماء التي بناها؟!
28 - جعل سَمْتها في جهة العلوّ رفيعًا، فجعلها مستوية، لا فطور فيها ولا شقوق ولا عيب.
29 - وأظلم ليلها إذا غربت شمسها، وأظهر نورها إذا أشرقت.
30 - والأرض بعد أن خلق السماء بسطها، وأودع فيها منافعها.
31 - أخرج منها ماءها عيونًا تجري، وأنبت فيها من النبات ما ترعاه الدواب.
32 - والجبال جعلها ثابتة على الأرض.
33 - كل ذلك منافع لكم -أيها الناس- ولأنعامكم، فالذي خلق هذا كله لا يعجز عن إعادة خلقهم من جديد.
34 - فإذا جاءت النفخة الثانية التي تغمر كل شيء بهولها، وقامت القيامة.
35 - يوم تجيء يتذكر الإنسان ما قدم من عمل، خيرًا كان أو شرًّا.
36 - وجيء بجهنم وأظْهِرت عيانًا لمن يبصرها.
37 - فأما من تجاوز الحدّ في الضلال.
38 - وفضل الحياة الدنيا الفانية على الحياة الأخرى الباقية.
39 - فإن النار هي مستقرّه الَّذي يأوي إليه.
40 - 41 - وأما من خاف قيامه بين يدي ربه، وكفّ نفسه عن اتباع ما تهواه مما حرّمه الله، فإن الجنّة هي مستقرّه الَّذي يأوي إليه.
42 - يسألك -أيها الرسول- هؤلاء المكذبون بالبعث: متى تقع الساعة؟
43 - ليس لك علم بها حتَّى تذكرها لهم، وليس من شأنك ذلك، إنما شأنك الاستعداد لها.
44 - إلى ربك وحده مُنتهى علم الساعة.
45 - إنما أنت منذر من يخشى الساعة؛ لأنه الَّذي ينتفع بإنذارك.
46 - كأنهم يوم يرون الساعة مشاهدة، لم يلبثوا في حياتهم الدنيا إلا عشية يوم واحد أو بكرته.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب الرفق عند خطاب المدعوّ.
• الخوف من الله وكفّ النفس عن الهوى من أسباب دخول الجنَّة.
• علم الساعة من الغيب الَّذي لا يعلمه إلا الله.
• بيان الله لتفاصيل خلق السماء والأرض.
(1/584)

عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40)
سورة عبس
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
حقيقة دعوة القرآن، وكرامة من ينتفع بها، وحقارة من يعرض عنها.


[التَّفْسِيرُ]
1 - قطّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهه وأعرض.
2 - لأجل مجيء عبد الله بن أم مكتوم يسترشد، وكان أعمى، جاء والرسول - صلى الله عليه وسلم - منشغل بأكابر المشركين أملًا في هدايتهم.
3 - وما يُعْلِمُكَ -أيها الرسول- لعل هذا الأعمى يتطهر من ذنوبه؟!
4 - أو يتعظ بما يسمع منك من المواعظ، فينتفع بها.
5 - أما من استغنى بنفسه بما لديه من المال عن الإيمان بما جئت به.
6 - فأنت تتعرَّض له، وتُقبل إليه.
7 - وأي شيء يلحقك إذا لم يتطهر من ذنوبه بالتوبة إلى الله.
8 - وأما من جاءك يسعى بحثًا عن الخير.
9 - وهو يخشى ربه.
10 - فأنت تتشاغل عنه بغيره من أكابر المشركين.
11 - ليس الأمر كذلك، إنما هي موعظة وتذكير لمن يقبل.
12 - فمن شاء أن يذكر الله ذكره، واتعظ بما في هذا القرآن.
13 - فهذا القرآن في صحف شريفة عند الملائكة.
14 - مرفوعة في مكان عال، مطهرة لا يصيبها دَنَس ولا رِجْس.
15 - وهي بأيدي رسل من الملائكة.
16 - كرام عند ربهم، كثيرى فعل الخير والطاعات.
17 - لُعِن الإنسان الكافر، ما أشدّ كفره بالله!
18 - من أيّ شيء خلقه الله حتَّى يتكبّر في الأرض وَيكْفُرَهُ؟!
19 - من ماء قليل خلقه، فَقَدَّر خلقه طورًا بعد طور.
20 - ثم يسّر له بعد هذه الأطوار الخروج من بطن أمه.
21 - ثم بعد ما قَدَّر له من عمر في الحياة أماته، وجعل له قبرًا يبقى فيه إلى أن يبعث.
22 - ثم إذا شاء بَعَثَهُ للحساب والجزاء.
23 - ليس الأمر كما يتوهم هذا الكافر أنه أدى ما عليه لربه من حق، فهو لم يؤدّ ما أوجب الله عليه من الفرائض.
24 - فلينظر الإنسان الكافر بالله إلى طعامه الَّذي يأكله كيف حصل؟!
25 - فأصله من المطر النازل من السماء بقوة وغزارة.
26 - ثم فَتَقْنا الأرض فانشقت عن النبات.
27 - نبتنا فيها الحبوب من قمح وذرة وغيرهما.
28 - وأنبتنا فيها عنبًا وقتًّا رطبًا؛ ليكون علفًا لدوابهم.
29 - وأنبتنا فيها زيتونًا ونخلًا.
30 - وأنبتنا فيها بساتين كثيرة الأشجار.
31 - وأنبتنا فيها فاكهة، وأنبتنا فيها ما ترعاه بهائمكم.
32 - لانتفاعكم، وانتفاع بهائمكم.
33 - فإذا جاءت الصيحة العظيمة التي تصخ الآذان وهي النفخة الثانية.
34 - يوم يهرب المرء من أخيه.
35 - ويفرّ من أمه وأبيه.
36 - ويفرّ من زوجته وأولاده.
37 - لكلّ واحد منهم ما يشغله عن الآخر من شدّة الكرب في ذلك اليوم.
38 - وجوه السعداء في ذلك اليوم مضيئة.
39 - ضاحكة فرحة بما أعدّ الله لها من رحمته.
40 - ووجوه الأشقياء في ذلك اليوم عليها غبار.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عتاب الله نبيَّه في شأن عبد الله بن أم مكتوم دل على أن القرآن من عند الله.
• الاهتمام بطالب العلم والمُستَرْشِد.
• شدة أهوال يوم القيامة حيث لا ينشغل المرء إلا بنفسه، حتَّى الأنبياء يقولون: نفسي نفسي.
(1/585)

41 - تغشاها ظلمة.
42 - أولئك الموصوفون بتلك الحال هم الذين جمعوا بين الكفر والفجور.
سورة التكوير
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تصوير القيامة بانفراط الكون بعد إحكامه.

[التَّفْسِيرُ]
1 - إذا الشمس جُمِع جرْمها، وذهب ضوؤها.

2 - وإذا الكواكب تساقَطت ومُحِي ضوؤها.

3 - وإذا الجبال حُرِّكت من مكانها.
4 - وإذا النُّوق الحوامل التي هي أنْفَسُ أموالهم أُهْمِلت بترك أهلها لها.

5 - وإذا الوحوش جُمعت مع البشر في صعيد واحد.
6 - وإذا البحار أُوقِدت حتى تصير نارًا.
7 - وإذا النفوس قُرِنت بمن يماثلها، فَيُقْرن الفاجر بالفاجر، والتقي بالتقي.
8 - وإذا الطفلة المدفونة وهي حيّة سألها الله.
9 - بأي جريمة قتلك من قتلك؟!
10 - وإذا صحف أعمال العباد نُشِرت؛ ليقرأ كل واحد صحيفة أعماله.
11 - وإذا السماء نُزعت كما يُنْزَع الجلد عن الشاة.
12 - وإذا النار أوقِدت.
13 - وإذا الجنّة قُرِّبت للمتقين.
14 - عندما يحصل ذلك تعلم كل نفس ما قدمت من الأعمال لذلك اليوم.
15 - أقسم الله بالنجوم الخفية قبل بزوغها في الليل.
16 - الجاريات في أفلاكها التي تغيب عند بزوغ الصبح مثل الظباء تدخل كِنَاسها؛ أي: بيتها.
17 - وأقسم بأول الليل إذا أقبل، وبآخره إذا أدبر.
18 - وأقسم بالصبح إذا بزغ نوره.
19 - إن القرآن المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - لكلام الله بلّغه ملك أمين، وهو جبريل عليه السلام، ائتمنه الله عليه.
20 - صاحب قوة، ذي منزلة عظيمة عند رب العرش سبحانه.
21 - يطيعه أهل السماء، مُؤتَمن على ما يبلغه من الوحي.
22 - وما محمد - صلى الله عليه وسلم - الملازم لكم الَّذي تعرفون عقله وأمانته وصدقه بمجنون كما تدّعون بهتانًا.
23 - ولقد رأى صاحبكم جبريل على صورته التي خُلِقَ عليها بأفق السماء الواضح.
24 - وليس صاحبكم ببخيل عليكم يبخل أن يبلغكم ما أُمِر بتبلغيه إليكم، ولا يأخذ أجرًا كما يأخذه الكهنة.
25 - وليس هذا القرآن من كلام شيطان مطرود من رحمة الله.
26 - فأي طريق تسلكونها لإنكار أنَّه من الله بعد هذه الحجج؟!
27 - ليس القرآن إلا تذكيرًا وموعظة للجن والإنس.
28 - لمن شاء منكم أن يستقيم على طريق الحق.
29 - وما تشاؤون استقامة ولا غيرها إلا أن يشاء الله ذلك، رب الخلائق كلها.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• حَشْر المرء مع من يماثله في الخير أو الشرّ.
• إذا كانت الموءُودة تُسأل فما بالك بالوائد؟ وهذا دليل على عظم الموقف.
• مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.
(1/586)

إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4)
سورة الانفطار
- مكية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تصوير القيامة بتبعثر المخلوقات المنتظمة وتغير حالها ومسارها.


[التَّفْسِيرُ]
1 - إذا السماء تشققث لنزول الملائكة منها.
2 - وإذا الكواكب تساقطت متناثرة.
3 - وإذا البحار فتح بعضها على بعض فاختلطت.
4 - وإذا القبور قُلِب ترابها لبعث من فيها من الأموات.
5 - عند ذلك تعلم كل نفس ما قدمت من عمل، وما أخرت منه فلم تعمله.
6 - يا أيها الانسان الكافر بربك، ما الذي جعلك تخالف أمر ربك حين أمهلك ولم يعاجلك بالعقوبة تكرّمًا منه؟!
7 - الَّذي أوجدك بعد أن كنت عدمًا، وجعلك سويّ الأعضاء معتدلها.
8 - في أي صورة شاء أن يخلقك خلقك، وقد أنعم عليك إذ لم يخلقك في صورة حمار ولا قرد ولا كلب ولا غيرها.
9 - ليس الأمر كما تصورتم -أيها المغترون- بل أنتم تكذبون بيوم الجزاء فلا تعملون له.
10 - وإن عليكم ملائكة يحفظون أعمالكم.
11 - كرامًا عند الله، كاتبين يكتبون أعمالكم.
12 - يعلمون ما تفعلون من فعل فيكتبونه.
13 - إن كثيري فعل الخير والطاعة لفي نعيم دائم يوم القيامة.
14 - وإن أصحاب الفجور لفي نار تستعر عليهم.
15 - يدخلونها يوم الجزاء يعانون حرّها.
16 - وليسوا عنها بغائبين أبدًا، بل هم خالدون فيها.
17 - وما أعلمك -أيها الرسول- ما يوم الدين؟!
18 - ثم ما أعلمك ما يوم الدين؟!
19 - يوم لا يستطيع أحد أن ينفع أحدًا، والأمر كله في ذلك اليوم لله وحده، يتصرّف بما يشاء , لا لأحد غيره.
سورة المطففين
- مكية-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تركز على بيان حال الناس في الموازين والمنازل الأخروية، تهديدًا للمطففين والمكذبين، وتأنيسًا للمؤمنين المستضعفين.

[التَّفْسِيرُ]
1 - هلاك وخسار للمُطَفِّفين.

2 - وهم الذين إذا اكتالوا من غيرهم يستوفون حقهم كاملًا دون نقص.

3 - وإذا كالوا للناس أو وزنوا لهم ينقصون الكيل والميزان؛ وكان ذلك حال أهل المدينة عند هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم.

4 - ألا يتيقن هؤلاء الذين يفعلون هذا المنكر أنهم مبعوثون إلى الله؟!

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التحذير من الغرور المانع من اتباع الحق.
• الجشع من الأخلاق الذميمة في التجار ولا يسلم منه إلا من يخاف الله.
• تذكر هول القيامة من أعظم الروادع عن المعصية.
(1/587)

عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)
5 - للحساب والجزاء في يوم عظيم لما فيه من المحن والأهوال.
6 - يوم يقوم الناس لرب الخلائق كلها؛ للحساب.
7 - ليس الأمر كما تصوّرتم من أنَّه لا بَعْث بعد الموت، إن كتاب أهل الفجور من الكفار والمنافقين لفي خسار في الأرض السفلى.
8 - وما أعلمك -أيها الرسول- ما سِجِّين؟!
9 - إن كتابهم مكتوب لا يزول، ولا يُزَاد فيه ولا يُنْقص.
10 - هلاك وخسار في ذلك اليوم للمكذبين.
11 - الذين يكذبون بيوم الجزاء الَّذي يجازي فيه الله عباده على أعمالهم في الدنيا.
12 - وما يكذب بذلك اليوم إلا كل متجاوز لحدود الله، كثير الآثام.
13 - إذا تُقْرأ عليه آياتنا المنزلة على رسولنا قال: هي أقاصيص الأمم الأولى، وليست من عند الله.
14 - ليس الأمر كما تصور هؤلاء المكذبون، بل غلب على عقولهم وغطاها ما كانوا يكسبون من المعاصي، فلم يبصروا الحق بقلوبهم.
15 - حقا إنهم عن رؤية ربهم يوم القيامة لممنوعون.
16 - ثم إنهم لداخلو النار، يعانون حرّها.
17 - ثم يقال لهم يوم القيامة تقريعًا لهم: هذا العذاب الَّذي لقيتموه هو ما كنتم تكذبون به في الدنيا عندما يخبركم به رسولكم.
18 - ليس الأمر كما تصورتم من أنَّه لا حساب ولا جزاء، إن كتاب أصحاب الطاعة لفي عِلِّيين.
19 - وما أعلمك -أيها الرسول- ما عِلِّيُّون؟!
20 - إن كتابهم مكتوب لا يزول، ولا يُزَاد فيه ولا يُنْقص.
21 - يحضر هذا الكتاب مقربو كل سماء من الملائكة.
22 - إن المكثرين من الطاعات لفي نعيم دائم يوم القيامة.
23 - على الأسرّة المزينة ينظرون إلى ربهم، وإلى كل ما يبهج نفوسهم ويسرهم.
24 - إذا رأيتهم رأيت في وجوههم أثر التنعّم حُسْنًا وبهاء.
25 - يسقيهم خدمهم من خمر مختوم على إنائها.
26 - تفوح رائحة المسك منه إلى نهايته، وفي هذا الجزاء الكريم يجب أن يتسابق المتسابقون، بالعمل بما يرضي الله، وترك ما يسخطه.
27 - يُخْلط هذا الشراب المختوم من عين تَسْنيم.
28 - وهي عين في أعلى الجنّة يشرب منها المقربون صافية خالصة، ويشرب سائر المؤمنين منها، مخلوطة بغيرها.
29 - إن الذين أجرموا بما كانوا عليه من الكفر كانوا من الذين آمنوا يضحكون استهزاءً بهم.
30 - وإذا مرّوا بالمؤمنين غمز بعضهم لبعض سخرية وتَنَدُّرًا.
31 - وإذا رجعوا إلى أهليهم رجعوا فرحين بما هم عليه من الكفر والاستهزاء بالمؤمنين.
32 - وإذا شاهدوا المسلمين قالوا: إن هؤلاء لضالون عن طريق الحق، حيث تركوا دين آبائهم.
33 - وما وكلهم الله على حفظ أعمالهم حتَّى يقولوا قولهم هذا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطر الذنوب على القلوب.
• حرمان الكفار من رؤية ربهم يوم القيامة.
• السخرية من أهل الدين صفة من صفات الكفار.
(1/588)

34 - فيوم القيامة الذين آمنوا بالله يضحكون من الكفار كما كان الكفار يضحكون منهم في الدنيا.
35 - على الأسرّة المزينة ينظرون إلى ما أعدّ الله لهم من النعيم الدائم.
36 - لَقَدْ جُوزِي الكفار على أعمالهم التي عملوها في الدنيا بالعذاب المُهِين.
سورة الانشقاق
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تصوير القيامة باستسلام الكون وخضوعه لربه في أمره، إلزامًا بالاستسلام، واستنكارًا للجحود.


[التَّفْسِيرُ]
1 - إذا السماء تَصَدَّعت لنزول الملائكة منها.
2 - واستمعت لربها منقادة، وحُقَّ لها ذلك.
3 - وإذا الأرض مدّها الله كما يمدّ الأديم.

4 - وألقت ما فيها من الكنوز والأموات، وتخلّت عنهم.

5 - واستمتعت لربها منقادة، وحُقَّ لها ذلك.

6 - يا أيها الإنسان، إنك عامل إما خيرًا وإما شرًّا، فملاقيه يوم القيامة؛ ليجازيك الله عليه.
ولما ذكر عمل الإنسان مجملًا فضل حالِ العاملين يوم القيامة، فقال:

7 - فأما من أُعْطِي صحيفة أعماله بيده اليمنى.
8 - فسوف يحاسبه الله حسابًا سهلًا يعرض عليه عمله دون مؤاخذة به.
9 - ويرجع إلى أهله مسرورًا.
10 - وأما من أعْطِي كتابه بشماله من وراء ظهره.
11 - فسينادي بالهلاك على نفسه.
12 - ويدخل نار جهنم يقاسي حرّها.
13 - إنه كان في الدنيا في أهله فرحًا بما هو عليه من الكفر والمعاصي.
14 - إنه ظن أنَّه لن يرجع إلى الحياة بعد موته.
15 - بلى، ليرجعنَّه الله إلى الحياة كما خلقه أول مرة، إن ربه كان بحاله بصيرًا لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيه على عمله.
16 - أقسم الله بالحُمْرة التي تكون في الأفق بعد غروب الشمس.
17 - أقسم بالليل وما جُمِع فيه.
18 - والقمر إذا اجتمع وتمّ وصار بدرًا.
19 - لتركبّن -أيها الناس- حالًا بعد حال من نُطْفة فَعَلَقة فَمُضْغة، فحياة فموت فبعث.
20 - فما لهؤلاء الكفار لا يؤمنون بالله، واليوم الآخر؟!
21 - وإذا قُرِئ عليهم القرآن لا يسجدون لربّهم؟!
22 - بل الذين كفروا يكذبون بما جاءهم به رسولهم.
23 - والله أعلم بما تحويه صدورهم، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء.
24 - فأخْبِرْهم -أيها الرسول- بما ينتظرهم من عذاب موجع.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خضوع السماء والأرض لربهما.
• كل إنسان ساعٍ إما لخير وإما لشرّ.
• علامة السعادة يوم القيامة أخذ الكتاب باليمين، وعلامة الشقاء أخذه بالشمال.
(1/589)

25 - إلا الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحات، لهم ثواب غير مقطوع؛ وهو الجنّة.
سورة البروج
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إظهار قوة الله وإحاطته الشاملة وتوعده للمتربصين بالمؤمنين، بالعذاب الشديد.


[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بالسماء المشتملة على منازل الشمس والقمر وغيرهما.
2 - وأقسم بيوم القيامة الَّذي وعد أن يجمع فيه الخلائق.

3 - وأقسم بكل شاهد كالنبي يشهد على أمته وكل مشهود كالأمة تشهد على نبيها.
4 - لُعِن الذين شَقّوا في الأرض شقًّا عظيمًا.
5 - وأوقدوا فيه النار، وألقوا المؤمنين فيه أحياء.

6 - إذ هم قعود على ذلك الشقّ المملوء نارًا.
7 - وهم على ما يفعلون بالمؤمنين من التعذيب والتنكيل شهود؛ لحضورهم ذلك.
8 - وما علي هؤلاء الكفار على المؤمنين شيئًا إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، المحمود في كل شيء.
9 - الَّذي له وحده ملك السماوات وملك الأرض، وهو مُطَّلِع على كل شيء، لا يخفى عليه شيء من أمر عباده.
10 - إن الذين عذَّبوا المؤمنين والمؤمنات بالنار ليصرفوهم عن الإيمان بالله وحده , ثم لم يتوبوا إلى الله من ذنوبهم، فلهم يوم القيامة عذاب جهنم، ولهم عذاب النار التي تحرقهم؛ جزاء على ما فعلوه بالمؤمنين من الإحراق بالنار.
11 - إن الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحات، لهم جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ذلك الجزاء الذي أعدّ لهم هو الفوز العظيم الَّذي لا يدانيه فوز.
12 - إن أخذ ربك -أيها الرسول- للظالم -وإن أمهله حينًا- لقويّ.
13 - إنه هو يُبْدِئ الخلق والعذاب، ويعيدهما.
14 - وهو الغفور لذنوب من تاب من عباده، وإنه يحبّ أولياءه من المتقين.
15 - صاحب العرش الكريم.
16 - فعّال لما يريده من العفوِ عن ذنوب من شاء، ومعاقبة من شاء، لا مكره له سبحانه.
17 - هل جاءك -أيها الرسول- خبر الجنود الذين تجنَّدوا لمحاربة الحق، والصدّ عنه؟!
18 - فرعون، وثمود أصحاب صالح عليه السلام.
19 - ليس المانع من إيمان هؤلاء أنهم لم تأتهم أخبار الأمم المكذبة وما حصل من إهلاكهم، بل هم يكذّبون بما جاءهم به رسولهم اتباعًا لأهوائهم.
20 - والله محيط بأعمالهم محصيها لا يفوته منها شيء سيجازيهم عليها.
21 - وليس القرآن شعرًا ولا سَجْعًا كما يقول المكذبون، بل هو قرآن كريم.
22 - في لوحٍ محفوظٍ من التبديل والتحريف، والنقص والزيادة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• يكون ابتلاء المؤمن على قدر إيمانه.
• إِيثار سلامة الإيمان على سلامة الأبدان من علامات النجاة يوم القيامة.
• التوبة بشروطها تهدم ما قبلها.
(1/590)

وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)
سورة الطارق
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إظهار رقابة الله النافذة وقدرته البالغة.


[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بالسماء، وأقسم بالنجم الَّذي بَطْرُق ليلًا.
2 - وما أعلمك -أيها الرسول- شأن هذا النجم العظيم؟!
3 - هو النجم يثقب السماء بضيائه المتوهج.
4 - ما من نفس إلا وكَّل الله بها ملكًا يحفظ عليها أعمالها للحساب يوم القيامة.
5 - فليتأمل الإنسان مم خلقه الله؛ لتتضح له قدرة الله وعجز الإنسان.
6 - خلقه الله من ماء ذي اندفاق يُصَبّ في الرحم.
7 - يخرج هذا الماء من بين العمود العظمي الفقري للرجل، وعظام الصدر.
8 - إنه سبحانه -إذ خلقه من ذلك الماء المَهين- قادر على بعثه بعد موته حيًّا للحساب والجزاء.
9 - يوم تُخْتَبر السرائر فيُكْشَف عما كانت تضمره القلوب من النيات والعقائد وغيرها، فيتميز الصالح منها والفاسد.
10 - فما للإنسان في ذلك اليوم من قوة يمتنع بها من عذاب الله ولا معين يعينه.
11 - أقسم الله بالسماء ذات المطر؛ لأنه ينزل من جهتها مرة بعد مرة.
12 - وأقسم بالأرض التي تتشقق عما فيها من النبات والثمر والشجر.
13 - إن هذا القرآن المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - لقول بفصل بين الحق والباطل، والصدق والكذب.
14 - وليس باللعب والباطل، بل هو الجد والحق.
15 - إن المكذبين بما جاءهم رسولهم يكيدون كيدًا كثيرًا ليردّوا دعوته، ويبطلوها.
16 - وأكيد أنا كيدًا لإظهار الدين ودحض الباطل.
17 - فأمهل -أيها الرسول- هؤلاء الكافرين، أمهلهم قليلًا، ولا تستعجل عذابهم وإهلاكهم.
سورة الأعلى
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تذكير النفوس بمِنَّة الله الأعلى، وتعليقها بالحياة الأخرى، وتخليصها من التعلُّقات الدنيا.

[التَّفْسِيرُ]
1 - نَزَّه ربك الَّذي علا على خلقه ناطقًا باسمه عند ذكرك إياه وتعظيمك له.

2 - الَّذي خلق الانسان سويًّا، وعدل قامته.

3 - والذي قَدَّر الخلائق أجناسها وأنواعها وصفاتها، وهدى كل مخلوق إلى ما يناسبه ويوائمه.

4 - والذي أخرج من الأرض ما ترعاه دوابكم.

5 - فصيّره هشيمًا يابسًا مائلًا للسواد بعد أن كان أخضر غضًّا.

6 - سنقرئك -أيها الرسول- القرآن، ونجمعه في صدرك ولن تنساه، فلا تسابق جبريل في القراءة كما كنت تفعل حرصًا على ألا تنساه.

7 - إلا ما شاء الله أن تنساه منه لحكمة، إنه سبحانه يعلم ما يُعْلَن وما يُخْفَى، لا يَخْفَى عليه شيء من ذلك.

8 - ونهوّن عليك العمل بما يرضي الله من الأعمال التي تدخل الجنّة.

9 - فعظ الناس بما نوحيه إليك من القرآن، وذكّرهم ما دامت الذكرى مسموعة.

10 - سيتعظ بمواعظك من يخاف الله؛ لأنه الَّذي ينتفع بالموعظة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تحفظ الملائكة الإنسان وأعماله خيرها وشرها ليحاسب عليها.
• ضعف كيد الكفار إذا قوبل بكيد الله سبحانه.
• خشية الله تبعث على الاتعاظ.
(1/591)

لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)
11 - ويبتعد عن الموعظة وينفر منها الكافر؛ لأنه أشد الناس شقاءً في الآخرة لدخوله في النار.
12 - الَّذي يدخل نار الآخرة الكبرى يقاسي حرّها ويعانيه أبدًا.
13 - ثم يخلد في النار بحيث لا يموت فيها فيستريح مما يقاسيه من العذاب، ولا يحيا حياة طيبة كريمة.
14 - قد فاز بالمطلوب من تطهّر من الشرك والمعاصي.
15 - وذكر ربه بما شرع من أنواع الذكر، وأدى الصلاة بالصفة المطلوبة لأدائها.
16 - بل تقدمون الحياة الدنيا، وتفضلونها على الآخرة على ما بينهما من تفاوت عظيم.
17 - ولَلْآخرة خير وأفضل من الدنيا وما فيها من متع ولذات وأدوم؛ لأن ما فيها من نعيم لا ينقطع أبدًا.
18 - إنّ هذا الَّذي ذكرنا لكم من الأوامر والأخبار لفي الصحف المنزلة من قبلك.
19 - هي الصحف المنزلة على إبراهيم وموسى عليه السلام.
سورة الغاشية
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تذكير النفوس بمشاهد القدرة الإلهية في العذاب والنعيم، ودلائل ذلك في الآيات الحاضرة، لتمتلئ النفوس رغبة ورهبة.

[التَّفْسِيرُ]
1 - هل أتاك -أيها الرسول- حديث القيامة التي تغشى الناس بأهوالها؟!

2 - فالناس في يوم القيامة إما أشقياء وإما سعداء، فوجوه الأشقياء ذليلة خاضعة.

3 - متعبة مجهدة بالسلاسل التي تُسْحب بها، والأغلال التي تُغَل بها.

4 - تدخل تلك الوجوه نارًا حارة تقاسي حرّها.

5 - تُسقى من عين شديدة حرارة الماء.

6 - ليس لهم طعام يتغذّون به غلا من أخبث الطعام وأنتنه من نبات يسمَّى الشِّبْرِق إذا يبس صار مسمومًا.

7 - لا يُسْمِن آكله، ولا يسدّ جوعّته.

8 - ووجوه السعداء في ذلك اليوم ذات نعمة وبهجة وسرور؛ لما لاقوه من النعيم.

9 - لعملها الصالح الَّذي عملته في الدنيا راضية، فقد وجدت ثواب عملها مدخرًا لها مضاعفًا.

10 - في جنة مرتفعة المكان والمكانة.
11 - لا تسمع في الجنّة كلمة باطل ولغو، فضلًا عن سماع كلمة محرمة.

12 - في هذه الجنّة عيون جارية يفجرونها، ويصرفونها كيف شاؤوا.

13 - فيها أسرة عالية.

14 - وأكواب مطروحة مُهيَّأة للشرب.

15 - وفيها وسائد مرصوص بعضها إلى بعض.

16 - وفيها بسط مبسوطة هنا وهناك.
ولما ذكر الله تفاوت أحوال الأشقياء والسعداء في الآخرة، وَجَّه أنظار الكفار إلى ما يدلّهم على قدرة الخالق وحسن خلقه ليستدلوا بذلك على الإيمان؛ ليدخلوا الجنّة فيكونوا من السعداء، فقال:

17 - أفلا ينظرون نظر تأمل إلى الإبل كيف خلقها الله، وسخرها لبني آدم؟!

18 - وينظرون إلى السماء كيف رفعها حتَّى صارت فوقهم سقفًا محفوظًا، لا يسقط عليهم؟!

19 - وينظرون إلى الجبال كيف نصبها وثبت بها الأرض أن تضطرب بالناس؟!

20 - وينظرون إلى الأرض كيف بسطها، وجعلها مُهيَّأة لاستقرار الناس عليها؟! ولمَّا وجههم إلى النظر إلى ما يدل على قدرته تعالى وَجَّه رسوله، فقال:
21 - فعظ -أيها الرسول- هؤلاء، وخوفهم من عذاب الله، إنما أنت مذكر، لا يطلب منك إلا تذكيرهم، وأما توفيقهم للإيمان فهو بيد الله وحده.
22 - لست عليهم مسلطًا حتَّى تكرههم على الإيمان.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أهمية تطهير النفس من الخبائث الظاهرة والباطنة.
• الاستدلال بالمخلوقات على وجود الخالق وعظمته.
• مهمة الداعية الدعوة، لا حمل الناس على الهداية؛ لأن الهداية بيد الله.
(1/592)

وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23)
23 - لكن من تولّى منهم عن الإيمان، وكفر بالله وبرسوله.
24 - فيعذبه الله يوم القيامة العذاب الأعظم بأن يدخله جهنم خالدًا فيها:
25 - إن إلينا وحدنا رجوعهم بعد موتهم.
26 - ثم إن علينا وحدنا حسابهم على أعمالهم، وليس لك ولا لأحد غيرك ذلك.
سورة الفجر
مَكيّة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
عرض مشاهد العظمة والقدرة الإلهية في الكون وأحوال الإنسان، وبيان عاقبة المغترين.


[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله سبحانه بالفجر.
2 - وأقسم بالليالي العشر الأولى من ذي الحجة.

3 - وأقسم بالزوج والفرد من الأشياء.

4 - وأقسم بالليل إذا جاء، واستمرّ وأدبر وجواب هذه الأقسام: لتجَازُن على أعمالكم.

5 - هل في ذلك المذكور قَسَم يقنع ذا عقل؟!

6 - ألم تر -أيها الرسول- كيف فعل ربك بعاد قوم هود لما كذبوا رسوله؟!

7 - قبيلة عاد المنسوبة إلى جدها إرم ذات الطول.
8 - التي لم يخلق الله مثلها في البلاد.
9 - أوَلم تركيف فعل ربك بثمود قوم صالح الذين شقَّوا صخور الجبال، وجعلوا منها بيوتًا بالحِجْر.
10 - أَوَلم تر كيف فعل ربك بفرعون الَّذي كانت له أوتاد يعذب بها الناس؟
11 - كلّ هؤلاء تجاوزوا الحدّ في الجَبَرُوت والظلم، كل تجاوزه في بلده.
12 - فأكثروا فيها الفساد بما نشروه من الكفر والمعاصي.
13 - فأذاقهم الله عذابه الشديد، واستأصلهم من الأرض.
14 - إن ربك -أيها الرسول- ليرصد أعمال الناس ويراقبها؛ ليجازي من أحسن بالجنّة، ومن أساء بالنار.
ولما كانت الأمم التي أهلكها الله منعمًا عليها بالقوة والمنعة، بيّن أن الإنعام بذلك ليس دليلًا على رضا الله عنهم، فقال:

15 - فأما الإنسان فمِن طَبْعِه أنَّه إذا اختبره ربه وأكرمه، وأنعم عليه بالمال والأولاد والجاه، ظن أنّ ذلك لكرامة له عند الله، فيقول: ربي أكرمني لاستحقاقي لإكرامه.
16 - وأما إذا اختبره وضيق عليه رزقه، فإنه يظن أن ذلك لهوانه على ربه فيقول: ربي أهانني.
17 - كلا، ليس الأمر كما تصور هذا الإنسان من أنّ النعم دليل على رضا الله عن عبده، وأن النقم دليل على هوان العبد عند ربه، بل الواقع أنكم لا تكرمون اليتيم مما أعطاكم الله من الرزق.
18 - ولا يحثّ بعضكم بعضًا على إطعام الفقير الذي لا يجد ما يقتات به.
19 - وتأكلون حقوق الضعفاء من النساء واليتامى أكلًا شديدًا دون مراعاة حلِّه.
20 - وتحبون المال حبًّا كثيرًا، فتبخلون بإنفاقه في سبيل الله حرصًا عليه.
21 - لا ينبغي أن يكون هذا عملكم، واذكروا إذا حُرِّكت الأرض تحريكًا شديدًا وزُلْزِلت.
22 - وجاء ربك -أيها الرسول- للفصل بين عباده، وجاءت الملائكة مصطفين صفوفًا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• فضل عشر ذي الحجة على أيام السنة.
• ثبوت المجيء لله تعالى يوم القيامة وفق ما يليق به؛ من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل.
• المؤمن إذا ابتلي صبر وإن أعطي شكر.
(1/593)

23 - وجيء في ذلك اليوم بجهنم لها سبعون ألف زِمام، مع كل زِمام سبعون ألف ملك يجرّونها، في ذلك اليوم يتذكر الإنسان ما فرَّط في جنب الله، وأنى له أن ينفعه التذكر في ذلك اليوم؛ لأنه يوم جزاء لا يوم عمل؟!
24 - يقول من شدّة الندم: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة لحياتي الأخروية التي هي الحياة الحقيقية.
25 - في ذلك اليوم لا يُعَذِّب أحد مثل عذاب الله؛ لأن عذاب الله أشدّ وأبقى.
26 - ولا يُوثِق في السلاسل أحد مثل وثاقه للكافرين فيها.
ولما ذكر الله جزاء الكفار ذكر جزاء المؤمنين فقال:

27 - وأما نفس المؤمن فيقال لها عند الموت ويوم القيامة: يا أيتها النفس المطمئنة إلى الإيمان والعمل الصالح.
28 - ارجعي إلى ربك راضية عنه بما تنالين من الثواب الجزيل، مرضية عنده سبحانه بما كان لك من عمل صالح.
29 - فادخلي في جملة عبادي الصالحين.
30 - وادخلي معهم جنتي التي أعددتها لهم.
سورة البلد
مَكيّة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر حال الإنسان؛ بين كَبَد الكفر والعذاب وبين الصعود لسلم الرحمة والإيمان في الدارين.


[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بالبلد الحرام الَّذي هو مكة المكرمة.
2 - وأنت -أيها الرسول- حلال لك ما تصنع فيها؛ من قَتْل مَنْ يستحق القتل، وأَسْر من يستحقّ الأسر.

3 - وأقسم الله بوالد البشر، وأقسم بما تناسل منه من الولد.

4 - لقد خلقنا الإنسان في تعب ومشقة؛ لما يعانيه من الشدائد في الدنيا.

5 - أيظنّ الإنسان أنَّه إذا اقترف المعاصي لا يقدر عليه أحد، ولا ينتقم منه، ولو كان ربه الَّذي خلقه؟!

6 - يقول: أنفقت مالًا كثيرًا متراكمًا بعضه فوق بعض.

7 - أيظنّ هذا المتباهي بما ينفقه أن الله لا يراه؟! وأنه لا يحاسبه في ماله؛ من أين اكتسبه؟ وفيم أنففه؟!

8 - ألم نجعل له عينين يبصر بهما؟!

9 - ولسانًا وشفتين يتحدث بها؟!

10 - وعرّفناه طريق الخير، وطريق الباطل؟!
11 - وهو مطالب بأن يتجاوز العقبة التي تفصله عن الجنّة فيقطعها ويتجاوزها.
12 - وما أعلمك -أيها الرسول- ما العقبة التي عليه أن يقطعها ليدخل الجنّة؟!
13 - هي إعتاق رقبة ذكرًا كانت أو أنثى.
14 - أو أن يطعم في يوم مجاعة يندر فيه وجود الطعام.
15 - طفلًا فقد أباه، له به قرابة.
16 - أو فقيرًا ليس له شيء يملكه.
17 - ثم كان من الذين آمنوا بالله، وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر على الطاعات وعن المعاصي وعلى البلاء، وأوصى بعضهم بعضًا بالرحمة بعباد الله.
18 - أولئك المتصفون بتلك الصفات هم أصحاب اليمين.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عتق الرقاب، وإطعام المحتاجين في وقت الشدة، والإيمان بالله، والتواصي بالصبر والرحمة: من أسباب دخول الجنّة.
• من دلائل النبوة إخباره أن مكة ستكون حلالًا له ساعة من نهار.
• لما ضيق الله طرق الرق وسع طرق العتق، فجعل الإعتاق من القربات والكفارات.
(1/594)

19 - والذين كفروا بآياتنا المنزلة على رسولنا هم أصحاب الشمال.
20 - عليهم نار مغلقة يوم القيامة يعذبون فيها.
سورة الشمس
مَكيّة

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تركز على إظهار آيات الله وآلائه في الآفاق والأنفس وأحوالها، تزكية للنفوس، وزجرًا عن العصيان.

[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بالشمس، وأقسم بوقت ارتفاعها بعد طلوعها من مشرقها.

2 - وأقسم بالقمر إذا تبع أثرها بعد كروبها.

3 - وأقسم بالنهار إذا كشف ما على وجه الأرض بضوئه.
4 - وأقسم بالليل إذا يغشى وجه الأرض، فيصير مظلمًا.
5 - وأقسم بالسماء، وأقم ببنائها المتقن.
6 - وأقسم بالأرض، وأقسم ببسطها؛ ليسكن الناس عليها.
7 - وأقسم بكل نفس، وأقسم بخلق الله لها سوية.
8 - فأفهمها من غير تعليم ما هو شرّ لتجتنبه، وما هو خير لتأتيه.
9 - قد فاز بمطلوبه من طهّر نفسه بتحليتها بالفضائل، وتخليتها عن الرذائل.

10 - وقد خسر من دَسَّ نفسه مخفيًا إياها في المعاصي والآثام. ولما ذكر الله خسران من دَسَّ نفسه وأخفاها بالمعاصي ذكر ثمود مثالًا على ذلك فقال:
11 - كذبت ثمود نبيها صالحًا بسبب مجاوزتها الحدّ في ارتكاب المعاصي، واقتراف الآثام.
12 - حين قام أشقاهم بعد انتداب قومه له.
13 - فقال لهم رسول الله صالح عليه السلام: اتركوا ناقة الله، وشِرْبها في يومها، فلا تتعرضوا لها بسوء.
14 - فكذبوا رسولهم في شأن الناقة، فقتلها أشقاهم مع رضاهم بما فعل، فكانوا شركاء في الإثم، فأطبق الله عليهم عذابه، فأهلكهم بالصيحة بسبب ذنوبهم، وسوّاهم في العقوبة التي أهلكهم بها.
15 - فعل الله بهم من العذاب ما أهلكهم غير خائف سبحانه من تبعاته.
سورة الليل
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان الاختلاف بين الآيات والأنفس وأعمالها، إظهارًا للتفاضل بين المؤمنين والكافرين.

[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بالليل إذا يغطي ما بين السماء والأرض بظلمته.

2 - وأقسم بالنهار إذا تكشّف وظهر.

3 - وأقسم بخلقه النوعين: الذكر والأنثى.

4 - إن عملكم -أيها الناس- لمختلف، فمنه الحسنات التي هي سبب دخول الجنّة، والسيئات التي هي سبب دخول النار.

5 - فأما من أعطى ما يلزمه بذله؛ من زكاة ونفقة وكفارة، واتقى ما نهى الله عنه.

6 - وصدق بما وعده الله به من الخَلَف.

7 - فسنُسَهِّل عليه العمل الصالح، والإنفاق في سبيل الله.

8 - وأما من بخل بماله فلم يبذله فيما يجب عليه بذله فيه، واستغنى بماله عن الله فلم يسأل الله من فضله شيئًا.

9 - وكذب بما وعده الله من الخَلَف ومن الثواب على إنفاق ماله في سبيل الله.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أهمية تزكية النفس وتطهيرها.
• المتعاونون على المعصية شركاء في الإثم.
• الذنوب سبب للعقوبات الدنيوية.
• كل ميسر لما خلق له فمنهم مطيع ومنهم عاصٍ.
(1/595)

وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)
10 - فسنُسَهِّل عليه عمل الشرّ، ونُعَسِّر عليه فعل الخير.
11 - وما يغني عنه ماله الَّذي بخل به شيئًا إذا هلك، ودخل النار.
12 - إن علينا أن نبيّن طريق الحق من الباطل.
13 - وإن لنا لَلْحياة الآخرة ولنا الحياة الدنيا، نتصرّف فيهما بما نشاء، وليس ذلك لأحد غيرنا.
14 - فحذّرتكم -أيها الناس- من نار تتوقد إن أنتم عصيتم الله.
15 - لا يقاسي حرّ هذه النار إلا الأشقى وهو الكافر.
16 - الَّذي كذب بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأعرض عن امتثال أمر الله.
17 - وسيُباعَد عنها أتقى الناس أبو بكر - رضي الله عنه -.
18 - الَّذي ينفق ماله في وجوه البر ليتطهر من الذنوب.
19 - ولا يبذل ما يبذل من ماله ليكافئ نعمة أنعم بها أحد عليه.
20 - لا يريد بما يبذله من ماله إلا وجه ربه العالي على خَلْقِه.
21 - ولسوف يرضى بما يعطيه الله من الجزاء الكريم.
سورة الضحى
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر رعاية الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - والامتنان عليه بنعمة الوحي ودوامها له، تأنيسًا له، وتذكيرًا للمؤمنين بالشكر.

[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بأول النهار.

2 - وأقسم بالليل إذا أظلم وسكن الناس فيه عن الحركة.

3 - ما تركك -أيها الرسول- ربك، وما أبغضك؛ كما يقول المشركون لما فَتَر الوحي.

4 - ولَلدار الآخرة خير لك من الدنيا؛ لما فيها من النعيم الدائم الَّذي لا ينقطع.

5 - ولسوف يعطيك من الثواب الجزيل لك ولأمتك حتَّى ترضى بما أعطاك وأعطى أمتك.

6 - لقد وجدك صغيرًا قد مات عنك أبوك، فجعل لك ماوى، حيث عطف عليك جدك عبد المطلب، ثم عمّك أبو طالب.

7 - ووجدك لا تدرى ما الكتاب ولا الإيمان، فعلّمك من ذلك ما لم تكن تعلم.

8 - ووجدك فقيرًا فأغناك.

9 - فلا تُسِئ معاملة من فقد آباه في الصغر، ولا تذلّه.

10 - ولا تزجر السائل المحتاج.

11 - واشكر نِعَم الله عليك وتحدث بها.

سورة الشرح
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر إتمام منة الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - بزوال الغم والحرج والعسر عنه، وما يوجب ذلك.

[التَّفْسِيرُ]
1 - لقد شرح الله لك صدرك فحبَّب إليك تلقي الوحي.

2 - وحططنا عنك الإثم.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ربه لا تدانيها منزلة.
• شكر النعم حقّ لله على عبده.
• وجوب الرحمة بالمستضعفين واللين لهم.
(1/596)

وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)
3 - الذي أتعبك حتَّى كاد أن يكسر ظهرك.
4 - وأعلينا لك ذكرك، فقد أصبحت تُذْكَر في الأذان والإقامة وفي غيرهما.
5 - فإن مع الشدّة والضيق سهولة واتساعًا.
6 - إن مع الشدة والضيق سهولة واتساعًا، إذا علمت ذلك فلا يهولنك أذى قومك، ولا يصدنك عن الدعوة إلى الله.
7 - فإذا فرغت من أعمالك، وانتهيت منها فاجتهد في عبادة ربك.
8 - واجعل رغبتك وقصدك إلى الله وحده.
سورة التين
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر قيمة الإنسان وشرفه بدينه، وسفوله وهوانه بتخليه عنه؛ لذا أقسم بأماكن نزول الوحي.


[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بالتين ومكان نباته، وبالزينون ومكان نباته في أرض فلسطين التي بعث فيها عيسى عليه السلام.
2 - وأقسم بجبل سيناء الَّذي ناجى عنده نبيه موسى عليه السلام.
3 - وأقسم بمكة البلد الحرام الَّذي يأمن من دخل فيه الَّذي بعث فيه محمد - صلى الله عليه وسلم -.

4 - لقد أوجدنا الإنسان في أعدل خلق وأفضل صورة.

5 - ثم أرجعناه إلى الهرم والخرف في الدنيا فلا ينتفع بجسده كما لا ينتفع به إذا أفسد فطرته وصار إلى النار.

6 - إلا الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات فإنهم وإن هرموا فلهم ثواب دائم غير مقطوع، وهو الجنّة؛ لأنهم زكوا فطرهم.

7 - فأي شيء يحملك -أيها الانسان- على التكذيب بيوم الجزاء بعدما عاينت من علامات قدرته الكثيرة؟!

8 - أليس الله -بجعل يوم القيامة يومًا للجزاء- بأحكم الحاكمين وأعدلهم؟! أيعقل أن يترك الله عباده سدى دون أن يحكم بينهم، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته؟!

سورة العلق
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان كمال الإنسان بالعلم والوحي الباعث على تعلق العبد بربه وخضوعه له، ونقصه بمخالفة ذلك.

[التَّفْسِيرُ]
1 - اقرأ -أيها الرسول- ما يوحيه الله إليك؛ مفتتحًا باسم ربك الَّذي خلق جميع الخلائق.

2 - خلق الإنسان من قطعة دم متجمدة بعد أن كانت نطفة.

3 - اقرأ -أيها الرسول- ما يوحيه الله إليك، وربك الأكرم الَّذي لا يدانى كرمه كريم، فهو كثير الجود والإحسان.

4 - الَّذي علّم الخط والكتابة بالقلم.

5 - علم الإنسان ما لم يكن يعلمه.

6 - حقًّا إن الانسان الفاجر مثل أبي جهل ليتجاوز الحدّ في تعدّي حدود الله.

7 - لأجل أن رآه استغنى بما لديه من الجاه والمال.

8 - إنّ إلى ربك -أيها الانسان- الرجوع يوم القيامة فيجازي كلًّا بما يستحقه.

9 - أرأيت أعجب من أمر أبي جهل الَّذي ينهى.
10 - عبدنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إذا صلَّى عند الكعبة.
11 - أرأيت إن كان هذا المنهى على هدى وبصيرة من ربه؟!
12 - أو كان يأمر الناس بتقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أيُنْهى من كان هذا شأنه؟!

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• رضا الله هو المقصد الأسمى.
• أهمية القراءة والكتابة في الإسلام.
• خطر الغنى إذا جرّ إلى الكبر والبُعد عن الحق.
• النهي عن المعروف صفة من صفات الكفر.
• الذنوب أنقضت ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - فما بالك بباقي الخلق؟!
(1/597)

13 - أرأيت إن كذّب هذا الناهي بما جاء به الرسول، وأعرض عنه، ألا يخشى الله؟!
14 - ألم يعلم ناهي هذا العبد عن الصلاة أنّ الله يرى ما يصنع، لا يخفى عليه منه شيء؟!
15 - ليس الأمر كما تصور هذا الجاهل، لئن لم يكفّ عن أذاه لعبدنا وتكذيبه له، لنأخذنّه مجذوبًا إلى النار بمقدم رأسه بعنف.
16 - صاحب تلك الناصية كاذب في القول خاطئ في الفعل.
17 - فليدع حين يؤخذ بمقدم رأسه إلى النار أصحابه وأهل مجلسه يستعين بهم لينقذوه من العذاب.
18 - سندعو نحن خَزَنة جهنم من الملائكة الغلاظ الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلينظر أي الفريقين أقوى وأقدر.
19 - ليس الأمر كما توهم هذا الظالم أن يصل إليك بسوء، فلا تطعه في أمر ولا نهي، واسجد لله، واقترب منه بالطاعات، فإنها تقرّب إليه.
سورة القدر
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان عظم ليلة القدر وفضلها وما أنزل فيها.

[التَّفْسِيرُ]
1 - إنا أنَزلنا القرآن جملة إلى السماء الدنيا كما ابتدأنا إنزاله على النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة القدر من شهر رمضان.

2 - وهل تدري -أيها النبي- ما في هذه الليلة من الخير والبركة؟!
3 - هذه الليلة ليلة عظيمة الخير، فهي خير من ألف شهر لمن قامها إيمانًا واحتسابًا.

4 - تنزل الملائكة وينزل جبريل عليه السلام فيها بإذن ربهم سبحانه بكلّ أمر قضا الله في تلك السنة رزقًا كان أو موتًا أو ولادة أو غير ذلك مما يقدره الله.

5 - هذه الليلة المباركة خير كلها من ابتدائها حتَّى نهايتها بطلوع الفجر.

سورة البينة
- مَدَنيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر منزلة رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ووضوحها وكمالها.

[التَّفْسِيرُ]
1 - لم يكن الذين كفروا من اليهود والنصارى والمشركين مفارقين إجماعهم واتفاقهم على الكفر حتَّى يأتيهم برهان واضح، وحجة جَليَّة.

2 - هذا البرهان الواضح والحجة الجَلِيَّة هو رسول من عند الله بعثه يقرأ صحفًا مطهرة لا يمسها إلا المطهرون.

3 - في تلك الصحف أخبار صدق وأحكام عدل، ترشد الناس إلى ما فيه صلاحهم ورشدهم.

4 - وما اختلف اليهود الذين أعطوا التوراة، والنصارى الذين أعطوا الإنجيل، إلا من بعد ما بعث الله نبيَّه إليهم، فمنهم من أسلم، ومنهم من تَمَادى في كفره مع علمه بصدق نبيه.

5 - ويظهر جرم وعناد اليهود والنصارى أنهم ما أمروا في هذا القرآن إلا بما أمروا به في كتابيهم من عبادة الله وحده، ومجانبة الشرك، وإقامة الصلاة وإعطاء الزكاة، فما أمروا به هو الدين المستقيم الَّذي لا اعوجاج فيه.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• فضل ليلة القدر على سائر ليالي العام.
• الإخلاص في العبادة من شروط قَبولها.
• الكفار شر الخليقة، والمؤمنون خيرها.
• اتفاق الشرائع في الأصول مَدعاة لقبول الرسالة.
(1/598)

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6)
6 - إن الذين كفروا -من اليهود والنصارى ومن المشركين- يدخلون يوم القيامة في جهنم ماكثين فيها أبدًا، أولئك هم شرّ الخليقة؛ لكفرهم بالله، وتكذيبهم رسوله.
7 - إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات أولئك هم خير الخليفة.
7 - ثوابهم عند ربهم سبحانه وتعالى: جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ماكثين فيها أبدًا، رضي الله عنهم لما آمنوا به وأطاعوه، ورضوا عنه لما نالهم من رحمته، هذه الرحمة ينالها من خاف ربه، فامتثل أمره، واجتنب نهيه.

سورة الزلزلة
- مَدَنيَة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
قرع القلوب الغافلة لليقين بالحساب والإحصاء الدقيق.


[التَّفْسِيرُ]
1 - إذا حُرِّكت الأرض التحريك الشديد الَّذي يحدث لها يوم القيامة.
2 - وأخرجت الأرض ما في بطنها من الموتى وغيرهم.
3 - وقال الإنسان متحيِّرًا: ما شأن الأرض تتحرك وتضطرب؟!
4 - في ذلك اليوم العظيم تخبر الأرض بما عمل عليها من خير وشرّ.
5 - لأن الله أعلمها وأمرها بذلك.
6 - في ذلك اليوم العظيم الَّذي تتزلزل فيه الأرض يخرج الناس من موقف الحساب فِرَقًا ليشاهدوا أعمالهم التي عملوها في الدنيا.

7 - فمن يعمل وزن نملةٍ صغيرة من أعمال الخير والبرّ يره أمامه.

8 - ومن يعمل وزنها من أعمال الشرّ يره كذلك.
سورة العاديات
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان صفات الإنسان في اهتماماته الدنيوية، تذكيرًا له بمآله، وبعثًا له على تصحيح مساره.

[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم الله بالخيل التي تجري حتَّى يُسْمَع لنَفَسِها صوت من شدة الجري.

2 - وأقسم بالخيل التي تُوقِد بحوافرها النار إذا لامست بها الصخور لشدة وقعها عليها.

3 - وأقسم بالخيل التي تُغِير على الأعداء وقت الصباح.

4 - فحركن بجريهن غبارًا.

5 - فتوسّطن بفوارسهنّ جَمْعًا من الأعداء.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خشية الله سبب في رضاه عن عبده.
• شهادة الأرض على أعمال بني آدم.
(1/599)

فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8)
6 - إن الإنسان لمَنُوع للخير الَّذي يريده منه ربه.
7 - وإنه على منعه للخير لشاهد، لا يستطيع إنكار ذلك لوضوحه.
8 - وإنه لفرط حبه للمال يبخل به.
9 - أفلا يعلم هذا الإنسان المغترّ بالحياة الدنيا إذا بعث الله ما في القبور من الأموات وأخرجهم من الأرض للحساب والجزاء أن الأمر لم يكن كما كان يتوهم؟!
10 - وأُبْرِز وبُيِّن ما في القلوب من النيات والاعتقادات وغيرها.
11 - إن ربهم بهم في ذلك اليوم لخبير، لا يخفى عليه من أمر عباده شيء، وسيجازيهم على ذلك.
سورة القارعة
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
قرع القلوب لاستحضار هول القيامة.

[التَّفْسِيرُ]
1 - الساعة التي تقرع قلوب الناس لعظم هولها.

2 - ما هذه الساعة التي تقرع قلوب الناس لعظم هولها؟!
3 - وما أعلمك -أيها الرسول- ما هذه الساعة التي تقرع قلوب الناس لعظم هولها؟! إنها يوم القيامة.
4 - يوم تقرع قلوب الناس يكونون كالفراش المُنْتَشِر المتناثر هنا وهناك.
5 - وتكون الجبال مثل الصوف المَنْدُوف في خفة سيرها وحركتها.
6 - فأما من رجحت أعماله الصالحة على أعماله السيئة.

7 - فهو في عيشة مرضية ينالها في الجنّة.

8 - وأما من رجحت أعماله السيئة على أعماله الصالحة.

9 - فمسكنه ومستقرّه يوم القيامة هو جهنم.

10 - وما أعلمك -أيها الرسول- ما هي؟!

11 - هي نار شديدة الحرارة.

سورة التكاثر
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تذكير المنشغلين بالدنيا بالموت والحساب.

[التَّفْسِيرُ]
1 - شغلكم -أيها الناس- التفاخر بالأموال والأولاد عن طاعة الله.

2 - حتَّى متُّم ودخلتم قبوركم.

3 - ما كان لكم أن يشغلكم التفاخر بها عن طاعة الله، سوف تعلمون عاقبة ذلك الانشغال.

4 - ثم سوف تعلمون عاقبته.

5 - حقًّا لو أنكم تعلمون يقينًا أنكم مبعوثون إلى الله، وأنه سيجازيكم على أعمالكم؛ لما انشغلتم بالتفاخر بالأموال والأولاد.

6 - والله لتشاهدن النار يوم القيامة.

7 - ثم لتشاهدنها مشاهدة يقين لا شك فيه.

8 - ثم ليسألنكم الله في ذلك اليوم عما أنعم به عليكم من الصحة والغنى وغيرهما.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطر التفاخر والتباهي بالأموال والأولاد.
• القبر مكان زيارة سرعان ما ينتقل منه الناس إلى الدار الآخرة.
• يوم القيامة يُسْأل الناس عن النعيم الَّذي أنعم به الله عليهم في الدنيا.
• الإنسان مجبول على حب المال.
(1/600)

وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2)
سورة العصر
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان حقيقة الربح والخسارة في الحياة، والتنبيه على أهمية الوقت الَّذي يعيشه الإنسان.


[التَّفْسِيرُ]
1 - أقسم سبحانه بوقت العصر.
2 - إن الإنسان لفي نقصان وهلاك.
3 - إلا الذين آمنوا بالله وبرسله، وعملوا الأعمال الصالحات، وأوصى بعضهم بعضًا بالحق، وبالصبر على الحق؛ فالمتصفون بهذه الصفات ناجون في حياتهم الدنيا والآخرة.
سورة الهمزة
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
وعيد المتعالين الساخرين بالدين وأهله.

[التَّفْسِيرُ]
1 - وبال وشدة عذاب لكثير الاغتياب للناس، والطعن فيهم.

3 - الَّذي همّه جمع المال وإحصاؤه، لا همَّ له غير ذلك.

3 - يظن أن ماله الَّذي جمعه سينجيه من الموت، فيبقى خالدًا في الحياة الدنيا.

4 - ليس الأمر كما تصوّر هذا الجاهل، ليطرحنّ في نار جهنم التي تدق وتكسر كل ما طُرِح فيها لشدة بأسها.
5 - وما أعلمك -أيها الرسول- ما هذه النار التي تحطم كل ما طُرِح فيها؟!
6 - إنها نار الله المستعرة.
7 - التي تنفذ من أجسام الناس إلى قلوبهم.
8 - إنها على المُعَذَّبين فيها مغلقة.
9 - بعَمَد ممتدة طويلة حتَّى لا يخرجوا منها.
سورة الفيل
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إظهار قدرة الله على حماية بيته الحرام، تذكيرًا وامتنانًا.

[التَّفْسِيرُ]
1 - ألم تعلم -أيها الرسول- كيف فعل ربك بأبْرَهَة وأصحابه أصحاب الفيل حين أرادوا هدم الكعبة؟!

2 - لقد جعل الله تدبيرهم السيئ لهدمها في ضياع، فما نالوا ما تمنّوه من صرف الناس عن الكعبة، وما نالوا منها شيئًا.

3 - وبَعَث عليهم طيرًا أتتهم جماعات جماعات.

4 - ترميهم بحجارة من طين مُتَحَجِّر.

5 - فجعلهم الله كورق زرع أكلته الدوابّ وداسته.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خسران من لم يتصفوا بالإيمان وعمل الصالحات، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
• تحريم الهَمْز واللَّمْز في الناس.
• دفاع الله عن بيته الحرام، وهذا من الأمن الَّذي قضاه الله له.
(1/601)

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3)
سورة قريش
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
الامتنان على قريش وما يلزمهم تجاه ذلك.


[التَّفْسِيرُ]
1 - لأجلِ عادة قريش وإلْفِهم.
2 - رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام آمنين.
3 - فليعبدوا الله ربّ هذا البيت الحرام وحده، الَّذي يسَّر لهم هذه الرحلة، ولا يشركوا به أحدًا.
4 - الَّذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، بما وضع في قلوب العرب من تعظيم الحرم، وتعظيم سكانه.
سورة الماعون
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان أخلاق المكذبين بالدين والآخرة، تحذيرًا للمؤمنين، وتشنيعًا على الكافرين.

[التَّفْسِيرُ]
1 - هل عرفت الَّذي يكذب بالجزاء يوم القيامة؟!

2 - فهو ذلك الَّذي يدفع اليتيم بغلظة عن حاجته.

3 - ولا يحثّ نفسه، ولا يحث غيره على إطعام الفقير.

4 - فهلاك وعذاب للمصلِّين.

5 - الذين هم عن صلاتهم لاهون، لا يبالون بها حتَّى ينقضي وقتها.
6 - الذين هم يراؤون بصلاتهم وأعمالهم، لا يخلصون العمل لله.
7 - ويمنعون إعانة غيرهم بما لا ضرر في الإعانة به.
سورة التكوير
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
منة الله على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقطع سبيل المبغضين له.

[التَّفْسِيرُ]
1 - إنا آتيناك -أيها الرسول- الخير الكثير، ومنه نهر الكوثر في الجنّة.

2 - فأدّ شكر الله على هذه النعمة، أن تصلي له وحده وتذبح؛ خلافًا لما يفعله المشركون من التقرّب لأوثانهم بالذبح.

3 - إن مبغِضك هو المنقطع عن كل خير المَنْسِي الَّذي إن ذُكِر ذُكِر بسوء.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أهمية الأمن في الإسلام.
• الرياء أحد أمراض القلوب، وهو يبطل العمل.
• مقابلة النعم بالشكر يزيدها.
• كرامة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ربه وحفظه له وتشريفه له في الدنيا والآخرة.
(1/602)

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5)
سورة الكافرون
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تقرير توحيد العبادة والبراءة من الشرك، والتمايز التام بين الإسلام والشرك.


[التَّفْسِيرُ]
1 - قل -أيها الرسول-: يا أيها الكافرون بالله.
2 - لا أعبد في الحال ولا في المستقبل ما تعبدون من الأصنام.
3 - ولا أنتم عابدون ما أعبده أنا؛ وهو الله وحده.
4 - ولا أنا عابد ما عبدتم من الأصنام.
5 - ولا أنتم عابدون ما أعبده أنا، وهو الله وحده.
6 - لكم دينكم الَّذي ابتدعتموه لأنفسكم، ولي ديني الَّذي أنزله الله عليّ.
سورة النصر
- مَدَنيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان عاقبة الإسلام بالنصر والفتح، وما يُشْرع عند حصول ذلك، كما تشير لقرب أجل النبي - صلى الله عليه وسلم -.

[التَّفْسِيرُ]
1 - إذا جاء نصر الله لدينك -أيها الرسول- وإعزازه له، وحدث فتح مكة.

2 - ورأيت الناس يدخلون في الإسلام وفدًا بعد وفد.

3 - فاعلم أن ذلك علامة على قرب انتهاء المهمة التي بُعِثْتَ بها، فسبِّح بحمد ربك؛ شكرًا له على نعمة النصر والفتح، واطلب منه المغفرة، إنه كان توابًا يقبل توبة عباده، ويغفر لهم.

سورة المسد
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
عدم منفعة النسب والجاه مع الكفر بالله.

[التَّفْسِيرُ]
1 - خسرت يدا عم النبي - صلى الله عليه وسلم - أبي لهب بن عبد المطلب بخسران عمله؛ إذ كان يؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخاب سعيه.

2 - أيّ شيء أغنى عنه ماله وولده؟ لم يدفعا عنه عذابًا، ولم يجلبا له رحمة.

3 - سيدخل يوم القيامة نارًا ذات لهب، يقاسي حرّها.

4 - وستدخلها زوجته أم جميل التي كانت تؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم - لقاء الشوك في طريقه.

5 - في عنقها حبل مُحْكَم الفَتْل تساق به إلى النار.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المفاصلة مع الكفار.
• مقابلة النعم بالشكر.
• سورة المسد من دلائل النبوة؛ لأنها حكمت على أبي لهب بالموت كافرًا ومات بعد عشر سنين على ذلك.
• صِحَّة أنكحة الكفار.
(1/603)

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)
سورة الإخلاص
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
إثبات تفرد الله بالكمال والألوهية وتنزُّهه عن النقص.


[التَّفْسِيرُ]
1 - قل -أيها الرسول- هو الله المنفرد بالألوهية، لا إله غيره.
2 - هو السيّد الذي انتهى إليه السُّؤدَد في صفات الكمال والجمال، الَّذي تصمد إليه الخلائق.
3 - الَّذي لم يلد أحدًا، ولم يلده أحد، فلا ولد له -سبحانه- ولا والد.
4 - ولم يكن له مماثل في خلقه.
سورة الفلق
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
التحصُّن والاعتصام بالله من الشرور الظاهرة.

[التَّفْسِيرُ]
1 - قل -أيها الرسول-: أعتصم بربّ الصبح، وأستجير به.

2 - من شرّ ما يؤذي من المخلوقات.

3 - وأعتصم بالله من الشرور التي تظهر في الليل من دواب ولصوص.

4 - وأعتصم به من شرّ السواحر اللائي يَنْفُثْن في العُقَد.

5 - واعتصم به من شرّ حاسد إذا عمل بما يدفعه إليه الحسد.
سورة الناس
- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
الاعتصام والتحصن بالله من شر الشيطان ووسوسته، ومن الشرور الخفية.

[التَّفْسِيرُ]
1 - قل -أيها الرسول-: أعتصم برب الناس، وأستجير به.

2 - ملك الناس، يتصرف فيهم بما يشاء، لا ملك لهم غيره.

3 - معبودهم بحقّ، لا معبود لهم بحق غيره.

4 - من شرّ الشيطان الَّذي يلقي وسوسته إلى الإنسان إذا غفل عن ذكر الله، ويتأخر عنه إذا ذكره.

5 - يلقي بوسوسته إلى قلوب الناس.

6 - وهو يكون من الإنس كما يكون من الجن.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إثبات صفات الكمال لله، ونفي صفات النقص عنه.
• ثبوت السحر، ووسيلة العلاج منه.
• علاج الوسوسة يكون بذكر الله والتعوذ من الشيطان.
(1/604)

مركز تفسير للدراسات القرآنية
مركز علمي وقفي متخصص مقره مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية يسعى لتحقيق الريادة في تطوير الدراسات القرآنية في المجالات العلمية، والتعليمية والتقنية والإعلامية والتنظيمية من خلال مشروعات متميزة من الدراسات والبحوث والبرامج الإعلامية والدورات التدريبية والمؤتمرات واللقاءات والتطبيقات الإلكترونية، بعمل مؤسسي يتحرى الإتقان، وينشد الجودة، ويمد جسور التعاون والشراكة مع كافة مؤسسات المجتمع وسائر العاملين في خدمة القرآن الكريم وعلومه في العالم أفرادًا ومؤسسات، ويرأس مجلس إدارته معالي الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد إمام المسجد الحرام وخطيبه، وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، ورئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي.
• من أهداف المركز:

1 - الارتقاء بمستوى الدراسات القرآنية واستشراف مستقبلها.
2 - تطوير البيئة التعليمية في مجال الدراسات القرآنية.
3 - تحديث وتطوير البنية التنظيمية للمركز ونشر هذه الثقافة بين المؤسسات العاملة في المجال.
4 - تطوير بيئة تقنية داعمة، وتوظيفها في مجال الدراسات القرآنية.
5 - توظيف وسائل الإعلام (التقليدي والجديد)، وتعزيز الشراكات والعلاقات في خدمة الدراسات القرآنية.
• عنوان المركز:
• المملكة العربية السعودية، الرياض، حي الغدير- مخرج (5) طريق الملك عبد العزيز.
• ص. ب: 242199 الرمز البريدي: 11322
• البوابة الإلكترونية: www.tafsir.net
للتواصل مع مشروع "المختصر في تفسير القرآن الكريم"
almokhtasar@tafsir. net
00966536365555
(1/617)